ghaemiyeh.com
محرر الرقمي : روح اله قاسمي
سرشناسه:دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلی محمد، 1313 -
عنوان قراردادی:عروه الوثقی . برگزیده .شرح
تحریر الوسیله . برگزیده. شرح
عنوان و نام پديدآور:الهادي الی احکامالدین والضمان والحوالة والکفالة والوقف: شرح العروة الوثقی للسیدالیزدی (ره) وتحریرالوسیله للامام الخمینی (ره)/ لمولفه سیدعلی محمد دستغیب الحسینی الشیرازی.
مشخصات نشر:قم: موسسه الفلاح للنشر، 1439 ق.= 1397.
مشخصات ظاهری:440 ص.
فروست:موسوعه الهادی؛ 21.
شابک:200000 ریال 978-600-5645-76-7 :
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
يادداشت:عربی.
يادداشت:کتاب حاضر برگزیده و شرحی بر کتاب های «العروه الوثقی» تالیف محمدکاظم یزدی «تحریرالوسیله» تالیف امام خمینی است.
یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس.
عنوان دیگر:شرح العروه الوثقی للسیدالیزدی (ره) وتحریرالوسیله للامام الخمینی (ره).
موضوع:یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه الوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع:خمینی، روح الله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، 1279 - 1368 . تحریر الوسیله -- نقد و تفسیر
موضوع:فقه جعفری -- قرن 7ق.
*Islamic law, Ja'fari -- 13th century
فقه جعفری -- رساله عملیه
*Islamic law, Ja'fari -- Handbooks, manuals, etc.
شناسه افزوده:یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه الوثقی. برگزیده. شرح
شناسه افزوده:خمینی، روح الله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، 1279 - 1368 . تحریر الوسیله. برگزیده. شرح
رده بندی کنگره:BP183/5/ی4ع40213784 1397
رده بندی دیویی:297/342
شماره کتابشناسی ملی:5265932
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فیپا
الهادي
الى أحكام الدين و الضمان و الحوالة و الكفالة و الوقف
شرح العروة الوثقى للسيّد اليزدي قدس سره
و تحرير الوسيلة للامام الخميني قدس سره
الهادِي
اِلَى أَحْكامِ الدَينِ وَ الضِمانِ وَ الحَوالَةِ وَ الكِفالَةِ وَ الوَقْفِ
شَرحُ العُروَةِ الوُثْقى للسَيَّدِ اليَزدي قدس سره
وَ تَحريرِ الوَسيلةِ للإِمامِ الخُمِيني قدس سره
المُجَلَّدُ الحادي وَ العِشْرُونَ
لِمُؤلِّفِهِ المُحَقِّقِ وَ الفَقيهِ المُدَقِّقِ
سَماحَةِ آيةِاللَّهِ سَيِّد عَلي مُحمّد دَستغيب الحُسَيني الشيرازي
مؤسّسة الفلاح للنشر
الهادي الى أحكام الدين و الضمان و الحوالة و الكفالة و الوقف
شرح العروة الوثقى للسيّد اليزدي و تحرير الوسيلة للامام الخميني المجلّد الحادي و العشرون
لمؤلّفه المحقّق و الفقيه المدقّق
سماحة آية اللَّه سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني الشيرازي
تاريخ الطبع / شوّال 1439 ه . ق
الطبعة / الأولى
المطبعة / باقري
المطبوع / 500 نسخة
ثمن النسخة / 20000 تومان
جميع الحقوق محفوظة لدى مؤسّسة الفلاح
ردمك 7 - 76 - 5645 - 600 - 978 NBSI 879 - 006 - 5465 - 67 - 7
مركز التوزيع: شيراز، شارع الشهيد آيةاللَّه دستغيب قدس سره، مسجد قبا (آتشيها) - مكتبة باقرالعلوم عليه السلام
تلفون: 6-2229943 -0711 - ص . ب 971/71365
gro.biehgtsad.www
moc.liamg
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
مقدّمة … 19
كتاب الدين و القرض / 23
في تعريف الدين و بيان أقسامه … 25
القول في أحكام الدين / 26
فيما يجب على الدائن و المديون في الدين الحالّ و المؤجّل … 27
الفرع الأوّل فيما يجب على المديون … 27
الفرع الثاني فيما يجب على الدائن … 28
الفرع الثالث فيما اذا تبرّع المديون بأداء دينه … 29
فيما لو امتنع الدائن من أخذ الدين … 29
الفرع الأوّل فيما لو كان الدائن غائباً و لايمكن ايصال المال اليه … 32
الفرع الثاني فيما لو انقطع خبر الدائن بالمرّة … 34
في جواز التبرّع بأداء دين الغير حيّاً كان أو ميّتاً … 36
في عدم تعيّن الدين ما لم يقبضه الدائن … 37
في البحث عن حلول الدين المؤجّل بموت المديون أو الدائن … 38
في بيع الدين بالدين … 40
في تعجيل الدين المؤجّل بنقصان مع التراضي … 41
في قسمة الدين … 43
في وجوب السعي في أداء الدين 45فرع في مستثنيات الدين … 47
فيما لو كانت دار سكناه أزيد عمّا يحتاجه … 48
فيما لو رضي ببيع دار سكناه و نحوه من المستثنيات … 51
فيما لو كان عنده متاع أو سلعة أو عقار زائداً على المستثنيات … 52
في وجوب انظار المعسر … 53
في أنّ مماطلة الدائن مع القدرة معصية … 54
في المسائل التي عنونها المحقّق السبزواري ... 57
فيما لو تردّد في الدين بين الأقلّ و الأكثر ... 59
فيما لو نذر أن لايستدين أو نهاه والده عن الدين ... 60
في جواز أخذ ثمن ما لايجوز بيعه عن الدين ... 60
القول في القرض / 63
في تعريف القرض ... 63
في كراهية الاقتراض مع عدم الحاجة ... 64
في أنّ اقراض المؤمن من المستحبّات الأكيدة ... 66
في حاجة القرض الى ايجاب و قبول ... 67
فيما يعتبر في المال المقترض ... 69
في لزوم كون المال معيّناً معلوماً ... 70
في اشتراط القبض و الاقباض ... 71
في أنّ القرض عقد لازم ... 72
في أنّ أداء المثلي بالمثل و القيمي بالقيمة ... 75
في حرمة الربا في القرض ... 76
فيما لو شرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته ... 86
فرع فيما لو اختلف قصد المقرض و المقترض ... 86
في عدم حرمة الزيادة بدون الشرط ... 87
في جواز اشتراط الزيادة للمقترض ... 89
في صحّة القرض المشروط بالزيادة و بطلان الشرط ... 91
في ذكر بعض ما يتعلّق بالربا القرضي ... 94
في أداء المثلي بغير المثل ... 98
الفرع الأوّل فيما لو كان العين المقترضة موجودة ... 101
الفرع الثاني فيما لو شكّ في أنّ المال المقترض مثلي أو قيمي ... 102
في جواز اشتراط أداء المثلي بغير جنسه ... 102
في أنّ شرط التأجيل لازم الوفاء ... 103
في البحث عن بلد الأداء ... 103
فيما يجوز اشتراطه في القرض ... 105
فيما لو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان ... 106
في ذكر بعض المسائل التي ذكرها في المهذّب ... 108
كتاب الضمان / 109
في معنى الضمان ... 111
في شرائط الضمان: «أحدها»: الايجاب ... 113
«الثاني»: القبول من المضمون له ... 114
«الثالث»: كون الضامن بالغاً عاقلاً ... 118
«الرابع»: كونه مختاراً ... 119
«الخامس»: عدم حجر الضامن و المضمون له ... 120
«السادس»: أن لايكون الضامن مملوكاً غير مأذون من قبل مولاه ... 121
«السابع»: التنجيز ... 125
«الثامن»: كون الدين الذي يضمنه ثابتاً في ذمّة المضمون عنه ... 130
«التاسع»: أن لايكون ذمّة الضامن مشغولة للمضمون عنه ... 132
«العاشر»: امتياز الدين و المضمون له و المضمون عنه عند الضامن ... 134
في عدم اشتراط العلم بمقدار الدين و لا بجنسه ... 136
في انتقال الحقّ من ذمّة المضمون عنه الى ذمّة الضامن ... 141
فيما اذا أبرأ المضمون له ذمّة الضامن أو المضمون عنه ... 144
في لزوم الضمان ... 147
في جواز الاشتراط في الضمان للضامن و المضمون له ... 154
فيما اذا تبيّن كون الضامن مملوكاً ... 157
في جواز الضمان حالاًّ و مؤجّلاً ... 157
فيما اذا ضمن الدين الحالّ مؤجّلاً ... 159
فيما اذا كان الدين مؤجّلاً فضمنه الضامن كذلك، فمات و حلّ ما عليه ... 160
فيما اذا ضمن الدين المؤجّل حالاًّ باذن المضمون عنه ... 160
فيما اذا ضمن الدين المؤجّل بأقلّ من أجله و أدّاه ... 161
فيما اذا ضمن بغير اذن المضمون عنه ... 162
في أنّه ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه الّا بعد أداء مال الضمان ... 164
فيما لو حسب المضمون له على الضامن ما عليه خمساً أو زكاة أو صدقة ... 167
فيما لو باعه أو صالحه المضمون له بما يسوي أقلّ من الدين أو أزيد ... 167
فيما اذا دفع المضمون عنه الى الضامن مقدار ما ضمن قبل أدائه ... 170
فيما لو قال الضامن للمضمون عنه: «ادفع عنّي الى المضمون له» ... 172
فيما اذا دفع المضمون عنه الى المضمون له من غير اذن الضامن ... 174
فيما اذا ضمن تبرّعاً فضمن عنه ضامن باذنه و أدّى ... 175
في جواز ضمان الدين بأقلّ منه أو بأكثر برضا المضمون له ... 176
في جواز الضمان و الوفاء بغير جنس الدين ... 177
في الضمان بشرط الرهانة أو كون الملك الفلاني رهناً ... 178
فيما اذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهن ... 179
في جواز اشتراط الضمان في مال معيّن ... 180
فيما اذا أذن المولى لمملوكه في الضمان في كسبه ... 181
فيما اذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد ... 182
فيما اذا كان له على رجلين مال، فضمن كلّ منهما ما على الآخر باذنه ... 183
في عدم اشتراط علم الضامن بثبوت الدين على المضمون عنه و مقداره ... 186
فيما لو قال الضامن: «عليّ ما تشهد به البيّنة» ... 189
في جواز الدور في الضمان ... 190
في جواز الضمان عن المديون الفقير بالوفاء من الوجوه الشرعيّة ... 192
في جواز الضمان عن المديون زكاة أو خمساً للحاكم الشرعي ... 193
فيما اذا ضمن في مرض موته ... 193
في عدم صحّة الضمان اذا كان ما على المديون يعتبر فيه مباشرته ... 194
في ضمان النفقة للزوجة و الأقارب ... 195
في جواز ضمان مال الكتابة ... 196
في جواز ضمان مال الجعالة و مال السبق و الرماية ... 198
في ضمان درك الثمن للمشتري ... 203
فيما اذا ضمن عهدة الثمن فظهر بعض المبيع مستحقّاً ... 209
في صحّة ضمان ما يحدثه المشتري في الأرض المشتراة اذا ظهر مستحقّة ... 209
فيما لو قال عند خوف غرق السفينة: «ألق متاعك في البحر و عليّ ضمانه» ... 212
فيما لو اختلف المضمون له و المضمون عنه ... 213
فيما لو اختلف الضامن و المضمون له ... 215
فيما لو اختلف الضامن و المضمون عنه ... 216
فيما اذا أنكر الضامن الضمان فاستوفي الحقّ منه ... 217
فيما اذا ادّعى الضامن الوفاء و أنكر المضمون له و حلف ... 219
فيما لو أذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان ... 220
كتاب الحوالة / 223
الفصل الأوّل في معنى الحوالة و شرائطها / 225
في معنى الحوالة ... 225
فيما يشترط في المحيل و المحتال و المحال عليه ... 226
فيما يشترط في الحوالة «أحدها»: الايجاب و القبول ... 227
«الثاني»: التنجيز ... 229
«الثالث»: الرضا من المحيل و المحتال ... 230
«الرابع»: أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمّة المحيل ... 233
«الخامس»: أن يكون المال المحال به معلوماً ... 234
«السادس»: تساوي المالين ... 236
الفصل الثاني في أحكام الحوالة / 239
فيما يعتبر في المال المحال به ... 239
في براءة ذمّة المحيل اذا تحقّقت الحوالة ... 241
في عدم وجوب قبول الحوالة على المحتال ... 244
في لزوم الحوالة ... 244
في جواز الحوالة على البري ء ... 247
في جواز اشتراط خيار الفسخ لكلّ من الثلاثة ... 248
في جواز الدور و الترامي في الحوالة ... 249
فيما لو تبرّع أجنبي عن المحال عليه ... 250
فيما لو أحال عليه فقبل و أدّى ثمّ طالب المحيل بما أدّاه ... 250
في حصول الشغل بالنسبة الى المحيل بمجرّد قبول المحال عليه ... 253
فيما لو باع السيّد مكاتبه سلعة فأحاله بثمنها ... 257
فيما لو كان للمكاتب دين على أجنبي فأحال سيّده عليه من مال الكتابة ... 258
فيما لو اختلفا في أنّ الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة ... 258
فيما اذا أحال البائع من له عليه دين على المشتري بالثمن ... 261
فيما اذا كان له عند وكيله مال معيّن فأحال دائنه عليه ليدفع اليه بما عنده ... 267
كتاب الكفالة /269
في تعريف الكفالة ... 271
في اشتراط الايجاب من الكفيل و القبول من المكفول له ... 271
في ألفاظ الايجاب و القبول ... 273
فيما يعتبر في الكفيل ... 273
في عدم اشتراط البلوغ و العقل في المكفول له ... 273
في البحث عن اشتراط رضا المكفول ... 274
في عدم اشتراط العلم بمبلغ الحقّ المالي ... 274
في اشتراط أن يكون المال ثابتاً في الذمّة ... 274
في صحّة كفالة كلّ من يستحقّ عليه الحضور الى مجلس الشرع ... 275
في أقسام الكفالة ... 276
في أنّ عقد الكفالة لازم ... 277
فيما اذا أحضر الكفيل، المكفول ... 277
فيما لو امتنع الكفيل عن احضار المكفول ... 279
فيما لو كان المكفول غائباً ... 280
فيما اذا لم يحضر الكفيل المكفول فأخذ منه المال ... 281
في البحث عن مكان التسليم ... 283
في وجوب التوسّل بكلّ وسيلة مشروعة لاحضار المكفول ... 284
فيما لو احتاج حمل المكفول الى مئونة ... 285
في بيان ما به ينحلّ عقد الكفالة ... 286
فيما لو مات المكفول له ... 287
فيما لو نقل المكفول له الحقّ الذي على المكفول الى غيره ... 287
فيمن خلّى غريماً من يد صاحبه قهراً و اجباراً ... 288
في ترامي الكفالات ... 289
فيما لو نهى الوالد ولده عن الكفالة أو نذر أن لايكفل ... 290
في جواز الكفالة مع العوض و غير العوض ... 291
في جريان الفضوليّة في الكفالة ... 291
في كفالة المسلم عن الكافر و بالعكس ... 292
فيما لو تضرّر الكفيل بالكفالة ... 292
في كراهية التعرّض للكفالات ... 293
في جواز اشتراط كلّ شرط سائغ في عقد الكفالة ... 293
فيما لو أنكر الكفيل الكفالة و ادّعاها المكفول له ... 293
كتاب الوقف و أخواته / 295
في معنى الوقف ... 297
في اعتبار الصيغة في الوقف ... 299
في أنّه لا بدّ في وقف المسجد من قصد عنوان المسجديّة ... 301
في حكم المعاطاة في مثل المساجد و المقابر ... 301
في التوكيل في الوقف ... 305
في عدم اعتبار القبول في الوقف على الجهات العامّة ... 308
في قصد القربة في الوقف ... 310
في اشتراط القبض في صحّة الوقف ... 311
فيما يعتبر في قبض المسجد ... 314
فيما لو وقف الأب على أولاده الصغار ما كان تحت يده ... 315
فيما لو كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه قبل الوقف ... 317
فيما يعتبر أو يكفي فيه قبض المتولّي ... 319
في عدم اشتراط الفوريّة في القبض ... 319
فيما لو مات الواقف قبل القبض ... 320
في اشتراط الدوام في الوقف بمعنى عدم توقيته بمدّة ... 320
فيما لو وقف على من ينقرض ... 321
في أنّ الوقف المؤبّد يوجب زوال ملك الواقف ... 322
فيما لو انقرض الموقوف عليه ... 324
فيما لو كان الوقف على من يصحّ الوقف عليه في أوّله دون آخره ... 325
في حكم الوقف المنقطع الأوّل ... 326
فيما لو وقف على جهة أو غيرها و شرط عوده اليه عند حاجته ... 327
في البحث عن اشتراط التنجيز في صحّة الوقف ... 329
فيما لو قال: «هو وقف بعد موتي» ... 330
في اشتراط اخراج نفسه عن الوقف ... 330
فيما لو اشترط أن يقضي ديونه أو يؤدّي من غلّة الوقف ... 332
فيما لو شرط أكل أضيافه و من يمرّ عليه من ثمرة الوقف ... 334
فيما لو آجر عيناً ثمّ وقفها ... 335
في انتفاع الواقف بالأوقاف على الجهات العامّة ... 335
فيما يعتبر في الواقف ... 337
في عدم اعتبار كون الواقف مسلماً ... 339
فيما يعتبر في الموقوف ... 340
في عدم اعتبار كون العين الموقوفة ممّا ينتفع بها فعلاً ... 342
في شمول المنفعة المقصودة في الوقف لما يقصد في العارية و الاجارة ... 343
في انقسام الوقف باعتبار الموقوف عليه بالخاصّ و العامّ ... 343
في أنّه يعتبر في الوقف الخاصّ وجود الموقوف عليه حين الوقف ... 344
في أنّه لايعتبر في الوقف على العنوان العامّ وجود مصداقه في كلّ زمان ... 346
في اشتراط التعيين في الموقوف عليه ... 346
في الوقف على الذمّي و الحربي و المرتدّ بقسميه ... 348
في الوقف على الجهات المحرّمة و ما فيه اعانة على المعصية ... 349
في الانصراف الى فقراء نحلة الواقف اذا وقف على الفقراء ... 351
فيما لو انحصر عنوان الموقوف عليه في أفراد محصورة معدودة ... 352
فيما لو وقف على فقراء قبيلة كبني فلان و كانوا متفرّقين ... 353
في أنّه لو وقف على المسلمين كان لمن أقرّ بالشهادتين ... 353
في الجهات التي يصرف الموقوف لو وقف في سبيل اللَّه ... 354
في أنّ المرجع لو وقف على أرحامه أو أقاربه، هو العرف ... 355
في أنّه لو وقف على أولاده اشترك الذكر و الأنثى و الخنثى ... 356
فيما لو قال: «وقفت على ذريّتي» ... 357
فيما لو قال: «وقفت على أولادي نسلاً بعد نسل و بطناً بعد بطن» ... 358
فيما لو علم وقفيّة شي ء على الذرّيّة و لم يعلم التشريك أو الترتيب ... 358
فيما لو قال: «وقفت على أولادي الذكور نسلاً بعد نسل» ... 359
في أنّ الكيفيّة تابعة لجعل الواقف لو كان الوقف ترتيبيّاً ... 359
فيما لو وقف على أولاده ثمّ مات أحدهم و كان له ولد ... 360
في الانصراف الى علماء الشريعة لو وقف على العلماء ... 361
في الاختصاص بالمتوطّنين و المجاورين لو وقف على أهل مشهد ... 361
فيما لو وقف على المشتغلين في النجف مثلاً من أهل بلد ... 361
فيما لو وقف على مسجد ... 362
فيما لو وقف على مشهد ... 362
فيما لو وقف على سيّد الشهداءعليه السلام ... 363
في أنّه بعد تماميّة الوقف ليس للواقف التغيير في الموقوف عليه ... 363
فيما لو علم وقفيّة شي ء و لم يعلم مصرفه ... 365
فيما لو كان للعين الموقوفة منافع متجدّدة و ثمرات متنوّعة ... 366
فيما لو وقف على مصلحة فبطل رسمها ... 367
فيما اذا خرب المسجد ... 368
فيما لو وقف داراً على أولاده مطلقاً أو يقيّده لسكناهم ... 370
في حكم الثمر الموجود حال الوقف على النخل و الشجر ... 371
فيما لو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي» ... 373
في حكم زوال ملكيّة الواقف عن العين الموقوفة بعد تماميّته ... 374
في حكم تغيير الوقف و ابطال رسمه و ازالة عنوانه ... 377
فيما لو خرب الوقف و انهدم و زال عنوانه ... 378
فيما اذا احتاجت الأملاك الموقوفة الى تعمير ... 379
في حكم بيع ما وقف على الجهات العامّة ... 380
في حكم اجارة ما وقف على الجهات العامّة ... 382
في حكم البيع و النقل بأحد النواقل في الأوقاف ... 384
في حكم اجارة ما وقف وقف منفعة و ما كان وقف انتفاع ... 388
فيما لو خرب بعض الوقف و احتاج بعضه الآخر الى التعمير ... 389
في جواز افراز الوقف عن الملك الطلق ... 390
فيما لو انقرض البطن الأوّل قبل انقضاء مدّة الاجارة ... 391
في أنّه يجوز للواقف أن يجعل تولية الوقف و نظارته لنفسه أو لغيره ... 392
في البحث عن اعتبار العدالة في المتولّي ... 395
في حكم قبول التولية لمن جعلت له ... 395
فيما لو جعل التولية لاثنين مستقلاًّ أو بالاجتماع ... 397
فيما لو عيّن الواقف وظيفة المتولّي أو أطلق و لم يعيّن ... 398
في تعيين مقدار أجرة المتولّي ... 400
في تفويض المتولّي التولية الى غيره ... 401
في جواز جعل الواقف ناظراً على المتولّي ... 401
فيما لو لم يعيّن الواقف متولّياً أصلاً ... 402
في أنّ التولية لعدول المؤمنين عند فقد الحاكم ... 403
فيما يكون فيه التولية الى الحاكم ... 404
فيما لو جعل التولية لعدلين من أولاده و لم يكن فيهم الّا عدل واحد ... 404
فيما لو احتاج الوقف الى التعمير و لم يكن ما يصرف فيه ... 405
في الأمور التي تثبت بها الوقفيّة ... 406
فيما لو أقرّ بالوقف ثمّ ادّعى أنّ اقراره كان لمصلحة ... 406
في دلالة عمل المتصرّفين على الوقف و كيفيّته ... 407
فيما لو علم أنّ ملكاً قد كان في السابق وقفاً ... 408
في حكم الكتاب أو المصحف الذي كان مكتوباً عليه أنّه وقف ... 408
في حكم ما لو ظهر في تركة الميّت ورقة بخطّه أنّ ملكه الفلاني وقف ... 409
فيما اذا كانت العين الموقوفة من الأعيان الزكويّة ... 409
في حكم الوقف المتداول بين بعض الطوائف ... 411
خاتمة ... 412
القول في الحبس و أخواته ... 412
في جواز حبس الملك على كلّ ما يصحّ الوقف عليه ... 412
في معنى السكنى و العمرى و الرقبى ... 414
في أنّه يحتاج كلّ من الثلاثة الى عقد مشتمل على ايجاب و قبول ... 415
في اشتراط قبض الساكن في كلّ من الثلاثة ... 416
في كون هذه العقود الثلاثة من العقود اللازمة ... 416
في عدم خروج الدار عن ملكه في هذه الثلاثة ... 417
فيما لو مات الساكن أو المالك ... 418
فيما هو مقتضى العقود الثلاثة ... 418
في الموارد التي يصحّ تعلّق العمرى و الرقبى و السكنى بها ... 421
القول في الصدقة ... 423
فيما يعتبر و يشترط في الصدقة ... 427
في الرجوع في الصدقة بعد القبض ... 428
في حكم صدقة الهاشمي لمثله و لغيره و بالعكس ... 429
فيما يعتبر في المتصدّق ... 430
فيما يعتبر في المتصدّق عليه في الصدقة المندوبة ... 431
في أنّ الصدقة سرّاً أفضل ... 433
في استحباب المساعدة و التوسّط في ايصال الصدقة ... 436
في كراهة تملّك ما يتصدّق به من الفقير ... 437
في كراهة ردّ السائل ... 437
في حكم السؤال من غير احتياج أو مع الحاجة ... 438
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الحمد للَّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين
أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه من الواجب الكفائي؛ لئلّاتندرس آثار دين خاتم الأنبياءصلى الله عليه وآله و أوصيائه عليهم السلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.
و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهم السلام في بيان تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، و أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللَّه؛ الّا أنّه يجب أن تكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر
مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته، و بهذا أيضاً يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللَّه تعالى مضافاً الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّدصلى الله عليه وآله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد المجدّد آيةاللَّه العظمى الامام الخميني قدس سره المحيي للاسلام في عصرنا هذا. فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّدعليهم السلام أن يصرفوا أعمارهم أو أغلب أوقاتهم في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم حول الأحكام و غيرها.
و أنا بتوفيق الملك العلّام و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان اشتغلت قبل حوالي ثلاثين سنة بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلّاب و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت موسوعة فسمّيتها ب«الهادي».
و قد كان مبنى بيان المسائل الفقهيّة التي شرحناها ابتداءً هو العروة الوثقى للسيّد اليزدي و لمّا لم يوجد بعض أبواب الفقه في العروة واصلنا دراستنا الفقهيّة بشرح تلك الأبواب من سائر الكتب لعلمائنا الأعلام كشرائع الاسلام للمحقّق الحلّي رحمه الله و تحرير الوسيلة للامام الخميني قدس سره.
و الذي بين يديك هو شرح كتاب الضمان و الحوالة من العروة الوثقى و كتاب الدين و القرض و الوقف و أخواته من تحرير الوسيلة، و قد اقتبسنا مسائل كتاب الكفالة ممّا ذكره المحقّق السبزواري قدس سره في مهذّب الأحكام حيث قد فصّل رحمه الله في بيان مسائلها.
و بزعمي القاصر ليست هذه الأبحاث تكراراً للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللَّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار
و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلّات فأسأل اللَّه الاخلاص و القبول و المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلّامة آيةاللَّه العظمى الشيخ حسن علي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللَّه عليهم أجمعين.
سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني
رمضان المبارك 1439
كتاب الدين و القرض(1)
الدين مال كلّي ثابت في ذمّة شخص لآخر بسبب من الأسباب، و يقال لمن اشتغلت ذمّته به المديون و المدين، و للآخر الدائن و الغريم، و سببه امّا الاقتراض أو أمور أخر اختيارية، كجعله مبيعاً في السلم، أو ثمناً في النسيئة، أو أجرة في الإجارة، أو صداقاً في النكاح، أو عوضاً في الخلع و غير ذلك، أو قهرية كما في موارد الضمانات و نفقة الزوجة الدائمة و نحو ذلك، و له أحكام مشتركة و أحكام مختصّة بالقرض.
الشرح:
الدين من دان يدين ديناً، أجوف يائي، يقال: «دانه أي أعطاه مالاً الى أجل و أقرضه»، فهو دائن. و ذاك مدين و مديون. و هو كما في المتن المال الكلّي الثابت في ذمّة شخص لآخر بسبب من الأسباب، و يلحق به الحقّ أيضاً. و يقال لمن اشتغلت ذمّته: «المديون» و «المدين» و للآخر: «الدائن» و «الغريم».
و هذا التعريف موافق للّغة و العرف بل الشرع. و الدين أعمّ من القرض. و
1) لمّا لم يذكر السيّد اليزدي قدس سره كتاب الدين و القرض في العروة الوثقى أتينا بمسائله ممّا ذكره الامام الخميني قدس سره فى تحرير الوسيلة.
سببه امّا الاقتراض، أو أمور أخر، تارة تكون اختياريّة كمن باع شيئاً سلماً و أخذ ثمنه فانّه مديون للمبيع، أو اشترى شيئاً نسيئة و صار مديوناً بالنسبة الى ثمنه أو استجار داراً مثلاً و صار مديوناً للاجارة، أو كان مديوناً للمهر في النكاح، أو عوضاً في الخلع و غير ذلك. و أخرى تكون قهريّة كما في موارد الضمانات و نفقة الزوجة الدائمة و نحو ذلك. و للدين أحكام مشتركة بينه و بين القرض، ذكرها الفقهاء في بيان الموارد المذكورة آنفاً و غيرها. و أحكام مختصّة بالقرض.
(مسألة 1): الدين امّا حالّ فللدائن مطالبته و اقتضاؤه، و يجب على المديون أداؤه مع التمكّن و اليسار في كلّ وقت، و امّا مؤجّل فليس للدائن حقّ المطالبة، و لايجب على المديون القضاء الّا بعد انقضاء المدّة المضروبة و حلول الأجل، و تعيين الأجل تارة بجعل المتداينين كما في السلم و النسيئة، و أخرى بجعل الشارع كالنجوم و الأقساط المقرّرة في الدية.
الشرح:
الدين امّا حالّ أو مؤجّل، فاذا كان الدين حالاًّ فللدائن حقّ المطالبة أيّ وقت كان و ليس للمديون الامتناع اذا كان موسراً؛ و الدليل عليه الاجماع بل الضرورة الفقهيّة. و أمّا لو كان مؤجّلاً فليس للدائن حقّ المطالبة الّا بعد انقضاء الأجل و لايجب على المديون القضاء الّا بعد مضي المدّة المعيّنة.
ثمّ انّ لتعيين الأجل قسمين:
الأوّل ما يكون بجعل المتداينين كما في السلم و النسيئة.
و الثاني ما يكون بجعل الشارع و هذا مستنبط من الموارد التي ذكرت في
الأبواب المختلفة من الأحكام المتعلّقة بالمعاملات بالمعنى الأعمّ، كالبيع و النكاح و الطلاق و الديات و غيرها.
(مسألة 2): لو كان الدين حالاًّ أو مؤجّلاً و قد حلّ أجله فكما يجب على المديون المؤسر أداؤه عند مطالبة الدائن، كذلك يجب على الدائن أخذه و تسلّمه اذا صار المديون بصدد أدائه و تفريغ ذمّته، و أمّا الدين المؤجّل قبل حلول أجله فلا اشكال في أنّه ليس للدائن حقّ المطالبة، و انّما الاشكال في أنّه هل يجب عليه القبول لو تبرّع المديون بأدائه أم لا؟ وجهان بل قولان أقواهما الثاني، الّا اذا علم بالقرائن أنّ التأجيل لمجرّد ارفاق على المديون من دون أن يكون حقّاً للدائن.
في المسألة فروع:
اذا كان الدين حالاًّ أو مؤجّلاً و قد حلّ الأجل يجب على المديون الموسر أداؤه عند مطالبته كما يدلّ عليه من الكتاب قوله تعالى: «لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الّا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم»(1)كما في موثّقة سماعة قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: الرجل منّا يكون عنده الشي ء يتبلّغ به(2)و عليه دين أ يطعمه عياله حتّى يأتيه اللَّه بميسرة فيقضي دينه، أو
يستقرض على نفسه في خبث الزمان و شدّة المكاسب أو يقبل الصدقة، قال: يقضي بما عنده دينه، و لايأكل أموال الناس الّا و عنده ما يؤدّي اليهم حقوقهم؛ انّ اللَّه تبارك و تعالى يقول: «لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الّا أن تكون تجارة عن تراض منكم»، الحديث».(1)
و من السنّة موثّقة حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«كلّ ذنب يكفّره القتل في سبيل اللَّه الّا الدين لا كفّارة له الّا أداؤه، أو يقضي صاحبه، أو يعفو الذي له الحقّ».(2)
و رواية أبي ثمامة قال:
«قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: انّي أريد أن ألزم مكّة و المدينة و عليّ دين، فقال: ارجع الى مؤدّى دينك، و انظر أن تلقى اللَّه عزّوجلّ و ليس عليك دين؛ فانّ المؤمن لايخون».(3)
لا اشكال في أنّه اذا كان الدين مؤجّلاً فليس للدائن المطالبة به قبل حلول الأجل و أمّا اذا كان الدين حالاًّ أو مؤجّلاً و حلّ الأجل، فأدّاه المديون بعد المطالبة أو قبلها وجب على الدائن أخذه.
قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل في الرياض الاجماع عليه، و هو الحجّة بعد حديث الضرار الشامل للمقام؛ ضرورة تحقّق الضرر على المشتري ببقائه مشغول الذمّة. - الى أن قال: - و هو الثابت من الأدلّة خصوصاً قوله تعالى: «أوفوا بالعقود»؛ فانّ وجوب الوفاء بها يتبع وجوب الدفع و وجوب القبول، و حينئذٍ فاذا انتفى سقط اعتباره؛ اذ هو كالدفع من المديون يجب عليه أوّلاً فاذا امتنع جاز التقاصّ من ماله. انتهى ملخّصاً».(1)
لو تبرّع المديون بأداء دينه قبل الأجل فيما اذا كان مؤجّلاً، لايجب على الدائن أخذه و ان لم يكن ضرر عليه بذلك، بلا خلاف أجده بيننا، بل عن الرياض الاجماع عليه كما في الجواهر(2)لعدم الدليل على الوجوب مع وجود الأصل هنا. نعم، لوعلم بالقرائن أنّ التأجيل لمجرّد ارفاق على المديون من دون أن يكون حقّاً للدائن فيجب عليه قبوله؛ لما ذكر في الفرع السابق.
(مسألة 3): قد عرفت أنّه اذا أدّى المديون دينه الحالّ يجب على الدائن أخذه، فاذا امتنع أجبره الحاكم لو التمس منه المديون، و لو تعذّر اجباره أحضره عنده و مكّنه منه بحيث صار تحت يده و سلطانه عرفاً، و به تفرغ ذمّته، و لو تلف بعد ذلك فلا ضمان عليه، و لو تعذّر عليه ذلك فله أن يسلّمه
الى الحاكم و به تفرغ ذمّته، و هل يجب على الحاكم القبول؟ فيه تأمّل و اشكال، و لو لم يوجد الحاكم فهل له أن يعيّن الدين في مال مخصوص و يعزله؟ فيه تأمّل و اشكال، و لو كان الدائن غائباً و لايمكن ايصاله اليه و أراد المديون تفريغ ذمّته أوصله الى الحاكم عند وجوده، و في وجوب القبول عليه الاشكال السابق، و لو لم يوجد الحاكم يبق في ذمّته الى أن يوصله الى الدائن أو من يقوم مقامه.
الشرح:
قد عرفت أنّه اذا أدّى المديون دينه الحالّ يجب على الدائن أخذه، فاذا امتنع، فيعمل بحسب المراتب الآتية:
ففي المرتبة الأولى يرجع المديون الى الحاكم الشرعي و يلتمس منه أن يجبر الدائن الممتنع من أخذ دينه؛ لأنّه الملجأ في مثل هذه الأمور، و لو لم يرجع اليه و لم يلتمس منه لايتحقّق موضوع الاجبار. و هذا جارٍ في كلّ حقّ، فلا بدّ من طلبه عند الحاكم حتّى يقدم.
و لو تعذّر للحاكم اجباره فتصل النوبة الى المرتبة الثانية و هو أن يحضره عنده و يمكّنه من ماله بحيث يصير تحت يده و سلطانه عرفاً، و حينئذ فتارة: يأخذه ثمّ يقذفه فلا ضمان على الحاكم و لا على المديون لو تلف، فحاله كحال المال المعرض عنه صاحبه و ان كان ينبغي الاحتياط بحفظه ما لم يتعسّر و اعطائه اليه لو رجع. و أخرى: لايأخذه و ينصرف فهذه أيضاً كسابقتها الّا أنّ الاحتياط هنا أشدّ.
و لو تعذّر ذلك فتصل النوبة الى المرتبة الثالثة و هي أن يسلّمه الى الحاكم؛ لأنّه كما قلنا يكون الملجأ في مثل هذه الأمور المسمّاة بالأمور الحسبيّة التي لايرضى الشارع اهماله، و المرجع فيها الامام عليه السلام لو كان حاضراً و في غيبته نائبه العامّ و هو
الحاكم الشرعي و اذا تعذّر فعدول المؤمنين.
و هل يجب على الحاكم القبول؟ الظاهر هو وجوبه عليه؛ و ذلك لما قلنا بأنّه من تلك الأمور التي يرجع فيها اليه.
و في المهذّب: «لا وجه لوجوب الأداء و الوفاء الّا تفريغ ذمّة المديون، و لاتفرغ الّا بقبول الدائن أو ممّن يكون مأذوناً في ذلك شرعاً و هو الحاكم فلا وجه للاختصاص بخصوص الدائن فقط فيكون هذا نحو حقّ للمديون على من له أهليّة القبول مالكيّة كانت أو شرعيّة، فكأنّه بالأداء و الوفاء يطالب بحقّه فيلزم أداء حقّه».(1)
و في المرتبة الرابعة لو لم يوجد الحاكم أو عدول المؤمنين، فله أن يعيّن الدين في مال مخصوص و يعزله و به تبرأ ذمّته، و لو تلف من غير تفريط فلا ضمان عليه.
ففي الجواهر: «قال في جامع المقاصد: «اذا امتنع المالك من القبض و تعذّر الحاكم، زال الضمان عن الدافع بالتعيين، لكن هل هو مشروط بالحفظ بمجرى العادة فيكون أميناً أم لا، فلايكون الحفظ واجباً عليه؟
لم أجد به تصريحاً للأصحاب، لكن قوّة التأمّل في كلامهم تشهد للثاني حيث أطلقوا نفي الضمان عنه؛ دفعاً للضرر، و لو وجب الحفظ الدائم لبقي الضرر المحذور، و ألزم بالضمان بالتقصير فيه، و يتّجه الفرق بين ما اذا عرضه على المالك بعد تعيينه و لم يأت به لكنّه أعلم بالحال، و بين ما اذا أتاه و طرحه عنده، فينتفي وجوب الحفظ في الثاني، دون الأوّل، و ان اشتركا في عدم الضمان».
و نحوه في حاشية الارشاد. و في المسالك في شرح قول المصنّف: «و لو
1) مهذّب الأحكام 21: 11.
امتنع، قبضه الحاكم اذا سأل المسلم اليه ذلك» قال: «هذا مع امكانه، و مع تعذّره يخلّي بينه و بينه، و تبرأ ذمّته و ان تلف، و كذا يفعل الحاكم لو قبضه، ان لم يمكن الزامه بالقبض» و في الدروس قال: «و لو امتنع البائع أثم، و لو هلك بعد تعيينه فمن ماله، ما لم يفرّط فيه المشتري أو يتعدّ، و للمشتري التصرّف فيه، فيبقى في ذمّته؛ ضرورة أنّ جواز تصرّف المشتري فيه مستلزم لبقاء ملكه عليه. انتهى ملخّصاً».(1)
هذا، ولكن الاحتياط في هذه المرتبة أن تبقى في ذمّته ان لم يتعسّر ذلك عليه بل لايترك، هذا كلّه فيما اذا كان الدائن حاضراً و امتنع من أخذه.
هنا فرعان:
اذا كان الدائن غائباً و لايمكن ايصال المال اليه و أراد المديون تفريغ ذمّته أوصله الى الحاكم عند وجوده؛ لما تقدّم من أنّه المرجع و الملجأ في الأمور الحسبيّة، فيكون قبوله كقبول نفس الدائن بعد تعذّر الايصال اليه. و تقدّم أنّ الأقوى وجوب القبول على الحاكم اذا التمسه المديون.
و لو لم يوجد الحاكم يبقى في ذمّته الى أن يوصله الى الدائن أو من يقوم مقامه كالوارث أو الحاكم الشرعي لو تجدّد له التمكّن منه؛ و ذلك لأصالة بقاء اشتغال ذمّته و عدم الفراغ الّا بذلك.
1) جواهر الكلام 23: 118 و 119.
و ليعلم أنّ الرجوع الى الحاكم و الدفع اليه لايكون الّا بعد الطلب و الفحص عن المالك و اليأس عن الوصول اليه بل و تعذّر حفظ المال بنفسه أو تعسّره.
و أمّا التصدّق به فسيأتي في الفرع الآتي.
قال في الشرائع: «من كان عليه دين، و غاب صاحبه غيبة منقطعة، يجب أن ينوي قضاءه، و أن يعزل ذلك عند وفاته، و يوصي به ليوصل الى ربّه، أو الى وارثه ان ثبت موته. و لو لم يعرفه اجتهد في طلبه. ومع اليأس، يتصدّق به عنه، على قول».(1)
ففي صحيحة معاوية بن وهب قال:
«سئل أبو عبداللَّه عليه السلام عن رجل كان له على رجل حقّ ففقد و لايدرى أ حيّ هو أم ميّت؟ و لايعرف له وارث و لا نسب و لا بلد؟ قال: أطلبه، قال: انّ ذلك قد طال فأصّدّق به؟ قال: أطلبه».(2)
و في الجواهر: «و في القواعد: «و لو غاب الدائن وجب على المديون نيّة القضاء و العزل عند وفاته و الوصيّة به ليوصل الى مالكه أو وارثه، و لو جهله اجتهد في طلبه فان أيس منه قيل: «يتصدّق به عنه» و في اللمعة: «و يجب نيّة القضاء و عزله عند وفاته و الايصاء به لو كان صاحبه غائباً، و لو يئس منه قيل: يتصدّق به عنه» و في الدروس: «و لو غاب الدائن وجب نيّة القضاء و العزل عند أمارة الموت». و أطلق الشيخ وجوب العزل، و ابن ادريس عدم وجوبه و الاشهاد. و لو يئس منه تصدّق به عنه و قال ابن ادريس: «يدفعه الى الحاكم، و ان قطع على موته و انتفاء الوارث كان للامام، و الحكم الثاني لا شكّ فيه، أمّا الأوّل فالحقّ
التخيير بينه و بين ابقائه في يده، و الصدقة مع الضمان»، الى غير ذلك من كلماتهم التي يعرف ما فيها من التأمّل فيما ذكرنا. و أحسنها ما في التنقيح، فانّه بعد أن حكى ما في السرائر من كونه للامام قال: «و هو الحقّ، لكن على تقدير العلم بموته و عدم وارثه أمّا اذا انتفى العلم بذلك فحفظه أولى، حتّى يظهر خبره أو خبر وارثه» و أمّا النصوص فقد عرفت تشويشها خصوصاً متن خبر هشام بن سالم منها، و أجودها صحيح معاوية الذي أمر فيه بالطلب، بعد طلب السائل الصدقة لطول الطلب».(1)
قال في المهذّب: «لو انقطع خبر الدائن بالمرّة وجب على المديون نيّة القضاء بالدين و الوصيّة به عند الوفاة، و ان جهل خبره و قطع بموته وجب تسليمه الى ورثته، و مع عدم معرفتهم أو مع عدم التمكّن من الوصول اليهم يتصدّق».(2)
أقول:
قد تقدّم كلمات بعض العلماء في ذلك فنقول: لو انقطع خبرالدائن بالمرّة وجب على المديون نيّة القضاء بالدين؛ و ذلك لما في رواية أبي خديجة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«أيّما رجل أتى رجلاً فاستقرض منه مالاً و في نيّته أن لايؤدّيه فذلك
اللصّ العادي».(1)
و مرسلة ابن فضّال عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«من استدان ديناً فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق».(2)
و صحيحة زرارة بن أعين قال:
«سألت أبا جعفرعليه السلام عن الرجل يكون عليه الدين لايقدر على صاحبه و لا على ولي له و لايدري بأيّ أرض هو؟ قال: لا جناح عليه بعد أن يعلم اللَّه منه أنّ نيّته الأداء».(3)
و يجب الوصيّة به عند الوفاة، و ان جهل خبره و قطع بموته وجب تسليمه الى ورثته؛ لانتقال المال اليهم، و مع عدم معرفتهم أو مع عدم التمكّن من الوصول اليهم يتصدّق.
ففي معتبرة هشام بن سالم قال:
«سأل خطّاب الأعور أبا ابراهيم عليه السلام - و أنا جالس - فقال: انّه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجرة ففقدناه، و بقي من أجره شي ء، (و لايعرف له وارث)، قال: فاطلبوه. قال: قد طلبناه فلم نجده، قال: فقال: مساكين - و حرّك يده - قال: فأعاد عليه، قال: اطلب و اجهد، فان قدرت عليه، و الّا فهو كسبيل مالك، حتّى يجي ء له طالب، فان حدث بك حدث فأوص به ان جاء له طالب أن يدفع اليه».(4)
(مسألة 4): يجوز التبرّع بأداء دين الغير حيّاً كان أو ميّتاً، و به تبرأ ذمّته و ان كان بغير اذنه بل و ان منعه، و يجب على من له الدين القبول.
الشرح:
يجوز التبرّع بأداء دين الغير حيّاً كان أو ميّتاً؛ و ذلك لرواية هشام بن الحكم عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«من أحبّ الأعمال الى اللَّه عزّوجلّ ادخال السرور على المؤمن، اشباع جوعته أو تنفيس كربته أو قضاء دينه».(1)
و اطلاقه يشمل الحيّ و الميّت.
و في خصوص الميّت موثّقة ابراهيم بن عبدالحميد قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّ لعبدالرحمن بن سيابة ديناً على رجل قد مات و كلّمناه على أن يحلّله فأبى، قال: ويحه أ مايعلم أنّ له بكلّ درهم عشرة دراهم اذا حلّله، فان لم يحلّله فانّما له درهم بدل درهم».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«انّ العبد ليكون بارّاً بوالديه في حياتهما، ثمّ يموتان فلايقضي عنهما الدين و لايستغفر لهما فيكتبه اللَّه عاقّاً، و انّه ليكون في حياتهما غير بارّ بهما فاذا ماتا قضى عنهما الدين و استغفر لهما فيكتبه اللَّه عزّوجلّ بارّاً. قال: و قال أبو عبداللَّه عليه السلام: ان أحببت أن يزيد
اللَّه في عمرك فسرّ أبويك، و قال: البرّ يزيد في الرزق».(1)
ثمّ انّه اذا أدّى دين الغير تبرأ ذمّته؛ لأنّه مقتضى الروايات المرغّبة بأداء دين المؤمن، و هذه البراءة غير منوطة باذن المديون بل تبرأ ذمّته و ان منعه؛ لأنّ البراءة أثر وضعي للأداء.
و يجب على الدائن القبول كما في أدائه عن نفسه؛ لأنّه أداء شرعي فلايجوز له الامتناع.
(مسألة 5): لايتعيّن الدين فيما عيّنه المدين، و لايصير ملكاً للدائن ما لم يقبضه، و قد مرّ التأمّل و الاشكال في تعيّنه بالتعيين عند امتناع الدائن عن القبول في المسألة الثالثة، فلو كان عليه درهم و أخرج من كيسه درهماً ليدفعه اليه وفاءً عمّا عليه و قبل وصوله بيده تلف كان من ماله، و بقي ما في ذمّته على حاله.
الشرح:
لايتعيّن الدين فيما عيّنه المدين، فانّه مالكه مالم يقبضه الدائن، و لذا يجوز له التصرّف فيه قبل ذلك. و لو عزل الدين من ماله و كان من نيّته أداؤه، و تلف قبل الوصول الى الدائن كان من ماله و بقي عليه الدين؛ لأنّه كما قلنا بقي في ملكه الى أن يقبضه الدائن. نعم، اذا سقط اعتبار قبض الدائن بسبب الامتناع، و لم يتمكّن الرجوع الى الحاكم و تعذّر كونه عليه، فعيّنه تعيّن و يجب عليه حفظه بعنوان الأمانة، فاذا تلف من غير تعدّ أو تفريط يكون من مال الدائن، كما تقدّم في المسألة الثالثة، و طريق الاحتياط هنا أيضاً هو القول ببقائه في ذمّته ان لم يتعسّر عليه،
1) وسائل الشيعة 18: 371 / الباب 30 من أبواب الدين و القرض / الحديث 1.
فحينئذٍ لايعزله ان لم يتعسّر عليه حفظه كذلك بل لايترك الاحتياط كما تقدّم.
(مسألة 6): يحلّ الدين المؤجّل بموت المديون قبل حلول أجله لا موت الدائن، فلو مات يبقى على حاله ينتظر ورثته انقضاءه، فلو كان الصداق الى مدّة معيّنة و مات الزوج قبل حلوله استحقّت الزوجة مطالبته بعد موته، بخلاف ما اذا ماتت الزوجة، فليس لورثتها المطالبة قبل انقضائه و لايلحق بموت الزوج طلاقه، فلو طلّقها يبقى صداقها المؤجّل على حاله، كما أنّه لايلحق بموت المديون تحجيره بسبب الفلس، فلو كان عليه ديون حالّة و ديون مؤجّلة يقسّم ماله بين أرباب الديون الحالّة، و لايشاركهم أرباب المؤجّلة.
الشرح:
يحلّ الدين المؤجّل اذا مات المديون قبل حلول الأجل؛ و ذلك لصحيحة الحسين بن سعيد قال:
«سألته عن رجل أقرض رجلاً دراهم الى أجل مسمّى ثمّ مات المستقرض، أ يحلّ مال القارض عند موت المستقرض منه أو للورثة من الأجل ما للمستقرض في حياته؟ فقال: اذا مات فقد حلّ مال القارض».(1)
و رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أنّه قال:
«اذا كان على الرجل دين الى أجل و مات الرجل حلّ الدين».(2)
و في الجواهر: «تحلّ الديون المؤجّلة اذا مات المديون؛ لعدم الخلاف بيننا بل و بين غيرنا عدا الحسن البصري، بل الاجماع بقسميه عليه؛ لخبر أبي بصير: «اذا مات الرجل حلّ ما له، و ما عليه من الدين». و خبر السكوني و الصحيح المضمر: «اذا مات فقد حلّ مال القارض». و لا فرق بين مال السلم و الجناية المؤجّلة و غيرهما، خلافاً للمحكي عن ايضاح الفخر و حواشي الشهيد، من عدم حلول السلم بالموت. انتهى ملخّصاً».(1)
و أمّا لو مات الدائن فيبقى الدين على حاله ينتظر ورثته انقضاء الأجل؛ و ذلك لانتقال الحقّ مع قيده - أي التأجيل - الى الورثة، و لايكون هناك دليل على حلوله.
و على هذا فلو كان الصداق مؤجّلاً الى مدّة معيّنة و مات الزوج قبل حلوله استحقّت الزوجة مطالبته بعد موته؛ للنصّ، بخلاف ما اذا ماتت الزوجة، فليس لورثتها المطالبة قبل انقضاء المدّة، ولكن لو طلّقها يبقى صداقها المؤجّل على حاله؛ لأنّه دين و له أجل.
ثمّ انّه لايلحق بموت المديون تحجيره بسبب الفلس كما في المتن فلو كان عليه ديون حالّة و ديون مؤجّلة يقسّم ماله بين أرباب الديون الحالّة، و لايشاركهم أرباب المؤجّلة.
قال في الجواهر: «و لاتحلّ الديون المؤجّلة بالحجر بلا خلاف أجده من غير الاسكافي؛ للأصل بعد حرمة القياس على الميّت».(2)
(مسألة 7): لايجوز بيع الدين بالدين على الأقوى فيما اذا كانا مؤجّلين و ان حلّ أجلهما، و على الأحوط في غيره، بأن كان العوضان كلاهما ديناً قبل البيع، كما اذا كان لأحدهما على الآخر طعام كوزنة من حنطة و للآخر عليه طعام آخر كوزنة من شعير فباع الشعير بالحنطة، أو كان لأحدهما على شخص طعام و للآخر على ذلك الشخص طعام آخر فباع ما له على ذلك الشخص بما للآخر عليه، أو كان لأحدهما على شخص طعام و للآخر طعام على شخص آخر فبيع أحدهما بالآخر، و أمّا اذا لم يكن العوضان كلاهما ديناً قبل البيع و ان صار أحدهما أو كلاهما ديناًبسبب البيع كما اذا باع ما له في ذمّة الآخر بثمن في ذمّته نسيئة مثلاً فله شقوق و صور كثيرة لايسعها هذا المختصر.
الشرح:
يدلّ على حرمة بيع الدين بالدين معتبرة طلحة بن زيد عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: لايباع الدين بالدين».(1)
قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف بينهم في تحريم بيع الدين بالدين؛ و يدلّ على ذلك من طريق الخاصّة رواية طلحة بن زيد - الى أن قال: - و من طريق العامّة ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله: «لا يجوز بيع الكالي بالكالي»».(2)
و الظاهر أنّ القدر المتيقّن من ممنوعيّة بيع الدين بالدين هو ما اذا كانا مؤجّلين بعد كون أصل الحكم بالمنع مخالف لقاعدة السلطنة و عمومات البيع.
و قد ذكر في المتن أمثلته.
و في المسألة صور كثيرة قد ذكر بعضها في المهذّب حيث قال: «انّ كلاًّ من المبيع و الثمن لاتخلو عن أقسام خمسة: الأوّل: أن يكون ديناً سابقاً مؤجّلاً فعلاً. الثاني: أن يكون مؤجّلاً سابقاً ولكن حلّ الأجل. الثالث: أن يكون ديناً سابقاً غير مؤجّل بل حالاًّ. الرابع: أن يكون ديناً لاحقاً حالاًّ. الخامس: أن يكون ديناً لاحقاً مؤجّلاً و ضرب الخمسة في خمسة يصير خمسة و عشرين هذا في ما اذا كان بيع الدين على غير المديون، و أمّا ان كان بيع الدين على المديون فتصير الأقسام ستّة و أربعين لاضافة واحد و عشرين قسماً الى الأقسام المتقدّمة و سقوط أربع صور الدين بالدين اللاحق، كما لايخفى. هذا في غير السلم و أمّا فيه تفصيل لايسعه المقام».(1)
(مسألة 8): يجوز تعجيل الدين المؤجّل بنقصان مع التراضي، و هو الذي يسمّى في لسان تجّار العصر ب«النزول»، و لايجوز تأجيل الحالّ و لا زيادة أجل المؤجّل بزيادة.
الشرح:
يجوز تعجيل الدين المؤجّل بنقصان مع التراضي؛ تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه السلام أنّه قال:
«في الرجل يكون عليه الدين الى أجل مسمّى فيأتيه غريمه، فيقول: انقدني من الذي لي كذا و كذا و أضع لك بقيّته، أو يقول: انقد لي بعضاً و أمدّ لك في الأجل فيما بقي عليك، قال عليه السلام: لاأرى به بأساً ما لم يزدد على رأس ماله شيئاً؛ يقول اللَّه: «فلكم رؤوس أموالكم
1) مهذّب الأحكام 21: 19.
لاتظلمون و لاتظلمون»».(1)
و مرسلة أبان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين، فيقول له قبل أن يحلّ الأجل: عجّل لي النصف من حقّي على أن أضع عنك النصف أ يحلّ ذلك لواحد منهما؟ قال: نعم».(2)
هذا مضافاً الى وجود المقتضي، و هو رضى الدائن بنقصان مقدار من ماله، و رضى المديون بنقد بقيّة مال الدائن، و عدم المانع من الشرع أو العرف الممضى من الشرع، بل الدليل من الشرع على جوازه مع العمل به.
و أمّا لو حلّ دين المديون و سأل الدائن أن يؤجّله الى مدّة أخرى فتارة: يقبل ذلك بدون زيادة فهذا امهال للمدين و لعلّه يثاب عليه. و أخرى: يقبله مع زيادة في الدين فهذا لايجوز؛ لما تقدّم من قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم: «ما لم يزدد على رأس ماله شيئاً».
و يلحق به في عدم الجواز ما اذا طلب المديون بالدين المؤجّل أن يزيد الدائن أجل دينه، فقبل بزيادة دينه.
نعم، لابأس بجعل الزيادة المطلوبة في ثمن مبيع مثلاً و يجعل التأجيل و التأخير الى أجل معيّن شرطاً على البائع كما في المهذّب و ذلك كما لو باع الدائن منالمديون شيئاً - قيمته عشرة دراهم - بخمسةعشر درهماً بشرط أن لايطالب المشتري عن الدين الذي كان عليه الى وقت كذا، و نتيجته زيادة أجل المؤجّل، و مثله ما اذا باع المديون من الدائن شيئاً - قيمته خمسةعشر درهماً - بعشرة دراهم
بشرط أن يؤخّر دينه؛ لأنّ ذلك كلّه معاملة مستقلّة لا ربط لها بأصل الدين فتشملها الاطلاقات و العمومات الدالّة على الصحّة، و المذكور في ضمنها هو شرط سائغ فيجب الوفاء به؛ لقوله صلى الله عليه وآله: «المؤمنون عند شروطهم». و هذا و ان كان نتيجته «تأجيل الدين الحالّ أو زيادة أجل المؤجّل بزيادة» الذي مضى عدم جوازه، الّا أنّه يشمله قوله عليه السلام في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج:
«نعم الشي ء الفرار من الحرام الى الحلال».(1)
مضافاً الى الاجماع على الصحّة، كما في المهذّب.(2)فلاتشملها الروايات الناهية عن الربا.
(مسألة 9): لايجوز قسمة الدين، فاذا كان لاثنين دين مشترك على ذمم متعدّدة كما اذا باعا عيناً مشتركة بينهما من أشخاص أو كان لمورّثهما دين على أشخاص فورثاه فجعلا بعد التعديل ما في ذمّة بعضهم لأحدهما و ما في ذمّة آخرين لآخر فانّه لايصحّ، نعم الظاهر كما مرّ في الشركة أنّه اذا كان لهما دين مشترك على أحد يجوز أن يستوفي أحدهما منه حصّته، فيتعيّن له و تبقى حصّة الآخر في ذمّته، و هذا ليس من قسمة الدين.
الشرح:
قال في المهذّب: «لأصالة بقاء المال المشترك على اشتراكه و عدم تعيّنه بقبض بعض الشركاء الّا مع رضى الجميع به و أصالة عدم انتقاله عن ملك الدافع الى غيره الّا بذلك، و لايعارض ذلك بقاعدة السلطنة و اطلاق دليل القسمة؛ اذ
لا موضوع لهما مع بقاء الشركة و عدم رضى الشركاء مع امكان الاستئذان منهم، و يشهد لذلك مرتكزات المتشرّعة أيضاً».(1)
أقول:
لايجوز قسمة الدين المشترك؛ تدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجلين كان لهما مال بأيديهما و منه متفرّق عنهما فاقتسما بالسويّة ما كان في أيديهما و ما كان غائباً عنهما، فهلك نصيب أحدهما ممّا كان غائباً و استوفى الآخر، عليه أن يردّ على صاحبه؟ قال: نعم، ما يذهب بماله».(2)
و موثّقة غياث قال:
«سئل أبو جعفرعليه السلام عن رجلين بينهما مال، منه بأيديهما و منه غائب عنهما، فاقتسما الذي بأيديهما و أحال كلّ واحد منهما من نصيبه الغائب، فاقتضى أحدهما و لم يقتض الآخر، قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما و ما يذهب بينهما».(3)
و موثّقة عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجلين بينهما مال، منه دين و منه عين، فاقتسما العين و الدين، فتوي الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه، و خرج الذي للآخر أ يردّ على صاحبه؟ قال: نعم، ما يذهب بماله».(4)
و بناءً عليه فاذا كان لاثنين دين مشترك على ذمم متعدّدة - كما اذا باعا عيناً مشتركة بينهما من أشخاص أو كان لمورّثهما دين على أشخاص فورثاه - فكلّ ما استوفي منهما يكون بينهما، و كلّ ما تلف يكون منهما.
و لو جعلا بعد التعديل ما في ذمّة بعضهم لأحدهما و ما في ذمّة الآخرين للآخر، لم يصحّ و بقي ما في الذمم على الاشتراك السابق. نعم، اذا تراضيا بعد القبض فلابأس به كما لابأس اذا كان بعنوان المصالحة أو البيع أو نحوهما؛ لاطلاق أدلّة هذه العناوين و عدم شمول أدلّة المقام لها. نعم اذا كان لاثنين دين مشترك على واحد يجوز أن يستوفي أحدهما من الدين المشترك حصّته، فيتعيّن له و تبقى حصّة الآخر في ذمّته؛ و هذا ليس من قسمة الدين في شي ء.
(مسألة 10): يجب على المديون عند حلول الدين و مطالبة الدائن السعي في أدائه بكلّ وسيلة و لو ببيع سلعته و متاعه و عقاره أو مطالبة غريم له أو اجارة أملاكه و غير ذلك، و هل يجب عليه التكسّب اللائق بحاله من حيث الشرف و القدرة؟ وجهان بل قولان، أحوطهما ذلك خصوصاً فيما لايحتاج الى تكلّف و فيمن شغله التكسّب، بل وجوبه حينئذٍ قوي. نعم، يستثنى من ذلك بيع دار سكناه و ثيابه المحتاج اليها و لو للتجمّل و دابّة ركوبه اذا كان من أهله و احتاج اليه، بل و ضروريّات بيته من فراشه و غطائه و ظروفه و انائه لأكله و شربه و طبخه و لو لأضيافه مراعياً في ذلك كلّه مقدار الحاجة بحسب حاله و شرفه، وبحيث لو كلّف ببيعها لوقع في عسر و شدّة و حزازة و منقصة، و هذه كلّها من مستثنيات الدين لا خصوص بعض المذكورات بل لايبعد أن يعدّ منها الكتب العلميّة لأهلها بمقدار حاجته بحسب حاله و مرتبته.
الشرح:
يجب على المديون عند حلول الدين و مطالبة الدائن السعي في أداء دينه بكلّ وسيلة، و لو ببيع سلعته و متاعه و عقاره و غيره ممّا هو مذكور في المتن ممّا لم يستثن شرعاً كما سيأتي، و الدليل على ذلك اطلاق الروايات الدالّة على وجوب أداء الدين و فوريّته بحسب العرف، مضافاً الى الاجماع بل الضرورة الفقهيّة ان لم تكن دينيّة بل عرفيّة ارتكازيّة بين الناس أجمعين كما في مهذّب الأحكام.
ثمّ انّ الظاهر أنّه يجب على المديون التكسّب اللائق بحاله من حيث الشرف و القدرة، كما هو ظاهر موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه:
«انّ عليّاًعليه السلام كان يحبس في الدين فاذا تبيّن له حاجة و افلاس خلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً».(1)
و كذا رواية السكوني عن جعفر عن أبيه:
«انّ عليّاًعليه السلام كان يحبس في الدين، ثمّ ينظر فان كان له مال أعطى الغرماء و ان لم يكن له مال دفعه الى الغرماء، فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، ان شئتم آجروه و ان شئتم استعملوه، و ذكر الحديث».(2)
أمّا الحبس فقد فصّلنا الكلام فيه في البحث عن التعزيرات و موارد السجن.
يستثنى من لزوم البيع لأداء الدين بيع دار سكناه و ثيابه المحتاج اليها و لو للتجمّل، و مركوبه و خادمه و كذا كلّ شي ء ممّا لا بدّ له ممّا يحتاج اليه لمعاشه كالأمثلة المذكورة في المتن؛ تدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«لاتباع الدار و لا الجارية في الدين؛ و ذلك أنّه لا بدّ للرجل من ظلّ يسكنه و خادم يخدمه».(1)
و منها موثّقة زرارة(2)قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّ لي على رجل ديناً و قد أراد أن يبيع داره فيقضيني، فقال أبو عبداللَّه عليه السلام: أعيذك باللَّه أن تخرجه من ظلّ رأسه».(3)
و منها موثّقة ابراهيم بن عثمان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قلت: رجل لي عليه دراهم و كانت داره رهناً فأردت أن أبيعها، قال: أعيذك باللَّه أن تخرجه من ظلّ رأسه».(4)
و منها معتبرة ابراهيم بن هاشم:
«انّ محمّد بن أبي عميررحمه الله كان رجلاً بزّازاً، فذهب ماله و افتقر، و كان
له على رجل عشرة آلاف درهم فباع داراً له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم، و حمل المال الى بابه، فخرج اليه محمّد بن أبي عمير فقال: ما هذا؟ فقال: هذا مالكالذي لك عليّ، قال: ورثته؟ قال: لا، قال: وهب لك؟ قال: لا، فقال: هو من ثمن ضيعة بعتها؟ فقال: لا، فقال: ما هو؟ فقال: بعت داري التي أسكنها لأقضي ديني، فقال: محمّد بن أبي عمير: حدّثني ذريح المحاربي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: لايخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين، ارفعها، فلا حاجة لي فيها و انّي لمحتاج في وقتي هذا الى درهم - و مايدخل ملكي منها درهم».(1)
و منها صحيحة ذريح المحاربي عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنّه قال:
«لايخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدين».(2)
فانّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «أنّه لا بدّ للرجل من ظلّ يسكنه و خادم يخدمه» أنّ كلّ شي ء لا بدّ له ممّا يحتاج اليه لمعاشه لايباع في دينه، فهي شاملة لمثل مركوبه و ضروريّات بيته من فراشه و غطائه و ظروفه و انائه لأكله و شربه و طبخه و لو لأضيافه، بل يلحق بها الكتب العلميّة لأهلها بمقدار حاجته بحسب حاله و مرتبته.
(مسألة 11): لو كانت دار سكناه أزيد عمّا يحتاجه سكن ما احتاجه و باع ما فضل عنه، أو باعها و اشترى ما هو أدون ممّا يليق بحاله، و اذا كانت له دور
متعدّدة و احتاج اليها لسكناها لايبيع شيئاً منها، و كذلك الحال في المركوب و الثياب و نحوهما.
لو كان داره و سائر وسائله زائداً على ما يحتاج اليه بحيث لو باع بعضها لم يقع في مشقّة، يجب عليه بيع ذلك البعض و المعاش ببعضها الآخر؛ تدلّ على ذلك صحيحة بريد العجلي قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّ عليّ ديناً - و أظنّه قال: لأيتام - و أخاف ان بعت ضيعتي بقيت و ما لي شي ء، فقال: لاتبع ضيعتك ولكن أعطه بعضاً و أمسك بعضاً».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«و كان شيخنا محمّد بن الحسن رحمه الله يروي: انّها ان كانت الدار واسعة يكتفي صاحبها ببعضها فعليه أن يسكن منها ما يحتاج و يقضي ببقيّتها دينه، و كذلك انكفته دار بدون ثمنها باعها و اشترى بثمنها داراً ليسكنها و يقضي بباقي الثمن دينه».(2)
و رواية مسعدة بن صدقة قال:
«سمعت جعفر بن محمّدعليه السلام و سئل عن رجل عليه دين و له نصيب في دار و هي تغلّ غلّة فربّما بلغت غلّتها قوته، و ربّما لم تبلغ حتّى يستدين، فان هو باع الدار و قضى دينه بقي لا دار له؟ فقال: ان كان في داره ما يقضي به دينه و يفضل منها ما يكفيه و عياله فليبع الدار، و الّا فلا».(3)
فالظاهر من هذه الرواية هو بيع داره ان فضل منها ما يكفيه و عياله من الدار الأخرى.
(مسألة 12): لو كانت عنده دار موقوفة عليه تكفي لسكناه و لم يكن سكناه فيها موجباً لمنقصة و حزازة و له دار مملوكة فالأحوط أن يبيع المملوكة.
الشرح:
لو كانت عنده دار موقوفة عليه و كذا سائر ما يحتاج اليه لمعيشته ممّا هي موقوفة عليه و تكفي الدار لسكناه حسب حاله و شرفه من دون عسر و مشقّة له و لعياله، و له دار مملوكة أو غيرها من وسائله فالظاهر وجوب بيع مملوكته و أداء دينه و يكتفي بالموقوفة؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات المانعة من بيع داره أو سائر ضروريّاته هو أن لايحتاج الى الناس و لم تكن الروايات ناظرة بخصوص ما يملكه، و الفرض أنّه لايحتاج في ذلك الى الناس.
(مسألة 13): انّما لاتباع دار السكنى في أداء الدين ما دام المديون حيّاً، فلو مات و لم يترك غير دار سكناه أو ترك و كان دينه مستوعباً أو كالمستوعب تباع و تصرف فيه.
الشرح:
يدلّ على ذلك ظاهر الروايات المتقدّمة فاستثناء المستثنيات فيها مختصّ بحال حياة المديون فاذا مات فقضاء دينه مقدّم على الارث؛ لقوله تعالى: «من
بعد وصيّة يوصي بها أو دين»(1). و عليه فلو كان له صغار و لم يكن لهم محلّ لسكناهم فعلى الحاكم أو المؤمنين تهيئة محلّ لهم، بعنوان الحسبة.
(مسألة 14): معنى كون الدار و نحوها من مستثنيات الدين أنّه لايجبر على بيعها لأجل أدائه، و لايجب عليه ذلك، و أمّا لو رضي به لقضائه جاز للدائن أخذه، نعم ينبغي أن لايرضى ببيع مسكنه، و لايصير سبباً له و ان رضي به، ففي خبر عثمان بن زياد قال: «قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّ لي على رجل ديناً و قد أراد أن يبيع داره فيقضيني، فقال أبو عبداللَّه عليه السلام: أعيذك باللَّه أن تخرجه من ظلّ رأسه» بل الاحتياط و التورّع في الدين يقتضي ذلك بعد قصّة ابن أبي عمير رضوان اللَّه عليه.
الشرح:
معنى كون الدار و نحوها من مستثنيات الدين أنّه لايجبر على بيعها لأجل أدائه و لايجب عليه ذلك؛ يدلّ على ذلك قوله عليه السلام في موثّقتي زرارة و ابراهيم بن عثمان:
«أعيذك باللَّه أن تخرجه من ظلّ رأسه».(2)
و كذا قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:
«لاتباع الدار و لا الجارية في الدين».(3)
و أمّا لو رضي به لقضاء دينه جاز للدائن أخذه؛ لأنّ الظاهر من الروايات
الواردة في هذا الباب أنّ استثناء المستثنيات للارفاق بالمديون لا أنّه ملزم به. نعم، ينبغي للدائن أن لايرضى ببيع مسكنه و لايصير سبباً له و ان رضي هو به و أراده، كما هو ظاهر معتبرة ابراهيم بن هاشم المتقدّمة في المسألة العاشرة.
(مسألة 15): لو كان عنده متاع أو سلعة أو عقار زائداً على المستثنيّات لاتباع الّا بأقلّ من قيمتها يجب بيعها للدين عند حلوله و مطالبة صاحبه، و لايجوز له التأخير و انتظار من يشتريها بالقيمة، نعم لو كان ما يشترى به أقلّ من قيمته بكثير جدّاً بحيث يعدّ بيعه به تضييعاً للمال و اتلافاً له لايبعد عدم وجوب بيعه.
الشرح:
لو كان عنده متاع أو سلعة أو عقار زائداً على المستثنيات لاتباع الّا بأقلّ من قيمتها لتنزّل القيم السوقيّة يجب بيعها للدين عند حلوله و مطالبة صاحبه؛ لأنّ هذا المقدار قيمتها السوقيّة، و معه يصدق التمكّن من أداء الدين عرفاً. و لايجوز له التأخير و انتظار من يشتريها بالقيمة؛ لأنّه يكون من مصاديق المسامحة في أداء الدين و هو حرام.
نعم، لو كان ما يشترى به أقلّ من قيمته بكثير جدّاً و الانتظار بتغيير القيمة و ازديادها عقلائيّاً بحيث لو باعها بتلك القيمة عدّ تضييعاً للمال و اتلافاً له، فالأظهر عدم وجوبه، و لايبعد القول بحرمته أيضاً في بعض موارده. لكن لو لم يعتن و باعها و أدّى دينه تبرأ ذمّته و ان قلنا بتحريمه؛ لتعلّق النهي بأمر خارج عن المعاملة. و أمّا لو كان المديون سفيهاً لايصحّ بيعه؛ لمكان الحجر عليه على ما يأتي في محلّه.
(مسألة 16): كما لايجب على المعسر الأداء يحرم على الدائن اعساره بالمطالبة و الاقتضاء، بل يجب أن ينظره الى اليسار.
الشرح:
كما لايجب على المعسر الأداء و القضاء يحرم على الدائن اعساره بالمطالبة و الاقتضاء، بل يجب أن ينظر الى اليسار؛ يدلّ على ذلك من الكتاب قوله تعالى: «و ان كان ذوعسرة فنظرة الى ميسرة»(1). و من السنّة صحيحة الكليني عن أبي عبداللَّه عليه السلام (في وصيّة طويلة كتبها الى أصحابه) قال:
«و ايّاكم و اعسار أحد من اخوانكم المسلمين أن تعسروه بشي ء يكون لكم قبله و هو معسر؛ فانّ أبانا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كان يقول: ليس لمسلم أن يعسر مسلماً، و من أنظر معسراً أظلّه اللَّه يوم القيامة بظلّه يوم لا ظلّ الّا ظلّه».(2)
و صحيحة حنان بن سدير عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«يبعث يوم القيامة قوم تحت ظلّ العرش وجوههم من نور و رياشهم من نور جلوس على كراسيّ من نور - الى أن قال: - فينادي مناد: هؤلاء قوم كانوا ييسّرون على المؤمنين و ينظرون المعسر حتّى ييسّر».(3)
و مرسلة معاوية بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من أراد أن يظلّه اللَّه
في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ الّا ظلّه فلينظر معسراً أو ليدع له من حقّه».(1)
و مرسلة أبي الجارود عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من سرّه أن يقيه اللَّه من نفحات جهنّم فلينظر معسراً أو ليدع له من حقّه».(2)
و مرسلة العيّاشي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من أنظر معسراً كان له على اللَّه في كلّ يوم صدقة بمثل ما له عليه حتّى يستوفي حقّه».(3)
(مسألة 17): مماطلة الدائن مع القدرة معصية، بل يجب عليه نيّة القضاء مع عدم القدرة بأن يكون من نيته الأداء عندها.
الشرح:
مماطلة الدائن مع القدرة معصية كبيرة، بل يجب عليه نيّة القضاء مع عدم القدرة بأن يكون من قصده الأداء عند القدرة؛ يدلّ على ذلك مضافاً الى أنّ ذلك مقتضى عدم جواز التصرّف في مال الغير بغير اذنه رواية الحسين بن زيد عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله (في حديث المناهي) أنّه قال:
«و من مطل على ذي حقّ حقّه و هو يقدر على أداء حقّه فعليه كلّ
يوم خطيئة عشّار».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«و من ألفاظ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: مطل الغني ظلم».(2)
و رواية المجاشعي عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: ليّ الواجد بالدين يحلّ عرضه و عقوبته ما لم يكن دينه فيما يكره اللَّه عزّوجلّ».(3)
و رواية عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال النبي صلى الله عليه وآله: ألف درهم أقرضها مرّتين أحبّ اليّ من أن أتصدّق بها مرّة، و كما لايحلّ لغريمك أن يمطلك و هو موسر فكذلك لايحلّ لك أن تعسره اذا علمت أنّه معسر».(4)
و لمّا كان الكلام في هذه المسألة في مماطلة المديون لابأس بذكر تكملة للبحث هنا و هو أنّه لو استقرض و لم ينو الأداء من حين الاقتراض فهل يبطل أصل القرض حتّى يكون تصرّف المديون فيما استدانه حراماً أو لا؟ وجهان:
قال في المهذّب: «من عدم رضى الدائن واقعاً بتصرّفه في المال مع اطّلاعه على هذه النيّة فلايجوز له التصرّف، و من كون الظاهر هو الاقتراض و الدائن راضٍ به ظاهراً فيجري عليه حكم القرض.
هذا، ولكن مقتضى الأصل عدم جواز التصرّف في مال الغير الّا مع احراز رضاه و من ينوي عدم الأداء لم يحرز بوجدانه الرضى، و للمسألة نظائر كثيرة تقدّم
بعضها في كتاب الطهارة في المسألة السادسةعشرة من الغسل لو نوى عدم اعطاء حقّ صاحب الحمّام حين الغسل».(1)
أقول:
الذي يظهر من قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الّا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم»(2)و من قوله صلى الله عليه وآله:
«لايحلّ مال امرئ مسلم الّا بطيبة نفس منه».(3)
و من قوله عليه السلام في معتبرة أبي خديجة المتقدّمة من أنّه من لم يكن من نيّته أداء ما استقرض فذلك اللصّ العادي.(4)
و من قوله عليه السلام في مرسلة ابن فضّال:
«من استدان ديناً فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق».(5)
هو بطلان القرض؛ لأنّ صحّة المعاملات مبنيّة على تراضي المتعاملين، فعلى هذا كيف نحكم بصحّة معاملة لم ينو أحدهما أداء عوض ما أخذه من الآخر بحيث لو علم قصده لم يكن راضياً بها. و لذلك قلنا في المسألة السادسةعشرة من أحكام غسل الجنابة بطلان غسل من كان من قصده عدم اعطاء الأجرة للحمّامي. و كذا اذا كان بناؤه على النسيئة مع علمه بعدم رضاه و ان استرضاه بعد الغسل؛ لعدم الانقلاب.
الى هنا تمّ ما عنونه الامام الخميني قدس سره في تحرير الوسيلة من المسائل المربوطة
بالدين و قد ألحق بها السبزواري رحمه الله في مهذّب الأحكام(1)مسائل تتميماً للبحث عن الدين، نذكرها مع ما لنا فيها:
الأولى: قال رحمه الله «لو امتنع المدين عن أداء الدين و لم يمكن اجباره يجوز للدائن المقاصّة من ماله و أخذ مقدار دينه عنه، و لايشترط في صحّة المقاصّة بعد تحقّق موضوعها مراجعة الحاكم الشرعي».
أقول: يجوز للدائن المقاصّة من مال المدين اذا امتنع عن أداء دينه؛ يدلّ عليه من الكتاب قوله تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»(2)و كذا قوله تعالى: «و ان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به»(3)، و من السنّة ما في رواية جميل بن درّاج قال:
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أ يأخذه و ان لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم. الحديث».(4)
و حسنة أبي بكر الحضرمي قال:
«قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني و حلف عليها أ يجوز لي ان وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقّي؟ قال: فقال عليه السلام: نعم. الحديث».(5)
و رواية داود بن رزين قال:
«قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: انّي أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها و الدابّة الفارهة فيبعثون فيأخذونها ثمّ يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك و لاتزد عليه».(1)
و لايشترط في صحّة المقاصّة بعد تحقّق موضوعها مراجعة الحاكم الشرعي؛ لاطلاق الأدلّة و عدم ما يصلح للتقييد.
الثانية: قال رحمه الله: «اذا كان المدين حاضراً و لم يمكن ايصال الدين الى الدائن لوجود مانع في البين و أمكن للدائن أخذ مقدار دينه من مال المديون يجوز له ذلك لصحّة دعوى أنّ موضوع المقاصّة عدم امكان وصول صاحب الحقّ الى حقّه سواء كان ذلك لطغيان من المدين و ظلم منه، أو لأجل عدم امكان الأداء كما اذا حبسه ظالم و لم يتمكّن أحد من العثور على حاله و الاستخبار عنه لا في القريب العاجل و لا في البعيد الآجل، و الاحتياط حينئذٍ في مراجعة الحاكم الشرعي».
أقول: الدلائل المتقدّمة الدالّة على جواز المقاصّة من الكتاب و السنّة، و ان كان لاتنطبق على هذه المسألة؛ لأنّ موضوعها من كان ظالماً في أداء الدين أو جاحداً، و الأصل عدم جواز تصرّف المسلم في مال أخيه الّا بطيب نفسه، الّا أنّه اذا كان الحال كما قاله في المهذّب و لم يتمكّن الدائن من العثور على حال المدين و الاستخبار منه لا في القريب العاجل و لا في البعيد، فيطمئنّ النفس - و لو بتنقيح مناط الدليل المذكور - بأنّ الشارع راضٍ بهذه المقاصّة؛ لأنّ المقرض محسن، و «ما على المحسنين من سبيل»(2).
الثالثة: قال رحمه الله: «لا فرق في مورد المقاصّة بينما اذا كان من نوع الدين أو غيره،
بل يجوز بيع بعض أموال المدين و أخذ عوضه عن دينه».
أقول: اذا كان عين المال موجودة و يتمكّن الدائن من أخذه فله أخذ ماله و يحرم عليه التصرّف في أموال المدين مقاصّة عن ماله. و أمّا ان لم يكن عين ماله موجودة أو لايتمكّن من أخذها فللدائن المقاصّة ممّا يكون في يده من مال المدين سواء كان من نوع الدين أو غيره، بل يجوز له - كما في المتن - بيع بعض أموال المدين و أخذ عوضه عن دينه و ردّ ما بقي اليه؛ و ذلك لاطلاق الأدلّة.
الرابعة: قال رحمه الله: «لو علم بتعلّق دين بذمّته و تردّد بين الأقلّ و الأكثر أو المتباينين يجب عليه الأقلّ في الأوّل و الأحوط الأكثر، و يتخيّر في الثاني و الأحوط التراضي».
أقول: لو علم بتعلّق دين بذمّته و تردّد بين الأقلّ و الأكثر يجب عليه الأقلّ؛ للبراءة عن الأكثر، و الأحوط استحباباً الأكثر كما في نظائره. و لو تردّد بين المتباينين - كالحنطة و الشعير مثلاً - فيتخيّر؛ لعدم الدليل على الترجيح، و الأحوط استحباباً التراضي.
الخامسة: قال رحمه الله: «يجوز المقاصّة الى بعض الحقّ دون تمامه».
أقول: يجوز المقاصّة الى بعض الحقّ دون تمامه؛ و ذلك لاطلاق الأدلّة، فانّها في مقام بيان جواز المقاصّة و أن لاتكون زائدة على قدر دينه، و أمّا كيفيّتها و كونها بعض الحقّ أو تمام الحقّ فيكون بنظر الدائن مع مراعاة مصلحة المدين بأن لايكون ضرره عليه أكثر ممّا لو أخذ بمقدار دينه.
السادسة: قال رحمه الله: «اذا علم بأنّ عليه مقداراً معيّناً من الدين و لايعلم بأنّه من حقّ الناس أو مثل الزكاة و الخمس و لم يدر صاحبه على الأوّل، يدفعه الى الفقير بقصد ما في الذمّة».
أقول: اذا علم بأنّ عليه مقداراً معيّناً من الدين فان علم أنّه من حقّ الناس و
لم يدر صاحبه فيدفعه الى الفقير؛ لأنّ حكمه التصدّق عن صاحبه، و ان علم أنّه من مثل الزكاة و الخمس و لم يدر من أيّهما يكون فيدفعه الى الحاكم الشرعي؛ لأنّه ولي ذلك. و كذلك لو تردّد بين هذه الثلاثة بأن لايعلم أنّه من حقّ الناس أو مثل الزكاة و الخمس.
السابعة: قال رحمه الله: «لو نذر أن لايستدين أو نهاه والده عن الدين، فخالف و استدان لا ريب في تحقّق الاثم و الكفّارة في الأوّل، ولكنّه يملك ما استدانه».
أقول: أمّا الاثم و الكفّارة في النذر فلمخالفته الموجبة لهما، و الاثم في مخالفة نهي أبويه ففيما اذا كان يوجب أذاهما. ولكنّه يملك ما استدانه في الصورتين؛ لأنّ النهي هنا تكليفي و هو لايوجب بطلان العقد.
الثامنة: قال رحمه الله: «لو باع الذمّي ما لايصحّ للمسلم تملّكه كالخمر و الخنزير جاز للمسلم أخذ ثمنه عوضاً عن دينه».
أقول: لو باع الذمّي ما لايصحّ للمسلم تملّكه كالخمر و الخنزير جاز للمسلم أخذ ثمنه عوضاً عن دينه؛ تدلّ على ذلك موثّقة منصور قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: لي على رجل ذمّي دراهم، فيبيع الخمر و الخنزير و أنا حاضر فيحلّ لي أخذها؟ فقال: انّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه السلام:
«في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمراً و خنازير و هو ينظر فقضاه، فقال: لا بأس به أمّا للمقتضي فحلال، و أمّا للبائع فحرام».(2)
و صحيحة زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام:
«في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمراً و خنزيراً ثمّ يقضي منها، قال: لا بأس، أو قال: خذها».(1)
و غيرها من الروايات الواردة في هذا الباب.
ثمّ انّ موثّقة منصور و ان كانت مختصّة بالذمّي الّا أنّ الظاهر من صحيحتي محمّد بن مسلم و زرارة هو جواز أخذ ثمن الخمر و الخنزير و لو كان البائع مسلماً فانّه و ان فعل حراماً الّا أنّه يجوز للدائن أخذه.
1) وسائل الشيعة 17: 233 / الباب 60 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 3.
و هو تمليك مال لآخر بالضمان بأن يكون على عهدته أداؤه بنفسه أو بمثله أو قيمته، و يقال للمملّك «المقرض»، و للمتملّك «المقترض» و «المستقرض».
الشرح:
قال في الجواهر: «القرض - بكسر القاف و فتحها و هو معروف - أثبته الشارع متاعاً للمحتاجين مع ردّ عوضه في غير المجلس غالباً و ان كان من النقدين رخصة، و قد تظافرت النصوص بل تواترت بتأكيده في المؤمن».(1)
القرض عقد من العقود المتداولة بين الناس و له شرائط سيأتي، و حقيقته عند العرف و الشرع تمليك مال لآخر بالضمان بأن يكون على عهدته أداؤه بنفسه أو بمثله أو بقيمته، و يقال للمملّك: «المقرض»، و للمتملّك: «المقترض» و «المستقرض».
1) جواهر الكلام 25: 1.
(مسألة 1): يكره الاقتراض مع عدم الحاجة، و تخفّ كراهته مع الحاجة، و كلّما خفّت الحاجة اشتدّت الكراهة، و كلّما اشتدّت خفّت الى أن تزول، بل ربّما وجب لوتوقّف عليه أمر واجب كحفظ نفسه أو عرضه و نحو ذلك، و الأحوط لمن لم يكن عنده ما يوفي به دينه و لم يترقّب حصوله عدم الاستدانة الّا عند الضرورة أو علم المستدان منه بحاله.
الشرح:
يدلّ على جواز القرض و الاستدانة في الجملة، صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّه ذكر لنا أنّ رجلاً من الأنصار مات و عليه ديناران ديناً فلم يصلّ عليه النبي صلى الله عليه وآله و قال: صلّوا على صاحبكم حتّى ضمنهما عنه بعض قرابته، فقال أبو عبداللَّه عليه السلام: ذلك الحقّ، ثمّ قال: انّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله انّما فعل ذلك ليتّعظوا، و ليردّ بعضهم على بعض، و لئلّايستخفّوا بالدين، و قد مات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله و عليه دين، و قتل أميرالمؤمنين عليه السلام و عليه دين، و مات الحسن عليه السلام و عليه دين، و قتل الحسين عليه السلام و عليه دين».(1)
و رواية موسى بن بكر قال:
«قال لي أبوالحسن عليه السلام: من طلب هذا الرزق من حلّه ليعود به على نفسه و عياله كان كالمجاهد في سبيل اللَّه، فان غلب عليه فليستدن على اللَّه و على رسوله صلى الله عليه وآله ما يقوت به عياله. الحديث».(2)
و يدلّ على كراهة الاستدانة صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«تعوّذوا باللَّه من غلبة الدين و غلبة الرجال و بوار الأيّم(1)».(2)
و رواية السكوني عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: ايّاكم و الدين فانّه شين الدين».(3)
و مرسلة الصدوق رحمه الله قال:
«و قال علي عليه السلام: ايّاكم و الدين فانّه مذلّة بالنهار و مهمّة بالليل، و قضاء في الدنيا و قضاء في الآخرة».(4)و مرسلة أخرى للصدوق رحمه الله قال:
«و قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من أراد البقاء - و لابقاء - فليباكر الغداء، و ليجوّد الحذاء و ليخفّف الرداء، و ليقلّ مجامعة النساء، قيل: و ما خفّة الرداء؟ قال: قلّة الدين».(5)
و غيرها من الروايات؛ فانّ الجمع بينها و بين ما تقدّم هو كراهة الاستقراض اذا لم تكن له حاجة. نعم، ربما وجب الاقتراض كما لو توقّف عليه أمر واجب كحفظ نفسه أو عرضه أو نحو ذلك، كما أنّه قد يعرض عليه التحريم و هو ما اذا استدان و كان باقياً على عدم الوفاء و العدوان. و يمكن فرض استحبابه فيما اذا استدان للسعي في قضاء حوائج المؤمنين و نحو ذلك مع ترقّب أداء دينه.
1) الأيّم: المرأة التي لا زوج لها.
2) وسائل الشيعة 18: 315 / الباب 1 من أبواب الدين و القرض/ الحديث 1.
3) وسائل الشيعة 18: 315 / الباب 1 من أبواب الدين و القرض/ الحديث 2.
4) وسائل الشيعة 18: 316 / الباب 1 من أبواب الدين و القرض/ الحديث 4.
5) وسائل الشيعة 18: 316 / الباب 1 من أبواب الدين و القرض/ الحديث 5.
و أمّا لو لم يكن عنده ما يوفي به دينه و لم يترقّب حصوله فالأحوط عدم الاستدانة الّا عند الضرورة؛ و ذلك لموثّقة سماعة قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: الرجل منّا يكون عنده الشي ء يتبلّغ به و عليه دين أ يطعمه عياله حتّى يأتيه اللَّه بميسرة فيقضي دينه، أو يستقرض على نفسه في خبث الزمان و شدّة المكاسب أو يقبل الصدقة؟ قال: يقضي بما عنده دينه، و لايأكل أموال الناس الّا و عنده ما يؤدّي اليهم حقوقهم؛ انّ اللَّه تبارك و تعالى يقول: «لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الّا أن تكون تجارة عن تراض منكم». الحديث».(1)
(مسألة 2): اقراض المؤمن من المستحبّات الأكيدة سيما لذوي الحاجة لما فيه من قضاء حاجته و كشف كربته، فعن النبي صلى الله عليه وآله «من أقرض أخاه المسلم كان بكلّ درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى و طور سيناء حسنات، و ان رفق به في طلبه تعدّى به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب و لا عذاب، و من شكا اليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرم اللَّه عزّ و جلّ عليه الجنّة يوم يجزي المحسنين».
الشرح:
اقراض المؤمن من المستحبّات الأكيدة؛ يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة الفضيل قال:
«قال أبو عبداللَّه عليه السلام: ما من مسلم أقرض مسلماً قرضاً حسناً يريد به
1) وسائل الشيعة 18: 325 / الباب 4 من أبواب الدين و القرض/ الحديث 3.
وجه اللَّه الّا حسب له أجرها كحساب الصدقة حتّى يرجع اليه».(1)
و رواية هيثم الصيرفي و غيره عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«القرض الواحد بثمانيةعشر و ان مات حسبتها من الزكاة».(2)
و رواية جابر عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، و كان هو في صلاة من الملائكة حتّى يؤدّيه».(3)
و عن النبي صلى الله عليه وآله (في حديث) قال:
«و من أقرض أخاه المسلم كان له بكلّ درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى و طور سيناء حسنات، و ان رفق به في طلبه تعدّى به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب و لا عذاب، و من شكا اليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرّم اللَّه عزّوجلّ عليه الجنّة يوم يجزي المحسنين».(4)
و يتأكّد استحباب القرض لذوي الحاجة؛ للنبوي صلى الله عليه وآله:
«من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف اللَّه عنه كربه يوم القيامة، و اللَّه في عون العبد ما كان العبد في حاجة أخيه».
(مسألة 3): القرض عقد يحتاج الى ايجاب، كقوله: «أقرضتك» أو ما يؤدّي معناه، و قبول دالّ على الرضا بالايجاب، و لايعتبر فيه العربيّة بل يقع
بكلّ لغة، بل تجري المعاطاة فيه باقباض العين و قبضها بهذا العنوان و يعتبر في المقرض و المقترض ما يعتبر في المتعاقدين من البلوغ و العقل و القصد و الاختيار و غيره.
الشرح:
قال في المهذّب: «أمّا كونه عقداً فهو من ضروريّات الفقه، و أمّا توقّف كلّ عقد على الايجاب و القبول الأعمّ من القولي و الفعلي فهو أظهر من أن يحتاج الى بيان و اقامة برهان - كما تقدّم في البيع - بلا فرق في ذلك بين حصول الملكيّة فيه بمجرّد القبض أو كانت متوقّفة على التصرّف؛ لأنّ التصرّف حينئذٍ يكون كاشفاً عن تحقّق العقد المقتضي لحصول الملكيّة.
و الدليل على جواز المعاطاة في القرض الاطلاقات و العمومات الشاملة لكلّ ذلك، و سيرة المتشرّعة بل العقلاء خلفاً عن سلف أكبر شاهد على جريان المعاطاة فيه. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
ما قاله في المهذّب حسن، و قد فصّلنا البحث عن ذلك في البيع في شرح المكاسب لشيخنا الأعظم، و أقمنا هناك الدليل على جواز المعاطاة في كلّ عقد الّا ما خرج بالدليل كالنكاح.
و هكذا الكلام في شرائط المتعاقدين فانّه قد فصّلنا البحث - في مواضع كثيرة من المعاملات كالمضاربة و البيع و الشركة و الاجارة - عن اعتبار البلوغ و العقل و القصد و الاختيار في المتعاقدين فلانعيد.
1) مهذّب الأحكام 21: 38.
(مسألة 4): يعتبر في المال أن يكون عيناً على الأحوط مملوكاً، فلايصحّ اقراض الدين و لا المنفعة، و لا ما لايصحّ تملّكه كالخمر و الخنزير، و في صحّة اقراض الكلّي بأن يوقع العقد عليه و أقبضه بدفع مصداقه تأمّل، و يعتبر في المثليّات كونه ممّا يمكن ضبط أوصافه و خصوصيّاته التي تختلف باختلافها القيمة و الرغبات، و أمّا في القيميّات كالأغنام و الجواهر فلايبعد عدم اعتبار امكان ضبط الأوصاف، بل يكفي فيها العلم بالقيمة حين الاقراض، فيجوز اقراض الجواهر و نحوها على الأقرب مع العلم بقيمتها حينه و ان لم يمكن ضبط أوصافها.
الشرح:
يعتبر في المال أن يكون عيناً مملوكاً، كما يظهر ذلك من تعريف القرض أعني تمليك مال لآخر بالضمان - بأن يكون على عهدته أداؤه - فيجب أن يكون المالعيناً؛ فانّ اقراض الدين أو المنفعة لايصحّ؛ لأنّ الأوّل يدخل في الضمان و الثاني في الاجارة، و كذا ما لايصحّ تملّكه كالخمر و الخنزير، فانّ ما لايصحّ تملّكه لايصحّ تمليكه أيضاً. و لايعتبر كونه عيناً شخصيّاً فيصحّ اقراض الكلّي بأن يقول: «أقرضتك ألف دينار»، فيقول المقترض: «قبلت»، و ان كان اقباضه لايكون الّا بدفع عين شخصي.
و اذا قلنا بعدم اعتبار كونه شخصيّاً و أنّه يصحّ اقراض الكلّي، و عليه فلو كان مثليّاً يعتبر ضبط أوصافه و خصوصيّاته التي تختلف باختلافها القيمة و الرغبات كالحبوبات و الأدهان، فاذا أراد أن يقرضه حنطة فحيث انّ أجناسها متفاوتة فعليه ذكر أوصافها، و كذلك الدهن و غيرهما؛ و ذلك لأنّ القرض عقد يشتمل على الايجاب و القبول، و الايجاب و القبول على الشي ء المبهم أو كالمبهم لايعقل.
أو فقل - كما في المهذّب - : «انّ كلّ عقد لا بدّ و أن يصان عن الجهالة ما لم يتسامح فيه كما في الصلح و الجعالة مثلاً؛ لأنّ تشريع العقد لقطع المنازعة، و الجهالة منشؤ لها فلايجتمعان».
و كذا اذا كان مال القرض قيميّاً كالأغنام و الجواهر، فلا بدّ من تعيين قيمته؛ ليخرج عن الجهالة. و الضبط معتبر فيما كان مال المقروض به عيناً فلايجوز اقراض ما لايمكن ضبط أوصافه في المثلي أو قيمته في القيمي الّا بالمشاهدة.
(مسألة 5): لا بدّ أن يقع القرض على معيّن، فلايصحّ اقراض المبهم كأحد هذين، و أن يكون قدره معلوماً بالكيل فيما يكال و الوزن فيما يوزن و العدّ فيما يقدر بالعدّ، فلايصحّ اقراض صبرة من طعام جزافاً. و لو قدّر بكيلة معيّنة و ملأ اناء معيّن غير الكيل المتعارف أو وزن بصخرة معيّنة غير العيار المتعارف عند العامّة، لايبعد الاكتفاء به، لكن الأحوط خلافه.
الشرح:
الدليل على هذه المسألة ما تقدّم، من أنّ تشريع العقد لقطع المنازعة و الجهالة، فمن يقترض يضمن أداءه فاذا كان المال المقروض به مبهماً كما مثّل به في المتن، فالضمان بأدائه يكون مجهولاً.
و الظاهر أنّ التقدير بكيلة معيّنة و ملأ اناء معيّن غير الكيل المتعارف أو وزن بصخرة معيّنة غير العيار المتعارف عند العامّة ملحق بالجزاف لأنّه مبهم بالنهاية.
قال في الشرائع: «الأمر الثانى: ما يصحّ اقراضه و هو كلّ ما يضبط وصفه و قدره، فيجوز اقراض الذهب و الفضّة وزناً، و الحنطة و الشعير كيلاً و وزناً، و
الخبز وزناً و عدداً؛ نظراً الى المتعارف».(1)
و في المسالك: «يجوز اقتراض المكيل وزناً؛ لأنّه أضبط، و الموزون كيلاً مع عدم الاختلاف المؤدّي الى الجهالة، بأن يكون قطعاً كباراً يتجافى في المكيال، و نحو ذلك. و حينئذٍ فلو اقترض المقدّر غير معتبر لم يفد الملك، و لم يجز التصرّف فيه و ان اعتبره بعد ذلك. و لو تصرّف فيه قبل الاعتبار ضمنه، و يخلص منه بالصلح، كما هو وارد في كلّ ما يجهل قدره.
و لا شبهة في جواز اقتراض الخبز وزناً؛ لانضباطه. و انّما الكلام في العدد، فعندنا أنّه جائز أيضاً للعادة، و لرواية الصباح بن سيّابة عن الصادق عليه السلام. و يظهر من التذكرة أنّه عندنا اجماعي. و يغتفر التفاوت اليسير المتسامح بمثله عادة. و مثله الجوز و البيض. و شرط في الدروس في جواز اقتراض الخبز عدداً عدم علم التفاوت، و الّا اعتبر وزناً. و ينبغي تقييده بتفاوت لايتسامح به عادة، لا مطلق التفاوت؛ لتحقّقه غالباً. و الرواية مصرّحة بالجواز معه».(2)
(مسألة 6): يشترط في صحّة القرض القبض و الاقباض فلايملك المستقرض المال المقترض الّا بعد القبض، و لايتوقّف على التصرّف.
الشرح:
لا اشكال في اشتراط القبض و الاقباض في القرض اذا كان معاطاة، و أمّا اذا كان بالايجاب و القبول، فالظاهر أنّ العرف لايرى لهذا الايجاب و القبول تمليكاً و تملّكاً الّا بعد القبض، فلايكون عقد القرض مثل البيع و الشراء، فانّ المشتري
يملك المتاع المعلوم بايجاب البائع و قبوله و ان لم يقبضه. نعم، لايتوقّف تملّك المستقرض على التصرّف بل يملك بعد القبض، كما يشهد به العرف، و هو الظاهر من الأدلّة.
و في الشرائع: «القرض يملك بالقبض لا بالتصرّف؛ لأنّه فرع الملك، فلايكون مشروطاً به».(1)
و في المسالك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب و كثير منهم لم يذكروا فيه خلافاً. و قيل: «لايملك الّا بالتصرّف». و نسبه الشهيدرحمه الله في بعض حواشيه الى الشيخ. و في الدروس نسب المشهور الى الشيخ رحمه الله و حكى الآخر بلفظ قيل».(2)
(مسألة 7): الأقوى أنّ القرض عقد لازم، فليس للمقرض فسخه و الرجوع بالعين المقترضة لو كانت موجودة، و لا للمقترض فسخه و ارجاع العين في القيميّات، نعم للمقرض عدم الانظار و مطالبة المقترض بالأداء و لو قبل قضاء وطره أو مضيّ زمان يمكن فيه ذلك.
الشرح:
قال في المبسوط: «و يجوز للمقرض أن يرجع فيه (مال القرض) كما أنّ له أن يرجع في الهبة».(3)
و قال في الشرائع: «القرض يملك بالقبض لا بالتصرّف؛ لأنّه فرع الملك، فلايكون مشروطاً به. و هل للمقرض ارتجاعه؟ قيل: نعم، و لو كره المقترض، و
قيل: لا، و هو الأشبه؛ لأنّ فائدة الملك التسلّط».(1)
و في المسالك استشكل على الشيخ بالمنع من مساواة القرض مع الهبة فقال: «انّ ملك المقترض العين يقتضي تسلّطه عليها، و اللازم له انّما هو العوض، فيتخيّر فيه، فجواز الرجوع في العين في الهبة بدليل خارج و لاينبغي الحاق غيرها بها. - الى أن قال: - و يمكن تعليل جواز الرجوع الى العين في القرض، بالاتّفاق على أنّ القرض عقد جائز، و من شأن العقد الجائز أنّ من اختار فسخه رجع الى عين ماله لا الى عوضه، كالهبة و البيع بخيار. و انّ الانتقال الى المثل أو القيمة انّما كان لتعذّر العين و لو بالملك، فاذا أمكن الرجوع الى العين بفسخ الملك - حيث يمكن -لايعدل عن الحقّ الى بدله. هذا غاية ما يوجّه به هذا القول. و يمكن الاحتجاج للمشهور - بناءً على الملك بالقبض - بأنّ الأصل في ملك الانسان أن لايتسلّط عليه غيره الّا برضاه، و الثابت بالعقد و القبض للمقرض انّما هو البدل، فيستصحب الحكم الى أن يثبت المزيل. و لا سند له يعتدّ به الّا كون العقد جائزاً يوجب فسخه ذلك. و من المعلوم أنّهم يريدون بجوازه تسلّط المقرض على أخذ البدل اذا طالب به متى شاء، فيبقى الملك و ما يثبت في الذمّة حكمها الى أن يثبت خلافه. و هذا هو الوجه. انتهى ملخّصاً».(2)
أقول:
الحقّ أنّ القرض معاملة لازمة كما مرّ البحث عنه فلايجوز فسخه الّا أنّ للمقرض عدم الانظار و مطالبة المقترض بالأداء و القضاء؛ يدلّ على ذلك قول أبي جعفرعليه السلام في صحيحة حنان بن سدير:
«يبعث يوم القيامة قوم تحت ظلّ العرش وجوهم من نور و رياشهم من نور جلوس على كراسيّ من نور - الى أن قال: - فينادي مناد: هؤلاء قوم كانوا ييسّرون على المؤمنين، و ينظرون المعسر حتّى ييسّر».(1)
و غيرها من الروايات الواردة في هذا الباب؛ فانّ المفهوم منها أنّ للمقرض مطالبة المقترض ما أقرضه فان كانت العين موجودة فيؤدّيها - على ما هو الحقّ في الخلاف الآتي في جواز ردّ العين - و ان لم تكن موجودة فمثلها أو قيمتها. نعم، لو تصرّف في العين فكانت تالفة و كان معسراً فالظاهر من بعض الروايات وجوب انظاره، كصحيحة محمّد بن يعقوب عن أبي عبداللَّه عليه السلام في وصيّة طويلة كتبها الى أصحابه قال:
«و ايّاكم و اعسار أحد من اخوانكم المسلمين أن تعسروه بشي ء يكون لكم قبله و هو معسر؛ فانّ أبانا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كان يقول: ليس لمسلم أن يعسر مسلماً، و من أنظر معسراً أظلّه اللَّه يوم القيامة بظلّه يوم لا ظلّ الّا ظلّه».(2)
و يدلّ على كلا الحكمين رواية عبداللَّه بن سنان قال:
«قال النبي صلى الله عليه وآله: ألف درهم أقرضها مرّتين أحبّ اليّ من أن أتصدّق بها مرّة، و كما لايحلّ لغريمك أن يمطلك و هو موسر فكذلك لايحلّ لك أن تعسره اذا علمت أنّه معسر».(3)
(مسألة 8): لو كان المال المقترض مثليّاً كالحنطة و الشعير و الذهب و الفضّة ثبت في ذمّة المقترض مثل ما اقترض، و يلحق به أمثال ما يخرج من المكائن الحديثة كظروف البلور و الصيني، بل و طاقات الملابس على الأقرب، و لو كان قيمياً كالغنم و نحوها ثبت في ذمّته قيمته، و في اعتبار قيمة وقت الاقتراض و القبض أو قيمة حال الأداء وجهان، أقربهما الأوّل و ان كان الأحوط التراضي و التصالح في مقدار التفاوت بين القيمتين.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كلّ ما يتساوى أجزاؤه يثبت في الذمّة مثله كالحنطة و الشعير و الذهب و الفضّة، و ما ليس كذلك يثبت في الذمّة قيمته وقت التسليم، و لو قيل: «يثبت مثله أيضاً» كان حسناً».(1)
قال في المسالك: «المثلي هو ما تتساوى أجزاؤه في القيمة و المنفعة و تتقارب صفاته، و ذلك كالحبوب و الأدهان. و لا خلاف في اعتبار المثل في المثلي مع وجوده، و مع تعذّره ينتقل الى القيمة. و في اعتبار يوم القرض أو التعذّر أو المطالبة أوجه، أوجهها الأخير؛ لأنّه وقت الانتقال الى القيمة؛ اذ الثابت في الذمّة انّما هو المثل الى أن يطالب به. انتهى ملخّصاً».(2)
أقول:
قد فصّلنا الكلام عن ضابط المثلي و القيمي، و كذا وقت ثبوت قيمة القيمي في الذمّة في مباحثنا في شرح مكاسب الشيخ(3)و كذا قاعدة ضمان اليد في
القواعد الفقهيّة و نقلنا هناك الاختلاف في تعريف المثلي و القيمي و قلنا بأنّه ليس الغرض من تعريف المثلي و القيمي الّا تعيين تكليف الضامن حين الأداء و أنّه هل يضمن المثل أو القيمة، و على هذا فلايكون التعاريف حقيقيّة و لانحتاج الى النقض و الابرام فيها و شرحها و تفسيرها فانّ المثلي أو القيمي لم يرد في آية و لا رواية و لاانعقد عليه اجماع محصّل و لا منقول لكي نبحث عنها.
و على هذا فاذا كان الغرض من ذكر هاتين اللفظتين بيان أنّ الضامن هل عليه حين الأداء أن يردّ مثل المضمون أم قيمته؟ فعلينا أن نذكر هذا الحكم فنقول:
انّ بعض الأشياء لا اشكال عند أهل العرف في كونه مثليّاً و يضمّنون الضامن بالمثل كما أنّه لا شبهة عندهم في عدّ بعض الأشياء من القيميّات و يضمّنون المديون بالقيمة، و أمّا في موارد الشبهة في كونه مثليّاً أو قيميّاً فالظاهر أنّه لو قيل: «المثلي ما تساوت أفراده من صنف واحد أو نوع واحد من حيث الصفات و القيمة عرفاً و من دون الدقّة العقليّة» و القيمي غيره كان أقرب الى المراد.
و على هذا فاذا كان المال المقترض مثليّاً ثبت في ذمّة المقترض مثله و لو كان قيميّاً ثبت قيمته و الظاهر أنّ المعتبر هو قيمة يوم الأداء كما فصّلنا الكلام فيه ان شئت فراجع.
هذا مضافاً الى أنّ الحكم عند الشكّ في كون المال المقترض مثليّاً أو قيميّاً هو ضمان المثل ظاهراً كما سيأتي ان شاء اللَّه.
(مسألة 9): لايجوز شرط الزيادة بأن يقرض مالاً على أن يؤدّي المقترض أزيد ممّا اقترضه، سواء اشترطاه صريحاً أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنيّاً عليه، و هذا هو الربا القرضي المحرّم الذي ورد التشديد عليه، و لا فرق في الزيادة بين أن تكون عينيّة كعشرة دراهم باثني عشر أو عملاً كخياطة ثوب له،
أو منفعة أو انتفاعاً كالانتفاع بالعين المرهونة عنده، أو صفة مثل أن يقرضه دراهم مكسورة على أن يؤدّيها صحيحة، و كذا لا فرق بين أن يكون المال المقترض ربويّاً بأن كان من المكيل و الموزون و غيره بأن كان معدوداً كالجوز و البيض.
الشرح:
هذه المسألة و بعض ما يتلوها من المسائل معدّة لذكر الأحكام المربوطة بالربا القرضي فنقول:
حرمة الربا من الضروريّات بين المسلمين، و قد دلّ على حرمته من الكتاب قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللَّه و ذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين * فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللَّه و رسوله»(1)، و قوله تعالى: «الذين يأكلون الربا لايقومون الّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ذلك بأنّهم قالوا انّما البيعمثل الربا و أحلّ اللَّه البيع و حرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما سلف و أمره الى اللَّه و من عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يمحق اللَّه الربا و يربى الصدقات و اللَّه لايحبّ كلّ كفّار أثيم»(2).
و تدلّ عليه السنّة المستفيضة بين الفريقين أيضاً، فمن الاماميّة صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«درهم رباً أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم».(3)
و موثّقة سعد بن طريف عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«أخبث المكاسب كسب الربا».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّي رأيت اللَّه تعالى قد ذكر الربا في غير آية و كرّره، قال: أو تدري لمَ ذاك؟ قلت: لا، قال: لئلّايمتنع الناس من اصطناع المعروف».(2)
ففي هذا الباب قد وردت ثلاث و عشرون رواية قد دلّ بعضها على أنّ الدرهم منه أعظم من سبعين زنية.
ثمّ انّ المحقّق السبزواري(3)قد عنون هنا أموراً مربوطة باشتراط الزيادة لابأس بذكرها ملخّصاً مع ما لنا فيها:
الأوّل: بعض الأخبار الواردة في المقام قد علّق حرمة الربا القرضي فيها على الشرط و عدم الحرمة على عدمه كموثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضاً فيعطيه الشي ء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يكن شرطاً».(4)
و موثّقة ثانية لاسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام: الرجل يكون له على الرجل المال قرضاً فيطول مكثه عند الرجل لايدخل على صاحبه منه منفعة فينيله
الرجل الشي ء بعد الشي ء كراهية أن يأخذ ماله حيث لايصيب منه منفعة أ يحلّ ذلك له؟ قال: لا بأس اذا لم يكن بشرط».(1)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«من أقرض رجلاً ورقاً فلايشترط الّا مثلها، فان جوزي أجود منها فليقبل، و لايأخذ أحد منكم ركوب دابّة أو عاريّة متاع يشترطه من أجل قرض ورقة».(2)
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرعليه السلام قال:
«و سألته عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقلّ أو أكثر؟ قال: هذا الربا المحض».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«اذا أقرضت الدراهم ثمّ جاءك بخير منها فلا بأس اذا لم يكن بينكما شرط».(4)
و صحيحة خالد بن الحجّاج قال:
«سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة(5)وزناً؟ قال: لا بأس ما لم يشترط، قال: و قال: جاء الربا من قبل الشروط، انّما يفسده الشروط».(6)
1) وسائل الشيعة 18: 357 / الباب 19 من أبواب الدين و القرض / الحديث 13.
2) وسائل الشيعة 18: 357 / الباب 19 من أبواب الدين و القرض / الحديث 11.
3) وسائل الشيعة 18: 359 / الباب 19 من أبواب الدين و القرض / الحديث 18.
4) وسائل الشيعة 18: 360 / الباب 20 من أبواب الدين و القرض / الحديث 1.
5) في المصدر: زيادة «درهم».
6) وسائل الشيعة 18: 190 / الباب 12 من أبواب الصرف / الحديث 1.
هذه جملة من الأخبار الواردة في أبواب الربا القرضي المعلّقة للحرمة على الشرط و للحلّيّة على عدمه.
و في النبوي: «كلّ قرض جرّ منفعة فهو رباً»، المحمول على صورة الشرط بقرينة غيره ممّا تقدّم.
و بازائها روايات تدلّ على أنّ: «خير القرض ما جرّ منفعة».(1)
و لا بدّ من حملها على صورة عدم الشرط؛ جمعاً و اجماعاً بقرينة قول أبي عبداللَّه عليه السلام في صحيحة ابراهيم بن عمر اليماني قال:
«الربا رباءان: رباً يؤكل و رباً لايؤكل، فأمّا الذي يؤكل فهديّتك الى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل، و هو قول اللَّه عزّوجلّ: «و ما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلايربوا عند اللَّه»، و أمّا الذي لايؤكل فهو الذي نهى اللَّه عزّوجلّ و أوعد عليه النار».(2)
الأمر الثاني: القرض تارة: يكون بداعي الزيادة و طمعاً فيها من دون شرط و تبانٍ عليها أصلاً، و لا ريب في عدم كونه من الربا المحرّم نصّاً - كما تقدّم - و اجماعاً.
و أخرى: بلا داعٍ و لا طمع فيها أصلاً، ولكن يعلم المقرض أنّ المقترض يعطيه زيادة، و هذا كسابقه و هما من خير القرض الذي يجرّ نفعاً.
و ثالثة: لا شرط و لا تباني في البين و لا داعي للزيادة و لا علم بها أيضاً و يقع القرض مجرّداً عن ذلك، ولكنّ المقرض يرغّب المقترض في اعطاء الزيادة بعد
تحقّق القرض و هو يعطي الزيادة، و ليس ذلك من الربا أيضاً؛ لأنّ الربا المحرّم ما اذا اشترطت الزيادة حين العقد أو وقع العقد مبنيّاً عليها بل هو من القرض الذي يجرّ نفعاً.
و رابعة: ليس كلّ ذلك قبل العقد بالتباني و لا حينه بالشرط، ولكنّ المقرض يأخذ الزيادة من مال المقترض فضولة ثمّ يجيزه المقترض، أو يستفيد المقرض من المقترض فائدة عيناً كانت أو منفعة برضى منه، و هذا أيضاً ليس من الربا المحرّم؛ لعدم الشرط حين العقد و لا التباني عليها و بعض أفراده منصوص بالجواز كما سيأتي.
و خامسة: يكون أخذ الزيادة بالشرط عليه حين العقد أو التباني عليه قبل العقد و انشاء العقد مبنيّاً عليه، و هو عبارة أخرى عن الشرط أيضاً، و هذا هو الربا القرضي المحرّم في الشريعة المقدّسة بالأدلّة الثلاثة الكتاب و السنّة و الاجماع كما سبق.
الأمر الثالث: الزيادة المشروطة في القرض امّا عينيّة أو حكميّة كالأعمال و المنافع و الصفات و نحوها أو من مجرّد الانتفاع، أو ليست من ذلك كلّه بل يكون في الشرط غرض عقلائي صحيح و ليس بلغو عند العرف و جميع ذلك:
تارة: بالنسبة الى المقترض، و أخرى: بالنسبة الى المقرض، و ثالثة: بالنسبة الى أجنبي لا ربط له بأحدهما أصلاً.
و لا بأس باشتراط الزيادة بالنسبة الى المقترض اجماعاً و نصّاً كما ستأتي الاشارة اليه في المسألة الثانية عشرة.
و أمّا بالنسبة الى المقرض فشرط الزيادة العينيّة رباً نصّاً و اجماعاً و ذلك مثلاً بأن يقرض مالاً على أن يؤدّي المقترض أزيد ممّا اقترضه سواء اشترطاه صريحاً أو أضمراه بحيث وقع القرض عليه؛ لأنّ هذا أيضاً بمنزلة الاشتراط اللفظي؛ لفرض
بنائهما على الالتزام به و جعل أصل العقد عنواناً مظهراً لما بنيا عليه، و هذا هو الربا القرضي الذي ورد التشديد عليه في الشريعة المقدّسة.
و أمّا شرط الزيادة الحكميّة، أو شرط ما فيه غرض عقلائي بالنسبة الى المقرض، و كذا شرط مطلق الزيادة بالنسبة الى الأجنبي مع عدم ربط له الى المقرض أصلاً، فمورد البحث في أنّه من الربا المحرّم أو لا.
و الظاهر من بعض الروايات المتقدّمة و ما سيأتي من الروايات و فتوى الفقهاء عدم الفرق بين الزيادة العينيّة و الحكميّة و ما فيه غرض عقلائي بالنسبة الى المقرض و قد تقدّم صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«من أقرض رجلاً ورقاً فلايشترط الّا مثلها، فان جوزي أجود منها فليقبل، و لايأخذ أحد منكم ركوب دابّة أو عاريّة متاع يشترطه من أجل قرض ورقة».
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«اذا أقرضت الدراهم ثمّ جاءك بخير منها فلا بأس اذا لم يكن بينكما شرط».
و صحيحة خالد بن الحجّاج قال:
«سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة(1)وزناً؟ قال: لا بأس ما لم يشترط، قال: و قال: جاء الربا من قبل الشروط، انّما يفسده الشروط».
و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثمّ يعطي سوداً
1) في المصدر: زيادة «درهم».
وزناً، و قد عرف أنّها أثقل ممّا أخذ، و تطيب نفسه أن يجعل له فضلها، فقال: لا بأس به اذا لم يكن فيه شرط، و لو وهبها له كلّها صلح».(1)
فانّ المفهوم منها حرمة الزيادة الحكميّة مع الشرط.
قال في الشرائع: «و في القرض أجر، ينشأ من معونة المحتاج تطوّعاً و الاقتصار على ردّ العوض، فلو شرط النفع حرم و لم يفد الملك».(2)
و في المسالك - في ذيل قول المحقّق: «فلو شرط النفع حرم و لم يفد الملك» - قال: «هذا الحكم اجماعي، و مستنده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «كلّ قرض يجرّ منفعة فهو حرام». و المراد مع الشرط؛ اذ لا خلاف في جواز التبرّع بالزائد، و غيره من الأخبار. و لا فرق في النفع بين كونه عيناً و صفة و لا بين الربوي و غيره عندنا؛ لاطلاق النصوص، و لأنّ الغرض من القرض مجرّد الارفاق و الاحسان، بخلاف البيع».(3)
قال في الجواهر: «شرط القرض الاقتصار على ذكر ردّ العوض فقط على معنى أنّه لو شرط النفع حرم الشرط بلا خلاف فيه، بل الاجماع منّا بقسميه عليه، بل ربما قيل: انّه اجماع المسلمين؛ لأنّه رباً».
و قال في موضع آخر: «لو شرط الدراهم الصحاح كالطازجيّة عوض المكسّرة كالغلّة يكون من الربا. لكن قال الشيخ و أبو الصلاح و ابنا البرّاج و حمزة: «يجوز فيه؛ لصحيح يعقوب بن شعيب قال: «سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلّة و يأخذ منه الدراهم الطازجيّة طيبة بها نفسه، قال: لا بأس و
ذكر ذلك عن علي عليه السلام». الذي لا ظهور فيه بصورة الشرط، بل قيل: «انّه ظاهر في عدمها». و لو سلّم فبينه و بين غيره ممّا أطلق فيه المنع تعارض العموم من وجه، و من الواضح رجحانه عليه من وجوه. كلّ ذلك مضافاً الى خصوص بعض النصوص السابقة كصحيح محمّد بن قيس و غيره، فلا ريب حينئذٍ في أنّ الوجه المنع. - الى أن قال: - و كيف كان فالتحقيق ما عرفت، و منه يعلم غرابة ماعن الأردبيلي من الميل الى عدم البأس في اشتراط الزيادة الحكميّة مطلقاً حاكياً له عن الجماعة المزبورة؛ للأصل و اطلاق الأدلّة، خصوصاً نصوص «خير القرض ما جرّ نفعاً»، بعد عدم الاجماع و عدم ظهور تناول دليل الربا له، بل دلالة أكثر أخبار المنع انّما هي بمفهوم البأس الذي هو أعمّ من الحرمة.
و فيه: ما عرفت من ظهور الأدلّة منطوقاً كصحيح محمّد بن قيس و غيره، و مفهوماً و لو بقرينة غيره في المنع من اشتراط النفع عيناً أو منفعة أو صفة كما هو واضح. انتهى ملخّصاً».(1)
و على هذا فلا فرق في الزيادة بين أن تكون عينيّة أو حكميّة كما اذا اشترط عملاً كخياطة ثوب له، أو منفعة، أو انتفاعاً كالانتفاع بالعين المرهونة عنده، أو صفة مثل أن يقرضه دراهم مكسورة على أن يؤدّيها صحيحة. و ان كان بالنسبة الى الأخير خلاف.
و كذا لا فرق بين أن يكون المال المقترض ربويّاً بأن كان من المكيل و الموزون و غيره بأن كان معدوداً كالجوز و البيض؛ كلّ ذلك لاطلاق الأدلّة الشامل لجميع ذلك كلّه، و تحمل صحيحة يعقوب بن شعيب على صورة عدم الاشتراط؛ جمعاً بينها و بين غيرها ممّا مرّ.
1) جواهر الكلام 25: 5 و 10 و 11.
هذا، ولكن المحقّق السبزواري رحمه الله لم يرتض بما ذكرنا و قال بأنّ القدر المتيقّن من الاجماع و المنصرف من الآيات و الروايات اشتراط الزيادة العينيّة أو المنفعة لخصوص المقرض فلايشمل مطلق ما فيه غرض عقلائي.
ثمّ قال: «و ممّا يدلّ على اخراج الزيادة الحكميّة من الربا القرضي ظهور اتّفاقهم على صحّة اشتراط الرهن، و اطلاق ما ورد من صحّة اشتراط التسليم في بلد آخر الشامل لما فيه النفع للمقرض أيضاً».
ففي صحيحة يعقوب بن شعيب عن الصادق عليه السلام قال:
«قلت: يسلف الرجل الورق على أن ينقدها ايّاه بأرض أخرى و يشترط عليه ذلك قال: لا بأس».(1)
و في صحيحة أبي الصبّاح عن أبي عبداللَّه عليه السلام:
«في الرجل يبعث بمال الى أرض، فقال للذي يريد أن يبعث به: أقرضنيه و أنا أوفيك اذا قدمت الأرض، قال: لا بأس».(2)
و فيه أوّلاً: انّ الظاهر من كلمات الفقهاء هو التعميم، و لا وجه لدعوى انصراف الأدلّة عن الزيادة الحكميّة عملاً كان أو منفعة أو انتفاعاً أو ما فيه غرض عقلائي بعد اطلاق الأدلّة مفهوماً و منطوقاً.
و ثانياً بخروج اشتراط الرهن و التسليم فى بلد آخر بالنصّ و الاجماع.
و أمّا اشتراط الزيادة للأجنبي فالظاهر أنّ اطلاق الأدلّة المتقدّمة الدالّة على حرمة شرط الزيادة في القرض، يشمله.
(مسألة 10): لو أقرضه و شرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته أو يؤاجره بأقلّ من أجرته كان داخلاً في شرط الزيادة، نعم لو باع المقترض من المقرض مالاً بأقلّ من قيمته و شرط عليه أن يقرضه مبلغاً معيّناً لابأس به.
الشرح:
اذا أقرضه شيئاً و شرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته أو يؤجره بأقلّ من أجرته كان داخلاً في شرط الزيادة، فتشمله الروايات المتقدّمة مضافاً الى قوله صلى الله عليه وآله: «كلّ قرض يجرّ منفعة فهو ربا».
نعم، لو باع المقترض من المقرض مالاً بأقلّ من قيمته و شرط عليه أن يقرضه مبلغاً معيّناً لا بأس به؛ لعدم كون الشرط من المقرض، و ان أفاد فائدة الأوّل و به يحتال في الفرار عن الربا كسائر الحيل الشرعيّة و لنعم الفرار من الحرام الى الحلال، كما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«نعم الشي ء الفرار من الحرام الى الحلال».(1)
قال في المهذّب: «لا اشكال في تحقّق الربا القرضي فيما اذا قصد المقرض و المقترض عنوان الربا من حيث انّه عنوان خاصّ، ولكن لو اختلف قصدهما بأن قال المقرض: «أقرضك عشرة دنانير على أن تعطيني ديناراً نفعاً و رباً»، و قال المقترض: «لا أعطيك رباً ولكن أعطيك هديّة أو زكاة أو خمساً أو نحو ذلك من
1) وسائل الشيعه 18: 178 باب 6 من أبواب الصرف / الحديث 1.
العناوين المنطبقة على المقرض»، فهل يكون هذا داخلاً في الربا المحرّم أيضاً أو لا؟ وجهان. من حيث يصدق أنّه «جرّ النفع» في الجملة فيحرم. و من حيث أنّ المقترض نفى ما أنشأه المقرض فكأنّه لم يقبل ايجابه فلم يتحقّق عقد حتّى يتحقّق الربا و المفروض تقوّمه بالعقد فقد أعطى الزيادة مع تصريحه بنفي الشرط فلا وجه للحرمة حينئذٍ. ان قيل: فعلى هذا لا وجه لتصرّف المقترض فيما أخذه من المقرض؛ لعدم تحقّق العقد القرضي بينهما. يقال: التصرّف منوط بالعلم بالرضا و هو متحقّق كما هو المفروض، هذا و العرف يساعد الأخير و الاحتياط يوافق الأوّل».(1)
أقول:
الظاهر أنّ هذا أيضاً من الربا، و المقترض و ان لم يقبل ايجابه الّا أنّ المقرض قبل ما اشترطه المقترض، و قد تحقّق الايجاب و القبول بما قاله المقترض بعد كون قصد المقرض على أخذ الزيادة بلا فرق بين أن يكون بهذا العنوان أو بذلك العنوان. و كيف كان فلايترك الاحتياط هنا.
(مسألة 11): انّما تحرم الزيادة مع الشرط، و أمّا بدونه فلابأس، بل تستحبّ للمقترض حيث أنّه من حسن القضاء، و خير الناس أحسنهم قضاءً، بل يجوز ذلك اعطاءً و أخذاً لو كان الاعطاء لأجل أن يراه المقرض حسن القضاء، فيقرضه كلّما احتاج الى الاقتراض أو كان الاقراض لأجل أن ينتفع من المقترض لكونه حسن القضاء، و يكافئ من أحسن اليه بأحسن الجزاء بحيث لولا ذلك لم يقرضه، نعم يكره أخذه للمقرض خصوصاً اذا كان
1) مهذّب الأحكام 21: 63.
اقراضه لأجل ذلك، بل يستحبّ أنّه اذا أعطاه شيئاً بعنوان الهدية و نحوها يحسبه عوض طلبه بمعنى أنّه يسقط منه بمقداره.
الشرح:
انّما تحرم الزيادة مع الشرط كما تقدّم، و أمّا بدونه فلا بأس به؛ للروايات الواردة في ذلك، بل يستحبّ ذلك للمقترض و لو كان لأجل أن يراه المقرض حسن القضاء فيقرضه كلّ ما احتاج الى الاقتراض، أو كان الاقراض لأجل أن ينتفع من المقترض لكونه حسن القضاء و يكافئ من أحسن اليه بأحسن الجزاء بحيث لولا ذلك لم يقرضه؛ و يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالأجر، فيقولون له: أقرضنا دنانير فانّا نجد من يبيع لنا غيرك، ولكنّا نخصّك بأحمالنا من أجل أنّك تقرضنا، فقال: لا بأس به انّما يأخذ دنانير مثل دنانيره، و ليس بثوب ان لبسه كسر ثمنه، و لا دابّة ان ركبها كسرها، و انّما هو معروف يصنعه اليهم».(1)
و صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قلت: أصلحك اللَّه انّا نخالط نفراً من أهل السواد فنقرضهم القرض و يصرفون الينا غلّاتهم فنبيعها لهم بأجر و لنا في ذلك منفعة، قال: فقال: لا بأس، و لا أعلمه الّا قال: و لولا ما يصرفون الينا من غلّاتهم لم نقرضهم، قال: لا بأس».(2)
نعم، يكره أخذه للمقرض خصوصاً اذا كان اقراضه لذلك؛ كما يدلّ عليه
رواية محمّد بن الحسن الصفّار قال:
«كتبت الى الأخيرعليه السلام: رجل يكون له على رجل مائة درهم فيلزمه، فيقول له: أنصرف اليك الى عشرة أيّام و أقضي حاجتك، فان لم أنصرف فلك عليّ ألف درهم حالّة من غير شرط، و أشهد بذلك عليه ثمّ دعاهم الى الشهادة، فوقّع عليه السلام: لاينبغي لهم أن يشهدوا الّا بالحقّ، و لاينبغي لصاحب الدين أن يأخذ الّا الحقّ ان شاء اللَّه».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن العبد الصالح عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يرهن العبد أو الثوب أو الحلي أو المتاع من متاع البيت فيقول صاحب الرهن للمرتهن: أنت في حلّ من لبس هذا الثوب، فالبس الثوب و انتفع بالمتاع و استخدم الخادم. قال: هو له حلال اذا أحلّه و ما أحبّ له أن يفعل».(2)
بل يستحبّ أنّه اذا أعطاه المقترض شيئاً بعنوان الهديّة و نحوها يحسبه عوض طلبه، بمعنى أنّه يسقط منه بمقداره؛ كما يدلّ عليه موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«انّ رجلاً أتى عليّاًعليه السلام فقال: انّ لي على رجل ديناً فأهدى اليّ هديّة، قال: احسبه من دينك عليه».(3)
(مسألة 12): انّما يحرم شرط الزيادة للمقرض على المقترض، فلا بأس بشرطها للمقترض كما أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدّي ثمانية، أو أقرضه
دراهم صحيحة على أن يؤدّيها مكسورة، فما تداول بين التجّار من أخذ الزيادة و اعطائها في الحوائل المسمّى عندهم ب«صرف البرات» و يطلقون عليه - على المحكي - بيع الحوالة و شرائها ان كان باعطاء مقدار من الدراهم و أخذ الحوالة من المدفوع اليه بالأقلّ منه فلا بأس به، و ان كان باعطاء الأقلّ و أخذ الحوالة بالأكثر يكون داخلاً في الربا.
الشرح:
يدلّ على عدم حرمة شرط الزيادة للمقترض الأصل و الاطلاق و الاتّفاق، فانّ أدلّة حرمة الربا القرضي تختصّ بما اذا كان شرط الزيادة للمقرض - كما في المهذّب(1)- فلابأس اذا أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدّي ثمانية أو أقرضه دراهم صحيحة على أن يؤدّيها مكسورة و ذلك كما اذا احتاج أحد الى ايصال مبلغ الى بلد فيجي ء عند التاجر و يعطي له مائة درهم على أن يعطيه الحوالة بتسعين درهماً على طرفه في ذلك البلد، حيث انّ في هذا القرض يكون مائة درهم في ذمّة التاجر و هو المقترض و جعل الزيادة له.
و أمّا ان كان باعطاء الأقلّ و أخذ الحوالة بالأكثر فيكون داخلاً في الربا فلا بدّ لأجل التخلّص من الربا اعمال بعض الحيل الشرعيّة من صلح أو هبة أو ايقاع هذا العمل بعنوان البيع و الشراء بأن يبيع مائة درهم بتسعين درهم لوجود غرض صحيح في هذه المعاملة، فيخرج الموضوع بذلك عن القرض الربوي لعدم كونه قرضاً، و كذا عن المعاملة الربويّة؛ لعدم كون العوضين من المكيل أو الموزون.
1) مهذّب الأحكام 21: 66.
(مسألة 13): القرض المشروط بالزيادة صحيح، لكن الشرط باطل و حرام، فيجوز الاقتراض ممّن لايقرض الّا بالزيادة كالبنك و غيره مع عدم قبول الشرط على نحو الجدّ و قبول القرض فقط، و لايحرم اظهار قبول الشرط من دون جدّ و قصد حقيقي به، فيصحّ القرض و يبطل الشرط من دون ارتكاب الحرام.
الشرح:
قال في المهذّب: «لو ارتكب الربا القرضي عالماً عامداً لايبطل أصل القرض و انّما الفاسد هو الزيادة المشروطة، فيكفي ردّ الزائد مع وجوده لصاحبه ان كان معلوماً، و أمّا لو كان مجهولاً فمع وجوده يكون في حكم مجهول المالك، و مع تلف الزائد و صيرورته في الذمّة يلحقه حكم المظالم».
و قال في الشرائع: «فلو شرط النفع حرم و لم يفد الملك».(1)
و في الجواهر: «و منه يعلم فساد القرض بهذا الشرط لا الشرط خاصّة، فيكون الشرط في صحّة القرض عدم هذا الشرط كما هو ظاهر صحيح محمّد بن قيس عن أبي جعفرعليه السلام: «من أقرض رجلاً ورقاً فلايشترط الّا مثلها فان جوزي بأجود منها فليقبل، و لايأخذ أحد منكم ركوب دابّة أو عاريّة متاع يشترطه من أجل قرض ورقه»؛ ضرورة ظهور النهي فيه في الشرطيّة كما في نظائره.
و في المختلف: «الاجماع على أنّه اذا أقرضه و شرط عليه أن يردّ خيراً ممّا اقترض كان حراماً، و بطل القرض»، فحرمة القرض منه حينئذٍ ظاهرة في فساده. انتهى ملخّصاً».(2)
أقول:
الظاهر أنّ الرواية المذكورة في الجواهر لاتدلّ على أكثر من حرمة الشرط و فساده، و أمّا انّه موجب لفساد القرض فلاتدلّ عليه و قد استدلّ في محلّه على أنّ فساد الشرط في المعاملات لايوجب فساد المعاملة مضافاً الى الأصل و الاطلاق.
و بناءً عليه فاذا كان الشرط فاسداً فلايملك المقرض الزيادة ان أخذها فيجب عليه ردّها الى صاحبها، و لا اشكال في ذلك اذا كان القدر و المالك معلومين.
انّما الكلام فيما اذا كانا أو أحدهما مجهولين - من غير فرق في ذلك بين ما اذا أخذ الربا عالماً عامداً أو ارتكبه بجهالة - و تبيين الحال فيها يتوقّف على بيان صور المسألة فنقول:
تارة يعلم مقدار الزائد و لايعرف المالك فمع وجوده يكون في حكم مجهول المالك، و مع تلف الزائد و صيرورته في الذمّة يلحقه حكم المظالم، فيرجع فيهما الى الحاكم الشرعي.
و أخرى يعرف المالك و لايعرف مقدار الزائد و الحكم في هذه الصورة كفاية اخراج القدر المتيقّن من الزيادة المشروطة المجهولة في القرض، و للبراءة عن تكليفه بالزائد عن القدر المتيقّن، و قد ثبت في الأصول أنّه اذا تردّد متعلّق التكليف بين الأقلّ و الأكثر فيجري البراءة عن الأكثر. نعم، الأحوط المصالحة مع المالك ان عرفه؛ خروجاً عن خلاف من أوجب الأكثر في المسألة.
و لا فرق في ذلك بين ما اذا علم بوقوع عقد ربوي في ضمن معاملاته ولكن جهل عدده أو علم بالعقد و جهل بمقدار الزيادة المشترطة في القرض.
و ثالثة كان القدر و المالك مجهولين فعليه الخمس؛ لرواية السكوني عن أبي عبداللَّه عن آبائه عليهم السلام قال:
«أتى رجل عليّاًعليه السلام فقال: انّي اكتسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً
و حراماً، و قد أردت التوبة و لاأدري الحلال منه و لا الحرام فقد اختلط عليّ. فقال عليه السلام: أخرج خمس مالك؛ فانّ اللَّه رضي من الانسان بالخمس و سائر المال كلّه لك حلال».(1)
و قد فصّلنا البحث عن ذلك في كتاب الخمس.(2)
و الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي الآتية: «و ان كان مختلطاً فكله هنيئاً؛ فانّ المال مالك». أنّه يجوز للحاكم الشرعي أن يجيز له التصرّف فيه.
ثمّ اعلم أنّه من أكل الربا بجهالة بالحكم أو ببعض الخصوصيّات أو بالموضوع ثمّ علم و تاب فيقبل اللَّه منه توبته فله أصل ماله و يردّ ما أخذه بعنوان الربا على ماتقدّم من الصور، يدلّ على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة أبي المغرا عن الحلبي:
«و ان عرف منه شيئاً أنّه رباً فليأخذ رأس ماله و ليردّ الربا».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«أتى رجل أبي عليه السلام فقال: انّي ورثت مالاً و قد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، و قد أعرف أنّ فيه رباً و أستيقن ذلك، و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا: لايحلّ أكله، فقال أبو جعفرعليه السلام: ان كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً رباً و تعرف أهله فخذ رأس مالك و ردّ ما سوى ذلك، و ان كان مختلطاً فكله هنيئاً؛ فانّ المال مالك، و اجتنب ما كان يصنع صاحبه، فانّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا و حرّم عليهم ما بقي، فمن جهل وسع له جهله حتّى يعرفه، فاذا عرف
تحريمه حرم عليه و وجب عليه العقوبة اذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا».(1)
قال في المهذّب: «لجملة من الأخبار منها صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام: «كلّ رباً أكله الناس بجهالة ثمّ تابوا فانّه يقبل منهم اذا عرف منهم التوبة»، و في صحيح ابن مسلم: «دخل رجل على أبي جعفرعليه السلام من أهل خراسان قد عمل الربا حتّى كثر ماله ثمّ انّه سأل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شي ء الّا أن تردّه الى أصحابه، فجاء الى أبي جعفرعليه السلام فقصّ عليه قصّته، فقال له أبو جعفرعليه السلام: مخرجك من كتاب اللَّه: «فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما سلف و أمره الى اللَّه» و «الموعظة» التوبة، الى غير ذلك من الأخبار».(2)
ثمّ انّ هنا مسائل:
لابأس بذكر بعض المسائل المربوطة بالربا القرضي التي قد أشار اليها المحقّق السبزواري(3)في هذا المقام فنذكرها مع ما لنا فيها:
«الأولى»: اذا قلّد في بعض المسائل الربويّة من يقول بصحّة الارتكاب موضوعاً أو حكماً ثمّ قلّد من يقول بعدم الجواز فيها، فبالنسبة الى ما مضى يصحّ و لا شي ءعليه و ان بقي عينه، و ذلك لصحّة تقليده و الأخذ بالحجّة الشرعيّة. و لايجوز له الارتكاب مادام يقلّد من يقول بالربا فيها؛ لأنّه أيضاً حجّة شرعيّة.
«الثانية»: اذا ورث مالاً و علم أنّ فيه الربا و لم يعلم أنّه الربا المحلّل أو المحرّم لا شي ء عليه؛ لأصالة الصحّة الجارية في فعل المسلم، و كذا لو شكّ في أصل الربا؛ لأصالة الحلّ. و ان علم أنّه الربا المحرّم و كان جميع الأطراف مورداً لابتلائه
وجب عليه الاجتناب؛ للعلم الاجمالي. و ان لم يكن بعض أطرافه مورداً لابتلائه فلا شي ء عليه؛ للأصل و لقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:
«فمن جهل وسع له جهله حتّى يعرفه فاذا عرف تحريمه حرم عليه و وجب عليه فيه العقوبة اذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا».(1)
و ان علم أنّ في هذا المال الموروث الربا المحرّم فان كانت عينه موجودة ردّه الى مالكه ان علم مالكه، و ان لم يعلم القدر أو المالك أو كليهما فقد تقدّم حكمه.
«الثالثة»: يمكن التخلّص من الربا بأمور:
«الأوّل»: أن يبيع المقرض ماله الى المقترض بما شاءا من الثمن مثل أن يبيع له مائة دينار بمائة و ثلاثة دنانير الى مدّة معلومة، فيكون حينئذٍ بيعاً فيخرج بذلك عن القرض الربوي.
«الثاني»: أن يقول المقرض للمقترض: «أعطيك هذا المال لتضارب به سنة مثلاً و ما ربح نصف لي و نصف لك، و أعطني في كلّ شهر هذا المقدار المعيّن على الحساب»، ثمّ يتصالحان آخر السنة.
«الثالث»: أن يتقارضا مثلاً بمثل من غير شرط الزيادة و يهب المقترض أو البنك الزيادة هبة مستقلّة الى المقرض.
«الرابع»: أن تكون الزيادة صلحاً مستقلاًّ بعد القرض لا أن يكون مشروطاً في عقد القرض كأن يقول المقرض للمقترض: «أقرضك مائة دينار سنة مثلاً و ارجع عليّ بعد السنة بمائة دينار»، ثمّ يقول: «صالحتك هذا الشي ء بمقابلة عشرة دينار مثلاً»؛ فانّ كلاًّ منهما عنوان مستقلّ لا ربط له بالآخر.
«الرابعة»: لو أعطى المالك ماله الى المصارف أو البنوك أو غيرهما بعنوان
1) وسائل الشيعة 18: 129 / الباب 5 من أبواب الربا / الحديث 3.
الوديعة فلا اشكال فيه؛ لأنّها عنوان شرعي. فلو أذن لهم في التصرّف فيها يجوز له أخذ شي ء بعنوان تصرّفهم في ماله. نعم، لو كان مراده من الاستيداع الاستقراض المعهود تحرم الزيادة حينئذٍ مع شرط الزيادة فيه.
«الخامسة»: لو اضطرّ الى القرض الربوي أو معاملة ربويّة لايحلّ به الربا؛ لامكان التخلّص من الربا بالوجوه المذكورة المتقدّمة. نعم، لو لم يمكن له ذلك يقترض و يقصد أن لايعمل بالشرط بأن لايقبل الشرط الزيادة و لايعطي الزيادة ان كان ممكناً.
«السادسة»: القروض الربويّة الواقعة بين الكفّار صحيحة بعد اسلامهم؛ لقوله تعالى: «فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما سلف»(1)و للنبوي صلى الله عليه وآله: «الاسلام يجبّ ما قبله»(2)، و لقوله عليه السلام:
«من أدرك الاسلام و تاب عمّا كان عمله في الجاهليّة وضع اللَّه عنه ما سلف فمن ارتكب الربا بجهالة و لم يعلم أنّ ذلك محظور فليستغفر اللَّه في المستقبل و ليس عليه فيما مضى شي ء».(3)
و الظاهر أنّها كذلك و ان لم يسلموا بمعنى أنّه اذا تعاملوا معنا و كان المبيع أو الثمن منهم من الربا يصحّ لنا التصرّف فيه؛ بل الظاهر جواز أخذ ذلك من المسلم أيضاً كما تقدّم و ذلك لصحيحة داود بن سرحان قال:
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل كانت له على رجل دراهم فباع خنازير أو خمراً و هو ينظر فقضاه، قال: لا بأس، أمّا للمقضي
فحلال، و أمّا للبائع فحرام».(1)
فانّ اطلاقها يشمل البائع المسلم و الكافر.
«السابعة»: كما تقدّم في الربا المعاملي، لايثبت الربا القرضي أيضاً بين الولد ذكراً أو أنثى مع الوالد، و لا بين الزوجين، و لا بين السيّد و عبده، و لا بين المسلم و الحربي مع أخذ المسلم الزيادة؛ تدلّ على ذلك رواية عمرو بن جميع عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: ليس بين الرجل و ولده رباً، و ليس بين السيّد و عبده رباً».(2)
و بهذا الاسناد قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: ليس بيننا و بين أهل حربنا رباً، نأخذ منهم ألف درهم بدرهم و نأخذ منهم و لانعطيهم».(3)
و رواية زرارة عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«ليس بين الرجل و ولده و بينه و بين عبده و لا بين أهله رباً، انّما الربا فيما بينك و بين ما لاتملك. الحديث».(4)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: ليس بين المسلم و بين الذمّي رباً، و لا بين المرأة و بين زوجها رباً».(5)
1) وسائل الشيعة 18: 370 / الباب 28 من أبواب الدين و القرض / الحديث 1.
2) وسائل الشيعة 18: 135 / الباب 7 من أبواب الربا / الحديث 1.
3) وسائل الشيعة 18: 135 / الباب 7 من أبواب الربا / الحديث 2.
4) وسائل الشيعة 18: 135 / الباب 7 من أبواب الربا / الحديث 3.
5) وسائل الشيعة 18: 136 / الباب 7 من أبواب الربا / الحديث 5.
قال في الشرائع: «لا ربا بين الوالد و ولده، ويجوز لكلّ منهما أخذ الفضل من صاحبه، و لا بين المولى و مملوكه و لا بين الرجل و زوجته، و لا بين المسلم و أهل الحرب، و يثبت بين المسلم و الذمّي على الأشهر».(1)
و قال في المسالك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل الاجماع عليه. و الحكم مختصّ بالولد النسبي بالنسبة الى الأب فلايتعدّى الحكم الى الأمّ، و لا الى الجدّ مع ولد الولد، و لا الى ولد الرضاع، على اشكال فيهما؛ اقتصاراً بالرخصة على مورد اليقين. و لا فرق في الزوجة بين الدائم و المنقطع على الظاهر؛ لاطلاق النصّ. و لايثبت بين المسلم و أهل الحرب اذا أخذ المسلم الفضل، و الّا حرم. و يثبت بين المسلم و الذمّي على المشهور؛ لعموم الأدلّة. انتهى ملخّصاً».(2)
«الثامنة»: يجوز أخذ المال - قرضاً أو غيره - من البنوك و المصارف مسلماً كان أهلها أو لا. لأصالة الاباحة و الحلّيّة، و ان علم باشتمالها على أموال محرّمة في الجملة؛ لأنّه ليس جميع الأطراف مورداً للابتلاء. نعم، لو علم اجمالاً باشتمال ما أخذ على الحرام يرجع الى الحاكم الشرعي حينئذٍ.
(مسألة 14): المال المقترض ان كان مثليّاً كالدراهم و الدنانير و الحنطة و الشعير كان وفاؤه و أداؤه باعطاء ما يماثله في الصفات من جنسه، سواء بقي على سعرهالذي كان له وقت الاقراض أو ترقّى أو تنزّل، و هذا هو الوفاء الذي لايتوقّف على التراضي، فللمقرض أن يطالب المقترض به، و ليس له الامتناع و لو ترقّى سعره عمّا أخذه بكثير، و للمقترض اعطاؤه و ليس
للمقرض الامتناع و لو تنزّل بكثير، و يمكن أن يؤدّي بالقيمة بغير جنسه بأن يعطي بدل الدراهم الدنانير مثلاً و بالعكس، و لكنّه يتوقّف على التراضي، فلو أعطى بدل الدراهم الدنانير فللمقرض الامتناع و لو تساويا في القيمة، بل و لو كانت الدنانير أغلى، كما أنّه لو أراده المقرض كان للمقترض الامتناع و لو كانت الدنانير أرخص، و ان كان قيميّاً فقد مرّ أنّه تشتغل ذمّته بالقيمة، و هي النقود الرائجة، فأداؤه الذي لايتوقّف على التراضي باعطائها، و يمكن أن يؤدّي بجنس آخر من غير النقود بالقيمة، لكنّه يتوقّف على التراضي، و لو كانت العين المقترضة موجودة فأراد المقترض أو المقرض أداء الدين باعطائها فالأقوى جواز الامتناع.
الشرح:
لو كان المال المقترض مثليّاً كان وفاؤه و أداؤه باعطاء ما يماثله في الصفات من جنسه و الدليل عليه هو أنّ ذمّة المقترض عند قبض المال في المثلي قد تعلّق بمثله، و لاتفرغ ذمّته الّا بأدائه، سواءً بقي على سعره الذي كان له وقت الاقتراض أو ترقّى أو تنزّل، و يشهد به العرف و لاينكره الشرع، بل يدلّ عليه رواية الصبّاح بن سيابة قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّ عبداللَّه بن أبي يعفور أمرني أن أسألك، قال: انّا نستقرض الخبز من الجيران فنردّ أصغر منه أو أكبر؟ فقال عليه السلام: نحن نستقرض الجوز الستّين و السبعين عدداً فيكون فيه الكبيرة و الصغيره، فلا بأس».(1)
و في النبوي:
1) وسائل الشيعة 18: 361 / الباب 21 من أبواب الدين و القرض / الحديث 1.
«قالت عائشة: ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صفيّة، صنعت لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله طعاماً فبعث به، فأخذني أفكل(1)فكسرت الاناء، فقلت: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ما كفّارة ما صنعت؟ قال: اناء مثل اناء، و طعام مثل طعام».(2)
و يظهر ذلك من قوله تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»(3)، و هذا الوفاء و الأداء لايتوقّف على التراضي، فلو طالبه المقرض ليس للمقترض الامتناع منه و لو ترقّى قيمته من زمن اقتراضه، كما أنّه لو أدّاه المقترض فليس للمقرض الامتناع من أخذه و لو تنزّل قيمته من زمن اقتراضه؛ لما مرّ من أنّ ذمّة المقترض قد تعلّق بمثل ما قبضه، و هو الكلّي الذي ينطبق و يصدق على هذا الفرد الذي أدّاه و هو مثله، صدقاً واقعيّاً حقيقيّاً.
نعم، لو أراد أن يؤدّي المثلي بالقيمة أو بغير جنسه، بأن يعطي بدل الدراهم دنانير مثلاً أو بالعكس فيجوز ذلك؛ لما في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام:
«في الرجل يكون له الدين دراهم معلومة الى أجل فجاء الأجل و ليس عند الذي حلّ عليه دراهم، فقال له: خذ منّي دنانير بصرف اليوم، قال: لا بأس به».(4)
و في رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرعليه السلام قال:
«سألته: رجل له على رجل دنانير فيأخذ بسعرها ورقاً؟ فقال: لا بأس به».(5)
ولكن هذا النحو من الأداء و الوفاء يتوقّف على التراضي، فلو أدّى بالقيمة أو بغير جنسه فللمقرض الامتناع لو لم يرتض بهما، و لو كان العوض المعطى من قبل المقترض أعلى أو أكثر قيمة كما هو ظاهر الأخبار، مضافاً الى أصالة بقاء اشتغال الذمّة بالمثل الّا اذا تراضيا بغيره، كما أنّه لو أرادها المقرض فللمقترض الامتناع و ان تساويا في القيمة أو كانت أرخص؛ لأنّه غير ما ثبت في ذمّته.
ثمّ انّه قد تقدّم أنّ المال المقترض اذا كان قيميّاً تشتغل ذمّة المقترض بالقيمة، و الدليل عليه هو السيرة الرائجة بين الناس و لم يردع عنها الشارع و لم يخالف فيه أحد من العلماء، فينزّل اطلاق أدلّة وجوب أداء الدين في القيمي على القيمة و هي النقود الرائجة بين الناس، ففي هذا لايتوقّف أداؤها على التراضي و ليس للمقرض الامتناع. نعم، لو أراد المقترض أن يؤدّي ما في ذمّته من غير النقود الرائجة فيتوقّف على التراضي.
هنا فرعان:
لو كان العين المقترضة موجودة فطلب المقرض أداء الدين باعطائها و قال للمقترض: «أدّ دينك و أعطني العين المقترضة الموجودة»، فلايبعد أن يقال بعدم جواز امتناعه؛ لأنّه اذا وجب عليه اعطاء المثل أو القيمة فيما اذا طلبه المقرض فوجوب ذلك باعطاء العين أولى. و كذا لو أراد المقترض أداء دينه باعطاء العين المقترضة الموجودة، فليس للمقرض الامتناع من ذلك؛ لما مرّ.
ان قلت: انّ العين المقترضة صارت ملكاً للمقترض فله الامتناع عن أدائها فيما
اذا طلبه المقرض و كذا العكس فانّ المفروض أنّ المتعارف في القرض الضمان في المثلي بالمثل، و في القيمي بالقيمة فللمقرض الامتناع عن القبول.
قلت: الظاهر أنّ الضمان من العين ينتقل الى المثل أو القيمة اذا تلف العين، و أمّا اذا كانت باقية فيضمن العين، فتأمّل.
لو شكّ في أنّ المال المقترض مثلي أو قيمي، فالأحوط دفع المثل لو أمكن لما نسب الى المشهور من أنّه الأصل في الوفاء و التعويض، و مع التعذّر فالقيمة لانحصار الأداء و الوفاء فيها حينئذٍ، كما في المهذّب.(1)
(مسألة 15): يجوز في قرض المثلي أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤدّي من غير جنسه، و يلزم عليه ذلك بشرط أن يكونا متساويين في القيمة أو كان ما شرط عليه أقلّ قيمة ممّا اقترض.
الشرح:
الدليل على صدر المسألة هو سلطنة المالك المقرض على ماله و عموم أدلّة الشروط، بعد كون الأداء بالجنس من باب الترخيص و الاقتضاء لا الحكم التعبّدي الشرعي، أو الأمر الذاتي غير القابل للتغيير و التبدّل كما في المهذّب.(2)
و يدلّ على ذيل المسألة - أي لزوم ذلك عليه - قوله صلى الله عليه وآله: «المؤمنون عند شروطهم» و غيره الشامل للمقام، بشرط أن يكونا متساويين في القيمة حذراً من الربا. نعم، لو كان ما شرط عليه أقلّ قيمة ممّا اقترض فلا بأس على ما سيأتي.
(مسألة 16): الأقوى أنّه لو شرط التأجيل في القرض صحّ و لزم العمل به، و ليس للمقرض مطالبته قبل حلول الأجل.
الشرح:
الظاهر أنّ عقد القرض من العقود اللازمة؛ لشمول العمومات و المطلقات كقوله تعالى: «أوفوا بالعقود» له، فاذا شرط التأجيل صحّ و لزم العمل به، كما لو شرط في سائر العقود اللازمة. و كان كسائر الديون المؤجّلة ليس للمقرض مطالبته قبل حلول الأجل. و لو قلنا بجواز العقد فالظاهر أنّ الشرط باقٍ مادام العقد باقياً، كما في سائر العقود الجائزة.
(مسألة 17): لو شرط على المقترض أداء القرض و تسليمه في بلد معيّن صحّ و لزم و ان كان في حمله مؤونة، فان طالبه في غيره لم يلزم عليه الأداء، كما لو أدّاه في غيره لم يلزم على المقرض القبول، و ان أطلق القرض و لم يعيّن بلد التسليم فلو طالبه المقرض في بلد القرض يجب عليه الأداء، و لو أدّاه فيه يجب عليه القبول، و أمّا في غيره فالأحوط للمقترض مع عدم الضرر و عدم الاحتياج الى المؤونة الأداء لو طالبه الغريم كما أنّ الأحوط للمقرض القبول مع عدمهما، و مع لزوم أحدهما يحتاج الى التراضي.
الشرح:
لو شرط على المقترض أداء القرض و تسليمه في بلد معيّن صحّ و لزم؛ و ذلك لصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قلت: يسلف الرجل الورق على أن ينقدها ايّاه بأرض أخرى و يشترط عليه ذلك، قال: لا بأس».(1)
و صحيحة أبي الصبّاح عن أبي عبداللَّه عليه السلام:
«في الرجل يبعث بمال الى أرض، فقال للذي يريد أن يبعث به: أقرضنيه و أنا أوفيك اذا قدمت الأرض، قال: لا بأس».(2)
و رواية السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لا بأس بأن يأخذ الرجل الدراهم بمكّة و يكتب لهم سفاتج أن يعطوها بالكوفة».(3)
السفاتج: جمع سفتجة، و هي أن يعطي مالاً لآخر، و للآخر مال في بلد المعطي فيوفّيه ايّاه هناك فيستفيد أمن الطريق.
و أمّا لزومه فلعموم قوله صلى الله عليه وآله: «المؤمنون عند شروطهم».
و ان كان في حمله الى البلد المشروط أداؤه فيه مؤونة لزمته؛ و ذلك لأنّ المقترض مع قبول الشرط و التفاته اليه فقد قبل المؤونة، و يجوز أن يشترط في العقد أن تكون مؤونة الحمل بعهدة المقرض. و لو طالبه المقرض في غير ذلك البلد لم يلزم عليه الأداء الّا أن يرضى به، كما أنّه لو أدّاه في غيره لم يلزم على المقرض القبول الّا أن يرضى به؛ للأصل بعد كونه خلاف ما شرطاه.
و ان أطلق القرض و لم يعيّن بلد التسليم، فيجب على المقترض أداؤه في بلد القرض، و أمّا في غيره فيحتاج الى التراضي أو القرينة الواضحة.
و هكذا يكون الحال في جانب المقرض، فيجب عليه القبول لو أدّاه المقترض في بلد القرض الّا مع التراضي أو القرينة الواضحة؛ و الدليل على لزوم الأداء في بلد القرض اذا لم يعيّن مكان التسليم، هو العرف و أنّه المنسبق الى الأذهان في المحاورات و الاحتجاجات و المخاصمات، مضافاً الى أصالة عدم حقّ لأحدهما على الآخر في غير ما يكون متعارفاً بين الناس.
و أمّا الاحتياط في طرفي المسألة ففي محلّه، و ذلك بالنسبة الى المقترض يكون بالأداء في أيّ مكان طالبه مع عدم الضرر و عدم الاحتياج الى مؤونة الحمل، لوجود المقتضي و عدم المانع؛ لأنّ له حقّ الطلب و أنّ عليه الأداء.
و بالنسبة الى المقرض يكون بالقبول في أيّ مكان أدّاه المقترض. نعم، لو شرطا أن يكون الأداء في محلّ معيّن فلايجب هذاالاحتياط، و أمّا حسنه فلاينكر.
(مسألة 18): يجوز أن يشترط في القرض اعطاء الرهن أو الضامن أو الكفيل و كلّ شرط سائغ لايكون فيه النفع للمقرض و لو كان مصلحة له.
الشرح:
يجوز أن يشترط في القرض اعطاء الرهن أو الضامن أو الكفيل؛ للسيرة المتيقّنة الى زمن الأئمّةعليهم السلام من غير رادع، و يستفاد ذلك أيضاً من اطلاق النصوص الواردة في الرهن كما سيأتي. و كذا يجوز كلّ شرط سائغ لايكون فيه النفع للمقرض حذراً من الربا، و ان كان فيه مصلحة المقرض، بناءً على عدم تعميم الربا لكلّ ما فيه غرض عقلائي.
(مسألة 19): لو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان و جاء بدراهم غيرها لم يكن عليه الّا الدراهم الأولى، نعم في مثل الأوراق النقديّة المتعارفة في هذه الأزمنة اذا سقطت عن الاعتبار فالظاهر الاشتغال بالدراهم و الدنانير الرائجة، نعم لو فرض وقوع القرض على الصكّ الخاصّ بنفسه بأن قال: «أقرضتك هذا الكاغذ المسمّى بالنوت» كان حاله حال الدراهم، و هكذا الحال في المعاملات و المهور الواقعة على الصكوك.
الشرح:
قال في المهذّب: «اسقاط الدراهم و الدنانير على أقسام: الأوّل: اسقاط الرواج الفعلي مع بقاء أصل الماليّة من كلّ جهة بلا فرق من هذه الجهة بين السابقة و اللاحقة. الثاني: اسقاط أصل الماليّة رأساً فليست للسابقة ماليّة أصلاً. الثالث: تغيّر السعر في الجملة بين السابقة و اللاحقة مع بقاء الرواج و سائر الجهات. و مقتضى قاعدة ضمان المثلي بالمثل هو اشتغال الذمّة بالمثل في القسم الأوّل و الأخير، كماأنّ مقتضى بناء القرض و سائر الضمانات على تحفّظ الماليّة مهما أمكن ذلك هو اشتغال الذمّة بالقيمة في الوسط. هذا ما هو بناء متعارف الناس في هذا الموضوع، فان ورد تعبّد شرعي معتبر على الخلاف نتعبّد به و الّا فنحمل النصّ عليه، فيصير مفاد النصّ و ما هو المتعارف واحداً».(1)
فلنذكر الأخبار الواردة في المقام حتّى يتبيّن الحال؛ ففي صحيحة يونس قال:
«كتبت الى الرضاعليه السلام أنّ لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، و كانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيّام، و ليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها، أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ قال: فكتب
1) مهذّب الأحكام 21: 52 و 53.
اليّ: لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس».(1)
و في صحيحة ثانية ليونس قال:
«كتبت الى أبي الحسن الرضاعليه السلام أنّه كان لي على رجل دراهم، و أنّ السلطان أسقط تلك الدراهم، و جاءت دراهم أعلى من الدراهم الأولى، و لها اليوم وضيعة، فأيّ شي ء لي عليه، الأولى التي أسقطها السلطان، أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: لك الدراهم الأولى».(2)
و الظاهر أنّه تحمل الصحيحة الأولى على القسم الثاني، و هو ما اذا أسقط أصل الماليّة رأساً فليست للسابقة ماليّة رأساً. و تحمل الثانية على سقوط الرواج الفعلي مع بقاء أصل الماليّة؛ جمعاً بين الروايتين، و بعد ذلك فباقي المسألة واضحة.
نعم، لو فرض وقوع القرض على الصكّ الخاصّ بنفسه، بأن يكون لنفس الورق من حيث هو موضوعيّة خاصّة كما في الطوابع الرائجة في البريد في جميع الدول، لم يكن على المقترض الّا أداء الصكّ، و هكذا يكون الحال في المعاملات و المهور الواقعة على الصكوك.
الى هنا تمّ ما ذكره الامام الخميني قدس سره في تحرير الوسيلة في مسائل الدين و القرض.
و هنا مسائل ذكرها في المهذّب(1)لابأس بذكرها مع ما لنا فيها:
«الأولى»: لو أدّى المديون دينه من المال غير المخمّس أو غير المزكّى لاتبرأ ذمّته بمقدار خمس المال أو الزكاة و لا فرق فيه بين علم الدائن بالحال و جهله؛ لأنّ ذلك تكليف متعلّق بالمديون. نعم، لو علم الدائن بالحال يحرم عليه أخذه.
و يجوز للحاكم الشرعي أن يجيز ذلك فتبقى ذمّة المديون مشغولة بما عليه من الخمس أو الزكاة. هذا اذا كان ما أدّاه تمام ماله الذي فيه الخمس، و أمّا لو أبقى منه بمقدار الخمس تبرأ ذمّته، و كذا الزكاة.
«الثانية»: لو شكّ في أصل الدين لايجب عليه شي ء؛ للبراءة. و لو علم الدين و شكّ في الوفاء يجب عليه الوفاء لأصالة عدم الوفاء و استصحاب اشتغال ذمّته حتّى يتيقّن بالفراغ.
«الثالثة»: لو ادّعى الدافع أنّ ما أعطاه دين و ادّعى الآخذ أنّه هبة، فان كان للآخذ بيّنة فيحكم له و الّا فيحلف الدافع و يثبت قوله؛ لأنّه المنكر لموافقة قوله لأصالة عدم المجانيّة في الأموال و الضمان فيها، بل يقدّم قوله و لو لم نقل بكونه منكراً لكون قصده ممّا لايعلم الّا من قبله.
«الرابعة»: لو ادّعى المديون الوفاء و أنكره الدائن، فعلى المديون البيّنة؛ لأنّه المدّعي، و ان لم تكن له بيّنة فيحلف الدائن فيثبت قوله في عدم الوفاء.
«الخامسة»: لايجوز للمملوك أن يتصرّف في ماله بالقرض و الاقتراض الّا باذن سيّده؛ لأنّه ممنوع من التصرّف في ماله الّا باذنه.
الى هنا تمّ ما أردنا بيانه من مسائل الدين و القرض
و يليه شرح كتاب الضمان من العروة الوثقى
1) مهذّب الأحكام 21: 54 و 55.
كتاب الضمان(1)
و هو من الضمن؛ لأنّه موجب لتضمّن ذمّة الضامن للمال الذي على المضمون عنه للمضمون له، فالنون فيه أصليّة كما يشهد له سائر تصرّفاته من الماضي و المستقبل و غيرهما. و ما قيل من احتمال كونه من الضمّ فيكون النون زائدة واضح الفساد؛ اذ مع منافاته لسائر مشتقّاته لازمه كون الميم مشدّدة. و له اطلاقان: اطلاق بالمعنى الأعمّ الشامل للحوالة و الكفالة أيضاً فيكون بمعنى التعهّد بالمال أو النفس، و اطلاق بالمعنى الأخصّ و هو التعهّد بالمال عيناً أو منفعة أو عملاً و هو المقصود من هذا الفصل.
الشرح:
قال في المسالك: «الضمان عندنا مشتقّ من الضمن؛ لأنّه يجعل ما كان في ذمّته
1) ما بين يديك شرح كتاب الضمان من العروة الوثقى للسيّد اليزدي.
من المال في ضمن ذمّة أخرى، أو لأنّ ذمّة الضامن تتضمّن الحقّ، فالنون فيه أصليّة بناءً على أنّه ينقل المال من الذمّة الى الذمّة.
و عند أكثر العامّة أنّه غير ناقل و انّما يفيد اشتراك الذمّتين، فاشتقاقه من الضمّ و النون فيه زائدة؛ لأنّه ضمّ ذمّة الى ذمّة فيتخيّر المضمون له في المطالبة».(1)
و في اللمعة و شرحها: «(هو التعهّد بالمال) أي الالتزام به (من البري) من مال مماثل لما ضمنه للمضمون عنه».(2)
و في المستمسك: «الضمن معناه الظرفيّة، و لازمها نوع من التعهّد. و الضمان هو التعهّد و لازمه نوع من الظرفيّة، فيحتمل أن يكون كلّ واحد منهما أصلاً للآخر. و مقتضى كثرة استعمال الضمان و مشتقّاته كونه أصلاً للآخر، لا فرعاً عليه».(3)
و قال في المباني: «الضمان و الضمن مصدران على حدّ واحد، فيقال: ضمن يضمن ضماناً و ضمناً، و ليس أحدهما أصلاً و مبدءاً للآخر».(4)
و قال المصنّف: «و له اطلاقان: اطلاق بالمعنى الأعمّ الشامل للحوالة و الكفالة أيضاً فيكون بمعنى التعهّد بالمال أو النفس، و اطلاق بالمعنى الأخصّ و هو التعهّد بالمال عيناً أو منفعة أو عملاً، و هو المقصود من هذا الفصل».
و قد نصّ على ذلك جماعة، منهم المحقّق و الشهيد الثانيان في جامع المقاصد(5)و المسالك.
و في الشرائع: «كتاب الضمان. و هو عقد شرّع للتعهّد لمال أو نفس و التعهّد
بالمال قد يكون ممّن عليه للمضمون عنه مال و قد لايكون، فهنا ثلاثة أقسام فجعل الضمان مقسماً للأقسام الثلاثة، لكن قال بعد ذلك -: القسم الأوّل في ضمان المال ممّن ليس للمضمون عنه عليه مال، و هو المسمّى بالضمان بقول مطلق».(1)و نحوه في القواعد.(2)
قال في مجمع البحرين: «و ضمنت الشي ء ضماناً: كفلت به فأنا ضامن و ضمين. و ضمنت المال: التزمته، و يتعدّى بالتضعيف فيقال: ضمّنته المال، أي ألزمته ايّاه. قال بعض الأعلام: «الضمان مأخوذ من الضمّ»، و هو غلط من جهة الاشتقاق؛ لأنّ نونه أصليّة، و الضمّ لا نون فيه. و من هذا الباب قوله عليه السلام: «من كفّن مؤمناً ضمن كسوته الى يوم القيامة». و في الخبر: «الوضيعة بعد الضمينة حرام»، و المراد بالوضيعة الحطّ من الثمن، و الضمينة ايقاع عقد البيع الذي يوجب ضمان الثمن».
أقول:
قد عرفت ما قاله المصنّف و غيره في معنى الضمان، و الأحسن في تعريفه - كما في الوسيلة - أنّه عبارة عن التعهّد بمال ثابت في ذمّة شخص لآخر و يحصل انتقال المال من ذمّة الى أخرى، و هو الذي دلّ عليه الروايات و اللغة و العرف.
و يشترط فيه أمور: «أحدها»: الايجاب. و يكفي فيه كلّ لفظ دالّ بل يكفي الفعل الدالّ - و لو بضميمة القرائن - على التعهّد و الالتزام بما على غيره من المال.
الشرح:
يشترط في الضمان أمور: «الأوّل»: الايجاب كما في كلّ عقد و يكفي فيه كلّ لفظ دلّ على الضمان و لايتعيّن لفظ خاصّ، مثل أن يقول: «تعهّدت لك الدين الذي لك على فلان». و كذا يكفي الفعل الدالّ على التعهّد المزبور و لو بضميمة القرائن بحيث لم تكن هناك شبهة.
قال في المستمسك: «انّ الفعل و ان كان في نفسه خالياً عن الدلالة على شي ء لكن بتوسّط القرائن يكون دالاًّ على انشاء العنوان كالقول، فان لم يكن دالاًّ لم يكف في صدق العنوان عرفاً و ان قصد به الانشاء».(1)
و قال في المباني: «لايصدق عنوان الضمان بدون الايجاب، و لايصحّ أن يضاف الى الفاعل، فيقال: انّه ضمنه. و لايعتبر في الانشاء و الايجاب غير ابراز الاعتبار النفساني بما يصلح أن يكون مبرزاً له، سواء في ذلك اللفظ و غيره، ما لم يقم الدليل الخاصّ على اعتبار اللفظ فيه، كالطلاق و نحوه».(2)
«الثاني»: القبول من المضمون له. و يكفي فيه أيضاً كلّ ما دلّ على ذلك من قول أو فعل. و على هذا فيكون من العقود المفتقرة الى الايجاب و القبول. كذا ذكروه، ولكن لايبعد دعوى عدم اشتراط القبول على حدّ سائر العقود اللازمة بل يكفي رضا المضمون له سابقاً أو لاحقاً، كما عن الايضاح و الأردبيلي حيث قالا: «يكفي فيه الرضا و لايعتبر القبول العقدي». بل عن القواعد: «و في اشتراط قبوله احتمال». و يمكن استظهاره من قضيّة الميّت
المديون الذي امتنع النبي صلى الله عليه وآله أن يصلّي عليه حتّى ضمنه علي عليه السلام. و على هذا فلايعتبر فيه ما يعتبر في العقود من الترتيب و الموالاة و سائر ما يعتبر في قبولها. و أمّا رضا المضمون عنه فليس معتبراً فيه؛ اذ يصحّ الضمان التبرّعي، فيكون بمنزلة وفاء دين الغير تبرّعاً حيث لايعتبر رضاه. و هذا واضح فيما لم يستلزم الوفاء أو الضمان عنه ضرراً عليه أو حرجاً من حيث كون تبرّع هذا الشخص لوفاء دينه منافياً لشأنه، كما اذا تبرّع وضيع ديناً عن شريف غني قادر على وفاء دينه فعلاً.
الشرح:
الثاني من الشرائط: القبول من المضمون له؛ لأنّه كما تقدّم تعهّد بمال ثابت في ذمّة شخص لآخر، و الضمان من العقود اللازمة فيحتاج الى الايجاب و القبول الّا أنّه كما أنّ الايجاب يحصل بغير اللفظ بل بكلّ فعل يفهم منه الضمان قطعاً فكذلك القبول لايحتاج الى اللفظ الخاصّ، بل يكفي فيه الرضا من المضمون له و ظهوره سابقاً أو لاحقاً؛ و الدليل على ذلك صحيحة عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام:
«في رجل يموت و عليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمّة الميّت».(1)
فانّ الظاهر من قوله عليه السلام: «اذا رضي به الغرماء»، هو اظهار الرضا.
و لايكفي العلم برضا المضمون له؛ لأنّ الضمان عقد يوجب انتقال ذمّة المضمون عنه الى الضامن، فانّ الضامن يكون مديوناً للمضمون له شرعاً و أنّه يرجع الى الضامن و يطلب منه دينه، و لاينعقد هذا الانتقال الّا بالعقد بين الضامن
1) وسائل الشيعة 18: 422 / الباب 2 من كتاب الضمان / الحديث 1.
و المضمون له بحيث يصدق عليه العقد عرفاً.
و أمّا صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: ذكر لنا أنّ رجلاً من الأنصار مات و عليه ديناران فلم يصلّ عليه النبي صلى الله عليه وآله، و قال: صلّوا على صاحبكم، حتّى ضمنهما بعض قرابته، فقال أبوعبداللَّه عليه السلام: ذلك الحقّ. الحديث».(1)
فانّها تدلّ على عهد و من صفات المؤمن الوفاء بعهده و لا ربط لها بما نحن فيه فانّ الضمان المذكور فيها ليس من الضمان المصطلح؛ ففي رواية الحسين بن مخارق عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من ضمن لأخيه حاجة لم ينظر اللَّه عزّوجلّ في حاجته حتّى يقضيها».(2)
و من ذلك رواية فضيل و عبيد عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«لمّا حضر محمّد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم فقال لهم: قد عرفتم قرابتي و منزلتي منكم و عليّ دين فأحبّ أن تقضوه(3)عنّي، فقال علي بن الحسين عليهما السلام: ثلث دينك عليّ، ثمّ سكت و سكتوا، فقال علي بنالحسين عليهما السلام: عليّ دينك كلّه، ثمّ قال علي بن الحسين عليهما السلام: أما انّه لم يمنعني أن أضمنه أوّلاً الّا كراهة أن يقولوا: سبقنا».(4)
و نحوها رواية أبي سعيد الخدري قال:
«كنّا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في جنازة، فلمّا وضعت قال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم درهمان، فقال: صلّوا على صاحبكم، فقال علي عليه السلام: هما عليّ يا رسول اللَّه و أنا لهما ضامن، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فصلّى عليه ثمّ أقبل على علي عليه السلام، فقال: جزاك اللَّه عن الاسلام خيراً، و فكّ رهانك كما فككت رهان أخيك».(1)
ثمّ انّه لايعتبر رضا المضمون عنه؛ لأنّ الحقّ للدائن فكما أنّ له أن يطلب دينه و لو ببيع مال المديون ان كان عنده و يتسامح في أدائه فكذا يجوز له أن يتبدّل ذمّته بذمّة الغير الذي يضمن للدائن عن المديون.
و قد علّق المصنّف رحمه الله عدم اعتبار اذن المضمون عنه بعدم استلزام ضمانه أو الوفاء به ضرراً على المديون أو حرجاً له من حيث كون تبرّع هذا الشخص لوفاء دينه منافياً لشأنه، كما اذا تبرّع وضيع ديناً عن شريف غني قادر على وفاء دينه فعلاً.
و فيه ما لايخفى؛ اذ لا مهانة و لا ضرر على الشريف في الحكم بسقوط ما في ذمّته بوفاء الوضيع لدينه أو ضمانه له. و بعبارة أخرى: المحرّم هو تصدّي الوضيع للضمان و أداء دين الشريف اذا كان اضراراً عليه أو مهانة له - أي للشريف - بقصد الاضرار و الاهانة، و هذا من حيث الحكم التكليفي، و أمّا لو فعل الوضيع ذلك و أدّى دينه عنه فقد برئ ذمّة الشريف؛ لأنّه حكم وضعي. و عليه فلا وجه لاستثناء هذه الصورة من الحكم بعدم اعتبار رضا المضمون عنه في نفوذ الضمان - كما في المباني(2)- و الظاهر أنّه مراد المصنّف أيضاً.
«الثالث»: كون الضامن بالغاً عاقلاً، فلايصحّ ضمان الصبي و ان كان مراهقاً بل و ان أذن له الولي على اشكال، و لا ضمان المجنون، الّا اذا كان أدواريّاً في دورافاقته. و كذا يعتبر كون المضمون له بالغاً عاقلاً. و أمّا المضمون عنه فلايعتبر فيه ذلك فيصحّ كونه صغيراً أو مجنوناً. نعم، لاينفع اذنهما في جواز الرجوع بالعوض.
الشرح:
قال في الجواهر: «الأوّل: في الضامن و لا بدّ أن يكون مكلّفاً؛ لما مرّ غير مرّة من سلب عبارة غيره في أمثال المقام، بل لا بدّ أن يكون مع ذلك جائز التصرّف الشامل للمقام و حينئذٍ فلا اشكال في أنّه لايصحّ ضمان الصبي و لا المجنون و لو مع اذن الولي».(1)
و في المستمسك: «لايصحّ ضمان الصبي و ان كان مراهقاً، اجماعاً حكاه جماعة؛ لقصور سلطنة الصبي عن التصرّف في ماله. و ظاهرهم الاتّفاق على عدم صحّة ضمان الصبي المراهق و ان اذن له الولي؛ لأنّه قد فصّلوا في ضمان العبد بين اذن المولى و عدمه، و لم يفصّلوا هنا و لا في المجنون، بناءً منهم على قصور عبارتهما، لكنّه في الصبي غير ظاهر اذا كان مميّزاً؛ لانصراف أدلّة المنع من نفوذ تصرّفه عن صورة اذن الولي، بل لعلّ قوله تعالى: «و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح...» ظاهر في صحّة تصرّفه باذن الولي».(2)
أقول:
من المعلوم أنّ الصبي المميّز لاتكون عبارته مسلوبة كالمجنون، و لذا يجوز أن يجري صيغة النكاح و البيع و غيرهما من العقود و لا دليل على منع ذلك. نعم، انّ الصبي محجور من التصرّف في ماله حتّى اذا بلغ النكاح كما في قوله تعالى: «و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم أموالهم»(1)، و حيث انّ الضمان يكون مشتملاً على التعهّد المالي فلايصحّ ضمانه. نعم، اذا اذن له الولي و كان بمصلحته بحيث كان كأنّه المباشر فلا اشكال في ذلك كما نبّه عليه في المستمسك و ذهب اليه في المباني.
و لايصحّ ضمان المجنون؛ لقصور عبارته عند العقلاء فلايصحّ عقده؛ لكونه مسلوب العبارة، الّا اذا كان أدواريّاً فضمن في دور افاقته.
و كذا يعتبر كون المضمون له بالغاً عاقلاً؛ لما تقدّم من اعتبار رضاه، و حيث انّه تعهّد مالي منتسب الى طرفي الضامن و المضمون له فلايصحّ الضمان للصبي الّا باذن الولي.
و أمّا الضمان عن الصبي فلايعتبر فيه رضاه و لا رضى وليّه أو اذنه كما تقدّم عدم اعتبار رضا المضمون عنه، فيصحّ كون المضمون عنه صغيراً أو مجنوناً. نعم، لاينفع اذنهما في جواز الرجوع بالعوض كما سيأتي.
«الرابع»: كونه مختاراً، فلايصحّ ضمان المكره.
الشرح:
قال في المستمسك: «اجماعاً؛ لحديث نفي الاكراه، بناءً على كون المراد منه رفع السببيّة، و لو بقرينة استدلال الامام عليه السلام به في صحيح البزنطي عن
1) النساء 4: 6.
أبي الحسن عليه السلام: «في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال عليه السلام: لا. قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: وضع عن أمّتي ما أكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطأوا».».(1)
أقول:
لايصحّ ضمان المكره و هو الذي يهدّد بالضمان؛ و ذلك لسلب عبارته عقلاً و شرعاً، و لصحيحة البزنطي التي ذكرها في المستمسك. و هكذا يكون الحال بالنسبة الى المضمون له فلو أكره على قبول الضمان لم يصحّ.
«الخامس»: عدم كونه محجوراً لسفه الّا باذن الولي، و كذا المضمون له و لا بأس بكون الضامن مفلّساً؛ فانّ ضمانه نظير اقتراضه فلايشارك المضمون له مع الغرماء. و أمّا المضمون له فيشترط عدم كونه مفلّساً. و لا بأس بكون المضمون عنه سفيهاً أو مفلّساً لكن لاينفع اذنه في جواز الرجوع عليه.
الشرح:
يشترط عدم كون الضامن محجوراً في ماله لسفه؛ لأنّ السفيه لايصحّ معاملاته، و هذا عقد و تعهّد بانتقال ذمّة المضمون عنه الى ذمّته فلايجوز الّا باذن وليّه. و كذا يشترط عدم كون المضمون له محجوراً لسفه؛ لعدم صحّة اجازة انتقال ماله الذي في ذمّة الغير الى ذمّة الضامن الّا باذن الولي؛ لأنّ تصرّفاته في ماله ممنوعة.
أمّا المفلّس فلا بأس بأن يكون ضامناً، و المفلّس هو الذي منع من التصرّف في
1) مستمسك العروة 13: 252.
أمواله لديونه؛ و ذلك لأنّ الضمان تعهّد لما في ذمّة المضمون عنه للمضمون له، و هذا التعهّد ليس تصرّفاً في المال بل هو منوط بالنفس، و لذا لايشارك المضمون له مع الغرماء في الضرب في أمواله الموجودة بالفعل، فانّها تختصّ بما عداه من الغرماء؛ لتعلّق حقّهم بها قبل الضمان، فيكون حال ضمانه هذا حال القرض الجديد.
و أمّا المضمون له فيشترط عدم كونه مفلّساً؛ و ذلك لأنّه ممنوع من التصرّفات في أمواله من الابراء و الانتفاع و غيرهما، و حيث انّ دينه هذا من أمواله فلايجوز له الاذن في انتقاله من ذمّة الى أخرى.
نعم، اذا كان هذا الانتقال لصالح الغرماء فيجوز مع اذنهم.
و لا بأس بكون المضمون عنه سفيهاً أو مفلّساً؛ و ذلك لأنّه لايعتبر رضاه، و لايكون انتقال ذمّته الى ذمّة الغير تصرّفاً في ماله، و لايكون ضرراً على الغرماء اذا كان مفلّساً بل ينفعهم في بعض الأوقات.
و أمّا رجوع الضامن الى المضمون عنه الذي كان سفيهاً، فلايجوز الّا اذا كان ضمانه عنه باذن وليّه و لا اعتبار باذن السفيه نفسه. و ان كان المضمون عنه مفلّساً و كان ضمانه باذنه فيجوز الرجوع اليه، دون ما اذا كان تبرّعاً و بدون اذنه.
«السادس»: أن لايكون الضامن مملوكاً غير مأذون من قبل مولاه على المشهور؛ لقوله تعالى: «لايقدر على شي ء». ولكن لايبعد صحّة ضمانه و كونه في ذمّته يتبع به بعد العتق، كما عن التذكرة و المختلف. و نفي القدرة منصرف عمّا لاينافي حقّ المولى. و دعوى أنّ المملوك لا ذمّة له كماترى، و لذا لا اشكال في ضمانه لمتلفاته. هذا و أمّا اذا أذن له مولاه فلا اشكال في صحّة ضمانه، و حينئذٍ فان عيّن كونه في ذمّة نفسه أو في ذمّة المملوك يتبع به
بعد عتقه أو في كسبه فهو المتّبع. و ان أطلق الاذن ففي كونه في ذمّة المولى أو في كسب المملوك أو في ذمّته يتبع به بعد عتقه أو كونه متعلّقاً برقبته وجوه و أقوال، أوجهها الأوّل؛ لانفهامه عرفاً كما في اذنه للاستدانة لنفقته أو لأمر آخر، و كما في اذنه في التزويج حيث انّ المهر و النفقة على مولاه. و دعوى الفرق بين الضمان والاستدانة، بأنّ الاستدانة موجبة لملكيّته و حيث انّه لا قابليّة له لذلك يستفاد منه كونه على مولاه بخلاف الضمان حيث انّه لا ملكيّة فيه، مدفوعة بمنع عدم قابليّته للملكيّة و على فرضه أيضاً لايكون فارقاً بعد الانفهام العرفي.
الشرح:
السادس من شرائط صحّة الضمان أن لايكون الضامن مملوكاً غير مأذون من قبل مولاه على المشهور كما حكي عن المبسوط و الارشاد و التحرير و اللمعة و جامع المقاصد و الروضة و المسالك و اختاره في الشرائع - كما في المستمسك -(1)لقوله تعالى: «عبداً مملوكاً لايقدر على شي ء»(2)، بدعوى أنّ اطلاقها خصوصاً بملاحظة استشهاد الامام أميرالمؤمنين علي عليه السلام بها في صحيحة زرارة على نفي قدرته على الطلاق شامل لجميع العقود و الايقاعات الصادرة منه - كما في المباني -(3)ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر و أبي عبداللَّه عليهما السلام قالا:
«المملوك لايجوز طلاقه و لا نكاحه الّا باذن سيّده. قلت: فان كان السيّد زوّجه بيد من الطلاق؟ قال عليه السلام: بيد السيّد، «ضرب اللَّه مثلاً
عبداً مملوكاً لايقدر على شي ء» و الشي ء الطلاق».(1)
و لم يبعّد المصنّف صحّة ضمانه و كونه في ذمّته يتبع به بعد العتق، كما عن التذكرة و المختلف، و قال في جواب الاستدلال بالآية بأنّ نفي القدرة منصرف عمّا لاينافي حقّ المولى. و الظاهر أنّه في المباني أيّده بأنّ تصرّفات المملوك على قسمين: قسم يكون في نفسه بما هو انسان، و منه الضمان. و مراد المصنّف هذا القسم.
ولكنّ الظاهر أنّ الآية مطلقة تشمل القسمين اللذين أشار اليهما في المباني؛ فانّ الاستدلال بالآية في الصحيحة على عدم قدرته على الطلاق صريح في عدم اختصاصه بالتصرّفات التي تنافي حقّ المولى كما في المستمسك.(2)
و أمّا اذا أذن له مولاه فلا اشكال في صحّة ضمانه. كما حكى في المستمسك عن المبسوط نسبته الينا، و عن التذكرة أنّه قولاً واحداً عن المختلف دعوى الاجماع في ذلك؛ و ذلك لأنّ عبارته ليست مسلوبة كما في المجنون، غاية الأمر أنّه محجور لسلطنة مولاه عليه، و يرفع حجره باذن سيّده. و حينئذٍ فان عيّن كونه في ذمّة نفسهأو في ذمّة المملوك يتبع بعد عتقه أو في كسبه، فهو المتّبع؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم».
قال في المستمسك: «جميع عبارات الفقهاء تشترك في أنّه اذا اشترط المولى كون الضمان في ذمّة معيّنة - ذمّته أو ذمّة عبده - أو من مال معيّن - سواء كان كسب العبد أو غيره - تعيّن. و يظهر منهم المفروغيّة عن ذلك. و كأنّه لعموم نفوذ الشروط و صحّتها».(3)
و ان أطلق الاذن ففي كونه في ذمّة المولى كما حكي عن جامع المقاصد و المسالك، أو في كسب المملوك كما عن بعض الشافعيّة، أو في ذمّته يتبع به بعد عتقه كما حكي اختياره عن المحقّق في الشرائع و حكي عن جملة من كتب العلّامة و عن اللمعة، أو كونه متعلّقاً برقبته كما حكي عن نسختين من التحرير و عن بعض الشافعيّة وجوه و أقوال كما في المستمسك.
و قد اختار المصنّف رحمه الله الوجه الأوّل من بين هذه الأقوال و الوجوه و قال: «أوجهها الأوّل»، و استدلّ لذلك بانفهامه عرفاً و استشهد لقوله باذن السيّد في الاستدانة لنفقته أو لأمر آخر و اذنه في التزويج حيث انّ المهر و النفقة على مولاه. ثمّ قال: «و دعوى الفرق بين الضمان و الاستدانة، بأنّ الاستدانة موجبة لملكيّته، و حيث انّه لا قابليّة له لذلك يستفاد منه كونه على مولاه بخلاف الضمان حيث انّه لا ملكيّة فيه، مدفوعة بمنع عدم قابليّته للملكيّة، و على فرضه أيضاً لايكون فارقاً بعد الانفهام العرفي».
أقول:
الظاهر أنّ الأوجه من الوجوه المذكورة هو الوجه الأوّل - أي كون ضمان العبد على مولاه ان أذن له في الضمان و أطلق - كما ذهب اليه المصنّف؛ و ذلك كما قال لانفهامه عرفاً، الّا أنّ الأحسن بل الأقوى أن يقال: انّ الذي على المولى هو ابراء ذمّة العبد و وجوب أداء دينه؛ لما يفهم ذلك من اذنه في الضمان بعد كونه «لايقدر على شي ء».
قال في المستمسك: «فالأقوال الأربعة كلّها مشتركة في كون الدين بذمّة العبد، و اختلف في أنّه ليس على السيّد أداؤه بل يتبع به العبد بعد العتق، أو على السيّد أداؤه من ماله الخاصّ و هو من كسب العبد، أو من ماله الخاصّ و هو رقبة العبد،
أو من ماله مطلقاً. و اختار المصنّف أنّه في ذمّة السيّد لا غير.
ولكن لمّا كان الضمان يستتبع الأداء و كان العبد عاجزاً عنه، أمكنت دعوى كون المفهوم كون الأداء على السيّد لا أنّه في ذمّته. انتهى ملخّصاً».(1)
«السابع»: التنجيز، فلو علّق الضمان على شرط كأن يقول: «أنا ضامن لما على فلان ان أذن لي أبي، أو ضامن ان لم يف المديون الى زمان كذا، أو ان لم يف أصلاً»، بطل على المشهور، لكن لا دليل عليه بعد صدق الضمان و شمول العمومات العامّة الّا دعوى الاجماع في كلّ العقود على أنّ اللازم ترتّب الأثر عند انشاء العقد من غير تأخير، أو دعوى منافاة التعليق للانشاء. و في الثاني ما لايخفى و في الأوّل منع تحقّقه في المقام. و ربّما يقال: لايجوز تعليق الضمان ولكن يجوز تعليق الوفاء على شرط مع كون الضمان مطلقاً. و فيه: انّ تعليق الوفاء عين تعليق الضمان و لايعقل التفكيك. نعم، في المثال الثاني يمكن أن يقال بامكان تحقّق الضمان منجّزاً مع كون الوفاء معلّقاً على عدم وفاء المضمون له؛ لأنّه يصدق أنّه ضمن الدين على نحو الضمان في الأعيان المضمونة؛ اذ حقيقته قضيّة تعليقيّة، الّا أن يقال بالفرق بين الضمان العقدي و الضمان اليدي.
الشرح:
قال في المستمسك: «قال في التذكرة: «يشترط في الضمان التنجيز، فلو علّقه بمجي ء الشهر أو قدوم زيد لم يصحّ. - الى أن قال: - و لو قال: «ان لم يؤدّ اليك غداً فأنا ضامن»، لم يصحّ عندنا، و به قال الشافعي؛ لأنّه عقد من العقود فلايقبل
1) مستمسك العروة 13: 256 و 257.
التعليق، كالبيع و نحوه». و في القواعد جعل التنجيز شرطاً، و لم يتعرّض لشرحه في جامع المقاصد و لم يتعرّض في مفتاح الكرامة لنقل ذلك عن أحد. نعم، حكي عن تمهيد القواعد الاجماع على عدم صحّة التعليق في العقود على الشرط، و انّ ذلك يلوح من التذكرة و كشف اللثام. - الى أن قال: - و أهمل ذكره في الشرائع هنا و جملة كتب أخرى، لكنّ الظاهر أنّه من المسلّمات التي لاتقبل المناقشة و التأمّل».(1)
و أمّا المصنّف فذهب الى أنّه لا دليل على بطلان تعليق الضمان على شرط، كأن يقول: أنا ضامن لما على فلان ان أذن لي أبي، أو ضامن ان لم يف المديون الى زمان كذا، أو ان لم يف أصلاً. و استدلّ عليه بعد عدم الدليل على بطلانه، بصدق الضمان و شمول العمومات العامّة. و قال بأنّ دليلهم على البطلان، هو دعوى الاجماع في كلّ العقود. و الظاهر أنّ مدرك المجمعين أنّ اللازم ترتّب الأثر عند انشاء العقد من غير تأخير، أو دعوى منافاة التعليق للانشاء.
و استشكل على الدعوى الثانية - على ما أوضحه في المباني(2)- بأنّ الانشاء ليس من الايجاد في شي ء و ان ذهب اليه غير واحد من الأصحاب. و على تقدير تسليمه فليس التعليق هنا في الايجاد و نفس الانشاء و انّما هو في الأمر الاعتباري أعني المعتبر، فانّه قد يفرض مطلقاً و قد يفرض مقيّداً.
و في المستمسك: «ضرورة صحّة الانشاء المعلّق في جملة من الموارد - كالوصيّة التمليكيّة و التدبير و النذر المعلّق على شرط - فضلاً عن امكان ذلك. و السرّ فيه أنّ المعلّق عليه الوجود اللحاظي لا الخارجي، فالانشاء يكون حاليّاً و
المنشأ كذلك، لكنّه معلّق على أمر ذهني لحاظي لا على الأمر الخارجي الاستقبالي حتّى يكون منوطاً بوجوده اللاحق».(1)
و قد استشكل المصنّف في الدليل الأوّل بمنع تحقّق الاجماع في المقام.
و أجاب عنه في المستمسك: «لايظهر الفرق بين المقام و غيره من موارد العقود و الايقاعات التي صرّح الفقهاء بعدم صحّة التعليق فيها عدا موارد مخصوصة. و قد عرفت أنّه يظهر منهم عدم المناقشة فيه و أنّه من المسلّمات».(2)
و قال في المباني: «في قبال المقام الأوّل، أعني تعليق العقد على الأمر المتأخّر و ان علم حصوله فانّه لايبعد القول بتحقّقه فيه. بل و لو لم يتمّ ذلك فالحكم بالصحّة فيه مشكل أيضاً؛ نظراً لعدم شمول العمومات له؛ لما عرفته من ظهورها في اعتبار كون الوفاء من حين العقد، و عدم انفكاك المعتبر عن حين الاعتبار. و لايبعد دعوى كون بناء العقلاء على ذلك أيضاً في غير الوصيّة و التدبير؛ حيث لم يعهد صدور مثله منهم، بأن يجري عقد النكاح مع المرأة الآن على أن تكون هي زوجة له من غد، و هكذا. و أمّا في المقام أعني التعليق على أمر فعلي مشكوك الحصول ككونه هاشميّاً و نحوه فلم يتمّ اجماع على ايجابه لفساد العقد، و لا سيّما في الضمان حيث لايتضمّن أيّ نوع من التمليك و التملّك».(3)
أقول:
قد عرفت أنّ دليل من قال بلزوم التنجيز في العقود و الايقاعات هو عدم جواز التفكيك بين الانشاء و المنشأ، كما مثّل في المباني بأن يجري عقد النكاح مع
المرأة الآن على أن تكون هي زوجة من غد أو يجري انشاء البيع الآن بأن يكون التمليك و التملّك من غد، و كذا سائر العقود و الايقاعات كأن يجري صيغة الطلاق الآن بأن تكون البينونة من غد. و من المعلوم أنّ هذا الذي ذهب اليه الفقهاء صحيح لا اشكال فيه؛ فانّ العرف لم يقل بصحّة هذا النحو من النكاح و البيع و الطلاق، و لم يعهد و لم يتعارف بين الناس هذا النحو من العقود و الايقاعات التعليقيّة.
و أمّا تعليق الضمان كأن يقول: «أنا ضامن ان أذن لي أبي، أو أنا ضامن ان لم يف المديون الى زمان كذا، أو ان لم يف أصلاً»، فتارة يكون بمعنى الضمان الشرعي المصطلح أي انتقال ذمّة الى ذمّة فيكون كسائر العقود و يأتي فيه ما يأتي في سائر العقود من عدم جواز التعليق فانّه أيضاً انشاء و يلزم فيه أن يحصل المنشأ عند الانشاء من غير تأخير.
و أخرى يكون بمعنى التعهّد العرفي من غير انتقال من ذمّة الى أخرى كما في الضمان في العارية المضمونة مع الشرط أو مع كون العين المستعارة ذهباً أو فضّة، فانّه لا اشكال في أنّ ضمانها ليس بالمعنى المصطلح؛ اذ لاينتقل شي ء بالعارية الى ذمّة المستعير؛ فانّ العين لاتقبل الانتقال الى الذمّة و هو غير مشغول الذمّة ببدلها قبل تلفها، فليس ضمانها الّا بمعنى كون مسؤوليّتها في عهدته، بحيث يكون هو المتعهّد بردّها و لو مثلاً أو قيمة عند تلفها، و نتيجة ذلك الزام المستعير بردّها عيناً أو مثلاً أو قيمة.
و بهذا المعنى يستعمل الضمان في موارد كثيرة، كقولهم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» المراد به ضمان صاحب اليد للعين التي أخذته مع أنّه لاينتقل الى ذمّته شي ء قبل التلف، و «أنّ الغاصب ضامن»، فانّه لايراد به الّا التعهّد و كونه هو المسؤول عن المال، و الّا فهو غير مشغول الذمّة ببدله قبل التلف.
فان كان التعليق في الضمان بهذا المعنى أي بمعنى التعهّد فلايبطله العرف بل يتعارف عندهم. و لم يعلم أنّ جميع الفقهاء يبطلون التعليق في الضمان بهذا المعنى.
و عليه فان كان هذا مراد المصنّف ممّا ذهب اليه فلا اشكال في صحّته.
فالمراد بالضمان بمعنى التعهّد هو كون مسؤوليّة الدين في ذمّة الضامن ان لم يف المدين بالدين كما هو المتعارف في الضمانات الموجودة في زماننا هذا في البنوك.
و هذا عقد بين المتعهّد و هو الضامن، و المتعهّد له و هو المضمون له، يشمله العمومات فيجب الوفاء به.
و قد أوضح السيّد الخوئي هذا المعنى من الضمان ثمّ قال: «و كيف كان، فاذا صحّ مثل هذا الضمان في الأعيان الخارجيّة كموارد اليد و العارية فليكن ثابتاً في الأمور الثابتة في الذمّة أيضاً، فانّه لايبعد دعوى كونه متعارفاً كثيراً في الخارج، فانّ أصحاب الجاه و الشأن يضمّون المجاهيل من الناس من دون أن يقصد بذلك انتقال المال بالفعل الى ذممهم، و انّما يراد به تعهّدهم به عند تخلّف المضمون عنه عن أدائه. و الحاصل أنّ الضمان في المقام غير مستعمل في معناه المصطلح. و عليه فلا مجال للايراد عليه بأنّه يتضمّن التعليق الباطل، أو أنّه من ضمّ ذمّة الى أخرى لا من نقل ما في ذمّة الى ذمّة أخرى، و انّما هو مستعمل في التعهّد و المسؤوليّة عن المال و هو أمر متعارف عند العقلاء فتشمله العمومات و الاطلاقات، فانّه عقد يجب الوفاء به».(1)
ثمّ قال المصنّف رحمه الله: «و ربّما يقال: لايجوز تعليق الضمان، ولكن يجوز تعليق
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 403 و 404.
الوفاء على شرط مع كون الضمان مطلقاً. و فيه: انّ تعليق الوفاء عين تعليق الضمان و لايعقل التفكيك».
و قال في المباني: «لأنّ الوفاء اذا كان مقيّداً بشي ء كان مرجعه الى عدم الضمان عند عدم ذلك التقدير؛ اذ لا معنى لعدم الوفاء الّا عدم الضمان، و الّا فلا معنى لكون الضمان مطلقاً مع تعليق الوفاء على أمر غير متحقّق».(1)
«الثامن»: كون الدين الذي يضمنه ثابتاً في ذمّة المضمون عنه، سواء كان مستقرّاً كالقرض و العوضين في البيع الذي لا خيار فيه، أو متزلزلاً كأحد العوضين فيالبيع الخياري، كما اذا ضمن الثمن الكلّي للبائع أو المبيع الكلّي للمشتري أو المبيع الشخصي قبل القبض و كالمهر قبل الدخول و نحو ذلك. فلو قال: «أقرض فلاناً كذا و أنا ضامن أو بعه نسيئة و أنا ضامن»، لم يصحّ على المشهور بل عن التذكرة الاجماع، قال: «لو قال لغيره: «مهما أعطيت فلاناً فهو عليّ»، لم يصحّ اجماعاً». ولكن ما ذكروه من الشرط ينافي جملة من الفروع الآتية. و يمكن أن يقال بالصحّة اذا حصل المقتضي للثبوت و ان لم يثبت فعلاً بل مطلقاً؛ لصدق الضمان و شمول العمومات العامّة و ان لم يكن من الضمان المصطلح عندهم بل يمكن منع عدم كونه منه أيضاً.
الشرح:
الثامن من شرائط الضمان كون الدين الذي يضمنه الضامن ثابتاً في ذمّة المضمون عنه - فلو لم يكن في ذمّته شي ء فلا معنى للضمان هناك - سواء كان مستقرّاً كالقرض و الثمن من المبيع الذي اشتراه أو المبيع الذي باعه و قبض ثمنه
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 402.
و لم يكن لهما أو لأحدهما خيار، أو متزلزلاً كأحد العوضين في البيع الخياري فضمن الثمن الكلّي للبائع أو المبيع الكلّي للمشتري اذا كان هناك خيار، و كما اذا ضمن المبيع الشخصي قبل القبض بأن كان المراد به تعهّد الضمان بتسليم العين عند احتمال امتناع البائع عنه، و كالمهر قبل الدخول و نحو ذلك، و ان كان لا موقع لذكر هذين الموردين في المقام؛ فانّ الكلام انّما هو في ضمان الدين.
نعم، قد تقدّم أنّ الضمان ربما يكون بمعنى التعهّد العرفي و لايكون من انتقال ذمّة الى أخرى، فان كان الضمان فيما ذكر بمعنى التعهّد فالظاهر صحّته.
و قال الماتن: «فلو قال: «أقرض فلاناً كذا و أنا ضامن، أو بعه نسيئة و أنا ضامن»، لم يصحّ على المشهور، بل عن التذكرة الاجماع - الى أن قال: - و يمكن أن يقال بالصحّة اذا حصل المقتضي للثبوت و ان لم يثبت فعلاً، بل مطلقاً؛ لصدق الضمان و شمول العمومات العامّة، و ان لم يكن من الضمان المصطلح عندهم».
قال في المباني: «ما ذهب اليه الماتن لايتمّ بناءً على مذهبنا في الضمان و أنّه نقل ذمّة الى أخرى، فانّه اذا لم تكن الذمّة الأولى مشغولة بشي ء لم يكن لنقله الى ذمّة أخرى معنى محصّل، و معه كيف يمكن التمسّك بالاطلاقات لاثبات صحّته.
نعم، لايبعد تفرّع هذا الشرط - أعني ثبوت الدين في الذمّة بالفعل - على الشرط السابق أعني التنجيز؛ فانّه لو لم نقل باعتبار التنجيز كما احتملناه أمكن التمسّكبالاطلاقات و الحكم بصحّة الضمان في المقام و بمعناه المصطلح على نحو الضمان المتأخّر بأن يكون الانشاء فعليّاً و الانتقال بعد الدين و الاعطاء، فالضامن في الحقيقة انّما ينشأ الانتقال الى ذمّته بعد الدين من الآن».(1)
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 405.
أقول:
قد تقدّم في الشرط السابع اعتبار التنجيز في الضمان المصطلح، فان كان هذا الشرط أيضاً متفرّع على الشرط السابق فلايجوز الضمان هنا أيضاً، الّا أن يجعل هذا أيضاً من التعهّد المذكور سابقاً فيكون عقداً جديداً يشمله العمومات.
«التاسع»: أن لايكون ذمّة الضامن مشغولة للمضمون عنه بمثل الدين الذي عليه على ما يظهر من كلماتهم في بيان الضمان بالمعنى الأعمّ؛ حيث قالوا: «انّه بمعنى التعهّد بمال أو نفس»، فالثاني الكفالة و الأوّل ان كان ممّن عليه للمضمون عنه مال فهو الحوالة، و ان لم يكن فضمان بالمعنى الأخصّ، ولكن لا دليل على هذا الشرط. فاذا ضمن للمضمون عنه بمثل ما له عليه يكون ضماناً، فان كان باذنه يتهاتران بعد أداء مال الضمان، و الّا فيبقى الذي للمضمون عنه عليه و تفرغ ذمّته ممّا عليه بضمان الضامن تبرّعاً، و ليس من الحوالة؛ لأنّ المضمون عنه على التقديرين لم يحل مديونه على الضامن حتّى تكون حوالة. و مع الاغماض عن ذلك غاية ما يكون أنّه يكون داخلاً في كلا العنوانين، فيترتّب عليه ما يختصّ بكلّ منهما مضافاً الى ما يكون مشتركاً.
الشرح:
قال في الشرائع: «الضمان و هو عقد شرّع للتعهّد بمال أو نفس، و التعهّد بالمال قد يكون ممّن عليه للمضمون عنه مال و قد لايكون، فهنا ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: في ضمان المال ممّن ليس عليه للمضمون عنه مال و هو المسمّى بالضمان بقول مطلق».(1)
1) شرائع الاسلام 2: 88.
و قال في الجواهر: «التعهّد بالنفس و هو الكفالة، و التعهّد بالمال ممّن ليس عليه و هو الضمان بالمعنى الأخصّ الذي يدخل فيه ضمان الأعيان بناءً عليه، و ممّن عليه له مال و هو الحوالة، ولكن سيأتي صحّة الحوالة على البري ء».(1)
و قال المصنّف بأنّه يظهر من كلماتهم أنّ التعهّد ان كان بنفس فهو الكفالة، و ان كان بمال فان كان المضمون عنه كزيد - مثلاً - مديوناً من عمرو، و في ذلك الحال يكون خالد مديوناً عن زيد فاذا ضمن خالد لأداء دين زيد من عمرو فهو الحوالة، فيكون ضماناً بالمعنى الأعمّ، و ان لم يكن خالد مديوناً لزيد فضمن عنه لعمرو ليؤدّي عنه دينه فهو الضمان بالمعنى الأخصّ. و قد شرطوا - على ما يظهر من كلماتهم - للضمان بمعنى الأخصّ أن لايكون الضامن مديوناً للمضمون عنه بمثل الذي هو مديون للمضمون له.
ولكنّه رحمه الله ذهب الى أنّه لا دليل على هذا الشرط، فان كان ضمانه باذن المضمون عنه في حال كونه مديوناً له يتهاتران بعد أداء مال الضمان الى المضمون له. و أمّا ان لم يكن ضمانه باذن المضمون عنه، بحيث صار ضامناً تبرّعاً فاذا أدّى دين المضمون عنه فقد فرغت ذمّة المضمون عنه و بقي ذمّة الضامن للمضمون عنه بما يطلب من دينه.
و على التقديرين ليس من الحوالة في شي ء؛ لأنّ المضمون عنه على التقديرين لم يحل دائنه على الضامن حتّى تكون حوالة و مع الاغماض - أي ان صدق عليه الحوالة و ان لم يكن المضمون عنه قد أحال دينه - غاية ما يكون أنّه يكون داخلاً في كلا العنوانين، فيترتّب عليه ما يختصّ بكلّ منهما مضافاً الى ما يكون مشتركاً.
1) جواهر الكلام 26: 114.
قال في المستمسك: «يكون هنا اشكال على الأصحاب من وجوه:
«الأوّل»: انّ الحوالة لاتختصّ بالمديون للمحيل، بل تصحّ على البري ء على قول يأتي.
«الثاني»: انّ الضمان لايختصّ بالبري ء؛ فانّه لا دليل على ذلك، و العمومات تنفيه، فيصحّ من المديون.
«الثالث»: انّ الفرق بين الحوالة و الضمان في نفس المفهوم، فانّ الحوالة مقوّمة بالمحيل و المحال بل و المحال عليه، و الضمان متقوّم بالضامن و المضمون له، و لايتوقّف على رضا المضمون عنه، فالمتصدّي في الضمان هو الضامن، و المضمون له تابع له و المضمون عنه أجنبي عنه، و المتصدّي في الحوالة هو المحيل، و المحال و المحال عليه تابعان له.
فالفرق بين الحوالة و الضمان في المفهوم كالفرق بين البيع و الرهن، و ليس الفرق بينهما في حدود المفهوم كالفرق بين النقد و النسيئة مثلاً».(1)
فتحصّل أنّ هذا الشرط ليس من الشرائط اللازمة للضمان، فكما قال المستمسك: الضمان متقوّم بالضامن و المضمون له و لايتوقّف على رضا المضمون عنه، فالمتصدّي في الضمان هو الضامن، و المضمون له تابع له و المضمون عنه أجنبي عنه، و المتصدّي في الحوالة المحيل، و المحال و المحال عليه تابعان له.
«العاشر»: امتياز الدين و المضمون له و المضمون عنه عند الضامن على وجه يصحّ معه القصد الى الضمان. و يكفي التميّز الواقعي و ان لم يعلمه
1) مستمسك العروة 13: 266 و 267.
الضامن، فالمضرّ هو الابهام و الترديد، فلايصحّ ضمان أحد الدينين و لو لشخص واحد على شخص واحد على وجه الترديد مع فرض تحقّق الدينين، و لا ضمان دين أحد الشخصين و لو لواحد، و لا ضمان دين لأحد الشخصين و لو على واحد. و لو قال: «ضمنت الدين الذي على فلان»، و لم يعلم أنّه لزيد أو لعمرو، أو: «الدين الذي لفلان»، و لم يعلم أنّه على زيد أو على عمرو صحّ؛ لأنّه متعيّن واقعاً. و كذا لو قال: «ضمنت لك كلّ ما كان لك على الناس»، أو قال: «ضمنت عنك كلّ ما كان عليك لكلّ من كان من الناس». و من الغريب ما عن بعضهم من اعتبار العلم بالمضمون عنه و المضمون له بالوصف و النسب، أو العلم باسمهما و نسبهما، مع أنّه لا دليل عليه أصلاً و لم يعتبر ذلك في البيع الذي هو أضيق دائرة من سائر العقود.
الشرح:
العاشر من الشروط امتياز الدين و المضمون له و المضمون عنه عند الضامن؛ و ذلك لأنّ الضمان هو التعهّد و الالتزام بما على غيره من المال، و الأمور المذكورة أركانه، فلو كان أحدها مبهماً واقعاً و ظاهراً - بمعنى عدم تعيّنه حتّى في الواقعدون ما اذا كان معلوماً واقعاً ولكنّه مجهول عند الضامن فقط - فلايحصل الضمان شرعاً بل و لا عرفاً، فانّه يحتاج الى القصد فلايصحّ القصد الى المجهول. نعم، لو كانت متميّزة عرفاً يكفي.
و لو قال: «ضمنت الدين الذي على فلان»، و لم يعلم أنّه لزيد أو لعمرو كفى، و كذا لو قال: «ضمنت الدين الذي لفلان»، و لم يعلم أنّه على زيد أو على عمرو صحّ بشرط قبول المضمون له في المثالين، و كذا لو قال: «ضمنت لك كلّ ما كان لك على الناس»، أو قال: «ضمنت عنك كلّ ما كان عليك لكلّ من كان من الناس».
ثمّ انّ المصنّف اعترض على ما عن الشيخ في المبسوط(1)من اعتبار العلم بالمضمون عنه و المضمون له بالوصف و النسب أو العلم باسمهما و نسبهما، بأنّه لا دليل عليه أصلاً، و لم يعتبر ذلك في البيع الذي هو أضيق دائرة من سائر العقود.
و أوضح في المهذّب ما هو الحقّ في المقام و قال: «انّ الضمانات على قسمين:
«الأوّل»: ما هو المعروف الذي ليس في موضع التشاجر و التخاصم عرفاً و لايعتبر فيه شي ء سوى ما مرّ. «الثاني»: ما اذا كان في موضع ذلك. و يعتبر في الثاني ضبط جميع الخصوصيّات و الجهات؛ دفعاً للخصومة و اللجاج و تسهيلاً لموضوع حكم الحاكم لو رجع اليه، مع أنّ العرف يبادرون الى ذلك في هذا القسم و قد وقع الخلط بين القسمين في كلمات الأعلام».(2)
و ربما يستشكل على المصنّف بأنّ دائرة البيع تكون أوسع من جهات عديدة من الضمان كجريان الفضولي و المعاطاة فيه و كذا بيع المرابحة و المواضعة و غيرهما و جريان أنواع الخيارات فيه مع عدم جريان ما ذكر في الضمان.
(مسألة 1): لايشترط في صحّة الضمان العلم بمقدار الدين و لا بجنسه. و يمكن أن يستدلّ عليه - مضافاً الى العمومات العامّة و قوله صلى الله عليه وآله: «الزعيم غارم» - بضمان علي بن الحسين عليهما السلام لدين عبداللَّه بن الحسن و ضمانه لدين محمّد بن أسامة، لكن الصحّة مخصوصة بما اذا كان له واقع معيّن. و أمّا اذا لم يكن كذلك كقولك: «ضمنت شيئاً من دينك»، فلايصحّ. و لعلّه مراد من
قال: «انّ الصحّة انّما هي فيما اذا كان يمكن العلم به بعد ذلك»، فلايرد عليه ما يقال من عدم الاشكال في الصحّة مع فرض تعيّنه واقعاً، و ان لم يمكن العلم به فيأخذ بالقدر المعلوم. هذا و خالف بعضهم فاشترط العلم به لنفي الغرر و الضرر، و ردّ بعدم العموم في الأوّل؛ لاختصاصه بالبيع أو مطلق المعاوضات و بالاقدام في الثاني. و يمكن الفرق بين الضمان التبرّعي و الاذني فيعتبر في الثاني دون الأوّل؛ اذ ضمان علي بن الحسين عليهما السلام كان تبرّعيّاً، و اختصاص نفي الغرر بالمعاوضات ممنوع بل يجري في مثل المقام الشبيه بالمعاوضة اذا كان بالاذن مع قصد الرجوع على الآذن. و هذا التفصيل لايخلو عن قرب.
الشرح:
قال في المباني: «لايشترط في صحّة الضمان العلم بمقدار الدين و لا بجنسه؛ لعمومات أدلّة الضمان حيث لم يعتبر في شي ء منها كون الدين معلوماً و من هنا فمقتضاها الصحّة حتّى مع الجهل بالدين. و هذا الدليل هو العمدة في الحكم، و الّا فسائر الأدلّة لا تخلو عن المناقشة».(1)
قال في المستمسك: «كما عن جماعة كثيرة. و في المسالك: «انّه الأشهر». و في جامع المقاصد: «هذا قول الشيخ و أكثر الأصحاب؛ للأصل، و لقوله صلى الله عليه وآله: «الزعيم غارم»، و لأنّ الضمان عقد لاينافيه الغرر». و كأنّ المراد من الأصل العموم الدالّ على صحّة العقود. و أمّا ما بعده فغير ثابت من طرقنا، بل المروي في خبر الحسين بن خالد تكذيبه. و في المسالك استدلّ بظاهر قوله تعالى: «و لمن جاء به حمل بعير و أنا به زعيم» مع اختلاف كمّيّة الحمل، لكنّ الظاهر أنّ حمل
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 408.
البعير مقدار معيّن من الوزن. و في زماننا حمل البعير وزنتان: مائة و ستّون حقّة اسلامبول، أو مائتا كيلو تقريباً».(1)
أقول:
لايشترط في صحّة الضمان العلم بمقدار الدين و لا بجنسه؛ و الدليل على ذلك - مضافاً الى عمومات أدلّة الضمان حيث لم يعتبر في شي ء منها كون الدين معلوماً - صحيحة عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام:
«في رجل يموت و عليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمّة الميّت».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال: روي أنّه احتضر عبداللَّه بن الحسن فاجتمع اليه غرماؤه فطالبوه بدين لهم، فقال لهم: ما عندي ما أعطيكم، ولكن رضوا بمن شئتم من أخي و بني عمّي علي بن الحسين أو عبداللَّه بن جعفر، فقال الغرماء: أمّا عبداللَّه بن جعفر فملي مطول، و أمّا علي بن الحسين فرجل لا مال له صدوق و هو أحبّهما الينا، فأرسل اليه فأخبره الخبر، فقال عليه السلام: أضمن لكم المال الى غلّة و لم يكن له غلّة، فقال القوم: قد رضينا، فضمنه فلمّا أتت الغلّة أتاح اللَّه تعالى له المال فأدّاه».(3)
و رواية فضيل و عبيد عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«لمّا حضر محمّد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم فقال لهم: قد عرفتم قرابتي و منزلتي منكم و عليّ دين فأحبّ أن تقضوه عنّي، فقال علي بن الحسين عليه السلام: ثلث دينك عليّ، ثمّ سكت و سكتوا، فقال علي بن الحسين عليه السلام: عليّ دينك كلّه، ثمّ قال علي بن الحسين عليه السلام: أما أنّه لم يمنعني أن أضمنه أوّلاً الّا كراهة أن يقولوا: سبقنا».(1)
و لايضرّ ضعف الروايتين من حيث السند؛ لكونهما من جملة ما استند بهما المشهور و عمل بهما، و الظاهر منهما الاطلاق و لايضرّه كونهما في واقعة، فالمهمّ عدم تعيين الدين في الروايتين و هذا كافٍ للحكم به بعد فتوى الأصحاب، و ان قلنا سابقاً في معنى الرواية الأخيرة أنّها ليست بمعنى الضمان المصطلح بل بمعنى الوفاء بالعهد، فتأمّل.
ثمّ انّ ما ذكره المصنّف من النبوي صلى الله عليه وآله حيث قال: «الزعيم غارم» قد وقع محلاًّ لكلام الأعلام أو نقضهم و اشكالهم و قد أجاد في المهذّب في بيانه حيث قال: «هذا النبوي مذكور في كتب القوم و هو من جوامعه صلى الله عليه وآله و تمام الحديث: «العارية مؤدّاة و المنحة مردودة و الدين مقتضى و الزعيم غارم» و اطلاقه يشمل جميع أقسام الضمان مطلقاً الّا ما خرج بالدليل، و أمّا خبر ابن خالد فقال: «قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك قول الناس: الضامن غارم، فقال عليه السلام: ليس على الضامن غرم الغرم على أكل المال»، فيمكن الجمع بينهما بحمل النبوي على ما اذا وقع الضمان بلا اذن المضمون عنه، أو حمله على الغرم غير المستقرّ و حمل خبر ابن خالد على الغرم المستقرّ فالنبوي أثبت الغرم غير المستقرّ و الخبر نفى الغرم
1) وسائل الشيعة 18: 423 / الباب 3 من كتاب الضمان / الحديث 1.
المستقرّ فانّ الضامن يرجع الى المضمون عنه فلا وجه لطرح النبوي».(1)
لكنّ الصحّة مخصوصة بما اذا كان له واقع معيّن، و أمّا اذا لم يكن كذلك كقولك: «ضمنت شيئاً من دينك»، فلايصحّ بلا خلاف فيه بين الأصحاب؛ اذ يستحيل فراغ ذمّة المضمون عنه و اشتغال ذمّة الضامن بالنسبة الى ما لا تعيّن له واقعاً كما في المباني.(2)و قولاً واحداً كما في التذكرة و جامع المقاصد و المسالك كما يأتي عن المستمسك.
ثمّ انّ المصنّف - بعد قوله: «اذا لم يكن له واقع معيّن لايصحّ» - قال: «و لعلّه مراد من قال: انّ الصحّة انّما هي فيما اذا كان يمكن العلم به بعد ذلك».
و قال في المستمسك: «ذكر ذلك في التذكرة و جامع المقاصد و المسالك:
قال في التذكرة: «ان قلنا بصحّة ضمان المجهول فانّما يصحّ في صورة يمكن العلم فيها بعد ذلك، كما لو قال: أنا ضامن للدين الذي عليك، و أنا ضامن لثمن ما بعت من فلان، و هو جاهل بالدين و الثمن؛ لأنّ معرفته ممكنة، و الخروج عن العهدة مقدور عليه. أمّا لو لم يمكن الاستعلام فانّ الضمان لايصحّ فيه قولاً واحداً، كما لو قال: ضمنت لك شيئاً ممّا لك على فلان».
و نحوه ما في جامع المقاصد و المسالك».(3)
ثمّ انّ المصنّف قال: «و خالف بعضهم فاشترط العلم به لنفي الغرر و الضرر، و ردّ بعدم العموم في الأوّل؛ لاختصاصه بالبيع أو مطلق المعاوضات، و بالاقدام في الثاني».
قال في المستمسك: «حكي اشتراط العلم به من الخلاف و المبسوط و
القاضي و ابن ادريس، و عن كشف الرموز أنّه أشبه».
و قال في المباني: «انّ حديث نفي الغرر يختصّ بالبيع أو مطلق المعاوضات؛ لالحاقها الفقهاء به، فلايشمل الضمان و نحوه ممّا لايتضمّن المعاوضة، مضافاً الى أنّه لايتصوّر في مثل المقام حيث يستوفي الضامن بمقدار ما يدفعه الى المضمون له، فانّ الخطر انّما يتصوّر في مثل البيع ممّا تختلف فيه العوضان، و يكون مبناه على المغابنة بمعنى الاسترباح و دفع الأقلّ بازاء أخذ الأكثر، حيث يحتمل فيهالخسارة. و أمّادليل «لا ضرر» بنفسه قاصر عن شمول الضمان قلّ أو كثر، فانّه لايدلّ الّا على نفي الزام الشارع بالحكم الضرري. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الضمان ليس من جملة المعاوضات حتّى يشمله الحديث، بل هو عبارة عن التعهّد بمال ثابت في ذمّة شخص لآخر، سواء كان باذن المضمون عنه أو كان تبرّعيّاً، و لايشمله أيضاً حديث «لا ضرر»؛ لأنّه كما قال في المباني لايدلّ الّا على نفي الزام الشارع بالحكم الضرري.
(مسألة 2): اذا تحقّق الضمان الجامع لشرائط الصحّة انتقل الحقّ من ذمّة المضمون عنه الى ذمّة الضامن و تبرأ ذمّة المضمون عنه بالاجماع و النصوص، خلافاً للجمهور حيث انّ الضمان عندهم ضمّ ذمّة الى ذمّة. و ظاهر كلمات الأصحاب عدم صحّة ما ذكروه، حتّى مع التصريح به على هذا النحو. و يمكن الحكم بصحّته حينئذٍ؛ للعمومات.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 409 و 410.
الشرح:
اذا تحقّق الضمان الجامع لشرائط الصحّة انتقل الحقّ من ذمّة المضمون عنه الى ذمّة الضامن و تبرأ ذمّة المضمون عنه؛ لصحيحة عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام:
«في رجل يموت و عليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمّة الميّت».(1)
و صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: ذكر لنا أنّ رجلاً من الأنصار مات و عليه ديناران، فلم يصلّ عليه النبي صلى الله عليه وآله و قال: صلّوا على صاحبكم، حتّى ضمنهما بعض قرابته، فقال أبو عبداللَّه عليه السلام: ذلك الحقّ. الحديث».(2)
و رواية ابن مخارق عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال:
«من ضمن لأخيه حاجة لم ينظر اللَّه عزّوجلّ في حاجته حتّى يقضيها».(3)
و معناها أنّ اللَّه تعالى لم يقض حاجة الضامن حتّى يقضي الضامن حاجة المضمون عنه، و من هذه الجهة تدلّ على براءة ذمّة المضمون عنه.
قال في المستمسك: «في التذكرة: «انّه عند علمائنا أجمع، و به قال ابن أبي ليلي و ابن شبرمة و داود و أبو ثور»، و عن الغنية أنّ عليه اجماع الطائفة. و في المسالك: «انّه موضع وفاق». و في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف فيه». و في الجواهر: «بلا خلاف في ذلك و لا اشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعلّه من
ضروريّات الفقه». و أمّا الجمهور فقد ذهب فريق منهم الى أنّ للمضمون له مطالبة كلّ من الضامن و المضمون عنه، كما عن الشافعي و أبي حنيفة و أحمد و غيرهم، و ذهب آخر الى أنّه لايطالب الضامن الّا اذا عجز من تحصيله من المضمون عنه لغيبته أو اعساره كما عن مالك؛ حيث انّ الضمان عندهم ضمّ ذمّة الى ذمّة. انتهى ملخّصاً».(1)
و قال المصنّف: «و ظاهر كلمات الأصحاب عدم صحّة ما ذكروه حتّى مع التصريح به على هذا النحو. و يمكن الحكم بصحّته حينئذٍ؛ للعمومات».
و في المباني: «لم يظهر مراده قدس سره من العمومات في المقام؛ فانّ أدلّة الضمان بأجمعها واردة في نقل الدين من ذمّة الى أخرى، و ليس فيها ما يقتضي صحّته حتّى على نحو ضمّ ذمّة الى أخرى كي يتمسّك به في المقام».(2)
و في الجواهر: «فمع تحقّق الضمان الجامع لشرائط الصحّة ينتقل المال الى ذمّة الضامن و يبرأ المضمون عنه، و حينئذٍ تسقط المطالبة من المضمون له عن المضمون عنه؛ لعدم الحقّ له في ذمّته، بلا خلاف في شي ء من ذلك عندنا و لا اشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعلّه من ضروريّات الفقه.
نعم، قد عرفت مخالفة الجمهور في ذلك باعتبار أنّ الضمان عندهم ضمّ ذمّة الى ذمّة أخرى، و بطلانه».(3)
أقول:
انّ ما ذهب اليه صاحب الجواهر صحيح، فاذا تحقّق الضمان ينتقل المال الى
ذمّة الضامن و يبرأ المضمون عنه و حينئذ تسقط المطالبة من المضمون له عن المضمون عنه.
هذا في الضمان بمعنى المصطلح.
أمّا اذا كان بمعنى التعهّد العرفي كما ذكرناه سابقاً و ذكره المصنّف و السيّد الخوئي فيمكن القول بصحّة اشتراط بقاء اشتغال ذمّة المضمون عنه أيضاً فانّ التعهّد بهذا النحو من جملة العقود المشمولة للعمومات، فيصحّ و يصحّ الشرط المذكور في ضمنه لعموم «المؤمنون عند شروطهم».
و الظاهر أنّ التعهّد المذكور اذا كان خالياً من الشرط يكون حكمه حكم الضمان المصطلح في براءة ذمّة المضمون عنه.
(مسألة 3): اذا أبرأ المضمون له ذمّة الضامن برئت ذمّته و ذمّة المضمون عنه. و ان أبرأ ذمّة المضمون عنه لم يؤثّر شيئاً، فلاتبرأ ذمّة الضامن؛ لعدم المحلّ للابراء بعد براءته بالضمان الّا اذا استفيد منه الابراء من الدين الذي كان عليه بحيث يفهم منه عرفاً ابراء ذمّة الضامن. و أمّا في الضمان بمعنى ضمّ ذمّة الى ذمّة فان أبرأ ذمّة المضمون عنه برئت ذمّة الضامن أيضاً، و ان أبرأ ذمّة الضامن فلاتبرأ ذمّة المضمون عنه، كذا قالوا، و يمكن أن يقال ببراءة ذمّتهما على التقديرين.
الشرح:
اذا أبرأ المضمون له ذمّة الضامن برئت ذمّته و ذمّة المضمون عنه؛ لأنّ ذمّة المضمون عنه قد برئت بقبول المضمون له ضمان الضامن، فاذا أبرأ ذمّة الضامن فلايبقى شي ء، و فائدته أنّ الضامن لايستطيع أن يرجع الى المضمون عنه.
و ان أبرأ ذمّة المضمون عنه لم يؤثّر شيئاً؛ لأنّ ذمّته قد برئت بقبول ضمان الضامن فلم يكن هناك محلّ للابراء فضمان الضامن باقٍ بحاله؛ لأنّ براءة ذمّة المضمون عنه لايرتبط ببرائة ذمّة الضامن. نعم، اذا استفيد منه الابراء من الدين الذي كان عليه بحيث يفهم منه عرفاً ابراء ذمّة الضامن، فقد برئت ذمّته.
قال في المستمسك: «قال في الشرائع: «و لو أبرأ المضمون له المضمون عنه لم يبرأ الضامن على قول مشهور لنا»، و في المسالك: «فقول المصنّف: «على قول مشهور لنا» يشعر بثبوت مخالف منّا، لكن لم نقف عليه». و في التذكرة ادّعى اجماع علمائنا على ذلك، و لعلّه أراد بذلك أنّه لم يتحقّق الاجماع و ان لم نجد مخالفاً، فانّ عدم الاطّلاع على المخالف لايوجب الاجماع.
و كيف كان فلاينبغي الاشكال فيما ذكره المصنّف؛ لما ذكره من التعليل.
و أمّا في الضمان بمعنى ضمّ ذمّة الى ذمّة فان أبرأ ذمّة الضامن أو ذمّة المضمون عنه فكان حكمه كالمتقدّم بل هنا أولى ان رجع معناه الى أنّ ذمّتهما يصير واحداً، فكما قال المصنّف يبرأ ذمّتهما على التقديرين.
قال في المباني: «انّ ابراء احدى الذمّتين من الدين الثابت فيهما على نحو الضمّ، انّما هو بمنزلة استيفائه منها كما هو واضح، و لذا يذكر في باب المهور أنّ الزوجة اذا أبرأت ذمّة زوجها من المهر فطلّقها قبل الدخول رجع عليها بنصف
1) مستمسك العروة 13: 276.
المهر، فلا وجه للتفكيك بين الذمّتين بالقياس اليه و القول بثبوته في ذمّة دون أخرى.
و أمّا مع ابراء المضمون عنه، فلأنّ مرجعه الى اسقاط الدين و افراغ ذمّته منه و معه فلايبقى مجال لضمّ ذمّة أخرى اليها فيه».(1)
قال في الجواهر: «لو أبرأ المضمون له المضمون عنه لم يبرأ الضامن من هذه الحيثيّة على قول مشهور لنا، بل مجمع عليه بيننا؛ ضرورة عدم المحلّ للبراءة المزبورة بعد ما عرفت من براءة ذمّته بالضمان عندنا، و انّما محلّها حينئذٍ ذمّة الضامن فاذا أبرأه برئا معاً و ان كان الضمان بالاذن؛ لعدم استحقاق الرجوع عليه الّا بالأداء الذي قد انتفى محلّه بالابراء، فينتفي الحقّ عنه للضامن الذي قد فرضنا براءة ذمّته من المضمون له.
نعم، قد يقال باستفادة براءة ذمّة الضامن من براءة ذمّة المضمون عنه و ان لم يكن لها محلّ باعتبار ظهور ذلك في ارادة رفع اليد عمّن هو عليه و ان كان متعلّقهاالمضمون عنه، الّا أنّ ذلك لو سلّم فهو خروج عمّا نحن فيه؛ ضرورة كون المراد من الحيثيّة المزبورة، لا من حيث دعوى دلالة العرف على ارادة البراءة للضامن أيضاً، مع أنّها واضحة المنع على مدّعيها مع عدم القرائن، و كلّ ذلك تفريع على مذهبنا.
أمّا على مذهب الجمهور فلا اشكال في صحّة البراءة المزبورة؛ لأنّ الحقّ باقٍ عندهم، بل المحكي عنهم أنّ براءة ذمّة الضامن لايقتضي براءة ذمّة المضمون عنه بخلاف العكس؛ لأنّها من قبيل الوثيقة عند الديّان، فتلفها لايقتضي سقوط الحقّ بخلاف براءة ذمّة المضمون عنه فانّها تقتضي براءة ذمّة الضامن التي هي وثيقة
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 413.
على ذمّة المضمون عنه المفروض براءتها، فتفكّ حينئذٍ الوثيقة.
و هي كماترى قياس واستحسان و تحدّس لايوافق أصول الشريعة و قواعدها، و لعلّ قول المصنّف: «على قول مشهور لنا»، اشارة الى ما ذكرناه من الاحتمال، لا لوجود خلاف في المسألة؛ اذ قد عرفت أنّها من قطعيّات فقه الشيعة أو ضروريّاته».(1)
(مسألة 4): الضمان لازم من طرف الضامن و المضمون له، فلايجوز للضامن فسخه حتّى لو كان باذن المضمون عنه و تبيّن اعساره، و كذا لايجوز للمضمون له فسخه و الرجوع على المضمون عنه، لكن بشرط ملاءة الضامن حين الضمان أو علم المضمون له باعساره، بخلاف ما لو كان معسراً حين الضمان و كان جاهلاً باعساره، ففي هذه الصورة يجوز له الفسخ على المشهور بل الظاهر عدم الخلاف فيه، و يستفاد من بعض الأخبار أيضاً. و المدار كما أشرنا اليه في الاعسار و اليسار على حال الضمان، فلو كان موسراً ثمّ أعسر لايجوز له الفسخ كما أنّه لو كان معسراً ثمّ أيسر يبقى الخيار. و الظاهر عدم الفرق في ثبوت الخيار مع الجهل بالاعسار بين كون المضمون عنه أيضاً معسراً أو لا. و هل يلحق بالاعسار تبيّن كونه مماطلاً مع يساره في ثبوت الخيار أو لا؟ وجهان.
الشرح:
الضمان لازم من طرف الضامن و المضمون له؛ و ذلك لأنّ الضمان لغة كما تقدّم عبارة عن التعهّد بمال ثابت في ذمّة شخص لآخر، و قد تقدّم أيضاً أنّه عقد
1) جواهر الكلام 26: 127 و 128.
يحتاج الى الايجاب من الضامن و القبول من المضمون له، و يلزم الوفاء به؛ لأصالة اللزوم في كلّ عقد الثابتة في محلّها و المستندة الى مثل قوله تعالى: «أوفوا بالعقود»(1)، و لقوله تعالى: «و الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون»(2)، و لعموم: «المؤمنون عند شروطهم». و لا خلاف في ذلك ظاهراً.
و قال في المباني: «انّ ارجاع الدين الى ذمّة المضمون عنه ثانياً و فراغ ذمّة الضامن بعد الحكم بصحّة الضمان و انتقال الدين الى ذمّة الضامن و فراغ ذمّة المضمون عنه بالمرّة، يحتاج الى الدليل و هو مفقود.
و مقتضى أصالة اللزوم المستفادة من اطلاقات أدلّة صحّة العقود و العمومات بقاء الحكم الأوّل على حاله فلايجوز للضامن فسخه حتّى لو كان باذن المضمون عنه فضلاً عمّا لو كان ضماناً تبرّعيّاً و من غير اذن المضمون عنه».(3)
و في المستمسك: «كما يقتضيه اطلاق الفتاوى و تقتضيه أصالة اللزوم».(4)لكن يشترط في لزومه ملاءة الضامن حين الضمان أو علم المضمون له باعساره؛ قال المصنّف: «لو كان معسراً حين الضمان و كان جاهلاً باعساره، ففي هذه الصورة يجوز له الفسخ على المشهور، بل الظاهر عدم الخلاف فيه، و يستفاد من بعض الأخبار أيضاً».
و قال في المستمسك: «بل لا خلاف فيه عندنا كما عن الجواهر، و عن ظاهر الغنية الاجماع عليه. و عن السرائر نسبته الى أصحابنا. و في جامع المقاصد:
«ظاهرهم أنّ هذا الحكم موضع وفاق». و عن الرياض أنّه لم نجد خلافاً فيه».(1)
و مراده رحمه الله من بعض الأخبار موثّقة الحسن بن الجهم قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل مات و له عليّ دين، و خلّف ولداً رجالاً و نساءاً و صبياناً، فجاء رجل منهم فقال: أنت في حلّ ممّا لأبي عليك من حصّتي و أنت في حلّ ممّا لاخوتي و أخواتي و أنا ضامن لرضاهم عنك، قال: يكون في سعة من ذلك و حلّ، قلت: فان لم يعطهم؟ قال: كان ذلك في عنقه، قلت: فان رجع الورثة عليّ فقالوا: أعطنا حقّنا؟ فقال: لهم ذلك في الحكم الظاهر، فأمّا بينك و بين اللَّه فأنت منها في حلّ اذا كان الذي حلّلك يضمن لك عنهم رضاهم فيحمل لما ضمن لك.قلت: فما تقول في الصبي لأمّه أن تحلّل؟ قال: نعم، اذا كان لها ما ترضيه أو تعطيه، قلت: فان لم يكن لها؟ قال: فلا، قلت: فقد سمعتك تقول: انّه يجوز تحليلها فقال: انّما أعني بذلك اذا كان لها (مال)(2)، قلت: فالأب يجوز تحليله على ابنه؟ فقال: ما كان لنا مع أبي الحسن عليه السلام أمر، يفعل في ذلك ما شاء، قلت: فانّ الرجل ضمن لي عن ذلك الصبي و أنا من حصّته في حلّ، فان مات الرجل قبل أن يبلغ الصبي فلا شي ء عليه؟ قال: الأمر جائز على ما شرط لك».(3)
قال في المباني: «و هي و ان كانت معتبرة سنداً، الّا أنّها أجنبيّة من حيث الدلالة عن المدّعى؛ فانّها واردة في تحليل بعض الورثة لحصّته من الدين بالفعل مع
الالتزام بتحصيل رضا سائر الورّاث أيضاً، و أين ذلك من الضمان الذي هو محلّ الكلام؟
و بعبارة أخرى: انّ مورد المعتبرة هو التحليل و هو عقد قائم بين المدين و شخص آخر، في حين أنّ مورد كلامنا هو الضمان الذي هو عقد قائم بين الدائن و شخص آخر، فلا مجال لاثبات الحكم الثابت لأحدهما للآخر، على أنّ هذه المعتبرة لو تمّت من حيث الدلالة في المقام، فمن الواضح أنّ مقتضاها بطلان الضمان مع عدم الملاءة لا ثبوت الخيار، و هو ممّا لايقول به أحد، على أنّه لا بدّ من ردّ علم هذه المعتبرة الى أهلها حتّى في موردها - التحليل - ؛ لأنّها تضمّنت صحّة التحليل من الأجنبي و حصول فراغ الذمّة واقعاً به، و هو أمر لايمكن الالتزام به؛ اذ التحليل من الأجنبي لايعدو كونه تحليلاً فضوليّاً يتوقّف على اجازة من له الآمر واقعاً».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الرواية المذكورة أجنبيّة عن المدّعى و أنّ استشكال صاحب المباني فيها صحيح.
و أمّا ثبوت الخيار للمضمون له و جواز الفسخ له فيما لو كان الضامن معسراً حين عقد الضمان و لم يعلم المضمون له حاله فهو للضرر؛ فانّ الضامن اذا قبل الضمان فمعناه أن يعطي دين المضمون عنه الى المضمون له و الفرض أنّ المضمون له قبل ذلك الضمان، فلو كان معسراً فمن أين يؤدّي دينه؟ فالمضمون له اذا لم يعلم ذلك فلايرضى بهذا التعهّد و العقد الواقع بينه و بين الضامن، و الزامه بهذا العقد و عدم جواز الفسخ له ضرر عليه فينفى.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 414 و 415.
و في الجواهر: «و كيف كان فلا خلاف عندنا في أنّه يشترط فيه أي في لزوم الضمان الملاءة أو العلم من المضمون له بالاعسار و الرضا به، بل عن ظاهر الغنية الاجماع، و السرائر نسبته الى أصحابنا و جامع المقاصد ظاهرهم أنّ هذا الحكم موضع وفاق.
و لعلّ ذلك - مضافاً الى قاعدة الضرر، و بناء الضمان على الارتفاق، و ارادة الأداء، و ما عساه يشعر به ذيل خبر ابن الجهم المتقدّم، و ما تسمعه من النصوص في الحوالة الدالّة على ذلك، و هي أخت الضمان - دليل الحكم المزبور. و حينئذٍ فاذا كان الضامن مليّاً أو معلوم الاعسار عند المضمون له لزم الضمان بلا خلاف و لا اشكال.
أمّا لو ضمن ثمّ بان اعساره كان للمضمون له فسخ الضمان و العود على المضمون عنه، قيل: و ليس هو كالبيع الى أجل مثلاً فبان اعساره؛ للفرق الواضح بينهما بالنسبة الى الأداء، لكن ذلك اذا كان معسراً حال الضمان. أمّا اذا تجدّد فلا خيار؛ لأصالة اللزوم، بل قد يقوى عدم الخيار أيضاً لو كان معسراً حال الضمان و لم يعلم به حتّى تجدّد يساره؛ للأصل أيضاً.
و لاينافي الخيار المزبور سبق رضى المضمون له لضمانه حال عدم العلم باعساره، كما أنّه لا فرق في ثبوته بين اعسار المضمون عنه و عدمه؛ لاطلاق الفتوى المقتضي لعدم الخيار مع الملاءة و ان لم يكن وفيّاً، بل ظاهرهم عدم ثبوته بغير ذلك من وجوه الضرر أو تعسّر الاستيفاء، ولكنّه لايخلو من نظر، بل ظاهرهم أنّ الاعسار كافٍ في ثبوت الخيار المزبور و ان كان الضمان مؤجّلاً، و أنّ اليسار حين الضمان كافٍ في لزومه و ان أعسر عند الأجل.
كلّ ذلك مع عدم العلم به كما عرفت، و الّا فمع العلم به أو الرضا به على كلّ حال فلا اشكال، و قد احتضر عبداللَّه بن الحسن فاجتمع عليه غرماؤه و طالبوه
بدين لهم، فقال لهم: لا مال عندي فأعطيكم، ولكن ارضوا بمن شئتم من ابني عمّي، علي بن الحسين عليه السلام أو عبداللَّه بن جعفر، فقال الغرماء: عبداللَّه بن جعفر ملي مطول، و علي بن الحسين عليه السلام رجل لا مال له صدوق و هو أحبّهماالينا، فأرسل اليه فأخبره الخبر، فقال: أضمن لكم المال الى غلّة و لم تكن له غلّة، فقال القوم: قد رضينا، و ضمنه فلمّا أتت الغلّة أتاح اللَّه له المال فأدّاه.
ثمّ انّ هذا الخيار على الفور أو التراخي؟ وجهان ذكرناهما في نظائره، و قلنا: انّ الأصل يقتضي الثاني منهما كما اعترف به غير واحد».(1)
أقول:
أمّا ما تنظّررحمه الله فيه من قولهم بعدم ثبوت الخيار بغير الاعسار من وجوه الضرر أو تعسّر الاستيفاء، فالظاهر أنّه لا وجه للنظر فيه، بل هو الحقّ فانّه اذا تعسّر الاستيفاء من غير المعسر فلا خيار للمضمون له.
أمّا لو كان موسراً ثمّ أعسر لايجوز له الفسخ؛ لاستصحاب اللزوم من غير دليل على الخلاف. و في المستمسك: «كما صرّح به في التذكرة و القواعد و التحرير و غيرهما، و في مفتاح الكرامة: «طفحت به عباراتهم منطوقاً و مفهوماً». و ظاهر جامع المقاصد أنّ ظاهرهم الاتّفاق عليه. و يقتضيه أصالة اللزوم بعد اختصاص دليل الخيار في الصورة السابقة».(2)
و أمّا لو كان معسراً ثمّ أيسر فهل يبقى الخيار أو لا؟
قد ذهب المصنّف رحمه الله الى بقاء الخيار استصحاباً له.
و ذهب صاحب الجواهر على ما عرفت من كلامه الى عدم ثبوت الخيار حيث
قال «بل قد يقوى عدم الخيار أيضاً لو كان معسراً حال الضمان و لم يعلم به حتّى تجدّد يساره؛ للأصل».
و استشكل في المباني(1)في ثبوت الخيار اذا كان المستند فيه هو الاجماع و قال بأنّه اذا كان المستند هو الاجماع فالحكم بثبوت الخيار في المقام مشكل جدّاً؛ نظراً لكون القدر المتيقّن منه هو العسر المستمرّ.
و أمّا الاستدلال باطلاق معتبرة الحسن بن الجهم ففيه أنّه قد تقدّم أنّها أجنبيّة عن المقام.
أقول: قد تقدّم أنّ المستند في ثبوت الخيار للمضمون له اذا كان الضامن معسراً - مضافاً الى عدم الخلاف فيه ظاهراً - هو أنّ الزام المضمون له بالعقد مع عدم علمه باعسار الضامن، ضرر عليه و هو ينفى بقاعدة لا ضرر.
و عليه فالظاهر عدم ثبوت الخيار في المقام، لعدم ثبوت الضرر أوّلاً و كون القدر المتيقّن من الاجماع غيره ثانياً و عليه فما ذهب اليه في الجواهر و كذا في المباني و دليلهما صحيح.
و قال المصنّف أيضاً: «و هل يلحق بالاعسار تبيّن كونه مماطلاً مع يساره في ثبوت الخيار أو لا؟ وجهان».
فوجه عدم الخيار هو ظهور اتّفاقهم على اختصاص الخيار بصورة الاعسار مع الجهل به، و أمّا وجه ثبوته فهو قاعدة نفي الضرر، لكنّ الظاهر عدم الدليل على ثبوت الخيار هنا بل الدليل على عدمه و هو الأصل أي أصالة لزوم العقد بين الضامن و المضمون له. نعم، يجوز للمضمون له اجباره أو الرجوع الى الحاكم ليجبره على أداء ما ضمن له، فيرتفع الضرر به.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 416.
ثمّ انّه لايثبت الخيار للضامن اذا ضمن باستدعاء المضمون عنه بانياً الرجوع اليه فتبيّن اعساره؛ لاختصاص الدليل بالمضمون له.
(مسألة 5): يجوز اشتراط الخيار في الضمان للضامن و المضمون له؛ لعموم أدلّة الشروط. و الظاهر جواز اشتراط شي ء لكلّ منهما كما اذا قال الضامن: «أنا ضامن بشرط أن تخيط لي ثوباً»، أو قال المضمون له: «أقبل الضمان بشرط أن تعمل لي كذا». و مع التخلّف يثبت للشارط خيار تخلّف الشرط.
الشرح:
يجوز اشتراط الخيار في الضمان للضامن و المضمون له؛ لعموم أدلّة الشروط.
قال في المستمسك: «و هو الأصحّ كما في جامع المقاصد، و حكاه عن صريح بيع التذكرة و ظاهر بيع القواعد و المعتبر و غيرهما. لكن في القواعد في كتاب الضمان ذكر أنّ شرط الخيار في الضمان مفسد، و في التذكرة: «لو شرط الضامن الخيار لنفسه كان باطلاً؛ لأنّه ينافي مقتضى الضمان، فانّ الضامن على يقين من الغرر» - و هو كماترى - غير ظاهر. و الذي ينبغي ابتناء الجواز و عدمه على كون اللزوم في المقام من الحقوق أو من الأحكام، فعلى الأوّل يجوز الشرط و على الثاني لايجوز؛ لأنّه مخالف للكتاب. و المرتكزات العرفيّة تقتضي الأوّل. و علىذلك يبتني التقايل؛ لاختصاص الاقالة بما يكون الفسخ فيه من حقوق الطرفين. و الظاهر اطّراد ذلك في عامّة العقود المتعلّقة بالنفس أو المال، فانّ ايقاعها من حقوق الطرفين و فسخها كذلك، - ما لم يقم دليل على الخلاف كالنكاح و الوقف؛ لما دلّ على لزومهما و عدم تمكّن المتعاقدين من فسخهما - و الضمان من قبيل
ذلك؛ لما عرفت من أنّ لزومه مأخوذ من أصالة اللزوم الذي هو من حقوق المتعاقدين، و لا دليل على لزومه حكماً كالنكاح. انتهى ملخّصاً».(1)
و استشكل في المباني بأنّ الضمان لايقاس بسائر العقود، و قال: «انّ نتيجة العقد اذا كانت راجعة الى طرفيه خاصّة، كان لهما رفع اليد عنه بعد ثبوته و لزومه و من غير حاجة للخيار، و هو المعبّر عنه في الاصطلاح بالتقايل الّا في بعض العقود الذي ثبت فيه عدمه بالنصّ الخاصّ كالنكاح؛ حيث لايرفع الّا بالطلاق أو أحد موجبات الفسخ. و اذا جاز لهما ذلك بالنتيجة جاز لهما جعل هذا الحقّ في ضمن العقد من الأوّل، و هو المعبّر عنه في الاصطلاح بشرط الخيار.
و هذا بخلاف ما اذا كانت نتيجة العقد ترتبط بشخص ثالث بحيث يكون الحقّ يعدوهما اليه، فانّه لايكون لهما ذلك؛ لعدم الولاية لهما على الثالث. و مقامنا من هذا القبيل، فانّ عقد الضمان قائم بين الضامن و المضمون له، الّا أنّ الحقّ فيه يعدوهما الى المضمون عنه، فانّه برئت ذمّته عن الدين، فلايصحّ اشتراط الخيار فيه حيث تكون نتيجته اشتغال ذمّة المضمون عنه ثانياً و بعد الفراغ لمجرّد رضا أحد الطرفين، أو هما معاً به، فانّه أمر يحتاج الى الدليل و هو مفقود. انتهى ملخّصاً».(2)
أقول:
يجوز اشتراط الخيار في الضمان للضامن و المضمون له؛ لعموم أدلّة الشروط، و لايرد الاشكال الذي أورده في المباني من أنّ العقد يرتبط بشخص ثالث...الخ؛ و ذلك لأنّه اذا اشترط الخيار في الضمان فيكون براءة ذمّة المضمون
عنه معلّقة بعدم اعمال الخيار، فان اختار أحدهما الفسخ يكشف عن عدم براءة ذمّته.
و يجوز أيضاً لكلّ منهما اشتراط شي ء في الضمان، كما اذا قال الضامن: «أنا ضامن بشرط أن تخيط لي ثوباً»؛ و الدليل عليه عموم أدلّة الشروط، و لم يكن هناك دليل على المنع. و مع التخلّف يثبت للشارط خيار تخلّف الشرط؛ لأنّه مقتضى الشرط عرفاً.
قال في المستمسك: «يجوز اشتراط شي ء لكلّ منهما، كما يقتضيه أدلّة الشروط الذي كان بناؤهم على العمل به في الضمان بشرط التأجيل أو الحلول، و بشرط أن يكون الضمان من مال معيّن و غير ذلك. لكن في التذكرة: «و لو ضمن رجل من غيره ألفاً و شرط المضمون له أن يدفع اليه الضامن أو المضمون عنه كلّ شهر درهماً لايحسبه من مال الضمان بطل الشرط اجماعاً».
و الظاهر أنّ دعوى الاجماع المذكورة مبنيّة على كونه من الربا المحرّم بالاجماع، و الّا فلم أقف من تعرّض لهذا الشرط و لحكمه فضلاً عن كونه معقد اجماع. و ليس هو من الربا في البيع و لا في القرض.
ثمّ انّه اذا تمّ ذلك في الشرط للمضمون له لايتمّ في الشرط للضامن؛ لأنّ الشرط الموجب للربا ما يرجع الى الدائن، دون ما يرجع الى المديون».(1)
أقول:
انّ الظاهر من كلام العلّامة هو الذي أشار اليه في المستمسك.
1) مستمسك العروة 13: 281 و 282.
(مسألة 6): اذا تبيّن كون الضامن مملوكاً و ضمن من غير اذن مولاه أو باذنه، و قلنا انّه يتبع بما ضمن بعد العتق، لايبعد ثبوت الخيار للمضمون له.
الشرح:
الظاهر ثبوت الخيار للمضمون له؛ لأنّه ملحق بما تقدّم في المسألة الرابعة من أنّ المضمون له اذا لم يكن عالماً باعسار الضامن ثمّ علم جاز له فسخ الضمان. و قد استشكل فيه صاحب المباني رحمه الله كالمسألة السابقة، الّا أنّه لايرد اشكاله؛ لعدم المانع من الحاق المسألة بها.
(مسألة 7): يجوز ضمان الدين الحالّ حالاًّ و مؤجّلاً، و كذا ضمان المؤجّل حالاًّ و مؤجّلاً، بمثل ذلك الأجل أو أزيد أو أنقص. و القول بعدم صحّة الضمان الّا مؤجّلاً و أنّه يعتبر فيه الأجل كالسلم ضعيف كالقول بعدم صحّة ضمان الدين المؤجّل حالاًّ أو بأنقص. و دعوى أنّه من ضمان ما لم يجب كماترى.
الشرح:
قال في المستمسك: «أمّا مؤجّلاً، فقد حكى الاجماع عليه في الشرائع، قال: «و الضمان المؤجّل جائز اجماعاً». و في المسالك: «انّه موضع وفاق». و نحوهما ما عن التنقيح و ايضاح النافع و جامع المقاصد و المفاتيح. و عن الكفاية: «لا أعرف فيه خلافاً». و يقتضيه عموم الأدلّة. وقال في المسالك: «و ليس هذا تعليقاً للضمان على الأجل، بل تأجيل للدين الحالّ في عقد لازم فيلزم».(1)
1) مستمسك العروة 13: 282 و 283.
قال في المباني: «يجوز ضمان الدين الحالّ حالاًّ بلا اشكال فيه، و يقتضيه ما دلّ على كون الضمان نقل الدين من ذمّة الى أخرى، و مؤجّلاً اتّفاقاً حيث لم ينسب الخلاف فيه الى أحد من أصحابنا، بل و قد حكي في كلماتهم الاجماع عليه.
و كذا ضمان المؤجّل حالاًّ و مؤجّلاً، بمثل ذلك الأجل أو أزيد أو أنقص؛ لما ستعرفه من أنّ الضمان انّما يتعلّق بنفس الدين، و أمّا الحلول و التأجيل و قصر المدّة و طولها فهي تثبت بالاشتراط.
و أمّا قول الشيخ قدس سره في النهاية بعدم صحّة الضمان الّا مؤجّلاً و أنّه يعتبر فيه الأجل كالسلم فضعيف؛ لعدم الدليل عليه، بل لاقتضاء أدلّة الضمان خلافه كالقول بعدم صحّة ضمان الدين المؤجّل حالاًّ أو بأنقص؛ و ذلك لأنّ الضمان متعلّق بعين ما اشتغلت به الذمّة و من غير زيادة أو نقيصة، فانّ التقديم و التأخير أمران خارجان عنه كلّيّة، و بهذا تردّ دعوى أنّه من ضمان ما لم يجب كما ذكره فخر المحقّقين و استحسنه العلّامةقدس سره في المختلف. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه في المباني و ما جاء به من الدلائل لا اشكال فيه، فانّ العمدة أن يقبل أنّ الضمان عبارة عن نقل الدين من ذمّة الى أخرى من غير زيادة أونقيصة، و التقديم و التأخير أمران خارجان عنه و انّما يثبتان بالاشتراط في ضمنه فلايبقى مورد للقول بلزوم الربا أو القول بضمان ما لم يجب.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 419 و 420.
(مسألة 8): اذا ضمن الدين الحالّ مؤجّلاً باذن المضمون عنه فالأجل للضمان لا للدين، فلو أسقط الضامن أجله و أدّى الدين قبل الأجل، يجوز له الرجوع على المضمون عنه؛ لأنّ الذي عليه كان حالاًّ و لم يصر مؤجّلاً بتأجيل الضمان. و كذا اذا مات قبل انقضاء أجله و حلّ ما عليه و أخذ من تركته يجوز لوارثه الرجوع على المضمون عنه. و احتمال صيرورة أصل الدين مؤجّلاً حتّى بالنسبة الى المضمون عنه، ضعيف.
الشرح:
اذا ضمن الدين الحالّ مؤجّلاً باذن المضمون عنه، فتارة: يكون اذنه لأدائه بالأجل من دون اشتراط عدم الأداء قبل المدّة الكذائيّة و لا قرينة على ذلك، فلم يتغيّر حينئذٍ الدين الحالّ عمّا كان عليه و لم يصر مؤجّلاً بل الضمان صار مؤجّلاً، فلو أسقط أجله و أدّى الدين قبل الأجل يجوز له الرجوع على المضمون عنه.
و أخرى: يكون اذنه لأدائه مع اشتراط منه أن لايكون الأداء قبل المدّة المعيّنة فحينئذٍ لو أدّى الضامن الدين قبل الأجل لايجوز له الرجوع الى المضمون عنه.
و في المستمسك: «و بهذا صرّح في جامع المقاصد و المسالك و الحدائق و الجواهر، و عن المبسوط و التحرير و التذكرة التنبيه عليه».(1)
و هكذا يكون الحال لو مات الضامن قبل انقضاء أجله الذي أذن المضمون عنه لأداء دينه من غير شرط، و أخذ من تركته و أدّى ما عليه، يجوز لوارثه الرجوع على المضمون عنه؛ لما تقدّم.
1) مستمسك العروة 13: 286.
(مسألة 9): اذا كان الدين مؤجّلاً فضمنه الضامن كذلك، فمات و حلّ ما عليه و أخذ من تركته ليس لوارثه الرجوع على المضمون عنه الّا بعد حلول أجل أصل الدين؛ لأنّ الحلول على الضامن بموته لايستلزم الحلول على المضمون عنه. و كذا لو أسقط أجله و أدّى الدين قبل الأجل لايجوز له الرجوع على المضمون عنه الّا بعد انقضاء الأجل.
الشرح:
اذا كان الدين مؤجّلاً و ضمنه الضامن مؤجّلاً فمات و أخذ ما عليه من تركته و أدّي الى المضمون له، فليس لوارثه الرجوع على المضمون عنه الّا بعد مضي شهرين في المثال و هو أصل الدين؛ و ذلك لأنّ الحلول على الضامن بموته لايستلزم الحلول على المضمون عنه؛ لاختلاف العقدين حقيقة، و عدم الملازمة بينهما في الأجل و الحلول كما في المباني.(1)
و كذا لو أسقط الضامن أجل الدين و أدّاه قبل الأجل، لايجوز له الرجوع على المضمون عنه الّا بعد انقضاء الأجل؛ لأنّ الاذن من المضمون عنه في الأداء كذلك لايلازم الأمر و الشرط حتّى يجوز للضامن الرجوع اليه بعد الأداء كذلك.
(مسألة 10): اذا ضمن الدين المؤجّل حالاًّ باذن المضمون عنه، فان فهم من اذنه رضاه بالرجوع عليه يجوز للضامن ذلك، و الّا فلايجوز الّا بعد انقضاء الأجل. و الاذن في الضمان أعمّ من كونه حالاًّ.
الشرح:
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 422.
اذا ضمن الدين المؤجّل حالاًّ باذن المضمون عنه، فان فهم من اذنه رضاه بالرجوع عليه، أو صرّح بذلك يجوز للضامن الرجوع اليه بعد الأداء، و الّا فلايجوز الّا بعد انقضاء الأجل؛ لما مرّ و لأنّ الاذن في الضمان أعمّ من كون الدين المؤجّل حالاًّ.
(مسألة 11): اذا ضمن الدين المؤجّل بأقلّ من أجله و أدّاه ليس له الرجوع على المضمون عنه الّا بعد انقضاء أجله. و اذا ضمنه بأزيد من أجله فأسقط الزائد و أدّاه جاز له الرجوع عليه على ما مرّ من أنّ أجل الضمان لايوجب صيرورة أصل الدين مؤجّلاً. و كذا اذا مات بعد انقضاء أجل الدين قبل انقضاء الزائد فأخذ من تركته، فانّه يرجع على المضمون عنه.
الشرح:
اذا ضمن الدين المؤجّل بأقلّ من أجله و أدّاه ليس له الرجوع على المضمون عنه الّا بعد انقضاء أجله؛ لما تقدّم في المسألتين المتقدّمتين من عدم الملازمة بين الأجل في الدين و الضمان. و اذا ضمنه بأزيد من أجله فأسقط الزائد و أدّاه، جاز له الرجوع عليه اذا حلّ أجله؛ لما مرّ من أنّ أصل الدين المؤجّل بحاله. و كذا اذا مات بعد انقضاء أجل الدين قبل انقضاء الزائد فأخذ من تركته، فانّه يرجع على المضمون عنه.
و في الشرائع قد قرّر المسائل الخمس الأخيرة هكذا: «و الضمان المؤجّل جائز اجماعاً، و في الحالّ تردّد أظهره الجواز.
و لو كان المال حالاًّ فضمنه مؤجّلاً جاز و سقطت مطالبة المضمون عنه، و لم يطالب الضامن الّا بعد الأجل. و لو مات الضامن حلّ و أخذ من تركته. و لو كان
الدين مؤجّلاً الى أجل فضمنه الى أزيد من ذلك الأجل جاز، و يرجع الضامن على المضمون عنه بما أدّاه ان ضمن باذنه و لو أدّى بغير اذنه. و لايرجع اذا ضمن بغير اذنه و لو أدّى باذنه».(1)
و صوّر في المسالك اثنتي عشرة صورة و قال: «الحقّ المضمون لايخلو امّا أن يكون حالّا أو مؤجّلاً. ثمّ امّا أن يضمنه الضامن حالّاأو مؤجّلاً. و على تقدير ضمان المؤجّل مؤجّلاً امّا أن يكون الأجل الثاني مساوياً للأوّل، أو أنقص، أو أزيد. و على التقادير امّا أن يكون الضمان تبرّعاً أو بسؤال المضمون عنه. فالصور اثنتا عشرة، و كلّها جائزة على الأقوى».(2)
(مسألة 12): اذا ضمن بغير اذن المضمون عنه برئت ذمّته و لم يكن له الرجوع عليه و ان كان أداؤه باذنه أو أمره، الّا أن يأذن له في الأداء عنه تبرّعاً منه في وفاء دينه، كأن يقول: «أدّ ما ضمنت عنّي و ارجع به عليّ»، على اشكال في هذهالصورة أيضاً؛ من حيث انّ مرجعه حينئذٍ الى الوعد الذي لايلزم الوفاء به. و اذا ضمن باذنه فله الرجوع عليه بعد الأداء و ان لم يكن باذنه؛ لأنّه بمجرّد الاذن في الضمان اشتغلت ذمّته من غير توقّف على شي ء. نعم، لو أذن له في الضمان تبرّعاً فضمن ليس له الرجوع عليه؛ لأنّ الاذن على هذا الوجه كلا اذن.
الشرح:
اذا ضمن بغير اذن المضمون عنه برئت ذمّة المضمون عنه؛ لأنّ الضمان تعهّد و عقد بين الضامن و المضمون له، و حيث انّ الضامن بضمانه تعهّد أداء دين المضمون عنه فقد اشتغلت ذمّته و برئت ذمّة المضمون عنه، و لم يكن للضامن الرجوع على المضمون عنه و ان كان أداؤه باذنه و أمره؛ لكونه أمراً بأداء ما اشتغلت ذمّة الضامن به نظير أمر الغير بأداء الدين الثابت عليه في نفسه، فانّه لايوجب الضمان قطعاً - كما في المباني - ؛ لكونه أمراً بما هو واجب عليه في نفسه، و مع قطع النظر عن الأمر.
و أمّا لو اذن له في الأداء و الرجوع به عليه و يقول: «أدّ ما ضمنت عنّي و ارجع به عليّ»، فقد استشكل المصنّف في رجوعه اليه من حيث انّ مرجعه حينئذٍ الى الوعد الذي لايلزم الوفاء به.
و فيه أنّ الظاهر من هذا الاذن هو النيابة و أنّه أناب الضامن في الأداء و الرجوع اليه فمرجع هذا الأمر ليس الى الوعد و انّما مرجعه الى انابة المضمون عنه الضامن في أداء الضمان عنه تبرّعاً و كأنّه هو الذي باشر ذلك بنفسه، فانّه موجب للضمان و رجوع النائب على الآمر بلا خلاف كما في المباني.
ثمّ قال رحمه الله في المباني: «و بعبارة أخرى: انّ حال الضامن في المقام هو حال الأجنبي الثالث الذي يؤمر بأداء ما على زيد من الديون نيابة عن الآمر، فانّه لا فرق بين الضامن و غيره من هذه الناحية و هما على سواء فيها، فكما أنّ أمر الأجنبي بذلك يوجب الضمان و جواز رجوع المأمور بعد الأداء الى الآمر فكذا الحال في الضامن أيضاً؛ لوحدة الملاك و هو الأمر باتلاف مال محترم بالنيابة عنه و كأنّه هو المباشر له».(1)
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 423.
و قد فصّلنا البحث عن قاعدة احترام مال المسلم و عمله في محلّها و قلنا هناك بأنّه اذا صدر العمل بأمر شخص فالأصل احترامه و ضمان الآمر الّا اذا ثبت كونه مجرّد وعد و أنّ العمل صدر مجانيّاً، و قد أشار الى هذا المحقّق السبزواري.(1)
و اذا ضمن باذنه فله الرجوع عليه بعد الأداء و ان لم يكن باذنه؛ لأنّه - كما في المتن - بمجرّد الاذن في الضمان اشتغلت ذمّته من غير توقّف على شي ء.
(مسألة 13): ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه في صورة الاذن الّا بعد أداء مال الضمان على المشهور، بل الظاهر عدم الخلاف فيه. و انّما يرجع عليه بمقدار ما أدّى، فليس له المطالبة قبله؛ امّا لأنّ ذمّة الضامن و ان اشتغلت حين الضمان بمجرّده الّا أنّ ذمّة المضمون عنه لاتشتغل الّا بعد الأداء و بمقداره، و امّا لأنّها تشتغل حين الضمان لكن بشرط الأداء فالأداء على هذا كاشف عن الاشتغال من حينه، و امّا لأنّها و ان اشتغلت بمجرّد الضمان الّا أنّ جواز المطالبة مشروط بالأداء. و ظاهرهم هو الوجه الأوّل.
و على أيّ حال لا خلاف في أصل الحكم و ان كان مقتضى القاعدة جواز المطالبة و اشتغال ذمّته من حين الضمان في قبال اشتغال ذمّة الضامن، سواء أدّى أو لم يؤدّ، فالحكم المذكور على خلاف القاعدة ثبت بالاجماع و خصوص الخبر: «عن رجل ضمن ضماناً ثمّ صالح عليه قال: ليس له الّا الذي صالح عليه»، بدعوى الاستفادة منه أن ليس للضامن الّا ما خسر. و يتفرّع على ما ذكروه أنّ المضمون له لو أبرأ ذمّة الضامن عن تمام الدين ليس له الرجوع
1) مهذّب الأحكام 20: 247.
على المضمون عنه أصلاً، و ان أبرأه من البعض ليس له الرجوع بمقداره. و كذا لو صالح معه بالأقلّ كما هو مورد الخبر. و كذا لو ضمن عن الضامن ضامن تبرّعاً فأدّى، فانّه حيث لم يخسر بشي ء لم يرجع على المضمون عنه و ان كان باذنه، و كذا لو وفّاه عنه غيره تبرّعاً.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يرجع الضامن على المضمون عنه بما أدّاه ان ضمن باذنه، و لو أدّى بغير اذنه».(1)
و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، و في الخبر: «سألته عن قول الناس: الزعيم غارم؟ فقال: ليس على الضامن غرم، الغرم على من أكل المال». و في آخر: «عن رجل ضمن ضماناً ثمّ صالح عليه؟ قال: ليس له الّا الذي صالح عليه».
كلّ ذلك مضافاً الى أصالة احترام مال المسلم و ضمانه الّا اذا بذله على جهة التبرّع به، و التأدية و ان كانت بغير اذنه الّا أنّ الضمان الذي هو سبب في وجوبها قد كان باذنه، بل في الحقيقة الاذن فيه اذن فيها».(2)
قال في الشرائع - في اللواحق المسألة الخامسة - : «اذا رضي المضمون له من الضامن ببعض المال، أو أبرأه من بعضه لم يرجع على المضمون عنه الّا بما أدّاه. و لو دفع عوضاً عن مال الضامن رجع بأقلّ الأمرين».(3)
و قال في الجواهر: «لما عرفت سابقاً من أنّه ليس له الّا ذلك نصّاً و فتوى، بل
هو مشروط بما اذا لم يزد عن الحقّ، و الّا يرجع بالحقّ خاصّة، فالضابط حينئذٍ الرجوع بأقلّ الأمرين ممّا أدّاه و من الحقّ في كلّ موضع له الرجوع».(1)
أقول:
ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه في صورة الاذن الّا بعد أداء مال الضمان، فانّه مقتضى قاعدة الضمان و مطابق للمرتكزات العرفيّة، و انّما يرجع عليه بمقدار ما أدّى كما يدلّ عليه الرواية و الاجماع و القاعدة.
و الرواية هي موثّقة عمر بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل ضمن عن رجل ضماناً ثمّ صالح عليه، قال عليه السلام: ليس له الّا الذي صالح عليه».(2)
و مثله موثّقة ابن بكير الّا أنّه قال: «ثمّ صالح على بعض ما صالح عليه».(3)
و ليس له المطالبة قبل الأداء؛ و ذلك لأنّ ذمّة المضمون عنه و ان اشتغلت بمجرّد الضمان الّا أنّه يكون متزلزلاً فيستقرّ بالأداء، و اذا لم يحصل الأداء بطل الاشتغال و انفسخ كما في المستمسك و احتمله في الجواهر أيضاً.(4).
و يتفرّع على ذلك أنّ المضمون له لو أبرأ ذمّة الضامن عن تمام الدين ليس له الرجوع على المضمون عنه أصلاً؛ لأنّه لم يؤدّ شيئاً حتّى يكون له بازائه حقّ على المضمون عنه و لم يخسر الضامن شيئاً لضمانه كما في المباني.(5)
و ان أبرأه من البعض ليس له الرجوع بمقداره؛ لما ذكر، و كذا لو صالح معه
بالأقلّ كما هو مورد الخبر، و كذا لو ضمن عن الضامن ضامن تبرّعاً فأدّى، فانّه حيث لم يخسر بشي ء لم يرجع على المضمون عنه و ان كان باذنه، و كذا لو وفّاه عنه غيره تبرّعاً؛ كلّ ذلك لما عرفته من أنّ العبرة انّما هي بأدائه و خسارته لا بأصل الضمان.
(مسألة 14): لو حسب المضمون له على الضامن ما عليه خمساً أو زكاة أو صدقة، فالظاهر أنّ له الرجوع على المضمون عنه و لايكون ذلك في حكم الابراء، و كذا لو أخذه منه ثمّ ردّه عليه هبة. و أمّا لو وهبه ما في ذمّته فهل هو كالابراء أو لا؟ وجهان. و لو مات المضمون له فورثه الضامن لم يسقط جواز الرجوع به على المضمون عنه.
الشرح:
لو ضمن باذن المضمون عنه، فكان الضامن هاشميّاً و كان المضمون له مديوناً لسهم السادات فحسبه على الضامن، فيجوز للضامن الرجوع الى المضمون عنه بما حسبه عليه؛ و ذلك لأنّ المستحقّ الذي هو الضامن يملك ما في ذمّة المضمون له ثمّ يسقط دين المضمون له، فيكون السقوط متفرّعاً على الملكيّة، فيكون التلف من ماله و الخسارة عليه، فيصحّ له الرجوع عليه.
و كذلك الحكم لو حسب المضمون له على الضامن ما عليه صدقة أو زكاة اذا لم يكن الضامن هاشميّاً. و هذا الذي قلنا ليس من الابراء في شي ء. و هكذا يكون الحال لو أخذ المضمون له دينه من الضامن ثم ردّه عليه هبة، فيكون له الرجوع على المضمون عنه على طبق القاعدة، و ملكيّته للمال ثانياً ملكيّة جديدة.
و أمّا لو وهبه ما في ذمّته فالظاهر أنّه أيضاً مثل ما لو أخذ المال ثمّ وهبه و ليس
ابراء عرفاً، فيجوز له الرجوع الى المضمون عنه.
و أمّا لو مات المضمون له فورثه الضامن، لم يسقط جواز الرجوع به على المضمون عنه؛ لأنّها - كما في المباني(1)- خسارة واردة عليه بسبب الضمان؛ لأنّ انتقال ما في ذمّته اليه بمنزلة الأداء، فيرجع به عليه. بل و كذا لو كانت ملكيّته له بعقد، كما لو استأجره المضمون له على عمل بما في ذمّته من المال، أو كان الضامن امرأة فتزوّجها المضمون له جاعلاً ما في ذمّته صداقاً لها، فانّ له الرجوع عليه جزماً؛ لثبوت ملكيّة الضامن لذلك المال الثابت في ذمّته في مرحلة سابقة على سقوط الدين و حصول البراءة، فانّه يملكه أوّلاً بالعقد ثمّ يسقط عنه الدين قهراً. و بهذا يصدق عليه أنّه خسر ذلك المال؛ لخسارته لمقداره في قبال عمله الذي أدّاه أو صداقها في النكاح.
و الحاصل أنّه يصحّ للضامن الرجوع على المضمون عنه كلّما صحّت نسبة الخسران الناشي من الضمان اليه بحيث يكون وارداً على ماله و مأخوذاً منه، بلا فرق في ذلك بين الصور جمعاء.
(مسألة 15): لو باعه أو صالحه المضمون له بما يسوي أقلّ من الدين أو وفّاه الضامن بما يسوي أقلّ منه فقد صرّح بعضهم بأنّه لايرجع على المضمون عنه الّا بمقدار ما يسوي، و هو مشكل بعد كون الحكم على خلاف القاعدة و كون القدر المسلّم غير هذه الصور، و ظاهر خبر الصلح الرضا من الدين بأقلّ منه لا ما اذا صالحه بما يسوي أقلّ منه. و أمّا لو باعه أو صالحه أو وفّاه الضامن بما يسوي أزيد فلا اشكال في عدم جواز الرجوع بالزيادة.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 427.
الشرح:
قال في المستمسك: «ذكر ذلك في الشرائع و التذكرة و القواعد و المسالك و غيرها. قال في التذكرة: «لو صالح عن ألف على عبد يساوي ستّمائة لم يرجع الّا بستّمائة»، ثمّ استدلّ بموثّقي عمر بن يزيد و عبداللَّه بن بكير».(1)
أقول:
لو صالح الضامن - الذي قد ضمن ألف درهم عن المضمون عنه - مع المضمون له على شي ء يساوي ستّمائة و هو أقلّ من الدين لايرجع الّا بمقدار ستّمائة؛ لأنّ ذمّة المضمون عنه مشغولة بما أدّى الضامن و هو ستّمائة كما تقدّم في المسألة السابقة.
و كذا لو وفّاه بالأقلّ قيمة كما اذا وفّاه الدين الذي كان ألف منّ من الحنطة الجيّدة التي كانت قيمته ألف دينار بألف منّ من الحنطة الرديئة التي تساوي قيمتها ستّمائة دينار، فلايرجع الى المضمون عنه الّا بمقدار ستّمائة. و كذا لو باع ما في ذمّته من ذلك الجنس بالجنس الذي كانت قيمته أقلّ فلايرجع الّا بالأقلّ الذي أدّاه.
و المصنّف استشكل في ذلك و قال بأنّ الحكم على خلاف القاعدة و كون القدر المسلّم غير هذه الصورة و ظاهر خبر الصلح الرضا من الدين بأقلّ منه، لا ما اذا صالحه بما يساوي أقلّ منه.
و أجاب عنه في المباني بكون الحكم على القاعدة؛ حيث لا موجب لاثبات الضمان قبل الأداء، فانّ الأمر انّما يوجبه بشرط الوفاء خارجاً باعتبار أنّ الخسارة تكون عليه حينئذٍ بالسيرة القطعيّة.
و قال أيضاً: «انّ النصّ مطلق، و مقتضى قوله عليه السلام في موثّقي عمر بن يزيد و
1) مستمسك العروة 13: 299.
عبداللَّه بن حكيم: «ليس له الّا الذي صالح عليه»، عدم الفرق بين كون ما صالح به من جنس الدين كي يستلزم الاسقاط و الرضا من الدين بأقلّ منه، و بين كونه من غير جنسه فيكون وفاءً له.
نعم، النصّ مختصّ بالصلح و لايعمّ البيع، الّا أنّه لاينبغي الشكّ في عدم الخصوصيّة له، و كون العبرة بما يخسره الضامن للمضمون له نتيجة للضمان. اذن فالصحيح ما ذهب اليه المشهور من كون رجوع الضامن على المضمون عنه - في المقام - بمقدار ما يسوي، لا بمقدار الدين».(1)
(مسألة 16): اذا دفع المضمون عنه الى الضامن مقدار ما ضمن قبل أدائه، فان كان ذلك بعنوان الأمانة ليحتسب بعد الأداء عمّا له عليه فلا اشكال و يكون في يده أمانة لايضمن لو تلف الّا بالتعدّي أو التفريط، و ان كان بعنوان وفاء ما عليه، فان قلنا باشتغال ذمّته حين الضمان و ان لم يجب عليه دفعه الّا بعد أداء الضامن، أو قلناباشتغاله حينه بشرط الأداء بعد ذلك على وجه الكشف، فهو صحيح و يحتسب وفاءً، لكن بشرط حصول الأداء من الضامن على التقدير الثاني. و ان قلنا: انّه لاتشتغل ذمّته الّا بالأداء و حينه، كما هو ظاهر المشهور فيشكل صحّته وفاءً؛ لأنّ المفروض عدم اشتغال ذمّته بعد، فيكون في يده كالمقبوض بالعقد الفاسد. و بعد الأداء ليس له الاحتساب الّا باذن جديد أو العلم ببقاء الرضا به.
الشرح:
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 427 و 428.
قال في الشرائع: «اذا ضمن عنه ديناراً باذنه فدفعه الى الضامن فقد قضى ما عليه. و لو قال: «ادفعه الى المضمون له»، فدفعه فقد برئا».(1)
قال في المسالك: «قد عرفت أنّ الضامن لايستحقّ عند المضمون عنه شيئاً الى أن يؤدّي مال الضمان. فاذا ابتدأ المديون و دفع الدين الى الضامن فقد تبرّع بالأداء قبل وجوبه فلايستحقّه الضامن و ليس له التصرّف فيه. نعم، له دفعه في الدين تبعاً للاذن. و قول المصنّف: «فقد قضى ما عليه»، قد يوهم خلاف ذلك و أنّه يكون بمنزلة أداء الدين، و ليس كذلك و انّما المراد أنّه تخلّص من الحقّ؛ لأنّ الضامن ان دفعه فقد برئ و ان لم يدفعه كان في يده مساوياً للحقّ الى أن يؤدّي فيأخذه من دينه، و ان أبرأ من الدين أو بعضه وجب عليه ردّ ما قابله الى المديون، فالمديون قد قضى ما عليه على كلّ حال».(2)
أقول:
اذا دفع المضمون عنه الى الضامن مقدار ما ضمن قبل أدائه، فان كان بعنوان الأمانة ليحتسب بعد الأداء عمّا عليه، فلا اشكال و يكون في يده أمانة، لايضمن لو تلف الّا بالتعدّي أو التفريط على ما تقتضيه قواعد الأمانة. و ان كان بعنوان وفاء ما عليه فعلى ما تقدّم في المسألة الثالثةعشرة - من أنّ ذمّة المضمون عنه صارت مشغولة بمجرّد الضمان الّا أنّه متزلزل الى أن يؤدّي الضامن - فهو صحيح و يحتسب وفاءً لكن بشرط حصول الأداء من الضامن، فلو أبرأه المضمون له فعلى الضامن أن يردّ ما قبض عن المضمون عنه اليه، و هكذا لو لم يؤدّ فعليه ردّه.
و على هذا المبنى لو تلف المال في يد الضامن فهو تلف عن ماله فلايستحقّ
الرجوع الى المضمون عنه.
و أمّا قول المصنّف: «و ان قلنا: انّه لاتشتغل ذمّته الّا بالأداء و حينه، كما هو ظاهر المشهور فيشكل صحّته وفاءً؛ لأنّ المفروض عدم اشتغال ذمّته بعد، فيكون في يده كالمقبوض بالعقد الفاسد»، فقد أوضحه في المباني و قال: «كما هو الحال فيما لو دفع الى غيره مالاً بتوهّم كونه مديناً له، فانّه لا يعدّ وفاءً؛ لعدم مصادفته لاشتغال الذمّة، بل يبقى المال على ملك مالكه الأوّل - الدافع - و يكون في يد الثاني من قبيل المقبوض بالعقد الفاسد فيكون تصرّفه فيه موجباً للضمان؛ نظراً لكونه تصرّفاً في مال الغير بغير حقّ، كما هو الحال في سائر موارد المقبوض بالعقد الفاسد».(1)
و قال رحمه الله - في شرح قول المصنّف رحمه الله: «و بعد الأداء ليس له الاحتساب الّا باذن جديد أو العلم ببقاء الرضا به» - : «ظاهر تقييده قدس سره للحكم بالعلم ببقاء الرضا به عدم كفاية الاستصحاب في مورد الشكّ، و هو الصحيح؛ اذ لا مجرى للاستصحاب في المقام؛ لتبدّل الموضوع، فانّ ما كان متيقّناً في السابق - الاذن في احتسابه في ذلك الوقت - لا أثر له بالفعل لفوات ظرفه، و ما له أثر بالفعل - الاذن في الاحتساب بعد الأداء - لم يكن ثابتاً في زمان كي يستصحب الى حالة الشكّ. فهو نظير اذن زيد لعمرو في سكنى دار لم يكن يملكه حين الاجازة ثمّ ملكه، فانّه لا مجال للقول بكفايته لسكناه بالفعل لاستصحاب بقائه؛ فانّ ما كان ثابتاً في السابق لا أثر له بالمرّة؛ لكونه في غير محلّه، و ما ينفع بالفعل لم يكن ثابتاً في زمان كي يستصحب بقاؤه».(2)
(مسألة 17): لو قال الضامن للمضمون عنه: «ادفع عنّي الى المضمون له ما عليّ من مال الضمان»، فدفع برئت ذمّتهما معاً. أمّا الضامن فلأنّه قد أدّى دينه، و أمّا المضمون عنه فلأنّ المفروض أنّ الضامن لم يخسر، كذا قد يقال. و الأوجه أن يقال: انّ الضامن حيث أمر المضمون عنه بأداء دينه فقد اشتغلت ذمّته بالأداء و المفروض أنّ ذمّة المضمون عنه أيضاً مشغولة له، حيث انّه أذن له في الضمان، فالأداء المفروض موجب لاشتغال ذمّة الضامن من حيث كونه بأمره و لاشتغال ذمّة المضمون عنه حيث انّ الضمان باذنه، و قد وفى الضامن فيتهاتران أو يتقاصّان. و اشكال صاحب الجواهر في اشتغال ذمّة الضامن بالقول المزبور في غير محلّه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو قال: «ادفعه الى المضمون له» فدفعه، فقد برئا».(1)
و قال في المسالك: «و لو قال الضامن للمضمون عنه: «ادفعه أنت الى المضمون له»، فدفعه فقد برئا؛ أمّا الضامن فلوفاء دينه و أمّا المضمون عنه فلأنّ الضامن لم يغرم فلايرجع عليه. و يمكن اعتبار التقاصّ القهري؛ لثبوت ما دفعه المديون في ذمّة الضامن؛ لأنّه المديون و قد أذن له في وفائه، و ثبوت مثله في ذمّة المضمون عنه لأدائه، فيتقاصّان».(2)
و في الجواهر - بعد نقل عبارة المسالك - قال: «و فيه: انّ أداء دين الضامن المأذون بمال المضمون عنه باذن الضامن لايقتضي اشتغال ذمّة الضامن بمثله؛ اذ ليس هو قد صار بذلك قرضاً عليه مع عدم قصده، و عدم توقّف وفاء الدين على
كونه مملوكاً للمديون، كما أنّه لايستحقّ رجوعاً على المضمون عنه؛ لعدم حصول الأداء منه فلا تقاصّ حينئذٍ؛ لعدم ثبوت المالين في ذمّة كلّ منهما. فتأمّل».(1)
و في المباني - ردّاً على الجواهر - قال: «و اشكال صاحب الجواهر في اشتغال ذمّة الضامن بالقول المزبور في غير محلّه؛ لعدم توقّف ذلك على عنوان القرض كي يرد عليه أنّه غير مقصود، فانّ الأمر بالاتلاف لا على نحو المجّانيّة موجب لضمان الآمر بالسيرة العقلائيّة القطعيّة، فيثبت اشتغال ذمّة كلّ منهما تجاه الآخر، فيحصل التهاتر قهراً».(2)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله في تفسير ابراء ذمّة الضامن و المضمون عنه اذا قال الضامن له: «ادفع عنّي الى المضمون له ما عليّ من مال الضمان»، حسن لا اشكال فيه؛ فانّ الضامن اشتغلت ذمّته بالضمان متزلزلاً، كما أنّ ذمّة المضمون عنه أيضاً كذلك باذنه للضامن، فاذا أدّى المضمون عنه دينه باذن الضامن فقد استقرّ ذمّة الضامن و ذمّة المضمون عنه، فيتهاتران حين الأداء.
(مسألة 18): اذا دفع المضمون عنه الى المضمون له من غير اذن الضامن برئا معاً كما لو دفعه أجنبي عنه.
الشرح:
قال في المباني: «أمّا الضامن فلأداء الدين من قبل غيره، و أمّا المضمون عنه
فبراءة ذمّته انّما هي بمعنى عدم رجوع الضامن عليه بالمال، و الّا فذمّته بريئة بنفس الضمان».(1)
و في المستمسك: «قال في الشرائع: «و لو دفع المضمون عنه مالاً الى المضمون له بغير اذن الضامن فقد برئ الضامن و المضمون عنه». و نحوها ما في القواعد و غيرها. و في الجواهر نفى الاشكال و الخلاف في ذلك. و هو واضح ممّا عرفت في السابق».(2)
أقول:
اذا دفع المضمون عنه دينه الى المضمون له من غير اذن الضامن برئا معاً؛ أمّا المضمون عنه فلأداء دينه و أمّا الضامن فلأنّ اشتغال ذمّته كانت معلّقة بالأداء فبأداء المضمون عنه برئت ذمّته التي كانت مشغولة متزلزلة، كما لو دفعه الأجنبي.
(مسألة 19): اذا ضمن تبرّعاً فضمن عنه ضامن باذنه و أدّى، ليس له الرجوع على المضمون عنه بل على الضامن. بل و كذا لو ضمن بالاذن فضمن عنه ضامن باذنه فانّه بالأداء يرجع على الضامن و يرجع هو على المضمون عنه الأوّل.
الشرح:
اذا ضمن أحد عن مديون أن يؤدّي دينه تبرّعاً، ثمّ ضمن أخرى عن هذا الفرد الضامن باذنه أن يؤدّي ما عليه، فاذا أدّى ما عليه فلايرجع الى المضمون عنه الأوّل؛
لأنّ دينه قد سقط بضمان الضامن الأوّل من دون اشتغال ذمّته به؛ لضمانه عنه تبرّعاً. و أمّا الصورة الثانية فما ذهب اليه المصنّف صحيح.
(مسألة 20): يجوز أن يضمن الدين بأقلّ منه برضا المضمون له، و كذا يجوز أن يضمنه بأكثر منه. و في الصورة الأولى لايرجع على المضمون عنه مع اذنه في الضمان الّا بذلك الأقلّ كما أنّ في الثانية لايرجع عليه الّا بمقدار الدين الّا اذا أذن المضمون عنه في الضمان بالزيادة.
الشرح:
يجوز أن يضمن الدين بأقلّ منه برضا المضمون له؛ لأنّه بمثابة براءة ذمّة المديون عن مقدار من دينه. و في هذه الصورة لايجوز للضامن بعد الأداء الرجوع الى المضمون عنه الّا بما أدّاه كما تقدّم في السابق.
و أمّا الضمان بأكثر من الدين فقد ذهب المصنّف الى جوازه و عدم رجوع الضامن الى المضمون عنه الّا بمقدار الدين الّا اذا أذن المضمون عنه في الضمان بالزيادة.
و ناقش في صحّته صاحب المباني(1)بأنّ الضمان ليس الّا نقل الدين من ذمّة الى ذمّة أخرى، و هو لايقتضي الّا اشتغال ذمّة الضامن بما اشتغلت به ذمّة المضمون عنه، فيبقى الاشتغال بالزائد بلا موجب يقتضيه فلايصحّ بعنوان الضمان. و دعوى رجوعه الى اشتراط الزيادة للمضمون عنه، فان كان على نحو شرط النتيجة فانّه بلا موجب.
و ان كان على نحو شرط الفعل بأن يلزمه دفع مقدار زائد على الدين في مقام
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 433.
الأداء، فانّه لايوجب الّا الحكم التكليفي و لزوم الوفاء به، و من الواضح أنّه أجنبي عن اشتغال ذمّته بالمشروط بالفعل، مضافاً الى أنّ مرجعه الى اشتراط الزيادة في الدين و هو ربا محرّم. اذن فالصحيح عدم صحّة هذا الضمان بقول مطلق.
لكن في المهذّب - في وجه جواز الضمان بأقلّ من الدين و أكثره - قال: «لأنّ معنى الضمان هو انتقال تمام ما في ذمّة المضمون عنه الى ذمّة الضامن بنحو الاقتضاء لا العلّيّة التامّة بحيث لو حدّد أصل الدين بحدّ خاصّ - قلّة أو كثرة - يبطل أصل الضمان، فتحقّق طبيعي الضمان مسلّم و التحديد انّما حصل برضا الطرفين فلا محذور فيه من العرف و الشرع و العقل.
و دعوى أنّ قوام الضمان بأن يكون بمقدار الضمان و مع الاختلاف فلايتحقّق موضوعه، دعوى بلا شاهد بل على خلافه الشواهد».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه في المهذّب لا محذور فيه، و الضمان بأكثر منه اذا تراضى المضمون له و الضامن ليس به بأس. و يترتّب عليه أحكام الضمان، و اذا أذن المضمون عنه في الضمان بالزيادة يجوز الرجوع اليه بها. و مع ذلك كلّه فالاحتياط في محلّه بالأخصّ في الرجوع الى المضمون عنه بالزيادة و لو كانت باذنه.
(مسألة 21): يجوز الضمان بغير جنس الدين كما يجوز الوفاء بغير الجنس، و ليس له أن يرجع على المضمون عنه الّا بالجنس الذي عليه الّا برضاه.
1) مهذّب الأحكام 20: 256.
الشرح:
يجوز الضمان بغير جنس الدين اذا رضي المضمون له كما يجوز الوفاء بغير الجنس، و لا بأس باشتراط ذلك في ضمن عقد الضمان، كما تقدّم في المسألة السابقة. نعم، ليس له أن يرجع على المضمون عنه الّا بالجنس الذي عليه الّا اذا رضي بذلك؛ و يؤيّده رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرعليه السلام قال:
«... قال: و سألته عن رجل له على آخر كرّ من حنطة أيصلح له أن يأخذ بكيلها شعيراً أو تمراً؟ قال: اذا تراضيا فلا بأس».(1)
و استشكل في المباني(2)بأنّه لا موجب لاشتغال ذمّة الضامن بغير ما اشتغلت ذمّة المضمون عنه.
و أجاب عنه في المهذّب(3)بأنّ توهّم أنّه مخالف لمعنى الضمان من حيث تقوّمه بانتقال نفس ما في الذمّة، مردود بأنّ تقوّم الضمان انّما هو بحفظ أصل الماليّة و انتقاله، و انتقال نفس ما في الذمّة من مقتضيات اطلاقه لا ذاته، كما تقدّم في المسألة السابقة.
(مسألة 22): يجوز الضمان بشرط الرهانة فيرهن بعد الضمان. بل الظاهر جواز اشتراط كون الملك الفلاني رهناً بنحو شرط النتيجة في ضمن عقد الضمان.
الشرح:
قال في المهذّب: «يجوز الضمان بشرط الرهانة؛ لاطلاق أدلّة الشروط و عمومها الشامل للمقام سواء كان من شرط الفعل أو شرط النتيجة الّا مع الدليل على الخلاف، و لا دليل على الخلاف في شرط النتيجة الّا دعوى أنّ الناتج غير مقدورة و انّ أسبابه خاصّة في الشريعة ليس الشرط منها، و انّ الشرط تمليك و لايتصوّر التمليك في النتيجة.
و الكلّ مخدوش: أمّا الأوّل فلأنّها مقدورة بأسبابها، و القدرة على السبب قدرة على المسبّب شرعاً و عقلاً و عرفاً. و أمّا الثاني فلأنّ الشرط من جملة الأسباب عرفاً، و اطلاق أدلّة الشرط منزّل على العرف.
و أمّا الأخير فهو من مجرّد الدعوى؛ اذ الشرط نحو التزام و تعهّد خاصّ قرّره الشارع بأدلّة الشروط و لا ريب في تحقّقهما في شرط النتيجة أيضاً، مع ورود النصّ به في شرط الضمان في الاجارة و العارية و شرط الأجل في النسيئة و السلف و غير ذلك، و على ما قلناه ورد النصّ مطابقاً للعمومات و الاطلاقات. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر جواز الضمان بشرط الرهانة سواء كان بنحو شرط الفعل أو بنحو شرط النتيجة؛ و الدليل عليه اطلاق أدلّة الشروط و عموماتها كما استدلّ به في المهذّب، و قد أجاب عمّا استشكل به في المستمسك كما عرفت.
(مسألة 23): اذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهن، فهل ينفكّ بالضمان أو لا؟ يظهر من المسالك و الجواهر انفكاكه؛ لأنّه بمنزلة
1) مهذّب الأحكام 20: 258.
الوفاء، لكنّه لايخلو عن اشكال. هذا مع الاطلاق و أمّا مع اشتراط البقاء أو عدمه فهو المتّبع.
الشرح:
اذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهن ينفكّ بصرف الضمان لأنّ ذمّة المضمون عنه انتقل الى ذمّة الضامن و كأنّ المضمون عنه قد أوفى دينه، و قد تقدّم أنّ الضمان عقد بين الضامن و المضمون له فالمديون هو الضامن.
(مسألة 24): يجوز اشتراط الضمان في مال معيّن على وجه التقييد أو على نحو الشرائط في العقود من كونه من باب الالتزام في الالتزام. و حينئذٍ يجب على الضامن الوفاء من ذلك المال بمعنى صرفه فيه. و على الأوّل اذا تلف ذلك المال يبطل الضمان و يرجع المضمون له على المضمون عنه، كما أنّه اذا نقص يبقى الناقص في عهدته. و على الثاني لايبطل بل يوجب الخيار لمن له الشرط من الضامن أو المضمون له أو هما.
و مع النقصان يجب على الضامن الاتمام مع عدم الفسخ. و أمّا جعل الضمان في مال معيّن من غير اشتغال ذمّة الضامن بأن يكون الدين في عهدة ذلك المال فلايصحّ.
الشرح:
يجوز اشتراط الضمان في مال معيّن؛ لعموم دليل: «المؤمنون عند شروطهم» على وجه التقييد، بمعنى أنّه يؤخذ الأداء من ذلك المال قيداً للضمان أو قيداً للمضمون، فكأنّه يقول الضامن: «وفاء ضماني لهذا الدين يكون من ذلك المال المعيّن»، ففي هذه الصورة لو تلف المال المذكور يبطل الضمان؛ لفوات القيد
الموجب لفوات المقيّد. و يرجع المضمون له على المضمون عنه كما أنّه اذا نقص يبقى النقصان في عهدته.
و يمكن أن يكون الضمان من مال معيّن على نحو الشرائط في العقود من كونه من باب الالتزام في الالتزام، فاذا تلف فبقاء الضمان و عدمه منوط بكيفيّة الشرط، و ان لم يكن هناك شي ء وراء اشتراط الضمان، فلايبطل الضمان بل يوجب الخيارلمن له الشرط من الضامن أو المضمون له أو هما، و مع النقصان يجب على الضامن الاتمام مع عدم الفسخ.
و أمّا جعل الضمان في مال معيّن من غير اشتغال ذمّة الضامن بأن يكون الدين في عهدة ذلك المال فلايصحّ؛ لأنّه يلزم براءة ذمّة المضمون عنه و الضامن كليهما و هذا خلاف تشريع الضمان.
(مسألة 25): اذا أذن المولى لمملوكه في الضمان في كسبه، فان قلنا: انّ الضامن هو المولى؛ للانفهام العرفي أو لقرائن خارجيّة، يكون من اشتراط الضمان في مال معيّن، و هو الكسب الذي للمولى. و حينئذٍ فاذا مات العبد تبقى ذمّة المولى مشغولة ان كان على نحو الشرط في ضمن العقود، و يبطل ان كان على وجه التقييد. و ان انعتق يبقى وجوب الكسب عليه. و ان قلنا: انّ الضامن هو المملوك و انّ مرجعه الى رفع الحجر عنه بالنسبة الى الضمان، فاذا مات لايجب على المولى شي ء، و تبقى ذمّة المملوك مشغولة يمكن تفريغه بالزكاة و نحوها، و ان انعتق يبقى الوجوب عليه.
الشرح:
اذا أذن المولى لمملوكه في الضمان في كسبه، فتارة: تكون هناك قرينة من
العرف أو غيره على أنّ الضامن هو المولى حقيقة، الّا أنّه شرط في مال معيّن و هو الكسب الذي للمولى، ففي هذه الصورة لو مات العبد فان كان الشرط على وجه التقييد فيبطل الضمان، و ان كان على نحو الشرط في ضمن العقود فبقاء الضمان على المولى و عدمه منوط بكيفيّة الشرط كما تقدّم في المسألة السابقة. و ان انعتق العبد يبقى وجوب الكسب عليه بمقتضى الشرط.
و أخرى: لاتكون هناك قرينة من العرف و غيره على أنّ الضامن هو المولى، فيكون المملوك ضامناً بحسب اذن المولى له في الضمان في كسبه، فيفيد اذن المولى رفع الحجر عنه بالنسبة الى الضمان، فاذا مات العبد لايجب على المولى شي ء، و تبقى ذمّة المملوك مشغولة يمكن تفريغه بالزكاة و نحوها. و ان انعتق يبقى الوجوب عليه بمقتضى الشرط.
(مسألة 26): اذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد فامّا أن يكون على التعاقب أو دفعة، فعلى الأوّل الضامن من رضي المضمون له بضمانه، و لو أطلق الرضا بهما كان الضامن هو السابق. و يحتمل قويّاً كونه كما اذا ضمنا دفعة خصوصاً بناءً على اعتبار القبول من المضمون له، فانّ الأثر حاصل بالقبول نقلاً لا كشفاً. و على الثاني ان رضي بأحدهما دون الآخر فهو الضامن.
و ان رضي بهما معاً ففي بطلانه كما عن المختلف و جامع المقاصد و اختاره صاحب الجواهر، أو التقسيط بينهما بالنصف أو بينهم بالثلث ان كانوا ثلاثة و هكذا، أو ضمان كلّ منهما فللمضمون له مطالبة من شاء كما في تعاقب الأيدي وجوه أقواها الأخير. و عليه اذا أبرأ المضمون له واحداً منهما برئ دون الآخر الّا اذا علم ارادته ابراء أصل الدين، لا خصوص ذمّة ذلك الواحد.
الشرح:
اذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد فأمّا أن يكون على التعاقب أو دفعة، فعلى الأوّل: فتارة: يرضى المضمون له بضمان أحدهما دون الآخر فهو الضامن؛ لحصول شرطه، و بطل الآخر؛ لفقد شرطه، سواء كان الأوّل أو الثاني.
و أخرى: يرضى بضمان أحدهما ثمّ يرضى بضمان الآخر، ففي المستمسك: «صحّ ضمان الأوّل و بطل ضمان الثاني؛ لانتفاء موضوعه بالأوّل؛ لأنّه أوجب فراغ ذمّة المضمون عنه فلا معنى للضمان الثاني».(1)
و الظاهر صحّة ما ذهب اليه؛ لأنّ العقد قد حصل بالرضا بضمان الأوّل.
و أمّا على الثاني أي اذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد دفعة، فتارة: رضي بأحدهما دون الآخر فهو الضامن؛ لوجود المقتضي و عدم المانع، و بطل ضمان الآخر.
و أخرى: رضي بضمانهما معاً، فان كان مقصوده التقسيط بينهما و رضيا بذلك، فحكمه معلوم. و ان لم يكن مقصوده كذلك بل قصد ضمان كلّ واحد منهما مستقلاًّ فالظاهر بطلانه؛ لأنّ انتقال ذمّة المضمون عنه الى الضامن لايقبل التردّد.
و أمّا الوجهان الأخيران فلا دليل صالح عليهما.
(مسألة 27): اذا كان له على رجلين مال، فضمن كلّ منهما ما على الآخر باذنه فان رضي المضمون له بهما صحّ. و حينئذٍ فان كان الدينان متماثلين جنساً و قدراً، تحوّل ما على كلّ منهما الى ذمّة الآخر. و يظهر الثمر في
1) مستمسك العروة 13: 314.
الاعسار و اليسار و في كون أحدهما عليه رهن دون الآخر، بناءً على افتكاك الرهن بالضمان. و ان كانا مختلفين قدراً أو جنساً، أو تعجيلاً و تأجيلاً أو في مقدار الأجل، فالثمر ظاهر.
و ان رضي المضمون له بأحدهما دون الآخر، كان الجميع عليه. و حينئذٍ فان أدّى الجميع رجع على الآخر بما أدّى، حيث انّ المفروض كونه مأذوناً منه. و ان أدّى البعض فان قصد كونه ممّا عليه أصلاً أو ممّا عليه ضماناً، فهو المتّبع و يقبل قوله ان ادّعى ذلك. و ان أطلق و لم يقصد أحدهما فالظاهر التقسيط، و يحتمل القرعة و يحتمل كونه مخيّراً في التعيين بعد ذلك، و الأظهر الأوّل. و كذا الحال في نظائر المسألة كما اذا كان عليه دين عليه رهن و دين آخر لا رهن عليه فأدّى مقدار أحدهما أو كان أحدهما من باب القرض و الآخر ثمن مبيع و هكذا، فانّ الظاهر في الجميع التقسيط. و كذا الحال اذا أبرأ المضمون له مقدار أحد الدينين مع عدم قصد كونه من مال الضمان أو من الدين الأصلي. و يقبل قوله اذا ادّعى التعيين في القصد؛ لأنّه لايعلم الّا من قبله.
الشرح:
اذا كان له على رجلين مال، فضمن كلّ منهما ما على الآخر باذنه، فان رضي المضمون له بهما صحّ و تحول ما كان على كلّ واحد منهما الى صاحبه كما في الشرائع. و يظهر الثمر فيما اذا كان الدينان متماثلين جنساً و قدراً في الاعسار و اليسار، فاذا كان أحدهما معسراً و لم يعلم المضمون له كان له الخيار في فسخ ضمانه، فاذا فسخ استقرّ تمام المال على الموسر، بعضه لضمانه الآخر المعسر، و بعضه لما كان في ذمّته و قد ضمنه الآخر المعسر و فسخ المضمون له ذلك
الضمان. و كذا تظهر الثمرة فيما لو كان لأحد المدينين رهن على الدين فينفكّ بصرف ضمان الضامن من دينه كما تقدّم في المسألة الثالثة و العشرين.
و أمّا ان كانا مختلفين قدراً أو جنساً، أو تعجيلاً و تأجيلاً، أو في مقدار الأجل فالثمر ظاهر.
و ان رضي المضمون له بأحدهما دون الآخر، فيجمع عليه دينه و دين المضمون عنه. و حينئذٍ فان أدّى الجميع رجع على الآخر بما أدّى ان كان ضمانه باذنه كما هو المفروض. و ان أدّى البعض، فان قصد أداء ما في ذمّة نفسه بعنوان كونه مديناً فهو المتّبع، و كذا لو قصد أداء ما فيها بعنوان ضمانه عن الآخر، و يقبل قوله ان ادّعى ذلك.
قال في المستمسك: «كما نصّ عليه في الشرائع في آخر كتاب الرهن، معلّلاً له بأنّه أبصر بنيّته، و في جامع المقاصد: «لأنّه أعرف بنيّته». و في الجواهر: «بلا خلاف و لا اشكال»؛ و كأنّه لبناء العقلاء و المتشرّعة، نظير اخبار ذي اليد عمّا في يده بل هو أولى منه؛ لأنّه اخبار عن النفس، و بناء العقلاء و المتشرّعة على الأخذ به».(1)
و أمّا ان أطلق في أداء بعض ما عليه و لم يقصد أحدهما فالظاهر التقسيط؛ و ذلك لأنّه مدين بدينين و قد قصد أداءه، فاذا قصد التعيين تعيّن، و اذا لم يقصد فيحسب لهما بالتقسيط، نعم، يمكن أن يقال: انّ التقسيط فيما اذا لم يقصد التعيين أصلاً لا قبل الأداء و لا بعده، و أمّا اذا قصده و لو بعد الأداء فهو المتعيّن، و هو الأقوى.
و هكذا يكون الحال في نظائر المسألة، كما اذا كان عليه دين و عليه رهن و
1) مستمسك العروة 13: 320.
دين آخر لا رهن عليه، فأدّى مقدار أحدهما فانّ المدفوع ان كان وفاءً للأوّل بطل حقّ الرهانة؛ لوفاء الدين، و ان كان عن الثاني فالحقّ بحاله؛ لبقاء دينه.
و كذا اذا كان أحدهما من باب القرض و الآخر ثمن مبيع، فان كان الوفاء للأوّل بقي حقّ الخيار من جهة عدم دفع الثمن و هكذا، فانّ الظاهر في الجميع هو تخييره في التعيين بعد ذلك، فان لم يعيّن فتصل النوبة الى التقسيط.
و كذا الحال اذا أبرأ المضمون له مقدار أحد الدينين مع عدم قصد كونه من مال الضمان أو من الدين الأصلي فهو المنجّز في تعيينه بعده، فان كان من مال الضمان لم يرجع الضامن الى المضمون عنه و ان كان من غيره فيرجع و يقبل قوله اذا ادّعى التعيين في القصد؛ لأنّه لايعلم الّا من قبله كما تقدّم آنفاً.
(مسألة 28): لايشترط علم الضامن حين الضمان بثبوت الدين على المضمون عنه، كما لايشترط العلم بمقداره، فلو ادّعى رجل على آخر ديناً فقال: «عليّ ما عليه»، صحّ. و حينئذٍ فان ثبت بالبيّنة يجب عليه أداؤه، سواء كانت سابقة أو لاحقة. و كذا ان ثبت بالاقرار السابق على الضمان أو باليمين المردودة كذلك. و أمّا اذا أقرّ المضمون عنه بعد الضمان أو ثبت باليمين المردودة، فلايكون حجّة على الضامن اذا أنكره، و يلزم (المضمون) عنه بأدائه في الظاهر.
و لو اختلف الضامن و المضمون له في ثبوت الدين أو مقداره فأقرّ الضامن أو ردّ اليمين على المضمون له فحلف، ليس له الرجوع على المضمون عنه اذا كان منكراً و ان كان أصل الضمان باذنه. و لا بدّ في البيّنة المثبتة للدين أن تشهد بثبوته حين الضمان. فلو شهدت بالدين اللاحق أو أطلقت و لم يعلم سبقه على الضمان أو لحوقه لم يجب على الضامن أداؤه.
الشرح:
قال في المستمسك: «قد يظهر من جامع المقاصد و المسالك وضوح عدم اشتراط علم الضامن حين الضمان بثبوت الدين على المضمون عنه، و التسالم عليه. و قد يظهر من عبارتي الشرائع و القواعد اشتراط ذلك، و عمومات الصحّة تقتضي عدم اشتراط ذلك.
و لازم استدلال القائلين باشتراط العلم بمقدار المضمون بقاعدة نفي الغرر، القول باشتراط العلم بوجوده؛ لحصول الغرر بدونه. و قد أصرّ على ذلك في مفتاح الكرامة، ناسباً له الى الأصحاب مستدلاًّ عليه بقاعدة نفي الغرر، مؤيّداً له بالعقل. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر أنّه لايشترط علم الضامن حين الضمان بثبوت الدين على المضمون عنه، كما لايشترط العلم بمقداره؛ و ذلك للعمومات الواردة في الضمان، و بعضها ظاهر فيه، فلو ادّعى رجل على آخر ديناً، فقال: «عليّ ما عليه» صحّ.
و حينئذٍ فان ثبت ما ادّعاه بالبيّنة يجب عليه أداؤه، سواء كان اقامة البيّنة سابقة على الضمان أو لاحقة؛ لعدم اختصاص حجّيّة البيّنة بما يكون قبل الضمان؛ و ذلكلاطلاق أو عموم دليلها الشامل للحالين، كقوله عليه السلام في رواية مسعدة بن صدقة:
«... و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(2)
و لو ثبت قبل الضمان باقرار المضمون عنه أو باليمين المردودة يجب عليه أداؤه أيضاً، كما لو أنكر المضمون عنه الدين الذي ادّعاه المضمون له و لم يكن للمدّعي البيّنة، و لم يحلف المنكر اليمين و ردّها على المضمون له فحلف فثبت الدين.
و أمّا اذا أقرّ المضمون عنه أو ثبت باليمين المردودة بعد الضمان، فقال المصنّف: «لايكون حجة على الضامن اذا أنكره».
و قال في المستمسك: «أمّا الاقرار فلأنّه اقرار في حقّ الغير. و أمّا اليمين المردودة فهي بمنزلة الاقرار من هذه الجهة، لاتكون حجّة الّا للحاكم في فصل الخصومة؛ لقصور دليل حجّيّتها عن شمول ذلك».(1)
أقول:
تارة: يكون الضمان من الضامن بعد الاثبات كأن يكون المضمون عنه منكراً لمدّعي الدين فيقوم البيّنة أو يحلف اليمين المردودة فبعد ذلك يضمن الضامن، فيجب عليه أداء دينه، فان كان ضمانه باذن المضمون عنه فيرجع اليه بعد الأداء، و تقدّم هذه الصورة.
و أخرى: يكون الضمان من الضامن قبل الاثبات، ففي هذه الصورة قد ينكر الضامن و يقرّ المضمون عنه، فحينئذٍ يجب على المضمون عنه أن يؤدّي ما أقرّ به. و قد ينكر المضمون عنه أيضاً و لم يكن للمدّعي بيّنة و لايحلف بل يردّه الى المضمون له فيحلف اليمين المردودة ففي هذه الصورة أيضاً يجب على المضمون عنه أداء دينه دون الضامن.
و هكذا يكون الحال اذا كان الاختلاف في مقدار الدين.
1) مستمسك العروة 13: 324.
و لا بدّ في البيّنة المثبتة للدين أن تشهد بثبوته حين الضمان، فلو شهدت بالدين اللاحق أو أطلقت و لم يعلم سبقه على الضمان أو لحوقه لايجب على الضامن أداؤه؛ لعدم ثبوت الدين حال الضمان لينتقل الى ذمّته، و الأصل عدمه.
(مسألة 29): لو قال الضامن: «عليّ ما تشهد به البيّنة»، وجب عليه أداء ما شهدت بثبوته حين التكلّم بهذا الكلام؛ لأنّها طريق الى الواقع و كاشف عن كون الدين ثابتاً حينه. فما في الشرائع من الحكم بعدم الصحّة لا وجه له، و لا للتعليل الذي ذكره بقوله: «لأنّه لايعلم ثبوته في الذمّة»، الّا أن يكون مراده في صورة اطلاق البيّنة المحتمل للثبوت بعد الضمان. و أمّا ما في الجواهر من أنّ مراده بيان عدم صحّة ضمان ما يثبت بالبيّنة من حيث كونه كذلك؛ لأنّه من ضمان ما لم يجب، حيث لم يجعل العنوان ضمان ما في ذمّته لتكون البيّنة طريقاً بل جعل العنوان ما يثبت بها و الفرض وقوعه قبل ثبوته بها، فهو كما ترى لا وجه له.
الشرح:
لو قال الضامن: «عليّ ما تشهد به البيّنة»، وجب عليه أداء ما شهدت بثبوته حين التكلّم بهذا الكلام أي التكلّم بالضمان؛ لأنّها طريق الى الواقع و كاشف عن ثبوت الدين حينه، و اذا كان ثابتاً حينه كان مضموناً على الضامن و منتقلاً الى ذمّته.
و على هذا فما في الشرائع(1)من الحكم بعدم الصحّة لا وجه له، و لا للتعليل الذي ذكره بقوله: «لأنّه لايعلم ثبوته في الذمّة»؛ حيث قد عرفت في المسألة السابقه عدم اعتبار علم الضامن بأصل الدين و لا بمقداره حين الضمان، فلا بأس بالضمان
1) شرائع الاسلام 2: 91.
على تقدير الثبوت.
و أمّا ما في الجواهر(1)من أنّ مراده بيان عدم صحّة ضمان ما يثبت بالبيّنة، بمعنى تعلّق الضمان بالدين المقيّد بقيام البيّنة عليه، فانّه يكون من ضمان ما لم يجب باعتبار أنّه غير موجود حين الضمان، و انّما يحدث عند قيام البيّنة عليه، من حيث انّ الضامن لم يجعل المضمون الدين الواقعي على اطلاقه لتكون البيّنة كاشفة له، بل جعل المضمون هو الدين المقيّد بقيام البيّنة عليه، فهو كماترى لا وجه له؛ و ذلك أوّلاً لأنّ عبارته هذه أجنبيّة عن كلام المحقّق.
و ثانياً كما في المباني(2): انّ تعليل البطلان بكونه من ضمان ما لم يجب، غير صحيح في نفسه؛ لأنّ قيام البيّنة على الدين لايجعل الفرد الواحد فردين مختلفين و متغايرين بل هو فرد واحد يشتمل على الوصف تارة و يفقده أخرى.
فيكون هذا الضمان من ضمان الدين على تقدير ثبوته، فيحكم بصحّته، لكونه من التعليق على أمر مقوّم له، و لا وجه لأن يقال بأنّه غير موجود حين الضمان.
(مسألة 30): يجوز الدور في الضمان بأن يضمن عن الضامن ضامن آخر، و يضمن عنه المضمون عنه الأصيل. و ما عن المبسوط من عدم صحّته لاستلزامه صيرورة الفرع أصلاً و بالعكس و لعدم الفائدة لرجوع الدين كما كان، مردود بأنّ الأوّل غير صالح للمانعيّة بل الثاني أيضاً كذلك، مع أنّ الفائدة تظهر في الاعسار و اليسار و في الحلول و التأجيل و الاذن و عدمه. و كذا يجوز التسلسل بلا اشكال.
الشرح:
يجوز الدور في الضمان، بأن يضمن زيد عن عمرو المديون لخالد، ثمّ يضمن عمرو - الذي هو المضمون عنه في الأصل - عن الضامن فيصير الضامن - الذي هو زيد - المضمون عنه و المضمون عنه الأصيل ضامناً و لايخفى شرطيّة رضى المضمون له هنا؛ و الدليل على جواز ذلك شمول أدلّة الضمان له، سواء كان دين عمرو باقتراضه عن خالد أو باشترائه منه و عدم اعطائه ثمنه، أو باتلافه مالاً له.
و قد منعه في المبسوط(1)و أفتى بعدم صحّته، أوّلاً لاستلزامه صيرورة الفرع أصلاً أي يصير المضمون عنه - الذي هو الفرع - أصلاً و ضامناً و صيرورة الأصل - أي الضامن - فرعاً.
و فيه: انّه لم يدلّ دليل على منع ذلك لا عقلاً و لا شرعاً. نعم، لو صار زيد - في المثال المتقدّم - ضامناً و مضموناً عنه في آنٍ واحد كان ممتنعاً عقلاً، بخلاف ما نحن فيه فانّ زيداً الذي صار مضموناً عنه كان ضامناً سابقاً و ليس ضامناً فعلاً.
و قال رحمه الله في منع ذلك ثانياً: «لعدم الفائدة؛ لرجوع الدين كما كان».
و فيه: انّه لايكون خالياً عن الفائدة؛ لأنّها تظهر في الاعسار و اليسار بأن يصير الضامن معسراً و المضمون عنه موسراً، فيضمن عن الضامن المضمون عنه الأصيل. و كذا في الحلول و التأجيل، بأن يضمن المضمون عنه عن الضامن باذن المضمون له مؤجّلاً بعد أن كان ضمان الضامن حالاًّ. و كذا في الاذن و عدمه بأن يصير المضمون عنه ضامناً باذن الضامن بعد أن لم يكن الضامن مأذوناً من قبله، و قد تقدّمت فائدة الاذن و عدمه في جواز الرجوع و عدمه.
هذا في جواز الدور في الضمان، و كذلك يكون الحال في جواز التسلسل في
1) المبسوط 2: 340.
الضمان.
(مسألة 31): اذا كان المديون فقيراً يجوز أن يضمن عنه بالوفاء من طرف الخمس أو الزكاة أو المظالم أو نحوها من الوجوه التي تنطبق عليه اذا كانت ذمّته مشغولة بها فعلاً، بل و ان لم تشتغل فعلاً على اشكال.
الشرح:
اذا كان المديون فقيراً فتارة: يعطى من الخمس أو الزكاة أو المظالم أو نحوها من الوجوه التي تنطبق عليه - باذن الحاكم الشرعي بالنسبة الى سهم الامام و كذا في المظالم على الأحوط - ليؤدّي دينه اذا كانت ذمّة المعطي مشغولة بها فعلاً، فهذا لا اشكال فيه.
و أخرى: يضمن من كان ذمّته مشغولة بالوجوه الشرعيّة باذن الحاكم الشرعي لأن يؤدّي دينه منها، و هذا أيضاً قد يكون باذن المضمون عنه، فحينئذٍ اذا أدّى دينه فيجوز له الرجوع اليه الّا اذا كان من المستحقّين لتلك الوجوه، و قد لايكون باذنه فاذا أدّى دينه - اذا كان ممّن تنطبق عليه تلك الوجوه - فلايرجع عليه.
و ثالثة: يكون الفقير مديوناً بالوجوه الشرعيّة باذن الحاكم الشرعي، فلايجوز أن يضمن عنه ضامن أن يؤدّي دينه من الوجوه الشرعيّة اذا كانت ذمّته مشغولة بها باذن الحاكم أيضاً؛ و ذلك لأنّ الضامن و المضمون عنه كليهما مديونان بالشي ء الواحد فلا معنى لضمان الدين بذلك الدين؛ فانّ الدين الذي على الضامن دين نفسه بالفعل لا دين المضمون عنه فلا معنى للضمان. و من ذلك يتّضح عدم الجواز في هذه الصورة اذا لم تكن ذمّته مشغولة فعلاً؛ لما مرّ آنفاً.
(مسألة 32): اذا كان الدين الذي على المديون زكاة أو خمساً، جاز أن يضمن عنه ضامن للحاكم الشرعي بل و لآحاد الفقراء على اشكال.
الشرح:
اذا كان الدين الذي على المديون زكاة أو خمساً، فتارة: يؤدّي زكاته أو خمسه الى الحاكم الشرعي ثمّ يقرضه منه، فحينئذٍ يجوز أن يضمن عنه ضامن للحاكم الشرعي لأن يؤدّي دينه من غير الوجوه الشرعيّة باذن الحاكم ثمّ يرجع الى المضمون عنه. و أمّا التبرّع عنه فجاز اذا كان فقيراً دون ما اذا كان موسراً، فتأمّل.
و أخرى: كان دينه من الحقوق التي لايحتاج أداؤها الى قصد القربة مثل الكفّارات أو المظالم فيجوز أن يضمن عنه ضماناً تبرّعيّاً أو باذنه. و أمّا ان كان من نحو الخمس و الزكاة التي تحتاج الى قصد القربة، فيجوز في الضمان الاذني دون التبرّعي، كما هو واضح.
و أمّا الضمان عنه لآحاد الفقراء في الزكاة فلا وجه لجوازه؛ لأنّه ليس لهم وكالة أو ولاية للزكاة، و لذا لاتجب اجابتهم عند طلبهم لها؛ لأنّهم لم يكونوا مالكين، و ان كانوا مستحقّين و محلاًّ لصرف الزكاة.
(مسألة 33): اذا ضمن في مرض موته، فان كان باذن المضمون عنه فلا اشكال في خروجه من الأصل؛ لأنّه ليس من التبرّعات، بل هو نظير القرض و البيع بثمن المثل نسيئة. و ان لم يكن باذنه فالأقوى خروجه من الأصل كسائر المنجّزات. نعم، على القول بالثلث يخرج منه.
الشرح:
اذا ضمن في مرض موته فان كان باذن المضمون عنه يخرج من الأصل؛ لأنّه من جملة ديونه، و بعد الأداء يرجع الورثة الى المضمون عنه، و هو نظير ما اذا اقترض أو اشترى بثمن المثل نسيئة. و ان لم يكن باذنه فان كان ذلك برضى الورثة يخرج من الأصل، و الّا فمن الثلث كسائر منجّزات المريض.
قال في الشرائع: «اذا ضمن المريض في مرضه و مات فيه خرج ما ضمنه من ثلث تركته على الأصحّ».(1)
و في المسالك: «يمكن أن يكون الأصحّ تنبيهاً على الخلاف في أنّ منجّزات المريض هل هي من الأصل أو من الثلث؟ و اختياره للثاني، كما سبق من مذهبه. و يمكن كونه اشارة الى أنّ الضمان هل يعدّ من التبرّعات المنجّزة أم لا؟ و وجه اختيار كونه تبرّعاً أنّه التزام مال لايلزمه و لم يأخذ عنه عوضاً، فأشبه الهبة.
و على التقديرين انّما يتمّ الحكم مع تبرّعه بالضمان، أمّا لو ضمن بسؤال فهو كما لو باع بثمن المثل نسيئة، فالوجه حينئذٍ أنّه متى أمكن الرجوع على المضمون عنه فهو من الأصل، و ان لم يمكن لاعساره و نحوه فهو من الثلث. و لو أمكن الرجوع بالبعض فهو كبيع المحاباة يتوقّف ما يفوت على الثلث.
و احترز بقوله: «و مات فيه» عمّا لو برئ منه، فانّه يخرج من الأصل كالتبرّع و لو مات بعد ذلك. هذا كلّه مع عدم اجازة الورثة و الّا نفذ من الأصل».(2)
(مسألة 34): اذا كان ما على المديون يعتبر فيه مباشرته لايصحّ ضمانه، كما اذا كان عليه خياطة ثوب مباشرة، و كما اذا اشترط أداء الدين من مال
معيّن للمديون. و كذا لايجوز ضمان الكلي في المعيّن كما اذا باع صاعاً من صبرة معيّنة، فانّه لايجوز الضمان عنه و الأداء من غيرها مع بقاء تلك الصبرة موجودة.
الشرح:
اذا كان على زيد خياطة ثوب لعمرو و شرط عليه مباشرته لها فلايجوز ضمان فرد آخر عن زيد؛ لأنّ ذمّته هذه لاتقبل الانتقال. نعم، لو قبل المضمون له عدم مباشرته لها فلا اشكال في الضمان عنه. و كذا لايصحّ ضمان فرد عن زيد اذا اشترط للدائن أن يؤدّي دينه من مال معيّن؛ لما ذكر.
و كذا ما اذا باع زيد من عمرو صاعاً من صبرة معيّنة، فلايجوز أن يضمن فرد آخر ليؤدّي دينه من صبرة أخرى مع بقاء تلك الصبرة الّا اذا ألغى الشرط؛ و ذلك لأنّه لايقبل الانتقال بدون الغاء الشرط.
(مسألة 35): يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة؛ لأنّها دين على الزوج. و كذا نفقة اليوم الحاضر لها اذا كانت ممكّنة في صبيحته؛ لوجوبها عليه حينئذٍ، و ان لم تكن مستقرّة؛ لاحتمال نشوزها في أثناء النهار بناءً على سقوطها بذلك. و أمّا النفقة المستقبلة فلايجوز ضمانها عندهم؛ لأنّه من ضمان ما لم يجب، ولكن لايبعد صحّته؛ لكفاية وجود المقتضي و هو الزوجيّة. و أمّا نفقة الأقارب فلايجوز ضمانها بالنسبة الى ما مضى؛ لعدم كونها ديناً على من كانت عليه الّا اذا أذن للقريب أن يستقرض و ينفق على نفسه أو أذن له الحاكم في ذلك؛ اذ حينئذٍ يكون ديناً عليه. و أمّا بالنسبة الى ما سيأتي فمن ضمان ما لم يجب، مضافاً الى أنّ وجوب الانفاق حكم تكليفي و
لاتكون النفقة في ذمّته. ولكن مع ذلك لايخلو عن اشكال.
الشرح:
نفقة الزوجة تكون على الزوج، فلو لم ينفق عليها مع كونها مطيعة فهي دين يجب عليه أداؤها، ففي هذه الصورة يجوز أن يضمن عنه ضامن. و كذا يجوز ضمان نفقة اليوم الحاضر لها اذا كانت ممكّنة نفسها في صبيحته؛ و ذلك لوجوبها عليه في صبيحة كلّ يوم فيكون ديناً و ان لم تكن مستقرّة؛ لاحتمال نشوزها في أثناء النهار؛ لأنّه مع النشوز تسقط نفقتها.
و أمّا ضمان نفقة الأيّام المستقبله فلايصحّ؛ لأنّه لم يكن هناك دين فيكون من ضمان ما لم يجب، و ما ذهب اليه الماتن من قوله: «فلايبعد صحّته؛ لوجود المقتضي و هو الزوجيّة»، ففيه: انّ المقتضي للضمان هو الدين و لم يوجد بعد.
و أمّا وجوب نفقة الأقارب فهي حكم تكليفي، فلو عصى و لم ينفق عليهم فلايكون ديناً عليه و لذلك لايصحّ الضمان هناك. نعم، لو قال للقريب: «استقرض و عليّ أداؤه»، أو أذن له الحاكم في الاستقراض لأنّه ولي الممتنع، فحينئذٍ يصحّ الضمان عن الآمر؛ لأنّه دين عليه. و أمّا بالنسبة الى ما سيأتي فلايصحّ أيضاً كما مرّ.
(مسألة 36): الأقوى جواز ضمان مال الكتابة، سواء كانت مشروطة أو مطلقة؛ لأنّه دين في ذمّة العبد و ان لم يكن مستقرّاً؛ لامكان تعجيز نفسه. و القول بعدم الجواز مطلقاً أو في خصوص المشروطة معلّلاً بأنّه ليس بلازم و لايؤول الى اللزوم، ضعيف كتعليله. و ربّما يعلّل بأنّ لازم ضمانه لزومه مع أنّه بالنسبة الى المضمون عنه غير لازم، فيكون في الفرع لازماً مع أنّه في الأصل غير لازم. و هو أيضاً كماترى.
الشرح:
عقد المكاتبة على قسمين: مشروط و مطلق، فالأوّل كما لو قال المولى لعبده: «اكتسب و أعطني كلّ يوم حتّى يكون بقدر قيمتك فتنعتق»، فاذا أدّى العبد قيمته تماماً ينعتق على ما شرط له. و الثاني كما لو قال له: «اكتسب و أعطني كلّ يوم فبمقدار ما أدّيت تنعتق حتّى تؤدّي تمام قيمتك فتنعتق كاملاً». فاذا تمّ عقد المكاتبة بين المولى و عبده فيكون العبد مديناً لمولاه قيمة نفسه، فحينئذٍ يصحّ عنه الضمان، فاذا أدّى الضامن قيمته ينعتق العبد بموجب العقد.
و قد ذهب الشيخ في المبسوط(1)الى عدم جواز هذا الضمان مطلقاً أو في خصوص المشروطة، معلّلاً بأنّه ليس بلازم و لايؤول الى اللزوم. و قد قال في المباني في دفعه: «أمّا التعليل ففيه: منعه صغرى و كبرى. أمّا الصغرى فلأنّ المكاتبة بقسميها لازمة من الطرفين، فيجب على العبد الكسب و لايجوز له تعجيز نفسه. فلو عجز نفسه أو عجز انتقاماً رجع رقّاً كما كان.
و أمّا الكبرى فلأنّه لا دليل على اعتبار اللزوم في الدين الثابت بالفعل، بل يصحّ ضمان الدين الجائز قطعاً، كما هو الحال في موارد ضمان البيع الخياري كبيع الحيوان و بيع الخيار.
و أمّا التعليل الثاني فغاية ما يقال في تقريبه: انّ الضمان و ان كان يصحّ في العقد الجائز، الّا أنّه انّما يختصّ بما يؤول الى اللزوم، نظير بيع الخيار و نحوه ممّا يرتجى لزومه في زمان، فلايصحّ فيما لايرتجى لزومه أصلاً، كالمكاتبة المشروطة بناءً على جوازها فانّها لاتؤول الى اللزوم أبداً، فانّها ما لم يؤدّ الدين جائزة و عند أدائه ينعتق العبد و ينتفي الموضوع من أساسه، الّا أنّه لايرجع الى محصّل و
1) المبسوط 2: 325.
لا دليل عليه بالمرّة، بل مقتضى عمومات الضمان بعد ثبوت أصل الدين صحّته - و في جواب قوله رحمه الله: «فيكون في الفرع لازماً مع أنّه في الأصل غير لازم»، قال: - «لا دليل على اعتبار عدم زيادة الفرع على الأصل، بل الثابت خلافه، فانّه يصحّ ضمان الموسر لدين المعسر و يجوز مطالبته به جزماً، و ان لم يكن يجوز مطالبة المضمون عنه به لاعساره.
و الحاصل أنّ كلّ حكم تابع لموضوعه سعة و ضيقاً، و ليس عدم زيادة الفرع على أصله قاعدة ثابتة يجوز التعويل عليها في تخصيص عمومات الأحكام و اطلاقاتها.
بل ذكر في الجواهر أنّ الصحّة هنا أولى منها في العقود الجائزة كبيع الخيار و نحوه حيث لا مجال - فيما نحن فيه - لاعمال الخيار بعد الضمان، نظير انعتاق العبد به مباشرة، و اعمال الخيار فرع عبوديّته، بخلاف الحال في العقود الجائزة، حيث يجوز له اعمال خياره حتّى بعد الضمان، فيرتفع العقد و يبطل الضمان».(1)
(مسألة 37): اختلفوا في جواز ضمان مال الجعالة قبل الاتيان بالعمل و كذا مال السبق و الرماية، فقيل بعدم الجواز؛ لعدم ثبوته في الذمّة قبل العمل. و الأقوى - وفاقاً لجماعة - الجواز لا لدعوى ثبوته في الذمّة من الأوّل و سقوطه اذا لم يعمل، و لا لثبوته من الأوّل بشرط مجي ء العمل في المستقبل؛ اذ الظاهر أنّ الثبوت انّما هو بالعمل، بل لقوله تعالى: «و لمن جاء به حمل بعير و أنا به زعيم»، و لكفاية المقتضي للثبوت في صحّة الضمان و منع اعتبار الثبوت الفعلي كما أشرنا اليه سابقاً.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 462 و 463.
الشرح:
يتصوّر في ضمان مال الجعالة صورتان:
الأولى: أن يضمن للعامل ما يكون على الجاعل، بعد العمل و استقرار أجرة العامل على الجاعل، فيصحّ الضمان عنه للعامل.
الثانية: أن يضمن للعامل قبل العمل و استقرار الأجرة كأن يقول للعامل: «لو عملت ما يطلبه الجاعل فأنا ضامن أن أقبض أجرتك فلو لم يعطك فأنا أعطيك»، فهذا نحو عهد فان كان في ضمن عقد لازم فالالتزام به واجب، و الّا فلا دليل عليه.
و أمّا الضمان في مال السبق و الرماية فلا اشكال في صحّته بعد العمل، و أمّا قبل العمل فيشكل؛ لأنّ السبق و الرماية من مصاديق القمار و قد خرج من حرمته بدليل خاصّ فيختصّ بعقدهما بين الطرفين، و أمّا وجود عقد آخر في طول ذلك العقد فمشكل، و ان كان الجواز لايخلو من وجه.
و أمّا استشهاد المصنّف لجواز ضمان مال الجعالة قبل الاتيان بالعمل و كذا مال السبق و الرماية بقوله تعالى: «و لمن جاء به حمل بعير و أنا به زعيم»(1)، فالظاهر أنّ الجاعل و الضامن في هذه الآية شخص واحد و هذا خارج عن الضمان المصطلح، و هو نقل ما في ذمّة المضمون عنه الى الضامن لصالح المضمون له.
(مسألة 38): اختلفوا في جواز ضمان الأعيان المضمونة - كالغصب و المقبوض بالعقد الفاسد و نحوهما - على قولين، ذهب الى كلّ منهما جماعة. و الأقوى الجواز سواء كان المراد ضمانها بمعنى التزام ردّها عيناً و مثلها أو
1) يوسف 12: 72.
قيمتها على فرض التلف، أو كان المراد ضمانها بمعنى التزام مثلها أو قيمتها اذا تلفت؛ و ذلك لعموم قوله صلى الله عليه وآله: «الزعيم غارم». و العمومات العامّة مثل قوله تعالى: «أوفوا بالعقود».
و دعوى أنّه على التقدير الأوّل يكون من ضمان العين بمعنى الالتزام بردّها مع أنّ الضمان نقل الحقّ من ذمّة الى أخرى، و أيضاً لا اشكال في أنّ الغاصب أيضاً مكلّف بالردّ، فيكون من ضمّ ذمّة الى أخرى و ليس من مذهبنا. و على الثاني يكون من ضمان ما لم يجب، كما أنّه على الأوّل أيضاً كذلك، بالنسبة الى ردّ المثل أو القيمة عند التلف. مدفوعة بأنّه لا مانع منه بعد شمول العمومات، غاية الأمر أنّه ليس من الضمان المصطلح. و كونه من ضمان ما لم يجب لايضرّ بعد ثبوت المقتضي، و لا دليل على عدم صحّة ضمان ما لم يجب من نصّ أو اجماع و ان اشتهر في الألسن. بل في جملة من الموارد حكموا بصحّته، و في جملة منها اختلفوا فيه فلا اجماع.
و أمّا ضمان الأعيان الغير المضمونة - كمال المضاربة و الرهن و الوديعة قبل تحقّق سبب ضمانها من تعدٍّ أو تفريط - فلا خلاف بينهم في عدم صحّته. و الأقوى بمقتضى العمومات صحّته أيضاً.
الشرح:
قال في الجواهر: «في صحّة ضمان الأعيان المضمونة بمعنى وجوب ردّها أو قيمتها أو مثلها عليه مع من في يده كالغصب و المقبوض بالبيع الفاسد و نحوهما تردّد و خلاف، و الأشبه عند المصنّف و الفاضل في المحكي عن تحريره و ارشاده، و محكي المبسوط الجواز؛ للعمومات، و لأنّه ضمان مال مضمون على المضمون عنه.
و فيه: انّه لا عموم يقتضي شرعيّة الضمان على الوجه المزبور، حتّى قوله صلى الله عليه وآله: «الزعيم غارم»، الذي هو ليس من أخبارنا بل هو من قول الناس الذين هم مخالفونا كما سمعته في الخبر السابق الظاهر في الانكار عليهم، و عموم: «أوفوا بالعقود» انّما يقتضي وجوب الوفاء بكلّ عقد على حسب مقتضاه، و قد عرفت أنّ الضمان عندنا من النواقل و أنّ شرطه ثبوت المال في الذمّة و الأعيان المضمونة انّما يجب ردّها و هو ليس بمال في الذمّة، و الغاصب مثلاً مخاطب به اجماعاً، فيكون الضمان هنا ضمّ ذمّة الى ذمّة أخرى، و هو ليس من أصولنا. و من الغريب ما عن التذكرة من أنّ ضمان المال ناقل عندنا.
و في ضمان الأعيان و العهدة اشكال، أقربه عندي جواز مطالبة كلّ من الضامن و المضمون عنه؛ اذ هو كماترى كالمتناقض، هذا كلّه في ضمانها بالنسبة الى ردّها.
و أمّا ضمان قيمتها أو مثلها فهو بعد تلفها، فضمانها قبل حصول السبب ضمان ما لم يجب، و من هنا كان خيرة ثاني الشهيدين و المحقّقين و فخر الاسلام على ما حكي عنهما عدم الجواز، و دعوى صدق كونها مالاً قد اشتغلت ذمّة من في يده بها واضحة الفساد؛ ضرورة معلوميّة ارادة شغل الذمّة بالردّ مادامت موجودة، و القيمة و المثل مع التلف من هذا الاطلاق، و مثله غير كافٍ في الضمان الذي هو نقل المال من ذمّة الى أخرى كما عرفت من تعريفه، و من دعوى الاجماع على اشتراط أن يكون مالاً في الذمّة في الحقّ المضمون، لا أقلّ من الشكّ، و الأصل عدم ترتّب الأثر في مثل هذا الضمان».(1)
1) جواهر الكلام 26: 140 و 141.
أقول:
قد عرفت في المسألة السابقة أنّ الضمان الاصطلاحي هو الذي يكون نقل ما في ذمّة المضمون عنه من الدين الى ذمّة الضامن بنفع المضمون له، فاذا تلفت العين المغصوبة عند الغاصب أو المقبوض بالبيع الفاسد و اشتغلت ذمّته بعوضها مثلاً أو قيمة فيصحّ الضمان عن الغاصب أو القابض؛ لاشتغال ذمّتهما.
و أمّا لو كانت العين في يد الغاصب و لم تتلف و كذا المقبوض بالبيع الفاسد، فهو بنفسه مأمور بردّها فلايجري هنا الضمان بالمعنى المذكور. نعم، يمكن أن يكون هناك عهد بين المغصوب عنه و الضامن بأن يقول: «أنا ضامن، فلو لم يردّ مالك أعطيك»، أو يقول: «أنا ضامن ان تلف مالك أن أعطيك مثله أو قيمته»، و هذا ان كان في ضمن عقد لازم وجب الوفاء به.
ثمّ انّ ما دفع به المصنّف لصحّة ضمان ما لم يجب فقد عرفت جوابه ممّا ذكر في المسألة الخامسة و الثلاثين من أنّ مقتضى الضمان هو وجود الدين في الذمّة، و الفرض انّه لم يوجد، فضمان ما لم يوجد بعد باطل.
و أمّا ما استشهد به المصنّف بقوله صلى الله عليه وآله «الزعيم غارم»، فانّه رواية قد رواها العامّة كما في الجواهر(1)، مع أنّه لا دلالة فيها لما نحن فيه، فمعنى الرواية - لو كانت صادرة - أنّه اذا تحقّق الضمان استقرّ الغرم على الضامن، فلاتكون الرواية متكفّلة لصحّة الضمان الاصطلاحي في الأعيان الخارجيّة.
و أمّا ضمان الأعيان غير المضمونة - كمال المضاربة و الرهن و الوديعة قبل تحقّق سبب ضمانها من تعدّ أو تفريط - فلايكون من الضمان الاصطلاحي، بل هو كما قال في الجواهر: «لا اشكال و لا خلاف في أنّه لو ضمن ما هو أمانة، كالمضاربة
1) جواهر الكلام 26: 140.
و الوديعة لم يصحّ؛ لأنّها ليست مضمونة في الأصل، أي وقت الضمان لا ردّاً و لا عوضاً على تقدير تلفها. نعم، لو طرأ لها الضمان بتعدّ أو تفريط مثلاً ففي صحّة ضمانها حينئذٍ و عدمها البحث السابق، و هو واضح».(1)
(مسألة 39): يجوز عندهم بلا خلاف بينهم ضمان درك الثمن للمشتري اذا ظهر كون المبيع مستحقّاً للغير أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحّته اذا كان ذلك بعد قبض الثمن كما قيّد به الأكثر أو مطلقاً كما أطلق آخر، و هو الأقوى. قيل: «و هذا مستثنى من عدم ضمان الأعيان».
هذا و أمّا لو كان البيع صحيحاً، و حصل الفسخ بالخيار أو التقايل أو تلف المبيع قبل القبض فعلى المشهور لم يلزم الضامن و يرجع على البائع؛ لعدم ثبوت الحقّ وقت الضمان فيكون من ضمان ما لم يجب، بل لو صرّح بالضمان اذا حصل الفسخ لم يصحّ بمقتضى التعليل المذكور. نعم، في الفسخ بالعيب السابق أو اللاحق اختلفوا في أنّه هل يدخل في العهدة و يصحّ الضمان أو لا؟ فالمشهور على العدم. و عن بعضهم دخوله، و لازمه الصحّة مع التصريح بالأولى. و الأقوى في الجميع الدخول مع الاطلاق و الصحّة مع التصريح، و دعوى أنّه من ضمان ما لم يجب مدفوعة بكفاية وجود السبب.
هذا بالنسبة الى ضمان عهدة الثمن اذا حصل الفسخ. و أمّا بالنسبة الى مطالبة الأرش فقال بعض من منع من ذلك بجوازها؛ لأنّ الاستحقاق له ثابت عند العقد فلايكون من ضمان ما لم يجب. و قد عرفت أنّ الأقوى صحّة الأوّل أيضاً، و أنّ تحقّق السبب حال العقد كافٍ، مع امكان دعوى أنّ الأرش
1) جواهر الكلام 26: 141.
أيضاً لايثبت الّا بعد اختياره و مطالبته فالصحّة فيه أيضاً من جهة كفاية تحقّق السبب. و ممّا ذكرنا ظهر حال ضمان درك المبيع للبائع.
الشرح:
قال في المستمسك - عند قول المصنّف: «يجوز عندهم بلا خلاف بينهم ضمان درك الثمن للمشتري» - : «و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل في محكي التذكرة، و كذا في مجمع البرهان، نسبته الى اطباق الناس عليه في جميع الأعصار. و في المسالك: أنّ ظاهرهم الاطباق عليه»، و في جامع المقاصد: «اطباق الناس على ضمان العهدة». قال في الصحاح: «الدرك: التبعة. و قيل:سمّي ضمان الدرك؛ لالتزامه الغرامة عند ادراك المستحقّ عين ماله». و يسمّى ضمان العهدة، و في التذكرة: «سمّي ضمان العهدة؛ لالتزام الضامن ما في عهدة البائع ردّه»».(1)
أقول:
يجوز ضمان درك الثمن للمشتري اذا ظهر كون المبيع مستحقّاً للغير، أي اذا باع زيد متاعاً من عمرو فقبض الثمن و أقبض المبيع، ثمّ ظهر أنّ المبيع لم يكن للبائع، فيجوز لخالد مثلاً أن يضمن للمشتري ما على البائع، فان كان الثمن تالفاً فيكون ضمانه من الضمان الاصطلاحي، و ان كان الثمن باقياً فيكون نحو عهد بين الضامن و المشتري بالتزام ردّ الثمن اليه، و أن يقبضه من البائع و يردّه الى المشتري أو يعطيه بنفسه و هذا العهد ان كان في ضمن عقد لازم يجب الوفاء به.
عن السيّد الحكيم أيضاً - عند قول المصنّف: «أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحّته اذا كان ذلك بعد قبض الثمن كما قيّد به الأكثر» - قال: «يعني: اذا
1) مستمسك العروة 13: 349.
وقع البيع و قبض البائع الثمن يخاف المشتري من ضياع ثمنه اذا تبيّن بعد ذلك أنّ المبيع لغير البائع، فيأخذه المالك من المشتري و يتمرّد البائع عن دفع الثمن اليه، فحينئذٍ يضمن ضامن للمشتري ثمنه الذي دفعه الى البائع، ليكون المشتري واثقاً بعدم ضياع ماله، فالضمان يكون احتماليّاً لا يقينيّاً؛ لأنّه اذا كان البيع صحيحاً كان الثمن ملكاً للبائع فلا معنى لضمانه للمشتري. و انّما يصحّ هذا الضمان اذا كان البيع باطلاً و الثمن الذي قبضه البائع غير مملوك له و لايستحقّه؛ لأنّه مقبوض بالعقد الفاسد فيكون مضموناً عليه، فيضمنه آخر للمشتري.
قال في المسالك: «و في الحقيقة هذا فرد من أفراد ضمان الأعيان المضمونة على تقدير كونه موجوداً حالة الضمان»، و في مفتاح الكرامة: «و قد قيّد بكونه بعد القبض في أكثر الكتب المتقدّمة، ما عدا المبسوط و الشرائع و الارشاد و اللمعة، بل في الوسيلة و التذكرة و التحرير التصريح بأنّه ان كان قبض الثمن صحّ الضمان و ان لم يكن قد قبض لم يصحّ. و هو أيضاً مراد في كلام من لم يقيّد به؛ لأنّهم لايختلفون في أنّ الضمان لا بدّ فيه من ثبوت حقّ في ذمّة المضمون عنه في نفس الأمر وقت الضمان بحيث يمكن تكليف غيره به، و البائع ما لم يقبض لم يتعلّق بذمّته حقّ».
و قال في الجواهر: «و من ذلك يعلم ارادة المصنّف و غيره ممّن ترك التقييد بالقبض ما صرّح به الأكثر من التقييد به؛ ضرورة عدم دخوله في عهدة البائعالذي هو المضمون عنه الّا بقبضه». و من ذلك تعرف الاشكال في قول المصنّف».(1)
1) مستمسك العروة 13: 350.
أقول:
تارة: يظهر بطلان البيع بعد قبض الثمن و اقباض البائع المثمن، فيستردّ البائع المثمن و يتمرّد عن ردّ الثمن، ففي هذه الصورة قد يكون الثمن تالفاً فيضمن الضامن للمشتري أن يقبض مثل ثمنه أو قيمته من البائع و يدفعه اليه، أو يعطيه بنفسه كما تقدّم، و هذا من الضمان الاصطلاحي. و قد يكون الثمن باقياً فضمان الضامن هنا ليس من الضمان الاصطلاحي الّا أنّه عهد بين الضامن و المشتري يجب الوفاء به اذا كان في ضمن عقد لازم كما تقدّم.
و أخرى: يحتمل المشتري أن يكون البيع فاسداً و يضيع ماله، فيضمن له ضامن بأنّه ان انكشف بطلان البيع يردّ اليه ثمنه، بأخذه عن البائع أو اعطائه بنفسه. و هذا أيضاً صحيح على نحو الصورة السابقة من كونه عهداً.
و في المستمسك - «عند قول المصنّف: «أو مطلقاً - كما أطلق آخر - و هو الأقوى» - قال: «و كأنّه مبني على ما ذكره في آخر المسألة السابقة من جواز ضمان الأعيان غير المضمونة، فكأنّ المشتري يخاف أن يدفع الثمن الى البائع و يتبيّن عدم استحقاق البائع له و لايتمكّن المشتري من استرجاعه، فيضمنه للمشتري ضامن قبل أن يدفعه الى البائع، فيأمن من ضياعه فيدفعه اليه».(1)
أقول:
و هذا أيضاً من الضمان بمعنى التعهّد فيصحّ كما مرّ مراراً، و ليس من الضمان الاصطلاحي.
و أمّا قوله رحمه الله: «و أمّا لو كان البيع صحيحاً و حصل الفسخ بالخيار - الى قوله: - فالمشهور على العدم».
1) مستمسك العروة 13: 350 و 351.
قال في الشرائع: «أمّا لو تجدّد الفسخ بالتقايل أو تلف المبيع قبل القبض لم يلزم الضامن، و رجع على البائع. و كذا لو فسخ المشتري بعيب سابق».(1)
و في الجواهر: «وفاقاً للمشهور؛ لأنّ الفسخ به انّما أبطل العقد من حينه لا من أصله، فلم يكن حالة الضمان مضموناً، بل لو صرّح بضمانه كان فاسداً؛ لأنّه ضمان ما لم يجب، فما في القواعد و محكي التذكرة من الاشكال فيه - ممّا عرفت، و من وجود سبب الفسخ حال البيع، بل عن فخر المحقّقين الجزم بالدخول فيه للحاجة - واضح الضعف، و لعلّه لذا استقرب (يعني: العلّامة في القواعد) عدم اندراجه بعد أسطر من الاشكال، بل جزم به بعد ذلك».(2)
و في المستمسك: «يشير بقوله: «و لذا استقرب...» الى قوله في القواعد: «و الأقرب أنّه لايصحّ ضمان عهدة الثمن لو خرج المبيع معيبا و ردّه». و قوله بعد ذلك: «و يرجع على ضامن عهدة الثمن في كلّ موضع يبطل فيه البيع من رأس، لا ما يتجدّد له الفسخ بالتقايل أو العيب السابق...»انتهى ملخّصاً».(3)
أقول:
لو وقع البيع صحيحاً فقد ملك البائع الثمن و المشتري المثمن فبالفسخ بالخيار أو التقايل يعود الثمن الى ملك المشتري و المثمن الى مالكه الأوّل أي البائع، فقبل الفسخ لا معنى لضمان الضامن؛ لعدم اشتغال الذمّة بالفعل؛ لعدم ذمّة هناك ليضمنها، و ان قال: «لو فسخت فأنا ضامن»، فيكون من التعهّد الذي تقدّم.
و أمّا قوله رحمه الله: «و الأقوى في الجميع الدخول مع الاطلاق و الصحّة مع
التصريح...»، ففيه: انّه قد عرفت أنّ ضمان ما لم يجب لايدخل في الضمان المصطلح، و لاتشمله أدلّته الخاصّة.
و أمّا قوله رحمه الله: «و أمّا بالنسبة الى مطالبة الأرش، فقال بعض من منع من ذلك بجوازها الى آخر المسألة».
قال في الشرائع: «امّا لو طالب بالأرش رجع على الضامن؛ لأنّ استحقاقه ثابت عند العقد. و فيه تردّد».(1)
و في المسالك: «أشار بالتعليل الى الفرق بين الأرش و الثمن، حيث يدخل الأرش في ضمان العهدة دون الثمن على تقدير الفسخ بالعيب، فانّ الثمن انّما يجب بالفسخ اللاحق للضمان كما تقدّم، أمّا الأرش فانّه جزء من الثمن ثابت وقت الضمان فيندرج في ضمان العهدة، لكنّه مجهول القدر حينئذٍ، فينبغي بناؤه على صحّة ضمان المجهول الذي يمكن استعلامه، الّا أن يختصّ ضمان العهدة بحكم زائد، كما خرج من حكم ضمان الأعيان المضمونة».(2)
أقول:
الظاهر أنّ الضمان الاصطلاحي لايأتي هنا؛ لأنّ استحقاق الأرش بالعيب في المبيع لايثبت للمشتري على البائع الّا بعد اختياره و مطالبته، فالضمان قبله يكون من ضمان ما لم يجب، و كذا الضمان قبل ظهور العيب و الاختيار. و هكذا الكلام فيما اذا ضمن ضامن درك المبيع للبائع عن المشتري فيجري فيه جميع ما ذكر من الصور و الأحكام.
و في الوسيلة: «لا اشكال في جواز ضمان عهدة الثمن للمشتري عن البائع لو
ظهر المبيع مستحقّاً للغير أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحّته، اذا كان ذلك بعد قبض البائع الثمن».(1)
و قد أشكل الامام الخميني رحمه الله(2)فيما اذا كان الثمن باقياً في يد البائع و قال بأنّه لا اشكال في ذلك مع تلفه.
(مسألة 40): اذا ضمن عهدة الثمن فظهر بعض المبيع مستحقّاً فالأقوى اختصاص ضمان الضامن بذلك البعض، و في البعض الآخر يتخيّر المشتري بين الامضاء و الفسخ؛ لتبعّض الصفقة، فيرجع على البائع بما قابله. و عن الشيخ جواز الرجوع على الضامن بالجميع، و لا وجه له.
الشرح:
اذا ظهر بعض المبيع مستحقّاً فيجوز للمشتري أن يردّ ذلك البعض الى مالكه و يأخذ ثمنه و ان كان عيناً و قد تلفت يجوز أن يضمن له ضامن ليأخذ مثله أو قيمته و يردّه الى المشتري أو يردّه بنفسه. و أمّا ان فسخ المشتري البيع لتبعّض الصفقة فليستردّ الثمن بتمامه.
و أمّا الضمان قبل ظهور استحقاق البعض أو قبل التلف فكما مضى لايكون من الضمان الاصطلاحي بل هو نحو تعهّد.
(مسألة 41): الأقوى - وفاقاً للشهيدين - صحّة ضمان ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس في الأرض المشتراة اذا ظهر كونها مستحقّة للغير و قلع
البناء و الغرس، فيضمن الأرش و هو تفاوت ما بين المقلوع و الثابت عن البائع خلافاً للمشهور؛ لأنّه من ضمان ما لم يجب و قد عرفت كفاية السبب. هذا و لو ضمنه البائع، قيل: «لايصحّ أيضاً كالأجنبي، و ثبوته بحكم الشرع لايقتضي صحّة عقد الضمان المشروط بتحقّق الحقّ حال الضمان». و قيل بالصحّة؛ لأنّه لازم بنفس العقد فلا مانع من ضمانه؛ لما مرّ من كفاية تحقّق السبب، فيكون حينئذٍ للضمان سببان: نفس العقد و الضمان بعقده.
و يظهر الثمر فيما لو أسقط المشتري عنه حقّ الضمان الثابت بالعقد، فانّه يبقى الضمان العقدي، كما اذا كان لشخص خياران بسببين فأسقط أحدهما. و قد يورد عليه بأنّه لا معنى لضمان شخص عن نفسه و المقام من هذا القبيل. و يمكن أن يقال: لا مانع منه مع تعدّد الجهة. هذا كلّه اذا كان بعنوان عقد الضمان و أمّا اذا اشترط ضمانه فلا بأس به و يكون مؤكّداً لما هو لازم العقد.
الشرح:
اذا اشترى زيد من عمرو أرضاً للبناء و الغرس فيها، فخاف أن تكون الأرض المشتراة مستحقّة للغير فهل يصحّ أن يضمن شخص ثالث عن البائع للمشتري بخسارة البناء و الغرس ان ظهرت الأرض مستحقّة للغير؟
فتارة: يكون المقصود الضمان الاصطلاحي بأن يضمن عن البائع للمشتري و يرجع اليه لو ظهرت الأرض للغير، فانّ هذا الضمان باطل؛ لأنّه من ضمان ما لم يجب.
و أخرى: يضمن بنحو المشروط و المعلّق، و قد تقدّم أنّه نحو تعهّد و ليس من الضمان الاصطلاحي.
و ثالثة: يضمن ضمان التعهّد، بأن يتعهّد الآمر تحمّل الخسارة بنفسه و من غير رجوع على البائع، فهذا ان ثبت بناء العقلاء عليه فبها، و الّا - كما ادّعي عدم بنائهم
عليه - فباطل. و نظيره - كما في المباني - أن يأمره بالتجارة لنفسه مع التعهّد بتحمّل الخسارة عنه، فلم يثبت فيه بناء من العقلاء على الضمان.
و أمّا ضمان البائع مضافاً الى عقد البيع فقد ذهب المصنّف الى صحّته ولكن الأظهر عدم صحّته؛ لعدم امكان توجيهه بوجه - كما في المباني - ؛ فانّ الضمان لمّا كان نقل ما في ذمّة الى غيرها كان ذلك متوقّفاً على تعدّد الذمم لا محالة، و حيث انّه مفقود في المقام فتصوّره غير معقول، فانّه من أين ينتقل الدين والى أين؟! فانّ تعدّد الجهة لايوجب تغاير الذمّتين و نقل الدين من احداهما الى الأخرى.
و قال رحمه الله - عند كلام المصنّف: «هذا كلّه اذا كان بعنوان عقد الضمان، و أمّا اذا اشترط ضمانه فلا بأس به و يكون مؤكّداً لما هو لازم العقد» - : «و فيه: انّ الشرط ان كان على نحو شرط النتيجة، بمعنى اشتغال ذمّة الضامن بالفعل بما تشتغل به ذمّة البائع في وقته، فهو باطل؛ لعدم معقوليّته على ما عرفت.
و ان كان على نحو شرط الفعل بمعنى اشتراط المشتري على البائع أداء مقدار الخسارة، فهو و ان كان صحيحاً الّا أنّه غير مؤكّد لما هو لازم العقد؛ فانّ الثابت بالشرط هو التكليف المحض، في حين أنّ الثابت بنفس العقد هو الوضع و اشتغال الذمّة».(1)
و في الوسيلة: «و أمّا ضمان درك ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس.... ففيه اشكال».(2)
و علّق الامام الخميني قدس سره عليه أنّ الأقوى عدم جوازه.
(مسألة 42): لو قال عند خوف غرق السفينة: «ألق متاعك في البحر و عليّ ضمانه»، صحّ بلا خلاف بينهم، بل الظاهر الاجماع عليه و هو الدليل عندهم. وأمّا اذا لم يكن لخوف الغرق بل لمصلحة أخرى من خفّة السفينة أو نحوها فلايصحّ عندهم. و مقتضى العمومات صحّته أيضاً.
الشرح:
قال في المستمسك: «قال في الشرائع في أوائل مباحث الديات: «و لو قال: «ألق متاعك في البحر لتسلم السفينة»، فألقاه فلا ضمان. و لو قال: «و عليّ ضمانه»، ضمن دفعاً لضرورة الخوف. و لو لم يكن خوف فقال: «ألقه و عليّ ضمانه»، ففي الضمان تردّد أقربه أنّه لايضمن». و كذلك في القواعد.
و في الجواهر «بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل و بين غيرنا، الّا من أبي ثور و هو شاذّ لايعتدّ به كما في محكي الخلاف، بل فيه: انّ عليه اجماع الأمّة عداه»، و يقتضيه - مضافاً الى ذلك - عموم الصحّة؛ فانّه نوع من العهد. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر أنّه عقد بين الآمر و صاحب المتاع، لم يردع عنه الشارع، بل أمضاه كما يشهد به الاتّفاق فيجب الوفاء به، و ليس من الضمان الاصطلاحي على ما تقدّم مراراً.
و قال المصنّف: «و أمّا اذا لم يكن لخوف الغرق، بل لمصلحة أخرى من خفّة السفينة أو نحوها فلايصحّ عندهم، و مقتضى العمومات صحّته أيضاً».
قال في الشرائع: «و لو لم يكن خوف فقال: «ألقه و عليّ ضمانه»، ففي الضمان
1) مستمسك العروة 13: 359.
تردّد، أقربه أنّه لايضمن».(1)و نحوه في القواعد.(2)
و في المسالك: «انّه ادّعى عليه الشيخ في المبسوط الاجماع».(3)
أقول:
تارة يترتّب على القاء المتاع فائدة عقلائيّة من خفّة السفينة و حسن سيرها، فتقطع المسافة البعيدة في مدّة قليلة، و كان المتاع بحيث يحسن بذله في سبيل الفائدة عند العقلاء جاز لصاحبه القاؤه بلا عوض، و جاز التعويض عليه من ركبان السفينة أو من بعضهم.
و أخرى لايكون كذلك بأن لايترتّب عليه فائدة عقلائيّة فلم يجز الالقاء مع الضمان و بدونه كما ذهب الى ذلك السيّدان الحكيم و الخوئي.
تتمّة: قد علم من تضاعيف المسائل المتقدّمة الاتّفاقيّة أو الخلافيّة أنّ ما ذكروه في أوّل الفصل من تعريف الضمان، و أنّه نقل الحقّ الثابت من ذمّة الى أخرى و أنّه لايصحّ في غير الدين و لا في غير الثابت حين الضمان، لا وجه له و أنّه أعمّ من ذلك حسب ما فصّل.
قد عرفت في السابق أنّ الضمان في الموارد التي أشار اليها ليس من الضمان المصطلح، بل هو تعهّد بين الضامن و المضمون له و قد تقدّم حكمه.
(مسألة 1): لو اختلف المضمون له و المضمون عنه في أصل الضمان
فادّعى أنّه ضمنه ضامن و أنكره المضمون له فالقول قوله. و كذا لو ادّعى أنّه ضمن تمام ديونه و أنكره المضمون له؛ لأصالة بقاء ما كان عليه. و لو اختلفا في اعسار الضامن حين العقد و يساره فادّعى المضمون له اعساره، فالقول قول المضمون عنه. و كذا لو اختلفا في اشتراط الخيار للمضمون له و عدمه فانّ القول قول المضمون عنه. و كذا لو اختلفا في صحّة الضمان و عدمها.
الشرح:
لو اختلف الدائن و المديون في أصل الضمان فادّعى المديون أنّه ضمنه شخص و أنكره الدائن، فالقول قول المنكر؛ لأنّ الأصل عدم انتقال ذمّة المديون الى ذمّة أخرى. و كذا لو ادّعى المديون أنّه ضمن شخص تمام ديونه و أنكره الدائن، فالقول قول الدائن؛ لأصالة بقاء ما كان على المديون. نعم، لو أقام المديون البيّنة على براءة ذمّته في الأوّل و بمقدار ادّعائه في الثاني فتبرأ ذمّته.
و لو اختلفا في اعسار الضامن حين العقد و يساره فادّعى المضمون له اعساره، فالقول قول المضمون عنه؛ لأنّ الأصل عدم اعساره، الّا اذا ثبت اعساره سابقاً فيستصحب.
و الحاصل أنّه تارة: يثبت يسار الضامن سابقاً، ففي هذه الصورة القول قول المضمون عنه، و أخرى: يثبت اعساره، فالقول قول المضمون له. و ثالثة: لم يعلم حالته السابقة، فالقول قول المضمون عنه كما تقدّم.
و لو اختلفا في اشتراط الخيار للمضمون له، و أنكره المضمون عنه فالقول قوله، الّا أن يثبته المضمون له باقامة البيّنة.
و لو اختلفا في صحّة الضمان و عدمه فالقول قول مدّعي الصحّة؛ لأصالة الصحّة بعد احراز أصل وقوع العقد.
(مسألة 2): لو اختلف الضامن و المضمون له في أصل الضمان أو في ثبوت الدين و عدمه أو في مقداره، أو في مقدار ما ضمن أو في اشتراط تعجيله أو تنقيص أجله اذا كان مؤجّلاً أو في اشتراط شي ء عليه زائداً على أصل الدين فالقول قول الضامن. و لو اختلفا في اشتراط تأجيله مع كونه حالاًّ أو زيادة أجله مع كونه مؤجّلاً أو وفائه أو ابراء المضمون له عن جميعه أو بعضه أو تقييده بكونه من مال معيّن و المفروض تلفه أو اشتراط خيار الفسخ للضامن أو اشتراط شي ء على المضمون له أو اشتراط كون الضمان بما يسوي أقلّ من الدين قدّم قول المضمون له.
الشرح:
لو اختلف الضامن و المضمون له في أصل الضمان فالقول قول منكره فعلى المدّعي اثباته، و كذا لو اختلفا في ثبوت الدين فادّعاه المضمون له و أنكره الضامن، أو في مقدار الدين، أو في مقدار ما ضمن، أو في اشتراط تعجيله، أو تنقيص أجله اذا كان مؤجّلاً، أو في اشتراط شي ء عليه زائداً على أصل الدين، ففي جميع ذلك القول قول منكره و هو الضامن؛ لأنّ الأصل موافق لقوله و على المضمون له أن يثبت دعواه بالبيّنة لأنّها خلاف الأصل.
و لو اختلفا في اشتراط تأجيله مع كونه حالاًّ فادّعى الضامن اشتراط تأجيله و أنكره المضمون له فالأصل عدم التأجيل و يقدّم قول المضمون له.
و كذا لو ادّعى الضامن زيادة أجله مع كونه مؤجّلاً أو ادّعى أنّه أوفى دينه، أو أبرأه المضمون له عن جميعه أو بعضه فالقول قول المضمون له؛ لأصالة عدم ذلككلّه. و كذا لو ادّعى الضامن اشتراط شي ء على المضمون له، أو اشتراط كون الضمان بما يساوي الأقلّ من الدين فالقول قول المضمون له؛ لأنّه منكر و الأصل
موافق له. و لزم الخروج عن عهدة الدين الثابت في ذمّته بأصل الضمان.
(مسألة 3): لو اختلف الضامن و المضمون عنه في الاذن و عدمه، أو في وفاء الضامن حتّى يجوز له الرجوع و عدمه، أو في مقدار الدين الذي ضمن و أنكر المضمون عنه الزيادة، أو في اشتراط شي ء على المضمون عنه أو اشتراط الخيار للضامن قدّم قول المضمون عنه. و لو اختلفا في أصل الضمان أو في مقدار الدين الذي ضمنه و أنكر الضامن الزيادة فالقول قول الضامن.
الشرح:
لو اختلف الضامن و المضمون عنه في الاذن و عدمه، بأن ادّعى الضامن اذن المضمون عنه في ضمانه و أنكره المضمون عنه، فالأصل عدم الاذن فلايرجع الضامن اليه بعد الأداء. و كذا لو ادّعى الضامن بعد الاذن وفاء دينه حتّى يجوز له الرجوع الى المضمون عنه، ولكنّه ينكر وفاء دينه فالقول قول المضمون عنه الّا أن يثبته.
و لو اختلف الضامن و المضمون عنه في مقدار الدين الذي ضمنه عنه، و أنكر المضمون عنه الزيادة، أو اختلفا في اشتراط شي ء على المضمون عنه أو اشتراط الخيار للضامن، و هو ينكره قدّم قول المضمون عنه؛ لأنّ الأصل عدم الزيادة و عدم الاشتراط.
و لو اختلف الضامن و المضمون عنه في أصل الضمان فادّعى المديون أنّ زيداً ضمن دينه و هو ينكره، أو يكون مقرّاً بأصل الضمان الّا أنّه ينكر الزيادة، فالقول قول الضامن؛ فانّ اشتغال ذمّة الضامن بأصل الضمان أو الزيادة عمّا يعترف به يحتاج الى الدليل و الأصل يقتضي عدمه.
(مسألة 4): اذا أنكر الضامن الضمان فاستوفي الحقّ منه بالبيّنة، ليس له الرجوع على المضمون عنه المنكر للاذن أو الدين؛ لاعترافه بكونه أخذ منه ظلماً. نعم، لو كان مدّعياً مع ذلك للاذن في الأداء بلا ضمان، و لم يكن منكراً لأصل الدين و فرض كون المضمون عنه أيضاً معترفاً بالدين و الاذن في الضمان جاز له الرجوع عليه؛ اذ لا منافاة بين انكار الضمان و ادّعاء الاذن في الأداء فاستحقاقه الرجوع معلوم غاية الأمر أنّه يقول: انّ ذلك للاذن في الأداء، و المضمون عنه يقول: انّه للاذن في الضمان، فهو كما لو ادّعي على شخص أنّه يطلب منه عشر قرانات قرضاً، و المدّعى (عليه) ينكر القرض و يقول: انّه يطلبه من باب ثمن المبيع، فأصل الطلب معلوم. و لو لم يعترف المضمون عنه بالضمان أو الاذن فيه و ثبت عليه ذلك بالبيّنة، فكذلك يجوز له الرجوع عليه مقاصّة عمّا أخذ منه.
و هل يجوز للشاهدين على الاذن في الضمان حينئذٍ أن يشهدا بالاذن من غير بيان كونه الاذن في الضمان أو كونه الاذن في الأداء؟ الظاهر ذلك و ان كان لايخلو عن اشكال، و كذا في نظائره كما اذا ادّعى شخص على آخر أنّه يطلب قرضاً و بيّنته تشهد بأنّه يطلبه من باب ثمن المبيع لا القرض، فيجوز لهما أن يشهدا بأصل الطلب من غير بيان أنّه للقرض أو لثمن المبيع على اشكال.
الشرح:
لو ادّعى المضمون له ضمان شخص و أنكره الضامن و أثبت المضمون له ذلك بالبيّنة فاستوفى الحقّ منه ليس له الرجوع على المضمون عنه؛ لاعترافه بعدم كونه ضامناً و أنّ ما أخذ منه أخذ ظلماً فكيف يرجع على المضمون عنه؟ سواء
كان المضمون عنه منكراً للاذن أو الدين أو لم يكن.
نعم، لو أنكر أصل الضمان و ادّعى الاذن في الأداء بلا ضمان، و صدّقه المديون مع اعترافه بأصل الدين و استوفى الدائن الحقّ من المأذون بالبيّنة يجوز له الرجوع الى المديون، الّا أنّ هذا الاذن لايقتضي وجوب الأداء من المأذون؛ لأنّه لم يحصل العقد و العهد بينهما، و كذا لايجوز للدائن أن يأخذ ما يطلبه من المديون عن المأذون اجباراً، و لو أخذه جبراً لم يملك؛ لعدم العقد و التعهّد بينه و بين الدائن. نعم، الرجوع اليه بدون الاجبار جائز.
قال في المستمسك: «من المعلوم أنّ الاذن في الأداء انّما تقتضي جواز الأداء لا وجوبه، كما لاتقتضي ولاية الدائن على الأخذ من المأذون، و لا جواز اجباره على الأداء، فاذا أجبر على الأداء لم يكن الأداء صحيحاً بل المال باقٍ على ملك المالك ولايدخل في ملك الدائن، فكيف يجوز الرجوع على المضمون عنه بعد الأداء الاجبارى؟!
و الاذن انّما يقتضي جواز الرجوع على الآذن اذا كان الأداء صحيحاً موجباً لافراغ ذمّة الآذن لا مطلقاً، فاذا لم يكن موجباً لافراغ ذمّة الآذن لايكون مسوّغاً للرجوع عليه، فلا مجال لرجوعه على المضمون عنه و ان اعتقد أنّه أذن في الأداء؛ لكون المفروض أنّ هذا الأداء كلا أداء؛ لعدم كونه مفرّغاً لذمّته، فالضامن يعلم بعدم استحقاقه الرجوع على المضمون عنه بما أدّاه؛ لعدم حصول الأداء الصحيح».(1)
ثمّ انّه قال المصنّف: «فهو كما لو ادّعى على شخص أنّه يطلب منه عشر قرانات قرضاً...».
1) مستمسك العروة 13: 367 و 368.
فقال في المباني: «قياس ما نحن فيه على المثال من القياس مع الفارق؛ فانّ أصل الاستحقاق و اشتغال الذمّة فيه معلوم و ان كان سببه مجهولاً، و أين هذا ممّا نحن فيه حيث عرفت عدم ثبوت أصل الاستحقاق».(1)
و لو لم يعترف المديون بالضمان و ثبت عليه ذلك بالبيّنة - بعد أن كان الضامن مدّعياً أنّ أداء دينه كان باذن المضمون عنه بالضمان - فحينئذٍ يجوز للضامن المؤدّي دين المضمون عنه أن يرجع اليه - أي المضمون عنه - و يأخذ ما أدّاه الى المضمون له.
(مسألة 5): اذا ادّعى الضامن الوفاء و أنكر المضمون له و حلف ليس له الرجوع على المضمون عنه اذا لم يصدّقه في ذلك. و ان صدّقه جاز له الرجوع اذا كان باذنه، و تقبل شهادته له بالأداء اذا لم يكن هناك مانع من تهمة أو غيرها ممّا يمنع من قبول الشهادة.
الشرح:
اذا ادّعى الضامن الوفاء و أنكر المضمون له فعلى المدّعي البيّنة، فاذا لم تكن له بيّنة فعلى المنكر اليمين، فاذا حلف المضمون له انقطعت الدعوى. و ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه اذا لم يصدّقه في ذلك. و أمّا ان صدّقه في أنّه أذن لهفي الضمان و في الأداء الى المضمون له فيجوز للضامن الرجوع الى المضمون عنه.
ثمّ انّه تقبل شهادة المضمون عنه بالأداء على ما تقتضيه قواعد الشهادة، و يشمله عموم أدلّة قبول الشهادة اذا لم يكن هناك مانع من تهمة أو غيرها ممّا يمنع
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 484.
من قبول الشهادة. و الظاهر أنّ من التهمة ما اذا كان الضامن معسراً و لم يعلم المضمون له باعساره، و حينئذٍ يصحّ له الفسخ و الرجوع الى المضمون عنه مع عدم ثبوت الأداء باقامة البيّنة، فيدفع المضمون عنه بشهادته رجوع الدين الى ذمّته كما في المهذّب.(1)
(مسألة 6): لو أذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان فوفّى، جاز له الرجوع عليه. و لو ادّعى الوفاء و أنكر الآذن قبل قول المأذون؛ لأنّه أمين من قبله. و لو قيّد الأداء بالاشهاد و ادّعى الاشهاد و غيبة الشاهدين قبل قوله أيضاً. و لو علم عدم اشهاده ليس له الرجوع. نعم، لو علم أنّه وفّاه ولكن لم يشهد يحتمل جواز الرجوع عليه؛ لأنّ الغرض من الاشهاد العلم بحصول الوفاء و المفروض تحقّقه.
الشرح:
لو أذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان فوفّى جاز للمأذون الرجوع الى المديون الآذن؛ للسيرة العقلائيّة القطعيّة الممضاة شرعاً على ثبوت الضمان بالأمر باتلاف مال محترم على نحو مباح أو القيام بعمل محترم كما في المباني.(2)
نعم، لا بدّ من تقييد ذلك بعدم ظهور الأمر في الاستدعاء المجّاني، كما هو الحال في طلب الفقير ممّن عليه الحقّ الشرعي من الخمس أو الزكاة أداء دينه، أو طلب مرجع الحقوق منه ذلك، بل الأمر كذلك بالنسبة الى طلب الولد من أبيه ذلك، فانّه ظاهر في الأداء المجّاني لكون الأب متكفّلاً بشؤون ابنه، بل و كذا الحال
في طلب سائر أفراد العائلة منه ذلك.
كما ينبغي تقييده بعدم قصد المأمور التبرّع في عمله؛ اذ معه لايجوز له الرجوع عليه حتّى و ان لم يكن لكلام الآمر ظهور في المجّانيّة، باعتبار أنّه هو الذي قد أتلف ماله بداعٍ من نفسه و من غير قصد امتثال الأمر.
و لو ادّعى المأذون الوفاء و أنكر الآذن قبل قول المأذون؛ لأنّه أمين من قبله، فهو في ذلك بمنزلة الوكيل و مرجع العمل فعلاً و تركاً اليه فيسمع قوله ما لم يثبت خلافه على ما تقتضيه السيرة القطعيّة.
و لو قيّد الأداء بالاشهاد و ادّعى الاشهاد و غيبة الشاهدين قبل قوله أيضاً؛ اذ لا فرق في تصديقه بين كون المأمور به الأداء المطلق أو المقيّد بالاشهاد أو غيره فانّ قوله حجّة فيما يرجع أمره اليه ما لم يثبت خلافه. و لو علم عدم اشهاده ليس له الرجوع؛ لعدم تحقّق ما يتوقّف عليه جواز الرجوع و ان كان قد علم الآذن أنّه وفّاه؛ لأنّ الاشهاد لمّا كان قيداً للمأمور به، فلم يكن الأداء المطلق بمأمور به و معه فكيف يجوز له الرجوع عليه؟
نعم، لو لم يكن غرضه من الاشهاد الّا امكان اثباته بعد الأداء فالظاهر جواز الرجوع.
هذا تمام الكلام
في بيان أحكام الضمان في شرح العروة الوثقى
و يليه الكلام في شرح كتاب الحوالة من العروة
كتاب الحوالة(1)
و هي عندهم تحويل المال من ذمّة الى ذمّة و الأولى أن يقال: انّها احالة المديون دائنه الى غيره أو احالة المديون دينه من ذمّته الى ذمّة غيره. و على هذا فلاينتقض طرده بالضمان فانّه و ان كان تحويلاً من الضامن للدين من ذمّة المضمون عنه الى ذمّته الّا أنّه ليس فيه الاحالة المذكورة خصوصاً اذا لم يكن بسؤال من المضمون عنه.
الشرح:
انّ الحوالة هي عقد قد يقع بين المديون و الدائن، و المديون يحيل بها الدائن الى غيره و ينتقل ذمّته الى غيره، و الفرق بينها و بين الضمان هو أنّ الضمان عقد يقع بين الدائن و الضامن، فان كان الضمان باذن المضمون عنه فيرجع الضامن الى المضمون عنه بعد الأداء، و الّا فلا كما تقدّم.
1) ما بين يديك شرح كتاب الحوالة من العروة الوثقى للسيّد اليزدي قدس سره.
و يشترط فيها - مضافاً الى البلوغ و العقل و الاختيار و عدم السفه في الثلاثة من المحيل و المحتال و المحال عليه و عدم الحجر بالفلس في المحتال و المحال عليه، بل و المحيل، الّا اذا كانت الحوالة على البري ء فانّه لا بأس به فانّه نظير الاقتراض منه - أمور:
الشرح:
لا اشكال في اشتراط البلوغ و العقل و الاختيار و عدم السفه في المحيل أي المديون و كذا في المحتال أي الدائن؛ لأنّ الحوالة عقد يقع بين المحيل و المحتال، و البلوغ و العقل و الاختيار شرائط عامّة للمتعاقدين و قد ذكرناها في البيع تفصيلاً. و أمّا السفه فحيث انّ هذا العقد مالي فيعتبر فيه أن لايكون طرفا العقد ممنوعين عن التصرّف في مالهما.
و أمّا بالنسبة الى المحال عليه فان كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً و كان مديوناً فيصحّ الحوالة على وليّهم و كذا على أنفسهم؛ لأنّ الحوالة انتقال ذمّة الى ذمّة أخرى.
أمّا ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله من اشتراط عدم كون المحتال و المحال عليه بل و المحيل ممنوعين عن التصرّف في أموالهم بسبب الفلس فقد استشكل في المستمسك بالنسبة الى فلس المحال عليه و قال: «انّ قبوله ليس تصرّفاً في ماله الذي هو موضوع حقّ الغرماء، و انّما هو تصرّف في نفسه و في ذمّته، فلا مانع منه. نعم، هو تصرّف مالي فلايجوز من السفيه و يجوز من المفلس نظير الاقتراض الذي سيذكره»(1)، و هو حسن.
1) مستمسك العروة 13: 375.
«أحدها»: الايجاب و القبول على ما هو المشهور بينهم حيث عدّوها من العقود اللازمة فالايجاب من المحيل و القبول من المحتال. و أمّا المحال عليه فليس من أركان العقد و ان اعتبرنا رضاه مطلقاً أو اذا كان بريئاً؛ فانّ مجرّد اشتراط الرضا منه لايدلّ على كونه طرفاً و ركناً للمعاملة. و يحتمل أن يقال: يعتبر قبوله أيضاً فيكون العقد مركّباً من الايجاب و القبولين.
و على ما ذكروه يشترط فيها ما يشترط في العقود اللازمة من الموالاة بين الايجاب و القبول و نحوها، فلاتصحّ مع غيبة المحتال أو المحال عليه أو كليهما بأن أوقع الحوالة بالكتابة، ولكنّ الذي يقوى عندي كونها من الايقاع غاية الأمر اعتبار الرضا من المحتال أو منه و من المحال عليه، و مجرّد هذا لايصيّره عقداً؛ و ذلك لأنّها نوع من وفاء الدين و ان كانت توجب انتقال الدين من ذمّته الى ذمّة المحال عليه، فهذا النقل و الانتقال نوع من الوفاء و هو لايكون عقداً و ان احتاج الى الرضا من الآخر، كما في الوفاء بغير الجنس فانّه يعتبر فيه رضا الدائن و مع ذلك ايقاع.
و من ذلك يظهر أنّ الضمان أيضاً من الايقاع فانّه نوع من الوفاء و على هذا فلايعتبر فيها شي ء ممّا يعتبر في العقود اللازمة و يتحقّقان بالكتابة و نحوها، بل يمكن دعوى أنّ الوكالة أيضاً كذلك كما أنّ الجعالة كذلك و ان كان يعتبر فيها الرضا من الطرف الآخر. ألاترى أنّه لا فرق بين أن يقول: «أنت مأذون في بيع داري»، أو قال: «أنت وكيل»، مع أنّ الأوّل من الايقاع قطعاً.
الشرح:
يشترط في الحوالة أمور:
«أحدها»: الايجاب و القبول؛ لأنّ الحوالة من العقود اللازمة كما هو المشهور،
بل لعلّه من المسلّمات عندهم - على ما في المستمسك(1)- و الايجاب فيها يكون من المحيل و القبول من المحتال، و أمّا المحال عليه فليس من أركان العقد و ان اشترط رضاه اذا كان بريئاً أو كانت الحوالة عليه من غير جنس الدين الذي عليه. و لو كان مديوناً للمحيل و كانت الحوالة من جنس دينه فلايعتبر رضاه؛ لأنّ للدائن السلطنة على ماله حيث يشاء.
و أمّا ما اختاره المصنّف من كون الحوالة ايقاعاً لأنّها نوع من وفاء الدين، فلايصحّ؛ لأنّ نقل ذمّته الى ذمّة أخرى ليس من وفاء الدين؛ لأنّه يحتاج الى رضا المحتال أي قبوله و هو معنى العقد، و الحال أنّ الايقاع لايحتاج الى رضا الطرف المقابل كالطلاق الذي لايحتاج الى رضا الزوجة أو اذنها. و هكذا يكون الضمان عقداً و الوكالة أيضاً عقد.
اذن فالصحيح - كما في المباني(2)- ما ذهب اليه المشهور من كون الحوالة عقداً بين المحيل و المحتال؛ لكونها تبديلاً لما في ذمّته للمحتال بما له في ذمّة المحال عليه.
و تتحقّق الحوالة بالكتابة و نحوها، و لايعتبر أن يكون بين الايجاب و القبول في الحوالة موالاة كما هو متعارف بين الناس من الحوالة بالرسائل. نعم، يلزم أن يكون التزامه بحوالته باقياً الى حين وصول الرسالة الى المحتال و قبوله.
و أمّا الفرق بين الوكالة و الاذن، فقد قال في المستمسك: «الفرق بين الأمرين ظاهر؛ فانّ الوكيل كالأصيل فالوكيل في وفاء الدين يجب عليه الوفاء مع المطالبة، و المأذون في الأداء ليس كذلك. و أيضاً فانّ الوكيل يجوز مطالبته في الوفاء و
مخاصمته و المأذون ليس كذلك، و أيضاً الوكيل يتمكّن من عزل نفسه عن الوكالة فلايكون وكيلاً، و المأذون لايتمكّن من عزل نفسه عن الاذن. و الوكيل يستطيع أن لايقبل الوكالة و يردّ الايجاب فلايكون وكيلاً و المأذون ليس كذلك.
و الوكالة المعلّقة باطلة بخلاف الاذن، و الوكيل المعزول ينفذ تصرّفه قبل بلوغ العزل و ليس كذلك المأذون. و من ذلك يتبيّن أنّ الوكالة قائمة باختيار الوكيل و تتوقّف على قبوله و ليس كذلك الاذن.
و المتحصّل أنّ المفهوم الانشائي اذا كان تحت سلطنتين فهو قائم بهما فلايتحقّق الّا باعمالهما فيكون عقداً. و اذا كان تحت سلطنة واحدة يتحقّق باعمالها فقط فيكون ايقاعاً. و دعوى أنّه ايقاع و مع ذلك يتوقّف على رضا الآخر تناقض؛ فانّ اعتبار الرضا من الطرفين مساوق لكون المفهوم عقداً، فلا حظ».(1)
«الثاني»: التنجيز، فلاتصحّ مع التعليق على شرط أو وصف كما هو ظاهر المشهور لكنّ الأقوى عدم اعتباره كما مال اليه بعض متأخّري المتأخّرين.
الشرح:
الظاهر أنّ اعتبار التنجيز في الحوالة لا دليل عليه بخصوصه و لم يرد في أيّ رواية، و الاجماع المنقول غير حجّة و المحصّل منه غير محصّل، و لذا قال في المستمسك: «العمدة في اعتباره الاجماع المدّعى على اعتباره في كلّيّة العقود الذي لا مجال لرفع اليد عنه بعد دعواه من الأساطين و تلقّي الباقين له بالقبول، و الّا فلم يذكر هذا الشرط هنا في جملة من الكتب كالشرائع و القواعد و غيرهما، و لم يتعرّض له فيما وقفت عليه من شروحهما، و في التذكرة ذكر التنجيز من شروط
1) مستمسك العروة 13: 379 و 380.
الضمان - كما سبق - و لم يذكر ذلك في الحوالة. و لعلّه اكتفى بذكره في غيرها مع دعوى الاجماع عليه في عامّة العقود».(1)
الّا أنّ الاحتياط في محلّه لمكان الاجماع في عامّة العقود و الحوالة منها.
«الثالث»: الرضا من المحيل و المحتال بلا اشكال، و ما عن بعضهم من عدم اعتبار رضا المحيل فيما لو تبرّع المحال عليه بالوفاء بأن قال للمحتال: «أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي»، و حينئذٍ فيشترط رضا المحتال و المحال عليه دون المحيل، لا وجه له؛ اذ المفروض لايكون من الحوالة بل هو من الضمان، و كذا من المحال عليه اذا كان بريئاً أو كانت الحوالة بغير جنس ما عليه. و أمّا اذا كانت بمثل ما عليه ففيه خلاف.
و لايبعد التفصيل بين أن يحوّله عليه بما له عليه بأن يقول: «أعطه من الحقّ الذي لي عليك»، فلايعتبر رضاه فانّه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه و ان كان بنحو اشتغال ذمّته للمحتال و براءة ذمّة المحيل بمجرّد الحوالة بخلاف ما اذا وكّله فانّ ذمّة المحيل مشغولة الى حين الأداء، و بين أن يحوّله عليه من غير نظر الى الحقّ الذي له عليه على نحو الحوالة على البري ء فيعتبر رضاه؛ لأنّ شغل ذمّته بغير رضاه على خلاف القاعدة. و قد يعلّل باختلاف الناس في الاقتضاء فلا بدّ من رضاه، و لايخفى ضعفه، كيف و الّا لزم عدم جواز بيع دينه على غيره مع أنّه لا اشكال فيه.
الشرح:
1) مستمسك العروة 13: 380.
الثالث من شروط الحوالة الرضا من المحيل و المحتال؛ لأنّها كما تقدّم عقد بين المحيل و المحتال فيعتبر رضاهما.
و قال في المستمسك: «عن التذكرة و المسالك و الروضة و المفاتيح و الكفاية الاجماع عليه. و في الجواهر: «الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر». و لايعتبر رضا المحال عليه اذا كان مديناً و كانت الحوالة من جنس دينه كما تقدّم. و قد نقل المستمسك عن التذكرة عدم اعتبار رضا المحيل في صورة واحدة و قال: «و هي ما اذا جوّزنا الحوالة على من لا دين عليه و قال للمستحقّ: «أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي»، فقبل صحّت الحوالة. فاذاً لايشترط رضا المحيل بل رضا المحال و المحال عليه خاصّة. و نحوه في المسالك و الحدائق و عن الروضة. ولكن في الجواهر منع عن صحّة هذه الحوالة؛ لعدم اطلاق في نصوص المقام يتناولها. و «أوفوا بالعقود» يراد به العقود المتعارفة، فلا شمول فيه للمشكوك، و فيه: انّ التعارف لايقيّد الاطلاق، و لو بني على ذلك لزم تأسيس فقه جديد».(1)
و الحقّ هو الذي ذهب اليه في المتن من أنّ هذا ليس من الحوالة بل هو من الضمان.
ثمّ انّه يعتبر رضا المحال عليه أيضاً اذا كان بريئاً أو كانت الحوالة بغير جنس ما عليه؛ اذ لا سلطنة للمحيل على اشغال ذمّة المحال عليه بأصل المال أو الجنس الخاصّ بعد أن كانت بريئة منه.
و أمّا اذا كانت الحوالة بمثل ما على المحال عليه فقال المصنّف: «ففيه خلاف»، و قال في المباني: «نسب الى المشهور القول باعتباره، بل عن
1) مستمسك العروة 13: 380 و 381.
الأردبيلي قدس سره دعوى عدم الخلاف فيه بل احتمل بعضهم كونه طرفاً للعقد، كما تقدّم. لكنّه - لو تمّ ما نسب الى المشهور - لا وجه له؛ فانّ المال ملك للمحيل و له نقله الى من شاء و بأيّ سبب يختاره من بيع أو صلح أو هبة أو حوالة أو غيرها، و من غير أن يكون لمن عليه الحقّ الاعتراض عليه، فانّه أجنبي عن المال و عليه أداؤه الى مالكه».(1)
و استشكل أيضاً في التفصيل الذي أتى به المصنّف.
أقول:
الظاهر صحّة ما ذهب اليه في المباني؛ و ذلك لأنّ المفروض أنّ المحيل مدين للمحتال، و المحال عليه مدين للمحيل، و المفروض أيضاً أنّ الحوالة يكون بمثل ما على المحال عليه، فانّ المحيل مالك لمقدار كذا من النقود أو الجنس كالحنطة و الشعير و غيرهما، فبأيّ علّة يعتبر رضا المحال عليه؟ و ما يقال من أنّه سلّط المحتال على المحال عليه، لايكون من تفسير الحوالة حقيقة، فانّ الحوالة عبارة عن عقد بين المحيل و المحتال بانتقال طلبه الذي يكون من المحال عليه الى المحتال، بازاء دينه الذي يكون عليه للمحتال.
و قال المصنّف: «و لايبعد التفصيل بين أن يحوّله عليه بما له عليه، بأن يقول: «أعطه من الحقّ الذي لي عليك» فلايعتبر رضاه».
قال في المباني: «بل هو بعيد جدّاً، بل لم يظهر له وجه محصّل. فانّه لو أحاله عليه مقيّداً بكونها غير ما يطلبه، فانّه من الحوالة على البري ء و خارج عن محلّ الكلام. و أمّا لو أحاله عليه بمثل ما عليه من الحقّ من غير تقييد بما ذكره، فلا ينبغي اشكال في انطباقه على الفرد الذي له عليه قهراً و انتقال ملكيّة المال الى المحتال،
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 499 و 500.
فيكون من الحوالة المقيّدة بكونها من الحقّ الذي عليه. انتهى ملخّصاً».(1)
و قد استشكل أيضاً في قوله رحمه الله: «فانّه بمنزلة الوكيل...» بأنّ المحال عليه بعد تماميّة الحوالة انّما يفي الدين عن نفسه؛ لاشتغال ذمّته به للمحتال بعد براءةذمّة المحيل بالحوالة و هو لاينسجم مع كونه وكيلاً فيه؛ فانّ الوكيل انّما يؤدّي عن غيره، في حين أنّ المحال عليه انّما يفي عن نفسه.
«الرابع»: أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمّة المحيل سواء كان مستقرّاً أو متزلزلاً فلاتصحّ في غير الثابت، سواء وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل و مال السبق و الرماية قبل حصول السبق أو لم يوجد سببه أيضاً كالحوالة بما يستقرضه. هذا ما هو المشهور لكن لايبعد كفاية حصول السبب كما ذكرنا في الضمان بل لايبعد الصحّة فيما اذا قال: «أقرضني كذا و خذ عوضه من زيد»، فرضي و رضي زيد أيضاً؛ لصدق الحوالة و شمول العمومات فتفرغ ذمّة المحيل و تشتغل ذمّة المحال بعد العمل و بعد الاقتراض.
الشرح:
الرابع من الشروط أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمّة المحيل؛ لأنّ الحوالة - كما تقدّم - عبارة عن نقل الدين من ذمّة الى ذمّة أخرى، فلاتصدق الحوالة اذا لم تكن ذمّة المحيل مشغولة، و اذا اشتغل ذمّته لا فرق بين كونه مستقرّاً أو متزلزلاً.
ثمّ انّه اذا لم تصحّ الحوالة في غير الثابت لم يفرق بين وجود السبب كمال الجعالة قبل العمل و مال السبق و الرماية قبل حصول السبق، أو لم يوجد سببه أيضاً كالحوالة بما يستقرضه كأن يقول: «أقرضني كذا و خذ عوضه من زيد»؛ لأنّه
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 500.
فالمتحصّل أنّ الصحيح ما ذهب اليه المشهور من اعتبار ثبوت الدين بالفعل في صحّة الحوالة من غير فرق بين كونه مستقرّاً أو متزلزلاً.
«الخامس»: أن يكون المال المحال به معلوماً جنساً و قدراً للمحيل و المحتال فلاتصحّ الحوالة بالمجهول على المشهور؛ للغرر. و يمكن أن يقال بصحّته اذا كان آئلاً الى العلم كما اذا كان ثابتاً في دفتره على حدّ ما مرّ في الضمان من صحّته مع الجهل بالدين، بل لايبعد الجواز مع عدم أوله الى العلم بعد امكان الأخذ بالقدرالمتيقّن، بل و كذا لو قال: «كلّما شهدت به البيّنة و ثبت خذه من فلان». نعم، لو كان مبهماً كما اذا قال: «أحد الدينين اللذين لك عليّ خذ من فلان»، بطل. و كذا لو قال: «خذ شيئاً من دينك من فلان»، هذا. و لو أحال الدينين على نحو الواجب التخييري أمكن الحكم بصحّته؛ لعدم الابهام فيه حينئذٍ.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يشترط في المال أن يكون معلوماً».(1)
و قال في المسالك: «احترز ب«المعلوم» عن المجهول عند المحيل، كما لو أحاله بما له من الدين و لايعرف قدره فانّه لايصحّ؛ للغرر، و لأنّ الحوالة ان كانت اعتياضاً فلايصحّ على المجهول كما لايصحّ بيعه، و ان كانت استيفاءً فانّما يمكن
1) شرائع الاسلام 2: 94.
استيفاء المعلوم».(1)
و قال في الجواهر: «و يشترط في المال المحال به أن يكون معلوماً في المشهور على ما اعترف به غير واحد، بل عن مجمع البرهان: لعلّه لا خلاف فيه، بل في المحكي عن التحرير يجب أن يكون معلوماً فلايصحّ بالمجهول اجماعاً، بل في مفتاح الكرامة: «لم نجد المخالف»».(2)
أقول:
انّ المتيقّن هو أنّ الحوالة مع كون المحال به مجهولاً من جميع الجهات و لايؤول الى العلم باطلة؛ لأنّ المجهول المطلق لايقع عليه العقد و لايكون قابلاً للحوالة. و أمّا اذا كان شيئاً معلوماً في دفتره مثلاً و مجهولاً عند ذهنه فلا اشكال فيه؛ فانّ الحوالة ليست الّا تبديلاً لمكان الدين و نقله من ذمّة المحيل - على واقعه - الى ذمّة المحال عليه، و هو لايستلزم خطراً على أحد طرفي العقد؛ فانّ المحتال سيأخذ ما كان له بحسب الواقع على المحيل، و ينقص من دين المحيل على المحال عليه كما في المباني.(3)
نعم، لو كان مبهماً و لو من جهة التردّد فلايصحّ الحوالة، كما اذا قال: «أحد الدينين اللذين لك عليّ خذه من فلان»؛ اذ الثابت في الذمّة أمر معيّن غير مردّد، و كذا لو قال: «خذ شيئاً من دينك من فلان». و لايبعد الصحّة في بعض أقسام المثالين اذا عدّه العرف معلوماً.
«السادس»: تساوي المالين أي المحال به و المحال عليه جنساً و نوعاً و وصفاً على ما ذكره جماعة خلافاً لآخرين، و هذا العنوان و ان كان عامّاً الّا أنّ مرادهم بقرينة التعليل بقولهم: «تفصّياً من التسلّط على المحال عليه بما لم تشتغل ذمّته به؛ اذ لايجب عليه أن يدفع الّا مثل ما عليه»، فيما كانت الحوالة على مشغول الذمّة بغير ما هو مشغول الذمّة به كأن يحيل من له عليه دراهم على من له عليه دنانير بأن يدفع بدل الدنانير دراهم، فلايشمل ما اذا أحال من له عليه الدراهم على البري ء بأن يدفع الدنانير أو على مشغول الذمّة بالدنانير بأن يدفع الدراهم؛ و لعلّه لأنّه وفاء بغير الجنس برضا الدائن. فمحلّ الخلاف ما اذا أحال على من عليه جنس بغير ذلك الجنس؛ و الوجه في عدم الصحّة ما أشير اليه من أنّه لايجب عليه أن يدفع الّا مثل ما عليه، و أيضاً الحكم على خلاف القاعدة و لا اطلاق في خصوص الباب و لا سيرة كاشفة، و العمومات منصرفة الى العقود المتعارفة، و وجه الصحّة أنّ غاية ما يكون أنّه مثل الوفاء بغير الجنس و لا بأس به و هذا هو الأقوى.
ثمّ لايخفى أنّ الاشكال انّما هو فيما اذا قال: «أعط ممّا لي عليك من الدنانير دراهم»، بأن أحال عليه بالدراهم من الدنانير التي عليه، و أمّا اذا أحال عليه بالدراهم من غير نظر الى ما عليه من الدنانير فلاينبغي الاشكال فيه؛ اذ هو نظير احالة من له الدراهم على البري ء بأن يدفع الدنانير، و حينئذٍ فتفرغ ذمّة المحيل من الدراهم و تشتغل ذمّة المحال عليه بها و تبقى ذمّة المحال عليه مشغولة بالدنانير و تشتغل ذمّة المحيل له بالدراهم فيتحاسبان بعد ذلك. و لعلّ الخلاف أيضاً مختصّ بالصورة الأولى لا ما يشمل هذه الصورة أيضاً، و على هذا فيختصّ الخلاف بصورة واحدة و هي ما اذا كانت الحوالة على
مشغول الذمّة بأن يدفع من طرف ما عليه من الحقّ بغير جنسه كأن يدفع من الدنانير التي عليه دراهم.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يشترط تساوي المالين جنساً و وصفاً؛ تفصّياً من التسلّط على المحال عليه؛ اذ لايجب أن يدفع الّا مثل ما عليه. و فيه تردّد».(1)
قال في المستمسك: «و نسبه - أي اشتراط تساوي المالين - الى الشيخ و جماعة، و في جامع المقاصد الى الشيخ في المبسوط و ابن البرّاج و ابن حمزة، و في مفتاح الكرامة نسبه الى المبسوط في آخر الباب، و حكي عن الايضاح نسبته الى القاضي و ابن حمزة، ثمّ قال: «و لم نجد ذلك في الوسيلة، و لم يحكه في المختلف عن أحد غير الشيخ في المبسوط».
و حكي من عدّة عدم الاشتراط كالتذكرة و التحرير و الحواشي و اللمعة و التنقيح و ايضاح النافع و جامع المقاصد و المسالك و الروضة و غيرها، و حكي ذلك أيضاً عن موضع من المبسوط».(2)
أقول:
قد عرفت أنّ الحوالة هي عقد بين المحيل و المحتال بأن ينقل ما على ذمّة المحيل من الدين للمحتال الى ذمّة المحال عليه، و يشترط رضا المحيل و المحتال في ذلك و لايعتبر رضا المحال عليه؛ لأنّ ذمّته مشغولة للمحيل فله أن يحيل ما على ذمّته حيث يشاء الّا أنّ المتيقّن من ذلك و أنّ الذي ليس للمحال
عليه التخلّف عنه هو ما اذا كان حوالة المحيل مساوياً لما في ذمّة المحال عليه جنساً و نوعاً و وصفاً، فلو لم يكن مساوياً و كانت الحوالة بالدينار مثلاً مع كون ما في ذمّة المحال عليه الدرهم فهي منوطة برضاه، و لو لم يرض بطلت الحوالة؛ و ذلك لأنّها معاملة جديدة، و لا مقتضي للحكم بصحّتها؛ اذ لا موجب لالتزام المدين بغير ما هو مشغول الذمّة.
(مسألة 1): لا فرق في المال المحال به أن يكون عيناً في الذمّة أو منفعة أو عملاً لايعتبر فيه المباشرة و لو مثل الصلاة و الصوم و الحجّ و الزيارة و القراءة، سواء كانت على بري ء أو على مشغول الذمّة بمثلها. و أيضا لا فرق بين أن يكون مثليّاً كالطعام أو قيميّاً كالعبد و الثوب، و القول بعدم الصحّة في القيمي للجهالة ضعيف، و الجهالة مرتفعة بالوصف الرافع لها.
الشرح:
قال في الشرائع: «سواء كان له مثل كالطعام أو لا مثل له كالعبد و الثوب».(1)
و قال في المسالك: «نبّه بذلك على خلاف الشيخ في أحد قوليه و جماعة من عدم جواز الحوالة بالقيمي؛ لكونه مجهولاً. و ضعفه واضح؛ فانّه مضبوط بالوصف و الواجب فيه القيمة و هي مضبوطة أيضاً تبعاً لضبطه فالمانع مفقود، و عموم الأدلّة يشمله».(2)
و قال في الجواهر: «لا وجه للاشكال في صحّة ذلك لو فرض كون الثابت في الذمّة قيمة القيمي باتلاف و نحوه، ضرورة كون الحوالة حينئذٍ بالقيمة التي هي مثليّة، فليس حينئذٍ للجهالة التي ذكرها (الشيخ) محلّ حتّى مع فرض تعذّره الموجب للرجوع الى القيمة كالمثلي.
بل لايبعد ان لم يكن اجماعاً جواز الحوالة بالأعمال على البري ء أو على مشغول الذمّة للمحيل بمثلها بناءً على أنّها بحكم المال، بدليل صحّة وقوعها ثمناً للمبيع و عوضاً للخلع و مهراً في النكاح من غير فرق بين كون المراد منها الثواب أو غيره، و حينئذٍ فيصحّ احالة مشغول الذمّة بقراءة القرآن و زيارة أو صلاة أو حجّ أو غير ذلك على بري ء أو على مشغول الذمّة له بمثل ذلك. و كذا يصحّ ضمانه، لكن لم أجد مصرّحاً به كما أنّه لم أجد في نصوص الحوالة ما هو صريح فيه أو ظاهر، بل هو غير متعارف».(1)
أقول:
لا فرق في المال المحال به بين أن يكون عيناً في الذمّة أو منفعة؛ لاطلاق الأدلّة و ما هو المتعارف بين الناس؛ فانّ ذمّة المحال عليه قد تكون مشغولة بعين كالحنطة و الشعير مثلاً أو منفعة كمنفعة مركب أو دار في وقت معيّن بالاجارة بين المحيل و المحال عليه، أو عمل لم يعتبر فيه المباشرة و لو مثل الصلاة و الصوم و الحجّ و الزيارة و القراءة؛ لشمول العمومات لها. سواء كانت على البري ء مع اعتبار رضاه، أو على مشغول الذمّة. و أيضاً لا فرق بين أن يكون مثليّاً كالطعام أو قيميّاً كالعبد و الثوب، فاذا باع زيد ثوباً من عمرو بالوصف الرافع للجهالة فيجوز لعمرو أن يحيل بكراً بالثوب المبيع أو قيمته على زيد المحال عليه.
1) جواهر الكلام 26: 169.
(مسألة 2): اذا تحقّقت الحوالة برئت ذمّة المحيل و ان لم يبرئه المحتال. و القول بالتوقّف على ابرائه ضعيف، و الخبر الدالّ على تقييد عدم الرجوع على المحيل بالابراء من المحتال المراد منه: القبول لا اعتبارها بعده أيضاً. و تشتغل ذمّة المحال عليه للمحتال فينتقل الدين الى ذمّته و تبرأ ذمّة المحال عليه للمحيل ان كانت الحوالة بالمثل بقدر المال المحال به، و تشتغل ذمّة المحيل للمحال عليه ان كانت على بري ء أو كانت بغير المثل و يتحاسبان بعد ذلك.
الشرح:
قال في الشرائع: «و مع تحقّقها يتحوّل المال الى ذمّة المحال عليه، و يبرأ المحيل و ان لم يبرئه المحتال على الأظهر».(1)
و قال في المسالك: «هنا حكمان:
«أحدهما»: انّ الحوالة تفيد نقل المال و تحوّله من ذمّة المحيل الى ذمّة المحال عليه. و هو موضع وفاق منّا و من العامّة الّا من شذّ منهم.
و «ثانيهما»: انّ المحيل يبرأ من حقّ المحتال بمجرّد الحوالة، سواء أبرأه المحتال أم لا؛ لدلالة التحوّل عليه و هو المشهور، و خالف فيه الشيخ و جماعة؛ استناداً الى حسنة زرارة عن الباقرين عليهما السلام:
«في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل، فيقول الذي احتال: برئت ممّا لي عليك، قال: اذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه، و ان لم يبرئه فله أن يرجع على الذي أحاله».
و حملت الرواية على ما اذا ظهر اعسار المحال عليه حال الحوالة مع جهل
1) شرائع الاسلام 2: 93.
المحتال بحاله؛ فانّ له الرجوع على المحيل اذا لم يبرأ، و على ما اذا شرط المحيل البراءة، فانّه يستفيد بذلك عدم الرجوع لو ظهر افلاس المحال عليه، و هو حمل بعيد. و على أنّ الابراء كناية عن قبول المحتال الحوالة، فمعنى قوله: «برئت ممّا لي عليك»، أنّي رضيت بالحوالة الموجبة للتحويل فبرئت أنت، فكنّي عن الملزوم باللازم. و هكذا القول في قوله: «و ان لم يبرئه فله أن يرجع»؛ لأنّ العقد بدون رضاه غير لازم، فله أن يرجع فيه. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
اذا تحقّقت الحوالة برئت ذمّة المحيل؛ و ذلك لصحيحة أبي أيّوب:
«انّه سأل أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه؟
قال: لايرجع عليه أبداً الّا أن يكون قد أفلس قبل ذلك».(2)
و موثّقة منصور بن حازم قال:
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يحيل على الرجل بالدراهم أيرجع عليه؟ قال: لايرجع عليه أبداً الّا أن يكون قد أفلس قبل ذلك».(3)
فيجمع بينهما و بين صحيحة زرارة عن أحدهماعليهما السلام:
«في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له الذي احتال: برئت ممّا لي عليك، فقال: اذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه، و ان لم يبرئه فله أن يرجع على الذي أحاله».(4)
بأن تحمل على ما اذا لم يكن يقبل المحتال الحوالة بعد، و أمّا اذا قبل الحوالة فهو الابراء، و لايلزم أن يقول المحتال: «برئت ممّا لي عليك» حتّى يقال بأنّه ان لم يقل ذلك يجوز له الرجوع.
قال في المباني: «انّ الابراء - الذي هو بمعنى اسقاط المحتال للدين الثابت في ذمّة المحيل - امّا أن يكون بعوض و بازاء اشتغال ذمّة المحال عليه به، و امّا أن يكونمجّاناً، فعلى الأوّل فهو عين القبول و ليس شيئاً في قباله؛ فانّ قبول المحتال للحوالة انّما يعني موافقته على ما أنشأه المحيل من براءة ذمّته و اشتغال ذمّة المحال عليه. و ممّا يساعد على ارادة هذا المعنى من الابراء، أنّه لم تذكر في الرواية قبولاً للمحتال بغير هذا العنوان الابراء. و على الثاني فان كانت الحوالة هذه محكومة بالصحّة و انتقل ما في ذمّة المحيل الى ذمّة المحال عليه فلا موضع للابراء المجّاني؛ لعدم اشتغال ذمّة المحيل حينئذٍ بشي ء. و ان لم تكن كذلك فالابراء و ان كان صحيحاً و في محلّه الّا أنّه لا وجه لرجوع المحتال على المحال عليه لأخذ المال منه؛ اذ المفروض عدم انتقال المال الى ذمّته و عدم اشتغالها بشي ء له. و من هنا فامّا أن يقال بسقوط المعتبرة أو تحمل على بعض المحامل و ان كان بعيداً».(1)
فتلخّص أنّه بحوالة المحيل دينه للمحتال على المحال عليه و قبول المحتال تبرأ ذمّته فينتقل الدين الى ذمّة المحال عليه ان كانت الحوالة بالمثل بقدر المال المحال به. و تشتغل ذمّة المحيل للمحال عليه ان كانت على بري ء أو كانت بغير المثل، و يتحاسبان بعد ذلك.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 509 و 510.
(مسألة 3): لايجب على المحتال قبول الحوالة و ان كانت على ملي ء.
الشرح:
لايجب على المحتال قبول الحوالة و ان كانت على ملي ء بلا خلاف فيه - كما في المباني(1)- لأنّ الحوالة كما تقدّم عقد بين المحيل و المحتال و يشترط رضاهما فلو لم يرض المحتال و لم يقبل الحوالة كانت باطلة؛ لأنّ المحتال غير مجبور على اجراء المعاملة على ماله كما هو الحال في سائر المعاوضات.
(مسألة 4): الحوالة لازمة فلايجوز فسخها بالنسبة الى كلّ من الثلاثة. نعم، لو كانت على معسر مع جهل المحتال باعساره يجوز له الفسخ و الرجوع على المحيل. و المراد من الاعسار أن لايكون له ما يوفي دينه زائداً على مستثنيات الدين، و هو المراد من الفقر في كلام بعضهم. و لايعتبر فيه كونه محجوراً، و المناط الاعسار و اليسار حال الحوالة و تماميّتها و لايعتبر الفور في جواز الفسخ،و مع امكان الاقتراض و البناء عليه يسقط الخيار؛ للانصراف على اشكال و كذا مع وجود المتبرّع.
الشرح:
الحوالة لازمة فلايجوز فسخها بالنسبة الى كلّ من الثلاثة، الّا اذا كانت الحوالة على معسر مع جهل المحتال باعساره فيجوز له الفسخ و الرجوع الى المحيل؛ يدلّ على ذلك صحيحة أبي أيّوب:
«انّه سأل أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه؟
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 510.
قال: لايرجع عليه أبداً الّا أن يكون قد أفلس قبل ذلك».(1)
و موثّقة منصور بن حازم قال:
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يحيل على الرجل بالدراهم أيرجع عليه؟ قال: لايرجع عليه أبداً الّا أن يكون قد أفلس قبل ذلك».(2)
و من هاتين الروايتين يستفاد اللزوم، مضافاً الى عمومات صحّة العقد و أصالة اللزوم فيها.
و المراد من الاعسار أن لايكون له ما يوفي دينه زائداً على مستثنيات الدين على ما هو المتعارف؛ و تدلّ عليه الروايات الواردة في تفسير ذلك.
و لايعتبر فيه كونه محجوراً بحكم الحاكم زائداً على الافلاس؛ لاطلاقات الأدلّة، حيث انّ مقتضاها كون العبرة في الحكم بنفس الافلاس مع قطع النظر عن الحجر عليه لذلك و عدمه، كما في المباني.(3)
و المناط الاعسار و اليسار حال الحوالة و تماميّتها كما هو ظاهر الروايتين المذكورتين.
قال في الشرائع: «و اذا أحاله على الملي لم يجب القبول لكن لو قبل لزم، و ليس له الرجوع و لو افتقر. أمّا لو قبل الحوالة جاهلاً بحاله ثمّ بان فقره وقت الحوالة كان له الفسخ و العود على المحيل».(4)
و قال في المسالك: «لأنّ الواجب أداء الدين و الحوالة ليست أداءً و انّما هي نقل الدين من ذمّة الى أخرى فلايجب قبولها. لكن لو قبل لزم و ليس له الرجوع و
لو افتقر؛ لأنّ الحوالة توجب البراءة من الحقّ فلايعود الّا بسبب يوجبه، و لرواية عقبة بن جعفر عن الكاظم عليه السلام. و خالف في ذلك جماعة من العامّة. و كما لا رجوع لو افتقر كذا لو تعذّر الاستيفاء منه بوجه آخر.
أمّا لو قبل الحوالة جاهلاً بحاله ثمّ بان فقره وقت الحوالة كان له الفسخ و العود على المحيل، و لا فرق في ذلك بين اشتراطه في متن العقد يساره و عدمه؛ لرواية منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام، و لما فيه من الضرر و التغرير به.
و المراد بالفقر هنا الاعسار و ان كان أعمّ منه، و الّا فيجوز كونه فقيراً بالمعنى المتعارف و موسراً بالمعنى المعتبر في الدين. و المعتبر بيساره و اعساره وقت الحوالة، فلو كان حينئذٍ مليّاً ثمّ تجدّد له الاعسار فلا خيار.
و لو انعكس بأن كان معسراً ثمّ تجدّد له اليسار قبل أن يفسخ المحتال فهل يزول الخيار؟ وجهان، من زوال الضرر، و ثبوت الخيار قبله فيستصحب، و هو أقوى؛ لأنّ الموجب للخيار ليس هو الاعسار مطلقاً ليزول بزواله بل الاعسار وقت الضمان، و هو متحقّق فيثبت حكمه. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول: اذا كان معسراً ثمّ أيسر، فقد تقدّم نظيره في الضمان و قلنا هناك بعدم ثبوت الخيار و ذلك لأنّ ثبوت الخيار عند الاعسار ليس تعبّديّاً كما تقدّم في الضمان بل للاجماع أو قاعدة نفي الضرر و كلاهما منتفيان عند اليسار بعد الاعسار.
و لايعتبر الفور في جواز الفسخ؛ لعدم الدليل، و مع امكان الاقتراض و البناء عليه يسقط الخيار لرفع الموضوع و كذا مع وجود المتبرّع.
1) مسالك الأفهام 4: 216 و 217.
(مسألة 5): الأقوى جواز الحوالة على البري ء و لايكون داخلاً في الضمان.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يصحّ أن يحيل على من ليس عليه دين، لكن يكون ذلك بالضمان أشبه».(1)و قال في المسالك: «هذا هو الأقوى؛ لأصالة الصحّة و عدم الاشتراط. و للشيخ رحمه الله قول بالمنع، و آخر بالصحّة. و مبنى القولين على أنّ الحوالة هل هي استيفاء أو اعتياض؟ فعلى الأوّل يصحّ دون الثاني؛ لأنّه ليس على المحال عليه شي ء يجعل عوضاً عن حقّ المحتال.
و انّما كان أشبه بالضمان؛ لاقتضائه نقل المال من ذمّة مشغولة الى ذمّة بريئة، فكأنّ المحال عليه بقبوله ضامن لدين المحتال على المحيل، ولكنّه بهذا الشبه لايخرج عن الحوالة قطعاً، فيلحقه أحكامها».(2)
أقول:
الظاهر صحّة الحوالة على البري ء، فانّه عقد بين المحيل و المحتال و انتقال ذمّة المحيل الى المحال عليه، الّا أنّه اذا كانت ذمّة المحال عليه مشغولة للمحيل فلايعتبر رضاه على ما تقدّم، و ان لم تكن مشغولة فيعتبر رضاه.
قال في المباني: «و تقتضيه - مضافاً الى كونها من المعاملات المتعارفة بين العقلاء خارجاً و لا سيّما بين الأقرباء، حيث يحيل الابن دائنه على أبيه أو أخيه، و
لم يرد ردع عنها من الشارع المقدّس - اطلاقات و عمومات أدلّة الصحّة، فانّها عقد من العقود يقتضي تبديل ما في ذمّة المحيل بما في ذمّة المحال عليه.
بل و يمكن دعوى شمول النصوص الواردة في الباب لها أيضاً، حيث لم يرد في جملة منها ذكر كون المحال عليه مديناً للمحيل. نعم، يعتبر في صحّتها رضا المحال عليه جزماً؛ لعدم سلطنة المحيل على اشغال ذمّته.
و هذه حوالة و ليست ضماناً؛ فانّ الضمان عقد بين الدائن و الأجنبي - المضمون له و الضامن - في حين أنّ الحوالة عقد بين الدائن و المدين - المحيل و المحتال - و ليس المحال عليه طرفاً فيه و ان اعتبر رضاه في بعض الصور.
و تظهر الثمرة في جملة من الموارد، منها ما لو كان المحيل فاقداً لأهليّة العقد كما لو كان صغيراً أو مجنوناً، فانّها تبطل على مختارنا؛ حيث تعتبر في المحيل أهليّته للعقد، في حين تصحّ على مختار المحقّق قدس سره؛ حيث لاتعتبر في المضمون عنه أهليّته له».(1)
(مسألة 6): يجوز اشتراط خيار الفسخ لكلّ من الثلاثة.
الشرح:
يجوز اشتراط خيار الفسخ لكلّ من الثلاثة المحيل و المحال عليه و المحتال؛ لأنّها و ان كانت عقداً لازماً الّا أنّ لزومها حقّ لهم، كما في البيع و غيره من العقود اللازمة.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 512 و 513.
(مسألة 7): يجوز الدور في الحوالة، و كذا يجوز الترامي بتعدّد المحال عليه و اتّحاد المحتال، أو بتعدّد المحتال و اتّحاد المحال عليه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا أحال بما عليه ثمّ أحال المحال عليه بذلك الدين صحّ، و كذا لو ترامت الحوالة».(1)
و قال في المسالك: «كما تصحّ الحوالة الأولى لاجتماع شرائط الصحّة تصحّ الثانية كذلك؛ لتحقّق الشرط و هو اشتغال ذمّة المحال عليه بدين المحتال، و غيره من الشروط. و متى أحال المحال عليه برئ كالأوّل و هكذا لو تعدّد. و هو المراد بالترامي بأن أحال المديون زيداً على عمرو، ثمّ أحال عمرو زيداً على بكر، ثمّ أحال بكر زيداً على خالد، و هكذا. و هنا قد تعدّد المحال عليهم و المحتال واحد.
و كما يصحّ تراميها يصحّ دورها كالضمان بأن تعود الى المحيل الأوّل، بأن تكون ذمّته مشغولة بدين لمن أحال عليه أو مطلقاً على المختار».(2)
أقول:
يجوز الدور في الحوالة بأن يحيل المحال عليه ثانياً على المحيل؛ لاطلاقات أدلّتها، و لا خصوصيّة للحوالة الأولى. و كذا يجوز الترامي بتعدّد المحال عليه و اتّحاد المحتال كما مثّل به في المسالك، أو بتعدّد المحتال و اتّحاد المحال عليه بأن يحيلالمحتال غيره على المحال عليه، و يحيل ذلك الغير - أي المحتال الثاني - غيره عليه و هكذا، فيكون التعدّد في المحتال دون المحال عليه؛ كلّ ذلك لتحقّق
شرائط الصحّة كما عرفت في المسالك.
و قال في الجواهر: «لا خلاف و لا اشكال في جواز الدور في الحوالة؛ لاجتماع شرائط صحّتها فتندرج في اطلاقها المندرج في آية: «أوفوا بالعقود». و كذا لو ترامت الحوالة و لم نجد خلافاً هنا و ان سمعته في الضمان. انتهى ملخّصاً».(1)
(مسألة 8): لو تبرّع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمّته، و كذا لو ضمن عنه ضامن برضا المحتال، و كذا لو تبرّع المحيل عنه.
الشرح:
لو تبرّع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمّته؛ لما ثبت بالضرورة القطعيّة من جواز أداء دين الغير من غير توقّف على رضاه - كما في المباني(2)- و كذا لو ضمن عنه ضامن برضا المحتال، كما تقدّم في باب الضمان من أنّه عقد بين الضامن و المضمون له فيعتبر رضا المضمون له و هو هنا المحتال. و كذا لو تبرّع المحيل عن المحال عليه؛ لجواز أداء دين الغير، فانّه لا خصوصيّة لكون المؤدّي هو المحيل أو غيره.
(مسألة 9): لو أحال عليه فقبل و أدّى ثمّ طالب المحيل بما أدّاه فادّعى أنّه كان له عليه مال و أنكر المحال عليه فالقول قوله مع عدم البيّنة، فيحلف على براءته و يطالب عوض ما أدّاه؛ لأصالة البراءة من شغل ذمّته للمحيل. و دعوى أنّ الأصل أيضاً عدم اشتغال ذمّة المحيل بهذا الأداء مدفوعة بأنّ
الشكّ في حصول اشتغال ذمّته و عدمه مسبّب عن الشكّ في اشتغال ذمّة المحال عليه و عدمه، و بعد جريان أصالة براءة ذمّته يرتفع الشكّ.
هذا على المختار من صحّة الحوالة على البري ء، و أمّا على القول بعدم صحّتها فيقدّم قول المحيل؛ لأنّ مرجع الخلاف الى صحّة الحوالة و عدمها، و مع اعتراف المحال عليه بالحوالة يقدّم قول مدّعي الصحّة و هو المحيل. و دعوى أنّ تقديم قول مدّعي الصحّة انّما هو اذا كان النزاع بين المتعاقدين و هما في الحوالة المحيل و المحتال، و أمّا المحال عليه فليس طرفاً و ان اعتبر رضاه في صحّتها، مدفوعة أوّلاً: بمنع عدم كونه طرفاً؛ فانّ الحوالة مركّبة من ايجاب و قبولين، و ثانياً: يكفي اعتبار رضاه في الصحّة في جعل اعترافه بتحقّق المعاملة حجّة عليه بالحمل على الصحّة.
نعم، لو لم يعترف بالحوالة بل ادّعى أنّه أذن له في أداء دينه يقدّم قوله؛ لأصالة البراءة من شغل ذمّته فباذنه في أداء دينه له مطالبة عوضه، و لم يتحقّق هنا حوالة بالنسبة اليه حتّى تحمل على الصحّة و ان تحقّق بالنسبة الى المحيل و المحتال؛ لاعترافهما بها.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو أحال عليه فقبل و أدّى، ثمّ طالب بما أدّاه فادّعى المحيل أنّه كان له عليه مال و أنكر المحال عليه، فالقول قوله مع يمينه و يرجع على المحيل».(1)
و قال في المسالك: «لمّا ثبت أنّ الحوالة جائزة على البري ء من دين المحيل على المحال عليه لم يقتض باطلاقها ثبوت دين كذلك، فاذا أدّى المحال عليه و
1) شرائع الاسلام 2: 94.
طالب بما أدّى منكراً لثبوت دين عليه للمحيل فالقول قوله مع يمينه؛ لأصالة البراءة، فيرجع على المحيل بما أدّى.
و لو اعتبرنا في الحوالة شغل ذمّة المحال عليه لم يقبل قوله في نفيه؛ لاقتضائها ثبوته، فالمنكر و ان كان معه أصالة براءة ذمّته من الدين، الّا أنّ ذلك يقتضي بطلان الحوالة على هذا التقدير و مدّعي الدين يدّعي صحّتها و مدّعي الصحّة مقدّم.
و يمكن على هذا أن يقال: تساقط الأصلان و بقي مع المحال عليه أنّه أدّى دين المحيل باذنه، فيرجع عليه على التقديرين و هو حسن. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
لو أحال عليه فقبل و أدّى ثمّ طالب المحيل بما أدّاه، و قال: «انّي لم أكن مديوناً لك بل كنت بريئاً، فقبلت حوالتك لأرجع اليك بعد أدائها»، ولكن ادّعى المحيل أنّه كان مديوناً له و أنّ حوالته كانت بازاء دينه، فحينئذٍ يكون المحيل مدّعياً و المحال عليه منكراً، فان كان له بيّنة أقامها و الّا كان على المحال عليه اليمين. فقوله موافق للأصل؛ لاستصحاب عدم شغل ذمّته؛ لأنّ المحال عليه في زمان لم يكن مشغول الذمّة للمحيل جزماً، فاذا شككنا في اشتغال ذمّته له بعد ذلك كان مقتضى الاستصحاب الحكم بعدم اشتغالها. و هذا الأصل حاكم على أصالة البرائة - كما في المباني(2)- ؛ لأنّه أصل موضوعي. هذا على المختار من صحّة الحوالة على البري ء بشرط رضا المحال عليه.
و أمّا على القول بعدم صحّة الحوالة على البري ء فذهب المصنّف الى تقدّم قول المحيل؛ لأنّ مرجع الخلاف الى صحّة الحوالة و عدمها، و مع اعتراف المحال
عليه بالحوالة يقدّم قول مدّعي الصحّة و هو المحيل.
ولكنّ الظاهر أنّه على ذلك يكون ضماناً، بأن كان المحيل مديوناً للمحتال و صار المحال عليه ضامناً، و المحتال مضموناً له و المحيل مضموناً عنه، فاذا ادّعى المحال عليه براءته فكأنّه يقول: أنا صرت ضامناً، فيقبل قوله و لا اعتبار بكلام المحيل.
(مسألة 10): قد يستفاد من عنوان المسألة السابقة حيث قالوا: «لو أحال عليه فقبل و أدّى»، فجعلوا محلّ الخلاف ما اذا كان النزاع بعد الأداء أنّ حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز مطالبة العوض الّا بعد الأداء فقبله و ان حصل الوفاء بالنسبة الى المحيل و المحتال، لكن ذمّة المحيل لاتشتغل للمحال عليه البري ء الّا بعد الأداء. و الأقوى حصول الشغل بالنسبة الى المحيل بمجرّد قبول المحال عليه؛ اذ كما يحصل به الوفاء بالنسبة الى دين المحيل بمجرّده فكذا في حصوله بالنسبة الى دين المحال عليه للمحيل اذا كان مديوناً له و حصول شغل ذمّة المحيل له اذا كان بريئاً. و مقتضى القاعدة في الضمان أيضاً تحقّق شغل المضمون عنه للضامن بمجرّد ضمانه الّا أنّ الاجماع و خبر الصلح دلّا على التوقّف على الأداء فيه، و في المقام لا اجماع و لا خبر بل لم يتعرّضوا لهذه المسألة، و على هذا فله الرجوع على المحيل و لو قبل الأداء، بل و كذا لو أبرأه المحتال أو وفّاه بالأقلّ أو صالحه بالأقلّ، فله عوض ما أحاله عليه بتمامه مطلقاً اذا كان بريئاً.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ حال الحوالة على البري ء يكون كحال الضمان
فلايرجع المحال عليه الى المحيل الّا بعد الأداء، هذا ما ذهب اليه المشهور. و أمّا ما ذهب اليه المصنّف من أنّ الأقوى حصول الشغل بالنسبة الى المحيل بمجرّد قبول المحال عليه، فلايمكن المساعدة عليه؛ لأنّه - كما في المباني(1)- ما لم يؤدّ المحال عليه الحوالة خارجاً لايصحّ له الرجوع على المحيل و مطالبته بها؛ نظراً الى عدم تحقّق الخسران و النقص المالي له، و عدم الدليل على اقتضاء مجرّد الأمر الضمان، فانّ اشتغال الذمّة يحتاج الى الدليل من نصّ أو سيرة أو معاوضة تقتضي ذلك، و حيث انّه لا شي ء منها موجود بالقياس الى المحيل، فلا وجه للحكم باشتغال ذمّته.
(مسألة 11): اذا أحال السيّد بدينه على مكاتبه بمال الكتابة المشروطة أو المطلقة صحّ سواء كان قبل حلول النجم أو بعده؛ لثبوته في ذمّته، و القول بعدم صحّته قبل الحلول لجواز تعجيز نفسه ضعيف؛ اذ غاية ما يكون كونه متزلزلاً فيكون كالحوالة على المشتري بالثمن في زمان الخيار، و احتمال عدم اشتغال ذمّة العبد لعدم ثبوت ذمّة اختياريّة له فيكون وجوب الأداء تكليفيّاً كماترى. ثمّ انّ العبد بقبول الحوالة يتحرّر؛ لحصول وفاء مال الكتابة بالحوالة و لو لم يحصل الأداء منه فاذا أعتقه المولى قبل الأداء بطل عتقه.
و ما عن المسالك - من عدم حصول الانعتاق قبل الأداء؛ لأنّ الحوالة ليست في حكم الأداء بل في حكم التوكيل، و على هذا اذا أعتقه المولى صحّ و بطلت الكتابة و لم يسقط عن المكاتب مال الحوالة؛ لأنّه صار لازماً للمحتال و لايضمن السيّد ما يغرمه من مال الحوالة - فيه نظر من وجوه، و
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 521.
كأنّ دعواه أنّ الحوالة ليست في حكم الأداء انّما هي بالنظر الى ما مرّ من دعوى توقّف شغل ذمّة المحيل للمحال عليه على الأداء كما في الضمان، فهي و ان كان كالأداء بالنسبة الى المحيل و المحتال فبمجرّدها يحصل الوفاء و تبرأ ذمّة المحيل لكن بالنسبة الى المحال عليه و المحيل ليس كذلك.
و فيه منع التوقّف المذكور كما عرفت فلا فرق بين المقامين في كون الحوالة كالأداء فيتحقّق بها الوفاء.
الشرح:
اذا أحال السيّد بدينه على مكاتبه بمال الكتابة المشروطة أو المطلقة صحّ؛ لأنّ أمر الدين بيد الدائن و المدين، فلهما أن يبدّلاه برضاهما بالمال الثابت في ذمّة العبد أو غيره ممّا تعود ملكيّته الى المدين، سواء كان قبل حلول النجم أو بعده؛ لثبوته في ذمّة العبد بالعقد.
و القول بعدم صحّته قبل الحلول لجواز تعجيز نفسه ضعيف؛ اذ غاية ما يكون كونه متزلزلاً، مضافاً الى أنّ الكتابة من العقود اللازمة، و كما لايجوز للمولى رفع اليد عنها لايجوز للعبد أيضاً تعجيز نفسه. و احتمال عدم اشتغال ذمّة العبد لعدم ثبوت ذمّة اختياريّة له فيكون وجوب الأداء تكليفيّاً غير صحيح؛ اذ لا مانع من اشتغال ذمّة العبد على حدّ اشتغال ذمّة الأحرار.
قال في الشرائع: «و تصحّ الحوالة بمال الكتابة بعد حلول النجم. و هل تصحّ قبله؟ قيل: لا».(1)
قال في المسالك: «لا اشكال في جواز الحوالة بمال الكتابة بعد حلول النجوم؛ لثبوته في ذمّة المكاتب. أمّا قبل الحلول فمنعه الشيخ رحمه الله بناءً على جواز تعجيز
1) شرائع الاسلام 2: 94.
نفسه، فله أن يمتنع من أدائه. و الأقوى الجواز؛ لمنع جواز التعجيز.
و على هذا فلايعتق العبد بالحوالة؛ لأنّها ليست في حكم الأداء، بل في حكم التوكيل عليه بقبضها و ان افترقا بكون الحوالة لازمة.
و حينئذٍ فلو أعتق السيّد المكاتب بطلت الكتابة، و لم يسقط عن المكاتب مال الحوالة؛ لأنّ المال صار لازماً له للمحتال، و البطلان طارٍ، و لايضمن السيّد ما يغرمه من مال الحوالة».(1)
و قال في الجواهر: «و لايخفى ما فيه من التفريع أوّلاً و انكار كون التحويل بحكم الأداء ثانياً، مع أنّه اعترف به فيما يأتي بأنّها تفيد ملك المال للمحتال، مضافاً الى اعترافه سابقاً باقتضائها براءة ذمّة المحيل ممّا عليه، و براءة ذمّة المحال عليه ممّا كان للمحيل عليه؛ لأنّها استيفاء أو اعتياض.
و على كلّ حال فهي بحكم الأداء هنا و في غيره، بل لعلّها كالضمان الذي اعترف بكونه أداءً سابقاً أو أولى، بل اعترف أيضاً بكونها كالأداء فيما لو أحال العبد سيّده كما ستسمع، و عدم بطلان الحوالة على مال الكتابة بعد فرض بطلان الكتابة ثالثاً، و حينئذٍ فالمتّجه تحريره بذلك، و بطلان عتق السيّد».(2)
و في المستمسك - في ذيل قوله رحمه الله: «فيه نظر من وجوه» - قال: «أحدها: أنّه لو كانت الحوالة توكيلاً لم يكن وجه لانتقال المال من ذمّة المحيل الى ذمّة المحال عليه. ثانيها: انّه منافٍ لما ذكره من لزوم المال للمحتال؛ اذ لو كانت توكيلاً فبالعتق ينتفي موضوع التوكيل، فتبطل الوكالة فكيف يبقى المال في ذمّة المحال عليه للمحتال؟! ثالثها: انّ لزوم المال للمحتال في ذمّة المحال عليه يقتضي اشتغال ذمّة
السيّد بمثله للاستيفاء. و حينئذٍ يتحقّق الانعتاق، و لايصحّ عتق المولى بعد ذلك، حسب ما ذكر في المتن، و لايصحّ ما ذكره في المسالك».(1)
أقول:
انّ العبد بتحقّق الحوالة يتحرّر؛ لحصول وفاء مال الكتابة بالحوالة و لو لم يحصل الأداء منه بعد، فانّ براءة ذمّة العبد انّما تحقّقت بمجرّد الحوالة و اشتغال ذمّته للمحتال كما في المباني(2)و المتن.
(مسألة 12): لو باع السيّد مكاتبه سلعة فأحاله بثمنها صحّ؛ لأنّ حاله حال الأحرار من غير فرق بين سيّده و غيره، و ما عن الشيخ من المنع ضعيف.
الشرح:
اذا اشترى المكاتب من مولاه شيئاً اشتغلت ذمّته له بثمنه، فيصحّ للمولى احالة دائنه عليه لاستيفاء دينه منه. و ما عن الشيخ من المنع ضعيف.
قال في المستمسك: «استدلّ له بأنّ المكاتبة جائزة، فلو اشترى شيئاً من سيّده لزمه ثمنه، و من الجائز فسخ الكتابة؛ لأنّها من العقود الجائزة، فيلزم حينئذٍ ثبوت شي ء في ذمّة العبد لسيّده.
و فيه: أوّلاً منع كونها جائزة و لو سلّم و فرض تحقّق الفسخ، فان امتنع ملك المولى شيئاً في ذمّة العبد كان ذلك موجباً لانفساخ البيع، لا بطلان البيع مطلقاً من أوّل الأمر. و لأجل ذلك لم ينسب المنع الى أحد سوى الشيخ فلم يوافقه عليه أحد.
كما أنّه بناءً على ذلك فالمسألة من مسائل الكتابة لا الحوالة».(1)
(مسألة 13): لو كان للمكاتب دين على أجنبي فأحال سيّده عليه من مال الكتابة صحّ فيجب عليه تسليمه للسيّد و يكون موجباً لانعتاقه، سواء أدّى المحال عليه المال للسيّد أم لا.
الشرح:
لو كان للمكاتب دين على أجنبي فأحال سيّده عليه من مال الكتابة صحّ؛ لأنّ أمر الدين بيد مالكه فله نقل ملكيّته الى المحتال برضاه؛ لأنّ الحقّ لايعدوهما، فيجب للمديون تسليمه للسيّد؛ لأنّه صار مالكه الجديد. و هذه الحوالة موجبة لانعتاقه سواء أدّى المحال عليه المال للسيّد أو لا؛ لما تقدّم من حصول الوفاء و فراغ ذمّة المحيل بالنسبة الى المحتال بمجرّد الحوالة.
(مسألة 14): لو اختلفا في أنّ الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة فمع عدم البيّنة يقدّم قول منكر الحوالة، سواء كان هو المحيل أو المحتال، و سواء كان ذلك قبل القبض من المحال عليه أو بعده؛ و ذلك لأصالة بقاء اشتغال ذمّة المحيل للمحتال و بقاء اشتغال ذمّة المحال عليه للمحيل و أصالة عدم ملكيّة المال المحال به للمحتال. و دعوى أنّه اذا كان بعد القبض يكون مقتضى اليد ملكيّة المحتال فيكون المحيل المنكر للحوالة مدّعياً فيكون القول قول المحتال في هذه الصورة، مدفوعة بأنّ مثل هذه اليد لايكون أمارة على ملكيّة ذيها، فهو نظير ما اذا دفع شخص ماله الى شخص و ادّعى أنّه دفعه أمانة و
1) مستمسك العروة 13: 408.
قال الآخر: «دفعتني هبة أو قرضاً»، فانّه لايقدّم قول ذي اليد.
هذا كلّه اذا لم يعلم اللفظ الصادر منهما، و أمّا اذا علم و كان ظاهراً في الحوالة أو في الوكالة فهو المتّبع. و لو علم أنّه قال: «أحلتك على فلان»، و قال: «قبلت»، ثمّ اختلفا في أنّه حوالة أو وكالة، فربما يقال: انّه يقدّم قول مدّعي الحوالة؛ لأنّ الظاهر من لفظ «أحلت» هو الحوالة المصطلحة و استعماله في الوكالة مجاز فيحمل على الحوالة. و فيه منع الظهور المذكور.
نعم، لفظ الحوالة ظاهر في الحوالة المصطلحة، و أمّا ما يشتقّ منها كلفظ «أحلت» فظهوره فيها ممنوع كما أنّ لفظ «الوصيّة» ظاهر في الوصيّة المصطلحة و أمّا لفظ «أوصيت» أو «أوصيك بكذا» فليس كذلك، فتقديم قول مدّعي الحوالة في الصورة المفروضة محلّ منع.
الشرح:
لو اختلفا في أنّ الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة، فان كان لأحدهما بيّنة و الّا فيقدّم قول منكر الحوالة؛ و ذلك لأنّ قوله مطابق للأصل و هو عدم تغيّر الواقع عمّا كان عليه.
قال في المباني: «فانّ مقتضى استصحاب بقاء ما كان على ما كان، الحكم ببقاء اشتغال ذمّة المحيل للمحتال و ذمّة المحال عليه للمحيل، و عدم ملكيّة المال المحال به للمحتال، و لازم ذلك كلّه عدم الحوالة؛ لاقتضائها براءة الذمّتين و ملكيّة المحتال للمال المحال به على عكس الوكالة».(1)
ان قلت: انّه اذا كان بعد القبض يكون مقتضى اليد ملكيّة المحتال، فيكون المحيل المنكر للحوالة مدّعياً، فيكون القول قول المحتال في هذه الصورة.
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 526.
قلت: انّ مثل هذه اليد لاتكون أمارة على ملكيّة ذيها؛ لقصور أدلّة حجّيّة اليد المثبتة للملكيّة عن شمول موارد اعتراف ذي اليد بسبق الملك لغيره مدّعياً الانتقال اليه، فهو نظير ما اذا دفع شخص ماله الى شخص و ادّعى أنّه دفعه أمانة، و قال الآخر: «دفعتني هبة أو قرضاً»، فانّه لايقدّم قول ذي اليد. هذا كلّه اذا لم يعلم اللفظ الصادر منهما. و أمّا اذا علم و كان ظاهراً في الحوالة أو في الوكالة فهو المتّبع.
و لو علم أنّه قال: «أحلتك على فلان»، و قال: «قبلت»، ثمّ اختلفا في أنّه حوالة أو وكالة، فقال في الشرائع: «اذا قال: «أحلتك عليه»، فقبض، فقال المحيل: «قصدت الوكالة»، و قال المحتال: «انّما أحلتني بما عليك»، فالقول قول المحيل؛لأنّه أعرف بلفظه، و فيه تردّد. أمّا لو لم يقبض و اختلفا، فقال: «وكّلتك»، فقال: «بل أحلتني بما عليك»، فالقول قول المحيل قطعاً».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الحوالة مأخوذة من الاحالة و التحويل، و هما في اللغة بمعنى النقل، فالنقل دخيل في المبدأ و جميع اشتقاقاته فلايصحّ حمل بعض مشتقّاتها على الوكالة التي هي خالية عن النقل كما في المباني.(2)
و الفرق بين الحوالة و الوكالة أنّ الحقّ الذي كان في ذمّة المحال عليه ينتقل منه الى المحتال بسبب الحوالة، و أمّا في الوكالة فلاينتقل الحقّ الى الوكيل بل حقّ المطالبة باقٍ للموكّل، و عليه لو استعمل الحوالة مكان الوكالة كان مجازاً فلايصغى الى من ادّعى ذلك، الّا أن تكون هناك قرينة.
(مسألة 15): اذا أحال البائع من له عليه دين على المشتري بالثمن، أو أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي بري ء أو مديون للمشتري ثمّ بان بطلان البيع بطلت الحوالة في الصورتين؛ لظهور عدم اشتغال ذمّة المشتري للبائع و اللازم اشتغال ذمّة المحيل للمحتال. هذا في الصورة الثانية، و في الصورة الأولى و ان كان المشتري محالاً عليه و يجوز الحوالة على البري ء الّا أنّ المفروض ارادة الحوالة عليه من حيث ثبوت الثمن في ذمّته فهي في الحقيقة حوالة على ما في ذمّته لا عليه، و لا فرق بين أن يكون انكشاف البطلان قبل القبض أو بعده، فاذا كان بعد القبض يكون المقبوض باقياً على ملك المشتري فله الرجوع به. و مع تلفه يرجع على المحتال في الصورة الأولى و على البائع في الثانية.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا أحال المشتري البائع بالثمن، ثمّ ردّ المبيع بالعيب السابق بطلت الحوالة؛ لأنّها تتبع البيع، و فيه تردّد. فان لم يكن البائع قبض المال، فهو باق في ذمّة المحال عليه للمشتري. و ان كان البائع قبضه، فقد برئ المحال عليه، و يستعيده المشتري من البائع. أمّا لو أحال البائع أجنبيّاً بالثمن على المشتري ثمّ فسخ المشتري بالعيب أو بأمر حادث لم تبطل الحوالة؛ لأنّها تعلّقت بغير المتبايعين، و لو ثبت بطلان البيع بطلت الحوالة في الموضعين».(1)
قال في المسالك: «منشأ التردّد (في الصورة الأولى) من أنّ الحوالة تابعة للبيع، فاذا بطل البيع بطلت؛ لاستحالة وجود التابع من حيث هو تابع بدون متبوعه. و هو مذهب الشيخ رحمه الله، و من أنّ الحوالة ناقلة للمال الى ذمّة المحال عليه في حال كون
1) شرائع الاسلام 2: 95.
المحتال مستحقّاً للدين في ذمّة المشتري فلايزيله الفسخ المتعقّب؛ لأنّه أبطل العقد من حينه لا من أصله. و تردّد العلّامة في ذلك كالمصنّف». - الى أن قال: - أشار بالتعليل الى الفرق بين حوالة المشتري البائع و حوالة البائع الأجنبي على المشتري، فانّ الحقّ في الأوّل كان مختصّاً بالمتبايعين بسبب المبيع فاذا بطل السبب بطلت التوابع، بخلاف حوالة الأجنبي فانّها لاتبطل و ان حكم بالبطلان ثمّ؛ لتعلّق الحوالة بغير المتعاقدين؛ حيث انّ الثمن صار مملوكاً للمحتال الأجنبي قبل فسخ العقد.
و نقل الشيخ هنا الاجماع على عدم البطلان. و لا فرق بين أن يكون المحتال قد قبض و عدمه؛ لأنّ الناقل للملك هو الحوالة لا القبض.
و لو ثبت بطلان البيع بطلت الحوالة في الموضعين، أي في موضع احالة المشتري البائع و احالة البائع الأجنبي على المشتري. و وجهه أنّ صحّة الحوالة فرع ثبوت الثمن للبائع على التقديرين، فاذا تبيّن بطلان البيع من أصله ظهر عدم استحقاق البائع الثمن في نفس الأمر في ذمّة المشتري. و في الحقيقة الحوالة وقعت في نفسها باطلة، لا أنّها بطلت بظهور بطلان البيع، و انّما كشف ظهور بطلانه عن بطلانها من رأس».(1)
هذا ما ذكره المحقّق و شرحه في المسالك في حكم هذه المسألة و المسألة الآتية.
أقول:
اذا باع زيد متاعاً من عمرو و بقي على عهدة المشتري ثمنه، و من ناحية أخرى كان زيد مديوناً لخالد فأحاله على عمرو المشتري بالثمن، فتارة يفسخ
1) مسالك الأفهام 4: 233.
المشتري البيع و أخرى ينكشف بطلان البيع، و في كلتا الصورتين قد يكون قبل القبض أو بعده، فهذه أربع صور:
الأولى و الثانية: ما اذا فسخ المشتري البيع قبل القبض أو بعده بما يجوز له الفسخ فسيأتي حكمه في المسألة الآتية.
الثالثة و الرابعة: ما لو انكشف بطلان البيع سواء كان قبل القبض أو بعده، فانكشف بطلان الحوالة؛ لانكشاف عدم كون المشتري مديوناً مع كون الحوالة مبنيّة على كونه مديوناً، و صحّة الحوالة على البري ء منوطة برضاه كما مرّ سابقاً. هذا و لو أحال المشتري البائع بالثمن على من كان مديوناً له فتجري هاتان الصورتان فيه أيضاً.
قال الامام الخميني في التحرير: «لو أحال البائع من له عليه دين على المشتري، أو أحال المشتري البائع على شخص آخر ثمّ تبيّن بطلان البيع بطلت الحوالة. انتهى. و قال الشارح: لأنّ قبولها كان لأجل تخيّل الصحّة و تحقّق النقل و الانتقال، و قد انكشف الخلاف».(1)
(مسألة 16): اذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين ثمّ انفسخ البيع بالاقالة أو بأحد الخيارات فالحوالة صحيحة؛ لوقوعها في حال اشتغال ذمّة المشتري بالثمن فيكون كما لو تصرّف أحد المتبايعين فيما انتقل اليه ثمّ حصل الفسخ فانّ التصرّف لايبطل بفسخ البيع. و لا فرق بين أن يكون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده فهي تبقى بحالها و يرجع البائع على المشتري بالثمن، و ما عن الشيخ و بعض آخر - من الفرق بين الصورتين و الحكم بالبطلان في
1) تفصيل الشريعة (كتاب الحوالة): 392.
الصورة الثانية و هي ما اذا أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي لأنّها تتبع البيع في هذه الصورة حيث انّها بين المتبايعين بخلاف الصورة الأولى - ضعيف، و التبعية في الفسخ و عدمه ممنوعة. نعم، هي تبع للبيع حيث انّها واقعة على الثمن و بهذا المعنى لا فرق بين الصورتين. و ربما يقال ببطلانها ان قلنا: انّها استيفاء، و تبقى ان قلنا: انّها اعتياض، و الأقوى البقاء و ان قلنا: انّها استيفاء؛ لأنّها معاملة مستقلّة لازمة لاتنفسخ بانفساخ البيع، و ليس حالها حال الوفاء بغير معاملة لازمة كما اذا اشترى شيئاً بدراهم مكسّرة فدفع الى البائع الصحاح، أو دفع بدلها شيئاً آخر وفاءً حيث انّه اذا انفسخ البيع يرجع اليه ما دفع من الصحاح أو الشي ء الآخر لا الدراهم المكسّرة؛ فانّ الوفاء بهذا النحو ليس معاملة لازمة بل يتّبع البيع في الانفساخ بخلاف ما نحن فيه؛ حيث انّ الحوالة عقد لازم و ان كان نوعاً من الاستيفاء.
الشرح:
اذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين ثمّ انفسخ البيع بالاقالة أو بأحد الخيارات فالحوالة صحيحة؛ لوقوعها في حال اشتغال ذمّة المشتري بالثمن و عدم حدوث ما يوجب البطلان، فالمقتضي للصحّة موجود و المانع مفقود، فيكون كما لو تصرّف أحد المتبايعين فيما انتقل اليه ثمّ حصل الفسخ، فانّ التصرّف لايبطل بفسخ البيع؛ اذ الفسخ لايقتضي رفع الآثار و البطلان من الأوّل و انّما يقتضي عدم ترتّب الآثار من حينه.
و الحاصل أنّ الفسخ لايؤثّر في صحّة العقود السابقة عليه فانّها تبقى كما كانت؛ لصدورها من أهلها و وقوعها في محلّها. و من هنا فينحصر حقّ مالك
العين المنقولة - ثمناً كانت أم مثمناً - في الرجوع الى البدل كما في المباني(1).
و لا فرق بين أن يكون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده؛ لحصول النقل و الانتقال في الدين بمجرّد تحقّق الحوالة، فهي تبقى بحالها و يرجع المشتري على البائع بالثمن. و الظاهر أنّ عبارة المتن: «و يرجع البائع على المشتري»، من سهو القلم.
و ما عن الشيخ و بعض آخر من الفرق بين الصورتين والحكم بالبطلان في الصورة الثانية و هي ما اذا أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي لأنّها تتبع البيع، و اذا بطل المتبوع بطل التابع؛ حيث انّها بين المتبايعين بخلاف الصورة الأولى - و هو ما اذا أحال البائع دائنه على المشتري بالثمن - ضعيف؛ لأنّ الحوالة معاملة مستقلّة عن المعاملة الأولى - أي البيع - تماماً و ان اتّحد الطرفان فيهما؛ اذ العبرة انّما هي بتعدّد المعاملة و اتّحادها لا تعدّد الطرفين في المعاملتين و اتّحادهما - كما في المباني - و التبعيّة في الفسخ و عدمه ممنوعة؛ فانّ حالها حال سائر التصرّفات الصادرة من أحد المتبايعين حيث قد تقدّم عدم تأثير الفسخ في شي ء منها على الاطلاق. نعم، هي تابعة للبيع حيث انّها واقعة على الثمن، و بهذا المعنى لا فرق بين الصورتين.
ثمّ انّ المصنّف قال: «و ربّما يقال ببطلانها ان قلنا: انّها استيفاء، و تبقى ان قلنا: انّها اعتياض. و الأقوى البقاء و ان قلنا: انّها استيفاء؛ لأنّها معاملة مستقلّة لازمة لاتنفسخ بانفساخ البيع».
و هذا اشارة الى ما في المسالك حيث قال: «و ربّما بني الوجهان على أنّ الحوالة هل هي استيفاء ما على المحيل؛ نظراً الى عدم اشتراط القبض فيها و لو
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 530.
كان الحقّان من الأثمان، و لتحقّق براءة ذمّة الآمر بمجرّدها، و لأنّها لو كانت اعتياضاً كانت بيع دين بمثله، أو اعتياض؛ التفاتاً الى أنّه لم يقبض نفس حقّه، بل أخذ بدله عوضاً عنه، و هو معنى الاعتياض؟ فعلى الأوّل تبطل؛ لأنّها نوع ارفاق و اذا بطل الأصل بطلت هيئة الارفاق، كما لو اشترى بدراهم مكسّرة فأعطاه صحاحاً ثمّ فسخ فانّه يرجع بالصحاح، و على الثاني لايبطل، كما لو اعتاض البائع عن الثمن ثوباً ثمّ فسخ فانّه يرجع بالثمن لا بالثوب».(1)
ثمّ قال المصنّف: «و ليس حالها حال الوفاء بغير معاملة لازمة - الى أن قال: - فانّ الوفاء بهذا النحو ليس معاملة لازمة بل يتّبع البيع في الانفساخ بخلاف ما نحن فيه؛ حيث انّ الحوالة عقد لازم و ان كان نوعاً من الاستيفاء».
و قد استشكل فيه في المباني و قال: «انّ الظاهر لزوم الوفاء مطلقاً و عدم تبعيّته للبيع في الانفساخ، فانّ سلب ملكيّة الدائن عمّا قبضه عوضاً عن حقّه برضا المدين و وفاء منه يحتاج الى الدليل و هو مفقود. و بعبارة أخرى: انّ أداء المدين لدينه بغير ما ثبت في ذمّته وصفاً أو جنساً و قبض الدائن له برضاه و اختياره موجب لملكيّة الدائن له، و من هنا فيكون تصرّف المدين فيه بعد ذلك تصرّفاً في مال الغير بغير رضاه و أكلاً للمال لا عن تراضٍ. و لذا لم يلتزم أحد من الأصحاب قطّ بجواز رجوع المعطي فيما أعطاه قبل الفسخ ليبدله بمثله جنساً و وصفاً فضلاً عن غير المماثل له، فانّه ليس الّا لاحتياج سلب الملكيّة بعد ثبوتها الى الدليل و هو مفقود. و الحاصل أنّ الوفاء معاملة لازمة مطلقاً، سواء في ذلك ما كان بنحو الحوالة أو غيرها».(2)
(مسألة 17): اذا كان له عند وكيله أو أمينه مال معيّن خارجي فأحال دائنه عليه ليدفع اليه بما عنده فقبل المحتال و المحال عليه، وجب عليه الدفع اليه و ان لم يكن من الحوالة المصطلحة، و اذا لم يدفع له الرجوع على المحيل؛ لبقاء شغل ذمّته، و لو لم يتمكّن من الاستيفاء منه ضمن الوكيل المحال عليه اذا كانت الخسارة الواردة عليه مستنداً اليه؛ للغرور.
الشرح:
اذا كان له عند وكيله أو أمينه مال معيّن خارجي فأحال دائنه عليه ليدفع اليه بما عنده فيشترط قبول المحتال؛ اذ لايلزمه القبول بالرجوع على غير المدين، فانّ له رفض ذلك و مطالبة ماله من شخص مديونه، و أمّا المحال عليه فليس مخيّراً في الأداء و عدمه كي يعتبر قبوله، بل يلزمه امتثال الأمر و تسليم المال الى مالكه أو من يقوم مقامه.
و بالجملة اذا قبل المحتال وجب على المحال عليه الدفع اليه و ان لم يكن من الحوالة المصطلحة؛ لعدم انتقال الدين من ذمّة المحيل الى ذمّة المحال عليه؛ فانّ المحيل يبقى بنفسه مشغول الذمّة للمحتال الى حين وصول حقّه منه مباشرة أو من وكيله أو أمينه، و اذا لم يدفع فله الرجوع على المحيل؛ لبقاء شغل ذمّته.
و أمّا اذا لم يتمكّن المحتال من الاستيفاء من المحيل بعد عدم دفع المحال عليه، فقال المصنّف: «ضمن الوكيل المحال عليه اذا كانت الخسارة الواردة عليه مستنداً اليه؛ للغرور».
و استشكل عليه في المباني بمنع الغرور صغرىً و كبرىً و قال: «أمّا الأوّل: فلعدم صدقه فيما اذا كان المحال عليه بانياً على الأداء و الدفع ثمّ بدا له ما يمنعه عنه، فانّه لايصدق عليه التغرير قطعاً.
و أمّا الثاني: فلما عرفته غير مرّة من عدم ايجاب مجرّد الغرور للضمان. و لذا لم يلتزم أحد قطّ بضمان من رغّب غيره في سلعة بدعوى زيادة قيمتها في المستقبل أو زيادة الرغبة عليها فظهر العكس و خسر المشتري.
و بالجملة فمجرّد الغرور ليس من أسباب الضمان، على أنّ صدقه في بعض الموارد محلّ منع».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما استشكل به في المباني على المصنّف صغرىً و كبرىً حسن، فلايضمن الوكيل. نعم، لو تعدّى أو فرّط في حفظ مال الموكّل فتلف أو وردت عليه الخسارة فهو ضامن.
تمّ بعون اللَّه تعالى
شرح كتاب الحوالة من العروة الوثقى
و يليه بيان أحكام الكفالة
1) موسوعة الامام الخوئي 31: 533.
كتاب الكفالة(1)
و هي التعهّد و الالتزام باحضار نفس لمن له الحقّ متى طلبه.
الكفالة هي التعهّد و الالتزام باحضار نفس لمن له الحقّ متى طلبه؛ يدلّ عليه اللغة و عرف عامّة الناس و هو المعهود بين المتشرّعة خلفاً عن سلف و يظهر منهم الاجماع عليه.
(مسألة 1): الكفالة عقد واقع بين الكفيل و صاحب الحقّ و هو المكفول له، و يشترط فيها أمور: «الأوّل»: الايجاب من الكفيل و القبول من المكفول له.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يعتبر رضا الكفيل و المكفول له دون المكفول عنه».(2)
و في المسالك: «لمّا كانت الكفالة من جملة العقود اللازمة فلا بدّ من وقوعها بين اثنين و لو حكماً، و رضاهما بذلك. و مدار الكفالة على ثلاثة:
كفيل، و هو هنا بمعنى الفاعل، و ان كان يصلح للمفعول أيضاً، لكنّهم اصطلحوا على وضعه للفاعل، و تخصيص المكفول باسم المفعول.
و مكفول له، و هو صاحب الحقّ و لو بالدعوى.
و مكفول، و هو من عليه الحقّ أو الدعوى. فلا بدّ من رضا اثنين منهم ليتمّ العقد، فالكفيل و المكفول له يتعيّن رضاهما؛ أمّا الأوّل فواضح، لأنّ الانسان لايصحّ أن يلزمه الحقّ الّا برضاه. و أمّا الثاني فلأنّه صاحب الحقّ، فلايجوز الزامه شيئاً بغير رضاه، و بهما يتمّ العقد.
و أمّا المكفول فلايعتبر رضاه؛ لوجوب الحضور عليه متى طلبه صاحب الحقّ بنفسه أو وكيله، و الكفيل بمنزلة الوكيل حيث يأمره باحضاره، و غاية الكفالة هي حضور المكفول حيث يطلب. و هذا هو المشهور بين علمائنا و غيرهم.
و للشيخ رحمه الله قول باشتراط رضاه، و تبعه ابن ادريس، و قوّاه في التحرير. و هو ضعيف؛ لأنّ المستحقّ متى طلبه وجب عليه الحضور و ان لم يكن مكفولاً اجماعاً. و فائدة الكفالة راجعة الى الزام الكفيل بالاحضار حيث يطلبه المكفول له.
و كيف كان فلا بدّ من اقترانه بالايجاب و القبول الصادرين من الكفيل و المكفول له. أمّا المكفول لو قلنا باعتبار رضاه فيكفي رضاه بذلك كيف اتّفق. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
انّ الكفالة عقد بين الكفيل و المكفول له على ما أوضحه في المسالك فيعتبر فيها أمور: الأوّل: الايجاب من الكفيل و القبول من المكفول له و رضاهما، كما في سائر العقود، أمّا المكفول فسيأتي الكلام فيه. و هي من العقود اللازمة.
1) مسالك الأفهام 4: 234 و 235.
ثمّ انّ المراد بالحقّ أعمّ من العين و الدين؛ لاطلاق الكلمات و تصريح جمع، و يشمل حقّ اثبات الدعوى على المكفول. و الفرق بين الكفالة و الضمان و الحوالة أنّ الأوّل هو التعهّد بالنفس، و الثاني التعهّد بالمال ممّن ليس عليه، و الحوالة التعهّد بالمال ممّن عليه المال.
(مسألة 2): يكفي في الايجاب كلّ لفظ ظاهر في التعهّد المزبور كأن يقول: «كفّلت لك نفس فلان» أو «أنا كفيل لك باحضاره» و نحو ذلك، و في القبول كلّ ما هو ظاهر في الرضا بذلك. و ان تعارف فيه المعاطاة فلا بأس بها.
الشرح:
يكفي في الايجاب كلّ لفظ ظاهر في التعهّد المزبور، و لو كان باعانة القرينة، و في القبول كلّ ما هو ظاهر في الرضا بذلك، و هكذا يكون جارياً في كلّ عقد من العقود، و يجوز المعاطاة ان كان متعارفاً كما يكون ذلك في البيع و الاجارة و غيرهما.
«الثاني»: يعتبر في الكفيل الشرائط العامّة - كالبلوغ و العقل و الاختيار - و التمكّن من الاحضار.
(مسألة 3): لايشترط في المكفول له البلوغ و العقل فتصحّ الكفالة للصبي و المجنون ان قبلها الولي.
الشرح:
الثاني: يعتبر في الكفيل الشرائط العامّة كالبلوغ و العقل و الاختيار و يزيد هنا التمكّن من الاحضار؛ لأنّ قوام الكفالة بتمكّن الكفيل من احضار المكفول متى
طلبه المكفول له، فهو شرط عقلي مضافاً الى الاجماع.
و لايشترط في المكفول له البلوغ و العقل، كما اذا جنى شخص على صبي أو مجنون و كفّل شخص لهما برضا وليّهما أن يحضر الجاني لاقامة الدعوى عليه و اثبات حقّ الجناية، و كذا في سائر موارد الحقوق نفسيّة كانت أو عرضيّة أو ماليّة.
و أمّا الكفيل فلا بدّ من كونه عاقلاً بالغاً؛ لعدم الاعتبار بألفاظ المجنون و أفعاله عند العقلاء، و الصبي غير مكلّف و لم يكن لتعهّده الزام و التزام، و لو لم يحضر المكفول لم يكن للمكفول له تعذيبه و عقابه بأخذه و تحبيسه.
«الثالث»: رضا الكفيل و المكفول له بلا اشكال و كذا المكفول على الأحوط بل ينبغي الاحتياط في جعله طرفاً للعقد بأن يكون عقدها مركّباً من ايجاب و قبولين من المكفول له و المكفول.
الشرح: قد تقدّم في أوّل البحث اشتراط رضا الكفيل و المكفول له، و الاحتياط في رضا المكفول أيضاً.
(مسألة 4): تصحّ الكفالة باحضار من عليه حقّ مالي، و لا يشترط العلم بمبلغ ذلك المال.
الشرح: و ذلك لأنّ أدلّة الكفالة تشمله، و لايشترط العلم بمقدار ذلك المال؛ لأنّ قوام الكفالة هو التعهّد باحضار من عليه الحقّ لمن له الحقّ.
«الرابع»: أن يكون المال ثابتاً في الذمّة بحيث يصحّ ضمانه، و يكفي المعرضيّة العرفيّة للثبوت أيضاً فتصحّ بالنسبة الى مال الجعالة بعد حصول السبب و ان لم يعمل العامل بعد.
الشرح:
يشترط أن يكون المال ثابتاً في ذمّته لتكون الكفالة صحيحة، و يكفي المعرضيّة العرفيّة للثبوت، كمن جعل مالاً لعمل فيصحّ أن يصير شخص كفيلاً للعامل - أي المكفول له - لأن يحضر الجاعل - أي المكفول - بعد العمل، و ان لم يعمل العامل بعد.
(مسألة 5): تصحّ كفالة كلّ من يستحقّ عليه الحضور الى مجلس الشرع بأن تكون عليه دعوى مسموعة و ان لم تقم البيّنة عليه بالحقّ، و لاتصحّ كفالة من عليه عقوبة من حدّ أو تعزير.
الشرح:
الظاهر صحّة الكفالة لكلّ حقّ شرعي أعمّ من الدين أو العين، بل تصحّ كفالة كلّ من يستحقّ احضاره الى مجلس الشرع؛ لأنّ المتيقّن من مورد الكفالة التعهّد باحضار النفس المستحقّ عليها بذلك بسبب حقّ و لو دعوى المكفول له عليها - كما عن الجواهر - نعم، لاتصحّ في الحدود للاجماع المحكي عن التذكرة على ذلك، و لقوله صلى الله عليه وآله في المروي من طرق الخاصّة و العامّة:
«لا كفالة في حدّ».(1)
قال في الجواهر: «عن فخر الاسلام: «الكفالة من مذهبنا انّما تصحّ بشرط أن يكون على المكفول للمكفول له حقّ شرعي، و الحقّ أعمّ من أن يكون ديناً أو عيناً، و قيل: «كلّ من يستحقّ احضاره الى مجلس الشرع فانّه تصحّ كفالته».». قلت: فعلى الأخير و هو الصحيح تصحّ الكفالة بمجرّد الدعوى، دون الأوّل. و على كلّ
1) وسائل الشيعة 18: 437 / الباب 16 من كتاب الضمان / الحديثان 1 و 2.
حال فالمتيقّن من مورد الكفالة التعهّد باحضار النفس المستحقّ عليها بذلك بسبب حقّ و لو دعوى المكفول له عليها».(1)
(مسألة 6): الكفالة على أقسام ثلاثة امّا معجّلة، أو مؤجّلة فحينئذ يعتبر تعيين الأجل على وجه لايختلف زيادة و نقصاً، أو مطلقة فتكون مثل الأوّل.
الشرح:
قال في الشرائع: «و تصحّ حالّة و مؤجّلة، على الأظهر، و مع الاطلاق تكون معجّلة و اذا اشترط الأجل، فلا بدّ أن يكون معلوماً».(2)
و في المسالك: «و تصحّ حالّة و مؤجّلة على الأصحّ؛ للأصل و لأنّ الحضور حقّ شرعي، فلايمنعه الحلول. و اشترط الشيخ و جماعة فيها الأجل كالضمان. و هو ضعيف. و اذا اشترط الأجل فلا بدّ أن يكون معلوماً؛ لأنّه موضع وفاق و لأنّ الأجل المجهول يوجب الغرر؛ اذ ليس له وقت يستحقّ مطالبته فيه كغيره من الآجال. انتهى ملخّصاً».(3)
و تصحّ حالّة و معجّلة؛ لاطلاق الأدلّة و عدم المانع، و للأصل. و اذا اشترط الأجل فلا بدّ و أن يكون معلوماً؛ لعدم الخلاف فيه كما عن الجواهر.(4)و لو لم يعيّن الأجل فيصير معجّلة، كما في سائر الانشاءات المطلقة.
(مسألة 7): عقد الكفالة لازم لايجوز فسخه الّا بالاقالة، و يجوز جعل الخيار فيه لكلّ من الكفيل و المكفول له مدّة معيّنة.
الشرح:
عقد الكفالة لازم؛ لأصالة اللزوم في كلّ عقد الّا ما خرج بالدليل لقوله تعالى: «أوفوا بالعقود». و قد تقدّم منّا البحث عن أدلّة اثبات اللزوم في كلّ عقد في البحث عن بيع المكاسب، و لايجوز فسخه الّا برضا الطرفين كما هو شأن كلّ عقد لازم. و يجوز جعل الخيار لكلّ من الكفيل و المكفول له مدّة معيّنة؛ لاطلاق قوله عليه السلام: «المؤمنون عند شروطهم»، و يلزم أن يكون المدّة معيّنة لنفي الغرر.
و في المسالك - في ذيل قول المحقّق: «و اذا اشترط الأجل فلا بدّ أن يكون معلوماً» - قال: «هذا موضع وفاق، و لأنّ الأجل المجهول يوجب الغرر؛ اذ ليس له وقت يستحقّ مطالبته فيه كغيره من الآجال».(1)
(مسألة 8): يصحّ للمكفول له أن يطالب الكفيل ان كانت الكفالة مطلقة أو معجّلة مع حلول الحقّ، و بعد الأجل ان كانت مؤجّلة، فان كان المكفول حاضراً وجب على الكفيل احضاره، فان أحضره و سلّمه تسليماً تامّاً بحيث يتمكّن المكفول له منه فقد برئ ممّا عليه. نعم، لو لم يتسلّمه و يمكن تسليمه الى الحاكم سلّمه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و للمكفول له، مطالبة الكفيل بالمكفول عنه عاجلاً، ان كانت
1) مسالك الأفهام 4: 235.
مطلقة أو معجّلة و بعد الأجل ان كانت مؤجّلة، فان سلّمه تسليماً تامّاً فقد برئ».(1)
قال في المسالك: «المراد بالتسليم التامّ أن يكون في الوقت و المكان المعيّن ان عيّناهما في العقد، و في بلد العقد مع الاطلاق، و لايكون للمكفول له مانع منتسلّمه، بأن لايكون في يد ظالم و نحو ذلك، فاذا سلّمه كذلك فقد برئ من عهدته، فان لم يتسلّمه منه و أمكن تسليمه الى الحاكم سلّمه اليه و برئ أيضاً. و لو لم يمكن أشهد عدلين باحضاره الى المكفول له و امتناعه من قبضه».(2)
أقول:
الدليل على حكم المسألة هو اقتضاء عقد الكفالة و فقد المانع، فعلى الكفيل احضار المكفول متى طلبه المكفول له ان كان العقد مطلقاً، و بعد المدّة المعيّنة ان كان مؤجّلاً، فعلى الكفيل أن يسلّمه اليه تسليماً تامّاً بحيث يتمكّن المكفول له منه؛ لأنّه الذي ألزم على نفسه في العقد، فاذا فعل ذلك فقد برئ عن عهدة ما التزم به فلا موضوع لوجوب شي ء آخر عليه بعد ذلك.
نعم، اذا لم يتسلّمه المكفول له و يمكن تسليمه الى الحاكم سلّمه اليه، و ان تعذّر أو تعسّر ذلك أشهد عليه و اكتفى به لرفع المنازعة المحتملة في المستقبل.
(مسألة 9): لو امتنع الكفيل عن احضار المكفول، فللمكفول له مطالبة حبسه عند الحاكم حتّى يحضره أو يؤدّي ما عليه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و ان امتنع، كان له حبسه حتّى يحضره، أو يؤدّي ما عليه».(1)
و قال في المسالك: «أمّا اذا امتنع من التسليم التامّ ألزمه الحاكم به فان أبى حبسه حتّى يحضره و له عقوبته عليه كما في كلّ ممتنع من أداء الحقّ، ثمّ ان سلّمه بعد ذلك فلا كلام، و ان أبى و بذل ما عليه فظاهر المصنّف الاكتفاء به في براءته. و عليه الشيخ رحمه الله و جماعة؛ لحصول الغرض من الكفالة. و هذا على تقدير تمامه انّما يصحّ فيما يمكن أخذه من الكفيل كالمال. انتهى ملخّصاً».(2)
لو امتنع الكفيل عن احضار المكفول فللمكفول له مطالبة حبسه عند الحاكم حتّى يحضره أو يؤدّي ما عليه، نسب ذلك الى جمع منهم ابن ادريس و المحقّق والشهيدين - كما في مهذّب الأحكام(3)- لابتناء الكفالة على ذلك عرفاً و لأنّ ذلك هو المقصود بين المتعاقدين في الكفالة.
و قد دلّ على جواز حبس الكفيل حتّى يحضر المكفول أو يؤدّي ما عليه، موثّقة عمّار عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«أتي أميرالمؤمنين عليه السلام برجل قد تكفّل بنفس رجل فحبسه، و قال: أطلب صاحبك».(4)
و نحوها الروايات الأخر في الباب المذكور.
و الدليل على لزوم أداء ما عليه لو لم يحضره، مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: الكفالة خسارة غرامة ندامة».(5)
(مسألة 10): لو كان المكفول غائباً فان كان مكانه معلوماً يمكن الكفيل ردّه منه أمهل بقدر ذهابه و مجيئه فاذا مضى قدر ذلك و لم يأت به من غير عذر حبس كما مرّ، و ان كان غائباً غيبة منقطعة لايعرف موضعه و انقطع خبره لم يكلّف الكفيل احضاره، لعدم امكانه ولكن يلزم بأداء ما عليه، خصوصاً اذا كان بتفريط من الكفيل بأن طالبه المكفول له و كان متمكّناً منه فلم يحضره حتّى هرب. نعم، لو كان بحيث لايرجى الظفر به بحسب العادة يشكل صحّة الكفالة من أصلها.
الشرح:
قال في الشرائع: «الثانية: اذا كان المكفول عنه غائباً، و كانت الكفالة حالّة أنظر بمقدار ما يمكنه الذهاب اليه و العود به. و كذا ان كانت مؤجّلة، أخّر بعد حلولها بمقدار ذلك».(1)
قال في المسالك: «محلّ الانظار ذلك المقدار بعد مطالبة المكفول له باحضاره، لا بمجرّد الحلول. و المراد من الغائب هنا من يعرف موضعه و لم ينقطع خبره، فلو لم يعرف لانقطاع خبره لم يكلّف الكفيل احضاره؛ لعدم الامكان و لا شي ء عليه؛ لأنّه لم يكفل المال، و لم يقصّر في الاحضار. و لا فرق في الغائب المعلوم محلّه بين المتجاوز لمسافة القصر و غيره، خلافاً لبعض العامّة».(2)
قال في الجواهر: «قد يقال بأنّه يلزم الكفيل بأداء ما عليه و ان لم يتمكّن من احضاره؛ لأنّه هو الذي أوقع نفسه في ذلك فيكلّف به و يحبس عليه، و لو لأن يفدي نفسه بأداء ما عليه، ليتخلّص من ذلك كما هو مقتضى النصوص في
حبسه، و من ذلك يظهر الحال فيما لو فرّط الكفيل في احضاره بعد مطالبة المكفول له، و كان متمكّناً منه فهرب أو غاب غيبة منقطعة على وجه تعذّر احضاره أو هرّبه هو؛ ضرورة أولويّة لزومه المال. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه في الجواهر و ما عرفته في متن المسألة، هو الموافق لاقتضاء عقد الكفالة و يؤيّده بل يدلّ عليه اطلاق موثّقة عمّار، و مرسلة الصدوق المتقدّمتين في المسألة السابقة. نعم، لو كان شخص قد هرب ممّن له عليه حقّ و لايظنّ بحضوره و لايرجى الظفر به بحسب العادة يشكل صحّة الكفالة عنه؛ لعدم ترتّب ثمرة على ذلك.
(مسألة 11): اذا لم يحضر الكفيل المكفول فأخذ منه المال، فان لم يأذن له المكفول لا في الكفالة و لا في الأداء ليس له الرجوع عليه بما أدّاه، و اذا أذن له في الأداء كان له أن يرجع به عليه، سواء أذن له في الكفالة أيضاً أم لا، و ان أذن في الكفالة دون الأداء فان كان اذنه فيها ملازماً عرفاً للأداء يرجع اليه بلا اشكال، و الّا فلايبعد القول بالرجوع أيضاً اذا لم يمكن له احضار المكفول.
الشرح:
قال في الجواهر: «ثمّ انّ الكفيل يرجع على المكفول بما أدّاه ان كان الأداء عنه باذنه و ان كانت الكفالة بغير اذنه بناءً على مشروعيّتها، و الفرق بينها و بين الضمان
1) جواهر الكلام 26: 201 و 202.
بغير اذنه مع كون الأداء باذنه أنّ الكفالة لم يتعلّق بالمال بالذات، فيكون حكم الكفيل بالنسبة اليه حكم الأجنبي فاذا أدّاه باذن من عليه، فله الرجوع.
نعم، اذا أدّى مع فرض تعذّر الاحضار، ففي المسالك: «له الرجوع و ان لم يأذن له في الأداء؛ لأنّ ذلك من لوازم الكفالة فالاذن فيه اذن في لوازمها» و فيه: أنّه منافٍ لما سمعته منه و غيره سابقاً من أنّه لاتقتضي الّا الاحضار».(1)
أقول:
قد عرفت حكم ثلاث صور من صور المسألة ممّا ذكر في المتن و هي ما اذا لم يأذن في الكفالة و لا في الأداء و ما اذا أذن في الأداء دون الكفالة و ما اذا أذن في الكفالة و كان الاذن ملازماً عرفاً للاذن في الأداء.
أمّا الصورة الرابعة و هي ما اذا أذن في الكفالة دون الأداء، و لم يكن اذنه فيها ملازماً عرفاً للأداء، فلايبعد القول بالرجوع اليه بل الأقوى ذلك ان كان المكفول قد اختفى نفسه لئلّايحضره الكفيل. و أمّا ان أمكن احضاره الّا أنّ الكفيل امتنع و أخذ منه المال و لم يأذن له المكفول و لم يكن اذنه في الكفالة ملازماً عرفاً للاذن في الأداء، فلايرجع اليه.
(مسألة 12): لو عيّن الكفيل في الكفالة مكان التسليم تعيّن فلايجب عليه تسليمه في غيره، و لو طلب ذلك المكفول له لم تجب اجابته، كما أنّه لو
1) جواهر الكلام 26: 190 و 191.
سلّمه في غير ما عيّن لم يجب على المكفول له تسلّمه. و أمّا لو أطلق عقد الكفالة و لم يعيّن مكان التسليم فان أوقعا العقد في بلد المكفول له أو بلد قراره انصرف اليه و ان أوقعاه في برّيّة أو بلد غربة لم يكن من قصده القرار و الاستقرار فيه، فان كانت قرينة على التعيين فهو بمنزلته و الّا بطلت الكفالة من أصلها.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا تكفّل بتسليمه مطلقاً، انصرف الى بلد العقد. و ان عيّن موضعاً لزم. و لو دفعه في غيره لم يبرأ. و قيل: «اذا لم يكن في نقله كلفة، و لا في تسلّمه ضرر، وجب تسلّمه»، و فيه تردّد».(1)
و في المسالك: «أطلق المصنّف رحمه الله و جماعة انصراف اطلاق الكفالة الى بلد العقد؛ لأنّه المفهوم عند الاطلاق. و هذا التعليل يتمّ لو كان محلّ العقد بلد المكفول له، أو بلد قرار لاينافي الارادة عرفاً. فلو كان برّيّة أو بلد غربة قصدهما مفارقته سريعاً، بحيث تدلّ القرائن على عدم ارادته، أشكل انصراف الاطلاق اليه.
أقول:
لو عيّن الكفيل في الكفالة مكان التسليم تعيّن؛ لعموم قوله صلى الله عليه وآله: «المؤمنون عند
شروطهم».(1)فلايجب عليه تسليمه في غيره، و لو طلب ذلك المكفول له لم تجب اجابته؛ للأصل، كما أنّه لو سلّمه في غير ما عيّن لم يجب على المكفول له تسلّمه، للأصل. و لو أطلق و لم يعيّن مكان التسليم فان أوقعا العقد في بلد المكفول له انصرف اليه، لما هو متعارف عند الناس من نظيره في معاوضاتهم و سائر حقوقهم. و لو لم يكن العقد في بلد المكفول له و كان في بلد من قصده القرار فيه فان لم تكن هناك قرينة على بلد المكفول له انصرف الى بلد القرار. و ان أوقعاه في برّيّة أو بلد غربة لم يكن من قصدهما القرار و الاستقرار فيه، فان كانت قرينة على التعيين فهو بمنزلة التعيين كما هو المتعارف عند الناس و أمضاه الشارع، و الّا فالظاهر كما في المتن بطلان الكفالة؛ للغرر و الجهالة.
(مسألة 13): يجب على الكفيل التوسّل بكلّ وسيلة مشروعة لاحضار المكفول، حتّى أنّه لو احتاج الى الاستعانة بشخص قاهر لم يكن فيها مفسدة أو مضرّة دينيّة أو دنيويّة لم يبعد وجوبها.
الشرح:
قال في المهذّب: «أمّا وجوب الاستعانة لاحضار المكفول بكلّ وسيلة مشروعة فلأنّ احضاره بالطرق المشروع من مقوّمات الكفالة فيشمله ما دلّ على وجوب الوفاء بالعقد و الالتزام الصحيح الجامع للشرائط. و أمّا صحّة التوسّل القاهر مععدم المفسدة فلأنّه أيضاً من مقدّمات تحصيل الواجب عليه بالالتزام العقدي الواقع بينهما».(2)
أقول:
اذا وجب على الكفيل احضار المكفول يجب عليه عقلاً تحصيل مقدّماته المشروعة، و لو تسامح و لم يحضره يجوز للمكفول له أن يحبسه أو يغرمه على ما مرّ. و لو احتاج الى الاستعانة بشخص قاهر و لم تكن فيها مفسدة أو مضرّة دينيّة أو دنيويّة معتنى بها يجب عليه؛ لأنّه يجب عليه احضاره، و ذلك مقدّمته.
(مسألة 14): لو كان المكفول غائباً و احتاج حمله الى مئونة فعلى المكفول نفسه، و لو صرفها الكفيل لا بعنوان التبرّع، له أن يرجع بها عليه اذا كان الكفالة باذنه، الّا اذا اشترط كونها على الكفيل.
الشرح:
لو رضي المكفول بكفالة شخص و التزم بحضوره في المكان المعيّن و الزمان المعيّن، فلو لم يحضر فيجب على الكفيل بالتزامه للمكفول له أن يحضره، و عليه فلو احتاج احضاره الى مئونة فعلى المكفول نفسه. و لو كفّله بدون رضاه و قلنا بجوازه فالمئونة التي يصرفها لاحضاره على الكفيل. و لو شرط المكفول أن تكون المئونة التي يصرفها الكفيل احياناً لاحضاره بعهدة الكفيل فيكون على الكفيل، و كذا لو تبرّع.
(مسألة 15): ينحلّ عقد الكفالة بأمور: «الأوّل»: ما اذا برأ ذمّة الكفيل باحضار المكفول، أو حضوره و تسليم نفسه تسليماً تامّاً.
«الثاني»: ما اذا أخذ المكفول له المكفول طوعاً أو كرهاً بحيث تمكّن من استيفاء حقّه أو احضاره مجلس الحكم.
«الثالث»: ما اذا أبرأ المكفول له الحقّ الذي على المكفول. «الرابع»: ما اذا رفع المكفول له يده عن الكفالة. «الخامس»: ما اذا أدّى المكفول حقّ المكفول له. «السادس»: ما اذا مات الكفيل أو المكفول.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا مات المكفول برأ الكفيل. و كذا لو جاء المكفول و سلّم نفسه».(1)
و في الجواهر: «اذا مات المكفول برأ الكفيل على المشهور كما عن التنقيح بل في الرياض نفي الخلاف فيه، بل في محكي التذكرة بطلت الكفالة، و لم يلزم الكفيل شي ء عند علمائنا، بل عن الغنية الاجماع عليه - الى أن قال: - أمّا موت الكفيل فلا اشكال في بطلان الكفالة حينئذ بخلاف موت المكفول له، فانّ الحقّ ينتقل الى وارثه؛ لعموم أدلّة الارث، بعد أصالة بقاء الحقّ. و كذا يبرأ الكفيل لو جاء المكفول و سلّم نفسه للمكفول له عن الكفيل تسليماً تامّاً أو سلّمه أجنبي عنه كذلك، و قبل المكفول له لذلك؛ لحصول الغرض، و عدم الدليل على اعتبار كون ذلك من الكفيل. انتهى ملخّصاً».(2)
أقول: كلّ ذلك لزوال الموضوع.
(مسألة 16): لو مات المكفول له فالكفالة باقية و ينتقل حقّ المكفول له الى ورثته.
الشرح:
قال في الجواهر: «لو مات المكفول له ينتقل الحقّ الى وارثه؛ لعموم أدلّة الارث، بعد أصالة بقاء الحقّ، بل قد ذكرنا سابقاً في الحوالة احتمال انتقال حقّ الكفالة بانتقال الدين ببيع أو حوالة و نحوهما و ان صرّح الفاضل في القواعد و بعض شرّاح كلامه بعدم انتقاله كما ذكرنا ذلك سابقاً. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
لو مات المكفول له ينتقل حقّه الى ورثته فعلى الكفيل الوفاء بما عاهد عليه في العقد.
(مسألة 17): لو نقل المكفول له الحقّ الذي على المكفول الى غيره ببيع أو صلح أو حوالة بطلت الكفالة، الّا اذا أجاز الكفيل.
الشرح:
و ذلك لأنّ العقد الذي انعقد كان بينه و بين المكفول له فالانتقال الى شخص آخر ليصير الثاني مكفولاً له احتاج الى عقد جديد أو اجازة.
(مسألة 18): من خلّى غريماً من يد صاحبه قهراً و اجباراً ضمن احضاره أو أداء ما عليه، و لو خلّى قاتلاً من يد ولي الدم لزمه احضاره أو اعطاء الدية و ان كان القتل عمداً.
الشرح:
1) جواهر الكلام 26: 205.
قال في الشرائع: «و من أطلق غريماً من يد صاحب الحقّ قهراً ضمن احضاره أو أداء ما عليه. و لو كان قاتلاً لزمه احضاره أو دفع الدية».(1)
و في المسالك: «لأنّه غصب اليد المستولية المستحقّة من صاحبها، فكان عليه اعادتها أو أداء الحقّ الذي بسببه ثبتت اليد عليه - الى أن قال: - لا فرق في ذلك بين كون القتل عمداً و غيره؛ اذ القصاص لايجب الّا على المباشر، فاذا تعذّر استيفاؤه وجبت الدية، كما لو هرب القاتل عمداً أو مات.
ثمّ ان استمرّ القاتل هارباً ذهب المال على المخلّص، و ان تمكّن الولي منه وجب عليه ردّ الدية الى الغارم و ان لم يقتصّ من القاتل؛ لأنّها انّما وجبت لمكان الحيلولة و قد زالت».(2)
أقول:
من خلّى غريماً من يد صاحبه قهراً و اجباراً ضمن احضاره أو أداء ما عليه، و هذا كما لو غصب ماله أو حال بينه و بين ماله حتّى تلف. و لو خلّى قاتلاً من يد ولي الدم لزمه احضاره؛ للحقّ الذي عليه من ولي الدم، و لو لم يحضره - و ان كان لعدم امكانه - وجب عليه اعطاء الدية بعد عدم جواز قتله. ففي صحيحة حريز عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل قتل رجلاً عمداً فرفع الى الوالي فدفعه الوالي الى أولياء المقتول ليقتلوه، فوثب عليهم قوم فخلّصوا القاتل من أيدي الأولياء، قال: أرى أن يحبس الذي خلّص القاتل من أيدي الأولياء حتّى يأتوا بالقاتل، قيل: فان مات القاتل و هم في السجن، قال: و ان
مات فعليهم الدية يؤدّونها جميعاً الى أولياء المقتول».(1)
(مسألة 19): يجوز ترامي الكفالات بأن يكفل كفيل آخر ثمّ يكفل كفيل الكفيل كفيل آخر و هكذا، و حيث انّ الكلّ فروع الكفالة الأولى و كلّ لاحق فرع سابقه فلو أبرأ المستحقّ الكفيل الأوّل أو أحضر الأوّل المكفول الأوّل أو مات أحدهما برؤوا أجمع، و لو برأ المستحقّ بعض من توسّط برئ هو و من بعده دون من قبله، و كذا لو مات برئ من كان فرعاً له.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو كفّل الكفيل آخر، و ترامت الكفلاء جاز».(2)
قال في المسالك: «لمّا كان ضابط جواز الكفالة ثبوت حقّ على المكفول و ان لم يكن مالاً، صحّ كفالة الكفيل من كفيل ثانٍ؛ لأنّ الكفيل الأوّل عليه حقّ للمكفول له، و هو احضار المكفول الأوّل، و هكذا القول في كفالة كفيل الكفيل، و هكذا، و هو معنى الترامي. ثمّ يختلف حكم الاحضار فيهم، فانّه متى أحضر الكفيل الأخير مكفوله برئ من الكفالة خاصّة، و بقي على مكفوله احضار من كفله، و هكذا. و لو أحضر الكفيل الأوّل مكفوله برئ الجميع؛ لأنّهم فرع. و ان أحضر الكفيل الثاني الكفيل الأوّل برئ هو و برئ من بعده من الكفلاء، و هكذا. و لو أبرأ المكفول له الأوّل غريمه المكفول الأوّل - و هو الأصيل - برؤوا أجمع؛ لزوال الكفالة بسقوط الحقّ. و لو أبرأ غيره من كفالته - أي أسقط عنه حقّ الكفالة - برئ من بعده دونمن قبله. و متى مات واحد منهم برئ من كان فرعاً له، فبموت من عليه الحقّ يبرؤون
جميعاً، و بموت الكفيل الأوّل يبرأ من بعده، و بموت الثاني يبرأ الثالث و من بعده دون من قبله، و هكذا بموت الثالث يبرأ من بعده و لايبرأ الأوّلان. و قد تقدّم في الضمان و الحوالة ورود الترامي و الدور فيهما. أمّا الكفالة فلايصحّ دورها و ان صحّ تراميها؛ لأنّ حضور المكفول الأوّل يوجب براءة من كفله و ان تعدّد، فلا معنى لمطالبته باحضار من كفله».(1)
(مسألة 20): لو نهى الوالد ولده عن الكفالة فخالف و عصى و تكفّل ولكن أحضر المكفول لدى المكفول له، يترتّب عليه الأثر، و كذا لو نذر أن لايكفل شخصاً ينعقد نذره و تجب الكفّارة مع المخالفة.
الشرح:
قال في المهذّب: «أمّا المعصية فلمخالفة الوالد و أمّا ترتّب الأثر فلتحقّق الموضوع و كذا الكلام في النذر».(2)
أقول:
لو نهى الوالد ولده عن الكفالة بحيث لو خالفه يتأذّى فلو خالفه عصى؛ لحرمة ايذاء الوالد، ولكن كفالته صحيحة فيجب عليه احضار المكفول، و ذلك لأنّ النهي هنا كالنهي عن البيع يوم الجمعة، فلايوجب بطلان العقد فاذا أحضر المكفول لدى المكفول له يترتّب عليه الأثر. و كذا لو نذر أن لايكفل شخصاً ينعقد نذره لرجحان ترك الكفالة، ولكن تجب الكفّارة لمخالفة النذر، و ينعقد الكفالة لما ذكر.
(مسألة 21): يجوز الكفالة مع العوض و غير العوض سواء كان العوض على المكفول أو المكفول له أو الأجنبي.
الشرح:
يجوز الكفالة مع العوض و غير العوض؛ لاطلاق الدليل و الفتوى بلا فرق بين أن يكون العوض على المكفول أو المكفول له أو الأجنبي، و يلزم لقوله صلى الله عليه وآله: «المؤمنون عند شروطهم».
(مسألة 22): تجري الفضوليّة في الكفالة و تصحّ مع الاجازة اللاحقة كما تصحّ مع الاذن السابق.
الشرح:
تجري الفضوليّة في الكفالة؛ لأنّه عقد لازم كالعقود اللازمة الأخر، فتجري فيه الفضوليّة كما في سائر العقود، فلو عقد زيد - مثلاً - عقد الكفالة عن عمرو الغائب بعنوان الكفيل عن خالد، لبكر الذي هو المكفول له فضولاً ثمّ أجاز عمرو تصحّ الكفالة. و كذا تصحّ لو أذن عمرو أن يعقد زيد عنه بعنوان الكفيل بينه و بين البكر الذي هو المكفول له.
(مسألة 23): يجوز كفالة المسلم عن الكافر و بالعكس و ان كان الأحوط ترك العكس.
الشرح:
يجوز كفالة المسلم عن الكافر؛ لاطلاق الدليل و الفتوى، و أمّا كفالة الكافر عن
المسلم ففيه اشكال؛ للظنّ بأنّها من مصاديق السبيل و قال اللَّه تعالى: «و لن يجعل اللَّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً»(1). فالأحوط تركها و ان كان الأقوى جوازها.
(مسألة 24): لو تضرّر الكفيل بالكفالة فلايجب على المكفول له تداركه ان لم يكن له تسبيب في البين أو اشتراط كونه عليه.
الشرح:
لو تضرّر الكفيل بالكفالة فلايجب على المكفول له تداركه؛ لأصالة البراءة. نعم، لو كان المكفول له مسبّباً لتضرّره فهو ضامن. و كذا لو شرط الكفيل في العقد أن يكون ما يتضرّر بعهدة المكفول له فعليه.
(مسألة 25): يكره التعرّض للكفالات و قد قال مولانا الصادق عليه السلام في خبر لبعض أصحابه: «ما لك و الكفالات؟ أما انّها أهلكت القرون الأولى»، و عنه عليه السلام: «الكفالة خسارة غرامة ندامة».
الشرح:
قال: في المهذّب: «و عنه عليه السلام أيضاً: «مكتوب في التوراة: الكفالة ندامة و غرامة»، هذا مع عدم المصلحة الراجحة في البين و الّا فقد تجب كانجاء المؤمن من القتل، و قيل في مدح ذي الكفل أنّه كفّل سبعين نبيّاً من القتل ، كما أنّها في غير كفالة اليتيم و نحوه من الضعفاء و الّا فقد ورد في مدحها ما تبهر منه و هي غير الكفالة المذكورة».(2)
(مسألة 26): يجوز اشتراط كلّ شرط سائغ في عقد الكفالة سواء كان للكفيل أو للمكفول أو للمكفول له أو للجميع، و تصحّ اشتراط أصل الكفالة الى مدّة معيّنة.
الشرح:
يجوز اشتراط كلّ شرط سائغ في عقد الكفالة كما هو جائز في كلّ عقد من العقود اللازمة؛ لعموم أدلّة الشروط، الّا ما خرج بالدليل و ليس هنا تخصيص. سواء كان الشرط للكفيل أو المكفول أو المكفول له أو للجميع؛ لاطلاق الأدلّة و مساواتهم في ذلك. و يصحّ اشتراط أصل الكفالة الى مدّة معيّنة؛ لعدم الدليل على المنع، و تبطل الكفالة بعد انقضاء المدّة.
(مسألة 27): لو أنكر الكفيل الكفالة و ادّعاها المكفول له فان ثبت دعوى المدّعي بحجّة معتبرة يقبل قوله و الّا فيحلف المنكر على نفي الكفالة.
الشرح:
لو أنكر الكفيل الكفالة و ادّعاها المكفول له، فان أقام بيّنة على دعواه و ثبت عند القاضي يقبل قوله، و الّا فيحلف المنكر على نفي الكفالة، فيقطع النزاع.
مسألة: لو قال الكفيل: «أبرأت المكفول»، فأنكر المكفول له، فان أقام الكفيل البيّنة على دعواه ثبت قوله و الّا فيحلف المكفول له، و يثبت على الكفيل احضار المكفول. ثمّ اذا جاء بالمكفول فادّعى البراءة أيضاً لم يكتف باليمين التي حلفها المكفول له للكفيل، بل عليه له يمين أخرى؛ لأنّ هذه الدعوى مستقلّة مغايرة لتلك الدعوى، فانّ دعوى الكفيل انّما كانت لبراءة نفسه و ان لزمها بالعرض دعوى براءة المكفول.
و ان لم يحلف و ردّ اليمين على الكفيل، فحلف الكفيل برئ من الكفالة، و لايبرأ المكفول من المال؛ لاختلاف الدعويين، و لايبرأ من الحقّ بيمين الكفيل، كما أنّ الانسان لايبرأ من الحقّ بدعوى غيره. نعم، اذا حلف المكفول اليمين المردودة برئا معاً، و ان كان قد حلف المستحقّ و هو المكفول له أوّلاً للكفيل على عدم الابراء؛ لسقوط الحقّ بيمين المكفول، فتسقط الكفالة، كما لو أدّى الحقّ. و كذا لو نكل المكفول له عن يمين المكفول فحلف هو برئا معاً. كما في المسالك.(1)
هذا تمام الكلام في بيان مسائل الكفالة
و قد اقتبسنا مسائلها ممّا ذكره المحقّق السبزواري رحمه الله
و يليه الكلام في شرح كتاب الوقف و أخواته من تحرير الوسيلة
1) مسالك الأفهام 4: 252.
كتاب الوقف و أخواته(1)
و هو تحبيس العين و تسبيل المنفعة.
و فيه فضل كثير و ثواب جزيل، ففي الصحيح عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر الّا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، و سنّة هدىً سنّها فهي يعمل بها بعد موته، و ولد صالح يدعو له» و بمضمونه روايات.
الشرح:
قد ورد في فضله روايات كثيرة منها ما ذكره في المتن.
و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: سنّة يعمل بها بعد موته فيكون له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شي ء، و الصدقة الجارية تجري من بعده و الولد الطيّب يدعو لوالديه بعد موتهما و يحجّ و يتصدّق و يعتق عنهما و يصلّي و
1) ما بين يديك من مسائل كتاب الوقف يكون ما حرّره السيّد الامام الخميني قدس سره في تحرير الوسيلة.
يصوم عنهما فقلت: أشركهما في حجّتي؟ قال: نعم».(1)
الى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب الأوّل من كتاب الوقوف و الصدقات.
و أمّا تعريفه:
فقال العلّامة في القواعد: «الوقف عقد يفيد تحبيس الأصل و اطلاق المنفعة. و لفظه الصريح: وقفت و حبّست و سبّلت على رأي».(2)
و قال في الشرائع: «الوقف عقد ثمرته تحبيس الأصل و اطلاق المنفعة و اللفظ الصريح فيه وقفت».(3)
و قال في المسالك: «ما عرّفه به الشهيد في الدروس من أنّه الصدقة الجارية تبعاً لما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله: «اذا مات المؤمن انقطع عمله الّا من ثلاثة: ولد صالح يدعو له و علم ينتفع به بعد موته و صدقة جارية». قال العلماء:«المراد بالصدقة الجارية الوقف». و هو تعريف ببعض الخواصّ أيضاً و الّا فانّه صادق على نذر الصدقة كذلك و الوصيّة بها».(4)
أقول:
انّ التعاريف في أبواب العبادات و المعاملات و غيرهما لاتخلو غالباً من النقض و لاتكون جامعة للأفراد و لا مانعة عن الأغيار. و كذلك تعريف الوقف فهو اشارة الى بعض خواصّه و لا اشكال فيه و في سائر التعاريف في الوقف و
غيره؛ لأنّهم رحمهم الله كانوا في مقام شرح الاسم و الاشارة اليه بنحو يتمكّن من ايراد الأحكام الراجعة اليه.
(مسألة 1): يعتبر في الوقف الصيغة، و هي كلّ ما دل على انشاء المعنى المذكور مثل «وقفت» و «حبّست» و «سبّلت»، بل و «تصدّقت» اذا اقترن به ما يدلّ على ارادته، كقوله: «صدقة مؤبّدة لاتباع و لاتوهب» و نحو ذلك، و كذا مثل «جعلت أرضي موقوفة أو محبّسة أو مسبّلة على كذا» و لايعتبر فيه العربيّة و لا الماضويّة، بل يكفي الجملة الاسميّة، مثل هذا وقف أو هذه محبّسة أو مسبّلة.
الشرح:
قال المحقّق في الشرائع(1)و العلّامة في القواعد - كما تقدّم - و الشهيدان في اللمعة و شرحها(2)و الكركي في جامع المقاصد(3)و غيرهم بأنّ اللفظ الصريح فيه: «وقفت».
قال في المسالك: «لمّا كان الوقف من العقود الناقلة للملك على وجه اللزوم امّا للعين أو المنفعة افتقر الى لفظ يدلّ عليه صريحاً كغيره من التمليكات ليكون دالاًّ على القصد القلبي الذي هو العمدة في النقل، و لا خلاف في أنّ لفظ وقفت صريح فيه؛ لأنّه اللفظ الموضوع له لغة و شرعاً - الى أن قال: - لا خلاف في عدم صراحة حرّمت و تصدّقت في الوقف و مثلهما أبّدت و انّما هي كناية عنه تفتقر
في الدلالة عليه الى قصده أو انضمام لفظ آخر يدلّ عليه منضمّاً اليها صريحاً، كصدقة موقوفة أو محبّسة أو دائمة أو مؤبّدة أو لاتباع و لاتوهب و نحو ذلك، والدليل على عدم صراحة تلك الألفاظ في الوقف استعمالها في غيره كالتمليك المحض و اخراج الزكاة و الصدقات المطلقة و الهبات و نحوها. هذا بالنظر الى ظاهر اللفظ ليحكم عليه لو ادّعى اللافظ غير الوقف. و أمّا الواقع فهو فيما بينه و بين اللَّه فيعمل به. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
انّما المهمّ في الوقف قصد الواقف فكّ ملكه عنه و وقفه في الجهة التي يريدها، فبأيّ لفظ يظهر قصده هذا يترتّب عليه أحكامه. نعم، انّ الألفاظ معتبرة عند التشاحّ و النزاع فلو كان اللفظ صريحاً في الوقف فلايقبل انكاره الّا في موارد يمكن قبوله منه. و لو لم يكن صريحاً كما في «حرّمت و تصدّقت و حبّست و سبّلت» فان أقرّ بأنّ قصده من هذه الألفاظ كان الوقف الشرعي أخذ به و حكم عليه بظاهر اقراره.
قال في القواعد: «و لو قرن حرّمت و تصدّقت و أبّدت بما يدلّ على معنى الوقف، مثل: لايباع و لايوهب و لايورث أو صدقة مؤبّدة أو محرّمة أو بالنيّة صار كالصريح، و الّا لم يحمل على الوقف و يديّن بنيّته لو ادّعاه أو ادّعى ضدّه و يحكم عليه بظاهر اقراره بقصده. انتهى ملخّصاً».(2)
(مسألة 2): لا بدّ في وقف المسجد من قصد عنوان المسجديّة فلو وقف مكاناً على صلاة المصلّين و عبادة المسلمين صحّ لكن لم يصر به مسجداً ما لم يكن المقصود عنوانه، و الظاهر كفاية قوله: «جعلته مسجداً» و ان لم يذكر ما يدلّ على وقفه و حبسه، و الأحوط أن يقول: وقفته مسجداً أو على أن يكون مسجداً.
الشرح:
لا بدّ في وقف المسجد من قصد عنوان المسجديّة؛ لأنّ الوقف لايحصل الّا بالقصد اليه و القصد الى مورده، فانّ الوقف للمجهول لايصحّ الّا أن يكون هناك قرينة. و لو وقف مكاناً على صلاة المصلّين و عبادة المسلمين صحّ لكن لم يصر به مسجداً و لم يترتّب عليه أحكام المسجد مالم يكن المقصود عنوانه. و الظاهر كفاية قوله «جعلته مسجداً» و ان لم يذكر ما يدلّ على وقفه و حبسه و لكن كان من نيّته ذلك.و الأحوط أن يقول: «وقفته مسجداً» أو «على أن يكون مسجداً»، حتّى لايشكّ فيه أحد من بعده.
(مسألة 3): الظاهر كفاية المعاطاة في مثل المساجد و المقابر و الطرق و الشوارع و القناطر و الرباطات المعدّة لنزول المسافرين و الأشجار المغروسة لانتفاع المارّة بظلّها أو ثمرها، بل و مثل البواري للمساجد و القناديل للمشاهد و أشباه ذلك، و بالجملة ما كان محبّساً على مصلحة عامّة. فلو بنى بناء بعنوان المسجديّة و أذن في الصلاة فيه للعموم و صلّى فيه بعض الناس كفى في وقفه و صيرورته مسجداً، و كذا لو عيّن قطعة من الأرض لأن تكون مقبرة للمسلمين و خلّى بينها و بينهم و أذن اذناً عامّاً للدفن فيها فدفنوا فيها
بعض الأموات، أو بنى قنطرة و خلّى بينها و بين العابرين فشرعوا في العبور عليها، و هكذا.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه لا بدّ في وقف المسجد من قصد عنوان المسجديّة فهذا جارٍ في كلّ وقف، فمالم يكن هناك قصد لم يكن وقف.
أمّا لو بنى مكاناً بقصد المسجديّة و أذن في الصلاة فيه للعموم و صلّى فيه بعض الناس فذهب المصنّف الى أنّه كفى في وقفه و صيرورته مسجداً و ان لم يتلفّظ بالصيغة الخاصّة، فيعبّر عنه بالمعاطاة فقال بأنّ: «الظاهر كفاية المعاطاة في مثل المساجد و المقابر و الطرق و غيرها - ممّا مثّل في المتن -».
فبعد قصده الوقف و تخلية المكان بينه و بين الموقوف عليهم و تصرّفهم فيه يصير وقفاً في الجهة التي قصدها.
ولكنّ الظاهر من الروايات و الفتاوى احتياج الوقف الى الصيغة ثمّ الاقباض، فالحكم بالوقف بصرف النيّة و الاذن في الصلاة في المكان بدون التلفّظ مشكل؛ لأنّ الوقف فكّ ملك و هو يحتاج الى دليل شرعي.
قال في الشرائع: «و لو صرّف الناس في الصلاة في المسجد أو في الدفن و لم يتلفّظ بالوقف لم يخرج عن ملكه و كذا لو تلفّظ بالعقد و لم يقبضه».(1)
و قال في المسالك: «و وجه عدم الاكتفاء - بعد كون الوقف من العقود اللازمة المتوقّفة على صيغة مخصوصة - ظاهر؛ و لأصالة بقاء الملك على مالكه ما لم يثبت المزيل. و كذا القول فيما لو تلفّظ بالصيغة و لم يقبضه؛ لأنّ القبض أحد أركان صحّته. و هذا موضع وفاق و انّما نبّه به على خلاف أبي حنيفة حيث جعل الوقف
1) شرائع الاسلام 2: 172.
متحقّقاً بالاذن مع الصلاة و بالدفن كذلك؛ محتجّاً بالعرف و قياساً على تقديم الطعام للضيف. و العرف ممنوع، و الفرق ظاهر».(1)
و قال في الجواهر: «قلت: لكن قد ذكرنا في أحكام المساجد أنّه قال في المبسوط: «اذا بنى مسجداً خارج داره في ملكه فان نوى به أن يكون مسجداً يصلّي فيه كلّ من أراده زال ملكه، و ان لم ينوِ ذلك فملكه باقٍ عليه، سواء صلّى فيه أو لم يصلّ» و قال في الذكرى: «ظاهره الاكتفاء بالنيّة و ليس في كلامه دلالة على التلفّظ، و لعلّه الأقرب» و نحوه في الدروس و محكي مجمع البرهان وقلنا هناك، انّ دليلهم دعوى السيرة من المسلمين على ذلك و هي ممنوعة، و عن جامع المقاصد أنّ في النفس من ذلك شيئاً؛ لأنّ الحال فيه كالحال في غيره من العقود مثل النكاح. قلت: هو حينئذ كالنكاح من العقود خاصّة لا غير ممّا شرّعت المعاطاة فيه بالسيرة القطعيّة عند القائل بها كما نقّحناه في محلّه الّا أنّها لمّا كانت مفقودة في مثل المساجد و نحوها فضلاً عن غيره من الأوقاف الخاصّة قلنا: انّه كالنكاح لايجزي فيه الّا العقد، و لاتشرع فيه المعاطاة، و ان حكي عن بعض المعاصرين المتأخّرين توهّم ذلك الّا أنّه كماترى».(2)
و قال في موضع آخر: «و هل يعتبر في تحقّق المسجديّة صيغة الوقف و شبهها ولو بأن يقول: «جعلته مسجداً للَّه» و يأذن في الصلاة فيه فيصلّي فيه و لو واحداً و يقبضه الحاكم الذي له الولاية العامّة أو يكفي مجرّد قصده ذلك و ان لم يتلفّظ؟ وجهان بل قولان قد استقرب في الذكرى كما عن مجمع البرهان ثانيهما مستظهراً له من عبارة المبسوط، لكنّه اعتبر فيه على الظاهر الصلاة فيه و لو من
الواقف؛ لأنّه قال فيها (أي الذكرى) قبيل ذلك: «و لو بناه بنيّة المسجد لم يصر مسجداً، نعم لو أذن للناس بالصلاة فيه بنيّة المسجديّة ثم صلّوا أمكن صيرورته مسجداً؛ لأنّ معظم المساجد في الاسلام على هذه الصورة» و يقوى في النظر الأوّل؛ للأصل و ظهور اطباقهم في باب الوقف على الافتقار فيه الى اللفظ بلحكي عن المبسوط نفسه هناك التصريح بأنّه لابدّ من التلفّظ بالوقف في خصوص ما نحن فيه من غير تردّد و لا ذكر خلاف الّا من أبي حنيفة، و لم يعلم كون معظم المساجد في الاسلام بدون تلفّظ و يكفينا في جواز الصلاة فيها اشتهارها في المسجديّة، و لا حاجة الى الفحص عن كيفيّة الوقف كما في غيره من العقود من النكاح و غيره، الّا أنّه مع ذلك فالانصاف أنّ النصوص غير خالية عن الايماء الى الاكتفاء بالبناء و نحوه مع نيّة المسجديّة من غير حاجة الى صيغة خاصّة، خصوصاً ما ورد منها في تسوية المساجد بالأحجار في البراري و الطرق، و ربّما يأتي لذلك تتمّة ان شاء اللَّه في باب الوقف».(1)
نعم لو حاز أرضاً مباحة لأجل المسجد و بنى فيها بتلك النيّة و أذن للناس بأن يصلّوا فيه فهذا يصير مسجداً؛ لأنّ الأرض المباحة لم يحز بقصد الملكيّة بل بقصد المسجد و كذا يكون الحال في مثل الرباط و القنطرة و غيرهما كما يأتي في المسألة الآتية.
(مسألة 4): ما ذكرنا من كفاية المعاطاة في المسجد انّما هو فيما اذا كان أصل البناء بقصد المسجديّة بأن نوى ببنائه و تعميره أن يكون مسجداً خصوصاً اذا حاز أرضاً مباحة لأجل المسجد و بنى فيها بتلك النيّة، و أمّا اذا
1) جواهر الكلام 14: 70.
كان له بناء مملوك كدار أو خان فنوى أن يكون مسجداً و صرّف الناس بالصلاة فيه من دون اجراء الصيغة عليه يشكل الاكتفاء به، و كذا الحال في مثل الرباط و القنطرة.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة الاشكال في كفاية المعاطاة في وقف المساجد و كذلك الرباط و القنطرة. فلعلّ المصنّف رحمه الله استنبط كفاية المعاطاة ممّا ورد في فضل بناء المسجد، كصحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:
«سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: من بنى مسجداً بنى اللَّه له بيتاً في الجنّة. قال أبو عبيدة: فمرّ بي أبو عبداللَّه عليه السلام في طريق مكّة و قد سوّيت بأحجار مسجداً، فقلت له: جعلت فداك، نرجو أن يكون هذا من ذاك؟ قال: نعم».(1)
الّا أنّ هذه الرواية و نظيرها بصدد بيان فضيلة بناء المسجد لا كيفيّة وقفه.و قد تقدّم في تلك المسألة بالنسبة الى الأراضي المباحة جواز المعاطاة في وقف المساجد و المقابر و الطرق و الشوارع و القناطر و الرباطات المعدّة لنزول المسافرين و الأشجار المغروسة لانتفاع المارّة بظلّها أو ثمرها بل و مثل البواري و القناديل للمشاهد و أشباه ذلك، لو بنى أو ابتاع بقصد الموارد المذكورة و أقبضها العامّة.
(مسألة 5): لا اشكال في جواز التوكيل في الوقف، و في جريان الفضوليّة فيه خلاف و اشكال لايبعد جريانها فيه، لكنّ الأحوط خلافه.
1) وسائل الشيعة 5: 203 / الباب 8 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
الشرح:
يجوز أن يوكّل شخصاً ليقف ماله الفلاني في الموارد التي عيّنها صاحبه؛ لأنّ الوكالة طريق شرعيّ، و ما يفعله الوكيل باذن الموكّل بحكم ما يفعله الموكّل نفسه.
و أمّا جريان الفضوليّة في الوقف فقال في الشرائع:
«و لو وقف ما لايملكه لم يصحّ وقفه. و لو أجاز المالك قيل: يصحّ؛ لأنّه كالوقف المستأنف. و هو حسن».(1)
و قال في المسالك: «الصحّة المنفيّة في الأوّل بمعنى اللزوم لئلّاينافي ما استحسنه بعده. و يمكن أن يريد بها معناها المتعارف و يجعل ذلك جارياً على مذهب الغير ثمّ ذكر ما يختاره. و مرجع الخلاف الى أنّ تصرّف الفضولي الملحوق بالاجازة قد وقع شرعاً في مثل البيع بالنصّ، و غيره من العقود مساوٍ له في المعنى و أنّ الوقف عقد صدر من صحيح العبارة و لا مانع فيه الّا وقوعه بغير اذن المالك و قد زال المانع باجازته فدخل تحت الأمر العامّ بالوفاء بالعقد فتصير الاجازة كالوقف المستأنف من المالك. و هذا هو الذى حسّنه المصنّف. و أنّ عبارة الفضولي لا أثر لها من حيث عدم الملك و قبح التصرّف في ملك الغير فلايترتّب عليه أثر، و تأثير الاجازة غير معلوم في غير موضع النصّ، و تحقّق الفرق بين الوقف و البيع؛ لأنّ بعض أقسامه فكّ ملك كالعتق فلايقبل الفضول، فماهيّته من حيث هو مغايرة للبيع و ان وافقه في بعض الأفراد لو قيس عليه. و توقّف العلّامة في التذكرة و الشهيدرحمه الله في الدروس لذلك. و له وجه و ان كان ما اختاره أوجه».(2)
و قال في الجواهر: «و لو وقف ما لايملكه لم يصحّ وقفه مع عدم الاجازة قطعاً و لو أجاز المالك قيل: لايصحّ، - لا لأنّ الفضولي على خلاف الضوابط فيقتصر فيه على خصوص ما ورد فيه؛ لأنّ الظاهر عدم الاختصاص، بل - لأنّ نيّة التقرّب شرط فيه و لايقوم الغير مقام المالك فيها و نيّتها حين الاجازة غير نافعة؛ امّا لاشتراط المقارنة للصيغة أو لأنّ تأثير نيّته في الصحّة غير معلوم، و الأصل بقاء الملك و اختاره الكركي وفاقاً للمحكيّ عن المهذّب و الجامع و التحرير في موضع، و كأنّه قال به أو مال اليه في الروضة. و قيل: يصحّ؛ لأنّه بالاجازة صار كالوقف المستأنف و هو حسن وفاقاً للمحكي عن التحرير في آخر و اللمعة و الحواشي و شرح الارشاد للفخر و الروض و المفاتيح و ظاهر المسالك و غيرها؛ لأنّه قسم من الصدقة التي ثبت بالنصّ جوازها من الفضولي في مثل مجهول المالك و نحوه، و التقرّب بمال الغير عن الفاعل غير مشروع، أمّا عن الغير نفسه ففي الأدلّة ما يدلّ على مشروعيّته كلّ ذلك بناء على اعتبار نيّة التقرّب فيه على وجه يكون من العبادة، أمّا على القول بعدم اعتبارها أصلاً فلا ريب أنّ المتّجه حينئذ الصحّة».(1)
أقول:
لو قال المالك بعد وقف الفضولي: «أجزت ما وقف فلان من مالي لمورد كذا» لا اشكال فيه؛ لأنّ هذا الكلام يكون كما لو قال: «وقفت هذا» عرفاً. و أمّا لو قال: «أجزت»، ففيه اشكال بناء على احتياج الوقف الى الصيغة و ان كان الأوجه كما في المسالك و الجواهر و الشرائع صحّته؛ لأنّه كالوقف المستأنف.
1) جواهر الكلام (الطبعة الجديدة) 28: 43 و 44.
(مسألة 6): الأقوى عدم اعتبار القبول في الوقف على الجهات العامّة كالمساجد و المقابر و القناطر و نحوها، و كذا الوقف على العناوين الكليّة كالوقف على الفقراءو الفقهاء و نحوهما، و أمّا الوقف الخاصّ كالوقف على الذريّة فالأحوط اعتباره فيه، فيقبله الموقوف عليهم، و يكفي قبول الموجودين، و لايحتاج الى قبول من سيوجد منهم بعد وجوده، و ان كان الموجودون صغاراً أو فيهم صغار قام به وليّهم، لكنّ الأقوى عدم اعتبار القبول في الوقف الخاصّ أيضاً، كما أنّ الأحوط رعاية القبول في الوقف العامّ أيضاً، و القائم به الحاكم أو المنصوب من قبله.
الشرح:
في المسالك: «و اعلم أنّ ظاهر كلام المحقّق حيث اعتبر الايجاب و لم يتعرّض للقبول أنّه غير معتبر في الوقف مطلقاً، و هو ظاهر الأكثر و أحد الأقوال في المسألة، و وجهه أصالة عدم اشتراطه؛ اذ ليس في النصوص ما يدلّ عليه و لأنّه كالاباحة خصوصاً اذا قلنا: انّ الملك فيه ينتقل الى اللَّه تعالى و لأنّه فكّ ملك فيكفي فيه الايجاب كالعتق».(1)
و نظيره في شرح اللمعة حيث قال: «و يظهر منه عدم اشتراط القبول مطلقاً و لا القربة، أمّا الثاني فهو أصحّ الوجهين؛ لعدم دليل صالح على اشتراطها و ان توقّف عليها الثواب و أمّا الأوّل فهو أحد القولين و ظاهر الأكثر؛ لأصالة عدم الاشتراط و لأنّه ازالة ملك فيكفي فيه الايجاب كالعتق. و قيل: يشترط ان كان الوقف على من يمكن في حقّه القبول و هو أجود، و بذلك دخل في باب العقود
1) مسالك الأفهام 5: 313.
قال في الجواهر: «و ربّما توهّم من عدم تعرّض المصنّف للقبول عدم اعتباره فيه و كذا غيره. ولكن فيه أنّه يمكن اكتفاء المصنّف عنه بذكر كونه عقداً، و من المعلوم اعتباره في معناه.- الى أن قال: - في جامع المقاصد و المسالك اطباق الأصحاب على أنّه من قسم العقود مؤيّداً ذلك كلّه بمعلوميّة عدم دخول عين أو منفعة بسبب اختياري ابتداء في ملك الغير من دون قبول، مع أنّه لو كان لاتّجه كونه حينئذ من قسم الايقاع، فلايبطله الردّ، و هو منافٍ لما صرّح به جماعة من البطلان به و ان لم نقل باشتراط القبول».(2)
ثمّ انّه قد استقرّ نظره الشريف على اعتبار القبول في الوقف مطلقاً أي حتّى في الجهات العامّة.
أقول:
الحقّ هو اشتراط القبول الّا أنّ القبض من الموقوف عليهم يكون نازلاً منزلة القبول و لذلك نقول كما سيجي ء - انّ القبض يحتاج اليه حتّى في الجهات العامّة ممّن يتولّى الأمور أي الحاكم الشرعي أو من كان نائباً عنه، أو عامّة الناس اذا وقف على الجهات العامّة كما اذا صلّى الناس فيما وقفه للمسجد أو جعل للموقوف متولّياً.
(مسألة 7): الأقوى عدم اعتبار قصد القربة حتّى في الوقف العامّ و ان كان الأحوط اعتباره مطلقاً.
الشرح:
قال في الجواهر: «قد يقال: انّ الأصل يقتضي عدم اعتبار القربة في صحّته و ان كان هو خيرة الفاضل في القواعد؛ للأصل بعد اندراج فاقدها بناءً على ما ذكرناه في العقود المأمور بالوفاء بها، و اطلاق الصدقة عليه في كثير من النصوص لايقتضي ذلك؛ ضرورة عدم اقتضاء شي ء من ذلك أنّ الوقف جميعه من الصدقة. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر عدم اعتبار قصد القربة في صحّة الوقف حتّى في الوقف العامّ، و هذا توقيع أبي محمّدعليه السلام فيما رواه محمّد بن يحيى من مكاتبة بعض أصحابنا:
«الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».(2)
و قول النبي صلى الله عليه وآله:
«حبّس الأصل و سبّل الثمرة».(3)
و ليس فيهما اشتراط قصد القربة في صحّته، فانّ الوقف ليس من العبادات بل ملحق بالمعاملات و لذا اعتبر فيه الايجاب و القبول. نعم استحقاق الثواب منوط بقصد القربة و لذلك يثبت رجحانه عند الشارع.
(مسألة 8): يشترط في صحّة الوقف القبض، و يعتبر فيه أن يكون باذن الواقف، ففي الوقف الخاصّ يعتبر قبض الموقوف عليهم، و يكفي قبض الطبقة الأولى عن بقيّة الطبقات، بل يكفي قبض الموجودين من الطبقة الأولى عمّن سيوجد، و لو كان فيهم قاصر قام وليّه مقامه، و لو قبض بعض الموجودين دون بعض صحّ بالنسبة الى من قبض دون غيره. و أمّا الوقف على الجهات العامّة و المصالح كالمساجد و ما وقف عليها فان جعل الواقف له قيّماً و متولّياً اعتبر قبضه أو قبض الحاكم، و الأحوط عدم الاكتفاء بالثاني مع وجود الأوّل و مع عدم القيّم تعيّن الحاكم، و كذا الحال في الوقف على العناوين الكلّيّة كالفقراء و الطلبة، و هل يكفي قبض بعض أفراد ذلك العنوان بأن يقبض فقير في الوقف على الفقراء مثلاً؟ لعلّ الأقوى ذلك فيما اذا سلّم الوقف الى المستحقّ لاستيفاء ما يستحقّ، كما اذا سلّم الدار الموقوفة على الفقراء للسكنى الى فقير فسكنها، أو الدابّة الموقوفة على الزوّار و الحجّاج للركوب الى زائر و حاجّ فركبها. نعم، لايكفي مجرّد استيفاء المنفعة و الثمرة من دون استيلاء على العين، فاذا وقف بستاناً على الفقراء لايكفي في القبض اعطاء شي ء من ثمرته لبعض الفقراء مع كون البستان تحت يده، بل لايكفي ذلك في الاعطاء لولي العامّ أو الخاصّ أيضاً.
الشرح:
و قال في الشرائع: «و لايلزم الّا بالاقباض و اذا تمّ كان لازماً لايجوز الرجوع فيه اذا وقع في زمان الصحّة».(1)
1) شرائع الاسلام 2: 166.
و في المسالك: «لا خلاف بين أصحابنا في أنّ القبض شرط لصحّة الوقف فلاينعقد بدونه».(1)
و قال في اللمعة و شرحها: ««و لايلزم» الوقف بعد تمام صيغته «بدون القبض» و ان كان في جهة عامّة قبضها الناظر فيها أو الحاكم أو القيّم المنصوب من قبلالواقف لقبضه و يعتبر وقوعه «باذن الواقف» كغيره لامتناع التصرّف في مال الغير بغير اذنه و الحال أنّه لم ينتقل الى الموقوف عليه بدونه، «فلو مات» الواقف «قبله» أي قبل قبضه المستند الى اذنه «بطل» و رواية عبيد بن زرارة صريحة فيه، و منه يظهر أنّه لاتعتبر فوريّته، و الظاهر أنّ موت الموقوف عليه كذلك مع احتمال قيام وارثه مقامه، و يفهم من نفيه اللزوم بدونه أنّ العقد صحيح قبله فينتقل الملك انتقالاً متزلزلاً يتمّ بالقبض و صرّح غيره - و هو ظاهره في الدروس - أنّه شرط الصحّة و تظهر الفائدة في النماء المتخلّل بينه و بين العقد. و يمكن أن يريد هنا باللزوم الصحّة بقرينة حكمه بالبطلان لو مات قبله فانّ ذلك من مقتضى عدم الصحّة لا اللزوم كما صرّح به في هبة الدروس و احتمل ارادته من كلام بعض الأصحاب فيها».(2)
أقول:
و لنذكر أوّلاً روايات الباب:
منها صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يقف الضيعة ثمّ يبدو له أن يحدث في ذلك شيئاً. فقال: ان كان وقفها لولده و لغيرهم ثمّ جعل لها قيّماً لم يكن له
أن يرجع فيها و ان كانوا صغاراً و قد شرط ولايتها لهم حتّى بلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها، وان كانوا كباراً و لم يسلّمها اليهم و لم يخاصموا حتّى يحوزوها عنه فله أن يرجع فيها؛ لأنّهم لايحوزونها عنه و قد بلغوا».(1)
و منها صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنّه قال في رجل تصدّق على ولد له قد أدركوا، قال:
«اذا لم يقبضوا حتّى يموت فهو ميراث فان تصدّق على من لم يدرك من ولده فهو جائز؛ لأنّ الوالد هو الذي يلي أمره، و قال: لايرجع في الصدقة اذا تصدّق بها ابتغاء وجه اللَّه».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه السلام أنّه قال في الرجل يتصدّق على ولده و قد أدركوا:
«اذا لم يقبضوا حتّى يموت فهو ميراث فان تصدّق على من لم يدرك من ولده فهو جائز؛ لأنّ والده هو الذي يلي أمره. الحديث».(3)
قال في الجواهر: «لكنّها كماترى غير صريحة بل و لا ظاهرة في اشتراط الاقباض في الصحّة بمعنى ترتّب الأثر الذي هو الملك و نحوه؛ ضرورة انطباق ما فيها على كونه شرطاً في اللزوم و تظهر الثمرة في النماء المتخلّل بينهما. لكن في جامع المقاصد و المسالك نفي الخلاف من كونه شرطاً في الصحّة بل في المسالك ادّعى الاجماع على ذلك و ان كان قد يظهر من الغنية خلاف ذلك بل لعلّه ظاهر اللمعة أيضاً. نعم عبارة المصنّف و ما شابهها محتملة لارادة الصحّة. أمّا
من لم يكن له الّا التعبير بكونه شرطاً في اللزوم فلا ريب في ظهوره بترتّب الصحّة قبله كالمحكي عن المبسوط و الخلاف و السرائر، بل عن الأخيرين الاجماع عليه مضافاً الى اجماع الغنية. و بذلك يظهر أنّ في المسألة قولين. و بذلك يظهر ما في المسالك و الرياض و غيرهما من المفروغيّة عن اشتراطه فيها. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
الظاهر من الروايات المذكورة أنّ الاقباض شرط اللزوم، و لو قلنا بأنّ الاقباض شرط الصحّة فلا بدّ لنا من الالتزام بعدم الفصل المفرط بين صيغة الوقف و الاقباض بخلاف القول بأنّه شرط اللزوم.
(مسألة 9): لو وقف مسجداً أو مقبرة كفى في القبض صلاة واحدة فيه أو دفن ميّت واحد فيها باذن الواقف و بعنوان التسليم و القبض.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو وقف مسجداً صحّ الوقف و لو صلّى فيه واحد، و كذا لو وقف مقبرة تصير وقفاً بالدفن فيها و لو واحداً، و لو صرّف الناس في الصلاة في المسجد أو في الدفن و لم يتلفّظ بالوقف لم يخرج عن ملكه و كذا لو تلفّظ بالعقد و لم يقبضه».(2)
قال في الرياض: «و لو كان الوقف على مصلحة عامّة كالقناطير، أو موضع عبادة كالمساجد قالوا: قبضه الناظر فيها أي في تلك المصلحة، فان كان لها ناظر
شرعي من قبله تولّى القبض؛ لما مرّ من الخبر، و الّا فالحاكم؛ لما يأتي. و أطلق بعضهم في القبض في نحو المساجد و المقبرة بصلاة واحدة و دفن واحد فيها. و قيّده آخر بوقوع ذلك باذن الواقف؛ ليتحقّق الاقباض الذي هو شرط صحّة القبض. و قيّده ثالث بوقوعهما بنيّة القبض أيضاً، فلو أوقعا لا بنيّته كما لو أوقعا قبل العلم بالوقف، أو بعده قبل الاذن فيهما أو بعدهما لا بقصد القبض، امّا للذهول عنه أو لغير ذلك لم يلزم. قالوا: هذا اذا لم يقبضه الحاكم الشرعي أو منصوبه، و الّا فالأقوى الاكتفاء به اذا وقع باذن الواقف؛ لأنّه نائب المسلمين، و هو حسن».(1)
أقول:
الظاهر من الروايات المتقدّمة في المسألة السابقة أنّه اذا جعل تولية المسجد أو المقبرة لنفسه أو جعل لهما الناظر كفى في القبض و عدم جواز الرجوع له و كذا لو جعل توليته للحاكم الشرعي؛ لأنّ له الولاية العامّة. و الظاهر أيضاً من الروايات أنّه لو أجرى صيغة وقف المسجد أو المقبرة و أذن للصلاة أو الدفن، كفى في القبض صلاة واحدة فيه أو دفن ميّت واحد فيها.
(مسألة 10): لو وقف الأب على أولاده الصغار ما كان تحت يده و كذا كلّ ولي اذا وقف على المولّى عليه ما كان تحت يده لم يحتج الى قبض حادث جديد، لكنّ الأحوط أن يقصد كون قبضه عنه، بل لايخلو من وجه.
الشرح:
الدليل على صدر المسألة صحيحة جميل بن درّاج قال:
1) رياض المسائل 10: 101.
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل تصدّق على ابنه بالمال أو الدار أله أن يرجع فيه؟ فقال: نعم، الّا أن يكون صغيراً».(1)
و الظاهر من هذه الرواية أنّ كلّ وليّ اذا وقف على المولّى عليه ما كان تحت يده لم يحتج الى قبض حادث جديد، الّا أنّه يشترط أن يقصد كون قبضه و ما تحت يده عن أولاده الصغار لصحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يقف الضيعة ثمّ يبدو له أن يحدث في ذلك شيئاً؟ فقال: ان كان وقفها لولده و لغيرهم ثمّ جعل لها قيّماً لم يكن له أن يرجع فيها، و ان كانوا صغاراً و قد شرط ولايتها لهم حتّى بلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها. الحديث»(2)
فيقيّد اطلاق الصحيحة الأولى بالثانية.
قال في الشرائع: «و لو وقف على أولاده الأصاغر كان قبضه قبضاً عنهم. و كذا الجدّ للأب و في الوصي تردّد؛ أظهره الصحّة».(3)
و قال في المسالك: «لمّا كان المعتبر من القبض رفع يد الواقف و وضع يد الموقوف عليه و كانت يد الولي بمنزلة يد المولّى عليه كان وقف الأب و الجدّ و غيره - ممّن له الولاية على غير الكامل لما في يده - على المولّى عليه متحقّقاً بالايجاب و القبول؛ لأنّ القبض حاصل قبل الوقف فيستصحب و ينصرف الى المولّى عليه بعده؛ لما ذكرناه. و الظاهر عدم الفرق بين قصده بعد ذلك القبض عن المولّى عليه للوقف و عدمه؛ لتحقّق القبض الذي لم يدلّ الدليل على أزيد من تحقّقه. و يحتمل اعتبار قصده قبضاً عنه بعد العقد؛ لأنّ القصد هو الفارق بين
القبض السابق الذي كان لغير الوقف و بينه. و لا فرق في هذا الحكم بين أصناف الولي، كالأب و الجدّ و الحاكم و الوصي على أصحّ القولين. ولكنّ المصنّف تردّد في الحاق الوصي بغيره من الأولياء في ذلك، و كذا العلّامة في التحرير، نظراً الى ضعف يده و ولايته بالنسبة الى غيره. و لا وجه للتردّد فانّ أصل الولاية كافٍ في ذلك، و المعتبر هو تحقّق كونه تحت يد الواقف مضافاً الى ولايته على الموقوف عليه فيكون يده كيده، و لايظهر لضعف اليد و قوّتها أثر في ذلك».(1)
(مسألة 11): لو كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه قبل الوقف بعنوان الوديعة أو العارية مثلاً لم يحتج الى قبض جديد بأن يستردّها ثمّ يقبضها، نعم لا بدّ أن يكون بقاؤها في يده باذن الواقف. و الأحوط بل الأوجه أن يكون بعنوان الوقفيّة.
الشرح:
قال في المسالك: «و في معنى ما ذكر ما لو كان الموقوف تحت يد الموقوف عليه قبل الوقف بوديعة و عارية و نحوهما؛ لوجود المقتضي للصحّة و هو القبض، فانّاستدامته كابتدائه ان لم يكن أقوى و لا دليل على اعتبار كونه واقعاً مبتدأً بعد الوقف».(2)
أقول:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه اذا وقف الأب على أولاده الصغار كان قبضه
قبضاً عنهم و كان ما تحت يده كالقبض عنهم الّا أنّه يشترط أن يقصد كون قبضه و ما تحت يده عن أولاده الصغار.
و هكذا نقول هنا بأنّه لو كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه قبل الوقف بعنوان الوديعة أو العارية مثلاً لم يحتج الى قبض جديد الّا أنّه يلزم على الواقف بعد اذنه له و لو في نفسه أن يقصد بقاءها في يده بعنوان الوقفيّة. و لو قال: «انّي وقفت ما كان في يد الفلاني بعنوان الوديعة، عليه و قد أذنت له في التصرّف فيه» كفى.
و كذا لو كان القبض واقعاً بغير اذن المالك كالمقبوض بالغصب و الشراء الفاسد فلو قال الواقف: «انّي وقفت ما كان في يد الفلاني و قد غصبه أو اشتراه فاسداً، عليه و قد أذنت له في التصرّف فيه» كفى و لابدّ من اعلام الموقوف عليهم بذلك.
قال في المسالك: «و لو كان القبض واقعاً بغير اذن المالك، كالمقبوض بالغصب و الشراء الفاسد ففي الاكتفاء به نظر، من صدقه في الجملة كما ذكر و النهي عنه غير قادح هنا؛ لأنّه ليس بعبادة خصوصاً اذا لم يشترط فيه القربة، و من أنّ القبض ركن من أركان العقد و المنهيّ عنه لايعتدّ به شرعاً. و لهذا لو قبض الموقوف عليه بدون اذن الواقف لغى، فلو اعتبر مطلق القبض لكفى و ان أثم. و قد مضى مثله في باب الرهن. و اختلف كلام العلّامة في التذكرة فقطع هنا بالاكتفاء بقبض الغاصب، و في الرهن بعدمه و أنّه يشترط الاذن و مضيّ زمان يمكن فيه تجديد القبض. و سيأتي مثله في الهبة و أنّ كلام المصنّف يؤذن بالاكتفاء بقبض الغاصب، و لعلّه أجود. و حيث لايعتبر تجديد القبض لايعتبر مضيّ زمان يمكن فيه احداثه و ان اعتبر اعتبر؛ لأنّ الاذن فيه يستدعي تحصيله و من ضروراته مضيّ
زمان بخلاف ما لايعتبر فيه التجديد. و قد تقدّم له مزيد تحقيق في الرهن».(1)
(مسألة 12): فيما يعتبر أو يكفي قبض المتولّي كالوقف على الجهات العامّة لو جعل الواقف التولية لنفسه لايحتاج الى قبض آخر، و يكفي ما هو حاصل، و الأحوط بل الأوجه أن يقصد قبضه بما أنّه متولّي الوقف.
الشرح:
الظاهر من الروايات التي تقدّمت في المسألة الثامنة و العاشرة أنّه لو وقف على الجهات العامّة و جعل الواقف التولية لنفسه يصحّ و لايحتاج الى قبض آخر و يكفي ما هو حاصل و كما مرّ في المسألة العاشرة يقصد قبضه بما أنّه متولّي الوقف.
(مسألة 13): لايشترط في القبض الفوريّة، فلو وقف عيناً في زمان ثمّ أقبضها في زمان متأخّر كفى، و تمّ الوقف من حين القبض.
الشرح:
لايشترط في القبض الفوريّة؛ لأنّه كما تقدّم في المسألة الثامنة، أنّ القبض من شرائط استقرار الوقف بحيث لو مات قبل القبض أو الاقباض يرجع ميراثاً، و لايكون من شرائط الصحّة حتّى يقال فيه الفوريّة. فلو وقف عيناً في زمان ثمّ أقبضها في زمان متأخّر كفى و تمّ الوقف من حين القبض.
و تدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه السلام أنّه قال في الرجل
1) مسالك الأفهام 5: 361.
يتصدّق على ولده و قد أدركوا:
«اذا لم يقبضوا حتّى يموت فهو ميراث. الحديث».(1)
و كذلك تدلّ عليه الروايات الأخر في هذا الباب و قد تقدّمت في المسألة الثامنة.
(مسألة 14): لو مات الواقف قبل القبض بطل الوقف و كان ميراثاً.
الشرح:
قد تقدّم دليل ذلك آنفاً و في المسألة الثامنة.
(مسألة 15): يشترط في الوقف الدوام بمعنى عدم توقيته بمدّة، فلو قال: «وقفت هذا البستان على الفقراء الى سنة» بطل وقفاً، و في صحّته حبساً أو بطلانه كذلك أيضاً وجهان، نعم لو قصد به الحبس صحّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «في شرائط الوقف، و هي أربعة: الدوام و - الى أن قال: - فلو قرنه بمدّة بطل».(2)
قال في المسالك: «مسألتان احداهما: أن يقرن الوقف بمدّة كسنة مثلاً. و قد قطع المصنّف ببطلانه؛ لأنّ الوقف شرطه التأبيد فاذا لم يحصل الشرط يبطل. و قيل: انّما يبطل الوقف و لكن يصير حبساً كالثانية؛ لوجود المقتضي و هو الصيغة
الصالحة للحبس؛ لاشتراك الوقف و الحبس في المعنى فيمكن اقامة كلّ واحد مقام الآخر، فاذا قرن الوقف بعدم التأبيد كان قرينة ارادة الحبس، كما لو اقترن الحبس بالتأبيد، فانّه يكون وقفاً كما مرّ. و هذا هو الأقوى، لكن هذا انّما يتمّ مع قصد الحبس فلو قصد الوقف الحقيقي وجب القطع بالبطلان؛ لفقد الشرط».(1)
أقول:
قد تقدّم أنّ الوقف «حبس الأصل و تسبيل الثمرة»، و من المعلوم أنّ شرط الوقف كما يظهر من الروايات و كلمات الأصحاب بل لعلّ عليه الاجماع، التأبيد الّا أنّ هذا الشرط أي التأبيد يحصل لو قال الواقف: «وقفت هذا البستان على الفقراء»، و أمّا لو قال: «وقفت هذا البستان على الفقراء الى سنة» لايكون وقفاً بمعنى التأبيد، الّا أنّه يمكن أن يكون حبساً اذ كان اللفظ مقروناً بقرينة تشهد بأنّ المقصود من استعمال الوقف هو الحبس.
(مسألة 16): لو وقف على من ينقرض كما اذا وقف على أولاده و اقتصر على بطن أو بطون ممّن ينقرض غالباً و لم يذكر المصرف بعد انقراضهم ففي صحّته وقفاً أو حبساً أو بطلانه رأساً أقوال، و الأقوى هو الأوّل، فيصحّ الوقف المنقطع الآخر بأن يكون وقفاً حقيقة الى زمان الانقراض و الانقطاع، و ينقضي بعد ذلك و يرجع الى الواقف أو ورثته، بل خروجه عن ملكه في بعض الصور محلّ منع.
الشرح:
1) مسالك الأفهام 5: 353.
قال في الشرائع: «و كذا لو جعله لمن ينقرض غالباً، كأن يقفه على زيد و يقتصر أو يسوقه الى بطون تنقرض غالباً أو يطلقه في عقبه و لايذكر ما يصنع به بعد الانقراض. و لو فعل ذلك قيل: يبطل الوقف، و قيل: يجب اجراؤه حتّى ينقرض المسمّون، و هو الأشبه. فاذا انقرضوا رجع الى ورثة الواقف، و قيل: الى ورثة الموقوف عليهم. و الأوّل أظهر».(1)
أقول:
لو وقف على من ينقرض، كما اذا وقف على أولاده و اقتصر على بطن أو بطون ممّن ينقرض غالباً أو أطلقه في عقبه و لم يذكر المصرف بعد انقراضهم، فتارة يعلم ذلك الانقراض فيكون ذلك قرينة على كونه حبساً، كما مضى في المسألة السابقة فاذا انقرضوا و انقطعوا يرجع الى ورثة الواقف. و أخرى لايعلم و اللفظ ظاهر في قصد التأبيد ففي هذه الصورة يكون وقفاً صحيحاً و يرجع أمره بعد الانقراض و الانقطاع الى الحاكم الشرعي، فيصرف منافع ثمرته - ان كان له ثمرة - في وجوه البرّ.
(مسألة 17): الظاهر أنّ الوقف المؤبّد يوجب زوال ملك الواقف، و أمّا الوقف المنقطع الآخر فكونه كذلك محلّ تأمّل، بخلاف الحبس فانّه باقٍ معه على ملك الحابس و يورّث و يجوز له التصرّفات غير المنافية لاستيفاء المحبّس عليه المنفعة الّا التصرّفات الناقلة فانّها لاتجوز، بل الظاهر عدم جواز رهنه أيضاً لكن بقاء الملك على ملك الحابس في بعض الصور محلّ منع.
1) شرائع الاسلام 2: 170 و 171.
الشرح:
قال في المسالك: «المشهور أنّ الموقوف ينتقل عن المالك بالوقف؛ لأنّ الوقف سبب يزيل التصرّف في الرقبة و المنفعة فيزيل الملك، كالعتق و لأنّه لو كان باقياً على ملكه لرجعت اليه قيمته كالملك المطلق. انتهى ملخّصاً».(1)
و قال في الجواهر: «الوقف اذا تمّ زال عن ملك الواقف عند الأكثر، بل عن المشهور بل في محكي الغنية و السرائر الاجماع عليه و هو الحجّة على ما تفرّد به أبو الصلاح في ظاهر المحكي من كافيه من البقاء على ملك الواقف، مضافاً الى امكان دعوى القطع به من النصوص التي ستسمع بعضها في اثبات انتقاله الى الموقوف عليه و مضافاً الى دعوى كون ذلك هو المراد من انشائه الذي شرع الشارع المعنى المتعارف فيه على نحو شرعه باقي العقود، و ان جعل لها شرائط صحّة و لزوم، خصوصاً بعد ملاحظة كونه قسماً من الصدقات. و قوله عليه السلام: «حبّس الأصل و سبّل الثمرة» لا دلالة فيه على ما ينافي ذلك؛ ضرورة امكان ارادة بقاء الأصل محبوساً و لو على ملك الموقوف عليه بحيث لايباع و لايوهب و لايورث اذ الحبس فيه مقابل تسبيل الثمرة، لا الحبس الذي هو العقد المقتضي بقاء ملك العين للمالك؛ اذ هو قسيم الوقف لا نفسه، و جواز ادخال من يريد فيه - مع صغر الأولاد و ان لم يشترط - قد عرفت منعه عندنا مع أنّه لايدلّ على ذلك؛ ضرورة امكان كونه لدليل شرعي و هو النصوص السابقة و الّا فلا اشكال في كون الثمرة للموقوف عليه فتكفي حينئذ في المنع عن التشريك المزبور كما هو واضح، فما
1) مسالك الأفهام 5: 375.
عن بعض العامّة - من بقائه على ملك الواقف؛ لذلك و للأصل المقطوع بما عرفت - واضح الفساد».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الوقف يلازم التأبيد مع الشرائط، كما هو ظاهر الروايات و الفتاوى و هو يوجب زوال ملك الواقف. و أمّا الوقف المنقطع الآخر فتقدّم حكمه في المسألة الخامسةعشرة و السادسةعشرة. و أمّا الحبس فسيأتي أنّه باقٍ على ملك الحابس و يورّث و يجوز له التصرّفات غير المنافية لاستيفاء المحبّس عليه المنفعة. و سيأتي ما في المسألة في محلّه.
(مسألة 18): لو انقرض الموقوف عليه و رجع الى ورثة الواقف فهل يرجع الى ورثته حين الموت أو حين الانقراض؟ قولان، أظهرهما الأوّل و تظهر الثمرة فيمالو وقف على من ينقرض كزيد و أولاده ثمّ مات الواقف عن ولدين و مات بعده أحد الولدين عن ولد قبل الانقراض ثمّ انقرض، فعلى الثاني يرجع الى الولد الباقي، و على الأوّل يشاركه ابن أخيه.
الشرح:
قال في المسالك: «و المعتبر وارثه عند انقراض الموقوف عليه، كالولاء و يحتمل وارثه عند موته مسترسلاً الى أن يصادف الانقراض. و تظهر الفائدة فيما لو مات الواقف عن ولدين ثمّ مات أحدهما عن ولد قبل الانقراض فعلى الأوّل:
1) جواهر الكلام 28: 90.
يرجع الى الولد الباقي خاصّة و على الثاني: يشترك هو و ابن أخيه لتلقّيه من أبيه كما لو كان حيّاً».(1)
أقول:
لو انقرض الموقوف عليه ففي الصورة التي يرجع الى الواقف فلو كان الواقف ميّتاً حين الانقراض فمات بعض ولده بعده فالظاهر أنّه يرجع الى الوارث حين الموت؛ لأنّه كما تقدّم في المسألة السادسةعشرة، يكون الوقف في هذه الصورة حبساً و لايخرج عن ملكه.
(مسألة 19): من الوقف المنقطع الآخر ما كان الوقف مبنيّاً على الدوام لكن كان على من يصحّ الوقف عليه في أوّله دون آخره، كما اذا وقف على زيد و أولاده و بعد انقراضهم على الكنائس و البيع مثلاً، فيصحّ بالنسبة الى من يصحّ الوقف عليه دون غيره.
الشرح:
لايصحّ الوقف على الكنائس و البيع كما سيأتي، و عليه فلو كان الواقف عالماً بعدم صحّة وقفه على الكنائس و البيع فيرجع الوقف بعد الانقراض الى الواقف أو ورثته كما تقدّم، و ان لم يكن عالماً فيرجع أمره الى الحاكم الشرعي فيصرفه في وجوه البرّ.
1) مسالك الأفهام 5: 357.
(مسألة 20): الوقف المنقطع الأوّل ان كان بجعل الواقف كما اذا وقفه اذا جاء رأس الشهر الكذائي فالأحوط بطلانه، فاذا جاء رأس الشهر المزبور فالأحوط تجديد الصيغة و لايترك هذا الاحتياط و ان كان بحكم الشرع بأن وقف أوّلاً على ما لايصحّ الوقف عليه ثمّ على غيره فالظاهر صحّته بالنسبة الى من يصحّ، و كذا في المنقطع الوسط كما اذا كان الموقوف عليه في الوسط غير صالح للوقف عليه بخلافه في الأوّل و الآخر، فيصحّ على الظاهر في الطرفين، و الأحوط تجديده عند انقراض الأوّل في الأوّل و الوسط في الثاني.
الشرح:
قال في الروضة البهيّة: «و لو انقطع أوّله أو وسطه أو طرفاه فالأقوى بطلان ما بعد القطع فيبطل الأوّل و الأخير و يصحّ أوّل الآخر».(1)
أقول:
الوقف المنقطع الأوّل تارة يكون معلّقاً على زمان لم يأتِ بعدُ، كما اذا قال: «وقفت هذه الدار اذا جاء رأس الشهر الكذائي» فحيث انّه انقطع أوّله فالأحوط ان لم يكن أقوى، بطلانه؛ لعدم الدوام فيه أوّلاً و عدم التنجيز فيه ثانياً. و أخرى يكون الوقف في أوّله على من لايصحّ الوقف عليه ثمّ على غيره. فقد تقدّم أنّه ان لم يعلم حكمه فيصحّ الوقف فيصرف حاصله - على حسب الوقف - في وجوه البرّ بنظر الحاكم الشرعي، و ان علم فالأحوط ان لم يكن أقوى، بطلانه؛ لما مرّ. و ثالثة يكون الوقف في أوّله على من لم يكن موجوداً فحكمها حكم الثانية من التفصيل بين
1) الروضة البهيّة 3: 170.
علمه بعدم وجوده و عدم علمه بذلك. و هكذا يكون الحكم في المنقطع الوسط و المنقطع طرفاه من الصور الثلاث الّا أنّ منقطع الوسط يصحّ الوقف في أوّله مطلقاً و جاء الصور الثلاث فيما بعد الأوّل.
(مسألة 21): لو وقف على جهة أو غيرها و شرط عوده اليه عند حاجته صحّ على الأقوى، و مرجعه الى كونه وقفاً مادام لم يحتج اليه، و يدخل في منقطع الآخر، و اذا مات الواقف فان كان بعد طروّ الحاجة كان ميراثاً والّا بقي على وقفيّته.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو شرط عوده اليه عند حاجته صحّ الشرط و بطل الوقف و صار حبساً يعود فيه مع الحاجة و يورث».(1)
قال في المسالك: «البحث هنا في موضعين، الأوّل: في صحّة هذا الشرط، و فيه قولان: أحدهما و اختاره المعظم بل ادّعى المرتضى عليه الاجماع - صحّة العقد و الشرط و لعموم «أوفوا بالعقود» و «المؤمنون عند شروطهم» و للرواية المرويّة عن العسكري عليه السلام. و ثانيهما: البطلان. ذهب اليه الشيخ في أحد قوليه و ابن ادريس و المصنّف في النافع. و الترجيح مع الأوّل. الموضع الثاني: على تقدير الصحّة و الحاجة يجوز الرجوع و يصير ملكاً و يبطل الوقف. و ان لم يرجع أو لم يحتج حتّى مات هل يبطل الوقف، لصيرورته بالشرط المذكور حبساً أم يستمرّ الوقف على حاله؟ قولان، اختار المصنّف هنا و العلّامة و جماعة الأوّل؛ عملاً بمقتضى الرواية الخاصّة. و ذهب المرتضى و العلّامة في المختلف الى الثاني؛ لأنّ
1) شرائع الاسلام 2: 171.
صحّة الشرط تقتضي العمل بمقتضاه و مقتضى العقد، فان رجع الواقف بمقتضى شرطه بطل الوقف عملاً بالشرط و ان لم يرجع و مات كان على حاله عملاً بمقتضى العقد. و هذا حسن ان لم نعتبر الرواية، و الّا فالأوّل أحسن. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
قد وردت هنا معتبرة اسماعيل بن الفضل قال:
«سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يتصدّق ببعض ماله في حياته في كلّ وجه من وجوه الخير، قال: ان احتجت الى شي ء من المال فأنا أحقّ به،ترى ذلك له و قد جعله للَّه يكون له في حياته فاذا هلك الرجل يرجع ميراثاً أو يمضي صدقة؟ قال: يرجع ميراثاً على أهله».(2)
فما هو الظاهر من هذه الرواية صحّة الشرط و أنّه يرجع ميراثاً لو احتاج اليه في حياته، و لو لم تكن بهذا الظهور فلتحمل عليه؛ لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج الطويلة الواردة في وصيّة علي عليه السلام بالنسبة الى ينبع و أنّه عليه السلام جعله و غيره صدقة في سبيل اللَّه و جعل الحقّ للحسن عليه السلام أن يبيع نصيباً من المالفيقضي به الدين. و ان لم يبعه فجعل توليته للحسين عليه السلام الى آخر ولده بنحو ما جعل للحسن عليه السلام.(3)
و عليه فما ذهب اليه المصنّف صحيح فبعد صحّة الشرط يكون وقفاً ان
لم يحتج حتّى مات و ان احتاج يرجع اليه و بعد موته يكون ميراثاً فيكون من الوقف المنقطع الآخر.
(مسألة 22): يشترط في صحّة الوقف التنجيز على الأحوط، فلو علّقه على شرط متوقّع الحصول كمجي ء زيد أو على غير حاصل يقيني الحصول فيما بعد كما اذا قال: «وقفت اذا جاء رأس الشهر» بطل على الأحوط، نعم لا بأس بالتعليق على شي ء حاصل سواء علم بحصوله أم لا، كما اذا قال: «وقفت ان كان اليوم جمعة» و كان كذلك.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كذا [أي بطل] لو علّقه بصفة متوقّعة - الى أن قال: - و لو قال: وقفت اذا جاء رأس الشهر أو ان قدم زيد لم يصحّ».(1)
و قال في المسالك: «لو قال: «وقفت اذا جاء رأس الشهر» فهذا مثال لتعليقه على الوصف الذي لابدّ من وقوعه، و لو قال: «وقفت ان قدم زيد» فهذا مثال لتعليقه على الشرط الذي يحتمل وقوعه و عدمه. و اشتراط تنجيزه مطلقاً موضع وفاق كالبيع و غيره من العقود و ليس عليه دليل بخصوصه. و يستثنى من بطلانه بتعليقه على الشرط ما لو كان الشرط واقعاً و الواقف عالماً بوقوعه، كقوله: «وقفت ان كان اليوم الجمعة» فلايضرّ كغيره. انتهى ملخّصاً».(2)
أقول:
الظاهر أنّ الوقف حيث يكون فكّ ملك فلابدّ له من القطع به فلو علّقه على شي ء بطل؛ لعدم القطع بالفكّ و استصحاب الملكيّة. نعم لو علّقه على الشرط الذي يكون واقعاً مع علمه به صحّ؛ لأنّه في حكم التنجيز.
(مسألة 23): لو قال: «هو وقف بعد موتي» فان فهم منه أنّه وصيّة بالوقف صحّ، و الّا بطل.
الشرح:
لو قال: «هو وقف بعد موتي» فان فهم منه أنّه وصيّة بالوقف صحّ. و هذا مثل ما لو أوصى باعطاء بعض أولاده مقداراً من ماله فان كان بمقدار الثلث أو أقلّ يعمل بالوصيّة، و ان كان زائداً فالزائد منوط باجازة الورثة، فكذلك ما نحن فيه. و أمّا ان فهم منه أنّه وقف هذا ولكنّه علّقه بعد موته فلايكون وقفاً؛ لعدم التنجيز، و لا وصيّة؛ لعدم نيّته.
(مسألة 24): من شرائط صحّة الوقف اخراج نفسه عنه، فلو وقف على نفسه لم يصحّ، و لو وقف على نفسه و غيره فان كان بنحو التشريك بطل بالنسبة الى نفسه دون غيره، و ان كان بنحو الترتيب فان وقف على نفسه ثمّ على غيره فمن منقطع الأوّل، و ان كان بالعكس فمنقطع الآخر، و ان كان على غيره ثمّ نفسه ثمّ غيره فمنقطع الوسط، و قد مرّ حكم الصور.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو وقف على نفسه لم يصحّ. و كذا لو وقف على نفسه ثمّ على غيره، و قيل: يبطل في حقّ نفسه و يصحّ في حقّ غيره. و الأوّل أشبه».(1)
قال في المسالك: «لا خلاف بين أصحابنا في بطلان وقف الانسان على نفسه. و لأنّ الوقف ازالة ملك و تمليك من الواقف و ادخال ملك على الموقوف عليه، و الملك هنا متحقّق ثابت لايعقل ادخاله و تجديده مع ثبوته و لا اشتراط نفعه لنفسه كالبيع و الهبة. و لأنّه تمليك منفعة وحدها أو مع الرقبة، و لايعقل تمليك الانساننفسه. و خالف في ذلك بعض العامّة فصحّحوه بناء على أنّ استحقاق الشي ء وقفاً غير استحقاقه ملكاً، و قد يقصد حبسه و منع نفسه من التصرّف المزيل للملك.
اذا تقرّر ذلك فلو وقف على نفسه ثمّ على غيره فهو منقطع الأوّل؛ لبطلانه في حقّ نفسه. و هل يصحّ في حقّ غيره؟ قولان تقدّم الكلام فيهما و أنّ الأقوى البطلان مطلقاً. و على تقدير الصحّة هل يصحّ لغيره من حين الوقف أو بعد موت الواقف؟ وجهان و قد تقدّم اختيار الشيخ للأوّل. و هو مشكل؛ لأنّه خلاف مقصود الواقف. و قد قال العسكري عليه السلام: «انّ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» و أهلها هنا لم يقصدوا ذلك الغير ابتداء فكيف يصرف اليه؟ و الأقوى تفريعاً على الصحّة انصرافه اليه بعد موت الموقوف عليه، و بهذا يسمّى منقطع الأوّل.
و لو انعكس الفرض بأن وقف على غيره ممّن ينقرض ثمّ على نفسه فهو منقطع الآخر، و قد تقدّم اختيار صحّته حبساً على ذلك الغير. و لو عقّب ذلك بعد نفسه بالوقف على آخر فهو منقطع الوسط، و حكمه فيما بعد نفسه كالأوّل.
و لو عطف الغير في الأوّل على نفسه بالواو فليس بمنقطع الأوّل؛ لبقاء موقوف عليه ابتداء و هو الغير، فانّ الموقوف عليه ليس هو المجموع منه و من
1) شرائع الاسلام 2: 171.
الغير من حيث هو مجموع بل كلّ واحد منهما. و الأقوى صحّة الوقف على الغير في نصفه و بطلان النصف في حقّه؛ لعدم المانع من نفوذ الوقف في النصف مع وجود المقتضي للصحّة و هو الصيغة مع ما يعتبر معها».(1)
أقول:
و لو وقف على نفسه لم يصحّ؛ لأنّ من شرائط صحّة الوقف اخراج نفسه عنه و الوقف فكّ ملك، لا ابقاء ملك كما استدلّ عليه في المسالك. و أمّا لو وقف على نفسه و غيره فان كان بنحو التشريك بطل بالنسبة الى نفسه دون غيره؛ لعدم المانع، الّا أن يكون وقفه مقيّداً فيبطل بالنسبة الى غيره أيضاً. و ان كان بنحو الترتيب فالصور المتصوّرة ثلاث و قد مرّ حكمها في المسائل السابقة.
(مسألة 25): لو وقف على غيره كأولاده أو الفقراء مثلاً و شرط أن يقضي ديونه أو يؤدّي ما عليه من الحقوق الماليّة كالزكاة و الخمس أو ينفق عليه من غلّة الوقف لم يصحّ، و بطل الوقف من غير فرق بين ما لو أطلق الدين أو عيّن، و كذا بين أن يكون الشرط الانفاق عليه و ادرار مؤونته الى آخر عمره أو الى مدّة معيّنة، وكذا بين تعيين المؤونة و عدمه، هذا كلّه ان رجع الشرط الى الوقف لنفسه، و أمّا ان رجع الى الشرط على الموقوف عليهم بأن يؤدّوا ما عليه أو ينفقوا عليه من منافع الوقف التي صارت ملكاً لهم فالأقوى صحّته، كما أنّ الأقوى صحّة استثناء مقدار ما عليه من منافع الوقف، ثمّ انّ في صورة بطلان الشرط تختلف الصور، ففي بعضها يمكن أن يقال بالصحّة بالنسبة الى ما يصحّ كما لو شرك نفسه مع غيره، و في بعضها يصير من قبيل منقطع الأوّل،
1) مسالك الأفهام 5: 361 و 362.
فيصحّ على الظاهر فيما بعده، لكنّ الاحتياط باجراء الصيغة في مواردها لاينبغي تركه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو وقف على نفسه لم يصحّ - الى أن قال: - و كذا لو وقف على غيره و شرط قضاء ديونه أو ادرار مؤونته لم يصحّ».(1)
قال في المسالك: «لمّا كان قاعدة مذهب الأصحاب اشتراط اخراج الوقف عن نفسه بحيث لايبقى له استحقاق فيه - من حيث انّ الوقف يقتضي نقل الملك و المنافع عن نفسه - فاذا شرط الواقف قضاء ديونه أو ادرار مؤونته أو نحو ذلك فقد شرط ما ينافي مقتضاه فيبطل الشرط و الوقف معاً. و لا فرق بين أن يشترط قضاء دين معيّن و عدمه، و لا بين اشتراط ادرار مؤونته مدّة معيّنة و مدّة عمره. و مثله شرط الانتفاع به مدّة حياته أو مدّة معلومة و سواء قدّر ما يؤخذ منه أو أطلقه؛ لوجود المقتضي في الجميع. و من جوّز الوقف على نفسه جوّز اشتراط هذه الأشياء مطلقاً. و منع الاشتراط المذكور مختصّ بنفسه فلو شرط أكل أهله منه صحّ الوقف و الشرط، كما فعله النبي صلى الله عليه وآله في صدقته، و شرطته فاطمةعليها السلام كذلك. و كذا لو شرط أن يأكل الناظر منه أو يطعم غيره، فان كان وليّه الواقف كان له ذلك عملاً بالشرط، و لا يكون ذلك شرطاً للنفع على نفسه.»(2)
أقول:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ حقيقة الوقف فكّ الملك ابتداء ثمّ تحبيس
الأصل و تسبيل المنفعة فلو شرط أن يقضي ديونه - الى آخر ما في المتن - من غلّة الوقف لم يصحّ؛ لعدم فكّ الملك عن نفسه. من غير فرق بين الصور المذكورة في المتن و قد سبقه في المسالك. هذا كلّه ان رجع الشرط الى الوقف لنفسه.
و أمّا ان رجع الى الشرط على الموقوف عليهم بأن يؤدّوا ما عليه أو ينفقوا عليه من منافع الوقف التي صارت ملكاً لهم فالأقوى صحّة الوقف و الشرط فيجب عليهم الوفاء بما تقبّلوا من الشرط كما أنّ الأقوى صحّة استثناء مقدار ما عليه من منافع الوقف بعد ما صار ملكاً لهم؛ لعدم مانعيّة هذا الشرط بالنسبة الى الوقف.
ثمّ انّه لو كان نظر الواقف أوّلاً و بالذات الوقف، و اشترط قضاء ديونه تبعاً بحيث لو علم فساده لم يشترط فحينئذ فالوقف صحيح و الشرط باطل.
(مسألة 26): لو شرط أكل أضيافه و من يمرّ عليه من ثمرة الوقف جاز، و كذا لو شرط ادرار مؤونة أهله و عياله و ان كان ممّن يجب نفقته عليه حتّى الزوجة الدائمة اذا لم يكن بعنوان النفقة الواجبة عليه حتّى تسقط عنه و الّا رجع الى الوقف على النفس.
الشرح:
لو شرط أكل أضيافه و من يمرّ عليه من ثمرة الوقف جاز؛ لعدم كونه مخالفاً لماهيّة الوقف الذي هو فكّ ملك أوّلاً عن نفسه. و كذا لو شرط ادرار مؤونة أهله و عياله و ان كان ممّن يجب نفقته عليه حتّى الزوجة الدائمة؛ لما قلنا.
نعم لو شرط ادرار من يجب نفقته عليه حتّى تسقط عنه فلايصحّ الوقف؛ لرجوعه الى الوقف على النفس.
(مسألة 27): لو آجر عيناً ثمّ وقفها صحّ الوقف، و بقيت الاجارة على حالها، و كان الوقف مسلوب المنفعة في مدّة الاجارة، فان انفسخت بالفسخ أو الاقالة بعد تماميّة الوقف رجعت المنفعة الى الواقف المؤجر دون الموقوف عليهم.
الشرح:
لو آجر عيناً كالدار مثلاً ثمّ وقفها فالظاهر صحّة الوقف؛ لأنّ ماهيّة الوقف فكّ الرقبة و الملك عن المالك و قد حصل، و أمّا سلب منفعتها في مدّة الاجارة فلا مانع منه. ثمّ انّه ان انفسخت الاجارة بالفسخ أو الاقالة بعد تماميّة الوقف رجعت المنفعة الى الواقف المؤجر.
و الحاصل أنّ وقف العين المستأجرة موجب لانتقال العين الى الموقوف عليهم و كذا منفعتها الّا أنّ الاجارة مانعة، فاذا رفع المانع بمضيّ المدّة أو فسخ الاجارة ترجع الى الموقوف عليهم.
(مسألة 28): لا اشكال في جواز انتفاع الواقف بالأوقاف على الجهات العامّة، كالمساجد و المدارس و القناطر و الخانات المعدّة لنزول المسافرين و نحوها، و أمّا الوقف على العناوين العامّة كفقراء المحلّ مثلاً اذا كان الواقف داخلاً في العنوان حين الوقف أو صار داخلاً فيه فيما بعد فان كان المراد التوزيع عليهم فلا اشكال في عدم جواز أخذ حصّته من المنافع، بل يلزم أن يقصد من العنوان المذكور حين الوقف من عدا نفسه و يقصد خروجه عنه، و من ذلك ما لو وقف شيئاً على ذريّة أبيه أو جدّه ان كان المقصود
البسط و التوزيع كما هو الشائع المتعارف فيه، و ان كان المراد بيان المصرف كما هو الغالب المتعارف في الوقف على الفقراء و الزوّار و الحجّاج و نحوهم فلا اشكال في خروجه و عدم جواز الانتفاع به اذا قصد خروجه، و أمّا لو قصد الاطلاق و العموم بحيث يشمل نفسه فالأقوى جواز الانتفاع و الأحوط خلافه، بل يكفي في جوازه عدم قصد الخروج، و هو أولى به ممّن قصد الدخول.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو وقف على الفقراء ثمّ صار فقيراً، أو على الفقهاء ثمّ صار فقيهاً صحّ له المشاركة في الانتفاع».(1)
و قال في المسالك: «الفرق أنّ ذلك ليس وقفاً على نفسه و لا على جماعة هو منهم، فانّ الوقف على مثل ذلك ليس وقفاً على الأشخاص المتّصفين بهذا الوصف بل على الجهة المخصوصة، و لهذا لايعتبر قبولهم و لا قبول بعضهم و لا قبضهم و ان أمكن، و لاينتقل الملك اليهم و انّما ينتقل الى اللَّه تعالى، و لايجب صرفالنماء في جميعهم. و مثل هذا يسمّى وقفاً على الجهة؛ لأنّ الواقف ينظر الى جهة الفقر و المسكنة مثلاً و يقصد نفع موصوف بهذه الصفة لا شخص بعينه. و لا فرق في صحّة المشاركة بين أن يكون الواقف متّصفاً بالصفة التي هي مناط الوقف حالة الوقف و بعده. و خالف في أصل الحكم ابن ادريس فمنع من انتفاع الواقف بالوقف في ذلك و نظائره؛ لخروجه عنه فلايعود. و قد عرفت جوابه. و في بعض فتاوى الشهيدرحمه الله أنّه يشارك ما لم يقصد منع نفسه أو ادخالها. و هو حسن، فانّه اذا قصد ادخال نفسه فقد وقف على نفسه و لم يقصد الجهة، و اذا
1) شرائع الاسلام 2: 171.
قصد منع نفسه فقد خصّص العامّ بالنيّة، و هو جائز فيجب اتّباع شرطه؛ للخبر السابق، و انّما الكلام عند الاطلاق».(1)
أقول:
لو وقف على الجهات العامّة، كالمساجد و المدارس و القناطر و الخانات المعدّة لنزول المسافرين و نحوها، فلا اشكال في جواز انتفاعه منها فانّه كأحدهم. و لو وقف على الفقراء أو على الفقهاء ثمّ صار فقيراً أو فقيهاً صحّ انتفاع الواقف؛ لأنّ الوقف يكون على الجهة لا على الأشخاص. و أمّا لو وقف على فقراء المحلّة بحيث يمكن الوقف على الأشخاص فيرجع صحّة انتفاعه منه أو عدمها الى قصده، فان كان قصده الوقف على الأشخاص و التوزيع عليهم فلايجوز أخذ حصّته من المنافع بل يلزم أن يقصد من العنوان المذكور حين الوقف من عدا نفسه و يقصد خروجه عنه. و ان كان قصده من ذلك الوقف، الجهة أي عنوان الفقراء من هذه المحلّة لا الأشخاص - كما هو الغالب المتعارف في الوقف على الفقراء والزوّار و الحجّاج و نحوهم - فلا اشكال في جواز انتفاعه الّا اذا قصد خروج نفسه عنهم.
و لو وقف شيئاً على ذريّة أبيه أو جدّه فاللازم قصد من عدا نفسه.
(مسألة 29): يعتبر في الواقف البلوغ و العقل و الاختيار و عدم الحجر لفلس أو سفه، فلايصحّ وقف الصبي و ان بلغ عشراً على الأقوى. نعم حيث انّ الأقوى صحّة وصيّة من بلغه كما يأتي فان أوصى به صحّ وقف الوصي عنه.
1) مسالك الأفهام 5: 363 و 364.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يعتبر فيه [في الواقف] البلوغ و كمال العقل و جواز التصرّف، و في وقف من بلغ عشراً تردّد و المروي جواز صدقته، و الأولى المنع؛ لتوقّف رفع الحجر على البلوغ و الرشد و يجوز أن يجعل الواقف النظر لنفسه و لغيره فان لم يعيّن الناظر كان النظر الى الموقوف عليهم بناءً على القول بالملك».(1)
يعتبر في الواقف العقل فلايصحّ الوقف من المجنون؛ لأنّه مسلوب العبارة. و أن لايكون سفيهاً؛ لعدم جواز تصرّفه في ماله، و كذا المفلّس لتعلّق حقّ الديّان بماله. نعم، اذا أجاز ديّانه فلا مانع من وقفه.
و أمّا البلوغ فقد وردت روايات بجواز صدقة من بلغ عشراً أو الغلام الذي لم يحتلم كموثّقة زرارة عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«اذا أتى على الغلام عشر سنين فانّه يجوز في ماله ما أعتق أو تصدّق أو أوصى على حدّ معروف و حقّ فهو جائز».(2)
و صحيحة جميل بن درّاج عن أحدهماعليهما السلام قال:
«يجوز طلاق الغلام اذا كان قد عقل و صدقته و وصيّته و ان لم يحتلم».(3)
و صحيحة الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«سئل عن صدقة الغلام ما لم يحتلم؟ قال: نعم، اذا وضعها في موضع الصدقة».(4)
فهذه الروايات و ان وردت في الصدقة و هي أعمّ من الوقف، الّا أنّ اردافها في الموثّقة بالعتق و الوصيّة يفيد أنّ المراد من الصدقة ما يشمل الوقف. ولكنّ الاحتياط لايترك بالصدقة المعروفة دون الوقف؛ لما في قيده عليه السلام في صحيحة الحلبي و محمّد بن مسلم: «نعم، اذا وضعها في موضع الصدقة» المفهوم منه دون الوقف.
نعم لو أوصى به صحّ وقف الوصيّ عنه، كما في صحيحة جميل بن درّاج و موثّقة زرارة.
(مسألة 30): لايعتبر في الواقف أن يكون مسلماً فيصحّ وقف الكافر فيما يصحّ من المسلم على الأقوى و فيما يصحّ منه على مذهبه اقراراً له على مذهبه.
الشرح:
لايعتبر في الواقف أن يكون مسلماً؛ لعدم اعتبار قصد القربة في الوقف الذي لم يحصل من الكافر الجاحد للَّه تعالى و ان كان يمكن للكافر الكتابي، فيصحّ وقف الكافر فيما يصحّ من المسلم - لأنّ الوقف عبارة عن فكّ الملك و حبسه و تسبيل المنفعة و هو يمكن حصوله من الكافر مطلقاً - و فيما يصحّ منه على مذهبه اقراراً له على مذهبه.
قال في الجواهر: «و أمّا لو وقف الكافر على البيع و الكنائس أو أحد الكتابين جاز بلا خلاف أجده فيه كما عن المقتصر الاعتراف به بل عن ظاهر التنقيح الاجماع عليه. نعم في جامع المقاصد بعد أن أفتى بالجواز قال: «و فيه وجه آخر» و على كلّ حال فالمعروف الأوّل اقراراً لهم على دينهم، لكن في المسالك هو يتمّ
بناء على عدم اشتراط القربة، أمّا معه فمشكل من حيث انّ ذلك معصية في الواقع، فلايتحقّق معنى القربة بها الّا أن يراد قصدها في الجملة و ان لم تحصل أو قصدها ممّن يعتقد حصولها، و هذا هو الظاهر».(1)
(مسألة 31): يعتبر في الموقوف أن يكون عيناً مملوكة يصحّ الانتفاع به منفعة محلّلة مع بقاء عينه بقاء معتدّاً به غير متعلّق لحقّ الغير المانع من التصرّف و يمكن قبضه فلايصحّ وقف المنافع و لا الديون و لا ما لايملك مطلقاً كالحرّ، أو لايملكه المسلم كالخنزير و لا ما لا انتفاع به الّا باتلافه كالأطعمة و الفواكه، و لا ما انحصر انتفاعه المقصود في المحرّم كآلات اللهو و القمار، و يلحق به ما كانت المنفعة المقصودة من الوقف محرّمة، كما اذا وقف الدابّة لحمل الخمر أو الدكّان لحرزها أو بيعها، و كذا لايصحّ وقف ريحانة للشمّ على الأصحّ، لعدم الاعتداد ببقائها، و لا العين المرهونة، و لا ما لايمكن قبضه كالدابّة الشاردة، و يصحّ وقف كلّ ما صحّ الانتفاع به مع بقاء عينه بالشرائط، كالأراضي و الدور و العقار و الثياب و السلاح و الآلات المباحة و الأشجار و المصاحف و الكتب و الحليّ و صنوف الحيوان حتّى الكلب المملوك و السنّور و نحوها.
الشرح:
قال في الشرائع: «(يشترط في الموقوف) أن تكون عيناً مملوكة ينتفع بها مع بقائها و يصحّ اقباضها، فلايصحّ وقف ما ليس بعين كالدين و كذا لو قال وقفت فرساً أو ناضحاً أو داراً و لم يعيّن، و يصحّ وقف العقار و الثياب و الأثاث و الآلات
1) جواهر الكلام 28: 36.
المباحة و ضابطه كلّما يصحّ الانتفاع به منفعة محلّلة مع بقاء عينه. و كذا يصحّ وقف الكلب المملوك و السنّور لامكان الانتفاع به و لايصحّ وقف الخنزير؛ لأنّه لايملكه المسلم و لا وقف الآبق لتعذّر التسليم. و هل يصحّ وقف الدنانير و الدراهم؟ قيل: لا، و هو الأظهر؛ لأنّه لا نفع لها الّا بالتصرّف فيها و قيل: يصحّ؛ لأنّه قد يفرض لها نفع مع بقائها. و لو وقف ما لايملكه لم يصحّ وقفه. و لو أجاز المالك، قيل: يصحّ؛ لأنّه كالوقف المستأنف، و هو حسن. و يصحّ وقف المشاع و قبضه كقبضه في البيع».(1)
و قال في اللمعة: «شرط الموقوف أن يكون عيناً مملوكة ينتفع بها مع بقائها و يمكن اقباضها. و لو وقف ما لايملكه وقف على اجازة المالك. و وقف المشاع جائز كالمقسوم».(2)
و في القواعد: «و شروطه أربعة: أن يكون عيناً مملوكة يصحّ الانتفاع بها مع بقائها و يمكن اقباضها - الى أن قال: - و يصحّ وقف كلّ ما ينتفع به منفعة محلّلة مع بقائه، كالعقار و الثياب و الأثاث و الآلات المباحة و الحليّ و السلاح و الكلب المملوك و السنّور و الشجر و الشاة و الأمة و العبد».(3)
أقول:
انّ هذه الشروط مفاد روايات الباب و صدق الوقف شرعاً و لغة و عرفاً، فلايصحّ وقف الشي ء الذي لا وجود له خارجاً كالدين و كالشي ء غير المعيّن؛ لأنّه لايصدق عليه الوقف الذي هو عبارة عن تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة و كذا
لايصحّ وقف الشي ء الذي لايملكه المسلم شرعاً كالخمر و الخنزير و غيرهما ممّا لم تكن له منفعة محلّلة مقصودة، و ما لايملكه الواقف الّا اذا أذن مالكه على رأي. و حيث انّ الوقف هو تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة فلايصحّ وقف ما لايبقى مع الانتفاع به و لذا لايصحّ وقف الدراهم و الدنانير اذا كان الانتفاع بها موقوفاً علىالتصرّف فيها. و ما لايمكن اقباضه - كالطير في الهواء و العبد الآبق - لايصحّ وقفه؛ لعدم الموضوع. و الضابط كما قال في الشرائع و القواعد و غيرهما: «يصحّ وقف كلّ ما ينتفع به منفعة محلّلة مع بقائه» كما مثّل به المصنّف و غيره.
(مسألة 32): لايعتبر في العين الموقوفة كونها ممّا ينتفع بها فعلاً بل يكفي كونها معرضاً للانتفاع و لو بعد مدّة، فيصحّ وقف الدابّة الصغيرة و الأصول المغروسة التي لا تثمر الّا بعد سنين.
الشرح:
قال في الجواهر: «و كذا لايعتبر فعليّة النفع بل يكفي تأهّله، فيصحّ وقف الفلو(1)و الجحش(2)و العبد الصغار بلا خلاف أجده؛ لاطلاق الأدلّة أيضاً».(3)
الظاهر من الروايات الواردة في الوقف كون العين الموقوفة ممّا يصحّ الانتفاع بها و اطلاق هذه الروايات يقتضي كونها منتفعة و قابلة للانتفاع فعلاً أو كونها معرضاً للانتفاع و لو بعد مدّة. و عليه يصحّ وقف الدابّة الصغيرة و الأصول المغروسة التي لاتثمر الّا بعد سنين، كما في المتن.
(مسألة 33): المنفعة المقصودة في الوقف أعمّ من المنفعة المقصودة في العارية و الاجارة، فتشمل النماءات و الثمرات، فيصحّ وقف الأشجار لثمرها و الشاة لصوفها و لبنها و نتاجها.
الشرح:
قد ذكرنا في كتاب العارية أنّ المعيار في العين المعارة هو العرف و السيرة - بعد اطلاق رواياتها - و هما يدلّان على جواز اعارة الشي ء اذا أمكن الانتفاع به مع بقاء عينه الّا ما خرج بالسيرة مثل المنحة.
قال في الشرائع: «في العين المعارة: و هي كلّ ما يصحّ الانتفاع به مع بقاء عينه، كالثوب و الدابّة و تصحّ استعارة الأرض للزراعة و الغرس - الى أن قال: - و كذا يجوز استعارة كلّ حيوان له منفعة - الى أن قال: - و يجوز استعارة الشاة للحلب وهي المنحة. (و قال أيضاً في كتاب الاجارة:) و كلّ ما صحّ اعارته صحّ اجارته».(1)
أمّا الوقف فيصحّ بالنسبة الى النماءات و الثمرات فلا اشكال في صحّة وقف الاشجار لثمرها و الشاة لصوفها و لبنها و نتاجها.
(مسألة 34): ينقسم الوقف باعتبار الموقوف عليه على قسمين: الوقف الخاصّ و هو ما كان وقفاً على شخص أو أشخاص، كالوقف على أولاده و ذريّته أو على زيد و ذريّته، و الوقف العامّ و هو ما كان على جهة و مصلحة عامّة كالمساجد و القناطر و الخانات أو على عنوان عامّ كالفقراء و الأيتام و نحوهما.
1) شرائع الاسلام 2: 136 و 137 و 140.
الشرح:
الوقف باعتبار الموقوف عليه - كما قاله المصنّف - على قسمين:
الوقف الخاصّ: و هو الوقف على شخص أو أشخاص معيّنين، كأولاده و أولاد أولاده و هكذا، أو على زيد و أولاده و ذريّته.
و الوقف العامّ و هو أيضاً على قسمين: الأوّل: الوقف على جهات و مصالح عامّة، كالمساجد و القناطر و المدارس و البساتين و المستشفيات، و كلّ ما كان على جهة و مصلحة عامّة.
و الثاني: الوقف على عنوان عامّ كالفقراء و الأيتام و العلماء و الطلّاب. و من هذا القبيل الوقف على طائفة خاصّة من العناوين المذكورة، كالوقف على فقراء هذا البلد أو هذه المحلّة و نظائرها.
(مسألة 35): يعتبر في الوقف الخاصّ وجود الموقوف عليه حين الوقف، فلايصحّ الوقف ابتداء على المعدوم و من سيوجد بعد، و كذا الحمل قبل أن يولد. و المراد بكونه ابتداء أن يكون هو الطبقة الأولى من دون مشاركة موجود في تلك الطبقة، فلو وقف على المعدوم أو الحمل تبعاً للموجود بأن يجعل طبقة ثانية أو مساوياً للموجود في الطبقة بحيث شاركه عند وجوده صحّ بلا اشكال، كما اذا وقف علىأولاده الموجودين و من سيولد له على التشريك أو الترتيب، بل لايلزم أن يكون في كلّ زمان وجود الموقوف عليه و ولادته فلو وقف على ولده الموجود و على ولد ولده بعده و مات الولد قبل ولادة ولده فالظاهر صحّته، و يكون الموقوف عليه بعد موته الحمل، فما لايصحّ الوقف عليه هو المعدوم أو الحمل ابتداء بنحو الاستقلال لا التبعيّة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يعتبر في الموقوف عليه أن يكون موجوداً - الى أن قال: - فلو وقف على معدوم ابتداء لم يصحّ، كمن يقف على من سيولد له أو على حمل لم ينفصل. أمّا لو وقف على معدوم تبعاً لموجود فانّه يصحّ. و لو بدأ بالمعدوم ثمّ بعده على الموجود، قيل لايصحّ، و قيل يصحّ على الموجود. و الأوّل أشبه».(1)
يعتبر في الوقف الخاصّ وجود الموقوف عليه حين الوقف؛ لأنّ أركان الوقف تتشكّل من الواقف و الموقوف و الموقوف عليه، ففيما كان أحد هذه الأركان معدوماً لم يكن وقف. و كذا الوقف على من سيوجد بعد و كذا الحمل قبل أن يولد؛ فانّ الأوّل معدوم و الثاني كالمعدوم. و لو نوقش في الحمل بأنّه موجود فيجوز الوقف عليه، كان في محلّه ان لم يكن هناك اجماع.
هذا اذا كان الموقوف عليه معدوماً، و أمّا اذا وقف على الموجود و شاركه المعدوم تبعاً، بأن يجعل طبقة ثانية أو مساوياً للموجود في الطبقة بحيث شاركه عند وجوده صحّ؛ للروايات الواردة في ذلك و تعارف هذا النحو من الوقف و تماميّة أركانه حين الوقف في الجملة و هو كافٍ، فحينئذ لو وقف على أولاده الموجودين و من سيولد له على التشريك أو الترتيب صحّ.
و أمّا لو وقف على ولده الموجود و على ولد ولده بعده و مات الوالد قبل ولادة ولده فذهب المصنّف الى «أنّ الظاهر صحّته و يكون الموقوف عليه بعد موته، الحمل فما لايصحّ الوقف عليه هو المعدوم أو الحمل ابتداء بنحو الاستقلال لا التبعيّة». و الظاهر صحّته كما قاله المصنّف؛ لأنّ المتعارف من الوقف على الأولاد نسلاً بعد نسل قد يتّفق ذلك فيه، و اطلاق الروايات يشمله و لا بأس بذلك.
1) شرائع الاسلام 2: 168.
(مسألة 36): لايعتبر في الوقف على العنوان العامّ وجود مصداقه في كلّ زمان، بل يكفي امكان وجوده مع وجوده فعلاً في بعض الأزمان فلو وقف بستاناً مثلاً على فقراء البلد و لم يكن في زمان الوقف فقير فيه لكن سيوجد صحّ الوقف و لم يكن من منقطع الأوّل، كما أنّه مع فقده بعد وجوده لم يكن منقطع الوسط بل هو باقٍ على وقفيّته، فيحفظ غلّته الى أن يوجد.
الشرح:
لايعتبر في الوقف على العنوان العامّ وجود مصداقه في زمان الوقف بل يكفي امكان وجوده مع وجوده في بعض الأزمان فلو وقف الخانات لزوّار الحسين عليه السلام أو أحد المعصومين عليهم السلام صحّ و كذا لو وقف داراً ليصرف منافعها لمن يريد الحجّ و هو فقير صحّ و لو لم يكن في زمان الوقف زائر أو حاجّ مع امكان وجوده؛ و ذلك لأنّ الوقف كذلك لم يكن وقفاً على المعدوم عرفاً حتّى ينكره العرف بل يتلقّى الوقف هذا بمنزلة الموجود و لذا يتعارف وقف القدور و الأواني الكبيرة للاطعام في أيّام عزاء الامام الحسين عليه السلام أو ليالي القدر أو شهر رمضان و كان هذا معمولاً لم ينكره أحد من العلماء و الصلحاء بل لعلّه يستفاد ذلك من الروايات. و قد اتّضح الفرق بين هذا و الوقف الخاصّ.
(مسألة 37): يشترط في الموقوف عليه التعيين، فلو وقف على أحد الشخصين أو أحد المسجدين لم يصحّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كذا لو وقف على غير معيّن، كأن يقول: على أحد هذين أو
على أحد المشهدين أو الفريقين فالكلّ باطل».(1)
و في المسالك: «الوجه فيه ما تقدّم من أنّه تمليك فلابدّ من مالك معيّن و لو في ضمن عامّ أو مطلق و لايعقل تمليك ما ليس بمعيّن و لأنّ الوقف حكم شرعي فلابدّ من محلّ معيّن يقوم به كما يفتقر مطلق العرض الى المحلّ الجوهري، و أحد الأمرين أمر كلّي لا وجود له خارجاً و ان كان كلّ واحد منهما موجوداً خارجاً».(2)
و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده بل في المحكيّ من اجماعي الغنية و السرائر اعتبار كونه معروفاً متميّزاً مضافاً الى ما عرفت من اقتضاء الوقف التمليك الذي لابدّ له من مالك معيّن و لو في ضمن عامّ أو مطلق، و لايعقل تمليك ما ليس بمعيّن - الى أن قال: - أمّا لو كان الموقوف عليه أحدهما الصادق في كلّ منهما فلا بأس به، و لعلّه لقابليّته حينئذالتمليك، كغيره من المفاهيم الكليّة المالكة و المملوكة، و لا دليل على اعتبار العلم في الموقوف عليه على وجه تقدح فيه مثل هذه الجهالة».(3)
أقول:
لايجوز الوقف على غير معيّن، و أمّا الوقف على الفرد المردّد بين الفردين فان كان بحيث يفهم منه عدم الفرق بينهما فلايبطل الوقف فيصحّ صرفه في أحدهما بل فيهما ان كان المفهوم منه ذلك. و كذا الوقف على أحد الفريقين.
(مسألة 38): الظاهر صحّة الوقف على الذمّي و المرتدّ لا عن فطرة سيّما اذا كان رحماً، و أمّا الكافر الحربي و المرتدّ عن فطرة فمحلّ تأمّل.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لايقف المسلم على الحربي و لو كان رحماً. و يقف على الذمّي و لو كان أجنبيّاً».(1)
قال في المسالك: «هنا مسألتان. احداهما: الوقف على الحربي، والمشهور عدم جوازه مطلقاً؛ لقوله تعالى: «لاتجد قوماً يؤمنون باللَّه و اليوم الآخر يوادّون من حادّ اللَّه و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم» الآية، و الوقف نوع مودّة فيكون منهيّاً عنه خصوصاً اذا اشترطنا في الوقف القربة فانّ النهي ينافيها. و لأنّ الوقف اذا تمّ وجب الوفاء به و حرم تغييره و نقله عن وجهه، و مال الحربي في ء للمسلم يصحّ أخذه و بيعه، و هو ينافي صحّته. - الى أن قال: - و الثانية: وقف المسلم على الذمّي. و فيه أقوال: أحدها: المنع مطلقاً؛ للآية المتقدّمة. و هو قول سلّار و ابن البرّاج. و الثاني: الجواز مطلقاً. و هو الذي اختاره المصنّف؛ للعموم السابق و قوله تعالى: «لاينهاكم اللَّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم» الآية، و للخبر السابق. و الثالث: الجواز اذا كان الموقوف عليه قريباًدون غيره. و هو مختار الشيخين و جماعة؛ جمعاً بين ما ذكر و بين الأوامر العامّة الدالّة على وجوب صلة الرحم الدالّ على الجواز، بتخصيص ذلك النهي بغير الرحم. و الرابع: الجواز للأبوين خاصّة. اختاره ابن ادريس بعد اضطراب كثير في فتوى المسألة، فانّه قال بعد حكاية كلام الشيخ بجوازه على ذي الرحم: «قد قلنا ما عندنا في هذه المسألة: انّه لايجوز الوقف على
1) شرائع الاسلام 2: 168.
الكفرة الّا أن يكون الكافر أحد الوالدين». و وجهه ما سبق مضافاً الى قوله تعالى: «و صاحبهما في الدنيا معروفاً» و «وصّينا الانسان بوالديه حسناً» فانّه ليس من الصحبة بالمعروف ترك صلتهما مع حاجتهما فيجب الجمع بين الأدلّة. و كيف كان: فالقول بالمنع مطلقاً ضعيف و قول المصنّف لايخلو من وجه».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف و قبله المحقّق و الشهيد في المسالك و غيرهم صحيح، أي صحّة الوقف على الذمّي؛ لأنّه في حفظ الاسلام، و نفسه و ماله و عرضه محفوظة، و يحرم التعرّض لها و الظلم عليه و قد يوجب ذلك ميله الى الاسلام. و أمّا الكافر الحربي فلايجوز الوقف له؛ لأنّ الوقف نحو احسان له و الحال أنّ الكافر الحربي في معرض الهلكة و قد عرفت كلام اللَّه تعالى في ذلك.
و أمّا المرتدّ عن فطرة فلايجوز الوقف له أيضاً فهو كالحربي. و المرتدّ لا عن فطرة ان كان يحتمل منه التوبة فلا بأس بالوقف عليه.
(مسألة 39): لايصحّ الوقف على الجهات المحرّمة و ما فيه اعانة على المعصية، كمعونة الزنا و قطع الطريق و كتابة كتب الضلال، و كالوقف على البيع و الكنائس و بيوت النيران لجهة عمارتها و خدمتها و فرشها و معلّقاتها و غيرها، نعم يصحّ وقف الكافر عليها.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو وقف على الكنائس و البيع لم يصحّ. و كذا لو وقف على
1) مسالك الأفهام 5: 332 و 333.
معونة الزناة أو قطاّع الطريق أو شاربي الخمر. و كذا لو وقف على كتب ما يسمّى الآن بالتوراة والانجيل؛ لأنّها محرّفة. و لو وقف الكافر جاز».(1)
قال الشهيد في الروضة: «و لايرد أنّ ذلك يستلزم جواز الوقف على البيع و الكنائس، كما يجوز الوقف على أهل الذمّة؛ لأنّ الوقف على كنائسهم و شبهها وقف على مصالحهم؛ للفرق، فانّ الوقف على المساجد مصلحة للمسلمين و هي مع ذلك طاعة و قربة فهي جهة من جهات المصالح المأذون فيها، بخلاف الكنائس فانّ الوقف عليها وقف على جهة خاصّة من مصالح أهل الذمّة لكنّها معصية؛ لأنّها اعانة لهم على الاجتماع اليها للعبادات المحرّمة و الكفر بخلاف الوقف عليهم أنفسهم؛ لعدم استلزامه المعصية بذاته؛ اذ نفعهم من حيث الحاجة و أنّهم عباد اللَّه و من جملة بني آدم المكرّمين و من تجويز أن يتولّد منهم المسلمون لا معصية فيه. و ما يترتّب عليه من اعانتهم به على المحرّم كشرب الخمر و أكل لحم الخنزير و الذهاب الى تلك الجهات المحرّمة ليس مقصوداً للواقف حتّى لو فرض قصده له حكمنا ببطلانه، و مثله الوقف عليهم لكونهم كفّاراً، كما لايصحّ الوقف على فسقة المسلمين من حيث هم فسقة و لا على الزناة و العصاة من حيث هم كذلك؛ لأنّه اعانة على الاثم و العدوان فيكون معصية. أمّا لو وقف على شخص متّصف بذلك لا من حيث كون الوصف مناط الوقف صحّ سواء أطلق أم قصد جهة محلّلة».(2)
أقول:
لايصحّ الوقف على الجهات المحرّمة و ما فيه اعانة على المعصية كمعونة الزنا و قطع الطريق و كتابة كتب الضلال؛ لأنّ الوقف من المسلم في الصدقات و الخيرات اعانة في مصالح المسلمين، و الوقف على الجهات المحرّمة يكون للمفاسد و افساد المسلمين فاذا كان الوقف من الأحكام الشرعيّة فكيف يجيز الشارع بوقفه في تلك الموارد. و كذا لايصحّ وقف المسلم على البيع و الكنائس و بيوت النيران؛ لأنّ معابدهم ليست أماكن للعبادة التي يرضاها الشارع بل هي نحو من المخالفة له و لايجوز للمسلم اعانتهم على المعصية. و هذا لاينافي الوقف في مصالح أهل الذممكما أوضحه في الروضة و المسالك. ثمّ انّه يصحّ وقف الكافر على معبده؛ لعدم المنع عمّا فعل ما لم يخرج عن حدود ذمّة الاسلام.
(مسألة 40): لو وقف مسلم على الفقراء أو فقراء البلد انصرف الى فقراء المسلمين بل الظاهر أنّه لو كان الواقف شيعيّاً انصرف الى فقراء الشيعة، و لو وقف كافر على الفقراء انصرف الى فقراء نحلته فاليهود الى اليهود و النصارى الى النصارى و هكذا بل الظاهر أنّه لو كان الواقف مخالفاً انصرف الى فقراء أهل السنّة، نعم الظاهر أنّه لايختصّ بمن يوافقه في المذهب، فلا انصراف لو وقف الحنفي الى الحنفي و الشافعي الى الشافعي و هكذا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و المسلم اذا وقف على الفقراء انصرف الى فقراء المسلمين دون غيرهم. و لو وقف الكافر كذلك انصرف الى فقراء نحلته».(1)
1) شرائع الاسلام 2: 168 و 169.
أقول:
لو وقف مسلم على الفقراء أو فقراء البلد انصرف الى فقراء المسلمين من مذهبه، و الدليل على هذا الانصراف و غيره ممّا في المتن و غيره من الشرائع و المسالك و الروضة و نحوها، هو العرف؛ نظراً الى مذهب الواقف؛ فانّ نيّته مع مذهبه و دينه. و عليه لو كان الواقف شيعيّاً انصرف الى فقراء الشيعة، و الشيعة عند الايرانيّين من تولّى ولاية علي عليه السلام و خلافته بلا فصل و أحدعشر من ولده عليهم السلام و خلافتهم. و لو كان الواقف مخالفاً انصرف الى فقراء أهل السنّة. و أمّا أنّه يختصّ بمن يوافقه في المذهب أو كان عامّاً فهو أمر يظهر من ملاحظة مذهب كلّ منهم بالنسبة الى سائر المذاهب.
(مسألة 41): لو كان أفراد عنوان الموقوف عليه منحصرة في أفراد محصورة معدودة، كما لو وقف على فقراء محلّة أو قرية صغيرة توزع منافع الوقف على الجميع، و ان كانوا غير محصورين لم يجب الاستيعاب لكن لايترك الاحتياطبمراعاة الاستيعاب العرفي مع كثرة المنفعة فتوزع على جماعة معتدّ بها بحسب مقدار المنفعة.
الشرح:
لو كان أفراد عنوان الموقوف عليه منحصرة في أفراد محصورة معدودة، كما لو وقف على فقراء محلّة أو قرية صغيرة، توزع منافع الوقف على الجميع و يكون بالسويّة؛ لأنّه الظاهر من هذا الوقف. نعم لو كانت هناك قرينة لفظيّة أو حاليّة على منع بعضهم أو التفاوت في التوزيع فتتّبع؛ فانّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها». و ان كانوا غير محصورين لم يجب الاستيعاب؛ لعدم القدرة عليه، فتوزع
بحسب القدرة حتّى يصدق عليه أنّه قد عمل بالوقف.
(مسألة 42): لو وقف على فقراء قبيلة كبني فلان و كانوا متفرّقين لم يقتصر على الحاضرين بل يجب تتبّع الغائبين و حفظ حصّتهم للايصال اليهم، و لو صعب احصاؤهم يجب الاستقصاء بمقدار الامكان و عدم الحرج على الأحوط، نعم لو كان عدد فقراء القبيلة غير محصور كبني هاشم جاز الاقتصار على الحاضرين، كما أنّ الوقف لو كان على الجهة جاز اختصاص الحاضرين به و لايجب الاستقصاء.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الظاهر من الوقف على أفراد محصورين وجوب توزيع منافعه على جميعهم، و كذلك يكون حكم هذه المسألة فلو وقف على فقراء قبيلة، كبني فلان و كانوا متفرّقين لم يقتصر على الحاضرين بل يجب تتبّع الغائبين و حفظ حصّتهم للايصال اليهم؛ لأنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها». نعم لو صعب احصاؤهم فلايجب؛ لرفع الحرج و المشقّة بل يجب بمقدار الامكان وعدم الحرج. نعم لو كان عدد فقراء القبيلة غير محصور كسادات بني فاطمةعليها السلام جاز الاقتصار على الحاضرين، كما هو المفهوم من عنوان الوقف. و هكذا يكون حكم الوقف لو كان على الجهة، كالفقراء و العلماء و الطلّاب و... .
(مسألة 43): لو وقف على المسلمين كان لمن أقرّ بالشهادتين اذا كان الواقف ممّن يرى أنّ غير أهل مذهبه أيضاً من المسلمين، و لو وقف الامامي على المؤمنين اختصّ بالاثني عشريّة، و كذا لو وقف على الشيعة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو وقف على المسلمين انصرف الى من صلّى الى القبلة. و لو وقف على المؤمنين انصرف الى الاثني عشريّة، و قيل: الى مجتنبي الكبائر، و الأوّل أشبه. و لو وقف على الشيعة فهو الاماميّة و الجاروديّة دون غيرهم من فرق الزيديّة».(1)
لو وقف على المسلمين كان لمن أقرّ بالشهادتين اذا كان الواقف ممّن يرى أنّ غير أهل مذهبه أيضاً من المسلمين، و ذلك لأنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» و كذا لو وقف الامامي أو الشيعة على المؤمنين اختصّ بالاثني عشريّة، و قد تقدّم في المسائل السابقة.
(مسألة 44): لو وقف في سبيل اللَّه يصرف في كلّ ما يكون وصلة الى الثواب، و كذلك لو وقف في وجوه البرّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو وقف في وجوه البرّ و أطلق صرف في الفقراء و المساكين و كلّ مصلحة يتقرّب بها الى اللَّه سبحانه و تعالى».(2)
و في المسالك: «البرّ - بالكسر - يطلق على معانٍ منها الطاعة و الاحسان و الخير. و هذه الثلاثة تصلح هنا، فمعنى وجوه البرّ وجوه الخير أو وجوه الطاعة للَّه و نحوه فينصرف الى القربات كلّها، كنفع الفقراء و المساكين و طلبة العلم و عمارة المسجد و المدارس و القناطر و المشاهد و اعانة الحاجّ و الزائرين و أكفان
الموتى و نحو ذلك و في جواز صرفه في مطلق نفع المسلمين و ان كانوا أغنياء وجه؛ لأنّه من جملة وجوه الخير و ان كان غيره من الوجوه أكمل؛ فانّ المذكورةسابقاً متفاضلة أيضاً و لايجب تحرّي الأكمل منها؛ للأصل و صدق المعنى الموقوف عليه».(1)
أقول:
لو وقف في سبيل اللَّه يصرف في كلّ ما يطلق عليه سبيل اللَّه عرفاً من الخيرات بأنواعها، كالمساجد و المدارس و الفقراء و الاقراض و تزويج من يحتاج الى الزواج و لم يتمكّن و غير ذلك، و منه الجهاد. و كذلك لو وقف في وجوه البرّ و قد أوضحه في المسالك و ذكر مصاديقها، فراجع.
(مسألة 45): لو وقف على أرحامه أو أقاربه فالمرجع العرف، و لو وقف على الأقرب فالأقرب كان ترتيبيّاً على كيفيّة طبقات الارث.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا وقف على أقرب الناس اليه، فهم الأبوان والولد و ان سفلوا فلايكون لأحد من ذوي القرابة شي ء ما لم يعدم المذكورون ثمّ الأجداد والاخوة و ان نزلوا ثمّ الأعمام و الأخوال على ترتيب الارث لكن يتساوون في الاستحقاق، الّا أن يعيّن التفضيل».(2)
أقول:
لو وقف على الأقرب فالأقرب كان ترتيبيّاً على كيفيّة طبقات الارث، كما ذكره في الشرائع. و لو وقف على أرحامه أو أقاربه فالمرجع العرف؛ لأنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» و حيث انّ الواقف من العرف فيستفاد نيّته من العرف.
(مسألة 46): لو وقف على أولاده اشترك الذكر و الأنثى و الخنثى و يقسم بينهم على السواء، و لو وقف على أولاد أولاده عمّ أولاد البنين و البنات ذكورهم و اناثهم بالسويّة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا وقف على أولاده أو اخوته أو ذوي قرابته اقتضى الاطلاق اشتراك الذكور و الاناث، و الأدنى و الأبعد، و التساوي في القسمة الّا أن يشترط ترتيباً أو اختصاصاً أو تفضيلاً».(1)
قال في المسالك: «وجه الاشتراك في الجميع تناول اسم القرابة و الأولاد و نحوهما للجميع على السواء، و الاناث يدخلن تبعاً في اللفظ المختصّ بالذكور في مثل هذه الاطلاقات، كما يدخلن في الأوامر الشرعيّة المختصّة بالذكور اجماعاً. و حيث ينتفي المقتضي للتفضيل فالحكم بالاشتراك في الاستحقاق يقتضي التسوية بين الجميع، و خالف في ذلك ابن الجنيد و جعله مع الاطلاق للذكر مثل حظّ الأنثيين حملاً على الميراث. و هو ضعيف».(2)
أقول:
لو وقف على أولاده انصرف الى أولاد نفسه لا أولاد الأولاد بناءً على المتفاهم العرفي و يشترك الذكر والأنثى و الخنثى و يقسم بينهم على السواء؛ للاطلاق وعدم التفضيل. و لو وقف على أولاد أولاده عمّ أولاد البنين والبنات ذكورهم واناثهم بالسويّة؛ لاطلاق اللفظ و عدم التفضيل.
(مسألة 47): لو قال: «وقفت على ذريّتي» عمّ البنين و البنات و أولادهم بلا واسطة و معها ذكوراً و اناثاً و تشارك الطبقات اللاحقة مع السابقة، و يكون على الرؤوس بالسويّة، و كذا لو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي» فانّ الظاهر منهما التعميم لجميع الطبقات أيضاً: نعم لو قال: «وقفت على أولادي ثمّ على الفقراء» أو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي ثمّ على الفقراء» فلا يبعد أن يختصّ بالبطن الأوّل في الأوّل و بالبطنين في الثاني خصوصاً في الصورة الأولى.
الشرح:
حكم صدر هذه المسألة كما قاله المصنّف. و الدليل عليه، أي على عموميّة البنين و البنات و أولادهم بلا واسطة و معها ذكوراً و اناثاً، هو دلالة لفظ «ذريّتي» عرفاًو يستفاد مشاركة الطبقات اللاحقة مع السابقة على السواء من دلالة لفظ «ذريّتي» أيضاً و من اطلاق الجملة من غير تفضيل.
و أمّا لو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي» فان كان هناك قرينة من العرف أو غيره على أنّ المراد من «أولاد الأولاد» التعميم لجميع الطبقات من الطبقة الثالثة فنازلاً، فهو، و الّا فيحمل على ما هو ظاهر اللفظ من الطبقة الثانية فقط.
و أمّا لو قال: «وقفت على أولادي ثمّ على الفقراء» أو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي ثمّ على الفقراء» فيختصّ بالبطن الأوّل في الأوّل و بالبطنين في الثاني، كما هو ظاهر اللفظ. هذا اذا لم يكن هناك قرينة على خلاف ذلك و لم يكن الواقف موجوداً ليسأل عن مراده و الّا فيسأل عن نيّته و ما يريد من اللفظ.
(مسألة 48): لو قال: «وقفت على أولادي نسلاً بعد نسل و بطناً بعد بطن» فالظاهر المتبادر منه عرفاً أنّه وقف ترتيب، فلايشارك الولد أباه و لا ابن الأخ عمّه.
الشرح:
لو قال: «وقفت على أولادي نسلاً بعد نسل و بطناً بعد بطن» فانّه وقف ترتيب فلايشارك أولاد الأولاد مادام واحد من الأولاد باقياً، و الدليل على ذلك التبادر عرفاً، كما أشار اليه في المتن.
(مسألة 49): لو علم من الخارج وقفيّة شي ء على الذرّيّة و لم يعلم أنّه وقف تشريك أو ترتيب فالظاهر فيما عدا قسمة الطبقة الأولى الرجوع الى القرعة.
الشرح:
لو علم من الخارج وقفيّة شي ء على الذرّيّة و لم يعلم أنّه وقف تشريك أو ترتيب، فتارة يكون الكلام مجملاً و أخرى يعلم أنّ الواقف عيّن التشريك أو الترتيب الّا أنّهفقد مكتوبه أو نسي كلامه. فعلى الأولى يحمل على ما هو الرائج في ذلك الزمان و المكان من وضع الواقفين، فالظاهر المتعارف في الوقف على
الأولاد في زماننا هو الترتيب، و ان لم يعرف فيرجع أمره الى الحاكم. و على الثانية فما ذهب اليه في المتن هو الصحيح، ففيما عدا قسمة الطبقة الأولى التي يعلم الوقفيّة لها فالحكم هو الرجوع الى القرعة. لكنّ الأحوط في هذه الصورة أيضاً الرجوع الى الحاكم حتّى يحكم بالقرعة أو بما يراه.
(مسألة 50): لو قال: «وقفت على أولادي الذكور نسلاً بعد نسل» يختصّ بالذكور من الذكور في جميع الطبقات و لايشمل الذكور من الاناث.
الشرح:
لو قال: «وقفت على أولادي الذكور نسلاً بعد نسل» يختصّ بالذكور من الذكور في جميع الطبقات، كما هو الظاهر المتبادر عرفاً من الكلام و لايشمل الذكور من الاناث الّا أن يكون هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة تكون دالّة على الذكور من الاناث.
(مسألة 51): لو كان الوقف ترتيبيّاً كانت الكيفيّة تابعة لجعل الواقف فتارة جعل الترتيب بين الطبقة السابقة و اللاحقة و يراعى الأقرب فالأقرب الى الواقف، فلايشارك الولد أباه و لا ابن الأخ عمّه و عمّته و لا ابن الأخت خاله و خالته، و أخرى جعل الترتيب بين خصوص الآباء من كلّ طبقة و أبنائهم، فاذا كانت اخوة و لبعضهم أولاد لم يكن للأولاد شي ء مادام حياة الآباء، فاذا توفّي الآباء شارك الأولاد أعمامهم، و له أن يجعل الترتيب على أيّ نحو شاء و يتّبع.
الشرح:
لو كان الوقف ترتيبيّاً كانت الكيفيّة مختلفة فتكون تابعة لجعل الواقف فتارة جعل الترتيب بحسب ترتيب الارث طابق النعل بالنعل من جهة ترتيب الطبقات والسهام. فمادام في الطبقة الأولى واحد لاتصل النوبة الى الطبقة الثانية. و أخرى: جعل الترتيب كالترتيب في الارث من جهة الطبقة دون السهام، فهو كما في صدر المتن فيكون سهم الذكر مساوياً للأنثى. و ثالثة: جعل الترتيب بين خصوص الآباء من كلّ طبقة و أبنائهم، فاذا كانت اخوة و لبعضهم أولاد لم يكن للأولاد شي ء مادام الآباء أحياء فاذا توفّي بعض الآباء شارك الأولاد أعمامهم. و الحاصل أنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» فيتّبع ما أراد الواقف.
(مسألة 52): لو قال: «وقفت على أولادي طبقة بعد طبقة و اذا مات أحدهم و كان له ولد فنصيبه لولده» و لو مات أحدهم و له ولد يكون نصيبه له، و لو تعدّد الولد يقسم نصيبه بينهم على الرؤوس، و اذا مات من لا ولد له فنصيبه لمن كان في طبقته، و لايشاركهم الولد الذي أخذ نصيب والده.
الشرح:
لو قال: «وقفت على أولادي طبقة بعد طبقة» فالظاهر المتبادر عرفاً من هذا هو الظاهر من قوله: «وقفت على أولادي نسلاً بعد نسل». نعم لو قال: «وقفت على أولادي واحداً بعد واحد» فلايبعد أن يكون الظاهر منه أنّه اذا مات أحد أولاده يكون نصيبه لأولاده فيشارك أعمامه و عمّاته. و لو تعدّد ولد من مات يقسم نصيبه بينهم على الرؤوس. و اذا مات من لا ولد له فنصيبه لمن كان في طبقته.
(مسألة 53): لو وقف على العلماء انصرف الى علماء الشريعة فلايشمل غيرهم، كعلماء الطبّ و النجوم و الحكمة.
الشرح:
لو وقف على العلماء فتارة ينصرف الى الفقهاء اذا كان الواقف من عوامّ المؤمنين الذين يكون أذهانهم متمركزة في علماء الدين. و أخرى ينصرف الى علماء الشريعة من الفقهاء و المفسّرين و الفلاسفة و المتكلّمين، اذا كان الواقف ممّن يرتبط بهؤلاء كلّهم أو يتلمّذ عندهم فيستفيد من كلّهم نصيباً. و ثالثة ينصرف الى علماء الطبّ اذا كان الواقف طبيباً و ان كان يشكل ذلك لو لم تكن هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة و الّا فهذا الانصراف مشكل بل ينصرف الى علماء الشريعة. و كذا علماء النجوم و الحكمة.
(مسألة 54): لو وقف على أهل مشهد، كالنجف مثلاً أختصّ بالمتوطّنين و المجاورين و لايشمل الزوّار و المتردّدين.
الشرح:
لو وقف على أهل مشهد، كالنجف مثلاً أختصّ بالمتوطّنين و المجاورين فيشمل من كان يعدّ عندهم من أهل هذه المدينة، كالطلّاب الذين يقيمون للتعلّم مدّة مديدة كثلاثين سنة و لايشمل الزوّار و المتردّدين؛ لأنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».
(مسألة 55): لو وقف على المشتغلين في النجف مثلاً من أهل بلد كطهران أو غيره أختصّ بمن هاجر من بلده اليه للاشتغال، و لايشمل من جعله وطناً له معرضاً عن بلده.
الشرح:
و ذلك لأنّ الظاهر من المشتغلين في النجف مثلاً من أهل بلد آخر، كطهران أو غيره يشمل من هاجر من بلده اليه للاشتغال و لايشمل من جعله وطناً له معرضاً عن بلده فقد تقدّم مراراً أنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».
(مسألة 56): لو وقف على مسجد فمع الاطلاق صرفت منافعه في تعميره و ضوئه و فرشه و خادمه، و لو زاد شي ء يعطى لامامه.
الشرح:
و ذلك لأنّه الظاهر من الوقف على مسجد مع الاطلاق عرفاً، و الواقف كواحد منهم و «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».
(مسألة 57): لو وقف على مشهد يصرف في تعميره و ضوئه و خدّامه المواظبين لبعض الأشغال اللازمة المتعلّقة به.
الشرح:
لو وقف على مشهد مع الاطلاق فتارة يحتاج الى العمارة و الضوء و مخارج الخدّام المواظبين لبعض الأشغال اللازمة المتعلّقة به فيصرف فيه. و أخرى، لايحتاج فيصرف في من يحتاج من زائريه، و الزائد على ذلك يصرف فيمن
اشتغل بالعلوم الدينيّة بنظر حاكم الشرع.
(مسألة 58): لو وقف على سيد الشهداءعليه السلام يصرف في اقامة تعزيته من أجرة القارئ و ما يتعارف صرفه في المجلس للمستمعين و غيرهم.
الشرح:
انّ الوقف على سيّد الشهداءعليه السلام كما ذهب اليه الماتن يصرف في اقامة تعزيته المعمول في كلّ زمان و مكان من أجرة القارئ و ما يتعارف صرفه في المجلس للمستمعين و غيرهم من الوليمة و غيرها.
(مسألة 59): لا اشكال في أنّه بعد تماميّة الوقف ليس للواقف التغيير في الموقوف عليه باخراج بعض من كان داخلاً أو ادخال من كان خارجاً اذا لم يشترط ذلك في ضمن عقد الوقف، و هل يصحّ ذلك اذا شرطه؟ لايبعد عدم الجواز مطلقاً لا ادخالاً و لا اخراجاً، فلو شرط ذلك بطل شرطه بل الوقف على اشكال، و مثل ذلك لوشرط نقل الوقف من الموقوف عليهم الى من سيوجد، نعم لو وقف على جماعة الى أن يوجد من سيوجد و بعد ذلك كان الوقف على من سيوجد صحّ بلا اشكال.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو شرط اخراج من يريد بطل الوقف. و لو شرط ادخال من سيولد مع الموقوف عليهم جاز، سواء وقف على أولاده أو على غيرهم. أمّا لو
شرط نقله عن الموقوف عليهم الى من سيولد لم يجز و بطل الوقف».(1)
و قال في المسالك في شرح قوله: «و لو شرط اخراج من يريد بطل الوقف»: «هذا عندنا موضع وفاق و لأنّ وضع الوقف على اللزوم، و اذا شرط اخراج من يريد من الموقوف عليهم كان منافياً لمقتضى الوقف؛ اذ هو بمنزلة اشتراط الخيار، و هو باطل».(2)
أقول:
تارة يكون الوقف مطلقاً من دون شرط حين الوقف. و أخرى يشترط عند اجراء صيغة الوقف. ففي الصورة الأولى لايجوز له اخراج بعض من كان داخلاً أو ادخال من كان خارجاً؛ لأنّ الوقف فكّ ملك فليس للواقف تغييره، فانّ له النظارة في أن يجري الوقوف على حسب ما يقفها أهلها.
و في الصورة الثانية - أي اذا شرط اخراج من يريد أو ادخال من يريد و ان كان خلاف الوقف - فالوقف باطل؛ لأنّ الوقف فكّ ملك و هذا الشرط يكون مخالفاً لمقتضاه و لم نقل بأنّ الشرط باطل و الوقف صحيح؛ لأنّ ظاهر الشرط أنّ وقفه ذلك يكون بهذه الكيفيّة، فلو لم يكن فلم يجعله وقفاً. نعم لو لم يكن شرطه بنحو التقييد فالشرط باطل و الوقف صحيح. و عليه لو وقف و شرط نقل الوقف من الموقوف عليهم الى من سيوجد يكون باطلاً. نعم لو وقف على جماعة الى أن يوجد من سيوجد و بعد ذلك كان الوقف على من سيوجد صحّ بلا اشكال.
(مسألة 60): لو علم وقفيّة شي ء و لم يعلم مصرفه و لو من جهة نسيانه فان كانت المحتملات متصادقة غير متباينة يصرف في المتيقّن، كما اذا لم يدرِ أنّه وقف على الفقراء أو الفقهاء فيقتصر على مورد تصادق العنوانين و ان كانت متباينة فان كان الاحتمال بين أمور محصورة كما اذا لم يدرِ أنّه وقف على المسجد الفلاني أو المشهد الفلاني أو فقراء هذا البلد أو ذاك يقرع و يعمل بها، و ان كان بين أمور غير محصورة فان كان بين عناوين و أشخاص غير محصورة كما علم أنّه وقف على ذريّة أحد أفراد المملكة الفلانيّة و لا طريق الى معرفته كانت منافعه بحكم مجهول المالك، فيتصدّق بها باذن الحاكم على الأحوط، و الأولى أن لايخرج التصدّق عن المحتملات مع كونها مورداً له و ان كان مردّداً بين الجهات غير المحصورة كما علم أنّه وقف على جهة من الجهات و لم يعلم أنّها مسجد أو مشهد أو قنطرة أو تعزية سيّد الشهداءعليه السلام أو اعانة الزوّار و هكذا تصرف المنافع في وجوه البرّ بشرط عدم الخروج عن مورد المحتملات.
الشرح:
لو علم وقفيّة شي ء و لم يعلم مصرفه و لو من جهة نسيانه فتارة يمكن الجمع بين الاطراف المحتملة لذلك الشي ء، كما اذا يحتمل أنّه وقف على الفقراء أو الفقهاء فيقتصر على مورد تصادق العنوانين فيصرف على من كان فقيراً من الفقهاء. و ذلك لأنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها»، فما هو المتيقّن من هذه الصورة ماذكر. و أخرى: لم يمكن الجمع بين الأطراف المحتملة الّا أنّها مع ذلك محصورة، كما اذا يحتمل أن يكون قد وقف على المسجد الفلاني أو المشهد الفلاني أو فقراء هذا البلد أو ذاك فحينئذ لو كانت هناك بيّنة، أو شهرة توجب
الاطمئنان فيعمل بها و العمل بالظنّ المطلق مشكل. فلو لم تكونا فيقرع و يعمل بها؛ لأنّ القرعة لكلّ أمر مشكل و مشتبه. و ثالثة: كانت الشبهة بين أمور غير محصورة فان كانت بين عناوين غير محصورة كما مثّل في المتن كانت منافعه بحكم مجهول المالك فيتصدّق بها باذن الحاكم؛ لأنّه وليّ من لا وليّ له و يحتاط بعدم الخروج عن المحتملات ان أمكن. و ان كان مردّداً بين الجهات غير المحصورة، كما مثّل لها في المتن فيصرف باذن الحاكم في وجوه البرّ و يحتاط بعدم الخروج عن الموارد المحتملة.
(مسألة 61): لو كان للعين الموقوفة منافع متجدّدة و ثمرات متنوّعة يملك الموقوف عليهم جميعها مع اطلاق الوقف، ففي الشاة الموقوفة يملكون صوفها المتجدّدة و لبنها و نتاجها و غيرها، و في الشجر و النخل ثمرهما و منفعة الاستظلال بهما و السعف و الأغصان و الأوراق اليابسة، بل و غيرها ممّا قطعت للاصلاح، و كذا فروخهما و غير ذلك، و هل يجوز في الوقف التخصيص ببعض المنافع حتّى يكون للموقوف عليهم بعض المنافع دون بعض؟ الأقوى ذلك.
الشرح:
لو كان للعين الموقوفة منافع متجدّدة و ثمرات متنوّعة يملك الموقوف عليهم جميعها مع اطلاق الوقف، كما مثّل بها في المتن و الدليل على ذلك قوله عليه السلام: «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».
و لو خصّص الموقوف عليهم ببعض المنافع فتارة يجعل البعض الآخر لبعض آخر فلا اشكال فيه؛ لأنّه أيضاً وقف و لم يخرج عنه. و أخرى يجعل
البعض الآخر لنفسه ففيه اشكال؛ لأنّ الوقف اخراج الملك عن ملكيّة نفسه و كذا منافعه المتجدّدة.
(مسألة 62): لو وقف على مصلحة فبطل رسمها كما اذا وقف على مسجد أو مدرسة أو قنطرة فخربت و لم يمكن تعميرها أو لم تحتج الى مصرف لانقطاع من يصلّي في المسجد و الطلبة و المارّة و لم يرجُ العود صرف الوقف في وجوه البرّ، و الأحوط صرفه في مصلحة أخرى من جنس تلك المصلحة و مع التعذّر يراعى الأقرب فالأقرب منها.
الشرح:
قال في الرياض: «و لو وقف على مصلحة خاصّة من مصالح المسلمين، كالمساجد و القناطر و شبه ذلك فبطلت و اندرس رسمها قيل: يصرف في وجوه البرّ كما عن الشيخ و باقي الجماعة من غير خلاف بينهم».(1)
أقول:
و لو وقف على مصلحة فبطل رسمها كما مثّل به في المتن و لم يرجُ العود صرف الوقف في وجوه البرّ و هل يجب صرفه في الأقرب الى تلك المصلحة فالأقرب، فيصرف وقف المسجد في مسجد آخر و المدرسة الى مثلها و هكذا نظراً الى التعلّق بذلك الصنف أم يجوز الصرف في مطلق القرب؟ قال في الرياض: «احتمالان، ظاهر اطلاق الفتاوى الثاني».(2)والحقّ هو التفصيل فتارة
يعلم نيّة الواقف بأنّ نظره لم يكن خاصّاً بالمسجد الفلاني و ان تلفّظ به بل كان بحيث لو خرب أو لم يكن له مصلٍّ صرف الوقف في مسجد آخر، ففي هذه الصورة يعمل به. و أخرى: يعلم أنّ نظره خاصّاً به و حيث لم يرجع الوقف الى الواقف فيصرف في وجوه البرّ باذن الحاكم. و ثالثة: لم يدرَ فيحتاط كالصورة الأولى.
(مسألة 63): اذا خرب المسجد لم تخرج عرصته عن المسجديّة، فتجري عليها أحكامها الّا في بعض الفروض، و كذا لو خربت القرية التي هو فيها بقي المسجد على صفة المسجديّة.
الشرح:
قال في الشرائع: «السابعة: اذا وقف مسجداً فخرب و خربت القرية أو المحلّة لم يعد الى ملك الواقف و لاتخرج العرصة عن الوقف».(1)
قال في المسالك: «لمّا كان الوقف مقتضياً للتأبيد و وقف المسجد فكّاً للملك، كتحرير العبد لم يكن خرابه و لا خراب القرية التي هو فيها و لا المحلّة موجباً لبطلان وقفه؛ لعدم منافاة ذلك، الوقف؛ استصحاباً لحكم ما ثبت و لبقاء الغرض المقصود من اعداده للعبادة لرجاء عود القرية و صلاة من يمرّ به».(2)
و قريب منه في الروضة.(3)
و قال في القواعد: «و لو وقف مسجداً فخرب أو خربت القرية أو المحلّة
لم يجز بيعه و لم يعد الى الواقف».(1)
أقول:
اذا خرب المسجد و لم يمكن الانتفاع به أبداً لم يجز بيعه و صرف ثمنه في احداث مسجد آخر أو عمارته و الظاهر عدم الخلاف في ذلك، كما اعترف به غير واحد كما عن الشيخ الأعظم(2)، و لم تخرج عرصته عن المسجديّة فتجري عليها أحكامها.
قال في المتن: «الّا في بعض الفروض».
و قال بعض المعاصرين في شرحه: «و هو ما اذا وقع في وسط الشارع مثلاً فخرب لأجل الضرورة أو من قبل الحكومة الجائرة، فانّه في هذا الفرض يخرج عن عنوان المسجديّة بنظر العرف و لاتجري على عرصته أحكام المسجديّة من حرمة لبث الجنب فيها و كذا غيرها، ففي الحقيقة لايكون في مثل هذا الفرض عنوان المسجديّة باقياً حتّى تجري عليه أحكامها و يصرف الوقف فيه. نعم، اذا خرب المسجد لأجل الزلزلة و نحوها أو خربت القرية التي هو فيها فالعرصة و ان كانت باقية على عنوان المسجديّة، الّا أنّه مع عدم امكان التعمير أو عدم الاحتياج الى المصرف يصرف الوقف في وجوه البرّ».(3)
أقول:
يبعد أن يلتزم الشارع بكون العرصة التي وقع في وسط الشارع أو مثله مسجداً حتّى تجري عليه أحكام المسجد مع أنّه لم يكن عليها عنوان المسجد بنظر العرف
و قد جرت عليها سنوات عديدة بحيث محت عن الخواطر. و لايبعد الحكم الذي كما ذهب اليه الماتن و شرحه الشارح و ان كان الاحتياط في محلّه.
(مسألة 64): لو وقف داراً على أولاده أو على المحتاجين منهم فان أطلق فهو وقف منفعة، - كما اذا وقف عليهم قرية أو مزرعة أو خاناً و نحوها - يملكون منافعها، فلهم استنماؤها، فيقسمون بينهم ما حصل منها باجارة و غيرها على حسب ما قرّره الواقف من الكمّيّة و الكيفيّة، و ان لم يقرّر كيفيّة في القسمة يقسمونه بينهم بالسويّة، و ان وقفها عليهم لسكناهم فهو وقف انتفاع، و يتعيّن لهم ذلك، و ليس لهم اجارتها، و حينئذ ان كفت لسكنى الجميع فلهم أن يسكنوها، و ليس لبعضهم أن يستقلّ به و يمنع غيره. و ان وقع بينهم تشاحّ في اختيار الحجر فان جعل الواقف متولّياً يكون له النظر في تعيين المسكن للساكن كان نظره و تعيينه هو المتّبع، و مع عدمه كانت القرعة هي المرجع، و لو سكن بعضهم و لم يسكنها بعض فليس له مطالبةالساكن بأجرة حصّته ان لم يكن مانعاً عنه، بل هو لم يسكن باختياره أو لمانع خارجي، و ان لم تكفِ لسكنى الجميع فان تسالموا على المهايأة أو غيرها فهو، و الّا كان المتّبع نظر المتولّي من قبل الواقف لتعيين الساكن، و مع فقده فالمرجع القرعة، فمن خرج اسمه يسكن، و ليس لمن لم يسكن مطالبته بأجرة حصّته.
الشرح:
لو وقف داراً على أولاده أو على المحتاجين منهم فتارة: أطلق و لم يقيّد أنّها لسكناهم فيكون وقف منفعة فيملكون منافعها فيقسمون بينهم ما حصل من الدار
و غيرها من القرية و المزرعة و الخان و نحوها على حسب ما قرّره الواقف من الكمّيّة و الكيفيّة؛ لأنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» و ان لم يقرّر كيفيّة في القسمة يقسمونه بينهم بالسويّة على ما هو الظاهر عرفاً من الاطلاق كما يكون ذلك في الاستفادة من نماء الموقوف.
و أخرى: وقفها عليهم لسكناهم فهو وقف انتفاع و يتعيّن لهم ذلك و ليس لهم اجارتها فان كفت لسكنى الجميع فلهم ذلك و لم يمنع بعضهم عن بعض و ان وقع بينهم تشاحّ فعلى المتولّي النظر في نزاعهم و يأمرهم بما يرفع نزاعهم أمره متّبع، و لو لم يكن للموقوف متولٍّ فيعيّن الحاكم شخصاً لذلك. و الأحوط تعيين الحجرات و تقسيمها بينهم بالقرعة ليكون بعيداً عن الظنّ السيّئ.
و لو سكن بعضهم و لم يكن مانعاً عن الأخر و لم يسكن بعض آخر فليس لهم مطالبة الأجرة؛ لأنّه لم يتجاوز عن حقّه الى غيره. و ان لم تكفِ لسكنى الجميع فان تسالموا على المهايأة أو غيرها فهو و الّا يقسم بينهم المتولّي على حسب الزمان و ان لم يكن لها متولٍّ فالمرجع الحاكم فيعيّن شخصاً لذلك، و الأحوط أن يكون التقسيم بالقرعة؛ لما مرّ.
(مسألة 65): الثمر الموجود حال الوقف على النخل و الشجر لايكون للموقوف عليهم، بل هو باقٍ على ملك الواقف، و كذلك الحمل الموجود حال وقف الحامل، نعم في الصوف على الشاة و اللبن في ضرعها اشكال فلايترك الاحتياط.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا وقف شاة كان صوفها و لبنها الموجود داخلاً في
الوقف ما لم يستثنه نظراً الى العرف، كما لو باعها».(1)
و قال في المسالك: «نبّه بالنظر الى العرف على أنّ حقّهما أن لايدخلا في الوقف؛ لأنّهما منافع خارجة عن حقيقة الشاة التي تعلّقت صيغة الوقف بها لكن لمّا دلّ العرف على كونهما كالجزء منها تناولهما العقد، كما يتناولهما البيع، بخلاف الحمل فانّه و ان كان بمثابتهما في الاتّصال الذي هو في قوّة الانفصال الّا أنّ العرف لم يجعله كالجزء و الأصل عدم دخوله كغيره لولا دليل خارج لغيره. و المراد أنّ الصوف و اللبن موجودان على الظهر و في الضرع، فلو احتلب اللبن أو جزّ الصوف لم يدخلا قطعاً - الى أن قال: - و لو كان الموقوف شجرة فنماؤها الموجود للواقف و المتجدّد للموقوف عليه كالحمل. و حكم الأغصان المعتادة للقطع حكم الثمرة بالنسبة الى المنفعة، لكنّها تدخل في الوقف مطلقاً، كالصوف على الظهر. و لا فرق في الثمرة بين النخل و غيره فلايدخل الموجود و ان لم يؤبر فانّ ذلك حكم مختصّ بالبيع، كما سلف».(2)
أقول:
الثمر الموجود على الشجر حال الوقف يكون للواقف؛ لأنّ «الوقف تحبيس الأصل و اطلاق الثمرة» فالمراد من اطلاق الثمرة ما يتجدّد بعد وقف الأصل و كذلك يكون الحمل الموجود في بطن الحيوان حين الوقف للواقف و هكذا اللبن الموجود في ضرعه حين الوقف فانّه أيضاً للواقف؛ لما ذكر من الدليل.
و أمّا الشعر و الصوف على ظهر الحيوان فالظاهر أنّه للموقوف عليه، ان دلّ العرف على كونها كالجزء منها بحيث تناولها العقد - كما في المسالك - و الّا
لم يكن فرق بينهما و بين اللبن و الحمل.
(مسألة 66): لو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي» شمل جميع البطون كما مرّ، فمع اشتراط الترتيب أو التشريك أو المساواة أو التفضيل أو الذكورة أو الأنوثة أو غير ذلك يكون هو المتّبع، و لو أطلق فمقتضاه التشريك و الشمول للذكور و الاناث و المساواة و عدم التفضيل، و لو قال: «وقفت على أولادي ثمّ على أولاد أولادي» أفاد الترتيب بين الأولاد و أولاد الأولاد قطعاً، و أمّا بالنسبةالى البطون اللاحقة فالظاهر عدم الدلالة على الترتيب، فيشترك أولاد الأولاد مع أولادهم الّا اذا قامت القرينة على أنّ حكمهم كحكمهم مع الأولاد و ان ذكر الترتيب بين الأولاد و أولاد الأولاد من باب المثال و المقصود الترتيب في سلسلة الأولاد و أنّ الوقف للأقرب فالأقرب الى الواقف.
الشرح:
لو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي» فتارة يقيّده بذكر «بطناً بعد بطن» شمل جميع البطون و أخرى لم يقيّده، فان كان هناك قرينة على شمول جميع البطون من اللفظ و الحال أو العرف فهو، و الّا يشمل بطنين فقط. ثمّ انّ مع اشتراط الترتيب أو التشريك أو المساواة أو التفضيل أو الذكورة أو الأنوثة أو غير ذلك يكون هو المتّبع، و ان لم يشترط شيئاً فالاطلاق يقتضي مساواة الذكورة و الأنوثة نصيباً و شركة أولاد الأولاد و البطون المتأخّرة مع البطن الأوّل.
و لو قال: «وقفت على أولادي ثمّ على أولاد أولادي» أفاد الترتيب بين الأولاد و أولاد الأولاد قطعاً؛ لظاهر اللفظ. و أمّا بالنسبة الى شموله للبطون المتأخّرة فهو
كما مرّ من وجود القرينة أو عدمه. و على فرض الشمول فهل يشترك أولاد الأولاد مع أولادهم؟ الظاهر أنّ اللفظ يدلّ على الترتيب على فرض الشمول الّا اذا قامت القرينة على الشركة.
(مسألة 67): لاينبغي الاشكال في أنّ الوقف بعد تماميّته يوجب زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة الّا في منقطع الآخر الذي مرّ التأمّل في بعض أقسامه، كما لاينبغي الريب في أنّ الوقف على الجهات العامّة كالمساجد و المشاهد و القناطر و الخانات و المقابر و المدارس و كذا أوقاف المساجد و المشاهد و أشباه ذلك لايملكها أحد، بل هو فكّ الملك و تسبيل المنافع على جهات معيّنة، و أمّا الوقف الخاصّ كالوقف على الأولاد و الوقف العامّ على العناوين العامّة كالفقراء و العلماء و نحوهما فهل يكون كالوقف على الجهات العامّة لايملك الرقبة أحد، سواء كان وقف منفعة بأن وقف ليكون منافع الوقف لهم فيستوفونها بأنفسهم أو بالاجارة أو ببيع الثمرة و غير ذلك، أو وقف انتفاع كما اذا وقف الدار لسكنى ذريّته أو الخان لسكنى الفقراء، أو يملك الموقوف عليهم رقبته ملكاً غير طلق مطلقاً، أو تفصيل بين وقف المنفعة و وقف الانتفاع، فالثاني كالوقف على الجهات العامّة دون الأوّل، أو بين الوقف الخاصّ فيملك الموقوف عليه ملكاً غير طلق، و الوقف العامّ فكالوقف علىالجهات؟ وجوه، لايبعد أن يكون اعتبار الوقف في جميع أقسامه ايقاف العين لدرّ المنفعة على الموقوف عليه، فلاتصير العين ملكاً لهم، و تخرج عن ملك الواقف الّا في بعض صور المنقطع الآخر كما مرّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو وقف على مصلحة فبطل رسمها، صرف في وجوه البرّ».(1)
و قال في المسالك: «هذا الحكم ذكره الشيخ رحمه الله و تبعه عليه الجماعة و لم أقف فيه على رادّ منهم الّا المصنّف في النافع فانّه نسبه الى قول مشعراً بردّه. و وجه الحكم: أنّ الملك خرج عن الواقف بالوقف الصحيح أوّلاً فلايعود اليه، و القربة الخاصّة قد تعذّرت فيصرف الى غيرها من القرب؛ لاشتراك الجميع في أصل القربة و لأنّه أقرب شي ء الى مراد الواقف - الى أن قال: - و التحقيق أنّ المصلحة المذكورة الموقوف عليها لايخلو امّا أن يكون ممّا ينقرض غالباً أو ممّا يدوم غالباً أو يشتبه الحال. فالأوّل: كالوقف على مصلحة شجر مخصوص كالتين و العنب. و هذا الوقف يكون كمنقطع الآخر أو هو بعض أفراده فيرجع بعد انقضائه الى الواقف أو ورثته على الخلاف حيث لايجعله بعده لمصلحة أخرى يقتضي التأبيد.
و الثاني: كالوقف على مصلحة عين من ماء مخصوص و نحوه ممّا تقضي العادة بدوامه فيتّفق غوره، أو على قنطرة على نهر فيتّفق انقطاعه أو انتقاله عن ذلك المكان حيث لايكون العادة قاضية بذلك. و المتّجه فيه ما ذكره الأصحاب، لخروج الملك عن الواقف بالوقف فعوده اليه يحتاج الى دليل، و هو منتفٍ. و صرفه في وجوه البرّ أنسب بمراعاة غرضه الأصلي ان لم يجز صرفه فيما هو أعمّ منه.
و الثالث: كالوقف على مسجد في قرية صغيرة أو على مدرسة كذلك بحيث يحتمل انقطاع مصلحته كما يحتمل دوامها. و في حملها على أيّ الجهتين نظر،
1) شرائع الاسلام 2: 215.
من أصالة البقاء فيكون كالمؤبّد، و الشكّ في حصول شرط انتقال الملك عن مالكه مطلقاً الذي هو التأبيد فيحصل الشكّ في المشروط، فلايحكم الّا بالمتيقّن منه و هوخروجه عن ملكه مدّة تلك المصلحة، و يبقى الباقي على أصالة البقاء على ملك مالكه.
و يمكن أن يقال هنا: انّ الوقف على المصالح الخاصّة في الحقيقة وقف على المسلمين، الّا أنّه مخصّص ببعض مصالحهم كما نبّه عليه في الوقف على المساجد و ذلك هو المصحّح للوقف على تلك المصالح التي لاتقبل الملك. و حينئذ فلايلزم من بطلان المصلحة بطلان الوقف، بل يصرف الى سائر مصالح المسلمين أو يتعيّن الأقرب الى تلك المصلحة فالأقرب، فيصرف وقف المسجد الى مسجد آخر، و المدرسة الى مدرسة أخرى، و القنطرة الى مثلها و هكذا، نظراً الى تعلّق غرض الواقف بذلك الصنف، فاذا فات الشخص كان باقي أفراد الصنف أقرب الى مراده. و لعلّ هذا أقرب الّا أنّه يشكل بالمصلحة التي يعلم انقطاعها، فانّ الدليل آتٍ فيها و حكم منقطع الآخر متناول لها، الّا أن يخصّ هذا بما لايتعلّق بمصلحة المسلمين بل بمثل الوقف على أولاده من غير أن يسوقه في باقي البطون و نحو ذلك. و ليس بذلك البعيد. و للتوقّف مجال. و اعلم أنّه على تقدير صرف الوقف في وجوه البرّ مع بطلان المصلحة الخاصّة لو عادت بعد انقطاعها وجب عوده اليها؛ لوجوب الوفاء بالعقد السابق، خرج منه ما اذا تعذّر فيبقى الباقي. و على هذا القياس».(1)
1) مسالك الأفهام 5: 346 - 348.
أقول:
لاينبغي الاشكال في أنّ الوقف بعد تماميّته يوجب زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة، كما لاينبغي الريب في أنّ الوقف على الجهات العامّة لايملكها أحد - كما في المتن - بل هو فكّ الملك و تسبيل المنافع على جهات معيّنة.
و أمّا الوقف الخاصّ و الوقف العامّ على العناوين العامّة ففي جميع أقسامه المذكورة في المتن لاتصير العين ملكاً لهم و تخرج عن ملك الواقف؛ لأنّ الوقف هو ايقاف العين لدرّ المنفعة على الموقوف عليهم.
و أمّا ما ذهب اليه الشهيد الثاني في المسالك فبالنسبة الى القسم الثاني و الثالث صحيح لا ريب فيه، و أمّا الأوّل ففيه تأمّل.
(مسألة 68): لايجوز تغيير الوقف و ابطال رسمه و ازالة عنوانه و لو الى عنوان آخر كجعل الدار خاناً أو دكّاناً أو بالعكس، نعم لو كان الوقف وقف منفعة و صار بعنوانه الفعلي مسلوب المنفعة أو قليلها في الغاية لايبعد جواز تبديله الى عنوان آخر ذي منفعة، كما اذا صار البستان من جهة انقطاع الماء عنه أو لعارض آخر لم ينتفع به، بخلاف ما اذا جعل داراً أو خاناً.
الشرح:
قال في الرياض: «لايجوز اخراج الوقف عن شرطه الذى شرط فيه مع جوازه شرعاً بلا خلاف ظاهراً و قاله في الغنية صريحاً، و هو الحجّة مضافاً الى لزوم الوفاء بالعقود و الشروط و عموم الصحيح: «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» فيتّبع ما شرطه الواقف».(1)
1) رياض المسائل 10: 171.
لايجوز تغيير الوقف و ابطال رسمه و ازالة عنوانه و لو الى عنوان آخر؛ لما ذكر من الدليل من الرياض. لكن لو كان الوقف وقف منفعة و صار بعنوانه الفعلي مسلوب المنفعة أو قليلها في الغاية يجوز تبديله الى عنوان آخر ذي منفعة، بناء على ترجيح ذلك اذا كان الأمر دائراً بينه و بين عدم الاستفادة حتّى ينجرّ الى الخراب و التلف. و هذا قريب من قصد الواقف و لايكون مفاد الحديث عدم التبديل في هذه الصورة.
(مسألة 69): لو خرب الوقف و انهدم و زال عنوانه كالبستان انقلعت أو يبست أشجاره، و الدار تهدّمت حيطانها و عفت آثارها فان أمكن تعميره و اعادة عنوانه و لو بصرف حاصله الحاصل بالاجارة و نحوها لزم، و تعيّن على الأحوط، و الّا ففي خروج العرصة عن الوقفيّة و عدمه فيستنمى منها بوجه آخر و لو بزرع و نحوه وجهان بل قولان، أقواهما الثاني، و الأحوط أن تجعل وقفاً و يجعل مصرفه و كيفيّاته على حسب الوقف الأوّل.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو انهدمت الدار لم تخرج العرصة عن الوقف و لم يجز بيعها».(1)
و قال في المسالك: «هذا الحكم واضح بعد ما قرّرناه، فانّ الخراب لايصلح لنقض الوقف و ابطاله مع بنائه على التأبيد و عدم جواز بيعه في غير ما استثني، و لأنّ العرصة من جملة الموقوف و هي باقية».(2)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بين من تعرّض له، كالفاضل و الشهيدين و غيرهم؛ لأنّ الخراب لايصلح لنقض الوقف و ابطاله مع بنائه على التأبيد و على عدم جواز بيعه و لأنّ العرصة من جملة الموقوف و هي باقية بل لم يحكوا الخلاف في ذلك».(1)
أقول:
لو خرب الوقف و انهدم و زال عنوانه، كالبستان انقلعت أو يبست أشجاره، و الدار انهدمت حيطانها و عفت آثارها فان أمكن عمارته و اعادة عنوانه و لو بصرف حاصله الحاصل بالاجارة و نحوها لزم و تعيّن. و لو لم يمكن فلايخرج العرصة عن الوقفيّة فيستنمى منها بوجه آخر و لو بزرع و نحوه.
(مسألة 70): اذا احتاجت الأملاك الموقوفة الى تعمير و ترميم و اصلاح لبقائها و الاستنماء منها فان عيّن الواقف لها ما يصرف فيها فهو، و الّا يصرف فيها من نمائها على الأحوط مقدّماً على حقّ الموقوف عليهم، و الأحوط لهم الرضا بذلك، و لو توقّف بقاؤها على بيع بعضها جاز.
الشرح:
اذا احتاجت العين الموقوفة الى العمارة و الاصلاح و غيرهما فان جعل الواقف لهذه الجهة شيئاً فهو و الّا فمن نماء العين الموقوفة يصرف فيها باجارة العين و نحوها فهي مقدّمة على حقّ الموقوف عليهم؛ لأنّه لايجوز ترك الوقف على حاله حتّى ينجرّ الى الخراب، فان كان له متولٍّ أو ناظر فبعهدته و الّا فعلى
1) جواهر الكلام 28: 109 و 110.
الموقوف عليهم، و ان تسامحوا فعلى الحاكم الشرعي. و لو توقّف بقاؤها على بيع بعضها جاز لوجوب حفظ الوقف في الجملة.
(مسألة 71): الأوقاف على الجهات العامّة التي مرّ أنّها لايملكها أحد كالمساجد و المشاهد و المدارس و المقابر و القناطر و نحوها لايجوز بيعها بلا اشكال في مثل الأوّلين، و على الأحوط في غيره و ان آل الى ما آل حتّى عند خرابها و اندراسها بحيث لايرجى الانتفاع بها في الجهة المقصودة أصلاً بل تبقى على حالها، هذا بالنسبة الى أعيانها، و أمّا ما يتعلّق بها من الآلات و الفرش و ثياب الضرائح و أشباه ذلك فمادام يمكن الانتفاع بها باقية على حالها لايجوز بيعها، و ان أمكن الانتفاع بها في المحلّ الذي أعدّت له بغير ذلك الانتفاع الذي أعدّت له بقيت على حالها أيضاً فالفرش المتعلّقة بمسجد أو مشهد اذا أمكن الافتراش بها في ذلك المحلّ بقيت على حالها فيه، و لو فرض استغناؤه عن الافتراش بالمرّة لكن يحتاج الى ستر يقي أهله من الحرّ أو البرد مثلاً تجعل ستراً لذلك المحلّ، و لو فرض استغناء المحلّ عنها بالمرّة بحيث لايترتّب على امساكها و ابقائها فيه الّا الضياع و الضرر و التلف تجعل في محلّ آخر مماثل له، بأن تجعل ما للمسجد لمسجد آخر، و ما للمشهد لمشهد آخر، فان لم يكن المماثل أو استغنى عنها بالمرّة جعلت في المصالح العامّة، هذا اذا أمكن الانتفاع بها باقية على حالها، و أمّا لو فرض أنّه لايمكن الانتفاع بها الّا ببيعها و كانت بحيث لو بقيت على حالها ضاعت و تلفت، بيعت و صرف ثمنها في ذلك المحلّ ان احتاج اليه، و الّا ففي المماثل ثمّ المصالح حسب ما مرّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «السابعة: اذا وقف مسجداً فخرب أو خربت القرية أو المحلّة لم يعد الى ملك الواقف و لاتخرج العرصة عن الوقف».(1)
و في المسالك: «الوقف على المسجد و المقبرة فكّ ملك، كتحرير العبد - [و قال في موضع آخر:] - لمّا كان الوقف مقتضياً للتأبيد و وقف المسجد فكّاً للملك، لم يكن خرابه موجباً لبطلان وقفه. انتهى ملخّصاً».(2)
أقول:
قد تقدّم أنّ الوقف على المسجد يكون فكّ ملك و لايعود الى ملك مالكها و لايمكن أن يتملّكها أحد ببيع و نحوه، و ان خربت. نعم اذا كان قدخرج عن الانتفاع للصلاة و العبادة فيمكن الانتفاع منها في المزارعة و نحوها مع مراعاة أحكام المسجديّة عليها و ينتظر ليعود الى ما كان من الجهة المقصودة له. و هكذا يكون الحال في المشاهد مع مراعاة الاحترام فيها. و لايجوز بيع عرصة المساجد و المشاهد و ان آل الى ما آل حتّى عند خرابها واندراسها، كما ذكر و تقدّم أيضاً.
قال في مصباح الفقاهة: «انّ ما يكون من الأوقاف تحريراً، كالمساجد لايجوز بيعه؛ لأنّها غير مضافة الى أحد فانّها معبد للمسلمين ليعبد فيها اللَّه تعالى و يتقرّب به فيها. و لعلّ الى هذا المعنى ينظر قوله تعالى: «و أنّ المساجد للَّه». و لايجوز اجارتها؛ لأنّ صحّة الاجارة تتوقّف على كونه مضافاً الى شخص لتكون الأجرة داخلة تحت ملكه. و المشاهد أيضاً ملحقة بالمساجد و ليست ملكاً لأحد بل تحرير محض. و أمّا ما كان من الوقف ليس تحريراً بل تمليكاً سواء كان وقفاً على
الذريّة أو وقفاً على الكلّي، كوقف الحمّامات و الدكاكين و نحوهما على الكلّي، كالعلماء و الصلحاء و الفقراء و الزوّار و نحوهم من العناوين الكلّيّة بحيث تكون المنفعة ملكاً طلقاً لهم، أو وقفاً على الجهة، كالرباط و الخانات و القناطر و نحوها فانّها وقف على الجهة لينتفعوا منها فقط، فهذا لا شبهة في جواز بيعها مع عروض المسوّغ لها. ثمّ انّ هنا قسماً آخر من الوقف و هو الوقف على الوقف، نظير الأوقاف على المساجد و المشاهد و المدارس، كما جرت السيرة على وقف الدكاكين و الحمّامات و العقار على المدارس و المساجد و المعابد فانّها و من جملتها آلات المسجد و أسبابه لاتلحق بالمسجد في الحكم فيجوز بيعها اذا عرض لها ما يسوّغ البيع. انتهى ملخّصاً».(1)
و أمّا المدارس و القناطر و نحوها فان خربت بحيث لايمكن الانتفاع بها للجهة الموقوفة فيجوز بيعها و ابتياع بدلها أو اجارتها للزراعة و نحوها و ابتياع مكان آخر للمدرسة و غيرها، من أجرتها. و كذا المقابر لو اضمحلّت بحيث صارت محالاًّ للكلاب و نحوها فيجوز تبديلها بالبساتين و نحوها. هذا اذا كان بحيث لو بقيت صارت محالاًّ للمزابل و نحوها و لم يمكن حفظها و عمارتها.
و أمّا الكلام في تتمّة أحكام هذه المسألة ممّا يتعلّق بالمساجد و المشاهد من الآلات و الفرش و ثياب الضرائح و أشباه ذلك يكون كما ذهب اليه الماتن.
(مسألة 72): كما لايجوز بيع تلك الأوقاف، الظاهر أنّه لايجوز اجارتها، و لو غصبها غاصب و استوفى منها غير تلك المنافع المقصودة منها كما اذا جعل المسجد أو المدرسة بيت المسكن فلايبعد أن تكون عليه أجرة المثل
1) مصباح الفقاهة 5: 167 - 173.
في مثل المدارس و الخانات و الحمّامات دون المساجد و المشاهد و المقابر و القناطر و نحوها و لو أتلف أعيانها متلف فالظاهر ضمانه، فيؤخذ منه القيمة، و تصرف في بدل التالف و مثله.
الشرح:
كما لايجوز بيع المساجد و المشاهد و المقابر بل المدارس، لايجوز اجارتها؛ لأنّ قوام الاجارة كما تقدّم يكون بالملكيّة المضافة الى المؤجر و الفرض أنّ وقف المساجد و المشاهد بل المقابر و المدارس فكّ ملك، و أمّا الخانات و الحمّامات فان وقفت لتحصيل مخارج وقف آخر فيجوز اجارتها لتصرف منافعها للمسجد أو المشهد مثلاً. و ان كانت وقفاً للعامّة فلايجوز اجارتها. نعم يجوز للمتولّي أن يأخذ ممّن ينتفع منها مالاً ليصرف في مصارفها من المحافظين و العاملين و التصليحات.
ثمّ انّه لو غصب غاصب المسجد أو المشهد أو غيرهما ممّا يكون وقفاً للعامّة فان آجرها فهو ضامن لما أخذ من المستأجرين. و ان استوفى منها غير تلك المنافع المقصودة منها، كما اذا جعل المسجد أو المشهد أو المقبرة بيتاً لسكناه و لأقربائه فهو غاصب فيجب تخليته فوراً، و أمّا ثبوت الأجرة عليه فلا، و لعلّ أخذ شي ء منه و لو بعنوان الجريمة لابأس به. و لو كان المغصوب مثل الخانات و الحمّامات بل المدارس فعليه أجرة المثل. و لو أتلف أعيانها سواء كان مثل المسجد أو مثل الحمّام فالظاهر ضمانه؛ لأنّها و ان كانت غير مملوكة الّا أنّها متعلّقة بالعامّة أو أفراد خاصّة مثل الطلّاب بالنسبة الى المدارس فهو ضامن فعلى المتولّي أو الحاكم أن يأخذ منه القيمة و يصرفها في بدل التالف و مثله.
(مسألة 73): الأوقاف الخاصّة كالوقف على الأولاد و الأوقاف العامّة التي كانت على العناوين العامّة كالفقراء لايجوز بيعها و نقلها بأحد النواقل الّا لعروض بعض العوارض و طروّ بعض الطوارئ، و هي أمور: «الأوّل»: ما اذا خربت بحيث لايمكن اعادتها الى حالها الأولى و لا الانتفاع بها الّا ببيعها و الانتفاع بثمنها كالحيوان المذبوح و الجذع البالي و الحصير الخلق فتباع و يشترى بثمنها ما ينتفع به الموقوف عليهم، و الأحوط لو لم يكن الأقوى مراعاة الأقرب فالأقرب الى العين الموقوفة.
الشرح:
قال الشيخ الأعظم في المكاسب في مسألة جواز بيع الوقف - بعد قوله بأنّ الكلام فيه يقع في صور -:
«الأولى: أن يخرب الوقف بحيث لايمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح و الجذع البالي و الحصير الخلق؛ لأنّ الأمر دائر بين تعطيله حتّى يتلف بنفسه و بين انتفاع البطن الموجود به بالاتلاف و بين تبديله بما يبقى و ينتفع به الكلّ. فالأوّل تضييع منافٍ لحقّ اللَّه و حقّ الواقف و حقّ الموقوف عليه، و به يندفع استصحاب المنع. و الثاني مع منافاته لحقّ سائر البطون يستلزم جواز بيع البطن الأوّل؛ اذ لا فرق بين اتلافه و نقله. و الثالث هو المطلوب. - و قال في موضع آخر منه: - انّ الثمن حكمه حكم الوقف في كونه ملكاً لجميع البطون على ترتيبهم فان كان يمكن أن يبقى و ينتفع منه البطون على نحو المبدل و كانت مصلحة البطون في بقائه أبقي، و الّا أبدل مكانه ما هو أصلح و لايحتاج الى صيغة الوقف في البدل. انتهى ملخّصاً».(1)
1) المكاسب 3: 131 و 133 و 137.
أقول:
لايجوز بيع الأوقاف الخاصّة و الأوقاف العامّة و نقلها بأحد النواقل الّا اذا عرض عليهابعض العوارض و منها الخراب بحيث لايمكن الاستفادة منها مع بقائها فحينئذ يجوز بيعها و تبديلها بما يمكن الانتفاع منه و يلاحظ الأقرب الى الأصل فالأقرب هذا أوّل الأمور لجواز بيع الأوقاف.
«الثاني»: أن يسقط بسبب الخراب أو غيره عن الانتفاع المعتدّ به، بحيث كان الانتفاع به بحكم العدم بالنسبة الى أمثال العين الموقوفة بشرط أن لايرجى العود كما مرّ، كما اذا انهدمت الدار و اندرس البستان فصار عرصة لايمكن الانتفاع بها الّا بمقدار جزئي جدّاً يكون بحكم العدم بالنسبة اليهما، لكن لو بيعت يمكن أن يشترى بثمنها دار أو بستان آخر أو ملك آخر تساوي منفعته منفعة الدار أو البستان أو تقرب منها أو تكون معتدّاً بها و لو فرض أنّه على تقدير بيعها لايشترى بثمنها الّا ما يكون منفعتها كمنفعتها باقية على حالها أو قريب منها لم يجز بيعها، و تبقى على حالها.
الشرح:
قال في المكاسب: «الصورة الثانية: أن يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به بحيث يصدق عرفاً أنّه لا منفعة فيه، كدار تهدّمت فصارت عرصة تؤجر للانتفاع بها بأجرة لاتبلغ شيئاً معتدّاً به فان كان ثمنه على تقدير البيع لايعطى به الّا ما كانت منفعته كمنفعة العرصة فلاينبغي الاشكال في عدم الجواز. و ان كان يعطى بثمنه ما تكون منفعته أكثر من منفعة العرصة بل ساوت منفعة الدار ففي جواز البيع وجهان - الى أن قال: - فالظاهر دخول الصورة المذكورة في اطلاق كلام كلّ من
سوّغ البيع عند خرابه بحيث لايجدي نفعاً».(1)
أقول:
الثاني من موارد جواز بيع الوقف أن يخرب بحيث لايمكن الانتفاع به انتفاعاً معتدّاً به بحيث يلحق الانتفاع المذكور بالعدم، بشرط أن لايرجى العود عن قريب عرفاً و أنّه اذا بيع يمكن الانتفاع بثمنه أكثر ممّا هو موجود في تلك الحال؛ فانّه اذا حكم متعارف الناس بأنّه لا منفعة في العين الموقوفة بالنسبة الى منافعها السابقة تصير ممّا لاينفع بها اذ ليس المراد بعدم الانتفاع دقّة و عقلاً، بل المراد العرفي منه كما عن السبزواري رحمه الله.(2)
«الثالث»: ما اذا اشترط الواقف في وقفه أن يباع عند حدوث أمر مثل قلّة المنفعة أو كثرة الخراج أو المخارج أو وقوع الخلاف بين أربابه أو حصول ضرورة أو حاجة لهم أو غير ذلك، فلا مانع من بيعه عند حدوث ذلك الأمر على الأقوى.
الشرح:
قال في المكاسب: «اذا اشترط الواقف بيعه عند الحاجة أو اذا كان فيه مصلحة البطن الموجود أو جميع البطون أو عند مصلحة خاصّة على حسب ما يشترط فهل يجوز بيعه أو لا؟ فقد اختلفت كلمات العلّامة و من تأخّر عنه في ذلك - الى أن قال: - و يمكن أن يقال بعد التمسّك بعموم «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها»
و «المؤمنون عند شروطهم»: بعدم ثبوت كون جواز البيع منافياً لمقتضى الوقف فلعلّه منافٍ لاطلاقه. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
اذا اشترط الواقف في وقفه أن يباع عند حدوث ما ينجرّ الى التلف كوقوع الخلاف أو الخراب و ان لم يكن بالفعل ولكن قرب و لمّا، أو قلّة المنفعة التي تكون كالعدم، أو كثرة المخارج أو الخراج، أو حصول ضرورة أو حاجة للموقوف عليهم يكون حفظ أنفسهم أو أعراضهم موقوفاً على بيعه، فحينئذ لا مانع من بيعه عند حدوث هذه الأمور على الأقوى؛ لما مرّ في المورد الأوّل و الثاني لجواز البيع، و لما قاله في المكاسب و للصحيحة الواردة عن علي عليه السلام حيث اشترط بيع مقدار من الوقف للحسن بن علي عليه السلام اذا احتاج الى أداء دينه.(2)
«الرابع»: ما اذا وقع بين أرباب الوقف اختلاف شديد لايؤمن معه من تلف الأموال و النفوس و لاينحسم ذلك الّا ببيعه، فيباع و يقسم ثمنه بينهم، نعم لو فرض أنّه يرتفع الاختلاف ببيعه و صرف الثمن في شراء عين أخرى أو تبديل العين الموقوفة بالأخرى تعيّن ذلك، فتشترى بالثمن عين أخرى أو يبدل بآخر فيجعل وقفاً و يبقى لسائر البطون. و المتولّي للبيع في الصور المذكورة و للتبديل و لشراء عين أخرى هو الحاكم أو المنصوب من قبله ان لم يكن متولٍّ منصوب من قبل الواقف.
الشرح:
قال في المكاسب: «من الصور المجوّزة لبيع الوقف أن يقع بين الموقوف عليهم اختلاف لايؤمن معه تلف المال و النفس و ان لم يعلم أو يظنّ بذلك، فانّ الظاهر من بعض العبارات السابقة جوازه لذلك، خصوصاً من عبّر بالاختلاف الموجب لخوف الخراب. و منها: أن يؤدّي الاختلاف بينهم الى ضرر عظيم من غير تقييد بتلف المال فضلاً عن خصوص الوقف. و منها: أن يلزم فساد تستباح منه الأنفس. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
اذا وقع بين الموقوف عليهم اختلاف يخاف معه من تلف الأموال أو الوقف أو هتك الأعراض أو تلف الأنفس أو النزاع الدائم عرفاً، يجوز بيع الوقف و صرف ثمنه في بيع شي ء آخر بدله ان رفع الاختلاف المذكور به و الّا صرف ثمنه فى الموقوف عليهم. ثمّ انّ القائم بهذا الأمر هو المتولّي من قبل الواقف، و ان لم يكن له متولٍّ فالمنصوب من قبل الحاكم الشرعي يتولّى ذلك الأمر.
(مسألة 74): لا اشكال في جواز اجارة ما وقف وقف منفعة، سواء كان وقفاً خاصّاً أو عامّاً على العناوين أو على الجهات و المصالح العامّة كالدكاكين و المزارع الموقوفة على الأولاد أو الفقراء أو الجهات العامّة، حيث انّ المقصود استنماؤها باجارة و نحوها و وصول نفعها الى الموقوف عليهم، بخلاف ما كان وقف انتفاع، كالدار الموقوفة على سكنى الذريّة و كالمدرسة و المقبرة و القنطرة و الخانات الموقوفة لنزول المارّة، فانّ الظاهر
1) المكاسب 3: 166 و 167.
عدم جواز اجارتها في حال من الأحوال.
الشرح:
لا اشكال في جواز اجارة ما وقف وقف منفعة سواء كان وقفاً خاصّاً أو عامّاً على العناوين، كالأمثلة المذكورة في المتن؛ و ذلك لأنّ الانتفاع المقصود منها موقوف على اجارتها. و ما كان وقف انتفاع، كالدار الموقوفة على سكنى الذريّة و المدرسة و المقبرة و القنطرة و الخانات الموقوفة لنزول المارّة فانّ الظاهر عدم جواز اجارتها؛ و ذلك لأنّ غرض الواقف من تلك الأمور هو انتفاع الموقوف عليهم بأنفسهم. و الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها.
(مسألة 75): لو خرب بعض الوقف بحيث جاز بيعه و احتاج بعضه الآخر الى التعمير لحصول المنفعة فان أمكن تعمير ذلك البعض المحتاج من منافعه فالأحوط تعميره منها، و صرف ثمن البعض الآخر في اشتراء مثل الموقوفة، و ان لم يمكن لايبعد أن يكون الأولى بل الأحوط أن يصرف الثمن في التعمير المحتاج اليه، و أمّا جواز صرفه لتعميره الموجب لتوفير المنفعة فبعيد، نعم لو لم يكن الثمن بمقدار شراء مثل الموقوفة يصرف في التعمير و لو للتوفير.
الشرح:
لو خرب بعض الوقف بحيث يجوز بيعه بنحو ما مرّ، فيباع و يصرف ثمنه في شراء ما يكون بدلاً منه، و ان احتاج بعضه الآخر الى العمارة و لم يمكن عمارته من منافع نفسه فيصرف ثمن البعض الأوّل لعمارة البعض الآخر. و لو احتاج هذا البعض الى العمارة لتوفير المنفعة بحيث لو لم يعمر كانت منفعته قليلة جدّاً فجاز أن يصرف ثمن البعض الأوّل في عمارته أيضاً. و هكذا يكون الحال لو لم يكن
الثمن بمقدار شراء مثل الموقوفة فيصرف في العمارة. و لو لم يكن منفعة البعض المحتاج الى العمارة قليلة و كان العمارة لتوفير المنفعة و أمكن شراء شي ء آخر بدلاً عن الموقوفة فاللازم شراء بدلها و عدم صرف الثمن في العمارة.
(مسألة 76): لا اشكال في جواز افراز الوقف عن الملك الطلق فيما اذا كانت العين مشتركة بينهما، فيتصدّاه مالك الطلق مع متولّي الوقف أو الموقوف عليهم، بل الظاهر جواز قسمة الوقف أيضاً لو تعدّد الواقف و الموقوف عليه، كما اذا كانت دار مشتركة بين شخصين فوقف كلّ منهما حصّته المشاعة على أولاده، بل لايبعد الجواز فيما اذا تعدّد الوقف و الموقوف عليه مع اتّحاد الواقف، كما اذا وقف نصف داره مشاعاً على مسجد و النصف الآخر على مشهد، و لايجوز قسمته بين أربابه اذا اتّحد الوقف و الواقف مع كون الموقوف عليهم بطوناً متلاحقة أيضاً، و لو وقع النزاع بين أربابه بما جاز معه بيع الوقف و لاينحسم الّا بالقسمة جازت، لكن لاتكون نافذة بالنسبة الى البطون اللاحقة، و لعلّها ترجع الى قسمة المنافع، و الظاهر جوازها مطلقاً، و أمّا قسمة العين بحيث تكون نافذة بالنسبة الى البطون اللاحقة فالأقوى عدم جوازها مطلقاً.
الشرح:
في المسألة صور: الأولى: يجوز افراز الوقف عن الملك الطلق، كما اذا وقف الواقف نصف داره مشاعاً، أو وقف أحد الشريكين سهمه في دار كانت مشاعة بينهما فيتصدّى لافرازه متولّي الوقف مع صاحب الملك الطلق.
الثانية: لو تعدّد الواقف و الموقوف عليهم كما لو كانت دار مشتركة بين
شخصين فوقف أحدهما سهمه مشاعاً على أولاده و وقف الآخر أيضاً سهمه على أولاد نفسه فيجوز افراز الوقف للمتولّي أو الموقوف عليهم.
الثالثة: اذا وقف شخص نصف داره مشاعاً على مسجد و نصفها الآخر على مشهد فيجوز افراز الوقف أيضاً.
الرابعة: لو وقع النزاع بين أرباب الوقف بحيث لاينحسم النزاع الّا بتقسيم الوقف فيجوز ذلك أيضاً.
و الدليل على الثلاثة المتقدّمة هو عدم المانع، فانّه لاينافي لمصلحة الوقف و الدليل على الرابعة ما تقدّم من مسوّغات بيع الوقف.
(مسألة 77): لو آجر الوقف البطن الأوّل و انقرضوا قبل انقضاء مدّة الاجارة بطلت بالنسبة الى بقيّة المدّة الّا أن يجيز البطن اللاحق فتصحّ على الأقوى، و لو آجره المتولّي فان لاحظ فيه مصلحة الوقف صحّت و نفذت بالنسبة الى البطون اللاحقة، بل الأقوى نفوذها بالنسبة اليهم لو كانت لأجل مراعاتهم دون أصل الوقف، و لاتحتاج الى اجازتهم.
الشرح:
لو آجر الوقف البطن الأوّل و انقرضوا قبل انقضاء مدّة الاجارة بطلت بالنسبة الى بقيّة المدّة؛ و ذلك لأنّ هذه الاجارة منهم كانت لمصلحة أنفسهم.نعم لو أجاز البطن اللاحق بالنسبة الى بقيّة المدّة تصحّ. و لو آجره المتولّي لمصلحة البطون فلو انقرض البطن الأوّل لم تبطل الاجارة و لاتحتاج الى اجازتهم. و هكذا لو آجر لمصلحة الوقف فانّ الظاهر رجوع مصلحة الوقف الى مصلحة البطون.
(مسألة 78): يجوز للواقف أن يجعل تولية الوقف و نظارته لنفسه دائماً أو الى مدّة، مستقلاًّ و مشتركاً مع غيره، و كذا يجوز جعلها للغير كذلك، بل يجوز أن يجعل أمر جعل التولية بيد شخص، فيكون المتولّي من يعيّنه ذلك الشخص، بل يجوز جعل التولية لشخص و يجعل أمر تعيين المتولّي بعده بيده، و هكذا يقرّر أنّ كلّ متولٍّ يعيّن المتولّي بعده.
الشرح:
قال في الشرائع: «ويجوز أن يجعل الواقف النظر لنفسه و لغيره، فان لم يعيّن الناظر كان النظر الى الموقوف عليه بناء على القول بالملك».(1)
أقول:
يجوز للواقف جعل النظر لنفسه و لغيره من الأجنبي أو الموقوف عليهم. و ذلك لأنّ الشرط الذي لاينافي الوقف يجوز في العقد و يجب الوفاء به. مضافاً الى أنّ جعل الناظر يكون أقوم و أحفظ للوقف بالأخصّ اذا كان نفسه.
ثمّ انّه اذا جعل النظر لنفسه فهو أحقّ أن ينظر ليعمل الموقوف عليهم على حسب ما يقف. يجوز أن يجعل أمر جعل التولية بيد شخص، فيكون المتولّي من يعيّنه ذلك الشخص، بل يجوز جعل التولية لشخص و يجعل أمر تعيين المتولّي بعده بيده، و هكذا يقرّر أنّ كلّ متولٍّ يعيّن المتولّي بعده.
ثمّ انّه اذا لم يجعل الواقف ناظراً و يحتاج الموقوف الى النظر فعلى الحاكم جعل الناظر؛ لأنّه المتولّي للأموال التي لا مالك لها بالأصالة أو بفكّ الملك سواء كان الوقف خاصّاً - بناءً على أنّ الموقوف عليهم لايملكون الوقف - أو عامّاً.
1) شرائع الاسلام 2: 214.
(مسألة 79): انّما يكون للواقف جعل التولية لنفسه أو لغيره حين ايقاع الوقف و في ضمن عقده، و أمّا بعد تماميّته فهو أجنبي عن الوقف، فليس له جعل التولية و لا عزل من جعله متولّياً الّا اذا اشترط في ضمن عقده لنفسه ذلك، بأن جعل التولية لشخص و شرط أنّه متى أراد أن يعزله عزله.
الشرح:
قال في المسالك: «الأصل في حقّ النظر أن يكون للواقف؛ لأنّه أصله و أحقّ من يقوم بامضائه و صرفه في أهله فاذا وقف و شرط لنفسه صحّ و لزم. و ان شرطه لغيره صحّ بحسب ما عيّنه عملاً بمقتضى الشرط المشروع، و قد شرطت فاطمةعليها السلام النظر في حوائطها السبعة التي وقفتها لأميرالمؤمنين عليه السلام ثمّ الحسن عليه السلام ثمّ الحسين عليه السلام ثمّ الأكبر من ولدها، و شرط الكاظم عليه السلام النظر في الأرض التي وقفها للرضاعليه السلام و أخيه ابراهيم فاذا انقرض أحدهما دخل القاسم مع الباقي منهما الخ. و هذا كلّه ممّا لا خلاف فيه - الى أن قال: - ثمّ الناظر المشروط في نفس العقد لازم من جهة الواقف لايجوز له عزله مطلقاً؛ لعموم الأمر بالكون مع الشرط. و لو كان منصوباً من قبله بعده بالنظر المتناول له جاز له عزله متى شاء؛ لأنّه حينئذ كالوكيل. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
انّما يكون للواقف جعل النظر و التولية لنفسه أو لغيره حين ايقاع الوقف و في ضمن عقده و ذلك لما تقدّم آنفاً من المسالك، و أمّا بعد تماميّته فهو أجنبي عن
1) مسالك الأفهام 5: 324 و 325.
الوقف؛ لأنّ الوقف فكّ ملك فليس له جعل التولية و النظر و لا عزل من جعله متولّياً الّا اذا اشترط في ضمن عقده لنفسه ذلك، كما في المسالك، بأن جعل التولية لشخص و شرط أنّه متى أراد أن يعزله عزله. أو جعل التولية لنفسه ثمّ وكّل غيره بعد العقد فله عزله متى شاء و كذا اذا جعل أمر تعيين المتولّي لنفسه.
(مسألة 80): لا اشكال في عدم اعتبار العدالة فيما اذا جعل التولية و النظر لنفسه، و الأقوى عدم اعتبارها لو جعلها لغيره أيضاً، نعم يعتبر فيه الأمانة و الكفاية، فلايجوز جعلها خصوصاً في الجهات و المصالح العامّة لمن كان خائناً غير موثوق به، و كذا من ليس له الكفاية في تولية أمور الوقف، ولايجوز جعل التولية للمجنون و لا الطفل حتّى المميّز ان أريد عمل التولية من اجارة الوقف و أمثالها مباشرة، و أمّا اذا جعل التولية له حتّى يقوم القيّم بأمرها مادام قاصراً فالظاهر جوازه و لو كان غير مميّز، بل لايبعد الجواز في جعلها لمجنون متوقّع برؤه و يقوم الولي مقامه الى أن يفيق.
الشرح:
قال في المسالك: «متى قلنا انّ النظر الى الواقف ابتداء أو مع شرطه فالنظر اليه سواء كان عدلاً أم لا؛ لأنّه انّما نقل ملكه عن نفسه على هذا الوجه فيتّبع شرطه. و ان كان الى غيره بشرطه اشترطت عدالته، فان لم يكن عدلاً أو خرج عنها خرج عن النظر، و كان الحكم فيه كما لو أطلق. و يشترط فيه - مضافاً الى ذلك - الاهتداء الى كيفيّة التصرّف، كما يعتبر ذلك في الوصي. و لو عادت اليه العدالة بعد خروجها عاد اليه ان كان مشروطاً من الواقف و الّا فلا».(1)
1) مسالك الأفهام 5: 325.
و في الجواهر: «مقتضى اطلاق أدلّة الوقف و فتوى الأصحاب عدم الفرق في النظر للواقف نفسه بين كونه عدلاً أو فاسقاً، كما صرّح به غير واحد بل لم أجد فيه خلافاً و ان احتمله في المسالك، لكن في الرياض تبعاً للكفاية فيه قولان و لم نتحقّقه. نعم قد صرّح غير واحد باعتبارها في غيره بل في الكفاية أنّه المعروف من مذهب الأصحاب، بل في الرياض دعوى حكاية الاتّفاق عليه، و ان كان فيه ما لايخفى على المتتبّع، بل في محكيّ التحرير لو جعل النظر للأرشد عمل بذلك. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
لايعتبر عدالة الواقف اذا جعل النظارة و التولية لنفسه و كذا اذا جعلها لغيره الّا أنّه لايجوز النظر و التولية لمن كان خائناً بل يجب أن يكون أميناً خصوصاً اذا كان الوقف في الجهات و المصالح العامّة؛ و ذلك لأنّه يجب حفظ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، و نصب الخائن بمعنى عدم الاعتناء بهذا الواجب عرفاً. و يجب أن يكون المتولّي المنصوب من قبل الواقف أو الحاكم عارفاً بمصالح الوقف و ذا كفاية لذلك، و لذا لايجوز نصب الطفل أو المجنون لذلك، الّا اذا جعل لهما القيّم حتّى يميّز الأوّل و يصير ذا كفاية و يفيق الثاني.
(مسألة 81): لو جعل التولية لشخص لم يجب عليه القبول، سواء كان حاضراً في مجلس العقد أو غائباً بلغ اليه الخبر و لو بعد وفاة الواقف، و لو جعل التولية لأشخاص على الترتيب، و قبل بعضهم لم يجب القبول على من بعده، و مع عدم القبول كان الوقف بلا متولٍّ منصوب، و لو قبل التولية فهل
1) جواهر الكلام 28: 22.
يجوز له عزل نفسه كالوكيل أم لا؟ قولان لايترك الاحتياط بعدم العزل، و معه يقوم بوظائفه مع المراجعة الى الحاكم و نصبه.
الشرح:
قال في المسالك: «و لايجب على المشروط له النظر القبول؛ للأصل. و لو قبل لم يجب عليه الاستمرار؛ لأنّه غير واجب في الأصل فيستصحب. فاذا ردّ صار كما لا ناظر له ابتداء فيتولّاه الحاكم أو الموقوف عليه».(1)
و في الجواهر: «قد يناقش في جواز الردّ بعد القبول باطلاق الأمر بالوفاء بالعقد من المتعاقدين و غيرهما ممّن له تعلّق بالعقد، و القبول بالنسبةاليه حينئذ رضاه بما اشترط له منه و دعوى أنّه في معنى التوكيل كماترى؛ ضرورة عدم الدليل و عدم القصد».(2)
أقول:
لو جعل التولية لشخص لم يجب عليه القبول؛ للأصل و عدم الدليل، سواء كان حاضراً في مجلس العقد أو غائباً بلغ اليه الخبر و لو بعد وفاة الواقف. و لو جعل التولية لأشخاص على الترتيب و قبل بعضهم لم يجب القبول على من بعده. و لو قبل التولية فهل يجوز له عزل نفسه كالوكيل أم لا؟ الظاهر أنّه ان كان ردّه بعد القبول موجباً لتضييع الوقف لايجوز. اللّهمّ الّا أن يقال: بعد الردّ يرجع الى الحاكم و يتولّى الوقف حتّى ينصب الحاكم فرداً آخر.
أمّا ما ذكره في الجواهر من المناقشة في عدم جواز الردّ فمحلّ تأمّل بل اشكال
من جهة عدم صدق العقد على جعل التولية لشخص و عدم شمول عموم «المؤمنون» لقبول هذه التولية.
(مسألة 82): لو جعل التولية لاثنين فان جعل لكلّ منهما مستقلاًّ استقلّ، و لايلزم عليه مراجعة الآخر، و اذا مات أحدهما أو خرج عن الأهليّة انفرد الآخر، و ان جعلهما بالاجتماع ليس لأحدهما الاستقلال، و كذا لو أطلق و لم تكن على ارادةالاستقلال قرائن الأحوال، فحينئذ لو مات أحدهما أو خرج عن الأهليّة يضمّ الحاكم الى الآخر شخصاً آخر على الأحوط لو لم يكن الأقوى.
الشرح:
قال في المسالك: «ثمّ ان تعدّد الناظر الثابت بالخصوص أو بالعموم اشتركوا فيه، فليس لأحد منهم التصرّف بدون اذن الباقين و ان اتّحد اختصّ به».(1)
و في الجواهر: «و لو جعل النظارة لاثنين مثلاً اشتركا فيها على وجه لايجوز لأحدهما الاستقلال على ما صرّح به غير واحد و لا بأس به مع قصد الواقف ذلك؛ لعموم «المؤمنون» و «الوقوف» المقتضي جواز جميع الصور المتصوّرة في المقام من الاستقلال و الاشتراك في الجميع و البعض و غيرهما ممّا لم يكن فيها مانع من الشرع. و لكن هل يحمل على الاشتراك المزبور بمجرّد تعدّد الناظر؟ لايخلو من اشكال، كالاشكال في استقلال الآخر لو مات أحدهما أو انعزل بفسق و نحوه، كما أوضحنا ذلك في الوصي الذي لا مقتضي للفرق بينه و بين الناظر في مثل هذه الأحكام التي مرجعها الى فهم معنى، أو عموم دليل أو نحو ذلك، و منه يعلم ما في
1) مسالك الأفهام 5: 324.
المسالك من أنّه لو اختصّ أحدهما بالعدالة أو بقي عليها ضمّ اليه الحاكم حيث لايكون منفرداً أو انضمّ الى الموقوف عليه ان انتقل اليه النظر كما تقدّم، فلاحظ و تأمّل».(1)
أقول:
جعل التولية لأحد أو أكثر، للواقف و كذا اشتراكهما في العمل أو استقلالهما لكلّ واحد في الكلّ أو البعض، له أيضاً. و كذا الصور المتصوّرة في ذلك، و لو نطق به أو كان قرينة عليه فيتّبع، و لو لم يكن هناك لفظ أو قرينة فموكول الى العرف. و كذلك لو جعل التولية لأكثر من واحد اشتراكاً أو استقلالاً فمات واحد منهم فان بيّن الحال فيتّبع و كذا لو لم يبيّن و لكن يظهر من القرائن أو العرف. و ان لم يظهر فعلى الحاكم أن يضمّ الى الباقي فرداً آخر على الأحوط لو لم يكن الأقوى.
(مسألة 83): لو عيّن الواقف وظيفة المتولّي و شغله فهو المتّبع، و لو أطلق كانت وظيفته ما هو المتعارف من تعمير الوقف و اجارته و تحصيل أجرته و قسمتها على أربابه و أداء خراجه و نحو ذلك، كلّ ذلك على وجه الاحتياط و مراعاةالصلاح، و ليس لأحد مزاحمته فيه حتّى الموقوف عليهم، و يجوز أن يجعل الواقف تولية بعض الأمور لشخص و بعضها لآخر، فجعل أمر التعمير و تحصيل المنافع مثلاً لأحد و أمر حفظها و قسمتها على أربابها لآخر، أو جعل لواحد أن يكون الوقف بيده و حفظه و للآخر التصرّفات و لو فوّض الى واحد أمراً كالتعمير و تحصيل الفائدة و أهمل باقي الجهات من الحفظ و القسمة و غيرهما كان الوقف بالنسبة الى غير ما فوّض اليه بلا متولٍّ
1) جواهر الكلام 28: 24.
منصوب، فيجري عليه حكمه الآتي.
الشرح:
قال في المسالك: «و اعلم أنّ وظيفة الناظر في الوقف العمارة له أوّلاً و تحصيل الريع و قسمته على المستحقّ و حفظ الأصل و الغلّة و نحو ذلك من مصالحه. هذا كلّه مع الاطلاق، و لو فوّض اليه بعضها اختصّ به. و لو شرّك معه غيره مطلقاً اشتركا على الاجتماع، كما مرّ، أو خصّ كلاًّ بمصلحة اختصّ بحسب ما عيّن، أو فوّض لكلّ منهما الاستقلال على الاجتماع و الانفراد اتّبع».(1)
و في الجواهر: «ثمّ انّ وظيفة الناظر مع الاطلاق ما يتعارف من ذلك من العمارة والاجارة و تحصيل الغلّة و قسمتها على مستحقّها و حفظ الأصل و نحو ذلك ممّا لايجوز لغيره بعد فرض اشتراط النظر المنصرف عرفاً الى تولّي شي ء من ذلك».(2)
أقول:
ما قاله المصنّف هو الصحيح و الموافق للدليل. فانّه يجب على المتولّي العمل بما عيّن له الواقف و ان لم يعيّن عملاً خاصّاً فعليه وظيفته العمارة أوّلاً و تحصيل الربح و قسمته على الموقوف عليهم و حفظ الأصل و الغلّة و نحو ذلك من مصالحه و الحكم في جعل بعض الأمور لشخص و بعضها لآخر هو الذي ذهب اليه في المسالك و قال به المصنّف.
(مسألة 84): لو عيّن الواقف للمتولّي شيئاً من المنافع تعيّن، و كان ذلك أجرة عمله ليس له أزيد منه و ان كان أقلّ من أجرة مثله، و لو لم يعيّن شيئاً فالأقرب أنّ له أجرة المثل.
الشرح:
قال في المسالك: «ثمّ ان شرط للناظر شيئاً من الريع جاز و كان ذلك أجرة عمله ليس له أزيد منه و ان كان أقلّ من الأجرة. و ان أطلق فله أجرة مثل عمله على الأقوى».(1)
و في الجواهر: «انّ اشترط الواقف له شيئاً من الثمرة عوضاً عن عمله جاز، و ليس له أزيد منه و ان كان أقلّ من الأجرة، و ان أطلق فله أجرة مثل عمله ان لم يرد التبرّع؛ ضرورة ابتناء التزامه بالعوض القليل على كونه من مقتضى العقد اللازم الذي لا وجه عند التأمّل في جواز ردّه بعد قبوله مع أنّ المردود من أجزاء مقتضاها، فتأمّل جيّداً فانّه دقيق».(2)
أقول:
لو عيّن الواقف للمتولّي شيئاً من المنافع جاز و كان ذلك أجرة عمله و لايجوز له أخذ الزيادة و ان كان بالنسبة الى عمله أقلّ؛ لأنّه مقتضى قبوله التولية. و لو لم يعيّن شيئاً و أطلق و لم يكن المنصوب في نيّته التبرّع بل مع الأجرة فله أن يأخذ أجرة مثل عمله على الأقوى.
(مسألة 85): ليس للمتولّي تفويض التولية الى غيره حتّى مع عجزه عن التصدّي الّا اذا جعل الواقف له ذلك عند جعله متولّياً، نعم يجوز له التوكيل في بعض ما كان تصدّيه وظيفته ان لم يشترط عليه المباشرة.
الشرح:
ليس للمتولّي تفويض التولية الى غيره حتّى مع عجزه؛ لأنّ نصب المتولّي حقّ للواقف و ان لم يعيّن فللحاكم الشرعي. نعم لو جعل الواقف حقّ نصب المتولّي لهعند جعله متولّياً يجوز. و أمّا التوكيل في بعض ما كان تصدّيه من وظيفته، ان لم يشترط عليه المباشرة فلا اشكال فيه؛ لأنّه يكون بأمره.
(مسألة 86): يجوز للواقف أن يجعل ناظراً على المتولّي، فان أحرز أنّ المقصود مجرّد اطّلاعه على أعماله لأجل الاستيثاق فهو مستقلّ في تصرّفاته و لايعتبر اذن الناظر في صحّتها و نفوذها، و انّما اللازم عليه اطّلاعه، و ان كان المقصود اعمال نظره و تصويبه لم يجز له التصرّف الّا باذنه و تصويبه، و لو لم يحرز مراده فاللازم مراعاة الأمرين.
الشرح:
يجوز للواقف أن يجعل ناظراً على المتولّي، كما يجوز له النظارة عليه حين حياته فحينئذ فتارة: يصرّح أو يظهر من كلامه و لو مع القرائن أنّه نصب الناظر ليطّلع على أعماله من دون تدخّله في أعماله، فيجب على المتولّي أن يطلعه على ما عمل و تصرّف على حسب وظيفته.
و أخرى: نصبه لاعمال نظره و تصويب ما يعمله المتولّي فلايجوز له التصرّف الّا باذنه و تصويبه.
و ثالثة: لم يحرز مراده فاللازم مراعاة الأمرين ليعلم كلّ واحد منهما أنّه قد عمل بوظيفته.
و الدليل على ذلك كلّه أنّ من حقّ الواقف أن يجعل للوقف المتولّي و الناظر و يعيّن لكلّ منهما ما يكون صلاحاً للوقف و عليهما أن يحرزا العمل على وفق نظر الواقف و ليكن ذلك حين جعل الوقف.
(مسألة 87): لو لم يعيّن الواقف متولّياً أصلاً ففي الأوقاف العامّة يكون الحاكم أو المنصوب من قبله متولّياً على الأقوى، و كذا في الخاصّة فيما يرجع الى مصلحة الوقف و مراعاة البطون من تعميره و حفظ الأصول و اجارته للبطون اللاحقة، و أمّا بالنسبة الى تنميته و اصلاحاته الجزئيّة المتوقّف عليها حصول النماء الفعليكتنقية أنهاره و كريه و حرثه و جمع حاصله و تقسيمه و أمثال ذلك فأمرها راجع الى الموقوف عليهم الموجودين.
الشرح:
قال في المسالك: «و ان أطلق و لم يشترط النظر في متن العقد لأحد بني الحكم على انتقال الملك، فان جعلناه للواقف أو للموقوف عليه مطلقاً فالنظر له و ان جعلناه للموقوف عليه ان كان معيّناً و للَّه تعالى ان كان على جهة عامّة كما هو الأقوى - فالنظر في الأوّل الى الموقوف عليه و للحاكم الشرعي في الثاني؛ لأنّه الناظر العامّ حيث لايوجد خاصّ و يصير الواقف في ذلك بعد العقد كالأجنبي».(1)
1) مسالك الأفهام 5: 324.
أقول:
حيث انّ الوقف فكّ ملك و حيث انّ الواقف لم يستفد من حقّه من جعل المتولّي في متن العقد فما كان على جهة عامّة فللحاكم أو المنصوب من قبله نصب المتولّي؛ لأنّه وليّ فيما يحتاج اليه و وليّ من لا وليّ له، و ما كان على جهة خاصّة، كالوقف على الأولاد فالأولى بل الأحوط رجوع أمرهم الى الحاكم لينصب لهم من أنفسهم متولّياً و يعيّن وظائفه.
(مسألة 88): في الأوقاف التي توليتها للحاكم و منصوبه، مع فقدهما و عدم الوصول اليهما توليتها لعدول المؤمنين.
الشرح:
لقد أجاد الشيخ الأعظم رحمه الله في المكاسب حيث قال: «اعلم أنّ ما كان من قبيل ما ذكرنا فيه ولاية الفقيه و هو ما كان تصرّفاً مطلوب الوجود للشارع اذا كان الفقيه متعذّر الوصول، فالظاهر جواز تولّيه لآحاد المؤمنين؛ لأنّ المفروض كونه مطلوباً للشارع غير مضاف الى شخص. و اعتبار نظارة الفقيه فيه ساقط بفرض التعذّر و كونه شرطاً مطلقاً له لا شرطاً اختياريّاً مخالف لفرض العلم بكونه مطلوب الوجود مع تعذّر الشرط؛ لكونه من المعروف الذي أمر باقامته في الشريعة.
نعم لو احتمل كون مطلوبيّته مختصّة بالفقيه أو الامام، صحّ الرجوع الى أصالة عدم المشروعيّة، كبعض مراتب النهي عن المنكر حيث انّ اطلاقاته لاتعمّ ما اذا بلغ حدّ الجرح. قال الشهيدرحمه الله في قواعده: يجوز للآحاد مع تعذّر الحكّام تولية آحاد التصرّفات الحِكَميّة على الأصحّ، كدفع ضرورة اليتيم؛ لعموم «و تعاونوا على البرّ و التقوى» و قوله صلى الله عليه وآله: «و اللَّه تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون
أخيه» و قوله صلى الله عليه وآله: «كلّ معروف صدقة».».(1)
(مسألة 89): لا فرق فيما كان أمره راجعاً الى الحاكم بين ما اذا لم يعيّن الواقف متولّياً و بين ما اذا عيّن و لم يكن أهلاً لها أو خرج عن الأهليّة، فاذا جعل للعادل من أولاده و لم يكن بينهم عادل أو كان ففسق كان كأن لم ينصب متولّياً.
الشرح:
هذه المسألة كما قال الماتن لا فرق فيما كان أمره راجعاً الى الحاكم بين ما اذا لم يعيّن الواقف متولّياً، كما ذكر في المسألة السابعة و الثمانين و بين ما اذا عيّن و كان خائناً أو صار خائناً و خرج عن الأهليّة. فاذا جعل للعادل من أولاده و لم يكن بينهم عادل أو كان ففسق كان كأن لم ينصب متولّياً.
(مسألة 90): لو جعل التولية لعدلين من أولاده مثلاً و لم يكن فيهم الّا عدل واحد ضمّ الحاكم اليه عدلاً آخر، و أمّا لو لم يكن فيهم عدل أصلاً فهل اللازم عليه نصب عدلين أو يكفي نصب واحد أمين؟ أحوطهما الأوّل، و أقواهما الثاني.
الشرح:
لو جعل التولية لعدلين من أولاده مثلاً و لم يكن فيهم الّا عدل واحد ضمّ الحاكم اليه عدلاً آخر؛ لأنّ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و نصب المتولّي بعد
1) المكاسب 3: 33.
الواقف ممّن له الولاية العامّة و هو الحاكم الشرعي. و أمّا لو لم يكن فيهم عدل أصلاً فمن جهة أنّ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و أنّ الواقف جعل التولية لعدلين فعلى الحاكم نصب عدلين بلا فرق بين صدر المسألة و ذيلها.
(مسألة 91): لو احتاج الوقف الى التعمير و لم يكن ما يصرف فيه يجوز للمتولّي أن يقترض له قاصداً أداء ما في ذمّته بعد ذلك ممّا يرجع اليه كمنافعه أو منافع موقوفاته، فيقترض متولّي البستان مثلاً لتعميره بقصد أن يؤدّي دينه من عائداته، و متولّي المسجد أو المشهد أو المقبرة و نحوها بقصد أن يؤدّيه من عائدات موقوفاتها، بل يجوز أن يصرف في ذلك من ماله بقصد الاستيفاء ممّا ذكر، و لو اقترض له و صرفه لا بقصد الأداء منه أو صرف ماله لا بقصد الاستيفاء منه لم يكن له ذلك بعده.
الشرح:
اذا كان للوقف موقوفات فاحتاج الوقف الى العمارة و لم يكن وقت وصول عائدات موقوفاته يجوز للمتولّي أن يقترض له قاصداً أداء ما في ذمّته بعد ذلك ممّا يرجع اليه من منافع هذا الوقف أو منافع موقوفاته فلو كان بحيث لو تأخّر العمارة يوجب ضرراً كثيراً فهل يجب على المتولّي أن يقترض؟ الظاهر ذلك ان لم يكن عليه حرج أو عسر. و هذا الاقتراض يكون على عنوان المتولّي لا على الشخص، فلو مات يجب على الآخر أداء قرضه من عائدات الوقف.
و أمّا اذا لم يكن للوقف موقوفات فلايجب على المتولّي و لا الحاكم أن يقترض و لا على الموقوف عليهم، سواء كان الوقف عامّاً أو خاصّاً، بل يجوز بيع بعضه أو اجارته و صرف منافعه لبعضه الآخر على ما يرى المتولّي أو الحاكم
أو الموقوف عليهم المصلحة في ذلك. و قد تقدّم في السابق ما يرتبط بهذا.
(مسألة 92): تثبت الوقفيّة بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، و اقرار ذي اليد أو ورثته بعد موته، و بكونه في تصرّف الوقف بأن يعامل المتصرّفون فيه معاملة الوقف بلا معارض، و بالبيّنة الشرعيّة.
الشرح:
تثبت الوقفيّة بالشياع المفيد للعلم؛ لأنّه حجّة و حجّيّته ذاتيّة، أو الاطمئنان فانّه أيضاً حجّة عرفيّة و لم يردع عنها الشارع، و باقرار ذي اليد أو ورثته بعد موته؛ لأنّ «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» و هو حجّة شرعيّة تجري عليها أحكام في الأبواب المختلفة من الدعاوي و الأموال و غيرهما. و تثبت أيضاً بأن يعامل معه المتصرّفون معاملة الوقف بلا معارض؛ لأنّ منه يحصل الاطمئنان، كما لو يعامل المسلمون في مكان معاملة المسجديّة من دون معارض، و الظاهر أنّه من الأمارات العرفيّة التي لم يردع عنها الشارع. و كذا تثبت الوقفيّة بشاهدين عدلين ان كان هناك نزاع بعد حكم الحاكم، و ان لم يكن نزاع تثبت بعدل واحد بل بالثقة الواحد ان كان له علم بذلك.
(مسألة 93): لو أقرّ بالوقف ثمّ ادّعى أنّ اقراره كان لمصلحة يسمع منه لكن يحتاج الى الاثبات لو نازعه منازع صالح، بخلاف ما اذا أوقع العقد و حصل القبض ثمّ ادّعى أنّه لم يكن قاصداً، فانّه لايسمع منه أصلاً، كما هو الحال في جميع العقود و الايقاعات.
الشرح:
لو أقرّ بأنّ ما بيده وقف سواء كان هو الواقف أو وقف غيره ثمّ ادّعى أنّ اقراره كان لمصلحة و لم يكن موضعاً للتهمة و لم يكن له منازع، يقبل منه؛ لأنّه أعرف بنيّته من غيره. و أمّا لو نازعه منازع صالح بعد اقراره فعليه اثبات أنّ اقراره كان لمصلحة، هذا.
و أمّا لو أوقع عقد الوقف و أقبضه الى الموقوف عليهم ثمّ ادّعى أنّه لم يكن قاصداً للوقف و القبض واقعاً أو كان مجبوراً مكرهاً و نحوها، لم يسمع منه أصلاً؛ لأنّ الظاهر من فعل الأشخاص القصد و الاختيار، كما يكون الحال في جميع العقود و الايقاعات.
(مسألة 94): كما أنّ عمل المتصرّفين معاملة الوقفيّة دليل على أصل الوقفيّة ما لم يثبت خلافها كذلك كيفيّة عملهم من الترتيب و التشريك و المصرف و غير ذلك دليل على كيفيّته، فيتّبع ما لم يعلم خلافها.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثانية و التسعين أنّ ممّا يثبت به الوقفيّة أن يعامل المتصرّفون معاملة الوقفيّة فيه بلا معارض. و في هذه المسألة نقول كذلك كيفيّة عمل المتصرّفين من الترتيب و التشريك بين الموقوف عليهم، و المصرف في الوقف الخاصّ أو العامّ كما نرى بأنّهم يطعمون الطعام أيّام عزاء الحسين عليه السلام أو مطلق الوفيات أو الأعياد، فهذا كلّه دليل على كيفيّة الوقف فيتّبع ما لم يعلم خلافها.
(مسألة 95): لو كان ملك بيد شخص يتصرّف فيه بعنوان الملكيّة لكن علم أنّه قد كان في السابق وقفاً لم ينتزع من يده بمجرّد ذلك ما لم يثبت وقفيّته فعلاً، و كذا لو ادّعى أحد أنّه قد وقف على آبائه نسلاً بعد نسل و أثبت ذلك من دون أن يثبت كونه وقفاً فعلاً، نعم لو أقرّ ذو اليد في مقابل دعوى خصمه بأنّه كان وقفاً الّا أنّه قد حصل مسوّغ البيع و قد اشتراه سقط حكم يده و ينتزع منه، و يلزم اثبات وجود المسوّغ و وقوع الشراء.
الشرح:
لو كان ملك بيد شخص يتصرّف فيه بعنوان الملكيّة لكن علم أنّه قد كان في السابق وقفاً لم ينتزع من يده بمجرّد ذلك ما لم يثبت وقفيّته فعلاً، و ذلك لأنّ اليد مقدّمة على الاستصحاب و لعلّه كان الوقف قد انجرّ الى الخلاف أو الخراب و باعوه لذلك. نعم لو كان علم وقفيّته وقفاً عامّاً، كالمسجد فمن تصرّف فيه بعنوان الملكيّة ينتزع منه.
و كذا لو ادّعى أحد أنّه قد وقف على آبائه نسلاً بعد نسل و أثبت ذلك من دون أن يثبت كونه وقفاً فعلاً فانّه لم ينتزع من الذي كانت يده عليه حتّى يثبت كونه وقفاً فعلاً لما ذكر.
نعم لو أقرّ ذو اليد في مقابل دعوى خصمه بأنّه كان وقفاً الّا أنّه قد حصل مسوّغ البيع و قد اشتراه سقط حكم يده و ينتزع منه؛ لاقراره على نفسه، و يلزم اثبات وجود المسوّغ و وقوع الشراء.
(مسألة 96): لو كان كتاب أو مصحف أو غيرهما بيد شخص و هو يدّعي ملكيّته و كان مكتوباً عليه أنّه وقف لم يحكم بوقفيّته بمجرّده، فيجوز الشراء
منه، نعم الظاهر أنّ وجود مثل ذلك عيب و نقص في العين، فلو خفي على المشتري حال البيع كان له الخيار.
الشرح:
لو كان كتاب أو مصحف أو غيرهما بيد شخص و هو يدّعي ملكيّته و كان مكتوباً عليه أنّه وقف لم يحكم بوقفيّته بمجرّده؛ لما تقدّم في المسألة السابقة أنّ اليد أمارة الملكيّة ما لم يثبت خلافها، و اذا أراد بيعه يجوز الشراء منه.
نعم الظاهر أنّ وجود مثل ذلك عيب و نقص في العين فانّ المتشرّعين يحتاطون في البيع أو الشراء بالنسبة الى الأعيان التي فيها شبهة الوقف. فلو خفي على المشتري حال البيع كان له خيار العيب؛ لما ذكر.
(مسألة 97): لو ظهر في تركة الميّت ورقة بخطّه أنّ ملكه الفلاني وقف و أنّه وقع القبض و الاقباض لم يحكم بوقفيّته بمجرّده ما لم يحصل العلم أو الاطمئنان به؛ لاحتمال أنّه كتب ليجعله وقفاً كما يتّفق ذلك كثيراً.
الشرح:
لو ظهر في تركة الميّت ورقة بخطّه أنّ ملكه الفلاني وقف و أنّه وقع القبض و الاقباض لم يحكم بوقفيّته بمجرّده و ذلك لأنّه أعمّ من حصوله في الخارج و لعلّه كتبه أوّلاً ليجعله وقفاً و أقبضه بعد كتابته. نعم لو حصل العلم أو الاطمئنان بحصوله في الخارج ثبتت وقفيّته. و كذلك لو شهد شاهدان على ذلك.
(مسألة 98): اذا كانت العين الموقوفة من الأعيان الزكويّة كالأنعام الثلاثة لم يجب على الموقوف عليهم زكاتها و ان بلغت حصّة كلّ منهم النصاب، و
أمّا لو كانت نماؤها منها كالعنب و التمر ففي الوقف الخاصّ وجبت الزكاة على كلّ من بلغت حصّته النصاب من الموقوف عليهم؛ لأنّها ملك طلق لهم بخلاف الوقف العامّ حتّى مثل الوقف على الفقراء؛ لعدم كونه ملكاً لواحد منهم الّا بعد قبضه، نعم لو أعطي الفقير مثلاً حصّة من الحاصل على الشجر قبل وقت تعلّق الزكاة بتفصيل مرّ في كتاب الزكاة وجبت عليه لو بلغت النصاب.
الشرح:
اذا كانت العين الموقوفة من الأعيان الزكويّة، كالأنعام الثلاثة لم يجب على الموقوف عليهم زكاتها، و ذلك لعدم كونها ملكاً لهم بل وقفت ليستفيدوا من نمائها.
نعم لو لم يكن ما ولد منها وقفاً بل مصرفاً لهم فاذا بلغت حصّة كلّ منهم النصاب مع الشرائط الأخر يجب عليهم الزكاة، كما أنّه لو وقف شجرة النخل و العنب لأولاده فاذا بلغ نصيب كلّ واحد منهم النصاب وجبت الزكاة؛ لأنّ نماءها ملكاً لهم و لو كان على الشجرة.
و لو كانت الشجرة وقفاً على الفقراء فمالم يعطهم من ثمرتها لم يكونوا مالكين، فاذا أعطاهم لم يجب عليهم الزكاة؛ لأنّ وجوبه عليهم مشروط بكونهم مالكين قبل وقت تعلّق الزكاة، و الفرض خلافه. نعم لو أعطي الفقير مثلاً حصّة من الحاصل على الشجر قبل وقت تعلّق الزكاة بتفصيل مرّ في كتاب الزكاة وجبت عليه لو بلغت النصاب.
(مسألة 99): الوقف المتداول بين بعض الطوائف - يعمدون الى نعجة أو
بقرة و يتكلّمون بألفاظ متعارفة بينهم و يكون المقصود أن تبقى و تذبح أولادها الذكور و تبقى الاناث و هكذا - الظاهر بطلانه؛ لعدم تحقّق شرائط صحّته.
الشرح:
من شرائط صحّة الوقف أن يكون كلام الواقف أو كتابته أو غيرهما ممّا يدلّ على الوقف، صريحاً في الوقفيّة ليكون دالاًّ على مقصوده. فلو لم يكن كذلك و شكّ في كون مقصوده من ذلك الكلام أو الفعل وقفاً أو غيره، لم يحرز الوقفيّة، كما مثّل به في المتن.
و تلحق بتلك المسائل مسألتان:
«المسألة الأولى»: الأموال التي تجمع لعزاء سيّد الشهداءعليه السلام أو غيره من المعصومين عليهم السلام من صنف خاصّ أو أهل بلد لذكر مصائبهم أو لزوّار الذين يذهبون في زيارة مخصوصة الى مشاهدهم عليهم السلام الظاهر أنّها من قسم الصدقات المشروط صرفها في جهة معيّنة، كما هو المتعارف و لاينطبق عليها عنوان الوقفيّة، لكنّها ليست باقية على ملك مالكها اذا سلّمت الى من كان مأموراً لجمع تلك الأموال لصرفها فيما ذكر، و سيأتي في الصدقات. و لايجوز الرجوع فيها. و اذا مات قبل صرفها لايجوز لوارثه مطالبتها، و اذا تعذّر صرفها في الجهة المعيّنة تصرف في سبيل الخير.
«المسألة الثانية»: يجوز أن يشتري ملكاً من سهم سبيل اللَّه من الزكاة و يجعله مسجداً أو مدرسة أو مسكناً للزوّار أو الحجّاج أو الفقراء أو نحو ذلك ممّا فيه مصلحة المسلمين، كما يجوز عمارة ما يحتاج اليه مثل الموقوفات المذكورة من السهم المذكور أو ممّا يكون مصرفه وجوه البرّ، كما ذكر في خاتمة مسائل الزكاة.
تشتمل على أمرين: أحدهما في الحبس و ما يلحق به، ثانيهما في الصدقة.
(مسألة 1): يجوز للشخص أن يحبس ملكه على كلّ ما يصحّ الوقف عليه، بأن تصرف منافعه فيما عيّنه على ما عيّنه، فلو حبسه على سبيل من سبل الخير و محالّ العبادات مثل الكعبة المعظّمة و المساجد و المشاهد المشرّفة فان كان مطلقاً أو صرّح بالدوام فلا رجوع بعد قبضه و لايعود الى ملك المالك و لايورث، و ان كان الى مدّة لا رجوع الى انقضائها، و بعده يرجع الى المالك أو وارثه، و لوحبسه على شخص فان عيّن مدّة أو مدّة حياته لزم الحبس في تلك المدّة، و لو مات الحابس قبل انقضائها يبقى على حاله الى أن تنقضي، و ان أطلق و لم يعيّن وقتاً لزم مادام حياة الحابس، فان مات كان ميراثاً، و هكذا الحال لو حبس على عنوان عامّ كالفقراء، فان حدّده بوقت لزم الى انقضائه، و ان لم يوقّت لزم مادام حياة الحابس.
الشرح:
يجوز للشخص أن يحبس ملكه على كلّ ما يصحّ الوقف عليه، بأن تصرف منافعه فيما عيّنه على ما عيّنه، فلو حبسه على سبيل من سبل الخير و محالّ العبادات مثل الكعبة المعظّمة و المساجد و المشاهد المشرّفة فان كان مطلقاً أو صرّح بالدوام حتّى يكون كالوقف فلا رجوع بعد قبضه و لايعود الى ملك المالك و لايورث، و ان كان الى مدّة لا رجوع الى انقضائها، و بعده يرجع الى ملك المالك
أو وارثه. و الدليل على ذلك كلّه العمومات و المطلقات الواردة في الوقف و خصوص حسنة حمران قال:
«سألته عن السكنى و العمرى؟ فقال: الناس فيه عند شروطهم، ان كان شرط حياته فهي حياته، و ان كان لعقبه فهو لعقبه، كما شرط حتّى يفنوا ثمّ يردّ الى صاحب الدار».(1)
و صحيحة الحسين بن نعيم عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليه السلام قال:
«سألته عن رجل جعل سكنى داره لرجل أيّام حياته أو له و لعقبه من بعده؟ قال: هي له و لعقبه كما شرط. الحديث».(2)
و الظاهر من قوله عليه السلام في الروايتين: «الناس فيه عند شروطهم» و «...كما شرط» مضافاً الى قوله عليه السلام: «المؤمنون عند شروطهم» عدم الفرق بين كونه لشخص خاصّ أو أشخاص خاصّة أو على سبيل من سبل الخير و محالّ العبادات مثل الكعبة المعظّمة و المساجد و المشاهد المشرّفة.
هذا مضافاً الى أنّ الوقف و السكنى و الرقبى و العمرى كلّها يرجع الى حبس الملك، فحقيقة التحبيس في الكلّ واحدة الّا أنّ الفرق بين الوقف و هذه الثلاثة هو فكّ الملك في الوقف بخلافه في هذه الثلاثة التي تكون على ما شرط.
ثمّ انّه لو حبس ملكه على شخص فان عيّن مدّة أو مدّة حياته لزم الحبس في تلك المدّة؛ لأنّه عقد لازم يجب الوفاء به كما مرّ و سيأتي. و لو مات الحابس قبلانقضاء المدّة يبقى على حاله الى أن تنقضي لما تقدّم من قوله عليه السلام في الرواية: «الناس فيه عند شروطهم» و ان أطلق و لم يعيّن وقتاً لزم مادام الحابس حيّاً ان كان
هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة و الّا يصحّ له الرجوع متى شاء، كما سيأتي في المسألة الخامسة.
و ان مات كان ميراثاً كما تقدّم قوله عليه السلام في حسنة حمران: «ثمّ يردّ الى صاحب الدار» و لأنّه حبس ملك فلايكون فكّ ملك. و هكذا الحال لو حبس على عنوان عامّ كالفقراء، فان حدّد بوقت لزم الى انقضائه و ان لم يوقّت لزم مادام الحابس حيّاً ان كان هناك قرينة عليه، كما مرّ.
(مسألة 2): لو جعل لأحد سكنى داره مثلاً بأن سلّطه على اسكانها مع بقائها على ملكه يقال له: السكنى، سواء أطلق و لم يعيّن مدّة كأن يقول: «أسكنتك داري» أو «لك سكناها» أو قدّره بعمر أحدهما كما اذا قال: «لك سكنى داري مدّة حياتك أو مدّة حياتي». أو قدّره بالزمان كسنة و سنتين مثلاً، نعم لكلّ من الأخيرين اسم يختصّ به، و هو العمرى في أوّلهما و الرقبى في الثاني.
الشرح:
قال في الشرائع: «السكنى و الحبس. و هي عقد يفتقر الى الايجاب و القبول و القبض. و فائدتها التسليط على استيفاء المنفعة مع بقاء الملك على مالكه. و يختلف عليها الأسماء بحسب اختلاف الاضافة. فاذا اقترنت بالعمر قيل عمرى، و بالاسكان قيل سكنى، و بالمدّة قيل: رقبى، امّا من الارتقاب أو من رقبة الملك».(1)
و في المسالك: «انّها من العقود اللازمة في الجملة و ان طرأ عليها الجواز بعد انقضاء المسمّى، و لاتفتقر الى قصد القربة في أصحّ القولين؛ للأصل، و ان توقّف
1) شرائع الاسلام 2: 225.
عليها حصول الثواب. و في القواعد جزم بافتقارها الى نيّة التقرّب و وجهه غير واضح. انتهى ملخّصاً».(1)
(مسألة 3): يحتاج كلّ من الثلاثة الى عقد مشتمل على ايجاب من المالك و قبول من الساكن، فالايجاب كلّ ما أفاد التسليط المزبور عرفاً كأن يقول في السكنى: «أسكنتك هذه الدار» أو «لك سكناها» و ما أفاد معناهما بأيّ لغة كان، و في العمرى اضافة مدّة حياتي أو حياتك، و في الرقبى اضافة سنة أو سنتين مثلاً، و للعمرى و الرقبى لفظان آخران، فللأولى أعمرتك هذه الدار عمرك أو عمري أو ما بقيت أو بقيت أو ما عشت أو عشت و نحوها، و للثانية أرقبتك مدّة كذا، و القبول كلّ ما دلّ على الرضا بالايجاب.
الشرح:
الظاهر أنّه لا خلاف في كون كلّ من الثلاثة عقد يحتاج الى الايجاب من المالك و القبول من الساكن. و يحصل الايجاب و القبول بكلّ لفظ دلّ عليهما و يجوز فيها المعاطاة، كما تجوز في كلّ عقد الّا ما خرج بالدليل فالايجاب ما أفاد التسليط المزبور عرفاً، كما تقدّم عن الشرائع.
و في الجواهر: «هي عقد بالمعنى الأعمّ الشامل للمعاطاة بناء على مشروعيّتها، يفتقر في الصحّة الى معنى الايجاب و القبول و لو فعلاً بلا خلاف و لا اشكال».(2)
(مسألة 4): يشترط في كلّ من الثلاثة قبض الساكن، و هل هو شرط الصحّة أو اللزوم؟ وجهان لايبعد أوّلهما، فلو لم يقبض حتّى مات المالك بطلت كالوقف على الأظهر.
الشرح:
قال في الجواهر: «و أمّا القبض فلا خلاف أجده في اعتباره فيها أيضاً بل في الرياض عن ظاهر جماعة و صريح آخر الاجماع عليه. و عن المبسوط و المهذّب و فقه الراوندي و السرائر و غيرها أنّه يفتقر في صحّتها الى الايجاب و القبول، و لزومها الى القبض، و لعلّه لايخلو من قوّة. انتهى ملخّصاً».(1)
أقول:
لا اشكال في اشتراط صحّة كلّ من الثلاثة بالقبول و هو تارة يكون لفظيّاً و أخرى يكون عمليّاً و هو القبض و أمّا اذا قبل لفظاً فقط فيتوقّف لزومه على القبض و هو في كلّ شي ء بحسبه و المرجع في ذلك هو العرف.
(مسألة 5): هذه العقود الثلاثة لازمة يجب العمل بمقتضاها، و ليس للمالك الرجوع و اخراج الساكن، ففي السكنى المطلقة حيث انّ الساكن استحقّ مسمّى الاسكان و لو يوماً لزم العقد في هذا المقدار، و ليس للمالك منعه عنه، و له الرجوع في الزائد متى شاء، و في العمرى و الرقبى لزم بمقدار التقدير، و ليس له اخراجه قبل انقضائه.
1) جواهر الكلام 28: 134.
الشرح:
قد تقدّم أنّ هذه العقود لازمة يجب العمل بمقتضاها، كما تقدّمت دلالة الروايات على ذلك و أنّه يلزم بما شرط، فليس للمالك الرجوع و اخراج الساكن ان لم ينقضِ ما شرط. ففي السكنى المطلقة حيث لم يعيّن وقتاً و مدّة لسكناه الّا أنّ الظاهر أنّه استحقّ مسمّى الاسكان و لو يوماً لزم العقد في هذا المقدار و ليس للمالك منعه عنه و له الرجوع في الزائد متى شاء. و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال:
«قلت له: رجل أسكن رجلاً داره و لم يوقّت، قال: جائز و يخرجه اذا شاء».(1)
و رواية أحمد بن عمر الحلبي عن أبيه عن أبي عبداللَّه عليه السلام - في حديث - قال:
«و سألته عن الرجل يسكن رجلاً و لم يوقّت شيئاً؟ قال: يخرجه صاحب الدار اذا شاء».(2)
و في العمرى و الرقبى لزم بمقدار التقدير و هو في الأوّل مدّة حياة المالك أو الساكن و في الثاني على حسب تعيينه، و ليس له اخراجه قبل انقضائه.
(مسألة 6): لو جعل داره سكنى أو عمرى أو رقبى لشخص لم تخرج عن ملكه، و جاز بيعها، و لم تبطل العقود الثلاثة، بل يستحقّ الساكن السكنى على النحو الذي جعلت له، و كذا ليس للمشتري ابطالها، و لو كان جاهلاً فله الخيار بين فسخ البيع و امضائه بجميع الثمن، نعم في السكنى المطلقة بعد
مقدار المسمّى يبطل العقد و ينفسخ اذا أريد بالبيع فسخه و تسليط المشتري على المنافع، فحينئذ ليس للمشتري الخيار.
الشرح:
لو جعل داره سكنى أو عمرى أو رقبى لشخص لم تخرج عن ملكه، تدلّ عليه صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«سئل عن السكنى و العمرى، فقال: ان كان جعل السكنى في حياته فهو كما شرط، و ان كان جعلها له و لعقبه من بعده حتّى يفنى عقبه فليس لهم أن يبيعوا و لايورثوا ثمّ ترجع الدار الى صاحبها الأوّل»(1)
و جاز للمالك بيعها و ذلك لأنّه ملكه الّا أنّ منافعه محبوسة و هذا كما لو آجر داره مدّة معيّنة كسنة ثمّ باعها قبل اتمام المدّة فالمشتري ملك رقبتها مسلوبة المنفعة الى أن تنقضي مدّة الاجارة. و لم تبطل العقود الثلاثة؛ لأنّها كما تقدّم عقود لازمة يجب العمل بمقتضاها. و كذا ليس للمشتري ابطالها، و لو كان جاهلاً فله الخيار بين فسخ البيع و امضائه بجميع الثمن، فلو لم يكن له خيار يكون ضرراً عليه مع أنّه اشترى الدار لمنفعة السكنى فيكون مغروراً في معاملته لو لم يكن له خيار. نعم في السكنى المطلقة بعد مقدار المسمّى فللمالك فسخ عقد السكنى، و ينفسخ اذا أراد بالبيع فسخه و تسليط المشتري على المنافع.
(مسألة 7): لو جعلت المدّة في العمرى طول حياة المالك و مات الساكن قبله كان لورثته السكنى الى أن يموت المالك، و لو جعلت طول حياة الساكن و مات المالك قبله ليس لورثته اخراج الساكن طول حياته، و لو مات الساكن
1) وسائل الشيعة 19: 220 / الباب 3 من كتاب السكنى و الحبيس / الحديث 1.
ليس لورثته السكنى الّا اذا جعل له السكنى مدّة حياته و لعقبه بعد وفاته فلهم ذلك، فاذا انقرضوا رجعت الى المالك أو ورثته.
الشرح:
لو جعلت المدّة في العمرى طول حياة المالك و مات الساكن قبله كان لورثته السكنى الى أن يموت المالك و لو جعلت طول حياة الساكن و مات المالك قبله ليس لورثته اخراج الساكن طول حياته. و لو مات الساكن ليس لورثته السكنى الّا اذا جعل له السكنى مدّة حياته و لعقبه بعد وفاته فلهم ذلك فاذا انقرضوا رجعت الى المالك أو ورثته. كلّ ذلك لاشتراطه في العقد، و تدلّ عليه الروايات المتقدّمة، و من جملتها حسنة حمران قال:
«سألته عن السكنى و العمرى، فقال: الناس فيه عند شروطهم ان كان شرط حياته فهي حياته و ان كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط حتّى يفنوا ثمّ يردّ الى صاحب الدار».(1)
(مسألة 8): هل مقتضى العقود الثلاثة تمليك سكنى الدار، فيرجع الى تمليك المنفعة الخاصّة، فله استيفاؤها مع الاطلاق بأيّ نحو شاء من نفسه و غيره مطلقاً و لو أجنبيّاً، و له اجارتها و اعارتها، و تورث لو كانت المدّة عمر المالك و مات الساكن دون المالك، أو مقتضاها الالتزام بسكونة الساكن على أن يكون له الانتفاع و السكنى من غير أن تنتقل اليه المنافع، و لازمه عند الاطلاق جواز اسكان من جرت العادة بالسكنى معه كأهله و أولاده و خادمه و خادمته و مرضعة ولده و ضيوفه، بل و كذا دوابّه ان كان الموضع معدّاً
1) وسائل الشيعة 19: 218 / الباب 2 من كتاب السكنى و الحبيس / الحديث 1.
لمثلها، و لايجوز أن يسكن غيرهم الّا أن يشترط ذلك أو رضي المالك و لايجوز أن يؤجر المسكن و يعيره، و يورث هذا الحقّ بموت الساكن، أو مقتضاها نحو اباحة لازمة، و لازمه كالاحتمال الثاني الّا في التوريث، فانّ لازمه عدمه؟ و لعلّ الأوّل أقرب خصوصاً في مثل «لك سكنى الدار» و كذا في العمرى و الرقبى، و مع ذلك لاتخلو المسألة من اشكال.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اطلاق السكنى يقتضي أن يسكن بنفسه و أهله و أولاده. و لايجوز أن يسكن غيرهم الّا أن يشترط ذلك. و لايجوز أن يؤجر السكنى، كما لايجوز أن يسكن غيره الّا باذن المسكن».(1)
و في المسالك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب محتجّين على ذلك بأنّ الأصل عصمة مال الغير من التصرّف فيه بغير اذنه، خرج من ذلك ما أذن فيه و هو سكناه بنفسه و من في معناه فيبقى الباقي على أصل المنع. و خالف ابن ادريس في ذلك فجوّز له اسكان من شاء و اجارته و نقل الملك كيف شاء؛ لملكه ايّاها بالعقد اللازم فساغ له التصرّف فيها كيف شاء، كما لو تملّكها بالاجارة و كغيرها من أمواله. و أجيب بمنع ملكه لها مطلقاً بل على الوجه المخصوص فلايتناول غيره. و فيه نظر. و كيف كان فالعمل على المشهور و ان كان كلام ابن ادريس لايخلو من قوّة. و انّما جاز عند الأصحاب اسكان أهله و أولاده مع اقتضاء الصيغة عندهم سكناه بنفسه؛ لدلالة العرف على ذلك. و ألحق به العلّامة في التذكرة من جرت العادة باسكانه معه كغلامه و جاريته و مرضعة ولده. و هو حسن؛ لدلالة العرف عليه أيضاً. و كذا الضيف و الدابّة اذا كان في الدار موضع يصلح لهما عادة.
1) شرائع الاسلام 2: 226.
و كذا احراز الغلّة فيها كذلك، و نحوه».(1)
أقول:
الظاهر صحّة ما ذهب اليه المشهور، و هو الظاهر من الأخبار؛ لأنّ الملك لايخرج عن ملك المالك و لايكون السكنى و العمرى و الرقبى كالاجارة في جميع الأحكام، بل الظاهر أنّ المالك جعل له سكنى داره و الانتفاع له و لمن يتعلّق به. نعم لو شرط القابل أن تكون له المنفعة و يفعل في الملك ما يشاء ممّا أتي به في المتن أو رضي بعد العقد فهو، و الّا لايجوز له غير الانتفاع لنفسه و أهله و أولاده و من يحذو حذوهم.
(مسألة 9): كلّ ما صحّ وقفه صحّ اعماره من العقار و الحيوان و الأثاث و غيرها، و الظاهر أنّ الرقبى بحكم العمرى، فتصحّ فيما يصحّ الوقف و أمّا السكنى فيختصّ بالمساكن.
الشرح:
قال في الشرائع: «كلّ ما يصحّ وقفه يصحّ اعماره من دار و مملوك و أثاث».(2)
و في المسالك: «لمّا كانت العمرى تشارك السكني في كثير من الأحكام و تقوم مقامها في العقد على وجه يوهم اختصاصها بدار سكنى، نبّه على دفعه و أنّ مورد العمرى أعمّ من مورد السكنى. و ضابطها ما يصحّ وقفه و هو العين المملوكة التي يمكن اقباضها و ينتفع بها مع بقاء عينها، فتدخل في ذلك الدار و الأثاث و
الحيوان و ان كان جارية، لكن انّما يستبيح منفعتها و استخدامها دون وطئها؛ لأنّ استباحة البضع منوط بلفظي الاباحة و التحليل، و الواقع هنا لايدلّ عليهما. و الحاصل: أنّ العمرى نوع من الصدقة مختصّة بالمنافع المباحة فيعمّ جميع ما ذكر. و في معناه الرقبى».(1)
أقول:
ما ذهب اليه في المسالك هو الصحيح، و الظاهر أنّ الرقبى بحكم العمرى فتصحّ فيما يصحّ الوقف. و أمّا السكنى فتختصّ بالمساكن.
و في المسالك: «و في التذكرة: انّ العرب كانت تستعمل العمرى و الرقبى في معنى واحد، فالعمرى مأخوذة من العمر و الرقبى من الرقوب، كأنّ كلّ واحد منهما يرتقب موت صاحبه. و حكي عن علي عليه السلام أنّه قال: «العمرى و الرقبى سواء».».(2)
مسألة: لو ادّعى المالك الحبس و ادّعى المحبوس عليه الوقف يقدّم قول المالك ان لم تكن بيّنة في البين. و ذلك لأنّ المالك أعرف بنيّته و أنّه مقتضى فصل الخصومة من أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر. و لو وقع هذا النزاع بين ورثة المالك و المحبوس عليه فكذلك يقدّم قول الورثة ان لم تكن بيّنة في البين. و ذلك لأنّ الأصل بقاء الملك على ملك مالكه فيرثه ورثته.
قد وردت النصوص الكثيرة على ندبها و الحثّ عليها خصوصاً في أوقات مخصوصة، كالجمعة و عرفة و شهر رمضان، و على طوائف مخصوصة كالجيران و الأرحام حتّى ورد في الخبر «لا صدقة و ذو رحم محتاج» و عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله «انّ اللَّه لا اله الّا هو ليدفع بالصدقة الداء و الدبيلة و الحرقة و الغرق و الهدم و الجنون» و عدّ سبعين باباً من السوء ... و قد ورد «أنّ الافتتاح بها في اليوم يدفع نحس يومه و في الليلة يدفع نحسها» و «أنّ صدقة الليل تطفئ غضب الربّ و تمحو الذنب العظيم و تهوّن الحساب و صدقة النهار تثمر المال و تزيد في العمر» و «ليس شي ء أثقل على الشيطان من الصدقة على المؤمن، و هي تقع في يد الربّ تبارك و تعالى قبل أن تقع في يد العبد» و عن علي بن الحسين عليه السلام: «كان يقبّل يده عند الصدقة فقيل له في ذلك، فقال: انّها تقع في يد اللَّه قبل أن تقع في يد السائل» و نحوه عن غيره عليه السلام، و عن النبي صلى الله عليه وآله «كلّ معروف صدقة الى غني أو فقير، فتصدّقوا و لو بشقّ التمرة، و اتّقوا النار و لو بشقّ التمرة، فانّ اللَّه يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فلوه أو فصيله حتّى يوفّيه ايّاها يوم القيامة و حتّى يكون أعظم من الجبل العظيم» الى غير ذلك.
الشرح:
الصدقة تطلق على ما كانت واجبة و هي الزكاة كقوله تعالى: «انّما الصدقات
للفقراء و المساكين...»(1)و كذا تطلق على الوقف و قد عبّر عنه بالصدقة الجارية و ألحق به السكنى و الرقبى والعمرى. و أيضاً تطلق الصدقة كما في هذا الباب على الصدقة المستحبّة فلها آثار وضعيّة في الدنيا و الآخرة، كما يستفاد من النصوص. و تدلّ على رجحانها في الجملة، الأدلّة الأربعة. فالعقل يستقلّ بالاحسان الى الغير و النفع اليه.
و من الكتاب قوله تعالى: «و أقرضوا اللَّه قرضاً حسناً»(2)و «أنّ اللَّه هو يقبل التوبة عن عباده و يأخذ الصدقات»(3)و «ما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللَّه»(4)
و أمّا السنّة فهي متواترة بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله (في حديث): «الصدقة تدفع ميتة السوء».(5)
و عنه صلى الله عليه وآله:
«تصدّقوا فانّ الصدقة تزيد في المال كثرة فتصدّقوا رحمكم اللَّه».(6)
و عنه صلى الله عليه وآله:
«التوحيد نصف الدين و استنزلوا الرزق بالصدقة».(7)
و أيضاً عنه صلى الله عليه وآله: «خير مال المرء و ذخائره الصدقة».(8)
1) التوبة 9: 60.
2) المزّمّل 73: 20.
3) التوبة 9: 104.
4) البقرة 2: 110.
5) وسائل الشيعة 9: 386 / الباب 9 من أبواب الصدقة / الحديث 3.
6) وسائل الشيعة 9: 369 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 8.
7) وسائل الشيعة 9: 371 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 13.
8) وسائل الشيعة 9: 371 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 14.
و عنه صلى الله عليه وآله: «داووا مرضاكم بالصدقة».(1)
و عنه صلى الله عليه وآله أيضاً:
«اتّقوا النار و لو بشقّ تمرة و استنزلوا الرزق بالصدقة، ادفعوا البلاء بالدعاء، ما نقص مال من صدقة، ولا صدقة و ذو رحم محتاج».(2)
و عن علي عليه السلام: «الصدقة جنّة».(3)
و عنه عليه السلام أيضاً: «اذا أملقتم فتاجروا اللَّه بالصدقة».(4)
و عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «الصدقة يوم الجمعة يضاعف أضعافاً».(5)
و في رواية عبداللَّه بن سليمان قال:
«كان أبو جعفرعليه السلام اذا كان يوم عرفة لم يردّ سائلاً».(6)
و عن الصادق عليه السلام قال:
«من تصدّق في شهر رمضان بصدقة صرف اللَّه عنه سبعين نوعاً من البلاء».(7)
و عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع.الحديث».(8)
1) وسائل الشيعة 9: 372 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 18.
2) وسائل الشيعة 9: 380 / الباب 7 من أبواب الصدقة / الحديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 371 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 17.
4) وسائل الشيعة 9: 372 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 20.
5) وسائل الشيعة 9: 403 / الباب 15 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 403 / الباب 15 من أبواب الصدقة / الحديث 2.
7) وسائل الشيعة 9: 404 / الباب 15 من أبواب الصدقة / الحديث 3.
8) وسائل الشيعة 12: 129 / الباب 88 من أبواب العشرة / الحديث 1.
و عن النبي صلى الله عليه وآله:
«من مشى الى ذي قرابة بنفسه و ماله ليصل رحمه أعطاه اللَّه عزّوجلّ أجر مائة شهيد و له بكلّ خطوة أربعون ألف حسنة و محي عنه أربعون ألف سيّئة و رفع له من الدرجات مثل ذلك و كان كأنّما عبد اللَّه عزّوجلّ مائة سنة صابراً محتسباً».(1)
و عنه صلى الله عليه وآله أيضاً:
«الصدقة بعشرة و القرض بثمانية عشر و صلة الاخوان بعشرين و صلة الرحم بأربعة و عشرين».(2)
و في رواية معاذ بن مسلم قال:
«كنت عند أبي عبداللَّه عليه السلام فذكروا الوجع فقال عليه السلام: داووا مرضاكم بالصدقة، و ما على أحدكم أن يتصدّق بقوت يومه انّ ملك الموت يدفع اليه الصكّ بقبض روح العبد فيتصدّق فيقال له: ردّ عليه الصكّ».(3)
و في وصيّة النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال:
«يا علي الصدقة تردّ القضاء الذي قد أبرم ابراماً.الحديث».(4)
و عن أبي عبداللَّه عليه السلام (في حديث):
«حسن الصدقة يقضي الدين و يخلف بالبركة».(5)
1) وسائل الشيعة 9: 412 / الباب 20 من أبواب الصدقة / الحديث 5.
2) وسائل الشيعة 9: 411 / الباب 20 من أبواب الصدقة / الحديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 375 / الباب 3 من أبواب الصدقة / الحديث 2.
4) وسائل الشيعة 9: 384 / الباب 8 من أبواب الصدقة / الحديث 4.
5) وسائل الشيعة 9: 367 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 3.
و عن أبي جعفرعليه السلام:
«البرّ و الصدقة ينفيان الفقر و يزيدان في العمر و يدفعان عن سبعين ميتة السوء».(1)
(مسألة 1): يعتبر في الصدقة قصد القربة، و لايعتبر فيها العقد المشتمل على الايجاب و القبول على الأقوى، بل يكفي المعاطاة، فتتحقّق بكلّ لفظ أو فعل من اعطاء أو تسليط قصد به التمليك مجّاناً مع نيّة القربة، و يشترط فيها الاقباض و القبض.
الشرح:
يعتبر في الصدقة قصد القربة؛ لما دلّ عليه من الكتاب و السنّة، فمن الكتاب: الآيات الكثيرة الواردة في الانفاق و قد أكّدت بأنّ الصدقة للرياء مبطل للعمل كقوله تعالى: «لاتبطلوا صدقاتكم بالمنّ و الأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس و لايؤمن باللَّه و اليوم الآخر».(2)
و من السنّة: الروايات الواردة في ذلك، منها:
عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«لا صدقة و لا عتق الّا ما أريد به وجه اللَّه عزّوجلّ».(3)
و عنه عليه السلام أيضاً (في حديث):
«انّما الصدقة للَّه عزّوجلّ فما جعل للَّه عزّوجلّ فلا رجعة له فيه».(1)
و في رواية محمّد بن عمر بن يزيد قال:
«أخبرت أبا الحسن الرضاعليه السلام انّي أصبت بابنين و بقي لي بنيّ صغير، فقال عليه السلام: تصدّق عنه، ثمّ قال حين حضر قيامي: مر الصبي فليتصدّق بيده بالكسرة و القبضة و الشي ء و ان قلّ، فانّ كلّ شي ء يراد به اللَّه و ان قلّ بعد أن تصدق النيّة فيه عظيم انّ اللَّه عزّوجلّ يقول: «فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره» و قال: «فلا اقتحم العقبة و ما أدراك ما العقبة فكّ رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة» علم اللَّه أنّكلّ أحد لايقدر على فكّ رقبة فجعل اطعام اليتيم و المسكين مثل ذلك تصدّق عنه».(2)
و لايعتبر فيها العقد المشتمل على الايجاب و القبول؛ لعدم وجوده في الروايات بل يكفي فيها المعاطاة، كما أمر بصدقة السرّ فتتحقّق بكلّ لفظ أو فعل من اعطاء أو تسليط قصد به التمليك مجّاناً مع نيّة القربة و يشترط فيها الاقباض و القبض؛ لأنّه لو لم يكن فيه الاقباض و القبض لم يحصل الاعطاء و التسليط و لم يتحقّق عنوان الصدقة و لايجري عليه الأحكام.
(مسألة 2): لايجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض و ان كانت على أجنبيّ على الأصحّ.
الشرح:
لايجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض؛ لأنّها عقد لازم و لم يدلّ دليل على جوازه بل الدليل على عدم جواز الرجوع، كقوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:
«لايرجع في الصدقة اذا ابتغي بها وجه اللَّه عزّوجلّ».(1)
و كقوله عليه السلام في صحيحة الحكم:
«انّما الصدقة للَّه عزّوجلّ فما جعل للَّه عزّوجلّ فلا رجعة له فيه».(2)
و قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله:
«انّما مثل الذي يرجع في صدقته كالذي يرجع في قيئه».(3)
و هذا بلا فرق بين الصدقة على القريب أو الأجنبي؛ لاطلاق الروايات.
قال في المهذّب: «و ما نسب الى بعض فقهائنا منهم الشيخ في المبسوط أنّها جائزة، و أنّ صدقة التطوّع بمنزلة الهديّة، المستفاد منه صحّة الرجوع الى غير ذي الرحم مادامت العين موجودة، مخالف للعرف و الوجدان و الاطلاق و ظهور الاتّفاق حتّى من غير مبسوطه فلا ريب في ضعفه و سقوطه، و أمّا ما في بعضالنصوص، المشتملة على أنّ الصدقة جائزة فيمكن حمله على بعض المحامل كما لايخفى».(4)
(مسألة 3): تحلّ صدقة الهاشمي لمثله و لغيره مطلقاً حتّى الزكاة المفروضة و الفطرة، و أمّا صدقة غير الهاشمي للهاشمي فتحلّ في المندوبة
و تحرم في الزكاة المفروضة و الفطرة، و أمّا غيرهما من المفروضات كالمظالم و الكفّارات و نحوهما فالظاهر أنّها كالمندوبة و ان كان الأحوط عدم اعطائهم لها و تنزّههم عنها.
الشرح:
تقدّم شرح هذه المسألة في كتاب الزكاة المجلّد الثاني من كتاب الهادي في الوصف الرابع من أوصاف المستحقّين مع فروعاتها، فراجع(1).
(مسألة 4): يعتبر في المتصدّق البلوغ و العقل و عدم الحجر لفلس أو سفه، فلاتصحّ صدقة الصبي حتّى من بلغ عشراً.
الشرح:
يعتبر في المتصدّق البلوغ و العقل و عدم الحجر لفلس أو سفه، و ذلك لأنّ الصدقة تصرّف مالي و هم محجورون عنه. نعم في صحّة صدقة من بلغ عشر سنين وجه؛ لمرسلة الصدوق عن الحلبي أنّه سأل الصادق عليه السلام عن صدقة الغلام اذا لم يحتلم؟ قال:
«نعم، لا بأس به اذا وضعها في موضع الصدقة».(2)
مضافاً الى الروايات الواردة في جواز وصيّة من بلغ عشراً، كصحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا بلغ الغلام عشر سنين و أوصى بثلث ماله في حقّ جازت وصيّته،
و اذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حقّ جازت وصيّته».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: انّ الغلام اذا حضره الموت فأوصى و لم يدرك جازت وصيّته لذوي الأرحام و لم تجز للغرباء».(2)
فالظاهر أنّه تصحّ صدقة الصبي اذا بلغ عشراً و كانت الصدقة من ماله بشرط أن لايتجاوز عن المتعارف بالنسبة الى ما يملك عرفاً بل يكتفي باليسير من ماله.
(مسألة 5): لايعتبر في المتصدّق عليه في الصدقة المندوبة الفقر و لا الايمان و لا الاسلام، فتجوز على الغني و على الذمّي و المخالف و ان كانا أجنبيّين، نعم لاتجوز على الناصب و لا على الحربي و ان كانا قريبين.
الشرح:
لايعتبر في المتصدّق عليه في الصدقة المندوبة الفقر و لا الايمان و لا الاسلام، فتجوز على الغني و على الذمّي و المخالف و ان كانا أجنبيّين، و ذلك لاطلاق الروايات الواردة في الصدقة و كذلك الآيات وعدم المنع، بل الدليل على جوازه، كظاهر قوله تعالى: «لاينهاكم اللَّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم و تقسطوا اليهم انّ اللَّه يحبّ المقسطين»(3)، و خصوص موثّقة ضريس بن عبدالملك عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«انّ اللَّه تبارك و تعالى يحبّ ابراد الكبد الحرّى و من سقى كبداً حرّى من بهيمة و غيرها أظلّه اللَّه يوم لا ظلّ الّا ظلّه».(1)
و رواية معلّى بن خنيس عن أبي عبداللَّه عليه السلام - في حديث - :
«أنّه خرج و معه جراب من خبز فأتينا ظلّة بني ساعدة - فاذا نحن بقوم نيام فجعل يدسّ الرغيف و الرغيفين- حتّى أتى على آخرهم ثمّ انصرفنا فقلت جعلت فداك يعرف هؤلاء الحقّ فقال لو عرفوه لواسيناهم بالدقّة و الدقّة هي الملح الى أن قال انّ عيسى ابن مريم عليه السلام لمّا مرّ على شاطئ البحر رمى بقرص من قوته فيالماء فقال له بعض الحواريّين يا روح اللَّه - و كلمته لم فعلت هذا و انّما هو من قوتك قال فقال فعلت هذا لدابّة تأكله من دوابّ الماء و ثوابه عند اللَّه عظيم».(2)
و رواية اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه:
«انّ عليّاًعليه السلام كان يقول: لايذبح نسككم الّا أهل ملّتكم و لاتصدّقوا بشي ء من نسككم الّا على المسلمين و تصدّقوا بما سواه غير الزكاة على أهل الذمّة».(3)
و رواية عمرو بن أبي نصر قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: انّ أهل البوادي - يقتحمون علينا و فيهم اليهود و النصارى - و المجوس فنتصدّق عليهم قال: نعم».(4)
و لاتجوز على الناصب و لا على الحربي و ان كانا قريبين؛ و ذلك لقوله تعالى: «انّما ينهاكم اللَّه عن الذين قاتلوكم في الدين و أخرجوكم من دياركم و ظاهروا على اخراجكم أن تولّوهم و من يتولّهم فأولئك هم الظالمون».(1)
و خصوص رواية سدير الصيرفي قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: أطعم سائلاً لاأعرفه مسلماً. قال: نعم أعطِ من لاتعرفه بولاية و لا عداوة للحقّ انّ اللَّه عزّوجلّ يقول: «و قولوا للناس حسناً» و لاتطعم من نصب لشي ء من الحقّ أو دعا الى شي ء من الباطل».(2)
و رواية محمّد بن علي بن عيسى قال:
«كتبت اليه يعني علي بن محمّد الهادي عليه السلام أسأله عن المساكين الذين يقعدون في الطرقات من الحرائم و السائسين و غيرهم هل يجوز التصدّق عليهم قبل أن أعرف مذهبهم؟ فأجاب من تصدّق على ناصب فصدقته عليه لا له لكن على من لا يعرف مذهبه و حاله فذلك أفضل و أكبر و من بعد فمن ترقّقت عليه و رحمته و لم يمكن استعلام ما هو عليه لم يكن بالتصدّق عليه بأس ان شاء اللَّه».(3)
(مسألة 6): الصدقة سرّاً أفضل، فقد ورد «أنّ صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ و تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار و تدفع سبعين باباً من البلاء» نعم لو اتّهم بترك المواساة فأراد دفع التهمة عن نفسه أو قصد اقتداء غيره به
لا بأس بالاجهار بها و لم يتأكّد اخفاؤها، هذا في المندوبة، و أمّا الواجبة فالأفضل اظهارها مطلقاً.
الشرح:
الصدقة سرّاً أفضل؛ لرواية عبداللَّه بن الوليد الوصّافي عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ تبارك و تعالى».(1)
و رواية محمّد بن حمران عن أبيه عن أبي جعفرعليه السلام - في حديث - :
«انّ علي بن الحسين عليه السلام كان يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره و فيه الصرر من الدنانير و الدراهم و ربّما حمل على ظهره الطعام أو الحطب حتّى يأتي باباً باباً فيقرعه ثمّ يناول من يخرج اليه و كان يغطّي وجهه اذا ناول فقيراً لئلّايعرفه فلمّا توفّي فقدوا ذلك فعلموا أنّه كان عليّ بن الحسين عليه السلام و لمّا وضع على المغتسل نظروا الى ظهره و عليه مثل ركب الابل ممّا كان يحمل على ظهره الى منازل الفقراء و المساكين و لقد خرج ذات يوم و عليه مطرف خزّ فتعرّض له سائل فتعلّق بالمطرف فمضى و تركه و كان يشتري الخزّ في الشتاء فاذا جاء الصيف باعه و تصدّق بثمنه الى أن قال و لقد كان يأبى أن يؤاكل أمّه فقيل له يا ابن رسول اللَّه أنت أبرّ الناس و أوصلهم للرحم فكيف لاتؤاكل أمّك فقال انّي أكره أن تسبق يدي الى ما سبقت عينها اليه و كان يعول مائة أهل بيت من فقراء المدينة و كان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى و الأضرّاء و الزمني و
1) وسائل الشيعة 9: 395 / الباب 13 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
المساكين الذين لا حيلة لهم و كان يناولهم بيده و من كان له منهم عيال حمّله من طعامه الى عياله و كان لا يأكل طعاماً حتّى يبدأ و يتصدّق بمثله. الحديث».(1)
نعم لو اتّهم بترك المواساة فأراد دفع التهمة عن نفسه أو قصد اقتداء غيره به لا بأس بالاجهار بها و لم يتأكّد اخفاؤها؛ لرجحان ذلك عقلاً.
هذا في المندوبة و أمّا الواجبة فالأفضل اظهارها مطلقاً، كما مرّ في كتاب الزكاة بل كلّ ما أوجب اللَّه على الانسان فاعلانه أفضل من اخفائه، و كلّ ما كان مندوباً فاسراره أفضل من اعلانه و قد وردت بذلك روايات في الأبواب المختلفة و بعضها عرفت في هذه المسألة.
و رواية أبي أسامة عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنّه قال - في حديث - :
«كونوا دعاة الى أنفسكم بغير ألسنتكم و كونوا زيناً و لاتكونوا شيناً».(2)
و رواية ابن أبي يعفور قال:
«قال أبو عبداللَّه عليه السلام: كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع و الاجتهاد و الصلاة و الخير فانّ ذلك داعية».(3)
و رواية عبيد قال:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: الرجل يدخل في الصلاة فيجوّد صلاته و يحسّنها رجاء أن يستجرّ بعض من يراه الى هواه قال: ليس هذا من الرياء».(4)
(مسألة 7): يستحبّ المساعدة و التوسّط في ايصال الصدقة، فعن النبي صلى الله عليه وآله في خطبة له «و من تصدّق بصدقة عن رجل الى مسكين كان له مثل أجره، و لو تداولها أربعون ألف انسان ثمّ وصلت الى المسكين كان لهم أجر كامل، و ما عند اللَّه خير و أبقى للذين اتّقوا و أحسنوا لو كنتم تعلمون».
الشرح:
يستحبّ المساعدة و التوسّط في ايصال الصدقة، كرواية رواها الصدوق رحمه الله باسناد له عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال في خطبة له:
«و من تصدّق بصدقة (عن رجل الى مسكين)- كان له مثل أجره و لو تداولها أربعون ألف انسان ثمّ وصلت الى المسكين كان لهم أجر كامل و ما عند اللَّه خير و أبقى للذين اتّقوا و أحسنوا لو كنتم تعلمون».(1)
و رواية عبد ربّه عن أبيه عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«المعطون ثلاثة اللَّه ربّ العالمين و صاحب المال و الذي يجري على يديه».(2)
و رواية أبي بصير عن أبي جعفرعليه السلام قال:
«المعطون ثلاثة اللَّه المعطي و المعطي من ماله و الساعي في ذلك معطٍ».(3)
و مرسلة أبي نهشل عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«لو جرى المعروف على ثمانين كفّاً لأوجروا كلّهم فيه من غير أن ينقص صاحبه من أجره شيئاً».(1)
(مسألة 8): يكره كراهة شديدة أن يتملّك من الفقير ما تصدّق به بشراء أو اتّهاب أو بسبب آخر بل قيل بحرمته، نعم لا بأس بأن يرجع اليه بالميراث.
الشرح:
يكره كراهة شديدة أن يتملّك من الفقير ما تصدّق به بشراء أو اتّهاب أو بسبب آخر؛ و ذلك لصحيحة منصور بن حازم قال:
«قال أبو عبداللَّه عليه السلام: اذا تصدّق الرجل بصدقة لم يحلّ له أن يشتريها و لايستوهبها و لايستردّها الّا في ميراث».(2)
و الظاهر من هذا الحديث و ان كانت الحرمة، و قد ذهب اليه بعض، كالمحكيّ عن ظاهر النهاية و المقنعة، الّا أنّه تأوّل الى الكراهة الشديدة؛ لمخالفته لأصول المذهب و قواعده، مضافاً الى أنّه للتذكّر الى عدم التوجّه بما تصدّق به و خلوّ الذهن عنه، و لأنّه وصل اليه، و استرجاعه و لو بنحو الشراء و غيره نحواً من الرجوع اليه. نعم لا بأس بأن يرجع اليه بالميراث، كما يظهر من ذيل الحديث.
(مسألة 9): يكره ردّ السائل و لو ظنّ غناه، بل يعطى و لو شيئاً يسيراً.
الشرح:
تدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو جعفرعليه السلام: أعط السائل و لو كان على ظهر فرس».(1)
و منها صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم قال:
«قال أبو جعفرعليه السلام - في حديث - لو يعلم المعطي ما في العطيّة ما ردّ أحد أحداً».(2)
و منها رواية السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: لاتقطعوا على السائل مسألته، فلولا أنّ المساكين يكذبون ما أفلح من ردّهم».(3)
و منها رواية أبي أسامة زيد الشحّام عن أبي عبداللَّه صلى الله عليه وآله قال:
«ما منع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله سائلاً قطّ، ان كان عنده أعطى و الّا قال: يأتي اللَّه به».(4)
(مسألة 10): يكره كراهة شديدة السؤال من غير احتياج، بل مع الحاجة أيضاً، بل قيل بحرمة الأوّل و لاينبغي ترك الاحتياط، و قد ورد فيه الازعاج الأكيد، ففي الخبر «من سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيّام لقي اللَّه يوم القيامة و ليس على وجهه لحم».
الشرح:
تدلّ على قول المصنّف روايات:
منها رواية عنبسة بن مصعب عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«من سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيّام لقي اللَّه يوم يلقاه و ليس على وجهه لحم».(1)
و منها رواية مالك بن حصين السلولي قال:
«قال أبو عبداللَّه عليه السلام: ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتّى يحوجه اللَّه اليها و يكتب اللَّه له بها النار».(2)
و منها رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: اتّبعوا قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فانّه قال: من فتح على نفسه باب مسألة فتح اللَّه عليه باب فقر».(3)
و هذه الروايات و ان دلّت بظاهرها على حرمة السؤال من غير احتياج الّا أنّها تحمل على الكراهة؛ لضعف سندها.
قد تمّ بعون اللَّه الملك العلّام
المراجعة و استئناف النظر في هذا المجلّد
في شهر شعبان المعظّم سنة 1439 هق
فأسأل اللَّه القبول منّا و ممّن سعى في تنظيم هذا المجلّد
من موسوعة «الهادي» من الطلّاب الأعزّاء
و غيرهم من الأحبّاء
سيّد علي محمّد دستغيب
ابن سيّد علي أكبر