الهادی الی طریقت الوسطی فی شرح العروة الوثقی

ghaemiyeh.com

هویة الكتاب

سرشناسه : دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلی‌محمد، 1313 -

عنوان قراردادی : عروه‌الوثقی . شرح

عنوان و نام پديدآور : الهادی الی طریقت الوسطي في شرح العروة الوثقي/ لمولفه علی‌محمد دستغیب الحسینی الشیرازی.

مشخصات نشر : شیراز: موسسه نشر فلاح، 14ق.- = 1300

مشخصات ظاهری : ج.

شابک : 17000 ریال: ج. 2، ق. 1 964-7208-14-6 : ؛ 75000 ریال: ج.2،ق.2 چاپ دوم: 978-964-7208-05-7

يادداشت : عربی.

يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد دوم، 1423ق. = 1380.

يادداشت : ج.2(چاپ دوم:1433ق.=1390).

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : .- ج. 2. ق.1.کتاب‌الحج.-.- ج.2.ق.2. کتاب‌الصوم، کتاب‌الاعتکاف.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی. شرح

رده بندی کنگره : BP183/5/ی‌4ع‌40214 1300‌ی

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : 5385509

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

محرر رقمی : روح الله قاسمي

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الفهرس

مقدّمة ... 11

فصل فيما يجب فيه الخمس / 17

الأوّل: غنائم دار الحرب ... 17

الفرع الأوّل في اخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة ... 21

الفرع الثاني في اخراج ما جعل الامام عليه السلام من الغنيمة على فعل مصلحة ... 22

الفرع الثالث اذا كان الغزو بغير اذن الامام عليه السلام ... 23

الفرع الرابع في غزو قوم تحت أمر سلاطين الجور ... 26

الفرع الخامس في الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب ... 27

في اخراج الخمس اذا غار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم ... 28

في أخذ مال النصّاب ... 28

في شرائط المغتنم ... 30

في اعتبار بلوغ النصاب في وجوب الخمس في الغنائم ... 35

في خمس السَلَب و عدّها من الغنيمة ... 36

الثاني: المعادن ... 38

الفرع الأوّل في المراد من المعدن ... 40

الفرع الثاني في عدم وجوب الخمس على الصبي حتّى يبلغ ... 43

الفرع الثالث في أنّه هل يشترط في وجوب الخمس في المعدن نصاب أو لا؟ ... 44

الفرع الرابع في وجوب التخميس بعد استثناء مؤونة الاخراج و نحوها ... 47

الفرع الخامس في أنّ النصاب يلاحظ ابتداءً أو بعد استثناء المؤن؟ ... 47

الفرع السادس في أنّه هل يعتبر في الاخراج أن‌يكون دفعة أو لا؟ ... 49

الفرع السابع في عدم اعتبار اتّحاد المخرَج ... 50

فيما لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية ... 51

فيما اذا وجد مقدارا من المعدن مخرجا مطروحا في الصحراء ... 52

فيما لو كان المعدن في أرض مملوكة ... 53

فرع في أنّ الأنفال لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و للامام بعده ... 54

فيما اذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عنوة ... 55

في استئجار الغير لاخراج المعدن ... 57

فيما اذا عمل فيما أخرجه قبل اخراج خمسه ... 58

فيما اذا شكّ في بلوغ النصاب و عدمه ... 60

الثالث: الكنز ... 63

الفرع الأوّل في أنّه هل يعتبر في حقيقة الكنز كون الادّخار عن قصد أو لا؟ ... 65

الفرع الثاني في أنّه هل يختصّ الكنز بالمال المدّخر تحت الأرض أو لا؟ ... 67

الفرع الثالث في أنّه هل يختصّ الكنز بالنقدين أو لا؟ ... 68

الفرع الرابع في المكان الذي يوجد فيه الكنز ... 70

الفرع الخامس فيما اذا كان المدّعي أكثر من واحد و أدّى الأمر الى التنازع ... 75

الفرع السادس في اشتراط النصاب في الكنز ... 77

فيما لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة ... 79

فيما لو علم الواجد أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول ... 81

في أنّ لكلّ واحد من الكنوز المتعدّدة حكم نفسه في بلوغ النصاب و عدمه ... 82

في أنّ في الكنز الواحد لايعتبر الاخراج دفعة بمقدار النصاب ... 83

فيما اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا ذا قيمة ... 83

الفرع الأوّل فيما اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا ذا قيمة ... 83

الفرع الثاني فيما اذا اشترى سمكة فوجد في جوفها شيئا ذا قيمة ... 83

في اعتبار النصاب في الكنز بعد اخراج مؤونة الاخراج ... 84

فيما اذا اشترك جماعة في كنز ... 85

الرابع: الغوص ... 85

الفرع الأوّل في المراد من الغوص ... 86

الفرع الثاني في اعتبار النصاب في الغوص ... 88

الفرع الثالث في بعض أحكام الغوص ... 89

في أنّ المتناول من الغوّاص لايجري عليه حكم الغوص اذا لم‌يكن غائصا ... 90

فيما اذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئا ... 90

فيما اذا أخرج بالغوص حيوانا و كان في بطنه شيء من الجواهر ... 91

فيما اذا غرق شيء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ... 91

فيما اذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء ... 92

في أنّ العنبر ان أخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان ... 93

الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام ... 96

الفرع الأوّل في صورة الجهل بصاحبه و بمقداره ... 96

الفرع الثاني في صورة الجهل بصاحبه و العلم بمقداره ... 99

الفرع الثالث في صورة العلم بصاحبه و الجهل بمقداره ... 102

في صورة العلم الاجمالي بزيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس ... 106

فيما اذا علم قدر المال و لم‌يعلم صاحبه بعينه ... 107

فيما اذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله ... 110

فيما لو تبيّن المالك بعد اخراج الخمس ... 114

فيما لو علم بعد اخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ ... 115

فيما لو كان الحرام المجهول مالكه معيّنا فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس ... 117

فيما لو كان الحلال الذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس ... 117

فيما لو كان الحرام المختلط بالحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف ... 119

فيما اذا تصرّف في المال المختلط قبل اخراج الخمس بالاتلاف ... 119

فيما اذا تصرّف في المختلط قبل اخراج خمسه ... 120

السادس: الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم ... 121

الفرع الأوّل في عدم اختصاص الحكم بالأرض الزراعيّة ... 123

الفرع الثاني في حكم الانتقال بغير الشراء ... 124

الفرع الثالث في مصرف هذا القسم من الخمس ... 124

الفرع الرابع في تعلّق الخمس برقبة الأرض ... 125

فيما لو كانت الأرض من المفتوحة عنوة و بيعت تبعا للآثار ... 126

في عدم الفرق بين أن‌تبقى على ملكيّة الذمّي بعد شرائه أو انتقلت منه الى مسلم آخر ... 127

فيما اذا اشترى الذمّي الأرض من المسلم و شرط عليه عدم الخمس ... 128

فيما اذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء ... 129

فيما لو تملّك ذمّيّ من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض ... 130

في عدم سقوطه اذا شرط البائع على الذمّي أن‌يبيعها بعد الشراء من مسلم ... 131

فيما اذا اشترى المسلم من الذمّي أرضا ثمّ فسخ باقالة أو بخيار ... 131

فيما اذا بيع خمس الأرض التي اشتراها الذمّي عليه ... 132

السابع: ما يفضل عن مؤونة سنته و مؤونة عياله ... 133

فيما اذا علم أنّ مورّثه لم‌يؤدّ خمس ما تركه ... 149

فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة ... 149

فيما اذا اشترى شيئا ثمّ علم أنّ البائع لم‌يؤدّ خمسه ... 150

فيما اذا كان عنده من أعيان فنمت و زادت زيادة متّصلة أو منفصلة ... 151

فيما اذا اشترى عينا للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة و لم‌يبعها ... 153

فيما اذا كان له أنواع من الاكتساب و الاستفادة ... 154

في اشتراط الاستقرار في وجوب خمس الربح أو الفائدة ... 155

في مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها ... 156

في المراد بالمؤونة ... 158

في عدم كون رأس المال للتجارة من المؤونة ... 160

في عدم الفرق في المؤونة بين ما يصرف عينه فتتلف و بين ما ينتفع به مع بقاء عينه ... 161

في جواز اخراج المؤونة من الربح و ان كان عنده مال لا خمس فيه ... 162

في المناط في المؤونة ... 163

فيما اذا استقرض من ابتداء سنته لمؤونته قبل حصول الربح ... 164

فيما لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمؤونة ... 165

في أنّ مصارف الحجّ من مؤونة عام الاستطاعة ... 167

في أنّ أداء الدين من المؤونة ... 169

في أنّه متى حصل الربح تعلّق به الخمس ... 170

الفرع الأوّل في تعلّق الخمس بالربح بعد حصوله ... 170

الفرع الثاني في جواز تأخير الأداء الى آخر السنة ... 171

فيما لو كان له رأس مال و فرّقه في أنواع من التجارة فتلف ... 173

في تعلّق الخمس بالعين ... 174

الفرع الأوّل في تخيير المالك بين دفع خمس العين أو القيمة ... 176

الفرع الثاني فيما اذا حال الحول على الفائدة و أخرج المؤونة ... 177

في التصرّف في بعض الربح قبل أداء الخمس ... 178

في التصرّف في الربح بالاتّجار اذا حصل في ابتداء السنة أو في أثنائها ... 180

في أنّه ليس للمالك أن‌ينقل الخمس الى ذمّته ثمّ التصرّف فيه ... 182

فيما اذا اشترى بالربح قبل اخراج الخمس جارية ... 183

في أنّ مصارف الحجّ المندوب و الزيارات من المؤونة و أنّ المدار على وقت انشاء السفر ... 184

فيما لو جعل الغوص أو المعدن مكسبا له ... 185

في عدم اشتراط التكليف و الحرّيّة في تعلّق الخمس ... 187

فصل في قسمة الخمس و مستحقّه / 189

في أنّ الخمس يقسم ستّة أسهم ... 189

الفرع الأوّل في قسمة الخمس ... 190

الفرع الثاني في المقصود من ذي القربى ... 192

الفرع الثالث في شرائط مستحقّي الخمس ... 195

الفرع الرابع في أنّه هل يشترط العدالة في المستحقّ؟ ... 197

الفرع الخامس في اشتراط الفقر و الحاجة في الأيتام و ابن السبيل ... 198

في عدم وجوب البسط على الأصناف ... 199

في أنّ مستحقّ الخمس من انتسب الى هاشم بالأبوّة ... 203

فرع في عدم الفرق بين العلوي و سائر الهاشميّين ... 206

في عدم تصديق من ادّعى النسب الاّ بالبيّنة أو الشياع المفيد للعلم ... 209

في دفع الخمس الى من يجب نفقته ... 210

في دفع الزائد عن مؤونة السنة لمستحقّ واحد ... 211

في متولّي الخمس في زمان الغيبة ... 212

في نقل الخمس من بلد الى غيره ... 222

الفرع الأوّل في نقل الخمس الى بلد آخر اذا لم‌يوجد المستحقّ في بلده ... 222

الفرع الثاني في نقل الخمس الى بلد آخر اذا وجد المستحقّ في بلده ... 222

الفرع الثالث فيما اذا نقل الخمس من بلده الى غيره فتلف ... 223

فيما لو أذن الفقيه في النقل ... 223

فيما لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ ... 224

فيما لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده ... 225

في عدم اعتبار رضا المستحقّ أو المجتهد اذا أراد المالك أن‌يدفع العوض ... 227

في عدم جواز أخذ الخمس و ردّه على المالك ... 229

فيما اذا انتقل الى الشخص مال فيه الخمس ممّن لايعتقد وجوبه ... 229

الأنفال / 238

موارد الأنفال ... 241

حكم الأنفال ... 249

خاتمة في تقسيم الأرضين و حكمها / 251

مسألة في احياء الموات ... 252

في التصرّف في الأنفال و الأخماس ... 253

مقدّمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه

محمّد و آله الطيّبين الطاهرين

أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه من الواجب الكفائي؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و أوصيائه عليهم‌السلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.

و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهم‌السلام في بيان تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، و أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أن‌تكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته، و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد المجدّد آيه‌اللّه العظمى الامام الخميني قدس‌سره المحيي للاسلام في عصرنا هذا. فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهم‌السلام أن‌يصرفوا أعمارهم أو أغلب أوقاتهم في طلب

الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم حول الأحكام و غيرها.

و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان اشتغلت بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب من ابتداء كتاب الصلاة من العروة الوثقى و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت كتابا فسمّيته «الهادي إلى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى».

أمّا هذا الكتاب فقد طبع لأوّل مرّة سنة 1417 من الهجرة المباركة، فحيث قد نفدت مجلّداته و أهمّ من ذلك أنّه كان في حاجة ماسّة الى بعض التغييرات، قمنا باصلاح أخطائه المطبعيّة و تعديل بعض آرائنا فيه. فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر ليست هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آيه‌اللّه العظمى الشيخ حسن‌علي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.

سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني

محرّم الحرام 1430

كتاب الخمس

و هو من الفرائض و قد جعلها اللّه تعالى لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و ذرّيّته عوضا عن الزكاة اكراما لهم، و من منع منه درهما أو أقلّ كان مندرجا في الظالمين لهم و الغاصبين لحقّهم، بل من كان مستحلاًّ لذلك كان من الكافرين، ففي الخبر عن أبي بصير قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام : «ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال عليه السلام : من أكل من مال اليتيم درهما، و نحن اليتيم».(1)و عن الصادق عليه السلام : «انّ اللّه لا اله الاّ هو حيث حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال».(2)و عن أبي جعفر عليه السلام : «لايحلّ لأحد أن‌يشتري من الخمس شيئا حتّى يصل الينا حقّنا».(3)و عن أبي عبداللّه عليه السلام : «لايعذر عبد اشترى من الخمس شيئا أن‌يقول: يا ربّ اشتريته بمالي حتّى يأذن له أهل الخمس».(4)

الشرح:

لا اشكال كما لا خلاف في وجوب الخمس في الشريعة الاسلامية و قد نطق به الكتاب العزيز و السنّة المتواترة، بل قامت عليه الضرورة القطعيّة على حدّ


1) - وسائل الشيعة 9: 483 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 483 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 483 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 542 / الباب 3 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 10.

يندرج منكره في سلك الكافرين، و قد أطبق عليه علماء المسلمين قاطبة من الخاصّة و العامّة و ان وقع الخلاف في بعض الخصوصيّات من حيث المورد و المصرف.

و الخمس حقّ ماليّ فرضه اللّه على عباده في مال مخصوص له و لبني هاشم عوض اكرامه ايّاهم بمنع الصدقة و الأوساخ عنهم، و جعل ذاته جلّ جلاله شريكا لهم تعظيما و اجلالاً لهم باظهار هذه الشركة. فقال عزّ شأنه: «و اعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل»(1)و الاّ فحقّه تعالى لوليّه كما أشار اليه الصادق عليه السلام في خبر معاذ قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّ اللّه لم‌يسأل خلقه ما في أيديهم قرضا من حاجة به الى ذلك؛ و ما كان للّه من حقّ فانّما هو لوليّه».(2)

و هذا اكرام لوليّه و الاّ فوليّه أيضا كذاته - تعالى شأنه - لايحتاج الى ما في أيدي الناس، ففي خبر الحسين بن محمّد بن عامر قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : من زعم أنّ الامام يحتاج الى ما في أيدي الناس فهو كافر، انّما الناس يحتاجون أن‌يقبل منهم الامام، قال اللّه عزّوجلّ: «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها»».(3)

و في موثّقة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«انّي لآخذ من أحدكم الدرهم و انّي لمن أكثر أهل المدينة مالاً، ما أريد بذلك الاّ أن‌تطهّروا».(4)

و قد تظافرت الأخبار بأنّ الدنيا بأسرها للرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام،


1) - الأنفال 8 : 41.

2) - أصول الكافي 1: 537 / باب صلة الامام عليه السلام / الحديث 3.

3) - أصول الكافي 1: 537 / باب صلة الامام عليه السلام / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 483 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

كخبر محمّد بن الريّان قال:

«كتبت الى العسكري عليه السلام : جعلت فداك! روي لنا أن ليس لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من الدنيا الاّ الخمس. فجاء الجواب: انّ الدنيا و ما عليها لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله».(1)

و خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: خلق اللّه آدم و أقطعه الدنيا قطيعة فما كان لآدم عليه السلام فلرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و ما كان لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فهو للأئمّة من آل محمّد عليهم‌السلام».(2)

و مرفوعة أحمد بن محمّد بن عبداللّه قال:

«الدنيا و ما فيها للّه تبارك و تعالى و لرسوله و لنا، فمن غلب على شيء منها فليتّق اللّه و ليؤدّ حقّ اللّه تبارك و تعالى و ليبرّ اخوانه، فان لم‌يفعل ذلك فاللّه و رسوله و نحن برآء منه».(3)

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: أما على الامام زكاة؟ فقال: أحَلتَ يا أبامحمّد، أما علمت أنّ الدنيا و الآخرة للامام يضعها حيث يشاء و يدفعها الى من يشاء، جائز له ذلك من اللّه، انّ الامام يا أبامحمّد لايبيت ليلة أبدا و للّه في عنقه حقّ يسأله عنه».(4)


1) - أصول الكافي 1: 409 / باب أنّ الأرض كلّها للامام عليه السلام / الحديث 6.

2) - أصول الكافي 1: 409 / باب أنّ الأرض كلّها للامام عليه السلام / الحديث 7.

3) - أصول الكافي 1: 408 / باب أنّ الأرض كلّها للامام عليه السلام / الحديث 2.

4) - أصول الكافي 1: 408 / باب أنّ الأرض كلّها للامام عليه السلام / الحديث 4.

فصل : فيما يجب فيه الخمس

اشارة

و هو سبعة أشياء: «الأوّل»: الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب قهرا بالمقاتلة معهم بشرط أن‌يكون باذن الامام عليه السلام من غير فرق بين ما حواه العسكر و ما لم‌يحوه، و المنقول و غيره كالأراضي و الأشجار و نحوها بعد اخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ و حمل و رعي و نحوها منها، و بعد اخراج ما جعله الامام عليه السلام من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، و بعد استثناء صفايا الغنيمة كالجارية الروقة و المركب الفارة و السيف القاطع و الدرع فانّها للامام عليه السلام و كذا قطائع الملوك فانّها أيضا له عليه السلام . و أمّا اذا كان الغزو بغير اذن الامام عليه السلام فان كان في زمان الحضور و امكان الاستئذان منه فالغنيمة للامام عليه السلام ، و ان كان في زمن الغيبة فالأحوط اخراج خمسها من حيث الغنيمة خصوصا اذا كان للدعاء الى الاسلام، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول و غيره يجب فيه الخمس على الأحوط و ان كان قصدهم زيادة الملك لا للدعاء الى الاسلام.

و من الغنائم التي يجب فيها الخمس الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب، بل الجزية المبذولة لتلك السريّة بخلاف سائر أفراد الجزية، و منها أيضا ما صولحوا عليه، و كذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم اذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم و لو في زمن الغيبة، فيجب اخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً كان أو كثيرا من غير ملاحظة خروج مؤونة السنة على ما يأتي في أرباح المكاسب و سائر الفوائد.

الشرح:

قد جرى على ألسن الفقهاء أنّه يجب الخمس في سبعة أشياء: غنائم دار الحرب و المعدن و الكنوز و الغوص و المكاسب و أرض الذمّي التي اشتراها من مسلم و الحرام المختلط بالحلال.

و قال في المدارك: «هذا الحصر الاستقرائي مستفاد من تتبّع الأدلّة الشرعيّة. و ذكر الشهيد في البيان أنّ هذه السبعة كلّها مندرجة في الغنيمة».(1)

و يؤيّده ما ورد عن فقه الرضا عليه السلام :

«و قال جلّ و علا: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى» الى آخر الآية، فتطوّل علينا بذلك امتنانا منه و رحمة، اذا كان المالك للنفوس و الأموال و سائر الأشياء الملك الحقيقي و كان ما في أيدي الناس عواري، و أنّهم مالكون مجازا لا حقيقة له، و كلّ ما أفاد الناس فهو غنيمة، لا فرق بين الكنوز و المعادن و الغوص و مال الفيء الذي لم‌يُختلف فيه، و هو ما ادّعي فيه الرخصة، و هو ربح التجارة. الحديث».(2)


1) - مدارك الأحكام 5: 359 و 360.

2) - مستدرك الوسائل 7: 284 / الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

و موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(1)

و على كلّ حال فالأمر سهل بعدم الفائدة في هذا البحث، فلنبحث عن جميع الموارد التي قيل بوجوب الخمس فيها ليتبيّن الحال فنقول:

الأوّل: غنائم دار الحرب

اشارة

يجب الخمس في الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب بالقهر و الغلبة، و الحكم فيها مجمع عليه بين المسلمين كما في المدارك(2)، و من غير خلاف فيه كما في الجواهر(3)عن الغنية. و الأصل فيه قوله تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء. الآية» و الأخبار المستفيضة بل المتواترة كما في الرياض(4):

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدّي خمسنا و يطيب له».(5)

و منها صحيحة ربعي بن عبداللّه بن الجارود عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله اذا أتاه المغنم أخذ صفوه و كان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس و يأخذ خمسه ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه ثمّ قسم الخمس الذي أخذه خمسة


1) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

2) - مدارك الأحكام 5: 360.

3) - جواهر الكلام 16: 6.

4) - رياض المسائل 5: 227.

5) - وسائل الشيعة 9: 488 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 8 .

أخماس يأخذ خمس اللّه عزّوجلّ لنفسه ثمّ يقسم الأربعة أخماسبين ذوي القربى و اليتامى و المساكين و أبناء السبيل يعطي كلّ واحد منهم حقّا، و كذلك الامام أخذ كما أخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله».(1)

و قال في الجواهر: «الأوّل: غنائم دار الحرب بين المسلمين و الكافرين كفرا تستحلّ به أموالهم و تسبى به نساؤهم و أطفالهم، كأن‌يكون بانكار - و لو عنادا - للملك الجبّار أو النبيّ المختار صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أو المعاد أو شكّ في ذلك من غير فسحة النظر أو اثبات اله أو نبيّ آخر، لا غيره من أقسام الكفر ممّا لايجري فيه ذلك كالمرتدّين بغير النصب ملّة أو فطرة و ان شاركوا الكفّار في القتل و نجاسة السؤر و حرمة الذبائح و النكاح و نحوها، كما هو واضح كوضوح وجوب الخمس في غنائم دار الحرب».(2)

ثمّ انّه يشترط أن‌تكون الحرب و المقاتلة باذن الامام عليه السلام ، و سيأتي الكلام فيما أخذت بغير المقاتلة من غيلة أو سرقة أو نحوهما، و كذا ما أخذت بدون اذن الامام عليه السلام .

كما لا فرق في غنائم دار الحرب بين ما حواه العسكر و ما لم‌يحوه بلا خلاف فيه يعرف كما في الجواهر(3). و يشهد له خبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا اله الاّ اللّه، و أنّ محمّدا رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فانّ لنا خمسه و لايحلّ لأحد أن‌يشتري من الخمس شيئا حتّى يصل الينا حقّنا».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 510 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 16: 5.

3) - نفس المصدر: 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 487 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

فروع:

الفرع الأوّل في : اخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة

يجب خمس غنائم دار الحرب بعد اخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة. أمّا المؤن التي أنفقت على الغنيمة قبل التحصيل فلما ورد في خبر محمّد بن الحسن الأشعري عن أبي جعفر الثاني عليه السلام :

«... فكتب بخطّه: الخمس بعد المؤونة».(1)

و الخبر و ان ورد في المكاسب الاّ أنّ المناط واحد.

و أمّا ما أنفق على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ و حمل و رعي و نحوها الى أن‌يصل الى الامام عليه السلام و يقسم بين المقاتلين تعدّ من المؤونة السابقة على تحصيل الغنيمة، بنحو تكون قابلة للاستفادة و الانتفاع.

قال في المستند: «انّ ذات الغنيمة و ان تحقّقت بمجرّد الاستيلاء عليها في دار الحرب الاّ أنّ الانتفاع منها و الدخول في الملك الشخصي الذي به تكون غنيمة بالحمل الشائع منوط بالوصول الى الامام عليه السلام و تقسيمه لها بين المقاتلين؛ فصحّ القول - بهذه العناية - بأنّ مصاريف الحفظ و نحوه تعدّ من المؤن السابقة على تحصيل الغنيمة فلاحظ».(2)

ثمّ انّه قد صرّح بالاخراج المزبور جماعة و ان أنكره آخرون - كما في الجواهر(3)- استنادا الى اطلاق الآية المباركة. ولكن فيه: انّ الآية ليست لها اطلاق من هذه الجهة؛ لأنّها ليست بصدد بيان كيفيّة تعلّق الخمس بالغنائم.


1) - وسائل الشيعة 9: 500 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - مستند العروة 25: 11.

3) - جواهر الكلام 16: 9.

الفرع الثاني : في اخراج ما جعل الامام عليه السلام من الغنيمة على فعل مصلحة

يجب خمس غنائم دار الحرب بعد اخراج ما جعل الامام عليه السلام من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح؛ لأنّه وليّ أمر المسلمين و أولى بهم من أنفسهم. و صرّح بذلك في الشرائع(1)و الروضة(2)و قوّاه في الجواهر فقال: «الخمس بعد اخراج الجعائل أي ما يجعله الامام عليه السلام على فعل مصلحة من مصالح المسلمين، بل لايبعد عدم وجوبه على المجعول له من هذه الحيثيّة و ان تعلّق به من حيث الاكتساب مع اجتماع شرائطه».(3)

و بعد استثناء صفايا الغنيمة كالجارية الروقة(4)و المركب الفارة(5)و السيف القاطع و الدرع فانّها للامام عليه السلام ؛ لصحيحة ربعي بن عبداللّه بن الجارود عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله اذا أتاه المغنم أخذ صفوه و كان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس. الحديث».(6)

و موثّقة أبي بصير - على فرض وثاقة أحمد بن هلال - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن صفو المال، قال: الامام يأخذ الجارية الروقة و المركب الفاره و السيف القاطع و الدرع قبل أن‌تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال».(7)


1) - شرائع الاسلام 1: 162.

2) - الروضة البهيّة 2: 65.

3) - جواهر الكلام 16: 10.

4) - الرُوقَة: بضمّ الراء، الجميل و الرائق من الناس تستعمل للذكر و الأنثى و المفرد و المثنّى و الجمع.

5) - الفاره: الحسناء المليحة.

6) - وسائل الشيعة 9: 510 / الباب 1 من أبواب القسمة الخمس / الحديث 3.

7) - وسائل الشيعة 9: 528 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 15.

و في مرسلة حمّاد بن عيسي عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث) قال:

«و للامام صفو المال أن‌يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة و الدابّة الفارهة و الثوب و المتاع ممّا يحبّ أو يشتهي، فذلك له قبل القسمة و قبل اخراج الخمس. الحديث».(1)

و في الجواهر قال: «لكن ينبغي استثناء صفايا الامام منه من فرس و جارية و نحوهما، كما نصّ عليه غير واحد من الأصحاب؛ لصحيحة ربعي و خبر أبي بصير».(2)

و كذا قطائع الملوك، فانّها أيضا له عليه السلام ؛ لصحيحة داود بن فرقد قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : قطائع الملوك كلّها للامام، و ليس للناس فيها شيء».(3)

و موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن الأنفال فقال: كلّ أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للامام و ليس للناس فيها سهم. الحديث».(4)

الفرع الثالث : اذا كان الغزو بغير اذن الامام عليه السلام

اذا كان الغزو بغير اذن الامام عليه السلام فان كان في زمان الحضور و امكان الاستئذان منه فالغنيمة للامام عليه السلام ، و الدليل عليه أوّلاً مفهوم صحيحة معاوية بن وهب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : السريّة يبعثها الامام فيصيبون غنائم، كيف


1) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 4.

2) - جواهر الكلام 16: 9.

3) - وسائل الشيعة 9: 525 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 526 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 8 .

يقسم قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام عليهم أُخرج منهاالخمس للّه و للرسول و قُسم بينهم ثلاثة أخماس(1)و ان لم‌يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للامام يجعله حيث أحبّ».(2)

و تقريب الاستدلال أنّ للشرطيّة الأولى و هي «ان قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام عليهم أخرج ...» مفهومين: الأوّل: عدم القتال. و الثاني: عدم الاذن. فحكم الامام عليه السلام في الأوّل - أي عدم القتال - بأنّ كلّها للامام عليه السلام و لم‌يذكر الاذن، و الاّ فعدم الاذن أيضا في المفهوم و يشمله حكم ما ذكره الامام عليه السلام في مورد عدم القتال و أنّها للامام عليه السلام .

ولكن فيه: انّ ظهور الصحيحة في التفصيل بين القتال و عدمه لا بين الاذن و عدمه، كيف و هو مفروض في مورد السؤال.

و لو أجيب بأنّ الشرط مركّب من قيدين: تحقّق القتال و كونه باذن الامام عليه السلام ، و مفهومه انتفاء المركّب المتحقّق بانتفاء أحد القيدين من انتفاء القتال أو عدم كونه بالاذن. و على هذا فالمراد من الشرط في الشرطيّة الثانية عدم القتال الخاصّ المذكور في الشرطيّة الأولى أعني ما كان بالاذن، و انتفاؤه تارة بانتفاء القتال رأسا و أخرى بعدم صدوره بالاذن كما عرفت، و قد دلّت بمقتضى الاطلاق على كون الغنيمة حينئذ بتمامها للامام عليه السلام ، فقد دلّت الصحيحة على التفصيل بين الاذن و عدمه أيضا.

فيجاب بأنّ الشرطيّة الثانية بيان لبعض أفراد المفهوم و لا مدخل لها في الاستدلال، و لعلّ الغنيمة التي أصابته الغازون بغير اذن الامام عليه السلام فيه الخمس كما


1) - و الصحيح «أربعة أخماس» بدل «ثلاثة أخماس» كما أخرجه في أبواب جهاد النفس 15: 110 / الباب 41 / الحديث1.

2) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 3.

ليس ببعيد و سيأتي.الثاني من الدلائل التي أقاموها على أنّ الغنيمة الحاصلة من الغزو بغير اذن الامام كلّها للامام، مرسلة العبّاس الورّاق عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للامام و اذا غزوا بأمر الامام فغنموا كان للامام الخمس».(1)

و الظاهر أنّ المسألة متسالم عليها بين الأصحاب، ففي كتاب الفيء من الخلاف قال: «اذا دخل قوم دار الحرب و قاتلوا بغير اذن الامام فغنموا كان ذلك للامام خاصّة و خالف جميع الفقهاء ذلك، دليلنا اجماع الفرقة و أخبارهم».(2)

و في المنتهى قال: «اذا قاتل قوم من غير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة للامام، ذهب اليه الشيخان و السيّد المرتضى و أتباعهم. و قال الشافعي: حكمها حكم الغنيمة مع اذن الامام، لكنّه مكروه. و قال أبو حنيفة: هي لهم و لا خمس. و لأحمد ثلاثة أقوال كقولي الشافعي و أبي حنيفة و ثالثها لا شيء لهم فيه».(3)

ثمّ انّ الظاهر من اطلاق الروايتين و ما عليه الأصحاب أنّ الغنيمة المغزوّ عليها بغير اذن الامام عليه السلام كلّها له عليه السلام اذا أمكن الاستئذان منه، بلا فرق بين أن‌يكون المقاتلون في لواء خلفاء الجور أو كانوا مستقلّين، و بين أن‌يكونوا من غير العارفين أو من شيعة عليّ و أولاده المعصومين عليهم‌السلام، فاذا غزوا بغير اذن الامام عليه السلام فغنموا فكلّها له عليه السلام . نعم، اذا كانت الغزاة من غير الشيعة ولكن كان بعضهم من المقرّين بالولاية فأصاب غنيمة فيخرج خمسه فيطيب له، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب


1) - وسائل الشيعة 9: 529 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 16.

2) - الخلاف 4: 190 / مسألة 16.

3) - منتهى المطلب 8 : 576.

غنيمة، قال: يؤدّي خمسنا و يطيب له».(1)

الفرع الرابع : في غزو قوم تحت أمر سلاطين الجور

و أمّا في زمن الغيبة فان غزا قوم تحت أمر سلاطين الجور من العامّة فالغنيمة للامام عليه السلام فيصل الى نائبه العامّ و هو الفقيه الجامع لشرائط الافتاء. نعم، اذا كان رجل من أصحابنا تحت أمرهم فأصاب غنيمة فيؤدّي خمسه فيطيب له. و الدليل على ذلك هو الدليل عليه اذا كان الامام الأصل حاضرا، مضافا الى ما ورد عنهم من أنّ الفقهاء هم المرجع في الحوادث الواقعة، و أنّهم حكّام فيما قد جعلهم الامام حكّاما فيه، و أنّهم حجّة اللّه، كما قال عليه السلام :

«فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه».(2)

و كذا اذا غزا قوم من الشيعة تحت أمر سلطان من سلاطين الشيعة بغير اذن الفقيه الجامع للشرائط فانّ الغنيمة كلّها للفقيه. و أمّا اذا كان الفقيه مبسوط اليد فان كان قائلاً بجواز الجهاد الابتدائي فأمر بالجهاد فأصابوا غنيمة فيخرج منها الخمس و يقسم الباقي بين المقاتلين كما فعله رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله. نعم، له أن‌يأخذ منها ما يصلحه قبل القسمة كآلات الحرب من طائرة و مدفعيّة و قنبلة و دبّابة و صاروخ و غيرها و هذا الذي يأخذه بعنوان منصبه فيصرفه فيما به قوّة المسلمين و شوكتهم.

و أمّا ما يؤخذ من الكفّار و المشركين عند صدّ هجماتهم اذا هجموا على المسلمين في بلادهم فحيث انّه لم‌يحتج الى اذن الامام عليه السلام في حضوره أو نائبه في غيبته فيشمله عمومات الغنيمة من الكتاب و السنّة فيأخذ الامام أو نائبه خمس


1) - وسائل الشيعة 9: 488 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 27: 140 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 9.

الغنيمة و يقسم الباقي بين المقاتلين بعنوان الدفاع. نعم، للامام عليه السلام أو نائبه أن‌يأخذمن الغنائم ما يراه مصلحة قبل القسمة لولايته بدليل الكتاب و السنّة، و مثل ذلك ولاية الفقيه الجامع لشرائط الافتاء بجعله حجّة عنه كما هو حجّة اللّه.

الفرع الخامس : في الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب

و من الغنائم التي يجب فيها الخمس الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب بل الجزية المبذولة للسريّة، و كذا ما صولحوا عليه، فكلّها تعدّ من غنائم أهل الحرب الشاملة لما يؤخذ منهم فيشملها اطلاق الآية المباركة بعد صدق الغنيمة عليها.

قال في الجواهر: «و من الغنيمة عرفا فداء المشركين و ما صولحوا عليه، وفاقا للدروس و الروضة و كشف الأستاذ، فيجب فيه الخمس، بل هو منها قطعا بالمعنى الأعمّ، و ليس الجزية من أحدهما. انتهى ملخّصا».(1)

و الظاهر أنّ فداء المشركين و ما صولحوا عليه و كذا الجزية المبذولة، ان كانت بعد المقاتلة و الغلبة يصدق عليها غنيمة دار الحرب، ففيها الخمس من غير ملاحظة اخراج مؤونة السنة. و كذا اذا قاتلوا و لم‌يكن غلبة فغنموا؛ لصدق غنيمة دار الحرب عليه.


1) - جواهر الكلام 16: 13.

في اخراج الخمس اذا غار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم

(مسألة 1): اذا غار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى اخراج خمسها من حيث كونها غنيمة و لو في زمن الغيبة؛ فلايلاحظ فيها مؤونة السنة، و كذا اذا أخذوا بالسرقة و الغيلة. نعم، لو أخذوا منهم بالربا أو بالدعوى الباطلة فالأقوى الحاقه بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة عن مؤونة السنة و ان كان الأحوط اخراج خمسه مطلقا.

الشرح:

اذا أغار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم فهي غنيمة دار الحرب، فالاغارة نوع من المقاتلة، فما سبق من أحكام الغنيمة يجري فيما حصلوا عليه بالاغارة على الكفّار. و أمّا اذا أخذوا شيئا بالسرقة و الخدعة فيما يجوز ذلك فلايشمله غنيمة دار الحرب و ان كان غنيمة بالمعنى الأعمّ، فيجب فيها الخمس الاّ أنّه بعد اخراج مؤونة السنة كأرباح المكاسب.

و كذا لو تجهّز المسلمون و ترصّدوا فرصة للقتال و في خلال ذلك بعث الأمير نفرا منهم لأخذ أموال الكفّار بالسرقة أو الغيلة حتّى يكون ارعابا و تضعيفا لهم، فحينئذ ما يؤخذ منهم من الأموال فهو غنيمة بالمعنى الأعمّ.

و من هنا ظهر أنّ ما أخذوا منهم بالربا أو الدعوى الباطلة على فرض صحّتهما يلحق بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة عن مؤونة السنة.

في أخذ مال النصّاب

(مسألة 2): يجوز أخذ مال النصّاب أينما وجد لكنّ الأحوط اخراج خمسه مطلقا، و كذا الأحوط اخراج الخمس ممّا حواه العسكر من مال البغاة اذا كانوا من النصّاب و دخلوا في عنوانهم و الاّ فيشكل حلّيّة مالهم.

الشرح:

هذه المسألة مشتملة على حكمين: أحدهما في جواز أخذ مال الناصب أينماوجد، و ثانيهما في وجوب الخمس فيه.

أمّا الأوّل فلصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع الينا الخمس».(1)

و مثله صحيحة معلّى بن خنيس.(2)

و خبر اسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبداللّه عليه السلام :

«مال الناصب و كلّ شيء يملكه حلال الاّ امرأته فانّ نكاح أهل الشرك جائز، و ذلك أنّ رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: لاتسبّوا أهل الشرك فانّ لكلّ قوم نكاحا و لولا أنّا نخاف عليكم أن‌يُقتل رجل منكم برجل منهم و رجل منكم خير من ألف رجل منهم لأمرناكم بالقتل لهم ولكن ذلك الى الامام عليه السلام ».(3)

و أمّا وجوب الخمس فيما يؤخذ من مال الناصب فلصحيحة حفص بن البختري المتقدّمة آنفا و لصحيحة معلّى بن خنيس.

تنبيه:

لايخفى أنّه يجب اخراج مؤونة السنة في أرباح المكاسب؛ لما ورد من النصّ في أرباح المكاسب بأنّ الخمس بعد اخراج مؤونة السنة ارفاق كما يأتي. و أمّا فيما بقي من الموارد كغنائم دار الحرب و المعادن و غيرهما فحيث انّ خمسه للامام عليه السلام قطعا و لا دليل على اخراج مؤونة السنة منه فينتفي بالأصل و يجب ردّ


1) - وسائل الشيعة 9: 487 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 488 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 15: 80 / الباب 26 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 2.

خمسه الى الامام عليه السلام فانّه له من دون اخراج المؤونة.

هذا حال الناصب، و أمّا أخذ مال البغاة اذا دخلوا في عنوان الناصب فحلال، و كذا اذا أخذ حين الحرب. و لمّا وضعت الحرب أوزارها فانّ الاذن في قتالهم هوالاذن في التصرّف في أموالهم. و أمّا اذا وضعت الحرب أوزارها فان لم‌يدخلوا في عنوان الناصب فالتصرّف في أموالهم مشكل بل لايجوز اذا استسلموا لأمر الامام عليه السلام و تابوا أو عفى عنهم الامام عليه السلام .

في شرائط المغتنم

(مسألة 3): يشترط في المغتنم أن لايكون غصبا من مسلم أو ذمّي أو معاهد و نحوهم ممّن هو محترم المال و الاّ فيجب ردّه الى مالكه. نعم، لو كان مغصوبا من غيرهم من أهل الحرب لابأس بأخذه و اعطاء خمسه و ان لم‌يكن الحرب فعلاً مع المغصوب منهم، و كذا اذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة من وديعة أو اجارة أو عارية أو نحوها.

الشرح:

اذا كان عند المقاتلين مال لغيرهم من أهل الحرب سواء كان غصبا أو بعنوان الأمانة من وديعة أو اجارة أو عارية أو نحوها، يجوز أخذه و اعطاء خمسه و ان لم‌يكن الحرب فعلاً مع المغصوب منهم؛ لصدق الغنيمة على الكلّ، فيشمله اطلاق الآية المباركة بعد تساوي الجميع في عدم احترام المال، كما أنّه متسالم عليه بين الأصحاب. و أمّا لو كان مغصوبا ممّن هو محترم المال من مسلم أو ذمّي أو معاهد سواء كان من أموال المسلمين من المماليك أو سائر الأموال أو ذراريهم لم‌يدخل في الغنيمة.

قال في الرياض: «بلا خلاف في الذراري الأحرار على الظاهر المصرّح به في

التنقيح و السرائر و صريح الدروس و المنتهى».(1)

و الدليل على ذلك صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأله رجل عن الترك يغيرون على المسلمين فيأخذون أولادهمفيسرقون منهم، أيردّ عليهم؟ قال: نعم، و المسلم أخو المسلم، و المسلم أحقّ بماله أينما وجده».(2)

و مرسلة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في السبي يأخذه العدوّ من المسلمين في القتال من أولاد المسلمين أو من مماليكهم فيحوزونه، ثمّ انّ المسلمين بعد قاتلوهم فظفروا بهم و سبوهم و أخذوا منهم ما أخذوا من مماليك المسلمين و أولادهم الذين كانوا أخذوهم من المسلمين، كيف يصنع بما كانوا أخذوه من أولاد المسلمين و مماليكهم؟ قال: فقال: أمّا أولاد المسلمين فلايقامون في سهام المسلمين، ولكن يردّون الى أبيهم و أخيهم و الى وليّهم بشهود، و أمّا المماليك فانّهم يقامون في سهام المسلمين فيباعون و تعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين».(3)

كلّ ذلك مضافا الى معلوميّة عدم صيرورة المسلم الحرّ رقّا، بل لعلّه من ضروريّات الدين.

و أمّا الأموال و العبيد فان كانت قبل القسمة فلأربابها.

قال في الجواهر: «عند عامّة العلماء كما في المنتهى و محكي التذكرة بدون غرامة شيء للمقاتلة؛ للأصل و صحيحة هشام من أنّ «المسلم أحقّ بماله أينما


1) - رياض المسائل 8 : 95.

2) - وسائل الشيعة 15: 98 / الباب 35 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 15: 97 / الباب 35 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 1.

وجده». انتهى ملخّصا».(1)

و تشهد له مرسلة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل كان له عبد (عبيد) فأُدخل دار الشرك ثمّ أخذ سبيا الى دارالاسلام، قال: ان وقع عليه قبل القسمة فهو له، و ان جرى عليه القَسْم فهو أحقّ به بالثمن».(2)

و خبر طربال عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سئل عن رجل كان له جارية فأغار عليه المشركون فأخذوها منه ثمّ انّ المسلمين بعد غزوهم فأخذوها فيما غنموا منهم، فقال: ان كانت في الغنائم و أقام البيّنة أنّ المشركين أغاروا عليهم فأخذوها منه ردّت عليه، و ان كانت قد اشتريت و خرجت من المغنم فأصابها ردّت عليه برمّتها، و أعطي الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه. قيل له: فان لم‌يصبها حتّى تفرّق الناس و قسموا جميع الغنائم فأصابها بعد؟ قال: يأخذها من الذي هي في يده اذا أقام البيّنة، و يرجع الذي هي في يده اذا أقام البيّنة على أمير الجيش بالثمن».(3)

هذا، الاّ أنّ في الجواهر حكى عن الشيخ اطلاق كونها للمقاتلة بما هذا لفظه: «لكن عن الشيخ في النهاية اطلاق كونها للمقاتلة مع غرامة الامام عليه السلام لأربابها الأثمان من بيت المال، بل عن القاضي نفي البأس عنه بعد أن‌أفتى بالأوّل».(4)

أمّا لو كان بعد القسمة فلو عرفت بالبيّنة بعد القسمة فالأظهر ما عليه المشهور من اعادتها على المالك الذي هو أحقّ بماله أينما وجده، كما في صحيحة هشام


1) - جواهر الكلام 21: 223.

2) - وسائل الشيعة 15: 98 / الباب 35 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 15: 99 / الباب 35 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 5.

4) - جواهر الكلام 21: 224.

بن سالم المتقدّمة آنفا.

و في الجواهر: «وفاقا للمحكي عن الشيخ في المبسوط و ابني زهرة و ادريس و الفاضل و الشهيدين و الكركي و المقداد و غيرهم، بل عن الغنية الاجماع عليه و خالف الشيخ في النهاية بأنّها للمقاتلة و لأربابها القيمة من بيت المال ولكن لم‌أجدله موافقا على ذلك منّا. نعم، هو محكيّ عن أبي حنيفة و الثوري و الأوزاعي و مالك و أحمد في احدى الروايتين بل نقله الجمهور عن عمرو الليث و عطاء و النخعي و اسحاق. انتهى ملخّصا».(1)

و ليس لما اختاره الشيخ في النهاية دليل الاّ مرسلة هشام بن سالم فهي ضعيفة السند، و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل لقيه العدوّ و أصاب منه مالاً أو متاعا، ثمّ انّ المسلمين أصابوا ذلك، كيف يصنع بمتاع الرجل؟ فقال: اذا كانوا أصابوه قبل أن‌يحوزوا متاع الرجل ردّ عليه، و ان كانوا أصابوه بعد ما حازوه فهو فيء المسلمين فهو أحقّ بالشفعة».(2)

فهي كما ترى لاينطبق مفادها على مقالة الشيخ من غرامة الامام قيمته من بيت المال؛ لعدم التعرّض فيها لهذه الغرامة بوجه، بل المذكور فيها أنّه أحقّ بالشفعة أي أنّ للمالك استرجاع المال من المقاتلين بالثمن كما في الشفيع. و لايبعد أن‌يؤيّده مرسلة جميل المتقدّمة ففي ذيلها: «و ان جرى عليه القَسم فهو أحقّ بالثمن».

و في مستند العروة قال: «لايبعد أن‌يكون الأقرب تفسير الحيازة بالاستيلاء على المال و اغتنامه مع عود الضمير في قوله: «اذا كانوا أصابوه» الى الرجل ليكون المعنى أنّه ان عرف صاحب المال قبل أن‌يغتنم فهو له و الاّ فللمسلمين، كما ربّما يقرب هذا المعنى ما هو المشهور بل المتسالم عليه بينهم من أنّ مجهول المالك


1) - جواهر الكلام 21: 225.

2) - وسائل الشيعة 15: 98 / الباب 35 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 2.

لو عرف صاحبه بعد الصرف فيما قرّره الشرع من صدقة و نحوها لم‌يستحقّ شيئا».(1)

و على أيّ حال فالصحيحة امّا مجملة أو لم‌يعمل بها أحد الاّ أن‌يؤوّلها بمايوافق مذهب الشيخ. فالأظهر ما عليه المشهور من أنّ عين مال المسلم الذي أخذه المشركون ثمّ أخذه المسلمون منهم فأصابوا على صاحبه المسلم بعد القسمة، فهو له و ردّ اليه، كما اذا كان قبل القسمة.

و تؤيّده رواية طربال المتقدّمة، ففيها: «و ان كانت قد اشتريت و خرجت من المغنم فأصابها ردّت عليه برمّتها».

انّما الكلام في غرامة الامام القيمة لأربابها من بيت المال، فهو الظاهر من خبر طربال و مرسلة هشام و كذا صحيحة الحلبي في وجه و مرسلة جميل، و لاتخالفه صحيحة هشام بن سالم، فان لم‌يكن هناك اجماع على خلافه فالعمل به قويّ، و قد صرّح عليه السلام في صحيحة الحلبي بأنّه «فيء للمسلمين».

ثمّ اعلم أنّه لو علم أمير الجيش بمال المسلم قبل القسمة فقسمه وجب ردّه و كان صاحبه أحقّ به بغير شيء؛ ضرورة بطلان القسمة من أصلها.

و لايخفى عليك أنّ ذلك كلّه لو أخذ مال المسلم من الكافر على وجه الاغتنام بالجهاد، أمّا اذا أخذ سرقة أو هبة أو شراءً أو نحو ذلك فلا اشكال في عوده الى مالكه من دون غرامة شيء و ان كان الآخذ جاهلاً؛ لعموم قوله عليه السلام : «المسلم أحقّ بماله أينما وجده»(2). نعم، يرجع الى المشرك بثمنه ان وجده. و لو أسلم المشرك الذي في يده مال المسلم أخذ منه بغير قيمة.

و لو دخل مسلم دار الحرب فسرق من المشرك ما هو مال مسلم أو نهبه أو اشتراه ثمّ أخرجه الى دار الاسلام فصاحبه أحقّ به و لايلزمه قيمته، و كلّ تصرّف


1) - مستند العروة 3: 32.

2) - وسائل الشيعة 15: 98 / الباب 35 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 3.

فيه ببيع أو عتق أو نحوهما باطل مع عدم الاجازة. و لو غنم المسلمون من المشركين شيئا عليه علامة الاسلام فلم‌يعلم صاحبه فهو غنيمة؛ لظاهر اليد.

في اعتبار بلوغ النصاب في وجوب الخمس في الغنائم

(مسألة 4): لايعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين دينارا فيجب اخراج خمسه قليلاً كان أو كثيرا على الأصحّ.

الشرح:

قال في الحدائق: «نقل عن الشيخ المفيد في المسائل الغريّة أنّه قال: و الخمس واجب فيما يستفاد من غنائم الكفّار و الكنوز و العنبر و الغوص، فمن استفاد من هذه الأربعة الأصناف عشرين دينارا أو قيمته ذلك كان عليه أن‌يخرج منه الخمس. و ظاهره أنّه لابدّ من بلوغ قيمة الغنيمة عشرين دينارا فما زاد أو كونها كذلك - الى أن‌قال: - و لم‌نقف للشيخ المفيد هنا على دليل».(1)

و في محكي الجواهر: «لايعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين دينارا لصريح جماعة و ظاهر آخرين، بل لاأعرف فيه خلافا سوى ما يحكى عن ظاهر غرية المفيد من اشتراط بلوغ مقدار عشرين دينارا، و هو ضعيف لانعرف له موافقا و لا دليلاً».(2)

قلت: الظاهر أنّه لايعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين دينارا؛ لاطلاق الأدلّة و منها الآية الشريفة و للأصل، فيجب اخراج خمسه قليلاً كان أو كثيرا على الأصحّ.


1) - الحدائق الناضرة 12: 321 و 322.

2) - مستمسك العروة 9: 453.

في خمس السَلَب و عدّها من الغنيمة

(مسألة 5): السَلَب من الغنيمة فيجب اخراج خمسه على السالب.

الشرح:

الظاهر أنّه لا خلاف - كما في الجواهر(1)- في أنّ السلَب للقاتل اذا شرطهالامام؛ لأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و لما فيه من مصلحة الاسلام و المسلمين من الرغبة في القتال و التحريض عليه، مضافا الى عموم: «المؤمنون عند شروطهم»(2)، و قد ورد قول رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال يوم خيبر:

«من قتل قتيلاً فله سَلَبُه». فقتل أبو طلحة عشرين رجلاً فأخذ أسلابهم.(3)

و لو لم‌يشترط الامام عليه السلام أنّ السلَب للقاتل فالمشهور أيضا ذلك؛ لعموم ما دلّ على قسمة الغنيمة بين المقاتلين.

و في الجواهر: «لاأجد فيه خلافا الاّ من الاسكافي».(4)

و في كتاب الفيء من الخلاف: «السلب لايستحقّه القاتل الاّ أن‌يشترط له الامام. و به قال أبو حنيفة و مالك. و قال الشافعي: هو للقاتل و ان لم‌يشترط له الامام عليه السلام . و به قال الأوزاعي و الثوري و أحمد بن حنبل».(5)

و في كتاب الفيء من الخلاف: «اذا شرط له الامام السلَب لايحتسب عليه من الخمس و لايخمّس. و عند أبي حنيفة يحتسب عليه من الخمس. و قال الشافعي: لايخمّس. و به قال سعد بن أبي وقّاص. و قال ابن عبّاس: يخمّس السلب قليلاً


1) - جواهر الكلام 21: 186.

2) - وسائل الشيعة 21: 276 / الباب 20 من أبواب المهور / الحديث 4.

3) - سنن البيهقي 6: 306.

4) - جواهر الكلام 21: 186.

5) - الخلاف 4: 183 / مسألة 8 .

كان أو كثيرا. و قال عمر: ان كان قليلاً لايخمّس و ان كان كثيرا خمّس».(1)

و الحقّ ما عليه المشهور من أنّ السلب للقاتل، شرطه الامام أو لا، بلا فرق في الصورتين الاّ أنّه لا خمس في الصورة الأولى؛ لأنّه من الجعائل و لا خمس في الجعائل بخلاف الصورة الثانية فانّ فيها الخمس؛ لكونه من الغنيمة فهي مشمولةلحكمها.


1) - الخلاف 4: 186 / مسألة 9.

لثاني: المعادن

اشارة

«الثاني»: المعادن من الذهب و الفضّة و الرصاص و الصُفر و الحديد و الياقوت و الزبرجد و الفيروزج و العقيق و الزيبق و الكبريت و النفط و القير و السنج و الزاج و الزرنيخ و الكحل و الملح بل و الجصّ و النورة و طين الغسل و حجر الرحى و المغرة و هي الطين الأحمر على الأحوط و ان كان الأقوى عدم الخمس فيها من حيث المعدنيّة بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مؤونة السنة. و المدار على صدق كونه معدنا عرفا، و اذا شكّ في الصدق لم‌يلحقه حكمها، فلايجب خمسه من هذه الحيثيّة بل يدخل في أرباح المكاسب. و يجب خمسه اذا زادت عن مؤونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه. و لا فرق في وجوب اخراج خمس المعدن بين أن‌يكون في أرض مباحة أو مملوكة و بين أن‌يكون تحت الأرض أو على ظهرها و لا بين أن‌يكون المخرج مسلما أو كافرا ذمّيّا بل و لو حربيّا، و لا بين أن‌يكون بالغا أو صبيّا و عاقلاً أو مجنونا، فيجب على وليّهما اخراج الخمس.

و يجوز للحاكم الشرعي اجبار الكافر على دفع الخمس ممّا أخرجه و ان كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه.

و يشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين دينارا بعد استثناء مؤونة الاخراج و التصفية و نحوهما، فلايجب اذا كان المخرج أقلّ منه و ان كان الأحوط اخراجه اذا بلغ دينارا بل مطلقا. و لايعتبر في الاخراج أن‌يكون دفعة، فلو أخرج دفعات و كان المجموع نصابا وجب اخراج خمس المجموع. و ان أخرج أقلّ من النصاب فأعرض ثمّ عاد و بلغ المجموع نصابا فكذلك على الأحوط.

و اذا اشترك جماعة في الاخراج و لم‌يبلغ حصّة كلّ واحد منهم النصاب ولكن بلغ المجموع نصابا فالظاهر وجوب خمسه. و كذا لايعتبر اتّحاد جنس المخرج، فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد و بلغ قيمة المجموع نصابا

وجب اخراجه. نعم، لو كان هناك معادن متعدّدة اعتبر في الخارج من كلّ منها بلوغ النصاب دون المجموع و ان كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع خصوصا مع اتّحاد جنس المخرج منها سيّما مع تقاربها، بل لايخلو عن قوّة مع الاتّحاد و التقارب. و كذا لايعتبر استمرار التكوّن و دوامه، فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فأخرجه ثمّ انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدنا.

الشرح:

الثاني من الأشياء التي فيها الخمس: المعادن من الذهب و الفضّة و غيرهما ممّا عدّها الماتن.

و في الحدائق قال: «وجوب الخمس في المعدن ممّا وقع الاتّفاق عليه نصّا و فتوىً».(1)

و يدلّ عليه من الأخبار صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن معادن الذهب و الفضّة و الصُفر و الحديد و الرصاص، فقال: عليها الخمس جميعا».(2)

و صحيحة الحلبي (في حديث) قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الكنز، كم فيه؟ قال: الخمس. و عن المعادن، كم فيها؟ قال: الخمس. و عن الرصاص و الصفر و الحديد و ما كان من المعادن، كم فيها؟ قال: يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب و الفضّة».(3)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:


1) - الحدائق الناضرة 12: 328.

2) - وسائل الشيعة 9: 491 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

«سألته عن المعادن، ما فيها؟ فقال: كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس. وقال: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى الخمس».(1)

و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاّحة فقال: و ما الملاّحة؟ فقال: أرض سبخة مالحة يجتمع فيه الماء فيصير ملحا. فقال: هذا المعدن فيه الخمس. فقلت: و الكبريت و النفط يخرج من الأرض؟! قال: فقال: هذا و أشباهه فيه الخمس».(2)

و صحيحة عمّار بن مروان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام اذا لم‌يعرف صاحبه و الكنوز الخمس».(3)

و صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة، و نسي ابن أبي عمير الخامس».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 7.

فروع:

الفرع الأوّل : في المراد من المعدن

المذكور في الروايات هو الذهب و الفضّة و الصفر و الحديد و الرصاص والملاّحة و الكبريت و النفط.

و أمّا في اللغة:

ففي القاموس: «المعدن - كمجلس - منبت الجواهر من ذهب و نحوه لاقامة أهله فيه دائما أو لانبات اللّه تعالى ايّاه فيه، و مكان كلّ شيء فيه أصله».

و في مجمع البحرين: «عَدَن بالمكان عَدَنا و عُدُونا من باب ضرب و قعد: اذا أقام به، و منه سمّي «المَعْدِن» كمجلس؛ لأنّ الناس يقيمون فيه الصيف و الشتاء، و مركز شيء معدنه».

و في أقرب الموارد: «المَعْدِن كمجلس: منبت الجواهر من ذهب و فضّة و حديد و نحوه، و مكان كلّ شيء فيه أصله و مركزه، و منه يقال: فلان معدن الكرم، أي مكان أصله و مركزه و الجمع مَعادِن».

و في المصباح المنير: «عدنَ بالمكان: أقام، و اسم المكان معدِن مثال مجلس؛ لأنّ أهله يقيمون عليه الصيف و الشتاء، أو لأنّ الجوهر الذي خلقه اللّه فيه عَدَن به، قال في مختصر العين: معدن كلّ شيء حيث يكون أصله».

و في المنجد: «المعدن و الجمع المعادن: مكان كلّ شيء فيه أصله و مركزه».

و في أساس البلاغة للزمخشري: «و فلان في معدن الخير و الكرم، و هو من مراكز الخير و معادنه».

و في الحدائق قال: «قال في المغرب: عدن المكان اذا أقام به، و منه المعدن لما خلقه اللّه تعالى في الأرض من الذهب و الفضّة؛ لأنّ الناس يقيمون فيه - الى أن‌قال: - و هو أعمّ من أن‌يكون منطبعا كالنقدين و الحديد و الرصاص و الصفر أو

غير منطبع كالياقوت و العقيق و الكحل و الفيروزج و البلّور و نحوها أو مائعا كالقير و النفط و الكبريت».(1)

و قال الشهيد في البيان: «و كلّ أرض فيها خصوصيّة بعظم الانتفاع بها كالنورة و المغرة».(2)

و قال في الدروس: «المعادن على اختلاف أنواعها حتّى المغرة و الجصّ و النورة و طين الغسل و حجارة الرحى و الملح و الكبريت».(3)

و في نهاية ابن الأثير: «المعادن: المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض كالذهب و الفضّة و النحاس و غير ذلك، واحدها معدن، و العَدْن الاقامة، و المَعدِن مركز كلّ شيء».(4)

فالظاهر من أهل اللغة أنّ المعدن هو مركز كلّ شيء، أو مكان كلّ شيء فيه أصله و مركزه، و عليه ينطبق ما هو المعروف في ألسن الناس، فيشمل كلّ ما كان في صحيحتي محمّد بن مسلم من الذهب و الفضّة و الصفر و الحديد و الرصاص و الملاّحة و الكبريت و النفط و أشباهه، سواء كان في جوف الأرض كالقير و النفط و غيرهما أو كان على سطح الأرض كالملح، و سواء كان يحتاج انتفاعه الى العلاج كالفضّة و الذهب و الحديد أو لم‌يحتج كحجارة الرحى و غيرها، و سواء كان منطبعا كالنقدين أو غير منطبع كالعقيق و الياقوت و الفيروزج و غيرها حتّى النورة و الجصّ و طين الغسل و غيرها.

و كيفما كان ففي موارد الشكّ فالمحكّم أصل البراءة من وجوب التخميس فعلاً. بيان ذلك أنّ هناك عمومات تدلّ على أنّ كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير


1) - الحدائق الناضرة 12: 327.

2) - البيان: 342.

3) - الدروس الشرعيّة 1: 260.

4) - النهاية 3: 192.

ففيه الخمس بعد المؤونة أي بعد اخراج مؤونة السنة، خرج من هذه العمومات المعدن؛ فانّ فيه الخمس فعلاً، فما أحرز أنّه معدن جرى فيه الحكم و ما شكّ أنّه معدن يبقى في عموم العامّ.

ثمّ اعلم أنّه لا فرق في وجوب اخراج خمس المعدن بين أن‌يكون في أرض مباحة أو مملوكة؛ لاطلاق الأدلّة.

الفرع الثاني : في عدم وجوب الخمس على الصبي حتّى يبلغ

لايجب على الصبي الخمس حتّى يبلغ، و الدليل عليه أوّلاً: موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الغلام - الى أن‌قال: - فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم. الحديث».(1)

و رواية ابن ظبيان عن علي عليه السلام :

«... أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ».(2)

فالحديث حاكم على جميع الأدلّة الأوّليّة و منها وجوب الزكاة و الخمس، و اطلاقه يعمّ الوضع و التكليف، مضافا الى أنّ آية الخمس «و اعلموا أنّما غنمتم ...» كالخطابات الواردة في الزكاة مثل «آتوا الزكاة»متعرّضة للتكليف فقط، و المفروض أنّ رفع القلم عن الصبي موجب لاختصاص هذا التكليف بالبالغين.

و أمّا ثانيا فمن الروايات الواردة في عدم وجوب الزكاة على الصبي


1) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات / الحديث 11.

نستكشف حكم الخمس و أنّه ليس على الصبي الخمس؛ لوحدة المناط فيهما.

و من هذه الروايات صحيحة أبي بصير قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ليس على مال اليتيم زكاة، و ان بلغاليتيم فليس عليه لما مضى زكاة. الحديث».(1)

و منها صحيحة يونس بن يعقوب قال:

«أرسلت الى أبي عبداللّه عليه السلام : انّ لي اخوة صغارا، فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ قال: اذا وجب عليهم الصلاة وجب عليهم الزكاة».(2)

و منها صحيحة محمّد بن القاسم بن الفضيل قال:

«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الوصي: أيزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى اذا كان لهم مال؟ قال: فكتب عليه السلام : لا زكاة على يتيم».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن مال اليتيم، فقال: ليس فيه زكاة».(4)

هذا، و يجري حكم الصغير على المجنون و الكافر.

الفرع الثالث : في أنّه هل يشترط في وجوب الخمس في المعدن نصاب أو لا؟

في المسألة أقوال ثلاثة:

الأوّل: اعتبار بلوغه عشرين دينارا، و استدلّوا على ذلك بصحيحة أحمد بن


1) - وسائل الشيعة 9: 84 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 84 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشريندينارا».(1)

و ذهب الى هذا القول الشيخ في النهاية(2)و المبسوط(3)و ابن حمزة في الوسيلة(4)و المتأخّرون قاطبة. و نوقش في الصحيحة بأنّها موهونة باعراض القدماء، فتسقط عن درجة الاعتبار.

و الجواب عنه أوّلاً: انّ الشيخ و ابن حمزة ذهبا الى القول الأوّل و هما من القدماء، و الحلبي و ان ذهب الى خلافه الاّ أنّ كثيرا من القدماء لم‌يتعرّضوا للنصاب في المعادن، لا أنّهم تعرّضوا لعدم اعتباره، مضافا الى ذهاب المتأخّرين قاطبة الى هذا القول.

و ثانيا: لعلّ عدم اختيار أكثر القدماء القول باشتراط بلوغ عشرين دينارا في وجوب الخمس في المعدن هو عدم دلالة الصحيحة عندهم على ذلك، أو حملوها على التقيّة؛ لكونه موافقا لفتوى الشافعي و من تبعه حيث أفتوا بوجوب الزكاة في معدن الذهب و الفضّة فقط و عدم وجوب شيء في غيرهما(5)فيكون المراد بالشيء في كلام السائل هو الزكاة، و الموصول في قوله عليه السلام «حتّى يبلغ ما يكون» فاعلاً للفعل و أريد به الذهب و الفضّة.

و ان كان في هذا الحمل اشكال؛ لأنّ الحمل على التقيّة خلاف الأصل فلايصار


1) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - النهاية: 197.

3) - المبسوط 1: 237.

4) - الوسيلة: 138.

5) - الاقناع في الفقه الشافعي 1: 30.

اليه الاّ في موارده و ليس هيهنا مورده، فلايعبأ به.

و القول الثاني للحلبي و هو اعتبار بلوغ قيمته دينارا.(1)و استدلّ على ذلك برواية البزنطي عن محمّد بن علي بن أبي عبداللّه عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و عن معادن الذهب و الفضّة، هل فيها زكاة؟ فقال: اذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس».(2)

و يردّ هذا القول أوّلاً: بضعف سند الرواية بمحمّد بن علي بن أبي عبداللّه فهو مجهول، بل لم‌يرد عنه في مجموع الفقه الاّ روايتان احداهما هذه التي يروي عنه البزنطي و الأخرى ما يروي عنه علي بن أسباط. نعم، لو قيل بأنّ البزنطي من أصحاب الاجماع و هم لايرسلون و لايروون الاّ عن ثقة فالرجل محكوم بالوثاقة؛ بناءً على هذا المسلك.

و القول الثالث: وجوب الخمس و ان لم‌يبلغ عشرين دينارا أو دينارا، و هو قول أكثر القدماء كما أشير اليه، و دليلهم اطلاق الروايات الواردة في وجوب الخمس في المعدن التي تقدّم ذكرها.

و يرد هذا القول أيضا أنّ المطلقات تقيّد بصحيحة البزنطي المتقدّمة قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عمّا أخرج من المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا».(3)

فالأقوى هو القول الأوّل من اشتراط بلوغ النصاب عشرين دينارا في المعدن.


1) - الكافي في الفقه: 170.

2) - وسائل الشيعة 9: 493 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

الفرع الرابع : في وجوب التخميس بعد استثناء مؤونة الاخراج و نحوها

يجب التخميس بعد استثناء مؤونة الاخراج و التصفية و نحوهما، و الدليلعلى ذلك أوّلاً: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المعادن، ما فيها؟ فقال: كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس. و قال: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى الخمس».(1)

و صحيحة محمّد بن الحسن الأشعري قال:

«كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الصنّاع؟ و كيف ذلك؟ فكتب بخطّه: الخمس بعد المؤونة».(2)

و ثانيا: انّ المفهوم عرفا من الغنيمة و الفائدة التي هي موضوع الخمس هو ما يبقى بعد استثناء المؤونة المصروفة في سبيل تحصيلها، فمن اشترى متاعا بعشرة و بذل أجرة العامل عشرة ليصلحه للبيع ثمّ باعه بمائة لايقال انّه ربح مائة، بل لم‌يربح الاّ ثمانين.

الفرع الخامس : في أنّ النصاب يلاحظ ابتداءً أو بعد استثناء المؤن؟

انّ النصاب الذي هو شرط في وجوب الخمس هل يلاحظ ابتداءً (أي في جميع ما أخرجه المعدن) أو بعد استثناء المؤن فلايجب الاّ اذا كان الباقي بعد


1) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 499 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

الاستثناء بالغا حدّ النصاب و لا عبرة بالبلوغ قبله (فلو كان الخارج من المعدن خمسة و عشرين و المؤونة عشرة، لم‌يجب لكون الباقي و هو الخمسه‌عشر دون النصاب و ان كان مجموع الخارج أزيد منه)؟

الظاهر أنّ النصاب الذي هو شرط في وجوب الخمس يلاحظ بعد استثناء المؤن، و الدليل على ذلك الجمع بين ما مرّ من أنّ الخمس بعد اخراج المؤونة، و بين صحيحة البزنطي المتقدّمة، فكأنّه قال بعد الجمع: انّ فائدتك من المعدن ما حصل لك بعد المؤن، فاذا بلغ عشرين دينارا ففيه الخمس. بل يمكن أن‌يقال: انّ المخرج من المعدن حقيقة هو بعد اخراج المؤن. و يؤيّده بل يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة: «ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه من حجارته مصفّى الخمس»، فما عالجه بماله فكأنّه ماله و لايصدق عليه ما حصل له من المعدن.

و يدلّ عليه أيضا قوله عليه السلام في صحيحة البزنطي قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء».(1)

و معنى الشيء هو الحقّ، و من المعلوم أنّ المعدن الذي بعضه من ماله فيه شيئان أي حقّان: حقّ للمخرج و حقّ لأصحاب الخمس، فاذا قال عليه السلام : «ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا» فالظاهر منه أنّ حقّ أصحاب الخمس في المعدن بعد ما بلغ هذا المعدن - خالصا من حقّ المخرج أي ما صرفه لاخراجه - عشرين دينارا.

قال في التذكرة: «يعتبر النصاب بعد المؤونة؛ لأنّها وصلة الى تحصيله و طريق الى تناوله فكانت منهما كالشريكين».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - تذكرة الفقهاء 5: 427.

الفرع السادس : في أنّه هل يعتبر في الاخراج أن‌يكون دفعة أو لا؟

هل يعتبر في الاخراج أن‌يكون دفعة؟ فلو أخرج دفعات و كان المجموع نصابا هل يجب اخراج خمس المجموع أو لا؟

ذهب الماتن الى أنّه لايعتبر في الاخراج أن‌يكون دفعة، فلو أخرج دفعات و كان المجموع نصابا وجب اخراج خمس المجموع، و ان أخرج أقلّ من النصاب فأعرض ثمّ عاد و بلغ المجموع نصابا فكذلك على الأحوط.

و الظاهر أنّ المسألة تختلف باختلاف المعادن من حيث العلاج و عدمه و كذا باختلاف التردّد؛ فمن اشتغل أيّاما باستخراج المعدن فاذا بلغ النصاب يجب عليه تخميسه و ان طالت المدّة و ان باع ما حصل عليه كلّ يوم و لم‌يبلغ النصاب.

و أمّا من اشتغل في السنة مرّتين و كلّ مرّة أيّاما أو أسابيع أو شهرا و شهرين و لم‌يكن بقيّة السنة مشتغلاً في المعدن، فعليه في كلّ مرّة اخراج الخمس اذا بلغ النصاب و الاّ لم‌يجب.

و أمّا اذا شارك جماعة في الاخراج فان كانت معيشتهم مشتركة فاذا بلغ المجموع نصابا يجب عليهم خمسه و ان لم‌تبلغ حصّة كلّ واحد منهم النصاب. و أمّا اذا لم‌تكن معيشتهم مشتركة فان كانوا بحيث يشتغل كلّ واحد منهم بعمل و يعدّ كلّهم كالعامل الواحد فكذلك، و أمّا ان كانوا بحيث يعمل كلّ واحد عمل المخرج الاّ أنّهم تعاهدوا الاشتراك في حاصل العمل و التقسيم مثلاً بالسويّة بعد ذلك فحينئذ اذا بلغت حصّة كلّ واحد منهم النصاب يجب خمسه و الاّ فلا.

الفرع السابع : في عدم اعتبار اتّحاد المخرَج

لايعتبر اتّحاد المخرَج، فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد و بلغت قيمةالمجموع نصابا وجب اخراج خمسه؛ لاطلاق صحيحة البزنطي.

و كذا لايعتبر اتّحاد المعدن، فلو كان هناك معادن متعدّدة يكفي في وجوب الخمس بلوغ المجموع نصابا و ان لم‌يبلغ كلّ واحد منها نصابا، و ذلك لاطلاق الروايات الواردة في وجوب خمس المعدن بضميمة اطلاق صحيحة البزنطي، فانّ المخاطب لوجوب الخمس هو المخرِج للمعدن أو المعادن.

و في الجواهر قال: «لا فرق في الظاهر بين ما يخرج من معدن واحد أو معادن متعدّدة اذا بلغ مجموع الخارج منها نصابا كما صرّح به الأستاذ في كشفه تبعا للشهيد في مسالكه و سبطه في مداركه في وجه فيهما؛ لاطلاق الأدلّة، الاّ أنّ الانصاف عدم خلوّه عن الاشكال؛ للأصل و انسياق المتّحد من الأدلّة السابقة، خصوصا صحيح النصاب(1)، على أنّه صرّح في السرائر و المنتهى بعدم الخمس فيما لو وجد ركازا دون النصاب ثمّ وجد ركازا آخر دون النصاب و اجتمعا نصابا، و لم‌أجد الفرق بينه و بين ما نحن فيه».(2)

و فيه: انّه لا مورد للأصل مع وجود الدليل، و الدليل اطلاق الروايات، و انسياق الاتّحاد منها ممنوع أو بدويّ.


1) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 16: 20.

فيما لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية

(مسألة 6): لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية فان علم بتساوي الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما أخرجه خمسا أجزأ و الاّ فلا؛ لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده.

الشرح:

يجب الخمس على ما أخرج من المعدن من الذهب و الفضّة و الصفر و الحديد و الرصاص - كما في الصحيحة الأولى لمحمّد بن مسلم - ولكنّه اذا صار مصفّى ممّا اختلط به من الحجارة، ففي صحيحة زرارة قال عليه السلام : «ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى الخمس»، كما أنّ المناط في النصاب هو بلوغ الذهب و الفضّة و غيرهما مصفّى بما اختلط به عشرين دينارا. و عليه لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية فان علم بتساوي الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما أخرجه خمسا أجزأ و الاّ فلا؛ لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده، فتجري فيه قاعدة الاشتغال.

و في الجواهر قال: «و لايجزي في الخمس اخراج خمس تراب المعدن مثلاً؛ لجواز اختلافه في الجوهر. أمّا لو علم التساوي أو الزيادة، ففي المسالك و المدارك اجزاؤه، لكن قد يشكل بظهور ذيل صحيح زرارة السابق(1)في أوّل البحث في تعلّق الخمس بعد التصفية و ظهور الجوهر، بل قد يدّعى ظهور غيره في ذلك أيضا، بل لعلّه المتعارف المعهود، و لذا صرّح الأستاذ في كشفه بعدم الاجزاء».(2)

و فيه: انّ صحيحة زرارة ظاهرة في خلاف مطلوبه و كذا غيره، و المتعارف المعهود لايخالف ما ذهب اليه المسالك و المدارك كما هو ظاهر.


1) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 16: 21.

فيما اذا وجد مقدارا من المعدن مخرجا مطروحا في الصحراء

(مسألة 7): اذا وجد مقدارا من المعدن مخرجا مطروحا في الصحراء، فان علم أنّه خرج من مثل السيل أو الريح أو نحوهما أو علم أنّ المخرج له حيوان أو انسان لم‌يخرج خمسه وجب عليه اخراج خمسه على الأحوط اذا بلغ النصاب، بل الأحوط ذلك و ان شكّ في أنّ الانسان المخرج له أخرج خمسه أم لا.

الشرح:

اذا وجد مقدارا من المعدن مخرجا مطروحا في الصحراء و بلغ النصاب ففيه صور:

الأولى: أخرجه مثل السيل أو الريح أو نحوهما و كان قريبا من أصله بحيث يصدق على آخذه أنّه أخذ من المعدن، ففي هذه الصورة يجب عليه التخميس.

الثانية: أخرجه مثل السيل أو الريح أو نحوهما و ذهب به الى مكان بعيد، فان صدق عليه أنّه من المعدن يجب فيه الخمس، سواء صار مصفّى أو يحتاج في تصفيته الى مؤونة؛ لاطلاق الروايات الواردة في تخميس المعدن. و كذا لو شكّ في صدقه عرفا بعد العلم بأنّه من المعدن للاستصحاب. و أمّا ان لم‌يصدق عليه المعدن فليس فيه الخمس من حيث المعدن؛ للبراءة. و أمّا اذا صدق عليه الكنز فيخمّس أو الفائدة فكذلك.

الثالثة: لو أخرجه انسان ولكنّه لم‌يستملكه و طرحه في الصحراء فوجده انسان آخر فيجري في هذه الصورة ما ذكر في الصورتين المتقدّمتين.

الرابعة: لو أخرجه بقصد الحيازة فتملّكه ثمّ طرحه و أعرض عنه فحينئذ لو لم‌يؤدّ خمسه أو شكّ في ذلك يجب على واجده أداء الخمس، فانّ اطلاق الروايات يشمله. و أمّا لو لم‌يعرض عنه فيلحق باللقطة أو مجهول المالك.

الخامسة: لو لم‌يحرز شيء من ذلك بعد أن‌أخرجه انسان فلم‌يعلم أنّه أخرجه بقصد التملّك أم لا؟ و على الأوّل فهل خمّسه أو لا؟ و هل طرحه معرضا عنه أو

غير معرض؟ ففي هذه الصورة ان صدق عليه أنّه من المعدن عرفا يخمّسه و الاّ يجري عليه حكم الكنز أو الفائدة.

و في الجواهر قال: «و في كشف الأستاذ: «لو وجد شيئا من المعدن مطروحا في الصحراء فأخذه فلا خمس»، و لعلّه لظهور الأدلّة في اعتبار الاخراج و ان كان للنظر فيه مجال، بل قد يدّعى تناول الأدلّة لمثله مع فرض مطروحيّته مباحا بأن كان المخرج له حيوانا مثلاً، و قد يشهد له في الجملة ما صرّح به غير واحد من الأصحاب من أنّ المعدن ان كان في ملك مالك فأخرجه مخرجه كان المعدن لصاحب الأرض و عليه الخمس، بخلاف الأرض المباحة، فانّه لمخرجه؛ اذ لا فرق عند التأمّل بين المطروح و بين ذلك».(1)

فيما لو كان المعدن في أرض مملوكة

اشارة

(مسألة 8): لو كان المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكها، و اذا أخرجه غيره لم‌يملكه بل يكون المخرج لصاحب الأرض، و عليه الخمس من دون استثناء المؤونة؛ لأنّه لم‌يصرف عليه مؤونة.

الشرح:

اعلم أنّ الأرض كلّها للّه و أنّه تبارك و تعالى مالك ما في السموات و الأرض و قد ورد: «انّ من أحيى أرضا فهي له»(2)، فأساس الملكيّة للانسان هو الاحياء، فاذا أحيى أرضا فله أن‌يبيعها أو يهبها أو يوصي بها للوارث بعد موته، فالسبب الأصيل في الملكيّة هو الاحياء، و على ضوئه يتفرّع سائر التملّكات العارضة عليها يدا بعد يد.

و أمّا حدّ الملكيّة المستتبعة للاحياء فليس من تخوم الأرض الى عنان السماء


1) - جواهر الكلام 16: 22.

2) - راجع: وسائل الشيعة 25: 409 / كتاب احياء الموات.

بل هو دائر مدار العرف الجاري في المحلّ فيختلف بالنسبة الى القنوات و الأنهار و المزارع و البساتين و المساكن، فمن حاز قطعة من الأرض و بنا فيها ليسكنها و كان حول تلك القطعة مساكن عديدة فليس له أن‌يحفر تلك القطعة الى مائتي متر و يضرّ بجيرانها، أو يشيّدها مرتفعا الى ما شاء اللّه. فالمتعارف من ملكيّة هذا الشخص لهذه القطعة التي أحياها ليسكن فيها و توجد حولها مساكن أو تكاد أن‌تبنى، فمن جهة العمق على حدّ حفر بئر و سرداب و نحوهما، و من جهة العلوّ، على حدّ بناء طوابق معدودة من غير اضرار.

و كذلك الحال بالنسبة الى المزارع و البساتين و القنوات و غيرها، فمن أحيا أرضا بالزراعة فيها فحدّ ملكيّتها ليس من تخوم الأرض الى عنان السماء بل تابع لما هو المتعارف و هو محدود و ليس بلا حدّ.

و عليه لو حفر مالك الأرض و وجد معدنا خمّسه و الباقي له، و ليس لأحد أن‌يتصرّف في ملكه بدون اذنه، و لو تصرّف و حفر أرضه من غير رضا صاحبه فأصاب معدنا فالمعدن لصاحب الأرض فيخمّسه و ما صرفه الغاصب في أرض الغير هدر. و كذلك الحال بالنسبة الى الأراضي المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين.

فرع : في أنّ الأنفال لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و للامام بعده

قد وردت روايات في أنّ الأنفال لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و للامام بعده يضعه حيث يشاء، و قد عدّ من الأنفال الأرض التي لم‌يوجف عليها بخيل و لا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم و كلّ أرض خربة و بطون الأودية و رؤوس الجبال و الآجام و كلّ أرض ميتة لا ربّ لها. و في موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأنفال، فقال: هي القرى التي قد خربت و

انجلى أهلها فهي للّه و للرسول، و ما كان للملوك فهو للامام، و ما كان من الأرض الخربة لم‌يوجف عليه بخيل و لا ركاب، و كلّ أرض لا ربّ لها، و المعادن منها، و من مات و ليس له مولى فمالُه من الأنفال».(1)

فيما اذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عنوة

(مسألة 9): اذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين فأخرجه أحد من المسلمين ملكه و عليه الخمس، و ان أخرجه غير المسلم ففي تملّكه اشكال. و أمّا اذا كان في الأرض الموات حال الفتح فالظاهر أنّ الكافر أيضا يملكه و عليه الخمس.

الشرح:

قد استشكل على المصنّف في المستمسك بالنسبة الى صدر المسألة فقال: «قد يشكل ملك المخرج له: بأنّه مملوك للمسلمين تبعا للأرض، فحاله حال المخرج من أرض مملوكة لمالك معيّن، الذي تقدّم أنه ملك لمالك الأرض و عليه الخمس.

لكن في الجواهر ادّعى القطع بكونه ملكا للحائز. ثمَّ قال رحمه‌الله: «و لعلّه لأنّه بنفسه في حكم الموات، و ان كان في أرض معمورة بغرس أو زرع ...». و يظهر من كلماتهم في كتاب الاحياء: المفروغية عن أنّ ذلك احياء مملك.

و في مفتاح الكرامة: «اتّفقت كلمة الفريقين على أنها تملك بالاحياء. لكن القائلين بأنّها للامام يقولون بتوقّف ذلك على اذنه حال حضوره لا غيبته، و لا خلاف في ذلك الاّ من الشافعي في أحد قوليه ..».

و لعل في هذا المقدار، بضميمة ما في الجواهر، في كتاب الاحياء من دعوى


1) - وسائل الشيعة 9: 531 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 20.

السيرة المستمرّة في سائر الأعصار و الأمصار - في زمن تسلّطهم عليهم‌السلام و غيره - على الأخذ منها بلا اذن، حتّى ما كان في الموات التي هي لهم، و في المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين، كفاية في جواز الخروج عن قاعدة التبعيّة. و لاسيّما مع تأيّد ذلك بخلوّ نصوص الباب و غيرها عن التعرّض للمنع عن أخذها من الموات أو العامرة التي هي ملك لهم عليهم‌السلام و للمسلمين فانّها و ان لم‌تكن واردة لبيان هذه الجهات كي يحسن التمسّك باطلاقها، لكن اهمالها التعرّض لذلك - مع ارتكاز اباحة الأخذ، و عموم الابتلاء بالمعادن على اختلاف أنواعها - طريق عرفي لجواز الأخذ و ترتيب آثار الملك. نعم القدر المتيقّن صورة الاذن من وليّ المسلمين، فاللازم الاقتصار في الحكم بالملك عليه».(1)

أقول: حيث انّ الدليل هو الاجماع و السيرة، فالقدر المتيقّن منه صورة الاذن من الفقيه الجامع للشرائط.

ثمّ قال المصنّف: «و ان أخرجه غير المسلم ففي تملّكه اشكال».

قال في المستمسك: «كأنّه لعدم الدليل عليه بعد كونه ملكا للمسلمين تبعا للأرض. و لم يثبت عموم ما قيل من كون الناس في المعادن شرعا سواء؛ لعدم ثبوت قيام السيرة عليه في الكافر. و لذا حكي عن الشيخ و ظاهر البيان: منع الذمّي من العمل في المعدن. لكن عن الأوّل أنّه لو خالف و عمل ملك، و كان عليه الخمس. و هو - كما ترى - لايخلو من تنافٍ، اذ موضوع كلامه، ان كان المعدن في الأرض المملوكة صحّ المنع و لا وجه للملك، و ان كان في الأرض المباحة صحّ الملك و لا وجه للمنع. و لذا قال في محكي المدارك رادّا عليه: «لم‌أقف له على دليل يقتضي منع الذمّي عن العمل في المعدن ...» و هو في محلّه؛ لجريان جميعما سبق فيه حتّى السيرة - كغيره من المسلمين - على الظاهر. و عليه فاذا كان


1) - مستمسك العروة 9: 463.

الاخراج باذن وليّ المسلمين ملكه».(1)

أقول: و هذا أيضا كسابقه يحتاج الى الاذن من الحاكم الشرعي.

و قال المصنّف أيضا: «و أمّا اذا كان...».

و قال في المستمسك: «أمّا الملك فلعموم ما دلّ على مملكيّة الاحياء، المختصّ عندهم بالموات حال الفتح ممّا كان ملكا للامام، و لايجري فيما كان ملكا للمسلمين اجماعا على ما حكاه غير واحد. و لأجله يخرج عن العموم المذكور. و بذلك افترق الفرض عمّا قبله في الوضوح و الخفاء».(2)

في استئجار الغير لاخراج المعدن

(مسألة 10): يجوز استئجار الغير لاخراج المعدن فيملكه المستأجر و ان قصد الأجير تملّكه لم‌يملكه.

الشرح:

يجوز استئجار الغير لاخراج المعدن لعدم المنع من ذلك، فعمومات الاجارة شاملة له، فيملكه المستأجر لاقتضاء عقد الاجارة ذلك، فمن استأجر أجيرا لعملٍ فنتيجة عمله ملك للمستأجر. و كذلك في المسألة الآتية.

قال في المستمسك: «لأنّه نتيجة العمل المملوك له، و النتيجة تابعة لذيها في الملك لحمل الدابّة و ثمرة الشجرة. و قصد العامل تملّكه أو تملّك غيره لا أثر له؛ لعدم سلطنته على ذلك. و منه يظهر حكم المسألة الآتية».(3)


1) - مستمسك العروة 9: 464.

2) - نفس المصدر: 465.

3) - نفس المصدر.

(مسألة 11): اذا كان المخرج عبدا كان ما أخرجه لمولاه و عليه الخمس.

قد تقدّم شرح المسألة في المسألة السابقة فالمناط واحد.

فيما اذا عمل فيما أخرجه قبل اخراج خمسه

(مسألة 12): اذا عمل فيما أخرجه قبل اخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته، كما اذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حليّا أو كان مثل الياقوت و العقيق فحكّه فصّا مثلاً اعتبر في اخراج خمس مادّته فيقوّم حينئذ سبيكة أو غير محكوك مثلاً و يخرج خمسه، و كذا لو اتّجر به فربح قبل أن‌يخرج خمسه ناويا الاخراج من مال آخر ثمّ أدّاه من مال آخر. و أمّا اذا اتّجر به من غير نيّة الاخراج من غيره فالظاهر أنّ الربح مشترك بينه و بين أرباب الخمس.

الشرح:

اذا عمل فيما أخرجه قبل اخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته، كما اذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حليّا أو كان مثل الياقوت و العقيق فحكّه فصّا مثلاً اعتبر في اخراج خمسه مادّته فيقوّم سبيكة أو غير محكوك مثلاً و يخرج خمسه، و ذلك لظاهر الروايات المتقدّمة مثل صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن معادن الذهب و الفضّة و الصفر و الحديد و الرصاص، فقال: عليها الخمس جميعا».(1)

فالظاهر من الصحيحة أنّ الذهب و الفضّة و الصفر و... المستخرجة من المعدن فيها الخمس، فما عمل فيها عملاً يوجب زيادة قيمتها فالعمل للعامل و زيادة القيمة للمالك.


1) - وسائل الشيعة 9: 491 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

ففي الجواهر قال: «و لو لم‌يخرج خمس الجوهر من المعدن حتّى عمله دراهم أو دنانير أو حليّا أو نحو ذلك من الآلات فزادت قيمته اعتبر في الأصل الذي هو المادّة الخمس، و في الزائد حكم المكاسب، فيقوّم حينئذٍ سبيكة و يخرج خمسه، كما هو واضح، و به صرّح في المسالك و المدارك».(1)

و ما يقال من أنّ الهيئة من حيث هي لا ماليّة لها و لايقسّط الثمن عليها أبدا و لا شأن لها عدا أنّها توجب ازدياد ماليّة المادّة المتلبّسة بها لأوفريّة رغبة العقلاء اليها بالاضافة الى المجرّدة عنها، و لأجلها يبذل المال بازائها أكثر ممّا يبذل بازاء العاري عن تلك الصفة، من غير أن‌يكون لنفس تلك الهيئة حظّ من الماليّة. و من ثمّ لم‌يلتزم و لاينبغي أن‌يلتزم أحد بجواز بيع المادّة دون الهيئة أو العكس، أو يقال بشركة شخصين في العين على أن‌تكون المادّة لأحدهما و الهيئة للشريك الآخر.

مدفوع بأنّ العرف يرى للصفة و الهيئة ماليّة فيقابلها بالمال، و لذا يستأجر الكاتب و الرسّام للكتابة على الأوراق و النقش على الصفحات، فالأجير يأخذ ما بازاء عمله و كذلك الصائغ، و ذلك متداول في المعاملات.

و أمّا اذا اتّجر به قبل أن‌يخرج خمسه و ربح، فربحه مشترك بين أرباب الخمس و المخرج، فيخمّس الأصل و الربح لازدياد قيمته السوقيّة، و حينئذ لا فرق بين أن‌يكون ناويا للاخراج قبل الربح أو لم‌يكن؛ لأنّ النيّة لا تأثير لها في اخراج سهم أصحاب الخمس حتّى ان لم‌يكونوا شركاء في الربح. و يؤيّده رواية الحارث بن حصيرة الأزدي قال:

«وجد رجل ركازا على عهد أميرالمؤمنين عليه السلام فابتاعه أبي منه بمائة شاة مُتبِع، فلامته أمّي و قالت: أخذت هذه بثلاثمائة شاة أولادها مائة و أنفسها مائة و ما في بطونها مائة، قال: فندم أبي فانطلق يستقيله


1) - جواهر الكلام 16: 21.

فأبى عليه الرجل فقال: خذ منّي عشر شياه، خذ مني عشرين شاة، فأعياه فأخذ أبي الركاز و أخرج منه قيمة ألف شاة فأتاه الآخر و قال له: خذ غنمك و آتني ما شئت. فأبى فعالجه فأعياه فقال: لأُضِرّنّ بك، فاستعدى الى أميرالمؤمنين عليه السلام . فلمّا قصّ أبي على أميرالمؤمنين عليه السلام أمره قال لصاحب الركاز: أدّ خمس ما أخذت فانّ الخمس عليك فانّك أنت الذي وجدت الركاز و ليس على الآخر شيء لأنّه انّما أخذ ثمن غنمه».(1)

و في الجواهر قال: «انّ المتّجه وجوب الخمس في الثمن بناءا على تعلّق الخمس بالعين و على تعلّق الخمس بالبائع مع بيعه له جميعه، كما صرّح به في التذكرة و المنتهى مستشهدا له في الأخير بما رواه الجمهور، بل و الشيعة، و ذكر الرواية المتقدّمة عن الحارث. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)

فيما اذا شكّ في بلوغ النصاب و عدمه

(مسألة 13): اذا شكّ في بلوغ النصاب و عدمه فالأحوط الاختبار.

الشرح:

اذا شكّ في بلوغ النصاب و عدمه هل يجب عليه الاختبار؟

ادّعى الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري في الرسائل عدم الاشكال و عدم الخلاف في عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة التحريميّة ثمّ نقل كلمات الأصحاب في الوجوبيّة منها، و محصّل ما ذكروه دليلاً لوجوب الفحص فيها أمران:


1) - تهذيب الأحكام 7: 225 / باب الزيادات بعد الاجارة / الحديث 986 - وسائل الشيعة 9: 497 / الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 16: 21.

الأوّل: ما يستفاد من كلام صاحبي المعالم و القوانين، و حاصله أنّ الواجباتالمشروطة بوجود شيء كالحجّ بالنسبة الى الاستطاعة مثلاً انّما يتوقّف وجوبها على وجود الشرط واقعا لا على العلم بوجوده فهي بالنسبة الى العلم مطلقة لا مشروطة.

الثاني: ما أشار اليه صاحب الجواهر في مسألة الدراهم المغشوشة اذا توقّف العلم بحصول خالصها الى حدّ النصاب على سبكها، و اختاره الشيخ في الرسائل، و حاصله أنّه اذا كان العلم بالموضوع المنوط به التكليف يتوقّف أكثر ما يتوقّف على الفحص بحيث لو أهمل الفحص لزم الوقوع في مخالفة التكليف كثيرا تعيّن حينئذ اعتبار الفحص بحكم العقلاء.

و أجيب عن الأوّل بأنّ الشكّ في وجود الشرط يوجب الشكّ في وجود التكليف المشروط به فينفى بالأصل بل مقتضى استصحاب العدم نفي نفس الشرط.

و عن الثاني بأنّ كون اجراء الأصول في مجاريها موجبا لحصول المخالفة كثيرا لايقتضي ايجاب الاحتياط على من لايعلم بتنجّز التكليف عليه في خصوص المورد الذي هو محل ابتلائه.

أقول:

لا شكّ في أنّ تنجّز التكليف معلّق على العلم بالحكم و الموضوع، سواء كان في الواجبات أو المحرّمات، فمادام جاهلاً لم‌يعاقب على ترك التكليف و ذلك لحديث الرفع و غيره ممّا ورد كلّيّا أو في مورد خاصّ.

نعم، اذا كان جاهلاً مقصّرا في الحكم لايعذر في اجراء هذا الأصل؛ لما يؤدّي الى تعطيل الأحكام المنافي لارسال الرسل و انزال الكتب فيجري البراءة في الشكّ في التكليف اذا استقرّ شكّه و هو موقوف على الفحص، فالشكّ قبل

الفحص ليس واقعيّا؛ للعلم الاجمالي بأنّ عليه احكاما، و كذا في الشكّ فيالموضوع، فمن شكّ في أنّ الشيء الفلاني واجب أو حرام لايعذر في اجراء الأصل في الشبهة اذا كان جاهلاً مقصّرا بل عليه أن‌يتفحّص في الشبهة - الاّ أن‌يقوم اجماع على عدم وجوب الفحص - و بعد اليأس يجري الأصل.

و فيما نحن فيه لايترك الاحتياط بالاختيار؛ لأنّ عدمه و الرجوع الى الأصل مظنّة الوقوع في مخالفة الواقع، كالشكّ في الاستطاعة و في البلوغ حدّ النصاب في زكاة المال و في الخمس و أمثالها - كما في المستند - .

الثالث: الكنز

اشارة

«الثالث»: الكنز، و هو المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر، و المدار الصدق العرفي، سواء كان من الذهب أو الفضّة المسكوكين أو غير المسكوكين أو غيرهما من الجواهر، و سواء كان في بلاد الكفّار الحربيّين أو غيرهم أو في بلاد الاسلام في الأرض الموات أو الأرض الخربة التي لم‌يكن لها مالك، أو في أرض مملوكة له بالاحياء أو بالابتياع مع العلم بعدم كونه ملكا للبائعين، و سواء كان عليه أثر الاسلام أم لا، ففي جميع هذه يكون ملكا لواجده و عليه الخمس. و لو كان في أرض مبتاعة مع احتمال كونه لأحد البائعين عرفه المالك قبله فان لم‌يعرفه فالمالك قبله و هكذا، فان لم‌يعرفوه فهو للواجد و عليه الخمس، و ان ادّعاه المالك السابق فالسابق أعطاه بلا بيّنة، و ان تنازع الملاّك فيه يجري عليه حكم التداعي. و لو ادّعاه المالك السابق ارثا و كان له شركاء نفوه دفعت اليه حصّته و ملك الواجد الباقي و أعطى خمسه و يشترط في وجوب الخمس فيه النصاب و هو عشرون دينارا.

الشرح:

و يدلّ عليه صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الكنز، كم فيه؟ قال: الخمس. الحديث».(1)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المعادن، ما فيها؟ فقال: كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس. الحديث».(2)

و صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز و المعادن و الغوص و


1) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

الغنيمة، و نسي ابن أبي عمير الخامس».(1)

و صحيحة عمّار بن مروان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام اذا لم‌يعرف صاحبه و الكنوز، الخمس».(2)

و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(3)

و خبر حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم‌السلام - في وصيّة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لعلي عليه السلام - قال:

«يا علي، انّ عبدالمطّلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الاسلام - الى أن‌قال: - و وجد كنزا فأخرج منه الخمس و تصدّق به، فأنزل اللّه: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه». الآية».(4)

قال في الجواهر: «الثالث من السبعة الواجب فيها الخمس: الكنوز، جمع الكنز المسمّى في جملة من عبارات الأصحاب منها التذكرة و المنتهى بالركاز من الركز بمعنى الخفاء، بلا خلاف فيه في الخلاف و الحدائق و ظاهر الغنية أو صريحها، بل مع زيادة «بين أهل العلم» في المنتهى، بل «اجماعا» في الخلاف و التذكرة و ظاهر الانتصار أو صريحه، بل في المدارك: أجمع العلماء كافّة على وجوب الخمس


1) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 9: 495 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 9: 496 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

فيه؛ للآية بناءً على عموم الغنيمة فيها خصوصا للمروي عن الفقيه و الخصال (وذكر خبر حمّاد بن عمرو المتقدّم ذكره آنفا)».(1)

و لا خلاف بين الفريقين. قال في الخلاف: «الركاز هو الكنز المدفون يجب فيه الخمس بلا خلاف».(2)

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في أنّه هل يعتبر في حقيقة الكنز كون الادّخار عن قصد أو لا؟

صرّح الشهيد الثاني في المسالك و الروضة باعتباره، ففي الأوّل قال: «يعتبر في الادّخار كونه مقصودا ليتحقّق الكنز، فلا عبرة باستتار المال بالأرض بسبب الضياع بل يلحق باللقطة، و يعلم ذلك بالقرائن الحاليّة كالوعاء».(3)

و قال في الروضة: «الكنز هو المال المذخور تحت الأرض قصدا».(4)

و ذهب المشهور الى أنّ الكنز هو كلّ مال مستتر في الأرض ولو لا عن قصد أو بقصد غير الادّخار من حفظه موقّتا و نحو ذلك.

و في مجمع البحرين قال: «و أصل الكنز المال المدفون لعاقبة ما، ثمّ اتّسع فيه فيقال لكلّ قنية يتّخذها الانسان: كنز، و منه قوله «ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء»

أي يقنيه و يتّخذه لعاقبته».

و في قاموس اللغة قال: «الكنز المال المدفون - الى أن‌قال: - و كلّ شيء غمزته في وعاء أو أرض فقد كنزته».


1) - جواهر الكلام 16: 24.

2) - الخلاف 2: 121.

3) - مسالك الأفهام 1: 459.

4) - الروضة البهيّة 2: 68.

و في أقرب الموارد قال: «الكنز المال المدفون في الأرض».

و في المصباح المنير قال: «الكنز المال المدفون».

و في مجمع البيان قال: «الكنز في الأصل هو الشيء الذي جمع بعضه الى بعض و يقال للشيء المجتمع مكتنز».(1)

و في تفسير التبيان قال: «و أصل الكنز كبس الشيء بعضه على بعض».(2)

و في مفردات الراغب قال: «الكنز جعل المال بعضه على بعض و حفظه. و أصله من كنزت التمر في الوعاء. و قوله: «و الذين يكنزون الذهب و الفضّة» أي يدّخرونها».

و في أساس البلاغة للزمخشري قال: «كنز المال و مال كنوز، و له مكنز و مكانز و هو البيت الذي يكنز فيه».

أقول:

الظاهر من أقوال أرباب اللغة هو أنّه لايعتبر في حقيقة الكنز كون الادّخار عن قصد، و يؤيّده ما هو المفهوم عرفا من الكنز، و لذا قال المحقّق الهمداني: «فان سلّمنا صدق اسم الكنز حقيقة على المال المستتر بالأرض بنفسه لا بفعل فاعل فهو، كما ربّما يساعد عليه العرف في بعض موارد استعمالاتهم كقولهم عثر فلان على كنز، فانّهم لايلتفتون في مثل هذا الاطلاق الى كون ذلك الشيء الذي عثر عليه ممّا كنزه انسان لفاقته أو كونه مستترا في الأرض بنفسه، و ان لم‌يصدق عليه اسم الكنز حقيقة فهو بحكمه في تعلّق الخمس به كما يدلّ عليه الصحيحة المتقدّمة المصرّحة بأنّ كلّ ما كان ركازا الخ؛ اذ لايتوقّف صدق اسم الركاز على


1) - مجمع البيان 5: ذيل الآية 35 من سورة التوبة.

2) - التبيان 5: ذيل الآية 34 منها.

القصد و الاّ لما صدق على المعادن. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثاني : في أنّه هل يختصّ الكنز بالمال المدّخر تحت الأرض أو لا؟

هل يختصّ الكنز بالمال المدّخر تحت الأرض أو يشمل المستور فوقها من جبل أو شجر أو جدار و نحوها؟

الظاهر أنّ الكنز يطلق على المال الذي دفن، سواء كان مدفونا تحت الأرض أو فوقها من جبل أو بطن شجر أو في جدار و نحوها بحيث لايصل اليه الانسان عادة، و ذلك شاهد لما هو جارٍ في العرف و لايخالفه اللغة و ان كان قد يخالفه بعض الفقهاء.

قال المحقّق الهمداني في المصباح: «ثمّ انّ المراد ب- «تحت الأرض» بحسب الظاهر ما يعمّ جوف الأبنية و السقوف؛ اذ لا خفاء في صدق اسم الكنز عليه بمقتضى وضعه و استعماله في المحاورات العرفيّة، و لذا لاينسبق الى الذهن من مثل قول القائل: انّ فلانا وجد كنزا، الاّ أنّه وجد مالاً مذخورا في الأرض أعمّ من أن‌يكون تحت الأرض أو في بناء و نحوه، فما عن كاشف الغطاء من منع جريان الحكم في مثله لايخلو من نظر. نعم، هو متّجه في مثل المذخور تحت حطب أو بطن شجر أو خشبة و نحوها فانّه لايطلق عليه اسم الكنز في مثله عرفا، و لا أقلّ من انصراف اطلاقه عنه. فما عن غير واحد من ايجاب الخمس في مثل هذه الفروض، بل فيما يوجد في جوف الدابّة و بطن السمكة محلّ نظر بل منع؛ اذ لا وجه يعتدّ به له عدا ادّعاء تنقيح المناط الذي عهدته على مدّعيه».(2)


1) - مصباح الفقيه 14: 46.

2) - نفس المصدر: 46 و 47.

أقول: و الذي أشار اليه المحقّق المذكور رحمه‌الله في ذيل عبارته من منع اطلاق اسم الكنز فيما يوجد في جوف الدابّة و بطن السمكة بل تحت حطب أو خشبة و نحوها، في محلّه؛ للانصراف.

الفرع الثالث : في أنّه هل يختصّ الكنز بالنقدين أو لا؟

هل يختصّ الكنز موضوعا أو حكما بالذهب و الفضّة المسكوكين أو يعمّهما و غير المسكوكين، أو يعمّ جميع الجواهر أو الأعمّ منها؟

الظاهر أنّ الكنز يطلق على المال المدفون كما تقدّم من تصريح أهل اللغة على ذلك و لايخالفه العرف فلايختصّ بالذهب و الفضّة المسكوكين أو الأعمّ من المسكوكين، و هو ظاهر اطلاق جماعة و صريح المحكي عن الاقتصاد و الوسيلة و التحرير و المنتهى و التذكرة و البيان و الدروس، كما في مصباح الفقيه(1).

و قال في الرياض: «صرّح بعض الأصحاب بوجوب الخمس في الكنز بأنواعه من الذهب و الفضّة و الرصاص و الصفر و النحاس و الأواني، و ظاهر المنتهى عدم خلاف بيننا و يعضده اطلاق النصوص و الفتاوى».(2)

الاّ أنّ هيهنا صحيحة البزنطي تقيّد اطلاق النصوص ففيها عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(3)

و لذا ذهب اليه الشيخ في النهاية و المبسوط و الجمل، و الحلّي في السرائر و


1) - مصباح الفقيه 14: 47.

2) - رياض المسائل 5: 240.

3) - وسائل الشيعة 9: 495 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

ابن سعيد في الجامع و نسبه بعض من تأخّر الى ظاهر الأكثر، كما في مصباح الفقيه(1).و تقريب الاستدلال بالصحيحة أنّ السائل سأل عن جنس الكنز، فأجاب الامام عليه السلام : «ما يجب الزكاة في مثله»، فالمناسب للكنز من الأجناس التسعة المختصّة بالزكاة هو الدينار و الدرهم. و ما في الرياض(2)من الاسناد الى الأصحاب بأنّهم فهموا منها المماثلة في المقدار و الماليّة نظير صحيحة البزنطي الأخرى الواردة في المعدن، قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا».(3)

مدفوع بأنّ حمل الصحيحة الأولى على المقدار أو مع الماليّة خلاف الظاهر، و لا نسبة بينها و بين الصحيحة الثانية حتّى تكون الثانية قرينة للأولى في فهم المراد، فانّ قول السائل في الثانية: «من قليل أو كثير» و كذا قوله عليه السلام «حتّى يبلغ» يجعلها كالصريح في تعلّق السؤال بالكمّية و المقدار، فبين السؤالين بون بعيد و لا وجه لقياس أحدهما بالآخر. اللّهمّ الاّ أن‌يقال بأنّ الصحيحة لاتكون بحيث يمكنها أن‌تقيّد المطلقات المتقدّمة ذكرها. فلو سلّمنا تقييدها بها فتجب في الكنز الخمس أيّ شيء كان لكونه من الغنيمة و الفائدة.


1) - مصباح الفقيه 14: 48.

2) - رياض المسائل 5: 240.

3) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

الفرع الرابع : في المكان الذي يوجد فيه الكنز

اعلم أنّ الكنز امّا أن‌يكون في دار الحرب أو دار الاسلام، و على التقدير الثاني امّا أن‌يوجد الكنز في مكان مباح أو مملوك - للامام عليه السلام أو لقاطبة المسلمين أو لشخص خاصّ - و على التقادير الأربعة امّا أن‌يكون عليه أثر الاسلام أو لا.

فالصور ثمانٍ: فان كان في أرض دار الحرب، - سواء كان عليه أثر الاسلام أو لم‌يكن، و سواء كانت ملكا لواحد خاصّ منهم أو لا، أو في دار الاسلام و ليس عليه أثر الاسلام، سواء كانت الأرض مباحة أو مملوكة للامام عليه السلام أو لقاطبة المسلمين - فهو لواجده و وجب فيه الخمس بلا خلاف على الظاهر كما في الجواهر و الحدائق. و استدلّوا على ذلك بأنّ الأصل في الأشياء الاباحة.

ففي المدارك قال: «اذا كان الكنز في دار الحرب فقد قطع الأصحاب بأنّه لواجده، سواء كان عليه أثر الاسلام و هو اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أو أحد ولاة الاسلام أم لا و عليه الخمس. أمّا وجوب الخمس فلما تقدّم، و أمّا أنّه لواجده فلأنّ الأصل في الأشياء الاباحة، و التصرّف في مال الغير انّما يثبت تحريمه اذا ثبت كون المال لمحترم أو تعلّق به نهي خصوصا أو عموما، و الكلّ منتفٍ. و تؤيّده صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلامقال:

«و سألته عن الورق يوجد في دار، فقال: ان كانت معمورة فهي لأهلها، و ان كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت»(1)».(2)

و ان كان الكنز في أرض مباحة من دار الاسلام فالأصحّ أنّه كالأولى، كما هو


1) - وسائل الشيعة 25: 447 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

2) - مدارك الأحكام 5: 370.

ظاهر اختيار صاحب المدارك في كتاب الخمس: «و اليه ذهب الشيخ في جملة من كتبه و ابن ادريس و جماعة، لعين ما ذكرناه من الدليل».(1)

و استدلّوا أيضا باطلاق الأدلّة، ففي الحدائق قال: «انّ المعلوم من أحاديث وجوب الخمس في الكنز و غيره من معدن و غوص و نحوهما من أصناف ما يجب فيه الخمس أنّ وجوب الاخراج متفرّع على ملك المخرج ليتّجه الخطاب له بالاخراج؛ اذ لايعقل الوجوب عليه في مال غيره، فايجاب الخمس في الصورة المذكورة بالأخبار المتقدّمة مستلزم للمالك ألبتة، و حينئذٍ فتكون الأخبار المشار اليها دالّة على كلّ من الأمرين».(2)

أقول:

ما ذكره صاحب المدارك و صاحب الحدائق من الدليل على ملكيّة ما يجده الانسان في دار الحرب مطلقا من الكنز حقّ مضافا الى عدم وجدان الخلاف من أحد من الفقهاء في ذلك.

و أمّا ان كان الكنز وجد في دارالاسلام و لم‌يكن عليه أثر الاسلام بأن لم‌تكن القطعة النقديّة اسلاميّة مثلاً فهو ملك لواجده أيضا و عليه خمسه، و الدليل عليه هو الأصل الذي تقدّم في سابقه، و المطلقات من الأدلّة السابقة المستفاد منها ملكيّته لواجده. و الظاهر أنّه لا خلاف فيه أيضا كما في الجواهر نقلاً عن الحدائق و المدارك، و عن الغنية الاجماع عليه.

انّما الكلام فيما اذا وجد في دارالاسلام و كان عليه أثر الاسلام، فهل يجري عليه حكم الكنز من التملّك و التخميس أو حكم اللقطة ليحتاج الى التعريف؟ و محلّ الكلام ما اذا وجد في الأماكن العامّة كالمباحات الأصليّة.


1) - مدارك الأحكام 5: 371.

2) - الحدائق الناضرة 12: 333.

ففي الجواهر قال: «ذهب الى الأوّل الشيخ في الخلاف و ابن ادريس في السرائر و السيّد في المدارك، و كذا هو ظاهر ما عن المفيد و المرتضى و الحسن و ابن زهرة لاطلاق كلامهم. و الى الثاني الفاضلان و الشهيدان في البيان و المسالك، و المقداد، و الشيخ في المبسوط. انتهى ملخّصا».(1)

و الأظهر فيما وجد في دار الاسلام و كان عليه أثر الاسلام أنّه يجري عليه حكم الكنز، و ذلك لاطلاق الأخبار الواردة في الكنز المستفاد منها ملكيّته لواجده، بعد الفراغ من استقرار سيرة العقلاء قاطبة و المتشرّعة منهم على حيازة ما يوجد في البلاد الخربة التي انجلى عنها أهلها اختيارا كما في صورة الاعراض أو قهرا، و كذا على حيازة الآثار الباقية في البلاد القديمة المعلوم كونها للمسلمين مثل الكوفة و نحوها ممّا يوجد فيها من آثار بني أميّة و بني العبّاس و نظرائهم ممّن يحكم ظاهرا باسلامهم. و عليه يدفع ما قيل من عدم اجراء أصالة الاباحة فيما فيه أثر لملكيّة مسلم بل يجري فيه أصالة الاحترام أي استصحاب الحرمة الثابتة له حال استيلاء اليد عليه لمن لم‌يثبت له اباحته. فيقال فيه: انّ مستند تلك الحرمة ان كان العقل و بناء العقلاء فموردهما حال عدم قصور يد المالك و تمكّنه من استيفاء حقّه منه لا مطلقا، و ان كان الأدلّة السمعيّة الدالّة على عدم جواز التصرّف في مال الغير الاّ عن طيب نفسه فقد تبدّل الموضوع؛ لأنّ وصف المملوكيّة للغير من مقوّماته و قد انتفى في الفرض بالاعراض أو قهرا كما يوجد في البلاد الخربة.

و تؤيّده بل تدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، و ان كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(2)


1) - جواهر الكلام 16: 29.

2) - وسائل الشيعة 25: 447 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

و صحيحته الثانية عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) قال:

«و سألته عن الورق يوجد في دار فقال: ان كانت معمورة فهي لأهلها و ان كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت».(1)

و لايعارضها موثّقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قضى علي عليه السلام في رجل وجد ورقا في خربة أن‌يعرّفها، فان وجد من يعرفها و الاّ تمتّع بها».(2)

لأنّها تحمل على خربة لها مالك موجود بالفعل لم‌يعرض عنها فيجب الفحص و التعريف لكونه من مجهول المالك دون الخربة التي أعرض عنها مالكها، فانّ المال حينئذ لواجده بلا تعريف و عليه خمسه؛ جمعا بينها و بين الصحيحتين المتقدّمتين.

و لو كان في أرض مبتاعة مع احتمال كونه لأحد البائعين عرّفه المالك قبله، فان لم‌يعرفه فالمالك قبله و هكذا حتّى ينتفي احتمال كونه للبائعين، و لا فرق في ذلك بين ما لو انتقل بالبيع أو بناقل آخر من هبة أو ارث و نحو ذلك، و تدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن جعفر قال:

«كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي، فلمّا ذبحها وجد في جوفها صُرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، لمن يكون ذلك؟ فوقّع عليه السلام : عرّفها البائع فان لم‌يكن يعرفها فالشيء لك رزقك اللّه ايّاه».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها


1) - وسائل الشيعة 25: 447 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 25: 448 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 25: 452 / الباب 9 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

فهي لهم، و ان كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(1)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة، فلم‌تزل معه و لم‌يذكرها حتّى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها. قلت: فان لم‌يعرفوها؟ قال: يتصدّق بها».(2)

و تقريب الاستدلال بالروايات المذكورة آنفا لما نحن فيه أنّ من انتقل اليه شيء بالبيع أو سائر أسباب الانتقال و وجد فيه شيئا من الدرهم و الدينار و نحوهما و احتمل كونه لأحد ذوي الأيدي قبله يجب عليه أن‌يعرّفه، فان عرّفه فبها و الاّ يديم التعريف حتّى يزول الاحتمال. و أنت اذا أضفت الى الروايات الأصل الذي سبق يتمّ المطلوب، و هو أنّ مقتضى الأصل فيما جرت عليه يد الغير التي لم‌يعلم عدم احترامها شرعا حرمة التصرّف فيه حتّى يعلم انقطاع علاقته عنه و عدم اختصاصه به بالفعل، كما في الآثار الباقية في البلاد الخربة من أهل الأزمنة القديمة ممّا ليس لأحد علاقة اختصاص بها بحيث تعدّ عرفا مال بلا مالك و يعامل معها في العرف و العادة معاملة المباحات. فالكنز الذي يوجد تحت الأرض ان علم كونه من تلك الآثار يجوز تملّكه بالحيازة، سواء كان عليه أثر الاسلام أو لم‌يكن من غير فرق بين أن‌يجده في أرضه التي تملّكها بالاحياء أو الشراء أو غير ذلك بل في ملك الغير على احتمال. و أمّا لو وجد في مكان تواردت عليه أيادي أشخاص خاصّة محصورة بحيث يحتمل كونه ملكا لأحدهم فيجب التعريف لدلالة الروايات المتقدّمة و مقتضى الأصل، و حينئذٍ فان عرفه المالك


1) - وسائل الشيعة 25: 447 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 25: 448 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 3.

الذي انتقل منه فبها و الاّ فان جهله فهو للمشتري و عليه الخمس ان صدق عليه الكنز و كان حاويا للشرائط، و الاّ فمن فوائد كسبه و عليه الخمس ان زاد عن مؤونته بعد السنة.

فقد تحصّل الى هنا أنّ ما يكتشف من تحت الأرض المبتاعة و يعدّ من المال المذخور، ثلاثة أقسام:

الأوّل: أن‌يكون من الكنوز القديمة التي تعدّ عرفا من المال الذي لا مالك له و هو المندرج في عنوان الكنز المصطلح المحكوم بأنّه لواجده و عليه الخمس.

الثاني: أن‌يعلم عادة أنّ له مالكا موجودا بالفعل و هو معلوم كما لو وجد في دار معمورة فيها أهلها فانّه يعطى له بلا حاجة الى التعريف أو الاثبات ببيّنة بمقتضى صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة قال:

«سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، و ان كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(1)

الثالث: يعلم أو يحتمل أنّ له مالكا بالفعل ولكنّه مجهول فانّه يجري عليه حكم مجهول المالك من لزوم الفحص ثمّ التصدّق بعد اليأس ان لم‌يزل علمه في صورة العلم أو لم‌يزل شكّه في صورة الاحتمال.

الفرع الخامس : فيما اذا كان المدّعي أكثر من واحد و أدّى الأمر الى التنازع

بعد الفحص و التعريف تارة هناك مدّع واحد و أخرى أكثر من واحد و يؤدّي الى التنازع، ففي الصورة الأولى يطالب المدّعي بالبيّنة؛ لأنّ في يد الواجد مالاً له


1) - وسائل الشيعة 25: 447 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

مالك فيجب عليه ايصال المال الى صاحبه المعيّن ايصاله اليه و هو امّا أن‌يتعيّن بالعلم أو بالدليل الشرعي و هو البيّنة، فان أقام البيّنة فبها و الاّ يعامل معه معاملة مجهول المالك. و ان فرضنا أنّ البيّنة شهدت بما نتيجتها اشتراك المال بين المدّعي و غيره كما أنّها شهدت بأنّ المال موروث من ميّت و وارثه المدّعي و أربعة من اخوته فان لم‌ينفه سائر اخوانه سواء علموا أو كانوا شاكّين، فيقسم المال بينهم للبيّنة.

و أمّا ان نفوه أو بعضهم فيعطى سهم المدّعي و من لم‌ينفه من سهم الارث و يتصدّق بما بقي؛ لأنّه مجهول المالك، فيتصدّق به أو يعطيه الامام و من ناب منابه على اختلاف.

و أمّا الصورة الثانية و هي اذا ادّعى مدّعٍ أنّ المال له و ادّعى الآخر أنّ المال كلّه له، فان أقام أحدهما بيّنة دون الآخر فالمال له و ان أقام كلّ واحد منهما بيّنة كلّفا بالحلف، فان حلف أحدهما دون الآخر أعطي المال كلّه و ان حلفا أو نكل كلاهما قسم المال بينهما نصفين. و الدليل على ذلك كلّه موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّ رجلين اختصما الى أميرالمؤمنين عليه السلام في دابّة في أيديهما و أقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نُتجت عنده، فأحلفهما عليّ عليه السلام فحلف أحدهما و أبى الآخر أن‌يحلف، فقضى بها للحالف، فقيل له: فلو لم‌تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟ فقال: أُحلفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين. قيل: فان كانت في يد أحدهما و أقاما جميعا البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده».(1)


1) - وسائل الشيعة 27: 250 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

و لاتعارضها موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«أنّ اميرالمؤمنين عليه السلام اختصم اليه رجلان في دابّة و كلاهما أقاما البيّنة أنّه أنتجها، فقضى بها للذي في يده، و قال: لو لم‌تكن في يده جعلتها بينهما نصفين».(1)

لأنّ موثّقة اسحاق بن عمّار تقيّد هذه الموثّقة و تجعلها للذي هي في يده بعد حلفه.

الفرع السادس : في اشتراط النصاب في الكنز

يشترط في وجوب الخمس للكنز النصاب و هو عشرون دينارا، و الدليل على ذلك صحيحة أحمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(2)

فقد تقدّم أنّ الصحيحة بصدد بيان الجنس الذي فيه الخمس من الكنز الاّ أنّ في قوله عليه السلام «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» اشعار بنصاب الكنز أيضا؛ لأنّ المراد من الموصول كما قلنا هو الذهب و الفضّة المسكوكان، فمن المعلوم أنّ المقدار الذي يجب فيه الزكاة من الدينار عشرون دينارا و من الدرهم مائتا درهم، فبقرينة المماثلة نفهم أنّ الدينار المكنوز الذي يجب فيه الخمس هو ما اذا بلغ عشرين دينارا، و بالنسبة الى الدرهم بلوغه الى مائتي درهم. و تؤيّد هذا الاشعار بل تدلّ عليه صحيحة أخرى للبزنطي في المعدن قال:


1) - وسائل الشيعة 27: 250 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 495 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

«سألت أبا الحسن عليه السلام عمّا أخرج المعدن عن قليل أو كثير، هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا».(1)

فانّ المعدن و الكنز قريبا المخرج، فاذا لم‌يجب الخمس في المعدن حتّى يبلغ عشرين دينارا فكذلك فيما يماثله في المخرج.

و الظاهر أنّ المسألة لا خلاف فيها، ففي الحدائق قال: «و لا خلاف أيضا بين الأصحاب فيما أعلم في اشتراط الخمس في هذا النوع ببلوغ عشرين دينارا أو مائتي درهم و هو النصاب الأوّل من الذهب و الفضّة، و بذلك صرّح العلامة في المنتهى».(2)

و في الجواهر قال: «و يعتبر في وجوب الخمس فيه: النصاب، بلا خلاف أجده فيه و ان اطلق بعض القدماء، بل في الخلاف و الغنية و السرائر و ظاهر التذكرة و المنتهى و المدارك الاجماع عليه، في معقد الأربعة المتأخّرة أنّه عشرون دينارا؛ للأصل و صحيح البزنطي و لعلّه المروي في المقنعة مرسلاً».(3)

و في مصباح الفقيه قال: «و يعتبر فيه النصاب بلا خلاف فيه على الظاهر، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، كما أنّه لا خلاف على الظاهر في أنّ نصابه بلوغه حدّا يجب في مثله الزكاة، فالأصل في هذا الحكم هو الصحيحة المذكورة - يعني صحيحة البزنطي - و يؤيّده أيضا فهم الأصحاب و فتواهم بل نقل اجماعهم عليه. انتهى ملخّصا».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - الحدائق الناضرة 12: 332.

3) - جواهر الكلام 16: 26.

4) - مصباح الفقيه 14: 51 و 52.

فيما لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة

(مسألة 14): لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة وجب تعريفه و تعريف المالك أيضا، فان نفياه كلاهما كان له و عليه الخمس. و ان ادّعاه أحدهما أعطي بلا بيّنة، و ان ادّعاه كلّ منهما ففي تقديم قول المالك وجه؛ لقوّة يده، و الأوجه الاختلاف بحسب المقامات في قوّة احدى اليدين.

الشرح:

لو وجد الكنز في ملك الغير فعن شيخنا المرتضى: «أنّ حكمه بعد الأخذ كما تقدّم فيما لو وجد فيما انتقل اليه بالبيع من وجوب تعريف المالك، فان لم‌يعترف به فهو له».(1)

و في الخلاف قال: «اذا وجد ركازا في ملك مسلم، أو ذمّيّ في دار الاسلام لايتعرّض له اجماعا».(2)

أقول: لايجوز لأحد أن‌يتصرّف في ملك الغير بدون اذنه - كما قال في الخلاف - و لو حفر أرض الغير بدون اذنه و معصيةً أو باذنه فوجد كنزا، فتارة يعلم أنّه للمالك و المالك يعلم أيضا أنّه له فيجب على الواجد أن‌يسلّمه المالك بلا تعريف و بيّنة، و المالك يأخذه فانّه ماله و هذا لا اشكال فيه.

و أخرى يعلم أنّه ليس لمالك الأرض و يعرف مالكه بشخصه أو من بين أفراد محدودين فيسلّمه ان كان واحدا و يعرّفه ان كان بين أفراد محدودين بلا اشكال فيه أيضا.

و ثالثة يعلم أنّه من الكنوز القديمة التي لم‌يجر عليها يد حادثة مستقلّة فالظاهر أنّه لمالك الأرض؛ لتبعيّة كلّ ما فيها للمالك، فهذه قاعدة عقلائيّة مقرّرة في الشريعة مبناها ايكال أمر ما هو تحت تصرّف الغير الى ذلك الغير، و يؤيّده خبر


1) - كتاب الخمس: 57.

2) - الخلاف 2: 123.

أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):

«أنّ رجلاً عابدا من بني اسرائيل كان محارفا(1)فأخذ غَزْلاً فاشترى به سمكة فوجد في بطنها لؤلؤة فباعها بعشرين ألف درهم، فجاء سائل فدقّ الباب، فقال له الرجل: ادخل، فقال له: خذْ أحد الكيسين! فأخذ أحدهما و انطلق فلم‌يكن بأسرع من أن‌دقّ السائل الباب، فقال له الرجل: ادخل، فدخل فوضع الكيس في مكانه ثمّ قال: كُل هنيئا مريئا، أنا ملك من ملائكة ربّك، انّما أراد ربّك أن‌يبلوك فوجدك شاكرا ثمّ ذهب».(2)

و خبر حفص بن غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان في بنياسرائيل رجل و كان محتاجا، فألحّت عليه امرأته في طلب الرزق فابتهل الى اللّه في الرزق، فرأى في النوم: أيّما أحبّ اليك: درهمان من حلّ أو ألفان من حرام؟ فقال: درهمان من حلّ. فقال: تحت رأسك! فانتبه فرأى الدرهمين تحت رأسه فأخذهما، و اشترى بدرهم سمكة و أقبل الى منزله فلمّا رأته المرأة أقبلت عليه كاللائمة و أقسمت أن لاتمسّها، فقام الرجل اليها فلمّا شقّ بطنها اذا بدرّتين، فباعهما بأربعين ألف درهم».(3)

و خبر الزهري عن علي بن الحسين عليه السلام (في حديث):

«أنّ رجلاً شكى اليه الدين و العيال، فبكى و قال: أيّ مصيبة أعظم على حرّ مؤمن من أن‌يرى بأخيه المؤمن خلّة فلايمكنه سدّها - الى أن‌قال علي بن الحسين عليه السلام : - قد أذن اللّه في فَرَجك. يا فلانة! احملي


1) - المحارَف: الذي اذا طلب لايُرزق و لاينمو له مال. مجمع البحرين

2) - وسائل الشيعة 25: 453 / الباب 10 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 25: 453 / الباب 10 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

سحوري و فطوري فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين عليه السلام للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما، فانّ اللّه يكشف بهما عنك و يريك خيرا واسعا منهما. ثمّ ذكر أنّه اشترى سمكة بأحد القرصتين و بالأخرى ملحا فلمّا شقّ بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين فحمد اللّه عليهما، فقُرع بابه فاذا صاحب السمكة و صاحب الملح يقولان: جهدنا أن‌نأكل من هذا الخبز فلم‌تعمل فيه أسناننا، فقد رددنا اليك هذا الخبز و طيّبنا لك ما أخذته منّا. فما استقرّ حتّى جاء رسول علي بن الحسين عليه السلام و قال: انّه يقول لك: انّ اللّه قد أتاك بالفرج فاردد الينا طعامنا فانّه لايأكله غيرنا، و باع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه و حسنت بعد ذلك حاله».(1)

و من ذلك يعلم حكم ما لو وجد الكنز في الأرض المستأجرة أو المستعارة فانّه يجري فيه الأقسام الثلاثة المتقدّمة، و في القسم الثالث أي اذا كان من الكنوز القديمة فلمالك الأرض و ليس لمالك المنافع أي المستأجر و المستعير بالتقريب المتقدّم، و لا فرق فيه بين أن‌يكون الواجد هو المستأجر أو المستعير أو غيرهما. و قد علم أيضا ما في كلام الماتن من الاشكال فتأمّل تعرف.

فيما لو علم الواجد أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول

(مسألة 15): لو علم الواجد أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول ففي اجراء حكم الكنز أو حكم مجهول المالك عليه وجهان، و لو علم أنّه كان ملكا لمسلم قديم فالظاهر جريان حكم الكنز عليه.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السابقة فراجع.


1) - وسائل الشيعة 25: 454 / الباب 10 من كتاب اللقطة / الحديث 4.

في أنّ لكلّ واحد من الكنوز المتعدّدة حكم نفسه في بلوغ النصاب و عدمه

(مسألة 16): الكنوز المتعدّدة لكلّ واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب و عدمه، فلو لم‌يكن آحادها بحدّ النصاب و بلغت بالضمّ لم‌يجب فيها الخمس. نعم، المال الواحد المدفون في مكان واحد في ظروف متعدّدة يضمّ بعضه الى بعض، فانّه يعدّ كنزا واحدا و ان تعدّد جنسها.

الشرح:

اذا وجد شخص كنوزا متعدّدة يضمّ بعضها الى بعض في بلوغ النصاب فان صار المجموع بحد النصاب وجب خمسه و الاّ فلا، و ذلك لاطلاق صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(1)

و ما قيل - كما عليه الماتن - من أنّ لكلّ واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب و عدمه؛ لظهور قوله عليه السلام «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» في الانحلال و لحاظ كلّ كنز بحياله في مراعاة النصاب.

ففيه: انّ الصحيحة واردة في بيان نصاب الكنز حتّى يجب فيه الخمس، و حيث انّ الزكاة تتعلّق بالذهب اذا بلغت قيمته عشرين دينارا أو الفضّة اذا بلغت قيمتها مائتي درهم نقول أيضا بذلك. و أمّا من حيث انّ الكنوز متعدّدة أو واحدة فالرواية ساكتة عنه، و لذا نقول: الحكم قد تعلّق بطبيعيّ الكنز و جنسه، فعلى من وجد كنزا، سواء كان واحدا أو متعدّدا يجب عليه الخمس اذا بلغ مقداره نصابا. و قد تقدّم في المعدن نظير هذه المسألة.


1) - وسائل الشيعة 9: 495 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

في أنّ في الكنز الواحد لايعتبر الاخراج دفعة بمقدار النصاب

(مسألة 17): في الكنز الواحد لايعتبر الاخراج دفعة بمقدار النصاب، فلو كان مجموع الدفعات بقدر النصاب وجب الخمس و ان لم‌يكن كلّ واحدة منها بقدره.

الشرح:

ما يعتبر في تملّك الكنز هو الاستيلاء و قصد الحيازة، فاذا وجد كنزا فحازه يملكه بجميعه، سواء أخرجه من موضعه دفعة واحدة أو بدفعات، فاذا كان الموجود بمقدار النصاب وجب خمسه و الاّ فلا.

فيما اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا ذا قيمة

اشارة

(مسألة 18): اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا فحاله حال الكنز الذي يجده في الأرض المشتراة في تعريف البائع و في اخراج الخمس ان لم‌يعرفه، و لايعتبر فيه بلوغ النصاب، و كذا لو وجد في جوف السمكة المشتراة مع احتمال كونه لبائعها، و كذا الحكم في غير الدابّة و السمكة من سائر الحيوانات.

الشرح:

هيهنا فرعان:

الفرع الأوّل : فيما اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا ذا قيمة

اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا ذا قيمة فان عرف مالكها فيسلّمه اليه و ان لم‌يعرفه فيعرّفه البائع، فان عرفه فبها و الاّ هو شيء رزقه اللّه ايّاه فيتملّكه، و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن جعفر قال:

«كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرةللأضاحي فلمّا ذبحها وجد في جوفها صُرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، لمن يكون ذلك؟ فوقّع عليه السلام : عرّفها البائع، فان لم‌يكن يعرفها

فالشيء لك رزقك اللّه ايّاه».(1)

فتعريف البائع ليس أمرا تعبّديّا بل هو أمر عقلائي من أنّ العادة تقتضي بأنّ الموجود في جوف الدابّة المشتراة هو لبائعه. نعم، يمكن أن‌يكون ذلك الشيء لفرد ثانٍ فقده في المرتع فحينئذ ان لم‌يعرفه البائع فالقاعدة تقتضي أن‌يعرّفه لمن يحتمل أنّه مالك الموجود و الاّ يتصدّق به، الاّ أنّ النصّ الخاصّ دلّ على عدم تعريف غير البائع و عدم وجوب التصدّق به بل هو شيء رزقه اللّه ايّاه. اللّهمّ الاّ أن‌يقال: فاذا لم‌يعرفه البائع فيصير بلا مالك فيعدّ عرفا بمثابة التالف، فحال الصرّة المأكولة حال السفينة الغارقة المستخرج ما فيها بالغوص في صدق التالف عرفا بحيث أنّ ما يجده الواجد فهو رزق اللّه لا أنّه مال لمالك مجهول، و لأجله عومل معه معاملة التالف.

و أمّا وجوب تخميسه فلم‌يدلّ عليه دليل و لايصدق عليه عنوان الكنز كما هو واضح.

الفرع الثاني : فيما اذا اشترى سمكة فوجد في جوفها شيئا ذا قيمة

اذا اشترى سمكة فوجد في جوفها شيئا ذا قيمة فان كان من نحو اللؤلؤة و المرجان و أمثالهما ممّا تتكوّن في البحر فهو له، و الدليل عليه الصحيحة المتقدّمة لعبداللّه بن جعفر بالأولويّة القطعيّة، و كذلك اذا كان من الأشياء الغارقة في البحر فابتلعته السمكة، فيظهر من الصحيحة أنّ الشيء الموجود في جوفها لواجده، ويؤيّده ما ورد من الروايات التي تقدّمت في المسألة الرابعة عشرة من أنّ الموجود في بطن السمكة لواجده.


1) - وسائل الشيعة 25: 452 / الباب 9 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

في اعتبار النصاب في الكنز بعد اخراج مؤونة الاخراج

(مسألة 19): انّما يعتبر النصاب في الكنز بعد اخراج مؤونة الاخراج.

الشرح:

قد سبق شرح هذه المسألة في الفرع الخامس في بداية بحث المعدن و قلنا بأنّ اعتبار النصاب بعد اخراج مؤونة الاخراج، و نقول هنا أيضا: النصاب في الكنز يعتبر بعد اخراج مؤونة الاخراج. و كذلك قلنا في الفرع الرابع: اذا بلغ الكنز حدّ النصاب بعد اخراج المؤن فيخمّس أيضا بعد اخراج المؤن، فاطلب دليل الفرعين هناك.

فيما اذا اشترك جماعة في كنز

(مسألة 20): اذا اشترك جماعة في كنز فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصابا و ان لم‌تكن حصّة كلّ واحد بقدره.

الشرح:

اذا اشترك جماعة في كنز بحيث حازوه و تملّكوه جميعا فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصابا و ان لم‌تكن حصّة كلّ واحد بقدره، و ذلك لاطلاق صحيحة البزنطي، ففيها قال عليه السلام :

«ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(1)


1) - وسائل الشيعة 9: 495 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

الرابع: الغوص

اشارة

«الرابع»: الغوص، و هو اخراج الجواهر من البحر مثل اللؤلؤ و المرجان و غيرهما، معدنيّا كان أو نباتيّا، لا مثل السمك و نحوه من الحيوانات، فيجب فيه الخمس بشرط أن‌يبلغ قيمته دينارا فصاعدا، فلا خمس فيما ينقص من ذلك، و لا فرق بين اتّحاد النوع و عدمه؛ فلو بلغ قيمة المجموع دينارا وجب الخمس، و لا بين الدفعة و الدفعات فيضمّ بعضها الى بعض، كما أنّ المدار على ما أخرج مطلقا و ان اشترك فيه جماعة لايبلغ نصيب كلّ منهم النصاب. و يعتبر بلوغ النصاب بعد اخراج المؤن كما مرّ في المعدن و المخرج بالآلات من دون غوص في حكمه على الأحوط. و أمّا لو غاص و شدّه بآلة فأخرجه فلا اشكال في وجوبه فيه. نعم، لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فأخذه من غير غوص لم‌يجب فيه من هذه الجهة بل يدخل في أرباح المكاسب فيعتبر فيه مؤونة السنة و لايعتبر فيه النصاب.

الشرح:

الغوص اخراج الجواهر من البحر مثل اللؤلؤ و المرجان و غيرهما معدنيّا كان أو نباتيّا كالمرجان الذي هو مثل الشجر ينبت فيه، فكلّ مايتكوّن في البحر من الجواهر و يستخرج منه بالغوص يجب فيه الخمس من غير فرق بين أنواعها. و الدليل على ذلك:

صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن العنبر و غوص اللؤلؤ، فقال: عليه الخمس. الحديث».(1)

و صحيحة عمّار بن مروان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: فيما يخرَج من المعادن و البحر و


1) - وسائل الشيعة 9: 498 / الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام اذا لم‌يعرَف صاحبه و الكنوز، الخمس».(1)

و صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة، و نسي ابن أبي عمير الخامس».(2)

و مرسلة حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام قال:

«الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم و الغوص و من الكنوز و من المعادن و الملاحة. الحديث».(3)

و رواية محمّد بن علي بن أبي عبداللّه عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و عن معادن الذهب و الفضّة، هل فيها زكاة؟ فقال: اذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس».(4)

و المسألة ممّا لا اشكال فيه، ففي مصباح الفقيه قال: «كلّ ما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر و الدرر و نحوهما فيه الخمس بلا خلاف فيه على الظاهر، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه».(5)

و ما في المدارك(6)من المناقشة من غير العنبر و اللؤلؤ ممّا يخرج من البحر بالغوص لاختصاص الرواية الصحيحة بالعنبر و اللؤلؤ، مدفوع أوّلاً بعدم الخلاف في وجوب الخمس في مطلق ما يخرج من البحر بالغوص من الجواهر و الدرر.


1) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 9: 487 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 493 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

5) - مصباح الفقيه 14: 83 .

6) - مدارك الأحكام 5: 375.

و في الجواهر: «يجب الخمس فيما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر و الدرر و نحوهما بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الحدائق، بل في ظاهر الانتصار و صريح الغنية و المنتهى الاجماع عليه، كظاهر نسبته الى علمائنا في التذكرة. انتهى ملخّصا».(1)

و ثانيا بأنّه في الأخبار الأخر أوجِب الخمس على ما يخرج من البحر بالغوص و ان كان من غير العنبر و اللؤلؤ.

و هيهنا فروع:

الفرع الأوّل : في المراد من الغوص

الظاهر من الروايات المذكورة في الغوص هو ما كان متداولاً في عصر الأئمّة عليهم‌السلام من اخراج الأشياء النفيسة بالغوص من البحر أو ما كان كالبحر من الشطوط العظيمة و العميقة، و عليه فلا منافاة بين الروايات؛ فالمراد من الغوص هو ما يخرج من البحر أو ما يماثله من بحيرة أو نهر عظيم، كما أنّ المراد من قوله عليه السلام «فيما يخرج من البحر» هو ذلك؛ فما يلتقط من سطح البحر أو ما يخرج من البحر من غير الأشياء النفيسة كالسمكة و غيرها من الحيوانات ليس من عنوان الغوص بل يدخل تحت عنوان أرباح المكاسب، و كذا ما يخرج من البحر بالآلات من دون غوص.

قال في الجواهر: «لو أخذ من البحر شيء من غير غوص لم‌يجب الخمس قطعا؛ للأصل السالم عن معارضة الأدلّة السابقة الظاهرة في غيره، و كذا ما يخرج من داخل الماء بآلة مع عدم دخول المخرج في الماء للغوص. نعم، لو غاص وشدّه بآلة مثلاً ثمّ أخرجه ففيه الخمس. و كذا لايجب الخمس في الحيوان و نحوه


1) - جواهر الكلام 16: 39.

ممّا هو من غير المعادن المعتاد خروجها بالغوص؛ للأصل و غيره. و الأنهار العظيمة كفرات و دجلة و النيل حكمها حكم البحر بالنسبة الى ما يخرج منها اذا فرض تكوّن مثل ذلك فيها كالبحر؛ لاطلاق الأدلّة. و لايجب الخمس فيما يخرج بالغوص من الأموال الغارقة في البحر و ان كانت لئالي و نحوها؛ للأصل و ظهور النصوص و الفتاوى في غيرها. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثاني : في اعتبار النصاب في الغوص

يجب الخمس فيما يخرج بالغوص بشرط أن‌يكون قيمته دينارا فصاعدا، و الدليل على ذلك صحيحة البزنطي عن محمّد بن علي بن أبي عبداللّه عن أبي الحسن عليهماالسلام قال:

«سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت و الزبرجد و عن المعادن الذهب و الفضّة، هل فيها زكاة؟ فقال: اذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس».(2)

و الرواية و ان رواها البزنطي عن محمّد بن علي بن أبي عبداللّه عليه السلام و هو مجهول لم‌يرد فيه توثيق و لا مدح، الاّ أنّ البزنطي لايروي الاّ عن الثقة كما عن الشيخ في عدّته، هذا أوّلاً. و ثانيا انّه لا خلاف في المسألة.

ففي الجواهر قال: «يجب الخمس فيما يخرج من البحر بالغوص بشرط أن‌يبلغ قيمته دينارا فصاعدا كما هو المشهور، نقلاً و تحصيلاً شهرة كادت تكوناجماعا، بل لو زاد قليلاً أو كثيرا وجب الخمس فيه، كما أنّه في الحدائق «اتّفق


1) - جواهر الكلام 16: 41 - 43.

2) - وسائل الشيعة 9: 493 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

الأصحاب قديما و حديثا على نصاب الدينار في الغوص»، بل الاجماع بقسميه بالنسبة الى عدم الخمس في الناقص عن ذلك، فما عن غرية المفيد من اعتبار عشرين دينارا فيه، ضعيف لانعرف له مأخذا معتدّا به كما اعترف به غير واحد. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثالث : في بعض أحكام الغوص

لا فرق بين اتّحاد النوع و عدمه؛ فلو بلغ قيمة المجموع دينارا وجب الخمس، و لا بين الدفعة و الدفعات فيضمّ بعضها الى بعض، كما أنّ المدار في النصاب على ما أخرج مطلقا و ان اشترك فيه جماعة لايبلغ نصيب كلّ منهم النصاب، كلّ ذلك لاطلاق صحيح البزنطي المتقدّم آنفا. و يعتبر بلوغ النصاب بعد اخراج المؤن كما قلنا في المعدن و الكنز، و الدليل ما ورد من أنّ الخمس بعد اخراج المؤن.

في أنّ المتناول من الغوّاص لايجري عليه حكم الغوص اذا لم‌يكن غائصا

(مسألة 21): المتناول من الغوّاص لايجري عليه حكم الغوص اذا لم‌يكن غائصا. و أمّا اذا تناول منه و هو غائص أيضا فيجب عليه اذا لم‌ينو الغوّاص الحيازة و الاّ فهو له و وجب عليه الخمس.

الشرح:

قد تقدّم أنّ من أخذ شيئا من الجواهر و الدرر من البحر و بالغوص فعليه الخمس، و ذلك اذا كان من قصده الحيازة و التملّك، فحينئذ أي بعد التملّك اذاتناول منه غوّاص آخر سواء كان تحت البحر أو فوقه فعلى الغوّاص الحائز الخمس. و أمّا اذا لم‌ينو الغوّاص الحيازة و التملّك و تناول منه غوّاص آخر


1) - جواهر الكلام 14: 40 و 41.

فتملّكه فان كان تحت البحر فعلى الثاني الخمس بعنوان الغوص و ان تناول منه فوقه فمن أرباح المكاسب.

فيما اذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئا

(مسألة 22): اذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئا ففي وجوب الخمس عليه وجهان و الأحوط اخراجه.

الشرح:

اذا غاص من غير قصد للحيازة و انّما غاص لغرض آخر من التنزّه أو العثور على ما ضاع منه في البحر، فصادف شيئا من الجواهر و الدرر فحازه ففيه الخمس لصدق اخراجه الجواهر و الدرر من البحر بالغوص فيشمله اطلاق الأدلّة.

فيما اذا أخرج بالغوص حيوانا و كان في بطنه شيء من الجواهر

(مسألة 23): اذا أخرج بالغوص حيوانا و كان في بطنه شيء من الجواهر فان كان معتادا وجب فيه الخمس و ان كان من باب الاتّفاق بأن‌يكون بلع شيئا اتّفاقا فالظاهر عدم وجوبه و ان كان أحوط.

الشرح:

اذا أخرج بالغوص حيوانا و كان في بطنه شيء من الجواهر فان كان معتادا كالصدف و السمك الخاصّ وجب فيه الخمس، و ان كان من باب الاتّفاق بأن‌غاص و أخرج سمكة ذات قيمة فوجد في بطنها شيئا نفيسا فالظاهر عدم وجوب الخمس عليه؛ لانصراف الأدلّة عن ذلك و عدم صدق اخراج الجواهر و الدرر بالغوص عليه.

(مسألة 24): الأنهار العظيمة كدجلة و النيل و الفرات حكمها حكم البحر بالنسبة الى ما يخرج منها بالغوص اذا فرض تكوّن الجوهر فيها كالبحر.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في الفرع الأوّل من المسألة العشرين.

فيما اذا غرق شيء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص

(مسألة 25): اذا غرق شيء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه و لايلحقه حكم الغوص على الأقوى و ان كان من مثل اللؤلؤ و المرجان، لكن الأحوط اجراء حكمه عليه.

الشرح:

اذا غرق شيء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه، و ذلك لخبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:

«و اذا غرقت السفينة و ما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله و هم أحقّ به، و ما غاص عليه الناس و تركه صاحبه فهو لهم».(1)

و خبر الشعيري قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضها بالغوص و أخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه، و أمّا ما أخرج بالغوص فهو لهم و هم أحقّ به».(2)

و الظاهر من الروايتين هو السفينة الغارقة و الأموال الغارقة التي لم‌يعرف أهلهافهو المتعارف في غريق البحر. و أمّا اذا غرقت سفينة و يعرف أهلها و مدينتهم و


1) - وسائل الشيعة 25: 455 / الباب 11 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 25: 455 / الباب 11 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

منازلهم و المنتسبون اليهم فلاتشملها الروايتان المذكورتان آنفا مع ما فيهما من الضعف. و أمّا عدم وجوب الخمس و عدم الحاقه بالغوص فلأصالة البراءة و ظهور النصوص و الفتاوى في غيرها.

و في الجواهر قال: «و لايجب الخمس فيما يخرج بالغوص من الأموال الغارقة في البحر و ان كانت لئالي و نحوها؛ للأصل و ظهور النصوص و الفتاوى في غيرها، بل هو لآخذه بعد اعراض صاحبه و انقطاع رجائه؛ لخبر السكوني و الشعيري و ان كان يشكل انطباق تفصيلهما على القواعد الشرعيّة؛ ضرورة اتّحاد اباحتهما مع الاعراض، و عدمها مع عدمه. انتهى ملخّصا».(1)

فيما اذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء

(مسألة 26): اذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لايخرج منه الاّ بالغوص فلا اشكال في تعلّق الخمس به، لكنّه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص؟ وجهان، و الأظهر الثاني.

الشرح:

اذا فرض معدن مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لايخرج منه الاّ بالغوص فلا اشكال في تعلّق الخمس به و اعتبار نصاب الغوص فيه، و ذلك لاطلاق أدلّة الغوص فيشمل ما كان يخرج من تحت البحر بنحو الأخذ أو ما يخرج منه مثل المعدن.

و في الجواهر قال: «لو فرض معدن تحت الماء بحيث لايخرج منه الاّ بالغوص فأخرج منه شيء لايبلغ نصاب المعدن و يبلغ نصاب الغوص وجب فيه الخمس حينئذ؛ بناءً على تعلّقه بمثل ذلك ممّا يخرج بالغوص، فتأمّل».(2)


1) - جواهر الكلام 16: 42.

2) - نفس المصدر.

في أنّ العنبر ان أخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان

(مسألة 27): العنبر اذا أخرج بالغوص جرى عليه حكمه، و ان أخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان، و الأحوط اللحوق، و أحوط منه اخراج خمسه و ان لم‌يبلغ النصاب أيضا.

الشرح:

لا اشكال و لا خلاف في أنّ العنبر فيه الخمس اذا أخرج بالغوص و بلغ قيمته دينارا؛ لصحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن العنبر و غوص اللؤلؤ، فقال عليه السلام : عليه الخمس. الحديث».(1)

قال في الجواهر: «العنبر يجب فيه الخمس بلا خلاف أجده، بل في المدارك و الحدائق الاجماع عليه كظاهر الغنية أو صريحها؛ لصحيح الحلبي المتقدّم سابقا، لكن هل لا نصاب له - كما هو ظاهر النهاية و الوسيلة بل و السرائر، بل قد يظهر من الأخير الاجماع عليه ان لم‌يكن صريحه؛ لاطلاق الصحيح، و مال اليه في المدارك و الحدائق بل استقربه في الكفاية - أو أنّ له حكم المعادن مطلقا فيعتبر فيه العشرون - كما عن غرية المفيد - لأنّه منها أو ملحق بها؛ لأصالة البراءة في الناقص عنه، أو أنّ له حكم الغوص مطلقا - كما هو ظاهر جمع الحلبي لهما في السؤال - أو يفصّل بأنّه اذا أخرج بالغوص روعي فيه مقدار دينار؛ لاندراجه في الخبر السابق الذي لايقيّده ما بعد «من» البيانيّة بعد ارادة المثال. و ان جني من وجه الماء أو من الساحل كان له حكم المعادن؛ لأصالة البراءة في الناقص عنه كما صرّح به في المنتهى و التذكرة و غيرهما، بل في المدارك و الكفاية و الحدائق نسبته الى الأكثر؟ أقوال - سوى الثالث فلم‌أجد قائلاً به و لا من نسب اليه ذلك عدا ظاهر الأستاذ فيكشفه أو صريحه هنا و ان قوي نصاب المعادن فيه - أحوطها أوّلها بل أقواها في


1) - وسائل الشيعة 9: 498 / الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

غير الخارج بالغوص منه، بل و فيه على تأمّل؛ لعدم تحقّق الجابر لخبر محمّد بن علي بن أبي عبداللّه عن أبي الحسن عليه السلام قال: «سألته عمّا يخرج من البحر - الى أن‌قال: - اذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس»، حتّى يحكم على اطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة آنفا بعد تسليم عدم ظهور البيان في الخبر لما لايشمل ذلك و ان كان المراد منه المثال، فتأمّل. انتهى ملخّصا».(1)

قلت:

ما التقط من سطح الماء أو الساحل فالظاهر أنّه ملحق بأرباح المكاسب، و ذلك أوّلاً: لأنّ الظاهر من عطف غوص اللؤلؤ بالعنبر أنّ العنبر كذلك، فكأنّه قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن غوص العنبر و غوص اللؤلؤ».

و ثانيا: انّه منصرف الى المتعارف، فانّ الظاهر أنّ الاخراج المعتاد للعنبر من البحر كان بالغوص و قليلاً ما يتّفق أخذ العنبر من سطح الماء أو الساحل من غير غوص، و النادر كالمعدوم فتعيّن الخمس في العنبر فيما اذا أخرج بالغوص و لا غير. و عليه فلا خمس فيه اذا أخذ من سطح الماء أو الساحل بلغ النصاب أو لم‌يبلغ، كما أنّه يجب الخمس فيه اذا أخرج غوصا بعد بلوغه النصاب و هو دينار؛ فلا وجه للاحتياط.


1) - جواهر الكلام 16: 44 و 45.

الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام

اشارة

«الخامس»: المال الحلال المخلوط بالحرام على وجه لايتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره فيحلّ باخراج خمسه، و مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس على الأقوى. و أمّا ان علم المقدار و لم‌يعلم المالك تصدّق به عنه، و الأحوط أن‌يكون باذن المجتهد الجامع للشرائط. و لو انعكس بأن‌علم المالك و جهل المقدار تراضيا بالصلح و نحوه، و ان لم‌يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ أو وجوب اعطاء الأكثر وجهان: الأحوط الثاني و الأقوى الأوّل اذا كان المال في يده. و ان علم المالك و المقدار وجب دفعه اليه.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في صورة الجهل بصاحبه و بمقداره

المال الحلال المخلوط بالحرام على وجه لايتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره يحلّ باخراج خمسه، و مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس على الأقوى، و الدليل على ذلك معتبرة عمّار بن مروان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام اذا لم‌يعرف صاحبه و الكنوز، الخمس».(1)

و خبر الحسن بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ رجلاً أتى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين انّي أصبت مالاًلاأعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال


1) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من ذلك المال بالخمس و اجتنب ما كان صاحبه يُعلم».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«جاء رجل الى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين أصبت مالاً أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال: ائتني خمسه فأتاه بخمسه فقال: هو لك، انّ الرجل اذا تاب تاب ماله معه».(2)

و لاتعارضه معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أتى رجل أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: انّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً و حراما و قد أردت التوبة و لاأدري الحلال منه و الحرام و قد اختلط عليّ. فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : تصدّق بخمس مالك فانّ اللّه (قد) رضي من الأشياء بالخمس و سائر المال لك حلال».(3)

و الدليل على عدم المعارضة أوّلاً: أنّ الأصل في مصرف الخمس هو الامام عليه السلام و ذرّيّته، فكأنّه قال عليه السلام : أدّ خمس مالك الى الامام عليه السلام و ذرّيّته.

و ثانيا: تستعمل الصدقة في الخمس أيضا، كما أشار اليه المحقّق الهمداني.(4)

و ثالثا: هذه الرواية قد رواها الفقيه هكذا:

«فقال عليّ عليه السلام : أخرج خمس مالك فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من الانسان بالخمس، و سائر المال كلّه لك حلال».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 506 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 506 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 506 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

4) - مصباح الفقيه 14: 154 و 155.

5) - من لايحضره الفقيه 3: 189 / باب الدين / الحديث 35.

و قد ذكر فيه «أخرج خمس مالك» بدل ما في الكافي «تصدّق بخمس مالك»، و حيث لا ترجيح فتسقط عن درجة الاعتبار و تبقى رواية عمّار بلا معارض.

فتحصّل أنّ التخميس في المال الحلال المخلوط بالحرام على وجه لايتميّز و لايعرف صاحبه و لا مقداره موجب لحلّيّته و مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس.

و في الجواهر: «السابع ممّا يجب فيه الخمس: الحلال اذا اختلط بالحرام و لايتميّز صاحبه أصلاً حتّى في عدد محصور و لا قدره أيضا أصلاً و لو على الاشاعة ممّا اختلط معه وجب فيه الخمس؛ وفاقا للنهاية و الغنية و الوسيلة و السرائر و النافع و القواعد و التذكرة و المنتهى و الارشاد و التحرير و اللمعة و البيان و حواشي البخاريّة و التنقيح و الروضة و حاشية الارشاد و الحدائق و الرياض و غيرها، بل في المنتهى نسبته الى أكثر علمائنا و المفاتيح الى المشهور. بل في ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه، و هو بعد شهادة التتبّع له في الجملة الحجّة، مضافا الى ما في البيان من دعوى اندراجه في الغنيمة - الى أن‌قال: - فما في مجمع البرهان من التأمّل في ذلك، بل مال الى خلافه تلميذه في المدارك و تبعه عليه الكاشاني بل و الخراساني في الظاهر بل ربّما استظهر أيضا من ترك جماعة من القدماء التعرّض له، فأوجب عزل ما تيقّن انتفاؤه عنه، و التفحّص عن مالكه الى أن‌يحصل اليأس من العلم به فيتصدّق به على الفقراء كغيره من مجهول المالك الذي قد ورد بالتصدّق به نصوص كثيرة مؤيّدة بالاطلاقات المعلومة و الاعتبارات العقليّة، في غير محلّه».(1)


1) - جواهر الكلام 16: 69 - 72.

الفرع الثاني : في صورة الجهل بصاحبه و العلم بمقداره

ان علم المقدار و لم‌يعلم المالك يتصدّق به، سواء كان بقدر الخمس أو أقلّ أو أكثر، و الدليل على ذلك صحيحة يونس بن عبدالرحمن قال:

«سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام و أنا حاضر - الى أن‌قال: - فقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها الى منزله و رحلنا الى منازلنا، فلمّا أن‌صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأيّ شيء نصنع به؟ قال: تحملونه حتّى تحملوه الى الكوفة. قال: لسنا نعرفه و لانعرف بلده و لانعرف كيف نصنع! قال: اذا كان كذا فبعه و تصدّق بثمنه. قال له: على من، جعلت فداك؟! قال: على أهل الولاية».(1)

و خبر داود بن أبي يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رجل: انّي قد أصبت مالاً و انّي قد خفت فيه على نفسي، و لو أصبت صاحبه دفعته اليه و تخلّصت منه. قال: فقال له أبو عبداللّه عليه السلام : واللّه أن لو أصبته كنت تدفعه اليه؟ قال: إي واللّه! قال: فأنا واللّه، ما له صاحب غيري. قال: فاستحلفه أن‌يدفعه الى من يأمره. قال: فحلف، فقال: فاذهب فاقسمه في اخوانك و لك الأمن ممّا خفت منه. قال: فقسمته بين اخواني».(2)

و خبر علي بن أبي حمزة قال:

«كان لي صديق من كتّاب بني أميّة فقال لي: استأذن لي على أبي عبداللّه عليه السلام ، فاستأذنت له (عليه) فأذن له، فلمّا أن‌دخل سلّم و


1) - وسائل الشيعة 25: 450 / الباب 7 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 25: 450 / الباب 7 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

جلس، ثمّ قال: جعلت فداك! انّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيرا و أغمضت في مطالبه. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : لولا أنّ بنيأميّة وجدوا لهم من يكتب و يجبي لهمالفيء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم لما سلبونا حقّنا، و لو تركهم الناس و ما في أيديهم ما وجدوا شيئا الاّ ما وقع في أيديهم. قال: فقال الفتى: جعلت فداك! فهل لي مخرج منه؟ قال: ان قلتُ لك تفعل؟ قال: أفعل. قال له: فاخرج من جميع ما كسبت (اكتسبت) في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم‌تعرف تصدّقت به و أنا أضمن لك على اللّه عزّوجلّ الجنّة. فأطرق الفتى طويلاً ثمّ قال له: لقد فعلت جعلت فداك! قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا الى الكوفة فما ترك شيئا على وجه الأرض الاّ خرج منه حتّى ثيابه التي كانت على بدنه. قال: فقسمت له قسمة و اشترينا له ثيابا و بعثنا اليه بنفقة. قال: فما أتى عليه الاّ أشهر قلائل حتّى مرض، فكنّا نعوده، قال: فدخلتُ يوما و هو في السَوق، قال: ففتح عينيه ثمّ قال لي: يا علي وفى لي واللّه صاحبك. قال: ثمّ مات فتولّينا أمره، فخرجت حتّى دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام ، فلمّا نظر اليّ قال لي: يا عليّ وفينا واللّه لصاحبك! قال: فقلت: صدقت جعلت فداك، هكذا و اللّه قال لي عند موته».(1)

و خبر نصر بن حبيب صاحب الخان قال:

«كتبت الى عبد صالح عليه السلام : لقد وقعت عندي مائتا درهم و أربعة دراهم و أنا صاحب فندق و مات صاحبها و لم‌أعرف له ورثة،


1) - وسائل الشيعة 17: 199 / الباب 47 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

فرأيك في اعلامي حالها و ما أصنع بها، فقد ضقت بها ذرعا! فكتب: اعمل فيها و أخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتّى تخرج».(1)

فالعمدة صحيحة يونس بن عبدالرحمن، ففيها يأمر الامام عليه السلام بالصدقة بالنسبةالى المال الذي يعلم مقداره و لايعرف صاحبه، فهذا هو المشهور.

قال المحقّق الهمداني: «اذا علم مقدار الحرام و لم‌يعرف صاحبه فقد صرّح غير واحد بأنّه يتصدّق به، سواء كان بقدر الخمس أو أقلّ أو أكثر، بل ربّما يظهر عدم الخلاف فيه».(2)

و أمّا صاحب الحدائق فقد ناقش في الأخبار المذكورة بأنّ موردها المال المتميّز فالحاق الممتزج به قياس، فقال ما لفظه: «و أمّا اذا علم القدر دون المالك فقيل هنا بوجوب الصدقة مع اليأس من المالك، سواء كان بقدر الخمس أو أزيد أو أنقص، و اختاره في المدارك، و قيل بوجوب اخراج الخمس ثمّ الصدقة بالزائد في صورة الزيادة. و الظاهر أنّ مستند القول الأوّل هو الأخبار الدالّة على الأمر بالتصدّق بالمال المجهول المالك، و من أجل ذلك أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص المتقدّمة.

و لقائل أن‌يقول: انّ مورد تلك الأخبار الدالّة على التصدّق انّما هو المال المتميّز في حدّ ذاته لمالك مفقود الخبر، و الحاق المال المشترك به مع كونه ممّا لا دليل عليه قياس مع الفارق؛ لأنّه لايخفى أنّ الاشتراك في هذا المال سارٍ في كلّ درهم درهم و جزء جزء منه فعزل هذا القدر المعلوم للمالك المجهول مع كون الشركة شائعة في أجزائه، كما أنّها شائعة في أجزاء الباقي لايوجب استحقاق المالك المجهول له حتّى أنّه يتصدّق به عنه، فهذا العزل لا ثمرة له بل الاشتراك باقٍ مثله قبل العزل.


1) - وسائل الشيعة 26: 297 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى / الحديث 3.

2) - مصباح الفقيه 14: 164.

فان قيل: انّه متى كان المال مشتركا بين شريكين فانّ لهما قسمته و يزول الاشتراك بالقسمة و تمييز حصّة كلّ منهما عن الآخر، قلنا: انّما صحّت القسمة في الصورة المذكورة و ذاك الاشتراك من حيث حصول التراضي من الطرفين على مايستحقّه أحدهما في مال شريكه بما يستحقّه الآخر في حصّته كما صرّح به الأصحاب، فهو في قوّة الصلح بل هو صلح موجب لنقل حصّة كلّ منهما للآخر، و هذا غير ممكن فيما نحن فيه فقياس أحدهما على الآخر مع الفارق كما لايخفى. و أمّا القول الآخر و هو اخراج الخمس ثمّ الصدقة بالزائد في صورة الزيادة ففيه ما في سابقه بالنسبة الى الصدقة بالزائد في الصورة المذكورة. و بما ذكرنا يظهر أنّ الأظهر دخول هذه الصورة تحت اطلاق الأخبار المتقدّمة و أنّه لا دليل على اخراجها».(1)

و المناقشة منه في غير محلّه؛ لوجود الدليل على الصدقة مطلقا كما تقدّم.

الفرع الثالث : في صورة العلم بصاحبه و الجهل بمقداره

ان علم المالك و جهل المقدار تراضيا بالصلح و نحوه، و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام :

«أنّه قال: في رجلين كان لكلّ واحد منهما طعام عند صاحبه و لايدري كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك و لي ما عندي، فقال: لابأس بذلك اذا تراضيا و طابت أنفسهما».(2)


1) - الحدائق الناضرة 12: 364 و 365.

2) - وسائل الشيعة 18: 445 / الباب 5 من كتاب الصلح / الحديث 1.

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام

«في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح، فقال: اذا كان بطيبة نفس من صاحبه فلابأس».(1)

و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الصلح جائز بين الناس».(2)

و عن الصدوق قال:

«قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه، و الصلح جائز بين المسلمين الاّ صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالاً».(3)

و أمّا ان لم‌يرض المالك بالصلح فما تيقّن أنّ ماله لم‌يكن أقلّ منه فيردّه الى صاحبه، و القدر المشكوك منه يختلف الحال فيه بالنسبة الى منشأ الاختلاط و الدعوى، فتارة كان المال عنده أمانة فاختلط بماله فأعطاه ما علم و الباقي المشكوك فيه فتجري البراءة فيه ان لم‌يدّعيه الآخر؛ لأنّ الودعي أمين و يده يد أمانة.

ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان».(4)

و أخرى كالصورة الأولى الاّ أنّ الآخر ادّعاه فيرجع الى الحاكم فيحكم بينهما.

و ثالثة غصب مالاً فخلط بماله فأخذ منه ما علم أنّه لصاحبه، و أمّا الباقي المشكوك فيه فعليه أن‌يردّه الى أن‌يتيقّن بالبراءة، و ذلك لأنّ الغاصب قد اشتغلت


1) - وسائل الشيعة 18: 446 / الباب 5 من كتاب الصلح / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 18: 443 / الباب 3 من كتاب الصلح / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 18: 443 / الباب 3 من كتاب الصلح / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 19: 79 / الباب 4 من كتاب الوديعة / الحديث 1.

ذمّته بمال الغير فلاتبرأ حتّى يؤدّي ما يتيقّن به بالبراءة فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة. و الفرق بينه و بين المستودع أنّ يد الغاصب ليست يد أمانة بخلاف الودعي و بأنّ الغاصب يؤخذ بأشدّ الأحوال بخلاف الودعي.

ففي الجواهر: «أمّا لو علم الصاحب و جهل قدر المال اجمالاً و تفصيلاً وجبالصلح، كما صرّح به جماعة و كان مرادهم و لو اجبارا، لكن في الرياض: «وجوب مصالحته بما يرضى به ما لم‌يعلم زيادته على ما اشتغلت الذمّة به بيقين» و هو جيّد، و عنده حينئذ يتّجه اجبار الحاكم له على الصلح.

و في التذكرة: «انّه ان أبى دفع اليه خمس المال؛ لأنّ هذا القدر جعله اللّه مطهّرا للمال» و هو لايخلو من وجه، خصوصا مع ملاحظة التعليل السابق و ان استشكله بعضهم بظهور النصوص السابقة سيّما خبر الخصال في خلافه من مجهوليّة المالك، ثمّ قال: «فالاحتياط يقتضي وجوب دفع ما يحصل به يقين البراءة من يقين الشغل، و لايبعد الاكتفاء بدفع ما يتيقّن انتفاؤه عنه؛ لأصالة براءة الذمّة عنالشغل بغيره».

قلت: لعلّ الصلح و لو اجبارا بما يرضى به ما لم‌يزد أولى منه هنا؛ للقطع بكون بعض الأعيان المختلطة له فلايجوز التصرّف في ذلك المال اذا لم‌يأذن. نعم، ما ذكره متّجه بالنسبة للديون فتأمّل.

و لو علمه اجمالاً أى أكثر من الخمس أو الثلث مثلاً دفع اليه ما تيقّنه، بل و ما يحصل به يقين البراءة احتياطا ان لم‌يصالحه، و في المدارك في نحو الفرض يحتمل قويّا الاكتفاء باخراج ما يتيقّن انتفاؤه عنه، و وجهه ما عرفت، و لا فرق في ذلك كلّه بين المختلط بكسبه أو من ميراث، كما صرّح به جماعة و ان كان ظاهر جملة من النصوص الأوّل».(1)


1) - جواهر الكلام 16: 74 و 75.

أقول:

ما ذكروه من التفصيل حسن.

و لو علم قدر المال و صاحبه وجب الدفع الى صاحبه من غير اشكال و لا خلاف.

قال المحقّق الهمداني: «اذا عرف قدر الحرام و صاحبه، حكمه الشركة في العين بنسبة المالين فهذا ممّا لا اشكال فيه اذا كان صاحبه معروفا بعينه».(1)

(مسألة 28): لا فرق في وجوب اخراج الخمس و حلّيّة المال بعده بين أن‌يكون الاختلاط بالاشاعة أو بغيرها كما اذا اشتبه الحرام بين أفراد من جنسه أو من غير جنسه.

الشرح:

قد تقدّم أنّ المال الحلال المخلوط بالحرام على وجه لايتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره يحلّ باخراج خمسه بلا فرق بين أن‌يكون الاختلاط بطريقة الاشاعة الموجبة للشركة في كلّ جزء جزء، كما لو اشترى متاعا بعضه محلّل و بعضه الآخر محرّم فانّه يوجب كون المثمن مشاعا بينهما و نحو ذلك من فروض الاشاعة، أو كان مجرّد اختلاط بين الأعيان الخارجيّة مع بقاء كلّ عين على ملك مالكها الواقعي و ان لم‌يكن متميّزا كاختلاط الدراهم بالدنانير و نحوهما من سائر الأجناس المختلفة المختلط بعضها ببعض كالكتاب و الصندوق و الفراش و نحوها و هو يعلم أنّ بعضها له و بعضها لغيره بحيث اكتسب أمورا أغمض عن مطالبها، كلّ ذلك مشمول لاطلاق النصوص.


1) - مصباح الفقيه 14: 175.

في صورة العلم الاجمالي بزيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس

(مسألة 29): لا فرق في كفاية اخراج الخمس في حلّيّة البقيّة في صورة الجهل بالمقدار و المالك بين أن‌يعلم اجمالاً زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس و بين صورة عدم العلم و لو اجمالاً، ففي صورة العلم الاجمالي بزيادته عن الخمس أيضا يكفي اخراج الخمس فانّه مطهّر للمال تعبّدا و ان كان الأحوطمع اخراج الخمس المصالحة مع الحاكم الشرعي أيضا بما يرتفع به يقين الشغل و اجراء حكم مجهول المالك عليه، و كذا في صورة العلم الاجمالي بكونه أنقص من الخمس، و أحوط من ذلك المصالحة معه بعد اخراج الخمس بما يحصل معه اليقين بعدم الزيادة.

الشرح:

قد تقدّم في أوّل البحث بأنّ المال الحلال المخلوط بالحرام على وجه لايتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره يحلّ باخراج خمسه، و مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس، و في هذه المسألة نقول بأنّه لا فرق في كفاية اخراج الخمس في حلّيّة البقيّة في صورة الجهل بالمقدار و المالك بين أن‌يعلم اجمالاً زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس و بين عدم العلم و لو اجمالاً، و ذلك لاطلاق الأدلّة ففي خبر الحسن بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ رجلاً أتى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين عليه السلام انّي أصبت مالاً لاأعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من المال بالخمس، و اجتنب ما كان صاحبه يعلم».(1)

فانّ الظاهر من الخبر أنّه يعلم اجمالاً باصابة الحرام في ماله و أنّ ماله مخلوط بالحرام قطعا، و هو الموافق للقاعدة؛ لأنّه اذا كان شاكّا في الاختلاط و أنّه هل


1) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

يكون في ماله حرام، كانت ذمّته بريئة لأصالة البراءة، فاذا أمره الامام عليه السلام في صورة العلم الاجمالي بوجود الحرام في ماله - على الفرض - بأداء الخمس من ماله و لم‌يفصّل بين العلم الاجمالي بزيادة الحرام عن الخمس أو نقيصته و بين عدم العلم، فيعلم أنّ الشارع «قد رضي من ذلك المال بالخمس» و «أنّ الرجل اذا تابتاب ماله معه».

نعم، لو انحلّ علمه الاجمالي بعلم تفصيلي و شكّ بدوي - كما لو علم اجمالاً زيادة الحرام على الخمس و يعلم أيضا أنّ الزيادة ليست أنقص من ثلاثة أخماس و يشكّ فيما زاد على ذلك - فحينئذ لايجوز له التصرّف في البقيّة بأداء الخمس بل عليه أداء جميع ما يعلم بعنوان الصدقة، و الدليل على ذلك صحيحة يونس المتقدّمة، و لايشمله أخبار التخميس؛ فانّها منصرفة عن هذا المورد، و كذلك اذا علم أنّ الحرام ليس أنقص من عشر المال و يشكّ فيما زاد على ذلك فالواجب عليه أداء العشر بعنوان الصدقة و تجري البراءة في الباقي.

و الحاصل أنّ أخبار التخميس تشمل المال الذي يعلم اجمالاً زيادة مقدار الحرام فيه أو نقيصته عن الخمس ولكن لم‌يحصل له العلم التفصيلي و الشكّ البدوي أو لم‌يعلم ولو اجمالاً.

فيما اذا علم قدر المال و لم‌يعلم صاحبه بعينه

(مسألة 30): اذا علم قدر المال و لم‌يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور ففي وجوب التخلّص من الجميع و لو بارضائهم بأيّ وجه كان، أو وجوب اجراء حكم مجهول المالك عليه أو استخراج المالك بالقرعة أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسويّة وجوه، أقواها الأخير. و كذا اذا لم‌يعلم قدر المال و علم صاحبه في عدد محصور فانّه بعد الأخذ بالأقلّ كما هو الأقوى أو الأكثر كما هو الأحوط يجري فيه الوجوه المذكورة.

الشرح:

اذا علم قدر المال و لم‌يعلم صاحبه بعينه لكن علم أنّه في أشخاص محصورين وزّعه بينهم بالسويّة، و الدليل على ذلك معتبرة السكوني عن الصادق عن أبيه عليهماالسلام في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر دينارا فضاع دينارمنها، قال:

«يُعطى صاحب الدينارين دينارا و يُقسم الآخر بينهما نصفين».(1)

و ما قيل من أنّ الرواية و أمثالها واردة في موارد خاصّة من الودعي، أو التداعي و نحوهما، فالتعدّي عن ذلك و الادّعاء بأنّ في كلّ مورد تردّد المال بين شخصين يقسم نصفين مشكل جدا، مدفوع أوّلاً بأنّ المال الحلال المخلوط بالحرام لاينحصر في موارد تحقّق الضمان، بل من جملة موارده من كان عنده وديعة فاختلط بماله.

و ثانيا من أصاب مالاً أغمض في مطالبه حلالاً و حراما ثمّ تاب و قصد ردّ المال الى صاحبه لايقال له متعدّ و غاصب؛ «فانّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له»(2)و «من تاب تاب ماله معه»(3).

نعم، من أصاب مالاً أغمض في مطالبه حلالاً و حراما و لم‌يتب فادّعى عليه جماعة كلّ واحد يدّعي بأنّ المال كلّه له و يعلم مقدار الحرام، فانّه غاصب يؤخذ بأشدّ العقاب و المكافأة و يلزم عليه ارضاء من يحتمل ملكيّته بأيّ نحو كان و لو باعطاء كلّ واحد المقدار المعلوم.

قال المحقّق الهمداني فيما اذا عرف قدر الحرام و كان صاحبه مشكوكا فيه بين أشخاص محصورين: «فقد يشكل الأمر؛ حيث انّ مقتضى قاعدة اليد وجوب


1) - وسائل الشيعة 18: 452 / الباب 12 من كتاب الصلح / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 16: 74 / الباب 86 من أبواب جهاد النفس / الحديث 8 .

3) - وسائل الشيعة 9: 506 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

ايصال مقدار الحرام الى صاحبه، و لايحصل الجزم به الاّ بدفع مثله الى كلّ منهم و هو ضرر عظيم، و لذا قد يقال فيه بالقرعة؛ لأنّها لكلّ أمر مشكل. و قيل بالقسمة بينهم؛ أخذا من بعض الأخبار الواردة في الوديعة المردّدة بين شخصين.

و الأوجه الالتزام بوجوب الاحتياط و تحصيل الجزم بتفريغ ذمّته بصلح ونحوه و لو بدفع أمثال المال الى الجميع لدى الامكان كما صرّح به بعض بل لعلّه المشهور؛ حيث انّ تضرّره بذلك نشأ من سوء اختياره و تفريطه في مال الغير فيشكل أن‌يعارض ضرره ضرر ذلك الغير و ان كان أكثر، فمقتضى قاعدة اليد المعتضدة بقاعدة نفي ضرر المالك وجوب ايصال ماله اليه فيجب تحصيل مقدّماته الوجوديّة و العلميّة بحكم العقل و ان توقّف على بذل المال.

الى أن‌قال: نعم، لو لم‌يكن استيلاؤه عليه على سبيل العدوان بل كان مال الغير عنده وديعة أو عارية فامتزج بماله من غير تعدّ أو تفريط أو كان استيلاؤه عليه لا على وجه يستند العدوان اليه بأن‌حصل بفعل الغير - كما لو غصبه ثالث فخلطه بماله - فيتّجه حينئذ نفي وجوب مقدّماته الوجوديّة و العلميّة بالقاعدة فلايجب عليه حينئذ بذل الأزيد من مقدار الحرام و يرجع في تشخيص مالكه الى القرعة، أو أنّه يقسّمه بين محتملاته على الخلاف فيما هو من نظائر المقام».(1)

و لقد أجاد فيما قال الاّ أنّ المناسب أن‌يلحق التائب من الذنب بمن لم‌يكن استيلاؤه عليه على سبيل العدوان؛ لأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

و أمّا تردّد قوله رحمه‌الله في ذلك بين القرعة أو القسمة ففيه: اذا قلنا بشمول ما ورد من الأخبار في الوديعة بالقسمة لما نحن فيه فلا وجه للقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل؛ فمع وجود النصّ لايبقى اشكال هنا.

و ممّا تقدّم سابقا و آنفا تعرف حكم ذيل المسألة بأنّه اذا لم‌يعلم قدر المال و


1) - مصباح الفقيه 14: 175 و 176.

علم صاحبه في أشخاص محصورين فانّه بعد الأخذ بالأقلّ اذا انحلّ علمه الاجمالي بالعلم التفصيلي و الشكّ البدوي، يجري فيه ما قلنا من التوزيع أو الاحتياط بايصال المال الى جميعهم في صورة العدوان.

فيما اذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله

(مسألة 31): اذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله فلا محلّ للخمس، و حينئذ فان علم جنسه و مقداره و لم‌يعلم صاحبه أصلاً أو علم في عدد غير محصور تصدّق به عنه باذن الحاكم أو يدفعه اليه، و ان كان في عدد محصور ففيه الوجوه المذكورة، و الأقوى هنا أيضا الأخير. و ان علم جنسه و لم‌يعلم مقداره بأن‌تردّد بين الأقلّ و الأكثر أخذ بالأقلّ المتيقّن و دفعه الى مالكه ان كان معلوما بعينه. و ان كان معلوما في عدد محصور فحكمه كما ذكر. و ان كان معلوما في غير المحصور أو لم‌يكن علم اجمالي أيضا تصدّق به عن المالك باذن الحاكم أو يدفعه اليه. و ان لم‌يعلم جنسه و كان قيميّا فحكمه كصورة العلم بالجنس؛ اذ يرجع الى القيمة و يتردّد فيها بين الأقلّ و الأكثر، و ان كان مثليّا ففي وجوب الاحتياط و عدمه وجهان.

الشرح:

اذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله فلا محلّ للخمس؛ لأنّ محلّه هو المال الحلال المختلط بالحرام اذا لم‌يعرف صاحبه و لا قدره، و هذا لا اشكال فيه من جهة أن لا محلّ فيه للخمس، انّما الاشكال فيما اذا اختلط الحلال بالحرام ثمّ تلف المال و بقي الحرام في ذمّته، فهل هو كما اذا كان حقّ الغير ثابتا في ذمّته ابتداءً فلا محلّ للخمس أو أنّ الخمس قد استقرّ في ذمّته؟

فالمحكيّ عن الشيخ الأنصاري هو الثاني و أنّه قال بعدم الفرق في وجوب التخميس بين العين الخارجيّة و بين ما انتقل الى الذمّة بعد الاختلاط؛ لأنّ الخمس

عنده في هذا القسم كسائر أقسام الخمس ملك فعليّ لأرباب الخمس، فالمال مشترك بين المالك و السادة بنسبة معيّنة أعني الخمس، و الشارع جعل الخمس في المال المخلوط لهم بالولاية الشرعيّة، فيكون حال هذا المال حال ما لو تلف الكنز أو المعدن و نحوهما ممّا تعلّق به الخمس في الانتقال الى الذمّة و اشتغالها بهو كونه ضامنا له كما كان يجب في العين الخارجيّة.

و المحقّق الهمداني ذهب الى الأوّل فقال: «انّ المراد بثبوت الخمس في الحلال المختلط بالحرام هو أنّ الشارع جعل تخميسه بمنزلة تشخيص الحرام و ايصاله الى صاحبه في كونه موجبا لحلّ الباقي و جواز التصرّف فيه، فليس ثبوت الخمس فيه كثبوته في الكنز و نحوه في كونه بالفعل مملوكا لبني هاشم.

الى أن‌قال: فالذي يتحصّل عن مجموع النصوص و الفتاوى بعد ارجاع بعضها الى بعض انّما هو شرعيّة الخمس لتحليل المال الممتزج بالحرام لا كون المال مشتركا بينه و بين أرباب الخمس.

الى أن‌قال: و قد ظهر بما أشرنا اليه - من أنّ الخمس في هذا القسم ليس من قبيل خمس الكنوز و سائر أقسام الغنيمة في كونه حقّا فعليّا ثابتا لبني هاشم - أنّه لا منافاة بين هذا الخمس و بين الأخبار الحاصرة للخمس فيما عداه؛ اذ ليس في الحلال المختلط بالحرام من حيث هو الخمس، ولكن الشارع جعل صرف خمسه الى أرباب الخمس بمنزلة ايصال مال الغير اليه في كونه مطهّرا لهذا المال و كفى بكونه مصحّحا لأن‌يعدّ في عداد ما فيه الخمس».(1)

و الحقّ ما ذهب اليه شيخنا الأنصاري - أعلى اللّه مقامه - فانّ الظاهر من أخبار الباب أنّ هذا الخمس كسائر أقسام الخمس، كما في خبر ابن مروان و أنّه حقّ فعليّ ثابت لبنيهاشم. و ما ذكره قدس‌سره من صرف الأخبار عن ظاهرها لا دليل عليه.


1) - مصباح الفقيه 14: 158 - 161.

و كيف كان ففيما اذا كان حقّ الغير دينا ثابتا في الذمّة، فتارة يعلم جنسه و مقداره، و أخرى يعلم الجنس دون المقدار، و ثالثة لم‌يعلم الجنس أيضا.

فان علم جنسه و مقداره، فتارة يعلم صاحبه تفصيلاً، و أخرى يعلمه اجمالاً و في عدد محصور، و ثالثة لايعلمه كذلك سواء علمه في عدد غير محصور، كما لوعلم بكونه مدينا لرجل من أهل البلد الكذائي، أو علم باشتغال ذمّته لأحد بأخذ ماله سرقة أو غيلة مثلاً و لايعرفه أصلاً، ففي الصورة الأولى يوصله الى صاحبه، و في الثانية يوزّعه بينهم ان كانت يده يد أمانة أو كان تائبا، و الاّ يرضيهم بأيّ نحو كان ولو باعطاء كلّ منهم مثل ما عليه من الدين كما تقدّم. و في الثالثة يتصدّق به؛ لصحيحة يونس بن عبدالرحمن قال:

«سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام و أنا حاضر - الى أن‌قال: - فقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها الى منزله و رحلنا الى منازلنا فلمّا أن‌صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأيّ شيء نصنع به؟ قال: تحملونه حتّى تحملوه الى الكوفة. قال: لسنا نعرفه و لانعرف بلده و لانعرف كيف نصنع؟ قال: اذا كان كذا فبعه و تصدّق بثمنه؟ قال له: على من، جعلت فداك؟! قال: على أهل الولاية».(1)

و لصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل كان له على رجل حقّ ففقده و لايدري أين يطلبه، و لايدري أ حيّ هو أم ميّت، و لايعرف له وارثا و لا نسبا و لا ولدا، قال: أطلب. قال: فانّ ذلك قد طال فأتصدّق به؟ قال: أطلبه».(2)

فالمستفاد من الصحيحة أنّ وظيفة الرجل لأداء حقّ المفقود هي الصدقة، و أمره عليه السلام بالطلب و التفحّص ثانيا مقدّمة لحصول اليأس من صاحبه.


1) - وسائل الشيعة 25: 450 / الباب 7 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 26: 297 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه / الحديث 2.

ففي مرسلة الصدوق قال:

«و قد روي في خبر آخر: ان لم‌تجد له وارثا و عرف اللّه عزّوجلّ منك الجهد فتصدّق بها».(1)

و أمّا الصورة الثانية أي فيما اذا علم جنسه و لم‌يعلم قدره من غير فرق بين القيميّ و المثليّ، كما اذا علم أنّ عليه الشاة ولكن لم‌يعلم أنّها واحدة أو اثنتان، هذا في القيمىّ، و كذا اذا علم أنّ عليه الحنطة ولكن لم‌يعلم أنّها منّ أو منّان فحينئذ يأخذ بالأقلّ و يجري البراءة فيما زاد عليه فيردّه الى صاحبه ان كان معلوما معيّنا، و الاّ يوزّع أو يرضي أو يتصدّق به على ما تقدّم من الصور.

و أمّا الصورة الثالثة أي فيما اذا لم‌يعلم الجنس أيضا فان كان ذمّته مشغولة بما هو قيميّ فحيث انّه في مرحلة الأداء ينتقل الى القيمة فيؤدّي قدر المتيقّن و يجري البراءة بالنسبة الى الزائد. و أمّا ان كانت ذمّته مشغولة بالمثليّ فحيث انّه مأمور بأداء مثل ما على ذمّته و كان متردّدا بين شيئين متبائنين كدرهم أو دينار فيعيّنه بالقرعة؛ لأنّها لكلّ أمر مشكل.

(مسألة 32): الأمر في اخراج هذا الخمس الى المالك كما في سائر أقسام الخمس، فيجوز له الاخراج و التعيين من غير توقّف على اذن الحاكم كما يجوز دفعه من مال آخر و ان كان الحقّ في العين.

يأتي شرح هذه المسألة في المسألة الخامسة و السبعين ان شاء اللّه تعالى.


1) - وسائل الشيعة 26: 301 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه / الحديث 11.

فيما لو تبيّن المالك بعد اخراج الخمس

(مسألة 33): لو تبيّن المالك بعد اخراج الخمس فالأقوى ضمانه كما هو كذلك في التصدّق عن المالك في مجهول المالك فعليه غرامته له حتّى في النصف الذي دفعه الى الحاكم بعنوان أنّه للامام عليه السلام .

الشرح:

لو تبيّن المالك بعد اخراج الخمس فالأقوى عدم ضمانه، و ذلك للأخبار الواردة في اخراج خمس المال الحلال المختلط بالحرام، ففي خبر الحسن بن زياد قال له عليه السلام :

«أخرج الخمس من ذلك المال فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من ذلك المال بالخمس».(1)

و كذا في معتبرة السكوني في نسخة الفقيه، فقال عليّ عليه السلام :

«أخرج خمس مالك فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من الانسان بالخمس، و سائر المال كلّه لك حلال».(2)

و في مرسلة الصدوق بعد أن‌قال الراوي: أفلي توبة؟ قال عليه السلام :

«ائتني بخمسه، فأتاه بخمسه، فقال: هو لك، انّ الرجل اذا تاب تاب ماله معه».(3)

فانّ الظاهر من هذه الأخبار بل صريحها أنّ اخراج الخمس موجب لمطهّريّة المال و حلّيّة البقيّة واقعا و هو يساوي رفع الضمان بل عينه.

قال المحقّق الهمداني: «قال شيخنا المرتضى رحمه‌الله: «لو ظهر المالك بعد اخراج الخمس فهل يضمن الدافع - كما صرّح به الشهيدان في الروضة و البيان - أم لا


1) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - من لايحضره الفقيه 3: 189 / باب الدين و القرض من كتاب المعيشة / الحديث 3713.

3) - وسائل الشيعة 9: 506 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

كما عن الرياض و المدارك و الذخيرة - ؟ قولان: من قاعدة اليد و كون الاذن فيالتخميس في مقام سبب اباحة التصرّف في الباقي فلايفيد رفع الضمان. نعم، غايته رفع الاثم، مضافا الى النصّ بالضمان في أمثاله من التصدّق بمجهول المالك و اللقطة، و من أنّ ظاهر التعليل في قوله عليه السلام : «انّ اللّه رضي من الأموال بالخمس» أنّ ولاية الخليط المجهول مالكه انتقل مع جهل المالك الى اللّه سبحانه و قد رضي عن الخليط بالخمس فاخراجه مطهّر للمال و مبرئ للذمّة بحكم المراضاة الحاصلة بين مالك الحلال و بين الشارع تقدّس ذكره. و هذا بخلاف مسألة التصدّق بمجهول المالك و اللقطة؛ فانّ الظاهر أنّ التصدّق بهما انّما هو عن صاحبه باذن الشارع في ايقاع هذا العمل للمالك شبه الفضولي. و أين هو من ايصال المال الى وليّ مالكه كما يستفاد من تعليل أخبار الباب مع أنّ التصدّق بمجهول المالك جائز؛ لجواز ابقائه أمانة أو تسليمه الى الحاكم فلاينافي الضمان، بخلاف دفع هذا الخمس فانّه واجب و يبعد معه الضمان». انتهى كلامه قدس‌سره و هو جيّد. - الى أن‌قال: - فعمدة ما يصحّ الاستناد اليه لرفع الضمان هو ما ادّعاه من استفادته من الأخبار بالتقريب الذي ذكره». انتهى كلام المحقّق الهمداني.(1)

و لقد أجادا فيما أفادا.

فيما لو علم بعد اخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ

(مسألة 34): لو علم بعد اخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ لايستردّ الزائد على مقدار الحرام في الصورة الثانية. و هل يجب عليه التصدّق بما زاد على الخمس في الصورة الأولى أو لا؟ وجهان، أحوطهما الأوّل و أقواهما الثاني.


1) - مصباح الفقيه 14: 161 - 163.

الشرح:

لو علم بعد اخراج الخمس أنّ الحرام أقلّ من الخمس لايستردّ الزائد علىمقدار الحرام، و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام : «أخرج الخمس من ذلك». و كذا لو علم بعد اخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس؛ فانّ قوله عليه السلام «أخرج الخمس من ذلك المال، فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من ذلك المال بالخمس»، و كذا قوله عليه السلام في معتبرة السكوني: «أخرج خمس مالك فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من الانسان بالخمس و سائر المال كلّه لك حلال» مطلق يشمل الصورتين معا.

قال في الجواهر: «و لو علم زيادة الحرام عن الخمس بعد اخراجه منه تصدّق بها، لكن في البيان احتمال استدراك الصدقة في الجميع بالاسترجاع، فان لم‌يمكن أجزأ و تصدّق بالزائد، بل في الكشف احتمال الاكتفاء بالسابق، و هما كما ترى أوّلهما مبنيّ على حرمة مثل هذه الصدقة على بني هاشم، كما أنّ ثانيهما مستلزم لحلّية معلوم الحرمة».(1)

و ما ذكره مدفوع بوجود الدليل على ذلك؛ فانّ قوله عليه السلام «أخرج خمس مالك فانّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من الانسان بالخمس و سائر المال كلّه لك حلال» ظاهر في أنّه اذا كان قدر الحرام واقعا أزيد من الخمس، فقد رضي اللّه بهذا المقدار، سواء انكشف زيادته في الدنيا أو في الآخرة. نعم، الاحتياط حسن على كلّ حال خصوصا بالنسبة الى الأموال و الفروج.


1) - جواهر الكلام 16: 76.

فيما لو كان الحرام المجهول مالكه معيّنا فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس

(مسألة 35): لو كان الحرام المجهول مالكه معيّنا فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس خوفا من احتمال زيادته على الخمس فهل يجزيه اخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك؟ وجهان، و الأقوى الثاني؛ لأنّه كمعلوم المالك حيث انّ مالكه الفقراء قبل التخليط.

الشرح:

اذا كان الحرام المجهول مالكه معيّنا كأن كان عنده كيس من مال الغير فيه دراهم ولكن لايعلم عددها تفصيلاً و كان عنده أيضا دراهم لنفسه و احتمل زيادة الدراهم في الكيس من خمس المجموع، فلايجوز له أن‌يخلط ما في الكيس بمال نفسه ليخمّسه خوفا من احتمال زيادته على الخمس، فلو خلطه لايحلّ بالتخميس؛ لأنّ روايات الخمس منصرفة عن مثل هذا قطعا، و لأنّ موردها أنّه كان جاهلاً بمقدار الحرام من أوّل الأمر ثمّ تاب. و على هذا ان كان اصابة الحرام و اختلاطه بماله بسوء سريرته و عصيانه فحينئذ لايحلّل ماله الاّ بأداء ما تيقّن به ببراءة ذمّته.

فيما لو كان الحلال الذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس

(مسألة 36): لو كان الحلال الذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل خمس آخر للمال الحلال الذي فيه.

الشرح:

لو كان الحلال المختلط فيه الحرام ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه خمس آخر؛ لتعدّد الأسباب المقتضية لتعدّد المسبّبات، و هذا ممّا لا اشكال فيه.

قال في الجواهر: «فما في الحواشي البخاريّة من الاكتفاء بخمس واحد

ضعيف جدّا، كدليله من الاطلاق الذي لم‌يسق لبيان ذلك».(1)

و لا فرق في المتقدّم منهما و المتأخّر؛ لأنّ مصرفهما واحد.

نقل المحقّق الهمداني عن الشيخ مرتضى الأنصاري أنّه قال: «لو كان الحلال ممّا فيه الخمس لم‌يسقط باخراج هذا الخمس؛ لعدم الدليل على سقوطه، فيجب حينئذ أوّلاً هذا الخمس، فاذا حلّ لمالكه و طهر عن الحرام أخرج خمسه، و لو عكس صحّ، لكن تظهر الفائدة فيما لو جعلنا مصرف هذا الخمس غير الهاشمي، و حينئذ فليس له العكس».(2)

و قال في مستند العروة: «انّ التخميس بعنوان الأرباح مثلاً مقدّم على التخميس من ناحية الاختلاط، عكس ما ذكره الماتن؛ ضرورة أنّ الخمس بعنوان الاختلاط حسب ما يستفاد من الأدلّة خاصّ بالمال المخلوط فيه الحلال بالحرام، و أمّا المشتمل على صنف ثالث بحيث ليس له و لا من المال الحرام المجهول صاحبه فهو غير مشمول للأدلّة، فلابدّ من اخراجه - ما هو ملك للامام و السادة - و استثنائه أوّلاً ليتمحّض المال في كونه حلالاً مخلوطا بالحرام ثمّ يخمّس بعدئذ للتحليل و بعنوان الاختلاط. و كيفيّة تخميس ماله الذي فيه الخمس، أن‌يخرج خمس المتيقّن كونه من المال الحلال أوّلاً فيخرج خمسه للأرباح ثمّ يخرج خمس هذا المجموع بعنوان الاختلاط. انتهى ملخّصا».(3)

و ما ذكره صحيح ان لم‌يكن للمال الحرام المخلوط قدر متيقّن. و أمّا ان كان له أيضا قدر متيقّن فقد تقدّم منّا أنّ المستفاد من أدلّة تخميس المال الحلال المخلوط بالحرام هو أنّ موضوعه المال المختلط بالحرام المجهول قدره و صاحبه، فحينئذ لو كان له قدر متيقّن فينحلّ علمه الاجمالي الى علم تفصيلي و


1) - جواهر الكلام 16: 76.

2) - مصباح الفقيه 14: 163.

3) - مستند العروة كتاب الخمس: 169.

شكّ بدوي فيصبح عالما بالقدر فيجب عليه الصدقة أوّلاً ثمّ التخميس للأرباح.

فيما لو كان الحرام المختلط بالحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف

(مسألة 37): لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العامّ فهو كمعلوم المالك على الأقوى فلايجزيه اخراج الخمس حينئذ.

الشرح:

لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العامّ فهو كمعلوم المالك فمالكه في الأوّل الامام و السادة، و في الثاني الأصناف الثمانية من الفقراء و المساكين و...، و في الوقف حسب ما عيّنه الواقف، فحينئذ اذا جهل المقدار كما هو المفروض فلابدّ لاصلاح المال من مراجعة الحاكم الشرعي بالنسبة الى الخمس، و أمّا الوقف فيرجع الى المتولّي للوقف.

فيما اذا تصرّف في المال المختلط قبل اخراج الخمس بالاتلاف

(مسألة 38): اذا تصرّف في المال المختلط قبل اخراج الخمس بالاتلاف لم‌يسقط و ان صار الحرام في ذمّته، فلايجري عليه حكم ردّ المظالم على الأقوى، و حينئذ فان عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمّته بمقدار خمسه، و ان لم‌يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقّن معه بالبراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل وجهان، الأحوط الأوّل و الأقوى الثاني.

الشرح:

اذا تصرّف في المال المختلط قبل اخراج الخمس بالاتلاف لم‌يسقط الخمس بل صار في ذمّته؛ لأنّه كما قدّمنا ليس بين هذا الخمس و سائر أقسامه من خمس المعدن و الكنز و أرباح المكاسب و غيرها فرق و مصرفهما واحد و هو الامام عليه السلام و السادة. نعم، لو قلنا بالفرق و أنّه لتطهير المخلوط مع بقاء الحرام على ملك

مالكه الواقعي فله تخليص العين الخارجيّة من الحرام بالتخميس من غير أن‌يكون الخمس ملكا فعليّا للسّادة، فنقول: لو أتلفه انتقل الحرام بخالصه الى الذمّة فيجريعليه حكم ردّ المظالم لا الخمس. فعلى ما هو الحقّ من عدم الفرق فان عرف مقدار ما أتلفه فيعطي خمسه، و أمّا ان لم‌يعرف فان كان اتلافه عدوانا و بغير اذن الشارع وجب عليه دفع ما يتيقّن به بالبراءة و الاّ يجوز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل.

فيما اذا تصرّف في المختلط قبل اخراج خمسه

(مسألة 39): اذا تصرّف في المختلط قبل اخراج خمسه ضمنه، كما اذا باعه مثلاً، فيجوز لوليّ الخمس الرجوع عليه كما يجوز له الرجوع على من انتقل اليه، و يجوز للحاكم أن‌يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض اذا باعه بالمساوي قيمة أو بالزيادة. و أمّا اذا باعه بأقلّ من قيمته فامضاؤه خلاف المصلحة. نعم، لو اقتضت المصلحة ذلك فلابأس.

الشرح:

اذا تصرّف في المال الحلال المخلوط بالحرام بالبيع و نحوه قبل اخراج خمسه ضمنه، و البيع و نحوه ممّا عقد عليه بالنسبة الى مقدار الخمس فضوليّ يجوز لأرباب الخمس اجازة المعاملة، فيرجع وليّ الخمس حينئذ الى الضامن و يأخذ مقدار الخمس من العوض. و ان اختار أرباب الخمس ردّ المعاملة في مقدار الخمس جاز له الرجوع على المتصرّف و على من انتقل اليه؛ لأنّ المنتقل اليه ضامن أيضا بمقتضى اليد على حكم تعاقب الأيدي، و في هذه الصورة يرجع المنتقل اليه الى المتصرّف ان كان جاهلاً بالحال؛ لأنّ قرار الضمان على المتصرّف.

السادس: الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم

اشارة

«السادس»: الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم، سواء كانت أرض مزرع أو مسكن أو دكّان أو خان أو غيرها، فيجب فيها الخمس، و مصرفه مصرف غيره من الأقسام على الأصحّ، و في وجوبه في المنتقلة اليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات اشكال، فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة و ان كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لايخلو عن قوّة، و انّما يتعلّق الخمس برقبة الأرض دون البناء و الأشجار و النخيل اذا كانت فيه، و يتخيّر الذمّي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها، و مع عدم دفع قيمتها يتخيّر وليّ الخمس بين أخذه و بين اجارته و ليس له قلع الغرس و البناء بل عليه ابقاؤهما بالأجرة. و ان أراد الذمّي دفع القيمة و كانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوّم مشغولة بها مع الأجرة فيؤخذ منه خمسها و لا نصاب في هذا القسم من الخمس و لايعتبر فيه نيّة القربة حين الأخذ حتّى من الحاكم بل و لا حين الدفع الى السادة.

الشرح:

و الدليل على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فانّ عليه الخمس».(1)

و مرسلة محمّد بن محمّد المفيد في المقنعة عن الصادق عليه السلام قال:

«الذمّي اذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس».(2)

و ذهب اليه جمع من المتقدّمين كالشيخ في النهاية فانّه قال فيها: «و الذمّي اذا


1) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

اشترى من مسلم أرضا وجب عليه فيها الخمس».(1)

و هكذا قال في المبسوط.(2)

و قال في الخلاف: «اذا اشترى الذمّي أرضا عشريّة وجب عليه فيها الخمس - الى أن‌قال: - دليلنا اجماع الفرقة، فانّهم لايختلفون في هذه المسألة و هي مسطورة لهم منصوص عليها، و روى ذلك أبو عبيدة الحذّاء قال: «سمعت أباجعفر عليه السلام يقول: أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فانّ عليه الخمس»».(3)

و قال ابن حمزة: «و كلّ أرض اشتراها ذمّي من مسلم».(4)

و قال ابن ادريس: «و اذا اشترى ذمّي من مسلم أرضا كان عليه فيها الخمس».(5)

و قال القاضي ابن البرّاج: «و الأرض اذا ابتاعها الذمّي من المسلم».(6)

و قال الصدوق: «و أيّما رجل ذمّيّ اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس».(7)

و قال ابن زهرة: «و في الأرض التي يبتاعها الذمّي من مسلم بدليل الاجماع المتردّد».(8)

و لم‌يذكر ذلك ابن الجنيد و لا ابن أبي عقيل و لا سلاّر و لا أبو الصلاح، كما في المختلف، و الظاهر أنّ المسألة ممّا لا اشكال فيها؛ للنصّ المتقدم و ذهاب أكثر المتقدّمين و المتأخّرين أجمع، كما في الروضة.


1) - النهاية: 197.

2) - المبسوط 1: 237.

3) - الخلاف 1: 300 / مسألة 85 .

4) - الوسيلة: 137.

5) - السرائر 1: 488.

6) - المهذّب: 177.

7) - المقنع: 172.

8) - غنية النزوع: 129.

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في عدم اختصاص الحكم بالأرض الزراعيّة

انّ مقتضى اطلاق النصّ و الفتوى عدم اختصاص الحكم بالأرض الزراعيّة بل مطلق الأرض التي اشتراها الذمّي من مسلم. نعم، اذا اشترى دارا لسكناه أو حمّاما أو بستانا لايشملها النصّ و الفتوى؛ لأنّه لايقال له اشترى أرضا الاّ اذا اشترى أرض الدار أو البستان أو الحمّام على حدة و في معاملة مستقلّة و البنيان أيضا في معاملة أخرى، فحينئذ يشمله النصّ و عليه الخمس.

و المحكي عن الفاضلين تخصيص الأرض بالأرض الزراعيّة، و استجوده في المدارك نظرا الى شيوع اطلاق اسم الأرض على الأرض الزراعيّة، ولكن فيه: انّ نفس الأرض من حيث هي مهما أطلقت لاينسبق الى الذهن منها الاّ نفسها من حيث هي.

قال المحقّق الهمداني: «نعم، ربّما تنصرف عن الأراضي المشغولة بالفعل بالعمارة و الأشجار و نحوها ممّا يطلق عليها بالفعل اسم الدار و الحمّام و البستان و نحوه، لا لانصراف اسم الأرض عن أرضها بل لأنّ دخول الأرض في المبيع - الى أن‌قال: - اذا كانت بعنوان أرضيّتها متعلّقة للشراء، كما لو كانت عمارتها مثلاً لشخص و أرضها لشخص آخر فاشترى أرضها من صاحبها دون عمارتها أو اشترى مجموعهما من صاحبيهما على وجه تكون أرضها بهذا العنوان ملحوظة بالشراء فعليه الخمس».(1)

و ما ذهب اليه هو الحقّ و قد أشرنا الى دليله آنفا.


1) - مصباح الفقيه 14: 144.

الفرع الثاني : في حكم الانتقال بغير الشراء

يختصّ حكم الخمس على ما اذا انتقل الأرض من مسلم الى ذمّي بالشراء، و ذلك للاقتصار في الحكم المخالف للأصل على مورد النصّ. و ما يقال بأنّ حكمة ذلك، المنع من تسليط الذمّي على أراضي المسلمين فلا فرق بين الشراء و غيره من أنواع الانتقال، و الاختصاص بالشراء في الرواية للغلبة و هي لاتوجب الانصراف، ففيه: انّ الظاهر من النصّ هو اختصاص الحكم بالشراء؛ فالتعميم يحتاج الى الاطمئنان بوحدة المناط و فيه تأمّل.

قال المحقّق الهمداني: «ثمّ انّ مقتضى الجمود على ظاهر النصّ و الفتوى قصر الحكم المزبور على خصوص ما لو اشتراها الذمّي من مسلم ولكن صرّح كاشف الغطاء بعمومه لما تملّكها منه بعقد معاوضة كائنة ما كانت دون الانتقال المجّاني، و عن ظاهر الشهيدين عمومه حتّى في الانتقال المجّاني - الى أن‌قال: - فالاقتصار في الحكم المخالف للأصل على مورد النصّ أشبه بالقواعد».(1)

الفرع الثالث : في مصرف هذا القسم من الخمس

و اعلم أنّ مصرف هذا القسم من الخمس هو مصرف غيره من الأقسام، و ذلك لظاهر النصّ، فانّ فيه: «أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فانّ عليه الخمس»، فلفظ الخمس يستعمل فيما هو مخصوص بالامام عليه السلام و السادة الاّ أن‌يدلّ على خلافه قرينة و هي معدومة في المقام.

نقل صاحب الحدائق عن المحقّق الشيخ حسن في كتاب المنتقى بأنّه قال:


1) - مصباح الفقيه 14: 141 و 142.

«ظاهر أكثر الأصحاب الاتّفاق على أنّ المراد من الخمس في هذا الحديث معناه المعهود».(1)

و قال في الجواهر: «و مصرف هذا الخمس مصرف غيره من الأخماس كما هو ظاهر النصّ و الفتوى بل كاد يكون صريحهما. انتهى موضع الحاجة».(2)

الفرع الرابع : في تعلّق الخمس برقبة الأرض

لو قلنا بوجوب الخمس على الذمّي اذا اشترى دكّانا أو خانا أو مسكنا أو غيرها من نحوها فانّما يتعلّق الخمس برقبة الأرض دون البناء و الأشجار و النخيل، و يتخيّر الذمّي بين دفع الخمس من عين الأرض أو قيمتها؛ لجواز دفع القيمة ممّن عليه الخمس أو الزكاة كما سيأتي التعرّض لذلك ان شاء اللّه.

و ان لم‌يدفع قيمتها يتخيّر وليّ الخمس بين أخذه و بين اجارته و ليس له قلع الغرس و البناء بل عليه ابقاؤهما بالأجرة، و ذلك لأنّ الحقّ منحصر في الأرض دون البناء و الأشجار، و ان أراد الذمّي دفع القيمة و كانت الأرض مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوّم مشغولة بها مع الأجرة فيؤخذ منه خمسها؛ لأنّه اشترى الأرض بهذه الصفة و تسلّمها من مالكها على هذه الحالة و لايجب عليه الاّ خمس ما اشترى، فلابدّ و أن‌تقوّم مشغولة، و بما أنّ الاشتغال لم‌يكن مجّانا بل له أجرة فلابدّ و أن‌تقوّم كذلك أي مشغولة باشتغال يستوجب الأجرة و يؤخذ خمسها.


1) - الحدائق الناضرة 12: 360.

2) - جواهر الكلام 16: 67.

فيما لو كانت الأرض من المفتوحة عنوة و بيعت تبعا للآثار

(مسألة 40): لو كانت الأرض من المفتوحة عنوة و بيعت تبعا للآثار ثبت فيها الحكم؛ لأنّها للمسلمين، فاذا اشتراها الذمّي وجب عليه الخمس و ان قلنا بعدم دخول الأرض في المبيع و أنّ المبيع هو الآثار و يثبت في الأرض حقّ الاختصاص للمشتري. و أمّا اذا قلنا بدخولها فيه فواضح كما أنّه كذلك اذا باعها منه أهل الخمس بعد أخذ خمسها فانّهم مالكون لرقبتها و يجوز لهم بيعها.

الشرح:

لو كانت الأرض من المفتوحة عنوة و قلنا بوجوب الخمس فيها فان باع أرباب الخمس مقدار الخمس من تلك الأرض للذمّي فعلى الذمّي خمس ما اشتراها؛ لصحيحة أبي عبيدة الحذّاء المتقدّمة:

«أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس».(1)

و كذا لو باع الامام ما للمسلمين من الأرض المفتوحة عنوة لمصلحة كانت لهم للذمّي، فعلى الذمّي خمس ما اشتراها؛ للدليل المتقدّم.

و اذا باع أحد من المسلمين الأرض المفتوحة التي أحياها و قلنا بأنّه يتملّكها بالاحياء للذمّي فعلى الذمّي خمس الأرض. و أمّا ان قلنا بعدم الملكيّة و أنّ للمسلم حقّ الانتفاع بالاحياء فحيث ما اشتراها الذمّي ليست هي الأرض بل الآثار فلا خمس عليه.

قال في الجواهر: «فالأولى ثبوت الخمس، سواء كانت مزرعا أو مسكنا بل و سواء كانت ممّا فيه الخمس كالأرض المفتوحة عنوة حيث يصحّ بيعها، كما لو باعها امام المسلمين في مصالحهم أو باعها أهل الخمس، اذ قد عرفت ثبوته في الأراضي من الغنائم أو غير ذلك».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 16: 66.

في عدم الفرق بين أن‌تبقى على ملكيّة الذمّي بعد شرائه أو انتقلت منه الى مسلم آخر

(مسألة 41): لا فرق في ثبوت الخمس في الأرض المشتراة بين أن‌تبقى على ملكيّة الذمّي بعد شرائه أو انتقلت منه بعد الشراء الى مسلم آخر - كما لو باعها منه بعد الشراء أو مات و انتقلت الى وارثه المسلم أو ردّها الى البائع باقالة أو غيرها - فلايسقط الخمس بذلك. بل الظاهر ثبوته أيضا لو كان للبائع خيار ففسخ بخياره.

الشرح:

اذا اشترى الذمّي من مسلم أرضا فامّا أن‌تبقى ملكيّته على الأرض بعد شرائه أو انتقلت منه بعد الشراء، و في الثاني امّا أن‌يبيعها الى مسلم أو يهبها أو يموت و تنتقل الأرض الى وارثه المسلم، ففي جميع هذه الأقسام يثبت عليه الخمس، و ذلك لظاهر قوله عليه السلام :

«أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس».(1)

و لو ردّ الذمّي الأرض المشتراة الى البائع باقالة أو غيرها فلايسقط الخمس بذلك؛ لصدق الشراء، فاطلاقه يشمل ما كان مستقرّا أو غير مستقرّ، بل الظاهر ثبوته أيضا لو كان للبائع خيار ففسخ بخياره لاطلاق الدليل.

قال في الجواهر: «و لايسقط الخمس لو باعها لمسلم و ان كان الأصلي، بل و كذا لايسقط لو ردّها اليه بالاقالة و ان احتمله في البيان و المسالك، بل قد يقال به أيضا فيما لو ردّها بخيار كان له بشرط أو غيره؛ لاطلاق الأدلّة و ان كان لايخلو من تأمّل؛ لامكان دعوى ظهور اللازم المستقرّ من الشراء».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 16: 67.

فيما اذا اشترى الذمّي الأرض من المسلم و شرط عليه عدم الخمس

(مسألة 42): اذا اشترى الذمّي الأرض من المسلم و شرط عليه عدم الخمس لم‌يصحّ، و كذا لو اشترط كون الخمس على البائع. نعم، لو شرط على البائع المسلم أن‌يعطي مقداره عنه فالظاهر جوازه.

الشرح:

اذا اشترى الذمّي الأرض من المسلم لايصحّ أن‌يشترط عليه عدم الخمس فانّه شرط مخالف لحكم اللّه، و كذا لو اشترط كون الخمس على البائع فالشرط الذي يحلّل الحرام أو يحرّم الحلال لا أثر له. و هذا نظير ما لو شرط المسلم في ضمن بيع شيء من مسلم أن‌يحرقه أو يتلفه من غير استحقاق للاحراق أو الاتلاف، أو شرط الزوجة في ضمن عقد النكاح أن لايدخل بها، فكلّ ذلك لا أثر له.

نعم، لو شرط على البائع المسلم أن‌يعطي مقداره عنه و يوكّله لاعطاء الخمس عن الذمّي فالظاهر جوازه؛ لعدم الدليل على منع ذلك، و لاطلاق أدلّة الشرط، ولكن لايسقط الخمس بصرف الشرط عن الذمّي الاّ بأداء المسلم منه، و لو لم‌يؤدّ فعلى الذمّي الخمس و ان عصى المسلم لعدم العمل بالشرط. نعم، يجوز للذمّي فسخ المعاملة لخيار تخلّف الشرط الاّ أنّه لايسقط الخمس عنه؛ لاطلاق دليل الخمس.

(مسألة 43): اذا اشتراها من مسلم ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها ثانيا وجب عليه خمسان: خمس الأصل للشراء أوّلاً، و خمس أربعة أخماس للشراء ثانيا.

الشرح:

اذا اشترى الذمّي من مسلم أرضا ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها ثانية وجب عليه خمسان: خمس الأصل للشراء أوّلاً و خمس أربعة أخماس

للشراء ثانيا. هذا اذا لم‌يؤدّ خمس الأصل، و أمّا ان أدّاها فتارة قد أدّى خمس العين فعليه خمس الأربعة الأخماس الباقية في الشراء الثاني، و أمّا ان أدّى القيمة فعليه خمس الجميع في الشراء الثاني؛ لاطلاق النصّ.

قال في الجواهر: «لو اشتراها من مسلم ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها كان عليه خمس الأصل مع خمس الأربعة الأخماس، و هكذا حتّى تفنى قيمتها».(1)

فيما اذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء

(مسألة 44): اذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء لم‌يسقط عنه الخمس. نعم، لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيه على القبض فأسلم بعد العقد و قبل القبض سقط عنه؛ لعدم تماميّة ملكه في حال الكفر.

الشرح:

اذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء لم‌يسقط عنه الخمس، و ذلك لاطلاق صحيحة أبي عبيدة الحذّاء المتقدّمة، ففيها قال عليه السلام :

«أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس».(2)

فان كان ذمّيّا و اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس.

ان قلت: «الاسلام يجبّ ما سبق» فاذا أسلم الكافر لايطالب بالحقوق الماليّة كالأخماس و الزكوات و غيرها من قضاء الصلوات و نحوها، قلت: هذا الحكم مختصّ بالذمّي فموضوعه «أيّما ذمّي»، و أمّا ما يجبّه الاسلام فهو الذي يكون موضوعه المكلّف المسلم.

نعم، لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيه على القبض فأسلم بعد العقد و


1) - جواهر الكلام 16: 67.

2) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

قبل القبض سقط عنه؛ لعدم تماميّة ملكه في حال الكفر، و نظير ذلك ما لو اشترى أحد أرضا من مسلم لذمّيّ فضولاً فأسلم الذمّي ثمّ أجاز العقد فلايجب عليه الخمس حينئذ بناءا على كون الاجازة ناقلة.

قال في الجواهر: «و كذا لايسقط الخمس باسلامه بعد صيرورة الأرض في ملكه، بخلاف ما لو أسلم قبله، و ان كان بعد العقد قبل القبض الذي يتوقّف عليه الملك».(1)

فيما لو تملّك ذمّيّ من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض

(مسألة 45): لو تملّك ذمّيّ من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض، ففي ثبوت الخمس وجهان، أقواهما الثبوت.

الشرح:

لو تملّك ذمّيّ من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض فالأقوى عدم ثبوت الخمس؛ فلو اشترى ذمّيّ من كافر أرضا بسلف فأسلم الكافر قبل اقباض المبيع لايجب الخمس على الذمّي؛ لأنّ الذمّي اشترى الأرض من الكافر لا من المسلم.

قال في الجواهر: «و لو تملّك ذمّيّ من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل الاقباض أخذ من الذمّي الخمس في وجه قوي».(2)

و لعلّه استفاد من النصّ أنّ الاعتبار بتملّك الذمّي تملّكا تامّا فهو في حال اسلام البائع، فيصدق تملّك الذمّي من المسلم.

ولكن فيه: انّ الاعتبار بصدق الشراء، فانّ الذمّي اشترى الأرض من الكافر لا من المسلم، و لعلّه لذلك قال المحقّق الهمداني: «و لو تملّك ذمّيّ من مثله فأسلم


1) - جواهر الكلام 16: 67.

2) - نفس المصدر.

البائع قبل الاقباض أخذ من الذمّي الخمس على ما صرّح به بعض، ولكنّه لايخلو عن نظر؛ لخروجه من منصرف النصّ».(1)

في عدم سقوطه اذا شرط البائع على الذمّي أن‌يبيعها بعد الشراء من مسلم

(مسألة 46): الظاهر عدم سقوطه اذا شرط البائع على الذمّي أن‌يبيعها بعد الشراء من مسلم.

الشرح:

اذا شرط البائع المسلم على الذمّي أن‌يبيع الأرض بعد الشراء من مسلم لايسقط الخمس؛ لعدم تأثير الشرط في تبدّل موضوع الخمس و هو شراء الذمّي من مسلم أرضا.

ثمّ انّه لم‌يستشكل أحد في صحّة هذا الشرط؛ لأنّه سائغ فيشمله «المؤمنون عند شروطهم».

فيما اذا اشترى المسلم من الذمّي أرضا ثمّ فسخ باقالة أو بخيار

(مسألة 47): اذا اشترى المسلم من الذمّي أرضا ثمّ فسخ باقالة أو بخيار، ففي ثبوت الخمس وجه، لكن الأوجه خلافه، حيث انّ الفسخ ليس معاوضة.

الشرح:

اذا اشترى المسلم من الذمّي أرضا ثمّ فسخ باقالة أو بخيار فلا خمس على الذمّي؛ لأنّه لم‌يشتر الأرض من المسلم، و الفسخ باقالة أو بخيار ليس معاوضة بل حلّ للمعاوضة السابقة.


1) - مصباح الفقيه 14: 148.

(مسألة 48): من بحكم المسلم، بحكم المسلم.

الشرح:

كلّ من كان محكوما بالاسلام - كأطفال المسلمين و مجانينهم - فهو بحكم المسلم فيشمله قوله عليه السلام : «أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس».

قال في الجواهر: «و يلحق بالذمّي و المسلم في ذلك كلّه ما هو في حكم أحدهما من صبيانهم و مجانينهم و غيرهم كما في غيره من الأحكام».(1)

فيما اذا بيع خمس الأرض التي اشتراها الذمّي عليه

(مسألة 49): اذا بيع خمس الأرض التي اشتراها الذمّي عليه وجب عليه خمس ذلك الخمس الذي اشتراه و هكذا.

الشرح:

اذا اشترى الذمّي من مسلم أرضا فعليه الخمس، فاذا أدّى ما عليه ثمّ اشترى ذلك الخمس من الأرض المشتراة فعليه خمس ذلك الخمس الذي اشتراه، فان اشترى ذلك الخمس ثانية فعليه خمسه أيضا و هكذا، و هذا واضح؛ لصدق «أيّما ذمّيّ اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس».


1) - جواهر الكلام 16: 69.

السابع: ما يفضل عن مؤونة سنته و مؤونة عياله

«السابع»: ما يفضل عن مؤونة سنته و مؤونة عياله من أرباح التجارات و من سائر التكسّبات من الصناعات و الزراعات و الاجارات حتّى الخياطة و الكتابة و التجارة و الصيد و حيازة المباحات و أجرة العبادات الاستئجارية من الحجّ و الصوم و الصلاة و الزيارات و تعليم الأطفال و غير ذلك من الأعمال التي لها أجرة، بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة و ان لم‌تحصل بالاكتساب كالهبة و الهديّة و الجائزة و المال الموصى به و نحوها بل لايخلو عن قوّة. نعم، لا خمس في الميراث الاّ في الذي ملكه من حيث لايحتسب فلايترك الاحتياط فيه كما اذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم‌يكن عالما به فمات و كان هو الوارث له، و كذا لايترك في حاصل الوقف الخاصّ بل و كذا في النذور و الأحوط استحبابا ثبوته في عوض الخلع و المهر و مطلق الميراث حتّى المحتسب منه و نحو ذلك.

الشرح:

«السابع» ممّا يجب فيه الخمس: ما يفضل عن مؤونة السنة له و لعياله من أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات و غيرها من التكسّبات، و الدليل على ذلك القرآن و السنّة و الاجماع.

أمّا من القرآن فقوله تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل ان كنتم آمنتم باللّه و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان و اللّه على كلّ شيء قدير»(1)

و الغنيمة في الآية هي مطلق الفائدة كما نصّ عليه أهل اللغة، ففي مجمع البحرين: «الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة».

و في أقرب الموارد: «كلّ شيء مظفور به فانّه يسمّى غُنما - بالضم - و مغنما و غنيمة».


1) - الأنفال 8 : 41.

قال الراغب في المفردات: «و الغُنْم اصابتُه و الظفر به، ثمّ استُعمل في كلّ مظفور به من جهة العِدى و غيرهم. قال: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء»».

و عن القاموس: «الغُنم - بالضمّ - و المغنم و الغنيمة في اللغة ما يصيبه الانسان و يناله و يظفر به من غير مشقّة».

و وقوع الآية في سياق آيات غزوة بدر لايوجب التخصيص؛ اذ المورد غير مخصّص و الاّ لوجب تخصيصها بغنائم غزوة بدر فقط، فعموم الموصول في قوله تعالى: «ما غنمتم» محكّم. و قد نطقت بهذا العموم الأخبار المستفيضة الواردة في مقام تفسير الآية كقوله عليه السلام في وصيّة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لعليّ عليه السلام قال:

«يا عليّ انّ عبدالمطّلب سنّ في الجاهليّة خمس سنن أجراها اللّه له في الاسلام - الى أن‌قال: - و وجد كنزا فأخرج منه الخمس و تصدّق به فأنزل اللّه: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه». الآية».(1)

و في صحيحة علي بن مهزيار الطويلة قال عليه السلام :

«فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام، قال اللّه تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل ان كنتم آمنتم باللّه و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان و اللّه على كلّ شيء قدير» فالغنائم و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء، و الفائدة يفيدها و الجائزة من الانسان للانسان. الحديث».(2)

و في رواية حكيم مؤذّن بني عيس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول»!


1) - وسائل الشيعة 9: 496 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 502 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

قال: هي و اللّه الافادة يوما بيوم، الاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكوا».(1)

و أمّا من السنّة فالأخبار في المسألة كثيرة:

منها خبر محمّد بن الحسن الأشعري قال:

«كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : أخبرني عن الخمس أ على جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الصنّاع (الضياع)؟ و كيف ذلك؟ فكتب بخطّه: الخمس بعد المؤونة».(2)

و منها صحيحة علي بن مهزيار قال:

«قال لي أبو علي بن راشد: قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك و أخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: و أيّ شيء حقّه؟ فلم‌أدر ما أجيبه. فقال: يجب عليهم الخمس. فقلت: ففي أيّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم و صنائعهم(3). قلت: و التاجر عليه و الصانع بيده! فقال: اذا أمكنهم بعد مؤونتهم».(4)

و منها موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(5)

و منها صحيحة الريّان بن الصلت قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 546 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 9: 499 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

3) - في المصدر: ضياعهم. التهذيب 4: 123

4) - وسائل الشيعة 9: 500 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

«كتبت الى أبي محمّد عليه السلام : ما الذي يجب عليّ يا مولاي في غلّة رحىأرض في قطيعة لي و في ثمن سمك و بردي و قصب أبيعه من أَجَمة هذه القطيعة؟ فكتب: يجب عليك فيه الخمس ان شاء اللّه تعالى».(1)

و منها صحيحة ثانية لعلي بن مهزيار قال:

«كتب اليه ابراهيم بن محمّد الهمداني: اقرأني على كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع أنّه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة و أنّه ليس على من لم‌تقم ضيعته بمؤونته نصف السدس و لا غير ذلك، فاختلف مَن قبلنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة و خراجها لا مؤونة الرجل و عياله. فكتب و قرأه علي بن مهزيار عليه: الخمس بعد مؤونته و مؤونة عياله و بعد خراج السلطان».(2)

و منها صحيحة ثالثة لعلي بن مهزيار طويلة، قال:

«كتب اليه(3)أبو جعفر عليه السلام (4)و قرأت أنا كتابه اليه في طريق مكّة، قال: الذي أوجبتُ في سَنتي هذه و هذه سنة عشرين و مائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفا من الانتشار، و سأفسّر لك بعضه ان شاء اللّه: انّ مواليّ أسأل اللّه صلاحهم أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن‌أطهّرهم و أزكّيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا، قال اللّه تعالى: «خذ


1) - وسائل الشيعة 9: 504 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 9: 500 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

3) - يعني الى علي بن مهزيار.

4) - يعني الجواد عليه السلام .

من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها و صلّ عليهم انّ صلاتك سكن لهم و اللّه سميع عليم، ألم‌يعلموا أنّ اللّه هو يقبل التوبة عنعباده و يأخذ الصدقات و أنّ اللّه هو التوّاب الرحيم، و قل اعملوا فسيرى اللّه عملكم و رسوله و المؤمنون و ستردّون الى عالم الغيب و الشهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون» و لم‌أوجب ذلك عليهم في كلّ عام و لاأوجب عليهم الاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم و انّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضّة التي قد حال عليها الحول، و لم‌أوجب ذلك عليهم في متاع و لا آنية و لا دوابّ و لا خدم و لا ربح ربحه في تجارة و لا ضيعة الاّ في ضيعة سأفسّر لك أمرها تخفيفا منّي عن مواليّ و منّا منّي عليهم لما يغتال(1)السلطان من أموالهم و لما ينوبهم(2)في ذاتهم. فأمّا الغنائم و الفوائد: فهي واجبة عليهم في كلّ عام؛ قال اللّه تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل ان كنتم آمنتم باللّه و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان و اللّه على كلّ شيء قدير»، و الغنائم و الفوائد - يرحمك اللّه - فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها(3)و الجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر(4)، و الميراث الذي لايحتسب(5)من غير أب و لا ابن، و مثل عدوّ يضطلم(6)فيؤخذ


1) - اغتال أموالهم: أخذها من حيث لايفهمون.

2) - أي يصيبهم.

3) - أي يستفيدها.

4) - أي قدر.

5) - أي لايخطر بباله أنّه يرثه.

6) - أي يحتمل الظلم، و الأظهر الاهمال بمعنى الاستئصال كما يوجد في النسخ.

ماله، و مثل مال يؤخذ و لايعرف له صاحب، و من ضرب ما صار الى قوم من مواليّ عن أموال الخرميّة(1)الفسقة فقد علمت أنّ أموالاًعظاما صارت الى قوم من مواليّ فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصل الى وكيلي، و من كان نائيا(2)بعيد الشقّة(3)فليتعمّد لايصاله و لو بعد حين، فانّ نيّة المؤمن خير من عمله. فأمّا الذي أوجب من الغلاّت و الضياع في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤونته، و من كانت ضيعته لاتقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس و لا غير ذلك».(4)

فقه الحديث: المستفاد من قوله عليه السلام «الذي أوجبت في سنتي هذه...» أنّ الذي أوجبه عليه السلام عليهم هو لسنة فقط.

و قوله عليه السلام : «قصّروا فيما يجب عليهم...» يعني أنّ مواليه قصّروا في أمر الخمس و لم‌يؤدّوا ما كان يجب عليهم من الخمس فأراد عليه السلام أن‌يطهّرهم و يزكّيهم و يخفّف عنهم.

و قوله عليه السلام : «و انّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضّة التي قد حال عليها الحول» يعني أنّه عليه السلام اكتفى من خمس الغنائم و الفوائد في هذه السنة بذهب و فضّة حال عليها الحول.

و أشكل صاحب المدارك(5)على هذه الفقرة من الرواية بأنّ الذهب و الفضّة التي حال عليها الحول ففيها الزكاة بالاجماع لا الخمس.


1) - «الخرميّة» أصحاب التناسخ و الاباحة.

2) - أي بعيدا.

3) - بعيد الشقّة: تفسير للنائي. و الشُقّة الناحية التي تلحقك المشقّة في الوصول اليها.

4) - تهذيب الأحكام 4: 141 / باب الزيادات / الحديث 20.

5) - مدارك الأحكام 5: 381.

ولكنّ الشبهة في غير محلّها؛ لأنّه عليه السلام في صدد التخفيف عن مواليه و الظاهر أنّ مراده عليه السلام الذهب و الفضّة التي هي مورد للمعاملة، و لذا لم‌يحصر الذهب و الفضّة بالمسكوك.

و قوله عليه السلام : «فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام - الى أن‌قال: - و الغنائم و الفوائد - يرحمك اللّه - فهي الغنيمة يغنمها المرء...» فيستفاد من هذه الفقرة أنّ الخمس على كلّ ما اكتسب الناس من الجائزة و الميراث الذي لايحتسب و ما يؤخذ من عدوّ يضطلم و غيرها ممّا ذكر عليه السلام .

و أمّا قوله عليه السلام في آخر الفقرة المذكورة آنفا: «و مثل مال يؤخذ لايعرف له صاحب» فالظاهر أنّ مراده عليه السلام منه هو المال الذي لم‌يفرض له صاحب و مالك، و لعلّه لا صاحب له أبدا و أنّه من المباحات الأصليّة التي هي ملك لمن استولى عليها، لا المال الذي لايعرف صاحبه حيث انّه يفرض له صاحب موجود ولكنّه مجهول حتّى يستشكل بأنّ المال المجهول صاحبه يتصدّق جميعه فليس فيه الخمس.

و قال عليه السلام : «فأمّا الذي أوجب من الغلاّت و الضياع في كلّ عام نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤونته...الخ» فالظاهر أنّه عليه السلام في صدد بيان التخفيف عن مواليه، و المراد من تعيينه عليه السلام في كلّ عام هو مادام حيّا و مادامت الامامة لم‌تنتقل الى امام آخر. و لهذا لايرد ما أشكل صاحب المدارك بما نصّه: «و أمّا مصرف السهم المذكور في آخر الرواية و هو نصف السدس في الضياع و الغلاّت فغير مذكور صريحا مع أنّا لانعلم بوجوب ذلك على الخصوص قائلاً».(1)

و يدلّ على ذلك صريحا صحيحته السابقة المتضمّنة لمكاتبة ابراهيم بن محمّد الهمداني الى الهادي عليه السلام و سؤاله عن كتاب أبيه الجواد عليه السلام فيما أوجبه على


1) - مدارك الأحكام 5: 383.

أصحاب الضياع من نصف السدس و اختلاف الأصحاب في ذلك و جوابه عليه السلام بوجوب الخمس بعد المؤونة الكاشف عن اختصاص نصف السدس بزمان أبيه عليه السلام أنّ حكم الضيعة هو الخمس غير أنّه عليه السلام اكتفى عنه بهذا المقدار.

و أمّا الاجماع فقد ادّعاه في الخلاف و الغنية و غيرهما، و الأولى نقل بعض عبارات الأصحاب هنا:

ففي الخلاف: «يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات و الغلاّت و الثمار على اختلاف أجناسها بعد اخراج حقوقها و مؤنها و اخراج مؤونة الرجل لنفسه و مؤونة عياله سنة. و لم‌يوافقنا على ذلك أحد من الفقهاء. دليلنا اجماع الفرقة و أخبارهم، و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك؛ لأنّه اذا أخرج الخمس عمّا ذكرناه كانت ذمّته بريئة بيقين، و ان لم‌يخرج ففي براءة ذمّته خلاف».(1)

و في الغنية: «و يجب الخمس أيضا في الفاضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة أيّ وجه كان؛ بدليل الاجماع المشار اليه و طريقة الاحتياط».(2)

و في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّ الخمس واجب من جميع المغانم و المكاسب و ما استخرج من المعادن و الغوص و الكنوز و ممّا فضل من أرباح التجارات و الزراعات و الصناعات بعد المؤونة و الكفاية في طول السنة على اقتصاد».(3)

و في المقنعة: «و الخمس واجب في كلّ مغنم؛ قال اللّه عزّوجلّ: «و اعلموا أنّما غنمتم...» و الغنائم كلّ ما استفيد بالحرب... و كلّ ما فضل من أرباح


1) - الخلاف 2: 118 / مسألة 138.

2) - غنية النزوع: 129.

3) - الانتصار: 225.

التجارات و الزراعات و الصناعات عن المؤونة و الكفاية في طول السنة على الاقتصاد».(1)

و في المراسم: «و فاضل أرباح التجارات و الزراعات و الصناعات عنالمؤونة و كفاية طول عامه اذا اقتصد».(2)

و في الوسيلة: «ما يجب فيه الخمس - الى أن‌قال: - و الفاضل من الغلاّت عن قوت السنة - الى أن‌قال: - و فاضل المكاسب عمّا يحتاج اليه لنفقة سنته و أرباح التجارات، و كلّ أرض اشتراها ذمّيّ من مسلم».(3)

و في المهذّب لابن البرّاج: «و أمّا الغلاّت و الأرباح و المكاسب ففيها الخمس كما ذكرناه بعد اخراج حقّ السلطان و قوت الرجل لنفسه و عياله على الاقتصاد في ذلك».(4)

و في السرائر: «و يجب الخمس أيضا في أرباح التجارات و المكاسب، و فيما يفضل من الغلاّت و الزراعات - على اختلاف أجناسها - عن مؤونة السنة له و لعياله».(5)

و فيه أيضا: «و أمّا ما عدا الكنوز و المعادن من سائر الاستفادات و الأرباح و المكاسب و الزراعات فلايجب فيها الخمس بعد أخذها و حصولها، بل بعد مؤونة المستفيد و مؤونة من تجب عليه مؤونته سنة هلاليّة على جهة الاقتصاد، فاذا فضل بعد نفقته طول سنته شيء أخرج منه الخمس».(6)

و في المنتهى: «الصنف الخامس: أرباح التجارات و الزراعات و الصنائع و


1) - المقنعة: 276.

2) - المراسم العلويّة: 139.

3) - الوسيلة: 136 و 137.

4) - المهذّب: 178.

5) - السرائر 1: 486.

6) - نفس المصدر: 489.

جميع أنواع الاكتسابات و فواضل الأقوات من الغلاّت و الزراعات عن مؤونة السنة على الاقتصاد، و يجب فيها الخمس و هو قول علمائنا أجمع. و قد خالف فيه الجمهور كافّة. لنا: قوله تعالى «و اعلموا أنّما غنمتم» الآية».(1)

و في الجواهر: «الخامس ممّا يجب فيه الخمس ما يفضل عن مؤونة السنة على الاقتصاد له و لعياله من أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات بلا خلاف معتدّ به أجده فيه، بل في الخلاف و الغنية و التذكرة و المنتهى الاجماع عليه، بل في ظاهر الانتصار و السرائر أو صريحهما ذلك، بل أرسله في الرياض عن الشهيد الثاني أيضا، بل في الأخيرين من الأربعة دعوى تواتر الأخبار به، و هو الذي استقرّ عليه المذهب و العمل في زماننا هذا، بل و غيره من الأزمنة السابقة التي يمكن دعوى اتّصالها بزمان أهل العصمة عليهم‌السلام.

فما عن ظاهر القديمين من عدمه أو العفو عنه في هذا القسم - للأصل المعلوم انقطاعه بغير واحد من الأدلّة القطعيّة و حصر الخمس في غير القسم في خبر عبداللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام : «ليس الخمس الاّ في الغنائم خاصّة» الواجب تقييده بما عرفت أيضا ان لم‌نقل بشمول لفظ الغنائم له كما دلّت عليه الأخبار المعتبرة المتقدّمة سابقا - باطل قطعا، بل في البيان دعوى انعقاد الاجماع على خلافه في الأزمنة السابقة لزمانهما، مع أنّ المحكي من عبارة الاسكافي منهما بل قيل و العمّاني لا ظهور فيها بذلك، بل ظاهرها التوقّف في حصول العفو منهم عليهم‌السلام عنه و عدمه، لاختلاف الرواية في ذلك».(2)

و بعد اثبات أصل الحكم بأدلّة الثالثة ينبغي البحث عن أمرين:

الأوّل: الظاهر أنّه لا اشكال في أنّ المراد بالمؤونة في الروايات المتقدّمة مؤونة السنة، و ذلك لما يظهر من بعض فقرات الصحيحة الطويلة لعلي بن مهزيار مثل


1) - منتهى المطلب 8 : 537.

2) - جواهر الكلام 16: 45.

قوله عليه السلام : «انّ الذي أوجبت في سنتي هذه. الخ»، و قوله عليه السلام : «فأحببت أن‌أطهّرهم و أزكّيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا»، و قوله عليه السلام : «و لم‌أوجب عليهم ذلك في كلّ عام - الى أن‌قال: - و انّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه...الخ»،و قوله عليه السلام : «فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام»، و قوله عليه السلام : «فأمّا الذي أوجب من الضياع و الغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس».

و لما يظهر من فتوى الفقهاء، كما تقدّم في الخلاف و الغنية و الانتصار و المقنعة و المراسم و الوسيلة و المهذّب و السرائر و المنتهى و غيرها، و هو المناسب لما يتداول بين الناس في القرى من تهيئة قوتهم لسنة، و كذا في المدن من حساب تجارتهم و كسبهم و غيرهما في رأس السنة لتقدير ربحهم في ذلك أو ضررهم.

قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في أنّ الخمس المتعلّق بالأرباح انّما يجب بعد مؤونة السنة له و لعياله، و قد تقدّم في الأخبار المذكورة في المقام ما يدلّ على كونه بعد المؤونة له و لعياله، الاّ أنّي لم‌أقف على خبر صريح يتضمّن كون المراد مؤونة السنة، لكنّ الظاهر أنّه هو المتبادر من اطلاق هذه الألفاظ».(1)

الثاني: الأقوى ثبوت الخمس في مطلق الفائدة و ان لم‌تحصل بالاكتساب كالهبة و الهديّة و الجائزة، و يدلّ عل ذلك من القرآن قوله تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه...»، و الغنيمة مطلق الفائدة كما تقدّم.

و من السنّة قوله عليه السلام في موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(2)


1) - الحدائق الناضرة 12: 353.

2) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

و منها قوله عليه السلام في صحيحة علي بن مهزيار الطويلة:

«فالغنائم و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء، و الفائدة يفيدها، و الجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر عظيم».(1)

و الظاهر أنّ مراده عليه السلام من تقييد الجائزة بأن‌يكون لها خطر عظيم هو أنّ التي لم‌يكن لها قدر تستهلك و لاتبقى طول السنة، و الأقوى ثبوت الخمس في مطلق الفائدة كالهبة و الجائزة قليلاً أو كثيرا بعد مؤونة سنة. و يدلّ على ذلك أنّ القدر العظيم المذكور في الرواية مجمل جدّا، مع أنّه لم‌يقل أحد من الأصحاب بالتفصيل ظاهرا.

و منها حسنة محمّد بن الحسن الأشعري قال:

«كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : أخبرني عن الخمس أ على جميع ما يستفيد الرجل من قليل أو كثير من جميع الضروب و على الصنّاع (الضياع)؟ و كيف ذلك؟ فكتب بخطّه: الخمس بعد المؤونة».(2)

و يؤيّده خبر أحمد بن محمّد بن عيسى عن (بن) يزيد قال:

«كتبت: جعلت لك الفداء! تعلّمني ما الفائدة و ما حدّها رأيك أبقاك اللّه أن‌تمنّ عليّ ببيان ذلك لكي لاأكون مقيما على حرام لا صلاة لي و لا صوم؟ فكتب: الفائدة ممّا يفيد اليك في تجارة من ربحها، و حرث بعد الغرام، أو جائزة».(3)

و خبر عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : على كلّ امرء غَنِم أو اكتسب الخمس ممّا


1) - وسائل الشيعة 9: 502 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 500 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 7.

أصاب... الخ».(1)

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كتبت اليه في الرجل يُهدي اليه مولاه و المنقطع اليه هديّة تبلغ ألفيدرهم أو أقلّ أو أكثر، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب عليه السلام : الخمس في ذلك... الخ».(2)

قال في الجواهر: «قد يستفاد من معقد اجماع الغنية و بعض العبارات و خبر الأشعري و موثّق سماعة و مكاتبة يزيد و خبر السرائر (خبر عبداللّه بن سنان) و الرضوي و صحيح ابن مهزيار بل و مفهوم خبر ابن عبد ربّه و ان كنّا لم‌نجد عاملاً بظاهره من التفصيل تعلّقه بنحو الهبات و الهدايا و الجوائز بل و المواريث و غيرها».(3)

و في مستند العروة الوثقى: «اختلفت كلمات العلماء في وجوب الخمس في الهبة و الهديّة، فعن الحلّي نسبة الوجوب الى أبي الصلاح الحلبي في كتاب الكافي، ثمّ أنكر عليه انكارا يظهر منه أنّ عدم الوجوب ممّا تسالم عليه الأصحاب ما عداه. و بعكس ذلك ما يظهر من المحقّق و الشهيد من نسبة الوجوب الى الأصحاب و اسناد الخلاف الى ابن ادريس خاصّة، و الظاهر عدم انعقاد اجماع في المسألة و العمدة ما يستفاد من الأدلّة. انتهى ملخّصا».(4)

و اعلم أنّ المال الموصى به فيه الخمس؛ لأنّ الفائدة تشمله، ففي موثّقة سماعة المتقدّمة قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».


1) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 9: 504 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 10.

3) - جواهر الكلام 16: 56.

4) - مستند العروة 3: 210.

و كذا يجب الخمس في الوقف الخاصّ أو العامّ بعد القبض و التملّك في الثاني و في المنذور؛ لصدق الفائدة في جميع ذلك فيدلّ على وجوب الخمس فيها ما تقدّم من القرآن و السنّة.

و استدلّ من ذهب الى عدم وجوب الخمس في الهبة و الهديّة و الجائزة والمال الموصى به و الوقف و المنذور و الصدقة و الكفّارة و نحوها، أوّلاً بأنّ القدر المتيقّن من الفوائد و الغنائم هو فوائد الكسب و التجارة و الصناعة و الزراعة.

و ثانيا عدم ذهاب القدماء الى وجوب الخمس مع أنّ الموارد المذكورة في المسألة ممّا كان الابتلاء بها كثيرا؛ فلو كان الخمس واجبا فيها لم‌يختف على الأصحاب.

قال ابن ادريس في السرائر في الانكار على أبي الصلاح الحلبي في فتواه بوجوب الخمس على الميراث و الهديّة و الهبة «بأنّ أحدا من أصحابنا لم‌يذكره الاّ المشار اليه، و لو كان صحيحا لنقل نقل أمثاله متواترا، و الأصل براءة الذمّة».(1)

و فيه أوّلاً: في بعض الروايات المتقدّمة علّق الخمس على مطلق الفائدة كما في موثّقة سماعة و غيرها، و من المعلوم أنّه يصدق الفائدة على المذكورات من هبة و هديّة و جائزة و غيرها عرفا.

و ثانيا: قد نقل الأصحاب أنّ الخمس على ما يستفاد، و هذا يشمل مطلق الفائدة.

و أمّا الارث فالأقوال فيه ثلاثة: الخمس مطلقا كما نسب الى أبي الصلاح الحلبي و غيره، و عدم الخمس مطلقا كما عن ابن ادريس و غيره، و التفصيل و هو الخمس في الميراث الذي ملكه من حيث لايحتسب، و هو الأقوى. و الدليل على ذلك صحيحة علي بن مهزيار الطويلة ففيها قال عليه السلام :


1) - السرائر 1: 490.

«و الميراث الذي لايحتسب(1)من غير أب و لا ابن».(2)

و لايبعد وجوب الخمس في عوض الخلع و المهر و مطلق الميراث؛ لصدق الفائدة عليها، و كفى به دليلاً، و الاحتياط بالخمس لايترك.

تبصرة:

قد تقدّم أنّ الخمس على مطلق الفائدة فمنها أرباح عامّة التجارات و التكسّبات التي تشمل الاجارات، ولكن صاحب الوسائل اختصّ الباب الحاديعشر من أبواب ما يجب فيه الخمس بباب «أنّه لايجب الخمس فيما يأخذ الأجير من أجرة الحجّ...».

فكانّ أجرة الحجّ مستثناة من بقيّة الاجارات، و هذا - على ما في مستند العروة - لم‌يقل به أحد من الفقهاء، و قد تمسّك قدس‌سره بما رواه الكليني بسنده الصحيح - في أحد طريقيه - عن علي بن مهزيار قال:

«كتبت اليه: يا سيّدي، رجل دفع اليه مال يحجّ به، هل عليه في ذلك المال حين يصير اليه الخمس أو على ما فضل في يده بعد الحجّ؟ فكتب عليه السلام : ليس عليه الخمس».(3)

و فيه: انّ الرواية و ان كانت صحيحة لكن دلالتها قاصرة عن افادة ما عنونه صاحب الوسائل، لأنّه أوّلاً لم‌يتّضح أنّ ما دفع اليه باعتباره أجيرا أو بذل له ليحجّ أو وهبه المال ليحجّ، و لم‌يبعد دعوى ظهورها في البذل.

و ثانيا لم‌يظهر أنّ المراد من قوله عليه السلام «ليس عليه الخمس» هو عدم الوجوب أو أنّه عليه السلام أباحه له بعد ما وجب عليه الخمس، كما عن الجواد عليه السلام في صحيحة علي


1) - أي لايخطر بباله أنّه يرثه.

2) - تهذيب الأحكام 4: 142 / باب الزيادات / الحديث 20.

3) - وسائل الشيعة 9: 507 / الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

بن مهزيار الطويلة أنّه رفع عنهم الخمس في أشياء عدّها عليه السلام و أثبته عليهم في الذهب و الفضّة.

و ثالثا لعلّ عدم وجوبه عليه لأنّ الخمس بعد المؤونة و مضيّ الحول، و الفرض عدم مضيّه.

تنبيه:

قد عرفت فيما مرّ آنفا وجوب الخمس في التكسّبات و التجارات و الاجارات؛ فهل يختصّ الخمس فيما فضل عن مؤونة سنة واحدة بالاجارات أو بما هو أعمّ من ذلك، فمن آجر نفسه أو داره سنتين أو ثلاث سنين و أخذ أجرة السنوات فهل عليه خمس ما فضل عن أجرة سنة واحدة عند الحول أو يجب عليه خمس ما فضل عمّا أخذها من تمام الأجرة عند الحول؟

الظاهر أنّه لا شكّ في أنّ الفائدة لمن كان عنده مال من ايجار داره أو نفسه ثلاث سنين صادقة على ما فضل عن مؤونة سنة من مال الايجار لتلك السنة، فما ورد في الخبر من أنّ الخمس «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(1)لايشمل المال الذي أخذه للسنين الآتية و لم‌يأت بما عليه من العمل بعد أو لم‌ينتفع المستأجر من الدار بعد، فانّه مديون للمستأجر فحاله كحال من استقرض مالاً فلم‌يصرفه حتّى حال عليه الحول، فلايجب عليه الخمس؛ لعدم صدق الفائدة على هذا المال.


1) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

فيما اذا علم أنّ مورّثه لم‌يؤدّ خمس ما تركه

(مسألة 50): اذا علم أنّ مورّثه لم‌يؤدّ خمس ما تركه وجب اخراجه، سواء كانت العين التي تعلّق بها الخمس موجودة فيها أو كان الموجود عوضها؟ بل لو علم باشتغال ذمّته بالخمس وجب اخراجه من تركته مثل سائر الديون.

الشرح:

من مات و لم‌يؤدّ خمس ماله يجب على وارثه أداؤه من تركته قبل التقسيم، سواء كانت العين التي تعلّق بها الخمس موجودة في التركة أم كان الموجود عوضها، فانّ المال مشترك بين الوارث و أرباب الخمس، و لا دليل على رفع الخمس بموت المورّث، فاذا كان الميّت متعوّدا على أداء خمس ماله فيكلّ عام فمات خلال السنة يجب خمس ما فضل من مؤونته الى حين الموت على وارثه، و لا دليل على رفع الخمس من ذلك المال. هذا اذا كانت العين موجودة نفسها أو عوضها.

و أمّا لو علم الوارث باشتغال ذمّة الميّت بالخمس لوجب اخراجه من تركته مثل سائر الديون؛ لأنّ الخمس دين على ما فضل من مؤونة سنته من الفوائد و الغنائم فلم‌يؤدّه بل استهلكه، فعلى الوارث أداء دينه؛ قال اللّه تبارك و تعالى: «من بعد وصيّة يوصى بها أو دين»(1).

فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة

(مسألة 51): لا خمس فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة و ان زاد عن مؤونة السنة. نعم، لو نمت في ملكه ففي نمائها يجب كسائر النماءات.

الشرح:

لايجب الخمس على مستحقّ الخمس و لا على مستحقّ الزكاة اذا ملكا شيئا


1) - النساء 4: 11.

بالخمس أو الزكاة.

و ذلك لانصراف ما ورد من الدليل بأنّ الفوائد و الغنائم فيها الخمس و أنّ مصرفها الامام و فقراء السادة من هذا المورد، و كذا انصراف ما ورد من وجوب الزكاة على تسعة أشياء و أن مصرفها الفقراء و المساكين و...

و أمّا الصدقة ففيها الخمس اذا فضل عن مؤونة السنة؛ لأنّها هبة مع قصد القربة.

فيما اذا اشترى شيئا ثمّ علم أنّ البائع لم‌يؤدّ خمسه

(مسألة 52): اذا اشترى شيئا ثمّ علم أنّ البائع لم‌يؤدّ خمسه كان البيع بالنسبة الى مقدار الخمس فضوليّا، فان أمضاه الحاكم رجع عليه بالثمن و يرجع هو على البائع اذا أدّاه، و ان لم‌يمض فله أن‌يأخذ مقدار الخمس من المبيع، و كذا اذا انتقل اليه بغير البيع من المعاوضات، و ان انتقل اليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله.

الشرح:

اذا اشترى شيئا ثمّ علم أنّ البائع لم‌يؤدّ خمسه كان البيع بالنسبة الى مقدار الخمس فضوليّا؛ لأنّه حقّ الامام عليه السلام و السادة فباعه بغير اذن المستحقّ.

و في الخبر:

«لايحلّ لأحد أن‌يشتري من الخمس شيئا حتّى يصل الينا حقّنا».(1)

و حينئذ فان أمضاه وليّ الخمس فالبيع صحيح و يردّ خمس الثمن الى وليّ الخمس و الباقي الى البائع ان لم‌يؤدّ الثمن الى البائع بعد، و الاّ أي ان كان أدّاه اليه يرجع على البائع بخمس الثمن.

و أمّا ان لم‌يمض وليّ الخمس خمس المعاملة فله أن‌يأخذ مقدار الخمس من


1) - وسائل الشيعة 9: 484 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

المبيع و يرجع المشتري على البائع بثمنه ان أدّاه جميع الثمن، و الاّ يؤدّي أربعة أخماس الثمن الى البائع.

و كذلك الحال اذا انتقل اليه بغير البيع من المعاوضات. و ان انتقل اليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله.

فيما اذا كان عنده من أعيان فنمت و زادت زيادة متّصلة أو منفصلة

(مسألة 53): اذا كان عنده من الأعيان التي لم‌يتعلّق بها الخمس أو تعلّق بها لكنّه أدّاه فنمت و زادت زيادة متّصلة أو منفصلة وجب الخمس في ذلك النماء. و أمّا لو ارتفعت قيمتها السوقيّة من غير زيادة عينيّة لم‌يجب خمس تلك الزيادة؛ لعدم صدق التكسّب و لا صدق حصول الفائدة. نعم، لو باعها لم‌يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن. هذا اذا لم‌تكن تلك العين من مال التجارة و رأس مالها، كما اذا كان المقصود من شرائها أو ابقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أجرتها أو نحو ذلك من منافعها. و أمّا اذا كان المقصود الاتّجار بها فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة اذا أمكن بيعها و أخذ قيمتها.

الشرح:

في المسألة صور:

الأولى: اذا اشترى شيئا للتجارة فزادت زيادة منفصلة كالحيوان فولدت أو الملحقة بها كالبستان فأثمرت ففي تلك الزيادة يجب الخمس، و كذا يجب في أصل الشيء الذي اشتراه للتجارة ان لم‌يكن مخمّسا، و الدليل على ذلك صدق الفائدة عليها.

الثانية: اذا اشترى شيئا للتجارة فزادت زيادة متّصلة ذات ماليّة كالسمن للحيوان و النموّ للشجر، ففي هذه الصورة أيضا يجب الخمس؛ لصدق الفائدة

على تلك الزيادة.

الثالثة: اذا اشترى شيئا بمال مخمّس أو مات أبوه و ورثه شيئا فادّخره للتجارة فزادت قيمته السوقيّة يجب الخمس في تلك الزيادة؛ لصدق الفائدة.

الرابعة: اذا اشترى شيئا لمؤونته فزادت زيادة منفصلة و كانت باقية عند الحول ففيها الخمس، كما اذا اشترى حيوانا للحمه فولدت بعد مدّة ثمّ ذبح الحيوان الأمّ و أبقي ولدها ففيه الخمس. و كذا اذا زادت زيادة متّصلة لم‌يصرفها قبل حلول الحول، و هكذا أصله ان لم‌يكن مخمّسا؛ لصدق الفائدة.

الخامسة: اذا اشترى بالمال المخمّس شيئا لمؤونته فزادت قيمته السوقيّة لايجب فيها الخمس؛ لعدم صدق الفائدة. نعم، اذا باع ذلك الشيء الذي اشتراه فانتفع، يجب الخمس اذا زاد عن مؤونة سنته.

توضيح ذلك أنّه من اشترى دارا لسكناه فزادت قيمتها في السوق لايجب عليه الخمس مادام ساكنا فيها؛ لأنّه لايشمله قول الامام عليه السلام :

«فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».(1)

و أمّا اذا باع الدار فربح فتارة يعاوضها بدار أخرى، و ثانية يشتري بثمنها بعد أخذه دارا أخرى، و ثالثة يأخذ ثمنها و يبقى في يده حتّى يحول عليه الحول.

ففي الصورة الأولى و الثانية لايجب الخمس؛ لعدم صدق الفائدة الاّ اذا اشترى دارا أرخص من داره الأولى فزاد عن مؤونة سنته. و أمّا في الصورة الثالثة فان انصرف عن الشراء ففيه الخمس، و ان كان مترقّبا فيحتاط.


1) - وسائل الشيعة 9: 502 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

فيما اذا اشترى عينا للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة و لم‌يبعها

(مسألة 54): اذا اشترى عينا للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة و لم‌يبعها غفلة أو طلبا للزيادة ثمّ رجعت قيمتها الى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة لم‌يضمن خمس تلك الزيادة؛ لعدم تحقّقها في الخارج. نعم، لو لم‌يبعها عمدا بعد تمام السنة و استقرار وجوب الخمس ضمنه.

الشرح:

اذا اشترى عينا للتكسّب فزادت قيمتها السوقيّة و لم‌يبعها ثمّ انخفضت قيمتها الى رأس المال أو أقلّ قبل تمام السنة لم‌يضمن خمس تلك الزيادة؛ لعدم وجود الفائدة رأس السنة، سواء كان عدم بيعه غفلة أو طلبا للزيادة. و أمّا ان لم‌يبعها بعد السنة ثمّ انخفضت الى رأس المال أو أقلّ فهل يضمن خمس تلك الزيادة؟ الظاهر ضمانه ان تسامح في بيعه، لتضييعه و تفريطه. نعم، لو أخّر البيع لعذر شرعي أو عقلائي كعدم التمكّن من بيعه، أو الغفلة عن البيع بحيث لم‌يصدق عليه التضييع و التفريط لم‌يضمن.

قال في مصباح الفقيه: «و لا عبرة بزيادة القيمة السوقيّة؛ لأنّها أمر اعتباري لايعدّ ربحا بالفعل، و لذا يقال عرفا انّه لو باعه بتلك القيمة كان يربح، فمتى باعه بأكثر من رأس ماله دخلت حينئذ في الأرباح - الى أن‌قال: - و لو نقصت قيمته حال البيع أو باعه بقيمة أقلّ لايعتنى بزيادته السابقة. و لعلّ من جعل زيادة القيمة السوقيّة أيضا من الأرباح - كما في عبائر غير واحد منهم - أراد ما لاينافي ما ذكر و الاّ فيظهر ضعفه بمراجعة العرف».(1)

و فيما قاله اشكال؛ فانّ الشيء و ان يلاحظ بنفسه في قيمته الاّ أنّ قيمته باعتبار ماليّته و هو أمر يعتبره السوق. و ان كان ماليّة الشيء لم‌ينفصل عنه فاذا زادت الماليّة عدّت فائدة و غنيمة بالفعل و ان لم‌يبعه. و لذا ترى التجّار يحاسبون


1) - مصباح الفقيه 14: 124.

أموالهم المعدّة للتجارة بقيمتها الفعليّة في رأس كلّ سنة لا بما اشتروها.

و لذا قال في الجواهر: «ثمّ لا فرق في الربح بين النماء و التولّد و ارتفاع القيمة و لو للسوق كما صرّح به في الروضة و غيرها؛ لصدق الربح و الفائدة».(1)

(مسألة 55): اذا عمّر بستانا و غرس فيها أشجارا و نخيلاً للانتفاع بثمرها و تمرها لم‌يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار و النخيل. و أمّا ان كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته و في نموّ أشجاره و نخيله.

الشرح:

اذا عمّر بستانا و غرس فيها أشجارا و نخيلاً فان كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته و في نموّ أشجاره و نخيله؛ لصدق الفائدة. و أمّا ان كان من قصده الانتفاع بثمرها و تمرها لم‌يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار و النخيل مادام لم‌يبعها و عدّ البستان من مؤونته.

فيما اذا كان له أنواع من الاكتساب و الاستفادة

(مسألة 56): اذا كان له أنواع من الاكتساب و الاستفادة كأن‌يكون له رأس مال يتّجر به و خان يؤجره و أرض يزرعها و عمل يد مثل الكتابة أو الخياطة أو النجارة أو نحو ذلك يلاحظ في آخر السنة ما استفاده من المجموع من حيث المجموع فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مؤونته.

الشرح:

اذا كان له أنواع من الاكتساب و الاستفادة فهل يلاحظ في آخر السنة ما


1) - جواهر الكلام 16: 57.

استفاده من المجموع من حيث المجموع فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مؤونته - كما في الحدائق و الدروس و عن بعض آخر - أو يعتبر لكلّ كسب حول بانفراده - كما في الروضة و المسالك؟

الظاهر التفصيل، فتارة يعتبر ما استفاد من أنواع الاكتساب واحدا عرفا و يحسبها في آخر السنة بحساب واحد من حيث النفع و الضرر، و أخرى يعتبر كلّ نوع كسبا على حدة و لكلّ واحد منها حسابا على حدة. ففي الأولى يجب خمس ما حصل منها في آخر السنة بعد خروج مؤونته، و في الثانية يجوز له أن‌يجعل لكلّ نوع حولاً على حدة.

في اشتراط الاستقرار في وجوب خمس الربح أو الفائدة

(مسألة 57): يشترط في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره، فلو اشترى شيئا فيه ربح و كان للبائع الخيار لايجب خمسه الاّ بعد لزوم البيع و مضيّ زمن خيار البائع.

الشرح:

يشترط في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره، فلو اشترى شيئا فيه ربح و كان للبائع الخيار لايجب خمسه الاّ بعد لزوم البيع و مضيّ زمن خيار البائع، و ذلك لأنّ ما فيه خيار للبائع كالمعيب عند العرف يؤثّر الخيار في انخفاض سعره. نعم، اذا وجد المشتري و الحال هذه و رضي بأن‌يشتريه بأزيد ممّا اشتراه الأوّل و ألزم على نفسه الخيار للبائع الأوّل فيجب عليه الخمس فيما ربح اذا زاد عن مؤونة سنته. و أمّا اذا بقي المبيع - الذي كان فيه خيار للبائع - عنده و ارتفع سعره فحال عليه الحول ثمّ مضى زمن الخيار فالربح يعدّ من ربح هذه السنة و ذلك لعدم صدق الفائدة قبل مضىّ زمن الخيار.

(مسألة 58): لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازما فاستقاله البائع فأقاله لم‌يسقط الخمس الاّ اذا كان من شأنه أن‌يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار اذا ردّ مثل الثمن.

الشرح:

لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازما فيستقرّ الخمس على ذلك الشيء عند الحول، فان طلب البائع من المشتري فسخ البيع جاز له اجابته ولكن لايسقط الخمس عن ذمّته. نعم، اذا كان من شأن المشتري أن‌يقيل البائع و يقبل الاستقالة و يأخذ الثمن الأوّل أو مثله لايجب عليه الخمس.

(مسألة 59): الأحوط اخراج خمس رأس المال اذا كان من أرباح مكاسبه؛ فاذا لم‌يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد مقدارا و أراد أن‌يجعله رأس المال للتجارة و يتّجر به يجب اخراج خمسه على الأحوط ثمّ الاتّجار به.

سيأتي شرح هذه المسألة في المسألة الثانية و الستّين.

في مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها

(مسألة 60): مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها، حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكسّب. و أمّا من لم‌يكن مكتسبا و حصل له فائدة اتّفاقا فمن حين حصول الفائدة.

الشرح:

اختلفوا في مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها على قولين:

الأوّل أنّ مبدأ السنة حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكسّب، و أمّا من لم‌يكن مكتسبا و حصل له فائدة اتّفاقا فمن حين حصول الفائدة. ذهب اليهصاحب الحدائق و الشهيد الأوّل في الدروس و اختاره الشيخ الأنصاري.

القول الثاني أنّ مبدأ السنة حين ظهور الربح مطلقا و في جميع الموارد، فلاتستثنى المؤن المصروفة قبل ذلك من غير فرق بين الكاسب و غيره، ذهب اليه جماعة منهم الشهيد في الروضة و المسالك و صاحب المدارك و مال اليه في جواهر الكلام.

و الحقّ هو القول الثاني و ذلك لظاهر الروايات، ففي موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(1)

و صحيحة علي بن مهزيار قال:

«كتب اليه ابراهيم بن محمّد الهمداني - الى أن‌قال: - فكتب عليه السلام و قرأه علي بن مهزيار عليه: الخمس بعد مؤونته و مؤونة عياله و بعد خراج السلطان».(2)

و كذا في صحيحة علي بن مهزيار الطويلة قال:

«كتب اليه أبو جعفر عليه السلام - الى أن‌قال: - فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام. الحديث».(3)

فما هو الظاهر من هذه الروايات أنّ مبدأ السنة يكون من أوّل حصول الفائدة و ظهور الربح، و هذا يختلف بحسب أنواع التكسّب و الاستفادة. على سبيل المثال تارة يؤجر نفسه و يأخذ أجرة عمله كلّ يوم، فمبدأ سنة الخمس له من أوّل يوم عمله، و يلحق به من كان له أمتعة يكتسب بها و يأخذ مؤونته من فائدتها كلّ يوم.

و أخرى يؤجر نفسه و يأخذ أجرة عمله كلّ شهر أو أكثر فمبدأ السنة له يكونمن زمان حصول الفائدة و هو يوم أخذ الأجرة. و كذلك الحال من آجر داره أو


1) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 500 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 9: 502 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

سيّارته أو غيرهما شهرا أو أكثر فأخذ الأجرة بعد شهر أو أكثر، و يلحق به من كانت عنده بضاعة فعامل بها فحصل له في كلّ شهر أو أكثر ربحا.

و ثالثة كان اكتسابه و تجارته بحيث لايظهر أو لايستقرّ لها ربح و فائدة الاّ بعد سنة أو أكثر فمبدأ السنة له يكون بعد حصول الربح و تلحق به الصناعات و الاجارات و غيرها.

و الحاصل أنّ المعيار في ابتداء السنة هو حصول الربح و الفائدة.

و حينئذ من وهب له مال أو نال ميراثا غير محتسب أو أعطي جائزة فمبدأ سنة الخمس له من حين الهبة و نيل الميراث أو اعطاء الجائزة.

في المراد بالمؤونة

(مسألة 61): المراد بالمؤونة مضافا الى ما يصرف في تحصيل الربح ما يحتاج اليه لنفسه و عياله في معاشه بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة من المأكل و الملبس و المسكن و ما يحتاج اليه لصدقاته و زياراته و هداياه و جوائزه و أضيافه و الحقوق اللازمة له بنذر أو كفّارة أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمدا أو خطأ، و كذا ما يحتاج اليه من دابّة أو جارية أو عبد أو أسباب أو ظرف أو فرش أو كتب بل و ما يحتاج اليه لتزويج أولاده أو ختانهم و نحو ذلك مثل ما يحتاج اليه في المرض و في موت أولاده أو عياله، الى غير ذلك ممّا يحتاج اليه في معاشه. و لو زاد على ما يليق بحاله ممّا يعدّ سفها و سرفا بالنسبة اليه لايحسب منها.

الشرح:

المؤونة على قسمين: قسم يصرف لتحصيل الفائدة من المعاملات و التجارات و الاكتسابات و الاجارات و الزراعات و غيرها، و قسم آخر يصرفللمعاش له و لعياله، فالخمس بعد اخراج المؤونة بقسميها لاطلاق الروايات أوّلاً

و لأنّ الفائدة لاتصدق الاّ بعد اخراج المؤونة من القسم الأوّل. فما يصرف في تحصيل الربح يشمل ما يؤدّيه لاصلاح الأرض للزراعة و الدار و السيّارة للايجار و ما يبتاع من البذر و الوقود و غيرها.

و المؤونة التي يحتاج اليها لمعاشه تشتمل على المآكل و المشارب و الملابس و أثاث البيت من الأواني و الفرش و الثلاّجة و الفِرن و المبردة و غيرها، و كذا المركب و المسكن، و منها ما يحتاج اليه لصدقاته و زياراته و جوائزه و هداياه و أضيافه و الحقوق اللازمة له بنذر أو كفّارة أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة أو ما أتلفه عمدا أو خطأ، و كذا ما يحتاج اليه من جارية أو عبد أو كتب، و منها ما يحتاج اليه لتزويج أولاده أو ختانهم و نحو ذلك مثل ما يحتاج اليه في المرض و في موت أولاده أو عياله أو غير ذلك.

و اعلم أنّ الفقهاء قيّدوا المؤونة بما يناسب شأن صاحبه، و هذا القيد لم‌يرد في الرواية الاّ أنّ اطلاقها يشمل المتعارف عند الناس، و من المعلوم أنّ المؤونة بالنسبة الى الأشخاص مختلفة، و الاختلاف يأتي من ناحية اختلاف شأنهم. نعم، بشرط أن لايكون ما يصرفه اسرافا و سفها كما في المتن، و الشرع قد أشار الى بعض مصاديق السرف و السفه و بعضها الآخر يعرفه العرف الاسلامي.

قال في الجواهر: «الأخبار خالية عن تفصيل المؤونة و بيانها كخلوّها عن بيان العيال واجبي النفقة أو الأعمّ منهم و مندوبيها، و هو في محلّه في كلّ منهما سيّما الأوّل؛ لعدم امكان الاحاطة ببيان ذلك جميعه، خصوصا مع ملاحظة الأشخاص و الأزمنة و الأمكنة و غيرها. فالأولى ايكاله الى العرف كايكال المراد بالعيال اليه؛ اذ ما من أحد الاّ و عنده عيال، و له مؤونة، و لعلّه لا فرق فيه على الظاهر بين واجبي النفقة و غيرهم مع صدق اسم العيلولة عليه عرفا.

الى أن‌قال: كما أنّه لا فرق في تناول المؤونة بين ما يحتاجه لنفس المأكل والمشرب و الملبس و المسكن و نحوها و بين ما يحتاجه لزياراته و صدقاته و

جوائزه و هداياه و أضيافه و غيرها ممّا هو جارٍ على نسق العرف و العادات بحيث لايعدّ من السرف و السفه و المستنكر عادة مع ملاحظة حال الشخص بالنسبة الى ما يناسبه من جميع ذلك».(1)

في عدم كون رأس المال للتجارة من المؤونة

(مسألة 62): في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة اليه من المؤونة اشكال فالأحوط كما مرّ اخراج خمسه أوّلاً، و كذا في الآلات المحتاج اليها في كسبه مثل آلات النجارة للنجّار و آلات النساجة للنسّاج و آلات الزراعة للزارع و هكذا، فالأحوط اخراج خمسها أيضا أوّلاً.

الشرح:

في المسألة صور:

الأولى: اذا وهب لشخص مال أو متاع و هو يحتاج اليه في مؤونته و مؤونة عياله، فكما يجوز له أن‌يصرفه في مؤونته و مؤونة عياله الى تمام الحول فان زادت عنها يجب عليه خمسها، كذلك يجوز له أن‌يجعله رأس‌ماله فيتّجر به، أو يشتري بذلك المال آلات النجارة أو آلات النساجة أو آلات الزراعة ان كان نجّارا أو نسّاجا أو زارعا فلايجب عليه الخمس فالمال المحتاج اليه للتجارة يكون من المؤونة و كذا الآلات المحتاج اليها في كسبه.

الثانية: من استؤجر لعمل سنة و أخذ أجرته بعد السنة و يحتاج في مؤونته و مؤونة عياله الى تلك الأجرة فهو كما يجوز له أن‌يصرفها في مؤونته و مؤونة عياله الى تمام الحول كذلك يجوز له أن‌يجعلها رأس‌ماله فيتّجر به أو يشتري بذلكالآلات المحتاج اليها في كسب يريده، و لايجب عليه الخمس.

الثالثة: الأجير الذي يأخذ أجرته كلّ يوم و يصرف مقدارا منها لقوته و يدّخر


1) - جواهر الكلام 16: 59.

بعضها لابتياع ما يحتاج اليه من أثاث البيت أو الملبس أو غيرها، اذا حال الحول لايجب عليه الخمس؛ لاحتياجه اليها لمؤونته، و له أن‌يبتاع شيئا و يتّجر به حتّى يتمكّن من تحصيل مؤونته و لايجب عليه الخمس و ان كان الاحتياط المصالحة.

الرابعة: من ادّخر مالاً من جهة اجارة نفسه أو سيّارته أو كسبه و يريد أن‌يزيد في رأس‌ماله أو يبدّل سيّارته مثلاً فان كان تحصيل مؤونته تدريجيّا و هو المتعارف عرفا فيخمّس ماله أوّلاً ثمّ يصرفه فيما يريد من ازدياد رأس المال و غيره.

في عدم الفرق في المؤونة بين ما يصرف عينه فتتلف و بين ما ينتفع به مع بقاء عينه

(مسألة 63): لا فرق في المؤونة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول و المشروب و نحوهما و بين ما ينتفع به مع بقاء عينه مثل الظروف و الفروش و نحوها، فاذا احتاج اليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها و ان بقيت للسنين الآتية أيضا.

الشرح:

قد اتّضح ممّا تقدّم في شرح المؤونة حكم هذه المسألة و أنّه لا فرق في المؤونة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول و المشروب و نحوهما و بين ما ينتفع به مع بقاء عينه مثل الأواني و الفرُش و نحوها، فاذا احتاج اليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها و ان بقيت للسنين الآتية أيضا، و ذلك لاطلاق المؤونة و شمولها لكلّ ما يحتاج اليه لمعاشه لنفسه و لعياله.

في جواز اخراج المؤونة من الربح و ان كان عنده مال لا خمس فيه

(مسألة 64): يجوز اخراج المؤونة من الربح و ان كان عنده مال لا خمس فيه بأن لم‌يتعلّق به أو تعلّق و أخرجه فلايجب اخراجها من ذلك بتمامها و لا التوزيع و ان كان الأحوط التوزيع، و أحوط منه اخراجها بتمامها من المال الذي لا خمس فيه. و لو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك ممّا لو لم‌يكن عنده كان من المؤونة لايجوز احتساب قيمتها من المؤونة و أخذ مقدارها بل يكون حاله حال من لم‌يحتج اليها أصلاً.

الشرح:

من استفاد فائدة قد لايكون له مال غير هذه الفائدة فانّه يخرج خمسها بعد اخراج المؤونة ان زادت، و قد يكون له مال لا خمس فيه ادّخره لغرض آخر فهذا يجوز له أن‌يخرج مؤونته من هذه الفائدة لاطلاق قوله عليه السلام «الخمس بعد المؤونة».

فقوله هذا يشمل من كان له مال آخر و من لم‌يكن له، بل هو ناظر الى هذه الفائدة، فكأنّه نحو ارفاق و منّة منهم عليهم‌السلام على شيعتهم. و عليه فما ذهب اليه بعض من التوزيع لم‌يدلّ عليه دليل، كمن ذهب الى عدم اخراج المؤونة من الفائدة اذا كان له مال آخر. نعم، لو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك بحيث لو لم‌تكن عنده كان محتاجا اليها لم‌يجز له احتساب قيمتها من المؤونة و أخذ مقدارها، بل يكون حاله حال من لم‌يحتج اليها أصلاً، و هذا واضح لا غبار عليه كما قاله الماتن.

قال المحقّق الهمداني: «لو كان للشخص مال لايتعلّق به الخمس ففي وجوب اخراج المؤونة منه أو من الربح أو منهما أوجه بل قيل أقوال خيرها أوسطها؛ وفاقا لما حكي عن الشهيد و المحقّق الثانيين و صاحبي المدارك و الذخيرة و شارح المفاتيح بل أغلب من تعرّض له، بل هو مقتضى ظاهر كلّ من عبّر عن عنوان هذا القسم في فتواه و معقد اجماعه بما يفضل من الأرباح عن مؤونة السنة؛ لأنّه هو

الظاهر من الأخبار الدالّة على أنّ الخمس بعد المؤونة، كخبر البزنطي قال: «كتبت الى أبي جعفر عليه السلام : الخمس أخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب: بعد المؤونة»، فانّ ظاهره ارادة المؤونة من المال الذي لولا استثناؤها لتعلّق به الخمس، و نحوه قوله عليه السلام في خبر الهمداني: «الخمس بعد المؤونة»».(1)

في المناط في المؤونة

(مسألة 65): المناط في المؤونة ما يصرف فعلاً لا مقدارها، فلو قتّر على نفسه لم‌يحسب له، كما أنّه لو تبرّع بها متبرّع لايستثنى له مقدارها على الأحوط بل لايخلو عن قوّة.

الشرح:

ظاهر قوله عليه السلام «الخمس بعد المؤونة» هو المؤونة الحاليّة و ما يصرف حاليّا لا التقديريّة، فلو قتّر على نفسه و لم‌يصرف في مؤونته لم‌يحسب له مقدار ما كان يحتاج اليه و لم‌يصرفه، كما أنّه لو تبرّع بها متبرّع لايستثنى له مقدارها.

قال في الجواهر: «لو قتّر على نفسه لم‌يحسب له؛ لانصراف المؤونة عرفا الى ما يتلفه في حوائجه و مآربه ارفاقا من الشارع بالمالك، خصوصا بالنسبة الى بعض الأشياء التي لايعدّ تركها نقصا في حقّه من شراء كتب و مراجعة أطبّاء و صنعة و نحوها و ان كانت هي لو فعلها من مؤونة - الى أن‌قال: - فلو فضل من مؤونته حينئذٍ بسبب التقتير ممّا لم‌يتّخذ للقنية كالحبوب وجب الخمس فيه، و أولى منه الفاضل لا للتقتير».(2)

قال المحقّق الهمداني: «فقد حكي عن غير واحد كالعلاّمة و الشهيدين و المحقّق الثاني التصريح بأنّه لو قتّر حسب له، بل عن المناهل أنّه استظهر عدم


1) - مصباح الفقيه 14: 134 و 135.

2) - جواهر الكلام 16: 62 و 63.

الخلاف فيه، فكأنّ محطّ نظرهم أنّ مفاد النصوص و الفتاوى انّما هو تعلّق الخمس بما عدا مقدار المؤونة، فمقدار المؤونة مستثنى عمّا يتعلّق به الخمس، سواء أنفقه أم لا، و هو لايخلو عن نظر؛ لما أشرنا اليه من أنّ المتبادر من الأخبار انّما هو استثناء ما ينفقه بالفعل لا استثناء مقدارها، فلو تبرّع متبرّع بنفقته فالظاهر أنّه لايحسب له ما يقابله من الربح، فضلاً عمّا لو قتّر فيه كما صرّح به غير واحد من مشايخنا».(1)

فيما اذا استقرض من ابتداء سنته لمؤونته قبل حصول الربح

(مسألة 66): اذا استقرض من ابتداء سنته لمؤونته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره من الربح.

الشرح:

اذا استقرض من ابتداء سنته لمؤونته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح و قلنا بأنّ ابتداء سنته حال الشروع في الاكتساب يجوز له وضع مقداره من الربح. و أمّا ان قلنا بأنّ ابتداء سنة الخمس من حين حصول الربح كما هو الحقّ فسيأتي حكمه في شرح المسألة الحادية و السبعين.


1) - مصباح الفقيه 14: 132.

فيما لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمؤونة

(مسألة 67): لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمؤونة من مثل الحنطة و الشعير و الفحم و نحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب اخراج خمسه عند تمام الحول. و أمّا ما كان مبناه على بقاء عينه و الانتفاع به مثل الفرش و الأواني و الألبسة و العبد و الفرس و الكتب و نحوها فالأقوى عدم الخمس فيها. نعم، لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط اخراج الخمس منها، و كذا في حليّ النسوان اذا جاز وقت لبسهنّ لها.

الشرح:

لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمؤونة من مثل الحنطة و الشعير و الفحم و نحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب اخراج خمسه عند تمام الحول؛ لأنّ القدر المستثنى من الربح هو مؤونة سنته من ابتداء حصول الربح، فما زاد عن المؤونة ففيه الخمس.

قال المحقّق الهمداني: «لا خلاف لأحد في أنّ الفاضل من المؤونة حكمه حكم أصل المال، فان كان ممّا يجب تخميسه فلا خلاف في وجوب تخميس الفاضل و الاّ فلا خلاف في عدمه؛ فانّ ما يفضل ممّا اشترى للقوت ان كان أصله من المؤونة المستثناة من المال الذي يجب فيه الخمس كما اذا وضع مائة دينار من ربح تجارته فاشترى به الطعام لسنة الاكتساب فلا تأمّل لأحد في وجوب الخمس في الفاضل لكونه فاضلاً عن مؤونة السنة، و ان كان أصله من المال الذي لايتعلّق به الخمس أو أعطى خمسه فلا تأمّل أيضا في عدم وجوب الخمس».(1)

و أمّا ما كان مبناه على بقاء عينه و الانتفاع به مثل الفرش و الأوانى و الألبسة و العبد و الفرس و الكتب و نحوها فان لم‌يستغن عنها فلايجب فيها الخمس، و ذلك لأنّها مؤونة فيشملها قوله عليه السلام «الخمس بعد المؤونة».


1) - مصباح الفقيه 14: 125.

و أمّا ان استغنى عنها فكذلك لا خمس فيها اذا اشتراها من ربح السنة قبل اخراج خمسها ان احتاج اليها للسنين الآتية. و أمّا لو استغنى عنها مطلقا فالظاهر فيه الخمس كما في فاضل طعامه.

(مسألة 68): اذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح سقط اعتبار المؤونة في باقيه فلايوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة.

الشرح:

قد تقدّم من أنّ الاعتبار في الاستثناء بالمؤونة الفعليّة لا التقديريّة، فعليه اذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح سقط اعتبار المؤونة في باقيه فلايوضع من الربح مقدارها على تقدير الحياة.

(مسألة 69): اذا لم‌يحصل له ربح في تلك السنة و حصل في السنة اللاحقة لايخرج مؤونتها من ربح السنة اللاحقة.

الشرح:

اذا لم‌يحصل له ربح في تلك السنة فتارة يستقرض لمؤونته، و أخرى يصرف لمؤونته من مال آخر، و ثالثة يحتاج لبعض مؤونته الى ربح السنة اللاحقة، ففي الصورة الأولى يخرج من الربح لأداء دينه و ذلك لاحتياجه الى ذلك الربح فيشمله اطلاق قوله عليه السلام : «الخمس بعد المؤونة».

و أمّا في الصورة الثانية و الثالثة فلايخرج ما يصرفه من مال آخر في السنة السابقة من ربح السنة اللاحقة.

في أنّ مصارف الحجّ من مؤونة عام الاستطاعة

(مسألة 70): مصارف الحجّ من مؤونة عام الاستطاعة، فاذا استطاع في أثناء حول حصول الربح و تمكّن من المسير بأن‌صادف سير الرفقة في ذلك العام احتسب مخارجه من ربحه. و أمّا اذا لم‌يتمكّن حتّى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح، فان بقيت الاستطاعة الى السنة الآتية وجب و الاّ فلا، و لو تمكّن و عصى حتّى انقضى الحول فكذلك على الأحوط، و لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعدّدة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة. و أمّا المقدار المتمّم لها في تلك السنة فلايجب خمسه اذا تمكّن من المسير، و اذا لم‌يتمكّن فكما سبق يجب اخراج خمسه.

الشرح:

في المسألة صور:

الأولى: اذا استطاع بعد حصول الربح و تمكّن من المسير بأن‌صادف سير الرفقة في ذلك العام احتسب مخارجه من ربحه؛ لأنّ مصارف الحجّ من المؤونة.

الثانية: اذا لم‌يحصل له من الربح في هذه السنة ما يستطيع به أن‌يحجّ فيجب عليه الخمس بعد المؤونة، فان زاد شيء و أصبح بالربح الحاصل في السنة القادمة مستطيعا فعليه الحجّ من غير تخميس. و أمّا ان لم‌يصر مستطيعا فيجب عليه الخمس فيتربّص في السنة الثالثة - ان بقي ما زاد من السنتين المنصرمتين - حتّى يستطيع بالربح الحاصل في هذه السنة، فعليه الحجّ من غير تخميس و الاّ فيعامل به كما مرّ.

الثالثة: اذا صار مستطيعا من الربح الحاصل في سنة و تمكّن من المسير ولكن عصى و تخلّف حتّى انقضى الحول فحينئذ استقرّ عليه الحجّ فيجب عليه الحجّ في السنة الآتية و يجب عليه خمس المال في هذه السنة لأنّه كالتقتير. نعم، اذا علم أنّه لايقدر على الحجّ في الآتية ان خمّسه فلايبعد القول بعدم الخمس و وجوب

حفظ المال، و لايترك الاحتياط بالمصالحة.

الرابعة: اذا صار مستطيعا من الربح الحاصل في سنة و لم‌يتمكّن من المسير فيكشف عن عدم وجوب الحجّ فيخمّس الربح الحاصل في تلك السنة بعد المؤونة.

قال المحقّق الهمداني: «لايبعد أن‌يقال انّه لو قصّر في أداء بعض التكاليف المتوقّفة على صرف المال - كالحجّ و نحوه في عام استطاعته - فزاد ربحه عن مؤونته وجب عليه الخمس فيما زاد، و ان لم‌يكن يزيد عنه شيء على تقدير الحجّ و كون الحجّ واجبا عليه في هذه السنة أو كون تداركه فيما يستقبل واجبا عليه، لايوجب أن‌يعدّ عرفا ما يجب صرفه فيه من مؤونة هذه السنة كي يستثنى من ربحها بل في كلّ سنة يصدر منه فعل الحجّ يعدّ مؤونته من مؤونة تلك السنة فيستثنى من ربحها بالخصوص و ان حصلت الاستطاعة أو بعضها فيما سبق. نعم، لو لم‌يتمكّن فيما بعد من أن‌يحجّ الاّ بحفظ هذا الربح لمؤونته لايبعد أن‌يعدّ من مؤونته في هذه السنة حيث يجب عليه حفظه لتفريغ ذمّته عن الواجب، كما لو وجب عليه أمر بنذر و شبهه و لم‌يتمكّن من الخروج عن عهدته الاّ بجمع ما يفضل عن مؤونته من الأرباح في السنين المتعدّدة فانّه على الظاهر يعدّ حينئذٍ من المؤونة بل من أهمّها. انتهى كلامه رفع مقامه».(1)


1) - مصباح الفقيه 14: 132 و 133.

في أنّ أداء الدين من المؤونة

(مسألة 71): أداء الدين من المؤونة اذا كان في عام حصول الربح أو كان سابقا ولكن لم‌يتمكّن من أدائه الى عام حصول الربح. و اذا لم‌يؤدّ دينه حتّى انقضى العام فالأحوط اخراج الخمس أوّلاً و أداء الدين ممّا بقي.

الشرح:

في المسألة صور:

الأولى: اذا حصل الربح و استدان لمؤونته فيجوز له حينئذ أن‌يؤدّي دينه من الربح قبل التخميس فانّ الدين من المؤونة، سواء كان ما استدان له تالفة أو باقية.

الثانية: اذا استدان لمؤونته في السنين المنصرمة فبقي عليه كلّه أو بعضه يجوز له اخراج دينه السابق من ربح هذه السنة؛ لأنّ الدين من المؤونة، و ذلك كما اذا اشترى دارا نسيئة فبقي عليه دينه فيجوز له أداء دينه من الربح. و لا فرق في هاتين الصورتين بين أن‌يؤدّي دينه قبل مضيّ الحول أو بعده: أمّا قبله فمعلوم و أمّا بعده فلاطلاق قوله عليه السلام : «الخمس بعد المؤونة». نعم، اذا لم‌يرد أن‌يؤدّي دينه من هذا الربح يجب عليه الخمس، فهو كالتقتير.

الثالثة: اذا استدان لشراء دكّان أو بستان أو ضيعة ليستفيد منها ببيعها جاز له أن‌يؤدّي دينه من الربح قبل التخميس و يجب عليه خمس المبيع بسعره الحالي.

في أنّه متى حصل الربح تعلّق به الخمس

اشارة

(مسألة 72): متى حصل الربح و كان زائدا على مؤونة السنة تعلّق به الخمس و ان جاز له التأخير في الأداء الى آخر السنة، فليس تمام الحول شرطا في وجوبه و انّما هو ارفاق بالمالك لاحتمال تجدّد مؤونة أخرى زائدا على ما ظنّه، فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم‌يسقط الخمس، و كذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه.

الشرح:

متى حصل الربح تعلّق به الخمس و ان جاز له التأخير في الأداء الى آخر السنة فيؤدّي خمسه بعد اخراج المؤونة.

فهنا فرعان:

الفرع الأوّل : في تعلّق الخمس بالربح بعد حصوله

يتعلّق الخمس بالربح بعد حصوله؛ لظاهر موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(1)

و لايعارضها ما ورد في الروايات الأخر أنّ «الخمس بعد المؤونة»، فانّ هذا التأخّر من التأخّر الرتبي لا الزماني، و ذلك كالارث فاذا مات الانسان فينتقل ماله الى ورثته الاّ أنّ الدين و الوصيّة يستثنيان منه، و كذلك ما نحن فيه، فاذا حصل الربح تعلّق به الخمس الاّ قدر المؤونة فانّها مستثناة، و الظاهر أنّ المسألة لم‌يخالف فيها أحد الاّ ما يظهر من الحلّي في السرائر.

قال في الجواهر: «لا اعتبار للحول في الأرباح أيضا على المشهور بين


1) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل لاأجد فيه خلافا الاّ ما يحكى عن السرائر من اعتباره مع أنّ عبارتها ليست بتلك الصراحة بل و لا ذلك الظهور كما اعترف به بعضهم - الى أن‌قال: - على أنّه محجوج باطلاق الأدلّة حتّى معاقد الاجماعات. و استثناء المؤونة لا دلالة فيه على تأخّر الوجوب بعد ارادة اخراج قدرها تخمينا منها لصدق اسم المؤونة به لا المصارف الفعليّة كي يستلزم تأخّر الوجوب عنها. انتهى موضع الحاجة».(1)

قال المحقّق الهمداني: «لايعتبر الحول في خمس الأرباح و ان لم‌يتضيّق التكليف به الاّ بعد مضيّ الحول على المشهور، بل لم‌ينقل التصريح بخلافه عن أحد عدا الحلّي في السرائر، - الى أن قال بعد نقل كلام الحلّي: - و يتوجّه على الوجه الذي ذكره أوّلاً أن ليس المراد بما بعد المؤونة الواردة في النصوص و الفتاوى التأخّر الزماني حتّى يكون مفاده توقيت وجوب اخراج الخمس بما بعد زمان صرف المؤونة و الاّ لم‌يكن فيه دلالة على متعلّقه بل التأخّر الرتبي و بيان عدم وجوب الخمس الاّ في الزائد عمّا يصرفه في المؤونة، فلايفهم منه الاّ تخصيص عموم ما دلّ على ثبوت الخمس في الأرباح بما عدا المؤونة لا تقييد اطلاقه بما بعد زمانها».(2)

الفرع الثاني : في جواز تأخير الأداء الى آخر السنة

يجوز لمن استفاد فائدة أن‌يؤخّر الخمس الى آخر السنة و ذلك ارفاقمنهم عليهم‌السلام، و لئلاّيحتاج الى مؤونة جديدة لابدّ له أن‌يأخذ من الربح. و الدليل على


1) - جواهر الكلام 16: 79.

2) - مصباح الفقيه 14: 183 و 184.

جواز تأخير أداء الخمس الى آخر السنة صحيحة البزنطي الطويلة ففيها قال عليه السلام :

«فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام، قال اللّه تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى». الحديث».(1)

و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك لأحد من الفقهاء.

قال في الجواهر: «فالأقوى اتّحاد جميع محالّ الخمس في عدم اعتبار الحول ولكن يؤخّر جوازا خصوص ما يجب في أرباح التجارات كما صرّح به جماعة، بل لاأجد فيه خلافا، بل الظاهر الاجماع عليه، بل قد يشعر به صحيح ابن مهزيار الطويل المتقدّم سابقا، و [ التأخير يكون] احتياطا للمكتسب و ارفاقا به؛ لامكان تجدّد مؤن له لم‌يكن قد دخلت في تخمينه».(2)

و اعلم أنّه اذا قلنا بتعلّق الخمس متى حصل الربح، فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم‌يسقط الخمس، و كذا لو وهبه فرارا من الخمس و زائدا عن شأنه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه، لم‌يسقط الخمس.

(مسألة 73): لو تلف بعض أمواله ممّا ليس من مال التجارة أو سرق أو نحو ذلك لم‌يجبر بالربح و ان كان في عامه؛ اذ ليس محسوبا من المؤونة.

الشرح:

لو تلف بعض أمواله فان كان في جبره ممّا يحتاج اليه لمعاشه كما اذا احترقت داره أو خربت أو سرق أثاث بيته ففي ذلك كلّه يجوز له أن‌يجبره بالربح. و أمّا انكان التالف أو المسروق من غير مؤونته كما اذا ادّخر مالاً مخمّسا فسرقه السارق


1) - وسائل الشيعة 9: 502 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

2) - جواهر الكلام 16: 79.

ففي ذلك لم‌يجبر بالربح؛ اذ ليس محسوبا من المؤونة.

فيما لو كان له رأس مال و فرّقه في أنواع من التجارة فتلف

(مسألة 74): لو كان له رأس مال و فرّقه في أنواع من التجارة فتلف رأس‌المال أو بعضه من نوع منها فالأحوط عدم جبره بربح تجارة أخرى، بل و كذا الأحوط عدم جبر خسران نوع بربح أخرى، لكن الجبر لايخلو عن قوّة خصوصا في الخسارة. نعم، لو كان له تجارة و زراعة مثلاً فخسر في تجارته أو تلف رأس ماله فيها فعدم الجبر لايخلو عن قوّة خصوصا في صورة التلف، و كذا العكس. و أمّا التجارة الواحدة فلو تلف بعض رأس المال فيها و ربح الباقي فالأقوى الجبر، و كذا في الخسران و الربح في عام واحد في وقتين، سواء تقدّم الربح أو الخسران فانّه يجبر الخسران بالربح.

الشرح:

لو كان له رأس مال فتلف بعضه في التجارة و ربح بالآخر يجوز له أن‌يجبر رأس ماله بالربح، سواء كان التلف قبل حصول الربح أو بعده، و ذلك لعدم صدق الفائدة مع تلف بعض رأس المال، و كذا لو خسرت تجارته في بعض معاملاته و ربحت في الآخر، سواء كان الربح قبل الضرر أو بعده، فيجوز له أن‌يجبر رأس ماله بالربح؛ لعدم صدق الفائدة مع الضرر في بعض معاملاته.

نعم، لو كان له أنواع من الكسب و لكلّ نوع منها حول على حدة و حساب على حدة فان خسر في نوع أو تلف رأس ماله في نوع لايجبر من نوع آخر.

قال المحقّق الهمداني: «نعم، قد يتّجه الجبر و التدارك فيما يتعلّق بتجارة واحدة لا لكونه معدودا من المؤونة بل لعدم صدق الاستفادة و الربح في تجارة».(1)


1) - مصباح الفقيه 14: 133.

في تعلّق الخمس بالعين

اشارة

(مسألة 75): الخمس بجميع أقسامه متعلّق بالعين و يتخيّر المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقدا أو جنسا، و لايجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس و ان ضمنه في ذمّته. و لو أتلفه بعد استقراره ضمنه، و لو اتّجر به قبل اخراج الخمس كانت المعاملة فضوليّة بالنسبة الى مقدار الخمس، فان أمضاه الحاكم الشرعي أخذ العوض و الاّ رجع بالعين بمقدار الخمس ان كانت موجودة و بقيمته ان كانت تالفة، و يتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الذي أخذها و أتلفها. هذا اذا كانت المعاملة بعين الربح، و أمّا اذا كانت في الذمّة و دفعها عوضا فهي صحيحة ولكن لم‌تبرأ ذمّته بمقدار الخمس و يرجع الحاكم به ان كانت العين موجودة و بقيمته ان كانت تالفة مخيّرا حينئذ بين الرجوع على المالك أو الآخذ أيضا.

الشرح:

الخمس بجميع أقسامه متعلّق بالعين لظاهر قوله تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى»(1)فمرجع ضمير «خمسه» هو الشيء الذي غنمه فيكون للّه و للرسول و لذي القربى.

و لظاهر الروايات: ففي رواية أبي بصير قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهما و نحن اليتيم».(2)

و روايته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لايحلّ لأحد أن‌يشتري من الخمس شيئا حتّى يصل الينا حقّنا».(3)


1) - الأنفال 8 : 41.

2) - وسائل الشيعة 9: 483 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 484 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 4.

و رواية ثالثة لأبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: من اشترى شيئا من الخمس لم‌يعذره اللّه اشترى ما لايحلّ له».(1)

و خبر عمران بن موسى عن موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«قرأت عليه آية الخمس فقال: ما كان للّه فهو لرسوله و ما كان لرسوله فهو لنا - ثمّ قال: - و اللّه لقد يسّر اللّه على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم جعلوا لربّهم واحدا و أكلوا أربعة أحلاّء. الحديث».(2)

و صحيحة علي بن مهزيار قال:

«قال لي أبو علي بن راشد: قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك و أخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: و أيّ شيء حقّه؟ فلم‌أدر ما أجيبه! فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أىّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم و صنائعهم (ضياعهم). قلت: و التاجر عليه و الصانع بيده؟ فقال: اذا أمكنهم بعد مؤونتهم.(3)

و موثّقة سماعة قال:

«سألت أباالحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(4)

الى غير ذلك من الأخبار.


1) - وسائل الشيعة 9: 484 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 484 / الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 9: 500 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

هيهنا فروع:

الفرع الأوّل : في تخيير المالك بين دفع خمس العين أو القيمة

يتخيّر المالك بين دفع خمس العين و بين دفع قيمته من مال آخر جنسا أو نقدا، و ذلك لظاهر قوله عليه السلام في الصحاح المرويّة عن علي بن مهزيار: «الخمس بعد المؤونة» و «الخمس بعد ما يفضل من مؤونته» و «الخمس بعد مؤونته و مؤونة عياله و بعد خراج السلطان».

توضيح ذلك أوّلاً: انّ المؤونة عبارة عن كلّ ما يحتاج اليه الانسان من المأكل و المشرب و أثاث البيت و الدار و المركب و غيرها فانّها تبتاع بالنقود، فاذا كان رأس‌ماله من أجناس متعدّدة فاتّجر به و ربح و كان الربح جنسا، يجعله نقدا ليتمكّن من شراء ما يحتاج اليه لمعيشته. و اذا كانت المؤونة هكذا فالمفهوم عرفا من قوله عليه السلام «الخمس بعد المؤونة» هو أنّ اخراج الخمس من الربح كاخراج المؤونة منه على حدّ سواء.

و ثانيا: ان كان يتعيّن الخمس من عين ما ربح صار أداؤه شاقّا على المالك و أخذه كذلك على المستحقّ غالبا.

و ثالثا: تخيير المالك بين دفع خمس العين و دفع قيمته من سيرة المتشرّعة و كاشف عن عدم المنع من ناحية المعصوم عليه السلام و أصحابه.

و رابعا: يدلّ على الجواز ما ورد في الزكاة من جواز دفع القيمة كما سيأتي في المسألة السابعه‌عشرة من فصل قسمة الخمس.

الفرع الثاني : فيما اذا حال الحول على الفائدة و أخرج المؤونة

اذا حال الحول على الفائدة و أخرج المؤونة لايجوز للمالك التصرّف في خمس ما بقي من الربح من المعاملة و الهبة و غيرهما و ان ضمنه في ذمّته، و ذلكلاستقرار الملك لأرباب الخمس عليه. نعم، لو أتلفه بعد استقراره ضمنه.

ثمّ ان اتّجر به ففيه صورتان:

الأولى: لو اتّجر بعين خمس الربح فالمعاملة فضوليّة فان ردّها وليّ الخمس بطلت اذا كانت على الخمس فقط. و أمّا ان كانت المعاملة على الربح كلّه فهي بالنسبة الى الخمس باطلة و يرجع بعين الخمس ان كانت موجودة و بقيمتها ان كانت تالفة و يرجع بها الى المالك أو الى من أتلف؛ لتعاقب الأيدي.

و ان أمضاها وليّ الخمس فيرجع الى المالك و يأخذ الخمس من الثمن.

الثانية: لو اتّجر في الذمّة و دفع الخمس أو الربح كلّه عوضا فالمعاملة صحيحة الاّ أنّ ذمّته مشغولة بما أعطى عوضا فعليه أن‌يأخذ ما دفعه الى الطرف المقابل عوضا فيؤدّيه الى وليّ الخمس ثمّ يدفع العوض من مال آخر، هذا اذا كانت العين موجودة. و أمّا ان كانت تالفة يرجع وليّ الخمس بقيمته مخيّرا بين الرجوع الى صاحب المال أو الى من أتلفه.

في التصرّف في بعض الربح قبل أداء الخمس

(مسألة 76): يجوز له أن‌يتصرّف في بعض الربح مادام مقدار الخمس منه باقيا في يده مع قصد اخراجه من البقيّة؛ اذ شركة أرباب الخمس مع المالك انّما هي على الوجه الكلّي في المعيّن، كما أنّ الأمر في الزكاة أيضا كذلك و قد مرّ في بابها.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه اذا حال الحول على الفائدة و أخرج المؤونة لايجوز للمالك التصرّف في خمس ما بقي من الربح. و الآن نقول: يجوز له أن‌يتصرّف في بعض الربح مادام مقدار الخمس منه باقيا في يده مع قصد اخراجه من البقيّة؛ اذ شركة أرباب الخمس مع المالك انّما هي على الوجه الكلّي في المعيّن و ذلك لأنّه عندما يقال للتاجر و الكاسب و الصانع و ... اذا اتّجرت أو اكتسبت و ربحت فخمس ربح مالك بعد اخراج مؤونتك للامام عليه السلام و السادة، فما يفهمه من هذا الكلام هو أنّ أربعة أخماس هذا المال له فيجوز له أن‌يتصرّف فيه، و حينئذ قد يخرج خمسه و يحفظه حتّى يوصله الى أربابه و قد يصرف من هذا المال و كان من نيّته ابقاء خمسه ليوصله الى صاحبه.

و بالجملة لايفرّق العرف بين التصرّف لاخراج المؤونة و التصرّف لما يشاء مع بقاء الخمس فيه، فكما يأخذ من هذا المال و يصرفه في مؤونته كذلك بعد اخراج المؤونة يرى أربعة أخماس هذا المال لنفسه و يتصرّف فيه كيف يشاء و لايجوّز لنفسه أن‌يتصرّف في الخمس الباقي من ذلك.

هذا هو بناء العرف، فاذا لم‌يبيّن الامام عليه السلام في ذلك شيئا كان المرجع نظر العرف و بناءهم العملي، و لعلّ ذلك هو سبب عدم ذكر الأصحاب هذه المسألة، و كأنّه كان واضحا عندهم غير محتاج الى التفسير.

و ما قيل من أنّ الأدلّة بين ما هو ظاهر في الاشاعة و الشركة الحقيقيّة و بين ما

لاينافي ذلك فمثل قوله تعالى: «فأنّ للّه خمسه» ظاهر في أنّ المتعلّق هو خمس الغُنم بنفسه على نحو يكون الخمس المشاع للمستحقّ و الأربعة الأخماس الباقية للمالك، نظير قولك: «بعت أو وهبت خمس الدار» الذي هو ظاهر في الكسر المشاع، بلا اشكال.

ففيه ما قلنا بأنّ الفهم العرفي من قوله «خمس مالك للامام عليه السلام و السادة» ليس الاشاعة و الشركة الحقيقيّة بل هو الكلّي في المعيّن و قياسه بقوله «بعت أو وهبت خمس الدار» الذي هو ظاهر في الكسر المشاع مع الفارق؛ فانّ البائع يرى المشتري بعد البيع شريكا في ماله بنحو الاشاعة. و أمّا فيما نحن فيه فلايرى أرباب الخمس شريكا في ماله بنحو الاشاعة بل بالنحو الذي تقدّم.

ثمّ انّ الظاهر أنّ تعلّق الزكاة بالمال الزكوي يكون بنحو الكلّي في المعيّن أيضا؛ لعدم ظهور الروايات في الاشاعة و الشركة الحقيقيّة، و الاختلاف من الفقهاء في ذلك أدلّ دليل على عدم الظهور، فما تقدّم من فهم العرف بنحو الكلّي في المعيّن هو المرجع.

في التصرّف في الربح بالاتّجار اذا حصل في ابتداء السنة أو في أثنائها

(مسألة 77): اذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها فلا مانع من التصرّف فيه بالاتّجار، و ان حصل منه ربح لايكون ما يقابل خمس الربح الأوّل منه لأرباب الخمس، بخلاف ما اذا اتّجر به بعد تمام الحول فانّه ان حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لأربابه، مضافا الى أصل الخمس فيخرجهما أوّلاً ثمّ يخرج خمس بقيّته ان زادت على مؤونة السنة.

الشرح:

اذا حصل الربح فلا مانع من التصرّف فيه للمؤونة، فان بقي منه شيء بعد اخراج المؤونة الى آخر الحول يؤدّي خمسه و هذا لا كلام فيه. و يجوز له أيضا أن‌يتّجر به فان لم‌يربح ثانيا فكما تقدّم يخمّسه بعد اخراج المؤونة.

و أمّا اذا اتّجر به فربح ثانيا ثمّ اتّجر فربح ثالثا فالحقّ أنّ معيار الربح لأداء الخمس بعد اخراج المؤونة هو آخر الحول، و لايكون المقدار المقابل لخمس الربح الأوّل، من الربح الثاني مختصّا بأرباب الخمس، خلافا لصاحب الجواهر حيث مال الى الثاني و جعله في نجاة العباد أحوط ان لم‌يكن أقوى؛ نظرا لتبعيّة النماء للأصل، على ما حكي عنه. فمثّل على ذلك في الجواهر بأنّه لو ربح أوّلاً ستّمائة و كانت مؤونته الى نهاية السنة مائة و قد أخذها و اتّجر بالباقي (أي خمسمائة) فربح بها خمسمائة أخرى «بحيث كان كلّ جزء من الربح الثاني ربحا لما يعادله جزء من الربح الأوّل» كان تمام الخمس مائتين و ثمانين: مائة من الربح الأوّل، و يتبعها نماؤها من الربح الثاني و هو مائة أيضا، فالباقي من الربح الثاني أربعمائة، و خمسها ثمانون.

فانّ صاحب الجواهر قبل ذكر هذا المثال قال في توضيح نظره: «يجب اخراج خمس الربح الأوّل و يتبعه نماؤه من الربح الثاني لكونه نماء مال الغير؛ ضرورة اشتراك ذوي الخمس معه و ان كان له تأخير الأداء الى تمام الحول، ثمّ يجب عليه

اخراج خمس الربح الثاني».(1)

و فيه: انّ ظاهر قوله عليه السلام «الخمس بعد المؤونة» و كذا قوله عليه السلام «فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» وجوب الخمس بعد اخراج المؤونة من مجموع الربح في كلّ عام.

و من المعلوم أنّ الكسبة و التجّار يحسبون رؤوس أموالهم بالنسبة الى الربح و الضرر آخر الحول فهم يقومون بعدّة صفقات مع رؤوس أموالهم، و لبعضهم صفقات كثيرة متتابعة، و لاينظرون الى الربح الأوّل و الثاني من الأوّل و الربح الثالث من الثاني و هكذا، بل ينظرون الى ما حصل لهم رأس الحول بالنسبة الى رؤوس أموالهم و مراد الامام عليه السلام من الغنائم و الفوائد في كلّ عام هو هذا أي ما حصل لهم من الربح آخر الحول بالنسبة الى رؤوس أموالهم فانّهم يخرجون مؤونتهم و يخمّسون ما بقي من الربح. فتحصّل أنّ ما ذهب اليه صاحب الجواهر مخدوش فيه و الخمس من فائدة ألف دينار في المثال الذي ذكره هو مائتان لا مائتان و ثمانون دينارا.

نعم، اذا حال الحول على الربح و أخرج المؤونة فان اتّجر بالربح فحاله كما ذكر صاحب الجواهر.


1) - جواهر الكلام 16: 55.

في أنّه ليس للمالك أن‌ينقل الخمس الى ذمّته ثمّ التصرّف فيه

(مسألة 78): ليس للمالك أن‌ينقل الخمس الى ذمّته ثمّ التصرّف فيه كما أشرنا اليه. نعم، يجوز له ذلك بالمصالحة مع الحاكم و حينئذ فيجوز له التصرّف فيه و لا حصّة له من الربح اذا اتّجر به، و لو فرض تجدّد مؤن له في أثناء الحول على وجه لايقوم بها الربح انكشف فساد الصلح.

الشرح:

تقدّم أنّ الخمس يتعلّق بالربح بمجرّد حصوله الاّ أنّه يجوز للمالك التصرّف في الربح بالاتّجار و صرفه في مؤونته حتّى يحول عليه الحول، فاذا أخرج مؤونته فما بقي من الربح يستقرّ عليه الخمس، فلايجوز له التصرّف فيه و نقله الى ذمّته ثمّ التصرّف فيه؛ لعدم ثبوت ولايته عليه.

نعم، يجوز له ذلك بمصالحة وليّ الخمس اذا رأى الوليّ فيها مصلحة، و حينئذ يجوز له التصرّف فيه و لا حصّة له من الربح اذا اتّجر به.

(مسألة 79): يجوز له تعجيل اخراج خمس الربح اذا حصل في أثناء السنة، و لايجب التأخير الى آخرها فانّ التأخير من باب الارفاق كما مرّ، و حينئذ فلو أخرجه بعد تقدير المؤونة بما يظنّه فبان بعد ذلك عدم كفاية الربح لتجدّد مؤن لم‌يكن يظنّها كشف ذلك عن عدم صحّته خمسا فله الرجوع به على المستحقّ مع بقاء عينه لا مع تلفها في يده الاّ اذا كان عالما بالحال، فانّ الظاهر ضمانه حينئذ.

الشرح:

قد تقدّم أنّ الخمس يتعلّق بالربح بمجرّد حصوله الاّ أنّه يجوز تأخيره الى آخر سنة الربح من باب الارفاق، كما يجوز له تعجيل اخراج خمس الربح قبل انتهاء سنة الربح، فلو أخرجه بعد تقدير المؤونة بما يظنّه فبان بعد ذلك عدم كفاية الربح

لتجدّد مؤن لم‌يكن يظنّها كشف ذلك عن عدم صحّته خمسا، فله الرجوع به على المستحقّ مع بقاء عينه؛ لأنّ المستفاد من قوله عليه السلام «الخمس بعد المؤونة» هو ملكيّة صاحب المال لما يحتاج اليه في معيشته، و ما يملكه أرباب الخمس هو ما زاد من مؤونته من الربح، فما تعلّق بالربح عند حصوله من الخمس معلّق بعدم صرفه في المؤونة، فما صرف أو يصرف يكشف عن عدم تعلّق الخمس به فعليه ما ذهب اليه الماتن من الرجوع على المستحقّ مع بقاء عينه هو الصحيح.

فيما اذا اشترى بالربح قبل اخراج الخمس جارية

(مسألة 80): اذا اشترى بالربح قبل اخراج الخمس جارية لايجوز له وطؤها، كما أنّه لو اشترى به ثوبا لاتجوز الصلاة فيه، و لو اشترى به ماءً للغسل أو الوضوء لم‌يصحّ و هكذا. نعم، لو بقي منه بمقدار الخمس في يده و كان قاصدا لاخراجه منه جاز و صحّ كما مرّ نظيره.

الشرح:

اذا اشترى بالربح جارية قبل أداء خمسه بعد اخراج المؤونة و استقرار الخمس لايجوز له وطؤها، كما أنّه لو اشترى به ثوبا لاتجوز الصلاة فيه، و لو اشترى به ماءً للغسل أو الوضوء لم‌يصحّ و هكذا، و ذلك لبطلان المعاملة بالنسبة الى خمس الربح ان كانت المعاملة شخصيّة و لم‌يجز وليّ الخمس، فانّ خمس الربح ليس له بل لأرباب الخمس يعني الامام عليه السلام و السادة.

و ان أجاز المعاملة فخمس الجارية لأرباب الخمس و لايجوز له التصرّف فيه.

و أمّا ان لم‌تكن المعاملة شخصيّة فهي صحيحة و يجوز التصرّف في الأشياء المبتاعة، الاّ أنّ ذمّته مشغولة بالثمن. نعم، لو بقي منه بمقدار الخمس في يده و كان قاصدا لاخراجه منه جاز و صحّ كما تقدّم.

في أنّ مصارف الحجّ المندوب و الزيارات من المؤونة و أنّ المدار على وقت انشاء السفر

(مسألة 81): قد مرّ أنّ مصارف الحجّ الواجب اذا استطاع في عام الربح و تمكّن من المسير من مؤونة تلك السنة، و كذا مصارف الحجّ المندوب و الزيارات. و الظاهر أنّ المدار على وقت انشاء السفر؛ فان كان انشاؤه في عام الربح فمصارفه من مؤونته ذهابا و ايابا، و ان تمّ الحول في أثناء السفر فلايجب اخراج خمس ما صرفه في العام الآخر في الاياب أو مع المقصد و بعض الذهاب.

الشرح:

اذا استطاع في عام الربح يجب عليه الحجّ، فمصارفه من ربح سنة الاستطاعة من الذهاب و الاياب و شراء ما يحتاج اليه في السفر، سواء كان ما من شأنه البقاء كشراء المركوب من دابّة أو سيّارة، أو كان من الأموال التي تأخذها الحكومة أو الشركات. و كذا ما يكون من المصارف التدريجيّة التي يدفع ثمنها شيئا فشيئا في الذهاب و الاياب كالمأكولات و المشروبات و أجور المساكن، فكلّ ذلك يخرج من ربح سنة الاستطاعة؛ لأنّ معنى الاستطاعة التمكّن من كلّ ما يلزمه لمصارف الحجّ في ذهابا و ايابا.

و أمّا ما كان خارجا من مصارف الحجّ كشراء الهدايا فالمرجع فيه العرف فالظاهر أنّ العرف يرى ذلك و ما شابهه من مؤونة سنة انشاء السفر، و لذلك يأخذ الحاجّ معه من الدرهم و الدينار لكلّ ما يحتاج في سفره. و هكذا يكون مصارف الحجّ المندوب و الزيارات و غيرهما من الأسفار.

فيما لو جعل الغوص أو المعدن مكسبا له

(مسألة 82): لو جعل الغوص أو المعدن مكسبا له كفاه اخراج خُمسهما أوّلاً و لايجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد اخراج مؤونة سنته.

الشرح:

لو جعل الغوص أو المعدن مكسبا له كفاه اخراج خمسهما أوّلاً و لايجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد اخراج مؤونة سنته، و ذلك لاطلاق ما ورد في المعدن و الغوص و غيرهما، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّىً الخمس».(1)

و صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن العنبر و غوص اللؤلؤ، فقال: عليه الخمس».(2)

بيان ذلك: انّ الامام عليه السلام كان في مقام بيان خمس ما أخرج من المعدن و لم‌يبيّن الاّ خمسا واحدا، و لو كان هناك خمسان فعليه البيان، و كذا في الغوص مع أنّ جعل الغوص و المعدن مكسبا كان رائجا في تلك الأزمان كزماننا، بل قلّما يتّفق أن‌يخرج الغوّاص من البحر لؤلؤا و ما أشبه ذلك من غير اتّخاذه شغلاً له، و كذلك في المعدن. و يؤيّده ما ورد من الخبر في تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:

«و الخمس من جميع المال مرّة واحدة».(3)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ظاهر أخبار ثبوت الخمس في الغوص و


1) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 498 / الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 490 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 13.

اخوته عدم وجوب أزيد من ذلك فيها، مع كونها في مقام البيان، سيّما بعضالأخبار الواردة في الغنيمة، مثل رواية (صحيحة) الحلبي:

«في الرجل من أصحابنا يكون معهم في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدّي خمسنا و يطيب له».(1)

و ما ورد من قوله عليه السلام :

«خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع الينا الخمس».(2)

و نحوه غير واحد ممّا ورد في الكنز و المعدن و الغوص ممّا ظاهره مقام البيان، و لاتجدي هنا دعوى كون الاطلاق في مقام بيان حكم العنوانات الخاصّة لأنّ المقام في كثير منها مقام بيان جميع ما يجب في ذلك العنوان من كلّ حيثيّة، كما لايخفى على الناظر بأدنى تأمّل. على أنّ المستفاد من آية الغنيمة عنوانا واحدا فليس هنا عنوانان متغايران تعلّق الخمس بكلّ منهما حتّى يكون في مادّة اجتماعهما خمسان، بل الكلّ غنيمة. انتهى ملخّصا».(3)

(مسألة 83): المرأة التي تكتسب في بيت زوجها و يتحمّل زوجها مؤونتها يجب عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار اخراج المؤونة؛ اذ هي على زوجها الاّ أن لايتحمّل.

الشرح:

من استفاد فائدة من كسبه أو تجارته أو غيرهما فحال عليه الحول يجب عليه خمس الفائدة كلّها ان لم‌يكن له مؤونة أو كانت و لم‌يصرفها في مؤونته بل قتر


1) - وسائل الشيعة 9: 488 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 9: 487 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

3) - كتاب الخمس: 227 / المسألة 12.

على نفسه (كما تقدّم فيما سبق)، و من جملة من يجب عليه خمس الفائدة كلّها المرأة التي تكتسب في بيت زوجها و يتحمّل زوجها مؤونتها. نعم، ان لم‌يتحمّلزوجها مؤونتها فعليها خمس ما حصلت من الفائدة بعد اخراج المؤونة.

في عدم اشتراط التكليف و الحرّيّة في تعلّق الخمس

(مسألة 84): الظاهر عدم اشتراط التكليف و الحرّيّة في الكنز و الغوص و المعدن و الحلال المختلط بالحرام و الأرض التي يشتريها الذمّي من المسلم فيتعلّق بها الخمس و يجب على الوليّ و السيّد اخراجه، و في تعلّقه بأرباح مكاسب الطفل اشكال، و الأحوط اخراجه بعد بلوغه.

الشرح:

الظاهر عدم اشتراط التكليف و العقل و الحرّيّة في الكنز و الغوص و المعدن و الحلال المختلط بالحرام و الأرض التي يشتريها الذمّي من المسلم و أرباح المكاسب. و الدليل على ذلك قوله تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل» فاللام في للّه و للرسول و لذي القربى للملكيّة، فيقول اللّه تبارك و تعالى: انّ المالك لخمس الغنيمة هو اللّه و الرسول و ذوالقربى و الأيتام و المساكين و ابن السبيل، و هذه الماهيّة أي الملكيّة لاتتغيّر عمّا هي عليه، بمعنى أنّ خمس المعدن و الكنز و أرباح المكاسب للامام عليه السلام و السادة، سواء كان مخرج المعدن و واجد الكنز و رابح الكسب هو البالغ و الحرّ و العاقل أو الصبي و العبد و المجنون، فانّ هذا المال فيه الخمس فلابدّ من اخراجه و تأديته الى أرباب الخمس.

نعم، حيث انّ الصبي رفع عنه القلم و ليس مخاطبا بالأمر و مكلّفا فان كان مميّزا و أدّى خمس ماله بنيّة القربة فبها و الاّ فاذا بلغ يجب عليه خمس ما كان من ماله فيه الخمس، و يجوز لوليّه أيضا أداء خمس ماله منه.

و تدلّ أيضا على ما قلنا موثّقة سماعة قال:

«سألت أباالحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس منقليل أو كثير».(1)

و صحيحة علي بن مهزيار قال:

«قال لي أبو علي بن راشد: قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك و أخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: و أيّ شيء حقّه؟ فلم‌أدر ما أجيبه! فقال: يجب عليهم الخمس. فقلت: ففي أيّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم و صنائعهم (ضياعهم). الحديث».(2)

خلاصة كلام الشيخ الأعظم في ذلك: «الظاهر أنّه لا خلاف في عدم اشتراط البلوغ و العقل في تعلّق الخمس بالمعادن و الكنوز و الغوص، و يدلّ عليه اطلاق الأخبار. و يدلّ على الثلاثة المذكورة مضافا الى الغنيمة و المال الحلال المختلط بالحرام اطلاق رواية عمّار بن مروان:

«فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام اذا لم‌يعرف صاحبه و الكنوز الخمس».(3)

و أمّا المكاسب فظاهر اطلاق الفتاوى عدم اشتراط البلوغ فيها، و يدلّ عليه اطلاق بعض الأخبار أيضا، مثل موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام عن الخمس قال:

«في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(4)

و يمكن أن‌يستدلّ بالآية الشريفة على المطلوب بضميمة الأخبار المعمّمة لمطلق الفائدة، ان استفيد من الآية سببيّة أصل الغنيمة لتعلّق الخمس».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 503 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 500 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 344 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 6: 350 / الباب 8 من أبواب وجوب الخمس / الحديث 6.

5) - كتاب الخمس: 273 - 276 / المسألة 23.

فصل : في قسمة الخمس و مستحقّه

في أنّ الخمس يقسم ستّة أسهم

اشارة

(مسألة 1): يقسم الخمس ستّة أسهم على الأصحّ: سهم للّه سبحانه و سهم للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و سهم للامام عليه السلام ، و هذه الثلاثة الآن لصاحب الزمان أرواحنا له الفداء و عجّل اللّه تعالى فرجه، و ثلاثة للأيتام و المساكين و أبناء السبيل. و يشترط في الثلاثة الأخيرة الايمان و في الأيتام الفقر و في أبناء السبيل الحاجة في بلد التسليم و ان كان غنيّا في بلده، و لا فرق بين أن‌يكون سفره في طاعة أو معصية. و لايعتبر في المستحقّين العدالة و ان كان الأولى ملاحظة المرجّحات، و الأولى أن لايعطى لمرتكبي الكبائر خصوصا مع التجاهر بل يقوى عدم الجواز اذا كان في الدفع اعانة على الاثم و سيّما اذا كان في المنع الردع عنه. و مستضعف كلّ فرقة ملحق بها.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في قسمة الخمس

يقسم الخمس ستّة أسهم، سهم للّه سبحانه و سهم للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و سهم للامام عليه السلام ، و ثلاثة للأيتام و المساكين و أبناء السبيل من بني هاشم.

و الدليل على ذلك - مضافا الى الآية - مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح عليه السلام قال:

«الخمس من خمسة أشياء - الى أن‌قال: - و يقسم بينهم الخمس على ستّة أسهم: سهم للّه و سهم لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و سهم لذي القربى و سهم لليتامى و سهم للمساكين و سهم لأبناء السبيل. الحديث».(1)

و مرسلة أحمد بن محمّد المرفوعة قال:

«الخمس من خمسة أشياء - الى أن‌قال: - فأمّا الخمس فيقسم على ستّة أسهم: سهم للّه و سهم للرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و سهم لذوي القربى و سهم لليتامى و سهم للمساكين و سهم لأبناء السبيل. الحديث».(2)

و الخبر الذي رواه السيّد المرتضى عن عليّ عليه السلام قال:

«الخمس يجري (يخرج) من أربعة وجوه - الى أن‌قال: - و يجري هذا الخمس على ستّة أجزاء فيأخذ الامام منها سهم اللّه و سهم الرسول و سهم ذي القربى ثمّ يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمّد و مساكينهم و أبناء سبيلهم».(3)


1) - وسائل الشيعة 9: 513 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 9: 514 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 9: 516 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 12.

و مرسلة ابن بكير عن أحدهما عليهماالسلام في قول اللّه تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل» قال:

«خمس اللّه للامام و خمس الرسول للامام و خمس ذوي القربى لقرابة الرسول الامام، و اليتامى يتامى الرسول و المساكين منهم و أبناء السبيل منهم، فلايخرج منهم الى غيرهم».(1)

قال في الجواهر: «و المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا بل هي كذلك في صريح الانتصار و ظاهر الغنية و كشف الرموز أو صريحهما أنّه يقسم ستّة أقسام: ثلاثة منها للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و هي سهم اللّه و سهم رسوله و سهم ذي القربى كما صرّح به في القواعد و غيرها، بل كأنّه مفروغ منه».(2)

قال الشيخ الأعظم: «المعروف بين الأصحاب أنّ الخمس يقسم ستّة أقسام، بل عن الانتصار و الغنية الاجماع عليه، و عن مجمع البيان و كنز العرفان أنّه مذهب أصحابنا، و عن الأمالي أنّه من دين الاماميّة؛ لظاهر قوله تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول ...»، و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة - الى أن‌قال: - خلافا للمحكي عن شاذّ من أصحابنا فأسقط منهم رسول‌اللّه، و هذا القائل غير معروف كما في المسالك و ان حكى بعض استظهار كونه ابن الجنيد. انتهى ملخّصا».(3)

و استدلّ المخالف بصحيحة ربعي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله اذا أتاه المَغنَم أخذ صفوه و كان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس و يأخذ خمسه ثمّ يقسم أربعة أخماس بين


1) - وسائل الشيعة 9: 510 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 2.

2) - جواهر الكلام 16: 84 .

3) - كتاب الخمس: 286 - 288.

الناس الذين قاتلوا عليه ثمّ قسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس اللّه عزّوجلّ لنفسه، ثمّ يقسم الأربعة أخماس بين ذوي القربى و اليتامى و المساكين و أبناء السبيل يعطي كلّ واحدمنهم حقّا و كذلك الامام أخذ كما أخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله».(1)

و ردّ بعدم دلالة الصحيحة على المطلوب، أمّا أوّلاً فانّ أقصاها أنّ ذلك عمل قد صدر من رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و له أن‌يفعل في حصّته ما يشاء و قد أعرض عنها و بذلها لسائر الأصناف، لا أنّه لم‌تكن له حصّة.

و ثانيا فمدلول الرواية لم‌يعمل به أحد حتّى ابن الجنيد؛ لأنّ المحكيّ عنه هو حذف سهم اللّه تعالى، فالصحيحة المعارضة للقرآن تضرب على الجدار.

و ثالثا هي موافقة لمذهب جمهور العامّة فتحمل على التقيّة كما عن صاحب الحدائق.

الفرع الثاني : في المقصود من ذي القربى

المقصود من ذي القربى علي بن أبي طالب عليه السلام و الأئمّة الأحدعشر من ولده عليهم‌السلامو فاطمة الزهرا عليهاالسلام، فسهم اللّه للرسول و هو مع سهم الرسول لذي القربى أي الامام المعصوم و هو الآن صاحب العصر و الزمان عليه السلام ، و الدليل على ذلك كلّه خبر سليم بن قيس قال:

«سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: نحن و اللّه الذين عنى اللّه بذي القربى و الذين قرنهم اللّه بنفسه و بنبيّه. الحديث».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 510 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 511 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 4.

و خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى»قال:

«هم قرابة رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الخمس للّه و للرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و لنا».(1)و خبر أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:

«سئل عن قول اللّه عزوجلّ: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى»، فقيل له: فما كان للّه فلمن هو؟ فقال: لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، و ما كان لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فهو للامام عليه السلام . الحديث».(2)

و خبر عمران بن موسى عن موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«قرأت عليه آية الخمس، فقال: ما كان للّه فهو لرسوله و ما كان لرسوله فهو لنا. الحديث».(3)

و مرسلة ابن بكير عن أحدهما عليهماالسلام في قول اللّه تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل» قال:

«خمس اللّه للامام و خمس الرسول للامام و خمس ذوي القربى لقرابة الرسول: الامام، و اليتامى يتامى الرسول و المساكين منهم و أبناء السبيل منهم، فلايخرج منهم الى غيرهم».(4)

الى غير ذلك من الأخبار.

قال في الجواهر: «و المراد بذي القربى في الكتاب و السنّة هو الامام عليه السلام


1) - وسائل الشيعة 9: 511 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 512 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 9: 516 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 9: 510 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 2.

بلا خلاف معتدّ به أجده فيه بيننا، بل الظاهر الاجماع عليه، بل هو من معقد اجماع الانتصار و الغنية، كما أنّه في التذكرة نسبته الى علمائنا، و في المنتهى عن الشيخ الاجماع عليه - الى أن‌قال: - فما عن بعض علمائنا و الظاهر أنّه ابن الجنيد كما حكاه عنه في المختلف من عدم هذا السهم للامام بل هو لأقارب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من بنيهاشم كالمحكي عن الشافعي بزيادة المطّلب مع هاشم ضعيف جدّا - الى أن‌قال: - بل كاد يكون مخالفا للمقطوع به من المذهب».(1)

احتجّ المخالف - يعني ابن الجنيد - بما رواه زكريّا بن مالك الجعفي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« - الى أن‌قال: - أمّا خمس اللّه عزّ و جلّ فللرسول يضعه في سبيل اللّه، و أمّا خمس الرسول فلأقاربه، و خمس ذوي القربى فهم أقرباؤه».(2)

فذهب الى أنّ الخمس مقسوم على ستّة أسهم: سهم للّه يلي أمره امام المسلمين، و سهم رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لأولى الناس به رحما و أقربهم اليه نسبا، و سهم ذوي القربى لأقارب رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من بني هاشم و بني عبدالمطّلب بن عبدمناف ان كانوا من بلدان أهل العدل، كما مرّ في الجواهر آنفا.

و فيه - مضافا الى ما قاله الجواهر من مخالفة الاجماع بل المقطوع به من المذهب و المعارضة بأخبار هي أكثر و أظهر دلالة بل صريحة بأنّ المراد من ذي القربى الامام عليه السلام - نقول بأنّ خبر زكريّا بن مالك لايخالف ما سبق من الروايات بل هو مجمل تفسّره الأخبار المذكورة المتقدّمة.

قال الشيخ الأعظم: «فالقول بعموم ذي القربى في الآية كما عن الاسكافي ضعيف جدّا و شاذّ؛ اذ لم‌يعرف له موافق الاّ أنّ ابن بابويه رواه في المقنع و الفقيه،


1) - جواهر الكلام 16: 86 و 87 .

2) - وسائل الشيعة 9: 509 / الباب 1 من أبواب الخمس / الحديث 1.

فانّ المشهور المصرّح به في كلامهم أنّ الأسهم الثلاثة بعد رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله للامام عليه السلام ، و يدلّ عليه ما تقدّم من المراسيل الثلاث و صحيحة البزنطي عن مولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام في تفسير الآية قال: «فقيل له: فما كان للّه فلمن هو؟ فقال: لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، و ما كان لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فهو للامام عليه السلام ».(1)الى آخر ما قال».(2)

الفرع الثالث : في شرائط مستحقّي الخمس

يشترط في الأيتام و المساكين و أبناء السبيل الايمان. و الدليل على ذلك أوّلاً ما ورد في اشتراط الايمان في الزكاة؛ لرواية أنّ الخمس و الزكاة من وادٍ واحد من هذه الجهة، ففي صحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن الزكاة هل توضع فيمن لايعرف؟ قال: لا و لا زكاة الفطرة».(3)

و في ذيل خبر ابراهيم الأوسي عن الرضا عليه السلام :

«فانّ اللّه عزّوجلّ حرّم أموالنا و أموال شيعتنا على عدوّنا».(4)

و خبر يونس (يوسف) بن يعقوب قال:

«قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : أعطي هؤلاء الذين يزعمون أنّ أباك حيّ من الزكاة شيئا؟ قال: لاتعطهم فانّهم كفّار مشركون زنادقة».(5)

و خبر يعقوب بن شعيب الحدّاد عن العبد الصالح عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 512 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 6.

2) - كتاب الخمس: 294 و 295.

3) - وسائل الشيعة 9: 221 / الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 153 / الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 8 .

5) - وسائل الشيعة 9: 228 / الباب 7 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.

«قلت له: الرجل منّا يكون في أرض منقطعة، كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في اخوانه و أهل ولايته. قلت: فان لم‌يحضره منهم فيها أحد؟ قال: يبعث بها اليهم. قلت: فان لم‌يجد من يحملها اليهم؟ قال: يدفعها الى من لاينصب. قلت: فغيرهم؟ قال: ما لغيرهم الاّالحجر».(1)

فالمتحصّل أنّ الخمس بدل الزكاة لبني هاشم فانّهم حيث منعوا من الزكاة لكونها أوساخ ما في أيدي الناس جعل لهم الخمس كرامة لهم، فاذا شرط الايمان لمستحقّ الزكاة التي هي من الأوساخ فالشرط في بدلها الذي يكون من الكرامة بطريق أولى.

و ثانيا: لأنّ تخصيص نصف الخمس بالسادة هو لقرابتهم من رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام، فكأنّه تشريف للرسول و الأئمّة عليهم‌السلام، فاذا قطع السادة قرابة الرسول التي كانت بينه و بينهم و نقضوا عهد اللّه فلا شرافة لهم و لا كرامة.

و ثالثا للاتّفاق بل ادّعاء الاجماع.

قال في الجواهر: «صرّح جماعة بأنّ الايمان معتبر في المستحقّ بل لاأجد فيه خلافا محقّقا كما اعترف به بعضهم، بل في الغنية الاجماع عليه للشغل المقتضي للاقتصار على المتيقّن و كون الخمس كرامة و مودّة لايستحقّها غير المؤمن المحادّ للّه، و لأنّه عوض الزكاة المعتبر فيها ذلك اجماعا في المدارك و غيرها، ولكن المحقّق صاحب الشرائع كما في النافع حكم باعتباره على تردّد؛ لاطلاق الكتاب و السنّة الذي لم‌يسق لبيان سائر الشرائط، مع أنّ الواجب الخروج عنه بما عرفت، بل قد يدّعى أنّ المنساق منه الى الذهن خصوصا اطلاق السنّة، المؤمن».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 223 / الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.

2) - جواهر الكلام 16: 115.

الفرع الرابع : في أنّه هل يشترط العدالة في المستحقّ؟

لايعتبر في المستحقّ العدالة و ذلك لاطلاق الآية و الروايات و عدم الدليلعلى التقييد، و كذا لايعتبر الاجتناب من الكبائر. نعم، اذا علم بصرفه في المعصية فلايعطاه؛ لأنّه الاعانة على الاثم المنهيّة في القرآن الكريم.

قال في الجواهر: «لاتعتبر العدالة في المستحقّ و لاأجد فيه خلافا كما اعترف به في المدارك و الرياض؛ لاطلاق الأدلّة السالم عن المعارض، و السيرة المستمرّة خصوصا في غير معلوم الفسق».(1)

و أمّا ما قيل من ورود عدم جواز دفع الزكاة الى شارب الخمر و امكان التعدّي الى ما هو أهمّ كتارك الصلاة، فيمكن التعدّي منه حينئذ الى الخمس بمقتضى البدليّة و أنّ موردهما واحد لايفترقان الاّ من حيث الهاشميّة و عدمها على الأقلّ من الاحتياط في ذلك.

ففيه أوّلاً: ضعف ما ورد من عدم جواز الدفع لشارب الخمر، ففي خبر داود الصرمي قال:

«سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟ قال: لا».(2)

فداود الصرمي في سند الخبر، لم‌يرد في توثيقه شيء مضافا الى عدم معلوميّة المسؤول عنه.

و ثانيا: على فرض صحّة الخبر لايتعدّى الى تارك الصلاة الذي هو أهمّ، و ذلك لاحتمال كون المانع من دفع الزكاة الى شارب الخمر صرفها في المعصية.

و ثالثا: لايتعدّى الى الخمس؛ لورود بعض الروايات بأن‌يلاحظ جانب جدّ


1) - جواهر الكلام 16: 115.

2) - وسائل الشيعة 9: 249 / الباب 17 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

السادة ان كانوا من أهل المعصية(1)مضافا الى المنع من وحدة المورد.

و رابعا: لا مورد للاحتياط بعد وجود الدليل من اطلاق الآية و الروايات و عدم الدليل على التقييد.

الفرع الخامس : في اشتراط الفقر و الحاجة في اليتيم و ابن السبيل

يشترط في الأيتام الفقر و في أبناء السبيل الحاجة في بلد التسليم. و الدليل على ذلك مرسلة حمّاد بن عيسى الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام قال:

«و له يعني للامام نصف الخمس كملاً و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم و سهم لمساكينهم و سهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب و السنّة ما يستغنون به في سنتهم، فان فضل عنهم شيء فهو للوالي، فان عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن‌ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به و انّما صار عليه أن‌يمونهم؛ لأنّ له ما فضل عنهم».(2)

و خبر محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا رفع الحديث الى أن‌قال:

«فالنصف له يعني نصف الخمس للامام خاصّة و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّد الذين لاتحلّ لهم الصدقة و لا الزكاة، عوّضهم اللّه مكان ذلك بالخمس فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فان فضل شيء فهو له و ان نقص عنهم و لم‌يكفهم أتمّه


1) - قَال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «أحبّوا أولادي الصالحون للّه و الطالِحونَ لِي». مستدرك الوسائل 12: 376 / الباب 17 من أبواب فعل المعروف / الحديث 8

2) - وسائل الشيعة 9: 520 / الباب 3 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 1.

لهم من عنده كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان».(1)

و أمّا الشيخ في المبسوط و ابن ادريس في السرائر فذهبا الى عدم اعتبار الفقر في اليتيم.

قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في المبسوط: لايعتبر في اليتيم الفقر. و اختاره ابن ادريس. احتجّ الشيخ بالعموم و بأنّ اعتبار الفقر يقتضي تداخل الأقسام، فانّه لو اشترط فيه الفقر لكان داخلاً تحت المساكين. و فيه نظر: من حيث انّ الخمس عوض الزكاة فكما أنّ الزكاة مصرفها المحاويج فكذا العوض، و لأنّه جعل جبرا لهم و مساعدة عوض الزكاة فلايليق بالغنى، و لأنّ الامام يقسم بينهم على قدر حاجتهم فاذا انتفت في البعض انتفى قسطه من النصيب و استغنى بماله عن المساعدة بالخمس».(2)

و أمّا ابن السبيل فيعتبر فيه الحاجة في بلد التسليم، و الدليل عليه هو الدليل الذي أقيم على اعتبار الفقر في اليتيم.

في عدم وجوب البسط على الأصناف

(مسألة 2): لايجب البسط على الأصناف بل يجوز دفع تمامه الى أحدهم، و كذا لايجب استيعاب أفراد كلّ صنف، بل يجوز الاقتصار على واحد. و لو أراد البسط لايجب التساوي بين الأصناف أو الأفراد.

الشرح:

وقع الخلاف في وجوب البسط على الأصناف فذهب جماعة الى عدم وجوب البسط على الأصناف و ذهب جماعة أخرى الى الوجوب فأوجبوا التوزيع على كلّ من الأصناف الثلاثة: اليتيم و المسكين و ابن السبيل.


1) - وسائل الشيعة 9: 521 / الباب 3 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 2.

2) - مختلف الشيعة 3: 334.

و أمّا اعتبار البسط على أفراد كلّ صنف فلم‌يذهب اليه أحد.

و الحقّ عدم وجوب البسط على الأصناف و لعلّه المشهور، و الدليل على ذلك أوّلاً صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام قال:

«سئل عن قول اللّه عزّوجلّ: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه‌خمسه و للرسول و لذي القربى»، فقيل له: فما كان للّه فلمن هو؟ فقال: لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، و ما كان لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فهو للامام. فقيل له: أفرأيت ان كان صنف من الأصناف أكثر و صنف أقلّ ما يصنع به؟ قال: ذاك الى الامام، أرأيت رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كيف يصنع؟ أليس انّما كان يعطي على ما يرى؟! كذلك الامام».(1)

و الظاهر من هذه الصحيحة عدم وجوب البسط بين الأقسام الثلاثة و أنّ التقسيم بنظر الامام و مصلحته. فالصحيحة تفسّر الآية بأنّ الأصناف الثلاثة مصرف الخمس لا أنّ كلّ طائفة من الطوائف الثلاث مالك لثلث نصف الخمس بحيث لو لم‌يكن موجودا كابن السبيل يدّخر له. و قد بيّن مرسلة حمّاد بن عيسى الطويلة نظر الامام عليه السلام بأنّه:

«يقسم بينهم على الكتاب و السنّة ما يستغنون به في سنتهم».(2)و كذا مرسلة أحمد بن محمّد و مرفوعته حيث قال:

«فهو يعطيهم على قدر كفايتهم».(3)

و ثانيا: انّ الخمس جعل للأصناف الثلاثة من بني هاشم عوضا عن الزكاة كما نطقت به الأخبار. و لايجب البسط على الأصناف في باب الزكاة بلا خلاف بين الأصحاب كما دلّ عليه أخبار كثيرة، و الخمس مثل ذلك.


1) - وسائل الشيعة 9: 519 / الباب 2 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 520 / الباب 3 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 521 / الباب 3 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 2.

فمنها صحيحة عبدالكريم بن عتبة الهاشميّ عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه قال لعمرو بن عبيد في احتجاجه عليه:

«ما تقول في الصدقة؟ فقرأ عليه الآية «انّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها» الى آخر الآية. قال: نعم، فكيفتقسمها؟ قال: أقسمها على ثمانية أجزاء فأعطي كلّ جزء من الثمانية جزءا. قال: و ان كان صنف منهم عشرة آلاف و صنف منهم رجلاً واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم. قال: و تجمع صدقات أهل الحضر و أهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟ قال: نعم. قال: فقد خالفت رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في كلّ ما قلت في سيرته؛ كان رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقسم... و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر، و لايقسمها (لايقسمه) بينهم بالسويّة، و انّما يقسمها (يقسمه) على قدر ما يحضرها (يحضره) منهم و ما يرى (و) ليس عليه في ذلك شيء موقّت موظّف، و انّما يصنع ذلك بما يرى على قدر ما يحضرها (يحضره) منهم».(1)

و أنت ترى بأنّ لسان الصحيحتين واحد فينتج أنّ البسط على الأصناف الثلاثة في الخمس ليس بواجب، كما لايجب البسط على الأصناف الثمانية في الزكاة.

و ثالثا: السيرة المستمرّة في جميع الأعصار، فلم‌يعهد من الفقهاء و لا المؤمنين المتشرّعين ممّن عليه الخمس أن‌يتفحّص عن اليتامى و المساكين و ابن السبيل فيفرّق بينهم الخمس مع عدم وجود ابن السبيل في كثير من الأحيان، أو قلّة الخمس.

و أمّا القول الآخر و هو وجوب البسط فذهب اليه الشيخ في المبسوط و


1) - وسائل الشيعة 9: 265 / الباب 28 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

أبو الصلاح الحلبي، قال الأوّل: «و الخمس اذا أخذه الامام ينبغي أن‌يقسمه ستّة أقسام - الى أن‌قال: - و على الامام أن‌يقسم هذه السهام بينهم على قدر كفايتهم و مؤونتهم في السنة على الاقتصاد و لايخصّ فريقا منهم بذلك دون فريق بل يعطي جميعهم على ما ذكرناه من قدر كفايتهم».(1).

و قال الثاني: «يلزم من وجب عليه الخمس اخراج شطره للامام و الشطر الآخر للمساكين و اليتامى و أبناء السبيل لكلّ صنف ثلث الشطر».(2)

و استدلّ لهذا القول بظاهر الآية الشريفة بتقريب أنّ ظهورها في ملكيّة كلّ صنف من هذه الأصناف بحيث يكون الطبيعي من كلّ صنف مالكا لسدس المجموع فيجب التوزيع من باب وجوب ايصال المال الى مالكه.

و ردّ بأنّ المالك هو الطبيعي الجامع بين هذه الأصناف، و الطوائف الثلاث تكون مصارف لذلك الطبيعي بحيث يكون الصرف في كلّ منها ايصالاً لذاك الجامع. و هذا هو الظاهر من الآية بقرينتين: فالأولى ندور ابن السبيل بل قد لايوجد فوجوب الادّخار له كما ترى.

و الثانية أنّ الآية المباركة دالّة على الاستغراق لجميع أفراد اليتامى و المساكين بمقتضى الجمع المحلّى باللام المفيد للعموم. و عليه فكيف يمكن الالتزام باستغراق البسط لجميع الأفراد من تلك الأصناف بحيث لو قسم على بعض دون بعض يضمن للآخرين، فانّ هذا مقطوع العدم و مخالف للسيرة القطعيّة القائمة على الاقتصار على يتامى البلد و مساكينهم.

قال في الجواهر: «هل يجوز أن‌يخصّ بالنصف من الخمس الذي هو لغير الامام عليه السلام طائفة و هو المشهور نقلاً و تحصيلاً خصوصا بين المتأخّرين، بل نسب الى الفاضلين و من تأخّر عنهما، للأصل و الصحيح للبزنطي، و اتّفاق عدم قابليّة


1) - المبسوط 1: 262.

2) - الينابيع الفقهيّة 5: 108.

الخمس للقسمة أثلاثا، و السيرة و الطريقة، و ظاهر الكتاب بناء على ارادة بيان المصرف كما في الزكاة، اذ الخمس زكاة في المعنى، بل هو مقتضى وجوبه عوضا عنها و بدلاً. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

في أنّ مستحقّ الخمس من انتسب الى هاشم بالأبوّة

اشارة

(مسألة 3): مستحقّ الخمس من انتسب الى هاشم بالأبوّة، فان انتسب اليه بالأمّ لم‌يحلّ له الخمس و تحلّ له الزكاة. و لا فرق بين أن‌يكون علويّا أو عقيليّا أو عبّاسيّا، و ينبغي تقديم الأتمّ علقة بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على غيره أو توفيره كالفاطميّين.

الشرح:

المشهور ذهبوا الى أنّ مستحقّ الخمس هو من انتسب الى هاشم بالأبوّة، فان انتسب اليه بالأمّ لايحلّ له الخمس و تحلّ له الزكاة. و ذهب السيّد المرتضى الى أنّ ابن البنت ابن حقيقة.

و الحقّ ما عليه المشهور، و الدليل على ذلك أوّلاً: مرسلة حمّاد الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام ، الى أن‌قال:

«و هؤلاء الذين جعل اللّه لهم الخمس هم قرابة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهالذين ذكرهم اللّه فقال: «و أنذر عشيرتك الأقربين» و هم بنو عبدالمطّلب أنفسهم الذكر منهم و الأنثى - الى أن‌قال: - و من كانت أمّه من بنيهاشم و أبوه من سائر قريش فانّ الصدقات تحلّ له و ليس له من الخمس شيء؛ لأنّ اللّه يقول: «أدعوهم لآبائهم». الحديث».(2)

ثانيا: الروايات العديدة الواردة في حرمة الزكاة على بني هاشم نذكر بعضها: فمنها صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - جواهر الكلام 16: 108.

2) - وسائل الشيعة 9: 513 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 8 .

«انّ أناسا من بني هاشم أتوا رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهفسألوه أن‌يستعملهم على صدقات المواشي و قالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعل اللّه عزّوجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به. فقال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: يا بني عبدالمطّلب (هاشم) انّ الصدقة لاتحلّ لي و لا لكم ولكنّي قدوعدت الشفاعة - الى أن‌قال: - أتروني مؤثرا عليكم غيركم».(1)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم و أبي بصير و زرارة كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: انّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، و انّ اللّه قد حرّم عليّ منها و من غيرها ما قد حرّمه، و انّ الصدقة لاتحلّ لبني عبدالمطّلب. الحديث».(2)

و منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«انّه لو كان العدل ما احتاج هاشميّ و لا مطّلبيّ الى صدقة، انّ اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم».(3)

و تقريب الاستدلال بهذه الروايات أنّه لايقال «فلان هاشميّ» أو «من بنيهاشم» ان لم‌يكن أبوه من أولاده و ان كانت أمّه كذلك، فحرّم على الهاشميّ الزكاة و جعل لهم عوضها و هو الخمس كما نطقت به صحيحة زرارة و غيرها.

و استدلّ السيّد المرتضى على ما في المختلف حاكيا عنه بأنّ ابن البنت ابن حقيقة و من أوصى بمال لولد فاطمة دخل فيه أولاد بنيها و أولاد بناتها حقيقة، و كذا اذا أوقف على ولده دخل فيه ولد البنت؛ لدخول ولد البنت تحت الولد.

و أجاب العلاّمة بأنّه «انّما يصدق الانتساب حقيقة اذا كان من جهة الأب عرفا،


1) - وسائل الشيعة 9: 268 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 268 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 277 / الباب 33 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

فلايقال: تميمي، الاّ لمن انتسب الى تميم بالأب، و لا حارثي الاّ لمن انتسب الى حارث بالأب، و يؤيّده قول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا، و بناتنا *** بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد

و بما رواه حمّاد بن عيسى قال: رواه لي بعض أصحابنا عن العبد الصالحأبي الحسن الأوّل عليه السلام :

«و من كانت أمّه من بني هاشم و أبوه من سائر قريش فانّ الصدقات تحلّ له و ليس له من الخمس شيء؛ لأنّ اللّه يقول: «اُدعوهم لآبائهم»».(1)

و لأنّه أحوط».(2)

و نحن نقول:

لاينبغي الاشكال في صدق الولديّة على ولد البنت لغة و عرفا؛ نظرا الى أنّ جدّه لأمّه أولده، و لذلك كان أولاد فاطمة الزهراء صلوات اللّه و سلامه عليها أولادا لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حقيقة و جعل عيسى عليه السلام من ذرّيّة ابراهيم عليه السلام من قبل أمّه عليهاالسلام، و جرت أحكام الأولاد في المناكح و المواريث و غيرهما على أولاد البنات أيضا، الاّ أنّ الخمس مخصوص بمن انتسب الى هاشم من جانب أبيه و من انتسب الى علي بن أبي طالب عليه السلام من جانب أبيه؛ لما ذكرنا من رواية حمّاد بن عيسى و أنّه لايقال هذا هاشميّ أو من بني هاشم لمن ليس أبوه من أولاده و ان كانت أمّه كذلك، و قد ورد بأنّ الصدقة حرام على بني هاشم أو الهاشمي.


1) - وسائل الشيعة 9: 514 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 8 .

2) - مختلف الشيعة 3: 332.

فرع : في عدم الفرق بين العلوي و سائر الهاشميّين

لا فرق في مستحقّ الخمس بين أن‌يكون علويّا أو عبّاسيّا أو عقيليّا، و الدليل على ذلك النصوص الكثيرة الدالّة على أنّ الصدقة حرام على الهاشميّ بضميمة ماتضمّن من النصّ و الاجماع على أنّ الخمس يستحقّه من تحرم عليه الصدقة.

فمن النصوص صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام - الى أن‌قال - :

«فقال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: يا بني عبدالمطّلب (هاشم) انّ الصدقة لاتحلّ لي و لا لكم. الحديث».(1)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم و أبي بصير و زرارة عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام - الى أن‌قال - :

«و انّ الصدقة لاتحلّ لبني عبدالمطّلب».(2)

و منها صحيحة ابن سنان يعني عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتحلّ الصدقة لولد العبّاس و لا لنظرائهم من بني هاشم».(3)

و منها صحيحة أبي أسامة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم، فقال: هي الزكاة المفروضة. الحديث».(4)

و منها صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشميّ قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ما


1) - وسائل الشيعة 9: 268 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 268 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 269 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 274 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.

هي؟ فقال: هي الزكاة. الحديث».(1)

و غيرها من الروايات.

و ممّا تضمّن على أنّ الخمس يستحقّه من يحرم عليه الزكاة خبر عيسى بن عبداللّه العلوي عن أبيه عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:

«انّ اللّه لا اله الاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس،فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال».(2)

و مرسلة حمّاد الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام قال:

«و انّما جعل اللّه هذا الخمس خاصّة لهم - يعني بني عبدالمطّلب - عوضا لهم من صدقات الناس، تنزيها من اللّه لهم، و لابأس بصدقات بعضهم على بعض».(3)

و ما ورد من اختصاص الخمس بالعلويّ يحمل على ازدياد شرافتهم و استحباب تقديمهم على غيرهم. فمن ذلك خبر سليم بن قيس عن أميرالمؤمنين عليه السلام - الى أن‌قال - :

«و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، فينا خاصّة. الحديث».(4)

و مرسلة أحمد بن محمّد و مرفوعته - الى أن‌قال - :

«و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّد عليهم‌السلام الذين لاتحلّ لهم الصدقة و لا الزكاة، عوّضهم اللّه مكان ذلك بالخمس. الحديث».(5)


1) - وسائل الشيعة 6: 190 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 270 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 9: 274 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 512 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 9: 514 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 9.

و رواية السيّد المرتضى عن عليّ عليه السلام - الى أن‌قال - :

«ثمّ يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمّد و مساكينهم و أبناء سبيلهم».(1)

و خبر المنهال عن علي بن الحسين عليه السلام قال:

«قال: ليتامانا و مساكيننا و أبناء سبيلنا».(2)

قال في الجواهر: «و انحصر الخمس فيمن كان نسل عبدالمطّلب منهم و هم بنو أبي طالب و العبّاس و الحارث و أبي لهب الذكر و الأنثى، بل لم‌يعرف منهم اليوم الاّ المنتسب الى الأوّلين، بل لم‌يبارك اللّه الاّ في ذرّيّة الأوّل منهما، و ان كان لا خلاف في استحقاق الجميع الخمس، بل الاجماع محصّل و منقول عليه كما أنّه المفهوم من المعتبرة المستفيضة ان لم‌تكن المتواترة، فما عساه يظهر من بعض الأخبار من تخصيصه بذرّيّة رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و أهل بيته، غير مراد قطعا ان لم‌نقل انّ الجميع من آله و أهل بيته عرفا. نعم، في الدروس: ينبغي توفير الطالبيّين على غيرهم و ولد فاطمة على الباقين».(3)


1) - وسائل الشيعة 9: 516 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 9: 518 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 20.

3) - جواهر الكلام 16: 104.

في عدم تصديق من ادّعى النسب الاّ بالبيّنة أو الشياع المفيد للعلم

(مسألة 4): لايصدّق من ادّعى النسب الاّ بالبيّنة أو الشياع المفيد للعلم، و يكفي الشياع و الاشتهار في بلده. نعم، يمكن الاحتيال في الدفع الى مجهول الحال بعد معرفة عدالته بالتوكيل على الايصال الى مستحقّه على وجه يندرج فيه الأخذ لنفسه أيضا، ولكن الأولى بل الأحوط عدم الاحتيال المذكور.

الشرح:

يعرف النسب بالبيّنة و بالشياع المفيد للعلم و يكفي الشياع و الاشتهار في بلده؛ للسيرة المستمرّة الى زمن الأئمّة و عدم ثبوت ردع منهم عليهم‌السلام.

و يؤيّده ما رواه الصدوق عن يونس بن عبدالرحمن مرسلاً عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن البيّنة اذا أقيمت على الحقّ، أيحلّ للقاضي أن‌يقضي بقول البيّنة اذا لم‌يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن‌يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فاذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لايسأل عن باطنه».(1)

و يصدّق قول من يدّعي النسب اذا كان ثقة، و ذلك لما ورد من الروايات بالاعتماد على قول الثقة و يؤيّده مرسلة يونس بن عبدالرحمن المذكورة آنفا.

و لايعتمد على قول من يدّعي النسب اذا لم‌يكن ثقة و لم‌يكن هناك اشتهار؛ لأنّه - كما قال في الجواهر - لايصدق الامتثال قبل احراز مصداق الموضوع، و أصالة صحّة دعوى المسلم فيما لايعارضها فيها أحد لاتكفي قطعا في فراغ ذمّة الدافع، بل أقصاها عدم الحكم بفسق الآخذ لو اتّفق، و القياس على الفقر مع أنّه مع الفارق لانقول به.


1) - وسائل الشيعة 27: 289 / الباب 22 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و أمّا قضيّة الاحتيال فقال في الجواهر: «نعم، قد يحتال في الدفع للمجهول المدّعي بأن‌يوكّله من عليه الحقّ في الدفع اذا فرض عدالته أو قلنا بعدم اشتراطها، فانّه يكفي في براءة ذمّته و ان علم أنّه هو قبضه؛ لأنّ المدار في ثبوت الموضوع على علم الوكيل دون الموكّل ما لم‌يعلم الخلاف، لكنّ الانصاف أنّه لايخلو من تأمّل أيضا».(1)

ولكن فيه: ان كان مدّعي النسب ثقة لايحتاج الى توكيله بل يدفع اليه الخمس و تبرأ ذمّته، و ان لم‌يكن ثقة فلايفيد؛ لعلم الموكّل بأنّ الوكيل يقبض الخمس لنفسه مع جهله بنسبه فمجرّد التوكيل لايثبت النسب و لايبرئ ذمّته.

في دفع الخمس الى من يجب نفقته

(مسألة 5): في جواز دفع الخمس الى من يجب نفقته اشكال خصوصا في الزوجة، فالأحوط عدم دفع خمسه اليهم بمعنى الانفاق عليهم محتسبا ممّا عليه من الخمس. أمّا دفعه اليهم لغير النفقة الواجبة ممّا يحتاجون اليه ممّا لايكون واجبا عليه كنفقة من يعولون و نحو ذلك فلابأس به كما لابأس بدفع خمس غيره اليهم و لو للانفاق مع فقره حتّى الزوجة اذا لم‌يقدر على انفاقها.

الشرح:

لايجوز دفع خمس أرباح مكاسبه الزائدة عن مؤونة سنته الى من يجب عليه نفقته، و الدليل على ذلك ما ورد من عدم جواز اعطاء زكاته اليهم مع ما ورد من بدليّة الخمس عن الزكاة.

أمّا الأوّل فصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«خمسة لايعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و


1) - جواهر الكلام 16: 106.

المرأة، و ذلك أنّهم عياله لازمون له».(1)

فقوله عليه السلام «و ذلك أنّهم عياله لازمون له» علّة لعدم دفع الخمس اليهم و هي عامّ تشمل من يجب عليه نفقته.

و أمّا الثاني فلما رواه العيّاشي عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:

«انّ اللّه لا اله الاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال».(2)

فالخبر دالّ على بدليّة الخمس عن الزكاة الاّ أنّ الأوّل - أي الخمس - مختصّ ببنيهاشم، و الثاني بغيرهم، و مقتضى ذلك اشتراكهما في الأحكام؛ فاذا منع الامام عليه السلام دفع الزكاة الى أفراد و علّله بأنّهم واجبوا النفقة عليه، يسري الحكم الى الخمس و أنّه لايجوز دفعه الى من تجب نفقته عليه.

في دفع الزائد عن مؤونة السنة لمستحقّ واحد

(مسألة 6): لايجوز دفع الزائد عن مؤونة السنة لمستحقّ واحد و لو دفعة على الأحوط.

الشرح:

قد تقدّم أنّه يشترط الفقر في اليتامى و الحاجة في أبناء السبيل؛ لمرسلة حمّاد الطويلة المتقدّمة، و فيها:

«يقسم بينهم على الكتاب و السنّة ما يستغنون به في سنتهم، فان فضل عنهم شيء فهو للوالي. الحديث».(3)

فيعطون من الخمس قدر ما يكفي مؤونة سنتهم و يرفع عنهم الفقر، و الظاهر


1) - وسائل الشيعة 9: 240 / الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 270 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 9: 520 / الباب 3 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 1.

من المرسلة و من مرفوعة أحمد بن محمّد(1)المتقدّمة و ان كان عدم جواز اعطاءالفقير أزيد من مؤونة السنة الاّ أنّهما لاتزيدان على حكاية فعل الامام عليه السلام ، بل يمكن أن‌يدّعى أنّ المفهوم من كلام الامام عليه السلام هو الاعطاء حتّى يستغني الفقير و يرفع عنه الفقر و لاتدلاّن على عدم جواز الاعطاء أكثر من الحاجة.

في متولّي الخمس في زمان الغيبة

(مسألة 7): النصف من الخمس الذي للامام عليه السلام أمره في زمان الغيبة راجع الى نائبه و هو المجتهد الجامع للشرائط، فلابدّ من الايصال اليه، أو الدفع الى المستحقّين باذنه. و الأحوط له الاقتصار على السادة مادام لم‌يكفهم النصف الآخر. و أمّا النصف الآخر الذي للأصناف الثلاثة فيجوز للمالك دفعه اليهم بنفسه. لكنّ الأحوط فيه أيضا الدفع الى المجتهد أو باذنه؛ لأنّه أعرف بمواقعه و المرجّحات التي ينبغي ملاحظتها.

الشرح:

اختلف علماؤنا في مستحقّي سهم الامام عليه السلام في حال الغيبة من الأخماس و الأنفال و غيرها الى أربعه‌عشر قولاً على ما حقّقه صاحب الحدائق(2):

الأوّل: عزله و الوصيّة به من ثقة الى آخر الى وقت ظهوره. و الى هذا القول ذهب شيخنا المفيد في المقنعة.

الثاني: القول بسقوطه كما نقله شيخنا المتقدّم. و هو مذهب سلاّر و اختاره في الذخيرة و الشيخ عبداللّه بن صالح البحراني.

الثالث: القول بدفنه، كما تقدّم في عبارة شيخنا المفيد.

الرابع: دفع النصف الى الأصناف الثلاثة، و أمّا حقّه عليه السلام فيودع كما تقدّم من ثقة


1) - أصول الكافي 1: 408 / باب أنّ الأرض كلّها للامام عليه السلام / الحديث 2.

2) - الحدائق الناضرة 12: 437.

الى ثقة الى أن‌يصل اليه عليه السلام وقت ظهوره أو يدفن و هو مذهب الشيخ رحمه‌الله.

الخامس: كسابقه بالنسبة الى حصّة الأصناف و صرفها عليهم، و أمّا حقّه عليه السلام فيجب حفظه الى أن‌يوصل اليه. و هو مذهب أبي الصلاح و ابن البرّاج و ابن ادريس، و استحسنه العلاّمة في المنتهى و اختاره في المختلف.

السادس: ما تقدّم أيضا بالنسبة الى حصّة الأصناف، و أمّا حصّته عليه السلام فتقسم على الذرّيّة الهاشميّة و هو اختيار المحقّق في الشرائع و الشيخ على ما في حاشيته على الكتاب و هو المشهور بين المتأخّرين كما نقله شيخنا الشهيد الثاني في الروضة.

السابع: صرف النصف الى الأصناف الثلاثة أيضا، و أمّا حصّته عليه السلام فيجب أيصالها مع الامكان و الاّ فتصرف الى الأصناف، و مع تعذّر الايصال و عدم حاجة الأصناف تباح للشيعة. و هو اختيار المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي في الوسائل.

الثامن: ما تقدّم من صرف حصّة الأصناف عليهم. و أمّا حصّته عليه السلام فيسقط اخراجها لاباحتهم عليهم‌السلام ذلك للشيعة. و هو ظاهر السيّد السند في المدارك و مذهب المحدّث الكاشاني في المفاتيح.

التاسع: كسابقه الاّ أنّه خصّ صرف حصّته عليه السلام بمواليه العارفين، و هو منقول عن ابن حمزة.

العاشر: تخصيص التحليل بخمس الأرباح، فانّه للامام عليه السلام دون سائر الأصناف، و أمّا سائر ما فيه الخمس فهو مشترك بينهم عليهم‌السلام و بين الأصناف. و هو اختيار المحقّق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في كتاب منتقى الجمان.

الحادي عشر: عدم اباحة شيء بالكلّيّة حتّى من المناكح و المساكن و المتاجر التي جمهور الأصحاب على تحليلها بل ادّعى الاجماع على اباحة المناكح. و هو مذهب ابن الجنيد.

الثاني عشر: قصر أخبار التحليل على جواز التصرّف في المال الذي فيه الخمس قبل اخراج الخمس منه بأن‌يضمن الخمس في ذمّته. و هو مختار شيخنا المجلسي.

الثالث عشر: صرف حصّة الأصناف عليهم و التخيير في حصّته عليه السلام بين الدفن و الوصيّة على الوجه المتقدّم و صلة الأصناف مع الاعواز باذن نائب الغيبة و هو الفقيه. و هذا مذهب الشيخ الشهيد في الدروس و وجهه معلوم ممّا سبق في الأقوال المتقدّمة.

الرابع عشر: صرف النصف الى الأصناف الثلاثة وجوبا أو استحبابا و حفظ نصيب الامام عليه السلام الى حين ظهوره، و لو صرفه العلماء الى من يقصر حاصله من الأصناف كان جائزا. و هو اختيار الشهيد في البيان و وجهه أيضا يظهر ممّا سبق.

و أمّا صاحب الجواهر فبعد أن رجّح صرف سهمه عليه السلام في مصارف الأصناف الثلاثة الذين هم عياله في الحقيقة و غيرهم من أوليائه و شيعته عليه السلام قال: «و أقوى من ذلك معاملته معاملة المال المجهول مالكه باعتبار تعذّر الوصول اليه روحي له الفداء؛ اذ معرفة المالك باسمه و نسبه دون شخصه لاتجدي، بل لعلّ حكمه حكم مجهول المالك باعتبار تعذّر الوصول اليه للجهل به، فيتصدّق به حينئذ نائب الغيبة عنه، و يكون ذلك وصولاً اليه على حسب غيره من الأموال التي يمتنع ايصالها الى أصحابها».(1)

و أمّا الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري فقال: «فمنع حصّة الأصناف عنهم في زمان الغيبة ممّا نقطع بعدم جوازه، مع أنّ الايصاء به واحدا بعد واحد في مثل زماننا معرض للتلف بل موجب قطعي.

الى أن‌قال: و أمّا حصّة الامام عليه السلام فقد عرفت ضعف القول بسقوطها، و الذي


1) - جواهر الكلام 16: 177.

تقتضيه القاعدة هو وجوب حفظه له عليه السلام ، الاّ أنّ الذي يقتضيه التأمّل في أحوال الامام عليه السلام و في أحوال ضعفاء شيعته في هذا الزمان، ثمّ في ملاحظة حاله بالنسبةاليهم، هو القطع برضاه عليه السلام بصرف حصّته فيهم و رفع اضطراراتهم بها و فيما يحتاجون اليه من الأمور العامّة و الخاصّة، مضافا الى أنّه احسان محض، و قد ورد:

«من لم‌يستطع أن‌يصلنا فليصل فقراء شيعتنا».(1)

و ما رواه الطبري من الخبر عن الرضا عليه السلام :

«أنّ الخمس عوننا على ديننا و على عيالاتنا و على موالينا و ما نبذله و نشتري من أعراضنا ممّن نخاف سطوته. الحديث».(2)

فصرف حقّه عليه السلام في أيّام غيبته في حوائج ذرّيّته و شيعته لايخلو من أحد المصارف المذكورة في الرواية، و كذلك الصرف في الذرّيّة الطاهرة المحتاجين؛ لأنّ سدّ خلّتهم كان أحد المصارف لأمواله بل كان من أهمّها. انتهى ملخّصا».(3)

أقول:

النصف من الخمس يكون لبني هاشم مساكينهم و يتاماهم و أبناء سبيلهم و من جملتهم العلويّون و الفاطميّون فيقال له «سهم السادة» فيقسم بينهم حتّى يستغنوا في سنتهم، و لا فرق في ذلك بين زمن الحضور أو غيبته عليه السلام . و الدليل على عموم الحكم لزمان الغيبة اطلاق آية الخمس، و اطلاق الروايات الواردة في ذلك.

و أمّا الآية فواضحة، و أمّا الروايات فقد تقدّمت في مسائل هذا الفصل و نذكّر الآن بعضها:

فمنها مرسلة حمّاد بن عيسى الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 475 / الباب 50 من أبواب الصدقة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 538 / الباب 3 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 2.

3) - كتاب الخمس: 332 - 335.

«الخمس من خمسة أشياء - الى أن‌قال: - و يُقسم بينهم الخمس على ستّة أسهم: سهم للّه و سهم لرسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و سهم لذي القربى و سهم لليتامى و سهم للمساكين و سهم لأبناء السبيل. فسهم اللّه وسهم رسول‌اللّه لأولي الأمر من بعد رسول‌اللّه وراثةً، و له ثلاثة أسهم: سهمان وراثةً و سهم مقسوم له من اللّه و له نصف الخمس كملاً و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم و سهم لمساكينهم و سهم لأبناء سبيلهم يُقسم بينهم على الكتاب و السنّة. الحديث».(1)

و منها مرسلة أحمد بن محمّد و مرفوعته قال:

«الخمس من خمسة أشياء - الى أن‌قال: - و سهم لليتامى و سهم للمساكين و سهم لأبناء السبيل - الى أن‌قال: - و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّد عليهم‌السلام. الحديث».(2)

و منها الخبر المروي عن السيّد المرتضى عن عليّ عليه السلام - الى أن‌قال: - :

«و يجري هذا الخمس على ستّة أجزاء: فيأخذ الامام منها سهم اللّه و سهم الرسول و سهم ذي القربى ثمّ يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمّد و مساكينهم و أبناء سبيلهم».(3)

اذن، يجب اعطاء نصف الخمس لأيتام آل محمّد عليهم‌السلام و مساكينهم و أبناء سبيلهم لأنّه لهم؛ فدفنه أو الايصاء به أو ايداعه عند ثقة حتّى يصل الى الامام عليه السلام مضافا الى أنّه لا دليل عليه، يكون الدليل على خلافه كما مرّ.

فهل يجوز أن‌يدفع المالك نصف الخمس الى السادة أو لايجوز و يجب


1) - وسائل الشيعة 9: 513 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 9: 514 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 9: 516 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 12.

الرجوع الى الحاكم في عصر الغيبة؟

الظاهر أنّه يجوز أن‌يدفع المالك نفسه نصف خمس ما استفاده الى السادة، و ذلك لأنّ نصف الخمس لهم يقسم بينهم و لا دليل على الرجوع الى الحاكم في ذلك.

ان قلت: كما يجب دفع الخمس بتمامه الى الامام عليه السلام في زمان الحضور حتّى يقسم بين فقراء السادة سهمهم، كذلك يجب دفعه الى نائبه في زمان الغيبة حتّى يقسم بينهم سهمهم. و الدليل على وجوب ردّ الخمس الى الامام عليه السلام حتّى يقسمه بينهم مرسلة اسحاق قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن‌قال: - و ثلاثة أسهم لليتامى و المساكين و أبناء السبيل يقسمه الامام بينهم. الحديث».(1)

و صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام - الى أن‌قال - :

«ذاك الى الامام، أرأيت رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كيف يصنع؟ أليس انّما كان يعطي على ما يرى؟! كذلك الامام».(2)

قلت: الظاهر أنّ الآية تدلّ باطلاقها على جواز دفع نصف الخمس الى السادة، و كذا بعض الروايات المتقدّمة كمرسلة حمّاد و غيرها، و ليس مثل مرسلة اسحاق و صحيحة البزنطي مقيّدا لاطلاق الآية و الروايات، و ذلك أوّلاً: ليس لسان الخبرين لسان التقييد فيحمل على الاستحباب و التعظيم جمعا.

و ثانيا: يدفع الخمس كلّه الى امام الأصل في زمان حضوره ليقسم نصفه بين اليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّد عليهم‌السلام؛ لأنّهم أقرباؤه و قد جعل نصف الخمس لهم؛ لشرافة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام، فالسادة منتسبون الى ذيالقربى الذي هو الامام عليه السلام ، و العقل يحكم باعطاء الخمس كلّه الى الرسول و


1) - وسائل الشيعة 9: 518 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 19.

2) - وسائل الشيعة 9: 519 / الباب 2 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 1.

الامام من بعده؛ لأنّهم علّة تشريع الخمس من اللّه و جعل نصفه لأقربائهم من بنيهاشم كرامة للرسول و لذيالقربى. و أمّا زمان الغيبة فليس هكذا.

و ثالثا: يعطى الخمس كلّه الى الامام عليه السلام ليدفع نصفه الى السادة؛ لأنّه أعرفبأقربائه و كيفيّة معيشتهم.

فتحصّل جواز دفع المالك نصف الخمس الى السادة من غير اذن من الحاكم و ان كان الاذن أحوط.

و أمّا النصف الآخر من الخمس و هو المسمّى بسهم الامام فهو للامام المعصوم عليه السلام ، فان كان حاضرا يجب تسليمه اليه بلا اشكال و لا خلاف بيننا، و الدليل عليه مضافا الى الاجماع، القرآن و ما ورد في تفسيره من الأخبار كما تقدّم في مسائل هذا الفصل و لنذكّر بعضها:

فمنها مرسلة ابن بكير عن أحدهما عليهماالسلام في قول اللّه تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل» قال:

«خمس اللّه للامام و خمس الرسول للامام و خمس ذوي القربى لقرابة الرسول: الامام. الحديث».(1)

و منها خبر سليم بن قيس عن أميرالمؤمنين عليه السلام - الى أن‌قال - :

«نحن واللّه عنى (اللّه) بذي القربى الذين قرننا اللّه بنفسه و برسوله.

الحديث».(2)

و منها مرسلة حمّاد بن عيسى الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام - الى أن‌قال - :

«فسهم اللّه و سهم رسول‌اللّه لأولي الأمر من بعد رسول‌اللّه وراثة و له


1) - وسائل الشيعة 9: 510 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 512 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 7.

ثلاثة أسهم. الحديث».(1)

و أمّا سهمه عليه السلام في زمان الغيبة فالحقّ أنّه يعطى أولادهم كما كان معاملتهم مع السادة، و دلّ عليه مرسلة حمّاد عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث طويل) قال:

«و له يعني للامام عليه السلام نصف الخمس كملاً و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته - الى أن‌قال: - فان عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن‌ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به. الحديث».(2)

و أمّا جواز الاعطاء الى غير الهاشميّين من الفقراء المحبّين لأهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و شيعة عليّ عليه السلام اذا لم‌يتمكّنوا من تحصيل الزكاة فالحقّ أنّه يجوز؛ للعلم برضاه عليه السلام .

و خبر الطبري عن الرضا عليه السلام :

«أنّ الخمس عوننا على ديننا و على عيالاتنا و على موالينا و ما نبذله و نشتري من أعراضنا ممّن نخاف سطوته، فلاتزووه عنّا. الحديث».(3)

و عليه فما ذهبوا اليه من دفن سهم الامام أو الايصاء به أو ايداعه عند ثقة حتّى يصل الى الامام فليس عليه دليل، بل الدليل على خلافه مع أنّه تضييع للأموال و النفوس، فهل يلزم الدفع الى الحاكم و المجتهد الجامع لشرائط الافتاء؟

يمكن أن‌يقال لا؛ لعدم الدليل عليه.

ان قلت: فأين مقبولة عمر بن حنظلة التي ورد فيها جعل الحكومة من جانب الامام الصادق عليه السلام لرواة الحديث و الناظرين في حلال آل محمّد عليهم‌السلام و حرامهم و العارفين بأحكامهم فانّهم حجّة الامام المعصوم عليه السلام و هو حجة اللّه، و غيرها من


1) - وسائل الشيعة 9: 513 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 9: 520 / الباب 3 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 538 / الباب 3 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 2.

الأخبار في جعل الحكومة و الولاية لهم؟!

قلت: نعم، ولكن أوّلاً: لم‌تثبت ولايتهم على نفس الامام عليه السلام و ماله.

و ثانيا: ليس لهم أن‌يخرجوا من حدود القرآن و السنّة؛ فحكمهم لايتجاوز عمّا حكم به القرآن و السنّة؛ فالحكّام يتفحّصون عن أحكام الشرع و ليسوا شارعا، والرسول هو الذي قال اللّه فيه: «و ما ينطق عن الهوى ان هو الاّ وحي يوحى»(1)، و الامام هو الذي قال اللّه فيه: «انّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا»(2)فهو مطهّر عن الهوى - الذي هو نحو من الرجس - و لايظنّ في حقّه الخطأ في الأحكام.

و أمّا الفقهاء فهم رواة و أهل نظر فانّهم من كثرة قراءتهم و بحثهم عن كلمات المعصومين مدّة طويلة حصلت لهم قدرة على فهم كلامهم و استنباط أحكام اللّه من أحاديثهم، فالحكّام الموصوفون بهذا الوصف حجّة حجّة اللّه على الناس فيما أفتوا و حكموا من القرآن و السنّة؛ فعليهم أن‌يتفحّصوا عن حكم سهم الامام عليه السلام في زمن الغيبة من القرآن و السنّة، فاذا تفحّص الفقيه يجد أنّ نصف الخمس للامام عليه السلام حاضرا كان أو غائبا، و يجد أيضا بالنسبة الى مصرفه أنّه لو صرف سهمه عليه السلام في أقاربه المحتاجين و الفقراء من أحبّائه كان برضاه عليه السلام كما كان هذا سيرته عليه السلام في زمانه، و كذا يطمئنّ الفقيه برضا الامام عليه السلام لو صرف فيما يشدّ به الاسلام و يبقى أحكام القرآن كتربية الطلبة المجاهدين في العلم و العمل و تأمين معاشهم؛ فحينئذ يفتي بما استقرّ عليه نظره و أنّه يجوز لمن كان عنده سهم الامام عليه السلام أن‌يصرف نفسه في الموارد المذكورة أو يدفعه الى الحاكم ليصرفه هو.

اللّهمّ الاّ أن‌يقال - كما قال المحقّق الهمداني(3)- : انّ الذي يظهر بالتدبّر في


1) - النجم 53: 3 و 4.

2) - الأحزاب 33: 33.

3) - مصباح الفقيه 14: 289 و 290.

التوقيع المروي عن امام العصر عليه السلام انّما هو اقامة الفقيه المتمسّك برواياتهم مقامه بارجاع عوامّ الشيعة اليه في كلّ ما يكون الامام مرجعا فيه كي لايبقى شيعته متحيّرين في أزمنة الغيبة، و هو خبر اسحاق بن يعقوب قال:

«سألت محمّد بن عثمان العمري أن‌يوصل لي كتابا قد سألت فيه عنمسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام : أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبّتك - الى أن‌قال: - و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه، و أمّا محمّد بن عثمان العمري فرضي اللّه عنه و عن أبيه من قبلُ فانّه ثقتي و كتابه كتابي».(1)

و من تدبّر في هذا التوقيع الشريف يرى أنّه عليه السلام قد أراد بهذا التوقيع اتمام الحجّة على شيعته في زمان غيبته بجعل الرواة حجّة عليهم على وجه لايسع لأحد أن‌يتخطّى عمّا فرضه اللّه معتذرا بغيبة الامام، لا بمجرّد حجّيّة قولهم في نقل الرواية أو الفتوى، فانّ هذا مع أنّه لايناسبه التعبير ب- «حجّتي عليكم» لايتفرّع عليه مرجعيّتهم في الحوادث الواقعة التي هي عبارة عن الجزئيّات الخارجيّة التي من شأنها الايكال الى الامام كفصل الخصومات و ولاية الأوقاف و الأيتام و قبالة الأراضي الخراجيّة التي قصرت عنها أيدي سلاطين الجور الذين يجوز التقبّل منهم، و غير ذلك من موارد الحاجة الى الرجوع الى الامام.

و عليه فلايترك الاحتياط في الرجوع الى الفقيه بالنسبة الى سهم الامام عليه السلام من الايصال اليه أو الاذن منه في المصرف.


1) - وسائل الشيعة 27: 140 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 9.

في نقل الخمس من بلد الى غيره

اشارة

(مسألة 8): لا اشكال في جواز نقل الخمس من بلده الى غيره اذا لم‌يوجد المستحقّ فيه، بل قد يجب كما اذا لم‌يمكن حفظه مع ذلك أو لم‌يكن وجود المستحقّ فيه متوقّعا بعد ذلك، و لا ضمان حينئذ عليه لو تلف، و الأقوى جواز النقل مع وجود المستحقّ أيضا لكن مع الضمان لو تلف. و لا فرق بين البلد القريب و البعيد و ان كان الأولى القريب الاّ مع المرجّح للبعيد.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في نقل الخمس الى بلد آخر اذا لم‌يوجد المستحقّ في بلده

لا اشكال في جواز نقل الخمس من بلده الى غيره اذا لم‌يوجد المستحقّ فيه، و ذلك لوجود المقتضي و عدم المانع، فالأوّل لأنّه مأمور بايصال الخمس الى مستحقّه، و الثاني لعدم وجود المستحقّ في بلده، بل قد يجب كما اذا لم‌يمكن حفظه مع ذلك أو لم‌يكن وجود المستحقّ فيه متوقّعا بعد ذلك.

الفرع الثاني : في نقل الخمس الى بلد آخر اذا وجد المستحقّ في بلده

يجوز نقل الخمس من بلده الى غيره و ان وجد المستحقّ في بلده، و ذلك لعدم المانع؛ لأنّ المانع ان كان فوريّة الايصال فلا دليل عليها. نعم، لايجوز التسامح في الايصال، أمّا ان كان عدم رضا المستحقّ في بلده بالنقل فليس مانعا؛ لأنّ المستحقّ هو طبيعيّ السادة.

الفرع الثالث : فيما اذا نقل الخمس من بلده الى غيره فتلف

فان نقله مع وجود المستحقّ في بلده ضمن. و أمّا ان لم‌يكن المستحقّ في بلده فلايضمن؛ و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم الواردة في الزكاة و كلاهما من وادٍ واحد، قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل بعث بزكاة ماله لتُقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تُقسم؟ فقال: اذا وجد لها موضعا فلم‌يدفعها فهو له ضامن حتّى يدفعها، و ان لم‌يجد لها من يدفعها اليه فبعث بها الى أهلها فليس عليه ضمان؛ لأنّها قد خرجت من يده. و كذلك الوصيّ الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع اليه اذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه اليه، فان لم‌يجد فليس عليه ضمان».(1)

قال في الجواهر: «لو حمل الخمس الى غير بلده مع وجود المستحقّ فيه فتلف ضمن - كالزكاة - و مع عدمه لايضمن بلا اشكال. انتهى ملخّصا».(2)

فيما لو أذن الفقيه في النقل

(مسألة 9): لو أذن الفقيه في النقل لم‌يكن عليه ضمان و لو مع وجود المستحقّ، و كذا لو وكّله في قبضه عنه بالولاية العامّة ثمّ أذن في نقله.

الشرح:

قد تقدّم أنّ المالك لنصف الخمس هو السادة؛ فما لم‌يصل اليهم لم‌تبرأ ذمّةالدافع الاّ فيما استثني في المسألة المتقدّمة و فيما اذا تلف الربح كلّه من غير تسامح في الايصال و من غير تفريط، و عليه لايؤثّر اذن الفقيه أو توكيله في عدم


1) - وسائل الشيعة 9: 285 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 16: 114.

الضمان. نعم، اذا رأى المصلحة في ذلك فيجوز له الاذن أو التوكيل من حيث انّه وليّهم. و أمّا بالنسبة الى النصف الآخر اذا قبضه الفقيه ثمّ وكّله و أذن له لنقله الى بلد آخر ليوصله الى مورد خاصّ فتلف لم‌يضمن و ان أمكن صرفه في بلده.

(مسألة 10): مؤونة النقل على الناقل في صورة الجواز، و من الخمس في صورة الوجوب.

الشرح:

اذا جاز النقل من بلده الى بلد آخر فمؤونة النقل على الناقل؛ لعدم الوجه في جعل المؤونة من الخمس و لا دليل عليه. و أمّا اذا وجب النقل كما اذا لم‌يوجد المستحقّ في بلده و كان في حفظه احتمال التلف فمؤونة النقل من الخمس؛ لأنّه أمين و لم‌يتسامح في ايصال الخمس الى مستحقّه و لم‌يكن وجه لجعل مؤونة النقل عليه و تضرّره بذلك.

فيما لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ

(مسألة 11): ليس من النقل لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ عوضا عن الذي عليه في بلده، و كذا لو كان له دين في ذمّة شخص في بلد آخر فاحتسبه خمسا، و كذا لو نقل قدر الخمس من ماله الى بلد آخر فدفعه عوضا عنه.

الشرح:

لو قلنا بعدم جواز نقل الخمس من بلده الى بلد آخر فمناط الحرمة هو صدق النقل، فلو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ عوضا عن الذي عليه فيبلده لم‌يكن نقلاً. و كذا لو كان له دين في ذمّة شخص في بلد آخر فاحتسبه خمسا، و كذا لو نقل قدر الخمس من ماله الى بلد آخر فدفعه عوضا عنه.

فيما لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده

(مسألة 12): لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده فالأولى دفعه هناك و يجوز نقله الى بلده مع الضمان.

الشرح:

اذا كان المالك في بلد و كان ماله الذي تعلّق به الخمس في بلد آخر فالأولى دفعه هناك و يجوز نقله الى بلده مع وجود المستحقّ فيه، و ان تلف كان ضامنا، كما تقدم في المسألة الثامنة.

(مسألة 13): ان كان المجتهد الجامع للشرائط في غير بلده جاز نقل حصّة الامام عليه السلام اليه بل الأقوى جواز ذلك و لو كان المجتهد الجامع للشرائط موجودا في بلده أيضا، بل الأولى النقل اذا كان من في بلد آخر أفضل أو كان هناك مرجّح آخر.

الشرح:

قد تقدّم أنّ سهم الامام يجب على الأحوط أن‌يصل الى يد المجتهد الجامع للشرائط، فان كان في بلده فيوصله اليه، و ان كان في بلد آخر فيأذن له في نقله اليه أو صرفه في محلّه.

(مسألة 14): قد مرّ أنّه يجوز للمالك أن‌يدفع الخمس من مال آخر له نقدا أو عروضا، ولكن يجب أن‌يكون بقيمته الواقعيّة، فلو حسب العروض بأزيد من قيمتها لم‌تبرأ ذمّته و ان قبل المستحقّ و رضي به.

الشرح:

يجوز للمالك أن‌يدفع الخمس من مال آخر له نقدا كما تقدم البحث حوله في

محلّه. و أمّا دفع العروض فمنوط باجازة وليّ الخمس من السادة أو الحاكم. نعم، لو لم‌يتمكّن من اعطائه نقدا فيدفعه الى أربابه و يجب عليهم الأخذ.

فاذا جاز له أن‌يدفع العروض فيجب أن‌يكون بقيمته الواقعيّة فلو حسب العروض بأزيد من قيمتها لم‌تبرأ ذمّته و ان قبل المستحقّ و رضي به كما في المتن.

(مسألة 15): لاتبرأ ذمّته من الخمس الاّ بقبض المستحقّ أو الحاكم، سواء كان في ذمّته أم في العين الموجودة، و في تشخيصه بالعزل اشكال.

الشرح:

لاتبرأ ذمّة من كان في ماله الخمس الاّ بقبض المستحقّ أو الحاكم، و ذلك لأنّ خمس من له الفائدة للامام عليه السلام و السادة فهم مالكون للخمس، و على المالك أداء ذلك اليهم فاذا أدّاه برأت ذمّته، و في تشخيصه بالعزل اشكال؛ لعدم الدليل عليه. فأصالة عدم التعيين محكّمة.

(مسألة 16): اذا كان له في ذمّة المستحقّ دين جاز له احتسابه خمسا، و كذا في حصّة الامام عليه السلام اذا اذن المجتهد.

الشرح:

اذا كان في ذمّة المستحقّ دين هل جاز له احتسابه خمسا؟

قد يقال بالمنع؛ لأنّه لم‌يكن للمالك ولاية على المال الذي تعلّق به الخمس الاّ ما أخرجه الدليل و قد ثبت به ولايته على التبديل بمال آخر عينا. و أمّا ولايته على احتساب الدين خمسا بجعل ماله في ذمّة المستحقّ خمسا بدلاً من الخمس المتعلّق بالعين فهو يحتاج الى دليل و لم‌يرد عليه دليل في المقام كما ورد فيالزكاة.

ولكن يقال فيه: انّ احتساب الدين من الخمس اذا كان المستحقّ مديونا للمالك فليس بلا دليل بل ما ورد في الزكاة هو الدليل في المقام؛ لأنّهما من وادٍ واحد، فحقّ الفقراء من الزكاة يتعلّق بالعين، و كذلك حقّ الامام و السادة، فانّ الخمس بدل من الزكاة يختصّ بالامام و بنيهاشم كما سبق.

و أمّا الدليل فصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لايقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة، هل لي أن‌أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم».(1)

و كذا يجوز للمالك احتساب الدين من سهم الامام اذا أذن المجتهد، سواء كان المديون المجتهد أم غيره ممّن أجاز الحاكم احتساب الدين من سهمه عليه السلام .

في عدم اعتبار رضا المستحقّ أو المجتهد اذا أراد المالك أن‌يدفع العوض

(مسألة 17): اذا أراد المالك أن‌يدفع العوض نقدا أو عروضا لايعتبر فيه رضا المستحقّ أو المجتهد بالنسبة الى حصّة الامام عليه السلام ، و ان كانت العين التي فيها الخمس موجودة، لكن الأولى اعتبار رضاه خصوصا في حصّة الامام عليه السلام .

الشرح:

اذا أراد المالك أن‌يدفع العوض نقدا لايعتبر فيه رضا المستحقّ أو المجتهد بالنسبة الى حصّة الامام و ان كانت العين التي فيها الخمس موجودة، و الدليل على ذلك ما ورد في الزكاة، فالخمس و الزكاة من وادٍ واحد من هذه الجهة:

فمنه صحيحة محمّد بن خالد البرقي قال:

«كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : هل يجوز أن‌أُخرِج عمّا يجب فيالحرث من الحنطة أو الشعير و ما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما


1) - وسائل الشيعة 9: 295 / الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

يسوى أم لايجوز الاّ أن‌يُخرَج من كلّ شيء ما فيه؟ فأجاب عليه السلام : أيّما تيسّر يخرَج».(1)

و صحيحة علي بن جعفر عليه السلام قال:

«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل يُعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير و عن الدنانير دراهم بالقيمة، أيحلّ ذلك؟ قال: لابأس به».(2)

و أمّا اعطاء العين بقيمة ما في ذمّته فلا، و ذلك لخبر البزنطي عن سعيد بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت: يشتري الرجل من الزكاة الثياب و السويق و الدقيق و البطّيخ و العنب فيقسمه؟ قال: لايعطيهم الاّ الدراهم كما أمر اللّه».(3)

الاّ أن‌يكون فيه صلاح لهم أو يكون رضاهم في ذلك؛ لما في قرب الاسناد من خبر يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما و أرى أنّ ذلك خير لهم، قال: فقال: لابأس».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 167 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 167 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 168 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 168 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

في عدم جواز أخذ الخمس و ردّه على المالك

(مسألة 18): لايجوز للمستحقّ أن‌يأخذ من باب الخمس و يردّه على المالك الاّ في بعض الأحوال كما اذا كان عليه مبلغ كثير و لم‌يقدر على أدائه بأن‌صار معسرا و أراد تفريغ الذمّة، فحينئذ لا مانع منه اذا رضي المستحقّ بذلك.

الشرح:

لايجوز للمستحقّ أن‌يأخذ من باب الخمس و يردّه على المالك؛ لأنّ الغرض من تشريع الزكاة و الخمس هو أنّ اللّه تعالى جعل الزكاة و الخمس بنحو لو أدّيا لم‌يبق فقير من فقراء الناس من السادة و غيرهم، و لو كان بحسب الجعل و التشريع جائزا للفقير أن‌يأخذ الزكاة أو الخمس و يردّه على المالك كان مقتضاه جواز صرف الزكوات و الأخماس لقليل من الأفراد كذلك و يحرم سائر الفقراء و هذا خلاف غرض التشريع. و كذلك المجتهد لايجوز له ذلك بالنسبة الى سهم الامام عليه السلام . نعم، اذا كان عليه مبلغ سواء كان كثيرا أو قليلاً و لم‌يقدر على أدائه بأن‌صار معسرا و أراد تفريغ الذمّة فحينئذ لا مانع منه اذا رضي المستحقّ، و ذلك لأنّه اعانة على البرّ و أداء دين المضطرّ و ليس تضييعا لحقّ سائر الفقراء من السادة، و كذلك المجتهد بالنسبة الى حصّة الامام عليه السلام للاطمئنان برضاه عليه السلام في ذلك.

فيما اذا انتقل الى الشخص مال فيه الخمس ممّن لايعتقد وجوبه

(مسألة 19): اذا انتقل الى الشخص مال فيه الخمس ممّن لايعتقد وجوبه كالكافر و نحوه لم‌يجب عليه اخراجه؛ فانّهم عليهم‌السلام أباحوا لشيعتهم ذلك، سواء كان من ربح تجارة أو غيرها، و سواء كان من المناكح و المساكن و المتاجر أو غيرها.

الشرح:

الكلام حول معنى الأخبار التي وردت في أنّ المعصومين عليهم‌السلامأباحوا الخمس لشيعتهم. اعلم أنّ الخمس في الجملة من الأحكام المسلّمة في الاسلام نطق به القرآن الكريم «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل» و وردت به الأخبار الصحيحة المتظافرة المتقدّمة و لنذكر بعضها تكرارا فانّه لايخلو من الفائدة.

فمنها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدّي خمسنا و يطيب له».(1)

و منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع الينا الخمس».(2)

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس. و قال: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى الخمس».(3)

و منها صحيحة الحلبي:

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الكنز، كم فيه؟ فقال: الخمس. الحديث».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 488 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 8 .

2) - وسائل الشيعة 9: 487 / الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس/ الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 9: 492 / الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 495 / الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

و منها صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن العنبر و غوص اللؤلؤ فقال: عليه الخمس.الحديث».(1)

و منها صحيحة محمّد بن الحسن الأشعري قال:

«كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : أخبرني عن الخمس أ على جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الصنّاع؟ و كيف ذلك؟ فكتب بخطّه: الخمس بعد المؤونة».(2)

و منها صحيحة علي بن مهزيار الطويلة عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال:

«فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام. الحديث».(3)

و منها صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أيّما ذمّيّ اشترى من مسلم أرضا فانّ عليه الخمس».(4)

و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«أنّه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا، الاّ أن لايقدر على شيء يأكل و لايشرب و لايقدر على حيلة، فان فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه الى أهل البيت».(5)

و منها معتبرة سليم بن قيس الهلالي قال:

«خطب أميرالمؤمنين عليه السلام و ذكر خطبة طويلة يقول فيها: نحن واللّه


1) - وسائل الشيعة 9: 498 / الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 499 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس/ الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 502 / الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس/ الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 9: 505 / الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 9: 506 / الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 2.

عنى (اللّه) بذي القربى الذين قرننا اللّه بنفسه و برسوله، فقال: «فللّه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل»، فينا خاصّة - الى أن‌قال: - و لم‌يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا، أكرم اللّه‌رسوله و أكرمنا أهل البيت أن‌يطعمنا من أوساخ الناس، فكذّبوا اللّه و كذّبوا رسوله و جحدوا كتاب اللّه الناطق بحقّنا و منعونا فرضا فرضه اللّه لنا. الحديث».(1)

و منها مرسلة حمّاد المعمول بها عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث طويل) قال:

«و له يعني للامام نصف الخمس كملاً، و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم و سهم لمساكينهم و سهم لأبناء سبيلهم، يُقسَم بينهم على الكتاب و السنّة ما يستغنون به في سنتهم، فان فضل عنهم شيء فهو للوالي، فان عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن‌ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، و انّما صار عليه أن‌يمونهم لأنّ له ما فضل عنهم».(2)

و منها معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: من اشترى شيئا من الخمس لم‌يعذره اللّه، اشترى ما لايحلّ له».(3)

و منها معتبرة علي بن ابراهيم عن أبيه قال:

«كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام اذ دخل عليه صالح بن محمّد بن سهل و كان يتولّى له الوقف بقمّ، فقال: يا سيّدي اجعلني من عشرة


1) - وسائل الشيعة 9: 512 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 9: 520 / الباب 3 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 540 / الباب 3 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 6.

آلاف درهم في حلّ، فانّي قد أنفقتها! فقال له: أنت في حلّ. فلمّا خرج صالح قال أبو جعفر عليه السلام : أحدهم يثب على أموال (حق) آل محمّد و أيتامهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم فيأخذه ثمّ يجيء فيقول:اجعلني في حلّ! أتراه ظنّ أنّي أقول: لاأفعل! و اللّه ليسألنّهم اللّه يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثا».(1)

هذه بعض الأخبار في وجوب الخمس من أبواب مختلفة، و أنت اذا تأمّلت فيها تجد أنّها بصدد بيان الحكم التكليفي الذي ورد به القرآن و جعله في مقابل الزكاة ليسدّ خلل الفقر و يرفع ما يحتاج اليه فقراء السادة و ما يحتاج اليه الامام عليه السلام ، و تجد أيضا أنّ الخمس و أخذه و اعطاءه كان رائجا زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و عليّ أميرالمؤمنين عليه السلام الى زمان العسكري عليه السلام و فترة الغيبة الصغرى، و بعد ذلك يلزم التدقيق في الروايات الواردة بأنّ المعصومين عليهم‌السلام أباحوا الخمس لشيعتهم. و لنذكر أوّلاً بعض ما هي معتبرة من بينها و نذكر توجيهها:

فمنها صحيحة أبي بصير و زرارة و محمّد بن مسلم كلّهم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : هلك الناس في بطونهم و فروجهم لأنّهم لم‌يؤدّوا الينا حقّنا ألا و انّ شيعتنا من ذلك و آباءهم في حلّ».(2)

و الظاهر أنّ المراد من الحقّ في هذه الصحيحة هو الفيء الذي منه فدك؛ فانّ فدكا غصبها الأوّل فحاصلها من الغلاّت و غيرها يباع و يشترى، فحيث انّه كان حراما بيعه و شراؤه و أكله فقد حلّلها لشيعته لتطيب ولادتهم، و الشاهد على ذلك صحيحة الفضيل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 537 / الباب 3 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 543 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 1.

«من وجد برد حبّنا في كبده فليحمد اللّه على أوّل النعم. قال: قلت: جعلت فداك! ما أوّل النعم؟ قال: طيب الولادة. ثمّ قال أبو عبداللّه عليه السلام : قال أميرالمؤمنين عليه السلام لفاطمة عليهاالسلام: أحلّي نصيبك من الفيء لآباءشيعتنا ليطيبوا. ثمّ قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّا أحللنا أمّهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا».(1)

و المراد من تحليل أمّهات شيعتنا هو أنّهنّ كنّ اماءً غالبا يبعن و يشترين و قد كان يحتمل أن‌يكون ثمنهنّ من منافع الفيء.

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:

«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام حلّلهم من الخمس يعني الشيعة ليطيب مولدهم».(2)

و الظاهر أنّ المراد من الخمس المحلّل في هذه الصحيحة الغنائم التي نالها المسلمون من الحروب التي وقعت في زمن الثاني فلم‌يؤدّ حقّ ذي القربى و هو الامام عليه السلام . و الشاهد على ذلك معتبرة سليم بن قيس المتقدّمة آنفا، فانّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال في ذيلها:

«فكذّبوا اللّه و كذّبوا رسوله و جحدوا كتاب اللّه الناطق بحقّنا و منعونا فرضا فرضه اللّه لنا».(3)

و أمّا الأخبار الأخر ممّا لسانها تحليل الخمس للشيعة و ان كان كلّها ضعافا فلنذكرها مع توجيهها:

فمنها خبر ضريس الكناسي قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟ فقلت:


1) - وسائل الشيعة 9: 547 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 9: 550 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 15.

3) - وسائل الشيعة 9: 512 / الباب 1 من أبواب قسمة الخمس / الحديث 7.

لاأدري. فقال: من قبل خمسنا أهل البيت الاّ لشيعتنا الأطيبين، فانّه محلّل لهم و لميلادهم».(1)

و منها خبر محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«انّ أشدّ ما فيه الناس يوم القيامة أن‌يقوم صاحب الخمس فيقول: يا ربّ خمسي! و قد طيّبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم و لتزكو أولادهم».(2)

و منها خبر داود بن كثير الرقّي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: الناس كلّهم يعيشون في فضل مظلمتنا الاّ أنّا أحللنا شيعتنا من ذلك».(3)

و منها خبر حكيم مؤذّن بني عيس (ابن عيسى) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول»! قال: هي واللّه الافادة يوما بيوم الاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكوا».(4)

و منها خبر معاذ بن كثير بيّاع الأكسية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«موسّع على شيعتنا أن‌ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فاذا قام قائمنا حرّم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتوه به يستعين به».(5)

و منها خبر الحارث بن المغيرة النصري قال:

«دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده، فاذا نجيّة قد استأذن


1) - وسائل الشيعة 9: 544 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 545 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 546 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 7.

4) - وسائل الشيعة 9: 546 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 8 .

5) - وسائل الشيعة 9: 547 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 11.

عليه، فأذن له، فدخل فجثا على ركبتيه ثمّ قال: جعلت فداك! انّي أريد أن‌أسألك عن مسألة واللّه ما أريد بها الاّ فكاك رقبتي من النار. فكأنّه رقّ له فاستوى جالسا فقال: يا نجيّة سلني، فلاتسألني عن شيء الاّ أخبرتك به. قال: جعلت فداك! ما تقول في فلان و فلان؟ قال: يا نجيّة، انّ لنا الخمس في كتاب اللّه، و لنا الأنفال، و لنا صفوالمال و هما و اللّه أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب اللّه - الى أن‌قال: - اللّهمّ انّا قد أحللنا ذلك لشيعتنا. قال: ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال: يا نجيّة ما على فطرة ابراهيم غيرنا و غير شيعتنا».(1)

الى غير ذلك من الأخبار.

فنقول في توجيهها بأنّ المراد ما يأخذ الشيعة من المخالفين ببيع و شراء و هبة و غيرها ممّا فيه الخمس فقد أباحوا ذلك لشيعتهم، و الشاهد على ذلك معتبرة أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رجل و أنا حاضر: حلّل لي الفروج! ففزع أبو عبداللّه عليه السلام . فقال له رجل: ليس يسألك أن‌يعترض الطريق، انّما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوّجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا أعطيه. فقال: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم و الغائب و الميّت منهم و الحيّ و ما يولد منهم الى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما واللّه لايحلّ الاّ لمن أحللنا له، و لا واللّه ما أعطينا أحدا ذمّة و ما عندنا لأحد عهد (هوادة) و لا لأحد عندنا ميثاق».(2)

و خبر يونس بن يعقوب قال:

«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فدخل عليه رجل من القمّاطين فقال:


1) - وسائل الشيعة 9: 549 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 14.

2) - وسائل الشيعة 9: 544 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 4.

جعلت فداك، تقع في أيدينا الأرباح و الأموال و تجارات نعلم أنّ حقّك فيها ثابت، و أنّا عن ذلك مقصّرون. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : ما أنصفناكم ان كلّفناكم ذلك اليوم».(1)

و خبر الحارث بن المغيرة النصري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: انّ لنا أموالاً من غلاّت و تجارات و نحو ذلك، و قد علمت أنّ لك فيها حقا. قال: فلم‌أحللنا اذاً لشيعتنا الاّ لتطيب ولادتهم، و كلّ من والى آبائي فهو في حلّ ممّا في أيديهم من حقّنا فليبلّغ الشاهد الغائب».(2)

و الخبر الذي ورد في تفسير الامام العسكري عليه السلام عنه عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليهم‌السلام أنّه قال لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله:

«قد علمت يا رسول‌اللّه أنّه سيكون بعدك ملك عضوض و جبر فُيستولى على خمسي من السبي و الغنائم، و يبيعونه فلايحلّ لمشتريه، لأنّ نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي منه لكلّ من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحلّ لهم منافعهم من مأكل و مشرب، و لتطيب مواليدهم و لايكون أولادهم أولاد حرام. فقال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: ما تصدّق أحد أفضل من صدقتك و قد تبعت رسول اللّه في فعلك أحلّ الشيعةَ كلّ ما كان فيه من غنيمة و بيع من نصيبه على واحد من شيعتي، و لاأحلّها أنا و لا أنت لغيرهم».(3)


1) - وسائل الشيعة 9: 545 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 547 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 9: 552 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 20.

الأنفال

اشارة

و لنبدأ بما ورد في القرآن الكريم و تفسيره. قال اللّه تبارك و تعالى: «يسألونك عن الأنفال قل الأنفال للّه و الرسول فاتّقوا اللّه و أصلحوا ذات بينكم و أطيعوا اللّه و رسوله ان كنتم مؤمنين».(1)

قال في مجمع البيان: «اختلف المفسرون في الأنفال هيهنا فقيل: هي الغنائم التي غنمها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يوم بدر و هو المروي عن ابن عبّاس و مجاهد و قتادة و الضحّاك و ابن زيد.

و قيل: هي أنفال السرايا.

و قيل: هي ما شذّ عن المشركين الى المسلمين من عبد أو جارية من غير قتال أو ما أشبه ذلك.

و قيل: هو للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهخاصّة يعمل به ما يشاء.

و قيل: هو ما سقط من المتاع بعد قسمته الغنائم من الفرس و الزرع و الرمح.

و قيل: انّه سلب الرجل و فرسه ينفل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من شاء.

و قيل: هي الخمس الذي جعله اللّه لأهل الخمس.

في رواية أخرى - و صحّت الرواية - عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلامأنّهما قالا: انّ الأنفال كلّ ما أخذ من دار الحرب بغير قتال، و كلّ أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال و يسمّيها الفقهاء فيئا و ميراث من لا وارث له، و قطائع الملوك اذا كانت في أيديهم من غير غصب و الآجام و بطون الأودية و الأرضون الموات و غير ذلك ممّا هو مذكور في مواضعه.

و قالا: هي للّه و للرسول و بعده لمن قام مقامه فيصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ليس لأحد فيه شيء.


1) - الأنفال 8 : 1.

و قالا: انّ غنائم بدر كانت للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهخاصّة فسألوه أن‌يعطيهم.

و اختلفوا أيضا في سبب سؤالهم فقال ابن عبّاس: انّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال يوم بدر: من جاء بكذا فله كذا، و من جاء بأسير فله كذا، فتسارع الشبّان و بقي الشيوخ تحت الرايات، فلمّا انقضت الحرب طلب الشبّان ما كان قد نفلهم النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله به. فقال الشيوخ: كنّا ردءا لكم، و لو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم الينا و جرى بين أبي اليسر بن عمرو الأنصاري و بين سعد بن معاذ كلام فنزع اللّه تعالى الغنائم منهم و جعلها لرسوله يفعل بها ما يشاء فقسّمها بينهم بالسويّة. انتهى موضع الحاجة ملخّصا».

أقول:

الأنفال جمع نفل و النفل الزيادة على الشيء، و بمعنى العطيّة أيضا و من هنا سمّيت النافلة نافلة. فما هو الظاهر من الروايات الواردة عن أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و مفسّري القرآن أنّ من الأنفال ما يؤخذ من المشركين في الحرب من غير قتال، و يدلّ عليه صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الأنفال ما لم‌يوجف عليه بخيل و لا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم و كلّ أرض خربة و بطون الأودية فهو لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و هو للامام من بعده يضعه حيث يشاء».(1)

و الفيء قسم من الأنفال و هي الغنائم المأخوذة في الحرب من غير قتال كما دلّ عليه صحيحة محمّد بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الأنفال فقال: ما كان من الأرضين باد أهلها و في غير ذلك الأنفال هو لنا. و قال: سورة الأنفال فيها جدع الأنف، و قال: «ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى فما أوجفتم عليه من خيل و لا ركاب


1) - وسائل الشيعة 9: 523 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 1.

ولكنّ اللّه يسلّط رسله على من يشاء». قال: الفيء ما كان من أموال لم‌يكن فيها هراقة دم أو قتل، و الأنفال مثل ذلك هو بمنزلته».(1)

و قد يطلق الفيء على الأنفال كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سمعه يقول:

«انّ الأنفال ما كان من أرض لم‌يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كلّه من الفيء و الأنفال للّه و للرسول، فما كان للّه فهو للرسول يضعه حيث يحبّ».(2)

فأمّا المأخوذ من الكفّار بقتال فخمسه للّه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، كما دلّت عليه الآية الحادية و الأربعون من سورة الأنفال فليس بينها و بين آية الأنفال تعارض و ليست آية الخمس ناسخة لآية الأنفال كما قيل، و هذا المعنى هو الذي رواه معاوية بن وهب في الصحيح عن الصادق عليه السلام ،قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : السريّة يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف يُقسَم؟ قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام عليهم اُخرج منها الخمس للّه و للرسول، و قُسم بينهم ثلاثة أخماس(3)، و ان لم‌يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للامام يجعله حيث أحبّ».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 527 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 11.

2) - وسائل الشيعة 9: 526 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 10.

3) - و الصحيح «أربعة أخماس» بدل «ثلاثة أخماس» كما أخرجه في أبواب جهاد النفس 15: 110 / الباب 41 / الحديث1.

4) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 3.

موارد الأنفال

الأوّل: كلّ أرض يغنمها المسلمون من الكفّار بغير قتال، سواء انجلى عنها أهلها أم مكّنوا المسلمين منها طوعا، بلا خلاف ظاهر. و يدلّ عليه طائفة من الأخبار منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سمعه يقول:

«انّ الأنفال ما كان من أرض لم‌يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كلّه من الفيء و الأنفال للّه و للرسول، فما كان للّه فهو للرسول يضعه حيث يحبّ».(1)

و منها موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: ما يقول اللّه: «يسألونك عن الأنفال قل الأنفال للّه و الرسول» و هي كلّ أرض جلا أهلها من غير أن‌يحمل عليها بخيل و لا رجال و لا ركاب فهي نفل للّه و للرسول».(2)

و منها مرسلة حمّاد الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث) قال:

« - الى أن‌قال: - و له بعد الخمس الأنفال، و الأنفال كلّ أرض خربة باد

أهلها، و كلّ أرض لم‌يوجف عليها بخيل و لا ركاب ولكن صالحوا صلحا و أعطوا بأيديهم على غير قتال. الحديث».(3)

و الظاهر أنّ كلّ ما يغنمه المسلمون من الكفّار بغير قتال سواء كان أرضا أو غيرها من الأنفال، و الدليل على ذلك صحيحة معاوية بن وهب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : السريّة يبعثها الامام فيصيبون غنائم، كيف يُقسم؟ قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام عليهم اُخرج منها


1) - وسائل الشيعة 9: 526 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 9: 526 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 4.

الخمس للّه و للرسول، و قُسم بينهم ثلاثة أخماس(1)، و ان لم‌يكونواقاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للامام يجعله حيث أحبّ».(2)

و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الأنفال ما لم‌يوجف عليه بخيل و لا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم و كلّ أرض خربة و بطون الأودية فهو لرسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و هو للامام من بعده يضعه حيث يشاء».(3)

و ان قيل: انّ صحيحة حفص بن البختري مطلق تقيّد بالروايات المتقدّمة فينحصر في الأرض.

قلت أوّلاً: صحيحة معاوية بن وهب نصّ في العامّ.

و ثانيا: الروايات التي وردت في الأرض خاصّة ليست بصدد بيان حصر الأنفال ممّا يغنمه المسلمون على الأرض و على الأقلّ من الشكّ، و حينئذ لاتصلح للتقييد.

الثاني: كلّ أرض ميتة لا ربّ لها سواء لم‌يكن لها ربّ أصلاً كالبراري و المفاوز أو أنّه تركها أو باد عنها بحيث عرضها الخراب بانجلاء الأهل، أو هلاكهم فيعمّ الحكم مطلق الموات ذاتا كان أو عرضا. و تدلّ عليه طائفة من الأخبار منها صحيحة حفص بن البختري المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«- الى أن‌قال: - و كلّ أرض خربة. الحديث».(4)


1) - و الصحيح «أربعة أخماس» بدل «ثلاثة أخماس» كما أخرجه في أبواب جهاد النفس 15: 110 / الباب 41 / الحديث1.

2) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 523 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 523 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 1.

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام سمعه يقول:

«- الى أن‌قال: - و ما كان من أرض خربة. الحديث».(1)

و منها موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن الأنفال، فقال: كلّ أرض خربة. الحديث».(2)

و منها صحيحة محمّد بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الأنفال، فقال: ما كان من الأرضين باد أهلها. الحديث».(3)

و منها خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: الفيء و الأنفال - الى أن‌قال: - و ما كان من أرض خربة. الحديث».(4)

و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأنفال، فقال: هي القرى التي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه و للرسول. الحديث».(5)

و غيرها من الأخبار التي أوردها في الوسائل في الباب الأوّل من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام ، فراجع.

ثمّ اعلم أنّ الروايات المتقدّمة الناطقة بأنّ الأرض الخربة من الأنفال و ان كانت مطلقة، أي سواء كان لها مالك أو لم‌يكن، الاّ أنّها تقيّد بموثّقة اسحاق بن عمّار المتقدّمة آنفا فتختصّ بالأرض التي قد خربت و انجلى أهلها. و تقيّد أيضا بمرسلة حمّاد الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث) قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 526 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 9: 526 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 8 .

3) - وسائل الشيعة 9: 527 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 9: 527 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 12.

5) - وسائل الشيعة 9: 531 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 20.

«- الى أن‌قال: - و الأنفال كلّ أرض خربة باد أهلها - الى أن‌قال: - و كلّ أرض ميتة لا ربّ لها».(1)

و يلحق بالأرض الخربة الأرض الميتة أو العامرة التي لا ربّ لها، كما دلّ على الأوّل قوله عليه السلام في المرسلة: «و كلّ أرض ميتة لا ربّ لها»، و على الثاني قوله عليه السلام في موثّقة اسحاق بن عمّار: «و كلّ أرض لا ربّ لها»، و كذا قوله عليه السلام في رواية أبي بصير عن تفسير العياشى: «و كلّ أرض لا ربّ لها». و سيأتي التعرّض لبعض فروع مسألة احياء الموات في خاتمة البحث.

الثالث: رؤوس الجبال و بطون الأودية و كذا الآجام(2)أو الأرض المملوءة من القصب و نحوه كما في الروضة و الرياض. و يدلّ على كونها من الأنفال أخبار:

منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الأنفال - الى أن‌قال: - و بطون الأودية. الحديث».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سمعه يقول:

«انّ الأنفال - الى أن‌قال: - أو بطون أودية، فهذا كلّه من الفيء و الأنفال. الحديث».(4)

و منها مرسلة حمّاد الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث) قال:

«و للامام - الى أن‌قال: - و له رؤوس الجبال و بطون الأودية و الآجام. الحديث».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 4.

2) - جمع «أجَمة» بالتحريك، و هي الشجر الكثير الملتفّ، كما في القاموس.

3) - وسائل الشيعة 9: 523 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 526 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 10.

5) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 4.

و منها خبر داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت: و ما الأنفال؟ قال: بطون الأودية و رؤوس الجبال و الآجام و المعادن. الحديث».(1)

و منها ما رواه المفيد عن محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الأنفال - الى أن‌قال: - و بطون الأودية و رؤوس الجبال. الحديث».(2)

الرابع: سيف البحار أي ساحلها. ذكره المحقّق صاحب الشرائع و لم‌يدلّ عليه دليل خاصّ الاّ أنّه ملحق بالأرض التي لا ربّ لها، كما ورد في موثّقة اسحاق بن عمّار من قوله عليه السلام عندما سئل عن الأنفال: «و كلّ أرض لا ربّ لها»، سواء كانت من الأراضي المحياة بالأصالة كساحل نيل مصر، أو الموات كسواحل البحار.

الخامس: صفايا الملوك و قطائعهم غير المغصوبة. و الدليل على ذلك مرسلة حمّاد الطويلة عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث) قال:

«و للامام صفو المال أن‌يأخذ من هذه الأموال صفوها الجارية الفارهة و الدابّة الفارهة و الثوب و المتاع ممّا يُحبّ أو يشتهي، فذلك له قبل القسمة و قبل اخراج الخمس - الى أن‌قال: - و له صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لأنّ الغصب كلّه مردود. الحديث».(3)

و خبر داود بن فرقد قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : قطائع الملوك كلّها للامام، و ليس للناس فيها شيء».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 534 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 32.

2) - وسائل الشيعة 9: 532 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 22.

3) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 525 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 6.

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن صفو المال، قال: الامام يأخذ الجارية الروقة و المركب الفاره و السيف القاطع و الدرع قبل أن‌تقسم الغنيمة، فهذا صفوالمال».(1)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأنفال - الى أن‌قال: - و ما كان للملوك فهو للامام».(2)

و ما رواه المفيد عن الصادق عليه السلام - الى أن‌قال - :

«لنا الأنفال، و لنا صفو المال يعني بصفوها ما أحبّ الامام من الغنائم، و اصطفاه لنفسه قبل القسمة من الجارية الحسناء و الفرس الفاره و الثوب الحسن و ما أشبه ذلك من رقيق أو متاع على ما جاء به الأثر عن السادة عليهم‌السلام».(3)

و خبر محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الأنفال هو النفل - الى أن‌قال: - أو شيء كان يكون للملوك. الحديث».(4)

و مرسلة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول في الملوك الذين يقطعون الناس، قال: هو من الفيء و الأنفال و أشباه ذلك».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 528 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 15.

2) - وسائل الشيعة 9: 531 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 20.

3) - وسائل الشيعة 9: 532 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 21.

4) - وسائل الشيعة 9: 532 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 22.

5) - وسائل الشيعة 9: 533 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 30.

و قد تقدّم البحث عن ذلك في أوّل بحث الخمس.

السادس: ما يغنمه المقاتلون بغير اذن الامام، و قد تقدّم البحث عن ذلك أيضا في الغنائم.

السابع: المعادن. و الأقوال فيها ثلاثة:

أحدها: انّها من الأنفال مطلقا سواء كانت في الملك الخاصّ أم في الملك العامّ كالمفتوحة عنوة، ذهب اليه المفيد و الشيخ و سلاّر و القاضي و جمع آخر.

ثانيها: انّها ليست من الأنفال مطلقا بل من المباحات الأصليّة و انّ الناس فيها شرع سواء، ذهب اليه المحقّق و الشهيد و جماعة.

ثالثها: التفصيل بين المعدن المستخرج من أرض هي من الأنفال و بين المستخرج من غيرها، فالأوّل من الأنفال يتبع الأرض دون الثاني، نسب ذلك الى الحلّي و جمع آخر.

و الحقّ هو التفصيل جمعا بين الأخبار الدالّة على أنّ المعادن فيها الخمس - و قد سبق في المسألة الثامنة في خمس المعدن - و الأخبار الدالّة على أنّ المعادن من الأنفال فأهمّها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأنفال فقال: هي القرى التي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه و للرسول، و ما كان للملوك فهو للامام و ما كان من الأرض الخربة لم‌يوجف عليه بخيل و لا ركاب، و كلّ أرض لاربّ لها، و المعادن منها، و من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال».(1)

و في خبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لنا الأنفال. قلت: و ما الأنفال؟ قال: منها المعادن و الآجام».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 531 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 20.

2) - وسائل الشيعة 9: 533 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 28.

و في خبر داود بن فرقد المروي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت: و ما الأنفال؟ قال: بطون الأودية و رؤوس الجبال و الآجام و المعادن. الحديث».(1)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «المحكي عن الشيخين في المقنعة و النهاية و سلاّر و القاضي: كون المعادن من الأنفال، و نسب الى الكليني و شيخه علي بن ابراهيم القمّي، و يدلّ عليه مضافا الى روايتي أبي بصير و داود بن فرقد - موثّقة اسحاق بن عمّار، و يؤيّدها ما دلّ على أنّ الأرض و ما أخرج اللّه منها لهم.(2)و هذا القول لايخلو عن قوّة و ان كان المشهور خلافه. انتهى موضع الحاجة ملخّصا».(3)

الثامن: ميراث من لا وارث له، و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«من مات و ليس له وارث من قرابته و لا مولى عتاقه قد ضمن جريرته فمالُه من الأنفال».(4)

و صحيحة محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه تعالى: «يسألونك عن الأنفال» قال:

«من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال».(5)

و صحيحته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«من مات - الى أن‌قال: - و ليس له موالي فمالُه من الأنفال».(6)


1) - وسائل الشيعة 9: 534 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 32.

2) - وسائل الشيعة 9: 548 / الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 12.

3) - كتاب الخمس: 365 و 366.

4) - وسائل الشيعة 26: 246 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 26: 247 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة / الحديث 3.

6) - وسائل الشيعة 26: 247 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة / الحديث 4.

و خبر أبان بن تغلب قال أبو عبداللّه عليه السلام :

«من مات لا مولى له و لا ورثة فهو من أهل هذه الآية «يسألونك عن الأنفال قل الأنفال للّه و الرسول»».(1)

و خبر حمزة بن حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام ، و فيه:

«و ان كان الميّت لم‌يتوال الى أحد حتّى مات فانّ ميراثه لامام المسلمين».(2)

و مرسلة حمّاد الطويلة، و فيها:

«و هو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له».(3)

حكم الأنفال

قضيّة أصول المذهب و قواعده عدم جواز التصرّف في الأنفال و الخمس بغير اذن الامام من غير فرق بين زمني الحضور و الغيبة، فان ثبت اذن التصرّف منهم في مورد فهو المتّبع و ان لم‌يثبت يبقى على ما هو عليه من عدم جواز التصرّف.

فمن الموارد التي ثبت اذن الامام في التصرّف في الأنفال و الخمس ما ينتقل الى شيعتهم عليهم‌السلام من أيدي الغاصبين لحقوقهم من البيع و الشراء و الهبة و غيرها،

فانّهم عليهم‌السلام أباحوا ذلك لشيعتهم لتطيب ولادتهم، و قد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة التاسعه‌عشرة من فصل قسمة الخمس. فلنذكر هنا معتبرة الحارث بن المغيرة فتكراره لايخلو من الفائدة. عن الحارث بن المغيرة النصري قال:

«دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده، فاذا نجيّة قد استأذن عليه، فأذن له، فدخل فجثا على ركبتيه ثمّ قال: جعلت فداك! انّي


1) - وسائل الشيعة 26: 249 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 26: 250 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 9: 524 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام عليه السلام / الحديث 4.

أريد أن‌أسألك عن مسألة واللّه ما أريد بها الاّ فكاك رقبتي من النار. فكأنّه رقّ له فاستوى جالسا و قال: يا نجيّة سلني، فلاتسألني اليوم عن شيء الاّ أخبرتك به. قال: جعلت فداك! ما تقول في فلان و فلان؟ قال: يا نجيّة؛ انّ لنا الخمس في كتاب اللّه، و لنا الأنفال، و لناصفو المال و هما و اللّه أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب اللّه و أوّل من حمل الناس على رقابنا، و دماؤنا في أعناقهما الى يوم القيامة و انّ الناس ليتقلّبون في حرام الى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت. فقال نجيّة: انّا للّه و انّا اليه راجعون - ثلاث مرّات - هلكنا و ربّ الكعبة. قال: فرفع جسده (فخذه - خ‌ل) عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم‌أفهم منه شيئا الاّ أنّا سمعناه في آخر دعائه و هو يقول: اللّهمّ انّا قد أحللنا ذلك لشيعتنا. قال: ثمّ أقبل الينا بوجهه فقال: يا نجيّة، ما على فطرة ابراهيم غيرنا و غير شيعتنا».(1)

الثاني من تلك الموارد الأراضي الموات، فقد وردت به الأخبار المتظافرة بل المتواترة على أنّ من أحيا أرضا فهي له. فمن جملة الأخبار صحيحة عمر بن يزيد، قال:

«رأيت مسمعا بالمدينة و قد كان حمل الى أبي عبداللّه عليه السلام تلك السنة مالاً فردّه أبو عبداللّه عليه السلام عليه. فقلت له: لم ردّ عليك أبو عبداللّه عليه السلام المال الذي حملته اليه؟ قال: فقال: انّي قلت له حين حملت اليه المال: انّي كنت ولّيت البحرين الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم و قد جئتك بخمسها ثمانين ألف درهم و كرهت أن‌أحبسها عنك أو أعرض لها و هي حقّك الذي جعله اللّه لك في أموالنا. فقال: أو ما لنا


1) - الوافي 10: 343 / الباب 39 من أبواب الخمس / الحديث 26.

من الأرض و ما أخرج اللّه منها الاّ الخمس؟ يا أباسيّار؛ انّ الأرض كلّها لنا فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا. فقلت له: و أنا أحمل اليك المال كلّه. فقال: يا أباسيّار؛ قد طيّبناه لك و أحللناك منه فضمّ اليك مالك و كلّ ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلونيحلّ ذلك لهم حتّى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم و يترك الأرض في أيديهم. و أمّا ما كان في أيدي غيرهم فانّ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم عنها صغرة».(1)

و أمّا بقيّة الموارد من الأنفال فلم‌يرد فيها دليل قطعي على الاباحة، ففي زمان الحضور يرجع اليهم عليهم‌السلام و في زمان الغيبة فالمرجع فيه الفقيه الجامع لشرائط الافتاء.

خاتمة : في تقسيم الأرضين و حكمها

اشارة

الأرض امّا موات و امّا عامرة، و كلّ منهما امّا أن‌تكون كذلك بالأصالة أو بالعرض، فهذه أربعة أقسام:

فالموات بالأصالة من الأنفال و مالكها الامام عليه السلام كما مرّ، و كذا العامرة بالأصالة. و أمّا الموات بالعرض فان كانت العمارة السابقة أصليّة أو من معمّر و باد أهلها فهي أيضا للامام عليه السلام كما مرّ. و ان كانت من معمّر و لم‌يبِد ففي بقائها في ملك معمّرها أو خروجها عن ملكه أو التفصيل بين ما كان الملك بغير الاحياء فالأوّل أو بالاحياء فالثاني وجوه.


1) - الوافي 10: 286 / الباب 33 من أبواب الخمس / الحديث 2.

و أمّا العامرة بالعرض فان كانت بنفسها فهي أيضا للامام عليه السلام كما مرّ، و ان كانت بالاحياء من معمّر فهي له و يملكها المحيي، و حينئذ فان كان مسلما فلاتخرج عن ملكه الاّ بالمعاملات أو الميراث أو صيرورتها مواتا على الاختلاف فيها، و كذا الذمّي و ان اختلفوا في ملكيّته للرقبة. و ان كان المالك لها كافرا محاربا فان أخذتمنه بغير حرب و عنوة فهي للامام عليه السلام ، و كذا ان صولح عليها على أن‌تكون للامام عليه السلام . و ان صولح عليها على أن‌تكون ملكا للمسلمين أو اغتنمت عنوة فهي للمسلمين و في اختيار الامام عليه السلام يصرف حاصلها في مصالح المسلمين.

مسألة في احياء الموات

قد مرّ أنّ الموات بالأصالة من الأرضين و كذا الخربة التي باد أهلها للامام عليه السلام و هو بضمّ الميم و فتحها و يسمّى أيضا ميتة و موتانا بفتح الميم و الواو، و الموتان بضمّ الميم و سكون الواو. و يرجع في معنى الموات الى العرف لعدم ورود شيء في ذلك من الشارع.

و احياء الموات جائز اجمالاً بالنصّ و الاجماع، و تدلّ عليه روايات معتبرة: فمنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: من أحيا أرضا مواتا فهو له».(1)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أباجعفر عليه السلام يقول: أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض و عمروها فهم أحقّ بها و هي لهم».(2)

و غيرها من الروايات. و اطلاق الأخبار يشمل زمان الحضور و الغيبة.


1) - وسائل الشيعة 25: 412 / الباب 1 من كتاب احياء الموات / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 25: 412 / الباب 1 من كتاب احياء الموات / الحديث 4.

في التصرّف في الأنفال و الأخماس

نعم، قد مرّ أنّ الأرض الموات للامام عليه السلام و قد أباحوها للشيعة، فانّهم أذنوا لشيعتهم في احياء مالهم، و أمّا غيرهم فيحتاجون الى اذنهم و لم‌يأذنوا لهم اذنا عامّا في التصرّف في الأنفال و الأخماس.

قال العلاّمة في المنتهى: «قد بيّنّا أنّ الأرض الخربة و الموات و رؤوس الجبال و بطون الأودية و الآجام من الأنفال يختصّ بها الامام عليه السلام ليس لأحد التصرّف فيهاالاّ باذنه ان كان ظاهرا، و ان كان غائبا جاز للشيعة التصرّف فيها بمجرّد الاذن منهم عليهم‌السلام».(1)

فاعلم أنّه لا منافاة بين اذن الامام عليه السلام في التصرّف في الأراضي الموات بالاحياء و بين ابقاء اختيارها لنفسه، فانّه عليه السلام في عصر حضوره و كذا نائبه في الغيبة له الاختيار في المنع من التصرّف لبعض و ان كان من الشيعة، و الاجازة لبعض آخر و ان كان من غير الشيعة، حسب ما يراه من المصالح الراجعة الى العامّة و تنفيذ العدالة في المجتمع و قطع جذور الاختلاف.

هنا مسألة: اذا أحيى أحد أرضا ثمّ عاد الى الخراب فأحياها آخر فهل يكون الثاني أحقّ بها؟

ففيها صور: فتارة يكون الأوّل معرضا عنها، فحينئذ يكون الثاني أحقّ بها، و أخرى لم‌يكن الأوّل معرضا عنها فحينئذ فان قلنا بأنّ من أحيا أرضا يملكه فعلى الثاني أداء حقّه، و ان قلنا بعدم التمليك بل الأحقّيّة فالحقّ للثاني.

ثمّ ان كانت الأرض للمسلمين فاذا عادت الى الخراب فمن أحياها فهو أحقّ بها.


1) - منتهى المطلب الطبعة القديمة: 936.

بعون اللّه الملك العلاّم و توفيقه

قد تمّ كتاب الخمس بيد أقلّ العباد

سيّد علي محمّد دستغيب ابن المرحوم سيّد علي أكبر

في شهر شعبان المكرّم عام 1417 من الهجرة

و أرجو من اللّه القبول لهذه الوجيزة و أن‌تكون ذخرا

ليوم لاينفع مال و لا بنون الاّ من أتى اللّه بقلب سليم

و فرغنا من المراجعة و استئناف النظر فيه

في شهر رمضان المبارك عام 1430 ه