ghaemiyeh.com
سرشناسه : دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلیمحمد، 1313 -
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . شرح
عنوان و نام پديدآور : الهادی الی الطریقه الوسطی فی شرح العروه الوثقی/ لمولفه علیمحمد دستغیب الحسینی الشیرازی.
مشخصات نشر : شیراز: موسسه نشر فلاح، 1433ق.- = -1390
مشخصات ظاهری : ج.
شابک : 17000 ریال: ج. 2، ق. 1 964-7208-14-6 : ؛ 75000 ریال: ج.2،ق.2 چاپ دوم: 978-964-7208-05-7
يادداشت : عربی.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد دوم، 1423ق. = 1380.
يادداشت : ج.2(چاپ دوم:1433ق.=1390).
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : .- ج. 2. ق.1.کتابالحج.-.- ج.2.ق.2. کتابالصوم، کتابالاعتکاف.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. شرح
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع40214 1300ی
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : 5385509
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
محرر الرقمي : روح اله قاسمي
في أنّ الاجارة تمليك عمل أو منفعة بعوض ... 20
فصل في أركانها / 23
«الأوّل»: الايجاب و القبول ... 23
الفرع الأوّل في جريان المعاطاة في الاجارة ... 24
الفرع الثاني في انشاء عقد بلفظ عقد آخر ... 28
«الثاني»: المتعاقدان ... 29
«الثالث»: العوضان ... 36
و يشترط فيهما أمور: الأوّل: المعلوميّة ... 36
الثاني: أن يكونا مقدوري التسليم ... 38
الثالث: أن يكونا مملوكين ... 39
الرابع: أن تكون العين المستأجرة ممّا يمكن الانتفاع بها مع بقائها ... 40
الخامس: أن تكون المنفعة مباحة ... 41
السادس: أن تكون العين ممّا يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها ... 43
السابع: أن يتمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة ... 43
في أنّه لاتصحّ الاجارة اذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها ... 44
في أنّه لاتصحّ اجارة المفلّس بعد الحجر عليه داره أو عقاره ... 46
في أنّه لابدّ من تعيين العين المستأجرة ... 50
في أنّه اذا استأجر دابّة للحمل عليها لابدّ من تعيين ما يحمل عليها ... 53
في أنّ ما كان معلوميّته بتقدير المدّة لا بدّ من تعيينها ... 53
الفرع الأوّل فيما اذا كان بعنوان الجعالة ... 57
الفرع الثاني فيما اذا كان بعنوان الاباحة بالعوض ... 58
فصل في أنّها من العقود اللازمة / 67
في جواز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدّة الاجارة ... 69
الفرع الأوّل فيما اذا كان المشتري جاهلاً بالاجارة ... 71
الفرع الثاني فيما لو فسخ المستأجر الاجارة ... 73
الفرع الثالث فيما اذا انكشف انقضاء مدّة الاجارة ... 75
الفرع الرابع فيما اذا باع البائع العين الى المستأجر ... 77
فيما لو وقع البيع و الاجارة في زمان واحد ... 79
في عدم بطلان الاجارة بموت المؤجر أو المستأجر ... 81
الفرع الأوّل في أنّ الاجارة لاتبطل بموت المؤجر و لا المستأجر ... 81
الفرع الثاني في اجارة العين الموقوفة من البطن السابق ... 85
الفرع الثالث فيما اذا آجر المتولّي للوقف ... 86
الفرع الرابع فيما اذا آجر نفسه للعمل بنفسه فمات ... 88
فيما اذا آجر الولي أو الوصي الصبيّ المولّى عليه ... 89
فيما اذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثمّ أعتقه ... 92
فيما اذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيبا سابقا على العقد ... 94
الفرع الأوّل فيما اذا كان في العين المستأجرة عيب ... 94
الفرع الثاني في مطالبة الأرش و عدمه ... 95
الفرع الثالث فيما لو كان العيب ممّا لاتنقص معه المنفعة ... 98
الفرع الرابع فيما اذا حدث فيها عيب بعد العقد ... 99
الفرع الخامس فيما اذا كانت العين كلّيّة ... 100
فيما اذا أفلس المستأجر بالأجرة ... 101
فيما اذا تبيّن غبن المؤجر أو المستأجر ... 103
في انتفاء خيار المجلس و خيار الحيوان في الاجارة ... 105
فيما اذا آجر عبده أو داره - مثلاً - ثمّ باعه من المستأجر ... 107
فصل في أحكام العوضين / 109
فيما لو استأجر دارا - مثلاً - و تسلّمها و مضت مدّة الاجارة ... 111
فيما اذا بذل المؤجر العين المستأجرة للمستأجر و لم يتسلّم حتّى انقضت المدّة ... 113
فيما اذا تلفت العين المستأجرة قبل قبض المستأجر ... 119
فيما اذا حصل الفسخ في أثناء المدّة بأحد أسبابه ... 121
فيما اذا تلف بعض العين المستأجرة ... 122
فيما اذا آجر دابّة كلّيّة و دفع فردا منها فتلف ... 124
فيما اذا امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة ... 125
فيما اذا منعه ظالم من الانتفاع بالعين قبل القبض ... 126
فيما لو حدث للمستأجر عذر في الاستيفاء ... 127
في التلف السماوي للعين المستأجرة أو لمحلّ العمل ... 129
فيما اذا آجرت الزوجة نفسها بدون اذن الزوج ... 130
في أنّه لايجب تسليم أحدهما الاّ بتسليم الآخر ... 131
الفرع الأوّل في عدم وجوب تسليم المؤجر العين أو العمل الاّ بتسليم المستأجر الأجرة، و بالعكس ... 132
الفرع الثاني في تسليم العمل ... 133
الفرع الثالث فيما لو كان متعلّق العمل موجودا عند الأجير ... 134
الفرع الرابع في حكم تلف العين أو اتلافها ... 137
فيما اذا تبيّن بطلان الاجارة ... 138
في اجارة المشاع ... 141
فرع فيما اذا كان المستأجر جاهلاً بالحال ... 143
في استئجار اثنين دارا على الاشاعة ... 144
في عدم اشتراط اتّصال مدّة الاجارة بالعقد ... 145
فصل في الضمان في الاجارة / 147
في أنّ العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة ... 147
الفرع الأوّل فيما لو شرط المؤجر عليه ضمان العين ... 150
الفرع الثاني في أنّه لا فرق بين كون التلف في أثناء المدّة أو بعدها ... 154
الفرع الثالث في ضمان المستأجر لو كانت الاجارة فاسدة ... 155
في أنّ العين التي للمستأجر بيد المؤجر الذي آجر نفسه لعمل فيها أمانة ... 155
في أنّ المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء في القيميّات ... 157
فيما اذا أتلف الثوب بعد الخياطة ... 160
فيما اذا أفسد الأجير للخياطة أو القصارة أو التفصيل الثوب ... 161
الفرع الأوّل فيما لو كان عمل الأجير بأمر المستأجر ... 165
الفرع الثاني فيما لو مات الولد بسبب الختان ... 165
في أنّ الطبيب المباشر للعلاج اذا أفسد ضامن و ان كان حاذقا ... 166
فرع فيما اذا لم يكن الطبيب مباشرا للعمل ... 168
فيما اذا تبرّأ الطبيب من الضمان و قبل المريض أو وليّه ... 169
فيما اذا عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره ... 170
فيما اذا قال للخيّاط مثلاً: ان كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه، فقطعه فلم يكف ... 172
فيما اذا آجر عبده لعمل فأفسد ... 173
فرع في جناية العبد على النفس أو الطرف ... 175
فيما اذا استأجر سفينة أو دابّة لحمل متاع فنقص أو سرق ... 177
فيما اذا حمل الدابّة المستأجرة أزيد من المشترط ... 178
في أنّه يجوز لمن استأجر دابّة للركوب أن يضربها اذا وقفت على المتعارف ... 179
فيما اذا استؤجر لحفظ متاع فسرق ... 182
فرع في استحقاق الأجرة مع السرقة ... 184
في أنّ صاحب الحمّام لايضمن الثياب الاّ اذا أودع و فرّط أو تعدّى ... 185
فصل في بقيّة أحكام الاجارة / 187
في كفاية كون المؤجر مالكا للمنفعة ... 187
الفرع الأوّل في كفاية كون أمر المنفعة بيد المؤجر ... 188
الفرع الثاني في تسليم العين الى المستأجر الثاني ... 189
الفرع الثالث فيما اذا كانت الاجارة مقيّدة أو مشروطة ... 193
في أنّه يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة ... 195
الفرع الأوّل في جواز الاجارة الثانية بأقلّ ممّا استأجره أو المساوي له ... 195
الفرع الثاني في اجارة الأرض المستأجرة بأكثر ممّا استأجرها ... 196
الفرع الثالث في اجارة المسكن و الدكّان و الأجير بأكثر ممّا استأجره ... 199
الفرع الرابع في اجارة بعض المسكن و الدكّان و الأجير بأكثر ممّا استأجره ... 201
في أنّه اذا تقبّل عملاً يجوز أن يوكّله الى عبده أو صانعه أو أجنبيّ ... 203
الفرع الأوّل في أنّه هل يجوز للأجير أن يوكّل العمل الى غيره أو لا؟ ... 203
الفرع الثاني في استئجار غيره للعمل المستأجر عليه بأقلّ من الأجرة ... 205
في أنّه اذا استؤجر لعمل في ذمّته لا بشرط المباشرة يجوز تبرّع الغير عنه ... 207
في أنّه لايجوز للأجير الخاصّ أن يعمل في تلك المدّة لنفسه أو لغيره ... 208
الفرع الأوّل في اجارة الأجير الخاصّ نفسه باجارة ثانية ... 210
الفرع الثاني فيما لو خالف و أتى بعمل منافٍ لحقّ المستأجر ... 212
الفرع الثالث فيما اذا كانت الاجارة على منفعته الخاصّة للمستأجر ... 214
الفرع الرابع فيما اذا آجر نفسه مباشرة مدّة معيّنة ... 216
في أنّه اذا آجر نفسه لعمل من غير اعتبار المباشرة ... 217
فيما لو استأجر دابّة لحمل متاع معيّن ... 218
فيما لو آجر نفسه للخياطة - مثلاً - في زمان معيّن فاشتغل بالكتابة للمستأجر ... 220
فيما لو آجر دابّته من زيد - مثلاً - فشردت قبل التسليم اليه أو بعده ... 221
فيما اذا آجر سفينته لحمل الخلّ - مثلاً - من بلد الى بلد فحمّلها المستأجر خمرا ... 223
فيما لو استأجر دابّة معيّنة من زيد للركوب الى مكان ... 224
فيما لو آجر نفسه لصوم يوم معيّن عن زيد ... 225
فصل في مسائل متفرّقة / 227
في أنّه لايجوز اجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعير بما يحصل منها ... 227
فرع فيما اذا آجر الأرض بالطعام في الذمّة ... 235
في اجارة حصّة من أرض معيّنة مشاعة ... 237
في استئجار الأرض لتعمل مسجدا ... 238
في استئجار الدراهم و الدنانير ... 240
في استئجار الشجر لفائدة الاستظلال و نحوه ... 242
في الاستئجار لحيازة المباحات كالاحتطاب و الاحتشاش و الاستقاء ... 243
الفرع الأوّل في صحّة هذه الاجارة ... 245
الفرع الثاني فيما اذا قصد المؤجر كون المحوز لنفسه ... 247
الفرع الثالث في الوكالة أو النيابة في الحيازة أو الجعالة عليها أو الأمر بها ... 250
في استئجار المرأة للارضاع بل للرضاع ... 253
فرع في تعيين المرتضع و المرضعة ... 256
فيما اذا كانت المرأة المستأجرة مزوّجة ... 257
فيما لو كانت المرأة خليّة فآجرت نفسها للارضاع ثمّ تزوّج ... 259
في أنّه يجوز للمولى اجبار أمته على الارضاع اجارة أو تبرّعا ... 260
في عدم الفرق في المرتضع بين أن يكون معيّنا أو كلّيّا ... 261
في استئجار الشاة للبنها و الأشجار للانتفاع بأثمارها و الآبار للاستقاء ... 262
في الاجارة لاتيان الواجبات ... 265
في الاجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان مدّة معيّنة عن السرقة و الاتلاف ... 267
في استئجار اثنين للصلاة عن ميّت واحد في وقت واحد ... 268
في الاجارة للنيابة عن الحيّ في الصلاة ... 270
فيما اذا عمل للغير لا بأمره و لا اذنه ... 271
فيما اذا أمر باتيان عمل فعمل المأمور ذلك ... 272
في أنّ كلّ ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يجوز اجارته ... 276
في الاستئجار للحجّ المستحبّي أو الزيارة ... 277
في كون ما يتوقّف عليه استيفاء المنفعة على المؤجر أو المستأجر ... 277
في الجمع بين الاجارة و البيع - مثلاً - بعقد واحد ... 280
الفرع الأوّل فيما اذا كان العوض في البيع مع الاجارة النقدين ... 282
الفرع الثاني فيما اذا كان العوض في الاجارة مع الصلح النقدين ... 284
في استئجار من يقوم بكلّ ما يأمره من حوائجه ... 289
الفرع الأوّل في أنّ نفقة هذا الأجير على نفسه أو على المستأجر؟ ... 289
الفرع الثاني فيما اذا شرط الأجير على أن تكون النفقة على المستأجر ... 292
الفرع الثالث فيما لو أنفق من نفسه أو أنفقه متبرّع ... 294
في استعمال الأجير مع عدم تعيين الأجرة و عدم اجراء صيغة الاجارة ... 295
فيما لو استأجر أرضا مدّة معيّنة فغرس فيها أو زرع ما لايدرك في تلك المدّة ... 298
فصل في التنازع / 301
فيما لو اتّفقا على أنّه أذن للمتصرّف في استيفاء المنفعة ... 304
فيما اذا تنازعا في قدر المستأجر عليه ... 307
فيما اذا تنازعا في ردّ العين المستأجرة ... 309
فيما اذا ادّعى الصائغ أو الملاّح أو المكاري تلف المتاع من غير تعدّ و لا تفريط ... 309
فيما اذا تنازعا في أنّه آجره بغلاً أو حمارا أو آجره هذا الحمار - مثلاً - أو ذاك ... 315
فيما اذا اختلفا في أنّه شرط أحدهما على الآخر شرطا أو لا ... 316
فيما اذا اختلفا في الصحّة و الفساد ... 317
فيما اذا حمل المؤجر متاعه الى بلد فقال المستأجر: استأجرتك على أن تحمله الى البلد الفلاني غير ذلك البلد و تنازعا ... 319
فيما اذا خاط ثوبه قباءً و ادّعى المستأجر أنّه أمره بأن يخيطه قميصا ... 321
في أنّ كلّ من يقدّم قوله في الموارد المذكورة عليه اليمين للآخر ... 322
خاتمة (فيها مسائل) / 323
«الأولى»: خراج الأرض المستأجرة في الأراضي الخراجيّة ... 323
فرع فيما لو شرط أن يكون الخراج على المستأجر ... 325
«الثانية»: لابأس بأخذ الأجرة على قراءة تعزية سيّد الشهداء و سائر الأئمّة عليهم السلام ... 327
«الثالثة»: يجوز استئجار الصبيّ المميّز من وليّه الاجباري أو غيره ... 328
«الرابعة»: اذا بقي في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدّة أصول الزرع ... 330
«الخامسة»: اذا استأجر القصّاب لذبح الحيوان فذبحه على غير الوجه الشرعي ... 332
«السادسة»: اذا آجر نفسه للصلاة عن زيد فاشتبه و أتى بها عن عمرو ... 332
«السابعة»: يجوز أن يؤجر داره - مثلاً - الى سنة بأجرة معيّنة و يوكّل المستأجر في تجديد الاجارة عند انقضاء المدّة ... 333
«الثامنة»: لايجوز للمشتري بيع الخيار بشرط ردّ الثمن للبائع ... 334
«التاسعة»: اذا استؤجر لخياطة ثوب معيّن لا بقيد المباشرة ... 336
«العاشرة»: اذا آجره ليوصل مكتوبه الى بلد كذا الى زيد ... 337
«الحادية عشرة»: اذا كان للأجير على العمل خيار الفسخ ... 338
«الثانية عشرة»: كما يجوز اشتراط كون نفقة الدابّة المستأجرة و العبد و الأجير المستأجرين للخدمة أو غيرها على المستأجر ... 341
«الثالثة عشرة»: اذا آجر داره أو دابّته من زيد اجارة صحيحة بلا خيار له ... 342
«الرابعة عشرة»: اذا استأجر عينا ثمّ تملّكها قبل انقضاء مدّة الاجارة ... 343
«الخامسة عشرة»: اذا استأجر أرضا للزراعة - مثلاً - فحصلت آفة ... 345
«السادسة عشرة»: يجوز اجارة الأرض مدّة معلومة بتعميرها ... 346
«السابعة عشرة»: لابأس بأخذ الأجرة على الطبابة ... 349
«الثامنة عشرة»: اذا استؤجر لختم القرآن لايجب أن يقرأه مرتّبا ... 350
«التاسعة عشرة»: لايجوز في الاستئجار للحجّ البلدي أن يستأجر شخصا من بلد الميّت الى النجف و شخصا آخر من النجف الى مكّة أو الى الميقات ... 352
«العشرون»: اذا استؤجر للصلاة عن الميّت فصلّى و نقص من صلاته بعض الواجباتالغير الركنيّة سهوا ... 353
تتمّة في المسائل المستحدثة من تحرير الوسيلة / 355
السرقفليّة ... 355
فيما لو استأجر محلاًّ للتجارة في مدّة طويلة ... 357
فيما لو استأجر دكّة مثلاً و شرط على المؤجر أن لايزيد على مبلغ الاجارة ... 357
في أنّ للمالك أن يأخذ أيّ مقدار شاء بعنوان السرقفليّة من شخص ... 359
التأمين ... 360
في أنّه يحتاج هذا العقد كسائر العقود الى ايجاب و قبول ... 361
في أنّه يشترط في الموجب و القابل كلّ ما يشترط فيهما في سائر العقود ... 361
في أنّه يشترط في التأمين مضافا الى ما تقدّم أمور ... 362
في صحّة التأمين مع الشرائط المتقدّمة من غير فرق بين أنواعه ... 363
في أنّ التأمين عقد مستقلّ ... 364
في صحّة التأمين بالتقابل ... 365
في صحّة التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح ... 366
فيما لو التزم المؤمّن بدفع اضافة على مبلغ التأمين ... 367
في اعادة التأمين ... 367
الكمبيالات ... 369
في المعاملة بالكمبيالات الصوريّة ... 371
فيما يأخذه البنك أو غيره من المديون عند تأخّر الدفع ... 374
في أنّ الكمبيالات و سائر الأوراق التجاريّة لا ماليّة لها ... 374
في أنّ الأوراق النقديّة لايجري فيها الربا غير القرضي ... 375
في أنّ الأوراق النقديّة لاتتعلّق بها الزكاة و لايجري فيها حكم بيع الصرف ... 376
أعمال البنوك ... 377
في أنّ جميع المعاملات المحلّلة محكومة بالصحّة لو أوقعها مع البنوك ... 378
في الأمانات و الودائع التي يدفعها أصحابها الى البنوك ... 378
فيما لو كان ما يدفعه الى البنك بعنوان الوديعة و الأمانة ... 379
في الجوائز التي يدفع البنك تشويقا للايداع و القرض و نحوهما ... 380
في الاعتمادات المستنديّة ... 381
في أنّ من أعمال البنوك و نحوها الكفالة ... 382
في الحوالات ... 383
في الصكوك البنكيّة ... 384
في أعمال البنوك الرهنيّة ... 385
التلقيح و التوليد الصناعيّان ... 386
في التلقيح بماء غير الزوج ... 387
فيما لو حصل عمل التلقيح بماء غير الزوج و كانت المرأة ذات بعل ... 387
في تزويج المولود لو كان أنثى من صاحب الماء ... 388
في أنّ للتلقيح و التوليد أنواع يمكن تحقّقها في المستقبل ... 389
فيما لو حصل من ماء رجل في رحم صناعيّة ذكر و أنثى ... 390
فيما لو تولّد الذكر و الأنثى من نطفة صناعيّة و رحم صناعيّة ... 390
فيما لو تولّد الطفل لواسطة العلاج قبل مدّة أقلّ الحمل ... 391
قال في المسالك: «الاجارة في اللغة اسم للأجرة، و هي كراء الأجير، لا مصدر آجر يؤجر، فانّ مصدره الايجار، بخلاف باقي العقود، فانّه يعبّر عنه بمصدر الفعل أو باسم المصدر». (1)
و في اجارة الشيخ محمّد حسين الكمباني الاصفهاني: «و هي كما نسب الى أكثر أهل اللغة بمعنى الأجرة. و ظاهر رواية تحف العقول أنّها بمعنى المصدر حيث قال عليه السلام: «و أمّا تفسير الاجارات فاجارة الانسان نفسه أو ما يملك. الخ». و هل هي مصدر لأجر الثلاثي كما عن نجم الأئمّة أو لآجر أو يساوق المؤاجرة كما عن غيره؟ فيه خلاف لايهمّنا البحث عنه». (2)
و في فقه القرآن للراوندي استدلّ على صحّة الاجارة بقوله تعالى: «قالت
احداهما يا أبت استأجره انّ خير من استأجرت القويّ الأمين»(1)، فانّه يدلّ على صحّة الاجارة زائدا على السنّة و الاجماع من أنّ كلّ ما يستباح بعقد العارية يجوز أن يستباح بعقد الاجارة، من اجارة الرجل نفسه و عبيده و داره و عقاره بلا خلاف، و الاستئجار طلب الاجارة، و هي العقد على ما مرّ بالمعاوضة. حكى اللّه تعالى ما قال أبو المرأتين شعيب لموسى عليه السلام: «انّي أريد أن أنكحك احدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج»(2)أي على أن تجعل أجر رعي ماشيتي ثماني سنين صداق ابنتي. (3)
و استشكل المحقّق الأردبيلي في كتاب زبدة البيان فقال: «في هاتين الآيتين دلالة على مشروعيّة الاجارة في الجملة في شرع من قبلنا، و حجّيّتهما عندنا موقوفة على كونه حجّة عندنا و ليس بثابت، و تحقيقه في الأصول، و لايكفي «الأصل عدم النسخ» في دلالتهما عليها عندنا و كون ذلك العقد ممّا يتوقّف عليه حفظ النوع ان تمّ فليس بدليل على دلالتهما عليها بل هو دليل عليها، و في الأخيرة دلالة على جواز جعل المهر عمل الزوج بل جعل نفسه أجيرا و عدم تعيين الزوجة و انعقاده بقوله «أريد أن أنكحك. الآية»، و فيه تأمّل في شرعنا، و دلالة الثانية أخفى. انتهى». (4)
و فيه: صرف الاخبار بذلك في القرآن دليل على مشروعيّة الاجارة في شرعنا، و يؤيّده ما رواه المشايخ الثلاثة عن ابن سنان عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الاجارة، فقال: صالح لابأس به (5)اذا نصح قدر طاقته،فقد آجر موسى عليه السلام نفسه و اشترط، فقال: ان شئت ثماني و ان شئت
عشرا، فأنزل اللّه عزّوجلّ فيه: «أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك»». (1)
و قد ورد أيضا في الكتاب: فان أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ. (2)
و يؤيّده أيضا ما ورد في تفسير النعماني من الخبر عن علي عليه السلام قال:
«و أمّا وجه الاجارة فقوله عزّوجلّ: «نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضا سخريّا و رحمة ربّك خير ممّا يجمعون». فأخبرنا سبحانه أنّ الاجارة أحد معائش الخلق؛ اذ خالف بحكمته بين هممهم و ارادتهم و سائر حالاتهم، و جعل ذلك قواما لمعائش الخلق، و هو الرجل يستأجر الرجل في ضيعته و أعماله و أحكامه و تصرّفاته و أملاكه. الحديث». (3)
قال الشيخ في الخلاف: «كلّما جاز أن يستباح بالعارية جاز أن يستباح بعقد الاجارة. و به قال عامّة الفقهاء الاّ حكاية تحكى عن عبدالرحمن الأصمّ فانّه قال: لايجوز الاجارة أصلاً. دليلنا: الكتاب و السنّة و الاجماع. أمّا الكتاب فقوله تعالى: «فان أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ»، فالاجارة على الرضاع تجوز بلا خلاف - الى أن قال: - و أيضا قوله تعالى: «يا أبت استأجره انّ خير من استأجرت القويّ الأمين. قال انّي أريد أن أنكحك احدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج». و قوله تعالى: «لو شئت لاتّخذت عليه أجرا» لمّا استضافوهم فأبوا. انتهى». (4)
و هي تمليك عمل أو منفعة بعوض و يمكن أن يقال: انّ حقيقتها التسليط على عين للانتفاع بها بعوض، و فيه فصول.
الشرح:
قال في الوسيلة: «الاجارة عقد على منفعة بعوض». (1)
و في السرائر: «و الاجارة عقد معاوضة و هي من عقود المعاوضات اللازمة كالبيع».(2)
وفي الشرائع: «في العقد: و ثمرته تمليك المنفعة بعوض معلوم - الى أن قال: - و الاجارة عقد لازم». (3)
و في المختصر النافع: «و هي تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم و يلزم من الطرفين - الى أن قال: - أن يكون المتعاقدان كاملين». (4)
و في قواعد الأحكام: «و هي عقد ثمرته نقل المنافع بعوض معلوم». (5)
و في اللمعة: «و هي العقد على تمليك المنفعة المعلومة بعوض معلوم». (6)
و في الحدائق: «قد عرّف بعض الأصحاب الاجارة بأنّها عقد ثمرته تمليك المنفعة بعوض معلوم. و عرّفها آخر بأنّها عبارة عن تمليك المنفعة الخاصّة بعوض معلوم، و مرجعه الى أنّها عبارة عن نفس العقد الذي ثمرته ذلك، أو عبارة من التمليك الذي هو الثمرة، و البحث في ذلك لا ثمرة له بعد ظهور المراد». (7)
و في الجواهر: «انّ الأصحّ كونها نقل المنفعة لا العقد و لا الانتقال كما عرفته، و
أحسن تعريف لها أنّها ما شرعت لنقل المنفعة بعوض من آخر ولو حكما». (1)
أقول:
الظاهر أنّ الشارع لم يعرّف ماهيّة الاجارة و اكتفى بنقل شرائطها و أشار بها الى ما يتداول في العرف و ما هو عند العرف التزام الطرفين بالمبادلة أي مبادلة المنفعة بالعوض، فالمؤجر يلتزم بتسليم ملكه الى المستأجر لينتفع من منافعه و المستأجر يلتزم باعطاء العوض في مقابل الانتفاع، و ابراز هذا الالتزام من الطرفين هو عقد الاجارة، فحقيقة الاجارة مبادلة المنفعة بالعوض.
ففي المستند: «انّ كلمة الاجارة كغيرها من ألفاظ العقود مثل البيع و النكاح و نحوهما قد تستعمل في العقد المركّب من الايجاب و القبول، فيقال مثلاً: كتاب البيع، كتاب الاجارة. و لايبعد أن يكون منه قوله تعالى: «أحلّ اللّه البيع» فيراد حلّيّة هذه المعاملة الخاصّة الأعمّ من البيع و الشراء ... و هكذا ما ورد في الأخبار من قوله صلى الله عليه و آله «النكاح سنّتي»، فانّه لايراد خصوص الايجاب، بل عقد الزواج القائم بالطرفين. و الى هذا الاستعمال ينظر تعريف العلاّمة، حيث فسّر الاجارة بأنّها عقد ثمرته نقل المنفعة». (2)
و الشهيد الثاني في شرح قول الشهيد الأوّل في اللمعة: «الاجارة: و هي العقد على تمليك المنفعة المعلومة بعوض معلوم» قال: «فالعقد بمنزلة الجنس يشمل سائر العقود، و خرج بتعلّقه بالمنفعة البيع و الصلح المتعلّق بالأعيان، و بالعوض الوصيّة بالمنفعة، و بالمعلوم اصداقها؛ اذ ليس في مقابلها عوض معلوم و انّما هو البضع. ولكن ينتقض في طرده بالصلح على المنفعة بعوض معلوم، فانّه ليس اجارة بناءً على جعله أصلاً». (3)
ثمّ انّ المصنّف قد عرّف الاجارة ثانيا بأنّه «يمكن أن يقال: انّ حقيقتها التسليط على عين للانتفاع بها بعوض».
ولكن فيه - كما في المستند - : انّ التسليط من آثار الاجارة و الأحكام المترتّبة عليها بعد انعقادها - حيث يجب على المؤجر تسليم العين للمستأجر لينتفع بها - لا أنّه مساوق لمفهومها. مضافا الى أنّه يختصّ بما اذا توقّف استيفاء المنفعة على الاستيلاء على العين و السلطنة عليها دون ما لم يتوقّف، كما في الاجارة على الأعمال من الخياطة، أو الصلاة عن الميّت، و نحو ذلك ممّا كان تسليم العمل بالاتيان به خارجا من غير أيّ تسليط في البين.
و هي ثلاثة: «الأوّل»: الايجاب و القبول، و يكفي فيهما كلّ لفظ دالّ على المعنى المذكور، و الصريح منه: آجرتك أو أكريتك الدار - مثلاً - فيقول: قبلت، أو استأجرت، أو استكريت. و يجري فيها المعاطاة كسائر العقود. و يجوز أن يكون الايجاب بالقول و القبول بالفعل. و لايصحّ أن يقول في الايجاب: بعتك الدار - مثلاً - و ان قصد الاجارة. نعم، لو قال: بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار - مثلاً - بكذا، لايبعد صحّته اذا قصد الاجارة.
الشرح:
يفتقر الاجارة الى الايجاب من قِبل المؤجر و هو كلّ لفظ دلّ على تمليك المنفعة و الصريح منه كما ورد في الروايات: آجرتك أو أكريتك الدار - مثلاً - و القبول من قبل المستأجر و هو كلّ لفظ دلّ على ذلك من قوله: قبلت أو استأجرت أو استكريت.
و في الشرائع: «و يفتقر الى ايجاب و قبول، و العبارة الصريحة عن الايجاب: آجرتك، و لايكفي ملّكتك. أمّا لو قال: ملّكتك سكنى هذه الدار سنة مثلاً، صحّ، و
كذا أعرتك؛ لتحقّق القصد الى المنفعة. و لو قال: بعتك هذه الدار، و نوى الاجارة لم تصحّ، و كذا لو قال: بعتك سكناها سنة؛ لاختصاص لفظ البيع بنقل الأعيان، و فيه تردّد». (1)
و في قواعد الأحكام: «و الايجاب: آجرتك أو أكريتك، و القبول كلّ لفظ يدلّ على الرضا، و لايكفي في الايجاب: ملّكتك، الاّ أن يقول سكنى هذه الدار شهرا مثلاً بكذا. و لاينعقد بلفظ العارية و لا البيع، سواء نوى به الاجارة أو قال: بعتك سكناها سنة؛ لأنّه موضوع لملك الأعيان». (2)
و في اللمعة: «ايجابها آجرتك و أكريتك أو ملّكتك منفعتها سنة. و لو نوى بالبيع الاجارة فان أورده على العين بطل، و ان قال: بعتك سكناها سنة مثلاً، ففي الصحّة وجهان». (3)
فرعان:
يجري في الاجارة المعاطاة، و معناها أن يعطي المؤجر ملكه الى المستأجر بقصد الانتفاع به، و المستأجر يعطي الأجرة بعوض الانتفاع به. و في اجارة الحرّ نفسه فبتسليم نفسه للعمل. و الدليل على جريان المعاطاة في الاجارة و صحّتها هو الدليل على جريانها في البيع، بمعنى أنّ الشارع لم يكن مخترعا في أبواب المعاملات بل أمضى ما كان متداولاً بين الناس في معاملاتهم، و في بعض الموارد منع ممّا كان جاريا في مبادلاتهم و حرّمه و أبطله، كالربا، فانّ الناس قالوا: انّما
البيع مثل الربا(1)فقال اللّه تعالى في جوابهم: و أحلّ اللّه البيع و حرّم الربا(2). و من المعلوم أنّ المعاطاة كان شائعا في زمن الأئمّة عليهم السلامو لم يرد عنهم المنع منها، فيشملها الاطلاقات العامّة كوجوب الوفاء بالعقود، و كذا اطلاقات نفوذ البيع، مثل قوله تعالى: أحلّ اللّه البيع و غيره من أدلّة العقود من الاجارة و غيرها. قال الشيخ الأعظم في المكاسب: «و المشهور بين علمائنا عدم ثبوت الملك بالمعاطاة و ان قصد المتعاطيان بها التمليك، بل لم نجد قائلاً به الى زمان المحقّق الثاني الذي قال به، و لم يقتصر على ذلك حتّى نسبه الى الأصحاب - الى أن قال: - و ذهب جماعة - تبعا للمحقّق الثاني - الى حصول الملك، و لايخلو عن قوّة؛ للسيرة المستمرّة على معاملة المأخوذة بالمعاطاة معاملة الملك في التصرّف فيه بالعتق و البيع و الوط ء و الايصاء و توريثه، و غير ذلك من آثار الملك. و يدلّ عليه أيضا عموم قوله تعالى: و أحلّ اللّه البيع حيث انّه يدلّ على حلّيّة جميع التصرّفات المترتّبة على البيع. بل قد يقال: انّ الآية دالّة عرفا بالمطابقة على صحّة البيع، لا مجرّد الحكم التكليفي، لكنّها محلّ تأمّل. و أمّا منع صدق البيع عليه عرفا فمكابرة - الى أن قال: - فالأولى حينئذ التمسّك في المطلب بأنّ المتبادر عرفا من حلّ البيع، صحّته شرعا. هذا، مع امكان اثبات صحّة المعاطاة في الهبة و الاجارة ببعض اطلاقاتهما، و تتميمه في البيع بالاجماع المركّب. - الى أن قال: - فالخروج عن أصالة عدم الملك المعتضدة بالشهرة المحقّقة الى زمان المحقّق الثاني، و بالاتّفاق المدّعى في الغنية و القواعد هنا، و في المسالك في مسألة توقّف الهبة على الايجاب و القبول مشكل. و رفع اليد عن عموم أدلّة البيع و الهبة و نحوهما المعتضد بالسيرة القطعيّة المستمرّة، و بدعوى الاتّفاق المتقدّم عن المحقّق الثاني،
بناءً على تأويله لكلمات القائلين بالاباحة أشكل». (1)
و فيه كما في المستند: «لاينبغي التأمّل في أنّه لدى الدوران بين ترجيح الشهرة على الأدلّة أو العكس كان المتعيّن هو الثاني». (2)
و استشكل أيضا لعدم صحّة المعاطاة أو عدم افادتها اللزوم بقوله عليه السلام: «انّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام»(3)بتقريب أن يراد من الكلام اللفظ الدالّ على التحليل و التحريم، بمعنى تحريم شيء و تحليله لايكون الاّ بالنطق بهما، فلايتحقّق بالقصد المجرّد عن الكلام، و لا بالقصد المدلول عليه بالأفعال دون الأقوال.
و فيه: انّ تلك الجملة وردت في الكافي و التهذيب بسندهما عن ابن أبي عمير عن يحيى بن الحجّاج عن خالد بن الحجّاج (و في الكافي: خالد بن نجيح) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب، و أربحك كذا و كذا. قال: أليس ان شاء ترك و ان شاء أخذ؟ قلت: بلى. قال: لابأس به، انّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام». (4)
و سندها ضعيف بخالد بن الحجّاج أو خالد بن نجيح. و كذا دلالتها ضعيفة - كما في المستند (5)- ؛ لوضوح عدم كونها في مقام بيان حصر المحلّل و المحرّم في الكلام لتدلّ على اعتبار اللفظ في تحقّق الانشاء و عدم الاجتزاء بالمعاطاة. فمعنى الرواية أنّ الكلام الصادر من الرجل من قول: اشتر هذا الثوب أربحك كذا و كذا، ان كان بعنوان الوعد بحيث لم يكن ملزما بالوفاء فلابأس به، و ان كان
بعنوان البيع و لايمكنه التخلّف منه حرم؛ لاندراجه حينئذ في كبرى بيع شيء قبل أن يملكه.
و هذا المعنى هو الوجه الرابع من الوجوه الأربعة التي احتملها الشيخ الأعظم في المكاسب (1)، فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
و استشكل في جريان المعاطاة في اجارة الأعمال فيما اذا كان الأجير حرّا، من خياطة أو بناء دار أو الصلاة عن الميّت، و نحو ذلك؛ نظرا الى أنّه لاتعاطي من قبل الأجير الاّ بتسليم نفس العمل الذي هو وفاء بالعقد المترتّب على الانشاء، فكيف يكون انشاءً له لتتحقّق به المعاطاة؟ (2)
و خلاصة كلامه أنّ المعاطاة تتحقّق بتبادل المال من الجانبين، فانّ البائع يعطي المتاع في مقابل أخذ الثمن من المشتري و المشتري يعطي الثمن في مقابل أخذ المتاع من البائع فهذا التعاطي يكون انشاء العقد بالفعل. و أمّا في مثل اجارة العمل فلايجري التبادل، فانّ المستأجر يعطي الثمن الى الأجير، فماذا يأخذ في مقابل هذا الثمن لتتحقّق المعاطاة؟ و ان قلت: العمل الذي يعمل بعد ذلك، قلت: انّ العمل يكون وفاءً بالعقد.
و فيه: انّ المعاطاة في كلّ شيء من المعاملات بحسبه، فاذا أعطى المستأجر ثمن خياطة الثوب المعيّن الى الأجير و هو أخذه بقصد ذلك العمل تحقّقت معاطاة اجارة الأجير لخياطة الثوب عند العرف.
ففي الشرائع: «و لو قال: بعتك هذه الدار و نوى الاجارة لم تصحّ، و كذا لو قال: بعتك سكناها سنة؛ لاختصاص لفظ البيع بنقل الأعيان، و فيه تردّد». (1)
و في الجواهر: «الأصحّ العدم لاستهجان العقد بذلك في عرف المتشرّعة كالعكس، أي عقد البيع بلفظ الاجارة». (2)
و في المستمسك: «هذا مبنيّ على عدم جواز انشاء مضامين العقود بالمجازات المستنكرة كما في الجواهر، و دليله غير ظاهر. نعم، صرّح به في الشرائع و غيرها، و عن التذكرة نسبته الى علمائنا. فان تمّ اجماعا كان هو الحجّة و الاّ فاطلاق عمومات الصحّة ينفيه. و دعوى انصرافها عن مثله ممنوعة كدعوى العلم الاجمالي بتقيّد العمومات ببعض الخصوصيّات في العقد، فيسقط الاطلاق عن المرجعيّة. فانّها مدفوعة بلزوم الاقتصار في الخروج عن الاطلاق على القدر المتيقّن، فيتعيّن الرجوع في غيره الى الاطلاق. اللّهمّ الاّ أن يقال: اذا كان المجاز مستنكرا عند العرف لايكون آلة لانشاء العنوان الخاصّ، و لايكون منشأً لاعتباره عندهم، فلا مجال للرجوع الى الاطلاق؛ لأنّه منزّل على ما عند العرف، فلاحظ».(3)
أقول:
اذا قلنا بصحّة المعاطاة في الاجارة، نقول بصحّة الاجارة بأيّ لفظ جرى بين الطرفين بقصد الاجارة. فلو قال: بعتك الدار و قصده من هذا اللفظ تمليك منفعة
الدار، و المستأجر فهم منه هذا المعنى صحّت. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الدليل على صحّة المعاطاة جريانها بمنظر الشارع و عدم ردعه عنها، فاطلاقات البيع و الاجارة تشملها، و أمّا صحّة قول المؤجر: بعتك الدار، الذي يستعمله العرف في البيع و كان استعماله في الاجارة غريبا ففيه اشكال و ان قصد به الاجارة، بل و ان كان هناك قرينة، فشمول مطلقات الاجارة له بعيد. و هكذا يكون الكلام فيما اذا قال: بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار مثلاً بكذا و قصد الاجارة.
«الثاني»: المتعاقدان، و يشترط فيهما البلوغ و العقل و الاختيار و عدم الحجر لفلس أو سفه أو رقّية.
الشرح:
قال في مصباح الفقاهة: «الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في أنّه لايجوز للصبي الاستقلال في التصرّفات في أمواله بدون اذن الولي، و لم يخالف في ذلك أحد فيما نعلم الاّ الحنفيّة فانّهم ذهبوا الى جواز استقلال الصبي في بعض التصرّفات، و الدليل على ذلك مضافا الى عدم الخلاف قوله تعالى: و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم (1)بتقريب أنّه تعالى قد علّق نفوذ تصرّفات الصبي على أمرين: البلوغ و الرشد. و تدلّ على ذلك أيضا الروايات. انتهى ملخّصا». (2)
قال في الشرائع: «لايصحّ بيع الصبي و لا شراؤه ولو أذن له الولي، و كذا لو بلغ عشرا عاقلاً على الأظهر. انتهى». (3)
و في الجواهر: «لايصحّ بيع الصبي اذا لم يكن عاقلاً بالغ العشر سنين و لا
شراؤه بلا خلاف معتدّ به أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه ولو أذن له الولي قبل البيع أو بعده، و كذا لو بلغ عشرا عاقلاً على الأظهر الأشهر بل المشهور بل لاأجد فيه خلافا عدا ما يحكى عن الشيخ - الى أن قال: - فصحّ للفقيه نفي الخلاف في المسألة على الاطلاق بل صحّ له دعوى تحصيل الاجماع على ذلك، كما وقع من بعضهم، بل ربّما كان كالضروري و خصوصا بعد ملاحظة كلام الأصحاب و ارسالهم لذلك ارسال المسلّمات حتّى ترك جماعة منهم الاستدلال عليه اتّكالاً على معلوميّته. فمن الغريب ما وقع للمقدّس الأردبيلي و بعض من تأخّر عنه من الاطناب في تصحيح عقده. بل ربّما كان ظاهر ما استدلّ به على ذلك عدم الفرق بين بلوغه العشر و عدمه». (1)
و في مفتاح الكرامة: «و اشتراط البلوغ هو قضيّة ما في المبسوط و الخلاف أو صريحهما حيث قال فيهما: لايصحّ بيع الصبي و لا شراؤه، أذن له الولي أم لم يأذن (و كذا قال في المختلف) و قضيّة ما في الوسيلة (حيث قال:) يشترط كونهما يعني المتعاقدين نافذي التصرّف في مالهما، و ما في الغنية حيث قال: لاينعقد بيع من ليس بكامل العقل و لا شراؤه و ان أجازه الولي بدليل الاجماع (و يحتجّ) عليهم بما رووه من رفع القلم عن ثلاثة (الحديث) و قضيّة ما في المراسم حيث ذكر في الشرط العامّ أن يكون المبيع ملك البائع أو ملك موكّله أو يكون أبا المالك أو يكون هو صغيرا فانّه يبيع عليه بلا ردّ، انتهى. و صريح الشرائع و النافع و التذكرة و نهاية الإحكام و التحرير و الارشاد و شرحه لولد المصنّف و الدروس و اللمعة و الميسيّة و المسالك و الروضة و غيرها. و قد نسب الى الشيخ تارة و الى بعض الأصحاب أخرى جواز بيعه اذا بلغ عشر سنين و كان عاقلاً». (2)
أقول:
الظاهر من كلمات الفقهاء هنا و في كتاب الحجر أنّه لايمضى تصرّفات الصبي غير المميّز و لايصحّ بيعه و لا سائر معاملاته، و تصرّفاته كالعدم، و المراد من الصبي غير المميّز من لايميّز نفعه و ضرره. و انّما الكلام في معاملات الصبي المميّز الذي يميّز ما هو نفعه و ضرره و ان لم يبلغ الحلم، فهل يصحّ تصرّفاته في ماله بدون اذن الولي؟ فلو لم يجز ذلك، فهل يجوز باذن الولي؟
ذهب المشهور الى عدم صحّة بيع الصبي المميّز و ان أذن له الولي حتّى يبلغ الحلم، و استدلّوا على ذلك بالاجماع أو عدم الخلاف كما تقدّم عن المصباح و الجواهر و محكي التذكرة و غيرها.
و فيه أوّلاً: انّ الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم غير محقّق في المقام، و المتحقّق منه غير كاشف.
و ثانيا: انّه مدركيّ كما سيأتي ما استدلّوا به من الكتاب و السنّة.
أمّا الكتاب فقوله تعالى: و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم (1).
و فيه أوّلاً: انّ الآية بصدد بيان حفظ أموال اليتامى و كمال المواظبة عليها لئلاّتتلف و عدم دفعها الى أحد - الاّ بالشرائط المقرّرة في محلّه - حتّى الى أنفسهم؛ لأنّهم صغار لايعلمون و لايميّزون ضررهم عن نفعهم، فالأمر في الآية ليس تعبّديّا بل هو ارشاد الى زمان يطمئنّ فيه الحافظ لأموال اليتيم بدفعها اليه، و ذلك غالبا عند بلوغه النكاح مع كونه رشيدا. و الظاهر منها أيضا كفاية رشدهم. و عليه لاتدلّ الآية على بطلان معاملات الصبي اذا كان مميّزا رشيدا فضلاً عمّا اذا كان ذلك باذن الولي، و فضلاً عن صرف اجراء العقد آلة أو وكالة.
قال المحقّق الأردبيلي: «الاجماع مطلقا غير ظاهر، و الآية غير صريح الدلالة؛
1) النساء 4:6
لأنّ عدم دفع المال اليهم و عدم الاعتداد باملائهم لايستلزم عدم جواز ايقاع العقد و عدم الاعتبار بكلامهم خصوصا مع اذن الولي و التمييز. انتهى». (1)
و أمّا الروايات فقد رتّبها المصباح على ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: الروايات الدالّة على أنّ أمر الصبي لاينفذ:
منها رواية حمران قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامّة، و تقام عليه، و يؤخذ بها؟ قال: اذا خرج عنه اليتم و أدرك. قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: اذا احتلم، أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر أو أنبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامّة، و أخذ بها و أخذت له. قلت: فالجارية، متى تجب عليها الحدود التامّة و تؤخذ بها و يؤخذ لها؟ قال: انّ الجارية ليست مثل الغلام، انّ الجارية اذا تزوّجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم، و دفع اليها مالها، و جاز أمرها في الشراء و البيع، و أقيمت عليها الحدود التامّة، و أخذ لها بها. قال: و الغلام لايجوز أمره في الشراء و البيع و لايخرج من اليتم، حتّى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك». (2)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا بلغت الجارية تسع سنين دفع اليها مالها، و جاز أمرها في مالها، و أقيمت الحدود التامّة لها و عليها». (3)
و منها رواية أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سأله أبي - و أنا حاضر - عن اليتيم: متى يجوز أمره؟ قال: حتّى يبلغ أشدّه. قال: و ما أشدّه؟ قال: احتلامه. قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقلّ أو أكثر و لم يحتلم. قال: اذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره الاّ أن يكون سفيها أو ضعيفا». (1)
و فيه: ما أجاب عنها الشيخ الأعظم في المكاسب، فانّه قال: «لكنّ الانصاف أنّ جواز الأمر في هذه الروايات ظاهر في استقلاله في التصرّف؛ لأنّ الجواز مرادف للمضي، فلاينافي عدمه ثبوت الوقوف على الاجازة كما يقال: بيع الفضولي غير ماضٍ، بل موقوف». (2)
الطائفة الثانية ما دلّ على رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم، كرواية ابن ظبيان قال:
«أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي عليه السلام: أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ». (3)
و فيه ما أجاب به المصباح: «انّ ارتفاع قلم التكليف عن الصبي لاينافي الالتزام بصحّة العقود و الايقاعات الصادرة منه، بل انّ رفع القلم عن الصبي لايدلّ على أزيد من رفع الزامه بشخصه مادام صبيّا، فهو لايدلّ على رفع الزام البالغين بفعله أو على الزامه بفعله بعد بلوغه، كما هو الحال في جنابته أو في اتلاف مال غيره».(4)
الطائفة الثالثة ما دلّ على أنّ عمد الصبي و خطأه واحد، فمنها ما دلّ على
ذلك مطلقا من غير أن يكون مقيّدا بشيء، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«عمد الصبي و خطأه واحد». (1)
و منها ما دلّ على الحكم المزبور مقيّدا بكون دية الجناية الصادرة من الصبي خطأ على عاقلته، كرواية اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:
«عمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة». (2)
و منها ما دلّ على هذا الحكم مع قيد آخر، و هو رفع القلم عن الصبي، كرواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام:
«أنّه كان يقول في المجنون المعتوه الذي لايفيق، و الصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة، و قد رفع عنهما القلم». (3)
فاقتضاء عمد الصبي خطأً هو عدم الاعتناء بصيغ العقود و الايقاعات الصادرة منه، كما لايترتّب الأثر عليها اذا صدرت من البالغين نسيانا أو غفلة أو في حالة النوم أو خطأً.
و فيه ما أجاب به المصباح، فخلاصته أنّ مورد هذه الطائفة من الروايات الجنايات، فكما أنّها اذا صدرت من الجاني خطأً فديتها على عاقلته، فانّها اذا صدرت من الصبي عمدا يكون كما صدر عنه خطأً فديته على عاقلته. (4)
فاتّضح أنّ شيئا من الأمور المذكورة لاتدلّ على بطلان معاملات الصبي اذا كان رشيدا و كان باذن وليّه و ان لم يبلغ الحلم، فضلاً عمّا اذا كان وكيلاً في اجراء
العقد.
ففي المستمسك: «لكنّ المتيقّن من دلالة النصوص عدم صحّة عقد الصبي على وجه الاستقلال، لا عدم الصحّة و ان أذن له الولي». (1)
و أمّا العقل، فلا كلام في عدم اعتبار ما يفعله المجنون و كلامه حال جنونه، فلايصحّ عقده لنفسه أو لغيره؛ لعدم قصده المعتبر في العقد، و لايصحّ مبادلاته لذلك. و هذا ممّا لا اشكال فيه.
و أمّا الاختيار، فمن أكره و أجبر على بيع ماله أو اجارته أو اجارة نفسه فلايصحّ؛ لقوله عليه السلام:
«لايحلّ مال امرئ مسلم الاّ بطيبة نفس منه». (2)
و لحديث الرفع، و لغيرهما ممّا هو مذكور في محلّه. و أمّا بالنسبة الى الغير، فلو أكره على اجراء العقد وكالة عن الغير، فان كان بحيث يعدّ مسلوب الارادة و القصد فلايصحّ، و أمّا ان لم يكن كذلك فلا دليل على عدم الصحّة؛ لأنّه من حيث انتسابه الى المكره بالفتح فلا أثر له، و من حيث انتسابه الى المكره بالكسر فالمفروض رضاه.
و أمّا الحجر لفلس، فبالنسبة الى ما هو محجور عنه من أمواله فلايجوز و لايصحّ، و أمّا بالنسبة الى اجارة نفسه فلا حجر، و كذا في اجراء العقد وكالة عن الغير.
و أمّا الحجر لسفه، فبالنسبة الى ماله فلايصحّ بيعه و اجارته؛ لأنّه محجور، و أمّا بالنسبة الى نفسه فلا دليل على المنع، و كذا بالنسبة الى الغير.
و أمّا الحجر لرقّية، فالعبد محجور عن ماله بدون اذن سيّده، و كذا اجارة نفسه، و أمّا العقد وكالة عن الغير فلا منع.
«الثالث»: العوضان، و يشترط فيهما أمور:
الأوّل: المعلوميّة، و هي في كلّ شيء بحسبه بحيث لايكون هناك غرر، فلو آجره دارا أو حمارا من غير مشاهدة و لا وصف رافع للجهالة بطل. و كذا لو جعل العوض شيئا مجهولاً.
الشرح:
ففي الشرائع: «الشرط الثاني: أن تكون الأجرة معلومة بالوزن أو الكيل فيما يكال أو يوزن ليتحقّق انتفاء الغرر. و قيل: تكفي المشاهدة، و هو حسن». (1)
و في الجواهر (2)أضاف الى الوزن و الكيل العدّ فيما يعدّ، و قال بأنّ ذلك الشرط لانتفاء الغرر و الجهالة المبطلة بالاجماع كما في المختلف، مضافا الى ما في المسالك عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه نهى عن الغرر مطلقا المنجبر ضعفه بعمل الأصحاب. و قال بأنّ المشاهدة كافية اذا ارتفع بها الجهالة و الغرر عرفا لا مطلقا.
و في المختلف: «قال الشيخ في المبسوط: «مال الاجارة يصحّ أن يكون معلوما بالمشاهدة و ان لم يعلم قدره». و منع ابن ادريس من ذلك. و قول الشيخ في النهاية يدلّ عليه، فانّه قال: «لاتصحّ الاجارة الاّ بأجل معلوم و مال معلوم؛ لأنّه غرر و النبي صلى الله عليه و آله نهى عن الغرر». احتجّ الشيخ «بأصالة الصحّة، و لأنّ الغرر منفيّ؛ لحصول العلم بالمشاهدة». و الجواب: الأصل مدفوع بالجهالة، فانّها مبطلة بالاجماع و هي متحقّقة هنا؛ اذ قد عهد في عرف الشرع أنّ المكيل و الموزون انّما تصحّ المعاوضة عليهما بعد علمهما بالكيل و الوزن، و لم يكتف الشارع بالمشاهدة في البيع، و لا علّة لذلك سوى الجهالة، و هي مانعة في الاجارة». (3)
قال المحقّق الشيخ محمّد حسين الاصفهاني: «في معرفة الأجرة اذا كانت من
المكيل أو الموزون بالكيل و الوزن، و ليعلم أنّ مانعيّة الجهالة بما هي لا دليل عليها حتّى في البيع، و مانعيّة الغرر في البيع و ان كانت منصوصة بقوله عليه السلام «نهى النبي صلى الله عليه و آله عن بيع الغرر»، و انجباره بعمل الأصحاب غير معلوم الاّ بملاحظة أنّهم يمنعون عن الغرر مطلقا مع أنّه لا مدرك له الاّ هذا المرسل فيظنّ باستنادهم اليه، مع امكان استفادة المناط من نهي النبي صلى الله عليه و آله عن بيع الغرر و عدم خصوصيّته في نظرهم للبيع، كما أنّ أدلّة اعتبار الكيل و الوزن مختصّة بالبيع، فلا موجب لاسرائه الى غيره مع ارتفاع الغرر بالمشاهدة. انتهى ملخصا». (1)
أقول:
قد تقدّم أنّ الشارع لم يعرّف ماهيّة الاجارة و اكتفى بنقل شرائطها و أشار بها الى ما يتداول في العرف و ما هو عند العرف التزام الطرفين بمبادلة المنفعة بعوض. و من المعلوم أنّ ما هو الشائع بين العقلاء في الاجارة هو المنفعة المعلومة بعوض معلوم، فاذا كانت المنفعة مجهولة أو العوض مجهولاً لم يكن عندهم الاجارة المتعارفة. و ما لم يكن عند العرف اجارة لم يمضه الشارع أيضا و لاتشمله أحكام الاجارة؛ فلابدّ في الاجارة من معلوميّة ما هو مورد الاجارة و معلوميّة العوض، و هي في كلّ شيء بحسبه، من المشاهدة أو الوصف، و في العوض من الكيل و الوزن و العدّ و غيرها بما تزول الجهالة.
و يمكن أن يستدلّ لهذا الشرط بما ورد من نهي النبي صلى الله عليه و آله عن بيع الغرر بناءً على عدم الفرق بين البيع و الاجارة و سائر المعاملات.(2)و بما رواه الصدوق من النبوي من أنّه صلى الله عليه و آله نهى عن الغرر. (3)
و ان كانت كلتاهما ضعيفتين الاّ أنّهما منجبرتان بعمل المشهور.
و في المستند: «و يمكن الاستدلال على ذلك في خصوص الاجارة بما رواه الشيخ باسناده عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبّلها، فأيّ وجوه القبالة أحلّ؟ قال: يتقبّل الأرض من أربابها بشيء معلوم الى سنين مسمّاة فيعمّر و يؤدّي الخراج. الخ»، فانّ قوله «بشيء معلوم» قرينة على ارادة الاجارة من القبالة، دون المزارعة؛ اذ لا معلوميّة فيها، و انّما يكون تقبّل الأرض فيها بازاء الكسر المشاع من النماء، و قد دلّت على اعتبار معلوميّة المدّة كمعلوميّة الأجرة، فهي واضحة الدلالة على اعتبار العلم بهما في صحّة الاجارة. و أمّا السند فالظاهر أنّه معتبر. انتهى ملخّصا». (1)
الثاني: أن يكونا مقدوري التسليم، فلاتصحّ اجارة العبد الآبق، و في كفاية ضمّ الضميمة هنا كما في البيع اشكال.
الشرح:
قال في الشرائع: «من الشرائط: أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها، فلو آجر عبدا آبقا لم تصحّ، و لو ضمّ اليه شيء و فيه تردّد». (2)
و في اللمعة و شرحها: «و أن يكون مقدورا على تسليمها، فلاتصحّ اجارة الآبق؛ لاشتمالها فيه على الغرر، و ان ضمّ اليه شيئا متموّلاً أمكن الجواز، كما يجوز في البيع». (3)
أقول:
الظاهر أنّ هذا الشرط أي كون المنفعة و العوض مقدوري التسليم ممّا
لا اشكال فيه و لا خلاف. و الدليل عليه أنّ الاجارة عند العرف التزام الطرفين بمبادلة المنفعة المعلومة بعوض معلوم، فالمؤجر يلتزم بتسليم ملكه أو نفسه الى المستأجر لينتفع من منافعه و المستأجر يلتزم باعطاء العوض في مقابل الانتفاع. فلو لم يكن المؤجر متمكّنا من تسليم المنفعة أو المستأجر من تسليم العوض فلاتتحقّق الاجارة. و استدلّ أيضا باستلزامه الغرر كما تقدّم في الشرط السابق.
و في كفاية ضمّ الضميمة هنا وجهان: من أنّه يجوز في الاجارة، كما يجوز في البيع لا بالقياس، فانّا لانقول به، بل لدخولها في الحكم بطريق أولى؛ لأنّ الاجارة تتحمّل من الغرر ما لايتحمّله البيع. و من فقد النصّ المجوّز هنا فيقتصر فيه على مورده و هو البيع، و الأولويّة ممنوعة. و الأوجه الثاني؛ لما تقدّم من ماهيّة الاجارة عند العرف، و ما ورد خلاف ذلك يختصّ بمورده.
ففي المستند: «و بما أنّ الحكم مخالف للقاعدة لتعلّق الانشاء بوقوع الثمن بازاء المجموع، فتخصيصه - في فرض عدم القدرة - بالبعض تعبّد محض، فلا جرم يقتصر على مورد قيام النصّ و هو بيع العبد الآبق، فلايتعدّى الى بيع غيره كالفرس الشارد فضلاً عن التعدّي الى غير البيع كالاجارة؛ للزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على مورد الدليل». (1)
الثالث: أن يكونا مملوكين، فلاتصحّ اجارة مال الغير و لا الاجارة بمال الغير الاّ مع الاجازة من المالك.
الشرح:
قال في اللمعة و شرحها: «و لابدّ في صحّة الاجارة على وجه اللزوم من كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو لمولاّه و هو من يدخل تحت ولايته ببنوّة أو وصاية أو
1) مستند العروة 37:30.
حكم، سواء كانت مملوكة له بالأصالة، كما لو استأجر العين فملك منفعتها بالأصالة لا بالتبعيّة للعين، ثمّ آجرها، أو أوصي له بها، أو بالتبعيّة لملكه للعين». (1)
و في الجواهر: «الثالث: أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو لمن هو فضول عنه - كما ستعرف - أو نائب عنه لوكالة أو ولاية بلا خلاف أجده فيه، بل هو من الواضحات؛ ضرورة عدم تحقّق المعاوضة في غير المملوكة، و لا ممّا يكون المؤجر و المستأجر فيها على حدّ سواء، كمنافع الأعيان المباحة. نعم، لا فرق في المنافع المملوكة امّا أن تكون تبعا لملك العين أو منفردة كالعين الموصى بمنفعتها. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
قد تقدّم أنّ الاجارة عبارة عن مبادلة المؤجر منفعة ملكه أو نفسه بمال المستأجر. فالملكيّة للمنفعة و للعوض من ماهيّة الاجارة، فلو لم يكونا مملوكين لم تكن اجارة. و في صحّة اجارة ما لم يملكه المؤجر أو المستأجر أو كلاهما فضوليّة عن المالك اذا تعقّبها الاجازة منه و سيأتي في المسألة الأولى.
الرابع: أن تكون العين المستأجرة ممّا يمكن الانتفاع بها مع بقائها، فلاتصحّ اجارة الخبز للأكل مثلاً و لا الحطب للاشتعال، و هكذا.
الشرح:
ففي اللمعة: «و كلّما يصحّ الانتفاع به مع بقاء عينه تصحّ اعارته و اجارته و ينعكس في الاجارة كلّيّا دون الاعارة؛ لجواز اعارة المنحة، مع أنّ المقصود منها و
هو اللبن لاتبقى عينه، و لاتصحّ اجارتها لذلك». (1)
و في الجواهر: «و كلّ ما صحّ اعارته من حيث كونه عينا ينتفع به مع بقائه صحّ اجارته بلا خلاف أجده فيه نقلاً و تحصيلاً بل اجماعا كذلك؛ لما تقدّم في العارية من أنّ العين المستعارة هي كلّ ما يصحّ الانتفاع به مع بقاء عينه، كالثوب و الدابّة و نحوهما، و ذلك بعينه مورد الاجارة عرفا - الى أن قال: - لا شيء ممّا لاتصحّ اعارته لعدم كونه عينا ينتفع بها تصحّ اجارته، بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل الاجماع بقسميه عليه». (2)
أقول:
قد مرّ مرارا أنّ الاجارة عبارة عن تمليك المنفعة من جانب المؤجر بعوض معلوم من جانب المستأجر فقوامها بقاء العين ليمكن الاستفادة منها، فلو لم تكن العين باقية كاجارة الخبز للأكل و الحطب للاشتعال و الماء للشرب أو الدرهم للصرف، و نحو ذلك ممّا يتوقّف الانتفاع به على اعدام العين فلا اجارة. ففي الحقيقة يعدّ هذا الأمر من مقوّمات الاجارة لا من شرائطها كما في المستند. (3)
الخامس: أن تكون المنفعة مباحة، فلاتصحّ اجارة المساكن لاحراز المحرّمات، أو الدكاكين لبيعها أو الدوابّ لحملها، أو الجارية للغناء، أو العبد لكتابة الكفر، و نحو ذلك، و تحرم الأجرة عليها.
الشرح:
ففي اللمعة و شرحها: «و لابدّ من كون المنفعة مباحة، فلو استأجره لتعليم كفر
أو غناء و نحوه من المعلومات الباطلة أو حمل مسكر بطل العقد، و يستثنى من حمل المسكر الخمر بقصد الاراقة أو التخليل، فانّ الاجارة لهما جائزة». (1)
و في الجواهر: «الشرط الخامس أن تكون المنفعة مباحة، فلو آجره مسكنا ليحرز فيه خمرا أو دكّانا ليبيع فيه آلة محرّمة أو أجيرا ليحمل له مسكرا أو جارية للغناء أو كاتبا ليكتب له كفرا و نحوه لم تنعقد الاجارة، و ربّما قيل بالتحريم و انعقاد الاجارة؛ لامكان الانتفاع في غير المحرّم، و الأوّل أشبه؛ لأنّ ذلك لم يتناوله العقد كما تقدّم الكلام في ذلك كلّه في باب المكاسب». (2)
أقول:
قد فصّل في ذلك في المكاسب، و ملخّصه أنّ بيع العنب لمن يعمله خمرا ليس بمحرّم الاّ أن يكون البائع و المشتري مشتركين في تخمير العنب حتّى يكونا متعاونين على الاثم فيشملهما قوله تعالى: و لاتعاونوا على الاثم و العدوان (3)، و هكذا يكون اجارة المسكن أو الدكّان ليباع فيه الخمر، أو الأجير ليحمل له مسكرا للبيع أو الجارية للغناء أو الكاتب ليكتب له كفرا و نحوه، فالاجارة في ذلك كلّه حرام و باطل، و ذلك لانصراف اطلاق مثل «أوفوا بالعقود» عن الاجارة المحرّمة كما هو واضح.
ففي المستند: «انّ أدلّة صحّة العقود و وجوب الوفاء بها قاصرة عن الشمول للمقام؛ اذ لايراد من صحّة العقد مجرّد الحكم بالملكيّة، بل التي تستتبع الوفاء و يترتّب عليها الأثر من التسليم و التسلّم الخارجي، فاذا كان الوفاء محرّما و التسليم ممنوعا فأيّ معنى بعد هذا للحكم بالصحّة؟ أفهل تعاقدا على أنّ المنفعة تتلف بنفسها من غير أن يستوفيها المستأجر، أم هل ترى جواز الحكم بملكيّة منفعة لابدّ
من تفويتها و اعدامها و ليس للمؤجر تسليمها للمستأجر لينتفع بها؟». (1)
السادس: أن تكون العين ممّا يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها، فلاتصحّ اجارة أرض للزراعة اذا لم يمكن ايصال الماء اليها مع عدم امكان الزراعة بماء السماء أو عدم كفايته.
الشرح:
اذا لم يتمكّن المستأجر من أن ينتفع بما استأجره فلاتصحّ الاجارة؛ لأنّ الاجارة متقوّمة بتمليك المنفعة المعلومة بعوض معلوم، فاذا لم يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها لاتكون هناك منفعة، فأحد طرفي الاجارة معدوم، فأكل المال حينئذ أكل بالباطل؛ لأنّه ليس بازائه شيء، و مثالها كما في المتن.
و في المستند: «لعدم تعلّق الملكيّة بمنفعة غير قابلة للتحقّق خارجا حتّى تقع موردا للتمليك المعتبر في مفهوم الاجارة، ففي الحقيقة يعدّ هذا من مقوّمات الاجارة لا من شرائطها. انتهى». (2)
السابع: أن يتمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة، فلاتصحّ اجارة الحائض لكنس المسجد مثلاً.
الشرح:
هذا أيضا كسابقه فلاتصحّ اجارة الحائض لكنس المسجد لعدم تمكّن المستأجر من الانتفاع بها لحرمة دخولها المسجد. و الفرق بين هذا و سابقه أنّ السابق لم تكن في العين المستأجرة، المنفعة المقصودة، كاجارة أرض للزراعة مع
عدم وجود الماء، فمنفعة الأرض للزراعة منوطة بالماء، فاذا لم يكن ماء فلا منفعة للأرض. و أمّا هنا فالمنفعة موجودة و هي فعل الكنس، فلايكون الكنس حراما ليكون مشمولاً للشرط الخامس، ولكن دخول الحائض في المسجد حرام فلايجوز للمستأجر اجبارها على الدخول و الاّ فعل حراما، فحينئذ لايتمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة لاستلزامه فعل الحرام، فهو ممنوع منها شرعا.
و في المستند: «و الصحيح في وجه هذا الاشتراط ما تقدّم في نظيره في الشرط الخامس من عدم قبول هذه المعاملة للامضاء بالأدلّة العامّة؛ لأنّها ان كانت ممضاة على النحو الذي أنشئت - أي بصفة الاطلاق المستلزم لتجويز دخول الحائض المسجد - لزم منه الترخيص في المعصية وفاءً بالعقد و هو كما ترى ... و أمّا اذا كان انشاؤها معلّقا على تقدير العصيان و دخول المسجد لزم منه التعليق المجمع على بطلانه في العقود. و الحاصل أنّ صحّة العقد تستلزم الوفاء به؛ اذ لا معنى للحكم بصحّة الاجارة في المقام و مع ذلك تمنع عن دخول المسجد الى أن تتلف المنفعة شيئا فشيئا، فانّ هذا لا محصّل له. انتهى ملخّصا». (1)
(مسألة 1): لاتصحّ الاجارة اذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها الاّ مع الاجازة اللاحقة، بل الأحوط عدم الاكتفاء بها، بل تجديد العقد اذا رضيا. نعم، تصحّ مع الاضطرار، كما اذا طلب منه ظالم مالاً فاضطرّ الى اجارة دار سكناه لذلك، فانّها تصحّ حينئذ، كما أنّه اذا اضطرّ الى بيعها صحّ.
الشرح:
قال في اللمعة و شرحها: «و لو آجر الفضولي فالأقرب الوقوف على الاجازة،
1) مستند العروة 44:30 و 45.
كما يقف غيرها من العقود و خصّها بالخلاف؛ لعدم النصّ فيها بخصوصه، بخلاف البيع، فانّ قصّة عروة البارقي مع النبي صلى الله عليه و آله في شراء الشاة تدلّ على جواز بيع الفضولي و شرائه، فقد يقال باختصاص الجواز بمورد النصّ و الأشهر توقّفه على الاجازة مطلقا». (1)
و في الشرائع: «و لو آجر غير المالك تبرّعا، قيل: تبطل، و قيل: وقفت على اجازة المالك، و هو حسن». (2)
أقول:
لاتصحّ الاجارة اذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها، و ذلك لما تقدّم من أنّ الاجارة عرفا و شرعا عبارة عن تمليك المنفعة من جانب المؤجر في مقابل ما يملّكه المستأجر بعنوان العوض، و لا معنى للتمليك اذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها، و لايشملها الأدلّة العامّة مثل «تجارة عن تراضٍ» لعدم الرضا، و «أوفوا بالعقود» لانصرافه عن العقد الذي وقع مع الاكراه و الاجبار، و عليه لايجوز لكلّ منهما التصرّف فيما وصل اليه من الطرف الآخر؛ لقوله عليه السلام:
«لايحلّ مال امرئ مسلم الاّ بطيبة نفس منه». (3)
ثمّ انّه لو أجاز المكره عليها فالظاهر صحّتها، و ذلك لوجود الرضا و عدم دليل صريح على مقارنة العقد و الرضا؛ لاطلاق قوله تعالى: «لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ» و كون الرضا كاشفا أو ناقلاً، فالبحث فيه موكول الى محلّه. و أمّا احتياط المصنّف فلوجود النصّ في البيع و النكاح و عدمه في الاجارة و لذهاب بعضهم الى المنع. و لو قلنا في الاجارة بالأولويّة لاهتمام الشارع بالنكاح فلايلزمنا الاحتياط و ان كان حسنا لوجود الاختلاف.
و أمّا اذا اضطرّ الى اجارة ملكه كما اذا كان مقروضا فاضطرّ الى اجارة دار سكناه لأداء دينه فلا اشكال في صحّتها؛ لوقوعها عن اختياره و رضاه. و كذا فيما اذا طلب منه ظالم مالاً فاضطرّ الى اجارة دار سكناه، و ذلك لأنّ الاكراه من الظالم لم يتعلّق بنفس العقد و الاجارة ليرتفع أثره، بل بأمر آخر و هو مطالبة المال. و أمّا الاجارة فقد صدر منه باختياره ليدفع عن نفسه شرّ الظالم. بل لو قلنا بفسادها لحديث الرفع مثلاً فقد وقع في ضيق آخر و هو خلاف الامتنان، فانّ حديث الرفع للامتنان على الأمّة.
(مسألة 2): لاتصحّ اجارة المفلّس بعد الحجر عليه داره أو عقاره. نعم، تصحّ اجارته نفسه لعمل أو خدمة. و أمّا السفيه فهل هو كذلك، أي تصحّ اجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجورا عن اجارة داره مثلاً أو لا؟ وجهان: من كونه من التصرّف المالي و هو محجور، و من أنّه ليس تصرّفا في ماله الموجود بل هو تحصيل للمال، و لاتعدّ منافعه من أمواله، خصوصا اذا لم يكن كسوبا. و من هنا يظهر النظر فيما ذكره بعضهم من حجر السفيهة من تزويج نفسها، بدعوى أنّ منفعة البضع مال، فانّه أيضا محلّ اشكال.
الشرح:
قال في الجواهر: «لا خلاف بين الأصحاب في أنّه يمنع من التصرّف ابتداءً في المال الموجود حال الحجر. و عن ظاهر الخلاف و كذا الغنية الاجماع على منعه من التصرّف بماله، بما يبطل حقّ الغرماء. نعم، لايمنع ممّا لم يكن تصرّفا فيه، كالنكاح و الطلاق و القصاص و العفو عنه و الاقرار بالنسب و نحو ذلك ممّا هو ليس تصرّفا في المال و ان استلزم بعضها ذلك كالمؤونة في الاقرار بالنسب و نحوه. كما لايمنع من التصرّف المحصّل للمال كالاحتطاب و الاصطياد، و أولى منهما قبول الوصيّة و الاتّهاب، و الشراء بثمن في الذمّة و القرض و نحوها، ممّا هو
مصلحة للغرماء، بناءً على تعلّق حقّهم بها أيضا، فتدخل حينئذ في الحجر، لكن قد يشكل بأصالة عدم تعلّق الحجر بها؛ اذ الثابت من تعلّقه بالأموال القاصرة حال الحجر لا غيرها. انتهى ملخّصا». (1)
و في المستمسك في ذيل كلام المصنّف «نعم، تصحّ اجارته نفسه لعمل أو خدمة» قال: «لأنّه ليس تصرّفا في ماله الموجود، بل هو تصرّف في نفسه، و منافعه ليست موضوعة لحقّ الغرماء كي يمنع عن التصرّف فيها، فاجارة نفسه للاحتطاب و الاصطياد و نحوهما ممّا لايمنع المفلّس عنه». (2)
أقول:
الذي لا خلاف و لا اشكال فيه و يدلّ عليه ظاهر الروايات هو أنّه اذا كان المديون ماطلاً في أداء دينه و لم يكن معسرا فرفع الديّان أمره الى الحاكم فالحاكم يجبره على أداء دينه، فان امتنع فيحبسه، فهو مجبور بأداء دينه. و أمّا أنّه محجور فيما يرجع الى نفسه فلا؛ فيجوز له اجارة نفسه و لايكون محجورا فيما يكتسبه بالاجارة و ان كان يجب عليه أداء دينه ان كان زائدا على نفقة نفسه و عياله.
قال في الحدائق: «انّ ما اشتهر في كلام الأصحاب بل الظاهر أنّه لا خلاف فيه من كون المفلّس يجب الحجر عليه كما يجب على الصبي و السفيه و المجنون، لم أقف فيه على نصّ واضح كما ورد في الثلاثة المذكورة من الآيات و الروايات. و الذي وقفت عليه موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «كان أميرالمؤمنين عليه السلام يحبس الرجل اذا التوى على غرمائه، ثمّ يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فيقسمه بينهم، يعني ماله». و نحوها رواية غياث بن ابراهيم و غيرهما - الى أن قال: - و انّما الوارد عنهم كما عرفت انّما هو قسمة ماله بالحصص اذا رفع الأمر
اليه، و هذا حكم على حدة و الحجر حكم على حدة، و الأحكام الشرعيّة توقيفيّة مقصورة على ما ورد عنهم عليهم السلام. - الى أن قال: - و كذا لايمنع من التصرّفات المتعلّقة بغير المال كنكاح المرأة بنفسها، و الرجل أيضا بشرط عدم ايقاع العقد على المال الممنوع، و كالطلاق و اللعان و الخلع، و استيفاء القصاص و العفو عنه، و لا عن كسب المال مثل قبول الوصيّة، و قبول الهبة، و الاحتشاش و الاحتطاب. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
ففي رواية غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه:
«أنّ عليّا عليه السلام كان يفلّس الرجل اذا التوى على غرمائه، ثمّ يأمر به فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فقسم بينهم - يعني ماله».(2)
فمن هذه الرواية و نحوها يستفاد تحقّق الحجر عليه بشروط أربعة، كما في الشرائع: «الأوّل أن تكون ديونه ثابتة عند الحاكم. الثاني أن تكون أمواله قاصرة عن ديونه، و يحتسب من جملة أمواله معوّضات الديون. الثالث أن تكون حالّة. الرابع أن يلتمس الغرماء أو بعضهم الحجر عليه. و لو ظهرت أمارات الفلس لم يتبرّع الحاكم بالحجر، و كذا لو سأل هو الحجر. و اذا حجر عليه تعلّق به منع التصرّف؛ لتعلّق حقّ الغرماء». (3)
أمّا السفيه، ففي الشرائع: «فهو الذي يصرف أمواله في غير الأغراض الصحيحة. فلو باع و الحال هذه لم يمض بيعه. و كذا لو وهب أو أقرّ بمال. نعم، يصحّ طلاقه و ظهاره و خلعه و اقراره بالنسب و بما يوجب القصاص؛ اذ المقتضي
للحجر صيانة المال عن الاتلاف. و لايجوز تسليم عوض الخلع اليه. و لو وكّله أجنبيّ في بيع أو هبة جاز؛ لأنّ السفه لم يسلبه أهليّة التصرّف. و لو أذن له الولي في النكاح جاز. و لو باع فأجاز الولي فالوجه الجواز؛ للأمن من الانخداع». (1)
أمّا اجارة نفسه فالظاهر أنّها غير جائزة الاّ باذن وليّه، و ذلك لأنّ الظاهر من قوله عليه السلام في رواية أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ «اذا بلغ و كتب عليه الشيء (و نبت عليه الشعر) جاز أمره الاّ أن يكون سفيها أو ضعيفا» و كذا معتبرة عبداللّه بن سنان و مثلها رواية أخرى عنه، كون السفيه محتاجا الى وليّ يتولاّه، كما في الصبي.
و أمّا الاستدلال عليه بأنّه لايجوز له التصرّف في أمواله فمدفوع بأنّ عمله ليس مالاً فعلاً. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّه و ان لم يكن مالاً فعلاً الاّ أنّه مال بالقوّة. و فيه: انّه خلاف ظاهر الدليل.
ففي المستند: «محجوريّة السفيه نشأت عن قصور في ذاته من أجل سفاهته و خفّة عقله و ضعف ادراكه الموجب لتلف المال و تبذيره و صرفه في غير محلّه جهلاً منه بالمصلحة و المفسدة، و هذه العلّة تشترك فيها الأموال و الأعمال. هذا مضافا الى روايتي عبداللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام المستفاد منها عدم جواز أمره الاّ باذن الولي، فانّ جواز الأمر مطلق يشمل المال و العمل. انتهى ملخّصا». (2)
ثمّ اعلم أنّه يجوز للمرأة التي قد ملكت نفسها تزويجها بغير وليّ الاّ أن تكون سفيهة، فجواز تزويجها منوط باذن وليّها؛ لما في صحيحة الفضلاء - لصحّة طريق الصدوق الى بعض هؤلاء - عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولّى عليها تزويجها
بغير وليّ جائز». (1)
حيث تضمّنت تقييد المرأة التي ملكت نفسها بكونها غير سفيهة.
(مسألة 3): لايجوز للعبد أن يؤجر نفسه أو ماله أو مال مولاه الاّ باذنه أو اجازته.
الشرح:
لأنّه محجور عن التصرّف في ماله و مال مولاه بل عن نفسه؛ فانّ العبد و ما يملكه كان لمولاه. نعم، اذا أجاز مولاه جاز له أن يؤجر نفسه أو ماله أو مال مولاه على نحو اجازته.
(مسألة 4): لابدّ من تعيين العين المستأجرة، فلو آجره أحد هذين العبدين أو احدى هاتين الدارين لم يصحّ. و لابدّ أيضا من تعيين نوع المنفعة اذا كانت للعين منافع متعدّدة. نعم، تصحّ اجارتها بجميع منافعها مع التعدّد فيكون المستأجر مخيّرا بينها.
الشرح:
قد تقدّم أنّ من شرائط العوضين معلوميّة المنفعة و العوض، فلا موضوعيّة لتعيين العين المستأجرة الاّ من حيث كونها لازمة لتعيين المنفعة. فلو آجره احدى هاتين الدارين لم يصحّ ان كانتا متفاوتتين في المنفعة. نعم، اذا كانت العينان متساويتين من جميع الجهات كالسيّارتين مثلاً فيصحّ أن يؤجر احداهما.
و لابدّ أيضا من تعيين نوع المنفعة اذا كانت للعين منافع متعدّدة، و الاّ كانتالمنفعة مجهولة. نعم، اذا آجرها بجميع منافعها مع التعدّد صحّت، فيكون
1) وسائل الشيعة 20 267 / الباب 3 من أبواب عقد النكاح / الحديث 1.
المستأجر مخيّرا بينها. كما اذا آجر دابّة يتمكّن من حمل المتاع عليها و من حمل نفسه و من الاستفادة منها في السقاية للزراعة و غيرها، فانّ المستأجر يتخيّر بينها اذا لم يمكن الاستفادة من جميعها في مدّة معيّنة كما هو فرض المسألة.
(مسألة 5): معلوميّة المنفعة امّا بتقدير المدّة كسكنى الدار شهرا و الخياطة يوما، أو منفعة ركوب الدابّة الى زمان كذا، و امّا بتقدير العمل كخياطة الثوب المعلوم طوله و عرضه و رقّته و غلظته، فارسيّة أو روميّة، من غير تعرّض للزمان. نعم، يلزم تعيين الزمان الواقع فيه هذا العمل كأن يقول: الى يوم الجمعة مثلاً. و ان أطلق اقتضى التعجيل على الوجه العرفي. و في مثل استئجار الفحل للضراب يعيّن بالمرّة و المرّتين، و لو قدّر المدّة و العمل على وجه التطبيق فان علم سعة الزمان له صحّ، و ان علم عدمها بطل، و ان احتمل الأمران ففيه قولان.
الشرح:
ففي الشرائع: «أن تكون المنفعة معلومة، امّا بتقدير العمل كخياطة الثوب المعلوم، و امّا بتقدير المدّة كسكنى الدار، أو العمل على الدابّة مدّة معيّنة. و لو قدر المدّة و العمل، مثل أن يستأجره ليخيط هذا الثوب في هذا اليوم، قيل: يبطل؛ لأنّ استيفاء العمل في المدّة قد لايتّفق، و فيه تردّد». (1)
و في الجواهر في ذيل قول المصنّف «كخياطة الثوب المعلوم» قال: «طوله و عرضه و غلظته و رقّته، فارسيّة أو روميّة من غير تعرّض للزمان، و امّا بتقدير المدّة كسكنى الدار شهرا».
و في قوله «أو العمل على الدابّة مدّة معيّنة» قال: «و الخياطة المعلومة يوما منغير تعرّض لمقدار العمل، فانّ كلاًّ منهما ترتفع بها الجهالة عرفا التي هي المدار
1) شرائع الاسلام 2 : 182.
في المنع و عدمه فيندرج حينئذ فاقدها في عموم الأدلّة و خصوصها».
و في قوله «و لو قدّر المدّة و العمل ... » قال: فلا ريب في الصحّة مع العلم بسعة المدّة لذلك، كما لا ريب في الفساد مع العلم بالقصور للعجز عن العمل المفروض».(1)
أقول:
المدار في تعيين معلوميّة المنفعة هو العرف، و التعيين في كلّ شيء بحسبه، فقد تكون معلوميّة المنفعة بتقدير المدّة و قد تكون بتقدير العمل و قد تكون بكليهما كما مثّل به في المتن و الشرائع و الجواهر.
ثمّ انّه لو قدّر المدّة و العمل على وجه التطبيق فتارة علم سعة الزمان له فلا اشكال فيه؛ للقدرة على تسليم العمل. و أخرى علم عدم سعة الزمان له، فهذا باطل؛ لعدم القدرة على تسليم العمل التي كانت من شرائط صحّة الاجارة. و ثالثة احتمل الأمران، كما لو استؤجر على ختم القرآن في عشر ساعات و لايدري هل في وسعه ذلك أم لا، فبالنتيجة يشكّ في قدرته لتسليم المنفعة، ففي الصحّة و البطلان قولان، و يرجّح الصحّة ان كان انشاء الاجارة معلّقا على القدرة بأن قال: استأجرتك على أن تختم القرآن في عشر ساعات ان قدرت، و ان لم تقدر ففي أكثر منها. و يرجّح البطلان ان كان الانشاء على سبيل الاطلاق و لم يكن هناك انصراف. اللّهمّ الاّ أن يقال بالصحّة و للمستأجر خيار تخلّف الشرط لو لم يسلّمه في المدّة المعيّنة.
(مسألة 6): اذا استأجر دابّة للحمل عليها لابدّ من تعيين ما يحمل عليها
1) جواهر الكلام 27: 261.
بحسب الجنس ان كان يختلف الأغراض باختلافه، و بحسب الوزن ولو بالمشاهدة و التخمين ان ارتفع به الغرر، و كذا بالنسبة الى الركوب لابدّ من مشاهدة الراكب أو وصفه كما لابدّ من مشاهدة الدابّة أو وصفها حتّى الذكوريّة و الأنوثيّة ان اختلفت الأغراض بحسبهما. و الحاصل أنّه يعتبر تعيين الحمل و المحمول عليه و الراكب و المركوب عليه من كلّ جهة يختلف غرض العقلاء باختلافها.
ما ذكره قدس سره في هذه المسألة و ما بعدها الى المسألة العاشرة متعلّق بمعرفة العوضين الذين تقدّم لزوم تعيّنهما على وجه يرتفع الغرر و الجهالة، فراجع و لاحظ.
(مسألة 7): اذا استأجر الدابّة لحرث جريب معلوم فلابدّ من مشاهدة الأرض أو وصفها على وجه يرتفع الغرر.
(مسألة 8): اذا استأجر دابّة للسفر مسافة، لابدّ من بيان زمان السير من ليل أو نهار، الاّ اذا كان هناك عادة متّبعة.
(مسألة 9): اذا كانت الأجرة ممّا يكال أو يوزن لابدّ من تعيين كيلها أو وزنها و لاتكفي المشاهدة، و ان كانت ممّا يعدّ لابدّ من تعيين عددها، و تكفي المشاهدة فيما يكون اعتباره بها.
(مسألة 10): ما كان معلوميّته بتقدير المدّة لابدّ من تعيينها شهرا أو سنة أو نحو ذلك. و لو قال: آجرتك الى شهر أو شهرين، بطل. و لو قال: آجرتك كلّ شهر بدرهم - مثلاً - ففي صحّته مطلقا أو بطلانه مطلقا أو صحّته في شهر و بطلانه في الزيادة، فان سكن فأجرة المثل بالنسبة الى الزيادة أو الفرق بين التعبير المذكور و بين أن يقول: آجرتك شهرا بدرهم، فان زدت فبحسابه،بالبطلان في الأوّل و الصحّة في شهر في الثاني، أقوال أقواها الثاني، و ذلك لعدم تعيين المدّة
الموجب لجهالة الأجرة، بل جهالة المنفعة أيضا، من غير فرق بين أن يعيّن المبدأ أو لا، بل على فرض عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة أخرى، الاّ أن يقال: انّه حينئذ ينصرف الى المتّصل بالعقد. هذا اذا كان بعنوان الاجارة. و أمّا اذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه؛ لأنّه يغتفر فيها مثل هذه الجهالة، و كذا اذا كان بعنوان الاباحة بالعوض.
الشرح:
قال في المختلف: «قال الشيخ في النهاية و المفيد في المقنعة: «اذا قال: آجرتك كلّ شهر بكذا، و لم يعيّن لم تنعقد الاجارة الاّ على شهر واحد، و كان ما زاد عليه يلزمه فيه أجرة المثل». و قال في الخلاف: «اذا قال آجرتك هذه الدار كلّ شهر بكذا كانت اجارة صحيحة»، و أطلق. و الظاهر أنّ مراده في شهر واحد؛ لأنّه قال في المبسوط: «اذا قال: آجرتك كلّ شهر بكذا كان صحيحا؛ لأنّ الشهر معلوم. و قيل: يبطل؛ لأنّه أضافه الى مجهول، فمن قال: يصحّ قال: يلزمه أجرة شهر واحد، و ما زاد عليه فأجرة المثل». و قال ابن الجنيد: «و لابأس أن يستأجر الدار كلّ شهر بكذا و كلّ يوم بكذا و لايذكر نهاية الاجارة، و لو ذكرها عشرين سنة و أقلّ و أكثر جاز ذلك». و قال ابن ادريس: «الذي تقتضيه أصول المذهب أنّ ذلك لايجوز و لايلزم المسمّى، بل الجميع يستحقّ أجرة المثل؛ لأنّه ما عيّن أجرة المدّة»، و هو الأقوى. لنا أنّ شرط الصحّة ان كان منتفيا انتفت الصحّة، و المقدّم حقّ فالتالي مثله، و الشرطيّة ظاهرة. و بيان صحّة المقدّم أنّ العلم بقدر المنفعة شرط في الصحّة اجماعا، و هي هنا انّما تعلم بالمدّة، و المدّة مجهولة فتجهل المنفعة، و لايلزم من مقابلة كلّ جزء من أجزاء المدّة المجهولة بعوض معلوم صيرورة المدّة بأجمعها معلومة و لا العوض معلوما. احتجّ الشيخان بأنّ التقدير: آجرتك هذا
الشهر بدرهم و كذا ما بعده دائما. و الجواب: المنع من ذلك. انتهى». (1)
و في الحدائق: «ذهب ابن ادريس و العلاّمة في المختلف و الشهيد في المسالك و غيرهم الى البطلان مطلقا؛ لجهالة العوضين المقتضية للغرر؛ لأنّ العوض هنا المجموع، و هو مجهول، و انّما عليه أجرة المثل فيما سكن؛ لعدم صحّة الاجارة. و القول الثاني - و هو صحّة الاجارة في شهر و البطلان في الباقي و له أجرة المثل ان سكن - منقول عن الشيخين في المقنعة و النهاية، و به صرّح في اللمعة و الشرائع و غيرهم، و الوجه فيه أنّ الشهر معلوم و كذا أجرته، فلا مانع من الصحّة فيه. نعم، يبطل الزائد لعدم انحصاره في وجه معيّن، و أنّ الاجرة تابعة له. و القول الثالث - و هو الصحّة مطلقا - للمحقّق الأردبيلي و ابن الجنيد؛ لأنّ اشتراط العلم بحيث يمنع من هذا غير معلوم، و لا ضرر و لا غرر؛ اذ كلّما جلس شهرا يعطي ذلك، و نصفه في نصفه، و على هذا. و هو جيّد، و وجهه معلوم ممّا قدّمناه في سابق هذه المسألة من الأخبار المذكورة. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
تارة تفرض معلوميّة المدّة التي تقع فيها الاجارة، ككون السكنى سنة واحدة - مثلاً - كلّ شهر بدرهم، و هذا ممّا لا اشكال في صحّته؛ اذ المنفعة عندئذ معلومة كالأجرة، و الظاهر أنّه لم يستشكل فيه أحد؛ لمعلوميّة العوضين من دون أيّ غرر أو جهالة في البين.
و أخرى تقع الاجارة على سبيل الاطلاق، كما لو آجر الدار الى آخر زمان يمكن الانتفاع بها كلّ شهر بدرهم، و العبد مادام حيّا كلّ يوم بدرهم، فالاجارة في هذه الصورة باطلة لمكان الجهالة، كما تقدّم في الشرط الأوّل من معلوميّة
العوضين.
و ثالثة كانت مدّة الاجارة متردّدة كما لو قال «آجرتك الى شهر أو شهرين» فالاجارة باطلة أيضا؛ لجهالة المنفعة بعد فرض التردّد ولو كانت الأجرة معلومة.
و رابعة لو قال «كلّ شهر بدرهم» أو قال «آجرتك شهرا بدرهم فان زدت فبحسابه» فتصحّ الاجارة بالنسبة الى الشهر الأوّل؛ لصدق المعلوميّة عرفا، و تبطل بالنسبة الى غيره؛ لمكان الجهالة، فان سكن الدار في بقيّة الشهور فأجرته أجرة المثل.
و في الجواهر بعد تصديق قول المصنّف بالصحّة في الشهر الأوّل و أنّه مطابق لأصول المذهب و قواعده التي منها «أوفوا بالعقود» و اطلاقات الاجارة و صدق المعلوميّة عرفا بالنسبة الى الشهر، و فحوى صحيح أبي حمزة قال: «ولكن مع ذلك فالثاني (البطلان مطلقا) هو الأقوى ولو مع فرض اتّصال الشهر؛ للجهالة المزبورة التي ينقطع بها الاطلاق المزبور و نحوه. و دعوى كون المراد من ذلك عرفا هذا الشهر بدرهم، و كلّ شهر تسكنه كذلك، فلا جهالة فيه حينئذ بالنسبة الى الشهر يدفعها - بعد التسليم تنزيل مثل هذا الاطلاق على الاتّصال المقتضي لذلك - أنّ أدلّة الجهالة تقضي بفساد العقد بمجرّد الجهالة في مورده، ولو في الجملة. الخ ما قال». (1)
و فيه مضافا الى ما قال في تصديق القول بالصحّة: انّ الحاكم بالجهالة و غيرها العرف، و هو كما اعترف به نفسه قائل بمعلوميّة العوضين بالنسبة الى الشهر الأوّل.
1) جواهر الکلام 27: 235.
فرعان:
ففي الجواهر: «أمّا لو فرض بوجه يكون كالجعالة بأن يقول الساكن مثلاً: «جعلت لك على كلّ شهر أسكنه درهما» لم يبعد الصحّة؛ لعدم اعتبار العلم فيها أزيد من ذلك». (1)
و فيه: انّ هذا لاينطبق على ما هو المعهود من عنوان الجعالة، فانّ الجعالة تتقوّم بأمرين: فرض عمل محترم من شخص، و جعل الباذل شيئا على نفسه بازاء هذا العمل، فيقول - مثلاً - : «من ردّ عليّ ضالّتي فله عليّ كذا». و في المقام لايتحقّق ذلك، بل الذي يتحقّق هو أخذ المؤجر شيئا بازاء ما يستوفيه المستأجر من المنافع.
و في المستند: «الظاهر أنّ الماتن قدس سره يريد بذلك أنّ المالك يجعل شيئا على نفسه و هو المنفعة لمن يعمل له عملاً و هو بذل الدرهم - مثلاً - فيجعل منفعة الدار لمن أعطاه الدرهم، فالذي يلتزم به الجاعل - و هو المؤجر - تسليم المنفعة، و الذي يصدر من العامل هو دفع الدرهم، فالعمل هو اعطاء الدرهم، و الجعل هو منفعة الدار، و لا ريب أنّ الاعطاء المزبور عمل محترم». (2)
و في تعليقة النائيني رحمه الله: «حيث لا خفاء في تقوّم الجعالة بأن يكون تعيين الجعل و الالتزام به ممّن يبذله دون الطرف الآخر و أن يكون بازاء عمل محترم دون منافع الأموال، فكون المعامله المذكورة أجنبيّة عنها ظاهر». (3)
و كيف كان، فكما تقدّم، انّ الاجارة بالنسبة الى الشهر الأوّل صحيحة و بالنسبة
الى الشهور الأخر باطلة فعليه أجرة المثل ان سكن الدار.
ففي الجواهر: «كما أنّه لم يبعد الصحّة لو جعل من قبيل الاباحات بأعواض معلومة، تلزم بالتلف كما في نظائر ذلك من الأعيان و المنافع، و اللّه أعلم». (1)
و في المستند: «انّ المالك مسلّط على ماله، فله أن يبيح سكنى الدار مشروطا بدفع هذا المقدار، و لايسوغ التخطّي عمّا سمّاه للزوم الجري على طبق اذنه و رضاه. لكن ناقش فيه الشيخ الأستاذ قدس سره في الهامش بأنّه ما لم يفرض وقوع عقد صحيح لايتعيّن المسمّى في العوضيّة، بل يكون ما أباحه مضمونا بالمثل أو القيمة، فيضمن الساكن في المقام أجرة المثل لا ما عيّنه من المسمّى. و فيه: انّ هذا انّما يتّجه لو أريد عوضيّة المسمّى على نحو الملكيّة بأن يكون الطرف المبيح مالكا لهذا العوض و مطالبا ايّاه على حدّ مطالبة الملاّك أموالهم في باب المعاوضات، فانّ هذه المالكيّة لاتكاد تتحقّق الاّ بعد افتراض وقوع عقد صحيح كما أفاده قدس سره، الاّ أنّ الكلام لم يكن في ذلك بل في تصحيح هذه المعاملة على وجه يصحّ للطرف الآخر السكنى منوطا بدفع المسمّى، و هذا المقدار لايتوقّف على ما ذكره قدس سره من فرض العقد الصحيح، بل يكفي فيه ما عرفته في تفسير الاباحة. نعم، في صورة الاباحة و كذا ما تقدّم من الجعالة ليس في البين أيّ الزام أو التزام من أيّ الطرفين، فليس للمالك أن يجبر الساكن بالسكنى، كما ليس للساكن الزام المالك بذلك. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
ما ذهب رحمه الله اليه في تصحيح هذه المعاملة وجيه الاّ أنّه بشرط رضى الطرفين بمعنى أنّ بعض الملاّك لو رأى أنّ عقد الاجارة كان باطلاً لم يرض بالاباحة، و حينئذ لو علم ذلك بعد أشهر يطالبه بأجرة المثل. و الظاهر أنّ فرضه ذلك فيما تراضيا بينهما.
(مسألة 11): اذا قال: «ان خطت هذا الثوب فارسيّا أي بدرز فلك درهم، و ان كان خطته روميّا أي بدرزين فلك درهمان» فان كان بعنوان الاجارة بطل؛ لما مرّ من الجهالة، و ان كان بعنوان الجعالة كما هو ظاهر العبارة صحّ، و كذا الحال اذا قال: «ان عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان و ان عملته في الغد فلك درهم»، و القول بالصحّة اجارةً في الفرضين ضعيف، و أضعف منه القول بالفرق بينهما بالصحّة في الثاني دون الأوّل. و على ما ذكرناه من البطلان فعلى تقدير العمل يستحقّ أجرة المثل، و كذا في المسألة السابقة اذا سكن الدار شهرا أو أقلّ أو أكثر.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو قال: ان خطته فارسيّا فلك درهم و ان خطته روميّا فلك درهمان، صحّ. و لو قال: ان عملت هذا العمل في اليوم فلك درهمان، و في غد درهم، فيه تردّد أظهره الجواز». (1)
و في الجواهر: «لو قال: ان خطته فارسيّا أي بدرز فلك درهم و ان خطته روميّا أي بدرزين فلك درهمان، فالظاهر بطلان الاجارة كما اختاره جماعة منهم ابن ادريس على ما حكي عنه؛ للابهام المنافي للملكيّة في المعاوضات، لكن في
1) شرائع الاسلام 2: 181.
اللمعة و محكي المبسوط و غيرها الصحّة. نعم، صحّ جعالة؛ لاطلاق أدلّتها المقتضي لاغتفار مثل هذه الجهالة. و لو قال: ان عملت هذا في اليوم فلك درهمان و في غد درهم فالاجارة باطلة أيضا. انتهى ملخّصا». (1)
و في المختلف: «قال الشيخ في الخلاف: «اذا استأجره لخياطة ثوب و قال: ان خطت اليوم فلك درهم و ان خطت في الغد فلك نصف درهم، صحّ العقد فيهما، فان خاطه في اليوم الأوّل كان له الدرهم، فان خاطه في الغد كان له نصف درهم؛ لأنّ الأصل جواز ذلك، و المنع يحتاج الى دليل، و قوله عليه السلام «المؤمنون عند شروطهم». و في أخبارهم ما يجري مثل هذه المسألة بعينها منصوصة، و هي أن يستأجر منه دابّة على أن يوافي به يوما بعينه على أجرة معيّنة، فان لم يواف به ذلك اليوم كانت أجرتها أقلّ من ذلك، و انّ هذا جائز، و هذه مثلها بعينها سواء». و قال في المبسوط: «صحّ العقد فيهما، فان خاطه في اليوم الأوّل كان له الدرهم، و ان خاطه في الغد كان له أجرة المثل، و هو ما بين الدرهم و النصف، و لاينقص من النصف الذي سمّي و لايبلغ الدرهم». و هذا الذي اختاره في المبسوط هو قول أبي حنيفة. و قال ابن ادريس: يبطل العقد. و هو الحقّ. لنا: انّه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم و التأخير فلم يصحّ، كما لو قال: بعتك بدرهم نقدا و بدرهمين نسيئة. و لأنّه مجهول فلايصحّ، و لأنّ الاجارة لم توجب شيئا معيّنا. و قول الشيخ بالأصل ممنوع؛ اذ يترك لقيام معارض. و فرق بين صورة النزاع و صورة النقل؛ لأنّ صورة النقل أوجب عليه أن يوافي به في يوم بعينه، و شرط ان لم يفعل أن ينقص من أجرته شيئا، و صورة النزاع لم يوجب عليه شيئا معيّنا، فتطرّقت الجهالة اليه، بخلاف الأوّل. و تفصيل الشيخ في المبسوط ضعيف؛ لأنّ العقد ان صحّ فله المسمّى، و ان بطل فله أجرة المثل، و يكون وجوده كعدمه،
1) جواهر الكلام 27: 236.
كسائر العقود الباطلة». (1)
و قال نحو ذلك فيما اذا استأجره لخياطة ثوب و قال «ان خطته روميّا فلك درهم، و ان خطته فارسيّا فلك نصف درهم». (2)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف من صحّة الاجارة في المسألتين هو الأقوى؛ لقوّة دليله، و ما أورد عليه العلاّمة غير وارد، فهذا القول عند العرف ليس مجهولاً و هو بمنزلة عقدين عندهم، و كذا لا فرق بين صورة النزاع و صورة النقل و هي كما قال الشيخ مثلها بعينها.
(مسألة 12): اذا استأجره أو دابّته ليحمله أو يحمل متاعه الى مكان معيّن في وقت معيّن بأجرة معيّنة كأن استأجر منه دابّة لايصاله الى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان، و لم يوصله، فان كان ذلك لعدم سعة الوقت و عدم امكان الايصال، فالاجارة باطلة، و ان كان الزمان واسعا و مع هذا قصّر و لم يوصله، فان كان ذلك على وجه العنوانيّة و التقييد لم يستحقّ شيئا من الأجرة؛ لعدم العمل بمقتضى الاجارة أصلاً، نظير ما اذا استأجره ليصوم يوم الجمعة فاشتبه و صام يوم السبت. و ان كان ذلك على وجه الشرطيّة، بأن يكون متعلّق الاجارة الايصال الى كربلاء، ولكن اشترط عليه الايصال في ذلك الوقت، فالاجارة صحيحة و الأجرة المعيّنة لازمة، لكن له خيار الفسخ من جهة تخلّف الشرط، و معه يرجع الى أجرة المثل. و لو قال: و ان لم توصلني في وقت كذا فالأجرة كذا، أقلّ ممّا عيّن أوّلاً، فهذا أيضا قسمان: قد يكون ذلكبحيث يكون كلتا الصورتين - من
الايصال فى ذلك الوقت، و عدم الايصال فيه - موردا للاجارة، فيرجع الى قوله «آجرتك بأجرة كذا ان أوصلتك في الوقت الفلاني، و بأجرة كذا ان لم أوصلك في ذلك الوقت» و هذا باطل؛ للجهالة، نظير ما ذكر في المسألة السابقة من البطلان ان قال: «ان عملت في هذا اليوم فلك درهمان. الخ». و قد يكون مورد الاجارة هو الايصال في ذلك الوقت و يشترط عليه أن ينقص من الأجرة كذا على فرض عدم الايصال، و الظاهر الصحّة في هذه الصورة؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» و غيره، مضافا الى صحيحة محمّد الحلبي. و لو قال: «ان لم توصلني فلا أجرة لك» فان كان على وجه الشرطيّة بأن يكون متعلّق الاجارة هو الايصال الكذائي فقط و اشترط عليه عدم الأجرة على تقدير المخالفة صحّ، و يكون الشرط المذكور مؤكّدا لمقتضى العقد، و ان كان على وجه القيديّة بأن جعل كلتا الصورتين موردا للاجارة الاّ أنّ الصورة الثانية بلا أجرة يكون باطلاً، و لعلّ هذه الصورة مراد المشهور القائلين بالبطلان دون الأولى، حيث قالوا: و لو شرط سقوط الأجرة ان لم يوصله لم يجز.
الشرح:
اذا استأجره أو دابّته ليحمله أو يحمل متاعه الى مكان معيّن في وقت معيّن بأجرة معيّنة كأن استأجر منه دابّة لايصاله الى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان و لم يوصله، فالمصنّف صوّر المسألة سبع صور:
الأولى: كان عدم الايصال لعدم سعة الوقت و عدم امكان الايصال، فالاجارة باطلة.
الثانية: كان الزمان واسعا و مع هذا قصّر و لم يوصله، و كان ذلك على وجه العنوانيّة و التقييد، فلايستحقّ شيئا من الأجرة؛ لعدم العمل بمقتضى الاجارة أصلاً.
الثالثة: الصورة الثانية ولكن كان ذلك على وجه الشرطيّة بأن يكون متعلّق
الاجارة الايصال الى كربلاء ولكن اشترط عليه الايصال في ذلك الوقت، فالاجارة صحيحة و الأجرة المعيّنة لازمة فله خيار الفسخ، فان فسخ يرجع الى أجرة المثل.
الرابعة: لو قال: «و ان لم توصلني في وقت كذا فالأجرة كذا» أقلّ ممّا عيّن أوّلاً، نظير ما ذكر في المسألة السابقة، فهذا أيضا باطل؛ للجهالة.
الخامسة: و قد يكون مورد الاجارة هو الايصال في ذلك الوقت و يشترط عليه أن ينقص من الأجرة كذا على فرض عدم الايصال، و الظاهر الصحّة في هذه الصورة.
السادسة: لو قال: «ان لم توصلني فلا أجرة لك» على وجه الشرطيّة صحّت الاجارة.
السابعة: الصورة السادسة يكون قوله «و ان لم توصلني فلا أجرة لك على وجه القيديّة» بأن جعل كلتا الصورتين موردا للاجارة الاّ أنّه في الصورة الثانية بلا أجرة فالاجارة باطلة.
أقول:
ففي الصورة الأولى الاجارة باطلة؛ لفقدان شرط الصحّة، فانّ من شرائطها أن يكون العوضان مقدوري التسليم، فهنا لم يقدر المؤجر على ايصال المستأجر الى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان. نعم، لو كان غرض المستأجر الايصال الى كربلاء الاّ أنّه لدرك فضيلة الزيارة المخصوصة شرط عليه الايصال في ذلك الوقت فالظاهر صحّة الاجارة و للمستأجر الخيار.
و في الثانية لو كان الوقت المعيّن في الاجارة للايصال الى كربلاء على نحو القيديّة و العنوانيّة بحيث لو فات ذلك الوقت لم يحصل غرضه فلايستحقّ المؤجر شيئا من الأجرة؛ لعدم العمل بمقتضى الاجارة أصلاً بتقصيره و تفويت المنفعة على المستأجر.
و في الثالثة: - كما في المتن - الاجارة صحيحة فله خيار الفسخ، فان فسخ
فللأجير أجرة المثل، و الاّ فله الأجرة المسمّاة.
أمّا الصورة الرابعة فقد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الأظهر صحّتها؛ لعدم الجهالة أو الابهام في الاجارة.
و الصورة الخامسة أيضا صحيحة؛ لموثّقة محمّد الحلبي قال:
«كنت قاعدا الى قاضٍ و عنده أبو جعفر عليه السلام جالس، فجاءه رجلان فقال أحدهما: انّي تكاريت ابل هذا الرجل ليحمل لي متاعا الى بعض المعادن فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا و كذا لأنّها سوق أخاف أن يفوتني، فان احتبست عن ذلك حططت من الكراء لكلّ يوم احتبسته كذا و كذا، و أنّه حبسني عن ذلك اليوم كذا و كذا يوما، فقال القاضي: هذا شرط فاسد، وفّه كراه. فلمّا قام الرجل أقبل اليّ أبو جعفر عليه السلام فقال: شرطه هذا جائز ما لم يحطّ بجميع كراه». (1)
الصورة السادسة: لو قال: «ان لم توصلني فلا أجرة لك» على وجه الشرطيّة صحّت الاجارة و فسد الشرط، كما دلّ عليه مفهوم صحيحة محمّد الحلبي المتقدّمة آنفا. فانّ الظاهر أنّ مفهوم قوله عليه السلام فيها: «شرطه هذا جائز ما لم يحطّ بجميع كراه» هو بطلان الشرط و صحّة الاجارة، و على المستأجر الأجرة المسمّاة.
الصورة السابعة: لو قال: هذا على وجه القيديّة بأن جعل كلتا الصورتين موردا للاجارة الاّ أنّه في الصورة الثانية بلا أجرة ففي هذه أيضا الاجارة صحيحة، فلو أوصله فله الأجرة المسمّاة، و ان لم يوصله فلا أجرة له كما تقدّم في الصورة الثانية؛ لعدم العمل بمقتضى الاجارة بتقصيره و تفويت المنفعة على المستأجر.
(مسألة 13): اذا استأجر منه دابّة لزيارة النصف من شعبان مثلاً، ولكن
1) وسائل الشيعة 116:19 / الباب 13 من كتاب الاجارة / الحديث 2.
لم يشترط على المؤجر ذلك و لم يكن على وجه العنوانيّة أيضا و اتّفق أنّه لم يوصله لم يكن له خيار الفسخ و عليه تمام المسمّى من الأجرة. و ان لم يوصله الى كربلاء أصلاً سقط من المسمّى بحساب ما بقي و استحقّ بمقدار ما مضى، و الفرق بين هذه المسألة و ما مرّ في المسألة السابقة أنّ الايصال هنا غرض و داعٍ و فيما مرّ قيد أو شرط.
الشرح:
صدر المسألة - كما قال المصنّف - من أنّه لم يكن للمستأجر خيار الفسخ؛ لعدم شرطه على المؤجر لايصاله في النصف من شعبان و لم يكن على وجه العنوانيّة، و حيث استأجر منه دابّة لزيارة الحسين بن علي عليهماالسلام و ايصاله الى كربلاء و قد أوصله فعليه تمام الأجرة المسمّاة.
و أمّا ذيل المسألة أي في فرض عدم ايصاله الى كربلاء أصلاً فقال: سقط من المسمّى بحساب ما بقي و استحقّ بمقدار ما مضى، فيمكن أن يستدلّ عليه بصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: انّي كنت عند قاضٍ من قضاة المدينة و أتاه رجلان فقال أحدهما: انّي اكتريت من هذا دابّة ليبلغني عليها من كذا و كذا الى كذا و كذا بكذا و كذا، فلم يبلغني الموضع. فقال القاضي لصاحب الدابّة: بلّغته الى الموضع؟ فقال: لا، قد أعيت دابّتي فلم تبلغ. فقال له القاضي: ليس لك كراء اذا لم تبلّغه الى الموضع الذي اكترى دابّتك اليه. قال: فدعوتهما اليّ فقلت للذي اكترى: ليس لك يا عبداللّه أن تذهب بكراء دابّة الرجل كلّه، و قلت للآخر: يا عبداللّه، ليس لك أن تأخذ كراء دابّتك كلّه، ولكن انظر قدر ما بقي من
الموضع و قدر ما أركبته فاصطلحا عليه، ففعلا». (1)
و صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمعته يقول: كنت جالسا عند قاضٍ من قضاة المدينة فأتاه رجلان فقال أحدهما: انّي تكاريت هذا يوافي بي السوق يوم كذا و كذا، و انّه لم يفعل. قال: فقال: ليس له كراء. قال: فدعوته و قلت: يا عبداللّه، ليس لك أن تذهب بحقّه. و قلت للآخر: ليس لك أن تأخذ كلّ الذي عليه، اصطلحا فترادّا بينكما». (2)
بناءً على أنّ حكمه عليه السلام بعدم جواز ذهاب حقّه ظاهر بل صريح في أنّ مجرّد عدم الايصال في اليوم المعيّن لايسقط حقّه من رأس و أنّ له حقّا لهذا العمل الناقص، كما أنّ حكمه عليه السلام للآخر بعدم جواز أخذ كلّ الأجرة ظاهر أو صريح بأنّ مورد الاجارة لم يكن مجرّد طيّ الطريق، بل كان الوصول المخصوص دخيلاً في متعلّقها، و حيث انّ الاحتساب الدقيق في أمثال المقام غير ممكن غالبا فاللازم الحكم بالتصالح.
الاجارة من العقود اللازمة، لاتنفسخ الاّ بالتقايل أو شرط الخيار لأحدهما أو كليهما اذا اختار الفسخ. نعم، الاجارة المعاطاتيّة جائزة يجوز لكلّ منهما الفسخ ما لم تلزم بتصرّفهما أو تصرّف أحدهما فيما انتقل اليه.
الشرح:
قال في الشرائع: «الاجارة عقد لازم لاتبطل الاّ بالتقايل أو بأحد الأسباب المقتضية للفسخ». (1)
و في الجواهر: «بلا خلاف و لا اشكال؛ لأصالته المستفادة من الآية و غيرها».(2)
و يدلّ على لزوم عقد الاجارة قوله تعالى: أوفوا بالعقود. (3)
و صحيحة محمّد بن عيسى اليقطيني أنّه كتب الى أبي الحسن علي بن محمّد العسكري عليهماالسلام:
«في رجل دفع ابنه الى رجل و سلّمه منه سنة بأجرة معلومة ليخيط له، ثمّ جاء رجل فقال: سلّم ابنك منّي سنة بزيادة. هل له الخيار في ذلك؟ و هل يجوز له أن يفسخ ما وافق عليه الأوّل أم لا؟ فكتب عليه السلام: يجب عليه الوفاء للأوّل ما لم يعرض لابنه مرض أو ضعف». (1)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يتكارى من الرجل البيت أو السفينة سنة أو أكثر من ذلك أو أقلّ؟ قال: الكراء لازم له الى الوقت الذي تكارى اليه، و الخيار في أخذ الكراء الى ربّها، ان شاء أخذ و ان شاء ترك». (2)
و لاتنفسخ الاجارة الاّ بالتقايل أو بأحد الأسباب المقتضية للفسخ كما سيأتي.
و أمّا الاجارة المعاطاتيّة فالظاهر أنّها مقتضية للملك و اللزوم، و الدليل عليه السيرة المستمرّة الى زمن الأئمّة المعصومين عليهم السلام و معاملة العقلاء بها معاملة العقد اللازم و عدم ردع الشارع عن هذه. و قد تقدّم في أوّل البحث أنّ الشارع ليس له في المعاملات - كالبيع و الاجارة و نحوهما - تأسيس، بل دأبه في ذلك الامضاء أو الردع. و يؤيّده صحيحة محمّد بن عيسى اليقطيني المتقدّمة آنفا، فانّه كتب: «في رجل دفع ابنه الى رجل و سلّمه منه سنة بأجرة معلومة - الى أن قال: - يجب عليه الوفاء للأوّل ... » فانّ الظاهر من قول الكاتب «دفع ابنه» هو الاجارة المعاطاتيّة.
(مسألة 1): يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدّة الاجارة، و لاتنفسخ الاجارة به فتنتقل الى المشتري مسلوبة المنفعة مدّة الاجارة. نعم، للمشتري مع جهله بالاجارة خيار فسخ البيع؛ لأنّ نقص المنفعة عيب، ولكن ليس كسائر العيوب ممّا يكون المشتري معه مخيّرا بين الردّ و الأرش، فليس له أن لايفسخ و يطالب بالأرش، فانّ العيب الموجب للأرش ما كان نقصا في الشيء في حدّ نفسه مثل العمى و العرج و كونه مقطوع اليد أو نحو ذلك، لا مثل المقام الذي العين في حدّ نفسها لا عيب فيها. و أمّا لو علم المشتري أنّها مستأجرة و مع ذلك أقدم على الشراء فليس له الفسخ أيضا. نعم، لو اعتقد كون مدّة الاجارة كذا مقدارا فبان أنّها أزيد له الخيار أيضا، و لو فسخ المستأجر الاجارة رجعت المنفعة في بقيّة المدّة الى البائع لا الى المشتري. نعم، لو اعتقد البائع و المشتري بقاء مدّة الاجارة و أنّ العين مسلوبة المنفعة الى زمان كذا و تبيّن أنّ المدّة منقضية، فهل منفعة تلك المدّة للبائع حيث انّه كأنّه شرط كونها مسلوبة المنفعة الى زمان كذا، أو للمشتري لأنّها تابعة للعين ما لم تفرز بالنقل الى الغير أو بالاستثناء و المفروض عدمها؟ وجهان، و الأقوى الثاني. نعم، لو شرطا كونها مسلوبة المنفعة الى زمان كذا بعد اعتقاد بقاء المدّة كان لما ذكر وجه. ثمّ بناءً على ما هو الأقوى من رجوع المنفعة في الصورة السابقة الى المشتري فهل للبائع الخيار أو لا؟ وجهان، لايخلو أوّلهما من قوّة، خصوصا اذا أوجب ذلك له الغبن. هذا اذا بيعت العين المستأجرة على غير المستأجر. أمّا لو بيعت عليه ففي انفساخ الاجارة وجهان، أقواهما العدم. و يتفرّع على ذلك أمور: منها اجتماع الثمن و الأجرة عليه حينئذ. و منها بقاء ملكه للمنفعة في مدّة تلك الاجارة لو فسخ البيع بأحد أسبابه، بخلاف ما لو قيل بانفساخ الاجارة. و منها ارث الزوجة من المنفعة في تلك المدّة لو مات الزوج المستأجر بعد شرائه لتلك العين و ان كانت ممّا لاترثالزوجة منه، بخلاف ما لو قيل بالانفساخ بمجرّد البيع. و منها
رجوع المشتري بالأجرة لو تلفت العين بعد قبضها و قبل انقضاء مدّة الاجارة؛ فانّ تعذّر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الاجارة و يوجب الرجوع بالعوض و ان كان تلف العين عليه.
الشرح:
يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدّة الاجارة و لاتنفسخ الاجارة و تنتقل الى المشتري مسلوبة المنفعة مدّة الاجارة، و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة أبي همّام (اسماعيل بن همّام):
«أنّه كتب الى أبي الحسن عليه السلام في رجل استأجر ضيعة من رجل فباع المؤاجر تلك الضيعة بحضرة المستأجر و لم ينكر المستأجر البيع، و كان حاضرا له شاهدا فمات المشتري و له ورثة، هل يرجع ذلك الشيء في ميراث الميّت أو يثبت في يد المستأجر الى أن تنقضي اجارته؟ فكتب عليه السلام: يثبت في يد المستأجر الى أن تنقضي اجارته». (1)
و منها صحيحة حسين بن نعيم عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«سألته عن رجل جعل دارا سكنى لرجل أيّام حياته أو جعلها له و لعقبه من بعده، هل هي له و لعقبه من بعده كما شرط؟ قال: نعم. قلت له: فان احتاج يبيعها؟ قال: نعم. قلت: فينقض بيع الدار السكنى؟ قال: لاينقض البيع السكنى، كذلك سمعت أبي عليه السلام يقول: قال أبو جعفر عليه السلام: لاينقض البيع الاجارة و لا السكنى، ولكن تبيعه على أنّ الذي اشتراه لايملك ما اشترى حتّى تنقضي السكنى كما شرط، و كذا الاجارة. قلت: فان ردّ على المستأجر ماله و جميع مالزمه من النفقة و العمارة فيما استأجر؟ قال: على طيبة النفس و برضا
1) وسائل الشيعة 134:19 / الباب 24 من كتاب الاجارة / الحديث 1.
المستأجر بذلك لابأس». (1)
و منها مكاتبة يونس قال:
«كتبت الى الرضا عليه السلام أسأله عن رجل تقبّل من رجل أرضا أو غير ذلك سنين مسمّاة، ثمّ انّ المقبّل أراد بيع أرضه التي قبّلها قبل انقضاء السنين المسمّاة، هل للمتقبّل أن يمنعه من البيع قبل انقضاء أجله الذي تقبّلها منه اليه، و ما يلزم المتقبّل له؟ قال: له أن يبيع اذا اشترط على المشتري أنّ للمتقبّل من السنين ماله». (2)
و الظاهر أنّ جواز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدّة الاجارة موافق للقاعدة؛ لأنّ الاجارة تمليك منفعة العين و البيع تمليك نفس العين. و كما أنّ العين في ملك المؤجر مسلوبة المنفعة، كذلك تنتقل الى المشتري ببيعها مسلوبة المنفعة.
فروع:
لو كان المشتري عالما بالاجارة فليس له الفسخ؛ لأنّه بنفسه أقدم على شراء العين مسلوبة المنفعة. و أمّا ان كان جاهلاً فله خيار فسخ البيع، أو امضاؤه مجّانا مسلوب المنفعة الى آخر المدّة. أمّا الخيار فلأنّ مقتضى البيع عرفا و شرعا تسلّط المشتري على المبيع و منافعه من حين العقد، فكأنّه شرط ضمنيّ، فاذا لم يكن الشرط موجودا فللمشتري خيار تخلّف الشرط. و أمّا ارجاعه الى خيار العيب فبعيد عرفا و شرعا، فانّ العيب في نظر العرف كما قال المصنّف هو النقص فيالمبيع في حدّ نفسه و هنا ليس كذلك، و الشارع قد خيّر المشتري بين الردّ و
الأرش و امضائه، و ليس هنا الأرش فليس عيب.
فاذا أمضى المشتري البيع بعد العلم أو كان عالما من الابتداء فثمن المنفعة للبائع، كما دلّ عليه الروايات المتقدّمة.
قال في المسالك في قول المصنّف «و لاتبطل بالبيع»: «لعدم المنافاة، فانّ الاجارة تتعلّق بالمنافع، و البيع بالعين، و المنافع تابعة، لكن ان كان المشتري عالما بالاجارة تعيّن عليه الصبر الى انقضاء المدّة، و ان كان جاهلاً تخيّر بين فسخ البيع و امضائه مجّانا مسلوب المنفعة الى آخر المدّة؛ لأنّ اطلاق العقد وقع على اعتقاد التسليم و الانتفاع نظرا الى الغالب». (1)
و قال في الجواهر: «و لاتبطل بالبيع للعين المستأجرة؛ لعدم المنافاة بعد اختلاف متعلّقهما. نعم، يتخيّر المشتري مع جهله بين الصبر الى انتهاء مدّة الاجارة، و بين الفسخ باعتبار اقتضاء اطلاق العقد تعجيل التسليم للانتفاع كما هو الغالب، بخلاف العالم بذلك فانّه لا خيار له». (2)
و في مفتاح الكرامة في ذيل قول المصنّف (العلاّمة في القواعد): «فان لم يكن المشتري عالما تخيّر بين فسخ البيع و امضائه مجّانا مسلوب المنافع الى آخر المدّة» قال: «كما في التذكرة و التحرير و جامع المقاصد و الروضة و المسالك و المفاتيح و الرياض و هو معنى ما في المبسوط و الوسيلة و الغنية و ايضاح النافع». (3)
و هكذا الحال لو اعتقد كون مدّة الاجارة كذا مقدارا فبان أنّها أزيد، فله الفسخ أيضا.
قال المصنّف: «لو فسخ المستأجر الاجارة رجعت المنفعة في بقيّة المدّة الى البائع لا الى المشتري».
و في الحدائق: «و لو فسخ المستأجر بعد البيع بحدوث عيب و نحوه رجعت المنفعة الى البائع لا الى المشتري، و وجهه ظاهر؛ لأنّ المشتري انّما اشترى مالاً مسلوب المنفعة في تلك المدّة و لايتسلّط عليها الاّ بعد انقضاء تلك المدّة، و انّما هي للمستأجر مع بقاء الاجارة أو ترجع للمالك بعد فسخها». (1)
و في الجواهر: «و لو اتّفق فسخ المستأجر بأحد أسبابه عادت المنفعة الى البائع دون المشتري الذي قد استحقّ العين مسلوبة المنفعة الى المدّة». (2)
و في التذكرة: «لو باع المؤجر العين في مدّة الاجارة و رضي المشتري ثمّ وجد المستأجر بالعين عيبا ففسخ الاجارة بذلك العيب أو عرض ما ينفسخ به الاجارة فمنفعة بقيّة المدّة للمشتري عند بعض الشافعيّة؛ لأنّ عقد البيع يقتضي استحقاق المشتري للرقبة و المنفعة جميعا الاّ أنّ الاجارة السابقة كان تمنع منه، فاذا انفسخت خلص المال له بحقّ الشراء، كما اذا اشترى جارية مزوّجة فطلّقها زوجها تكون منفعة البضع للمشتري و ليس للبائع الاستمتاع بها و لاتزويجها من الزوج المطلّق. و قال بعضهم انّها للبائع؛ لأنّه لم يملك المشتري منافع تلك المدّة و بنى بعضهم الوجهين على أنّ الردّ بالعيب يرفع العقد من أصله أو من حينه ان قلنا بالأوّل فهي للمشتري و كأنّ الاجارة لم تكن، و ان كان من حينه فللبائع؛ لأنّه لم يوجد عند الردّ ما يوجب الحقّ للمشتري، و لو تقايلا الاجارة فان جعلنا الاقالة
عقدا فهي للبائع، و ان جعلناها فسخا فكذلك على أصحّ القولين؛ لأنّها ترفع الحقّ من حينها لا محالة، و اذا حصل الانفساخ رجع المستأجر بأجرة بقيّة المدّة على البائع. و يمكن أن يقال: يرجع على المشتري وليكن هذا مفرّعا على أنّ المنفعة يكون للمشتري؛ لأنّه رضي بالمبيع ناقص المنفعة، فاذا حصلت له المنفعة جاز أن يؤخذ منه بدلها». (1)
و في المستند: «المالك قبل أن يؤجر و قبل أن يبيع كان مالكا للعين و للمنفعة، فاذا آجر العين نقل المنفعة و أبقى العين مسلوبة المنفعة عنده، ثمّ بعد ذلك نقل العين على الحالة التي هو مالك لها - أعني كونها مسلوبة المنفعة - الى شخص آخر بالبيع، فاذا انفسخ العقد الأوّل فبما أنّ معناه الانحلال و ارجاع كلّ شيء الى موضعه السابق فبطبيعة الحال ترجع المنفعة الى مكانها الأوّل، و بما أنّها خرجت عن ملك البائع فلا جرم تعود اليه، فانّه هو الذي كان مالكا لها حال الايجار و قبل البيع، و لا مقتضي لرجوعها الى مالك العين بعد الايجار. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
الظاهر أنّ الحكم كما قاله في المستند، فاذا قلنا بأنّ البيع لايوجب فسخ الاجارة و ينتقل المتاع الى المشتري مسلوب المنفعة كما تقدّم و دلّت عليه الروايات، فالمشتري رضي بانتقال المبيع اليه مسلوب المنفعة الى مدّة انقضاء الاجارة، فبالطبيعة اذا فسخ المؤجر الاجارة رجعت المنفعة الى البائع حتّى تنقضي مدّة الاجارة.
لو اعتقد البائع و المشتري بقاء مدّة الاجارة و أنّ العين مسلوبة المنفعة الى زمان كذا و تبيّن أنّ المدّة منقضية، فالمصنّف تردّد بأنّ منفعة تلك المدّة للبائع حيث كأنّه شرط كونها مسلوبة المنفعة الى زمان كذا، أو للمشتري لأنّها تابعة للعين ما لم تفرز بالنقل الى الغير أو بالاستثناء و المفروض عدمها؟ و أفتى بالثاني.
أقول:
الظاهر صحّة ما اختاره المصنّف من الوجهين؛ لأنّ المنفعة تابعة للعين الاّ أن يشترط عدمها، و المفروض عدمه. و توهّم الشرط لايغيّر الواقع عمّا هو عليه.
و ناقش صاحب المستند في ذلك ب- «أنّ تبعيّة المنافع للعين في الملكيّة لم يثبت بآية و لا رواية، و انّما الوجه فيها أنّ السبب المقتضي لملكيّة العين بنفسه يستوجب ملكيّة المنفعة المستتبعة لها بمناط واحد ... فاذا فرضنا اختصاص سبب الملكيّة بالعين و عدم شموله للمنفعة كما هو المفروض في المقام، حيث انّ البائع - و لو لأجل اعتقاده غلطا كون المنفعة للغير - لم ينشئ الملكيّة و النقل من الأوّل الاّ بالاضافة الى العين خاصّة، و لم يعتبرها ولو تبعا بالنسبة الى المنفعة بوجه. فبأيّ ميزان يحكم وقتئذ بانتقال المنفعة الى المشتري مع عدم تحقّق أيّ سبب للنقل بالاضافة اليها لا أصالة و لا تبعا؟! و قد عرفت افتقار الملكيّة في تحقّقها الى سبب ما ولو بالتبع؛ اذ لا دليل على الملكيّة بلا سبب. اللّهمّ الاّ اذا ثبت بدليل خاصّ و تعبّد شرعيّ أنّ من ملك عينا ملك منافعها بالتبع، حتّى يقال بشمول عموم دليل التبعيّة للمقام، و قد عرفت عدم ثبوته بوجه. انتهى ملخّصا». (1)
و فيه: انّ ملكيّة المنفعة و ان أمكن أن تنفكّ من العين كما في بيع العين
1) مستند العروة 116:30-118.
المستأجرة الاّ أنّ تبعيّتها لملكيّة العين عند العرف بحدّ كأنّها لازمة غير منفكّة منها و قد كانت بمرأى الشارع، و لذلك تقدّم قوله عليه السلام في صحيحة حسين بن نعيم «لاينقض البيع الاجارة و لا السكنى، ولكن تبيعه على أنّ الذي اشتراه لايملك ما اشترى حتّى تنقضي السكنى كما شرط، و كذا الاجارة»، يعني أنّ الذي اشترى العين، اشتراها مع منفعتها، فاذا باع المالك العين المستأجرة يلزم له أن ينبّهه على ذلك و الاّ فله الفسخ كما تقدّم.
نعم، لو شرط كونها مسلوبة المنفعة الى زمان كذا بعد اعتقاد بقاء المدّة كان لما ذكر وجه.
ثمّ بناءً على ما هو الأقوى من رجوع المنفعة الى المشتري فهل للبائع الخيار أو لا؟ فالمصنّف قال: فيه وجهان، و لايخلو أوّلهما من قوّة، خصوصا اذا أوجب ذلك له الغبن.
أقول:
ان قلنا برجوع المنفعة الى المشتري فيما اذا كانت مدّة الاجارة منقضية، فأيّ خيار للبائع؟
بيان ذلك: قد تقدّم أنّ المنفعة تابعة للعين الاّ فيما اذا كانت المنفعة مستأجرة. و أمّا اذا لم تكن العين مستأجرة فالمنفعة تابعة لها قهرا، سواء علما بذلك أو تخيّلا أنّها مستأجرة.
فاذا باعها مسلوبة المنفعة لم يكن هناك غبن. فكما لو فرض انقضاء مدّة الاجارة من دون اعتقادهما بقاء مدّة الاجارة لم يكن للبائع فسخ، كذلك فيما اذا اعتقدا بقاء مدّة الاجارة بعد القول بأنّ زعمها لم يكن مانعا في رجوع المنفعة الى المشتري.
قال المصنّف رحمه الله: «أمّا لو بيعت عليه ففي انفساخ الاجارة وجهان، أقواهما العدم».
ففي الجواهر بعد قول المصنّف «و لاتبطل بالبيع» قال: «بل الظاهر ذلك حتّى لو كان المشتري هو المستأجر، فيجتمع حينئذ عليه الثمن و الأجرة، و ملك العين انّما يستتبع ملك المنافع اذا لم يستوف ملكها بسبب آخر». (1)
و في المستمسك: «كما هو المشهور». (2)
و في ارشاد الأذهان: «و لو باع على المستأجر صحّ، و الأقرب بطلان الاجارة على اشكال». (3)
و في مجمع الفائدة: «و أمّا بطلان الاجارة حينئذ فقرّبه المصنّف مع اشكال، لعلّ مقصوده من اظهار الاشكال مع قوله «الأقرب» عدم الأقربيّة بالكلّيّة، و ضعف الرجحان في الجملة. وجهه أنّ ملك المنفعة تابع لملك العين، فاذا ملك العين يلزم ملكيّتها تبعا أيضا، فلو بقيت الاجارة يلزم أن تكون المنفعة ملكا بالاجارة و البيع أيضا، و هو تحصيل الحاصل، و جمع العلّتين على معلول واحد، و لأنّه كبطلان العقد بملكيّة الزوجة. و وجه عدم البطلان الأصل، و الاستصحاب، و عدم ثبوت دليل على كون البيع مبطلاً للاجارة، فانّ ذلك يحتاج الى دليل، و لا دليل؛ اذ تابعيّة المنفعة لملك العين مطلقا ممنوعة و لا دليل عليها، و لذا يصحّ بيع العين من الأجنبي مع بقاء الاجارة، و قد مرّ دليله، و مسلّم عند المصنّف». (4)
و في التذكرة: «اذا آجر عينا ثمّ باعها على المستأجر صحّ البيع اجماعا؛ لأنّه عقد بيع صادف ملكا فصحّ كغيره، و لأنّ الملك في الرقبة خالص له و عقد الاجارة انّما وردت على المنفعة فلايمنع من بيع الرقبة، و لأنّ التسليم غير متعذّر ... فهل تبطل الاجارة أم لا؟ الحقّ عندنا أنّها لاتبطل و هو أصحّ وجهي الشافعيّة؛ لأنّه ملك المنافع أوّلاً بعقد الاجارة ملكا مستقرّا فلاتبطل بما يطرأ من ملك الرقبة و ان كانت المنافع تتبعها لولا الملك الأوّل. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
اذا باع المالك العين المستأجرة للمستأجر صحّ البيع و لاتبطل الاجارة؛ لنفس الدليل الذي تقدّم، لعدم بطلانها اذا باعها الى غير المستأجر، و يتفرّع على ذلك أمور كما قاله المصنّف:
منها اجتماع الثمن و الأجرة عليه حينئذ، فيلزمه دفع الثمن بازاء العين و الأجرة بازاء المنفعة الى البائع الذي هو المؤجر أيضا.
و منها بقاء ملكه للمنفعة في مدّة تلك الاجارة لو فسخ البيع بأحد أسبابه؛ لأنّ كلاًّ من الاجارة و البيع عقد مستقلّ، فانفساخ أحدهما لايسري الى الآخر.
و منها ارث الزوجة من المنفعة في تلك المدّة لو مات الزوج المستأجر بعد شرائه تلك العين و ان كانت ممّا لاترث الزوجة منها؛ اذ عدم ارثها من الأراضي لايمنع من ارث المنفعة لو كانت مملوكة بالأصالة بسبب الاجارة بعد أن كانت مملوكة للمورّث بالتبعيّة للعين.
و منها رجوع المشتري بالأجرة لو تلفت العين بعد قبضها و قبل انقضاء مدّة الاجارة؛ لأنّ تعذّر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الاجارة و عدم كون المؤجر مالكا لها ليملّكها، فيوجب الرجوع بالعوض و ان كان تلف العين عليه.
1) . تذكرة الفقهاء 2 : 328.
(مسألة 2): لو وقع البيع و الاجارة في زمان واحد، كما لو باع العين مالكها على شخص و آجرها وكيله على شخص آخر و اتّفق وقوعهما في زمان واحد، فهل يصحّان معا و يملكها المشتري مسلوبة المنفعة كما لو سبقت الاجارة، أو يبطلان معا للتزاحم في ملكيّة المنفعة، أو يبطلان معا بالنسبة الى تمليك المنفعة فيصحّ البيع على أنّها مسلوبة المنفعة تلك المدّة فتبقى المنفعة على ملك البائع؟ وجوه، أقواها الأوّل؛ لعدم التزاحم، فانّ البائع لايملك المنفعة، و انّما يملك العين، و ملكيّة العين توجب ملكيّة المنفعة للتبعيّة، و هي متأخّرة عن الاجارة.
الشرح:
المحتملات في المسألة ثلاثة حسب ما أشار اليه في المتن: صحّتهما معا، و بطلانهما معا، و بطلانهما في خصوص تمليك المنفعة.
أمّا الاحتمال الأوّل الذي اختاره الماتن فقد ذكر في المستند في وجهه «أنّ شأن البيع تمليك العين، كما أنّ شأن الاجارة تمليك المنفعة، فهما في عرض واحد و لاتزاحم بينهما بما هما كذلك، و انّما تنشأ المزاحمة من تمليك المنفعة المتحقّقة في مورد البيع أيضا، و حيث انّه بمناط التبعيّة فلا جرم كان في مرتبة متأخّرة من تمليك العين، فاذا كان كذلك فبطبيعة الحال تؤثّر الاجارة الواقعة في مرتبة تمليك العين و في عرض البيع أثرها، و لاتبقي مجالاً للملكيّة التبعيّة الواقعة في مرتبة متأخّرة، فانّها انّما تؤثّر فيها اذا كان البائع مالكا للمنفعة، و المفروض خروجها بالاجارة الواقعة في مرتبة سابقة، المعدمة لموضوع التبعيّة. و بعبارة أخرى المنافع انّما تكون تابعة للعين فيما اذا لم تكن منتقلة الى الغير قبل ذلك، و قد انتقلت في رتبة سابقة بسبب سليم وقتئذ عن المزاحم و هو الاجارة، فلايبقى بعد هذا مجال للانتقال الى المشتري؛ لانتفاء الموضوع و انعدامه.
و فيه: انّ هذا توجيه عقليّ لايناسب وضع المعاملات التي موضعها العرف،
فانّ العرف يرى هذين البيع و الاجارة في زمان واحد، و يراهما متعارضين، فلو لم يتمّ الوجه الثالث نقول بالتزاحم. انتهى ملخّصا». (1)
و أمّا الاحتمال الثالث الذي هو مختار المستند فانّه قال في توجيهه: «انّ التزاحم دفع في ملكيّة المنفعة، ففي الزمان الذي يحكم فيه بملكيّة المنفعة للمستأجر بمقتضى الاجارة يحكم فيه أيضا بملكيّتها للمشتري بتبع ملكيّته للعين بمقتضى البيع، و حيث يمتنع الجمع فيتزاحمان، فيتساقطان بالاضافة الى هذا الأثر بعد امتناع الجمع و بطلان الترجيح من غير مرجّح، فبطبيعة الحال تكون المنفعة في مدّة الاجارة باقية في ملك البائع؛ لعدم المخرج بعد الابتلاء بالمزاحم، و أمّا تمليك العين المجرّدة عن المنفعة فلا مزاحم له، و من ثمّ يحكم بصحّة بيعها و انتقالها الى المشتري مسلوبة المنفعة، غايته ثبوت الخيار للمشتري لأجل هذا النقص، فلاتصل النوبة الى مزاحمة الاجارة للبيع كي يحكم بفسادهما. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
اذا كان الوكيل وكيلاً في اجارة العين فتارة يبيع المالك العين مسلوبة المنفعة و أخرى مع المنفعة.
ففي الثانية عمله هذا عزل الوكيل عن وكالته، فالمشتري يملك العين و المنفعة.
و في الصورة الأولى يصحّ البيع و الاجارة الاّ أنّ المشتري ان كان عالما بالحال فله العين مسلوبة المنفعة، و ان لم يكن عالما فله الخيار من الفسخ أو الامضاء.
(مسألة 3): لاتبطل الاجارة بموت المؤجر و لا بموت المستأجر على الأقوى. نعم، في اجارة العين الموقوفة اذا آجر البطن السابق تبطل بموته بعد الانتقال الى البطن اللاحق؛ لأنّ الملكيّة محدودة، و مثله ما لو كانت المنفعة موصى بها للمؤجر مادام حيّا، بخلاف ما اذا كان المؤجر هو المتولّي للوقف و آجر لمصلحة البطون الى مدّة، فانّها لاتبطل بموته و لا بموت البطن الموجود حال الاجارة. و كذا تبطل اذا آجر نفسه للعمل بنفسه من خدمة أو غيرها، فانّه اذا مات لايبقى محلّ للاجارة، و كذا اذا مات المستأجر الذي هو محلّ العمل من خدمة أو عمل آخر متعلّق به بنفسه، و لو جعل العمل في ذمّته لاتبطل الاجارة بموته، بل يستوفى من تركته، و كذا بالنسبة الى المستأجر اذا لم يكن محلاًّ للعمل، بل كان مالكا له على المؤجر، كما اذا آجره للخدمة من غير تقييد بكونها له، فانّه اذا مات تنتقل الى وارثه، فهم يملكون عليه ذلك العمل. و اذا آجر الدار و اشترط على المستأجر سكناه بنفسه لاتبطل بموته و يكون للمؤجر خيار الفسخ. نعم، اذا اعتبر سكناه على وجه القيديّة تبطل بموته.
الشرح:
هنا فروع:
قال العلاّمة في المختلف: «اختلف علماؤنا في الموت هل يبطل الاجارة؟ فقال المفيد: الموت يبطل الاجارة. و كذا قال في النهاية، و سلاّر. و قال في الخلاف: الموت يبطل الاجارة، سواء كان موت المؤجر أو المستأجر، و في أصحابنا من قال: موت المستأجر يبطلها و موت المؤجر لايبطلها. و في المبسوط:الموت يفسخ الاجارة، سواء كان الميّت المؤجر أو المستأجر عند أصحابنا، و
الأظهر عندهم أنّ موت المستأجر يبطلها و موت المؤجر لايبطلها، و فيه خلاف. و قال ابن الجنيد: و لو مات المستأجر قام ورثته مقامه. و قال أبو الصلاح: لاتبطل الاجارة بالموت، و يقوم ورثة كلّ واحد من المالك و المستأجر مقام مورّثه. و به قال ابن ادريس، و نقله عن السيّد المرتضى في المسائل الناصريّة في المسألة المأتين منها. و السيّد هناك لم يصرّح بما نقله ابن ادريس عنه، بل قال حيث ذكر العمري: و انّما ورث الورثة هذه المنافع كما يرثون منافع الاجارة. و هو يدلّ على أنّ موت المستأجر لايبطل الاجارة. و قال ابن البرّاج: الموت يفسخ الاجارة، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الميّت هو المستأجر أو المؤجر، و عمل الأكثر من أصحابنا على أنّ موت المستأجر هو الذي يفسخها لا موت المؤجر. قال: و قد كان شيخنا المرتضى رحمه الله سوّى بينهما في ذلك بأن بيّن أنّ الوجه فيهما واحد. و ليس هذا موضع ذكر ذلك فنذكره. و قال ابن حمزة: تبطل بموت أيّهما كان. و الوجه ما قاله أبو الصلاح.
لنا: انّه حقّ ماليّ و منفعة مقصودة تصحّ المعاوضة عليها و انتقالها بالميراث و شبهه، فلاتبطل بموت صاحبها كغيرها من الحقوق. و لأنّ العقد وقع صحيحا فيستصحب حكمه. و لأنّ العقد ناقل، فيملك المستأجر المنافع به و المؤجر مال الاجارة، فينتقل حقّ كلّ واحد منهما الى ورثته.
احتجّ المخالف بأنّ استيفاء المنفعة يتعذّر بالموت؛ لأنّه استحقّ بالعقد استيفاءها على ملك المؤجر، فاذا مات زال ملكه عن العين فانتقلت الى ورثته، فالمنافع تحدث على ملك الوارث، فلايستحقّ المستأجر استيفاءها؛ لأنّه ما عقد على ملك الوارث، و اذا مات المستأجر لم يمكن ايجاب الأجرة في تركته.
و الجواب: قد بيّنّا أنّ المستأجر قد ملك المنافع و ملكت عليه الأجرة كاملة وقت العقد، و ينتقض ما ذكروه بما لو زوّج أمته ثمّ مات. و أيضا فوجوب الأجرةتسبّب من المستأجر فوجب في تركته بعد موته، كما لو حفر بئرا فوقع فيها شيء
بعد موته، فانّه يضمنه في ماله؛ لأنّ السبب كان منه في حال الحياة. و استدلّ الشيخ في الخلاف على قوله فيه باجماع الفرقة و أخبارهم، فانّ ما حكيناه عن بعضهم شاذّ لايعوّل عليه، و أيضا فانّ المكتري دخل على أن يستوفي المنفعة من ملك المكري، فكيف يستوفي من ملك غيره؟!
و الجواب: بمنع الاجماع، فانّا قد بيّنّا أنّ أكثر الأصحاب لم يفتوا بالبطلان، و لم يصل الينا حديث يدلّ عليه، و استيفاء المنفعة مستحقّ في هذه العين كما لو باعها».(1)
أقول:
و الأقوى عدم بطلان الاجارة بموت أحدهما، فانّه المشهور بين المتأخّرين، بل في المسالك: «و عليه المتأخّرون أجمع»(2)، و في الجواهر كابن ادريس و المحقّق في الشرائع، و ذهب اليه الفخر و الشهيدان و الآبي و السيوري، و الصيمري و الكركي و الأردبيلي و الخراساني و جماعة من القدماء كالاسكافي و أبي الصلاح، بل في السرائر نسبته الى أكثر المحصّلين، و في المختلف: انّ أكثر الأصحاب لم يفتوا بالبطلان. (3)
و ذلك لأنّ الاجارة من العقود اللازمة، و من شأنها أن لاتبطل بالموت، و لعموم الأمر بالوفاء بالعقود. و للاستصحاب، مضافا الى ما استدلّ به في المختلف من أنّه حقّ ماليّ و منفعة مقصودة تصحّ المعاوضة عليها و انتقالها بالميراث و شبهه، فلاتبطل بموت صاحبها كغيرها من الحقوق.
و مال صاحب الجواهر و بعض آخر الى الفسخ بموت المؤجر، و استدلّ عليهبخبر ابراهيم بن محمّد الهمداني قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام و سألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطى الاجارة في كلّ سنة عند انقضائها، لايقدّم لها شيء من الاجارة ما لم يمض الوقت، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، هل يجب على ورثتها انفاذ الاجارة الى الوقت أم تكون الاجارة منقضية بموت المرأة؟ فكتب: ان كان لها وقت مسمّى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الاجارة، فان لم تبلغ ذلك الوقت و بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت ان شاء اللّه». (1)
أقول:
قد روى هذه الرواية الكليني بسند صحيح عن ابراهيم بن محمّد الهمداني، و كذا رواها الشيخ في التهذيب بهذا السند، و رواها الشيخ أيضا بسند صحيح عن أحمد بن اسحاق الأبهري. أمّا ابراهيم بن محمّد الهمداني فهو ممدوح بل عن الكشّي أنّه ثقة. (2)و أمّا أحمد بن اسحاق الأبهري، فالظاهر أنّه أحمد بن اسحاق الأشعري كما هو ظاهر جامع الرواة فهو ثقة؛ فالسند لابأس به.
و أمّا الدلالة، فالظاهر عدم تماميّتها، فانّ المهمّ من جواب الامام عليه السلام قوله «فلورثتها تلك الاجارة»، فانّه مقتضٍ لمعنيين:
أحدهما: فلورثتها امضاء الاجارة أو الفسخ.
ثانيهما: انّ الاجارة باقية و أنّ لورثتها مال الاجارة. و باقي الجواب يناسب كلاالمعنيين. و الاضطراب في المتن مانع من الاعتماد عليه.
اذا آجر البطن السابق العين الموقوفة فمات و قام البطن اللاحق مقامه فامضاء الاجارة أو فسخها بيده؛ لأنّ ملكيّة البطن السابق محدودة، و مثله ما لو كانت المنفعة موصى بها للمؤجر مادام حيّا، فانّه اذا بذلها مطلقا لم يصحّ و انّما يحدّد بمدّة حياته.
قال في الشرائع: «التاسعة: اذا آجر البطن الأوّل الوقف مدّة معيّنة ثمّ انقرضوا في أثنائها، فان قلنا انّ الموت يبطل الاجارة فلا كلام، و ان لم نقل فهل يبطل هنا؟ فيه تردّد، أظهره البطلان؛ لأنّا بيّنّا أنّ هذه المدّة ليست للموجودين فيكون للبطن الثاني الخيار بين الاجازة في الباقي و بين الفسخ فيه، و يرجع المستأجر على تركة الأوّلين بما قابل المتخلّف». (1)
و في الجواهر في قول المحقّق «فيه تردّد» قال: «من اطلاق ما دلّ على صحّه الاجارة و لزومها عموما و خصوصا، و من انكشاف دخول غير ما لهم من المدّة في مدّتهم».
و في قوله «أظهره البطلان» قال: «كما في الخلاف و المبسوط و التذكرة و التحرير و الارشاد و الدروس و الايضاح و اللمعة و جامع المقاصد و الروض و الروضة و المسالك، بل لاأجد فيه خلافا».
و في قوله «لأنّا بيّنّا أنّ هذه المدّة ليست للموجودين» قال: «ضرورة اقتضاء الوقف تسبيل المنفعة للموقوف عليه مدّة العنوان الذي يجعله الواقف لا أزيد، و البطن الثاني يتلقّى عن الواقف كالأوّل، و لذا لاتمضى اجارته مدّه يعلم بالعادة زيادتها على حياته مثلاً».
1) شرائع الاسلام 2 : 221.
و في قوله «فيكون للبطن الثاني الخيار بين الاجازة في الباقي و بين الفسخ فيه» قال: «لأنّه من الفضولي، و هو المراد من البطلان المزبور».
و في قوله «و يرجع المستأجر على تركة الأوّلين بما قابل المتخلّف» قال: «بلا خلاف و لا اشكال فينسب أجرة مثله الى أجرة مثل مجموع المدّة و يرجع من المسمّى بمثل تلك النسبة، فلو كان قد آجره سنة بمائة و مات بعد انقضاء نصفها و فرضنا أنّ أجرة مثل النصف المتخلّف تساوي ستّين و أجرة مثل النصف الماضي تساوي ثلاثين رجع المستأجر بثلثي المائة كما هو واضح. انتهى ملخّصا». (1)
و أمّا اذا آجر المتولّي للوقف و كانت الاجارة لمصلحة البطون الى مدّة، فالاجارة بحالها، و ان مات المتولّي أو البطن الموجود.
ففي المستند: «أمّا بقاؤها بموت الثاني فلوقوع الاجارة بين المؤجر أي المتولّي و بين المستأجر، و البطن الموقوف عليه أجنبيّ عن هذا العقد. و بقاؤها بموت المتولّي و ان كانت ولايته محدودة بحياته الاّ أنّ متعلّق هذه الولاية لم يتقيّد بزمان خاصّ، فكما يسوغ له بيع العين الموقوفة اذا اقتضته المصلحة و تبديلها بعين أخرى، أو الصرف على الموقوف عليهم، فكذا له الاجارة مدّة طويلة، فكلّما تحقّقت المصلحة ثبتت الولاية من غير فرق بين نقل العين أو المنفعة في مدّة قصيرة أو طويلة؛ لنفوذ تصرّفه. انتهى ملخّصا». (2)
قال المحقّق الاصفهاني: «اذا كان المؤجر ناظر الوقف فمات قبل انقضاء مدّة
الاجارة فهل تنفذ اجارته مطلقا، أو لاتنفذ مطلقا، أو تنفذ فيما اذا كانت لمصلحة الوقف دون مصلحة البطون اللاحقة؟ كما عن شيخنا الأستاذ قدس سره لأنّ الواقف له أن يولّي أمر ملكه و ماله الى أحد، و أمّا اعطاء الولاية على الموقوف عليهم فلا؛ لأنّه لا سلطان للواقف الاّ على نفسه و ماله فلا نظر للناظر الاّ في العين الموقوفة و ما هو صلاحها لا ما هو صلاح الموقوف عليهم.
و الجواب: انّه لا ريب في أنّ اجارة العين الموقوفة منوطة باذنه، فكما أنّه من باب الولاية على التصرّف في العين الموقوفة لا من باب الولاية على البطن الموجود، فكذا اجارة ما يتعلّق بالبطن المعدوم. و السرّ فيه أنّ العين صارت بالوقف ملكا لهم مسلوبة السلطنة بجعل الواقف، و الوقوف على حسب ما يقفها أهلها. و ممّا ذكرناه يتّضح أنّ اعتبار ولاية المتولّي و القيّم المعبّر عنه بالناظر ليس اعتبار قيامه مقام البطون و انّه نائب عنهم فتمضي اجارته عليه. كيف و قد فرض أنّهم ملكوا مالاً مسلوب السلطنة و لابدّ من أن يكون كذلك؛ اذ ليس للواقف ولاية عليهم حتّى يكون له جعل من ينوب منابهم و يقوم مقامهم ليكون سلطانه سلطانهم، بل اعتبار الولاية له اعتبار قيامه مقام الواقف، فانّه قبل الوقف له الولاية على ماله بأنحاء التصرّفات، فله جعل ما له الولاية عليه باقيا لنفسه أو جعل غيره قائما مقام نفسه، فلم ينتقل الملك عنه بانشاء الوقف الاّ هكذا. و بما بيّنّا لايبعد القول بمضيّ اجارته على البطون المتأخّرة، سواء كانت لرعاية مصلحة العين الموقوفة أم لرعاية مصلحة البطون المتأخّرة عن زمان حياته». (1)
أقول:
الظاهر أنّ الاجارة لاتنفسخ بموت المؤجر المتولّي اذا كانت بمصلحة البطون، بتقريب تقدّم عن المستند، و كذا الناظر، و لايبعد القول ببقائها اذا كانت بمصلحة
1) بحوث في الفقه للشيخ محمد حسين الاصفهاني (كتاب الاجارة): 17 و 28 .
الموقوفة اذا رجعت الى مصلحة البطون. و أمّا تقريبه لذلك ففيه اشكال؛ لأنّ الوقف فكّ ملك فتولية المواقف كتولية الحاكم حكم شرعىّ.
اذا آجر نفسه للعمل بنفسه من خدمة أو غيرها فمات قبل العمل تبطل الاجارة؛ لأنّه لايبقى محلّ للاجارة. فلو آجر نفسه للحجّ أو الصلاة و الصوم أو غيرها و قيّد المستأجر أن يباشر العمل بنفسه و مات قبل العمل تبطل الاجارة. و أمّا لو شرط عليه أن يؤدّي العمل بنفسه و مات قبل العمل أو حينه فللمستأجر امضاء الاجارة أو فسخها، فان أمضاها فعلى الورثة القيام بالعمل بأنفسهم أو استئجار فرد آخر، و ان فسخ فله استرداد تمام مال الاجارة ان لم يقم على العمل أو بالنسبة ان عمل بعضه. و لو مات المستأجر فان كان هو محلّ العمل كما لو آجر الحلاّق ليحلق رأسه فتبطل الاجارة؛ لأنّه لايبقى محلّ للعمل، و ان لم يكن هو محلّ العمل ففيه تفصيل.
و لو جعل العمل في ذمّة الأجير كما اذا آجره لبناء الدار و غيره و لم يقيّد أداء العمل بنفسه و لم يكن هناك قرينة على التقييد، و كذا لم يشترط عليه أن يؤدّي العمل بنفسه، بمعنى أنّ المستأجر لايريد الاّ بناء الدار، سواء كان منه نفسه أو ممّن يعيّنه الأجير كما هو الحال في شركات أعمال البناء، فحينئذ فلو مات الأجير أو المتعاقد الآخر في الشركات المذكورة لاتبطل الاجارة بل يستوفى من تركته في الأوّل، فالشركة ضامنة في الثاني، و ذلك لاستصحاب العقد و عدم وجود المانع. و كذا بالنسبة الى المستأجر اذا لم يكن محلاًّ للعمل، كما اذا آجره للخياطة من غير تقييد بكونها له، فانّه اذا مات انتقل الى ورّاثه فهم يملكون عنه ذلك العمل. و أمّا اذا آجر الدار و اشترط على المستأجر سكناه بنفسه فمات المستأجر لاتبطل
الاجارة بل يكون للمؤجر خيار الفسخ الاّ اذا اعتبر سكناه على وجه القيديّة فتبطل الاجارة بموت المستأجر كما تقدّم.
قال في الجواهر: «و كيف كان فقد استثنى القائل بعدم الانفساخ، موت الأجير الخاصّ، و الموقوف عليهم، و من اشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه، و المراد بالأجير الخاصّ من آجر نفسه على أن يعمل بنفسه عملاً مخصوصا، و لا ريب في انفساخ الاجارة بموته اذا فرض تعلّقها بعمله المخصوص، لا عمل كلّي في ذمّته و اشترط عليه أداؤه بنفسه، فانّ المتّجه حينئذ ثبوت الخيار للمؤجر بتعذّر الشرط، لا الانفساخ».(1)
(مسألة 4): اذا آجر الولي أو الوصي الصبيّ المولّى عليه مدّة تزيد على زمان بلوغه و رشده بطلت في المتيقّن بلوغه فيه، بمعنى أنّها موقوفة على اجازته، و صحّت واقعا و ظاهرا بالنسبة الى المتيقّن صغره، و ظاهرا بالنسبة الى المحتمل، فاذا بلغ له أن يفسخ على الأقوى، أي لايجيز، خلافا لبعضهم فحكم بلزومها عليه؛ لوقوعها من أهلها في محلّها في وقت لم يعلم لها منافٍ. و هو كما ترى. نعم، لو اقتضت المصلحة اللازمة المراعاة اجارته مدّة زائدة على زمان البلوغ بحيث تكون اجارته أقلّ من تلك المدّة خلاف مصلحته تكون لازمة ليس له فسخها بعد بلوغه، و كذا الكلام في اجارة أملاكه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو آجر الوصي صبيّا مدّة يعلم بلوغه فيها بطلت في المتيقّن و صحّت في المحتمل. و لو اتّفق البلوغ فيه، فهل للصبي الفسخ بعد
1) جواهر الکلام 27: 212.
بلوغه؟ قيل نعم، و فيه تردّد». (1)
و في الجواهر: «و لو اتّفق البلوغ فيه فللصبي الفسخ بعد بلوغه، بمعنى عدم اجازة العقد الفضولي المفروض صحّته التي هي القابليّة لترتّب الأثر، و اختاره في المبسوط و القواعد و الارشاد و التذكرة و السرائر و قواعد الشهيد و المختلف و جامع المقاصد و المسالك؛ لعدم الولاية له في هذا الحال فيكون التصرّف فيه فضولاً. ولكن عن الخلاف الجزم بلزومها؛ لوقوع الاجارة من أهلها في محلّها في وقت لم يعلم لها منافٍ، فتستصحب. و فيه ما عرفت من أنّه بالنسبة الى الحال المفروض ليس من أهلها و لا في محلّها، و الجهل لا مدخليّة له في تغيّر حكم الموضوع واقعا». (2)
أقول:
يجوز للولي أو الوصي اجارة الصبيّ اذا كانت لمصلحته، الاّ أنّه منحصر في زمان عدم بلوغه، فلو آجره الولي أو الوصي مدّة تزيد على زمان بلوغه فبلغ يجوز له فسخ الاجارة؛ لأنّ ولاية الولي و الوصي للتصرّف في ماله أو اجارة نفسه تكون الى زمان البلوغ، و بعده تكون الولاية له، فتصرّفهما في ماله أو نفسه في هذا الزمان فضوليّ منوط باجازته كما هو مقتضى المعاملات الفضوليّة، سواء وقعت في زمان البلوغ أو فيما قبله بالنسبة الى اجارة نفسه لمصلحته و زادت الى ما بعده، و سواء كانا يعلمان ذلك أم لم يعلما.
ثمّ قال المصنّف: نعم، لو اقتضت مصلحة الطفل بأن يجيره الولي أو الوصي مدّة تزيد على زمان بلوغه يجوز ذلك و ليس له الفسخ بعد بلوغه اذا كانت المصلحة لازمة؛ لأنّ الولي كان مجازا في ذلك فلم تكن اجارته هذه فضوليّة كما لو
اقتضت المصلحة اللازمة باجارة أملاكه أو بيعها. فلو مات الولي و انتقلت الولاية الى غيره لم يبطل الاجارة الجامعة لشرائط الصحّة و اللزوم في الصورتين.
قال في المستند: «لو بلغت المصلحة الملزمة حدّ الوجوب كما هو المفروض في المتن، مثل ما لو توقّف حفظ حياة الصبي على اجارته مدّة تزيد على زمان بلوغه بحيث لولاه لكان معرّضا للهلاك اندرج ذلك في الأمور الحسبيّة، و رجعت الولاية حينئذ الى الحاكم الشرعي لا الى الولي أو الوصي، من غير فرق في ذلك بين الصغير و الكبير». (1)
أقول:
الظاهر أنّ ولاية الولي أو الوصي على نفس الطفل منحصرة في زمان قبل البلوغ و الرشد، فلو بلغ لم تكن الولاية لهما بل له من غير فرق بين أن تكون اجارته الى ما بعد البلوغ لمصلحة ملزمة أو غير ملزمة بل له الفسخ اذا بلغ. فما ذهب اليه في المستند بأنّ الولاية حينئذ الى الحاكم الشرعي لعدم الدليل لولاية الولي أو الوصي الى ما بعد زمان البلوغ حسن لا اشكال فيه. قال: «نعم، في خصوص النكاح قام الدليل على الولاية على تزويج الصبي أو الصبيّة و لو كان الزواج دائما، و أمّا في غيره فلم تثبت له هذه الولاية». (2)
و أمّا بالنسبة الى أمواله فالظاهر من الدليل أنّ للولي أو الوصي الولاية المطلقة اذا اقتضت المصلحة في بيعها أو اجارتها مدّة تزيد على مدّة بلوغه، فليس له الفسخ اذا بلغ.
(مسألة 5): اذا آجرت امرأة نفسها للخدمة مدّة معيّنة فتزوّجت قبل انقضائها لم تبطل الاجارة و ان كانت الخدمة منافية لاستمتاع الزوج.
قال في الجواهر: «و لو فرض تقدّم الاجارة على النكاح فلا اعتراض للزوج قطعا، كما صرّح به غير واحد لسبق الحقّ، ولكن له الاستمتاع بها فيما فضل عن وقت الارضاع، و ليس لوليّ الطفل منعه من الوطي مع عدم تضرّر الولد به. أمّا اذا تضرّر فله ذلك؛ لسبق حقّه». (1)
أقول:
اذا آجرت المرأة نفسها للخدمة مدّة معيّنة فتزوّجت قبل انقضائها لم تبطل الاجارة و ان كانت الخدمة منافية لاستمتاع الزوج، و ذلك لأنّ المرأة كانت مالكة لمنافع نفسها، و قد تقدّم في المسألة الأولى من أنّه يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام المدّة و لاتنفسخ الاجارة به فتنتقل الى المشتري مسلوبة المنفعة مدّة الاجارة. نعم، لو لم يعلم الزوج بذلك فعلم بعد العقد فله الفسخ؛ لكون اجارتها نفسها خلاف مقتضى النكاح.
(مسألة 6): اذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثمّ أعتقه لاتبطل الاجارة بالعتق، و ليس له الرجوع على مولاه بعوض تلك الخدمة في بقيّة المدّة؛ لأنّه كان مالكا لمنافعه أبدا و قد استوفاها بالنسبة الى تلك المدّة، فدعوى أنّه فوّت على العبد ما كان له حال حريّته كما ترى. نعم، يبقى الكلام في نفقته في بقيّة المدّة ان لم يكن شرط كونها على المستأجر، و في المسألة وجوه: أحدها: كونها على المولى؛ لأنّه حيث استوفى بالاجارة منافعه فكأنّه باقٍ على ملكه. الثاني: انّه في كسبه ان أمكن له الاكتساب لنفسه في غير زمان الخدمة، و انلم يمكن فمن بيت
1) جواهر الکلام 27: 297.
المال، و ان لم يكن فعلى المسلمين كفاية. الثالث: انّه ان لم يمكن اكتسابه في غير زمان الخدمة ففي كسبه و ان كان منافيا للخدمة. الرابع: انّه من كسبه، و يتعلّق مقدار ما يفوت منه من الخدمة بذمّته. الخامس: انّه من بيت المال من الأوّل. و لايبعد قوّة الوجه الأوّل.
الشرح:
اذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثمّ أعتقه لاتبطل الاجارة بالعتق؛ لأنّ الاجارة كانت في وقت مالكيّته للعبد و قد صحّت الاجارة، و نظير ذلك ما تقدّم من صحّة بيع العين المستأجرة و عدم بطلان الاجارة و قلنا بأنّه باعها مسلوبة المنفعة، فهنا أيضا أعتقه مسلوبة المنفعة، فليس للعبد المطالبة بعوض المنافع التي استوفاها المولى بالايجار، و ان نسب ذلك الى بعض الشافعيّة.
انّما الكلام في نفقته خلال الفترة المتخلّلة ما بين العتق و بين انقضاء مدّة الاجارة، فنقول: لو لم يشترط كونها على المستأجر و لم يكن للعبد المعتق وقت لتحصيل قوته، بمعنى أنّ الاجارة كانت مستوعبة لأوقاته، فحينئذ فالأوجه من الوجوه التي أشار اليها الماتن هو الوجه الأوّل، و ذلك لأنّ المولى المعتق هو الذى أجار العبد، فعليه الوفاء بعقد الاجارة بمعنى أنّ استيفاء المستأجر من منفعة العبد المعتق منوط بحياته و هو منوط بالانفاق عليه، هذا أوّلاً.
و ثانيا: انّ منافعه في الحقيقة ترجع الى المولى المعتق، فنفقته عليه بازاء منافعه. و هذا نظير الدار التي يؤجرها صاحبها حيث عليه تعميرها لو صارت خربة ليتمكّن المستأجر من سكناها.
و عن المحقّق الكمباني: «الأوجه أنّ نفقته على المؤجر من حيث وجوب تسليم المنفعة حدوثا و بقاءً، و تسليمها باقباض العين حدوثا و بادامة العين، بحيث يمكن الانتفاع بها على الوجه المقصود. و لذا تجب عليه نفقة دابّته من هذه الحيثيّة، و تجب عليه عمارة داره اذا خربت في مدّة الاجارة، فكذا هنا، فانّ ادامة
العبد تحت يده بحفظ حياته الذي هو مساوق لحفظ العين المستأجرة للانتفاع بها».(1)
(مسألة 7): اذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيبا سابقا على العقد و كان جاهلاً به، فان كان ممّا تنقص به المنفعة فلا اشكال في ثبوت الخيار له بين الفسخ و الابقاء، و الظاهر عدم جواز مطالبته الأرش فله الفسخ أو الرضا بها مجّانا. نعم، لو كان العيب مثل خراب بعض بيوت الدار فالظاهر تقسيط الأجرة؛ لأنّه يكون حينئذ من قبيل تبعّض الصفقة. و لو كان العيب ممّا لاتنقص معه المنفعة كما اذا تبيّن كون الدابّة مقطوعة الأذن أو الذنب فربّما يستشكل في ثبوت الخيار معه، لكنّ الأقوى ثبوته اذا كان ممّا يختلف به الرغبات و تتفاوت به الأجرة. و كذا له الخيار اذا حدث فيها عيب بعد العقد و قبل القبض، بل بعد القبض أيضا و ان كان استوفى بعض المنفعة و مضيّ بعض المدّة. هذا اذا كانت العين شخصيّة. و أمّا اذا كانت كلّيّة و كان الفرد المقبوض معيبا فليس له فسخ العقد، بل له مطالبة البدل. نعم، لو تعذّر البدل كان له الخيار في أصل العقد.
الشرح:
في المسألة فروع:
اذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيبا سابقا على العقد فان كان عالما به فلا خيار له؛ لأنّه رضي بها و الحال هذا. و أمّا ان كان جاهلاً فان كان العيب ممّاتنقص به المنفعة فللمستأجر الخيار بين الفسخ و الابقاء، و ذلك مضافا الى ما ورد
1) بحوث في الفقه للشيخ محمد حسين الاصفهاني (كتاب الاجارة): 297.
في البيع و عدم الخصوصيّة فيه، أنّ بناء العرف في المعاوضات على صحّة العوض و المعوّض، فلو تبيّن فيهما العيب و النقص فالمعاوضة تكون معلّقة على رضا الطرف المقابل، فان لم يرض فتردّ المعاملة مع ردّه ايّاها و عدم امضائه لها. فالظاهر عدم الفرق بين كون علمه بالعيب قبل التصرّف أو بعده.
ففي الجواهر: «اذا وجد المستأجر بالعين المستأجرة بالخصوص عيبا سابقا لم يعلمه كان له الفسخ، كما عن المبسوط و غيره، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه و عن التذكرة لانعلم فيه خلافا اذا كان سابقا يوجب نقصا تتفاوت به الأجرة، و ظاهر بعضها تجدّد العيب فضلاً عن سابقه، بل لعلّه عدم الفرق في ثبوت الخيار المزبور بين استيفاء بعض المنفعة و عدمه، و يكون حينئذ كخيار الغبن في عدم السقوط بالتصرّف، و بذلك يفترق عن خيار العيب في البيع الذي يتعيّن الأرش به. انتهى ملخّصا». (1)
قال في المستند: «انّ الأرش حكم تعبّديّ خاصّ بالبيع و لايسري الى المقام. و الوجه فيه: انّ صفة الصحّة كالأوصاف الكماليّة لاتقابل بالمال، و لايقع بازائها جزء من الثمن أو الأجرة، و انّما هي تستوجب زيادة بذل المال بازاء العين فتؤثّر في ازدياد الرغبة الى العين الباعث على دفع القيمة الزائدة بازائها من دون أن تقابل بنفسها بشيء. اذن فلا مقتضى للمطالبة بالتفاوت بين القيمتين، و عليه لايبقى البائع مشغول الذمّة بسبب تخلّف هذا الوصف، و انّما يثبت الأرش و يضمنالبائع بنفس مطالبة المشتري لا بفقد ذاك الوصف. فيملك البائع تمام الثمن و ان
1) جواهر الکلام 27: 313
كانت العين معيبة. غايته ثبوت الخيار للمشتري بين الفسخ و الامضاء مجّانا أو مع مطالبة الأرش، فيضمن التفاوت حينئذ بنفس هذه المطالبة لا أنّه كان ضامنا من الأوّل. انتهى ملخّصا». (1)
و في الجواهر: «صريح قول المصنّف كغيره عدم الأرش هنا أصلاً. نعم، في اللمعة: «و في الأرش نظر». و في جامع المقاصد: تارة ينبغي أن يكون هذا حيث لايكون العيب منقصا للمنفعة، فانّه مع ذهاب بعض العين يجب التقسيط قطعا مع الخيار، و أخرى الأصحّ وجوب الأرش، و ثالثة لاأستبعد ثبوت الأرش كثيرا. و استوجهه في المسالك، و استحسنه في الروضة. و كأنّ الوجه فيما ذكره الأصحاب أنّ العقد انّما جرى على هذا المجموع و هو باقٍ، فامّا أن يفسخ أو يرضى بالجميع، و ثبوت الأرش في البيع للنصّ فلاتقاس عليه الاجارة، و الضرر مندفع بالخيار الذي هو المعتاد في جبر الضرر الناشئ من لزوم العقد، و بذلك ظهر أنّ الثابت الخيار خاصّة في الفرض». (2)
أقول:
فمن البعيد أن يكون الأرش في البيع من التعبّد حتّى يكون منحصرا فيه، و التجاوز عنه قياسا، بل الظاهر أنّ الأرش في البيع بسبب العيب في المبيع أو الثمن لرفع الضرر عن المشتري أو البائع، و هذه العلّة موجودة في الاجارة و ان لم تكن منصوصة ولكنّها كالمنصوصة لوضوحها. و ما قاله الجواهر من أنّ الضرر مندفع بالخيار، ففيه أوّلاً: عندما يندفع الضرر في البيع بالخيار فالأرش لماذا؟ و ليس التعبّد في المعاملات كالعبادات.
و ثانيا: قد يكون في الخيار و الفسخ ضرر كما لو فسخ و لم يتيسّر له اجارة
مثله، و يصير مجبورا في اختيار هذا المعيوب.
ثمّ انّه قال المصنّف: «نعم، لو كان العيب مثل خراب بعض بيوت الدار فالظاهر تقسيط الأجرة؛ لأنّه يكون حينئذ من قبيل تبعّض الصفقة».
ففي المستند: «فيستردّ من نفسها ما يقابل المنفعة الفائتة بنسبة الأجرة، فلو كانت البيوت خمسة و الأجرة خمسة و قد كانت واحدة منها خربة استردّ خمس الأجرة؛ لانكشاف بطلان الاجارة بالاضافة الى هذه الحصّة. و هذا أمر آخر غير الأرش المصطلح في باب خيار العيب حسبما عرفت، و نتيجته ثبوت الخيار للمستأجر في الباقي كما في سائر موارد تبعّض الصفقة. و هذا الذي ذكره المصنّف يتّجه اذا لوحظت البيوت على وجه الجزئيّة بحيث يقابل كلّ بيت بجزء من الأجرة، و أمّا لو كان لحاظها على وجه الشرطيّة، فانّ التخلّف في مثل ذلك لايترتّب عليه الاّ الخيار بين الفسخ و الامضاء من أجل تخلّف الشرط. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّه لا فرق بين هذا الذي سمّاه المصنّف باسم تبعّض الصفقة و بين الأرش، الاّ أن يكون نظره الشريف ما أوضحه في المستند. و كيف كان فالظاهر عدم الاشكال فيما قاله المصنّف على اطلاقه، و هذا أمر يتداول عليه المعاملة فلا منع من الشارع، فلابأس بما سمّاه تبعّض الصفقة.
قال المصنّف: «الأقوى ثبوت الخيار فيما لو كان العيب الذي لاتنقص معه
1) مستند العروة 146:30 و 147.
المنفعة ممّا يختلف فيه الرغبات و تتفاوت به الأجرة».
و في الجواهر: «نعم، يبقى الاشكال في ثبوت الخيار بالعيب في العين و ان لم يكن مفوّتا لشيء من كمال المنفعة و لا فيه نقص على المستأجر باستيفاء المنفعة، كالدابّة البتراء أو الجدعاء أو نحو ذلك. و دعوى أنّ الصبر على مطلق العيب في العين المستأجرة ضرر لا دليل عليها، كدعوى أنّ مورد العقد العين لاستيفاء المنفعة فتنصرف الى الصحيحة كالبيع». (1)
أقول:
ما ذهب اليه المصنّف من قوّة ثبوت الخيار في النقص المذكور اذا كان ممّا يختلف فيه الرغبات و تتفاوت به الأجرة حسن، و ذلك لأنّ مدار المعاملات بالنسبة الى العوض و المعوّض هو الصحيح و هذا المدار كالشرط الضمني في العقد، و دليل الادّعاء بانصراف عقد الاجارة الى العين الصحيحة كالبيع هو العرف و أنّ مدارهم في المعاملات ذلك. نعم، لو كان ذلك العيب ممّا لم يختلف فيه الرغبات و لم يتفاوت به الأجرة فلا خيار حينئذ، كما اذا استأجر عبدا للكتابة فظهر أنّه خنثى، أو خيّاطا للخياطة فبان أنّه جدع الأنف، بخلافه في الدابّة، فانّ فيها تختلف الرغبات.
ذهب المصنّف الى أنّ للمستأجر الخيار في العين المستأجرة اذا حدث فيها عيب بعد العقد و قبل القبض بل بعد القبض أيضا و ان كان استوفى بعض المنفعة
1) جواهر الکلام 27: 314.
و مضى بعض المدّة. و هذا هو الصحيح، و ذلك لأنّ مورد المعاملة منفعة العين و الاستيفاء منها تدريجيّ، فاذا حدث في العين عيب بحيث لايمكن له استيفاء المنفعة على ما تقرّر و تعاهدا عليه فكأنّه حدث قبل القبض. و لايكون هذا مثل البيع الذي حدث فيه العيب بعد القبض حيث لا خيار للمشتري، و ذلك لأنّ المبيع بعد القبض صار ملكا للمشتري فالعيب حدث في ملكه بخلاف ما نحن فيه، فانّ العين باقية على ملك المؤجر، و ما تعاملا عليه منفعة العين المذكورة، فالمنفعة تدريجيّة الحصول، فكلّما تيسّر له الاستيفاء يكون كالمقبوض فلا خيار، فاذا لم يتيسّر لم تكن مقبوضة.
و في الجواهر: «و من التأمّل فيما ذكرنا بان لك الوجه في جميع أطراف المسألة حتّى ثبوت الخيار مع استيفاء بعض المنفعة؛ لما عرفت من عدم الأرش له أصلاً، فالزامه بالعين المفروض عيبها ضرر، على أنّ المنفعة حصولها تدريجيّ، فما بقي منها لم يتصرّف فيه بشيء، و منه ينقدح الوجه فيما حكي عن التذكرة من ثبوت الخيار أيضا في العيب المتجدّد بعد العقد أيضا؛ لكونه حينئذ عيبا سابقا على القبض، و ليس قبضه للعين قبضا لها بالنسبة الى ذلك كما هو واضح. انتهى».(1)
الى هنا بحثنا فيما اذا كانت العين شخصيّة، و أمّا اذا كانت العين كلّيّة و كان الفرد المقبوض معيبا فلا فسخ بل له الردّ و طلب البدل، و ذلك لأنّ المعاملة وقعت على الكلّي غير المعيب، فعلى المؤجر تسليم العين الصحيحة. نعم، اذا تعذّر له
1) جواهر الکلام 27: 315.
تسليم البدل فللمستأجر خيار تعذّر التسليم.
ففي الجواهر: «هذا كلّه اذا كانت العين المستأجرة مشخّصة، أمّا اذا كانت مطلقة لم ينفسخ العقد و كان على المؤجر الابدال. نعم، لو تعذّر أو امتنع و لم يمكن اجباره تخيّر؛ لقاعدة الضرر. انتهى». (1)
(مسألة 8): اذا وجد المؤجر عيبا سابقا في الأجرة و لم يكن عالما به كان له فسخ العقد، و له الرضا به. و هل له مطالبة الأرش معه؟ لايبعد ذلك، بل ربّما يدّعى عدم الخلاف فيه. لكن هذا اذا لم تكن الأجرة منفعة عين، و الاّ فلا أرش فيه، مثل ما مرّ في المسألة السابقة من كون العين المستأجرة معيبة. هذا اذا كانت الأجرة عينا شخصيّة. و أمّا اذا كانت كلّيّة فله مطالبة البدل، لا فسخ أصل العقد الاّ مع تعذّر البدل على حذو ما مرّ في المسألة السابقة.
قد تقدّم شرح هذه المسألة و فروعاتها في المسألة السابقة.
1) جواهر الکلام 27: 315.
(مسألة 9): اذا أفلس المستأجر بالأجرة كان للمؤجر الخيار بين الفسخ و استرداد العين و بين الضرب مع الغرماء، نظير ما اذا أفلس المشتري بالثمن حيث انّ للبائع الخيار اذا وجد عين ماله.
الشرح:
يدلّ عليه صحيحة عمر بن يزيد عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه؟ قال: لايحاصّه الغرماء». (1)
فاطلاق هذه الصحيحة يشمل البيع و الصلح و الاجارة و غيرها.
و يدلّ عليه أيضا مرسلة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في رجل باع متاعا من رجل فقبض المشتري المتاع و لم يدفع الثمن ثمّ مات المشتري و المتاع قائم بعينه، فقال: اذا كان المتاع قائما بعينه ردّ الى صاحب المتاع. و قال: ليس للغرماء أن يحاصّوه»(2).(3)
بناءً على الغاء الخصوصيّة في البيع كما فهمه الأصحاب.
و لاتعارضها صحيحة أبي ولاّد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل باع من رجل متاعا الى سنة فمات المشتري قبل أن يحلّ ماله، و أصاب البائع متاعه بعينه، له أن يأخذه اذا خفي (4)له؟ قال: فقال: ان كان عليه دين و ترك نحوا ممّا عليه
فليأخذه ان أخفي (1)له، فانّ ذلك حلال له، و لو لم يترك نحوا من دينه فانّ صاحب المتاع كواحد ممّن له عليه شيء يأخذ بحصّته و لا سبيل له على المتاع». (2)
فيجمع بين الصحيحة و المرسلة بالتفصيل الذي أتى به عليه السلام في الصحيحة، و يقيّد اطلاق الصحيحة بما قبل الموت، كما صنعه في الشرائع.
قال في الشرائع: «من وجد منهم عين ماله كان له أخذها و لو لم يكن سواها. و له أن يضرب مع الغرماء بدينه، سواء كان وفاءً أو لم يكن، على الأظهر. أمّا الميّت، فغرماؤه سواء في التركة الاّ أن يترك نحوا ممّا عليه، فيجوز حينئذ لصاحب العين أخذها».(3)
و في الجواهر بالنسبة الى الحيّ قال: «لاأجد فيه خلافا معتدّا به اذا كان وفاءً، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لاأجد خلافا فيما اذا لم يكن، الاّ من المحكي عن الشيخ في التهذيب و الاستبصار و النهاية و المبسوط، فخصّ الاختصاص بما اذا كان وفاءً - الى أن قال: - و لا ريب في ضعفه؛ للنبوي المروي في كتب فروع الأصحاب «اذا أفلس الرجل و وجد سلعته فهو أحقّ بها»، و نحوه غيره، و اطلاق صحيح عمر بن يزيد». (4)
و بالنسبة الى الميّت فنظره كما في الشرائع، ثمّ قال: «لاأجد فيه خلافا سوى ما يحكى عن ابن الجنيد من الاختصاص و ان لم يكن وفاءً كالحيّ، و كأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، بل ظاهر النصّ و الفتوى اشتراط الاختصاص في الميّت بما عرفت (أن يترك نحوا ممّا عليه) و ان كان قد مات محجورا عليه، بل صرّح به في
المسالك، و لعلّهم رجّحوا ذلك على اطلاق صحيح عمر بن يزيد للحكمة الواضحة في هذا الشرط بالنسبة الى الميّت دون الحيّ؛ اذ الميّت لم تبق له ذمّة بعد الموت، فلايناسب الاختصاص الاّ مع الوفاء لئلاّ يتضرّر الغرماء، بخلاف الحيّ، فانّ ما يتخلّف من الدين متعلّق بذمّته، فربّما لايضيع». (1)
(مسألة 10): اذا تبيّن غبن المؤجر أو المستأجر فله الخيار اذا لم يكن عالما به حال العقد، الاّ اذا اشترطا سقوطه في ضمن العقد.
الشرح:
يدلّ على ذلك موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: لا ضرر و لا ضرار». (2)
و رواية عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: لا ضرر و لا ضرار». (3)
و رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: لا ضرر و لا ضرار على مؤمن». (4)
و رواية ميسّر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«غبن المؤمن حرام». (5)
و رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
و استشكل في المستند ب- «قصور الحديث عن اثبات الخيار في المقام؛ اذ مفاده انّما هو نفي أيّ جعل تشريعيّ ينشأ منه الضرر، و من المعلوم أنّ الضرر في المقام لم ينشأ من ناحية الشارع و انّما حصل من نفس البيع الصادر من المتبايعين - الى أن قال: - و لأجله استندنا في ثبوت الخيار لدى ظهور الغبن الى تخلّف الشرط الضمني الارتكازي المقرّر بين العقلاء على مساواة العوضين في الماليّة، لا الى حديث نفي الضرر، و كذلك الحال في المقام بمناط واحد». (3)
ولكن فيه أوّلاً: انّ غبن المؤجر و المستأجر مشمول لرواية زرارة «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن».
و ثانيا: حكم الشارع بلزوم المعاملة يكون جعلاً منه و هو ضرر و «لا ضرر و لا ضرار»، فالنتيجة رفع اللزوم و للمغبون الخيار.
و أجاب عن هذا: «انّ هذا اللزوم لم يسبّب ضررا جديدا لكي يرتفع بالحديث، و انّما هو الزام بما أقدم عليه المغبون من الضرر. غاية ما هناك أنّ للشارع معالجة الضرر الحاصل بالبيع و تداركه بجعل الخيار، و هذا أمر آخر يحتاج الى دليل آخر و لايكاد يتكفّله الحديث بوجه؛ اذ هو ناظر الى نفي جعل الضرر، لا الى جعل ما يتدارك به الضرر». (4)
و فيه أوّلاً: انّ اللزوم جاء من قبل الشارع تأسيسا أو امضاءً.
و ثانيا: كيف أقدم المغبون على الضرر مع كونه غافلاً؟
و ثالثا: اذا نفى الشارع جعل الضرر بهذا الحديث فمعناه عدم اللزوم؛ لأنّ
اللزوم الذي جاء من قبله يكون من الجعل الضرري.
و رابعا: قد قرّر ثبوت الخيار لدى ظهور الغبن بتخلّف الشرط الضمني الارتكازي المقرّر بين العقلاء على مساواة العوضين في الماليّة، فمعناه عدم قبول الضرر من الطرفين، فلو كشف ضرر و غبن بعد المعاملة على أحدهما فله الخيار.
نعم، اجراء الأحكام المتعلّقة بالخيار هنا مشكل؛ لأنّ الدليل عليها في البيع الاجماع، و لم ينعقد الاجماع في الاجارة، فالصلح عليه بشيء أو الانتقال بالارث مخصوص بالبيع.
(مسألة 11): ليس في الاجارة خيار المجلس و لا خيار الحيوان، بل و لا خيار التأخير على الوجه المذكور في البيع، و يجري فيها خيار الشرط حتّى للأجنبي و خيار العيب و الغبن كما ذكرنا، بل يجري فيها سائر الخيارات، كخيار الاشتراط و تبعّض الصفقة و تعذّر التسليم و التفليس و التدليس و الشركة و ما يفسد ليومه و خيار شرط ردّ العوض نظير شرط ردّ الثمن في البيع.
الشرح:
ليس في الاجارة خيار المجلس و لا خيار الحيوان؛ لأنّ الروايات وردت في البيع، كقوله عليه السلام:
«البيّعان بالخيار حتّى يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام».(1)
و قوله عليه السلام:
«المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان». (2)
مضافا الى الاجماع.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «لايثبت خيار المجلس في شيء من العقود سوى البيع عند علمائنا - و قال أيضا: - المشهور اختصاص خيار الحيوان بالمشتري، و عن الغنية و ظاهر الدروس الاجماع عليه». (1)
و في المصباح: «لا شبهة أنّ مورد خيار المجلس انّما هو البيع؛ لاختصاص الأدلّة به، فلايجري في غيره، و ما ذكره الشيخ في المبسوط و القاضي في المهذّب من دخول خيار المجلس و الشرط في الوكالة و الوديعة و العارية و القراض و الجعالة، لانعرف له وجها، و من هنا ذكر العلاّمة في التذكرة أنّ الخيار في أمثال هذه العقود أبديّ؛ لجوازها. انتهى ملخّصا». (2)
و أمّا سائر الخيارات فيجري في البيع و غيره لعدم اختصاص دليلها بالبيع.
قال في البحوث: «الخيارات على أقسام: أحدها ما ثبت للبيع بعنوانه بدليل يختصّ به كخيار المجلس و خيار الحيوان، فهذا لايجري في غير البيع.
ثانيها ما ثبت للبيع بدليل خاصّ و بدليل عامّ، كخيار العيب بل و خيار التأخير و خيار الرؤية، فانّ هذه الخيارات و ان كانت لها أدلّة خاصّة بالبيع لكنّها مشمولة لقاعدة نفي الضرر العامّة للبيع و غيره.
ثالثها ما ليس له دليل خاصّ كالخيارات التي لا درك لها الاّ قاعدة نفي الضرر العامّة للبيع و غيره، فهذان يجريان في البيع و الاجارة و غيرهما. انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 12): اذا آجر عبده أو داره - مثلاً - ثمّ باعه من المستأجر لم تبطل الاجارة، فيكون للمشتري منفعة العبد - مثلاً - من جهة الاجارة قبل انقضاء
مدّتها لا من جهة تبعيّة العين، و لو فسخت الاجارة رجعت الى البائع، و لو مات بعد القبض رجع المشتري المستأجر على البائع بما يقابل بقيّة المدّة من الأجرة و ان كان تلف العين عليه. و اللّه العالم.
الشرح:
قد تقدّم البحث عن هذا في المسألة الأولى من هذا الفصل و قلنا بعدم بطلان الاجارة لو باع داره أو عبده - مثلاً - من المستأجر فيكون للمشتري منفعة الدار. و على هذا المبنى لو فسخت الاجارة رجعت المنفعة الى البائع لتعدّد المعاملة. و لو تلفت العين المستأجرة بعد قبضها رجع المشتري المستأجر على البائع بما يقابل بقيّة المدّة من الأجرة و ان كان تلف العين عليه لتعدّد المعاملة. و مرّ تفصيل ذلك في المسألة الأولى من هذا الفصل، فراجع.
يملك المستأجر المنفعة في اجارة الأعيان، و العمل في الاجارة على الأعمال بنفس العقد من غير توقّف على شيء كما هو مقتضى سببيّة العقود، كما أنّ المؤجر يملك الأجرة ملكيّة متزلزلة به كذلك، ولكن لايستحقّ المؤجر مطالبة الأجرة الاّ بتسليم العين أو العمل، كما لايستحقّ المستأجر مطالبتهما الاّ بتسليم الأجرة كما هو مقتضى المعاوضة، و تستقرّ ملكيّة الأجرة باستيفاء المنفعة أو العمل أو ما بحكمه، فأصل الملكيّة للطرفين موقوف على تماميّة العقد، و جواز المطالبة موقوف على التسليم، و استقرار ملكيّة الأجرة موقوف على استيفاء المنفعة أو اتمام العمل أو ما بحكمهما، فلو حصل مانع عن الاستيفاء أو عن العمل تنفسخ الاجارة كما سيأتي تفصيله.
الشرح:
قد أشار المصنّف الى ثلاثة موضوعات:
الأوّل: انّ الملكيّة للطرفين المؤجر و المستأجر موقوف على تماميّة العقد. و
ذلك لأنّ العقد سبب مستقلّ للملكيّة كما قال اللّه تعالى: «أوفوا بالعقود» (1). و كما في صحيحة محمّد بن عيسى اليقطيني التي تقدّمت في الفصل الثاني.
الثاني: جواز المطالبة موقوف على التسليم، و ذلك لأنّه اذا جرى عقد الاجارة بين المؤجر و المستأجر فمقتضاه الوفاء بما عقدا عليه و هو وجوب تسليم العين المستأجرة لانتفاع المستأجر أو العمل من جانب المؤجر و وجوب تسليم مال الاجارة من جانب المستأجر، فاذا سلّم المستأجر المال فله أن يطلب من المؤجر العين المستأجرة أو العمل و كذا العكس.
الثالث: استقرار ملكيّة الأجرة موقوف على استيفاء المنفعة أو اتمام العمل أو ما بحكمهما، و ذلك لأنّ الأجرة في مقابل استيفاء المنفعة أو اتمام العمل و هما تدريجيّ الحصول، فلو حصل مانع عن الاستيفاء أو العمل تنفسخ الاجارة، و هذا غير ما كان فيه الخيار، فانّ له أحكاما خاصّة. ثمّ انّ المصنّف نسب الملكيّة المتزلزلة الى المؤجر و الحال عدم الفرق بينه و بين المستأجر، فانّ المستأجر أيضا يملك المنفعة أو العمل ملكيّة متزلزلة.
قال في المستند في دليل الموضوع الثاني: «لاعتبار التسليم من الجانبين في كافّة العقود المعاوضيّة و منها الاجارة بمقتضى الشرط الضمني الارتكازي، فليس لأحدهما مع امتناعه عن التسليم مطالبة الآخر».
و في الثالث قال: «انّ التزلزل قسمان: قسم منهما مربوط بالعقود الجائزة فيجوز للمملّك الرجوع من الأوّل كما في الهبة غير المعوّضة و من الواضح عدم كون المقام من هذا القبيل. و قد يطلق في العقود اللازمة لأجل عروض ما يمنع عن اللزوم، كما في المقام. فان كان عروض المانع قبل الاستيفاء أو العمل كشف عن بطلان الاجارة من الأوّل، و ان كان حدوثه في الأثناء فتنفسخ الاجارة، الاّ أنّه
1) المائدة 5: 1.
لا فرق في ذلك بين الأجرة و المنفعة. انتهى ملخّصا». (1)
و في الجواهر: «و تملك المنفعة بنفس العقد كما تملك الأجرة به بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى أنّ ذلك مقتضى العقد - الى أن قال: - الاّ أنّه ملك غير مستقرّ، و انّما يستقرّ بالاستيفاء بلا خلاف». (2)
(مسألة 1): لو استأجر دارا - مثلاً - و تسلّمها و مضت مدّة الاجارة استقرّت الأجرة عليه، سواء سكنها أم لم يسكنها لاختياره، و كذا اذا استأجر دابّة للركوب أو لحمل المتاع الى مكان كذا و مضى زمان يمكن له ذلك وجب عليه الأجرة و استقرّت و ان لم يركب أو لم يحمل، بشرط أن يكون مقدّرا بالزمان المتّصل بالعقد. و أمّا اذا عيّنا وقتا فبعد مضيّ ذلك الوقت. هذا اذا كانت الاجارة واقعة على عين معيّنة شخصيّة في وقت معيّن. و أمّا ان وقعت على كلّيّ و عيّن في فرد و تسلّمه فالأقوى أنّه كذلك مع تعيين الوقت و انقضائه. نعم، مع عدم تعيين الوقت فالظاهر عدم استقرار الأجرة المسمّاة و بقاء الاجارة و ان كان ضامنا لأجرة المثل لتلك المدّة من جهة تفويته المنفعة على المؤجر.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا سلّم العين المستأجرة و مضت مدّة يمكن فيها استيفاء المنفعة لزمته الأجرة، و فيه تفصيل. و كذا لو استأجر دارا و سلّمها و مضت المدّة و لم يسكن، أو استأجره لقلع ضرسه فمضت المدّة التي يمكن انتفاع ذلك فيها فلم يقلعه المستأجر استقرّت الأجرة. أمّا لو زال الألم عقيب العقد سقطتالأجرة». (3)
يدلّ على هذه المسألة موثّقة اسماعيل بن الفضل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل استأجر من رجل أرضا فقال: آجرنيها بكذا و كذا، ان زرعتها أو لم أزرعها أعطك ذلك، فلم يزرع الرجل؟ فقال: له أن يأخذه بما له، ان شاء ترك و ان شاء لم يترك». (1)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يتكارى من الرجل البيت أو السفينة سنة أو أكثر من ذلك أو أقلّ؟ قال: الكراء لازم له الى الوقت الذي تكارى اليه، و الخيار في أخذ الكراء الى ربّها، ان شاء أخذ و ان شاء ترك». (2)
فاطلاق الموثّقة بل الصحيحة دالّ على أنّ من استأجر عينا للانتفاع بها من أرض أو دار أو دابّة للركوب أو لحمل المتاع الى مكان كذا و لم ينتفع بها و مضت مدّة الاجارة فقد استقرّت الأجرة و هذا واضح فيما لو عيّنا وقتا في عقد الاجارة بلا فرق بين أن يكون العين شخصيّة أو كلّيّة؛ لأنّه حين التسليم و التسلّم تصير شخصيّة. و أمّا لو لم يعيّن وقتا، فان كان هناك قرينة على الوقت فكالتعيين. و لو لم يكن كذلك فالظاهر أيضا استقرار الأجرة المسمّاة ان مضى وقت يمكن للمستأجر استيفاء المنفعة.
و أمّا المصنّف فبالنسبة الى عدم تعيين الوقت قال: «فالظاهر عدم استقرار الأجرة المسمّاة و بقاء الاجارة و ان كان ضامنا لأجرة المثل لتلك المدّة من جهة تفويته المنفعة على المؤجر».
و أشكل عليه في المستند بأنّه أوّلاً ينافي لما سيجيء منه قدس سره في المسألة الثالثة؛ اذ لا فرق بين كون الاجارة على العين كما هنا و كونها على العمل كما هناك.
و ثانيا بعد تسليم العين و تسلّمها استقرّت الأجرة المسمّاة، و من البديهي أنّ عدم انتفاع المستأجر بعد تسلّم العين تفويت لمال نفسه باختياره، لا لمال الغير حتّى يضمن، فلا موقع لحكمه بضمان أجرة المثل لتلك المدّة من جهة تفويته المنفعة على المؤجر. (1)
(مسألة 2): اذا بذل المؤجر العين المستأجرة للمستأجر و لم يتسلّم حتّى انقضت المدّة استقرّت عليه الأجرة، و كذا اذا استأجره ليخيط له ثوبا معيّنا - مثلاً - في وقت معيّن و امتنع من دفع الثوب اليه حتّى مضى ذلك الوقت فانّه يجب عليه دفع الأجرة، سواء اشتغل في ذلك الوقت مع امتناع المستأجر من دفع الثوب اليه بشغل آخر لنفسه أو لغيره أو جلس فارغا.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المؤجر يملك الأجرة بنفس العقد و كذلك المستأجر يملك المنفعة في اجارة الأعيان و العمل في الاجارة على الأعمال بنفس العقد ملكيّة متزلزلة و تستقرّ الملكيّة بالتسليم و التسلّم و استيفاء المنفعة أو العمل أو ما بحكمه، فاذا بذل المؤجر العين المستأجرة للمستأجر و لم يتسلّم فهو بحكم التسليم و التسلّم، فلو انقضت المدّة استقرّت الأجرة. و كذا اذا استأجره ليعمل له عملاً معيّنا كأن يخيط له ثوبا معيّنا في وقت معيّن و امتنع من دفع الثوب اليه حتّى مضى ذلك الوقت، فانّه يجب عليه دفع الأجرة مطلقا، كما في المتن.
(مسألة 3): اذا استأجره لقلع ضرسه و مضت المدّة التي يمكن ايقاع ذلك فيها و كان المؤجر باذلاً نفسه استقرّت الأجرة، سواء كان المؤجر حرّا أو عبدا
1) مستند العروة 165:30.
باذن مولاه. و احتمال الفرق بينهما بالاستقرار في الثاني دون الأوّل؛ لأنّ منافع الحرّ لاتضمن الاّ بالاستيفاء لا وجه له؛ لأنّ منافعه بعد العقد عليها صارت مالاً للمستحقّ، فاذا بذلها و لم يقبل كان تلفها منه، مع أنّا لانسلّم أنّ منافعه لاتضمن الاّ بالاستيفاء، بل تضمن بالتفويت أيضا اذا صدق ذلك، كما اذا حبسه و كان كسوبا فانّه يصدق في العرف أنّه فوّت عليه كذا مقدارا. هذا، و لو استأجره لقلع ضرسه فزال الألم بعد العقد لم تثبت الأجرة؛ لانفساخ الاجارة حينئذ.
الشرح:
قد عنون المصنّف في هذه المسألة فروعا:
«الأوّل»: اذا استأجر أجيرا لعمل كقلع ضرسه مثلاً و مضت المدّة التي يمكن ايقاع ذلك العمل فيها و كان الأجير باذلاً نفسه استقرّت الأجرة، و تقدّم الدليل على ذلك في شرح المسألة الأولى من هذا الفصل من أنّه لو استأجر عينا كالدار - مثلاً - و تسلّمها و مضت مدّة يمكن للمستأجر الانتفاع بها استقرّت الأجرة عليه، و لا فرق بين اجارة الدار أو اجارة العمل، فراجع.
«الثاني»: لا فرق في ذلك بين عمل الحرّ و العبد الذي آجر نفسه باذن مولاه، و ان احتمل بعض الفرق بينهما بالاستقرار في الثاني دون الأوّل؛ لأنّ منافع الحرّ لاتضمن الاّ بالاستيفاء، فانّه لا وجه له؛ لما تقدّم من ملك المستأجر عمل المؤجر بعقد الاجارة كما يملك المؤجر مال الاجارة بالعقد ملكا متزلزلاً، فاذا مضت المدّة المذكورة استقرّت الاجارة.
ففي الجواهر: «أمّا في العبد الذي قد تسلّمه فواضح؛ لأنّه من العين المستأجرة التي قد عرفت الكلام فيها، و أمّا الحرّ فهو و ان كان قضيّة اطلاق المتن و محكيالمبسوط و السرائر و التحرير و الارشاد ذلك فيه أيضا، بل عن التذكرة أنّه الأقرب، بل في المسالك الجزم به؛ لبعض الأدلّة السابقة. لكن قد يشكل بما في جامع المقاصد و محكي مجمع البرهان من أنّ منافع الحرّ لاتدخل تحت اليد
استقلالاً و لا تبعا؛ لعدم ملكيّة العين، و لذا لاتضمن الاّ بالاستيفاء. بل قيل: انّه خيرة غصب الشرائع و التحرير و جامع المقاصد و تعليق الارشاد و المسالك و الروضة و الرياض. و قد يدفع بأنّ منافع الحرّ بعد العقد عليها و استحقاقها صارت مالاً، فمتى بذلها لمستحقّها فلم يقبلها كان تلفها منه، نحو غيرها من الأموال. انتهى».(1)
«الثالث»: قال المصنّف: «انّا لانسلّم أنّ منافع الحرّ لاتضمن الاّ بالاستيفاء بل تضمن بالتفويت أيضا اذا صدق ذلك، كما اذا حبسه و كان كسوبا، فانّه يصدق في العرف أنّه فوّت عليه كذا مقدارا».
و في الشرائع: «و لو حبس صانعا لم يضمن أجرته، ما لم ينتفع به؛ لأنّ منافعه في قبضته». (2)
و في الجواهر بعد قول الشرائع قال: «فضلاً عن غير الصانع، بلا خلاف أجده فيه، بل في الكفاية هو مقطوع به في كلام الأصحاب و ان عبّر في التذكرة بلفظ الأقوى مشعرا باحتمال الضمان فيه، بل في مجمع البرهان قوّة ذلك لقاعدة نفي الضرر مع كونه ظالما و عاديا، فيندرج في قوله تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»(3)و «جزاء سيّئة سيّئة»(4)، و غيرهما ممّا دلّ على المقاصّة و العقاب بمثل ما عوقب(5)، فالضمان حينئذ لذلك لاللغصب الذي لايقتضيه، باعتبار عدم كون المغصوب مالاً تتبعه منافعه ولو شرعا في الدخول تحت اليد و اسم الغصب و غيرهما. - الى أن قال في جوابه: - انّ قاعدة نفي الضرر و الضرار و غيرها ممّا ذكره من الآيات لو اقتضت الضمان على وجه
تشمل الفرض لأثبتت فقها جديدا، ضرورة اقتضائها الضمان بالمنع عن العمل أو الانتفاع بماله و غير ذلك ممّا عرفت عدم القول به من العامّة الذين مبنى فقههم على القياس و الاستحسان فضلاً عن الاماميّة الذين مبنى فقههم على القواعد المقرّرة الثابتة عن أهل بيت العصمة. فلا وجه للضمان في الفرض كما قطع به الأصحاب».(1)
و في التذكرة: «و لو حبسه (الحرّ) مدّة لمثلها أجرة و عطّل منافعه فالأقوى أنّه لايضمن الأجرة؛ لأنّ منافعه تابعة لما لايصحّ غصبه فأشبهت ثيابه اذا تلفت عليه، و لأنّ منافعه في يده لأنّ الحرّ لايدخل تحت اليد فمنافعه تفوت تحت يده فلم يجب ضمانها بخلاف الأموال و هو أصحّ وجهي الشافعيّة، و الثاني أنّه يضمنها؛ لأنّ منافعه يتقوّم بالعقد الفاسد فأشبهت منافع الأموال فقد فوّتها بحبسه فضمنها كمنافع العبد. أمّا لو منعه من غير حبس فانّه لايضمن منافعه وجها واحدا؛ لأنّه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه فالحرّ أولى». (2)
و في المستند: «انّ سبب الضمان امّا وضع اليد على مال الغير عدوانا أو اتلافه، بمقتضى أنّ من أتلف مال الغير فهو له ضامن، الذي هو عبارة متصيّدة من الأخبار و ان لم يرد بهذا اللفظ، مضافا الى السيرة العمليّة القائمة على أنّ اتلاف المال موجب للضمان. و من الواضح عدم انطباق شيء من ذلك على عمل الحرّ؛ اذ لايصدق عليه وضع اليد كما هو واضح و لا الاتلاف؛ لأنّه متفرّع على أن يكون له مال موجود ليرد الاتلاف عليه، و لا وجود له حسب الفرض. نعم، يصدق التفويتباعتبار أنّ الحابس بحبسه سدّ على الكسوب باب تحصيل المنفعة، فهو بمنعه عن الاكتساب فوّت المال عليه، الاّ أنّ التفويت شيء و الاتلاف شيء آخر، و الموجب للضمان انّما هو الثاني المتوقّف على واجديّته لمال فعليّ كما عرفت، دون الأوّل.
و من ثمّ لم يجب الحجّ على الحرّ القادر على الكسب و تحصيل الزاد و الراحلة قولاً واحدا؛ اذ لايقال: انّ عنده كذا مقدارا من المال، فلو كان عمله ملكا له و كانت أعماله أموالاً فعليّة فكيف لم يجب عليه الحجّ؟! فلو تصدّى أحد لصيد غزال في البرّ فحبسه ظالم و صدّه عن المسير اليه لايقال انّه أتلف ماله و ان صدق عليه التفويت و انّه سدّ عليه باب المنفعة و منعه عن التمليك. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
لو أنّ رجلاً صار سببا لتضرّر رجل آخر في نفسه أو ماله أو عرضه، فهل على الضارّ دفع خسارة للمتضرّر؟ فلو حبس ماله الذي يكتسب به فهل يعدّ الحابس ضارّا يلزمه دفع خسارة ماله، أي جبران ما ينتفع به في تلك المدّة؟ فأيّ فرق بينه و بين حبس الحرّ الذي يكون كسوبا ينتفع من كدّ يده كلّ يوم بمقدار من المال؟ فهل يصدق على الفرد الحابس أنّه رجل ضارّ؟ فلو أنكر أحد، فما معنى قوله صلى الله عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام»؟ و ما حكم هذه الموضوعات و أمثالها في زماننا الحاضر؟ مع أنّ الاسلام دين كامل فله في كلّ موضوع حكم ينطبق على العقل السليم.
«الرابع»: قال رحمه الله: «و لو استأجره لقلع ضرسه فزال الألم بعد العقد لم تثبت الأجرة؛ لانفساخ الاجارة حينئذ».
و في الشرائع: «أمّا لو زال الألم عقيب العقد سقطت الأجرة».(2)
و في الجواهر بعد قول صاحب الشرائع قال: «لتعذّر متعلّقها شرعا باعتبار عدم جواز القلع، و ادخال الألم على النفس بغير ضرورة، فلايصحّ الاستئجار عليه؛ اذ هو حينئذ كالاستئجار على قطع اليد و نحوه من غير سبب يوجبه. أمّا لو
فرض وجود سبب كالأكلة و نحوها ممّا يقطع بها عند العقلاء جاز بلا اشكال و لا خلاف كما هو واضح، و اللّه العالم». (1)
أقول:
اذا زال الألم زال موضوع الاجارة و تنفسخ الاجارة و لم تثبت الأجرة، و ذلك كما لو استأجره لحمل متاع و قبل اشتغاله سرق المتاع أو غرق. نعم، لو كان زوال الألم موقّتا بمعنى أنّ الضرس لم تكن له فائدة بعد و كان فاسدا، فالاجارة بحالها، كما أشار اليه المستند، و ان كان استدراكه بقوله «بل يمكن أن يقال بصحّة الاجارة حتّى مع العلم بعدم العود ... »(2)لايمكن المساعدة عليه؛ لأنّ قلع الضرس لغرض سفهائي ضرر على البدن و هو حرام. نعم، لو كان لداعٍ عقلائيّ كما لو كان له أربع أسنان لاينتفع بها و احتاج الى قلعها ليضع مكانها أسنانا مصنوعيّة فالاجارة بحالها.
و في المسالك: «و انّما سقطت الأجرة بالبرء لبطلان الاجارة من حيث تعلّقها بمنفعة لايجوز استيفاؤها شرعا؛ اذ لايجوز قلع الضرس و ادخال الألم على النفس لغير ضرورة، فلايصحّ الاستئجار عليه، كما لو استأجر لقلعه ابتداءً من غير ألم، أو لقطع يده من غير سبب يوجبه. أمّا لو كانت متآكلة يخاف من سريان المرض فهي كالضرس الفاسد. و المرجع في ذلك الى ظنّ أهل الخبرة أو التجربة».(3)
(مسألة 4): اذا تلفت العين المستأجرة قبل قبض المستأجر بطلت الاجارة، و كذا اذا تلفت عقيب قبضها بلا فصل. و أمّا اذا تلفت بعد استيفاء منفعتها في بعض المدّة فتبطل بالنسبة الى بقيّة المدّة، فيرجع من الأجرة بما قابل المتخلّف
من المدّة ان نصفا فنصف و ان ثلثا فثلث، مع تساوي الأجزاء بحسب الأوقات، و مع التفاوت تلاحظ النسبة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو استأجر شيئا فتلف قبل قبضه بطلت الاجارة. و كذا لو تلف عقيب قبضه. أمّا لو انقضى بعض المدّة ثمّ تلف أو تجدّد فسخ الاجارة، صحّ فيما مضى، و بطل في الباقي، و يرجع من الأجرة بما قابل المتخلّف من المدّة. انتهى».(1)
أقول:
الظاهر أنّه مطابق للقاعدة. أمّا بطلان الاجارة فيما اذا تلفت العين المستأجرة قبل القبض فلفقد موضوع الاجارة، فانّ العين من أركان الاجارة، و كذا لو تلفت عقيب قبضها بلا فصل؛ لعدم مضيّ مدّة يمكن فيها الانتفاع من العين المستأجرة فيلحق بالأوّل. و أمّا اذا تلفت بعد استيفاء منفعتها في بعض المدّة فتبطل بالنسبة الى بقيّة المدّة؛ لتلف العين التي هي ركن الاجارة و عدم الانتفاع منها في بقيّة المدّة. و أمّا بالنسبة الى ما مضى فالاجارة صحيحة. ثمّ انّه لو دفع المستأجر تمام الأجرة يرجع الى المؤجر بما قابل المتخلّف ان نصفا فنصف و ان ثلثا فثلث مع تساوي الأجزاء بحسب الأوقات، و مع التفاوت تلاحظ النسبة.
مثال ذلك: لو كانت أجرتها تسعة دنانير في ثلاثين يوما فتلفت العين بعد مضيّ عشرة أيّام فيرجع من الأجرة بستّة دنانير. هذا مع تساوي الأجزاء بحسبالأوقات. و لو كانت أجرة الثلث الأوّل تساوي ثلثي البقيّة فيرجع من الأجرة بأربعة و نصف دينار.
و في المستمسك في ذيل كلام المصنّف «بطلت الاجارة» قال: «بلا خلاف
1) شرائع الاسلام 2: 183.
نعلمه، كما في محكي التذكرة. و نحوه في الجواهر. و قد يستدلّ على ذلك بأنّ مبنى عقود المعاوضة على المعاوضة الاعتباريّة و الخارجيّة التي هي تبديل سلطنة بسلطنة، فتعذّره يقتضي انتفاءها. و أشكل عليه في الجواهر ب- «أنّ ذلك خلاف ما ذكروه في مسألة تلف المبيع قبل القبض من أنّه خلاف الأصل، ثبت بدليل خاصّ بالبيع، و لا وجه للتعدّي الى غيره. اللّهمّ الاّ أن يكون التعدّي الى المقام دليلاً على فهم ذلك من الدليل». هذا، و التحقيق أنّ الوجه في البطلان: ما سيأتي من أنّ اعتبار المنفعة انّما يصحّ في ظرف وجود العين فعلاً، فمع التلف قبل القبض لا منفعة حتّى يصحّ اعتبار الاجارة، و عليه فبطلان الاجارة من أصلها - كما نسب الى العلاّمة رحمه الله - لا من التلف كما هو ظاهر المشهور هنا، بل المتسالم عليه في تلف المبيع قبل القبض». (1)
1) مستمسك العروة 50:12.
(مسألة 5): اذا حصل الفسخ في أثناء المدّة بأحد أسبابه تثبت الأجرة المسمّاة بالنسبة الى ما مضى، و يرجع منها بالنسبة الى ما بقي - كما ذكرنا فى البطلان - على المشهور، و يحتمل قريبا أن يرجع تمام المسمّى و يكون للمؤجر أجرة المثل بالنسبة الى ما مضى؛ لأنّ المفروض أنّه يفسخ العقد الواقع أوّلاً، و مقتضى الفسخ عود كلّ عوض الى مالكه، بل يحتمل أن يكون الأمر كذلك في صورة البطلان أيضا، لكنّه بعيد.
الشرح:
قال في الشرائع: «أمّا لو انقضى بعض المدّة ثمّ تلف، أو تجدّد فسخ الاجارة، صحّ فيما مضى، و بطل في الباقي، و يرجع من الأجرة بما قابل المتخلّف من المدّة».(1)
أقول:
الظاهر أنّ فسخ العقد عبارة عن قطعه و نقضه من حينه و هو الذي يفهم العرف من الفسخ و يبني عليه معاملاته، فبعدما لم يكن هناك نقض و ردع من الشارع فهو حكمه. أمّا بالنسبة الى تجدّد سبب الفسخ من عيب أو نقص في المال المستأجر به أو عمل الأجير فحكمه واضح، فلا معنى للقول بأنّ الفسخ كاشف عن عدم انعقاد العقد من الأوّل.
و أمّا بالنسبة الى ما كان سبب الفسخ قبل العقد فلم ينتبه المستأجر حتّى مضت مدّة، فهذا أيضا ينفسخ من حين الفسخ اذا فسخ بعد الانتباه، و لا دليل على كشفه من أنّ العقد لم ينعقد ابتداءً، بل الدليل على خلافه و هو قوله تعالى: «أوفوا بالعقود»، فالعقد وقع و يجب الوفاء به الاّ أنّ للعاقد حقّ قطعه بسبب شرعيّ، فاذا استفاد من حقّه فقطعه انقطع، و تثبت الأجرة المسمّاة بالنسبة الى ما مضى و يرجع
1) شرائع الاسلام 2: 183.
منها بالنسبة الى ما بقي.
و في المستمسك: «فانّه ذكر في الشرائع «أنّه لو تجدّد فسخ الاجارة، صحّ فيما مضى و بطل في الباقي». و لم يتعرّض في الجواهر و المسالك و غيرهما - في شرح العبارة المذكورة - لشبهة أو اشكال. و كذا ذكر في الارشاد، فيما لو انهدم المسكن ففسخ: انّه يرجع بنسبة المتخلّف و لم يتعرّض في مجمع البرهان للاشكال فيه. و كذا ذكره في الحدائق من دون نقل خلاف أو اشكال. و لم أقف على من تعرّض لخلاف فيه. بل يظهر من كلماتهم أنّه من المسلّمات. و قد ادّعى بعض الأعيان ظهور اتّفاقهم عليه». (1)
(مسألة 6): اذا تلف بعض العين المستأجرة تبطل بنسبته و يجيء خيار تبعّض الصفقة.
الشرح:
اذا تلف بعض العين المستأجرة تبطل بنسبته؛ لانعدام موضوع الاجارة بالنسبة الى البعض، فاذا بطلت الاجارة بالنسبة الى بعض العين المستأجرة فللمستأجر خيار تبعّض الصفقة، فان فسخ فكالمسألة السابقة تثبت الأجرة المسمّاة بالنسبة الى ما مضى و يرجع منها بالنسبة الى ما بقي. و ان لم يفسخ فتثبت الأجرة المسمّاة بالنسبة الى ما مضى و تبطل بعضها بالنسبة الى ما تلف.
(مسألة 7): ظاهر كلمات العلماء أنّ الأجرة من حين العقد مملوكة للمؤجر بتمامها، و بالتلف قبل القبض أو بعده أو في أثناء المدّة ترجع الى المستأجر كلاًّ أو بعضا من حين البطلان، كما هو الحال عندهم في تلفالمبيع قبل القبض، لا
1) مستمسك العروة 51:12.
أن يكون كاشفا عن ملكيّتها من الأوّل، و هو مشكل؛ لأنّ مع التلف ينكشف عدم كون المؤجر مالكا للمنفعة الى تمام المدّة فلم ينتقل ما يقابل المتخلّف من الأوّل اليه، و فرق واضح بين تلف المبيع قبل القبض و تلف العين هنا؛ لأنّ المبيع حين بيعه كان مالاً موجودا قوبل بالعوض، و أمّا المنفعة في المقام فلم تكن موجودة حين العقد و لا في علم اللّه الاّ بمقدار بقاء العين، و على هذا فاذا تصرّف في الأجرة يكون تصرّفه بالنسبة الى ما يقابل المتخلّف فضوليّا. و من هذا يظهر أنّ وجه البطلان في صورة التلف كلاًّ أو بعضا انكشاف عدم الملكيّة للمعوّض.
الشرح:
قد تقدّم أنّه اذا انعقد عقد الاجارة ملك المؤجر الأجرة و المستأجر منافع العين، الاّ أنّ ملكيّتهما بالنسبة اليهما متزلزلة، بمعنى أنّه اذا تلفت العين قبل القبض أو بعده بلا فصل بطلت الاجارة و كشف عن عدم ملكيّتهما للأجرة و العين. و الى هنا لم يكن فرق بين البيع و الاجارة قبل القبض، فلو تلف المبيع قبل القبض بطل العقد و كشف عن عدم ملكيّة البائع الثمن و المشتري المبيع. و أمّا لو تلفت العين في الأثناء ففرق واضح بينهما، فبالنسبة الى البيع فتلف المبيع من مال المشتري حيث استقرّ البيع بالقبض بخلاف الاجارة، فانّ المنافع فيها تدريجيّ الحصول، فكلّما انتفع منها فقد استقرّت الأجرة بالنسبة، و ما لم تجئ فملكيّتها متزلزلة و كذا الثمن، فلو تلفت العين في الأثناء كشف عن عدم ملكيّة الثمن بالنسبة الى المدّة الباقية.
(مسألة 8): اذا آجر دابّة كلّيّة و دفع فردا منها فتلف، لاتنفسخ الاجارة بل ينفسخ الوفاء، فعليه أن يدفع فردا آخر.
الشرح:
اذا آجر دابّة كلّيّة - مثلاً - فعليه الوفاء بعقد الاجارة أي اقباض الدابّة، و حيث انّها كلّيّة و الكلّي لايمكن تسليمه الاّ في ضمن فرده، فالوفاء به هو دفع فرد من ذلك الكلّي، فاذا دفع فردا من الدابّة الكلّيّة فتلف، لاتنفسخ الاجارة؛ لأنّ عقد الاجارة وقع على كلّيّ الدابّة و هو باقٍ بعد، فما تلف لم يكن موضوع الاجارة بل انفسخ الوفاء، بمعنى أنّ المؤجر تخيّل أنّه فرد من موضوع الاجارة، فاذا تلف انكشف عدم كونه فردا من كلّيّ الدابّة فعليه أن يدفع فردا آخر من كلّيّ الدابّة.
(مسألة 9): اذا آجره دارا فانهدمت فان خرجت عن الانتفاع بالمرّة بطلت، فان كان قبل القبض أو بعده قبل أن يسكن فيها أصلاً رجعت الأجرة بتمامها، و الاّ فبالنسبة، و يحتمل تمامها في هذه الصورة أيضا، و يضمن أجرة المثل بالنسبة الى ما مضى، لكنّه بعيد، و ان أمكن الانتفاع بها مع ذلك كان للمستأجر الخيار بين الابقاء و الفسخ، و اذا فسخ كان حكم الأجرة ما ذكرنا. و يقوى هنا رجوع تمام المسمّى مطلقا و دفع أجرة المثل بالنسبة الى ما مضى؛ لأنّ هذا هو مقتضى فسخ العقد كما مرّ سابقا. و ان انهدم بعض بيوتها بقيت الاجارة بالنسبة الى البقيّة و كان للمستأجر خيار تبعّض الصفقة. و لو بادر المؤجر الى تعميرها بحيث لم يفت الانتفاع أصلاً ليس للمستأجر الفسخ حينئذ على الأقوى، خلافا للثانيين.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الخامسة. و أمّا قوله «ولو بادر المؤجر
الى تعميرها (1)بحيث لم يفت الانتفاع أصلاً ليس للمستأجر الفسخ حينئذ» فلعدم وجود سبب للفسخ، و لم يكن ثمّة أيّ مقتضٍ لثبوت الخيار.
(مسألة 10): اذا امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة يجبر عليه، و ان لم يمكن اجباره للمستأجر فسخ الاجارة و الرجوع بالأجرة، و له الابقاء و مطالبة عوض المنفعة الفائتة. و كذا ان أخذها منه بعد التسليم بلا فصل أو في أثناء المدّة، و مع الفسخ في الأثناء يرجع بما يقابل المتخلّف من الأجرة، و يحتمل قويّا رجوع تمام الأجرة و دفع أجرة المثل لما مضى كما مرّ نظيره سابقا؛ لأنّ مقتضى فسخ العقد عود تمام كلّ من العوضين الى مالكهما الأوّل، لكن هذا الاحتمال خلاف فتوى المشهور.
الشرح:
اذا امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة فللمستأجر اختيار واحد من الأمور الثلاثة:
أحدها الاجبار عليه، و ذلك لأنّ بالعقد ملك المستأجر منافع العين، فله حقّ في العين المستأجرة.
و ثانيها الفسخ و الرجوع بالأجرة؛ لعدم امكان الانتفاع للمستأجر من العين بدون التسلّط عليه، فله خيار تخلّف الشرط الضمني.
و ثالثها الابقاء و مطالبة عوض المنفعة الفائتة، و ذلك لأنّ المؤجر غاصب، فعلى الغاصب ضمان المغصوب، و المغصوب هنا منفعة العين فعليه ردّ عوضها؛ لعدم امكان ردّها بعد مضيّ المدّة، الاّ أن يرضى المستأجر بتمديد المدّة و الانتفاعمن العين. و هكذا يكون الحكم ان أخذ المؤجر العين المستأجرة من المستأجر
1) الصحيح أن يقال: عمارتها؛ فعمره الله بمعنى أطال حياته، و منه (و من نعمره تنكسه في الخلق)
بعد التسليم بلا فصل، أو في أثناء المدّة. و لو كان الأخذ في الأثناء و أراد المستأجر الفسخ، يرجع بما يقابل المتخلّف من الأجرة كما تقدّم شرحه في المسألة الخامسة من هذا الفصل.
(مسألة 11): اذا منعه ظالم من الانتفاع بالعين قبل القبض، تخيّر بين الفسخ و الرجوع بالأجرة و بين الرجوع على الظالم بعوض ما فات، و يحتمل قويّا تعيّن الثاني. و ان كان منع الظالم أو غصبه بعد القبض يتعيّن الوجه الثاني، فليس له الفسخ حينئذ، سواء كان بعد القبض في ابتداء المدّة أو في أثنائها، ثمّ لو أعاد الظالم العين المستأجرة في أثناء المدّة الى المستأجر فالخيار باقٍ، لكن ليس له الفسخ الاّ في الجميع، و ربّما يحتمل جواز الفسخ بالنسبة الى ما مضى من المدّة في يد الغاصب و الرجوع بقسطه من المسمّى و استيفاء باقي المنفعة، و هو ضعيف؛ للزوم التبعيض في العقد، و ان كان يشكل الفرق بينه و بين ما ذكر من مذهب المشهور من ابقاء العقد فيما مضى و فسخه فيما بقي؛ اذ اشكال تبعيض العقد مشترك بينهما.
الشرح:
ففي الشرائع: «و لو منعه ظالم قبل القبض كان بالخيار بين الفسخ و الرجوع على الظالم بأجرة المثل و لو كان بعد القبض لم تبطل و كان له الرجوع على الظالم».(1)
أقول:
و لو منعه ظالم من الانتفاع بالعين قبل القبض تخيّر بين الفسخ؛ لأنّ عقد الاجارة قبل اقباض العين متزلزل، فلو منع من القبض مانع كان للمستأجر الفسخ،
1) شرائع الاسلام 2: 186.
فانّ على المؤجر دفع العين، فتلفها أو سرقتها أو غصبها عليه، و بين الرجوع على الظالم بعوض ما فات؛ لأنّ منافع العين بالعقد صارت ملكا للمستأجر، فالظالم ضامن لمنافعها فعليه أجرة المثل لما فات من منافعها عنده. و ان كان منع الظالم أو غصبه بعد القبض تعيّن الرجوع اليه و ليس له الفسخ حينئذ؛ لاستقرار العقد بعد الاقباض و القبض و له مطالبة عوض ما فات من منافع العين بسبب الغصب أو المنع.
ثمّ لو أعاد الظالم العين المستأجرة في أثناء المدّة فان أعطاه عوض ما فات مع ردّ العين فالظاهر أنّه ليس له الخيار لاستيفاء حقّه، و ان لم يعطه فله الخيار و فسخ العقد و الرجوع الى المالك بالمسمّى للتضرّر، أو عدم الفسخ و استيفاء المنفعة في بقيّة المدّة و الرجوع اليه بقسطه من المسمّى.
و ما ذهب اليه المصنّف من «عدم الفسخ الاّ في الجميع؛ لأنّ الفسخ بالنسبة الى ما مضى من المدّة في يد الغاصب و الرجوع بقسطه من المسمّى و استيفاء باقي المنفعة مستلزم للتبعيض في العقد» ففيه: ما نطق به بعض المحشّين (1)من أنّه «لابأس بالالتزام بمثل هذا التبعيض في فسخ العقود و هو المشهور»، و ما من بعض آخر (2): «لا تبعيض في العقد بل التبعيض في متعلّقه و الاّ للزم التبعيض في البيع عند خيار تبعّض الصفقة الذي لا اشكال فيه اتّفاقا، و أيّ فرق بين الفسخ أوّلاً و آخرا كما أشار اليه أخيرا».
(مسألة 12): لو حدث للمستأجر عذر في الاستيفاء كما لو استأجر دابّة لتحمله الى بلد فمرض المستأجر و لم يقدر فالظاهر البطلان ان اشترط المباشرة على وجه القيديّة، و كذا لو حصل له عذر آخر، و يحتمل عدمالبطلان. نعم، لو
كان هناك عذر عامّ بطلت قطعا؛ لعدم قابليّة العين للاستيفاء حينئذ.
الشرح:
لو استأجر دابّة أو دارا ثمّ اتّفق له عذر في استيفاء المنفعة فالظاهر أنّ للمستأجر الخيار، سواء كان العذر عامّا أو خاصّا ان اشترط المباشرة على وجه القيديّة. و ذلك لأنّ مقتضى الاجارة امكان استيفاء المستأجر المنفعة من العين، فاذا لم يمكن الاستيفاء فله حقّ الفسخ؛ لعدم الضرر، و يمكن أن يقال ببطلانها في الصورتين للكشف عن عدم انعقاد الاجارة، فالأوّل أظهر. و ان لم يشترط الاستيفاء بنفسه ففي الفسخ أو الانفساخ تأمّل؛ لرعاية الحقّين.
و في الجواهر: «و لو حدث خوف منع المستأجر من الاستيفاء و المؤجر من التغرير بماله، تخيّرا، بل احتمل بعضهم الانفساخ. و لو اختصّ الخوف بالمستأجر تخيّر أيضا أو انفسخ العقد اذا كان المراد استيفاؤه بنفسه، و الاّ فلا خيار لامكانه اجارتها، و لعلّه المراد للفاضل في محكي تحريره «و لاينفسخ بالعذر، فلو اكترى جملاً للحجّ ثمّ بدا له أو مرض و لم يخرج لم يكن له فسخ الاجارة»، و لذا حكي عن الشهيد في الحواشي المنسوبة اليه: عليه تقييده بالمرض الذي يتمكّن من الخروج معه، قال: «أمّا لو لم يمكنه الخروج أصلاً و لم يجز له اجارته لغيره كأن يشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه، فانّه يقوى الفسخ»، لكن في جامع المقاصد: «عندي فيه شيء لأنّ تعذّر الاستيفاء اذا اختصّ بالمستأجر و لم يكن من قبل المؤجر مانع ففي اسقاطه حقّ المؤجر و تسليطه المستأجر على الفسخ أو الحكم بالانفساخ اضرار بالمؤجر لمصلحة المستأجر». و فيه: انّه مثل الأجير على قلع ضرس فسكن ألمه، ضرورة اشتراكهما في منع المستأجر من الفعل و ان بذل المؤجر له باعتبار كونه معاونة على الاثم و العدوان. و لو استأجر دارا للسكنى مثلاً فحدث خوف عامّ يمنع من الاقامة بذلك البلد تخيّر في الأقوى؛ لقاعدة لا ضرربعد عموم العذر شرعا عن الاستيفاء، بل ربّما احتمل الانفساخ قهرا. نعم، لو
اختصّ الخوف بالمستأجر لم يكن له خيار الاّ مع اشتراط الاستيفاء بنفسه، فانّه يأتي فيه أيضا الخيار أو الانفساخ. انتهى ملخّصا». (1)
(مسألة 13): التلف السماوي للعين المستأجرة أو لمحلّ العمل موجب للبطلان، و منه اتلاف الحيوانات و اتلاف المستأجر بمنزلة القبض، و اتلاف المؤجر موجب للتخيير بين ضمانه و الفسخ، و اتلاف الأجنبي موجب لضمانه، و العذر العامّ بمنزلة التلف. و أمّا العذر الخاصّ بالمستأجر كما اذا استأجر دابّة لركوبه بنفسه فمرض و لم يقدر على المسافرة، أو رجلاً لقلع سنّه فزال ألمه أو نحو ذلك ففيه اشكال، و لايبعد أن يقال: انّه يوجب البطلان اذا كان بحيث لو كان قبل العقد لم يصحّ معه العقد.
الشرح:
لو تلفت العين المستأجرة كالدار مثلاً أو تلف محلّ العمل أو تلفت الدابّة، فتارة يكون التلف سماويّا، و أخرى باتلاف المستأجر، و ثالثة باتلاف المؤجر، و رابعة باتلاف الأجنبي. ففي كلّ منها قد يكون قبل القبض و أخرى بعده.
أمّا في الصورة الأولى: فتبطل الاجارة قبل القبض و بعده بالنسبة الى ما بقي من المدّة، و ذلك لانعدام موضوع الاجارة، و انكشاف أنّ المالك لم يكن مالكا للمنفعة أو بعضها، كما لوكان التلف بعد القبض.
و في الثانية: تكون الاجارة بحالها، فان كان قبل القبض كان اتلاف المستأجر بمنزلة القبض، فانّه ضامن للأجرة المسمّاة؛ لأنّ اتلافه بمنزلة الاستيفاء و للعين؛ لأنّه متعدٍّ. و كذا لو كان بعد القبض.
و في الثالثة: كان المستأجر مخيّرا بين الفسخ و الرجوع الى الأجرة المسمّاة ان
1) جواهر الکلام 27: 312 و 313.
سلّمها و بين الامضاء و مطالبة بدل المنفعة الفائتة و بدل العين التالفة، و ذلك التخيير لدفع الضرر عن المستأجر مع كون المؤجر هو الضارّ، و كذا لو كان الاتلاف بعد القبض و استيفاء البعض، فان فسخ يرجع الى ما بقي من الأجرة بالنسبة الى المدّة.
و في الرابعة: فان كان قبل القبض تخيّر المستأجر بين الفسخ و الرجوع الى المؤجر بالأجرة المسمّاة ان سلّمها، و بين الامضاء و الرجوع الى الأجنبي بما فات من المنفعة و بدل العين مثلاً أو قيمة، و ذلك التخيير و عدم بطلان الاجارة لدفع الضرر عن المستأجر و المؤجر. و لو كان بعد القبض يرجع الى الأجنبي؛ لكونه ضامنا.
و أمّا ذيل المسألة فقد تقدّم في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل.
(مسألة 14): اذا آجرت الزوجة نفسها بدون اذن الزوج فيما ينافي حقّ الاستمتاع وقفت على اجازة الزوج، بخلاف ما اذا لم يكن منافيا فانّها صحيحة، و اذا اتّفق ارادة الزوج للاستمتاع كشف عن فسادها.
الشرح:
الصور المتصوّرة هنا أربع:
الأولى: اذا آجرت الزوجة نفسها بدون اذن الزوج فيما لم يناف حقّ الاستمتاع و كان العمل بها في المنزل أو أجاز الزوج بخروجها منه، فحينئذ تصحّ الاجارة؛ لأنّ منافع الزوجة - مثل مالها - تكون لنفسها و هي مسلّطة على نفسها كما تتسلّط على مالها.
الثانية: اذا آجرت نفسها بدون اذن الزوج فيما ينافي حقّ الاستمتاع، وقفت على اجازة الزوج.
الثالثة: اذا أجاز الزوج في اجارة نفسها فيما ينافي حقّه، فاذا عقدت الاجارة و
رجع عن اجازتها، فالظاهر أنّه لاتنفسخ الاجارة، ولكن اذا كان المستأجر راضيا بالفسخ فعليها الفسخ؛ لتقدّم حقّه، الاّ اذا كانت متضرّرة؛ لرفع الضرر و الضرار.
الرابعة: اذا آجرت نفسها لعمل خارج المنزل و لم يأذن لها الزوج للخروج فالاجارة صحيحة الاّ أنّه يحرم عليها الخروج بدون اذن الزوج، فان عصت كانت الأجرة حلالاً.
و قد تقدّم في بعض مسائل الحجّ ما يفيد هنا فراجع. (1)
(مسألة 15): قد ذكر سابقا أنّ كلاًّ من المؤجر و المستأجر يملك ما انتقل اليه بالاجارة بنفس العقد، ولكن لايجب تسليم أحدهما الاّ بتسليم الآخر، و تسليم المنفعة بتسليم العين، و تسليم الأجرة باقباضها، الاّ اذا كانت منفعة أيضا فبتسليم العين التي تستوفى منها، و لايجب على واحد منهما الابتداء بالتسليم، و لو تعاسرا أجبرهما الحاكم. و لو كان أحدهما باذلاً دون الآخر و لم يمكن جبره كان للأوّل الحبس الى أن يسلّم الآخر. هذا كلّه اذا لم يشترط في العقد تأجيل التسليم في أحدهما، و الاّ كان هو المتّبع. هذا، و أمّا تسليم العمل فان كان مثل الصلاة و الصوم و الحجّ و الزيارة و نحوها فباتمامه، فقبله لايستحقّ المؤجر المطالبة، و بعده لايجوز للمستأجر المماطلة، الاّ أن يكون هناك شرط أو عادة في تقديم الأجرة فيتّبع و الاّ فلايستحقّ، حتّى لو لم يمكن له العمل الاّ بعد أخذ الأجرة، كما في الحجّ الاستئجاري اذا كان المؤجر معسرا، و كذا في مثل بناء جدار داره أو حفر بئر في داره أو نحو ذلك، فانّ اتمام العمل تسليم و لايحتاج الى شيء آخر.
و أمّا في مثل الثوب الذي أعطاه ليخيطه أو الكتاب الذي يكتبه أو نحوذلك ممّا كان العمل في شيء بيد المؤجر، فهل يكفي اتمامه في التسليم، فبمجرّد
1) الهادي (كتاب الحج) 1: 384.
الاتمام يستحقّ المطالبة أو لا، الاّ بعد تسليم مورد العمل فقبل أن يسلّم الثوب مثلاً لايستحقّ مطالبة الأجرة؟ قولان: أقواهما الأوّل؛ لأنّ المستأجر عليه نفس العمل و المفروض أنّه قد حصل، لا الصفة الحادثة في الثوب - مثلاً - و هي المخيطيّة حتّى يقال: انّها في الثوب، و تسليمها بتسليمه. و على ما ذكرنا فلو تلف الثوب - مثلاً - بعد تمام الخياطة في يد المؤجر بلا ضمان يستحقّ أجرة العمل، بخلافه على القول الآخر، و لو تلف مع ضمانه أو أتلفه وجب عليه قيمته مع وصف المخيطيّة، لا قيمته قبلها، و له الأجرة المسمّاة، بخلافه على القول الآخر، فانّه لايستحقّ الأجرة، و عليه قيمته غير مخيط.
و أمّا احتمال عدم استحقاقه الأجرة مع ضمانه القيمة مع الوصف فبعيد و ان كان له وجه. و كذا يتفرّع على ما ذكر أنّه لايجوز حبس العين بعد اتمام العمل الى أن يستوفي الأجرة، فانّها بيده أمانة؛ اذ ليست هي و لا الصفة التي فيها موردا للمعاوضة، فلو حبسها ضمن، بخلافه على القول الآخر.
الشرح:
في المسألة فروع:
قد تقدّم في أوّل هذا الفصل أنّ المستأجر يملك المنفعة في اجارة الأعيان، و العمل في الاجارة على الأعمال بنفس العقد ملكيّة متزلزلة من غير توقّف على شيء، كما هو مقتضى سببيّة العقود، كما أنّ المؤجر يملك الأجرة ملكيّة متزلزلةبنفس العقد كذلك، ولكن لايستحقّ المؤجر مطالبة الأجرة الاّ بتسليم العين أو العمل، كما لايستحقّ المستأجر مطالبتها الاّ بتسليم الأجرة كما هو مقتضى
المعاوضة.
و هنا نقول: لايجب تسليم المؤجر العين لاستيفاء المنفعة أو الأوّل الاّ بتسليم المستأجر الأجرة، كما لايجب على المستأجر تسليم الأجرة الاّ بتسليم المؤجر العين أو العمل، و ذلك لشمول أدلّة التسليم لهما على حدّ سواء، فانّ «أوفوا بالعقود» و اقتضاء المعاوضة يشمل كلاًّ منهما. فلو امتنعا من التسليم أجبرهما الحاكم (كما تقدّم في المسألة العاشرة) فانّه المرجع لرفع المنازعة، و ان لم يكن فعدول المؤمنين، فانّهم المرجع عند فقد الحاكم للأمور الحسبيّة.
و لو كان أحدهما باذلاً دون الآخر و لم يمكن جبره كان للأوّل الحبس الى أن يسلّم الآخر أو يفسخ المعاملة كما تقدّم (في المسألة العاشرة).
قال في الجواهر: «يجب على كّل منهما (المؤجر و المستأجر) التسليم؛ للأمر بالوفاء و غيره، فاذا تعاسرا أجبرا معا على التقابض. أمّا لو بذل أحدهما و امتنع الآخر و لم يمكن جبره كان للباذل الحبس حتّى يدفع اليه العوض؛ قضاءً لحقّ المعاوضة التي بني العقد عليها». (1)
ان كان العمل مثل الصلاة و الصوم و الحجّ و الزيارة فتسليمه باتمامه، فلايستحقّ الأجرة الاّ بذلك و ان كان لايمكن له العمل الاّ بأخذ الأجرة كالحجّ الاستئجاري. نعم، لو شرط أخذ الأجرة قبل العمل فقبل المستأجر فهو المتّبع و لوأتمّ العمل أي صلّى و صام أو حجّ أو زار فعلى المستأجر تسليم الأجرة و لايجوز له المماطلة. و هكذا الحال اذا استؤجر لبناء جدار في الدار أو حفر بئر فيها أو نحو
1) جواهر الکلام 27: 238.
ذلك، فانّ اتمام العمل تسليم و لايحتاج الى شيء آخر.
و الدليل عليه «أوفوا بالعقود»، و عمومات الاجارة، و اقتضاء المعاوضة.
و في الجواهر: «الظاهر الاجماع على عدم استحقاق الأجير تسلّم الأجرة قبل العمل ما لم يشترط أو ما يقوم مقامه، لما فيه من منافاة مقتضى المعاوضة، و الضرر على المستأجر. كما أنّه لا خلاف و لا اشكال في استحقاق تسلّمها بعد العمل الذي يحصل تسلّمه باكماله، كالصوم و الصلاة و الحجّ و الزيارة و نحوها، بل الاجماع بقسميه عليه، فضلاً عن النصوص التي منها الصحيح «لايجفّ عرقه حتّى تعطيه أجرته» (1)الظاهر أنّ منه الأعمال التي تكون في ملك المستأجر، أي فيما في يده، كاصلاح جداره في داره و نحوه ممّا هو في يد المستأجر و تحت سلطانه و ان استأجر أجيرا على العمل فيه. انتهى ملخّصا». (2)
لو أعطى الخيّاط ثوبا ليخيطه، أو الصائغ فضّة ليصوغها خاتما و نحو ذلك من الاجارة الواقعة على الأعمال المتعلّقة بالأعيان الموجودة عند الأجير، ففي مثل ذلك هل يتحقّق التسليم بمجرّد الفراغ من العمل أيضا فله حقّ المطالبة حينئذ و ان لم يكن قد ردّ العين الى المستأجر، أو أنّ الحقّ انّما يتحقّق بعد الردّ و تسليم العين المخيطة أو المصوغة - مثلاً - اليه، فليس له المطالبة قبل ذلك؟
ذكر المصنّف رحمه الله أنّ فيه وجهين، بل قولين، و قد اختار هو القول الأوّل، معلّلاً بما في المتن من أنّ المستأجر عليه انّما هو نفس العمل و قد حصل حسب
الفرض دون الوصف الحاصل بالعمل، فمتعلّق الاجارة انّما هو نفس الخياطة التي توجد و تنعدم كسائر الأعمال، لا المخيطيّة التي هي صفة حادثة في الثوب كي يكون تسليمها بتسليمه. اذن فاستحقاق الأجرة يثبت بنفس الخياطة من دون توقّف على شيء.
ولكن النائيني رحمه الله قوّى القول الثاني، و حاصله على ما في المستند «أنّ ماليّة العمل قد تكون بلحاظ نفسه و بما هو عمل كالصلاة أو الصيام و نحوهما ممّا يكون المطلوب نفس العمل خارجا، ففي مثله يستحقّ المطالبة بمجرّد الفراغ عن العمل. و أخرى يكون المطلوب الأثر الحاصل من العمل، و ماليّته انّما هي باعتبار هذا الأثر، كخياطة الثوب و نسج الصوف و استنساخ الكتاب و ما أشبه ذلك ممّا يكون مناط ماليّة العمل هو الأثر المترتّب عليه، ككون الثوب مخيطا و الصوف منسوجا و الكتابة مستنسخة و هكذا غيرها من الآثار المترتّبة على الأعمال، فانّ مملوكيّة العمل بالاجارة في أمثال هذه الموارد تستتبع مملوكيّة ذاك الأثر و الوصف، فالمستأجر كما يملك على الأجير العمل كذلك يملك بتبعه الأثر المترتّب عليه؛ نظرا الى أنّ هذا الأثر هو مناط اعتبار الماليّة حسبما عرفت. و عليه، فلا محيص من تسليم هذا الأثر المملوك لصاحبه، في استحقاق المطالبة بعوضه بتسليم مورده و هو العين، و الاّ فهو لم يسلّم ما ملكه فلاتسعه مطالبة الأجرة، و لو تلف كان من التلف قبل القبض؛ اذ لم يقبضه ما ملكه، و نتيجته الانفساخ فيما اذا كان التلف بغير ضمان. انتهى ملخّصا».(1)
و قد ردّ قوله هذا تلميذه العلاّمة الخوئي بما حاصله «أنّ الأوصاف في المقام و غيره غير قابلة للملكيّة، فانّها انّما تتعلّق بالأعيان أو بمنافعها التي منها الأعمال. والأوصاف القائمة بالعين من كونها مخيطة أو منسوجة أو مصوغة و ما أشبهها فهي غير قابلة للملكيّة أبدا، و من ثمّ ليس لأحد أن يملّك غيره بهبة و نحوها صفة من
1) مستند العروة 30: 200 و 201.
صفات العين، فيهب لغيره مخيطيّة هذا الثوب - مثلاً - ضرورة أنّ شأن الصفات برمّتها انّما هي زيادة قيمة العين أو نقصها من غير أن تقابل هي بأنفسها بالمال. و لذا لو أكره أحد على عمل مستتبع لايجاد صفة في العين كخياطة الثوب أو نسج الصوف أو بناء الجدار، لايكون المكرَه شريكا للمكرِه في العين الموصوفة لتكون الهيئة للمكرَه خاصّة و المادّة للمكرِه خاصّة، بل المكرِه يضمن للمكرَه الأجرة. انتهى ملخّصا». (1)
و قد اختار نفسه رحمه الله وقوع الأجرة بازاء نفس العمل كما تقدّم، الاّ أنّه لايجوز للأجير مطالبة الأجرة بمجرّد الفراغ من العمل، بل ذلك بعد تسليم العين، و ذلك لأنّه من الشرط الضمني الارتكازي الثابت ببناء العقلاء في كافّة المعاوضات، فانّهم لايشكّون في أنّ الخيّاط المزبور ليس له مطالبة الأجرة بدون تسليم العين المخيطة، كما أنّه لايسوغ للمستأجر أيضا المطالبة قبل دفع الأجرة، فيجوز للأجير حبس العين بعد اتمام العمل الى أن يستوفيها، و كلاهما بمناط واحد. (2)
أقول:
الظاهر عدم الفرق في الأعمال بين ما كان العمل في العين التي بيد المستأجر كحفر البئر في داره أو بناء جدار فيها و ما لم يكن متعلّقا بالعين كالصلاة و الصوم و الحجّ و الزيارة و نحوها، و بين ما لو كان متعلّق العمل موجودا عند الأجير كالثوب الذي أعطاه الخيّاط ليخيطه و الفضّة التي أعطاها الصائغ ليصوغها خاتما، فكما أنّ الأجير يملك الأجرة بعد العمل في مثل حفر البئر و بناء الجدار، أو مثل الصلاة والصوم و الحجّ و الزيارة و نحوها، كذلك يملك الأجرة في مثل الخياطة و الصياغة و له حقّ المطالبة بعد تمام العمل، و لايكون ذاك الحقّ معلّقا على تسليم العين
المخيطة أو المصوغة. نعم، هي أمانة في يده، فاذا طالبها المستأجر المالك وجب عليه ردّها، فاذا طالبها و لم يردّ كان ضامنا، الاّ أن يكون المستأجر متّهما في اعطاء الأجرة فله حبسها حتّى يأخذ الأجرة منه.
ولكنّ المشاهد في هذا النوع من المعاوضة و الاجارة، أنّ الأجير يوقّت وقتا لأخذ العين المخيطة أو المصوغة و نحوهما، أو يخبر مالكها أنّ عمله قد تمّ و أنّ الثوب قد خيط و الفضّة قد صيغت، فاذا جاء مالك المتاع ليأخذه، يعطي أجرة العمل حين الأخذ، و لعلّ مراد صاحب المستند من الشرط الضمني الارتكازي هو هذا الذي ذكر.
قال المصنّف: «و على ما ذكرنا فلو تلف الثوب - مثلاً - بعد تمام الخياطة في يد المؤجر بلا ضمان يستحقّ أجرة العمل، بخلافه على القول الآخر، و لو تلف مع ضمانه أو أتلفه وجب عليه قيمته مع وصف المخيطيّة لا قيمته قبلها و له الأجرة المسمّاة، بخلافه على القول الآخر، فانّه لايستحقّ الأجرة و عليه قيمته غير مخيط».
أقول:
في هذا الفرع أربع صور: صورتان منها على القول المختار، و صورتان على القول الآخر.
فالأولى: لو تلف الثوب - مثلاً - بعد تمام الخياطة في يد الأجير قبل رجوع المستأجر - بلا تفريط في اخباره - بتلف سماوي يستحقّ الأجرة لاتمامه العمل، ولايضمن العين؛ لأنّها كانت أمانة في يده و لم يفرّط.
الثانية: الصورة بحالها الاّ أنّه فرّط في اخبار المستأجر باتمامه الخياطة لأخذ
الثوب، أو أتلفه، فيستحقّ الأجرة - لاستحقاقه بعد اتمام العمل و عدم تعلّقه بردّ الثوب - ولكن يضمن العين الموصوفة بصفتها الحادثة فيها من الخياطة و غيرها.
الثالثة: لو تلف الثوب - مثلاً - بعد تمام العمل و قبل التسليم بتلف سماوي لايستحقّ الأجرة و لايضمن العين.
الرابعة: لو أتلفه كذلك لايستحقّ الأجرة و يضمن العين الموصوفة.
و لصاحب الجواهر في هذه المسألة مباحث دقيقة فراجع. (1)
(مسألة 16): اذا تبيّن بطلان الاجارة رجعت الأجرة الى المستأجر و استحقّ المؤجر أجرة المثل بمقدار ما استوفاه المستأجر من المنفعة، أو فاتت تحت يده اذا كان جاهلاً بالبطلان، خصوصا مع علم المستأجر. و أمّا اذا كان عالما فيشكل ضمان المستأجر، خصوصا اذا كان جاهلاً؛ لأنّه بتسليمه العين اليه قد هتك حرمة ماله خصوصا اذا كان البطلان من جهة جعل الأجرة ما لايتموّل شرعا أو عرفا، أو اذا كان آجره بلا عوض. و دعوى أنّ اقدامه و اذنه في الاستيفاء انّما هو بعنوان الاجارة و المفروض عدم تحقّقها، فاذنه مقيّد بما لم يتحقّق، مدفوعة بأنّه ان كان المراد كونه مقيّدا بالتحقّق شرعا فممنوع؛ اذ مع فرض العلم بعدم الصحّة شرعا لايعقل قصد تحقّقه الاّ على وجه التشريع المعلوم عدمه. و ان كان المراد تقييده بتحقّقها الانشائي فهو حاصل. و من هنا يظهر حال الأجرة أيضا، فانّها لو تلفت في يد المؤجر يضمن عوضها، الاّ اذا كان المستأجر عالما ببطلان الاجارة، و مع ذلك دفعها اليه. نعم، اذا كانت موجودة له أن يستردّها هذا. و كذا في الاجارة على الأعمال اذا كانت باطلةيستحقّ العامل أجرة المثل لعمله دون المسمّاة اذا كان جاهلاً بالبطلان. و أمّا اذا كان عالما فيكون هو المتبرّع بعمله، سواء كان بأمر من المستأجر أو لا، فيجب عليه ردّ الأجرة
1) جواهر الكلام 27 237 - 246.
المسمّاة أو عوضها و لايستحقّ أجرة المثل. و اذا كان المستأجر أيضا عالما فليس له مطالبة الأجرة مع تلفها ولو مع عدم العمل من المؤجر.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كلّ موضع يبطل فيه عقد الاجارة تجب فيه أجرة المثل، مع استيفاء المنفعة أو بعضها، سواء زادت عن المسمّى أو نقصت عنه». (1)
و في الجواهر بعد ذكر ما في الشرائع قال: «بلا خلاف أجده فيه في شيء من ذلك، بل قد يظهر من ارسالهم ذلك ارسال المسلّمات أنّه من القطعيّات». (2)
أقول:
اذا أخلّ بشرط من شرائط الاجارة أحدهما أو كلاهما لم تنعقد الاجارة، و لم يجر أحكام الاجارة. و الشرائط عبارة عن كون المتعاقدين كاملين جائزي التصرّف، و الأجرة معلومة، و المنفعة معلومة مملوكة مباحة و مقدورا تسليمها. و قد مضى شرح بعضها و يأتي شرح بعضها الآخر مع مسائلها. و على أيّ حال ففي المسألة صور:
الأولى: اذا تبيّن بطلان الاجارة مع كونهما جاهلين به، فان كان مورد الاجارة عينا رجعت العين الى المؤجر و الأجرة المسمّاة الى المستأجر، و يستحقّ المؤجر أجرة المثل بمقدار ما استوفاه المستأجر، و لو كان مورد الاجارة عملاً رجعت الأجرة المسمّاة الى المستأجر، و يستحقّ الأجير أجرة المثل بمقدار عمله. فدليلرجوع العين في الأوّل و الأجرة في الأوّل و الثاني فلأنّه اذا بطلت الاجارة يرجع كلّ منهما الى مالكه، و دليل استحقاق المؤجر أجرة المثل فلأنّه انتفع المستأجر من مال المؤجر في الأوّل من دون اباحة بل في مقابل الأجرة، فاذا بطلت الأجرة
المسمّاة يرجع الى أجرة المثل و هو ممّا يتعارف بين العقلاء و قد أمضاه الشارع، و كذا يكون حال الأجير في عمله.
الثانية: اذا كان المستأجر في الموردين عالما و المؤجر جاهلاً، فحكمها كما في الصورة الأولى.
الثالثة: عكس الثانية، أي اذا كان المستأجر جاهلاً و المؤجر في الموردين عالما، و حينئذ قد يكون البطلان لعدم ذكر الأجل، فيستحقّ المؤجر أجرة المثل؛ لأنّه لم يجعل متاعه بيد المستأجر تبرّعا، و لم يعمل الأجير للمستأجر تبرّعا، فالمال و العمل محترمان، فالحكم بتضييعهما بلا دليل.
الرابعة: الصورة الثالثة مع كون البطلان من جهة جعل الأجرة ما لايتموّل شرعا أو عرفا أو اذا كان بلا عوض. فالظاهر أنّ المؤجر لايستحقّ أجرة، فالأجرة المسمّاة باطلة و أجرة المثل من جهة اقدامه بعدمها، الاّ أنّ للمؤجر أخذ ما أعطاه الى المستأجر ان كان عينا، و للأجير رفع اليد عن عمله. و هكذا يكون الحال لو كان المؤجر و المستأجر عالمين.
الخامسة: اذا تلفت العين في يد المستأجر من غير تفريط فان لم يعلما ببطلان الاجارة أو كان المستأجر جاهلاً فلا ضمان، و ذلك لأنّ المستأجر أمين. و كذا لو كانا عالمين؛ لأنّ مال المؤجر عند المستأجر كالوديعة. أو كان المؤجر عالما بالحال دون المستأجر؛ لأنّه أمين. و أمّا لو كان المستأجر عالما دون المؤجر فهو ضامن؛ لأنّ يده ليست يدا أمانيّة.
السادسة: لو تلفت الأجرة التي أدّاها المستأجر لاجارة العين من غير تفريط و لا تعدٍّ فانكشف بطلان الاجارة، فان كانا جاهلين أو كان المؤجر جاهلاً و لم يفرّطو لم يتعدّ فلايضمنها. و أمّا لو كان المستأجر جاهلاً و المؤجر عالما فهو ضامن.
و لو كانا عالمين ففي ضمانه تأمّل و ان كان الأظهر عدم ضمانه؛ لأنّها في يده كالأمانة.
(مسألة 17): يجوز اجارة المشاع كما يجوز بيعه و صلحه و هبته، ولكن لايجوز تسليمه الاّ باذن الشريك اذا كان مشتركا. نعم، اذا كان المستأجر جاهلاً بكونه مشتركا كان له خيار الفسخ للشركة، و ذلك كما اذا آجره دارا فتبيّن أنّ نصفها للغير و لم يجز ذلك الغير، فانّ له خيار الشركة، بل و خيار التبعّض. و لو آجره نصف الدار مشاعا و كان المستأجر معتقدا أنّ تمام الدار له فيكون شريكا معه في منفعتها فتبيّن أنّ النصف الآخر مال الغير، فالشركة مع ذلك الغير، ففي ثبوت الخيار له حينئذ وجهان، لايبعد ذلك اذا كان في الشركة مع ذلك الغير منقصة له.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اجارة المشاع جائزة كالمقسوم». (1)
و في المسالك: «اذ لا مانع منه باعتبار عدم القسمة؛ لامكان تسليمه و استيفاء منفعته بموافقة الشريك. و لا فرق بين أن يؤجره من شريكه و غيره. و هو موضع وفاق. و خالف فيه بعض العامّة، فمنع من اجارته لغير الشريك». (2)
و في الجواهر: «كما في المسالك و الروضة؛ لعموم «أوفوا بالعقود»، و خصوص اطلاقات الاجارة، و استيفاء المنفعة ممكن بموافقة الشريك». (3)
و في الحدائق: «قالوا: و يجوز اجارة المشترك بينه و بين غيره؛ لعموم الأدلّة ولعدم ثبوت مانعيّة الشركة؛ لامكان تسليمه و استيفاء المنفعة بموافقة الشريك. و لو امتنع رفع الأمر الى الحاكم، و يكون كما لو تنازع الشريكان، و الحكم اتّفاقيّ عندهم، كما نقله في المسالك، و لم ينقل الخلاف فيه الاّ عن بعض العامّة، حيث
منع الاجارة لغير الشريك، و اللّه سبحانه العالم». (1)
أقول:
يجوز اجارة المشاع، كما لو كان سهمه مفروزا، و الاشاعة غير مانعة من تسليمه؛ لامكان استيفاء المنفعة عند موافقة الشريك، و هي معاوضة عرفيّة لم يردع عنها الشارع فيشملها «أوفوا بالعقود»، و عمومات الاجارة. ولكن لايجوز تسليمه الاّ باذن الشريك، و ذلك لأنّ الفرض أنّ كلّ جزء من العين المستأجرة مشترك بينه و بين شريكه، و لذلك لم يجز لكلّ منهما التصرّف فيها من أوّل الأمر الاّ باذن الآخر، و بعد اذن كلّ منهما للآخر في التصرّف يحتاج الى اجازة ثانية لتصرّف المستأجر. و لو لم يأذن الشريك فتصرّف المستأجر لايفسد الاجارة بل يرفع أمره الى الحاكم، و الحاكم يجبره بالاذن فيه. و لو امتنع من أمر الحاكم لاتبطل الاجارة و ليس للمستأجر الفسخ مع علمه بالاشاعة بل يجيز الحاكم للمستأجر التصرّف في العين المشاعة، و ذلك لأنّ «لا ضرر» كما هو شامل للشريك، شامل للشريك المؤجر، فالمنع من حقّه أي تصرّفه في ملكه بما شاء ضرر أيضا. اللّهمّ الاّ أن يدّعي الشريك الآخر ضررا من ناحية المستأجر، و هو أمر آخر.
اذا كان المستأجر جاهلاً فتارة يكون جهله في أصل الشركة، كما اذا آجره المؤجر سهم نفسه و سهم شريكه من غير اذنه، فاجارته بالنسبة الى سهم شريكه فضوليّة، فان أجاز شريكه فبها، و ان لم يجز فللمستأجر قبول اجارة سهمه دون
1) الحدائق الناضرة 481:21.
سهم الآخر، أو فسخ عقد الاجارة لخيار الشركة، بل و خيار التبعّض.
و أخرى لو آجره نصف الدار مشاعا و اعتقد المستأجر أنّ كلّ الدار له فيكون شريكا في منفعتها، فتبيّن أنّ النصف الآخر مال الغير، فالشركة مع ذلك الغير. فالظاهر عدم خيار الفسخ للمستأجر لتماميّة عقد الاجارة و لم يكن هناك شرط، فالجهالة من الجهة المذكورة لاتوجب خيار الفسخ، و ما ذهب اليه المصنّف من قوله «لايبعد ذلك اذا كان في الشركة مع ذلك الغير منقصة له»، فصرف المنقصة له غير موجب للخيار. نعم، لو كان وضع الشريك الآخر بحدّ يوجب صيرورة العين معيبة فلايبعد ثبوت الخيار له.
ففي المستند: «قد تبلغ الشركة من المهانة حدّا تستوجب عيبا في نفس العين - لا مجرّد منقصة للمستأجر كما افترضه قدس سره - كما لو كان الشريك مقامرا أو فاحشة أو خمّارا أو صاحب مقهى أو فندق مورد لنزول المسافرين أو الزائرين و نحوهم ممّن لايرغب في المشاركة معهم نوعا، لا خصوص هذا المستأجر بحيث يعدّ ذلك عرفا منقصة و عيبا في المال بالاضافة الى عامّة الناس، فانّه لايبعد حينئذ ثبوت الخيار من أجل تخلّف الشرط الضمني الارتكازي».(1)
(مسألة 18): لابأس باستئجار اثنين دارا على الاشاعة ثمّ يقتسمان مساكنها بالتراضي أو بالقرعة. و كذا يجوز استئجار اثنين دابّة للركوب على التناوب ثمّ يتّفقان على قرار بينهما بالتعيين بفرسخ فرسخ أو غير ذلك، و اذا اختلفا في المبتدئ يرجعان الى القرعة. و كذا يجوز استئجار اثنين دابّة - مثلاً - لا على وجه الاشاعة، بل نوبا معيّنة بالمدّة أو بالفراسخ. و كذا يجوز اجارة اثنين نفسهما على عمل معيّن على وجه الشركة كحمل شيء معيّن لايمكن الاّ
1) مستند العروة 216:30 و 217.
بالمتعدّد.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يجوز أن يستأجر اثنان جملاً أو غيره للعُقبة، و يرجع في التناوب الى العادة». (1)
و في المسالك: «العُقبة - بضمّ العين - النوبة، و هما يتعاقبان على الراحلة: اذا ركب هذا تارة و هذا أخرى، فان كان هناك عادة مضبوطة امّا بالزمان أو المسافة حمل الاطلاق عليها، و الاّ وجب التعيين. و لو اتّفقا في المنضبط بالعادة على خلافها و ضبطاه صحّ. و يعتبر تعيين مبدأ الركوب و من يركب منهما أوّلاً». (2)
أقول:
يجوز استئجار اثنين دارا أو نحوها على الاشاعة، ثمّ يقتسمان مساكنها بالتراضي، أو بالقرعة، و الدليل على جواز ذلك ما تقدّم في المسألة السابقة من جواز اجارة المشاع و هو اطلاقات الاجارة و عدم المانع. و كذا يجوز استئجار اثنين الدابّة للركوب أو حمل المتاع، و كيفيّة استفادتهما موكولة على تراضيهما و الاّ يرجعان الى ما يتعارف لو كان هناك متعارف، و الاّ يرجعان الى القرعة لأنّهالكلّ أمر مشكل، و كذا في تعيين المبتدئ منهما ان لم يمكن استفادتهما معا. و يجوز أيضا أن يؤجر شخصان نفسهما لعمل. و يجوز استئجار اثنين أو أكثر أرضا لكلّ عمل مباح كالزراعة و التجارة و موقف السيّارات، كما يجوز اجارة مشاع المذكورات. و هكذا الحال في استئجار دولة أرضا أو بحرا أو نهرا أو جوّا أو غيرها من دولة أخرى لأعمال مباحة، اذا كانت الاجارة و الاستئجار من اختياراتهما.
(مسألة 19): لايشترط اتّصال مدّة الاجارة بالعقد على الأقوى، فيجوز أن يؤجره داره شهرا متأخّرا عن العقد بشهر أو سنة، سواء كانت مستأجرة في ذلك الشهر الفاصل أو لا. و دعوى البطلان من جهة عدم القدرة على التسليم كما ترى؛ اذ التسليم لازم في زمان الاستحقاق لا قبله. هذا و لو آجره داره شهرا و أطلق انصرف الى الاتّصال بالعقد. نعم، لو لم يكن انصراف بطل.
الشرح:
قال في الشرائع: «و هل يشترط اتّصال مدّة الاجارة بالعقد، قيل: نعم. و لو أطلق بطلت، و قيل: الاطلاق يقتضي الاتّصال، و هو أشبه. و لو عيّن شهرا متأخّرا عن العقد، قيل: يبطل، و الوجه الجواز». (1)
و في الجواهر: «فلو عيّن شهرا معيّنا متأخّرا عن العقد قيل: - و القائل الشيخ و أبو الصلاح - تبطل؛ لعدم القدرة على التسليم و الوجه الجواز، وفاقا للمشهور، بل في محكي التذكرة الاجماع عليه. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
لايشترط اتّصال مدّة الاجارة بالعقد، و ذلك لتعارفه بين الناس و لم يردع عنه الشارع. و ما قيل في وجه المنع من عدم القدرة على التسليم ممنوع، بأنّ الفرض وجود القدرة على التسليم و عليه يجوز أن يؤجر داره أو غيرها شهرا متأخّرا عن العقد بشهر أو أكثر، كما يجوز أن يؤجرها أشخاصا على التناوب، بأن يؤجرها شهرا لشخص، و بعدها شهرا لشخص آخر و هكذا. و لو آجر داره شهرا و أطلق انصرف الى الاتّصال. و لو لم يكن هناك انصراف كانت الاجارة باطلة؛ لعدم
التعيين المضبوط المنجرّ الى الغرر الممنوع، و كونه موضع التخاصم. هذا، و لو تراضيا بالصلح أو القرعة، أو غيرهما صحّت الاجارة.
العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة، فلايضمن تلفها أو تعيّبها الاّ بالتعدّي أو التفريط. و لو شرط المؤجر عليه ضمانها بدونهما فالمشهور عدم الصحّة، لكنّ الأقوى صحّته. و أولى بالصحّة اذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيّب لا بعنوان الضمان. و الظاهر عدم الفرق في عدم الضمان مع عدم الأمرين بين أن يكون التلف في أثناء المدّة أو بعدها اذا لم يحصل منه منع للمؤجر عن عين ماله اذا طلبها، بل خلّى بينه و بينها و لم يتصرّف بعد ذلك فيها. ثمّ هذا اذا كانت الاجارة صحيحة. و أمّا اذا كانت باطلة ففي ضمانها وجهان، أقواهما العدم، خصوصا اذا كان المؤجر عالما بالبطلان حين الاقباض دون المستأجر.
الشرح:
قال في الشرائع: «و العين المستأجرة أمانة لايضمنها المستأجر الاّ بتعدٍّ أو
تفريط». (1)
و في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف في أنّ العين المستأجرة كالدابّة و نحوها أمانة في يد المستأجر في ضمن المدّة المستأجرة لايضمنها الاّ بالتفريط أو التعدّي، و الوجه فيه أنّها مقبوضة باذن المالك، فلايتعقّبها ضمان الاّ على أحد الوجهين المذكورين». (2)
العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة، فلايضمن تلفها أو تعيّبها الاّ بالتعدّي أو التفريط. و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في رجل أعار جارية فهلكت من عنده و لم يبغها غائلة(3)، فقضى أن لايغرمها المعار، و لايغرم الرجل اذا استأجر الدابّة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة». (4)
و الروايات الدالّة على عدم الضمان بالمفهوم، كصحيحة أبي ولاّد الحنّاط الطويلة - في اكتراء البغل - قال:
«فقلت له: أرأيت لو عطب (5)البغل و نفق (6)أليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته». (7)
حيث دلّت على الضمان على تقدير التعدّي و المخالفة، بقوله عليه السلام: « ... يوم خالفته».
و صحيحة الحلبي قال:
1) شرائع الاسلام 2: 179.
2) الحدائق الناضرة 479:21.
3) الغائلة الفساد و الشر. و لم يبغها غائلة: لم يتعد و لم يسبب في هلاكها.
4) وسائل الشيعة 19: 93 / الباب 1 من كتاب العارية / الحديث 9.
5) عطب آفة تعتريه و تمنعه من السير. (مجمع البحرين)
6) نفقت الدابة: هلكت و ماتت. (مجمع البحرين)
7) وسائل الشيعة 19: 120 / الباب 17 من كتاب الاجارة / الحديث 1.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام (1)تكارى دابّة الى مكان معلوم فنفقت الدابّة؟ قال: ان كان جاز الشرط فهو ضامن، و ان دخل واديا لم يوثقها فهو ضامن، و ان سقطت في بئر فهو ضامن؛ لأنّه لم يستوثق منها». (2)
و صحيحة علي بن جعفر (في كتابه) عن أخيه قال:
«سألته عن رجل اكترى دابّة الى مكان فجاز ذلك المكان فنفقت، ما عليه؟ فقال: اذا كان جاز المكان الذي استأجر اليه فهو ضامن». (3)
و رواية الحسن الصيقل قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما تقول في رجل اكترى دابّة الى مكان معلوم فجاوزه؟ قال: يحسب له الأجر بقدر ما جاوزه، و ان عطب الحمار فهو ضامن». (4)
هذا، مضافا الى الاجماع المدّعى من صاحب الجواهر، و السيرة العقلائيّة، فانّهم لايضمّنون المستأجر على العين المستأجرة اذا تلفت بآفة سماويّة، فانّ المستأجر عندهم أمين ما لم يتعدّ أو يفرّط، كما يكون المعار و المستودع و العامل و نحوها عندهم أمين بالنسبة الى العين المستعارة، و الوديعة، و المال الذي يكون موردا للمضاربة، ما لم يتعدّوا أو يفرّطوا.
فروع:
قال في الشرائع: «و في اشتراط ضمانها (ضمان العين) من غير ذلك (من غير التعدّي و التفريط) تردّد أظهره المنع». (1)
و في المسالك: «ففي صحّة الشرط و العقد تردّد، من عموم «المؤمنون عند شروطهم»، و من مخالفته لمقتضى الاجارة فيفسد. ثمّ على تقدير فساده، هل يتبعه العقد في الفساد؟ قولان تقدّم نظيرهما في مواضع. و الأقوى بطلانهما معا لفساد الشرط، و لا رضا بالعقد الاّ به». (2)
و في الجواهر: «المنع هو الأشهر، بل المشهور، بل في جامع المقاصد باطل قطعا، بل لم أجد فيه خلافا الاّ ما يحكى عن الأردبيلي و الخراساني من الميل الى الصحّة، و تبعهما في الرياض تمسّكا بالعموم المزبور مع ضعف المعارض؛ لمنع منافاته على اطلاقه، بل هو حيث لم يكن هناك شرط». (3)
و أجاب رحمه الله عن الجميع و أحال البحث عنه و تمام تحقيق الحال في عموم «المؤمنون» الى محلّ آخر.
المشهور أنّه اذا اشترط الضمان فلا أثر للشرط و يحكم بفساد الشرط. و استدلّ للمشهور بوجوه:
الأوّل ما عن صاحب الجواهر بما دلّ على عدم ضمان الأمانة، الشامل بعمومه لحال الشرط، فيكون التعارض بينه و بين «المؤمنون» عموما من وجه، لشمول الأوّل لمورد الاشتراط و عدمه، و الثاني لشرط عدم الضمان و غيره، فيتعارضان
في مورد الاجتماع - أعني اشتراط الضمان في عقد الايجار - و الترجيح مع الأوّل لمطابقته لفتوى المشهور، و الأصل.
و أجيب - كما في المستند (1)- أوّلاً بأنّ مقتضى القاعدة في موارد تعارض الاطلاقين بالعموم من وجه هو التساقط و الرجوع الى أصل أو دليل آخر من عموم أو اطلاق، و لاتصل النوبة الى الترجيح بالشهرة الفتوائيّة، فانّها لاتصلح لترجيح أحد الاطلاقين.
و ثانيا: انّ دليل نفوذ الشرط كسائر الأدلّة المثبتة للأحكام بالعناوين الثانويّة يتقدّم على الاطلاقات المتكفّلة لها بعناوينها الأوّليّة؛ لحكومتها عليها بعد كونها ناظرة اليها، فلاتصل النوبة الى المعارضة ليتصدّى للمعالجة.
و في الأوّل: لو فرضنا أنّ مقتضى القاعدة في موارد تعارض الاطلاقين بالعموم من وجه هو التساقط، الاّ أنّه اذا رجّح عموم أحد الدليلين انتفى التعارض بينهما، فاذا قلنا بأنّ فتوى المشهور تصلح لترجيح أحد الاطلاقين فيرتفع التعارض بينهما. و لو سلّمنا التعارض و التساقط فالأصل عدم الضمان.
و في الثاني: انّ في حكومة «المؤمنون عند شروطهم» على الدلائل الواردة في الاجارة على عدم ضمان المستأجر للعين المستأجرة و كونه ناظرا اليها تأمّلاً، كما أنّ المشهور لم يشيروا اليه.
الثاني: انّ الشرط المذكور مخالف لمقتضى الاجارة - كما تقدّم عن المسالك - و لمقتضى العقد - كما عن الحدائق - لأنّه قد ثبت شرعا أنّ المستأجر أمين لايضمن الاّ بالتعدّي أو التفريط فلايصحّ هذا الشرط.
و أجاب عنه بأنّ أكثر الشروط الواردة على العقود انّما هي بمنزلة الاستثناء ممّا دلّ عليه أصل العقد، بمعنى أنّه لو لا ذكرها لكان مقتضى العقد دخولها، كما أنّ
1) المؤمنون 1:33 و 8.
مقتضى البيع اللزوم، مع أنّه يدخله شرط الفسخ بلا خلاف و لا اشكال. (1)
و في المستند بعد ما أنكر كونه مخالفا لمقتضى العقد - و أنّ المخالفة تتحقّق مثل ما لو كان الشرط عدم ملكيّة المنفعة، حيث انّ مقتضى الاجارة و مدلولها هو ملكيّتها - قال: «الاّ أن يريد بالمخالفة، المخالفة للأحكام المترتّبة على العقد فنرجع الى كون الشرط مخالفا للسنّة. ولكنّه تتوقّف على دلالة النصوص على كون عدم الضمان من آثار العقد، بحيث تكون الاجارة مقتضية لعدم الضمان، ولكن الظاهر أنّ الأصحّ أنّ النصوص دالّة على أنّ عقد الايجار لايقتضي الضمان، لا أنّه يقتضي عدم الضمان، فالعقد المزبور بالاضافة الى الضمان من قبيل عدم المقتضي لا المقتضي للعدم. فعليه لايكون الشرط المذكور مخالفا للعقد بوجه. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الظاهر من قوله عليه السلام «المؤمنون عند شروطهم» أنّ المؤمن بحسب ايمانه يفي بعهوده، كما قال اللّه تعالى: «و الموفون بعهدهم اذا عاهدوا»(3)، و «قد أفلح المؤمنون ... و الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون»(4). فمن المعلوم أنّ الشروط المحرّمة خارجة، و الرواية منصرفة عنها؛ لأنّ المؤمن منعزل عن الحرام من جهة ايمانه. و كذا الشروط التي تكون نافية لحكم، أو مثبتة لحكم قد نفاه الشارع، و قد تقدّم أنّ الشارع قد أمضى ما عليه العرف من ائتمان المستأجر بل حكم بأنّه أمين و أنّه لايضمن بالنسبة الى العين المستأجرة التالفة بغير تعدٍّ أوتفريط. و ما ذهب اليه المستند من «أنّ النصوص دالّة على أنّ عقد الايجار
لايقتضي الضمان لا أنّه يقتضي عدم الضمان» لايمكن المساعدة اليه، و هذا قوله عليه السلام: «و لايغرم الرجل اذا استأجر الدابّة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة» أي و لايضمن الرجل اذا استأجر الدابّة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة.
و لعلّ الذي ذكرنا هو مراد المستند حيث قال تحت عنوان الوجه الثالث من الوجوه التي استدلّ للمشهور ما ملخّصه: «الشرط في ضمن العقد لايترتّب عليه الأثر الاّ اذا كان أمره بيد المشروط عليه له أن يفعل و أن لايفعل، فيجب عليه بعد الشرط أن يفعل بمقتضى قوله عليه السلام «المؤمنون عند شروطهم»، و ذلك مثل الكتابة و الخياطة و نحوها. و أمّا ما هو خارج عن اختياره و راجع الى الشارع - كالمجعولات التي منها الضمان - فليس للشارط تغييره. و يجري هذا الكلام في غير باب الضمان من سائر الأحكام الوضعيّة المعبّر عنها فى كلماتهم بشرط النتيجة. فالعبرة في نفوذ الشرط في شرائط النتيجة بتحقّق أمرين: (1)
أحدهما كون تلك النتيجة تحت اختيار المشروط عليه، بحيث يكون قادرا على ايجادها فعلاً ولو من غير اشتراط.
و الثاني عدم اعتبار لفظ خاصّ في تحقّقها، و بما أنّ الضمان فاقد للشرط الأوّل فمن ثمّ لايصحّ اشتراطه في الاجارة كما عليه المشهور. و أمّا العارية و ان كانت حالها مثل الاجارة الاّ أنّ النصّ الخاصّ قد دلّ على صحّة اشتراطه فيها. هذا كلّه فيما لو كان الشرط المزبور من قبيل شرط النتيجة، بمعنى أن يراد بالضمان اشتغال ذمّة المستأجر بقيمة العين أو مثلها حسب اختلاف الموارد. و أمّا لو كان من قبيل شرط الفعل الراجع الى اشتراط المؤجر على المستأجر أن يدفع مقدارا معيّنا من المال على تقدير تلف العين من غير أن تشتغل ذمّته بشيء، بل على أن يكون هذا الدفع تكليفا محضا كسائر الأفعال الخارجيّة من اشتراط الخياطة و نحوها بحيث لو تلفت و مات المستأجر قبل الدفع لم تخرج القيمة عن تركته؛ لعدم كونه مدينا و لا ذمّته مشغولة بضمان ماليّ، فانّ هذا الشرط لا مانع من
أن يكون مشمولاً لعموم نفوذ الشرط، فيكون الدفع المزبور واجبا بعنوان الوفاء بالشرط.(1)
و قد اتّضح من كلامه رحمه الله ما اذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيّب لا بعنوان الضمان بل على أن يكون هذا الدفع تكليفا محضا بعنوان الوفاء بالشرط، و لابأس به.
و الظاهر عدم الفرق في عدم ضمان المستأجر اذا تلفت العين مع عدم كونه متعدّيا أو مفرّطا، بين أن يكون التلف في أثناء المدّة أو بعدها، و ذلك لاطلاق الأدلّة الدالّة على عدم ضمان المستأجر كما تقدّم. نعم، لو مضت مدّة الاجارة يجب عليه ردّها أو اعلام المؤجر بالتخلية. و لو طلبها المؤجر و لم يؤدّها من غير عذر و تلفت ضمن؛ لأنّه غاصب.
و في المسالك: «لا فرق في ذلك بين مدّة الاجارة و بعدها، قبل طلب المالك لها و بعده في أثناء الردّ بحيث لم يؤخّره. أمّا كونها أمانة في المدّة فظاهر؛ لأنّها مقبوضة باذن المالك لحقّ القابض. و أمّا بعده فلأنّه لايجب على المستأجر ردّ العين الى المؤجر و لا مؤونة ذلك، و انّما يجب عليه التخلية بين المالك و بينها كالوديعة؛ لأصالة براءة ذمّته من وجوب الردّ، و لأنّها أمانة قبل انقضاء المدّة فيستصحب. و لايجب ردّها الاّ بعد المطالبة، و الواجب بعدها تمكينه منها كغيرها من الأمانات. و خالف في ذلك جماعة منهم الشيخ و ابن الجنيد؛ لأنّ ما بعد المدّة غير مأذون فيه فيضمنها، و يجب عليه مؤونة الردّ. و تردّد العلاّمة في
1) مستند العروة 226:30 - 229.
المختلف، و جزم في غيره بعدم الضمان و عدم وجوب الردّ». (1)
و فيه: انّه يجب على المستأجر ردّ العين أو اعلام المؤجر. نعم، لو كان ردّها محتاجا الى المؤونة فليس عليه.
لو كانت الاجارة فاسدة، كما لو استأجر دكّانا لبيع الخمر، فتارة كان المؤجر و المستأجر عالمين بفسادها، أو كان المؤجر عالما دون المستأجر، فحينئذ لايضمن المستأجر لو تلف ولو بالتعدّي أو التفريط؛ لأنّ المؤجر سلّطه على ماله مجّانا.
و أخرى يكون المؤجر جاهلاً و المستأجر عالما، فهو ضامن و ان تلف بآفة سماويّة، و ذلك لعدم جواز تصرّف المستأجر في ماله.
و ثالثة يكونان جاهلين بالبطلان فلايضمن المستأجر الاّ بالتعدّي أو التفريط و ذلك لقاعدة ما لايضمن بصحيحه لايضمن بفاسده.
(مسألة 1): العين التي للمستأجر بيد المؤجر الذي آجر نفسه لعمل فيها كالثوب آجر نفسه ليخيطه، أمانة؛ فلايضمن تلفها أو نقصها الاّ بالتعدّي أو التفريط أو اشتراط ضمانها على حذو ما مرّ في العين المستأجرة. و لو تلفت أو أتلفها المؤجر أو الأجنبي قبل العمل أو في الأثناء بطلت الاجارة و رجعت الأجرة بتمامها أو بعضها الى المستأجر، بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أيضا. نعم، لو كانت الاجارة واقعة على منفعة المؤجر بأن يملك منفعته الخيّاطي في يوم كذا يكون اتلافه لمتعلّق العمل بمنزلة استيفائه؛ لأنّهباتلافه
1) مسالك الأفهام 5: 176.
ايّاه فوّت على نفسه المنفعة، ففرق بين أن يكون العمل في ذمّته أو أن يكون منفعته الكذائيّة للمستأجر، ففي الصورة الأولى التلف قبل العمل موجب للبطلان و رجوع الأجرة الى المستأجر و ان كان هو المتلف، و في الصورة الثانية اتلافه بمنزلة الاستيفاء، و حيث انّه مالك لمنفعة المؤجر و قد فوّتها على نفسه فالأجرة ثابتة عليه.
الشرح:
الظاهر أنّ العين التي للمستأجر بيد المؤجر الذي آجر نفسه لعمل فيها أمانة؛ فلايضمن المؤجر لو تلفت بغير تعدٍّ أو تفريط منه، و ذلك مثل ما لو أعطى الثوب خيّاطا ليخيطه أو قصّارا ليغسله أو حمّالاً ليحمله. و الدليل على عدم الضمان هو الدليل الذي مرّ في المسألة السابقة، فانّهما من وادٍ واحد. و اشتراط ضمانها كما تقدّم في المسألة السابقة فاسد، فيكون الشرط باطلاً.
و قد يظهر من صاحب الوسائل من نفوذ شرط الضمان في المقام مستدلاًّ بما رواه في الكافي و التهذيب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن علي بن الحكم عن موسى بن بكر عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن رجل استأجر سفينة من ملاّح فحمّلها طعاما و اشترط عليه ان نقص الطعام فعليه؟ قال: جائز. قلت: انّه ربّما زاد الطعام، قال: فقال: يدّعي الملاّح أنّه زاد فيه شيئا؟ قلت: لا. قال: هو لصاحب الطعام الزيادة، و عليه النقصان اذا كان قد اشترط ذلك». (1)
ولكن فيه أوّلاً: انّ السند غير نقيّ لمكان موسى بن بكر، فانّه لم يوثّق في الكتب الرجاليّة، و ان قال العلاّمة الخوئي: انّ الأظهر وثاقته.
و ثانيا: في دلالته، فانّ قوله عليه السلام «و عليه النقصان اذا كان قد اشترط ذلك»
1) وسائل الشيعة 19: 150 / الباب 30 من كتاب الاجارة / الحديث 5.
لم يظهر منه شرط ضمان المتاع لو تلف بغير تعدٍّ و لا تفريط، و يحتمل أن يكون مراد الامام عليه السلام أنّ هذا الشرط شرط الفعل، أي يجب الوفاء به تكليفا محضا لا أنّه يكون مديونا، بحيث لو لم يؤدّه كان للشارط أن يأخذه منه. و يقوّي هذا الاحتمال أنّ اشتراط المستأجر، ليكون الملاّح أشدّ مواظبة لمتاعه، و هذا النوع من الشرط متعارف بين الناس.
ثمّ انّ المصنّف قال: «و لو تلفت أو أتلفها المؤجر أو الأجنبي قبل العمل أو في الأثناء بطلت الاجارة و رجعت الأجرة بتمامها أو بعضها الى المستأجر، بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أيضا» و هذا مخالف لما مضى منه في المسألة الثالثه عشرة في الفصل السابق، و تقدّم شرحها فراجع. نعم، قد استثنى ممّا لو أتلفها المستأجر، لو كانت الاجارة واقعة على منفعة المؤجر بأن يملك منفعته الخيّاطي في يوم كذا، و يقول له: آجرتك على أن تخيط لي هذا الثوب في هذا اليوم، فاذا أتلف المستأجر الثوب فكأنّه استوفى منه منفعته التي آجره لها.
ولكنّ الظاهر أنّه لم يفرق بين هذه الصورة و بين أن يكون العمل في ذمّته، ففي كليهما لو أتلف المستأجر العين فهو بمنزلة الاستيفاء؛ لأنّه باتلافه ايّاه قد فوّت على نفسه المنفعة بلا فرق بين الصورتين، فالأجرة ثابتة عليه في الحالين.
(مسألة 2): المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء في القيميّات لا يوم التلف و لا أعلى القيم على الأقوى.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا تعدّى في العين المستأجرة، ضمن قيمتها وقت العدوان».(1)
1) شرائع الاسلام 2: 187
و في المسالك: «لأنّه يصير حينئذ بمنزلة الغاصب، و هو مبنيّ على أنّ الغاصب يضمن قيمة المغصوب يوم الغصب. و هو اختيار الأكثر. و قيل: يضمن أعلى القيم من حين العدوان الى حين التلف. و الأقوى ضمان قيمتها يوم التلف».(1)
و في المختلف: «اذا كان المغصوب من ذوات القيم و تلف وجب على الغاصب قيمته يوم التلف، و به قال ابن البرّاج. و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف: عليه أكثر القيم من حين القبض الى وقت التلف. و قيل: القيمة يوم القبض، و هو اختياره في المبسوط أيضا. و ابن حمزة، و ابن ادريس ذهبا الى ما قاله الشيخ. و هو الأشهر. لنا: انّ الواجب ردّ العين، فاذا تلفت وجب قيمة العين وقت التلف، لانتقال الحقّ اليها لتعذّر البدل. و انّما الذمّة مشغولة بردّ العين، و الانتقال الى القيمة انتقال الى البدل، و هو انّما يثبت حال وجوبه و هو حالة التلف. انتهى ملخّصا». (2)
الأقوال في المسألة كثيرة فعمدتها خمسة: قيمة يوم الأداء كما عليه المصنّف، و قيمة يوم التلف كما عليه الشهيد في المسالك و العلاّمة في المختلف، و قيمة يوم العدوان أي الضمان كما عليه الشرائع و مستند العروة، و أعلى القيم من حين القبض الى وقت التلف كما عليه الشيخ، و قيمة يوم القبض كما عليه الشيخ أيضا في المبسوط و ابن حمزة و ابن ادريس.
و استدلّ للقائل بقيمة يوم الأداء بأنّه وقت انقلاب العين التي في ذمّته الى القيمة لعدم امكان ردّ العين.
و دليل القول الثاني - قيمة يوم التلف - بأنّه اذا تلفت العين انتقلت قيمته على ذمّة الضامن.
و القائل بيوم الضمان استدلّ بصحيحة أبي ولاّد حيث قال الامام عليه السلام: «قيمة بغل يوم خالفته».
و دليل القول الرابع أي أعلى القيم، ما اشتهر بأنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال، فاذا زادت القيمة استقرّت على ذمّته و ان تنزّلت بعد ذلك.
و أمّا القول الخامس و هو قيمة يوم القبض، فلأنّه ظاهر قوله «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».
أقول:
الظاهر أنّ القول الأوّل مطابق للعرف، فانّ من غُصب ماله يقول للغاصب: رُدّ متاعي فأين هو؟ فاذا قال: تلف، يقول: أدّ قيمته، فالعرف يرى أنّ انتقال العين الى القيمة يكون يوم الأداء. نعم، يمكن أن يقول قيمته يوم الاشتراء كانت أزيد، الاّ أنّه
يتوجّه عليه أنّه لو كان موجودا لكانت قيمته الفعليّة هذا المقدار.
و أمّا الصحيحة، ففيها:
« ... فقلت له: أرأيت لو عطب البغل و نفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته». (1)
فالظاهر منها أنّ الضمان استقرّ عليه يوم المخالفة؛ فلو كان قد تلف قبله لم يكن يضمن لأنّه كان أمينا، و قوله: قيمة بغل، ارشاد الى أنّ الضمان يكون بالقيمة، و بعبارة أخرى، انّه عليه السلامبصدد بيان حكمين، أحدهما: انّ البغل من القيميّات، فضمانه اذا تلف قيمته. ثانيهما: لابدّ من عدم نسيان البغل، فانّ القيمة قيمة البغل، فليفرض البغل موجودا حين التسليم الى صاحبه، فاذا لم يتمكّن من أدائه، فقيمته. و يؤيّده قوله بعد ذلك: «قلت: فان أصاب البغل كسرا أو دبرا أو غمزا؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحّة و العيب يوم تردّه عليه».
1) وسائل الشيعة 19: 120 / الباب 17 من كتاب الاجارة / الحديث 1.
(مسألة 3): اذا أتلف الثوب بعد الخياطة ضمن قيمته مخيطا و استحقّ الأجرة المسمّاة، و كذا لو حمل متاعا الى مكان معيّن ثم تلف مضمونا أو أتلفه فانّه يضمن قيمته في ذلك المكان، لا أن يكون المالك مخيّرا بين تضمينه غير مخيط بلا أجرة أو مخيطا مع الأجرة، و كذا لا أن يكون في المتاع مخيّرا بين قيمته غير محمول في مكانه الأوّل بلا أجرة أو في ذلك المكان مع الأجرة كما قد يقال.
الشرح:
اذا أتلف الثوب بعد الخياطة ضمن قيمته مخيطا و استحقّ الأجرة المسمّاة، و ذلك لأنّ الأجرة انّما هي بازاء نفس العمل الصادر من الأجير الذي تسليمه و اقباضه بمجرّد الفراغ منه، لا بازاء الأثر المترتّب على عمله كوصف المخيطيّة حتّى يكون شريكا مع المالك. فاذا أتلفه بعد الخياطة يضمن للمالك قيمة الثوب المتّصف بصفة المخيطيّة بعد أن كان للمالك بهذا الوصف، كما تقدّم تفصيلها في ضمن المسألة الخامسة عشرة من الفصل السابق. و قد أشار المصنّف الى احتمالين آخرين من أن يكون ضامنا لقيمة الثوب غير مخيط بدون الأجرة، باعتبار أنّه من التلف قبل القبض، و من أنّه مخيّر بين تضمينه الثوب مخيطا و اعطاء الأجرة، أو تضمينه غير مخيط و عدم اعطائها. و قد تقدّم في الفرع الثالث من المسألة الخامسه عشرة من الفصل السابق ما هو الحقّ و فساد الاحتمالين الأخيرين.
و في المستند: «اذ بعد أن لم يكن من التلف قبل القبض المستوجب للانفساخ فما هو الموجب لسقوط الأجرة، و ما هو المقتضي للتخيير بعد أن كانت العين مملوكة للمالك مع وصف الخياطة؟! و قد عرفت أنّ الوصف تابع للعين و موجب لازدياد قيمته و لايقابل بالمال، و لايكون الضمان الاّ بازاء العين المتّصفة لا نفس الصفة. و من هذا القبيل ما ذكره في المتن من مثال حمل المتاع الى مكان آخر ثمّ
الاتلاف أو التلف مضمونا، فانّ الكلام فيه هو الكلام، فانّه يضمن قيمته في ذلك المكان؛ للزوم مراعاة جميع الصفات المستوجبة لازدياد القيمة حتّى صفة المكانيّة».(1)
(مسألة 4): اذا أفسد الأجير للخياطة أو القصارة أو التفصيل الثوب ضمن، و كذا الحجّام اذا جنى في حجامته أو الختّان في ختانه، و كذا الكحّال أو البيطار، و كلّ من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر اذا أفسده يكون ضامنا اذا تجاوز عن الحدّ المأذون فيه و ان كان بغير قصده؛ لعموم «من أتلف» و للصحيح عن أبي عبداللّه عليه السلام «في الرجل يعطى الثوب ليصبغه، فقال: كلّ عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن» بل ظاهر المشهور ضمانه و ان لم يتجاوز عن الحدّ المأذون فيه، ولكنّه مشكل، فلو مات الولد بسبب الختان مع كون الختّان حاذقا من غير أن يتعدّى عن محلّ القطع بأن كان أصل الختان مضرّا به، في ضمانه اشكال.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا أفسد الصانع ضمن و لو كان حاذقا، كالقصّار يحرق الثوب أو يخرق، أو الحجّام يجني في حجامته، أو الختّان يختن فيسبق موساه الى الحشفة أو يتجاوز حدّ الختان. و كذا البيطار مثل أن يحيف على الحافر أو يفصد فيقتل، أو يجني ما يضرّ الدابّة و لو احتاط و اجتهد. أمّا لو تلف في يد الصانع لا بسببه، من غير تفريط و لا تعدٍّ، لم يضمن على الأصحّ. و كذا الملاّح و المكاري، و لايضمنان الاّ ما يتلف عن تفريط، على الأشبه». (2)
و في المسالك: «أمّا الضمان فيما يتلف بيده فهو موضع وفاق. و لا فرق في ذلك بين الحاذق و غيره، و لا بين المختصّ و المشترك، و لا بين المفرّط و غيره، و لأنّ التصرّف في مال الغير بالاتلاف من غير اذن يقتضي الضمان، و لايدفعه عدم التفريط. و أمّا عدم الضمان لو تلف من غير تفريط بغير فعله فقيل انّه كذلك، بل ادّعى عليه المرتضى الاجماع. و ما اختاره المصنّف أقوى؛ لأصالة البراءة، و لأنّهم أمناء فلايضمنون بدون التفريط. و في كثير من الأخبار دلالة عليه. و الاجماع ممنوع. و الأقوى عدم ضمان الملاّح و المكاري؛ لما تقدّم، و لعدم دخولهما في اسم الصانع الذي وقع عليه الاجماع. و الشيخ استند في ضمانهما الى رواية ضعيفة السند». (1)
يدلّ على ضمان كلّ أجير آجر نفسه لعمل كالخياطة أو القصارة أو التفصيل أو غير ذلك ممّا في المتن فأفسد و ان لم يقصد الفساد صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه قال:
«سئل عن القصّار يفسد، فقال: كلّ أجير يعطى الأجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن». (2)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل يعطى الثوب ليصبغه فيفسده، فقال: كلّ عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن». (3)
و صحيحته الثالثة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان أميرالمؤمنين عليه السلام يضمّن القصّار و الصائغ احتياطا للناس، و
كانأبي يتطوّل عليه اذا كان مأمونا». (1)
و رواية اسماعيل بن أبي الصباح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الثوب أدفعه الى القصّار فيخرقه؟ قال: أغرمه، فانّك انّما دفعته اليه ليصلحه و لم تدفع اليه ليفسده». (2)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان علي عليه السلام يضمّن القصّار و الصائغ، يحتاط به على أموال الناس».(3)
و صحيحة أبي الصباح قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القصّار، هل عليه ضمان؟ فقال: نعم، كلّ من يعطى الأجر ليصلح فيفسد فهو ضامن». (4)
و في كتاب المقنع قال:
«كان أميرالمؤمنين عليه السلام يضمّن القصّار و الصائغ، و كلّ من أخذ شيئا ليصلحه فأفسده». (5)
الظاهر من هذه الروايات أنّ من نصب نفسه لعمل كالخياطة و القصارة و الصياغة و الصباغة و غيرها و صار أجيرا ليصلح ما أعطي من المتاع فأفسد المتاع فهو ضامن لما أفسده، و لايكون في هذه الروايات قيد التجاوز عن الحدّ المأذون. و هذا الحكم موافق لما عليه العرف، فلو أفسد الخيّاط الثوب الذي أعطي ليخيطه، فالعرف يضمّنه، فيقال له: ان لم تكن حاذقا فلم نصبت نفسك للخياطة؟ و ان كنتحاذقا فلم أفسدت الثوب؟ فافسادك لغفلتك عن أموال الناس، و هذا معنى ما في
1) وسائل الشيعة 142:19 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 4.
2) وسائل الشيعة 19: 143 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 8.
3) وسائل الشيعة 19: 145 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 12.
4) وسائل الشيعة 19: 145 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 13.
5) وسائل الشيعة 147:19 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 22.
الرواية من أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام «كان يضمّن القصّار و الصائغ يحتاط به على أموال الناس». نعم، لو كان العامل أمينا محتاطا و علم من حاله أنّ فساد المتاع كان صدفة و لم يكن مقصّرا فليس ضامنا، و على هذا تحمل صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايضمن الصائغ و لا القصّار و لا الحائك الاّ أن يكونوا متّهمين فيخوّف (1)بالبيّنة و يستحلف لعلّه يستخرج منه شيئا. و في رجل استأجر جمّالاً فيكسر الذي يحمل أو يهريقه، فقال: على نحو من العامل ان كان مأمونا فليس عليه شيء، و ان كان غير مأمون فهو ضامن».(2)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصبّاغ و القصّار، فقال: ليس يضمنان». (3)
و رواية بكر بن حبيب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أعطيت جبّة الى القصّار فذهبت بزعمه. قال:
انّ اتّهمته فاستحلفه، و ان لم تتّهمه فليس عليه شيء». (4)
و رواية أخرى عن بكر بن حبيب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايضمّن القصّار الاّ ما جنت يداه، و ان اتّهمته أحلفته». (5)
فرعان:
لو كان عمل الأجير صادرا بأمر المستأجر فصار الشيء المعمول به فاسدا لايضمن العامل؛ لأنّه لم يستند الفساد اليه بل الى المالك، و ذلك كما لو أعطاه الثوب و قال له: فصّله كذا و كذا، فتبيّن أنّ هذا التفصيل عليل بحيث سقط الثوب عن صلاحية الانتفاع، أو أعطى خشبا معيّنا للبنّاء لبناء السقف و أمره بأن يضع عليه كذا مقدار من الجصّ و الآجر و القير و نحو ذلك فانهدم لعدم تحمّل الخشب لهذه الأثقال، ففي كلّ ذلك لايضمن الأجير؛ لأنّ المالك صار سببا لفساد ماله.
و في الجواهر: «و لو قال المالك للخيّاط مثلاً: ان كان يكفيني قميصا فاقطعه فقطعه فلم يكف ضمن، و لو قال: هل يكفي قميصا؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه فلم يكفه لم يضمن، كما في القواعد و غيرها؛ لعدم الاذن في الأوّل بخلافه في الثاني، و ان كان صدوره منه اعتمادا على قول الخيّاط، لكنّه من الدواعي». (1)
لو مات الولد بسبب الختان فهو ضامن لديته، أمّا ضمانه فلما تقدّم من الروايات، و أمّا ديته فلأنّ موته بسبب الختان لم يكن عن عمد. نعم، لو لم يكن حاذقا فتعرّض نفسه لذلك فقتل المختون فهو قاتل. و ضمانه في الأوّل ثابت و ان كان حاذقا أمينا، و ذلك لأنّ دم المؤمن لايكون هدرا الاّ أن يأخذ البراءة من وليّه و سيأتي.
1) جواهر الکلام 27: 337.
و في الجواهر: «و من ذلك يعلم الحال في ضمان الحجّام و الختّان و ان لم يتجاوز لمحلّ القطع اذا اتّفق حصول التلف بفعله، لكن في محكي السرائر لو لم يتجاوز محلّ القطع مع حذقتهم في الصنعة، فاتّفق التلف، فانّهم لايضمنون، و عن الكفاية أنّه غير بعيد. و فيه: انّه منافٍ لقاعدة الاتلاف و غيرها». (1)
(مسألة 5): الطبيب المباشر للعلاج اذا أفسد ضامن و ان كان حاذقا، و أمّا اذا لم يكن مباشرا بل كان آمرا ففي ضمانه اشكال، الاّ أن يكون سببا و كان أقوى من المباشر. و أشكل منه اذا كان واصفا للدواء من دون أن يكون آمرا كأن يقول: انّ دواءك كذا و كذا، بل الأقوى فيه عدم الضمان. و ان قال: الدواء الفلاني نافع للمرض الفلاني، فلاينبغي الاشكال في عدم ضمانه، فلا وجه لما عن بعضهم من التأمّل فيه. و كذا لو قال: لو كنت مريضا بمثل هذا المرض لشربت الدواء الفلاني.
الشرح:
الطبيب المباشر للعلاج اذا أفسد ضمن و ان كان حاذقا؛ لما تقدّم في المسألة السابقة من الروايات و لقاعدة الاتلاف، كما في صحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام في شاهد الزور قال:
«ان كان الشيء قائما بعينه ردّ على صاحبه، و ان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل». (2)
و خصوص رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، و
الاّ فهو له ضامن». (1)
و في الشرائع: «اذا أفسد الصانع ضمن. و لو كان حاذقا كالقصّار يحرق الثوب أو يخرق - الى أن قال: - و كذا البيطار، مثل أن يحيف على الحافر، أو يفصد فيقتل، أو يجني ما يضرّ الدابّة و لو احتاط و اجتهد». (2)
و في الجواهر: «ثمّ انّ الظاهر عدم الفرق بين البيطار و الطبيب في كثير من الأدلّة السابقة و حينئذ ينبغي اتّحاد حكم الطبيب معه، بل هو أحد الصنّاع، بل داخل في اطلاق صحيح الحلبي و غيره من النصوص، مع أخذه الأجرة على ذلك، من غير فرق بين القاصر الذي حكي الاجماع على ضمانه، و العارف المقصّر الذي نفي الخلاف عنه، بل عن ظاهر ديات التنقيح الاجماع على ضمان العارف اذا عالج صبيّا أو مجنونا أو مملوكا بدون اذن الولي و المالك، و هو كذلك. بل يقوى الضمان أيضا في العارف الماهر علما و عملاً المأذون بأجرة و غيرها فأتلف؛ للمرسل المزبور، و قاعدة الاتلاف و القتل خطأً و أنّه لايطل دم امرئ مسلم و غير ذلك، و الاذن في العلاج لا في الاتلاف لاتنافي الضمان به، كما في الصانع و غيره، و لم أجد خلافا صريحا في ذلك الاّ من المحكي عن ابن ادريس و التحرير فلم يضمّناه؛ للأصل المقطوع بما عرفت و دعوى سقوط الضمان بالاذن المقتضية تسويغ الفعل فلايستعقب ضمانا الممنوعة على مدّعيها. و من هنا اتّفق من عداهما من الأصحاب على الضمان». (3)
اذا لم يكن الطبيب مباشرا للعمل بل كان آمرا شخصا آخر ليعالج المريض، فمات بعمل المباشر فتارة يكون السبب أقوى من المباشر بحيث يسند الفعل اليه، كما لو كان المأمور صبيّا غير مميّز أو مجنونا، ففي هذه الصورة يكون السبب أي الآمر ضامنا.
و أخرى لايكون كذلك بل كان المباشر مستقلاًّ في تصرّفه بأن كان بالغا عاقلاً مختارا ففي هذه الصورة يكون المباشر ضامنا؛ لصدور الفعل الموجب لموت المريض منه باختياره، و أسند اليه دون الآمر. و من ثمّ ذكروا في محلّه أنّ الآمر بالقتل لايقتصّ منه و ان كان يحبس لأمره.
و ثالثة لو وصف الدواء من دون أمر، فشرب المريض الدواء لوصف الطبيب له فمات، فهنا أولى بعدم الضمان من السابقة.
و رابعة ما اذا لم يعيّن الشخص، بل قال انّ مرض كذا دواؤه كذا، فشرب المريض الدواء فمات.
و خامسة اذا قال: لو كنت مريضا بمثل هذا المرض لشربت الدواء الكذائي، من غير تعرّض للحكم الكلّي أو لحكم شخص المريض، فعدم الضمان في هاتين الصورتين أوضح من الكلّ.
و في الجواهر: «انّما الكلام في صدق اتلافه و لا ريب في تحقّقه بمباشرته العلاج بنفسه، بل و بأمره بناءً على قوّة السبب على المباشر في مثله، بل و بوصفه له أنّ دواءك كذا و كذا، كما عن التذكرة التصريح به. بل عن بعضهم التأمّل في ضمانه لو قال: الدواء الفلاني نافع للمرض الفلاني، الاّ أنّه كما ترى منافٍ لأصول المذهب و قواعده، بل الظاهر عدمه لو قال مثلاً: لو كنت مريضا بمثل هذا المرض
لشربت هذا الدواء». (1)
و قد عرفت أنّ الضمان في الصورتين من الصور الخمس المتقدّمة دون سائر الصور؛ لأنّ الاتلاف كما عنونه صاحب الجواهر يصدق فيهما دون البقيّة.
(مسألة 6): اذا تبرّأ الطبيب من الضمان و قبل المريض أو وليّه و لم يقصّر في الاجتهاد و الاحتياط برئ على الأقوى.
الشرح:
و ذلك لما في رواية السكوني المتقدّمة عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:
«من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، و الاّ فهو له ضامن». (2)
و عدم الضمان اذا تبرّأ الطبيب منه و قبل المريض أو وليّه مطابق لما عليه العرف، بمعنى أنّ في علاج بعض الأمراض خطر الموت مع امكان نجاة المريض، و كثيرا ما يتّفق في زماننا، فلو قلنا بضمان الطبيب الحاذق و ان احتاط كمال الاحتياط، قلّ ما يقبله و لعلّ ضمانه ممّا يذمّه العقلاء و الرواية امضاء لما عليه العرف، و قضيّة اسقاط ما لم يجب غير جارية فيما نحن فيه؛ لأنّ هذه معاملة صحيحة و لم يردع عنها الشارع، بل أمضاها، و الاشكال في سند الرواية مدفوع بعد عمل المشهور بها، و توثيق السكوني عن بعض منهم العلاّمة الخوئي.
ففي مفتاح الكرامة قال: «قال الشهيد في غاية المراد: «لو أبرأه المعالج قبل الفعل أو وليّه فقد قال الشيخان و أتباعهما و أبو الصلاح: يبرأ لمسيس الحاجة اليه، فانّه لا غناء عن العلاج، و اذا عرف الطبيب و البيطار أنّه لا مخلص له من الضمان توقّف في العلاج مع الضرورة اليه فوجب أن يشرع الابراء دفعا لضرورة الحاجة و
لرواية السكوني». و ذهب الى صحّة الابراء و عدم الضمان القاضي ابن البرّاج في المهذّب في باب الاجارة، و الشرائع، و النافع، و كشف الرموز، و الايضاح في باب القصاص، و اللمعة، و المقتصر، و التنقيح، و مجمع البرهان، و الرياض، و اجارة الحواشي، و جامع المقاصد، بل في التنقيح أنّ عليه الفتوى، و ظاهر الغنية الاجماع عليه، و في المسالك أنّه المشهور، و في المفاتيح أنّه الأشهر - الى أن قال: - و أمّا ضعف الرواية فمجبور بالشهرة المعلومة و المنقولة حتّى في كلامه، بل لم نجد في الحكم مخالفا مصرّحا به و انّما يظهر من المصنّف هنا و في الارث و التحرير التردّد، و أمّا ابن ادريس فقد عرفت أنّه ليس مخالفا. انتهى ملخّصا». (1)
و في كتاب الاجارة بعد قول العلاّمة «و لو أخذ البراءة من الولي ففي الضمان اشكال» قال: «و لا ترجيح أيضا في الايضاح، و في جامع المقاصد أنّ عدم الضمان أقوى، و في الحواشي أنّه قويّ كما تقدّمت الاشارة اليه قريبا، و قد أسبغنا الكلام في ذلك في باب الديات و حكينا هناك عدم الضمان عن أحدعشر كتابا منها المهذّب و الشرائع و أكثر ما تأخّر عنها اذا أخذ البراءة من الولي أو المريض. انتهى».(2).
(مسألة 7): اذا عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره - مثلاً - ضمن؛ لقاعدة الاتلاف.
الشرح:
اذا عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره - مثلاً - لايضمن. و ذلك لما في صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايضمّن الصائغ و لا القصّار و لا الحائك الاّ أن يكونوا متّهمين فيخوّف (1)بالبيّنة و يستحلف لعلّه يستخرج منه شيئا. و في رجل استأجر جمّالاً فيكسر الذي يحمل أو يهريقه، فقال: على نحو من العامل ان كان مأمونا فليس عليه شيء، و ان كان غير مأمون فهو ضامن».(2)
و في أصلها - أي التهذيب و الفقيه - استأجر حمّالاً، بدل جمّالاً، و هو الصحيح.
فقوله عليه السلام «ان كان مأمونا ... » يعني ان لم يكن يصحّ نسبة الاتلاف اليه، كما فيما نحن فيه من عثرته و سقوط ما كان على رأسه أو ظهره، مع كونه محتاطا في مشيه مواظبا لما يحمله. و لذا في مورد ادّعاء العثرة و سقوط ما كان يحمله، فان كان مأمونا و صادقا في قوله فليس عليه شيء.
و لاتعارضها صحيحة داوود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في رجل حمل متاعا على رأسه فأصاب انسانا فمات أو انكسر منه شيء فهو ضامن». (3)
و ذلك لأنّها في دية الانسان، و الأولى في اتلاف المال، و كم فرق بينهما كما تقدّم في المسألة الخامسة من هذا الفصل.
(مسألة 8): اذا قال للخيّاط مثلاً: ان كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه، فقطعه فلم يكف ضمن في وجه. و مثله لو قال: هل يكفي قميصا؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه، فلم يكفه. و ربّما يفرّق بينهما فيحكم بالضمان في الأوّل دون الثاني، بدعوى عدم الاذن في الأوّل دون الثاني. و فيه: انّ في الأوّل أيضا الاذن حاصل. و ربّما يقال بعدم الضمان فيهما للاذن فيهما. و فيه: انّه مقيّد بالكفاية، الاّ أن يقال: انّه مقيّد باعتقاد الكفاية و هو حاصل. و الأولى الفرق بين الموارد و الأشخاص بحسب صدق الغرور و عدمه أو تقيّد الاذن و عدمه، و الأحوط مراعاة الاحتياط.
الشرح:
ملخّص ما ذكره رحمه الله على ما في المستند: «انّ الأقوال في مفروض المسألة ثلاثة: الضمان مطلقا، و هو الذي اختاره قدس سره أوّلاً، و ان ذكر في آخر كلامه أنّ الأولى تعليق الضمان على التقييد و عدمه أو على صدق الغرور و عدمه. و عدم الضمان مطلقا، باعتبار أنّ صاحب المال قد أذن في قطع الثوب و فصّله في كلا الفرضين الآتيين. و قول بالتفصيل بين ما اذا قيّد القطع و علّقه على الكفاية فقال: ان كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه، ففيه الضمان؛ لعدم صدور القطع عن الاذن في فرض عدم الكفاية. و بين ما اذا كان اخبار الخيّاط بالكفاية داعيا للأمر من غير تقييد و تعليق، فلا ضمان لصدوره حينئذ عن الأمر و الاذن». (1)و اختار هو التفصيل و قال بأنّه الأقوى.
أقول:
الظاهر الرجوع في أمثال هذه المسألة الى العرف، فالظاهر أنّ العرف قائل بضمان الخيّاط و نحوه في الصورتين، و ذلك لأنّ الذي نصب نفسه لعمل و صنعة
1) مستند العروة 253:30 و 254 .
بعنوان العامل لذلك الشيء و صانعه، فالعرف يراه حاذقا و أستاذا، فلذا لو سأله: هل يكفي هذا قميصا؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه، فقطعه فلم يكفه، لم يفرق بينه و بين ما لو قال: ان كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه، فقطعه فلم يكف. و بهذا القول يشمله الروايات المتقدّمة في ضمان الصانع و العامل. و في هذه المسألة لا مجال للقول بأنّه أمين أو ليس أمينا، كما هو واضح.
(مسألة 9): اذا آجر عبده لعمل فأفسد ففي كون الضمان عليه أو على العبد يتبع به بعد عتقه أو في كسبه اذا كان من غير تفريط و في ذمّته يتبع به بعد العتق اذا كان بتفريط أو في كسبه مطلقا وجوه و أقوال، أقواها الأخير؛ للنصّ الصحيح. هذا في غير الجناية على نفس أو طرف، و الاّ فيتعلّق برقبته و للمولى فداؤه بأقلّ الأمرين من الأرش و القيمة.
الشرح:
الأقوال في المسألة من حيث الضمان و عدمه - على ما في المستند (1)- أربعة:
الأوّل: عدم ضمان المولى بوجه، و انّما هو في عهدة العبد يتبع به بعد عتقه.
الثاني: الضمان على المولى استنادا الى رواية معتبرة.
الثالث: التفصيل بين صورتي تفريط العبد، فعلى ذمّته بمقتضى القاعدة، و عدمه فعلى المولى؛ لوقوع العمل باذنه و هو مختار المسالك، فيخرج من كسبه.
الرابع: الضمان في كسبه مطلقا. و هو مختار الماتن، تبعا لجماعة من الفقهاء، و استنادا الى النصّ الصحيح، بعد حمل المطلق على المقيّد. و اختار المستند التفصيل، فالتزم بالفرق بين الافساد في مورد الاجارة فالضمان على المولى، و الافساد في غيره فعلى العبد في كسبه.
1) مستند العروة 256:30.
قال في الشرائع: «اذا آجر مملوكا له فأفسد كان ذلك لازما لمولاه في سعيه. و كذا لو آجر نفسه باذن مولاه». (1)
و في الجواهر: «اذا آجر مملوكا له صانعا مثلاً فأفسد كان ذلك لازما لمولاه في سعيه، فان قصّر ففي ذمّته، يتبع به بعد العتق، و كذا لو آجر نفسه باذن مولاه؛ للجمع بين صحيحة أبي بصير و حسنته. فما في النهاية و محكي الكافي - من اطلاق كون الضمان على المولى، و محكي السرائر من اطلاق عدم ضمانه و تبعه في جامع المقاصد، و ما في المسالك من التعلّق بالكسب ان كان في العمل الذي يعمل فيه من غير تفريط، و ان كان بتفريط تعلّق في ذمّته يتبع به اذا أعتق؛ لأنّ الاذن في العمل لايقتضي الاذن في الافساد - في غير محلّه، و كالاجتهاد في مقابلة النصّ الذي مع فرض الاعراض عنه يتّجه ما سمعته من الحلّي و جامع المقاصد؛ ضرورة عدم اقتضاء الاذن من المولى في الاجارة الضمان في كسبه ولو بغير تفريط».(2)
أقول:
اذا آجر عبده لعمل، أو آجر نفسه باذن مولاه فأفسد كان الضمان على مولاه، و ذلك لصحيحة زرارة و أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام في رجل كان له غلام فاستأجره منه صانع أو غيره، قال: ان كان ضيّع شيئا أو أبق منه فمواليه ضامنون». (3)
و لاتعارضها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل استأجر مملوكا فيستهلك مالاً كثيرا، فقال:
«ليس على مولاه شيء، و ليس لهم أن يبيعوه، ولكنّه يستسعى، و ان
عجز عنه فليس على مولاه شيء، و لا على العبد شيء». (1)
و ذلك لأنّها تحمل على ما اذا استأجره بدون اذن مولاه، كما هو مقتضى القاعدة؛ لكون المولى أجنبيّا عمّا يفعله العبد باختياره من اتلاف و نحوه، و هو في عهدة العبد، كما ثبت ذلك في جملة من الموارد التي منها ما لو اعترف بشيء على نفسه فانّه يتبع به بعد عتقه بلا كلام.
قال الشيخ في النهاية: «و من استأجر مملوك غيره من مولاه فأفسد المملوك شيئا أو أبق قبل أن يفرغ من عمله، كان مولاه ضامنا لذلك». (2)
و اذا جنى العبد على النفس أو الطرف خطأً، فيتعلّق الضمان برقبته و على المولى فداؤه بأقلّ الأمرين من الأرش و القيمة. ففي صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في مكاتب قتل، قال: يحسب ما أعتق منه فيؤدّي دية الحرّ، و ما رقّ منه فدية العبد». (3)
و رواها الصدوق باسناده الى قضايا أميرالمؤمنين عليه السلام و زاد:
«و قال: العبد لايغرم أهله وراء نفسه شيئا». (4)
و اذا جنى العبد عمدا على النفس أو الطرف، ففي المستند: «لا اختيار للمولى بوجه، بل الاختيار انّما هو بيد وليّ المقتول أو بيد المجني عليه، فلو قتل عبدا أو
حرّا فللوليّ القصاص ابتداءً كما له الاسترقاق بلا حاجة الى رضا المولى بذلك، و اذا كانت الجناية على الطرف ساغ للمجني عليه استرقاقه فيما اذا كانت الجناية مستوعبة للقيمة، فكانت هي - أي القيمة - بمقدار الدية أو أقلّ». (1)
و الدليل عليه روايات:
منها صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّه قال في عبد جرح حرّا، فقال: ان شاء الحرّ اقتصّ منه، و ان شاء أخذه ان كانت الجراحة تحيط برقبته، و ان كانت لاتحيط برقبته افتداه مولاه، فان أبى مولاه أن يفتديه كان للحرّ المجروح من العبد بقدر دية جراحه (2)، و الباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقّه و يردّ الباقي على المولى». (3)
و منها صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قتل العبد الحرّ فدفع الى أولياء الحرّ فلا شيء على مواليه». (4)
و منها رواية أبي محمّد الوابشي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قوم ادّعوا على عبد جناية تحيط برقبته فأقرّ العبد بها؟ قال: لايجوز اقرار العبد على سيّده، فان أقاموا البيّنة على ما ادّعوا على العبد أخذ العبد بها أو يفتديه مولاه». (5)
(مسألة 10): اذا آجر دابّة لحمل متاع فعثرت و تلف أو نقص لا ضمان على صاحبها الاّ اذا كان هو السبب بنخس أو ضرب.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السابعة من هذا الفصل و قلنا بأنّه اذا عثر الحمّال فسقط ما على رأسه أو ظهره - مثلاً - لايضمن؛ لعدم صدق الاتلاف، و للروايات الواردة في ذلك، و هكذا يكون الحال فيمن آجر دابّة لحمل متاع فعثرت الدابّة و تلف أو نقص المتاع فلا ضمان على صاحب الدابّة؛ لعدم استناد التلف الى صاحبها، فلايصدق عليه الاتلاف ليكون ضامنا. نعم، اذا كان هو السبب في عثرة الدابّة فيكون ضامنا.
(مسألة 11): اذا استأجر سفينة أو دابّة لحمل متاع فنقص أو سرق لم يضمن صاحبها. نعم، لو اشترط عليه الضمان صحّ؛ لعموم دليل الشرط و للنصّ.
الشرح:
اذا استأجر سفينة أو دابّة لحمل متاع فنقص أو سرق لم يضمن صاحبها؛ لعدم استناد الاتلاف الى صاحب السفينة أو الدابّة. نعم، اذا كان النقص أو السرقة بتعدٍّ من صاحبها أو تفريطه فهو ضامن، كما اذا سار بالدابّة في محلّ اللصوص أو بالسفينة في محلّ الأمواج.
و أمّا قوله رحمه الله: «لو اشترط عليه الضمان صحّ؛ لعموم دليل الشرط و للنصّ» ففيه ما تقدّم في الفرع الأوّل من ابتداء هذا الفصل أنّ المستأجر لايضمن ان لم يفرّط أو لم يتعدّ و ان اشترط عليه الضمان. و أمّا النصّ فقد تقدّم في المسألة الأولى من هذا الفصل رواية موسى بن بكر و شرحها فراجع.
(مسألة 12): اذا حمل الدابّة المستأجرة أزيد من المشترط أو المقدار
المتعارف مع الاطلاق ضمن تلفها أو عوارها، و الظاهر ثبوت أجرة المثل لا المسمّى مع عدم التلف؛ لأنّ العقد لم يقع على هذا المقدار من الحمل. نعم، لو لم يكن ذلك على وجه التقييد ثبت عليه المسمّاة و أجرة المثل بالنسبة الى الزيادة.
الشرح:
اذا حمل الدابّة المستأجرة أو نحوها من السيّارة و السفينة أزيد من المشترط أو المقدار المتعارف مع الاطلاق، أو بلحاظ الطريق، ضمن تلفها و عوارها؛ لأنّه متعدٍّ و قد تقدّم دليل ذلك في ابتداء هذا الفصل من أنّ المستأجر أمين لايضمن تلف العين المستأجرة و لا عوارها الاّ مع التعدّي أو التفريط.
و أمّا الأجرة التي يستحقّها المؤجر مع عدم التلف، فقد فصّل المصنّف بين ما لو كانت الأجرة على وجه التقييد، مثل ما لو شرط عليه حمل مقدار معلوم و قيّده بعدم الزيادة، ففي هذه الصورة قال بثبوت أجرة المثل لا المسمّى؛ لأنّ العقد لم يقع على هذا المقدار من الحمل، و بين ما لو لم تكن الأجرة على وجه التقييد، فحكم بثبوت الأجرة المسمّاة و أجرة المثل بالنسبة الى الزيادة.
ولكنّ الظاهر عدم الفرق بينهما في نظر العرف، فانّ العرف يرى أنّ الشرط و التقييد و المتعارف كلّها على حدّ سواء، و بناءً عليه فما يستحقّها المؤجر من الأجرة، الأجرة المسمّاة للعقد، و أجرة المثل بالنسبة الى الزيادة.
و يؤيّده رواية الحسن الصيقل قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما تقول في رجل اكترى دابّة الى مكان معلوم فجاوزه؟ قال: يحسب له الأجر بقدر ما جاوزه، و ان عطب الحمارفهو ضامن».(1)
1) وسائل الشيعة 19: 121 / الباب 17 من كتاب الاجارة / الحديث 2.
و روايته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في رجل اكترى من رجل دابّة الى موضع فجاز الموضع الذي تكارى اليه فنفقت الدابّة، قال: هو ضامن و عليه الكراء بقدر ذلك».(1)
(مسألة 13): اذا اكترى دابّة فسار عليها زيادة عن المشترط ضمن، و الظاهر ثبوت الأجرة المسمّاة بالنسبة الى المقدار المشترط، و أجرة المثل بالنسبة الى الزائد.
تقدّم في شرح المسألة السابقة دليل هذه المسألة، و يأتي دلائل أخرى في شرح المسألة اللاحقة.
(مسألة 14): يجوز لمن استأجر دابّة للركوب أو الحمل أن يضربها اذا وقفت على المتعارف، أو يكبحها باللجام أو نحو ذلك على المتعارف، الاّ مع منع المالك من ذلك، أو كونه معها و كان المتعارف سوقه هو. ولو تعدّى عن المتعارف أو مع منعه ضمن نقصها أو تلفها. أمّا في صورة الجواز ففي ضمانه مع عدم التعدّي اشكال، بل الأقوى العدم؛ لأنّه مأذون فيه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا اكترى دابّة فسار عليها زيادة عن العادة أو ضربها كذلكأو كبحها باللجام من غير ضرورة ضمن». (2)
و في المسالك قال في شرح الشرائع: «أي أسرع السير زيادة على عادة أمثالها
بحسب نوعها و وصفها في تلك الطريق، فانّ ذلك لايجوز فيضمن. و التقييد في الضرب بالزيادة عن العادة يدلّ بمفهومه على أنّه لو ضربها بما جرت العادة به لم يضمن؛ حملاً على المعتاد، فانّ ذلك ممّا اقتضاه عقد الاجارة و ان لم يأذن فيه صريحا، خلافا للتذكرة حيث حكم بالضمان بالضرب مطلقا، محتجّا بأنّ الاذن مشروط بالسلامة. و ما اختاره المصنّف أوجه. و المراد بكبح الدابّة باللجام جذبها به لتقف. قال الجوهري: كبحتَ الدابّة اذا جذبتها اليك باللجام لكي تقف و لاتجري. يقال: أكمحتها، و أكفحتها، و كبحتها هذه وحدها بلا ألف، عن الأصمعي».(1)
أقول:
اذا اكترى دابّة - مثلاً - فضربها زيادة عن العادة أو كبحها من غير ضرورة فتلفت أو نقصت ضمن بلا خلاف كما في الجواهر.
و لو أذن له مالكها بضربها زيادة عن العادة، فلايجوز ذلك اذا كان ايذاءً للحيوان، ففي رواية السكوني باسناده:
«أنّ النبي صلى الله عليه و آله أبصر ناقة معقولة و عليها جهازها، فقال: أين صاحبها؟ مروه فليستعدّ غدا للخصومة». (2)
و في رواية حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ امرأة عذّبت في هرّة ربطتها حتّى ماتت عطشا».(3)
و في رواية الحسن بن الفضل الطبرسي في مكارم الأخلاق نقلاً من كتاب المحاسن عن الصادق عليه السلام قال:
«أقذر الذنوب ثلاثة: قتل البهيمة و حبس مهر المرأة و منع الأجير
أجره».(1)
و في رواية عن علي عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: للدابّة على صاحبها ستّ خصال: يعلفها اذا نزل، و يعرض عليها الماء اذا مرّ به، و لايضربها الاّ على حقّ، و لايحملها ما لاتطيق، و لايكلّفها من السير الاّ طاقتها، و لايقف عليها فواقا» (2).(3)
و لو ماتت بضربها زيادة عن العادة يضمن و ان أذن له مالكها؛ لأنّه لم يأذن باتلافها، و كذا لو نقصها. و اذا ضربها و لم يتعدّ عن المتعارف و ماتت اتّفاقا ضمن ان منعه صاحبها عن ضربها، بل و لو لم يمنعه، بل و لو أذن له بضربها، و ذلك لاستناد الاتلاف اليه عرفا، و اذن المالك بالتلف مفروض العدم. نعم، لو لم يسند الاتلاف اليه عرفا، بل الى هلاكها بآفة سماويّة، و في الصورة الثالثة قضى العرف بأنّ المالك مقصّر، فالمستأجر ليس بضامن.
و بما قلنا يظهر النظر في اطلاق كلام صاحب الجواهر، فانّه قال: «و انّما له ضربها بما جرت العادة به، و كذا تكبيحها باللجام و حثّها على السير؛ للأصل و السيرة و توقّف استيفاء المنفعة عليه في الجملة، و لأنّ النبي صلى الله عليه و آله «نخس بعير جابر و ضربه» و لأنّ ذلك من مقتضى عقد الاجارة. بل في القواعد و المسالك و محكي المبسوط و الخلاف و التحرير و موضع من التذكرة التصريح بعدم الضمان لوتلفت بذلك. و في جامع المقاصد أنّه لايخلو من قوّة؛ للأصل و لاقتضاء العقد جواز الأفعال المزبورة، فهي كالمأذون بها صريحا، فلايترتّب عليها ضمان بل لايشمله عموم من أتلف، بعد فرض الاذن، و كون التلف بها كالتلف باستيفاء
المنفعة المعقود عليها، و من ذلك يعلم ما عن موضع آخر عن التذكرة من ضمانة الضرب و ان كان على المعتاد؛ لأنّ الاذن منوط بالسلامة، و فيه ما لايخفى». (1)
(مسألة 15): اذا استؤجر لحفظ متاع فسرق لم يضمن الاّ مع التقصير في الحفظ ولو لغلبة النوم عليه، أو مع اشتراط الضمان. و هل يستحقّ الأجرة مع السرقة؟ الظاهر لا؛ لعدم حصول العمل المستأجر عليه، الاّ أن يكون متعلّق الاجارة الجلوس عنده و كان الغرض هو الحفظ لا أن يكون هو المستأجر عليه.
الشرح:
اذا استؤجر لحفظ متاع فسرق لم يضمن، و ذلك لما في ذيل صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«و عن رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرقه، قال: هو مؤتمن».(2)
و في التهذيب: «فسرق ... ». (3)
و تؤيّدها رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الأجير المشارك هو ضامن الاّ من سبع أو منغرق أو حرق أو لصّ مكابر». (4)
و عن المعصوم عليه السلام:
«كلّ عامل مشترك اذا أفسد فهو ضامن. فسألته: ما المشترك؟ فقال:
الذي يعمل لي و لك و لذا». (1)
و لاتعارضها موثّقة اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:
«لا ضمان على صاحب الحمّام فيما ذهب من الثياب؛ لأنّه انّما أخذ الجعل على الحمّام، و لم يأخذ على الثياب». (2)
و رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام:
«أنّه كان لايضمّن صاحب الحمّام، و قال: انّما يأخذ الأجر على الدخول الى الحمّام». (3)
لأنّه - كما في المستند (4)- غاية الموثّقة أن تدلّ بالمفهوم على الضمان فيما لو كان مأمورا بالاحتفاظ و قد تعدّى و فرّط فيه لا حتّى من غير تقصير الذي هو محلّ الكلام، و كذا رواية أبي البختري. مضافا الى احتمال أنّه عليه السلام يشير الى قضيّة خارجيّة متعارفة من عدم كون صاحب الحمّام ملتزما و لا مسؤولاً عن الثياب حتّى لو كان تلفها مستندا الى تفريطه و قلّة مواظبته لها، لعدم كونه مأمورا بذلك بوجه لكي يكون تلفها محسوبا عليه، و انّما يأخذ الأجرة بازاء مجرّد الدخول فحسب.
نعم، لو كان مقصّرا في الاحتفاظ فهو ضامن؛ لما تقدّم من أنّ المستأجر أو الأجير بالنسبة الى العين مؤتمن ما لم يتعدّ أو لم يفرّط. و أمّا قول المصنّف «الاّ معالتقصير في الحفظ ولو لغلبة النوم عليه أو مع اشتراط الضمان» ففيه أوّلاً: انّه لو استند النوم اليه اختيارا فهو مقصّر و الاّ فلا، و ثانيا: انّ الضمان مع الاشتراط فقد تقدّم تفصيله في ابتداء هذا الفصل فراجع.
ففي الجواهر: «قد يقال: لا أجر له لعدم حصول العمل المستأجر عليه». (1)
و عن السيّد البروجردي: «بل الظاهر نعم اذا كان قد أتى بما هو تحت قدرته من الأعمال الموجبة للحفظ على النحو المتعارف؛ اذ هو الذي يصحّ الاستئجار عليه لا المحفوظيّة التي ليست مقدورة له و ربّما تحصّل على سبيل الاتّفاق». (2)
أقول:
لو سرق المتاع مع كون الأجير مواظبا و محتاطا بجميع ما يحتاج اليه لحفظه فالحكم بأنّه لايستحقّ شيئا من الأجرة بعيد، فلعلّه كان حافظا للمتاع مدّة طويلة، فالظاهر أنّه يستحقّ الأجرة بقدر كونه حافظا له الى حين السرقة، فلو كانت أجرته عشرة دراهم لحفظ متاع المستأجر عشرة أيّام، فسرق في اليوم السادس، يستحقّ خمسة دراهم. نعم، يمكن أن يقال: لو اشترط المستأجر أنّه لو سرق متاعه ليس له أجرة و لو احتاط احتياطا تامّا فقبل الأجير لم يستحقّ الأجرة.
(مسألة 16): صاحب الحمّام لايضمن الثياب الاّ اذا أودع و فرّط أو تعدّى، و حينئذ يشكل صحّة اشتراط الضمان أيضا؛ لأنّه أمين محض، فانّه انّما أخذ الأجرة على الحمّام و لم يأخذ على الثياب. نعم، لو استؤجر مع ذلك للحفظ أيضا ضمن مع التعدّي أو التفريط، و مع اشتراط الضمان أيضا؛ لأنّه حينئذ يأخذ الأجرة على الثياب أيضا فلايكون أمينا محضا.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المسألة ثلاث:
الأولى: أن يودع ثيابه صاحب الحمّام و يقبل، فلو ضاعت عنده من غير تعدٍّ أو تفريط لم يضمن. كما دلّ عليه الروايات الواردة في الوديعة، و في خصوص هذه الصورة صحيحة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام أتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه، و قال: انّما هو أمين». (1)
الثانية: أن يستأجر صاحب الحمّام لحفظ ثيابه كما يستأجر حمّامه للاستحمام، فقد تقدّم حكمها في المسألة السابقة.
الثالثة: أن يضع ثيابه عند صاحب الحمّام من دون أن يكون وديعة عنده ولو بالقرينة، و لم يستأجره لحفظ ثيابه فحينئذ لم يكن صاحب الحمّام ضامنا، كما يدلّ عليه موثّقة اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:
«لا ضمان على صاحب الحمّام فيما ذهب من الثياب؛ لأنّه انّما أخذ الجعل على الحمّام، و لم يأخذ على الثياب». (2)
و رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام:
«أنّه كان لايضمّن صاحب الحمّام، و قال: انّما يأخذ الأجر على الدخول الى الحمّام». (1)
1) وسائل الشيعة 19: 140 / الباب 28 من كتاب الاجارة / الحديث 2.
يكفي في صحّة الاجارة كون المؤجر مالكا للمنفعة أو وكيلاً عن المالك لها أو وليّا عليه و ان كانت العين للغير، كما اذا كانت مملوكة بالوصيّة أو بالصلح أو بالاجارة، فيجوز للمستأجر أن يؤجرها من المؤجر أو من غيره، لكن في جواز تسليمه العين الى المستأجر الثاني بدون اذن المؤجر اشكال. فلو استأجر دابّة للركوب أو لحمل المتاع مدّة معيّنة فآجرها في تلك المدّة أو في بعضها من آخر، يجوز، ولكن لايسلّمها اليه، بل يكون هو معها، و ان ركبها ذلك الآخر أو حمّلها متاعه فجواز الاجارة لايلازم تسليم العين بيده، فان سلّمها بدون اذن المالك ضمن. هذا اذا كانت الاجارة الأولى مطلقة.
و أمّا اذا كانت مقيّدة، كأن استأجر الدابّة لركوبه نفسه فلايجوز اجارتها من آخر، كما أنّه اذا اشترط المؤجر عدم اجارتها من غيره أو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه كذلك أيضا، أي لايجوز اجارتها من الغير. نعم، لو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه و لم يشترط كونها لنفسه جاز أيضا اجارتها من الغير بشرط أن يكون هو المباشر للاستيفاء لذلك الغير، ثمّ لو خالف و آجر في هذه الصور ففي الصورة الأولى - و هي ما اذا استأجر الدابّة لركوبه نفسه -بطلت؛ لعدم كونه
مالكا الاّ ركوبه نفسه فيكون المستأجر الثاني ضامنا لأجرة المثل للمالك ان استوفى المنفعة. و في الصورة الثانية و الثالثة في بطلان الاجارة و عدمه وجهان مبنيّان على أنّ التصرّف المخالف للشرط باطل؛ لكونه مفوّتا لحقّ الشرط أو لا، بل حرام و موجب للخيار، و كذا في الصورة الرابعة اذا لم يستوف هو بل سلّمها الى ذلك الغير.
الشرح:
في المسألة فروع:
يكفي في صحّة الاجارة كون أمر المنفعة بيد المؤجر.
قال في الجواهر: «للمستأجر أن يؤجر من المؤجر فضلاً عن غيره و ان كان مالكا للمنفعة دون العين، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى عموم الوفاء بالعقود، و عمومات الاجارة، و قاعدة التسلّط، و النصوص المستفيضة بل المتواترة الواردة في الأرض و الدابّة و السفينة و غيرها». (1)
أقول:
يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره، و ذلك مضافا الى ما في الجواهر من عمومات الاجارة و عمومات الوفاء بالعقود، للنصوص المستفيضة بل المتواترة:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل يستكري الأرض بمائة دينار فيكري نصفها
1) جواهر الكلام 27 : 257.
بخمسة و تسعين دينارا و يعمر هو بقيّتها. قال: لابأس». (1)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لو أنّ رجلاً استأجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس، و لايؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به الاّ أن يحدث فيها شيئا». (2)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:
«أنّ أباه كان يقول: لابأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به اذا أصلح فيها شيئا». (3)
فيستفاد من هذه الروايات و غيرها أنّ المناط في صحّة الاجارة هو ملكيّة المنفعة، سواء كان مالكا للعين أو لم يكن و لا خصوصيّة في كونه مستأجرا و يدخل في الحكم من تملّكها بالارث أو بالوصيّة أو غيرهما، و كذا من كان في حكم مالك المنفعة من الوكالة و الولاية و غيرهما، ممّن كان أمر المنفعة بيده.
قال في الجواهر: «انّما الكلام في أنّ له تسليم العين من دون اذن المالك كما هو خيرة المختلف و غاية المراد و الحواشي و المسالك و مجمع البرهان و المفاتيح و الرياض على ما حكي عن البعض، أو لا، كما هو خيرة النهاية و السرائر و القواعد و جامع المقاصد على ما حكي عن البعض أيضا». (4)
و في المسالك بعد قول المحقّق «و للمستأجر أن يؤجر» قال: «هذا من جملة صور ملك المنفعة منفردة. و حيث يجوز له الايجار يتوقّف تسليم العين على اذن المالك؛ اذ لايلزم من استحقاقه استيفاء المنفعة و الاذن له في التسلّم جواز تسليمها لغيره، فلو سلّمها بغير اذنه ضمن. كذا ذكره العلاّمة و جماعة. و قوّى الشهيد رحمه الله الجواز من غير ضمان؛ لأنّ القبض من ضرورات الاجارة للعين، و قد حكم بجوازها، و الاذن في الشيء اذن في لوازمه. و ردّ بمنع كون القبض من لوازمها؛ لامكان استيفاء المنفعة بدونه. و الأقوى عدم الضمان؛ لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام في عدم ضمان الدابّة المستأجرة بالتسليم الى الغير، و غيرها أولى».(1)
و في المستند: «انّ لازم الاجارة المتضمّنة لتمليك المنفعة مع توقّف استيفائها على الاستيلاء على العين عادة هوجواز تسليمها. و الذي يرشدك الى ذلك عدم التأمّل من أحد في أنّ المستأجر لو مات فانتقلت المنفعة الى وارثه ساغ له الانتفاع من غير حاجة الى الاستئذان من مالك العين. فاذا كان الأمر في الوارث ذلك ففي الاجارة أيضا كذلك بمناط واحد. نعم، بما أنّ العين أمانة عند المستأجر الأوّل فلابدّ له من المحافظة عليها، و لايسوغ تعريضها للخطر. و يترتّب على ذلك أنّ العين لو تلفت عند المستأجر الثاني المؤتمن، بآفة سماويّة لم يضمن و ان سلّمها اليه بدون الاذن؛ خلافا للماتن. نعم، بما أنّ المالك سلّم العين الى المستأجر الأوّل فله مطالبتها منه بعد انقضاء المدّة، و ليس له الامتناع و الاحالة الى المستأجر الثاني. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة و أن يسلّمها الى المستأجر الثاني بدون اذن المالك بشرط كون المستأجر الثاني أمينا. و لو تلفت في يده من غير تعدٍّ و لا تفريط لايضمن. و الدليل على ذلك وجوه:
الأوّل: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره فنفقت، ما عليه؟ قال: ان كان شرط أن لايركبها غيره فهو ضامن لها، و ان لم يسمّ فليس عليه شيء».(1)
فقوله عليه السلام «فأعطاها غيره» مطلق شامل للاجارة أيضا، كما أنّه باطلاقه يشمل ما لو كان يصاحبه أو لم يكن. و أمّا شموله لغير المؤتمن فمقيّد بأخبار أخر قد تقدّمت في المسألة المناسبة له.
الثاني: الروايات الواردة فيمن استأجر مسكنا أو أرضا أو سفينة و سكن البعض أو انتفع به جاز أن يؤاجر الباقي، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل يستكري الأرض بمائة دينار فيكري نصفها بخمسة و تسعين دينارا و يعمر هو بقيّتها، قال: لابأس». (2)
و كذا الروايات الواردة فيمن تقبّل بعمل لم يجز أن يقبّل غيره بنقيصة الاّ أن يعمل فيه شيئا، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام:
«أنّه سئل عن الرجل يتقبّل بالعمل فلايعمل فيه و يدفعه الى آخر فيربح فيه. قال: لا، الاّ أن يكون قد عمل فيه شيئا». (3)
و تقريب الاستدلال بهذه الروايات الكثيرة أنّ الامام عليه السلام لم يذكر في شيء منها أنّ جواز تسليم العين في الاجارة الثانية منوط باجازة صاحب العين، و لم يسأل السائل عن ذلك و كأنّه كان مفروضا عند السائلين عدم الاشكال في ذلك، و من كثرة السؤال يعلم أنّ الاجارة الثانية كانت جارية في زمنهم عليهم السلام.
الثالث: ما استدلّ به في المستند من أنّ المستأجر لو مات و انتقل المنفعة الى الوارث لم يتأمّل أحد في أنّ الانتفاع منها يحتاج الى الاستئذان من مالك العين. و يؤيّده بل لعلّه يدلّ عليه حسنة ابراهيم بن محمّد الهمداني قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام و سألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطى الاجارة في كلّ سنة عند انقضائها، لايقدّم لها شيء من الاجارة ما لم يمض الوقت، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، هل يجب على ورثتها انفاذ الاجارة الى الوقت أم تكون الاجارة منقضية بموت المرأة؟ فكتب: ان كان لها وقت مسمّى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الاجارة، فان لم تبلغ ذلك الوقت و بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت ان شاء اللّه». (1)
فروع الكافي 5 175 / الباب 163 / الحديث 2)
(2)بناءً على أنّ المراد من قوله «فلورثتها تلك الاجارة» انتقال الأمر من المرأة الى ورثتها و قيامهم مقامها في استحقاق الأجرة المسمّاة من المستأجر، كما لعلّه كذلك بالدقّة و التأمّل في الرواية.
اذا كانت الاجارة مقيّدة أو مشروطة، فصوّرها المصنّف رحمه الله بأربع صور:
الأولى: أن تكون الاجارة مقيّدة كأن آجر الدابّة لركوب المستأجر نفسه، بأن يقول له: انّي آجرتك هذه الدار لسكناك بنفسك، أو هذه الدابّة لركوبك ايّاها بنفسك، و في الحقيقة الانتفاع من الدار أو الدابّة معلّق على نفس المستأجر. ففي هذه الصورة لايجوز للمستأجر الاجارة الثانية الاّ بمن كان نتيجتها رجوع المنفعة اليه كأن يؤجر الدار أو الدابّة الى والده لتكون الأجرة على عهدته و يسكن الدار أو يركب الدابّة ولده، و كما لو كان المستأجر المرأة فتزوّجت فآجرت الدار الى زوجها لتكون الأجرة عليه بعنوان نفقة زوجته و تسكن هي. و الظاهر أنّ سكنى زوجها معه لايخالف القيد عرفا الاّ أن يصرّح المالك بعدمه.
الصورة الثانية: ان اشترط المؤجر عدم اجارة العين المستأجرة من غيره فلايجوز الاجارة الثانية.
الصورة الثالثة: ان اشترط المؤجر للمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه، ففيها أيضا لايجوز اجارتها من الغير.
الصورة الرابعة: لو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه و لم يشترط كونها لنفسه جاز اجارتها من الغير بشرط أن يكون هو المباشر للاستيفاء لذلك الغير. كما لو استأجر الدابّة أو السيّارة لحمل المتاع مشروطا بأن يكون هو السائق مباشرة فآجرها من غيره لحمل متاعه و كان هو السائق نفسه، و كما لو آجر بستانا من زيد بالشرط المذكور، فلو آجره زيد عمروا و باشر الاستيفاء و سلّم المنفعة الى عمرو، جاز.
و أمّا حكم الصور المذكورة في صورة المخالفة، ففي الصورة الأولى لو خالف و آجر العين المستأجرة و سلّمها الى المستأجر الثاني كان آثما للتصرّف الغير المجاز في مال المسلم، و كانت الاجارة باطلة؛ لأنّ التقييد المزبور بمنزلة النهي
عن الاجارة الثانية، و كان ضامنا. و حينئذ لو كان المستأجر الثاني عالما يكون ضامنا للعين و أجرة المثل.
و أمّا المخالفة في الصور الثلاث الباقية، فان كانت الاجارة المنفعة بدون تسليم العين فللمؤجر الأوّل خيار الفسخ بالنسبة الى الاجارة الثانية بل الأولى؛ لأنّ له خيار تخلّف الشرط، فله أجرة المثل بمقدار انتفاعه، و ان سلّم العين فكلاهما ضامن.
و الدليل على ذلك كلّه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره فنفقت، ما عليه؟ قال: ان كان شرط أن لايركبها غيره فهو ضامن لها، و ان لم يسمّ فليس عليه شيء».(1)
و في الجواهر: «و للمستأجر أن يؤجر الاّ أن يشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه، فانّه لايجوز حينئذ؛ عملاً بقاعدة «المؤمنون» التي يتعذّر الجمع بينها و بين الاجارة المفروضة، فيتعيّن بطلانها لسبق الخطاب بالأولى. نعم، لو شرط بنفسه خاصّة لابأس بالاجارة من الغير مشترطا عليه الاستيفاء له بنفسه كحمل متاع و نحوه ممّا يصحّ استيفاؤه له؛ ضرورة عدم المنافاة حينئذ. أمّا اذا لم يشترط فالظاهر الفساد، و ان استوفى هو بنفسه أيضا للتنافي حينئذ بين صحّة الاجارتين. و على كلّ حال فلو شرط عليه ذلك فسلّم العين المستأجرة الى غيره ضمنها ولو بتسليم انتفاع لا أمانة ضرورة كونه متعدّيا، و للصحيح المتقدّم و الاجماع المحكي عن الغنية».(2)
(مسألة 1): يجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة و ما بمعناها أن يؤجر العين المستأجرة بأقلّ ممّا استأجر، و بالمساوي له مطلقا أيّ شيء كانت، بل بأكثر منه أيضا اذا أحدث فيها حدثا أو كانت الأجرة من غير جنس الأجرة السابقة، بل مع عدم الشرطين أيضا فيما عدا البيت و الدار و الدكّان و الأجير، و أمّا فيها فاشكال، فلايترك الاحتياط بترك اجارتها بالأكثر، بل الأحوط الحاق الرحى و السفينة بها أيضا في ذلك. و الأقوى جواز ذلك مع عدم الشرطين في الأرض على كراهة و ان كان الأحوط الترك فيها أيضا، بل الأحوط الترك في مطلق الأعيان الاّ مع احداث حدث فيها. هذا، و كذا لايجوز أن يؤجر بعض أحد الأربعة المذكورة بأزيد من الأجرة، كما اذا استأجردارا بعشرة دنانير و سكن بعضها و آجر البعض الآخر بأزيد من العشرة فانّه لايجوز بدون احداث حدث. و أمّا لو آجر بأقلّ من العشرة فلا اشكال، و الأقوى الجواز بالعشرة أيضا و ان كان الأحوط تركه.
الشرح:
في المسألة فروع:
يجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة و ما بمعناها أن يؤجر العين المستأجرة بأقلّ ممّا استأجر أو المساوي له مطلقا أيّ شيء كانت، و الدليل على ذلك مفهوم الروايات الواردة في النهي عن الاجارة الثانية بأكثر ممّا استأجرها بالنسبة الى بعض الأشياء كما سيأتي، مضافا الى عدم الخلاف فيه.
ففي المستند: «بلا خلاف فيه و لا اشكال، و هو المطابق لمقتضى القاعدة بعد افتراض كون المستأجر مالكا للمنفعة المطلقة غير المقيّدة بالمباشرة، و اختصاص
ما سيجيء من دليل المنع بغير المقام». (1)
و في المستمسك: «بلا خلاف ظاهر، و لا اشكال؛ لاختصاص أدلّة المنع بغيره، و النصوص الخاصّة و العامّة تقتضي الصحّة. و عن مجمع البرهان: أنّه لا خلاف فيه و في المساوي». (2)
قال في الشرائع: «و لايجوز أن يؤجر المسكن و لا الخان و لا الأجير، بأكثر ممّا استأجره، الاّ أن يؤجر بغير جنس الأجرة أو يحدث فيه ما يقابل التفاوت». (3)
الظاهر أنّ فتواه بالنسبة الى الأرض الجواز.
و في المختلف: «قال الشيخان: اذا استأجر شيئا لم يجز أن يؤجره بأكثر ممّا استأجره، الاّ أن يحدث فيه حدثا من مصلحة و نفع اذا اتّفق الجنس، و به قال السيّد المرتضى ظاهرا، و هو اختيار سلاّر. و بالمنع قال الصدوق في المقنع و أبو الصلاح و ابن البرّاج في المهذّب. و قال المفيد و ابن ادريس بالكراهة دون التحريم، و هو مذهب والدي رحمه الله، و هو مذهب سلاّر أيضا. و الوجه الكراهة. انتهى ملخّصا».(4)
و نظره بالنسبة الى الأرض الكراهة.
أقول:
يجوز اجارة الأرض المستأجرة بأكثر ممّا استأجرها. و ذلك لصحيحة أبي المغراء عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل يؤاجر (1)الأرض ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها، قال: لابأس، انّ هذا ليس كالحانوت و لا الأجير، انّ فضل الحانوت و الأجير حرام». (2)
و رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يتقبّل الأرض من الدهاقين ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا تقبّلها به و يقوم فيها بحظّ السلطان، فقال: لابأس به، انّ الأرض ليست مثل الأجير و لا مثل البيت، انّ فضل الأجير و البيت حرام». (3)
و رواية ابراهيم بن ميمون:
«أنّ ابراهيم بن المثنّى سأل أبا عبداللّه عليه السلام - و هو يسمع - عن الأرض يستأجر الرجل ثمّ يؤاجرها بأكثر من ذلك. قال: ليس به بأس، انّ الأرض ليست بمنزلة الأجير و البيت، انّ فضل البيت حرام و فضل الأجير حرام». (4)
و لايعارضها رواية الحلبي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أتقبّل الأرض بالثلث أو الربع فأقبّلها بالنصف. قال: لابأس به. قلت: فأتقبّلها بألف درهم و أقبّلها بألفين. قال: لايجوز. قلت: لم؟ قال: لأنّ هذا مضمون و ذلك غير
مضمون». (1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا تقبّلت أرضا بذهب أو فضّة فلاتقبّلها بأكثر ممّا تقبّلتها به، و ان تقبّلتها بالنصف و الثلث فلك أن تقبّلها بأكثر ممّا تقبّلتها به؛ لأنّ الذهب و الفضّة مضمونان». (2)
و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا تقبّلت أرضا بذهب أو فضّة فلاتقبّلها بأكثر ممّا قبّلتها به؛ لأنّ الذهب و الفضّة مصمتان لايزيدان». (3)
و ذلك لأنّ صحيحة أبي المغراء صريحة في جواز اجارة الأرض بأكثر ممّا استأجرها، و يؤيّدها روايتا أبي الربيع الشامي و ابراهيم بن ميمون، و تحمل الروايات الثلاث على المزارعة.
و لايقال بأنّ الطائفة الأولى مطلقة و الثانية مقيّدة بما اذا كانت الأجرة من الذهب و الفضّة و نحوهما ممّا هو مضمون، و مقتضى الصناعة حمل المطلق على المقيّد؛ لأنّه يقال: انّ النسبة بين الطائفتين هي التباين لا العموم المطلق لكي تعالج
المعارضة بارتكاب التقييد، و ذلك لأنّ تعيّن الحصّة مختصّ بباب المزارعة، و لايصحّ في الاجارة، فلابدّ في الاجارة من كون الأجرة مضبوطة، فيكون ذيل روايات الطائفة الثانية للاجارة فينتج عدم جواز اجارة الأرض بأكثر ممّا استأجرها، فتعارض الطائفة الأولى التي من جملتها صحيحة أبي المغراء فيجمع بينهما بكراهة اجارة الأرض بأكثر ممّا استأجرها.
لايجوز اجارة المسكن و الدكّان و الأجير بأكثر ممّا استأجره، و ذلك لصحيحة أبي المغراء المتقدّمة (1)و تؤيّدها روايتا أبي الربيع الشامي (2)و ابراهيم بن ميمون (3)المتقدّمتان.
و يجوز اجارة المسكن و الحانوت بأكثر ممّا استأجرهما اذا عمل فيهما شيئا، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لو أنّ رجلاً استأجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس، و لايؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به الاّ أن يحدث فيها شيئا». (4)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل يستأجر الدار ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به، قال: لايصلح ذلك الاّ أن يحدث فيها شيئا». (5)
و كذا يجوز اجارة المسكن و الحانوت بأكثر ممّا استأجرهما اذا كانت الأجرة في الاجارة الثانية بغير جنس الأجرة في الأولى.
قال في الجواهر: «و أمّا الجواز مع تغاير الجنس فانّه و ان لم يذكر فيما وصل الينا من النصوص لكن يدلّ عليه - مضافا الى الاجماع المحكي عليه ان لم يكن
1) وسائل الشيعة 19 125 / الباب 20 من كتاب الاجارة / الحديث 4.
2) وسائل الشيعة 19: 125 / الباب 20 من كتاب الاجارة / الحديث 2.
3) وسائل الشيعة 126:19 / الباب 20 من كتاب الاجارة / الحديث 5.
4) وسائل الشيعة 19: 129 / الباب 22 من كتاب الاجارة / الحديث 3.
5) وسائل الشيعة 19: 130 / الباب 22 من كتاب الاجارة / الحديث 4.
المحصّل و ظهور أنّ سبب المنع بالربا المعلوم انتفاؤه في الفرض - أصالة الجواز، بناءً على عدم شمول أدلّة المنع له، ضرورة لفظ الأكثريّة ممّا استأجرها به في اتّحاد الجنس؛ لعدم صدق الأكثريّة حقيقة في المختلف، و من هنا قيّد في المقنعة و الانتصار الأكثريّة فيه بالقيمة». (1)
و في المستند: «انّ الممنوع في الأخبار انّما هو الايجار بالأكثر الظاهر في التفضيل في نفس الأجرة، بأن تكون الأكثريّة صفة للأجرة نفسها لا لقيمتها، فحينئذ اذا اختلفتا في الجنس و كانتا متباينتين، كالدابّة و الفرس - مثلاً - لايصدق أنّ احداهما أكثر من الأخرى. نعم، لو لم تكونا متفاوتتين عرفا و ان كانتا مختلفتين ظاهرا لايجوز، كالدولار و الريال، فلو استأجر الدار بعشرة دنانير ثمّ آجرها بخمسين دولارا أو مائة ريال سعودي و فرضنا أنّ الماليّة في الاجارة الثانية أوفر لايجوز. انتهى ملخّصا». (2)
و يكره اجارة الرحى و السفينة بأكثر ممّا استأجرهما، و يدلّ على الأوّل: صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّي لأكره أن أستأجر الرحى وحدها ثمّ أؤاجرها بأكثر ممّا استأجرتها، الاّ أن أحدث فيها حدثا أو أغرم فيها غرما (3)». (4)
و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّي لأكره أن أستأجر رحى وحدها ثمّ أؤاجرها بأكثر ممّا استأجرتها به الاّ أن يحدث فيها حدثا أو يغرم فيها غرامة». (5)
في المصدر: «الاّ أن يحدث فيها حدث أو تغرم فيها غرامة» بالبناء
للمجهول. (1)
و الكراهة و ان استعملت في الحرمة أيضا، الاّ أنّها أعمّ فلايدلّ عليها.
و على الثاني: مفهوم موثّقة اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:
«أنّ أباه كان يقول: لابأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به اذا أصلح فيها شيئا». (2)
و مفهومها أنّه اذا لم يصلح فيها شيئا ففيها بأس، و البأس أعمّ من الحرمة، فلايدلّ عليها.
لايجوز اجارة بعض الدار بأكثر ممّا استأجره، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لو أنّ رجلاً استأجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس، و لايؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به الاّ أن يحدث فيها شيئا». (3)
و كذا الأجير؛ ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام:
«أنّه سئل عن الرجل يتقبّل بالعمل، فلايعمل فيه و يدفعه الى آخر فيربح فيه. قال: لا، الاّ أن يكون قد عمل فيه شيئا». (4)
و صحيحته الثانية عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل الخيّاط يتقبّل العمل فيقطعه و يعطيه من يخيطه و يستفضل. قال: لابأس، قد عمل فيه». (1)
و كذا الحانوت؛ لصحيحة أبي المغراء عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل يؤاجر الأرض ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها. قال: لابأس، انّ هذا ليس كالحانوت و الأجير، انّ فضل الحانوت و الأجير حرام».(2)
بتقريب أنّه اذا كانت الاجارة الثانية بأكثر ممّا استأجره حراما، فبعضها بأكثر ممّا استأجره حرام بالأولويّة.
و في الشرائع: «و كذا لو سكن بعض الملك، لم يجز أن يؤجر الباقي بزيادة عن الأجرة و الجنس واحد». (3)
و في الجواهر بعد نقل ما في الشرائع قال: «اذ هو مع أنّه مشمول لأدلّة المنع يستفاد حكمه من خبر أبي الربيع. نعم، لا اشكال كما لا خلاف نصّا و فتوىً في أنّه يجوز اجارة البعض المزبور و ان قلّ بأكثر من أجرة هذا البعض بالقياس الى أصله، ففي خبر أبي الربيع المروي في الفقيه: «و لو أنّ رجلاً استأجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس ولكن لايؤاجرها بأكثر مما استأجرها» خلافا للمحكي عن الشيخ من المنع، لكونه ربا. انتهى ملخّصا».(4)
(مسألة 2): اذا تقبّل عملاً من غير اشتراط المباشرة و لا مع الانصراف اليها يجوز أن يوكّله الى عبده أو صانعه أو أجنبيّ، ولكن الأحوط عدم تسليم متعلّق العمل كالثوب و نحوه الى غيره من دون اذن المالك، و الاّ ضمن، و جواز الايكال لايستلزم جواز الدفع كما مرّ نظيره في العين المستأجرة، فيجوز له استئجار غيره لذلك العمل بمساوي الأجرة التي قرّرها في اجارته أو أكثر. و في جواز استئجار الغير بأقلّ من الأجرة اشكال، الاّ أن يحدث حدثا أو يأتي ببعض، فلو آجر نفسه لخياطة ثوب بدرهم يشكل استئجار غيره لها بأقلّ منه، الاّ أن يفصّله أو يخيط شيئا منه ولو قليلاً. بل يكفي أن يشتري الخيط أو الابرة في جواز الأقلّ، و كذا لو آجر نفسه لعمل صلاة سنة أو صوم شهر بعشرة دراهم - مثلاً - في صورة عدم اعتبار المباشرة يشكل استئجار غيره بتسعة - مثلاً - الاّ أن يأتي بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد مثلاً.
الشرح:
في المسألة فرعان:
اذا تقبّل عملاً و اشترط المستأجر أن يباشر العمل بنفسه ، فلايجوز الايكال الى غيره مع الأجرة أو بدونها، و قد تقدّم في ابتداء هذا الفصل الصور المتصوّرة في الاشتراط فراجع.
قال في المستند: «لا ريب في عدم جواز الايكال مع الأجرة أو بدونها في فرض اعتبار المباشرة؛ لافتراض تعلّق الاجارة بعمل نفسه خاصّة، فلايجزئ عنه غيره».(1)
1) مستند العروة 30: 291.
و أمّا اذا لم يشترط المستأجر المباشرة، و لم يكن هناك انصراف اليها، فيجوز للأجير أن يوكّل العمل الى غيره.
و هل يجوز تسليم العين التي هي محلّ العمل الى شخص آخر بدون اذن المالك؟
قال المصنّف رحمه الله: «الأحوط عدم تسليم متعلّق العمل كالثوب و نحوه الى غيره من دون اذن المالك، و الاّ ضمن، و جواز الايكال لايستلزم جواز الدفع كما مرّ نظيره في العين المستأجرة».
و قد عرفت في الفرع الثاني من ابتداء هذا الفصل أنّ الأقوى جواز تسليم العين المستأجرة الى المستأجر الثاني بدون اذن المالك بشرط كون المستأجر الثاني أمينا، و قلنا بأنّه لو تلفت في يده من غير تعدٍّ و لا تفريط لايضمن. و استدللنا على ذلك بثلاثة وجوه، منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره فنفقت، ما عليه؟ قال: ان كان شرط أن لايركبها غيره فهو ضامن لها، و ان لم يسمّ فليس عليه شيء».(1)
مضافا الى صحيحة محمّد بن الحسن الصفّار قال:
«كتبت الى الفقيه عليه السلام في رجل دفع ثوبا الى القصّار ليقصّره فدفعه القصّار الى قصّار غيره ليقصّره، فضاع الثوب. هل يجب على القصّار أن يردّه اذا دفعه الى غيره و ان كان القصّار مأمونا؟ فوقّع عليه السلام: هو ضامن له الاّ أن يكون ثقة مأمونا ان شاء اللّه». (2)
يجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل المستأجر عليه بمساوي الأجرة التي قرّرها في اجارته أو أكثر، و لايجوز أن يستأجر الغير بأقلّ من الأجرة الاّ أن يحدث حدثا أو يأتي ببعض العمل.
قال في الجواهر: «من تقبّل عملاً في ذمّته من غير اشتراط المباشرة لم يجز أن يقبّله غيره بنقيصة، كما عن النهاية و السرائر و الارشاد و التحرير، بل في الشرائع على الأشهر، بل عن المسالك المشهور، الاّ أن يحدث فيه ما يستبيح به الفضل».(1)
يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام:
«أنّه سئل عن الرجل يتقبّل بالعمل فلايعمل فيه و يدفعه الى آخر فيربح فيه، قال: لا، الاّ أن يكون قد عمل فيه شيئا». (2)
و منها صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يتقبّل العمل فلايعمل فيه، و يدفعه الى آخر يربح فيه. قال: لا». (3)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل الخيّاط يتقبّل العمل فيقطعه و يعطيه من يخيطه و يستفضل. قال: لابأس، قد عمل فيه». (4)
و منها رواية حكم الخيّاط قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أتقبّل الثوب بدراهم و أسلّمه بأكثر من ذلك لاأزيد على أن أشقّه. قال: لابأس به. ثمّ قال: لابأس فيما تقبّلته من عمل قد استفضلت فيه». (1)
الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السلام «قد استفضلت» هو العمل فيه، كما ورد فيما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان مثله، الاّ أنّه قال:
«لابأس فيما تقبّلت من عمل ثمّ استفضلت». (2)
و منها رواية مجمع قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أتقبّل الثياب أخيطها ثمّ أعطيها الغلمان بالثلثين. فقال: أليس تعمل فيها؟ فقلت: أقطعها و أشتري لها الخيوط. قال: لابأس». (3)
ثمّ انّه أشكل في المستند على المصنّف من قوله «أو يحدث حدثا» فقال: «و أمّا اذا لم يأت بشيء منه - كما هو المفروض - فمجرّد احداث الحدث في العين، كما لو صبغ الثوب و لوّنه بلون مرغوب فيه، لم يكن له أيّ أثر في اختلاف متعلَّق الاجارة كييكون مسوّغا للاستئجار بالأقلّ؛ اذ الاحداث المزبور انّما كان في محلّ العمل لا في العمل نفسه الذي هو مورد الاجارة و متعلّقها، و قد صرّح في الروايات بأنّه متى ما لم يعمل في العين فليس له الاستئجار بالأقلّ». (4)
و فيه: انّ الظاهر أنّ احداث الحدث هو العمل، فلا فرق بين صبغ الثوب و تلوينه بلون و بين تقطيع الثوب، فالروايات شاملة لكليهما و ان كان لايبعد صحّة
قوله.
و يستفاد من الروايات أيضا عدم جواز استئجار غيره بالأقلّ فيما لو آجر نفسه لعمل الصلاة و الصوم. فلو استؤجر لصلاة سنة أو صوم شهر بمائة درهم - مثلاً - في صورة عدم اعتبار المباشرة لايجوز استئجار غيره بتسعين - مثلاً - الاّ أن يأتي بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد مثلاً.
(مسألة 3): اذا استؤجر لعمل في ذمّته لا بشرط المباشرة يجوز تبرّع الغير عنه و تفرغ ذمّته بذلك و يستحقّ الأجرة المسمّاة. نعم، لو أتى بذلك العمل المعيّن غيره لا بقصد التبرّع عنه لايستحقّ الأجرة المسمّاة و تنفسخ الاجارة حينئذ؛ لفوات المحلّ، نظير ما مرّ سابقا من الاجارة على قلع السنّ فزال ألمه، أو لخياطة ثوب فسرق أو حرق.
الشرح:
اذا استؤجر لعمل في ذمّته و لم يشترط المؤجر المباشرة بنفسه، يجوز تبرّع الغير عنه من تلقاء نفسه من دون ايكال و تسبيب و تفرغ ذمّته بذلك و يستحقّ الأجير الأجرة المسمّاة. أمّا فراغ ذمّته، فلأنّه دين مستقرّ في ذمّته، فاذا لم يشترط المباشرة بنفسه فبأيّ صورة أدّى دينه تفرغ ذمّته، فتارة يعمل بنفسه العمل المستأجر عليه و أخرى يستأجر غيره، و ثالثة يوكّل شخصا من ولده و نحوه، و رابعة يتبرّع الغير عنه. و يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في الموارد المتفرّقة كأداء
دين الأب أو أحد من الأرحام أو أجنبيّ من غير حاجة الى اذن المدين. و أمّا استحقاق الأجرة المسمّاة فلأنّه عقد الاجارة على أن يأتي بالعمل الفلاني بنفسه أو بغيره بعوض و بمقدار معلوم، فاذا أتى الغير بالعمل المذكور عنه تبرّعا فقد وفى الأجير بالعقد و استحقّ الأجرة.
ثمّ انّه لو أتى بذلك العمل المعيّن غيره لا بقصد التبرّع عنه لايستحقّ الأجرة
المسمّاة، و ذلك لأنّ الأعمال بالنيّات، كما لو عمل الأجير عملاً لنفسه، فمن استؤجر لعمل صلاة سنة و صوم شهر لميّت معلوم فأتى بصلاة سنة و صوم شهر غيره لابقصد التبرّع عن الأجير بل بقصد ابراء ذمّة الميّت - مثلاً - فلايستحقّ الأجير الأجرة المسمّاة، و هذا كما لو صلّى الأجير صلاة سنة و صام شهرا لنفسه، أو لأبيه المرحوم دون الميّت الذي استؤجر لصلاته و صومه، فلم تبرأ ذمّته و لايستحقّ الأجرة قطعا.
(مسألة 4): الأجير الخاصّ - و هو من آجر نفسه على وجه يكون جميع منافعه للمستأجر في مدّة معيّنة، أو على وجه تكون منفعته الخاصّة كالخياطة مثلاً له، أو آجر نفسه لعمل مباشرة مدّة معيّنة، أو كان اعتبار المباشرة أو كونها في تلك المدّة أو كليهما على وجه الشرطيّة لا القيديّة - لايجوز له أن يعمل في تلك المدّة لنفسه أو لغيره بالاجارة أو الجعالة أو التبرّع عملاً ينافي حقّ المستأجر الاّ مع اذنه. و مثل تعيين المدّة تعيين أوّل زمان العمل بحيث لايتوانى فيه الى الفراغ. نعم، لابأس بغير المنافي، كما اذا عمل البنّاء لنفسه أو لغيره في الليل فانّه لا مانع منه اذا لم يكن موجبا لضعفه في النهار. و مثل اجراء عقد أو ايقاع أو تعليم أو تعلّم في أثناء الخياطة و نحوها؛ لانصراف المنافع عن مثلها. هذا، و لو خالف و أتى بعمل منافٍ لحقّ المستأجر، فان كانت الاجارة على الوجه الأوّل بأن يكون جميع منافعه للمستأجر و عمل لنفسه في تمام المدّة أو بعضها فللمستأجر أن يفسخ و يسترجع تمام الأجرة المسمّاة أو بعضها أو يبقيها و يطالب عوض الفائت من المنفعة بعضا أو كلاًّ، و كذا ان عمل للغير تبرّعا، و لايجوز له على فرض عدم الفسخ مطالبة الغير المتبرّع له بالعوض، سواء كان جاهلاً بالحال أو عالما؛ لأنّ المؤجر هو الذي أتلف المنفعة عليه دون ذلك الغير و ان كان ذلك الغير آمرا له بالعمل، الاّ اذافرض على وجه يتحقّق معه صدق
الغرور، و الاّ فالمفروض أنّ المباشر للاتلاف هو المؤجر، و ان كان عمل للغير بعنوان الاجارة أو الجعالة فللمستأجر أن يجيز ذلك و يكون له الأجرة المسمّاة في تلك الاجارة أو الجعالة، كما أنّ له الفسخ و الرجوع الى الأجرة المسمّاة، و له الابقاء و مطالبة عوض المقدار الذي فات فيتخيّر بين الأمور الثلاثة. و ان كانت الاجارة على الوجه الثاني و هو كون منفعته الخاصّة للمستأجر فحاله كالوجه الأوّل، الاّ اذا كان العمل للغير على وجه الاجارة أو الجعالة و لم يكن من نوع العمل المستأجر عليه كأن تكون الاجارة واقعة على منفعة الخيّاطي فآجر نفسه للغير للكتابة أو عمل الكتابة بعنوان الجعالة، فانّه ليس للمستأجر اجازة ذلك؛ لأنّ المفروض أنّه مالك لمنفعة الخيّاطي، فليس له اجازة العقد الواقع على الكتابة، فيكون مخيّرا بين الأمرين من الفسخ و استرجاع الأجرة المسمّاة و الابقاء و مطالبة عوض الفائت. و ان كانت على الوجه الثالث فكالثاني، الاّ أنّه لا فرق فيه في عدم صحّة الاجازة بين ما اذا كانت الاجارة أو الجعالة واقعة على نوع العمل المستأجر عليه أو على غيره؛ اذ ليست منفعة الخياطة - مثلاً - مملوكة للمستأجر حتّى يمكنه اجازة العقد الواقع عليها، بل يملك عمل الخياطة في ذمّة المؤجر. و ان كانت على الوجه الرابع و هو كون اعتبار المباشرة أو المدّة المعيّنة على وجه الشرطيّة لا القيديّة ففيه وجهان، يمكن أن يقال بصحّة العمل للغير بعنوان الاجارة أو الجعالة من غير حاجة الى الاجازة و ان لم يكن جائزا من حيث كونه مخالفا للشرط الواجب العمل، غاية ما يكون أنّ للمستأجر خيار تخلّف الشرط. و يمكن أن يقال بالحاجة الى الاجازة؛ لأنّ الاجارة أو الجعالة منافية لحقّ الشرط فتكون باطلة بدون الاجازة.
الشرح:
في المسألة فروع:
لايجوز للأجير الخاصّ أن يعمل لنفسه أو لغيره بالاجارة الثانية أو الجعالة أو التبرّع اذا كان منافيا لحقّ المستأجر دون ما لم يكن منافيا، الاّ باذن المستأجر. و المراد بالأجير الخاصّ، من آجر نفسه على أن يكون جميع منافعه للمستأجر في مدّة معيّنة، أو على وجه يكون منفعته الخاصّة له، أو آجر نفسه لعمل مباشرة مدّة معيّنة.
ففي الشرائع: «و الأجير الخاصّ - و هو الذي يستأجره مدّة معيّنة - لايجوز له العمل لغير المستأجر الاّ باذنه». (1)
و في المسالك: «الأجير الخاصّ هو الذي يستأجر للعمل بنفسه مدّة معيّنة، أو عملاً معيّنا مع تعيين أوّل زمانه، كعمل شيء معيّن أوّل زمانه اليوم، بحيث لايتوانى في فعله حتّى يفرغ منه. ثمّ ان كان العمل مطلقا اقتضى استئجاره - على هذا الوجه - ملك جميع منافعه في الوقت الذي جرت العادة بالعمل فيه، فليس له أن يعمل لغيره فيه عملاً الاّ باذن المستأجر، و له ذلك فيما لم تجر العادة بالعمل فيه للمستأجر كالليل، اذا لم يؤدّ الى ضعف في العمل المستأجر عليه. و هل يجوز عمله في الوقت المعيّن عملاً لاينافي حقّ المستأجر، كايقاع عقد و نحوه في حال اشتغاله أو تردّده في الطريق بحيث لاينافيه؟ وجهان: من شهادة الحال بالاذن في مثل ذلك، و النهي عن التصرّف في ملك الغير بغير اذنه». (2)
و الظاهر أنّ تردّده في جواز عمله في الوقت المعيّن عملاً لاينافي حقّ المستأجر في غير محلّه؛ لأنّ النهي عن التصرّف في ملك الغير لاينطبق على ذلك الاّ بتكلّف.
و في الجواهر: «أمّا ما لاينافيه فلابأس به قطعا، كما لابأس بعمله في غير مدّة الاجارة كالليل حيث لايكون داخلاً - الى أن قال: - فما في المسالك من احتمال المنع، و الروضة فيه وجهان من التصرّف في حقّ الغير و شهادة الحال، في غير محلّه».(1)
نعم، لو كان عقد الاجارة على نحو كان المستأجر مالكا لجميع منافعه المتعارفة التي يمكن أخذ الأجرة في مقابلها ففيه المنع.
و في الجواهر: «اللّهمّ الاّ أن يريد خصوص الذي تملّك سائر منافعه من أفراده، لكنّ المتّجه فيه حينئذ المنع؛ لكون المنفعة حينئذ مملوكة للمستأجر». (2)
و لو شكّ في شمول بعض المنافع في العقد اذا وقع بلفظ مطلق فالأصل الجواز و عدم ملك المستأجر له. و على كلّ حال، الدليل على المسألة أي عدم جواز العمل لغيره فيما كان منافيا للعمل المستأجر عليه، و جوازه في غير المنافي قوله تعالى: «أوفوا بالعقود»، و ما يتعارف عليه العرف مع امضاء الشارع له، مضافا الى عدم الخلاف بالنسبة الى العمل المنافي.
ففي الجواهر: «لا خلاف في عدم الجواز في المنافي المعلوم الاندراج نقلاً و تحصيلاً، بل لعلّه مجمع عليه كذلك». (3)
و يدلّ عليه موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يستأجر الرجل بأجر معلوم فيبعثه
في ضيعته، فيعطيه رجل آخر دراهم و يقول: اشتر بهذا كذا و كذا، و ما ربحت بيني و بينك. فقال: اذا أذن له الذي استأجره فليس به بأس».(1)
لو خالف و أتى بعمل منافٍ لحقّ المستأجر فيما كانت الاجارة على جميع منافعه، ففيه فروض: فتارة يعمل الأجير لنفسه، و أخرى لغيره تبرّعا، و ثالثة لغيره باجارة أو جعالة.
ففي الصورة الأولى، فاذا عمل لنفسه في تمام المدّة فللمستأجر الفسخ و استرجاع الأجرة المسمّاة. أمّا الفسخ فلأنّ اللزوم حينئذ ضرر على المستأجر، و أمّا استرجاع الأجرة المسمّاة فلعدم التسليم الذي عليه مبنى المعاوضة. فله أيضا أن يبقيها و يطالب عوض الفائت من المنفعة بعضا أو كلاًّ. و أمّا لو عمل لنفسه في بعض المدّة، فان لم يفسخ فيطلب عوض الفائت كما قلنا، و ان فسخ فله استرجاع تمام الأجرة المسمّاة، و أمّا الفسخ بالنسبة الى بعض و استرجاع البعض و الابقاء بالنسبة الى الباقي كما ذهب اليه المصنّف ففيه اشكال من ناحية عدم تبعّض العقد من ناحية الفسخ في أجزاء الزمان.
و في الصورة الثانية أي اذا عمل للغير تبرّعا فكالصورة الأولى، فالمستأجر مخيّر بين الفسخ و استرجاع تمام الأجرة المسمّاة و بين الابقاء و مطالبة عوض الفائت من المنفعة لوحدة ملاكهما. ثمّ انّه لايجوز للمستأجر في صورة عدم الفسخ مطالبة عوض الفائت من الغير المتبرّع له؛ لعدم ضمانه، فانّ الضمان هنا
1) وسائل الشيعة 112:19 / الباب 9 من كتاب الاجارة / الحديث 1.
منحصر في الاتلاف أو التلف تحت اليد المضمونة، فالمفروض عدم كون الغير متلفا بل المتلف هو الأجير، و لم يكن شيء تحت يده، سواء كان الغير عالما بالحال أو جاهلاً، و سواء كان آمرا للأجير أو لم يكن. نعم، لو أمره الغير باعطاء ماله لأحد على عهدته، فالآمر حينئذ ضامن. و أمّا فيما نحن فيه فانّ الأجير عمل لأحد بأمر الغير تبرّعا، و هذا مثل ما لو أمر شخص الخبّاز أن يدفع رغيفا للفقير تبرّعا و تصدّقا فلا شبهة في عدم اقتضائه للضمان.
و استثنى المصنّف من عدم ضمان الآمر المتبرّع له ما اذا كان غارّا، فحكم حينئذ برجوع المستأجر اليه لقاعدة الغرور.
لكنّ الظاهر عدم جواز رجوع المستأجر الى الغارّ؛ لأنّه لم يكن مغرورا، بل المغرور هو الأجير. و تطبيق الغرور على المقام على ما صوّره في المستند: «كما لو غرّه الآمر فأخبره كذبا بأنّ المالك هو الذي رخّصك في أن تعمل لي هذا العمل تبرّعا. و حينئذ لاينبغي الشكّ في الضمان؛ اذ بعد انكشاف الحال و تغريم المالك الأجير و خروجه - أي الأجير - عن عهدة الضمان بأداء البدل يتّصف ذاك العمل المتبرّع فيه بكونه ملكا للأجير و محسوبا له، و المفروض أنّه لم يأت به مجّانا و ملغيا لاحترامه و قد صدر بأمر الغارّ حسب الفرض و استوفى هذه المنفعة، فلا جرم يكون ضامنا، لا لأجل قاعدة الغرور، بل لأجل استيفائه منفعة لم يعملها العامل مجّانا، بل سلّمها بتخيّل صدور الاذن ممّن بيده الاذن». (1)
و أمّا الصورة الثالثة و هي ما اذا عمل للغير بعنوان الاجارة أو الجعالة، فللمستأجر أن يجيز ذلك و يكون له الأجرة المسمّاة في تلك الاجارة أو الجعالة؛ لأنّ الاجارة وقعت على ملك المستأجر فتكون صحّتها باجازته، فاذا أجازها كانت له الأجرة المسمّاة في تلك الاجارة، و ان ردّها فله الفسخ و استرجاع الأجرة المسمّاة فيها؛ لعدم التسليم الذي كان عليه المعاوضة، فله أيضا بعد ردّ الاجارة
1) مستند العروة 303:30.
الثانية الابقاء و المطالبة بأجرة المثل للمنفعة الفائتة، فهو اذن مخيّر بين الأمور الثلاثة.
اذا كانت الاجارة على منفعته الخاصّة للمستأجر، فيجري فيه جميع ما مرّ في الفرع الثاني من الفروض بأحكامها. و استثنى المصنّف من الأحكام المتقدّمة في الفرع الثاني «ما اذا كان العمل للغير على وجه الاجارة أو الجعالة و لم يكن من نوع العمل المستأجر عليه كأن تكون الاجارة واقعة على منفعة الخيّاطي فآجر نفسه للغير للكتابة أو عمل الكتابة بعنوان الجعالة فانّه ليس للمستأجر اجازة ذلك»، و استدلّ عليه ب- «أنّ المفروض أنّه مالك لمنفعة الخيّاطي فليس له اجازة العقد الواقع على الكتابة، فيكون مخيّرا بين الأمرين من الفسخ و استرجاع الأجرة المسمّاة و الابقاء و مطالبة عوض الفائت».
و في المستند: «بل هي (الاجارة الثانية) محكومة بالبطلان و لاتنفعها الاجازة بوجه؛ نظرا الى أنّها لمّا كانت في ظرفها مفوّتة لحقّ الغير - لمكان المزاحمة - فقد وقعت على وجه غير مشروع؛ اذ هو و ان كان مالكا لتلك المنفعة المضادّة الاّ أنّه من أجل كونه محكوما بوجوب الوفاء بالاجارة الأولى فهو بطبيعة الحال ممنوع شرعا من تسليم هذه المنفعة، فكان ما صدر منه من العمل على طبق الاجارة الثانية محرّما في ظرفه لا محالة، و هو مانع عن كونه مشمولاً لدليل وجوب الوفاء آنذاك، و من الضروري أنّ الاجازة اللاحقة لاتستوجب قلب ما وقع عمّا وقع و لاتغيّره عمّا هو عليه بوجه. اللّهمّ الاّ أن يصدر منه الاذن قبل صدور العمل. انتهى
ملخّصا». (1)
و في مجمع الفائدة: «و الظاهر أنّ ما وقع للأجير الخاصّ من الاجارة بغير اذن المستأجر يكون باطلاً، الاّ أن يقال بالفضولي و أنّه مثله و أجاز، فصحّت مع الشرائط».(2)
أقول:
الظاهر عدم التفاوت بين ما لو باع شخص مال الغير بدون اذنه حيث يكون معلّقا على اذن المالك، و بين ما لو أجار الأجير الخاصّ - في صورتنا هذه - نفسه بدون اذن المستأجر، فان لم يجز فالاجارة الثانية باطلة. و ان أجاز فهي صحيحة، فالأجرة المسمّاة الثانية للمستأجر، فكأنّه تصالح بأخذ الأجرة الجديدة التي يعطيها المستأجر الثاني مقابل حقّه في الخياطة.
و في المستمسك: «تصحّ اجازة المرتهن لبيع الرهن و ان لم يكن ملكا له، و تجوز اجازة وليّ الزكاة لبيع العين الزكويّة و ان قلنا بأنّ الزكاة حقّ في العين لا جزء مشاع فيها. فصحّة الاجازة من المجيز لاتتوقّف على كونه مالكا لموضوع الاجازة».(3)
و اعلم أنّ المستمسك موافق للمصنّف على عدم صحّة الاجازة (كما صرّح في ذيل الكلام المتقدّم منه آنفا حيث قال: ثمّ انّه بناءً على ما عرفت ... الخ) لكن المصنّف يرى أنّ عدم الصحّة من جهة أنّ المستأجر لايملك ذلك، و المستمسك يرى أنّ عدم الصحّة من جهة أنّ الأجير لايملك ذلك. ثمّ ان كانت الاجارة على الوجه الثالث، أي آجر نفسه لعمل مباشرة مدّة معيّنة، فكالثاني حكما و اشكالاًممّن تقدّم كلماتهم.
قال المصنّف: اذا آجر نفسه لعمل مباشرة أو في مدّة معيّنة أو كليهما على وجه الشرطيّة لا القيديّة ففيه وجهان: يمكن أن يقال بصحّة العمل للغير بعنوان الاجارة أو الجعالة من غير حاجة الى الاجازة و ان لم يكن جائزا من حيث كونه مخالفا للشرط الواجب العمل، غاية ما يكون أنّ للمستأجر خيار تخلّف الشرط، و يمكن أن يقال بالحاجة الى الاجازة؛ لأنّ الاجارة أو الجعالة منافية لحقّ الشرط فتكون باطلة بدون الاجازة.
أقول:
اذا آجر نفسه لعمل كبناء داره و شرط له أن يكون عمله هذا بمباشرته أو في مدّة معيّنة كسنة من حين العقد يجب عليه الوفاء بالشرط، و لو تخلّف الشرط و آجر نفسه لعمل آخر لغير المستأجر الأوّل، كان تاركا للواجب، و للمستأجر خيار تخلّف الشرط، فله أن يفسخ الاجارة و يسترجع الأجرة المسمّاة، و أن يرضى بتأخير المدّة أو غير المباشرة أو كليهما. و أمّا الوجه الثاني الذي ذكره المصنّف رحمه الله فلا وجه له؛ لأنّ الشرط لايجعل عمل الأجير ملكا للمستأجر، و لو قلنا بالحقّ له فمعناه حقّ الوفاء بالشرط، و هذا المقدار لايوجب حدّا حتّى يحتاج الأجير الى الاجازة من المستأجر الأوّل. نعم، لو كانت المباشرة و المدّة المعيّنة على نحو القيديّة، أي استأجره ليكون عمله في المدّة المعيّنة له، فلو تخلّف الأجير و آجر نفسه لغيره في تلك المدّة، تحتاج الاجارة الثانية الى اجازة المستأجر الأوّل، و لو لم يجز تكون باطلة، كما تقدّم في الفرع الثالث.
(مسألة 5): اذا آجر نفسه لعمل من غير اعتبار المباشرة ولو مع تعيين المدّة، أو من غير تعيين المدّة ولو مع اعتبار المباشرة، جاز عمله للغير ولو على وجه الاجارة قبل الاتيان بالمستأجر عليه؛ لعدم منافاته له من حيث امكان تحصيله، لا بالمباشرة أو بعد العمل للغير؛ لأنّ المفروض عدم تعيين المباشرة أو عدم تعيين المدّة. و دعوى أنّ اطلاق العقد من حيث الزمان يقتضي وجوب التعجيل ممنوعة، مع أنّ لنا أن نفرض الكلام فيما لو كانت قرينة على عدم ارادة التعجيل.
الشرح:
لو كانت قرينة على عدم ارادة التعجيل، فالحكم كما ذهب اليه رحمه الله. و أمّا لو كانت قرينة على التعجيل فهو كالشرط. و لو لم يكن هناك قرينة على أحدهما فالتخلّف أو عدمه موكول الى ما يتعارف عند العرف، فانّه يختلف بحسب الموارد كمال الاختلاف.
و في المستند: «مقتضى اطلاق العقد ما لم يصرّح بالخلاف هو البدار الى الوفاء بمقدار لايتحقّق معه التواني و التسامح المعبّر عنه بالاستعجال العرفي؛ لعدم الدليل على الحقيقيّ منه بوجه، فله المكث بضع ساعات لاستراحته أو قضاء بعض حوائجه الضروريّة، فلو أنشأ خلال هذه الفترة اليسيرة عقدا آخر و وفى به بحيث لم يكن مصادما لصدق التعجيل العرفي بالاضافة الى الوفاء بالعقد الأوّل لم يكن به بأس أبدا». (1)
فما ذكره رحمه الله يكون في بعض الموارد، كما تقدّم.
(مسألة 6): لو استأجر دابّة لحمل متاع معيّن شخصيّ أو كلّي على وجه
1) مستند العروة 309:30 و 310.
التقييد فحمّلها غير ذلك المتاع أو استعملها في الركوب لزمه الأجرة المسمّاة و أجرة المثل لحمل المتاع الآخر أو للركوب، و كذا لو استأجر عبدا للخياطة فاستعمله في الكتابة، بل و كذا لو استأجر حرّا لعمل معيّن في زمان معيّن و حمله على غير ذلك العمل مع تعمّده و غفلة ذلك الحرّ و اعتقاده أنّه العمل المستأجر عليه. و دعوى أن ليس للدابّة في زمان واحد منفعتان متضادّتان، و كذا ليس للعبد في زمان واحد الاّ احدى المنفعتين من الكتابة أو الخياطة، فكيف يستحقّ أجرتين؟! مدفوعة بأنّ المستأجر بتفويته على نفسه و استعماله في غير ما يستحقّ كأنّه حصل له منفعة أخرى.
الشرح:
لو استأجر دابّة لحمل متاع معيّن شخصيّ أو كلّي على وجه التقييد، فحمّلها غير ذلك المتاع أو استعملها في الركوب، فان رضي صاحبه بالأجرة المسمّاة فلا كلام، و لو لم يرض فعلى المستأجر الأجرة المسمّاة و ما يتفاوت بينها و بين أجرة المثل. فالأجرة المسمّاة، فلأنّ المالك لم يفسخ الاجارة فانّها على ذمّة المستأجر، و ما يتفاوت فلأنّه تخلّف فعليه أجرة ما تخلّف ان كانت زيادة على الأجرة المسمّاة. و كذا لو استأجر حرّا لعمل معيّن في زمان معيّن و حمله على غير ذلك العمل مع تعمّده و غفلة ذلك الحرّ و اعتقاده أنّه العمل المستأجر عليه.
فعن الامام الخميني رحمه الله في حاشية العروة: «الأقرب أنّه لم يلزمه الاّ الأجرة المسمّاة و التفاوت بين أجرة المنفعة التي استوفاها و أجرة المنفعة المستأجر عليها لو كان، فلو استأجرها بخمسة فركبها و كانت أجرة الركوب عشرة لزمته العشرة و مع عدم الزيادة لم تلزمه الاّ الأجرة المسمّاة و كذا الحال في نظائر المسألة».
و في القواعد: «و لو سلك بالدابّة الأشقّ من الطريق المشترط ضمن و عليهالمسمّى و التفاوت بين الأجرتين و يحتمل أجرة المثل، و كذا لو شرط حمل قطن
فحمل بوزنه حديدا». (1)
و في مفتاح الكرامة: «أمّا ضمانه فلا اشكال فيه كما في جامع المقاصد لعدوانه، كما هو ظاهر. و أمّا وجوب المسمّى و التفاوت بين الأجرتين فلأنّه استوفى المنفعة المعقود عليها و زيادة، فانّ الغرض الوصول الى الغاية و قطع هذه المسافة. غاية ما في الباب أنّه شرط الأسهل فحصل الأشقّ و قد اشتركا في قطع المسافة و زاد هذا بالمشقّة فالمسمّى في مقابل المعقود عليه و التفاوت بين الأجرتين في مقابل زيادة المشقّة عن الطريق المشروطة؛ لأنّ هذه الزيادة لم يتناولها العقد فكان كما لو تعدّى المسافة المشروطة أو عدل عن حمل خمسين الى حمل مائة - الى أن قال: - فلو كانت أجرة المثل للمعقود عليها عشرة و للمستوفاة خمسه عشر فالتفاوت خمسة يدفعها مع المسمّى. و كذا يجيء الاحتمالان السابقان في كلّ صورة لايتميّز فيها المستحقّ عمّا زاد، كما اذا استأجر دابّة ليحمل عليها قطنا فحمل بقدره حديدا و كما اذا استأجر دارا ليسكنها فأسكنها حدّادا أو قصّارا. انتهى ملخّصا». (2)
و في المستمسك في ضمن بحثه تفصيلاً: «الأقوى في المقام ما ذكره في القواعد من لزوم المسمّى و التفاوت. و لم أقف عاجلاً على من وافق المصنّف في وجوب الأمرين: المسمّى و أجرة المثل و ان كان له في نفسه وجه، لكنّه خلاف المرتكز العرفي و مذاق الفقهاء في باب الضمانات».(3)
(مسألة 7): لو آجر نفسه للخياطة - مثلاً - في زمان معيّن فاشتغل بالكتابة
للمستأجر مع علمه بأنّه غير العمل المستأجر عليه لم يستحقّ شيئا. أمّا الأجرة المسمّاة فلتفويتها على نفسه بترك الخياطة، و أمّا أجرة المثل للكتابة - مثلاً - فلعدم كونها مستأجرا عليها فيكون كالمتبرّع بها، بل يمكن أن يقال بعدم استحقاقه لها ولو كان مشتبها غير متعمّد خصوصا مع جهل المستأجر بالحال.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف من عدم استحقاق شيء لايتمّ على اطلاقه، و ذلك لأنّ الأجير يستحقّ الأجرة المسمّاة و يملكها بمجرّد عقد الاجارة، كما أنّ المستأجر يملك عمل الأجير بمجرّد العقد، الاّ أنّ الأجير لمّا لم يشتغل بالعمل المستأجر عليه - و هو الخياطة في زمان معيّن - فللمستأجر الخيار، فان فسخ فلايستحقّ الأجرة المسمّاة، و ان رضي أن يكون الخياطة في زمان آخر فالاجارة و استحقاق الأجرة المسمّاة بحالهما. و أمّا الاشتغال بالكتابة، فان كان متبرّعا في عمله فلايستحقّ شيئا، و ليس له مطالبة الأجرة. و ان عمل للمستأجر بالأجرة فان قبل منه فعليه أجرة المثل، و ان لم يقبل منه فلايستحقّ شيئا و ليس له مطالبة الأجرة.
و في الصورة الأولى - أي عدم فسخ الاجارة - لو طالبه الخياطة في الزمان المعيّن في العقد و قد فاتته على الفرض، فحيث انّ المستأجر كان مالكا لعمله في ذلك الزمان فيستحقّ منه المطالبة بدفع أجرة المثل بدلاً عمّا فوّته من العمل المستأجر عليه، و عليه أن يدفع الى الأجير الأجرة المسمّاة. و يجوز لهما التهاتر و اسقاط كلّ منهما ما في ذمّة الآخر. و الظاهر عدم الفرق في الصور المذكورة بين ما عمله الأجير متعمّدا أو مشتبها، كما أنّه لا فرق بين كون المستأجر عالما بالحال أو جاهلاً به، اذا لم يكن علمه مع سكوته دليلاً على رضاه عند العرف.
(مسألة 8): لو آجر دابّته لحمل متاع زيد من مكان الى آخر، فاشتبه و حمّلها
متاع عمرو لم يستحقّ الأجرة على زيد و لا على عمرو.
الشرح:
لو آجر خالد دابّته لحمل متاع زيد من مكان الى آخر في زمان معيّن، فحمل على دابّته متاع عمرو من دون اعلامه، فالصور المذكورة في المسألة السابقة متصوّرة هنا أيضا، مضافا الى أنّ على خالد أن يرجع متاع عمرو الى المكان الأوّل ان لم يرتض بحمله الى ذلك المكان.
(مسألة 9): لو آجر دابّته من زيد - مثلاً - فشردت قبل التسليم اليه أو بعده في أثناء المدّة بطلت الاجارة، و كذا لو آجر عبده فأبق. و لو غصبهما غاصب فان كان قبل التسليم كذلك، و ان كان بعده يرجع المستأجر على الغاصب بعوض المقدار الفائت من المنفعة، و يحتمل التخيير بين الرجوع على الغاصب و بين الفسخ في الصورة الأولى و هو ما اذا كان الغصب قبل التسليم.
الشرح:
لو آجر دابّته من زيد - مثلاً - فشردت أو غصبت، فالصور المتصوّرة خمس:
الأولى: لو شردت قبل التسليم الى المستأجر بحيث لايمكن الاستيلاء عليها بطلت الاجارة؛ اذ يعتبر في صحّة الاجارة أن تكون المنفعة قابلة للتسليم، فعليه فلو كان قد قبض المؤجر مال الاجارة أرجعها الى المستأجر.
الثانية: لو شردت بعد التسليم و في أثناء المدّة بطلت الاجارة بالنسبة الى المدّة الباقية ان لم يمكن الاستيلاء عليها؛ لما مرّ. و أمّا بالنسبة الى المدّة المنقضية، فللمستأجر خيار الفسخ، فان فسخ الاجارة فعليه أجرة المثل و يسترجع الأجرةالمسمّاة ان دفعها. و ان لم يفسخ و أمضاها فللمؤجر الأجرة المسمّاة بالنسبة الى المدّة، فان كان شردها بعد مضيّ نصف المدّة - مثلاً - فله نصف الأجرة المسمّاة، و
هكذا بالنسبة اليها.
الثالثة: لو غصبها غاصب قبل التسليم فان لم يمكن تحريرها و أخذها منه في المدّة المعيّنة للاجارة بطلت الاجارة. و ان أمكن تحريرها و أخذها منه فللمستأجر خيار الفسخ، فان فسخها فبها و يسترجع الأجرة المسمّاة ان دفعها. و ان لم يفسخ الاجارة يرجع الى الغاصب فيأخذ منه أجرة المثل بعوض المنفعة الفائتة. و هكذا يكون الحال في الصورة الأولى، أي اذا شردت الدابّة قبل التسليم و أمكن الاستيلاء عليها.
الرابعة: لو غصبها غاصب بعد التسليم، فيرجع المستأجر اليه و يأخذ الدابّة، و يأخذ منه أيضا أجرة المثل بعوض المنفعة الفائتة. و هكذا يكون الحال في الصورة الثانية، أي اذا شردت الدابّة بعد التسليم و أمكن الاستيلاء عليها.
الخامسة: لو غصبها غاصب بعد التسليم و لم يمكن تحريرها و أخذها منه في المدّة المعيّنة للاجارة بطلت الاجارة بالنسبة الى المدّة الباقية، و للمستأجر الخيار بالنسبة الى المدّة المنقضية، فان فسخ فعليه أجرة المثل و يسترجع الأجرة المسمّاة، و ان لم يفسخ فللمؤجر الأجرة المسمّاة بالنسبة، فان كانت المدّة المنقضية النصف فله نصف الأجرة المسمّاة، و هكذا.
(مسألة 10): اذا آجر سفينته لحمل الخلّ - مثلاً - من بلد الى بلد فحمّلها المستأجر خمرا لم يستحقّ المؤجر الاّ الأجرة المسمّاة، و لايستحقّ أجرة المثل لحمل الخمر؛ لأنّ أخذ الأجرة عليه حرام، فليست هذه المسألة مثل مسألة اجارة العبد للخياطة فاستعمله المستأجر في الكتابة. لايقال: فعلى هذا اذا غصب السفينة و حمّلها خمرا كان اللازم عدم استحقاق المالك أجرة المثل؛ لأنّ أجرة حمل الخمر حرام. لأنّا نقول: انّما يستحقّ المالك أجرة المثل للمنافع المحلّلة الفائتة في هذه المدّة، و في المسألة المفروضة لم يفوّت على المؤجر منفعة؛ لأنّه أعطاه الأجرة المسمّاة لحمل الخلّ بالفرض.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: اذا آجر سفينته لحمل الخلّ - مثلاً - في المدّة المعيّنة على الأجرة المعيّنة فلم يستعمل المستأجر السفينة فعليه الأجرة المسمّاة؛ لأنّ المؤجر قد ملك الأجرة بمجرّد العقد، كما أنّ المستأجر ملك المنفعة بمجرّده، فبعد تسليم المؤجر السفينة الى المستأجر فاستيفاء منفعتها باختياره، فاذا مضت المدّة فقد استقرّت الأجرة المسمّاة عليه و ان لم يستوفها.
الثانية: اذا آجر سفينته لحمل الخلّ - مثلاً - من بلد الى بلد في المدّة المعيّنة على الأجرة المعيّنة فحمّلها المستأجر خمرا فعليه الأجرة المسمّاة؛ لأنّ حمل الخمر لم يكن له أجرة، فكأنّ المستأجر لم يستوف منها المنفعة باختياره.
الثالثة: اذا غصب السفينة و حمّلها خمرا فعلى الغاصب مثل أجرة منافعها المحلّلة الفائتة في المدّة التي غصبها، و ليس عليه أجرة المثل لحمل الخمر؛ لأنّ أجرة حمل الخمر حرام.
الرابعة: اذا آجر عبده للخياطة في المدّة المعيّنة بعوض معلوم فاستعملهالمستأجر في الكتابة، فللمؤجر الخيار، فان فسخ الاجارة فعلى المستأجر أجرة
المثل، و ان لم يفسخ فعليه أكثر الأمرين من الأجرة المسمّاة و أجرة المثل، كما تقدّم في المسألة السادسة من هذا الفصل.
(مسألة 11): لو استأجردابّة معيّنة من زيد للركوب الى مكان فاشتبه و ركب دابّة أخرى له لزمه الأجرة المسمّاة للأولى و أجرة المثل للثانية، كما اذا اشتبه فركب دابّة عمرو فانّه يلزمه أجرة المثل لدابّة عمرو، و المسمّاة لدابّة زيد، حيث فوّت منفعتها على نفسه.
الشرح:
لو استأجر دابّة معيّنة من زيد للركوب الى مكان فاشتبه و ركب دابّة أخرى له، فان تسلّم الدابّة الأولى و قبضها أو رفع المانع بين أخذ الدابّة و المستأجر ثمّ اشتبه و ركب دابّة أخرى له، فعليه الأجرة المسمّاة للأولى لعقد الاجارة، و أجرة المثل للثانية. و هكذا يكون الحال فيما اذا استأجر دابّة زيد و تسلّمها و اشتبه عليه فركب دابّة عمرو فانّه يلزمه أجرة المثل لدابّة عمرو و الأجرة المسمّاة لدابّة زيد، حيث فوّت منفعتها على نفسه و ان كان على غير عمد. و أمّا ان لم يقبض زيد الدابّة و لم يسلّمها عرفا فاشتبه على المستأجر فركب دابّة أخرى لزيد بتوهّم أنّ زيدا سلّم هذه الدابّة فعلى المستأجر أجرة المثل فقط، و هكذا يكون الحال في الصورة الثانية. و الحكم جارٍ في نظائر المسألة.
(مسألة 12): لو آجر نفسه لصوم يوم معيّن عن زيد - مثلاً - ثمّ آجر نفسه لصوم ذلك اليوم عن عمرو لم تصحّ الاجارة الثانية، و لو فسخ الأولى بخيار أو اقالة قبل ذلك اليوم لم ينفع في صحّتها، بل و لو أجازها ثانيا بل لابدّ له من تجديد العقد؛ لأنّ الاجازة كاشفة و لايمكن الكشف هنا؛ لوجود المانع حين الاجارة، فيكون نظير من باع شيئا ثمّ ملك، بل أشكل.
الشرح:
لو آجر نفسه لصوم يوم معيّن عن زيد - مثلاً - ثمّ آجر نفسه لصوم ذلك اليوم عن عمرو لم تصحّ الاجارة الثانية؛ لوضوح عدم قبول يوم واحد للصوم عن شخصين، فاذا صار أجيرا عن زيد مثلاً لصوم ذلك اليوم فأين المحلّ للاجارة الثانية؟ و هذا لا اشكال فيه، و لا كلام.
انّما الكلام فيما لو آجر نفسه لصوم ذلك اليوم عن عمرو بعد ما آجر نفسه عن زيد ثمّ فسخ الأجير أو المستأجر الاجارة بخيار أو اقالة قبل أن يأتي اليوم المعيّن الذي آجر نفسه ثانيا للصوم عن عمرو، فهل يمكن أن يقال بصحّة الاجارة الثانية؟
ذهب المصنّف الى عدم الصحّة؛ لأنّه في الوقت الذي عقد فيه الاجارة الثانية لم يملك عمل ذلك اليوم، فبعد عقد الاجارة الأولى فقد ملك المستأجر الأوّل صوم ذلك اليوم، فكانت الاجارة الثانية باطلة. بل لو أجاز الأجير الاجارة الثانية لم ينفع، و ذلك لأنّ الاجازة كاشفة عن أنّ العقد وقع صحيحا، و هذا مستلزم لكونه أي الأجير مالكا حين العقد، و الفرض أنّه لم يكن مالكا لصوم ذلك اليوم المعيّن. فهذا يكون نظير من باع شيئا ثمّ ملك بل أشكل. فلو باع زيد مال أبيه فضولاً ثمّ مات أبوه و ملك المال الذي باعه أمس بالارث فلايمكن أن يقال: اذا أجاز البيع المذكور صحّ؛ لأنّ الاجازة كاشفة و الفرض أنّه لم يكن مالكا أمس.
و في المستند قال في وجه كونه أشكل: «انّه يمكن تصحيح البيع في ظرف وقوعه بالاجازة، غايته باجازة من مالك العين فهو في نفسه قابل للصحّة باجازة
المالك، فيبحث عن أنّ اختلاف المالك حال الاجازة عن المالك حال البيع هل يستوجب فرقا في تأثير الاجازة أو لا؟ و فيه خلاف معروف. أمّا في المقام فالاجارة الثانية غير قابلة للاجازة من أيّ أحد حال انعقادها لا من المؤجر و لا من المستأجر الأوّل الذي هو مالك للعمل. أمّا المؤجر فلعدم كونه مالكا آنذاك على الفرض. و أمّا المستأجر فلكونه أجنبيّا عن هذا العقد، ضرورة أنّه انّما يملك حصّة خاصّة من الصوم، و هو الصوم عن زيد - مثلاً - لا طبيعيّ الصوم، فالصوم عن عمرو الذي هو مورد الاجارة الثانية أجنبيّ عن المستأجر الأوّل بالكلّيّة و لايرتبط به بوجه، فليس له حقّ في الاجازة أبدا، فلأجل هذه العلّة كانت الصحّة هنا أشكل. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
الظاهر صحّة الاجارة الثانية ان أجاز المستأجر الأوّل، الاّ أنّه يملك الأجرة المسمّاة من الاجارة الثانية، فلو فسخ الاجارة بخيار أو اقالة ثمّ أمضى المؤجر الاجارة الثانية صحّت الاجارة بناءً على الكشف؛ لأنّ المراد من الكشف هو الكشف الحكمي، و لايلزم كونه مالكا حين عقد الاجارة، كما هو الحال فيمن باع شيئا ثمّ ملك.
1) مستند العروة 327:30.
لايجوز اجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعير بما يحصل منها من الحنطة أو الشعير، لا لما قيل من عدم كون مال الاجارة موجودا حينئذ لا في الخارج و لا في الذمّة، و من هنا يظهر عدم جواز اجارتها بما يحصل منها ولو من غير الحنطة و الشعير، بل عدم جوازها بما يحصل من أرض أخرى أيضا؛ لمنع ذلك، فانّهما في نظر العرف و اعتبارهم بمنزلة الموجود كنفس المنفعة، و هذا المقدار كافٍ في الصحّة، نظير بيع الثمار سنتين أو مع ضمّ الضميمة، فانّها لاتجعل غير الموجود موجودا مع أنّ البيع وقع على المجموع. بل للأخبار الخاصّة. و أمّا اذا آجرها بالحنطة أو الشعير في الذمّة لكن بشرط الأداء منها، ففي جوازه اشكال. و الأحوط العدم؛ لما يظهر من بعض الأخبار و ان كان يمكن حمله على الصورة الأولى. و لو آجرها بالحنطة أو الشعير من غير اشتراط كونهما منها فالأقوى جوازه. نعم، لايبعد كراهته. و أمّا اجارتها بغير الحنطة و الشعير من الحبوب فلا اشكال فيه، خصوصا اذا كان في الذمّة مع اشتراط كونه منها أو لا.
الشرح:
في المستند: «لايجوز اجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعير بمقدار معيّن كمنّ أو منّين من الحنطة أو الشعير الحاصلين منها. و الظاهر أنّ هذا الحكم ممّا لا خلاف فيه و مورد لاتّفاق الكلّ، الاّ أنّ الكلام في مستنده و أنّه هل هو الروايات كما اختاره في المتن، أو أنّه مطابق لمقتضى القاعدة ولو لم يرد أيّ نصّ في البين؟ فان قلنا بدلالة الروايات فلابدّ من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النصّ، و بناءً على أنّ المستفاد من النصوص خصوص الحنطة و الشعير الحاصلين من نفس الأرض كما اختاره في المتن لم يكن بأس بالاجارة بغيرهما أخذا بعمومات صحّة الاجارة، و ان قلنا انّه مطابق لمقتضى القاعدة، فيعمّ المنع مطلق الحبوب من مطلق الأرض، بل يعمّ ما لو كانت العين المستأجرة غير الأرض من دار أو فرس و نحوهما بمناط واحد؛ اذ الجميع شرع سواء أمام القاعدة. و الأظهر هو القول الثاني، و أنّ بطلان الاجارة مطابق لمقتضى القاعدة. انتهى ملخّصا». (1)
قال في الشرائع: «و تكره اجارة الأرض للزراعة بالحنطة أو الشعير ممّا يخرج منها، و المنع أشبه». (2)
و في الجواهر: «و تكره اجارة الأرض للزراعة حنطة بالحنطة أو شعيرا بالشعير مع ضمان ذلك في الذمّة. و أمّا اذا كان ممّا يخرج منها و يحصل فيها مشخّصا للثمن بذلك فالمنع أشبه بأصول المذهب و قواعده، ضرورة اعتبار ملكيّة الأجرة التي هي عوض المنفعة المملوكة خارجا أو ذمّة، و لا شيء منهما في الفرض. و من ذلك يعلم عدم الفرق بين تشخيص كونه منها أو من أرض أخرى،
و لا بين استئجارها بجنس ما يريد زرعه فيها و غيره». (1)
و لنذكر أوّلاً الروايات الواردة في الباب حتّى يتّضح الحال:
فمنها رواية الفضيل بن يسار قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن اجارة الأرض بالطعام. قال: ان كان من طعامها فلا خير فيه». (2)
ففي المستند: «و هي و ان لم يكن بأس بدلالتها؛ نظرا الى أنّ نفي الخير في قوّة التعبير بالفساد، و الاّ فكيف لايكون خير في معاملة صحيحة حاوية على مبادلة مال بمال سيّما مع الاسترباح؟! الاّ أنّ السند ضعيف بصالح بن السندي؛ اذ لم يرد فيه أيّ توثيق أو مدح - الى أن قال: - فتسقط الرواية عن صلاحية الاستدلال». (3)
أقول:
يمكن أن يقال: انّ اعتماد علي بن ابراهيم القمّي عليها يزيل عنّا الشكّ و ان كان لنا غير هذه الرواية أيضا.
و منها: معتبرة أبي بردة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن اجارة الأرض المحدودة بالدراهم المعلومة. قال: لابأس. قال: و سألته عن اجارتها بالطعام، فقال: ان كان من طعامها فلا خير فيه». (4)
و في المستند: «و هي أيضا ظاهرة الدلالة كسابقتها، غير أنّها ضعيفة السند بأبي بردة، فانّه مجهول». (5)
أقول:
سند الرواية هكذا: «و باسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أيّوب بن نوح عن صفوان عن أبي بردة قال ... »
ففي جامع الرواة: «أبو بردة بن رجاء، صفوان بن يحيى عنه عن أبي عبداللّه عليه السلام». (1)
و فيه أيضا: «صفوان بن يحيى: ثقة ثقة عين ... أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث و أعبدهم ... أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عنه ... ». (2)
و الحاصل أنّ أبا بردة قد ذكر في الرجال الاّ أنّه لم يرد فيه أيّ توثيق أو مدح، ولكنّه قد نقل عنه صفوان بن يحيى الذي هو من أصحاب الاجماع و من أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث و أعبدهم، و بهذا تخرج الرواية عن الضعف.
و منها صحيحة أبي المغراء قال:
«سأل يعقوب الأحمر أبا عبداللّه عليه السلام و أنا حاضر فقال: أصلحك اللّه، انّه كان لي أخ قد هلك و ترك في حجري يتيما و لي أخ يلي ضيعة لنا و هو يبيع العصير ممّن يصنعه خمرا و يؤاجر الأرض بالطعام، فأمّا ما يصيبني فقد تنزّهت، فكيف أصنع بنصيب اليتيم؟ فقال: أمّا اجارة الأرض بالطعام فلاتأخذ نصيب اليتيم منه الاّ أن تؤاجرها بالربع و الثلث و النصف. الحديث». (3)
و في المستند: «و هذه أيضا قاصرة الدلالة، فانّها و ان تضمّنت لفظ الاجارة لكن المراد بها هو المزارعة يقينا، بقرينة حكمه عليه السلام في الذيل بالجواز فيما اذا كان بالثلث أو الربع، الذي هو من مختصّات المزارعة، فكأنّ الأجرة في مفروض
السؤال كانت مقدارا معيّنا من الطعام، فكان البطلان مستندا الى فقدان شرط المزارعة و هو وقوعها على الحصّة المشاعة، و من ثمّ حكم عليه السلام أخيرا بالصحّة مع مراعاة هذا الشرط، فيعلم من ذلك أنّ جعل الأجرة الطعام لا بأس به في نفسه، و انّما الذي فيه بأس أن لاتكون الحصّة مشاعة. انتهى». (1)
أقول:
الظاهر أنّ المراد من قول الراوي «و يؤاجر الأرض بالطعام» هو الطعام الحاصل من الأرض، بقرينة اعراضه عن نصيبه، و قرينة أنّ مورد الاجارة الأرض التي يزرع فيها الطعام، و قرينة ذيلها بأنّه ناظر الى باب المزارعة، و يظهر أيضا أنّ المراد بالطعام هو الحنطة و الشعير؛ لأنّ الغالب في زراعة الأرض هو الحنطة و الشعير، و ان كان يطلق الطعام عليهما و على التمر و العنب، و من المحتمل قويّا أن ليس المراد العنب و التمر. و بالجملة اعراضه عليه السلام عن الاجارة و رغبته الى المزارعة للاشكال في ذلك. و الظاهر أنّ دلالة الصحيحة غير قاصرة عن باب الاجارة و ليست خارجة عن محلّ الكلام.
و منها ما رواه الصدوق في العلل باسناده عن يونس بن عبدالرحمن عن غير واحد عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام:
«أنّهما سئلا: ما العلّة التي من أجلها لايجوز أن تؤاجر الأرض بالطعام، و تؤاجرها بالذهب و الفضّة؟ قال: العلّة في ذلك أنّ الذي يخرج منها حنطة و شعير، و لاتجوز اجارة حنطة بحنطة و لا شعير بشعير».(2)
ففي المستند: «و قد اشتمل السند على اسماعيل بن مرار الذي لم يرد فيه
توثيق صريح و ان كان الأظهر اعتبار الرواية لأجل وقوع اسماعيل بن مرار في أسناد تفسير علي بن ابراهيم، الاّ أنّ الدلالة قاصرة؛ نظرا الى أنّ مورد السؤال هو مطلق الطعام في مقابل الذهب و الفضّة لا خصوص الشعير و الحنطة، اذن فذكرهما في الجواب انّما هو من باب المثال لا لخصوصيّة فيهما، ايعازا الى بيان الفرق بين الطعام و الذهب و أنّ الخارج من الأرض ربّما يكون حنطة فجعلها أجرة يشبه اجارة الحنطة بالحنطة، بخلاف ما اذا كانت الأجرة ذهبا. فهي اذن من جملة الأخبار الناهية عن اجارة الأرض بمطلق الطعام ولو في الذمّة، أو من أرض أخرى، المحمولة على الكراهة، و أجنبيّة عن محلّ الكلام. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
الظاهر أنّه لا قصور في دلالة الرواية، و لعلّها أظهر ممّا سبق، فانّه عليه السلام ذكر في العلّة أوّلاً أنّ الذي يخرج من الأرض حنطة و شعير، و هذا يشعر بأنّ المراد من الطعام الحنطة و الشعير، و أنّ الأجرة ممّا يخرج من الأرض الواقعة موردا للاجارة لا من أرض أخرى، و لا في الذمّة. و ذكر ثانيا: «و لاتجوز اجارة حنطة بحنطة و لا شعير بشعير» و كأنّه بصدد بيان أنّ اجارة المكيل و الموزون من جنس واحد يشبه البيع الربوي اذا كان المبيعان مختلفين من حيث الكمّيّة. أو لعلّه لبيان لزوم كون مال الاجارة معلوما و موجودا، كما سيأتي.
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتستأجر الأرض بالحنطة ثمّ تزرعها حنطة». (2)
ففي المستند: «و فيه مضافا الى اختصاصها بالحنطة فقط دون الشعير: انّ الظاهر منها اختصاص النهي بصورة زرع الحنطة خارجا، فلا نهي لو لم يزرعها أو
زرع غيرها من سائر الحبوب كالشعير. فهي اذن تدلّ على جواز اجارة الأرض بالحنطة مطلقا، ماعدا صورة واحدة و هي التعقّب بزرع الحنطة خارجا، و حيث لاتأمّل في أنّ الزراعة المزبورة الواقعة بعد ذلك ليست من المحرّمات و لا المبطلات بلا اشكال فيه فالنهي الوارد فيها ظاهر في التكليفي و محمول على الكراهة لا محالة؛ لأجل مشابهته باجارة الحنطة بالحنطة كما في الرواية السابقة».(1)
أقول:
الظاهر أنّ المراد من الصحيحة هو المراد ممّا في الرواية السابقة من العلل و سائر الروايات. و الظاهر أيضا أنّ اكتفاءه عليه السلام بذكر الحنطة فقط دون الشعير لعلّه كان لابتلاء السائل بها، و التأويل الذي أتى به في المستند ليس بأقرب من التأويل الذي ذكرنا في الرواية و أنّ لسانها لسان سائر الروايات المتقدّمة.
و المتحصّل ممّا ذكر أنّ ما ذهب اليه الماتن رحمه الله من دلالة الأخبار على عدم جواز اجارة الأرض بما يحصل منها من الحنطة و الشعير، يساعده الدليل، و يتمّ بحسب الأخبار، سواء كانت الأجرة نفس الحاصل، أم المقرّر في الذمّة بشرط الأداء من الأرض المستأجرة.
ثمّ انّ صاحب المستند بعد ردّ الأخبار المذكورة قال: «و أمّا بحسب القواعد فقد ذكر في المتن أنّ مقتضى القاعدة هو الجواز، و انّ ما يقال في تقرير المنع من عدم وجود حاصل الأرض فعلاً لا في الذمّة و لا خارجا فلايكون قابلاً للتمليك، مندفع بأنّه كالموجود بالفعل في اعتبار العرف نظير منافع العين، فكما لايقدح في مملوكيّتها الفعليّة تأخّرها بحسب الوجود الخارجي فكذا حاصل الأرض، و بهذا الاعتبار صحّ بيع الثمار سنتين أو مع الضميمة؛ اذ لو لم تكن قابلة للتمليك فكيف
1) مستند العروة 334:30.
ساغ بيعها مع الضميمة؟». - ثمّ دفعه بأنّ - الذي جرت عليه السيرة العقلائيّة و قامت على صحّته الأدلّة الشرعيّة في العقود المعاوضيّة من بيع أو اجارة و نحوهما ممّا يتقوّم بمبادلة مال بمال من عين أو منفعة: لزوم كون مورد المبادلة ملكا فعليّا، أو ما في حكم الملك كالأعمال، أو شيئا في الذمّة. و أمّا ما لايكون مملوكا بالفعل بوجه لعدم وجوده في أيّ صقع لا الخارج و لا الذمّة و انّما هو يوجد و يملك فيما بعد، فلاتصحّ المعاملة عليه لا بالسيرة العقلائيّة و لا بحسب الأدلّة الشرعيّة، و من ثمّ لايسوغ أن يبيع الغزال قبل أن يصيدها، أو سمكة البحر قبل أن يتملّكها. و من هذا القبيل ما هو المبحوث عنه في المقام من المعاملة على حاصل الأرض قبل وجوده يجعله أجرة؛ لوحدة المناط. و منه تعرف أنّ قياس الحاصل بمنافع العين المتأخّرة قياس مع الفارق الظاهر، ضرورة أنّ المنافع من شؤون العين و حيثيّتها القائمة بها، فالملكيّة فعليّة و ان كان زمان المملوك متأخّرا. و هذا بخلاف ما يحصل من الأرض فيما بعد، فانّه لا ملكيّة فعليّة له بتاتا. و ما ورد من جواز بيع الثمر قبل وجوده بشرط الضميمة فهو حكم تعبّدي ثبت في مورده بالدليل الخاصّ، فلايتعدّى الى غيره، نظير ما ورد من جواز بيع الآبق مع الضميمة، فانّه لايتعدّى منه الى الفرس الآبق مع الضميمة. و المتحصّل من جميع ما قدّمناه أنّ اجارة الأرض بما يحصل منها باطلة بمقتضى القاعدة؛ لعدم ملكيّة الحاصل قبل وجوده كي يملّك. و هذا من غير فرق فيه بين الحنطة و الشعير و غيرهما من سائر الحبوب و لا بين الحاصل من هذه الأرض أو من أرض أخرى؛ لوحدة المناط في الجميع. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه العلاّمة الخوئي في المستند هو الصحيح، و مناقشته مع
1) مستند العروة 335:30 - 338.
المصنّف في غير الأخبار في محلّه. و أمّا ردّه الأخبار و المناقشة فيها من حيث السند و الدلالة في غير محلّه. و الظاهر أنّ الأخبار لاتخالف القاعدة، فانّ التأمّل في جميعها يعطي ما يقتضيه القاعدة، و ما يتراءى من ذكر الحنطة و الشعير فيها دون سائر ما يحصل من الأرض فلعلّه للغالب أو لأنّهما مورد السؤال. و الحاصل منها أنّ عدم الجواز لعدم تعيين الأجرة و عدم الملكيّة الفعليّة للمستأجر.
ففي المستند: «اذا كانت أجرة الأرض طعاما في الذمّة فتارة يشترط الأداء من الأرض المستأجرة، فمقتضى القاعدة هو الجواز؛ لأنّ ما في الذمّة في حكم المملوك، و هذا شرط خارجيّ فلا مانع من صحّة العقد. و أمّا بناءً على استفادة المنع من الأخبار، فلم نجد رواية يتوهّم شمولها لما في الذمّة ولو مشروطا و ان كان المصنّف استشكل فيه.
و أخرى لايشترط الأداء من الأرض المستأجرة، فحينئذ لاينبغي الاشكال في جوازه، غايته أنّه مكروه؛ لما عرفت من دلالة الأخبار على النهي - المحمول على الكراهة - عن جعل الأجرة طعاما، بل غيره كالأربعاء و النطاف من مطلق ما ليس بمضمون، أعني: الذهب و الفضّة المصمتين. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
الظاهر أنّ اجارة الأرض بشيء معيّن في الذمّة لابأس بها و لايخالفها الروايات و لايكون خلافا لمقتضى القاعدة، سواء كانت الأجرة الحنطة و الشعير أو غيرهما من الطعام و غيره، و سواء شرط أن يكون ذلك الشيء من حاصل الأرض
1) مستند العروة 339:30.
المستأجرة أو غيرها. و ذلك لما عرفت من أنّ مقتضى القاعدة لزوم كون الأجرة معيّنة و مملوكة، و ما في الذمّة في حكم المملوك، و عرفت أيضا أنّ الأخبار لاتخالف القاعدة، بل مضمونها بعد التأمّل فيها هو ما تقتضيه القاعدة كما مرّ. و أمّا ما أشار اليه المستند من «كراهية كون الأجرة طعاما، بل غيره كالأربعاء (1)و النطاف (2)من مطلق ما ليس من الذهب و الفضّة» فالظاهر أنّ مراده موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتؤاجر الأرض بالحنطة و لا بالشعير و لا بالتمر و لا بالأربعاء و لا بالنطاف، ولكن بالذهب و الفضّة؛ لأنّ الذهب و الفضّة مضمون، و هذا ليس بمضمون». (3)
ولكن الظاهر أنّ مراده عليه السلام من النهي عن المذكورات لكونها غير مضبوطة تزيد و تنقص، و لذلك فسّر الذهب و الفضّة في نفس الرواية بأنّهما لايزيدان. (4)
و بناءً عليه تكون الموثّقة بصدد بيان ما تقتضيه القاعدة، و لاتكون تعبّدا. و أمّا الروايات الأخر فقد عرفت شرحها و بيان ما هو الظاهر منها فراجع.
ثمّ انّ قول المصنّف في الآخر: «و أمّا اجارتها بغير الحنطة و الشعير من الحبوب فلا اشكال فيه، خصوصا اذا كان في الذمّة مع اشتراط كونه منها أو لا»، ففيه: انّه ان لم تكن الحبوب معيّنا مملوكا أو في الذمّة ففيه اشكال كما مرّ، سواء كان من نفس الأرض أو غيرها.
(مسألة 1): لابأس باجارة حصّة من أرض معيّنة مشاعة، كما لابأس باجارة حصّة منها على وجه الكلّي في المعيّن مع مشاهدتها على وجه يرتفع به الغرر، و أمّا اجارتها على وجه الكلّي في الذمّة فمحلّ اشكال، بل قد يقال بعدم جوازها؛ لعدم ارتفاع الغرر بالوصف، و لذا لايصحّ السلم فيها. و فيه: انّه يمكن وصفها على وجه يرتفع، فلا مانع منها اذا كان كذلك.
الشرح:
يجوز اجارة حصّة من أرض معيّنة مشاعة فيكون المستأجر شريكا للمالك في منافعها، فلو استأجر زيد من عمرو نصف أرضه المتعلّقة به، ففي كلّ قطعة منها يشارك المالك في منافعها، كما أنّه لو تلف بعضها يشارك المالك في ضرر منفعة ذلك البعض. و يجوز أيضا أن يستأجر منه حصّة من أرضه على وجه الكلّي في المعيّن، بأن يقول: انّي أستأجر منك مائة متر مربّع من أرضك متّصفة بهذه الصفات على وجه يرتفع الغرر، و في هذا النوع من الاجارة لو تلفت الأرض و بقي منها مائة متر مربّع فمنافعها تكون للمستأجر في المدّة المضروبة. و كذا يجوز اجارتها على وجه الكلّي في الذمّة بشرط توصيفها بنحو يرتفع الغرر. ثمّ انّ الدليل على جواز هذه المذكورات، أي اجارة حصّة معيّنة مشاعة من الأرض و اجارة حصّة منها على وجه الكلّي في المعيّن و على وجه الكلّي في الذمّة، هو عمومات العقود، كقوله تعالى: «أوفوا بالعقود» و عمومات الاجارة من الكتاب و السنّة من غير تخصيص في ذلك.
و في المستند: «لابأس باجارة حصّة من أرض معيّنة مشاعة، فيكون المستأجر مشتركا مع المالك في المنفعة بالنسبة و ان كانت العين بتمامها للمالك و تجري عليهما أحكام الشركة، كما تجوز بنحو الكلّي في المعيّن فيكون التعيين بعدئذ بيد المالك. و كما تصحّ أيضا بنحو الكلّي في الذمّة و يكون الفرد المدفوع وفاءً عمّا في الذمّة؛ اذ لا فرق بين البيع و الاجارة من هذه الجهة غير أنّ اللازم في كلا
الموردين تعيين الحدود و الخصوصيّات الموجبة للاختلاف؛ حسما لمادّة الغرر، كقرب الأرض من الماء أو كونها صعبة و نحو ذلك ممّا تختلف القيمة باختلافها. و هذا جارٍ في غير الأرض كالدابّة أو السيّارة. انتهى ملخّصا». (1)
(مسألة 2): يجوز استئجار الأرض لتعمل مسجدا؛ لأنّه منفعة محلّلة. و هل يثبت لها آثار المسجد من حرمة التلويث و دخول الجنب و الحائض و نحو ذلك؟ قولان، أقواهما العدم. نعم، اذا كان قصده عنوان المسجديّة لا مجرّد الصلاة فيه و كانت المدّة طويلة كمائة سنة أو أزيد لايبعد ذلك؛ لصدق المسجد عليه حينئذ.
الشرح:
هل يجوز استئجار الأرض لتعمل مسجدا؟
نقول: تارة يستأجرها لمجرّد الصلاة فيها، فهذا لا بأس به و يجوز؛ لأنّه - كما قال المصنّف - منفعة محلّلة، و لاتثبت لها آثار المسجد من حرمة التلويث و دخول الجنب و الحائض و نحو ذلك؛ لأنّها لم تكن مسجدا على الفرض، سواء كانت مدّة الاجارة طويلة أو قصيرة.
و أخرى يستأجرها بعنوان المسجديّة لا مجرّد الصلاة فيها، فالظاهر أنّه لاينعقد ما قصده من عنوان المسجديّة، و ذلك لأنّ ما يظهر من الأخبار أنّ المسجد مكان موقوف لأن يسجد فيه و يصلّى فيه، و لايتغيّر عمّا كان عليه من الوقف، و الوقف عبارة عن تحرير الملك، و لايردّ الى صاحبه، و ليست الاجارة كذلك و ان كانت مدّتها طويلة. و حيث كان قصده من استئجارها ذلك و لم يحصل فالاجارة باطلة.
1) مستند العروة 340:30.
و عن المحقّق الكركي في جامع المقاصد عند قوله المصنّف في القواعد «و يجوز استئجار الدار ليعمل مسجدا يصلّى فيه» قال: «لأنّ ذلك غرض محلّل متقوّم. نعم، لاتثبت لها حرمة المسجد، فيكون اطلاق عملها مسجدا بالمجاز، باعتبار ثبوت مقصود المسجد لها و هو اعدادها للصلاة». (1)
و عن المحقّق الأردبيلي عند قول العلاّمة في ارشاد الأذهان «و يجوز استئجار الأرض لتعمل مسجدا» قال: «لا مانع منه، و عموم أدلّة المسجد - و الاجارة مع عدم ظهور مانع - يقتضيه، فالمراد بالملكيّة في المسجد و نحوه هو ملكيّة المنفعة، ولكن في بعض قيود المحقّق الشيخ علي (الكركي) أنّه لاتثبت حرمة المسجد. كأنّه يريد أنّه يصير مثل المسجد الذي يفعله الانسان في داره مع بقائه على الملكيّة، فيحصل ثواب المسجد دون أحكامه، من عدم لبث الجنب، و ادخال النجاسة و كونه وقفا. و هو محتمل، ولكن الظاهر هو الأوّل من كلامه، و لم نجد مانعا الاّ عدم كون الأصل وقفا، و ما نعرف اشتراطه و ان كان ظاهر العبارات ذلك، فتأمّل».(2)
أقول:
تقدّم الجواب عمّا ذهب اليه المحقّق الأردبيلي، و ان كان في ذيل كلامه اعتراف بما قلنا.
(مسألة 3): يجوز استئجار الدراهم و الدنانير للزينة أو لحفظ الاعتبار أو غير ذلك من الفوائد التي لاتنافي بقاء العين.
الشرح:
و في الشرائع: «و يجوز استئجار الدراهم و الدنانير ان تحقّقت لها منفعة حكميّة مع بقاء عينها». (1)
يجوز استئجار الدراهم و الدنانير ان كانت لها منفعة حكميّة أي غير سفهيّة مع بقاء عينها، و ذلك لأنّ قوام الاجارة ببقاء العين و الاستيفاء من المنفعة، و الدليل على الجواز اطلاقات الاجارة و عدم منع من الشارع.
و في المسالك (في المثال للانتفاع بها مع بقاء عينها): «بأن يتزيّن بهما و يتجمّل، و يدفع عن نفسه ظاهر الفقر و الفاقة، فانّ دفع ذلك غرض مطلوب شرعا حتّى كان الأئمّة عليهم السلام يقترضون أموالاً و يظهرونها للناس أو يدفعونها الى عمّال الصدقة مظهرين أنّها زكاة أموالهم ليظهر بذلك غناؤهم، و من جملة الأغراض المقصودة بها أيضا نثرها في الأعراس و نحوها ثمّ تجمع، و الضرب على سكّتها و نحو ذلك، فكان القول بجواز اجارتها قويّا. - الى أن قال: - و حيث جاز استئجارها لايشترط تعيين جهة الانتفاع كغيرها من الأعيان؛ لأنّ المعتبر صلاحية العين للمنفعة المقصودة لا ذكرها في العقد. و كذا يجوز استئجار الشمع للتزيّن به لا للضوء، و التفّاح للشمّ، و الأشجار للاستظلال، و ان لم يعيّن المنفعة المقصودة. و الضابط جواز استئجار العين المشتملة على منفعة تحسن مقابلتها بمال». (2)
و استشكل العلاّمة في القواعد في جواز استئجار الدراهم و الدنانير و غيرها فقال: «ففي الجواز نظر، ينشأ من انتفاء قصد هذه المنافع، و لهذا لايضمن منفعتها
بالغصب». (1)
و في التذكرة جوّز استئجار الدراهم و الدنانير للتزيّن بها و للضرب على طبعها، و نثرها في العرس ثمّ جمعها، و التحلّي بها و الوزن بها.
و في جامع المقاصد (في بيان الجواز): «و الضابط أنّ المنفعة التي يحسن عرفا مقابلتها بمال يجوز استئجار العين المشتملة عليها دون غيرها». (2)
و في المستند: «و قد ذكر جماعة بطلان وقف الدرهم و الدينار، كما ذكر جماعة أخرى عدم ضمان الغاصب لهما للمنافع و أنّه لايجب عليه ما عدا ردّ العين، فربّما يتخيّل منافاة ذلك لصحّة الاجارة بلحاظ ما ذكر من المنفعتين. و يندفع بابتناء الوقف على اشتمال العين على المنافع الغالبة المتعارفة بحيث يتحقّق معها تحبيس العين و تسبيل المنفعة، و لا شكّ أنّ الدرهم و الدينار فاقدان لمثل ذلك؛ لتوقّف الانتفاع بهما غالبا على الصرف و الاعدام خارجا. كما أنّ ضمان المنافع أيضا كذلك، فانّ العبرة فيها بالمنافع العاديّة المتعارفة العقلائيّة بحيث يصدق عرفا أنّها تلفت تحت اليد، أو أنّ الغاصب أتلفها على المالك. و أمّا المنافع النادرة الاتّفاقيّة التي ربّما تمسّ الحاجة اليها أحيانا كالمنفعتين المزبورتين - أعني: التزيين و حفظ الاعتبار - فليست هي مناطا لا للضمان و لا للوقف، فمن ثمّ لايجريان في مثل الدرهم و الدينار كما أفيد. و أمّا الاجارة فمناط صحّتها الاشتمال على المنفعة المحلّلة ولو كانت نادرة و غير متعارفة، أخذا باطلاق الأدلّة. اذن فعدم صحّة الوقف أو عدم ضمان المنافع أجنبيّ عن محلّ الكلام، و لا موجب لقياس المقام بهما بعد اختلاف المناطين. و من ثمّ لو فرض قيام التعارف في قطر أو بلد على التزيين بهما أو الاقتناء لحفظ الاعتبار لم يكن مانع ثمّة من الالتزام بصحّة الوقف، بل الحكم بالضمان أيضا، كما هو الحال في المصوغ منهما ممّا
يتعارف لبسه للنساء كالحليّ، حيث يحكم حينئذ بضمان المنافع بعد أن كانت العين مشتملة على المنفعة المحلّلة المتعارفة. و على الجملة فصحّة الاجارة لايعتبر فيها الاّ وجود منفعة قابلة للاستيفاء ولو لحاجة شخصيّة، و حيث فرض وجودها في المقام - كما ربّما يتّفق في زماننا أيضا بالنسبة الى المسافرين في بعض الأوقات - فلا مانع من الالتزام بصحّة الاجارة». (1)
(مسألة 4): يجوز استئجار الشجر لفائدة الاستظلال و نحوه كربط الدابّة به أو نشر الثياب عليه.
الشرح:
يجوز استئجار الشجر لفائدة الاستظلال و نحوه كربط الدابّة أو نشر الثياب و كلّ ما يكون فيه منفعة محلّلة قابلة للتمليك بعوض و ان كانت تلك المنفعة للمستأجر فقط. و الدليل على ذلك عمومات العقود و مطلقات الاجارة.
و في المستند: «ان قلت: كيف تصحّ الاجارة بناءً على جواز الاستظلال بشجر الغير أو حائطه بدون اذنه؟ قلت: يمكن فرض المسألة فيما لو بادر المالك في الاستظلال بحيث لم يبق مجال لاستظلال غيره و هو بحاجة اليه في تلك الساعة، أو لو أراد المالك قطع الشجرة فطالب منه المستأجر عدم القطع لكي يستظلّ بها فيصحّ ما في المتن ولو في الجملة و بنحو الموجبة الجزئيّة». (2)
(مسألة 5): يجوز استئجار البستان لفائدة التنزّه؛ لأنّه منفعة محلّلة عقلائيّة.
كما عرفت في المسألة السابقة.
(مسألة 6): يجوز الاستئجار لحيازة المباحات كالاحتطاب و الاحتشاش و الاستقاء، فلو استأجر من يحمل الماء له من الشطّ - مثلاً - ملك ذلك الماء بمجرّد حيازة السقّاء. فلو أتلفه متلف قبل الايصال الى المستأجر ضمن قيمته له. و كذا في حيازة الحطب و الحشيش. نعم، لو قصد المؤجر كون المحوز لنفسه فيحتمل القول بكونه له و يكون ضامنا للمستأجر عوض ما فوّته عليه من المنفعة، خصوصا اذا كان المؤجر آجر نفسه على وجه يكون تمام منافعه في اليوم الفلاني للمستأجر، أو تكون منفعته من حيث الحيازة له، و ذلك لاعتبار النيّة في التملّك بالحيازة، و المفروض أنّه لم يقصد كونه للمستأجر، بل قصد نفسه، و يحتمل القول بكونه للمستأجر؛ لأنّ المفروض أنّ منفعته من طرف الحيازة له، فيكون نيّة كونه لنفسه لغوا، و المسألة مبنيّة على أنّ الحيازة من الأسباب القهريّة لتملّك الحائز ولو قصد الغير. و لازمه عدم صحّة الاستئجار لها، أو يعتبر فيها نيّة التملّك و دائرة مدارها، و لازمه صحّة الاجارة و كون المحوز لنفسه اذا قصد نفسه و ان كان أجيرا للغير، و أيضا لازمه عدم حصول الملكيّة له اذا قصد كونه للغير من دون أن يكون أجيرا له أو وكيلاً عنه، و بقاؤه على الاباحة الاّ اذا قصد بعد ذلك كونه له، بناءً على عدم جريان التبرّع في حيازة المباحات، و السبق الى المشتركات و ان كان لايبعد جريانه أو أنّها من الأسباب القهريّة لمن له تلك المنفعة، فان لم يكن أجيرا يكون له و ان قصد الغير فضولاً، فيملك بمجرّد قصد الحيازة، و ان كان أجيرا للغير يكون لذلك الغير قهرا، و ان قصد نفسه أو قصد غير ذلك الغير - و الظاهر عدم كونها من الأسباب القهريّة مطلقا - فالوجه الأوّل غير صحيح، و يبقى الاشكال في ترجيح أحد الأخيرين و لابدّ من التأمّل.
الشرح:
قال في الشرائع: «التاسعة: اذا استأجر للاحتطاب أو الاحتشاش أو الاصطياد مدّة معيّنة صحّت الاجارة، و يملك المستأجر ما يحصل من ذلك في تلك المدّة، ولو استأجره لصيد شيء بعينه لم يصحّ؛ لعدم الثقة بحصوله غالبا». (1)
و في الجواهر - في دليل صحّة الاجارة للاحتطاب و ... - قال: «لعموم أدلّتها الشامل لذلك. - و في دليل ملك المستأجر - قال: لأنّه نماء عمله المملوك له، فهو في الحقيقة كالعبد المملوك الذي يكون لسيّده - ثمّ قال: - نعم، قد يشكل ذلك بناءً على عدم قبول هذه الأشياء للنيابة الذي صرّح به المصنّف في كتاب الوكالة و أنّه يملكها المحيز و ان نواها للغير، و من هنا صرّح في جامع المقاصد بأنّه «اذا جوّزنا التوكيل في هذه جوّزنا الاجارة عليه، و ان منعناه منعنا الاجارة، و قد حكي عن التذكرة بأنّه على القول بعدم صحّة التوكيل في الحيازة لايتصوّر صحّة الاجارة». قلت: قد يمنع التلازم و يكون حينئذ ملك المباح في الفرض من توابع ملك العمل بالاجارة و هو غير التملّك بالنيابة في الحيازة فتأمّل جيّدا، و الأمر سهل عندنا بعدما عرفت أنّ المختار عندنا صحّة التوكيل و اعتبار النيّة بالمعنى الذي أسلفناه. هذا كلّه لو ضبط العمل بالمدّة. انتهى ملخّصا». (2)
في المسألة فروع:
ففي المستند: «استشكل فيها جماعة بأنّ الحيازة سبب قهريّ لملكيّة الحائز المباشر، سواء قصد التملّك لنفسه أم لغيره أم لم يقصد. و عليه فلا أثر للحيازة بالنسبة الى المستأجر و لاينتفع منها بوجه، فاعتبار ملكيّتها له بالاجارة لغو محض، فانّه أشبه شيء بأن يستأجر أحدا لكي يأكل أو ينام أو يشتري لنفسه شيئا، و غير ذلك ممّا لايعود فيه أيّ نفع للمستأجر و يكون هو أجنبيّا عن المنفعة بالكلّيّة. انتهى ملخّصا». (1)
و في المستمسك: «الوجوه المتصوّرة بدوا في سببيّة الحيازة للملك ثلاثة: الأوّل: أن تكون سببا لملك الحائز مباشرة، و هو من قامت به الحيازة مطلقا، سواء قصد نفسه أو غيره أم لم يقصد. الثاني: أن تكون سببا لملك من كانت له الحيازة، فيكون المحاز تابعا لها في الملكيّة، تبعيّة الثمرة للشجرة، و الحمل للدابّة، و النماء لذي النماء، مطلقا أيضا. الثالث: أن تكون سببا لملك من جعلت له ولو تبرّعا، فتكون سببيّتها متقوّمة بالقصد، فان قصد الحائز بها نفسه ملك هو المحاز، و ان قصد غيره ملك غيره المحاز، و ان لم يقصد أصلاً لم يملك المحاز مالك، و بقي على اباحته الأصليّة. و لاينبغي الاشكال في صحّة الاجارة على الوجهين الأخيرين». (2)
أقول:
الاجارة عقد بين المؤجر و المستأجر لتمليك المنفعة للمستأجر مع بقاء العين على ملك المؤجر، أو تمليك عمل المؤجر للمستأجر، و تعريفها هذا يصدق على من استأجر فردا للاحتطاب و الاحتشاش و الاستقاء، و يشمله «أوفوا بالعقود» و عمومات الاجارة و مطلقاتها، و لايمنعها قضيّة الحيازة، لا شرعا؛ لعدم منع شرعيّ و لا معارضة بين عمومات الاجارة و عمومات الحيازة، بل يجمع بينهما بما اذا لم يكن المحيز أجيرا و قصد بعمله أن يكون المحوز لنفسه فهو له. و لا عرفا لما كان متعارفا من اجارة الأفراد للاستقاء و الاحتطاب و الاحتشاش و اتيان التراب و الأحجار و غيرها من مكان غير مملوك الى مكان آخر، و من المعلوم أنّ عمل المؤجر يكون للمستأجر، فما يأتي به من الحطب و الحشيش و التراب و الحجر و غيرها يكون للمستأجر. و يترتّب عليه ما في المتن من أنّه لو أتلفه متلف قبل الايصال الى المستأجر ضمن قيمته له.
ففي المستند: «اذا كانت عمليّة الحيازة مملوكة للغير كان الأخذ لذلك الغير، فهو أمر شائع متعارف بين الناس و لاسيّما في مثل الاستئجار لصيد الأسماك، فانّ بناء العرف و العقلاء مستقرّ وقتئذ على اعتبار ملكيّة المحوز لمالك الحيازة لا للحائز المباشر، فيعتبرون المستأجر مالك السمكة دون صائدها، و كذلك الاستئجار للاستقاء من الشطّ أو لأخذ التراب و الأحجار و حملها من البرّ. و عليه، فاذا لم يكن المأخوذ ملكا للمباشر - في خصوص ما اذا كانت الحيازة له دون ما اذا كانت لغيره - لم يكن أيّ مانع من الالتزام بصحّة الاجارة بعد أن كانت للأجير منفعة محلّلة قابلة للاستيفاء. فلاينبغي الاشكال في صحّة الاجارة و الحكم بأنّ المحوز ملك للمستأجر، و يترتّب عليه ما ذكره في المتن من ضمان المتلف له لو أتلفه قبل الايصال اليه؛ لعدم اعتبار القبض في ملكيّته و تحقّقها بمجرّد الحيازة. انتهى
ملخّصا». (1)
لو قصد المؤجر كون المحوز لنفسه، فهل يكون المحوز له و يضمن للمستأجر قيمة ما أتلفه عليه من المنفعة، أو أنّه يكون للمستأجر باعتبار أنّه هو المالك للحيازة بمقتضى الاجارة فيلغو نيّة كونه للحائز نفسه؟ فيه وجهان، و قد توقّف الماتن و لم يرجّح أحدهما على الآخر.
يقع الكلام تارة في اعتبار قصد التملّك في حيازة المباحات فلا ملكيّة بدونه. و أخرى في أنّه على تقدير الاعتبار فهل يعتبر أيضا قصد من تكون الملكيّة له، أو أنّه يكفي في الحيازة قصد التملّك في الجملة في مقابل عدم القصد رأسا؟
أمّا الأوّل: فقد يقال باعتبار قصد التملّك في حيازة المباحات فلا ملكيّة بدونه، و يستدلّ له بما ثبت بالنصّ و الفتوى من أنّ من اشترى سمكة فأخرج من جوفها درّة فهي للمشتري دون البائع.
أمّا الروايات فمنها ما روي عن الحسن العسكري في تفسيره (في حديث طويل):
«أنّ رجلاً فقيرا اشترى سمكة فوجد فيها أربعة جواهر، ثمّ جاء بها الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و جاء تجّار غرباء فاشتروها منه بأربعمائة ألف درهم. فقال الرجل: ما كان أعظم بركة سوقي اليوم يا رسول اللّه! فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: هذا بتوقيرك محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و توقيرك عليّا أخا رسول اللّه و وصيّه، و هو عاجل ثواب اللّه لك، و ربح عملك الذي
1) مستند العروة 347:30 و 348.
عملته». (1)
و منها رواية الزهري عن علي بن الحسين عليه السلامأنّه أعطى قرصتين للرجل الذي شكا اليه الدين و العيال، فاشترى بهما سمكة و ملحا، فلمّا شقّ بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين، فحمد اللّه عليها - الى أن قال: - فما استقرّ حتّى جاء رسول علي بن الحسين عليه السلام و قال: انّه يقول لك: انّ اللّه قد أتاك بالفرج، فاردد الينا طعامنا، فانّه لايأكله غيرنا، و باع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم، قضى منه دينه، و حسنت بعد ذلك حاله (نقلناها ملخّصا). (2)
و منها غيرهما.
و أمّا الفتوى:
ففي الجواهر: «لو وجده في جوف سمكة فهو لواجده، كما صرّح به جماعة، بل نسبه غير واحد الى اطلاق الأصحاب، و لعلّه للنصوص التي ذكرناها في كتاب الخمس المشتملة على ملك المشتري لما وجده في جوفها من الدرّتين، الاّ أنّها نصوص ضعيفة و خاصّة بما يوجد في جوفها ممّا هو مخلوق في البحر و يعلم عدم كونه من مال البائع. - الى أن قال: - قد يمنع هنا صدق الحيازة (للصائد بالنسبة الى ما في جوف السمكة) باعتبار عدم علمه به و عدم كونه من أجزاء السمكة فاشتمال يده حينئذ عليه كاشتمال يد النائم لايوجب ملكا؛ لعدم حصول الحيازة، و هذا أمر آخر غير اشتراط النيّة، كما أشرنا اليه سابقا، و حينئذ يتّجه ملك الواجد له اذا كان الموجود من هذا القبيل كما تضمّنته النصوص المزبورة». (3)
أقول:
الظاهر من الروايات المذكورة و الفتاوى و العرف أنّ الملكيّة في حيازة المباحات منوطة بقصد تملّك المحيز، و المقصود من قصد التملّك هو الاستيلاء على المحوز عن قصد، و هو موقوف على كونه عالما بما استولى عليه في الجملة، و صدق الاستيلاء و العلم به في الجملة موقوف على نظر العرف. فما في جوف السمكة التي باعها الصائد من البحر، لم يصدق الاستيلاء عليه و لا العلم به، و لذا لم يكن ملكا للصائد، بل كان باقيا على اباحته الأصليّة. و ما مثّل به في المستند من الأمثلة يكون من هذا القبيل، فانّه قال: «لو شاهد أحد صيدا من طير أو غزال فتخيّل أنّه ملك زيد قد طار من وكره أو هرب من مقرّه فأخذه بقصد الردّ الى صاحبه فظهر خطؤه و أنّه مباح لم يسبقه اليه أحد، أفهل يحتمل التردّد في استقرار السيرة على ملكيّته له بشبهة أنّه لم يأخذه بقصد التملّك بل بقصد الردّ الى صاحبه؟ - و قال أيضا: - لو أخذ في طريقه شيئا من أغصان الأشجار المباحة لا بقصد التملّك، بل لأجل قضاء حاجته الوقتيّة في سفره من جعلها سريرا لمنامه، أفهل يمكن القول بعدم ملكيّته لها لمجرّد عدم قصد التملّك؟ - و قال أيضا: - لو حاز شيئا بقصد التملّك لابنه أو جاره أو صديقه كان ملكا لنفس الحائز المباشر، و ان لم يقصد نفسه آخذا. انتهى ملخّصا». (1)
و أمّا الثاني فبناءً على ما ذكرنا من أنّ ملكيّة المباحات منوطة باستيلاء المحيز عن قصد، فاذا كان المحيز أجيرا عن آخر في حيازته، فعمله الذي هو الاستيلاء على الشيء الذي صار أجيرا له يكون للمؤجر، فلا معنى لأن يقصد تملّك المحوز لنفسه، و لو تصرّف فيما استولى عليه على ما عقد عليه الاجارة يكون غاصبا و ضامنا ان أتلفه. نعم، لو كان أجيرا في وقت معلوم - كساعتين قبل صلاة الظهر في كلّ يوم من شهر كذا، مثلاً - فالحكم المذكور لهاتين الساعتين
1) مستند العروة 352:30.
فقط، و أمّا بقيّة الساعات من كلّ يوم فعمله له لا للمستأجر.
و في المستند: «لا أثر لقصد من استؤجر للحيازة التملّك لنفسه؛ اذ بعد أن كانت الحيازة ملكا للمستأجر بمقتضى صحّة الاجارة فلا جرم كان هو الآخذ و الحائز، و انّما الأجير كآلة محضة على ما سبق، و قد عرفت تبعيّة الملكيّة للحيازة، و بما أنّ المستأجر هو الحائز فطبعا يكون هو المالك للمحوز، و قصد الأجير عن نفسه يصبح لغوا محضا. هذا على فرض ما اذا كانت الحيازة الخارجيّة بذاتها ملكا للمستأجر، امّا بأن يكون مورد الاجارة جميع المنافع، أو خصوص منفعة الحيازة. و أمّا لو آجر نفسه على كلّيّ في الذمّة، كأن يستقي في هذا اليوم خمسين دلوا من البئر الفلانيّة، أو يأتي بقربتين من الشطّ، أو حملين من الحطب، و هكذا ممّا هو كلّيّ طبيعيّ مستقرّ في الذمّة قابل للانطباق على أفراد عديدة، فلاينبغي الشكّ حينئذ في دخالة القصد في تعيين مالك المحوز؛ لكون أمر التطبيق بيد الحائز المباشر بعد أن لم تكن عمليّة الحيازة مملوكة لغيره. انتهى ملخّصا». (1)
هل يصحّ شيء من ذلك كما صحّت الاجارة و يكون المحوز ملكا للموكّل أو المنوب عنه، أو الجاعل أو الآمر كما كان ملكا للمستأجر أو لا؟
قال في الشرائع (في عقد الوكالة): «و هو استنابة في التصرّف ... و هي عقد جائز من طرفيه». (2)
و الوكالة لاتصحّ فيما لاتصحّ فيه النيابة.
و في الشرائع فيما لاتدخله النيابة: «فضابطه ما تعلّق قصد الشارع بايقاعه من المكلّف مباشرة، كالطهارة مع القدرة - الى أن قال: - و الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش. و ما تدخله النيابة: فضابطه ما جعل ذريعة الى غرض لايختصّ بالمباشرة، كالبيع و ... ». (1)
و في المسالك: «المرجع في معرفة غرض الشارع في ذلك الى النقل؛ اذ ليس له قاعدة كلّيّة لاتنخرم و ان كانت بحسب التقريب منحصرة فيما ذكر. - و عند قول المصنّف «و الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش» قال: - بناءً على كونه يملك بمجرّد الحيازة، فلايتصوّر فيه الاستنابة على وجه يفيد ملكيّة الموكّل. و قد تقدّم أنّ الأقوى جواز التوكيل فيه و ملك الموكّل مع نيّة الوكيل الملكَ للموكّل». (2)
قال في الشرائع (في ايجاب الجعالة): «فهو أن يقول: من ردّ عبدي أو ضالّتي أو فعل كذا فله كذا. و لايفتقر الى قبول. - الى أن قال: - و الجعالة جائزة قبل التلبّس، فان تلبّس فالجواز باقٍ في طرف العامل، و لازم من طرف الجاعل». (3)
أقول:
الظاهر أنّ الحيازة لاتقبل النيابة و لا الوكالة فضلاً عن أمر الآمر، و ذلك لما تقدّم في الفرع الثاني من أنّ الحيازة عبارة عن الاستيلاء على المباحات مع القصد، ففي الاجارة حيث انّ عمل الأجير ملك للمستأجر فاستيلاؤه المذكور على المباحات للمستأجر قهرا، و أمّا الوكالة أو النيابة لايجعلان عمل الوكيل أو النائب ملكا للموكّل و المنوب عنه، و لذا يكون استيلاؤه على المباحات لنفسه و ان قصد بعمله أن يكون لموكّله أو للمنوب عنه، لأنّ صرف قصد التمليك لايوجد الملكيّة
الاّ أن يهبه و يقبضه ما عمل من الاحتطاب و الاحتشاش و غيرهما. و كذلك الجعالة، فانّ العامل مادام لم يُعط نتيجة عمله و لم يقبض الأجرة لم يكن الجاعل مالكا. و عليه، فانّ الجاعل بصرف استيلاء العامل مع القصد لايكون مالكا، بخلافه في الاجارة كما تقدّم.
و في المستند: «انّ الوكالة لاتجري الاّ في الأمور الاعتباريّة و ما يلحق بها من القبض و الاقباض. فانّ معنى الوكالة جعل الوكيل بمثابة الموكّل بحيث انّ الفعل الصادر منه مستند اليه حقيقة و من دون أيّة عناية، غاية الأمر أنّه صادر منه بالتسبيب لا بالمباشرة، و هذا مطّرد في كافّة الأمور الاعتباريّة ... و أمّا غير ذلك من سائر الأمور الخارجيّة التكوينيّة من النوم و الأكل و الشرب و نحوها - و منها الحيازة - فلاتجري الوكالة في شيء منها. فالتوكيل في الصيد أو الاحتطاب و غيرهما من سائر أقسام الحيازة غير صحيح؛ لعدم قبولها للوكالة ... و أمّا النيابة فلم ينهض أيّ دليل في مثل المقام لا من الشرع و لا من بناء العقلاء، بل لم يقم دليل على جواز النيابة عن الأحياء في غير باب الحجّ. و عليه، فلو صاد سمكة أو حاز عرصة نيابة عن غيره لم تقع له؛ اذ لا دليل على صحّة هذه النيابة، فلا جرم تقع عن نفسه باعتبار أنّه هو الذي استولى على المباح و أخذه. و أمّا الجعالة بأن قرّر جعلاً لمن حاز له مباحا، أو الأمر بالحيازة على نحو يستتبع الضمان بأن لم يقصد به المجّان، فالظاهر أنّ حكمهما حكم الاجارة. و الوجه فيه: انّ الجاعل و الآمر و ان لم يملك على المأمور أو المجعول له شيئا قبل تصدّيه للعمل، الاّ أنّه بعد التصدّي و الاتيان به خارجا المستوجب لاستحقاق العامل الجعل أو أجرة المثل فالعمل المزبور يقع وقتئذ ملكا له - أي للجاعل أو الآمر - لا محالة، و ينتج نتيجة الاجارة. انتهى ملخّصا». (1)
و فيه: قد تقدّم أنّ الحيازة عبارة عن الاستيلاء على المباحات عن قصد، و قلنا
1) مستند العروة 355:30-357.
بأنّ الفرق بين الاجارة لحيازة المباحات و غيرها أنّ المستأجر بالاجارة يملك عمل المستأجر و ما حازه المؤجر يملكه المستأجر قهرا. و أمّا في الجعالة و الأمر بالحيازة ليس الأمر كذلك، فانّ العامل مادام لم يؤدّ ما حازه الى الجاعل لم يملكه فضلاً عن الآمر. و ان كان مراده من قوله رحمه الله «و الأمر بالحيازة على نحو ... » الجعالة فقلنا ما فيه، و الاّ فأيّ وجه له؟
(مسألة 7): يجوز استئجار المرأة للارضاع بل للرضاع بمعنى الانتفاع بلبنها و ان لم يكن منها فعل مدّة معيّنة. و لابدّ من مشاهدة الصبيّ الذي استؤجرت لارضاعه؛ لاختلاف الصبيان، و يكفي وصفه على وجه يرتفع الغرر. و كذا لابدّ من تعيين المرضعة شخصا أو وصفا على وجه يرتفع الغرر. نعم، لو استؤجرت على وجه يستحقّ منافعها أجمع التي منها الرضاع لايعتبر حينئذ مشاهدة الصبي أو وصفه. و ان اختلفت الأغراض بالنسبة الى مكان الارضاع - لاختلافه من حيث السهولة و الصعوبة و الوثاقة و عدمها - لابدّ من تعيينه أيضا.
الشرح:
يجوز استئجار المرأة للارضاع؛ لأنّه من قبيل اجارة العامل، و يدلّ عليه قوله تعالى «فان أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ» (1). و تشمله عمومات الاجارة، مضافا الى أنّه المتيقّن من معقد الاجماع على الجواز في المسألة - كما في المستمسك (2)- و من المنافع ذات الماليّة التي يبذل المال بازائها عند العقلاء.
و أمّا الاجارة للرضاع ففي المستمسك: «فالقول بجوازها محكيّ عن جماعة.
و هو ظاهر الشرائع و غيرها ممّا عبّر فيه بجواز الاستئجار للرضاع. لكنّه مشكل كما أشار الى وجهه غير واحد، منهم جامع المقاصد؛ لأنّ الاجارة مشروعة لنقل المنافع لا الأعيان، و اللبن من الثانية. بل يظهر من محكي التذكرة: الاجماع على الفساد فيه، و أنّه يتمّ على قول المخالفين من أنّ الاجارة قد تكون لنقل الأعيان. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الارتضاع من المرأة من قبيل المعنى مقابل اللبن، يمكن تمليكه بالاجارة». (1)
و في جامع المقاصد: «لا ريب أنّ الاجارة للارضاع و للصبغ ثبتت على خلاف الأصل؛ لثبوت المعاوضة على عين اللبن و عين الصبغ، و المقتضي لصحّتها في الارضاع نصّ الكتاب، و في الصبغ الاجماع». (2)
و في التذكرة ذكر هذه المسألة في مواضع مختلفة، منها قوله رحمه الله: «أجمع أهل العلم على جواز استئجار الظئر و هي المرضعة، لقوله تعالى: «فان أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ». و استرضع النبي صلى الله عليه و آله لولده ابراهيم عليه السلام - الى أن قال: - ثمّ الذى تناوله عقد الاجارة بالأصالة ما هو الأقرب أنّه فعل المرأة و اللبن مستحقّ بالتبعيّة؛ لقوله تعالى: «فان أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ»، علّق الأجرة بفعل الارضاع لا باللبن، و لأنّ الأجرة موضوعة لاستحقاق المنافع». (3)
و في موضع آخر منه قال: «يجوز الاستئجار للرضاع على ما تقدّم من أنّه منفعة محلّلة مقصودة و تقدّم الخلاف في أنّ المعقود عليه هل هو اللبن و الخدمة تابعة، أو أنّ المقصود بالعقد هو الخدمة بأن تحمل الصبي للرضاع و تضع الثدي في فمه و تحرّكه عند الحاجة اليه، كالصبغ في اجارة الصبّاغ و ماء البئر في الدار، و
الأقرب الثاني».(1)
و في المستند: «استئجار المرأة للرضاع على قسمين: فتارة تؤجر نفسها للانتفاع بلبنها على سبيل الارتضاع و ان لم يصدر منها أيّ فعل خارجيّ، و ربّما يرتضع الصبي و هي نائمة فتقع هي موردا للاجارة بلحاظ منفعة الارتضاع، كوقوع الدار موردا للايجار بلحاظ منفعة السكنى. و لاينبغي الشكّ في صحّتها أيضا، فانّ حيثيّة كون المرأة قابلة للارتضاع كحيثيّة كون الدار قابلة للسكنى منفعة محلّلة قابلة لأن تملك بالايجار كما هو واضح. و أخرى تؤجر نفسها للانتفاع بلبنها ولو بغير الارتضاع بأن يحلب اللبن فيشربه المريض أو الصبي، نظير استئجار الأشجار للانتفاع بأثمارها و الشاة بلبنها و الآبار للاستقاء و نزح مياهها و نحو ذلك ممّا تكون مصاديق المنفعة أعيانا خارجيّة. و قد وقع الكلام في صحّة الاجارة في أمثال هذه الموارد حسبما سيشير اليه الماتن في المسألة الثانيه عشرة الآتية».(2)
أقول:
الظاهر أنّه لا اشكال في استئجار المرأة للرضاع؛ لقوله تعالى: «فان أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ» (3)و لفعل النبي صلى الله عليه و آله حيث استرضع لولده ابراهيم عليه السلام - كما في التذكرة (4)- و فعل الأئمّة عليهم السلام أيضا - كما في الجواهر (5)- و عدم الخلاف بل نقل الاجماع - كما في الجواهر (6)- و قد تقدّم عن التذكرة «اجماع أهل العلم على
جواز استئجار الظئر. مضافا الى ما هو متعارف بين الناس، فانّها معاملة عرفيّة يعطى المال بازاء المنفعة المحلّلة، فيشمله عمومات العقود و الاجارة. و أمّا الاشكال بأنّ الاجارة وقعت على عين اللبن، و هو خلاف الأصل؛ لأنّه يلزم في الاجارة كون العين ثابتة باقية، مدفوع بأنّ عقد الاجارة وقع على فعل المرأة أو نفسها، فانّها صارت أجيرة لارضاع الولد، و ان ارتضع الصبي و هي نائمة بعض الأحيان، فانّها لاتضرّ بالاجارة. نعم، يمكن الاشكال فيما اذا آجرت نفسها للانتفاع بلبنها ولو بغير الارتضاع بأن يحلب اللبن فيشربه المريض أو الصبي، نظير استئجار الأشجار للانتفاع بأثمارها و الشاة بلبنها كما في المستند، فهذا يأتي حكمها في المسألة الثانية عشرة الآتية، ان شاء اللّه.
و في الجواهر: «فلابدّ من مشاهدة الصبي الذي استؤجرت لارضاعه، بلا خلاف أجده فيه؛ لاختلاف الصبيان فيه باختلافهم في الصغر و الكبر، و النهمة و القناعة، و غير ذلك ممّا تختلف الأجرة باختلافه على وجه تتحقّق الجهالة مع عدمه. بل لو فرض عدم معرفة ذلك بالمشاهدة النظريّة وجب اختباره لمعرفة ذلك، بل هو كذلك في كلّ ما قلنا باعتبار المشاهدة فيه - الى أن قال: - نعم، لو استؤجرت على وجه تستحقّ منافعها أجمع التي منها الرضاع أمكن حينئذ عدم اعتبار مشاهدة الصبي. أمّا تعيين المرضعة فظاهر جماعة اشتراطه». (1)
1) جواهر الکلام 27: 298.
أقول:
تارة يستأجر المرأة بجميع منافعها المحلّلة التي منها الرضاع في المدّة المعيّنة بالأجرة المعلومة، فحينئذ لايعتبر مشاهدة الصبي أو وصفه، فالاجارة صحيحة لانتفاء الغرر و معلوميّة أركانه من المؤجر و المستأجر و مورد الاجارة و الأجرة. و أخرى يستأجر المرأة للارضاع فقط، فحينئذ لابدّ من مشاهدة المرتضع أو وصفه بحدّ يرتفع الجهالة ولو احتاج في رفع الجهالة الى الاختبار فلابدّ منه، كما أشار اليه في الجواهر. و أمّا بالنسبة الى مكان الارضاع - فكما قال المصنّف - ان اختلفت الأغراض بالنسبة اليه من حيث السهولة و الصعوبة و الوثاقة و عدمها، فلابدّ من تعيينه. نعم، اذا استأجرها للارضاع في المدّة المعلومة بالأجرة المعلومة في أيّ مكان فقبلت بهذه الكيفيّة كانت الاجارة صحيحة.
ففي المستمسك: «عدم الحاجة الى تعيين الصبي لايختصّ بصورة اجارتها بلحاظ جميع المنافع، فانّه اذا استأجرها لخصوص الارضاع لايحتاج أيضا الى تعيين الصبي». (1)
(مسألة 8): اذا كانت المرأة المستأجرة مزوّجة، لايعتبر في صحّة استئجارها اذنه ما لم يناف ذلك لحقّ استمتاعه؛ لأنّ اللبن ليس له، فيجوز لها الارضاع من غير رضاه، و لذا يجوز لها أخذ الأجرة من الزوج على ارضاعها لولده، سواء كان منها أو من غيرها. نعم، لو نافى ذلك حقّه لم يجز الاّ باذنه. و لو كان غائبا فآجرت نفسها للارضاع فحضر في أثناء المدّة و كان على وجه ينافي حقّه انفسخت الاجارة بالنسبة الى بقيّة المدّة.
1) مستمسك العروة 130:12.
الشرح:
يجوز للمرأة المتزوّجة أن تؤجر نفسها للرضاع من غير رضا الزوج بشرط أن لاينافي حقّ زوجها من الاستمتاع و لايكون خارج البيت، و ذلك لأنّ الزوج لايتسلّط على منافعها الاّ الاستمتاع، و من جملتها الرضاع، و لذا يجوز لها الامتناع عن ارضاع ولده الى أن يعطي الأجرة ما لم يكن الولد في خطر الموت. خلافا للمحكي عن المبسوط و الخلاف و السرائر و الجامع، فاشترطوا اذنه، و ذلك لأنّه لا دليل على الصحّة بدون اذنه، و لأنّ الزوج مالك لمنافعها، و فيهما نظر. أمّا الأوّل فلأنّ عمومات العقود و اطلاقات الاجارة يشملها و لم يكن هناك مانع؛ لأنّ الفرض عدم منافاة ارضاعها حقّ الزوج. و أمّا الثاني فلأنّ الحرّة مالكة لنفسها و منافعها، و الزوجيّة غير موجبة لملكيّة الزوج منافع زوجته.
ففي المستند: «بل نصّ بعضهم على جوازه حتّى مع منع الزوج؛ اذ ليس له منعها عمّا لاينافي حقّه مكانا و لا زمانا بعد أن كانت هي حرّة مالكة لأمرها و مسلّطة على منافعها من الخدمات التي منها الارضاع، و لذلك جاز لها أخذ الأجرة من زوجها على ارضاعها لولده، سواء أكان منها أو من غيرها، فلايجب عليها الارضاع مجّانا بعد أن لم يكن اللبن له، و من البيّن أنّ الاطاعة الواجبة عليها خاصّة بما يعود الى الاستمتاع و التمكين فحسب». (1)
نعم، لو نافى ذلك حقّه فلايجوز لها أن تؤجر نفسها للرضاع الاّ باذن زوجها، فان أذن لها فتصحّ الاجارة، و ان لم يأذن فتبطل. و أمّا لو كان غائبا فآجرت نفسها للارضاع فحضر في أثناء المدّة، و كان على وجه ينافي حقّه و لم يأذن، فان لم يبق للمستأجر وقت لاينافي حقّ الزوج تنفسخ الاجارة بردّ الزوج. و أمّا ان كان له مقدار من الوقت فان رضي به تبقى الاجارة بهذا المقدار، و ان لم يرض تنفسخ بردّ الزوج و المستأجر.
1) مستند العروة 362:30.
و في الجواهر: «و لو فرض اتّفاق ارادة الاستمتاع في الزمان المزبور (أي الزمان الذي آجرت نفسها للارضاع) كان له ذلك؛ لوجوب تقديم حقّه على حقّ المستأجر، فتنفسخ الاجارة حينئذ في الزمان المزبور، و يتسلّط المستأجر على فسخ الباقي. و كذا الكلام في غير الرضاع من الأعمال خصوصا غير المقيّد منها بزمان». (1)
(مسألة 9): لو كانت المرأة خليّة فآجرت نفسها للارضاع أو غيره من الأعمال ثمّ تزوّجت، قدّم حقّ المستأجر على حقّ الزوج في صورة المعارضة، حتّى أنّه اذا كان وطؤه لها مضرّا بالولد منع منه.
الشرح:
لو كانت المرأة خليّة فآجرت نفسها للارضاع أو غيره من الأعمال ثمّ تزوّجت، فان لم تكن الاجارة منافية لحقّ زوجها فلا اشكال و الاجارة باقية و ان منع الزوج كما تقدّم. و لو كانت الاجارة منافية لحقّه فان أذن لها فلا اشكال أيضا. و
ان لم يأذن لها فالاجارة باقية لتقدّم حقّ المستأجر على حقّ الزوج.
و في الحدائق: «و لو سبق الاستئجار للرضاع على النكاح فلا اعتراض للزوج؛ لاستحقاق منفعة الرضاع، و ملكها قبل عقده بها، و له الاستمتاع بما فضل عن ذلك، فلو تضرّر الصبي بترك الرضاع باستمتاع الزوج كان للولي منع الزوج؛ لما عرفت من تقدّم حقّه، أمّا مع عدم التضرّر فلا». (2)
و في التذكرة: «كلّ موضع يمنع الزوج فيه من الوطئ لحقّ الرضاع تسقط فيه النفقة عنه في تلك المدّة. و على المرضعة أن تأكل و تشرب ما يدرّ به لبنها و
يصلح به، و للمستأجر مطالبتها بذلك؛ لأنّه من تمام التمكين من الرضاع و في تركه اضرار بالصبي». (1)
(مسألة 10): يجوز للمولى اجبار أمته على الارضاع اجارة أو تبرّعا، قنّة كانت أو مدبّرة أو أمّ ولد، و أمّا المكاتبة المطلقة فلايجوز له اجبارها، بل و كذا المشروطة، كما لايجوز في المبعّضة، و لا فرق بين كونها ذات ولد يحتاج الى اللبن أو لا؛ لامكان ارضاعه من لبن غيرها.
الشرح:
قال في الجواهر: « ... انّ السيّد يجوز له اجارة أمته للارضاع و جبرها عليه؛ لأنّها ملكه من غير فرق بين القنّة و المدبّرة و أمّ الولد. نعم، الظاهر عدم ذلك في المكاتبة ولو مشروطة و المبعّضة الاّ باذنهنّ، لكن عن المبسوط و موضع من التحرير أنّ له أن يجبر المشروطة، و هو كما ترى. نعم، في القواعد و محكي التذكرة و التحرير و جامع المقاصد أنّه ان كان لاحداهنّ ولد لم يجز له أن يؤجرها، الاّ أن يفضل عن ولدها و ان كان مملوكا له؛ لأنّ السيّد انّما يملك فاضل حاجة مملوكه. قلت: لا فرق بين المملوكة و الحرّة اذا تعيّن عليها ارضاع ولدها. نعم، لو أقام مرضعة غيرها ترضعه كان له اجارتها، و لو كانت الأمة مزوّجة جرى عليها ما عرفته من حكم الحرّة بالنسبة الى الاستئذان و عدمه». (2)
أقول:
الظاهر أنّه لا خلاف في جواز اجبار المولى أمته على الارضاع اجارة أو تبرّعا؛ لأنّ نفسها مملوكة له و بتبعها منافعها حتّى لايجوز التصرّف فيها بغير اذنه، و
يستثنى من ذلك المكاتبة المطلقة و المشروطة؛ لخروجها عن سلطنته؛ و للاجماع المحكي على انقطاع سلطنة المولى عن مال المكاتب بغير الاستيفاء. و كذا المبعّضة؛ للاشتراك بينه و بينها.
(مسألة 11): لا فرق في المرتضع بين أن يكون معيّنا أو كلّيّا، و لا في المستأجرة بين تعيين مباشرتها للارضاع أو جعله في ذمّتها، فلو مات الصبي في صورة التعيين أو المرأة في صورة تعيين المباشرة انفسخت الاجارة، بخلاف ما لو كان الولد كلّيّا أو جعل في ذمّتها، فانّه لاتبطل بموته أو موتها الاّ مع تعذّر الغير من صبيّ أو مرضعة.
الشرح:
لا فرق في المرتضع بين أن يكون معيّنا أو كلّيّا، و لا في المستأجر بين تعيين مباشرتها للارضاع أو جعله في ذمّتها، و ذلك لصدق الاجارة على الكلّي و في الذمّة عرفا فيشملها عمومات الاجارة و مطلقاتها.
فلو مات الصبي في صورة التعيين انفسخت الاجارة؛ لانتفاء موضوع الاجارة، و كذا لو ماتت المرأة في صورة تعيين المباشرة انفسخت الاجارة أيضا؛ لكشف الموت عن عدم كونها مالكة لمنفعة الارضاع.
و أمّا لو آجرت نفسها بأن ترضع ولدا بنحو كلّي في المدّة المعلومة فأعطاها المؤجر ولدا معيّنا فبدأت بارضاعه و قبل انقضاء المدّة مات الولد فلاتنفسخ الاجارة فله أن يعطيها ولدا آخر لارضاعه، الاّ مع تعذّر الغير فحينئذ تنفسخ الاجارة.
و أمّا لو صارت أجيرة بنحو كلّيّ أعمّ من أن يكون ارضاعها مباشرة أو تسبيبا مع معلوميّة المدّة و تعيين الأجرة فباشرت الارضاع بنفسها و قبل انقضاء المدّة ماتت فان عيّنت من ترضعه بعدها فالاجارة بحالها و تبدأ الثانية بالارضاع، و
تعطى أجرتها من تركتها، و ان لم تعيّن ولكن أوصت فعلى الوارث العمل بالوصيّة و استئجار مرضعة أخرى و اعطاء الأجرة من تركتها. و ان لم تعيّن و لم توص فالظاهر أنّ ذمّتها مشغولة بالعمل فان رضي المستأجر بالفسخ فيستردّ ما بقي من الأجرة من تركتها ان أخذتها، و ان لم يرض بالفسخ فعلى الوارث استئجار مرضعة أخرى لارضاع الولد، كما ذهب اليه المستند، حيث قال: «فاذا ماتت - و قد كانت الاجارة واقعة على الأعمّ من المباشرة و التسبيب - فان أتت باستئجار مرضعة بعد موتها أو الايصاء و الاخراج من تركتها فهو، فان لم تأت بشيء من الفردين كان العمل دينا في ذمّتها يخرج من تركتها قبل الارث فيجب على الوصي أو الوارث استئجار امرأة أخرى و لا موجب للحكم بالانفساخ. و من هذا القبيل ما لو استؤجر للصلاة عن الميّت سنة - مثلاً - فعرضه الموت بعد مضيّ زمان صالح لوقوع العمل فيه، فانّه لا موجب حينئذ لانفساخ الاجارة، بل يبقى العمل دينا في ذمّته يجب على الوارث تفريغها عنه. انتهى ملخّصا». (1)
(مسألة 12): يجوز استئجار الشاة للبنها و الأشجار للانتفاع بأثمارها و الآبار للاستقاء و نحو ذلك، و لايضرّ كون الانتفاع فيها باتلاف الأعيان؛ لأنّ المناط في المنفعة هو العرف، و عندهم يعدّ اللبن منفعة للشاة، و الثمر منفعة للشجر، و هكذا، و لذا قلنا بصحّة استئجار المرأة للرضاع و ان لم يكن منها فعل بأن انتفع بلبنها في حال نومها أو بوضع الولد في حجرها و جعل ثديها في فم الولد من دون مباشرتها لذلك. فما عن بعض العلماء من اشكال الاجارة في المذكورات - لأنّ الانتفاع فيها باتلاف الاعيان، و هو خلاف وضع الاجارة - لا وجه له.
1) مستند العروة 369:30 و 370.
الشرح:
قال في البحوث: «قد اضطربت كلمات الأصحاب في جواز استئجار المرأة للرضاع و أمثاله، كاجارة الفحل للضراب و الحمّام للاستحمام و البئر للاستقاء و الشاة للبنها و الشجرة لثمرها الى غير ذلك، و وجه التعرّض لها أنّ حقيقة الاجارة تقتضي ملك المنفعة لا ملك الأعيان كاللبن في المرضعة و الشاة، و الماء في الحمّام و البئر و هكذا. فان كانت هذه الأعيان مملوكة بعقد الاجارة فهي خلاف مقتضاها و الاّ فما المملّك لها؟». (1)
و في المسالك: «و اعلم أنّ حكم الاستئجار للارضاع ثابت على خلاف الأصل؛ لأنّ متعلّق الاجارة الأعيان لتستوفى منها المنافع، و الركن الأعظم في الرضاعة اللبن و هو عين تالفة بالارضاع، فتكون المعاوضة عليه بالاجارة خارجة عن موضوعها. و مثلها الاستئجار للصبغ و البئر للاستقاء منها. و من ثمّ ذهب بعضهم الى أنّ المنفعة المستحقّة هنا - التي هي متعلّق الاجارة - المرضعة من حيث حملها للولد و وضعه في حجرها و وضع الثدي في فيه و نحو ذلك من الأعمال الصادرة عنها، لا نفس اللبن. و يضعّف بأنّ المقصود بالذات هو اللبن. و هذه الأمور كلّها [أو بعضها] تابعة أو مقدّمة. و الأجود أنّ المقصود مجموع ما ذكر من المنافع مع عين اللبن. و جوازه حينئذ - مع أنّ بعض متعلّقها عين ذاهبة - للنصّ».(2)
أقول:
الاجارة و ان كانت عبارة عن حبس العين و استرسال المنفعة، الاّ أنّها من العقود و المعاملات التي هي اعتباريّات عند العرف و سيرة الشارع بالنسبة الى
المعاملات المتداولة بين الناس هي الامضاء لا التأسيس - خلافا للعبادات - و ما كان نظره منها خلاف ما عند العرف قد ردعه و لم يمضه. و عليه فما هو عند العرف يسمّى بالاجارة و لم يردع عنه الشارع فهو اجارة صحيحة، و من جملتها اجارة المرأة للارضاع، و البئر للاستقاء، و الشجر للأثمار، و الشاة للبنها و نحوها. فمن البعيد جدّا أنّها لم تكن بمرأى الشارع كالرضاع الذي كان بمرآه. و يمكن أن يقال انّ النصّ الوارد في الكتاب و السنّة بالنسبة الى الارضاع تأييد لأمثاله الجارية في العرف. مضافا الى أنّه يمكن أن يقال: انّ الاجارة حقيقة وقعت على بعض منافع المرأة الذي منه الرضاع و كذا الشاة، و وقعت أيضا على منافع البئر و الشجر و الصبّاغ. فما ذهب اليه المصنّف من أنّ المناط في المنفعة هو العرف، و عندهم يعدّ اللبن منفعة للشاة و الثمر منفعة للشجر و هكذا، هو الصحيح. و لذا يصحّ استئجار المرأة للرضاع و ان لم يكن منها فعل، بأن ينتفع منها في حال نومها أو بوضع الولد في حجرها و جعل ثديها في فم الولد من دون مباشرتها لذلك.
ثمّ انّ المستند و ان لم يرتض بهذا الجواب و قال بأنّه محطّ نظر بل منع، ولكن الظاهر أنّ ما أتاه بالجواب لعلاج الاشكال قريب ممّا ذهب اليه المصنّف. ففي المستند: قال: «لابأس بالاجارة بلحاظ ما سيتكوّن فيها فيما بعد أعني تمليك حيثيّة الاستعداد و قابليّة الانتاج أي صلاحية الشجر مثلاً لأن يخرج منه الثمر، و لمالك الشجر تمليك هذه الحيثيّة للغير بالايجار، فانّها منفعة قائمة بالعين و ليست بنفسها من الأعيان. انتهى ملخّصا». (1)
و هذا الكلام بنظري القاصر مع تعقيده ليس مخالفا لما تقدّم، مع كونه أوضح و أظهر عند العرف. نعم، لايصحّ الاجارة فيما كان الانتفاع فيها باتلاف العين المستأجرة، كاجارة الخبز للأكل، و الشمع و الحطب للايقاد، بخلاف الأمثلة المزبورة، فانّ متعلّق الاجارة فيها ليس الاّ الأمور الباقية و هي الشاة و الشجر و البئر
1) مستند العروة 373:30.
لا الأشياء التالفة من اللبن و الثمر و الماء، و كون الانتفاع بعين باتلاف عين أخرى لاينافي حقيقة الاجارة. و الكلام المذكور لبعض المحشّين للعروة أعني فقيه عصره السيّد أبا الحسن الاصفهاني.
(مسألة 13): لايجوز الاجارة لاتيان الواجبات العينيّة كالصلوات الخمس و الكفائيّة كتغسيل الأموات و تكفينهم و الصلاة عليهم، و كتعليم القدر الواجب من أصول الدين و فروعه، و القدر الواجب من تعليم القرآن كالحمد و سورة منه، و كالقضاء و الفتوى و نحو ذلك، و لايجوز الاجارة على الأذان. نعم، لابأس بارتزاق القاضي و المفتي و المؤذّن من بيت المال، و يجوز الاجارة لتعليم الفقه و الحديث و العلوم الأدبيّة و تعليم القرآن ماعدا المقدار الواجب و نحو ذلك.
الشرح:
الواجبات العينيّة على قسمين:
قسم منها لايرضى الشارع باتيانه الاّ من أمر به، و ذلك كالصلوات الخمس و الصوم، فانّ المكلّف مأمور باتيان الصلوات الخمس بنفسه مادام حيّا، و ان لم يقدر على كمالها فعليه الاتيان بمراتبها النازلة كالجالس و المستلقي بالايماء، و لاتسقط عنه باتيانها غيره الاّ بعد موته اذا لم يأت بها في حياته، و كذا الصوم فانّه واجب على من يقدر و ان كان مريضا فعدّة من أيّام أخر، و ان كان مرضه طول السنة فيكفّر عنه و لايجوز الاستئجار له.
و قسم منها قد جوّز الشارع بالاستئجار له اذا لم يتمكّن، كالحجّ اذا استقرّ عليه و لم يأت به حتّى مرض مرضا لم يرج زواله، فعليه الاستئجار.
أمّا الواجبات الكفائيّة، كتغسيل الأموات و تكفينهم و الصلاة عليهم، و كتعليم القدر الواجب من أصول الدين و فروعه، و القدر الواجب من تعليم القرآن أيالحمد و سورة، و كالقضاء و الافتاء و نحو ذلك، و كذا الاجارة على الأذان، فقد
تقدّم شطر منه في المجلّد الثاني (1)و الثالث (2)من الصلاة، و بالتفصيل في المكاسب المحرّمة. (3)
و خلاصة المسألة: اذا وجب بعض هذه المذكورات عينا على فرد كما اذا مات مسلم و لا أحد يعرف تجهيز الميّت من تغسيله و تكفينه و صلاته الاّ زيدا، فتارة يستأجره فرد لذلك حتّى يكون شريكا في ثواب التجهيز، فالظاهر أنّه لا مانع من هذه الاجارة كتابا و سنّة، ولو كان هناك اجماع فلا اطلاق له، و القدر المتيقّن منه غير هذا المورد و هكذا الحال لو طلب الأجرة و استأجره فرد رغبة في الثواب. و أمّا لو طلب الأجرة و كانوا كارهين فلايجوز و يجب عليه التجهيز من غير أجرة. و أخرى كان هناك أفراد للاتيان بذلك الواجب كتجهيز الميّت - مثلاً - و طلب منه اتيانه فالظاهر عدم المانع لأن يستأجر مع رغبة المؤجر في ثواب عمله. ثمّ انّ الأجرة على الأذان من غير الارتزاق من بيت المال فمشكل؛ لاطلاق الروايات. و أمّا الارتزاق من بيت المال ليشتغل بكلّ واحد من المذكورات فلا اشكال فيه.
(مسألة 14): يجوز الاجارة لكنس المسجد و المشهد و فرشها و اشعال السراج و نحو ذلك.
الشرح:
يجوز الاجارة لكنس المسجد و المشهد و نحو ذلك ممّا في المتن، كما يجوز الاجارة لبناء المساجد و المدارس و نحوها، و ذلك لكونها من المنافع المحلّلة الراجعة الى الجهات العامّة، فيشملها العمومات أو اطلاقات الاجارة. و فائدتهاالثواب للمستأجر.
(مسألة 15): يجوز الاجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان مدّة معيّنة عن السرقة و الاتلاف، و اشتراط الضمان لو حصلت السرقة أو الاتلاف ولو من غير تقصير، فلابأس بما هو المتداول من اشتراط الضمان على الناطور اذا ضاع مال، لكن لابدّ من تعيين العمل و المدّة و الأجرة على شرائط الاجارة.
الشرح:
يجوز الاجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان أو نحوها مدّة معيّنة عن السرقة و الاتلاف؛ لأنّه عمل محترم ذومنفعة محلّلة قابل لأن يقع موردا للاجارة فيشمله العمومات و الاطلاقات. و أمّا اشتراط الضمان لو حصلت السرقة أو الاتلاف من غير تقصير فقد تقدّم البحث عنه (في فصل الضمان في الاجارة)، و خلاصته أنّ المستأجر و الأجير أمينان بالنسبة الى المال المستأجر أو الشيء الذي أوجر للعمل به أو أوجر لحفظ المتاع أو الدار أو البستان أو نحوها، الاّ مع التعدّي أو التفريط لو ثبت. و أمّا اشتراط الضمان لو حصلت السرقة أو الاتلاف من غير تقصير فلا دليل عليه الاّ ما ورد من قوله عليه السلام: «المؤمنون عند شروطهم». فالظاهر أنّ هذه الرواية ليست حاكمة على الروايات التي وردت في عدم ضمان المستأجر و أنّه أمين، بل تكون منصرفة عنها؛ لأنّ تلك الروايات وردت في مقام الامتنان و احترام المؤمن، و وضع شرط الضمان مخالف له. نعم، لو اشترط المؤجر على الأجير أن يدفع مقدارا معيّنا من المال على تقدير السرقة أو الاتلاف من غير أن تشتغل ذمّته بشيء، بل على أن يكون هذا الدفع تكليفا محضا كسائر الأفعال الخارجيّة فلا مانع منه، فالدفع المزبور واجب بعنوان الوفاء بالشرط.
(مسألة 16): لايجوز استئجار اثنين للصلاة عن ميّت واحد في وقت واحد؛
لمنافاته للترتيب المعتبر في القضاء، بخلاف الصوم فانّه لايعتبر فيه الترتيب، و كذا لايجوز استئجار شخص واحد لنيابة الحجّ الواجب عن اثنين، و يجوز ذلك للحجّ المندوب، و كذا في الزيارات، كما يجوز النيابة عن المتعدّد تبرّعا في الحجّ و الزيارات، و يجوز الاتيان بها لا بعنوان النيابة، بل بقصد اهداء الثواب لواحد أو متعدّد.
الشرح:
ذكر المصنّف في هذه المسألة أحكاما:
أحدها عدم جواز استئجار اثنين في وقت واحد للصلاة عن الميّت و جوازه للصوم، و قد تقدّم - في المسألة السادسه عشرة من بحث صلاة القضاء و التاسعه عشرة من صلاة الاستئجار من كتاب الصلاة (1)- أنّه لايجب الترتيب في قضاء الفوائت الاّ فيما كانت مرتّبة في الأداء كالظهرين و العشاءين، و قلنا أيضا بأنّه يجوز أن يستأجر جماعة لفوائت الميّت من غير أن يعيّن الوقت لكلّ واحد منهم، و يجوز أن يصلّي كلّ منهم ما استؤجر له من صلواته الفائتة في وقت واحد و أن يصلّوا جماعة؛ لعدم وجوب الترتيب. نعم، لو شرط المستأجر الترتيب تجب مراعاته. و وجوب الترتيب فيما كانت مرتّبة في الأداء كالظهرين و العشاءين بعهدة كلّ واحد من المستأجرين، و لايلزم أن يراعوا ذلك بالنسبة الى الميّت بأن لايصلّوا الظهر في وقت واحد؛ لعدم الدليل على رعاية مثل ذلك، و لذا يجوز أن يصلّوا كلّهم صلاة الظهر عن الميّت جماعة.
و أمّا الصوم فلايجب الترتيب في قضائه و لايجب تعيين الأيّام كما تقدّم فيالمسألة الثامنة من فصل أحكام القضاء لكتاب الصوم. (2)
ثانيها عدم جوازه كذلك لنيابة الحجّ الواجب و جوازه في المندوب و سائر الزيارات.
ثالثها جواز النيابة عن المتعدّد تبرّعا في الحجّ و الزيارات.
رابعها جواز الاتيان بها بقصد اهداء الثواب ولو لمتعدّد. و قد تقدّم البحث في هذه الثلاثة في المسألة السادسة و العشرين من الفصل الرابع لكتاب الحجّ. (1)
و في المستند: «يجوز استئجار اثنين للصلاة عن ميّت واحد في وقت واحد؛ لعدم الدليل على اعتبار الترتيب في القضاء، و كذلك في الصوم. و لايجوز استئجار شخص واحد لنيابة الحجّ عن اثنين حيّين أو ميّتين أو مختلفين؛ لوضوح أنّ الواجب على كلّ منهما هو الحجّ الكامل و على صفة الاستقلال. و يجوز ذلك في الحجّ المندوب للروايات التي منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أشرك أبويّ في حجّتي؟ قال: نعم، قلت: أشرك اخوتي في حجّتي؟ قال: نعم، انّ اللّه عزّوجلّ جاعل لك حجّا و لهم حجّا، و لك أجر لصلتك ايّاهم». (2)
و أمّا جواز النيابة عن المتعدّد تبرّعا في الزيارات و ان لم نظفر على رواية معتبرة تدلّ على ذلك غير أنّ المسألة متسالم عليها من غير شائبة خلاف و لا اشكال. و يجوز الاتيان بها بقصد اهداء الثواب لواحد أو متعدّد. كما دلّت عليه معتبرة الحارث بن المغيرة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام و أنا بالمدينة بعدما رجعت من مكّة: انّيأردت أن أحجّ عن ابنتي. قال: فاجعل ذلك لها الآن». (3)
(مسألة 17): لايجوز الاجارة للنيابة عن الحيّ في الصلاة ولو في الصلوات المستحبّة. نعم، يجوز ذلك في الزيارات و الحجّ المندوب. و اتيان صلاة الزيارة ليس بعنوان النيابة بل من باب سببيّة الزيارة لاستحباب الصلاة بعدها ركعتين، و يحتمل جواز قصد النيابة فيها؛ لأنّها تابعة للزيارة، و الأحوط اتيانها بقصد ما في الواقع.
الشرح:
قد ذكر المصنّف في هذه المسألة حكمين:
أحدهما عدم جواز النيابة عن الحيّ في الصلاة مطلقا، و قد تقدّم البحث عنه في ابتداء صلاة الاستئجار (3)و قلنا بأنّ ما وجب على المكلّف عينا كالصلاة و الصوم لايجوز له أن يستأجر أحدا ليأتي به عنه، و كذا لايجوز التبرّع فيه و لاتفرغ ذمّته بذلك؛ لأنّ الشارع أراده من كلّ مكلّف مباشرة. و تقدّم أيضا في هذا الفصل (المسألة 13).
ثانيهما: جواز الصلاة في الزيارات و الحجّ المندوب و قد تقدّم في المسألة السابقة جواز النيابة و التبرّع في الحجّ و الزيارة عن الحيّ، فاذا جاز الحجّ عنه و لازمه الطواف فيجوز الطواف عنه، و كذا صلاة الزيارة فانّها ملحقة بها.
و في المستند في جواز صلاة الزيارة نيابة عن الحيّ قال: «يجوز قصد النيابةعن الحيّ نظرا الى أنّ هذه الصلاة تعدّ من مكمّلات الزيارة و توابعها و شؤونها المستوجبة لمزيد الأجر و المثوبة عليها، و ليست عملاً مستقلاًّ في قبالها، و الدليل
على جوازها هو الدليل على استحباب زيارة الحسين عليه السلام و أنّها تعدل حجّة و عمرة، و ما ورد من أنّ الصلاة مكمّلة للأجر. فحال هذه الصلاة حال ركعتي الطواف في الحجّ في أنّ دليل تشريع النيابة فيه عن الحيّ يستوجب مشروعيّتها في الركعتين أيضا. انتهى ملخّصا». (1)
(مسألة 18): اذا عمل للغير لا بأمره و لا اذنه لايستحقّ عليه العوض و ان كان بتخيّل أنّه مأجور عليه فبان خلافه.
الشرح:
اذا عمل زيد لعمرو من غير أن يأمره عمرو و يأذنه كأن يبني له بناءً أو يخيط له ثوبا و يجعله رداءً مثلاً و نحو ذلك، فلايستحقّ على عمرو عوضا و لايضمنه عمرو، و ذلك لأنّ سبب الضمان امّا بالعقود و التجارات أو بالاتلاف أو بالغصب أو التعدّي و التفريط في الأمانات، أو يأمره بعمل له أجرة أو يأذنه به بقصد الأجرة، و ليس ذلك في شيء من هذه الأمور. هذا و ان كان زيد يتخيّل أنّه مأجور عليه فبان خلافه، كما هو واضح.
و ما قيل من أنّ رجوع فائدة العمل الى عمرو كأنّه تحت يده مضافا الى حرمة عمل المسلم، يردّ بعدم صدق اليد على ذلك، و ليس هنا موضوع لاحترام عمل المسلم؛ اذ معنى الاحترام - كما في المستند (2)- عدم جواز اجباره باستيفاء عمل أو أخذ مال منه قهرا عليه، و أمّا لو عمل باختياره و تلقاء نفسه عملاً تعود منفعته الىالغير كغسل ثوبه أو خياطته أو بناء جدار بيته من غير أمر أو اذن من الغير فمجرّد الاحترام لايستوجب الضمان و دفع العوض بوجه.
قال في المستمسك: «بلا خلاف ظاهر؛ للأصل، و عدم ثبوت سبب الضمان من عقد أو يد أو اتلاف. نعم، بناءً على أنّه يكفي في كون العمل تحت اليد رجوع فائدته اليه يكون القول بالضمان في محلّه. لكنّه غير ثابت. و قاعدة احترام عمل المسلم كماله غير ثابتة كلّيّة بنحو تستتبع الضمان عن المعمول له». (1)
(مسألة 19): اذا أمر باتيان عمل فعمل المأمور ذلك فان كان بقصد التبرّع لايستحقّ عليه أجرة و ان كان من قصد الآمر اعطاء الأجرة، و ان قصد الأجرة و كان ذلك العمل ممّا له أجرة استحقّ و ان كان من قصد الآمر اتيانه تبرّعا، سواء كان العامل ممّن شأنه أخذ الأجرة و معدّا نفسه لذلك أو لا، بل و كذلك ان لم يقصد التبرّع و لا أخذ الأجرة، فانّ عمل المسلم محترم. و لو تنازعا بعد ذلك في أنّه قصد التبرّع أو لا قدّم قول العامل؛ لأصالة عدم قصد التبرّع بعد كون عمل المسلم محترما، بل اقتضاء احترام عمل المسلم ذلك و ان أغمضنا عن جريان أصالة عدم التبرّع. و لا فرق في ذلك بين أن يكون العامل ممّن شأنه و شغله أخذ الأجرة و غيره، الاّ أن يكون هناك انصراف أو قرينة على كونه بقصد التبرّع، أو على اشتراطه.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: اذا أمر زيد عمروا باتيان عمل كبناء حائط داره - مثلاً - فعمل عمرو ذلك العمل، فان كان قصد العامل (عمرو) التبرّع فلايستحقّ على زيد أجرة؛ لأنّالاستحقاق فرع وجود حقّ و ادّعاء حقّ، و الفرض أنّ عمروا يقرّ أنّه ليس له حقّ على زيد باقراره أنّ عمله كان تبرّعا و بدون قصد الأجرة، و ان كان من قصد الآمر
1) مستمسك العروة 139:12.
اعطاء الأجرة؛ لأنّ صرف قصد الآمر لايوجب حقّا لعمرو عليه اذا لم يكن له حقّ على زيد.
الثانية: عكس الصورة الأولى بأن كان من قصد العامل الأجرة ولكن كان قصد الآمر عدم الأجرة بل التبرّع و قد علم العامل ذلك بقرينة ففي هذه الصورة أيضا لايستحقّ العامل شيئا لاقدامه على الغاء احترام عمله لعلمه بأنّه لم يكن قصد الآمر من أمره باتيان العمل الفلاني الأجرة.
و في المستند: «لو عمل له مع الأمر فلاينبغي الاشكال في عدم استحقاق الأجرة فيما اذا قصد العامل التبرّع و المجّانيّة و ان كان الآمر قاصدا لدفع الأجرة؛ اذ العامل بقصده المزبور أقدم بنفسه على الغاء احترام ماله، و من المعلوم أنّ قصد الأجرة من الآمر بمجرّده لايستوجب الضمان ما لم يقع العمل بوصف الضمان، أي لا على سبيل المجّان. كما لاينبغي الاشكال في عدم استحقاقها أيضا فيما اذا كانت ثمّة قرينة خارجيّة على أنّ الآمر أراد المجّانيّة، و ان كان العامل قاصدا لأخذ الأجرة؛ لأنّ ما أتى به - أعني العمل بقصد الأجرة - لم يكن مأمورا به، و ما تعلّق به
الأمر لم يكن متّصفا بالضمان. انتهى ملخّصا». (1)
الثالثة: فيما اذا قصد العامل الأجرة أو كان غافلاً عنها ولكن كان من قصد الآمر التبرّع الاّ أنّه لم يقم على قصده قرينة، فان كان العامل ممّن شأنه أخذ الأجرة
و معدّا نفسه لذلك العمل، فيستحقّ الأجرة؛ لأصالة احترام عمل المسلم مضافا الى بناء العرف على ذلك و شهادتهم على ضمان الآمر في مثل المقام. و لو لم يكن العامل ممّن شأنه أخذ الأجرة و معدّا نفسه لذلك العمل و لم يكن هناك قرينة على كون العمل تبرّعا، فالظاهر أنّ بناءهم على استحقاق العامل الأجرة أيضا.
و في المستند: «اذا لم تقم قرينة على المجّانيّة و لم يقصد العامل التبرّع، سواء قصد الأجرة أم كان غافلاً عن ذلك و قد أمره الآمر بعمل له أجرة عند العرف،
1) مستند العروة 30: 391 و 392.
سواء أكان قد أعدّ نفسه لذلك مثل البنّاء و الخيّاط أم لا، فوقع العمل خارجا بأمره و اقتضائه. و المعروف و المشهور حينئذ هو الضمان، بل لم ينقل فيه الخلاف و أنّه يلزمه دفع الأجرة. و الدليل على ذلك بناء العقلاء و سيرتهم غير المردوعة، فانّها قد استقرّت على الضمان في موارد الأمر من غير نكير. فما عليه المشهور من ثبوت الضمان في موارد الأمر هو الصحيح ما لم تقم قرينة على المجّانيّة و لم يكن العامل قاصدا للتبرّع. انتهى ملخّصا». (1)
قال في الشرائع: «الثانية عشرة: اذا دفع سلعة الى غيره ليعمل فيها عملاً فان كان ممّن عادته أن يستأجر لذلك العمل كالغسّال و القصّار، فله أجرة مثل عمله».(2)
و في الجواهر بعد ذكر ما في الشرائع قال: «لأصالة احترام عمل المسلم الذى لم يظهر من فاعله التبرّع، بل الظاهر عدم اعتبار دفع السلعة في ذلك، و من هنا جعل العنوان في الارشاد (ارشاد الأذهان للعلاّمة) الأمر بالعمل الذي له أجرة في العادة، بل الظاهر عدم اعتبار الأمر في ذلك أيضا بل يكفي الاذن فيه ولو بالفعل، نحو ما جلس بين يدي حلاّق ليحلق رأسه أو دلاّك كذلك، كما نصّ عليه في جامع المقاصد. و ان لم تكن للعامل عادة و كان العمل ممّا له أجرة فيها، فله المطالبة؛ لأنّه أبصر بنيّته، فانّ ذلك كافٍ في تحقّق الأجرة؛ لأصالة احترام عمل المسلم و ان أراد الدافع التبرّع. انتهى ملخّصا». (3)
الرابعة: لو تنازعا بعد ذلك، فقال الآمر انّك قصدت التبرّع، و قال العامل انّيقصدت الأجرة، مع عدم القرينة على كون قصد العامل التبرّع، فالظاهر أنّ العامل يستحقّ الأجرة؛ لأنّ الأصل عدم قصد التبرّع.
و في المستند: «قد قامت السيرة على ضمان الآمر، الاّ اذا أحرز أنّ العامل قصد التبرّع، فالخارج عنوان وجوديّ، فكلّما لم يثبت هذا العنوان ولو بأصالة العدم يحكم بالضمان بعد ضمّ الوجدان الى الأصل. فانّ العمل للغير متحقّق بالوجدان، و التبرّع منفيّ بالأصل، فيحرز به موضوع الضمان، أعني صدور العمل لا عن تبرّع. انتهى ملخّصا». (1)
ثمّ انّه اعترض بالاستدلال للمسألة بقاعدة الاحترام و أنّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلايذهب هدرا، و قال: «فيه ما لايخفى، فانّ معنى الاحترام عدم كون مال المسلم بمثابة المباحات الأصليّة بحيث لا حرمة لها و يسوغ لأيّ أحد أن يستولي عليها و يستوفيها عن قهر و جبر، و أنّه لو أجبره على عمل استحقّ المجبور بدله و لزمه الخروج عن عهدته. و أمّا لو استوفاه منه باختياره و رضاه و لم يكن من الآمر ما عدا الأمر و الاستدعاء فعنوان الاحترام لايستدعي بذل البدل في هذه الصورة؛ لبعده عن مفهومه و مدلوله كما لايخفى. اذن فاثبات الضمان بقاعدة الاحترام في مثل المقام مشكل جدّا». (2)
و فيه: ان فرض المسألة فيما اذا أمره الآمر بعمل و كان قصد العامل من عمله الأجرة، فأيّ فرق بين هذا و بين ما اذا أمره أو استدعاه أن يعطيه شيئا من ماله و لم تكن هناك قرينة على كونه هبة فضيّعه، فهل يمكن أن يقال انّ هذه الصورة لم تكن من مصاديق قاعدة الاحترام؛ لعدم وجود الاستيلاء و الاستيفاء عن قهر و جبر؟
(مسألة 20): كلّ ما يمكن الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة للعقلاء مع بقاء عينه يجوز اجارته، و كذا كلّ عمل محلّل مقصود للعقلاء عدا ما استثني يجوز
الاجارة عليه. ولو كان تعلّق القصد و الغرض به نادرا، لكن في صورة تحقّق ذلك النادر، بل الأمر في باب المعاوضات الواقعة على الأعيان أيضا كذلك، فمثل حبّة الحنطة لايجوز بيعها، لكن اذا حصل مورد يكون متعلّقا لغرض العقلاء و يبذلون المال في قبالها يجوز بيعها.
الشرح:
قد فصّلنا البحث عن هذه المسألة في المجلّد الأوّل من شرحنا على المكاسب المحرّمة و قلنا بأنّ كلّ عين لها منفعة محلّلة مقصودة لطرفي المعاملة تجوز المعاملة عليها، و نقول هنا أيضا: كلّ ما يمكن الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة للمؤجر و المستأجر مع بقاء عينه يجوز اجارته، و كذا كلّ عمل محلّل مقصود للمؤجر و المستأجر يجوز الاجارة عليه، و لايعتبر في جواز اجارة ما يمكن الانتفاع به منفعة محلّلة أن تكون مقصودة للعقلاء، بل يكفي في صحّة الاجارة كالبيع مجرّد تعلّق غرض شخصيّ به، سواء كان الغرض عقلائيّا ولو نادرا أو لا. و ذلك لأنّ اعتبار كون المعاملة من بيع أو اجارة مقصودة لغرض العقلاء كما ذهب اليه المصنّف و غيره، مبنيّ على أحد أمرين - كما في المستند (1)- :
أحدهما اعتبار الماليّة في العوضين، و يندفع بعدم نهوض دليل يعوّل عليه على اعتبار الماليّة في باب المعاوضات.
ثانيهما أنّ المعاملة الواقعة على ما لا ماليّة له عند العقلاء، تعدّ من المعاملة السفهائيّة. و فيه: انّه قد يتّفق غرض شخصيّ يخرجه عن السفاهة، بحيث انّ العقلاء لايلومونه على هذا الشراء.
(مسألة 21): في الاستئجار للحجّ المستحبّي أو الزيارة لايشترط أن يكون الاتيان بها بقصد النيابة، بل يجوز أن يستأجره لاتيانها بقصد اهداء الثواب الى
1) مستند العروة 30 395 و 396.
المستأجر أو الى ميّته، و يجوز أن يكون لا بعنوان النيابة و لا اهداء الثواب، بل يكون المقصود ايجادها في الخارج من حيث انّها من الأعمال الراجحة فيأتي بها لنفسه أو لمن يريد نيابة أو اهداءً.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ كلّ عمل محلّل مقصود للمؤجر و المستأجر يجوز الاجارة عليه، و هنا نقول: يجوز أن يستأجر فرد فردا آخر للحجّ الاستحبابي أو الزيارة لا بقصد النيابة عن المستأجر أو ميّته، بل بقصد اهداء الثواب الى المستأجر أو الى ميّته، و كذا أن يكون بقصد ايجاد الحجّ أو الزيارة في الخارج؛ لأنّ الاجارة بأيّ نحو من هذه الأنحاء من العمل المحلّل المقصود لطرفي الاجارة بل مقصود للعقلاء أيضا، فيشملها اطلاق الأدلّة. و ما استشكل في اهداء الثواب بجهالة ترتّب الثواب، ففيه - كما في المستند (1)-: انّ الأجير انّما يأخذ الأجرة بازاء عمله المملوك له و هو اهداء الثواب. و أمّا ترتّب الثواب فلايرتبط به و خارج عن مورد الاجارة بل هو فعل اللّه تعالى.
(مسألة 22): في كون ما يتوقّف عليه استيفاء المنفعة كالمداد للكتابة، و الابرة و الخيط للخياطة - مثلاً - على المؤجر أو المستأجر قولان. و الأقوى وجوب التعيين، الاّ اذا كان هناك عادة ينصرف اليها الاطلاق، و ان كان القول بكونه مع عدم التعيين و عدم العادة على المستأجر لايخلو عن وجه أيضا؛ لأنّ اللازم على المؤجر ليس الاّ العمل.
1) مستند العروة 399:30.
الشرح:
قال في الشرائع: «الثالثة عشرة: كلّ ما يتوقّف عليه توفية المنفعة فعلى المؤجر كالخيوط في الخياطة و المداد في الكتابة، و يدخل المفتاح في اجارة الدار؛ لأنّ الانتفاع لايتمّ الاّ بها». (1)
و في الجواهر - بعد ذكر ما في الشرائع - قال: «و الأقلام في الكتابة و الكشّ في التلقيح و الصبغ في الصباغة ان لم يكن عادة تقضي بوجوبه على المستأجر؛ لدليل المقدّمة. لكن في المسالك و الروضة و عن موضع من التذكرة أنّه مع انتفاء العرف أو اضطرابه فعلى المستأجر؛ لأنّ المقصود من الاجارة العمل. أمّا الأعيان فلاتدخل في مفهوم الاجارة على وجه يجب أداؤها لأجلها الاّ في شواذّ تثبت على خلاف الأصل كالرضاع و الاستحمام.
و فيه ما عرفت من أنّ وجوبها ليس للدخول في مفهوم الاجارة بل لمقدّمة الواجب الذي الأصل فيه أن يكون مطلقا لا مشروطا، خصوصا مع ملاحظة «أوفوا بالعقود». نعم، في الحواشي و عن مجمع البرهان وجوب التعيين مع عدم العادة أو اختلافها و الاّ بطلت الاجارة.
و فيه: انّها من التوابع، و ليست من مورد الاجارة الذي يعتبر فيه المعلوميّة». (2)
أقول:
الظاهر الأعمال في الاجارة بالنسبة الى مقدّماتها مختلفة، فبعضها يجب على الأجير تحصيلها، كمقدّمات الصلاة لمن آجر نفسه للصلاة و الصوم و الحجّ عن الميّت من الطهارة و الثوب للستر، و الغذاء للصوم و لباس الاحرام للحجّ و تهيئة مقدّماته، و بعضها في عهدة المستأجر، مثل ما يحتاج اليه في البناء. فلو عيّن طرفا
المعاملة حين العقد أنّ مقدّمات العمل على عهدة المؤجر أو المستأجر فهو، و الاّ يرجع الى ما هو المتعارف عند العرف. و لو لم يعيّنا و كان العرف مختلفا فعلى المؤجر العمل و مازاد على المستأجر.
ففي المستند: «فعن جماعة أنّها بأجمعها على الأجير؛ لوجوب العمل بالعقد و مقدّمة الواجب واجبة. و عن آخرين أنّها على المستأجر؛ اذ ليس في عهدة الأجير ماعدا العمل المحض. و اختار الماتن التعيين - فيما اذا لم تقم قرينة من الخارج أو عادة ينصرف اليها الاطلاق - عند العقد، و ان مال أخيرا الى الوجه الثاني. و الصحيح في المقام أن يقال: انّه ان كانت هناك قرينة داخليّة أو خارجيّة دالّة على التعيين فهو، و الاّ فلابدّ من التفصيل بين مقدّمة العمل و موضوعه، أو فقل بين ما يبقى للمستأجر بعد العمل و ما لايبقى. - الى أن قال: - فينبغي التفصيل بين ما يعدّ مقدّمة للعمل و لايبقى منه فيه أثر، كاجارة الدابّة المتوقّف عليها الحجّ، و شراء الماء لوضوء الصلاة، فعلى عاتق الأجير. و بين ما هو معروض العمل و موضوعه و يبقى أثره بعد العمل، كالخيوط في الثوب، و الحبر في القرطاس، و الصبغ في الباب، و الجصّ في الدار، حيث انّ هذه الآثار تبقى للمستأجر بعد الانتهاء من العمل، فتحصيل هذه الموادّ من وظائف المستأجر و ليس في عهدة الأجير ماعدا احداث الهيئات فيها. انتهى ملخّصا». (1)
و في الحدائق: «الظاهر هو التفصيل في المقام، فانّ بعض الأشياء على المؤجر بلا اشكال و لا خلاف فيما أعلم، مثل عمارة الحيطان و السقوف و الأبواب و نحو ذلك، في اجارة المساكن، و مجرى المياه، و نحو ذلك في اجارة الأرضين و الرحل و القتب و نحو ذلك ممّا تقدّم في اجارة الدابّة، و ضابطه كلّما جرت العادة للتوطئة به للركوب، و بعضها على المستأجر بغير خلاف يعرف. و لا اشكال يوصف كالحبل لاستقاء الماء، و الدلو و البكرة، و بعض قد وقع الخلاف فيه
1) مستند العروة 399:30 - 401.
كالخيوط للخياطة و المداد للكتابة، و الصبغ للصباغة، و الكشّ للتلقيح». (1)
(مسألة 23): يجوز الجمع بين الاجارة و البيع - مثلاً - بعقد واحد، كأن يقول: بعتك داري و آجرتك حماري بكذا. و حينئذ يوزّع العوض عليهما بالنسبة، و يلحق كلاًّ منهما حكمه. فلو قال: آجرتك هذه الدار و بعتك هذا الدينار بعشرة دنانير، فلابدّ من قبض العوضين بالنسبة الى البيع في المجلس، و اذا كان في مقابل الدينار بعد ملاحظة النسبة أزيد من دينار أو أقلّ منه بطل بالنسبة اليه؛ للزوم الربا. و لو قال: آجرتك هذه الدار و صالحتك هذا الدينار بعشرة دنانير مثلاً، فان قلنا بجريان حكم الصرف من وجوب القبض في المجلس، و حكم الربا في الصلح، فالحال كالبيع، و الاّ فيصحّ بالنسبة الى المصالحة أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو جمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد، كبيع و سلف، أو اجارة و بيع، أو نكاح و اجارة، صحّ. و يقسّط العوض على قيمة المبيع، و أجرة المثل، و مهر المثل». (2)
و في المسالك: «لا خلاف عندنا في صحّة ذلك كلّه؛ لأنّ الجميع بمنزلة عقد واحد، و العوض فيه معلوم بالاضافة الى الجملة، و هو كافٍ في انتفاء الغرر و الجهالة، و ان كان عوض كلّ منهما بخصوصه غير معلوم حال العقد. و كون كلّ واحد بخصوصه بيعا في المعنى أو بعضه اجارة أو غيرها الموجب لعوض معلوم لايقدح؛ لأنّ لهذا العقد جهتين، فبحسب الصورة هو عقد واحد فيكفي العلمبالنسبة اليه. ثمّ ان احتيج الى التقسيط قسّط على ما ذكره؛ لأنّ العوض المبذول
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، و ان أوهمه نسبة بعضهم ايّاه الى الأكثر، بل قيل: صرّح في المبسوط بأنّ فيه خلافا عندنا، لكنّه احتمل ارادته من العامّة. نعم، عن الأردبيلي أنّه تأمّل فيه، و لعلّه للشكّ في نقل مثل هذا العقد الذي لايدخل في اسم كلّ منهما، و الاّ اعتبر فيه ما يعتبر فيهما، و لأنّ الجهالة و الغرر و ان ارتفعا بالنسبة الى هذا العقد الاّ أنّهما متحقّقان بالنسبة الى البيع و الاجارة، و قد نهى الشارع عنهما في كلّ منهما، و ارتفاعهما بالنسبة الى مجموع العقد غير مجد».(2)
أقول:
الظاهر أنّه لا اشكال في جواز الجمع بين البيع و الاجارة - مثلاً - بعقد واحد، كأن يقول: بعتك داري و آجرتك حماري بكذا الى مدّة كذا. و ذلك لصدق العقد و التجارة فيشمله قوله تعالى: «أوفوا بالعقود» (3)و «الاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم» (4)و لايكون هناك مانع من الشرع، مضافا الى أنّه قد ادّعي فيه عدم الخلاف كما عرفت. و الاشكال بالجهالة و الغرر بالنسبة الى البيع و الاجارة، و قد نهى الشارع عنهما، مدفوع بأنّه اذا كانت الدار و الحمار في المثال لمالك واحد و انتقلا الى شخص واحد بعقد واحد فلا جهالة و لا غرر. نعم، لو كان أحد وكيلاً عن اثنين بأن يبيع عن أحدهما داره و يؤجر عن الآخر حماره ، فانتقالهما في عقدواحد بثمن واحد مشكل؛ للجهل و الغرر. و كذا لو كانت الدار و الحمار لواحد الاّ
أنّ المشتري كان وكيلاً عن اثنين. و الاشكال جاءٍ أيضا فيما اذا وقعت حادثة انجرّت الى انفساخ العقد بالنسبة الى كليهما أو أحدهما قبل اتمام مدّة الاجارة. ففي هذه الصور و ان قالوا بالتقسيط الاّ أنّ الجهالة و الغرر باقيان، و لا دليل لفظيّ هنا لنتمسّك باطلاقه.
و في المستند: «انّ الجمع بين الاجارة و البيع - مثلاً - بعقد واحد لم يكن خارجا عن حدود التعارف بمثابة ينصرف عنه الاطلاق، مضافا الى أنّه كلّ ما صدق عليه عنوان التجارة عن تراضٍ و لم يكن الأكل فيه عن سبب باطل فهو محكوم بالصحّة و مشمول للاطلاقات، و لا شكّ في صدق هذا العنوان على المقام. و لايقدح عدم العلم بمقدار كلّ واحد منهما؛ لعدم كون المعاملة غرريّة بعد أن كان المجموع معلوما. فلاينبغي التأمّل في صحّة هذه المعاملة و انحلالها بعد توزيع العوض بالنسبة الى بيع و اجارة، فيلحق كلاًّ منهما حكمه. انتهى ملخّصا».(1)
فرعان:
لو قال: آجرتك هذه الدار و بعتك هذا الدينار بعشرة دنانير فلابدّ من قبض العوضين بالنسبة الى البيع في المجلس. و ذلك للروايات المتواترة كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لايبتاع رجل فضّة بذهب الاّ يدا بيد، و لايبتاعذهبا بفضّة الاّ يدا بيد». (2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن الرجل يبتاع الذهب بالفضّة مثلين بمثل؟ قال: لابأس به يدا بيد». (1)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا اشتريت ذهبا بفضّة أو فضّة بذهب فلاتفارقه حتّى تأخذ منه، و ان نزا (2)حائطا فانز معه». (3)
و لو قال: آجرتك هذه الدار و بعتك هذا الدينار بعشرة دنانير فان كانت أجرة الدار في مقام التوزيع تسعة دنانير حتّى يكون بيع الدينار بدينار يصحّ البيع و الاجارة. و أمّا ان كان في مقابل الدينار أزيد من دينار أو أقلّ بطل العقد بالنسبة الى البيع، و ذلك للزوم الربا. و الدليل عليه صحيحة وليد بن صبيح قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: الذهب بالذهب و الفضّة بالفضّة الفضل بينهما هو الربا المنكر». (4)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتبيعوا درهمين بدرهم». (5)
و في رواية عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«و نهى عن بيع الذهب بالذهب زيادة الاّ وزنا بوزن».(6)
و في المستمسك: «و قد يشكل ذلك (لزوم الربا) بأنّ الضميمة مانعة من تحقّق الربا نصّا و فتوىً، فراجع كلماتهم في مبحث الحيل المانع من تحقّق
1) وسائل الشيعة 169:18 / الباب 2 من أبواب الصرف / الحديث .
2) نزاد وثب.
3) وسائل الشيعة 18: 169 / الباب 2 من أبواب الصرف / الحديث .
4) وسائل الشيعة 18 165 / الباب 1 من أبواب الصرف / الحديث 2.
5) وسائل الشيعة 166:18 / الباب 1 من أبواب الصرف / الحديث 4.
6) وسائل الشيعة 166:18 / الباب 1 من أبواب الصرف / الحديث 5.
الربا».(1)
أشار رحمه الله الى الروايات الواردة في أنّه لابأس بالتفاضل في المعاملة على الجنس الواحد كألف درهم بألفي درهم اذا كان مع الناقص شيء - مثلاً دينار - من غير جنسه و ان قلّ. كصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«- الى أن قال: - فقلت له: أشتري ألف درهم و دينارا بألفي درهم؟ فقال: لابأس بذلك». (2)
و أورد عليه في المستند «بأنّ الضميمة النافعة حسبما يستفاد من هذه الأدلّة يراد بها ضمّ شيء الى المبيع بحيث يكون المبيع شيئين، فيكون من ضمّ مال بمال، لا ضمّ عقد بعقد كما في المقام، فالمبيع هنا هو الدينار فقط من غير أن يقترن معه بما هو مبيع شيء، غاية ما هناك ضمّ معاملة أخرى مع البيع، و مثل هذه الضميمة لاتجدي في حلّ مشكلة الربا، و لاتعدّ من الفرار بمقتضى هذه الأخبار».(3)
و الظاهر أنّ ايراده على ما في المستمسك في محلّه، فانّ ضمّ عقد بعقد غير ما في ضمّ شيء بشيء.
قال في المستند: «اذا قال: آجرتك هذه الدار و صالحتك على هذا الديناربعشرة دنانير، و فضل الثمن عن الدينار الواحد في التوزيع بالنسبة الى المصالحة، فهل يجري على هذا الصلح حكم الصرف من وجوب التقابض في المجلس و
كذا حكم الربا كما كان جاريا لو أنشأ بصيغة البيع بدلاً عن الصلح؟ و الصحيح هو التفصيل بين أحكام الصرف و الربا فتجري الثانية دون الأولى؛ نظرا الى أنّ أكثر النصوص المعتبرة الواردة في الربا خالية عن ذكر البيع، بل موضوعها مجرّد الزيادة و المفاضلة الظاهرة في مطلق المبادلة و ان كانت بعنوان المصالحة بل لعلّ مفهوم الربا الذي هو بمعنى الزيادة يعمّ المقام؛ اذ لم يؤخذ في مفهومه البيع، فالممنوع مطلق اعطاء الزيادة و أخذ الناقص. و هذا بخلاف باب الصرف، فانّ رواياتها بأجمعها خاصّة بالبيع، و لم ترد رواية مطلقة - كما في الربا - ليتعدّى منه الى الصلح. نعم، قد يقال بأنّ صحيحة ابن مسلم تدلّ باطلاقها على جواز المصالحة حتّى مع العلم بالمفاضلة فلايجري الربا في الصلح. و يندفع بقصورها عن الشمول لصورة العلم؛ لظهور الجهل المفروض فيها في الجهل بالكمّيّة بقول مطلق. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
أمّا بالنسبة الى وجوب القبض في المجلس فالظاهر أنّه مختصّ بالبيع كما تقدّم بعض رواياته في الفرع الأوّل.
ففي المستمسك: «الظاهر عدم جريان وجوب القبض في المجلس في الصلح، بل قيل: «لا خلاف فيه ظاهر»، و يقتضيه اختصاص نصوص الشرطيّة بالبيع، الموجب للرجوع الى اطلاق الصحّة في غيره. - و أمّا بالنسبة الى الربا فقال: - جريان حكم الربا في جميع العقود هو المشهور، و يقتضيه اطلاق جملة من النصوص المتضمّنة لتحريم الربا. و دعوى انصرافها الى البيع غير ظاهرة. ومجرّد الغلبة غير كافٍ فيه. - الى أن قال: - و يمكن أن يقال: انّ عمومات المنع مورد بعضها خصوص البيع، و لاتشمل الصلح، و ظاهر بعضها الآخر خصوص
1) مستند العروة 405:30 و 406.
المعاوضة بين العينين ولو كانت بطريق الصلح - الى أن قال: - و أمّا الآيات الشريفة فلاتخلو من اجمال. انتهى ملخّصا». (1)
فظاهر قوله تعالى: «قالوا انّما البيع مثل الربا و أحلّ اللّه البيع و حرّم الربا» (2)اختصاص المعاوضة الربويّة بالبيع، و لايشمل جميع المعاوضات و العقود. و أمّا الروايات فهي على طائفتين:
احداهما يكون مورد السؤال و الجواب فيها البيع، كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار (3)فلايكون عنده ما يتمّ له ما باعه فيقول له: خذ منّي مكان كلّ قفيز حنطة قفيزين من شعير حتّى تستوفي ما نقص من الكيل. قال: لايصلح؛ لأنّ أصل الشعير من الحنطة، ولكن يرد عليه الدراهم بحساب ما ينقص من الكيل». (4)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: لايباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، و لايباع الاّ مثلاً بمثل، و التمر مثل ذلك». (5)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لاتبع الحنطة بالشعير الاّ يدا بيد، و لاتبع قفيزامن حنطة بقفيزين من شعير ... الحديث». (6)
ثانيتهما: مطلق المبادلة و المعاوضة، كصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه
قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟
فقال: لايجوز الاّ مثلاً بمثل، ثمّ قال: انّ الشعير من الحنطة». (1)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الحنطة و الشعير رأسا برأس، لايزاد واحد منهما على الآخر». (2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و لايصلح الشعير بالحنطة الاّ واحد بواحد». (3)
و الظاهر من هاتين الطائفتين من الروايات أوّلاً: أنّ الطائفة الأولى قرينة للطائفة الثانية بأنّ المراد منها هو البيع.
و ثانيا: انّ الطائفة الثانية اعلام بأنّ الشعير و الحنطة من جنس واحد.
و ثالثا: يظهر معنى ما ورد في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام:
«أنّه قال في رجلين كان لكلّ واحد منهما طعام عند صاحبه، و لايدري كلّ منهما كم له عند صاحبه؟ فقال: كلّ واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك و لي ما عندي. فقال عليه السلام: لابأس بذلك اذا تراضيا و طابت أنفسهما». (4)
ففي المستمسك: «و اطلاقه يقتضي الشمول لصورة العلم بالتفاضل، فيدلّعلى جواز الربا في الصلح. و منع الاطلاق المذكور غير ظاهر، و لاسيّما مع غلبة الاختلاف. و لو سلّم فهو كالصريح في عدم اعتبار العلم بالتساوي، فيصحّ الصلح مع الجهل به. كما أنّ اطلاقه شامل لصورة العلم بزيادة أحدهما بعينه و مقتضاه
الجواز فيها. و على هذا يقتصر في الخروج عن عمومات المنع على مورد الصحيح المذكور، و في غيره يرجع الى العمومات المانعة». (1)
و فيه: انّ الظاهر من قوله عليه السلام: «لابأس بذلك اذا تراضيا و طابت أنفسهما» قاعدة كلّيّة شاملة لما لم يعلم كونه مصداقا للربا، كما في المعاوضات.
و رابعا: عموم أدلّة الحلّ، كأصالة الاباحة، و دلالة الآيات و الروايات على أنّ حصول التراضي كافٍ في الاباحة، و حصر المحرّمات، و ليس هذا منها، و «الناس مسلّطون على أموالهم» خرج ما خرج من ذلك بدليل و بقي الباقي.
و في الحدائق: «اختلف الأصحاب رحمهم الله في تحقّق الربا و ثبوته في غير البيع من المعاوضات، و بالعموم صرّح الشهيد الثاني و ثاني المحقّقين في المسالك و شرح القواعد، و ذكر بعض المحقّقين أنّه قول الأكثر، و بالاختصاص يشعر كلام المحقّق في كتاب البيع من الشرائع، و العلاّمة في الارشاد و القواعد، الاّ أنّ المحقّق في باب الغصب صرّح بثبوته في كلّ معاوضة، و هو ظاهر اختياره في باب الصلح، و العلاّمة في باب الصلح من القواعد تردّد في ذلك على ما نقله الشارح المتقدّم، و ظاهر صاحبي المسالك و شرح القواعد الاستناد في العموم الى قوله عزّوجلّ «و حرّم الربا»، و فيه: انّ معنى «أحلّ اللّه البيع و حرّم الربا»على ما في تفسير مجمع البيان: أحلّ اللّه البيع الذي لا ربا فيه و حرّم البيع الذي فيه الربا، و على هذا فيكون الآية دليلاً للاختصاص بالبيع ... - فانّه رحمه الله بعد النقض و الابرام قال: - فانّ الاحتياط في القول بالعموم، ان لم يكن هو الأظهر». (2)
و نحن نقول أيضا: انّ الاحتياط طريق النجاة لذهاب جمع من الفقهاء الىثبوت الربا في كلّ معاوضة.
(مسألة 24): يجوز استئجار من يقوم بكلّ ما يأمره من حوائجه فيكون له جميع منافعه، و الأقوى أنّ نفقته على نفسه لا على المستأجر الاّ مع الشرط أو الانصراف من جهة العادة، و على الأوّل لابدّ من تعيينها كمّا و كيفا الاّ أن يكون متعارفا، و على الثاني على ما هو المعتاد المتعارف، و لو أنفق من نفسه أو أنفقه متبرّع يستحقّ مطالبة عوضها على الأوّل، بل و كذا على الثاني؛ لأنّ الانصراف بمنزلة الشرط.
الشرح:
قال في الجواهر: «انّ ظاهر الأصحاب المفروغيّة من جواز الاستئجار للانفاذ في حوائجه على الاجمال؛ اتّكالاً على المعتاد المقدور له و اللائق بحاله من ذلك».(1)
انّ الدليل على صحّة استئجار من يقوم بكلّ ما يأمره من حوائجه هو عمومات العقود و الاجارة، فيكون له جميع منافعه، أي المنافع المحلّلة المعتادة من نحو هذه الاجارة. فمن استأجر امرأة لذلك فلايجوز له الاستمتاع بها الاّ بالنكاح، و كذا لايجوز له أمر الأجير بما لايطيق أو يشقّ عليه في العادة.
فروع:
اختلفوا في نفقة الأجير الذي استؤجر لكلّ ما يأمره المستأجر من حوائجهأهي على المستأجر أو على الأجير نفسه؟
1) جواهر الکلام 27: 330.
ففي الشرائع: «كانت نفقته على المستأجر الاّ أن يشترط على الأجير». (1)
و في الجواهر: «و هو قول النهاية و القواعد و الارشاد و الروض على ما في بعضها، بل في اللمعة أنّه المشهور، و ان كنّا لم نتحقّقه لغير من عرفت ممّن تقدّمه بل لعلّ المتحقّق خلافه؛ اذ العكس (أي من قال بأنّ نفقته على الأجير) خيرة السرائر و التذكرة و المختلف و التحرير و الايضاح و جامع المقاصد و المسالك و الروضة و مجمع البرهان و التنقيح و الكفاية على ما حكي عن بعضها، بل في التذكرة عن ابن المنذر: لاأعلم في ذلك خلافا ساكتا عليه. بل لعلّ ذلك هو الأقوى في النظر؛ ضرورة عدم اقتضاء عقد الاجارة من حيث هو كذلك الاّ وجوب العوضين، و عدم الدليل الشرعي الدالّ على وجوبه تقييدا». (2)
أقول:
الظاهر أنّ نفقة الأجير على نفسه، و ذلك لأنّ مورد الاجارة جميع منافعه المحلّلة بحسب حاله و شغله، بعوض معلوم، فالأجرة بازاء منافعه، و ليس ما وراء الأجرة شيء يسمّى بالنفقة، الاّ أن تكون هناك عادة ينصرف اليها، أو يكون بينهما شرط على النفقة.
ففي المستند: «محلّ الكلام ما اذا لم تكن قرينة خارجيّة مثل جريان العادة و نحوه على كون النفقة على المستأجر، كما لعلّها موجودة في كثير من الموارد، سيّما الأجير للخدمة في سفر الحجّ، أو على كونها على الأجير نفسه، كما ربّما يتّفق في بعض الخدم ممّن له دار و أهل يقوم بشؤونهم و يعيش معهم و انّما استخدم في ساعات معيّنة، و الاّ فلا شبهة في لزوم اتّباع القرينة التي هي في قوّةالتحديد اللفظي و التصريح في متن العقد، و هو خارج عن محلّ الكلام. و لاينبغي
الشكّ حينئذ في أنّ مقتضى القاعدة كونها على نفس الأجير؛ لعدم المقتضي لالزام المستأجر بها بعد أن لم يكن مدلول العقد ماعدا المبادلة بين المنفعة و الأجرة المسمّاة، فالزام الزائد على المفاد من دون انصراف و لا اشتراط - كما هو المفروض - لا دليل عليه». (1)
الظاهر أنّ حجّة من قال بأنّ نفقة الأجير على المستأجر رواية سليمان بن سالم قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل استأجر رجلاً بنفقة و دراهم مسمّاة على أن يبعثه الى أرض، فلمّا أن قدم أقبل رجل من أصحابه يدعوه الى منزله الشهر و الشهرين فيصيب عنده ما يغنيه عن نفقة المستأجر، فنظر الأجير الى ما كان ينفق عليه في الشهر اذا هو لم يدعه فكافأه به الذي يدعوه، فمن مال من تلك المكافأة؟ أمن مال الأجير أو من مال المستأجر؟ قال: ان كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله، و الاّ فهو على الأجير. و عن رجل استأجر رجلاً بنفقة مسمّاة و لم يفسّر شيئا على أن يبعثه الى أرض أخرى، فما كان من مؤونة الأجير من غسل الثياب و الحمّام فعلى من؟ قال: على المستأجر».(2)
و وجه الاستدلال أنّه يظهر من الصدر و الذيل بوضوح، المفروغيّة عن كون النفقة على المستأجر، و من ثمّ حكم عليه السلام بكون المكافأة عليه لو كانت في مصلحته، و بشمول النفقة لغسل الثياب و الحمّام و هي أيضا على المستأجر.
و الجواب أنّ في الرواية مواقع للنظر:
منها أنّ الرجل استأجر رجلاً بشرط النفقة مضافا الى الأجرة المسمّاة، و قد
تقدّم أنّ الكلام فيما لم يكن هناك شرط أو قرينة خارجيّة مثل جريان العادة و نحوه.
و منها أنّ الأجير اذا قدم الى الأرض التي بعثه المستأجر اليها، دعاه رجل من رفقائه الى منزله شهرا أو شهرين فأنفق عليه من المأكولات و المشروبات، و بعد اتمام الضيافة شرع الأجير في تسعير ما أكل و شرب ليعطيه بعنوان الهديّة مثلاً فسأل الراوي الامام عليه السلام عن هذا المقدار الذي أعطاه الأجير الى صاحبه على عهدة الأجير أو على عهدة المستأجر؟ فأجاب عليه السلام: انّ لبث الأجير في الشهر أو الشهرين في ذلك المكان اذا كان لمصلحة المستأجر و في حاجته و أنّه كان لابدّ له من المكث لقضاء حاجة المستأجر فالنفقة و ما كافأه بعهدة المستأجر، و ان لم يكن في مصلحته فمن مال الأجير.
و منها ما في ذيله من سؤال الراوي ايّاه عليه السلام: «و عن رجل استأجر رجلاً بنفقة مسمّاة - الى أن قال عليه السلام: - على المستأجر». و من المعلوم أنّ النفقة كانت بعنوان الأجرة، و عدم تعيينه لعلّه كانت معيّنة بالقرينة. و أمّا قوله عليه السلام بأنّ غسل الثياب و الحمّام على المستأجر، فلعلّه كانا من النفقة في ذلك الزمان، و كان هناك قرينة خارجيّة. فالرواية خارجة عن محلّ الكلام، مع كون السند غير تامّ.
فتحصّل أنّ نفقة الأجير على نفسه لا على المستأجر الاّ مع الشرط أو الانصراف من جهة العادة.
قال المصنّف: «و على الأوّل (أي مع الشرط) لابدّ من تعيينها كمّا و كيفا».
و في الجواهر: «نعم، هو (أي خبر سليمان بن سالم) ظاهر في جواز اشتراطالنفقة من غير تعرّض لمقدارها، بل اتّكالاً على تقديرها الشرعي أو العرفي بل
ظاهر في جواز جعلها أجرة أو جزأها، و هو و ان كان منافيا لما ذكره بعضهم ممّن لم ير وجوبها الاّ بالشرط من وجوب التعرّض لتفصيلها تحرّزا من الجهالة المفسدة لعقد الاجارة، الاّ أنّه يمكن القول به هنا للعموم و الخبر المزبور المعمول به في الجملة الظاهر في الاكتفاء بمثل ذلك في دفع مثل هذا الغرر في الاجارة و ان وقعت النفقة جزءا من الأجرة فضلاً عن أن تكون شرطا الذي قد صرّح في محكي التذكرة هنا بعدم ضرر جهالته؛ لأنّه من التوابع حينئذ كأسّ الجدار، كما أنّ ظاهر الأصحاب المفروغيّة من جواز الاستئجار للانفاذ في حوائجه على الاجمال؛ اتّكالاً على المعتاد المقدور له و اللائق بحاله من ذلك». (1)
أقول:
الصور المتصوّرة في هذا الفرع ثلاث:
فتارة تكون النفقة بعنوان أجرة الأجير، و حينئذ فان كانت معلومة في العادة تنصرف اليها، و الاّ يلزم تعيينها من حيث الكمّيّة و الكيفيّة.
و أخرى تكون النفقة جزءا من الأجرة فلايضرّ جهالتها ان كان الجزء الآخر معلوما، كالضميمة المجهولة في البيع.
و ثالثة تكون الأجرة معيّنة الاّ أنّ الأجير اشترط على المستأجر نفقته، و الظاهر هنا أنّ الشرط يجب الوفاء به بعنوان الحكم التكليفي، فلو لم يف به لم تكن ذمّته مشغولة و لم يضمن الاّ أنّه يكون عاصيا لتركه الجواب.
و أمّا رواية سليمان بن سالم المتقدّمة التي استشهد به صاحب الجواهر لعدم وجوب كون النفقة معيّنة و ان كانت بعنوان الأجرة، ففيها: انّه قد ذكرنا في مورد ذيل الحديث أنّ النفقة كانت معلومة بحسب العادة. و أمّا صدر الحديث فقد ذكرناتفصيله في الفرع الأوّل.
1) جواهر الکلام 27: 329 و 330
قال المصنّف: «و لو أنفق من نفسه أو أنفقه متبرّع يستحقّ مطالبة عوضها على الأوّل (أي في صورة الاشتراط) بل و كذا على الثاني (أي الانصراف من جهة العادة) لأنّ الانصراف بمنزلة الشرط».
أقول:
يتصوّر في هذا الفرع صورتان:
الأولى: فيما لو كان الشرط أو العادة بعنوان أجرة الأجير، فحينئذ تارة يكون الانفاق من نفسه بقصد اسقاط الأجرة، أو انفاق المتبرّع بعنوان النيابة عن المستأجر، فلايستحقّ الأجير مطالبة عوضها. و أخرى لايكون كذلك فيستحقّ مطالبة عوضها.
الثانية: لو كانت الأجرة معيّنة و كان الشرط خارجا عن الأجرة فقد تقدّم وجوب الوفاء به بعنوان الحكم التكليفي، فحينئذ لو أنفق الأجير من نفسه أو أنفقه متبرّع فلايستحقّ مطالبة عوضها؛ لعدم وجود الموضوع.
و في المستند: «اشتراط النفقة في المقام نظير وجوب الانفاق على الأقارب من العمودين أو الأولاد - لدى غناه و فقرهم - في أنّه لايتضمّن الاّ حكما تكليفيّا محضا، غاية الأمر أنّ الوجوب هنا ثبت بسبب الشرط و جعله من المتعاقدين و هناك في أصل التشريع، فكما لا استحقاق لمطالبة العوض هناك مع وجود الباذل، فكذا في المقام بمناط واحد، و هو انتفاء موضوع الانفاق بعد افتراض وجود الباذل المتبرّع، فلا مقتضي بعدئذ لبقاء الوجوب، فلا مجال لمطالبة العوض فيشيء من الموردين. نعم، يتّجه ذلك فيما اذا كانت النفقة الواجبة مملوكة أيضا،
كما في نفقة الزوجة حيث انّها تملّكها على زوجها فلها المطالبة بالعوض حتّى مع وجود الباذل، لكونه مدينا لها بما تملكه عليه. و على الجملة انّما يجب على المستأجر الانفاق - وفاءا بشرطه - مادام الموضوع باقيا، فاذا ارتفع الموضوع لقيام شخص آخر بالنفقة فلايحتاج الأجير اليها، و معه لا مقتضي لمطالبة عوضها الاّ اذاكان مالكا للنفقة، و قد عرفت انتفاء الملكيّة في المقام. انتهى». (1)
(مسألة 25): يجوز أن يستعمل الأجير مع عدم تعيين الأجرة و عدم اجراء صيغة الاجارة فيرجع الى أجرة المثل، لكنّه مكروه، و لايكون حينئذ من الاجارة المعاطاتيّة كما قد يتخيّل؛ لأنّه يعتبر في المعاملة المعاطاتيّة اشتمالها على جميع شرائط تلك المعاملة عدا الصيغة، و المفروض عدم تعيين الأجرة في المقام، بل عدم قصد الانشاء منهما و لا فعل من المستأجر، بل يكون من باب العمل بالضمان، نظير الاباحة بالضمان، كما اذا أذن في أكل طعامه بضمان العوض، و نظير التمليك بالضمان كما في القرض على الأقوى من عدم كونه معاوضة. فهذه الأمور عناوين مستقلّة غير المعاوضة، و الدليل عليها السيرة، بل الأخبار أيضا، و أمّا الكراهة فللأخبار أيضا.
الشرح:
استعمال الأجير مع عدم تعيين الأجرة و عدم اجراء صيغة الاجارة على قسمين:
الأوّل: عمل الأجير معلوم عرفا و الأجرة معلومة، كما هو المتعارف الآن في أكثر الأعمال، و من جملتها سيّارات الأجرة و حافلات النقل العامّ المدنيّة و خارجالمدينة و عمّال المصانع و موظّفو الدوائر، فمن ركب سيّارة أو عمل في مصنع أو
1) مستند العروة 411:30.
استخدم في دائرة من دون اجراء الصيغة و تعيين العمل و الأجرة لفظا فذلك يكون من الاجارة المعاطاتيّة، و هذا مثل استعمال ملك المالك بعنوان الاجارة بدون اجراء الصيغة و لا تعيين الأجرة كأن يسكن في غرفة الفندق، و مثل شراء أشياء من الدكّان و وضع الثمن في محلّه من دون اجراء كلام بين البائع و المشتري فهذا من البيع المعاطاتيّة.
الثاني: لو لم يكن كذلك بل أمره أو استدعاه بعمل أو أشار به الى عمل ففيه صور بيّنّاها في المسألة التاسعة عشرة. و الظاهر أنّ الصورة التي قصد المستأجر و الأجير الأجرة تكون من الاجارة المعاطاتيّة و قصدهما هذا انشاءٌ، و أمر المستأجر أو استدعاؤه فعل. و في الصورة التي لم يقصد الأجير الأجرة بل كان قصده التبرّع لم تكن من الاجارة المعاطاتيّة كما لا ضمان. و أمّا الاذن في أكل طعامه بضمان العوض أو التمليك بالضمان في القرض فالظاهر أنّهما معاوضة.
و في المستمسك في قول المصنّف «بل عدم قصد الانشاء منها» قال: «بعد أن كان كلّ منهما قاصدا للأجر، و أنّهما قد تباينا على أمر واحد، كيف لايكونان قد قصدا الانشاء؟ و سيأتي منه: انّ ذلك من باب العمل بالضمان، الذي لايكون الاّ مع قصد الانشاء».
و في ذيل قوله «و لا فعل من المستأجر» قال: «الأمر بالعمل من قبيل الفعل الدالّ على انشاء المعاملة، و قد عنون المصنّف رحمه الله المسألة باستعمال الأجير، و لابدّ حينئذ من أن يصدر فعل أو قول من المستأجر ليتحقّق به الاستعمال للأجير.
و في ذيل قوله «بل يكون من باب العمل بالضمان» قال: «قد تقدّم منه في المسألة التاسعة عشرة أنّه اذا أمر العامل بالعمل ضمن أجرته، اذا لم يقصد العامل التبرّع و ان قصد الآمر التبرّع. و ما نحن فيه من ذلك الباب، الذي قد عرفت أنّه من قبيل الاستيفاء الموجب للضمان و ان قصد المستوفي التبرّع. فجعله من باب آخر
غير ظاهر».(1)
و كلامه هذا ردّ أيضا على ما في المستند، فراجع. (2)
و ليعلم أنّ أجرة عمل الأجير في هذا القسم تكون أجرة المثل.
ثمّ انّه قد وردت روايات ظاهرها عدم جواز استئجار الأجير من دون تعيين الأجرة:
منها رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلايستعملنّ أجيرا حتّى يعلم ما أجره، و من استأجر أجيرا ثمّ حبسه عن الجمعة يبوء باثمه، و ان هو لم يحبسه اشتركا في الأجر». (3)
و منها رواية الحسين بن زيد عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يستعمل أجير حتّى يعلم ما أجرته». (4)
و منها رواية سليمان بن جعفر الجعفري قال:
«كنت مع الرضا عليه السلام في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف الى منزلي فقال لي: انصرف معي فبت عندي الليلة. فانطلقت معه فدخل الى داره مع المغيب فنظر الى غلمانه يعملون في الطين أواري (5)الدوابّ و غير ذلك و اذا معهم أسود ليس منهم، فقال: ما هذا الرجل معكم؟ قالوا: يعاوننا و نعطيه شيئا. قال: قاطعتموه على أجرته؟ قالوا: لا، هو يرضى منّا بما نعطيه. فأقبل عليهم يضربهم بالسوط و غضب
لذلك غضبا شديدا. فقلت: جعلت فداك! لم تدخل على نفسك؟ فقال: انّي قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرّة أن يعمل معهم أحد حتّى يقاطعوه على أجرته، و اعلم أنّه ما من أحد يعمل لك شيئا بغير مقاطعة ثمّ زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعاف على أجرته الاّ ظنّ أنّك قد نقصته أجرته، و اذا قاطعته ثمّ أعطيته أجرته حمدك على الوفاء، فان زدته حبّة عرف ذلك لك و رأى أنّك قد زدته». (1)
أمّا الرواية الأولى و الثانية فمع ضعف سندهما تحملان على الكراهة، و ذلك أوّلاً لعدم الخلاف في جواز استعمال الأجير مع عدم تعيين الأجرة.
و ثانيا: انّ ذيل رواية سليمان الجعفري شاهد على الكراهة، فانّه عليه السلام أشار الى علّة النهي عن أخذ الأجير بدون تعيين أجرته بقوله عليه السلام «ما من أحد يعمل لك شيئا بغير مقاطعة ثمّ زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعاف على أجرته الاّ ظنّ أنّك قد نقصته أجرته ... الخ». و أمّا غضبه و ضربه عليه السلام ايّاهم فلعلّه لمخالفتهم نهيه عليه السلامغير مرّة، و عدم الاعتناء بنهي مولاهم فاستحقّوا العقوبة لذلك.
(مسألة 26): لو استأجر أرضا مدّة معيّنة فغرس فيها أو زرع ما لايدرك في تلك المدّة فبعد انقضائها للمالك أن يأمره بقلعها، بل و كذا لو استأجر لخصوص الغرس أو لخصوص الزرع، و ليس له الابقاء ولو مع الأجرة و لا مطالبة الأرش مع القلع؛ لأنّ التقصير من قبله. نعم، لو استأجرها مدّة يبلغ الزرع فاتّفق التأخير لتغيّر الهواء أو غيره أمكن أن يقال بوجوب الصبر على المالك مع الأجرة؛ للزوم الضرر، الاّ أن يكون موجبا لتضرّر المالك.
1) وسائل الشيعة 19: 104 / الباب 3 من كتاب الاجارة / الحديث 1.
الشرح:
توضيح المتن على ما أفاده في المستند: «فصّل قدس سره فيمن غرس أو زرع في أرض مستأجرة لخصوص هذه المنفعة أو للأعمّ بين ما لايدرك و لايبلغ الحاصل في المدّة المقرّرة في الاجارة، و بين ما يدرك عادة، و انّما حصل التأخير من باب الاتّفاق؛ لاشتداد البرد أو انقطاع المطر و نحو ذلك من الآفات و العوارض. فحكم قدس سره في الأوّل بجواز القلع للمالك بعد انتهاء المدّة و لا أرش عليه، و لايحقّ للمستأجر اجباره على الابقاء ولو مع الأجرة؛ لأنّه باختياره فرّط فكان التقصير مستندا اليه. و هذا بخلاف الثاني، فيجب فيه الصبر، و لايسوّغ القلع؛ لأنّه ضرر لم يقدم عليه المستأجر. غايته أخذ الأجرة عليه رعاية لاحترام المال، الاّ اذا تضرّر المالك أيضا بالصبر، فيتعارض الضرران، و لا مانع حينئذ من القلع من دون أن يضمن الأرش. و ملخّصه في الفرق بين المسألتين: انّ مقتضى قاعدة لا ضرر عدم جواز الزام الغارس أو الزارع بالقلع الاّ في صورتين: احداهما أن يكون الاقدام على الضرر من قبل الغارس نفسه، فانّ مثله غير مشمول لحديث نفي الضرر.
ثانيتهما: أن يكون الضرر المزبور مزاحما بتضرّر المالك، فعورض ضرر القلع بضرر الصبر، و بعد تعارض الضررين من غير ترجيح في البين المانع حينئذ من التمسّك بالقاعدة يرجع الى قاعدة السلطنة التي مفادها جواز الزام الغارس بالتخلية».(1)
أقول:
في المسألة صورتان:
الأولى: اذا استأجر أرضا مدّة معيّنة و لم يعيّن أنّها للغرس أو للزرع، أو قال بأنّها للغرس أو الزرع و لم يعيّن نوعه، فغرس أو زرع ما لايدرك في تلك المدّة
1) مستند العروة 416:30 و 417.
فبعد انقضاء المدّة للمالك أن يأمره بقلعها. و ذلك لأنّه بانقضاء المدّة ترجع منافع الأرض الى المالك، فليس للمستأجر حقّ التصرّف فيها، فابقاء الغرس و الزرع من التصرّف في ملك الغير بدون اذنه و رضاه. نعم، لو رضي المالك بعقد اجارة جديدة فنعم المطلوب. و يدلّ على الحكم المذكور أيضا حديث «لا ضرر و لا ضرار». و لايجري هذا الحديث بالنسبة الى المستأجر؛ لأنّه بعد انقضاء المدّة يكون تصرّفه غصبا. و هكذا الحال لو استأجر الأرض لخصوص الغرس أو لخصوص الزرع و عيّن نوعه، و لا فرق في ذلك بين أن يكون قد علم عدم ادراك ما زرع في تلك المدّة أو لم يعلم، فانّ التقصير من قبله.
الثانية: لو استأجرها مدّة يبلغ الزرع - مثلاً - فاتّفق التأخير لتغيّر الجوّ أو غيره، فقد ذهب المصنّف الى امكان القول بوجوب الصبر على المالك مع الأجرة و استدلّ عليه بحديث «لا ضرر و لا ضرار» لأنّ الأمر بقلع الزرع ضرر على المستأجر، و الحال أنّه لم يكن مقصّرا. ولكنّ الظاهر أنّ الحديث لايشمل المورد لأنّ منافع الأرض بعد انقضاء المدّة للمالك، فمنعه عن التصرّف في ملكه لكونه ضررا على الغير لايكون مفاد الحديث. سواء كان المالك متضرّرا من ناحيته أو لم يكن.
و للمستند تفصيل في ضمن الجهات الأربع فراجع. (1)
1) مستند العروة 417:30 - 421.
(مسألة 1): اذا تنازعا في أصل الاجارة قدّم قول منكرها مع اليمين، فان
كان هو المالك استحقّ أجرة المثل دون ما يقوله المدّعي، و لو زاد عنها لم يستحقّ تلك الزيادة و ان وجب على المدّعي المتصرّف ايصالها اليه، و ان كان المنكر هو المتصرّف فكذلك لم يستحقّ المالك الاّ أجرة المثل، ولكن لو زادت عمّا يدّعيه من المسمّى لم يستحقّ الزيادة؛ لاعترافه بعدم استحقاقها، و يجب على المتصرّف ايصالها اليه، هذا اذا كان النزاع بعد استيفاء المنفعة. و ان كان قبله رجع كلّ مال الى صاحبه.
الشرح:
قال في مفتاح الكرامة: «و لو اختلفا في أصل الاجارة فالقول قول منكرها مع اليمين كما طفحت بذلك عباراتهم خصوصا المتأخّرين كما تقدّم بيانه في باب العارية من غير خلاف الاّ من المهذّب و كذا الخلاف على أنّهما غير مخالفين فيما نحن فيه. و ما في الشرائع و كذا المبسوط من أنّ القول قول المالك مع يمينه، مبنيّ على الغالب، و قد يكونان أرادا ما أراد القاضي، قال: اذا سكن دار غيره فقال الساكن سكنت بغير أجرة، و قال المالك: بل استأجرتها، كان القول قول صاحبها
مع يمينه، و لعلّه للأصل الذي تقدّم التنبيه عليه غير مرّة و هو أنّ الأصل في مال المسلم أن لايخرج عن يده الاّ بقوله. و أمّا الخلاف فقد قال فيه: اذا زرع أرض غيره فقال الزارع: أعرتنيها، و قال ربّ الأرض: أكريتكها، حكم بالقرعة، ثمّ قال بعد أسطر: انّه يقوى في نفسه أنّ القول قول الزارع. ثمّ ان كان النزاع قبل استيفاء شيء من المنافع رجع كلّ مال الى صاحبه كما هو المفروض فيما نحن فيه». (1)
و قال في الجواهر: «اذا تنازعا في أصل الاجارة فالقول قول منكرها الموافق للأصل، سواء كان المالك أو غيره مع يمينه بلا خلاف و لا اشكال. ثمّ ان كان النزاع قبل استيفاء شيء من المنافع رجع كلّ مال الى صاحبه، و ان كان بعده أو بعد استيفاء الجميع الذي يزعم مدّعي الاجارة أنّه مورد العقد فلايخلو امّا أن يكون المدّعي المالك أو المتصرّف. فان كان المالك و حلف المنكر انتفت و وجب أجرة المثل، فان كانت أزيد من المسمّى بزعم المالك لم يكن له (للمستأجر) المطالبة ان كان دفعه (دفع بمقدار أجرة المثل) لاعتراف المستأجر المنكر باستحقاق المالك، بل يجب عليه ايصاله اليه ان لم يكن دفعه، و ان كان ليس للمالك قبضه بعد اعترافه بعدم استحقاقه الاّ أن يكذّب نفسه في دعواه الأولى على قول منشؤه انحصار الحقّ فيهما. و ان زاد المسمّى على أجرة المثل كان للمنكر المطالبة بالزائد ان كان دفعه و يسقط عنه ان لم يكن دفعه، و العين ليست مضمونة عليه في هذه الصورة لاعتراف المالك بكونها أمانة بالاجارة.
و ان كان المدّعي المتصرّف فحلف المالك استحقّ أجرة المثل، فله المطالبة ان لم يكن قبض قدرها و ان زادت عن المسمّى بزعم المتصرّف، و ان كان المسمّى أكثر فليس له المطالبة في الزائد الاّ أن يكذّب نفسه بالقول السابق و ان وجب على المتصرّف ايصاله اليه بطريق من الطرق الشرعيّة، و لو كان المتصرّف قد أقبض المسمّى و كان أزيد من أجرة المثل فليس له المطالبة بالزائد المعترف
1) مفتاح الكرامة 7 280 .
بعدم استحقاقه الاّ أن يكذّب نفسه كما عرفت و ان وجب على المالك ايصاله اليه كذلك، ولكن العين هنا مضمونة اذا كان المالك منكرا لأصل الاذن و الاّ فلا ضمان. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
الصور المتصوّرة في المسألة أربع:
اثنتان منها قبل الاستيفاء و اثنتان بعده:
الأولى: اذا كان قبل الاستيفاء و كان المالك منكرا فيحلف المنكر فيرجع كلّ واحد من المنفعة و مال الاجارة الى صاحبه.
الثانية: اذا كان المتصرّف منكرا، فكالأولى.
الثالثة: اذا كان بعد الاستيفاء و كان المالك منكرا فان كانت الأجرة أزيد من الأجرة المسمّاة، فيحلف فيستحقّها. و أمّا ان كانت الأجرة أقلّ من الأجرة المسمّاة فلا معنى لانكار الاجارة؛ لأنّ المالك ان لم ير نفسه مستحقّا بالنسبة الى الزيادة فيرجعها الى المتصرّف ان كان قد قبضها، و الاّ لايقبض الزيادة.
الرابعة: اذا كان المتصرّف منكرا و كانت أجرة المثل أقلّ فيحلف فيدفع أجرة المثل الى المالك ان لم يدفعها. و أمّا ان كانت أكثر فلا معنى ليمينه، فان كان عالما باستحقاق المالك بالنسبة الى الزائد فيدفعه اليه.
و في المستند: «قد يفرض ذلك قبل استيفاء المنفعة، و حكمه حينئذ ظاهر، فانّه ان كانت للمدّعي - سواء أكان هو المالك أم المستأجر - بيّنة قدّم قوله، و الاّ حلف المنكر بقانون أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه، فيرجع كلّ مال الى صاحبه فكانت المنفعة للمالك و الأجرة للمستأجر.
و أخرى يفرض بعد الاستيفاء، فيدّعي أحدهما تحقّق الاجارة و استقرار
1) جواهر الكلام 27: 341.
الأجرة المسمّاة، و ينكرها الآخر و أنّ عليه أجرة المثل.
و حينئذ فقد يكون المدّعي هو المالك، و أخرى هو المتصرّف، و على التقديرين فقد ذكر في المتن أنّ القول قول منكر الاجارة مع اليمين، فلايستحقّ المالك الاّ أجرة المثل، ولكنّه لايستقيم على اطلاقه.
و توضيحه:
أمّا في الصورة الأولى: فانّما يتّجه ما ذكره قدس سره فيما اذا ادّعى المالك أجرة زائدة على أجرة المثل، كما اذا كانت مائة، و المالك يدّعي مائتين، فانّ هذه الزيادة التي ينكرها الآخر تحتاج الى الاثبات، فاذا لم تثبت - كما هو المفروض - سقطت الدعوى، فلايستحقّ الاّ ما يعترف به المنكر من كونه مأذونا في التصرّف مع الضمان المنطبق على أجرة المثل.
و أمّا اذا ادّعى أجرة أقلّ منها، كخمسين دينارا في المثال المزبور و ان كان الفرض نادرا جدّا، فلايتمّ ما أفاده قدس سره من يمين المنكر في هذه الصورة، ضرورة أنّ المنكر - و هو المتصرّف - لايدّعي عليه المالك شيئا حتّى يحتاج في ردّه و اسقاطه الى اليمين، كيف؟! و هو معترف بما يدّعيه المالك و زيادة، فاذن يحلف على أيّ شيء؟! و لا يمين الاّ لاسقاط حقّ أو مال يدّعى عليه». (1)
(مسألة 2): لو اتّفقا على أنّه أذن للمتصرّف في استيفاء المنفعة، ولكن المالك يدّعي أنّه على وجه الاجارة بكذا أو الاذن بالضمان، و المتصرّف يدّعي أنّه على وجه العارية، ففي تقديم أيّهما وجهان بل قولان: من أصالة البراءة بعد فرض كون التصرّف جائزا، و من أصالة احترام مال المسلم الذي لايحلّ الاّ بالاباحة و الأصل عدمها فتثبت أجرة المثل بعد التحالف، و لايبعد ترجيح الثاني، و جواز التصرّف أعمّ من الاباحة.
1) مستند العروة 422:30 و 423.
الشرح:
ففي الجواهر: «اذا قال الراكب مثلاً: أعرتنيها، و قال المالك: آجرتكها، فالقول قول الراكب مع يمينه عند الشيخ و ابن زهرة و أوّل الشهيدين و الأردبيلي و الخراساني على ما حكي عن بعضهم؛ لأنّ المالك مدّعٍ للأجرة و الراكب ينفيها، فهو مع أصل البراءة السالم عن معارضة الاقرار بالاستيفاء مثلاً بعد أن اتّفقا على كونه بالاذن التي تقع على وجوه، فهي أعمّ من الاستحقاق، فليس المالك حينئذ الاّ مدّعيا صرفا. و قيل كما عن ابن ادريس و اجارة المهذّب، بل لعلّه المشهور: القول قول المالك في عدم العارية التي ادّعاها الراكب فاذا حلف حينئذ سقطت دعوى الراكب و تثبت عليه أجرة المثل لا المسمّى الذي نفاه الراكب أيضا بيمينه؛ اذ هو منكر بالنسبة اليه - الى أن قال: - و القول الثاني هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها أصالة عدم خروج مال المسلم من يده الاّ بقوله. انتهى ملخّصا». (1)
قال في المستند: «قد تفحّصت روايات باب القضاء كلّها فلم أر فيها من تفسير المدّعي و المنكر عينا و لا أثرا، و انّما الوارد فيها التعرّض لأحكامهما. و من ثمّ اختلفت كلماتهم في تفسير هاتين الكلمتين، فقيل في معناهما أمور: من أنّ المدّعي من لو تَرك تُرك، أو من خالف قوله الأصل أو الظاهر، و غير ذلك من الوجوه التي لايمكن التعويل عليها لكونها بلا دليل. و المرجع في تشخيص الموضوع هو العرف و بناء العقلاء، فكلّ من يدّعي شيئا و يكون في اعتبار العقلاء هو الملزم باثباته و مطالبا بدليله و برهانه فهو المدّعي و يقابله المنكر. و هذه الدعوى تتحقّق عند العقلاء في أحد موردين: أحدهما: من يلزم غيره بحقّ أو مال أو شبه ذلك من زوجيّة أو شرط ضمن عقد أو دين أو نحوها. ثانيهما: دعوى من يعترف بالحقّ بأدائه و الخروج عن عهدته و فراغ ذمّته عنه. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
يمكن أن يقال: انّ ما ذهب اليه صاحب المستند في معرفة المدّعي و المنكر هو الصحيح؛ لأنّه مضافا الى بناء العقلاء مطابق لمعناهما اللغوي، و عليه لو اتّفق المالك و المتصرّف على أنّه أذن للمتصرّف في استيفاء المنفعة، و المالك يدّعي أنّه على وجه الاجارة بكذا، و المتصرّف يدّعي أنّه على وجه العارية، ففي الحقيقة انّ المدّعي هو المالك؛ لأنّه يدّعي أنّ له حقّا على المتصرّف و أنّه ضامن للأجرة و المنكر هو المتصرّف؛ لأنّه ينكر ما يدّعيه المالك و أنّه لا حقّ له عليه. و حينئذ فان كان للمالك بيّنة و أتى بها يثبت الاجارة، و الاّ يحلف المنكر فلم يكن للمالك حقّ في استيفاء المتصرّف المنفعة، و يجوز له أن يأخذ ما بيد المتصرّف عنه. و هذا مطابق للقول الأوّل الذي أشار اليه المصنّف، و تقدّم عن صاحب الجواهر، الاّ أنّه يمكن أن يقال أيضا بأنّ كلاًّ منهما مدّعٍ و منكر؛ فانّ المالك يدّعي الاجارة و ينكر العارية، و المتصرّف يدّعي العارية و ينكر الاجارة، فحينئذ يلزم التحالف و الرجوع الى القواعد و الأصول الشرعيّة، من احترام مال المسلم، و الحكم بضمان من هو عنده حتّى يثبت ما يقتضي عدمه من عارية و اباحة مجّانية.
ولكن فيه: انّ المتصرّف في الحقيقة منكر لما ادّعى عليه المالك و القول بأنّه مدّعٍ خلاف الواقع و الحقيقة، فلا موضوع للتحالف. و أمّا احترام مال المسلم و الحكم بضمانه لقاعدة «لايحلّ مال امرئ مسلم الاّ بطيبة نفسه» و «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» و «من أتلف»، ففيه: انّ الفرض أنّ المالك و المتصرّف يتّفقان على أنّ تصرّفه لم يكن بغير طيب النفس و لم يكن غصبا، و لم يتلف ماله، بل اتّفقا على أنّ تصرّف المتصرّف كان باذن المالك، الاّ أنّ المالك يدّعي أنّ اذنه كان عن عقد الاجارة، و المتصرّف منكر لهذا العقد، و يقول بأنّ اذنه كان مجّانيا و بعنوان العارية، فالمالك يدّعي الاذن في ضمن عقد الاجارة، فكيف تشمله القواعد المذكورة؟ و كيف كان انّ هناك موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل استودع رجلاً ألف درهم فضاعت، فقال الرجل: كانت عندي وديعة، و قال الآخر: انّما كانت لي عليك قرضا، فقال: المال لازم له الاّ أن يقيم البيّنة أنّها كانت وديعة». (1)
فانّها تؤيّد قول المشهور بأنّ القول قول المالك مع يمينه الاّ أن يثبت المتصرّف أنّ تصرّفه كان بعنوان العارية، الاّ أنّ المستفاد من الرواية أنّ المتصرّف ضامن، فانّ المالك و ان أذن له في التصرّف الاّ أنّ اذنه - بادّعائه - مقيّد بالضمان، و لاتثبت يمينه غير ضمان المتصرّف، فيجب عليه أجرة المثل بشرط كونها مساوية للمسمّاة أو أقلّ منها. أمّا اذا كانت أزيد فلا؛ لاعتراف المالك بدعواه المسمّاة بعدم استحقاقها. و أمّا كونها أقلّ مع أنّ المالك يدّعي الأجرة المسمّاة فلأنّ المتصرّف منكر فيحلف و تنتفي الأجرة المسمّاة.
(مسألة 3): اذا تنازعا في قدر المستأجر عليه قدّم قول مدّعي الأقلّ.
الشرح:
قال في المستمسك: «كما هو المعروف المصرّح به في كلماتهم؛ لأصالة عدم وقوع الاجارة على الزائد المختلف فيه، فيكون القائل به منكرا. نعم، بناءً على أنّ المعيار في المدّعي صورة القضيّة: يكونان متداعيين، كما نسب الى جماعة، ففي جامع المقاصد: «انّه لا ريب في قوّة التحالف، و قد عرفت ضعفه». (2)
و في الجواهر: «لو اختلفا في قدر المستأجَر، فانّ القول قول المالك الذي هو المنكر غالبا في مثل ذلك؛ لأصالة عدم وقوعها على أزيد ممّا اعترف به، و احتمال التحالف - أو القول به لأنّ كلاًّ منهما مدّعٍ و منكر - ضعيف؛ لما قلنا انّ ضابط
التحالف عدم اتّفاقهما على شيء من مورد العقد، بل أحدهما يقول: آجرتك البيت، و الآخر يقول: الدابّة مثلاً، نحو ما سمعته في البيع الذي لا فرق عند التأمّل بينهما بالنسبة الى ذلك. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
اذا تنازعا في قدر المستأجر عليه فتارة يدّعي المستأجر الزيادة و هو الغالب - كأن يقول: آجرتني تمام الدار بكذا - و يقول المؤجر: بل آجرتك نصف الدار بكذا. فحينئذ فعلى المستأجر الذي هو المدّعي الاثبات و الاّ يحلف المنكر أي المؤجر فيرفع النزاع.
و أخرى يدّعي المؤجر الزيادة - كأن يقول مثلاً: آجرتك تمام الدار بكذا، و يقول المستأجر: بل آجرتني نصف الدار بكذا - فان كان في ايجار تمامها منفعة له، فعلى المؤجر الاثبات و الاّ يحلف المنكر. و أمّا ان لم يكن له منفعة، فحينئذ يمكن أن يقال: فعليهما التحالف - كما في المستند: (2)- لاعتراف المستأجر بعدم استحقاقه على المالك أزيد من النصف، و يعارضه اعتراف المالك باستحقاق المستأجر تمام الدار، فكلّ منهما يعترف على نفسه شيئا لا أنّه يدّعي على الآخر شيئا ليحتاج الى الاثبات، فيكون من باب التداعي و يطالبان ببيّنة أو يمين، فهذا خارج عن مورد الدعوى.
(مسألة 4): اذا تنازعا في ردّ العين المستأجرة قدّم قول المالك.
الشرح:
اذا تنازعا في ردّ العين المستأجرة قدّم قول المالك ان لم يكن للمستأجر بيّنة؛ لأنّه يدّعي ردّها و المالك ينكر ذلك.
و في المستمسك: «من دون خلاف ظاهر و لا اشكال؛ لأصالة عدم الردّ. و قبول دعوى الودعي الردّ بالاجماع - لو تمّ - لايقتضي قياس المقام عليه؛ لاختلافهما في أنّ القبض في المقام لمصلحة القابض، بخلاف الودعي، فانّه لمصلحة المالك». (1)
و في المستند: «قد ذهب جماعة الى تقديم قول الودعي بالاجماع، ولكنّه لم يثبت، بل الحال فيه كالمقام في الحاجة الى الاثبات». (2)
(مسألة 5): اذا ادّعى الصائغ أو الملاّح أو المكاري تلف المتاع من غير تعدٍّ و لا تفريط و أنكر المالك التلف، أو ادّعى التفريط أو التعدّي قدّم قولهم مع اليمين على الأقوى.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا ادّعى الصانع أو الملاّح أو المكاري هلاك المتاع و أنكر المالك، كلّفوا البيّنة، و مع فقدها يلزمهم الضمان. و قيل: القول قولهم مع اليمين؛ لأنّهم أمناء و هو أشهر الروايتين، و كذا لو ادّعى المالك عليهم التفريط». (3)
و في الجواهر بعد ذكر ما في الشرائع من «أنّهم كلّفوا البيّنة و مع فقدها يلزمهم
الضمان» قال: «على المشهور كما في المسالك، بل عن المرتضى دعوى أنّه اجماعنا و من متفرّداتنا، الاّ أنّ معقده الصنّاع كالقصّار و الخيّاط و ما أشبههما الاّ أنّا لم نجده الاّ ليونس بن عبدالرحمن على ما حكي عنه، و المفيد و الشيخ في موضعين من النهاية، مع أنّا لم نتحقّقه للأوّل منهم، بل لعلّ ظاهر المحكي عنه يقتضي ضمانهم على ما جنته أيديهم، فليس حينئذ الاّ المفيد و المرتضى».
و بعد ذكر ما في الشرائع «و قيل: القول قولهم مع اليمين ... » قال: «و هو خيرة النهاية في أوّل كلامه، و الخلاف و المبسوط و المراسم و الكافي والمهذّب و الوسيلة و السرائر و جامع الشرائع و التذكرة و التحرير و القواعد و الارشاد و المختلف و التنقيح و ايضاح النافع و جامع المقاصد و الرياض و المسالك على ما حكي عن بعضها، بل عن السرائر نسبتها الى أكثر المحصّلين و أنّه الأظهر في المذهب و عليه العمل، بل عن ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه، بل عن الخلاف عليه اجماع الفرقة و أخبارهم». (1)
أقول:
قد وردت هنا طوائف من الروايات: منها ما دلّ على ضمان العامل مطلقا، و منها ما دلّ على عدم ضمانه مطلقا، و منها ما دلّ على التفصيل، فان كان متّهما يضمن و الاّ فلا.
فالطائفة الأولى: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في الغسّال و الصبّاغ:
«ما سرق منهم (2)من شيء فلم يخرج منه على أمر بيّن أنّه قد سرق و كلّ قليل له أو كثير فان فعل فليس عليه شيء، و ان لم يقم البيّنة و زعم أنّه قد ذهب الذي ادّعي عليه فقد ضمنه ان لم يكن له بيّنة على
قوله». (1)
و صحيحة الحلبي الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن رجل جمّال أستكري منه ابلاً (2)و بعث معه بزيت الى أرض فزعم أنّ بعض زقاق الزيت انخرق فاهراق ما فيه. فقال: ان شاء أخذ الزيت. و قال: انّه انخرق ولكنّه لايصدق الاّ ببيّنة عادلة». (3)
و الطائفة الثانية صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصبّاغ و القصّار، فقال: ليس يضمنان». (4)
و رواية يونس قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن القصّار و الصائغ، أيضمّنون؟ قال: لايصلح الاّ أن يضمنوا»(5)
243 / الحديث 10)
.(6)قد دلّت على عدم ضمان العامل الاّ أن يشترط عليه الضمان في العقد.
و الطائفة الثالثة صحيحة جعفر بن عثمان قال:
«حمل أبي متاعا الى الشام مع جمّال فذكر أنّ حملاً منه ضاع، فذكرت ذلك لأبي عبداللّه عليه السلام فقال: أتتّهمه؟ قلت: لا. قال: فلاتضمّنه».(7)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) وسائل الشيعة 19: 141 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 2.
2) وفي المصدر: ابل، بدل ابلاً . ( الكافي 5: 243 / الحديث 1)
3) وسائل الشيعة 19: 148 / الباب 30 من كتاب الاجارة / الحديث 1.
4) وسائل الشيعة 19: 145 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 14.
5) و في المصدر: عن القصار و الصائغ أيضمنون؟ قال: لا يصلح الناس لا أن يضمنوا». (فروع الكافي ه:
6) وسائل الشيعة 19 144 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 9.
7) وسائل الشيعة 19: 150 / الباب 30 من كتاب الاجارة / الحديث 6.
«كان أميرالمؤمنين عليه السلام يضمّن القصّار و الصائغ احتياطا للناس و كان أبي يتطوّل عليه اذا كان مأمونا». (1)
دلّت بالمفهوم على الضمان ان لم يكونا مأمونين.
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان علي عليه السلام يضمّن القصّار و الصائغ يحتاط به على أموال الناس و كان أبو جعفر عليه السلام يتفضّل عليه اذا كان مأمونا». (2)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الجمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه، قال: ان كان مأمونا فليس عليه شيء، و ان كان غير مأمون فهو ضامن». (3)
فانّ الطائفة الأولى و الطائفة الثانية من الروايات متعارضتان، فانّ الأولى دالّة على الضمان مطلقا الاّ أن يقيم الصائغ البيّنة، و الثانية دالّة على عدم الضمان مطلقا، فبالطائفة الثالثة يرفع التعارض بينهما؛ فانّها تقيّد اطلاق الطائفة الأولى فينتج أنّ الصائغ و مثله ضامن ان كان متّهما، و تقيّد أيضا الطائفة الثانية و ينتج أنّه ليس بضامن الاّ اذا كان متّهما، أو شرط عليه الضمان.
غير أنّ بازاء ذلك ما دلّ على أنّ وظيفة العامل حين الاتّهام هو الحلف و لايكلّف بالبيّنة، كرواية بكر بن حبيب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أعطيت جبّة الى القصّار فذهبت بزعمه. قال: ان اتّهمته فاستحلفه، و ان لم تتّهمه فليس عليه شيء». (4)
و بهذا الاسناد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايضمّن القصّار الاّ ما جنت يداه، و ان اتّهمته أحلفته». (1)
و صحيحة أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايضمّن الصائغ و لا القصّار و لا الحائك الاّ أن يكونوا متّهمين فيخوّف (2)بالبيّنة و يستحلف لعلّه يستخرج منه شيئا. و في رجل استأجر جمّالاً فيكسر الذي يحمل أو يهريقه، فقال: على نحو من العامل ان كان مأمونا فليس عليه شيء، و ان كان غير مأمون فهو ضامن».(3)
و الظاهر أنّ روايتي بكر بن حبيب مع ضعف سندهما لاتعارضان الطوائف المتقدّمة و ما ينتج منها، بل يمكن حملهما عليها بأن يقال: انّ المراد من قوله عليه السلام «استحلفه» أو «أحلفته» بعد عدم امكان اقامته البيّنة، و كذلك تحمل الصحيحة على ذلك، بتقريب أنّه يخوّف بالبيّنة و على فرض عدمها الاستحلاف، كلّ ذلك مع كونهم متّهمين.
و الحاصل أنّ الأظهر في حكم هذه المسألة أنّه اذا ادّعى الصائغ أو الملاّح أو المكاري و نحوهم تلف المتاع من غير تعدٍّ و لا تفريط و أنكر المالك التلف أو ادّعى التفريط أو التعدّي، فان كانوا متّهمين فعليهم البيّنة، و ان لم يقيموا فعليهم اليمين. و ان لم يكونوا متّهمين فليس عليهم شيء، فعلى المالك الاثبات بالبيّنة.
و في المستند: «قد يقال: انّ نصوص الضمان بالرغم من صحة أسانيدها ساقطة عن درجة الاعتبار؛ من أجل اعراض الأصحاب عنها، حيث انّ المشهور ذهبوا الى الاستحلاف المطابق لمضمون الطائفة الأخيرة. اذن فيكون المرجع - بعد وضوح أنّ العامل في المقام هو المنكر - الاطلاقات الناطقة بأنّ اليمين على
المنكر المعتضدة في المقام بهذه الروايات.
و يندفع أوّلاً: بمنع تحقّق الشهرة بمعناها المعروف، أعني الاشتهار بين الأصحاب كالمتسالم عليه، و الحال أنّه ليس كذلك؛ فانّ الشهيد نسب القول بالضمان الى المشهور. و ثانيا: على تقدير التنازل فلم يعلم اعراض الأصحاب عنها، و لعلّهم عاملوا مع الطائفتين معاملة المتعارضتين فقدّموا النصوص الناطقة بأنّ اليمين على من أنكر. و ثالثا: لايسقط الصحيح بالاعراض عن الحجّيّة. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 6): يكره تضمين الأجير في مورد ضمانه من قيام البيّنة على اتلافه أو تفريطه في الحفظ أو تعدّيه أو نكوله عن اليمين أو نحو ذلك.
الشرح:
و في المستمسك (2)نقل نسبة ذلك الى الأصحاب و استشهد له بخبر حذيفة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يحمل المتاع بالأجر فيضيع المتاع، فتطيب نفسه أن يغرمه لأهله، أيأخذونه؟ قال: فقال لي: أمين هو؟ قلت: نعم. قال: فلايأخذ منه شيئا». (3)
و في المستند: «انّ الرواية قاصرة الدلالة؛ اذ المفروض ائتمان الأجير، و معه لا موضوع للضمان و ان أحبّ تدارك الخسارة من تلقاء نفسه تحفّظا على كرامته و لكي لايتّهم. فمورد الرواية هو الأمين، و معه لا ضمان على العامل، فهي أجنبيّة عن محلّ الكلام بالكلّيّة. مضافا الى ضعف سندها. فالكراهة لا دليل عليها. نعم،
لابأس بالالتزام باستحباب ترك التضمين و رفع اليد عن الحقّ من باب أنّه احسان في حقّ الغير، و هو حسن و مندوب. انتهى ملخّصا». (1)
و ما ذهب اليه في المستند حسن، لابأس به.
(مسألة 7): اذا تنازعا في مقدار الأجرة قدّم قول المستأجر.
قد تقدّم الكلام في المسألة الثالثة فيما اذا تنازعا في قدر المستأجر عليه، و المسألتان من وادٍ واحد.
(مسألة 8): اذا تنازعا في أنّه آجره بغلاً أو حمارا أو آجره هذا الحمار - مثلاً - أو ذاك فالمرجع التحالف، و كذا لو اختلفا في الأجرة أنّها عشرة دراهم أو دينار.
الشرح:
قال في المستمسك: «كما هو المشهور المعروف. يظهر ذلك من كلماتهم في مباحث النزاع من كتاب البيع، ففي الشرائع: «لو قال: بعتك هذا الثوب، فقال: بل هذا، فهنا دعويان». و نظيره ذكر في القواعد، قال: «لو قال بعتك العبد بمائة، فقال: بل الجارية، تحالفا و بطل البيع». و ظاهر الجواهر و غيرها: عدم الخلاف و الاشكال في ذلك. نعم، قال الشهيد في اللمعة: «و في تعيين المبيع يتحالفان». و قال الشيخ و القاضي: «يحلف البائع كالاختلاف في الثمن». و في المسالك بعد نقل ما تقدّم عن الشرائع قال: «الحكم هنا واضح بعد الاحاطة بما سلف»». (2)
أقول:
اذا ادّعى المؤجر أنّه آجر المستأجر حمارا و أنكر المستأجر و ادّعى أنّه آجره بغلاً فالظاهر أنّ كلاًّ منهما مدّعٍ و منكر فعليهما التحالف، فاذا تحالفا بطلت الاجارة. فان كان قبل الاستيفاء يدفع كلّ من أخذ المال من الطرف الآخر الى مالكه، و ان كان بعد الاستيفاء أو أثناءه فعلى المستأجر أجرة المثل. و أمّا لو اختلفا في الأجرة فقال أحدهما: انّها عشرة دراهم، و قال الآخر: انّه دينار، فان كان رجوع الاختلاف الى مقدار الأجرة فحكمه كما في المسألة الثالثة، و ان كان الاختلاف في الشيئين المتباينين لم يكن بينهما قدر مشترك كما في الحمار و البغل - في صدر المسألة - فحكمه التحالف. هذا اذا لم يكن لهما بيّنة أو كان لهما بيّنة. و أمّا اذا أقام أحدهما بيّنة دون الآخر فالحكم لمن أقام البيّنة.
و في المستند اعترض على بعض الأكابر في حاشيته على العروة أنّ المقام من موارد المدّعي و المنكر، دون التداعي لينتهي الأمر الى التحالف. و كذا على ما في المستمسك، و أجاب عنهما فراجع. (1)
(مسألة 9): اذا اختلفا في أنّه شرط أحدهما على الآخر شرطا أو لا فالقول قول منكره.
الشرح:
اذا ادّعى المؤجر أنّه شرط على المستأجر شرطا فأنكره المستأجر، أو ادّعى المستأجر أنّه شرط على المؤجر شرطا فأنكره المؤجر، فهذا من موارد الدعوى، فعلى المدّعي البيّنة و مع عدمها فعلى المنكر اليمين.
ففي المستند: «لوضوح أنّ الشرط مؤونة زائدة على أصل العقد، فمدّعي
1) مستند العروة 441:30 - 443.
تحقّقه سواء أكان المؤجر أم المستأجر هو الملزم بالاثبات، فهذا من موارد المدّعي و المنكر، و لا موجب لجعله من موارد التحالف». (1)
(مسألة 10): اذا اختلفا في المدّة أنّها شهر أو شهران - مثلاً - فالقول قول منكر الأزيد.
الشرح:
اذا ادّعى المستأجر على المؤجر أنّه استأجر داره لشهرين بكذا، و أنكر المؤجر و قال: بل آجرتها لمدّة شهر، فانّ على مدّعي الزيادة أي المستأجر الاثبات، فان لم يأت بالبيّنة فعلى المنكر اليمين؛ فانّهما موافقان في أصل الاجارة و مدّة شهر و انّما اختلفا في الزيادة، فالأصل عدمها الاّ أن تثبت.
ففي المستند: «اذ هما بعد أن اتّفقا على أصل المنفعة و مقدار الأجرة و كان الاختلاف في المدّة فمدّعي الزيادة هو الملزم بالاثبات، و بدونه يقدّم - طبعا - قول المنكر، بل انّ هذا في الحقيقة داخل في التنازع في قدر المستأجر عليه الذي مرّ البحث حوله في المسألة الثالثة». (2)
(مسألة 11): اذا اختلفا في الصحّة و الفساد قدّم قول من يدّعي الصحّة.
الشرح:
ففي المستند: «اذا قال المستأجر - مثلاً - انّ عقد الاجارة كان باطلاً، و ادّعى المؤجر صحّتها، أو بالعكس، فتارة يرجع ادّعاء المستأجر من بطلان الاجارة الى ما كان ركنا بحيث لو فقد لم تكن اجارة أصلاً، كما لو ادّعى أنّ المؤجر قد عقد في
حال جنونه، فحينئذ الأصل عدمها، فعلى المؤجر المدّعي للصحّة الاثبات، و ان لم يأت بالبيّنة فعلى المستأجر المنكر للصحّة اليمين. و أخرى يرجع ادّعاء المستأجر من فسادها الى ما كان شرطا للصحّة، كما لو شكّ في اجراء عقد الاجارة بالعربيّة - لو شرطنا العربيّة - فأصالة الصحّة جارية، لا بمعنى حمل فعل المسلم على الصحيح بل للسيرة العقلائيّة الممضاة من الشارع. فعلى مدّعي الفساد الاثبات، فان لم يأت بالبيّنة فعلى المؤجر المنكر اليمين. و في الصورة الأولى لم يحرز جريان السيرة في الحمل على الصحّة. انتهى ملخّصا». (1)
ولكنّ الظاهر أنّ السيرة العقلائيّة جارية في الحمل على صحّة المعاملات الصادرة عن الأفراد اذا شكّ في صحّتها، سواء كان الشكّ في أركانها أو في شرائطها. فلو ادّعى أحد طرفي المعاملة أنّه كان صبيّا أو مجنونا أو غير ذلك ممّا يرجع الى ركن المعاملة لم يقبل قوله الاّ اذا أتى بدليل. و هذا التفصيل الذي بنى عليه في المستند و ان كان المحقّق في جامع المقاصد في كتاب الاجارة ذهب اليه الاّ أنّه رجع منه في موضع من كتاب البيع، و آخر من كتاب الرهن، كما في مفتاح الكرامة (2)و المستمسك. (3)
و الحاصل أنّ ما ذهب اليه المصنّف من تقديم قول مدّعي الصحّة صحيح.
و في المستمسك تأييدا لقول المصنّف قال: «كما هو المعروف بين الأصحاب، كما عن الكفاية؛ لاستقرار سيرة العقلاء و المتشرّعة على حمل الفعل الصادر المحتمل الصحة و الفساد على الصحّة، و لايختصّ ذلك بفعل المسلم، بل يطّرد في فعل كلّ عاقل». (4)
(مسألة 12): اذا حمل المؤجر متاعه الى بلد فقال المستأجر: استأجرتك على أن تحمله الى البلد الفلاني غير ذلك البلد و تنازعا، قدّم قول المستأجر. فلايستحقّ المؤجر أجرة حمله، و ان طلب منه الردّ الى المكان الأوّل وجب عليه، و ليس له ردّه اليه اذا لم يرض، و يضمن له ان تلف أو عاب؛ لعدم كونه أمينا حينئذ في ظاهر الشرع.
الشرح:
اذا حمل المؤجر متاعه من طهران الى بلد - مثلاً شيراز - فقال المستأجر: استأجرتك على أن تحمله الى البلد الفلاني - مثلاً مشهد - و تنازعا، فالظاهر أنّ كليهما مدّعٍ و منكر. فالمستأجر يدّعي استئجاره ليحمل متاعه الى مشهد، و المؤجر ينكره و يدّعي أنّه أمره ليحمل المتاع الى شيراز، فحينئذ يكون كلّ منهما مدّعيا و منكرا، فان كان لأحدهما بيّنة قدّم قوله، و ان لم يكن لهما بيّنة فيتحالفان و تبطل الاجارة، و يرجع المتاع الى صاحبه فيكون تصرّفه بغير اذن المالك غير جائز. و الظاهر أنّ الأجير لايستحقّ شيئا لعدم ثبوت كون عمله على ما أراد المستأجر. و أمّا وجوب الردّ عليه الى مكانه الأوّل ان طلب المستأجر منه غير معلوم؛ لأنّه لم يثبت كونه غاصبا الى الآن.
و أمّا فتوى بعض المحشّين:
و في قول المصنّف «و ان طلب منه الردّ الى المكان الأوّل وجب عليه» قال الگلپايگاني: فيه تأمّل، فانّ الواجب هو الردّ الى المالك، و أمّا الى المكان الأوّل فلا دليل عليه.
هذا اذا كان طريقا البلدين مختلفين و لم يشتركا أصلاً. و أمّا اذا كان البلدان مشتركين في مسافة من الطريق و يدّعي المؤجر أنّ المستأجر أمره ليحمل متاعه من طهران الى اصفهان، و المستأجر يدّعي أنّه استأجره ليحمل متاعه الى شيراز، فحيث يكون نزاعهما في الأقلّ و الأكثر فكلاهما موافقان بأنّ الأجير يستحقّ الأجرة لحمله المتاع الى اصفهان فبعد التحالف و ابطال الاجارة يعطي الأجير أجرة المثل.
و أمّا المصنّف فقد ذهب الى تقديم قول المستأجر بناءً منه على أن يكون الأجير مدّعيا و لم يقم بيّنة، فالمستأجر منكر فعليه اليمين. و أمّا كون الأجير مدّعيا فلأنّه يدّعي الأجرة لحمله متاع المستأجر، فالمستأجر ينكر ادّعاءه و يقول بأنّه لايستحقّ الأجرة لتخلّفه ما عقد عليه الاجارة، فاذا حلف المستأجر بطلت الاجارة من أصلها، و حيث انّه لم يأت بشيء ممّا عقد عليه الاجارة لم يستحقّ شيئا، فاذا طلب منه المستأجر الردّ الى مكانه الأوّل وجب؛ لأنّه بتخلّفه صار غاصبا، و عليه أن يردّ المتاع الى مكانه الأوّل - الاّ أن يرضى المالك بردّه - و حيث انّه يكون غاصبا فان تلف أو صار معيبا حين ردّه يكون ضامنا.
ففيه ما تقدّم من أنّ الظاهر أنّ كلاًّ منهما مدّعٍ و منكر.
(مسألة 13): اذا خاط ثوبه قباءً و ادّعى المستأجر أنّه أمره بأن يخيطه قميصا،
1) كاشف الغطاء الله رحمه الله
فالأقوى تقديم قول المستأجر؛ لأصالة عدم الاذن في خياطته قباءً. و على هذا فيضمن له عوض النقص الحاصل من ذلك. و لايجوز له نقضه اذا كان الخيط للمستأجر. و ان كان له كان له و يضمن النقص الحاصل من ذلك. و لايجب عليه قبول عوضه لو طلبه المستأجر، كما ليس عليه قبول عوض الثوب لو طلبه المؤجر. هذا ولو تنازعا في هذه المسألة و المسألة المتقدّمة قبل الحمل و قبل الخياطة فالمرجع التحالف.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو قطع الخيّاط ثوبا قباءً فقال المالك: أمرتك بقطعه قميصا، فالقول قول المالك مع يمينه. و قيل: قول الخيّاط، و الأوّل أشبه. و لو أراد الخيّاط فتقه لم يكن له ذلك اذا كانت الخيوط من الثوب أو من المالك، و لا أجرة له؛ لأنّه عمل لم يأذن فيه المالك». (1)
و في الجواهر بعد ذكر ما في الشرائع قال: «و الأوّل أشبه بأصول المذهب و قواعده، بل هو المشهور بل لم يعرف الخلاف الاّ من الشيخ في الباب المزبور (وكالة المبسوط و الخلاف)، و الاّ فالمحكي عنه هنا الموافقة - الى أن قال: - و لا وجه للتحالف و ان حكي عن الشافعي و بعض أصحابنا؛ لعدم تحقّق دعويين في الفرض المزبور، بل الدعوى مختصّة بالخيّاط - الى أن قال: - نعم، لو كان نزاعهما في تعيين العمل المستأجر عليه قبل قطع الثوب اتّجه التحالف و انفساخ الاجارة نحو ما سمعته في التنازع في تعيين المبيع». (2)
أقول:
تارة لايكون بين القباء و القميص قدر مشترك بمعنى أنّ مالك الثوب يلبس القباء، و لايليق بحاله لبس القميص و لايمكن أن يجعله قباءً، فحينئذ يكون حال المسألة كالمسألة السابقة و بابها باب التداعي: لو لم يكن لأحدهما بيّنة يحلف كلاهما فتبطل الاجارة، و لايستحقّ الأجير الأجرة، و يضمن قيمة الثوب ان لم تكن للقميص قيمة. و ان كانت له قيمة فيضمن للمستأجر ما يتفاوت بينهما من القيمة، و لو كان للخيوط التي استعملت في الثوب قيمة يجوز له أن يملكها اذا لم يكن موجبا للنقص في القميص ان كان له قيمة، و الاّ يجوز أن يقبض عوضها.
و أخرى يكون بينهما قدر مشترك، و يمكن أن يصنع القباء بصورة القميص، فحينئذ المؤجر مدّعٍ بالنسبة الى الأجرة الزائدة لو لم تسمّ الأجرة و المستأجر منكر، فان لم تكن للمؤجر بيّنة فيحلف المنكر فلايستحقّ المؤجر الزيادة، و عليه أن يصنع القباء بصورة القميص الاّ أن يمنعه المستأجر من ذلك.
(مسألة 14): كلّ من يقدّم قوله في الموارد المذكورة عليه اليمين للآخر.
الشرح:
قد تقدّم في كلّ مسألة من المسائل المتقدّمة حكمها، و عليه فاليمين على من أنكر ان لم تكن للمدّعي بيّنة، و على المدّعي أيضا ان ردّ المنكراليمين عليه كما في المسائل المتعلّقة بالقضاء، فانّ القضاء و فصل النزاع لايكون الاّ بالبيّنة أو اليمين كما ثبت في محلّه، فيطالب المدّعي بالبيّنة أوّلاً، فان تمكّن و الاّ يوجّه الحلف نحو المنكر و له ردّ اليمين الى المدّعي، فليس معنى تقديم قول المنكر عدم الاعتناء بدعوى المدّعي و أنّها تذهب هدرا، بل يعتنى بها و لأجله يكلّف باليمين كما سمعت. نعم، ربّما يطلب اليمين من المدّعي أيضا اذا أتى بشاهد واحد في بعض الموارد، كما في المستند.
«الأولى»: خراج الأرض المستأجرة في الأراضي الخراجيّة على مالكها، و لو شرط كونه على المستأجر صحّ على الأقوى و لايضرّ كونه مجهولاً من حيث القلّة و الكثرة؛ لاغتفار مثل هذه الجهالة عرفا، و لاطلاق بعض الأخبار.
الشرح:
قال في الشرائع: «خراج الأرض و مؤونتها على صاحبها الاّ أن يشترطه على الزارع». (1)
و في الجواهر: «خراج الأرض و مؤونتها كأجرتها و نحوها على صاحبها؛ لأصالة براءة ذمّة العامل الذي لم يوجب عليه عقد المزارعة ذلك و نحوه. بل في خبر سعيد الكندي: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي آجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم. قال: أعطهم فضل ما بينهما. قلت: أنا لم أظلمهم و لم أزد عليهم. قال: انّهم انّما زادوا على أرضك». (2)
و في المستمسك: «لا اشكال ظاهر من أنّ الخراج على المالك لا على المستأجر؛ لأنّه موضوع على من بيده الأرض و من جعل له سلطان التصرّف فيها، فلايكون على المستأجر. و يظهر من كلماتهم في كتاب المزارعة التسالم على الحكم المذكور و ان اختلفت عباراتهم، فمنهم من عبّر بالمالك، و آخر بالصاحب، و ثالث بربّ الأرض. و المراد به ما عرفت، و يشهد بالحكم المذكور خبر سعيد الكندي». (1)
و في المسالك: «أمّا خراج الأرض فهو على مالكها؛ لأنّه موضوع عليها، و هو مرويّ. و روي أيضا أنّ السلطان لو زاد فيها زيادة و طلبها من الزارع وجب على صاحب الأرض دفعها اليهم. و أمّا المؤونة فذكرها المصنّف و العلاّمة في بعض كتبه اجمالاً، و لم ينبّهوا على المراد منها، مع اطلاقهم أنّ العمل على الزارع أو من شرط عليه. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
خراج الأرض على مالكها، و الدليل على ذلك رواية سعيد الكندي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي آجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم. قال: أعطهم فضل ما بينهما. قلت: أنا لم أظلمهم و لم أزد عليهم. قال: انّما زادوا على أرضك». (3)
و الرواية و ان كانت ضعيفة من حيث السند الاّ أنّ ضعف سندها منجبر بعمل الأصحاب، حيث لم يخالف في الحكم أحد من الأصحاب على ما يظهر من المستمسك بل المسالك و الجواهر. و يدلّ عليه أيضا أصالة براءة ذمّة العامل الذي لم يوجب عليه عقد المزارعة، كما ذكره الجواهر، و الخراج وضع على
الأرض من جانب السلطان فهو يتعلّق بذمّة صاحبها قهرا. و يستفاد هذا الحكم أيضا من الروايات الدالّة على أنّ خراجها على العامل ان شرط ذلك صاحب الأرض كما سيجيء.
و مؤونة الأرض أيضا على صاحبها، و المراد بها ما يتوقّف عليه الزرع و لايتعلّق بنفس عمل العامل و مرجع تشخيصها الى العرف، و لعلّه يكون من ذلك اصلاح النهر و الحائط و نصب الأبواب - ان احتيج اليها - و اقامة الدولاب و ما لايتكرّر كلّ سنة - كما نبّه عليه في المسالك - و المراد بالعمل الذي على الزارع ما فيه صلاح الزرع و بقاؤه ممّا يتكرّر كلّ سنة، كالحرث و السقي و آلاتهما و نحو ذلك.
لو شرط المؤجر كون الخراج على المستأجر صحّ، و ذلك للروايات الدالّة على ذلك، كصحيحة داوود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم، و ربّما زاد و ربّما نقص فيدفعها الى رجل على أن يكفيه خراجها و يعطيه مائتي درهم في السنة، قال: لابأس». (1)
و صحيحة ابراهيم بن ميمون قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قرية لأناس من أهل الذمّة لاأدري أصلها لهم أم لا، غير أنّها في أيديهم و عليها خراج، فاعتدى عليهم
1) وسائل الشيعة 19 57 / الباب 17 من كتاب المزارعة / الحديث 1.
السلطان فطلبوا اليّ فأعطوني أرضهم و قريتهم على أن يكفيهم (1)السلطان بما قلّ أو كثر، ففضل لي بعد ذلك فضل بعدما قبض السلطان ما قبض. قال: لابأس بذلك، لك ما كان من فضل». (2)
و لايضرّ كونه مجهولاً من حيث القلّة و الكثرة؛ لاغتفار مثل هذه الجهالة عرفا، و ظاهر الأخبار و ان استشكل في المسالك و قال: «لو شرط عليه الخراج فزاد السلطان فيه زيادة فهي على صاحب الأرض؛ لأنّ الشرط لم يتناولها و لم تكن معلومة، فلايمكن اشتراطها. و لو شرطا ذلك أو بعضه عليهما و اخراجه من الأصل و الباقي بينهما فهو كما لو شرط المالك نصفه على العامل؛ لأنّه بمعناه». (3)
و بالنسبة الى الأخبار ففي الرياض قال بضعف دلالة صحيحة داوود بن سرحان.
و قال صاحب الجواهر: «لعلّ الوجه في اطلاق النصّ و الفتوى صحّة هذا الشرط أنّه من اشتراط كون حقّ الخراج عليه، نحو اشتراط حقّ الزكاة على مشتري الثمرة مع عدم العلم بمقدارها، فلايقدح جهالة ما يؤدّيه عن ذلك؛ اذ ليس هو اشتراط قدر بل هو اشتراط حقّ، و ربّما لايؤدّي عنه شيئا، و مرجعه الى صيرورة الزارع كالمالك في تعلّق هذا الحقّ به الذي لا اشكال في صحّة اشتراطه عليه ولو مؤكّدا، و مثل ذلك ليس من الجهالة في شيء، ما هو واضح». (4)
و في المستند: «تارة يفرض الشرط على سبيل شرط النتيجة، بأنّ ما وضع على صاحب الأرض ينتقل الى المستأجر، كما لعلّه هو ظاهر كلام الجواهر، فهذا غير صحيح، الاّ أن يدلّ عليه دليل. و أخرى يفرض الشرط على سبيل شرط الفعل،
بعنوان العهد بينه و بين المستأجر بحيث يكون الواجب عليه الوفاء بعهده، و هذا صحيح لابأس بالجهل بالمقدار حسبما أشير اليه في المتن. و ذلك أوّلاً لاغتفار مثل هذه الجهالة في نظر العرف بعد أن لم تكن متعلّقة بركن العقد، بل بتوابعه الخارجة عنه. و ثانيا عدم قصور الروايات في دلالتها على عدم قدح مثل هذه الجهالة بمقتضى الاطلاق. فما يذكر منها في باب المزارعة لايكون الفرق بينها و بين الاجارة فيما هو المقصود. و قد ذكر صحيحة داوود بن سرحان، فانّ دلالته على عدم قدح الجهالة واضحة. انتهى ملخّصا». (1)
فما ذهب اليه حسن لابأس به.
«الثانية»: لابأس بأخذ الأجرة على قراءة تعزية سيّد الشهداء و سائر الأئمّة صلوات اللّه عليهم، ولكن لو أخذها على مقدّماتها من المشي الى المكان الذي يقرأ فيه كان أولى.
الشرح:
لابأس بأخذ الأجرة على قراءة تعزية سيّد الشهداء و سائر الأئمّة - صلوات اللّه عليهم - ؛ لأنّها عمل محلّل بل ممدوح، كما تؤخذ الأجرة على الذهاب الى زيارتهم عليهم السلام من المؤجر. نعم، أخذ الأجرة في قراءة تعزية سيّد الشهداء و سائر الأئمّة عليهم السلام على مقدّماتها من المشي الى المكان الذي يقرأ فيه أولى و أقرب الى الاخلاص. و أمّا لزوم تعيين العمل بالخصوصيّات التي تختلف بها الرغبات و الماليّة لاختلاف ماليّة القراءة بلحاظ اختلاف المضامين، و اختلاف كيفيّة الأداء، و
اختلاف المدّة بحيث لو لم يكن تعيين بطلت الاجارة - كما في المستمسك (2)-
فقد أجاب عنه في المستند بأنّ الاختلافات المذكورة لايستوجب اختلافا في ماليّتها بعد كونه أمرا متعارفا خارجا و منضبطا ولو في الجملة، فلايكون الجهل بها جهلاً بالعمل المستأجر عليه، فلا حاجة الى جعل الاجارة بازاء كلّيّ القراءة و ذكر المصاب. (1)
أضف الى ذلك أنّ الغالب تكون القرائن بين المؤجر و المستأجر بالنسبة الى ما ذكر المستمسك موجودة. نعم، لو شرط المؤجر كيفيّة خاصّة للقراءة يجب اتّباعه.
«الثالثة»: يجوز استئجار الصبيّ المميّز من وليّه الاجباري أو غيره كالحاكم الشرعي لقراءة القرآن و التعزية و الزيارات، بل الظاهر جوازه لنيابة الصلاة عن الأموات؛ بناءً على الأقوى من شرعيّة عباداته.
الشرح:
في المستمسك: «الأمور الثلاثة (قراءة القرآن و التعزية و الزيارات) و أمثالها تارة يحصل المقصود منها بمجرّد وجودها سواء كانت عبادة أم لا، و حينئذ لا شبهة في صحّة اجارة الصبي عليها، كسائر الأعمال غير العباديّة مثل الخياطة و النساجة و نحوهما. و أخرى لايحصل المقصود منها الاّ بوقوعها على وجه العبادة، فقد تشكل الاجارة عليها بناءً على أنّ عبادات الصبي تمرينيّة لا شرعيّة، الاّ أن يقال: انّ الخلاف المذكور يختصّ بالعبادات الوجوبيّة. (و أمّا نيابة الصلاة عن الأموات) و قد ذكرنا فيما سبق أنّ أدلّة التشريع عامّة للبالغ و غير البالغ - الى أن قال: - نعم، يعتبر وجود عموم يدلّ على مشروعيّة النيابة من الصبي، كما لو شكّ في نيابة الذكر عن الأنثى و بالعكس. و الظاهر ثبوت هذا العموم؛ لعموم بناء
1) مستند العروة 456:30.
العقلاء و عموم الأخبار المتقدّمة في مباحث النيابة. انتهى ملخّصا». (1)
و في المستند: «لاينبغي الاستشكال في جواز استئجار الصبي المميّز من وليّه الاجباري كالأب و الجدّ، أو الشرعي كحاكم الشرع، بعد أن لم يكن العمل ممنوعا شرعا، و كان موردا لغرض، فالعمل محترم يجوز الاستئجار عليه، فيملكه المستأجر، و يلزم الأجير بتسليمه. (و أمّا جواز نيابة الصبي المميّز الصلاة عن الأموات فقد استشكل فيه و ان كان قائلاً بشرعيّة عباداته، و قال في وجه ذلك:) للسقوط بفعل الغير خلاف اطلاق الخطاب و موقوف على قيام الدليل عليه، و المتيقّن منه صورة بلوغ النائب. أمّا غيره فلم نعثر لحدّ الآن على دليل يدلّ على جواز نيابة غير البالغ، و لا اطلاق في أدلّة النيابة لكي تشمله. انتهى ملخّصا». (2)
أقول:
قد تقدّم في الركن الثاني من فصل أركان الاجارة جواز معاملات الصبي المميّز باذن وليّه من الأب أو الجدّ أو الحاكم الشرعي تفصيلاً فلانعيد، و كذا قد مرّ البحث عنه في كتاب البيع. و أمّا بالنسبة الى جواز استئجاره للصلاة و الصوم عن الميّت، فقد تقدّم البحث عنه في المسألة الحادية عشرة من صلاة الاستئجار (3)و قلنا بصحّة ذلك لشرعيّة عباداته.
«الرابعة»: اذا بقي في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدّة أصول الزرع فنبتت، فان لم يعرض المستأجر عنها كانت له، و ان أعرض عنها و قصد صاحب الأرض تملّكها كانت له، و لو بادر آخر الى تملّكها ملك و ان لم يجز له الدخول في الأرض الاّ باذن مالكها.
الشرح:
قال في التذكرة في كتاب المزارعة: «اذا زارع رجلاً في أرضه فزرعها و سقط من الحبّ شيء و نبت في ملك صاحب الأرض عاما آخر فهو لصاحب البذر عند علمائنا أجمع، و به قال الشافعي. - و قال في كتاب العارية: - لو حمل السيل حبّ الغير أو نواه أو جوزه أو لوزه الى أرض آخر، كان على صاحب الأرض ردّه الى مالكه ان عرفه، و الاّ كان لقطة، فان نبت في أرضه و صار زرعا أو شجرا، فانّه يكون لصاحب الحبّ و النوى و الجوز و اللوز؛ لأنّه نماء أصله، كما أنّ الفرخ لصاحب البيض. و لانعلم فيه خلافا». (1)
و في القواعد في كتاب المزارعة: «فلو تناثر من الحاصل حبّ فنبت في العام الثاني، فهو لصاحب البذر. و لو كان من مال المزارعة فهو لهما». (2)
و في الشرائع في كتاب العارية: «الرابعة: اذا حملت الأهوية أو السيول حبّا الى ملك انسان فنبت كان لصاحب الأرض ازالته، و لايضمن الأرش، كما في أغصان الشجرة البارزة الى ملكه». (3)
و في المسالك: «اذا حملت السيول و شبهها حبّا الى أرض آخر فلايخلو امّا أن يكون ممّا يعرض عنه مالكه أو لا. و على التقديرين امّا أن يعلم المالك أو يجهل، منحصرا في جماعة منحصرين أو لا. و على التقادير الستّة امّا أن يكون
متموّلاً أو قليلاً غير متموّل كالحبّة الواحدة؛ فالصور اثنتا عشرة، فان أعرض عنها المالك فهي مباحة لمن تملّكها و يجوز الرجوع فيها مادامت باقية. و ان لم يعرض عنها و كان معلوما فهي باقية على ملكه، و لصاحب الأرض مطالبته بالازالة فتجب عليه، و ان قصّر يستحقّ صاحب الأرض الأجرة بعد المطالبة دون قبلها. فاذا قلعه وجب عليه تسوية الأرض و طمّ الحفر. و لو اشتبه المالك في قوم منحصرين وجب عليهم أجمع التخلّص بالصلح أو التمليك و نحوه. و يجب على مالك الأرض أيضا مراجعتهم فيما يراجع فيه المالك المعيّن. و لو لم ينحصر المالك كان بمنزلة اللقطة يجوز تملّكه ان كان دون الدرهم حين التملّك، فلو تركه من غير نيّة التملّك حتّى بلغه وجب تعريفه كاللقطة، و يحتمل كونه كمال مجهول المالك في جواز التصدّق به عنه من غير تعريف. و لو كان قليلاً لايتموّل كنواة واحدة و حبّة واحدة فنبتت احتمل كونه لمالك الأرض ان قلنا لايجب ردّ مثله على مالكه؛ لانتفاء حقيقة الماليّة فيه، و التقويم انّما حصل في أرضه. و الأقوى عدم جواز تملّكه مطلقا، فيكون حكمه كما تقدّم». (1)
أقول:
ما صوّر في المسالك من الصور مطابق للقواعد الفقهيّة، و قد جاء بتحقيق حسن صاحب المستند فيما اذا أعرض بأنّ مجرّد الاعراض لايخرج المال عن ملكيّته، بل يجعله مباحا، و لو ندم صاحبه و رجع اليه ملكه مادام المال باقيا. حاصل كلامه رحمه الله «أنّ ملاحظة السيرة تقضي بعدم الخروج عن الملك بمجرّد الاعراض، و من ثمّ ساغ له الرجوع و ليس للآخذ الامتناع ما لم يتصرّف، فلايترتّب على الاعراض بما هو اعراض عدا الاباحة لا زوال الملك، غاية الأمر أنّ الاباحة تتّصف باللزوم بعد التصرّف، بل تستتبع الملك في التصرّف المتوقّف على
1) مسالك الأفهام 5: 160 و 161.
الملك، فلايكون استملاك الآخذ بمناط استيلائه على المباح الأصلي ليدّعى زوال الملك بالاعراض، بل بمناط دلالته على اباحة عامّة التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك حسبما عرفت». (1)
«الخامسة»: اذا استأجر القصّاب لذبح الحيوان فذبحه على غير الوجه الشرعي بحيث صار حراما ضمن قيمته، بل الظاهر ذلك اذا أمره بالذبح تبرّعا، و كذا في نظائر المسألة.
قد تقدّم شرح نظير هذه المسألة في المسألة الرابعة من فصل كون العين المستأجرة أمانة. و قد تقدّم الاستدلال عليه بالنصوص فراجع.
«السادسة»: اذا آجر نفسه للصلاة عن زيد فاشتبه و أتى بها عن عمرو فان كان من قصده النيابة عمّن وقع العقد عليه و تخيّل أنّه عمرو فالظاهر الصحّة عن زيد و استحقاقه الأجرة، و ان كان ناويا النيابة عن عمرو على وجه التقييد لم تفرغ ذمّة زيد و لم يستحقّ الأجرة، و تفرغ ذمّة عمرو ان كانت مشغولة، و لايستحقّ الأجرة من تركته؛ لأنّه بمنزلة التبرّع، و كذا الحال في كلّ عمل مفتقر الى النيّة.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المسألة ثلاث:
الأولى: اذا آجر نفسه للصلاة عن زيد فاشتبه عليه اسمه و تخيّل أنّ اسمه عمرو و أتى بها، فهذه الصورة لا اشكال فيها و لايقصدها المصنّف.
الثانية: اذا آجر نفسه للصلاة عن أبي خالد - مثلاً - و أتى بصيغة الاجارة و تسلّمالأجرة و تخيّل أنّ أبا خالد هو عمرو و الحال أنّ أباه زيد فاشتبه في ذهنه فأتى
1) مستند العروة 463:30.
بالصلاة بنيّة أبي خالد الذي تخيّل أنّه عمرو ففي هذه الصورة صحّت نيابته و تفرغ ذمّة أبي خالد و يستحقّ الأجرة.
الثالثة: الصورة الثانية الاّ أنّه أتى بالصلاة بنيّة عمرو الذي ليس أبو خالد ففي هذه الصورة لم تفرغ ذمّة زيد و لم يستحقّ الأجرة، و تفرغ ذمّة عمرو ان كانت مشغولة و لايستحقّ الأجرة من تركة عمرو؛ لأنّه بمنزلة التبرّع، و هكذا الحال في كلّ عمل مفتقر الى النيّة.
«السابعة»: يجوز أن يؤجر داره - مثلاً - الى سنة بأجرة معيّنة و يوكّل المستأجر في تجديد الاجارة عند انقضاء المدّة، و له عزله بعد ذلك، و ان جدّد قبل أن يبلغه خبر العزل لزم عقده، و يجوز أن يشترط في ضمن العقد أن يكون وكيلاً عنه في التجديد بعد الانقضاء، و في هذه الصورة ليس له عزله.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المسألة ثلاث:
الأولى: أن يؤجر داره - مثلاً - الى سنة بأجرة معيّنة، فاذا أجرى صيغة عقد الاجارة يقول للمستأجر: أنت وكيلي في تجديد الاجارة عند انقضاء المدّة، فيقبل المستأجر، فعقد الاجارة لازم بخلاف عقد الوكالة فانّه غير لازم، و لذا له عزله بعد ذلك. نعم، ان جدّد قبل أن يبلغه خبر العزل لزم عقده كما بيّن في محلّه.
الثانية: أن يشترط المستأجر في ضمن العقد أن يوكّله في تجديد الاجارة عند انقضاء المدّة، فيقبل المؤجر، ففي هذه الصورة يجب عليه الوفاء بما اشترط؛ لقوله عليه السلام: «المؤمنون عند شروطهم»، فان خالف فقد ارتكب الحرام و للمشروط له الخيار. و هذا كما لو شرط في ضمن عقد بيع الدار أن يبيع المشتري له شيئا، أوشرطت الزوجة في ضمن العقد أن يوكّلها في طلاق نفسها.
الثالثة: أن يوكّله في ضمن العقد في تجديد الاجارة عند انقضاء المدّة، فهذه
الوكالة لازمة، فمادامت الاجارة باقية فالوكالة باقية، و هذا كتوكيله المرأة في ضمن عقد النكاح في تطليق نفسها في بعض الموارد المذكورة في العقد.
و في المستند: «يفترق هذا عن الوكالة المنشأة استقلالاً في أنّه لا سبيل بعدئذ الى العزل؛ لأنّ هذه الوكالة انّما تحقّقت من أجل نفوذ الشرط المحكوم باللزوم لكونه من توابع العقد اللازم، فلزومها من شؤون لزوم العقد و مقتضياته؛ نظرا الى أنّ ما دلّ على لزوم العقد فهو كما دلّ على لزوم أصله دلّ على لزوم ما يشتمل عليه من الشرط، فاذا كان الشرط هو الوكالة فلا جرم كانت لازمة بتبع لزوم أصل العقد، فالوكالة و ان كانت في نفسها من العقود الجائزة الاّ أنّه لاتنافي بين الجواز
الطبعي و بين اللزوم العرضي الناشئ من قبل الوقوع في ضمن عقد لازم و اشتراطه فيه، فليس للمؤجر عزله عن الوكالة في المقام، كما ليس للزوج عزل الزوجة عن وكالتها في الطلاق المشترطة في عقد لازم بنحو شرط النتيجة». (1)
«الثامنة»: لايجوز للمشتري بيع الخيار بشرط ردّ الثمن للبائع أن يؤجر المبيع أزيد من مدّة الخيار للبائع و لا في مدّة الخيار من دون اشتراط الخيار حتّى اذا فسخ البائع يمكنه أن يفسخ الاجارة، و ذلك لأنّ اشتراط الخيار من البائع في قوّة ابقاء المبيع على حاله حتّى يمكنه الفسخ فلايجوز تصرّف ينافي ذلك.
الشرح:
اذا باع زيد شيئا من عمرو و شرط ان ردّه الثمن خلال سنة يرجع المبيع، فتارةيعلم المشتري أنّ نظر البائع لم يكن الى نفس المبيع بل الى ماليّته، فحينئذ يجوز له التصرّف فيه بالاتلاف، فاذا فسخ البائع البيع و ردّ الثمن اليه، يردّ مثل المبيع أو
1) مستند العروة 467:30 و 465.
قيمته، و يجوز له اجارته بطريق أولى.
و أخرى يعلم المشتري أنّ نظر البائع كان الى حفظ المبيع و أنّه قد باعه لحاجته الى المال، فحينئذ لايجوز له التصرّف فيه بالاتلاف، بل لايجوز له اجارته بدون الخيار. فلو تصرّف فيه بالاتلاف أو آجره بدون الخيار، فللبائع المشترط عليه الفسخ.
ثمّ انّ الظاهر أنّ الخيار في العقود كلّها يتعلّق بالعقد لا بالمبيع - في البيع مثلاً - و لذلك يجوز لبائع الحيوان التصرّف في الثمن، و كذا في كلّ ما يكون الخيار متعلّقا به، و ذلك لأنّه ملكه و الخيار غير مانع من تصرّف المالك في ملكه.
و في المستمسك: «المنسوب الى الأكثر و المشهور و المصرّح به في كلام جماعة من الأساطين أنّه لايجوز تصرّف من عليه الخيار في العين تصرّفا يمنع من استردادها. و قد ذكر في وجهه أنّ الخيار حقّ متعلّق بالعين - لأنّه قائم بالعقد، و العقد قائم بالعين - فالتصرّف فيها تصرّف في موضوع الحقّ، و دليل المنع قاعدة السلطنة.
و فيه أوّلاً: جواز الفسخ عندهم مع تلف العين في الجملة.
و ثانيا: لو كان الخيار قائما بالعين لبطل بتصرّف من له الخيار. و لا مجال للالتزام في مثل بيع الخيار؛ ضرورة أنّ البائع يتصرّف في الثمن، بل انّما باع لأجل الثمن. و لذلك قال شيخنا الأعظم: «فالجواز لايخلو من قوّة في الخيارات الأصليّة. و أمّا الخيارات المجعولة بالشرط فالظاهر من اشتراطه ارادة بقاء الملك ليستردّه عند الفسخ. انتهى ملخّصا». (1)
1) مستمسك العروة 204:12 و 205.
«التاسعة»: اذا استؤجر لخياطة ثوب معيّن لا بقيد المباشرة فخاطه شخص آخر تبرّعا عنه استحقّ الأجرة المسمّاة، و ان خاطه تبرّعا عن المالك لم يستحقّ المستأجر شيئا و بطلت الاجارة، و كذا ان لم يقصد التبرّع عن أحدهما و لايستحقّ على المالك أجرة؛ لأنّه لم يكن مأذونا من قبله و ان كان قاصدا لها أو معتقدا أنّ المالك أمره بذلك.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المسألة ثلاث:
الأولى: اذا استؤجر لخياطة ثوب معيّن لابقيد المباشرة فخاطه شخص آخر تبرّعا عنه، استحقّ الأجير الأجرة المسمّاة؛ لحصول العمل الذي صار أجيرا له بتبرّع المتبرّع، فيستحقّ الأجرة المسمّاة.
و في المستند: « ... فهو دين ثابت في ذمّته قد وافاه غيره، و قد دلّت السيرة العقلائيّة مضافا الى بعض الأخبار الواردة في باب الزكاة على جواز التصدّي لتفريغ ذمّة الغير و أداء دينه ولو من غير اذنه و رضاه». (1)
الثانية: كالصورة الأولى، الاّ أنّ المتبرّع خاطه تبرّعا عن المالك، فقد حكم في المتن بعدم استحقاق الأجرة؛ لبطلان الاجارة من أجل تعذّر العمل بعد عدم قبول المحلّ لخياطة ثانية، ولكنّ الظاهر هو التفصيل في هذه الصورة بأنّه ان كان العمل قد تعيّن في اليوم الخاصّ كيوم الجمعة - مثلاً - فخاطه المتبرّع عن المالك يوم الخميس ففي هذه الصورة تنفسخ الاجارة؛ لعدم مورد لخياطة الأجير، فعلى المالك اعلامه بذلك. و هذا كما لو تلف الثوب يوم الخميس. و أمّا لو كانت الاجارة للخياطة يوم الخميس فلم يفعل و خاطه المتبرّع يوم الجمعة فحينئذ فللمالك فسخ الاجارة أو مطالبة الأجير بقيمة العمل المتعذّر بعد دفع الأجرة
1) مستند العروة 471:30.
المسمّاة. و لو كان الوقت متّسعا فخاطه المتبرّع قبل مضيّه فليس له الفسخ، بل مطالبة الأجير بقيمة العمل المتعذّر بعد دفع الأجرة المسمّاة.
الصورة الثالثة: كالصورة الثانية الاّ أنّ المتبرّع لم يقصد التبرّع عن أحدهما، فحكمه كما في الصورة الثانية مضافا الى أنّ المتبرّع لايستحقّ على المالك أجرة؛ لأنّه لم يكن مأذونا من قبله و ان كان قاصدا لها أو معتقدا أنّ المالك أمره بذلك. نظير من بنى دار زيد في غيابه بقصد أخذ الأجرة منه، فانّه لايستوجب الاستحقاق بعد أن لم يكن مضمونا عليه. و قد تقدّم في المسألة الثامنه عشرة من فصل اجارة الأرض للزرع نظير ذلك.
«العاشرة»: اذا آجره ليوصل مكتوبه الى بلد كذا الى زيد - مثلاً - في مدّة معيّنة فحصل مانع في أثناء الطريق أو بعد الوصول الى البلد، فان كان المستأجر عليه الايصال و كان طيّ الطريق مقدّمة لم يستحقّ شيئا، و ان كان المستأجر عليه مجموع السير و الايصال استحقّ بالنسبة، و كذا الحال في كلّ ما هو من هذا القبيل، فالاجارة مثل الجعالة قد يكون على العمل المركّب من أجزاء، و قد تكون على نتيجة ذلك العمل، فمع عدم حصول تمام العمل في الصورة الأولى يستحقّ الأجرة بمقدار ما أتى به، و في الثانية لايستحقّ شيئا، و مثل الصورة ما اذا جعلت الأجرة في مقابلة مجموع العمل من حيث المجموع، كما اذا استأجره للصلاة أو الصوم فحصل مانع في الأثناء من اتمامها.
الشرح:
قد تقدّم نظير هذه المسألة في المسألة الحاديه عشرة من فصل النيابة في الحجّ، و قلنا بأنّه اذا مات الأجير بعد الاحرام و دخول الحرم، فان كان أجيرا على تفريغ الذمّة فيستحقّ تمام الأجرة؛ لأنّ من أحرم و دخل الحرم ثمّ مات كانت حجّتهمجزية فتبرأ ذمّته ان كان الحجّ لنفسه و ذمّة الميّت ان كان نائبا عنه. و ان كان أجيرا
على الاتيان بالحجّ بمعنى الأعمال المخصوصة و حينئذ و ان كانت حجّته مجزية و تفرغ ذمّة الميّت الاّ أنّه يستحقّ الأجرة بالنسبة الى ما أتى به من الأعمال على حسب الاجارة. و ان مات قبل الاحرام و دخول الحرم، فان كان أجيرا على تفريغ ذمّة الميّت فلايستحقّ الأجرة و كذا ان كان أجيرا على الاتيان بالحجّ بمعنى الأعمال المخصوصة دون المقدّمة، و ان كان مع المقدّمة فيقسّط الثمن بالنسبة. (1)
و في المستند: «و ملخّص الكلام أنّ الاجارة قد تقع بازاء نفس الأجزاء من غير لحاظ وصف الانضمام لا شرطا و لا قيدا، كما هو المتفاهم العرفي فيما لايكون هناك غرض في الاتّصال كالصيام شهرا أو الصلاة سنة، و لا اشكال في مثله في الانحلال لو أتى ببعض العمل دون بعض. و أخرى: بازائها مشروطا بالانضمام، و حكمها الصحّة لو تخلّف مع ثبوت الخيار. و ثالثة: بازاء العنوان البسيط المترتّب، كتفريغ الذمّة، أو ايصال المكتوب المترتّبين على تحقّق العمل الخارجي. و رابعة: بازاء عنوان بسيط منتزع لوحظت فيه الوحدة الاعتباريّة، و يعبّر عنه بالمجموع من حيث المجموع، الراجع الى لحاظ الانضمام و الاتّصال قيدا فيما وقعت الاجارة عليه لا شرطا. و في هاتين الصورتين لايستحقّ الأجير شيئا لو أتى ببعض العمل دون بعض». (2)
«الحادية عشرة»: اذا كان للأجير على العمل خيار الفسخ فان فسخ قبل الشروع فيه فلا اشكال، و ان كان بعده استحقّ أجرة المثل، و ان كان في أثنائه استحقّ بمقدار ما أتى به من المسمّى أو المثل على الوجهين المتقدّمين الاّ اذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع فلايستحقّ شيئا، و انكان العمل ممّا يجب اتمامه بعد الشروع فيه، كما في الصلاة بناءً على حرمة قطعها،
و الحجّ بناءً على وجوب اتمامه، فهل هو كما اذا فسخ بعد العمل أو لا؟ وجهان أوجههما الأوّل. هذا اذا كان الخيار فوريّا، كما في خيار الغبن ان ظهر كونه مغبونا في أثناء العمل و قلنا: انّ الاتمام منافٍ للفوريّة، و الاّ فله أن لايفسخ الاّ بعد الاتمام. و كذا الحال اذا كان الخيار للمستأجر، الاّ أنّه اذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع و كان في أثناء العمل يمكن أن يقال: انّ الأجير يستحقّ بمقدار ما عمل من أجرة المثل لاحترام عمل المسلم، خصوصا اذا لم يكن الخيار من باب الشرط.
الشرح:
اذا كان للأجير على العمل خيار الفسخ ففيه صور:
الأولى: ان فسخ قبل الشروع في العمل فلا اشكال في فسخ الاجارة، فيردّ الأجرة الى المستأجر ان قبضها، و ذلك كما في البيع اذا كان فيه الخيار، و فسخ ذوالخيار قبل تلف المبيع أو الثمن، فانّه يردّ كلّ واحد منهما الى صاحبه.
الثانية: ان فسخ بعد الفراغ من العمل فيما لو ظهر أنّه مغبون و لم يعلم الاّ بعد العمل، فانّه أيضا لا اشكال فيه، فيردّ الأجرة المسمّاة الى المستأجر و حيث انّه لايمكن ردّ العمل الصادر من الأجير بأمر المستأجر اليه، فلا محالة ينتقل الى أجرة المثل، و هذا مثل البيع اذا كان فيه الخيار و فسخ ذو الخيار بعد تلف المبيع، فيردّ الى البائع مثله أو قيمته، و كذا الثمن ان كان متاعا و قد أتلفه.
الثالثة: اذا فسخ أثناء العمل فتارة لايكون أجزاء العمل مرتبطة، كما اذا استؤجر لصلاة سنة نيابة عن الميّت فصلّى ستّة أشهر منها ففسخ و كان الخيار خيار الغبن، فتنفسخ الاجارة و يستحقّ الأجير أجرة المثل. و ان كان خيار الشرط، فلاتنفسخ الاجارة من الأصل، بل تنفسخ من حينه فيستحقّ الأجرة المسمّاة بنسبته.
و أخرى يكون أجزاء العمل مرتبطة كالحجّ، ففيها صور تقدّمت في المسألة
السابقة.
قال المصنّف في ذيل المسألة: «اذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع و كان في أثناء العمل يمكن أن يقال: انّ الأجير يستحقّ بمقدار ما عمل من أجرة المثل لاحترام عمل المسلم، خصوصا اذا لم يكن الخيار من باب الشرط».
و في المستند: «لم يتّضح وجه صحيح لما أفاده رحمه الله، فانّ الذي تقتضيه قاعدة الاحترام عدم جواز الاستيلاء على مال الغير باستيفاء أو اتلاف و نحوهما بغير اذنه، لا أنّ كلّ ما يتلف و يفوت منه يلزم على الآخر تداركه و ان لم يأمر به. و في المقام لم يتعلّق أمر بما وقع، كما لم تقع أجرة بازائه؛ لوقوعها بازاء المجموع و لم يتحقّق حسب الفرض، بلا فرق بين كون الفاسخ الأجير أو المستأجر، ففي الأجير واضح. و أمّا في المستأجر فلأنّه بفسخه هذا أعدم موضوع الاستحقاق الاّ أنّه أتلف عليه المال، و مجرّد الصدّ و الحيلولة دون نيل الهدف و بلوغ المنفعة المترقّبة لايكاد يستفاد منعه من قاعدة الاحترام ليستوجب الضمان. انتهى ملخّصا».(1)
1) مستند العروة 482:30 و 483.
«الثانية عشرة»: كما يجوز اشتراط كون نفقة الدابّة المستأجرة و العبد و الأجير المستأجرين للخدمة أو غيرها على المستأجر اذا كانت معيّنة بحسب العادة أو عيّنّاها على وجه يرتفع الغرر، كذلك يجوز اشتراط كون نفقة المستأجر على الأجير أو المؤجر بشرط التعيين أو التعيّن الرافعين للغرر، فما هو المتعارف من اجارة الدابّة للحجّ و اشتراط كون تمام النفقة و مصارف الطريق و نحوها على المؤجر لا مانع منه اذا عيّنوها على وجه رافع للغرر.
الشرح:
كما لايكون هناك مانع من اشتراط كون نفقة الدابّة المستأجرة أو الأجير للعمل على المستأجر كذلك لا مانع عرفا و لا شرعا من اشتراط كون نفقة المستأجر على الأجير، الاّ أنّه يجب التعيين ان لم يكن معيّنا عرفا على وجه يرفع الغرر، فما هو المتعارف من اجارة المركب للحجّ و غيره و اشتراط كون ما يحتاج المركب على المؤجر لا مانع منه اذا عيّنوه على وجه رافع للغرر.
و في المستند: «كما هو المتعارف عند الحملداريّة في سفر الحجّ من تعهّدهم كافّة نفقات الحجّاج تجاه أجرة معيّنة، و اختلاف ذلك باختلاف الأحوال و الأطوار و عوارض السفر كمّا و كيفا و مدّة لايستوجب الغرر بعدما كان أمرا متعارفا قد جرت العادة على المسامحة فيها؛ اذ لايعتبر التعيين الرافع للجهالة من تمام الجهات، فالزيادة أو النقيصة المحتملة المغتفرة عند العقلاء لاتكون قادحة بعدما عرفت من جريان العادة و عدم الدليل على لزوم رفع الجهالة بقول مطلق».(1)
1) مستند العروة 483:30 و 484.
«الثالثة عشرة»: اذا آجر داره أو دابّته من زيد اجارة صحيحة بلا خيار له ثمّ آجرها من عمرو كانت الثانية فضوليّة موقوفة على اجازة زيد، فان أجاز صحّت له و يملك هو الأجرة فيطلبها من عمرو، و لايصحّ له اجازتها على أن تكون الأجرة للمؤجر و ان فسخ الاجارة الأولى بعدها؛ لأنّه لم يكن مالكا للمنفعة حين العقد الثاني، و ملكيّته لها حال الفسخ لاتنفع الاّ اذا جدّد الصيغة، و الاّ فهو من قبيل من باع شيئا ثمّ ملك، و لو زادت مدّة الثانية عن الأولى لايبعد لزومهما على المؤجر في تلك الزيادة، و أن يكون لزيد امضاؤها بالنسبة الى مقدار مدّة الأولى.
الشرح:
اذا آجر خالد داره أو دابّته من زيد اجارة صحيحة بلا خيار لنفسه، فلايجوز له أن يؤجرها من فرد آخر كعمرو - مثلاً - لأنّ منافعها صارت لزيد بالاجارة، فلو آجرها من عمرو كانت الاجارة الثانية فضوليّة موقوفة على اجازة زيد - و هذا كما لو باع دار زيد من عمرو، فالبيع فضوليّ موقوف على اجازة زيد - فان أجاز زيد الاجارة الثانية من عمرو صحّت و كانت الأجرة المسمّاة له أي لزيد يطلبها من عمرو؛ لأنّ منافع الدار أو الدابّة له بالاجارة الأولى. و لايصحّ له أي لزيد أن يجيز الاجارة الثانية على أن تكون الأجرة للمؤجر أي خالد؛ لأنّ خالدا لم يكن مالكا للمنفعة حين العقد الثاني، حتّى لو فسخ الاجارة الأولى لما ذكر، فانّه و ان صار مالكا بعد الفسخ الاّ أنّه لم يكن مالكا حين العقد الثاني فيكون من قبيل من باع شيئا ثمّ ملك. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّه لا فرق بين من باع شيئا فضوليّا ثمّ أجاز المالك، و بين من باع شيئا من مال شخص فضوليّا ثمّ ملكه بارث أو هبة أو بيع أو غير ذلك و أجاز البيع. و ان كان فيه تأمّل من جهات، تعرّض لها الشيخ الأعظم في
المكاسب. (1)
و لو زادت مدّة الاجارة الثانية عن الأولى فكما قال المصنّف لايبعد لزوم المدّة الزائدة على المؤجر بعد امضاء المستأجر الأوّل المدّة الأولى، و تكون اجارة تلك المدّة للمؤجر أي مالك العين.
«الرابعة عشرة»: اذا استأجر عينا ثمّ تملّكها قبل انقضاء مدّة الاجارة بقيت الاجارة على حالها، فلو باعها و الحال هذه لم يملكها المشتري الاّ مسلوبة المنفعة في تلك المدّة، فالمنفعة تكون له و لاتتبع العين. نعم، للمشتري خيار الفسخ اذا لم يكن عالما بالحال. و كذا الحال اذا تملّك المنفعة بغير الاجارة في مدّة ثمّ تملّك العين، كما اذا تملّكها بالوصيّة أو بالصلح أو نحو ذلك، فهي تابعة للعين اذا لم تكن مفروزة، و مجرّد كونها لمالك العين لاينفع في الانتقال الى المشتري. نعم، لايبعد تبعيّتها للعين اذا كان قاصدا لذلك حين البيع.
الشرح:
ملخّص كلامه رحمه الله: لو استأجر زيد دارا من عمرو ثمّ تملّكها بالاشتراء منه أو بنحو آخر من الصلح و الوصيّة و غيرها قبل انقضاء مدّة الاجارة بقيت الاجارة على حالها؛ لأنّ ملكيّة المنفعة مغايرة لملكيّة العين، فانّ سبب الأولى الاجارة و سبب الثانية البيع و الشراء، فلايكون هناك سبب لبطلانها، فعلى زيد أن يعطي عمروا الأجرة المسمّاة ان لم يدفعها. و حينئذ فلو باع زيد هذه الدار من خالد مع كون مدّة الاجارة باقية فيملكها خالد مسلوبة المنفعة، و تبقى المنفعة لزيد، و انكان خالد جاهلاً بالحال فله خيار الفسخ. و ان كان من قصد زيد حين البيع من خالد نقل المبيع بما له من المنفعة فتنتقل المنفعة حينئذ أيضا اليه و ان اختلف
1) كتاب المكاسب 3: 376 و ما بعدها.
السبب؛ لعدم اعتبار الاتّحاد.
و في المستند: «اذا قصد زيد بيع ما اشتراه من عمرو مسلوبة المنفعة فان كان المشتري عالما بالحال فلا خيار له بعد اقدامه و موافقته على شرائها كذلك. و ان كان جاهلاً فتخيّل أنّ المبيع هو العين ذات المنفعة لا المجرّدة عنها فأقدم على شرائها كذلك فالظاهر بطلان البيع حينئذ - لا الصحّة مع الخيار - لعدم المطابقة بين الايجاب و القبول المعتبرة في صحّة العقد - الى أن قال: - انّ ظاهر البيع من غير نصب قرينة على الخلاف وقوعه على النهج المتعارف بين الناس، أعني ارادة العين مع المنفعة و تعلّق الانشاء بها بتبع العين. انتهى ملخّصا». (1)
أقول:
ما ذهب اليه في آخر كلامه من أنّ ظاهر البيع من غير نصب قرينة على الخلاف وقوعه على النهج المتعارف بين الناس، أعني ارادة العين مع المنفعة حسن، الاّ أنّ في ابتداء كلامه اشكالاً.
بيان ذلك أنّه اذا باع البائع عين متاعه مسلوبة المنفعة، و الحال أنّ المشتري قصد العين و المنفعة، فتارة يكون نظير هذه المعاملة متداولاً بين الناس، كما في بيع الدكاكين مع أنّها تدور بين التجّار بالسرقفليّة، ففي هذه الصورة للمشتري خيار الغبن.
و أخرى لايكون كذلك، بل يكون بيعها مع المنفعة و قد يكون مسلوب المنفعة في مدّة معيّنة قصيرة، كبيع الدار التي تكون مستأجرة للغير، ففي هذه الصورة ان باع الدار مسلوبة المنفعة في مدّة قصيرة فللمشتري الخيار، و ان باعها مسلوبة المنفعة في مدّة طويلة جدّا، فالبيع باطل.
«الخامسة عشرة»: اذا استأجر أرضا للزراعة - مثلاً - فحصلت آفة سماويّة أو
1) مستند العروة 490:30.
أرضيّة توجب نقص الحاصل لم تبطل. و لايوجب ذلك نقصا في مال الاجارة و لا خيارا للمستأجر. نعم، لو شرط على المؤجر ابراءه من ذلك بمقدار ما نقص بحسب تعيين أهل الخبرة ثلثا أو ربعا أو نحو ذلك أو أن يهبه ذلك المقدار اذا كان مال الاجارة عينا شخصيّة فالظاهر الصحّة، بل الظاهر صحّة اشتراط البراءة على التقدير المذكور بنحو شرط النتيجة، و لايضرّه التعليق؛ لمنع كونه مضرّا في الشروط. نعم، لو شرط براءته على التقدير المذكور حين العقد بأن يكون ظهور النقص كاشفا عن البراءة من الأوّل فالظاهر عدم صحّته لأوّله الى الجهل بمقدار مال الاجارة حين العقد.
الشرح:
اذا استأجر أرضا للزراعة مثلاً فحدثت آفة سماويّة أو أرضيّة توجب نقص الحاصل لم تبطل الاجارة و لايوجب ذلك نقصا في مال الاجارة و لا خيارا للمستأجر، و ذلك لعدم مقتضٍ لذلك بعد أن كانت الآفة سماويّة و لم يكن المؤجر مقصّرا، و هو الذي يكون عليه العرف و العقلاء.
ثمّ انّه اذا احتمل المستأجر عروض نقص في الحاصل فيمكنه التخلّص من ذلك بالاشتراط و هو على نحوين: شرط الفعل و شرط النتيجة.
فالأوّل أن يستأجر أرضا للزراعة - مثلاً - و شرط على المؤجر ان حصل نقص في الحاصل ينقص من مال الاجارة، فاذا قبل المؤجر يجب عليه ذلك تكليفا.
الثاني أن تكون اجارة الأرض مقيّدة بذلك بحيث تبرأ ذمّة المستأجر ان حصلت آفة توجب نقص الحاصل، و في هذا يجب على المؤجر وضعا، و ذمّته مشغولة في مورد النقص.
ففي المستند: «نعم، تبقى في المقام شبهة التعليق، حيث انّ الابراء معلّق على مجيء الزمان المتأخّر و على حصول النقص في الحاصل. ولكنّها مندفعة بما فيالمتن من عدم كونه قادحا في الشرط، كما لو باع داره و اشترط عليه معالجة
المريض في شهر رجب - مثلاً - اذ لا دليل على البطلان به الاّ الاجماع و مورده التعليق في العقد نفسه، كأن يبيع معلّقا على مجيء زيد من السفر. و أمّا بالنسبة الى الشرط فلا اجماع، و مقتضى الاطلاقات صحّته و نفوذه حتّى مع التعليق.
غير أنّ الماتن قدس سره استثنى من ذلك صورة واحدة و هي ما لو رجع الشرط المزبور الى كشف ظهور النقص عن البراءة - على سبيل شرط النتيجة - من الأوّل، فحكم قدس سره في مثله بعدم الصحّة؛ لرجوعه الى الجهل بمقدار الأجرة؛ اذ معناه أنّ الأجرة على تقدير عدم النقص مائة و على تقدير النقص خمسون - مثلاً - فلأجل جهالة التقدير تكون الأجرة أيضا مجهولة فتبطل الاجارة.
و يندفع بأنّ البراءة فرع الاشتغال، فهي متأخّرة عنه لا محالة، اذن فلايستوجب اشتراطها حتّى من الأوّل الجهل بكمّيّة الأجرة، بل هي معيّنة معلومة و الذمّة بها مشغولة، غير أنّها على تقدير النقص تبرأ آنا ما بعد اشتغالها، كما لو أبرأه المؤجر بلا شرط فقال: آجرتك بمائة و أبرأتك من خمسين، فاذا جاز ذلك جاز مشروطا بشرط متأخّر و هو حصول النقص في ظرفه». (1)
«السادسة عشرة»: يجوز اجارة الأرض مدّة معلومة بتعميرها و اعمال عمل فيها من كري الأنهار و تنقية الآبار و غرس الأشجار و نحو ذلك، و عليه يحمل قوله عليه السلام: لابأس بقبالة الأرض من أهلها بعشرين سنة أو أكثر فيعمرها و يؤدّي ما خرج عليها. و نحوه غيره.
الشرح:
قال في المستند: «لا اشكال في صحّة قبالة الأرض بأن يتقبّل الرجل منشخص أرضا ليعمرها نحو عمارة من غرس الأشجار أو تنظيف الأنهار و الآبار و
1) مستند العروة 493:30 و 494.
ما شاكل ذلك الى مدّة معيّنة، على أن يكون حاصل الأرض للعامل و بعد انقضاء المدّة يكون لصاحب الأرض. و هذه العمليّة تسمّى بالتقبيل و التقبّل، و الفعل الصادر منهما يدعى بالقبالة». (1)
يدلّ على جواز التقبيل و التقبّل و القبالة و صحّتها عدّة من الأخبار:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقلّ من ذلك أو أكثر فتعمرها و تؤدّي ما خرج عليها، فلابأس به». (2)
و منها صحيحته الآخر عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«لابأس بقبالة الأرض من أهلها عشرين سنة أو أقلّ من ذلك أو أكثر فيعمرها و يؤدّي ما خرج عليها، و لايدخل العُلوج (3)في شيء من القبالة؛ لأنّه لايحلّ». (4)
و منها صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و سألته عن الرجل يعطي الأرض (5)و يقول: اعمرها، و هي لك ثلاث سنين أو خمس سنين أو ما شاء اللّه. قال: لابأس». (6)
و في المستمسك: «و المحتمل في الروايات المذكورة أمور:
الأوّل: ما ذكره المصنّف رحمه الله من أنّ المراد من القبالة الاجارة، و يكون العمل هو الأجرة، فتكون من اجارة العين.
الثاني: انّ المراد بها الاجارة على العمل، فتكون الأجرة منفعة الأرض، و
المستأجر العامل، و المستأجر عليه هو العمل من العمارة و غيرها.
الثالث: أن تكون من الجعالة على العمل، و الجعل هو المنفعة، و يحتمل - كما قيل - أن تكون الأجرة شيئا معلوما، و يكون ذلك الشيء أجرة للعمل، فتكون اجارتين: اجارة الأرض و اجارة الأجير العامل.
الرابع: أن تكون معاملة مستقلّة، نظير المصالحة، مفادها تمليك المنفعة للعامل، و تمليك مالك الأرض للعمل، بلا معاوضة بين المنفعة و العمل. و لعلّ الأخير هو الأقرب». (1)
أقول:
الظاهر من الأخبار أنّ تقبيل الأرض من مالكها و تقبّلها من الآخر بأن يعمرها مدّة معيّنة و ما ينتج يكون للعامل يسمّى بقبالة الأرض، كما سمّاها في صحيحتي الحلبي هكذا. انّما الكلام في أنّه هل يصحّ اجارة الأرض بهذه الصورة بأن يؤجرها المالك المستأجر ليعمرها و يكون مال اجارتها عمرانها، و منفعتها حاصلها، أو أن يستأجر المالك العامل ليعمر الأرض و تكون منفعتها أجرة العامل؟
الظاهر لا اشكال فيه كما ذهب اليه المصنّف، فانّ الاسم لا موضوعيّة له، و جهالة الأجرة أو مال الاجارة في الجملة لابأس بها بعد كون العمل متعارفا و قد أمضاه الشارع.
ففي مستند العروة: «انّ الأظهر خروج ذلك عن باب الاجارة رأسا و كونها معاملة مستقلّة و مبادلة برأسها واقعة بين منفعتين أو عملين أو مختلفين، و ذلك لأنّ نسبة المؤجر و المستأجر بينهما متساوية حيث انّ طرف المبادلة من جانب صاحب الأرض هو منفعة العين، و من الجانب الآخر هو العمل، فهي معاوضةخاصّة خارجة عن باب الاجارة محكومة بالصحّة بمقتضى القواعد العامّة و
1) مستمسك العروة 222:12.
النصوص الخاصّة الواردة في المقام. انتهى ملخّصا». (1)
«السابعة عشرة»: لابأس بأخذ الأجرة على الطبابة و ان كانت من الواجبات الكفائيّة؛ لأنّها كسائر الصنائع واجبة بالعرض لانتظام نظام معائش العباد. بل يجوز و ان وجبت عينا لعدم من يقوم بها غيره. و يجوز اشتراط كون الدواء عليه مع التعيين الرافع للغرر. و يجوز أيضا مقاطعته على المعالجة الى مدّة أو مطلقا، بل يجوز المقاطعة عليها بقيد البرء، أو بشرطه اذا كان مظنونا، بل مطلقا. و ما قيل من عدم جواز ذلك؛ لأنّ البرء بيد اللّه فليس اختياريّا له، و أنّ اللازم مع ارادة ذلك أن يكون بعنوان الجعالة لا الاجارة، فيه: انّه يكفي كون مقدّماته العاديّة اختياريّة، و لايضرّ التخلّف في بعض الأوقات، كيف و الاّ لم يصحّ بعنوان الجعالة أيضا.
الشرح:
لابأس بأخذ الأجرة على الطبابة لأنّها تكون كسائر الصناعات و التجارات و غيرهما ممّا يحتاج اليها الناس و تدور بها معايشهم و ينتظم بها أمورهم، و كونها واجبات كفائيّة لاتمنع من أخذ الأجرة في مقابلها، بل يجوز و ان وجبت عينا لعدم من يقوم بها غيره. نعم، لو لم يكن للمريض أجرة للطبابة و كان في معرض الهلاك لو لم يعالج وجب على الطبيب علاجه، و له أن لايقصد التبرّع بل أجرته في ذمّة المريض الى أن يتمكّن من أدائها. و يجوز اشتراط الدواء على الطبيب؛ لعموم صحّة الشرط، و به يندفع ما قيل من أنّ الأعيان لاتملك بعقد الاجارة، مع أنّ الشرط المذكور لايقتضي التمليك بل يقتضي بذل الدواء مجّانا.
و يجوز أيضا أن يقاطع المريض الطبيب على المعالجة الى مدّة أو مطلقا، فانّها
1) مستند العروة 497:30.
اجارة صحيحة معلومة أركانها و لايضرّ عدم تعيين المدّة بالاجارة اذا كان ذلك متعارفا، كما يكون ذلك في العصر الحاضر متداولاً في المستشفيات، فانّ الأطبّاء يعلمون مدّة معالجة الأمراض تخمينا، و هذا المقدار كافٍ في صحّة الاجارة.
ثمّ انّه يجوز المقاطعة على المعالجة بشرط البرء، سواء كان البرء عنده متيقّنا أو مظنونا، لتجربته ذلك، أو لم يكن، فنتيجة هذا الشرط ثبوت الخيار على تقدير التخلّف. و لو قاطع الطبيب على المعالجة بقيد البرء بحيث يكون البرء مقوّما لموضوع الاجارة، بخلاف الشرط فانّه يكون وصفا في الاجارة على نحو تعدّد المطلوب، فان كان البرء مقدورا له ولو بالقدرة على مقدّماته و تجربته بأنّها يوصل اليه - توكّلاً على اللّه - فلا اشكال فيه، و في غير ذلك ففيه اشكال، امّا للغرر أو لتعليق المعاملة على ما لم يكن أمره بيده، كما أتى ببيان ذلك تفصيلاً في المستند فراجع.
«الثامنة عشرة»: اذا استؤجر لختم القرآن لايجب أن يقرأه مرتّبا بالشروع من الفاتحة و الختم بسورة الناس، بل يجوز أن يقرأ سورة فسورة على خلاف الترتيب، بل يجوز عدم رعاية الترتيب في آيات السورة أيضا. و لهذا اذا علم بعد الاتمام أنّه قرأ الآية الكذائيّة غلطا أو نسي قراءتها يكفيه قراءتها فقط. نعم، لو اشترط عليه الترتيب وجب مراعاته. و لو علم اجمالاً بعد الاتمام أنّه قرأ بعض الآيات غلطا من حيث الاعراب أو من حيث عدم أداء الحرف من مخرجه أو من حيث المادّة فلايبعد كفايته و عدم وجوب الاعادة؛ لأنّ اللازم القراءة على المتعارف و المعتاد، و من المعلوم وقوع ذلك من القارئين غالبا الاّ من شذّ منهم. نعم، لو اشترط المستأجر عدم الغلط أصلاً، لزم عليه الاعادة مع العلم به في الجملة. و كذا الكلام في الاستئجار لبعض الزيارات المأثورةأو غيرها. و كذا في الاستئجار لكتابة كتاب أو قرآن أو دعاء أو نحوها لايضرّ في استحقاق
الأجرة اسقاط كلمة أو حرف أو كتابتهما غلطا.
الشرح:
اذا استؤجر لختم القرآن يجب أن يقرأه على ما يكون بناء المؤجر عليه، و هو ما كان متعارفا، و المتعارف من ختم القرآن هو الشروع من الفاتحة و الختم بسورة الناس - الاّ أن يعلم أنّ المؤجر قد جعله باختياره - و عليه لايجوز أن يقرأ سورة فسورة على خلاف الترتيب فضلاً عن عدم الترتيب في آيات السورة. نعم، لو نسي بعض السور أو الآيات يقرأه اذا تذكّر، و لايجب عليه اعادة ما بعده. ثمّ انّه يجوز أن يكون أجيرا لختم القرآن و ان علم أنّه يقرأ بعض الآيات غلطا؛ لأنّ اللازم القراءة على المتعارف و المعتاد، و من المعلوم وقوع ذلك من القرّاء غالبا الاّ من شذّ منهم. نعم، لو اشترط المستأجر عدم الغلط أصلاً لزم عليه الاطمئنان بصحّة قراءة الآيات.
هذا في الاجارة لختم القرآن. و هكذا يكون الحال في الاستئجار لبعض الزيارات المأثورة أو غيرها. و كذا في الاستئجار لكتابة كتاب أو قرآن أو دعاء أو نحوها، و لايضرّ في استحقاق الأجرة اسقاط كلمة أو حرف أو كتابتهما غلطا.
«التاسعة عشرة»: لايجوز في الاستئجار للحجّ البلدي أن يستأجر شخصا من بلد الميّت الى النجف، و شخصا آخر من النجف الى مكّة أو الى الميقات، و شخصا آخر منه الى مكّة، اذ اللازم أن يكون قصد المؤجر من البلد الحجّ و المفروض أنّ مقصده النجف - مثلاً - و هكذا، فما أتى به من السير ليس مقدّمة للحجّ، و هو نظير أن يستأجر شخصا لعمرة التمتّع و شخصا آخر للحجّ، و معلوم أنّه مشكل، بل اللازم على القائل بكفايته أن يقول بكفاية استئجار شخص للركعة الأولى من الصلاة و شخص آخر للثانية، و هكذا يتمّم.
الشرح:
ان قلنا بأنّ الواجب على الورثة أن يستأجر الحجّ للميّت الذي استقرّ عليه من بلده، فالظاهر وجوب ذلك لمن استؤجر لأعمال الحجّ، و لايجوز أن يستأجر الوصي أو غيره شخصا من بلد الميّت الى النجف مثلاً، و شخصا آخر من النجف الى الميقات، و شخصا آخر من الميقات الى مكّة و أعمال الحجّ.
و في المستند: «انّ حجّ التمتّع و عمرته عملان مستقلاّن، غايته أنّهما ارتبطا و اشتبكا في الآخر فلايجوز التفكيك بينهما الاّ فيما قام الدليل عليه، كما ورد في نيابة الولد في أحدهما عن أبيه و في الآخر عن أمّه، فلو تعدّينا عن المورد لأمكن الالتزام بجواز التعدّد في النائب، فالتفكيك بينهما أمر قابل في حدّ نفسه.
و أمّا نقضه قدس سره بأنّ لازم القول بالكفاية في المقام الاكتفاء في ركعات الصلاة أيضا بأن يستأجر أحدا لركعة و آخر لركعة أخرى، ففيه: انّه لايلزم ذلك، ضرورة بطلان كلتا الركعتين بالتفكيك المزبور، فانّ الركعة الأولى لايتحلّل المصلّي من افتتاحها الاّ بالتسليم من نفس المصلّي بمقتضى الارتباطيّة الملحوظة بين الأجزاء، فهو قد دخل في الاحرام و لم يخرج بالتسليم فتبطل، كما أنّ الركعة الثانية فاقدة لتكبيرة الافتتاح فلم يكن الآتي بها داخلاً في الصلاة، فهي أيضا باطلة لا محالة. ومعه كيف يلتئم الجزءان و تتشكّل صلاة صحيحة من ركعتين باطلتين؟! فانّ هذا
نظير استئجار شخص لصوم نصف اليوم و شخص آخر لصوم النصف الآخر». (1)
«العشرون»: اذا استؤجر للصلاة عن الميّت فصلّى و نقص من صلاته بعض الواجبات الغير الركنيّة سهوا فان لم يكن زائدا على القدر المتعارف الذي قد يتّفق أمكن أن يقال: لاينقص من أجرته شيء. و ان كان الناقص من الواجبات و المستحبّات المتعارفة أزيد من المقدار المتعارف ينقص من الأجرة بمقداره الاّ أن يكون المستأجر عليه الصلاة الصحيحة المبرئة للذمّة، و نظير ذلك اذا استؤجر للحجّ فمات بعد الاحرام و دخول الحرم، حيث انّ ذمّة الميّت تبرأ بذلك، فان كان المستأجر عليه ما يبرئ الذمّة استحقّ تمام الأجرة، و الاّ فتوزّع و يستردّ ما يقابل بقيّة الأعمال.
الشرح:
اذا استؤجر للصلاة عن الميّت فتارة يعلم أنّ المؤجر يريد منه الصلاة الصحيحة، فحينئذ يكفيه الاتيان بواجباتها، فاذا أخلّ بالواجبات الغير الركنيّة سهوا فعمل بما كان تكليفه فقد استحقّ الأجرة المسمّاة و لا اشكال فيه.
و أخرى يعلم أنّ المؤجر قد أراد منه الصلاة الصحيحة المتعارفة، فعليه الاتيان بما أراد، فما يشكّ من المستحبّات أنّها من المتعارفة فيأتي بها، فحينئذ فلو أخلّ بالواجبات الغير الركنيّة سهوا فعمل فيها بما هو تكليفه فلا اشكال فيه، كما أنّه اذا أخلّ ببعض المستحبّات المتعارفة سهوا فلا اشكال فيه أيضا؛ لأنّه قد يتّفق عادةً من المصلّين.
و ثالثة لايعلم الأجير أنّ المؤجر استأجره للصلاة على النحو الأوّل أو الثاني،فعليه أن يأتي بما هو المتعارف، و ان اكتفى بالواجبات فقط فأخبره بما عمل فان
1) مستند العروة 508:30.
رضي، و الاّ يردّ بمقدار ما نقص من الأجرة.
و هكذا يكون الحال في الحجّ، فان استأجر شخصا لنيابة الحجّ عن الميّت، فاذا دخل الحرم محرما فمات فان أراد المؤجر الحجّ الصحيح استحقّ تمام الأجرة، و ان أراد منه الأعمال كاملة فيوزّع الأجرة على ما أتى من عمله و مقدّماته.
ثمّ انّه ان اشترط المؤجر أن يكون المتعلّق هو العمل الصحيح مشتملاً على تمام الأجزاء المتعارفة، فحينئذ يثبت للمستأجر خيار تخلّف الشرط في تقدير النقص، فله الفسخ و الرجوع الى أجرة المثل.
(مسألة 1): استئجار الأعيان المستأجرة دكّة كانت أو دارا أو غيرهما لايوجب حدوث حقّ للمستأجر فيها بحيث لايكون للمؤجر اخراجه بعد تمام الاجارة، و كذا طول مدّة بقائه و تجارته في محلّ الكسب أو كون وجاهته و قدرته التجاريّة الموجبتين لتوجّه النفوس الى مكسبه لايوجب شيء منها حدوث حقّ له على الأعيان، فاذا تمّت مدّة الاجارة يجب عليه تخلية المحلّ و تسليمه الى صاحبه، فلو بقي في المكان المزبور مع عدم رضا المالك كان غاصبا عاصيا، و عليه ضمان المكان لو تلف ولو بآفة سماويّة، كما عليه أجرة مثل المكان مادام كونه تحت يده و عدم تسليمه الى مالكه.
الشرح:
اذا استأجر شخص دكّة أو دارا أو غيرهما مدّة معيّنة بأجرة معلومة فيصير منفعة الدكّة و الدار مملوكة للمستأجر، و الأجرة المسمّاة مملوكة للمالك، فاذا مضت مدّة الاجارة يجب على المستأجر تخلية العين و تسليمها الى مالكها. فلوبقي في المكان المذكور بعد مضيّ المدّة مع عدم رضا المالك، كان غاصبا عاصيا
لحرمة التصرّف في مال الغير بدون اذنه، و عليه أجرة المثل، و لو تلف المكان أو عاب ولو بآفة سماويّة ضمن؛ لأنّه غاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال.
فعلم أنّ ما يوجب عقد الاجارة من الحقّ للمستأجر هو منفعة المال المستأجرة و لا غير، سواء طالت مدّة بقائه و تجارته في محلّ الكسب أو لم يطل، و سواء كانت وجاهته و قدرته التجاريّة توجبان توجّه النفوس الى مكسبه أو لم تكن، كلّ ذلك لايوجب له الحقّ بأن لايكون للمؤجر اخراجه بعد تمام الاجارة، فليس له ادّعاء ذلك بوجه.
(مسألة 2): لو آجر هذا الشخص ذلك المكان المغصوب كانت الاجارة فاسدة، و لو أخذ شيئا بعنوان مال الاجارة فهو حرام، فان تلف أو أتلفه كان ضامنا للدافع، كما أنّ الدافع اذا قبض المحلّ صار ضامنا لمالكه و عليه أجرة مثله له.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الأولى أنّه اذا مضت مدّة الاجارة فيجب على المستأجر تخلية المحلّ و تسليمه الى المالك، و لو تصرّف فيه بعد ذلك بدون رضا المالك كان حراما، و من جملة تصرّفاته اجارته الى شخص آخر بدون اذن المالك، فلو آجره و رضي المالك بالاجارة فتصحّ و كان مال الاجارة للمالك، و ان لم يرض بها كانت الاجارة باطلة، و لو أخذ شيئا بعنوان مال الاجارة أو غير ذلك العنوان يكون حراما. فان أتلفه المستأجر الثاني أو عابه أو تلف مع علمه بالغصب كان ضامنا، فللمالك الرجوع الى أيّهما شاء.
(مسألة 3): السرقفليّة التي يأخذها الغاصب في هذه الصورة حرام، و لو
تلف ما أخذه عنده أو أتلفه فهو ضامن لمالكه.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه اذا مضت مدّة الاجارة فان آجر المكان المذكور و لم يرض به مالكه فما أخذه حرام لايجوز له التصرّف فيه فيجب عليه ردّه الى صاحبه، و كذا يحرم له ما أخذه بعنوان السرقفليّة من المالك أو المستأجر الثاني، فيجب عليه ردّه الى صاحبه، فلو تلف ما أخذه عنده أو أتلفه فهو ضامن لمالكه.
(مسألة 4): لو استأجر محلاًّ للتجارة في مدّة طويلة كعشرين سنة مثلاً و كان له حقّ ايجاره من غيره و اتّفق ترقّي أجرة مثل المحلّ في أثناء المدّة فله اجارته بالمقدار الذي استأجره و أخذ مقدار بعنوان السرقفليّة لأن يؤجره منه على حسب توافقهما.
الشرح:
اذا استأجر محلاًّ للتجارة في مدّة طويلة كعشرين سنة - مثلاً - و أجازه المالك أن يؤجره الى من أراد، و اتّفق ارتفاع أجرة مثل المحلّ في أثناء المدّة فله اجارته بالمقدار الذي استأجره و لايجوز له أزيد من ذلك الاّ أن يضيف اليه شيئا كما مرّ في مسائل الاجارة الثانية. نعم، يجوز له أن يأخذ مقدارا بعنوان السرقفليّة لأن يؤجره منه على حسب توافقهما.
(مسألة 5): لو استأجر دكّة مثلاً و شرط على المؤجر أن لايزيد على مبلغ الاجارة الى مدّة طويلة مثلاً و شرط أيضا أنّه لو حوّل المحلّ الى غيره و هوالى غيره و هكذا يعمل المؤجر معه معاملته ثمّ اتّفق ارتفاع أجرته فله أن يحوّل
المحلّ الى غيره ليعمل المؤجر معه معاملته معه و يأخذ مقدارا بعنوان السرقفليّة ليحوّل المحلّ اليه، و يحلّ السرقفليّة بهذا العنوان.
الشرح:
لو استأجر زيد دكّة - مثلاً - من عمرو و شرط زيد على عمرو المؤجر أن لايزيد على مبلغ الاجارة الى مدّة طويلة كعشرين سنة و شرط زيد المستأجر أيضا عليه أنّه (زيد) لو حوّل المحلّ الى غيره - مثلاً خالد - يعمل المؤجر مع الثاني معاملته مع زيد و لايزيد على مبلغ الاجارة، و كذا لو حوّل خالد الى غيره و هكذا، فقبل المالك و اتّفق ارتفاع أجرته، فلزيد أن يحوّل المحلّ الى غيره، و يأخذ مقدارا بعنوان السرقفليّة.
و الفرق بين هذه المسألة و المسألة السابقة أنّ في السابقة كان المستأجر مؤجرا و يؤجره الى غيره، و يأخذ اجارة المحلّ، فاذا مضت المدّة المعلومة من الاجارة الأولى يرجع الملك الى مالكه، و في هذه المسألة يكون المؤجر هو المالك في الاجارة الثانية و الثالثة، و يأخذ المالك مال الاجارة من الثانية و الثالثة و هكذا، الاّ أنّه لايزيد على الاجارة شيئا حسب شرطه للمستأجر الأوّل حتّى تمضي المدّة المشروطة.
(مسألة 6): لو شرط على المؤجر في ضمن عقد الاجارة أن لايزيد على مبلغ الاجارة مادام المستأجر فيه و لايكون له حقّ اخراجه و عليه ايجاره كلّ سنة بالمقدار المذكور فله أخذ مقدار بعنوان السرقفليّة من المؤجر أو من شخص آخر ليسقط حقّه أو لتخلية المحلّ.
الشرح:
لو استأجر زيد دكّة من عمرو لسنة على الأجرة المعلومة و شرط على عمرو
في ضمن عقد الاجارة أن يؤجره الدكّة كلّ سنة بالمقدار المذكور و لايزيد عليه مادام في ذلك المكان، و لايكون له حقّ اخراجه. فحينئذ يجب على المؤجر الوفاء بما قبل من الشرط، فللمستأجر أخذ مقدار بعنوان السرقفليّة من المؤجر أو من شخص آخر يريد استئجاره ليسقط حقّه أو لتخلية المحلّ.
(مسألة 7): لو شرط على المؤجر في ضمن العقد أن لايؤجر المحلّ من غيره و يؤجره منه سنويّا بالاجارة المتعارفة في كلّ سنة فله أخذ مقدار بعنوان السرقفليّة لاسقاط حقّه أو لتخلية المحلّ.
قد عرفت شرح هذه المسألة في المسألة السابقة.
(مسألة 8): للمالك أن يأخذ أيّ مقدار شاء بعنوان السرقفليّة من شخص ليؤجر المحلّ منه كما أنّ للمستأجر في أثناء مدّة الاجارة أن يأخذ السرقفليّة من ثالث للايجار منه اذا كان له حقّ الايجار.
الشرح:
لم يكن هناك مانع من أن يأخذ المالك أيّ مقدار شاء بعنوان السرقفليّة من شخص ليؤجر المحلّ منه، فانّه ملكه و فيه حقّه و ليس له دليل يمنعه. كذلك يجوز للمستأجر في أثناء مدّة الاجارة أن يأخذ السرقفليّة من ثالث للايجار منه اذا كان له من المالك حقّ الايجار، و ذلك لأنّ له حقّ الاستفادة من المحلّ فيأخذ أيّ مقدار شاء ليسقط حقّه.
(مسألة 1): التأمين عقد واقع بين المؤمّن و المستأمن (المؤمَّن له) بأن يلتزم المؤمّن جبر خسارة كذائيّة اذا وردت على المستأمن في مقابل أن يدفع المؤمَّن له مبلغا أو يتعهّد بدفع مبلغ يتّفق عليه الطرفان.
الشرح:
التأمين من العقود التي لم تكن بهذا العنوان في العناوين الفقهيّة، فانّه ان اندرج في بعض تلك العناوين، كالضمان أو الهبة أو غيرهما مثلاً فتجري عليه أحكام ذلك العنوان، و ان لم يندرج فيه فلابأس بأن يكون عقدا مستقلاًّ يشمله عموم قوله تعالى يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود (1)و كذا اطلاق قوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم». و هو كما في المتن عقد واقع بين المؤمّن و المستأمن (المؤمّن له) و بالفارسيّة «بيمه گر - بيمه گزار» بأن يلتزم المؤمّن جبر خسارة كذائيّة اذا وردت على المستأمن في مقابل أن يدفع المؤمّن له مبلغا أو يتعهّد بدفع مبلغ يتّفق عليه الطرفان.
1) المائدة 5: 1.
(مسألة 2): يحتاج هذا العقد كسائر العقود الى ايجاب و قبول، و يمكن أن يكون الموجب المؤمّن و القابل المستأمن، بأن يقول المؤمّن: عليّ جبر خسارة كذائيّة في مقابل كذا، أو أنا ملتزم بجبر خسارة كذائيّة في مقابل كذا، فيقبل المستأمن، و بالعكس بأن يقول المستأمن: عليّ أداء كذا في مقابل جبر خسارة على كذا فيقبل المؤمّن، أو في مقابل عهدتك جبرها، و يقع بكلّ لفظ.
الشرح:
اذا اتّضح أنّ التأمين معاملة دارجة بين الناس و لم يثبت منع منه عن الشارع، و لايكون فيه ما يوجب منه المنع كالربا، ففي وقوعه يحتاج الى ما يوجده بين طرفي المعاملة من لفظ، كما في المتن، فيقع بكلّ لفظ - يؤدّى به عقد التأمين عرفا - أو كتابة أو عمل، كما في البيوع المعاطاتيّة بحيث لايكون فيه ابهام.
(مسألة 3): يشترط في الموجب و القابل كلّ ما يشترط فيهما في سائر العقود كالبلوغ و العقل و عدم الحجر و الاختيار و القصد، فلايصحّ من الصغير و المجنون و المحجور عليه و المكره و الهازل و نحوه.
الشرح:
يشترط في صحّة عقد التأمين بالنسبة الى الموجب و القابل كلّ ما يشترط في سائر العقود، و هي البلوغ، بل يكفي فيه التمييز و لايصحّ من الصغير غير المميّز، و العقل، فلايصحّ من المجنون، و أن يكون مختارا و قاصدا للفعل، فلو أكره على العقد أو كان هازلاً أو نائما أو غافلاً يكون باطلاً. و حيث انّ التأمين يكون التزام المؤمّن جبر خسارة معلومة وردت على المستأمن، و يرتبط بالمال، فيلزم أن لايكون الموجب و القابل محجورا عليهما و الاّ لايصحّ.
(مسألة 4): يشترط في التأمين مضافا الى ما تقدّم أمور: «الأوّل»: تعيين المؤمَّن عليه من شخص أو مال أو مرض و نحو ذلك. «الثاني»: تعيين طرفي العقد من كونهما شخصا أو شركة أو دولة مثلاً. «الثالث»: تعيين المبلغ الذي يدفع المؤمَّن له الى المؤمِّن. «الرابع»: تعيين الخطر الموجب للخسارة كالحرق و الغرق و السرقة و المرض و الوفاة و نحو ذلك. «الخامس»: تعيين الأقساط التي يدفعها المؤمَّن له لو كان الدفع أقساطا، و كذا تعيين أزمانها. «السادس»: تعيين زمان التأمين ابتداءً و انتهاءً، و أمّا تعيين مبلغ التأمين بأن يعيّن ألف دينار مثلاً فغير لازم، فلو عيّن المؤمَّن عليه والتزم المؤمِّن بأنّ كلّ خسارة وردت عليه فعليّ أو أنا ملتزم بدفعها كفى.
الشرح:
ما ذكر المصنّف من الأمور الستّة يلزم مراعاتها لتكون المعاملة معلومة من جميع الجهات، كما في كلّ معاملة. أمّا تعيين المؤمَّن عليه فلأنّ التأمين له أقسام، فيجب تعيينه. و الثاني فلأنّ ما هو معمول في هذا الزمان يكون بين شركة و عمّالها، و بين الدولة و الشعب، و بين الأشخاص. و الثالث، فلو لم يعيّن المبلغ الذي يدفع المؤمَّن له الى المؤمِّن كانت المعاملة مجهولة العوض، كبيع يجهل مبيعه أو ثمنه فتكون باطلة. فكذلك الأمر الرابع، و هو تعيين الخطر الموجب للخسارة حتّى يعلم أنّ المؤمِّن أيّا منها يتعهّد، كالحرق و الغرق و السرقة و المرض و الوفاة و نحو ذلك. و أمّا الخامس و السادس فلأنّ الزمان يكون من ماهيّة بعض المعاملات، و من جملتها التأمين، و المتعارف فيه أنّ الذي يدفعها المؤمَّن له يكون أقساطا فيلزم تعيين الأقساط، و كذا تعيين زمان التأمين ابتداءً و انتهاءً.
(مسألة 5): الظاهر صحّة التأمين مع الشرائط المتقدّمة من غير فرق بين أنواعه من التأمين على الحياة أو على السيارات و الطائرات و السفن و نحوها، أو على المنقولات برّا و جوّا و بحرا، بل على عمّال شركة أو دولة أو على أهل بيت أو قرية أو على نفس القرية أو البلد أو أهلهما، و كان المستأمن حينئذ الشركاء أو رئيس الشركة أو الدولة أو صاحب البيت أو القرية، بل للدول أن يستأمنوا أهل بلد أو قطر أو مملكة.
الشرح:
التأمين على أقسام:
أحدها: التأمين على الأشياء - كما في المتن - و هو التأمين على السيّارات و الطائرات و السفن و نحوها، فانّ المؤمّن يتعهّد على جبر خسارة وردت على المذكورات في مقابل ما يأخذه من المستأمن في المدّة المعلومة. و التأمين على تلف البضائع التجاريّة أو حرقها بل مطلق الحرق بالنسبة الى أموال المستأمن.
ثانيها: التأمين على الأشخاص كالتأمين على المرض من المستأمن و عياله، بأن يتعهّد ان أصابهم مرض أو وقع لهم حادث أن يعالجهم أو يدفع اليهم مصاريف المعالجة في مقابل ما يأخذ منه شهريّا أو سنويّا. و كذا يصحّ التأمين من رئيس الشركة أو رئيس الدولة أو البلد أو القرية على عمّال الشركة و الدولة و على أهل البلد و القرية بل على نفس القرية و البلد في مقابل ما يأخذ منهم. و كذا يصحّ لكلّ دولة أن تستأمن أهل مملكة أو قطر أو بلد أو نفسها.
ثالثها: تأمين الشخص الثالث، و هو أن يتعهّد المؤمّن جبر خسارة وردت من المستأمن على شخص آخر في مقابل ما يأخذه، بلا فرق بين أن تكون الخسارة من سيّارته أو سفينته أو طائرته أو من فرسه أو من نفسه و ما يكون أمثال ذلك بشرط كون تلك الخسارة عن غير عمد، هذا أوّلاً.
و ثانيا بشرط كون المستأمن ضامنا شرعا للخسارة، أمّا لو لم يكن ضامنا شرعا
لم يكن على المؤمّن شيء.
رابعها التأمين على العمر، و هو أن يتعهّد المؤمّن أن يدفع مبلغا معلوما بعد وفاة المستأمن الى ورثته في مقابل أخذه منه مبلغا معلوما نقدا أو أقساطا.
(مسألة 6): الظاهر أنّ التأمين عقد مستقلّ، و ما هو الرائج ليس صلحا و لا هبة معوّضة بلا شبهة، و يحتمل أن يكون ضمانا بعوض، و الأظهر أنّه مستقلّ ليس من باب ضمان العهدة، بل من باب الالتزام بجبران الخسارة و ان أمكن الايقاع بنحو الصلح و الهبة المعوّضة و الضمان المعوّض، و يصحّ على جميع التقادير على الأقوى، و عقد التأمين لازم ليس لأحد الطرفين فسخه الاّ مع الشرط، و لهما التقايل.
الشرح:
قد تقدّم أنّ التأمين معاملة بين المؤمّن و المستأمن، و المؤمّن يتعهّد و يلتزم بجبران خسارة وقعت للمستأمن، في ماله أو نفسه أو من يتعلّق به، أو تأمين الشخص الثالث كما مرّ، و هو عقد مستقلّ و لايلزم أن يقع تحت المعاملات المعنونة في الفقه من الصلح أو الهبة أو غيرهما، لأنّ الأصل في المعاملات الصحّة الاّ ما خرج بالدليل، فاذا صدق عليه العقد يجب الوفاء به؛ لقوله تعالى «أوفوا بالعقود»، و قوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم». و الأصل في العقود اللزوم الاّ ما خرج بالدليل أو اتّفق طرفا المعاملة بالفسخ. و ما هو الرائج ليس صلحا و لا هبة معوّضة بلا شبهة؛ لأنّ التأمين تعهّد و التزام بجبران الخسارة بخلاف الصلح و الهبة، فليس بينهما و بينه أيّ مناسبة. و الظاهر أنّ التأمين ليس مثل ضمان عهدة الثمن للمشتري عن البائع لو ظهر المبيع مستحقّا للغير أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحّته اذا كان بعد قبض البائع الثمن و تلفه عنده. نعم، يمكن أن يكون بعض أقسام التأمين من الضمان بعوض، الاّ أنّ الواقع أنّ التأمين ليس
عينه، بل هو الالتزام و التعهّد بجبران الخسارة، و لاأقلّ من أنّ مجموع التأمين من حيث المجموع ليس من الضمان بعوض، بل هو عقد مستقلّ، و له أقسام و شرائط كما تقدّم. و ان كان لايضرّ بأن يوقعه بنحو الصلح أو الهبة المعوّضة أو الضمان بعوض كما في المتن، فيجري على كلّ منها أحكامه المخصوصة به.
(مسألة 7): الظاهر صحّة التأمين بالتقابل، و ذلك بأن تتّفق جماعة على تكوين مؤسّسة فيها رأس مال مشترك لجبر خسارة ترد على أحدهم، و هذا أيضا صحيح على الأظهر، و هو معاملة مستقلّة أيضا مرجعها الالتزام بجبر خسارة من المال المشترك في مقابل جبر خسارة كذلك، و يمكن أن يقع العقد بنحو عقد الضمان، بأن يضمن كلّ خسارة شركائه بالنسبة في مقابل ضمان الآخر، الاّ أنّ الأداء من المال المشترك، ولكن الأظهر فيه الالتزام بجبر الخسارة في مقابل جبر بنسبة مالهم المشترك من ذلك المال، و هذا العقد لازم، و يحتمل أن يكون عقد شركة التزم كلّ في ضمنه خسارة كلّ واحد منهم، و حينئذ يكون جائزا لا لازما.
الشرح:
من أقسام التأمين: التأمين بالتقابل، و هو كما في المتن بأن تجتمع عدّة معلومة، و يعطي كلّ واحد منهم مبلغا معيّنا و يتعهّدوا جميعا جبر خسارة وقعت على الأعضاء في مالهم أو أنفسهم أو خسارة صدرت منهم على شخص ثالث، و يلزم أن يعيّنوا ما يدّخره كلّ منهم في المؤسّسة، و أن يعيّنوا ما يلزم أن يعطى بعنوان جبر الخسارة. و الظاهر لزوم كون الاعطاء لكلّ واحد منهم في جبر الخسارة بنسبة ماله المشترك من ذلك المال. و هذا العقد كما تقدّم لازم. و لو التزموا مع ذلك بالمعاملة بهذا المال يكون شركة أيضا.
(مسألة 8): الظاهر صحّة التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح التي تحصل للشركة من الاستفادة بالاتّجار بتلك المبالغ المجتمعة من المشتركين، سواء كان التأمين على الحياة بأن يدفع مبلغ التأمين عند وفاة المؤمّن عليه أو عند انتهاء مدّة التأمين. و للمؤمّن الحقّ في الاشتراك في الأرباح حسب القرار، فيضاف نصيب كلّ من الأرباح الى مبلغ التأمين، أو على جبر الخسارة مع الاشتراك في الأرباح كما ذكر، فانّ ذلك شركة عقديّة مع شرط أو شرائط سائغة، و لو كان من بعضهم العمل و من بعضهم النقود و كان القرار نحو المضاربة صحّ أيضا عندي؛ لعدم اعتبار كون المدفوع في مال المضاربة الذهب و الفضّة المسكوكين، بل المعتبر كونه من النقود في مقابل العروض، و هذا العقد لازم ان لم يرجع الى المضاربة، و ان كان عقد مضاربة في ضمنه التأمين فجائز من الطرفين.
الشرح:
اذا اجتمع أفراد و جعل كلّ واحد منهم مالاً معيّنا بعنوان الشركة ليتّجر بعضهم بمجموع المال و عقد الشركاء مع هذا البعض التأمين، فالمؤمّن هو الذي يتّجر بالمال و المستأمن باقيهم، و أمضوا أيضا أن يضاف نصيب كلّ من الأرباح الى مبلغ التأمين، و للمؤمّن الحقّ في الاشتراك في الأرباح و له نصيبه من الربح بحسب القرار. و هذه المعاملة تسمّى كما في المتن «التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح»، و هي صحيحة، سواء كان التأمين على الحياة بأن يدفع مبلغ التأمين عند وفاة المؤمّن عليه أو عند انتهاء مدّة التأمين، أو على جبر الخسارة. و لو كان من بعضهم العمل و من بعضهم النقود صحّ أيضا. و هذا العقد لازم ان كان الأصل التأمين و في ضمنه المضاربة، و لو عكس و كان عقد مضاربة في ضمنه التأمين يكون جائزا من الطرفين. و كذلك عقد الشركة، فلو كان الأصل التأمين و في ضمنه الشركة فالعقد لازم و لو عكس كان العقد جائزا.
(مسألة 9): لو التزم المؤمّن بدفع اضافة على مبلغ التأمين فالظاهر أنّه لابأس به، كمن أمّن على حياته عند شركة التأمين لمدّة معلومة على مبلغ معلوم و استوفت الشركة أقساطا شهريّة مقدّرة في قبال التأمين و تلتزم الشركة بدفع مبلغ اضافة على مبلغ التأمين ترغيبا لأهل التأمين، فانّ تلك الزيادة ليست من الربا القرضي؛ لعدم كون أداء الأقساط قرضا، بل التأمين معاملة مستقلّة اشترط في ضمنها ذلك، و الشرط سائغ نافذ لازم العمل.
الشرح:
قد تقدّم أنّ التأمين عبارة عن تعهّد جبر الخسارة من المؤمّن للمؤمّن له في قبال مال يدفع جملة أو أقساطا و هو عقد مستقلّ و معاملة مستقلّة، تجري فيها شرائط عامّة للمعاملات و له موانع كما في سائر العقود و الايقاعات. و لو شرط في ضمنه شرطا سائغا يلزم العمل به و هذا كما في المتن: لو التزم المؤمّن بدفع اضافة على مبلغ التأمين ترغيبا لأهل التأمين أو غير ذلك من المقاصد المشروعة، فانّ تلك الزيادة ليست من الربا القرضي؛ لعدم كون أداء الأقساط من جانب المستأمن قرضا، بل التأمين معاملة مستقلّة اشترط في ضمنها ذلك، و الشرط سائغ نافذ لازم العمل.
(مسألة 10): لابأس باعادة التأمين بأن طلب بعض شركات التأمين لدى شركات عظيمة أوسع منها التأمين لشركته التأمينيّة.
الشرح:
يجوز عقد شركة تأمين مع شركة تأمين أخرى عظيمة لتؤمّن خسارة الأولى ان وقعت عليها أحيانا في قبال ما تدفع من المال جملة أو أقساطا. و يجري فيه الشرائط السابقة.
ثمّ انّ هنا مسألتين نذكرهما:
الأولى: لو لم يعمل المؤمّن بما تعهّد من جبر خسارة المستأمن فيجوز له الرجوع الى الحاكم حتّى يجبره على العمل بتعهّده و التزامه. و يجوز له أيضا فسخ عقد التأمين و استرداد ما دفعه.
الثانية: لو تخلّف المستأمن عمّا عليه من دفع حقّ التأمين، فلايجب على المؤمّن أن يعمل بما التزم به.
و هي على قسمين:
أحدهما ما يعبّر عن وجود قرض حقيقيّ بأن كان لشخص على آخر دين كمائة دينار على مدّة معلومة فيأخذ الدائن من المديون الورقة.
ثانيهما ما يعبّر عن قرض صوري، و يسمّى بالمجاملة، فلايكون دين على شخص.
(مسألة 1): في النوع الأوّل اذا أخذ الورقة لينزلها عند شخص ثالث بمبلغ أقلّ بأن يبيع ما في ذمّة المدين بأقلّ منه لا اشكال فيه اذا لم يكن العوضان من المكيل و الموزون كالاسكناس الايراني و الدينار العراقي و الدولار و سائر الأوراق النقديّة، فانّها غير مكيلة و لا موزونة، و الاعتبار من الدول جعلها أثمانا، و ليست أمثالها معبّرة عن الذهب و الفضّة بل قابليّتها للتبديل بها موجبة لاعتبارها و المعاملة تقع بنفسها، و الكمبيالات معبّرة عن الأوراق النقديّة، و بعد المعاملة على ذمّة المدين يصير هو مديونا للشخص الثالث، هذا اذا قصدا بذلك البيع حقيقة لا الفرار من الربا القرضي، و لايجوز ذلك اذا كانت ربويّة و ان قصدا به البيع حقيقة. و أمّا اذا أخذ الدائن عن الثالث قرضا و حوّله على ذمّة المدين أكثر ممّا أخذ فهو حرام مطلقا، سواء كان من المكيل أو الموزون أو لا و ان كان القرض صحيحا.
الشرح:
الربا على قسمين:
الأوّل: الربا في المعاملة ففي المكيل و الموزون، اذا كان الثمن و المثمن من جنس واحد، فالزيادة في أحدهما ربا و حرام. و أمّا الزيادة فيه اذا كان عدديّا فلابأس بها.
الثاني: الربا القرضي و هو أن يقرض شخص شيئا من النقود و غيرها شخصا آخر و شرط أن يؤدّي ما في ذمّته بعد مدّة معلومة بالزيادة، فهو ربا و حرام.
ثمّ انّ الكمبيالات على قسمين: حقيقيّ و صوريّ.
فالحقيقي عبارة عن وجود دين و دائن و مدين. فاذا كان لشخص دين - مثلاً عشرة آلاف تومان - على ذمّته (المديون) لشخص آخر (الدائن)، يريد المديون أن يحيل الدائن الى شخص ثالث أو البنك، فيعطيه ورقة تسمّى الكمبيالة (سفته)، و يوكّله أن يبيع ما في ذمّة المديون الى عشرة آلاف تومان، بعوض تسعة آلاف تومان نقدا و يتعهّد الوكيل الذي هو الدائن عن موكّله المديون أن يدفع عشرة آلاف تومان بعد مدّة معلومة، فان لم يدفع المديون فيدفع الدائن.
فالنكات الموجودة هنا عبارة عن:
1 - معاملة دين في الذمّة بنقد، فلا اشكال فيه.
2 - معاملة الاسكناس بالاسكناس، فحيث انّ الاسكناس له ماليّة فلا اشكال فيه.
3 - الثمن و المثمن من جنس واحد مع الزيادة في أحدهما، فحيث لايكونان من الموزون و المكيل بل من العددي فلا اشكال فيه.
4 - يتعهّد الدائن مضافا الى المديون أن يدفع دينه ان لم يدفعه، فلا اشكال فيه أيضا، فالشخص الثالث أو البنك بعد مضيّ المدّة يرجع الى المديون أوّلاً، و ان لم يدفع دينه أو مات و لم تكن له تركة أو غير ذلك فيرجع الى الدائن ليأخذ طلبه
منه.
أمّا الصوري فيأتي في المسألة الثانية.
(مسألة 2): لاتجوز المعاملة بالكمبيالات الصوريّة المعبّر عنها بالمجاملة الاّ أن ترجع الى أحد الوجوه الآتية:
منها أن يقال: ان دفع الورقة الى الآخر لينزلها عند شخص ثالث و يرجع الثالث في الموعد المقرّر الى المدين الصوري يرجع في الحقيقة الى توكيله بأن يوقع المعاوضة مع الثالث في ذمّة المدين الصوري فيصير المدين الصوري بعد المعاملة بوكالته مديونا حقيقة للثالث، و لمّا كان المفروض بيع غير الأجناس الربويّة صحّت المبايعة بالأقلّ و الأكثر، و أيضا ذلك العمل اذن له في اقتراض الدائن الصوري ما يأخذه لنفسه، و لابدّ من عدم اشتراط الربح، و يدفع الزيادة مجّانا أو عملاً بالاستحباب الشرعي، و للدافع الرجوع الى الدائن الصوري للقرار الضمني و عدم كونه متبرّعا.
الشرح:
يمكن تصحيح المعاملة بالكمبيالات الصوريّة المعبّر عنها بالمجاملة (1)بهذا النحو:
يعطي المديون الصوري الورقة الى الدائن الصوري و يوكّله أن يبيع ما في الورقة الذي أخذ المديون الصوري بذمّته الى الشخص الثالث أو البنك لمدّة معلومة بمقدار أقلّ ممّا في الورقة، و يوكّله أيضا أن يُقرض ما أعطاه البنك بعنوان الثمن لنفسه، فاذا مضت المدّة يرجع البنك الى المدين الصوري لأخذ طلبه، و لو لم يؤدّه يرجع الى الدائن الصوري لما تعهّد في ضمن المعاملة بأنّه ان لم يؤدّ
1) سفتۀ دوستانه
المديون أدّى الدائن. و في الصورتين ما يأخذه البنك من الزيادة على ما أعطاه للدائن الصوري، يعطيه الدائن بعنوان الهبة أو العمل بالاستحباب الشرعي. ثمّ انّه لو دفع المديون الصوري ما حوّله الى الدائن الصوري بعد مضيّ المدّة و رجوع البنك اليه، يرجع الى الدائن الصوري الذي صار مديونا حقيقة؛ للقرار الضمني و عدم كونه متبرّعا.
و منها: انّ دفع الورقة اليه لينزلها و يرجع الثالث اليه موجب لأمرين: أحدهما صيرورة الدائن الصوري ذا اعتبار بمقدار الورقة لدى الثالث (البنك أو غيره) و لذلك يعامل على ذمّة الدائن الصوري فيصير هو مديونا للشخص الثالث.
ثانيهما التزام من المديون الصوري بأداء المقدار المذكور لو لم يؤدّ الدائن الصوري الذي صار مديونا حقيقة للشخص الثالث، و هذا التزام ضمنيّ لأجل معهوديّة الرجوع اليه عند عدم دفع المدين. و يجوز للدافع الرجوع الى المدفوع عنه لو لم يكن متبرّعا و كان ذلك أيضا لازم القرار المذكور. و الظاهر صحّة المعاملة بعد عدم كونها ربويّة و صحّة الالتزام المذكور، فانّه من قبيل ضمّ الذمّة الى الذمّة، و يصحّ بحسب القواعد و ان لم يرجع الى الضمان على المذهب الحقّ.
الشرح:
اذا دفع زيد بعنوان المدين الصوري الورقة (الكمبيالة) التي كان مقدارها عشرة آلاف تومان - مثلاً - الى عمرو بعنوان الدائن الصوري لينزلها عند ثالث أو البنك، فصار عمرو ذا اعتبار عند البنك فيشتري البنك ما في ذمّة عمرو - أي العشرة آلاف التي نقلها زيد اليه بتلك الورقة - بتسعة آلاف تومان، فاذا مضت المدّة المعهودة في الورقة، يرجع البنك الى الدائن الصوري أي عمرو ليأخذ
المبيع أي العشرة آلاف تومان فيعطيه عمرو ذلك المقدار الذي نزله و يهب للبنك ألف تومان. و لو لم يدفع عمرو المقدار يرجع البنك الى المدين الصوري أي زيد، و اذا دفعه يرجع الى عمرو ان لم يكن متبرّعا في دفعه ذلك المقدار. كلّ ذلك من رجوع البنك الى الدائن و بعده الى المدين، و رجوع المدين الى الدائن؛ للالتزام الضمني و قوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم».
و منها: الصورة السابقة بحالها الاّ أنّ الدائن الصوري بعمله يصير ضامنا على فرض عدم أداء صاحبه، بمعنى نقل الذمّة الى الذمّة في فرض عدم الأداء. و هذا أيضا له وجه صحّة و ان لايخلو من اشكال. ثمّ لو دفع المدين الصوري الى الثالث ما التزمه أو ضمنه فله الرجوع الى الدائن الصوري و أخذ ما دفعه عنه.
الشرح:
الظاهر صحّة ضمانه بعمله و ان لايخلو من اشكال؛ لأنّه في الحقيقة التزام ضمنيّ لا ضمان، فعلى أيّ حال لو لم يؤدّ المدين ما طلب البنك منه أو الشخص الثالث فعلى الدائن أداؤه. ثمّ لو دفع المدين الى البنك أو الشخص الثالث ما التزمه أو ضمنه فله الرجوع الى الدائن و أخذ ما دفعه عنه، كما تقدّم في الصورتين السابقتين.
(مسألة 3): بعد ما كان المتعارف في عمل البنوك و نحوها الرجوع الى بائع الكمبيالة و الى كلّ من كان توقيعه عليها لدى عدم أداء دافعها لأجل القوانين الجارية عرفا و كان هذا أمرا معهودا عند جميعهم كان ذلك التزاما ضمنيّا منهم بعهدة الأداء عند المطالبة، و هذا أيضا شرط في ضمن القرار و هو لازم المراعاة. نعم، مع عدم العلم بذلك و عدم معهوديّته لم يكن قرارا ولم يلزم بشيء.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الأولى في الكمبيالات الصوريّة أنّ الدائن يتعهّد مضافا الى المديون أن يدفع دينه لو لم يدفعه المديون، فالشخص الثالث أو البنك يرجع الى المديون أوّلاً فان لم يدفع أو كان ميّتا و لم تكن له تركة أو غير ذلك من الموانع يرجع الى الدائن ليأخذ طلبه منه، فهذا التعهّد قد يكون شفهيّا أو مكتوبا، و قد يكون متعارفا كما ذكر المصنّف في عمل البنوك و كان ذلك التزاما ضمنيّا، فيشمله «المؤمنون عند شروطهم» فهو لازم المراعاة. نعم، لو لم يعلم الدائن بذلك لم يكن قرارا و لم يلزم بشيء.
(مسألة 4): ما يأخذه البنك أو غيره من المديون عند تأخّر الدفع بعد حلول الأجل و عدم تسليم المبلغ من قبل المديون الصوري حرام لايجوز أخذه و ان كان بمراضاة المتعاملين.
الشرح:
لو شرط البنك أو غيره بأنّه لو تأخّر دفع المال الذي باعه بعد حلول المدّة المقيّدة في الورقة أن يأخذ بازاء كلّ يوم مقدارا معلوما من المديون فالشرط حرام، كما أنّ أخذه حرام؛ لأنّه يكون من الربا المحرّم، سواء كان الشرط لفظا أو من القرار الضمني، و ان كان عن تراضي المتعاملين.
(مسألة 5): الكمبيالات و سائر الأوراق التجاريّة لا ماليّة لها و ليست من النقود، و المعاملات الواقعة بها لم تقع بنفسها بل بالنقود و غيرها التي تلك الأوراق معبّرة عنها، و دفعها الى الدائن لايسقط ذمّة المدين، و لو تلف شيءمنها في يد غاصب و نحوه أو أتلفه شخص لم يضمنه ضمان التلف أو الاتلاف. و أمّا الأوراق النقديّة كالاسكناس و الدينار و الدولار و غيرها فلها ماليّة اعتباريّة،
و هي نقود كالدينار و الدرهم المسكوكين من الذهب و الفضّة، دفعها الى الدائن مسقط لذمّته، و في تلفها و اتلافها ضمان كسائر الأموال.
انّ ما قاله المصنّف هو الصحيح و لايحتاج الى مزيد بيان.
(مسألة 6): قد تقدّم أنّ الأوراق النقديّة لايجري فيها الربا غير القرضي فيجوز تبديل بعضها ببعض بالزيادة و النقيصة، سواء كان المتبادلان من نقد مملكتين كتبديل الدينار بالاسكناس أو لا كتبديل الاسكناس بمثله و الدينار بمثله، من غير فرق بين كون معتمدها (1)ذهبا أو فضّة أو غيرهما من المعادن كالأحجار الكريمة و النفط. نعم، لو فرض في مورد تكون الأوراق المذكورة كالأوراق التجاريّة كان حكمها كتلك الأوراق لكنّه مجرّد فرض، هذا اذا قصد بذلك البيع دون القرض، و الاّ فلايجوز.
الشرح:
قد تقدّم أنّ البيع الربوي الممنوع يكون فيما يوزن أو يكال اذا كان الثمن و المثمن من جنس واحد، فالزيادة في الثمن على المثمن أو بالعكس في معاملة واحدة لاتجوز و تكون المعاملة باطلة، و في غير الموزون و المكيل كالعددي يجوز فيه الزيادة و ان كانا من جنس واحد. فالمعاملة بالأوراق النقديّة اذا كان الثمن و المثمن كلاهما منها تجوز بالزيادة و النقصان، سواء كان المتبادلان من نقد مملكتين كبيع الدينار بالاسكناس أو لا كبيع الاسكناس بمثله و الدينار بمثله، منغير فرق بين كون معتمدها ذهبا أو فضّة أو غيرهما من المعادن، فلايجري فيها بيع الصرف. ثمّ انّه لو قصد بتلك المبادلات القرض فلاتجوز الزيادة و النقصان فيها.
1) و هو بالفارسية «پشتوانه».
(مسألة 7): الأوراق النقديّة لاتتعلّق بها الزكاة و لايجري فيها حكم بيع الصرف. نعم، الأقوى جواز المضاربة بها.
الشرح:
الأوراق النقديّة لاتتعلّق بها الزكاة؛ لأنّها تتعلّق بالذهب و الفضّة المسكوكتين. و لايجري فيها حكم بيع الصرف؛ لأنّها لاتكون من بيع الذهب و الفضّة. و أمّا المضاربة بها فالظاهر أنّه لا مانع هناك و سيأتي في بحثها ان شاء اللّه.
(مسألة 1): لا فرق في البنوك و أنواعها من الداخليّة و الخارجيّة و الحكوميّة و غيرها في الأحكام الآتية، و لا في أنّ ما يؤخذ منها محلّل يجوز التصرّف فيها، كسائر ما يؤخذ من ذوي الأيادي من أرباب التجارات و الصناعات و غيرها، الاّ مع العلم بحرمة ما أخذه أو اشتماله على حرام. و أمّا العلم بأنّ في البنك أو في المؤسّسة الكذائيّة محرّمات فلايؤثّر في حرمة المأخوذ و ان احتمل كونه منها.
الشرح:
انّ ما يؤخذ من البنوك يحلّ التصرّف فيه الاّ ما علم أنّه بعينه حرام، أو فيه الحرام، و هذا كسائر ما يؤخذ من ذوي الأيادي من أرباب التجارات و الصناعات و غيرها. و أمّا العلم بأنّ في البنك أو في المؤسّسة الكذائيّة محرّمات فلايؤثّر في حرمة المأخوذ و ان احتمل كونه منها.
و الدليل على ذلك مرسلة معاوية بن عمّار عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«كلّ شيء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام فتدعه بعينه».(1)
1) وسائل الشيعة 25: 119 / الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة / الحديث 7.
(مسألة 2): جميع المعاملات المحلّلة - التي لو أوقعها مع أحد المسلمين كانت صحيحة - محكومة بالصحّة لو أوقعها مع البنوك مطلقا، حكوميّة كانت أو لا، خارجيّة أو داخليّة.
الشرح:
المراد من المعاملات المحلّلة التي لو أوقعها مع أحد المسلمين كانت صحيحة هو البيع و الاجارة و الشركة و المضاربة و الصلح و الجعالة و الهبة المعوّضة و المساقاة و المزارعة، اذا كانت مع شرائطها في المتعاملين أو العوضين. فهذه المعاملات الصحيحة لو أوقعها مع البنوك مطلقا، كانت صحيحة أيضا بلا فرق بين البنوك الحكوميّة أو غيرها و الخارجيّة أو الداخليّة.
(مسألة 3): الأمانات و الودائع التي يدفعها أصحابها الى البنوك ان كانت بعنوان القرض و التمليك بالضمان لا مانع منه، و جاز للبنك التصرّف فيها، و يحرم قرار النفع و الفائدة، كما يحرم اعطاء تلك الفوائد و أخذها، و مع الاتلاف أو التلف يكون الآخذ ضامنا للفوائد و ان صحّ القرض.
الشرح:
يحرم قرار النفع و الفائدة فيما يدفع الشخص الى البنوك من الأمانات و الودائع اذا كان بعنوان القرض و التمليك بالضمان، كما يحرم ذلك الى غير البنوك و ذلك لكونه من الربا المحرّم، و كما يحرم قرار النفع يحرم اعطاؤه و أخذه، ولايملكه الآخذ لكون القرض مع الربا من المعاملات المحرّمة فهي باطلة فهو لمالكه الأوّل يجب على الآخذ ردّه، فلو تلف أو أتلفه كان ضامنا. نعم، هذا القرار و الاعطاء و الأخذ و ان كانت محرّمة الاّ أنّها لاتوجب بطلان القرض.
(مسألة 4): لا فرق في قرار النفع بين التصريح به عند القرض و بين ايقاعه مبنيّا عليه، فلو كان قانون البنك اعطاء النفع في القرض و أقرضه مبنيّا على ذلك كان محرّما.
الشرح:
اذا كان قرار المقرض و المقترض حين القرض أخذ الزيادة و اعطاءها فهو الربا المحرّم، سواء تلفّظا بذلك أو لم يتلفّظا. نعم، لو لم يتلفّظ و لايعدّ المقرض للبنك نفسه مستحقّا للزيادة فان أعطى البنك الزيادة حسب قانونه لم يكن أخذه محرّما. و كذا لو استقرض المال من البنك و كان من نيّته عدم اعطاء الزيادة فليس حراما ان كان مضطرّا و ان كان البنك يأخذ الزيادة جبرا.
(مسألة 5): لو فرض في مورد لايكون الاقتراض و القرض بشرط النفع جاز أخذ الزيادة بلا قرار.
قد تقدّم في المسألة السابقة.
(مسألة 6): لو كان ما يدفعه الى البنك بعنوان الوديعة و الأمانة فان لم يأذن في التصرّف فيها لايجوز للبنك ذلك، و لو تصرّف كان ضامنا، و لو أذن جاز. و كذا لو رضي به، و ما يدفعه البنك اليه حلال على الصورتين الاّ أن يرجع الاذن في التصرّف الناقل الى التملّك بالضمان، فانّ الزيادة المأخوذة مع قرار النفع حرام و ان كان القرض صحيحا، و الظاهر أنّ الودائع في البنك من هذاالقبيل، فما يسمّى وديعة و أمانة قرض واقعا، و مع قرار النفع تحرم الفائدة.
الشرح:
لايجوز التصرّف في الوديعة و الأمانة الاّ باذن صاحبها بلا فرق بين كون المستودع البنك و غيره كما حقّق في محلّه، و لو تصرّف كان ضامنا. و لو أذن المودع التصرّف في الوديعة و يؤدّي عوضه جاز. و لو دفع اليه البنك شيئا بازاء اذنه في تصرّف الوديعة فيكون حلالاً. نعم، لو كانت نيّة الطرفين من الوديعة القرض بمعنى أنّه دفع ماله بعنوان الوديعة و أذن له التصرّف فيها بشرط الزيادة فيما يردّ عوضه، فحينئذ تكون بحكم القرض فتحرم الزيادة كما تقدّم و ان كان تصرّفه في المال جائزا. و لو كانت الودائع في البنك من هذا القبيل و ما يسمّى وديعة و أمانة يكون قرضا واقعا، فمع قرار النفع تحرم الفائدة، سواء كان بلفظ أو عمل.
(مسألة 7): الجوائز التي يدفع البنك تشويقا للايداع و القرض و نحوهما الى من تصيبه القرعة المقرّرة محلّلة لا مانع منها. و كذا الجوائز التي تعطيها المؤسّسات بعد اصابة القرعة للتشويق و جلب المشتري، و كذا ما يجعله صاحب بعض المؤسّسات ضمن بعض أمتعته تشويقا و تكثيرا للمشتري، فانّ كلّ ذلك حلال لا مانع منه.
الشرح:
لا مانع شرعا من الجوائز التي أشار اليها المصنّف من البنوك أو المؤسّسات تشويقا لجلب المشتري، فانّها هدايا شرعيّة تعطى من تصيبه القرعة أو تجعل في ضمن بعض الأمتعة. و لايجب التفحّص عن تلك الجوائز بأنّها من الحرام أو الحلال أو المشتبه و ان كانت أموال المؤسّسة مخلوطة بالحرام القطعي، ماداملم يعلم أنّ هذا الذي صار نصيبه حرام.
(مسألة 8): قيل من أعمال البنك الاعتمادات المستنديّة، و المراد منها أن يتمّ عقد بين تاجر و شركة مثلاً في خارج البلاد على نوع من البضاعة، و بعد تماميّة المعاملة من الجهات الدخيلة فيها يتقدّم التاجر الى البنك و يطلب «فتح اعتماد» و يدفع الى البنك قسما من قيمة البضاعة و يقوم البنك بعد ذلك بدفع القيمة تامّة الى الشركة و يتسلّم البضاعة، و تسجّل باسم البنك من حين التصدير، و عند وصولها الى المحلّ يخبر البنك مالكها بالوصول و تحوّل البضاعة من اسم البنك الى اسم مالكها بعد أن يدفع ما دفعه البنك الى الشركة ممّا بقي من قيمة البضاعة، و يتقاضى البنك عن هذه العمليّة عمولة مقطوعة ازاء خدماته و فائدة على المبلغ الباقي طيلة الفترة الواقعة بين يوم تسليمه الى الشركة الى يوم تسلّمه من صاحب البضاعة. ثمّ ان دفع التاجر ما بقي من القيمة و ما يتقاضى البنك يسلّمها ايّاه، و الاّ فيتصدّى لبيع البضاعة و استيفاء حقّه. فهل ما يأخذه البنك من الزيادة جائز حلال أو لا؟ أو ما يأخذه بازاء خدماته من التسجيل و التسليم و التسلّم و نحو ذلك جائز و ما أخذه بعنوان الفائدة لتأخير ثمنه حرام؟ الظاهر الأخير اذا كان ما يدفع البنك الى الشركة أداءً لدين صاحب البضاعة قرضا له، كما أنّ الظاهر كذلك في الخارج، و كذا لو كان ما يدفعه البنك أداءً لدينه، فيصير صاحب البضاعة مديونا له و يأخذ مقدارا لأجل تأخير دينه فانّه حرام. و أمّا تصدّي البنك لبيع البضاعة مع الشرط في ضمن القرار فلا مانع منه؛ لرجوع ما ذكر الى توكيله لذلك، فيجوز الشراء منه.
الشرح:
اذا عقد بين تاجر و شركة مثلاً في خارج البلاد على نوع من البضاعة و بعد تماميّة المعاملة قدم التاجر الى البنك و طلب «فتح اعتماد» و دفع الى البنك مقدارا من قيمة البضاعة ليقوم البنك بعد ذلك بدفع القيمة تامّة الى الشركة و يتسلّم البضاعة، و تسجّل باسم البنك من حين التصدير، و عند وصولها الى المحلّ يخبر
البنك مالكها بالوصول و تحوّل البضاعة من اسم البنك الى اسم مالكها بعد أن يدفع التاجر الى البنك ما دفعه الى الشركة ممّا بقي من قيمة البضاعة.
فالسؤال عمّا يتقاضى البنك كما في المتن في حلّيّته و حرمته. فنقول:
تارة يبيع التاجر من البنك البضاعة بما توافقا عليه من القيمة ثمّ يبيعها البنك من التاجر بأكثر ممّا اشتراها منه. فهذه الصورة لا اشكال فيها.
و أخرى يوكّل التاجر البنك لأن يتسلّم البضاعة باسم نفسه ثمّ يوصلها الى التاجر، و يعيّن للبنك عمولة مقطوعة ازاء خدماته، فلا اشكال في هذه الصورة أيضا.
و في هاتين الصورتين لو لم يؤدّ التاجر حقّ البنك أو لم يؤدّ ما بقي من قيمة البضاعة - بعد مضيّ المدّة ان كانت - يجوز له بيع البضاعة و استيفاء حقّه و ارسال ما بقي من القيمة الى صاحبها.
و ثالثة يقرض البنك التاجر ما بقي من قيمة البضاعة و يشترط فائدة على المبلغ الباقي طيلة الفترة الواقعة بين يوم تسليمه الى الشركة الى يوم تسلّمه من صاحب البضاعة، مضافا الى أخذ العمولة المقطوعة لعمليّته، فحينئذ أخذ الزيادة و اعطاؤها حرام لكونها من الربا المحرّم.
(مسألة 9): من أعمال البنوك و نحوها الكفالة بأن يتعهّد شخص لآخر بالقيام بعمل كبناء قنطرة مثلاً و يتعهّد البنك أو غيره للمتعهّد له بكفالة الطرف- أي المتعهّد - و ضمانه بأن يدفع عنه مبلغا لو فرض عدم قيامه بما تعهّد للمتعهّد له، و يتقاضى الكفيل ممّن يكفله عمولة بازاء كفالته، و الظاهر صحّة هذه الكفالة الراجعة الى عهدة الأداء عند عدم قيام المتعهّد بما تعهّد، و جواز أخذ العمولة بازاء كفالته أو بازاء أعمال أخر من ثبت الكفالة و نحوه، و اذا كانت الكفالة باذن المتعهّد جاز له الرجوع اليه لأخذ ما دفعه، و ليس للمتعهّد
أن يمتنع منه.
لا اشكال في هذه المسألة و حكمها كما في المتن.
(مسألة 10): من أعمالها الحوالات، و قد يطلق عليها صرف البرات، فان دفع شخص الى البنك أو التاجر مبلغا معيّنا في بلد و يحوّله البنك مثلاً الى بنك بلد آخر و يأخذ البنك منه مبلغا معيّنا بازاء تحويله فلا اشكال فيه بيعا كان أو قرضا. و كذا لو كان الأخذ بعنوان حقّ العمل، و ان أراد أن يأخذ من البنك أو نحوه مبلغا معيّنا و يحوّله البنك على تسلّم المبلغ من بنك في بلد آخر و يأخذ البنك منه مبلغا معيّنا فان كان ذلك القرار بيع مبلغ بمبلغ أزيد ليحوّله الى البنك صحّ، و لا اشكال فيه بشرط أن لايكون هذا وسيلة للفرار من الربا القرضي، و كذا ان كان قرضا لكن لم يشترط الزيادة بل أخذها بعنوان حقّ العمل مع عدم كونه فرارا من الربا. و أمّا ان كان قرضا بشرط الزيادة فهو حرام و ان كان القرض مبنيّا على الزيادة و كان الشرط ارتكازيّا غير مصرّح به، ولكنّ القرض صحيح.
الشرح:
اذا دفع شخص الى البنك أو التاجر مبلغا معيّنا ليدفعه الى بنك أو تاجر في بلد آخر ليأخذه نفسه أو شخص غيره، فيجوز أن يأخذ البنك أو التاجر مبلغا معيّنابعنوان حقّ العمل. و ان أراد أن يأخذ من البنك مبلغا معيّنا ليدفعه البنك الى بنك في بلد آخر، فتارة يقرضه البنك و يحوّله الى بنك آخر و يأخذ مبلغا بعنوان حقّ العمل فهذا جائز.
و أخرى يبيع ذلك المبلغ بمبلغ أزيد منه فهذا أيضا جائز.
و ثالثة يقرضه و يشترط الزيادة، فهذا حرام، سواء تلفّظ بذلك الشرط أو كان قرارا.
(مسألة 11): الصكوك البنكيّة كالأوراق التجاريّة لا ماليّة لها، بل هي معبّرة عن مبلغ معيّن في البنك، و لايجوز بيعها و شراؤها في نفسها. نعم، الصكّ الذي يسمّى في ايران بالصكّ التضميني يكون من الأوراق النقديّة كالدينار و الاسكناس فيصحّ بيعه و شراؤه، و من أتلفه ضمن لمالكه كسائر الأموال، و يجوز بيعه بالزيادة، و لا ربا فيه الاّ اذا جعل البيع وسيلة للتخلّص عن الربا القرضي.
قد تقدّم الكلام في نظير هذه المسألة، الاّ أنّ التخلّص من الربا اذا كان عمله عدّ بيعا، فالظاهر أنّه ليس فيه اشكال. و كذا في المسألة المتقدّمة.
(مسألة 12): أعمال البنوك الرهنيّة ان كانت إقراضا الى مدّة بالنفع المعيّن و أخذ الرهن مقابله و شرط بيع المرهون و أخذ ماله لو لم يدفع المستقرض في رأس أجله يصحّ أصل القرض و الرهن، و يبطل اشتراط النفع و الزيادة، و لايجوز أخذها. نعم، يجوز الأخذ لو كان بعنوان حقّ العمل اذا لم يكن حيلة للتخلّص من الربا. و ان كانت من قبيل بيع السلف بأن باع الطالب مائتين سلفا بمائة حالاًّ و اشترط المشتري عليه ولو بنحو الشرط الضمني الارتكازي وثيقة و كونه وكيلاً في بيعها عند التخلّف و أخذ مقدار حقّه فلايصحّ البيع و لا الرهن و لا الوكالة.
الشرح:
لو أقرض شخصا مبلغا في مدّة معلومة و أخذ وثيقة و شرط أنّه لو لم يدفع دينه بعد مضيّ المدّة يبيع المال المرهون و يأخذ دينه، فالقرض و الرهن و الشرط كلّها صحيحة شرعيّة، سواء كانت من البنك أو غيره. و لو شرط المقرض أخذ مبلغ لحفظ الوثيقة أو لعمل الاقراض لو كان له عمل يجوز ذلك. و أمّا لو شرط النفع في مقابل القرض فالشرط باطل و كان القرض و الرهن و شرط بيع المال المرهون صحيحة، فانّ الشرط الفاسد لايبطل المعاملة من القرض و الرهن و شرط البيع في ضمنهما.
ثمّ قال المصنّف رحمه الله: «ان كانت من قبيل بيع السلف - الى أن قال: - فلايصحّ البيع و لا الرهن و لا الوكالة».
و ذلك لأنّه اذا كان البيع باطلاً لكونه عنده من الربا حقيقة، فما كان في ضمنه من الرهن و الوكالة يكون باطلاً.
(مسألة 1): لا اشكال في أنّ تلقيح ماء الرجل بزوجته جائز و ان وجب الاحتراز عن حصول مقدّمات محرّمة ككون الملقّح أجنبيّا أو التلقيح مستلزما للنظر الى ما لايجوز النظر اليه. فلو فرض أنّ النطفة خرجت بوجه محلّل و لقّحها الزوج بزوجته فحصل منها ولد كان ولدهما، كما لو تولّد بالجماع، بل لو وقع التلقيح من ماء الرجل بزوجته بوجه محرّم كما لو لقّح الأجنبي أو أخرج المني بوجه محرّم كان الولد ولدهما و ان أثما بارتكاب الحرام.
الشرح:
تلقيح ماء الرجل بزوجته جائز؛ لقوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم» (1)، فانّ رحم الزوجة محلّ لالقاء ماء الرجل، و لا خصوصيّة لما هو المتعارف من الدخول، فلو حصل منها ولد كان ولدهما. نعم، يجب الاحتراز عن المقدّمات المحرّمة ككون الملقح أجنبيّا أو التلقيح مستلزما للنظر الى ما لايجوز النظر اليه و اخراج النطفة بوجه محرّم. و لو كانت المقدّمات محرّمة أثما بارتكاب الحرام الاّ أنّ الولد الحاصل من اللقاح ولدهما؛ لأنّه حصل من ماء الزوج في رحم زوجته.
1) البقرة 2: 223.
(مسألة 2): لايجوز التلقيح بماء غير الزوج، سواء كانت المرأة ذات بعل أو لا، رضي الزوج و الزوجة بذلك أو لا، كانت المرأة من محارم صاحب الماء كأمّه و أخته أو لا.
الشرح:
لايجوز التلقيح بماء غير الزوج، و ذلك لأنّ الذي يوجب حلّيّة المرأة للمرء و كونها حرثا له هو عقد النكاح دواما أو متعة، و في غير ذلك يحرم ادخال ماء الرجل في رحم المرأة، بلا فرق في الحرمة بين كون المرأة ذات بعل أو لا، رضي الزوج و الزوجة بذلك أو لا، كانت المرأة من محارم صاحب الماء كأمّه و أخته أو لا؛ لأنّ الدليل على ادخال ماء الرجل بغير النكاح في رحم المرأة شامل للجميع، بل لايبعد القول بشدّة الحرمة في التلقيح بماء غير الزوج بالمرأة ذات البعل، و المرأة التي كانت من محارم صاحب الماء كأمّه و أخته.
(مسألة 3): لو حصل عمل التلقيح بماء غير الزوج و كانت المرأة ذات بعل و علم أنّ الولد من التلقيح فلا اشكال في عدم لحوق الولد بالزوج كما لا اشكال في لحوقه بصاحب الماء و المرأة ان كان التلقيح شبهة كما في الوط ء شبهة، فلو لقّحها بتوهّم أنّها زوجته و أنّ الماء له فبان الخلاف يلحق الولد بصاحب الماء و المرأة. و أمّا لو كان مع العلم و العمد ففي الالحاق اشكال و ان كان الأشبه ذلك، لكنّ المسألة مشكلة لابدّ فيها من الاحتياط و مسائل الارث في باب التلقيح شبهة كمسائله في الوط ء شبهة. و في العمدي المحرّم لابدّ من الاحتياط.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: اذا حصل عمل التلقيح بماء غير الزوج و كانت المرأة ذات بعل و علم أنّ الولد من التلقيح و من ماء غير الزوج ولكن كان التلقيح شبهة بمعنى أنّ التلقيح حصل من الزوج و تخيّل أنّه ماؤه فكشف خطأه و أنّه ماء غيره، أو حصل منه بتخيّل أنّ المرأة زوجته فكشف خلافه، ففي هذه الصورة ألحق الولد بصاحب الماء و المرأة.
الثانية: اذا حصل عمل التلقيح بماء غير الزوج عامدا و من دون شبهة، مع العلم بأنّ الولد من ماء غير الزوج، فالمصنّف احتاط فيها بعد القول بأشبهيّة الحاق الولد بصاحب الماء و المرأة. و الظاهر الحاق الولد بهما لغة، و أمّا شرعا بحيث يترتّب عليه أحكامه فلا؛ لعدم الدليل على ذلك.
الثالثة: الصورة الثانية مع عدم العلم بكون الولد من عمل التلقيح و احتمل أنّه من ماء الزوج فيلحق الولد بالزوج و الزوجة.
(مسألة 4): لايجوز تزويج المولود لو كان أنثى من صاحب الماء، و لاتزويج الولد أمّه أو أخته أو غيرهما من المحارم، وبالجملة لايجوز نكاح كلّ من لايجوز نكاحه لو كان التوليد بوجه شرعي.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: لو حصل التلقيح من ماء الزوج بزوجته فتولّد من مائه أنثى فالنسب بين الولد و بينهما حاصل و كذا بينه و بين أقاربهما، و هذه لا اشكال فيها.
الثانية: لو حصل التلقيح من ماء رجل أجنبيّ بالمرأة الأجنبيّة غير ذات بعل فحصل منهما ولد فلا نسب بينهما و بين الولد شرعا، الاّ أنّه لايجوز تزويج الرجلبها ان كانت أنثى و لا تزويج المرأة به ان كان ذكرا؛ لأنّ الولد من مائهما و هو ولدهما لغة و عرفا و ان لم يكن شرعا، و لايرث و لايورث. و أمّا التزويج بالنسبة
الى أقاربه فالأحوط تركه و لايجوز لغيرهما النظر اليه فيما لايجوز النظر اليه و كذا العكس. و أمّا نظر الرجل و المرأة اليه و بالعكس فجوازه أشبه و الاحتياط حسن.
(مسألة 5): الأحوط ترك النظر الى من جاز النظر اليه لو كان المولود بطريق شرعيّ و ان كان الأشبه الجواز. هذا فيما اذا لم يحصل التلقيح شبهة، و الاّ فلا اشكال في الجواز.
قد تقدّم في المسألة السابقة ما يناسب هذه المسألة.
(مسألة 6): للتلقيح و التوليد أنواع يمكن تحقّقها في المستقبل: منها أن تؤخذ النطفة التي هي منشأ الولد من الأثمار و الحبوب و نحوهما و بعمل التلقيح بالمرأة تصير منشأً للولد، و معلوم أنّه لايلحق بغير أمّه، و الحاقه بها أضعف اشكالاً من تلقيح ماء الرجل. و منها أن يؤخذ ماء الرجل و يربّى في رحم صناعيّة كتوليد الطيور صناعيّا، فيلحق بالرجل و لايلحق بغيره. و منها أن تؤخذ النطفة من الأثمار و نحوها فتجعل في رحم صناعيّة فيحصل التوليد، و هذا القسم لو فرض لا اشكال فيه بوجه، و لايلحق بأحد.
الشرح:
لا اشكال في الثاني و الثالث من هذه الأنواع الثلاثة، و يجري على الثاني أحكام الارث و النظر و النكاح، من أبيه و أقارب أبيه. و أمّا في النوع الأوّل فلايبعد الحاق الولد بالمرأة، و يجري عليه الأحكام المذكورة بل الظاهر أنّه لا مانع من الحاقه بها.
(مسألة 7): لو حصل من ماء رجل في رحم صناعيّة ذكر و أنثى يكونان أخا و أختا من قبل الأب، و لا أمّ لهما، فلايجوز نكاحهما و لا نكاح من حرم نكاحه
من قبل الأب لو كان التوليد بوجه عادي. و لو حصل من نطفة صناعيّة في رحم امرأة ذكر و أنثى فهما أخ و أخت من قبل الأمّ، و لا أب لهما، فلايجوز تزويجهما و لا تزويج من حرم من قبل الأمّ.
الشرح:
فانّ الذكر و الأنثى المتولّدين الحاصلين من ماء الرجل يكونان أخا و أختا من قبل الأب؛ لأنّهما من ماء الرجل فيلحقان به شرعا، و لا موضوعيّة لكون نشوئهما في رحم المرأة، و عليه لايجوز لهما نكاح من كان رحما من جانب الأب، كما يرثان و يورثان من قبله. و لا اشكال في عدم الأمّ لهما. و كذا لو حصل من نطفة صناعيّة في رحم امرأة ذكر و أنثى فهما أخ و أخت من قبل الأمّ؛ لعدم موضوعيّة الأب حتّى يكونا أخا و أختا، و لايوجد اشكال من جهة عدم الأب لهما، و عليه لايجوز لهما تزويج من كان محرّما لهما من قبل الأمّ، كما يرثان و يورثان من قبلها.
(مسألة 8): لو تولّد الذكر و الأنثى من نطفة صناعيّة و رحم صناعيّة فالظاهر أنّه لا نسبة بينهما، فجاز تزويج أحدهما بالآخر، و لا توارث بينهما، و ان أخذت النطفة من تفّاحة واحدة مثلاً.
الشرح:
لو تولّد الذكر و الأنثى من نطفة صناعيّة و رحم صناعيّة، فالظاهر أنّه لا نسبة بينهما؛ لأنّ النسب الشرعي يحصل بماء الانسان من الزوج و الزوجة أو بماء الرجل أو المرأة، و الفرض عدمه. فاذا لم يكن بينهما نسب شرعا و لغة و عرفا يجوز تزويج أحدهما بالآخر، و لا توارث بينهما، و ان أخذت النطفة من ثمرةواحدة مثلاً كما في المتن.
(مسألة 9): لو تولّد الطفل لواسطة العلاج قبل مدّة أقلّ الحمل كما لو أسرع عن سيره الطبيعي بواسطة بعض الأشعّات أو تولّد بعد مدّة أكثر الحمل للمنع عن سيره الطبيعي و الابطاء به يلحق الطفل بأبيه بعد العلم بكونه من مائه، و لو صار ذلك طبيعيّا لأجل ضعف أشعّة الشمس و تغيير طبيعة الأرض يلحق الولد بالفراش مع الشكّ أيضا. و كذا لو كان في بعض المناطق طبيعيّ أكثر الحمل أو أقلّه على خلاف مناطقنا يحكم بالحاق الولد مع امكانه، و لايقاس بمناطقنا.
الشرح:
اذا تولّد طفل من زوج و زوجة و علم أنّه من نطفتهما، فلا اشكال في مدّة الحمل من كونها أقلّ من ستّة أشهر أو أكثر من أقصى الحمل، و سواء كان اسراعه لواسطة العلاج أو لم يكن كذلك. و لو شكّ في ذلك يلحق الولد بالفراش.
(مسألة 10): لو انتقل الحمل في حال كونه علقة أو مضغة أو بعد ولوج الروح من رحم امرأة الى رحم امرأة أخرى فنشأ فيها و تولّد هل هو ولد الأولى أو الثانية؟
لا شبهة في أنّه من الأولى اذا انتقل بعد تمام الخلقة و ولوج الروح، كما أنّه لا اشكال في ذلك اذا أخرج و جعل في رحم صناعيّة و ربّي فيها. و أمّا لو أخرج قبل ذلك حال مضغته مثلاً ففيه اشكال. نعم، لو ثبت أنّ نطفة الزوجين منشأ للطفل فالظاهر الحاقه بهما، سواء انتقل الى رحم امرأة أو رحم صناعيّة.
الشرح:
الظاهر الحاق الولد بالرجل و المرأة اللذين كانت النطفة منهما في جميع الصور المفروضة.
تمّ بعون اللّه تعالى
شرح كتاب الاجارة و فروعها من المسائل المستحدثة
بيد أقلّ العباد السيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ابن المرحوم السيّد علي أكبر
في شهر رجب المرجّب سنة 1428
و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين