الهادی إلى أحکام الطلاق و ملحقاته الظهار و الایلاء و اللعان

ghaemiyeh.com

هویة الكتاب

سرشناسه : دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلی‌محمد، 1313 -

عنوان قراردادی : تحریر‌الوسیله . برگزیده. شرح

عنوان و نام پديدآور : الهادی الی احکام‌الطلاق و ملحقاته‌الظهار والایلاء واللعان: شرح تحریرالوسیله للامام‌الخمینی / لمولفه سیدعلی‌محمد دستغیب‌الحسینی‌الشیرازی.

مشخصات نشر : قم: موسسه‌الفلاح للنشر، 1434 ق.= 1392.

مشخصات ظاهری : 328 ص.

شابک : 100000 ریال‌978-600-5645-38-5 :

وضعیت فهرست نویسی : فاپا

يادداشت : عربی.

يادداشت : این کتاب شرح و برگزیده جلد بیست و پنجم تحریرالوسیله تالیف امام خمینی است.

يادداشت : عنوان عطف: الهادی.

یادداشت : كتابنامه.

عنوان عطف : الهادی.

موضوع : خمینی، روح‌الله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، 1279 - 1368 . تحریر‌الوسیله -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- رساله عملیه

طلاق (فقه)

شناسه افزوده : خمینی، روح‌الله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، 1279 - 1368 . تحریر‌الوسیله. برگزیده. شرح

رده بندی کنگره : BP183/9/خ8ت7 0234 1392

رده بندی دیویی : 297/3422

شماره کتابشناسی ملی : 3216842

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

محرر رقمی : روح الله قاسمي

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الهادي

إلى أحكام الطلاق و ملحقاته

(الظهار و الايلاء و اللعان)

شرح تحرير الوسيلة للامام الخميني قدس‌سره

المجلّد الخامس و العشرون

لِمُؤلِّفِهِ المُحَقِّقِ وَ الفَقيهِ المُدَقِّقِ

سَماحَةِ آيهِ‌اللّه‌ِ سَيِّد عَلي مُحمّد دَستغيب الحُسَيني الشيرازي

الفهرس

المقدّمة ... 13

كتاب الطلاق / 15

القول في شروطه / 17

في اشتراط البلوغ و العقل في الزوج المطلّق ... 17

في طلاق ولي الصبي عنه ... 22

في اشتراط القصد و الاختيار ... 25

في معنى الاكراه ... 28

فيما لو قدر على دفع ضرر الآمر ... 31

فيما لو أكرهه على طلاق احدى زوجتيه ... 31

في عدم اعتبار اطّلاع الزوجة في الطلاق ... 33

فيما يشترط في المطلّقة ... 34

في موارد عدم اشتراط الخلوّ من الحيض ... 37

فيما لو غاب الزوج ... 42

في الحاضر الذي يتعذّر أو يتعسّر عليه معرفة حال المرأة ... 44

في موارد جواز الطلاق في طهر المواقعة ... 45

فيما لو واقعها في حال الحيض ... 48

في اشتراط تعيّن المطلّقة ... 49

القول في الصيغة / 53

في ايقاع طلاق أكثر من زوجة واحدة بصيغة واحدة ... 58

في ايقاع صيغة الطلاق بما يرادف الصيغة المزبورة من سائر اللغات ... 59

في جواز التوكيل في الطلاق ... 62

في توكيل المرأة في طلاق نفسها ... 64

في اشتراط التنجيز ... 64

فيما لو كرّر صيغة الطلاق ثلاثا ... 67

فيما لو كان الزوج من العامّة ممّن يعتقد وقوع الثلاث بثلاث ... 69

في اعتبار الاشهاد ... 75

في عدم الاكتفاء بشهادة الوكيل أو الموكّل ... 80

فيما لو كان الشاهدان فاسقين في نفس الأمر ... 81

القول في أقسام الطلاق / 85

فيما لو طلّقها ثلاثا مع تخلّل رجعتين ... 87

في أنّ العقد الجديد بحكم الرجوع ... 90

في بيان ما يوجب التحريم أبدا ... 92

فيما اذا تزوّجت للغير بين الطلقات الثلاث ... 96

فيما يشترط في المحلّل ... 99

في تصديق المرأة في دعوى الخروج من العدّة و التزويج بالمحلّل ... 103

فيما لو ادّعت الدخول و لم‌يكذّبها المحلّل ... 105

في عدم الفرق في الوط‌ء المعتبر في المحلّل بين المحرّم و المحلّل ... 107

فيما لو شكّ الزوج في ايقاع أصل الطلاق أو عدده ... 109

القول في أحكام الطلاق / 111

في طلاق المريض ... 111

فيما لو ادّعى الرجل الطلاق في حال الصحّة ثلاثا ... 114

في أنّه هل يثبت الارث مع سؤالها الطلاق من المريض ... 115

فيما لو اختلفا في زمان وقوع الطلاق ... 116

فيما اذا ادّعى الزوج أنّه طلّقها و أنكرت الزوجة ... 117

فيما لو ادّعت المطلّقة أنّ الطلاق وقع في حال المرض و أنكر الوارث ذلك ... 117

في الموت بالحوادث المخوفة ... 118

فيما لو طلّقها بائنا ثمّ وطئها شبهة ... 119

فيما لو كان له زوجتان فطلّق احداهما المعيّنة، ثمّ نسيها ... 120

فيما اذا كان الطلاق موجبا للضرر نفسا على الزوجة ... 121

القول في العدد / 123

فصل في عدّة الفراق / 123

فيمن لا عدّة عليه ... 123

فيما يتحقّق الدخول به ... 126

في اليأس من الحيض ... 129

فيما لو رأت الدم بعد الطلاق مرّة أو مرّتين ثمّ يئست ... 131

فرع فيما لو ادّعت المرأة أنّها يائسة ... 132

في عدّة الحامل ... 133

في عدم العبرة بالوضع اذا لم‌يكن الحمل ملحقا بمن له العدّة ... 138

فيما لو كانت حاملاً باثنين ... 140

فيما لو وطئت شبهة ثمّ طلّقت ... 143

فيما لو ادّعت المطلّقة الحامل أنّها وضعت و أنكر الزوج ... 146

فيما لو اختلفا في المتقدّم و المتأخّر من الوضع و الطلاق ... 147

في عدّة طلاق الحائل ... 150

في أنّ المراد بالقروء الأطهار ... 157

في عدّة المتعة ... 158

في أنّ المدار في الشهور هو الهلالي ... 160

فيما لو اختلفا في انقضاء العدّة و عدمه ... 161

في مسائل متعلّقة بأحكام عدّة المتعة ... 161

فصل في عدّة الوفاة / 164

في أنّ المراد بالأشهر هو الهلاليّة ... 167

فيما لو طلّقها ثمّ مات قبل انقضاء العدّة ... 168

في وجوب الحداد ... 170

في أنّ الحداد ليس شرطا في صحّة العدّة ... 173

في أنّه لا فرق في وجوب الحداد بين المسلمة و الذمّية ... 174

في جواز الخروج من البيت للمعتدّة بعدّة الوفاة ... 177

في مبدأ عدّة الوفاة ... 179

في عدم اعتبار كون الاخبار حجّة شرعيّة ... 187

فيما لو علمت بالطلاق و لم‌تعلم وقت وقوعه ... 188

فيما لو فقد الرجل و غاب غيبة منقطعة ... 191

في مسائل متعلّقة بالفحص و أحكامه ... 196

فصل في عدّة وط‌ء الشبهة / 209

في أنّه لا عدّة على المزني بها ... 212

في أنّ عدّة وط‌ء الشبهة كعدّة الطلاق ... 215

فيما لو كانت الموطوءة شبهة ذات بعل ... 216

فيما اذا كانت خليّة ... 218

فيما لو كانت معتدّة بعدّة الطلاق أو الوفاة فوطئت شبهة ... 219

فيما لو طلّق زوجته بائنا ثمّ وطأها شبهة ... 221

فيما لو طلّقها رجعيّا بعد الدخول ثمّ رجع ثمّ طلّقها قبل الدخول ... 222

القول في الرجعة / 225

في أنّه لاتتوقّف حلّية الاستمتاعات على سبق الرجوع ... 227

فيما لو أنكر أصل الطلاق و هي في العدّة ... 229

في عدم اعتبار الاشهاد في الرجعة ... 230

فيما لو اختلفا في المتقدّم من الرجوع و انقضاء العدّة ... 233

فيما لو طلّق و راجع فأنكرت الدخول بها ... 235

في أنّ جواز الرجوع في الطلاق الرجعي حكم شرعي ... 236

في أنّ المطلّقة بالطلاق الرجعي بحكم الزوجة ... 237

في عدم جواز اخراج المطلّقة الرجعيّة من بيتها ... 241

فرع في جواز كونهما في دار واحدة مع عدم غيرهما ... 241

كتاب الخلع و المبارأة / 249

في صيغة طلاق الخلع ... 251

في احتياج الخلع الى طرفين و انشاءين ... 253

في أنّه يعتبر في صحّة الخلع عدم الفصل بين انشاء البذل و الطلاق ... 256

في جواز التوكيل في البذل و الطلاق ... 257

في كيفيّة ايقاع الصيغة ... 258

في بيان شرائط الفداء ... 260

في صحّة بذل الفداء منها و من وكيلها ... 263

فيما لو قال أبوها: «طلّقها و أنت بريء من صداقها» ... 265

فيما لو جعلت الفداء مال الغير أو ما لايملكه المسلم ... 266

في أنّه يشترط في الخلع أن‌تكون كراهة الزوجة شديدة ... 267

في عدم الفرق في الكراهة بين كونها ذاتيّة أو عرضيّة ... 268

في أنّ طلاق الخلع بائن ... 270

في اشتراط امكان رجوع الزوج بعد رجوعها في المبذول ... 271

في طلاق المبارأة ... 276

في الفرق بين المبارأة و الخلع ... 277

كتاب الظهار / 279

في صيغة الظهار ... 281

فيما لو شبّهها باحدى المحارم النسبيّة غير الأمّ ... 283

فيما يشترط في الظهار ... 285

في أقسام الظهار ... 288

في حكم الظهار ... 288

فيما اذا طلّقها رجعيّا ثمّ راجعها ... 291

في كفّارة الظهار ... 292

في وجوب الانفاق على المظاهرة ... 295

في اعتبار العربيّة في الظهار ... 295

فيما لو اختلف الزوجان في تحقّق الظهار ... 295

فيما لو ظاهر من واحدة مرارا ... 295

كتاب الايلاء / 297

فيما يشترط في الايلاء ... 300

فيما لو تمّ الايلاء بشرائطه ... 301

في زوال حكم الايلاء بالطلاق البائن ... 306

في حكم الايلاء ... 306

في كفّارة الايلاء ... 308

فيما اذا اختلفا في انقضاء المدّة ... 308

فيما لو وطئ المؤلي في حال عدم التكليف ... 308

كتاب اللعان / 309

فيما يشرع فيه اللعان ... 310

في عدم جواز قذف الزوجة بالزنا الاّ مع القطع ... 311

في أنّه يشترط في ثبوت اللعان بالقذف أن‌يدّعي المشاهدة ... 312

فيما يشترط في ثبوت اللعان في الزوجة المقذوفة ... 313

في عدم جواز انكار ولديّة من تولّد في فراشه مع امكان لحوقه به ... 316

فيما لو نفى ولديّة من ولد في فراشه ... 317

في اشتراط دوام العقد في اللعان لنفي الولد ... 318

في عدم سماع انكار الولد بعد الاقرار به ... 320

في بيان صيغة اللعان و عدم وقوعه الاّ عند الحاكم الشرعي ... 321

في شرائط اللعان ... 323

في أحكام اللعان ... 324

في مسائل متعلّقة باللعان ... 327

مقدّمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين

أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه من الواجب الكفائي؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و أوصيائه عليهم‌السلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.

و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهم‌السلام في بيان تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، و أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أن‌تكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته، و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد المجدّد آيه‌اللّه العظمى الامام الخميني قدس‌سره المحيي للاسلام في عصرنا هذا. فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهم‌السلام أن‌يصرفوا أعمارهم أو أغلب أوقاتهم في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم حول الأحكام و غيرها.

و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان اشتغلت قبل حوالي خمس و عشرين سنة بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب من ابتداء كتاب الصلاة من العروة الوثقى و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت كتابا فسمّيته «الهادي إلى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى».

و لمّا فرغنا من شرح كتاب العروة الذي لايشتمل على بعض أبواب الفقه واصلنا دراستنا الفقهيّة بشرح سائر الكتب لعلمائنا السلف.

و الذي بين يديك هو شرح كتاب الطلاق و ملحقاته من الظهار و الايلاء و اللعان من تحرير الوسيلة للامام الخميني قدّس اللّه نفسه الزكيّة.

فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر ليست هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آيه‌اللّه العظمى الشيخ حسن‌علي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.

سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني

رمضان المبارك 1434

كتاب الطلاق

اشارة

و هو - لغة - حلّ القيد و يطلق على الارسال و الترك، و يقال: ناقة طالق أي مرسلة ترعى حيث تشاء، و طلّقت القوم اذا تركتهم.

و شرعا: ازالة قيد النكاح بصيغة طالق و شبهها. و يقال: طلّق الرجل امرأته تطليقا، و طلّقت هي طلاقا، فهي طالق و طالقة. كما في المسالك.(1)

و في الجواهر: «الطلاق اسم لانشاء فراق الامرأة و ان اعتبر الشارع في الصحيح منه الصيغة الخاصّة».(2)

ثمّ انّه يقع الكلام فيه في شروطه و صيغته و أقسامه و أحكامه و القول في العدد


1) - مسالك الأفهام 9: 9.

2) - جواهر الكلام 32: 3.

القول في شروطه

في اشتراط البلوغ و العقل في الزوج المطلّق

(مسألة 1): يشترط في الزوج المطلّق البلوغ على الأحوط، و العقل، فلايصحّ على الأحوط طلاق الصبي لا بالمباشرة و لا بالتوكيل و ان كان مميّزا و له عشر سنين. و لو طلّق من بلغه فلايترك الاحتياط، و لا طلاق المجنون مطبقا أو أدوارا حال جنونه، و يلحق به السكران و نحوه ممّن زال عقله.

الشرح:

قال في الشرائع: «و يعتبر في المطلّق شروط أربعة:

الأوّل: البلوغ، فلا اعتبار بعبارة الصبي قبل بلوغه عشرا، و فيمن بلغ عشرا عاقلاً و طلّق للسنّة رواية بالجواز، فيها ضعف. و لو طلّق وليّه لم‌يصحّ؛ لاختصاص الطلاق بمالك البضع و توقّع زوال حجره غالبا.

الشرط الثاني: العقل، فلايصحّ طلاق المجنون و لا السكران و لا من زال عقله باغماء أو شرب مرقد لعدم القصد. و لايطلّق الولي عن السكران؛ لأنّ زوال عذره غالب فهو كالنائم، و يطلّق عن المجنون، و لو لم‌يكن له ولي طلّق عنه السلطان أو من نصبه للنظر في ذلك».(1)


1) - شرائع الاسلام 3: 3.

أقول:

من جملة شروط الطلاق البلوغ، فلايصحّ طلاق الصبي قبل عشر سنين اجماعا كما في الجواهر، و تدلّ عليه صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس طلاق الصبي بشيء».(1)

و موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليهم‌السلامقال:

«لايجوز طلاق الغلام حتّى يحتلم».(2)

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كلّ طلاق جائز الاّ طلاق المعتوه(3)أو الصبي أو مبرسم(4)أو مجنون أو مكره».(5)

و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايجوز طلاق الصبي و لا السكران».(6)

و أمّا الصبي الذي بلغ عشر سنين فقد اختلفوا في صحّة طلاقه و حكي عن الشيخين و جماعة من القدماء القول بصحّته بخلاف المتأخّرين فانّهم ذهبوا الى عدم صحّته، و قبل بيان الحقّ لا بدّ من ذكر الروايات الواردة في ذلك:

فمنها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجوز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين».(7)


1) - وسائل الشيعة 22: 77 / الباب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 79 / الباب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 8.

3) - المعتوه: ناقص العقل.

4) - البرسم: مرض معروف يوجب الهذيان في الكلام.

5) - وسائل الشيعة 22: 77 / الباب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

6) - وسائل الشيعة 22: 78 / الباب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

7) - وسائل الشيعة 22: 77 / الباب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

و منها موثّقة سماعة قال:

«سألته عن طلاق الغلام و لم‌يحتلم، و صدقته؟ فقال: اذا طلّق للسنّة و وضع الصدقة في موضعها و حقّها فلابأس و هو جائز».(1)

و منها رواية ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجوز طلاق الغلام و وصيّته و صدقته و ان لم‌يحتلم».(2)

و لعلّ من ذهب الى القول بصحّة طلاق الصبي الذي بلغ عشر سنين استدلّ أوّلاً بالجمع بين الروايات فانّ العمدة فيها صحيحة أبي الصبّاح الكناني المتقدّمة آنفا حيث حكم عليه السلام فيها بعدم نفوذ طلاق الصبي مطلقا، فانّ اطلاقها يقيّد بمرسلة ابن أبي عمير القائلة بجواز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين، و ذلك لأنّ مرسلاته كالصحاح و تؤيّدها موثّقة سماعة و رواية ابن بكير.

و أمّا رواية الحسين بن علوان فانّها و ان كانت موثّقة الاّ أنّه أعرض عنها القدماء.

و ثانيا بذهاب مثل الشيخ و القاضي ابن البرّاج و ابن بابويه و ابن جنيد و غيرهم الى القول بالصحّة، على ما في الحدائق.(3)

و فيه أوّلاً: انّ مرسلة ابن أبي عمير قد نقله في الكافي هكذا: «لايجوز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين».(4)

و كذلك رواية ابن بكير فقد نقلها في الكافي هكذا: «لايجوز طلاق الغلام اذا كان قد عقل و وصيّته و صدقته و ان لم‌يحتلم».(5)


1) - وسائل الشيعة 22: 79 / الباب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 22: 78 / الباب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 5.

3) - الحدائق الناضرة 25: 149.

4) - الكافي 6: 124 / باب طلاق الصبيان / الحديث 5.

5) - المصدر نفسه / الحديث 4.

و ان كان سياق الرواية - مع ملاحظة كونها مذيّلة ب- «ان» الوصليّة - يقتضي كون رواية «يجوز» أقرب الى الواقع، الاّ أنّ اختلاف النقلين يسقطها عن الحجّيّة مع ضعفها سندا.

فالنتيجة أنّ المعارضة تكون بين موثّقة الحسين بن علوان و موثّقة سماعة، فالترجيح لموثّقة الحسين بن علوان و ذلك لحمل موثّقة سماعة على التقيّة مضافا الى كونها مضمرة.

و ثانيا بأنّ القول بالصحّة مخالف لأكثر الأمّة كما في المسالك. و أمّا مخالفته للأصول الشرعيّة كما ذكرها الشهيد الثاني، فهي محلّ اشكال بل منع، لما ذكرنا في غير موضع من أنّ البلوغ ليس شرطا في العبادات و أكثر المعاملات.

و في الجواهر: «حكي عن الشيخين و جماعة من القدماء العمل بروايات عشر سنين، الاّ أنّ المشهور بين المتأخّرين بل لعلّ عليه عامّتهم اعتبار البلوغ بالعدد أو بالاحتلام أو بغير ذلك من أماراته؛ لقوّة الاطلاق السابق المؤيّد بنصوص رفع القلم الشامل للوضعي و التكليفي، و بالأصول و بعدم الفرق بين الطلاق و غيره من العقود التي قد عرفت سلب عبارة الصبي فيها، و بالشهرة العظيمة و بخبر الحسين بن علوان المروي عن قرب الأسناد - بل لايبعد من ذلك ارادة بيان امكان صحّة طلاق الصبي اذا بلغ عشرا عاقلاً و لو لبعض الأمزجة في بعض البلدان التي ينبت فيها الشعر أو يحصل فيها الاحتلام - فلا ريب حينئذ في أنّ ذلك هو الأقوى و ان وسوس فيه بعض متأخّري المتأخّرين بتوهّم أنّه مقتضى الجمع بين النصوص بعد حمل مطلقها على مقيّدها، و فيه: انّه فرع المكافئة على أنّه غير تامّ في خبر قرب الأسناد منها كما هو واضح».(1).

هذا كلّه في طلاق الصبي مباشرة، و أمّا طلاق الوكيل فلايصحّ أيضا و ذلك لأنّ


1) - جواهر الكلام 32: 5.

فعل الوكيل فعل موكّله و هو قائم مقامه و لمّا لم‌يجز طلاق الموكّل فوكيله مثله.

و في الجواهر: «لو طلّق وليّه عنه لم‌يصحّ بلا خلاف منّا، بل الاجماع بقسميه عليه للنبوي المقبول: «الطلاق بيد من أخذ بالساق». الدالّ بمقتضى الحصر على اختصاص الطلاق بمالك البضع على وجه ينافي الطلاق بالولاية دون الوكالة التي هي في الحقيقة طلاق من المالك عرفا. مضافا الى توقّع زوال حجره غالبا».

و لايصحّ طلاق المجنون مطبقا أو أدوارا حال جنونه و يلحق به السكران و نحوه ممّن زال عقله، تدلّ على ذلك صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام:

«انّ الموله ليس له طلاق، و لا عتقه عتق».(1)

و الموله من الوله و هو ذهاب العقل.

و صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن طلاق السكران و عتقه فقال: لايجوز، قال: و سألته عن طلاق المعتوه، قال: و ما هو؟ قال: قلت: الأحمق الذاهب العقل، قال: لايجوز، قلت: فالمرأة كذلك، يجوز بيعها و شراؤها؟ قال: لا».(2)

و صحيحة اسحاق بن جرير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن السكران يطلّق أو يعتق أو يتزوّج أيجوز له ذلك و هو على حاله؟ قال: لايجوز له».(3)

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 81 / الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 82 / الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 22: 82 / الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 6.

«كلّ طلاق جائز الاّ طلاق المعتوه أو الصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره».(1)

و رواية زكريّا بن آدم قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن طلاق السكران و الصبي و المعتوه و المغلوب على عقله و من لم‌يتزوّج بعد، فقال: لايجوز».(2)

و في الجواهر: «الشرط الثاني: العقل، بلا خلاف أجده فيه بيننا بل الاجماع بقسميه عليه فلايصحّ طلاق المجنون مطبقا أو أدوارا حال جنونه و لا السكران و لا من زال عقله باغماء أو شرب مرقد أو نوم أو نحو ذلك؛ لعدم القصد الذي يترتّب عليه الحكم بعد استفاضة النصوص على أنّه لا طلاق لهم».(3)

في طلاق ولي الصبي عنه

(مسألة 2): لايصحّ طلاق ولي الصبي عنه كأبيه و جدّه فضلاً عن الوصي و الحاكم. نعم، لو بلغ فاسد العقل أو طرأ عليه الجنون بعد البلوغ طلّق عنه وليّه مع مراعاة الغبطة و الصلاح، فان لم‌يكن له أب و جدّ فالأمر الى الحاكم، و ان كان أحدهما معه فالأحوط أن‌يكون الطلاق منه مع الحاكم و ان كان الأقوى نفوذ طلاقه بلا ضمّ الحاكم اليه.

الشرح:

لايصحّ طلاق الولي عن الصبي أيضا لما رواه العامّة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «الطلاق بيد من أخذ بالساق». و للاجماع، كما لايصحّ طلاق الوصي و الحاكم عنه.


1) - وسائل الشيعة 22: 81 / الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 83 / الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 7.

3) - جواهر الكلام 32: 8.

و أمّا لو بلغ فاسد العقل ففي الشرائع: «طلّق وليّه مع مراعاة الغبطة و منع منه قوم و هو بعيد».(1)

تدلّ على صحّة طلاق ولي المجنون عنه مطلقا - أي سواء كان جنونه متّصلاً ببلوغه أو لا - صحيحة أبي خالد القمّاط قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليّه عليه؟ قال: و لم لايطلّق هو؟ قلت: لايؤمن ان طلّق هو أن‌يقول غدا: لم‌أطلّق أو لايحسن أن‌يطلّق، قال: ما أرى وليّه الاّ بمنزلة السلطان».(2)

و صحيحة شهاب بن عبد ربّه قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : المعتوه الذي لايحسن أن‌يطلّق، يطلّق عنه وليّه على السنّة».(3)

و رواية أبي خالد القمّاط عن أبي عبداللّه عليه السلام في طلاق المعتوه قال:

«طلّق عنه وليّه، فانّي أراه بمنزلة الامام عليه».(4)

قال في المسالك: «المشهور بين الأصحاب المتقدّمين منهم و المتأخّرين - و منهم الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و ابن بابويه و أتباع الشيخ و المتأخّرون - جواز طلاق الولي عن المجنون المطبق مع الغبطة؛ لأنّ مصلحة المجنون منوطة بالولي عنه لتعذّر اسنادها اليه و عدم توقّع زوال عذره فلو لم‌يجعل للولي هذا التصرّف لزم تضرّر المجنون بتقدير استغنائه عن الزوجة و كون مصلحته في مفارقتها، والضرر منفي بالآية و الرواية بخلاف الطفل، لأنّ نكاحه منوط بالمصلحة و عذره


1) - شرائع الاسلام 3: 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 84 / الباب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 84 / الباب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 84 / الباب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

متوقّع الزوال. و لصحيحة أبي خالد القمّاط و غيرها».(1)

و قد استشكل رحمه‌الله في الاحتجاج بالأخبار المتقدّمة، أوّلاً بأنّ جعل الولي بمنزلة الامام أو السلطان لايدلّ على جواز طلاقه عنه.

و ثانيا بأنّ متن الحديثين لايخلو من قصور؛ لأنّ السائل وصف الزوج بكونه ذاهب العقل ثمّ يقول له الامام: لم لايطلّق هو؟ مع الاجماع على أنّ المجنون ليس له مباشرة الطلاق و لا أهليّة التصرّف، ثمّ يعلّل السائل عدم طلاقه بكونه ينكر الطلاق أو لايعرف حدوده، ثمّ يجيبه بكون الولي بمنزلة السلطان و كلّ هذا يضعّف الاحتجاج بها.

و ثالثا بأنّ هذه الأخبار ليس فيها تقييد باشتراط طلاقه بالمصلحة و الغبطة للمجنون. و من ثمّ ذهب ابن ادريس الى عدم الجواز و قبله الشيخ في الخلاف محتجّا باجماع الفرقة و بأصالة بقاء العقد و صحّته.

أقول:

و فيه أوّلاً انّ ظاهر قوله عليه السلام : «ما أرى وليّه الاّ بمنزلة السلطان» أو «فانّي أراه بمنزلة الامام عليه» أنّه كما تثبت الولاية للامام على طلاق المجنون كذلك وليّه و بالعكس.

و ثانيا انّ معنى المعتوه في الروايتين الأخيرتين هو ناقص العقل كما هو المراد من الرواية الأولى حيث قال فيه: «الأحمق الذاهب العقل» فعندما يجوز طلاق وليّه عنه، يجوز طلاق ولي المجنون عنه بطريق أولى.

و ثالثا انّ مراد الامام عليه السلام في السؤال من الراوي هو السؤال عن مقدار نقصانعقله، فأجاب بأنّ نقصانه كان بحدّ يقرب من الجنون، و أنّه كان ناقص العقل


1) - مسالك الأفهام 9: 11 و 12.

بحيث ان طلّق هو فيحتمل أن‌ينكر بعد ذلك و ينسى ما فعله. و على هذا لا اشكال في العمل بالروايات المذكورة.

و أمّا عدم تقييد الطلاق في الروايات بكونه بالمصلحة و الغبطة فلأنّ الغالب أنّ الطلاق عن المجنون و شبهه لايكون بدون المصلحة و الغبطة.

ثمّ انّه كما يجوز طلاق الولي عن المجنون جاز للحاكم الطلاق عنه اذا لم‌يكن له ولي.

ثمّ انّ الظاهر من الروايات عدم الفرق بين المتّصل جنونه بالبلوغ و عدمه، و المراد بالمجنون الذي يطلّق عنه الولي هو المطبق، و أمّا الأدواري فالظاهر كونه كالسكران لأنّ له أمدا يرتقب.

في اشتراط القصد و الاختيار

(مسألة 3): يشترط في الزوج المطلّق القصد و الاختيار بمعنى عدم الاكراه و الاجبار، فلايصحّ طلاق غير القاصد كالنائم و الساهي و الغالط و الهازل الذي لايريد وقوع الطلاق جدّا، بل يتكلّم بلفظه هزلاً، و كذا لايصحّ طلاق المكره الذي قد ألزم على ايقاعه مع التوعيد و التهديد على تركه.

الشرح:

قال في الشرائع: «القصد شرط في الصحّة مع اشتراط النطق بالصريح، فلو لم‌ينو الطلاق لم‌يقع كالساهي و النائم و الغالط. و لايصحّ طلاق المكره».(1)

تدلّ على اشتراط صحّة الطلاق بالقصد و ارادة الطلاق و بطلانه عند عدم القصد و الارادة، عدّة روايات:

منها رواية اليسع عن أبي عبداللّه عليه السلام و عن عبدالواحد بن المختار عنأبي جعفر عليه السلام أنّهما قالا:


1) - شرائع الاسلام 3: 4.

«لا طلاق الاّ لمن أراد الطلاق».(1)

و منها رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا طلاق الاّ ما أريد به الطلاق».(2)

و منها رواية ثانية عن اليسع قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول (في حديث): و لو أنّ رجلاً طلّق على سنّة و على طهر من غير جماع و أشهد و لم‌ينو الطلاق لم‌يكن طلاقه طلاقا».(3)

و منها موثّقة منصور بن يونس قال:

«سألت العبد الصالح عليه السلام و هو بالعريض، فقلت له: جعلت فداك انّي تزوّجت امرأة و كانت تحبّني فتزوّجت عليها ابنة خالي و قد كان لي من المرأة ولد فرجعت الى بغداد فطلّقتها واحدة ثمّ راجعتها ثمّ طلّقتها الثانية ثمّ راجعتها ثمّ خرجت من عندها أريد سفري هذا حتّى اذا كنت بالكوفة أردت النظر الى ابنة خالي، فقالت أختي و خالتي: لاتنظر اليها - واللّه - أبدا حتّى تطلّق فلانة، فقلت: ويحكم واللّه مالي الى طلاقها من سبيل. فقال لي: و هو من شأنك ليس لك الى طلاقها سبيل، فقلت: جعلت فداك، انّه كانت لي منها بنت و كانت ببغداد و كانت هذه بالكوفة و خرجت من عندها قبل ذلك بأربع فأبوا عليّ الاّ تطليقها ثلاثا، و لا واللّه جعلت فداك ما أردت اللّه و ما أردت الاّ أن‌أداريهم عن نفسي و قد امتلأ نفسي من ذلك جعلتفداك، فمكث طويلاً مطرّقا ثمّ رفع رأسه و هو متبسّم، فقال: أمّا ما


1) - وسائل الشيعة 22: 30 / الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 30 / الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 30 / الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

بينك و بين اللّه عزّوجلّ فليس بشيء، ولكن اذا قدّموك الى السلطان أبانها منك».(1)

هذا، و حكم المسألة لايحتاج في اثباته الى رواية فانّ العمل و القول بدون القصد و الارادة لايترتّب عليه أثر عقلاً.

و في الجواهر: «يشترط في الزوج المطلّق القصد بمعنى كونه قاصدا بلفظ الطلاق معناه، بلا خلاف أجده فيه بيننا بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى قول الباقر و الصادق عليهماالسلام في الأخبار المتعدّدة: «لا طلاق الاّ لمن أراد الطلاق» المعتضدة بعموم «لا عمل الاّ بنيّة» و «انّما الأعمال بالنيّات» بناءً على ارادة القصد منها لا خصوص القربة و كان استفاضة النصوص في مقابل المحكي عن العامّة من عدم اعتبار القصد مع النطق بالصريح - الى أن‌قال: - فلو لم‌ينو الطلاق و ان نطق به، لم‌يقع كالساهي المرفوع عنه حكم سهوه و النائم الذي هو أحد من رفع القلم عنه حتّى يفيق و الغالط الذي هو في الحقيقة لم‌يقصد اللفظ و لا المعنى. انتهى ملخّصا».(2)

و من جملة شرائط صحّة الطلاق الاختيار فلايصحّ طلاق المكره الذي قد ألزم على ايقاعه مع التوعيد و التهديد على تركه، تدلّ على ذلك - قبل الاجماع - صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن طلاق المكره و عتقه، فقال: ليس طلاقه بطلاق و لا عتقه بعتق. الحديث».(3)

و صحيحة اسماعيل الجعفي (في حديث) أنّه قال لأبي جعفر عليه السلام :


1) - الكافي 6: 127 / باب طلاق المضطرّ و المكره / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 32: 17 و 18.

3) - وسائل الشيعة 22: 86 / الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

«أمرّ بالعشّار فيحلفني بالطلاق (و العتاق)(1)قال: احلف له».(2)و ممدوحة يحيى بن عبداللّه بن الحسن عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: لايجوز طلاق في استكراه(3)و لاتجوز يمين في قطيعة رحم - الى أن‌قال: - و انّما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه و لا اضرار. الحديث».(4)

و كذا عموم قوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله:

«رفع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه. الحديث».(5)

و ما رواه العامّة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «لا طلاق في اغلاق».(6)

فانّه قد فسّر بالاكراه.

في معنى الاكراه

(مسألة 4): الاكراه هو حمل الغير على ايجاد ما يكره ايجاده مع التوعيد على تركه بايقاع ما يضرّ بحاله عليه أو على من يجري مجرى نفسه كأبيه و ولده نفسا أو عرضا أو مالاً بشرط أن‌يكون الحامل قادرا على ايقاع ما توعّد به مع العلم أو الظنّ بايقاعه على تقدير عدم امتثاله، بل أو الخوف به و ان لم‌يكن مظنونا، و يلحق به موضوعا أو حكما ما اذا أمره بايجاد ما يكرهه مع خوف المأمور من عقوبته و الاضرار عليه لو خالفه و ان لم‌يقع منه توعيد و


1) - ما بين القوسين ليس في المصدر.

2) - وسائل الشيعة 22: 86 / الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

3) - في المصدر: لايجوز عتق في استكراه.

4) - وسائل الشيعة 22: 87 / الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 15: 369 / الباب 56 من أبواب جهاد النفس / الحديث 1.

6) - مسند أحمد 6: 276.

تهديد. و لايلحق به ما لو أوقع الفعل مخافة اضرار الغير عليه بتركه من دون الزام منه عليه، فلو تزوّج بامرأة ثمّ رأى أنّه لو بقيت على حباله لوقعت عليه وقيعة من بعض متعلّقيها كأبيها و أخيها مثلاً فالتجأ الى طلاقها فطلّقها، يصحّ طلاقها.

الشرح:

قال في الشرائع: «و لايتحقّق الاكراه ما لم‌يكمل أمور ثلاثة: كون المكره قادرا على فعل ما توعّد به و غلبة الظنّ بأنّه يفعل ذلك مع امتناع المكره و أن‌يكون ما توعّد به مضرّا بالمكره في خاصّة نفسه أو من يجري مجرى نفسه كالأب و الولد سواء كان ذلك الضرر قتلاً أو جرحا أو شتما أو ضربا، و يختلف بحسب منازل المكرهين في احتمال الاهانة. و لايتحقّق الاكراه مع الضرر اليسير».(1)

أقول:

معنى الاكراه لغة و عرفا واضح، و المعنى الشرعي له هو معناه اللغوي و العرفي.

و هو - كما في المسالك(2)- حمل الغير على فعل أو توعّده بما يكون مضرّا بحاله ظلما مع رجحان ايقاعه به لو لم‌يفعل مطلوبه و عجز عن دفعه، بشرط قدرة المكره على الفعل.

فاذا تحقّق الاكراه بهذا المعنى فأيّ معاملة أو ايقاع وقع مع هذا الاكراه فهو باطل و من جملته الطلاق.

نعم، اذا ظهر ما يدلّ على اختيار الفاعل بأن‌خالف المكره و أتى بغير ما حمله


1) - شرائع الاسلام 3: 4.

2) - مسالك الأفهام 9: 19.

عليه حكم بوقوع الطلاق، لأنّ مخالفته تشعر باختياره فيما أتى به. كما اذا أكرههعلى طلاق احدى زوجتيه فطلّق كلتيهما كما سيأتي الكلام فيه.

كما أنّ الاكراه اذا وقع بحقّ فلايرتفع معه أثر الفعل.

و في المهذّب: «اصطلاح الفقهاء فيه ليس اصطلاحا خاصّا و زائدا على معناه العرفي في سائر الموارد، فكلّ ما هو معناه عرفا يكون كذلك في الفقه من أوّله الى آخره، فالاكراه الموجب لتبدّل الطهارة المائيّة الى الترابيّة و الموجب لجواز الافطار في شهر رمضان و الموجب لتبدّل الحجّ الى العمرة المفردة و الموجب لبطلان كلّ عقد الاّ مع الاجازة جميعها متّحد مع ما في المقام في المعنى من دون زيادة في أيّ منها على المعنى اللغوي و العرفي بشيء».(1)

و لايلحق بالاكراه لا موضوعا و لا حكما ما لو أوقع الفعل مخافة اضرار الغير عليه بتركه من دون الزام عليه بتركه.

أمّا عدم الالحاق به موضوعا، فلعدم تحقّق الاكراه من المكره على المكره.

و أمّا عدم الالحاق به حكما فلعدم الدليل على البطلان بل الاجماع على الصحّة، و عليه فلو تزوّج امرأة ثمّ رأى أنّه لو بقيت في حباله لوقعت عليه وقيعة من بعض متعلّقيها كأبيها أو أخيها، فالتجأ الى طلاقها فطلّقها، يصحّ طلاقها، فيكون كما اذا باع داره لأجل ايذاء جاره له بحيث اذا بقي في هذه الدار لوقع عليه ايذاء كثير و أضرار خطيرة، و المسألة سيّالة في الفقه في جميع الموارد كما في المهذّب.


1) - مهذّب الأحكام 26: 12.

فيما لو قدر على دفع ضرر الآمر

(مسألة 5): لو قدر على دفع ضرر الآمر ببعض التفصّيات ممّا ليس فيه ضرر عليه كالفرار و الاستغاثة بالغير لم‌يتحقّق الاكراه، فلو أوقع الطلاق مثلاً حينئذ وقع صحيحا. نعم، لو قدر على التورية و أوقعه من دون ذلك فالظاهر وقوعه مكرها عليه و باطلاً.

الشرح:

أمّا صدر المسألة فيدلّ عليه ما تقدّم في تعريف الاكراه من أنّه مشروط بأمور منها كون المكره مغلوبا عاجزا عن الدفع بفرار أو مقاومة أو استغاثة بالغير، فلو قدر على دفع الضرر عن نفسه فلايكون مكرها. نعم، لو قدر على التورية و أوقع الطلاق من دون تورية فالظاهر وقوعه مكرها عليه و باطلاً.

قال في المسالك: «لايعتبر في الحكم ببطلان طلاق المكره التورية و ان كان يحسنها عندنا؛ لأنّ المقتضي لعدم وقوعه هو الاكراه الموجب لعدم القصد اليه فلايختلف الحال بين التورية و عدمها. ولكن ينبغي التورية للقادر عليه».(1)

فيما لو أكرهه على طلاق احدى زوجتيه

(مسألة 6): لو أكرهه على طلاق احدى زوجتيه فطلّق احداهما المعيّنة وقع مكرها عليه، و لو طلّقهما معا ففي وقوع طلاق احداهما مكرها عليه فيعيّن بالقرعة أو صحّة كليهما وجهان، لايخلو أوّلهما من رجحان، و لو أكرهه على طلاق كلتيهما فطلّق احداهما فالظاهر أنّه وقع مكرها عليه.

الشرح:

لو أكرهه على طلاق احدى زوجتيه لا على التعيين فطلّق واحدة بعينها، فالظاهر عدم وقوع الطلاق؛ لأنّ متعلّق الاكراه كما يتحقّق في ضمن فرد غير معيّن،


1) - مسالك الأفهام 9: 22.

يتحقّق أيضا في ضمن فرد معيّن.

فلايرد ما قيل من أنّه مختار في تعيينها و أنّه لمّا عدل عن الابهام الى التعيين فقد زاد على ما أكرهه عليه؛ لأنّ الاكراه على طلاق احداهما لا على طلاق هذه، و طلاق هذه طلاق احداهما مع زيادة. و ذلك لما عرفت من أنّ متعلّق الاكراه يتحقّق في ضمن كلّ فرد من الكلّي.

نعم، لو صرّح له بطلاق واحدة مبهمة فطلّق واحدة معيّنة يقع الطلاق؛ لعدم صدق الاكراه عرفا.

و أمّا لو أكرهه على طلاق احدى زوجتيه فطلّقهما معا فتارة يريد واقعا طلاق كلتيهما و يجعل الاكراه ذريعة فالظاهر وقوع طلاقهما صحيحا.

و أخرى يطلّقهما للاكراه مع علمه بأنّ الاكراه لايتعلّق الاّ بالواحدة فالحكم لايخلو عن اشكال و لايبعد القول بوقوع طلاق كلتيهما.

ثمّ انّه لو أكرهه على طلاق كلتيهما فطلّق احداهما، فقال في المسالك: «قيل: يقع. و الوجه عدم الوقوع كما قلناه فيما لو أكرهه على طلقات فطلّق واحدة».(1)

و الظاهر أنّه وقع مكرها عليه؛ ضرورة كون الواحدة بعض المكره عليه و قد يقصد دفع المكروه بالاجابة الى بعضه. و هذا كما لو أكرهه على ثلاث طلقات فطلّق واحدة فلاتقع؛ لأنّه يكون مكرها عليه.

(مسألة 7): لو أكرهه على أن‌يطلّق ثلاث تطليقات بينهما رجعتان فطلّقها واحدة أو اثنتين ففي وقوع ما أوقعه مكرها عليه اشكال الاّ اذا قصد تحمّل ما أوعده عليه في ترك البقية أو كان ذلك بقصد احتمال التخلّص عن المكروه، و أنّه لعلّ المكره اقتنع بما أوقعه و أغمض عمّا لم‌يوقعه.


1) - مسالك الأفهام 9: 21.

قد تقدّم بيان ذلك في المسألة السابقة و قلنا بأنّ الطلاق يقع مكرها عليه.

(مسألة 8): لو أوقع الطلاق عن اكراه ثمّ تعقّبه الرضا لم‌يفد ذلك في صحّته و ليس كالعقد.

الشرح:

و ذلك لأنّ الطلاق ايقاع و الايقاعات لاينفعها لحوق الرضا بها اجماعا، و هذا ليس كالعقد المكره عليه الذي تعقّبه الرضا كما قلنا في البيع الفضولي من أنّ الرضا اللاحق يوجب صحّة العقد.

في عدم اعتبار اطّلاع الزوجة في الطلاق

(مسألة 9): لايعتبر في الطلاق اطّلاع الزوجة عليه فضلاً عن رضاها به.

الشرح:

و ذلك - مضافا الى أنّ الطلاق ايقاع لايعتبر فيه سوى رضى الزوج المنشئ - للروايات الواردة في طلاق الغائب.

فرع: لو افترى شخص على امرأة متزوّجة ليطلّقها زوجها فطلّقها و تزوّجها المفتري، ثمّ بان الخلاف للزوج ففي صحّة مثل هذا الطلاق وجهان: من تحقّق قصد الطلاق و انشائه منه بحسب الظاهر و أنّ قول المفتري كالداعي للطلاق فيصحّ حينئذ.

و من عدم تحقّق قصد الطلاق الواقعي في الحقيقة و انّما صدر منه القصد التقديري أي على تقدير صدق الافتراء، و المفروض تبيّن الخلاف فلا أثر لمثل هذا الطلاق، و الأظهر هو الأوّل.

فيما يشترط في المطلّقة

(مسألة 10): يشترط في المطلّقة أن‌تكون زوجة دائمة، فلايقع الطلاق على المتمتّع بها، و أن‌تكون طاهرة من الحيض و النفاس، فلايصحّ طلاق الحائض و النفساء، و المراد بهما ذات الدمين فعلاً أو حكما كالنقاء المتخلّل في البين، و لو نقتا من الدمين و لم‌تغتسلا من الحدث صحّ طلاقهما، و أن لاتكون في طهر واقعها فيه زوجها.

الشرح:

قال في المسالك: «يشترط في المطلّقة أن‌تكون زوجة دائمة؛ للنصّ و الاجماع فلايقع الطلاق بالأمة المحلّلة و لا المتمتّع بها و لو كانت حرّة؛ لأنّ التحليل في الأولى نوع اباحة فمتى شاء الزوج تركها بغير طلاق فلا حاجة اليه. و المتمتّع بها تبين بانقضاء المدّة و باسقاطه لها كما مرّ. و قد روى محمّد بن اسماعيل في الصحيح عن الرضا عليه السلام قال: «قلت و تبين بغير طلاق؟ قال: نعم». و أن‌تكون طاهرا من الحيض و النفاس. و يعتبر هذا في المدخول بها الحائل الحاضر زوجها. و قال: اتّفق العلماء من الأصحاب و غيرهم على تحريم طلاق الحائض و في معناها النفساء. و اتّفق أصحابنا على بطلان الطلاق على تقدير وقوعه و أخبارهم به كثيرة. و استثني من العمومات ثلاثة: غير المدخول بها و الغائب زوجها في الجملة و الحامل على القول بأنّها تحيض. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

يشترط في المرأة المطلّقة شروط خمسة:

الأوّل: أن‌تكون زوجة فلا طلاق في المملوكة و غير المتزوّجة، تدلّ على ذلك - مضافا الى عدم موضوع للطلاق بدون الزواج - روايات خاصّة، فمن جملتها


1) - مسالك الأفهام 9: 33 - 35.

صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):

«أنّه سئل عن رجل قال: كلّ امرأة أتزوّجها ما عاشت أمّي فهي طالق، فقال: لا طلاق الاّ بعد نكاح و لا عتق الاّ بعد ملك».(1)

الثاني: أن‌تكون دائمة فلايقع الطلاق على المتمتّع بها، تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم في المتعة عن أبي جعفر عليه السلام :

«ليست من الأربع؛ لأنّها لاتطلّق و لاترث و انّما هي مستأجرة».(2)

و صحيحة محمّد بن اسماعيل في المتعة عن الرضا عليه السلام قال:

«قلت: و تبين بغير طلاق؟ قال: نعم».(3)

الثالث: أن‌تكون طاهرة من الحيض و النفاس؛ لعدّة روايات:

منها صحيحة بكير بن أعين و غيره عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كلّ طلاق لغير العدّة فليس بطلاق و أن‌يطلّقها و هي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن‌تحيض فليس طلاقه بطلاق. الحديث».(4)

و صحيحة الفضلاء زرارة و محمّد بن مسلم و بكير و بريد و فضيل و اسماعيل الأزرق و معمّر بن يحيى كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:

«اذا طلّق الرجل في دم النفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها فليس طلاقه ايّاها بطلاق. الحديث».(5)


1) - وسائل الشيعة 22: 31 / الباب 12 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 21: 18 / الباب 4 من أبواب المتعة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 21: 58 / الباب 25 من أبواب المتعة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 22 / الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 9.

5) - وسائل الشيعة 22: 20 / الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 5.

و تدلّ عليه أيضا الآية الشريفة: «اذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ»(1)أي استقبال العدّة و كمالها، بمعنى أنّه طلّقوهنّ بطلاق يمكن فيه الاعتداد كملاً و هو لايكون الاّ اذا كانت في طهر.

فانّ المراد من الحائض و النفساء ذات الدمين فعلاً أو حكما كالنقاء المتخلّل في البين. و قد تقدّم في كتاب الطهارة في الفصل المرتبط بالحيض و النفاس أنّ النقاء المتخلّل حيض مع ما مرّ من الشرط.

ثمّ انّه لو نقيت النفساء من الدم أو الحائض كذلك و لم‌تغتسلا من الحدث صحّ طلاقهما، يدلّ عليه - مضافا الى الاجماع - ظاهر الروايات فانّها معلّقة على من كان فيه دم الحيض أو النفاس موضوعا أو حكما.

الرابع: أن لاتكون في طهر واقعها فيه زوجها، تدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«أمّا طلاق السنّة فاذا أراد الرجل أن‌يطلّق امرأته فلينتظر بها حتّى تطمث و تطهر، فاذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين ثمّ ذكر في طلاق العدّة مثل ذلك».(2)

و رواية اليسع قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا طلاق الاّ على السنّة و لا طلاق الاّ على طهر من غير جماع. الحديث».(3)

الخامس: تعيين المطلّقة بما يرفع الابهام و الاجمال بأن‌يقول: «فلانة طالق» أو يشير اليها كذلك. و سيأتي تفصيل ذلك في المسائل الآتية.


1) - الطلاق 65: 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 24 / الباب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 24 / الباب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

في موارد عدم اشتراط الخلوّ من الحيض

(مسألة 11): انّما يشترط خلوّ المطلّقة من الحيض في المدخول بها الحائل دون غير المدخول بها و دون الحامل بناء على مجامعة الحيض للحمل كما هو الأقوى، فيصحّ طلاقها في حال الحيض، و كذا يشترط ذلك فيما اذا كان الزوج حاضرا بمعنى كونهما في بلد واحد حين الطلاق، و لو كان غائبا يصحّ طلاقها و ان وقع في حال الحيض لكن اذا لم‌يعلم حالها من حيث الطهر و الحيض و تعذّر أو تعسّر عليه استعلامها، فلو علم أنّها في حال الحيض و لو من جهة علمه بعادتها الوقتيّة على الأظهر أو تمكّن من استعلامها و طلّقها فتبيّن وقوعه في حال الحيض بطل.

الشرح:

قال في الشرائع: «الثالث من شرائط المطلّقة: أن‌تكون طاهرة من الحيض و النفاس و يعتبر هذا في المدخول بها الحائل الحاضر زوجها لا الغائب عنها مدّة يعلم انتقالها من القرء الذي وطئها فيه الى آخر فلو طلّقها و هما في بلد واحد أو غائبا دون المدّة المعتبرة و كانت حائضا أو نفساء كان الطلاق باطلاً علم بذلك أو لم‌يعلم.

أمّا لو انقضى من غيبته ما يعلم انتقالها فيه من طهر الى آخر ثمّ طلّق صحّ و لو اتّفق في الحيض و كذا لو خرج في طهر لم‌يقربها فيه جاز طلاقها مطلقا و كذا لو طلّق التي لم‌يدخل بها و هي حائض كان جائزا.

و من فقهائنا من قدّر المدّة التي يسوغ معها طلاق الغائب بشهر عملاً برواية يعضدها الغالب في الحيض و منهم من قدّرها بثلاثة أشهر عملاً برواية جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام و المحصّل ما ذكرناه و لو زاد عن الأمد المذكور».(1)


1) - شرائع الاسلام 3: 5 و 6.

أقول:

اذا كانت الزوجة حاملاً أو غير مدخول بها فلا اشكال في صحّة طلاقها و لو في حال الحيض و ذلك للروايات التي ستوافيك مضافا الى عدم الخلاف في ذلك.

و أمّا الغائب فان تمكّن من استعلام حال زوجته و أنّها في حال الحيض أو الطهر وجب عليه الاستعلام بأيّ سبب كان كارسال الرسالة أو بالأسباب الحديثة أو حتّى بالأهلّة و الشهور كما سيأتي ذكر ذلك في الروايات، و حين اذ أمكنه الاستعلام فان طلّقها من غير استعلام ثمّ تبيّن وقوع الطلاق في حال الحيض فالطلاق باطل.

و أمّا ان لم‌يتمكّن من الاستعلام بأيّ وجه و لو بالأهلّة و الشهور فالظاهر صحّة الطلاق و ان انكشف بعد ذلك وقوعه في حال الحيض.

نعم، ان تمكّن من تحصيل العلم أو الظنّ بكونها في الحيض بالتربّص شهرا مثلاً أو ثلاثة أشهر أو غير ذلك فيجب عليه التربّص، كلّ ذلك للجمع بين طوائف من الروايات لا بدّ من ذكرها:

الطائفة الأولى: ما تقدّم من الروايات التي دلّت على اشتراط خلوّ المطلّقة من الحيض.

الطائفة الثانية: ما ذكر فيه جواز طلاق خمس على كلّ حال، التي منها الغائب عنها زوجها و الحامل و غير المدخول بها:

منها صحيحة اسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«خمس يطلّقن على كلّ حال: الحامل المتبيّن حملها و التي لم‌يدخل بها زوجها و الغائب عنها زوجها و التي لم‌تحض و التي قد جلست عن الحيض».(1)


1) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بطلاق خمس على كلّ حال: الغائب عنها زوجها و التي لم‌تحض و التي لم‌يدخل بها زوجها و الحبلى و التي قد يئست من الحيض».(1)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة و غيرهما عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:

«خمس يطلّقهن أزواجهنّ متى شاؤوا: الحامل المستبين حملها و الجارية التي لم‌تحض و المرأة التي قد قعدت من الحيض و الغائب عنها زوجها و التي لم‌يدخل بها».(2)

و منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«خمس يطلّقن على كلّ حال: الحامل و التي قد يئست من المحيض و التي لم‌يدخل بها و الغائب عنها زوجها و التي لم‌تبلغ الحيض».(3)

فانّ الجمع بين هاتين الطائفتين يقتضي الحكم بجواز طلاق الحامل و غير المدخول بها و لو في حال الحيض، و أنّ الغائب لو لم‌يعلم بحيض زوجته و لم‌يتمكّن من العلم أو يتعسّر له الاستعلام فيصحّ طلاقه و ان علم بعد ذلك أنّها كانت حائضا.

و تؤيّد هذا الجمع الطائفة الثالثة و هي رواية أبي بصير قال:

«قلت: لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يطلّق امرأته و هو غائب فيعلم أنّه يوم طلّقها كانت طامثا، قال: يجوز».(4)


1) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 22: 57 / الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 6.

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الرجل يطلّق امرأته و هو غائب قال: يجوز طلاقه على كلّ حال و تعتدّ امرأته من يوم طلّقها».(1)

و صحيحة محمّد بن الحسن الأشعري قال:

«كتب بعض موالينا الى أبي جعفر عليه السلام : معي أنّ امرأة عارفة أحدث زوجها فهرب من البلاد فتبع الزوج بعض أهل المرأة فقال: امّا طلّقت و امّا رددتك فطلّقها و مضى الرجل على وجهه فما ترى للمرأة؟ فكتب بخطّه: تزوّجي يرحمك اللّه».(2)

الطائفة الرابعة: الروايات التي وردت في الباب السادس و العشرين من أبواب مقدّمات الطلاق، و هي بين ما نطقت بلزوم الطلاق بالأهلّة و الشهور كصحيحة بكير قال:

«اشهد على أبي جعفر عليه السلام أنّي سمعته يقول: الغائب يطلّق بالأهلّة و الشهور».(3)

و ما اعتبر فيها مضي شهر كموثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «الغائب اذا أراد أن‌يطلّقها تركها شهرا».(4)

و الظاهر أنّهما تحملان على ما اذا تمكّن له أن‌يعلم حيضها بالأهلّة و الشهور و كذا لو تركها شهرا.

و ما اشترط فيها الطلاق بمضي ثلاثة أشهر كصحيحة جميل بن درّاج عنأبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 56 / الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 57 / الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 56 / الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 56 / الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

«الرجل اذا خرج من منزله الى السفر فليس له أن‌يطلّق حتّى تمضي ثلاثة أشهر».(1)

و موثّقة أخرى لاسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام : الغائب الذي يطلّق أهله كم غيبته؟ قال:

خمسة أشهر، ستّة أشهر قلت: حدّ دون ذا؟ قال: ثلاثة أشهر».(2)

و الظاهر أنّ الحكم في هذه الروايات ليس تعبّديّا بل تربّص شهر أو ثلاثة أشهر أو خمسة أو ستّة أو غير ذلك لمكان حصول العلم أو الظنّ في ذلك بحال الزوجة، فان أمكن حصول العلم أو الظنّ فهو و الاّ فلايجب عليه التربّص بل يجوز له الطلاق كلّما أراده و ان انكشف بعد ذلك وقوع الطلاق في حال الحيض.

قال في الوسائل: «حمله الشيخ على من لاتحيض الاّ في كلّ ثلاثة أشهر أو خمسة أشهر أو ستّة، لما تقدّم في موثّقة اسحاق بن عمّار من قوله عليه السلام : «الغائب اذا أراد أن‌يطلّقها تركها شهرا» و يجوز حمله على الاستحباب و الاستظهار كما يفهم من الصدوق، ألاترى أنّه اعتبر أوّلاً ستّة أشهر فلمّا راجعه اكتفى بثلاثة أشهر؟ و لعلّه لو راجعه ثانيا اكتفى بشهر و قد تقدّم في الباب التاسع من أبواب الحيض حديث «انّ لكلّ شهر حيضه»».

و في الروضة: «و قد اختلف في حدّ الغيبة المجوّزة له على أقوال أجودها مضيّ مدّة يعلم أو يظنّ انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه الى غيره. و يختلف ذلك باختلاف عادتها فمن ثمّ اختلف الأخبار في تقديرها، و اختلف بسببها الأقوال، فاذا حصل الظنّ بذلك جاز طلاقها و ان اتّفق كونها حائضا حال الطلاقاذا لم‌يعلم بحيضها حينئذ و لو بخبر من يعتمد على خبره شرعا، و الاّ بطل و في


1) - وسائل الشيعة 22: 56 / الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 22: 56 / الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 8.

حكم علمه بحيضها علمه بكونها في طهر المواقعة على الأقوى. و في المسألة بحث عريض قد حقّقناه في رسالة مفردة من أراد تحقيق الحال فليقف عليها. و في حكم الغائب من لايمكنه معرفة حالها لحبس و نحوه مع حضوره، كما أنّ الغائب الذي يمكنه معرفة حالها، أو قبل انقضاء المدّة المعتبرة، في حكم الحاضر. و يتحقّق ظنّ انقضاء نفاسها بمضيّ زمان تلد فيه عادة و أكثر النفاس بعدها، أو عادتها فيه. و لو لم‌يعلم ذلك كلّه و لم‌يظنّه تربّص ثلاثة أشهر كالمسترابة».(1)

و ممّا ذكرنا يظهر ما في ذيل كلامه رحمه‌الله «و لو لم‌يعلم ... تربّص ثلاثة أشهر ... » فانّا قد قلنا بأنّه مع عدم امكان حصول العلم أو الظنّ فلايجب التربّص.

فيما لو غاب الزوج

(مسألة 12): لو غاب الزوج فان خرج حال حيضها لم‌يجز طلاقها الاّ بعد مضيّ مدّة قطع بانقطاع ذلك الحيض أو كانت ذات العادة و مضت عادتها، فان طلّقها بعد ذلك في زمان لم‌يعلم بكونها حائضا في ذلك الزمان صحّ طلاقها و ان تبيّن وقوعه في حال الحيض. و ان خرج في حال الطهر الذي لم‌يواقعها فيه طلّقها في أيّ زمان لم‌يعلم بكونها حائضا و صحّ طلاقها و ان صادف الحيض. نعم، لو طلّقها في زمان علم بأنّ عادتها أن‌تحيض فيه بطل ان صادفه، و لو خرج في الطهر الذي واقعها فيه ينتظر مضيّ زمان انتقلت بمقتضى العادة من ذلك الطهر الى طهر آخر، و يكفي تربّص شهر و الأحوط أن لاينقص عن ذلك، و الأولى تربّص ثلاثة أشهر، هذا مع الجهل بعادتها، و الاّ فيتبع العادة على الأقوى، و لو وقع الطلاق بعد التربّص المذكور لم‌يضرّ مصادفة الحيض في الواقع، بل الظاهر أنّه لايضرّ مصادفته للطهر الذي واقعها فيه بأن‌طلّقها بعد شهر مثلاً أو بعد مضيّ مدّة علم بحسب عادتها خروجها عن


1) - الروضة البهيّة 6: 26 و 27.

الطهر الأوّل و الحيض الذي بعده ثم تبيّن الخلاف.

الشرح:

قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السابقة، فالآن نكتفي بالاشارة الى دلائل الفروع التي عنونها هنا:

لو غاب الزوج فان خرج في حال حيضها لم‌يجز طلاقها الاّ بعد مضيّ مدّة يقطع بانقطاع الحيض عنها، لما مرّ من أنّ الطلاق في الحيض و النفاس ليس بطلاق، فلا بدّ من نقض يقينه بحيضها باليقين بانقطاع الحيض.

فاذا علم بانقطاع حيضها و مضت مدّة و أراد أن‌يطلّقها و لم‌يعلم أنّها كانت حائضا أو لا، فيصحّ طلاقها و ان اتّفق وقوعه في حال الحيض؛ لما تقدّم من اطلاق دليل صحّة طلاق الغائب على كلّ حال.

و يلحق به لو خرج في حال الطهر الذي لم‌يواقعها فيه، فاذا أراد أن‌يطلّقها و لم‌يعلم بكونها حائضا صحّ طلاقه و ان صادف الحيض. نعم، لو طلّقها في زمان علم تحيّضها فيه بطل ان صادفه.

و لو خرج في حال الطهر الذي واقعها فيه فلينتظر مضيّ زمان انتقلت بمقتضى العادة من ذلك الطهر الى طهر آخر فيكفي تربّص شهر غالبا و قد مرّ قوله عليه السلام في موثّقة اسحاق بن عمّار: «اذا أراد أن‌يطلّقها تركها شهرا».

مع أنّ المتعارف في النساء المعتادة في انتقالهنّ من حالة الى حالة أخرى يتحقّق غالبا في مضيّ شهر فيحصل للزوج الاطمئنان العادي بالانتقال. و قد تقدّم أنّ المستفاد من الروايات التي نطقت بمضيّ شهر أو ثلاثة أشهر أو خمسة أو ستّة أشهر و التحديد بالأهلّة و الشهور، هو أنّها بصدد احراز انتقالها من حالة فقدان شرط الطلاق الى حالة وجدانه و هو قد يحصل بمضيّ أيّام و قد يحصل بمضيّشهر و قد يحصل بمضيّ ثلاثة أشهر.

في الحاضر الذي يتعذّر أو يتعسّر عليه معرفة حال المرأة

(مسألة 13): الحاضر الذي يتعذّر أو يتعسّر عليه معرفة حال المرأة من حيث الطهر و الحيض كالغائب، كما أنّ الغائب لو فرض امكان علمه بحالها بسهولة بلا تعسّر كالحاضر.

الشرح:

انّ الحاضر اذا لم‌يقدر على معرفة حال الزوجة في الحيض و الطهر فحكمه حكم الغائب فيجوز له أن‌يطلّقها كما أنّ الغائب اذا كان قادرا على معرفة حالها كالحاضر.

تدلّ على الأوّل صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة سرّا من أهلها و هي في منزل أهلها و قد أراد أن‌يطلّقها و ليس يصل اليها فيعلم طمثها اذا طمثت و لايعلم طهرها اذا طهرت قال: فقال: هذا مثل الغائب عن أهله يطلّق بالأهلّة و الشهور، قلت: أرأيت ان كان يصل اليها الأحيان و الأحيان لايصل اليها فيعلم حالها كيف يطلّقها؟ قال: اذا مضى له شهر لايصل اليها فيه يطلّقها اذا نظر الى غرّة الشهر الآخر بشهود و يكتب الشهر الذي يطلّقها فيه و يشهد على طلاقها رجلين فاذا مضى ثلاثة أشهر فقد بانت منه و هو خاطب من الخطّاب و عليه نفقتها في تلك الثلاثة الأشهر التي تعتدّ فيها».(1)

فانّها تحمل على ما اذا كان يقدر على العلم بحيضها بالأهلّة و الشهور و كذا لو تركها شهرا، كما تقدّم في المسألة الحاديه‌عشرة. و هكذا يكون الحال في روايةعلي بن كيسان قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 60 / الباب 28 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

«كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامّة و أراد أن‌يطلّقها و قد كتمت حيضها و طهرها مخافة الطلاق، فكتب عليه السلام : يعتزلها ثلاثة أشهر و يطلّقها».(1)

و في الجواهر: «لاأجد خلافا في المسألة الاّ من الحلّي فيما حكي عنه بناءً على أصله من عدم العمل بخبر الواحد فالحاق الحاضر حينئذ بالغائب قياس، و المتّجه بقاؤه حينئذ على حكم الحاضر من عدم جواز طلاقه حتّى يعلم انتقالها من طهر المواقعة و خلوّها عن الحيض حين الطلاق، ولكنّه كما ترى».(2)

و أمّا الحاق الغائب المتمكّن من الاستعلام بالحاضر فقد تقدّم الكلام فيه مرارا.

في موارد جواز الطلاق في طهر المواقعة

(مسألة 14): يجوز الطلاق في الطهر الذي واقعها فيه في اليائسة و الصغيرة و الحامل و المسترابة، و هي المرأة التي كانت في سنّ من تحيض و لاتحيض لخلقة أو عارض، لكن يشترط في الأخيرة مضيّ ثلاثة أشهر من زمان المواقعة، فلو طلّقها قبلها لم‌يقع.

(مسألة 15): لايشترط في تربّص ثلاثة أشهر في المسترابة أن‌يكون اعتزاله لأجل أن‌يطلّقها، فلو لم‌يتّفق مواقعتها بسبب الى مضيّها ثم بدا له طلاقها صحّ في الحال.

الشرح:

قال في الشرائع: «فلو طلّقها في طهر واقعها فيه لم‌يقع طلاقه، و يسقط اعتبارذلك في اليائسة و فيمن لم‌تبلغ الحيض و في الحامل و المسترابة بشرط


1) - وسائل الشيعة 22: 60 / الباب 28 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

2) - جواهر الكلام 32: 38.

أن‌يمضي عليها ثلاثة أشهر لم‌تر دما معتزلاً لها. و لو طلّق المسترابة قبل مضيّ ثلاثة أشهر من حين المواقعة لم‌يقع الطلاق».(1)

تدلّ على ذلك عدّة روايات تقدّمت في المسألة الحاديه‌عشرة:

منها صحيحة اسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«خمس يطلّقن على كلّ حال: الحامل المتبيّن حملها و التي لم‌يدخل بها زوجها و الغائب عنها زوجها و التي لم‌تحض و التي قد جلست عن الحيض».(2)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

لابأس بطلاق خمس على كلّ حال: الغائب عنها زوجها و التي لم‌تحض و التي لم‌يدخل بها زوجها و الحبلى و التي قد يئست من الحيض».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة و غيرهما عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:

«خمس يطلّقهن أزواجهنّ متى شاؤوا: الحامل المستبين حملها و الجارية التي لم‌تحض و المرأة التي قد قعدت من الحيض و الغائب عنها زوجها و التي لم‌يدخل بها».(4)

و منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«خمس يطلّقن على كلّ حال: الحامل و التي قد يئست من المحيض


1) - شرائع الاسلام 3: 6.

2) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

و التي لم‌يدخل بها و الغائب عنها زوجها و التي لم‌تبلغ الحيض».(1)و في الجواهر: «يجوز الطلاق في الطهر الذي واقعها فيه في اليائسة التي لا عدّة لها بلا خلاف أجده فيه نصّا و فتوى، بل الاجماع بقسميه عليه أيضا و فيمن لم‌تبلغ سنّ المحيض الذي هو التسع لذلك أيضا و هي المرادة بالتي لم‌تحض في نصوص الخمس بلا خلاف أجده فيه و لا اشكال. و كذا الحامل أيضا بلا خلاف فيه أيضا بل الاجماع بقسميه عليه. انتهى ملخّصا».(2)

و أمّا طلاق المسترابة و هي المرأة التي لاتحيض لخلقة أو عارض و هي في سنّ من تحيض، فيشترط فيها مضيّ ثلاثة أشهر من زمان المواقعة بلا خلاف كما في الجواهر.

تدلّ على ذلك صحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن المسترابة من الحيض كيف تطلّق؟ قال: تطلّق بالشهور».(3)

و مرسلة داود بن أبي يزيد العطّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة التي يستراب بها و مثلها تحمل و مثلها لاتحمل و لاتحيض و قد واقعها زوجها، كيف يطلّقها اذا أراد طلاقها؟ قال: ليمسك عنها ثلاثة أشهر ثمّ يطلّقها».(4)

و ينجبر ضعفها بعمل الأصحاب.

و في الجواهر: «نعم، في المسالك و بعض من تأخّر عنها أنّه لايلحق بالمسترابة من تعتاد الحيض في كلّ مدّة تزيد عن ثلاثة أشهر فانّ تلك لا استرابة


1) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 5.

2) - جواهر الكلام 32: 41.

3) - وسائل الشيعة 22: 189 / الباب 4 من أبواب العدد / الحديث 17.

4) - وسائل الشيعة 22: 91 / الباب 40 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

فيها بل هي من أقسام ذوات الحيض يجب استبراؤها بحيضة و ان توقّف على ستّة أشهر أو أزيد».(1)

و الظاهر صحّة ما ذهب اليه و أنّ هذه المرأة يجب في طلاقها الصبر الى أن‌تحيض و تطهر.

ثمّ اعلم أنّه لايشترط في تربّص ثلاثة أشهر في المسترابة أن‌يكون اعتزاله عنها لأجل ذلك و بقصد أن‌يطلّقها بعده، فلو واقعها ثمّ لم‌يتّفق له المواقعة بسبب من الأسباب الى أن‌مضت ثلاثة أشهر ثمّ بدا له أن‌يطلّقها، صحّ طلاقها في الحال و لم‌يحتج الى تجديد الاعتزال، و ذلك لاطلاق الروايتين المذكورتين و الأصل.

فيما لو واقعها في حال الحيض

(مسألة 16): لو واقعها في حال الحيض لم‌يصحّ طلاقها في الطهر الذي بعد تلك الحيضة، بل لا بدّ من ايقاعه في طهر آخر بعد حيض آخر، فما هو الشرط كونها مستبرأة بحيضة بعد المواقعة لا وقوعه في طهر غير طهر المواقعة.

الشرح:

يدلّ على ما في المتن أنّ الظاهر من الأخبار لزوم استبراء المرأة بحيضة بعد المواقعة فاذا طهرت جاز طلاقها و هذا معنى كلامه عليه السلام في صحيحة زرارة:

«فاذا أراد الرجل أن‌يطلّق امرأته فلينتظر بها حتّى تطمث و تطهر، فاذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع».(2)

و هو القدر المتيقّن من الاجماع مضافا الى أنّ هذا مقتضى أصالة بقاء الزوجيّة الى أن‌يتحقّق العلم بالفراق.


1) - جواهر الكلام 32: 44.

2) - وسائل الشيعة 22: 24 / الباب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

في اشتراط تعيّن المطلّقة

(مسألة 17): يشترط في صحّة الطلاق تعيّن المطلّقة بأن‌يقول: «فلانة طالق» أو يشير اليها بما يرفع الابهام و الاجمال، فلو كانت له زوجة واحدة فقال: «زوجتي طالق» صحّ، بخلاف ما اذا كانت له زوجتان أو أكثر و قال: «زوجتي طالق» الاّ اذا نوى في نفسه معيّنة، فهل يقبل تفسيره بمعيّنة من غير يمين؟ فيه تأمّل.

الشرح:

قال في الشرائع: «الخامس من شرائط المطلّقة تعيينها و هو أن‌يقول: فلانة طالق أو يشير اليها بما يرفع الاحتمال فلو كان له واحدة فقال: زوجتي طالق، صحّ لعدم الاحتمال. و لو كان له زوجتان أو زوجات فقال: زوجتي طالق، فان نوى معيّنة صحّ و يقبل تفسيره. و ان لم‌ينو، قيل: يبطل الطلاق لعدم التعيين و قيل: يصحّ و يستخرج بالقرعة و هو أشبه».(1)

أقول:

يشترط في صحّة الطلاق تعيين المطلّقة، امّا لفظا كقوله: «فلانة» باسمها المميّز لها عن غيرها، أو بالاشارة اليها الرافعة للاشتراك، أو بذكر الزوجة حيث لا غيرها، أو نيّة كقوله «زوجتي» و له زوجات و نوى واحدة معيّنة.

فلو نوى في نفسه معيّنة صحّ و قبل تفسيره؛ لأنّه مقتضى القاعدة من أنّ الانسان حجّة على نفسه كما هو عند العقلاء، و الشارع لم‌يغيّره و لذا تسالم الفقهاء على قبول القاعدة المعروفة و هي قبول ما لايعلم الاّ من قبله من غير يمين. نعم، لو كان في مقام التنازع فيحتاج الأمر الى اليمين كما أنّ طرفه يحتاج الى البيّنة فان


1) - شرائع الاسلام 3: 6.

جاء بالبيّنة فهو و الاّ حلف المنكر و كان الحقّ معه. نعم، لو علمنا بكذبه في تفسيره لم‌يصحّ.

أمّا لو لم‌يعيّن لفظا و لا قصدا بطل، لأصالة بقاء النكاح فلايزول الاّ بسبب معلوم السببيّة. و لأنّ الطلاق أمر معيّن فلا بدّ له من محلّ معيّن، و حيث لا محلّ فلا طلاق و لرواية محمّد بن أحمد بن مطهّر قال:

«كتبت الى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام : انّي تزوّجت أربع نسوة و لم‌أسأل عن أسمائهنّ ثمّ انّي أردت طلاق احداهنّ و تزويج امرأة أخرى، فكتب عليه السلام : أنظر الى علامة ان كانت بواحدة منهنّ فتقول: اشهدوا أنّ فلانة التي بها علامة كذا و كذا هي طالق ثمّ تزوّج الأخرى اذا انقضت العدّة».(1)

و ضعفها منجبر بعمل مشهور الأصحاب فانّ الشهيد الثاني رحمه‌الله في المسالك(2)قد نقل ذهاب جماعة الى القول باشتراط التعيين و البطلان عند عدم التعيين كالمرتضى و المفيد و ابن‌ادريس و الشيخ في أحد قوليه و المحقّق في أحدهما و العلاّمة في أحدهما و الشهيد في أحدهما و جماعة آخرون.

و في الجواهر: «هو المشهور نقلاً و تحصيلاً بل في الانتصار و محكي الطبريّات الاجماع عليه بل ظاهره في الأوّل اختصاص القول بالصحّة بالعامّة، فعن أبي حنيفة و أصحابه و الثوري و الليث أنّه يختار أيّتهنّ شاء و يجعلها المطلّقة و عن الشافعي ذلك أيضا، ولكنّه صرّح بأنّه يمنع منهنّ حتّى يتبيّن و عن مالك تطلّق عليه جميع نسائه».(3)

و نقل الشهيد الثاني عن الشيخ في المبسوط القول بعدم اشتراط التعيين و


1) - وسائل الشيعة 20: 520 / الباب 3 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد / الحديث 3.

2) - مسالك الأفهام 9: 48 و 49.

3) - جواهر الكلام 32: 46.

اختاره المحقّق في الشرائع كما عرفت كلامه و العلاّمة في أكثر كتبه و الشهيد في الشرح؛ لأصالة عدم الاشتراط، و عموم مشروعيّة الطلاق. و محلّ المبهم جاز أن‌يكون مبهما، و كما أنّ كلّ واحدة بخصوصها زوجة فاحداهما أيضا زوجة، فيصحّ طلاقها للعموم، على ما في المسالك فراجع.

و قد استشكل فيه في الجواهر و قال: «و لايخفى ما في دليل القول بالصحّة؛ ضرورة عدم دليل لها سوى دعوى عموم الأدلّة التي لم‌تسق لذلك على أنّ الطلاق لرفع قيد النكاح الذي لم‌يقع في الخارج الاّ على شخص بعينه. و ليس الطلاق في الحقيقة الاّ من توابع النكاح الذي قد عرفت عدم وقوعه الاّ على معيّن، خصوصا بعد اقتضاء ما يترتّب عليه من العدّة و نحوها التعيين، كاقتضاء ما يترتّب على النكاح ذلك».

القول في الصيغة

اشارة

(مسألة 1): لايقع الطلاق الاّ بصيغة خاصّة، و هي قوله: «أنت طالق» أو فلانة أو هذه أو ما شاكلها من الألفاظ الدالّة على تعيين المطلّقة. فلايقع بمثل «أنت مطلّقة» أو «طلّقت فلانة» بل و لا «أنت الطالق» فضلاً عن الكناية كأنت «خليّة أو بريّة» أو «حبلك على غاربك» أو «الحقي بأهلك» و نحو ذلك. فلايقع بها و ان نواه حتّى قوله: «اعتدّي» المنوي به الطلاق على الأقوى.

الشرح:

قال في الشرائع: «الركن الثالث في الصيغة، و الأصل أنّ النكاح عصمة مستفادة من الشرع لايقبل التقايل فيقف رفعها على موضع الاذن. فالصيغة المتلقّاة لازالة قيد النكاح: «أنت طالق» أو فلانة أو هذه و ما شاكلها من الألفاظ الدالّة على تعيين المطلّقة. فلو قال: «أنت الطالق أو طلاق أو من المطلّقات» لم‌يكن شيئا و لو نوى به الطلاق. و كذا لو قال: «أنت مطلّقة». و قال الشيخ رحمه‌الله: الأقوى أنّه يقع اذا نوى الطلاق. و هو بعيد عن شبه الانشاء. و لو قال: طلّقت فلانة؟ فقال: نعم، قال الشيخ: لايقع، و فيه اشكال ينشأ من وقوعه عند سؤاله: هل طلّقت امرأتك؟ فيقول: نعم. و لايقع الطلاق بالكناية - الى أن‌قال: - و لو قال: هذه خليّة أو بريّة أو حبلك علىغاربك أو الحقي بأهلك أو بائن أو حرام أو بتّة أو بتلة لم‌يكن شيئا، نوى الطلاق

أو لم‌ينوه. و لو قال: «اعتدّي» و نوى به الطلاق، قيل: يصحّ و هي رواية الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام و منعه كثير و هو الأشبه».(1)

و في المسالك: «أشار المحقّق رحمه‌الله بما ذكره من الأصل الى تمهيد قاعدة يرجع اليها في صيغ الطلاق المعتبرة في ازالة النكاح، لشدّة ما قد وقع من الاختلاف في تعيينها.

و حاصل الأصل في ذلك: أنّ النكاح بعد وقوعه و تحقّقه شرعا يجب استصحاب حكمه و العمل بمقتضاه الى أن‌يثبت المزيل له شرعا، فكلّ ما ادّعي أنّ له أثرا في ازالة قيد النكاح من الصيغ يعرض على قانون الشرع، فان دلّ منه دليل معتمد على كونه مزيلاً لذلك الحكم الذي قد ثبت استصحابه حكم له بالازالة، و ما وقع الشكّ فيه يبقى النكاح معه على أصله. و قد ثبت بالنصّ و الاجماع أنّ قوله: «أنت طالق» مشيرا الى شخص معيّن صريح فيه موجب لرفع النكاح، فأمّا قوله: «أنت الطلاق أو طلاق» فانّه كناية لا صريح، لأنّهما مصدر و المصادر غير موضوعة للأعيان، و انّما تستعمل فيها على سبيل التوسّع، و الكنايات لايستعملها الأصحاب في الطلاق. و أمّا قوله: «أنت من المطلّقات» فانّه اخبار لا انشاء، لأنّ نقل الاخبار الى الانشاء على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على محلّ النصّ أو الوفاق، و هما منتفيان هنا».(2)

أقول:

و لقد أجاد رحمه‌الله في تشريح الأصل الذي عنونه المحقّق صاحب الشرائع كما ذكرناه.

و عليه فلا بدّ من الرجوع الى كلام الشارع في تعيين صيغة الطلاق، فلنذكر الروايات الواردة في ذكر صيغة الطلاق:


1) - شرائع الاسلام 3: 8 و 9.

2) - مسالك الأفهام 9: 63.

فمنها صحيحة محمّد بن مسلم:

«أنّه سأل أبا جعفر عليه السلام عن رجل قال لامرأته: أنت عليّ حرام أو بائنة أو بتّة أو بريّة أو خليّة؟ قال: هذا كلّه ليس بشيء انّما الطلاق أن‌يقول لها في قبل العدّة بعد ما تطهر من محيضها قبل أن‌يجامعها: أنت طالق أو اعتدّي، يريد بذلك الطلاق و يشهد على ذلك رجلين».(1)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الطلاق أن‌يقول لها: اعتدّي أو يقول: أنت طالق».(2)

و منها صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل كانت له امرأة طهرت من محيضها فجاء الى جماعة فقال: فلانة طالق، يقع عليها الطلاق و لم‌يقل اشهدوا؟ قال: نعم».(3)

و منها صحيحة صفوان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق و قوم يسمعون كلامه و لم‌يقل لهم: اشهدوا، أيقع الطلاق عليها؟ قال: نعم، هذه شهادة».(4)

و منها موثّقة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما تقول في رجل أحضر شاهدين عدلين و أحضر امرأتين له و هما طاهرتان من الحيض ثمّ قال: اشهدا أنّ


1) - وسائل الشيعة 22: 41 / الباب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 41 / الباب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 50 / الباب 21 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 50 / الباب 21 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

امرأتيّ هاتين طالق و هما طاهرتان، أيقع الطلاق؟ قال: نعم».(1)

فاعلم أنّ اللفظ الصريح الذي لايختلف فيه أحد من الأصحاب هو قوله: «أنت أو هذه أو فلانة - بذكر اسمها أو ما يفيد التعيين - أو زوجتي طالق».

و الأقوى أنّ قوله: «اعتدّي» لايقع به الطلاق و ان أراد بذلك الطلاق. و ما في الروايات المتقدّمة من أنّ «اعتدّي» يقع به الطلاق محمول على التقيّة و ذلك لكونها كناية في الطلاق و ليست بصريحة و العامّة قائلون بوقوع الطلاق بالكنايات.

و لايقع الطلاق بغير لفظة «طالق» فلو قال أنت الطالق أو طلاق أو من المطلّقات لم‌يقع و لو نوى به الطلاق بلا خلاف فيه بين الاماميّة، لما تقدّم.

و أمّا لو قال: مطلّقة فالظاهر أيضا عدم الوقوع و ان حكي عن الشيخ في المبسوط القول بوقوعه بها؛ لما عرفت من أنّ النصّ المعمول به بين الطائفة قديما و حديثا هو «طالق» في مقابلة ما أبدعه مخالفوهم من التوسعة في ذلك، حتّى أوقعوه بالكناية المراد بها الطلاق، كما في الجواهر سيأتي كلام الشهيدين من الروضة.

و أمّا الروايات التي ذكرت غير الصيغة المجمع عليها، فانّها تحمل على التقيّة كما عرفت في «اعتدّي».

كما في مرسلة عثمان بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«ايّاكم و ذوات الأزواج المطلّقات على غير السنّة قال: قلت له: فرجل طلّق امرأة من هؤلاء و لي بها حاجة، قال: فتلقاه بعد ما طلّقها و انقضت عدّتها عند صاحبها فتقول له: أطلّقت فلانة؟ فاذا قال: نعم، فقد صارت تطليقة على طهر فدعها من حين طلّقها تلك التطليقة


1) - وسائل الشيعة 22: 51 / الباب 22 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

حتّى تنقضي عدّتها ثمّ تزوّجها و قد صارت تطليقة بائنة».(1)

و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل طلّق امرأته ثلاثا فأراد رجل أن‌يتزوّجها، كيف يصنع؟ قال:

«يدعها حتّى تحيض و تطهر ثمّ يأتيه و معه رجلان شاهدان فيقول:

طلّقت فلانة؟ فاذا قال: نعم، تركها ثلاثة أشهر ثمّ خطبها الى نفسها».(2)و رواية السكوني عن الصادق عن أبيه عن علي عليهم‌السلام:

«في الرجل يقال له: أطلّقت امرأتك؟ فيقول: نعم، قال: قال: قد طلّقها حينئذ».(3)

و هذه الروايات تحمل على التقيّة و لذا لم‌يستدلّ بها أحد في المقام.

مع أنّه يحتمل أن‌يكون المراد به الحكم عليه بالطلاق للاقرار، لا أنّه انشاء طلاق.

و في الجواهر - بعد ذكر هذه الأخبار و ما ذكرنا من التوجيه - قال: «فمن الغريب ما في الحدائق من التزام الطلاق به حتّى مع قصد الاخبار رادّا على الأصحاب بهذه النصوص التي يجب حملها على ارادة الاشهاد على اقراره و الاستظهار بمضيّ العدّة من حين الاقرار لكونه من المخالفين كما هو واضح. و كيف كان فقد بان لك الوجه في أنّه لايقع الطلاق بالكناية عندنا التي هي اللفظ المحتمل للطلاق و غيره و ان أريد به بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى ما سمعته من النصوص في الصيغة، بل قد عرفت عدم وقوعه بالصريح من غير الصيغة المخصوصة فضلاً عنها، نحو «طلّقت» و «أنت مطلّقة» و ان اختلف فيها».(4)


1) - وسائل الشيعة 20: 496 / الباب 36 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 20: 496 / الباب 36 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 42 / الباب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 6.

4) - جواهر الكلام 32: 57 - 59.

و في الروضة: «و ينحصر عندنا في هذه اللفظة فلايكفي أنت طلاق و ان صحّ اطلاق المصدر على اسم الفاعل و قصده فصار بمعنى طالق؛ وقوفا على موضع النصّ و الاجماع و استصحابا للزوجيّة، و لأنّ المصادر انّما تستعمل في غير موضوعها مجازا و ان كان في اسم الفاعل شهيرا. و هو غير كافٍ في استعمالها في مثل الطلاق. و لا من المطلّقات و لا مطلّقة و لا طلّقت فلانة، على قول مشهور لأنّه ليس بصريح فيه، و لأنّه اخبار و نقله الى الانشاء على خلاف الأصل فيقتصر فيه على موضع الوفاق و هو صيغ العقود فاطّراده في الطلاق قياس، و النصّ دلّ فيه على طالق، و لم‌يدلّ على غيره فيقتصر عليه. و منه يظهر جواب ما احتجّ به القائل بالوقوع و هو الشيخ في أحد قوليه استنادا الى كون صيغة الماضي في غيره منقولة الى الانشاء و نسبة المصنّف البطلان الى القول مشعر بميله الى الصحّة.

و لا عبرة عندنا بالسراح و الفراق و ان عبّر عن الطلاق بهما في القرآن الكريم بقوله: «أو تسريح باحسان» أو «فارقوهنّ بمعروف»، لأنّهما عند الاطلاق لا يطلقان عليه فكانا كناية عنه، لا صراحة فيهما. و التعبير بهما لايدلّ على جواز ايقاعه بهما. و كذا الخليّة و البريّة و غيرهما من الكنايات كالبتّة، و البتلة و حرام و بائن و اعتدّي و ان قصد الطلاق لأصالة بقاء النكاح الى أن‌يثبت شرعا ما يزيله».(1)

في ايقاع طلاق أكثر من زوجة واحدة بصيغة واحدة

(مسألة 2): يجوز ايقاع طلاق أكثر من زوجة واحدة بصيغة واحدة فلو قال: «زوجتاي طالقان» أو «زوجاتي طوالق» صحّ طلاق الجميع.

الشرح:

تدلّ على ذلك موثّقة زرارة المتقدّمة قال:


1) - الروضة 6: 11 - 13.

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما تقول في رجل أحضر شاهدين عدلين و أحضر امرأتين له و هما طاهرتان من الحيض ثمّ قال: اشهدا أنّ امرأتيّ هاتين طالق و هما طاهرتان، أيقع الطلاق؟ قال: نعم».(1)

هذا مضافا الى عدم الدليل على البطلان مع شمول الاطلاق له فيؤثّر الطلاق أثره كما في المهذّب.

في ايقاع صيغة الطلاق بما يرادف الصيغة المزبورة من سائر اللغات

(مسألة 3): لايقع الطلاق بما يرادف الصيغة المزبورة من سائر اللغات مع القدرة. و مع العجز يصحّ، و كذا لايقع بالاشارة و لا بالكتابة مع القدرة على النطق، و مع العجز يصحّ ايقاعه بهما، و الأحوط تقديم الكتابة لمن يعرفها على الاشارة.

الشرح:

لايقع الطلاق بما يرادف الصيغة المزبورة من سائر اللغات مع القدرة و ذلك لما مرّ من الروايات و الاجماع على البطلان في بعض الصيغ غير الصيغة المزبورة، و المشهور شهرة عظيمة في بعضها الآخر.

و من المعلوم أنّ ما يرادف الصيغة من سائر اللغات ليس نفسها.

و كذا لايقع بالكتابة لما في صحيحة زرارة قال:

«سألته عن رجل كتب الى امرأته بطلاقها أو كتب بعتق مملوكه و لم‌ينطق به لسانه، قال: ليس بشيء حتّى ينطق به».(2)

و صحيحته الأخرى قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه ثمّ بدا


1) - وسائل الشيعة 22: 51 / الباب 22 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 36 / الباب 14 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

له فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق و لا عتاق حتّى يتكلّم به».(1)

و أمّا صحيحة أبي حمزة الثمالي قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قال لرجل: أكتب يا فلان الى امرأتي بطلاقها أو أكتب الى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقا أو عتقا؟ قال: لايكون طلاقا و لا عتقا حتّى ينطق به لسانه أو يخطّه بيده و هو يريد الطلاق أو العتق و يكون ذلك منه بالأهلّة و الشهور و يكون غائبا عن أهله».(2)

فقال صاحب الوسائل بأنّه لا بدّ من حملها على التقيّة أو على التلفّظ مع الكتابة أو على أنّ علم الزوجة بالطلاق و المملوك بالعتق يكون امّا بسماع النطق أو بالكتابة أو على من لايقدر على النطق كالأخرس، و اللّه أعلم.

و كذا لايقع الطلاق بالاشارة مع القدرة على التلفّظ و قد تقدّم أنّ الطلاق بالكناية لايصحّ فضلاً عن الاشارة.

و أمّا لو لم‌يكن قادرا على النطق بالصيغة المزبورة فيصحّ بسائر اللغات لرواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم‌السلام قال:

«كلّ طلاق بكلّ لسان فهو طلاق».(3)

بحملها على صورة تعذّر التلفّظ بالعربيّة كما قال صاحب الوسائل بأنّ جماعة من علمائنا قد قيّدوا هذه الرواية بتعذّر العربيّة لما تقدّم من أنّه لايصحّ الطلاق الاّ بصيغة خاصّة و هي عربيّة و تقدّم ما يدلّ على ذلك عموما في القراءة في الصلاة.

و لو كان عاجزا عن النطق يصحّ ايقاعه الطلاق بالكتابة أو الاشارة، و الأحوط تقديم الكتابة لمن يعرفها على الاشارة.


1) - وسائل الشيعة 22: 36 / الباب 14 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 36 / الباب 14 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 43 / الباب 17 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

تدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«طلاق الأخرس أن‌يأخذ مقنعتها و يضعها على رأسها ثمّ يعتزلها».(1)

و صحيحة محمّد بن أبي نصر البزنطي:

«أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت و لايتكلّم، قال: أخرس هو؟ قلت: نعم، و يعلم منه بغض لامرأته و كراهة لها أيجوز أن‌يطلّق عنه وليّه؟ قال: لا، ولكن يكتب و يشهد على ذلك قلت: أصلحك اللّه فانّه لايكتب و لايسمع كيف يطلّقها؟ قال: بالذي يعرف به من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها».(2)

قال في الجواهر: «و لايقع بغير العربيّة مع القدرة على التلفّظ باللفظ المخصوص وفاقا للمشهور؛ لظاهر النصوص السابقة، بل الظاهر عدم الاجتزاء بالملحون منها للقادر على الصحيح و لو بالتعلّم فضلاً عنها للأصل و ظاهر النصّ بل لعلّه أولى بالمنع؛ لخروجه عن سائر اللغات. نعم، يكفي في صحّة الطلاق بغير العربيّة لو كان عاجزا عنها بلا خلاف و لا اشكال فيه؛ لخبر وهب بن وهب و لفحوى الاكتفاء باشارة الأخرس. و كذا لايقع بالاشارة قولاً واحدا؛ للأصل و ظاهر النصوص السابقة الاّ مع العجز عن النطق فيقع حينئذ بالاشارة المفهمة لارادة الانشاء و ذلك لأنّه لا خلاف و لا اشكال في أنّه يقع طلاق الأخرس و عقده و ايقاعه بالاشارة الدالّة على ذلك على نحو غيره من مقاصده بل قد عرفت الاجتزاء بها في عباداته فضلاً عن معاملاته، و النصوص بها مستفيضة و منها صحيحة


1) - وسائل الشيعة 22: 48 / الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 22: 48 / الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

البزنطي المحمولة على أنّ الكتابة أيضا من جملة أفراد الاشارة بل لعلّها أقواها؛ لأنّها أضبط و أدلّ على المراد و لعلّه لذا قدّمها ابن ادريس على غيرها من أفراد الاشارة، لكن لا دليل عليه سوى الصحيحة المزبورة التي لا دلالة فيها على اعتبار الترتيب و أقصاه الدلالة على ذكر أفراد الاشارة؛ لخبر يونس: «في رجل كتب في الأرض بطلاق امرأته قال: فاذا فعل ذلك في قبل الطهر بشهود و فهم عنه كما يفهم من مثله و يريد الطلاق جاز طلاقه على السنّة». انتهى ملخّصا».(1)

في جواز التوكيل في الطلاق

(مسألة 4): يجوز للزوج أن‌يوكّل غيره في طلاق زوجته بالمباشرة أو بتوكيل غيره، سواء كان الزوج حاضرا أو غائبا، بل و كذا له أن‌يوكّل زوجته فيه بنفسها أو بالتوكيل، لكن لاينبغي ترك الاحتياط بعدم توكيلها.

الشرح:

قال في الشرائع: «و يجوز الوكالة في الطلاق للغائب اجماعا، و للحاضر على الأصحّ. و لو وكّلها في طلاق نفسها، قال الشيخ: لايصحّ و الوجه الجواز».(2)

لايشترط في وقوع الطلاق المباشرة بل تصحّ الوكالة فيه و ذلك لصحيحة سعيد الأعرج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل جعل أمر امرأته الى رجل، فقال: اشهدوا أنّي قد جعلت أمر فلانة الى فلان (فيطلّقها)(3)أيجوز ذلك للرجل؟ فقال: نعم».(4)


1) - جواهر الكلام 32: 60 و 61.

2) - شرائع الاسلام 3: 4.

3) - ما بين القوسين ليس في المصدر. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 22: 88 / الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام في رجل جعل طلاق امرأته بيد رجلين فطلّق أحدهما و أبى الآخر فأبى أميرالمؤمنين عليه السلام أن‌يجيز ذلك حتّى يجتمعا جميعا على طلاق».(1)

و رواية أبي هلال الرازي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل وكّل رجلاً يطلّق(2)امرأته اذا حاضت و طهرت و خرج الرجل فبدا له فأشهد أنّه قد أبطل ما كان أمره به و أنّه قد بدا له في ذلك، قال: فليعلم أهله و ليعلم الوكيل».(3)

و أمّا رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتجوز الوكالة في الطلاق».(4)

فانّها - مع ضعفها سندا - تحمل على التقيّة أو على الكراهة جمعا أو على عدم علم الوكيل بطهر الزوجة أو على عدم جوازه بمجرّد دعوى الوكالة.

قال في الجواهر: «تجوز الوكالة في الطلاق للغائب اجماعا بقسميه، و للحاضر على الأصحّ وفاقا للمشهور لاطلاق أدلّة الوكالة فيما لا غرض للشارع في اعتبار المباشرة فيه كالعقود و الايقاعات التي منها الطلاق، و اطلاق النصوص في المقام التي منها صحيح سعيد الأعرج و قد ترك الاستفصال فيه. خلافا للشيخ في النهاية و المبسوط و أتباعه فلايجوز بل نسبه في الثاني منهما الى أصحابنا جمعا بين ما سمعت و بين خبر زرارة عن الصادق عليه السلام : «لاتجوز الوكالة في الطلاق» بحمل الأوّل على الغائب و الثاني على الحاضر. و فيه - مع عدم الشاهد له - أنّه فرع


1) - وسائل الشيعة 22: 88 / الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

2) - في المصدر: بطلاق.

3) - وسائل الشيعة 22: 88 / الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 22: 88 / الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 5.

التكافؤ المفقود في المقام بل لا حجّة في الثاني؛ للضعف في السند مع عدم الجابر بل قد عرفت الشهرة على خلافه».(1)

و كذا له أن‌يوكّل نفس الزوجة في تطليق نفسها بنفسها أو بتوكيل غيرها؛ لاطلاق أدلّة الوكالة و أخبار المقام و الاجماع كما في المهذّب.(2)

في توكيل المرأة في طلاق نفسها

(مسألة 5): يجوز أن‌يوكّلها على أنّه لو طال سفره أزيد من ثلاثة شهور مثلاً أو سامح في انفاقها أزيد من شهر مثلاً طلّقت نفسها، لكن بشرط أن‌يكون الشرط قيدا للموكّل فيه لا تعليقا في الوكالة.

الشرح:

يجوز أن‌يوكّلها على أنّه لو طال سفره أزيد من ثلاثة أشهر مثلاً و سامح في انفاقها أزيد من شهر مثلاً طلّقت نفسها؛ لاطلاق الأدلّة. نعم، يشترط في الوكالة التنجيز بمعنى عدم تعليق أصل الوكالة بشيء كأن‌يقول مثلاً: ان طال سفري أزيد من ثلاثة أشهر فأنت وكيلي في طلاق نفسك و الظاهر أنّ الدليل عليه الاجماع.

ثمّ انّه هل يجوز توكيل الزوجة في تطليق نفسها متى شاءت دون شرط و قيد؟ مقتضى الاطلاق الجواز لو لم‌يرجع ذلك الى جعل أصل الطلاق اليها و هو غير مشروع؛ لأنّ «الطلاق بيد من أخذ بالساق» و الظاهر أنّه كذلك.

في اشتراط التنجيز

(مسألة 6): يشترط في صيغة الطلاق التنجيز، فلو علّقه على شرط بطل سواء كان ممّا يحتمل وقوعه كما اذا قال: «أنت طالق ان جاء زيد» أو ممّا يتيقّن حصوله، كما اذا قال: «ان طلعت الشمس». نعم، لايبعد جواز تعليقه


1) - جواهر الكلام 32: 23.

2) - مهذّب الأحكام 25: 32.

على ما يكون معلّقا عليه في الواقع كقوله: «ان كانت فلانة زوجتي فهي طالق» سواء كان عالما بأنّها زوجته أم لا.

الشرح:

قال في الشرائع: «و يشترط في الصيغة تجريدها عن الشرط و الصفة في قول مشهور، لم‌أقف فيه على مخالف منّا».(1)

و في الجواهر: «يشترط في الصيغة تجريدها عن التعليق سواء كان التعليق على الشرط المحتمل وقوعه نحو «ان جاء زيد» أو على الصفة المعلوم حصولها نحو «اذا طلعت الشمس» في قول مشهور بل لم‌أقف فيه على مخالف منّا، بل في الانتصار و الايضاح و التنقيح و الروضة و محكي السرائر و غيرها الاجماع عليه و هو الحجّة بعد ظهور نصوص الحصر».(2)

و في المسالك: «نبّه المحقّق صاحب الشرائع بقوله: «على قول مشهور» على ضعف مستنده فانّه ليس عليه نصّ و انّما أوردوا عليه أدلّة ظاهريّة كقولهم: انّ النكاح أمر متحقّق فلايزول الاّ بسبب متحقّق و وقوعه مع الشرط مشكوك فيه. و قولهم: انّه مع عدم الشرط اجماعي و لا دليل على صحّته بالشرط و نحو ذلك.

فانّ هذا كلّه يندفع بعموم الأدلّة الدالّة على ثبوت حكم الطلاق حيث يقع، أعمّ من كونه منجّزا أو معلّقا على شرط. و قول المصنّف: «لم‌أقف فيه على مخالف» يخرج به عن دعوى الاجماع عليه فانّ عدم الوقوف على المخالف لايكفي في تحقّق الاجماع الذي يصير حجّة من حيث دخول المعصوم في جملة أقوالهم؛ لجواز أن‌يكون هناك قائل بوقوعه كذلك و لم‌يقف المصنّف على قوله. و من الأصحاب من اعتدّ بمثل ذلك في ثبوت الاجماع و حجّيّته بل صرّح ابن ادريس


1) - شرائع الاسلام 3: 9.

2) - جواهر الكلام 32: 78.

هنا بثبوت الاجماع - الى أن‌قال: - و في تعليقه حكمة لاتحصل بالمنجّز».(1)

أقول:

و في كلامه رحمه‌الله مواقع للنظر:

الأوّل: انّه رحمه‌الله قد بيّن الأصل في الاستدلال على أنّ صيغة الطلاق تنحصر في «أنت طالق» الأصل و قد شرحه ببيان حسن مع أنّ هذا الذي ردّه هنا كان مبنى الأصل الذي تقدّم شرحه منه.

فانّ من جملة ما قال في شرح الأصل أنّ غير الصيغة المعيّنة مشكوك فيه فلايصحّ معه الطلاق و هنا أيضا نقول بأنّ وقوعه مع الشرط مشكوك فيه.

الثاني: قال رحمه‌الله: «هذا كلّه يندفع بعموم الأدلّة الدالّة على ثبوت حكم الطلاق حيث يقع».

و فيه: انّ الأدلّة المذكورة لم‌تسق لبيان العموميّة من هذه الجهة بل كانت لبيان الصيغة الخاصّة فقط.

الثالث: انّ قول المحقّق رحمه‌الله: «لم‌أقف فيه على مخالف منّا» يكون دليلاً لنا على عدم الدليل على صحّة اجراء صيغة الطلاق مع تعليقها على الشرط أو الصفة.

الرابع: انّ قوله رحمه‌الله: «و في تعليقه حكمة لاتحصل بالمنجّز» لايمكن أن‌يكون دليلاً على الجواز بعد اعراض الأصحاب عن ذلك و ما تقدّم منّا آنفا.

ثمّ انّه لو علّقه على ما يكون معلّقا عليه في الواقع كما اذا قال: «ان كانت فلانة زوجتي فهي طالق» فقد نفى المصنّف رحمه‌الله البعد عن جوازه و صحّة الطلاق سواء كان عالما بأنّها زوجته أو جاهلاً به.

و قد تكلّمنا عن ذلك في كتاب النكاح عند البحث عن لزوم التنجيز في


1) - مسالك الأفهام 9: 90.

الصيغة و قلنا هناك بأنّ من أقسام التعليق أن‌يكون التعليق على أمر يكون انشاء العقد معلّقا عليه قهرا، سواء ذكره المنشئ أو لم‌يذكره، كالزوجيّة في الطلاق و الملكيّة في البيع، فهو لايضرّ بالانشاء فانّ وجوده و عدمه سيّان.

و قد علّل الجواز في المهذّب(1)بأنّ الانشاء معلّق عليه في حاقّ الواقع، و التعليق لفظي لايزيد ذلك الاّ توضيحا و بيانا، و مع الشكّ في كونه من التعليق المبطل يكفي فيه في الرجوع الى أصالة الصحّة و عدم صحّة الرجوع الى الأدلّة المانعة؛ لكونه حينئذ من الرجوع الى الدليل في الموضوع المشكوك. انتهى.

و كلامه رحمه‌الله محلّ نظر أوّلاً من جهة أنّه لايكون هنا مجرى أصالة الصحّة كما حقّق في محلّه.

و ثانيا من جهة أنّه اذا شكّ في كونه من التعليق المبطل أم لا، يرجع الى الشكّ في ازالة قيد النكاح و الأصل عدمها.

هذا، و ان لم‌يعلم أنّها زوجته فالاشكال يصير آكد، و كيف كان فالظاهر أنّ هذا التعليق خلاف الاحتياط. و لاينبغي ترك الاحتياط و ان قلنا بعدم الاشكال في هذا النوع من التعليق عند البحث في كتاب النكاح.

فيما لو كرّر صيغة الطلاق ثلاثا

(مسألة 7): لو كرّر صيغة الطلاق ثلاثا فقال: «هي طالق هي طالق هي طالق» من دون تخلّل رجعة في البين قاصدا تعدّده تقع واحدة و لغت الأخريان، و لو قال: «هي طالق ثلاثا» لم‌يقع الثلاث قطعا، و الأقوى وقوع واحدة كالصورة السابقة.


1) - مهذّب الأحكام 26: 33.

الشرح:

لو كرّر صيغة الطلاق ثلاثا فقال: «هي طالق هي طالق هي طالق» من دون تخلّل رجعة في البين قاصدا تعدّده، تقع واحدة و لغت الأخريان، تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، و هي طاهر، قال: هي واحدة».(1)

و منها صحيحته الأخرى عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الذي يطلّق في حال طهر في مجلس ثلاثا، قال: هي واحدة».(2)

و منها صحيحته الثالثة عن أحدهما عليهماالسلام في التي تطلّق في حال طهر في مجلس ثلاثا قال: «هي واحدة».(3)

و منها صحيحة شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت: فطلّقها ثلاثا في مقعد، قال: تردّ الى السنّة فاذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة».(4)

و اطلاق هذه الروايات يشمل ما لو كرّر الصيغة ثلاثا و ما لو قال: «هي طالق ثلاثا» و لذا كان الأقوى وقوع الواحدة في الصورتين، و لايقع الثلاثة قطعا.

و في الجواهر: «لو كرّر الصيغة مرّتين أو ثلاثا قاصدا لتعدّد الطلاق لم‌يقع ذلكعندنا بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه بل كأنّه من ضروريّ مذهب الشيعة.


1) - وسائل الشيعة 22: 61 / الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 62 / الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 64 / الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 22: 62 / الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

نعم، لا خلاف بيننا في وقوع الواحدة كما أنّه لا اشكال فيه أيضا بل الاجماع بقسميه عليه».(1)

فيما لو كان الزوج من العامّة ممّن يعتقد وقوع الثلاث بثلاث

(مسألة 8): لو كان الزوج من العامّة ممّن يعتقد وقوع الثلاث بثلاث مرسلة أو مكررّة و أوقعه بأحد النحوين ألزم عليه سواء كانت المرأة شيعيّة أو مخالفة، و نرتّب نحن عليها آثار المطلّقة ثلاثا، فلو رجع اليها نحكم ببطلانه الاّ اذا كانت الرجعة في مورد صحيحة عندهم، فتزوّج بها في غير ذلك بعد انقضاء عدّتها، و كذلك الزوجة اذا كانت شيعيّة جاز لها التزويج بالغير، و لا فرق في ذلك بين الطلاق ثلاثا و غيره ممّا هو صحيح عندهم فاسد عندنا كالطلاق المعلّق و الحلف به و في طهر المواقعة و الحيض و بغير شاهدين فنحكم بصحّته اذا وقع من المخالف القائل بالصحّة، و هذا الحكم جارٍ في غير الطلاق أيضا، فنأخذ بالعول و التعصيب منهم الميراث مثلاً مع بطلانهما عندنا، و التفصيل لايسع هذا المختصر.

الشرح:

تدلّ على ما في المتن حسنة ابراهيم بن محمّد الهمداني قال:

«كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام مع بعض أصحابنا فأتاني الجواب بخطّه: فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك و زوجها - الى أن‌قال: - و من حنثه بطلاقها غير مرّة فانظر فان كان ممّن يتولاّنا و يقول بقولنا فلا طلاق عليه؛ لأنّه لم‌يأت أمرا جهله و ان كان ممّن لايتولاّنا ولايقول بقولنا فاختلعها منه فانّه انّما نوى الفراق بعينه».(2)


1) - جواهر الكلام 32: 81.

2) - وسائل الشيعة 22: 72 / الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

و مضمرة عبداللّه بن سنان قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة، ثمّ أمسك عنها حتّى انقضت عدّتها، هل يصلح لي أن‌أتزوّجها؟ قال: نعم، لاتترك المرأة بغير زوج».(1)

ثمّ اعلم أنّ المقام من موارد قاعدة الالزام، فلابأس بالاشارة اليها و البحث عنها من جهات أوردها في المهذّب:(2)

الأولى: في مدركها. و استدلّ عليها أوّلاً بالاجماع.

و نوقش فيه: بأنّه معلوم المدرك؛ لأنّ مدركه الأخبار الواصلة الينا من المعصومين عليهم‌السلام، فلا اعتبار به كما ثبت في الأصول.

و فيه: أنّ غالب الاجماعات بل جميعها يكون في موردها حديث معتبر، بل أحاديث كذلك، و لو اعتمدنا على هذه المناقشة لسقط اعتبار الاجماع مطلقا، بل ظاهر الاجماع هو الاعتبار الاّ اذا ثبت استناده الى خبر معتبر بقرائن معلومة.

هذا ما ذكره في المهذّب، و نحن قد تكلّمنا في مباحث الأصول عن حجّيّة الاجماع و قلنا هناك بأنّ الاجماع ان كان دليلاً مستقلاًّ في المسألة فلا بدّ من أن لايكون مدركيّا و أمّا ان كان دليلاً بعد الآيات و الروايات و غيرها فلا ضير في الاستدلال به و تأييد المطلب به.

و ثانيا: بأنّها من القواعد التسهيليّة النظاميّة في جميع الملل و الأديان، فتعتبر ما لم‌يردع عنها الشرع، فاذا دفع أهل ملّة الى أهل ملّة أخرى مالاً مثلاً و قال الدافع: انّ ديني و ملّتي يقتضي أن‌أدفع اليك هذا المال، يقبل منه مع وجود المقتضي و فقدالمانع عن القبول، و هذا في الجملة مسلّم في المرتكزات. و انّما البحث في


1) - وسائل الشيعة 22: 73 / الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

2) - مهذّب الأحكام 26: 37 - 41.

تعميم حكمه لكلّ مورد أو تخصيصه، و يأتي البحث عنه.

و ثالثا: بالأخبار الواردة في المقام، و هي كثيرة:

فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«يجوز على أهل كلّ دين ما يستحلّون»

و منها قول أبي الحسن عليه السلام في رواية عبداللّه بن جبلة:

«في المطلّقة على غير السنّة، أيتزوّجها الرجل؟ فقال عليه السلام : ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، و تزوّجوهن فلابأس بذلك».

و منها قول الصادق عليه السلام :

«خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنّتهم».

و عنه عليه السلام أيضا في حديث آخر: «خذهم بحقّك في أحكامهم و سنّتهم، كما يأخذون منكم فيه».

و منها ما ورد في تقرير نكاحهم، مثل قوله عليه السلام : «لكلّ قوم نكاح»، و طلاقهم كما مرّ و معاملاتهم مثل رواية منصور قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام لي على رجل ذمّي دراهم، فيبيع الخمر و الخنزير و أنا حاضر، فيحلّ لي أخذها؟ فقال: انّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك».

و كذلك في الدين و المواريث.

و الحاصل: «انّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم».

و لولا ذلك لما استقرّ للمسلمين سوق، و لا قام لهم عمود، خصوصا في هذه الأعصار التي صارت الدنيا بأسرها كبلد واحد اختلط أبناء غربها بشرقها و جنوبها بشمالها. فهذه القاعدة من أحسن القواعد النظاميّة التي قرّرها الشارع تسهيلاً علىالأمّة و تخفيفا عليهم.

و خلاصة ما في سياق تلك الأخبار تقرير المذاهب الفاسدة في ترتّب آثار الصحّة - الملتزمة عندهم - عليها تسهيلاً و امتنانا من الشارع الأقدس على الأمّة و تأليفا بينهم مهما أمكن السبيل اليه.

الثانية: في مفادها، يعني أنّ القاعدة عامّة تشمل جميع الموارد الاّ ما خرج بالدليل المخصوص، أو أنّها مختصّة بكلّ مورد ورد فيه الدليل بالخصوص؟

مقتضى كونها من القواعد التسهيليّة الامتنانيّة هو الأوّل، فتتّسع القاعدة و تعمّ ما لم‌يدلّ دليل على الخلاف، و ما ذكر في بعض الموارد المتقدّمة، انّما هو من باب المثال و الغالب.

فيكون مفاد القاعدة من الأحكام المجامليّة، و من سنخ الأحكام الثانويّة الاضطراريّة التي يكون الاضطرار النوعي حكمة الجعل لا علّة المجعول، فتعمّ القاعدة جميع ما ألزموا به أنفسهم الاّ ما خرج بالدليل.

الثالثة: هل القاعدة تختصّ بخصوص المخالفين من المسلمين على اختلاف فرقهم، أو تعمّ غيرهم أيضا من جميع الملل غير المسلمة؟ مقتضى الاطلاقات و العمومات، بل صريح بعض الروايات كما مرّ، هو الأخير. و ما يظهر منه الأوّل كما تقدّم يكون من الغالب في تلك الأعصار، فلا وجه للتقييد حينئذ.

الرابعة: لايعتبر أن‌يكون مفاد القاعدة يعني «ما ألزموا به أنفسهم» متّفقا عليه بين جميع المذاهب الأربعة المشهورة أو غيرهم، بل يصحّ جريانها و لو كان الالزام عند مذهب واحد دون غيره من المذاهب، للعموم و الاطلاق الشامل لكلّ من القسمين، ما لم‌يكن المذهب من الأقلّ الذي يصحّ دعوى انصراف الأدلّة المتقدّمة عنه. نعم، في مثل النكاح لا بدّ من الحكم بما حكموا و التزام نكاحهم لقولهم عليهم‌السلام: «لكلّ قوم نكاح».

الخامسة: اختلفوا في هذه القاعدة أنّها من الأمارات أو من الأصول، و ذكروا

أنّ الثمرة تظهر في حجّيّة اللوازم، فتعتبر بناء على أنّها من الأمارة، و لاتكون كذلك لو كانت من الأصول.

و قد ذكر السبزواري رحمه‌الله: «أنّ هذه الثمرة ساقطة مطلقا لأنّ اعتبار اللوازم مطلقا يدور مدار القرائن المعتبرة و لو كانت من الدلالات السياقيّة، فمع وجودها تعتبر مطلقا و لو كان المورد أصلاً، و مع عدمها لاتعتبر و لو كانت أمارة».

أقول: الظاهر أنّها من القواعد الفقهيّة و أنّ البحث عن ثبوت اللوازم في الأمارات و عدم ثبوتها في الأصول كان مع صرف النظر عن وجود القرائن و عدمها و قد تكلّمنا في الأصول عن ذلك و قلنا بأنّ اللوازم تثبت بالأمارات و لاتثبت بالأصول مع صرف النظر عن القرائن.

السادسة: لا فرق في الزامهم بما ألزموا به على أنفسهم بين ما اذا كان المورد مستندا الى حديث من طرقهم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أو فتوى فقيههم أو حكم حاكمهم لشمول اطلاق الأدلّة للجميع.

نعم، ان كان ذلك من جور الجائر أو صار عادة لهم من غير انتساب الى التزام ديني، فلايشمله الدليل.

السابعة: لو شكّ في مورد أنّه فيما التزموا به على أنفسهم أو لا؟ فمقتضى الأصل عدم ترتّب الأثر على الالزام بعد عدم صحّة التمسّك بالاطلاقات و العمومات لأجل الشبهة الموضوعيّة، فلا مجرى للقاعدة أصلاً.

الثامنة: هل يختصّ مورد جريان القاعدة بما اذا انطبق عليه عنوان التقيّة أو يعمّها و غيرها؟ الظاهر هو الثاني، للاطلاقات و العمومات الواردة في مقام البيان، و لو كان شيء معتبرا لظهر و بان.

التاسعة: لايشترط في مورد جريانها عدم المندوحة، فتجري و لو معوجودها، لما تقدّم من الاطلاق و العموم الواردين مورد التسهيل و الامتنان، و أنّ

سياق تلك الروايات المتقدّمة سياق التأليف و الائتلاف المنافيين لاعتبارها.

العاشرة: لا ملازمة بين الزامنا لهم بما ألزموا على أنفسهم في مقابل الزامهم بما ألزمنا على أنفسنا، بحيث لو لم‌يكن مورد للثاني لايكون مورد للأوّل، لما مرّ من اطلاق الدليل من غير ما يصلح للتقييد و التعليل. نعم، قد يكون كذلك في بعض الموارد، و ذلك من باب التقريب للحكم لا من باب الارتباط.

الحادية عشرة: مورد جريان هذه القاعدة فيما اذا كان المورد معلوم البطلان عندنا و مفروغ الصحّة عندهم، و أمّا لو شكّ في البطلان عندنا فهل تجري القاعدة حينئذ؟ الظاهر ترتّب آثار الصحّة في مثل المورد، امّا لقاعدة الالزام ان كان في الواقع باطلاً عندنا مع فرض الصحّة عندهم، أو لقاعدة الصحّة لو بقي الموضوع على الشكّ و لم يتبيّن البطلان، فحينئذ لا مورد لجريان قاعدة الالزام، و قد تقدّم أيضا عدم جريانها لو لم‌تحرز الصحّة عندهم.

اذا عرفت ذلك فنقول: لو كان الزوج من العامّة ممّن يعتقد وقوع الثلاث بثلاث مرسلة أو مكرّرة و أوقع الطلاق ثلاثا بأحد النحوين، ألزم بذلك سواء كانت المرأة شيعيّة أو مخالفة؛ لاطلاق الدليل الشامل لكلّ واحدة منهما، و نرتّب نحن عليها آثار المطلّقة ثلاثا؛ لفرض أنّ الصحّة في دينهم تلازم الصحّة عندنا أيضا، كما مرّ في سائر أمورهم الدينيّة كما هو مفاد القاعدة. فلو رجع اليها نحكم ببطلانه؛ لبطلان الرجوع اليها قبل أن‌تنكح زوجا آخر عندنا و عندهم. نعم، لو صحّ هذا الرجوع عندهم شملته قاعدة الالزام كما مرّ. و كذلك نحكم بجواز التزويج بها بعد انقضاء العدّة لوجود المقتضي و فقد المانع فتشملها عمومات صحّة التزويج و اطلاقاتها بلا محذور. و كذلك الزوجة اذا كانت شيعيّة جاز لها التزويج بالغير لما مرّ في سابقه من غير فرق.

و لا فرق في ذلك بين الطلاق ثلاثا بغير تخلّل الرجوع و غيره ممّا هو صحيح

عندهم فاسد عندنا، كالطلاق المعلّق و الحلف بالطلاق و الطلاق في طهر المواقعة و الحيض و بغير شاهدين، فانّ هذه المذكورات و ان كانت فاسدة عندنا فاذا وقعت من رجل منّا لانرتّب على زوجته آثار المطلّقة ولكن اذا وقعت من أحد المخالفين القائلين بصحّتها نرتّب على طلاقه بالنسبة الى زوجته آثار الطلاق الصحيح فتزوّج بها بعد انقضاء العدّة. و هذا الحكم جارٍ في غير الطلاق أيضا فنأخذ بالعول و التعصيب منهم الميراث مثلاً مع أنّهما باطلان عندنا.

فرع: لو كان المطلّق من الخاصّة فطلّق زوجته بطريق العامّة أي فاقدا لشرط من شرائط الصحّة عندنا، لايصحّ؛ لعدم الدليل على الصحّة بل الدليل على بطلانه. و لو كان بالعكس و حصل منه قصد الانشاء جامعا للشرائط صحّ؛ لعدم الدليل على البطلان بل الدليل على صحّته و هو وجود المقتضي و فقد المانع.

و لو كا ن من العامّة فطلّق زوجته على حسب مذهبه صحيحا و باطلاً عندنا ثمّ استبصر بعد العدّة فهل له الرجوع حينئذ؟ الظاهر عدم جواز الرجوع له؛ لأنّ الطلاق وقع جامعا للشرائط عنده في حال وقوعه.

في اعتبار الاشهاد

(مسألة 9): يشترط في صحّة الطلاق زائدا على ما مرّ الاشهاد بمعنى ايقاعه بحضور شاهدين عدلين ذكرين يسمعان الانشاء، سواء قال لهما اشهدا أم لا، و يعتبر اجتماعهما حين سماع الانشاء، فلو شهد أحدهما و سمع في مجلس ثمّ كرّر اللفظ و سمع الآخر بانفراده لم‌يقع. نعم، لو شهدا باقراره بالطلاق لم‌يعتبر اجتماعهما لا في تحمّل الشهادة و لا في أدائها، و لا اعتبار بشهادة النساء و سماعهنّ لا منفردات و لا منضمّات بالرجال.

الشرح:

قال في الشرائع: «و لا بدّ من حضور شاهدين يسمعان الانشاء، سواء قال لهما: اشهدا أو لم‌يقل، و سماعهما التلفّظ شرط في صحّة الطلاق. حتّى لو تجرّد عن الشهادة لم‌يقع، و لو كملت شروطه الأخر. و كذا لايقع بشاهد واحد و لو كان عدلاً و لا بشهادة فاسقين بل لا بدّ من حضور شاهدين ظاهرهما العدالة. و من فقهائنا من اقتصر على الاسلام فيهما و الأوّل أظهر. و لو شهد أحدهما بالانشاء، ثمّ شهد الآخر به بانفراده لم‌يقع الطلاق. أمّا لو شهدا بالاقرار لم‌يشترط الاجتماع. و لو شهد أحدهما بالانشاء و الآخر بالاقرار، لم‌يقبل».(1)

أقول:

يشترط في صحّة الطلاق زائدا على ما مرّ الاشهاد، بمعنى ايقاعه بحضور شاهدين عدلين ذكرين يسمعان الانشاء.

يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «و أشهدوا ذوي عدل منكم»(2).

قال في مجمع البيان: «معناه: أشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم و هو المروي عن أئمّتنا عليهم‌السلام».(3)

و في تفسير الصافي: «و أشهدوا ذوي عدل منكم على الطلاق، معطوف على قوله: «اذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ». و في الكافي عن الكاظم عليه السلام قال لأبي يوسف القاضي: «انّ اللّه تبارك و تعالى أمر في كتابه بالطلاق و أكّد فيهبشاهدين و لم‌يرض بهما الاّ عدلين و أمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود


1) - شرائع الاسلام 3: 12.

2) - الطلاق 65: 2.

3) - مجمع البيان 5: 306.

فأثبتّم شاهدين فيما أهمل و أبطلتم الشاهدين فيما أكّد»».(1)

و من الثاني عدّة روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«جاء رجل الى علي عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين: انّي طلّقت امرأتي، قال عليه السلام : ألك بيّنة؟ قال: لا، قال: أعزب».(2)

بناءً على حملها على بيان لزوم الشاهدين في صحّة الطلاق. أمّا ان حملناها على صورة التنازع بين الزوج و الزوجة في وقوع الطلاق و عدمه - كما سيأتي - فاستفادة حكم ما نحن فيه منها مشكل.

و منها صحيحة بكير بن أعين و غيره عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«ان طلّقها للعدّة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحدة بطلاق و ان طلّقها بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق و لايجوز فيه شهادة النساء».(3)

و منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) أنّه قال:

«و ان طلّقها في استقبال عدّتها طاهرا من غير جماع و لم‌يشهد على ذلك رجلين عدلين، فليس طلاقه ايّاها بطلاق».(4)

و منها صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من طلّق بغير شهود فليس بشيء».(5)

و يشترط اجتماع الشاهدين في سماع الصيغة الواحدة، فلو تفرّقا بطل الطلاق


1) - تفسير الصافي 5: 187.

2) - وسائل الشيعة 22: 25 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 26 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 26 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 22: 27 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 6.

و لو طلّق و لم‌يشهد ثمّ أشهد كان الأوّل باطلاً، تدلّ عليه صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع و أشهد اليوم رجلاً ثمّ مكث خمسة أيّام ثمّ أشهد آخر، فقال: انّما أمر أن‌يشهدا جميعا».(1)

و لاتعارضها صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق، فقال: نعم، و تعتدّ من أوّل الشاهدين و قال: لايجوز حتّى يشهدا جميعا».(2)

لأنّ الظاهر أنّ المراد من التفريق، التفريق في مقام الاستشهاد لا في الاشهاد كما عن الشيخ رحمه‌الله.

لايشترط في صحّة الطلاق أن‌يقال للشهود: اشهدوا، بل يكفي اسماعهم الصيغة. تدلّ على ذلك صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل كانت له امرأة طهرت من محيضها، فجاء الى جماعة فقال: فلانة طالق، يقع عليها الطلاق و لم‌يقل: اشهدوا؟ قال: نعم».(3)

و صحيحة صفوان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق، و قوم يسمعون كلامه و لم‌يقل لهم: اشهدوا، أيقع الطلاق عليها؟ قال: نعم، هذه شهادة».(4)


1) - وسائل الشيعة 22: 49 / الباب 20 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 49 / الباب 20 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 22: 50 / الباب 21 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 50 / الباب 21 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 2.

و لا اعتبار بشهادة النساء و اسماعهنّ في الطلاق لا منفردات و لا منضمّات الى الرجال، و كذا شهادة غير العادل.

و ذلك لما تقدّم من قوله عليه السلام في صحيحة بكير بن أعين و غيره:

«و ان طلّقها للعدّة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق و لايجوز فيه شهاة النساء».

و صحيحة البزنطي قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل طلّق امرأته بعد ما غشيها بشهادة عدلين، قال: ليس هذا طلاقا، قلت: فكيف طلاق السنّة؟ فقال: يطلّقها اذا طهرت من حيضها قبل أن‌يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّه عزّوجلّ في كتابه، فان خالف ذلك ردّ الى كتاب اللّه. قلت: فان طلّق على طهر من غير جماع بشاهد و امرأتين؟ قال: لاتجوز شهادة النساء في الطلاق و قد تجوز شهادتهنّ مع غيرهنّ في الدم اذا حضرنه، قلت: فان أشهد رجلين ناصبيّين على الطلاق أيكون طلاقا؟ فقال: من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن‌يعرف منه خير».(1)

فانّ هذه دلّت على عدم قبول شهادة الناصب.

قال في الجواهر: «لا بدّ من حضور شاهدين يسمعان الانشاء أو يريانه في اشارة الأخرس و كتابة العاجز، سواء قال لهما «اشهدا» أو لم‌يقل، ضرورة عدم توقّف صدق شهادتهما بل و لا اشهادهما على ذلك. و لا اشكال و لا خلاف في أنّ سماعهما التلفّظ بانشاء الطلاق أو ما يقوم مقامه شرط في صحّة الطلاق كما عليهالكتاب و السنّة و الاجماع بقسميه. يعتبر التعدّد و الاجتماع بلا خلاف و العدالة


1) - وسائل الشيعة 22: 27 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

على الأظهر. و ظاهر الكتاب و السنّة و الفتاوى اعتبار كون الشاهدين ذكرين فلاتقبل شهادة النساء في انشاء الطلاق بل و لا الخناثي لا منفردات و لا منضمّات الى الرجال، و الظاهر الاتّفاق عليه. انتهى ملخّصا».(1)

في عدم الاكتفاء بشهادة الوكيل أو الموكّل

(مسألة 10): لو طلّق الوكيل عن الزوج لايكتفى به مع عدل آخر في الشاهدين، كما لايكتفى بالموكّل مع عدل آخر.

لأنّه يلزم اختلاف المطلّق مع الشاهدين كما هو ظاهر الأدلّة، و عليه فيجب أن‌يكون الشاهدان غير الوكيل و الموكّل، فانّ الوكيل بمنزلة موكّله، و الأصل في كلّ منهما عدم الاكتفاء.

و بعبارة أخرى: يجب أن‌يكون الشاهدان غير المجري للصيغة و غير الزوج.

(مسألة 11): المراد بالعدل في هذا المقام ما هو المراد به في غيره ممّا رتّب عليه بعض الأحكام كما مرّ في كتاب الصلاة.

الشرح:

قد فصّلنا البحث عن العدالة في مواضع مختلفة من جملتها كتاب الصلاة، و الآن نقول: من كانت له حالة رادعة عن ارتكاب الكبائر و عدم الاصرار على الصغائر و هي التي تسمّى بالملكة فهو عادل، و الكاشف عنها حسن الظاهر بمعنى كونه عند الناس حسن الأفعال بحيث لو سئل عن حاله قالوا في حقّه هو رجل خير لم‌تر منه الاّ خيرا.


1) - جواهر الكلام 32: 107 - 115.

فيما لو كان الشاهدان فاسقين في نفس الأمر

(مسألة 12): لو كان الشاهدان عادلين في اعتقاد المطلّق - أصيلاً كان أو وكيلاً - و فاسقين في الواقع يشكل ترتيب آثار الطلاق الصحيح لمن يطّلع على فسقهما، و كذلك اذا كانا عادلين في اعتقاد الوكيل دون الموكّل، فانّه يشكل جواز ترتيب آثار الصحّة عليه، بل الأمر فيه أشكل من سابقه.

الشرح:

قال في المسالك: «و هل يقدح فسقهما في نفس الأمر بالنسبة اليهما حتّى لايصحّ لأحدهما أن‌يتزوّج بها أم لا؛ نظرا الى حصول شرط الطلاق و هو العدالة ظاهرا؟ وجهان. و كذا لو علم الزوج فسقهما مع ظهور عدالتهما، ففي الحكم بوقوع الطلاق بالنسبة اليه حتّى تسقط عنه حقوق الزوجيّة و يستبيح أختها و الخامسة، الوجهان. و الحكم بصحّته فيهما لايخلو عن قوّة».(1)

أقول:

قد فصّلنا الكلام في بيان معنى العدالة في مواضع مختلفة ككتاب الصلاة و القضاء و الشهادات و غيرها و قلنا بأنّ حسن الظاهر كاشف عن العدالة لا أنّه العدالة نفسها، فانّ العدالة ملكة باطنيّة يستكشف بحسن الظاهر.

و على هذا فلمّا اعتبر في صحّة الطلاق وقوعه عند شاهدين عدلين فالأصل في هذا الشرط كسائر الشرائط المعتبرة في العبادات و المعاملات هو أن‌يكون المعتبر وجوده الواقعي لا الظاهري و أنّه لو انكشف خلافه لم‌يؤثّر المعاملة أثرها و لم‌يسقط عن المكلّف أمر العبادة المشروط به، و هنا و ان اكتفى في صحّة الطلاق ظاهرا بحسن ظاهر الشاهدين الاّ أنّه مراعىً بعدم كشف الخلاف، فاذاانكشف الخلاف فانكشف بطلان الطلاق.


1) - مسالك الأفهام 9: 115.

هذا حال انكشاف الحال بعد ذلك، و منه يعلم حكم ما لو علم الزوج أو غيره أو الشاهدان أنفسهما بفسقهما من أوّل الأمر، فانّه أولى ببطلان الطلاق فيه بالنسبة الى من علم ذلك كما لايخفى.

و عليه فلا وجه لما ذهب اليه الشهيد في المسالك من القول بصحّة الطلاق و الاكتفاء بالظاهر، فانّ الاكتفاء بتحقّق الشرط ظاهرا يحتاج الى دليل مفقود هنا.

و في الجواهر - بعد ذكر كلام الشهيد رحمه‌الله في المسالك - قال: «و قد تبع ببعض ذلك الفاضل في القواعد: «و لو أشهد من ظاهره العدالة وقع و ان كان في الباطن فاسقين أو أحدهما و حلّت عليهما على اشكال - لكن قال - : أمّا لو كان المطلّق ظاهرا - أي مطّلعا - على فسقهما فالوجه البطلان».

و لعلّه لما في كشف اللثام من أنّ ظهور العدالة ان أفاد انّما يفيد في نظر المطلّق، فهما حينئذ ليسا بظاهري العدالة.

قلت: قد يقال انّ مقتضى قاعدة وضع اللفظ للواقع بطلان الطلاق لكلّ من هو مطّلع على فسقهما فيه، حتّى هما أيضا، و الاجتزاء بالظاهر للنصّ و الفتوى انّما هو لغير منكشف الحال. نعم، لو قلنا انّ العدالة هي نفس حسن الظاهر واقعا اتّجه الصحّة حينئذ حتّى مع علم الزوج اذا فرض على وجه لاينافي صدق حسن الظاهر، لكن لايخفى ما فيه من البعد.

و دعوى ظهور ما دلّ على الاجتزاء بالظاهر من النصّ و الفتوى في ترتّب الحكم المعلّق عليه و ان بان بعد ذلك خلافه كما في الائتمام و نحوه ان لم‌نقل انّه عدالة لا دليل عليها، بل ظاهر الأدلّة في الشهادات و غيرها خلافها، و الائتمام مداره على الصلاة خلف من وثق به، فلايقدح في صدق الامتثال ظهور الفسق بعد ذلك، على أنّ الكلام هنا في علم الشاهدين بأنفسهما أو الزوج أو غيرهما المقارنلحال الطلاق.

فالتحقيق حينئذ اتّحاد حكم هذا الموضوع مع غيره من الموضوعات و ان اجتزئ في الحكم بتحقّقه بظاهر الحال، لكن ما دام الأمر مستورا فمتى انكشف الحال و لو بعد ذلك لم‌يحكم بصحّة الطلاق، فضلاً عمّن كان الحال مكشوفا لديه من الزوج أو الشاهدين أو غيرهم».(1)


1) - جواهر الكلام 32: 112 و 113.

القول في أقسام الطلاق

اشارة

الطلاق نوعان: بدعي و سنّي فالأوّل هو غير الجامع للشرائط المتقدّمة، و هو على أقسام فاسدة عندنا صحيحة عند غيرنا. و الثاني ما جمع الشرائط في مذهبنا، و هو قسمان: بائن و رجعي.

فالبائن ما ليس للزوج الرجوع اليها بعده، سواء كانت لها عدّة أم لا، و هو ستّة: الأوّل: الطلاق قبل الدخول، الثاني: طلاق الصغيرة أي من لم‌تبلغ التسع و ان دخل بها، الثالث: طلاق اليائسة، و هذه الثلاث ليست لها عدّة كما يأتي، الرابع و الخامس: طلاق الخلع و المبارأة مع عدم رجوع الزوجة فيما بذلت، و الاّ كانت له الرجعة، السادس: الطلاق الثالث اذا وقع منه رجوعان الى الزوجة في البين بين الأول و الثاني و بين الثاني و الثالث و لو بعقد جديد بعد خروجها عن العدّة.

الشرح:

في المسالك: «المشهور في كلام الأصحاب و غيرهم انقسام الطلاق الى السنّي و البدعي. و المراد بالبدعي المحرّم ايقاعه نسبة الى البدعة، و هي تقابل السنّة النبويّة، و بالسنّي ما يجوز بالمعنى الأعمّ نسبة الى السنّة النبويّة، و يعبّر عنهبالشرعي، سواء كان مع ذلك واجبا كطلاق المؤلي و المظاهر، فانّه يؤمر بعد المدّة

بأن‌يفيء أو يطلّق، فالطلاق واجب تخييرا، أم محبوبا كالطلاق مع الشقاق و عدم رجاء الوفاق و اذا لم‌تكن عفيفة يخاف منها افساد الفراش، أم مكروها كالطلاق عند التيام الأخلاق و سلامة الحال، روي أنّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: «أبغض المباحات الى اللّه تعالى الطلاق» و عنه عليه السلام قال: «أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس لم‌ترح رائحة الجنّة». و للتحريم أسباب ثلاثة: أحدها: الحيض مع الدخول، و حضور الزوج أو حكمه، و كون المرأة حائلاً. و في معناه النفاس.

و ثانيها: عدم استبرائها بطهر آخر غير ما مسّها فيه. و هذان سببان للتحريم عند جميع العلماء.

و ثالثها: طلاقها أزيد من واحدة بغير رجعة متخلّلة بين الطلقات، أعمّ من ايقاعها بلفظ واحد أو مترتّبة. و تحريم هذا النوع مختصّ بمذهبنا. و وافقنا أبو حنيفة و مالك في بدعيّة الجمع بين الطلقات بلفظ واحد. و اتّفق الجمهور على صحّة طلاق البدعة مع الاثم. و أصحابنا على بطلانه الاّ فيما زاد على الواحد، فانّه مع وقوعه مترتّبا يقع واحد اجماعا، و مع وقوعه بلفظ واحد يقع واحد على ما سبق».(1)

و قال في الشرائع: «و السنّة تنقسم أقساما ثلاثة: بائن و رجعي و طلاق العدّة. فالبائن ما لايصحّ للزوج معه الرجعة و هو ستّة: طلاق التي لم‌يدخل بها و اليائسة و من لم‌تبلغ المحيض و المختلعة و المبارأة ما لم‌ترجعا في البذل و المطلّقة ثلاثا بينهما رجعتان».(2)

و سيوافيك ما يدلّ على كلّ واحد من هذه ان شاء اللّه.


1) - مسالك الأفهام 9: 119 و 120.

2) - شرائع الاسلام 3: 13.

فيما لو طلّقها ثلاثا مع تخلّل رجعتين

(مسألة 1): لو طلّقها ثلاثا مع تخلّل رجعتين حرمت عليه و لو بعقد جديد، و لاتحلّ له الاّ بعد أن‌تنكح زوجا غيره، فاذا نكحها ثمّ فارقها بموت أو طلاق و انقضت عدّتها جاز للأوّل نكاحها.

الشرح:

يدلّ على ما في المتن الكتاب و السنّة، قال اللّه تعالى: «الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» - الى أن‌قال سبحانه: - «فان طلّقها فلاتحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجا غيره فان طلّقها فلا جناح عليهما أن‌يتراجعا»(1)

و في تفسير العيّاشي عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المرأة التي لاتحلّ لزوجها حتّى تنكح زوجا غيره التي تطلّق ثمّ تراجع ثمّ تطلّق ثمّ تراجع ثمّ تطلّق الثالثة، فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، انّ اللّه يقول: «الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» و التسريح هو التطليقة الثالثة».(2)

و في صحيحة أبي بصير يعني المرادي، قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المرأة التي لاتحلّ لزوجها حتّى تنكح زوجا غيره، قال: هي التي تطلّق ثمّ تراجع ثمّ تطلّق ثمّ تراجع ثمّ تطلّق الثالثة فهي التي لاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره و يذوق عسيلتها».(3).

و في الجواهر: «لا اشكال و لا خلاف معتدّ به في أنّ كلّ امرأة حرّة استكملت


1) - البقرة 2: 229 و 230.

2) - وسائل الشيعة 22: 122 / الباب 5 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 22: 118 / الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

الطلاق ثلاثا حرمت حتّى تنكح زوجا غير المطلّق، سواء كانت مدخولاً بها أو لم‌تكن، راجعها في العدّة و واقعها أو لم‌يواقعها ثمّ طلّقها ثمّ راجعها كذلك ثمّ طلّقها أو لم‌يراجعها فيها بل تركها الى أن‌انقضت عدّتها ثمّ تزوّجها بعقد جديد ثمّ طلّقها و هكذا ثلاثا. و بالجملة لا فرق في ذلك بين العدّي و السنّي بالمعنى الأخصّ و الأعمّ».(1)

(مسألة 2): كلّ امرأة حرّة اذا استكملت الطلاق ثلاثا مع تخلّل رجعتين في البين حرمت على المطلّق حتّى تنكح زوجا غيره، سواء واقعها بعد كلّ رجعة و طلّقها في طهر آخر غير طهر المواقعة - و هذا يقال له: طلاق العدّة - أو لم‌يواقعها، و سواء وقع كلّ طلاق في طهر أو وقع الجميع في طهر واحد، فلو طلّقها مع الشرائط ثمّ راجعها ثمّ طلّقها ثمّ راجعها ثمّ طلّقها في مجلس واحد حرمت عليه فضلاً عمّا اذا طلّقها ثمّ راجعها ثمّ تركها حتّى حاضت و طهرت ثمّ طلّقها و هكذا.

الشرح:

كلّ امرأة حرّة اذا طلّقت ثلاثا مع تخلّل رجعتين في البين حرمت على المطلّق حتّى تنكح زوجا غيره، دلّ عليه الكتاب و السنّة المستفيضة بل المتواترة كما تقدّم بعض ما يدلّ عليه في المسألة السابقة، و يشمل اطلاق الأدلّة ما لو كانت الحرّة تحت عبد و يأتي ما يدلّ عليه بالخصوص.

و لا فرق في ذلك بين كون الطلاق طلاق عدّة أو طلاق سنّة بالمعنى الأخصّكما في المتن.


1) - جواهر الكلام 32: 128.

و تدلّ على طلاق العدّة بالمعنى المذكور في المتن صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«و أمّا طلاق العدّة الذي قال اللّه عزّوجلّ: «فطلّقوهنّ لعدّتهنّ و أحصوا العدّة» فاذا أراد الرجل منكم أن‌يطلّق امرأته طلاق العدّة فلينتظر بها حتّى تحيض و تخرج من حيضها ثمّ يطلّقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك ان أحبّ أو بعد ذلك بأيّام قبل أن‌تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها حتّى تحيض فاذا حاضت و خرجت من حيضها طلّقها تطليقة أخرى من غير جماع يشهد على ذلك ثمّ يراجعها أيضا متى شاء قبل أن‌تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه الى أن‌تحيض الحيضة الثالثة فاذا خرجت من حيضتها الثالثة طلّقها التطليقة الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك، فاذا فعل ذلك فقد بانت منه و لاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، قيل له: و ان كانت ممّن لاتحيض؟ فقال: مثل هذه تطلّق طلاق السنّة».(1)

ثمّ اعلم أنّ الشهادة على رجوعه اليها ليست واجبة بل مستحبّة جمعا بين هذه الصحيحة و بين صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و أمّا طلاق الرجعة فأن‌يدعها حتّى تحيض فتطهر ثمّ يطلّقها بشهادة شاهدين ثمّ يراجعها و يواقعها ثمّ ينتظر بها الطهر فاذا حاضت و طهرت أشهد شاهدين على تطليقة أخرى ثمّ يراجعها و يواقعها ثمّ ينتظر بها الطهر فاذا حاضت و طهرت أشهد شاهدين على التطليقة


1) - وسائل الشيعة 22: 108 / الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

الثالثة ثمّ لاتحلّ له أبدا حتّى تنكح زوجا غيره. الحديث».(1)

أمّا الأمة فاذا طلّقت طلاقين بينهما رجعة حرمت على زوجها حتّى تنكح زوجا غيره و ان كانت تحت حرّ.

تدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن حرّ تحته أمة أو عبد تحته حرّة كم طلاقها؟ فقال: السنّة في النساء في الطلاق فان كانت حرّة فطلاقها ثلاثا و عدّتها ثلاثة أقراء، و ان كان حرّ تحته أمة فطلاقها تطليقتان و عدّتها قرءان».(2)

و صحيحة عيص بن القاسم قال:

«انّ ابن شبرمة قال: الطلاق للرجل فقال أبو عبداللّه عليه السلام : الطلاق للنساء و تبيان ذلك: أنّ العبد تكون تحته الحرّة فيكون تطليقها ثلاثا و يكون الحرّ تحته الأمة فيكون طلاقها تطليقتان».(3)

و غيرهما من الروايات الآتي بعضها في المسائل الآتية.

في أنّ العقد الجديد بحكم الرجوع

(مسألة 3): العقد الجديد بحكم الرجوع في الطلاق، فلو طلّقها ثلاثا بينها عقدان مستأنفان حرمت عليه حتّى تنكح زوجا غيره سواء لم‌تكن لها عدّة كما اذا طلّقها قبل الدخول، أو كانت ذات عدّة و عقد عليها بعد انقضاء العدّة.

الشرح:

تدلّ على ما في المتن موثّقة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل طلّق امرأته ثمّ تركها حتّى انقضت عدّتها ثمّ تزوّجها ثمّ


1) - وسائل الشيعة 22: 109 / الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 159 / الباب 24 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 22: 159 / الباب 24 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

طلّقها من غير أن‌يدخل بها حتّى فعل ذلك بها ثلاثا، قال: لاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره».(1)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :

«في الرجل يطلّق امرأته تطليقة ثمّ يراجعها بعد انقضاء عدّتها فاذا طلّقها الثالثة لم‌تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فاذا تزوجّها غيره و لم‌يدخل بها و طلّقها أو مات عنها لم‌تحلّ لزوجها الأوّل حتّى يذوق الآخر عسيلتها».(2)

و غيرهما من الروايات.

قال في الشرائع: «اذا طلّقها فخرجت من العدّة ثمّ نكحها مستأنفا و تركها حتّى قضت العدّة ثمّ استأنف نكاحها ثمّ طلّقها ثالثة حرمت عليه حتّى تنكح زوجا غيره فاذا فارقها و اعتدّت جاز له مراجعتها و لاتحرم هذه في التاسعة و لايهدم استيفاء عدّتها تحريمها في الثالثة».(3)

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا الاّ في الأخير من ابن بكير و الصدوق فجعلا الخروج من العدّة هادما للطلاق، فله حينئذ نكاحها بعد الثلاث بلا محلّل، ولكن قد سبقهما الاجماع و لحقهما بل يمكن دعوى تواتر النصوص بالخصوص بخلافهما، منها ما تقدّم في تفسير السنّي و العدّي، فضلاً عن اطلاق الكتاب و السنّة. نعم، روى أوّلهما الذي ليس من أصحابنا عن زرارة في الصحيح».(4)


1) - وسائل الشيعة 22: 111 / الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 113 / الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 9.

3) - شرائع الاسلام 3: 14.

4) - جواهر الكلام 32: 129.

أقول:

قد ذهب ابن بكير و الصدوق - كما ذكر صاحب الجواهر - الى عدم الحاجة الى المحلّل بعد التطليقة الثالثة اذا نكحها مستأنفا بعد انقضاء العدّة في كلّ تطليقة، و قد روى ابن بكير ما يدلّ على مذهبه في الصحيح عن زرارة، و رواها الشيخ باسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن محبوب عن عبداللّه بن بكير عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: الطلاق الذي يحبّه اللّه و الذي يطلّق الفقيه و هو العدل بين المرأة و الرجل أن‌يطلّقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين و ارادة من القلب ثمّ يتركها حتّى تمضي ثلاثة قروء فاذا رأت الدم في أوّل قطرة من الثالثة و هو آخر القروء - لأنّ الأقراء هي الأطهار - فقد بانت منه و هي أملك بنفسها، فان شاءت تزوّجته و حلّت له بلا زوج فان فعل هذا بها مائة مرّة هدم ما قبله و حلّت بلا زوج و ان راجعها قبل أن‌تملك نفسها ثمّ طلّقها ثلاث مرّات يراجعها و يطلّقها لم‌تحلّ له الاّ بزوج».(1)

قال الشيخ رحمه‌الله: «هذه الرواية طريقها ابن بكير و قد قدّمنا أنّه قال حين سئل عن هذه المسألة: هذا ممّا رزق اللّه من الرأي، و لو كان سمع ذلك من زرارة لكان يقول: نعم، رواية زرارة. و يجوز أن‌يكون أسند ذلك الى زرارة نصرة لمذهبه لما رأى أصحابه لايقبلون ما يقوله برأيه و قد وقع منه من اعتقاد الفطحيّة ما هو أعظم من ذلك».

و لايخفى أنّ الشيخ رحمه‌الله و غيره قد عدّوا ابن بكير من الثقات و تلقّوا رواياته بالقبول، الاّ أنّ هذه الرواية لمّا كانت خلاف اتّفاقهم ردّوه أو أوّلوه و احتملوا فيها


1) - وسائل الشيعة 22: 116 / الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 16.

احتمالات كما احتمل صاحب الوسائل احتمالات أخر في الرواية فراجع.

و من ذلك يظهر الحال في روايتي معلّى بن خنيس و عبداللّه بن سنان اللتين ذكرهما في الجواهر فراجع.

هذا مضافا الى أنّ اطلاق الآية الشريفة الدالّة على حكم الطلاق ثلاثا، يكون حجّة على ابن بكير و لايصلح هذه الروايات لتقييدها و لا أقلّ من الشكّ.

في بيان ما يوجب التحريم أبدا

(مسألة 4): المطلّقة ثلاثا اذا نكحت زوجا آخر و فارقها بموت أو طلاق حلّت للزوج الأوّل و جاز له العقد عليها بعد انقضاء عدّتها من الثاني فاذا طلّقها ثلاثا حرمت أيضا حتّى تنكح زوجا آخر و ان كان ذلك الزوج هو الثاني في الثلاثة الأولى، و هكذا تحرم عليه بعد كلّ طلاق ثالث، و تحلّ بنكاح الغير بعده و ان طلّقت مائة مرة. نعم، لو طلّقت تسعا طلاق العدّة بالتفسير الذي أشرنا اليه حرمت عليه أبدا، و ذلك بأن‌طلّقها ثمّ راجعها ثمّ واقعها ثمّ طلّقها في طهر آخر ثمّ راجعها ثمّ واقعها ثمّ طلّقها في طهر آخر، فاذا حلّت للمطلّق بنكاح زوج آخر و عقد عليها ثم طلّقها كالثلاثة الأولى ثمّ حلّت بمحلّل ثمّ عقد عليها ثمّ طلّقها ثلاثا كالأوليين حرمت عليه أبدا، و يعتبر فيه أمران: أحدهما: تخلّل رجعتين، فلايكفي وقوع عقدين مستأنفين و لا رجعة و عقد مستأنف في البين. الثاني: وقوع المواقعة بعد كلّ رجعة، فطلاق العدّة مركّب من ثلاث طلقات: اثنتان منها رجعيّة و واحدة بائنة، فاذا وقعت ثلاثة منه حتّى كملت تسع طلقات حرمت عليه أبدا، هذا و الأحوط الاجتناب عن المطلّقة تسعا مطلقا و ان لم‌تكن الجميع طلاق عدّة.

الشرح:

أمّا صدر المسألة فقد تقدّم ما يدلّ عليه و هو اطلاق قوله تعالى: «الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» - الى أن‌قال سبحانه: - «فان طلّقهافلاتحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجا غيره فان طلّقها فلا جناح عليهما أن‌يتراجعا ان ظنّا أن‌يقيما حدود اللّه و تلك حدود اللّه يبيّنها لقوم يعلمون»(1).

و كذا اطلاق الروايتين المتقدّمتين في المسألة السابقة و اطلاق صحيحة محمّد بن قيس قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من طلّق امرأته ثلاثا و لم‌يراجع حتّى تبين فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فاذا تزوّجت زوجا و دخل بها حلّت لزوجها الأوّل».(2)

فانّ اطلاق هذه كلّها يشمل ما لو وقع التطليقات الثلاث و لو مائة مرّة.

هذا مضافا الى ما تقدّم من دعوى عدم الخلاف فيه من صاحب الجواهر.

و أمّا ذيل المسألة - و هو ما لو وقع تسع تطليقات بالطلاق العدّي - فقد ادّعى صاحب الجواهر عدم الخلاف بل الاجماع بقسميه على ثبوت الحرمة الأبديّة فيه.

و استدلّ على ذلك برواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«سألته عن الذي يطلّق ثمّ يراجع ثمّ يطلّق ثمّ يراجع ثمّ يطلّق، قال: لاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره فيتزوّجها رجل آخر فيطلّقها على السنّة (ثمّ ترجع الى زوجها الأوّل فيطلّقها ثلاث مرّات فتنكح زوجا غيره، ثمّ ترجع الى زوجها الأوّل فيطلّقها ثلاث مرّات على السنّة ثمّ تنكح، فتلك التي لاتحلّ له أبدا و الملاعنة لاتحلّ له أبدا)(3)».(4)


1) - البقرة 2: 229 و 230.

2) - وسائل الشيعة 22: 129 / الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

3) - ما بين القوسين ورد في هامش المسوّدة و لم‌يظهر في المصوّرة و هو ثابت في المصادر. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 22: 118 / الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

و رواية داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و الذي يطلّق الطلاق الذي لاتحلّ له التي تنكح زوجا غيره ثلاثمرّات و تزوّج ثلاث مرّات لاتحلّ له أبدا».(1)

و رواية محمّد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب اليه في العلل:

«و علّة الطلاق ثلاثا لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة الى الثلاث، لرغبة تحدث أو سكون غضبه ان كان و يكون ذلك تخويفا و تأديبا للنساء و زجرا لهنّ عن معصية أزواجهنّ فاستحقّت المرأة الفرقة و المباينة لدخولها فيما لاينبغي من معصية زوجها، و علّة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات فلاتحلّ له أبدا عقوبة لئلاّيتلاعب بالطلاق فلايستضعف المرأة و يكون ناظرا في أموره متيقّظا معتبرا و ليكون ذلك مؤيسا لهما عن الاجتماع بعد تسع تطليقات».(2)

و رواية جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام و ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي عبداللّه و أبي الحسن عليهماالسلام قال:

«اذا طلّق الرجل المرأة فتزوّجت ثمّ طلّقها زوجها فتزوّجها الأوّل ثمّ طلّقها فتزوّجت رجلاً ثمّ طلّقها فتزوّجها الأوّل ثمّ طلّقها الزوج الأوّل فاذا طلّقها على هذا ثلاثا لم‌تحلّ له أبدا».(3)

و هذه الأخبار كلّها ضعيفة السند، مضافا الى عدم صراحتها في اشتراط التحريم الأبدي بالتسع بالطلاق العدّي بالمعنى المذكور، بل ظاهره الاطلاق و عليه فالعمدة في المسألة هو الاجماع كما في الجواهر.


1) - وسائل الشيعة 22: 120 / الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 121 / الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 20: 529 / الباب 11 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد / الحديث 2.

نعم، في رواية معلّى بن خنيس عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل طلّق امرأته ثمّ لم‌يراجعها حتّى حاضت ثلاث حيض ثمّ تزوّجها ثمّ طلّقها فتركها حتّى حاضت ثلاث حيض ثمّ تزوّجها ثمّطلّقها من غير أن‌يراجعها ثمّ تركها حتّى حاضت ثلاث حيض قال: له أن‌يتزوّجها أبدا ما لم‌يراجع و يمسّ. الحديث».(1)

فانّ الظاهر من هذه الرواية اعتبار أمرين في تحريم التاسعة أبدا: التخلّل برجعتين و المواقعة. الاّ أنّ هذه الرواية قد أشرنا الى ردّها و ضعفها و عدم جواز الاستناد اليها في المسألة الثالثة فانّها هي التي كانت موافقة لمذهب ابن بكير الذي قال بعدم لزوم المحلّل في الطلاق الثالث اذا كان التطليقان المتوسّطان بعد التزويج الجديد لا بعد الرجعة، و عليه فالدليل في المسألة ليس الاّ الاجماع.

فيما اذا تزوّجت للغير بين الطلقات الثلاث

(مسألة 5): انّما يوجب التحريم الطلقات الثلاث اذا لم‌تنكح في البين زوجا آخر، و أمّا ان تزوّجت للغير انهدم حكم ما سبق و تكون كأنّها غير مطلّقة، و يتوقّف التحريم على ايقاع ثلاث طلقات مستأنفة.

الشرح:

تدلّ على المسألة موثّقة رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته حتّى بانت منه و انقضت عدّتها ثمّ تزوّجت آخر فطلّقها أيضا ثمّ تزوّجت زوجها الأوّل أيهدم ذلك الطلاق الأوّل؟ قال: نعم».(2)

و رواية عبداللّه بن عقيل بن أبي طالب قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 115 / الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 22: 125 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

«اختلف رجلان في قضيّة علي عليه السلام و عمر في امرأة طلّقها زوجها تطليقة أو اثنتين فتزوّجها آخر فطلّقها أو مات عنها فلمّا انقضت عدّتها تزوّجها الأوّل، فقال عمر: هي على ما بقي من الطلاق و قالأميرالمؤمنين عليه السلام : سبحان اللّه يهدم الثلاث و لايهدم واحدة؟!».(1)

و رواية اسحاق بن جرير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأله بعض أصحابنا - و أنا حاضر - عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة ثمّ تركها حتّى بانت منه ثمّ تزوّجها الزوج الأوّل قال: فقال: نكاح جديد و طلاق جديد و ليس التطليقة الأولى بشيء هي عنده على ثلاث تطليقات مستأنفات. الحديث».(2)

و رواية فضالة و القاسم جميعا عن رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المطلّقة تبين ثمّ تزوّج زوجا غيره، قال: انهدم الطلاق».(3)

و بازائها روايات:

منها صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة ثمّ تركها حتّى مضت عدّتها فتزوّجت زوجا غيره ثمّ مات الرجل أو طلّقها فراجعها زوجها الأوّل، قال: هي عنده على تطليقتين باقيتين».(4)

و منها صحيحة منصور عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في امرأة طلّقها زوجها واحدة أو اثنتين ثمّ تركها حتّى تمضي عدّتها


1) - وسائل الشيعة 22: 125 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 128 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 14.

3) - وسائل الشيعة 22: 128 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 13.

4) - وسائل الشيعة 22: 126 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 6.

فتزوّجها غيره فيموت أو يطلّقها فتزوّجها الأوّل، قال: هي عنده على ما بقي من الطلاق».(1).

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :

«أنّ عليّا عليه السلام كان يقول في الرجل يطلّق امرأته تطليقة ثمّ يتزوّجها بعد زوج: انّها عنده على ما بقي من طلاقها».(2)

و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته تطليقة ثمّ نكحت بعده رجلاً غيره ثمّ طلّقها فنكحت زوجها الأوّل، قال: هي عنده على تطليقة».(3)

قال الشيخ رحمه‌الله: «هذه الروايات تحتمل وجهين: أحدهما: انّه اذا كان الزوج الثاني لم‌يدخل بها أو كان يتزوّج متعة أو لم‌يكن بالغا؛ لما يأتي. و الثاني: أن‌تكون محمولة على التقيّة لأنّه مذهب عمر، و استدلّ بما مرّ».

و ان كان بعض ما وجّه به الروايات غير وجيه.

و على أيّ حال فلا ريب في أنّ مقتضى أصول المذهب و قواعده ترجيح الطائفة الأولى على الثانية.

فانّ اعراض الأصحاب عن الطائفة الثانية موجب لوهنها خصوصا مع صراحتها و صحّتها و كثرة عددها و موافقتها لاطلاق الكتاب و السنّة في وجه، و لاسيّما بعد اشارة النصوص السابقة الى أنّ مضمونها قول عمر و ان خالفه بعض أوليائه بعد ذلك، بل عن الخلاف حكايته عن عمر و أبي هارون و الشافعي و الأوزاعي و ابن أبي ليلى و زفر و الشيبان و غيرهم كما في الجواهر.

و في الجواهر: «و هل يهدم نكاح غير الزوج ما دون الثلاث على وجه تكون


1) - وسائل الشيعة 22: 127 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 22: 127 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 22: 128 / الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 11.

المرأة لو رجعت الى زوجها كما اذا لم‌تكن مطلّقة؟ فيه روايتان أشهرهما عملاً بين الأصحاب أنّه يهدم، فلو طلّق مرّة و تزوّجت المطلّقة ثمّ تزوّج بها الأوّل بقيت معهعلى ثلاث مستأنفات، و بطل حكم السابقة بل لم‌يعرف القائل بالأولى و ان أرسله في محكي الخلاف عن بعض أصحابنا - الى أن‌قال بعد ذكر الطائفتين و ترجيح الطائفة الأولى بالذي قلنا آنفا: - فمن الغريب غرور المحدّث البحراني بها و اطنابه في المقام بما لا طائل تحته، بل مرجعه الى اختلال الطريقة. و أغرب منه تردّد الفاضل في التحرير مع نزاهته عن هذا الاختلال».(1)

فيما يشترط في المحلّل

(مسألة 6): قد مرّ أنّ المطلّقة ثلاثا تحرم حتى تنكح زوجا غيره، و تعتبر في زوال التحريم به أمور ثلاثة: الأوّل: أن‌يكون الزوج المحلّل بالغا، فلا اعتبار بنكاح غير البالغ و ان كان مراهقا. الثاني: أن‌يطأها قبلاً وطئا موجبا للغسل بغيبوبة الحشفة أو مقدارها من مقطوعها، بل كفاية المسمّى في مقطوعها لايخلو من قوّة، و الاحتياط لاينبغي تركه، و هل يعتبر الانزال؟ فيه اشكال، و الأحوط اعتباره. الثالث: أن‌يكون العقد دائما لا متعة.

الشرح:

يشترط في المحلّل أمور ثلاثة:

الأوّل: البلوغ، فلايكفي تزويج الصبي غير المراهق لعدم الخلاف بل الاجماع عليه، و كذا ان كان مراهقا لما في رواية علي بن الفضل الواسطي قال:

«كتبت الى الرضا عليه السلام : رجل طلّق امرأته الطلاق الذي لاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره فتزوّجها غلام لم‌يحتلم قال: لا، حتّى يبلغ، فكتبت


1) - جواهر الكلام 32: 163 - 167.

اليه: ما حدّ البلوغ؟ فقال: ما أوجب اللّه على المؤمنين الحدود».(1)

المنجبر ضعفها بعمل المشهور.

ففي الجواهر: «يشترط في المحلّل أن‌يكون بالغا فلايكفي غير المراهق من الصبيان الذين لايلتذّون بالنكاح و لايلتذّ بهم قولاً واحدا بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين و هو الحجّة. نعم، في المراهق للبلوغ منهم تردّد و خلاف، أشبهه أنّه لايحلّل وفاقا للمشهور شهرة عظيمة؛ للأصل و مكاتبة علي بن الفضل الواسطي المنجبرة بما عرفت - الى أن‌قال: - فما عن أبي علي و الشيخ في أحد قوليه من الاكتفاء به كما عن العامّة الذين جعل اللّه الرشد في خلافهم، واضح الضعف».(2)

الثاني: الدخول بالزوجة في قبلها وطئا موجبا للغسل؛ لموثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«فاذا طلّقها ثلاثا لم‌تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره فاذا تزوّجها غيره و لم‌يدخل بها و طلّقها أو مات عنها لم‌تحلّ لزوجها الأوّل حتّى يذوق الآخر عسيلتها».(3)

و صحيحة محمّد بن قيس قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من طلّق امرأته ثلاثا و لم‌يراجع حتّى تبين فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره فاذا تزوّجت زوجا و دخل بها حلّت لزوجها الأوّل».(4)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته فتزوّجها رجل آخر و لم‌يصل اليها حتّى


1) - وسائل الشيعة 22: 130 / الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 32: 159 و 160.

3) - وسائل الشيعة 22: 129 / الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 129 / الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

طلّقها، تحلّ للأوّل؟ قال: لا، حتّى يذوق عسيلتها».(1)

فانّا قد فصّلنا الكلام في اعتبار هذا الشرط في الجزء الأوّل من كتاب النكاح(2)و قلنا هناك بأنّ الظاهر من هذه الروايات اعتبار الدخول في القبل، فانّ المراد من عسيلتها في كلامه عليه السلام امّا مني المرأة أو مذيها، فهذا قرينة ظاهرة على اعتبار الدخول في القبل، هذا مضافا الى عدم الخلاف فيه، و لو شكّ في أنّ الدخول في الدبر كافٍ أم لا، فالأصل عدم حصول التحليل به و بقاء الزوجة على الحرمة.

أمّا اعتبار الانزال فالظاهر من قوله عليه السلام : «حتّى يذوق عسيلتها» و ان كان هو ذوق لذّة الجماع، الاّ أنّ الاحتياط حسن لاحتمال ارادة لذّة الجماع و الانزال.

و في الجواهر: «و الثاني: أن‌يطأها، اجماعا من المسلمين ممّن عدا سعيد بن المسيّب فاكتفى بالعقد، و نصوصا من الطرفين بل و كتابا بناءً على أنّ النكاح الوط‌ء أو المراد به هنا ذلك، بل المعتبر الوط‌ء في القبل بلا خلاف لأنّه المنساق من ذوق العسيلة بل لا بدّ أن‌يكون وطئا موجبا للغسل بغيبوبة الحشفة أو مقدارها من مقطوعها؛ لأنّ ذلك مناط أحكام الوط‌ء و الدخول في كلّ مقام اعتبرا فيه و لانتفاء ذوق العسيلة من الجانبين بدونه غالبا و لأنّه لم‌يعهد في الشرع اعتبار ما دونه فوقوعه بمنزلة العدم، مضافا الى أصالة بقاء الحرمة. نعم، ظاهرهم الاتّفاق على الاكتفاء بذلك و ان لم‌يحصل تكرار منه و لا انزال، فان تمّ اجماعا كان هو الحجّة و الاّ فهو محلّ للنظر، لظهور نصوص ذوق العسيلة في خلافه حتّى على تفسيره بلذّة الجماع الذي قد عرفت ما فيه. - ثمّ انّه بعد نقل أخبار الباب قال: - و لا أقلّ من الشكّ في شمولها لمحلّ البحث ان لم‌يكن اجماعا و الأصل الحرمة، و الاحتياط لاينبغي تركه».(3)


1) - وسائل الشيعة 22: 130 / الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 3.

2) - الهادي 23: 177 و 178.

3) - جواهر الكلام 32: 160.

أقول: و لايخفى أنّ اطلاق الآية الشريفة يقيّد بالروايات المتقدّمة و أنّ حمل النكاح في الآية على الوط‌ء خلاف ظاهرها، و الاحتياط لاينبغي تركه.

الثالث: دوام العقد، فلاتحلّل ان تزوّجها متعة، تدلّ على ذلك أوّلاً: ظهور قوله تعالى: «فان طلّقها فلا جناح عليهما أن‌يتراجعا» بل صراحته في اعتبار دوام العقد فانّ المتعة لا طلاق فيها كما سيأتي في الروايات.

و ثانيا: عدّة روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثا ثمّ تمتّع فيها رجل آخر، هل تحلّ للأوّل؟ قال: لا».(1)

و منها موثّقة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل تزوّج امرأة ثمّ طلّقها فبانت ثمّ تزوّجها رجل آخر متعة هل تحلّ لزوجها الأوّل؟ قال: لا، حتّى تدخل فيما خرجت منه».(2)

و منها رواية الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت: رجل طلّق امرأته طلاقا لاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره فتزوّجها رجل متعة، أتحلّ للأوّل؟ قال: لا، لأنّ اللّه يقول: «فان طلّقها فلاتحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجا غيره فان طلّقها» و المتعة ليس فيها طلاق».(3)

و منها غيرها.

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص - الى أن‌قال: - نعم، لا فرق في المحلّل بين الحرّ و العبد؛ لاطلاق الأدلّة. و


1) - وسائل الشيعة 22: 131 / الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 131 / الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 132 / الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 4.

خصوص قوله عليه السلام في خبر اسحاق بن عمّار: «يقول اللّه عزّوجلّ في كتابه: «حتّى تنكح زوجا غيره» و هو أحد الأزواج»».(1).

و كذا لايعتبر فيه العقل فيصحّ أن‌يكون مجنونا؛ لاطلاق الأدلّة الشامل للمجنون أيضا اذا كان العقد باذن الولي أو وقع في حال الصحّة و وقع الدخول في حال الجنون، ولكن لايصحّ منه الطلاق الاّ بعد مراجعة الحاكم الشرعي؛ لما تقدّم في المسألة الثانية من الفصل الأوّل فراجع.

في تصديق المرأة في دعوى الخروج من العدّة و التزويج بالمحلّل

(مسألة 7): لو طلّقها ثلاثا و انقضت مدّة و ادّعت أنّها تزوّجت و فارقها الزوج الثاني و مضت العدّة و احتمل صدقها، صدّقت و يقبل قولها بلا يمين، فللزوج الأوّل أن‌ينكحها، و ليس عليه الفحص، و الأحوط الاقتصار على ما اذا كانت ثقة أمينة.

الشرح:

قال في الشرائع: «لو انقضت مدّة فادّعت أنّها تزوّجت و فارقها و قضت العدّة و كان ذلك ممكنا في تلك المدّة قيل: يقبل؛ لأنّ فيه ما لايعرف الاّ من قبلها كالوط‌ء. و في رواية: اذا كانت ثقة صدّقت».(2)

أقول: لا اشكال و لا خلاف في أنّ تصديق قولها يتوقّف على امكان ذلك في حقّها بأن‌مضت مدّة يمكن فيها انقضاء العدّة من الطلاق الثالث و التزويج الجديد و انقضاء العدّة من الثاني، فان لم‌تمض من الزمان مدّة يمكن ذلك فيها فلاتصدّق في قولها.

و مع امكان صدقها تصدّق في قولها و ذلك - مضافا الى أنّ بعض ما ادّعت ممّا


1) - جواهر الكلام 32: 162 و 163.

2) - شرائع الاسلام 3: 19.

يقبل قول المرأة فيها في غير هذا المقام أيضا كدعوى انقضاء العدّة لما ورد من أنّ العدّة و الحيض و الحمل للنساء - لصحيحة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل طلّق امرأته ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها فقال لها: انّي أريد مراجعتك فتزوّجي زوجا غيري فقالت له: قد تزوّجت زوجا غيرك و حلّلت لك نفسي أيصدّق قولها و يراجعها؟ و كيف يصنع؟ قال: اذا كانت المرأة ثقة صدّقت في قولها».(1)

و هل المعتبر مع ذلك كونها ثقة أم لا؟

قال في المسالك: «القول بقبول قولها مع امكان صدقها مطلقا هو المشهور بين الأصحاب و عليه العمل؛ لأنّها مؤتمنة في انقضاء العدّة، و الوط‌ء ممّا لايمكن اقامة البيّنة عليه و ربما مات الزوج أو تعذّر مصادقته بغيبة و نحوها، فلو لم‌يقبل منها ذلك لزم الاضرار و الحرج المنفيّان. و المراد بالثقة في صحيحة حمّاد من تسكن النفس الى خبرها و ان لم‌تكن متّصفة بالعدالة المعتبرة في قبول الشهادة، و يمكن حمل الرواية على استحباب مراعاة الثقة في قبول خبرها».(2)

و في الجواهر: «لو انقضت مدّة فادّعت أنّها تزوّجت و فارقها و قضت العدّة و كان ذلك ممكنا في حقّها في تلك المدّة يقبل قولها على المشهور بل لم‌أجد فيه خلافا محقّقا؛ لصحيحة حمّاد بناءً على عدم ارادة الشرطيّة في قوله عليه السلام : «اذا كانت المرأة ثقة» لعدم القائل به و لأنّه لا مدخليّة لوثاقة المدّعي من حيث كونه كذلك في تصديقه و لغير ذلك، فيحمل على الندب و نحوه فتكون حينئذ دليل المسألة. - ثمّ انّه رحمه‌الله بعد أن‌احتاط في مراعاة الشرط قال: - خصوصا بعد ظهور عبارة المصنّف و النافع في التوقّف في الحكم المزبور».(3)


1) - وسائل الشيعة 22: 133 / الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 9: 180.

3) - جواهر الكلام 32: 173 و 174.

أقول: الظاهر أنّ ما ذهب اليه المشهور هو الوجه، و مراده عليه السلام من قوله: «اذا كانت ثقة» هو سكون النفس الى خبرها و ان لم‌تكن متّصفة بالعدالة المعتبرة فيقبول الشهادة. أو فقل: اذا لم‌تكن متّهمة و لم‌تظهر منها آثار الكذب.

ثمّ انّه لايختصّ قبول قول المرأة في هذا المقام بالمطلّق بل يقبل في حقّ غيره، و كذا الحكم في كلّ امرأة كانت مزوّجة و أخبرت بموته أو فراقه و انقضاء العدّة في وقت محتمل. و لا فرق بين أن‌تعيّن الزوج و عدمه و لا بين امكان استعلامه و عدمه و ان كان الطريق لمن أراد الورع غير خفي.

فيما لو ادّعت الدخول و لم‌يكذّبها المحلّل

(مسألة 8): لو دخل المحلّل فادّعت الدخول و لم‌يكذّبها صدّقت و حلّت للزوج الأوّل، و ان كذّبها فالأحوط الاقتصار في قبول قولها على صورة حصول الاطمئنان بصدقها، و لو ادّعت الاصابة ثمّ رجعت عن قولها فان كان قبل أن‌يعقد الأوّل عليها لم‌تحلّ له، و ان كان بعده لم‌يقبل رجوعها.

الشرح:

اذا تزوّجت بالمحلّل فادّعت الاصابة فان صدّقها حلّت للأوّل بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - لكونه أمرا لايعلم الاّ من قبلها و كذا الحال لو لم‌يكذّبها.

و أمّا ان كذّبها فالأحوط الاقتصار في قبول قولها على صورة حصول الاطمئنان بصدقها؛ لما مرّ من صحيحة حمّاد في المسألة السابقة فيجتنب عنها مع عدمه؛ لأصالة بقاء التحريم السالمة عن المعارض.

و قال في الشرائع: «اذا دخل المحلّل فادّعت الاصابة فان صدّقها حلّت للأوّل و ان كذّبها قيل: يعمل الأوّل بما يغلب على ظنّه من صدقها أو صدق المحلّل. و لو

قيل: يعمل بقولها على كلّ حال كان حسنا؛ لتعذّر اقامة البيّنة بما تدّعيه».(1)

و الظاهر أنّ القائل بعمل الأوّل على ما يغلب على ظنّه هو شيخ الطائفة رحمه‌الله حيث قال في المبسوط: «و ان قال الزوج الثاني: ما أصبتها فان غلب على ظنّه صدقها قبل قولها و ان غلب كذبها تجنّبها و ليس بحرام. و ان كذّبها في هذه الدعوى ثمّ صدّقها جاز أن‌يتزوّج بها لجواز أن لايعلم صدقها و كذبها ثمّ بان له صدقها فصدّقها فتحلّ له أن‌يتزوّج بها».(2)

و في المسالك - بعد الاشارة الى كلام الشيخ في المبسوط - قال: «و وجهه تعذّر اقامة البيّنة، و الظنّ مناط الأحكام الشرعيّة غالبا فيرجع اليه. و الأقوى ما اختاره المحقّق لما ذكره من تعذّر اقامة البيّنة مع أنّه تصدّق في شرط و هو انقضاء العدّة، فكذا سببه، و لأنّه لولاه لزم الحرج و الضرر. و انّما يقبل قولها فيما يتعلّق بها من حلّ النكاح و نحوه لا في حقّه فلايلزمه الاّ نصف المهر حتّى لو أنكر أصل العقد لم‌يلزمه المهر و ان قبل قولها في التزويج».(3)

و في الجواهر - بعد نقل كلام الشيخ و الشهيد الثاني و شبهه عن القواعد و مناقشة صاحب الحدائق و جوابها - قال: «نعم، قد يناقش بالشكّ في قبول قولها في الفرض باعتبار اشتراكهما في الائتمان عليه، و لذا يصدّق كلّ منهما فيه مع عدم معارضة الآخر، و أمّا مع التعارض فيشكل ترجيح أحدهما على الآخر من دون مرجّح، و لعلّه لذا كان المحكي عن الشيخ الترجيح بغلبة الظنّ في قول أحدهما و مقتضاه عدم الجواز مع عدم الترجيح، و لاينافي ذلك قبول قولها مع عدم معارضة الزوج باعتبار كونها مؤتمنة عليه. نعم، قد يقال: لا دليل على الترجيح بغلبة الظنّ الاّ أن يراد بها الطمأنينة التي هي علم في العرف في مقابلة العلم عند أهل الميزان،


1) - شرائع الاسلام 3: 18.

2) - المبسوط 5: 111.

3) - مسالك الأفهام 9: 181 و 182.

فيتّجه حينئذ وجوب الاجتناب مع عدمها؛ لأصالة بقاء التحريم السالمة عنالمعارض حتّى الصحيح المزبور الظاهر في كون المراد تصديق قولها اذا كانت ثقة في مفروض السؤال الذي هو خالٍ عن تكذيب الزوج لها، فتأمّل جيّدا».(1)

و لو رجعت عن دعواها الاصابة قبل العقد عليها من الزوج الأوّل فلم‌تحلّ له لاقرارها المؤاخذة به، و ان لم‌ترجع الاّ بعد العقد عليها لم‌يقبل رجوعها؛ لكونه اقرارا في حقّ الغير، و لو رجع هو أو هي عن التكذيب الى التصديق حلّت؛ لأصالة صحّة قول المسلم.

في عدم الفرق في الوط‌ء المعتبر في المحلّل بين المحرّم و المحلّل

(مسألة 9): لا فرق في الوط‌ء المعتبر في المحلّل بين المحرّم و المحلّل، فلو وطأها محرّما كالوط‌ء في الاحرام أو في الصوم الواجب أو في الحيض و نحو ذلك كفى في التحليل.

الشرح:

قال في الشرائع: «و لو وطئها محرّما كالوط‌ء في الاحرام أو في الصوم الواجب، قيل: لاتحلّ؛ لأنّه منهي عنه فلم‌يكن مرادا للشارع. و قيل: تحلّ؛ لتحقّق النكاح المستند الى العقد الصحيح».(2)

أقول:

اذا وطئها محرّما - كالوط‌ء في احرام أحدهما أو صوم واجب من أحدهما كصوم رمضان أو حيضها أو على ظنّ أنّها أجنبيّة أو بعد ما حرمت عليه بالظهار أو في العدّة عن وط‌ء شبهة وقع في نكاحه ايّاها أو وطئها لدون تسع سنين - ففي


1) - جواهر الكلام 32: 176 و 177.

2) - شرائع الاسلام 3: 18.

افادته الحلّ قولان: أحدهما: ما ذهب اليه الشيخ و ابن الجنيد من عدم الحلّ علىما في المسالك.

و قد استدلّ لهم بأمور:

منها أنّ الوط‌ء المذكور منهي عنه فلايكون مرادا للشارع حيث علّق عليه الحلّ بقوله تعالى: «حتّى تنكح زوجا غيره» و قولهم عليهم‌السلام: «حتّى يذوق عسيلتها» كما تقدّم، فانّ المراد به الوط‌ء المحلّل؛ لأنّ اللّه لايبيح المحرّم و كذا حججه عليهم‌السلام.

و منها أنّ النهي يدلّ على فساد المنهي عنه فلايترتّب عليه أثره.

و منها أنّ الاباحة تعلّقت بشرطين: النكاح و الوط‌ء و اذا كان النكاح محرّما لم‌يفد الحلّ للأوّل و كذا الوط‌ء.

و قد استشكل الشهيد الثاني رحمه‌الله في الأوّل بأنّ الوط‌ء بالنسبة الى حلّها للأوّل من قبيل الأسباب، و الحال لايفترق فيها بين اباحتها و عدمها، و الآية و الرواية لاتقتضيان اباحة الوط‌ء بل تعليق الحلّ عليه و أحدهما غير الآخر.

و في الثاني بمنع دلالة النهي على فساد غير العبادة.

و في الثالث بأنّ الحاق الوط‌ء باباحة النكاح قياس و أنّ النكاح اذا أطلق لايحمل الاّ على الصحيح و ذلك يقتضي كونه جائزا بخلاف الوط‌ء.

القول الثاني: ما ذهب اليه المشهور من القول بالاباحة لشمول قوله تعالى: «حتّى تنكح زوجا غيره» له حيث جعل تعالى غاية التحريم نكاح الغير و قد حصل و الوط‌ء أعمّ من المباح و غيره كما مرّ.

و القول الثاني هو الأقوى و ما أجاب به الشهيد الثاني عمّا استدلّ به المانعون وجيه و قد أتى به صاحب الجواهر بنحو آخر، فنسأل اللّه أن‌يهدينا سواء السبيل.

فيما لو شكّ الزوج في ايقاع أصل الطلاق أو عدده

(مسألة 10): لو شكّ الزوج في ايقاع أصل الطلاق لم‌يلزمه و يحكم ببقاء علقة النكاح، و لو علم بأصله و شكّ في عدده بنى على الأقلّ، سواء كان الطرف الأكثر الثلاث أو التسع، فلايحكم بالحرمة في الأوّل و بالحرمة الأبديّة في الثاني، بل لو شكّ بين الثلاث و التسع يبني على الأوّل و تحلّ بالمحلّل على الأشبه.

الشرح:

اذا شكّ الرجل في طلاق امرأته لم‌يحكم بوقوع الطلاق؛ لاستصحاب بقاء علقة النكاح و عدم وقوع الطلاق، كما أنّه اذا شكّ في وقوع النكاح يستصحب عدم وقوعه.

و لو شكّ في عدده بعد العلم بأصل الطلاق أخذ بالأقلّ و استصحب عدم وقوع الزيادة كما يستصحب عدم الوقوع عند الشكّ في أصل الطلاق.

و في الجواهر - بعد الحكم ببقاء النكاح لو شكّ في أصله - قال: «و لو علم و شكّ في عدده لزم اليقين و هو الأقلّ من غير فرق بين الثلاث و التسع، هذا للأصل و لأنّ الشكّ في شرط التوقّف على المحلّل و عدد الحرمة المؤبّدة شكّ في المشروط. و لو شكّ في المطلّقة من نسائه وجب اجتناب الجميع مقدّمة، نحو اجتناب المشتبهة بالأخت كما هو واضح في جميع أفراد المسألة».(1)

و قال في المهذّب: «نعم، لو شكّ بين الثلاث و التسع يشكل البناء على الأوّل بحيث تحلّ له بالمحلّل و ذلك لوجود الأصل الموضوعي في البين - الحاكم على الأصل الحكمي - و هو استصحاب الحرمة. و ما يقال من أنّ الأوّل مقطوع العدم بعد أن‌تنكح الزوجة زوجا غيره و فارقها، و الثاني مشكوك الحدوث رأسا فيرجع


1) - جواهر الكلام 32: 142.

فيه الى الأصل، باطل؛ لما أثبتوه في الأصول من جريان الاستصحاب الكلّي فيالمقام، و مقتضى ذلك الفتوى بعدم الجواز».(1)

أقول:

الظاهر صحّة ما ذهب اليه الماتن رحمه‌الله و كذا صاحب الجواهر و غيرهما من عدم الفرق في جواز الأخذ بالمتيقّن و هو الأقلّ بين الشكّ في الثلاث و التسع أو غيره فكما أنّه لو شكّ بين الاثنتين و الثلاث يبني على الأقلّ كذلك لو شكّ بين الثلاث و التسع يبني على الأقلّ.

فانّ ما أورده في المهذّب من الاشكال على نفسه بقوله: «و ما يقال من أنّ الأوّل ... » لا دافع له؛ لعدم الفرق بين صور المسألة. فانّه رحمه‌الله قد ذكر قبل ذلك في وجه الأخذ بالأقلّ: «لما أثبتوه في الأصول من أنّه عند دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر أنّ الأوّل هو المتيقّن فلا بدّ من الأخذ به الاّ أن‌يثبت الثاني بدليل معتبر و المفروض انتفاؤه».

كلّ ذلك مضافا الى أنّه غير خفي أنّ الأصل الموضوعي في المقام هو الأصل الجاري في عدد الطلاق و هو أصالة عدم الأكثر و اذا كان هذا الأصل جاريا فلايصل الى الأصل الحكمي و هو استصحاب الحرمة.

فرع: لو ارتدّ المحلّل فان كان ذلك قبل الوط‌ء فلايتحقّق التحليل؛ لانفساخ النكاح و ظهور الأدلّة في لزوم كون الزوجيّة باقية حين الوط‌ء، و ان كان بعده حصل التحليل؛ لوقوعه جامعا للشرائط و حصول الانفساخ بعده فتشمله الاطلاقات و العمومات.


1) - مهذّب الأحكام 26: 67.

القول في أحكام الطلاق

اشارة

ثمّ انّ للطلاق أحكاما نذكرها في ضمن مسائل لم‌يذكرها في تحرير الوسيلة، و نحن نذكرها تتميما للبحث على ترتيب ذكرها في المهذّب.(1)

في طلاق المريض

(مسألة 1): تقدّم كراهة أصل الطلاق و تتأكّد الكراهة للمريض، و ان طلّق صحّ و يترتّب عليه جميع أحكامه، و هو يرث زوجته ما دامت في العدّة الرجعيّة و ترثه هي - سواء كان طلاقها بائنا أم رجعيّا - ما بين الطلاق و سنة ما لم‌تتزوّج و لم‌يبرأ من مرضه الذي طلّقها فيه، فلو برئ بعده ثمّ مرض ثمّ مات لم‌ترثه الاّ في العدّة الرجعيّة.

الشرح:

يكره طلاق المريض و يجوز تزويجه و ذلك لموثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس للمريض أن‌يطلّق و له أن‌يتزوّج».(2)


1) - مهذّب الأحكام 26: 68.

2) - وسائل الشيعة 22: 150 / الباب 21 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 3.

و موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس للمريض أن‌يطلّق و له أن‌يتزوّج».(1)

فانّ النهي فيهما و في غيرهما محمول على الكراهة جمعا بينها و بين ما يأتي، مضافا الى عدم الخلاف فيه.

ففي الجواهر: «يكره للمريض أن‌يطلّق زيادة على كراهة أصل الطلاق على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل لم‌يتحقّق الخلاف في ذلك و ان حكي التعبير بلفظ «لايجوز» عن المقنعة و التهذيب الاّ أنّه يمكن ارادتهما من ذلك الكراهة كما وقع لهما غير مرّة».(2)

و عليه فان طلّق صحّ طلاقه و يترتّب عليه جميع أحكامه الاّ أنّ زوجته ترثه ما بين الطلاق الى سنة ما لم‌تتزوّج سواء كان الطلاق بائنا أو رجعيّا بشرط موته في مرضه الذي طلّقها فيه.

تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها صحيحة أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل المرأة في مرضه ورثته مادام في مرضه ذلك و ان انقضت عدّتها، الاّ أن‌يصحّ منه قال: قلت: فان طال به المرض؟ فقال: ما بينه و بين سنة».(3)

و منها موثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته و هو مريض حتّى مضى لذلك سنة، قال: ترثه اذا كان في مرضه الذي طلّقها، لم‌يصحّ بين ذلك».(4)


1) - وسائل الشيعة 22: 150 / الباب 21 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 4.

2) - جواهر الكلام 3: 147.

3) - وسائل الشيعة 22: 151 / الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 151 / الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 7.

و منها مرسلة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في رجل طلّق امرأته و هو مريض قال: ان مات في مرضه و لم‌تتزوّج ورثته و ان كانت تزوّجت فقد رضيت بالذي صنع لا ميراث لها».(1)

و منها صحيحة الحلبي:

«أنّه سئل عن رجل يحضره الموت فيطلّق امرأته هل يجوز طلاقه؟ قال: نعم، و ان مات ورثته و ان ماتت لم‌يرثها».(2)

و في الجواهر: «و لو طلّق صحّ طلاقه بلا خلاف كما عن المبسوط بل لعلّه اجماع. و هو يرث زوجته مادامت في العدّة الرجعيّة اجماعا بقسميه، مضافا الى معلوميّة كونها كالزوجة في باقي الأحكام. و لايرثها في البائن و لا بعد العدّة الرجعيّة على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل عن الخلاف الاجماع عليه كما عن المبسوط نفي الخلاف؛ لانتفاء الزوجيّة و انقطاع العصمة بينهما فأصالة عدم الارث بحاله. و لا خلاف و لا اشكال في أنّها ترثه هي سواء كان طلاقها بائنا أو رجعيّا ما بين الطلاق و بين سنة لا أزيد و لو لحظة ما لم‌تتزوّج أو يبرأ من مرضه الذي طلّقها فيه. و لو برئ من مرضه ثمّ مرض ثمّ مات لم‌ترثه الاّ في العدّة الرجعيّة بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص المستفيضة. انتهى ملخّصا».(3)


1) - وسائل الشيعة 22: 151 / الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 22: 151 / الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

3) - جواهر الكلام 32: 148 و 150 و 152.

فيما لو ادّعى الرجل الطلاق في حال الصحّة ثلاثا

(مسألة 2): لو ادّعى الرجل الطلاق في حال الصحّة ثلاثا، قبلت منه بالنسبة الى أصل الطلاق، و هل تقبل بالنسبة الى ارثها؟ فيه اشكال.

الشرح:

قال في الشرائع: «و لو قال: طلّقت في الصحّة ثلاثا، قبل منه و لم‌ترثه. و الوجه أنّه لايقبل بالنسبة اليها».(1)

و وجه القبول - كما في المسالك - أنّ اقرار المريض بما له أن‌يفعله مقبول و ان كان على الوارث و ينزّل ما أقرّ مريضا بفعله حال الصحّة منزلة ما لو فعله حال الصحّة.

مضافا الى أنّ الحكم بارث الزوجة - على ما تقدّم في المسألة السابقة - معلّق على انشاء الطلاق مريضا بالنصّ مع أنّ الاقرار بالطلاق ليس انشاءً. و عليه فلاترثه لانتفاء المقتضي للارث و هو طلاقه مريضا مع كون الطلاق بائنا.

ثمّ انّ الشهيد رحمه‌الله وجّه ما اختاره المحقّق رحمه‌الله من عدم القبول بالنسبة اليها، بأنّ المانع من ترتّب حكم البينونة مع طلاقه مريضا هو التهمة بفراره من ارثها و هو موجود مع الاقرار، و حينئذ فيلغو قيد الصحّة و يحكم عليه بالطلاق البائن و ترثه الى المدّة المذكورة و لايرثها. و هذا لايخلو من اشكال لما تقدّم من أنّ الحكم معلّق على انشاء الطلاق مريضا و الاقرار ليس بانشاء.

و التحقيق أنّه ان كذّبته الزوجة و قالت بوقوع الطلاق في حال المرض أو أنكرت أصل الطلاق، فيجري هناك أحكام الدعوى و لا بدّ من تعيين المدّعي و المنكر و الزام المدّعي بالبيّنة و المنكر باليمين.

و الذي يبدو أنّ المرأة ان أنكرت أصل الطلاق فعلى الرجل اثباته بالبيّنة و ان


1) - شرائع الاسلام 3: 16.

لم‌تكن له البيّنة حلفت المرأة و بقيت الزوجيّة و ترثه.

و أمّا ان صدّقتها في أصل الطلاق ولكن ادّعت وقوعه في حال المرض فتصير هي المدّعية و عليها الاثبات.

فرع: لو قذفها و هو مريض فلاعنها و بانت باللعان لم‌ترثه، لاختصاص الحكم بالطلاق. و ذلك لأنّ هذا الحكم ثابت مع الطلاق البائن على خلاف الأصل فاقتصر فيه على مورده و لايتعدّى الى غيره من الأسباب التي تحصل بها البينونة في حال المرض كاللعان المسبّب عن القذف في حال المرض؛ لأنّه قياس محض لانقول به.

قال في المسالك: «لايلحق بالطلاق في حال المرض غيره من أنواع الفسخ كما لايلحق بالمرض ما أشبهه من الأحوال المخوفة على الأصحّ فيها، وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين. فلايلحق الأسير غير الأمن على نفسه غالبا و المأخوذ للقود أو الحدّ يخاف مثله عليه بالمرض».(1)

في أنّه هل يثبت الارث مع سؤالها الطلاق من المريض

(مسألة 3): هل يثبت الارث مع سؤالها الطلاق من المريض، و كذا لو خالعته، أو بارأته؟ وجهان، و الظاهر عدم الارث.

الشرح:

قال في الشرائع: «في ثبوت الارث مع سؤالها الطلاق تردّد أشبهه أنّه لا ارث. و كذا لو خالعته أو بارأته».(2)

تدلّ على حكم المسألة رواية محمّد بن القاسم الهاشمي قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاترث المختلعة و لا المبارئة و


1) - مسالك الأفهام 9: 158.

2) - شرائع الاسلام 3: 16.

لا المستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا، اذا كان ذلك منهنّ في مرض الزوج و ان مات؛ لأنّ العصمة قد انقطعت منهنّ و منه».(1)

و الرواية مؤيّدة بالأصل.

و لو قيل باطلاق الروايات المذكورة في المسألة الأولى فيقال بالشكّ في اطلاقها، لمكان الشكّ في كونها في مقام البيان من هذه الجهة.

خصوصا لو قلنا بأنّ علّة الحكم فيها التهمة كما أشير اليها في موثّقة سماعة قال:

«سألته عليه السلام عن رجل طلّق امرأة و هو مريض قال: ترثه مادامت في عدّتها و ان طلّقها في حال اضرار فهي ترثه الى سنة فان زاد على السنة يوما واحدا لم‌ترثه و تعتدّ منه أربعة أشهر و عشرا عدّة المتوفّى عنها زوجها».(2)

فيما لو اختلفا في زمان وقوع الطلاق

(مسألة 4): لو اختلفا في زمان وقوع الطلاق مع الاتّفاق على أصل وقوعه يقدّم قولها.

الشرح:

قد تقدّم بعض الكلام في نظير هذه المسألة و هنا نقول: اذا ادّعى الزوج أنّه طلّقها في حال الصحّة و ادّعت الزوجة أنّه طلّقها في حال مرضه، فالظاهر كون المرأة هي المدّعية و عليها الاثبات؛ لأنّ الأصل عدم تحقّق سبب الارث.

نعم، لو رجعت الدعوى الى دعوى انقضاء العدّة و عدمه مثلاً فالقول قول المرأة كما سيأتي.


1) - وسائل الشيعة 26: 229 / الباب 15 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 152 / الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 4.

و المسألة تحتاج الى تفصيل في كلّ مقام و لايجري حكم واحد في جميع صورها كما لايخفى.

فيما اذا ادّعى الزوج أنّه طلّقها و أنكرت الزوجة

(مسألة 5): اذا ادّعى الزوج أنّه طلّقها و أنكرت الزوجة الطلاق، ففي تقديم قوله أو قولها، وجهان، بل قولان. و الأحوط تجديد الطلاق.

الشرح:

اذا ادّعى الزوج أنّه طلّقها و أنكرت الزوجة الطلاق فالظاهر تقديم قول الزوجة لأنّ قولها مطابق للأصل و أنّ على الزوج الاتيان بالشاهدين اللذين سمعا صيغة الطلاق منه.

و قد سبق صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«جاء رجل الى علي عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين: انّي طلّقت امرأتي، قال عليه السلام : ألك بيّنة؟ قال: لا، قال: أعزب».(1)

فاذا حكم الحاكم ببقاء زوجيّتها فلو كان الزوج طلّقها في الواقع و لم‌يمكنه أن‌يأتي بالشاهدين فلايجوز له المضاجعة و للتخلّص من هذه المخمصة يجدّد الطلاق مع سماع شاهدين.

فيما لو ادّعت المطلّقة أنّ الطلاق وقع في حال المرض و أنكر الوارث ذلك

(مسألة 6): لو ادّعت المطلّقة أنّ الطلاق وقع في حال المرض و أنكر الوارث ذلك، يقدّم قول الوارث.


1) - وسائل الشيعة 22: 25 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

الشرح:قال في الشرائع: «اذا ادّعت المطلّقة أنّ الميّت طلّقها فى المرض و أنكر الوارث و زعم أنّ الطلاق في الصحّة، فالقول قوله لتساوي الاحتمالين و كون الأصل عدم الارث الاّ مع تحقّق السبب».(1)

و قال في الجواهر: «اذا شكّ في الشرط شكّ في المشروط، و لا شيء من الأصول - سواء علم تاريخ الطلاق و جهل تاريخ المرض أو جهلا معا - صالح لتنقيحه على وجه يصدق عرفا لكون الطلاق في المرض الذي هو عنوان الحكم بل قد ذكرنا غير مرّة أنّ الأصول بالنسبة الى ذلك مثبتة».(2)

أقول:

اذا طلّق الرجل امرأته بائنا أو رجعيّا مع انقضاء العدّة ثمّ مات و ادّعت أنّه طلّقها في مرض موته و أنكر الوارث ذلك، فان كانت معها بيّنة غير معارضة فيقدّم قولها و ترث ما بين طلاقها و بين سنة كما مرّ. و أمّا ان لم‌تكن هناك بيّنة على دعواها فالقول قول الوارث؛ لأنّ الأصل عدم الارث الاّ بسبب معلوم.

في الموت بالحوادث المخوفة

(مسألة 7): لايلحق بالمرض الموت بالحوادث المخوفة كالغرق و الحبس و الاسارة و نحو ذلك.

(مسألة 8): لايلحق بالطلاق في حال المرض فسخ النكاح.

(مسألة 9): لو قتل في أثناء المرض الذي طلّق فيه، ففي ثبوت الارث على ما تقدّم اشكال.


1) - شرائع الاسلام 3: 17.

2) - جواهر الكلام 32: 156.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الثالثة أنّه لايلحق بالمرض، الموت بالحوادث المخوفة اذا طلّقها حين الحوادث ثمّ مات، و ذلك للأصل بعد الشكّ في شمول الدليل له. و كذلك لايلحق بالطلاق في حال المرض، الفسخ؛ لأنّ الأصل عدمه و عدم الدليل. و أمّا لو قتل في أثناء المرض الذي طلّق فيه، فقد استشكل فيه بأنّ القتل غير الموت لقوله تعالى: «أفإن مات أو قتل»(1)و كذا الحوادث التي تحدث في هذه الأعصار من غير اختيار، كالموت بالكهرباء أو التصادمات في مراكب السير و استعمال بعض الأدوية المشتبهة.

فيما لو طلّقها بائنا ثمّ وطئها شبهة

(مسألة 10): لو طلّقها بائنا ثمّ وطئها شبهة وجب عليه مهر المثل مع جهلها بالحال، و لو كانا عالمين فلا مهر بل يحدّان.

الشرح:

أمّا وجوب مهر المثل فلأنّ الدخول مع الشبهة يوجب المهر كما فصّلناه في كتاب النكاح.

و أمّا عدم المهر مع كونهما عالمين فلما تقدّم أيضا في كتاب النكاح من أنّه «لا مهر لبغي».

ففي صحيحة عمّار بن مروان قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الغلول، فقال: كلّ شيء غلّ من الامام فهو سحت و أكل مال اليتيم و شبهه سحت، و السحت أنواع كثيرة منها أجور الفواجر. الحديث».(2)

و أمّا الحدّ فلتحقّق الزنا كما هو مذكور في كتاب الحدود.


1) - آل عمران 3: 144.

2) - وسائل الشيعة 17: 92 / الباب 5 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

(مسألة 11): لو ادّعت أنّ زوجها طلّقها و أنكر الزوج ذلك، فالقول قوله مع اليمين.

و الحكم مطابق للقواعد الثابتة في القضاء فانّ الزوجة مدّعية فعليها البيّنة و ان لم‌تكن لها بيّنة فاليمين على من أنكر و هو الزوج فانّ قوله مطابق لأصالة عدم الطلاق.

فيما لو كان له زوجتان فطلّق احداهما المعيّنة، ثمّ نسيها

(مسألة 12): لو كان له زوجتان فطلّق احداهما المعيّنة، ثمّ نسيها وجب عليه الاجتناب عنهما ان كان الطلاق بائنا، و لايجوز لهما التزويج بالغير الاّ بالفراق منه على الأحوط، و ان كان الطلاق رجعيّا يصحّ له الرجوع الى كلتيهما، و لو رجع الى احداهما دون الأخرى فالظاهر حلّية الأخرى له.

الشرح:

الدليل على صدر المسألة هو تنجّز العلم الاجمالي بأنّ احداهما مطلّقة بطلاق بائن فيجب الاجتناب عنهما.

كما أنّه يحرم لهما التزويج بالغير الاّ باجراء صيغة الطلاق لكلّ واحدة منهما و ذلك لاستصحاب بقاء الزوجيّة الجاري لحقّ كلّ واحدة.

و عليه فلا وجه لقوله رحمه‌الله «على الأحوط» بل المتعيّن هنا حرمة التزويج كما لايخفى.

و أمّا ان كان الطلاق رجعيّا فيصحّ له الرجوع الى كلتيهما؛ لأنّ كلاًّ منهما محلّلة له امّا بالزوجيّة أو بالرجوع اليها في الطلاق الرجعي، و لو رجع الى احداهما دون الأخرى فالظاهر حلّية الأخرى له لاستصحاب بقاء الزوجيّة بعد خروج العلم الاجمالي عن التنجّز بالرجوع الى الأخرى و سقوطها عن طرفيّة العلم الاجمالي.

(مسألة 13): لو طلّق زوجته ثمّ شكّ أنّه من الطلاق الرجعي أو البائن لايجوز له الرجوع الاّ بعقد جديد. و في النفقة لا بدّ من مراضاتهما عليها.

الشرح:

أمّا عدم جواز الرجوع الاّ بعقد جديد فللشبهة، فالأمر دائر بين المتباينين فيجب الاجتناب كما في الموارد المشابهة له حيث لا حالة سابقة لها أو لم‌يجر الاستصحاب.

و أمّا النفقة فالظاهر وجوبها عليه لاستصحابها مع الشكّ في زوالها.

فيما اذا كان الطلاق موجبا للضرر نفسا على الزوجة

(مسألة 14): اذا كان الطلاق موجبا للضرر نفسا على الزوجة ففي جوازه حينئذ اشكال.

الشرح:

اذا كان الطلاق موجبا للضرر على الزوجة في نفسها فالظاهر حرمته تكليفا لكونه سببا لاضرار الغير نفسا فهو لايجوز الاّ أنّه اذا طلّق صحّ؛ لشمول اطلاقات أدلّة الطلاق له. نعم، لو كان الاضرار من حيث النفقة أو السكنى أو نحوهما، فلا اشكال في الجواز؛ لأنّ رفع تلك الأضرار و تداركها يجب أن‌يكون من بيت المال و الاّ على المسلمين كفاية.

الى هنا تمّت المسائل المتعلّقة بأحكام الطلاق التي عنونها في المهذّب.

فلنرجع الى شرح باقي مسائل كتاب الطلاق من تحرير الوسيلة.

القول : في أقسام العدد

اشارة

انّما يجب الاعتداد بأمور ثلاثة: الفراق بطلاق أو فسخ أو انفساخ في الدائم، و انقضاء المدّة أو بذلها في المتعة و موت الزوج و وط‌ء الشبهة.

فصل في عدّة الفراق

فيمن لا عدّة عليه

(مسألة 1): لا عدّة على من لم‌يدخل بها و لا على الصغيرة، و هي من لم‌تكمل التسع و ان دخل بها، و لا على اليائسة سواء بانت في ذلك كلّه بطلاق أو فسخ أو هبة مدّة أو انقضائها.

الشرح:

لا عدّة على من لم‌يدخل بها، يدلّ عليه الكتاب و السنّة:

فمن الأوّل قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا اذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلّقتموهنّ من قبل أن‌تمسّوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها»(1).

و من السنّة عدّة روايات:


1) - الأحزاب 33: 49.

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل امرأته قبل أن‌يدخل بها فليس عليها عدّة، تزوّج من ساعتها ان شاءت و تبينها تطليقة واحدة، و ان كان فرض لها مهرا فنصف ما فرض».(1)

و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل امرأته قبل أن‌يدخل بها تطليقة واحدة فقد بانت منه و تزوّج من ساعتها ان شاءت».(2)

و منها صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام في رجل تزوّج امرأة بكرا ثمّ طلّقها قبل أن‌يدخل بها ثلاث تطليقات، كلّ شهر تطليقة قال:

«بانت منه في التطليقة الأولى، و اثنتان فضل أو هو خاطب، يتزوّجها متى شاءت و شاء بمهر جديد. الحديث».(3)

و في المهذّب: «يدلّ عليه الاجماع من الفريقين و العقل؛ لقاعدة انتفاء الحكم بانتفاء الموضوع. نعم، في الوفاة لها عدّة و ان لم‌يدخل بها».(4)

و لا عدّة على الصغيرة أيضا - و هي من لم‌تكمل التسع و ان دخل بها - و لا على اليائسة، تدلّ عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ثلاث يتزوّجن على كلّ حال: التي يئست من المحيض و مثلها لاتحيض، قلت: و متى تكون كذلك؟ قال: اذا بلغت ستّين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لاتحيض،و التي لم‌تحض و مثلها لاتحيض، قلت: و متى يكون كذلك؟ قال: ما


1) - وسائل الشيعة 22: 176 / الباب 1 من أبواب العدد / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 176 / الباب 1 من أبواب العدد / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 176 / الباب 1 من أبواب العدد / الحديث 2.

4) - مهذّب الأحكام 26: 75.

لم‌تبلغ تسع سنين، فانّها لاتحيض و مثلها لاتحيض، و التي لم‌يدخل بها».(1)

و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الصبيّة التي لايحيض مثلها و التي قد يئست من المحيض قال:

«ليس عليهما عدّة و ان دخل بهما».(2)

و حسنة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«التي لاتحبل مثلها لا عدّة عليها».(3)

و على خصوص الثاني صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: في التي قد يئست من المحيض يطلّقها زوجها، قال: قد بانت منه و لا عدّة عليها».(4)

و لا بدّ من حمل ما يعارضها من الروايات على التقيّة أو محامل أخر كرواية أبي بصير قال:

«عدّة التي لم‌تبلغ الحيض ثلاثة أشهر و التي قد يئست من المحيض ثلاثة أشهر».(5)

و رواية ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في الجارية التي لم‌تدرك الحيض، قال: يطلّقها زوجها بالشهور. الحديث».(6)


1) - وسائل الشيعة 22: 183 / الباب 3 من أبواب العدد / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 22: 183 / الباب 3 من أبواب العدد / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 183 / الباب 3 من أبواب العدد / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 183 / الباب 3 من أبواب العدد / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 22: 179 / الباب 2 من أبواب العدد / الحديث 6.

6) - وسائل الشيعة 22: 179 / الباب 2 من أبواب العدد / الحديث 7.

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«عدّة المرأة التي لاتحيض و المستحاضة التي لاتطهر و الجارية التي قد يئست و لم‌تدرك الحيض ثلاثة أشهر. الحديث».(1)

قال في الوسائل: «و يمكن حمل ما تضمّن العدّة هنا على التقيّة؛ لموافقته لمذهب العامّة و على الاستحباب».

و ان كان حملها على الاستحباب لايخلو من غموض و اشكال.

ثمّ اعلم أنّه لا فرق في كون الفراق فيهنّ بطلاق أو فسخ أو هبة مدّة أو انقضائها، ففي كلّ ذلك لا عدّة على من لم‌يدخل بها و لا على الصغيرة و لا على اليائسة.

فيما يتحقّق الدخول به

(مسألة 2): يتحقّق الدخول بايلاج تمام الحشفة قبلاً أو دبرا و ان لم‌ينزل، بل و ان كان مقطوع الأنثيين.

الشرح:

قال في الجواهر: «لا خلاف في أنّ كلاًّ من الدخول و المسّ يتحقّق بايلاج الحشفة و ان لم‌ينزل بل و ان كان مقطوع الأنثيين فضلاً عن معيبهما الذي من المعلوم عادة عدم الانزال منه و عدم الحمل؛ لتحقّق الدخول بالوط‌ء منه لغة و عرفا و هو عنوان الحكم نصّا و فتوى بل الاجماع بقسميه عليه، ضرورة كونه المراد من التقاء الختانين الذي رتّب عليه الغسل و العدّة في المستفيض من النصوص أو المتواتر و حكمة كون العدّة لبراءة الرحم لاتنافي ترتيب الشارع الحكم على معلوميّة البراءة كما في غيرها من الحكم - الى أن‌قال: - بل لا فرق بين القبل و الدبر في ذلك بلا خلاف أجده فيه عدا ما عساه يشعر به اقتصار الفاضل


1) - وسائل الشيعة 22: 179 / الباب 2 من أبواب العدد / الحديث 8.

في التحرير على الأوّل بل ظاهرهم الاجماع عليه».(1)

أقول:

قد فصّلنا البحث عن تحقّق الدخول بايلاج تمام الحشفة و ان لم‌ينزل في مواضع مختلفة من كتاب الطهارة و النكاح و الحدود و قلنا بأنّه تدلّ عليه عدّة روايات:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل دخل بامرأة قال:

«اذا التقى الختانان وجب المهر و العدّة».(2)

و منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا التقى الختانان وجب المهر و العدّة و الغسل».(3)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ملامسة النساء هي الايقاع بهنّ».(4)

و منها صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأله أبي و أنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة فأدخلت عليه و لم‌يمسّها و لم‌يصل اليها حتّى طلّقها، هل عليها عدّة منه؟ فقال: انّما العدّة من الماء، قيل له: فان كان واقعها في الفرج و لم‌ينزل؟ فقال: اذا دخله وجب الغسل و المهر و العدّة».(5)

و الظاهر عدم الفرق بين الدخول في القبل و الدبر لاطلاق الروايات كما عليه المشهور.


1) - جواهر الكلام 32: 212 و 213.

2) - وسائل الشيعة 21: 319 / الباب 54 من أبواب المهور / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 21: 319 / الباب 54 من أبواب المهور / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 21: 319 / الباب 54 من أبواب المهور / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 21: 319 / الباب 54 من أبواب المهور / الحديث 1.

و يجب العدّة على المرأة من الخصي اذا دخل بها ثمّ طلّقها، دلّت عليه صحيحة أبي عبيدة قال:

«سئل أبو جعفر عليه السلام عن خصي تزوّج امرأة و فرض لها صداقا و هي تعلم أنّه خصي، فقال: جائز فقيل: فانّه مكث معها ما شاء اللّه ثمّ طلّقها هل عليها عدّة؟ قال: نعم، أليس قد لذّ منها و لذّت منه؟ الحديث».(1)

و لاتعارضها صحيحة أبي نصر قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن خصي تزوّج امرأة على ألف درهم ثمّ طلّقها بعد ما دخل بها، قال: لها الألف التي أخذت منه و لا عدّة لها».(2)

لاعراض المشهور عنها فلا بدّ من طرحها أو حملها على خصي لايتحقّق منه دخول، فيكون المراد من دخوله بها الخلوة و الندب من أخذها الألف كما في الجواهر.(3)

و في المسالك: «فلو دخل الخصي بما ذكر - أي تغيّب الحشفة - وجبت العدّة و ان بعد احتمال العلق(4)منه كما بعد في مدخل الحشفة بغير انزال و ان كان فحلاً، لوجود المقتضي الذي جعله الشارع سببا لها. و أمّا المجبوب و هو مقطوع الذكر سليم الأنثيين فلايوجد منه الدخول فلايجب على زوجته اذا كانت حائلاً عدّة على أصحّ القولين لانتفاء المقتضي لها و هو الوط‌ء. نعم، لو ظهر بها حمل لحقه الولد و اعتدّت حينئذ بوضعه».(5)


1) - وسائل الشيعة 22: 255 / الباب 39 من أبواب العدد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 21: 303 / الباب 44 من أبواب المهور / الحديث 1.

3) - جواهر الكلام 32: 214.

4) - الحبل.

5) - مسالك الأفهام 9: 215 و 216.

في اليأس من الحيض

(مسألة 3): يتحقّق اليأس ببلوغ ستّين في القرشيّة و خمسين في غيرها و الأحوط مراعاة الستّين مطلقا بالنسبة الى التزويج بالغير و خمسين كذلك بالنسبة الى الرجوع اليها.

الشرح:

يتحقّق اليأس ببلوغ ستّين في القرشيّة و خمسين في غيرها، يدلّ على ذلك الجمع بين صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ثلاث يتزوّجن على كلّ حال: التي يئست من المحيض و مثلها لاتحيض، قلت: و متى تكون كذلك؟ قال: اذا بلغت ستّين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لاتحيض».(1)

و بين مرسلة الصدوق قال:

«روي أنّ المرأة اذا بلغت خمسين سنة لم‌تر حمرة، الاّ أن‌تكون امرأة من قريش».(2)

و تحمل على المرسلة رواية عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : ثلاث يتزوّجن على كلّ حال - الى أن‌قال: - و التي قد يئست من المحيض و مثلها لاتحيض، قلت: و ما حدّها؟ قال: اذا كان لها خمسون سنة».(3)

و قال في الشرائع: «و حدّ اليأس أن‌تبلغ خمسين سنة، و قيل في القرشيّة و النبطيّة ستّين سنة».(4)


1) - وسائل الشيعة 22: 183 / الباب 3 من أبواب العدد / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 22: 183 / الباب 3 من أبواب العدد / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 179 / الباب 2 من أبواب العدد / الحديث 4.

4) - شرائع الاسلام 3: 24.

و في المسالك: «التحديد بالخمسين مطلقا قول الشيخ في النهاية و جماعة منهم المصنّف رحمه‌الله. و المستند رواية عبدالرحمن بن الحجّاج السابقة عن أبي عبداللّه عليه السلام : «قلت: و ما حدّها- يعني اليائسة-؟ قال: اذا كان لها خمسون سنة». و رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «المرأة التي تيئس من المحيض حدّها خمسون سنة».

و القول بالتفصيل لابن بابويه و تبعه عليه المتأخّرون بعد المصنّف رحمه‌الله. و مستنده صحيحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «اذا بلغت المرأة خمسين سنة لم‌تر حمرة الاّ أن‌تكون امرأة من قريش».

و للمصنّف في باب الحيض من هذا الكتاب قول آخر، و هو أنّ حدّه ستّون سنة مطلقا. و اختاره العلاّمة في المنتهى. و هو في رواية عبدالرحمن بن الحجّاج أيضا عن أبي عبداللّه عليه السلام : «قلت: متى تكون التي يئست من المحيض و مثلها لاتحيض؟ قال: اذا بلغت ستّين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لاتحيض».

و في سند الروايات ضعف، و التفصيل جامع بينها الاّ في النبطيّة، فانّا لم‌نقف على رواية تدلّ على الحاقها بالقرشيّة، لكن حكمها مشتهر بين الأصحاب و ربّ مشهور لا أصل له. و يمكن ترجيح رواية الستّين باستصحاب حكم الحيض الى أن‌يحصل الاتّفاق على عدمه، و رواية الخمسين بأصالة عدم سقوط الواجب من العبادات و غيرها من الأحكام في غير موضع اليقين و هو الحيض المتيقّن.

و المختار التفصيل بالخمسين مطلقا في غير القرشيّة، لصحّة روايته، و ارسالها مقبول من ابن أبي عمير. و المراد بها المنتسبة بالأب الى قريش و هو النضر بن كنانة، و هو الجدّ الثاني عشر للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على أصحّ الأقوال، سمّي بذلك لجمعه القبائل، و التقرّش: التجمّع. و قيل: سمّي باسم دابّة في البحر عظيمة لاتذر شيئا الاّأتت عليه تسمّى قريشا لشدّتها و شوكتها. و قلّ من يضبط نسبه الآن اليها غير

الهاشميّين، فمع اشتباه نسب المرأة الأصل عدم كونها من قريش».(1)

أقول:

قد عرفت أنّ ما رواه عبدالرحمن بن الحجّاج في أنّ حدّ اليأس ستّون سنة، صحيحة و لايكون فيه ضعف و أنّ الجمع بينه و بين مرسلة الصدوق يقتضي الحكم بما ذكرنا.

و لايخفى أنّ ما ذكره من صحيحة ابن أبي عمير هو مرسلة الصدوق التي ذكرناها.

فيما لو رأت الدم بعد الطلاق مرّة أو مرّتين ثمّ يئست

(مسألة 4): لو طلّقت ذات الأقراء قبل بلوغ سنّ اليأس و رأت الدم مرّة أو مرّتين ثمّ يئست أكملت العدّة بشهرين أو شهر، و كذلك ذات الشهور اذا اعتدّت شهرا أو شهرين ثمّ يئست أتمّت ثلاثة.

الشرح:

تدلّ على حكم المسألة رواية هارون بن حمزة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في امرأة طلّقت و قد طعنت في السنّ فحاضت حيضة واحدة ثمّ ارتفع حيضها، فقال: تعتدّ بالحيضة و شهرين مستقبلين فانّها قد يئست من المحيض».(2)

و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في المرأة يطلّقها زوجها و هي تحيض في كلّ ثلاثة أشهر حيضة فقال:

«اذا انقضت ثلاثة أشهر انقضت عدّتها يحسب لها لكلّ شهر حيضة».(3)


1) - مسالك الأفهام 9: 235 و 236.

2) - وسائل الشيعة 22: 191 / الباب 6 من أبواب العدد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 184 / الباب 4 من أبواب العدد / الحديث 2.

و الرواية و ان وردت في المسترابة، الاّ أنّ ذيل الرواية يدلّ على احتساب حيضة بازاء كلّ شهر.

و لا خلاف في المسألة كما في الجواهر.

و في المسالك: «وجهه حكم الشارع عليها بوجوب العدّة قبل اليأس و قد كانت حينئذ من ذوات الأقراء فاذا تعذّر اكمالها بها لليأس المقتضي انتفاء الحكم بالحيض مع تلبّسها بالعدّة أكملت بالأشهر لأنّها بدل عن الأقراء كما مرّ، فيجعل لكلّ قرء شهر و لاتوجد عدّة ملفّقة من الأمرين الاّ هذه. و الأصل في حكم هذه المسألة رواية هارون بن حمزة. و لو فرض يأسها بعد أن‌حاضت مرّتين فمقتضى ذلك اكمال العدّة بشهر ولكن الجماعة اقتصروا على مدلول الرواية».(1)

و في الجواهر: «بل مقتضى ذلك - أي قيام الأشهر مقام الأقراء عند تعذّرها على المعتاد - و فحوى رواية هارون بن حمزة بل و التعليل في آخره، التلفيق بشهر لو فرض مجيء الحيض مرّتين، و لا تلفيق في عدّة غيرها».(2)

فرع : فيما لو ادّعت المرأة أنّها يائسة

لو ادّعت المرأة أنّها يائسة لاترى دما فالظاهر قبول قولها، و ذلك لاطلاق قول الباقر عليه السلام في صحيحة زرارة:

«العدّة و الحيض للنساء اذا ادّعت صدّقت».(3).

لايقال: انّ تصديق المرأة في الاخبار عن الحيض وجودا و عدما لايشمل


1) - مسالك الأفهام 9: 246.

2) - جواهر الكلام 32: 244.

3) - وسائل الشيعة 2: 358 / الباب 47 من أبواب الحيض / الحديث 1.

الاخبار عن اليأس عن الحيض. فانّه يقال: انّ اليأس من ملازمات أصل الحيض، فانّ له أمدا معلوما فاذا انتهى اليه تكون المرأة يائسة.

في عدّة الحامل

(مسألة 5): المطلّقة و من ألحقت بها ان كانت حاملاً فعدّتها مدّة حملها، و تنقضي بأن‌تضع و لو بعد الطلاق بلا فصل، سواء كان تامّا أو غيره و لو كان مضغة أو علقة ان تحقّق أنّه حمل.

الشرح:

قد تقدّم في فصل النفقات من كتاب النكاح أنّ عدّة الحامل مدّة حملها، فتنقضي بوضع حملها و لو بعد الطلاق بلا فصل، يدلّ عليه الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «و أولات الأحمال أجلهنّ أن‌يضعن حملهنّ»(1).

و من الثاني عدّة روايات:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«طلاق الحامل واحدة، فاذا وضعت ما في بطنها بانت منه».(2)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«طلاق الحبلى واحدة و ان شاء راجعها قبل أن‌تضع، فان وضعت قبل أن‌يراجعها فقد بانت منه و هو خاطب من الخطّاب».(3)

و منها موثّقة اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«طلاق الحبلى واحدة فاذا وضعت ما في بطنها فقد بانت».(4)


1) - الطلاق 26: 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 193 / الباب 9 من أبواب العدد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 195 / الباب 9 من أبواب العدد / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 22: 194 / الباب 9 من أبواب العدد / الحديث 4.

و منها موثّقة سماعة قال:

«سألته عن طلاق الحبلى، فقال: واحدة و أجلها أن‌تضع حملها».(1)

الى غير ذلك من الروايات الواردة في أنّ عدّة الحامل وضع حملها التي قد تقدّم بعضها في فصل النفقات من كتاب النكاح فراجع.

و في الجواهر: «انّ الظاهر من الكتاب و السنّة أنّ عدّة الحامل هو الوضع دون الأقراء و الأشهر كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا و ان كان الصدوق و ابن حمزة على اعتدادها بأقرب الأجلين من الأقراء و الأشهر و من الوضع، بل ظاهر المرتضى و ابن ادريس وجود مخالف غيرهما و ان كنّا لم‌نحقّقه».(2)

و قد استدلّ للصدوق و ابن حمزة بصحيحة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : طلاق الحبلى واحدة و أجلها أن‌تضع حملها و هو أقرب الأجلين».(3)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«طلاق الحبلى واحدة و أجلها أن‌تضع حملها و هو أقرب الأجلين».(4)

و صحيحة أبي الصبّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«طلاق الحامل واحدة و عدّتها أقرب الأجلين».(5)


1) - وسائل الشيعة 22: 194 / الباب 9 من أبواب العدد / الحديث 5.

2) - جواهر الكلام 32: 352.

3) - وسائل الشيعة 22: 193 / الباب 9 من أبواب العدد / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 195 / الباب 9 من أبواب العدد / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 22: 194 / الباب 9 من أبواب العدد / الحديث 3.

قال في مختلف الشيعة: «المشهور أنّ عدّة الحامل وضع الحمل في الطلاق لقوله تعالى: «و أولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ»».(1)

و قال الصدوق: «و اعلم أنّ أولات الأحمال أجلهنّ أن‌يضعن حملهنّ، و هو أقرب الأجلين، فاذا وضعت أو أسقطت يوم طلّقها أو بعده متى كان، فقد بانت منه، و حلّت للأزواج، فاذا مضى لها ثلاثة أشهر من قبل أن‌تضع، فقد بانت منه، و لاتحلّ للأزواج حتّى تضع».(2)

و قال السيّد المرتضى: «ممّا يظنّ أنّ الاماميّة مجمعة عليه و منفردة به: القول بأنّ عدّة الحامل المطلّقة أقرب الأجلين، بمعنى أنّ المطلّقة اذا كانت حاملاً و وضعت قبل مضي الأقراء الثلاثة، فقد بانت بذلك، و ان مضت الأقراء الثلاثة قبل أن‌تضع حملها، بانت بذلك أيضا. و قد بيّنّا في جواب المسائل الواردة من أهل الموصل الفقهيّة أنّه ما ذهب جميع أصحابنا الى هذا المذهب، و لاأجمع العلماء منّا عليه، و أكثر أصحابنا يفتي بخلافه، و انّما عوّل من خالف من أصحابنا على خبر يرويه زرارة عن الباقر عليه السلام ، و قد بيّنّا أنّه ليس حجّة، ثمّ سلّمناه و تأوّلناه».(3)

و قال ابن ادريس: «و قد ذهب بعض أصحابنا الى أنّ الحامل عدّتها أقرب الأجلين، من جملتهم: ابن بابويه، و معنى ذلك أنّها ان مرّت بها ثلاثة أشهر، فقد انقضت عدّتها، و لاتحلّ للأزواج حتّى تضع ما في بطنها، و ان وضعت الحمل بعد طلاقه بلا فصل، بانت منه، و حلّت للأزواج».(4)و تعجّب منه.

و قال في الحدائق: «و التحقيق عندي في الجواب أنّ هذه الأخبار غير صريحة بل و لا ظاهرة فيما ادّعاه الصدوق رحمه‌الله لأنّ المفهوم من أخبار المسألة كملاً بعد ضمّ


1) - مختلف الشيعة 7: 135.

2) - المقنع: 345.

3) - الانتصار: 337.

4) - السرائر 2: 690.

بعضها الى بعض هو أنّ عدّة الحامل وضع الحمل، فانّه أقرب الأجلين كما هو مدلول صحيحتي الحلبي و أبي بصير، و انّما وصف وضع الحمل بأنّه أقرب الأجلين لجواز حصوله بعد الطلاق بلحظة أو أيّام يسيرة، و نحو ذلك بخلاف التحديد بالثلاثة الأشهر فانّه لا قرب فيها بالكلّية، و حينئذ فمعنى قوله في رواية الكناني: «و عدّتها أقرب الأجلين» أنّ عدّتها هو وضع الحمل الذي هو أقرب الأجلين، فهو صفة لموصوف محذوف لا أنّ المراد ما توهّمه رحمه‌الله و من معه من أنّ المعنى أقرب العدّتين، بمعنى أنّ أيّهما سبق اعتدّت به، فانّه مردود بالآية و الأخبار المتكاثرة كما عرفت. و على تقدير ما ذكرناه تجمع الآية و أخبار المسألة كملاً و يرتفع التنافي من البين. و أمّا ما ذكره المرتضى من دلالة رواية زرارة عن الباقر عليه السلام على قول الصدوق فانّا لم‌نقف فيما وصل الينا من الأخبار عليها، و انّما الذي وصل الينا ما ذكرناه من الروايات الثلاث المنقولة».(1)

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه صاحب الحدائق من الجمع بين الأخبار و توجيهها وجيه و ان لم‌يرتضه صاحب الجواهر و قال في تقوية قول الصدوق رحمه‌الله بأنّه مقتضى الجمع بين الكتاب و السنّة، و قال: «اذ منها ما دلّ على اعتداد المطلّقة بالثلاثة و منها ما دلّ على اعتداد الحامل مطلّقة كانت أو غيره بالوضع فيكون أيّهما سبق يحصل به الاعتداد، نحو ما سمعته في الثلاثة أشهر و الأقراء بعد القطع بعدم احتمال كون كلّ منهما عدّة في الطلاق كي يتوجّه الاعتداد حينئذ بأبعدهما. و أمّاالصحيحان فالمراد منهما الاعتداد بالوضع حال كونه أقرب الأجلين فالجملة حاليّة فيوافقان الخبر الأوّل بل جعلها مستأنفة لا حاصل له، ضرورة كون الموجود


1) - الحدائق الناضرة 25: 450.

في الخارج منه كلاًّ من الأقرب و الأبعد، اذ كما يمكن الوضع بعد لحظة يمكن تأخّره تسعة. انتهى ملخّصا».(1)

و فيه أوّلاً: انّ الآية نصّ في أنّ عدّة الحامل وضع الحمل حيث قال تعالى: «أن‌يضعن حملهنّ» و هي آبية عن التقييد و كذا صحيحتا زرارة و الحلبي و موثقّتا اسماعيل الجعفي و سماعة فلا بدّ من توجيه الصحاح التي كان في ذيلها «أقرب الأجلين» على جواز حصول الوضع بعد الطلاق بلحظة أو أيّام يسيرة.

و ثانيا انّ ما ذهب اليه صاحب الجواهر مغاير لما ذهب اليه الصدوق من التفصيل حيث قال فيما تقدّم من كلامه في المقنع: «اذا طلّقت و وضعت قبل ثلاثة أشهر فقد بانت و حلّت للأزواج، و اذا مضى ثلاثة أشهر قبل أن‌تضع فقد بانت و لاتحلّ للأزواج حتّى تضع». فلا بدّ لصاحب الجواهر من جمع آخر بين الروايات و توجيهها بوجه آخر غير ما ذكره.

ثمّ اعلم أنّه قد ذكرنا في فصل النفقات من كتاب النكاح روايات صحيحة كلّها صريحة أو ظاهرة في أنّ عدّة الحامل بوضع الحمل فراجع.

تكملة: لا فرق في اعتدادها بذلك و انقضاء عدّتها بوضع الحمل بين كون الحمل الذي وضع تامّا أو غير تامّ بعد أن‌يتحقّق أنّه حمل، و ذلك لاطلاق قوله تعالى: «و أولات الأحمال أجلهنّ أن‌يضعن حملهنّ».

و لموثّقة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحبلى اذا طلّقها زوجها فوضعت سقطا تمّ أو لم‌يتمّ أو وضعته مضغة، فقال: كلّ شيء يستبين أنّه حمل تمّ أو لم‌يتمّ فقدانقضت عدّتها و ان كان مضغة».(2)


1) - جواهر الكلام 32: 253 و 254.

2) - وسائل الشيعة 22: 197 / الباب 11 من أبواب العدد / الحديث 1.

قال في المسالك: «تنقضي العدّة بانفصاله حيّا و ميّتا؛ لصدق وضع الحمل. و يعتبر تحقّق كونه حملاً فلايكفي وضعه نطفة مع عدم استقرارها اجماعا. و معه وجهان من الشكّ في كونه قد صار حملاً. و حكم الشيخ بانقضاء العدّة و أطلق، و هو بعيد مطلقا. و الوجهان الآتيان في العلقة و هي القطعة من الدم التي لاتخطيط فيها. و وافق المصنّف و جماعة الشيخ عليها. و هو قريب مع العلم بأنّها مبدأ نشوء آدمي و الاّ فلا. و لو أسقطت مضغة كفت، و العلم بها أقرب».(1)

و قال في الجواهر: «انّ المدار هو صدق الحمل عرفا لا كونه نشوء آدمي فانّه أعمّ من ذلك و هذا هو الوجه في تقييد المصنّف و غيره بذلك بل لعلّ الخبر المزبور كذلك، و لا أقلّ من الشكّ في صدق الحمل بالمفروض و قد صرّح المصنّف و غيره بعدم العبرة به و قد عرفت وجهه، بل الظاهر عدم العبرة بظنّ أنّه حمل فضلاً عن الشكّ لاعتبار العلم في مصاديق الألفاظ».(2)

أقول:

ظاهر الكتاب و السنّة هو أنّ انقضاء عدّة الحامل بوضع الحمل، بحيث يصدق أنّ هذا حمل و الظاهر صدق الحمل اذا كان مضغة كما في الرواية. و أمّا النطفة فلايصدق أنّها حمل، كما أنّ صدق الحمل على العلقة مشكوك. نعم، ان تحقّق أنّه حمل فتنقضي العدّة بوضعها.

في عدم العبرة بالوضع اذا لم‌يكن الحمل ملحقا بمن له العدّة

(مسألة 6): انّما تنقضي العدّة بالوضع اذا كان الحمل ملحقا بمن له العدّة، فلا عبرة بوضع من لم‌يلحق به في انقضاء عدّته، فلو كانت حاملاً من زنا قبل الطلاق أو بعده لم‌تخرج منها به، بل يكون انقضاؤها بالأقراء و الشهور كغير


1) - مسالك الأفهام 9: 255.

2) - جواهر الكلام 32: 256.

الحامل، فوضع الحمل لا أثر له أصلاً. نعم، اذا حملت من وط‌ء الشبهة قبل الطلاق أو بعده بحيث يلحق الولد بالواطئ لا بالزوج فوضعه سبب لانقضاء العدّة بالنسبة اليه لا الزوج المطلّق.

الشرح:

الظاهر من الكتاب و السنّة أنّ انقضاء عدّة الحامل بالوضع مختصّ بما اذا كان الحمل ملحقا بالزوج المطلّق، و الظاهر انصراف الأدلّة عن الحامل بالزنا، مضافا الى أنّه لا حرمة للزنا و عليه فانقضاء عدّتها بالأقراء أو الشهور لا بوضع الحمل و لها التزويج بعد انقضاء العدّة و ان كانت حاملاً، اذا ألحق الحمل بالزنا كما في غيبة الزوج.

قال في المسالك: «وط‌ء الزنا لا حرمة له سواء حملت منه أم لا. ثمّ ان فرض انتفاؤه عن الفراش لكونه غائبا عنها على وجه ينتفي عنه فطلّقها، اعتدّت من الطلاق بما كانت تعتدّ به لولا الزنا، فان لم‌يكن لها مع الحمل حيض اعتدّت بالأشهر. و ان قلنا بجواز حيضها و وقع اعتدّت بالأقراء و بانت بانقضائها و ان لم‌تضع و جاز لها التزويج حينئذ و ان كانت حاملاً».(1)

و في الجواهر: «لو حملت من زنا ثمّ طلّقها الزوج اعتدّت بالسابق من الأشهر و الأقراء، كما لو لم‌يكن زنا، لا بالوضع بلا خلاف أجده فيه بل و لا في أنّ لها التزويج حينئذ بعد انقضاء العدّة؛ لعدم العدّة لها بوضعه و كذا لو لم‌تكن ذات بعل و كانت حاملة من زنا».(2)

هذا اذا كان الحمل من الزنا و أمّا اذا حملت من وط‌ء الشبهة قبل الطلاق أو بعده بحيث يلحق الولد بالواطئلا بالزوج فوضعه سبب لانقضاء العدّة بالنسبة الى


1) - مسالك الأفهام 9: 262.

2) - جواهر الكلام 32: 263.

الواطئ شبهة؛ لفرض احترام الوط‌ء عند الشارع و الوط‌ء ملحق بالواطئكذلك، فيترتّب عليه جميع آثار الصحّة. و أمّا انقضاء عدّة الطلاق من الزوج المطلّق فمعلّق على الأقراء و الشهور بعد وضعه الولد، فانّه قد تقدّم الكلام في ذلك في فصل التزويج في العدّة من كتاب النكاح و قلنا هناك بأنّ الأحوط وجوبا عدم تداخل العدّتين، و عليه فالأحوط أنّ عدّة الطلاق بالأقراء و الأشهر بعد الوضع.

قال في الجواهر: «و لو وطئت المرأة شبهة و ألحق الولد بالواطئلبعد الزوج عنها و نحوه ممّا يعلم به عدم كونه له ثمّ طلّقها الزوج اعتدّت بالوضع من الواطئ ثمّ استأنف عدّة الطلاق بعد الوضع. فلو فرض تأخّر دم النفاس عنه لحظة حسب قرءً من العدّة الثانية و الاّ كان ابتداء العدّة بعده بلا خلاف أجده في شيء من ذلك و لا اشكال».

فيما لو كانت حاملاً باثنين

(مسألة 7): لو كانت حاملاً باثنين فالأقوى عدم البينونة الاّ بوضعهما فللزوج الرجوع بعد وضع الأوّل، لكن لاينبغي ترك الاحتياط، و لاتنكح زوجا الاّ بعد وضعهما.

الشرح:

قال الشيخ في النهاية: «و ان كانت حاملاً باثنين فانّها تبين من الرجل عند وضعها الأوّل و لاتحلّ للأزواج حتّى تضع جميع ما في بطنها».(1)

و قال في الخلاف: «اذا طلّقها و هي حامل، فولدت توأمين بينهما أقلّ من ستّةأشهر، فانّ عدّتها لاتنقضي حتّى تضع الثاني منهما. و به قال أبو حنيفة و أصحابه و مالك و الشافعي و عامّة أهل العلم. و قال عكرمة: تنقضي عدّتها بوضع الأوّل.


1) - النهاية: 517.

و قد روى أصحابنا: أنّها تبين بوضع الأوّل، غير أنّها لاتحلّ للأزواج حتّى تضع الثاني، و المعتمد الأوّل. دليلنا: قوله تعالى: «و أولات الأحمال أجلهنّ أن‌يضعن حملهنّ» و هذه ما وضعت حملها».(1)

و قد ذهب في المبسوط(2)الى ما ذهب اليه في الخلاف.

و قال في الشرائع: «و لو كان حملها اثنين، بانت بالأوّل و لم‌تنكح الاّ بعد وضع الأخير. و الأشبه أنّها لاتبين الاّ بوضع الجميع».(3)

أقول:

قد استدلّ على ما ذهب اليه الشيخ في النهاية - من القول ببينونتها بالأوّل و عدم حلّيّتها للأزواج الاّ بعد وضع الأخير - أوّلاً برواية عبدالرحمن بن البصري - يعني أبا عبداللّه - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته و هي حبلى و كان في بطنها اثنان، فوضعت واحدا و بقي واحد، قال: تبين بالأوّل و لاتحلّ للأزواج حتّى تضع ما في بطنها».(4)

و مرسلة الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان قال:

«روى أصحابنا أنّ الحامل اذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الزوج و لايجوز لها أن‌تعقد على نفسها لغيره حتّى تضع الآخر».(5)

و ثانيا بما في المسالك من أنّ الحمل صادق على الواحد حالة الانفراد فكذا عند الاجتماع للاستصحاب.


1) - كتاب الخلاف 5: 60. مسألة 8.

2) - المبسوط 5: 241.

3) - شرائع الاسلام 3: 26.

4) - وسائل الشيعة 22: 196 / الباب 10 من أبواب العدد / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 22: 196 / الباب 10 من أبواب العدد / الحديث 2.

و قد حكى في المسالك عن ابن الجنيد القول بانقضاء العدّة بوضع أحدهما مطلقا. و عن القاضي و ابن حمزة ذهابهما الى قول الشيخ في النهاية.

هذا، ولكن الأصحّ ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف و المبسوط من عدم بينونتها الاّ بوضع جميع ما في بطنها و قد اختار ذلك الشهيد الثاني في المسالك و صاحب الجواهر و حكي اختياره أيضا عن العلاّمة و ابن شهر آشوب في متشابه القرآن و غيرهم.

و الدليل عليه - بعد ضعف الروايتين المتقدّمتين سندا و عدم الجابر لهما - أنّ الحمل اسم للجميع فقبل وضع الجميع يصدق انتفاء وضعه، و اذا صدق انتفاء وضع الحمل كذب وضع الحمل؛ لاستحالة اجتماع النقيضين على الصدق. و لأنّه تعالى جعل أجل الحوامل «أن‌يضعن حملهنّ» و هو لايصدق مادام في الرحم منه شيء. كما في المسالك.(1)

ولكن مع ذلك كلّه فالاحتياط لاينبغي تركه.

هذا و قد استدلّ في المسالك مضافا الى ما تقدّم بأنّ العدّة موضوعة لاستبراء الرحم و خلوّه من ولد مظنون فكيف تنقضي العدّة مع بقاء ولد موجود؟!

و لايخفى ما فيه من أنّ العدّة لاتكون الاّ تعبّدا، و استبراء الرحم لو اعتبر لاعتبر حكمة لا علّة للحكم.

و تظهر فائدة القولين - كما ذكره الشهيد الثاني - في الرجعة و موت الزوج قبله و النفقة عليها و غير ذلك من توابع العدّة، فعلى قول الشيخ ينتفي جميع ذلك الاّتحريم الزوج و على القول المشهور تصحّ رجعتها بين التوأمين و ترثه و لو مات بينهما و تلحقها أحكام المعتدّة مطلقا.


1) - مسالك الأفهام 9: 260.

فيما لو وطئت شبهة ثمّ طلّقت

(مسألة 8): لو وطئت شبهة فحملت و ألحق الولد بالواطئ لبعد الزوج عنها أو لغير ذلك ثمّ طلّقها أو وطئت شبهة بعد الطلاق على نحو ألحق الولد بالواطئ كانت عليها عدّتان: عدّة لوط‌ء الشبهة تنقضي بالوضع، و عدّة للطلاق تستأنفها فيما بعده، و كان مدّتها بعد انقضاء نفاسها اذا اتّصل بالوضع. و لو تأخّر دم النفاس يحسب النقاء المتخلّل بين الوضع و الدم قرء من العدّة الثانية و لو كان بلحظة.

الشرح:

قال في الشرائع: «و لو وطئت شبهة و لحق الولد بالواطئ لبعد الزوج عنها، ثمّ طلّقها الزوج، اعتدّت من الواطئ ثمّ استأنف عدّة الطلاق بعد الوضع».(1)

يدلّ على ما في المتن عدّة روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المرأة الحبلى المتوفّى عنها زوجها، تضع و تزوّج قبل أن‌يخلو أربعة أشهر و عشرا؟ قال: ان كان زوجها الذي تزوّجها دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت ما بقي من عدّتها للأولى و عدّة أخرى من الأخير، و ان لم‌يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت ما بقي من عدّتها و هو خاطب من الخطّاب».(2)

و منها صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها، قال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم‌تحلّ له أبدا و أتمّت عدّتها من الأوّل و عدّة أخرى من


1) - شرائع الاسلام 3: 26.

2) - وسائل الشيعة 22: 241 / الباب 31 من أبواب العدد / الحديث 6.

الآخر و ان لم‌يكن دخل بها فرّق بينهما و أتمّت عدّتها من الأوّل و كان خاطبا من الخطّاب».(1)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوّج قبل أن‌تمضي لها أربعة أشهر و عشرا، فقال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم‌تحلّ له أبدا، و اعتدّت بما بقي عليها من الأوّل و استقبلت عدّة أخرى من الآخر ثلاثة قروء، و ان لم‌يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت ما بقي عليها من الأوّل و هو خاطب من الخطّاب».(2)

و بازائها عدّة روايات تدلّ على وجوب عدّة واحدة:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في امرأة تزوّجت قبل أن‌تنقضي عدّتها، قال:

«يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا».(3)

و منها موثّقة أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في المرأة التي تزوّج في عدّتها قال: يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا».(4)

و منها مرسلة جميل عن أحدهما عليهماالسلام في المرأة تزوّج في عدّتها، قال:

«يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا، و ان جاءت بولد لستّة أشهر أو أكثر فهو للأخير، و ان جاءت بولد لأقلّ من ستّة أشهر فهو للأوّل».(5)


1) - وسائل الشيعة 20: 452 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 20: 452 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 20: 452 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 20: 452 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 12.

5) - وسائل الشيعة 20: 452 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 14.

و حملها الشيخ على عدم الدخول جمعا بينها و بين ما قبلها، و قد احتمل صاحب الوسائل حملها على التقيّة.

الاّ أنّا قد فصّلنا الكلام في ذلك في كتاب النكاح في فصل التزويج في العدّة و قلنا هناك بأنّ الأحوط وجوبا عدم تداخل العدّتين، و عليه فالأحوط أنّ عدّة الطلاق بالأقراء و الأشهر بعد الوضع.

و في الجواهر: «و لو وطئت شبهة و ألحق الولد بالواطئ لبعد الزوج عنها و نحوه ممّا يعلم به عدم كونه له ثمّ طلّقها الزوج اعتدّت بالوضع من الواطئ ثمّ استأنف عدّة الطلاق بعد الوضع. فلو فرض تأخّر دم النفاس عنه لحظة حسب قرءا من العدّة الثانية، و الاّ كان ابتداء العدّة بعده بلا خلاف أجده في شيء من ذلك و لا اشكال. بل لو فرض تأخّر الوط‌ء المزبور عن الطلاق كان الحكم كذلك أيضا؛ لعدم امكان تأخير عدّته التي هي وضع الحمل، فليس حينئذ الاّ تأخير اكمال عدّة الطلاق بعد فرض عدم التداخل بين العدّتين - كما هو المشهور - اذا كانتا لشخصين. بل عن الخلاف الاجماع عليه - الى أن‌قال: - فما عن أبي على و الصدوق في المحكي عن موضع من المقنعة من التداخل لأصالة البراءة و الروايات التي عرفتها، مدفوعة بأنّ الأصل لايجري فيما كان هناك دليل و الروايات المعارضة تحمل على ما اذا لم‌يدخل الثاني بها و هذا و ان كان بعيدا لكن لابأس به بعد رجحان الأولى عليها».(1).

و في المسالك فرّع على المسألة فروعا، حيث قال: «ثمّ امّا أن‌يتقدّم وط‌ء الشبهة على طلاق الزوج أو يتأخّر عنه أو يقارنه، و على التقادير امّا أن‌تحمل من وط‌ء الشبهة أو لا، فان حملت قدّمت عدّة الحمل سواء كان الطلاق متقدّما أو متأخّرا؛ لأنّ عدّة الحمل لاتقبل التأخير. ثمّ ان كان المتقدّم وط‌ء الشبهة اعتدّت


1) - جواهر الكلام 32: 264 - 266.

بالوضع من الواطئ ثمّ استأنف عدّة الطلاق بعد الوضع بالأقراء أو الأشهر حسب ما يتّفق، ثمّ ان تأخّر النفاس عن الوضع و لو لحظة حسب بحيضة للعدّة الثانية، و ان قارن كان ابتداء العدّة بعده. و ان كان المتقدّم الطلاق انقضت عدّة الوط‌ء بالوضع و عادت الى بقيّة عدّة الطلاق بعد الوضع. و لو لم‌تحمل من وط‌ء الشبهة و كان المتقدّم هو الطلاق أتمّت عدّته؛ لتقدّمها و قوّتها فانّها تستند الى عقد جائز و سبب مسوّغ، فاذا فرغت منها استأنفت عدّة الثاني. و للزوج مراجعتها في عدّته ان كان الطلاق رجعيّا، فان راجعها انقطعت عدّته و شرعت في عدّة الوط‌ء بالشبهة، و ليس للزوج الاستمتاع بها الى أن‌تنقضي. انتهى ملخّصا».(1)

و قد فصّلنا الكلام عن هذه المسألة مع فروعاتها في كتاب النكاح فراجع.

فيما لو ادّعت المطلّقة الحامل أنّها وضعت و أنكر الزوج

(مسألة 9): لو ادّعت المطلّقة الحامل أنّها وضعت فانقضت عدّتها و أنكر الزوج أو انعكس فادّعى الوضع و انقضاء العدّة و أنكرت هي أو ادّعت الحمل و أنكر أو ادّعت الحمل و الوضع معا و أنكرهما يقدّم قولها بيمينها بالنسبة الى بقاء العدّة و الخروج منها لا بالنسبة الى آثار الحمل غير ما ذكر على الظاهر.

الشرح:

قال في المهذّب: «لأنّ الحمل و الوضع من فعلها و هي أبصر بهما من غيرها، فلا بدّ من تقديم قولها و أنّ اليمين لقطع الخصومة و النزاع، مع اطلاق قول الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: «و لايحلّ لهنّ أن‌يكتمن ما خلق اللّه في أرحامهنّ»: «قد فرض الى النساء ثلاثة أشياء: الحيض و الطهر و الحمل». و قول


1) - مسالك الأفهام 9: 263 و 264.

أبي جعفر عليه السلام في الصحيح: «العدّة و الحيض للنساء اذا ادّعت صدّقت». الشامل بالاطلاق لما ذكرناه بعد القطع بعدم الفرق بين الموارد».(1)

أقول:

ان أمكن حصول العلم من طريق من الطرق و لو بقول أهل الخبرة و بالآلات الحديثة، بأنّ الزوجة حامل أو لا أو أنّها وضعت أو لا، فلا بدّ من تحصيل العلم بذلك.

و ان كان للزوج على ما ادّعاه - سواء كانت هي حمل الزوجة أو وضعها أو غيرهما - بيّنة فليقمها و يقدّم قوله.

و أمّا ان لم‌يكن هناك طريق الى العلم و لم‌يكن للزوج بيّنة على ما ادّعاه فيقدّم قول المرأة؛ لما دلّ عليه غير واحد من الروايات من أنّ العدّة و الحمل و الحيض للنساء و قد تكلّمنا عنها غير مرّة.

فيما لو اختلفا في المتقدّم و المتأخّر من الوضع و الطلاق

(مسألة 10): لو اتّفق الزوجان على ايقاع الطلاق و وضع الحمل و اختلفا في المتقدّم و المتأخّر فقال الزوج: «وضعت بعد الطلاق فانقضت عدّتك» و قالت: «وضعت قبله و أنا في العدّة» أو انعكس لايبعد تقديم قولها في بقاء العدّة و الخروج منها مطلقا من غير فرق بين ما لم‌يتّفقا على زمان أحدهما أو اتّفقا عليه.

الشرح:

قال في الشرائع: «اذا اتّفق الزوجان في زمان الطلاق، و اختلفا في زمان الوضع كان القول قولها؛ لأنّه اختلاف في الولادة و هي فعلها. و لو اتّفقا في زمان الوضع و


1) - مهذّب الأحكام 26: 86.

اختلفا في زمان الطلاق فالقول قوله؛ لأنّه اختلاف في فعله و في المسألتين اشكال؛ لأنّ الأصل عدم الطلاق و عدم الوضع فالقول قول من ينكرهما».(1)

و في المسالك: «اذا ولدت المرأة و طلّقها زوجها ثمّ اختلفا فقال الزوج: طلّقتك بعد الولادة فأنت في العدّة و لي الرجعة، و قالت المرأة: بل طلّقتني قبل الولادة و انقضت عدّتي بالوضع. أو انعكس فقال: طلّقتك قبل الولادة و قد انقضت عدّتك فلا نفقة لك عليّ و قالت: بل بعدها فالعدّة باقية و لي النفقة، نظر ان اتّفقا على وقت الولادة كيوم الجمعة و قال: طلّقتك يوم السبت، فقالت: بل يوم الخميس، فهو المصدّق بيمينه؛ لأنّ الطلاق بيده فيصدّق في وقته كما يصدّق في أصله و لأنّ الأصل عدم الطلاق يوم الخميس.

و ان انعكس قدّم قوله أيضا للعلّة الأولى و ان عارضتها الثانية.

و ان اتّفقا على وقت الطلاق كيوم الجمعة و اختلفا في وقت الولادة فقال: ولدت يوم الخميس. و قالت: بل يوم السبت، فهي المصدّقة بيمينها؛ لأنّ القول في أصل الولادة قولها فكذلك في وقتها، و لأنّ الأصل عدم الولادة يوم الخميس. و لو انعكس قدّم قولها أيضا للعلّة الأولى.

هكذا أطلق الشيخ و جماعة. و المصنّف استشكل في حكم المسألتين على الاطلاق. و محصّل الاشكال أنّ مجرّد كون الفعل من المدّعي مع معارضة الأصلغير كافٍ في تقديم قوله؛ لأنّ الأصل قاعدة يرجع اليها في الأحكام الشرعيّة بخلاف تقديم قول مدّعي الفعل. و حينئذ فاللازم تقديم قول من يدّعي تأخّر الفعل من الطلاق أو الوضع، سواء كان المدّعي هو الفاعل أم غيره، فيقدّم قوله في الأولى دون عكسها و قول المرأة في الثانية دون عكسها. و هذا هو الوجه».(2)


1) - شرائع الاسلام 3: 26.

2) - مسالك الأفهام 9: 266.

و قال في وسيلة النجاة: «لو اتّفق الزوجان على ايقاع الطلاق و وضع الحمل و اختلفا في المتقدّم و المتأخّر فقال الزوج مثلاً: «وضعت بعد الطلاق فانقضت عدّتك» و قالت الزوجة: «وضعت قبل الطلاق و الطلاق وقع و أنا حائل فبعد أنا في العدّة» أو انعكس فقال الزوج: «وضعت قبل الطلاق فأنت في العدّة» و يريد الرجوع اليها و ادّعت الزوجة خلافه، فالظاهر أنّه يقدّم قول من يدّعي بقاء العدّة؛ سواء كان هو الزوج أو الزوجة؛ من غير فرق بين ما لم يتّفقا على زمان أحدهما، كما اذا ادّعى أحدهما أنّ الطلاق كان في شعبان و الوضع في رمضان و ادّعى الآخر العكس، أو اتّفقا على زمان أحدهما، كما اذا اتّفقا على أنّ الطلاق وقع في رمضان و اختلفا في زمان الوضع فقال أحدهما: «انّه كان في شوّال» و ادّعى الآخر: «أنّه كان في شعبان» أو اتّفقا في أنّ الوضع كان في رمضان و اختلفا في أنّ الطلاق كان في شوّال أو شعبان».(1)

و قد قبل في المهذّب(2)كلام صاحب الوسيلة و استدلّ عليه بأصالة بقاء العدّة؛ لعموم دليل حجّية استصحاب بقاء العدّة الشامل لجميع ذلك، ما لم‌يثبت الخلاف بدليل معتبر و المفروض أنّه مفقود. و أنّه لايثبت اعتبار قولها مطلقا في العدّة و الحيض و الحمل حتّى في مورد التخاصم.

أقول:

الظاهر أنّ الرجوع اليهنّ في العدّة لايشمل مثل الفرض من موارد التخاصم كما قال في الجواهر و قد نقل عن كشف اللثام: «انّ ذلك انّما هو اذا تيقّنت العدّة بل و اذا لم‌يدّع الزوج العلم بكذبها و لذا حكم في المبسوط و غيره بأنّهما اذا تداعيا و حلفا فيقول الزوج: لم‌تنقض عدّتك بالوضع فعليك الاعتداد بالأقراء، و


1) - وسيلة النجاة 784 / المسألة 10.

2) - مهذّب الأحكام 26: 87.

تقول: انقضت عدّتي بالوضع، فالقول قوله؛ لأنّ الأصل بقاء العدّة».(1)

نعم، قد استشكل في الجواهر في الحكم بأصالة عدم تقدّم المجهول بأنّ مرجعها الى كون الأصل مثبتا فيعارض حينئذ بأصل آخر مثله، ثمّ أفتى رحمه‌الله بأنّ الزوج ان كان يدّعي تأخّر الطلاق فيقدّم قولها؛ لأصالة بقاء حقوق الزوجيّة من النفقة و شبهها.

ولكن الظاهر أنّ استصحاب عدم تقدّم مجهول التأريخ - من الطلاق أو الحمل - يقدّم و لايكون مثبتا، و عليه فان كان تاريخ الطلاق معلوما مع الجهل بتاريخ وضع الحمل فيقدّم قول مدّعي تأخّر الوضع عن الطلاق، و ان انعكس انعكس، سواء كان مدّعي التأخّر هو الرجل أو المرأة، فما ذهب اليه الشهيد في المسالك و قال بأنّه هو الوجه، وجيه حسن.

و أمّا قاعدة «من ملك» فلاتجري في هذا المقام أيضا لما قرّرنا في محلّه من أنّ هذه القاعدة لاتجري في موارد التخاصم، فلا وجه للقول بأنّ قول الرجل مقدّم لكون الطلاق بيده.

و أمّا استصحاب بقاء العدّة فالظاهر عدم جريانه أيضا و ذلك لحكومة استصحاب عدم تقدّم مجهول التاريخ عليه؛ حكومة الأصل السببي على المسبّبي.

ثمّ لو كانا مجهولي التاريخ فالظاهر أنّ الاستصحابين متعارضان و لايجري واحد منهما، و حينئذ فيقدّم قول المرأة بالنسبة الى أنّها في العدّة أو لا.

في عدّة طلاق الحائل

(مسألة 11): لو طلّقت الحائل أو انفسخ نكاحها فان كانت مستقيمة الحيض بأن‌تحيض في كلّ شهر مرّة كانت عدّتها ثلاثة قروء، و كذا اذا تحيض في كلّ شهر أزيد من مرّة أو ترى الدم في كلّ شهرين مرّة، و بالجملة


1) - جواهر الكلام 32: 269.

كان الطهر الفاصل بين حيضتين أقلّ من ثلاثة أشهر، و ان كانت لاتحيض و هي في سنّ من تحيض - امّا لكونها لم‌تبلغ الحدّ الذي ترى الحيض غالب النساء و امّا لانقطاعه لمرض أو حمل أو رضاع - كانت عدّتها ثلاثة أشهر، و يلحق بها من تحيض لكن الطهر الفاصل بين حيضتين منها ثلاثة أشهر أو أزيد.

الشرح:

قال في الشرائع: «مستقيمة الحيض تعتدّ بثلاثة أقراء و هي الأطهار على أشهر الروايتين، اذا كانت حرّة سواء كانت تحت حرّ أو عبد. و لو طلّقها و حاضت بعد الطلاق بلحظة احتسب تلك اللحظة قرءً ثمّ أكملت قرءين آخرين، فان رأت الدم الثالث فقد قضت العدّة. هذا ان كانت عادتها مستقرّة بالزمان. فان اختلفت، صبرت الى انقضاء أقلّ الحيض، أخذا بالاحتياط. و أقلّ زمان تنقضي به العدّة ستّة و عشرون يوما و لحظتان ولكن الأخيرة ليست من العدّة و انّما هي دلالة على الخروج منها، و قال الشيخ رحمه‌الله: هي من العدة؛ لأنّ الحكم بانقضاء العدّة موقوف على تحقّقها. و الأوّل أحقّ».(1)

و في المسالك: «القرء - بالفتح و الضمّ - تجمع على أقراء و قروء و أقرؤ. و أنّه يقع على الحيض و الطهر جميعا بالاشتراك اللفظي أو المعنوي.

اتّفق العلماء على أنّ أقراء العدّة على أحد الأمرين، و اختلفوا في أيّهما المراد من الآية فذهب جماعة من الفقهاء و أكثر أصحابنا الى أنّه الطهر؛ لقوله تعالى: «ثلاثة قروء» فأثبت الهاء في العدد و هو مختصّ بالمذكّر، و الطهر مذكّر دون الحيض. و لقوله تعالى: «فطلّقوهنّ لعدّتهنّ» أي في زمان عدّتهنّ، و حذف لفظ


1) - شرائع الاسلام 3: 23.

الزمان لأنّ العدّة تستعمل مصدرا و المصادر يعبّر بها عن الزمان، فكانت الآية اذنا في الطلاق في زمان العدّة و معلوم أنّ الطلاق في الحيض محرّم اجماعا فينصرف الاذن الى زمان الطهر. و تؤيّده الأخبار الواردة من طريق الخاصّة.

و قيل: انّه الحيض؛ لقوله تعالى: «و اللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدّتهنّ ثلاثة أشهر» فنقلها عمّا يئست منه الى بدله، و البدل غير المبدل، و لمّا كان اليأس من الحيض دلّ على أنّه القرء. و يؤيّده الروايات الواردة من طرق الخاصّة. و الأوّل أشهر بين الأصحاب. و الشيخ حمل هذه على التقيّة. و هو بعيد؛ لأنّ العامّة مختلفون في ذلك فلا وجه لتقيّة قوم دون قوم. و جمع المفيد رحمه‌الله بينهما بوجه أظهر ممّا ذكره الشيخ و هو أنّه اذا طلّقها في آخر طهرها اعتدّت بالحيض و ان طلّقها في أوّله اعتدّت بالأقراء التي هي الأطهار. و استوجهه الشيخ في التهذيب. و كيف كان فالمذهب هو الأوّل. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لو طلّقت الحائل أو انفسخ نكاحها فان كانت مستقيمة الحيض بأن‌تحيض في كلّ شهر مرّة كانت عدّتها ثلاثة قروء، و المراد من القرء الطهر بمعنى أنّه بمجرّد اتمام الطهر الثالث و الشروع في الحيضة الثالثة تنقضي العدّة، تدلّ عليه عدّة روايات:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الأقراء هي الأطهار».(2)

و منها صحيحته الأخرى قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : سمعت ربيعة الرأي يقول: من رأيي أنّ الأقراء


1) - مسالك الأفهام 9: 217 - 221.

2) - وسائل الشيعة 22: 201 / الباب 14 من أبواب العدد / الحديث 3.

التي سمّى اللّه عزّوجلّ في القرآن انّما هو الطهر فيما بين الحيضتين، فقال: كذب لم‌يقل برأيه ولكنّه انّما بلغه عن علي عليه السلام ، فقلت: أكان علي عليه السلام يقول ذلك؟ فقال: نعم، انّما القرء الطهر يقرأ فيه الدم فيجمعه فاذا جاء الحيض دفعه».(1)

و منها صحيحته الثالثة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«القرء ما بين الحيضتين».(2)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«القرء ما بين الحيضتين».(3)

و منها موثّقة موسى بن بكر عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):

«انّ عليّا عليه السلام قال: انّما القرء ما بين الحيضتين».(4)

و منها صحيحة رابعة لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: أصلحك اللّه، رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين، فقال: اذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدّتها و حلّت للأزواج، قلت له: أصلحك اللّه، انّ أهل العراق يروونعن علي عليه السلام أنّه قال: هو أحقّ برجعتها ما لم‌تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال: فقد كذبوا».(5)

و منها صحيحته الخامسة عن أحدهما عليهماالسلام قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 201 / الباب 14 من أبواب العدد / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 201 / الباب 14 من أبواب العدد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 201 / الباب 14 من أبواب العدد / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 202 / الباب 14 من أبواب العدد / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 22: 203 / الباب 15 من أبواب العدد / الحديث 1.

«المطلّقة ترث و تورث حتّى ترى الدم الثالث، فاذا رأته فقد انقطع».(1)

و منها صحيحة سادسة له عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«المطلّقة اذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت منه».(2)

و منها صحيحته السابعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المطلّقة تبين من أوّل قطرة من الحيضة الثالثة، قال: قلت: بلغني أنّ ربيعة الرأي قال: من رأيي أنّها تبين عند أوّل قطرة، فقال: كذب ما هو رأيه، انّما هو شيء بلغه عن علي عليه السلام ».(3)

الى غير ذلك من الروايات التي نقلها في الوسائل فراجع.(4)

و بازائها روايات قابلة للتأويل جمعا بين الطائفتين:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«عدّة التي تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء و هي ثلاث حيض».(5)

و منها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المطلّقة، كم عدّتها؟ فقال: ثلاث حيض تعتدّ أوّل تطليقة».(6)

و منها رواية عبداللّه بن ميمون عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه قال:

«قال علي عليه السلام : اذا طلّق الرجل المرأة فهو أحقّ بها ما لم‌تغتسل من الثالثة».(7)


1) - وسائل الشيعة 22: 203 / الباب 15 من أبواب العدد / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 204 / الباب 15 من أبواب العدد / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 22: 204 / الباب 15 من أبواب العدد / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 22 / الباب 15 من أبواب العدد / الأحاديث 2، 4، 5، 6، 9، 10، 11 و 19.

5) - وسائل الشيعة 22: 202 / الباب 14 من أبواب العدد / الحديث 7.

6) - وسائل الشيعة 22: 203 / الباب 14 من أبواب العدد / الحديث 8.

7) - وسائل الشيعة 22: 207 / الباب 15 من أبواب العدد / الحديث 12.

و منها غيرها.

فيحمل ما عدا الأخيرة على أن‌يكون مراده عليه السلام : اذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فيكون قد مضى لها ثلاث حيض، حيث ليس فيه أنّها تستوفي الحيضة الثالثة.

و تحمل الأخيرة و نحوها على التقيّة، مضافا الى كونها ضعيفة السند.

ثمّ لايخفى عليك عدم الفرق في العدّة بالأقراء بين المطلّقة و مفسوخة النكاح من قبله أو قبلها، بل و الموطوءة شبهة كما عليه علماؤنا. و لا فرق في ذلك بين الحيض الطبيعي و بين ما جاء بعلاج و كذا الطهر؛ لتحقّق الصدق عرفا. و كذا لا فرق بين الحيض و النفاس الذي هو كالحيض. و ما في النصوص السابقة من أنّ القرء ما كان بين الحيضتين محمول على الغالب أو على الحاق ما هو كالحيض به، و حينئذ فالمراد به المدّة التي بين حيضتين أو حيض و نفاس.

قال في الجواهر: «المرأة المستقيمة الحيض تعتدّ بثلاثة أقراء بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى الكتاب و السنّة. و هي الأطهار هنا عندنا على أشهر الروايتين عملاً و رواية، بل لم‌أقف فيه على مخالف و ان أرسله بعضهم، بل عن صريح الانتصار و الخلاف و ظاهر الاستبصار و غيرها الاجماع عليه، بل يمكن تحصيله أو القطع بذلك و لو بملاحظة النصوص و الفتاوى كما أنّه يمكن دعوى تواتر الأدلّة فيه أو القطع به. - الى أن‌قال: - و لا فرق فيما ذكرنا بين القول باشتراك لفظ القرء بين الحيض و الطهر لفظا أو معنىً أو بكونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، كما أنّه لا فرق بين القول باختلاف معنى القرء بالفتح أوالضمّ و أنّ الأوّل للحيض و يجمع على أقراء، و الثاني للطهر و يجمع على قروء و القول باتّحادهما و ذلك لتصريح النصّ و الفتوى بكون المراد هنا الأطهار على كلّ حال».(1)


1) - جواهر الكلام 32: 219 و 220.

فرع: تلحق بالمرأة التي تحيض في كلّ شهر مرّة، المرأة التي تحيض في كلّ شهر أزيد من مرّة أوترى الدم في كلّ شهرين أو أزيد مرّة بشرط أن‌يكون الطهر الفاصل بين حيضتين أقلّ من ثلاثة أشهر، و الاّ كانت عدّتها ثلاثة أشهر.

تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«أمران أيّهما سبق بانت منه المطلّقة المسترابة: ان مرّت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت منه، و ان مرّت بها ثلاثة حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض. قال ابن أبي عمير: قال جميل: و تفسير ذلك: ان مرّت بها ثلاثة أشهر الاّ يوما فحاضت ثمّ مرّت بها ثلاثة أشهر الاّ يوما فحاضت ثمّ مرّت بها ثلاثة أشهر الاّ يوما فحاضت، فهذه تعتدّ بالحيض على هذا الوجه و لاتعتدّ بالشهور و ان مرّت بها ثلاثة أشهر بيض لم‌تحض فيها فقد بانت».(1)

و منها صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: أمران أيّهما سبق الى المسترابة انقضت عدّتها: ان مرّت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم انقضت عدّتها بالشهور، و ان مرّت بها ثلاث حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر انقضت عدّتها بالحيض».(2)

و قد مرّ أنّ المرأة برؤية الحيض الثالث تخرج عن العدّة.

و منها حسنة محمّد بن حكيم قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة يرتفع حيضها، فقال: ارتفاع الطمث


1) - وسائل الشيعة 22: 185 / الباب 4 من أبواب العدد / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 22: 188 / الباب 4 من أبواب العدد / الحديث 12.

ضربان: فساد حيض و ارتفاع من حمل، فأيّهما كان فقد حلّت للأزواج اذا وضعت أو مرّت بها ثلاثة أشهر بيض، ليس فيها دم».(1)

و منها صحيحة أبي العبّاس قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل طلّق امرأته بعد ما ولدت و طهرت و هي امرأة لاترى دما مادامت ترضع، ما عدّتها؟ قال: ثلاثة أشهر».(2)

قال في الجواهر: «و لو كان التي لاتحيض و مثلها يحيض بمعنى أنّ انقطاع الدم عنها لأمر لم‌يعلم حاله اعتدّت بثلاثة أشهر اجماعا ان لم‌تسبقها أقراء ثلاثة لم‌يكن بين الحيضتين منها ثلاثة أشهر بيض».(3)

في أنّ المراد بالقروء الأطهار

(مسألة 12): المراد بالقروء الأطهار، و يكفي في الطهر الأوّل مسمّاه و لو قليلاً، فلو طلّقها و قد بقيت منه لحظة يحسب ذلك طهرا، فاذا رأت طهرين آخرين تامّين بتخلّل حيضة بينهما انقضت العدّة، فانقضاؤها برؤية الدم الثالث. نعم، لو اتّصل آخر صيغة الطلاق بأوّل زمان الحيض صحّ الطلاق، لكن لا بدّ في انقضاء العدّة من أطهار تامّة، فتنقضي برؤية الدم الرابع، كلّ ذلك في الحرّة.

الشرح:

قد تقدّم شرح صدر المسألة في المسألة السابقة. و أمّا ذيل المسألة فهو كما في المتن.

قال في الجواهر: «و لو وقع الطهر ثمّ حاضت مع انتهاء التلفّظ بحيث


1) - وسائل الشيعة 22: 189 / الباب 4 من أبواب العدد / الحديث 16.

2) - وسائل الشيعة 22: 185 / الباب 4 من أبواب العدد / الحديث 6.

3) - جواهر الكلام 32: 236.

لم‌يحصل زمان يتخلّل الطلاق و الحيض صحّ الطلاق؛ لوقوعه في الطهر المعتبر و لم‌تعتدّ بذلك الطهر؛ لأنّه لم‌يتعقّب الطلاق حتّى يكون عدّة له، اذ لا وجه لاعتدادها بما وقع فيه الطلاق؛ لعدم صدق كونها مطلّقة الاّ بعده و حينئذ فيفتقر في انقضاء عدّتها الى ثلاثة أقراء مستأنفة بعد الحيض و ذلك لايكون الاّ برؤية الدم الرابع بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بعد تحقّق الغرض».(1)

في عدّة المتعة

(مسألة 13): عدّة المتعة في الحامل وضع حملها، و في الحائل اذا كانت تحيض قرءان، و المراد بهما هنا حيضتان على الأقوى، و ان كانت لاتحيض و هي في سنّ من تحيض فخمسة و أربعون يوما، و المراد من الحيضتين الكاملتان، فلو وهبت مدّتها أو انقضت في أثناء الحيض لم‌تحسب بقيّة تلك الحيضة من الحيضتين.

الشرح:

عدّة المتعة في الحامل وضع حملها و ذلك لاطلاق قوله تعالى: «و أولات الأحمال أجلهنّ أن‌يضعن حملهنّ»(2)و لاطلاق الروايات الواردة في طلاق الحامل المذكورة في الوسائل كما سبق في محلّه، بناءً على كون الطلاق عبارة أخرى عن مطلق الفراق كما يظهر ذلك من كلمات الفقهاء و قد تقدّم بعضها.

و عدّتها في الحائل قرءان اذا كانت تحيض و المراد بهما هنا حيضتان.

تدلّ عليه صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المتعة، فقال: ألق عبدالملك بن جريح فسله عنها، فانّ عنده منها علما، فلقيته فأملى عليّ شيئا كثيرا في


1) - جواهر الكلام 32: 228.

2) - الطلاق 65: 4.

استحلالها و كان فيما روى لي فيها ابن جريح: انّه ليس فيها وقت و لا عدد انّما هي بمنزلة الاماء يتزوّج منهنّ كم شاء و صاحب الأربع نسوة يتزوّج منهنّ ما شاء بغير ولي و لا شهود، فاذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق و يعطيها الشيء اليسير و عدّتها حيضتان و ان كانت لاتحيض فخمسة و أربعون يوما، قال: فأتيت بالكتاب أبا عبداللّه عليه السلام ، فقال: صدق و أقرّ به. قال ابن أذينة: و كان زرارة يقول هذا و يحلف أنّه الحقّ الاّ أنّه كان يقول: ان كانت تحيض فحيضة و ان كانت لاتحيض فشهر و نصف».(1)

و في الجواهر: «اذا انقضى أجلها بعد الدخول أو وهبت الأجل حرّة كانت أو أمة بلا خلاف في التسوية بينهما، فعدّتها حيضتان وفاقا للشيخ و من بعده كما في كشف اللثام. و روي حيضة و عمل بها ابن أبي عقيل على ما قيل بل عن ابن أذينة أنّه مذهب زرارة أيضا و هو متروك بين الأصحاب فلايعارض الأوّل الذي يدلّ عليه الصحيح أو الحسن عن اسماعيل بن الفضل الهاشمي عنه عليه السلام : «و عدّتها حيضتان، فان كانت لاتحيض فخمسة و أربعون يوما». و خبر أبي بصير المروي عن تفسير العيّاشي و عن كتاب الحسين بن سعيد على ما عن البحار عن أبي جعفر عليه السلام في المتعة - الى أن‌قال: - «و لاتحلّ لغيرك حتّى تنقضي عدّتها و عدّتها حيضتان» و ما في المسالك و الروضة من خبر محمّد بن الفضل عن أبي الحسن الماضي عليه السلام : «طلاق الأمة تطليقتان و عدّتها حيضتان» منضمّا الى مارواه زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السلام : «انّ على المتمتّعة ما على الأمة» فانّ المجتمع من الروايتين أنّ عدّة المتعة حيضتان. انتهى ملخّصا».(2)


1) - وسائل الشيعة 21: 19 / الباب 4 من أبواب المتعة / الحديث 8.

2) - جواهر الكلام 30: 196.

و الأحوط احتياطا لايترك أنّ الحيضتين حيضتان كاملتان و قد فصّلنا في كتاب النكاح في فصل النكاح المنقطع الكلام عن هذا، و قلنا هناك بعد التفصيل و ذكر الروايات أنّ الأحوط كون الحيضتين تامّتين.

في أنّ المدار في الشهور هو الهلالي

(مسألة 14): المدار في الشهور هو الهلالي، فان وقع الطلاق في أوّل رؤية الهلال فلا اشكال، و ان وقع في أثناء الشهر ففيه خلاف و اشكال، و لعلّ الأقوى في النظر جعل الشهرين الوسطين هلاليّين و اكمال الأوّل من الرابع بمقدار ما فات منه.

الشرح:

المدار في الشهور على الهلاليّة منها لأنّها المتعارفة بين المسلمين فيحمل اللفظ عليها مع عدم القرينة على خلافها ان وقع الطلاق في أوّل رؤيته بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - للانصراف الى الهلالي في عرف الشرع، بل قد جاء التصريح به في رواية أبي مريم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في الرجل كيف يطلّق امرأته و هي تحيض في كلّ ثلاثة أشهر حيضة واحدة؟ قال: يطلّقها تطليقة واحدة في غرّة الشهر، فاذا انقضت ثلاثة أشهر من يوم طلّقها فقد بانت منه و هو خاطب من الخطّاب».(1)

و أمّا لو طلّقت في أثناء الشهر فالأقوى - كما في الشرائع - جعل الشهرينالوسطين هلالييّن و اكمال الأوّل من الرابع بمقدار ما فات منه و يحتاط باتمامه ثلاثين يوما.


1) - وسائل الشيعة 22: 200 / الباب 13 من أبواب العدد / الحديث 3.

أمّا جعل الوسطين هلاليّين فلانطباق الاطلاق عليهما قهرا. و أمّا تتميم الأوّل من الرابع، فلحكم العرف به بعد حكمه بتقديم جعل الوسطين هلاليّين على التكسير في كلّ شهر. ولكن الأحوط وجوبا اتمام الأوّل ثلاثين يوما من الرابع.

فيما لو اختلفا في انقضاء العدّة و عدمه

(مسألة 15): لو اختلفا في انقضاء العدّة و عدمه قدّم قولها بيمينها، سواء ادّعت الانقضاء أو عدمه، و سواء كانت عدّتها بالأقراء أو الأشهر.

الشرح:

قد تقدّم منّا الكلام في أمثال هذه المسألة مرارا، و الظاهر جريان أحكام الدعوى في هذه المسألة و الحكم الأصيل في الدعوى هو كون البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر، و قلنا مرارا أنّ قاعدة «من ملك» أو ما ورد من أنّ العدّة و الحيض و الحمل للنساء و غير ذلك من تصديق المدّعي بلا بيّنة، لاتجري فيما اذا كان هناك دعوى و انكار.

و على هذا فلو اختلفا في انقضاء العدّة و عدمه فمدّعي الانقضاء يلزم بالبيّنة و منكره يلزم بالحلف سواء كان الأوّل هو الرجل و الثاني هو المرأة أو بالعكس.

ثمّ انّ هنا مسائل لم‌يذكرها في الوسيلة، و نحن نذكرها تتميما للبحث على وفق ما ذكره السبزواري في مهذّب الأحكام.

في مسائل متعلّقة بأحكام عدّة المتعة

المسألة الأولى: اذا كانت المتمتّع بها غير مستقيمة الحيض أو مسترابة يحتمل أن‌تكون عدّتها أسبق العدّتين من الأيّام أو القرءين، ولكنّه مشكل؛ لعدم الدليل الاّ التنظير على الطلاق و هو لايخلو عن القياس، أو التمسّك بخبر قرب الاسناد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : عدّة المتعة حيضة و قال: خمسة و أربعون يوما لبعض أصحابه».(1)


1) - وسائل الشيعة 21: 53 / الباب 22 من أبواب المتعة / الحديث 6.

و مثله غيره، فهو مجمل لايستفاد منه حكم المقام، فالأحوط أبعد الأجلين؛ لحصول العلم بتحقّق العدّة الواقعيّة.

أقول:

الأقوى أنّ عدّتها أسبق العدّتين من الأيّام أو القرءين كما في عدّة الطلاق اذا مضى عن المرأة المطلّقة ثلاثة أشهر و لم‌تحض، فعدّتها بالأشهر. و هنا أيضا اذا مضى عن المرأة المتمتّع بها خمسة و أربعون يوما و لم‌تر دما فقد مضت عدّتها و هذا التنظير ليس بقياس بل هو تطبيق، و لاننكر الاحتياط هنا فانّه حسن.

الثانية: لو عقد على الحرّة متعة فدخل بها ثمّ تبيّن فساد العقد، فعدّتها عدّة الطلاق؛ لظهور عدم انطباق عنوان المتعة عليها - كما هو المفروض - فلا موضوع حينئذ للاعتداد بالتمتّع، فتدخل في الوط‌ء المحترم فتشمله اطلاقات أدلّة العدّة من غير تقييد. و هذا كما في العقد الدائم اذا تبيّن فساده بعد الدخول.

و ان عقد على الأمة متعة فتبيّن الفساد بعد الدخول فحكمها الاستبراء كما في الوط‌ء المجرّد عن العقد و كما في العقد الدائم عليها مع تبيّن الفساد، لتحقّق الوط‌ء المحترم في الأمة فتشملها اطلاقات أدلّة الاستبراء مع الوط‌ء من غير دليل حاكم عليها.

الثالثة: اذا لم‌يعلم أنّ العقد دائم أو متعة، يجري عليه حكم الدوام؛ لأصالة عدم ذكر المدّة فيجري عليه حكم الدوام و لا وجه لتوهّم الاثبات؛ لأنّ المنقطع و الدوام حقيقة واحدة و انّما يتحقّق الانقطاع بذكر المدّة، و الأصل عدمه بلا وساطة شيء.فانّا قد ذكرنا في كتاب النكاح في فصل النكاح المنقطع، أنّ العقد المنقطع ينقلب دائما اذا لم‌يذكر الأجل فيه، و عليه فاذا شكّ في ذكر الأجل فالحكم هو دوام العقد سواء علم بقصد الدائم أو المنقطع.

الرابعة: الحاجة الى العدّة انّما هي فيما لو أراد الغير تزويجها، و أمّا بالنسبة الى

الزوج فلا اشكال في جواز تجديد العقد عليها بعد انقضاء المدّة أو هبتها بلا فصل؛ لعدم المانع له و ظهور الاجماع.

الخامسة: دم النفاس كدم الحيض في باب العدّة اجماعا و لما في النصوص من أنّها حيض محتبس، و بناء الفقهاء على ترتيب جميع أحكام الحيض عليه الاّ ما خرج بالدليل، فاذا طلّقها بعد الوضع مباشرة قبل رؤية الدم، ثمّ رأت الدم لحظة ثمّ مضى أقلّ الطهر و هو عشرة أيّام ثمّ رأت أقلّ الحيض - ثلاثة أيّام - ثمّ مضى أقلّ الطهر، فتخرج من العدّة برؤية الدم و يكون المجموع ثلاثة و عشرين يوما و لحظتين.

السادسة: لو نكح الزانية المشهورة بالزنا شخص تمتّعا مع العلم بأنّها تزني حين النكاح الصحيح الشرعي و بعده أيضا، فانقضت المدّة أو وهبها لها فهل لهذه المرأة عدّة لأجل النكاح الشرعي أو لا؟ الظاهر هو الأوّل؛ لتغليب الشارع المقدّس الفراش فيلحق به الولد مع استجماع سائر الشرائط و أنّه «لا حرمة لماء الزاني»، و لأنّه يشمله اطلاق الأدلّة.

فصل في عدّة الوفاة

اشارة

(مسألة 1): عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرة أيّام اذا كانت حائلاً، صغيرة كانت أو كبيرة، يائسة كانت أو غيرها، مدخولاً بها كانت أم لا، دائمة كانت أو منقطعة، من ذوات الأقراء كانت أو لا. و ان كانت حاملاً فأبعد الأجلين من وضع الحمل و المدّة المزبورة.

الشرح:

قال في الشرائع: «تعتدّ الحرّة المنكوحة بالعقد الصحيح أربعة أشهر و عشرا اذا كانت حائلاً، صغيرة كانت أو كبيرة بالغا كان زوجها أو لم‌يكن، دخل بها أو لم‌يدخل. و تبين بغروب الشمس من اليوم العاشر؛ لأنّه نهاية اليوم. و لو كانت حاملاً اعتدّت بأبعد الأجلين. فلو وضعت قبل استكمال الأربعة أشهر و عشرة أيّام صبرت الى انقضائها».(1)

أقول:

اذا مات زوج المرأة لزمتها عدّة الوفاة أربعة أشهر و عشرة أيّام، يدلّ عليه الكتاب و السنّة و الاجماع، قال تعالى: «و الذين يتوفّون منكم و يذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر و عشرا»(2)و كانت العدّة في ابتداء الاسلام سنة على ما قال تعالى: «و الذين يتوفّون منكم و يذرون أزواجا وصيّة لأزواجهم متاعا الى الحول»(3)ثمّ نسخت.

و أمّا من السنّة فيدلّ عليه صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن


1) - شرائع الاسلام 3: 27.

2) - البقرة 2: 234.

3) - البقرة 2: 240.

أبي عبداللّه عليه السلام قال (في حديث):

«انّ رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال للنساء: أفّ لكنّ، قد كنتنّ من قبل أن‌أبعث فيكنّ و أنّ المرأة منكنّ اذا توفّي عنها زوجها أخذت بعرة فرمت بها خلف ظهرها ثمّ قالت: لاأمتشط و لاأكتحل و لاأختضب حولاً كاملاً، و انّما أمرتكنّ بأربعة أشهر و عشرا، ثمّ لاتصبرن».(1)

و اطلاق الآية بل الصحيحة شامل للمرأة التي توفّي عنها زوجها صغيرة كانت أو كبيرة، يائسة كانت أو غيرها، ذات الأقراء كانت أو لا، دائمة كانت أو منقطعة، مدخولاً بها كانت أو غيرها، فانّ غير المدخول بها قد رفعت عنها عدّة الطلاق فقط بقوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا اذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلّقتموهنّ من قبل أن‌تمسّوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها»(2)

و تدلّ عليه أيضا صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام:

«في الرجل يموت و تحته امرأة لم‌يدخل بها، قال: لها نصف المهر و لها الميراث كاملاً و عليها العدّة كاملة».(3)

و موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في المتوفّى عنها زوجها و لم‌يمسّها قال: لاتنكح حتّى تعتدّ أربعة أشهر و عشرا عدّة المتوفّى عنها زوجها».(4)

و لاتعارضها رواية محمّد بن عمر الساباطي قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة فطلّقها قبل أن‌يدخل بها، قال: لا عدّة عليها و سألته عن المتوفّى عنها زوجها من قبل أن‌يدخل


1) - وسائل الشيعة 22: 235 / الباب 30 من أبواب العدد / الحديث 1.

2) - الأحزاب 33: 49.

3) - وسائل الشيعة 22: 247 / الباب 35 من أبواب العدد / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 247 / الباب 35 من أبواب العدد / الحديث 2.

بها، قال: لا عدّة عليها، هما سواء».(1)

لأنّها مع ضعفها سندا مخالفة لظاهر القرآن و الروايات الصحيحة.

قال في الجواهر: «لا فرق في الزوجة صغيرة كانت أو كبيرة مسلمة أو ذمّيّة من ذوات الأقراء أو لا، بالغا كان زوجها أو لم‌يكن، حرّا كان أو عبدا، دخل بها أو لم‌يدخل؛ لاطلاق الأدلّة و الاجماع. و خبر محمّد بن عمر المتضمّن لعدمها على غير المدخول بها كالمطلّقة من الشواذّ المطرحة؛ لمنافاته اطلاق الكتاب و السنّة و اجماع المسلمين».(2)

هذا اذا كانت حائلاً، و أمّا اذا كانت حاملاً فعدّتها أبعد الأجلين من وضع الحمل و مضي الأربعة أشهر و عشرا، بمعنى أنّه ان وضعت قبل مضي الأجل صبرت الى انقضائه و كذا العكس، بلا خلاف في ذلك عندنا بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص المستفيضة أو المتواترة كما في الجواهر.

و من جملة تلك النصوص صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه قال في الحامل المتوفّى عنها زوجها: تنقضي عدّتها آخر الأجلين».(3)

و منها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«عدّة المتوفّى عنها زوجها آخر الأجلين، لأنّ عليها أن‌تحدّ أربعة أشهر و عشرا و ليس عليها في الطلاق أن‌تحدّ».(4)

و منها موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 247 / الباب 35 من أبواب العدد / الحديث 4.

2) - جواهر الكلام 32: 274.

3) - وسائل الشيعة 22: 239 / الباب 31 من أبواب العدد / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 240 / الباب 31 من أبواب العدد / الحديث 3.

«الحبلى المتوفّى عنها زوجها عدّتها آخر الأجلين».(1)

و منها موثّقة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المرأة الحبلى المتوفّى عنها زوجها تضع و تزوّج قبل أن‌يخلو أربعة أشهر و عشر؟ قال: ان كان زوجها الذي تزوّجها دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت ما بقي من عدّتها الأولى و عدّة أخرى من الأخير و ان لم‌يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت ما بقي من عدّتها و هو خاطب من الخطّاب».(2)

في أنّ المراد بالأشهر هو الهلاليّة

(مسألة 2): المراد بالأشهر هي الهلاليّة، فان مات عند رؤية الهلال اعتدّت بأربعة أشهر و ضمّت اليها من الخامس عشرة أيّام، و ان مات في أثناء الشهر فالأظهر أنّها تجعل ثلاثة أشهر هلاليّات في الوسط و أكملت الأوّل بمقدار ما مضى منه من الشهر الخامس حتّى تصير مع التلفيق أربعة أشهر و عشرة أيّام.

الشرح:

قد تقدّم ما يفيد لهذه المسألة في المسألة الرابعة عشرة من أحكام طلاق الحائل فلانعيد.

قال في الجواهر: «و المراد بالشهر ما سمعته في أشهر المطلّقة الذي قد تقدّم البحث في المنكسر منه أيضا. نعم، ينبغي أن‌يعلم أنّه لو مات و كان الباقي العشر فلا كسر، بل تعتدّ بها و تضمّ اليها أربعة أشهر هلاليّة، و ان كان الباقي أقلّ لم‌تعدّه، و تحسب أربعا هلاليّة أيضا، و تكمل باقي العشر من الشهر السادس، و ان كان الباقي أكثر جاء البحث السابق في المنكسر فيه، و ان انطبق الموت على أوّل


1) - وسائل الشيعة 22: 241 / الباب 31 من أبواب العدد / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 22: 241 / الباب 31 من أبواب العدد / الحديث 6.

الهلال حسبت أربعة أشهر بالأهلّة، و ضمّت اليها عشرة أيّام من الشهر الخامس، ولو كانت في حال لاتعرف الهلال لحبس أو غيره و لو باخبار من الغير اعتدّت بالأيّام، و هي مائة و ثلاثون يوما استظهارا للعدّة المستصحبة».(1)

فيما لو طلّقها ثمّ مات قبل انقضاء العدّة

(مسألة 3): لو طلّقها ثمّ مات قبل انقضاء العدّة فان كان رجعيّا بطلت عدّة الطلاق، و اعتدّت من حين موته عدّة الوفاة الاّ في المسترابة بالحمل فانّ فيها محلّ تأمّل، فالأحوط لها الاعتداد بأبعد الأجلين من عدّة الوفاة و وظيفة المسترابة، فاذا مات الزوج بعد الطلاق بشهر مثلاً تعتدّ عدّة الوفاة و تتمّ عدّة المسترابة الى رفع الريبة و ظهور التكليف، و لو مات بعد سبعة أشهر اعتدّت بأبعدهما من اتّضاح الحال و عدّة الوفاة، و لو كانت المرأة حاملاً اعتدّت بأبعد الأجلين منها و من وضع الحمل كغير المطلّقة. و ان كان بائنا اقتصرت على اتمام عدّة الطلاق و لا عدّة لها بسبب الوفاة.

الشرح:

اذا مات الزوج في العدّة الرجعيّة وجب على المرأة الاعتداد بعدّة الوفاة ان كانت حائلاً، و يثبت الميراث بينهما اذا مات أحدهما فيها، فانّ المطلّقة رجعيّة بحكم الزوجة، تدلّ على هذه الأحكام عدّة روايات:

منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: أيّما امرأة طلّقت ثمّ توفّي عنها زوجها قبل أن‌تنقضي عدّتها و لم‌تحرم عليه، فانّها ترثه ثمّ تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها. و ان توفّيت و هي في عدّتها و لم‌تحرم عليه فانّه يرثها».(2)


1) - جواهر الكلام 32: 275.

2) - وسائل الشيعة 22: 250 / الباب 36 من أبواب العدد / الحديث 3.

و منها موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته ثمّ انّه مات قبل أن‌تنقضي عدّتها؟ قال: تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها و لها الميراث».(1)

و منها مرسلة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام في رجل طلّق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة ثمّ مات عنها، قال:

«تعتدّ بأبعد الأجلين أربعة أشهر و عشرا».(2)

و ان كانت حاملاً فعليها الاعتداد بأبعد الأجلين من عدّة الوفاة و من وضع الحمل كغير المطلّقة كما تقدّم في المسألة الأولى من هذا الفصل.

و أمّا المطلّقة المتوفّى عنها زوجها بعد طلاقها، اذا كانت مسترابة الحمل فالظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف رحمه‌الله من الاحتياط فيها حسن، حيث قال: فالأحوط لها الاعتداد بأبعد الأجلين من عدّة الوفاة و وظيفة المسترابة.

و الدليل عليه الجمع بين ما تقدّم آنفا من الروايات و بين صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سمعت أبا ابراهيم عليه السلام يقول: اذا طلّق الرجل امرأته فادّعت حبلاً انتظر بها تسعة أشهر فان ولدت و الاّ اعتدّت بثلاثة أشهر ثمّ قد بانت منه».(3)

و حسنة محمّد بن حكيم عن العبد الصالح عليه السلام قال:

«قلت له: المرأة الشابّة التي تحيض مثلها يطلّقها زوجها فيرتفع طمثها، ما عدّتها؟ قال: ثلاثة أشهر - الى أن‌قال: - قلت: فانّها ارتابت قال: عدّتها تسعة أشهر، قال: قلت: فانّها ارتابت بعد تسعة أشهر،


1) - وسائل الشيعة 22: 250 / الباب 36 من أبواب العدد / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 22: 250 / الباب 36 من أبواب العدد / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 22: 223 / الباب 25 من أبواب العدد / الحديث 1.

قال: انّما الحمل تسعة أشهر، قلت: فتزوّج؟ قال: تحتاط بثلاثة أشهر،قلت: فانّها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: ليس عليها ريبة، تزوّج».(1)

و عليه فلو مات الزوج بعد الطلاق بشهر مثلاً تعتدّ عدّة الوفاة لما تقدّم، فاذا لم‌يرفع الريبة تتمّ عدّة المسترابة الى تسعة أشهر، و ان لم‌ترفع الريبة بعد التسعة أيضا تضيف اليها ثلاثة أشهر أخرى. و كذا لو مات بعد سبعة أشهر و لم‌يتبيّن الحال، اعتدّت بأبعدهما بمعنى أنّه اذا اتّضح الحال بعد تسعة أشهر من حين الطلاق فيتمّ العدّة بأبعد الأجلين من وضع الحمل و اتمام عدّة الوفاة و هو شهران و عشرة أيّام و ان لم‌يتّضح الحال فيتمّه بثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر كما في الصحيحة.

ثمّ انّه لو تمكّنت المرأة من انكشاف حالها بالرجوع الى أهل الخبرة و ان كان بالآلات الحديثة فعليها الرجوع حتّى يتبيّن الحال.

هذا كلّه في المطلّقة رجعيّة، و أمّا المطلّقة بائنا فاقتصرت على عدّة الطلاق؛ لانقطاع العصمة بينهما و للاجماع المدّعى.

في وجوب الحداد

(مسألة 4): يجب على المرأة في وفاة زوجها الحداد ما دامت في العدّة. و المراد به ترك الزينة في البدن بمثل التكحيل و التطيّب و الخضاب و تحمير الوجه و الخطاط و نحوها، و في اللباس بلبس الأحمر و الأصفر و الحليّ و نحوها. و بالجملة ترك كلّ ما يعدّ زينة تتزيّن به للزوج، و في الأوقات المناسبة له في العادة كالأعياد و الأعراس و نحوهما، و يختلف ذلك بحسب الأشخاص و الأزمان و البلاد، فيلاحظ في كلّ بلد ما هو المعتاد و المتعارف فيه للتزيين. نعم، لابأس بتنظيف البدن و اللباس، و تسريح الشعر، و تقليم


1) - وسائل الشيعة 22: 224 / الباب 25 من أبواب العدد / الحديث 4.

الأظفار، و دخول الحمّام، و الافتراش بالفراش الفاخر و السكنى في المساكن المزيّنة، و تزيين أولادها و خدمها.

الشرح:

قال في الشرائع: «و يلزم المتوفّى عنها زوجها الحداد و هو ترك ما فيه زينة من الثياب و الأدهان المقصود بهما الزينة و الطيب. و لابأس بالثوب الأسود و الأزرق لبعده عن شبه الزينة. و تستوي في ذلك الصغيرة و الكبيرة و المسلمة و الذمّية. و في الأمة تردّد أظهره أنّه لا حداد عليها. و لايلزم الحداد المطلّقة بائنة كانت أو رجعيّة».(1)

أقول:

الحداد لغة: المنع، يقال: أحدّت المرأة تحدّ احدادا، و حدّت تحدّ حدادا، أي: منعت نفسها من التزيّن.

و المراد منه هنا ترك لبس ما فيه زينة في الثوب و استعماله في البدن، سواء كان التزيّن بها يتحقّق في غالب الأماكن و الأزمان كلبس الثوب الأحمر و الأخضر و نحوهما من الألوان التي يتزيّن بها عرفا، أو يعتاد استعماله في الزينة بحسب المكان و الوقت الخاصّين، كما يتحقّق حتّى في الثوب الأسود في بعض الأحيان، و كذا لبس المنقوش و الفاخر.

و كذا ترك التحلّي بلؤلؤ و مصوغ من ذهب و فضّة و مموّه بهما و غيرهما ممّا يعتاد التحلّي به. و التطيّب في الثوب و البدن و لو بالادهان. و الخضاب بالحنّاء و نحوه فيما ظهر من البدن كالرأس و اليدين و الرجلين، و بالسواد في الحاجبين، و الاسفيداج في الوجه. و الاكتحال بالاثمد - الذي هو نوع من الكحل - و ما فيه زينة


1) - شرائع الاسلام 3: 27.

لغير ضرورة، و معها فتكتحل ليلاً و تمسحه نهارا.

و لابأس بتجميل فراش بمزينة و نطع و وسادة و نحوها، و تجميل أثاث و هو متاع البيت من الفرش و الستور و غيرها، لأنّ الاحداد في البدن لا في الفراش و المكان. و كذا يجوز التنظيف و الغسل و قلم الظفر و ازالة الوسخ و الامتشاط و الحمّام و الاستحداد، لأنّ جميع ذلك ليس من الزينة المعتادة. و كذا لابأس بتزيين أولادها و خدمها. كلّ ذلك كما في المسالك.(1)

و تدلّ على المسألة عدّة روايات:

منها صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المتوفّى عنها زوجها، قال: لاتكتحل للزينة و لاتطيّب و لاتلبس ثوبا مصبوغا و لاتبيت عن بيتها و تقضي الحقوق و تمتشط بغسلة(2)و تحجّ و ان كان في عدّتها».(3)

و منها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ان مات عنها - يعني و هو غائب - فقامت البيّنة على موته فعدّتها من يوم يأتيها الخبر أربعة أشهر و عشرا؛ لأنّ عليها أن‌تحدّ عليه في الموت أربعة أشهر و عشرا فتمسك عن الكحل و الطيب و الاصباغ».(4)

و منها موثّقة أبي العبّاس قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المتوفّى عنها زوجها، قال: لاتكتحل لزينة و لاتطيّب و لاتلبس ثوبا مصبوغا و لاتخرج نهارا و لاتبيت عن بيتها،


1) - مسالك الأفهام 9: 276 - 278.

2) - الغِسلة: الطيب الذي تجعله المرأة في شعرها عند الامتشاط.

3) - وسائل الشيعة 22: 233 / الباب 29 من أبواب العدد / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 233 / الباب 29 من أبواب العدد / الحديث 1.

قلت: أرأيت ان أرادت أن‌تخرج الى حقّ كيف تصنع؟ قال: تخرجبعد نصف الليل و ترجع عشاءً».(1)

و في الجواهر: «لا خلاف نصّا و فتوى في أنّه يلزم المتوفّى عنها زوجها اذا كانت حرّة الحداد بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى المعتبرة المستفيضة بل المتواترة».(2)

أمّا الخروج من البيت المذكور في هذه الروايات فسيأتي حكمه ان شاء اللّه.

في أنّ الحداد ليس شرطا في صحّة العدّة

(مسألة 5): الأقوى أنّ الحداد ليس شرطا في صحّة العدّة، بل هو تكليف مستقلّ في زمانها، فلو تركته عصيانا أو جهلاً أو نسيانا في تمام المدّة أو بعضها لم‌يجب عليها استئنافها و تدارك مقدار ما اعتدّت بدونه.

الشرح:

الأقوى - كما عليه المشهور - أنّ الحداد واجب تعبّدي لا شرطي، فلو أخلّت به عمدا فضلاً عن النسيان لم‌يبطل الاعتداد الذي لايجب عليها تلافيه في غيره؛ للأصل و غيره و لا منافاة بين المعصية و انقضاء العدّة.

و عليه فلو اعتدّت بغير حداد فيشملها أدلّة جواز نكاح المرأة بعد انقضاء العدّة من قوله تعالى: «فاذا بلغن أجلهنّ فلا جناح عيلكم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف» و الروايات الدالّة على ذلك.

نعم، ذهب جماعة كأبي الصلاح و السيّد الفاخر شارح الرسالة - على ما حكى عنهما في الجواهر - الى بطلان العدّة بالاخلال بالحداد مطلقا أو حال العمد خاصّة على اختلاف النقلين؛ لعدم حصول الامتثال فيجب الاستئناف.


1) - وسائل الشيعة 22: 233 / الباب 29 من أبواب العدد / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 32: 276.

ثمّ انّ صاحب الجواهر رحمه‌الله استشكل أوّلاً في هذا القول و قال أخيرا: «ولكنالانصاف عدم خلوّه عن الوجه خصوصا مع ملاحظة الاحتياط و قاعدة وجوب الشيء في الشيء، و النصوص المتكثّرة في تعليل وجوب الاعتداد عليها عند بلوغ الخبر - بخلاف المطلّقة - بوجوب الحداد عليها في عدّتها بخلاف المطلّقة، بل قوله عليه السلام في خبر زرارة: «ان مات عنها زوجها و هو غائب فقامت البيّنة على موته فعدّتها من يوم يأتيها الخبر أربعة أشهر و عشرا؛ لأنّ عليها أن‌تحدّ في الموت أربعة أشهر و عشرا فتمسك عن الكحل و الطيب و الاصباغ» و لا أقلّ من الشكّ في انقضاء العدّة بدونه. فتأمّل جيدّا».(1)

و فيه أوّلاً: انّ وجوب الشيء في الشيء أعمّ من التكليفي و الوضعي، و لا دليل يدلّ على الوضعيّة و شرطيّة الحداد، بل ظاهر الأدلّة خلافه.

و ثانيا: انّ الرواية دالّة على الوجوب و لاتدلّ على الشرطيّة بحيث يلزم عليها الاتيان بالعدّة لو لم‌تحدّ. فلا معنى للشكّ بعد عدم دليل صالح للشرطيّة، و ذهاب المشهور الى أنّ الحداد واجب تعبّدي، فما أفاد في المتن صحيح.

في أنّه لا فرق في وجوب الحداد بين المسلمة و الذمّية

(مسألة 6): لا فرق في وجوب الحداد بين المسلمة و الذمّية، كما لا فرق على الظاهر بين الدائمة و المنقطعة. نعم، لايبعد عدم وجوبه على من قصرت مدّة تمتّعها كيوم أو يومين، و هل يجب على الصغيرة و المجنونة أم لا؟ قولان أشهرهما الوجوب بمعنى وجوبه على وليّهما، فيجنّبهما عن التزيين ما دامتا في العدّة، و فيه تأمّل و ان كان أحوط.

الشرح:


1) - جواهر الكلام 32: 283.

قال في الجواهر: «يستوي ذلك في الصغيرة و الكبيرة و المسلمة و الذمّية كماصرّح به غير واحد بل ظاهر المسالك المفروغيّة منه، بل عن الشيخ في الخلاف نفي الخلاف فيه؛ لاطلاق الأدلّة لكن عن ابن ادريس و الفاضل في المختلف التردّد فيه من ذلك و من أنّه تكليف لايتوجّه الى الصغير، و تكليف الولي غير معلوم و لا اشارة في الأدلّة اليه و لا مفهوم من أمرها بالاحداد، بل في كشف اللثام هو الأقوى وفاقا للجامع، مؤيّدا له بظهور أنّ السرّ فيه أن لايرغب فيها و لايرغب في الصغيرة و مال اليه في الرياض ان لم‌يتمّ الاجماع.

و لايخفى على من رزقه اللّه فهم اللسان مساواة الأمر بالحداد للأمر بالاعتداد الذي لا خلاف بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين، في جريانه على الصغيرة على معنى تكليف الولي بالتربّص بها فيجري مثله في الحداد، و لا حاجة الى الاشارة في النصوص الى خصوص ذلك؛ ضرورة توجّه التكليف الى الأولياء في كلّ ما يراد عدم وجوده في الخارج، نحو ما سمعته في مسّ الطفل و المجنون كتابة القرآن. و بالجملة فالمراد التربّص بها هذه المدّة مجرّدة عن الزينة و هو معنى يشمل الصغيرة و الكبيرة و العاقل و المجنون، على معنى تكليف الولي بذلك أو سائر الناس كما هو واضح بأدنى تأمّل في أدلّة الاعتداد و الحداد المستفاد منهما أنّهما من خطاب الوضع بالمعنى المزبور، و لذا لم‌يتوقّف صحّة الاعتداد على ملاحظة الامتثال».(1)

أقول:

قد عرفت في المسألة السابقة أنّ الحداد ليس شرطا في الاعتداد و أنّه حكم تكليفي غير وضعي و أنّ الاعتداد لايبطل بعدم الحداد.


1) - جواهر الكلام 32: 281.

و على هذا فيشمله ما ورد من رفع القلم عن الصبي و أنّه لا تكليف عليه قبلالبلوغ، فلايجب على الصبيّة الحداد قطعا.

أمّا تكليف الولي بحفظ الصبي عن الحرام أو اجباره على فعل الواجبات فيحتاج الى دليل خاصّ، كما ورد في وجوب حفظ الصبي عن ارتكاب محرّمات الاحرام اذا أحرمه، و هنا لا دليل على لزوم اجبار الصبيّة على فعل الحداد؛ حيث لا دليل على وجوبه عليها بمعنى عدم رضى الشارع بتركها.

و على هذا فما أفاد في المتن وجيه، فانّه و ان كان الدليل يقتضي عدم وجوبه على الصغيرة و المجنونة الاّ أنّه أحوط لكونه أشهر.

ثمّ انّه لا فرق في وجوب الحداد بين الدائمة و المتمتّع بها لاطلاق الأدلّة.

نعم، الظاهر عدم وجوب الحداد على من قصرت مدّة تمتّعها كيوم أو يومين لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة يتزوّجها الرجل متعة ثمّ يتوفّى عنها زوجها، هل عليها العدّة؟ فقال: تعتدّ بأربعة أشهر و عشرا، فاذا انقضت أيّامها و هي حيّ فحيضة و نصف مثل ما يجب على الأمة، قال: قلت: فتحدّ؟ قال: فقال: نعم، اذا مكثت عنده أيّاما فعليها العدّة و تحدّ و اذا كانت يوما أو يومين أو ساعة من النهار فقد وجبت العدّة كملاً و لاتحدّ».(1)


1) - وسائل الشيعة 22: 275 / الباب 52 من أبواب العدد / الحديث 1.

في جواز الخروج من البيت للمعتدّة بعدّة الوفاة

(مسألة 7): يجوز للمعتدّة بعدّة الوفاة أن‌تخرج من بيتها في زمان عدّتها و التردّد في حوائجها خصوصا اذا كانت ضروريّة أو كان خروجها لأمور راجحة كالحجّ و الزيارة و عيادة المرضى و زيارة أرحامها و لاسيّما والديها. نعم، ينبغي بل الأحوط أن لاتبيت الاّ في بيتها الذي كانت تسكنه في حياة زوجها، أو تنتقل منه اليه للاعتداد بأن‌تخرج بعد الزوال و ترجع عند العشي أو تخرج بعد نصف الليل و ترجع صباحا.

الشرح:

أمّا جواز خروجها من بيتها و التردّد في حوائجها فتدلّ عليه عدّة روايات:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سئل عن المرأة يموت عنها زوجها أيصلح لها أن‌تحجّ أو تعود مريضا؟ قال: نعم، تخرج في سبيل اللّه و لاتكتحل و لاتطيّب».(1)

و منها موثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في المتوفّى عنها زوجها أتحجّ و تشهد الحقوق؟ قال: نعم».(2)

و منها صحيحة محمّد بن الحسن الصفّار:

«انّه كتب الى أبي محمّد الحسن بن علي عليهماالسلام في امرأة مات عنها زوجها و هي في عدّة منه و هي محتاجة لاتجد من ينفق عليها و هي تعمل للناس، هل يجوز لها أن‌تخرج و تعمل و تبيت عن منزلها في عدّتها؟ قال: فوقّع عليه السلام : لابأس بذلك ان شاء اللّه».(3)


1) - وسائل الشيعة 22: 244 / الباب 33 من أبواب العدد / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 22: 244 / الباب 33 من أبواب العدد / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 246 / الباب 34 من أبواب العدد / الحديث 1.

و الظاهر أنّ لها أن‌تعتدّ حيث شاءت، تدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة توفّي عنها زوجها، أين تعتدّ؟ في بيت زوجها تعتدّ أو حيث شاءت؟ قال: حيث شاءت، ثمّ قال: انّ عليّا عليه السلام لمّا مات عمر أتى أمّ كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها الى بيته».(1)

ولكن ينبغي لها بل تحتاط بأن لاتبيت عن بيتها الذي كانت تسكنها في حياة زوجها أو البيت الذي اتّخذتها للاعتداد؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن المتوفّى عنها زوجها، أين تعتدّ؟ قال: حيث شاءت و لاتبيت عن بيتها».(2)

و رواية الطبرسي في الاحتجاج قال:

«ممّا ورد من صاحب الزمان عليه السلام الى محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري في جواب مسائله حيث سأله عن المرأة يموت زوجها، هل يجوز لها أن‌تخرج في جنازته أم لا؟ التوقيع: تخرج في جنازته. و هل يجوز لها في عدّتها أن‌تزور قبر زوجها أم لا؟ التوقيع: تزور قبر زوجها و لاتبيت عن بيتها. و هل يجوز لها أن‌تخرج في قضاء حقّ يلزمها أم لاتخرج من بيتها و هي في عدّتها؟ التوقيع: اذا كان حقّ خرجت فيه و قضته و ان كان لها حاجة و لم‌يكن لها من ينظر فيها خرجت لها حتّى تقضيها و لاتبيت الاّ في منزلها».(3)


1) - وسائل الشيعة 22: 241 / الباب 32 من أبواب العدد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 241 / الباب 32 من أبواب العدد / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 22: 245 / الباب 33 من أبواب العدد / الحديث 8.

و أمّا الكيفيّة التي ينبغي مراعاتها في خروجها من المنزل فتدلّ عليها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة يتوفّى عنها زوجها و تكون في عدّتها أتخرج في حقّ؟ فقال: انّ بعض نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله سألته فقالت: انّ فلانة توفّي عنها زوجها فتخرج في حقّ ينوبها؟ فقال لها رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: أفّ لكنّ قد كنتنّ قبل أن‌أبعث فيكنّ و انّ المرأة منكنّ اذا توفّي عنها زوجها أخذت بعرة فرمت بها خلف ظهرها ثمّ قالت: لاأمتشط و لاأكتحل و لاأختضب حولاً كاملاً، و انّما أمرتكنّ بأربعة أشهر و عشرة أيّام ثمّ لاتصبرن. لاتمتشط و لاتكتحل و لاتختضب و لاتخرج من بيتها نهارا و لاتبيت عن بيتها، فقالت: يارسول‌اللّه، فكيف تصنع ان عرض لها حقّ؟ فقال: تخرج بعد زوال الشمس و ترجع عند المساء فتكون لم‌تبت عن بيتها، قلت له: فتحجّ؟ قال: نعم».(1)

في مبدأ عدّة الوفاة

(مسألة 8): لا اشكال في أنّ مبدأ عدّة الطلاق من حين وقوعه حاضرا كان الزوج أو غائبا بلغ الزوجة الخبر أم لا، فلو طلّقها غائبا و لم‌يبلغها الاّ بعد مضي مقدار العدّة فقد انقضت عدّتها، و ليس عليها عدّة بعد بلوغ الخبر. و مثل عدّة الطلاق عدّة الفسخ و الانفساخ على الظاهر، و كذا عدّة وط‌ء الشبهة و ان كان الأحوط الاعتداد من حين ارتفاع الشبهة بل هذا الاحتياط لايترك. و أمّا عدّة الوفاة فان مات الزوج غائبا فهي من حين بلوغ الخبر اليها، و لايبعد عدم اختصاص الحكم بصورة غيبة الزوج، بل يعمّ صورة حضوره ان خفي عليها موته لعلّة، فتعتدّ من حين اخبارها بموته.


1) - وسائل الشيعة 22: 244 / الباب 33 من أبواب العدد / الحديث 7.

الشرح:

المطلّقة تعتدّ من يوم طلّقت لا من يوم يبلغها الخبر، فان لم‌تعلم متى طلّقت اعتدّت من يوم علمت، تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قال لي أبو جعفر عليه السلام : اذا طلّق الرجل و هو غائب فليشهد على ذلك فاذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدّتها».(1)

و منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام :

«انّه قال في الغائب اذا طلّق امرأته، فانّها تعتدّ من اليوم الذي طلّقها».(2)

و منها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل امرأته و هو غائب فقامت البيّنة على ذلك فعدّتها من يوم طلّقت».(3)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يطلّق امرأته و هو غائب عنها من أيّ يوم تعتدّ؟ فقال: ان قامت لها بيّنة عدل أنّها طلّقت في يوم معلوم و تيقّنت فلتعتدّ من يوم طلّقت و ان لم‌تحفظ في أيّ يوم و في أيّ شهر فلتعتدّ من يوم يبلغها».(4)

و منها صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل و هو غائب فقامت لها البيّنة أنّها طلّقت في شهر كذا و كذا


1) - وسائل الشيعة 22: 225 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 226 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 226 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 22: 226 / الباب 26 من أبواب العدد / الحديث 2.

اعتدّت من اليوم الذي كان من زوجها فيه الطلاق، و ان لم‌تحفظ ذلك اليوم اعتدّت من يوم علمت».(1)

و منها رواية زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل طلّق امرأته و هو غائب؟ فقال: اذا قامت لها بيّنة أنّها طلّقت في يوم معلوم و شهر معلوم، فلتعتدّ من يوم طلّقت فان لم‌تحفظ في أيّ يوم و في أيّ شهر فلتعتدّ من يوم يبلغها».(2)

و أمّا اذا لم‌تعلم بالطلاق الاّ بعد انقضاء العدّة فلا عدّة عليها و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل المرأة و هو غائب و لاتعلم الاّ بعد ذلك بسنة أو أكثر أو أقلّ، فاذا علمت تزوّجت و لم‌تعتدّ. الحديث».(3)

و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:

«سأله صفوان - و أنا حاضر - عن رجل طلّق امرأته و هو غائب فمضت أشهر فقال: اذا قامت البيّنة أنّه طلّقها منذ كذا و كذا، و كانت عدّتها قد انقضت فقد حلّت للأزواج، قال: فالمتوفّى عنها زوجها فقال: هذا ليس مثل تلك، هذه تعتدّ من يوم يبلغها الخبر؛ لأنّ عليها أن‌تحدّ».(4)

و صحيحته الأخرى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 227 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 22: 226 / الباب 26 من أبواب العدد / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 227 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 227 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 7.

«في المطلّقة اذا قامت البيّنة أنّه قد طلّقها منذ كذا و كذا، فكانت عدّتها قد انقضت فقد بانت».(1)

و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه سئل عن المطلّقة يطلّقها زوجها، فلاتعلم الاّ بعد سنة، فقال: ان جاء شاهد عدل فلاتعتدّ و الاّ فلتعتدّ من يوم يبلغها».(2)

و مثل عدّة الطلاق عدّة الفسخ و الانفساخ؛ لأنّهما متساويان مع الطلاق في الحكم و لم‌يدلّ دليل على خلافه، و كذا عدّة وط‌ء الشبهة؛ لأنّه وط‌ء محترم و ان كان الأحوط الاعتداد من حين ارتفاع الشبهة، بل هذا الاحتياط لايترك، و ذلك لأنّه كما تكون العدّة في النكاح من حين ارتفاع عصمة النكاح فكذا في الشبهة تكون العدّة من حين انجلاء الشبهة تنزيلاً لهذا الوط‌ء الحلال منزلة النكاح.

و أمّا عدّة الوفاة فمن حين بلوغها الخبر اذا مات الزوج غائبا، تدلّ على ذلك طائفة من الروايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يموت و تحته امرأة و هو غائب قال: «تعتدّ من يوم يبلغها وفاته».(3)

و منها صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«التي يموت عنها زوجها و هو غائب فعدّتها من يوم يبلغها ان قامت البيّنة أو لم‌تقم».(4)

و منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال في الغائب عنها زوجها اذا توفّي قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 227 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 227 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 228 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 229 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 2.

«المتوفّى عنها تعتدّ من يوم يأتيها الخبر؛ لأنّها تحدّ عليه».(1)

و منها صحيحة ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«المتوفّى عنها زوجها تعتدّ من يوم يبلغها؛ لأنّها تريد أن‌تحدّ عليه».(2)

و منها صحيحة الحسن بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في المرأة اذا بلغها نعي زوجها:

«تعتدّ من يوم يبلغها، انّما تريد أن‌تحدّ له».(3)

و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل امرأته و هو غائب عنها فليشهد عند ذلك فاذا مضى ثلاثة أشهر فقد انقضت عدّتها، و المتوفّى عنها تعتدّ اذا بلغها».(4)

و منها صحيحة ثانية لأحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :

«في المطلّقة ان قامت البيّنة أنّه طلّقها منذ كذا و كذا و كانت عدّتها قد انقضت فقد بانت، و المتوفّى عنها زوجها تعتدّ حين يبلغها الخبر؛ لأنّها تريد أن‌تحدّ له».(5)

و منها رواية نقلها الصدوق رحمه‌الله باسناده الى قضايا أميرالمؤمنين عليه السلام (في حديث) قال:

«و المطلّقة تعتدّ من يوم طلّقها زوجها و المتوفّى عنها تعتدّ من يوميبلغها الخبر».(6)


1) - وسائل الشيعة 22: 229 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 229 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 229 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 22: 231 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 11.

5) - وسائل الشيعة 22: 232 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 14.

6) - وسائل الشيعة 22: 232 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 13.

و منها رواية رفاعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المتوفّى عنها زوجها و هو غائب، متى تعتدّ؟ فقال: يوم يبلغها. الحديث».(1)

و بازائها طائفة أخرى من الروايات:

منها رواية أبي البختري وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام :

«انّه سئل عن المتوفّى عنها زوجها اذا بلغها ذلك و قد انقضت عدّتها، فالحداد يجب عليها؟ فقال علي عليه السلام : اذا لم‌يبلغها ذلك حتّى تنقضي عدّتها فقد ذهب ذلك كلّه و تنكح من أحبّت».(2)

و منها رواية الحسن بن زياد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المطلّقة يطلّقها زوجها و لاتعلم الاّ بعد سنة و المتوفّى عنها زوجها و لاتعلم بموته الاّ بعد سنة، قال: ان جاء شاهدان عدلان فلاتعتدّان و الاّ تعتدّان».(3)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: امرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة أو نحو ذلك قال: فقال: ان كانت حبلى فأجلها أن‌تضع حملها و ان كانت ليست بحبلى فقد مضت عدّتها اذا قامت لها البيّنة أنّه مات في يوم كذا و كذا، و ان لم‌يكن لها بيّنة فلتعتدّ من يوم سمعت».(4)

و لاتعارض هذه الطائفة من الروايات الطائفة الأولى و ذلك أوّلاً لأنّها ضعاف سندا ما عدا واحدة، مع أنّ الأولى مع كثرتها كلّها صحيحة الاّ الأخيرتين منها.


1) - وسائل الشيعة 22: 230 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 22: 230 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 22: 231 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 22: 231 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 10.

و ثانيا لمعارضتها بصحيحة ثالثة لمحمّد بن مسلم الواردة صريحا في مورد هذه الروايات عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«المتوفّى عنها زوجها و هو غائب تعتدّ من يوم يبلغها و لو كان قد مات قبل ذلك بسنة أو سنتين».(1)

و ثالثا لاحتمال حمل هذه الطائفة الثانية على الحاضر.

و رابعا لموافقة الطائفة الأولى للمشهور:

قال في الجواهر: «تعتدّ زوجة الغائب عنها زوجها في الوفاة من حين بلوغ الخبر لا من حين الوفاة على المشهور بل عن الناصريّات الاتّفاق عليه بل عن السرائر و التحرير نفي الخلاف فيه؛ للنصوص المستفيضة أو المتواترة. و لاتعارضها طائفة أخرى لشذوذ العمل بها و موافقتها للمحكي عن جميع العامّة، فما عن ابن الجنيد - من القول بمضمون الطائفة الثانية - واضح الضعف و ان مال اليه في المسالك جامعا بينها و بين الأولى بالحمل على الندب لكنّه كما ترى، ضرورة كونه فرع المكافئة، على أنّ الحمل على التقيّة أولى من الندب».(2)

ثمّ الظاهر من الأدلّة بل ظاهر الأصحاب - كما في الجواهر - اعتداد زوجة الحاضر من حين الوفاة و ان لم‌يبلغها الخبر لمانع من الموانع كالحبس و المرض و نحوهما حتّى مضى جملة من العدّة بل أكثرها بل جميعها.

و في حكم الحاضر من كان في البلاد المتّسعة جدّا بحيث يمكن تأخّر وصول الخبر اليه.

قال في الجواهر: «و احتمال الحاق مثل الفرض - كالحبس و المرض و نحوهما - بالغائب و ان كان ممكنا خصوصا بعد احتمال الجري على الغالب في


1) - وسائل الشيعة 22: 230 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 8.

2) - جواهر الكلام 32: 372 و 373.

التقييد بالغائب، الاّ أنّي لم‌أجد أحدا ذكره بل ظاهرهم خلافه مع أنّه موافق لقاعدة اتّصال المسبّب بسببه. انتهى ملخّصا».

أقول:

و يمكن أن‌يستدلّ على حكم هذا الفرع بصحيحة منصور بن حازم قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول في المرأة يموت زوجها أو يطلّقها و هو غائب قال: ان كان مسيرة أيّام فمن يوم يموت زوجها تعتدّ و ان كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر؛ لأنّها لا بدّ من أن‌تحدّ له».(1)

بتقريب أنّ المستفاد من هذه الصحيحة أنّ الغائب في هذه المسألة هو من كان بعيدا و يطول زمان غيبته و أمّا من ليس كذلك بأن‌كان مسيرة أيّام أو كان في البلد حاضرا ولكن يوجد مانع من وصول خبر موته الى زوجته فلايعدّ غائبا و لا بدّ لزوجته من الاعتداد من حين موته، فتأمّل.

و أمّا ان كانت المرأة مجنونة أو صغيرة و لم‌يبلغها الولي موت زوجها حتّى كبرت أو أفاقت فهل تعتدّ حينئذ؛ لكون ذلك الوقت هو وقت بلوغ خبر موت الزوج أو تحسب عدّتها من حين الوفاة لقاعدة اتّصال السبب و المسبّب و ظهور النصوص في غير الفرض؟ وجهان، و الأقوى هو الثاني.

كما قال في الجواهر: «لم‌أجد لهما تنقيحا في كلام الأصحاب ولكن ثانيهما لايخلو من قوّة بل لعلّ العمل عليه».


1) - وسائل الشيعة 22: 232 / الباب 28 من أبواب العدد / الحديث 12.

في عدم اعتبار كون الاخبار حجّة شرعيّة

(مسألة 9): لايعتبر في الاخبار الموجب للاعتداد من حينه كونه حجّة شرعيّة كعدلين و لا عدل واحد. نعم، لايجوز لها التزويج بالغير بلا حجّة شرعيّة على موته، فاذا ثبت ذلك بحجّة يكفي اعتداده من حين البلوغ، و لايحتاج اليه من حين الثبوت.

الشرح:

قال في الجواهر: «انّ ظاهر الأصحاب اعتدادها ببلوغ الخبر و لو كان الذي أخبر غير العدل، لكن لاتنكح الاّ بعد الثبوت شرعا و فائدته الاجتزاء بتلك العدّة لو بان صدق الخبر، بل لو تزوّجت فبان كونه بعد عدّتها صحّ، و لاتحرم عليه و ان فرّق الحاكم بينهما ظاهرا قبل ذلك، و أثما بالاقدام، بل صرّح بذلك غير واحد، بل لم‌أجد فيه خلافا، و لعلّه لاطلاق الأدلّة و قوله عليه السلام في خبر أبي الصبّاح السابق: «ان قامت لها البيّنة أو لم‌تقم» و ان كان - ان لم‌يكن اجماعا - أمكن المناقشة بارادة البلوغ الشرعي و لو خبر العدل الذي يصدق معه عدم قيام البيّنة، فلاينافيه خبر أبي الصبّاح.

و على كلّ حال فهل يقوم اعتدادها لأمارة ظنّية غير الخبر مقامه حتّى يجتزأ بها لو صادف ذلك؟ وجهان، لم‌أجد لهما تنقيحا في كلام الأصحاب. كما أنّي لم‌أجد تنقيحا أيضا لكون الاعتداد عليها بخبر الفاسق مثلاً على جهة الوجوب - كما هو المنساق في بادئ الرأي من الأوامر في النصوص - أو أنّ ذلك لها رخصة، لفائدة الاجتزاء بها بعد ذلك لو صادفت، و الأمر في النصوص انّما يراد به ذلك لأنّه في مقابلة اعتداد المطلّقة من حين الطلاق، و لا ريب في أنّ الأحوط لها تجديد الاعتداد اذا لم‌تكن قد عزمت عليه ببلوغ الخبر المزبور، خصوصا مع تركها الحداد. و الظاهر قيام الكتابة مقام الخبر، بل كلّ أمارة تفعل لارادة الاخبار من

ارسال ثيابه و نحوها كذلك، لصدق اسم البلوغ بها عرفا».(1)

أقول:

الظاهر من الأخبار أنّ المراد ببلوغ الخبر بموت زوجها هو الخبر الذي تطمئنّ به، سواء كان المخبر عادلاً أو لا، و سواء كان واحدا أو أكثر و بأيّ نحو حصل الخبر، و عليه فلا فائدة في الخبر المشكوك أو المظنون، و من البعيد أن‌يكون مراد الامام عليه السلام من بلوغ الخبر غير ذلك، فاذا بلغها الخبر الذي تطمئنّ من أجله بموت زوجها يجب عليه العدّة و الحداد.

و أمّا خبر الفاسق اذا لم‌يحصل معه اطمئنان فلايجتزى به على الظاهر. و أمّا الأمارة الأخرى غير الخبر فان حصل الاطمئنان منها تكون كالخبر العادل.

فيما لو علمت بالطلاق و لم‌تعلم وقت وقوعه

(مسألة 10): لو علمت بالطلاق و لم‌تعلم وقت وقوعه حتّى تحسب العدّة من ذلك الوقت اعتدّت من الوقت الذي تعلم بعدم تأخّره عنه، و الأحوط أن‌تعتدّ من حين بلوغ الخبر اليها، بل هذا الاحتياط لايترك.

الشرح:

قال في الجواهر: «لو علمت الطلاق و لم‌تعلم الوقت اعتدّت عند البلوغ بلا خلاف أجده فيه، لصحيح الحلبي السابق، و لأصالة تأخّر الحادث، اذ المراد - و ان كان النصّ و الفتوى مطلقين - عدم علمها بالوقت على وجه يحتمل كون الطلاق قد وقع في زمان علمها، أمّا اذا فرض علمها بسبق ذلك و ان لم‌تعلم بالخصوص اعتدّت بمقدار ما علمته من المدّة ثمّ أكملته بعد ذلك بما يتمّها، لتطابق النصّ و الفتوى على اعتداد المطلّقة من حين الطلاق، و ان لم‌تعلم به، ففي


1) - جواهر الكلام 32: 375 و 376.

الفرض تعلم انقضاء جملة من عدّتها، فلتعتدّ باحتسابه، ولكن مع ذلك فالاحتياطلاينبغي تركه».(1)

أقول:

قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الثامنة و الظاهر أنّ هذه المسألة فرع المسألة السابقة، فلنذكر صحيحة الحلبي التي أشار اليها في الجواهر ففيها عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«سألته عن الرجل يطلّق امرأته و هو غائب عنها من أيّ يوم تعتدّ؟ فقال: ان قامت لها بيّنة عدل أنّها طلّقت في يوم معلوم و تيقّنت فلتعتدّ من يوم طلّقت و ان لم‌تحفظ في أيّ يوم و في أيّ شهر فلتعتدّ من يوم يبلغها».(2)

فانّ الظاهر من هذه الصحيحة أنّ المعتبر في العدّة للزوجة المطلّقة اقامة البيّنة أو اليقين بزمان الطلاق، و لو لم‌تتيقّن و لم‌تقم بيّنة فمن حين بلوغ الخبر، و الشاهد على ذلك صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل و هو غائب فقامت لها البيّنة أنّها طلّقت في شهر كذا و كذا اعتدّت من اليوم الذي كان من زوجها فيه الطلاق، و ان لم‌تحفظ ذلك اليوم اعتدّت من يوم علمت».(3)

و عليه لو لم‌تعلم زمان الطلاق بالخصوص اعتدّت بمقدار ما علمته من المدّة ثمّ أكملته بعد ذلك بما يتمّها، و الظاهر عدم لزوم الاحتياط الذي ذكره الماتن و كذا صاحب الجواهر.


1) - جواهر الكلام 32: 376.

2) - وسائل الشيعة 22: 226 / الباب 26 من أبواب العدد / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 22: 227 / الباب 27 من أبواب العدد / الحديث 6.

مسألتان:

الأولى: اذا مات الواطئ بالشبهة لايجري عليه حكم الزوج؛ لانتفاء الموضوع و هو الزوجيّة، و تعتدّ المرأة عدّة الطلاق؛ لأنّ الوط‌ء محترم فلا بدّ في زواله من العدّة.

قال في الجواهر: «و لو وطئت المرأة بعقد الشبهة ثمّ مات و قد انحلّت الشبهة اعتدّت عدّة الطلاق حائلاً كانت أو حاملاً بلا خلاف و لا اشكال و ذلك لأنّه بعد أن‌ظهر الحال كان الحكم للوط‌ء لا للعقد، اذ ليست زوجة كي تندرج في المتوفّى عنها زوجها، فلم‌يبق الاّ أنّها موطوءة وطئا محترما تعتدّ منه عدّة الطلاق، كما في حال حياته».(1)

الثانية: لو كان له أكثر من زوجة فطلّق احدى زوجاته و مات قبل التعيين، فقال في الشرائع: «لو كان له أكثر من زوجة فطلّق واحدة لابعينها، فان قلنا: التعيين شرط فلا طلاق، و ان لم‌نشترطه و مات قبل التعيين فعلى كلّ واحدة الاعتداد بعدّة الوفاة تغليبا لجانب الاحتياط، دخل بهنّ أو لم‌يدخل. و لو كنّ حوامل اعتددن بأبعد الأجلين و كذا لو طلّق احداهنّ بائنا و مات قبل التعيين، فعلى كلّ واحدة الاعتداد بعدّة الوفاة. و لو عيّن قبل الموت انصرف الى المعيّنة و تعتدّ من حين الطلاق لا من حين الوفاة. و لو كان رجعيّا اعتدّت عدّة الوفاة من حين الوفاة».(2)

أقول:

قد تقدّم أنّ التعيين شرط في صحّة الطلاق و أنّه مع عدم التعيين باطل، و عليه فلايبقى اشكال في أنّه اذا طلّق احدى زوجاته و مات قبل أن‌يعيّن المطلّقة فالطلاق باطل و على كلّ واحدة الاعتداد بعدّة الوفاة.


1) - جواهر الكلام 32: 284.

2) - شرائع الاسلام 3: 28.

و أمّا ان قلنا بصحّته، أو عيّنها في نفسه و أبهمها في اللفظ و مات قبل أن‌يعيّن،فتارة لم‌يكنّ ممسوسات فعليهنّ الاعتداد بعدّة الوفاة، و ذلك لأنّ العدّة التي تجب على كلّ واحدة منهنّ بالموت هو عدّة الوفاة الاّ أن‌يثبت الطلاق في حقّها، و الأصل عدمه.

و أخرى: يكنّ ممسوسات، و الظاهر جريان أصالة عدم الطلاق في حقّ كلّ واحدة على حدة و عليهنّ الاعتداد بعدّة الوفاة، و لا ربط لجريان الأصل في حقّ واحدة بجريانه في حقّ الأخرى ليكون معارضا.

و في المسالك: «و ان كنّ ممسوسات فان كنّ من ذوات الأشهر فكذلك، لأنّ كلّ واحدة بين أن‌يلزمها ثلاثة أشهر و بين أن‌يلزمها أربعة أشهر و عشر فيجب الأكثر. و ان كنّ حوامل اعتددن بأبعد الأجلين. و ان كنّ من ذوات الأقراء، و كانت المطلّقة واحدة بعينها مبهمة في اللفظ، فعلى كلّ واحدة الاعتداد بأقصى الأجلين من عدّة الوفاة و من ثلاثة من أقرائها، لأنّها ان كانت مطلّقة فعليها الأقراء، و ان كانت مفارقة بالموت فعليها عدّة الوفاة، فتطلب يقين البراءة.

ثمّ الأقراء تحسب من وقت الطلاق، و عدّة الوفاة من وقت الوفاة، حتّى لو مضى قرء من وقت الطلاق ثمّ مات الزوج فعليها الأقصى من عدّة الوفاة، و من قرائن من أقرائها حيث يعتبر الأقراء. و لو مضى قرءان ثمّ مات الزوج فعليها الأقصى من عدّة الوفاة و من قرء».(1)

فيما لو فقد الرجل و غاب غيبة منقطعة

(مسألة 11): لو فقد الرجل و غاب غيبة منقطعة و لم‌يبلغ منه خبر و لا ظهر منه أثر و لم‌يعلم موته و حياته فان بقي له مال تنفق به زوجته أو كان له ولي يتولّى أموره و يتصدّى لانفاقه أو متبرّع للانفاق عليها وجب عليها الصبر


1) - مسالك الأفهام 9: 281.

و الانتظار، و لايجوز لها أن‌تتزوّج أبدا حتّى تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه. و ان

لم‌يكن ذلك فان صبرت فلها ذلك، و ان لم‌تصبر و أرادت الزواج رفعت أمرها الى الحاكم الشرعي، فيؤجّلها أربع سنين من حين الرفع اليه ثمّ يتفحّص عنه في تلك المدّة، فان لم‌يتبيّن موته و لا حياته فان كان للغائب ولي أعني من كان يتولّى أموره بتفويضه أو توكيله يأمره الحاكم بطلاقها، و ان لم‌يقدم أجبره عليه، و ان لم‌يكن له ولي أو لم‌يقدم و لم‌يمكن اجباره طلّقها الحاكم، ثمّ تعتدّ أربعة أشهر و عشرا عدّة الوفاة، فاذا تمّت هذه الأمور جاز لها التزويج بلا اشكال، و في اعتبار بعض ما ذكر تأمّل و نظر، الاّ أنّ اعتبار الجميع هو الأحوط.

الشرح:

قال في الشرائع: «المفقود ان عرف خبره أو أنفق على زوجته وليّه فلا خيار لها. و ان رفعت أمرها الى الحاكم أجّلها أربع سنين، فان عرف خبره صبرت و على الامام أن‌ينفق عليها من بيت المال، و ان لم‌يعرف خبره أمرها بالاعتداد عدّة الوفاة ثمّ تحلّ للأزواج».(1)

و في اللمعة: «و المفقود اذا جهل خبره وجب عليها التربّص. و ان لم‌يكن له ولي ينفق عليها و طلب أربع سنين ثمّ يطلّقها الحاكم بعدها و تعتدّ، و المشهور أنّها تعتدّ عدّة الوفاة و تباح للأزواج. فان جاء في العدّة فهو أملك بها و الاّ فلا سبيل له عليها تزوّجت أو لا. و على الامام أن‌ينفق عليها من بيت المال طول المدّة».(2)

و في مختلف الشيعة: «قال الشيخان: «المفقود اذا بعث السلطان في طلبه أربع


1) - شرائع الاسلام 3: 28.

2) - اللمعة الدمشقيّة: 196.

سنين و لم‌يعرف له خبر البتّة و لا ولي ينفق عليها، أمرها السلطان بعدّة الوفاة، ثمّتتزوّج ان شاءت بعدها». و لم يذكرا طلاقا، و كذا قال ابن البرّاج و ابن ادريس. و قال ابن الجنيد: «و ان لم‌يأت خبره بعد أربع سنين و كان له ولي، أحضره السلطان و أمره بالنفقة عليها من مال المفقود أو من مال وليّه، فان أنفق، و الاّ أمره السلطان بأن‌يطلّق، فان طلّقها، وقع طلاقه موقع طلاق زوجها، و ان لم‌يطلّق أمرها ولي المسلمين أن‌تعتدّ، فاذا خرجت من العدّة حلّت للأزواج، فان جاء الزوج و هي في العدّة فهو أحقّ بها و كانت عنده على تطليقتين باقيتين، فان انقضت عدّتها قبل أن‌يجيء أو يراجع، فقد حلّت للأزواج. و كذا قال الصدوق في المقنع الاّ أنّه قال: و اذا امتنع الولي أن‌يطلّق أجبره الوالي على أن‌يطلّقها، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، و ان لم‌يكن لها ولي طلّقها السلطان، و اعتدّت أربعة أشهر و عشرة أيّام».

و قال ابن حمزة: «و ان لم يجد له خبرا بموت و لا حياة، أمر الحاكم بعد انقضاء أربع سنين ولي الغائب بتطليقها، فان لم‌يكن له ولي طلّقها الحاكم، فاذا طلّقها اعتدّت عنده عدّة الوفاة، فان رجع قبل انقضاء العدّة كان أملك بها، و ان رجع بعد انقضائها، لم‌يكن له عليها سبيل». و هو المعتمد.

لنا: صحيح بريد بن معاوية العجلي و حسنته و حسنة الحلبي، و لأنّ الموت لم‌يثبت، و الأصل بقاء ما كان على ما كان، و عصمة الزوجيّة قد كانت ثابتة فلاتزول الاّ بمزيل شرعي من موت أو طلاق.

و ما احتجّ به الآخرون من رواية سماعة يطعن في سنده، مع أنّ الأمر بالاعتداد لاينافي الطلاق و عدّة الوفاة جعلت احتياطا للظنّ بالموت و لا منافاة حينئذ. انتهى ملخّصا».(1)


1) - مختلف الشيعة 7: 374.

أقول:و لنذكر الروايات الواردة في المسألة ليتبيّن الحكم:

منها صحيحة بريد بن معاوية قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ فقال: ما سكتت عنه و صبرت فخلّ عنها، و ان هي رفعت أمرها الى الوالي أجّلها أربع سنين ثمّ يكتب الى الصقع الذي فقد فيه فليسأل عنه، فان خبّر عنه بحياة صبرت و ان لم‌يخبر عنه بحياة حتّى تمضي الأربع سنين دعا ولي الزوج المفقود، فقيل له: هل للمفقود مال؟ فان كان للمفقود مال أنفق عليها حتّى يعلم حياته من موته. و ان لم‌يكن له مال قيل للولي: أنفق عليها، فان فعل فلا سبيل لها الى أن‌تتزوّج ما أنفق عليها، و ان أبى أن‌ينفق عليها أجبره الوالي على أن‌يطلّق تطليقة في استقبال العدّة و هي طاهر فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فان جاء زوجها قبل أن‌تنقضي عدّتها من يوم طلّقها الولي فبدا له أن‌يراجعها فهي امرأته و هي عنده على تطليقتين، و ان انقضت العدّة قبل أن‌يجيء و يراجع فقد حلّت للأزواج و لا سبيل للأوّل عليها».(1)

و منها مرسلة الصدوق:

«انّه ان لم‌يكن للزوج ولي طلّقها الوالي و يشهد شاهدين عدلين فيكون طلاق الوالي طلاق الزوج و تعتدّ أربعة أشهر و عشرا، ثمّ تزوّج ان شاءت».(2)


1) - وسائل الشيعة 22: 156 / الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 157 / الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه سئل عن المفقود، فقال: المفقود اذا مضى له أربع سنين بعث الوالي أو يكتب الى الناحية التي هو غائب فيها، فان لم‌يوجد له أثر أمر الوالي وليّه أن‌ينفق عليها، فما أنفق عليها فهي امرأته، قال: قلت: فانّها تقول: فانّي أريد ما تريد النساء، قال: ليس ذاك لها و لا كرامة، فان لم‌ينفق عليها وليّه أو وكيله أمره أن‌يطلّقها فكان ذلك عليها طلاقا واجبا».(1)

و منها صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« في امرأة غاب عنها زوجها أربع سنين و لم‌ينفق عليها و لايدرى أحيّ هو أم ميّت؟ أيجبر وليّه على أن‌يطلّقها؟ قال: نعم، و ان لم‌يكن له ولي طلّقها السلطان، قلت: فان قال الولي: أنا أنفق عليها؟ قال: فلايجبر على طلاقها، قال: قلت: أرأيت ان قالت: أنا أريد ما تريد النساء و لاأصبر و لاأقعد كما أنا؟ قال: ليس لها ذلك و لا كرامة اذا أنفق عليها».(2)

و منها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:

«انّ عليّا عليه السلام قال في المفقود: لاتتزوّج امرأته حتّى يبلغها موته أو طلاق أو لحوق بأهل الشرك».(3)

أقول:

ما هو الظاهر من الجمع بين هذه الروايات و الفتاوى أنّ المرأة المفقود عنها


1) - وسائل الشيعة 22: 158 / الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 158 / الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 22: 157 / الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 3.

زوجها اذا صبرت و كان لها مال فخلّيت و حالها، و ان لم‌تصبر رفعت أمرها الىالحاكم فيبعث الى الأصقاع التي يظنّ أن‌يكون فيها حتّى يجيء منه خبر من حياته أو موته أربع سنين، ففي هذه المدّة ينفق عليها من بيت المال ان لم‌يكن لها و كذا لوليّه مال، فان لم‌يجئ منه خبر أمر وليّه أن‌يطلّقها و ان أبى أو لم‌يكن له ولي يطلّقها الحاكم و يأمرها بالاعتداد عدّة الطلاق و هي ثلاثة قروء، و الأحوط الاعتداد بعدّة الوفاة أربعة أشهر و عشرة أيّام. فان جاء زوجها قبل تمام عدّة الطلاق فهو أحقّ بها و ان لم‌يجئ الاّ بعد تمام العدّة فلا سبيل له عليها و جاز لها التزويج.

ثمّ انّ الامام الخميني قدس‌سره ذكر هنا تتميما لبحثه في عدّة الوفاة مسائل مفصّلة متعلّقة بالفحص و سائر ما يتعلّق بزوجة المفقود، و نحن نذكرها و نذكر خلاصة الكلام في اتمام هذا البحث في ضمن فروع مذكورة في الشرائع و المسالك و المهذّب ليتّضح ما هو المطلوب:

في مسائل متعلّقة بالفحص و أحكامه

(مسألة 12): ليس للفحص و الطلب كيفيّة خاصّة، بل المدار ما يعدّ طلبا و فحصا، و يتحقّق ذلك ببعث من يعرف المفقود - رعاية - باسمه و شخصه أو بحليته الى مظانّ وجوده للظفر به و بالكتابة و غيرها كالتلغراف و سائر الوسائل المتداولة في كلّ عصر ليتفقّد عنه، و بالالتماس من المسافرين كالزوّار و الحجّاج و التجّار و غيرهم بأن‌يتفقّدوا عنه في مسيرهم و منازلهم و مقامهم، و بالاستخبار منهم حين الرجوع.

(مسألة 13): لايشترط في المبعوث و المكتوب اليه و المستخبر منهم من المسافرين العدالة، بل تكفي الوثاقة.

(مسألة 14): لايعتبر أن‌يكون الفحص بالبعث أو الكتابة و نحوها من

الحاكم، بل يكفي كونه من كلّ أحد حتّى نفس الزوجة اذا كان بأمره بعد رفعالأمر اليه.

(مسألة 15): مقدار الفحص بحسب الزمان أربعة أعوام، و لايعتبر فيه الاتّصال التامّ، بل هو على الظاهر نظير تعريف اللقطة سنة كاملة يكفي فيه ما يصدق عرفا أنّه قد تفحّص عنه في تلك المدّة.

(مسألة 16): المقدار اللازم من الفحص هو المتعارف لأمثال ذلك و ما هو المعتاد، فلايعتبر استقصاء الممالك و البلاد، و لايعتنى بمجرّد امكان وصوله الى مكان و لا بالاحتمالات البعيدة، بل انّما يتفحّص عنه في مظانّ وجوده فيه و وصوله اليه و ما احتمل فيه احتمالاً قريبا.

(مسألة 17): لو علم أنّه قد كان في بلد معيّن في زمان ثمّ انقطع أثره يتفحّص عنه أوّلاً في ذلك البلد على المعتاد، فيكفي التفقّد عنه في جوامعه و مجامعه و أسواقه و متنزّهاته و مستشفياته و خاناته المعدّة لنزول الغرباء و نحوها، و لايلزم استقصاء تلك المحالّ بالتفتيش أو السؤال، بل يكفي الاكتفاء بما هو المعتدّ به من مشتهراتها، و ينبغي ملاحظة زيّ المفقود و صنعته و حرفته، فيتفقّد عنه في المحالّ المناسبة له و يسأل عنه من أبناء صنفه و حرفته مثلاً، فاذا تمّ الفحص في ذلك البلد و لم‌يظهر منه أثر و لم‌يعلم موته و لا حياته فان لم‌يحتمل انتقاله الى محلّ آخر بقرائن الأحوال سقط الفحص و السؤال، و اكتفي بانقضاء مدّة التربّص أربع سنين، و ان احتمل الانتقال فان تساوت الجهات فيه تفحّص عنه في تلك الجهات، و لايلزم الاستقصاء التامّ، بل يكفي الاكتفاء ببعض المحالّ المهمّة و المشتركة في كلّ جهة مراعيا للأقرب ثمّ الأقرب الى البلد الأوّل، و ان كان الاحتمال في بعضها أقوى جاز جعل محلّ الفحص ذلك البعض و الاكتفاء به، خصوصا اذا

بعد احتمال انتقاله الى غيره، و اذا علم أنّه قد كان في مملكة أو سافر اليها ثمّانقطع أثره كفى أن‌يتفحّص عنه مدّة التربّص في بلادها المشهورة التي تشدّ اليها للرجال، و ان سافر الى بلد معيّن من مملكة كالعراقي سافر الى خراسان يكفي الفحص في البلاد و المنازل الواقعة في طريقه الى ذلك البلد و في نفس ذلك البلد، و لاينظر الى الأماكن البعيدة عن الطريق فضلاً عن البلاد الواقعة في أطراف المملكة، و اذا خرج من منزله مريدا للسفر أو هرب و لايدري الى أين توجّه و انقطع أثره تفحّص عنه مدّة التربّص في الأطراف و الجوانب ممّا يحتمل قريبا وصوله اليه، و لاينظر الى ما بعد احتماله.

(مسألة 18): قد عرفت أنّ الأحوط أن‌يكون الفحص و الطلاق بعد رفع أمرها الى الحاكم، فلو لم‌يمكن الوصول اليه فان كان له وكيل و مأذون في التصدّي للأمور الحسبيّة فلايبعد قيامه مقامه في هذا الأمر، و مع فقده أيضا فقيام عدول المؤمنين مقامه محلّ اشكال.

(مسألة 19): ان علم أنّ الفحص لاينفع و لايترتّب عليه أثر فالظاهر سقوط وجوبه، و كذا لو حصل اليأس من الاطّلاع عليه في أثناء المدّة، فيكفي مضيّ المدّة في جواز الطلاق و الزواج.

(مسألة 20): يجوز لها اختيار البقاء على الزوجيّة بعد رفع الأمر الى الحاكم قبل أن‌تطلّق و لو بعد الفحص و انقضاء الأجل، و لها أن‌تعدل عن اختيار البقاء الى اختيار الطلاق، و حينئذ لايلزم تجديد ضرب الأجل و الفحص.

(مسألة 21): الظاهر أنّ العدّة الواقعة بعد الطلاق عدّة طلاق و ان كانت بقدر عدّة الوفاة، و يكون الطلاق رجعيّا، فتستحقّ النفقة في أيّامها و ان ماتت فيها يرثها لو كان في الواقع حيّا، و ان تبيّن موته فيها ترثه، و ليس عليها حداد بعد الطلاق.

(مسألة 22): ان تبيّن موته قبل انقضاء المدّة أو بعده قبل الطلاق وجبعليها عدّة الوفاة، و ان تبيّن بعد انقضاء العدّة اكتفي بها، سواء كان التبيّن قبل التزويج أو بعده، و سواء كان موته المتبيّن وقع قبل العدّة أو بعدها أو في أثنائها أو بعد التزويج، و أمّا لو تبيّن موته في أثناء العدّة فهل يكتفي باتمامها أو تستأنف عدّة الوفاة من حين التبيّن؟ وجهان بل قولان أحوطهما الثاني لو لم‌يكن الأقوى.

(مسألة 23): لو جاء الزوج بعد الفحص و انقضاء الأجل فان كان قبل الطلاق فهي زوجته، و ان كان بعد ما تزوّجت بالغير فلا سبيل له عليها، و ان كان في أثناء العدّة فله الرجوع اليها كما أنّ له ابقاءها على حالها حتّى تنقضي عدّتها و تبين عنه، و أمّا ان كان بعد انقضاء العدّة و قبل التزويج ففي جواز رجوعها اليها و عدمه قولان، أقواهما الثاني.

(مسألة 24): لو حصل لزوجه الغائب بسبب القرائن و تراكم الأمارات العلم بموته جاز لها بينها و بين اللّه أن‌تتزوّج بعد العدّة من دون حاجة الى مراجعة الحاكم، و ليس لأحد عليها اعتراض ما لم‌يعلم كذبها في دعوى العلم. نعم، في جواز الاكتفاء بقولها و اعتقادها لمن أراد تزويجها و كذا لمن يصير وكيلاً عنها في ايقاع العقد عليها اشكال، و الأحوط لها أن‌تتزوّج ممّن لم‌يطّلع بالحال و لم‌يدر أنّ زوجها قد فقد و لم‌يكن في البين الاّ دعواها بأنّ زوجها مات، بل يقدم على تزويجها مستندا الى دعواها أنّها خليّة بلا مانع، و كذا توكّل من كان كذلك.

الشرح:

انّ هنا فروعا ذكرها الشهيد الثاني في المسالك(1)في مطاوي شرحه على كلام المحقّق رحمه‌الله نذكرها على وفق ما ذهبنا اليه في المسائل السابقة، تتميما للبحث و ايضاحا لما ذكره الامام الخميني قدس‌سره:

الأوّل: لا فرق في المفقود بين من اتّفق فقده في جوف البلد و في السفر و في القتال و ما اذا انكسرت سفينته و لم‌يعلم حاله، لشمول النصّ لذلك كلّه و حصول المعنى، و لاتكفي دلالة القرائن على موته بدون البحث، الاّ أن‌ينضمّ اليها اخبار من يتآخم قوله العلم بوفاته، فيحكم بها حينئذ من غير أن‌يتربّص به المدّة المذكورة. و لا فرق حينئذ بين أن‌يحكم الحاكم بموته و عدمه، بل اذا ثبت ذلك عندها جاز لها التزويج، و لم‌يجز لرجل آخر أن‌يتزوّجها الاّ أن‌يثبت عنده ذلك أيضا. و لو حكم الحاكم بها كفى في حقّ الزوجين بغير اشكال.

الثاني: لو فقد في بلد مخصوص أو جهة مخصوصة بحيث دلّت القرائن على عدم انتقاله منها الى غيرها كفى البحث عنه في تلك البلدة أو تلك الجهة، فان لم‌يظهر خبره تربّص به أربع سنين من غير بحث، فاذا مضت فعل بها ما تقرّر من الطلاق أو الأمر بالاعتداد ثمّ تزوّجت ان شاءت. و كذا لو كان فقده في جهتين أو ثلاث أو بلدان كذلك اقتصر على البحث عنه فيما حصل فيه الاشتباه.

أقول: قد تقدّم أنّه بعد البحث أربع سنين أمر الحاكم وليّه بطلاقها و أمرها بالاعتداد، الاّ أنّه اذا حصل اليأس منه قبل أربع سنين فهل يجب التربّص أو البحث أو لا؟ سيأتي الكلام فيه.

الثالث: يتخيّر الحاكم بين ارسال رسول الى الجهة التي يعتبر البحث عنه فيها، و بين البعث الى حاكم تلك الجهة ليبحث عنه فيها كما ذكر في الرواية. و يعتبر في


1) - مسالك الأفهام 9: 286 - 297.

الرسول العدالة ليركن الى خبره حيث لايظهر. و لايشترط التعدّد، لأنّ ذلك منباب الخبر لا الشهادة و الاّ لم‌تسمع، لأنّها شهادة على النفي.

أقول: يكفي أن‌يكون المخبر ثقة تطمئنّ النفس بخبره و ان لم‌يكن عادلاً كما حقّق في محلّه.

الرابع: لو تعذّر البحث عنه من الحاكم - امّا لعدمه أو لقصور يده - تعيّن عليها الصبر الى أن‌يحكم بموته شرعا أو يظهر حاله بوجه من الوجوه، لأصالة بقاء الزوجيّة.

أقول: لو تعذّر البحث عنه من الحاكم، يجوز لها الرجوع الى عدول المؤمنين ليبحثوا عنه، و ان لم‌يمكن لها ذلك فان صبرت فلا كلام، و الاّ فان قدرت على البحث فلتبحث أربع سنين و لايبعد أن‌يقال بأنّها تطلّق نفسها أو أنّ ولي الزوج يطلّقها ثمّ تعتدّ ثمّ تتزوّج لو أرادت.

الخامس: الحكم مختصّ بالزوجة فلايتعدّى الى ميراثه و لا عتق أمّ ولده، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده، فيتوقّف ميراثه و ما يترتّب على موته من عتق أمّ الولد و المدبّر و الوصيّة و غيرها الى أن‌تمضي مدّة لايعيش مثله إليها عادة.

أقول: قد فصّلنا البحث عن ميراث المفقود في كتاب الارث و ذكرنا هناك رواياته و ما يستفاد منها فراجع.

السادس: لو أنفق عليها الولي أو الحاكم من ماله، ثمّ تبيّن تقدّم موته على زمن الانفاق أو بعضه، فلا ضمان عليها و لا على المنفق للأمر به شرعا، و لأنّها محبوسة لأجله، و قد كانت زوجة ظاهرا، و الحكم مبنيّ على الظاهر.

و في الجواهر: «و لو عاد الزوج من سفره و قد ظهر الغلط في الحساب فان لم‌يكن قد تزوّجت وجب لها نفقة جميع المدّة، و ان كانت قد تزوّجت ففي القواعد «سقطت نفقتها من حين التزويج، لأنّها ناشز، فاذا فرّق بينهما فان لم‌يكن

دخل بها الثاني عادت نفقتها في الحال، و ان دخل فلا نفقة لها على الثاني، لأنّهمشتبه، و لا على الأوّل لأنّها محبوسة عليه لحقّ غيره» و لايخلو من نظر».(1)

السابع: اذا حضر المفقود بعد الحكم بوفاته ظاهرا فتارة حضر بعد أن‌اعتدّت و تزوّجت بغيره فلا سبيل له عليها اجماعا، للحكم شرعا ببينونتها منه، و تعلّق حقّ الزوج الثاني بها بحكم الشارع فلايزال.

و أخرى: يكون حضوره في أثناء عدّة الطلاق فهو أحقّ بها اجماعا، لدلالة الأخبار السابقة عليه. و لأنّ الحكم باعتدادها كان مبنيّا على الظاهر، و قد تبيّن خلافه بظهور حياته فينتقض الحكم. و لأنّ المقصود من هذه الفرقة ازالة الضرر عنها و تمكينها من نكاح غيره، فاذا حضر الزوج زال الضرر فكان أولى بها.

مضافا الى أنّه لو طلّق الزوج نفسه زوجته فهو أحقّ بها في أثناء عدّة الطلاق.

و ثالثة حضر بعد عدّة الطلاق و قبل انقضاء عدّة الوفاة فهل هو أحقّ بها أو لا؟ ظاهر الشهيد في المسالك دعوى الاجماع على أحقّيّته بها، و فيه اشكال بعد انقضاء عدّة الطلاق، فانّ من المحتمل أن‌يكون مراد الأصحاب من كونه أحقّ بها ان رجع في أثناء العدّة، هو رجوعها في أثناء عدّة الطلاق لا عدّة الوفاة، فانّ عدّة الوفاة كما عرفت في ابتداء البحث كانت للاحتياط.

و رابعة كان حضوره بعد انقضاء العدّة و قبل التزويج ففي أولويّته بها أقوال أشهرها أنّه لا سبيل له عليها. كما صرّح به في صحيحة بريد بن معاوية. و كذا في رواية سماعة: «فان قدّم زوجها بعد انقضاء عدّتها فليس له عليها رجعة، و ان قدّم و هي في عدّتها الأربعة أشهر و عشرا فهو أملك برجعتها». و لأنّ الشارع حكم بالبينونة بانقضاء العدّة، فعود سلطنة الزوج يحتاج الى دليل. و بهذا قال الشيخ في المبسوط و أتباعه و الأكثر من المتقدّمين و المتأخّرين. و هو الأقوى.


1) - جواهر الكلام 32: 304.

هذا ما يبدو لي في بيان هذا الفرع و ما جاء في المسالك من بيان الفرع علىمبناه لايخلو من اشكال يظهر ممّا ذكرنا.

الثامن: قد علّق المحقّق رحمه‌الله الحكم على مجيء الزوج بقوله: «و ان جاء و هي في العدّة فهو أملك بها» تبعا للرواية، ولكن لا فرق بين مجيئه و عدمه في ذلك، و انّما المعتبر ظهور حياته في الحالة المبحوث عنها، لأنّ الحكم باعتدادها للوفاة دليل على التفات الشارع الى ظاهر حاله و أنّه قد مات، فاذا تبيّن خلاف ذلك انتفى.

و يحتمل ضعيفا تعليق الحكم على مجيئه، نظرا الى ظاهر الرواية، و لأنّ حكمة ذلك ازالة الضرر عنها، و هو لايزول بظهور حياته في بلاد بعيدة، خصوصا مع دلالة القرائن على عدم مجيئه أو عدم قدرته عليه، و للحكم بارتفاع الزوجيّة فلايزول الاّ بدليل. و ليس في الأخبار ما يدلّ على حكمه مع عدم مجيئه فيبقى على ما قد ثبت له من الحكم.

أقول: الظاهر أنّ الاحتمال الذي عنونه أخيرا و عدّه ضعيفا، ليس بضعيف بل الظاهر اعتبار حضوره و مجيئه و ترتيب الأثر على ظهور حياته في الحالة المبحوث عنها و لايكفي صرف ظهور الحياة.

التاسع: ظاهر الأخبار أنّه لو عاد و هي في العدّة لايعود حكم الزوجيّة الاّ بالرجعة، لأنّه قال في الخبر الصحيح: «فبدا له أن‌يراجعها فهي امرأته» و هو مناسب للحكم بصحّة الطلاق، فانّه لايزول الاّ بالرجعة. و خبر سماعة مع عدم تضمّنه الطلاق يدلّ على ذلك أيضا حيث قال: «فهو أملك برجعتها».

و يحتمل عود الزوجيّة اليه قهرا، لتبيّن بطلان الطلاق و الاعتداد بظهور حياته، لأنّهما مبنيّان على الظاهر من موته. و كلام الأصحاب موافق لهذا الاحتمال، لأنّهم يعبّرون بأنّه أحقّ بها و أملك بها، كما عبّر المصنّف و نحو ذلك، مع قبولها للتأويل

بما يوافق الأوّل.

أقول: الظاهر أنّ القول الأوّل هو الأصحّ، و ذلك لأنّها قد طلّقت بأمر الشارع،فهي على طلاقها حتّى يجيء في العدّة و يرجع اليها. و ما قلنا باعتدادها عدّة الوفاة كان مبنيّا على الاحتياط.

العاشر: قال المحقّق رحمه‌الله: «لو نكحت بعد العدّة ثمّ بان موت الزوج، كان العقد الثاني صحيحا و لا عدّة، سواء كان موته قبل العدّة أو معها أو بعدها، لأنّ عقد الأوّل سقط اعتباره في نظر الشرع، فلا حكم لموته كما لا حكم لحياته».

لمّا كان حكم الشارع لها بالاعتداد و البينونة بها قاطعا للنكاح السابق فاعتبار ما حكم به ثابت، سواء تبيّن بعد ذلك موته أو لا، و سواء كان تبيّن موته قبل العدّة أو فيها أو بعدها، استصحابا لما قد ثبت بحكم الشرع، و ما خرج عن ذلك من الحكم بكونه أحقّ بها لو ظهر في العدّة جاء بدليل خارج، فيبقى غيره على الأصل.

الحادي عشر: انّها في حكم الزوجة مادامت في العدّة، فتجب لها النفقة لو حضر قبل انقضائها، فلولا أنّها زوجة لما صحّ له ذلك الاّ بعقد جديد، و خصوصا على القول بأنّ الولي يطلّقها، لأنّ الظاهر أنّ الطلاق رجعي لما ظهر من الروايات أنّه يراجعها اذا حضر، و الطلاق الرجعي لايسقط النفقة. و لأنّها محبوسة عليه في هذه الحالة فناسب وجوب نفقتها حال العدّة.

و يحتمل وجوب قضاء نفقة زمن العدّة و ان انقضت، لأنّ نفقة الزوجة تقضى.

الثاني عشر: اذا مات المفقود أو زوجته بعد الحكم بالفرقة، فامّا أن‌يكون موته في أثناء العدّة أو بعدها، قبل التزويج، أو بعده. ففي الأخير لا توارث بينهما قطعا، لانقطاع عصمة النكاح رأسا، لما عرفت من أنّه لو حضر و قد تزوّجت فلا سبيل له عليها.

و كذا لو كان ذلك بعد العدّة بناء على انتفاء سبيله عنها ببينونتها بانقضاء العدّة.

و أمّا لو مات أحدهما و هي في العدّة ففي ثبوت الارث قولان: أحدهما العدم،

لأنّ العدّة عدّة الوفاة، و هي تقتضي نفي الارث. و الأقوى عندنا ثبوت التوارث لومات في عدّة الطلاق - كما عرفت مرارا في الفروع السابقة من أنّ الحقّ وجوب عدّة الطلاق و أنّ عدّة الوفاة احتياط - لبقاء حكم الزوجيّة، و لأنّ العدّة في حكم الرجعيّة كما قد عرفت، و هي لاتقطع التوارث بين الزوجين. و جعلها عدّة وفاة مبنيّ على الظاهر و على وجه الاحتياط، و الاّ لم‌يجامع الطلاق، فاذا تبيّن خلاف الظاهر رجع حكم الطلاق الرجعي أو الزوجيّة من رأس.

و في الجواهر: «لايرثها الزوج لو ماتت بعد العدّة و كذا لاترثه بلا اشكال، بناء على ما عرفت من انقطاع العصمة بينهما بانقضائها و ان لم‌تتزوّج، بل و ان لم‌نقل بالطلاق، لما سمعته من تصريح الموثّق بأنّه لا سبيل له عليها بعدها لو جاء حيّا فضلاً عن الموت».(1)


1) - جواهر الكلام 32: 303.

الى هنا تمّ الفروع المستفادة من كلام الشهيد الثاني قدس‌سره في المسالك. فنختم الكلام بذكر الفروع التي ذكرها في المهذّب.(1)

الأوّل: لو بان بعد العدّة عدم وقوع المقدّمات على الوجه الصحيح بأن‌تبيّن عدم تحقّق الفحص على وجهه أو عدم انقضاء المدّة أو عدم تحقّق شروط الطلاق أو نحو ذلك وجب التدارك و لو بالاستئناف؛ لقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه و أصالة بقاء الزوجيّة من غير دليل حاكم عليهما. و لو كان ذلك بعد تزويجها من الغير كان باطلاً؛ لفرض وقوع التزويج في غير المحلّ. و ان كان الزوج الثاني دخل بها حرمت عليه أبدا؛ لوقوع العقد مع الدخول على ذات البعل ظاهرا و ان كان جاهلاً كما تقدّم في كتاب النكاح.

و لو انقضت المدّة و لم‌يتمّ الفحص فالأحوط الاتمام و لو بعد المدّة؛ لاحتمال أن‌يكون لاتمام الفحص موضوعيّة خاصّة.

و في الجواهر: «لو غلط الحاكم بالحساب فأمرها بالاعتداد فاعتدّت و تزوّجت قبل مضيّ مدّة التربّص بطل النكاح الثاني لوقوعه على غير الوجه الشرعي، بل هو نكاح لذات بعل شرعا، بل الأقرب تحريمها عليه أبدا مع الدخول، لكونه تزويجا لذات بعل، و هو محرّم أبدا نصّا و اجماعا كما عرفته في محلّه. نعم، لو بان كون نكاحه لها بعد موته أمكن القول بعدم حرمتها عليه، بل في القواعد «الأقرب صحّة الثاني لو تبيّن موت الزوج الأوّل قبل العدّة».

قلت: لعلّه لعدم كونها حينئذ ذات بعل في نفس الأمر، بل و لا في عدّة، لما عرفت من أنّها عندنا موقوفة على الطلاق الصحيح الذي يتعقّب تربّص الأربع سنين، لكن في كشف اللثام: «و يحتمل البطلان، لابتنائه ظاهرا و في زعم


1) - مهذّب الأحكام 26: 136.

المتعاقدين على الاعتداد المبني على الخطاء»».(1)

ثمّ انّه لايخفى على فرض تبيّن الخطاء في الحساب أو في بعض المقدّمات فوط‌ء الثاني لها يكون من وط‌ء الشبهة و يجري عليه أحكام وط‌ء الشبهة من العدّة و غيرها.

الثاني: لو تتضرّر الزوجة من الصبر على فقد زوجها أو تقع في حرام، فهل للحاكم الشرعي التطليق حينئذ؟ وجهان من اطلاقات أدلّة نفي الضرر و الحرج و ظاهر قول أبي عبداللّه عليه السلام في صحيحة ربعي في قول اللّه عزّوجلّ: «و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه»:

«اذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة و الاّ فرّق بينهما».(2)

و مثله غيره من الأخبار.

و في صحيحة أبي بصير قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من كانت عنده امرأة فلم‌يكسها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها كان حقّا على الامام أن‌يفرّق بينهما».(3)

و من الجمود على قوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «الطلاق بيد من أخذ بالساق». و انسياق اجبار الحاكم الشرعي الزوج على التطليق ممّا مرّ من الأخبار، فلايجوز.

ولكن هذه الموارد من الأمور التي يتوقّف على تشخيص الموضوع بنظر الحاكم الشرعي و احراز ما هو الأهمّ لديه و قطعه بذلك. و اللّه العالم.


1) - جواهر الكلام 32: 304.

2) - وسائل الشيعة 21: 509 / الباب 1 من أبواب النفقات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 21: 509 / الباب 1 من أبواب النفقات / الحديث 2.

أقول:

الظاهر أنّ الحاكم الشرعي يجوز له أن‌يأمر ولي الزوج المفقود بطلاق الزوجة لو كان مأيوسا من خبره بحيث يطمئنّ بعدم وصول خبر منه فيما بعد، و كانت الزوجة في مشقّة و عسر شديد من جهة وقوعها في الحرام، و لو امتنع الولي يطلّقها الحاكم و الدليل على ذلك ما أشار اليه في الوجه الأوّل، و لايبعد استفادة ذلك من الروايات الواردة في الباب.

فانّ ذكر أربع سنين في الروايات ليس تعبّدا صرفا على الظاهر، فلو حصل العلم قبل ذلك بأنّه ليس من المفقود عين و لا أثر فيجوز له أمر الولي بالطلاق.

الثالث: لو طلّقت المفقود عنها زوجها و كان بعد الدخول استحقّت المهر كلّه، و ان كان قبله تستحقّ النصف فيؤخذ من أمواله باذن الحاكم الشرعي؛ لأنّ الطلاق الواقع صحيح شرعا فيشمله جميع الأحكام المترتّبة على الطلاق مثل النفقة في أيّام العدّة و غيرها ممّا ذكر في محلّه.

هذا تمام ما أردنا بيانه في مسألة الغائب و يغني ذكر هذه الفروع عن شرح سائر المسائل التي ذكرها الامام الخميني قدس‌سره.

فصل في عدّة وط‌ء الشبهة

اشارة

و المراد به وط‌ء الأجنبيّة بشبهة أنّها حليلته امّا لشبهة في الموضوع كما لو وطأ امرأة باعتقاد أنّها زوجته أو لشبهة في الحكم كما اذا عقد على أخت الموطوء معتقدا صحّته و دخل بها.

الشرح:

قال في المسالك: «المراد بوط‌ء الشبهة، الوط‌ء الذي ليس بمستحقّ مع عدم العلم بتحريمه، فيدخل فيه وط‌ء الصبي و المجنون و النائم و شبهه فيثبت به النسب كالصحيح. و لو اختصّت الشبهة بأحد الطرفين اختصّ به الولد».(1)

و قال في الجواهر: «الوط‌ء بالشبهة هو الوط‌ء الذي ليس بمستحقّ في نفس الأمر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق أو صدوره عنه بجهالة مغتفرة في الشرع أو مع ارتفاع التكليف بسبب غير محرّم، و المراد بالجهالة المغتفرة أن لايعلم الاستحقاق و يكون النكاح مع ذلك جائزا كالتعويل على اخبار المرأة بعدم الزوج أو بانقضاء العدّة أو على شهادة العدلين بطلاق الزوج أو موته. - الى أن‌قال: - و الحاصل أنّ وط‌ء الشبهة ثلاثة أقسام: الأوّل: الوط‌ء الذي ليس بمستحقّ مع اعتقاد فاعله الاستحقاق؛ لجهل بالموضوع أو جهل بالحكم الشرعي على وجه يعذر فيه.

الثاني: الوط‌ء الذي ليس بمستحقّ مع عدم اعتقاد فاعله الاستحقاق الاّ أنّ النكاح جائز شرعا، كالتعويل على اخبار المرأة. الثالث: الوط‌ء الغير المستحقّ ولكن صدر ممّن هو غير مكلّف كالنائم و المجنون و السكران بسبب محلّل و غيرهم».(2)


1) - مسالك الأفهام 7: 202.

2) - جواهر الكلام 29: 244 - 247.

أقول:

الظاهر صحّة ما ذهب اليه صاحب الجواهر من بيان المراد من وط‌ء الشبهة و أقسامه، و ذلك لأنّ الأصل - كما قال رحمه‌الله - أنّ الفروج لاتستباح الاّ بسبب شرعي فما لم‌يتحقّق فيه السبب المبيح فهو وط‌ء محرّم داخل في الزنا، و من المعلوم أنّ الشارع لم‌يبح الوط‌ء بمجرّد الاحتمال أو الظنّ، و انّما أباحه بشرط العلم بالاستحقاق أو حصول ما جعله أمارة للحلّ فبدونهما لايكون الوط‌ء الاّ الزنا.

و عليه فيخرج عن الوط‌ء بالشبهة أقسام كما ذكره في الجواهر:

منها: وط‌ء المكلّف العالم بعدم الاستحقاق و هو الزنا الذي لا شبهة فيه.

و منها: وط‌ء الجاهل الذي ليس بمعذور في جهالته و ان ظنّ الاستحقاق اذا كان ظنّه ممّا لايجوز التعويل عليه، كما اذا تزوّج المفقود زوجها من دون فحص و لا رفع الى الحاكم ولكن ظنّ وفاته لطول المدّة أو تعويلاً على اخبار من لايوثق به أو شهادة العدل الواحد أو تزوّج امرأة في عدّتها مع جهله بأنّها كم هي أو تزوّج امرأة اشتبه عليه أمرها لشبهة رضاع أو مصاهرة أو غيرهما من أسباب التحريم من دون اجتهاد أو تقليد الى غير ذلك من الصور التي يجب فيها الفحص و السؤال و لايعذر فيها الجاهل بالحال، فانّ الظاهر أنّ ذلك كلّه زنا لايثبت معه النسب شرعا الاّ اذا اعتقد جواز النكاح في تلك الصور لشبهة محتملة في حقّه، فانّه حينئذ وط‌ء شبهة و يصدق عليه حدّه نظرا الى اعتقاده الاستحقاق.

الثالث: وط‌ء من ارتفع عنه التكليف بسبب محرّم كالسكر، فانّ المشهور أنّ وط‌ء السكران بشرب خمر و نحوه، زنا يثبت به الحدّ و ينتفي معه النسب كما عن الشيخين و غيرهما التصريح به، بل قيل: لم‌نقف على مخالف في ثبوت الحدّ سوى العلاّمة في التحرير فنفاه عنه ولكنّه في غيره وافق المشهور.

و يدلّ على ذلك - مضافا الى الاعتبار الذي سمعته - عدّة روايات كرواية يزيد

الكناسي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة تزوّجت في عدّتها، فقال: ان كانت تزوّجت في عدّة طلاق لزوجها عليها الرجعة فانّ عليها الرجم، و ان كانت تزوّجت في عدّة ليس لزوجها عليها الرجعة فانّ عليها حدّ الزاني غير المحصن، و ان كانت تزوّجت في عدّة بعد موت زوجها من قبل انقضاء الأربعة أشهر و العشرة أيّام فلا رجم عليها و عليها ضرب مائة جلدة، قلت: أرأيت ان كان ذلك منها بجهالة؟ قال: فقال: ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين الاّ و هي تعلم أنّ عليها عدّة في طلاق أو موت، و لقد كنّ نساء الجاهليّة يعرفن ذلك، قلت: فان كانت تعلم أنّ عليها عدّة و لاتدري كم هي؟ فقال: اذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتّى تعلم».(1)

و كذا غيرها.

فتحصّل أنّ الاحتمال بل الظنّ غير المعتبر لايوجب جريان أحكام الشبهة عليها. نعم، الاطمئنان العادي بالحليّة أو الظنّ بها من القرائن المعتبرة يلحقها بالوط‌ء بالشبهة بل لايبعد الحاق الظنّ غير المعتبر مع الاعتقاد بأنّه يكفي في الحليّة خصوصا مع عدم امكان الفحص، بالوط‌ء بالشبهة مضافا الى ما يقال من اهتمام الشارع بحفظ الأنساب مهما أمكن.

فالمراد بالشبهة - كما في المتن - شبهة أنّها حليلته امّا لشبهة في الموضوع كما لو وطئ امرأة باعتقاد أنّها زوجته أو لشبهة في الحكم كما اذا عقد على أخت الموطوء معتقدا صحّته و دخل بها.


1) - وسائل الشيعة 28: 126 / الباب 27 من أبواب حدّ الزنا / الحديث 3.

في أنّه لا عدّة على المزني بها

(مسألة 1): لا عدّة على المزني بها سواء حملت من الزنا أم لا على الأقوى، و أمّا الموطوءة شبهة فعليها عدّة سواء كانت ذات بعل أو خليّة، و سواء كانت لشبهة من الطرفين أو من طرف الواطئ، بل الأحوط لزومها ان كانت من طرف الموطوءة خاصّة.

الشرح:

أمّا المزني بها فلا عدّة عليها، و لايجب استبراء رحمها بل يجوز التزوّج بها بعد الزنا سواء كان الزوج هو الزاني أو غيره و قد تقدّم الاستدلال عليه في كتاب النكاح مفصّلاً، فهنا نكتفي بذكر ما استدلّ به في المسالك و الجواهر.

قال في المسالك: «وط‌ء الزنا لا حرمة له، سواء حملت منه أم لا. ثمّ ان فرض انتفاؤه عن الفراش لكونه غائبا عنها على وجه ينتفي عنه فطلّقها، اعتدّت من الطلاق بما كانت تعتدّ به لولا الزنا، فان لم‌يكن لها مع الحمل حيض اعتدّت بالأشهر، و ان قلنا بجواز حيضها و وقع اعتدّت بالأقراء و بانت بانقضائها و ان لم‌تضع، و جاز لها التزويج حينئذ و ان كانت حاملاً. و اطلاق اعتدادها مع الحمل بالأشهر مبني على الغالب أو على أنّ الحامل لا حيض لها. و لو لم‌تحمل من الزنا اعتدّت للطلاق بالأقراء، و اعتبار الزنا ساقط على التقديرين. و كذا القول فيما لو زنت و هي خالية من بعل و ان حملت، فيجوز لها التزويج قبل الوضع. و لو لم‌تحمل فظاهر الفتوى أنّ الحكم كذلك. و قرّب في التحرير أنّ عليها مع عدم الحمل العدّة. و لا بأس به حذرا من اختلاط المياه و تشويش الأنساب».(1)

و قال في الجواهر: «لو حملت من زنا ثمّ طلّقها الزوج اعتدّت بالسابق منالأشهر و الأقراء، كما لو لم‌يكن زنا، لا بالوضع الذي قد عرفت سابقا اعتبار كون


1) - مسالك الأفهام 9: 262.

الموضوع لذي العدّة في الاعتداد به، بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل و لا في أنّ لها التزويج حينئذ بعد انقضاء العدّة، لعدم العدّة لها بوضعه، و كذا لو لم‌تكن ذات بعل و كانت حاملة من زنا.

نعم لو لم‌تحمل فعن الفاضل في التحرير أنّ عليها العدّة حينئذ، و في المسالك «لا بأس به حذرا من اختلاط المياه و تشويش الأنساب» بل في الحدائق اختياره لخبر اسحاق بن جرير عن أبي عبداللّه عليه السلام «قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثمّ يبدو له في تزويجها هل يحلّ له ذلك؟ قال: نعم اذا هو اجتنبها حتّى تنقضي عدّتها باستبراء رحمها من ماء الفجور».

و خبر علي بن شعبة المروي عن تحف العقول عن أبي جعفر الثاني عليه السلام : «انّه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أيحلّ له أن‌يتزوّجها؟ فقال: يدعها حتّى يستبرئها من نطفته و نطفة غيره، اذ لايؤمن منها أن‌يكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه، ثمّ يتزوّج بها اذا أراد. الحديث».

مؤيّدين باطلاق ما دلّ على العدّة بالدخول و الماء، و انّ الحكمة فيها اختلاط الأنساب.

لكن فيه أوّلاً أنّ بعض الأدلّة المزبورة تقتضي وجوب العدّة في غير محلّ الفرض الذي لا عدّة فيه اجماعا، و الخصم لايخالف فيه. و ثانيا أنّ الخبر الثاني ظاهر في عدم العدّة عليه و لو علم عدم زنا غيره بها بخلاف الأوّل، مضافا الى عدم اختلاط الأنساب بذلك، ضرورة أنّه مع الدخول بها و احتمال كون الولد منه ألحق به لكون «الولد للفراش و للعاهر الحجر» و الاّ فهو لغيره، فلايبعد حمل الخبرين على ضرب من الندب، خصوصا بعد اطلاق ما دلّ على جواز التزويج بالزانية على كراهة، و غيره».(1)


1) - جواهر الكلام 32: 263 و 264.

و أمّا الموطوءة شبهة فعليها عدّة سواء كانت ذات بعل أو خليّة.

و في المتن: «سواء كانت الشبهة من الطرفين أو من طرف الواطئ، بل الأحوط لزومها ان كانت من طرف الموطوءة خاصّة».

و في المسالك: «الشبهة في الوط‌ء ان وقعت من الطرفين فالولد لهما، و عليها العدّة، و لها مهر المثل ان كانت حرّة. و ان اختصّت بأحدهما لحق به النسب و وجبت العدّة عليها، سواء كانت هي المختصّة بالشبهة أم هو، مراعاة لحقّ الوط‌ء الصحيح من طرف المشتبه عليه، و يختصّ الحدّ بالعالم منهما. ثمّ ان كانت هي العالمة فلا مهر لها و الاّ ثبت».(1)

و في الجواهر: «لو كانت المرأة عالمة بالتحريم و جهل الواطئ لحق به النسب، و وجبت له العدّة، و تحدّ المرأة حدّ الزانية و لا مهر لها لأنّها بغيّ بلا خلاف و لا اشكال في شيء من ذلك، كما أنّه لو انعكس الأمر لحق الولد بالامرأة، و يحدّ الرجل حدّ الزاني، و لها عليه مهر المثل، و لا عدّة عليها على الأصحّ، و ان كان هو الأحوط».(2)

أقول:

لو كانت الشبهة من طرف الموطوءة خاصّة ففي وجوب العدّة عليها قولان كما عرفت، فعن المسالك و الحدائق و المحكي من عبارة الشيخ وجوب العدّة؛ لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان و غيرها: «العدّة من الماء» و قولهم عليهم‌السلام المذكور في عدّة روايات كصحيحة ابن سنان: «اذا أدخله وجب الغسل و المهر و العدّة».(3)


1) - مسالك الأفهام 9: 357.

2) - جواهر الكلام 32: 379.

3) - وسائل الشيعة 21: 319 / الباب 54 من أبواب المهور / الحديث 1.

بل أرسلوه ارسال المسلّمات كما في الجواهر.

و عن كشف اللثام عدم وجوب العدّة عليها؛ للأصل بعد الشكّ في شمول الاطلاقات للمقام و لما دلّ على عدم حرمة ماء الزاني المستفاد من قوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر».

و أنّ المرأة وعاء فقط و احترام الماء لا بدّ و أن‌يكون من ناحية الرجل.

و قد ردّه في مهذّب الأحكام(1)أوّلاً بأنّ الأصل لا وجه له بعد صدق الاطلاقات و العمومات عرفا.

و ثانيا بأنّ ما هو المعروف من عدم حرمة ماء الزاني، لم‌نظفر على كونه خبرا معتبرا حتّى نتمسّك باطلاقه مع أنّ المنساق منه - على فرض اعتباره - عدم المهر كقوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «لا مهر لبغي».

و ثالثا بأنّ كون المرأة وعاءً مجرّد استحسان لايصلح لاثبات الأحكام الشرعيّة، فمقتضى احترام الماء في الجملة و ما ورد في حكمة تشريع العدّة هو وجوبها.

أقول: لايبعد أن‌يقال بأنّ عليها العدّة لكون الوط‌ء من طرفها شبهة، و لا أقلّ من الاحتياط.

في أنّ عدّة وط‌ء الشبهة كعدّة الطلاق

(مسألة 2): عدّة وط‌ء الشبهة كعدّة الطلاق بالأقراء و الشهور و بوضع الحمل لو حملت من هذا الوط‌ء على التفصيل المتقدّم، و من لم‌يكن عليها عدّة الطلاق كالصغيرة و اليائسة ليس عليها هذه العدّة أيضا.

الشرح:

عدّة وط‌ء الشبهة كعدّة الطلاق بالأقراء بالنسبة الى مستقيمة الحيض، و


1) - مهذّب الأحكام 26: 148.

بالشهور بالنسبة الى غيرها؛ لأنّ هذا الوط‌ء محترم عند الشارع ففي عدّته لا فرق بينه و بين عدّة الطلاق كما يكون عدّتها بوضع الحمل لو حملت من هذا الوط‌ء، و قد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة السادسة من فصل أقسام العدد، فراجع.

و من لم‌يكن عليها عدّة الطلاق كالصغيرة و اليائسة ليس عليها هذه العدّة أيضا كما مرّ في المسألة الأولى من فصل أقسام العدد.

فيما لو كانت الموطوءة شبهة ذات بعل

(مسألة 3): لو كانت الموطوءة شبهة ذات بعل لايجوز لزوجها وطؤها في مدّة عدّتها، و هل يجوز له سائر الاستمتاعات منها أم لا؟ أحوطهما الثاني و أقواهما الأوّل، و الظاهر أنّه لاتسقط نفقتها في أيّام العدّة و ان قلنا بحرمة جميع الاستمتاعات منها.

الشرح:

قال في الجواهر: «و لو تأخّر الوط‌ء شبهة عن الطلاق و لا حمل أتمّت عدّتها من الطلاق، للأصل المؤيّد بتقدّمها و قوّتها باستنادها الى عقد جائز و سبب مسوّغ، فاذا فرغت منها استأنفت عدّة الثاني، و للزوج مراجعتها في عدّته ان كان الطلاق رجعيّا، فان راجعها انقطعت عدّته، و شرعت في عدّة الوط‌ء بالشبهة، و ليس للزوج وطؤها قطعا، لكونها في عدّة، بل في القواعد و المسالك المنع من الاستمتاع بها الى أن‌تنقضي عدّتها، لكن لا دليل عليه يصلح لمعارضة ما دلّ على الاستمتاع بالزوجة».(1)

أقول:


1) - جواهر الكلام 32: 267.

بعد أن‌كانت زوجته فيشملها أحكام الزوجيّة الاّ ما خرج بالدليل و هو الوط‌ءفي أيّام عدّة الغير للشبهة، فيبقى غيره في عموم قوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم»(1)و لذلك يجب على زوجها نفقتها في أيّام العدّة. و الاحتياط بترك سائر الاستمتاعات حسن.

و يدلّ عليه أيضا صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن رجلين شهدا على رجل غائب عند امرأته أنّه طلّقها فاعتدّت المرأة و تزوّجت ثمّ انّ الزوج الغائب قدم فزعم أنّه لم‌يطلّقها فأكذب نفسه أحد الشاهدين فقال: لا سبيل للأخير عليها و يؤخذ الصداق من الذي شهد فيردّ على الأخير و الأوّل أملك بها و تعتدّ من الأخير و لايقربها الأوّل حتّى تنقضي عدّتها».(2)

هذا الحكم في الوط‌ء لا ريب فيه و أمّا سائر الاستمتاعات فالظاهر من قوله عليه السلام : «و لايقربها الأوّل حتّى تنقضي عدّتها» هو حرمتها الاّ أنّه لايبعد أن‌يقال بأنّ معنى لايقربها بمناسبة الحكم و الموضوع هو الوط‌ء فقط كما استفاد ذلك في الجواهر و المستمسك و غيرهما الاّ أنّ الاحتياط في محلّه.

و أمّا النظر و ان كان بتلذّذ و ريبة فلايستفاد حرمته من تلك الجملة.

و قال في العروة: «لا اشكال في عدم جواز وطئها للزوج في أيّام عدّتها للوط‌ء بالشبهة، و هل يجوز له سائر الاستمتاعات أو لا؟ وجهان بل قولان، من أنّها لم‌تخرج عن الزوجيّة و يحصل الغرض من العدّة و هو عدم اختلاط الأنساب بترك الوط‌ء، و أمّا الاستمتاعات الأخر فلا دخل لها في ذلك، و من أنّ مقتضى العدّة الاجتناب عنها مطلقا و هو الأحوط و ان كان الأوّل أقوى».(3)


1) - البقرة 2: 223.

2) - وسائل الشيعة 22: 252 / الباب 37 من أبواب العدد / الحديث 2.

3) - العروة الوثقى 2: 105 / مسألة 4.

و هكذا قال السيّد الاصفهاني في وسيلة النجاة.(1)

ثمّ انّ الظاهر كما قلنا عدم سقوط نفقتها في أيّام عدّتها من وط‌ء الشبهة اذا كانت ذات بعل و ليست ملحقة بالناشزة و ان قلنا بعدم جواز مطلق الاستمتاعات فحالها حال الزوجة حال الاحرام.

فيما اذا كانت خليّة

(مسألة 4): اذا كانت خليّة يجوز لواطئها أن‌يتزوّج بها في زمن عدّتها بخلاف غيره، فانّه لايجوز له ذلك على الأقوى.

الشرح:

قد تقدّم في كتاب النكاح أنّه يجوز للرجل أن‌يتزوّج بالمرأة المعتدّة بعدّة لنفسه، سواء كانت عدّة الطلاق أو الوط‌ء بالشبهة - اذا كانت خليّة - أو عدّة المتعة أو الفسخ بأحد موجباته أو مجوّزاته، و ذلك لانصراف الأدلّة الواردة في حرمة تزويج المرأة المعتدّة عن ذلك، و لأنّ حكمة تشريع العدّة في الشريعة انّما هي عدم اختلاط المياه و حفظ الأنساب و احترام الماء المحترم للغير، و الكلّ منتف في المقام فلا موضوع لعدم الجواز حينئذ.

و هذا بخلاف غير الواطئ فانّه لايجوز له ذلك على الأقوى؛ لاطلاق ما دلّ على عدم صحّة النكاح في العدّة، كما أفتى بذلك السيّد الاصفهاني في وسيلة النجاة.

و في العروة: «اذا كانت الموطوءة بالشبهة خليّة يجوز لواطئها أن‌يتزوّجها قبل انقضاء عدّتها منه بلا اشكال، و أمّا غيره فهل يجوز له ذلك أو لا؟ يظهر من المحكي عن المسالك جوازه و ان كان لايجوز مقاربتها الاّ بعد الخروج من العدّة


1) - وسيلة النجاة: 792 / مسألة 3.

و ذلك لعدم المنافاة بين كونها ذات بعل مع كونها في العدّة، و الأقوى عدمهلأصالة عدم تأثير العقد و اطلاق ما دلّ من الأخبار على عدم جواز النكاح في العدّة. و يظهر من صاحب الجواهر ابتناء المسألة على الوجهين من جواز غير الوط‌ء من سائر الاستمتاعات فيجوز، و من عدم جوازها فلايجوز؛ اذ على هذا لايبقى تأثير للعقد الواقع أصلاً فلايمكن صحّته بخلافه على الأوّل لكفاية تأثيره في غير الوط‌ء من سائر الاستمتاعات».(1)

(مسألة 5): لا فرق في حكم وط‌ء الشبهة من حيث العدّة و غيرها بين أن‌يكون مجرّدا عن العقد أو يكون بعده بأن وطئ المعقود عليها بشبهة صحّة العقد مع فساده واقعا.

لاطلاق الدليل الشامل لهما، فانّ المناط عدم تحقّق الزنا و قد سبق أنّ الوط‌ء بالشبهة محترم عند الشارع.

فيما لو كانت معتدّة بعدّة الطلاق أو الوفاة فوطئت شبهة

(مسألة 6): لو كانت معتدّة بعدّة الطلاق أو الوفاة فوطئت شبهة أو وطئت ثمّ طلّقها أو مات عنها زوجها فعليها عدّتان على الأحوط لو لم‌يكن الأقوى، فان كانت حاملاً من أحدهما تقدّمت عدّة الحمل، فبعد وضعه تستأنف العدّة الأخرى أو تستكمل الأولى، و ان كانت حائلاً يقدّم الأسبق منهما، و بعد تمامها استقبلت العدّة الأخرى من الآخر.

الشرح:


1) - العروة الوثقى 2: 106 / مسألة 5.

قد تقدّم منّا الكلام في نظير هذه المسألة مرّتين، أوليهما في كتاب النكاح فيشرح المسألة الثانية عشرة من فصل التزويج في العدّة من كتاب العروة الوثقى، و قلنا هناك بأنّه اذا دخلت عدّة الشبهة على عدّة الطلاق أو بالعكس تتداخل العدّتان؛ لاطلاق الروايات. و اذا دخلت عدّة الشبهة على عدّة الوفاة لم‌تتداخلا، و كذلك الكلام لو دخلت عدّة الوفاة على عدّة وط‌ء الشبهة فانّ عليها عدّتين، كلّ ذلك لدلالة الروايات و أخيرا قد قلنا بالاحتياط في الصورة الأولى أيضا، فراجع هناك و انظر تفصيل المسألة.

و المرّة الثانية ذكرناها في كتاب الطلاق في شرح المسألة الثامنة من فصل عدّة الفراق من مسائل تحرير الوسيلة.

و قد نقلنا هناك الروايات الدالّة على عدم التداخل و أتينا بكلام صاحب الجواهر و كذا كلام الشهيد الثاني في المسالك و ذهبنا هناك الى ما ذهب اليه الامام الخميني الماتن حيث قال رحمه‌الله: «لو وطئت شبهة فحملت و ألحق الولد بالواطئ لبعد الزوج عنها أو لغير ذلك ثمّ طلّقها أو وطئت شبهة بعد الطلاق على نحو ألحق الولد بالواطئ كانت عليها عدّتان: عدّة لوط‌ء الشبهة تنقضي بالوضع، و عدّة للطلاق تستأنفها فيما بعده، و كان مدّتها بعد انقضاء نفاسها اذا اتّصل بالوضع. و لو تأخّر دم النفاس يحسب النقاء المتخلّل بين الوضع و الدم قرء من العدّة الثانية و لو كان بلحظة».

و هنا نقول أيضا: لو كانت معتدّة بعدّة الوفاة فوطئت شبهة أو وطئت ثمّ مات عنها زوجها فعليها عدّتان على الأقوى سواء كانت حاملاً أو لا، كما سبق في كتاب النكاح.

و أمّا اذا طلّقت فوطئت شبهة بعد الطلاق أو وطئت شبهة ثمّ طلّقت فعدم التداخل ان لم‌يكن أقوى فهو أحوط احتياطا لايترك، فراجع التفصيل فيما تقدّم.

فيما لو طلّق زوجته بائنا ثمّ وطأها شبهة

(مسألة 7): لو طلّق زوجته بائنا ثمّ وطأها شبهة اعتدّت عدّة أخرى على الأحوط بالتفصيل المتقدّم في المسألة السابقة.

الشرح:

الوجه فيه اطلاق ما دلّ على عدم تداخل العدّتين - عدّة الطلاق و عدّة الوط‌ء بالشبهة - فيجري فيه الاحتياط المتقدّم في المسألة السابقة.

الاّ أنّ الظاهر اختصاص الحكم بعدم التداخل بما اذا كانت العدّتان لشخصين. و أمّا اذا كانتا لشخص واحد فالأقوى هو التداخل كما مرّ الاستدلال عليه في كتاب النكاح، و ذلك لانصراف الاطلاق عن مثل هذا الفرد.

هنا مسألتان:

الأولى: تكفي عدّة واحدة مع تعدّد الوط‌ء شبهة و لو من أشخاص متعدّدة على فرض امكانه و ذلك لوحدة طبيعة السبب فيكفي مسبّب واحد كما في توارد الأحداث الصغيرة على المكلّف، فيكفي وضوء واحد. و تعدّد الواطئ لايخرجه عن الوحدة الحقيقيّة للطبيعة بعد كون أصل المنشأ هو الواطئ المحترم.

الثانية: لو كانت معقودة بالعقد الانقطاعي فوطئها العاقد ثمّ تبيّن فساده، فهل تعتدّ عدّة المتمتّع بها - و هي قرءان كما مرّ في المسألة الثامنة عشرة من فصل أقسام العدد - أو تعتدّ عدّة وط‌ء الشبهة؟ الظاهر هو الثاني لتحقّق الوط‌ء بالشبهة فتترتّب عليه أحكامه، و منها العدّة.

ثمّ اعلم أنّه يكفي في الأمة الاستبراء من الوط‌ء بالشبهة بحيضة و لو كانت ذات بعل؛ لما تقدّم عن الصادق عليه السلام : «استبرءوا سباياكم بحيضة».(1)الشامل للمقام.


1) - وسائل الشيعة 21: 104 / الباب 17 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.

(مسألة 8): الموجب للعدّة أمور: الوفاة و الطلاق بأقسامه، و الفسخ بالعيوب، و الانفساخ بمثل الارتداد أو الاسلام أو الرضاع، و الوط‌ء بالشبهة مجرّدا عن العقد أو معه، و انقضاء المدّة أو هبتها في المتعة، و يشترط في الجميع كونها مدخولاً بها الاّ الأوّل.

الشرح:

قد تقدّم وجه الجميع في المسائل السابقة و تقدّم أيضا أنّ العدّة في المتوفّى عنها زوجها غير مشروط بالدخول؛ لأنّه نحو احترام للزوج و تعبّد من الشارع.

فيما لو طلّقها رجعيّا بعد الدخول ثمّ رجع ثمّ طلّقها قبل الدخول

(مسألة 9): لو طلّقها رجعيّا بعد الدخول ثمّ رجع ثمّ طلّقها قبل الدخول لايجري عليه حكم الطلاق قبل الدخول حتّى لايحتاج الى العدّة، من غير فرق بين كون الطلاق الثاني رجعيّا أو بائنا، و كذا الحال لو طلّقها بائنا ثمّ جدّد نكاحها في أثناء العدّة ثمّ طلّقها قبل الدخول لايجري عليها حكم الطلاق قبل الدخول، و كذا الحال فيما اذا عقد عليها منقطعا ثمّ وهب مدّتها بعد الدخول ثمّ تزوّجها ثمّ طلّقها قبل الدخول، فتوهّم جواز الاحتيال بنكاح جماعة في يوم واحد امرأة شابّة ذات عدّة بما ذكر في غاية الفساد.

الشرح:

الدليل على المسألة هو أنّ الطلاق وقع على المطلّقة الرجعيّة المدخول بها و المطلّقة الرجعيّة زوجة على ما هو المتسالم بين الفقهاء و يدلّ عليه النصوص المستفيضة بل المتواترة في الأبواب المتفرّقة. فالطلاق الثاني وقع على الزوجة المدخول بها، من غير فرق بين كون الطلاق الثاني رجعيّا أو بائنا لوقوعه في كلتا

الصورتين على المطلّقة الرجعيّة التي هي بحكم الزوجة و المفروض الدخول بهافلايجري عليها حكم الطلاق قبل الدخول.

و كذا الحال بالنسبة الى المطلّقة بائنا و المتمتّع بها، فانّه يصدق على المرأة في الصورتين أنّها مدخولاً بها، مضافا الى جريان حكمة العدّة في الصور كلّها.

قال في الجواهر: «اذا طلّقها بعد الدخول ثمّ راجع في العدّة ثمّ طلّق قبل المسيس لزمها استئناف العدّة لبطلان الأولى بالرجعة المقتضية فسخ الطلاق و عود النكاح السابق بل هو معنى الرجوع في الحقيقة، و ليست هي سببا لانشاء نكاح جديد و الاّ لتوقّف على رضاها فيصدق حينئذ على الطلاق الثاني أنّه طلاق امرأة مدخول بها بالنكاح الذي يريد فسخه بالطلاق».(1)

ثمّ انّه بقي من المسائل المذكورة في تحرير الوسيلة في هذا البحث ثلاث مسائل، اثنتان منها متعلّقتان بالبحث عن الرجعة و سيأتي، و واحدة منها متعلّقة بطلاق المريض و قد فصّلنا أحكامه في بداية أحكام الطلاق في ضمن مسائل، فراجع.


1) - جواهر الكلام 32: 277.

القول في الرجعة

اشارة

و هي ردّ المطلّقة في زمان عدّتها الى نكاحها السابق، و لا رجعة في البائنة و لا في الرجعيّة بعد انقضاء عدّتها.

(مسألة 1): الرجعة امّا بالقول، و هو كلّ لفظ دلّ على انشاء الرجوع كقوله: «راجعتك الى نكاحي» و نحوه، أو دلّ على التمسّك بزوجيّتها كقوله: «رددتك الى نكاحي» أو «أمسكتك في نكاحي» و يجوز في الجميع اسقاط قوله «الى نكاحي» و «في نكاحي» و لايعتبر فيه العربيّة، بل يقع بكلّ لغة اذا أفاد المعنى المقصود. و امّا بالفعل بأن‌يفعل بها ما لايحلّ الاّ للزوج بحليلته، كالوط‌ء و التقبيل و اللمس بشهوة أو بدونها.

الشرح:

الرجعة - لغة - المرّة من الرجوع.

و شرعا - كما في المتن - ردّ المرأة المطلّقة الى نكاحها السابق، من طلاق غير بائن في العدّة.

و يدلّ على شرعيّتها الكتاب و السنّة و الاجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: «و

بعولتهنّ أحقّ بردّهنّ في ذلك - أي في العدّة - ان أرادوا اصلاحا»(1)أيرجعة، و قوله تعالى: «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان»(2)و قوله تعالى: «و اذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف»(3)أي قاربن بلوغ الأجل و هو انقضاء العدّة. و أمّا الأخبار فيها فكثيرة، كما أنّ عليه الاجماع من الأمّة.

ثمّ انّ الرجعة تصحّ بالقول اجماعا، و بالفعل عندنا و عند بعض العامّة.

و الأوّل لايعتبر فيه اللفظ الخاصّ بل تصحّ بكلّ لفظ دلّ على انشاء معنى الرجوع سواء كان صريحا في معناها كقوله: راجعتك و رجعتك و ارتجعتك مطلقا. و أصرح منه اضافة قوله: الى نكاحي، و نحوه. أو لم‌يكن صريحا كقوله: رددتك و أمسكتك.

و في المسالك قال بالنسبة الى الأخيرين: «فقيل بالاكتفاء بهما أيضا، لورودهما في القرآن كناية عنها فيما تقدّم من الآيات. و قيل: انّهما كناية فيفترقان الى نيّتها، لاحتمالهما غيرها كالامساك باليد أو في البيت و نحوه. و هو أولى. و دون ذلك كلّه: تزوّجتك و أعدتك الى النكاح، و رفعت تحريم نكاحك و أعدت حلّه و نحو ذلك. و في الاكتفاء به قولان، من أنّ المعتبر في الرجعة ما يدلّ على ارادة النكاح و كلّ ذلك دالّ عليها، و لأنّها تصحّ بالفعل فلا تعتبر صيغة معيّنة. و هذا أقوى. و وجه العدم أنّ الأسباب الشرعيّة تتوقّف على وضع الشارع. و فيه: تضييق لم‌يثبت، و المعلوم توقّف أصلها لا اللفظ الدالّ عليها».(4)

و أمّا الرجوع الفعلي فهو أن‌يفعل بها ما لايحلّ الاّ للزوج بحليلته كالوط‌ء و مقدّماته من النظر و التقبيل و اللمس بشهوة أو بدونها.


1) - البقرة 2: 228.

2) - البقرة 2: 229.

3) - البقرة 2: 231.

4) - مسالك الأفهام 9: 184.

في أنّه لاتتوقّف حلّية الاستمتاعات على سبق الرجوع

(مسألة 2): لاتتوقّف حلّية الوط‌ء و ما دونه من التقبيل و اللمس على سبق الرجوع لفظا و لا على قصد الرجوع به، لأنّ الرجعيّة بحكم الزوجة. و هل يعتبر في كونه رجوعا أن‌يقصد به الرجوع؟ قولان، أقواهما العدم، و لو قصد عدم الرجوع و عدم التمسّك بالزوجيّة ففي كونه رجوعا تأمّل. نعم، في خصوص الغشيان غير بعيد، و لا عبرة بفعل الغافل و الساهي و النائم ممّا لا قصد فيه للفعل، كما لا عبرة بالفعل المقصود به غير المطلّقة كما لو واقعها باعتقاد أنّها غيرها.

الشرح:

قال في المسالك: «و لو أوقعه بقصد عدم الرجعة أو لا بقصدها ان اعتبرناه فعل حراما، لانفساخ النكاح بالطلاق و ان كان رجعيّا، لأنّ فائدة الرجعي جواز الرجوع فيها لا بقاؤه بحاله، و الاّ لم‌تبن بانقضاء العدّة، لكن لا حدّ عليه و ان كان عالما بالتحريم، لعدم خروجها عن حكم الزوجة رأسا، و لقيام الشبهة، بل التعزير على فعل المحرّم الاّ مع الجهل بالتحريم. ثمّ ان لم‌يراجعها فعليه مهر المثل، لظهور أنّها بانت بالطلاق، اذ ليس هناك سبب غيره. و ان راجعها بعد ذلك ففي سقوطه وجهان، من وقوع الوط‌ء في حال ظهور خلل النكاح و حصول الحيلولة بينهما، و من ارتفاع الخلل أخيرا و عودها الى صلب النكاح الأوّل، و من ثمّ لو طلّقها بائنا كان طلاق مدخول بها نظرا الى الدخول الأوّل، و لأنّ الرجعة - كما علم من تعريفها بأنّها ردّ نكاح - زال بطلاق يملك الزوج رفعه في العدّة.

و مثله ما لو ارتدّت المرأة بعد الدخول فوطئها الزوج في مدّة العدّة و عادت الى الاسلام، أو أسلم أحد المجوسيّين أو الوثنيّين و وطئها ثمّ أسلم المتخلّف قبل انقضاء العدّة. و أولى هنا بعدم ثبوت المهر، لأنّ أثر الطلاق لايرتفع بالرجعة بل

يبقى نقصان العدد، فيكون ما بعد الرجعة و ما قبل الطلاق بمثابة عقدين مختلفين،و أثر الردّة و تبديل الدين يرتفع بالاجتماع في الاسلام، فيكون الوط‌ء مصادفا للعقد الأوّل. و لو قيل بوجوب المهر هنا و بعدمه في تبديل الدين كان حسنا».(1)

أقول:

قد تقدّم مرارا أنّ المطلّقة رجعيّة بحكم الزوجة بل هي زوجة كما في بعض الفتاوى و النصوص، و عليه فلا اشكال في جواز أن‌يفعل بها الزوج ما لايحلّ الاّ بزوجته كالوط‌ء و مقدّماته من اللمس و التقبيل و غيرهما، فاذا فعل ذلك فيعدّ رجوعا و لايعتبر فيه أن‌يقصد بالفعل الرجوع أو أن‌يتحقّق الرجوع قبله بالقصد، بل الظاهر تحقّق الرجوع و لو مع قصد عدمه كأن‌علم أنّ هذه زوجته المطلّقة رجعيّة و مع ذلك قصد الزنا من وطئها فانّ الظاهر تحقّق الرجوع بذلك لايعتنى بقصده فانّ هذا القصد كقصد الزوج الزنا بزوجته، و ذلك لاطلاق النصوص التي تضمّنت جواز الرجوع بالفعل و كذا النصوص الناطقة بأنّ المطلّقة رجعيّة زوجة.

نعم لا عبرة بفعل الغافل و النائم و نحوهما ممّا لا قصد فيه للفعل، كما لا عبرة بالفعل المقصود به غيرها، مثل ما لو ظنّ أنّها غير المطلّقة فواقعها مثلاً.

و بذلك يظهر ضعف ما ذهب اليه الشهيد في المسالك من اعتبار القصد و ضعف ما استدلّ به على مذهبه.

و في الجواهر: «قد يظهر من المصنّف و القواعد عدم اعتبار قصد الرجوع كما اعترف به غير واحد، بل في التحرير التصريح بأنّه لا حاجة الى نيّة الرجعة اذا تحقّق القصد الى الفعل بالمطلّقة و ان كان ذاهلاً عن الرجعة، بل في كشف اللثام احتمال ذلك حتّى مع نيّة خلافها، لاطلاق النصّ و الفتوى.


1) - مسالك الأفهام 9: 185 و 186.

لكن في الحدائق و غيرها المفروغيّة من اعتبار قصد الرجوع بالفعل، لأنّالأحكام صحّة و بطلانا و ثوابا و عقابا دائرة مدار القصود، و هو كما ترى لايستأهل ردّا، ضرورة تحقّق القصد الى الفعل في المفروض، لكن بدون قصد الرجوع، و هو أمر زائد على أصل القصد بالفعل الذي يخرج به عن الساهي و النائم و نحوهما. و كذا ما قيل من أنّ النكاح قد انفسخ بالطلاق، فلايجوز الاستمتاع الاّ بعد الرجوع الذي أقلّ ما يتحقّق به قصده، اذ هو كالاجتهاد في مقابلة النصّ و الفتوى المصرّحين ببقائها في العدّة على حكم الزوجة، الذي منه جواز وطئها من غير حاجة الى قصد معنى رجوع.

و بذلك يظهر أنّ الأفعال رجوع و ان لم‌يقصد بها ذلك، لا دالّة على الرجوع، كما صرّح به في جملة من العبارات، بل قيل انّه أقوى من اللفظ، بل لعلّ مقتضى اطلاق النصّ و الفتوى ذلك حتّى مع قصد العدم أيضا، فيسقط حينئذ ما ذكره في المسالك من التفريع. بل لايخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا في المرتدّ من أنّه بالاسلام في العدّة ينكشف البقاء على الزوجيّة، و لعلّ المقام أولى، من جهة كثرة النصوص بأنّ الرجعيّة في العدّة زوجة المنزّل على ارادة الحكم الزوجة الذي منه جواز وطئها، بل ما ذكره أوّلاً من عدم ترتّب الحدّ عليه دليل على ما ذكرناه عند التأمّل».(1)

فيما لو أنكر أصل الطلاق و هي في العدّة

(مسألة 3): لو أنكر أصل الطلاق و هي في العدّة كان ذلك رجوعا و ان علم كذبه.


1) - جواهر الكلام 32: 181 و 182.

الشرح:

لو أنكر أصل الطلاق و هي في العدّة كان ذلك رجوعا و ان علم كذبه كما لو شهد شهود على وقوع الطلاق و مع ذلك أنكره و قال بأنّي لم‌أطلّق، فانّ انكار أصل الطلاق ربما كان أبلغ من الرجعة بألفاظها لدلالة الألفاظ على رفعه في غير الماضي و دلالة الانكار على رفعه مطلقا كما في المسالك.

و الدليل عليه - قبل الاجماع المدّعى في الجواهر و غيره و ما عرفت من الاعتبار - صحيحة أبي ولاّد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن امرأة ادّعت على زوجها أنّه طلّقها تطليقة طلاق العدّة طلاقا صحيحا يعني على طهر من غير جماع و أشهد لها شهودا على ذلك ثمّ أنكر الزوج بعد ذلك فقال: ان كان انكاره الطلاق قبل انقضاء العدّة فانّ انكاره الطلاق رجعة لها و ان كان أنكر الطلاق بعد انقضاء العدّة فانّ على الامام أن‌يفرّق بينهما بعد شهادة الشهود بعد أن‌تستحلف أنّ انكاره للطلاق بعد انقضاء العدّة و هو خاطب من الخطّاب».(1)

في عدم اعتبار الاشهاد في الرجعة

(مسألة 4): لايعتبر الاشهاد في الرجعة و ان استحبّ دفعا لوقوع التخاصم و النزاع، و كذا لايعتبر فيها اطّلاع الزوجة عليها، فان راجعها من دون اطّلاع أحد صحّت واقعا، لكن لو ادّعاها بعد انقضاء العدّة و لم‌تصدّقه الزوجة لم‌تسمع دعواه، غاية الأمر له عليها يمين نفي العلم لو ادّعى عليها العلم، كما أنّه لو ادّعى الرجوع الفعلي كالوط‌ء و أنكرته كان القول قولها بيمينها لكن على البتّ لا على نفي العلم.


1) - وسائل الشيعة 22: 136 / الباب 14 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 1.

الشرح:

لايجب الاشهاد في الرجعة بلا خلاف فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، و هو الحجّة كما في الجواهر.

و الدليل عليه - قبل الاجماع - الأصل و النصوص المستفيضة أو المتواترة كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«انّ الطلاق لايكون بغير شهود، و انّ الرجعة بغير شهود رجعة، ولكن ليشهد بعد فهو أفضل».(1)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في الذي يراجع و لم‌يشهد قال: يشهد أحبّ اليّ، و لاأرى بالذي صنع بأسا».(2)

الى غير ذلك من النصوص. نعم، يستحبّ الاشهاد دفعا للتخاصم و لحفظ الحقّ و رفع النزاع.

و أمّا قوله تعالى «و أشهدوا ذوي عدل» فهو في الطلاق لا في الرجعة، أو محمول على الندب لما عرفت.

ثمّ لو وقع النزاع بينهما بأن‌ادّعى الرجل الرجعة في زمن العدّة و أنكرتها فان ادّعى الرجوع القولي و ادّعى على الزوجة العلم بذلك، و أنكرت الزوجة ذلك حلفت على عدم العلم.

و ان ادّعى الرجوع الفعلي و أنكرته فالقول قولها بيمينها.

ثمّ انّ صاحب الجواهر رحمه‌الله قد عنون هنا فروعا متعلّقة بالمسألة لابأس بذكرها فانّه قال: «و لو طلّق و راجع فأنكرت الدخول بها أوّلاً و زعمت أنّه لا عدّة عليها و


1) - وسائل الشيعة 22: 134 / الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 134 / الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

لا رجعة و ادّعى هو الدخول كان القول قولها مع يمينها، لأنّها تدّعي الظاهرالموافق للأصل مع فرض عدم الخلوة بها، و الاّ كان فيه البحث السابق في النكاح، و كذا لو كانت دعواه أنّي طلّقتها بعد الدخول فلي الرجعة، فأنكرت الدخول، ضرورة اتّحاد المدرك في المسألة من غير فرق بين وقوع المراجعة منه و عدمها، نعم يختلفان في الزامه بالأحكام على مقتضى اقراره من عدم جواز نكاح أختها و الخامسة الاّ بعد طلاقها في الأوّل، بخلاف الثاني، فانّه يكفي في الجواز انقضاء العدّة، و أمّا حكم المهر بالنظر الى تنصيفه و المطالبة به و غير ذلك فقد تقدّم في كتاب النكاح تفصيل القول فيه في هذا الفرض، و فيما لو كانت الدعوى منها الدخول و أنكره هو، على أنّه واضح بأدنى التفات الى القواعد العامّة المتعلّقة بالاقرار و نحوه».(1)

و قد فصّلنا الكلام عن ذلك في كتاب النكاح، و الحكم كما قاله رحمه‌الله فانّ قول الزوجة موافق لأصالة عدم الدخول.

أمّا الظاهر مع الخلوة بها فقد قلنا هناك بأنّه لايقاوم أصالة عدم الدخول، و عليه فاذا حلفت بطلت رجعته في حقّها و لا نفقة لها و لا سكنى و لا عدّة عليها، و لها أن‌تنكح في الحال، و ليس له أن‌ينكح أختها و لا أربعا سواها لاعترافه بأنّها زوجته.

و لو كانت دعواه أنّي طلّقتها بعد الدخول فلي الرجعة فالحكم كذلك، الاّ أنّ نكاح أختها هنا و الأربع سواها متوقّف على مضيّ زمان تنقضي به عدّتها، كما في المسالك.

و أمّا حكم المهر فالرجل مقرّ للمرأة بكمال المهر و هي لاتدّعي الاّ النصف، فان كانت قد قبضت المهر فليس له مطالبتها بشيء، و ان لم‌تكن قبضته فليس لها الاّ أخذ النصف.


1) - جواهر الكلام 32: 189.

فاذا أخذته ثمّ عادت و اعترفت بالدخول فالظاهر أنّ الدعوى تكون دعوىجديدة و لا بدّ من اقرار مستأنف من جهة الزوج.

و في المسالك: «و ينبغي أن‌يأخذ الحاكم النصف الذي لايدّعيه الزوج من يده أو يدها، لأنّه مال لايدّعيه أحد و حفظ مثله وظيفة الحاكم. و لو انعكس الحكم، فادّعت المرأة الدخول و أنكر الزوج فالقول قوله عملاً بالأصل. فاذا حلف فلا رجعة له، و لا سكنى و لا نفقة لها، و عليها العدّة، و يرجع عليها بنصف الصداق ان كانت قبضته، و الاّ رجعت هي بالنصف.

و لو عادت و كذّبت نفسها لم‌تسقط العدّة. و لا فرق بين أن‌يكون الاختلاف في الدخول قبل جريان الخلوة و بعدها على الأقوى، و ان كانت الخلوة ترجّح جانب من يدّعي الدخول فيتعارض الأصل و الظاهر، لأنّ الأصل أقوى».(1)

فيما لو اختلفا في المتقدّم من الرجوع و انقضاء العدّة

(مسألة 5): لو اتّفقا على الرجوع و انقضاء العدّة و اختلفا في المتقدّم منهما فادّعى الزوج أنّ المتقدّم الرجوع و ادّعت هي أنّه انقضاؤها فان تعيّن زمان الانقضاء و ادّعى الزوج أنّ رجوعه كان قبله و ادّعت هي أنّه بعده فالأقرب أنّ القول قولها بيمينها، و ان كان بالعكس بأن‌تعيّن زمان الرجوع دون الانقضاء فالقول قوله بيمينه.

الشرح:

في المسألة صور كما ذكرها في المسالك(2):

الأولى: ما لو اتّفقا على وقت انقضاء العدّة كيوم الجمعة، فقال الزوج: راجعت يوم الخميس، و قالت: بل راجعت يوم السبت، فالقول قولها مع يمينها. و لا فرق


1) - مسالك الأفهام 9: 192.

2) - المصدر نفسه: 199 - 201.

هنا بين العدد، لأنّ وقت انقضاء العدّة متّفق عليه و الاختلاف في أنّه هل راجع قبله؟

و ذلك أوّلاً لجريان أصالة عدم تقدّم الرجوع على انقضاء العدّة، فانّ الرجعة أمر حادث و الأصل عدم تقدّمها في كلّ وقت يحصل فيه الاختلاف.

و ثانيا لأنّ الزوج و ان كان يقدر على الرجوع قبل انقضاء العدّة و يقبل قوله في الرجوع لو ادّعاها قبل انقضائها الاّ أنّه بعد ما اتّفقا على انقضاء العدّة فلايقبل قول الزوج في الرجوع بعد انقطاع سلطنته فانّا قد فصّلنا الكلام في ذلك في البحث عن قاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به» و قلنا هناك بأنّ من شرائط قبول اقرار من ملك شيئا، أن‌يحصل الاقرار في زمان سلطنته على ذلك الشيء.

مضافا الى أنّ في جريان القاعدة في موارد التنازع اشكالاً بل منعا، كما قرّر في محلّه.

الثانية: أن‌يتّفقا على وقت الرجعة كيوم الجمعة و قالت: انقضت عدّتي يوم الخميس، و قال الزوج: بل يوم السبت، فمقتضى ما قلنا في الصورة الأولى تقديم قول الزوج مع يمينه، لأنّ وقت الرجعة متّفق عليه، و الأصل أنّ العدّة لم‌تنقض قبله.

و قد ذكر الشهيد الثاني في المسالك في هذه الصورة وجها آخر عدّه أقوى في المسألة و هو تقديم قول المرأة مع يمينها، حيث تكون العدّة ممّا يقبل قولها فيها بأن‌ترتّبت على الحيض أو الوضع، لأنّ الرجوع اليها في ذلك يقتضي ترتّب أثره عليه و أهمّه حكم الرجعة. و لو ترتّبت على الأشهر اتّجه تقديم قوله، لأصالة عدم انقضائها.

أقول: الظاهر أنّ الوجه الأوّل هو الأقوى؛ و ذلك لما أثبتناه و ذكرناه مرارا في هذا الكتاب و كتاب النكاح من أنّ ما ورد من تصديق المرأة في «العدّة و الحيض و

الحمل» غير شامل لصور التنازع، و أنّ الحكم في التنازع أن‌يرجع الى البيّنة أوالأصل الذي يجري في كلّ مورد، و الأصل الذي يرجع اليه في هذه المسألة هو الاستصحاب كما لايخفى.

الثالثة: أن لايتّفقا على وقت أحدهما و ادّعت انقضاء العدّة ثمّ ادّعى الرجعة قبل ذلك فالقول قول المرأة؛ لأنّ المفروض انقضاء العدّة قبل النزاع و الأصل عدم تقدّم الرجعة قبل انقضاء العدّة.

ثمّ اعلم أنّ الحكم في هذه الصور الثلاث مبني على عدم اقامة البيّنة من أحد الطرفين و الاّ فالحكم كما قرّر في مباحث الدعوى فراجع.

هذا كلّه اذا كان الاختلاف قبل أن‌تتزوّج بغيره.

الرابعة: أن‌يقع النزاع بعد ما نكحت غيره، فاذا نكحت غيره ثمّ جاء الأوّل و ادّعى الرجعة - سواء عذّرهما في النكاح لجهلهما بالرجعة أو نسبهما الى الخيانة و التلبيس - نظر ان أقام عليهما بيّنة فهي زوجة الأوّل، سواء دخل بها الثاني أو لم‌يدخل و يجب لها مهر المثل على الثاني ان دخل.

و ان لم‌تكن بيّنة و أراد التحليف سمعت دعواه على كلّ منهما فان ادّعى عليها فأقرّت له بالرجعة لم‌يقبل اقرارها على الثاني. و ان أنكرت ففي تحليفها بحث. و على أيّ حال لايحكم ببطلان النكاح الثاني.

فاذا انقطعت الخصومة معها بقيت على الزوج الثاني، ثمّ ان أنكر صدّق بيمينه؛ لأنّ العدّة قد انقضت و النكاح وقع صحيحا في الظاهر و الأصل عدم الرجعة. و ان نكل حكم بارتفاع النكاح الثاني كما فصّل البحث عن ذلك في كتاب القضاء.

فيما لو طلّق و راجع فأنكرت الدخول بها

(مسألة 6): لو طلّق و راجع فأنكرت الدخول بها قبل الطلاق لئلاّ تكون عليها العدّة و لاتكون له الرجعة و ادّعى الدخول فالقول قولها بيمينها.

الشرح:

لو طلّق و راجع فأنكرت هي الدخول بها قبل الطلاق ليصير الطلاق طلاق غير مدخول بها حيث لاتكون عليها عدّة، و ادّعى هو الدخول، فحيث لم‌تكن له البيّنة فتصل النوبة الى يمينها، فاذا حلفت ثبت قولها.

و الظاهر عدم الفرق بين حصول الخلوة بها و عدمه.

و أمّا بالنسبة الى سائر الأحكام فيؤخذ باقراره كتزويج أختها و الخامسة فلايجوز له ذلك حتّى تنقضي العدّة.

في أنّ جواز الرجوع في الطلاق الرجعي حكم شرعي

(مسألة 7): الظاهر أنّ جواز الرجوع في الطلاق الرجعي حكم شرعي غير قابل للاسقاط، و ليس حقّا قابلاً له كالخيار في البيع الخياري، فلو أسقطه لم‌يسقط، و له الرجوع، و كذلك اذا صالح عنه بعوض أو بغير عوض.

الشرح:

الظاهر من الكتاب و السنّة أنّ الرجوع حكم شرعي غير قابل للاسقاط، مضافا الى أنّ الأصل عدم السقوط حتّى يحرز أنّه من الحقوق. و ما في قوله تعالى: «و بعولتهنّ أحقّ بردّهنّ» لايستفاد منه الحقّيّة، اذ المراد مجرّد الأولويّة التي تناسب الحكم. و كذلك اذا صالح عنه بعوض أو غير عوض؛ لعدم ترتّب أثر الصلح و نحوه عليه.

مسألتان:

الأولى: اختصّت الرجعة بخصوص الطلاق، فلاتجري في الفسخ مطلقا؛ للأصل و ظواهر الأدلّة المذكورة فيها الطلاق و تقسيمه الى الرجعي و البائن دون الفسخ. نعم، يصحّ للزوج العقد عليها مستأنفا بعد الفسخ.

الثانية: لايصحّ العقد على المطلّقة الرجعيّة مطلقا، أمّا بالنسبة الى زوجهافلفرض أنّها بحكم الزوجة بل هي زوجة كما مرّ، و أمّا بالنسبة الى الغير فقد تقدّم في كتاب النكاح بطلانه. نعم، يمكن أن‌يقال بأنّ العقد بالنسبة الى الزوج رجوع اليها منه لو كان ملتفتا الى هذه الجهة. و أمّا لو كان غافلاً بالمرّة لايتحقّق به الرجوع أيضا، كما لو تخيّلها امرأة أجنبيّة فعقد عليها.

في أنّ المطلّقة بالطلاق الرجعي بحكم الزوجة

(مسألة 8): المطلّقة بالطلاق الرجعي بحكم الزوجة في الأحكام فما لم‌يدلّ دليل على الاستثناء يترتّب عليها حكمها مادامت في العدّة من استحقاق النفقة و السكنى و الكسوة اذا لم‌تكن و لم‌تصر ناشزة و من التوارث بينهما و عدم جواز نكاح أختها و الخامسة و كون كفنها و فطرتها عليه. و أمّا البائنة كالمختلعة و المبارأة و المطلّقة ثلاثا فلايترتّب عليها آثار الزوجيّة مطلقا، لا في العدّة و لا بعدها. نعم، لو كانت حاملاً من زوجها استحقّت النفقة و الكسوة و السكنى عليه حتّى تضع حملها كما مرّ.

الشرح:

المطلّقة بالطلاق الرجعي بحكم الزوجة مادامت في العدّة، كما دلّ عليه الكتاب و فيه آيات و قد تقدّمت كقوله تعالى: «و بعولتهنّ أحقّ بردّهنّ».

و السنّة و الاجماع و قد أرسله الفقهاء ارسال المسلّمات الفقهيّة؛ لاستفادتهم ذلك من النصوص الكثيرة الواردة في الأبواب المتفرّقة.

و يترتّب عليها آثار الزوجيّة من استحقاق النفقة و السكنى و الكسوة، و يدلّ عليه موثّقة سعد بن أبي خلف قال:

«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن شيء من الطلاق فقال: اذا طلّق الرجل امرأته طلاقا لايملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلّقها و

ملكت نفسها و لا سبيل له عليها و تعتدّ حيث شاءت و لا نفقة لها،قال: قلت: أليس اللّه عزّوجلّ يقول: «لاتخرجوهنّ من بيوتهنّ و لايخرجن»؟ قال: فقال: انّما عنى بذلك التي تطلّق تطليقة بعد تطليقة فتلك لاتخرج و لاتخرج حتّى تطلّق الثالثة، فاذا طلّق الثالثة فقد بانت منه و لا نفقة لها، و المرأة التي يطلّقها الرجل تطليقة ثمّ يدعها حتّى يخلو أجلها فهذه أيضا تقعد في منزل زوجها و لها النفقة و السكنى حتّى تنقضي عدّتها».(1)

و موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«المطلّقة ثلاثا ليس لها نفقة على زوجها انّما ذلك للتي لزوجها عليها رجعة».(2)

و رواية عبداللّه بن الحسن عن جدّه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المطلّقة لها نفقة على زوجها حتّى تنقضي عدّتها؟ قال: نعم».(3)

و ذلك اذا لم‌تكن و لم‌تصر ناشزة لما تقدّم في كتاب النكاح في باب النفقات من اشتراط وجوب نفقة الزوجة بالتمكين و أنّ مع النشوز ينتفي هذا الشرط فيسقط وجوب الانفاق.

و يتوارثان لو مات أحدهما في العدّة؛ لتحقّق الزوجيّة بينهما و لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: أيّما امرأة طلّقت ثمّ توفّي عنها زوجها قبل أن‌تنقضي


1) - وسائل الشيعة 22: 216 / الباب 20 من أبواب العدد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 21: 519 / الباب 8 من أبواب النفقات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 21: 522 / الباب 8 من أبواب النفقات / الحديث 11.

عدّتها و لم‌تحرم عليه فانّها ترثه ثمّ تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها، وان توفّيت و هي في عدّتها و لم‌تحرم عليه فانّه يرثها».(1)

و زاد في رواية أخرى:

«و ان قتل ورثت من ديته و ان قتلت ورث من ديتها ما لم‌يقتل أحدهما الآخر».(2)

و نظيرهما روايتا ابن سنان و سماعة المذكورتان في هذا الباب.

و لايجوز نكاح أختها و الخامسة مادامت في العدّة؛ لما تقدّم في كتاب النكاح من حرمة الجمع بين الأختين و الخامسة دواما و لعدّة روايات:

منها صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أيحلّ له أن‌يخطب أختها من قبل أن‌تنقضي عدّة المختلعة؟ قال: نعم، قد برئت عصمتها منه و ليس له عليها رجعة».(3)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه قال في رجل تحته أربع نسوة فطلّق احداهنّ، قال: لاينكح حتّى تنقضي عدّة التي طلّق».(4)

و منها رواية علي بن أبي حمزة عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«سألته عن رجل طلّق امرأته أيتزوّج أختها؟ قال: لا، حتّى تنقضي عدّتها، قال: و سألته عن رجل كانت له امرأة فهلكت أيتزوّج أختها؟


1) - وسائل الشيعة 22: 250 / الباب 36 من أبواب العدد / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 250 / الباب 36 من أبواب العدد / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 270 / الباب 48 من أبواب العدد / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 269 / الباب 47 من أبواب العدد / الحديث 3.

قال: من ساعته ان أحبّ».(1)

و يكون كفنها و فطرتها عليه؛ لأنّها في حكم الزوجة و تترتّب عليها الأحكام، و تقدّم في أحكام الجنائز أنّ كفن الزوجة على الزوج(2). و كذا في كتاب الزكاة أنّ فطرتها على الزوج(3).

هذا في الرجعيّة، و أمّا البائنة - كالمختلعة و المبارأة و المطلّقة ثلاثا و غيرها - فلايترتّب عليها آثار الزوجيّة أصلاً لا في زمن العدّة و لا بعده؛ لانقطاع العصمة بينهما بالمرّة.

يدلّ على ذلك أيضا عدّة روايات قد سبق بعضها آنفا و اليك بعضها الآخر:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل طلّق امرأة اذا اختلعت أو بانت أله أن‌يتزوّج بأختها؟ قال: فقال:

«اذا برئت عصمتها و لم‌يكن له عليها رجعة فله أن‌يخطب أختها».(4)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا اختلعت المرأة من زوجها فلابأس أن‌يتزوّج أختها و هي في العدّة».(5)

و منها رواية أبي أسامة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المختلعة اذا اختلعت من زوجها و لم‌يكن له عليها رجعة، حلّ له أن‌يتزوّج أختها في عدّتها».(6)


1) - وسائل الشيعة 22: 270 / الباب 48 من أبواب العدد / الحديث 3.

2) - الهادي 3: 210.

3) - المصدر نفسه 13 الجزء الثاني من كتاب الزكاة: 392 - 394.

4) - وسائل الشيعة 22: 270 / الباب 48 من أبواب العدد / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 22: 271 / الباب 48 من أبواب العدد / الحديث 4.

6) - وسائل الشيعة 22: 271 / الباب 48 من أبواب العدد / الحديث 5.

نعم، اذا كانت حاملاً من زوجها استحقّت النفقة و الكسوة و السكنى عليه حتّى تضع حملها؛ لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يطلّقامرأته و هي حبلى قال:

«أجلها أن‌تضع حملها و عليه نفقتها حتّى تضع حملها».(1)

و صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل المرأة و هي حبلى أنفق عليها حتّى تضع حملها. الحديث».(2)

و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الحامل أجلها أن‌تضع حملها و عليه نفقتها بالمعروف حتّى تضع حملها».(3)

في عدم جواز اخراج المطلّقة الرجعيّة من بيتها

اشارة

(مسألة 9): لايجوز لمن طلّق رجعيّا أن‌يخرج المطلّقة من بيتها حتّى تنقضي عدّتها، الاّ أن‌تأتي بفاحشة توجب الحدّ أو تأتي بما يوجب النشوز، و أمّا مطلق المعصية فلاتوجب جواز اخراجها، و أمّا البذاء باللسان و ايذاء الأهل اذا لم‌ينته الى النشوز ففي كونه موجبا له اشكال و تأمّل، و لايبعد أن‌يكون ما يوجب الحدّ موجبا لسقوط حقّها مطلقا، و ما يوجب النشوز موجبا لسقوطه مادام بقاؤها عليه و اذا رجعت رجع حقّها، و كذا لايجوز لها الخروج بدون اذن زوجها الاّ لضرورة أو أداء واجب مضيّق.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 21: 58 / الباب 7 من أبواب النفقات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 21: 58 / الباب 7 من أبواب النفقات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 21: 58 / الباب 7 من أبواب النفقات / الحديث 3.

لايجوز لمن طلّق رجعيّا أن‌يخرج المطلّقة من بيتها حتّى تنقضي عدّتها الاّ أن‌تأتي بفاحشة.

يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «لاتخرجوهنّ من بيوتهنّ و لايخرجن الاّ أن‌يأتين بفاحشة مبيّنة»(1).

و من الثاني عدّة روايات:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاينبغي للمطلّقة أن‌تخرج الاّ باذن زوجها حتّى تنقضي عدّتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر».(2)

و منها موثّقة عمّار عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن المطلّقة، أين تعتدّ؟ فقال: في بيت زوجها».(3)

و منها موثّقة أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام في المطلّقة أين تعتدّ؟ فقال:

«في بيتها اذا كان طلاقا له عليها رجعة ليس له أن‌يخرجها و لا لها أن‌تخرج حتّى تنقضي عدّتها».(4)

بتقريب أنّ المستفاد من هذه الروايات و غيرها أنّ المكان الذي عيّنه الشارع لاعتداد الزوجة هو بيت زوجها و أنّه كما لايجوز لها الخروج، لايجوز له الاخراج.

و يجوز اخراجها اذا أتت بفاحشة مبيّنة و هي الزنا؛ لمرسلة محمّد بن علي بن الحسين قال:

«سئل الصادق عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «و اتّقوا اللّه ربّكم و لاتخرجوهنّ من بيوتهنّ و لايخرجن الاّ أن‌يأتين بفاحشة مبيّنة»


1) - الطلاق 65: 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 212 / الباب 18 من أبواب العدد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 213 / الباب 18 من أبواب العدد / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 22: 214 / الباب 18 من أبواب العدد / الحديث 6.

قال: الاّ أن‌تزني فتخرج و يقام عليها الحدّ».(1)

و قد فسّرت الفاحشة المبيّنة في بعض الروايات بايذاء أهلها و سوء خلقها و البذاء أي السبّ، ففي مرسلة ابراهيم بن هاشم عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى: «لاتخرجوهنّ من بيوتهنّ و لايخرجن الاّ أن‌يأتين بفاحشة مبيّنة» قال:

«أذاها لأهل زوجها و سوء خلقها».(2)

و في رواية محمّد بن علي بن حمزة قال:

«سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «لاتخرجوهنّ من بيوتهنّ و لايخرجن الاّ أن‌يأتين بفاحشة مبيّنة» قال: يعني بالفاحشة المبيّنة أن‌تؤذي أهل زوجها، فاذا فعلت فان شاء أن‌يخرجها من قبل أن‌تنقضي عدّتها فعل».(3)

و في الشرائع: «لايجوز لمن طلّق رجعيّا أن‌يخرج الزوجة من بيته الاّ أن‌تأتي بفاحشة و هي أن‌تفعل ما يجب به الحدّ فتخرج لاقامته، و أدنى ما تخرج له أن‌تؤذي أهله».(4)

و في المسالك: «قد اختلف في تفسير الفاحشة فقيل: هي أن‌تفعل ما تستحقّ فيه الحدّ كالزنا. و هو الظاهر من اطلاق الفاحشة عرفا. و قيل: هي أعمّ من ذلك حتّى لو آذت أهل الزوج و استطالت عليهم بلسانها فهو فاحشة يجوز اخراجها لأجله».(5)

ثمّ انّ الشهيد و صاحب الجواهر نقلا بعد ذلك الروايات التي سمعتها آنفا و لم‌يفتيا بشيء من ذلك.


1) - وسائل الشيعة 22: 220 / الباب 23 من أبواب العدد / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 220 / الباب 23 من أبواب العدد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 221 / الباب 23 من أبواب العدد / الحديث 6.

4) - شرائع الاسلام 3: 31.

5) - مسالك الأفهام 9: 315.

أقول:

الظاهر أنّ القدر المتيقّن من الفاحشة المبيّنة هو الزنا كما مرّ في الرواية و عمل بها الأصحاب. و أمّا الايذاء و البذاء فالروايات الواردة بهما ضعيفة و لم‌ينجبر بعمل المشهور، فالظاهر أنّهما و مثلهما ان أوجبت النشوز فيسلب حقّها، فاذا رجعت الى الطاعة يرجع حقّها.

و أمّا ما يوجب الحدّ من غير الزنا ففيه تأمّل فلايترك الاحتياط بعدم اخراجها. و في اتيانها الفاحشة يجوز له اخراجها سواء أجرى عليها الحدّ أو لا، و لايجب رجوعها اذا أخرجت للحدّ؛ لعدم الدليل.

و لايجوز لها الخروج بدون اذن الزوج الاّ لضرورة أو لأداء واجب مضيّق.

قال في الشرائع: «و يحرم عليها الخروج ما لم‌تضطرّ. و لو اضطرّت الى الخروج خرجت بعد انتصاف الليل و عادت قبل الفجر. و لاتخرج في حجّة مندوبة الاّ باذنه. و تخرج في الواجب و ان لم‌يأذن. و كذا فيما تضطرّ اليه و لا وصلة لها الاّ بالخروج. و تخرج في العدّة البائنة أين شاءت».(1)

و قال في المسالك: «و كما يحرم عليه اخراجها من المسكن يحرم عليها الخروج أيضا و ان اتّفقا عليه؛ لدلالة الآية على تحريمه من كلّ منهما فلو اتّفقا على الخروج منعهما الحاكم منه؛ لأنّ فيه حقّا للّه تعالى كما أنّ في العدّة حقّا له تعالى، بخلاف السكنى المستحقّة بالنكاح، فانّ حقّها مختصّ بالزوجين. و ذهب جماعة من الأصحاب - منهم أبو الصلاح و العلاّمة في التحرير - الى تقييد التحريم بعدم اتّفاقهما عليه، فلو خرجت باذنه جاز. و يدلّ عليه حسنة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «لاينبغي للمطلّقة أن‌تخرج الاّ باذن زوجها حتّى تنقضي عدّتها


1) - شرائع الاسلام 3: 31.

ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر» و الأجود التحريم مطلقا عملاً بظاهر الآية».(1)

و قد استشكل صاحب الجواهر على ما في المسالك بأنّ صحيحة الحلبي و رواية عمّار ناطقتان بالجواز مع الاذن الذي به يقيّد اطلاق الآية و غيرها، و دعوى قصوره عن ذلك باعراض الأكثر ممنوع، خصوصا بعد تصريح جماعة من الأصحاب كأبي الصلاح و الفاضل في التحرير بالجواز، ثمّ أيّد ما ذهب اليه بما عن الفضل بن شاذان.

ثمّ قال: «و حينئذ فالقول به لايخلو من قوّة بل يمكن تنزيل من أطلق على ارادة غير الفرض خصوصا بعد التصريح من بعضهم فيما يأتي من جواز الخروج الى حجّ التطوّع بالاذن».(2)

أقول:

يجوز خروج المرأة المطلّقة الرجعيّة في العدّة عن بيت زوجها باذنه مطلقا؛ لصحيحة الحلبي المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاينبغي للمطلّقة أن‌تخرج الاّ باذن زوجها حتّى تنقضي عدّتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر».(3)

و رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: المطلّقة تحجّ في عدّتها ان طابت نفس زوجها».(4)

مضافا الى أنّ المستفاد من الآية الشريفة المتقدّمة في بداية البحث و مطاويه أنّ المكان الذي عيّنه الشارع لاعتداد الزوجة هو بيت زوجها، و لايجوز لها


1) - مسالك الأفهام 9: 314 و 315.

2) - جواهر الكلام 32: 332.

3) - وسائل الشيعة 22: 212 / الباب 18 من أبواب العدد / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 219 / الباب 22 من أبواب العدد / الحديث 2.

أن‌تختار مكانا آخر للاعتداد دائما و لاتشمل الآية الخروج مرّة أو مرّتين أو لحاجة. و اللّه العالم.

ثمّ انّه يجوز خروجها فيما تضطرّ اليه حيث لا وصلة لها الاّ بالخروج و ان لم‌يأذن لها الزوج و كذا في الحجّ الواجب.

قال في المسالك: «و تحريم اخراجها و خروجها مشروط بحالة الاختيار، فلو اضطرّت الى الخروج جاز و وجب كونه بعد انتصاف الليل و تعود قبل الفجر على ما ذكره المحقّق صاحب الشرائع و جماعة و هو في رواية سماعة قال: «سألته عن المطلّقة أين تعتدّ؟ قال: في بيتها لاتخرج، فان أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل و لاتخرج نهارا». و انّما يعتبر ذلك حيث تتأدّى الضرورة به و الاّ جاز الخروج مقدار ما تتأدّى الضرورة من غير تقييد بالليل.

• الى أن‌قال: - و أمّا حجّة الاسلام فيجوز لها أن‌تخرج اليها بناءً على مذهبنا من أنّها واجبة على الفور. و كذا يجوز لها الخروج لما تضطرّ اليه من حفظ المال و النفس و نحوهما كما لو لم‌تكن الدار حصينة و كانت تخاف من اللصوص أو كانت بين قوم فسقة تخاف على نفسها منهم و لو على العرض أو كانت تتأذّى من الجيران تأذّيا شديدا. انتهى ملخّصا».(1)

و قد عرفت أنّ الخروج باذن الزوج جائز و لايتقيّد جوازه بحالة الاضطرار.

و على هذا فلا معنى للاضطرار الاّ مع عدم اذن الزوج لها في الخروج، و اذا حصل الاضطرار فلها الخروج بمقدار ما تتأدّى به الضرورة.

ثمّ انّه لا خلاف و لا اشكال في أنّه تخرج في العدّة البائنة حيث شاءت؛ لانقطاع العصمة بينهما، و أنّها ان كانت حاملاً تجب نفقتها على الزوج الى أن‌تضع للروايات السابقة المعتضدة بعدم الخلاف بل الاجماع كما في الجواهر.


1) - مسالك الأفهام 9: 317.

فرع : في جواز كونهما في دار واحدة مع عدم غيرهما

يجوز أن‌يكونا - أي الزوج و الزوجة المطلّقة رجعيّة - في دار واحدة و ان لم‌يكن غيرهما، فانّه قد تقدّم أنّها بحكم الزوجة، يجوز الاستمتاع منها و وطؤها و النظر اليها و يكون ذلك كلّه رجعة.

قال في الجواهر: «و لو أراد الزوج أن‌يساكنها في دار واحدة بأن‌تكون في بيت و هو في بيت آخر فان كانت المطلّقة رجعيّة، ففي القواعد: لم‌تمنع، بل في كشف اللثام: «عندنا، لأنّ له وط‌ءها و مقدّماته و يكون لها رجعة و ان لم‌ينوها كما عرفت فالخلوة بها أولى خلافا للعامّة»».(1)

لكن الشهيد الثاني في المسالك أشكله بعد اعترافه بأنّه ظاهر الأصحاب بأنّ التمتّع بها بالنظر و غيره انّما يجوز بنيّة الرجعة لا مطلقا فهي بمنزلة الأجنبيّة و ان كان حكمها أضعف، فتكون الخلوة بها محرّمة كغيرها.

و هذا الكلام منه مبني على ما بيّنه سابقا من اعتبار نيّة الرجوع في الرجوع الفعلي.

و فيه أوّلاً: انّه منافٍ لما تقدّم في الرجعة من عدم الحاجة الى النيّة على الأصحّ. و قد تقدّم الاشكال في كلامه قدس‌سره من اعتبار نيّة الرجوع في الرجوع الفعلي، و قلنا هناك بأنّ النيّة غير معتبرة في الرجوع الفعلي بل نيّة العدم غير قادحة أيضا، فراجع.

و ثانيا: انّه يظهر من النصوص المتكثّرة - التي سيأتي بعضها - أنّ لها التزيّن و التشوّف له و نحوهما استجلابا له بل و الاجتماع معه بل هو المراد من قوله تعالى: «لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا»(2)بل في النصوص المزبورة تعليل ذلك بذلك، بل هو المقصود من عدم اخراجهنّ من بيوتهنّ بل لعلّ سكناها هو المنساق من قوله تعالى: «أسكنوهنّ من حيث سكنتم»، و لا أقلّ من الشكّ في


1) - جواهر الكلام 32: 342.

2) - الطلاق 65: 6.

شمول ما دلّ على تحريم الخلوة بالأجنبيّة لها و الأصل البراءة، كما في الجواهر.

و من جملة النصوص التي أشير اليها موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في المطلّقة تعتدّ في بيتها، و تظهر له زينتها «لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا»».(1)

و رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المطلّقة تكتحل و تختضب و تطيّب و تلبس ما شاءت من الثياب؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا» لعلّها أن‌تقع في نفسه فيراجعها».(2)

و رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«المطلّقة تشوّفت(3)لزوجها ما كان له عليها رجعة و لايستأذن عليها».(4)

و رواية عبداللّه بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المطلّقة، لها أن‌تكتحل و تختضب أو تلبس ثوبا مصبوغا؟ قال: لابأس اذا فعلته من غير سوء».(5)

نعم، اذا فعلت ذلك لغير زوجها كان سوءا كما لايخفى.

و لاتعارضها رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام عن علي عليه السلام قال:

«المطلّقة تحدّ كما تحدّ المتوفّى عنها زوجها و لاتكتحل و لاتطيّب و لاتختضب و لاتمتشط».(6)

لأنّها تحمل على المطلّقة البائنة كما حملها الشيخ.


1) - وسائل الشيعة 22: 217 / الباب 21 من أبواب العدد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 217 / الباب 21 من أبواب العدد / الحديث 2.

3) - تشوّفت المرأة: تزيّنت و أظهرت زينتها.

4) - وسائل الشيعة 22: 218 / الباب 21 من أبواب العدد / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 22: 217 / الباب 21 من أبواب العدد / الحديث 6.

6) - وسائل الشيعة 22: 217 / الباب 21 من أبواب العدد / الحديث 5.

كتاب الخلع و المبارأة

اشارة

(مسألة 1): الخلع هو الطلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها. فهو قسم من الطلاق يعتبر فيه جميع شروطه المتقدّمة، و يزيد عليها بأنّه يعتبر فيه كراهة الزوجة لزوجها خاصّة، فان كانت الكراهة من الطرفين فهو مبارأة، و ان كانت من طرف الزوج خاصّة لم‌يكن خلعا و لا مبارأة.

الشرح:

الخلع - بضمّ الخاء كما في المسالك(1)- مأخوذ من الخلع بفتحها و هو النزع، لأنّ كلاًّ من الزوجين لباس الآخر قال تعالى: «هنّ لباس لكم و أنتم لباس لهنّ»(2)و كأنّه بمفارقة الآخر نزع لباسه.

و قد ذكره اللّه تعالى في كتابه و النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في سنّته و كذا أوصياؤه عليهم‌السلام و قد قام على شرعيّته اجماع الأصحاب.

فقد دلّ عليه من الكتاب قوله تعالى: «فان طبن لكم عن شيء منه نفسا»(3)


1) - مسالك الأفهام 9: 365.

2) - البقرة 2: 188.

3) - النساء 4: 4.

و قوله تعالى «فان خفتم ألاّ يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به»(1).

و قد روي بطريق العامّة عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس الى رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقالت: يا رسول‌اللّه ما أنقم على ثابت في دين و لا خلق الاّ أنّي أخاف الكفر، فقال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: تردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فردّت عليه الحديقة و طلّقها تطليقة».(2)

و نقل أنّه أوّل خلع جرى في الاسلام.

و المبارأة بالهمز، و قد تقلب ألفا، و أصلها المفارقة، قال الجوهري: «تقول: بارأت شريكي اذا فارقته، و بارأ الرجل امرأته».

و المراد منهما هنا ابانتها بعوض مقصود لازم لجهة الزوج. و يفترقان باختصاص الخلع بكراهتها له خاصّة، و المبارأة باشتراكهما في الكراهة و في أمور أخر تأتي.

و هما قسمان من الطلاق فيشترط فيهما جميع الشروط المتقدّمة، تدلّ على ذلك صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ، هل يكون خلع أو مبارأة الاّ بطهر؟ فقال: لايكون الاّ بطهر».(3)

و غيرها من الروايات الواردة في ذلك.

و يزيد على تلك الشروط أنّه يعتبر في الخلع كراهة الزوجة لزوجها خاصّة، تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايحلّ خلعها حتّى تقول لزوجها: و اللّه لاأبرّ لك قسما و لاأطيع لك


1) - البقرة 2: 229.

2) - صحيح البخاري 7: 60.

3) - وسائل الشيعة 22: 290 / الباب 6 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 1.

أمرا و لاأغتسل لك من جنابة و لاأطئنّ فراشك و لآذننّ عليك بغير اذنك و قد كان الناس يرخّصون فيما دون هذا، فاذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلّ له ما أخذ منها. الحديث».(1)

و غيرها من الروايات الواردة في ذلك.

فان كانت الكراهة من الطرفين كان مبارأة؛ لقوله تعالى: «فان خفتم شقاق بينهما»(2). و قوله عليه السلام في موثّقة سماعة: «فيكره كلّ واحد منهما صاحبه»(3)بعد سؤال السائل عن المبارأة.

و ان كانت الكراهة من طرف الزوج خاصّة لم‌يكن خلعا و لا مبارأة، بل هو طلاق محض.

في صيغة طلاق الخلع

(مسألة 2): الظاهر وقوع الخلع بكلّ من لفظي الخلع و الطلاق مجرّدا كلّ منهما عن الآخر أو منضمّا، فبعد ما أنشأت الزوجة بذل الفدية ليخلعها الزوج يجوز أن‌يقول: «خلعتك على كذا» أو «أنت مختلعة على كذا» و يكتفي به أو يتبعه بقوله: «فأنت طالق على كذا» أو يقول: «أنت طالق على كذا» و يكتفي به أو يتبعه بقوله: «فأنت مختلعة على كذا» لكن لاينبغي ترك الاحتياط بالجمع بينهما بل لايترك.

الشرح:

قال في الشرائع: «و أمّا الصيغة فأن‌يقول: «خلعتك على كذا أو فلانة مختلعة


1) - وسائل الشيعة 22: 280 / الباب 1 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 3.

2) - النساء 4: 35.

3) - وسائل الشيعة 22: 294 / الباب 8 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 3.

على كذا» و هل يقع بمجرّده؟ المروي: نعم، و قال الشيخ: لايقع حتّى يتبع بالطلاق».(1)

و في الجواهر: «اللفظ الصريح فيه: أن‌يقول: «خلعتك على كذا أو فلانة مختلعة على كذا» بلا خلاف أجده في المقام و يقع بمجرّده من دون اتباع بطلاق للروايات المستفيضة صحيحا و غيره - الى أن‌قال: - و قال الشيخ: لايقع حتّى يتبع بالطلاق و تبعه ابنا زهرة و ادريس مدّعيا أوّلهما الاجماع عليه. ولكن لا دليل على ذلك الاّ الأصل المقطوع و الاجماع الممنوع و الاحتياط الذي لاتجب مراعاته و خبر موسى بن بكر عن الكاظم عليه السلام قال: «قال علي عليه السلام : المختلعة يتبعها الطلاق مادامت في العدّة» الضعيف سندا القاصر دلالة؛ ضرورة احتمال كون المراد منه جواز أن‌تطلّق مرّة أخرى مادامت في العدّة، و ذلك بأن‌ترجع في البذل فيراجعها الزوج ثمّ يطلّقها. و أعجب من ذلك حمل تلك النصوص الكثيرة على التقيّة. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

تدلّ على كفاية قول الزوج: «خلعتك على كذا» و شبهه من دون ذكر الطلاق بعده عدّة روايات:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«عدّة المختلعة عدّة المطلّقة و خلعها طلاقها من غير أن‌يسمّى طلاقا. الحديث».(3)

و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:

«قلت: أرأيت ان هو طلّقها بعد ما خلعها أيجوز عليها؟ قال: و لِم


1) - شرائع الاسلام 3: 36.

2) - جواهر الكلام 33: 4 - 7.

3) - وسائل الشيعة 22: 285 / الباب 3 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 4.

يطلّقها و قد كفاه الخلع؟ و لو كان الأمر الينا لم‌نجز طلاقا».(1)

و منها صحيحة اسماعيل بن بزيع قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع، هل تبين منه بذلك أو تكون امرأته ما لم‌يتبعها بطلاق؟ فقال: تبين منه و ان شاءت أن‌يردّ اليها ما أخذ منها و تكون امرأته، فعلت: فقلت: فانّه قد روي لنا أنّها لاتبين منه حتّى يتبعها بطلاق، قال: ليس ذلك اذا خلع فقلت: تبين منه؟ قال: نعم».(2)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«فاذا قالت ذلك من غير أن‌يعلّمها حلّ له ما أخذ منها و كانت تطليقة بغير طلاق يتبعها و كانت بائنا بذلك، و كان خاطبا من الخطّاب».(3)

و عليه فلا حاجة الى اتباع الصيغة بلفظ الطلاق.

و كذا يقع الخلع بلفظ الطلاق من غير اتباعه بلفظ الخلع بشرط وقوع البذل قبل ذلك من المرأة و قول الرجل: «أنت طالق على ما بذلت أو على كذا» أو غير ذلك.

و مع هذه النصوص التي سمعتها فلا وجه للحكم بلزوم الجمع بين الصيغتين و لا الحكم بلزوم مراعاة الاحتياط بالجمع بينهما كما لايخفى.

في احتياج الخلع الى طرفين و انشاءين

(مسألة 3): الخلع من الايقاعات لكن يشبه العقود في الاحتياج الى طرفين و انشاءين: بذل شيء من طرف الزوجة ليطلّقها الزوج و انشاء الطلاق


1) - وسائل الشيعة 22: 286 / الباب 3 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 22: 286 / الباب 3 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 22: 284 / الباب 3 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 3.

من طرفه بما بذلت، و يقع ذلك على نحوين: الأوّل: أن‌يقدّم البذل من طرفها على أن‌يطلّقها فيطلّقها على ما بذلت. الثاني: أن‌يبتدئ الزوج بالطلاق مصرّحا بذكر العوض فتقبل الزوجة بعده، و لاينبغي ترك الاحتياط بايقاعه على النحو الأوّل.

الشرح:

الخلع و ان كان قسما من الطلاق و هو من الايقاعات الاّ أنّه يشبه العقود في الاحتياج الى طرفين و انشاءين، بذل شيء من طرف الزوجة ليطلّقها الزوج - مع كونها كارهة له كما تقدّم - و انشاء الطلاق من طرف الزوج بما بذلت.

و يتحقّق ذلك بأحد أمرين: تقدّم سؤالها ذلك على وجه الانشاء له بأن‌تقول مثلاً: «بذلت لك كذا على أن‌تخلعني» فيقول: «خلعتك على ذلك» أو «أنت طالق بذلك» و الظاهر لزوم ذكر كون الطلاق في مقابل العوض، و عليه فلو ذكره مجرّدا عن ذكر العوض فوقوع الخلع مشكل.

و بذلك يظهر ضعف ما ذكره في الجواهر من الحكم بصحّة الخلع مجرّدا عن ذكر العوض، ناويا له.

و الثاني: ابتداؤه به مصرّحا بذكر العوض فتقبل المرأة بعده بلا فصل ينافي المعاوضة، و بدون ذلك يقع الخلع باطلاً.

تدلّ على ذلك - مضافا الى دعوى عدم الخلاف كما في الجواهر - صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني و أنا أعطيك ما أخذت منك، فقال: لايحلّ له أن‌يأخذ منها شيئا حتّى تقول: واللّه لاأبرّ لك قسما و لاأطيع لك أمرا و لآذننّ في بيتك بغير اذنك (و لأوطئنّ فراشك

غيرك)(1)فاذا فعلت ذلك من غير أن‌يعلّمها، حلّ له ما أخذ منها.الحديث».(2)

و صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا خلع الرجل امرأته فهي واحدة بائنة و هو خاطب من الخطّاب و لايحلّ له أن‌يخلعها حتّى تكون هي التي تطلب ذلك منه من غير أن‌يضربها و حتّى تقول: لاأبرّ لك قسما و لاأغتسل لك من جنابة و لأدخلنّ بيتك من تكره و لأوطئنّ فراشك و لاأقيم حدود اللّه، فاذا كان هذا منها فقد طاب له ما أخذ منها».(3)

قال المفيد رحمه‌الله في المقنعة: «و الخلع ضرب من الطلاق و لايقع الاّ على عوض من المرأة. و ذلك أن‌تكون المرأة قد كرهت زوجها و آثرت فراقه و تعصي أمره و تخالف قوله و تمنعه نفسها و تراوده على فراقها، فله حينئذ أن‌يلتمس منها على طلاقها ما شاء من المال و المتاع و العقار فيقول لها: «ان أردت أن‌أفارقك فادفعي اليّ ألف دينار أو ألف درهم» أو ما شاء ممّا يختار و ان كان عليه مهر قال: اجعلني في حلّ من مهرك و أعطيني بعد ذلك كذا و كذا حتّى أخلّي سبيلك. فاذا أجابته الى ملتمسه قال لها: «قد خلعتك على كذا و كذا درهما أو دينارا أو كيت و كيت فان رجعت في شيء من ذلك فأنا أملك ببضعك» فاذا قال لها ذلك بمحضر من رجلين مسلمين عدلين و هي طاهر من الحيض طهرا لم‌يقربها فيه لجماع فقد بانت منه و ملكت نفسها في الحال و ليس له عليها رجعة».(4)

ثمّ انّ ظاهر النصوص و الفتاوى لزوم رعاية أحكام عقود المعاوضات في


1) - ما بين القوسين جاء في المصدر و ليس في الوسائل.

2) - وسائل الشيعة 22: 280 / الباب 1 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 281 / الباب 3 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 6.

4) - المقنعة: 528.

صيغة الخلع كلزوم الترتيب و الموالاة و غيرهما.

و من جملة أحكام صيغ المعاملات لزوم التنجيز و عدم جواز التعليق في الصيغة، و الظاهر جريان هذا الحكم في الخلع أيضا و عليه فلو علّقت المرأة البذل على شرط أو علّق الرجل الطلاق على شرط بطل الطلاق على الأحوط.

و في الجواهر: «و لو قال: «أنت طالق على أنّ عليك ألفا» صحّ مع تقدّم سؤالها ذلك أو تأخّر قبولها بحيث لم‌يخرج عن قبول المعاوضة. - الى أن‌قال: - انّما هي معاوضة بالمعنى الأعمّ أي انّ البذل منها باعث على ايجاد الطلاق الذي هو قسم من الايقاع الذي لايملك عوضا و لا شرطا، فهو حينئذ على معناه الأصلي و لم‌ينقلب طلاق الخلع الى قسم العقود حتّى يكون «فلانة طالق بكذا» ايجابا و قولها «قبلت» قبولاً. ولكن الشارع ذكر في هذا القسم من الايقاع صحّة البذل الباعث على ايقاعه و اعتبر فيه المقارنة له و ارتفاع البينونة بارتفاعه.

و لا فرق في بذل المرأة بين «طلّقني بكذا» و بين «عليّ كذا» أو «على أن‌أعطيك كذا». بل في المسالك: «و في معناها «ان طلّقتني أو اذا طلّقتني أو متى ما طلّقتني فلك كذا» بخلاف قول الرجل: مهما أعطيتني كذا أو ان أعطيتنى كذا أو غير ذلك من أدوات الشرط فانّه لايقع». و ان كان قد يناقش بعدم الفرق بينهما في منافاة هذا التعليق للانشاء و عدمه، و لا ريب في أنّ الأحوط عدمه فيهما ان لم‌يكن الأقوى، كما أنّ الأحوط ذكر العوض بصيغة الطلاق أو الخلع مع تقدّم بذلها و ان كان الأقوى الاكتفاء بنيّته. انتهى ملخّصا».(1)

في أنّه يعتبر في صحّة الخلع عدم الفصل بين انشاء البذل و الطلاق

(مسألة 4): يعتبر في صحّة الخلع عدم الفصل بين انشاء البذل و الطلاق بما يخلّ بالفوريّة العرفيّة، فلو أخلّ بها بطل الخلع و لم‌يستحقّ الزوج


1) - جواهر الكلام 33: 17 و 18.

العوض، لكن اذا أوقعه بلفظ الطلاق أو أتبعه بذلك وقع الطلاق رجعيّا مع فرض اجتماع شرائطه، و الاّ كان بائنا.

الشرح:

قال في الشرائع: «اذا قالت: طلّقني بألف كان الجواب على الفور، فان تأخّر لم‌يستحقّ عوضا و كان الطلاق رجعيّا».(1)

و في الجواهر: «يجب أن‌يكون الجواب على الفور لاقتضاء المعاوضة ذلك، فان تأخّر على وجه ينافي الاقتضاء المذكور لم‌يستحقّ عوضا و كان الطلاق رجعيّا مع فرض اجتماع شرائطه و الاّ كان بائنا».

نعم، لو كان انشاء الطلاق مقيّدا بصحّة العوض، فلا وجه لصحّة الطلاق و بذلك يمكن أن‌يجمع بين الكلمات.

في جواز التوكيل في البذل و الطلاق

(مسألة 5): يجوز أن‌يكون البذل و الطلاق بمباشرة الزوجين أو بتوكيلهما الغير أو بالاختلاف، و يجوز أن‌يوكّلا شخصا واحدا ليبذل عنها و يطلّق عنه، بل الظاهر أنّه يجوز لكلّ منهما أن‌يوكّل الآخر فيما هو من طرفه، فيكون أصيلاً فيما يرجع اليه و وكيلاً فيما يرجع الى الطرف.

الشرح:

يدلّ على ما في المتن اطلاق الأدلّة الدالّة على صحّة الوكالة في العقود و الايقاعات، و هذا يجري في الطلاق بأقسامه، فيجوز أن‌يوكّلا ثالثا لأن‌يبذل عنها و يجري الصيغة عنه و يصحّ البذل من مالها أو من ماله باذنها.

قال في الجواهر: «و يصحّ بذل الفداء منها بلا خلاف و لا اشكال؛ لأنّه هو


1) - شرائع الاسلام 3: 37.

المنطبق على نسبته اليها كتابا و سنّة و كذا من وكيلها القائم مقامها بعموم الوكالة واطلاقها و كذا ممّن يضمنه في ذمّته باذنها».(1)

و في المسالك: «و بذل وكيلها في معنى بذلها لأنّه يبذل من مالها باذنها و كذا بذله ممّن يضمنه في ذمّته باذنها، فيقول للزوج: «طلّق زوجتك على مائة و عليّ ضمانها» و الفرق بينه و بين الوكيل أنّ الوكيل يبذل من مالها باذنها و هذا يبذل من ماله باذنها ليرجع عليها بما يبذله بعد ذلك، فهو في معنى الوكيل الذي يدفع العوض عن الموكّل ليرجع به عليه فدفعه له بمنزلة اقراضه لهاو ان كان بصورة الضمان».(2)

في كيفيّة ايقاع الصيغة

(مسألة 6): يصحّ التوكيل من الزوج في الخلع في جميع ما يتعلّق به من شرط العوض و تعيينه و قبضه و ايقاع الطلاق، و من المرأة في جميع ما يتعلّق بها من استدعاء الطلاق و تقدير العوض و تسليمه.

كلّ ذلك لاطلاق دليل الوكالة و عدم دليل على خروج بعض ذلك في المقام فيشمل الجميع اطلاق الدليل بلا كلام.

(مسألة 7): لو وقع الخلع بمباشرة الزوجين فامّا أن‌يبتدئ الزوجة و تقول: «بذلت لك - أو أعطيتك - ما عليك من المهر أو الشيء الفلاني لتطلّقني» فيقول فورا: «أنت طالق أو مختلعة - بكسر اللام - على ما بذلت أو على ما أعطيت» و امّا أن‌يبتدئ الزوج فيقول: «أنت طالق أو مختلعة بكذا أو على


1) - جواهر الكلام 33: 25.

2) - مسالك الأفهام 9: 392.

كذا» فتقول فورا: «قبلت». و ان وقع من وكيلين يقول وكيل الزوجة مخاطبا لوكيل الزوج: «عن قبل موكّلتي فلانة بذلت لموكّلك ما عليه من المهر أو المبلغ الفلاني ليخلعها و يطلّقها» فيقول وكيل الزوج فورا: «زوجة موكّلي طالق على ما بذلت» و قس على ما ذكر سائر الصور المتصوّرة، لكن لاينبغي ترك الاحتياط المتقدّم أي الجمع بين الصيغتين، بل لايترك.

الشرح:

كلّ صيغة يصحّ بها طلاق الخلع من الزوجين، يصحّ بها من وكيلهما كما في المتن.

و الظاهر أنّ الجمل التي أتى بها المصنّف جاءت في كلمات الفقهاء و اتّفقت عليها كلماتهم؛ لأنّ الخلع - كما تقدّم - ايقاع بالأصالة و معاوضة بالعرض لاعطاء الفدية من جانب الزوجة عوضا عن طلاقه ايّاها.

ولكن قد عرفت أنّ الاحتياط بالجمع بين الصيغتين غير لازم المراعاة.

(مسألة 8): لو استدعت الزوجة الطلاق بعوض معلوم فقالت له: «طلّقني أو اخلعني بكذا» فيقول: «أنت طالق أو مختلعة بكذا» ففي وقوعه اشكال، فالأحوط اتباعه بالقبول منها بأن‌تقول بعد ذلك: «قبلت».

الشرح:

يجوز أن‌يكون البذل من طرف الزوجة باستدعائها الطلاق من الزوج بعوض معلوم بعد كونها كارهة له على ما تقدّم؛ لاطلاق الروايات و ظهورها في هذا المورد.

و عليه فتقول له: «طلّقني أو اخلعني بكذا» فيقول: «أنت طالق أو مختلعة بكذا»

بشرط كون قوله بعد استدعائها فورا، لما تقدّم من جريان حكم المعاوضة علىهذا الطلاق مع كونه ايقاعا بالأصالة.

و يشهد لجريان حكم المعاوضة عليه - مضافا الى اتّفاق الفقهاء - قول أميرالمؤمنين عليه السلام :

«لكلّ مطلّقة متعة الاّ المختلعة فانّها اشترت نفسها».(1)

و احتاط الماتن باتباع قول الزوج بالقبول منها بأن‌تقول بعد ذلك: «قبلت» جمودا على كونه من المعاوضة، ولكنّه ليس من المعاوضة المحضة مع أنّه يمكن أن‌يكون انشاؤها بمنزلة القبول المتقدّم و لا ضير، و الاحتياط حسن.

في بيان شرائط الفداء

(مسألة 9) يشترط في تحقّق الخلع بذل الفداء عوضا عن الطلاق، و يجوز الفداء بكلّ متموّل من عين أو دين أو منفعة قلّ أو كثر و ان زاد على المهر المسمّى، فان كان عينا حاضرة تكفي فيها المشاهدة، و ان كان كلّيا في الذمّة أو غائبا ذكر جنسه و وصفه و قدره، بل لايبعد أن‌يكون الأمر فيه أوسع من ذلك، فيصحّ بما يؤول الى العلم كما لو بذلت ما في الصندوق مع العلم بكونه متموّلاً، و يصحّ بما في ذمّة الزوج من المهر و لو لم‌يعلما به فعلاً، بل في مثله و لو لم‌يعلما بعد أيضا صحّ على الأقوى، و يصحّ جعل الفداء ارضاع ولده لكن مشروطا بتعيين المدّة، و لاتبعد صحّته بمثل قدوم الحاجّ و بلوغ الثمرة، و ان جعل كلّيا في ذمّتها يجوز جعله حالاًّ و مؤجّلاً مع تعيين الأجل و لو بمثل ما ذكر.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 22: 299 / الباب 11 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 3.

يشترط في تحقّق الخلع بذل الفداء عوضا عن الطلاق؛ لما تقدّم من تقوّمطلاق الخلع بذلك، و مع انتفائه فلا موضوع له، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لايكون الخلع حتّى تقول: لاأطيع لك أمرا و لاأبرّ لك قسما و لاأقيم لك حدّا فخذ منّي و طلّقني، فاذا قالت ذلك فقد حلّ له أن‌يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير. الحديث».(1)

و يجوز الفداء بكلّ متموّل من عين أو دين أو منفعة قلّ أو كثر كما عرفت قول الامام عليه السلام في صحيحة زرارة.

و في موثّقة سماعة بن مهران قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : لايجوز للرجل أن‌يأخذ من المختلعة حتّى تتكلّم بهذا الكلام كلّه؟ فقال: اذا قالت: لاأطيع اللّه فيك، حلّ له أن‌يأخذ منها ما وجد».(2)

و يصحّ الفداء بما زاد عن المهر المسمّى ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«المبارئة يؤخذ منها دون الصداق و المختلعة يؤخذ منها ما شاء أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر. الحديث».(3)

فان كان عينا حاضرة يكفي فيها المشاهدة كما في عوض كلّ ما يبذل بازائه العوض. و ان كان كلّيا في الذمّة أو غائبا ذكر جنسه و وصفه و قدره حتّى لايكون مبهما يوجب النزاع، بل يفسد اذا كان مبهما كما لو جعل الفداء ألفا و لم‌يذكر المراد و لم‌يكن هناك قرينة على تعيينه.


1) - وسائل الشيعة 22: 288 / الباب 4 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 22: 289 / الباب 4 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 22: 287 / الباب 4 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 1.

و يصحّ جعل الفداء ارضاع ولده لاطلاق الدليل، لكن مشروطا بتعيين المدّةليخرج عن الابهام. و اذا جعل كلّيا في ذمّتها يجوز جعله حالاًّ و مؤجّلاً مع تعيين الأجل بما لا اجمال فيه.

قال في الشرائع: «كل ما صحّ أن‌يكون مهرا صحّ أن‌يكون فداءً في الخلع و لا تقدير فيه بل يجوز و لو كان زائدا عمّا وصل اليها من مهر و غيره. و اذا كان غائبا فلا بدّ من ذكر جنسه و وصفه و قدره و يكفي في الحاضر المشاهدة.

و ينصرف الاطلاق الى غالب نقد البلد و مع التعيين الى ما عيّن و لو خالعها على ألف و لم‌يذكر المراد و لا قصد فسد الخلع. و لو كان الفداء ممّا لايملكه المسلم كالخمر فسد الخلع و قيل: يكون رجعيّا و هو حقّ ان أتبع بالطلاق و الاّ كان البطلان أحقّ. و لو خالعها على خلّ فبان خمرا صحّ و كان له بقدره خلّ و لو خالع على حمل الدابّة أو الجارية لم‌يصحّ.

و لو كان الفداء رضاع ولده صحّ مشروطا بتعيين المدّة و كذا لو طلّقها على نفقته بشرط تعيين القدر الذي يحتاج اليه من المأكل و الكسوة و المدّة و لو مات قبل المدّة كان للمطلّق استيفاء ما بقي فان كان رضاعا رجع بأجرة مثله و ان كان انفاقا رجع بمثل ما كان يحتاج اليه في تلك المدّة مثلاً أو قيمة و لايجب عليها دفعه دفعة بل أدوارا في المدّة كما كان يستحقّ عليها لو بقي. و لو تلف العوض قبل القبض لم‌يبطل استحقاقه و لزمها مثله و قيمته ان لم‌يكن مثليّا.

و لو خالعها بعوض موصوف فان وجد ما دفعته على الوصف و الاّ كان له ردّه و المطالبة بما وصف. و لو كان معيّنا فبان معيبا ردّه و طالب بمثله أو قيمته و ان شاء أمسكه مع الأرش و كذا لو خالعها على عبد على أنّه حبشي فبان زنجيّا أو ثوب على أنه نقي فبان أسمر. أمّا لو خالعها على أنّه ابريسم فبان كتّانا صحّ الخلع و له قيمة الابريسم و ليس له امساك الكتّان لاختلاف الجنس. و لو دفعت ألفا و

قالت طلّقني بها متى شئت لم‌يصحّ البذل و لو طلّق كان رجعيّا و الألف لها.

و لو خالع اثنتين بفدية واحدة صحّ و كانت بينهما بالسويّة. و لو قالتا طلّقنا بألف فطلّق واحدة كان له النصف و لو عقّب بطلاق الأخرى كان رجعيّا و لا عوض له لتأخّر الجواب عن الاستدعاء المقتضي للتعجيل. و لو خلعها على عين فبانت مستحقّة قيل يبطل الخلع و لو قيل يصحّ و يكون له القيمة أو المثل ان كان مثليّا كان حسنا».(1)

و كلامه رحمه‌الله متين في الجملة. نعم، اذا خلعها على عين فبانت مستحقّة فالأظهر بطلان الخلع.

في صحّة بذل الفداء منها و من وكيلها

(مسألة 10): يصحّ بذل الفداء منها و من وكيلها بأن‌يبذل وكالة عنها من مالها أو بمال في ذمّتها، و هل يصحّ ممّن يضمنه في ذمّته باذنها فيرجع اليها بعد البذل بأن‌تقول لشخص: «اطلب من زوجي أن‌يطلّقني بألف درهم مثلاً عليك و بعد ما دفعتها اليه ارجع عليّ» ففعل ذلك و طلّقها الزوج على ذلك وجهان بل قولان، لايخلو ثانيهما من رجحان، كما أنّه لايصحّ من المتبرّع الذي لايرجع عليها، فلو قالت الزوجة لزوجها: «طلّقني على دار زيد أو ألف في ذمّته» فطلّقها على ذلك و قد أذن زيد أو أجاز بعده لم‌يصحّ الخلع و لا الطلاق الرجعي و لا غيره الاّ اذا أوقع بلفظ الطلاق أو أتبعه بصيغته.

الشرح:

يصحّ بذل الفداء منها و من وكيلها، بأن‌يبذل وكالة عنها من مالها أو من مال في ذمّتها؛ لاطلاق الدليل و قد تقدّم في المسألة السادسة نقل كلام صاحب الجواهر و الشهيد الثاني في ذلك.


1) - شرائع الاسلام 3: 37 - 39.

و هل يصحّ ممّن يضمنه في ذمّته باذنها فيرجع اليها بعد البذل؟ الظاهر صحّته؛لصدق الخلع عرفا، فتشمله الاطلاقات و قد تقدّم ذلك من المسالك و الجواهر أيضا.

و أمّا لو تبرّع البذل متبرّع فالأقرب عدم الصحّة كما أشار اليه في الروضة.

قال في الروضة: «(و في) صحّته من (المتبرّع) بالبذل من ماله (قولان أقربهما المنع) لأنّ الخلع من عقود المعاوضات فلايجوز لزوم العوض لغير صاحب المعوّض كالبيع، و لأنّه تعالى أضاف الفدية اليها في قوله: «فلا جناح عليهما فيما افتدت به» و بذل الوكيل و الضامن باذنها كبذلها فيبقى المتبرّع على أصل المنع و لأصالة بقاء النكاح الى أن‌يثبت المزيل، و لو قلنا بمفهوم الخطاب فالمنع أوضح. و حينئذ فلايملك الزوج البذل و لايقع الطلاق ان لم‌يتبع به، فان أتبع به كان رجعيّا».(1)

و قال في الجواهر: «هل يصحّ بذل الفداء من المتبرّع و ان كان العقد ايجابا و قبولاً من الزوج و الزوجة؟ فيه تردّد، و الأشبه المنع عند المحقّق صاحب الشرائع و الشيخ و غيره من الأصحاب بل في المسالك «لم‌يعرف القائل بالجواز منّا» و ذلك لأنّ المستفاد من الكتاب و السنّة مشروعيّة الفوريّة منها و لو بواسطة وكيلها. أمّا المتبرّع فيبقى على أصل المنع؛ اذ قد عرفت أنّه لا اطلاق و لا عموم يقتضي مشروعيّة هذا القسم من طلاق الفدية المسمّى بالخلع و طلاق العوض على وجه تجري عليه أحكامه، من كونه طلاقا بائنا الاّ مع رجوعها بالبذل و غيره من أحكامه و من هنا كان فرض المقام على وجه الجعالة من الأجنبي خروجا عن البحث؛ ضرورة عدم جريان أحكام الخلع على ذلك على فرض صحّته. انتهى ملخّصا».(2)


1) - الروضة البهيّة 6: 91 و 92.

2) - جواهر الكلام 33: 25 و 26.

فيما لو قال أبوها: «طلّقها و أنت بريء من صداقها»

(مسألة 11): لو قال أبوها: «طلّقها و أنت بريء من صداقها» و كانت بالغة رشيدة فطلّقها صحّ الطلاق و كان رجعيّا بشرائطه و الشرط المتقدّم في المسألة السابقة، و لم‌تبرأ ذمّته بذلك ما لم‌تبرأ، و لم‌يلزم عليها الابراء و لايضمنه الأب.

الشرح:

اذا قال أبوها طلّقها و أنت بريء من صداقها و كانت بالغة رشيدة فطلّقها بلفظ الطلاق، صحّ الطلاق و لو تبعه بصيغة الخلع اذا كان شرائطه موجودة، و كان رجعيّا اذا كان المورد من موارده، و بائنا اذا كان من موارد البائن.

نعم، قد تقدّم أنّه ان كان انشاء الطلاق مقيّدا بالعوض فلايبعد عدم وقوع الطلاق رجعيّا أو بائنا. و الحاصل أنّه لايقع طلاق الخلع؛ لأنّ البذل لم‌يكن منها و لا باذنها بل من مالها بدون اذنها. و لو لم‌يتعقّب بلفظ الطلاق ففيه ما تقدّم.

ثمّ انّه لم‌تبرأ ذمّته من الصداق بذلك ما لم‌تبرأ الزوجة؛ لأصالة بقاء المال في ذمّته ما لم‌يبرئه صاحب المال. و لم‌يلزم عليها الابراء؛ لعدم اقتضاء ذلك و أصالة عدمه. و لايضمنه الأب لعدم حصول سببه منه و الأصل عدم ضمانه.

قال في الجواهر: «اذا قال أبوها: طلّقها و أنت بريء من صداقها أو بعضه بمعنى أنّه بذل به مالها في ذمّته على طلاقها، فطلّق صحّ الطلاق رجعيّا ان كان مورده كذلك. و لم‌يلزمها الابراء و لايضمنه الأب الذي هو أجنبي بالنسبة الى ذلك مع بلوغ البنت و رشدها و الفرض عدم وكالته، فلا ضمان للزوج و لا للبنت بعد عدم حصول الخلع و البراءة. نعم، لو أجازت هي ذلك و قلنا بصحّة الفضولي في ذلك صحّ البذل و كان خلعا».(1)


1) - جواهر الكلام 33: 79.

أقول: و في ذيل كلامه اشكال؛ لعدم صحّة الفضولي فيه و ان كان يشبهالمعاوضات كما هو معلوم.

فيما لو جعلت الفداء مال الغير أو ما لايملكه المسلم

(مسألة 12): لو جعلت الفداء مال الغير أو ما لايملكه المسلم كالخمر مع العلم بذلك بطل البذل فبطل الخلع و صار الطلاق رجعيّا بالشرط المتقدّم، و لو جعلته مال الغير مع الجهل بالحال فالمشهور صحّة الخلع و ضمانها للمثل أو القيمة، و فيه تأمّل.

الشرح:

لو جعلت الخلع مال الغير بطل البذل فبطل الخلع؛ لأنّه تصرّف في مال الغير و هو باطل فاذا بطل البذل بطل الخلع. و كذا لو جعلت الفداء ما لايملكه المسلم كالخمر مع العلم به؛ لبطلان النقل و الانتقال فيه فيبطل الخلع؛ لعدم وجود البذل، و أمّا صحّة الطلاق فهي اذا تعقّبه بصيغة الطلاق فيقع الطلاق رجعيّا بشرائطه - بشرط عدم تقييد الصيغة بالعوض - و لو لم‌يعقّبه بصيغة الطلاق فقد تقدّم البحث عنه.

و أمّا لو جعلته مال الغير مع الجهل بأنّه مال الغير فالمشهور على صحّة الخلع و ضمانها للمثل أو القيمة، ولكن فيه اشكال من جهة عدم مدخليّة العلم و الجهل في صحّة نقل مال الغير، فنقل مال الغير و انتقاله باطل سواء علم أو جهل.

اللّهمّ الاّ أن‌يقال بأنّ البذل في طلاق الخلع ليس معاوضة حقيقيّة.

و عليه فتضمن مثله أو قيمته لو ظهر استحقاقه لغيرها مع الجهل بذلك حين الخلع و ان كان الاحتياط حسن، أمّا لو علم باستحقاقه للغير حين الخلع فالاشكال فيه قوي.

قال في الروضة: «(و تضمن) مثله أو قيمته (لو ظهر استحقاقه لغيرها) و لايبطل الخلع؛ لأصالة الصحّة و المعاوضة هنا ليست حقيقيّه كما في البيع فلايؤثّر

بطلان العوض المعيّن في بطلانه، بل ينجبر بضمانها المثل أو القيمة. و يشكل مععلمه باستحقاقه حالة الخلع؛ لقدومه على معاوضة فاسدة ان لم‌يتبعه بالطلاق، و مطلقا من حيث انّ العوض لازم لماهيّته و بطلان اللازم يستلزم بطلان الملزوم. و المتّجه البطلان مطلقا ان لم‌يتبعه بالطلاق و الاّ وقع رجعيّا».(1)

في أنّه يشترط في الخلع أن‌تكون كراهة الزوجة شديدة

(مسألة 13): يشترط في الخلع على الأحوط أن‌تكون كراهة الزوجة شديدة بحيث يخاف من قولها أو فعلها أو غيرهما الخروج عن الطاعة و الدخول في المعصية.

الشرح:

يشترط في الخلع أن‌تكون المرأة كارهة للزوج كما تقدّم في المسألة الثالثة من هذا الفصل لما مرّ من الروايات كقوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:

«لايحلّ له أن‌يأخذ منها شيئا حتّى تقول: واللّه لاأبرّ لك قسما و لاأطيع لك أمرا و لآذننّ في بيتك بغير اذنك (و لأوطئنّ فراشك غيرك)(2)فاذا فعلت ذلك من غير أن‌يعلّمها، حلّ له ما أخذ منها».(3)

و شبه ذلك في صحيحة أبي الصبّاح الكناني.(4)

و قوله عليه السلام في موثّقة سماعة:

«لايحلّ لزوجها أن‌يخلعها حتّى تقول: لاأبرّ لك قسما و لاأقيم حدود اللّه فيك و لاأغتسل لك من جنابة و لأوطئنّ فراشك و


1) - الروضة البهيّة 6: 95.

2) - ما بين القوسين جاء في المصدر و ليس في الوسائل.

3) - وسائل الشيعة 22: 280 / الباب 1 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 22: 281 / الباب 1 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 5.

لأدخلنّ بيتك من تكره من غير أن‌تعلّم هذا».(1)

و كذا قوله تعالى: «فان خفتم أن لايقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به»(2).

و الظاهر من الآية و تفسيرها الوارد في الروايات اشتراط كون الكراهة شديدة بحيث يخاف من قولها أو فعلها أو غيرهما الخروج عن الطاعة و الوقوع في المعصية.

و في المهذّب: «انّ المدار على الكراهة الشديدة سواء أبرزتها بالقول أو بالفعل و حيث انّ الأخير لا دلالة فيه الاّ بأن‌تفعل المخالفة لزوجها صريحة فالمدار على تحقّق خوف عدم اقامة حدوده تعالى فيما بينهما سواء علم من قولها أو فعلها أو غيرهما».(3)

في عدم الفرق في الكراهة بين كونها ذاتيّة أو عرضيّة

(مسألة 14): الظاهر أنّه لا فرق بين أن‌تكون الكراهة المشترطة في الخلع ذاتيّة ناشئة من خصوصيّات الزوج كقبح منظره و سوء خلقه و فقره و غير ذلك و بين أن‌تكون ناشئة من بعض العوارض مثل وجود الضرّة و عدم ايفاء الزوج بعض الحقوق الواجبة أو المستحبّة. نعم، ان كانت الكراهة و طلب المفارقة من جهة ايذاء الزوج لها بالسبّ و الشتم و الضرب و نحوها فتريد تخليص نفسها منها فبذلت شيئا ليطلّقها فطلّقها لم‌يتحقّق الخلع، و حرم عليه ما أخذه منها، ولكن الطلاق صحّ رجعيّا بالشرط المتقدّم.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 22: 281 / الباب 1 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 5.

2) - البقرة 2: 229.

3) - مهذّب الأحكام 26: 195.

الدليل على صدر المسألة اطلاق الآية و الروايات الواردة في ذلك كما مرّ.

و أمّا اذا كانت الكراهة و طلب المفارقة من جهة ايذاء الزوج لها بالسبّ و الشتم و الضرب و نحوها، فتريد تخليص نفسها منه ببذل شيء كي يطلّقها، فطلّقها لم‌يتحقّق الخلع و حرم عليه ما يأخذه منها و ذلك لما ورد في الروايات المتقدّمة من أنّه لايحلّ للزوج أن‌يأخذ منها شيئا أو لايجوز له ذلك حتّى تقول ما يظهر منها الكراهة الشديدة، فاذا قال تلك الجمل حلّ له أن‌يأخذ منها ما وجد كما في صحيحتي الحلبي و محمّد بن مسلم و موثّقة سماعة.

و في بعضها اضافة: «من غير أن‌يعلّمها» أو «من غير أن‌تعلّم هذا» كما في صحيحة محمّد بن مسلم و موثّقة أخرى لسماعة. و في صحيحة أبي الصبّاح الكناني زيادة: «من غير أن‌يضربها».

فراجع ما تقدّم من الروايات غير مرّة في المسائل السابقة تجد ما قلنا.

و في رواية نقلها الصدوق رحمه‌الله عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله:

«من أضرّ بامرأة حتّى تفتدي منه نفسها لم‌يرض اللّه له بعقوبة دون النار؛ لأنّ اللّه يغضب للمرأة كما يغضب لليتيم - الى أن‌قال: - ألا و انّ اللّه و رسوله بريئان ممّن أضرّ بامرأته حتّى تختلع منه».(1)

نعم، الذي يظهر من الروايات هو بطلان الخلع و حرمة أخذ ما بذلته بشرط أن‌يكون ايذاء الرجل ايّاها بقصد بذل الخلع و طلب الطلاق، بمعنى أنّه آذاها لكي تطلب منه الطلاق و تبذل بازاء طلاقها شيئا أو تهبه صداقها أو غير ذلك.

و أمّا اذا كان الرجل سيّى‌ء الخلق أو كان من صفاته الرذيلة أن‌يكون فحّاشا أو يضربها و يشتمها دائما، ولكن لا بقصد ذلك بل يكره طلاقها، ولكن تكرهه المرأة لذلك و تبذل شيئا ليطلّقها فالظاهر صحّة الخلع.


1) - وسائل الشيعة 22: 283 / الباب 2 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 1.

ثمّ انّه لو طلّقها مع بطلان الخلع يقع الطلاق رجعيّا لو تعقّب الصيغة بلفظالطلاق على ما تقدّم و صارت مطلّقة رجعيّة الاّ اذا كان المورد من موارد البائن.

(مسألة 15): لو طلّقها بعوض مع عدم الكراهة و كون الأخلاق ملتئمة لم‌يصحّ الخلع و لم‌يملك العوض ولكن صحّ الطلاق بالشرط المتقدّم، فان كان مورده الرجعي كان رجعيّا و الاّ بائنا.

و ذلك لعدم تمامية شرائط الخلع فحكم المسألة حكم سابقتها.

في أنّ طلاق الخلع بائن

(مسألة 16): طلاق الخلع بائن لايقع فيه الرجوع ما لم‌ترجع المرأة فيما بذلت، و لها الرجوع فيه ما دامت في العدّة، فاذا رجعت كان له الرجوع اليها.

الشرح:

طلاق الخلع من أقسام طلاق البائن لايقع فيه الرجوع، ما لم‌ترجع المرأة فيما بذلت و لها الرجوع فيه مادامت في العدّة، تدلّ عليه صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع، هل تبين منه بذلك أو هي امرأته ما لم‌يتبعها بطلاق؟ فقال: تبين منه و ان شاءت أن‌يردّ اليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت، فقلت: فانّه قد روي لنا أنّها لاتبين منه حتّى يتبعها بطلاق، قال: ليس ذلك اذا خلع فقلت: تبين منه؟ قال: نعم».(1)


1) - وسائل الشيعة 22: 286 / الباب 3 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 9.

فاذا رجعت كان له الرجوع اليها، يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بنسنان:

«و لا رجعة للزوج على المختلعة و لا على المبارأة الاّ أن‌يبدو للمرأة فيردّ عليها ما أخذ منها».(1)

و موثّقة فضل بن أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المختلعة ان رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعنّ في بضعك».(2)

و في الجواهر: «اذا صحّ الخلع فلا رجعة له بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، و هو الحجّة بعد الأصل و النصوص المستفيضة أو المتواترة. نعم، مع رجوعها يرجع ان شاء بلا خلاف معتدّ به».(3)

ثمّ اعلم أنّ الأصل في الطلاق أن‌يكون رجعيّا كما هو ظاهر قوله تعالى: «و بعولتهنّ أحقّ بردّهنّ»(4)الاّ ما خرج بالدليل كما في اليائسة و غير المدخولة و الصغيرة و المرأة التي طلّقت ثلاثا و المختلعة و المبارأة. و قد فصّل البحث عن ذلك في الجواهر فراجع.

في اشتراط امكان رجوع الزوج بعد رجوعها في المبذول

(مسألة 17): الظاهر اشتراط جواز رجوعها في المبذول بامكان رجوعه بعد رجوعها، فلو لم‌يمكن كالمطلّقة ثلاثا و كما اذا كانت ممّن ليست لها عدّة كاليائسة و غير المدخول بها لم‌يكن لها الرجوع في البذل، بل لايبعد عدم صحّة رجوعها فيه مع فرض عدم علمه بذلك الى انقضاء محلّ رجوعه فلو


1) - وسائل الشيعة 22: 294 / الباب 7 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 294 / الباب 7 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 3.

3) - جواهر الكلام 33: 62 و 63.

4) - البقرة 2: 228.

رجعت عند نفسها و لم‌يطّلع عليه الزوج حتّى انقضت العدّة فلا أثر لرجوعها.

الشرح:

قال في المسالك: «حيث ترجع المرأة في العوض تصير العدّة رجعيّة، سواء رجع أم لا. و هل يترتّب عليها أحكام الرجعيّة مطلقا، كوجوب النفقة و الاسكان و تجديد عدّة الوفاة لو مات فيها و نحو ذلك؟ وجهان، من أنّ جواز رجوعه يقتضي ذلك، اذ لانعني بالعدّة الرجعيّة الاّ ما يجوز للزوج الرجوع فيها، و من أنّها ابتدأت على البينونة و سقوط هذه الأحكام، فعودها بعد ذلك يحتاج الى دليل، و الأصل يقتضي استصحاب الحكم السابق، و لايلزم من جواز رجوعه على هذا الوجه كونها رجعيّة مطلقا، لجواز أن‌يراد بالرجعيّة ما يجوز للزوج الرجوع فيها مطلقا كما هو الظاهر، و أمّا قبل رجوعها فلا شبهة في انتفاء أحكام الرجعيّة عنها.

و ممّا يتفرّع على ذلك جواز تزويجه أختها و رابعة، فأمّا بعد رجوعها فهو منتف، لأنّها صارت حينئذ في حكم الزوجة كما صرّح به في الخبر الصحيح.

و أمّا قبله ففي جوازه وجهان، من تحقّق البينونة حينئذ، و من أنّه بتزلزله في حكم الرجعي، و لأنّه على تقدير تقدّم ذلك ثمّ رجوعها يصير جامعا بين الأختين و أزيد من العدد الشرعي. فان جوّزنا له فعل ذلك فهل لها الرجوع بعده؟ وجهان، من أنّه حينئذ لايمكنه الرجوع، و هو شرط في جواز رجوعها على ما مرّ، و من وجود المقتضي لرجوعها، و هو كونها في عدّة خلع، و المانع انّما جاء من قبله، و لم‌يثبت ذلك في حقّها، و لأنّ هذا العارض من قبله يمكنه ازالته بأن‌يطلّق الأخت و الرابعة بائنة، فله الرجوع حينئذ، لزوال المانع.

و القول بجواز تزويجه في الموضعين قبل رجوعها لايخلو من قوّة. و يدلّ عليه - مضافا الى ما سلف - صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أيحلّ له أن‌يخطب أختها من قبل أن‌تنقضي عدّة

المختلعة؟ قال: نعم، قد برئت عصمتها منه، و ليس له عليها رجعة»(1). و هذهالرواية و ان لم‌تكن صريحة في تزويجها بالفعل، لأنّ الخطبة لاتستلزم العقد، الاّ أنّها ظاهرة فيه، و تعليلها مرشد اليه. و يترتّب على الجواز حكم رجوعها قبل أن‌يطلّقها بائنا و عدمه، و من اعتبر التلازم بين الأمرين لم‌يجوّز رجوعها حينئذ الاّ أن‌يبيّنهما في العدّة».(2)

و في الجواهر: «انّما الكلام في اشتراط جواز رجوعها بامكان صحّة رجوعه و عدمه، صريح جماعة كما عن ظاهر الشيخ الأوّل، بل ربما نسب الى الشهرة، و ظاهر غير واحد ممّن أطلق جواز الرجوع بها حتّى المصنّف الثاني.

و لعلّ الأقوى الأوّل، لقاعدة «لا ضرر و لا ضرار» و غيرها، مضافا الى ظاهر النصوص المزبورة، حتّى صحيح ابن بزيع الذي مقتضاه اشتراط الجواز المستفاد من قوله عليه السلام «فعلت» بردّ ما أخذت منه، و كونها امرأة له المنزّل على ارادة بحكم امرأته، باعتبار جواز الرجوع له حينئذ، للاجماع على عدم رجوعها زوجة له بمجرّد رجوعها بالبذل، فلايجوز لها ردّ ما أخذت منه، و لاتكون امرأة له كما في المطلّقة ثلاثا».(3)

أقول:

ما يستفاد من الروايات أمور:

الأوّل: انّ عدّة طلاق الخلع اذا وقع بشرائطه تكون بائنة فيجوز للرجل أن‌يتزوّج أخت المختلعة و أن‌يتزوّج الرابعة، كما صرّح بذلك في عدّة روايات تقدّمت في كتاب الطلاق كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 300 / الباب 12 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 9: 427 و 428.

3) - جواهر الكلام 33: 63.

«اذا اختلعت المرأة من زوجها فلابأس أن‌يتزوّج أختها و هي فيالعدّة».(1)

و غير ذلك من الروايات.

الثاني: انّه يجوز رجوعها فيما بذلت اذا كانت في العدّة و لم‌يتزوّج الزوج أختها و لا الرابعة، و صارت عدّتها عدّة رجعيّة و يجوز للزوج أيضا الرجوع اليها، و أمّا وجوب رجوعه فلا، و ان كان بذلها المهر فبرجوعها فيما بذلت تكون طالبة للمهر، و الظاهر أنّه يجب عليه نفقتها و سكناها اذا كانت تائبة عمّا مضى من النشوز، و لايجوز له تزويج أختها و الرابعة بعد رجوعها مادامت في العدّة.

الثالث: اذا تزوّج أختها أو الرابعة في العدّة و لمّا رجعت في بذلها فالظاهر من الروايات أنّه لم‌يكن في رجوعها أثر و لايترتّب عليه شيء فيكون كلا رجوع سواء علمت بذلك أو لم‌تعلم و هكذا تكون الحال فيما لو رجعت عند نفسها و لم‌يطّلع عليه الزوج حتّى انقضت العدّة فلا أثر لرجوعها.

الرابع: اذا كان طلاقها ثلاثا أو كانت ممّن ليست لها عدّة كاليائسة و غير المدخول بها لم‌يكن لها الرجوع في البذل؛ لعدم أثر في رجوعها.

الخامس: لو رجعت في بعض ما بذلت فالظاهر جواز رجوع الرجل. و ذلك لظاهر قوله عليه السلام في موثّقة فضل بن أبي العبّاس المتقدّمة: «المختلعة ان رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعنّ في بضعك». و لصدق الرجوع على الرجوع في بعض ما بذلت فيشمله الروايات.


1) - وسائل الشيعة 22: 270 / الباب 48 من أبواب العدد / الحديث 4.

ثمّ انّ هنا مسائل عنونها في المهذّب:

الأولى: لو أنشأ الرجوع جاهلاً برجوعها في الفداء فصادف سبق رجوعها صحّ رجوعه، لفرض وجود المقتضي و فقد المانع فتشمله الاطلاقات بلا مدافع و تقدّم أنّه لايعتبر في الرجوع قصد عنوانه بل يكفي قصد ذات الفعل.

الثانية: لو خالعها و شرط الرجوع في الخلع لم‌يصحّ، لأنّ هذا الشرط مخالف لماهيّة الخلع الذي هو بائن. نعم، اذا رجع الى التعليق في الشرط بأن‌يكون مراده ان رجعت في البذل رجع في النكاح، صحّ.

الثالثة: لو اتّفقا في الكمّيّة و اختلفا في الجنس أو بالعكس يقدّم قول المرأة فيها مع يمينها؛ لأصالة عدم ثبوت غير ما تدّعيها الاّ اذا أقام الرجل البيّنة على دعواه. و كذا تكون الحال لو اختلفا في المراد أو اختلفا في القدر.

الرابعة: اذا اتّفقا في الطلاق و اختلفا في الاختلاع فأنكرته و ادّعاه الرجل، قدّم قول المرأة مع يمينها؛ لأنّ الأصل عدم البذل و عدم وقوع طلاق الخلع.

الخامسة: لو اختلفا في الرجوع فادّعى الرجل رجوعها بالفداء و أنكرت يقدّم قولها مع اليمين؛ لأصالة عدم رجوعها فلا مورد حينئذ لدعوى الصحّة في رجوع الزوج.

السادسة: يكفي في الكراهة الموجبة للخلع دعواها ذلك و فداؤها للطلاق و عدم انكاره و لايتوقّف على اثباتها لدى الحاكم الشرعي، لاطلاقات الأدلّة و عموماتها و عدم مقيّد و مخصّص لها في البين و كون الطلاق مطلقا بيد من أخذ بالساق.

في طلاق المبارأة

(مسألة 18): المبارأة قسم من الطلاق، فيعتبر فيه جميع شروطه المتقدّمة و يعتبر فيه ما يشترط في الخلع من الفدية و الكراهة، فهي كالخلع طلاق بعوض ما تبذله المرأة، و تقع بلفظ الطلاق بأن‌يقول الزوج بعد ما بذلت له شيئا ليطلّقها: «أنت طالق على ما بذلت» و لو قرنه بلفظ «بارأتك» كان الفراق بلفظ الطلاق من غير دخل للفظ «بارأتك» و لايقع بقوله «بارأتك» مجرّدا.

الشرح:

أصل المبارأة المفارقة و هي طلاق بعوض مترتّب على كراهة كلّ من الزوجين صاحبه، كما دلّ عليه موثّقة سماعة قال:

«سألته عن المبارأة كيف هي؟ فقال: يكون للمرأة شيء على زوجها من مهر أو من غيره و يكون قد أعطاها بعضه فيكره كلّ واحد منهما صاحبه فتقول المرأة لزوجها: ما أخذت منك فهو لي و ما بقي عليك فهو لك و أبارئك فيقول الرجل لها: فان أنت رجعت في شيء ممّا تركت فأنا أحقّ ببضعك».(1)

و دلّ على اشتراط كون المأخوذ بقدر المهر أو أقلّ صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المبارأة أن‌تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك و اتركني أو تجعل له من قبلها شيئا فيتركها الاّ أنّه يقول: فان ارتجعت في شيء فأنا أملك ببضعك و لايحلّ لزوجها أن‌يأخذ منها الاّ المهر فما دونه».(2)

و يشترط أن‌يوقع الصيغة بلفظ الطلاق بأن‌يقول الزوج بعد ما بذلت شيئا ليطلّقها: «أنت طالق على ما بذلت» و لايكفي أن‌يقول: «بارأتك على ما بذلت» بل


1) - وسائل الشيعة 22: 294 / الباب 8 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 295 / الباب 8 من كتاب الخلع و المبارأة / الحديث 4.

يشترط اتباعه بلفظ الطلاق؛ للاجماع بقسميه بل المحكي منه مستفيض أو متواتر كما في الجواهر.

قال في الجواهر: «نعم، لو بارأها بلفظ الخلع اتّجه حينئذ عدم الاتباع بالطلاق بناءً على عدم اعتبار اتباعه به و أنّه بنفسه فاسخ».(1)

فما هو المتيقّن من الروايات و الفتاوى في صيغة طلاق المبارأة هو انشاؤها بلفظ الخلع أو الطلاق.

في الفرق بين المبارأة و الخلع

(مسألة 19): تفارق المبارأة الخلع بأمور: أحدها: انّها تترتّب على كراهة كلّ من الزوجين لصاحبه، بخلاف الخلع فانّه يترتّب على كراهة الزوجة خاصّة. ثانيها: انّه يشترط فيها أن لاتكون الفداء بأكثر من مهرها بل الأحوط أن‌يكون أقلّ منه بخلاف الخلع، فانّه فيه على ما تراضيا. ثالثها: انّها لاتقع بلفظ «بارأتك» و لو جمع بينه و بين لفظ الطلاق يكون الفراق بالطلاق وحده، بخلاف الخلع فانّ الأحوط وقوعه بلفظ الخلع و الطلاق جمعا كما مرّ.

قد تقدّم شرح هذه المسألة و الأمور التي أشار اليها المصنّف في المسألة السابقة فلانعيد.

(مسألة 20): طلاق المبارأة بائن ليس للزوج الرجوع فيه الاّ أن‌ترجع الزوجة في الفدية قبل انقضاء العدّة، فله الرجوع اليها حينئذ.

كما تقدّم في المسائل السابقة و ذكرنا الروايات الواردة في ذلك.


1) - جواهر الكلام 33: 91.

كتاب الظهار

اشارة

الذي كان طلاقا في الجاهليّة و موجبا للحرمة الأبديّة و قد غيّر شرع الاسلام حكمه و جعله موجبا لتحريم الزوجة المظاهرة و لزوم الكفّارة بالعود كما ستعرف تفصيله.

الشرح:

الظهار مصدر «ظاهر يظاهر» ك- «قاتل يقاتل» مأخوذ من الظهر؛ لأنّ صورته الأصليّة أن‌يقول الرجل لزوجته: «أنت عليّ كظهر أمّي». و كان طلاقا في الجاهليّة محرّما أبدا و حرّم في الاسلام، بقوله تعالى: «الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمّهاتهم ان أمّهاتهم الاّ اللائي ولدنهم و انّهم ليقولون منكرا من القول و زورا و انّ اللّه لعفوّ غفور»(1).

و السبب في نزولها ما في حسنة حمران عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال: انّ امرأة من المسلمين أتت رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقالت: يا رسول‌اللّه انّ فلانا زوجي قد نثرت له بطني و أعنته على دنياه و آخرته فلم‌ير منّي مكروها و أنا أشكوه الى اللّه و اليك، قال: ممّا تشكينه؟ قالت: انّه قال لي اليوم: أنت عليّ حرام كظهر أمّي و قد أخرجني من منزلي


1) - المجادلة 58: 2.

فانظر في أمري، فقال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: ما أنزل اللّه عليّ كتابا أقضي به بينك و بين زوجك و أنا أكره أن‌أكون من المتكلّفين، فجعلت تبكي و تشتكي ما بها الى اللّه و الى رسوله و انصرفت فسمع اللّه محاورتها لرسوله و ما شكت اليه فأنزل اللّه عزّوجلّ بذلك قرآنا: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، قد سمع اللّه قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي الى اللّه و اللّه يسمع تحاوركما»يعني محاورتها لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهفي زوجها «انّ اللّه سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمّهاتهم ان أمّهاتهم الاّ اللائي ولدنهم و انّهم ليقولون منكرا من القول و زورا و انّ اللّه لعفوّ غفور» فبعث رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الى المرأة فأتته فقال لها: جيئيني بزوجك فأتته به، فقال: أقلت لامرأتك هذه: أنت عليّ حرام كظهر أمّي؟ فقال: قد قلت ذلك، فقال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: قد أنزل اللّه فيك قرآنا فقرأ عليه ما أنزل اللّه من قوله: «قد سمع اللّه قول التي تجادلك - الى قوله: - انّ اللّه لعفوّ غفور»فضمّ امرأتك اليك فانّك قد قلت منكرا من القول و زورا و قد عفا اللّه عنك و غفر لك فلاتعد فانصرف الرجل و هو نادم على ما قال لامرأته و كره اللّه ذلك للمؤمنين بعد، فأنزل اللّه عزّوجلّ: «و الذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لما قالوا» يعني ما قال الرجل الأوّل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي، قال: فمن قالها بعد ما عفا اللّه و غفر للرجل الأوّل فانّ عليه «تحرير رقبة من قبل أن‌يتماسّا» يعني مجامعتها «ذلكم توعظون به و اللّه بما تعملون خبير. فمن لم‌يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن‌يتماسّا فمن لم‌يستطع فاطعام ستّين مسكينا» فجعل اللّه عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا، و قال: «ذلك لتؤمنوا باللّه و رسوله و تلك حدود اللّه» فجعل اللّه عزّوجلّ هذا حدّ الظهار».(1)


1) - وسائل الشيعة 22: 304 / الباب 1 من كتاب الظهار / الحديث 2.

و قد ورد في ذيل الحديث قول أبي جعفر عليه السلام :

«لايكون ظهار في يمين و لا في اضرار و لا في غضب و لايكون ظهار الاّ في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».(1)

في صيغة الظهار

(مسألة 1): صيغة الظهار أن‌يقول الزوج مخاطبا للزوجة: «أنت عليّ كظهر أمّي» أو يقول بدل أنت «هذه» مشيرا اليها أو «زوجتي» أو «فلانة» و يجوز تبديل «عليّ» بقوله: «منّي» أو «عندي» أو «لديّ» بل الظاهر عدم اعتبار ذكر لفظة «عليّ» و أشباهه أصلاً بأن‌يقول «أنت كظهر أمّي» و لو شبّهها بجزء آخر من أجزاء الأمّ غير الظهر كرأسها أو يدها أو بطنها ففي وقوع الظهار قولان، أحوطهما ذلك، و لو قال: أنت كأمّي أو أمّي قاصدا به التحريم لا علوّ المنزلة و التعظيم أو كبر السنّ و غير ذلك لم‌يقع و ان كان الأحوط وقوعه، بل لايترك الاحتياط.

الشرح:

قال في الشرائع: «صيغة الظهار أن‌يقول: «أنت عليّ كظهر أمّي» و كذا لو قال «هذه» أو ما شاكل ذلك من الألفاظ الدالّة على تميّزها. و لا عبرة باختلاف ألفاظ الصلات كقوله: «أنت منّي أو عندي» و لو شبّهها بيد أمّه أو شعرها أو بطنها، قيل: لايقع اقتصارا على منطوق الآية، و بالوقوع رواية فيها ضعف. و لو قال: «أنت كأمّي أو مثل أمّي» قيل: يقع ان قصد به الظهار، و فيه اشكال منشؤه اختصاص الظهار بمورد الشرع و التمسّك في الحلّ بمقتضى العقد».(2)


1) - وسائل الشيعة 22: 307 / الباب 2 من كتاب الظهار / الحديث 1.

2) - شرائع الاسلام 3: 45.

أقول:

لو قال: «أنت عليّ كظهر أمّي» يتحقّق به الظهار كما هو ظاهر الحسنة المتقدّمة، و لا خلاف فيه بل الاجماع بقسميه عليه من المسلمين فضلاً عن المؤمنين كما في الجواهر.

و لو قال بدل «أنت» «هذه» مشيرا اليها أو «زوجتي أو فلانة» أو ما شاكل ذلك من الألفاظ الدالّة على تمييزها يقع الظهار؛ لظهور المثاليّة فيما ورد من النصوص بلفظ «أنت» بلا خلاف فيه أيضا.

و لو قال بدل «عليّ» «منّي أو عندي أو لديّ» أو نحو ذلك يقع الظهار؛ لظهور اختلاف ما ورد من النصوص فيها في عدم اعتبار لفظ مخصوص منها، بل الظاهر عدم اعتبارها أصلاً، فلو قال: «أنت كظهر أمّي» صحّ.

و لو شبّه زوجته باحدى أعضاء الأمّ بأن‌يقول: «أنت عليّ كيد أمّي أو شعرها أو بطنها» أو غير ذلك من أجزائها - من غير فرق بين ما يتوقّف حياتها عليه أو لا، و لا بين ما حلّته الحياة من الأجزاء و بين غيره - ففيه قولان كما عرفت، و في وقوعه بذلك رواية سدير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كشعر أمّي أو ككفّها أو كبطنها أو كرجلها، قال: ما عنى به؟ ان أراد به الظهار فهو الظهار».(1)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي أو كيدها أو كبطنها أو كفرجها أو كنفسها أو ككعبها، أيكون ذلك الظهار؟ و هل يلزمه فيه ما يلزم المظاهر؟ قال: المظاهر اذا ظاهر من امرأته فقال: هي عليه كظهر أمّه أو كيدها أو كرجلها أو كشعرها أو كشيء منها ينوي بذلك


1) - وسائل الشيعة 22: 317 / الباب 9 من كتاب الظهار / الحديث 2.

التحريم فقد لزمه الكفّارة في كلّ قليل منها أو كثير. الحديث».(1)و في الجواهر: «القائل بعدم وقوع الظهار بها المرتضى، ففي انتصاره «انّه ممّا انفردت به الاماميّة، و قيل: المتأخّرون اقتصارا فيما خالف الأصل بل الأصول على منطوق الآية و غيرها من أدلّة الظهار المنساق غير المفروض منها». ولكن الأصحّ الوقوع بها للروايتين المذكورتين المنجبرتين بما عن الشيخ في الخلاف من الاجماع على وقوعه بذلك، بل و بعمل الصدوق و القاضي و ابن حمزة. انتهى ملخّصا».(2)

و الاحتياط بالبناء على وقوع الظهار بذلك لايترك - كما في المتن - ان قصد الظهار؛ و ذلك لعمل المشهور بالروايتين المتقدّمتين المنجبر لضعفهما.

و لو قال: «أنت عليّ كأمّي أو مثل أمّي» فالمحكي عن الشيخ و تابعيه أنّه يقع به الظهار ان قصده، و الاحتياط بالبناء على وقوع الظهار ان قصد الظهار بذلك لايترك أيضا لدلالة الخبرين السابقين عليه أيضا بل قيل: انّه أولى بالتحريم لاشتمالها على تلك الأجزاء التي منها الظهر الذي هو محلّ النصّ و الفتوى مؤيّدا ذلك باطلاق أدلّة الظهار، كما في الجواهر.

فيما لو شبّهها باحدى المحارم النسبيّة غير الأمّ

(مسألة 2): لو شبّهها باحدى المحارم النسبيّة غير الأمّ كالبنت و الأخت فمع ذكر الظهر بأن‌يقول مثلاً: «أنت عليّ كظهر أختي» يقع الظهار على الأقوى، و بدونه كما اذا قال: كأختي أو كرأس أختي لم‌يقع على اشكال.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 22: 317 / الباب 9 من كتاب الظهار / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 33: 102.

قال في الشرائع: «و لو شبّهها بظهر احدى المحرّمات نسبا أو رضاعا كالأمّ أو الأخت فيه روايتان أشهرهما الوقوع».(1)

أقول: لو شبّهها باحدى المحارم النسبيّة غير الأمّ كالبنت و الأخت فمع ذكر الظهر يقع الظهار على الأقوى لصحيحة زرارة قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الظهار، فقال: هو من كلّ ذي محرم من أمّ أو أخت أو عمّة أو خالة و لايكون الظهار في يمين. الحديث».(2)

و صحيحة جميل بن درّاج قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر عمّته أو خالته، قال: هو الظهار. الحديث».(3)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث الظهار) قال:

«و كذلك اذا هو قال: كبعض المحارم فقد لزمته الكفّارة».(4)

و لاتعارضها صحيحة سيف التمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أختي أو عمّتي أو خالتي، قال: فقال: انّما ذكر اللّه الأمّهات و انّ هذا لحرام».(5)

بناءً على أنّ المشار اليه بقوله عليه السلام : «انّ هذا لحرام» هو الذي سأله الراوي و أنّه أيضا ظهار.

و بدون ذكر لفظ الظهر فالاحتياط بوقوع الظهار كما تقدّم.


1) - شرائع الاسلام 3: 45.

2) - وسائل الشيعة 22: 309 / الباب 4 من كتاب الظهار / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 310 / الباب 4 من كتاب الظهار / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 310 / الباب 4 من كتاب الظهار / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 22: 310 / الباب 4 من كتاب الظهار / الحديث 3.

(مسألة 3): الموجب للتحريم ما كان من طرف الرجل، فلو قالت المرأة: أنت عليّ كظهر أبي أو أخي لم‌يؤثّر شيئا.

الشرح:

انّ الظهار الموجب للتحريم ما كان من طرف الرجل كما هو ظاهر الكتاب و السنّة، فلو قالت المرأة لزوجها: «أنت عليّ كظهر أبي أو أخي» لم‌يؤثّر شيئا؛ لظواهر الأدلّة.

و في رواية السكوني قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : اذا قالت المرأة: زوجي عليّ كظهر أمّي فلا كفّارة عليها».(1)

فيما يشترط في الظهار

(مسألة 4): يشترط في الظهار وقوعه بحضور عدلين يسمعان قول المظاهر كالطلاق، و في المظاهر البلوغ و العقل و الاختيار و القصد، فلايقع من الصبي و لا المجنون و لا المكره و لا الساهي و الهازل و السكران، و لا مع الغضب سواء كان سالبا للقصد أم لا على الأقوى، و في المظاهرة خلوّها عن الحيض و النفاس، و كونها في طهر لم‌يواقعها فيه على التفصيل المذكور في الطلاق، و في اشتراط كونها مدخولاً بها قولان، أصحّهما ذلك.

(مسألة 5): الأقوى عدم اعتبار دوام الزوجيّة بل يقع على المتمتّع بها.

الشرح:

قال في الشرائع: «و يشترط في وقوعه حضور عدلين يسمعان نطق المظاهر، و يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل و الاختيار و القصد، فلايصحّ ظهار الطفل و


1) - وسائل الشيعة 22: 339 / الباب 21 من كتاب الظهار / الحديث 1.

لا المجنون و لا المكره و لا فاقد القصد بالسكر أو الاغماء أو الغضب. و أن‌تكون طاهرا طهرا لم‌يجامعها فيه اذا كان زوجها حاضرا و كان مثلها تحيض. و فياشتراط الدخول تردّد و المروي اشتراطه و فيه قول آخر مستنده التمسّك بالعموم. و يشترط أن‌تكون منكوحة بالعقد الدائم، فلاتقع على الأجنبيّة. و في المتمتّع بها خلاف الأظهر الوقوع. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لايقع الظهار الاّ في طهر لم‌يجامعها فيه بشهادة شاهدين عدلين عن قصد، تدلّ عليه حسنة حمران (في حديث) قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : لايكون ظهار في يمين و لا في اضرار و لا في غضب و لايكون ظهار الاّ في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».(2)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):

«انّه سأله كيف الظهار؟ فقال: يقول الرجل لامرأته و هي طاهر من غير جماع: أنت عليّ حرام مثل ظهر أمّي و هو يريد بذلك الظهار».(3)

و صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا طلاق الاّ ما أريد به الطلاق و لا ظهار الاّ ما أريد به الظهار».(4)

و يشترط فيه كونها مدخولاً بها؛ لصحيحة الفضيل بن يسار قال:


1) - شرائع الاسلام 3: 45 - 48.

2) - وسائل الشيعة 22: 307 / الباب 2 من كتاب الظهار / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 308 / الباب 2 من كتاب الظهار / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 308 / الباب 3 من كتاب الظهار / الحديث 1.

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل مملّك ظاهر امرأته، فقال لي: لايكون ظهار و لا ايلاء حتّى يدخل».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر أو عن أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:

«في المرأة التي لم‌يدخل بها زوجها، قال: لايقع عليها ايلاء و لا ظهار».(2)

و يعتبر في المظاهر البلوغ و كمال العقل و الاختيار و القصد بلا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه كما في الجواهر.(3)

و عليه فلايصحّ ظهار الطفل و لا المجنون و لا المكره و لا فاقد القصد بالسكر أو الاغماء أو الغضب أو النوم و السهو و نحو ذلك؛ للأدلّة العامّة الدالّة على ذلك كلّه نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «انّما الأعمال بالنيّات» و حديث رفع القلم و غيرهما.

و يمكن أن‌يستدلّ له أيضا بما تقدّم آنفا من قوله عليه السلام في صحيحة عبيد بن زرارة: «لا طلاق الاّ ما أريد به الطلاق و لا ظهار الاّ ما أريد به الظهار» فيخرج عنه الطفل و المجنون و المكره و فاقد القصد.

و هل يشترط في المرأة كونها معقودة بالعقد الدائم أو يقع على المتمتّع بها؟

المشهور على الوقوع؛ لاطلاق الأدلّة، خلافا للمحكي عن الحلّي و ظاهر الاسكافي و الصدوق؛ للأصل، و لانتفاء لازم الظهار الذي هو الالزام بأحد الأمرين: الكفّارة أو الطلاق المعلوم امتناعه فيها.

و فيه: انّ الأصل مقطوع باطلاق الأدلّة، و لانسلّم كون ذلك لازما لأصل الظهار و انّما هو حكم في الظهار تعلّق بالزوجة التي يمكن ذلك في حقّها.


1) - وسائل الشيعة 22: 316 / الباب 8 من كتاب الظهار / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 316 / الباب 8 من كتاب الظهار / الحديث 2.

3) - جواهر الكلام 33: 118.

في أقسام الظهار

(مسألة 6): الظهار على قسمين: مشروط و مطلق، فالأوّل ما علّق على شيء دون الثاني، و يجوز التعليق على الوط‌ء بأن‌يقول: «أنت عليّ كظهر أمّي ان واقعتك».

الشرح:

تدلّ على ما في المتن صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الظهار ضربان أحدهما فيه الكفّاره قبل المواقعة و الآخر بعدها فالذي يكفّر قبل المواقعة الذي يقول: أنت عليّ كظهر أمّي و لايقول: ان فعلت بك كذا و كذا، و الذي يكفّر بعد المواقعة هو الذي يقول: أنت عليّ كظهر أمّي ان قربتك».(1)

و صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الظهار ظهاران، فأحدهما أن‌يقول: أنت عليّ كظهر أمّي ثمّ يسكت فذلك الذي يكفّر، فاذا قال: أنت عليّ كظهر أمّي ان فعلت كذا و كذا ففعل و حنث فعليه الكفّارة حين يحنث».(2)

في حكم الظهار

(مسألة 7): ان تحقّق الظهار بشرائطه فان كان مطلقا حرم على المظاهر وط‌ء المظاهرة، و لايحلّ له حتّى يكفّر، فاذا كفّر حلّ له وطؤها، و لايلزم كفّارة أخرى بعد وطئها، و لو وطأها قبل أن‌يكفّر فعليه كفّارتان و الأشبه عدم حرمة سائر الاستمتاعات قبل التكفير. و ان كان مشروطا حرم عليه الوط‌ء بعد


1) - وسائل الشيعة 22: 332 / الباب 16 من كتاب الظهار / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 334 / الباب 16 من كتاب الظهار / الحديث 7.

حصول شرطه، فلو علّقه على الوط‌ء لم‌يحرم عليه الوط‌ء المعلّق عليه، و لاتتعلّق به الكفّارة.

الشرح:

اذا تحقّق الظهار بشرائطه حرم على المظاهر وط‌ء المظاهرة و لايحلّ له حتّى يكفّر، فاذا كفّر حلّ له وطؤها، يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة:

فمن الأوّل قوله تعالى: «و الذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن‌يتماسّا ذلكم توعظون به و اللّه بما تعملون خبير»(1).

قال في مجمع البيان: «و أمّا ما ذهب اليه أئمّة الهدى من آل محمّد عليهم‌السلام فهو أنّ المراد من العود ارادة الوط‌ء أو نقض القول الذي قاله؛ لأنّ الوط‌ء لايجوز له الاّ بعد الكفّارة و لايبطل حكم قوله الأوّل الاّ بعد الكفّارة».

و من الثاني عدّة روايات كصحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«سألناه عن الظهار متى يقع على صاحبه الكفّارة؟ قال: اذا أراد أن‌يواقع امرأته، قلت: فان طلّقها قبل أن‌يواقعها، أعليه كفّارة؟ قال: لا، سقطت عنه الكفّارة».(2)

و لو وطأها قبل أن‌يكفّر كانت عليه كفّارتان لصحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يظاهر من امرأته ثمّ يريد أن‌يتمّ على طلاقها، قال: ليس عليه كفّارة، قلت: ان أراد أن‌يمسّها؟ قال: لايمسّها حتّى يكفّر، قلت: فان فعل فعليه شيء قال: اي واللّه انّه لآثم ظالم،


1) - المجادلة 58: 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 318 / الباب 10 من كتاب الظهار / الحديث 4.

قلت: عليه كفّارة غير الأولى؟ قال: نعم، يعتق أيضا رقبة».(1)

و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:«اذا واقع المرّة الثانية قبل أن‌يكفّر فعليه كفّارة أخرى، ليس في هذا اختلاف».(2)

و رواية الحسن الصيقل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يظاهر من امرأته، قال: فليكفّر، قلت: فانّه واقع قبل أن‌يكفّر قال: أتى حدّا من حدود اللّه عزّوجلّ، فليستغفر اللّه و ليكفّ حتّى يكفّر».(3)

و هل يحرم عليه قبل التكفير سائر الاستمتاعات غير الوط‌ء كالقبلة و الملامسة؟ فيه وجهان: من أصالة الحلّيّة فيجوز مطلقا الاّ الوط‌ء و من احتمال أن‌يكون المراد بالمسّ في الآية الشريفة مطلق المسّ، فيحرم مطلقا كالمطلّقة و يؤيّده قوله عليه السلام في مرسلة ابن فضّال:

«لايكون الظهار الاّ على مثل موضع الطلاق».(4)

ولكن المنساق من الآية الشريفة هو الجماع بقرينة سائر موارد استعمال «المسّ» بالنسبة الى النساء في القرآن. و قولهم عليهم‌السلام في أكثر الروايات الواردة في هذه المسألة: «اذا أراد أن‌يواقع».

و أمّا التنزيل في الرواية المذكورة على الطلاق فانّما هو في مقام اعتبار الشرائط لا في سائر الجهات.


1) - وسائل الشيعة 22: 329 / الباب 15 من كتاب الظهار / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 328 / الباب 15 من كتاب الظهار / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 328 / الباب 15 من كتاب الظهار / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 22: 307 / الباب 2 من كتاب الظهار / الحديث 3.

فيما اذا طلّقها رجعيّا ثمّ راجعها

(مسألة 8): اذا طلّقها رجعيّا ثمّ راجعها لم‌يحلّ له وطؤها حتّى يكفّر بخلاف ما اذا تزوّجها بعد انقضاء عدّتها أو كان بائنا، و لو تزوّجها في العدّة يسقط حكم الظهار.

الشرح:

تدلّ على ما في المتن رواية يزيد الكناسي قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل ظاهر من امرأته ثمّ طلّقها تطليقة، فقال: اذا طلّقها تطليقة فقد بطل الظهار و هدم الطلاق الظهار، قلت: فله أن‌يراجعها؟ قال: نعم، هي امرأته فان راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن‌يتماسّا، قلت: فان تركها حتّى يخلو أجلها و تملك نفسها ثمّ تزوّجها بعد، هل يلزمه الظهار قبل أن‌يمسّها؟ قال: لا، قد بانت منه و ملكت نفسها».(1)

و توافقها القاعدة؛ لانقطاع العصمة بينهما بانقضاء العدّة و كان زواجا جديدا و هكذا يكون الحال لو طلّقها بائنا بأن‌كانت يائسة مثلاً ثمّ تزوّجها فيسقط حكم الظهار و هو الكفّارة.

و لاتعارضها رواية علي بن جعفر:

«انّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن رجل ظاهر من امرأته، ثمّ طلّقها بعد ذلك بشهر أو شهرين فتزوّجت ثمّ طلّقها الذي تزوّجها فراجعها الأوّل، هل عليه الكفّارة للظهار الأوّل؟ قال: نعم، عتق رقبة أو صيام أو صدقة».(2)

لأنّها تحمل على التقيّة كما حملها الشيخ أو على الاستحباب جمعا.


1) - وسائل الشيعة 22: 318 / الباب 10 من كتاب الظهار / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 320 / الباب 10 من كتاب الظهار / الحديث 9.

و في الجواهر: «و لو خرجت من العدّة ثمّ تزوّجها و وطئها فلا كفّارة فضلاً عمّا قبل الوط‌ء وفاقا للمشهور؛ للأصل السالم عن معارضة الأدلّة السابقة بعد ظهورها في أنّ الموجب لها العود و الوط‌ء بالسبب الأوّل الذي وقع الظهار عليهلا مطلقا حتّى لو استباحها بسبب جديد، كما في خبر يزيد الكناسي المنجبر بعمل المشهور مؤيّدا بالنصوص المستفيضة الدالّة على سقوط الكفّارة عنه بالطلاق».(1)

في كفّارة الظهار

(مسألة 9): كفّارة الظهار أحد أمور ثلاثة مرتّبة: عتق رقبة، فان عجز عنه فصيام شهرين متتابعين، و ان عجز عنه فاطعام ستّين مسكينا.

الشرح:

يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «و الذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن‌يتماسّا ذلكم توعظون به و اللّه بما تعملون خبير * فمن لم‌يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن‌يتماسّا فمن لم‌يستطع فاطعام ستّين مسكينا ذلك لتؤمنوا باللّه و رسوله و تلك حدود اللّه و للكافرين عذاب أليم»(2).

و من الثاني موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: جاء رجل الى رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: يا رسول‌اللّه، ظاهرت من امرأتي، قال: اذهب فأعتق رقبه، قال: ليس عندي قال: اذهب فصم شهرين متتابعين، قال: لاأقوى، قال: اذهب فأطعم ستّين مسكينا، قال: ليس عندي، قال: فقال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: أنا أتصدّق عنك فأعطاه تمرا لاطعام ستّين مسكينا، قال: اذهب فتصدّق بها، فقال: و


1) - جواهر الكلام 33: 138.

2) - المجادلة 58: 3 و 4.

الذي بعثك بالحقّ ما أعلم بين لابتيها أحدا أحوج اليه منّي و من عيالي، قال: فاذهب فكل و أطعم عيالك».(1)

(مسألة 10): لو صبرت المظاهرة على ترك وطئها فلا اعتراض، و ان لم‌تصبر رفعت أمرها الى الحاكم الشرعي فيحضره و يخيّره بين الرجعة بعد التكفير و بين طلاقها، فان اختار أحدهما و الاّ أنظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة، فان انقضت المدّة و لم‌يختر أحدهما حبسه و ضيّق عليه في المأكل و المشرب حتّى يختار أحدهما، و لايجبره على أحدهما و لايطلّق عنه.

الشرح:

قال في الشرائع: «ان صبرت المظاهرة فلا اعتراض. و ان رفعت أمرها الى الحاكم خيّره بين التكفير و الرجعة أو الطلاق، و أنظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة، فان انقضت المدّة و لم‌يختر أحدهما ضيّق عليه في المطعم و المشرب حتّى يختار أحدهما، و لايجبره على الطلاق تضييقا و لايطلّق عنه».(2)

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بل في المسالك ظاهر الأصحاب الاتّفاق على هذا الحكم، بل في نهاية المراد: «و هذه الأحكام مقطوع بها في كلام الأصحاب و ظاهرهم أنّه موضع وفاق»، و في كشف اللثام: «الاتّفاق على هذه الأحكام كما هو الظاهر» و في الرياض: «ظاهر جماعة الاتّفاق عليه»».(3)

أقول: الظاهر أنّ مدرك المسألة رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:


1) - وسائل الشيعة 22: 362 / الباب 2 من أبواب الكفّارات / الحديث 1.

2) - شرائع الاسلام 3: 49.

3) - جواهر الكلام 33: 164.

«قلت له: فان ظاهر منها فلم‌يمسّها الاّ أنّه يراها مجرّدة من غير أن‌يمسّها، هل يلزمه في ذلك شيء؟ قال: هي امرأته و ليس يحرم عليه مجامعتها ولكن يجب عليه ما يجب على المظاهر قبلأن‌يجامع و هي امرأته، قلت: فان رفعته الى السلطان و قالت: هذا زوجي و قد ظاهر منّي و قد أمسكني لايمسّني مخافة أن‌يجب عليه ما يجب على المظاهر، فقال: ليس عليه أن‌يجبر على العتق و الصيام و الاطعام اذا لم‌يكن له ما يعتق و لم‌يقو على الصيام و لم‌يجد ما يتصدّق به، قال: فان كان يقدر على أن‌يعتق فانّ على الامام أن‌يجبره على العتق أو الصدقة من قبل أن‌يمسّها و من بعد ما يمسّها».(1)

و رواية أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل ظاهر من امرأته، قال: ان أتاها فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا و الاّ ترك ثلاثة أشهر فان فاء و الاّ أوقف حتّى يسأل: هل لك في امرأتك حاجة أو تطلّقها؟ فان فاء فليس عليه شيء و هي امرأته و ان طلّق واحدة فهو أملك برجعتها».(2)

هذا، و لايكون للمسألة سوى هاتين الروايتين مدرك على الظاهر، و ليس فيهما «حبسه و التضييق عليه في المطعم و المشرب حتّى يختار أحدهما» كما عرفت في كلام صاحب الشرائع و الجواهر و كذا المتن.

فانّ الظاهر من الرواية الأولى الاجبار على الكفّارة ان قدر عليها، و من الرواية الثانية أنّه أوقف حتّى يفيء أو يطلّق، فعلى الحاكم الشرعي أن‌يحتاط في ذلك


1) - وسائل الشيعة 22: 336 / الباب 17 من كتاب الظهار / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 337 / الباب 18 من كتاب الظهار / الحديث 1.

بالنصيحة و لو لم‌يختر أحدهما يجبره حتّى يختار أحدهما؛ لأنّه «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام».

نعم، سيأتي في كتاب الايلاء «فان أبى حبسه أبدا».

هنا مسائل:

في وجوب الانفاق على المظاهرة

الأولى: يجب على الزوج الانفاق على المظاهرة و ان حرم عليه وطؤها؛ لاستصحاب جميع آثار الزوجيّة التي منها الانفاق، الاّ ما خرج بالدليل و هو خصوص الوط‌ء مع أنّ المانع جاء من قبله.

في اعتبار العربيّة في الظهار

الثانية: الظاهر اعتبار العربيّة في الظهار كما مرّ في الطلاق؛ لأنّ هذا هو المنساق من جميع الأدلّة المتقدّمة.

فيما لو اختلف الزوجان في تحقّق الظهار

الثالثة: لو اختلف الزوجان في تحقّق الظهار و عدمه فادّعاه الرجل و أنكرته المرأة يقدّم قولها للأصل الموضوعي و هو أصالة عدم وقوع الظهار و الأصل الحكمي و هو بقاء حلّيّة الوط‌ء و عليها اليمين لقطع الخصومة. نعم، اذا أقام الرجل البيّنة فيقدّم قوله حينئذ.

و فيما اذا قدّم قولها، فان ظاهر الرجل في الواقع فيحرم عليه ترك الوط‌ء أكثر من أربعة أشهر ولكن يلزمه الكفّارة فيما بينه و بين اللّه تعالى.

فيما لو ظاهر من واحدة مرارا

الرابعة: لو ظاهر من واحدة مرارا فالقاعدة تقتضي تعدّد الكفّارة لتعدّد السبب المقتضي لتعدّد المسبّب، مضافا الى صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرّات أو أكثر ما عليه؟ قال: عليه مكان كلّ مرّة كفّارة».(1)


1) - وسائل الشيعة 22: 325 / الباب 13 من كتاب الظهار / الحديث 4.

و صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرّات، قال: يكفّر ثلاث مرّات».(1)

و صحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«فيمن ظاهر من امرأته خمس عشرة مرّة فقال: عليه خمس عشرة كفّارة».(2)

و في الجواهر: «وفاقا للأكثر».(3)

الاّ أنّ هناك صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن الصادق عليه السلام :

«في رجل ظاهر من امرأته أربع مرّات في مجلس واحد، قال: عليه كفّارة واحدة».(4)

و يمكن حمل هذه الصحيحة على ما لو قصد بغير الأولى تأكيد الأولى.

نعم، نقل هذه الصحيحة في الوسائل هكذا: «أربع مرّات في كلّ مجلس واحدة». و على هذا النقل يبعد حملها على التأكيد.

و على أيّ حال فمقتضى الجمع بين الأحاديث و ان كان هو القول باستحباب تعدّد الكفّارة، الاّ أنّ الاحتياط لايترك لذهاب الأكثر الى التعدّد.


1) - وسائل الشيعة 22: 324 / الباب 13 من كتاب الظهار / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 325 / الباب 13 من كتاب الظهار / الحديث 3.

3) - جواهر الكلام 33: 144.

4) - تهذيب الأحكام 8: 23 / باب حكم الظهار / الحديث 48.

كتاب الايلاء

اشارة

و هو الحلف على ترك وط‌ء الزوجة الدائمة المدخول بها أبدا أو مدّة تزيد على أربعة أشهر للاضرار بها، فلايتحقّق بغير القيود المذكورة و ان انعقد اليمين مع فقدها و يترتّب عليه آثاره اذا اجتمع شروطه.

الشرح:

قال في المسالك: «الايلاء هو لغة، الحلف يقال: آلى يؤلي ايلاءً و أليّة، و الجمع ألايا، مثل عطيّة و عطايا. و يقال: ائتلى يئتلي ائتلاء و منه قوله تعالى: «و لايأتل أولوا الفضل منكم و السعة أن‌يؤتوا أولي القربى». و شرعا: حلف الزوج الدائم على ترك وط‌ء زوجته المدخول بها قبلاً، مطلقا أو زيادة عن أربعة أشهر للاضرار بها. و هو من باب تسمية الجزئي باسم الكلّي. و الأصل فيه قوله تعالى: «للّذين يؤلون من نسائهم ... » و قد كان طلاقا في الجاهليّة كالظهار، فغيّر الشارع حكمه و جعل له أحكاما خاصّة ان جمع شرائطه، و الاّ فهو يمين يعتبر فيه ما يعتبر في اليمين و يلحقه حكمه».(1)


1) - مسالك الأفهام 10: 125.

أقول:

الأصل في الايلاء قوله تعالى: «للّذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر فان فاءوا فانّ اللّه غفور رحيم * و ان عزموا الطلاق فانّ اللّه سميع عليم»(1).

و يشترط في تحقّقه أن‌يحلف الرجل على ترك وط‌ء زوجته الدائمة المدخول بها أبدا أو مدّة تزيد على أربعة أشهر للاضرار بها كما في المتن و عليه فلايتحقّق الايلاء بالحلف على ترك وط‌ء المملوكة لظواهر الأدلّة، مضافا الى الاجماع.

و في موثّقة أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يؤلي من أمته؟ فقال عليه السلام : لا، كيف يؤلي و ليس لها طلاق؟»(2).

و لا المتمتّع بها لقول الصادق عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور:

«لا ايلاء على الرجل من المرأة التي يتمتّع بها».(3)

و ما مرّ من التعليل في السابقة، مضافا الى الاجماع، و ظاهر قوله تعالى: «و ان عزموا الطلاق» المنفي في المستمتع بها.

و لايقع الايلاء على غير المدخول بها اجماعا، و نصوصا كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفرو أبي عبداللّه عليهماالسلام قال في المرأة التي لم‌يدخل بها زوجها قال:

«لايقع عليها ايلاء و لا ظهار»(4).

و في معتبرة أبي الصبّاح عن الصادق عليه السلام :


1) - البقرة 2: 226 و 227.

2) - وسائل الشيعة 22: 346 / الباب 7 من كتاب الايلاء / الحديث 1.

3) - تهذيب الأحكام 8: 8 / كتاب الطلاق / الحديث 22.

4) - وسائل الشيعة 22: 316 / الباب 8 من كتاب الظهار / الحديث 2.

«لايقع الايلاء الاّ على امرأة قد دخل بها زوجها»(1).

و في صحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام :

«لايكون مؤليا حتّى يدخل»(2).

الى غير ذلك من الأخبار.

و لا بالحلف على ترك وطئها مدّة لاتزيد عن أربعة أشهر لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: رجل آلى أن لايقرب امرأته ثلاثة أشهر قال: فقال: لايكون ايلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر»(3).

و لا في ما اذا كان لملاحظة مصلحة كاصلاح لبنها أو كونها مريضة أو غير ذلك لعدم تحقّق الاضرار حينئذ، يدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أتى رجل أميرالمؤمنين عليه السلام ، فقال: يا أميرالمؤمنين، انّ امرأتي أرضعت غلاما و انّي قلت: واللّه لاأقربك حتّى تفطميه، فقال: ليس في الاصلاح ايلاء»(4).

كلّ ذلك ممّا لا خلاف في عدم تحقّق الايلاء فيه ظاهرا.

ولكن انعقدت اليمين في جميع ذلك، و يترتّب عليها آثارها اذا اجتمعت شروطه لتحقّق المقتضي حينئذ لانعقادها، و فقد المانع فيشمله الاطلاق و العموم بلا مدافع، كما عن المهذّب.(5)


1) - وسائل الشيعة 22: 345 / الباب 6 من كتاب الايلاء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 345 / الباب 6 من كتاب الايلاء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 345 / الباب 5 من كتاب الايلاء / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 344 / الباب 4 من كتاب الايلاء / الحديث 1.

5) - مهذّب الأحكام 26: 234.

فيما يشترط في الايلاء

(مسألة 1): لاينعقد الايلاء كمطلق اليمين الاّ باسم اللّه تعالى المختصّ به أو الغالب اطلاقه عليه، و لايعتبر فيه العربيّة، و لا اللفظ الصريح في كون المحلوف عليه ترك الجماع في القبل، بل المعتبر صدق كونه حالفا على ترك ذلك العمل بلفظ له ظهور فيه، فيكفي قوله: «لاأطأك» أو «لاأجامعك» أو «لاأمسّك»، بل و قوله: «لا جمع رأسي و رأسك وسادة أو مخدّة» اذا قصد به ترك الجماع.

الشرح:

لاينعقد الايلاء الاّ باللّه و أسمائه الخاصّة به؛ لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : قول اللّه عزّوجلّ: «و الليل اذا يغشى» «و النجم اذا هوى» و ما أشبه ذلك؟ فقال: انّ للّه أن‌يقسم من خلقه بما يشاء و ليس لخلقه أن‌يقسموا الاّ به».(1)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاأرى أن‌يحلف الرجل الاّ باللّه».(2)

و قد فصّلنا في كتاب اليمين ما ينفع لما هنا.

و لايعتبر فيه العربيّة و لا اللفظ الصريح في كون المحلوف عليه ترك الجماع في القبل.

تدلّ على ذلك صحيحة بريد بن معاوية قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول في الايلاء: اذا آلى الرجل أن لايقرب


1) - وسائل الشيعة 22: 343 / الباب 3 من كتاب الايلاء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 343 / الباب 3 من كتاب الايلاء / الحديث 2.

امرأته و لايمسّها و لايجمع رأسه و رأسها فهو في سعة ما لم‌تمضالأربعة أشهر. الحديث».(1)

و في الجواهر: «لاينعقد الايلاء الاّ بأسماء اللّه سبحانه و تعالى المختصّة به أو الغالبة فيه بلا خلاف أجده فيه؛ للأصل و لأنّه كما عرفت من اليمين المعتبر فيه ذلك. فلاينعقد لو كان الحلف بالكعبة أو النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام و غيرها ممّا هو محترم و ان أثم بهتك الحرمة للاسم. و لا بدّ من التلفّظ بها، و يقع بكلّ لسان لصدق الايلاء و الحلف معه؛ لأنّ الايلائيّة ليست شيئا زائدا على اليمين الذي يقع بكلّ لسان. و يلزم القصد اليه فلايقع من الساهي و النائم و السكران و نحوها. و لو قال: «لا جمع رأسي و رأسك بيت أو مخدّة» أو قال: «لا جمعني و ايّاك سقف» و نحو ذلك من الملاصقة و الملامسة و المباشرة ممّا هو كناية عن المعنى المزبور، يقع الايلاء بها مع القصد؛ لاطلاق أدلّة الايلاء و لحسنة بريد بن معاوية و غيرها. انتهى ملخّصا».(2)

فيما لو تمّ الايلاء بشرائطه

(مسألة 2): لو تمّ الايلاء بشرائطه فان صبرت المرأة مع امتناعه عن المواقعة فلا كلام، و الاّ فلها الرفع الى الحاكم فيحضره و ينظره أربعة أشهر فان رجع و واقعها في هذه المدّة فهو، و الاّ أجبره على أحد الأمرين: امّا الرجوع أو الطلاق، فان فعل أحدهما و الاّ حبسه و ضيّق عليه في المأكل و المشرب حتّى يختار أحدهما، و لايجبره على أحدهما معيّنا.

(مسألة 3): الأقوى أنّ الأشهر الأربعة التي ينظر فيها ثمّ يجبر على أحد الأمرين بعدها هي من حين الرفع الى الحاكم.


1) - وسائل الشيعة 22: 351 / الباب 10 من كتاب الايلاء / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 33: 298 - 300.

الشرح:

انّ المؤلي لا اثم عليه و لا حرج في الأربعة أشهر و ذلك لقوله تعالى: «للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر فان فاؤوا فانّ اللّه غفور رحيم».(1)و كذا بعدها اذا سكتت الزوجة و رضيت و لم‌ترافعه الى الحاكم؛ لصحيحة بريد بن معاوية عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:

«اذا آلى الرجل أن‌لايقرب امرأته فليس لها قول و لا حقّ في الأربعة أشهر و لا اثم عليه في كفّه عنها في الأربعة أشهر فان مضت الأربعة أشهر قبل أن‌يمسّها فسكتت و رضيت فهو في حلّ و سعة، فان رفعت أمرها، قيل له: امّا أن‌تفيء فتمسّها و امّا أن‌تطلّق، و عزم الطلاق أن‌يخلّي عنها فاذا حاضت و طهرت طلّقها و هو أحقّ برجعتها ما لم‌تمض ثلاثة قروء، فهذا الايلاء الذي أنزله اللّه تعالى في كتابه و سنّة رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله».(2)

هذا حكم قبل الأربعة أو بعدها مع رضى المرأة و سكوتها.

و أمّا مع عدم رضاها فقد اختلفت الروايات في حكمه و اليك نصّها:

منها ما تقدّم آنفا من صحيحة بريد.

و منها موثّقة عثمان بن عيسى عن أبي الحسن عليه السلام :

«انّه سأله عن رجل آلى من امرأته متى يفرّق بينهما؟ قال: اذا مضت أربعة أشهر و يوقف، قلت له: من يوقفه؟ قال: الامام، قلت: فان لم‌يوقفه عشر سنين؟ قال: هي امرأته».(3)

و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - البقرة 2: 226.

2) - وسائل الشيعة 22: 342 / الباب 2 من كتاب الايلاء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 348 / الباب 8 من كتاب الايلاء / الحديث 4.

«الايلاء هو أن‌يحلف الرجل على امرأته أن لايجامعها، فان صبرتعليه فلها أن‌تصبر و ان رفعته الى الامام أنظره أربعة أشهر ثمّ يقول له بعد ذلك: امّا أن‌ترجع الى المناكحة و امّا أن‌تطلّق، فان أبى حبسه أبدا».(1)

و منها صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام قال:

«سأله صفوان - و أنا حاضر - عن الايلاء، فقال: انّما يوقف اذا قدّمه الى السلطان فيوقفه السلطان أربعة أشهر ثمّ يقول له: امّا أن‌تطلّق و امّا أن‌تمسك».(2)

و هناك روايات ناطقة بأنّ المؤلي اذا أبى أن‌يطلّق بعد الأربعة أشهر و لم‌يفئ، حبسه الامام و ضيّق عليه في المطعم و المشرب:

منها رواية حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في المؤلي اذا أبى أن‌يطلّق، قال: كان أميرالمؤمنين عليه السلام يجعل له حظيرة من قصب و يجعله فيها و يمنعه من الطعام و الشراب حتّى يطلّق».(3)

و منها رواية غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه السلام اذا أبى المؤلي أن‌يطلّق جعل له حظيرة من قصب و أعطاه ربع قوته حتّى يطلّق».(4)

و منها مرسلة الصدوق قال:

«روي أنّه ان فاء و هو يراجع الى الجماع، و الاّ حبس في حظيرة من


1) - وسائل الشيعة 22: 348 / الباب 8 من كتاب الايلاء / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 22: 348 / الباب 8 من كتاب الايلاء / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 22: 353 / الباب 11 من كتاب الايلاء / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 22: 354 / الباب 11 من كتاب الايلاء / الحديث 3.

قصب و شدّد عليه في المأكل و المشرب حتّى يطلّق».(1)

و منها مرسلة صفوان بن يحيى عن أبي عبداللّه عليه السلام في المؤلي اذا أبى أن‌يطلّق قال:

«كان علي عليه السلام يجعل له حظيرة من قصب و يحبسه فيها و يمنعه من الطعام و الشراب حتّى يطلّق».(2)

و هنا روايات أخر ناطقة بحكم آخر للمؤلي الآبي عن أحد الأمرين:

ففي رواية خلف بن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في المؤلي امّا أن‌يفيء أو يطلّق، فان فعل و الاّ ضربت عنقه».(3)

و في مرسلة الصدوق قال:

«و قد روي أنّه متى أمره امام المسلمين بالطلاق فامتنع ضربت عنقه؛ لامتناعه على امام المسلمين».(4)

و في تفسير علي بن ابراهيم قال:

«روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه بنى حظيرة من قصب و جعل فيها رجلاً آلى من امرأته بعد أربعة أشهر و قال له: امّا أن‌ترجع الى المناكحة و امّا أن‌تطلّق و الاّ أحرقت عليك الحظيرة».(5)

قال في الشرائع: «مدّة التربّص في الحرّة و الأمة أربعة أشهر سواء كان الزوج حرّا أو مملوكا. و المدّة حقّ للزوج و ليس للزوجة مطالبته فيها بالفئة. فاذا انقضت لم‌تطلّق بانقضاء المدّة و لم‌يكن للحاكم طلاقها، و اذا رافعته فهو مخيّر بين الطلاق


1) - وسائل الشيعة 22: 354 / الباب 11 من كتاب الايلاء / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 354 / الباب 11 من كتاب الايلاء / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 22: 353 / الباب 11 من كتاب الايلاء / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 354 / الباب 11 من كتاب الايلاء / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 22: 354 / الباب 11 من كتاب الايلاء / الحديث 6.

و الفئة، فان طلّق فقد خرج من حقّها و يقع الطلاق رجعة على الأشهر و كذا انفاء. و ان امتنع عن الأمرين حبس و ضيّق عليه حتّى يفيء أو يطلّق. و لايجبره الحاكم على أحدهما معيّنا. و لو أسقطت حقّها من المطالبة لم‌يسقط المطالبة لأنّه حقّ يتجدّد فيسقط بالعفو ما كان لا ما يتجدّد».(1)

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك».(2)

و في المسالك: «و في تحقّق الاجبار على هذا الوجه بحث».(3)

و في اللمعة: «و اذا تمّ الايلاء فللزوجة المرافعة مع امتناعه عن الوط‌ء فينظره الحاكم أربعة أشهر ثمّ يجبره بعدها على الفئة أو الطلاق و لايجبره على أحدهما عينا».(4)

أقول:

الظاهر من فتوى الفقهاء أنّ المؤلي ان امتنع من أحد الأمرين بعد الأربعة أشهر حبس و ضيّق عليه في المطعم و المشرب حتّى يختار أحدهما، ذهب الى ذلك الحلبي في الكافي و الشيخ في النهاية و سلاّر في المراسم العلويّة و القاضي في جواهر الفقه و المهذّب و الراوندي في فقه القرآن و ابن زهرة في الغنية و ابن ادريس في السرائر و المحقّق في الشرائع و العلاّمة في القواعد و الشهيد الثاني في الروضة.

ثمّ انّ الظاهر من الروايات أنّ الأربعة أشهر التي ينظر فيها ثمّ يجبر على أحد الأمرين بعدها هي من حين الرفع الى الحاكم.


1) - شرائع الاسلام 3: 65.

2) - جواهر الكلام 33: 315.

3) - مسالك الأفهام 10: 143.

4) - اللمعة: 203.

في زوال حكم الايلاء بالطلاق البائن

(مسألة 4): يزول حكم الايلاء بالطلاق البائن و ان عقد عليها في العدّة بخلاف الرجعي فانّه و ان خرج بذلك من حقّها فليست لها المطالبة و الترافع الى الحاكم لكن لايزول حكم الايلاء الاّ بانقضاء عدّتها، فلو راجعها في العدّة عاد الى الحكم الأوّل، فلها المطالبة بحقّها و المرافعة.

الشرح:

يزول حكم الايلاء بالطلاق البائن؛ لانقطاع العصمة بينهما فتصير كالأجنبيّة بالمرّة، فلا موضوع لايلائها بعد الطلاق البائن، فلو عقد عليها جديدا في العدّة أو بعدها كانت كأن لم‌يؤل منها، بخلاف ما اذا طلّقها رجعيّا، فانّ المطلّقة رجعيّة بحكم الزوجة، فانّه و ان خرج بذلك من حقّها فليست لها المطالبة و الترافع الى الحاكم؛ لفرض تحقّق الطلاق لكن لايزول حكم الايلاء الاّ بانقضاء العدّة؛ لأنّها مادامت في العدّة بحكم الزوجة فيترتّب عليها الحكم. نعم، تكون بعد انقضاء العدّة أجنبيّة فيزول الحكم، فلو راجعها في العدّة عاد الحكم الأوّل فلها المطالبة بحقّها و المرافعة؛ لتحقّق الموضوع.

في حكم الايلاء

(مسألة 5): متى وطأها الزوج بعد الايلاء لزمته الكفّارة سواء كان في مدّة التربّص أو بعدها أو قبلها، لأنّه قد حنث اليمين على كلّ حال و ان جاز له هذا الحنث، بل وجب بعد انقضاء المدّة و مطالبتها و أمر الحاكم به تخييرا، و بهذا يمتاز هذا الحلف عن سائر الأيمان، كما أنّه يمتاز عن غيره بأنّه لايعتبر فيه ما يعتبر في غيره من كون متعلّقه مباحا تساوي طرفاه أو كان راجحا دينا أو دنيا.

الشرح:

قال في الشرائع: «اذا وطأ في مدّة التربّص لزمته الكفّارة اجماعا، و لو وطأها بعد المدّة قال في المبسوط: «لا كفّارة» و في الخلاف: يلزمه، و هو الأشبه».(1)

أمّا لزوم الكفّارة فيما اذا وطأ في مدّة التربّص فلا اشكال فيه و لا خلاف؛ لاطلاق ما دلّ على كفّارة اليمين من الكتاب و السنّة؛ فانّ الايلاء في المسألة فرد من اليمين.

و أمّا لو وطأ بعد الأربعة أشهر فتلزمه الكفّارة أيضا كما في الخلاف و محكي النهاية و التبيان و أيضا عن مجمع البيان و روض الجنان و أحكام القرآن بل هو ظاهر الأكثر، بل عن الخلاف الاجماع عليه كما حكى ذلك كلّه في الجواهر.(2)

و يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة بريد بن معاوية المتقدّمة:

«فان مضت الأربعة أشهر قبل أن‌يمسّها فسكتت و رضيت فهو في حلّ و سعة، فان رفعت أمرها، قيل له: امّا أن‌تفيء فتمسّها و امّا أن‌تطلّق».

و خبر منصور بن حازم - المنجبر بعمل المشهور - عن الصادق عليه السلام قال:

«سألته عن رجل آلى من امرأته فمرّت أربعة أشهر، قال: يوقف فان عزم الطلاق بانت منه و عليها عدّة المطلّقة و الاّ كفّر عن يمينه و أمسكها».(3)


1) - شرائع الاسلام 3: 66.

2) - جواهر الكلام 33: 323.

3) - وسائل الشيعة 22: 355 / الباب 12 من كتاب الايلاء / الحديث 3.

هنا مسائل:

في كفّارة الايلاء

الأولى: كفّارة الايلاء هي كفّارة اليمين اجتمع فيها التخيير و الترتيب، و هي عتق رقبة أو اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فان عجز صام ثلاثة أيّام متواليات، ففي قوله تعالى: «فكفّارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم‌يجد فصيام ثلاثة أيّام ذلك كفّارة أيمانكم اذا حلفتم»(1).

فيما اذا اختلفا في انقضاء المدّة

الثانية: اذا اختلفا في انقضاء المدّة يقدّم قول من يدّعي بقاءها؛ للأصل و كذا لو اختلفا في زمان ايقاع الايلاء أو المرافعة فالقول قول مدّعي التأخّر.

فيما لو وطئ المؤلي في حال عدم التكليف

الثالثة: لو وطئ المؤلي في حال عدم التكليف - من سهو أو نسيان أو جنون أو اشتباه بحليلته أو نحو ذلك - في مدّة التربّص فلا كفّارة عليه؛ لعدم تحقّق العمد و الاختيار، و الكفّارة تدور مدار وجودهما. و هل يزول حكم الايلاء - و هو الكفّارة ان وطئ بعد التكليف - أو لا؟ مقتضى الأصل بقاؤه.


1) - المائدة 5: 89.

كتاب اللعان

اشارة

و هي مباهلة خاصّة بين الزوجين أثرها دفع الحدّ أو نفي الولد.

الشرح:

اللعان مصدر «لاعن» و ربما استعمل جمعا، و هو لغة الطرد و الابعاد، و شرعا مباهلة بين الزوجين على وجه مخصوص، و لعلّ الملاعنة هنا لارادة طرد كلّ منهما صاحبه و ابعاده عنه، أو تشبيها للعن كلّ منهما نفسه ان كان كاذبا بلعن كلّ منهما صاحبه، كما في الجواهر.

و الأصل فيه قوله تعالى: «و الذين يرمون أزواجهم و لم‌يكن لهم شهداء الاّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه انّه لمن الصادقين و الخامسة أنّ لعنة اللّه عليه ان كان من الكاذبين و يدرؤا عنها العذاب أن‌تشهد أربع شهادات باللّه انّه لمن الكاذبين و الخامسة أنّ غضب اللّه عليها ان كان من الصادقين».(1)

و قد ورد في شأن نزول الآية الشريفة عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«انّ عبّادا البصري سأل أبا عبداللّه عليه السلام و أنا عنده حاضر، كيف يلاعن


1) - النور 24: 6 - 9.

الرجل المرأة؟ فقال: انّ رجلاً أتى رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، فقال: يا رسول‌اللّه أرأيت لو أنّ رجلاً دخل منزله فرأى مع امرأته رجلاً يجامعها ما كان يصنع؟ فأعرض عنه رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فانصرف الرجل و كان ذلك الرجل هو الذي ابتلي بذلك مع امرأته، قال: فنزل الوحي من عند اللّه عزّوجلّ بالحكم فيها، قال: فأرسل رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الى ذلك الرجل فدعاه فقال: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلاً؟ فقال: نعم، فقال له: انطلق فأتني بامرأتك فانّ اللّه عزّوجلّ قد أنزل الحكم فيك و فيها، قال: فأحضرها زوجها فوقّفها رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و قال للزوج: اشهد أربع شهادات باللّه انّك لمن الصادقين فيما رميتها به، قال: فشهد قال: ثمّ قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: أمسك و وعظه ثمّ قال: اتّق اللّه فانّ لعنة اللّه شديدة، ثمّ قال: اشهد الخامسة أنّ لعنة اللّه عليك ان كنت من الكاذبين، قال: فشهد فأمر به فنحّي ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله للمرأة: اشهدي أربع شهادات باللّه انّ زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به، قال: فشهدت ثمّ قال لها: أمسكي فوعظها ثمّ قال لها: اتّقي اللّه فانّ غضب اللّه شديد ثمّ قال لها: اشهدي الخامسة أنّ غضب اللّه عليك ان كان زوجك من الصادقين فيما رماك به قال: فشهدت قال: ففرّق بينهما و قال لهما: لاتجتمعا بنكاح أبدا بعد ما تلاعنتما».(1)

فيما يشرع فيه اللعان

(مسألة 1): انّما يشرع اللعان في مقامين: أحدهما: فيما اذا رمى الزوج زوجته بالزنا. ثانيهما: فيما اذا نفى ولديّة من ولد في فراشه مع امكان لحوقه به.


1) - وسائل الشيعة 22: 407 / الباب 1 من كتاب اللعان / الحديث 1.

الشرح:

تدلّ على المسألة - مضافا الى الكتاب - موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايقع اللعان حتّى يدخل الرجل بامرأته و لايكون اللعان الاّ بنفي الولد».(1)

و الحصر في ذيل الحديث اضافي بقرينة الآية المباركة: «و الذين يرمون أزواجهم ... ».

و رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«لايكون اللعان الاّ بنفي الولد و قال: اذا قذف الرجل امرأته لاعنها».(2)

و في الجواهر: «سبب اللعان اثنان: القذف اجماعا، و نفي الولد بلا خلاف».(3)

في عدم جواز قذف الزوجة بالزنا الاّ مع القطع

(مسألة 2): لايجوز للرجل قذف زوجته بالزنا مع الريب، و لا مع غلبة الظنّ ببعض الأسباب المريبة، بل و لا بالشياع و لا باخبار ثقة. نعم، يجوز مع اليقين، لكن لايصدّق اذا لم تعترف به الزوجة و لم‌تكن بيّنة، بل يحدّ حدّ القذف مع مطالبتها الاّ اذا أوقع اللعان الجامعة للشروط الآتية، فيدرأ عنه الحدّ.

الشرح:

لايجوز للرجل قذف زوجته بالزنا مع الريب و لا مع الظنّ؛ و حرمة القذف ثابتة بالأدلّة الأربعة و يحدّ القاذف ثمانين جلدة كما قرّر في محلّه.


1) - وسائل الشيعة 22: 429 / الباب 9 من كتاب اللعان / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 22: 429 / الباب 9 من كتاب اللعان / الحديث 1.

3) - جواهر الكلام 34: 5 و 13.

نعم، يجوز مع اليقين ولكن لايصدّق اذا لم‌تعترف به الزوجة و لم‌تكن بيّنة، بليحدّ حدّ القذف مع مطالبتها الاّ اذا أوقع اللعان الجامعة للشرائط الآتية، تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قذف الرجل امرأته فانّه لايلاعنها حتّى يقول: رأيت بين رجليها رجلاً يزني بها. الحديث».(1)

و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يقذف امرأته:

«يجلد ثمّ يخلّى بينهما و لايلاعنها حتّى يقول: انّه قد رأى بين رجليها من يفجر بها».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن الرجل يفتري على امرأته، قال: يجلد ثمّ يخلّى بينهما و لايلاعنها حتّى يقول: أشهد أنّي رأيتك تفعلين كذا و كذا».(3)

و في الجواهر: «لايجوز للزوج فضلاً عن الأجنبي - عندنا - قذف زوجته مع الشبهة و لا مع غلبة الظنّ أو أخبره الثقة أو شاع أنّ فلانا زنى بها، و لا غير ذلك من صفات الولد و نحوه؛ لأنّ عرض المؤمن كدمه - الى أن‌قال: - نعم، جاز له ذلك مع اليقين و شرّع له الشارع التخلّص عن الحدّ باللعان».(4)

في أنّه يشترط في ثبوت اللعان بالقذف أن‌يدّعي المشاهدة

(مسألة 3): يشترط في ثبوت اللعان بالقذف أن‌يدّعي المشاهدة، فلا لعان فيمن لم‌يدّعها و من لم‌يتمكّن منها كالأعمى، فيحدّان مع عدم البيّنة، و أن لاتكون له بيّنة، فان كانت تتعيّن اقامتها لنفي الحدّ و لا لعان.


1) - وسائل الشيعة 22: 417 / الباب 4 من كتاب اللعان / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 22: 416 / الباب 4 من كتاب اللعان / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 22: 416 / الباب 4 من كتاب اللعان / الحديث 2.

4) - جواهر الكلام 34: 9.

الشرح:

قد تقدّم دليل صدر المسألة في المسألة السابقة، و فيها روايات أخر ذكرها في الوسائل فراجع.

و أمّا ان كانت له بيّنة فتتعيّن اقامتها لنفي الحدّ و لا لعان؛ لأنّ البيّنة حجّة قويّة و معها لاتصل النوبة الى اللعان.

بل اللعان انّما شرّعت فيما لم‌تكن بيّنة كما هو صريح قوله تعالى: «و الذين يرمون أزواجهم و لم‌يكن لهم شهداء الاّ أنفسهم ... ».

فيما يشترط في ثبوت اللعان في الزوجة المقذوفة

(مسألة 4): يشترط في ثبوت اللعان أن‌تكون المقذوفة زوجة دائمة فلا لعان في قذف الأجنبيّة، بل يحدّ القاذف مع عدم البيّنة، و كذا في المنقطعة على الأقوى، و أن‌تكون مدخولاً بها، و الاّ فلا لعان، و أن‌تكون غير مشهورة بالزنا، و الاّ فلا لعان، بل و لا حدّ حتّى يدفع باللعان بل عليه التعزير لو لم‌يدفعه عن نفسه بالبيّنة. نعم، لو كانت متجاهرة بالزنا لايبعد عدم ثبوت التعزير أيضا، و يشترط في اللعان أيضا أن‌تكون كاملة سالمة عن الصمم و الخرس.

الشرح:

قال في الشرائع: «لايترتّب اللعان الاّ على من رمى الزوجة المحصنة المدخول بها بالزنا قبلاً أو دبرا مع دعوى المشاهدة و عدم البيّنة. فلو رمى الأجنبيّة تعيّن الحدّ و لا لعان. و كذا لو قذف الزوجة و لم‌يدّع المشاهدة، و لو كان له بيّنة فلا لعان و لا حدّ. و كذا لو كانت المقذوفة مشهورة بالزنا، و يتفرّع على اشتراط المشاهدة سقوط اللعان في حقّ الأعمى بالقذف لتعذّر المشاهدة و يثبت في حقّه بنفي الولد».

و قال أيضا: «و يعتبر في الملاعنة البلوغ و كمال العقل و السلامة من الصمم والخرس و أن‌تكون منكوحة بالعقد الدائم».(1)

أقول:

لايقع اللعان الاّ بالزوجة المدخولة، فان قذفها قبل الدخول لزمه الحدّ و لايفرّق بينهما و ذلك لموثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايقع اللعان حتّى يدخل الرجل بأهله».(2)

و مرسلة ابن أبي عمير قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يقذف امرأته قبل أن‌يدخل بها، قال: يضرب الحدّ و يخلّى بينه و بينها».(3)

و رواية محمّد بن مضارب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من قذف امرأته قبل أن‌يدخل بها جلد الحدّ و هي امرأته».(4)

و رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لاتكون الملاعنة و لا الايلاء الاّ بعد الدخول».(5)

و غيرها من الروايات الواردة في الباب المذكور.

و لايثبت اللعان بين الزوج و المتمتّعة؛ لصحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايلاعن الرجل المرأة التي يتمتّع منها».(6)


1) - شرائع الاسلام 3: 72.

2) - وسائل الشيعة 22: 412 / الباب 2 من كتاب اللعان / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 22: 413 / الباب 2 من كتاب اللعان / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 22: 413 / الباب 2 من كتاب اللعان / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 22: 413 / الباب 2 من كتاب اللعان / الحديث 5.

6) - وسائل الشيعة 22: 430 / الباب 10 من كتاب اللعان / الحديث 1.

و لايقع اللعان بقذف الخرساء و الصمّاء؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عنأبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل قذف امرأته و هي خرساء، قال: يفرّق بينهما».(1)

و صحيحة أبي بصير قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل قذف امرأته و هي خرساء صمّاء لاتسمع ما قال، قال: ان كان لها بيّنة فشهدوا عند الامام جلّد الحدّ و فرّق بينها و بينه ثمّ لاتحلّ له أبدا، و ان لم‌يكن لها بيّنة فهي حرام عليه ما أقام معها و لا اثم عليها منه».(2)

و تفسير الرواية أنّ الصمّاء الخرساء ان كانت لها بيّنة على القذف فشهدوا عند الحاكم على أنّ زوجها قذفها فيحدّ الرجل حدّ القذف و فرّق بينهما و لايقع بينهما لعان لمكان خرسها. و أمّا ان لم‌تكن لها بيّنة على القذف فهي حرام على زوجها في الواقع و فيما عند اللّه تعالى لأنّه قذفها واقعا ولكن لا اثم عليها منه لأنّها لاتسمع القذف.

و يدلّ على حكم قذف ذات الخرس و الصمم الروايات الأخر المذكورة في الوسائل فراجع.

و في الجواهر: «لايترتّب اللعان بالقذف الاّ على رمي الزوجة المحصنة غير المشهورة بالزنا المدخول بها، بالزنا قبلاً بل أو دبرا عندنا بل عن الخلاف الاجماع عليه. و لو كانت المقذوفة مشهورة بالزنا فلا لعان و لا حدّ».(3)

و ذلك لأنّ حكمة جعل اللعان حفظ حرمة المرأة المحصنة، و أمّا المشهورة بالزنا التي لا حرمة لها فلا لعان في قذفها و لا حدّ.


1) - وسائل الشيعة 22: 427 / الباب 8 من كتاب اللعان / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 427 / الباب 8 من كتاب اللعان / الحديث 2.

3) - جواهر الكلام 34: 6 و 7.

في عدم جواز انكار ولديّة من تولّد في فراشه مع امكان لحوقه به

(مسألة 5): لايجوز للرجل أن‌ينكر ولديّة من تولّد في فراشه مع امكان لحوقه به بأن‌دخل بأمّه أو أمنى في فرجها أو حواليه بحيث أمكن جذب الرحم ايّاه، و قد مضى من ذلك الى زمان وضعه ستّة أشهر فصاعدا و لم‌يتجاوز عن أقصى مدّة الحمل، حتّى فيما اذا فجر أحد بها فضلاً عمّا اذا اتّهمها، بل يجب الاقرار بولديّته. نعم، يجب عليه أن‌ينفيه و لو باللعان مع علمه بعدم تكوّنه منه من جهة علمه باختلال شروط الالتحاق به اذا كان بحسب ظاهر الشرع ملحقا به لولا نفيه لئلاّ يلحق بنسبه من ليس منه فيترتّب عليه حكم الولد في الميراث و النكاح و نظر محارمه و غير ذلك.

الشرح:

قال في الشرائع: «اذا عرف انتفاء الحمل لاختلال شروط الالتحاق أو بعضها وجب انكار الولد و اللعان لئلاّينسبه من ليس منه. و لايجوز انكار الولد للشبهة و لا للظنّ و لا لمخالفة صفات الولد لصفات الواطئ».(1)

و قال في الجواهر: «لا خلاف بينهم و لا اشكال في أنّه اذا عرف الزوج خاصّة انتفاء الحمل لاختلال شروط الالتحاق أو بعضها كما لو ولدته لستّة أشهر فصاعدا من حين التزويج و خلوته بها ولكن لم‌يدخل بها فيما بينه و بين اللّه تعالى شأنه في وقت يمكن الحاقه به، وجب عليه انكار الولد و اللعان لئلاّيلحق بنسبه من ليس منه و يترتّب عليه حكم الولد في الميراث و النكاح و نظر محارمه و غير ذلك من الأمور التي لاترتفع الاّ بنفيه؛ لاقتضاء قاعدة الفراش الالتحاق به ظاهرا من غير فرق بين علمه بزناها و عدمه و ان حرم عليه قذفها في الثاني لاحتمال كون الولد من شبهة و انّما الواجب عليه نفي الولد و اللعان.


1) - شرائع الاسلام 3: 72.

نعم، لو اجتمعت شروط الالتحاق بأن‌ولدته في المدّة التي بين أقلّ الحمل وأكثره من حين وطئه لايجوز له انكار الولد و ألحق به ظاهرا بل التحقيق عدم مشروعيّة اللعان لنفيه مع اعترافه باجتماع شرائط الالحاق أو العلم بها، و حينئذ فلايجوز له نفيه فضلاً عن اللعان؛ للشبهة و لا الظنّ و لا لمخالفة الولد صفات الواطئ».(1)

أقول: ما ذكره في المتن و كذا صاحبا الشرائع و الجواهر حقّ مطابق للقواعد، و قد تكلّمنا عن ذلك في كتاب النكاح فراجع.(2)

فيما لو نفى ولديّة من ولد في فراشه

(مسألة 6): لو نفى ولديّة من ولد في فراشه فان علم أنّه دخل بأمّه دخولاً يمكن معه لحوق الولد به أو أقرّ بذلك و مع ذلك نفاه لايسمع منه و لاينتفي منه لا باللعان و لا بغيره. و أمّا لو لم‌يعلم ذلك و لم‌يقرّ به و قد نفاه امّا مجرّدا عن ذكر السبب بأن‌قال: «هذا ليس ولدي» أو مع ذكره بأن‌قال: «لأنّي لم‌أدخل بأمّه أصلاً» أو أنكر دخولاً يمكن تكوّنه منه فحينئذ و ان لم‌ينتف عنه بمجرّد نفيه لكن باللعان ينتفي عنه بشرط ثبوت الدخول، و مع عدم ثبوته لم‌يشرع اللعان مطلقا.

الشرح:

في المسألة صور:

فتارة علم امكان التحاق الولد به كما اذا دخل بأمّه و تولّد الولد بالشرائط السابقة، ففي هذه الصورة لم‌يسمع انكاره و لم‌ينتف عنه الولد لا باللعان و لا بغيره.

و أخرى لم‌يعلم ذلك ولكن أقرّ بالولد ابتداءً فسيأتي حكمها في المسألة العاشرة.


1) - جواهر الكلام 34: 28 و 29.

2) - الهادي 24: 429 و 430.

و ثالثة لم‌يعلم ذلك و لم‌يقرّ بالولد و قد نفى الولد مجرّدا عن ذكر السبب.

و رابعة لم‌يعلم ذلك و لم‌يقرّ بالولد و قد نفى الولد مع ذكر السبب.

و خامسة ذكر السبب وحده.

و في هذه الصور الثلاث قد شرّعت اللعان و ينتفي عنه الولد باللعان لا بمجرّد النفي كما لايخفى.

في اشتراط دوام العقد في اللعان لنفي الولد

(مسألة 7): انّما يشرع اللعان لنفي الولد اذا كانت المرأة منكوحة بالعقد الدائم، و أمّا ولد المتمتّع بها فينتفي بنفيه من دون لعان و ان لم‌يجز له نفيه مع عدم علمه بالانتفاء، و لو علم أنّه دخل بها أو أمنى في فرجها أو حواليه بحيث يمكن أن‌يكون الولد منه أو أقرّ بذلك و مع ذلك قد نفاه لم‌ينتف عنه بنفيه، و لم‌يسمع منه ذلك كالدائمة.

الشرح:

قد تقدّم الكلام في هذه المسألة في فصل النكاح المنقطع من كتاب النكاح، و هنا نقول: انّما يشرع اللعان لنفي الولد اذا كانت المرأة منكوحة بالعقد الدائم، و ذلك لصحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايلاعن الرجل المرأة التي يتمتّع منها».(1)

قال في المسالك: «اشتراط دوام العقد في صحّة اللعان بالنسبة الى نفي الولد موضع وفاق و لأنّ ولد المتمتّع بها ينتفي بغير لعان اتّفاقا».(2)

و أمّا لو علم أنّه دخل بها أو أمنى في فرجها أو حواليه بحيث يمكن أن‌يكون الولد منه أو أقرّ بذلك و مع ذلك نفاه لم‌ينتف عنه بنفيه، فانّه لايجوز له النفي الاّ مع


1) - وسائل الشيعة 22: 430 / الباب 10 من كتاب اللعان / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 10: 211.

العلم بالانتفاء و ان عزل أو اتّهمها أو ظنّ الانتفاء بالقرائن الخارجيّة، كما قد فصّلناذلك في كتاب النكاح.

بل في الجواهر: «في كشف اللثام: «لايجوز له النفي الاّ مع العلم بالانتفاء و ان عزل أو اتّهمها أو ظنّ الانتفاء بالقرائن الخارجيّة، بل قال في شرح قول الفاضل قبل ذلك: «و يلحق به الولد و ان عزل» و كذا في كلّ وط‌ء صحيح أو شبهة، فانّ المني سبّاق و الولد للفراش و للأخبار». و لايخفى عليك ظهور كلامه في أنّه يجب الحاقه به و ان حصل له الظنّ بعدمه بالأمارات في كلّ وط‌ء صحيح و لو شبهة».(1)

(مسألة 8): لا فرق في مشروعيّة اللعان لنفي الولد بين كونه حملاً أو منفصلاً.

الشرح:

يدلّ على ذلك اطلاق الدليل الشامل لهما. و ما يظهر منه الخلاف مثل رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه السلام يلاعن في كلّ حال الاّ أن‌تكون حاملاً».(2)

تحمل على التأخير في صورة خوف الحامل من الجهوض أو اقامة الحدّ بعد النكول.

(مسألة 9): من المعلوم أنّ انتفاء الولد عن الزوج لايلازم كونه من زنا، لاحتمال تكوّنه من وط‌ء الشبهة أو غيره، فلو علم الرجل بعدم التحاق الولد به و ان جاز له بل وجب عليه نفيه عن نفسه لكن لايجوز له أن‌يرميها بالزنا و ينسب ولدها بكونه من زنا.


1) - جواهر الكلام 34: 34.

2) - وسائل الشيعة 22: 434 / الباب 13 من كتاب اللعان / الحديث 3.

صدر المسألة واضح و دليله ما قال رحمه‌الله من احتمال تكوّنه من وط‌ء الشبهة. و أمّاعدم جواز رمي الزوجة بالزنا فلحرمة قذف الزوجة من غير علم بزناها.

في عدم سماع انكار الولد بعد الاقرار به

(مسألة 10): لو أقرّ بالولد لم‌يسمع انكاره له بعد ذلك، سواء كان اقراره صريحا أو كناية مثل أن‌يبشّر به و يقال له: «بارك اللّه لك في مولودك» فيقول: «آمين» أو «ان شاء اللّه تعالى» بل قيل: انّه اذا كان الزوج حاضرا وقت الولادة و لم‌ينكر الولد مع ارتفاع العذر لم‌يكن له انكاره بعده، بل نسب ذلك الى المشهور لكن الأقوى خلافه.

الشرح:

قال في الشرائع: «و متى أقرّ بالولد صريحا أو فحوىً لم‌يكن له انكاره بعد ذلك».(1)

قال في الجواهر: «و لو أقرّ بالولد صريحا أو فحوىً لم‌يكن له انكاره بعد ذلك لما عرفت من قاعدة عدم سماع الانكار بعد الاقرار الصادق عرفا على الصريح و غيره مثل أن‌يبشّر به فيجيب بما يقتضي الرضا، كأن‌يقال: «بارك اللّه لك في مولودك» فيقول: آمين أو ان شاء اللّه تعالى. أمّا لو أجاب بما لايتضمّن الاقرار بأن‌قال مجيبا: «بارك اللّه لك أو أحسن اللّه اليك أو رزقك مثله» لم‌يكن اقرارا و لم‌يبطل حقّه من النفي خلافا لبعض العامّة فجعله اقرارا، و ضعفه واضح».

و قال في موضع آخر: «و اذا كان الزوج حاضرا وقت الولادة و لم‌ينكر الولد مع ارتفاع الأعذار فعن المبسوط بل المشهور كما في المسالك أنّه لم‌يكن له انكاره بعد ذلك الاّ أن‌يؤخّر بما جرت العادة به كالسعي الى الحاكم؛ لأنّ الحقّ له


1) - شرائع الاسلام 3: 71.

على الفور. و فيه اشكال؛ لاطلاق ما دلّ على ثبوت حقّ النفي له. نعم، لو أقرّ بالولدلزمه الولد للنصوص و لقاعدة اقرار العقلاء، بل لم‌ينتف عنه بعد بنفيه بلا خلاف أجده فيه بل في القواعد الاجماع عليه؛ لعدم سماع الانكار بعد الاقرار حتّى لو لاعن».(1)

في بيان صيغة اللعان و عدم وقوعه الاّ عند الحاكم الشرعي

(مسألة 11): لايقع اللعان الاّ عند الحاكم الشرعي، و الأحوط أن لايقع حتّى عند المنصوب من قبله لذلك، و صورته أن‌يبدأ الرجل و يقول بعد ما قذفها أو نفى ولدها: «أشهد باللّه أنّي لمن الصادقين فيما قلت من قذفها أو نفي ولدها» يقول ذلك أربع مرّات، ثمّ يقول مرّة واحدة: «لعنة اللّه عليّ ان كنت من الكاذبين». ثمّ تقول المرأة بعد ذلك أربع مرّات: «أشهد باللّه أنّه لمن الكاذبين في مقالته من الرمي بالزنا أو نفي الولد»، ثمّ تقول مرّة واحدة: «أنّ غضب اللّه عليّ ان كان من الصادقين».

الشرح:

لايقع اللعان الاّ عند الحاكم الشرعي؛ لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاعن و الملاعنة كيف يصنعان؟ قال: يجلس الامام مستدبر القبلة يقيمهما بين يديه مستقبل القبلة بحذائه و يبدأ بالرجل ثمّ بالمرأة. الحديث».(2)

و صحيحة البزنطي أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام فقال له:

«أصلحك اللّه كيف الملاعنة؟ قال: يقعد الامام و يجعل ظهره الى القبلة و يجعل الرجل عن يمينه و المرأة و الصبي عن يساره».(3)


1) - جواهر الكلام 34: 17 - 20.

2) - وسائل الشيعة 22: 409 / الباب 1 من كتاب اللعان / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 408 / الباب 1 من كتاب اللعان / الحديث 2.

قال في الشرائع: «و لايصحّ اللعان الاّ عند الحاكم أو من ينصبه».(1)

و في المسالك: «المراد بالحاكم هو الامام و بمنصوبه من نصبه للحكم عموما أو للّعان خصوصا - الى أن‌قال: - هذا في حال حضور الامام. أمّا في حال الغيبة فينفذ فيه حكم الفقيه الجامع لشرائط الفتوى؛ لأنّه منصوب من قبل الامام على العموم كما يتولّى غيره من الأحكام».(2)

و الظاهر أنّ اللعان لاتقع عند المنصوب من الحاكم الشرعي اذا كان المنصوب غير مجتهد.

و أمّا صورته فهي كما في المتن، مذكورة في القرآن الكريم(3)، و السنّة المستفيضة(4)، و لا خلاف فيه.

(مسألة 12): يجب أن‌تكون الشهادة و اللعن على الوجه المذكور، فلو قال أو قالت: أحلف أو أقسم أو شهدت أو أنا شاهد أو أبدلا لفظ الجلالة بغيره كالرحمن و خالق البشر و نحوهما أو قال الرجل: انّي صادق أو لصادق أو من الصادقين بغير ذكر اللام أو قالت المرأة: انّه لكاذب أو كاذب أو من الكاذبين لم‌يقع، و كذا لو أبدل الرجل اللعنة بالغضب و المرأة بالعكس.

الشرح:

يجب أن‌تكون الشهادة و اللعن على الوجه المذكور؛ لظاهر الكتاب و النصوص و الاجماع كما في الجواهر.


1) - شرائع الاسلام 3: 73.

2) - مسالك الأفهام 10: 228 و 229.

3) - النور 24: 6 - 9.

4) - وسائل الشيعة 22: 407 / الباب 1 من كتاب اللعان.

فلو قال على خلاف ذلك - كما مثّل به في المتن - لم‌يقع اللعان؛ لأنّه خلافالمجعول شرعا و كذا لو أبدل الرجل اللعنة بالغضب و المرأة بالعكس لم‌يقع اللعان؛ لأصالة عدم ترتّب الأثر في غير ما هو الظاهر من القرآن و الخبر، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.

في شرائط اللعان

(مسألة 13): يجب أن‌يكون اتيان كلّ منهما باللعان بعد القاء الحاكم ايّاه عليه، فلو بادر به قبل أن‌يأمر الحاكم به لم‌يقع.

(مسألة 14): يجب أن‌تكون الصيغة بالعربية الصحيحة مع القدرة عليها، و الاّ أتى بالميسور منها و مع التعذّر أتى بغيرها.

(مسألة 15): يجب أن‌يكونا قائمين عند التلفّظ بألفاظهما الخمسة، و هل يعتبر أن‌يكونا قائمين معا عند تلفّظ كلّ منهما أو يكفي قيام كلّ عند تلفّظه بما يخصّه؟ أحوطهما الأوّل، بل لايخلو من قوّة.

الشرح:

يجب أن‌يكون اتيان كلّ منهما باللعان بعد القاء الحاكم ايّاه كما تقدّم في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج:

«فوقّفها رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و قال للزوج: اشهد أربع شهادات باللّه انّك لمن الصادقين فيما رميتها به، قال: فشهد قال: ثمّ قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: أمسك و وعظه ثمّ قال: اتّق اللّه فانّ لعنة اللّه شديدة، ثمّ قال: اشهد الخامسة أنّ لعنة اللّه عليك ان كنت من الكاذبين، قال: فشهد فأمر به فنحّي ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله للمرأة: اشهدي أربع شهادات باللّه انّ زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به، قال: فشهدت ثمّ قال لها: أمسكي فوعظها ثمّ قال لها: اتّقي اللّه فانّ غضب اللّه شديد ثمّ قال لها: اشهدي الخامسة

أنّ غضب اللّه عليك ان كان زوجك من الصادقين فيما رماك به قال:فشهدت قال: ففرّق بينهما و قال لهما: لاتجتمعا بنكاح أبدا بعد ما تلاعنتما».(1)

ثمّ انّه يجب أن‌يكون النطق بالعربيّة الصحيحة غير الملحونة مع القدرة؛ لأنّه الثابت في الكتاب و السنّة. نعم، يجوز بغيرها مع التعذّر كما جاز في غيرها من الايقاعات للضرورة و اذا كان الحاكم غير عارف بتلك اللغة افتقر الى حضور مترجمين و لايكفي الواحد و لا غير العدل.

و قال في الجواهر: «و يجب أن‌يكون الرجل قائما عند التلفّظ بألفاظه الخمس و كذا المرأة وفاقا للمحكي عن المقنع و المبسوط و السرائر؛ لما عن الفقيه من أنّه في خبر: «يقوم الرجل فيحلف - الى أن‌قال: - ثمّ تقف المرأة فتحلف» و للمحكي من فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من أنّه أمر عويمرا بالقيام فلمّا تمّت شهادته أمر امرأته بالقيام».(2)

ولكن الظاهر من صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في شرح المسألة الحادية عشرة حيث قال عليه السلام : «يقيمهما بين يديه ... » لزوم قيامهما معا، و كذا ظاهر قوله عليه السلام في صحيحة عبدالرحمن المتقدّمة آنفا: «فوقّفها رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله» بناءً على أنّ المراد بتوقيفها أمرها بالقيام عنده و عليه فقيام كلّ منهما عند بيان الشهادتين ان لم‌يكن أقوى فهو أحوط.

في أحكام اللعان

(مسألة 16): اذا وقع اللعان الجامع للشرائط منهما يترتّب عليه أحكام أربعة: الأوّل: انفساخ عقد النكاح و الفرقة بينهما، الثاني: الحرمة الأبديّة،


1) - وسائل الشيعة 22: 407 / الباب 1 من كتاب اللعان / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 34: 57 و 59.

فلاتحلّ له أبدا و لو بعقد جديد، و هذان الحكمان ثابتان في مطلق اللعان، سواء كان للقذف أو لنفي الولد. الثالث: سقوط حدّ القذف عن الزوج بلعانه، و سقوط حدّ الزنا عن الزوجة بلعانها، فلو قذفها ثمّ لاعن و نكلت هي عن اللعان تخلّص الرجل عن حدّ القذف، و تحدّ المرأة حدّ الزانية، لأنّ لعانه بمنزلة البيّنة في اثبات الزنا. الرابع: انتفاء الولد عن الرجل دون المرأة ان تلاعنا لنفيه، بمعنى أنّه لو نفاه و ادّعت كونه له فتلاعنا لم‌يكن توارث بين الرجل و الولد، و كذا بين الولد و كلّ من انتسب إليه بالأبوّة كالجدّ و الجدّة و الأخ و الأخت للأب و كذا الأعمام و العمّات، بخلاف الأمّ و من انتسب اليه بها، حتّى أنّ الاخوة للأب و الأمّ بحكم الاخوة للأمّ.

(مسألة 17): لو كذّب نفسه بعد ما لاعن لنفي الولد لحق به الولد فيما عليه لا فيما له، فيرثه الولد و لايرثه الأب و لا من يتقرّب به و لايرث الولد أقارب أبيه باقراره.

الشرح:

قال في الشرائع: «و أمّا أحكامه فتشتمل على مسائل:

الأولى: يتعلّق بالقذف وجوب الحدّ في حقّ الرجل و بلعانه سقوط الحدّ في حقّه و وجوب الحدّ في حقّ المرأة. و مع لعانهما ثبوت أحكام أربعة: سقوط الحدّين و انتفاء الولد عن الرجل دون المرأة و زوال الفراش و التحريم بالمؤبّد. و لو أكذب نفسه في أثناء اللعان أونكل ثبت عليه الحدّ و لم‌تثبت عليه الأحكام الباقية. و لو نكلت هي أو أقرّت رجمت و سقط الحدّ عنه و لم‌يزل الفراش و لايثبت التحريم. و لو أكذب نفسه بعد اللعان ألحق به الولد لكن يرثه الولد و لايرثه الأب، و لا من يتقرّب به و ترثه الأمّ و من تقرّب بها و لم‌يعد الفراش و لم‌يزل التحريم. و هل عليه الحدّ؟ فيه روايتان: أظهرهما أنّه لا حدّ. و لو اعترفت

بعد اللعان لايجب عليها الحدّ الاّ أن‌تقرّ أربع مرّات و في وجوبه معها تردّد».(1)

أقول:

اذا تلاعنا يزول الفراش و حرمت عليه مؤبّدا و يسقط عنهما الحدّان؛ لقوله عليه السلام نقلاً عن رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهفي ذيل صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة:

«ففرّق بينهما و قال لهما: لاتجتمعا بنكاح أبدا بعد ما تلاعنتما».

و كذا قوله عليه السلام في ذيل رواية الصدوق:

«و ان لم‌تنكل درئ عنها الحدّ و هو الرجم ثمّ يفرّق بينهما و لاتحلّ له أبدا».(2)

و قوله عليه السلام في ذيل رواية زرارة:

«و ان فعلت درأت عن نفسها الحدّ ثمّ لاتحلّ له الى يوم القيامة».(3)

و لو نكلت أو أقرّت رجمت و سقط الحدّ عنه؛ لقوله عليه السلام في رواية الصدوق: «فان نكلت رجمت».

ففي صحيحة الفضيل قال:

«سألته عن رجل افترى على امرأته، قال: يلاعنها فان أبى أن‌يلاعنها جلد الحدّ و ردّت اليه امرأته و ان لاعنها فرّق بينهما و لم‌تحلّ له الى يوم القيامة و الملاعنة أن‌يشهد عليها أربع شهادات باللّه أنّي رأيتك تزنين و الخامسة يلعن نفسه ان كان من الكاذبين، فان أقرّت رجمت و ان أرادت أن‌تدرأ عنها العذاب شهدت أربع شهادات باللّه انّه لمن الكاذبين و الخامسة أنّ غضب اللّه عليها ان كان من الصادقين، فان


1) - شرائع الاسلام 3: 75.

2) - وسائل الشيعة 22: 408 / الباب 1 من كتاب اللعان / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 410 / الباب 1 من كتاب اللعان / الحديث 7.

كان انتفى من ولدها ألحق بأخواله يرثونه و لايرثهم الاّ أن‌يرث أمّهفان سمّاه أحد ولد زنا جلد الذي يسمّه الحدّ».(1)

و في ذيل رواية الصدوق:

«فان ادّعى الرجل الولد بعد الملاعنة نسب اليه ولده و لم‌ترجع اليه امرأته فان مات الأب ورثه الابن و ان مات الابن لم‌يرثه الأب و يكون ميراثه لأمّه فان لم‌يكن له أمّ فميراثه لأخواله و لم‌يرثه أحد من قبل الأب. الحديث».

و قد فصّلنا أحكام اللعان، كلّ في موضع يخصّ به ككتاب النكاح و الميراث و غيرهما فراجع.

هنا مسائل:

في مسائل متعلّقة باللعان

الأولى: يجب أن‌يعيّنها بما يرفع الاشتباه ان كان له زوجات متعدّدة؛ لظواهر الأدلّة و أصالة عدم تحقّق اللعان الاّ بالمعيّنة في الخارج من الزوجات. و لايجب عليها تعيين الرجل؛ لعدم احتمال التعدّد فيه.

الثانية: يستحبّ في اللعان أن‌يجلس الحاكم مستدبر القبلة و أن‌يقف الرجل عن يمينه و المرأة و الولد عن يمين الرجل كما في صحيحة البزنطي و صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمتين، و يحضر مجلس اللعان من يسمعه و أن‌يعظه الحاكم قبل ذكر اللعن و كذا المرأة قبل ذكر الغضب، كما في صحيحة عبدالرحمن المتقدّمة، و أن‌يغلّظ اللعان.

الثالثة: تقدّم أنّ لعان الزوجين يوجب انفساخ النكاح الذي بينهما و ليس بطلاق فلايعتبر فيه شرائط الطلاق.

نعم، العدّة ثابتة على المرأة اذا كانت ممّن عليها العدّة في الطلاق.


1) - وسائل الشيعة 22: 410 / الباب 1 من كتاب اللعان / الحديث 8.

الرابعة: لو قذفها فماتت قبل تحقّق اللعان سقط اللعان و ورثها الزوج ولوارثها استيفاء حدّ القذف منه ان لم‌يلاعن و الاّ لايرثها.

الخامسة:اذا شهد أربعة بالزنا و الزوج أحدهم ترجم المرأة.

السادسة: يحرم رمي الولد بالزنا بعد اللعان مطلقا و لو رماه أحد حدّ.

السابعة: لوتمّ اللعان و فرّق بينهما يجب على الزوج دفع المهر ان كان على ذمّته.

الثامنة: لو ثبت بالآلات الحديثة عدم لحوق الولد بالرجل فهل يلزمه اللعان لنفيه أم لا؟ الظاهر لزومها لكونها تعبّدا.

التاسعة: هل يجوز التوكيل في اللعان؟ الظاهر عدم جوازه و ذلك لأنّ اللعان و مشروعيّتها خلاف الأصل و القواعد، و المنساق من دليلها هو انحصار الزوج بها، فلاتشملها اطلاقات أدلّة الوكالة.

تمّ بعون اللّه الملك العلاّم شرح كتاب الطلاق و الظهار و الايلاء و اللعان

من تحرير الوسيلة للامام الخميني قدس‌سره في شهر رمضان المبارك1434ه- ق

فنسأل اللّه الاخلاص و القبول و الحمد للّه ربّ العالمين‌و صلّى اللّه

و سلّم على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين

سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني

ابن سيّد علي أكبر