ghaemiyeh.com
الهادي
إلى أحكام الوصايا و الفرائض
شرح العروة الوثقى للسيّد اليزدي رحمهالله
و شرائع الاسلام للمحقّق الحلّي رحمهالله
المجلّد السادس و العشرون
لِمُؤلِّفِهِ المُحَقِّقِ وَ الفَقيهِ المُدَقِّقِ
سَماحَةِ آيهِاللّهِ سَيِّد عَلي مُحمّد دَستغيب الحُسَيني الشيرازي
سرشناسه : دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلیمحمد، 1313 -
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . برگزیده .شرح
شرایعالاسلام فی مسائلالحلال والحرام .برگزیده .شرح
عنوان و نام پديدآور : الهادی الی احکامالوصایا والفرایض [کتاب]: شرحالعروهالوثقی للسیدالیزدی (ره) و شرایعالاسلام للمحققالحلی (ره)/ لمولفه سیدعلیمحمد دستغیبالحسینیالشیرازی.
مشخصات نشر : قم: موسسه الفلاح للنشر، 1434 ق.= 1392.
مشخصات ظاهری : 527 ص.
فروست : الهادی؛ 26.
شابک : 120000 ریال:978-600-5645-37-8
وضعیت فهرست نویسی : فاپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : این کتاب برگزیده و شرحی بر کتاب " العروهالوثقی" تالیف محمدکاظم یزدی و "شرایعالاسلام فی مسائلالحلال والحرام" تالیف جعفربنحسن محققحلی است.
یادداشت : کتابنامه به صورت زیرنویس.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : محقق حلی، جعفربن حسن، 602 - 676ق . شرایعالاسلام فی مسائلالحلال والحرام -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 7ق.
موضوع : وصیت و وصیتنامهها (فقه)
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. برگزیده. شرح
شناسه افزوده : محقق حلی، جعفربنحسن، 602 - 676ق. شرایعالاسلام فی مسائلالحلال والحرام. برگزیده. شرح
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع40213785 1392
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : 3317794
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الهادي
إلى أحكام الوصايا و الفرائض
شرح العروة الوثقى للسيّد اليزدي رحمهالله
و شرائع الاسلام للمحقّق الحلّي رحمهالله
المجلّد السادس و العشرون
لِمُؤلِّفِهِ المُحَقِّقِ وَ الفَقيهِ المُدَقِّقِ
سَماحَةِ آيهِاللّهِ سَيِّد عَلي مُحمّد دَستغيب الحُسَيني الشيرازي
كتاب الوصيّة
مقدّمة ... 19
في معنى الوصيّة و أقسامها ... 21
في أنّ الوصيّة العهديّة لاتحتاج الى القبول ... 28
فرع في أنّ التمليكيّة عقد أو ايقاع ... 30
في أنّه يصحّ ايقاع القبول بعد وفاة الموصي ... 32
في تضيّق الواجبات الموسّعة بظهور أمارات الموت ... 33
في ردّ الموصى له للوصيّة ... 35
فيما لو أوصى له بشيئين بايجاب واحد ... 40
في عدم جواز تصرّف الورثة في العين الموصى بها ... 42
فيما اذا مات الموصى له قبل القبول أو الردّ ... 44
فرع في الفرق بين الحكم و الحقّ و الملك ... 47
في شمول الحكم لورثة الوارث ... 49
فيما اذا قبل بعض الورثة و ردّ بعضهم ... 50
في كيفيّة انتقال المال الى وارث الموصى له ... 50
في المدار في وارث الموصى له ... 51
فيما اذا كان الموصى به ممّن ينعتق على الموصى له ... 53
الفرع الأوّل في الوصيّة بمن انعتق على الموصى له خاصّة ... 54
الفرع الثاني في الوصيّة بمن انعتق على الوارث ... 55
في عدم الفرق في قيام الوارث مقام الموصى له بين التمليكيّة و العهديّة ... 55
في أنّ اشتراط القبول مختصّ بالتمليكيّة ... 55
في كفاية كلّ ما دلّ على الوصيّة من الألفاظ ... 58
فيما يشترط في الموصي: الأوّل: البلوغ ... 61
الثاني: العقل ... 63
الثالث: الاختيار ... 64
الرابع: الرشد ... 65
الخامس: الحرّيّة ... 66
السادس: أن لايكون قاتل نفسه ... 69
في صحّة وصيّة الأب و الجدّ بالولاية على الأطفال ... 71
الفرع الأوّل في وصيّة الأب و الجدّ بالولاية على الأطفال ... 72
الفرع الثاني في عدم صحّة الوصيّة من الأب و الجدّ مع وجود الآخر ... 74
الفرع الثالث في عدم صحّة الوصيّة بالولاية من غير الأب و الجدّ ... 75
الفرع الرابع فيما لو أوصي الى غير الأب و الجدّ فيما يرجع الى الأطفال ... 76
فصل في الموصى به / 77
في صحّة الوصيّة بكلّ ما يكون فيه غرض عقلائي محلّل ... 77
فرع في الوصيّة بمال الغير ... 79
في اشتراط كون الوصيّة بمقدار الثلث أو بأقلّ منه ... 81
فرع فيما لو أجاز الزائد بعض الورثة ... 85
في أنّه لايشترط في نفوذها قصد الموصي كونها من الثلث ... 86
فيما اذا أوصى بالأزيد أو بتمام تركته ... 87
في اجازة الوارث بعد وفاة الموصي و قبله ... 89
فرع في أنّ الاجازة تنفيذ أو هبة؟ ... 91
فيما لو أجاز الورثة الزائد من الثلث ثمّ قالوا: ظننّا أنّه قليل ... 92
في أنّ المدار في اعتبار الثلث على حال وفاة الموصي ... 95
فيما لو تلف من التركة بعد موت الموصي ... 98
فيما اذا حصل للموصي مال بعد الموت ... 100
فرع فيما لو أوصى ثمّ قتل ... 101
شرح مسائل من الوصيّة من شرائع الاسلام / 105
في المسائل المتعلّقة بالموصى به / 105
فيما لو أوصى بواجب و غيره ... 105
فيما لو أوصى لشخص بثلث و لآخر بربع و لآخر بسدس و لميجز الورثة ... 106
فيمن أوصى بجزء من ماله ... 107
فيما لو أوصى بوجوه فنسي الوصي وجها ... 109
فيما لو أوصى باخراج بعض ولده من تركته ... 110
في المسائل المتعلّقة بالأوصياء / 114
فيما يعتبر في الوصي ... 114
الأوّل و الثاني: العقل و البلوغ ... 115
فرع فيما لو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل ... 117
الثالث: الاسلام ... 117
الرابع: العدالة أو الوثاقة ... 118
فيما لو أوصى الى اثنين ... 121
الفرع الأوّل فيما لو أوصى الى اثنين و شرط اجتماعهما أو أطلق ... 121
الفرع الثاني فيما لو تشاحّا ... 122
الفرع الثالث فيما لو مرض أحدهما أو مات أو فسق ... 123
في أنّ الوصي أمين ... 124
فيما لو كان للوصي دين على الميّت ... 124
في شراء الوصي لنفسه من نفسه ... 126
في وصيّة الوصي ... 127
فيما لو مات من لا وصي له ... 129
في جواز أخذ أجرة المثل لمن يتولّى أموال اليتيم ... 130
في أنّ الوصيّة عقد جائز ... 133
في أنّ الوصيّة بعد ما وقعت تبقى على حالها و ان طالت المدّة ... 136
في طرق ثبوت الوصيّة ... 137
في طرق ثبوت الوصيّة بالمال ... 139
في طريق ثبوت الوصيّة بالولاية ... 142
فيما اذا كانت الورثة كبارا و أقرّوا كلّهم بالوصيّة ... 142
فيما لو أقرّ الوارث بأصل الوصيّة ... 144
الكلام في منجّزات المريض / 145
فيما لو أقرّ بدين أو عين من ماله لوارث أو أجنبي ... 150
كتاب الفرائض / 157
النظر الأوّل في المقدّمات / 161
المقدّمة الأولى في موجبات الارث / 163
في تقسيم الورّاث ... 165
فيما اذا كان الوارث لا فرض له و لميشاركه آخر ... 166
في أنّه ان كان الوارث ذا فرض أخذ نصيبه ... 167
فيما ان كان مع الوارث مساوٍ ذو فرض و كانت التركة بقدر السهام ... 168
المقدّمة الثانية في موانع الارث / 171
الأوّل: الكفر / 171
فيما لو مات كافر و له ورثة كفّار و وارث مسلم ... 172
الفرع الأوّل فيما لو مات كافر و له وارث مسلم ... 173
الفرع الثاني فيما لو لميخلّف الكافر مسلما ... 174
الفرع الثالث فيما لو كان للمسلم ورثة كفّار ... 175
في أنه اذا أسلم الكافر على ميراث قبل قسمته شارك أهله ... 178
الفرع الأوّل فيما اذا أسلم الكافر على ميراث ... 178
الفرع الثاني فيما لو كان وارث الكافر واحدا ... 180
الفرع الثالث فيما لو لميكن وارث مسلم سوى الامام فأسلم واحد منهم ... 182
الفرع الرابع فيما لو أنكر المسلم القسمة ... 183
فيما لو كان الوارث زوجا أو زوجة و آخر كافرا ... 184
الفرع الأوّل فيما لو كان الوارث زوجا مع كافر ... 184
الفرع الثاني فيما لو كان الوارث زوجة مع كافر ... 186
الفرع الثالث فيما اذا مات الكافر و له أولاد كفّار و زوجة أسلمت بعد موته ... 191
فيما اذا كان أحد أبوي الطفل مسلما أو أسلم ... 192
فيما لو خلّف نصرانيّ أولادا صغارا و ابن أخ و ابن أخت مسلمين ... 198
في أنّ المسلمين يتوارثون و ان اختلفوا في المذاهب ... 201
في تقسيم تركة المرتدّ ... 209
الفرع الأوّل في المرتدّ الفطري و الملّي ... 209
الفرع الثاني في حكم المرتدّ الفطري ... 211
الفرع الثالث في توبة المرتدّ الفطري ... 217
الفرع الرابع في المرأة المرتدّة ... 222
الفرع الخامس في المرتدّ الملّي ... 225
الفرع السادس في شرائط الارتداد ... 230
الثاني: القتل / 233
الفرع الأوّل في أقسام القتل ... 233
الفرع الثاني فيما هو المانع من أقسام القتل ... 235
الفرع الثالث في استواء الأب و الولد و غيرهما من ذوي الأنساب و الأسباب ... 243
الفرع الرابع في الصبي و المجنون ... 244
الفرع الخامس في المباشر و السبب ... 245
الفرع السادس في تعدّد القاتل و المقتول ... 246
الفرع السابع في شرطيّة استقرار الحياة ... 246
فيما لو لميكن وارث سوى القاتل ... 247
فيما لو قتل أباه، و للقاتل ولد، و لميكن هناك ولد للصلب ... 248
فيما لو كان للقاتل وارث كافر ... 249
«المسألة الأولى»: فيما اذا لميكن للمقتول وارث سوى الامام ... 249
«المسألة الثانية»: في أنّ الدية في حكم مال المقتول ... 251
«المسألة الثالثة»: في أنّه يرث الدية كلّ مناسب أو مسابب عدا من يتقرّب بالأمّ ... 254
في أنّه لايرث أحد الزوجين القصاص ... 257
الثالث: الرقّ / 259
فيما لو كان الوارث اثنين فصاعدا فعتق المملوك قبل القسمة ... 260
فيما اذا لميكن للميّت وارث سوى المملوك ... 261
فيما لو قصر المال عن ثمن المملوك ... 262
«المسألة الأولى»: في أنّه يفكّ الأبوان للارث ... 266
«المسألة الثانية»: في أنّ أمّ الولد لاترث ... 266
في لواحق أسباب المنع / 267
«الأوّل»: اللعان ... 267
«الثاني»: الغائب غيبة منقطعة ... 268
«الثالث»: الحمل يرث بشرط انفصاله حيّا ... 270
«الرابع»: اذا مات و عليه دين يستوعب التركة ... 272
المقدّمة الثالثة في الحجب / 275
في أنّه لايشارك الأولاد في الارث سوى الأبوين و الزوج أو الزوجة ... 278
في أنّ الأعمام و الأخوال و أولادهم، و ان نزلوا يمنعون أعمام الأب و أخواله ... 279
في الحجب عن بعض الفرض ... 280
في حجب الاخوة ... 282
المقدّمة الرابعة في مقادير السهام و اجتماعها / 291
في اجتماع الفروض ... 294
في التعصيب ... 296
في العول ... 397
النظر الثاني في المقاصد / 305
المقصد الأوّل في ميراث الأنساب / 307
المرتبة الأولى: الأبوان و الأولاد / 307
«المسألة الأولى»: في أنّ أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم في مقاسمة الأبوين ... 313
الفرع الأوّل في قيام أولاد الأولاد مقام آبائهم مع الأبوين ... 313
الفرع الثاني في منع الأولاد من يتقرّب بهم و بالأبوين ... 315
الفرع الثالث في كيفيّة ارث أولاد الأولاد ... 317
«المسألة الثانية»: في أنّ أولاد البنت يقتسمون نصيبهم ... 319
«المسألة الثالثة»: في الحبوة المتعلّقة بالولد الأكبر ... 320
الفرع الأوّل في أنّ التخصيص على سبيل الوجوب. ... 321
الفرع الثاني في أنّ هذا التخصيص يكون مجّانا. ... 322
الفرع الثالث فيما يقع فيه التخصيص ... 324
الفرع الرابع فيمن يقع له التخصيص ... 326
الفرع الخامس في وجوب قضاء ما فات من الوالد على الولد الأكبر ... 328
الفرع السادس فيما يتعلّق بتلك الأربعة المحبوّة ... 329
الفرع السابع فيما بقي من بعض أحكام الحبوة ... 330
«المسألة الرابعة»: في أنّه لايرث الجدّ و لا الجدّة مع أحد الأبوين شيئا ... 332
الفرع الأوّل في عدم ارث الجدّ و الجدّة مع أحد الأبوين ... 333
الفرع الثاني يستحبّ لأبوي الميّت أنيطعما أبويهما ... 335
الفرع الثالث في اشتراط زيادة نصيب المطعم عن السدس ... 337
الفرع الرابع يعتبر في استحباب الطعمة حياة الأبوين ... 338
الفرع الخامس في باقي أحكام الطعمة ... 339
المرتبة الثانية: الاخوة و الأجداد / 343
في أنّه يقوم مقام كلالة الأب و الأمّ مع عدمهم، كلالة الأب ... 345
فيما لو انفرد الواحد من ولد الأمّ ... 347
فيما لو كان الاخوة متفرّقين ... 349
في أنّ الجدّ اذا انفرد فالمال له ... 351
الفرع الأوّل في ميراث الجدّ و الجدّة عند الانفراد و الاجتماع ... 351
الفرع الثاني في اجتماع الاخوة و الأجداد ... 353
في أنّ الزوج و الزوجة يأخذان نصيبهما الأعلى مع الاخوة ... 355
الفرع الأوّل في أنّ الزوج و الزوجة يأخذان نصيبهما الأعلى مع الاخوة ... 356
الفرع الثاني في أنّ الزائد عن السهام يردّ على من يردّ عليه النقص ... 357
في أنّ الجدّ و ان علا يقاسم الاخوة مع عدم الأدنى ... 360
فيما اذا ترك جدّ أبيه، و جدّته لأبيه، و جدّه و جدّته لأمّه و مثلهم للأمّ ... 361
في أخ من أمّ مع ابن أخ لأب و أمّ، ... 364
«خاتمة»: في أولاد الاخوة و الأخوات ... 365
مسائل ... 367
المرتبة الثالثة: الأعمام و الأخوال / 374
الفرع الأوّل في ميراث الأعمام و العمّات ... 375
الفرع الثاني فيما اذا اجتمع ابن عمّ لأب و أمّ مع عمّ لأب ... 377
في ميراث الأخوال ... 380
الفرع الأوّل في ميراث الخال و الخالة ... 381
الفرع الثاني فيما اذا اجتمع الخؤولة مع العمومة مجتمعين ... 382
الفرع الثالث فيما اذا اجتمع الأخوال و الأعمام متفرّقين ... 384
فيما لو اجتمع عمّ الأب و عمّته و خاله و خالته و عمّ الأمّ و عمّتها و خالها و خالتها ... 385
في أنّ عمومة الميّت و خؤولته أحقّ بالميراث من عمومة الأب و خؤولته ... 386
في أنّ أولاد العمومة المتفرّقين، يأخذون نصيب آبائهم ... 387
فيما اذا اجتمع للوارث سببان ... 387
فيما اذا دخل الزوج أو الزوجة على الخؤولة و الخالات و العمومة و العمّات ... 390
في أنّ حكم أولاد الخؤولة مع الزوج و الزوجة حكم الخؤولة ... 393
المقصد الثاني في مسائل من أحكام الأزواج / 393
«الأولى»: الزوجة ترث ما دامت في حبال الزوج، و ان لميدخل بها ... 393
الفرع الأوّل في أنّه ترث الزوجة الزوج و يرثها و ان لميدخل بها ... 394
الفرع الثاني في أنّه لو طلّقت رجعيّة توارثا اذا مات أحدهما في العدّة ... 394
الفرع الثالث في أنّه لاترث في العدّة البائنة و لايرثها الزوج ... 395
«الثانية»: في أنّ للزوجة مع عدم الولد الربع ... 397
«الثالثة»: فيما اذا طلّق واحدة من أربع، و تزوّج أخرى، ثمّ اشتبهت المطلّقة ... 398
«الرابعة»: فيما اذا زوّج الصبيّة أبوها أو جدّها لأبيها ... 398
«الخامسة»: في أنّه اذا كان للزوجة من الميّت ولد، ورثت من جميع ما ترك ... 403
«السادسة»: في أنّ نكاح المريض مشروط بالدخول ... 410
المقصد الثالث في الميراث بالولاء / 413
«الأوّل»: ولاء العتق / 413
في أنّه لو نكّل به فانعتق كان سائبة ... 415
فيما لو عدم المنعم ... 416
في أنّه يرث الولاء الأبوان و الأولاد و مع الانفراد لايشتركهما أحد ... 419
في أنّه هل ترث الأخوات ... 419
في أنّه يشترك الاخوة، الأجداد و الجدّات، و مع عدمهم الأعمام و العمّات و بنوهم ... 420
في أنّ المنعم لايرثه المعتق و لو لميخلّف وارثا ... 421
«المسألة الأولى»: في أنّ ميراث ولد المعتقة لمن أعتقهم ... 422
«المسألة الثانية»: فيما لو تزوّج مملوك بمعتقة فأولدها ... 423
«المسألة الثالثة»: فيما لو أنكر المعتق ولد زوجته المعتقة فلاعنته ... 423
«المسألة الرابعة»: في أنّه ينجرّ الولاء من مولى الأمّ الى مولى الأب ... 424
«المسألة الخامسة»: في امرأة أعتقت مملوكا فأعتق المعتق آخر، فمات أحدهما ... 425
«المسألة السادسة»: فيما ان أولد العبد بنتين من معتقة، فاشترتا أباهما ... 426
«المسألة السابعة»: فيما لو اشترى أحد الولدين مع أبيه مملوكا فأعتقاه ... 427
«المسألة الثامنة»: فيما اذا أولد العبد من معتَقة ابنا فولاء الابن لمعتق أمّه ... 427
«الثاني»: في ولاء تضمّن الجريرة / 428
«الثالث»: في ولاء الامامة / 430
«المسألة الأولى»: فيما يؤخذ من أموال المشركين في حال الحرب ... 433
«المسألة الثانية»: فيما يؤخذ غيلة من أهل الحرب ... 434
«المسألة الثالثة»: فيمن مات من أهل الحرب و خلّف مالاً ... 435
النظر الثالث في اللواحق / 437
الفصل الأوّل في ميراث ولد الملاعنة و ولد الزنا / 439
في أنّه في كلّ هذه المراتب ارث الذكر و الأنثى سواء ... 441
«المسألة الأولى»: في أنّه لا عبرة بنسب الأب هنا ... 444
«المسألة الثانية»: فيما اذا ماتت أمّه و لا وارث لها سواه ... 445
«المسألة الثالثة»: فيما لو أنكر الحمل و تلاعنا، فولدت توأمين ... 445
«المسألة الرابعة»: فيما لو تبرّأ عند السلطان من جريرة ولده و من ميراثه ... 446
في أنّ ولد الزنا لا نسب له، و لايرثه الزاني و لا التي ولدته ... 447
الفصل الثاني في ميراث الخنثى / 451
في أنّه ان انفرد أخذ المال، و ان كانوا أكثر، فعلى القرعة ... 457
فيما لو اجتمع مع الخنثى ذكر بيقين ... 457
في أنّه ان اتّفق معهم زوج أو زوجة ... 461
فيما اذا كان أبوان أو أحدهما مع خنثى ... 462
فيما لو كان مع الأبوين خنثيان فصاعدا ... 463
في أنّ الاخوة من الأمّ لا حاجة في حسابهم الى هذه الكلفة ... 464
«المسألة الأولى»: في أنّ من ليس له فرج الرجال و لا النساء، يورّث بالقرعة ... 465
«المسألة الثانية»: في أنّ من له رأسان و بدنان على حقوٍ واحد ... 466
«المسألة الثالثة»: في أنّ الحمل يرث ان ولد حيّا ... 468
«المسألة الرابعة»: فيما اذا ترك أبوين أو أحدهما أو زوجا أو زوجة، و ترك حملاً ... 470
«المسألة الخامسة»: فيما لو كان للميّت ابن موجود و حمل ... 471
«المسألة السادسة»: في أنّ دية الجنين يرثها أبواه ... 471
«المسألة السابعة»: في أنّه اذا تعارف اثنان ورث بعضهم من بعض ... 472
«المسألة الثامنة»: في أنّ المفقود يتربّص بماله ... 473
الفصل الثالث في ميراث الغرقى و المهدوم عليهم / 477
في أنّ هؤلاء يرث بعضهم من بعض اذا كان لهم أو لأحدهم مال ... 477
فرع فيما لو ماتا بغير الهدم و الغرق ... 479
في أنّه يورّث بعضهم من بعض، و لايورّث الثاني ممّا ورث منه ... 480
في أنّ في وجوب تقديم الأضعف في التوريث تردّد ... 483
فيما لو غرق أب و ابن ... 486
فيما اذا كان كلّ واحد منهما أولى من بقيّة الورّاث ... 486
الفصل الرابع في ميراث المجوسي / 489
«المسألة الأولى»: في أنّ المسلم لايرث بالسبب الفاسد ... 495
«المسألة الثانية»: في أنّ المسلم يرث بالنسب الحاصل من الشبهة ... 495
خاتمة في حساب الفرائض / 497
المقصد الأوّل في مخارج الفروض الستّة و طريق الحساب / 499
«القسم الأوّل»: أنتكون الفريضة بقدر السهام ... 504
فيما لو انكسرت على أكثر من فريق ... 505
في تداخل العددين ... 509
في توافق العددين ... 510
تتمّة في أنّ العددين: امّا متساويان، أو مختلفان ... 511
«القسم الثاني»: أنتكون الفريضة قاصرة عن السهام ... 512
«القسم الثالث»: أنتزيد الفريضة عن السهام ... 513
المقصد الثاني في المناسخات / 515
فيما لو اختلف الاستحقاق أو الورّاث أو هما ... 516
فيما اذا لمينقسم نصيبه على وارثه على صحّة ... 517
المقصد الثالث في معرفة سهام الورّاث من التركة / 521
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه
محمّد و آله الطيّبين الطاهرين
أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه من الواجب الكفائي؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلىاللهعليهوآله و أوصيائه عليهمالسلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.
و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهمالسلام في بيان تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، و أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أنتكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته، و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد صلىاللهعليهوآله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد المجدّد آيهاللّه العظمى الامام الخميني قدسسره المحيي للاسلام في عصرنا هذا. فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهمالسلام أنيصرفوا أعمارهم أو أغلب أوقاتهم في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم حول الأحكام و غيرها.
و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان
اشتغلت قبل حوالي خمس و عشرين سنة بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب من ابتداء كتاب الصلاة من العروة الوثقى و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت كتابا فسمّيته «الهادي إلى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى».
و لمّا فرغنا من شرح كتاب العروة الذي لايشتمل على بعض أبواب الفقه واصلنا دراستنا الفقهيّة بشرح سائر الكتب لعلمائنا السلف.
و الذي بين يديك هو شرح كتاب الوصيّة من العروة الوثقى، باضافة المسائل التي لميتعرّض لها من مباحث الوصيّة و قد أتينا بها من «شرائع الاسلام»، و هو كتاب موجز مفيد في أحكام الشريعة للعالم الماهر المحقّق الحلّي أعلى اللّه مقامه. و يتلو شرح كتاب الوصيّة في هذا المجلّد شرح كتاب الفرائض من شرائع الاسلام ان شاء اللّه.
فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر ليست هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آيهاللّه العظمى الشيخ حسنعلي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.
سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ذي الحجّة 1434
و هي امّا مصدر وصى يصي، بمعنى الوصل حيث انّ الموصي يصل تصرّفه بعد الموت بتصرّفه حال الحياة. و امّا اسم مصدر بمعنى العهد من «وصّى يوصّي توصية» أو «أوصى يوصي ايصاء». و هي امّا تمليكيّة أو عهديّة. و بعبارة أخرى امّا تمليك عين أو منفعة أو تسليط على حقّ أو فكّ ملك أو عهد متعلّق بالغير أو عهد متعلّق بنفسه كالوصيّة بما يتعلّق بتجهيزه و تنقسم انقسام الأحكام الخمسة.
الشرح:
و لنقدّم أمورا:
الأوّل: انّ الوصيّة هي عهد ممّا عاهد اللّه تعالى أنبياءه و ممّا عاهدوا أممهم، فانّهم أوصوا أممهم و أوصياءهم بالتوحيد و ذكر المعاد و غير ذلك من أركان الدين، قال تعالى: «شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا»(1)و قال تعالى بعد بيان عدّة من أصول الدين و فروعه: «ذلكم وصّاكم به لعلّكم تعقلون»(2)و قال
تعالى فيما عاهد ابراهيم بنيه: «و وصّى بها ابراهيم بنيه»(1)الى غير ذلك.
هذا فيما بين اللّه تعالى و أنبيائه و خلقه، و أمّا ما عاهد به الانسان فهو آخر عهد يقع منه في دار الفناء و أوّل التزام يصدر منه بالنسبة الى شؤونه في دار البقاء كما ورد الحثّ عليه في الروايات المتعدّدة:
منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
قال أبو جعفر عليهالسلام: الوصيّة حقّ و قد أوصى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فينبغي للمسلم أن يوصي».(2)
و منها صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الوصيّة، فقال: هي حقّ على كلّ مسلم».(3)
و مثلها صحيحة محمّد و زيد الشحّام و مرسلة المفيد.(4)
و منها مرسلة الشيخ في المصباح قال:
«روي أنّه لاينبغي أنيبيت الاّ و وصيّته تحت رأسه».(5)
و مثلها مرسلة أخرى للمفيد رحمهالله.(6)
و منها مرسلة ثالثة له قال:
«قال عليهالسلام: من مات بغير وصيّة مات ميتة جاهليّة».(7)
و قد وردت روايات بكراهة ترك الوصيّة:
منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
1) - البقرة 2: 132.
2) - وسائل الشيعة 19: 257 / الباب 1 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 19: 257 / الباب 1 من كتاب الوصايا / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 19: 258 / الباب 1 من كتاب الوصايا / الأحاديث 3 و 4 و 6.
5) - وسائل الشيعة 19: 258 / الباب 1 من كتاب الوصايا / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 19: 258 / الباب 1 من كتاب الوصايا / الحديث 7.
7) - وسائل الشيعة 19: 259 / الباب 1 من كتاب الوصايا / الحديث 8.
قال له رجل: انّي خرجت الى مكّة و صحبني رجل فكان زميلي فلمّا أنكان في بعض الطريق مرض و ثقل ثقلاً شديدا فكنت أقوم عليه ثمّ أفاق حتّى لميكن عندي به بأس فلمّا أنكان في اليوم الذي مات فيه أفاق فمات في ذلك اليوم، فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: ما من ميّت تحضره الوفاة الاّ ردّ اللّه عليه من بصره و سمعه و عقله للوصيّة آخذ للوصيّة أو تارك، و هي الراحة التي يقال لها راحة الموت فهي حقّ على كلّ مسلم».(1)
و منها رواية الوليد بن صبيح قال:
«صحبني مولىً لأبي عبداللّه عليهالسلام يقال له أعين، فاشتكى أيّاما ثمّ برأ ثمّ مات فأخذت متاعه و ما كان له فأتيت به أبا عبداللّه عليهالسلام فأخبرته أنّه اشتكى أيّاما ثمّ برأ ثمّ مات. قال: تلك راحة الموت أما انّه ليس من أحد يموت حتّى يردّ اللّه عزّوجلّ من سمعه و بصره و عقله للوصيّة أخذ أو ترك».(2)
و أمّا كيفيّتها فقد ورد استحباب الوصيّة بالمأثور كما رواه سليمان بن جعفر عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: من لميحسن وصيّته عند الموت كان نقصا في مروءته و عقله، قيل: يا رسولاللّه و كيف يوصي الميّت؟ قال: اذا حضرته وفاته و اجتمع الناس اليه قال: اللّهمّ فاطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم اللّهمّ انّي أعهد اليك في دار الدنيا أنّي أشهد أنلا اله الاّ أنت وحدك لا شريك لك و أنّ محمّدا عبدك و رسولك و أنّ الجنّة حقّ و أنّ النار حقّ و أنّ البعث
حقّ و الحساب حقّ و القدر و الميزان حقّ و أنّ الدين كما وصفت و أنّ الاسلام كما شرعت و أنّ القول كما حدّثت و أنّ القرآن كما أنزلت و أنّك أنت اللّه الحقّ المبين، جزى اللّه محمّدا خير الجزاء و حيّا محمّدا و آل محمّد بالسلام، اللّهمّ يا عدّتي عند كربتي و صاحبي عند شدّتي و يا وليّ نعمتي الهي و اله آبائي لاتكلني الى نفسي طرفة عين أبدا فانّك ان تكلني الى نفسي أقرب من الشرّ و أبعد من الخير فآنس في القبر وحشتي و اجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا، ثمّ يوصي بحاجته و تصديق هذه الوصيّة في القرآن في السورة التي يذكر فيها مريم في قوله عزّوجلّ: «لايملكون الشفاعة الاّ من اتّخذ عند الرحمن عهدا» فهذا عهد الميّت و الوصيّة حقّ على كلّ مسلم أنيحفظ هذه الوصيّة و يعلّمها. قال أميرالمؤنين عليهالسلام: علّمنيها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، و قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: علّمنيها جبرئيل عليهالسلام».(1)
و كان فيما رواه الشيخ في المصباح مرسلاً نحوه مع زيادات في الدعاء و زاد أيضا: «و قال النبي صلىاللهعليهوآله لعلي عليهالسلام: تعلّمها أنت و علّمها أهلبيتك و شيعتك».(2)
و قد وردت روايات من طرق الخاصّة و العامّة دلّت على أنّ النبي صلىاللهعليهوآله و الأئمّة عليهمالسلام أوصوا الى أوصيائهم فراجع.(3)
الثاني: في معنى الوصيّة لغة و شرعا.
قال في مجمع البحرين: «الوصيّة: فعيلة من وصى يصي: اذا وصل الشيء بغيره؛ لأنّ الموصي يوصل تصرّفه بعد الموت بما قبله، و في الشرع هي تمليك العين أو المنفعة بعد الوفاة أو جعلها في جهة مباحة. و أوصيت له بشيء و
أوصيت اليه: اذا جعلته وصيّك، و الاسم «الوصاية» بالكسر و الفتح».
و قال شيخنا الأعظم رحمهالله: «الوصايا جمع وصيّة و هي اسم مصدر من «أوصاه و وصّاه توصية»، أي: عهد اليه كما في القاموس. و هو أولى ممّا في جملة من كتب الفقه من أخذها من «وصى يصي» بمعنى «وصل» لوصل الموصي تصرّفه بعد الموت بتصرّفه قبل الموت؛ لأنّ الألفاظ المستعملة من هذه المادّة في الكتاب و السنّة و كتب الفقهاء من باب الافعال و التفعيل، لا الثلاثي المجرّد. اللّهمّ الاّ أنيريدوا أنّ أصل هذه اللفظة مأخوذة من «وصى يصي» حتّى أنّ الايصاء و التوصية بمعنى العهد مأخوذ من ذلك، لا أنّ الوصيّة المذكورة في الاستعمالات مصدر «وصى يصي» فلا خلاف في المعنى و لعلّ هذا هو المتعيّن. - الى أنقال: - و الغرض من ذلك كلّه أنّ الوصيّة في الكتاب و السنّة و ألسنة الفقهاء بمعنى العهد الى الغير، الاّ أنّ هذا المعنى قد يتعلّق بتمليك شخص شيئا من ماله، و قد يرجع الى تسليط في التصرّف و قد يتعلّق بفعل آخر: كفكّ ملك بتحرير أو وقف و قد يرجع الى أمر يتعلّق بنفس الموصي كأمر تجهيزه و دفنه، و قد يتعلّق بغير ذلك».(1)
أقول:
ما قاله شيخنا الأعظم هو المتعيّن كما يشهد له استعماله في القرآن و السنّة و كلمات الفقهاء، فقد استعمل من الوصيّة و الايصاء و مشتقّاتهما في القرآن قريب من خمسة و عشرين موردا كقوله تعالى: «من بعد وصيّة يوصى بها أو دين» و «من بعد وصيّة توصون بها أو دين»(2)و «كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصيّة»(3)و «و وصّى بها ابراهيم بنيه»(4)الى غير
ذلك. فانّ الوصيّة في جميع هذه الموارد مستعملة في العهد و اسم مصدر من «وصّى يوصّي توصية أو أوصى يوصي ايصاءً».
و ان كان يمكن أنيقال بأنّ الأصل فيها هو «وصى يصي» بمعنى الوصل.
و الفرق بين المصدر و اسمه - كما قرّر في محلّه - أنّ الأوّل له معنى حدثي و لوحظ من حيث مجرّد الحدثيّة كما في «الغَسل»، بخلاف اسم المصدر فانّه من حيث انّه صفة من الصفات و شيء من الأشياء مستقلاًّ يطلق عليه اسم المصدر و له معنى اسمي و قد يكون نتيجة أفعال متعدّدة كما في «الغُسل» الذي يكون اسم مصدر من «اغتسل يغتسل» أو «الوضوء» الذي هو اسم مصدر من «توضّأ يتوضّأ».
ثمّ لايخفى أنّ المراد بها في عرف المتشرّعة انّما هو قسم خاصّ و حصّة معيّنة من العهد و هي ما يتعلّق بما بعد الموت خاصّة.
و قد عرفت أنّ المصنّف رحمهالله عرّفها بتقسيمها الى التمليكيّة و العهديّة، ولكن الظاهر - كما في المهذّب(1)- أنّ الوصيّة الشائعة بين الناس على اختلاف مللهم و أديانهم أوضح من أنيعرّفها الفقهاء بهذه التعريفات، فايكال بيان مفهومها الى مرتكزاتهم أحسن و أولى لأنّهم يرون قوام الوصيّة بالعهد في جميع أنحائها و أقسامها، و ان اختلف متعلّق العهد الى أمور و أقسام ففي تمليك العين و المنفعة عهد من الموصي بتمليكهما و كذا في الوصاية بالقيمومة و الولاية عهد بهما و اختلاف المتعلّق لايوجب الاختلاف في حقيقة الوصيّة، فالجامع بين تمام الأقسام هو العهد الاّ أنّ متعلّقه يختلف باختلاف الخصوصيّات.
و في المستمسك: «الوصيّة بحسب عرف الفقهاء و المتشرّعة هي العهد في حال الحياة بما بعد الوفاة. و الوجه في هذا الاصطلاح ليس هو ملاحظة وصل الممات بالحياة بل المتابعة للقرآن المجيد حيث عبّر عن العهد المذكور بالوصيّة
1) - مهذّب الأحكام 22: 133.
مثل ما تقدّم كقوله تعالى: «كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصيّة للوالدين و الأقربين» و «الذين يتوفّون منكم و يذرون أزواجا وصيّة لأزواجهم» و غير ذلك. قال في الشرائع: «و هي تمليك عين أو منفعة بعد الوفاة». و نسب ذلك الى أكثر الأصحاب و يشكل بأنّه غير جامع لخروج الوصيّة بالولاية على الثلث، و بالولاية على الأطفال و المجانين الذين تجوز له الوصيّة عليهم، مع أنّها من الوصيّة.
قال في المسالك: «و ينتقض في عكسه أيضا بالوصيّة بالعتق فانّه فكّ ملك، لا تمليك للعبد نفسه و كذلك التدبير، و الوصيّة بابراء المديون و بوقف المسجد فانّه فكّ ملك، و الوصيّة بالمضاربة و المساقاة، فانّهما و ان أفادا ملك العامل للحصّة من الربح و الثمرة على تقدير ظهورهما الاّ أنّ حقيقتهما ليست كذلك و قد لايحصل ربح و لا ثمرة فينتفي التمليك».
و فيه: المنع من صحّة الوصيّة بما ذكر عدا التدبير الذي دلّ عليه الدليل. و أمّا غيره ممّا ذكر فلا دليل على صحّة الوصيّة فيه، للاجماع على بطلان الانشاء المعلّق بلا فرق بين أنيكون المعلّق عليه الموت و غيره. فلايصحّ الوقف و الابراء و المضاربة و المساقاة المعلّقة على الموت. انتهى ملخّصا».(1)
الثالث: في انقسامها بحسب الأحكام الخمسة:
الوصيّة الواجبة هي الوصيّة بتفريغ الذمّة ممّا اشتغلت به من الواجبات و الديون.
و المحرّمة هي الوصيّة بما حرّمه اللّه كقطع الرحم أو الاشتغال ببعض التكسّبات المحرّمة. و المندوبة هي الوصيّة بالقربات و المبرّات و المستحبّات.
و المكروهة كالوصيّة بتفضيل بعض الورثة على بعض في ما يوصي لهم من
1) - مستمسك العروة 14: 534 و 535.
الأموال بلا مرجّح ديني كما سيأتي، و الوصيّة باتّخاذ المكاسب المكروهة.
والمباحة هي الوصيّة بالمباحات و هي كثيرة كما في وصيّته لأولاده بالاشتغال بالمكاسب المباحة.
(مسألة 1): الوصيّة العهديّة لاتحتاج الى القبول و كذا الوصيّة بالفكّ كالعتق، و أمّا التمليكيّة فالمشهور على أنّه يعتبر فيها القبول جزءا، و عليه تكون من العقود أو شرطا - على وجه الكشف أو النقل - فيكون من الايقاعات، و يحتمل قويّا عدم اعتبار القبول فيها بل يكون الردّ مانعا، و عليه تكون من الايقاع الصريح. و دعوى أنّه يستلزم الملك القهري و هو باطل في غير مثل الارث، مدفوعة بأنّه لا مانع منه عقلاً و مقتضى عمومات الوصيّة ذلك مع أنّ الملك القهري موجود في مثل الوقف.
الشرح:
بناءً على ما تقدّم منّا في بيان معنى الوصيّة و أن معناها العهد، فالفرق بين قسميها يرجع الى متعلّقهما فانّ الوصيّة العهديّة عبارة عن الوصيّة بأمر يتعلّق بنفس الموصي كتجهيزه من التغسيل و التكفين و الصلاة عليه و تدفينه أو الاستئجار للحجّ أو الصلاة أو الصوم أو نحوها له، أو يتعلّق بغير الموصي كالوصيّة بفعل شيء كالزيارة أو الاطعام.
و التمليكيّة هو أنيوصي بشيء من تركته لشخص خاصّ كزيد مثلاً، و معنى كونها تمليكيّة صيرورة الموصى له، مالكا لذلك الشيء بنفس هذه الوصيّة ملكيّة معلّقة على موت الموصي و بالموت تتنجّز الملكيّة، لا أنّه يوصي بتمليكه بعد الموت و جعله ملكا له بعد الموت، و يلحق بها الايصاء بالتسليط على حقّ.
و أمّا الايصاء بالفكّ كالتدبير و الوصيّة بالعتق و نحوهما فيمكن الحاقه
بالوصيّة التمليكيّة و ان جعلها بعض قسما ثالثا من الوصيّة و سمّوها بالوصيّة الفكّيّة، كما صنع الامام الخميني في تحرير الوسيلة.(1)
و قال شيخنا الأعظم الأنصاري رحمهالله: «انّ الوصيّة في الكتاب و السنّة و ألسنة الفقهاء بمعنى العهد الى الغير الاّ أنّ هذا المعنى قد يتعلّق بتمليك شخص شيئا من ماله و قد يرجع الى تسليط في التصرّف و قد يتعلّق بفعل آخر كفكّ ملك بتحرير أو وقف و قد يرجع الى أمر يتعلّق بنفس الموصي كأمر تجهيزه و دفنه، و قد يتعلّق بغير ذلك».(2)
اذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الوصيّة العهديّة بالنسبة الى الموصى اليه و هو الوصي لاتحتاج الى القبول و ذلك للأصل و للسيرة المستمرّة و الوجدان كما في المهذّب، فانّ الوصيّة عهد و العهد يحصل سواء قبل الطرف أم لا، فاذا قال: «أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه» فلميعملوا، يقال: انّه وصّاهم فلميقبلوا.
هذا مضافا الى اطلاق أدلّة الوصيّة المتقدّم بعضها كما في مرسلة الشيخ رحمهالله من أنّه «لاينبغي للمسلم أنيبيت الاّ و وصيّته تحت رأسه».
فانّها و غيرها ظاهرة في انفاذ الوصيّة و لزوم العمل بها و باطلاقها تشمل ما لو لميطّلع عليها أحد.
و في المباني: «و هو يتمّ على اطلاقه بالنسبة الى الموصى اليه (الوصي) فانّه لايعتبر قبوله بلا خلاف فيه بين الأصحاب. نعم، له الردّ مادام الموصي حيّا بشرط ابلاغه بذلك، و الاّ فلا أثر لردّه أيضا. و كذا الوصيّة بالفكّ كالعتق بلا خلاف فيه و في الابراء، فانّهما من الايقاع غير المحتاج الى القبول اذا وقعا حال الحياة منجّزين، فيكونان كذلك اذا وقعا معلّقين على الموت على وجه الوصيّة».(3)
اختلفوا في أنّها من العقود فيعتبر فيها القبول جزءا كما هو المشهور.
أو أنّها من الايقاعات التي يعتبر فيها القبول شرطا على وجه الكشف أو النقل.
أو لايعتبر فيها القبول أصلاً، كما ذهب اليه المصنّف رحمهالله بل يكون الردّ مانعا و عليه تكون من الايقاع الصريح.
أمّا المشهور فقد استدلّوا على مذهبهم أوّلاً بأصالة عدم الانتقال الاّ بالقبول، بتقريب أنّه اذا لميكن في المقام اطلاق و لا عموم يتمسّك به فالأصل عدم الانتقال الاّ بالقبول.
و ثانيا بأنّ التمليك سلطة على الغير و مقتضى الأصل عدم هذه السلطة عليه الاّ بقبوله.
و ثالثا بدعوى الاجماع.
و في الجميع نظر:
أمّا الأوّل، فلأنّه أوّلاً: لا وجه للتمسّك بالأصل مع وجود الاطلاقات و العمومات القويّة نحو قوله تعالى: «كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصيّة للوالدين و الأقربين بالمعروف حقّا على المتّقين * فمن بدّله بعد ما سمعه فانّما اثمه على الذين يبدّلونه انّ اللّه سميع عليم * فمن خاف من موصٍ جنفا أو اثما فأصلح بينهم فلا اثم عليه انّ اللّه غفور رحيم»(1)فانّ المستفاد من هذه الآيات بضميمة الروايات الواردة في المقام في
1) - البقرة 2: 180 - 182.
تفسير هذه الآيات و غيرها هو نفوذ الوصيّة من غير اعتبار لقبول الموصى له حيث لميذكر ذلك في شيء من الآيات و الروايات و معه لاتصل النوبة الى الأصل.
و ثانيا: انّ اعتبار القبول فرع كون الوصيّة عقدا، و هو ممنوع اذ قد تقدّم أنّ الوصيّة عهد من قبل الموصي مع أنّ العقد هو ضمّ التزام بالتزام آخر، و الحال أنّ الموصي لايبقى له التزام بعد الموت لينضمّ الى التزام الموصى له كما أشار الى ذلك السيّد الخوئي رحمهالله.(1)
و أمّا الثاني ففيه - كما في المهذّب(2)- انّ الوصيّة التمليكيّة احسان محض فلا معنى لتحقّق السلطة على الطرف الآخر في الاحسان المحض و الخير الصرف مع كونه مختارا في الردّ كما في جميع أنحاء الاحسانات في حال الحياة فيكون الردّ مانعا عن تحقّقها لا أنيكون القبول المتعارف في العقود من مقوّماتها.
و أمّا الاجماع ففيه أوّلاً: انّه لا وجه له أصلاً فانّ كلمات الأصحاب في ذلك متشتّتة و مختلفة كلّ الاختلاف بين القول باعتبار القبول جزءا و اعتباره شرطا - كشفا أو نقلاً - و بين عدم اعتباره رأسا مع أنّ العلماء لايلتزمون بشرائط العقد فيها كالموالاة بين الايجاب و القبول و بطلان العقد بموت الموجب قبل قبول القابل و غيرهما.
و ثانيا: على فرض ثبوته فهو غير حجّة الاّ اذا كشف كشفا قطعيّا عن قول الحجّة و هو غير معلوم في المقام.
و على هذا فالأقوى أنّ الوصيّة التمليكيّة ايقاع لاتحتاج الى القبول.
هذا في التمليكيّة الشخصيّة. أمّا النوعيّة، فلا تحتاج الى القبول قطعا.
(مسألة 2): بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة يصحّ ايقاعه بعد وفاة الموصي بلا اشكال، و قبل وفاته على الأقوى. و لا وجه لما عن جماعة من عدم صحّته حال الحياة؛ لأنّها تمليك بعد الموت فالقبول قبله كالقبول قبل الوصيّة فلا محلّ له، و لأنّه كاشف أو ناقل و هما معا منتفيان حال الحياة. اذ نمنع عدم المحلّ له؛ اذ الانشاء المعلّق على الموت قد حصل فيمكن القبول المطابق له. و الكشف و النقل انّما يكونان بعد تحقّق المعلّق عليه فهما في القبول بعد الموت لا مطلقا.
الشرح:
قد تقدّم عدم اعتبار القبول في الوصيّة، و أمّا بناءً على المشهور من اعتباره فهل يصحّ ايقاعه قبل الوفاة أم يعتبر أنيقع بعدها؟
استدلّ القائلون بلزوم وقوع القبول بعد الوفاة بأمور:
الأوّل: عدم مطابقة القبول للايجاب لو قبل في حال حياة الموصي، فانّ المراد بالقبول و ان كان التمليك بعد الموت الاّ أنّ ما قبل الموت لمّا لميكن متعلّق الايجاب وجب أن لايعتنى بالقبول الواقع فيه كما لو باعه ما سيملكه فقبل.
و فيه: انّه اذا قلنا بأنّ حال حياة الموصي هو محلّ لايجاب التمليك المعلّق على الموت فلا وجه لأن لاتكون محلاًّ لقبول ذلك الايجاب بحيث يصحّ الايجاب و لايصحّ القبول مع أنّ القبول هو الرضى بمضمون الايجاب فاذا جاز التعليق في الايجاب جاز في القبول.
و أمّا ما لو باعه ما سيملكه فقبل، فلايصحّ الايجاب فيه و لا القبول لمانع، و لا ربط له بما نحن فيه.
الثاني: انّ القبول امّا كاشف أو جزء السبب، و على كلّ تقدير يمتنع اعتباره قبل
الموت، أمّا اذا جعل كاشفا فلأنّ الكاشف عن الملك وجب أنيتأخّر عنه و يمتنع الملك قبل الوفاة.
و أمّا اذا جعل جزء سبب فلأنّه اذا تمّ العقد وجب أنيترتّب عليه أثره و هو هنا ممتنع قبل الموت. فانّه الذي ذكره في جامع المقاصد و كذا الأوّل.(1)
و فيه: انّ البحث عن الكاشفيّة و الناقليّة انّما هو بعد تحقّق الموت الذي علّقت عليه الوصيّة، فانّه اذا وقع القبول بعد الموت فوقع الكلام في كونه كاشفا عن الملكيّة من حين الموت أو ناقلاً، أمّا اذا وقع قبل الموت فلا معنى للبحث عن كاشفيّته أو ناقليّته.
و عليه فالأصحّ - بناءً على اعتبار القبول - كفاية القبول قبل الموت لعدم دليل على لزوم وقوعه بعده.
(مسألة 3): تتضيّق الواجبات الموسّعة بظهور أمارات الموت مثل قضاء الصلوات و الصيام و النذور المطلقة و الكفّارات و نحوها. فيجب المبادرة الى اتيانها مع الامكان، و مع عدمه يجب الوصيّة بها سواء فات لعذر أو لا لعذر؛ لوجوب تفريغ الذمّة بما أمكن في حال الحياة، و ان لميجز فيها النيابة فبعد الموت تجري فيها، و يجب التفريغ بها بالايصاء. و كذا يجب ردّ أعيان أموال الناس التي كانت عنده كالوديعة و العارية و مال المضاربة و نحوها، و مع عدم الامكان يجب الوصيّة بها. و كذا يجب أداء ديون الناس الحالّة، و مع عدم الامكان أو مع كونها مؤجّلة يجب الوصيّة بها الاّ اذا كانت معلومة أو موثّقة بالأسناد المعتبرة. و كذا اذا كان عليه زكاة أو خمس أو نحو ذلك، فانّه يجب عليه أداؤها أو الوصيّة بها. و لا فرق فيما ذكر بين ما لو كانت
1) - جامع المقاصد 10: 10.
له تركة أو لا، اذا احتمل وجود متبرّع أو أداءها من بيت المال.
الشرح:
أمّا الواجبات الموسّعة فتضيّقها بظهور أمارات الموت أو حصول الظنّ به ممّا لا اشكال فيه بل تتضيّق بمجرّد احتمال الموت و ان لميحصل الظنّ؛ لدلالة العقل على وجوب تفريغ الذمّة يقينا بعد اشتغالها.
و على هذا يجب عليه المبادرة الى قضاء الصلوات و الصيام و النذور المطلقة و الكفّارات و نحوها ان أمكنه، و الاّ فيجب الوصيّة بها سواء فاتت لعذر أو لا، و ذلك لوجوب تفريغ الذمّة بما أمكن في حال الحياة، و ان كان ممّا لايقبل النيابة في حال الحياة فيقبل بعد الموت قطعا فيجب تفريغ الذمّة بالايصاء بالنيابة؛ لحكم الشرع و العقل بذلك و يكفي في وجوب الايصاء مجرّد احتمال قيام الغير به.
و أمّا أعيان أموال الناس التي عنده كالوديعة و العارية و مال المضاربة و نحوها فان علم بخيانة ورثته في ذلك أو لميعلم حالهم - من الخيانة و عدمها - فيجب عليه ردّها الى ملاّكها و ذلك مقتضى لزوم حفظ الأمانة و ردّها الى صاحبها و مع عدم الامكان يجب عليه الوصيّة بها.
و أمّا اذا علم بعدم خيانة ورثته و أنّهم أدّوا ما عليه من الأمانات الى أربابها فلايجب ردّها على الظاهر و ذلك لأنّها محفوظة في حال حياته و موته. نعم، يجب الوصيّة بها ان لميعلم الورثة بخصوصيّاتها.
و أمّا ديون الناس فان كانت مؤجّلة و يعلم بأداء الورثة لها فلايجب عليه أداؤها معجّلة. نعم، يوصي بها و بخصوصيّاتها ان لميعلم الورثة بها.
و أمّا ان كانت حالّة و كان مطالبا بها فيجب عليه أداؤها و ان لميمكن فيجب عليه الوصيّة بأدائها معجّلة، و ان لميكن مطالبا بها و كانت حالّة فحكمها حكم المؤجّل، في أنّه ان علم بأداء الوارث لها فلايجب عليه أداؤها الاّ أنّه يوصي بها، و
أمّا ان لميعلم بأداء الوارث للديون المؤجّلة أو الحالّة غير المطالب بها أو علم بعدم أدائها فالظاهر وجوب الأداء عليه ان أمكن و الاّ فوجوب الوصيّة بها.
ولكن ليعلم أنّ هذا لا ربط له بظهور أمارات الموت، بل الدين الحالّ المطالب به يجب على المديون أداؤه و ان لميظهر فيه أمارات الموت، و الدين المؤجّل أو الحالّ غير المطالب به لايجب عليه أداؤه، الاّ اذا علم بأنّ صاحب الدين لايرتضي بالتأخير عن أمد الدين و هو لايطالبه حياءً.
و كذا لو كان عليه زكاة أو خمس أو نحو ذلك من الكفّارات و غيرها من حقوق اللّه جلّ شأنه.
و لا فرق في ذلك بين ما لو كانت له تركة أو لا، اذا احتمل وجود متبرّع أو أداءها من بيت المال؛ و ذلك لتنجّز التكليف في صورة الاحتمال عقلاً فيلزمه العقل و الشرع بالوجوب.
(مسألة 4): ردّ الموصى له للوصيّة مبطل لها اذا كان قبل حصول الملكيّة، و اذا كان بعد حصولها لايكون مبطلاً لها. فعلى هذا اذا كان الردّ منه بعد الموت و قبل القبول أو بعد القبول الواقع حال حياة الموصي مع كون الردّ أيضا كذلك، يكون مبطلاً لها لعدم حصول الملكيّة بعد. و اذا كان بعد الموت و بعد القبول لايكون مبطلاً، سواء كان القبول بعد الموت أيضا أو قبله، و سواء كان قبل القبض أو بعده بناءً على الأقوى من عدم اشتراط القبض في صحّتها؛ لعدم الدليل على اعتباره و ذلك لحصول الملكيّة حينئذ له، فلاتزول بالردّ. و لا دليل على كون الوصيّة جائزة بعد تماميّتها بالنسبة الى الموصى له، كما أنّها جائزة بالنسبة الى الموصي حيث انّه يجوز له الرجوع في وصيّته كما سيأتي.
و ظاهر كلمات العلماء حيث حكموا ببطلانها بالردّ عدم صحّة القبول بعده؛ لأنّه عندهم مبطل للايجاب الصادر من الموصي. كما أنّ الأمر كذلك
في سائر العقود حيث انّ الردّ بعد الايجاب يبطله و ان رجع و قبل بلا تأخير. و كما في اجازة الفضولي حيث انّها لاتصحّ بعد الردّ، لكن لايخلو عن اشكال اذا كان الموصي باقيا على ايجابه. بل في سائر العقود أيضا مشكل ان لميكن اجماع، خصوصا في الفضولي حيث انّ مقتضى بعض الأخبار صحّتها و لو بعد الردّ. و دعوى عدم صدق المعاهدة عرفا اذا كان القبول بعد الردّ، ممنوعة.
ثمّ انّهم ذكروا أنّه لو كان القبول بعد الردّ الواقع حال الحياة صحّ، و هو أيضا مشكل على ما ذكروه من كونه مبطلاً للايجاب؛ اذ لا فرق حينئذ بين ما كان في حال الحياة أو بعد الموت. الاّ اذا قلنا: انّ الردّ و القبول لا أثر لهما حال الحياة و انّ محلّهما انّما هو بعد الموت، و هو محلّ منع.
الشرح:
ذهب المصنّف رحمهالله الى أنّ ردّ الموصى له للوصيّة مبطل لها اذا كان قبل حصول الملكيّة؛ لأصالة عدم ترتّب الأثر بلا فرق بين أنتجعل عقدا أو ايقاعا.
ولكن الذي ينبغي أنيقال: انّه لا بدّ لتنقيح حكم المسألة من بيان ما تقدّم من المختار في مبنى الوصيّة فنقول:
قد تقدّم أنّ المختار في الوصيّة كونها ايقاعا، لاتحتاج الى القبول و على هذا فمقتضى اطلاق أدلّة نفوذها هو عدم ترتّب أثر على ردّ الموصى له فانّ الايقاع متقوّم بطرف واحد و لا دخل للطرف الآخر فيه، كالطلاق و العتق.
و على هذا فمقتضى القاعدة الأوّليّة عدم تأثير الردّ في بطلان الوصيّة سواء وقعت بعد الموت أو قبله، بعد القبول أو قبله و بعد القبض أو قبله الاّ أنّهم قد حكموا في بعض هذه الصور بتأثير الردّ في بطلان الوصيّة فلنذكر الصور و حكمها:
الأولى: أنيقع الردّ بعد الموت و قبل القبول، و في هذه الصورة - بناءً على ما ذهبنا اليه - فالملكيّة حاصلة بمجرّد الموت من غير دخل لقبول الموصى له و ردّه فيها، الاّ أنّ الأصحاب اتّفقوا في هذه الصورة على بطلان الوصيّة بالردّ بعد الموت و قبل القبول، و لولا الاجماع لحكمنا فيها بعدم تأثير الردّ؛ لاطلاق أدلّة نفوذ الوصيّة.
ففي الجواهر: «ان ردّ بعد الموت و قبل القبول بطلت على وجه لاينفعه تجديد القبول بلا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه، و هو الحجّة في انقطاع الأصل المذكور».(1)
الثانية: أنيقبل الوصيّة بعد موت الموصي ثمّ يردّها، و لا اشكال في شمول اطلاق أدلّة نفوذ الوصيّة لها و عدم تأثير الردّ في رفع الملكيّة.
الثالثة: أنيقع الردّ بعد القبول في حال حياة الموصي، بأنيقع الردّ و القبول كلاهما في حال حياته، و مقتضى ما تقدّم عدم تأثير الردّ أيضا فانّ اطلاق أدلّة نفوذ الوصيّة يشمل هذه الصورة أيضا فانّه اذا قلنا بأنّ الوصيّة ايقاع فلا تأثير للقبول و
لا للردّ.
هذا، ولكن المصنّف رحمهالله ألحق هذه الصورة بسابقتها في الحكم بالبطلان و لايخفى ضعفه بعد استقرار مبناه رحمهالله فيما سبق على كون الوصيّة ايقاعا.
كما أنّ السيّدان العلمان الخوئي و الحكيم استشكلا عليه تارة بأنّه لا اجماع هنا على مانعيّة الردّ في حال الحياة بل الشهرة التي تكاد تبلغ الاجماع - اذ لمينسب الخلاف الاّ الى شاذّ - على عدم المانعيّة، و حينئذ فمقتضى اطلاقات أدلّة نفوذ الوصيّة صحّته في هذه الصورة، كما في المباني.(2)
و أخرى بأنّ الذي يظهر من عبارته رحمهالله أنّ الوجه في مبطليّة الردّ اذا حصل قبل
حصول الملكيّة أصالة عدم ترتّب الملكيّة و في عدم مبطليّته اذا وقع بعد حصول الملكيّة استصحاب بقاء الملكيّة، لكن الأصل في الفرض الأوّل لا مجال له بناءً على كون الوصيّة ايقاعا؛ لأنّ اطلاق نفوذها حاكم عليه فالبناء على الأصل المذكور يتوقّف على التغافل عن المبنى المذكور كما في المستمسك.(1)
الرابعة: أنيردّ في حال حياة الموصي و الظاهر عدم تأثير الردّ أيضا لما تقدّم في الصورة السابقة.
هذا، و بقي من صور التفصيل تدخّل القبض في تأثير الردّ و عدمه، و الأقوى عدم اشتراط القبض في تحقّق الملك في الوصيّة؛ لعدم الدليل على اعتباره كما سيأتي، و على هذا فالردّ لا تأثير له سواء كان قبل القبض أو بعده، الاّ في الصورة الأولى حيث حكمنا للاجماع، ببطلان الوصيّة بالردّ بعد الموت و قبل القبض، كما أنّ صاحب الجواهر ادّعى الاجماع على عدم تأثير الردّ فيما اذا قبل و قبض ثمّ ردّ.
هذا، و قد ذهب بعض كالشيخ في مبسوطه و ابن سعيد في جامعه - على ما في المستمسك - الى شرطيّة القبض في تحقّق الملك في الوصيّة، و استدلّ عليه باتّحاد الملاك بينها و بين الهبة و الوقف لاشتراكهما مع الوصيّة في العلّة المقتضية و هي العطيّة المتبرّع بها مع أولويّة الحكم في الوصيّة من حيث انّ العطيّة في الهبة و الوقف و شبههما منجّزة و في الوصيّة معلّقة و الملك في المنجّز أقوى منه في المعلّقة، بقرينة نفوذ المنجّز الواقع من المريض بخلاف المعلّق.
و فيه أوّلاً: انّه قياس مع الفارق فانّ الوصيّة على ما هو الحقّ، ايقاع محض مع أنّها تعليقيّة، بخلاف الهبة و الوقف فانّهما من العقود المنجّزة.
و ثانيا بأنّه خلاف اطلاق النفوذ من دون مخرج و الوجوه المذكورة استحسانات موهونة كما في المستمسك.
1) - مستمسك العروة 14: 545.
ثمّ انّ المصنّف رحمهالله ذكر أمورا تتمّة للبحث:
الأوّل: قال رحمهالله بأنّ ظاهر حكم العلماء ببطلان الوصيّة بالردّ عدم صحّة القبول بعده و ذلك لأنّ الردّ عندهم مبطل للايجاب الصادر من الموصي، ثمّ انّه رحمهاللهشبّه الوصيّة بسائر العقود، الى آخر ما في المتن.
و الظاهر أنّ هذا الكلام منه رحمهالله مخالف لما ذهب اليه سابقا من القول بكون الوصيّة ايقاعا، و موافق لمذهب من قال بكونها من العقود.
فانّه لمّا قلنا بكون الوصيّة ايقاعا، فلاتصل النوبة الى هذا الكلام لما قد عرفت من أنّ القبول و الردّ لا دخل لهما فيها أصلاً، و لولا الاجماع على بطلان الوصيّة بالردّ بعد الموت لقلنا فيها بالصحّة أيضا.
و عليه فاذا قبل بعد ما ردّ بعد الموت فلا وجه لصحّة الوصيّة و ذلك لأنّ الردّ مبطل لها و لا التزام للميّت ليوصي و يوقع الوصيّة مرّة أخرى حتّى يقبل الموصىله، فلا وجه لقياس الوصيّة بسائر العقود كما فعل المصنّف رحمهالله فانّه قد تقدّم صحّة القبول بعد الردّ في سائر العقود و كذا في الفضولي في كتاب النكاح و قلنا هناك بأنّه الموجب متى بقي على التزامه فللقابل القبول، و لا اشكال في أنّ الميّت لا التزام له مع أنّ الوصيّة من الايقاعات و يبطلها الردّ.
الثاني: قد تقدّم حكم ما لو ردّ الموصى له في حال الحياة ثمّ قبل بعده، و قلنا بأنّ الوصيّة صحيحة و لايبطلها هذا الردّ، ولكنّ المصنّف رحمهالله استشكل على هذا الحكم بأنّهم قالوا بأنّ الردّ مبطل للوصيّة فكيف يحكمون هنا بصحّة الوصيّة؟
ولكن قد تقدّم منّا الكلام في ذلك في هذه المسألة مرارا و قلنا بأنّ اطلاق أدلّة نفوذ الوصيّة يقتضي نفوذها و لو ردّ الموصى له حال الحياة، اذ لا اجماع على بطلانها بهذا الردّ بل الشهرة على خلافه كما تقدّم.
الثالث: انّه رحمهالله قال بمنع القول بأنّ تأثير الردّ و القبول انّما هو مختصّ بما بعد الموت و أنّهما قبل الموت لا تأثير لهما.
و ممّا ذكرنا يعرف الاشكال في هذا المنع، و أنّ مانعيّة الردّ مختصّة بما بعد الموت اذا لميقع قبله القبول، و أنّ القبول قبل الموت لا تأثير له و بعد الموت يؤثّر في عدم مانعيّة الردّ بعده، و الاّ فالوصيّة لاتحتاج في نفوذها الى القبول.
(مسألة 5): لو أوصى له بشيئين بايجاب واحد، فقبل الموصى له أحدهما دون الآخر، صحّ فيما قبل و بطل فيما ردّ. و كذا لو أوصى له بشيء فقبل بعضه مشاعا أو مفروزا و ردّ بعضه الآخر. و ان لمنقل بصحّة مثل ذلك في البيع و نحوه، بدعوى عدم التطابق حينئذ بين الايجاب و القبول؛ لأنّ مقتضى القاعدة الصحّة في البيع أيضا ان لميكن اجماع. و دعوى عدم التطابق ممنوعة. نعم، لو علم من حال الموصي ارادته تمليك المجموع من حيث المجموع، لميصحّ التبعيض.
الشرح:
لمّا قلنا بأنّ الوصيّة ايقاع و المانع منها ردّ الموصى له بعد الموت فقط، فلو أوصى له بشيئين بايقاع واحد فقبل الموصى له أحدهما دون الآخر صحّ فيما قبل و بطل فيما ردّ و رجع الى الورثة، و ذلك لأنّه لا مانع من صحّتها فيما لميردّه.
و كذا لو أوصى له بشيء فقبل بعضه، كما اذا قبل نصف الدار الموصى بها مشاعا أو مفروزا و ردّ نصفها الآخر؛ لما ذكر في الصورة الأولى بعينه، من عدم المانع من صحّة الوصيّة في البعض الذي لميردّ.
و أمّا لو علم من حال الموصي ارادته تمليك المجموع من حيث المجموع، فهل يصحّ ردّ بعضه و قبول البعض الآخر؟
ذهب المصنّف رحمهالله الى عدم جواز التبعيض فيكون نتيجته بطلان الجميع لو ردّ البعض، و هو كذلك؛ لأنّ معنى تمليك المجموع من حيث المجموع عرفا هو امّا
قبول الكلّ أو ردّه و لايصحّ قبول البعض دون بعض آخر.
و في المباني: «انّ المجموع من حيث هو مجموع لايصحّ تمليكه، فانّه أمر انتزاعي لا وجود له في الخارج فالمراد به هو تمليك أحدهما بشرط معيّته للآخر. و مقتضى تخلّفه بردّ الموصى له لأحدهما هو ثبوت الخيار للموصي لا بطلان الوصيّة و حيث انّه ميّت ينتقل الى ورثته؛ لأنّه حقّ فيدخل فيما تركه».(1)
و فيه: انّ ما استشكله رحمهالله يرجع الى النزاع في صغرى البحث و تبيين الموضوع، فان كان الموضوع هو ما ذكره من اشتراط تمليك أحد الأمرين بقبول ملكيّة الآخر فما ذهب اليه حسن.
و في المستمسك: «المدار على الانشاء لا على ما في نفس الموصي، فاذا لميشترط في الانشاء شرط جاء فيه التبعّض، كما في بيع الصفقة بعينه. و بالجملة الآثار التكليفيّة تتبع الترجيحات النفسانيّة، و الآثار الوضعيّة تتبع الانشاء و لاترتبط بما في النفس من الترجيحات، فاذا كانت الأغراض غير ارتباطيّة و الانشاء واحد جاء خيار تبعّض الصفقة لتخلّف المقصود، و اذا كان الانشاء متعدّدا لميكن خيار تبعّض الصفقة و ان كانت الأغراض ارتباطيّة».(2)
هذا في الوصيّة و أمّا في العقود فهل للقابل أنيبعّض في القبول، فيقبل بعض ما باعه البائع مثلاً أم لا؟
قد ذهب الأصحاب الى البطلان فيما لو قبل القابل بعض ما أوجبه الموجب دون بعض و ذلك لاعتبار التطابق بين الايجاب و القبول و الاّ لميحصل معنى العقد و لميتحقّق مفهومه، فانّه كما تقدّم غير مرّة عبارة عن ضمّ التزام بالتزام آخر و ربط تعهّد بتعهّد كما ذكره في المباني.
ولكنّه على اطلاقه مشكل فانّ الموجب في ايجابه اذا لاحظ اثنين بما هو
واحد كمصراعي الباب و الحذاء و الجورب ممّا لهما وحدة عرفيّة، فما ذهبوا اليه صحيح حيث يكون بيع كلّ منهما مثلاً مشروط بقبول المشتري لبيع الآخر، فاذا قبل المشتري شراء أحدهما دون الآخر حكم ببطلانه؛ لأنّ ما أنشئ غير ما قبله المشتري، و ما قبل غير ما أنشأه البائع، فلميرد الالتزامان على شيء واحد و لميتحقّق انضمام أحدهما الى الآخر و هذا هو معنى عدم التطابق بين الايجاب و القبول.
و أمّا اذا لميلاحظ كذلك بأن كان مقصوده من البيع تمليك كلّ منهما مستقلاًّ و بثمن معيّن، الاّ أنّه قد جمع بينهما في مقام الانشاء خاصّة فلا مانع من الحكم بصحّة ما قبله و ذلك لصدق العقد على ما قبل لعدم ارتباط بينهما، فتشمله عمومات صحّة البيع.
أمّا الوصيّة فقد عرفت كونها من الايقاعات المحضة فلاتقاس بالعقود، بل لاتقاس بها و ان قلنا باعتبار القبول فيها و ذلك لأنّه بناءً عليه يكون القبول من قبيل الشرط كاشفا أو ناقلاً و ليس هو ركنا و طرفا للعقد كي يعتبر التطابق بينه و بين الايجاب.
(مسألة 6): لايجوز للورثة التصرّف في العين الموصى بها، قبل أنيختار الموصى له أحد الأمرين من القبول أو الردّ. و ليس لهم اجباره على اختيار أحدهما معجّلاً الاّ اذا كان تأخيره موجبا للضرر عليهم، فيجبره الحاكم حينئذ على اختيار أحدهما.
الشرح:
قال تعالى بعد ذكر ما فرض لذوي الأرحام من تركة الميّت: «من بعد وصيّة يوصى بها أو دين»(1)فانّ هذه الآية تصرّح بتأخّر الارث عن الدين و الوصيّة،
1) - النساء 4: 12.
فعلى الورثة قبل تقسيم الارث أنيخرجوا ما أوصى به الميّت، و ليس لهم التصرّف فيما أوصى به. فانّه ما لميتحقّق الردّ من الموصى له، فليس لهم التصرّف في المال؛ لما تقدّم منّا من القول بكون الوصيّة ايقاعا و أنّه بموت الموصي ينتقل المال الى الموصى له.
و في المباني: «لعدم كونها ملكا لهم بالفعل، فانّها بعد موت الموصي امّا ملك للموصى له و امّا ملك للموصي، فانّها ملك للموصى له على تقدير عدم الردّ أو القبول بناءً على الكشف، و ملك للميّت على تقدير الردّ أو القبول بناءً على النقل. و كيف كان فليس للورثة التصرّف فيها، أمّا على التقدير الأوّل فواضح. و أمّا على التقدير الثاني فلتأخّر الارث عن الوصيّة كما دلّت عليه الآية الكريمة صريحا».(1)
و على هذا فاذا لميدخل في ملكهم فليس لهم اجباره على القبول أو الردّ اذا قلنا بكونها ايقاعا، و ذلك لعدم حصول موضوع الاجبار.
و كذا، لو قلنا باشتراط ملكيّة الموصى له بالقبول فما لميقبل، لميدخل في ملكه ولكن لايجوز للورثة اجباره أيضا و ليس لهم التصرّف في الملك و ذلك لعدم دخوله في ملكهم.
ثمّ لا معنى لتصوّر الضرر عليهم بتأخيره الاختيار و ان طالت المدّة و ذلك لأنّه ملك الغير و ليس ملكهم حتّى يتضرّروا بعدم التصرّف فيه، غاية الأمر أنّه يفوت عليهم الانتفاع به على تقدير تأخير الردّ، و عليه فلا وجه لما ذهب اليه المصنّف رحمهالله من القول باجبار الحاكم اذا كان تأخيره موجبا للضرر عليهم، و ذلك لعدم تحقّق الموضوع.
نعم، لو تحقّق موضوع الضرر بوجه من الوجوه فعلى الحاكم أنيعمل على طبق قاعدة «لا ضرر».
1) - موسوعة الامام الخوئى 33: 311.
(مسألة 7): اذا مات الموصى له قبل القبول أو الردّ فالمشهور قيام وارثه مقامه في ذلك فله القبول اذا لميرجع الموصي عن وصيّته من غير فرق بين كون موته في حياة الموصي أو بعد موته و بين علم الموصي بموته و عدمه. و قيل بالبطلان بموته قبل القبول و قيل بالتفصيل بين ما اذا علم أنّ غرض الموصي خصوص الموصى له فتبطل و بين غيره فلورثته. و القول الأوّل و ان كان على خلاف القاعدة مطلقا بناءً على اعتبار القبول في صحّتها لأنّ المفروض أنّ الايجاب مختصّ بالموصى له. و كون قبول الوارث بمنزلة قبوله ممنوع كما أنّ دعوى انتقال حقّ القبول الى الوارث أيضا محلّ منع صغرىً و كبرىً؛ لمنع كونه حقّا و منع كون كلّ حقّ منتقلاً الى الوارث حتّى مثل ما نحن فيه من الحقّ الخاصّ به الذي لايصدق كونه من تركته. و على ما قوّينا من عدم اعتبار القبول فيها بل كون الردّ مانعا أيضا يكون الحكم على خلاف القاعدة في خصوص صورة موته قبل موت الموصى له لعدم ملكيّته في حياة الموصي لكن الأقوى مع ذلك هو اطلاق الصحّة كما هو المشهور و ذلك لصحيحة محمّد بن قيس الصريحة في ذلك حتّى في صورة موته في حياة الموصي المؤيّدة بخبر الساباطي و صحيح المثنّى و لايعارضها صحيحتا محمّد بن مسلم و منصور بن حازم بعد اعراض المشهور عنهما و امكان حملهما على محامل منها التقيّة لأنّ المعروف بينهم عدم الصحّة. نعم، يمكن دعوى انصراف الصحيحة عمّا اذا علم كون غرض الموصي خصوص شخص الموصى له على وجه التقييد، بل ربما يقال: انّ محلّ الخلاف غير هذه الصورة. لكن الانصراف ممنوع و على فرضه يختصّ الاشكال بما اذا كان موته قبل موت الموصي و الاّ فبناءً على عدم اعتبار القبول بموت الموصي صار مالكا بعد فرض عدم ردّه فينقل الى ورثته.
الشرح:
اذا مات الموصي، ثمّ مات الموصى له قبل قبض الموصى به قام وارثه مقامه في القبض لانتقال المال بموت الموصي الى الموصى له و بموته الى ورثته لما تقدّم مرارا من أنّ الوصيّة ايقاع محض و لا مانع من نفوذها سوى ردّ الموصى له و هذا لا اشكال فيه لمطابقته للقاعدة.
و أمّا اذا مات الموصى له في حياة الموصي، فمقتضى ما تقدّم من القواعد بطلان الوصيّة خصوصا على ما ذهب اليه المشهور من كونها عقدا الاّ أنّ المشهور ذهبوا الى قيام وارثه مقامه في ذلك و أنّ المال لورثة الموصى له اذا لميرجع الموصي عن وصيّته و هو و ان كان مخالفا للقاعدة الاّ أنّه لا محيص عن الذهاب اليه و ذلك لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب، فتوفّي الموصى له الذي أوصي له قبل الموصي، قال: الوصيّة لوارث الذي أوصي له، قال: و من أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا فتوفّي الموصى له قبل الموصي فالوصيّة لوارث الذي أوصي له الاّ أنيرجع في وصيّته قبل موته».(1)
و يؤيّدها أوّلاً صحيحة العبّاس بن عامر قال:
«سألته عن رجل أوصي له بوصيّة، فمات قبل أنيقبضها و لميترك عقبا. قال: أطلب له وارثا أو مولى فادفعها اليه. قلت: فان لمأعلم له وليّا؟ قال: اجهد على أنتقدر له على ولي، فان لمتجد و علم اللّه منك الجدّ فتصدّق بها».(2)
بناءً على أنّ المراد بالقبض القبول من جهة أنّ القبول غالبا يكون به، فهي بترك
الاستفصال و عدم السؤال عن أنّ موت الموصى له كان بعد الموصي أو قبله، تدلّ على المدّعى.
و يحتمل أنيراد بالقبض، القبض الخارجي فقط فتكون الرواية أجنبيّة عن المقام؛ لأنّ الظاهر حينئذ أنّ الموصى له كان له أنيقبض ولكنّه مات قبل قبضه. و عليه فموت الموصى له كان بعد موت الموصي.
و ثانيا رواية محمّد بن عمر الباهلي قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن رجل أوصى اليّ و أمرني أنأعطي عمّا له في كلّ سنة شيئا فمات العمّ. فكتب: أعط ورثته».(1)
فانّها بترك الاستفصال تدلّ على عموم الحكم لصورة موت الموصى له قبل الموصي أيضا.
فالعمدة في المقام هو صحيحة محمّد بن قيس و لاتعارضها بل تؤيّدها أيضا صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي. قال: ليس بشيء».(2)
و كذا صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل أوصى لرجل بوصيّة ان حدث به حدث فمات الموصى له قبل الموصي. قال: ليس بشيء».(3)
بناءً على أنيكون مرجع اسم ليس موت الموصى له حتّى يكون معناه عدم الاشكال في الوصيّة بموت الموصى له أي ليس موت الموصى له بشيء في التأثير في بطلان الوصيّة، فينتقل المال الى ورثته قهرا.
نعم، لو كان مرجع اسم ليس الايصاء فمعناه بطلان الوصيّة الاّ أنّ الترجيح للأوّل لقرب المرجع و لمخالفته لمذهب العامّة، فتصير الصحيحتان موافقتين لصحيحة محمّد بن قيس.
ثمّ لا وجه لتقييد هذه الروايات بما اذا لميعلم أنّ قصد الموصي شخص الموصى له.
لابأس بذكر بعض الكلام في الفرق بين هذه الثلاثة لما ذكره المصنّف من أنّ القبول ليس من الحقوق أو أنّه ليس من الحقوق التي انتقلت بموت الموصى له، فنذكر الفرق بين الملك و الحقّ و الحكم تبعا للأعلام في شرح هذه المسألة و ان لميكن هنا محلّ ذكره و محلّه في المكاسب فنقول:
انّ معنى الملك و الحقّ و الحكم ممّا تعارف بين الناس، فانّهم يرون لأنفسهم أملاكا و لأنفسهم و غيرهم حقوقا فيما بينهم و في شريعتهم أحكاما يعتقدون و يعملون بها من غير اختصاص لذلك بالمسلمين بل يعمّ جميع الأنام.
و عليه فالملك هو الاستيلاء و السلطة المطلقة على الأملاك و هو من البديهيّات في وجدانهم.
هذا هو الموافق لما ذكره المحقّق السبزواري قدسسره في مهذّب الأحكام، و قد بيّنه السيّد الخوئي رحمهالله بأنّ الملكيّة هي في قبال الحكم التكليفي فانّ الحكم التكليفي هو المتعلّق بفعل المكلّف بخلاف الملكيّة فانّها لاتتعلّق بفعل المكلّف بل قد تتعلّق بالأعيان الخارجيّة أو في الذمّة و قد تتعلّق بالمنافع سواء كانت من قبيل الأعمال الخارجيّة أو كانت قائمة بعين خارجي كسكنى الدار و ركوب الدابّة.
و سيوافيك خلاصة ما أفاده السيّد الحكيم في ذلك.
و أمّا الحقّ فالظاهر أنّه هو نحو خاصّ من الاستيلاء و السلطة ولكن في مرتبة
أضعف من مرتبة السلطة في الملك، كما في حقّ السبق الى الأماكن المباحة، بخلاف الحكم فانّه لا استيلاء و لا سلطة فيه بنحو من أنحائه و انّما هو ترخيص محض من الحاكم و هو الشارع في كلّ شريعة.
و قد عرّفهما المحقّق الخوئي بأنّ الحقّ عبارة عن حكم تكليفي أو وضعي محض يتعلّق دائما بفعل الانسان نفسه قابل للاسقاط، و مقابله الحكم فانّه غير قابل للاسقاط و ليس أمره بيد المكلّف.(1)
و الفرق بينها أنّ الملك قابل للنقل و الانتقال و الارث و غير قابل للاسقاط و أنّ كلّ حقّ قابل للاسقاط و النقل الاّ ما خرج بالدليل؛ للسيرة العقلائيّة على ذلك و ارسال الفقهاء له ارسال المسلّمات، و كلّ حكم لايقبل الاسقاط و النقل مطلقا؛ للاجماع و لعدم كونه تحت اختيار المكلّف كما تقدّم.
و المتحصّل من جميع ما ذكرنا أمور كما في المستمسك(2):
الأوّل: أنّ الاختلاف بين الملك و الحقّ ليس لاختلافها في مراتب الملكيّة، و لا لاختلافها في السقوط بالاسقاط و عدمه، بل للاختلاف في المورد لمجرّد الاصطلاح.
الثاني: أنّ الحقّ قد يكون عينا، مثل حقّ الجناية الخطائيّة المتعلّق بالعبد، و حقّ الزكاة المتعلّق بالنصاب على بعض الأقوال، و قد يكون معنىً و هو الأكثر كحقّ الخيار، و حقّ الأخذ بالشفعة و حقّ القصاص و حقّ القسم للزوجة و حقّ الرهانة و حقّ الحضانة و حقّ الرضاعة الى غير ذلك.
الثالث: أنّ الحقّ لايكون قائما بنفسه، بل قائما بغيره من عين أو معنىً.
الرابع: أنّ الحقّ لايصحّ اعتباره الاّ في حال اضافته الى المالك، و كذلك الملك في الذمّة من أعيان و معانٍ، فانّها لايصحّ اعتبارها الاّ في حال اضافتها الى المالك.
الخامس: أنّ الولاية ليست من الحقوق لأنّها لاتسقط بالاسقاط فتكون من الأحكام.
السادس: أنّ حق القسم للزوجة و حقّ الانفاق عليها ليسا من الحقوق، بل من الأملاك، لأنّها في الذمّة و جميع المملوكات في الذمّة أملاك لا حقوق.
و من جميع ما ذكرنا تعرف الوجه في منع كون القبول حقّا للموصى له، فانّه لايقبل الاسقاط، فيمتنع أنيكون من الحقوق، و يتعيّن أنيكون من الأحكام.
بقي هنا أمور: أحدها: هل الحكم يشمل ورثة الوارث كما اذا مات الموصى له قبل القبول و مات وارثه أيضا قبل القبول، فهل الوصيّة لوارث الوارث أو لا؟ وجوه: الشمول و عدمه؛ لكون الحكم على خلاف القاعدة، و الابتناء على كون مدرك الحكم انتقال حقّ القبول فتشمل و كونه الأخبار فلا.
الشرح:
في هذا الأمر صورتان:
الأولى: ما اذا مات الموصى له بعد موت الموصي و مات وارثه أيضا قبل قبوله أو ردّه، فبناءً على أنّ الوصيّة ايقاع محض كما هو الحقّ، فينتقل الموصى به الى ورثة الموصى له ثمّ الى ورثة الوارث.
و هكذا يكون الحال لو قلنا بأنّ القبول شرط و كاشف فاذا قبل ورثة الوارث كشف عن انتقال الموصى به اليهم. و أمّا لو قلنا بأنّ القبول شرط و ناقل فلاتصحّ الوصيّة على القاعدة.
الثانية: ما اذا مات الموصى له قبل موت الموصي فبناءً على القاعدة تبطل الوصيّة كما تقدّم في صدر المسألة مع غضّ البصر عن صحيحة محمّد بن قيس و أمّا مع النظر اليها فينتقل المال الى وارثه و الى وارث وارثه لاطلاقها.
الثاني: اذا قبل بعض الورثة و ردّ بعضهم، فهل تبطل أو تصحّ و يرث الرادّ أيضا مقدار حصّته أو تصحّ بمقدار حصّة القابل فقط أو تصحّ و تمامه للقابل أو التفصيل بين كون موته قبل موت الموصي فتبطل أو بعده فتصحّ بالنسبة الى مقدار حصّة القابل؟ وجوه.
الشرح:
اذا مات الموصى له بعد موت الموصي و لميردّ الوصيّة فينتقل الموصى به الى ورثته و لميؤثّر ردّ بعضهم بناءً على كون الوصيّة ايقاعا محضا كما عرفت.
و هكذا يكون الحال لو مات الموصى له قبل موت الموصي بناءً على صحيحة محمّد بن قيس و لايؤثّر ردّ بعض الورثة.
و عليه فالأقوى هو الوجه الثاني و هو الصحّة و ارث القابل و الرادّ مقدار حصّتهما.
و أمّا بناءً على اشتراط قبول الموصى له و غضّ البصر عن الصحيحة، فان مات الموصى له قبل موت الموصي فتبطل الوصيّة، و لو مات بعد موت الموصي و قبل قبوله فان قلنا بأنّ القبول كاشف فينتقل الموصى به الى من قبل لعدم الدليل على الانحلال، و على القول بالنقل فتبطل الوصيّة.
الثالث: هل ينتقل الموصى به بقبول الوارث الى الميّت ثمّ اليه، أو اليه ابتداءً من الموصي؟ وجهان، أوجههما الثاني، و ربما يبتنى على كون القبول كاشفا أو ناقلاً، فعلى الثاني الثاني و على الأوّل الأوّل. و فيه: انّه على الثاني أيضا يمكن أنيقال بانتقاله الى الميّت آنا ما ثمّ الى ورثته، بل على الأوّل يمكن أنيقال بكشف قبوله عن الانتقال اليه من حين موت الموصي؛ لأنّه كأنّه هو القابل فيكون منتقلاً اليه من الأوّل.
الشرح:
اذا مات الموصى له قبل موت الموصي ثمّ مات الموصي فينتقل الموصى به الى وارث الموصى له على ما مرّ من صحيحة محمّد بن قيس.
و لو مات الموصى له بعد موت الموصي و لميردّ فقد انتقل المال الى الموصى له أوّلاً ثمّ منه الى وارثه بناءً على كونها ايقاعا محضا.
و أمّا بناءً على اعتبار القبول فان مات الموصى له بعد موت الموصي و قبل قبوله، فان قبل وارث الموصى له فينتقل المال من الموصى له اليه بناءً على الكشف، و احتمال الكشف عن ملكيّة الورثة من حين موت الموصي ضعيف بل لا وجه له؛ لأنّ الوصيّة كان للموصى له دون الورثة فانتقالها اليهم يحتاج الى دليل.
و أمّا بناءً على النقل فتبطل الوصيّة؛ لعدم الدليل لانتقال المال الى الورثة ابتداءً؛ لأنّ مقتضى الوصيّة ملكيّة الموصى له للمال حين موت الموصي و هي لمتتحقّق و الملكيّة عند القبول من الوارث لمينشئها الموصي و لميدلّ عليها دليل. و احتمال تملّك الميّت للمال آنا ما لا دليل عليه.
الرابع: هل المدار على الوارث حين موت الموصى له اذا كان قبل موت الموصي أو الوارث حين موت الموصي أو البناء على كون القبول من الوارث موجبا للانتقال الى الميّت ثمّ اليه أو كونه موجبا للانتقال اليه أوّلاً من الموصي، فعلى الأوّل الأوّل و على الثاني الثاني؟ وجوه.
الشرح:
اذا مات الموصى له قبل موت الموصي ثمّ مات الموصي فالظاهر من صحيحة محمّد بن قيس انتقال الموصى به الى من كان وارث الموصى له حين موته و ذلك لأنّ الظاهر منها تنزيل الموصى به بمنزلة سائر التركة فانّ الظاهر من قوله عليهالسلام:
«الوصيّة لوارث الذي أوصي له» هو وارثه حين موته، و حمله على وارثه حين موت الموصي تقييد بلا دليل و لا وجه للمصير اليه.
و من هنا فلو كان للموصى له حين موته ولدان فمات أحدهما بعد موته و قبل موت الموصي و للولد الميّت أولاد، فبعد موت الموصي يرث من الموصى له أولاد الميّت و ولده، فينقسم المال نصفين بين أولاد الابن الميّت و الولد الحيّ.
الخامس: اذا أوصي له بأرض فمات قبل القبول فهل ترث زوجته منها أو لا؟ وجهان مبنيّان على الوجهين في المسألة المتقدّمة. فعلى الانتقال الى الميّت ثمّ الى الوارث، لاترث و على الانتقال اليه أوّلاً لا مانع من الانتقال اليها؛ لأنّ المفروض أنّها لمتنتقل اليه ارثا من الزوج بل وصيّة من الموصي. كما أنّه يبنى على الوجهين اخراج الديون و الوصايا من الموصى به بعد قبول الوارث و عدمه. أمّا اذا كانت بما يكون من الحبوة ففي اختصاص الولد الأكبر به بناءً على الانتقال الى الميّت أوّلاً فمشكل لانصراف الأدلّة عن مثل هذا.
الشرح:
بعد ما تقدّم في الأمرين السابقين من انتقال المال ابتداءً الى الموصى له ثمّ منه الى ورثته فالحكم في هذه المسألة واضح، فانّه اذا أوصي له بأرض فمات الموصى له بعد الموصي قبل الردّ أو القبول فينتقل الموصى به الى الموصى له ثمّ منه بعنوان الارث الى الورثة و على هذا فلاترث الزوجة منها.
و هكذا يكون الحال لو مات قبل الموصي فانّ الموصى به على الأصحّ ينتقل أوّلاً الى الميّت ثمّ منه الى ورثته بعنوان الارث و عليه فلاترث الزوجة منها.
و كذا لو اعتبرنا القبول بناءً على الكشف.
هذا و قد استظهر العلاّمة الخوئي رحمهالله من الصحيحة أنّ الزوجة ترث من الأرض لانتقال الموصى به الى الورثة مباشرة.
و فيه: انّه قد تقدّم منّا الكلام في ذلك و قلنا بانتقال الموصى به الى الموصى له ابتداءً و لا معنى لجعل الورثة موصى لهم من أوّل الأمر فانّ الموصي لايريدهم و لظهور الصحيحة في أنّ الموصى به كان لوارث الموصى له ارثا فانّ استعمال لفظ الوارث في المقام يدلّ على ذلك، فالمستفاد من الصحيحة حرمان من يحرم من الارث كلاًّ أو بعضا منها.
و قد تفصّى من هذا الاشكال السيّد الخوئي رحمهالله بأنّ الصحيحة ليست في مقام تنزيل الوصيّة بمنزلة التركة و انّما هي في تنزيل الورثة منزلة الموصى له.
و قد عرفت ضعفه ممّا تقدّم، مضافا الى أنّه منافٍ للقول بتقسيم الموصى به بينهم على حسب قواعد الارث، فانّا اذا فرضنا الورثة موصى لهم فلا معنى لتقسيم الموصى به بينهم على حسب مراتب الارث.
و ممّا ذكرنا يظهر حال اخراج الديون و الوصايا من الموصى به فانّا اذا قلنا بكونه من التركة فلا اشكال في خروج الديون و الوصايا منه قبل تقسيم الارث.
و أمّا ان كان الموصى به ممّا يعدّ من الحبوة فالظاهر عدم اختصاصه بالولد الأكبر و ان قلنا - على ما هو الحقّ - بانتقال الموصى به الى الموصى له ابتداءً و ذلك لانصراف أدلّة الحبوة عن مثل هذا فانّها مختصّة بما أعدّه الميّت لنفسه و جعله مختصّا به فلاتشمل ما لميكن كذلك حتّى و لو كان مملوكا له.
السادس: اذا كان الموصى به ممّن ينعتق على الموصى له، فان قلنا بانتقاله اليه أوّلاً بعد قبول الوارث، فان قلنا به كشفا و كان موته بعد موت الموصي انعتق عليه و شارك الوارث ممّن في طبقته و يقدّم عليهم مع تقدّم طبقته، فالوارث يقوم مقامه في القبول ثمّ يسقط عن الوارثيّة لوجود من هو
مقدّم عليه. و ان كان موته قبل موت الموصي أو قلنا بالنقل و أنّه حين قبول الوارث ينتقل اليه آنا ما، فينعتق لكن لايرث الاّ اذا كان انعتاقه قبل قسمة الورثة و ذلك لأنّه - على هذا التقدير - انعتق بعد سبق سائر الورثة بالارث. نعم، لو انعتق قبل القسمة في صورة تعدّد الورثة شاركهم، و ان قلنا بالانتقال الى الوارث من الموصي لا من الموصى له فلاينعتق عليه؛ لعدم ملكه بل يكون للورثة الاّ اذا كان ممّن ينعتق عليهم أو على بعضهم فحينئذ ينعتق ولكن لايرث الاّ اذا كان ذلك مع تعذّر الورثة و قبل قسمتهم.
الشرح:
انّ من العبيد طوائف ان ملكها الرجل ينعتق عليه بعد ملكه له قهرا و لايستقرّ ملكه عليه و هي احدى عشرة طائفة: الآباء و الأمّهات و الأجداد و الجدّات لهما أو لأحدهما و ان علوا و الأولاد ذكورا و اناثا و ان سفلوا و الأخوات و العمّات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت.
و بعد هذه المقدّمة فيقع الكلام في فرعين:
لو أوصى الموصي للموصى له بابنه الرقّ و له أولاد أحرار غيره فتارة مات الموصى له في حياة الموصي ثمّ مات الموصي، فينعتق الموصى به و يكون شريكا للورثة ان كان في طبقتهم كما في المثال و ذلك لما تقدّم من انتقال الموصى به الى الموصى له أوّلاً ثمّ منه الى الورثة بعد موت الموصي.
و أخرى مات الموصي في حياة الموصى له فعلى ما قلنا من أنّ الوصيّة ايقاع محض فينعتق الموصى به و بعد موت الموصى له يكون شريكا لورثته في الارث.
و ثالثة: نفس الصورة السابقة اذا قلنا باعتبار القبول، فلو مات الموصى له من دون ردّ و لا قبول، فقبل الورثة فعلى الكشف ينعتق على الموصى له و يشترك معهم في الارث اذا كان في طبقتهم و يختصّ به اذا كان في مرتبة مقدّمة عليهم.
و أمّا على القول بالنقل فالوصيّة باطلة كما تقدّم.
فان مات الموصى له قبل موت الموصي ثمّ مات الموصي، فينتقل الموصى به الى الموصى له ثمّ الى ورثته فينعتق عليهم. فيكون كأحدهم في الارث اذا كان في الطبقة الصالحة للارث.
و لو مات الموصى له بعد موت الموصي فعلى المختار من أنّ الوصيّة ايقاع ينتقل الموصى به بعد موت الموصى له الى الورثة فينعتق عليهم و هكذا يكون الحال على القول بالقبول و كونه كاشفا، و على القول بالنقل فتبطل الوصيّة.
السابع: لا فرق في قيام الوارث مقام الموصى له بين التمليكيّة و العهديّة.
و ذلك لاطلاق صحيحة محمّد بن قيس فانّ السؤال فيها انّما هو عن رجل أوصى لآخر، و هو كما يشمل الوصيّة التمليكيّة يشمل العهديّة فانّه مطلق من حيث تمليك الموصي شيئا له أو أمره الوصي باعطائه شيئا، و دعوى اختصاصها بالوصيّة التمليكيّة عارية عن القرينة و لا شاهد لها.
(مسألة 8): اشتراط القبول على القول به مختصّ بالتمليكيّة كما عرفت فلايعتبر في العهديّة. و يختصّ بما اذا كان لشخص معيّن أو أشخاص معيّنين.
و أمّا اذا كان للنوع أو للجهات كالوصيّة للفقراء و العلماء أو للمساجد فلايعتبر قبولهم أو قبول الحاكم فيها للجهات و ان احتمل ذلك أو قيل.
و دعوى أنّ الوصيّة لها ليست من الوصيّة التمليكيّة بل هي عهديّة و الاّ فلايصحّ تمليك النوع أو الجهات، كما ترى. و قد عرفت سابقا قوّة عدم اعتبار القبول مطلقا، و انّما يكون الردّ مانعا و هو أيضا لايجري في مثل المذكورات فلاتبطل بردّ بعض الفقراء مثلاً بل اذا انحصر النوع في ذلك الوقت في شخص فردّ فلاتبطل.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الوصيّة ايقاع محض بلا فرق بين التمليكيّة و العهديّة، فلاتحتاج الى قبول الموصى له أو الموصى اليه. نعم، ردّ الموصى له مبطل لها اذا كان بعد موت الموصي للاجماع المتقدّم.
و أمّا الموصى اليه فلايجوز له ردّها الاّ اذا تمكّن من أنيوصل اليه ردّها ليوصي الى غيره و ذلك لما يستفاد من الروايات الواردة في ذلك كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«ان أوصى رجل الى رجل و هو غائب فليس له أنيردّ وصيّته، و ان أوصى اليه و هو بالبلد فهو بالخيار ان شاء قبل و ان شاء لميقبل».(1)
و صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل يوصى اليه قال:
«اذا بعث بها اليه من بلد فليس له ردّها و ان كان في مصر يوجد فيه غيره فذاك اليه».(2)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا أوصى الرجل الى أخيه و هو غائب فليس له أنيردّ عليه وصيّته لأنّه لو كان شاهدا فأبى أنيقبلها طلب غيره».(1)
و على هذا فلو قلنا باعتبار القبول في الوصيّة فهو مختصّ بالتمليكيّة و لا خلاف و لا اشكال في عدم اعتبار القبول في العهديّة من الوصي.
و أمّا القبول من الموصى له ان كان - بمعنى أنّه أوصى الى وصيّه أنيعطي زيدا مثلاً شيئا من تركته - فتارة ممّا لايتوقّف على القبول كما اذا أوصى بقضاء ديونه و تفريغ ذمّته ففي هذه الصورة تنفذ الوصيّة و يجب على الوصي قضاء الديون سواء قبل الدائن أو لا.
و أخرى ممّا يتوقّف على القبول كما اذا أوصى الى وصيّه أنيهب لزيد داره أو يبيعها بنصف ثمن المثل، ففي هذه الصورة اذا لميقبل زيد فلايتحقّق الهبة و لا البيع الاّ أنّ ردّه لايكون مبطلاً للوصيّة و انّما يوجب ردّه جعل الوصيّة متعذّر المصرف و من المعلوم أنّه اذا تعذّر مصرف الوصيّة فيما عيّنه الموصي فالواجب صرفه في وجوه البرّ مع تحرّي الأقرب فالأقرب الى الوصيّة و ذلك لأنّه لايخرج عن ملك الموصي و لايكون ارثا فانّه بالوصيّة أبقاه على ملكه كما في المباني.(2)
ثمّ لايخفى أنّ الأدلّة الثانويّة الحاكمة على أدلّة الأحكام الأوّليّة، حاكمة على الدليل في هذا البحث أيضا، فانّ قاعدتي الضرر و الحرج، حاكمتان على ما دلّ على وجوب قبول الوصيّة، فان أوصى بما يكون حرجا أو ضررا على الوصي فلايجب عليه قبوله على الظاهر.
مع امكان أنيقال بانصراف وجوب قبول الوصيّة عمّا اذا أوصى بما له مؤونة مع عدم جعل مؤونة له و ان لميكن في بذل المؤونة حرج أو ضرر على الوصي.
ثمّ انّه اذا قلنا باعتبار القبول في الوصيّة التمليكيّة أو مانعيّة الردّ كما هو المختار
فهو مختصّ بما اذا تعلّقت الوصيّة بفرد معيّن أو أفراد معيّنين و أمّا اذا كانت للنوع كالوصيّة للفقراء و العلماء أو للجهات كالوصيّة للمساجد و المدارس فلايؤثّر فيها الردّ و لايحتاج الى قبولهم أو قبول الحاكم.
فلو ردّ بعض الفقراء فلاتبطل الوصيّة لبقاء من سواه و التمليك الى النوع دون الفرد فلا بدّ من الصحّة حينئذ. بل اذا انحصر النوع في ذلك الوقت في شخص فلاتبطل بردّه و ذلك لأنّ الرادّ ليس موردا للوصيّة بالخصوص حتّى يكون مانعا و انّما يكون موردها العنوان و هو باقٍ اعتبارا.
(مسألة 9): الأقوى في تحقّق الوصيّة كفاية كلّ ما دلّ عليها من الألفاظ، و لايعتبر فيه لفظ خاصّ بل يكفي كلّ فعل دالّ عليها حتّى الاشارة و الكتابة - و لو في حال الاختيار - اذا كانت صريحة في الدلالة بل أو ظاهرة، فانّ ظاهر الأفعال معتبر كظاهر الأقوال. فما يظهر من جماعة من اختصاص كفاية الاشارة و الكتابة بحال الضرورة لا وجه له. بل يكفي وجود مكتوب منه بخطّه و مهره اذا علم كونه انّما كتبه بعنوان الوصيّة.
و يمكن أنيستدلّ عليه بقوله عليهالسلام: «لاينبغي لامرئ مسلم أنيبيت ليلة الاّ و وصيّته تحت رأسه». بل يدلّ عليه ما رواه الصدوق عن ابراهيم بن محمّد الهمداني قال: «كتبت اليه: رجل كتب كتابا بخطّه و لميقل لورثته: هذه وصيّتي، و لميقل: انّي قد أوصيت الاّ أنّه كتب كتابا فيه ما أراد أنيوصي به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطّه و لميأمرهم بذلك؟ فكتب: ان كان له ولد ينفذون كلّ شيء يجدونه في كتاب أبيهم في وجه البرّ و غيره».
الشرح:
في المستمسك في ذيل كلام المصنّف رحمهالله: «و الأقوى في تحقّق الوصيّة كفاية
كلّ لفظ...» قال: «قال في الشرائع: «فالايجاب كلّ لفظ دلّ على ذلك القصد» و نحوه كلام غيره. و يظهر من المتن وجود قول بأنّه يعتبر فيها لفظ خاصّ و لمأقف على ذلك فيما يحضرني. نعم، في الجواهر: «ينبغي أنيكون استعماله اللفظ في ذلك جاريا مجرى الاستعمال المتعارف و لايكفي ارادته ذلك من لفظ غير صالح لارادته حقيقة و لا مجازا». و يشكل بأنّه بعد ظهور المراد لا مجال للتوقّف في الصحّة عملاً باطلاق الأدلّة».
و في ذيل كلامه رحمهالله: «بل يكفي كلّ فعل دالّ عليها» قال: «كما عن التذكرة احتماله و عن المناهل و الرياض الجزم به و في الجواهر: «لعلّه ظاهر الأصحاب و صريح بعضهم و عن السرائر نفي الخلاف فيه» و في رسالة شيخنا الأعظم ظهور عدم الخلاف فيه و في الشرائع: «فالايجاب كلّ لفظ دلّ على ذلك القصد» و نحوه ما في القواعد و يظهر من شروحها المفروغيّة عنه و كأنّ وجهه أنّ ذلك مقتضى كونها عقدا لعدم تحقّق العقد بالفعل. و في الجواهر بعد أناختار الجواز قال: «الاّ أنّه ليس عقدا لها (الوصيّة) فهو شبيه المعاطاة في العقود اللازمة التي تندرج في الاسم و لايجري عليها حكم العقد» يعني يصدق أنّه وصيّة و لايصدق عقد الوصيّة، و فيه: انّ ذلك ينافي ما ذكروه من أنّها عقد فاذا كان انشاؤها بالفعل و يندرج في الاسم وجب كونها عقدا حينئذ، و الاّ لمتكن الوصيّة عقدا على وجه الكلّيّة.
فاذن التحقيق أنّ مقتضى اطلاق الأدلّة الصحّة اذا كان الانشاء بالفعل كالقول. و ما في جامع المقاصد من أنّه مع امكان النطق به لاتكفي الاشارة لانتفاء دليل الصحّة، كما ترى، اذ التحقيق حصول انشاء معنى العقد بالفعل كالقول».(1)
1) - مستمسك العروة 14: 577.
أقول:
الظاهر كفاية كلّ ما دلّ على الوصيّة من الألفاظ على ما تقتضيه اطلاقات أدلّتها و لايعتبر فيها لفظ خاصّ بل يكفي كلّ فعل دالّ عليها لاطلاق أدلّتها فانّها غير مقيّدة باللفظ بل يكفي كلّ ما يصدق عليه الوصيّة عرفا حتّى الاشارة و الكتابة و لو في حال الاختيار اذا كانت صريحة في الدلالة بل أو ظاهرة، فانّ ظاهر الأفعال معتبر كظاهر الأقوال.
و يمكن أنيستدلّ على ذلك بما رواه الصدوق عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابراهيم بن محمّد الهمداني قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليهالسلام: رجل كتب كتابا بخطّه و لميقل لورثته: هذه وصيّتي، و لميقل: انّي قد أوصيت الاّ أنّه كتب كتابا فيه ما أراد أنيوصي به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطّه و لميأمرهم بذلك؟ فكتب عليهالسلام: ان كان له ولد ينفذون كلّ شيء يجدونه في كتاب أبيهم في وجه البرّ و غيره».(1)
و الرواية من حيث السند لابأس بها فانّ ابراهيم بن محمّد ممدوح، الاّ أنّها قابلة للخدشة من حيث الدلالة فانّه عليهالسلام خصّ انفاذ الوصيّة بولده. فالعمدة هو اطلاق أدلّة الوصيّة من الكتاب و السنّة، الدالّة على نفوذ الوصيّة و لزومها بأيّ نحو تحقّقت.
1) - وسائل الشيعة 19: 372 / الباب 48 من كتاب الوصايا / الحديث 2.
(مسألة 10): يشترط في الموصي أمور: الأوّل: البلوغ، فلاتصحّ وصيّة غير البالغ. نعم، الأقوى - وفاقا للمشهور - صحّة وصيّة البالغ عشرا اذا كان عاقلاً في وجوه المعروف للأرحام أو غيرهم لجملة من الأخبار المعتبرة خلافا لابن ادريس و تبعه جماعة.
الشرح:
يشترط في الموصي أمور:
الأوّل: البلوغ في الجملة. نعم، الأقوى صحّة قبول وصيّة البالغ عشرا في وجوه المعروف و ذلك للروايات الدالّة عليها:
منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«اذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيّته».(1)
و منها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا أتى على الغلام عشر سنين فانّه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدّق أو أوصى على حدّ معروف و حقّ فهو جائز».(2)
و منها موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا بلغ الصبي خمسة أشبار أكلت ذبيحته و اذا بلغ عشر سنين جازت وصيّته».(3)
و منها موثّقة أبي بصير و أبي أيّوب عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الغلام ابن عشر سنين يوصي، قال:
«اذا أصاب موضع الوصيّة جازت».(1)
و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن وصيّة الغلام هل تجوز؟ قال: اذا كان ابن عشر سنين جازت وصيّته».(2)
و لاتعارضها صحيحة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«يجوز طلاق الغلام اذا كان قد عقل و صدقته و وصيّته و ان لميحتلم».(3)
حيث انّها جعلت العبرة في نفوذ الوصيّة بالعقل دون البلوغ عشر سنين. و ذلك لأنّ العقل معتبر لا محالة في الموصي اذا كان بالغا، فضلاً عمّا اذا كان صبيّا لميبلغ الحلم.
نعم، يقيّد اطلاقها بالروايات المتقدّمة القائلة باعتبار البلوغ عشر سنين.
و لاتعارضها أيضا رواية الحسن بن راشد عن العسكري عليهالسلام قال:
«اذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله و قد وجب عليه الفرائض و الحدود و اذا تمّ للجارية سبع سنين فكذلك».(4)
لأنّها مضافا الى ضعف سندها مخالفة لما دلّ من الكتاب و السنّة على الحجر و رفع القلم عن الصبي ما لميبلغ.
و أمّا صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: انّ الغلام اذا حضره الموت فأوصى و لميدرك جازت وصيّته لذوي الأرحام و لمتجز للغرباء».(5)
1) - وسائل الشيعة 19: 363 / الباب 44 من كتاب الوصايا / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 19: 363 / الباب 44 من كتاب الوصايا / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 19: 212 / الباب 15 من كتاب الوقوف و الصدقات / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 19: 212 / الباب 15 من كتاب الوقوف و الصدقات / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 19: 360 / الباب 44 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
ففي المباني: «ان تمّ اجماع على عدم التفصيل فلا بدّ من طرحها و الاّ فلا بدّ من تقييد اطلاق الروايات المتقدّمة».(1)
ولكن الظاهر لزوم طرحها و ذلك لاعراض المشهور عنها فانّه قد تقرّر في محلّه أنّه كلّما ازداد الخبر صحّة ازداد وهنا باعراض المشهور و كلّما ازداد وهنا ازداد صحّة بعمل المشهور، خلافا للسيّد الخوئي رحمهالله حيث لميعتبر الشهرة جابرة لضعف الخبر و لا موهنة لصحّته.
فلاتصحّ وصيّة المجنون. نعم، تصحّ وصيّة الأدواري منه اذا كانت في دور افاقته. و كذا لاتصحّ وصيّة السكران حال سكره. و لايعتبر استمرار العقل فلو أوصى ثمّ جنّ لمتبطل. كما أنّه لو أغمي عليه أو سكر لاتبطل وصيّته. فاعتبار العقل انّما هو حال انشاء الوصيّة.
الشرح:
يشترط في الموصي العقل فلاتصحّ وصيّة المجنون؛ لرفع القلم عنه فلا أثر لتصرّفاته فلايشمله الأدلّة الواردة في الوصيّة من الكتاب و السنّة، و لسلب عبارته لسلب قصده و لا خلاف و لا اشكال في ذلك.
كما في صحيحة جميل بن درّاج المتقدّمة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«يجوز طلاق الغلام اذا كان قد عقل و صدقته و وصيّته و ان لميحتلم».
نعم، تصحّ وصيّة الأدواري من المجنون اذا كانت في دور افاقته لوجود المقتضي و عدم المانع.
و كذا لاتصحّ وصيّة السكران حال سكره اذا بلغ حدّ فقد العقل و سلب
1) - موسوعة الامام الخوئى 33: 337.
الادراك و الشعور حتّى يلحق بالمجنون، و أمّا لو كان يدرك و يشعر فلايمنع صرف الاسكار عن صحّة وصيّته لعدم الدليل على ذلك.
و لايعتبر استمرار العقل فلو أوصى ثمّ جنّ لمتبطل لعدم الدليل على لزوم الاستمرار، بل صريح قولهم بصحّة وصيّة الأدواري في دور افاقته ظاهر في بنائهم على عدم بطلانها بطروّ الجنون، فيكون المقام خارجا عن قاعدة بطلان العقود الجائزة بطروّ الجنون، لو كانت الوصيّة منها.
و في المباني: «نعم، بطلان العقود الجائزة بطروّ الجنون ثابت في موردين: أحدهما لو أذن أو أباح شخص لآخر بالتصرّف في ماله فجنونه المتأخّر يبطل اذنه الاّ أنّه ليس من العقود. و ثانيهما الوكالة حيث يجوز للوكيل التصرّف فيما جاز للموكّل التصرّف فيه فاذا لميكن للموكّل ذلك للحجر عليه لميكن للوكيل أيضا».(1)
كما أنّه لو أغمي عليه أو سكر لاتبطل وصيّته لما ذكر، فاعتبار العقل انّما هو في حال انشاء الوصيّة.
الشرح:
يشترط في الموصي أنيكون مختارا فلو كان مستكرها على الوصيّة لاتصحّ، و يدلّ على ذلك الاجماع و السنّة و هي قوله صلىاللهعليهوآله: «رفع عن أمّتي تسعة.... و ما استكرهوا عليه».
و قد ثبت في محلّه أنّ الوضع و الرفع لايختصّ بالمؤاخذة بل ظاهر الرفع ارتفاع كلّ ما يترتّب على العمل من الآثار سواء في ذلك الكفّارة و الحدّ و غيرهما، و من جملتها أثر الانشاء الواقع عن الاكراه فلايترتّب عليه الأثر.
1) - موسوعة الامام الخوئى 33: 337.
و يؤيّدها قوله عليهالسلام في صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليهالسلام في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال عليهالسلام:
«لا، قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: وضع عن أمّتي ما أكرهوا و ما لميطيقوا و ما أخطأوا».(1)
فانّ استشهاده عليهالسلام بنفي الاكراه في المقام دليل على عدم اختصاصه بنفي المؤاخذة.
فلاتصحّ وصيّة السفيه و ان كانت بالمعروف سواء كانت قبل حجر الحاكم أو بعده. و أمّا المفلّس فلا مانع من وصيّته و ان كانت بعد حجر الحاكم؛ لعدم الضرر على الغرماء لتقدّم الدين على الوصيّة.
الشرح:
قد نقل في المستمسك القول بعدم صحّة وصيّة السفيه من ظاهر كلام ابن حمزة و القواعد و التحرير و نقل عن جامع المقاصد أنّه قال بأنّ عدم الصحّة قوي. و نقل أنّ المشهور ذهبوا الى صحّة وصيّته في البرّ و المعروف و نقل القول به عن الحدائق و المفيد و الحلبي و سلاّر.
و الظاهر أنّه لا دليل على عدم نفوذ وصيّته و ذلك لأنّ الظاهر من أدلّة حجره أنّه في مقام الامتنان عليه و انّما هو لمصلحة السفيه ومراعاة حفظ أمواله فلاتقتضي حرمانه عن الانتفاع بماله في وجوه البرّ و الخيرات و على هذا فأدلّة حجره لاتشمل وصيّته.
و أمّا قوله تعالى: «فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم»(2)
فظاهره دفع الأموال اليهم ليتصرّفوا فيها كيف يشاؤون كما في المباني، فهو منصرف عن الوصيّة، و لايبعد دعوى ذلك في نصوص الحجر أيضا.
ثمّ انّ الظاهر تقيّد صحّة وصيّته بما هو معروف و هو ما لايكون عن سفه و لايكون خلاف الكتاب و السنّة.
و أمّا المفلّس فلا اشكال في جواز وصيّته فانّ حجره لمكان منافاة تصرّفاته لحقّ الغرماء و أمّا الوصيّة فلاتنافي حقّهم لتقدّم الدين على الوصيّة.
فلاتصحّ وصيّة المملوك بناءً على عدم ملكه و ان أجاز مولاه. و كذا بناءً على ما هو الأقوى من ملكه لعموم أدلّة الحجر و قوله عليهالسلام: «لا وصيّة لمملوك» بناءً على ارادة نفي وصيّته لغيره لا نفي الوصيّة له. نعم، لو أجاز مولاه صحّ على البناء المذكور. و لو أوصى بماله ثمّ انعتق و كان المال باقيا في يده صحّت على اشكال. نعم، لو علّقها على الحرّيّة فالأقوى صحّتها. و لايضرّ التعليق المفروض كما لايضرّ اذا قال: هذا لزيد ان متّ في سفري. و لو أوصى بدفنه في مكان خاصّ لايحتاج الى صرف مال فالأقوى الصحّة و كذا ما كان من هذا القبيل.
الشرح:
لاتصحّ وصيّة المملوك بناءً على عدم ملكه و ان أجاز مولاه، حيث لاتكون من الوصيّة الفضوليّة كي تصحّ باذن مولاه، فانّه يقول مثلاً: «انّه لزيد بعد وفاتي» مع أنّ
المال لمولاه فعلّق الوصيّة على موت نفسه. نعم، لو علّقه على موت مولاه فهي من الفضوليّة، و عليه فلاتصحّ وصيّة العبد حتّى مع اجازة المولى اذ لايصحّ تعليق الملكيّة على وفاة غير المالك.
و كذا لاتصحّ وصيّة المملوك بناءً على ما هو الأقوى من ملكه الاّ اذا أذن له
سيّده و ذلك لعموم أدلّة حجره من الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «ضرب اللّه مثلاً عبدا مملوكا لايقدر على شيء»(1).
و من الثاني خصوص صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام أنّه قال في المملوك:
«مادام عبدا فانّه و ماله لأهله لايجوز له تحرير و لا كثير عطاء و لا وصيّة الاّ أنيشاء سيّده».(2)
و رواية عبدالرحمن بن الحجّاج عن أحدهما عليهماالسلام أنّه قال: «لا وصيّة لمملوك».(3)
بناءً على أنّ المراد أنلاتصحّ وصيّة المملوك، بمعنى كون اضافته اضافة الى الفاعل كما هو الظاهر لا اضافة الى المفعول فانّه لا معنى لعدم جواز أنيكون العبد موصى له.
و عليه فلو أجاز مولاه صحّت وصيّته على ما هو الأقوى من ملكه كما صرّحت به صحيحة محمّد بن قيس.
و لو أوصى بماله ثمّ أعتق و كان المال باقيا في يده فيمكن أنيقال بالصحّة؛ لعدم الدليل على مانعيّة الرقّيّة على الاطلاق و لزوم استمرار الحرّيّة من زمان الوصيّة الى الموت و أنّ وصيّة المملوك باطلة الى الأبد؛ اذ الدليل مختصّ بمادام رقّا.
اللّهمّ الاّ أنيقال باطلاق صحيحة محمّد بن قيس في عدم الفرق في البطلان بين تحرّره بعده و بقائه على الرقّيّة. نعم، لو أمضاها بعد الحرّيّة حكم بصحّتها نظرا الى أنّ امضاءها لها بمنزلة وصيّة جديدة، كما في نكاح العبد بدون اذن سيّده
ثمّ عتقه بعد ذلك و قبل ردّ المولى نكاحه، حيث قد تقدّم في كتاب النكاح ما يدلّ على صحّة نكاحه. و أمّا لو علّقها على الحرّيّة فذهب المصنّف رحمهالله الى أنّ الأقوى صحّتها و أنّه لايضرّ التعليق المفروض.
ولكنّ الأقوى هو الفساد و ذلك لأنّة تارة يفرض التعليق بنحو الشرط المتأخّر بمعنى وقوع الوصيّة بالفعل و الحرّيّة شرط متأخّر فيشملها اطلاق صحيحة محمّد بن قيس الحاكمة ببطلان وصيّة العبد حين رقّيّته.
و أخرى يفرض بنحو الشرط المقارن بمعنى أنيوقع الوصيّة معلّقة على الحرّيّة و أنّها ستقع بعد حرّيّته فهو من التعليق المبطل.
و أمّا ما يقاس ما نحن فيه به من قوله: «هذا لزيد ان متّ في سفري» فتارة يكون الموت في السفر من قبيل الشرط للوصيّة و تكون الوصيّة معلّقة عليه بحيث يكون نظر الموصي أنّه لو رجع من سفره و مات في البلد قبل أنيغيّر الوصيّة فلا وصيّة، فان كان كذلك فالظاهر أنّه من قبيل التعليق على الحرّيّة و ينتج بطلان الوصيّة.
و أخرى يكون المراد هو التعليق على نفس الموت و ذكر السفر ليس من قبيل الشرط للوصيّة و على هذا فليست باطلة لأنّ الموت مقوّم لعنوان الوصيّة و ليس من قبيل التعليق.
هذا كلّه في الوصيّة التمليكيّة و أمّا الوصيّة العهديّة التي لاترجع الى تصرّف مالي كما لو أوصى بدفنه في مكان خاصّ أو غير ذلك ممّا لايحتاج الى صرف مال فذهب المصنّف الى الصحّة و الظاهر أنّ وجهه انصراف أدلّة الحجر عمّا لو لميكن تصرّفا في المال.
و ان قال السيّد الخوئي رحمهالله باطلاق أدلّة الحجر و شموله للمقام و قال بأنّ مقتضى نفي نفوذها من دون مشيّة السيّد كما في صحيحة محمّد بن قيس عدم الفرق بين الوصيّة بالمال و الوصيّة بغيرها.
ولكن ما ذكره المصنّف قدسسره هو الوجه و ذلك لأنّ العبد لميكن محجورا في فعل الواجبات و المستحبّات التي منها الوصيّة العهديّة و كذا ما يتعلّق بمعاشه من الأمور، فينتج الانصراف المذكور آنفا.
بأن أوصى بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب هلاكه من جرح أو شرب سمّ أو نحو ذلك فانّها لاتصحّ وصيّته على المشهور المدّعى عليه الاجماع؛ للنصّ الصحيح الصريح خلافا لابن ادريس و تبعه بعض. و القدر المنصرف اليه الاطلاق الوصيّة بالمال. و أمّا الوصيّة بما يتعلّق بالتجهيز و نحوه ممّا لا تعلّق له بالمال فالظاهر صحّتها. كما أنّ الحكم مختصّ بما اذا كان فعل ذلك عمدا لا سهوا أو خطأ و برجاء أنيموت لا لغرض آخر، و على وجه العصيان لا مثل الجهاد في سبيل اللّه. و بما لو مات من ذلك. و أمّا اذا عوفي ثمّ أوصى صحّت وصيّته بلا اشكال.
و هل تصحّ وصيّته قبل المعافاة؟ اشكال. و لايلحق التنجيز بالوصيّة. هذا و لو أوصى قبل أنيحدث في نفسه ذلك ثمّ أحدث صحّت وصيّته، و ان كان حين الوصيّة بانيا على أنيحدث ذلك بعدها للصحيح المتقدّم مضافا الى العمومات.
الشرح:
هذا هو الأمر السادس من الأمور التي صحّة الوصيّة مشروطة بها و هو أنلايكون قاتل نفسه، فلو أوصى بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب هلاكه من جرح أو شرب سمّ أو نحو ذلك، فلاتصحّ وصيّته على المشهور المدّعى عليه الاجماع بل التسالم عليه في الجملة، حيث لمينسب الخلاف فيه الى غير ابن ادريس و من تبعه كما في المباني.
و الدليل عليه - قبل الاجماع - النصّ الصحيح الصريح في المطلب و هو صحيحة أبي ولاّد قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: من قتل نفسه متعمّدا فهو في نار جهنّم خالدا فيها، قلت: أرأيت ان كان أوصى بوصيّة ثمّ قتل نفسه من ساعته تنفذ وصيّته؟ قال: فقال: ان كان أوصى قبل أنيحدث حدثا في نفسه من جراحة أو قتل أجيزت وصيّته في ثلثه و ان كان أوصى بوصيّة بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعلّه يموت لمتجز وصيّته».(1)
و لا بدّ لتنقيح حكم المسألة من ذكر أمور:
الأوّل: قد يقال انّ قوله عليهالسلام: «في ثلثه» قيد لفرض جواز الوصيّة و أمّا فرض عدم جوازها فالظاهر اطلاقه و شموله لكلتا الوصيّتين الماليّة و العهديّة.
ولكن ذلك مدفوع بأنّ تقييده عليهالسلام: «في ثلثه» دليل على عدم نفوذ الوصيّة فيما يتعلّق بالمال في الفرض الثاني - و هو ما اذا أوصى بعد ما أحدث في نفسه حدثا - و صحّته في الفرض الأوّل - و هو ما اذا أوصى قبل احداث الحدث - و عليه فالصحيحة ساكتة بالنسبة الى الوصيّة في غير المال فيشملها العمومات.
فبالنتيجة تصحّ الوصيّة العهديّة و لو كان الموصي قاتل نفسه؛ لعدم شمول الصحيحة لها.
الثاني: انّ الصحيحة مختصّة على الظاهر بما اذا فعل ذلك عمدا، كما صرّح عليهالسلامبذلك بقوله: «من قتل نفسه متعمّدا» و يظهر أيضا من قوله عليهالسلام: «لعلّه يموت»، فلو لميكن الفعل عمدا بل كان سهوا أو خطأ فلاتشمله الصحيحة، و ان ترتّب عليه الموت من باب الاتّفاق. كما لاتشمل الصحيحة ما اذا كان في الجهاد
1) - وسائل الشيعة 19: 378 / الباب 52 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
في سبيل اللّه، و ذلك لظهورها في كون قتل النفس معصية من معاصي اللّه.
الثالث: اذا عوفي ثمّ أوصى صحّت وصيّته بلا اشكال و ذلك - مضافا الى شمول عمومات الوصيّة له و كون المسألة متّفقا عليها - لظهور الصحيحة في كون الوصيّة مقارنة لموته بعد أنأحدث جراحة توجب قتله، فلاتشمل ما كان بعد معافاته.
و هل تصحّ وصيّته قبل المعافاة؟ قد استشكل فيه المصنّف رحمهالله كما أنّ السيّد الخوئي رحمهالله ذهب الى عدم صحّته و هو الأقوى لظاهر الصحيحة، و يؤيّده شمولها لمن أحدث في نفسه حدثا لعلّه يموت ثمّ مات بسبب آخر غير ذلك الحدث قبل المعافاة منه فانّه لميلتزموا بصحّة وصيّته.
الرابع: الظاهر عدم الحاق الأمور التنجيزيّة الصادرة منه بالوصيّة، فلو وقف أو وهب أو تصدّق أو نحو ذلك صحّ حيث انّ أصل الحكم على خلاف القاعدة و انّما صير اليه لأجل التعبّد، فاللازم الاقتصار على مورد الدليل.
و ما قيل من أنّ عمله هذا يدلّ على سفهه أو أنّ قاتل الغير ممنوع من الأرث منه فقاتل نفسه ممنوع من التصرّف في ماله بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب موته أو كون الشرط استقرار الحياة في الوصيّة، فمدفوع بكونها استحسانات محضة لايعتنى بها.
الخامس: لو أوصى قبل أنيحدث في نفسه ذلك ثمّ أحدث صحّت وصيّته و ان كان حين الوصيّة بانيا على أنيحدث بعد؛ و ذلك للصحيحة المتقدّمة مضافا الى العمومات.
(مسألة 11): يصحّ لكلّ من الأب و الجدّ الوصيّة بالولاية على الأطفال مع فقد الآخر، و لاتصحّ مع وجوده كما لايصحّ ذلك لغيرهما حتّى الحاكم الشرعي فانّه بعد فقدهما له الولاية عليهم مادام حيّا و ليس له أنيوصي بها
لغيره بعد موته فيرجع الأمر بعد موته الى الحاكم الآخر، فحاله حال كلّ من الأب و الجدّ مع وجود الآخر. و لا ولاية في ذلك للأمّ خلافا لابن الجنيد حيث جعل لها بعد الأب اذا كانت رشيدة. و على ما ذكرنا فلو أوصى للأطفال واحد من أرحامهم أو غيرهم بمال و جعل أمره الى غير الأب و الجدّ و غير الحاكم لميصحّ بل يكون للأب و الجدّ مع وجود أحدهما و للحاكم مع فقدهما. نعم، لو أوصى لهم على أنيبقى بيد الوصي ثمّ يملكه لهم بعد بلوغهم أو على أنيصرفه عليهم من غير أنيملّكهم، يمكن أنيقال بصحّته و عدم رجوع أمره الى الأب و الجدّ أو الحاكم.
الشرح:
انّ هنا فروعا:
يجوز لكلّ من الأب و الجدّ الوصيّة بالولاية على الأطفال مع فقد الآخر بلا خلاف فيه بين الأصحاب - كما في الجواهر - و تدلّ عليه جملة من النصوص كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«أنّه سئل عن رجل أوصى اليه رجل بولده و بمال لهم و أذن له عند الوصيّة أنيعمل بالمال و أنيكون الربح بينه و بينهم، فقال: لابأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك و هو حيّ».(1)
فانّ مقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بالمضاربة و شموله لكلّ ما كان له التصرّف فيه أيّام حياته.
1) - وسائل الشيعة 19: 427 / الباب 92 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
ثمّ انّها و ان كانت واردة في الأب الاّ أنّ الحكم ثابت للجدّ أيضا؛ لأنّ الجدّ من هذه الجهة امّا مساوٍ للأب أو أقوى منه على الخلاف السابق في النكاح.
و يمكن أنيستدلّ على الحكم بفحوى ما تقدّم في كتاب النكاح ممّا دلّ على أنّ عقدة النكاح بيد الأب و الجدّ و أنّه يجوز لهما تعيين الوصي في أمر انكاح الصغير و المجنون المتّصل جنونه ببلوغه و أنّه يجوز للوصي أنيزوّجهما و ان لمينصّ عليه الموصي اذا كان في الزواج مصلحة بدعوى أنّه اذا ثبت ذلك في النكاح ثبت في الأموال بالأولويّة القطعيّة باعتبار أنّ أمر الزواج أهمّ من غيره.
و قد تقدّم البحث عن ذلك في كتاب النكاح في المسألة الثانيهعشرة من فصل أولياء العقد و قد استدللنا على ثبوت الجواز للوصي بأمور يمكن الاستدلال بها لما نحن فيه فراجع.
و عليه فللوصي الولاية كولاية الأب و الجدّ الاّ أنّ ولايتهما ثابتة بأصل الشرع و ولايته ثابتة بايصائهما اليه.
ان قلت: انّ الولاية لاتقبل النقل بالوصيّة. قلت: لانسلّم أنّ مثل هذه الولاية لايقبل النقل فانّ تصرّفات الوصي كلّها تنحصر فيما كان للموصي فعله حيّا و لمينقطع بموته مع انقطاع تصرّفه، فانّه اذا دلّ الدليل على جواز الوصاية فلا اشكال فيها مضافا الى دعوى الاجماع عليه و الى رواية محمّد بن اسماعيل عن أبيه قال:
«سألت الرضا عليهالسلام عن وصي أيتام يدرك أيتامه فيعرض عليهم أنيأخذوا الذي لهم فيأبون عليه كيف يصنع؟ قال عليهالسلام: يردّ عليهم و يكرههم عليه».(1)
و رواية محمّد بن عيسى عمّن رواه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال في رجل مات و
1) - وسائل الشيعة 19: 371 / الباب 47 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
أوصى الى رجل و له ابن صغير فأدرك الغلام و ذهب الى الوصي و قال له: ردّ عليّ مالي لأتزوّج فأبى عليه فذهب حتّى زنى فقال:
«يلزم ثلثي اثم زنا هذا الرجل ذلك الوصي الذي منعه المال و لميعطه فكان يتزوّج».(1)
قال في الشرائع: «و لو أوصى بالنظر في مال ولده الى أجنبي و له أب، لميصحّ و كانت الولاية الى جدّ اليتيم دون الوصي. و قيل: يصحّ ذلك في قدر الثلث ممّا ترك و في أداء الحقوق».(2)
و الظاهر أنّ وجه عدم جواز الوصيّة هو اشتراك الأب و الجدّ في الولاية على الطفل و اتّحاد مرتبتهما و أنّ ولايتهما كانت بالأصالة من الشرع مع أنّ ولاية الوصي في مرتبة متأخّرة عن ولايتهما فمع وجود أحدهما لاتصل النوبة الى ولاية الوصي.
و في الجواهر: «مضافا الى ما دلّ على ولاية الجدّ و الأب ممّا هو ظاهر في انحصار الطفل فيهما مع وجودهما أو أحدهما على وجه ينافيه ولاية أحدهما مع وصي الآخر، و الى ظهور اتّفاق كلمة الأصحاب عليه».(3)
ثمّ ان أوصى أحدهما مع وجود الآخر فهل تبطل الوصيّة من رأس أو تتوقّف صحّتها على موت الآخر فاذا مات ثبتت وصاية الوصي لعدم المعارض حينئذ أو
تبطل فيما عدا الثلث أقوال أقواها الأوّل و ذلك لما تقدّم من أنّه لايجوز لهما الوصاية مع وجود الآخر.
نعم، الظاهر صحّة الوصيّة بأداء الديون التي كانت عليه و لو مع وجود أبيه.
الظاهر عدم صحّة الوصيّة بالولاية على الأطفال لغير الأب و الجدّ حتّى الحاكم الشرعي و ذلك لعدم دليل على ولايته على الأطفال بعد الموت فانّ الحاكم ولي الأطفال مادام حيّا بعد فقد الأب و الجدّ، و ليس له أنيوصي بها لغيره بعد موته فيرجع الأمر بعد موته الى الحاكم الآخر فحاله حال كلّ من الأب و الجدّ مع وجود الآخر.
و في المباني: «لأنّ ولاية الحاكم انّما تثبت له من باب كون الفعل ممّا لا بدّ من تحقّقه في الخارج و يرغب الشارع في حصوله و هو يحتاج الى من يقوم به و القدر المتيقّن منه هو الحاكم الشرعي، فانّه يختصّ بحال حياته و مادام حاكما شرعيّا فلايشمل ايصاءه لغيره بالولاية بعد مماته».(1)
فالحاكم ينقطع ولايته بموته و ان كان الدليل على ولايته لمينحصر بما ذكره السيّد الخوئي رحمهالله من كونها ثابتة في الأمور الحسبيّة، بل يدلّ على ولايته روايات كمقبولة عمر بن حنظلة و غيرها ممّا تكلّمنا عنها في محلّها.
ففي المستمسك: «فالعمدة في الدليل على ولايته مقبولة عمر بن حنظلة المتضمّنة جعل الحاكم الشرعي حاكما، الموجبة لثبوت أحكام الحكّام له و منها
1) - موسوعة الامام الخوئى 33: 349.
تولّي الأيتام و شؤونهم و لميثبت أنّ للحاكم ولاية نصب الولي بعده فالمرجع أصالة عدم ترتّب الأثر».(1)
و كذا لا ولاية للأمّ بلا اشكال و لا خلاف الاّ من ابن الجنيد، لعدم الدليل على ثبوت الولاية لها في عرض ولاية الأب و الجدّ أو طولها.
لو أوصى للأطفال واحد من أرحامهم أو غيرهم بمال و جعل أمره الى غير الأب و الجدّ و غير الحاكم، لميصحّ حيث لايصحّ لأحد التشريع و جعل حكم لميكن ثابتا في الشريعة المقدّسة فانّ الولاية على أموالهم منحصرة في المذكورين فلايصحّ جعلها لغيرهم، بل يكون للأب و الجدّ مع وجود أحدهما و للحاكم مع فقدهما.
نعم، لو أوصى بمال لهم على أنيبقى بيد الوصي ثمّ يملّكهم بعد بلوغهم أو على أنيصرفه عليهم من غير أنيملّكهم فالظاهر صحّته و عدم رجوع أمره الى الأب و الجدّ أو الحاكم و ذلك لأنّ المال ليس مالهم أو حقّ لهم و انّما هو مال للميّت و باقٍ على ملكه، أمر وصيّه بصرفه عليهم أو تمليكهم بعد بلوغهم و هذا لا مانع منه حتّى مع وجود الأبوين.
1) - مستمسك العروة 14: 591.
تصحّ الوصيّة بكلّ ما يكون فيه غرض عقلائي محلّل، من عين أو منفعة أو حقّ قابل للنقل. لا فرق في العين بين أنتكون موجودة فعلاً أو قوّة. فتصحّ الوصيّة بما تحمله الجارية أو الدابّة أو الشجرة، و تصحّ بالعبد الآبق منفردا و لو لميصحّ بيعه الاّ بالضميمة.
و لاتصحّ بالمحرّمات كالخمر و الخنزير و نحوهما و لا بآلات اللهو و لا بما لا نفع فيه و لا غرض عقلائي كالحشرات و كلب الهراش. و أمّا كلب الصيد فلا مانع منه و كذا كلب الحائط و الماشية و الزرع و ان قلنا بعدم مملوكيّة ما عدا كلب الصيد؛ اذ يكفي وجود الفائدة فيها. و لاتصحّ بما لايقبل النقل من الحقوق كحقّ القذف و نحوه. و تصحّ بالخمر المتّخذ للتخليل. و لا فرق في عدم صحّة الوصيّة بالخمر و الخنزير بين كون الموصي و الموصى له مسلمين أو كافرين أو مختلفين؛ لأنّ الكفّار أيضا مكلّفون بالفروع. نعم، هم يقرّون على مذهبهم و ان لميكن عملهم صحيحا.
و لاتصحّ الوصيّة بمال الغير و لو أجاز ذلك الغير اذا أوصى لنفسه. نعم، لو أوصى فضولاً عن الغير احتمل صحّته اذا أجاز.
الشرح:
قال في الشرائع: «متعلّق الوصيّة امّا عين أو منفعة. و يعتبر فيها الملك فلاتصحّ بالخمر و لا الخنزير و لا الكلب الهراش و لا ما لا نفع فيه. - و قال في موضع آخر منه: - و تصحّ الوصيّة بالحمل و بما تحمله المملوكة و الشجرة، كما تصحّ الوصيّة بسكنى الدار مدّة مستقبلة».(1)
و في المسالك: «المراد بالملك هنا صلاحية الملك للموصي و الموصى له كما ترشد اليه الأمثلة، فانّ المذكورات لاتقبل الملك بالنسبة الى المسلم أو مطلقا بناءً على اعتبار الواقع في نفس الأمر و ان جاز اقرار الكافر على وصيّته بشيء من ذلك لمثله؛ لأنّ ذلك أعمّ من الصحّة. و المراد ب- «ما لا نفع به» نفعا معتدّا به في نظر العقلاء بحيث يكون متموّلاً فلاتصحّ الوصيّة بمثل حبّة الحنطة و قشر الجوزة كما لايصحّ نقله بغير الوصيّة. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
تصحّ الوصيّة بكلّ ما يكون فيه غرض عقلائي محلّل اذا كان مملوكا له؛ للعمومات من الكتاب و السنّة من غير معارض من عين أو منفعة أو حقّ قابل للنقل و الانتقال كحقّ التحجير. و لا فرق في العين بين أنتكون موجودة فعلاً أو قوّة فتصحّ بما تحمله الجارية أو الدابّة أو الشجرة، كما تصحّ الوصيّة بثمرة شجرة يشتريها بعد ذلك كما لو أوصى بالمرهون ففكّه أو بثلث ما لميشتره بعد و سيشتريه.
و بالجملة لابأس بالوصيّة بالمعدوم حال الوصيّة بشرط وجوده حال الموت، و كذا بالمعدوم حال الموت اذا كان أصله موجودا حينئذ كما اذا أوصى بالثمرة
التي توجد بعد الموت على الشجرة الموجودة حال الموت.
و تصحّ الوصيّة بالعبد الآبق منفردا و ان لميصحّ بيعه كذلك و ذلك لعدم اشتراط معلوميّة الموصى به للموصى له في صحّة الوصيّة فانّها ايقاع محض كما تقدّم كما يصحّ عتق العبد الآبق بلا اشكال، كلّ ذلك لاطلاق الأدلّة.
و لاتصحّ الوصيّة بالمحرّمات كالوصيّة بالخمر للشرب أو بآلات اللهو و اللعب. و أمّا اذا أوصى بالخمر للطلي أو للتخليل أو بآلات اللهو للشعال أو لفوائد أخرى محلّلة فتصحّ عملاً بالعمومات، و لذلك تصحّ الوصيّة بكلب الصيد و الحائط و الماشية و الزرع.
و لاتصحّ بما لا نفع فيه و لا غرض عقلائي كما عرفت من المسالك و لا بما لايقبل النقل من الحقوق كحقّ القذف و نحوه؛ لعدم قبول النقل.
و لا فرق في عدم صحّة الوصيّة بالخمر و الخنزير بين كون الموصي و الموصى له مسلمين أو كافرين أو مختلفين و ذلك لتكليف الكفّار بالفروع كالمسلمين و ان كنّا مأمورين باقرارهم و الزامهم بما ألزموا به أنفسهم و معاملتهم على ما عندهم لكن ذلك كلّه لايقتضي الصحّة و لعلّه بذلك يجمع بين العبارات كما في الجواهر.(1)
و هي يتصوّر على صورتين:
الأولى: ما اذا أوصى بمال الغير عن نفسه بمعنى أنّها تعلّق على موت الموصي لا المالك فهذه الوصيّة باطلة و لو أجاز ذلك الغير و ذلك لأنّ هذه الوصيّة قد
1) - جواهر الكلام 28: 281.
علّقت على موت غير المالك، فانّ الوصيّة و ان انتسبت الى المالك باجازته الاّ أنّها معلّقة على موت غيره و من المعلوم أنّ التعليق في التمليك غير جائز و انّما خرجنا عنه في التعليق على موت المالك لأدلّة نفوذ الوصيّة حيث انّ قوامها بالتعليق فيبقى غيره على عموم المنع، فليس للمالك أنيعلّق التمليك على موت غيره.
بيان ذلك: انّ الاجازة انّما تصحّح العقد اذا كان للمجيز القيام بذلك التصرّف مباشرة و أمّا فيما نحن فيه فالمالك ان أوصى بماله فلايجوز له أنيعلّق الوصيّة على موت غيره فليس له اجازة ما لايجوز له من التصرّفات بالمباشرة، اذا صدر من غيره.
الثانية: ما اذا أوصى فضولاً عن الغير بمعنى تعليقها على موت الغير فحينئذ اذا أجاز ذلك الغير صحّت الوصيّة و وقعت من المالك كما في سائر موارد الفضولي لما تقدّم من أنّ الوصيّة تنتسب بالاجازة الى المالك و لمّا قلنا سابقا بعدم اعتبار لفظ خاصّ في الوصيّة فصدق الوصيّة من المالك حينئذ و تكون وصيّة له حقيقة و ان لميتلفّظ بها مباشرة.
و على هذا فلا وجه للتردّد في صحّة هذه الصورة، و أمّا المصنّف رحمهالله فبعد نقل هذه الصورة ب- «نعم» جعل الصحّة احتمالاً و لعلّه لتوهّم قيام الاجماع على عدم جريان الفضوليّة في الايقاعات، بناءً على ما هو الحقّ و ذهب اليه المصنّف من كون الوصيّة ايقاعا.
ولكنّه يدفع بعدم قيام دليل لفظي على عدم جريان الفضوليّة في الايقاعات كي يتمسّك باطلاقه، بل ليس هنا الاّ الاجماع على عدم جريانها في بعض الايقاعات مثل الطلاق و العتق حيث يعتبر فيهما لفظ خاصّ صادر من الزوج و المولى فلايجري فيهما الفضوليّة، و حيث انّ الاجماع دليل لبّي و القدر المتيقّن منه يختصّ بهذين الايقاعين فلا وجه للقول بعدم جريان الفضوليّة و عدم نفوذها
بالاجازة في سائر الايقاعات كالوصيّة و الابراء و غيرهما، و عليه فالوصيّة في هذه الصورة وصيّة فضوليّة عن الغير و باجازته لها تصير منتسبة اليه و تصحّ و تنفذ.
(مسألة 1): يشترط في نفوذ الوصيّة كونها بمقدار الثلث أو بأقلّ منه. فلو كانت بأزيد بطلت في الزائد، الاّ مع اجازة الورثة بلا اشكال. و ما عن علي بن بابويه من نفوذها مطلقا - على تقدير ثبوت النسبة - شاذّ. و لا فرق بين أنيكون بحصّة مشاعة من التركة أو بعين معيّنة. و لو كانت زائدة و أجازها بعض الورثة دون بعض نفذت في حصّة المجيز فقط و لايضرّ التبعيض كما في سائر العقود. فلو خلّف ابنا و بنتا و أوصى بنصف تركته فأجاز الابن دون البنت كان للموصى له ثلاثة الاّ ثلث من ستّة. و لو انعكس كان له اثنان و ثلث من ستّة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يتقدّر كلّ واحد منهما بقدر ثلث التركة فما دون. و لو أوصى بما زاد بطلت في الزائد خاصّة، الاّ أنيجيز الوارث. و لو كانوا جماعة فأجاز بعضهم نفذت الاجازة في قدر حصّته من الزيادة. و اجازة الورثة تعتبر بعد الوفاة».(1)
و في المسالك: «و هو المشهور بين الأصحاب و ربما كان اجماعا و الأخبار الصحيحة به متظافرة و ذهب علي بن بابويه الى نفوذ الوصيّة مطلقا من الأصل محتجّا برواية عمّار الساباطي و هي ضعيفة مع معارضتها للنصوص الصحيحة و فتوى الأصحاب و غيرهم. انتهى ملخّصا».(2)
و في الجواهر: «و يتقدّر كلّ من العين و المنفعة بقدر ثلث التركة فما دون فلو أوصى بما زاد بطلت في الزائد خاصّة الاّ أنيجيز الوارث بلا خلاف معتدّ به أجده في شيء من ذلك بل الاجماع بقسميه عليه، و النصوص مستفيضة فيه أو متواترة، فما عن علي بن بابويه - من عدم تقديرها بذلك بل لو أوصى ماله كلّه نفذ تمسّكا بالرضوي و الخبر - واضح الضعف لقصور ذلك كلّه عن مقاومة ما عرفت من وجوه عديدة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
يشترط في نفوذ الوصيّة - عينا أو دينا - كونها بمقدار الثلث أو بأقلّ منه فلو كانت بأزيد بطلت في الزائد الاّ مع اجازة الورثة و الدليل عليه الروايات الكثيرة التي تبلغ حدّ التواتر، فانّها على طوائف:
فمنها ما دلّ على أنّها ان كانت أكثر من الثلث ردّت الى الثلث كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال في رجل أوصى بأكثر من الثلث و أعتق مماليكه في مرضه، فقال:
«ان كان أكثر من الثلث ردّ الى الثلث و جاز العتق».(2)
و ما دلّ على أنّه ان كان أكثر من الثلث فيدخله النقصان كصحيحة ثانية له عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصيّة فكان أكثر من الثلث، قال: يمضي عتق الغلام و يكون النقصان فيما بقي».(3)
و منها ما حكى وصيّة بعض المؤمنين للامام عليهالسلام بجميع ماله و أخذه عليهالسلام الثلث
و ردّ الباقي كصحيحة العبّاس بن معروف قال:
«مات غلام محمّد بن الحسن و ترك أختا و أوصى بجميع ماله له عليهالسلام قال: فبعنا متاعه فبلغ ألف درهم و حمل الى أبي جعفر عليهالسلام قال: فكتبت اليه و أعلمته أنّه أوصى بجميع ماله، قال: فأخذ ثلث ما بعثت اليه و ردّ الباقي و أمرني أنأدفعه الى وارثه».(1)
و نظيرها صحيحة ثانية للعبّاس بن معروف و مرسلته و رواية الحسن بن صالح الثوري و الحسين بن مالك فراجع.(2)
و منها ما ورد في تفسير قوله تعالى: «فمن خاف من موصٍ جنفا أو اثما فأصلح بينهم فلا اثم عليه»(3)بالزيادة على الثلث، كما في مرفوعة يونس بن عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليهالسلام حيث فسّرها الامام عليهالسلام و قال:
«يعني اذا اعتدى في الوصيّة اذا زاد على الثلث».(4)
و لا خلاف في ذلك الاّ ما نسب الى علي بن بابويه و قد نقل عبارته السيّد الحكيم رحمهالله في المستمسك و قال بأنّها غير ظاهرة في هذه النسبة فانّه رحمهالله قال: «فان أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصيّة. فان أوصى بماله كلّه فهو أعلم و ما فعله و يلزم الوصي انفاذ وصيّته على ما أوصى».
فانّ السيّد الحكيم رحمهالله(5)قد أوّل ذيل كلامه و قال بظهوره في صورة احتمال عذره في الوصيّة بالجميع بأنكان ذلك لازما عليه لنذر أو شرط أو حقّ واجب أو غير ذلك ممّا يسوّغ معه الوصيّة بالجميع و قال بأنّ عبارته مطابقة لعبارة الفقه الرضوي.
و كيف كان فقد استدلّ على هذا القول بروايات:
منها رواية محمّد بن عبدوس قال:
«أوصى رجل بتركته متاع و غير ذلك لأبي محمّد عليهالسلام فكتبت اليه: رجل أوصى اليّ بجميع ما خلّف لك و خلّف ابنتي أخت له، فرأيك في ذلك؟ فكتب اليّ: بع ما خلّف و ابعث به اليّ فبعت و بعثت به اليه فكتب اليّ: قد وصل».(1)
و منها رواية عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الرجل أحقّ بماله مادام فيه الروح اذا أوصى به كلّه فهو جائز».(2)
و منها موثّقة علي بن الحسن قال:
«مات محمّد بن عبداللّه بن زرارة و أوصى الى أخي أحمد بن الحسن و خلّف دارا و كان أوصى في جميع تركته أنتباع و يحمل ثمنها الى أبي الحسن عليهالسلام فباعها فاعترض فيها ابن أخت له و ابن عمّ له، فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير و كتب اليه أحمد بن الحسن و دفع الشيء بحضرتي الى أيّوب بن نوح فأخبره أنّه جميع ما خلّف و ابن عمّ له و ابن أخته عرض و أصلحنا أمره بثلاثة دنانير فكتب: قد وصل ذلك و ترحّم على الميّت و قرأت الجواب».(3)
و فيه: انّ الأوّلتين ضعيفتا السند و ان عبّر عنهما في بعض الكلمات بالموثّقة، ولكن محمّد بن عبدوس مجهول فالأولى ضعيفة، و الثانية في طريقها عمر بن شدّاد أو عمرو بن شدّاد و الأوّل مجهول و الثاني مشترك على ما ذكره السيّد
الخوئي رحمهالله.(1)
و أمّا الرواية الثالثة فانّها أجنبيّة عن محلّ الكلام و ذلك لأنّها صريحة في رضى الوارث بأخذه ثلاثة دنانير فلاتكون معارضة للروايات السابقة.
مضافا الى أنّه لو تمّ سند هذه الروايات فلاتقاوم الروايات المتواترة المتقدّم بعضها، و في بعضها أنّه عليهالسلام ردّ الزائد من الثلث الى الورثة.
ثمّ انّه لا فرق بين أنيكون بحصّة مشاعة من التركة أو بعين معيّنة بلا اشكال في ذلك و النصوص واردة في القسمين و لاطلاق الروايات الواردة في الباب العاشر من كتاب الوصايا كصحيحة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يموت، ما له من ماله؟ فقال: له ثلث ماله و للمرأة أيضا».(2)
لو أجاز الزائد بعض الورثة دون بعض نفذت في حصّة المجيز فقط و لايضرّ التبعيض و ذلك لأنّها لاتكون كسائر العقود بل هو ايقاع و تبرّع محض و كان الزائد موقوفا على اجازة الوارث فيلزم كلّ وارث حكمه، فلو فرض كون الوارث ابنا و بنتا و أوصى بنصف ماله فان أجازا معا فالمسألة من ستّة؛ لأنّ لهما نصف التركة أثلاثا و للموصى له نصفها.
و ان ردّا معا فالمسألة من تسعة فلهما ثلثا التركة و هو ستّة، أثلاثا و للموصى له ثلثه و هو ثلاثة.
و ان أجاز أحدهما فللموصى له من قدر الزائد ما يختصّ بالمجيز و المسألة كما في المسالك(1)من ثمانيهعشر و للموصى له الثلث بغير اجازة و هو ستّة و لهما اثناعشر أثلاثا، فمن أجاز منهما دفع من نصيبه ما وصل اليه من السدس الزائد على الثلث و هو سهم من البنت و سهمان من الابن.
(مسألة 2): لايشترط في نفوذها قصد الموصي كونها من الثلث الذي جعله الشارع له فلو أوصى بعين غير ملتفت الى ثلثه و كانت بقدره أو أقلّ صحّت و لو قصد كونها من الأصل أو من ثلثي الورثة و بقاء ثلثه سليما مع وصيّته بالثلث سابقا أو لاحقا بطلت مع عدم اجازة الورثة بل و كذا ان اتّفق أنّه لميوص بالثلث أصلاً لأنّ الوصيّة المفروضة مخالفة للشرع و ان لمتكن حينئذ زائدة على الثلث. نعم، لو كانت في واجب نفذت لأنّه يخرج من الأصل الاّ مع تصريحه باخراجه من الثلث.
الشرح:
لايشترط في نفوذ الوصيّة قصد الموصي كونها من الثلث الذي جعله الشارع له؛ لاطلاق الأدلّة و أنّ العبرة بالواقع و كون الموصى به بمقدار الثلث أو أقلّ منه بحسب نفس الأمر، و أمّا قصد العنوان و علم الموصي به أو التفاته اليه، فلا عبرة به و لا دخل له في النفوذ و عدمه.
فلو أوصى بعين غير ملتفت الى ثلثه و كانت بقدره أو أقلّ صحّت، بل لو أوصى بعين معتقدا أنّها تمام ماله ثمّ انكشف كونها بمقدار ثلثه أو أقلّ نفذت وصيّته سواء كان الانكشاف قبل موته أو بعده، كما أنّه لو أوصى بعين معتقدا كونها
1) - مسالك الأفهام 6: 148.
بمقدار ثلثه أو أقلّ ثمّ بان كونها أكثر منه لمتنفذ و توقّف الزائد على اجازة الوارث، كلّ ذلك لأنّ العبرة بالواقع و نفس الأمر.
و لو قصد كون العين من الأصل أو من ثلثي الورثة مع بقاء ثلثه سليما مع وصيّته بالثلث سابقا أو لاحقا، بطلت مع عدم اجازة الورثة؛ لأنّ الوصيّة بالعين المعيّنة مع فرض تحفّظه على الثلث و عدم رفع اليد عن الوصيّة به سابقا أو لاحقا، تكون من الوصيّة الزائدة عن الثلث لا محالة و حينئذ يتوقّف نفوذها على اجازة الورثة.
و لو أوصى بعين من أصل ماله فحكمه ما مرّ من أنّه ان كان بقدر الثلث أو أقلّ فنافذة و الاّ فموقوفة على اجازة الوارث. نعم، لو علم بأنّ العين زائدة عن الثلث و أوصى بها و بانفاذها و ان لميجز الورثة فيمكن أنيقال بأنّه تشريع محرّم و أمّا بطلانها رأسا فلا.
ثمّ انّ الواجبات الماليّة بالأصالة كالديون و الخمس و الزكاة و حجّة الاسلام تخرج من الأصل سواء أوصى بها أو لا، صرّح باخراجها من الأصل أم لا. نعم، لو صرّح باخراجها من الثلث تخرج منه.
و أمّا الواجبات البدنيّة كالصلاة و الصوم و الواجب بالعارض كالحجّ المنذور فانّها تخرج من الثلث ان أوصى بها.
(مسألة 3): اذا أوصى بالأزيد أو بتمام تركته و لميعلم كونها في واجب حتّى تنفذ أو لا حتّى يتوقّف الزائد على اجازة الورثة، فهل الأصل النفوذ الاّ اذا ثبت عدم كونها بالواجب أو عدمه الاّ اذا ثبت كونها بالواجب؟ وجهان، ربما يقال بالأوّل، و يحمل عليه ما دلّ من الأخبار على أنّه اذا أوصى بماله كلّه فهو جائز و أنّه أحقّ بماله مادام فيه الروح. لكن الأظهر الثاني؛ لأنّه مقتضى ما دلّ على عدم صحّتها اذا كانت أزيد من ذلك و الخارج منه كونها
بالواجب و هو غير معلوم. نعم، اذا أقرّ بكون ما أوصى به من الواجب عليه يخرج من الأصل بل و كذا اذا قال: أعطوا مقدار كذا خمسا أو زكاة أو نذرا أو نحو ذلك و شكّ في أنّها واجبة عليه أو من باب الاحتياط المستحبّي، فانّها أيضا تخرج من الأصل؛ لأنّ الظاهر من الخمس و الزكاة الواجب منهما و الظاهر من كلامه اشتغال ذمّته بهما.
الشرح:
اذا أوصى بالأزيد أو بتمام تركته و لميعلم كونها في واجب حتّى تنفذ أو لا حتّى يتوقّف على اجازة الورثة، فالظاهر أنّ الأصل توقّف الزائد على اجازة الورثة الاّ أنيعلم كونها في واجب، و ذلك لأنّ الأخبار الواردة في أنّ الوصيّة الزائدة عن الثلث موقوفة على اجازة الورثة مقيّدة بما اذا علم أنّ الزائدة للواجب فلو شكّ فيتوقّف على اجازته و لا تنافي بين الأخبار المذكورة و ما ورد من أنّه «اذا أوصى بماله كلّه فهو جائز» أو «أنّه أحقّ بماله مادام فيه الروح» لأنّ الثاني دالّ على جواز الوصيّة الاّ أنّ انفاذها فموقوف.
ثمّ انّه لا اشكال فيما اذا أقرّ بكون ما أوصى به من الواجب عليه فيخرج من الأصل؛ لقاعدة نفوذ اقرار العقلاء على أنفسهم، و ليس الاقرار هكذا على الورثة كما قيل، بل الارث انّما يترتّب على عنوان ما ترك و اذا أقرّ الموصي في حال حياته بالدين ألزم به و أجبر على دفعه اذا امتنع عنه، و عندئذ فلايبقى موضوع لارث الورثة أعني عنوان ما ترك.
هذا مضافا الى امكان استفادة الحكم من جملة من النصوص الدالّة على أنّ الميّت اذا أوصى بحجّة فان كانت حجّة الاسلام خرجت من الأصل و الاّ فمن الثلث، فانّها تدلّ على أنّ اعتراف الميّت في حياته مسموع و يلزم العمل على وفقه.
ثمّ انّه اذا لميصرّح بأنّ الوصيّة واجبة عليه بل قال: أعطوا مقدار كذا خمسا أو زكاة أو نذرا أو نحو ذلك، و شكّ في أنّها واجبة عليه أو من باب الاحتياط المستحبّي فانّها أيضا تخرج من الأصل؛ لأنّ الظاهر من الخمس و الزكاة الواجب منهما و الظاهر من كلامه اشتغال ذمّته بهما فلايترتّب أثر على احتمال الخلاف.
(مسألة 4): اذا أجاز الوارث بعد وفاة الموصي فلا اشكال في نفوذها و لايجوز له الرجوع في اجازته. و أمّا اذا أجاز في حياة الموصي ففي نفوذها و عدمه قولان: أقواهما الأوّل كما هو المشهور؛ للأخبار المؤيّدة باحتمال كونه ذا حقّ في الثلثين فيرجع اجازته الى اسقاط حقّه كما لايبعد استفادته من الأخبار الدالّة على أنليس للميّت من ماله الاّ الثلث. هذا و الاجازة من الوارث تنفيذ لعمل الموصي و ليست ابتداء عطيّة من الوارث فلاينتقل الزائد الى الموصى له من الوارث بأنينتقل اليه بموت الموصي أوّلاً، ثمّ ينتقل الى الموصى له - بل و لا بتقدير ملكه - بل ينتقل اليه من الموصي من الأوّل.
الشرح:
اذا أجاز الوارث بعد وفاة الموصي فلا اشكال في نفوذها بلا خلاف فيه بيننا؛ لأنّه المتيقّن من الأدلّة، و قد ادّعى في الجواهر عليه الاجماع بقسميه.
و في صحيحة أحمد بن محمّد قال:
«كتب أحمد بن اسحاق الى أبي الحسن عليهالسلام: انّ درّة بنت مقاتل توفّيت و تركت ضيعة أشقاصا في مواضع و أوصت لسيّدنا في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث و نحن أوصياؤها و أحببنا انهاء ذلك الى سيّدنا فان أمرنا بامضاء الوصيّة على وجهها أمضيناها و ان أمرنا بغير ذلك انتهينا الى أمره في جميع ما يأمر به ان شاء اللّه، قال:
فكتب عليهالسلام بخطّه: ليس يجب لها في تركتها الاّ الثلث و ان تفضّلتم و كنتم الورثة كان جائزا لكم ان شاء اللّه».(1)
و لايجوز له الرجوع في اجازته؛ لنفوذ الوصيّة و انتقال الموصى به الى الموصى له بمجرّد الاجازة و قد تقدّم أنّ الوصيّة ايقاع و بموت الموصي ينتقل المال الى الموصى له فبطلانها بالرجوع يحتاج الى الدليل. هذا بناءً على ما سيأتي من أنّ الاجازة تنفيذ لعمل الموصي.
و أمّا بناءً على كونها هديّة منهم فلهم الرجوع فيها قبل القبض مطلقا و بعده فيما اذا لمتكن الهبة لازمة بشرط أو لكونها الى ذي رحم.
و أمّا اذا أجاز في حياة الموصي ففي نفوذها و عدمه أقوال: النفوذ مطلقا و عدمه مطلقا - على ما حكي عن المفيد في المقنعة و ابن ادريس رحمهالله و غيرهما باعتبار أنّ الورثة أجنبيّون عن المال تماما - و التفصيل بين كون الوصيّة حال المرض فتنفذ اجازتهم و كونها في حال الصحّة فلا، و التفصيل بين غنى الوارث و فقره فتنفذ في الأوّل اذا كانت الاجازة من غير استدعاء الموصي و لاتنفذ اذا كانت باستدعائه أو كان الوارث فقيرا، و لا دليل على القول الثالث و الرابع.
و أمّا القول الثاني فهو و ان كان على القاعدة؛ لأنّ الوارث كما قالوا أجنبي عن المال الاّ أنّ النصوص دلّت على القول الأوّل:
كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل أوصى بوصيّة و ورثته شهود فأجازوا ذلك فلمّا مات الرجل نقضوا الوصيّة، هل لهم أنيردّوا ما أقرّوا به؟ فقال:
«ليس لهم ذلك و الوصيّة جائزة عليهم اذا أقرّوا بها في حياته».(2)
و قد رواها المشايخ الثلاثة في الكتب الأربعة.
و صحيحة منصور بن حازم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أوصى بوصيّة أكثر من الثلث و ورثته شهود فأجازوا ذلك له، قال: جائز».(1)
قال ابن رباط: و هذا عندي على أنّهم رضوا بذلك في حياته و أقرّوا به.
ثمّ انّ المصنّف بعد ما قوّى القول الأوّل للأخبار و الشهرة، جاء بتأييد للأخبار و هو احتمال كون الوارث ذا حقّ في الثلثين، فيرجع اجازته الى اسقاط حقّه و قال بأنّه لايبعد استفادته من الأخبار الدالّة على أنليس للميّت من ماله الاّ الثلث.
و فيه أوّلاً: انّ مجرّد الاحتمال لايصلح للتأييد؛ اذ ما من احتمال الاّ و مقابله احتمال عدمه المؤيّد بأخبار المخالف. نعم، اذا دلّ على الاحتمال دليل كان الدليل مؤيّد.
و ثانيا: انّ الأخبار لاتدلّ على كون الوارث ذا حقّ في الثلثين بل أقصى ما تدلّ عليه هو أنليس للميّت التصرّف في ماله بعد الوفاة الاّ بمقدار الثلث و هو لايقتضي كون الوارث ذا حقّ.
هذا فيما اذا أجازوا في الحياة و يقرّوا على اجازتهم الى الموت فليس لهم أنينقضوها بعد الموت، و هل لهم أنيرجعوا عن الاجازة في حياة الموصي؟
الظاهر من الصحيحة المتقدّمة عدم الجواز، و الاحتياط بالمصالحة لايترك.
الظاهر أنّ الاجازة من الوارث تنفيذ لعمل الموصي و ليست ابتداء عطيّة من الوارث، فلاينتقل الزائد ابتداءً الى الوارث ثمّ منه الى الموصى له بل و لابتقدير
1) - وسائل الشيعة 19: 283 / الباب 13 من كتاب الوصايا / الحديث 2.
ملكه بل ينتقل اليه من الموصي من حين الموت، و ذلك لأنّه الظاهر من الجمع بين قوله تعالى: «من بعد وصيّة يوصي بها أو دين» الدالّ على تأخّر الارث عن الوصيّة و بين الأخبار الدالّة على أنّ نفوذ الزائد على الثلث موقوف على اجازة الورثة فالمستفادمنهما أنّ الزائد على الثلث وصيّة معلّقة فاذا أجازها الوارث ثبتت، و قد أيّد الحكم السيّد الخوئي في المباني بصحيحة أحمد بن الحسن و موثّقة علي بن الحسن المتقدّمتين.
ثمّ انّ ثمرة الخلاف في هذا الفرع تظهر فيما لو مات الوارث أو الموصى له بعد الاجازة و قبل القبض، فعلى ما مال اليه في الحدائق من كون الاجازة عطيّة ابتدائيّة ينتقل المال الى ورثة الوارث المجيز حيث انّ الهبة لاتصحّ و لاتلزم الاّ بالقبض و هو غير متحقّق فيكون المال باقيا على ملك الواهب و بموته ينتقل الى ورثته. و أمّا على القول الآخر ينكشف بمجرّد الاجازة ملك الموصى له للزائد من حينها.
(مسألة 5): ذكر بعضهم أنّه لو أوصى بنصف ماله - مثلاً - فأجاز الورثة ثمّ قالوا: ظننّا أنّه قليل، قضي عليهم بما ظنّوه و عليهم الحلف على الزائد، فلو قالوا: ظننّا أنّه ألف درهم فبان أنّه ألف دينار قضي عليهم بصحّة الاجازة في خمسائة درهم و أحلفوا على نفي ظنّ الزائد، فللموصى له نصف ألف درهم من التركة و ثلث البقيّة و ذلك لأصالة عدم تعلّق الاجازة بالزائد و أصالة عدم علمهم بالزائد. بخلاف ما اذا أوصى بعين معيّنة - كدار أو عبد - فأجازوا ثمّ ادّعوا أنّهم ظنّوا أنّ ذلك أزيد من الثلث بقليل فبان أنّه أزيد بكثير فانّه لايسمع منهم ذلك؛ لأنّ اجازتهم تعلّقت بمعلوم و هو الدار أو العبد.
و منهم من سوّى بين المسألتين في القبول، و منهم من سوّى بينهما في عدم القبول. و هذا هو الأقوى أخذا بظاهر كلامهم في الاجازة كما في سائر
المقامات. كما اذا أقرّ بشيء ثمّ ادّعى أنّه ظنّ كذا أو وهب أو صالح أو نحو ذلك ثمّ ادّعى أنّه ظنّ كذا، فانّه لايسمع منه. بل الأقوى عدم السماع حتّى مع العلم بصدقهم في دعواهم الاّ اذا علم كون اجازتهم مقيّدة بكونه بمقدار كذا فيرجع الى عدم الاجازة. و معه يشكل السماع فيما ظنّوه أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو أوصى بنصف ماله مثلاً فأجاز الورثة ثمّ قالوا: ظننّا أنّه قليل، قضي عليهم بما ظنّوه و أحلفوا على الزائد. و فيه تردّد. أمّا لو أوصى بعبد أو دار فأجازوا الوصيّة ثمّ ادّعوا أنّهم ظنّوا أنّ ذلك بقدر الثلث أو أزيد بيسير لميلتفت الى دعواهم لأنّ الاجازة هنا تضمّنت معلوما».(1)
أقول:
أمّا في الفرض الأوّل و هو ما اذا أوصى بحصّة مشاعة من ماله أكثر من الثلث كالنصف مثلاً، فأجازوا ثمّ قالوا بأنّا ظننّا أنّ التركة ألف درهم فبان ألف دينار مثلاً فالحكم هو قبول دعواهم في ذلك باليمين و ذلك أوّلاً: لأصالة عدم علمهم بمقدار التركة.
و ثانيا: لامكان صدق دعواهم في ذلك؛ لأنّ المال ممّا يخفى غالبا فلو لميكتف فيه باليمين لزم الضرر لتعذّر اقامة البيّنة على دعواهم.
و عليه فيحكم عليهم بمقدار الاجازة على ظنّهم، ففي المثال اذا ظنّوا التركة ألف درهم فأجازوا النصف فقد أجازوا سدس التركة زائدا على الثلث و لنعتبر المثال من تسعمائة لئلاّيلزم الكسر، فاذا كانت التركة تسعمائة دينار فقالوا بأنّهم ظنّوها تسعمائة درهم و أجازوا نصفها فقد أجازو مائة و خمسين درهما زائدا
1) - شرائع الاسلام 2: 193.
على الثلث فللموصى له ثلث التركة و هو ثلاثمائة دينار و سدس ما ظنّوه و هو مائة و خمسون درهما.
هذا كلّه فيما اذا لمنعلم بصدق دعواهم و الاّ فلا اشكال في الحكم على طبقها من غير حاجة الى اليمين.
و أمّا الفرض الثاني و هو ما اذا أوصى بعين معيّنة فأجازوا ثمّ قالوا بأنّهم ظنّوه أكثر من الثلث بقليل فبان أنّه أكثر من الثلث بكثير ففرّق المصنّف رحمهالله بينهما كما في الشرائع و قال بعدم الالتفات الى دعواهم هنا؛ لأنّ الاجازة وقعت على معلوم للورثة و هي العين المخصوصة بأيّ نسبة كانت من التركة فكانت الاجازة ماضية عليهم بخلاف الوصيّة بالجزء المشاع من التركة.
ولكن الأقوى التسوية بين المسألتين و القبول في الحالين كما نقله في المسالك عن الدروس و التحرير و ذلك لجريان أدلّة القبول في الأولى هنا و ذلك أصالة عدم علمهم بالتركة و احتمال صدقهم فانّ الاجازة و ان وقعت على معلوم الاّ أنّه يمكن ظنّهم بكونه مقدار الثلث أو ما قاربه ممّا قد تسامحوا فيه و تعذّر عليهم اقامة البيّنة.
هذا، ولكن السيّد الخوئي رحمهالله قد ذهب الى التفصيل و قال: «انّ الأقوى التفصيل بين الوصيّة بعين معيّنة و بين الوصيّة بالسهام كالنصف و الثلثين و نحوهما. ففي الأولى: يحكم بنفوذها من دون أنيكون للورثة حقّ نقضها و ذلك لاجازتهم لها و انتقال الموصى به الى ملك الموصى له. و اعتقادهم أنّها تسوّي كذا - فضلاً عن ظنّهم - لا أثر له؛ لأنّه من قبيل تخلّف الداعي و هو لايوجب بطلان الاجازة، كما هو الحال في الهبة اللازمة فانّه لو وهب لزيد عينا باعتقاده أنّها لاتسوّي الاّ مائة درهم ثمّ انكشف له أنّها تسوّي ألف درهم فانّ ذلك لايوجب بطلان الهبة و جواز رجوعه فيها؛ لأنّه ليس الاّ من قبيل تخلّف الداعي و هو لايقتضي البطلان.
و في الثانية: فلا بدّ من التفصيل أيضا بين ما اذا كان المراد من النصف هو
النصف الخارجي على نحو الاشتراك في العين فهي ملحقة بالوصيّة بعين معيّنة. و أمّا اذا كان المراد به الشركة في الماليّة بتلك النسبة كما هو الغالب في الوصيّة فان علمنا بصدق دعواهم فلا مجال للقول بعدم سماعهم؛ لأنّهم اذا اعتقدوا كون التركة ألف درهم فقط فأجازوا الوصيّة بالنصف فانّهم أجازوا الخمسمائة درهما خاصّة فاذا انكشف كونها ألف دينار فهم لميمضوا الخمسمائة دينار و معه فكيف تكون نافذة فيها. و منه يظهر أنّه مع الشكّ في صدق دعواهم و عدمه فهي مسموعة الاّ أنّها تحتاج في مقام القضاء الى الاثبات حيث انّها على خلاف الظاهر. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه أوّلاً: انّه لا فرق بين الوصيّة بالعين و المشاع و ذلك لأنّ وجه قبول قولهم في المشاع - على ما تقدّم منّا - هو أصالة عدم العلم بالزائد مضافا الى أنّ المال ممّا يخفى غالبا و هو جارٍ في العين المعيّنة أيضا فانّ دعواهم ممّا يمكن أنيكون صادقا فلو لميكتف فيها باليمين لزم الضرر لتعذّر اقامة البيّنة على دعواهم كما تقدّم.
و ثانيا: انّ ما استدلّ به رحمهالله للقبول فيما اذا كانت الاشاعة على النحو الثاني و علمنا بصدق دعواهم و كذا فيما اذا شكّ في صدقها - من أنّهم اذا اعتقدوا.... - جارٍ في العين المعيّنة و المشاع على النحو الآخر.
(مسألة 6): المدار في اعتبار الثلث على حال وفاة الموصي لا حال الوصيّة، بل على حال حصول قبض الوارث للتركة ان لمتكن بيدهم حال الوفاة. فلو أوصى بحصّة مشاعة - كالربع أو الثلث - و كان ماله بمقدار ثمّ نقص كان النقص مشتركا بين الوارث و الموصي. و لو زاد كانت الزيادة لهما
1) - موسوعة الامام الخوئى 33: 365.
مطلقا و ان كانت كثيرة جدّا. و قد يقيّد بما اذا لمتكن كثيرة؛ اذ لايعلم ارادته هذه الزيادة المتجدّدة و الأصل عدم تعلّق الوصيّة بها. ولكن لا وجه له؛ للزوم العمل باطلاق الوصيّة. نعم لو كان هناك قرينة قطعيّة على عدم ارادته الزيادة المتجدّدة صحّ ما ذكر لكن عليه لا فرق بين كثرة الزيادة و قلّتها و لو أوصى بعين معيّنة كانت بقدر الثلث أو أقلّ ثمّ حصل نقص في المال أو زيادة في قيمة تلك العين بحيث صارت أزيد من الثلث حال الوفاة بطلت بالنسبة الى الزائد مع عدم اجازة الوارث، و ان كانت أزيد من الثلث حال الوصيّة ثمّ زادت التركة أو نقصت قيمة تلك العين فصارت بقدر الثلث أو أقل صحّت الوصيّة فيها و كذا الحال اذا أوصى بمقدار معيّن كلّي كمائة دينار مثلاً.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يعتبر الثلث وقت الوفاة، لا وقت الوصاية. فلو أوصى بشيء و كان موسرا حال الوصيّة ثمّ افتقر عند الوفاة لميكن بايساره اعتبار. و كذلك لو كان في حال الوصيّة فقيرا ثمّ أيسر وقت الوفاة كان الاعتبار بحال ايساره. و لو أوصى ثمّ قتله قاتل أو جرحه كانت وصيّته ماضية من ثلث تركته و ديته و أرش جراحته».(1)
و في المسالك: «انّما اعتبر الثلث عند الوفاة؛ لأنّه وقت تعلّق الوصيّة بالمال و استقرار الملك للوارث و الموصى له، و هو يتمّ على اطلاقه مع كون الموصى به قدرا معيّنا كعين أو مائة درهم مثلاً أو بجزء من التركة مع كونه حالة الموت أقلّ منه زمان الوصيّة أو مساويا؛ لأنّ تبرّعه بالحصّة المخصوصة زائدة يقتضي رضاه بها ناقصة بطريق أولى. أمّا لو انعكس أشكل اعتبار وقت الوفاة للشكّ في قصد الزائد و ربما دلّت القرائن على عدم ارادته على تقدير زيادته كثيرا حيث لاتكون
1) - شرائع الاسلام 2: 192.
الزيادة متوقّعة له غالبا و وجه اطلاق المصنّف و غيره اعتبار حالة الوفاة الشامل لذلك النظر الى اطلاق اللفظ الشامل لذلك».(1)
أقول:
المدار في اعتبار الثلث على حال وفاة الموصي لا حال الوصيّة بلا خلاف كما عن الجواهر. نعم، عن المحقّق و الشهيد الثانيين الاشكال فيما اذا كان المال زائدا حين الموت بالنسبة الى حال الوصيّة كما عرفت.
و يدفع باطلاق قوله تعالى: «كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصيّة»، و خصوص رواية عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الرجل أحقّ بماله مادام فيه الروح اذا أوصى به كلّه فهو جائز».(2)
و غيرها من النصوص المتضمّنة للتعبير ب- «ما ترك» أو «ما خلّف» فانّ المستفاد منها كون العبرة بما يتركه من بعده لا بما يملكه فعلاً.
و يدلّ عليه أيضا ما سيأتي من الروايات الدالّة على احتساب الدية من جملة ما ترك و خروج الديون و الوصايا منها كما يخرج من غيرها فانّ الدية من الملك المتجدّد له المتأخّر عن الوصيّة و قد حكموا عليهمالسلام بخروج الثلث منها أيضا.
بل يكون المدار في اعتبار الثلث على حال حصول قبض الوارث للتركة ان لمتكن بيدهم حال الوفاة، فلو أوصى بحصّة مشاعة - كالربع أو الثلث - و كان ماله بمقدار ثمّ نقص بالتلف أو نقص الماليّة - لو كان ما تركه عينا - قبل القبض كان النقص مشتركا بين ثلثي الورثة و ثلث الوصيّة، كما أنّه لو زاد كانت الزيادة لهما مطلقا و ان كانت كثيرة جدّا، و الدليل عليه اطلاق الكتاب و الروايات الواردة و من جملتها ما ورد في الدية، كما سيأتي البحث عنها في المسألة الثامنة.
و لا وجه لما ذهب اليه العلمان المحقّق و الشهيد الثانيان من الاشكال في صورة الزيادة و ذلك لمخالفته للاطلاقات.
نعم، لو كان هناك قرينة صالحة لتقييد المطلقات على عدم ارادته الزيادة المتجدّدة صحّ ما ذكراه، ولكن هذا لايختصّ بالزيادة بل لو علم أو قامت قرينة على ارادة الموصي وقت الوصيّة و ان نقص المال بعد ذلك، فالحكم كذلك.
(مسألة 7): ربما يحتمل فيما لو أوصى بعين معيّنة أو بكلّي - كمائة دينار مثلاً - أنّه اذا تلف من التركة بعد موت الموصي يرد النقص عليهما أيضا بالنسبة كما في الحصّة المشاعة و ان كان الثلث وافيا. و ذلك بدعوى أنّ الوصيّة بها ترجع الى الوصيّة بمقدار يساوي قيمتها فيرجع الى الوصيّة بحصّة مشاعة، و الأقوى عدم ورود النقص عليهما مادام الثلث وافيا. و رجوعهما الى الحصّة المشاعة في الثلث أو في التركة، لا وجه له. خصوصا في الوصيّة بالعين المعيّنة.
الشرح:
و في الجواهر: «انّما الاشكال في أنّ هذا و نحوه (يعني الوصيّة بشيء معيّن أو بمقدار كلّي كمائة دينار) هل يرجع الى الوصيّة بحصّة مشاعة من الثلث حتّى أنّ التالف منه ينقص من الموصى به على حسب النسبة؛ لأنّه كالوصيّة بربع الثلث مثلاً أو أنّه لايرجع الى ذلك بل هو كلّي مضمون في الثلث، حتّى لو لميبق منه الاّ مقدار ما يساوي ذلك نفذت الوصيّة؟ وجهان: منشؤهما أنّ الكلّي يملّك في الخارج لا على جهة الاشاعة على وجه تشمله عمومات الوصيّة مثلاً أو أنّه لايملّك الاّ على جهة الاشاعة الاّ ما خرج بالدليل، كبيع الصاع من الصبرة بناءً عليه
لخبر الاطنان. و ربما يؤيّد الثاني تنزيلهم الأرطال المستثناة في بيع الثمار على الاشاعة و كذا الشاة مثلاً في الزكاة».(1)
أقول:
الأقوى عدم ورود النقص عليهما مادام الثلث وافيا؛ لاطلاق العمل بالوصيّة اذا لمتزد على الثلث فورود النقص على الموصى به في الفرضين المذكورين في المتن خلاف ذلك الاطلاق.
و دعوى عدم ملك الكلّي الاّ على نحو الاشاعة ممنوعة مخالفة لما عند العرف. نعم، اذا كانت الاشاعة في نفس الموصى به - كما لو أوصى بالثلث أو الربع أو نحوهما - فورود النقص عليهما مقتضى الاشتراك في المشاع، كما هو ظاهر.
و في المباني: «على أنّ لازم ملاحظة النسبة و حمل الوصيّة بالعين أو الكلّي على الحصّة المشاعة هو القول بزيادتها عند زيادة التركة، فلو أوصى بمائة دينار و كانت ملكيّته عند ذلك تبلغ ألف دينار و قلنا بأنّ هذه الوصيّة ترجع الى الوصيّة بالعشر ثمّ زادت بعد ذلك فبلغت ألفين كان لازم ذلك اخراج مائتي دينار للموصى له نظرا لكونها بالفعل عشر الوصيّة. و لاأظنّ أنّ أحدا يقول به لاسيّما اذا كان الموصى به عينا معيّنة، فانّها لو كانت حين الوصيّة تسوى ألفا و كانت مالية الموصي عشرهآلاف ثمّ زادت بحيث بلغت عند موته عشرين ألفا فلا قائل بلزوم اخراجها مع مثلها أو قيمتها باعتبار أنّ مرجع الوصيّة حينئذ الى الحصّة المشاعة و هي العشر في المثال».(2)
(مسألة 8): اذا حصل للموصي مال بعد الموت كما اذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته يخرج منه الوصيّة كما يخرج منه الديون. فلو أوصى بالثلث أو الربع أخذ ثلث ذلك المال أيضا مثلاً. و اذا أوصى بعين و كانت أزيد من الثلث حين الموت و خرجت منه بضمّ ذلك المال نفذت فيها. و كذا اذا أوصى بكلّي كمائة دينار مثلاً. بل و لو أوصى ثمّ قتل حسبت ديته من جملة تركته فيخرج منها الثلث كما يخرج منها ديونه اذا كان القتل خطأ. بل و ان كان عمدا و صولحوا على الدية؛ للنصوص الخاصّة مضافا الى الاعتبار و هو كونه أحقّ بعوض نفسه من غيره. و كذا لو أخذ دية جرحه خطأ بل أو عمدا.
الشرح:
اذا حصل للموصي مال بعد الموت يكون مشتركا بين الموصى له و الورثة اذا أوصى بمشاع.
و لو أوصى بعين و كانت أزيد من الثلث حين الموت و خرجت عن الزيادة بضمّ ذلك المال نفذت فيها و لميحتج الى اجازة الوارث.
فاذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته فالمشهور أنّه يخرج منه الوصيّة كما يخرج منه الديون و ذلك لأنّ الصيد تابع للصائد، فانّ عنوان الاصطياد و الصائد يصدقان على الميّت؛ لأنّه الذي تصدّى له و نصب الشبكة، بل هذا يكون ملكا له و ان كانت الآلة للوارث.
و لذا لو اصطاد شخص بالشبكة المغصوبة كان الصيد له دون مالك الشبكة، و كذا الحال في عكس المسألة، بأنرمى سهما فأصاب شخصا عمدا أو خطأ ثمّ مات قبل موت المصاب ثمّ مات المصاب كانت عليه الدية لفوات محلّ القصاص في العمد و لايذهب دم امرئ مسلم هدرا و تخرج من أصل تركته بلا خلاف فيه؛
لاستناد القتل الى فعل الميّت كما هو الحال بالنسبة الى اصطياده.
و قد استشكل في المستمسك(1)بأنّ النصب حال الوفاة يكون للوارث؛ لأنّه غير موصى به و اذا كان النصب للوارث كان أثره - و هو الصيد - له لا للميّت حتّى تخرج منه وصيّته نظير ما اذا ترك شاتين قد أوصى باحداهما بعينها لزيد و كانتا متساويتين في القيمة فانّه تردّ الوصيّة في سدس الشاة الموصى بها فاذا ولدت الشاة الأخرى لميكن متداركا به النقص؛ لأنّه ملك الوارث لا غير. و كذا الكلام فيما لو أوصى بمائة دينار مثلاً فانّ العين الخارجيّة للوارث و النماء تابع لها فيكون للوارث.
و فيه: انّه قد عرفت أنّ الصيد تابع للصائد عرفا لا الآلة، فلا وجه لقياسه على نتاج الحيوان فانّه تابع للأمّ فلايحتمل أنيكون المولود مشتركا بين الميّت و الوارث.
لو أوصى ثمّ قتل، حسبت ديته من جملة تركته فيخرج منها الثلث كما يخرج منها ديونه اذا كان القتل خطأ بل و ان كان عمدا و صولحوا على الدية؛ للنصوص الخاصّة الآتية، مضافا الى الاعتبار و هو كون المقتول أحقّ بعوض نفسه من غيره و الى عدم الخلاف ظاهرا في المسألة.
و أمّا النصوص فمنها: صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
1) - مستمسك العروة 14: 618.
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في رجل أوصى لرجل بوصيّة مقطوعة غير مسمّاة من ماله ثلثا أو ربعا أو أقلّ من ذلك أو أكثر، ثمّ قتل بعد ذلك الموصي فودّي فقضى في وصيّته أنّها تنفذ من ماله و من ديته».(1)
فانّها باطلاقها شاملة لما اذا كان القتل عمدا و صولحوا على الدية.
و منها صحيحته الثانية قال:
«قلت له: رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ - يعني الموصي - فقال: يجاز لهذا الوصيّة من ماله و من ديته».(2)
و منها رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: من أوصى بثلثه ثمّ قتل خطأ، فان ثلث ديته داخل في وصيّته».(3)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن جعفر عليهالسلام:
«أنّ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله قال: اذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال».(4)
و منها صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل قتل و عليه دين و ليس له مال فهل لأوليائه أنيهبوا دمه لقاتله و عليه دين؟ فقال: انّ أصحاب الدين
هم الغرماء للقاتل فان وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء و الاّ فلا».(1)
و منها قوله عليهالسلام في رواية علي بن أبي حمزة:
«بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه فانّه أحقّ بديته من غيره».(2)
و كذا لو أخذ دية جرحه خطأ أو عمدا لكونه مالكا لها في حياته فتنتقل الى ورثته على حدّ انتقال سائر أمواله اليهم.
هذا آخر ما أورده المحقّق النحرير
سيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي رحمهالله في كتابه «العروة الوثقى»
و حيث انّها لاتفي و لاتشتمل على جميع مسائل كتاب الوصيّة
نواصل المباحث و نكملها بايراد بقيّة المسائل
من شرائع الاسلام للمحقّق الحلّي قدسسره
ان شاء اللّه تعالى
بقي الكلام في مسائل من الموصى به و الايصاء و غيرهما.
أمّا ما بقي في الموصى به فمسائل:
الأولى: قال المحقّق في الشرائع: «لو أوصى بواجب و غيره فان وسع الثلث عمل بالجميع. و ان قصر و لميجز الورثة بدئ بالواجب من الأصل و كان الباقي من الثلث و يبدأ بالأوّل فالأوّل. و لو كان الكلّ غير واجب بدئ بالأوّل فالأوّل حتّى يستوفي الثلث».(1)
أقول:
قد تقدّم أنّ الواجبات الماليّة بالأصالة كالزكاة و الخمس و الكفّارات و النذور و حجّة الاسلام تخرج من أصل التركة لا من الثلث و الواجبات البدنيّة بالأصالة تخرج من الثلث و ان صارت ماليّة بالعرض.
و عليه فلو أوصى بالأمور الواجبة عليه و جمع بين الماليّة و غيرها فيخرج الماليّة من أصل التركة ثمّ نظر الى الثلث فان وفى بالجميع فبها، و الاّ فبدئ بالواجب الأوّل فالأوّل ثمّ بغير الواجب على الترتيب ان لميجز الورثة.
و لو حصر الموصي الجميع في الثلث بدئ بالواجب المالي فان فضل منه شيء أخرج من باقي المال و ان خرج عن مقتضى الوصيّة؛ لوجوب اخراج هذا النوع من الواجب و ان لميوص به، و ان فضل من الثلث عنه شيء أخرج الواجب
1) - شرائع الاسلام 2: 192.
البدني بعده و هكذا على الترتيب الى أنيستوفى الثلث و يبطل الباقي حيث لا اجازة.
و في الجواهر: «و لو أوصى بواجب مالي و غيره أخرج الأوّل من الأصل؛ لأنّه كالدين نصّا و فتوى بل الاجماع بقسميه عليه و على أنّ من ذلك الحجّ الواجب للنصوص الدالّة عليه بالخصوص. و أمّا الثاني فيخرج من الثلث حتّى لو كان واجبا بدنيّا على ما صرّح به في جامع المقاصد و المسالك و محكي الكفاية، بل في الروضة أنّه لا خلاف فيه مرسلين له ارسال المسلّمات؛ لعدم كونه من الدين الذي يخرج من الأصل و عدم دليل على تنزيله منزلته فيبقى على الأصل. نعم، اذا أوصى به شمله أدلّة الوصيّة التي تخرج من الثلث».(1)
الثانية: قال المحقّق رحمهالله: «و لو أوصى لشخص بثلث و لآخر بربع و لآخر بسدس و لميجز الورثة أعطي الأوّل و بطلت الوصيّة لمن عداه. و لو أوصى بثلثه لواحد و بثلثه لآخر كان ذلك رجوعا عن الأوّل الى الثاني. و لو اشتبه الأوّل استخرج بالقرعة».
أقول:
لو أوصى لشخص بثلث أوّلاً ثمّ أوصى لآخر بربع ثمّ أوصى لآخر بسدس و لمتجز الورثة الزائد على الثلث فتارة: نعلم بأنّ مقصوده هو الرجوع عن الوصيّة الأولى و عندئذ فالحكم هو بطلان الأولى و الرجوع منها الى الثانية أو الثالثة على حسب ما علم من قصده.
و أخرى لانعلم ذلك فأعطي الأوّل لمصادفة الوصيّة ثلث الموصي فهي ممكنة النفوذ و بطلت الوصيّة لمن عداه بعدم اجازة الوارث التي صحّة الوصيّة في الفرض متوقّفة عليها؛ اذ ليس للموصي الاّ الثلث الذي قد تعلّقت به الوصيّة الأولى
1) - جواهر الكلام 28: 299.
التي لميعلم رجوعه عنها فيستصحب حكمها، و ما وقع من الوصيّة بالربع و السدس بعدها أعمّ من الرجوع قطعا، فما عن بعض من أنّ الوصيّة بالربع و السدس في هذا المثال رجوع عن الأوّل واضح الضعف. بل قيل بأنّه غير معروف القائل بل عن محكي التحرير و غيره نسبة أصل الحكم الى علمائنا كما في الجواهر.
و أمّا لو أوصى بثلثه المنسوب اليه لشخص كما لو قال: «ثلثي لزيد» ثمّ أوصى هكذا لآخر كان رجوعا عن الأوّل الى الثاني؛ للتضادّ في متعلّق الوصيّة لظهور اللفظ في الثلث الموضوع له شرعا و هذا ممّا يشهد به العرف.
و أمّا لو عبّر بغير هذه العبارة ممّا يشكّ في كونه رجوعا أم لا، فالأصل عدم الرجوع كما لو قال: «أعطوا ثلث مالي زيدا و ثلثه عمروا».
و لو اشتبه الأوّل الذي يستحقّ الوصيّة أو رجع عنه استخرج بالقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل، باعتبار عدم اندراجه في قاعدة من قواعد الشرع.
و في الجواهر: «و لو أوصى بوصايا تزيد على الثلث فلميجز الوارث شيئا معيّنا منها ولكن لميعلم أنّها على الترتيب أو كانت الوصايا دفعه أقرع أوّلاً لبيان أنّها دفعة أو مرتّبة فان كان الأوّل أقرع أيضا لاخراج ما يختصّ بعدم الاجازة منها. و ان كان الثاني جعل جميع المحتملات سهاما متعدّدة و استخرج أحدها و عمل عليه».
الثالثة: قال المحقّق رحمهالله: «من أوصى بجزء من ماله، فيه روايتان: أشهرهما العشر و في رواية: سبع الثلث. و لو كان سهم كان ثمنا، و لو كان شيء كان سدسا».
أقول:
من أوصى بجزء من ماله، ففيه طوائف من الروايات:
احداها و هي أشهرها و أكثرها و أصحّها سندا، تدلّ على العشر:
منها صحيحة أبان بن تغلب قال:
«قال أبو جعفر عليهالسلام: الجزء واحد من عشرة؛ لأنّ الجبال عشرة و الطيور أربعة».(1)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن سيابة قال:
«انّ امرأة أوصت اليّ و قالت: ثلثي يقضى به ديني و جزء منه لفلانة، فسألت عن ذلك ابن أبي ليلى فقال: ماأرى لها شيئا، ماأدري ما الجزء، فسألت عنه أبا عبداللّه عليهالسلام بعد ذلك و خبّرته كيف قالت المرأة و بما قال ابن أبي ليلى فقال: كذب ابن أبي ليلى لها عشر الثلث، انّ اللّه عزّوجلّ أمر ابراهيم عليهالسلام فقال: اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا و كانت الجبال يومئذ عشرة فالجزء هو العشر من الشيء».(2)
و نظيرهما موثّقة معاوية بن عمّار و رواية عبداللّه بن سنان و مرسلة أبي جعفر بن سليمان الخراساني و غيرها.(3)
و أمّا الطائفة الثانية فتدلّ على السبع:
فمنها مرسلة المفيد عن أميرالمؤمنين عليهالسلام:
«في رجل أوصى بجزء من ماله و لميعيّنه فاختلف الوارث بعده في ذلك فقضى عليهم باخراج السبع من ماله و تلا قوله عزّوجلّ: «لها سبعة أبواب لكلّ باب منهم جزء مقسوم»».(4)
و نظيرها صحيحة ابن أبي نصر و غيرها.
و ثالث الطوائف هو رواية الحسين بن خالد عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل أوصى بجزء من ماله؟ قال: سبع ثلثه».(1)
و العمل على الطائفة الأولى لكونها أصحّ سندا و أكثر عددا و أشهر عملاً.
و أمّا سائر ما ذكره المحقّق رحمهالله فعلى كلّ روايات ذكرها في الوسائل فراجع.
الرابعة: قال المحقّق رحمهالله: «و لو أوصى بوجوه فنسي الوصي وجها جعله في وجوه البرّ. و قيل: يرجع ميراثا».
أقول:
اذا أوصى بوجوه فنسي الوصي وجها من تلك الوصيّة أو الوجوه جميعا فالأقوى لزوم صرف ما بقي من الموصى به في الأوّل و جميعه في الثاني في وجوه البرّ و ذلك أوّلاً لأنّ الموصى به قد خرج عن مال الوارث بالوصيّة فالرجوع اليه يحتاج الى دليل، غاية الأمر يصير من المال المجهول المستحقّ فيصرف في وجوه البرّ.
و ثانيا لأنّ لازم رجوعه الى ملك الوارث تبديل الوصيّة و قد قال اللّه تعالى: «فمن بدّله بعد ما سمعه فانّما اثمه على الذين يبدّلونه»(2)، بخلاف الصرف في وجوه البرّ فانّه هو العمل بمقتضى الوصيّة.
و ثالثا لأنّ الموصي يريد القربة بوصيّته غالبا فاذا فات القربة المخصوصة بقي العموم فيكون أقرب الى مراد الموصي.
و رابعا لرواية محمّد بن ريّان قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليهالسلام أسأله عن انسان أوصى بوصيّة فلميحفظ الوصي الاّ بابا واحدا منها، كيف يصنع في الباقي؟ فوقّع عليهالسلام: الأبواب
الباقية اجعلها في البرّ».(1)
و المراد بوجوه البرّ هو الوجوه القربيّة من اعطاء الفقراء و المساكين و الصرف في بناء المساجد أو الطرق و كلّ ما فيه قربة معتدّ بها.
و قال ابن ادريس رحمهالله: «فان أوصى الانسان بوصيّة و جعلها أبوابا مسمّاة فنسي الوصي بابا فليجعل ذلك السهم في وجوه البرّ على ما روي في بعض الأخبار، أورده شيخنا في نهايته. و قال شيخنا في جواب الحائريّات: «اذا نسي الوصي جميع أبواب الوصيّة فانّها تعود ميراثا للورثة» فنعم ما قال و أجاب رحمهالله، فان كان على تلك الرواية اجماع و الاّ فالأولى أنتعود الباب كالمنسيّة ميراثا للورثة».(2)
ولكن الشيخ رحمهالله كما قال ابن ادريس، قد ذهب في النهاية(3)الى ما ذهب اليه المشهور من القول بلزوم الصرف في وجوه البرّ.
و على أيّ حال فاللازم هو الصرف في وجوه البرّ لما تقدّم و قد نفى الخلاف فيه صاحب الجواهر.(4)
الخامسة: قال المحقّق رحمهالله: «و لو أوصى باخراج بعض ولده من تركته لميصحّ. و هل يلغو اللفظ؟ فيه تردّد بين البطلان و بين اجرائه مجرى من أوصى بجميع ماله لمن عدا الولد فتمضى في الثلث، و يكون للمخرج نصيبه من الباقي بموجب الفريضة. و الوجه الأوّل. و فيه رواية بوجه آخر مهجورة».
و في المسالك: «اختلف الأصحاب فيمن أوصى باخراج بعض ولده من الارث هل يقع صحيحا، و يختصّ الارث بغيره من الورّاث ان خرج من الثلث و يصحّ في ثلثه ان زاد أم يقع باطلاً؟ الأكثر على الثاني؛ لأنّها مخالفة للكتاب و السنّة
فتلغو. و وجه الصحّة و اعتبار الثلث أنّ اخراجه من التركة يستلزم تخصيص باقي الورثة بها فكان كما لو أوصى بها فتمضى من الثلث بمعنى حرمان الموصي باخراجه من الثلث و مشاركته في الثلثين ان كان معه مساوٍ و الاختصاص بالباقي ان لميكن، و هذا القول رجّحه العلاّمة في المختلف و على هذا فلو أجاز نفذت في الجميع. و يضعّف بأنّ الحمل على الوصيّة خلاف مدلول اللفظ فالبطلان مطلقا أقوى».(1)
أقول:
الظاهر مخالفة هذه الوصيّة للكتاب و السنّة، أمّا الكتاب فقوله تعالى: «فمن خاف من موصٍ جنفا أو اثما»(2)و قوله: «يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين»(3)و قوله: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه»(4)و تقريب المخالفة أنّ الوصيّة باخراج بعض الولد من الارث تشريع مخالف لحكم اللّه بالارث و جنف و اثم.
و من السنّة روايات:
منها موثّقة السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام قال:
«قال على عليهالسلام: من أوصى و لميحف و لميضارّ كان كمن تصدّق في حياته».(5)
فانّ الوصيّة باخراج بعض الولد حيف و ضرر عليه.
و منها صحيحة سعد بن سعد قال:
«سألته - يعني أبا الحسن عليهالسلام - عن رجل كان له ابن يدّعيه فنفاه و أخرجه من الميراث و أنا وصيّه فكيف أصنع؟ فقال: لزمه الولد لاقراره بالمشهد لايدفعه الوصي عن شيء قد علمه».(1)
و لاتعارضها ما رواه محمّد بن يحيى في رواية عن وصي علي بن السري قال:
«قلت لأبي الحسن عليهالسلام: انّ علي بن السري توفّي و أوصى اليّ فقال: رحمه اللّه، فقلت: و انّ ابنه جعفرا وقع على أمّ ولد له فأمرني أنأخرجه من الميراث فقال لي: أخرجه ان كنت صادقا فسيصيبه خبل، قال: فرجعت فقدّمني الى أبي يوسف القاضي فقال له: أصلحك اللّه أنا جعفر بن علي بن السري و هذا وصي أبي فمره فليدفع اليّ ميراثي من أبي، فقال لي: ما تقول؟ فقلت: نعم، هذا جعفر بن علي بن السري و أنا وصي علي بن السري، قال: فادفع اليه ماله، قلت: أصلحك اللّه أريد أنأكلّمك قال: فادن فدنوت حيث لايسمع أحد كلامي فقلت: هذا وقع على أمّ ولد لأبيه فأمرني أبوه و أوصى اليّ أنأخرجه من الميراث و لاأورّثه شيئا، فأتيت موسى بن جعفر عليهالسلام بالمدينة فأخبرته و سألته فأمرني أنأخرجه من الميراث و لاأورّثه شيئا فقال: اللّه! انّ أبا الحسن أمرك؟ قلت: نعم، فاستحلفني ثلاثا، ثمّ قال: أنفذ ما أمرك فالقول قوله».(2)
و قد نقل في الوسائل عن الصدوق رحمهالله أنّه قال في ذيل الحديث: «و متى أوصى باخراج ابنه من الميراث و لميكن أحدث هذا الحدث لميجز للوصي انفاذ وصيّته في ذلك».
ثمّ استدلّ بالحديث الأوّل.
و نقل عن الشيخ رحمهالله في ذيله: «هذا الحكم مقصور على هذه القضيّة لايتعدّى الى غيرها؛ لأنّه لايجوز أنيخرج الرجل من الميراث المستحقّ بنسب شائع بقول الموصي و أمره أنيخرج من الميراث اذا كان نسبه ثابتا».
و استدلّ رحمهالله أيضا بالحديث الأوّل.
و في طريق الرواية معلّى بن محمّد و هو مشترك بين الثقة و الضعيف، مع أنّه لميعيّن فيه الوصي الذي روى عنه محمّد بن يحيى فهو مجهول الاسم و العدالة مضافا الى أنّ الرواية متروكة مهجورة لميعمل بها أحد من الأصحاب.
و لو لمتكن كذلك فليس مفاده جواز اخراج بعض الورثة عن التركة مطلقا بل بل هو خاصّ بمورد و هو ما اذا وقع المخرج على أمّ ولد أبيه و كأنّه حكم تأديبي صدر عن الامام عليهالسلام في مورد ذلك الشخص أو يكون حكم كلّ من فعل مثل هذا الفعل.
هذا ما أردنا شرحه من المسائل المتعلّقة بالموصى به من الشرائع.
و قبل الخوض في المسائل لا بدّ من بيان معنى الوصي فنقول:
الأوصياء جمع الوصي، و هو مأخوذ من الوصاية و هي في عرف المتشرّعة عبارة عن التعهّد الى شخص بالنسبة الى التصرّفات المتعلّقة بأمواله و أولاده القصّر أو أحفاده كذلك بعد موته، فتحصل لذلك الشخص نحو ولاية على هذه التصرّفات من قبل الموصي فذلك الشخص يسمّى بالوصي و هو من المفاهيم الواضحة عند العرف فلايحتاج الى شرح و ايضاح.
بعبارة أخرى الوصاية من سنخ الاستنابة و نحو من أنحاء الولاية بعد الموت قرّرها الشارع تسهيلاً على الأنام و حفظا للنظام و تتفاوتان سعة و ضيقا بحسب خصوصيّات الجعل و سائر جهاته.
و يظهر من الحدائق(1)دعوى الاتّفاق على أنّ الوصاية عقد يحتاج الى الايجاب و القبول. و الظاهر أنّ الذي يظهر من كلماتهم أنّ الوصاية تلزم بعدم الردّ الذي وصل الى الموصي، هذا.
اذا عرفت ذلك فاعلم أنّ ما يتعلّق بالأوصياء فمسائل:
المسألة الأولى: فيما يعتبر في الوصي:
قال المحقّق رحمهالله: «و يعتبر في الوصي العقل و الاسلام، و هل يعتبر العدالة؟ قيل: نعم؛ لأنّ الفاسق لا أمانة له، و قيل: لا؛ لأنّ المسلم محلّ للأمانة كما في الوكالة و الاستيداع و لأنّها ولاية تابعة لاختيار الموصي فيتحقّق بتعيينه».
1) - الحدائق الناضرة 22: 574.
أقول:
و يعتبر في الوصي أمور:
الأوّل و الثاني: العقل و البلوغ، فانّ المالك الأصيل محجور عن التصرّف في أمواله مع فقدهما أو أحدهما فكذلك الوصي.
فلاتصحّ الوصيّة الى الصبي منفردا؛ لأنّه محجور و عليه الولاية و لاتصحّ منه الولاية على الصغار و لا على الأموال.
و أمّا صحيحة زياد بن أبي الحلاّل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رسولاللّه صلىاللهعليهوآله، هل أوصى الى الحسن و الحسين مع أميرالمؤمنين عليهالسلام؟ قال: نعم، قلت: و هما في ذلك السنّ؟ قال: نعم، و لايكون لغيرهما في أقلّ من خمس سنين».(1)
الظاهر منها جواز الوصيّة الى الصبي اذا كان سنّه أكثر من خمس سنين فلا بدّ من حملها على الانضمام كما سيأتي أو طرحها لمخالفة ذيلها للاجماع على عدم جواز الوصيّة الى الصبي منفردا.
ففي الجواهر: «و ممّا يعتبر في الوصي البلوغ بلا خلاف أجده فيه و لاتصحّ الوصيّة الى الصبي منفردا لقصوره بالصبي السالب لأقواله و أفعاله عن منصب الوكالة فضلاً عن الوصاية التي قد عرفت أنّها أعظم منها باعتبار كونها ولاية بخلافها بل لايتعقّل ثبوت السلطنة لغير المميّز من الصبيان على المميّز منهم».(2)
و هل تصحّ الوصيّة الى الصبي منضمّا الى البالغ؟
قال في الشرائع: «و لاتصحّ الوصيّة الى الصبي منفردا و تصحّ منضمّا الى البالغ لكن لايتصرّف الاّ بعد بلوغه. و لو أوصى الى اثنين أحدهما صغير تصرّف الكبير منفردا حتّى يبلغ الصغير و عند بلوغه لايجوز للبالغ التفرّد. و لو مات الصغير أو
بلغ فاسد العقل كان للعاقل الانفراد بالوصيّة و لميداخله الحاكم؛ لأنّ للميّت وصيّا. و لو تصرّف البالغ ثمّ بلغ الصبي لميكن له نقض شيء ممّا أبرمه الاّ أنيكون مخالفا لمقتضى الوصيّة».
و الظاهر صحّة الوصيّة اليه منضمّا الى البالغ و فائدتها - مع عدم صحّة تصرّفه صغيرا - تأثير نصبه في تلك الحال في جواز تصرّفه بعد البلوغ.
و ذلك لصحيحة محمّد بن الحسن الصفّار قال:
«كتبت الى أبي محمّد عليهالسلام: رجل أوصى الى ولده و فيهم كبار قد أدركوا و فيهم صغار، أيجوز للكبار أنينفذوا وصيّته و يقضوا دينه لمن صحّ على الميّت بشهود عدول قبل أنيدرك الأوصياء الصغار؟ فوقّع عليهالسلام: نعم، على الأكابر من الولد أنيقضوا دين أبيهم و لايحبسوه بذلك».(1)
و حسنة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل أوصى الى امرأة و شرّك في الوصيّة معها صبيّا، فقال: يجوز ذلك و تمضي المرأة الوصيّة و لاتنتظر بلوغ الصبي، فاذا بلغ الصبي فليس له أن لايرضى الاّ ما كان من تبديل أو تغيير فانّ له أنيردّه الى ما أوصى به الميّت».(2)
فيستفاد من هاتين الروايتين أوّلاً: جواز تصرّف الكبير قبل بلوغ الصغير بل قد يلزم فيما اذا كان عليه دين.
و ثانيا: عدم جواز تدخّل الحاكم في أفعال الكبير و لا أنينضمّ اليه آخر ليكون نائبا عن الصغير؛ لأنّ للميّت وصيّا.
و ثالثا: انّه اذا بلغ الصغير فلايجوز للبالغ التفرّد بالعمل في الوصيّة؛ لأنّه الآن
غير مستقلّ على قاعدة الوصيّة.
و رابعا: عدم جواز نقض شيء ممّا أبرمه الكبير، للصبي اذا بلغ الاّ ما كان من تصرّفه مخالفا لمقتضى الوصيّة فانّه باطل لايتوقّف ابطاله على نقض الصبي بعد بلوغه، الاّ أنّ الصبي اذا بلغ يردّه على مقتضى الوصيّة ان أمكن.
و لو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل كان للكبير العاقل الانفراد بالوصيّة؛ لأنّ شركة الصبي له مشروطة ببلوغه كاملاً، و لميحصل فيبقى الاستقلال الثابت له أوّلاً بالنصّ على حاله عملاً بالاستصحاب.
و عليه فلايجوز للحاكم التدخّل فيه لوجود الوصي المستقلّ.
و كذا لو بلغ الصبي كاملاً ثمّ مات بعده؛ لأنّه يكون كما لو أوصى الى اثنين كاملين ثمّ مات أحدهما حيث انّ المشهور بين الأصحاب استقلال الباقي في التصرّف و عدم جواز تدخّل الحاكم، و ان خالف فيه الشهيد في المسالك و قال بأنّه لو بلغ الصبي رشيدا ثمّ مات بعده و لو بلحظة زال الاستقلال لفقد شرطه.
و قد حكي عن صاحب الرياض القطع به لانقطاع الاستصحاب الأوّل و تبدّله باستصحاب عدم الاستقلال.
ولكن فيه: ما تقدّم من أنّ غاية ما يمكن أنيقال صيرورة المسألة كما لو أوصى الى اثنين كاملين فمات أحدهما و سيأتي أنّ الباقي مستقلّ في التصرّف.
فلاتصحّ الوصيّة الى كافر و ان كان رحما؛ بلا خلاف؛ لقصوره عن منصب الولاية عن المسلم و عليه و لأنّه ليس من أهل الأمانة و للنهي عن الركون اليه؛ في قوله تعالى: «و لاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسّكم
النار»(1). و يستفاد ذلك من غيره من الآيات كقوله تعالى: «و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض»(2)و قوله تعالى: «لايتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء»(3)و «لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً»(4)، و الآيات مطلقة و لذا أطلق المحقّق و غيره عدم جواز وصايته عن المسلم من غير فرق بين تعلّقها بالمسلمين و ما في حكمهم أو غيرهم.
نعم، يجوز أنيوصي اليه مثله في الكفر كما صرّح به غير واحد.
ففي المسالك: «اختلف الأصحاب في اشتراط عدالة الوصي فذهب الأكثر منهم الى اشتراطها محتجّين بأنّ الوصاية استئمان على مال الأطفال و من يجري مجراهم و الفاسق ليس أهلاً له، و بأنّ الوصيّة تتضمّن الركون اليه و الفاسق ظالم لايجوز الركون اليه و بأنّ الوصاية استنابة على مال الغير لا على مال الموصي فيشترط في النائب العدالة كوكيل الوكيل. و ذهب ابن ادريس الى عدم اشتراطها و رجّحه المصنّف في النافع و العلاّمة في المختلف - بعد أناختار العدالة في غيره من كتبه - استنادا الى أنّها ولاية تابعة لاختيار الموصي كالوكالة».(5)
و الظاهر أنّ ما عدّوه من الدلائل لاشتراط العدالة لايثبت أكثر من اشتراط الوثاقة فانّ الاستئمان على مال الأطفال يكون حاصلاً لمن كان موثوقا بأمانته.
و الظاهر من الركون الى الظالم هو الميل الى أفعاله القبيحة، و أمّا الوصاية بمعنى الاستنابة في مال الغير فلا اشكال فيها بالنسبة الى من كان موثوقا بأمانته.
و على أيّ تقدير فهذا الشرط - سواء كان العدالة أو الوثاقة - شرط تكليفي بمعنى عدم بطلان التصرّفات لو أوصى الى غير العدل أو غير الثقة و ذلك لأنّ العدالة أو الوثاقة ليست شرطا على نحو اشتراطها في القاضي و الفقيه حيث تكون شرطا فيهما على وجه الموضوعيّة بل تكون شرطيّتها هنا بنحو الطريقيّة لئلاّيعدل عمّا فوّض اليه و لايبدّل الوصيّة.
نعم، لو ادّعى الموصى له عدم وصول حقّه اليه فيكون الوصي ضامنا اذا لميكن عادلاً أو موثوقا به و الاّ فيكون أمينا الاّ أنيقيم الموصى له البيّنة على عدم وصول حقّه اليه.
ثمّ انّه على فرض اشتراط العدالة فان أوصى الى العدل ففسق بعد موت الموصي فهل تبطل الوصيّة أم لا؟
قال المحقّق رحمهالله: «و لو أوصى الى العدل ففسق بعد موت الموصي، أمكن القول ببطلان وصيّته؛ لأنّ الوثوق ربما كان باعتبار صلاحه فلميتحقّق عند زواله فحينئذ يعزله الحاكم و يستنيب مكانه».
و قال في المسالك: «هذا استدراك من الحكم السابق و حاصله: انّ العدالة و ان لمتشترط ابتداءً فانّه لو أوصى الى عدل ففسق بعد الموصي اتّجه القول ببطلان وصيّته؛ لأنّا اذا لمنشترطها و أوصى الى الفاسق ابتداءً يكون الموصي قد أقدم على الوصيّة و رضي به فلايؤثّر فسقه، أمّا لو أوصى الى العدل ابتداءً ففسق ينعزل؛ لما أشار اليه المصنّف من أنّ الباعث على الايصاء بخصوصه ربما كان باعتبار عدالته فاذا زالت العدالة فات الباعث فتبطل».(1)
1) - مسالك الأفهام 6: 243.
أقول:
اذا لمنشترط العدالة في الوصي و اكتفينا بوثاقته كما هو الحقّ، فأوصى الى عدل ففسق بعد الموت فكما يحتمل أنيكون اختياره العدل باعتبار صلاحه و عدالته يحتمل أنيكون لأمر آخر من صحبته و قرابته و غير ذلك حيث كان موثوقا به عنده، و تكون العدالة مزيدة في الباعث لا سببا تامّا كما في المسالك، فلايضرّ فواتها فعليه لايضرّ فسقه بعد موت الموصي؛ لأنّها اذا لمتشترط ابتداءً فلاتشترط استدامة، فحدوث الفسق غير مانع من صحّة الوصيّة.
ثمّ انّه هل يعتبر في الوصي الذكورة و البصر و كونه غير وارث؟
الظاهر لا، كما ادّعى في الجواهر عليه الاجماع، و عليه فيجوز الوصيّة الى المرأة اذا جمعت الشرائط المتقدّمة و كذا الأعمى و الوارث و ذلك مضافا الى الاجماع لحسنة علي بن يقطين المتقدّمة في خصوص المرأة.
و لايعارضها ما رواه الصدوق عن السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عن علي عليهمالسلام قال:
«المرأة لايوصى اليها؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم»».(1)
و كذا ما رواه عنه قال:
«سئل أبو جعفر عليهالسلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم» قال: لاتؤتوها شرّاب الخمر و لا النساء ثمّ قال: و أيّ سفيه أسفه من شارب الخمر».(2)
لأنّهما مع ضعف سندهما تحملان على التقيّة أو الكراهة جمعا.
قال الصدوق رحمهالله: «انّما يعني كراهة اختيار المرأة للوصيّة فمن أوصى اليها لزمها
القيام بالوصيّة على ما تؤمر به و يوصي اليها فيه ان شاء اللّه».
و نقل في الوسائل في ذيل الحديثين عن الشيخ رحمهالله: «الوجه فيه أننحمله على الكراهة أو على التقيّة؛ لأنّه مذهب كثير من العامّة، قال: و انّما قلنا ذلك لاجماع علماء الطائفة على الفتوى بالخبر الأوّل (يعني حسنة علي بن يقطين)».
المسألة الثانية: قال في الشرائع: «و لو أوصى الى اثنين، فان أطلق أو شرط اجتماعهما لميجز لأحدهما أنينفرد عن صاحبه بشيء من التصرّف. و لو تشاحّا لميمض ما ينفرد به كلّ واحد منهما عن صاحبه الاّ ما لا بدّ منه مثل كسوة اليتيم و مأكوله. و للحاكم جبرهما على الاجتماع، فان تعاسرا جاز له الاستبدال بهما. و لو أرادا قسمة المال بينهما لميجز. و لو مرض أحدهما ضمّ اليه الحاكم من يقوّيه. و أمّا لو مات أو فسق لميضمّ الحاكم الى الآخر و جاز له الانفراد؛ لأنّه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي، و فيه تردّد».
في المسألة فروع:
لو أوصى الى اثنين فان أطلق أو شرط اجتماعهما لميجز لأحدهما أنينفرد عن صاحبه بشيء من التصرّف.
أمّا مع شرطه الاجتماع فظاهر؛ لأنّه لميرض برأي أحدهما منفردا فولايتهما لمتثبت الاّ على هذا الوجه.
و أمّا مع الاطلاق فلصحيحة محمّد بن الحسن الصفّار قال:
«كتبت الى أبي محمّد عليهالسلام: رجل كان أوصى الى رجلين أيجوز لأحدهما أنينفرد بنصف التركة و الآخر بالنصف؟ فوقّع عليهالسلام:
لاينبغي لهما أنيخالفا الميّت و أنيعملا على حسب ما أمرهما ان شاء اللّه».(1)
و قد استشكل في ظهور الحديث بظهور قوله عليهالسلام: «لاينبغي» في الكراهة.
و فيه: انّه عليهالسلام قد جعل عدم الاجتماع منهم مخالفة لما أمر به الميّت و من المعلوم أنّ المخالفة له و تبديل وصيّته حرام بالكتاب و السنّة و الاجماع، فلفظة «لاينبغي» و ان كان لها ظهور في الكراهة في غير المقام الاّ أنّها ظاهرة في الحرمة في المقام لأجل ذلك.
مضافا الى ما ذكره في الجواهر من أنّ قوله عليهالسلام: «أنيعملا» معطوف على جملة «لاينبغي» لا على متعلّقها فيكون أمرا بالعمل بمقتضى أمره المكنّى به عن الاجتماع و الاّ لميكن جوابا مطابقا للسؤال.
لو تشاحّا و لميتّفقا على أمر واحد فأراد أحدهما نوعا من التصرّف و منعه الآخر، صحّ تصرّفهما فيما لا بدّ منه كمؤونة اليتيم و الدابّة و اصلاح العقار و شراء كفن الميّت و نحو ذلك ممّا لا بدّ منه و لايمكن تأخيره الى وقت الاتّفاق.
بل عن بعضهم زيادة قضاء ديونه و انفاذ الوصيّة المعيّنة و قبول الهبة عن الصغير مع خوف فوات النفع و الخصومة عن الميّت و له و عن الطفل و له مع الحاجة و ردّ الوديعة المعيّنة و العين المغصوبة.
و للحاكم الشرعي المعدّ لحسم أمثال ذلك جبرهما على الاجتماع مع الامكان من غير استبدال؛ لعدم ولاية له فيما فيه للميّت وصي.
فان تعذّر عليه جمعهما استبدل بهما تنزيلاً لهما بالتعذّر منزلة المعدوم
1) - وسائل الشيعة 19: 376 / الباب 51 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
لاشتراكهما في الغاية.
و ليس لهما قسمة المال لأنّه خلاف مقتضى الوصيّة من الاجتماع في التصرّف كما صرّح به في الصحيحة المتقدّمة.
لو مرض أحد الوصيّين و عجز عن القيام بالوصيّة بالكلّيّة ضمّ اليه الحاكم من يقوّيه و يعينه على ما كلّف به.
و أمّا لو مات أحدهما أو فسق على وجه ينعزل عن الوصيّة - أو مطلقا بناءً على اعتبار العدالة - لميضمّ الحاكم الى الآخر و جاز له الانفراد كما عن الأكثر و ذلك لأنّ الحاكم ولي من لا وصي له فاذا كان للميّت وصي فلا ولاية للحاكم.
و في المسالك: «اذا تعذّرت مشاركة أحد الوصيّين على الاجتماع لصاحبه بموت أو فسق أو عجز كلّي أو جنون أو غيبة بعيدة فقد ذهب المصنّف و أكثر الأصحاب الى أنّ الوصيّ الآخر يستقلّ بالوصيّة من غير أنيضمّ اليه الحاكم بدلاً؛ لأنّه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي و هو هنا موجود فانّ نصب الآخر معه لميخرجه عن كونه وصيّا و لهذا يقال: نصب وصيّين.
و قد تردّد المصنّف في الحكم و وجهه ممّا ذكر و من أنّ الموصي لميرض برأي أحدهما منفردا فتصرّفه وحده منافٍ لمقصود الموصي. و يمنع من انتفاء ولاية الحاكم مع مطلق الوصي بل مع المنفرد؛ لأنّ ولاية الحاكم تتعلّق بما لايشرع انفاذه لغيره من أحكام الميّت هنا، و هو هنا موجود. و يمكن أنيدّعى أنّ أحد الوصيّين على الاجتماع ليس وصيّا حقيقيّا بل جزء وصي و اطلاق الوصي عليه لايستلزم الحقيقة. و الأقوى وجوب الضمّ و ليس للحاكم أنيفوّض اليه وحده و
ان كان عنده صالحا للاستقلال؛ لأنّ الموصي لميرض برأيه وحده و عند وجود ارادة الموصي لايعتبر ارادة الحاكم؛ لأنّ ذلك كمنعه من كونه وصيّا بالانفراد فلايتخطّاه الحاكم. و كذا لايجوز للحاكم عزله و اقامة بدله متّحدا و متعدّدا لما ذكرناه من تقديم الموصي و هو هنا موجود».(1)
و فيه: انّ الظاهر صحّة ما ذهب اليه الأكثر و ذلك لأنّه بنصبه وصيّا مع الآخر لايخرج عن كونه وصيّا بموت الآخر أو خيانته و لهذا يقال: نصب وصيّين.
و ما ذكره الشهيد رحمهالله من أنّ الموصي لميرض برأي أحدهما منفردا فتصرّفه وحده منافٍ لمقصود الموصي، يردّه أنّ عدم رضاه فيما اذا كانا موجودين و تفرّد أحدهما بدون اذن الآخر و أمّا لو فقد أحدهما بموت أو فسق فلميعلم عدم الرضى.
المسألة الثالثة: قال المحقّق رحمهالله: «و الوصي أمين لايضمن ما يتلف الاّ عن مخالفته لشرط الوصيّة أو تفريط».
أقول:
لا خلاف و لا اشكال في أنّه اذا عيّن الموصي الوصي مع مراعاة ما اشترط فيه فهو أمين لايضمن ما يتلف الاّ عن مخالفته لشرط الوصيّة و هو التعدّي أو بالتفريط في الموصى به، فانّه اذا لبس الثوب مثلاً فقد خالف شرط الوصيّة؛ لأنّ مقتضاها حفظه للطفل أو بيعه و صرفه في الجهة المأمور بها و نحو ذلك، فاستعماله لايدخل في شرط الوصيّة و كذا اذا ركب الدابّة لا لقضاء حوائج الصبي المحتاجة الى الركوب.
المسألة الرابعة: قال المحقّق رحمهالله: «و لو كان للوصي دين على الميّت جاز
1) - مسالك الأفهام 6: 245.
أنيستوفي ممّا في يده من غير اذن الحاكم اذا لمتكن له حجّة. و قيل: يجوز مطلقا».
أقول:
لو كان للوصي دين على الموصي جاز له أنيستوفي ممّا في يده من غير اذن الحاكم مطلقا و ذلك لأنّه وصي في ما أوصى به الميّت و من جملته قضاء ديونه فيقوم مقام الموصي في ذلك. فاذا ادّعى غيره على الميّت دينا فعليه اقامة البيّنة و اثبات دعواه عند الحاكم و ذلك لاحتمال كذب المدّعي في دعواه فلا بدّ من اثباتها بالبيّنة، و هذا بخلاف الفرض السابق فانّه لايحتاج في اثباته الى البيّنة لأنّ علم الوصي بالدين أقوى من البيّنة التي يجوز فيها الخطأ.
مضافا الى أنّ قضاء ديون الميّت احسان اليه و «ما على المحسنين من سبيل»(1)و بهذا يظهر الفرق بين الدين للوصي و الدين لغيره حيث لايعلم به الوصي، و على تقدير علمه يمكن تجدّد البراءة منه فلا بدّ من اثباته.
ولكن الشيخ رحمهالله قد قيّد في النهاية(2)جواز أخذ الوصي دينه باقامة البيّنة.
و يمكن أنيستدلّ له بموثّقة بريد بن معاوية عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: انّ رجلاً أوصى اليّ فسألته أنيشرك معي ذا قرابة له ففعل و ذكر الذي أوصى اليّ أنّ له قبل الذي أشركه في الوصيّة خمسين و مائة درهم عنده و رهنا بها جام من فضّة فلمّا هلك الرجل أنشأ الوصي يدّعى أنّ له قبله أكرار حنطة، قال: ان أقام البيّنة و الاّ فلا شيء له، قال: قلت له: أيحلّ له أنيأخذ ممّا في يديه شيئا؟ قال: لايحلّ له، قلت: أرأيت لو أنّ رجلاً عدا عليه فأخذ ماله فقدر على أنيأخذ من
ماله ما أخذ أكان ذلك له؟ قال: انّ هذا ليس مثل هذا».(1)
و الجواب عن هذه الموثّقة أنّ الموصي هنا قد أوصى الى اثنين و عيّن وصيّين، و من المعلوم أنّ أحد الوصيّين في صورة الاجتماع بمنزلة الأجنبي اذا كان دائنا و ليس له الاستيفاء بدون اذن الآخر كباقي التصرّفات و ليس للآخر تمكينه منه بدون اثباته، و الكلام فيما نحن فيه في الوصي المستقلّ و قد نبّه عليه في ذيل الرواية حيث قال عليهالسلام: «انّ هذا ليس مثل هذا» و المراد أنّ هذا انّما يأخذ باطّلاع الوصي الآخر فليس له تمكينه بمجرّد دعواه بخلاف من يأخذ من مال من أخذ ماله على جهة المقاصّة فانّ له ذلك.
المسألة الخامسة: قال المحقّق رحمهالله: «و في شرائه لنفسه من نفسه تردّد أشبهه الجواز اذا أخذ بالقيمة العدل».
قد أفتى الشيخ رحمهالله في هذه المسألة في الخلاف بالمنع و في النهاية بالجواز:
قال في الخلاف: «كلّ من يبيع مال غيره ستّة أنفس: الأب و الجدّ و وصيّهما و الحاكم و أمين الحاكم و الوكيل. لايصحّ لأحد منهم أنيبيع المال الذي في يده من نفسه الاّ لاثنين: الأب و الجدّ و لايصحّ لغيرهما».(2)
و قال في النهاية: «و متى باع الوصي شيئا من التركة لمصلحة الورثة، و أراد أنيشتريه لنفسه، جاز له ذلك اذا أخذه بالقيمة العدل من غير نقصان».(3)
و مستنده في الأوّل هو أصالة كون العقد بين اثنين الاّ ما أخرجه الدليل و هو الأب و الجدّ.
ولكنّ الصحيح هو قوله في النهاية كما ذهب اليه المصنّف رحمهالله و ذلك لأنّ هذا البيع صدر من أهله و وقع في محلّه فانّ الوصي جائز التصرّف في أموال الميّت و
جاز له تولّي العقد من طرف ولده، مضافا الى أنّه اثنان باعتبارين و كون الطرفين مجتمعا في واحد لايمنع شرعا من صحّة البيع كما في بيع الأب و الجدّ.
نعم، يلزم عليه أنيراعي مصلحة اليتيم في ذلك لقوله تعالى: «و لاتقربوا مال اليتيم الاّ بالتي هي أحسن»(1).
هذا كلّه مضافا الى خبر الحسين بن ابراهيم الهمداني قال:
«كتبت مع محمّد بن يحيى: هل للوصي أنيشتري من مال الميّت اذا بيع فيمن زاد، يزيد و يأخذ لنفسه؟ فقال: يجوز اذا اشترى صحيحا».(2)
و هو و ان كان مجهول الراوي و المروي عنه الاّ أنّه شاهد على المطلب.
و في الجواهر: «المشهور جواز شراء الوصي لنفسه من نفسه باعتبار ولايته على المال الذي يريد شراءه بالوصاية من غير فرق بين كونه مال طفل أو غيره لوجود المقتضي الذي هو صدور العقد من أهله في محلّه فتشمله العمومات و الاطلاقات و انتفاء المانع اذ لميثبت اشتراط التغاير الحقيقي بين الموجب و القابل، بل مقتضى العمومات نفيه و لذا جاز شراء الأب من مال ولده و جاز في النكاح الذي هو أعظم من هذا المقام».(3)
المسألة السادسة: قال المحقّق رحمهالله: «و اذا أذن الموصي للوصي أنيوصي جاز اجماعا. و ان لميأذن له لكن لميمنعه فهل له أنيوصي؟ فيه خلاف، أظهره المنع و يكون النظر بعده الى الحاكم».
أقول:
اذا أوصي الى شخص و لميتمكّن من انفاذ الوصيّة بتمامها امّا لكونها مستمرّة في كلّ سنة أو لكونها متعلّقة بالأطفال بعد بلوغهم و لميكملوا بعد أو غير ذلك فلايخلو عن احدى هذه الصور:
فانّ الموصي امّا أنيكون قد أذن له في الايصاء الى غيره على وجه العموم أو الخصوص فلا اشكال في جواز الايصاء له بل وجوبه.
و امّا أنيكون قد نهاه عن الايصاء مطلقا فلا خلاف في عدم جواز الايصاء له، اقتصارا على ما أذن له و هو مباشرته بنفسه.
و امّا أنيكون قد أطلق و لميصرّح بالاذن و لا بالمنع فهل يجوز له أنيوصي الى غيره؟ وجهان، من أنّ الأصل عدم جواز الاستنابة في أموال الغير الاّ اذا صرّح نفسه و أنّ المتبادر من الوصاية هو مباشرته في التصرّف، و من أنّ الاستنابة من جملة التصرّفات التي يملكها حيّا بالعموم كما يملكها بالخصوص و أنّ الموصي أقامه مقام نفسه فيثبت له من الولاية ما ثبت له و من جملته الاستنابة بعد الموت.
و الأقوى هو الأوّل و ذلك لأنّ ما يستدلّ به على الثاني مصادرة فانّ النزاع وقع في أنّ الاستنابة بعد الموت هل يملكها الوصي أم لا؟
و قد يستدلّ على الثاني بصحيحة محمّد بن الحسن الصفّار عن أبي محمّد عليهالسلام:
«أنّه كتب اليه: رجل كان وصي رجل فمات و أوصى الى رجل هل يلزم الوصي وصيّة الرجل الذي كان هذا وصيّه؟ فكتب عليهالسلام: يلزمه بحقّه ان كان له قبله حقّ ان شاء اللّه».(1)
بتقريب أنّ المراد بالحقّ هنا هو حقّ الايمان فكأنّه قال: يلزمه لو كان مؤمنا،
1) - وسائل الشيعة 19: 402 / الباب 70 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
وفاءً لحقّه عليه بسبب الايمان فانّه يقتضي معونة المؤمن و قضاء حوائجه و من أهمّها انفاذ وصيّته.
و فيه: انّ في معنى الصحيحة احتمالين آخرين: و هما كون معناها أنّ الوصيّة تلزم الوصي الثاني بحقّ الأوّل ان كان له - للموصي - قبله أي الوصي الأوّل، حقّ بأنيكون قد أوصى اليه و أذن له أنيوصي فقد صار قبله حقّ الوصيّة فاذا أوصى بها لزمت الوصي الثاني. هذا ما ذكره الشهيد الثاني رحمهالله.
و الثاني كون المعنى أنّه يلزم الوصي الثاني العمل بالوصيّة فيما بقي على الوصي الأوّل من الحقوق التي عليه أداؤها و لميتمكّن منه.
و اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
و على هذا اذا لميأذن الموصي في الاستنابة يكون النظر في أمور الموصي الأوّل الى الحاكم كغيره ممّن لا وصي له كما سيأتي.
المسألة السابعة: قال المحقّق رحمهالله: «و لو مات انسان و لا وصي له كان للحاكم النظر في تركته. و لو لميكن هناك حاكم جاز أنيتولاّه من المؤمنين من يوثق به. و في هذا تردّد».
أقول:
انّ الأمور المفتقرة الى الولاية امّا أنتكون أطفالاً أو وصايا و حقوقا و ديونا.
أمّا الأطفال فقد تقدّم الكلام فيهم في كتاب النكاح و قلنا هناك بأنّ الولاية على الأطفال للأب أو الجدّ و ان علا، ثمّ الوصي المنسوب من قبله ثمّ الحاكم الشرعي.
و أمّا غير الأطفال من الأموال و الديون و الحقوق فالولاية فيه للوصي ثمّ الحاكم و المراد به الامام عليهالسلام أو نائبه الخاصّ ثمّ العامّ و هو الفقيه العدل الجامع لشرائط الافتاء، و انّما سمّي عامّا لأنّه منصوب من قبلهم عليهمالسلام لابخصوص شخصه
بل بعموم قولهم عليهمالسلام: «انظروا الى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا...» و غير ذلك.
فان فقد الجميع فالأكثر ذهبوا الى جواز تولّي النظر في تركة الميّت من المؤمنين من يوثق به، و ذلك أوّلاً لقوله تعالى:«تعاونوا على البرّ و التقوى»(1)و قوله: «و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض»(2)خرج منه ما أجمع على عدم ولايتهم فيه فيبقى الباقي داخلاً في العموم.
و ثانيا: لأنّ ذلك من الأمور الحسبيّة التي لايرضى الشارع بتعطيلها، و من جملة الأمور المعروفة فيشمله أدلّة الأمر بالمعروف، و مثل هذا كافٍ في الاذن الشرعي.
و يؤيّده موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصيّة، و له خدم و مماليك و عقر، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلابأس».(3)
و خالف في ذلك ابن ادريس على ما حكي عنه و استدلّ بأنّ الولاية تحتاج الى دليل و هو هنا مفقود.
و قد عرفت ما يدلّ على ولاية عدول المؤمنين.
المسألة الثامنة: قال المحقّق رحمهالله: «يجوز لمن يتولّى أموال اليتيم أنيأخذ أجرة المثل عن نظره في ماله. و قيل: يأخذ قدر كفايته. و قيل: أقلّ الأمرين و الأوّل أظهر».
أقول:
اذا عمل من يتولّى عمل اليتامى تبرّعا و لميقصد أخذ الأجرة بل قصد العمل من غير أجرة فلميكن له أخذ شيء.
و أمّا لو قصد أخذ الأجرة أو لميقصد شيئا فيجوز له أخذ مال من أموالهم لقاعدة احترام مال المسلم المتسالم عليه بينهم و قد اختلف عباراتهم في قدر ما يجوز أخذه على أقوال و قد نقلها في المسالك(1):
أحدها: أنيأخذ أجرة مثل عمله و ذلك لأنّها عوض عمله و عمله محترم فلايضيّع عليه و حفظه بأجرة مثله.
الثاني: أنيأخذ قدر كفايته لظاهر قوله تعالى: «و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف»(2)فانّ المعروف ما لا اسراف فيه و لاتقتير.
الثالث: أنيأخذ أقلّ الأمرين من الأجرة و الكفاية؛ لأنّ الكفاية ان كانت أقلّ من الأجرة فلأنّه مع حصولها صار غنيّا، و من كان غنيّا يجب عليه الاستعفاف لقوله تعالى: «و من كان غنيّا فليستعفف» و الأمر للوجوب فيجب عليه الاستعفاف عن بقيّة الأجرة. و ان كانت أجرة المثل أقلّ فانّما يستحقّ عوض عمله فلايحلّ له أخذ ما زاد عليه.
الرابع: استحقاق أجرة المثل مع فقره لظاهر قوله تعالى: «و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف» بناءً على أنّ المراد بالمعروف ما هو المتعارف، و أمّا لو كان غنيّا فالأقوى وجوب استعفافه مطلقا عملاً بظاهر الآية.
الخامس: جواز أخذ أقلّ الأمرين من أجرة مثله و كفايته مع فقره.
و الأقوى هو القول الأوّل و هو جواز أخذ أجرة المثل و ذلك للجمع بين ظاهر الآية الكريمة المتقدّمة و الروايات الآتية و أصالة احترام عمل المسلم و السيرة
المستمرّة، أمّا الروايات:
فمنها صحيحة هشام بن الحكم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عمّن تولّى مال اليتيم ما له أنيأكل منه؟ فقال عليهالسلام: ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك».(1)
و هي معتبرة سندا و صريحة دلالة فلا بدّ من ردّ سائر الأخبار اليها.
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ: «فليأكل بالمعروف» قال:
«المعروف هو القوت و انّما عنى الوصي أو القيّم في أموالهم و ما يصلحهم».(2)
و المراد بالقوت هو المتعارف فينطبق على الصحيحة.
و منها ما في صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ:«و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف» فقال:
«ذلك رجل حبس نفسه عن المعيشة فلابأس أنيأكل بالمعروف اذا كان يصلح لهم أموالهم، فان كان المال قليلاً فلايأكل منه شيئا. الحديث».(3)
فانّه اذا كانت الأموال لاتسع الاّ بقدر حوائج اليتامى فلايجوز للوصي أنيأخذ منها شيئا ولكن له أنيأخذ من بيت المال لأنّه معدّ لمصالح المسلمين و هذا من جملتها فانّ عمله محترم.
و منها رواية رفاعة عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قوله: «فليأكل بالمعروف» قال:
«كان أبي يقول: انّها منسوخة».(1)
فالظاهر أنّ المراد بالنسخ فيها هو التخصيص و أنّ الآية مختصّة بخصوص من عمل لليتامى و أصلح شؤونهم و أموالهم لا كلّ من يصاحب اليتيم كما ذكر ذلك في المهذّب.(2)
و على هذا فيجوز للوصي أنيأخذ أجرة المثل للعمل الذي عمله في أموال اليتامى الاّ أنّ الأحوط الأولى الاجتناب عنه اذا كان غنيّا لظاهر قوله تعالى: «و من كان غنيّا فليستعفف» فانّ الاستعفاف يدلّ على الاستحباب الاّ اذا كان معه قرينة تدلّ على الوجوب، مع أنّ قاعدة احترام عمل المسلم ممّا تسالموا عليه و ذكروها في مواضع مختلفة بحيث لاتقبل التخصيص بمثل هذه الآية المجملة كما في المهذّب.
ثمّ انّه قد تقدّم في ابتداء البحث أنّ الوصي اذا قصد التبرّع في العمل فلايستحقّ شيئا و من جملتها ما اذا عيّن الموصي مقدارا من المال و عيّن مصارفه بحيث لميبق سوى المصارف شيئا و كان قصد أخذ الأجرة مستلزما امّا لزيادة المال الموصى به أو النقصان في مقدار المصرف فان قبل هذه الوصيّة فلايجوز له أنيأخذ الأجرة لنفسه حيث انّ مرجع هذه الوصيّة الى الايصاء اليه للعمل تبرّعا و بلا أجرة فهو كما لو نصّ على ذلك و الوصي قد قبل الوصاية على هذا النحو فلميستحقّ شيئا.
هذا تمام الكلام في المسائل المتعلّقة بالأوصياء و بقي الكلام في المسائل الأخر المرتبطة بالوصيّة الملحقة بها:
الأولى: قال المحقّق رحمهالله: «و الوصيّة عقد جائز من طرف الموصي مادام حيّا، سواء كانت بمال أو ولاية. و يتحقّق الرجوع بالتصريح أو بفعل ما ينافي الوصيّة
فلو باع ما أوصى به أو أوصى ببيعه أو وهبه أو قبضه أو رهنه كان رجوعا. و كذا لو تصرّف فيه تصرّفا أخرجه عن مسمّاه كما اذا أوصى بطعام فطحنه أو بدقيق فعجنه أو خبّزه. و كذا لو أوصى بزيت فخلطه ما هو أجود منه أو بطعام فمزجه بغيره حتّى لايتميّز. أمّا لو أوصى بخبز فدقّه قتيتا لميكن رجوعا».
أقول:
لا اشكال و لا خلاف في أنّه يجوز للموصي الرجوع في الوصيّة مادام حيّا كما جاز له تبديلها من أصلها أو بعضها أو التبديل في بعض جهاتها و كيفيّاتها و متعلّقاتها و تغيير الوصي و الموصى له و غير ذلك و يدلّ على ذلك - قبل الاجماع - روايات:
منها صحيحة عبيد بن زرارة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: للموصي أنيرجع في وصيّته ان كان في صحّة أو مرض».(1)
و منها صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام: انّ المدبّر من الثلث و أنّ للرجل أنينقض وصيّته فيزيد فيها و ينقص منها ما لميمت».(2)
و منها مرسلة يونس قال:
«قال علي بن الحسين عليهالسلام: للرجل أنيغيّر وصيّته فيعتق من كان أمر بملكه و يملّك من كان أمر بعتقه و يعطي من كان حرمه و يحرم من كان أعطاه ما لميمت».(3)
و منها موثّقة بريد العجلي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لصاحب الوصيّة أنيرجع فيها و يحدث في وصيّته مادام حيّا».(1)
و منها صحيحة محمّد بن عيسى بن عبيدة قال:
«كتبت الى علي بن محمّد عليهالسلام: رجل أوصى لك بشيء معلوم من ماله و أوصى لأقربائه من قبل أبيه و أمّه ثمّ انّه غيّر الوصيّة فحرم من أعطى و أعطى من منع أيجوز ذلك؟ فكتب عليهالسلام: هو بالخيار في جميع ذلك الى أنيأتيه الموت».(2)
و منها رواية علي بن سالم قال:
«سألت أبا الحسن موسى عليهالسلام فقلت له: انّ أبي أوصى بثلاث وصايا فبأيّهنّ آخذ؟ فقال: خذ بأخراهنّ، قلت: فانّها أقلّ قال: فقال: و ان قلّت».(3)
و لو رجع عن بعض الجهات يبقى غيرها بحالها؛ لاطلاق الروايات.
فلو أوصى بصرف ثلثه في مصارف مخصوصة و جعل الوصاية لزيد مثلاً، ثمّ بعد ذلك عدل عن وصاية زيد و جعلها لعمرو، يبقى أصل الوصيّة بحالها و يغيّر الوصي، و لا فرق في الرجوع عن الوصيّة بين الوصيّة المتعلّقة بالمال و المتعلّقة بالولاية على الأطفال.
ثمّ انّه يتحقّق الرجوع عن الوصيّة بالقول كما عرفت في الروايات من قوله عليهالسلام: «يرجع» و «هو بالخيار» و هو كلّ لفظ دالّ عليه بحسب متفاهم العرف بأيّ لغة كان نحو رجعت عن وصيّتي أو أبطلتها و عدلت عنها أو نقضتها و نحوها.
و كذا يتحقّق بالفعل المنافي لمقتضى الوصيّة كما عرفت من اطلاق بعض الروايات المتقدّمة و صريح بعضها كما في عتق من أمر بملكه و ملك من أمر
بعتقه و باعطاء من كان حرمه و بحرمان من كان أعطاه.
ثمّ انّ الفعل المنافي امّا باعدام موضوع الوصيّة كما في اتلاف الموصى به و كذا نقله الى الغير بعقد لازم كالبيع أو جائز كالهبة مع القبض، و امّا بما يعدّ عند العرف رجوعا و ان بقي الموصى به بحاله و في ملكه كما اذا وكّل شخصا على بيعه أو هبته؛ لأنّ العرف يحكم في مثلها بتحقّق الرجوع.
الثانية: الوصيّة بعد ما وقعت تبقى على حالها و يعمل بها ما لميرجع الموصي و ان طالت المدّة. و لو شكّ في الرجوع - و لو للشكّ في كون لفظ أو فعل رجوعا أم لا - يحكم ببقائها و عدم الرجوع؛ لاستصحاب البقاء و ظاهر الحال، لكنّه فيما اذا كانت الوصيّة مطلقة بأنكان مقصود الموصي وقوع مضمون الوصيّة و العمل بها بعد موته في أيّ زمان قضى اللّه عليه.
أمّا لو كانت مقيّدة بموته في سفر كذا أو عن مرض كذا و لميتّفق موته في ذلك السفر أو عن ذلك المرض فان قامت قرائن حاليّة أو مقاليّة على عدم الاطلاق و أنّ نظره مقصور على موته في هذه الأحوال فتبطل الوصيّة؛ لفرض أنّها محدودة بحدّ خاصّ و مدّة مخصوصة و يحتاج الى وصيّة جديدة.
و يمكن أنيدّعى أنّ الغالب في الوصايا التي تقع عند السفر الى البلاد البعيدة سيّما بالطرق الغير المأمونة كسفر الحجّ و نحوه و في حال الأمراض الشديدة و أمثال ذلك، قصر نظر الموصي الى موته في ذلك السفر و في ذلك المرض و قد يصرّح بذلك أو يشهد بذلك ظاهر حاله بحيث لو سئل عن أنّه اذا رجع عن السفر سالما أو أفاق من مرضه فهل يبقى على الوصيّة أم لا، أجاب بعدم البقاء عليه.
و أمّا لو لمتكن هناك قرينة على كونها مقيّدة بموته في السفر أو المرض فبعد رجوعه أو سلامته و عدم فسخها لاتبطل الوصيّة و يجب العمل بها و لو مع طول المدّة؛ لأنّه يظهر من حاله أنّ عدم الايصاء الجديد لأجل الاعتماد على الوصيّة السابقة كما اذا شوهد منه المحافظة على الورق المكتوب عليه الوصيّة مثلاً.
الثالثة: قال المحقّق رحمهالله: «و تثبت الوصيّة بشهادة مسلمين عدلين و مع الضرورة و عدم عدول المسلمين يقبل شهادة أهل الذمّة خاصّة».
و في المسالك: «لا شبهة في ثبوت الوصيّة بشهادة شاهدين عدلين؛ لأنّ ذلك ممّا يثبت به جميع الحقوق عدا ما استثني ممّا يتوقّف على أربعة و حكم الوصيّة أخفّ من غيرها. و من ثمّ قبل فيها شهادة المرأة الواحدة على بعض الوجوه و شهادة أهل الذمّة كذلك. و لا فرق في قبولها بهما بين كون الوصيّة بمال أو ولاية».(1)
أقول:
قد ذكرنا البحث عن هذه المسألة مع فروعاتها في كتاب القضاء و الشهادات و قلنا هناك بقبول شهادة الذمّي خاصّة من اليهود و النصارى و المجوس على الوصيّة خاصّة في الضرورة و هي ما اذا لميوجد من عدول المسلمين من يشهد عليها، و يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة:
فمن الكتاب قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ان أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت».(2)
فانّ ظاهر الآية يدلّ أوّلاً: على جواز شهادة غير المسلم في الوصيّة و ذلك لظاهر قوله تعالى:«من غيركم».
و ثانيا: على عدم جواز شهادة الكافر الحربي و من لميكن عدلاً في دينه من الذمّيّين و ذلك بقرينة عطف «أو آخران من غيركم» على قوله: «ذوا عدل منكم».
و من السنّة روايات:
منها صحيحة ضريس الكناسي قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن شهادة أهل الملل، هل تجوز على رجل مسلم من غير أهل ملّتهم؟ فقال: لا، الاّ أنلايوجد في تلك الحال غيرهم و ان لميوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصيّة؛ لأنّه لايصلح ذهاب حقّ امرئ مسلم و لاتبطل وصيّته».(1)
و منها صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم» قلت: ما آخران من غيركم؟ قال: هما كافران، قلت: ذوا عدل؟ قال: مسلمان».(2)
و منها صحيحة الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته هل تجوز شهادة أهل ملّة من غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، اذا لميوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم، انّه لايصلح ذهاب حقّ أحد».(3)
و منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قوله عزّوجلّ: «أو آخران من غيركم» قال:
«اذا كان الرجل في بلد ليس فيه مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيّة».(4)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن شهادة أهل الملّة قال: فقال: لاتجوز الاّ على أهل ملّتهم فان لميوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصيّة، لأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد».(1)
و منها مرسلة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن قول اللّه: «أو آخران من غيركم» قال: هما كافران».(2)
فتحصّل الى هنا أنّ شهادة اثنين من أهل الكتاب نافذة على وصيّة المسلمين اذا لميوجد منهم اثنان عدلان بشرط أنيكون الذمّيّان عدلين في دينهم و لايكونان خائنين.
و لايخفى أنّ الحكم يعمّ الوصيّة بالولاية - المعبّر عنها بالوصاية - أيضا؛ لأنّها وصيّة فيشملها عموم النصّ أو اطلاقه.
ثمّ انّ قيد أرض الغربة قيد غالبي فشهادة الذمّي مختصّة بموضع لايوجد مسلمان عدلان و ان لميكن في أرض غربة، كما دلّ عليه صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة فانّ فيها أنّه مات الرجل المسلم في بلد ليس فيه مسلم، و لميقيّد الحكم فيها بأرض غربة.
و لايخفى أنّه يتقدّم في الشهادة المؤمن العادل، و ان لميوجد فالمسلم العادل في مذهبه ان لميكن ناصبيّا، و ان لميوجد فالذمّي المرضي عندهم.
و على هذا فان كان هناك مؤمن عادل واحد، أو مسلم كذلك يضمّ اليه ذمّي و لاينافيه ظاهر الآية و الروايات و ذلك لأنّ التقدّم أوّلاً للمؤمن و بعده للمسلم.
الرابعة: قال المحقّق رحمهالله: «يقبل في الوصيّة بالمال شهادة واحد مع اليمين أو شاهد و امرأتين. و يقبل شهادة الواحدة في ربع ما شهدت به و شهادة اثنتين في
النصف و ثلاث في ثلاثة الأرباع و شهادة الأربع في الجميع».
أقول:
قد فصّلنا البحث عن ذلك في كتاب القضاء(1)و قلنا هناك بأنّ الضابط الكلّي ثبوت المال و ما هو المقصود منه المال بل مطلق حقوق الناس بشهادة رجل و امرأتين، و من جملته الوصيّة بالمال.
و كذا البحث عن مواضع قبول شهادة الشاهد الواحد مع اليمين فلانعيد، و نكتفي هنا بذكر ما يثبت به الوصيّة و بعض ما يدلّ عليه من الروايات.
فنقول: يقبل شهادة المرأة الواحدة في ربع ما شهدت به و شهادة اثنتين في النصف و ثلاث في ثلاثة الأرباع و شهادة الأربع في الجميع و يدلّ عليه روايات:
منها صحيحة ربعي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في شهادة امرأة حضرت رجلاً يوصي ليس معها رجل فقال:
«يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها».(2)
و منها صحيحة أبان عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال في وصيّة لميشهدها الاّ امرأة فأجاز شهادتها في الربع من الوصيّة بحساب شهادتها.(3)
و نظيرهما صحيحتا محمّد بن قيس و صحيحة الحلبي.(4)
و المسألة الى هنا لا خلاف فيها، انّما الاشكال و الخلاف في شهادة الرجل الواحد و أنّه هل يثبت بشهادته من غير يمين النصف نظرا الى قيام شهادته مقام اثنتين أو الربع خاصّة؛ لأنّه المتيقّن من حيث انّه لايقصر عن المرأة أو سقوط شهادته أصلاً؛ وقوفا فيما خالف الأصل على مورده.
و قد اختار الشهيد في المسالك القول الوسط و هو ثبوت الربع ولكن الظاهر صحّة الأخير و هو سقوط شهادته رأسا فانّ الرواية قد وردت على خلاف القاعدة في المرأة فلا بدّ في مخالفة الأصل من الوقوف عليها.
ثمّ انّه لايتوقّف ثبوت ما ذكر بشهادة النساء على اليمين؛ لاطلاق النصّ فلو اعتبر لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
و أمّا الخنثى فلايثبت بشهادتها وحدها شيء لاحتمال كونها مرأة، و أمّا الخنثيان فيثبت بشهادتهما الربع لاحتمال كون احداهما رجلاً و الأخرى امرأة و أمّا الثلاث فيثبت بشهادتهنّ ثلاثة أرباع لأنّه أقلّ ما يثبت بشهادتهنّ، و اذا شهد الأربع منهنّ فيثبت الجميع.
لايشترط تعذّر الرجال في قبول شهادة المرأة هنا، عملاً بالعموم.
و في الجواهر - بعد ما قال بعدم الخلاف في أصل المسألة - قال: «نعم، الظاهر قصر الحكم على مورد النصّ فلايتعدّى منه الى غيره كقبول شهادة الرجل الواحد في النصف باعتبار كونه بمنزلة شهادة امرأتين و ان احتمل، لكنّه في غير محلّه بل قد يقال بعدم ثبوت الربع به فضلاً عن النصف و ان اختاره الفاضل و ثاني الشهيدين و غيرهما لابتناء الحكم على مصالح يقصر العقل عن ادراكها. و من ذلك يعلم أنّ الخنثى المشكل لايثبت بشهادتها وحدها شيء؛ لعدم العلم بكونها امرأة، و أمّا الخنثيان فيثبت الربع فقط و الثلاثة ثلاثة أرباع و الأربعة تمام المشهود عليه.
ثمّ انّ مقتضى اطلاق النصّ و الفتوى عدم قبول شهادتهنّ فيما عرفت على اليمين لظاهر الدليل. نعم، لايعتبر في شهادتهنّ غير العدالة، فلاتجزي شهادة الفاسقة و لا الذمّيّة و لو في مقام تقبل فيه شهادة ذكورهم، اذا فرض عدمهم اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقّن و هو ذكور أهل الذمّة دون نسائهم و لو
مع فقد ذكورهم و ذكور المسلمين و نسائهم. انتهى ملخّصا».(1)
الخامسة: قال المحقّق رحمهالله: «و لاتثبت الوصيّة بالولاية الاّ بشاهدين و لاتقبل شهادة النساء في ذلك. و هل تقبل شهادة الواحد مع اليمين؟ فيه تردّد، أظهره المنع».
و في المسالك: «لا خلاف في عدم قبول شهادة النساء منفردات في الولاية؛ لأنّها ليست وصيّة بمال بل هي تسلّط على تصرّف فيه، و لا ممّا يخفى على الرجال غالبا. و ذلك ضابط محلّ شهادتهنّ منفردات. و أمّا ثبوتها بشهادة الواحد مع اليمين فقد تردّد المصنّف ثمّ استظهر المنع. و هو واضح؛ لأنّ ضابطه ما كان من حقوق الآدمي مالاً أو المقصود منه المال و الوصاية ليست أحدهما. و وجه تردّده ممّا ذكرناه و من أنّها قد تتضمّن المال كما اذا أراد أخذ الأجرة أو الأكل بالمعروف بشرطه و لما فيه من الارفاق و التيسير فيكون مرادا للآية و الرواية. و لايخفى ما فيه و قد قطع الأصحاب بالمنع من غير نقل خلاف في المسألة و لا تردّد».(2)
أقول:
قد أشبعنا الكلام في ذلك في الجزء الأوّل من كتاب القضاء و الشهادات(3)و قلنا بأنّ الأظهر ثبوت شهادة رجل واحد مع اليمين في مطلق حقوق الناس و منها الوصاية و قد دلّت عليه روايات، الاّ أنّ الاحتياط باختصاص ذلك بالمال أو المقصود منه المال لايترك لذهاب الأصحاب الى ذلك.
السادسة: اذا كانت الورثة كبارا و أقرّوا كلّهم بالوصيّة بالثلث أو ما دونه لوارث أو أجنبي أو بأنيصرف على الفقراء مثلاً، فتثبت في تمام الموصى به و يلزمون العمل بها أخذا باقرارهم؛ لأنّ «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
و لاتحتاج في الاثبات الى بيّنة و ذلك لأنّها لغو و تحصيل للحاصل بعد الاقرار منهم جميعا و عدم دعوى الخلاف.
و اذا أقرّ بعضهم دون بعض فان أقرّ اثنان عادلان منهم تثبت أيضا في تمام الموصى به لكونه اقرارا بالنسبة اليهما و شهادة بالنسبة الى غيرهما فلاتحتاج الوصيّة في الاثبات الى بيّنة أخرى؛ لفرض قيام البيّنة بالنسبة الى حصّة غير المقرّ و تمامية الحجّة.
و في رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل مات فأقرّ بعض ورثته لرجل بدين قال:
«يلزم ذلك في حصّته».(1)
و في رواية أبي البختري (وهب بن وهب) عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلامقال:
«قضى علي عليهالسلام في رجل مات و ترك ورثة فأقرّ أحد الورثة بدين على أبيه أنّه يلزم ذلك في حصّته بقدر ما ورث و لايكون ذلك في ماله كلّه، و ان أقرّ اثنان من الورثة و كانا عدلين أجيز ذلك على الورثة و ان لميكونا عدلين ألزما في حصّتهما بقدر ما ورثا و كذلك ان أقرّ بعض الورثة بأخ أو أخت انّما يلزمه في حصّته».(2)
و الروايتان و ان كانتا في مورد الدين الاّ أنّه يستفاد منهما حكم الوصيّة بتنقيح المناط، بل الحكم ثابت مطابق للقاعدة من غير حاجة الى هاتين الروايتين.
هذا اذا أقرّ اثنان عادلان، و أمّا اذا أقرّ واحد أو اثنان غير عدلين فتثبت الوصيّة بالنسبة الى حصّة المقرّ خاصّة أخذا باقراره، و أمّا بالنسبة الى حصّة الباقين فيحتاج الى البيّنة.
نعم، لو كان المقرّ عدلاً واحدا كفى ضمّ يمين المقرّ له مع اقرار المقرّ في ثبوت
التمام، بل لو كان المقرّ امرأة عادلة يثبت ربع ما أقرّت به في حصّتها و حصّة غيرها على حذو ما تقدّم في المسائل السابقة.
و بالجملة فالمقرّ من الورثة شاهد بالنسبة الى حصص الباقين كالأجنبي فيثبت به ما يثبت به.
السابعة: لو أقرّ الوارث بأصل الوصيّة؛ قبل منه لعموم دليل الاقرار فيجب عليه انفاذ الوصيّة بمقتضى اقراره.
و لو ادّعى أحد الوصاية من الميّت فان علم الوارث بكذبه فله الانكار و تسمع دعواه، بل اذا كان كاذبا في دعوى الوصاية فلا فرق بين الوارث و غيره في انكاره اذا علم كذبه، و ان لميعلم كذبه فليس له انكاره.
فمن ادّعى الوصاية عن الميّت بالنسبة الى القصّر أو العناوين العامّة كالفقراء و وجوه القرب كالمساجد و المشاهد أو ما يتعلّق بالميّت نفسه كاستئجار العبادات أو الزيارات، فعلى كلّ من يعلم كذبه في دعواه الانكار عليه خصوصا اذا رأى منه الخيانة و عليه الترافع معه عند الحاكم من باب الحسبة.
فانّ الحسبة كلّ أمر علم رضى الشارع بالقيام به على النحو المشروع من كلّ أحد و لايرضى بتعطيله بلا اختصاص بفرد دون آخر لعموم مثل قوله صلىاللهعليهوآله: «كلّ معروف صدقة».(1)و قوله عليهالسلام: «و اللّه في عون المؤمن مادام المؤمن في عون أخيه».(2)و غيرهما.
هذا تمام الكلام فيما أردنا ذكره من المسائل الملحقة بالوصيّة.
المريض اذا برئ من مرضه و لميتّصل مرضه بموته فهو كالصحيح يتصرّف في ماله بما يشاء كيف يشاء، و قد دلّ عليه الروايات الكثيرة التي أوردها في الوسائل كموثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«...هو ماله يصنع ما شاء الى أنيأتيه الموت».(1)
و قوله عليهالسلام:
«انّ لصاحب المال أنيعمل بماله ما شاء مادام حيّا».(2)
و قوله عليهالسلام في مرسلة ابن أبي السمّاك:
«الميّت أولى بماله مادامت فيه الروح».(3)
و قوله عليهالسلام:
«الرجل أحقّ بماله مادام فيه الروح».(4)
و ما في موثّقة عمّار الساباطي:
«قلت: الميّت أحقّ بماله مادام فيه الروح يبين به؟ قال: نعم».(5)
و قوله عليهالسلام في صحيحة أبي شعيب المحاملي:
1) - وسائل الشيعة 19: 297 / الباب 17 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 19: 297 / الباب 17 من كتاب الوصايا / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 19: 297 / الباب 17 من كتاب الوصايا / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 19: 298 / الباب 17 من كتاب الوصايا / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 19: 299 / الباب 17 من كتاب الوصايا / الحديث 7.
«الانسان أحقّ بماله مادامت الروح في بدنه».(1)
تهذيب الأحكام 9: 186 / الباب 10 من كتاب الوصايا / الحديث 4.
هذا كلّه مضافا الى حكم العقلاء أجمع قولاً و فعلاً بثبوت هذه الولاية لصاحب المال مع عدم مانع في البين.
و ينفذ جميع تصرّفاته في جميع ما يملكه الاّ اذا أراد أنيوصي فلاينفذ وصيّته في الزائد عن ثلث المال الاّ مع اجازة وارثه، فقد تقدّم موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الميّت أحقّ بماله مادام فيه الروح يبين به؟ قال: نعم، فان أوصى به فليس له الاّ الثلث».
و قد تقدّم مشروحا فراجع.
و أمّا اذا اتّصل مرضه بموته فلا اشكال في عدم نفوذ وصيّته فيما زاد على الثلث كغير مرضه الاّ باجازة وارثه، كما أنّه لا اشكال في نفوذ عقوده المعاوضيّة المتعلّقة بماله كالبيع بثمن المثل أو الاجارة بأجرة المثل و نحو ذلك؛ لما تقدّم آنفا من الروايات.
و كذا لا اشكال في جواز انتفاعه بماله كالأكل و الشرب و الانفاق على نفسه و من يعوله و الصرف على أضيافه و في مورد يحفظ شأنه و اعتباره و غير ذلك، و بالجملة فيجوز له كلّ تصرّف يكون فيه غرض عقلائي ممّا لايعدّ سرفا و لاتبذيرا.
انّما الاشكال و الخلاف في مثل الهبة و العتق و الصدقة و الابراء و الصلح بغير عوض و الوقف و نحو ذلك من التصرّفات التبرّعيّة في ماله ممّا لايقابل بالعوض و يكون فيه اضرار بالورثة و هي المعبّر عنها بالمنجّزات و أنّها هل هي نافذة من الأصل بمعنى نفوذها و صحّتها مطلقا و ان زادت على ثلث ماله بل و ان تعلّقت بجميع ماله بحيث لميبق شيء للورثة، أو هي نافذة بمقدار الثلث فان زادت
1) - وسائل الشيعة 19: 299 / الباب 17 من كتاب الوصايا / الحديث 8.
يتوقّف صحّتها و نفوذها في الزائد على امضاء الورثة؟
قال في المسالك: «اختلف الأصحاب في تصرّفات المريض المنجّزة المتبرّع بها على ذلك الوجه، فذهب الأكثر - و منهم الشيخ في المبسوط و الصدوق و ابن الجنيد و سائر المتأخّرين - الى أنّها من الثلث كغير المنجّزة. و قال المفيد و الشيخ في النهاية و ابن البرّاج و ابن ادريس و الآبي تلميذ المصنّف رحمهالله: انّها من الأصل. و المصنّف لميرجّح هنا أحد القولين، لكنّه رجّح الأوّل في مواضع متعدّدة من الكتاب و منشأ الخلاف من اختلاف الروايات ظاهرا».(1)
و قال في الجواهر: «و في منعه من التبرّعات المنجّزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا، فخيرة الكليني و الصدوق و الشيخين و السيّدين و القاضي و ابني ادريس و البرّاج و سعيد و الآبي و الأردبيلي و الخراساني و الحرّ العاملي و الطباطبائي و صاحب الرياض - على ما حكي عن بعضهم - عدم المنع، و أنّها من الأصل كالصحيح، بل عن كشف الرموز نسبته الى الأكثر. و في الرياض أنّه المشهور بين القدماء ظاهرا بل لعلّه لا شبهة فيه، بل في هبة الانتصار و الغنية الاجماع عليه، للأصل بمعنييه، و قاعدة التسلّط و الروايات الواردة.
لكن و مع ذلك كلّه فالوجه المنع من التبرّع بالزائد فلاينفذ على الورثة الاّ مع اجازتهم، وفاقا للفاضل و الشهيدين و الكركي و المحكي عن الصدوق و أبي علي و الشيخ في المبسوط و غيرهم، بل نسبة غير واحد الى عامّة المتأخّرين بل في المسالك نسبته الى الأكثر و سائر المتأخّرين بل ربما حكي عن الشيخ في باب العتق ما يقتضي أنّه المعروف بيننا. و في المفاتيح أنّ الأخبار به أكثر و أشهر، و في جامع المقاصد: قد دلّت عليه صحاح الأخبار. و في موضع آخر منه أنّ النصوص به متواترة، و هو كالاجماع المنقول في الحجّيّة، خصوصا بعد شهادة التتبّع له.
1) - مسالك الأفهام 6: 305.
انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الروايات الواردة في الباب على طائفتين:
الأولى: ما دلّ على أنّ المنجّزات في حال المرض تخرج من الثلث:
منها موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن عطيّة الوالد لولده، فقال: أمّا اذا كان صحيحا، فهو ماله يصنع به ما شاء و أمّا في مرضه فلايصلح».(2)
و منها صحيحة الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها؟ فقال: لا».(3)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته - و ذكر مثله و زاد: - ولكنّها ان وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها».(4)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال في رجل أوصى بأكثر من الثلث و أعتق ممالكيه في مرضه، فقال:
«ان كان أكثر من الثلث ردّ الى الثلث و جاز العتق».(5)
و الثانية: ما دلّ على أنّها تخرج من الأصل:
منها الروايات الدالّة على «أنّ الميّت أحقّ بماله مادام فيه الروح يبين به»،
كموثّقة عمّار الساباطي و روايتي عمّار بن موسى و روايتي سماعة و مرسلة ابراهيم بن أبي السمّاك و صحيحة أبي المحامل.(1)
فيجمع بينها بالاطلاق و التقييد، فانّ الطائفة الثانية مطلقة تعمّ حال الصحّة و المرض، و الأولى تختصّ بحال المرض فتكون مقيّدة للثانية.
و منها مرسلة مرازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه فقال:
«اذا أبان به فهو جائز، و ان أوصى به فهو من الثلث».(2)
و منها موثقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه، فقال:
«اذا أبانه جاز»(3)
و الظاهر أنّ هاتين الروايتين تحملان على الثلث أو مادونه للجمع بينهما و بين الطائفة الأولى، فالمراد من «الشيء» و «بعض ماله» هو الثلث أو ما دونه.
هنا فروع:
الأوّل: لا اشكال و لا خلاف في أنّ الواجبات الماليّة التي يؤدّيها المريض في مرض موته كالخمس و الزكاة و الكفّارات تخرج من الأصل؛ لأنّها دين و كلّ دين يخرج من الأصل.
الثاني: البيع و الاجارة المحاباتيّان كالهبة بالنسبة الى ما حاباه - لتحقّق ملاك الهبة فيهما و هو عدم العوض و تحقّق المجانيّة بالنسبة الى ما حاباه - فيدخلان في منجّزات المريض بالنسبة الى مقدار ما حاباه فاذا باع شيئا يسوّي مائة بخمسين فكما اذا وهب المشتري خمسين، فيخرج من الثلث.
الثالث: الصدقة و ان كانت من المنجّزات كما أشرنا اليه لكن الظاهر أنّ ما أصدقه المريض لأجل شفائه و عافيته ليس منها، بل هي ملحقة بالمعاوضات فكأنّ المريض يشتري بها حياته و سلامته. و لايبعد القول بانصراف الأدلّة عنها.
الرابع: الظاهر أنّ الروايات الدالّة على أنّ المنجّزات في حال مرضه تكون من الثلث غير شاملة للمرض الذي يطول سنة أو سنتين أو أزيد، الاّ فيما اذا وقع التصرّف في أواخره القريبة من الموت بحيث يصدق عرفا أنّه قريب موته.
و في موارد الشك يرجع الى القاعدة الأوّليّة و هي أنّ الناس مسلّطون على أموالهم.
ثمّ انّه لا فرق بين الأمراض اذا تعقّبه الموت و ان كان مثل حمّى يوم. كما أنّه يلحق به ما اذا كان سبب موته القتل أو افتراس سبع، أو لدغ حيّة و نحو ذلك لوجود المناط. و يلحق به أيضا الحال التي يكون فيها في معرض الخطر و الهلاك، كأنيكون في حال المراماة في الحرب أو في حال اشراف السفينة على الغرق.
مسألة: لو أقرّ بدين أو عين من ماله لوارث أو أجنبي فان كان مأمونا غير متّهم نفذ اقراره في جميع ما أقرّ به و ان كان زائدا على ثلث ماله، بل و ان استوعبه، و الاّ فلاينفذ فيما زاد على ثلثه، و المراد بكونه متّهما وجود أمارات يظنّ معها بكذبه، كأنيكون بينه و بين الورثة معاداة يظنّ معها بأنّه يريد بذلك اضرارهم، أو كان له محبّة شديده مع المقرّ له يظنّ معها بأنّه يريد بذلك نفعه.
تدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة منصور بن حازم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه دينا، فقال: ان كان الميّت مرضيّا فأعطه الذي أوصى له».(1).
1) - وسائل الشيعة 19: 291 / الباب 16 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
و موثّقة أبي أيّوب - باسناد الشيخ - قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن امرأة استودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: انّ المال الذي دفعته اليك لفلانة، و ماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: انّه كان لصاحبتنا مال و لانراه الاّ عندك فاحلف لنا ما لها قبلك شيء، أفيحلف لهم؟ فقال: ان كانت مأمونة عنده فليحلف لهم و ان كانت متّهمة فلايحلف و يضع الأمر على ما كان فانّما لها من مالها ثلثه».(1)
و موثّقته الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه دينا فقال:
«ان كان الميّت مرضيّا فأعطه الذي أوصى له».(2)
و صحيحة محمّد بن عبدالجبّار قال:
«كتبت الى العسكري عليهالسلام امرأة أوصت الى رجل و أقرّت له بدين ثمانية آلاف درهم و كذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف و شعر و شبه و صفر و نحاس، و كلّ ما لها أقرّت به للموصى اليه و أشهدت على وصيّتها و أوصت أن يحجّ عنها من هذه التركة حجّتان و تعطى مولاة لها أربعمائة درهم و ماتت المرأة و تركت زوجا فلمندرِ كيف الخروج من هذا و اشتبه علينا الأمر و ذكر كاتب أنّ المرأة استشارته فسألته أنيكتب لها ما يصحّ لهذا الوصيّ، فقال لها: لاتصحّ تركتك لهذا الوصي الاّ باقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود و تأمريه بعد أنينفذ ما توصينه به و كتبت له بالوصيّة على هذا و أقرّت للوصي بهذا الدين، فرأيك - أدام اللّه عزّك - في
مسألة الفقهاء قبلك عن هذا و تعريفنا ذلك لنعمل به ان شاء اللّه. فكتب بخطّه: ان كان الدين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدين من رأس المال ان شاء اللّه و ان لميكن الدين حقّا أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها، كفى أو لم يكف».(1)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات و عليه دين و أوصى أنّ هذا الذي ترك لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال: نعم، اذا كان مصدّقا».(2)
و أمّا اذا كان مريضا بمرض يموت فيه، فأقرّ بدين كان زائدا على الثلث فالروايات مختلفة:
فمنها صحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أقرّ لوارث له و هو مريض بدين له عليه، قال: يجوز عليه اذا أقرّ به دون الثلث».(3)
و منها صحيحة أبي ولاّد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل مريض أقرّ عند الموت لوارث بدين له عليه، قال: يجوز ذلك. قلت: فان أوصى لوارث بشيء؟ قال: جائز».(4)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له الرجل يقرّ لوارث بدين، فقال: يجوز اذا كان مليّا».(5)
1) - وسائل الشيعة 19: 294 / الباب 16 من كتاب الوصايا / الحديث 10.
2) - وسائل الشيعة 19: 296 / الباب 16 من كتاب الوصايا / الحديث 14.
3) - وسائل الشيعة 19: 292 / الباب 16 من كتاب الوصايا / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 19: 292 / الباب 16 من كتاب الوصايا / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 19: 292 / الباب 16 من كتاب الوصايا / الحديث 5.
و منها صحيحة ثانية للحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عن رجل أقرّ لوارث بدين في مرضه أيجوز ذلك؟ قال: نعم، اذا كان مليّا».(1)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عمّن أقرّ للورثة بدين عليه و هو مريض، قال:
«يجوز عليه ما أقرّ به اذا كان قليلاً».(2)
فيمكن أننقيّد صحيحة أبي ولاّد بصحيحة اسماعيل بن جابر، و نقول في موثّقة سماعة بأنّ قوله عليهالسلام: «اذا كان قليلاً»، دليل على كونه دون الثلث. و قوله عليهالسلام في صحيحة الحلبي: «اذا كان مليّا»، بمعنى أنّه اذا كان مليّا فما استدان كان قليلاً، فيعمل على كونه دون الثلث، بقرينة صحيحة اسماعيل بن جابر.
و الحاصل: أنّه اذا كان ما أقرّ به بقدر الثلث أو دونه فيعمل بما أقرّ، و أمّا الزائد على الثلث، فان علم بصدقه فلا اشكال في انفاذه؛ لأنّ الدين يجب أداؤه من الأصل، و أمّا اذا لميعلم بصدقه لكونه متّهما، فان كان للدائن بيّنة فهو، و الاّ لايجوز من دون رضى الورثة. فبهذا التقرير يكشف أنّ المناط في المسألة صدقه و عدم صدقه، فالمرض من حيث هو و في نفسه لميكن مانعا.
ثمّ انّه اذا لميعلم حال المقرّ و أنّه كان متّهما أو مأمونا فلايحكم بنفوذ اقراره في الزائد على الثلث؛ لأنّ الظاهر من الروايات المتقدّمة أنّ نفوذه منوط بالعلم بصدقه، ففى مورد غير العلم كانت وصيّته بما زيدت على الثلث معلّقة فان أجاز الورثة نفذت. و لو أجاز بعضهم نفذت بمقدار حصّته و لو أجاز بعضهم بعضا من الزائد عن الثلث نفذ بقدره. و هكذا يكون الحال في منجّزات المريض على ما بنينا من أنّها تكون من الثلث، و أمّا اذا أجاز الورثة ما زادت على الثلث نفذت لأنّ
المنع انّما هو لمراعاة حقّهم و مع اجازتهم يكون المقتضي للصحّة موجودا و المانع عنها مفقودا.
هذا تمام الكلام في شرح مسائل الوصايا
من العروة الوثقى و بعض المسائل التي شرحناها
من شرائع الاسلام، و قد تمّ دراسته بعون اللّه الملك العلاّم
سنة 1432 هق و تمّ استئناف النظر فيه سنة 1434 هق
و يتلو هذا الكتاب شرح كتاب الفرائض من شرائع الاسلام
سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني
ابن سيّد علي اكبر
بسماللهالرحمنالرحيم
قال في الجواهر: «الفرائض جمع فريضة من الفرض، بمعنى التقدير و القطع، و منه «نصيبا مفروضا»، و فرض الثوب أي قطعه، و «أنزلناها و فرضناها» أي
فصّلناها، لا منه بمعنى الايجاب و الالزام، أو العطيّة باعتبار كون الارث عطيّة من الشارع، يقال: فرضت له في الديوان أي أعطيته، بل لعلّ استعماله في هذين بمعنى القطع و التقدير عند التأمّل و لو مجازا. و حينئذٍ فالمراد هنا السهام المقدّرة في كتاب اللّه، فتكون أخصّ من المواريث، ولكن عنون بها الكتاب تغليبا أو تبعا للنصّ، ففي النبوي: «تعلّموا الفرائض و علّموها الناس، فانّي امرؤ مقبوض، و انّ العلم سيقبض، و تظهر الفتن حتّى يختلف الاثنان في الفريضة فلايجدان من يفصل بينهما». أو يراد بها مطلق السهام و لو الحاصلة من السنّة و آية أولي الأرحام فتساويها، و الأمر سهل».(1)
و في الروضة: «الميراث على وزن مفعال من الارث أو من الموروث. فعلى الأوّل بمعنى: «استحقاق انسان بموت آخر بنسب أو سبب شيئا بالأصالة»، و على
1) - جواهر الكلام 39: 5 و 6.
الثاني: «ما يستحقّه انسان بموت آخر بنسب أو سبب بالأصالة». و هو أعمّ من الفرائض مطلقا، ان أريد بها المفروض بالتفصيل. و ان أريد بها ما يعمّ الاجمال كارث أولي الأرحام فهو بمعناه، و من ثمّ كان التعبير بالميراث أولى.انتهى ملخّصا».(1)
و في القرآن قد جاء المفروض بمعنى المقدّر، و الفريضة بمعنى النصيب من الارث كقوله تعالى «فريضة من اللّه» و «ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا»(2)و قد استعمل فيه وَرِث و يَرِث و يُورَث (3)، و الوارث(4)و قال اللّه تعالى: «و للّه ميراث السماوات و الأرض»(5)
و في الروايات استعمل الفرائض و الميراث كلاهما و ان كان استعمال الميراث و مشتقّاته أكثر. و الظاهر أنّ ما اختاره الشهيدان في اللمعة و الروضة من تسمية هذا الكتاب بالميراث أحسن من اختيار الفرائض، و التعريف الذي أتى به لاخراج غير الارث لابأس به.
و الارث من ضروريّات الدين و قد دلّ عليه الكتاب و السنّة والاجماع و العقل، و لمينكره أحد.
و في الجواهر: «و الأصل فيها - بعد اجماع المسلمين بل الضرورة من الدين - الكتاب و السنّة، بل ورد الحثّ على تعلّمها و تعليمها و أنّها نصف العلم و أنّها أوّل ما تنتزع من أمّتي. و قد ذكر العلماء وجوها كثيرة في توجيه التنصيف لايخلو جميعها أو أكثرها من التعسّف، و الأولى كون ذلك مبالغة في كثرة شعبها و تشتّتها
و شدّة الحاجة اليها».(1)
و قوله رحمهالله: «انّها أوّل ما تنتزع من أمّتي»، اشارة الى ما روي عن النبي صلىاللهعليهوآله قال:
«تعلّموا الفرائض و علّموها الناس فانّها نصف العلم و هو ينسى و هو أوّل شيء ينتزع من أمّتي»(2)
و الظاهر أنّ قوله صلىاللهعليهوآله: «هو أوّل شيء ينتزع من أمّتي» اشارة الى خلافة مولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام، فانّها قد ورّثها رسولاللّه صلىاللهعليهوآله بأمر اللّه تعالى علي بن أبي طالب و من بعده أولاده الطاهرين عليهمالسلام و لذا قال علي عليهالسلام«فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجا أرى تراثي نهبا»(3)
و يمكن أنيكون اشارة الى خلافته عليهالسلام بتقريب آخر و هو أنّ الاحاطة على الفرائض و أحكامها تحتاج الى الرجوع الى معدن العلم و موضع الرسالة مع أنّ الرجوع يصعب لغصب الخلافة. و كذلك قوله صلىاللهعليهوآله: «انّها نصف العلم»، نصفه الأوّل التوحيد و النبوّة، و نصفه الثاني الامامة. و يمكن أنيقال: انّه نصف العلم؛ لاشتماله على المشقّة و الصعوبة في معرفته و تصحيح مسائله بخلاف باقي العلوم.
و هو يشتمل على ثلاثة أنظار و خاتمة:
و هي أربع:
المقدّمة الأولى في موجبات الارث
المقدّمة الثانية في موانع الارث
المقدّمة الثالثة في الحجب
المقدّمة الرابعة في مقادير السهام و اجتماعها
«الأولى»: في موجبات الارث و هي امّا نسب و امّا سبب.
النسب هو الاتّصال بالولادة بانتهاء أحدهما الى الآخر كالأب و الابن، أو بانتهائهما الى ثالث كالاخوة و الأعمام و الأخوال. فانّ الأخ ينتهي مع أخيه الى صلب والد واحد أو رحم أمّ واحدة، و كذا ابن الأخ مع عمّه، و ابن الأخت مع خاله ينتهيان الى صلب واحد، أو رحم واحدة، مع صدق اسم النسب عرفا على الوجه الشرعي أو ما في حكمه، فالتولّد من الزنا لايوجب الارث بخلاف الشبهة و نكاح أهل الملل الفاسدة - كما في الروضة و الجواهر(1)-و المراد بالصدق العرفي أنيكون الصلب أو الرحم المنتهية اليه قريبا.
فالنسب مراتب ثلاث: «الأولى»: الأبوان و الولد و ان نزل. «الثانية»: الاخوة و أولادهم و ان نزلوا، و الأجداد و ان علوا. «الثالثة»: الأخوال والأعمام.
قال في المسالك: «لايخفى أنّ في كلّ مرتبة من هذه يقدّم فيها الأقرب على
1) - جواهر الكلام 39: 7. - الروضة البهيّة 8: 22.
الأبعد، فانّه كما أنّ الآباء و الأولاد يقدّمون على الاخوة و الأجداد فيكونون مرتبة، فكذلك الأولاد مع أبنائهم فانّهم لايرثون مع وجودهم فيكونون مرتبة. و مثله القول في الاخوة مع أولادهم و الجدّ القريب مع البعيد، فتتعدّد على هذا المراتب. و انّما اعتبروا المراتب ثلاثا مع ذلك؛ لأنّ الأقرب في المرتبة و ان منع الأبعد لكن نظيره في المرتبة لايمنع البعيد من غير صنفه، فكان الأبعد وارثا مع مساوي الأقرب في تلك المرتبة، فلذلك جعلت واحدة بخلاف حال كلّ واحد من أهل المرتبة مع من هو في غيرها، فانّه لايشاركه بوجه، فلذلك تعدّدت بهذه الواسطة. مثلاً أولاد الأولاد و ان كانوا لايرثون مع الأولاد فيكون بالنسبة اليهم مرتبة كنسبة الاخوة الى الأولاد، الاّ أنّ أولاد الأولاد يشاركون الآباء المساوين للأولاد في المرتبة. فكانوا لذلك في المرتبة الأولى و ان تأخّروا على بعض الوجوه. و كذلك أولاد الاخوة مع فقد الاخوة يشاركون الأجداد. و هذه النكتة تختلف في الأعمام و الأخوال، كمايأتي تفصيلها. انتهى ملخّصا».(1)
و في الروضة: «و النسب ثلاث مراتب، لايرث أحد من المرتبة التالية مع وجود واحد من المرتبة السابقة خالٍ من الموانع فالأولى: الآباء دون آبائهم، و الأولاد و ان نزلوا. ثمّ الثانية: الاخوة، و المراد بهم ما يشمل الأخوات للأبوين أو أحدهما. و الأجداد، و المراد بهم ما يشمل الجدّات فصاعدا، و أولاد الاخوة و الأخوات فنازلاً ذكورا و اناثا. ثمّ الثالثة: الأعمام و الأخوال للأبوين أو أحدهما و ان علوا كأعمام الأب و الأمّ، و أعمام الأجداد، و أولادهم فنازلاً ذكورا و اناثا. انتهى ملخّصا».(2)
و السبب اثنان: زوجيّة و ولاء. و الولاء ثلاث مراتب: ولاء العتق ثمّ ولاء تضمّن الجريرة ثمّ ولاء الامامة.
و في الروضة: «و السبب هو الاتّصال بالزوجيّة أو الولاء و جملته أربعة: الزوجيّة من الجانبين مع دوام العقد، أو شرط الارث على الخلاف، و ولاء الاعتاق، و ولاء ضامن الجريرة و ولاء الامامة. و الزوجيّة من هذه الأسباب تجامع جميع الورّاث، و الاعتاق لايجامع النسب، و يقدّم على ضمان الجريرة المقدّم على ولاء الامامة».(1)
و في المسالك: «هو (الولاء) بفتح الواو و أصله القرب و الدنوّ. و المراد به هنا تقرّب أحد الشخصين بالآخر على وجه يوجب الارث بغير نسب و لا زوجيّة».(2)
و ينقسم الورّاث: فمنهم من لايرث الاّ بالفرض و هم: الأمّ من بين الأنساب الاّ على الردّ، و الزوج و الزوجة من بين الأسباب الاّ نادرا، و منهم من يرث تارة بالفرض و أخرى بالقرابة و هم الأب والبنت، أو البنات و الأخت، أو الأخوات و كلالة الأمّ. و من عدا هؤلاء لايرث الاّ بالقرابة.
كلّ وارث مناسب أو مسابب امّا سمّى اللّه تعالى له في كتابه سهما معيّنا أو لا، و الأوّل يسمّى ذا فرض و الثاني ذا قرابة، و على هذا ينقسم الوارث الى خمسة أقسام:
الأوّل: من لايرث الاّ بالفرض و هو الزوجة فانّ لها الربع مع عدم الولد و الثمن معه، و لايرد عليها أصلاً.
الثانى: من يرث بالفرض و الردّ (و هو فيما اذا زادت التركة على السهام) و هو
ثلاثة أصناف: الأمّ فانّ لها السدس مع الولد و الثلث مع عدمه اذا لميكن حاجب. و كلالة الأمّ فانّ لها السدس ان كان واحدا و الثلث ان كان أكثر اذا انفردت عن الجدّ. و الزوج فانّه يرث الربع مع الولد و النصف مع عدمه ولكن الردّ عليه اذا لميكن معه وارث الاّ الامام عليه السلام.
الثالث: من يرث بالفرض تارة و بالقرابة أخرى و هو أيضا ثلاثة أصناف: الأب فانّه يرث بالفرض مع الولد و بالقرابة اذا انفرد. و البنت و البنات فانّهنّ يرثن مع الابن بالقرابة و بدونه بالفرض. و الأخت و الأخوات للأب أو للأبوين فانّهنّ يرثن مع الأخ بالقرابة و مع عدمه بالفرض. و كلالة الأمّ فانّهم يرثون بالفرض و الردّ اذا لميكن جدّ للأمّ و بالقرابة معه.
الرابع: من لايرث الاّ بالقرابة كالابن و الاخوة للأبوين أو للأب لا الأخوات، و الجدّ و الأعمام و الأخوال.
الخامس: من لايرث بهما بل يرث بالوَلاء و هو المعتِق و الضامن و الامام عليهالسلام.
فاذا كان الوارث لا فرض له و لميشاركه آخر فالمال له مناسبا كان أو مساببا. و ان شاركه من لا فرض له فالمال لهما. فان اختلفت الوصلة، فلكلّ طائفة نصيب من يتقرّب به كالخال أو الأخوال مع العمّ أو الأعمام، فللأخوال نصيب الأمّ و هو الثلث و للأعمام نصيب الأب و هو الثلثان.
فاذا كان الوارث ممّن لا فرض له و لميشاركه آخر فالمال كلّه له سواء كان نسبيّا كالابن أو الأخ أو العمّ، أو سببيّا كالمعتق. و هذا لا خلاف فيه و لا اشكال. و كذا لو شاركه من لا فرض له فالمال لهما، على التفاوت كالأولاد في الطبقة الأولى فيقتسمون المال بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين، و كذا الاخوة المتقرّبون بالأب. و أمّا الاخوة المتقرّبون بالأمّ فانّ القسمة بينهم بالسويّة، للأنثى مثل حظّ الذكر. هذا كلّه مع اتّحاد الوصلة. فان اختلفت الوصلة فلكلّ طائفة نصيب من يتقرّب به
كالخال أو الأخوال و الخالة أو الخالات، مع العمّ أو الأعمام و العمّة أو العمّات، فللخال و الخالة نصيب من يتقرّب به أي الأمّ، و هو الثلث يقتسمانه بالسويّة، للأنثى مثل الذكر. و للعمّ و العمّة نصيب من يتقرّب به أي الأب، و هو الثلثان يقتسمانه للذكر مثل حظّ الأنثيين، كما ستعرف، بلا خلاف في شيء من ذلك ففي صحيحة أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ في كتاب علي عليهالسلام: أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به الاّ أنيكون وارث أقرب الى الميّت منه، فيحجبه».(1)
و كذا لو اجتمعت الكلالتان، فلكلالة الأمّ الثلث ان كانت أكثر من واحدة و لكلالة الأب الثلثان. و ان كانت الكلالة للأمّ واحدة فلها السدس و الباقي لكلالة الأب. و ان دخل معهما أحد الزوجين أخذ نصيبه من سهم كلالة الأب و لكلالة الأمّ فرضه كما ذكر.
فان كان الوارث ذا فرض أخذ نصيبه. فان لميكن معه مساوٍ كان الردّ عليه، مثل بنت مع أخ أو أخت مع عمّ، فلكلّ واحدة نصيبها و الباقي يردّ عليها؛ لأنّها أقرب. و لايردّ على الزوجة مطلقا و لا على الزوج مع وجود وارث عدا الامام عليهالسلام.
فان كان الوارث ذا فرض أخذ نصيبه، فان لميكن معه مساوٍ كان الردّ عليه، مثل بنت مع أخ، فانّ البنت الواحدة نصيبها نصف التركة فان لميكن معها أبوان للميّت أو الزوج أو الزوجة ولكن كان معها أخ أو أخت للميّت أو عمّ فباقي المال يردّ على البنت؛ لأنّها أقرب. و لو كان الوارث الزوجة وحدها فأخذت نصيبها و هو الربع و لايردّ عليها الباقي أصلاً بل ينتقل الى الوارث الآخر من الطبقة الثانية أو
1) - وسائل الشيعة 26: 68 / الباب 2 من أبواب موجبات الارث / الحديث 1.
الثالثة، و ان لميكن للميّت وارث نسبيّ ينتقل الى الوارث السببي. و أمّا الزوج فان لميكن معه وارث الاّ الامام أخذ نصيبه الأعلى و هو النصف بالفرض و الباقي بالردّ و لايردّ على الامام عليهالسلام كما يأتي.
و ان كان معه مساوٍ ذو فرض و كانت التركة بقدر السهام قسّمت على الفريضة. و ان زادت كان الزائد ردّا عليهم على قدر السهام ما لميكن حاجب لأحدهم، أو ينفرد بزيادة في الوصلة. و لو نقصت التركة كان النقص داخلاً على البنت أو البنات أو الأب، أو من يتقرّب به، دون من يتقرّب بالأمّ.
مثال الأوّل: أبوان و بنتان فصاعدا، أو اثنان من ولد الأمّ مع أختين للأب والأمّ أو للأب، أو زوج و أخت لأب. و مثال الثاني: أبوان و بنت و اخوة. و مثال الثالث: أبوان و زوج و بنتان، أو أبوان و زوج و بنت، أو زوج أو زوجة و اثنان من ولد الأمّ مع أختين للأب والأمّ أو للأب. و ان لميكن المساوي ذا فرض كان له ما بقي. مثاله: أبوان أو أحدهما و ابن، أو أب و زوج أو زوجة، أو ابن و زوج أو زوجة أو أخ و زوج أو زوجة.
و ان كان مع وارث ذي فرض، مساوٍ ذو فرض و كانت التركة بقدر السهام قسّمت على الفريضة، مثال ذلك: أبوان و بنتان فصاعدا، فانّ للأبوين ثلث التركة، لكلّ واحد منهما السدس، و للبنتين فصاعدا الثلثان يقسّم بينهما بالسويّة.
مثال آخر: اثنان من ولد الأمّ ذكرين كانا أو أنثيين أو مختلفين، مع أختين للأب و الأمّ أو للأب، فثلث التركة لولدي الأمّ يقسّم بينهما بالسويّة، و الثلثان الآخران للأختين.
مثال ثالث: زوج و أخت لأب، فللزوج نصف التركة، و للأخت نصفها الآخر.
و ان زادت التركة على قدر السهام، كأبوين و بنت و أخوين، فللأبوين ثلث التركة، لكلّ واحد منهما السدس و للبنت نصف التركة، فيزيد سهم واحد يردّ على
البنت و الأب أرباعا، ثلاثة منها للبنت و واحد للأب على قدر السهام؛ لكون الأمّ محجوبة بالاخوة عمّا زاد على السدس، فيختصّ الردّ حينئذٍ بهما. هذا مثال لوجود الحاجب.
و لو نقصت التركة عن السهام، كأبوين و زوج و بنتين فصاعدا، كان النقص داخلاً على البنات، فوجود النقص لكون سهم الأبوين على الفرض الثلث و سهم الزوج الربع و سهم البنتين فصاعدا الثلثين، فاجتماع الثلث و الربع و الثلثان موجب لنقص التركة، فلابدّ من رجوع النقص على البعض - بعدم شرعيّة العول و النقص على الجميع عندنا كما سيأتي - و هو البنات، فسهم الأبوين الثلث لكلّ واحد منهما السدس، و سهم الزوج الربع، و باقي التركة و هو الثلث و ربعه (125) للبنات.
مثال آخر: أبوان و زوج و بنت، فسهم الأبوين الثلث و سهم الزوج الربع و سهم البنت على الفرض النصف فتنقص التركة، و يرجع النقص على البنت فيكون سهمها الثلث و ربعه (12 / 5).
مثال ثالث: زوج و اثنان من ولد الأمّ مع أختين للأب و الأمّ أو للأب، فللزوج النصف، و لولدي الأمّ الثلث و للأختين الثلثان فلايجمع، فيعطى النصف للزوج و لولدي الأمّ الثلث، و الباقي و هو السدس للأختين فيردّ النقص على الأختين للأب و الأمّ أو للأب.
و ان لميكن المساوي في الطبقة ذا فرض كان له ما بقي بعد أن أخذ ذو الفرض فرضه بلاخلاف و لا اشكال. مثاله: أبوان أو أحدهما و ابن، فللأبوين الثلث و الباقي أي الثلثان للابن؛ لأنّه لا فرض له، و كذا لو كان أحد الأبوين فله السدس و الباقي و هو خمسة أسداس للابن.
مثال آخر: أب و زوج أو زوجة، فانّ الأب لا فرض له مع عدم الولد، فللزوج أو الزوجة النصف أو الربع، و الباقي و هو النصف أو ثلاثة أرباع للأب.
مثال ثالث: زوج أو زوجة و أخ، فللزوج أو الزوجة النصف أو الربع و الباقي و هو النصف أو ثلاثة أرباع للأخ.
و هي ثلاثة: الكفر و القتل و الرقّ
و الكفر المانع هو ما يخرج به معتقده عن سمة الاسلام. فلايرث ذمّيّ و لا حربيّ و لا مرتدّ مسلما. و يرث المسلم الكافر، أصليّا أو مرتدّا.
انّ المراد من الكفر المانع عن الارث هو ما يخرج معتقده أو قائله أو فاعله عن سمة الاسلام، فمن اعتقد بغير نبوّة نبيّنا محمّد صلىاللهعليهوآله و القرآن أو قال بذلك أو أظهر ما يكون شعارا لدين غير الاسلام كعبادته الأوثان أو تردّده في الكنائس و البيع للعبادة فهو كافر، كعبدة الأوثان و اليهود و النصارى و غيرهم و من كان مسلما فارتدّ اليهم، فالكافر لايرث المسلم سواء كان ذمّيّا أو حربيّا أو مرتدّا. و الدليل على ذلك - مضافا الى عدم الخلاف بين المسلمين و الاجماع بقسميه مع أنّ المنقول منه بحدّ الاستفاضة أو التواتر كما في الجواهر(1)- روايات متواترة كما ستراها، و لاينعكس عندنا بل يرث المسلم الكافر أصليّا و مرتدّا، خلافا لأكثر أهل الخلاف.
1) - جواهر الكلام 39: 15.
و الدليل على الحكمين ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحسن بن محبوب و عن أبي ولاّد قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: المسلم يرث امرأته الذمّيّة و هي لاترثه».(1)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: لايرث اليهودي و لا النصراني المسلمين، و يرث المسلمون اليهود و النصارى».(2)
و صحيحة هشام عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
«فيما روى الناس عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال: لايتوارث أهل ملّتين، قال: نرثهم و لايرثونا. انّ الاسلام لميزده في حقّه الاّ شدّة»(3)
و رواية الحسن بن صالح عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المسلم يحجب الكافر و يرثه، و الكافر لايحجب المسلم و لايرثه».(4)
و رواية أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايرث الكافر المسلم، و للمسلم أنيرث الكافر الاّ أنيكون المسلم قد أوصى للكافر بشيء».(5)
و لو مات كافر وله ورثة كفّار و وارث مسلم كان ميراثه للمسلم - و لو كان مولى نعمة أو ضامن جريرة - دون الكافر و ان قرب. و لو لميخلّف الكافر
1) - وسائل الشيعة 26: 11 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 13 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 26: 15 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 14.
4) - وسائل الشيعة 26: 11 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 26: 12 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
مسلما، ورثه الكافر اذا كان أصليّا. و لو كان الميّت مرتدّا، ورثه الامام عليهالسلام مع عدم الوارث المسلم. و في رواية يرثه الكافر، و هي شاذّة. و لو كان للمسلم ورّاث كفّار لميرثوه، و ورثه الامام عليهالسلام مع عدم الوارث المسلم.
هنا فروع:
لو مات كافر و له ورثة كفّار و وارث مسلم، كان ميراثه للمسلم و لو لميكن له وارث مسلم نسبا، يرثه المسلم السببي من مولى المعتق أو ضامن جريرة، و لايرثه الكافر و ان قرب.
و الدليل على ذلك مضافا الى ادّعاء الاجماع من صاحب الجواهر(1)بقسميه و المنقول منه في محكي الخلاف و السرائر و كشف اللثام و غيرها ، خبر الحسن بن صالح عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المسلم يحجب الكافر و يرثه، و الكافر لايحجب المسلم و لايرثه».(2)
و مرفوعة ابن رباط قال:
«قال اميرالمؤمنين عليهالسلام: لو أنّ رجلاً ذمّيّا أسلم و أبوه حيّ و لأبيه ولد غيره ثمّ مات الأب، ورثه المسلم جميع ماله و لميرثه ولده و لا امرأته مع المسلم شيئا».(3)
و ينجبر ضعفهما بعمل الأصحاب، و يؤيّدهما صحيحة أبي بصير(1)كما ستأتي.
لو لميخلّف الكافر مسلما ورثه الوارث الكافر اذا كان الميّت كافرا أصليّا. و أمّا اذا كان الميّت مرتدّا عن ملّة أو فطرة ورثه الامام عليهالسلام مع عدم الوارث المسلم.
و الدليل على الأوّل مفهوم الروايات المتقدّمة و الاجماع المنقول، من أنّ الكافر لايرث الكافر اذا كان له وارث مسلم نسبيّ أو سببيّ، فاذا لميكن له وارث مسلم، فيرثه الكافر و لايحجب عنه الامام عليهالسلام؛ لعدم الدليل على ذلك.
و أمّا الدليل على الثاني ففي الجواهر - بعد ادّعاء الاجماع بقسميه بالنسبة الى الفطري - قال: «و على المشهور بين الأصحاب في الملّي شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا بل هي كذلك؛ لتحرّمه بالاسلام، و لذا لايجوز استرقاقه و لايصحّ نكاحه لكافرة و لامسلمة».(2)
فأمّا قوله رحمهالله: «و في رواية يرثه الكافر، و هي شاذّة»، فمراده منها رواية ابراهيم بن عبدالحميد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: نصرانيّ أسلم ثمّ رجع الى النصرانيّة ثمّ مات، قال: ميراثه لولده النصارى. و مسلم تنصّر ثمّ مات، قال: ميراثه لولده المسلمين».(3)
قال في المسالك: «و مقتضاها كون الارتداد عن ملّة. و بمضمونها أفتى
الصدوق في المقنع، و رواه ابن الجنيد في كتابه عن ابن فضّال و ابن يحيى عن أبي عبداللّه عليهالسلام، و قال: «لنا في ذلك نظر». و الأشهر هو اختصاص ارثه بالمسلمين».(1)
أقول:
الرواية المذكورة قد رواها الصدوق عن ابن أبي عمير عن ابراهيم بن عبدالحميد(2)و قد رواها الشيخ في التهذيب عن ابن أبي عمير عن ابراهيم بن عبدالحميد عن رجل.(3)والرواية بناءً على ما في الفقيه موثّقة و بناءً على ما في التهذيب مرسلة.
و قال الشيخ في ذيلها: «الوجه في هذا الخبر أنّ ميراث النصراني انّما يكون لولده النصارى اذا لميكن له ولد مسلمون، و ميراث المسلم يكون لولده المسلمين اذا كانوا حاصلين».
و في الجواهر: «لميعرف القائل بهذه الرواية سوى الصدوق في المقنع و الشيخ في كتابي الحديث. و ظاهرها أنّ الميراث للولد النصارى و ان كان له ورثة مسلمون، و هو خلاف الاجماع و النصّ، فلا ريب حينئذٍ في أنّ وارثه الامام عليهالسلام. انتهى ملخّصا».(4)
و في ارشاد الأذهان للعلاّمة: «و ان كان مرتدّا ورثه الامام عليهالسلام، و لو كان وارث المسلم كافرا فالميراث للامام عليهالسلام».(5)
و في مجمع الفائدة: «و لو لميكن للمرتدّ وارث مسلم فميراثه للامام عليهالسلام كسائر
من لا وارث له. لعلّ دليلهم الاجماع أو عموم ما يمنع الكافر عن الارث و يخصّصونه في ارثه عن الكافر الأصلي، فتأمّل».(1)
و في القواعد: «ولو كان الميّت مرتدّا فان كان له وارث مسلم ورثه و الاّ كان ميراثه للامام و لا شيء لأولاده الكفّار سواء كانت ردّته عن فطرة أو لا عنها و سواء ولد له حال كفره الأصلي أو بعد اسلامه و ارتداده».(2)
و قال السيّد محمّد جواد العاملي في شرحه على القواعد: «و قد حكم المصنّف بأنّ المرتدّ مطلقا اذا كان له وارث مسلم ورثه و ان كان ضامن جريرة، كان معه غيره أم لا، و الاّ كان ميراثه للامام عليهالسلام و لا شيء لأولاده و سائر قرابته سواء ولد له في حال كفره الأصلي أو بعد اسلامه أو بعد ارتداده و سواء كان ما تركه اكتسبه حال الردّة أو الاسلام وفاقا للمبسوط و النهاية و تلخيص الخلاف و الوسيلة و السرائر و الشرائع و النافع و الكشف و التحرير و الارشاد و التبصرة و الدروس و المهذّب الجديد و المقتصر و غاية المرام و المجمع و الكفاية و التنقيح و تعليق النافع و المفاتيح و هو ظاهر المسالك و المنقول عن المهذّب القديم و لميتعرّض له في النكت و اللمعة و الروضة و الايضاح و كنز الفوائد. و ذهب الشيخ في التهذيب و الاستبصار و الصدوق في المقنع على ما نقل عنه الى أنّ ميراث المرتدّ لا عن فطرة لورثته الكفّار - الى أنقال: - لنا على المختار عموم ما رواه الحسن بن صالح كما سلف من أنّ المسلم يحجب الكافر، خرج منه ارث الكافر من الكافر الأصلي و بقي الباقي. انتهى ملخّصا».(3)
و لو كان للمسلم ورّاث كفّار لميرثوه و ورثه الامام عليهالسلام مع عدم الوارث المسلم. يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل مسلم مات و له أمّ نصرانيّة و له زوجة و ولد مسلمون، فقال: ان أسلمت أمّه قبل أنيقسّم ميراثه أعطيت السدس، قلت: فان لميكن له امرأة و لا ولد و لا وارث له سهم في الكتاب مسلمين(1)، و له قرابة نصارى ممّن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين، لمن يكون ميراثه؟ قال: ان أسلمت أمّه فانّ(2)ميراثه لها، و ان لمتسلم أمّه و أسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب فانّ ميراثه له، فان لميسلم أحد من قرابته فانّ ميراثه للامام».(3)
و في الجواهر: «بلا خلاف و لا اشكال بعد ما عرفت من عدم ارث الكافر المسلم، فلا وارث له حينئذ، فيرثه الامام الذي هو وارث من لا وارث له».(4)
و في القواعد: «و لو كان الميّت مسلما و له ورثة كفّار لميرثوه و ورثه الامام عليهالسلام مع عدم الوارث المسلم و ان بعد كالضامن».(5)
و في المفتاح: «الحجّة عليه بعد الاجماع المعلوم و المنقول صحيحة أبي بصير الصريحة بذلك المرويّة بعدّة طرق و هي صحيحة في الفقيه و التهذيب
و معلّقة في الكافي بحسب الظاهر، و هذه الرواية و ان خصّت القرابة بالذكر دون المولى و ضامن الجريرة حيث قال عليهالسلام فيها: و ان لميسلم من قرابته أحد فانّ ميراثه للامام عليهالسلام، فقد وردت مورد الغالب من انتفاء المولى و الضامن».(1)
و هذه في زمان حضور الامام عليهالسلام و أمّا مع غيبته فيدفع الى نائبه العامّ أي الفقيه الجامع للشرائط.
و اذا أسلم الكافر على ميراث قبل قسمته شارك أهله ان كان مساويا في الدرجة، و انفرد به ان كان أولى. ولو أسلم بعد القسمة أو كان الوارث واحدا، لميكن له نصيب. أمّا لو لميكن له وارث سوى الامام عليهالسلام فأسلم الوارث، فهو أولى من الامام؛ لرواية أبي بصير. و قيل: ان كان قبل نقل التركة الى بيت مال الامام ورث، و ان كان بعده لميرث. و قيل: لايرث؛ لأنّ الامام كالوارث الواحد.
هنا فروع:
اذا أسلم الكافر على ميراث قبل قسمته شارك أهله ان كان مساويا في الدرجة، و انفرد به ان كان أولى. و لو أسلم بعد القسمة فلا ميراث له. يدلّ على ذلك - مضافا الى صحيحة أبي بصير المتقدّمة - صحيحة عبداللّه بن مسكان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من أسلم على ميراث قبل أنيقسّم فله ميراثه، و ان أسلم و قد قسّم
1) - مفتاح الكرامة 8: 24.
فلا ميراث له».(1)
و موثّقة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«من أسلم على ميراث من قبل أنيقسّم فهو له. و من أسلم بعد ما قسّم فلا ميراث له. و من أعتق على ميراث قبل أنيقسّم الميراث فهو له. و من أعتق بعد ما قسّم فلا ميراث له. و قال في المرأة اذا أسلمت قبل أنيقسّم الميراث: فلها الميراث».(2)
و موثّقة ثانية له عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يسلم على الميراث، قال:
«ان كان قسّم فلا حقّ له، و ان كان لميقسّم فله الميراث. قال: قلت: العبد يعتق على ميراث، قال: هو بمنزلته».(3)
و رواية أبي العبّاس البقباق [الفضل بن عبدالملك] قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: من أسلم على ميراث قبل أنيقسّم فهو له».(4)
و في الجواهر: «اجماعا بقسميه و نصوصا، كقوله عليهالسلام: «من أسلم على ميراث قبل أنيقسّم فهو له» و في آخر «فله ميراثه». و لا ريب في أنّ المراد من النصّ و لو بقرينة الاجماع المشاركة مع المساواة و الانفراد مع الأولويّة. و ظاهر النصّ و الفتوى كون ذلك له بحق الارث، وليس ذلك الاّ لكون اسلامه كاشفا عن استحقاقه له بالموت، فيتبعه النماء المتجدّد مطلقا، كما عن الفاضل والشهيدين و غيرهم التصريح به. و ما ظهر عن الايضاح من التوقّف، فيه اشكال. و لو أسلم الكافر بعد القسمة لميرث اجماعا؛ لعموم الأدلّة و خصوص النصوص. انتهى ملخّصا».(5)
1) - وسائل الشيعة 26: 21 / الباب 3 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 26: 21 / الباب 3 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 21 / الباب 3 من أبواب موانع الارث / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 26: 22 / الباب 3 من أبواب موانع الارث / الحديث 5.
5) - جواهر الكلام 39: 18 و 19.
و لو أسلم الكافر حين القسمة لايكون شريكا. و ذلك لأنّه لايصدق عليه الاسلام قبل القسمة، فلاتشمله الروايات المتقدّمة فيبقى تحت عمومات عدم ارث الكافر حين موت المسلم عن المسلم. و لو أسلم الكافر و قد قسّم بعض التركة فيشارك الورثة المسلمين في البعض الآخر.
لو كان الميّت كافرا و كان له وارث واحد انفرد به، كالابن الواحد فالمال له، فلو أسلم أخوه بعد موته - مثلاً - لايرثه، و ذلك؛ لأنّ التركة بمجرّد الموت تنتقل الى ابنه بعد فرض عدم وارث مسلم نسبي أو سببي للميّت الكافر، و لايحجب الامام عن ارث الكافر. و أمّا لو كان للميّت الكافر ورّاث سببي، أو نسبي، فان أسلم أحدهم قبل أنيقسّم فالمال له. و ان أسلم بعد القسمة فلايكون له سهم بسبب اسلامه و الدليل عليه اطلاق الروايات المتقدّمة كصحيحتي أبي بصير و ابن مسكان. و صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«انّ عليّا عليهالسلام كان يقضي في المواريث فيما أدرك الاسلام من مال مشرك تركه، لميكن قسّم قبل الاسلام أنّه كان يجعل للنساء و الرجال حظوظهم منه على كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله».(1)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى علي عليهالسلام في المواريث ما أدرك الاسلام من مال مشرك لميقسّم، فانّ للنساء حظوظهنّ منه».(2)
و رواية يونس قال:
«انّ أهل الكتاب و المجوس يرثون، و يورّثون ميراث الاسلام. الحديث».(1)
فما يظهر من هذه الروايات بالدقّة و التأمّل، أنّ الكافر يرث الكافر اذا لميكن له وارث مسلم، كما فهمه الكليني و صاحب الوسائل، و استدلّ بها صاحب المفتاح هكذا: «انّ الكافر الأصلي غير المرتدّ اذا خلّف ورثة كفّارا و لا مسلم معهم ورثوه من غير خلاف - الى أنقال: - و الامام لايمنع ولد الكافر الأصلي و غير الولد من رحمه من الارث، اذا لميكونوا حربيّين، يدلّ عليه بعد الاجماع و ظواهر الكتاب المجيد الأخبار كحسنة محمّد بن قيس و رواية يونس و غيرهما. و قد عقد لارث الكافر من الكافر في الوسائل بابا و لو منع لانتفى التوارث بين الكفّار رأسا، فما أطلق من منع الوارث الكافر من الارث اذا كان له وارث مسلم و ان بعد، مخصوص بغير الامام عليهالسلام. انتهى ملخّصا».(2)
و في مجمع الفائدة: «فان لميخلّف الكافر مسلما، ورثه الكفّار لعلّه لعموم أدلّة الارث مع عدم ثبوت المعارض و المخصّص. فلو ترافعوا في ذلك الينا نحكم لهم بالارث الاسلامي. - و في موضع آخر قال: - اذا أسلم من يرث الكافر في الجملة، فان كان الكافر الوارث الذي يرثه واحدا لميرث شيئا، و ان كان متعدّدا، فان كان بعد القسمة فكذلك، و ان كان قبلها يرث ما ترك كلّه و يخصّ به وان كان بعيدا».(3)
لو لميكن وارث مسلم سوى الامام عليهالسلام فأسلم واحد منهم فالمال له و لايرثه الامام عليهالسلام؛ لصحيحة أبي بصير المتقدّمة، فانّ في ذيلها:
«ان أسلمت أمّه فانّ ميراثه لها و ان لمتسلم أمّه و أسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب فانّ ميراثه له، فان لميسلم أحد من قرابته فانّ ميراثه للامام».(1)
و صحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلما فلميكن للمقتول أولياء من المسلمين الاّ أولياء من أهل الذمّة من قرابته فقال: على الامام أنيعرض على قرابته من أهل بيته الاسلام فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع القاتل اليه فان شاء قتل و ان شاء عفا و ان شاء أخذ الدية، فان لميسلم أحد كان الامام وليّ أمره فان شاء قتل و ان شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين؛ لأنّ جناية المقتول كانت على الامام فكذلك تكون ديته لامام المسلمين. قلت: فان عفا عنه الامام؟ قال: فقال: انّما هو حقّ جميع المسلمين و انّما على الامام أنيقتل أو يأخذ الدية و ليس له أنيعفو».(2)
و في الجواهر: «قال الشيخ في المبسوط و ابنحمزة و غيرهما: «ان كان اسلام الوارث قبل نقل التركة الى بيت مال الامام، ورث و ان كان بعده لميرث». و لمنعرف لهم مستندا و لعلّهم عثروا على أثر لميصل الينا أو جعلوا هذا النقل
تصرّفا مانعا كالقسمة، لكن فيه منع واضح. و قال الشيخ أيضا في ظاهر محكي النهاية و ابنالبرّاج في محكي المهذّب: «لايرث؛ لأنّ الامام عليهالسلام كالوارث الواحد». بل قيل: انّه خيرة الآبي و النافع و الجامع و التبصرة و المعالم حيث أطلقوا الاختصاص به و لميفرّقوا بين الامام و غيره، لكن فيه ما عرفت من أنّه اجتهاد في مقابلة النصّ».(1)
و في المسالك: «و القول بالتفصيل ظاهر الشيخ في المبسوط، و وجهه غير واضح. و وجه من قال: «لايرث غيرالامام؛ لأنّه كالوارث الواحد» ظاهر؛ لأنّ الوارث الواحد لا قسمة في حقّه، و الأجود ما اختاره المصنّف رحمهالله عملاً باطلاق الرواية المعتبرة الاسناد. انتهى ملخّصا».(2)
لو أسلم بعض الورثة بعد موت المورّث و ادّعى الورثة أنّه أسلم بعد القسمة و أنكر المسلم القسمة أو قال بأنّه أسلم قبل القسمة: فتارة يكون الاسلام و القسمة مجهولي التأريخ و أخرى يكون أحدهما معلوم التأريخ و الآخر مجهول التأريخ، فعلى الثاني ان كان الاسلام معلوم التأريخ فالأصل عدم تقدّم القسمة على الاسلام و هو مطابق لقول الوارث الذي أسلم بعد الموت فيصير منكرا و على الورثة أنيقيموا البيّنة في اثبات القسمة قبل الاسلام، و ان علم تأريخ القسمة فالأصل عدم تقدّم الاسلام عليهما الذي هو مطابق لقول الورثة فالوارث الذي أسلم يكون مدّعيّا و عليه لاثبات اسلامه قبل القسمة اقامة البيّنة.
و الحكم في هاتين الصورتين مبني على ما حقّقناه في مواضع مختلفة من حجّيّة أصالة تأخّر الحادث المجهول التأريخ على الذي علم تأريخه و قلنا بأنّ أصالة عدم تقدّمه يثبت تأخّره و يكون حجّة و هو خارج عن الأصل المثبت الذي قلنا بعدم حجّيّته.
و أمّا لو كانا مجهولي التأريخ فالأصلان متعارضان فلايجرى واحد منهما و علينا الرجوع الى سائر الأدلّة و العمومات و الظاهر أنّ المرجع هنا عمومات عدم ارث الكافر فانّها ناطقة بأنّ المسلم اذا مات فلايرث وارثه الكافر الاّ اذا أسلم قبل القسمة فلا بدّ من احراز الاسلام قبل القسمة للخروج عن العمومات فان ادّعى الذي أسلم أنّ اسلامه كان قبل القسمة فان صدّقه سائر الورثة فلا كلام و الاّ فيصير مدّعيّا و عليه اقامة البيّنة لاثبات تقدّم الاسلام على القسمة و الاّ فيحلف الورثة و يثبت تقدّم القسمة على الاسلام و لايرث.
و لو كان الوارث زوجا أو زوجة و آخر كافرا فان أسلم أخذ ما فضل عن نصيب الزوجيّة. و فيه اشكال ينشأ من عدم امكان القسمة. و لو قيل: يشارك مع الزوجة دون الزوج كان وجها؛ لأنّ مع فريضة الزوجة يمكن القسمة مع الامام و الزوج يردّ عليه ما فضل، فلايتقدّر في فريضته قسمة، فيكون كبنت مسلمة و ابن و أب كافر، أو أخت مسلمة و أخ كافر.
في المسألة فروع:
اذا توفّيت المرأة و تركت زوجها و لميكن لها وارث مسلم سواه فالمال كلّه لزوجها، و الدليل على ذلك روايات متواترة:
منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام في امرأة توفّيت و لميعلم لها أحد و لها زوج قال:
«الميراث لزوجها».(1)
و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«قلت له: امرأة ماتت و تركت زوجها. قال: المال له».(2)
و منها صحيحته الأخرى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: امرأة ماتت و تركت زوجها. قال: المال له. قال: معناه لا وارث لها غيره».(3)
و منها صحيحته الثالثة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن المرأة تموت و لاتترك وارثا غير زوجها، فقال: الميراث له كلّه».(4)
و منها صحاح أربع أخر له أيضا بالمضمون المتقدّم في الصحاح الثلاث، فانّهما عليهماالسلام قالا فيها: «الزوج يحوز المال اذا لميكن غيره» أو «المال له كلّه» أو «الميراث له كلّه» أو «فله المال».(5)
و لايبعد أنتكون هذه الصحاح السبع كلّها واحدة؛ لأنّها تنتهي الى أبي بصير.
و منها مرسلة اسماعيل بن عبدالرحمن الجعفي عن أبي جعفر عليهالسلام في امرأة ماتت و تركت زوجها قال:
«المال للزوج. يعني اذا لميكن وارث غيره».(6)
1) - وسائل الشيعة 26: 197 / الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 198 / الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 26: 199 / الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 26: 199 / الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 26: 197 و 198 / الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج / الأحاديث 2 و 3 و 4 و 5.
6) - وسائل الشيعة 26: 200 / الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 13.
و منها روايتا مثنّى بن الوليد الحنّاط و سويد (ابن أيّوب) عن أبي عبداللّه عليهالسلام: «المال كلّه له»(1)، و «له المال كلّه».(2)
و لنا في هذه الروايات غنىً و كفاية في القول بأنّه اذا ماتت امرأة و تركت زوجها يكون المال كلّه للزوج. و عليه لو كان لها وارث كافر و أسلم بعد موتها لميشارك مع الزوج؛ لأنّ المال كلّه ينتقل الى الزوج بموت الزوجة.
اذا مات الزوج و ترك زوجة، فهنا طائفتان من الروايات:
الأولى: دالّة على أنّ المال كلّه للزوجة، كصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: رجل مات و ترك امرأته قال: المال لها».(3)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة ماتت و تركت زوجها قال:
«المال كلّه له. قلت: فالرجل يموت و يترك امرأته. قال: المال لها».(4)
الطائفة الثانية: روايات دلّت على أنّ للمرأة الربع و الباقي للامام عليهالسلام:
منها موثّقة أبي بصير قال:
«قرأ عليّ أبو جعفر عليهالسلام في الفرائض: امرأة توفّيت و تركت زوجها، قال: المال للزوج. و رجل توفّي و ترك امرأته. قال: للمرأة الربع و ما
بقي فللامام».(1)
و منها موثّقة أخرى له عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل توفّي و ترك امرأته قال:
«للمرأة الربع و ما بقي فللامام».(2)
و منها رواية محمّد بن مروان عن أبي جعفر عليهالسلام في زوج مات و ترك امرأته قال:
«لها الربع و يدفع الباقي الى الامام».(3)
و منها رواية أبي بصير قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن امرأة ماتت و تركت زوجها، لا وارث لها غيره. قال: اذا لميكن غيره فله المال، و المرأة لها الربع و ما بقي فللامام».(4)
و الظاهر أنّ هاتين الطائفتين متعارضتان، و الأولى أصحّ سندا، الاّ أنّ المشهور ذهبوا الى الثانية.
قال في مفتاح الكرامة: «[القول] الثالث: عدم الردّ عليها مطلقا و هو مذهب المفيد في كتاب الأعلام و الشيخ في الايجاز و علي بن الحسين في رسالته لابنه و محمّد بن علي في المقنع و القاضي و التقي و الكيدري على ما نقل عنهم و السيّد و الشيخ في الانتصار و المبسوط و النهاية و ابن حمزة و ابن زهرة و ابن ادريس و المحقّق و تلميذه في كشف الرموز و المصنّف في المختلف و ولده في الايضاح و الشهيدان في الدروس و غاية المراد و المسالك و الروضة و صاحب المجمع و التنقيح، و صاحب المهذّب و المقتصر».(5)
1) - وسائل الشيعة 26: 202 / الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 26: 202 / الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 26: 203 / الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 26: 203 / الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 8.
5) - مفتاح الكرامة 8: 181.
أقول:
الأصل في الزوج و الزوجة عدم الردّ الاّ أنّ النصّ ورد في الردّ على الزوج، و المشهور يوافقه. و أمّا الزوجة و ان ورد النصّ على الردّ عليها الاّ أنّه مبتلىً
بالمعارض، و المشهور يخالف الردّ و هو الأقوى و عليه لو كان له وارث كافر و أسلم بعد موته فيشارك معها كما تقدّم نظير ذلك.
و في اللمعة: «و لايردّ على الزوج و الزوجة الاّ مع عدم كلّ وارث عدا الامام و الأقرب ارثه مع الزوجة ان كان حاضرا».
و في شرحه: «و لو فقد من عدا الامام من الوارث ففي الردّ عليهما مطلقا أو عدمه مطلقا أو عليه مطلقا دونها مطلقا أو عليهما الاّ حال حضور الامام عليهالسلام فلايردّ عليها خاصّة، أقوال، مستندها ظواهر الأخبار المختلفة ظاهرا و الجمع بينها. و المصنّف اختار هنا القول الأخير، و في شرحه على الارشاد اختار القول الثالث. أمّا الردّ على الزوج مطلقا فهو المشهور، بل ادّعى جماعة عليه الاجماع، و به أخبار كثيرة. و أمّا التفصيل في الزوجة فللجمع بين رواية أبي بصير و رواية محمّد بن مروان، و فيهما: «للمرأة الربع و ما بقي فللامام أو يدفع الباقي الى الامام» و بين صحيحة أبي بصير و فيها: «المال لها» بحمل هذه على حالة الغيبة، و ذينك على حالة الحضور حذرا من التناقض. و أشهرها هو القول الثالث؛ لروايتي أبي بصير و محمّد بن مروان، فانّ ترك الاستفصال دليل العموم، و للأصل الدالّ على عدم الزيادة على المفروض. و خبر الردّ عليها مطلقا و ان كان صحيحا الاّ أنّ في العمل به مطلقا اطّراحا لتلك الأخبار، و القائل به نادر جدّا، و تخصيصه بحالة الغيبة بعيد جدّا. انتهى ملخّصا».(1)
و في المختلف: «مسألة: لو لميخلّف كلّ من الزوجين سوى صاحبه، قال
1) - الروضة البهيّة 8: 86 - 81.
الشيخ في النهاية: «يردّ على الزوج النصف الباقي؛ بالصحيح من الأخبار عن أئمّة آل محمّد عليهمالسلام، و أمّا الزوجة فلها الربع بنصّ القرآن و الباقي للامام». و قال الصدوق في المقنع: «فللزوج النصف و الباقي ردّ عليه، و للمرأة الربع و ما بقي فلامام المسلمين». و كذا قال أبوه في رسالته اليه. و في الفقيه: «هذا في حال ظهور الامام عليهالسلام، فأمّا في حال غيبته فمتى مات الرجل و ترك امرأة لا وارث له غيرها فالمال لها». و تصديق ذلك صحيحة أبي بصير. و هذا القول يوافق ما قرّبه الشيخ في النهاية من الصواب. و قال السيّد المرتضى: «ممّا انفردت به الاماميّة أنّ الزوج يرث المال كلّه و خالف باقي الفقهاء في ذلك و ذهبوا الى أنّ النصف الآخر لبيت المال. و أمّا الزوجة فقد وردت رواية شاذّة بأنّها ترث المال كلّه اذا انفردت كالزوج ولكن لايعوّل على هذه الرواية و لاتعمل الطائفة بها». و قال أبو الصلاح:«فلها الربع و الباقي للامام». و قال سلاّر:«و في أصحابنا من قال: انّه اذا ماتت امرأة و لمتخلّف غير زوجها فالمال كلّه له بالتسمية و الردّ، فأمّا الزوجة فلا ردّ لها بل مايفضل من سهمها لبيت المال». و قال ابن البرّاج: «فللزوجة الربع و الباقي للامام عليهالسلام». و قال ابن ادريس: «و الى ما اخترناه ذهب السيّد المرتضى»، و هذا هو الأقوى عندي. لنا في الردّ على الزوج الاجماع؛ فانّ جلّة أصحابنا نقلوه و نقلهم حجّة. و الروايات، منها صحيحة محمّد بن قيس و صحيحتى أبي بصير و روايته. و أمّا عدم الردّ على الزوجة مطلقا فللأصل؛ لأنّه تعالى جعل لها الربع مع عدم الولد، و لاتأخذ ما زاد؛ لعدم دليل يقتضيه، و لرواية أبي بصير، و فيها: «و المرأة لها الربع و ما بقي فللامام»، و صحيحة علي بن مهزيار. و لاينافيها صحيحة أبي بصير، و فيها: «المال لها»؛ لاحتمال أنيكون لحال الغيبة كما احتمله الصدوق رحمهالله أو نحملها على أنّها اذا كانت قرابة له، فانّها تأخذ الربع بالتسمية و
الباقي بالقرابة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
أشار في المختلف الى صحيحة علي بن مهزيار تأييدا لقوله بأنّ «المرأة لها الربع و ما بقي فللامام عليهالسلام». و لنذكرها بتمامها عن الكليني بسند صحيح عن علي بن مهزيار قال:
«كتب محمّد بن حمزة العلوي الى أبي جعفر الثاني عليهالسلام: مولىً لك، أوصى بمائة درهم اليّ و كنت أسمعه يقول: كلّ شيء هو لي فهو لمولاي، فمات و تركها و لميأمر فيها بشيء، و له امرأتان، أحدهما ببغداد، و لاأعرف لها موضعا الساعة، و الأخرى بقم. ما الذي تأمرني في هذه المائة درهم؟ فكتب اليه: أنظر أنتدفع من هذه المائة درهم الى زوجتي الرجل، و حقّهما من ذلك الثمن ان كان له ولد، و ان لميكن له ولد فالربع و تصدّق بالباقي على من تعرف أنّ له اليه حاجة ان شاء اللّه».(2)
و في مفتاح الكرامة: «قد استدلّ الشيخ و العلاّمة بهذه الصحيحة، و اعترضهما الشهيد رحمهالله بأنّها كتابة، فلاتنهض للاستدلال و بأنّ الظاهر أنّ هذه المائة
له عليهالسلام بسبب الأقوال الصادرة عن الميّت، فلعلّه علم بالحال. و أمره باعطاء الزوجتين، لايدلّ على أنّه ارث. فاعترضه الشهيد الثاني و صاحب المجمع و الكفاية بأنّ الكتابة لاتقصر عن القول و بأنّ الظاهر من الحديث أنّ الثمن و الربع على سبيل الاستحقاق بقرينة قوله عليهالسلام «و حقّهما الى آخره»، و لو كانت له عليهالسلام، ما كان ذلك حقّا للزوجتين و لا ثمنا و لا ربعا، فظاهر الرواية مع الشيخ والمصنّف و
انّما الاستدلال بالظاهر كما هو الشأن في الاستدلال. قلت: يريد الشهيد أنّ المكاتبة ليست كالمشافهة، و الظاهر هو ما استظهر، و الاّ فكيف يأمره أنيتصدّق بما زاد عن الثمن الذي هو سهم الولد، أيرث عليهالسلام دون الولد حتّى يأمره أنيتصدّق بما زاد و يمنع الولد بالكلّيّة، بل ما أمره بالتصدّق الاّ لعلمه بالحال كما قال الشهيد، و أنّ المال له و الاّ لزم مخالفة الضرورة. و أمّا أمره عليهالسلام باعطاء الزوجتين الثمن أو الربع؛ فلأنّهما تدّعيان عليه ذلك؛ لأنّه حقّهما بحسب الظاهر و لميمكنه عليهالسلامدفعهما أو يمكنه لكنّه سمح لهما بذلك كما سمح بالجميع لذوي الحاجة، فلاتنهض للاستدلال، الاّ أنيقال انّه عليهالسلام علم أنّه ليس له ولد و الاّ لذكر في السؤال و يكون عليهالسلام تفضّل ببيان حكم الزوجتين مع الولد، فتأمّل. انتهى».(1)
اذا مات الكافر و له ولد كافر و زوجة أسلمت بعد موته، فان أسلمت بعد قسمة المال، فلا كلام في أنّها ترث ثمن المال و الباقي يردّ الى الولد. و كذا لو كان للميّت الكافر أولاد كفّار فأسلمت الزوجة بعد قسمة أمواله، فلاترث الزوجة أكثر من الثمن أيضا. و أمّا لو أسلمت الزوجة قبل قسمة أمواله، فهل تشارك معهم، أو يكون لها الربع أو الثمن و الباقي للامام عليهالسلام، فيه أقوال، الظاهر أنّ لها الربع و الباقي للامام، و ذلك؛ لأنّ المسلمة تمنع عن ارث الكفّار فيشمله الروايات المتقدّمة من أنّه اذا مات الزوج و لميكن له الاّ زوجة فللزوجة الربع و الباقي للامام عليهالسلام.
و في الجواهر: «و ظاهر المتن بل كاد يكون صريحه أنّه لو مات كافر و له ولد كافر مثلاً و زوجة مسلمة بأنأسلمت بعد موته قبل القسمة أو أنّه مات في عدّتها
1) - مفتاح الكرامة 8: 181 و 182.
منه بعد اسلامها يكون ارثه لها و للامام، وفاقا للمحكي عن الشيخ و القاضي و نجيب الدين و ظاهر المعظم. و خلافا للعلاّمة في القواعد و الارشاد، فورّث الولد الكافر الفاضل عن فرض الزوجة، و جعل لها الثمن مع احتمال الربع في الأوّل. و يضعّفه عموم حجب الكافر بالمسلم و اطلاق الأصحاب عدم ارث الكافر مع وجود مسلم غير الامام، و تنزيلهم الكفّار منزلة الموتى في الارث و أنّه لو ورث فامّا أنترث معه الزوجة الربع، و هو خلاف فرضها مع الولد الوارث، أو الثمن فيلزم حجب المسلم بالكافر، و هو باطل بالنصّ و الاجماع من الأمّة عدا ابن مسعود كما عن الخلاف، و متى بطل حجب الولد سقط ارثه؛ لأنّ الوارث حاجب بالاجماع. فالمتّجه حينئذٍ في الفرض اعطاؤها الربع و دفع الفاضل للامام، كما هو ظاهر الأكثر؛ لبطلان الردّ عليها».(1)
مسائل أربع: «الأولى»: اذا كان أحد أبوي الطفل مسلما حكم باسلامه. و كذا لو أسلم أحد الأبوين و هو طفل. و لو بلغ فامتنع عن الاسلام قهر عليه، و لو أصرّ كان مرتدّا.
قال في المسالك: «للتبعيّة في الاسلام ثلاث جهات: احداها اسلام الأبوين أو أحدهما. و ذلك يفرض من وجهين: أحدهما أنيكون الأبوان أو أحدهما مسلما يوم العلوق، فيحكم باسلام الولد؛ لأنّه جزء من مسلم. و الثاني أنيكونا كافرين يوم العلوق ثمّ يسلمان أو أحدهما، فيحكم باسلام الولد في الحال أيضا. و الحكم في ذلك موضع وفاق. و في الحاق اسلام أحد الأجداد و الجدّات بالأبوين وجهان، أظهرهما ذلك، سواء كان الواسطة بينهما حيّا أم ميّتا. فاذا حكم بتبعيّته فبلغ و أعرب عن نفسه الكفر، فهو مرتدّ. و الثانية من جهات التبعيّة تبعيّة الدار، و
1) - جواهر الكلام 39: 22.
قدتقدّمت في اللقطة. و الثالثة تبعيّة السابي المسلم، و قد تقدّم البحث فيها في الجهاد و غيره. و حيث يحكم باسلامه و لو تبعا يلحقه أحكام المسلم من التوارث».(1)
اذا كان الأبوان أو أحدهما مسلما يوم العلوق، فيحكم باسلام الولد:
أمّا الأوّل، فيدلّ عليه موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الاسلام و جحد محمّدا صلىاللهعليهوآله نبوّته و كذّبه، فانّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه و امرأته بائنة منه يوم ارتدّ و يقسّم ماله على ورثته و تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها، و على الامام أنيقتله و لايستتيبه».(2)
و أمّا الثاني، فيدلّ عليه رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الصبيّ يختار الشرك و هو بين أبويه قال:
«لايترك، و ذاك اذا كان أحد أبويه نصرانيّا».(3)
و مرسلة أبان بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الصبيّ اذا شبّ فاختار النصرانيّة و أحد أبويه نصرانيّ أو مسلمين قال:
«لايترك، ولكن يضرب على الاسلام».(4)
و قد رواها الصدوق(5)مسندا.
و في النهاية للشيخ: «و ان كان أحد أبوي الأولاد الصغار مسلما و خلّف اخوة و أخوات من قبل أب أو من قبل أمّ، كان الميراث للأولاد الصغار. فاذا بلغوا
أجبروا على الاسلام و قهروا عليه، فان أبوا كانوا بحكم المرتدّين و جرى عليهم ما يجري عليهم سواء».(1)
قال في الجواهر: «اذا كان أحد أبوي الطفل مسلما فضلاً عمّا لو كانا معا حال ولادته أو انعقاده حكم باسلامه تبعا، بلا خلاف أجده. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّه اذا أسلم أبوا الطفل أو أحدهما، فيحكم باسلامه تبعا؛ و ذلك لرواية حفص بن غياث قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل من أهل الحرب اذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك، فقال: اسلامه اسلام لنفسه و لولده الصغار و هم أحرار، و ولده و متاعه و رقيقه له. فأمّا الولد الكبار فهم فيء للمسلمين الاّ أنيكونوا أسلموا قبل ذلك. الحديث».(3)
فالطفل المحكوم باسلامه تبعا، حكمه حكم المسلم الكبير في أنّه يرث الكافر حينئذٍ و يحجبه و لايرثه الكافر. و لو بلغ فامتنع عن الاسلام، قهر عليه و لو أصرّ على الكفر، كان مرتدّا فطريّا ان كان أبواه أو أحدهما مسلما حين انعقاد نطفته، أو ملّيّا ان أسلم أبواه أو أحدهما بعد أنكانا كافرين. و على كلّ حال فهو مرتدّ لسبق الحكم باسلامه و يكون ارثه لورثته المسلمين و الاّ فللامام. و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه الى هنا.
قال في الجواهر: «لو أسلم أحد الأبوين و هو طفل فانّه يحكم باسلامه حينئذٍ و ان ارتدّ المتبوع، بل في المسالك: الحكم بذلك موضع وفاق. نعم قال فيها: «في الحاق اسلام أحد الأجداد أو الجدّات بالأبوين وجهان، أظهرهما ذلك، سواء كان
الواسطة بينهما حيّا أو ميّتا». و لعلّه كذلك. أمّا المتولّد بين المرتدّين فهل هو مرتدّ أو كافر أصليّ أو مسلم؟ وجوه ثلاثة، أوسطها أوسطها - الى أنقال: - و لا فرق في ذلك و غيره بين المميّز و غيره و المراهق و غيره؛ لعموم أدلّة التبعيّة من الاجماع و غيره، فولد الكافر كافر نجس تجري عليه أحكام الكفّار و ان وصف الاسلام و استدلّ عليه بالأدلّة القاطعة و عمل بأحكامه، و ولد المسلم طاهر تجري عليه أحكام المسلمين و ان أظهر البراءة من الاسلام و استدلّ على الكفر و شيّد أركانه. و دعوى بعض الأجلاّء أنّ ذلك منافٍ لقاعدة الحسن و القبح كما ترى. نعم، عن الشيخ قول بصحّة اسلام المراهق بل عنه يحكم باسلامه اذا بلغ عشرا بل قيل: انّه قد قطع كالعلاّمة في التحرير بأنّه اذا وصف الاسلام حيل بينه و بين متبوعه. لكن ذلك كلّه منافٍ لما هو كالضروري من الدين من كون الصبيّ قبل البلوغ مرفوع القلم عنه، لا عبرة بقوله في اسلام و كفر و عقد و ايقاع و ليس اسلامه و كفره الاّ تبعيّا كما لايخفى على من له أدنى خبرة بكلام الأصحاب في جميع المقامات».(1)
أمّا قوله رحمهالله: «و ان ارتدّ المتبوع»، ففيه: ان كان الحكم باسلام الطفل للتبعيّة فانّه دائر مدارها. فان ارتدّ المتبوع زال الحكم باسلامه. و الظاهر أنّه لا محلّ للاستصحاب بعد وجود الدليل. و موضع الوفاق في المسالك هو اسلام الطفل بتبع اسلام أبويه أو أحدهما، فتأمّل.
و أمّا قوله رحمهالله: «و لا فرق في ذلك و غيره بين المميّز و غيره و المراهق و غيره...».
ففيه أوّلاً: انّ الروايات لا اطلاق و لا عموم لها من هذه الجهة، فانّها بصدد بيان تبعيّة الولد لأبويه في الاسلام و الكفر.
و ثانيا: انّ الاجماع الكاشف عن رأي الامام مفقود؛ لاحتمال استناد المجمعين
1) - جواهر الكلام 39: 25 الى 27.
في ذلك الى الروايات المذكورة، مضافا الى أنّه دليل لبّيّ لا اطلاق فيه.
و ثالثا: قد تقدّم في صلاة الاستئجار أنّ عبادات الصبيّ المميّز شرعيّة و يجوز استئجاره للصلاة و الصيام عن الميّت(1)، و كذا تقدّم في ابتداء فصل شرائط امام الجماعة(2)، و قد تقدّم أيضا في كتاب الصوم في المسألة الثانية من فصل شرائط صحّة الصوم(3)و في كتاب الحجّ في المسألة الأولى من فصل النيابة(4)و المسألة الأولى في استحباب حجّ الصبيّ المميّز(5)، أنّه يصحّ الصوم و سائر العبادات من الصبيّ المميّز على الأقوى من شرعيّة عباداته و ان لميجب عليه و ذلك أوّلاً لحكم العقل بأنّ الصبيّ المميّز اذا فعل ما فيه الأجرة، يستحقّها و لايكون مثل البهائم و ليس فعله عاطلاً، فكما يحكم العقل بأنّ الصبيّ في أفعاله الحسنة يستحقّ الأجر و التشويق على المكلّفين و في أفعاله السيّئة يستحقّ التأديب، يحكم أيضا بأنّ اللّه تعالى بعدله و كرمه لايضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى و يؤتيه الأجر و الثواب. و ثانيا لعموم ما ورد في الروايات من الأجر و الثواب على من فعل العمل الكذائي نحو من صام يوم كذا فله كذا أو من صلّى ركعتين فله كذا و كذا، و لا مخصّص لهذه الروايات بغير الصبيّ المميّز، و لايكون حديث رفع القلم عن الصبيّ حاكما على مثل هذه الروايات، نعم له الحكومة على أدلّة التكاليف بمعنى أنّه يفهم منه اجمالاً عدم تنجّزها عليه. و أمّا أنّه غير مراد بها رأسا فيشكل استفادته منه؛ اذ المراد برفع القلم عنه رفع الالزام و التكليف، بمعنى أنّ ما يصدر عنه من مخالفة الأحكام الشرعيّة من ترك الواجبات و فعل المحرّمات لايكتب عليه؛ لأنّه غير مكلّف بهما أصلاً، الاّ أنّه يستحقّ التأديب عقلاً، و لو فعل الواجبات و ترك
المحرّمات يستحقّ الأجر عقلاً كما مرّ.
قال في المستمسك: «الأقوى قبول اسلام الصبيّ المميّز اذا كان عن بصيرة، كما عن الشيخ في الخلاف في خصوص المراهق منه، و لعلّ مراده ما في المتن. و الوجه فيه: عموم ما دلّ على معنى الاسلام و ما يتحقّق به، و لزوم ترتيب أحكامه عليه المنطبق على اسلام الصبيّ انطباقه على اسلام البالغ. و هذا هو الوجه أيضا في شرعيّة عبادات الصبيّ؛ اذ المقام من صغريات تلك المسألة فيجري فيه ما يجري فيها من النقض و الابرام. و قد أشرنا في مواضع متعدّدة من هذا الشرح الى أنّ مقتضى اطلاق أدلّة التشريع هو شرعيّة عباداته و جريان عامّة الأحكام عليها. و حديث رفع القلم ظاهر في رفع قلم السيّئات عنه، الحاصل برفع الالزام لا غير، فلايقتضي لغويّة اسلامه، كما لايقتضي لغويّة سائر عباداته. و أمّا ما دلّ على أنّ عمد الصبيّ خطأ، فالظاهر عدم العموم فيه بنحو يشمل المقام. فراجع ما كتبناه في نهج الفقاهة في مبحث اعتبار البلوغ في العاقد».(1)
و قال في تنقيح العروة: «ثمّ انّ ولد الكافر ينبغي أنيخرج عن محلّ الكلام فيما اذا كان عاقلاً رشيدا معتقدا بغير مذهب الاسلام كالتهوّد و التنصّر و نحوهما و ان كان غير بالغ شرعا؛ لأنّ نجاسته مسلّمة و ممّا لا اشكال فيه و ذلك لأنّه حينئذٍ يهوديّ أو نصرانيّ حقيقة و عدم تكليفه و كونه غير معاقب بشيء من أفعاله لاينافي تهوّده أو تنصّره، كيف و قد يكون غير البالغ مشيّدا لأركان الكفر و الضلال و مروّجا لهما بتبليغه - كما ربّما يشاهد في بعض الأطفال غير البالغين - فضلاً عن أنيكون هو بنفسه كافرا، و عليه فيتمحّض محلّ الكلام فيما اذا كان ولد الكافر رضيعا أو بعد الفطام و قبل كونه مميّزا بحيث كان تكلّمه تبعا لوالديه متلقّيا كلّ ما ألقي اليه على نهج تكلّم الطيور المعلّمة».(2)
«الثانية»: لو خلّف نصرانيّ أولادا صغارا و ابن أخ و ابن أخت مسلمين، كان لابن الأخ ثلثا التركة و لابن الأخت ثلثه، و ينفق الاثنان على الأولاد بنسبة حقّهما. فان بلغ الأولاد مسلمين، فهم أحقّ بالتركة على رواية مالك بن أعين. و ان اختاروا الكفر استقرّ ملك الوارثين على ما ورثاه و منع الأولاد. و فيه اشكال ينشأ من اجراء الطفل مجرى أبويه في الكفر، و سبق القسمة على الاسلام يمنع الاستحقاق.
قال في المسالك: «قد تقرّر فيما سلف أنّ الولد يتبع أبويه في الكفر، كما يتبعهما في الاسلام؛ لاشتراكهما في الجزئيّة، و أنّ من أسلم من الأقارب الكفّار بعد اقتسام الورثة المسلمين لايرث و من أسلم قبله يشارك أو يختصّ، و من لوازم عدم المشاركة اختصاص الوارث المسلم بنصيبه من الارث، و لايجب عليه بذله و لا شيء منه للقريب الكافر، صغيرا كان أو كبيرا. لكن ذهب أكثر الأصحاب - خصوصا المتقدّمين منهم، كالشيخين و الصدوق و الأتباع - الى استثناء صورة واحدة من هذه القواعد و هي ما اذا خلّف الكافر أولادا صغارا غير تابعين في الاسلام لأحد، و ابن أخ و ابن أخت مسلمين، فأوجبوا على الوارثين المذكورين - مع حكمهم بارثهما - أنينفقا على الأولاد بنسبة استحقاقهما من التركة الى أنيبلغ الأولاد فان أسلموا دفعت اليهم التركة، و الاّ استقرّ ملك المسلمين عليها».(1)
أقول:
مستندهم في ذلك ما رواه الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن عبدالملك بن أعين و مالك بن أعين جميعا عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
1) - مسالك الأفهام 13: 29 و 30.
«سألته عن نصرانيّ مات و له ابن أخ مسلم و ابن أخت مسلم و له أولاد و زوجة نصارى فقال: أرى أنيعطى ابن أخيه المسلم ثلثي ما تركه و يعطى ابن أخته المسلم ثلث ما ترك ان لميكن له ولد صغار فان كان له ولد صغار فانّ على الوارثين أنينفقا على الصغار ممّا ورثا عن أبيهم حتّى يدركوا. قيل له: كيف ينفقان على الصغار؟ فقال: يخرج وارث الثلثين ثلثي النفقة و يخرج وارث الثلث ثلث النفقة فاذا أدركوا قطعوا النفقة عنهم. قيل له: فان أسلم أولاده وهم صغار؟ فقال: يدفع ما ترك أبوهم الى الامام حتّى يدركوا، فان أتمّوا(1)على الاسلام اذا أدركوا دفع الامام ميراثه اليهم و ان لميتمّوا(2)على الاسلام اذا أدركوا دفع الامام ميراثه الى ابن أخيه و ابن أخته المسلمين، يدفع الى ابن أخيه ثلثي ما ترك و يدفع الى ابن أخته ثلث ما ترك».(3)
و رواها الكليني في الكافي باسناده عن مالك بن أعين(4)، و الشيخ في التهذيب(5)كذلك.
فالرواية دالّة أوّلاً على ارث ابن أخيه المسلم و ابن أخته المسلم ان لميكن للميّت الكافر ولد صغار. و هذا لايخالف ما سبق من الروايات.
و ثانيا على أنّه لو كان له ولد صغار ينفقان على الصغار على حسب ما ورثا حتّى يدركوا، فاذا أدركوا قطعا النفقة عنهم.
و ثالثا على أنّه ان أسلموا و هم صغار يدفع ما ترك أبوهم الى الامام... و الجمع
بين هذا و بين ماسبق، أنّهم أسلموا قبل القسمة، و أنّ اسلامهم في حال تمييزهم صحيح الاّ أنّ ارثهم معلّق ببقائهم على الاسلام الى حين بلوغهم، و لا بأس بالعمل به. ولايخالف الأحكام السابقة ظاهرا، الاّ أنّ الظاهر أنّ فتوى الشيخ و الصدوق و أتباعهما لايطابق الرواية كاملاً، فلنذكر فتاواهم عن المختلف فانّه قال: «مسألة: قال الشيخ في النهاية: «اذا خلّف الكافر أولادا صغارا و اخوة و أخوات من قبل الأب و اخوة و أخوات من قبل الأمّ مسلمين، كان للاخوة و الأخوات من قبل الأمّ الثلث و للاخوة والأخوات من قبل الأب الثلثان، و ينفق الاخوة من قبل الأمّ على الأولاد بحساب حقّهم ثلث النفقة و ينفق الاخوة و الأخوات من قبل الأب بحساب حقّهم ثلثي النفقة. فاذا بلغ الأولاد و أسلموا، سلّم الاخوة اليهم ما بقي من الميراث و ان اختاروا الكفر تصرّفوا في باقي التركة و لميعطوا الأولاد منها شيئا». و تبعه ابن برّاج، و رواه الصدوق رحمهالله و هو قول شيخنا المفيد في المقنعة أيضا. و ابن زهرة عمّم الحكم فقال: «اذا كان للكافر أولاد صغار و قرابة مسلم أنفق عليهم من التركة حتّى يبلغوا، فان أسلموا فالميراث لهم و ان لميسلموا كان لقرابته المسلم». و به قال أبو الصلاح. و قال ابن ادريس: «الذي يقتضيه أصل مذهبنا أنّ الميراث يكون بين الاخوة من الأب و الاخوة من الأمّ، للذين من قبل الأب الثلثان و للذين من قبل الأمّ الثلث. يتصرّفون فيه تصرّف المالكين في أملاكهم؛ لأنّه لا وارث مسلم لهذا الميّت الكافر سواهم؛ لأنّهم استحقّوا الميراث دون من عداهم من سائر الناس؛ لأنّه لا وارث له مسلم سواهم. و لو لميكن كذلك ما جاز لهم قسمة الميراث بينهم ثلثين و ثلثا و لا سوّغ لهم الشارع ذلك. فعلى هذا التحرير و التقدير اذا بلغ الأولاد و اختاروا الاسلام لايجب على الاخوة ردّ شيء من الميراث اليهم بحال و لايجب لهم النفقة أيضا قبل البلوغ و لايلزم الاخوة ذلك بحال على الأصل الذي أصّلناه؛ لأنّ الأولاد حكمهم حكم آبائهم فيما يجري عليهم من الأحكام
الشرعيّات؛ لأنّهم لايدفنون في مقابر المسلمين لو ماتوا قبل البلوغ»».(1)
و أمّا سند الرواية ففيه مالك بن أعين الذي قال عنه جامع الرواة عن الكشّي:
«انّ مالك بن أعين ليس من هذا الأمر في شيء. و نقل عن العلاّمة في الخلاصة أنّه كان مخالفا».(2)و لميوثّق في كتب الرجال.
و عن السيّد الخوئي: «انّ مالك بن أعين هو أخو زرارة بن أعين، و لمنتيقّن بوجود رواية له في الكتب الأربعة و هو من المخالفين و ليس بمستقيم و لميرد فيه توثيق أبدا، فالرواية ضعيفة - الى أنقال: - و لمنعرف وجه تصحيح العلاّمة و خصوصا الشهيد المتضلّع بالرجال لها».(3)
و قال الشهيد في المسالك: «و الحقّ أنّها ليست من الصحيح و ان وصفها به جماعة من المحقّقين، كالعلاّمة في المختلف و الشهيد في الدروس و الشرح و غيرهما؛ لأنّ مالك بن أعين لمينصّ الأصحاب عليه بتوثيق بل و لابمدح، بل المذمّة موجودة في حقّه، كما في القسم الثاني من الخلاصة، فصحّتها اضافيّة بالنسبة الى من عداه، فسهل الخطب في أمرها، و اتّجه القول باطّراحها أو حملها على الاستحباب».(4)
«الثالثة»: المسلمون يتوارثون و ان اختلفوا في المذاهب، و الكفّار يتوارثون و ان اختلفوا في النحل.
قال في المسالك: «الحكم في الأمرين هو المشهور بين الأصحاب و عليه العمل. و الوجه فيه عموم الأدلّة الدالّة على التوارث بين أهله الاّ ما أخرجه الدليل
و لميثبت أنّ اختلاف مذاهب المسلمين - الذي لايخرجون به عن سمة الاسلام - و نحل الكفر - مع اشتراكهم فيه - من الموانع. و وجّه أيضا بأنّ المسلمين على اختلاف مذاهبهم يجمعهم أمر واحد و هو الاسلام الموجب للموالاة و المناصرة، و الكفّار مع تفرّقهم يجمعهم أمر واحد و هو الشرك باللّه تعالى و هم كالنفس الواحدة في معاداة المسلمين و التمالؤ عليهم فجعل اختلافهم كاختلاف مذاهب المسلمين في الاسلام. و قد قال تعالى: «لكم دينكم و لي دين»، «فماذا بعد الحقّ الاّ الضلال»، فأشعر بأنّ الكفر كلّه ملّة واحدة».(1)
أقول:
المسلمون يتوارثون و ان اختلفوا في المذاهب الاّ من خرج، كالغلاة و الخوارج و النواصب الذين حكم بكفرهم باجماع الطائفة.
و الدليل على توارث المسلمين و ان اختلفوا، عموم الكتاب و هو قوله تعالى في سورة النساء: «للرجال نصيب ممّا ترك الوالدان و الأقربون و للنساء نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا»(2)و قوله تعالى: «يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين فان كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك...»(3)الى غير ذلك من الآيات(4).
و من السنّة عموم ما دلّ على التوريث بالنسب و السبب، كصحيحة زرارة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: «و لكلّ جعلنا موالي ممّا ترك الوالدان و الأقربون»، قال: انّما عنى بذلك أولي الأرحام في المواريث و لميعنِ أولياء النعمة فأولاهم بالميّت أقربهم اليه من الرحم التي
تجرّه اليها».(1)
و خصوص الروايات الواردة في الكافي بأنّ الاسلام ما عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس، كصحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: الايمان ما استقرّ في القلب، و أفضى به الى اللّه عزّوجلّ و صدّقه العمل بالطاعة للّه و التسليم لأمره، و الاسلام ما ظهر من قول أو فعل و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح - الى أنقال: - فخرجوا بذلك من الكفر و أضيفوا الى الايمان.الحديث».(2)
و صحيحة فضيل بن يسار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: انّ الايمان يشارك الاسلام و لايشاركه الاسلام. انّ الايمان ما وقر في القلوب و الاسلام ما عليه المناكح والمواريث و حقن الدماء، و الايمان يشرك الاسلام و الاسلام لايشرك الايمان».(3)
و موثّقة سماعة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: أخبرني عن الاسلام و الايمان، أ هما مختلفان؟ فقال: انّ الايمان يشارك الاسلام والاسلام لايشارك الايمان، فقلت: فصفهما لي. فقال: الاسلام شهادة أن لا اله الاّ اللّه و التصديق برسولاللّه صلىاللهعليهوآله. به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و
المواريث و على ظاهره جماعة الناس. و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الاسلام و ما ظهر من العمل به. الحديث».(1)
و قال في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: «و المسلمون يتوارث بعضهم من بعض و ان اختلفوا في الآراء و الديانات؛ لأنّ الذي به تثبت الموارثة اظهار الشهادتين و الاقرار بأركان الشريعة من الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ دون فعل الايمان الذي يستحقّ به الثواب». و تبعه ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن ادريس. و قال شيخنا المفيد: «و يرث المؤمنون أهل البدع من المعتزلة و المرجئة و الخوارج و الحشويّة و لايرث هذه الفرق أحدا من أهل الايمان، كما يرث المسلمون الكفّار و لاترث الكفّار أهل الاسلام». و يوجد في بعض نسخ المقنعة: «و يتوارث المسلمون و ان اختلفوا في الأهواء، و لايمنع تباينهم في الآراء من توارثهم و ان كان بالاسلام - و ظاهر حكمه يجب التوارث و تحلّ المناكحة - دون الايمان الذي يستحقّ به الثواب و بتركه العقاب». و هذه النسخة موافقة لما قاله الشيخ في النهاية. و أبو الصلاح قرن المجبّرة و المشبّهة و الجاحد لامامة الأئمّة المعصومين عليهمالسلام مع اليهوديّة و النصرانيّة. و المعتمد ما قاله الشيخ؛ لأنّ سبب التوارث الاسلام. انتهى ملخّصا».(2)
و لعلّ وجه قول أبي الصلاح اطلاق الكفر على المخالفين في بعض الأخبار، كما أوردها صاحب الوسائل في الباب العاشر من أبواب حدّ المرتدّ(3)، و فيه سبعة و خمسون حديثا أكثرها ضعاف. و قد حملها صاحب الجواهر على الكفر الايماني دون الاسلامي و قال: «مع جواز تخصيص المخالفين بمقتضى الأدلّة، و
من ثمّ حكم بارثه بعض من قال بكفره كالحلّي».(1)
و أمّا الكفّار فانّهم أيضا يتوارثون و ان اختلفوا في الملل و النحل. و الدليل على ذلك اطلاق صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«انّ عليّا عليهالسلام كان يقضي في المواريث فيما أدرك الاسلام من مال مشرك تركه لميكن قسم قبل الاسلام، أنّه كان يجعل للنساء و الرجال حظوظهم منه على كتاب اللّه عزّوجلّ و سنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله».(2)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى علي عليهالسلام في المواريث: ما أدرك الاسلام من مال مشرك لميقسّم، فانّ للنساء حظوظهنّ منه».(3)
و رواية يونس قال:
«انّ أهل الكتاب و المجوس يرثون و يورّثون ميراث الاسلام. الحديث».(4)
و موثّقة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليهالسلام في يهوديّ أو نصرانيّ يموت و له أولاد غير مسلمين، فقال: «هم على مواريثهم».(5)
و لايعارضها ما ورد من أنّه «لايتوارث أهل ملّتين»؛ لأنّه فسّر بأنّا نرثهم و لايرثونا، كما في صحيحة هشام(6)و حسنة عبدالرحمن بن أعين(7)عن الصادق عليهالسلام. و كذا في رواية أبي العبّاس قال:
1) - جواهر الكلام 39: 32.
2) - وسائل الشيعة 26: 23 / الباب 4 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 26: 23 / الباب 4 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 26: 23 / الباب 4 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 26: 25 / الباب 5 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 26: 15 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 14.
7) - وسائل الشيعة 26: 13 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 6.
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: لايتوارث أهل ملّتين، يرث هذا هذا و يرث هذا هذا، الاّ أنّ المسلم يرث الكافر و الكافر لايرث المسلم».(1)
و في رواية عبدالرحمن بن أعين قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن قوله صلىاللهعليهوآله: لايتوارث أهل ملّتين. قال: فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: نرثهم و لايرثونا. انّ الاسلام لميزده في ميراثه الاّ شدّة».(2)
و هذه الروايات مطلقة بالنسبة الى الكافر الذمّي و الحربي، خلافا للديلمي (المتوفّى 463 ه .ق) في المراسم، فانّه قال: «فأمّا الكفّار فانّه يرث بعضهم بعضا اذا لميكونوا حربيّين. و يرث المسلم الكافر على كلّ حال».(3)
و لشارح الايجاز فانّه قال: «فالحربيّ لايرث الذمّي بل يكون ميراثه للامام اذا لميكن للميّت منهم نسب ذمّي و لا مسلم».(4)
و لا دليل على ما خصّصاه. و هما - كما في الجواهر - شاذّان، و سيأتي.
و قال أبو الصلاح الحلبي (347 - 447 ه .ق) في الكافي: «و يرث الكفّار بعضهم بعضا و ان اختلفت جهات كفرهم ماعدا كفّار ملّتنا، فانّهم يرثون غيرهم من الكفّار و لايرثونهم».(5)
و في الجواهر: «و ارتضاه السيوري على ما حكي عنه، ان أراد بهم من أظهر الشهادتين؛ لأنّ لهم بذلك خصوصيّة على غيرهم، و كأنّ المراد به المرتدّ عن فطرة فيرتفع الخلاف. نعم شرط توارث الكفّار فقد الوارث المسلم غير الامام،
فان وجد حجب الكافر و ان تأخّر اسلامه الى القسمة، - كما عرفته سابقا - و أنيكون كفر المورّث أصليّا، فلو كان عن ردّة لميرثه الكافر مطلقا بل ورثه الامام عليهالسلام مع فقد غيره كالمسلم، بلا خلاف أجده في الفطري بل هو موضع وفاق بل لعلّه كذلك أيضا في الملّي الاّ ممّن عرفت، كما تقدّم الكلام فيه».(1)
أقول:
أوّلاً: لا خلاف و لا اشكال في أنّه اذا مات كافر أصلي ذمّي أو حربي و لميكن له وارث مسلم سوى الامام يرثه ورثته الكفّار و لايكون الامام حاجبا. و قد تقدّم دليله مضافا الى ما في مجمع الرسائل: «أنّه لو كان الامام عليهالسلام هو الوارث لما كان مورد لارث النصارى و المجوس، الوارد في الروايات و في كيفيّة تقسيم الارث بين المجوس، و أنّ النصارى يرث بعضهم بعضا، على أنّ السيرة القطعيّة من زمان المعصومين عليهمالسلام الى يومنا هذا قائمة على عدم التوريث [أي عدم توريث الامام عليهالسلام]، فلمينقل أنّ ماله يؤخذ و يجعل في بيت المال، على كثرة من كان من أهل الذمّة في بلاد المسلمين في زمانهم عليهمالسلام و بعده».(2)
و أمّا لو كان ورثة الكافر الأصلي كفّارا حربيّا، و كان المراد من الحربي الذين في الحرب مع المسلمين فأحكامه في بحث الجهاد.
و ثانيا: من حكم عليه بالكفر حتّى مع اعترافه باللّه و الرسول و ما أنزل اليه و بالآخرة فمنهم النواصب الذين هم - كما صرّح في الرواية - أنجس من الكلب. ففي موثّقة عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«و ايّاك أنتغتسل من غسالة الحمّام؛ ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم، فانّ اللّه
تبارك و تعالى لميخلق خلقا أنجس من الكلب و انّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه».(1)
و في هذا الباب أربعة أحاديث نظيرها، و هي و ان كانت ضعيفة السند الاّ أنّها صالحة للتأييد.
هذا، مع كونهم منكرين لما علم أنّه من ضروريّ الاسلام، أي محبّة أهل بيت الرسول صلىاللهعليهوآله بل منكرين للقرآن و هو قوله تعالى: «قل لا أسئلكم عليه أجرا الاّ المودّة في القربى»(2)و انكارهم يرجع الى انكار الرسول صلىاللهعليهوآله. فهم محجوبون و ممنوعون عن الارث، فلو مات الناصب فحكمه حكم الكافر.
و منهم الغلاة، و هم المعتقدون بربوبيّة مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام أو أحد المعصومين المطهّرين من الرجس و رازقيّته أو مالكيّته أو مدبّريّته أو خالقيّته بالاستقلال، من غير توجيه. ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أتى قوم أميرالمؤمنين عليهالسلام فقالوا: السلام عليك يا ربّنا! فاستتابهم، فلميتوبوا، فحفر لهم حفيرة و أوقد فيها نارا و حفر حفيرة الى جانبها أخرى و أفضى بينهما، فلمّا لميتوبوا ألقاهم في الحفيرة و أوقد في الحفيرة الأخرى حتّى ماتوا».(3)
و منهم الخوارج، و هم المعتقدون بكفر أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام و المتقرّبون الى اللّه ببغضه و مخالفته و محاربته، فحكمهم حكم النصّاب بل أشدّ منهم، فيشملهم الروايات الواردة في كفرهم و نجاستهم، كما مرّ.
ثمّ انّ الغلاة و الخوارج أيضا محرومون من الارث؛ لأنّهم كالنواصب كلّهم كافرون فيشملهم الروايات الواردة بأنّ الكافر ممنوع عن الارث من المسلم.
«الرابعة»: تقسم تركة المرتدّ عن فطرة حين ارتداده و تبين زوجته و تعتدّ عدّة الوفاة، سواء قتل أو بقي و لايستتاب. و المرأة لاتقتل، و تحبس و تضرب أوقات الصلوات و لاتقسّم تركتها حتّى تموت. و لو كان المرتدّ لا عن فطرة أستتيب، فان تاب و الاّ قتل. و لايقسّم ماله حتّى يقتل أو يموت. و تعتدّ زوجته من حين اختلاف دينهما، فان عاد قبل خروجها من العدّة فهو أحقّ بها و ان خرجت العدّة و لميعد فلا سبيل له عليها.
في المسألة فروع:
المرتدّ الفطري هو الذي انعقد و والداه أو أحدهما كان مسلما، ثمّ بلغ و أظهر البراءة عن الاسلام. و المرتدّ الملّي هو الذي انعقد و والداه كافرين، فبلغ فأظهر الاسلام ثمّ أظهر البراءة عنه. فقد دلّ على ذلك صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن مسلم تنصّر؟ قال: يقتل و لايستتاب. قلت: فنصرانيّ أسلم ثمّ ارتدّ؟ قال: يستتاب، فان رجع و الاّ قتل».(1)
و صحيحة الحسين بن سعيد قال:
«قرأت بخطّ رجل الى أبي الحسن الرضا عليهالسلام: رجل ولد على الاسلام ثمّ كفر و أشرك و خرج عن الاسلام، هل يستتاب؟ أو يقتل و لايستتاب؟ فكتب عليهالسلام: يقتل».(2)
و بهاتين الروايتين و غيرهما كموثّقة عمّار الساباطي(1)و مرفوعة عثمان بن عيسى(2)تقيّد المطلقات، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام (في حديث) قال:
«و من جحد نبيّا مرسلاً نبوّته و كذّبه فدمه مباح».(3)
و صحيحة ابن محبوب عن غير واحد من أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام:
«في المرتدّ يستتاب فان تاب و الاّ قتل. الحديث».(4)
و في المسالك: «المشهور بين الأصحاب أنّ الارتداد على قسمين: فطريّ و ملّي. فالأوّل ارتداد من ولد على الاسلام، بأن انعقد حال اسلام أحد أبويه. و هذا لايقبل اسلامه لو رجع اليه - الى أنقال: - القسم الثاني من أسلم عن كفر ثمّ ارتدّ، فهذا يستتاب».(5)
و في مجمع الرسائل: «ثمّ انّه يثبت الاسلام من الأوّل لكلّ من ولد من أبوين مسلمين أو من أبوين أحدهما مسلم. أمّا الأوّل، فيدلّ عليه - مضافا الى الاجماع و الضرورة القائمين على كونه مسلما - معتبرة عمّار الساباطي قال: «سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الاسلام و جحد محمّدا صلىاللهعليهوآله نبوّته و كذّبه فانّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه. الحديث»».(6)
1) - وسائل الشيعة 28: 324 / الباب 1 من أبواب حدّالمرتدّ / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 28: 333 / الباب 5 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 28: 323 / الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 28: 327 / الباب 3 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 2.
5) - مسالك الأفهام 15: 23 و 26.
6) - مجمع الرسائل 45 و 46.
أقول:
أمّا الثاني فيدلّ عليه مضافا الى عدم الخلاف، رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الصبيّ يختار الشرك و هو بين أبويه قال:
«لايترك و ذاك اذا كان أحد أبويه نصرانيّا».(1)
و مرسلة أبان بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الصبي اذا شبّ فاختار النصرانيّة و أحد أبويه نصرانيّ (أو مسلمين) قال:
«لايترك ولكن يضرب على الاسلام».(2)
فاذا انعقدت نطفته حال اسلام أبويه أو أحدهما، فهو مسلم فطريّ، فاذا بلغ أو صار مميّزا على الأقوى و أظهر الكفر، فهو مرتدّ فطريّ سواء أظهر الاسلام قبله أو لميظهر، الاّ أنّ اجراء الحدّ عليه فيما اذا بلغ و استدام البراءة عن الاسلام.
قال المصنّف في كتاب الحدود: «من ولد على الاسلام (ثمّ ارتدّ) لايقبل اسلامه لو رجع و يتحتّم قتله و تبين منه زوجته و تعتدّ منه عدّة الوفاة و تقسّم أمواله بين ورثته و ان التحق بدار الحرب أو اعتصم بما يحول بين الامام و بين قتله. انتهى ملخّصا».(3)
يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن المرتدّ؟ فقال: من رغب عن الاسلام و كفر
بما أنزل على محمّد صلىاللهعليهوآله بعد اسلامه، فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و يقسّم ما ترك على ولده».(1)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن مسلم تنصّر؟ قال: يقتل و لايستتاب. الحديث».(2)
و صحيحة الحسين بن سعيد قال:
«قرأت بخطّ رجل الى أبي الحسن الرضا عليهالسلام: رجل ولد على الاسلام ثمّ كفر و أشرك و خرج عن الاسلام، هل يستتاب؟ أو يقتل و لايستتاب؟ فكتب عليهالسلام: يقتل».(3)
و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام (في حديث) قال:
«و من جحد نبيّا مرسلاً نبوّته و كذّبه فدمه مباح. الحديث».(4)
و موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الاسلام و جحد محمّدا صلىاللهعليهوآله نبوّته و كذّبه فانّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه و امرأته بائنة منه يوم ارتدّ و يقسّم ماله على ورثته و تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها و على الامام أنيقتله و لايستتيبه».(5)
و مرفوعة عثمان بن عيسى قال:
«كتب عامل أميرالمؤمنين عليهالسلام اليه: انّي أصبت قوما من المسلمين زنادقة و قوما من النصارى زنادقة. فكتب اليه: أمّا من كان من
1) - وسائل الشيعة 28: 323 / الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 28: 325 / الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 28: 325 / الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 28: 323 / الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 28: 324 / الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 3.
المسلمين ولد على الفطرة ثمّ تزندق فاضرب عنقه و لاتستتبه و من لميولد منهم على الفطرة فاستتبه، فان تاب و الاّ فاضرب عنقه. و أمّا النصارى فما هم عليه أعظم من الزندقة».(1)
و قال العلاّمة الخوئي في مجمع الرسائل: «لا خلاف بين الأصحاب في وجوب قتله بمجرّد ارتداده و تنزيله منزلة الميّت تعبّدا فتنتقل تركته الى ورثته المسلمين و تبين زوجته و تعتدّ عدّة الوفاة. و لا أثر لتوبته في رفع هذه الأحكام، فلاترجع اليه زوجته و لا أمواله و يقتل و ان تاب. و قد دلّت عليه عدّة روايات - الى أنقال: - و تقبل توبته واقعا بل ظاهرا في غير الأحكام الثلاثة، فيحكم بطهارته و صحّة صلاته و صومه و سائر الأحكام التعبّديّة و جواز تزويجه مسلمة و غيرها، سواء في ذلك زوجته الأولى أو غيرها و ان كان يجب قتله، و لاترجع اليه أمواله و لا زوجته بمجرّد توبته. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
قد وردت طائفة أخرى من الروايات بازاء الروايات المتقدّمة:
منها صحيحة ابن محبوب عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام في المرتدّ:
«يستتاب، فان تاب و الاّ قتل. الحديث».(3)
و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أتى قوم أميرالمؤمنين عليهالسلام، فقالوا: السلام عليك يا ربّنا! فاستتابهم فلميتوبوا، فحفر لهم حفيرة و أوقد فيها نارا و حفر حفيرة الى جانبها أخرى و أفضى بينهما، فلمّا لميتوبوا ألقاهم في الحفيرة و
أوقد في الحفيرة الأخرى حتّى ماتوا».(1)
و صحيحة أخرى لهشام بن سالم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول - و هو يحدّث أصحابه بحديث عبداللّه بن سبا و ما ادّعى من الربوبيّة لأميرالمؤمنين عليهالسلام - فقال: انّه لمّا ادّعى ذلك فيه استتابه أميرالمؤمنين عليهالسلام فأبى أنيتوب فأحرقه بالنار».(2)
و رواية جميل بن درّاج و غيره عن أحدهما عليهماالسلام في رجل رجع عن الاسلام فقال:
«يستتاب، فان تاب و الاّ قتل. الحديث».(3)
و رواية جابر عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أتي أميرالمؤمنين عليهالسلام برجل من بني ثعلبة، قد تنصّر بعد اسلامه. فشهدوا عليه، فقال له أميرالمؤمنين عليهالسلام: ما يقول هؤلاء الشهود؟ فقال: صدقوا و أنا أرجع الى الاسلام. فقال: أما انّك لو كذّبت الشهود لضربت عنقك. و قد قبلت منك فلاتعد، فانّك ان رجعت لمأقبل منك رجوعا بعده».(4)
و رواية الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«انّ رجلاً من المسلمين تنصّر، فأتي به أميرالمؤمنين عليهالسلام فاستتابه، فأبى عليه، فقبض على شعره ثمّ قال: طؤوا يا عباد اللّه، فوطؤوه حتّى مات».(5)
و في الجمع بين هذه الروايات نقول: نحمل الروايات المتقدّمة على المرتدّ
1) - وسائل الشيعة 28: 334 / الباب 6 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 28: 336 / الباب 6 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 28: 328 / الباب 3 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 28: 328 / الباب 3 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 28: 324 / الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 4.
الفطري و هذه الروايات على المرتدّ الملّي. و الشاهد لهذا الجمع صحيحة علي بن جعفر و الحسين بن سعيد و موثّقة عمّار و مرفوعة عثمان بن عيسى المتقدّمة.
قال الشيخ رحمهالله في الخلاف: «المرتدّ على ضربين: أحدهما ولد على فطرة الاسلام من بين المسلمين. فمتى ارتدّ وجب قتله و لاتقبل توبته و الآخر كان كافرا فأسلم ثمّ ارتدّ فهذا يستتاب فان تاب و الاّ وجب قتله. و به قال عطاء و قال الحسن البصري المرتدّ يقتل بغير استتابة. و قال أبو حنيفة و الشافعي و مالك و عامّة الفقهاء: «انّه يستتاب سواء كان مسلما في الأصل فارتدّ أو كافرا فأسلم ثمّ ارتدّ. فان لميتب وجب قتله». دليلنا اجماع الفرقة و أخبارهم و أيضا قوله عليهالسلام: «من بدّل دينه فاقتلوه». و لميشرط الاستتابة. و روي عن عثمان أنّه قال: قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: «لايحلّ دم امرئ مسلم الاّ باحدى ثلاث: كفر بعد ايمان أو زنا بعد احصان أو قتل نفس بغير نفس». ثبت أنّه أباح دمه مطلقا، و لايلزمنا فيمن أجمعنا على استتابته؛ لأنّ ذلك خصّصناه بدليل الاجماع».(1)
و قال في موضع آخر منه: «المرتدّ ان كان عن فطرة الاسلام زال ملكه عن ماله و تصرّفه باطل، دليلنا: اجماع الفرقة على وجوب قتله و قسمة ماله بين الورثة و وجوب عدّة الوفاة على امرأته. انتهى ملخّصا».(2)
و قال ابن حمزة في الوسيلة: «المرتدّ عن الاسلام ضربان: مولود على فطرة الاسلام و غير مولود عليها. فالأوّل لايقبل منه الاسلام و يقتل اذا ظفر به و تبين منه زوجته بنفس الارتداد و تلزمها العدّة ان دخلت و يصير ماله ميراثا لورثته المسلمة. و الثاني تقبل منه التوبة و يجب استتابته».(3)
و في المقنعة: «فمن شرب الخمر ممّن هو على ظاهر الملّة مستحلاًّ لشربها
خرج عن ملّة الاسلام و حلّ دمه بذلك الاّ أنيتوب قبل قيام الحدّ عليه و يراجع الايمان. - و قال في موضع آخر: - و من كان على ظاهر الملّة ثمّ استحلّ بيع الخمور و الأشربة المسكرة و الميتة و الدم و لحم الخنزير و التجارة في ذلك، استتيب منه، فان تاب و راجع الحقّ لميكن عليه سبيل، و ان أقام على استحلال ذلك، كان بحكم المرتدّ عن الدين الذي يجب عليه القتل، كوجوبه على المرتدّين».(1)
و في المهذّب للقاضي ابن البرّاج: «...فان كان مسلما مولودا على فطرة الاسلام ثمّ ارتدّ، فقد بانت منه زوجته في الحال و قسّم ماله بين ورثته و قتل من غير أنيستتاب و كان على زوجته أنتعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها».(2)
و في السرائر: «و المسلم الذي يولد على فطرة الاسلام ثمّ ارتدّ، فقد بانت منه امرأته و وجب عليها عدّة المتوفّى عنها زوجها و قسّم ميراثه بين ورثته و تستحقّ الزوجة سهمها معهم؛ لأنّه بحكم الميّت، فكأنّه قد مات و هي زوجته، ما فارقها الاّ بالموت فكأنّه قد مات عن زوجة، و لايستتاب بل يقتل على كلّ حال، فانّ القتل قد تحتّم عليه، فان لحق بدار الحرب ثمّ مات و له أولاد كفّار و ليس له وارث مسلم، كان ميراثه لامام المسلمين».(3)
و في مفتاح الكرامة: «لا خلاف في عدم قبول توبة المرتدّ عن فطرة، بمعنى أنّه لاتسقط عنه أحكام الردّة بل تجري عليه و ان أعلن بالتوبة و أظهر التندّم و تنصّل الى اللّه جلّ شأنه و ظهرت أمارات الصدق، و لمأجد خلافا سوى ما نقل عن الكاتب أبي علي (ابن الجنيد) من أنّه قبل توبة المرتدّ مطلقا؛ للأخبار العامّة في الاستتابة، و خصوص صحيحة هشام في الكافي، و حملها الأصحاب على الملّي جمعا بين الأخبار، و مستندهم بعد الاجماع النصوص المستفيضة. انتهى
ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «المرتدّ عن فطرة لايقبل اسلامه لوتاب و رجع الى الاسلام، و يتحتّم قتله و تبين منه زوجته و تعتدّ منه عدّة الوفاة و تقسّم أمواله بين ورثته و ان
التحق بدار الحرب أو اعتصم بما يحول بين الامام و قتله، بلا خلاف معتدّ به أجده في شيء من الأحكام المزبورة، بل الاجماع بقسميه عليها».(2)
قال في الروضة: «و في قبولها [توبته] باطنا قول قوي؛ حذرا من تكليف ما لايطاق لو كان مكلّفا بالاسلام أو خروجه عن التكليف مادام حيّا كامل العقل، و هو باطل بالاجماع. و حينئذٍ فلو لميطّلع أحد عليه أو لميقدر على قتله أو تأخّر قتله بوجه و تاب قبلت توبته فيما بينه و بين اللّه تعالى و صحّت عباداته و معاملاته و طهر بدنه و لايعود ماله و زوجته اليه بذلك؛ عملاً بالاستصحاب، ولكن يصحّ له تجديد العقد عليها بعد العدّة، و في جوازه فيها وجه، كما يجوز للزوج العقد على المعتدّة عنه بائنا. و بالجملة فيقتصر في الأحكام بعد توبته على الأمور الثلاثة في حقّه و حقّ غيره. و هذا أمر آخر وراء القبول باطنا».(3)
و عن العلاّمة الخوئي: «و هل انّ المرتدّ الفطري تقبل توبته واقعا فيما بينه و بين اللّه سبحانه و تعالى، فترتّب عليه سائر الأحكام غير القتل و عدم رجوع زوجته و أمواله له، أم لا؟ و على تقدير قبولها فهل تقبل ظاهرا أيضا أم لا؟ فيه خلاف. المشهور عدم قبول توبته و أنّه مخلّد في النار كبقيّة الكفّار. و ذهب جمع
من المحقّقين الى قبول توبته واقعا و ظاهرا، و فصّل ثالث بين قبولها واقعا و عدم قبولها ظاهرا. و الصحيح القول الثاني».(1)
أقول:
لو تاب المرتدّ الفطري تقبل توبته ظاهرا و باطنا الاّ من الثلاثة المذكورة و هي القتل و بينونة زوجته و تقسيم أمواله. و الدليل على ذلك عمومات الكتاب و تقييدها بالروايات المتقدّمة:
فمنها قوله تعالى: «انّ الذين آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفرا لميكن اللّه ليغفر لهم و لا ليهديهم سبيلاً»(2)، بتقريب أنّ اللّه تعالى صدّق ايمانهم بعد ارتدادهم، و قيّدت الآية بالثلاثة المذكورة في الروايات المتقدّمة و هي القتل و بينونة زوجته و تقسيم أمواله.
و منها قوله تعالى: «و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون»(3)، بتقريب أنّ حبط أعمالهم منوط باستمرار كفرهم و ارتدادهم الى أنيموتوا، فلو رجعوا و تابوا و عملوا الصالحات فلايكون هناك حبط. و لعموم قوله تعالى: «و من تاب و عمل صالحا فانّه يتوب الى اللّه متابا»(4).
و منها قوله تعالى: «انّ الذين كفروا بعد ايمانهم ثمّ ازدادوا كفرا لنتقبل توبتهم و أولئك هم الضالّون»(5)، بتقريب أنّهم لو آمنوا بعد ارتدادهم تقبل توبتهم، الاّ أنّهم كفروا و ماتوا
على كفرهم؛ لقوله تعالى: «انّ الذين كفروا و ماتوا و هم كفّار فلنيقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به، أولئك لهم عذاب أليم و ما لهم من ناصرين»(1)و كذا قوله تعالى: «كيف يهدي اللّه قوما كفروا بعد ايمانهم و شهدوا أنّ الرسول حقّ و جاءهم البيّنات و اللّه لايهدي القوم الظالمين* أولئك جزاؤهم أنّ عليهم لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين* خالدين فيها لايخفّف عنهم العذاب و لا هم ينظرون* الاّ الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فانّ اللّه غفور رحيم»(2)، و كذا قوله تعالى: «انّ الذين كفروا و صدّوا عن سبيل اللّه ثمّ ماتوا و هم كفّار فلن يغفر اللّه لهم»(3)
و يدلّ عليه من السنّة ما روى زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«من كان مؤمنا فحجّ و عمل في ايمانه ثمّ أصابته في ايمانه فتنة فكفر ثمّ تاب و آمن. قال: يحسب له كلّ عمل صالح عمله في ايمانه و لايبطل شيء منه».(4)
و هذا عامّ يشمل الملّي و الفطري معا.
و قال صاحب الوسائل في ذيل هذه الرواية: «و يدلّ على ذلك ظاهر آيات التوبة و أحاديثها و غيرها. و اللّه العالم».
و يدلّ على قبول توبته ظاهرا أيضا ما دلّ على أنّ من أقرّ بالشهادتين - التوحيد و الرسالة - جرت عليه أحكام المسلمين(5)، فله ما لهم و عليه ما عليهم، فانّه شامل للمقام.
و في الجواهر: «حكينا القول بالقبول عن جماعة؛ لاقتضاء عدم القبول تكليف
1) - آل عمران 3: 91.
2) - آل عمران 3: 86 - 89.
3) - محمّد 47: 34.
4) - وسائل الشيعة 1: 125 / الباب 30 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.
5) - أصول الكافي 2: 49 - 51 / باب أنّ الايمان يشرك الاسلام و الاسلام لايشرك الايمان من كتاب الايمان و الكفر / الأحاديث 1 و 3 و 5. كما تقدّمت الاشارة الى هذه الروايات في المسألة الثالثة.
ما لايطاق أو سقوط التكليف عن البالغ العاقل، و هما معا ممتنعان، فيجب تنزيل عموم نفي التوبة في النصّ و الفتوى على الأحكام المزبورة دون غيرها من عباداته و نحوها، مؤيّدا ذلك كلّه بما وقع من غير واحد في بحث القضاء من الصلاة أنّ المرتدّ يقضي زمان ردّته و ان كان عن فطرة، بل أدّعي عليه الاجماع، و بظهور التقييد في قوله تعالى: «و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر»، في أنّ من لميمت كذلك لميكن له الجزاء المزبور بعد اطلاق المرتدّ بقسميه، و بقوّة عمومات التوبة المؤيّدة بالعقل و بغير ذلك. - ثمّ انّه رحمهالله قد ناقش فيما ذكر من الدلائل بأنّه أوّلاً: - لا مانع عقلاً من عدم قبول توبته مطلقا و مع ذلك يعاقب عقاب المكلّفين؛ لأنّه وقع في هذه المهلكة بسوء اختياره. و ثانيا: لو قلنا بمنعه عقلاً أمكن أنيخذلهم اللّه عن التوفيق للتوبة. و ثالثا: لو سلّم القبح في مثل الفرض أمكن التزام سقوط التكليف باعتبار تنزيله منزلة الميّت. و رابعا: لو سلّم امتناع ذلك أمكن رفع العقاب الأخروي بها دون اجراء أحكام الكفّار ظاهرا، و ان عذر بها، كالكافر المستضعف. و خامسا: لا داعي الى تنزيل عموم نفي التوبة في النصّ و الفتوى و معقد الاجماع على خصوص الأحكام المزبورة. و سادسا: و الاجماع على قضاء زمان الردّة و لو عن فطرة انّما هو في بيان أنّ الكفر الارتدادي لايسقط القضاء لو تعقّبه الاسلام بخلاف الكفر الأصلي، و يكفي في المثال للفطري المرأة التي تقبل توبتها و لو كانت عن فطرة. انتهى ملخّصا».(1)
و فيما ذكره من المناقشة اشكال:
ففي الأوّل: مخالفته لما وعده اللّه تعالى من رحمته فانّ من تاب من عمله السيّئ و ان لميقدر على الخروج ممّا وقع فيه، يغفره اللّه تعالى على ما في نصوص الكتاب و السنّة النبويّة، فانّ نبيّنا نبيّ الرحمة و هو قوله تعالى: «و ما أرسلناك الاّ
1) - جواهر الكلام 41: 605 - 607.
رحمة للعالمين»(1).
و في الثاني: فهو قبيح من اللّه تعالى لما حكم به العقل كما سلّم في المناقشة الثالثة.
و في الثالث: مضافا الى أنّه لا دليل على هذا التنزيل انّه و لو مات بارتداده قلبه و روحانيّته، لكن أين هذا من سقوط التكليف اذا تاب، فبتوبته تعود حياته المعنويّة.
و في الرابع و الخامس: انّ الجمع بين عمومات الكتاب و السنّة في قبول التوبة الظاهرة في رجوعه الى الاسلام و رجوع أحكامه اليه، و بين صحيحة محمّد بن مسلم و سائر الصحاح و موثّقة عمّار و اتّفاق الفقهاء، هو عدم قبولها بالنسبة الى قتله و بينونة زوجته و تقسيم أمواله.
و في السادس: اذا قلنا بقبول توبته في غير ما ذكر فالقاعدة تقتضي قضاء زمان الردّة.
و عليه يكون كأحد من المسلمين بعد توبته ان لميقتل لمانع، فيطهر بدنه و يملك ما يكسبه بعد ذلك و يجوز له التزوّج بنساء المسلمين، بل لايبعد جواز زواجه بزوجته بعد انقضاء العدّة، بل و قبله.
و أمّا وجوب قتله مع كونه مسلما فهو كمسلم قتل مسلما عمدا فيقتل قصاصا أو كمسلم زنى بمحصنة فيقتل.
و أمّا قتله فعلى الامام أو نائبه الخاص أو العامّ؛ لأنّ اجراء الحدود بيده. و ما في موثّقة عمّار الساباطي من قوله عليهالسلام: «فانّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه»، فالجمع بين ابتدائها و انتهائها من قوله عليهالسلام: «فعلى الامام أنيقتله و لايستتيبه»، هو أنّه يجوز للحاكم أنيفتي بقتله لمن سمع ذلك عنه.
1) - أنبياء 21: 107.
و أمّا ما يكسبه حال ردّته و قبل توبته، ففي مجمع الرسائل: «انّ الاطلاقات و العمومات الدالّة على صحّة التكسّب و التملّك شاملة للمقام، فهو كسائر المسلمين - بل و الكفّار - مسلّط على نفسه، فلو حاز شيئا أو استولى على شيء من المباحات الأصليّة أو آجر نفسه، كيف لايكون مالكا مع شمول العمومات و الاطلاقات له، و ليس على القول بأنّه لايملك بعد كفره دليل. فالصحيح عدم الفرق بين ما يملكه قبل أو بعد توبته، سواء قبلت توبته أم لا».(1)
و هو كما قاله المحقّق المذكور.
ثمّ انّه لو ارتدّ و لميظهر حاله فتاب بعد مدّة لايجب عليه اعلام ارتداده عند الحاكم؛ لأنّ وجوب قتل المرتدّ على الحاكم فيما لو علم بارتداده قبل توبته. و أمّا وجوب الاعلام على المرتدّ فلا دليل عليه، كما في ارتكاب ما يوجب الحدّ، فلايجب على الزاني أو السارق أو غيرهما بعد توبته اعلام الحاكم بما ارتكبه ليجري عليه الحدّ بل لو أعلمه بذلك أو شهد عنده شاهدان بارتداده على فرض مشاهدتهما أو استماعهما ردّته و قد تاب قبل، لايجب عليه قتله.
و أمّا زوجته فهي تبين منه حين ردّته، و لو لمتعلم بذلك و تاب يجب عليه أنيعقد عليها ثانيا.
و ما كان من ماله حين ردّته لورثته يجب عليه تقسيمه عليهم أو طلب الحلّيّة منهم بنحو من الأنحاء.
لو ارتدّت المرأة عن فطرة فضلاً عمّا اذا كان ارتدادها عن ملّة لاتقتل بل
1) - مجمع الرسائل: 51.
تستتاب و تضرب على الصلوات في أوقاتها و تلبس خشن الثياب و يضيّق عليها و تستخدم و تحبس حتّى تموت.
و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة عبّاد بن صهيب عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المرتدّ يستتاب فان تاب و الاّ قتل. و المرأة تستتاب فان تابت و الاّ حبست في السجن و أضرّ بها».(1)
و صحيحة ابن محبوب عن غير واحد من أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام في المرتدّ:
«يستتاب، فان تاب و الاّ قتل. و المرأة اذا ارتدّت عن الاسلام استتيبت، فان تابت و الاّ خلّدت في السجن و ضيّق عليها في حبسها».(2)
و صحيحة حمّاد عن أبي عبداللّه عليهالسلام في المرتدّة عن الاسلام قال:
«لاتقتل و تستخدم خدمة شديدة و تمنع الطعام و الشراب الاّ ما يمسك نفسها و تلبس خشن الثياب و تضرب على الصلوات».(3)
و موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليهالسلام قال:
«اذا ارتدّت المرأة عن الاسلام لمتقتل ولكن تحبس أبدا».(4)
و صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايخلّد في السجن الاّ ثلاثة: الذي يمسك على الموت و المرأة ترتدّ عن الاسلام و السارق بعد قطع اليد والرجل».(5)
1) - وسائل الشيعة 28: 331 / الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 28: 332 / الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 28: 330 / الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 28: 330 / الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 28: 331 / الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 3.
و بازاء تلك الروايات صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في وليدة كانت نصرانيّة فأسلمت و ولدت لسيّدها ثمّ انّ سيّدها مات و (أوصى بها)(1)عتاقة السريّة على عهد عمر فنكحت نصرانيّا ديرانيّا و تنصّرت فولدت منه ولدين و حبلت بالثالث، فقضى فيها أنيعرض عليها الاسلام، فعرض عليها الاسلام فأبت. فقال: ما ولدت من ولد نصرانيّا فهم عبيد لأخيهم الذي ولدت لسيّدها الأوّل، و أنا أحبسها حتّى تضع ولدها فاذا ولدت قتلتها».(2)
قال في مجمع الرسائل: «و هي شاذّة لا عامل بها بل لايمكن العمل بها، اذ لا وجه لكون من ولدت من ولد نصرانيّا عبيدا للولد الأوّل، اذ ليس هو بوارث للأمّ. و المرتدّ الملّي و ان كان رجلاً لايقتل فكيف بما اذا كان امرأة. فلا وجه لقتلها أيضا. و وجّهها الشيخ بتوجيه بعيد جدّا لا موجب له، بل لابدّ من ردّ علمها الى أهله».(3)
قال الشيخ في التهذيب: «هذا الحكم مقصور على القضيّة التي فصّلها أميرالمؤمنين عليهالسلام و لايتعدّى الى غيرها؛ لأنّه لايمتنع أنيكون هو عليهالسلام رأى قتلها صلاحا؛ لارتدادها و تزويجها، و لعلّها كانت تزوّجت بمسلم ثمّ ارتدّت و تزوّجت فاستحقّت القتل لذلك و لامتناعها من الرجوع الى الاسلام».(4)
قال في المختلف: «قال الشيخ في النهاية:«و ان أعتق الرجل أمّ ولده فارتدّت بعد ذلك و تزوّجت رجلاً ذمّيّا و رزقت منه أولادا كان أولادها من الذمّي رقّا للذي أعتقها، فان لميكن حيّا كانوا رقّا لأولاده و يعرض عليها الاسلام فان
رجعت و الاّ وجب عليها ما يجب على المرتدّة عن الاسلام». و قال ابن ادريس: «الذي يقتضي مذهبنا أنّ أولادها لايكونون رقّا؛ لأنّه لا دليل على ذلك من كتاب و لا سنّة و لا اجماع بل الاجماع بخلافه؛ لأنّ ولد الحرّين حرّ بلا خلاف و انّما هذه رواية شاذّة أوردها شيخنا ايرادا لا اعتقادا».(1)
و أمّا حكمها بالنسبة الى زوجها:
فقال العلاّمة الخوئي: «انّ المرتدّة تبين من زوجها بارتدادها؛ اذ لايمكن أنتكون زوجة المسلم كافرة؛ لقوله تعالى: «و لاتمسكوا بعصم الكوافر». نعم ثبت بدليل خارجي جواز تزويج المسلم بالكتابيّة متعة بلا اشكال، و أمّا في غير ذلك فيحكم ببطلان الزواج. و لا بدّ من العدّة؛ لما دلّ على وجوبها عند التقاء الختانين و هي منصرفة الى عدّة الطلاق، كما في الوطء شبهة و غيره. و أمّا عدّة الوفاة كما كانت فيما اذا ارتدّ الزوج عن فطرة فتحتاج الى قرينة. و لاتنتقل أموالها الى ورثتها بمجرّد الارتداد و ان كان عن فطرة بل لابدّ في الارث هنا من الموت الحقيقي. انتهى ملخّصا».(2)
و لو كان المرتدّ لا عن فطرة استتيب فان تاب و الاّ قتل و لايقسّم ماله حتّى يقتل أو يموت و تعتدّ زوجته من حين اختلاف دينهما عدّة الطلاق فان عاد قبل خروجها من العدّة فهو أحقّ بها و ان خرجت من العدّة و لميعد فلا سبيل له عليها.
و الدليل على استتابته قبل قتله صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليهالسلام (في
حديث) قال:
«قلت: فنصرانيّ أسلم ثمّ ارتدّ؟ قال: يستتاب، فان رجع و الاّ قتل».(1)
و صحيحة ابن محبوب عن غير واحد من أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام في المرتدّ:
«يستتاب، فان تاب و الاّ قتل .الحديث».(2)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص و حينئذٍ فلا اشكال، كما لا خلاف في أنّ استتابته واجبة للأمر بها، و الاحتياط في الدماء خلافا لأبي حنيفة و الشافعي في أحد قوليه، فاستحبّها؛ لقوله صلىاللهعليهوآله: «من بدّل دينه فاقتلوه». و فيه: انّه مقيّد بأمر الاستتابة. انّما البحث في أنّه كم يستتاب؟ قيل: ثلاثة أيّام. و قيل و القائل الشيخ في محكي الخلاف و المبسوط و تبعه عليه غيره: يمهل القدر الذي يمكن معه الرجوع. انتهى ملخّصا».(3)
ففي رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: المرتدّ تعزل عنه امرأته و لاتؤكل ذبيحته و يستتاب (ثلاثة أيّام فان تاب) و الاّ قتل يوم الرابع».(4)
و هذه الرواية قد نقلها الصدوق و في طريقها الحسين بن يزيد النوفلي و توثيقه منحصر بروايته في تفسير القمّي و قد سمّاها العلاّمة الخوئي بمعتبرة السكوني و حيث انّ الحدود - خصوصا ما كان منها راجعا الى الدماء و الفروج - تدرأ بالشبهات و أمر الشارع بالاحتياط فيها، فالعمل بها طريق الاحتياط بل لو كان
هناك رجاء رجوعه يجب امهاله بناءً على أنّ ثلاثة أيّام في الرواية لرجاء رجوعه، و بعدها ينقطع رجاؤه.
و أمّا بالنسبة الى زوجته فتبين منه و تعتدّ عدّة الطلاق، فلو تاب أثناء العدّة فهو أحقّ بها.
ففي حسنة أبي بكر الحضرمي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا ارتدّ الرجل المسلم عن الاسلام بانت منه امرأته، كما تبين المطلّقة، فان قتل أو مات قبل انقضاء العدّة فهي ترثه في العدّة و لايرثها ان ماتت و هو مرتدّ عن الاسلام».(1)
و قد رواها في التهذيب بزيادة جملات بعد جملة: «كما تبين المطلّقة»، هكذا:
«...كما تبين المطلّقة ثلاثة، و تعتدّ منه كما تعتدّ المطلّقة. فان رجع الى الاسلام و تاب قبل أنتتزوّج فهو خاطب و لا عدّة عليها منه له، و انّما عليها العدّة لغيره...»(2)
فانّ التشبيه، لعدم امكان رجوعه اليها مادام باقيا على ارتداده، و انّه اذا رجع الى الاسلام و هي في العدّة فعليه تجديد عقدها و لا مانع من وقوعه في العدّة؛ لأنّ العدّة عدّة نفسه.
و أمّا بالنسبة الى أمواله، ففي الشرائع: «و تقضى من أمواله ديونه و ما عليه من الحقوق الواجبة، و يؤدّى منه نفقة الأقارب مادام حيّا. و بعد قتله تقضى ديونه و ما عليه من الحقوق الواجبة دون نفقة الأقارب. و لو قتل أو مات كانت تركته لورّاثه المسلمين. فان لميكن له وارث مسلم فهو للامام عليهالسلام. و ولده بحكم المسلم، فان بلغ مسلما فلا بحث. فان اختار الكفر بعد بلوغه استتيب، فان تاب و الاّ قتل. و لو
قتله قاتل قبل وصفه بالكفر قتل به، سواء قتله قبل بلوغه أو بعده».(1)
و في الجواهر: «بالنسبة الى أمواله و أحكامه المذكورة قبل قتله أو موته، لا خلاف فيه الاّ ما نقله الشيخ في الخلاف بأنّ لأصحابنا قولين: القول ببقاء ملكه و القول بأنّه مراعىً. فان تاب علم بقاؤه و الاّ علم زواله من حين الردّة و حينئذٍ يشكل أداء نفقته له بل و كذا أداء ما يتجدّد عليه من الحقوق الاّ أنّ القول المزبور مع أنّه غير معروف القائل، واضح الضعف؛ ضرورة منافاته لجميع الأدلّة من الاستصحاب و غيره. و كذا لا خلاف فيما يكون من الأحكام بعد قتله. و ولده قبل الارتداد بحكم المسلم؛ استصحابا لحاله السابق الذي لا دليل على تغيّره بارتداد الأب. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّه لو تاب فرفع عنه القتل ثمّ كفر و تكرّر ذلك منه عدّة مرّات، فهل الحكم بالاستتابة يتكرّر بتكرّر الكفر أم لا؟
فعن العلاّمة الخوئي: «الظاهر ذلك؛ لشمول الأدلّة له، فانّه مرتدّ ملّي يستتاب، فان تاب و الاّ قتل. و نسب الى الشيخ في الخلاف القتل في المرّة الرابعة بلا استتابة. و هذه الدعوى غير قابلة للتصديق من الشيخ».(3)
و ربّما يستدلّ على وجوب القتل في المرّة الثالثة بلا استتابة بوجهين:
أحدهما: رواية جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام في رجل رجع عن الاسلام قال:
«يستتاب، فان تاب و الاّ قتل. قيل لجميل: فما تقول ان تاب ثمّ رجع عن الاسلام؟ قال: يستتاب. قيل: فما تقول ان تاب ثمّ رجع؟ قال: لمأسمع في هذا شيئا، ولكنّه عندي بمنزلة الزاني الذي يقام عليه
الحدّ مرّتين ثمّ يقتل بعد ذلك. و قال: روى أصحابنا أنّ الزاني يقتل في المرّة الثالثة».(1)
و فيه أوّلاً: الرواية ضعيفة السند بعلي بن حديد، فانّه لميوثّق. و ثانيا: انّ هذا فتواه و ليس رواية عن المعصوم.
و ثانيهما: ما ورد من أنّ أصحاب الكبائر اذا أقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة الاّ الزاني، ففي الرابعة:
كصحيحة يونس عن أبي الحسن الماضي عليهالسلام قال:
«أصحاب الكبائر كلّها اذا أقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة».(2)
و موثّقة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: الزاني اذا زنى يجلد ثلاثا و يقتل في الرابعة - يعني: جلد ثلاث مرات -».(3)
و فيه: انّ ما نحن فيه خارج عن مفاد الروايتين؛ لأنّ الفرض أنّ المرتدّ لميجر عليه الحدّ بل لايمكن فيه تكرار الحدّ.
و قد يستدلّ على القتل في المرّة الثانية برواية جابر عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أتي أميرالمؤمنين عليهالسلام برجل من بني ثعلبة قد تنصّر بعد اسلامه فشهدوا عليه، فقال له أميرالمؤمنين عليهالسلام: ما يقول هؤلاء الشهود؟ فقال: صدقوا و أنا أرجع الى الاسلام. فقال: أما انّك لو كذّبت الشهود لضربت عنقك، و قد قبلت منك فلاتعد، فانّك ان رجعت لمأقبل منك رجوعا بعده».(4)
و فيه أوّلاً: انّ الرواية ضعيفة السند بعمرو بن شمر، فانّ النجاشي ضعّفه.
و ثانيا: لميظهر العمل بها من الفقهاء.
و ثالثا: ما قاله في مجمع الرسائل: «انّ متن الرواية غير قابل للتصديق؛ لأنّ تكذيب الشهود هو بنفسه رجوع الى الاسلام، كتكذيب الزوج الطلاق في العدّة الرجعيّة. و مع التنزّل، فلماذا تضرب عنقه بعد كونه مرتدّا ملّيّا بل لابدّ من استتابته، فان لميتب قتل. و أمّا ضرب العنق بلا استتابة فلايقبل التصديق».(1)
يشترط في تحقّق الارتداد أمور: البلوغ و كمال العقل و الاختيار.
و الدليل على ذلك رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليهمالسلام:
«انّه كان يقول في المجنون و المعتوه الذي لايفيق و الصبيّ الذي لميبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة و قد رفع عنهما القلم».(2)
و رواية ابن ظبيان قال:
«أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي عليهالسلام: أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبيّ حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ؟»(3)
و بالنسبة الى العقل بخصوصه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لمّا خلق اللّه العقل استنطقه. ثمّ قال له: أقبل. فأقبل. ثمّ قال له: أدبر.
فأدبر. ثمّ قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ اليّ منك و لاأكملتك الاّ فيمن أحبّ. أما انّي ايّاك آمر و ايّاك أنهى و ايّاك أعاقب و ايّاك أثيب».(1)
و بالنسبة الى البلوغ بخصوصه رواية طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ أولاد المسلمين موسومون عند اللّه، شافع و مشفّع، فاذا بلغوا اثنتي عشرة سنة كتبت لهم الحسنات. فاذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيّئات».(2)
و رواية حمران قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام قلت له: متى يجب على الغلام أنيؤخذ بالحدود التامّة و تقام عليه و يؤخذ بها؟ قال: اذا خرج عنه اليتم و أدرك. قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: اذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامّة و أخذ بها و أخذت له؟ قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامّة و تؤخذ بها و يؤخذ لها؟ قال: انّ الجارية ليست مثل الغلام. انّ الجارية اذا تزوّجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم و دفع اليها مالها و جاز أمرها في الشراء و البيع و أقيمت عليها الحدود التامّة و أخذ لها بها. قال: و الغلام لايجوز أمره في الشراء و البيع و لايخرج من اليتم حتّى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك».(3)
و أمّا بالنسبة الى الاكراه فحديث الرفع و هو صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام
قال:
«قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لايعلمون و ما لايطيقون و ما اضطرّوا اليه و الحسد و الطيرة و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لمينطق بشفه».(1)
1) - الخصال 2: 184 / باب التسعة / الحديث 8.
أمّا القتل، فيمنع القاتل من الارث اذا كان عمدا ظلما. و لو كان بحقّ لميمنع. و لو كان القتل خطأً ورث على الأشهر. و خرّج المفيد رحمهالله وجها آخر، هو المنع من الدية و هو حسن، و الأوّل أشبه. و يستوي في ذلك الأب و الولد و غيرهما من ذوي الأنساب و الأسباب.
هنا فروع:
القتل على أربعة أقسام: تارة يكون عن عمد ظلما و عدوانا و أخرى يكون عن عمد و حقّ و ثالثة قد يكون خطأً محضا و رابعة قد يكون خطأً شبيها بالعمد.
قال المصنّف في كتاب القصاص: «يتحقّق العمد بقصد البالغ العاقل الى القتل بما يقتل غالبا. و لو قصد القتل بما يقتل نادرا فاتّفق القتل، فالأشبه القصاص».(1)
و في كتاب الديات: «و شبيه العمد مثل أنيضرب للتأديب فيموت. و خطأ محض مثل أنيرمي طائرا فيصيب انسانا. و ضابط العمد أنيكون عامدا في فعله و قصده، و شبيه العمد أنيكون عامدا في فعله مخطئا في قصده، و الخطأ المحض أنيكون مخطئا فيهما».(2)
و قال العلاّمة الخوئي: «انّ الفعل المترتّب عليه القتل الواقع على المقتول قد
لايكون ذات الفعل مقصودا أصلاً و لميكن ممّا يترتّب عليه القتل عادة ولكن تحقّق في الخارج اتّفاقا، و قد يكون ذات الفعل مقصودا. و على الثاني امّا أنلايكون القتل مقصودا و لميكن الفعل ممّا يترتّب عليه القتل عادة، أو يكون القتل أيضا مقصودا، أو كان الفعل ممّا يوجب القتل عادة.
فهنا أقسام ثلاثة: الأوّل: أنيكون الفعل المترتّب عليه القتل غير مقصود و لميكن ممّا يترتّب عليه القتل عادة، الاّ أنّه وقع خارجا فاتّفق تحقّق القتل به. و هذا هو المسمّى بالخطأ المحض، كما اذا رمى حجرا على طائر فوقع على رأس انسان فقتله. ففي مثل ذلك، المعروف و المشهور ثبوت الدية بهذا القتل على العاقلة و هم عصبة القاتل. و هو غير مانع عن الارث في المقام.
الثاني: أنيكون ذات الفعل مقصودا و القتل كذلك، أو كان الفعل ممّا يترتّب عليه القتل عادة و ان لميكن قاصدا للقتل، كما اذا ألقاه من شاهق أو ضربه بالسيف على رأسه، و نحو ذلك. و هذا هو القتل العمدي، و حكمه القصاص ابتداء، و يمكن فيه التراضي مع وليّ المقتول بالدية أو بأقلّ منها أو أكثر. و تقدّم أنّه مانع من الارث ان كان عن ظلم و تعدٍّ، و غير مانع ان كان عن حقّ، سيّما اذا كان واجبا.
الثالث: كون الفعل المترتّب عليه القتل مقصودا ولكنّ ترتّب القتل عليه غير مقصود و ليس الفعل ممّا يترتّب عليه القتل عادة، كما اذا ضربه عصىً فاتّفق تحقّق القتل بها. و هذا هو المسمّى عندهم بالخطأ الشبيه بالعمد، و تكون الدية فيه على نفس القاتل لا على عاقلته. و لا قصاص هنا؛ لأنّه ليس بقاصد للقتل و لميكن العمل ممّا يترتّب عليه القتل عادة».(1)
1) - مجمع الرسائل: 62.
الأوّل: القتل العمدي عن ظلم و عدوان و تعدٍّ. و لا شكّ في أنّه مانع من الارث. و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: لا ميراث للقاتل».(1)
و منها صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل قتل أمّه قال:
«لايرثها و يقتل بها صاغرا، و لاأظنّ قتله بها كفّارة لذنبه».(2)
و منها صحيحة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«لايرث الرجل اذا قتل ولده أو والده، ولكن يكون الميراث لورثة القاتل».(3)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا قتل الرجل أباه قتل به، و ان قتله أبوه لميقتل به، و لميرثه».(4)
و منها صحيحته الثانية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يقتل ابنه، أيقتل به؟ فقال: لا، و لايرث أحدهما الآخر اذا قتل».(5)
و منها رواية قاسم بن سليمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل قتل أمّه، يرثها؟ قال: سمعت أبي عليهالسلام
1) - وسائل الشيعة 26: 30 / الباب 7 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 30 / الباب 7 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 26: 30 / الباب 7 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 26: 30 / الباب 7 من أبواب موانع الارث / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 26: 31 / الباب 7 من أبواب موانع الارث / الحديث 7.
يقول: لا ميراث للقاتل».(1)
و رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايتوارث رجلان قتل أحدهما صاحبه».(2)
و في الجواهر: «يمنع القتل من الارث اذا كان عمدا ظلما، بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، و هما الحجّة بعد الصحاح المطابقة للحكمة الظاهرة و هي عصمة الدماء من معاجلة الورثة و عقوبة القاتل بحرمانه من الارث و مقابلته بنقيض مطلوبه من القتل».(3)
الثاني: القتل العمدي لا عن ظلم و تعدٍّ، و هو لايمنع من الارث.
ففي الجواهر: «لو كان [القتل] بحقّ لميمنع بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه؛ لخروجه عن ظاهر دليل المنع و للخبر».(4)
و الدليل على ذلك أوّلاً: رواية حفص بن غياث قال:
«سألت جعفر بن محمّد عليهماالسلام عن طائفتين من المؤمنين، احداهما باغية و الأخرى عادلة، اقتتلوا فقتل رجل من أهل العراق أباه أو ابنه أو أخاه أو حميمه و هو من أهل البغي و هو وارثه. أيرثه؟ قال: نعم؛ لأنّه قتله بحقّ».(5)
و ثانيا: أنّ مناسبة الحكم والموضوع بحسب الفهم العرفي يقتضي ذلك، فانّ منع القاتل و حرمانه من الارث أخذا له بضدّ غرضه - الذي هو تعجيل الارث من مورّثه - و ردعا له عن ارتكاب هذه الجريمة، غير موجود في المقام.
و ثالثا: ظاهر صحيحة أبي عبيدة المذكورة يدلّ على أنّ القتل العمدي المانع
من الارث ما كان عن ظلم و تعدٍّ، بل لعلّه لا معنى للقول بمنع القاتل العمدي بحقّ عن الارث؛ لأنّ من وجب عليه الدفاع عن النفس فلأجل ذلك قتل المتعرّض، فكيف يقال له انّك ممنوع عن الارث؟
الثالث: القتل الخطئي المحض، و هو لايمنع من الارث.
تدلّ علىذلك صحيحتان: احداهما صحيحة محمّد بنقيس عن أبيجعفر عليهالسلام (أنّ أميرالمؤمنين عليهالسلام)(1)قال:
«اذا قتل الرجل أمّه خطأً ورثها، و ان قتلها (متعمّدا فلايرثها)(2)».(3)
و ثانيتهما صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل قتل أمّه، أيرثها؟ قال: ان كان خطأً ورثها، و ان كان عمدا لميرثها».(4)
و لاتعارضهما رواية فضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايقتل الرجل بولده اذا قتله، و يقتل الولد بوالده اذا قتل والده، و لايرث الرجل أباه اذا قتله و ان كان خطأً».(5)
و رواية العلاء بن الفضيل عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«و لايرث الرجل الرجل اذا قتله و ان كان خطأً».(6)
و ذلك أوّلاً: لضعف سندهما، فالأولى خبر مرسل مقطوع الاسناد، مضافا الى ضعف معلّى بن محمّد. و الثانية ضعيفة بمحمّد بن سنان الذي لمتثبت وثاقته؛ لمعارضة توثيق الشيخ المفيد بتضعيف الشيخ الطوسي، كما في حاشية مجمع
1) - ليس في المصدر. هامش الوسائل
2) - في المصدر: عمدا لميرثها. هامش الوسائل
3) - وسائل الشيعة 26: 33 / الباب 9 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 26: 34 / الباب 9 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 26: 34 / الباب 9 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 26: 35 / الباب 9 من أبواب موانع الارث / الحديث 4.
الرسائل(1).
و ثانيا: لما يحتمل الشيخ من احتمال أنيكون المراد عدم ارثه من الدية و يرثه ممّا عدا الدية. و العامد لايرث من الدية و لا غيرها(2). و ان كان في هذا الاحتمال اشكال من عدم الشاهد لهذا الجمع، فالأحسن طرحهما أو ردّ علمهما الى أهله. و سيأتي تأييد صاحب الجواهر لهذا الاحتمال و الاشكال فيه.
و قال العلاّمة الخوئي: «و أمّا بالنسبة الى كونه مانعا من الارث أو لا، ففيه خلاف. ذهب جماعة الى أنّه يمنع من الارث كالقتل العمدي و ذهب آخرون الى أنّه لايمنع، كالقتل الخطئي و هو الصحيح؛ لأنّ تقسيم الخطأ الى قسمين انّما هو باعتبار الدية و الاّ فلا فاصل بين الخطأ المحض و الخطأ الشبيه بالعمد. و مجرّد تسمية أحدهما بالخطأ الشبيه بالعمد لايوجب جريان حكم العمد عليه، و لا شكّ في شمول قوله عليهالسلام: «ان كان خطأً ورثها» للقسمين معا. و التفصيل بينهما في وجوب الدية على العاقل في الخطأ المحض و على الجاني في الشبيه بالعمد لايوجب تبدّلاً في أحكام الارث، فانّ ذلك حكم آخر ثبت بدليل و أجنبيّ عن الارث».(3)
و أمّا ارثه من الدية:
فقال في الجواهر: «و لو كان القتل خطأً ورث على الأشهر، رواية و فتوىً في الجملة. و هو خيرة النافع و الجامع و التلخيص و ظاهر رواية الفقيه و اطلاق المقنعة و المراسم. و القول بعدم ارثه مطلقا، كما عن الفضل و العمّاني و الكليني ضعيف. - ثمّ قال في موضع آخر: - نعم ما أشار اليه المصنّف بقوله: «و خرّج المفيد وجها آخر و هو المنع من الدية» خاصّة دون باقي التركة، قول قويّ بل في
الدروس و محكي تلخيص الخلاف أنّه المشهور. و لعلّه كذلك؛ لأنّه المنقول عن المشايخ الأربعة و الحلبيّين و الطوسيّين و القاضي و الحلّي و الكيدري و العلاّمة و ولده و الشهيدين و أبي العبّاس و الصيمري و غيرهم، بل عن الانتصار والخلاف و الغنية و السرائر الاجماع عليه؛ للنبوي الصريح المرويّ عن الخلاف مستدلاًّ به بعد الاجماع: «ترث المرأة من مال زوجها و من ديته و يرث الرجل من مالها و ديتها ما لميقتل أحدهما صاحبه عمدا، فلايرث من ماله و لا من ديته. و ان قتله خطأً ورث من ماله و لايرث من ديته». و للجمع بين اطلاق ارث القاتل خطأً في الصحيحين و عموم منع القاتل من الدية في المعتبرة، منها الحسن [عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر قال:] «المرأة ترث من دية زوجها و يرث من ديتها ما لميقتل أحدهما صاحبه»، بتقييد الأوّل بغير الدية. و معارضة ذلك بامكان تخصيص الثاني بالعمد، يدفعها ترجيح الأوّل بالشهرة و محكي الاجماع و عموم منع القاتل، و بعد استحقاقه لما ثبت بجنايته و وضوح دلالة النفي على العموم و خروج الدية عن حقيقة الارث و مخالفتها له في بعض الأحكام. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه أوّلاً: أنّه لميتحقّق الاجماع؛ لما في المختلف: «و قد تلخّص من هذه الأقوال الاجماع على منع القاتل عمدا. و الخلاف في القاتل خطأً، فابن أبي عقيل منع من ارثه مطلقا و المفيد و سلاّر لميمنعاه مطلقا و الشيخ و ابن الجنيد و السيّد المرتضى و أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن زهرة و ابن ادريس منعوه من الدية دون التركة. و أمّا القتل شبيه العمد فابن الجنيد ألحقه بالعمد في المنع و سلاّر ألحقه بالخطأ».(2)
و ثانيا: أنّه لو فرض تحقّق الاجماع فلايكون كاشفا عن رأي الامام عليهالسلام؛ لأنّهم
استدلّوا لقولهم بالكتاب و السنّة، كما في المختلف.(1)
و ثالثا: أنّ النبويّ ورد من طريق العامّة، و لميعلم أنّه مستند لجميع من ذهب الى منع القاتل الخطئي من الدية.
و رابعا: أنّ صحيحتي محمّد بن قيس و ابن سنان، مطلقتان بالنسبة الى الدية و غيرها و تدلاّن على أنّ القتل الخطئي لايمنع من الارث مطلقا و صحيحة محمّد بن قيس الأخرى(2)التي عدّها صاحب الجواهر حسنة، مطلقة بالنسبة الى الخطأ و العمد و تدلّ على أنّ القتل سواء كان عن عمد أو خطأ مانع عن ارث الدية. فهذه الصحيحة و ان كان يمكن أنيقال بكونها مقيّدة للصحيحتين المتقدّمتين و سينتج القول بعدم ارث القاتل الخطئي من الدية، الاّ أنّه يمكن أنيقال بعكس ذلك و أنّ الصحيحتين تخصّصان الصحيحة بغير القتل الخطئي و ينتج بأنّ القتل الخطئي لايمنع من الارث مطلقا، من الدية و غيرها.
و أمّا قول صاحب الجواهر: بترجيح الأوّل على الثاني؛ للشهرة و محكي الاجماع و عموم منع القاتل و بعد استحقاقه لما ثبت بجنايته و وضوح دلالة النفي على العموم و خروج الدية عن حقيقة الارث و مخالفتها له في بعض الأحكام.
ففيه: منع الاجماع بل الشهرة، كما مرّ عن المختلف، و تخصيص عموم منع القاتل بالقتل العمدي و عدم صدق الجناية بالخطأ الاّ مجازا. و عموم النفي قد خصّص، كما مرّ و اطلاق الارث على الدية في الصحيحة و غيرها يمنع عن الخروج و مخالفة الدية للارث في بعض الأحكام للدليل، لايمنع عن كونها ارثا.
هذا، ولكن الظاهر من الآية المباركة «و من قتل مؤمنا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة و دية مسلّمة الى أهله»(3)، منع القاتل الخطئي من ارث الدية. فانّ العلاّمة
الخوئي قال هيهنا: «و مقتضى الآية أنّ كلّ من يكون قاتلاً خطأً تجب عليه الدية مضافا الى عتق الرقبة، بناءً على أنّ وجوب الدية انّما هو على نفس الجاني و في ذمّته، و ان كان في الخطأ المحض يجب على العاقلة تكليفا تفريغ ذمّة الجاني، و الوضع أنّما هو على الجاني نفسه، و لا معنى لأنيقال: و دية مسلّمة الى نفس الجاني كلاًّ أو بعضا، سواء كان الارث منحصرا به أو مشتركا بينه و بين غيره. و تقييد القاتل بغير الوارث و تخصيص الحكم بغيره لا موجب له. انتهى ملخّصا».(1)
و في مفتاح الكرامة: «هو مذهب الكاتب و القاضي و الكندري و خيرة المبسوط و الخلاف و الانتصار و الكافي و الوسيلة و الغنية و السرائر و الرسالة النصيريّة و كشف الرموز و المختلف و الارشاد و المقتصر و اللمعة و المجمع و تعليق النافع و غاية المرام. انتهى ملخّصا».(2)
و عليه يرجّح تقييد صحيحة محمّد بن قيس الصحيحتين المتقدّمتين، على تخصيصهما صحيحة محمّد بن قيس، كما تقدّم من صاحب الجواهر.
قال العلاّمة في المختلف: «و المعتمد ما قاله الشيخ في الخطأ، أمّا المنع من الدية فلأنّه يجب عليه دفعها الى الوارث، و لو ورث منها لميجب دفع الجميع. و لما رواه فضيل بن يسار عن الصادق عليهالسلام قال: «لايقتل الرجل بولده و يقتل الولد بوالده اذا قتل والده، و لايرث الرجل الرجل اذا قتله و ان كان خطأً». و انّما حملناه على الدية جمعا بين الأدلّة».(3)
و في الروضة: «و لو كان قتله خطأً محضا منع من الدية خاصّة على أظهر الأقوال؛ لأنّه جامع بين النصّين و لأنّ الدية يجب عليه دفعها الى الوارث؛ للآية، و لا شيء من الموروث للقاتل يدفع اليه. و الدفع الى نفسه لايعقل و به صريحا
رواية عامّيّة. و قيل: يمنع مطلقا؛ لرواية الفضيل بن يسار عن الصادق عليهالسلام: «لايرث الرجل الرجل اذا قتله و ان كان خطأً». و قيل: يرث مطلقا؛ لصحيحة عبداللّه بن سنان عنه عليهالسلام في رجل قتل أمّه، أيرثها؟ قال: «ان كان خطأً ورثها و ان كان عمدا لميرثها» و ترك الاستفصال دليل العموم فيما تركته مطلقا و منه الدية. و رواية الفضيل مرسلة فلا تعارض الصحيح».(1)
الرابع: و هو القتل الشبيه بالعمد، و في منعه عن الارث اختلاف.
قال في الروضة: «و في الحاق شبه العمد به أو بالخطأ قولان، أجودهما الأوّل؛ لأنّه عامد في الجملة. و وجه العدم: كونه خاطئا كذلك و لأنّ التعليل بمقابلته بنقيض مقصوده لايجري فيه».(2)
و في المختلف: «و أمّا شبيه العمد فالأولى الحاقه بالخطأ؛ لأنّ المقتضي للمنع في العمد - و هو المؤاخذة له بنقيض مقصوده - منتفٍ هنا، كالخطأ فألحق به».(3)
و في الجواهر: «ظاهر المصنّف و غيره بل المعظم - حيث قابلوا العمد بالخطأ - أنّ المراد بالخطأ ما يشمل شبيه العمد، كما عن جماعة التصريح به - الى أنقال: - بل من البعيد اهمال المعظم لحكم شبيه العمد مع كثرة وقوعه و مسيس الحاجة اليه، فليس هو الاّ لكون المراد بالخطأ الذي ذكروا حكمه ما يشمله خصوصا مع وقوع ذلك منهم في مقام الاستقصاء، بل عن بعضهم حصر القتل فيهما بل علّلوا الارث في الخطأ بما يعمّ، بل احتجّ المانع بالتمانع بين ارث القاتل خطأً و بين أخذ الدية منه، و عن المرتضى جوابه بأنّ تسليمه بها لاينافي ارثه من غيرها. و عن الحلبيّين و الحلّي التصريح بأنّ ارثه ممّا عدا الدية المستحقّة عليه، مع أنّها في الخطأ المحض على العاقلة دون القاتل، فعلم دخول الشبيه فيما أطلقوه من الخطأ،
و ظهر اتحاد حكم المسألتين عندهم و اشتهار التفصيل فيهما و انطباق الاجماعات عليهما - الى أن قال: - و أمّا النصوص فالظاهر منها أيضا حيث أطلق فيها الخطأ و قوبل به العمد على وجه يراد منه الحصر، ارادة الأعمّ الذي هو اطلاق شائع ، كشيوع تقسيمه اليهما، مضافا الى كثرة القرائن هنا على ارادة الأعمّ كما عرفت فيتّجه الترجيح فيه بما سمعت من أنّه يرث ممّا عدا الدية؛ لجميع ما عرفته من الاجماعات و غيرها».(1)
اذا قلنا بمنع القاتل الخاطئ المحض عن الدية فالقول بمنع القاتل شبيه العمد أولى.
قال في المسالك: «لعموم الأدلّة الشاملة لجميع من ذكر، و لانعلم فيه خلافا و ان كان ظاهر التركيب في عادة المصنّف التنبيه بذلك على خلاف العامّة و قد يوجد في بعض كتب الحنفيّة أنّ القتل المانع هو الموجب للقصاص و الكفّارة و ظاهره أنّه يخرج به قتل الوالد ولده فانّه لايوجبهما فيكون هذا تنبيها على خلافه الاّ أنّهم صرّحوا بحرمان الأب أيضا و اعتذروا عن العبارة بأنّ قتل الأب يوجب القصاص الاّ أنّه سقط بحرمة الأبوّة».(2)
أقول:
انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة بل صريحها،أنّ القاتل العامد محروم من الارث بلا تفاوت بين الأب و الولد و غيرهما من ذوي الأنساب و الأسباب، و أنّ
القاتل الخاطئ و شبهه غير محروم من الارث الاّ من الدية بلا فرق أيضا بين الأب و الولد و غيرهما من ذوي الأنساب و الأسباب.
ثمّ انّه لا فرق في القتل شبه العمد بين كون السبب سائغا فاتّفق القتل، كضرب الوالد الولد تأديبا، و بطّ ما به من جرح أو قرح للاصلاح و بين كون السبب ممنوعا كضرب غير المستحقّ و جرحه، فيرث القاتل من التركة فيهما دون الدية؛ لاطلاق الدليل. و أمّا ثبوت الدية على من كان السبب سائغا في حقّه فاتّفق القتل، ففيه قولان - كما في الجواهر(1)- من الاذن في الفعل فلا يتعقّبه ضمان، و من تحقّق الموجب و ان انتفت المؤاخذة كما في الخطأ المحض، و الثاني أقرب بدلالة الروايات، و صرف الاذن في الضرب لايوجب رفع الضمان لو تعقّبه القتل الاّ بدليل، كما ورد في كتاب الاجارة(2)عدم الضمان في الطبيب الحاذق اذا أخذ عدم ضمانه من الطبابة و المعالجة من المريض و وليّه، و انجرّ علاجه الى الموت. و قد تخلّف في تأديب الحاكم أيضا بدليل، فلا يقاس عليه غيره.
انّ عمد الصبيّ و المجنون بحكم الخطأ.
ففي الجواهر: «وعمد الصبيّ و المجنون بحكم الخطأ، فيرثان ممّا عدا الدية على المختار، كالنائم و الساقط من غير اختيار، فما في كشف اللثام عن بعضهم - من منع الصبيّ و المجنون من الارث بتعمّدهما القتل؛ لعموم: «لا ميراث للقاتل» و نحوه - واضح الضعف».(3)
و في الروضة: «و لا فرقبين الصبيّ و المجنون و غيرهما، لكن في الحاقهما بالخاطئ أو العامد نظر، و لعلّ الأوّل أوجه».(1)
انّه لا فرق بين المباشر و السبب في ظاهر المذهب - كما في الروضة(2)- لعموم لفظ القاتل الوارد في الأدلّة فهو يشمل ما اذا كان مباشرا أو سببا، اذا صدق عليه القاتل عرفا.
و في الجواهر: «ولذا يثبت القصاص و الدية في السبب كالمباشرة، فالمتّجه حينئذٍ المنع مطلقا ان كان عمدا و الاّ فممّا عدا الدية خاصّة على المختار».(3)
و في مجمع الرسائل: «لا فرق في القتل المانع من الارث بين ما كان بالمباشرة كما اذا ضربه بالسيف فقتله، أو بالتسبيب كما اذا كتّفه و ألقاه الى السبع، أو أمر صبيّا أو مجنونا بقتله فقتله، فانّه في الموردين ينسب القتل الى الملقي والآمر حقيقة، و السبع أو الصبيّ أو المجنون آلة. و هذا بخلاف ما لو صدر القتل من الفاعل المختار بأمر آمر، فانّ القتل هذا و ان نسب الى الآمر، كما هو الحال في السلاطين و غيرهم الاّ أنّه مجاز، فانّ المباشر للقتل شخص آخر فلايكون الآمر حينئذٍ ممنوعا من الارث؛ لأنّه ليس بقاتل حقيقة و ان فعل حراما، و عوقب بالحبس المؤبّد على ما نطقت به الروايات المعتبرة، الاّ أنّ القاتل حقيقة هو المباشر المختار فهو الممنوع من الارث، لا الآمر الذي ليس هو بموضوع
للحكم».(1)
لو قتل القاتل اثنين هو وارث لهما معا منع من ارثهما؛ لأنّ القتل مانع من الارث بلا فرق بين أن يكون المقتول واحدا أو أكثر. و كذا لو قتل اثنان واحدا منعا معا من ارثه؛ لأنّ كلّ واحد منهما قاتل. و لا فرق في صدق القتل بين الانفراد و الاشتراك فكما يجوز الاقتصاص منهما معا - و ان وجب دفع نصف الدية الى ورثة كلّ منهما - يمنع من ارثهما معا.
ففي الجواهر: «و المشارك في القتل كالمنفرد، كما عن جماعة التصريح به، فيمنع ممّا يمنع منه المنفرد و ان لميستقلّ بالتأثير لو انفرد».(2)
ثمّ انّه هل يشترط في المنع استقرار الحياة؟
قال في الجواهر: «استشكله العلاّمة؛ للشكّ في صدق اسم القتل معه، و نفاه الفخر فيما حكي عنه؛ تمسّكا بالعموم، و الحكم يتبع التفسير. فان أريد بغير المستقرّ ما لايبقى يوما أو يومين أو يوما و نصف يوم كما قالوه في الذبيحة فالحقّ عدم الاشتراط؛ لتحقّق القتل معه قطعا، و ان أريد ما ينتفي معه النطق و الحركة الاختياريّان، كالمذبوح على ما يستفاد من كلامهم في مباحث الجنايات :
فالاستقرار شرط؛ لأنّ غير المستقرّ بهذا المعنى ميّت أو في حكم الميّت، فلا يتحقّق فيه القتل، على أنّ الشكّ فيه أو في شمول الاطلاق له كافٍ في الارث؛ لوجود المقتضي مع عدم العلم بالمانع».(1)
و لو لميكن وارث سوى القاتل كان الميراث لبيت المال.
قال في المسالك: «أي بيت مال الامام عليهالسلام على قواعد الأصحاب من أنّ الامام وارث من لا وارث له، و هذا خلاف ظاهر بيت المال حيث يطلق، لكنّه متجوّز فيه، و العامّة جعلوا ميراث من لا وارث له كذلك، لبيت مال المسلمين كما أطلقه المصنّف رحمهالله».(2)
و في الجواهر: «أي مال الامام عليهالسلام لا المسلمين، ضرورة كون الارث له، و من الأنفال التي ملّكه اللّه ايّاها كما تقدّم الكلام فيه.»(3)
و يدلّ عليه روايات:
منها قوله عليهالسلام في مرسلة حمّاد بن عيسى الطويلة:
«و للامام عليهالسلام صفو المال - الى أنقال: - هو وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له».(4)
و قوله عليهالسلام في صحيحة ابن مسلم:
«من مات و ليس له وارث من(5)قرابته و لا مولى عتاقه قد ضمن جريرته، فماله من الأنفال».(6)
و قوله عليهالسلام في رواية أبان بن تغلب:
«من مات لا مولى له و لا ورثة فهو من أهل هذه الآية «يسألونك
عن الأنفال قل الأنفال للّه و الرسول»».(1)
و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من مات و ترك دينا فعلينا دينه و الينا عياله، و من مات وترك مالاً فلورثته، و من مات و ليس له موالي فماله من الأنفال».(2)
و في الجواهر: «ميراث من لا وارث له غير الامام عليهالسلام من الأنفال عند علمائنا أجمع، كما في المنتهى. انتهى ملخّصا».(3)
و لو قتل أباه، و للقاتل ولد، ورث جدّه اذا لميكن هناك ولد للصلب، و لميمنع من الميراث بجناية أبيه.
و في المسالك: «لأنّ القرب الموجب للارث متحقّق و المانع منتفٍ، و وجوده في الأب لايصلح للمانعيّة في غيره؛ للأصل، «و لاتزر وازرة وزر أخرى»».(4)
و قد دلّ عليه صحيحة جميل عن أحدهما عليهماالسلام في رجل قتل أباه، قال:
«لايرثه، و ان كان للقاتل ولد ورث الجدّ المقتول».(5)
و في صحيحته الأخرى عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«لايرث الرجل اذا قتل ولده أو والده، ولكن يكون الميراث لورثة القاتل».(6)
1) - وسائل الشيعة 26: 249 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 26: 247 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 4.
3) - جواهر الكلام 16: 128.
4) - مسالك الأفهام 13: 40.
5) - وسائل الشيعة 26: 39 / الباب 12 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 26: 40 / الباب 12 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
و لو كان للقاتل وارث كافر منعا جميعا، و كان الميراث للامام. و لو أسلم الكافر كان الميراث له و المطالبة اليه، و فيه قول آخر.
في المسالك: «لوجود المانع في كلّ منهما، الأوّل بالقتل و الثاني بالكفر، فلو اتّفق للكافر قريب للمقتول ورثه، ولميمنع من ارثه وجود المانعين في الواسطتين كما لايمنع وجود الواحدة؛ للأصل. - و قال في قول المصنّف: «لو أسلم الكافر كان الميراث له و المطالبة اليه، و فيه قول آخر»: - هذا مبنيّ على الخلاف السابق حيث يكون الوارث الامام هل يكون كالوارث الواحد نظرا الى الظاهر، أو كالمتعدّد قبل القسمة عملاً بالرواية، أو بالتفصيل بنقل التركة الى الامام و عدمه؟ فعلى الأوّل لا شيء للمسلم بعد قتل مورّثه. و على الثاني - و هو الذي اختاره المصنّف في الموضعين - فالميراث له و هو أجود».(1)
و قد تقدّم البحث عنه.(2)
و هنا مسائل: «الأولى»: اذا لميكن للمقتول وارث سوى الامام فله المطالبة بالقود أو الدية مع التراضي و ليس له العفو.
تدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلما فلميكن للمقتول أولياء من المسلمين الاّ أولياء من أهل الذمّة من قرابته، فقال: على الامام أنيعرض على قرابته من أهل بيته الاسلام فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع القاتل اليه فان شاء قتل و ان شاء عفا و ان
شاء أخذ الدية، فان لميسلم أحد كان الامام وليّ أمره فان شاء قتل و ان شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين؛ لأنّ جناية المقتول كانت على الامام فكذلك تكون ديته لامام المسلمين. قلت: فان عفا عنه الامام، قال: فقال: انّما هو حقّ جميع المسلمين و انّما على الامام أنيقتل أو يأخذ الدية، و ليس له أنيعفو».(1)
وفي المسالك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب و ذهب اليه الشيخ و أتباعه و المصنّف و أكثر المتأخّرين. و المستند صحيحة أبي ولاّد - الى أنقال: - و هو يتناول العمد و الخطأ».(2)
و في الجواهر: «وفاقا للأكثر- الى أنقال: - خلافا للمحكي عن ابن ادريس فأجاز للامام العفو؛ لأنّه وليّه فان رضي بالدية كانت له، لا لبيت مال المسلمين كتركته و لأنّ جنايته عليه؛ لأنّه عاقلته. و فيه: أنّه كالاجتهاد في مقابلة النصّ المعمول به بين الأصحاب، نعم ما فيه من جعل الدية في بيت مال المسلمين مخالف لما عليه الأصحاب، كما أنّ ما فيه من كون ذلك حقّا لجميع المسلمين كذلك أيضا، فلابدّ من طرحه أو حمله - كبيت المال الذي في عبارة البعض - على ارادة بيت مال الامام من حيث الامامة الذي مرجعه في الحقيقة الى المسلمين و لذا لايرثه غير الامام من ورثته كباقي الأنفال، خصوصا بعد ما فيه من كون جنايته على الامام لا بيت مال المسلمين».(3)
أقول:
في زمان حضور الامام عليهالسلام و بسط يده، هو نفسه أعلم بحكم اللّه تعالى فهو معصوم عن الجهل و الخطأ في حكم اللّه تعالى. و وليّ المسلمين يفعل ما يشاء اللّه
في أموالهم و أنفسهم و شؤونهم. و أمّا بالنسبة الى زمان الغيبة فمرجع ذلك الفقيه الجامع للشرائط يفعل فيها بما هو نظره الفقهي ممّا استنبطه من الكتاب و السنّة. و هذه الرواية سندها صحيح و دلالتها تامّة، حاوية لحكم اللّه تعالى في حقّ امام المسلمين و نائبه العامّ أي الفقيه الجامع للشرائط.
«الثانية»: الدية في حكم مال المقتول، يقضى منها دينه و يخرج منها وصاياه سواء قتل عمدا فأخذت الدية أو خطأً.
في المسالك: «الدية في حكم مال المقتول و ان كان ثبوتها متأخّرا عن الحياة التي هي شرط الملك؛ للنصّ و لأنّها عوض النفس فصرفها في مصلحتها أولى ممّا هو عوض المال و الطرف. و من أهمّ مصالحها وفاء الدين. و ربّما قيل بأنّه لايصرف منها في الدين شيء؛ لما أشرنا اليه من تأخّر استحقاقها عن الحياة و الدين كان متعلّقا بالذمّة في حال الحياة و بالمال بعدها و الميّت لايملك بعد وفاته. و هو شاذّ. و نبّه بالتسوية بين الواجبة بقتل الخطأ و بالعمد - اذا تراضيا على الدية - على خلاف بعضهم حيث فرّق بين الديتين، فانّ العمد انّما يوجب القصاص و هو حقّ للوارث فاذا رضي بالدية كان عوضا عنه فكانت أبعد عن استحقاق الميّت من دية الخطأ. و على المشهور من تعلّق الدين بالدية مطلقا لو كان القتل عمدا و أراد الوارث الاقتصاص، فهل للديّان منعه منه الى أخذ الدية ليوفى منها دينه؟ قولان، أشهرهما العدم [للمحقّق و ابن ادريس و العلاّمة في أكثر كتبه]؛ لأنّ القصاص حقّه و لقوله تعالى: «و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا» و قال الشيخ رحمهالله: «لهم منعه حتّى يضمن لهم الدين لئلاّيضيع حقّهم»، استنادا الى رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام. و الأظهر الأوّل».(1)
1) - مسالك الأفهام 13: 42 و 43.
المشهور بين الفقهاء أنّ الدية - في قتل الخطأ مطلقا و في العمد اذا أخذت الدية - بمنزلة تركة الميّت، تخرج منها ديونه و تقضى منها وصاياه، و الباقي ميراث، و تدلّ على ذلك روايات:
منها ما ورد من أنّ من أوصى بثلث ماله ثمّ قتل دخل ثلث ديته أيضا، كصحيحة محمّد بن قيس قال:
«قلت له: رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأً - يعني الموصي - فقال: يجاز لهذا الوصيّة من ماله و من ديته».(1)
و صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في رجل أوصى لرجل بوصيّة مقطوعة غير مسمّاة من ماله ثلثا أو ربعا أو أقلّ من ذلك أو أكثر، ثمّ قتل بعد ذلك الموصي فودي، فقضى في وصيّته أنّها تنفذ من ماله و من ديته كما أوصى».(2)
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: من أوصى بثلثه، ثمّ قتل خطأً فانّ ثلث ديته داخل في وصيّته».(3)
و منها ما ورد من وجوب قضاء دين القتيل من ديته، كصحيحة يحيى الأزرق عن أبي الحسن عليهالسلام في رجل قتل و عليه دين و لميترك مالاً، فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أنيقضوا دينه؟ قال:
«نعم. قلت: و هو لميترك شيئا. قال: انّما أخذوا الدية فعليهم
أنيقضوا دينه».(1)
و منها ما ورد من أنّ دية العمد مال الميّت، كرواية اسحاق بن عمّار عن جعفر عليهالسلام:
«انّ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله قال: اذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال»(2).
قال في الجواهر: «فما عن بعضهم من أنّ دية العمد لايقضى منها الدين؛ لأنّ الواجب فيه القصاص الذي هو حقّ الوارث، فالدية المأخوذة هي عوض عن حقّه، لا مدخليّة للميّت فيها، بل عن آخر المنع من قضاء الدين من الدية مطلقا؛ لأنّها ليست من أموال الميّت التي تركها، مع أنّهما من الاجتهاد في مقابلة النصّ و الاجماع، كما ترى، ضرورة كون الدية في الخطأ عوضا عن النفس، فيستحقّها الميّت عند خروج روحه. و في العمد يستحقّ عليه ازهاق روحه، لقوله تعالى: «النفس بالنفس» فهو شبيه ضمان الشيء بمثله، فاذا صالح الوارث على الدية كان كدفع العوض عن المثل المستحقّ. فلا اشكال في عدّ ذلك من أمواله و تركته.انتهى ملخّصا».(3)
هذا مضافا الى ما يستفاد من عدّة روايات في القتل العمدي من أنّه اذا لميحقّق القصاص، انتقل الى الدية في مقابل دمه، كموثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل قتل رجلاً متعمّدا ثمّ هرب القاتل فلميقدر عليه؟ قال: ان كان له مال أخذت الدية من ماله و الاّ فمن الأقرب فالأقرب، فان لميكن له قرابة أدّاه الامام فانّه لايبطل دم
امرئ مسلم».(1)
ثمّ انّه لو كان القتل عمدا و أراد الوارث أنيهب دم المقتول و له دين فقد دلّت روايتان على أنّ الوارث ضامن للدية:
احداهما صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - قال:
«سألت أبا عبداللّه عن رجل قتل و عليه دين و ليس له مال فهل لأوليائه أنيهبوا دمه لقاتله و عليه دين؟ فقال: انّ أصحاب الدين هم الخصماء(2)للقاتل، فان وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء و الاّ فلا».(3)
ثانيتهما رواية علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى عليهالسلام قال:
«قلت له: جعلت فداك، رجل قتل رجلاً متعمّدا أو خطأً و عليه دين و ليس له مال و أراد أولياؤه أنيهبوا دمه للقاتل؟ قال: ان وهبوا دمه ضمنوا ديته، فقلت ان هم أرادوا قتله؟ قال: ان قتل عمدا قتل قاتله و أدّى عنه الامام الدين من سهم الغارمين. قلت: فانّه قتل عمدا و صالح أولياؤه قاتله على الدية، فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية؟ أو على امام مسلمين؟ فقال: بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه، فانّه أحقّ بديته من غيره».(4)
«الثالثة»: يرث الدية كلّ مناسب أومسابب عدا من يتقرّب بالأمّ فانّ فيهم خلافا.
يرث الدية كلّ مناسب و مسابب سواء كانت دية عمد أو خطأ و سواء كان
ممّن يرث القصاص منهم أو لا، عدا الاخوة و الأخوات من الأمّ. و الدليل على المستثنى منه عموم قوله تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه»(1)و الدليل عليه و على المستثنى، صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قضى علي عليهالسلام في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب اللّه و سهامهم اذا لميكن على المقتول دين، الاّ الاخوة و الأخوات من الأمّ فانّهم لايرثون من ديته شيئا».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام أنّ الدية يرثها الورثة الاّ الاخوة (و الأخوات)(3)من الأمّ، فانّهم لايرثون من الدية شيئا».(4)
وصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قال: الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث الاّ الاخوة من الأمّ، فانّهم لايرثون من الدية شيئا».(5)
و موثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايرث الاخوة من الأمّ من الدية شيئا».(6)
و رواية أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته هل للاخوة من الأمّ من الدية شيء؟ قال: لا».(7)
1) - الأنفال 8: 75.
2) - وسائل الشيعة 26: 35 / الباب 10 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
3) - ليس في المصدر. هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 26: 36 / الباب 10 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 26: 37 / الباب 10 من أبواب موانع الارث / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 26: 37 / الباب 10 من أبواب موانع الارث / الحديث 5.
7) - وسائل الشيعة 26: 37 / الباب 10 من أبواب موانع الارث / الحديث 6.
و في مجمع الرسائل: «مورد هذه الروايات الاخوة و الأخوات من الأمّ الاّ أنّ الفقهاء - رضوان اللّه عليهم - عمّموا الحكم لكلّ متقرّب بالأمّ، كالجدّ و الجدّة من
طرفها أو الخال و الخالة، و الوجه في ذلك: أمّا بالنسبة الى الجدّ و الجدّة فلما ورد في عدّة روايات من أنّهما بمنزلة الأخ و الأخت من الأمّ، ففي كلّ مورد كان الأخ و الأخت من الأمّ وارثين كان الجدّ و الجدّة من طرفها وارثين أيضا، و في كلّ مورد منع الأخ و الأخت من الأمّ من الارث منع الجدّ و الجدّة من طرفها كذلك. و أمّا بالنسبة الى الخال و الخالة فلأولويّته من الأخ و الأخت من الأمّ فمناسبة الحكم و الموضوع قاضية بعدم اختصاص الحكم بالاخوة و الأخوات من الأمّ، بل الحكم ثابت لكلّ متقرّب بها».(1)
و في المسالك: «ذهب الشيخ في النهاية و أتباعه - جواهر الفقه، غنية النزوع، اصباح الشيعة - و ابن ادريس في القول الآخر الى أنّ الدية يرثها من عدا المتقرّب بالأمّ للروايات المعتبرة، الاّ أنّ الروايات دلّت على حرمان الاخوة للأمّ لا مطلق المتقرّب بها و كأنّهم عمّموا الحكم فيهم لثبوته فيهم بطريق أولى؛ لأنّ الاخوة أقرب من الأخوال و أولادهم، فحرمانهم يستلزم حرمانهم. و هذا القول أجود؛ لصحّة بعض رواياته، و كونها خاصّة والآية عامّة. و لو قيل بقصر الحكم فيها على موضوع النصّ كان وجها. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
قد عرفت الروايات الصحيحة الدالّة على حرمان الاخوة و الأخوات من الدية، فانّها تخصّص آية أولي الأرحام الاّ أنّتعدّي الحكم الى كلّ من يتقرّب بالأمّ بالأولويّة فيه اشكال؛ لأنّ الامام عليهالسلام مع امكانه القول ب- «أنّ الدية يرثها الورثة الاّ من
يتقرّب بالأمّ»، قال عليهالسلام: «الاّ الاخوة و الأخوات من الأمّ»، و بعد وجود العامّ لاينبغي القول بالتعدّي الى كلّ من يتقرّب بالأمّ.
و لايرث أحد الزوجين القصاص، و لو وقع التراضي بالدية ورثا نصيبهما منها.
انّه لايرث أحد الزوجين القصاص، اجماعا - كما في الجواهر(1)- و كأنّ الحكم به ضروريّ - كما في مفتاح الكرامة(2)- .
و في المسالك: «هذا موضع وفاق، و علّل بأنّ القصاص يثبت للولي؛ للتشفّي، و لا نسب في الزوجيّة من حيث هي زوجيّة يوجبه».(3)
و في اللمعة: «و لايرثان القصاص اتّفاقا».(4)
و في مجمع الفائدة: «و لايرث الزوجان من القصاص، و لعلّ الدليل الأصل والاجماع. انتهى ملخّصا».(5)
و لو وقع التراضي بالدية ورثا نصيبهما منها. يدلّ على ذلك موثّقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«أيّما امرأة طلّقت فمات زوجها قبل أنتنقضي عدّتها فانّها ترثه، ثمّ تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها، و ان توفّيت في عدّتها ورثها، و ان قتلت ورث من ديتها، و ان قتل ورثت هي من ديته ما لميقتل
أحدهما صاحبه».(1)
و موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل طلّق امرأته واحدة ثمّ توفّي عنها و هي في عدّتها، قال: ترثه، ثمّ تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها. و ان ماتت ورثها فان قتل أو قتلت و هي في عدّتها ورث كلّ واحد منهما من دية صاحبه».(2)
و رواية القاسم بن سليمان عن عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«للمرأة من دية زوجها، و للرجل من دية امرأته ما لميقتل أحدهما صاحبه».(3)
ولاتعارضها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:
«انّ عليّا عليهالسلام كان لايورّث المرأة من دية زوجها شيئا، و لايورّث الرجل من دية امرأته شيئا، و لا الاخوة من الأمّ من الدية شيئا».(4)
لأنّها ضعيفة السند، و يمكن حملها على ما لو قتل أحدهما صاحبه أو حملها على التقيّة، كما صنعه الشيخ(5)رحمهالله.
1) - وسائل الشيعة 26: 38 / الباب 11 من أبواب موانعالارث / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 26: 39 / الباب 11 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 38 / الباب 11 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 26: 39 / الباب 11 من أبواب موانع الارث / الحديث 4.
5) - تهذيب الأحكام 9: 380.
و أمّا الرقّ فيمنع في الوارث و الموروث. فمن مات و له وارث حرّ و آخر مملوك فالميراث للحرّ و لو بعد، دون الرقّ و ان قرب. و لو كان الوارث رقّا و له ولد حرّ، لميمنع الولد برقّ أبيه.
انّ المملوك لايرث و لايورث، و الدليل عليه قوله عليهالسلام في الروايات المعتبرة المستفيضة: «لايتوارث الحرّ و المملوك».(1)
و خصوص صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام - في حديث - قال:
«لايرث عبد حرّا».(2)
و صحيحة علي بن رئاب قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: العبد لايرث و الطليق لايورث».(3)
و الطليق كأمير: الأسير الذي أطلق عنه اساره.
فمن مات و له وارث حرّ و آخر مملوك ورثه الحرّ و ان بعد، دون المملوك و ان قرب، و الحرّ اذا تقرّب بالمملوك لميمنع من الميراث. و الدليل على ذلك كلّه مضافا الى ما تقدّم:
رواية الفضل بن عبدالملك قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن المملوك و المملوكة، هل يحجبان اذا
لميرثا؟ قال: لا».(1)
و رواية مهزم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في عبد مسلم و له أمّ نصرانيّة، و للعبد ابن حرّ قيل:
«أرأيت ان ماتت أمّ العبد و تركت مالاً؟ قال: يرثها ابن ابنها الحرّ».(2)
و رواية أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ رجلاً مات و ترك أخا له عبدا و أوصى له بألف درهم، فأبى مولاه أنيجيز له، فارتفعوا الى عمر بن عبدالعزيز، فقال للغلام: لك ولد؟ فقال: نعم، قال: أحرار؟ قال: نعم، فقال: ترضى من المال بألف درهم و هم يرثون عمّهم. فقال: أبو عبداللّه عليهالسلام أصاب عمر بن عبدالعزيز».(3)
في الجواهر: «لا خلاف بيننا في أنّ الرقّ يمنع في الوارث و في الموروث بل الاجماع بقسميه عليه، كما أنّ النصوص وافية فيه».(4)
و لو كان الوارث اثنين فصاعدا فعتق المملوك قبل القسمة، شارك ان كان مساويا، و ان انفرد كان أولى، و لو كان عتقه بعد القسمة، لميكن له نصيب. و كذا لو كان المستحقّ للتركة واحدا، لميستحقّ العبد بعتقه نصيبا.
تدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام فيمن ادّعى عبد انسان أنّه ابنه: أنّه يعتق من مال الذي ادّعاه، فان توفّي المدّعي، و قسّم ماله قبل أنيعتق العبد،
فقد سبقه المال، و ان أعتق قبل أنيقسّم ماله فله نصيبه منه.»(1)
و رواية ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من أعتق على ميراث قبل أنيقسم فله ميراثه، و ان أعتق بعد ما يقسم فلا ميراث له».(2)
و في الجواهر: «بلا خلاف معتدّ به أجده في شيء من ذلك بل الاجماع عليه و النصوص بنحو ما سمعته في الكافر فيه أيضا».(3)
و اذا لميكن للميّت وارث سوى المملوك، اشتري المملوك من التركة و أعتق، و أعطي بقيّة المال و يقهر المالك على بيعه.
و الدليل على ذلك روايات مستفيضة بل متواترة كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«كان أميرالمؤمنين عليهالسلام يقول في الرجل الحرّ يموت، و له أمّ مملوكة، قال: تشترى من مال ابنها ثمّ تعتق ثمّ يورثها».(4)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام، قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في الرجل يموت و له أمّ مملوكة و له مال: أنتشترى أمّه من ماله ثمّ يدفع اليها بقيّة المال، اذا لميكن له ذوو قرابة لهم سهم في الكتاب».(5)
و الظاهر من هذه الصحيحة أنّ اشتراء المملوك الذي يكون ذا قرابة من الميّت
1) - وسائل الشيعة 26: 47 / الباب 18 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 47 / الباب 18 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
3) - جواهر الكلام 39: 49.
4) - وسائل الشيعة 26: 49 / الباب 20 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 26: 51 / الباب 20 من أبواب موانع الارث / الحديث 6.
من تركته ثمّ اعتاقه و اعطاؤه بقيّة المال موقوف على انتفاء الوارث الحرّ من قرابته خاصّة، و ان كان له ضامن جريرة.
ثمّ الظاهر من صحيحة سليمان بن خالد و غيرها أيضا أنّ المملوك بعد الاشتراء يعتق و لاينعتق بنفسه. و ليس للمالك الامتناع عن البيع فان أبى يقهر على بيعه، فوجوب بيعه على المالك ظاهر من الروايات الواردة في ذلك، فانّ نسبة بعضها الى قضاء أميرالمؤمنين عليهالسلام تكشف عن أنّه لابدّ من فعل ذلك و المتكفّل له في صورة امتناع المالك الحاكم. و وردت رواية خاصّة عن عبداللّه بن طلحة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل مات و ترك مالاً كثيرا و ترك أمّا مملوكة و أختا مملوكة، قال: تشتريان من مال الميّت ثمّ تعتقان و تورثان. قلت: أرأيت ان أبى أهل الجارية، كيف يصنع؟ قال: ليس لهم ذلك، يقوّمان قيمة عدل، ثمّ يعطى مالهم على قدر القيمة. الحديث».(1)
و لو قصر المال عن ثمنه، قيل: يفكّ بما وجد و يسعى في الباقي. و قيل: لايفكّ و يكون الميراث للامام، و هو الأظهر. و كذا لو ترك وارثين أو أكثر، و قصر نصيب كلّ واحد منهم أو نصيب بعضهم عن قيمته، لميفكّ أحدهم و كان الميراث للامام عليهالسلام.
في الروضة: «و لو قصر المال عن قيمته ففي فكّه قولان، أشهرهما العدم وقوفا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق. و هذا يتّجه في غير من اتّفق على فكّه و فيه يتّجه شراء الجزء و ان قلّ؛ عملاً بمقتضى الأمر بحسب الامكان و لحصول الغرض به في الجملة، و على المشهور [من وجوب شراء كلّ قرابة] لو تعدّد
1) - وسائل الشيعة 26: 50 / الباب 20 من أبواب موانع الارث / الحديث 5.
الرقيق و قصر المال عن فكّ الجميع و أمكن أنيفكّ به البعض ففي فكّه بالقرعة أو التخيير أو عدمه أوجه. و كذا الاشكال لو وفت حصّة بعضهم بقيمته و قصر البعض لكن فكّ الموفي هنا أوجه».(1)
و في القواعد: «و لو قصر المال عن الثمن كانت التركة للامام، و قيل: يفكّ بما وجد و يسعى في الباقي، و لو تعدّد الوارث الرقيق و قصر نصيب كلّ واحد منهم أو نصيب بعضهم عن قيمته لميفكّ و كان المال للامام و هل يفكّ من ينهض نصيبه بقيمته؛ لكثرته أو لقلّة قيمته؟ فيه اشكال، فان أوجبناه ورث باقي المال».(2)
و قال في المختلف: «لو قصرت التركة عن القيمة نقل الشيخ عن بعض أصحابنا الشراء و أنّه يستسعي المملوك في ثمن باقيه. و كذا نقله ابن الجنيد و ابن البرّاج. و الشيخ المفيد رحمهالله قال: انّ التركة لبيت المال، و كذا سلاّر. و هذا هو المشهور؛ لأصالة عدم وجوب الشراء، خرج ما اذا وفت التركة فيبقى الباقي على المنع، على أنّ القول الآخر ليس بعيدا من الصواب؛ لأنّ عتق الجزء يشارك عتق الجميع في الأمور المطلوبة شرعا فيساويه في الحكم».(3)
و الجواهر تابع المصنّف و المشهور في الفرع الأوّل و قال: «لأنّ الفكّ مخالف للأصل من وجوه فيقتصر فيه على المعلوم و للاجماع كما في المصابيح؛ لانقراض الخلاف و شذوذه، فلايتهجّم على منع الارث الثابت بالكتاب و السنّة بمثل ذلك. - و قال في الفرع الثاني: - وفاقا للمشهور أيضا بين القدماء و المتأخّرين، بل في محكي السرائر نفي الخلاف عنه؛ لما عرفت من الاقتصار فيما خالف الأصل على المتيقّن الذي هو وفاء التركة بشراء جميع أهل الطبقة من الورثة. - و بعد ذكر المخالفين من العلاّمة في القواعد و الارشاد و الفخر ابنه في
الايضاح، و الشهيد في المسالك و الروضة، و الأردبيلي في مجمع القواعد قال: - و الجميع كما ترى بعد ما عرفت من الاقتصار فيما خالف الأصل على مورد النصّ الذي لا ريب في خروج الفرض عنه».(1)
أقول:
ما ذهب اليه المشهور و استدلّ لهم صاحب الجواهر و ان كان قريبا، الاّ أنّ الظاهر من الروايات - من نسبة الحكم في بعضها الى القضاء - أنّ الحاكم يشتري المملوك بمقدار يفي به المال و يعتق بعضه الذي اشتراه، هذا فيما لو كان الوارث المملوك واحدا و قصر المال عن ثمنه. ولو ترك وارثين مملوكين أو أكثر و وفى المال بشراء بعضهم دون الآخر فيشتريه و يعتقه، ولو كان المال وفى بشراء واحد منهم فقط، فيتوصّل الى القرعة. و لو لميف بشراء كلّ العبد و لو واحدا فيختصّ المال بشراء بعض من واحد من هؤلاء بالقرعة.
و الدليل على ذلك أوّلاً: ظهور بعض الروايات في أنّ ذلك بنظر الحاكم. و ثانيا: لو قيل بأنّ المال للامام بعنوان منصبه، و بعده للحاكم النائب عنه فاشتراء المملوك و عتقه ممّا يرضى الشارع به و يكون من مصالح المسلمين، و ان كان بعضه، مضافا الى أنّه موافق للاحتياط؛ للجمع بين الملك للامام و العمل بما في الروايات.
قال في الجواهر: «بقي شيء و هو أنّ ظاهر المصنّف و غيره ملاحظة وفاء النصيب بفكّ صاحبه مع تعدّد الوارث. و فيه منع، ضرورة ظهور الأدلّة في فكّ الوارث متّحدا أو متعدّدا من التركة من غير ملاحظة ذلك، اذ لا نصيب لهم قبل الفكّ بل لو فرض التدريج في فكّهم لميكن للذي سبق فكّه مزاحمة غيره في
1) - جواهر الكلام 39: 54 و 55.
قيمة فكّه على ما هو ظاهر النصوص».(1)
و لو كان العبد قد انعتق بعضه ورث من نصيبه بقدر حرّيّته، و منع بقدر رقّيّته و كذا يورث منه، و حكم الأمة كذلك.
تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام في مكاتب كانت تحته امرأة حرّة، فأوصت عند موتها بوصيّة، فقال أهل الميراث: (لانجيز وصيّتها له، أنّه)(2)مكاتب لميعتق و لايرث، فقضى:
«أنّه يرث بحساب ما أعتق منه».(3)
و صحيحة أخرى له عن أبي جعفر عليهالسلام في مكاتب توفّي و له مال قال:
«يحسب ميراثه على قدر ما أعتق منه لورثته، و ما لميعتق منه لأربابه الذين كاتبوه من ماله».(4)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المكاتب يرث و يورث على قدر ما أدّى».(5)
و موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في مكاتبة بين شريكين، يعتق أحدهما نصيبه، كيف تصنع الخادم؟ قال:
«تخدم الباقي يوما و تخدم نفسها يوما، قلت: فان ماتت و تركت مالاً، قال: المال بينهما نصفان بين الذي أعتق و بين الذي أمسك».(6)
1) - جواهر الكلام 39: 55.
2) - في المصدر: «لايرث و لاتجيز وصيّتها له لأنّه». هامش الوسائل
3) - وسائل الشيعة 26: 47 / الباب 19 من أبواب موانع الارث / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 26: 48 / الباب 19 من أبواب موانع الارث / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 26: 48 / الباب 19 من أبواب موانع الارث / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 26: 48 / الباب 19 من أبواب موانع الارث / الحديث 4.
مسألتان: «الأولى»: يفكّ الأبوان للارث اجماعا، و في الأولاد تردّد. أظهره أنّهم يفكّون. و هل يفكّ من عدا الآباء و الأولاد؟ الأظهر لا. و قيل: يفكّ كلّ وارث و لو كان زوجا أو زوجة، و الأوّل أولى.
قد تقدّم أنّه ان لميكن للميّت وارث حرّ، و له وارث مملوك ذو قرابة يشترى من تركة الميّت و يعتق و يعطى باقي المال، سواء كان أبا أو ابنا أو غيرهما. و أمّا الزوج و الزوجة فبالنسبة الى الزوجة رواية صحيحة فيلحق بها الزوج بالأولويّة. ففي صحيحة سليمان بن خالد قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام كان علي عليهالسلام: اذا مات الرجل و له امرأة مملوكة اشتراها من ماله فأعتقها ثمّ ورّثها».(1)
«الثانية»: أمّ الولد لاترث. و كذا المدبّر، و لو كان وارثا من مدبّره. و كذا المكاتب المشروط، و المطلق الذي لميؤدّ شيئا.
ففي الجواهر: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل و لا اشكال في عدم ارثهم القريب غير المولى، ضرورة اندراجهم في جميع ما دلّ على عدم ارث المملوك من نصّ و اجماع محكي؛ لبقائهم أجمع على الرقّيّة، فهم حينئذٍ كالقنّ و ان كان لهم نوع تشبّث بالحرّيّة، و لذا لو ماتوا لميرثهم أحد، لعدم الملك لهم بلا خلاف أجده في شيء منهم الاّ في المكاتب المطلق الذي يموت و عنده وفاء، فانّ فيه خلافا تقدّم في محلّه. و أمّا ارثهم للمولى مع فرض كونه قريبا فلا وجه له في أمّ الولد المحجوبة بابنها المنعتق من نصيب ولدها، و كذا لا وجه له في المكاتبين بعد فرض بقائهما على الرقّيّة.و أمّا المدبّر فان كان هناك اجماع فبها، و الاّ فللنظر فيه مجال. انتهى ملخّصا».(2)
و من لواحق أسباب المنع أربعة.
«الأوّل»: اللعان سبب لسقوط نسب الولد، نعم لو اعترف بعد اللعان ألحق به و يرثه الولد و هو لايرثه.
في المسالك: «قد تقدّم في بابه أنّ اللعان يقطع الزوجيّة و نسب الولد عن الأب، فينتفي التوارث بين الزوجين و بين الزوج و الولد. و استثني من ذلك ما لو اعترف به بعد اللعان، فانّه حينئذٍ يرثه الولد دون العكس».(1)
تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في الملاعن):
«ان أكذب نفسه قبل اللعان ردّت اليه امرأته و ضرب الحدّ، (و ان لاعن لمتحلّ له)(2)أبدا و ان قذف رجل امرأته كان عليه الحدّ، و ان مات ولده ورثه أخواله، فان ادّعاه أبوه لحق به، و ان مات ورثه الابن و لم يرثه الأب».(3)
و رواية محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل لاعن امرأته، و انتفى من ولدها، ثمّ أكذب نفسه بعد الملاعنة، و زعم أنّ ولدها ولده، هل تردّ عليه؟ قال: لا و لا كرامة، لاتردّ عليه و لاتحلّ له الى يوم القيامة - الى أنقال: - فقلت اذا أقرّ به الأب هل يرث الأب؟ قال: نعم، و لايرث الأب الابن».(4)
«الثاني»: الغائب غيبة منقطعة لايورث حتّى يتحقّق موته أو تنقضي مدّة لايعيش مثله غالبا فيحكم لورثته الموجودين في وقت الحكم. و قيل: يورث بعد انقضاء عشر سنين من غيبته. و قيل: يدفع ماله الى وارثه المليّ. و الأوّل أولى.
نذكر الروايات الواردة في ميراث المفقود حتى يتبيّن الحال:
صحيحة هشام بن سالم قال:
«سأل خطّاب الأعور أبا ابراهيم عليهالسلام - و أنا جالس - فقال: انّه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجرة ففقدناه و بقي من أجره شيء (و لايعرف له وارث)، قال: فاطلبوه. قال: قد طلبناه فلمنجده، قال: فقال: مساكين - و حرّك يده - قال: فأعاد عليه. قال: أطلب و اجهد، فان قدرت عليه، و الاّ فهو كسبيل مالك، حتّى يجيء له طالب، فان حدث بك حدث فأوصِ به: ان جاء له طالب أنيدفع اليه».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألته عن رجل كان له ولد فغاب بعض ولده فلميدر أين هو، و مات الرجل فكيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: يعزل حتّى يجيء، قلت: فقد الرجل فلميجئ، قال: ان كان ورثة الرجل ملاءً بماله اقتسموه بينهم، (فان هو) جاء ردّوه عليه».(2)
و موثّقة اسحاق بن عمّار الثانية عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل كان له ولد فغاب بعض ولده فلميدر أين هو و مات الرجل فأيّ شيء يصنع بميراث الرجل الغائب من أبيه؟ قال:
يعزل حتّى يجيء. قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: لا حتّى يجيء. قلت: فاذا جاء يزكّيه؟ قال: لا، حتّى يحول عليه الحول في يده، فقلت: فقد الرجل فلميجئ، قال: ان كان ورثة الرجل ملاءً بماله اقتسموه بينهم، فاذا هو جاء ردّوه عليه».(1)
و عنهم عن سهل عن علي بن مهزيار قال:
«سألت أبا جعفر الثاني عليهالسلام عن دار كانت لامرأة و كان لها ابن و ابنة، فغاب الابن بالبحر و ماتت المرأة فادّعت ابنتها أنّ أمّها كانت صيّرت هذه الدار لها و باعت أشقاصا منها و بقيت في الدار قطعة الى جنب دار رجل من أصحابنا و هو يكره أنيشتريها؛ لغيبة الابن، و ما يتخوّف أنلايحلّ شراؤها و ليس يعرف للابن خبر، فقال لي: و منذ كم غاب؟ قلت: منذ سنين كثيرة. قال: ينتظر به غيبة(2)عشر سنين، فقلت: اذا انتظر به غيبة(3)عشر سنين يحلّ شراؤها؟ قال: نعم».(4)
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المفقود يحبس ماله على الورثة قدر ما يطلب في الأرض أربع سنين، فان لميقدر عليه قسّم ماله بين الورثة، فان كان له ولد حبس المال و أنفق على ولده تلك الأربع سنين».(5)
و موثّقة ثالثة لاسحاق بن عمّار قال:
«قال لي أبو الحسن عليهالسلام: المفقود يتربّص بماله أربع سنين ثمّ يقسّم».(6)
1) - وسائل الشيعة 26: 300 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه / الحديث 8.
2) - في المصدر: غيبته. هامش الوسائل
3) - في المصدر: غيبته. هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 26: 299 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 26: 300 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه / الحديث 9.
6) - وسائل الشيعة 26: 298 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه / الحديث 5.
أقول:
انّ الظاهر من موثّقة سماعة و موثّقة اسحاق بن عمّار الثالثة، أنّ المفقود يتربّص بماله أربع سنين ثمّ يقسّم و ان كان له ولد أنفق على ولده تلك الأربع، و الظاهر أيضا من الموثّقتين الأوليين لاسحاق بن عمّار، أنّه ان كان ورثة الرجل ملاءً بماله اقتسموه بينهم، فاذا جاء ردّوه عليه. و الجمع بين الطائفتين هو أنّه ان كانت الورثة يئسوا من مجيء المفقود قبل مضي أربع سنين و كانوا ملاءً بماله اقتسموه بينهم، فان جاء ردّوه عليه، فاذا لميجئ و لميكونوا ملاءً بماله قسّم بينهم بعد مضي أربع سنين. و ان جاء المفقود بعد الأربعة و التقسيم، فان كان شيء من المال باقيا ردّوه اليه.
ثمّ اعلم أنّ النقود المتداولة في زمن الأئمّة عليهمالسلام كانت دنانير و دراهم، و كانتا من جنس الذهب و الفضّة اللذين تكون قيمة المال بهما، و أمّا في مثل زماننا هذا الذي تكون المعاملات الرائجة بالأوراق النقديّة فان كانت قيمتها تقلّص في كلّ سنة، فعلى ورثة المفقود أنيرجعوا الى الحاكم و يطابقوا قيمة أمواله بالذهب ثمّ يعملوا بما تقدّم.
و أمّا صحيحة هشام بن سالم و رواية علي بن مهزيار، فالظاهر أنّهما و أمثالهما واردة فيمن عنده مال شخص غائب و لميجئ، فالظاهر في مثل ذلك الرجوع الى الحاكم، و قد حقّق في آخر المكاسب المحرّمة.
«الثالث»: الحمل يرث بشرط انفصاله حيّا و لو سقط ميّتا، لميكن له نصيب. و لو مات بعد وجوده حيّا كان نصيبه لوارثه. و لو سقط بجناية، أعتبر بالحركة التي لاتصدر الاّ من حيّ دون التقلّص الذي يحصل طبعا لا اختيارا.
انّ الحمل يرث و يورث اذا ولد حيّا، و يعرف بأنيصيح، أو يتحرّك حركة اختياريّة، و لايرث بدون ذلك. تدلّ على ذلك صحيحة ربعي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول في السقط اذا سقط من بطن أمّه فتحرّك تحرّكا بيّنا: يرث و يورث، فانّه ربّما كان أخرس».(1)
و موثّقة عبداللّه بن سنان في ميراث المنفوس من الدية قال:
«لايرث شيئا حتّى يصيح و يسمع صوته».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايصلّى على المنفوس، و هو المولود الذي لميستهلّ و لميصح و لميورّث من الدية و لا من غيرها، فاذا استهلّ فصلّ عليه، و ورّثه».(3)
فانّ المستفاد من الأخبار المذكورة و أمثالها أنّ الاعتبار في كون الولد وارثا أو مورّثا بانفصاله حيّا، و لو انفصل ميّتا لايرث و لايورّث. و عليه يكون الحمل حاجبا لورثة الميّت و عزل سهمه من التركة، و ان كان نطفة، فان تولّد حيّا كشف عن كونه وارثا فيعطى سهمه، و ان مات بعد انفصاله حيّا يرث سهمه من يتقرّب به كأمّه في المثال. ولو سقط ميّتا كشف عن أنّ المال كان لغيره من الورثة. و يشترط العلم بوجود الحمل حين موت أبيه.
ثمّ انّه لزم انفصاله كاملاً، فلو خرج نصفه و تحرّك و استهلّ ثمّ سقط ميّتا لايرث و لايورّث؛ لظاهر الروايات، و يطابقه الأصل. و لايشترط الانفصال الطبيعي، فان انفصل بجناية جانٍ فان تحرّك حركة بيّنة تدلّ على حياته و ان مات بعدها فيرث و يورّث، و ان سقط ميّتا فلايرث و لايورّث.
ثمّ انّ المعزول من مال الميّت يكون قدر نصيب الحمل المحتمل الوجود، و هونصيب ذكرين فان مات الأب و ترك ذكرا أعطي الذكر - بعد اعطاء سهم الزوجة - ثلث ما بقي من التركة و يعزل ثلثاه، و هكذا.
«الرابع»: اذا مات و عليه دين يستوعب التركة لمتنتقل الى الوارث، و كانت على حكم مال الميّت. و ان لميكن مستوعبا انتقل الى الورثة ما فضل. و ما قابل الدين باقٍ على حكم مال الميّت.
في المسالك: «انّما لمتنتقل التركة مع وجود الدين، الى الوارث؛ لأنّ اللّه تعالى جعل الارث بعد الدين؛ لقوله تعالى: «من بعد وصيّة يوصي بها أو دين» فاذا كان الدين مستوعبا لميتحقّق الارث؛ اذ ليس بعده شيء يورث. و ان لميستوعب فالفاضل عنه ينتقل الى الوارث؛ عملاً بظاهر الآية. و هذا اختيار الشيخ و الأكثر. و قيل: ينتقل الى الوارث مطلقا، لكنّه يمنع من التصرّف فيها الى أنيوفي الدين؛ لاستحالة بقاء ملك بغير مالك و الميّت لايقبل الملك، و الديّان لاتنتقل الى ملكهم اجماعا و لا الى غير الوارث، فتعيّن انتقالها الى الوارث. و تحمل الآية على الملك المستقرّ بعد الدين و الوصيّة؛ جمعا بين الأدلّة. و هذا أقوى. و تظهر الفائدة في النماء المتخلّل بين الوفاة و وفاء الدين، فعلى مذهب المصنّف يتبع العين في تعلّق الدين به و تقديمه على حقّ الوارث، و على الثاني يكون للوارث مطلقا. فعلى ما اخترناه يمنع الوارث من التصرّف في التركة - كمنع الراهن من التصرّف في ماله المرهون - الى أنيوفي الدين منها أو من غيرها، و هو مخيّر في جهات القضاء. و لو لميستوعب التركة ففي منعه من التصرّف مطلقا أو فيما قابل الدين خاصّة، وجهان. أجودهما الثاني، لكن يكون التصرّف مراعىً بوفاء الباقي بالدين، فلو قصر لتلف أو نقص لزم الوارث الاكمال. فان تعذّر الاستيفاء منه ففي تسلّط المدين أو الحاكم على نقض تصرّفه اللازم في الزائد وجهان. أجودهما ذلك».(1)
1) - مسالك الأفهام 13: 61 و 62.
أقول:
قد تقدّم البحث عن ذلك في مباحث الحجّ حيث قلنا ببقاء التركة على ملك الميّت فراجع(1).
1) - الهادي 15 كتاب الحجّ الجزء الأوّل: 310.
«المقدّمة الثالثة»: في الحجب. الحجب قد يكون عن أصل الارث، و قد يكون عن بعض الفرض. فالأوّل ضابطه مراعاة القرب فلا ميراث لولد ولد مع ولد، ذكرا كان أو أنثى، حتّى أنّه لا ميراث لابن ابن مع بنت. و متى اجتمع أولاد الأولاد - و ان سفلوا - فالأقرب منهم يمنع الأبعد.
قال في المسالك: «الحجب لغة المنع و شرعا منع من قام به سبب الارث بالكليّة أو من أوفر حظّيه. و يسمّى الأوّل حجب حرمان و الثاني حجب نقصان و سيأتي تفصيل الجميع. - و قال في قول المصنّف: «ضابطه مراعاة القرب...» : - هذا موضع وفاق بين الاماميّة و أخبارهم به مستفيضة. و خالف فيه العامّة، فورّثوا أولاد الابن - ذكرا أو أنثى - مع البنت مطلقا، و مع البنتين فصاعدا اذا كان ولد الابن ذكرا. و لو كان الولد للصلب ذكرا حجب ولد الولد مطلقا باجماع المسلمين».(1)
و في الجواهر: «و لاينافي هذا الضابط مشاركة ولد الولد النازل مع فقد أبيه للأب الذي هو أقرب منه بعد أن نزّله الشارع منزلة أبيه الذي هو أعلم بالأقربيّة من غيره، و لذا قال عزّ من قال: «آباؤكم و أبناؤكم لاتدرون أيّهم أقرب لكم نفعا
1) - مسالك الأفهام 13: 62 و 63.
فريضة من اللّه»».(1)
والدليل على منع الأقرب من الورثة الأبعد مطلقا مضافا الى عدم الخلاف بين الاماميّة، قوله تعالى: «للرجال نصيب ممّا ترك الوالدان و الأقربون و للنساء نصيب ممّا ترك الوالدان و الأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا»(2)
و صحيحة محمّد بن الحسن الصفّار أنّه كتب الى أبي محمّد الحسن بن علي عليهالسلام:
«رجل مات و ترك ابنة ابنه و أخاه لأبيه و أمّه لمن يكون الميراث؟ فوقّع عليهالسلام في ذلك: الميراث للأقرب ان شاءاللّه».(3)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«بنات الابنة يرثن اذا لميكن بنات كنّ مكان البنات».(4)
و رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«ابنك أولى بك من ابن ابنك، و ابن ابنك أولى بك من أخيك. قال: و أخوك لأبيك و أمّك أولى بك من أخيك لأبيك، و أخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأمّك. قال: و ابن أخيك لأبيك و أمّك أولى بك من ابن أخيك لأبيك. قال: و ابن أخيك من أبيك أولى بك من عمّك. قال: و عمّك أخو أبيك من أبيه و أمّه أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه. قال: و عمّك أخو أبيك من أبيه أولى بك من عمّك أخي أبيك لأمّه. قال: و ابن عمّك أخي أبيك
من أبيه و أمّه أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأبيه. قال: و ابن عمّك أخي أبيك من أبيه أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأمّه»(1).
و في الوسائل: «أقول: أولويّة المتقرّب بالأب وحده على المتقرّب بالأمّ وحدها من الاخوة و الأعمام و أولادهم بمعنى زيادة الميراث، و في غيرهم بمعنى الحجب؛ لما يأتي».(2)
أقول:
سند الرواية هكذا: محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد و عن علي بن ابراهيم عن أبيه و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد جميعا عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام، و السند لا اشكال فيه الاّ في يزيد الكناسي.
قال المجلسي رحمهالله: «[السند] صحيح أو مجهول و الأوّل أظهر؛ اذ القرائن تدلّ على أنّ الكناسي هو أبو خالد القمّاط».(3)
و عن معجم رجال الحديث: «لايبعد أنيكون يزيد الكناسي متّحدا مع يزيد أبي خالد القمّاط - و قد ورد التوثيق في يزيد أبي خالد القمّاط دون يزيد الكناسي -
و ذلك؛ لأنّ يزيد أبا خالد القمّاط كوفيّ على ما صرّح به النجاشي، و الكناسهمحلّة من محلاّت الكوفة فيزيد أبو خالد قماط كوفيّ، كناسي. ولكن ما عن البرقي في ذاك يشعر بالتعدّد. انتهى ملخّصا».(4)
و السند لا باس به، و مضامين الرواية موجودة في الروايات الأخر.
و يمنع الولد من يتقرّب بالأبوين أو بأحدهما، كالاخوة و بنيهم، و الأجداد و آبائهم و الأعمام و الأخوال و أولادهم. و لايشارك الأولاد في الارث سوى الأبوين و الزوج أو الزوجة. فاذا عدم الآباء و الأولاد، فالاخوة و الأجداد. و يمنع الأخ ولد الأخ. و لو اجتمعوا بطونا متنازلة فالأقرب أولى من الأبعد، و يمنع الاخوة و أولادهم - و ان نزلوا - من يتقرّب بالأجداد من الأعمام و الأخوال و أولادهم، و لايمنعون آباء الأجداد. فانّ الجدّ و ان علا جدّ، لكن لو اجتمعوا بطونا متصاعدة فالأدنى الى الميّت أولى من الأبعد.
في الجواهر: «لايشارك الأولاد في الارث عندنا سوى الأبوين و الزوج أو الزوجة خلافا للمحكي عن يونس بن عبدالرحمن من أنّه اذا اجتمع جدّ - أبو أب - و ابن - ابن ابن - فالمال كلّه للجدّ. و أبي علي من أنّه لو خلّف بنتا و أبوين فلفاضل عن أنصبائهم للجدّين أو الجدّتين، و لو خلّف ولد ولد و جدّا أو والدا و جدّا فللجدّ السدس. و الصدوق من أنّه لو خلّفت زوجها و ابن ابنها و جدّا فللزوج الربع و للجدّ السدس و الباقي لابن الابن. و هي أقوال شاذّة قد انعقد اجماع الاماميّة على خلافها، كبعض الأخبار المنافية لذلك».(1)
مراده من الأخبار المنافية:
صحيحة سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن الأوّل عليهالسلام قال:
«بنات الابنة يقمن مقام البنات(2)اذا لميكن للميّت بنات و لا وارث غيرهنّ، و بنات الابن يقمن مقام الابن اذا لميكن للميّت(3)أولاد و لا وارث غيرهنّ».(4)
و في الوسائل: «استدلّ به الصدوق على أنّ ولد الولد لايرث مع الأبوين، و ليس بصريح في ذلك، و خالفه الشيخ و غيره و حملوا قوله عليهالسلام: «و لا وارث غيرهنّ» على أنّ المراد به اذا لميكن للميّت الابن الذي يتقرّب ابن الابن به، أو البنت التي تتقرّب بنت البنت بها، و لا وارث من الأولاد للصلب غيره؛ لما مضى و يأتي - الى أنقال: - و قال الشيخ في النهاية: «ذكر بعض أصحابنا أنّ ولد الولد مع الأبوين لايأخذ شيئا، و ذلك خطأ؛ لأنّه خلاف لظاهر التنزيل و المتواتر من الأخبار»».(1)
قال في الجواهر: «فاذا عدم الآباء و الأولاد و ان نزلوا فالاخوة و الأجداد بلا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه، و النصوص وافية الدلالة عليه. و هم يمنعون من عداهم سوى الزوجين، و يمنعون من يتقرّب بهم أيضا، و حينئذٍ فيمنع الأخ ولد الأخ، و الجدّ أباه. و لو اجتمعوا أي أولاد الاخوة بطونا متنازلة فالأقرب أولى من الأبعد. و كذا يمنع الاخوة و أولادهم و ان نزلوا من يتقرّب بالأجداد من الأعمام و الأخوال و أولادهم؛ لما عرفت و لقول الباقر عليهالسلام في صحيح يزيد الكناسي: «و ابن أخيك من أبيك أولى بك من عمّك». نعم لايمنعون آباء الأجداد، فانّ الجدّ و ان علا جدّ، كما أنّهم لايمنعون أولاد الاخوة و ان نزلوا خلافا للعامّة، بل عن المبسوط أنّه لميوافقنا عليه أحد، و أسقط الشافعي الاخوة لأمّ مع الجدّ، و أبو حنيفة الاخوة مطلقا، و الصحيح ما عرفت. لكن لو اجتمعوا أي الأجداد بطونا متصاعدة فالأدنى الى الميّت أولى من الأبعد؛ للضابط المزبور».(2)
و سيأتي البحث عن ذلك في موضعه.
و الأعمام و الأخوال و أولادهم، و ان نزلوا يمنعون أعمام الأب و أخواله.
و كذا أولاد أعمام الأب و أخواله، يمنعون أعمام الجدّ و أخواله. و يسقط من يتقرّب بالأب وحده، مع من يتقرّب بالأب و الأمّ، مع التساوي في الدرج، و المناسب و ان بعد يمنع مولى النعمة، و كذا وليّ النعمة أو من قام مقامه في ميراث المعتق، يمنع ضامن الجريرة و ضامن الجريرة يمنع الامام عليهالسلام.
قوله رحمهالله: «و الأعمام و الأخوال - الى قوله: - يمنعون أعمام الجدّ و أخواله»؛ لأنّ الأقرب يمنع الأبعد، منضمّا اليه ما يدلّ على تنزيل الأولاد منزلة آبائهم مع فقدهم، و قوله رحمهالله: «و يسقط - الى قوله - مع التساوي في الدرج»؛ لقول الباقر عليهالسلام في رواية يزيد الكناسي:
«و عمّك أخو أبيك من أبيه و أمّه أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه».(1)
و قوله رحمهالله: «و المناسب و ان بعد - الى قوله: - و ضامن الجريرة يمنع الامام عليهالسلام»؛ للروايات الواردة في الباب الواحد من أبواب ميراث ولاء العتق.(2)
و أمّا الحجب عن بعض الفرض فاثنان: حجب الولد و حجب الاخوة. أمّا الولد فانّه و ان نزل، ذكرا كان أو أنثى، يمنع الأبوين عمّا زاد عن السدسين، الاّ مع البنت أو البنتين فصاعدا مع أحد الأبوين. و يحجب أيضا الزوج و الزوجة، عن النصيب الأعلى الى الأخفض. و للزوج و الزوجة ثلاثة أحوال: «الأولى»: أنيكون في الفريضة ولد و ان سفل. فللزوج الربع و للزوجة الثمن. «الثانية»: أنلايكون هناك ولد، و لا ولد ولد و ان نزل، فللزوج النصف و للزوجة الربع، و لايعال نصيبهما؛ لأنّ العول عندنا باطل. «الثالثة»:
أنلايكون هناك وارث أصلاً، من مناسب و لا مسابب، فالنصف للزوج و الباقي ردّ عليه. و للزوجة الربع. و هل يردّ عليها؟ فيه أقوال ثلاثة: أحدها يردّ و الآخر لايردّ، و الثالث يردّ مع عدم الامام لا مع وجوده و الحقّ أنّه لايردّ.
و في الجواهر: «انّ البنت الواحدة مع الأبوين، فانّها لاتمنع الأبوين عمّا زاد عن السدسين، فيبقى سدس يردّ عليهم أخماسا عندنا، و البنت مع أحد الأبوين لاتمنعه و يبقى ثلث يردّ عليهما أرباعا. و البنتين فصاعدا مع أحد الأبوين فانّهما لاتمنعانه عن الزائد عن السدس، فيبقى سدس يردّ عليهما أخماسا، خلافا لأبي على، فخصّ الردّ بالبنتين، و هو ضعيف كما ستعرفه ان شاءاللّه. و يحجب الولد أيضا و ان نزل، الزوج و الزوجة عن النصيب الأعلى و هو النصف و الربع الى الأخفض و هو الربع و الثمن كتابا و سنّة و اجماعا بقسميه. و لايعال نصيبهما؛ لأنّ العول عندنا باطل بلا فرق بين وجود الولد و عدمه عندنا.
و لو كان وارث الميّت زوجا وحده، فالنصف له بالفرض و الباقي يرّد عليه على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا، بل عن الشيخين و جماعة دعواه عليه، و هو الحجّة مضافا الى المعتبرة المستفيضة. منها صحيحة أبي بصير قال: «كنت عند أبي عبداللّه عليهالسلام فدعا بالجامعة فنظرنا فيها، فاذا امرأة ماتت و تركت زوجها لا وارث لها غيره، المال له كلّه». و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام في امرأة توفّيت و لميعلم لها أحد، و لها زوج قال: «الميراث لزوجها». و رواه الكليني بسند صحيح مثله، الاّ أنّه قال: «الميراث كلّه لزوجها». خلافا للمحكي عن الديلمي من الميل الى أنّ الباقي للامام عليهالسلام؛ للأصل و ظاهر الآية في قوله تعالى: «و لكم نصف ما ترك أزواجكم ان لميكن لهنّ ولد» و موثّقة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «لايكون الردّ على زوج و لا زوجة». و فيه: أنّ الأصل لايعارض النصّ، و لا دلالة للآية على عدم الردّ، و أمّا الموثّقة فيجمع بينها و بين الصحاح الصريحة في الردّ بأنّها فيما يكون غيره وارث آخر،
كما هو الغالب. انتهى ملخّصا».(1)
و قد تقدّم البحث عن هذه المسألة تفصيلاً، فراجع.
و أمّا حجب الاخوة: فانّهم يمنعون الأمّ عمّا زاد عن السدس بشروط أربعة: «الأوّل»: أن يكونا رجلين فصاعدا، أو رجلاً و امرأتين، أو أربع نساء. «الثاني»: ألاّيكونوا كفرة و لا رقّا. و هل يحجب القاتل؟ فيه تردّد، و الظاهر أنّه لايحجب. «الثالث»: أنيكون الأب موجودا. «الرابع»: أنيكونوا للأب و الأمّ، أو للأب. و في اشتراط وجودهم منفصلين لا حملاً تردّد، أظهره أنّه شرط.
اذا كان للميّت أب و أمّ خاصّة و لميكن له اخوة فلأمّه الثلث و الباقي للأب، و أمّا اذا كان له اخوة فانّهم وان لميرثوه، لكن حجبوا الأمّ عن سهمه الأكثر فلأمّه السدس و الباقي للأب؛ لقوله تعالى: «فان لميكن له ولد و ورثه أبواه فلأمّه الثلث فان كان له اخوة فلأمّه السدس».(2)
لكن يشترط في حجب الاخوة الأمّ أمور:
الأوّل و الثاني: أنيكونوا رجلين فصاعدا، أو رجلاً و امرأتين، أو أربع نساء، و أنيكونوا لأب و أمّ أو لأب، و الدليل على ذلك صحيحة أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا ترك الميّت أخوين فهم اخوة مع الميّت، حجبا الأمّ عن الثلث، و ان كان واحدا لميحجب الأمّ، و قال: اذا كنّ أربع أخوات حجبن الأمّ عن الثلث؛ لأنّهنّ بمنزلة الأخوين، و ان كنّ ثلاثا لميحجبن».(3)
و موثّقة فضل أبي العبّاس البقباق قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن أبوين و أختين لأب و أمّ، هل يحجبان الأمّ عن الثلث؟ قال:«لا، قلت: فثلاث؟ قال: لا، قلت: فأربع؟ قال:نعم».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايحجب الأمّ عن الثلث اذا لميكن ولد الاّ أخوان أو أربع أخوات».(2)
و موثّقة أخرى لفضل أبي العبّاس البقباق عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايحجب الأمّ عن الثلث الاّ أخوان أو أربع أخوات لأب و أمّ، أو لأب».(3)
و ما في رواية العلاء بن فضيل عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«و لايحجب الأمّ عن الثلث الاخوة و الأخوات من الأمّ ما بلغوا، و لايحجبها الاّ أخوان أو أخ و أختان أو أربع أخوات لأب أو لأب و أمّ، أو أكثر من ذلك».(4)
و لاتعارضها موثّقة أبي العبّاس البقباق الثالثة عن أبي عبداللّه عليهالسلام في أبوين و أختين، قال:
«للأمّ مع الأخوات الثلث. انّ اللّه عزّوجلّ قال: «فان كان له اخوة» و لميقل: فان كان له أخوات».(5)
و روايته قال:
سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن أمّ و أختين، قال: للأمّ الثلث؛ لأنّ اللّه يقول:
1) - وسائل الشيعة 26: 120 / الباب 11 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد/ الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 26: 121 / الباب 11 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 26: 120 / الباب 11 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 26: 123 / الباب 13 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 26: 121 / الباب 11 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 5.
«فان كان له اخوة» و لميقل: فان كان له أخوات».(1)
لأنّه كما قال صاحب الوسائل عن الشيخ و غيره: «انّه مخصوص بما اذا لميكن أربعا أو بما اذا كنّ من الأمّ، لا من الأب و لا الأبوين و جوّز حمله على التقيّة».(2)
الثالث: أنلايكون الاخوة مملوكين و لا كافرين؛ و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن المملوك و المشرك، يحجبان اذا لميرثا؟ قال: لا».(3)
و موثّقة الفضل بن عبدالملك قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن المملوك و المملوكة، هل يحجبان اذا لميرثا؟ قال: لا».(4)
و رواية الحسن بن صالح عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المسلم يحجب الكافر و يرثه، و الكافر لايحجب المسلم(5)و لايرثه».(6)
و مرسلة الصدوق قال:
«و قال عليهالسلام: الاسلام يعلو و لايعلى عليه، و الكفّار بمنزلة الموتى، لايحجبون و لايرثون».(7)
1) - وسائل الشيعة 26: 121 / الباب 11 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 26: 121.
3) - وسائل الشيعة 26: 124 / الباب 14 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 26: 124 / الباب 14 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 3.
5) - في المصدر: المؤمن. هامش الوسائل
6) - وسائل الشيعة 26: 124 / الباب 15 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 1.
7) - وسائل الشيعة 26: 125 / الباب 15 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 2.
و في الجواهر(1)ادّعى الاجماع في الشروط المذكورة و هي أنيكونوا رجلين فصاعدا أو رجلاً و امرأتين أو أربع نساء و ألاّيكونوا كفرة و لا أرقّاء و أنيكون الأب موجودا و أنيكونوا للأب و الأمّ أو للأب.
و هل يحجب الأخ القاتل لأخيه الموروث؟
قال المصنّف: «فيه تردّد، و الظاهر أنّه لايحجب».
و في الجواهر:«وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة».(2)
و في اللمعة و شرحها: «الرابع انتفاء موانع الارث من القتل و الكفر والرقّ عنهم و كذا اللعان و يحجب الغائب مالميقضَ بموته شرعا».(3)
و في المسالك: «و أمّا القاتل فالمشهور أنّه مثلهما في عدم الحجب، بل ادّعى الشيخ في الخلاف عليه الاجماع؛ لمشاركته لهما [الكافر و الرقّ] في العلّة الموجبة للحكم. و المصنّف رحمهالله تردّد في ذلك ممّا ذكر و من عموم الآية: «فان كان له اخوة فلأمّه السدس» و صدق الاخوة بالقاتل، و منع التعدّي فانّ العلّة ليست منصوصة بل مستنبطة فيكون الالحاق بها قياسا لايقول الأصحاب به. و الاجماع ممنوع فانّ الصدوقين و ابن أبي عقيل قالوا بحجب القاتل. و علّلوا حجب الاخوة بما روي من أنّهم عياله و عليه نفقتهم، و نفقة القاتل لاتسقط عن الأب، بخلاف المملوك، أمّا الكافر فقد تقدّم أنّ نفقته واجبة حيث يكون معصوم الدم، لكنّه خرج بنصّ خاصّ فيبقى غيره على الأصل».(4)
و في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: «و كذلك ان كانت الاخوة و الأخوات من قبل الأب أو الأب و الأمّ كفّارا أو مماليك لميحجبوا الأمّ عن الثلث على حال».
و لميتعرّض للقاتل، و كذا سلاّر. و قال في الخلاف: القاتل والمملوك و الكافر لايحجبون و استدلّ باجماع الفرقة بل باجماع الأمّة. و ابن مسعود خالف فيه و قد انقرض خلافه و قال المفيد: «و لايحجب عن الميراث من لايستحقّه لرقّ أو كفر أو قتل على حال». وكذا قال ابن الجنيد و ابن البرّاج. و قال الصدوق: «و القاتل يحجب و ان لميرث، ألاترى أنّ الاخوة يحجبون الأمّ و لايرثون». و كذا قال ابن أبي عقيل. و الوجه ما قاله الشيخ. لنا أنّه المشهور بين علمائنا فيتعيّن العمل به - الى أنقال: - و الصدوق و ابن أبي عقيل عوّلا على عموم قوله تعالي: «فان كان له اخوة» خرج منه المماليك و الكفّار؛ لرواية الصحيحة فيبقى الباقي على العموم و لا بأس بهذا القول فانّه لميبلغا من الأحاديث في هذا الباب شيء يعتدّ به سوى هذا و لا دلالة فيه على القاتل».(1)
و في مفتاح الكرامة بعد قول المصنّف من أنّ الرقّ و القتل و الكفر لاتوجب الحجب، قال: «كما في المقنعة و المبسوط و الخلاف و الوسيلة و السرائر و الرسالة النصيريّة و الشرائع و النافع و تعليقه للمحقّق الثاني و المختلف و الارشاد و تعليقه و التبصرة و الدروس و اللمعة و الروضة و المقتصر و غاية المرام و آيات الأحكام، و ربّما ظهر من المهذّب و الايضاح و هو المنقول عن الكاتب و القاضي و الراوندي و هو المشهور كما في المسالك و المهذّب و الكفاية - الى أنقال: - و لميذكر شيئا في الغنية و الانتصار و اقتصر في النهاية كما عليه سلاّر على الرقّ و الكفر و لميرجّح شيئا في المسالك و المجمع و التنقيح و المفاتيح، و خالف الصدوق في القتل».(2)
أقول:
الأظهر أنّ القتل لايلحق بالكفر و الرقّ و أنّ الميّت المقتول اذا ترك أمّا و أبا و أخوين أحدهما قاتله يحجبان الأمّ عن الثلث و ذلك؛ لاطلاق قوله تعالى: «فان كان له اخوة فلأمّه السدس»(1)، و النصّ الوارد في الكافر و الرقّ يقيّد الآية، و يبقى اطلاقها بالنسبة الى القتل. و قد استدلّ العلاّمة في المختلف لالحاق القتل بالرقّ و الكفر بالمشهور و بما رواه الصدوق في الصحيح عن الفضل بن عبدالملك عن الصادق عليهالسلام قال:
«سألته عن المملوك و المملوكة هل يحجبان اذا لميرثا؟ قال: لا».(2)
و لأنّه مشارك للكافر و المملوك في المنع من الارث فيشاركهما في منع الحجب.
و فيه: انّ الشهرة من حيث هي ليست حجّة. و الرواية موثّقة، و لايكون عدم ارث القاتل سببا لعدم الحجب، كما لايكون عدم ارث الكافر و المملوك سببا، و كيف يكون ذلك علّة لعدم الحجب و الحال أنّ الاخوة حاجبون و لايرثون؛ لأنّهم في الطبقة الثانية، مضافا الى أنّ سؤال الراوي لايجعل الرواية منصوص العلّة كما هو واضح.
الرابع: أنيكون الأب موجودا، فلايحجب الاخوة الأمّ الاّ مع وجود الأب؛ و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي عبداللّه و أبي جعفر عليهماالسلام أنّهما قالا:
«ان مات رجل و ترك أمّه و اخوة و أخوات لأب و أمّ و اخوة و أخوات لأب و اخوة و أخوات لأمّ و ليس الأب حيّا، فانّهم لايرثون و لايحجبونها؛ لأنّه لميورث كلالة».(3)
و رواية بكير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الأمّ لاتنقص عن الثلث أبدا الاّ مع الولد و الاخوة، اذا كان الأب حيّا».(1)
و رواية الحسن بن صالح قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن امرأة مملّكة، لميدخل بها زوجها، ماتت و تركت أمّها و أخوين لها من أبيها و أمّها و جدّا أبا أمّها و زوجها؟ قال: يعطى الزوج النصف، و تعطى الأمّ الباقي و لايعطى الجدّ شيئا؛ لأنّ ابنته أمّ الميتة حجبته عن الميراث و لاتعطى الاخوة شيئا».(2)
الخامس: أنيكونوا منفصلين عند موت المورّث فلو كانوا كلّهم أو بعضهم حملاً لميحجبوا.
قال المصنّف: «و في اشتراط وجودهم منفصلين لا حملاً تردّد، أظهره أنّه شرط».
و في اللمعة و شرحها: «و الخامس كونهم منفصلين بالولادة لا حملاً، فلايحجب الحمل و لو بكونه متمّما للعدد المعتبر فيه على المشهور، امّا لعدم اطلاق اسم الاخوة عليه حينئذٍ أو لكونه لاينفق عليه الأب و هو علّة التوفير عليه. و في الثاني منع ظاهر، و العلّة غير متحقّقة، و في الدروس جعل عدم حجبه قولاً مؤذنا بتمريضه».(3)
و في المسالك: «المشهور اشتراط انفصالهم؛ للشكّ في تحقّق الاخوة قبل ذلك، و لانتفاء العلّة، و هي انفاق الأب عليهم. و يدلّ عليه خصوص رواية العلاء بن الفضيل عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «انّ الطفل و الوليد لايحجب و لايرث الاّ ما
آذن بالصراخ، و لا شيء أكنّه البطن و ان تحرّك الاّ ما اختلف عليه الليل و النهار». و المصنّف رحمهاللهتردّد في ذلك ممّا ذكر و من عموم حجب الاخوة و أصالة عدم اشتراط الانفصال. و القائل بهذا غير معلوم. نعم، في الدروس نسب عدم حجب الحمل الى قول مشعرا بضعفه، و كثير منهم لميتعرّضوا للخلاف».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الحمل لايكون حاجبا؛ لعدم اطلاق الاخوة عليه و يؤيّده بل لعلّه تدلّ عليه رواية العلاء بن فضيل المتقدّمة في المسالك من قوله عليهالسلام:
«انّ الطفل و الوليد لايحجبك و لايرث الاّ ما آذن بالصراخ، و لا شيء أكنّه البطن و ان تحرّك الاّ ما اختلف عليه الليل و النهار. الحديث».(2)
و في سند الرواية محمّد بن سنان و هو مختلف فيه الاّ أنّ المفيد وثّقه. و لو انفصل ميّتا لميحجب كما هو ظاهر الآية بل صريحها.
و في الجواهر بعد القول بأنّ الشرط في الحجب كونهم منفصلين لانسياق وجود الاخوة من الكتاب و السنّة قال: «و من ذلك و نحوه يعلم اشتراط حياة الاخوة عند موت الموروث، فلايكفي وجود الاخوة الأموات بل الظاهر عدم حجبهم لو اقترن موتهما، و لو اشتبه التقدّم و التأخّر فالظاهر عدم الحجب و لا فرق في ذلك بين الغرقى و غيرهم؛ لأنّ الأمّ مع عدم الولد يستحقّ الثلث و وجود الاخوة مانع له من الثلث فاذا أحرز المانع لمترث الثلث و لو شكّ فاستحقاقها بحاله، أو فقل انّ النصّ و الفتوى ظاهر في أنّ المشروط حجب الأمّ عن الثلث الى السدس لا أصل استحقاقها الثلث، بل هو مقتضى اطلاق الآية فالشكّ حينئذٍ في الشرط شكّ في المشروط فتبقى الأمّ على أصل استحقاق
الثلث. و ثبوت حكم خاصّ للغرقى في خصوص الارث مخالف للأصل لايقتضي التعدية الى ما نحن فيه بعد حرمة القياس. و أمّا اشتراط المغايرة فلا ريب فيه؛ ضرورة كونه المنساق أيضا من الكتاب و السنّة. انتهى ملخّصا».(1)
و لايحجبها أولاد الاخوة، و لا من الخناثي أقلّ من أربعة لاحتمال أنيكونوا اناثا.
و لايحجبها أولاد الاخوة؛ للأصل و عدم صدق الاخوة عليهم و كذا لايحجبها الخناثي المشكلة اذا كانوا أقلّ من أربعة للشكّ في ذكوريّتهم و الشكّ في الشرط شكّ في المشروط.
1) - جواهر الكلام 39: 90 و 91.
«المقدّمة الرابعة»: في مقادير السهام و اجتماعها، أوّلاً: في مقادير السهام، السهام ستّة: النصف و الربع و الثمن و الثلثان و الثلث و السدس، فالنصف نصيب الزوج مع عدم الولد و ان نزل، و سهم البنت و الأخت للأب و الأمّ أو الأخت للأب. و الربع سهم الزوج مع الولد و ان نزل و الزوجة مع عدمه. و الثمن سهم الزوجة مع الولد و ان نزل. و الثلثان سهم البنتين فصاعدا، و الأختين فصاعدا، للأب و الأمّ أو للأب. و الثلث سهم الأمّ مع عدم من يحجبها من الولد و ان نزل و الاخوة، و سهم الاثنين فصاعدا من ولد الأمّ. و السدس سهم كلّ واحد من الأبوين مع الولد و ان نزل، و سهم الأمّ مع الاخوة للأب و الأمّ أو للأب مع وجود الأب، و سهم الواحد من ولد الأمّ، ذكرا أو أنثى.
في المسالك: «السهام المفروضة للوارث في الكتاب العزيز ستّة و يعبّر عنها بعبارات أطولها و أوضحها ما ذكره المصنّف و منها النصف و نصفه و نصف نصفه و الثلثان و نصفهما و نصف نصفهما و أخصر العبارات عنها أنيقال: هي الربع و الثلث و ضعف كلّ و نصفه».(1)
1) - مسالك الأفهام 13: 83.
قد ذكر اللّه تعالى النصف في كتابه لثلاثة أصناف:
أحدها: الزوج اذا لميكن لزوجته ولد وارث، منه أو من غيره، قال اللّه تعالى: «و لكم نصف ما ترك أزواجكم ان لميكن لهنّ ولد»(1)و ولد الولد كالولد هنا اجماعا.
ثانيها: البنت الواحدة قال اللّه تعالى: «و ان كانت واحدة فلها النصف».(2)
ثالثها: الأخت الواحدة لأبوين أو لأب قال اللّه تعالى: «و له أخت فلها نصف ما ترك».(3)
و الربع قد ذكره اللّه تعالى للزوجين:
الزوج الذي لزوجته ولد وارث، منه أو من غيره، قال اللّه تعالى: «فان كان لهنّ ولد فلكم الربع ممّا تركن».(4)
و الزوجة سواء كانت واحدة أو أزيد ان لميكن لزوجها ولد منها أو من غيرها، قال اللّه تعالى: «و لهنّ الربع ممّا تركتم ان لميكن لكم ولد».(5)
و الثمن سهم الزوجة واحدة كانت أو أكثر، ان كان لزوجها ولد منها أو من غيرها.
مع ولد زوجها الوارث سواء كان منها أو من غيرها قال اللّه تعالى: «فان كان لكم ولد فلهنّ الثمن».(6)
و الثلثان جعلهما اللّه تعالى لصنفين:
أحدهما البنتان فصاعدا اذا انفردن عن الاخوة، قال اللّه تعالى: «فان كنّ نساء
فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك».(1)
و ثانيهما الأختان فصاعدا للأبوين أو للأب قال اللّه تعالى: «فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان ممّا ترك»(2)، و يثبت الحكم فيما زاد عليهما بالاجماع و قد نزلت الآية في سبع أخوات لجابر حيث مرض و سأل عن ارثهنّ منه، كما في تفسير مجمع البيان(3).
و الثلث ذكره اللّه تعالى لصنفين:
أحدهما الأمّ اذا لميكن لولدها الميّت ولد وارث و لا عدد من اخوة و أخوات على ما فصّل و تقدّم، قال اللّه تعالى: «فان لميكن له ولد و ورثه أبواه فلأمّه الثلث فان كان له اخوة فلأمّه السدس».(4)
و ثانيهما اثنان فصاعدا من كلالة الأمّ سواء كانوا ذكورا أو اناثا أو بالتفريق قال اللّه تعالى: «و ان كان رجل يورث كلالة أو امرأة و له أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث».(5)
و السدس ذكره تعالى لثلاثة أصناف:
أحدها كلّ واحد من الأبوين اذا كان لولدهما الميّت ولد وارث، قال اللّه تعالى: «و لأبويه لكلّ واحد منهما السدس ممّا ترك ان كان له ولد».(6)و لا فرق بين وجود أحد الأبوين أو كليهما و لا في الولد بين كونه ذكرا أو أنثى، و ان كانا مع الأنثى قد يزاد نصيبهما لكن لا بالفرض بل بالردّ كما سلف.
و ثانيها الأمّ اذا كان لولدها الميّت اخوة أو أخوات بالشرائط السالفة التي من
جملتها كونهم للأب و كونه موجودا، قال اللّه تعالى: «فان كان له اخوة فلأمّه السدس».(1)
ثالثها الواحد من كلالة الأمّ ذكرا كان أو أنثى؛ لقوله تعالى: «و له أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السدس».(2)
ثانيا: في اجتماعها. و هذه الفروض منها ما يصحّ أنيجتمع و منها ما يمتنع، فالنصف يجتمع مع مثله و مع الربع و مع الثمن و لايجتمع مع الثلثين؛ لبطلان العول بل يكون النقص داخلاً على الأختين دون الزوج. و يجتمع النصف مع الثلث و مع السدس. و لايجتمع الربع و الثمن. و يجتمع الربع مع الثلثين و مع الثلث و مع السدس. و يجتمع الثمن مع الثلثين و السدس و لايجتمع مع الثلث و لايجتمع الثلث مع السدس تسمية.
يجتمع النصف مع مثله و غيره في خمس صور صحيحة:
احداها: اجتماع النصف مع مثله كزوج و أخت لأب. ثانيتها: اجتماعه مع الربع كزوج و بنت، أو زوجة و أخت. ثالثتها: اجتماعه مع الثمن و ذلك في زوجة و بنت. رابعتها: اجتماعه مع الثلث كزوج و أمّ مع عدم الحاجب، و أخت لأب مع كلالة الأمّ و كذا زوج مع كلالة الأمّ. خامستها: اجتماعه مع السدس كزوج و واحد من كلالة الأمّ، و بنت مع أحد الأبوين، و أخت لأب مع واحد من كلالة الأمّ. و صورة منها يمتنع و هي اجتماعه مع الثلثين كزوج و أختين، و يردّ النقص على الأختين؛ لبطلان العول عندنا.
و يجتمع الربع مع غيره في ثلاث صور صحيحة:
احداها: اجتماعه مع الثلثين كزوج و ابنتين، و كزوجة و أختين لأب. ثانيتها:
اجتماعه مع الثلث كزوجة و أمّ، و كزوجة مع متعدّد من كلالة الأمّ. ثالثتها اجتماعه مع السدس كزوجة و واحد من كلالة الأمّ، و كزوج مع أحد الأبوين اذا كان هناك ولد. و بقي من صور اجتماع الربع مع غيره ثلاث. واحدة منها مكرّرة و هي: الربع مع النصف كزوج و بنت، و كزوجة و أخت كما تقدّم، و صورتان منها ممتنعتان و هما: الربع مع مثله؛ لأنّه نصيب الزوج مع الولد و نصيب الزوجة لا معه. و مع الثمن؛ لأنّ الربع نصيب الزوج مع الولد و الثمن نصيب الزوجة معه.
و يجتمع الثمن مع غيره في صورتين صحيحتين:
احداهما مع الثلثين، و ذلك في زوجة و ابنتين. ثانيتهما: مع السدس، و هو في زوجة و أحد الأبوين مع الولد.
ويجتمع الثلثان مع غيره في صورتين صحيحتين أيضا:
احداهما: اجتماعهما مع الثلث، و هي في أختين فصاعدا لأب مع اخوة لأمّ. ثانيتهما: اجتماعهما مع السدس كبنتين و أحد الأبوين، و كأختين لأب مع واحد من كلالة الأمّ. و المصنّف لم يذكر الصورتين الأخيرتين و صورة اجتماع السدس مع السدس في الأبوين مع الولد. فمجموع الصور الصحيحة ثلاثعشرة.
و الصور الممتنعة ثمان: قد ذكر ثلاث صور منها و هي النصف مع الثلثين و الربع مع مثله و هو مع الثمن، و الخمس الأخر اجتماع الثمن مع مثله؛ لأنّه نصيب الزوجة خاصّة و ان تعدّدت، فلاتعدّد. و هو مع الثلث؛ لأنّه نصيب الزوجة مع الولد و الثلث نصيب الأمّ لا معه، أو الاثنين من أولادها لا مع الأمّ و الولد، فللزوجة حينئذٍ الربع لا الثمن. و اجتماع الثلثين مع مثلهما؛ لعدم اجتماع مستحقّهما في مرتبة واحدة؛ لأنّه فرض البنتين و الأختين. و اجتماع الثلث مع مثله؛ لأنّه نصيب الأمّ مع عدم الحاجب و نصيب اخوة الأمّ مع عدم الطبقة الأولى. و اجتماع الثلث مع السدس؛ لأنّ الثلث نصيب الأمّ مع عدم الحاجب و السدس نصيبها مع الحاجب.
فالمجموع من الصحيحة و الممتنعة احدى و عشرون صورة. و احترز المصنّف بقوله «و لايجتمع الثلث مع السدس تسمية» عن اجتماعه معه قرابة، كزوج و أبوين فانّ للزوج النصف و للأمّ مع عدم الحاجب الثلث و للأب السدس، و مع الحاجب بالعكس، و على التقديرين فسهم الأب هنا بالقرابة لا بالفرض.
و يلحق بذلك مسألتان: «الأولى»: لايثبت الميراث عندنا بالتعصيب و اذا أبقت الفريضة فان كان هناك مساوٍ لا فرض له، فالفاضل له بالقرابة مثل أبوين و زوج أو زوجة، للأمّ ثلث الأصل و للزوج أو الزوجة نصيبهما و للأب الباقي. و لو كان اخوة كان للأمّ السدس و للزوج النصف و للأب الباقي. وكذا أبوان و ابن و زوج و كذا زوج و أخوان من أمّ و أخ أو اخوة من أب و أمّ أو من أب. و ان كان بعيدا لميرث، و ردّ الفاضل على ذوي الفروض عدا الزوج و الزوجة مثل أبوين أو أحدهما و بنت و أخ أو عمّ.
في مجمع البحرين: «عصبة الرجل بالتحريك جمع عاصب ككفرة جمع كافر، و هم بنوه و قرابته لأبيه، و الجمع «العصاب» قال الجوهري: و انّما سمّوا عصبة؛ لأنّهم عصبوا به، أي أحاطوا به، فالأب طرف و الابن طرف و الأخ جانب و العمّ جانب. و منه التعصيب و هو باطل عندنا على تقدير زيادة السهام؛ لعموم آية: «أولي الأرحام» و اجماع أهل البيت عليهمالسلام فيردّ فاضل الضريبة على البنت و البنات و الأخت و الأخوات للأب و الأمّ، و على كلالة الأمّ على تفصيل ذكروه، و كذا لا عول عندهم».
التعصيب عندنا باطل و الفاضل عن السهام يردّ على أربابها و الميراث للأقرب من ذوي النسب من الرجال و النساء. ففي رواية حسين الرزّاز قال:
«أمرت من يسأل أبا عبداللّه عليهالسلام المال لمن هو؟ للأقرب أو العصبة؟
فقال: المال للأقرب، و العصبة في فيه التراب».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل مات و ترك ابنته و أخته لأبيه و أمّه فقال:
«المال للابنة و ليس للأخت من الأب و الأمّ شيء».(2)
مثال التعصيب ما لوكان للميّت أبوان و بنت فللبنت النصف و للأبوين السدسان، و يبقى سدس، فعلى مختار الشيعه يقسّم هذا السدس بين الأبوين و البنت أخماسا. و أمّا على مذهب العامّة فانّ هذا السدس يعطى لأخ الميّت أو ابن أخيه و ان لميكونا فلعمّه أو ابن عمّه مثلاً. وكذلك من أمثلة التعصيب ما لو كان للميّت أحد الأبوين و بنت فلأحد الأبوين السدس و البنت النصف و يبقى الثلث فالشيعة يقسّمون الثلث بين أحد الأبوين و البنت أرباعا، و هم يردّونه على الأخ و ابنه، و العمّ و ابنه و هكذا.
«الثانية»: العول عندنا باطل؛ لاستحالة أن يفرض اللّه سبحانه في مال ما لايقوم به و لايكون العول الاّ بمزاحمة الزوج أو الزوجة، فيكون النقص داخلاً على الأب أو البنت أو البنتين، أو من يتقرّب بالأب و الأمّ أو بالأب من الأخت أو الأخوات، دون من يتقرّب بالأمّ، مثل زوج و أبوين و بنت أو زوج و أحد الأبوين و بنتين فصاعدا، أو زوجة و أبوين و بنتين أو زوج مع كلالة الأمّ و أخت أو أخوات لأب و أمّ أو لأب.
قال في المسالك: «المراد بالعول أنتزاد الفريضة؛ لقصورها عن سهام الورثة على وجه يحصل النقص على الجميع بالنسبة. سمّي عولاً من الزيادة يقال: عالت
الفريضة اذا زادت أو من النقصان حيث نقصت الفريضة عن السهام أو من الميل و منه قوله تعالى: «ذلك أدنى ألاّ تعولوا». و سمّيت الفريضة عائلة؛ لميلها بالجور على أهل السهام بنقصانها عليهم، أو من عال اذا كثر عياله؛ لكثرة السهام فيها، أو من الارتفاع يقال: عالت الناقة ذنبها اذا رفعته؛ لارتفاع الفريضة بزيادة السهام، كما اذا كانت الفريضة ستّة - مثلاً - فعالت الى سبعة، في مثل زوج و أختين لأب فانّ له النصف ثلاثة من ستّة و لهما الثلثين أربعة، فزادت الفريضة واحدا، و الى ثمانية، كما اذا كان معهم أخت لأمّ، و الى تسعة بأنكان معهم أخت أخرى لأمّ، و هكذا و قد اختلف المسلمون في هذه المسألة فذهب الجمهور منهم الى القول بالعول، بأنتجمع السهام كلّها و تقسّم الفريضة عليها؛ ليدخل النقص على كلّ واحد بقدر فرضه، كأرباب الديون اذا ضاق المال عن حقّهم. قالوا: و أوّل مسألة وقع فيها العول في الاسلام في زمن عمر حين ماتت امرأة في عهده عن زوج و أختين، فجمع الصحابة و قال لهم: فرض اللّه تعالى جدّه للزوج النصف و للأختين الثلثين، فان بدأت بالزوج لميبقَ للأختين حقّهما، و ان بدأت بالأختين لميبقَ للزوج حقّه، فأشيروا عليّ فاتّفق رأي أكثرهم على العول ثمّ أظهر ابن عبّاس رضىاللهعنه الخلاف و بالغ فيه. و اتّفقت الاماميّة على عدمه، و أنّ الزوجين يأخذان تمام حقّهما، و كذا الأبوان، و يدخل النقص على البنات و من تقرّب بالأبوين أو بالأب من الأخوات و به كان يقول من الصحابة أميرالمؤمنين عليهالسلام، و ان كان الجمهور ينقلون عنه خلافه، و ابن عبّاس بالاتّفاق، و من التابعين محمّد بن الحنفيّة و الباقر و الصادق عليهماالسلام، و من الفقهاء داوود بن علي الاصفهاني، و لكلّ من الفريقين على مدّعاه أدلّة».(1)
قال السيّد المرتضى في الانتصار: «اعلم أنّ العول في اللغة العربيّة اسم للزيادة
1) - مسالك الأفهام 13: 107 - 109.
و النقصان و هو يجري مجرى الأضداد و انّما دخل هذا الاسم في الفرائض في الموضع الذي ينقص فيه المال عن السهام المفروضة فيه فدخل هيهنا النقصان و يمكن أنيكون دخوله لأجل الزيادة؛ لأنّ السهام زادت على مبلغ المال، و اذا أضيف الى المال كان نقصانا، و اذا أضيف الى السهام كان زيادة و الذي تذهب اليه الشيعة الاماميّة أنّ المال اذا ضاق عن سهام الورثة قدّم ذوو السهام المؤكّدة من الأبوين و الزوجين على البنات و الأخوات من الأمّ على الأخوات من الأب و الأمّ أو من الأب و جعل الفاضل عن سهامهم لهنّ».(1)
تدلّ على بطلان العول الروايات المتواترة نذكر بعضها:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«السهام لاتعول».(2)
و منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«السهام لاتعول، لاتكون أكثر من ستّة».(3)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:
«أقرأني أبو جعفر عليهالسلام صحيفة كتاب الفرائض، التي هي املاء رسولاللّه صلىاللهعليهوآله و خطّ علي عليهالسلام بيده فاذا فيها أنّ السهام لاتعول».(4)
و منها موثّقة أبي بصير قال:
«قلت لأبي جعفر عليهالسلام ربّما أعيل السهام حتّى يكون على المائة، أو أقلّ أو أكثر، فقال ليس تجوز ستّة ثمّ قال: كان أميرالمؤمنين عليهالسلام يقول: انّ الذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لاتعول على ستّة،
لو يبصرون وجهها لمتجز ستّة».(1)
و رواية الزهري عن عبيداللّه بن عبداللّه بن عتبة قال:
«جالست ابن عبّاس، فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابن عبّاس: سبحان اللّه العظيم، أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا و نصفا و ثلثا، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري يا أبا العبّاس فمن أوّل من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطّاب لمّا التقت(2)الفرائض عنده و دفع بعضها بعضا فقال: و اللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه و أيّكم أخّر و ما أجد شيئا هو أوسع من أنأقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي سهم ما دخل عليه من عول الفرائض، و ايم اللّه لو قدّم من قدّم اللّه و أخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة، فقال له زفر: و أيّها قدّم و أيّها أخّر؟ فقال: كلّ فريضة لميهبطها اللّه عن فريضة الاّ الى فريضة فهذا ما قدّم اللّه و أمّا ما أخّر فكلّ فريضة اذا زالت عن فرضها لميبقَ لها الاّ ما بقي، فتلك التي أخّر، فأمّا الذي قدّم فالزوج له النصف، فاذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع الى الربع، لايزيله عنه شيء، و الزوجة لها الربع فاذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت الى الثمن، لايزيلها عنه شيء، و الأمّ لها الثلث فاذا زالت عنه صارت الى السدس و لايزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه و أمّا التي أخّر ففريضة البنات و الأخوات لها النصف و الثلثان فاذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لميكن لهنّ الاّ ما بقي، فتلك التي أخّر فاذا اجتمع ما قدّم اللّه و ما أخّر بدئ بما قدّم اللّه
فأعطي حقّه كاملاً فان بقي شيء كان لمن أخّر و ان لميبقَ شيء فلا شيء له. الحديث».(1)
ففي الكافي باقي الحديث فقال له زفر بن أوس:
«ما منعك أنتشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هيبته، فقال الزهري: و اللّه لولا أنّه تقدّمه امام عدل كان أمره على الورع، فأمضى أمرا فمضي، ما اختلف على ابن عبّاس في العلم اثنان».(2)
و رواية يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: الحمد للّه الذي لا مقدّم لما أخّر، و لا مؤخّر لما قدّم، ثمّ ضرب باحدى يديه على الأخرى، ثمّ قال يا أيّتها الأمّة المتحيّرة بعد نبيّها لو كنتم قدّمتم من قدّم اللّه و أخّرتم من أخّر اللّه و جعلتم الولاية و الوراثة لمن جعلها اللّه، ما عال ولي اللّه و لا طاش(3)سهم من فرائض اللّه و لا اختلف اثنان في حكم اللّه و لاتنازعت الأمّة في شيء من أمر اللّه، ألا (و عند علي)(4)علمه من كتاب اللّه، فذوقوا وبال أمركم، و ما فرّطتم فبما(5)قدّمت أيديكم، و ما اللّه بظلاّم للعبيد».(6)
و صحيحة ابن أذينة قال:
«قال زرارة: اذا أردت أنتلقي العول فانّما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولد و الاخوة من الأب، و أمّا الزوج و الاخوة من
1) - وسائل الشيعة 26: 78 / الباب 7 من أبواب موجبات الارث / الحديث 6.
2) - فروع الكافي 7: 89 / الباب 46 من كتاب المواريث / الحديث 3.
3) - في المصدر: و لا عال. هامش الوسائل
4) - في المصدر: عندنا. هامش الوسائل
5) - في المصدر: فيما. هامش الوسائل
6) - وسائل الشيعة 26: 77 / الباب 7 من أبواب موجبات الارث / الحديث 5.
الأمّ فانّهم لاينقصون ممّا سمّي لهم شيئا».(1)
و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أربعة لايدخل عليهم ضرر في الميراث: الوالدان و الزوج و المرأة».(2)
و مرسلة أبي المغراء عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«انّ اللّه أدخل الأبوين على جميع أهل الفرائض فلمينقصهما من السدس لكلّ واحد منهما، و أدخل الزوج و الزوجة على جميع أهل المواريث فلمينقصهما من الربع و الثمن».(3)
و صحيحة ثالثة لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لايرث مع الأمّ و لا مع الأب و لا مع الابن و لا مع الابنة الاّ الزوج والزوجة، و انّ الزوج لاينقص من النصف شيئا اذا لميكن ولد، و الزوجة لاتنقص من الربع شيئا اذا لميكن ولد فاذا كان معهما ولد فللزوج الربع و للمرأة الثمن».(4)
و رواية أبي عمر العبدي عن علي بن أبي طالب عليهالسلام أنّه كان يقول:
«الفرائض من ستّة أسهم: الثلثان أربعة أسهم و النصف ثلاثة أسهم و الثلث سهمان و الربع سهم و نصف، و الثمن ثلاثة أرباع سهم، و لايرث مع الولد الاّ الأبوان و الزوج و المرأة و لايحجب الأمّ عن الثلث الاّ الولد و الاخوة و لايزاد الزوج عن(5)النصف و لاينقص من
1) - وسائل الشيعة 26: 76 / الباب 7 من أبواب موجبات الارث / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 77 / الباب 7 من أبواب موجبات الارث / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 77 / الباب 7 من أبواب موجبات الارث / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 26: 80 / الباب 7 من أبواب موجبات الارث / الحديث 7.
5) - في المصدر: على. هامش الوسائل
الربع و لاتزاد المرأة على الربع و لاتنقص عن(1)الثمن، و ان كنّ أربعا أو دون ذلك فهنّ فيه سواء و لاتزاد الاخوة من الأمّ على الثلث و لاينقصون من السدس و هم فيه سواء الذكر و الأنثى، و لايحجبهم عن الثلث الاّ الولد و الوالد و الدية تقسّم على من أحرز الميراث. قال الفضل: و هذا حديث صحيح على موافقة الكتاب».(2)
في المسالك: «و الدلالة من هذا الحديث في قوله: «لاينقص من الربع و لاينقص من الثمن و لاينقص من السدس» و على قولهم يحصل النقص عليهم جميعا عن هذه السهام و في حصره الثلثين و النصف و الربع و الثمن في ستّة و على قولهم لايجتمع الاّ في تسعة و ربع و مع التصحيح في أربعة و عشرين أو سبعة و ثلاثين و هذا و ان كان لايفرض في الفرائض الاّ أنّه يدلّ على بطلان العول عنده».(3)
و هو يشتمل على ثلاثة مقاصد:
المقصد الأوّل: في ميراث الأنساب
المقصد الثاني: في مسائل من أحكام الأزواج
المقصد الثالث: في الميراث بالولاء
المقصد الأوّل في ميراث الأنساب و هم ثلاث مراتب:
«الأولى»: الأبوان و الأولاد، فان انفرد الأب فالمال له و ان انفردت الأمّ فلها الثلث و الباقي ردّ عليها، و لو اجتمع الأبوان فللأمّ الثلث و للأب الباقي. و لو كان هناك اخوة كان لها السدس و للأب الباقي و لايرث الاخوة شيئا. و لو انفرد الابن فالمال له. و لو كانوا أكثر من واحد فهم سواء في المال.
لو انفرد الأب فالمال له و كذا لو انفردت الأمّ، و لو انفرد الابن فالمال له، و لو كانوا أكثر من واحد فهم سواء في المال.
يدلّ على ذلك قوله تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه»(1)
و موثّقة زرارة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: «و لكلّ جعلنا موالي ممّا ترك الوالدان و الأقربون»، قال: انّما عنى بذلك أولي الأرحام في المواريث و
1) - الأحزاب 33: 6.
لميعنِ أولياء النعمة، فأولاهم بالميّت أقربهم اليه من الرحم التي تجرّه اليها».(1)
و رواية حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل ترك أمّه و أخاه، قال: يا شيخ تريد على الكتاب؟ قال: قلت: نعم، قال: كان علي عليهالسلام يعطي المال الأقرب فالأقرب، قال: قلت: فالأخ لايرث شيئا؟ قال: قد أخبرتك: أنّ عليّا عليهالسلام كان يعطي المال الأقرب فالأقرب».(2)
و رواية حسين الرزّاز قال:
«أمرت من يسأل أبا عبداللّه عليهالسلام المال لمن هو؟ للأقرب أو العصبة؟ فقال: المال للأقرب، و العصبة في فيه التراب».(3)
و لو انفردت البنت فلها النصف و الباقي ردّ عليها. و لو كانت بنتان فصاعدا فلهما أو لهنّ الثلثان و الباقي ردّ عليهما أو عليهنّ. و اذا اجتمع الذكران و الاناث فالمال لهم للذكر مثل حظّ الأنثيين. و لو اجتمع الأبوان أو أحدهما مع الأولاد فلكلّ واحد من الأبوين السدس، و الباقي للأولاد بالسويّة ان كانوا ذكورا، و ان كان معهم أنثى أو اناث، فللذكر مثل حظّ الأنثيين. و لو كان معهم زوج أو زوجة أخذ الحصّة الدنيا، و كذا الأبوان، و الباقي للأولاد. و لو كان مع الأبوين بنت فللأبوين السدسان و للبنت النصف، و الباقي ردّ عليهم أخماسا. و لو كان اخوة للأب كان الردّ على الأب و البنت أرباعا. و لو دخل معهم زوج كان له نصيبه الأدنى، و للأبوين كذلك و الباقي
للبنت. و لو كانت له زوجة أخذ كلّ ذي فرض فرضه و الباقي يردّ على البنت و الأبوين دون الزوجة. و مع الاخوة يردّ الباقي على البنت و الأب أرباعا. و لو انفرد أحد الأبوين معها كان المال بينهما أرباعا. و لو دخل معهما زوج أو زوجة كان الفاضل ردّا على البنت و أحد الأبوين دون الزوج أو الزوجة. و لو كان بنتان فصاعدا فللأبوين السدسان و للبنتين فصاعدا الثلثان بالسويّة. و لو كان معهم زوج أو زوجة كان لكلّ واحد منهما نصيبه الأدنى، و للأبوين السدسان و الباقي للبنتين فصاعدا. و لو كان أحد الأبوين كان له السدس، و للبنتين فصاعدا الثلثان و الباقي ردّ عليهم أخماسا. و لو كان زوج كان النقص داخلاً على البنتين فصاعدا. و لو كانت زوجة كان لها نصيبها و هو الثمن، و الباقي بين أحد الأبوين و البنات أخماسا. و لو كان مع الأبوين زوج فله النصف، و للأمّ ثلث الأصل، و الباقي للأب. و مع الاخوة، للأمّ السدس و الباقي للأب، و لو كان معهما زوجة فلها الربع و للأمّ ثلث الأصل ان لميكن اخوة، و الباقي للأب، و مع الاخوة لها السدس و الباقي للأب.
اذا ترك الميّت بنتا واحدة فالمال لها نصفه بالفرض و الباقي بالردّ؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل مات و ترك ابنته و أخته لأبيه و أمّه فقال:
«المال للابنة و ليس للأخت من الأب و الأمّ شيء».(1)
و لو ترك أبويه فللأب سهمان و للأمّ سهم؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل مات و ترك أبويه قال: «للأب سهمان و للأمّ سهم».(2)
و لو ترك ابنته و أمّه أو ابنته و أباه أو ابنته و أبويه ففي صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«أقرأني أبو جعفر عليهالسلام صحيفة كتاب الفرائض التي هي املاء رسولاللّه صلىاللهعليهوآله و خطّ علي عليهالسلام بيده فوجدت فيها رجل ترك ابنته و أمّه، للابنة النصف ثلاثة أسهم، و للأمّ السدس سهم، يقسم المال على أربعة أسهم فما أصاب ثلاثة أسهم فللابنة، و ما أصاب سهما فللأمّ. قال: و قرأت فيها رجل ترك ابنته و أباه، للابنة النصف ثلاثة أسهم و للأب السدس سهم، يقسم المال على أربعة أسهم فما أصاب ثلاثة أسهم فللابنة، و ما أصاب سهما فللأب. قال محمّد: و وجدت فيها رجل ترك أبويه و ابنته فللابنة النصف، و لأبويه(1)لكلّ واحد منهما السدس يقسم المال على خمسة أسهم فما أصاب ثلاثة فللابنة و ما أصاب سهمين فللأبوين».(2)
و ان ترك ابنتين و أبوين أو ترك ثلاث بنات أو أكثر و أبوين أو ترك أبوين و ابنا و بنتا، فعن الفضل بن شاذان: «و ان ترك ابنتين و أبوين فللابنتين الثلثان و للأبوين السدسان. و ان ترك ثلاث بنات أو أكثر فللأبوين السدسان و للبنات الثلثان. و ان ترك أبوين و ابنا و بنتا فللأبوين السدسان و ما بقي فبين الابن و الابنة للذكر مثل حظّ الأنثيين».(3)
تدلّ عليه موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل مات و ترك ابنتيه و أباه قال:
«للأب السدس و للابنتين الباقي، قال: و لو ترك بنات و بنين لمينقص الأب من السدس شيئا، قلت له: فانّه ترك بنات و بنين و أمّا، قال: للأمّ السدس و الباقي يقسم لهم، للذكر مثل حظّ
الأنثيين».(1)
و لو ماتت امرأة و تركت زوجها و أبويها و ابنتها ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«للزوج الربع ثلاثة أسهم من اثنيعشر سهما، و للأبوين لكلّ واحد منهما السدس سهمان من اثنيعشر سهما، و بقي خمسة أسهم فهي للابنة؛ لأنّه لو كان ذكرا لميكن له أكثر من خمسة أسهم من اثنيعشر سهما؛ لأنّ الأبوين لاينقصان كلّ واحد منهما من السدس شيئا، و أنّ الزوج لاينقص من الربع شيئا».(2)
و رواية زرارة قال: هذا ممّا ليس فيه اختلاف عند أصحابنا، عن أبي عبداللّه و عن أبي جعفر عليهماالسلام أنّهما سئلا عن امرأة تركت زوجها و أمّها و ابنتيها، قال:
«للزوج الربع و للأمّ السدس و للابنتين ما بقي؛ لأنّهما لو كانا ابنين لميكن لهما شيء الاّ ما بقي، و لاتزاد المرأة أبدا على نصيب الرجل لو كان مكانها، و ان ترك الميّت أمّا أو أبا و امرأة و ابنة فانّ الفريضة من أربعة و عشرين سهما، للمرأة الثمن ثلاثة أسهم من أربعة و عشرين سهما، و لكلّ واحد من الأبوين السدس أربعة أسهم، و للابنة النصف اثناعشر سهما، و بقي خمسة أسهم، هي مردودة على الابنة و أحد الأبوين على قدر سهامهما و لايردّ على المرأة شيء. و ان ترك أبوين و امرأة و ابنة فهي أيضا من أربعة و عشرين سهما. للأبوين السدسان، ثمانية أسهم لكلّ واحد منهما أربعة أسهم و للمرأة الثمن ثلاثة أسهم، و للابنة النصف اثناعشر سهما و بقي سهم واحد مردود على الأبوين و الابنة على قدر سهامهم و لايردّ على
الزوجة شيء. و ان ترك أبا و زوجا و ابنة فللأب سهمان من اثني عشر سهما و هو السدس، و للزوج الربع ثلاثة أسهم من اثنيعشر سهما، و للبنت النصف ستّة أسهم من اثنيعشر، و بقي سهم واحد مردود على الابنة و الأب على قدر سهامهما، و لايردّ على الزوج شيء، و لايرث أحد من خلق اللّه مع الولد، الاّ الأبوان و الزوج و الزوجة، و ان لميكن ولد و كان ولد الولد ذكورا أو اناثا فانّهم بمنزلة الولد، و ولد البنين بمنزلة البنين يرثون ميراث البنين و ولد البنات بمنزلة البنات يرثون ميراث البنات و يحجبون الأبوين و الزوجين عن سهامهم الأكثر و ان سفلوا ببطنين و ثلاثة و أكثر يرثون ما يرث ولد الصلب و يحجبون ما يحجب ولد الصلب».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت له: انّي سمعت محمّد بن مسلم و بكيرا يرويان عن أبي جعفر عليهالسلام في زوج و أبوين و ابنة: للزوج الربع ثلاثة أسهم من اثنيعشر و للأبوين السدسان أربعة أسهم من اثنيعشر سهما و بقي خمسة أسهم فهو للابنة؛ لأنّها لو كانت ذكرا لميكن لها غير خمسة من اثنيعشر سهما، و ان كانت اثنتين فلهما خمسة من اثنيعشر؛ لأنّهما لو كانا ذكرين لميكن لهما غير ما بقي خمسة من اثنيعشر سهما، فقال زرارة: هذا هو الحقّ اذا أردت أنتلقي العول فتجعل الفريضة لاتعول، فانّما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولد و الأخوات من الأب و الأمّ، فأمّا الزوج و الاخوة للأمّ فانّهم لاينقصون ممّا سمّى اللّه لهم شيئا».(2)
مسائل: «الأولى»: أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم في مقاسمة الأبوين. و شرط ابن بابويه رحمهالله توريثهم عدم الأبوين، و هو متروك. و يمنع الأولاد من
يتقرّب بهم، و من يتقرّب بالأبوين من الاخوة و أولادهم و الأجداد و آبائهم و الأعمام و الأخوال و أولادهم. و يترتّبون الأقرب فالأقرب، فلايرث بطن مع من هو أقرب منه الى الميّت. و يرث كلّ واحد منهم نصيب من يتقرّب به، فيرث ولد البنت نصيب أمّه ذكرا كان أو أنثى و هو النصف ان انفرد أو كان مع الأبوين، و يردّ عليه كما يردّ على أمّه لو كانت موجودة، و يرث ولد الابن نصيب أبيه ذكرا كان أو أنثى جميع المال ان انفرد، و ما فضل عن حصص الفريضة ان كان معه ورّاث، كالأبوين أو أحدهما و الزوج أو الزوجة. و لو انفرد أولاد الابن و أولاد البنت كان لأولاد الابن الثلثان و لأولاد البنت الثلث على الأظهر. و لو كان زوج أو زوجة كان له نصيبه الأدنى، و الباقي بينهم لأولاد البنت الثلث و لأولاد الابن الثلثان.
في المسألة فروع:
أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم مع الأبوين.
قال في المسالك: «ما اختاره المصنّف رحمهالله من قيام أولاد الأولاد مقام آبائهم في مقاسمة الأبوين مذهب أكثر الأصحاب كالشيخين و الأتباع (الكافي، المراسم، المهذّب، الوسيلة، الغنية، اصباح الشيعة) و جملة المتأخّرين (كشف الرموز، الجامع للشرائع، ارشاد الأذهان، قواعد الأحكام، ايضاح الفوائد، الدروس)؛ لأنّهم في الميراث ولد حقيقة، و من ثمّ دخلوا في عموم قوله تعالى: «يوصيكم اللّه في
أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين» و لخصوص صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج و موثّقة اسحاق بن عمّار. انتهى ملخّصا».(1)
تدلّ على ما ذهب اليه المصنّف و المشهور صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«بنات الابنة يرثن اذا لميكن بنات كنّ مكان البنات».(2)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«ابن الابن يقوم مقام أبيه».(3)
ولكن قال الصدوق رحمهالله: «أربعة لايرث معهم أحد الاّ زوج أو زوجة: الأبوان و الابن و الابنة. هذا هو الأصل لنا في المواريث، فاذا ترك الرجل أبوين و ابن ابن و ابن ابنة فالمال للأبوين، للأمّ الثلث و للأب الثلثان؛ لأنّ ولد الولد انّما يقومون مقام الولد اذا لميكن هناك ولد و لا وارث غيره، و الوارث هو الأب و الأمّ، و قال الفضل بن شاذان رحمهالله خلاف قولنا في هذه المسألة و أخطأ، قال: ان ترك ابن ابنة و ابنة ابن و أبوين فللأبوين السدسان و ما بقي فلابنة الابن من ذلك الثلثان و لابن الابنة من ذلك الثلث، تقوم ابنة الابن مقام أبيها و ابن الابنة مقام أمّه، و هذا ممّا زلّ به قدمه عن الطريق المستقيمة، و هذا سبيل من يقيس».(4)
و استدلّ الصدوق رحمهالله على مذهبه بصحيحة سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن الأوّل عليهالسلام قال:
«بنات الابنة يقمن مقام البنات اذا لميكن للميّت بنات و لا وارث غيرهنّ، و بنات الابن يقمن مقام الابن اذا لميكن للميّت أولاد و
لا وارث غيرهنّ».(1)
و قال صاحب الوسائل في ذيلها: «هذه ليس بصريح في ذلك، و خالفه الشيخ و غيره و حملوا قوله عليهالسلام: «و لا وارث غيرهنّ» على أنّ المراد به اذا لميكن للميّت الابن الذي يتقرّب ابن الابن به أو البنت التي تتقرّب بنت البنت بها و لا وارث من الأولاد للصلب غيره لما مضى و يأتي. و يمكن أنيراد به اذا لميكن للميّت ولد و لا ولد ولد أقرب من أولاد الأولاد، أو يراد به اذا لميكن ولد و لا وارث غيره ورث ولد الولد المال كلّه و ان كان له أبوان شاركهما فيه. و الذي يظهر أنّ وجه الاجمال ملاحظة التقيّة؛ لأنّ كثيرا من العامّة وافقوا الصدوق فيما تقدّم، كما نقله الكليني و غيره، و قال الشيخ في النهاية: ذكر بعض أصحابنا أنّ ولد الولد مع الأبوين لايأخذ شيئا و ذلك خطأ؛ لأنّه خلاف لظاهر التنزيل و المتواتر من الأخبار».(2)
أقول:
الظاهر أنّ صحيحة سعد بن أبي خلف لاتكون معارضة لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج و موثّقة اسحاق بن عمّار، و هما يفسّران صحيحة سعد بن أبي خلف بأنّ المراد من قوله عليهالسلام: «ولا وارث غيرهنّ» لا وارث من الأولاد للصلب، كما حمل الشيخ رحمهالله في التهذيب و الاستبصار.(3)
يمنع الأولاد من يتقرّب بهم و من يتقرّب بالأبوين من الاخوة و أولادهم و
الأجداد و آبائهم و الأعمام و الأخوال و أولادهم و يترتّبون الأقرب فالأقرب، فلايرث بطن مع من هو أقرب منه الى الميّت. و الدليل على ذلك قوله تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه»(1)
و من السنّة الروايات المتواترة التي تقدّم بعضها في الدليل على بطلان التعصيب و غيره بمناسبة، و قد جمعها صاحب الوسائل في الباب الخامس من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد و في الباب الأوّل من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد، فمن جملة الأولى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل مات و ترك ابنته و أخته لأبيه و أمّه فقال:
«المال للابنة و ليس للأخت من الأب و الأمّ شيء».(2)
و صحيحة البزنطي قال:
«قلت لأبي جعفرالثاني عليهالسلام رجل هلك و ترك (ابنته و عمّه)(3)فقال: المال للابنة، و قلت له: رجل مات وترك ابنة له و أخا، أو قال: ابن أخيه، قال: فسكت طويلاً ثمّ قال المال للابنة».(4)
و من جملة الثانية موثّقة بكير عن أبي جعفر عليهالسلام - في حديث - قال:
«ليس للاخوة من الأب و الأمّ و لا للاخوة من الأمّ و لا الاخوة من الأب شيء مع الأمّ، قال ابن أذينة: و سمعته من محمّد بن مسلم يرويه مثل ما ذكر بكير».(5)
و ما يخالف هذه الروايات يحمل على التقيّة؛ لثبوت بطلان التعصيب عند أصحابنا، و هو ممّا انفردت به الاماميّة، و قد شاع التعصيب عند مخالفينا، كما تقدّم
1) - الأنفال 8: 75.
2) - وسائل الشيعة 26: 103 / الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 1.
3) - في المصدر: ابنة و عمّة. هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 26: 107 / الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 26: 146 / الباب 1 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 3.
البحث عن ذلك في شرح كلام المحقّق من عدم ثبوت التعصيب عندنا، فراجع(1).
يرث كلّ واحد من أولاد الأولاد نصيب من يتقرّب به.
قال في المسالك: «المشهور بين الأصحاب أنّ أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم في الميراث، و قال المرتضى - و تبعه جماعة منهم معين الدين المصري و ابن ادريس - : انّ أولاد الأولاد يقتسمون تقاسم الأولاد من غير اعتبار من تقرّبوا به، و مستندهم أنّهم أولاد حقيقة فيدخلون في عموم قوله تعالى: «يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين»، و استدلّ على أنّهم أولاد حقيقة بآيات، و هذه التوجيهات حسنة الاّ أنّ الدليل قد قام أيضا على أنّ أولاد البنات ليسوا أولادا حقيقة بل مجازا، و قد دلّت الأخبار الصحيحة على القول المشهور. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
و فيه: انّ أولاد الأولاد أولاد حقيقة، و ان كان اطلاق الولد عليهم بالنسبة الى آبائهم شبه مجاز، فعمدة الدليل على القول المشهور صحيحة سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن الأوّل عليهالسلام قال:
«بنات الابنة يقمن مقام بنات اذا لميكن للميّت بنات، و لا وارث غيرهنّ، و بنات الابن يقمن مقام الابن اذا لميكن للميّت أولاد و
لا وارث غيرهنّ».(1)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«بنات الابنة يرثن اذا لميكن بنات، كنّ مكان البنات».(2)
و صحيحة ثانية لعبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«بنات الابنة يقمن مقام الابنة اذا لميكن للميّت بنات و لا وارث غيرهنّ، و بنات الابن يقمن مقام الابن اذا لميكن للميّت ولد و لا وارث غيرهنّ».(3)
و في الجواهر: «هذه النصوص المشتملة على قيام أولاد البنين مقامهم و أولاد البنات مقامهنّ ظاهرة في ارادة التنزيل في أصل الارث و كيفيّته لا التنزيل خاصّة، و الاّ لاكتفى فيها بذكر أولاد الأولاد من دون تفصيل بين أولاد البنين و أولاد البنات. و يؤيّده صحيحة أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «انّ في كتاب علي عليهالسلام أنّ كلّ ذيرحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، الاّ أنيكون وارث أقرب الى الميّت منه فيحجبه». و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «اذا التفّت القرابات فالسابق أحقّ بميراث قريبه، فان استوت قام كلّ واحد منهم مقام قريبه». فانّه خصوصا الأخير صريح في ارادة ارث نصيب من يتقرّب به الذي يوافق الخصم عليه في غير المقام. فما عن المرتضى رحمهالله و من تبعه - من قسمة الميراث بينهم كأولاد الصلب من غير ملاحظة لمن يتقرّبون به - واضح الضعف. انتهى ملخّصا».(4)
النتيجة: يرث ولد البنت نصيب أمّه ذكرا كان أو أنثى و هو النصف ان انفرد أو
كان مع الأبوين و يردّ عليه كما يردّ على أمّه لو كانت موجودة، و يرث ولد الابن نصيب أبيه ذكرا كان أو أنثى جميع المال ان انفرد و ما فضل عن حصص الفريضة ان كان معه وارث كالأبوين أو أحدهما و الزوج أو الزوجة، و لو اجتمع أولاد الابن و أولاد البنت كان لأولاد الابن الثلثان اللذان هما نصيب أبيهم في نحو الفرض، و لأولاد البنت الثلث الذي هو نصيب أمّهم في الفرض أيضا. و لو كان زوج أو زوجة كان له النصيب الأدنى و هو الربع و الثمن، و الباقي بينهم، لأولاد البنت الثلث و لأولاد الابن الثلثان.
«المسألة الثانية»: أولاد البنت يقتسمون نصيبهم، للذكر مثل حظّ الأنثيين، كما يقتسم أولاد الابن. و قيل: يقتسمونه بالسويّة، و هو متروك.
قال في المسالك: «القول بأنّهم يقتسمون بالسويّة حكاه الشيخ في النهاية عن بعض الأصحاب. و رجّحه ابن البرّاج؛ نظرا الى تقرّبهم بأنثى، و من شأن المتقرّب بها مساواة ذكره لأنثاه كما سيأتي. وهو أيضا يناسب ما ذكر في المسألة السابقة من أنّهم لايدخلون في الأولاد حقيقة. و أمّا الجمع بين اقتسامهم بالتفاوت مع عدم دخولهم في قوله تعالى: «يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين» فلايخلو من اشكال؛ اذ لا دليل ظاهرا على اقتسامهم بالتفاوت الاّ عموم الآية، و هو متوقّف على دخولهم فيها بطريق الحقيقة، و قد أثبتوا خلافه. و كيف كان فالعمل على المشهور. و ابن البرّاج وافق على اقتسام أولاد الأخت للأبوين و الأب بالتفاوت مع مشاركتهم لأولاد البنت في ارث نصيب الأمّ».(1)
قد تقدّم أنّ أولاد الأولاد، أولاد حقيقة كما هو قوله رحمهالله في الروضة البهيّة(2)، و
كذا في الجواهر(1)، نعم بالنسبة الى آبائهم شبه مجاز. فحينئذٍ تشملهم الآية فيرثون للذكر مثل حظّ الأنثيين، سواء في ذلك أولاد البنت و أولاد الابن.
و في اللمعة و شرحها: «و لو تعدّد أولاد الأولاد في كلّ مرتبة، أو في بعضها فسهم كلّ فريق يقتسمونه بينهم كما اقتسم آبائهم للذكر مثل حظّ الأنثيين وان كانوا أي الأولاد المتعدّدون أولاد بنت على أصحّ القولين؛ لعموم قوله تعالى:«للذكر مثل حظّ الأنثيين»و لا معارض لها هنا. و قيل: يقتسم أولاد البنت بالسويّة كاقتسام من ينتسب الى الأمّ كالخالة و الاخوة للأمّ، و يعارض بحكمهم باقتسام أولاد الأخت للأب متفاوتين».(2)
«الثالثة»: يحبى الولد الأكبر من تركة أبيه، بثياب بدنه و خاتمه و سيفه و مصحفه، و عليه قضاء ما عليه من صلاة و صيام. و من شرط اختصاصه، أنلايكون سفيها و لا فاسد الرأي على قول مشهور، و أنيخلّف الميّت مالاً غير ذلك. فلو لميخلّف سواه لميخصّ بشيء منه. و لو كان الأكبر أنثى لمتحب، و أعطي الأكبر من الذكور.
في مجمع البحرين: «في الحديث: «انّ أوّل حبائك الجنّة» أي عطاؤك، يقال: «حبوت الرجل حباءً» بالكسر و المدّ: أعطيته الشيء بغير عوض، و الاسم منه الحبوة بالضمّ».
و في المسالك: «المراد بحبوة الولد بذلك اختصاصه به من بين الوارث. و هذا الحكم مختصّ بمذهب الأصحاب. و مستندهم عليه روايات كثيرة كصحيحة ربعي بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «اذا مات الرجل فللأكبر من ولده سيفه و
مصحفه و خاتمه و درعه». و نظيرها حسنة حريز و رواية شعيب العقرقوفي و غيرها من الأخبار. انتهى ملخّصا».(1)
و في المسألة فروع:
قال في المختلف: «نصّ السيّد المرتضى و ابن الجنيد، و هو ظاهر كلام أبي الصلاح، على الاستحباب. و كلام الشيخين يوهم الوجوب، من غير أنيدلّ عليه دلالة ظاهرة. و نصّ ابن ادريس على الوجوب. و ظاهر الأحاديث يحتمله، و الأقوى الاستحباب؛ للأصل».(2)
أقول:
الظاهر أنّ تخصيص الحبوة للولد الأكبر من الذكور واجب، و الدليل على ذلك صحيحة ربعي بن عبداللّه المتقدّمة عن المسالك و كذا غيرها من الروايات التي سنذكرها. فانّ «اللام» في قوله عليهالسلام: «فللأكبر من الذكور» في هذه الروايات ظاهرة في الملك و هو معنى الوجوب. و الأصل جارٍ فيما لميكن فيه دليل. فيخصّص عموم قوله تعالى: «يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين»(3). و ما يقال من عدم صراحة الأخبار في الوجوب يدفعه حجّيّة الظهور كما ثبت في محلّه. و اختلاف الروايات في مقدار ما يحبى به ليس دليلاً على الاستحباب.
و في مستند الشيعة: «ذهب الشيخان و القاضي و الحلّي و ابن حمزة و ابن سعيد و المحقّق و العلاّمة في غير المختلف، و الشهيدان و السوراوي و جماعة
أخرى، الى الوجوب، و ادّعى الحلّي عليه اجماع الأصحاب. و ذهب السيّد و الاسكافي الى الاستحباب و هو المحكي عن الاصباح و الغنية و الرسالة النصيريّة في الفرائض، و ظاهر الوافي و هو صريح المختلف و الكفاية، و نسب الى الحلبي أيضا، و كلامه ليس بصريح فيه، ككلام السيّد في الانتصار، و ظاهر المسالك و المفاتيح التوقّف. و الحقّ هو الأوّل؛ لمكان «اللام» في الروايات المعتبرة الواردة في ذلك؛ فانّ الظاهر الشائع المتبادر من كون المال لفلان لزوم اختصاصه به، و معناه اختصاص ملكيّته أو استحقاقه، فمقتضاهما عدم جواز المزاحمة في المال لغيره، و مقتضى الاستحباب ليس الاّ أولويّة الاعطاء و هي لاتوجب الملكيّة و الاستحقاق. و كيف كان فانّ مقتضى الاختصاص أنلايشارك المختصّ غيره في المختصّ به. و احتجّ المخالف أوّلاً بالأصل، و ثانيا عموم آيات الارث و رواياته و سائر أدلّته، خرج أولويّة الاختصاص بالاجماع فيبقى الباقي، و ثالثا عدم دلالة الاختصاص المذكور في الروايات على أكثر من الاستحباب، و رابعا اختلاف الأخبار في مقدار الحبوة. و الجواب أنّ الأصل مندفع بما مرّ. و العموم من الآيات و الروايات ممنوع أوّلاً، و لو سلّم لوجب تخصيصه؛ لوجود المخصّص ثانيا، و الثالث مردود بما ذكرنا، و الرابع لايدلّ على الاستحباب، مع أنّ الاختلاف الذي قد يؤيّد به الاستحباب هو الاختلاف في السلب و الايجاب، لا الاختلاف في المقدار. انتهى ملخّصا».(1)
قال في المسالك: «ذهب الأكثر الى أنّ هذا التخصيص مجّان؛ لاطلاق
1) - مستند الشيعة 19: 202 - 206.
النصوص باختصاصه بالمذكورات، و الأصل براءة ذمّته من أمر آخر. و ذهب المرتضى و ابن الجنيد الى أنّ التخصيص بالقيمة؛ لقوله تعالى: «يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين»، فانّه يقتضي مشاركة الأنثى للذكر في جميع ما يخلّف الميّت من سيف و مصحف و غيرهما. و كذلك ظاهر آيات ميراث الأبوين و الزوجين يقتضي أنّ لهم السهام المذكورة من جميع تركة الميّت، فلو خصّصنا الأكبر بهذه الأشياء بدون القيمة كنّا قد تركنا هذه الظواهر، فاحتسابها عليه بالقيمة أوفق لها. فلو لمنحتسبها عليه بالقيمة لزم الاجحاف بالورثة، و في المختلف نفى البأس عن هذا القول. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ هذا التخصيص يكون مجّانا، و ذلك لظاهر الروايات و اطلاقها و لأنّ الحبوة اعطاء من الشارع للولد الأكبر من الذكور بازاء ما يكلّف من صلاة الميّت و صيامه، فلا معنى لكونه بالقيمة. فلو أوصى شخص أنّ هذه الأشياء من أموالي لولدي فلان أو لشخص آخر فما يفهمه العرف اختصاصها به مجّانا و الحبوة نحو وصيّة من الشارع بالنسبة الى الولد الأكبر من الذكور، و عليه فالروايات الواردة مخصّصة للآية.
و في الجواهر: «و كيف كان فالظاهر مجّانيّة هذا الحباء؛ عملاً بظاهر النصوص المزبورة، فما عن المرتضى و غيره - من كونه بالقيمة فتكون ثمرة خصوصيّة الأكبر الاختصاص بالعين من بين الورثة - واضح الضعف. و ما استدلّ به بعض الأصحاب من عموم أدلّة الارث مدفوع بظهور المجانيّة من «اللام» في النصّ و الفتوى التي بها خرج عمّا يقتضيه عموم الارث من الاشتراك. انتهى ملخّصا».(2)
المخصوص به هو السيف و المصحف و الخاتم و ثيابه:
قال في المسالك: «المشهور [أنّ مايقع فيه التخصيص] هذه الأربعة التي ذكرها المصنّف رحمهالله و هي ثياب بدنه و خاتمه و سيفه و مصحفه، مع أنّ هذه لمتوجد بخصوصها في رواية، و انّما الروايات مختلفة في أعدادها اختلافا كثيرا».(1)
و في المستند: «ذهب الأكثر الى أنّ ما يحبى به أربعة: السيف و المصحف و الخاتم و ثياب بدنه، لا غير. و زاد الاسكافي السلاح، و الصدوق الكتب و الرحل و الراحلة. و لميذكر في الانتصار الثياب. و كذا في الغنية و الاصباح و الرسالة النصيريّة و أعلام المفيد. و عن الكافي تخصيص الثياب بثياب مصلاّه. و عن الخلاف عدم ذكر الخاتم».(2)
أقول:
فلنذكر الأخبار الواردة في ذلك حتى يتبيّن الحال:
منها صحيحة ربعي بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا مات الرجل فسيفه و مصحفه و خاتمه و كتبه و رحله و راحلته و كسوته لأكبر ولده فان كان الأكبر ابنة فللأكبر من الذكور».(3)
و رواها الصدوق باسناده عن حمّاد بن عيسى الاّ أنّه أسقط «و راحلته».(4)
و منها صحيحة ثانية لربعي بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا مات الرجل فللأكبر من ولده سيفه و مصحفه و خاتمه و درعه».(1)
و منها صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا هلك الرجل و ترك ابنين فللأكبر السيف، و الدرع و الخاتم و المصحف، فان حدث به حدث فللأكبر منهم».(2)
و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الميّت اذا مات فانّ لابنه الأكبر السيف و الرحل و الثياب: ثياب جلده».(3)
و منها صحيحة الفضلاء عن أحدهما عليهماالسلام:
«انّ الرجل اذا ترك سيفا أو سلاحا فهو لابنه، فان كانوا اثنين فهو لأكبرهما».(4)
و منها صحيحة شعيب العقرقوفي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يموت، ما له من متاع بيته؟ قال: السيف، و قال: الميّت اذا مات فانّ لابنه السيف و الرحل و الثياب ثياب جلده».(5)
و منها مرسلة ابن أذينة عن أحدهما عليهماالسلام:
«انّ الرجل اذا ترك سيفا و سلاحا فهو لابنه، فان كان له بنون فهو
1) - وسائل الشيعة 26: 97 / الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 2
2) - وسائل الشيعة 26: 98 / الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 98 / الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 26: 98 / الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 26: 99 / الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 7.
لأكبرهم».(1)
منها رواية سماعة قال:
«سألته عن الرجل يموت، ما له من متاع البيت؟ قال: السيف و السلاح و الرحل و ثياب جلده».(2)
فانّ السيف قد ذكر في جميع هذه الأخبار و الثياب في أكثرها بناءً على أنيكون الدرع بمعنى القميص، كما في مجمع البحرين «رجل درّاع: عليه درع أي قميص و درع المرأة قميصها». و قد ذكر الخاتم و المصحف مضافا الى الثوب و السيف في صحيحتي ربعي بن عبداللّه و صحيحة حريز فهذه الأربعة من الحبوة، و عدم ذكر الخاتم و المصحف في صحيحتي شعيب و أبي بصير، بل و كذا عدم ذكرهما مضافا الى الثياب في صحيحة الفضلاء و مرسلة ابن أذينة لايضرّ بعد القول بالأربعة من أكثر الفقهاء حتّى القائلين بالندب. نعم مقتضى القاعدة أنيجعل في الحبوة كلّما ذكر في هذه الروايات كما في مفطرات الصوم و يضاف الى الأربعة كتبه و رحله و راحلته، كما هو ظاهر الصدوق الاّ أنّ مخالفة المشهور و كذا كونه خلاف الاحتياط، كما ذكر دليله عن القائلين بالاستحباب، يمنعنا من ذكر غير الأربعة.
هو الولد الذكر، أو أكبر الذكور ان تعدّدوا:
يدلّ على ذلك قوله عليهالسلام في صحيحة ربعي بن عبداللّه:
«... لأكبر ولده، فان كان الأكبر ابنة فللأكبر من الذكور».(1)
و قوله عليهالسلام في صحيحته الثانية لربعي بن عبداللّه: «فللأكبر من ولده...» و كذا في صحيحة حريز «فللأكبر منهم» يحمل على الصحيحة الأولى و هكذا يكون الحال في الروايات الأخر(2).
و لو تعدّد الأكبر اشتركوا في الحبوة فيقسّم بينهم؛ لاطلاق الروايات ففي المسالك: «صرّح به الشيخ في المبسوط و جماعة. و شرط ابن حمزة فقد آخر في سنّه، فأسقط الحبوة هنا و هو ضعيف».(3)
و لايشترط بلوغه حين موت المورّث؛ لاطلاق الأدلّة، و لا ملازمة بين الحبوة و قضاء الصلاة و الصوم عن أبيه.
في الجواهر: «بل الظاهر عدم اشتراط انفصاله حيّا حال موت أبيه - و ان كان لميصدق عليه الولد الذكر حينئذ - لكونه متحقّقا في نفس الأمر، و كون الحبوة قسما من الميراث و قد عرفت أنّه يعزل نصيبه منه، بل قلنا هناك أنّه يكفي فيه صدق الولديّة المتأخّرة، و حينئذٍ لا فرق بين كونه علقة و مضغة و غيرهما على حسب ما سمعته في الارث. لكن في الروضة أنّه يمكن الفرق بين كونه جنينا تامّا فتحقّق الذكوريّة في الواقع حين الموت و بين كونه مضغة و علقة و فيه ما عرفت».(4)
أقول:
الظاهر عدم اشتراط انفصاله حيّا حين موت أبيه، و ذلك لأنّ الحبوة اعطاء من الشارع للولد الأكبر من الذكور للميّت، و هو نحو ايصاء منه و لا فرق بينه و بين
الارث فكما يعزل نصيبه من الارث فهذا أيضا كذلك ولكن لابدّ من صدق الولد الذكور و الظاهر أنّه لايصدق على المضغة و العلقة، فلابدّ من الفرق بينها و بين ما اذا كان جنينا تامّا.
يجب على الولد الأكبر أنيقضي عن والده ما فاته من صلاة و صيام، و ذلك للنصوص الدالّة على ذلك، كصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه. الحديث».(1)
و قد استقصينا البحث عن ذلك في كتاب الصلاة.(2)و هل هو شرط في استحقاق الحبوة بحيث تجعل عوضا عنه؟ فيه خلاف، و الأظهر أنّه لايشترط، بل يجب على الولد الأكبر قضاء ما فات من صلاة أبيه و صيامه و ان لمتكن هناك حبوة، و ذلك لاطلاق النصوص الواردة في وجوب القضاء، و كذا اطلاق النصوص الواردة في الحبوة.
و في المسالك: «و تظهر الفائدة فيما لو كان الولد غير مكلّف بالقضاء أو كان مكلّفا و لميترك حبوة، فعلى ما اخترناه لا تلازم بينهما، فقد يثبتان كما اذا كان الولد مكلّفا و خلّف الميّت حبوة و قد ينفكّ كلّ منهما عن الآخر. و اطلاق النصّ و الفتوى يقتضي عدم الفرق بين أنيكون الفائت من الصلاة و الصيام بعمد و غيره و ربّما قيل باختصاص الحكم بما فات منها لعذر و لا بأس به، و النصوص
لاتنافيه».(1)
قال في المسالك: «المراد بثياب بدنه ما كان يلبسها أو أعدّها للبس و ان لميكن لبسها، و الأقوى أنّ العمامة منها و ان تعدّدت أو لمتلبس كذلك اذا اتّخذها له. و كذا السراويل، دون شدّ الوسط و الخفّ و ما في معناه. و كذا لاتدخل القلنسوة و في الثوب من اللبد نظر أظهره دخوله؛ لدخوله في اسم الكسوة المذكورة في بعض الأخبار. و قد صرّحوا بعدم اجزاء القلنسوة عن الكفّارة مع كون المعتبر فيها الكسوة. و لو تعدّدت هذه الأجناس فما كان منها بلفظ الجمع كالثياب يدخل أجمع و ما كان بلفظ الوحدة - كالسيف و المصحف - يتناول واحدا فان تعدّد في ملكه انصرف الى ما كان يغلب نسبته اليه فان تساوت النسبة ففي تخيّر الوارث واحدا منها أو القرعة وجهان أصحّهما الأوّل. و في دخول حلية السيف و جفنه و بيت المصحف وجهان، من تبعيّتها لهما عرفا، و خروجها عن حقيقتهما، و في الأوّل قوّة».(2)
أقول:
أمّا بالنسبة الى الثياب فقد وردت عبارات مختلفة في روايات الحبوة، ككسوته و درعه و ثياب جلده، و يفسّر الكسوة و الدرع - بناءً على أنّه بمعنى القميص كما تقدّم - بثياب جلده، يعني ما كان مماسّا ببدنه و هي شاملة للقميص و السروال.
و السيف و الخاتم و المصحف شاملة لما يتعلّق و يلبس و يقرأ فيه، و ان كنّ متعدّدة فما هو الغالب نسبته اليه، فان كنّ في النسبة سواء فيختار واحدة من أيّهنّ، فلو يخاف من التشاحّ مع سائر الورثة فالقرعة. و هذا الذي ذكر ممّا يفهمه العرف من دون تردّد.
و الأحوط المصالحة مع الورثة بالنسبة الى العمامة و القلنسوة و المنطقة و اللبد و الحذاء و العباء و القباء. و كذا بالنسبة الى حلية السيف و جفنه و سيوره و بيت المصحف. و لا اشكال في عدم دخول ما أعدّه للبسه و لميلبسه و ما أعدّه من هذه الأشياء للتجارة.
الأوّل: لايشترط عدم قصور نصيب كلّ وارث عن قدر الحبوة، كما لايشترط عدم زيادتها عن الثلث؛ لاطلاق الروايات أو عمومها.
الثاني: يشترط فيها خلوّ الميّت عن دين مستغرق للتركة؛ لأنّ الحبوة اختصاص في الارث، و لا ارث مع الاستغراق. و لو كان هناك دين غير مستغرق ففي منع الولد من الحبوة بالنسبة الى الدين وجهان، من عدم منع الولد لاطلاق الروايات و من منعه كما يمنع غير الحبوة من الميراث. الأظهر هو الثاني؛ لأنّها و ان كانت اعطاء من الشارع الاّ أنّها بحكم الارث فيشملها ما يشمل الارث من الأحكام
الثالث: لو أوصى الميّت بعين من أعيان التركة غير الحبوة فلايمنع الولد من الحبوة للوصيّة و لو كانت الوصيّة ببعض الحبوة فان كان بمقدار ثلث التركة أو أقلّ فينقص من الحبوة، لا من جميع التركة، و ان كان زائدا عن الثلث تتوقّف زيادتها على اجازة المحبوّ.
الرابع: قال المصنّف رحمهالله: «و من شرط اختصاصه أنلايكون سفيها و لا فاسد
الرأي على قول مشهور».
و قال في المسالك: «انّ السفه لايمنع الاستحقاق، و لايدفع وجوب القضاء لبقاء التكليف معه، و ان جعلنا القضاء شرطا في ثبوتها. و أمّا الثاني [و هو عدم كونه فاسد الرأي] فيمكن اعتباره من حيث انّ المخالف لايرى استحقاقها فيجوز الزامه بمذهبه، كما جاز مثله في منعه من الارث أو بعضه حيث يقول به ادانة له بمعتقده. و هذا حسن».(1)
أقول:
أمّا بالنسبة الى السفه فلا دليل على منع استحقاقه، و قد تقدّم أنّه لا تلازم بين الحبوة و وجوب القضاء مع أنّه يمكن له القضاء؛ لبقاء التكليف مع السفه.
و أمّا بالنسبة الى فساد رأيه، فمقتضى الجمع بين اطلاق روايات الحبوة و بين الروايات الواردة في جواز أخذ المؤمن بالعول و التعصيب و نحوهما اذا حكم له به العامّة، هو جواز منعه من الحبوة، اذا لمير لنفسه استحقاقها.
ففي رواية عمر بن أذينة عن عبداللّه بن محرز قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: رجل ترك ابنته و أخته لأبيه و أمّه فقال: المال كلّه لابنته و ليس للأخت من الأب و الأمّ شيء. فقلت: فانّا قد احتجنا الى هذا و الميّت رجل من هؤلاء الناس و أخته مؤمنة عارفة. قال: فخذ لها النصف خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنّتهم و قضاياهم. قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة، فقال: انّ على ما جاء به ابن محرز لنورا».(2)
الخامس: قال المصنّف رحمهالله: «و أنيخلّف الميّت مالاً غير ذلك فلو لميخلّف
سواه لميخصّ بشيء منه».
قال في المسالك: «هذا الشرط مشهور أيضا، و النصوص خالية عنه، و كأنّ وجهه لزوم الاضرار و الاجحاف بالورثة لولاه، أو أنّ الحباء لايتحقّق بدونه و في كلّ منهما نظر. و اطلاق اشتراط أنيخلّف غيرها يشمل ما لو كان الغير قليلاً أو كثيرا، حتّى لو كان درهما واحدا و هي تساوي دنانير. و ما ذكروه من العلّة آتٍ هنا. و ربّما قيل بالمنع هنا أيضا؛ للاجحاف. بل قيل باشتراط عدم قصور نصيب كلّ واحد عنها. و لا دليل عليه. و ينبغي عليه اعتبار نصيب الولد المساوي له في الذكوريّة، أمّا غيره فلا؛ لعدم المناسبة خصوصا الزوجة».(1)
و في اللمعة و شرحها: «يشترط أن يخلّف الميّت مالاً غيرها و ان قلّ؛ لئلاّيلزم الاجحاف بالورثة، و النصوص خالية عن هذا القيد، الاّ أنيدّعى أنّ الحباء يدلّ بظاهره عليه».(2)
أقول:
يمكن أنيقال بهذا الشرط الاّ أنّ اطلاق الروايات محكّم. اللّهمّ الاّ أنيقال بالانصراف، فالاحتياط بالمصالحة مع الورثة طريق النجاة.
«الرابعة»: لايرث الجدّ و لا الجدّة مع أحد الأبوين شيئا، لكن يستحبّ أنيطعما سدس الأصل، اذا زاد نصيبه عن ذلك، مثل أنيخلّف أبويه و جدّا و جدّة لأب، و جدّا و جدّة لأمّ، فللأمّ الثلث، و تطعم نصف نصيبها جدّه و جدّته بالسويّة، و لو كان واحدا كان السدس له. و للأب الثلثان، و يطعم جدّه و جدّته سدس أصل التركة بالسويّة، و لو كان واحدا كان السدس له. و لو
حصل لأحدهما السدس من غير زيادة و حصل للآخر الزيادة، استحبّ له الطعمة دون صاحب السدس. فلو خلّف أبوين و اخوة استحبّ للأب الطعمة دون الأمّ. و لو خلّف أبوين و زوجا استحبّ للأمّ الطعمة دون الأب. و لايطعم الجدّ للأب و لا الجدّة له، الاّ مع وجوده، و لا الجدّ للأمّ و لا الجدّة لها الاّ مع وجودها.
في المسألة فروع:
قال في المسالك: «عدم ارث الجدّ مع الأبوين أو أحدهما هو المشهور بين الأصحاب، لانعلم فيه مخالفا الاّ ابن الجنيد، فانّه جعل الفاضل عن سهام البنت و الأبوين للجدّين أو الجدّتين، لكن على المشهور يستحبّ للأبوين أنيطعما أبويهما شيئا من نصيبهما على بعض الوجوه».(1)
أقول:
انّ الأبوين أولى بالميراث من الأجداد مطلقا و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الكتاب قوله تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه»(2).
و من السنّة الروايات الدالّة على أنّ الميراث للأقرب الى الميّت، كما في مكاتبة الصفّار.(3)و ما دلّ على فريضة الأبوين، مع الولد و عدمه، على أنّه يقضي باختصاص قسمة التركة بينهما، أو بينه و بينهما خاصّة من دون اشارة الى الجدّ
أصلاً، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل مات و ترك أبويه قال:
«للأب سهمان و للأمّ سهم».(1)
و ما في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«...و وجدت فيها رجل ترك أبويه و ابنته، فللابنة النصف، و لأبويه لكلّ واحد منهما السدس، يقسم المال على خمسة أسهم، فما أصاب ثلاثة فللابنة، و ما أصاب سهمين فللأبوين».(2)
و دعوى ارادة ما يشمل الجدّ و الجدّة منهما، يدفعها النصوص الدالّة على أنّه لايجتمع مع الأبوين و الولد غير الزوج و الزوجة. و خصوص صحيحة عبداللّه بن جعفر قال:
«كتبت الى أبي محمد عليهالسلام: امرأة ماتت و تركت زوجها و أبويها و جدّها و جدّتها كيف يقسم ميراثها؟ فوقّع عليهالسلام: للزوج النصف، و ما بقي فللأبوين».(3)
و النصوص الدالّة على كون الأجداد كالاخوة المعلوم تأخّر رتبتهم عن الأبوين، كموثّقة اسماعيل الجعفي قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: الجدّ يقاسم الاخوة و لو كانوا مائة ألف».(4)
و في الروضة: «لايرث الأجداد مع الأبوين، و لا مع أحدهما، و لا مع من هو في مرتبتهما، و هو موضع وفاق الاّ من ابن الجنيد في بعض الموارد».(5)
1) - وسائل الشيعة 26: 115 / الباب 9 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 129 / الباب 17 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 26: 135 / الباب 19 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 26: 165 / الباب 6 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 6.
5) - الروضة البهيّة 8: 122.
قال في مجمع البحرين: «الطعمة، الرزق، و جمعها طعم مثل غرفة و غرف. و منه «لا ميراث للجدّات انّما هي طعمة» و في الحديث: «لاتكرهوا مرضاكم على الطعام فانّ اللّه يطعمهم و يسقيهم» أي يحفظ قواهم و يمدّهم بما يفيد فائدة الطعام و الشراب في الروح و تقويم البدن».
و في المسالك: «يستحبّ للأبوين أو أحدهما أنيطعم سدس الأصل للجدّ أو الجدّة من قبله اذا زاد نصيبه عن السدس».(1)
و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أطعم الجدّة أمّ الأمّ السدس، و ابنتها حيّة».(2)
و منها صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أطعم الجدّة السدس».(3)
و منها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام:
«انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أطعم الجدّة السدس، و لميفرض لها شيئا».(4)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«دخلت على أبي عبداللّه عليهالسلام و عنده أبان بن تغلب، فقلت: أصلحك اللّه، انّ ابنتي هلكت و أمّي حيّة، فقال أبان: ليس لأمّك شيء، فقال
أبو عبداللّه عليهالسلام: سبحان اللّه أعطها السدس».(1)
و منها رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام - في حديث - قال:
«انّ اللّه فرض الفرائض فلميقسم للجدّ شيئا، و انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أطعمه السدس، فأجاز اللّه له ذلك».(2)
و في المستند: «و وجه الدلالة على الاستحباب ليس لما قيل من أنّها تدلّ على أنّ الاعطاء على جهة الطعمة التي هي في اللغة الهبة، و هي غير الارث؛ لعدم ثبوت أنّها معناها، و لو فرض فلا دلالة للهبة على الاستحباب و ان قلنا انّها غير الارث. بل لما ثبت في محلّه، من أنّ ما لمتظهر جهته لنا من أفعال النبي صلىاللهعليهوآله فيستحبّ لنا التأسّي و لايجب. فان قيل: اطعامه صلىاللهعليهوآله قضيّة في واقعة، يحتمل أنيكون مع رضاء الأبوين أو بدونه، و عدم ظهور الجهة انّما هو في الأوّل، و أمّا في الثاني فيكون الاطعام واجبا قطعا؛ اذ لايستحبّ لأحد اعطاء مال الغير بدون رضاه. قلنا: لمّا كان ذلك الاحتمال غير معلوم أيضا، فيكون فعله ممّا لمتعلم جهته حينئذٍ أيضا، مع أنّه لا قائل بوجوب الاطعام، بل كلّ من قال به فقال باستحبابه، فالاجماع قرينة على تعيينه».(3)
و الظاهر من هذه الأخبار أنّ الطعمة سدس الأصل لا سدس نصيب الأب و الأمّ و ان خرج من نصيب كلّ واحد لأبويه.
قال في المسالك: «و اطلاق السدس في هذه الأخبار و غيرها ظاهر في كونه سدس الأصل لا سدس نصيب المطعم خلافا لابن الجنيد حيث جعله من نصيب المطعم لا من أصل المال».(4)
و يردّ ما عن ابن الجنيد فتوى المشهور و ظهور الروايات.
يشترط أنيكون نصيب المطعم زائدا عن السدس، فلو لميزد نصيبهما أو أحدهما عنه لميستحبّ، يستفاد ذلك من رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام، في أبوين و جدّة لأمّ، قال:
«للأمّ السدس، و للجدّة السدس، و ما بقي و هو الثلثان للأب».(1)
كما أنّه ربّما يستفاد من لفظ «الطعمة»، و هو ظاهر الرواية الأولى لاسحاق بن عمّار المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليهالسلام - في حديث - قال:
«انّ اللّه فرض الفرائض فلميقسم للجدّ شيئا، و انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أطعمه السدس، فأجاز اللّه له ذلك».(2)
و كذلك ظاهر صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه المتقدّمة.
و في الجواهر: «قد صرّح به غير واحد من الأصحاب، بل لاأجد فيه خلافا».(3)
و في مستند الشيعة: «قد صرّحوا بأنّه يشترط في استحباب اطعام كلّ من الأبوين زيادة نصيبه عن السدس، فلو لميحصل لأحدهما سوى السدس لمتستحبّ له الطعمة، و هو كذلك، و ان كان ظاهر المفاتيح و الكفاية التردّد. لنا: ما مرّ من اجمال غير المبيّن بهذا النحو، و هو رواية ابن عمّار، فينفى غيره بالأصل. و يؤيّده اختصاص الأخبار بحكم التبادر و الاعتبار بما اذا كان هناك للمطعم عن نصيبه الزيادة. و الأظهر أنتكون الزيادة بقدر السدس، كما ذهب اليه المحقّق في
النافع و الشهيد في اللمعة و الدروس، و في الروضة أنّه الأشهر. و هو الأظهر؛ لرواية ابن عمّار المتقدّمة. انتهى ملخّصا».(1)
و لايطعم الجدّ للأب و لا الجدّة له الاّ مع وجوده و لا الجدّة للأمّ و لا الجدّة لها الاّ مع وجودها.
تدلّ على ذلك صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أطعم الجدّة أمّ الأب السدس و ابنها حيّ، و أطعم الجدّة أمّ الأمّ السدس، و ابنتها حيّة».(2)
و مرفوعة ابن رباط عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الجدّة لها السدس مع ابنها و مع ابنتها».(3)
و مرسلة الكليني قال:
«أخبرني بعض أصحابنا أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أطعم الجدّ السدس مع الأب، و لميطعمه مع الولد».(4)
و لاتعارضها صحيحة سعد بن أبي خلف قال:
«سألت أبا الحسن موسى عليهالسلام عن بنات بنت و جدّ. قال: للجدّ السدس، و الباقي لبنات البنت».(5)
1) - مستند الشيعة 19: 253
2) - وسائل الشيعة 26: 139 / الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 26: 140 / الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 26: 139 / الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 26: 141 / الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد / الحديث 15.
لما نقل صاحب الوسائل في ذيلها عن الشيخ عن ابن فضّال: «انّ هذا الخبر قد أجمعت الطائفة على العمل بخلافه». و قال: «يمكن حمله على التقيّة لما مرّ.(1)و يحتمل على بعد الحمل على أنّ الجدّ جدّ البنات، و هو أبو الميّت لا جدّ الميّت، و يبقى حكم الردّ فيه غير مذكور، و قد تقدّم في أحاديث أخر أنّه يردّ عليه ربع الباقي».
و في الجواهر بعد نقل ما عن ابن فضّال في الصحيحة قال: «و هو كذلك؛ لأنّي لمأجد عاملاً به على جهة مشاركة الجدّ لبنات البنات الاّ ما يحكى عن الصدوق من دعوى مشاركته لأولاد الأولاد مع عدم الأبوين - الى أنقال: - و من ذلك يعلم ما في استدلال الصدوق به مضافا الى أخصّيّته من دعواه و موافقته للعامّة، كالاستدلال له بدعوى مساواتهم لهم في المرتبة و قيامهم مقام الآباء في ذلك؛ لقيام أولاد الأولاد مقام آبائهم التي من الواضح منعها بعد تطابق النصوص و الفتاوى على كون مرتبة الجدّ مرتبة الأخ المعلوم تأخّره مرتبة عن الأولاد و أولادهم، و تطابقهما أيضا على أنّ أولاد الأولاد يقومون مقام الأولاد في جميع أحكامهم التي منها حجب الأجداد عن مشاركتهم كالأولاد، و ليس في النصوص ما يقتضي قيام الأجداد مقام الآباء في أحكامهم التي منها المشاركة لأولاد الأولاد كي يحصل التعارض، بل في النصوص خلافه من كونه بمنزلة الأخ و به يخرج عن اطلاق قيام من تقرّب بقريب مقام من تقرّب به لو سلّم على وجه يتناول الأجداد خصوصا بعد رجحانه عليه بوجوه، كما هو واضح».(2)
الأوّل: ظاهر الأخبار عدم الفرق بين كون الجدّ أو الجدّة واحدا أو متعدّدا، فلو
اجتمعت الأجداد الأربعة يستحبّ الطعمة لهم. فمن جملة الروايات مرسلة الجميل قال:
«اذا ترك الميّت جدّتين، أمّ أبيه و أمّ أمّه فالسدس بينهما».(1)
ففي المستند: «و ردّها بظهورها في عدم وجود الأبوين، و الانحصار في الجدّتين، فيكون مخالفا للاجماع، مدفوع بأنّ ذكر السدس قرينة على عدم الانحصار، فيكون وجود الأبوين محتملاً، فلميقطع بالمخالفة».(2)
الثاني: ظاهر الأخبار و صريح الفتاوى، أنّ السدس يطعم من طرف الأمّ لأبويها بالسويّة، و أيضا يطعم من طرف الأب لأبويه بالسويّة، و هو المشهور.
في الجواهر: «يمكن دعوى كون المستفاد من النصوص عدم الفرق في اطعام الأبوين السدس لأبويهما بين المتّحد منهما و متعدّده، و ان لميذكر فيها الاّ الجدّ و الجدّة، الاّ أنّ الظاهر ارادة طعمة الجدّ من حيث الجدودة. و من هنا لميفرّق الأصحاب بينهما، فيشتر كان حينئذٍ في السدس؛ لعدم ترجيح أحدهما على الآخر فيه».(3)
الثالث: تقدّم أنّ ظاهر الأخبار، أنّه يشترط في استحباب الطعمة كون السدس من أصل التركة، و هذا يكون بعد أخذ أبوي الميّت فرضهما، فلو نقص بعده عن السدس فلا استحباب من جهة الطعمة.
قال في الروضة: «يستحبّ لأبوي الميّت الطعمة لأبويهما حيث يفضل لأحدهما سدس فصاعدا فوق السدس المعيّن لهما على تقدير مجامعتهما للولد، فيستحبّ لهما اطعام هذا السدس الزائد. و لو زاد نصيبهما عن هذا السدس، فالمستحبّ اطعام السدس خاصّة. و المشهور أنّ قدر الطعمة - حيث يستحبّ -
سدس الأصل. و الأخبار ناطقة به. و الاستحباب مختصّ بمن يزيد نصيبه كذلك أي سدسا فوق سدس، لأبويه دون أبوي الآخر. فلو كانت الأمّ محجوبة بالاخوة فالمستحبّ اطعام الأب خاصّة. و لو كان معهما زوج من غير حاجب فالمستحبّ لها خاصّة - لأنّ الزوج يرث نصف المال و الأمّ اذا لميكن لها حاجب ترث ثلث المال، و الباقي هو سدس المال يكون للأب، فلميفضل للأب شيء على سدسه، أمّا الأمّ فقد فضل لها سدس على السدس، فيستحبّ لها اطعام أبويها دون الأب - و لو لميكن سواهما و لا حاجب استحبّ لهما. و انّما يستحبّ طعمة الأجداد من الأبوين، فلا يستحبّ للأولاد طعمة الأجداد؛ للأصل، و لو كان أحد الجدّين مفقودا فالطعمة للآخر، فان وجدا فهي بينهما بالسويّة. انتهى بتوضيح منّا».(1)الرابع: استحباب الطعمة للأبوين فقط؛ لأنّه و ان كان مقتضى اطلاق أخبار الباب استحبابه من الأولاد أيضا، بل و من باقي الورثة ولكن المشهور لميعملوا بالاطلاق و ذهبوا الى اختصاص هذا الاستحباب بالأبوين فقط و هو الأقوى.
1) - الروضة البهيّة 8: 122 - 126.
«المرتبة الثانية»: الاخوة و الأجداد: اذا انفرد الأخ للأب و الأمّ فالمال له. فان كان معه أخ أو اخوة فالمال بينهم بالسويّة. و لو كان أنثى أو اناثا فللذكر سهمان و للأنثى سهم. و لو كان المنفرد أختا لهما كان لها النصف، و الباقي يردّ عليها. و لو كان أختان فصاعدا كان لهما أو لهنّ الثلثان، و الباقي يردّ عليهما أو عليهنّ.
الاخوة مطلقا و أولادهم المسمّون بالكلالة، و الأجداد مطلقا الذين قد عرفت تأخّرهم عن الأبوين و الأولاد الوارثين و تقدّمهم على غيرهم، يرثون مع عدم وجود أحد من الطبقة الأولى، و لايتقدّم عليهم أحد من الطبقة الثالثة. واذا انفرد الأخ للأب و الأمّ عمّن يرث معه من أهل طبقته فالمال له بالقرابة.
يدلّ على ما ذكر قوله تعالى: «و هو يرثها ان لميكن لها ولد»(1).
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل مات و ترك أخاه و لميترك وارثا غيره، قال: المال
1) - النساء 4: 176
له. الحديث».(1)
كما لا خلاف و لا اشكال أيضا في أنّه ان كان معه أخ أو اخوة للأب و الأمّ فالمال بينهم بالسويّة التي هي الأصل في الشركة خصوصا مع اتّحاد سبب الشركة و عدم الخصوصيّة لأحدهم. نعم لو كان معه أو معهم أنثى أو اناث لهما أيضا فللذكر سهمان و للأنثى سهم.
يدلّ عليه من الكتاب قوله تعالى: «و ان كانوا اخوة رجالاً و نساءً فللذكر مثل حظّ الأنثيين»(2).
و من السنّة، موثّقة بكير عن أبي جعفر عليهالسلام (في حديث) قال:
«و ان كانوا اخوة رجالاً و نساءً فللذكر مثل حظّ الأنثيين، و ذلك كلّه اذا لميكن للميّت ولد، و أبوان، أو زوجة».(3)
و يدلّ عليه الاجماع أيضا كما في الجواهر(4).
و لو كان المنفرد أختا لهما كان لها النصف؛ فرضا في كتاب اللّه، و هو قوله تعالى: «يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك»(5). و الباقي يردّ عليها قرابة، ففي موثّقة بكير عن أبي جعفر عليهالسلام (في حديث) قال:
««اذا مات الرجل و له أخت تأخذ نصف الميراث بالآية كما تأخذ الابنة لو كانت، و النصف الباقي يردّ عليها بالرحم اذا لميكن للميّت وارث أقرب منها ».(6)
1) - وسائل الشيعة 26: 152 / الباب 2 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 1.
2) - النساء 4: 176.
3) - وسائل الشيعة 26: 153 / الباب 2 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 5.
4) - جواهر الكلام 39: 148.
5) - النساء 4: 176.
6) - وسائل الشيعة 26: 153 / الباب 2 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 5.
و يقوم مقام كلالة الأب و الأمّ مع عدمهم، كلالة الأب. و يكون حكمهم في الانفراد و الاجتماع، حكم كلالة الأب و الأمّ. و لايرث أخ و لا أخت من أب، مع أحد من الاخوة للأب و الأمّ، لاجتماع السببين.
انّ من تقرّب بالأبوين من الاخوة يمنع من تقرّب منهم بالأب وحده، و كذا أولادهم و ذلك لصحيحة هشام بن سالم عن بريد الكناسي عن أبي عبداللّه عليهالسلام، قال:
«ابنك أولى بك من ابن ابنك و ابن ابنك أولى بك من أخيك و أخوك لأبيك و أمّك أولى بك من أخيك لأبيك. قال: و ابن أخيك لأبيك و أمّك أولى بك من ابن أخيك لأبيك، قال: و ابن أخيك من أبيك أولى بك من عمّك. الحديث».(1)
و رواية الحارث عن أميرالمؤمنين عليهالسلام قال:
«أعيان بني الأمّ يرثون دون بني العلاّت».(2)
و رواية أخرى له عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام أنّه كان يقول:
«أعيان بني الأمّ أقرب من بني العلاّت، فقال له أبوعبداللّه عليهالسلام: جئت بها من عين صافية. الحديث».(3)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال النبي صلىاللهعليهوآله: أعيان بني الأمّ أحقّ بالميراث من بني العلاّت».(4)
و في الجواهر: «الأعيان: الاخوة لهما، من عين الشيء أي النفيس منه، و بنوا العَلاّت الّذون للأب وحده. و قيل: سمّوا بذلك؛ لأنّ شرب الابل الماء أوّلاً نهل، و
1) - وسائل الشيعة 26: 182 / الباب 13 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 182 / الباب 13 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 26: 183 / الباب 13 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 26: 183 / الباب 13 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 4.
الثاني علّ بعد نهل، فكان من تزوّج بأمّهم بعد الأولى نهل بالأولى ثمّ علّ بالثانية».(1)
ثمّ انّه يكون حكمهم في الانفراد و الاجتماع حكم كلالة الأب و الأمّ. و الدليل عليه، هو الدليل على حكم كلالة الأب و الأمّ.
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، فاذا انفرد الأخ للأب كان المال له، و ان كان معه ذكر فالمال بالسويّة، و ان كان أنثى فللذكر مثل حظّ الأنثيين، و ان كان المنفرد الأخت له كان لها النصف فرضا و الباقي ردّا، و ان كان الأختان فصاعدا كان لهما أو لهنّ الثلثان فرضا و الباقي ردّا، نحو ما سمعته في كلالة الأب و الأمّ».(2)
و في مستند الشيعة: «حكم المتقرّب بالأب وحده حكم المتقرّب بالأبوين - حال عدم المتقرّب بهما - في الارث و التقسيم؛ بالاجماع، و العمومات الدالّة على حكم الأخ مطلقا، و عمومات تفضيل الرجال على النساء، خرج المتقرّب بالأمّ وحدها بالدليل فيبقى الباقي».(3)
أقول:
العمومات الدالّة على حكم الأخ و الأخت مطلقة فيشمل الأخ أو الأخت المتقرّب بالأب وحده، منفردا أو مجتمعا مع مثله أو الذكر و الأنثى. كصحيحة عبداللّه بن سنان، عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل مات، و ترك أخاه، و لميترك وارثا غيره، قال: المال له. قلت: فان كان مع الأخ للأمّ جدّ، قال: يعطى الأخ للأمّ السدس و يعطى الجدّ الباقي، قلت: فان كان الأخ للأب؟ قال: المال بينهما
سواء».(1)
و حسنة بكير عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سأله رجل عن أختين و زوج. فقال: النصف و النصف، فقال الرجل قد سمّى اللّه أكثر من هذا، لهما الثلثان، فقال: ما تقول في أخ و زوج؟ فقال: النصف و النصف، فقال:أليس قد سمّى اللّه له المال؟ فقال: «و هو يرثها ان لميكن لها ولد»».(2)
و حسنة أخرى لبكير عن أبي جعفر عليهالسلام فقال:
«اذا مات الرجل و له أخت، تأخذ نصف الميراث بالآية، كما تأخذ الابنة لو كانت، و النصف الباقي يردّ عليها بالرحم، اذا لميكن للميّت وارث أقرب منها، فان كان موضع الأخت أخ أخذ الميراث كلّه بالآية؛ لقول اللّه: «و هو يرثها ان لميكن لها ولد» و ان كانتا أختين أخذتا الثلثين بالآية، و الثلث الباقي بالرحم، «و ان كانوا اخوة رجالاً و نساءً فللذكر مثل حظّ الأنثيين» و ذلك كلّه اذا لميكن للميّت ولد و أبوان أو زوجة».(3)
و لو انفرد الواحد من ولد الأمّ كان له السدس و الباقي ردّ عليه ذكرا كان أو أنثى. و للاثنين فصاعدا، الثلث بينهم بالسويّة، ذكرانا كانوا أو اناثا، أو ذكرانا و اناثا.
يدلّ على ذلك قوله تعالى: «و ان كان رجل يورث كلالة أو امرأة و له أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في
الثلث»(1).
و تدلّ على أنّ الأخ للأمّ لو كان واحدا يكون المال له، صحيحة ابن سنان - يعني عبداللّه - قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل ترك أخاه لأمّه، و لميترك وارثا غيره؟ قال: المال له. الحديث».(2)
و اطلاق قوله عليهالسلام في صحيحة علي بن يقطين أنّه سأل أبا الحسن عليهالسلام عن الرجل يموت، و يدع اخته و مواليه، قال:
«المال لأخته».(3)
و كذا رواية محمّد بن القاسم بن الفضيل عن الرضا عليهالسلام في رجل مات و ترك امرأة قرابة ليس له قرابة غيرها قال:
«يدفع المال كلّه اليها».(4)
و أمّا لو كان ولد الأمّ أكثر من واحد و لميكن معهم غيرهم فلهم الثلث بالفرض و الباقي بالردّ يقسم بينهم بالسويّة، و الدليل على ذلك فبالنسبة الى الثلث ما تقدّم من قوله تعالى: «فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث»، و يفهم من اطلاق الآية «فهم شركاء في الثلث» التسوية. و يدلّ على أنّ الباقي من المال يردّ عليهم قوله تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه»(5). و بطلان التعصيب عندنا، و الروايات الواردة في أنّ من لميكن له وارث الاّ واحد أو أكثر من طبقته فالمال له، كما تقدّم.
قال في المستند: «و يقتسمون المال بالسويّة، سواء كانوا ذكورا أم اناثا، أم
ذكورا و اناثا، بالاجماع القطعي و نقله جمع كثير أيضا، منهم الكليني في الكافي و صاحب مجمع البيان قال: «و لا خلاف بين الأمّة في أنّ الاخوة و الأخوات من قبل الأمّ متساوون في الميراث». و هو الحجّة في ذلك، مضافا الى ما رواه مسمع عن رجل مات و ترك اخوة و أخوات لأمّ و جدّا، فقال: «الجدّ بمنزلة الأخ من الأب، له الثلثان، و للاخوة و الأخوات من الأمّ الثلث، فهم فيه شركاء سواء». و قول الرضا عليهالسلام في فقهه: «فان ترك أختين أو أخوين أو أخا أو أختا لأمّ أو أكثر من ذلك و جدّا، فللاخوة و الأخوات من الأمّ الثلث بينهم بالسويّة، و ما بقي فللجدّ». و المرسلة المرويّة في المجمع، و فيها: «و متى اجتمع قرابة الأب مع قرابة الأمّ مع استوائهم في الدرج كان لقرابة الأمّ الثلث بينهم بالسويّة و الباقي لقرابة الأب، للذكر مثل حظّ الأنثيين». و صحيحة محمّد الآتية في المسألة الحاديهعشرة، الاّ أنّ هذه الروايات و ان كان بعضها مختصّا بصورة وجود الجدّ و بعضها بصورة وجود قرابة الأب الاّ أنّ بالاجماع المركّب يتمّ المطلوب».(1)
و لو كان الاخوة متفرّقين كان لمن يتقرّب بالأمّ السدس ان كان واحدا، و الثلث ان كانوا أكثر، بينهم بالسويّة، و الثلثان لمن يتقرّب بالأب و الأمّ واحدا كان أو أكثر، لكن لو كان أنثى كان لها النصف بالتسمية و الباقي بالردّ. و ان كانتا اثنتين فلهما الثلثان، فان أبقت الفريضة فلهما الفاضل. و ان كانوا ذكورا فالباقي بعد كلالة الأمّ بينهم بالسويّة. و ان كانوا ذكورا و اناثا، فالباقي بينهم للذكر سهمان و للأنثى سهم.
و لو اجتمع الاخوة المتفرّقون فللمتقرّب بالأمّ السدس ان كان واحدا، و الثلث ان كان أكثر بالسويّة، و الباقي للاخوة للأبوين، و مع عدمهم للاخوة للأب، للذكر
1) - مستند الشيعة 19: 264 و 265.
مثل حظّ الأنثيين؛ تدلّ عليه حسنة بكير بن أعين قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: امرأة تركت زوجها و اخوتها و أخواتها(1)لأمّها، و اخوتها و أخواتها لأبيها، قال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، و للاخوة من الأمّ الثلث، الذكر و الأنثى فيه سواء، و بقي سهم فهو للاخوة و الأخوات من الأب، للذكر مثل حظّ الأنثيين؛ لأنّ السهام لاتعول، و لاينقص الزوج من النصف، و لا الاخوة من الأمّ من ثلثهم؛ لأنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: «فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فيالثلث»، و ان كانت واحدة فلها السدس، و الذي عنى اللّه تبارك و تعالى في قوله: «و ان كان رجل يورث كلالة أو امرأة و له أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث» انّما عنى بذلك الاخوة و الأخوات من الأمّ خاصّة، و قال في آخر سورة النساء: «يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد و له أخت» يعني أختا لأب و أمّ، أو أختا لأب «فلها نصف ما ترك و هو يرثها ان لميكن لها ولد» «و ان كانوا اخوة رجالاً و نساءً فللذكر مثل حظّ الأنثيين» فهم الذين يزادون و ينقصون، و كذلك أولادهم هم الذين يزادون و ينقصون، و لو أنّ امرأة تركت زوجها و اخوتها لأمّها و أختيها لأبيها، كان للزوج النصف ثلاثة أسهم، و للاخوة من الأمّ سهمان، و بقي سهم فهو للأختين للأب، و ان كانت واحدة فهو لها؛ لأنّ الأختين لأب اذا كانتا أخوين لأب لميزادا على ما بقي، و لو كانت واحدة، أو كان مكان الواحدة أخ لميزد على ما بقي، و لاتزاد أنثى من الأخوات، و لا
1) - ليس في المصدر. هامش الوسائل
من الولد على ما لو كان ذكرا لميزد عليه».(1)
و أمّا لو كان المتقرّب بالأبوين أنثى فلها النصف فرضا و الباقي يردّ عليها دون المتقرّب بالأمّ و ان تعدّد. و كذا لو كان المتقرّب بالأبوين أختين فلهما الثلثان، و للواحد من كلالة الأمّ السدس، و الباقي يردّ على المتقرّب بالأبوين خاصّة دون المتقرّب بالأمّ على المشهور؛ لدخول النقص عليه و لأنّ المتقرّب بسببين أولى، و قال في المختلف: «و ادّعى أكثر علمائنا عليه الإجماع».(2)
و الجدّ اذا انفرد فالمال له، لأب كان أو لأمّ و كذا الجدّة. و لو كان جدّا أو جدّة أو هما لأمّ، و جدّا و جدّة أو هما لأب، كان لمن يتقرّب منهم بالأمّ الثلث بالسويّة، و لمن يتقرّب بالأب الثلثان، للذكر مثل حظّ الأنثيين. و اذا اجتمع مع الاخوة للأمّ جدّ و جدّة، أو أحدهما من قبلها، كان الجدّ كالأخ، و الجدّة كالأخت، فكان الثلث بينهم بالسويّة. و كذا اذا اجتمع مع الأخت أو مع الأختين فصاعدا للأب و الأمّ أو للأب، جدّ و جدّة أو أحدهما، كان الجدّ كالأخ من قبله و الجدّة كالأخت. و ينقسم الباقي بعد كلالة الأمّ بينهم، للذكر مثل حظّ الأنثيين.
فروع:
اذا انفرد الجدّ كان المال له، لأب كان أو لأمّ و كذا الجدّة؛ للاجماع و الأقربيّة، و
تؤيّده بالنسبة الى الجدّة رواية سالم بن أبي الجعد:
«انّ عليّا عليهالسلام أعطى الجدّة المال كلّه».(1)
قال الصدوق و الشيخ في ذيل الرواية: «انّما أعطاها المال كلّه؛ لأنّه لميكن للميّت وارث غيرها».
و بالنسبة الى الجدّ صحيحة أبي عبيدة(2)عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سئل عن ابن عمّ و جدّ، قال: المال للجدّ».(3)
و لو كان جدّ أو جدّة أو هما لأمّ، و جدّ أو جدّة أو هما لأب، كان لمن يتقرّب بالأمّ منهم الثلث بالسويّة و لمن يتقرّب بالأب الثلثان للذكر مثل حظّ الأنثيين؛ لعموم ما دلّ على ارث كل قريب نصيب من يتقرّب به، كصحيحة أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ في كتاب علي عليهالسلام: أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، الاّ أنيكون وارث أقرب الى الميّت منه فيحجبه».(4)
و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا التقت القرابات فالسابق أحقّ بميراث قريبه. فان استوت قام كلّ واحد منهم مقام قريبه».(5)
و خصوص صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا لميترك الميّت الاّ جدّه أبا أبيه، و جدّته أمّ أمّه، فانّ للجدّة الثلث و للجدّ الباقي، قال: و اذا ترك جدّه من قبل أبيه و جدّ أبيه و جدّته من قبل أمّه و جدّة أمّه، كان للجدّة من قبل الأمّ الثلث و سقط جدّة الأمّ و
1) - وسائل الشيعة 26: 176 / الباب 9 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 1.
2) - في المصدر: عبيدة، و هو الصحيح راجع معجم رجال الحديث 12: 24. هامش الوسائل
3) - وسائل الشيعة 26: 181 / الباب 12 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 26: 68 / الباب 2 من أبواب موجبات الارث / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 26: 69 / الباب 2 من أبواب موجبات الارث / الحديث 3.
الباقي للجدّ من قبل الأب و سقط جدّ الأب».(1)
و قال في المسالك: «كون الثلث للجدّ من الأمّ و ان اتّحد هو المشهور بين الأصحاب و عليه اتّفاق المتأخّرين. و مستندهم أنّ المتقرّب بالأمّ يأخذ نصيب الأمّ، سواء اتّحد أم تعدّد، و نصيبها الثلث؛ لأنّه انّما يأخذ بسببها عند عدمها. و في المسألة أقوال كثيرة نادرة: منها قول ابن أبي عقيل و الفضل بن شاذان أنّه اذا اجتمع جدّة، أمّ أمّ و جدّة أمّ أب فلأمّ الأمّ السدس، و لأمّ الأب النصف، و الباقي يردّ عليهما بالنسبة، كمن ترك أختا لأب و أمّ، و أختا لأمّ. و منها قول الصدوق: للجدّ من الأمّ مع الجدّ للأب أو الأخ للأب السدس و الباقي للجدّ للأب أو الأخ. و منها قول الفضل فيمن ترك جدّته أمّ أمّه و أخته للأبوين فللجدّة السدس. و منها قول التقي و ابن زهرة، و القطب الكيدري: انّ للجدّ أو الجدّة للأمّ السدس، و لهما الثلث بالسويّة. و لمنقف على مأخذ هذه الأقوال الاّ الحاق الأجداد بكلالة الأمّ، و ضعفه ظاهر».(2)
يشارك الاجداد و ان علوا، الاخوة - و مع فقدهم يشارك أولادهم و ان نزلوا - فاذا اجتمع الاخوة أو الأخوات من قبل الأب و الأمّ أو أحدهما مع الأجداد من قبل الأب أو الأمّ، كان الجدّ من الأب كالأخ من قبله أو من قبل الأبوين، و الجدّة من الأب كالأخت هكذا. و الجدّ من الأمّ كالأخ من قبلها و الجدّة من الأمّ كالأخت هكذا؛ تدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: رجل مات، و ترك ستّة اخوة و جدّا، قال: هو كأحدهم».(1)
و صحيحة الفضلاء عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«انّ الجدّ مع الاخوة من الأب يصير مثل واحد من الاخوة ما بلغوا، قال: قلت: رجل ترك أخاه لأبيه و أمّه و جدّه، أو أخاه لأبيه، أو قلت: ترك جدّه و أخاه لأبيه و أمّه، فقال: المال بينهما، و ان كانا أخوين أو مائة، فله مثل نصيب واحد من الاخوة، قال: قلت: رجل ترك جدّه و أخته، فقال: للذكر مثل حظّ الأنثيين، و ان كانتا أختين فالنصف للجدّ و النصف الآخر للأختين، و ان كنّ أكثر من ذلك فعلى هذا الحساب، و ان ترك اخوة و أخوات لأب و أمّ أو لأب، و جدّا فالجدّ أحد الاخوة و المال بينهم، للذكر مثل حظّ الأنثيين. و قال زرارة: هذا ممّا لايؤخذ عليّ فيه، قد سمعته من أبيه و منه قبل ذلك، و ليس عندنا في ذلك شكّ و لا اختلاف».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن رجل ترك أخاه لأبيه و أمّه و جدّه، قال: المال بينهما نصفان، فان كانا أخوين أو مائة كان الجدّ معهم كواحد منهم، يصيب الجدّ ما يصيب واحدا من الاخوة، قال: و ان ترك أخته و جدّه فللجدّ سهمان، و للأخت سهم، و ان كانتا أختين فللجدّ النصف و للأختين النصف، قال: و ان ترك اخوة و أخوات(3)و جدّا
كان الجدّ كواحد من الاخوة للذكر مثل حظّ الأنثيين».(1)
و غيرهما من الروايات المستفيضة الواردة في ذلك الباب.
فاذا اجتمع الاخوة المتفرّقون مع الأجداد المتفرّقين كان للاخوة و الأجداد من قبل الأمّ الثلث بالسويّة و الباقي للاخوة و الأخوات من قبل الأبوين و الأجداد و الجدّات من قبل الأب للذكر مثل حظّ الأنثيين و سقط الاخوة و الأخوات من قبل الأب.
و في المسالك: «و على هذا فلو خلّف جدّا أو جدّة من الأمّ، و اخوة و أجدادا من الأب و ان كثروا، فللجدّ أو الجدّة من الأمّ الثلث، و للاخوة و الأجداد من الأب الثلثان. و لو انعكس فكان المخلّف جدّا أو جدّة أو أخا أو أختا من الأب، و اخوة و جدّين من الأمّ، فللجدّ أو الجدّة أو الأخ أو الأخت للأب الثلثان، و للاخوة و الجدّين و ان كثروا الثلث بينهم بالسويّة. و لو ترك أخا أو أختا من الأمّ، و جدّا أو أخا من الأب، فللأخ من الأمّ أو الأخت السدس، و الباقي للجدّ أو الجدّة أو الأخ أو الأخت من الأب. و لو ترك جدّا أو جدّة لأمّ، و أخا و جدّا لأب، فالمال بينهم أثلاثا. و كذا لو كان بدل الجدّ و الأخ للأب جدّة و أختا. و هكذا».(2)
و الزوج و الزوجة يأخذان نصيبهما الأعلى مع الاخوة، اتّفقت وصلتهم أو اختلفت. و يأخذ من يتقرّب بالأمّ، نصيبه المسمّى من أصل التركة، و ما يفضل فلكلالة الأب و الأمّ. و مع عدمهم فلكلالة الأب. و يكون النقص داخلاً على من يتقرّب بالأب و الأمّ أو بالأب، كما في زوج مع واحد من كلالة الأمّ، مع أخت للأب. و ان فرضت الزيادة، كما في واحد من كلالة الأمّ مع أخت لأب و أمّ، كان الفاضل للأخت خاصّة. و ان كانت للأب فهل تخصّ
بما فضل عن السهام؟ قيل: نعم، لأنّ النقص يدخل عليها بمزاحمة الزوج أو الزوجة. و لما روي عن أبي جعفر عليهالسلام في ابن أخت لأب و ابن أخت لأمّ، قال: «لابن الأخت للأمّ السدس، و الباقي لابن الأخت للأب». و في طريقها علي بن فضّال، و فيه ضعف. و قيل: بل يردّ على من يتقرّب بالأمّ و على الأخت أو الأخوات للأب أرباعا أو أخماسا للتساوي في الدرجة، و هو أولى.
فرعان:
في الجواهر: «الزوج و الزوجة يأخذان نصيبهما الأعلى مع الاخوة و الأجداد، اتّفقت وصلتهم بأن كانوا جميعا لأب و أمّ أو أب، أو اختلفت بأن كان بعضهم كذلك و بعضهم لأمّ؛ لاتّفاق النصّ و الفتوى على عدم نقصان الزوج و الزوجة عن المقدّر لهما مع الولد و عدمه بحال من الأحوال، كاتّفاقهما على عدم نقصان كلالة الأمّ عن المقدّر لها».(1)
قد دلّت على ذلك و على أنّ النقص وارد على الاخوة من الأب و الأمّ أو من الأب، صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قلت له: ما تقول في امرأة ماتت و تركت زوجها و اخوتها لأمّها و اخوة و أخوات لأبيها؟ فقال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، و لاخوتها لأمّها الثلث سهمان، الذكر و الأنثى فيه سواء، و بقي سهم فهو للاخوة و الأخوات من الأب للذكر مثل حظّ الأنثيين؛ لأنّ السهام لاتعول و أنّ الزوج لاينقص من النصف و لا الاخوة من الأمّ من
1) - جواهر الكلام 39: 158 و 159.
ثلثهم؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث» و ان كان واحدا فله السدس، و انّما عنى اللّه في قوله تعالى: «و ان كان رجل يورث كلالة أو امرأة و له أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السدس» انّما عنى بذلك الاخوة و الأخوات من الأمّ خاصّة، و قال في آخر سورة النساء: «يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد و له أخت - يعني بذلك أختا لأب و أمّ أو أختا لأب - فلها نصف ما ترك، و هو يرثها ان لميكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان ممّا ترك و ان كانوا اخوة رجالاً و نساءً فللذكر مثل حظّ الأنثيين» و هم الذين يزادون و ينقصون قال: و لو أنّ امرأة تركت زوجها و أختيها لأمّها و أختيها لأبيها كان للزوج النصف ثلاثة أسهم و لأختيها لأمّها الثلث سهمان و لأختيها لأبيها السدس سهم و ان كانت واحدة فهو لها؛ لأنّ الأختين من الأب لايزادون على ما بقي و لو كان أخ لأب لميزد على ما بقي».(1)
ان فرضت الزيادة كان الفاضل لمن يتقرّب بالأب و الأمّ أو الأب خاصّة.
قال في المسالك: «هذا هو الأظهر بين الأصحاب، بل ادّعى جماعة عليه الاجماع؛ لأنّ من كان النقص داخلاً عليه كان الفاضل له، و لأنّ الأخت للأبوين تجمع السببين فتكون أولى. و قال ابن أبي عقيل و الفضل: انّ الفاضل يردّ عليهما على نسبة السهام أرباعا في المسألة المفروضة و أخماسا اذا كان المتقرّب
1) - فروع الكافي 7: 112 / الباب 61 من كتاب المواريث / الحديث 6.
بالأبوين أختين. و هو شاذّ».(1)
و في الجواهر: «بل عن المختلف أنّه ادّعى أكثر علمائنا الاجماع عليه، و هو الحجّة، مضافا الى الحصر في قول الصادقين عليهماالسلام فيما مرّ من خبري بكير و محمّد بن مسلم: «فهم الذين يزادون و ينقصون»، بل موثّق موسى بن بكير قال: «قلت لزرارة: انّ بكيرا حدّثني عن أبي جعفر عليهالسلام أنّ الاخوة للأب و الأخوات للأب و الأمّ يزادون و ينقصون - الى أنقال: - فقال زرارة: و هذا قائم عند أصحابنا لايختلفون فيه». فانّه و ان لميكن فيه حصر صريح لكنّه ظاهر فيه، خصوصا مع ملاحظة ارادة ما سمعته في خبر بكير ممّا حكاه عنه، خلافا للمحكي عن الفضل و الحسن من الردّ عليها و على قرابة الأمّ على حسب السهام، و لا ريب في ضعفه بعد النصّ و الاجماع».(2)
أقول:
قد تقدّم تفصيلاً أنّه لا عول و لا تعصيب عندنا، فاذا نقصت التركة عن السهام يدخل النقص على من لميكن له فرض في الكتاب و هو فيما نحن فيه غير الزوج و الزوجة و كلالة الأمّ، و كذا يدخل النقص على من لميكن له الاّ فرض واحد كالأخت و الأختين. و اذا فرضت الزيادة تختصّ بمن كان يرد النقص عليه، كما في واحد من كلالة الأمّ مع أخت لأب و أمّ، فالسدس لكلالة الأمّ و النصف للأخت من الأب و الأمّ، و الباقي أي الثلث يردّ على الأخت للأب و للأمّ، و قد دلّت على ذلك روايات عامّة و خاصّة تقدّم البحث عنها، و أشار الى بعضها صاحب الجواهر.
و هكذا يكون الحكم اذا كانت مكان الأخت للأب و الأمّ، الأخت للأب و
الدليل هو الدليل.
قال في المسالك: «قد عرفت أنّ المتقرّب بالأب يقوم مقام المتقرّب بالأبوين عند عدمه، و يدخل النقص عليه كما يدخل عليه اجماعا. و هل يساويه في كون الزيادة له؟ يبنى على أنّ الزيادة هل تثبت للأصل أم لا؟ فان نفيناها في الأصل - كما ذهب اليه الحسن و الفضل - فهنا أولى. و من أثبتها للأصل اختلفوا هنا، فذهب الصدوق و الشيخ في النهاية و الاستبصار و ابن البرّاج و أبو الصلاح و أكثر المتأخّرين الى اثباتها هنا للفرع؛ لمشاركته للأصل في دخول النقص، و لرواية محمّد بن مسلم عن الباقر عليهالسلام في ابن أخت لأب و ابن أخت لأمّ، قال: «لابن الأخت للأمّ السدس، و لابن الأخت للأب الباقي» و هو يستلزم كون الحكم في الأمّ كذلك؛ لأنّ الولد انّما يرث بواسطتها. و أجيب بأنّ دخول النقص لايوجب الاختصاص بالمردود كالبنت مع الأبوين، و عن الرواية بالطعن في سندها، فانّ في طريقها علي بن الحسن بن فضّال و هو فطحيّ. و لذلك ذهب الشيخ في المبسوط و ابن الجنيد و ابن ادريس و المصنّف رحمهالله الى المشاركة؛ للتساوي في الدرجة و السبب، فانّه فيهما من جهة واحدة، فلا وجه للتخصيص. و أجاب الأوّلون بوجود المخصّص و هو ما ذكروه، فانّ ابن فضّال و ان كان فاسد المذهب لكنّه ثقة. و عن النقص بالبنت مع الأبوين بأنّ التخلّف فيه لمانع و هو وجود معارض يدخل النقص عليه، أعني الأبوين، لأنّ فرضهما مع الولد غيره مع عدمه. و المسألة موضع تردّد ان لمنعمل بالخبر الموثّق».(1)
و في الروضة قريب منه.(2)
أقول:
ما أجاب به الأوّلون صحيح لا اشكال فيه. و أمّا المصنّف تبعا للاسكافي و الحلّي قال بأنّ الأولى أنّه تردّ الزيادة على من يتقرّب بالأمّ و على الأخت أو الأخوات، أرباعا في نحو الأخت للأمّ و الأخت للأب، فالسدس للأخت من الأمّ و النصف للأخت من الأب، و الباقي يردّ عليهما أرباعا، فللأخت من الأمّ الربع و للأخت من الأب ثلاثة أرباع. و أخماسا في نحو الأخت للأمّ و الأختين من الأب، فالسدس للأخت من الأمّ، و الثلثان للأختين من الأب، و الباقي يردّ عليهنّ أخماسا، فللأخت من الأمّ الخمس، و للأختين من الأب أربعة أخماس.
و في الجواهر أجاب عنه و قال: «لكنّه كالاجتهاد في مقابلة النصّ الذي قد سمعته في خبر بكير و محمّد بن مسلم و زرارة و غيرهم، مضافا الى الخبر الذي قد رواه راميا له بالضعف الذي يكون به من الموثّق بل هو من أعلى درجاته، و قد فرغنا من حجّيّته في الأصول، مضافا الى انجباره بالشهرة بقسميهما، بل عن ظاهر الكليني في بيان الفرائض دعوى الاجماع عليه، حيث قال: «و الاخوة و الأخوات من الأمّ لايزادون على الثلث و لاينقصون من السدس، و الذكر و الأنثى فيه سواء، و هذا كلّه مجمع عليه». و الى ما في بعض المعتبرة: «و أخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأمّك» بناءً على ما قيل في توجيهه من أنّ له ما بقي ان كان ذكرا، و يردّ عليه خاصّة ان كان أنثى، و الى المرسل المرويّ عن مجمع البيان فانّ فيه: «و يصحّ اجتماع الكلالتين معا لتساوي قرابتهما، و اذا فضلت التركة يردّ الفاضل على كلالة الأب و الأمّ أو الأب دون كلالة الأمّ» فلا ريب في أنّ الأوّل أقوى. و اللّه العالم».(1)
مسائل ثلاث: «الأولى»: الجدّ و ان علا يقاسم الاخوة مع عدم الأدنى. و
1) - جواهر الكلام 39: 161 و 162.
لو اجتمعا مع الاخوة، شاركهم الأدنى و سقط الأبعد.
قال في المسالك: «و ذلك لاطلاق النصوص باشتراك الاخوة و الأجداد الشامل للجدّ الأعلى و الأدنى. و لايقدح كون الأعلى أبعد من الأدنى المساوي للأخ؛ لاختلاف النسبين، كما يشارك أولاد الأولاد الأبوين و ان كانوا أبعد من آبائهم المساوين للأبوين، و القدر المشترك بينهما صدق الأولاد و الأجداد».(1)
أقول:
انّ الروايات الواردة في أنّ الجدّ مع الاخوة كالأخ، و الجدّة كالأخت، و أنّ الجدّ يشارك الاخوة، فهو كواحد من الاخوة، مطلقة - كما أشار اليها في المسالك - تشمل الجدّ الأعلى كما تشمل الأدنى.
و من جملة تلك الروايات صحيحة الفضلاء عن أحدهما عليهماالسلام:
«انّ الجدّ مع الاخوة من الأب مثل واحد من الاخوة».(2)
و صحيحة أبي بصير، يعني المرادي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: رجل مات و ترك ستّة اخوة و جدّا، قال: هو كأحدهم».(3)
«الثانية»: اذا ترك جدّ أبيه و جدّته لأبيه، و جدّه و جدّته لأمّه و مثلهم للأمّ، كان لأجدادها الثلث بينهم أرباعا و لأجداد الأب الثلثان بينهم أثلاثا، ثلثا ذلك لجدّه و جدّته لأبيه بينهما للذكر مثل حظّ الأنثيين. و الثلث الآخر لجدّه و جدّته لأمّه أثلاثا على ما ذكره الشيخ رحمهالله. فيكون أصل الفريضة ثلاثة،
تنكسر على الفريقين، فتضرب أربعة في تسعة، ثمّ تضرب المجتمع في ثلاثة فيكون مائة و ثمانية.
لو ترك ثمانية أجداد؛ الأجداد الأربعة لأبيه و مثلهم لأمّه، فأصل مسألة الأجداد الثمانية من ثلاثة أسهم، سهم من الثلاثة لأقرباء الأمّ، و هو ثلثها ينقسم على عددهم و هو أربعة، و سهمان لأقرباء الأب، و ينقسم السهمان الى ثلاثة أقسام، سهمان منها للأب و الأمّ لجدّ أب الميّت، و سهم منها للأب و الأمّ لجدّة أب الميّت و يقسم بينهما أثلاثا. و أمّا السهمان فيقسم أيضا الى ثلاثة، سهمان لجدّ أب الميّت من جانب الأب و سهم لجدّة أب الميّت من جانب الأب. و بناءً عليه، انّ ثلثي الأصل الذي كان سهم الأجداد الأربعة من جانب الأب انقسم دفعتان الى ثلاثة أقسام، فتضرب ثلاثة في ثلاثة فينتج تسعة. فسهم الأجداد الأربعة لأمّ الميّت أربعة، و سهم الأجداد الأربعة لأب الميّت تسعة. فتكون فيما بين نصيب كلّ فريق و سهمه مبائنة؛ لأنّ نصيب الأجداد للأمّ واحد من الثلاثة، و سهمهم أربعة، و نصيب الأجداد للأب اثنان و سهمهم تسعة. و كذا تكون فيما بين سهام الأجداد لأمّ الميّت و هي الأربعة و سهام الأجداد لأب الميّت و هي التسعة مبائنة. فتضرب سهام كلّ فريق في الأخرى، أي تضرب الأربعة في التسعة فينتج ستّة و ثلاثون، ثمّ تضرب الستّة و الثلاثون في الثلاثة، أصل الفريضة فينتج مائة و ثمانية. و يقسّم مائة و ثمانية الى ثلاثة أقسام، فقسم منها أي ستّة و ثلاثون سهما للأجداد للأمّ، يقسّم بينهم بالسويّة، و لكلّ واحد منهم تسعة. و قسمان منها أي اثنان و سبعون ينقسم الى ثلاثة أقسام، قسمان منها أي ثمانية و أربعون لجدّ و جدّة أب الميّت من جانب الأب يقسّم بينهما أثلاثا، قسمان منها أي اثنان و ثلاثون سهما لجدّ أب الميّت من جانب الأب و قسم منها أي ستّهعشر لجدّة أب الميّت من جانب الأب. و قسم من اثنين و سبعين أي ثلثه و هو أربعة و عشرون سهما لجدّ و جدّة أب الميّت من جانب الأمّ يقسم بينهما أثلاثا فثلثاه و هو ستّهعشر لجدّ أب الميّت من جانب الأمّ و ثلثه و هي ثمانية لجدّة أب الميّت من جانب الأمّ.
قال في الروضة: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، ذهب اليه الشيخ و تبعه الأكثر، و في المسألة قولان آخران: أحدهما للشيخ معين الدين المصري: انّ ثلث الثلث لأبوي أمّ الأمّ بالسويّة. و ثلثاه لأبوي أبيها بالسويّة أيضا. و ثلث الثلثين لأبوي أمّ الأب بالسويّة، و ثلثاهما لأبوي أبيه أثلاثا، فسهام قرابة الأمّ ستّة، و سهام قرابة الأب ثمانيهعشر فيجتزأ بها لدخول الأخرى فيها و تضرب في أصل المسألة يبلغ أربعة و خمسين، ثلثها - ثمانيهعشر - لأجداد الأمّ، منها اثناعشر لأبوي أبيها بالسويّة، و ستّة لأبوي أمّها كذلك، و ستّة و ثلاثون لأجداد الأب، منها اثناعشر لأبوي أمّه بالسويّة، و أربعة و عشرون لأبوي أبيه أثلاثا و هو ظاهر. و الثاني: للشيخ زين الدين محمّد بن القاسم البرزهي: ان ثلث الثلث لأبوي أمّ الأمّ بالسويّة، و ثلثيه لأبوي أبيها أثلاثا و قسمة أجداد الأب كما ذكره الشيخ، و صحّتها أيضا من أربعة و خمسين لكن يختلف وجه الارتفاع، فانّ سهام أقرباء الأمّ هنا ثمانيهعشر و أقرباء الأب تسعة تداخلها فيجتزئ بضرب الثمانيهعشر في الثلاثة أصل الفريضة. و منشأ الاختلاف النظر الى أنّ قسمة المنتسب الى الأمّ بالسويّة، فمنهم من لاحظ
الأمومة في جميع أجداد الأمّ، و منهم من لاحظ الأصل، و منهم من لاحظ الجهتين».(1)
«الثالثة»: أخ من أمّ مع ابن أخ لأب و أمّ، الميراث كلّه للأخ من الأمّ؛ لأنّه أقرب. و قال ابن شاذان: له السدس، و الباقي لابن الأخ للأب و الأمّ؛ لأنّه يجمع السببين، و هو ضعيف؛ لأنّ كثرة الأسباب أثرها مع التساوي في الدرجة لا مع التفاوت.
اذا ترك أخا للأمّ و ابن أخ للأب و الأمّ، فالميراث كلّه للأخ من الأمّ؛ لأنّه أقرب الى الميّت، و قد دلّت الروايات المعتبرة على أنّ الأقرب الى الميّت يمنع الأبعد، كما في صحيحة أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ في كتاب علي عليهالسلام أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، الاّ أنيكون وارث أقرب الى الميّت منه فيحجبه».(2)
و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا التقت القرابات فالسابق أحقّ بميراث قريبه، فان استوت قام كلّ واحد منهم مقام قريبه».(3)
و موثّقة زرارة قال:
«سمعت أباعبداللّه عليهالسلام يقول: «و لكلّ جعلنا موالي ممّا ترك الوالدان و الأقربون»، قال: انّما عنى بذلك أولي الأرحام في المواريث، و لميعنِ أولياء النعمة، فأولاهم بالميّت أقربهم اليه من الرحم التي تجرّه اليها».(4)
و في المسالك: «الاخوة صنف واحد، سواء كانوا لأب و أمّ، أم لأحدهما، أم متفرّقين، كما أنّ الأجداد صنف واحد كذلك فالأقرب منهم الى الميّت و ان كان جدّة لأمّ، يمنع الأبعد و ان كان جدّا لأب. هذا هو المفهوم من تقديم الأقرب فالأقرب لغة و عرفا، مضافا الى النصّ الصحيح. و يتفرّع عليه حكم المسألة المذكورة، فانّ الأخ من الأمّ أقرب درجة من ابن الأخ للأبوين، فيكون الميراث كلّه له، سدس بالفرض و الباقي بالردّ».(1)
و في اللمعة و شرحها: «و يمنع الأخ و ان كان للأمّ و مثله الأخت، ابن الأخو ان كان للأبوين؛ لأنّهما جهة واحدة يمنع الأقرب منها الأبعد. و كذا يمنع ابن الأخ مطلقا، ابن ابنه مطلقا، و على هذا القياس يمنع كلّ أقرب بمرتبة - و ان كان للأمّ - الأبعد - و ان كان للأبوين - خلافا للفضل بن شاذان من قدمائنا حيث جعل للأخ من الأمّ السدس، و الباقي لابن الأخ للأبوين كأبيه. و كذا الحكم في الأولاد المترتّبين [كابن أخ للأمّ و ابن ابن أخ للأبوين] محتجّا باجتماع السببين. و يضعّف بتفاوت الدرجتين المسقط لاعتبار السبب».(2)
«خاتمة»: أولاد الاخوة و الأخوات يقومون مقام آبائهم عند عدمهم، و يرث كلّ واحد منهم نصيب من يتقرّب به، فان كان واحدا، كان النصيب له. و ان كانوا جماعة، اقتسموا ذلك النصيب بينهم بالسويّة ان كانوا ذكرانا أو اناثا. و ان اجتمعوا فللذكر مثل حظّ الأنثيين. و ان كانوا أولاد اخوة من أمّ كانت القسمة بينهم بالسويّة، و يأخذ أولاد الأخ الباقي كأبيهم، و أولاد الأخت للأب و الأمّ النصف - نصيب أمّهم - الاّ على سبيل الردّ، و أولاد الأختين فصاعدا الثلثين، الاّ أنيقصر المال بدخول الزوج أو الزوجة فيكون لهم
الباقي، كما يكون لمن يتقرّبون به. و لو لميكن أولاد كلالة الأب و الأمّ، قام مقامهم أولاد كلالة الأب. و لأولاد الأخ أو الأخت من الأمّ السدس. و لو كانوا أولاد اثنين كان لهم الثلث، لكلّ فريق نصيب من يتقرّبون به بينهم بالسويّة. و لو اجتمع أولاد الكلالات كان لأولاد كلالة الأمّ الثلث و لأولاد كلالة الأب و الأمّ الثلثان و سقط أولاد كلالة الأب. و لو دخل عليهم زوج أو زوجة كان له نصيبه الأعلى، و لمن يتقرّب بالأمّ ثلث الأصل ان كانوا لأكثر من واحد و السدس ان كانوا لواحد و الباقي لأولاد كلالة الأب و الأمّ زائدا كان أو ناقصا و لو لميكونوا فلأولاد كلالة الأب خاصّة و في طرف الزيادة يحصل التردّد على ما مضى و لو اجتمع معهم الأجداد قاسموهم كما يقاسمهم الاخوة، و قد بيّنّاه.
أقول:
يدلّ على ذلك كلّه الأخبار الدالّة على أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، و أنّ أولاد كلّ مرتبة يقومون مقام آبائهم، و تدلّ عليه أيضا صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في ابن أخت لأب، و ابن أخت لأمّ، قال:
«لابن الأخت للأمّ السدس و لابن الأخت للأب الباقي».(1)
و في الجواهر: «أولاد الاخوة و الأخوات من الأبوين و من أحدهما يقومون مقام آبائهم عند عدمهم بلا خلاف نصّا و فتوى و لا اشكال فيه، بل و في أنّه يرث كلّ واحد منهم نصيب من يتقرّب به؛ لقيامه مقامه و تنزيله منزلته».(2)
و في مستند الشيعة: «و الدليل على ذلك كلّه الاجماع و عموم الأخبار المصرّحة بأنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به. و يدلّ على المطلوب
أيضا في الجملة موثّقة محمّد عن ابن أخت لأب و ابن أخت لأمّ، قال: «لابن الأخت من الأمّ السدس و لابن الأخت من الأب الباقي». و روايته عن ابن أخ لأب و ابن أخ لأمّ، قال: «لابن أخ من الأمّ السدس، و ما بقي فلابن الأخ من الأب». و أمّا روايته عن بنات أخ و ابن أخ، قال: «المال لابن الأخ. الحديث». فلاتصلح للمعارضة؛ لضعفها بالشذوذ، و حملها في التهذيبين تارة على التقيّة و أخرى على ما اذا كان بنات الأخ للأب و ابن الأخ للأبوين».(1)
ثمّ اعلم أنّ المصنّف لميتعرّض لميراث الاخوة و الأجداد اذا اجتمعوا تفصيلاً، و قد فصّله في مستند الشيعة(2)في ضمن عشر مسائل و نحن نذكرها.
اعلم أوّلاً أنّ الجدودة المجتمعة مع الكلالة امّا أنتكون متقرّبة بالأب أو الأمّ أو مختلفين، ثمّ انّ الكلالة امّا أنتكون كلالة الأمّ أو الأب أو تجتمع الكلالتان، ثمّ كلّ من الكلالات و الأجداد امّا أنيكون واحدا أو متعدّدا، ذكرانا أو اناثا، و بملاحظة هذه الأقسام تحصل صور غير محصورة تتجاوز عن المائة. و سنبيّن أحكام الجميع في تسع مسائل، و نتبعها بمسألة في حكم دخول أحد الزوجين مع الجدودة و الكلالة، فتلك عشرة كاملة.
«المسألة الأولى»: اذا اجتمع الجدّ أو الجدّة أو هما من قبل الأمّ مع كلالتها، واحدة كانت أو متعدّدة، ذكرانا أو اناثا أو مختلفين، فالمال كلّه لهم بالسويّة، بمعنى أنّ الجدّ أو الجدّة بمنزلة واحد من الكلالة. أمّا كون المال كلّه لهم فوجهه ظاهر. و أمّا الانقسام بالسويّة فللاجماع المحقّق، و مرسلة المجمع، و فيها:
«متى اجتمع قرابة الأب مع قرابة الأمّ مع استوائهم في الدرج كان
لقرابة الأمّ الثلث بينهم بالسويّة، و الباقي لقرابة الأب للذكر مثل حظّ الأنثيين».(1)
و موثّقة أبي بصير في ستّة اخوة و جدّ، قال:
«للجدّ السبع».(2)
و صحيحته قال قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: رجل مات و ترك ستّة اخوة و جدّا، قال:
«هو كأحدهم».(3)
و روايته في رجل ترك خمسة اخوة و جدّا، قال:
«هي من ستّة، لكلّ واحد سهم».(4)
و غيرها من الأخبار الواردة بهذا المضمون.(5)و تلك الأخبار باطلاقها تثبت حكم الجدّ مع الاخوة فقط. و أمّا صحيحة ابن سنان عن رجل ترك أخاه لأمّه و لميترك وارثا غيره، قال:
«المال له. قلت: فان كان مع الأخ للأمّ جدّ قال: يعطى الأخ للأمّ السدس، و يعطى الجدّ الباقي. الحديث».(6)
فمحمولة على أنّ الجدّ للأب لمكان الاجماع.
«المسألة الثانية»: اذا اجتمع الجدّ أو الجدّة أو هما من قبل الأمّ مع كلالة الأب فان كانت الكلالة ممّن يرث بالقرابة دون الفرض كالذكر أو الذكر و الأنثى، فالثلث للجدّ أو الجدّة أو لكليهما بالسويّة، و الثلثان للكلالة، للذكر ضعف الأنثى. أمّا كون الثلث للجدّ أو الجدّة أو لكليهما و الثلثان للكلالة، فللأصل الثابت
1) - وسائل الشيعة 26: 67 / الباب 1 من أبواب موجبات الارث / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 26: 168 / الباب 6 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 15.
3) - وسائل الشيعة 26: 165 / الباب 6 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 26: 168 / الباب 6 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 16.
5) - وسائل الشيعة 26 / الباب 6 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد.
6) - وسائل الشيعة 26: 172 / الباب 8 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 1.
بالمستفيضة من الأخبار من أنّ لكلّ قريب ليس له فريضة نصيب من يتقرّب به. و أمّا تقسيم نصيب الجدّ و الجدّة بالسويّة فلما مرّ. و أمّا تقسيم نصيب الكلالة على التفاوت فللآية(1)، و الروايات المتقدّمة الدالّة على التفضيل. و أمّا الأخبار الآتية الدالّة باطلاقها على أنّ مطلق الجدّ كواحد من الاخوة للأب(2)، فمحمولة على الجدّ للأب. و الأخبار الدالّة على أنّ مطلق الجدّ كواحد من الاخوة مطلقا(3)، فمحمولة على أنّ الجدّ للأب كواحد من الاخوة له، و الجدّ للأمّ كواحد من الاخوة لها. و الدليل على هذا الحمل هو الاجماع، فانّه لا خلاف في أنّ الجدّ للأمّ ليس كالأخ للأب و بالعكس. و يؤيّده تفسير الجدّ في بعضها بالجدّ للأب.
و ان كانت الكلالة ممّن له فريضة و هو ما اذا كانت أنثى، فان كانت أكثر من واحد فللجدّ أو الجدّة أو كليهما نصيب من يتقرّبان به و للكلالة فريضتها، فيكون للجدّ أو الجدّة الثلث؛ لما مرّ و للكلالة الثلثان بالفرض.
و ان كانت واحدة فللجدّ أو الجدّة الثلث أيضا؛ لأنّه نصيب من يتقرّبان به، و للكلالة النصف؛ لأنّه فريضتها، و بقي السدس فيردّ عليها، وفاقا للنهاية و القاضي و نجيب الدين بن نما و الدروس و النكت و ظاهر الايضاح، و لايردّ عليهما بنسبة سهامهما أخماسا كما نقل عن ابن زهرة و الكيدري، و لايستشكل كالقواعد و التحرير في الأخت للأب خاصّة دون الأخت للأبوين.
و قد استدلّ على مدّعاه بالروايات الواردة على أنّ «الذين يزادون و ينقصون» و نظائره، و قد تقدّمت منّا بالمناسبة.
«المسألة الثالثة»: اذا اجتمع الجدّ أو الجدّة أو هما من قبل الأمّ مع الكلالتين فللجدّ أو الجدّة أو كليهما مع كلالة الأمّ الثلث للذكر مثل الأنثى، و لكلالة الأب
الثلثان للذكر ضعف الأنثى. أمّا تقسيم نصيب أقرباء الأمّ بالسويّة و أقرباء الأب بالتفاوت فلما مرّ. و أمّا التقسيم أثلاثا فللاجماع، و كون كل ذي رحم بمنزلة الرحم التي تجرّه اليها، و قد عرفت أنّ المراد أنّ كلّ نوع من ذوي الأرحام كذلك، فلنوع أقرباء الأمّ نصيبها و نوع أقرباء الأب نصيبه.
«المسألة الرابعة»: اذا اجتمع الجدّ أو الجدّة أو هما للأب مع كلالة الأمّ كان الثلث للكلالة، يقتسمونه بالسويّة ان كانوا أكثر من واحد و السدس ان كانت واحدا، و الباقي للجدّ أو الجدّة أو لكليهما للذكر ضعف الأنثى.
و الدليل على كون الثلث للكلالة مع التعدّد، و الثلثين لقرابة الأب جدّا كانت أو جدّة أو معا الاجماع، و كون الثلث ما يورثه الكلالة بالفرض للآية، و الثلثين ما يورثه قرابة الأب بالقرابة لأخبار المنزلة.
و يدلّ على هذا التقسيم ان كانت القرابة جدّا مضافا الى ما ذكر، الروايات المستفيضة، كموثّقة الحلبي:
«للاخوة من الأمّ الثلث مع الجدّ، و هو شريك الاخوة من الأب».(1)
و على كون السدس للكلالة اذا كانت واحدة و الباقي للقرابة جدّا كانت أو جدّة أو كليهما، الاجماع، و كون قرابة الأب بمنزلة الأب فترث الجميع مع عدم الولد خرج السدس بالآية فيبقى الباقي.
و يدلّ على هذا التقسيم ان كانت القرابة جدّا مضافا الى ما ذكر صحيحة ابن سنان المتقدّمة في المسألة الأولى.
«المسألة الخامسة»: اذا اجتمع الجدّ أو الجدّة أو كلاهما للأب مع كلالته كان الجدّ بمنزلة الأخ و الجدّة بمنزلة الأخت يقتسمون المال للذكر مثل حظّ الأنثيين.
و الدليل على ذلك بعد الاجماع صحيحة الفضلاء عن أحدهما عليهماالسلام قال:
1) - وسائل الشيعة 26: 175 / الباب 8 من أبواب ميراث الاخوة و الأجداد / الحديث 9.
«انّ الجدّ مع الاخوة من الأب يصير مثل واحد من الاخوة ما بلغوا، قال: قلت: رجل ترك أخاه لأبيه و أمّه و جدّه أو أخاه لأبيه أو قلت: ترك جدّه و أخاه لأبيه و أمّه، فقال: المال بينهما، و ان كانا أخوين أو مائة فله مثل نصيب واحد من الاخوة، قال: قلت: رجل ترك جدّه و أخته فقال: للذكر مثل حظّ الأنثيين، و ان كانتا أختين فالنصف للجدّ و النصف الآخر للأختين، و ان كنّ أكثر من ذلك فعلى هذا الحساب، و ان ترك اخوة و أخوات لأب و أمّ أو لأب و جدّا فالجدّ أحد الاخوة،و المال بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عن رجل ترك أخاه لأبيه و أمّه و جدّه قال: المال بينهما نصفان، فان كانا أخوين أو مائة كان الجدّ معهم كواحد منهم يصيب الجدّ ما يصيب واحدا من الاخوة، قال: و ان ترك أخته و جدّه فللجدّ سهمان و للأخت سهم، و ان كانتا أختين فللجدّ النصف و للأختين النصف، قال: و ان ترك اخوة و أخوات و جدّا كان الجدّ كواحد من الاخوة للذكر مثل حظّ الأنثيين».(2)
و صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل ترك اخوة و أخوات من أب و أمّ و جدّا؟ قال: الجدّ كواحد من الاخوة المال بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين».(3)
و صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل مات و ترك امرأته و أخته و جدّه قال:
«هذه من أربعة أسهم، للمرأة الربع و للأخت سهم و للجدّ سهمان».(1)
الى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة التي يطول المقام بذكرها.
و هذه الأخبار كماترى مختصّة بالجدّ، و أمّا حكم الجدّة فعلم بالاجماع المصرّح به في كلام جماعة منهم الفاضل المقداد في كنز العرفان(2)و الفاضل الهندي في كشف اللثام.(3)
«المسألة السادسة»: اذا اجتمع الجدّ أو الجدّة أو هما من قبل الأب مع الكلالتين فلكلالة الأمّ فريضتها من السدس أو الثلث سويّة، و الباقي للجدّ أو الجدّة أو كليهما و كلالة الأب للذكر ضعف الأنثى؛ للاجماع و لأنّ كلالة الأب مع الجدّ يرثون بالقرابة و لا فرض لهم مطلقا فتكون بمنزلة الأب و هو يرث المال مع عدم الولد، فيجب أنيكون كلّ المال لمن هو بمنزلته أيضا، خرج الثلث أو السدس بالدليل فيبقى الباقي. و لايمكن أنيقال بمثل ذلك في كلالة الأمّ؛ لكونها ذات فرض و التنزيل مختصّ بغير ذوي الفروض.
«المسألة السابعة»: لو اجتمع الجدّ أو الجدّة أو هما من قبل الأب و الأمّ معا، مع كلالة الأمّ كان للجدّ أو الجدّة أو كليهما من قبل الأب الثلثان و له أو لها أو لهما من قبل الأمّ و كلالتها الثلث؛ للاجماع و لانتفاء الفرض. أمّا من المتقرّب بالأب فظاهر، و أمّا من المتقرّب بالأمّ فلما مرّ في المسألة الثالثة، من أنّ كلّ متقرّب بمنزلة قريبه.
«المسألة الثامنة»: اذا اجتمع النوعان من الجدّ أو الجدّة أو كليهما مع كلالة الأب فللمتقرّب بالأمّ الثلث بالسويّة مع التعدّد و للمتقرّب بالأب الثلثان بالتفاوت
اجماعا، و الوجه واضح.
«المسألة التاسعة»: اذا اجتمع النوعان مع الكلالتين فللمتقرّب بالأمّ الثلث و بالأب الثلثان بالاجماع، و الدليل ظاهر.
«المسألة العاشرة»: اذا اجتمع أحد الزوجين مع الجدودة و الكلالتين فله نصيبه الأعلى، و الثلث للمتقرّب بالأمّ من الجدودة و الكلالة، أو السدس ان لميكن جدّ و لا جدّة و لميتعدّد و الباقي للمتقرّب بالأب و مع عدمه فالجميع للأوّل و مع عدمه فللثاني. و تفصيل الصور و أدلّة الكلّ بعد الاحاطة بما ذكرناه ظاهر جدّا.
«المرتبة الثالثة»: الأعمام و الأخوال، العمّ يرث المال اذا انفرد، و كذا العمّان و الأعمام، و يقسمون المال بينهم بالسويّة، و كذا العمّة و العمّتان و العمّات. و ان اجتمعوا فللذكر مثل حظّ الأنثيين. و لو كانوا متفرّقين فللعمّة أو العمّ من الأمّ السدس، و لمّا زاد على الواحد الثلث، يستوي فيه الذكر و الأنثى، و الباقي للعمّ أو العمّين أو الأعمام، من الأب و الأمّ، بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين. و يسقط الأعمام للأب بالأعمام للأب و الأمّ، و يقومون مقامهم عند عدمهم. و لايرث ابن عمّ مع عمّ، و لا من هو أبعد مع أقرب، الاّ في مسألة واحدة، و هي ابن عمّ لأب و أمّ مع عمّ لأب. فابن العمّ أولى مادامت الصورة على حالها. فلو انضمّ اليهما و لو خال تغيّرت الحال و سقط ابن العمّ.
قال في المسالك: «هذه المرتبة مأخوذة من آية أولي الأرحام، و ليست مذكورة بخصوصها في القرآن. ولكن وردت بها أيضا نصوص صحيحة، و استنبط باقي أحكامها بالنظر. و لمّا كان العمّ للأب يتقرّب بذكر - و هو أب الأب - كان بمنزلة الأب، و العمّة بمنزلة الأمّ، و المجتمعون بمنزلتهما في الاقتسام و
حيازة التركة لا مطلقا و كذا الباقي. و روى سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال: «كان علي عليهالسلام يجعل العمّة بمنزلة الأب في الميراث، و يجعل الخالة بمنزلة الأمّ، و ابن الأخ بمنزلة الأخ، قال: و كلّ ذي رحم لميستحقّ فريضة فهو على هذا النحو». و روى أبو أيّوب عنه عليهالسلام مثله و قال: «كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، الاّ أنيكون وارث أقرب الى الميّت فيحجبه».».(1)
و في الجواهر: «و لايرث أحد منهم مع وجود أحد من الطبقة السابقة بلا خلاف يعتدّ به أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى النصوص الدالّة عليه و قاعدة الأقرب».(2)
هنا فرعان:
لايرث العمّ مع واحد من الاخوة و أولادهم و الأجداد و آبائهم بالاجماع و الروايات المتقدّمة التي كان مضمونها أنّ الأقرب يمنع الأبعد، كقوله عليهالسلامفي موثّقة زرارة:
«فأولاهم بالميّت أقربهم اليه من الرحم التي تجرّه اليها».(3)
و غيرها. و خالف في ذلك يونس رحمهالله و قال فيما لو ترك عمّا و ابن أخ: «المال بينهما نصفان».(4)
و هو غير قادح مع الاجماع بخلافه، و مردود أيضا بصحيحة هشام بن سالم
عن الكناسي عنه عليهالسلام:
«و ابن أخيك من أبيك أولى بك من عمّك».(1)
و يردّ أيضا بحديث الأقربيّة: «فأولاهم بالميّت أقربهم اليه.الحديث».
و قد أجاب عنه في الكافي عند قوله: «و غلط في ذلك و ذلك أنّه لمّا رأى أنّ بين العمّ و بين الميّت ثلاث بطون و كذلك بين ابن الأخ و بين الميّت ثلاث بطون و هما جميعا من طريق الأب قال المال بينهما نصفان و هذا غلط؛ لأنّه و ان كانا جميعا كما وصف فانّ ابن الأخ من ولد الأب و العمّ من ولد الجدّ و ولد الأب أحقّ و أولى من ولد الجدّ و ان سفلوا».
ثمّ انّه اذا لميكن للميّت قريب في المرتبة الأولى و الثانية و كان له عمّ أو عمّة فالمال له و لايرث معه أولاد العمّ أو العمّة؛ لما ذكر، الاّ في ابن عمّ لأب و أمّ مع عمّ لأب، و سيأتي ذكره. و اذا تعدّد العمّ أو العمّة كان المال كلّه لهم بالسويّة، اذا كانوا لأب أو لأمّ أو لهما؛ لأنّهم من جنس واحد على الفرض. و لو اجتمع العمّ و العمّة أو الأعمام و العمّات من أب و أمّ أو من أب، كان المال لهم، يقتسمونه للذكر ضعف الأنثى؛ لقاعدة تفضيل الرجال على النساء و رواية سلمة بن محرز عن أبي عبداللّه عليهالسلامفي عمّ و عمّة قال:
«للعمّ الثلثان و للعمّة الثلث. الحديث».(2)
و أمّا اذا كانوا جميعا لأمّ ففي الجواهر: «ذهب الفضل و المفيد و الصدوق، و ظاهر المحقّق في الشرائع و النافع، و ابن زهرة في الغنية الى أنّ المال يقتسم بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين، لكن صريح الفاضل في القواعد و غيرها من كتبه و الشهيد في الدروس و اللمعتين و غيرهم القسمة بالسويّة، بل في الكفاية أنّه
لانعرف فيه خلافا، بل في الرياض أنّه نفى الخلاف عنه. انتهى ملخّصا».(1)
ولكنّ الدقّة في كلامهم في ذلك و ان كان يوهم التفاضل، الاّ أنّ فتواهم اذا كانوا متفرّقين من الأب و الأمّ و من الأمّ، يرفع الابهام و الظاهر أنّ الصواب هو تقسيم المال بينهم بالسويّة.
و لو اجتمع الأعمام و العمّات من الأب و الأمّ، و من الأب، فيسقط المتقرّب بالأب مع وجود المتقرّب بالأبوين كما في ميراث الاخوة و الأخوات، تدلّ على ذلك صحيحة هشام المتقدّمة، و لو كان معهم الأعمام و العمّات من طرف الأمّ، فللمتقرّب بالأمّ الثلث يقتسم بينهم بالسويّة و ان كان معهم عمّ واحد أو عمّة واحدة من قبل الأمّ فله السدس، و الباقي للمتقرّب بالأب و الأمّ، و ان لميكونوا فللمتقرّب بالأب، يقتسم بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين، هذا كما في الاخوة و الدليل هو الدليل.
لايرث مع العمّ أو العمّة مطلقا أحد من أولاد العمومة و العمّات؛ للأخبار الواردة في منع الأقرب للأبعد، الاّ في مسألة واحدة و هي ابن عمّ لأب و أمّ مع عمّ لأب، فابن العمّ أولى، و الدليل على ذلك، الاجماع و مرسلة الصدوق قال:
«فان ترك عمّا لأب و ابن عمّ لأب و أمّ فالمال كلّه لابن العمّ للأب و الأمّ؛ لأنّه قد جمع الكلالتين، كلالة الأب و كلالة الأمّ، و ذلك بالخبر الصحيح المأثور عن الأئمّة عليهمالسلام».(2)
و رواية الحسن بن عمارة قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: أيّما أقرب، ابن عمّ لأب و أمّ أو عمّ لأب؟ قال: قلت: حدّثنا أبو اسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام، أنّه كان يقول: أعيان(1)بني الأمّ أقرب من بني العلاّت(2)، قال: فاستوى جالسا، ثمّ قال: جئت بها من عين صافية، انّ عبداللّه أبا رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أخو أبي طالب لأبيه و أمّه».(3)
قال في المسالك: «هذه هي المسألة المعروفة بالاجماعيّة المخالفة للأصول المقرّرة و القواعد المعتبرة من تقديم الأقرب الى الميّت على الأبعد. و ليس في أصل حكمها خلاف لأحد من الطائفة، مع أنّ الأخبار الواردة بها ليست معتبرة الأسناد، فلا مستند له الاّ الاجماع. و حيث كانت مخالفة للأصل يجب الاقتصار فيها على محلّ الوفاق، و هو ما اذا كان الوارث ابن عمّ لأب و أمّ مع عمّ لأب لا غير. و تغيّرها يتحقّق بكون ابن العمّ أنثى، أو العمّ كذلك، و بتعدّدهما، و تعدّد أحدهما، و انضمام وارث آخر اليهما كالزوج و الزوجة و الخال و الخالة، و كون ابن العمّ بعيدا كابن ابن العمّ، امّا مع العمّ نفسه أو مع من هو أقرب منه، كابن ابن العمّ للأبوين مع ابن العمّ للأب، و مقتضى كلام المصنّف رحمهالله اختصاص الأقرب في جميع هذه التغييرات و غيرها. و هذا هو المناسب لحكم الأصل، مع مراعاة موقع الاجماع. و قد حصل الخلاف في تأثير بعض هذه التغييرات: فمنها: تغيّرها بتعدّدهما أو تعدّد أحدهما، فذهب جماعة منهم الشهيد رحمهالله الى عدم تغيّر الحكم بذلك، لوجود المقتضي للترجيح و هو ابن العمّ مع العمّ.
و منها: ما لو كان معهما زوج أو زوجة، و الشهيد رحمهالله هنا على أصله في السابق، لوجود المقتضي للترجيح. و أمّا تغيّرها بالذكورة و الأنوثة، فقد خالف فيه الشيخ.
و منها: تغيّرها بانضمام الخال أو الخالة، و الاشكال في هذه أقوى. و قد اختلف فيها أقوال العلماء، و طال التشاجر بينهم، حتّى أفردوها بالتصنيف بناءً و هدما. و جملة الأوجه المعتبرة فيها أربعة:
أوّلها: حرمان ابن العمّ، و مقاسمة العمّ و الخال المال أثلاثا.
و ثانيها: حرمان العمّ خاصّة، و جعل المال للخال و ابن العمّ، ذهب الى ذلك القطب الراوندي و نصره الشيخ معين الدين المصري رحمهالله.
و ثالثها: حرمان العمّ و ابن العمّ معا، و اختصاص المال بالخال، ذهب الى ذلك الفاضل سديد الدين محمود الحمصي.
و رابعها: حرمان العمّ و الخال، و جعل المال كلّه لابن العمّ.
و لكلّ وجه، الاّ أنّ الأوّل أقواها؛ لما تقدّم و لصحيحة أبي بصير. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
انّ هذه المسألة خلاف الأصول المقرّرة التي قد دلّ عليها الكتاب و السنّة، و هي أولويّة الأقرب من الأبعد و ان كان الأبعد ذا سببين، و الظاهر أنّه لا خلاف فيها كما عن المسالك و الجواهر و غيرهما، و ان كان الخلاف في الحاق بعض الفروعات بها و عدمه. و قد ذهب المصنّف و الشهيد في المسالك و ظاهر الجواهر و غيرهم الى اختصاص الأولويّة بهذه الصورة، و لو تغيّرت و ان كان باضافة غيرهما ترجع المسألة الى الأصل. و ذلك؛ لأنّ الظاهر أنّ عمدة الدليل الاجماع و هو دليل لبّي و المتيقّن منه ما اذا لميكن في المسألة تغيير. و أمّا
1) - مسالك الأفهام 13: 158 - 161.
الروايتان، فالأولى منهما فصدرها كلام الصدوق و ذيلها ادّعى أنّ هناك خبرا صحيحا، و لمنجد فيها غير رواية الحسن بن عمارة و أنّها ضعيفة السند بالحسن بن عمارة و ابراهيم بن محمّد بن مهاجر و صفوان بن خالد، و في ملاذ الأخيار عن المجلسي أنّ الرواية مجهولة.(1)مع أنّ سؤال الامام عليهالسلام عن الراوي بعيد عن المتعارف و وضع الروايات الصادرة. فكون هذه الرواية مدرك الفقهاء بعيد عن الذهن. و أمّا مرسلة الصدوق فلميتّضح أنّ قوله رحمهالله: «لأنّه قد جمع الكلالتين كلالة الأب و كلالة الأمّ» استنباط نفسه أو علّة كانت في الرواية. و كيف كان اذا كنّا في شكّ أنّ اجماعهم هذا مستند الى هاتين الروايتين، أو يكون كاشفا عن رأى الامام عليهالسلام و لم يكن مدركيّا، فلا بعد من الرجوع في غير المتيقّن منه الى الأصل المسلّم و هو أنّ الأقرب الى الميّت يمنع الأبعد.
و لو انفرد الخال كان المال له. و كذا الخالان و الأخوال. و كذا الخالة و الخالتان و الخالات. و لو اجتمعوا فالذكر و الأنثى سواء. و لو افترقوا كان لمن يتقرّب بالأمّ السدس ان كان واحدا، و الثلث ان كان أكثر، الذكر و الأنثى فيه سواء، و الباقي للخؤولة من الأب و الأمّ بينهم للذكر مثل حظّ الأنثى. و تسقط الخؤولة من الأب، الاّ مع عدم الخؤولة من الأب و الأمّ. و لو اجتمع الأخوال و الأعمام كان للأخوال الثلث، و كذا لو كان واحدا، ذكرا كان أو أنثى، و للأعمام الثلثان، و كذا لو كان واحدا، ذكرا كان أو أنثى. فان كان الأخوال مجتمعين، فالمال بينهم للذكر مثل حظّ الأنثى. و ان كانوا متفرّقين، فلمن تقرّب بالأمّ سدس الثلث ان كان واحدا، و ثلثه ان كان أكثر، بينهم بالسويّة و الباقي لمن تقرّب منهم بالأب و الأمّ، و للأعمام مابقي. فان كانوا
1) - ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار 15: 319 / باب ميراث الأعمام و العمّات و الأخوال و الخالات من كتاب الفرائض و المواريث / الحديث الحادي عشر.
من جهة واحدة، فالمال بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين. و ان كانوا متفرّقين، فلمن تقرّب منهم بالأمّ السدس، ان كان واحدا، و الثلث ان كانوا أكثر بينهم بالسويّة، و الباقي للأعمام من قبل الأب و الأمّ بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين، و يسقط من تقرّب بالأب منفردا، الاّ مع عدم من يتقرّب بالأب و الأمّ.
هنا فروع:
لو انفرد الخال كان المال له؛ لانحصار الأولويّة فيه، و كذا الخالان و الأخوال، فالمال لهما أو لهم، و كذا الخالة و الخالتان و الخالات؛ لما ذكر. و لو اجتمع الخال و الخالة أو الأخوال و الخالات، و كان جهة قرابتهم واحدة، بأن كانوا جميعا لأب و أمّ أو لأب أو لأمّ، فالمال بينهم للذكر و الأنثى سواء؛ لأنّ الخال و الخالة يتقرّبان الى الميّت بالأمّ، فانّه لا خلاف فيه الاّ ما عساه يشعر به ما عن المقنع من نسبته الى الفضل - كما في الجواهر(1)- و لو افترقوا بأن كان بعضهم لأب و أمّ - أو لأب مع عدمهم - و بعضهم لأمّ - أي كان بعض الأخوال مثلاً أخا أمّ الميّت من طرف أبويها، و بعضهم أخاها من طرف أمّها - فلمن تقرّب بالأمّ منهم السدس ان كان واحدا، و الثلث ان كان أكثر، الذكر و الأنثى فيه سواء، و الباقي لمن تقرّب بالأب و الأمّ، - أو للأب مع عدمهم - للذكر مثل حظّ الأنثى أيضا؛ لما عرفت من أنّهم يتقرّبون الى الميّت بالأمّ.
في المسالك: «اقتسام الخؤولة مطلقا بالسويّة هو المذهب، كغيرهم ممّن ينتسب الى الميّت بأمّ. و نقل الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب أنّ الخؤولة للأبوين أو للأب يقتسمون للذكر ضعف الأنثى؛ نظرا الى تقرّبهم بأب في الجملة.
1) - جواهر الكلام 39: 181.
و هو ضعيف؛ لأنّ تقرّب الخؤولة بالميّت بالأمّ مطلقا، و لا عبرة بجهة قربها بالأب».(1)
أقول:
و أورد في المستند(2)عن شيخه في الرياض الاشكال بأنّه اذا كان معيار التسوية بين الذكر و الأنثى تقرّب الوارث الى الميّت بالأمّ، فلماذا يفترق بين الخؤولة لأمّ و الخؤولة لأب و أمّ، و يحكم باقتسام المال بينهم أثلاثا اذا كان الأوّل أكثر من واحد، و أسداسا اذا كان واحدا، بل ينبغي أنيقتسم المال بين الطائفتين بالسويّة.
و لكنّه مدفوع: بعدم الملازمة فيما ذكره، فانّ الخؤولة من جهة أنّ بعضهم ينتسب اليه من طرف واحد أي الأمّ فيكون ككلالة الأمّ، فيقتسم المال بينه و بين البعض الآخر ككلالة الأمّ و الأبوين، و من جهة أنّهم يتقرّبون الى الميّت بالأمّ، يكون نصيبهم بينهم بالسويّة.
و لو اجتمع الأخوال و الأعمام و هم مجتمعون أي الأخوال كلّهم من الأب و الأمّ أو من الأب أو من الأمّ، و الأعمام كذلك كان للأخوال ثلث المال بالسويّة و للأعمام الثلثان البقيّتان للذكر مثل حظّ الأنثيين و كذلك اذا كان العمّ و العمّة واحدا و الخال و الخالة واحدا. و الدليل على ذلك:
صحيحة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن شيء من الفرائض؟ فقال لي: ألا أخرج لك كتاب علي عليهالسلام؟ فقلت: كتاب علي عليهالسلام لميدرس؟! فقال: انّ كتاب علي عليهالسلام لايدرس، فأخرجه فاذا كتاب جليل و اذا فيه: رجل مات و ترك عمّه و خاله، فقال: للعمّ الثلثان، و للخال الثلث».(1)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل ترك عمّته و خالته، قال: «للعمّة الثلثان، و للخالة الثلث».(2)
و قوله عليهالسلام في صحيحة محمّد بن مسلم:
«فاذا اجتمعت العمّة و الخالة، فللعمّة الثلثان، و للخالة الثلث».(3)
و موثّقة أبي أيّوب عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ في كتاب علي عليهالسلام: أنّ العمّة بمنزلة الأب، و الخالة بمنزلة الأمّ. الحديث».(4)
و مرسلة أبي المغرا عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قال: ان امرؤ هلك و ترك عمّته و خالته، فللعمّة الثلثان، و للخالة الثلث».(5)
و رواية سلمة بن محرز عن أبي عبداللّه عليهالسلام في عمّ و عمّة قال:
«للعمّ الثلثان و للعمّة الثلث. الحديث».(6)
فاطلاق الروايات شامل لما اذا كان العمّ و العمّة واحدا أو أكثر و كذا الخال و الخالة.
1) - وسائل الشيعة 26: 186 / الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 187 / الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 188 / الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 26: 188 / الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 26: 188 / الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 26: 189 / الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال / الحديث 9.
في المسالك: «و ذهب جماعة - منهم ابن أبي عقيل و المفيد و القطب الكيدري و معين الدين المصري - الى تنزيل العمومة و الخؤولة منزلة الكلالة، فللواحد من الخؤولة للأمّ السدس ذكرا كان أم أنثى، و للاثنين فصاعدا الثلث، و الباقي للخال أو الخالة من الأبوين أو الأب؛ لأنّهم يتقرّبون بالاخوة فيرثون ميراثهم. و الأصحّ الأوّل؛ لدلالة الأخبار عليه و منع مساواتهم للاخوة من كلّ وجه. و لا فرق مع اتّحاد الخال و الخالة في استحقاقه الثلث بين المتقرّب بالأب و الأمّ. و كذا لا فرق في استحقاق العمّ و العمّة الثلثين بين المتقرّب بهما أو بأحدهما. و ابن أبي عقيل على أصله المتقدّم، فجعل للخال المتّحد السدس، و للعمّة النصف كالاخوة، و الباقي ردّ عليهم على قدر سهامهم. و كذلك ان ترك عمّة و خالة. و الأخبار حجّة عليه».(1)
و لو كان الأخوال و الخالات متفرّقين، بأن كان بعضهم لأب و أمّ أو لأب، و بعضهم لأمّ، و اجتمعوا مع الأعمام و العمّات كذلك، أي كان بعضهم لأب و أمّ أو لأب، و بعضهم لأمّ. فيقتسم المال بين الأخوال و الأعمام أثلاثا، فثلثه للأخوال و ثلثاه للأعمام، ثمّ يعطى الخال أو الخالة للأمّ سدس الثلث ان كان واحدا، و ثلثه ان كانوا أكثر من واحد للذكر مثل حظّ الأنثى، و الباقي - من الثلث - بعد اخراج السدس أو الثلث للخال أو الخالة للأب و الأمّ أو للأب مع عدمه ان كان واحدا و ان كانوا أكثر من واحد يقتسم بينهم للذكر مثل حظّ الأنثى. و سدس ثلثي الأصل للعمّ أو العمّة للأمّ ان كان واحدا، و ثلثه ان كانوا أكثر يقتسم بينهم للذكر مثل حظّ
1) - مسالك الأفهام 13: 165 و 166.
الأنثى، و الباقي للعمّ أو العمّة للأب و الأمّ أو للأب مع عدمه ان كان واحدا، و ان كانوا أكثر يقتسم بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين.
و لو اجتمع عمّ الأب و عمّته، و خاله و خالته، و عمّ الأمّ و عمّتها، و خالها و خالتها، قال في النهاية: كان لمن يتقرّب بالأمّ الثلث، بينهم بالسويّة، و لمن تقرّب بالأب الثلثان، ثلثه لخال الأب و خالته بينهما بالسويّة، و ثلثاه بين العمّ و العمّة، بينهما للذكر مثل حظّ الأنثيين، فيكون أصل الفريضة ثلاثة، تنكسر على الفريقين، فتضرب أربعة في تسعة تصير ستّة و ثلاثين، ثمّ تضربها في ثلاثة فتصير مائة و ثمانية.
يقتسم المال - في فرض المسألة - أثلاثا، ثلثه يقتسم في أعمام أمّ الميّت و أخوالها الى أربعة بالسويّة و ثلثاه يقتسم أثلاثا، ثلثه لخال أب الميّت و خالته بينها بالسويّة و ثلثاه يقتسم بين عمّ أب الميّت و عمّته للذكر مثل حظّ الأنثيين. فسهام الأعمام و الأخوال من طرف أمّ الميّت أربعة و نصيبهم واحد، و هما متباينان و سهم الأعمام و الأخوال من طرف أب الميّت تسعة و نصيبهم اثنان، فتضرب التسعة في الأربعة فتصير ستّة و ثلاثين، و يضرب المجموع في أصل التركة أعني ثلاثة فتصير مائة و ثمانية فعليها يقسم المال كما في الأجداد الثمانية. فالمال يقتسم أثلاثا، ثلثه يعني ستّة و ثلاثين يقسم بين الأعمام و الأخوال من طرف الأمّ بالسويّة، لكلّ منهم تسعة، و ثلثاه أي اثنان و سبعون، يقسم أثلاثا، ثلثه أي أربعة و عشرون يقسم بين الخال و الخالة من طرف أب الميّت بالسويّة لكلّ منهما اثناعشر، و ثلثاه أعني ثمانية و أربعين يقسم بين العمّ و العمّة من طرف أب الميّت للذكر مثل حظّ الأنثى، فللعمّ اثنان و ثلاثون، و للعمّة ستّهعشر.
و هنا قولان آخران كما في الأجداد الثمانية، و المشهور ما ذكرنا.
مسائل خمس: «الأولى»: عمومة الميّت و عمّاته و أولادهم و ان نزلوا، و خؤولته و خالاته و أولادهم و ان نزلوا، أحقّ بالميراث من عمومة الأب و عمّاته و خؤولته و خالاته، و أحقّ من عمومة الأمّ و عمّاتها و خؤولتها و خالاتها؛ لأنّ عمومة الميّت و خؤولته أقرب، و الأولاد يقومون مقام آبائهم عند عدمهم. فاذا عدم عمومة الميّت و عمّاته، و خؤولته و خالاته، و أولادهم و ان نزلوا، قام مقامهم عمومة الأب و عمّاته و خؤولته و خالاته، و عمومة أمّه و عمّاتها و خؤولتها و خالاتها، و أولادهم و ان نزلوا، و هكذا كلّ بطن منهم و ان نزل أولى من البطن الأعلى.
و المسألة واضحة؛ فانّ عمومة الميّت و عمّاته و أولادهم و ان نزلوا و خؤولته و خالاته و أولادهم و ان نزلوا أحقّ بالميراث من عمومة أب الميّت و عمّاته و خؤولته و خالاته و أحقّ من عمومة أمّالميّت و عمّاتها و خؤولتها و خالاتها لأنّهم في الرتبة الثانية منهم، و ليعلم أنّ أولاد عمّ الميّت و عمّته و أولاد خاله و خالته في رتبتهم فهم أقرب الى الميّت. فاذا عدم أعمام الميّت و أخواله و أولادهم، فتصل النوبة الى المرتبة الثانية بالنسبة اليهم. و هذا بخلاف الأجداد و الاخوة، فانّ الأجداد و ان علوا في رتبة الاخوة، كما أنّ أولادهم في رتبة الأجداد النازلة، و لذا لايمنع أولادهم من الأجداد العالية.
و في الجواهر: «لأنّ عمومة الميّت و خؤولته أقرب اليه و كلّ أقرب أولى من الأبعد كتابا و سنّة و اجماعا و أولادهم يقومون مقامهم على أنّ ابنة الخالة مثلاً من ولد الجدّة و عمّة الأمّ مثلاً من ولد جدّة الأمّ و ولد جدّة الميّت أولى بالميراث من ولد جدّة أمّ الميّت فما عن الحسن من تشريك عمّة الأمّ و ابنة الخالة واضح البطلان».(1)
1) - جواهر الكلام 39: 188.
«الثانية»: أولاد العمومة المتفرّقين، يأخذون نصيب آبائهم، فبنو العمّ للأمّ، لهم السدس. و لو كانوا بني عمّين للأمّ، كان لهم الثلث، و الباقي لبني العمّ أو العمّة، أو لبني العمومة أو العمّات للأب و الأمّ. و كذا البحث في بني الخؤولة.
في المسالك: «ارث أولاد العمومة و الخؤولة كآبائهم في دخولهم بآية أولي الأرحام، فلايتوقّف ثبوت ارثهم على ارث آبائهم، و انّما الغرض بأنّهم يأخذون نصيب آبائهم بيان كيفيّة ارثهم فانّهم لمّا كانوا يتقرّبون الى الميّت بآبائهم و أمّهاتهم كان ارثهم لنصيب الآباء و الأمّهات، كما أشير اليه في الأخبار السابقة من أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به. و على هذا فلولد العمّ و ان كان أنثى الثلثان و لولد العمّة و ان كان ذكرا الثلث. و لولد الخال و الخالة الثلث اذا جامع أحدا من ولد العمومة و لو كان أنثى. و يتساوى ابن الخال و ابن الخالة. و يأخذ أولاد العمّ للأمّ سدس نصيب العمومة ان كان واحدا و الثلث ان كانوا أكثر، و لأولاد العمّ للأبوين الباقي. و كذا القول في أولاد الخؤولة المتفرّقين على ما تقرّر في ميراث آبائهم».(1)
ثمّ انّه اذا تعدّد ولد الخال أو الخالة فيقسم نصيبهم بينهم بالسويّة و ان اختلفوا في الذكورة و الأنوثة، و اذا تعدّد ولد العمّ أو العمّة فللذكر مثل حظّ الأنثيين اذا لميكونا أمّيين أمّا اذا كانا أمّيين فيقسم نصيبهم بينهم بالسويّة.
«الثالثة»: اذا اجتمع للوارث سببان، فان لميمنع أحدهما الآخر ورث بهما. مثل: ابن عمّ لأب هو ابن خال لأمّ. و مثل: ابن عمّ هو زوج. أو بنت عمّ هي زوجة. و مثل: عمّة لأب هي خالة لأمّ. و ان منع أحدهما الآخر ورث من جهة
1) - مسالك الأفهام 13: 170 و 171.
المانع. مثل: ابن عمّ هو أخ، فانّه يرث بالأخوّة خاصّة.
في المسالك: «اذا اجتمع للوارث سببان فصاعدا للارث بالمعنى الأعمّ الشامل للنسب و السبب الخاصّ ورث بالجميع، ما لميكن هناك من هو أقرب منه فيهما أو في أحدهما، أو يكون أحدهما مانعا للآخر. و لايمنع ذو السبب المتعدّد من هو في طبقته من ذي السبب الواحد، من حيث توهّم قوّة السبب بتعدّده، كما يقدّم المتقرّب بالأبوين على المتقرّب بالأب؛ لأنّ ذلك على خلاف الأصل، و من ثمّ شاركه المتقرّب بالأمّ، و الأصل فيه اشتراك الجميع في السبب المقتضي للتوارث».(1)
أقول:
يتخرّج على ذلك أمثلة - كما في المسالك و الروضة(2)- منها: عمّ هو خال كما اذا كانت لزيد ثلاث زوجات و له من الأولى ابن هو بكر و من الثانية ابن هو خالد و من الثالثة عمرو، ثمّ طلّق الثالثة، فتزوّجت بآخر و ولدت لهذا الزوج الثاني بنتا المسمّاة بليلى، فعمرو أخو ليلى من الأمّ و أخو بكر و خالد من الأب. أمّا بين بكر و ليلى فلا نسب، و لذلك تزوّجها فولدت له بشرا. فيكون عمرو عمّا لبشر للأب و خالاً له للأمّ، و خالد عمّا لبشر للأب، فلو مات بشر و ورثه عمرو و خالد، و لميكن له وارث غيرهما، فالمال يقسم الى ثلاثة أقسام، ثلث لعمرو من جهة كونه خالاً، و الثلثان الباقيان يقسمان بينه و بين ذلك العمّ الآخر بالتنصيف، ثلث له و ثلث لذاك، فبالنتيجة يرث عمرو ثلثين: ثلثا لكونه خالاً و ثلثا لكونه عمّا. و الثلث الباقي للعمّ الآخر.
و منها: - كما في المتن - ابن عمّ لأب هو ابن خال لأمّ. و ذلك في المثال
المذكور آنفا الاّ أنّه كان لزيد من زوجته الثالثة سميّة مضافا الى عمرو، فلو تزوّج عمرو فولد له ابن المسمّى بالحسن، فابنه هذا يكون ابن عمّ لأب و ابن خال لأمّ بالنسبة الى بشر، و تزوّجت سميّة فولدت ابن المسمّى بالحسين، فابنها هذا بالنسبة الى بشر يكون ابن عمّة لأب و ابن خالة لأمّ، فلو مات بشر و لميكن له وارث الاّ ابن عمرو و ابن سميّة، فالمال يقتسم أثلاثا، ثلثاه لابن عمّ الميّت و ابن عمّته يقسم بينهما أثلاثا للذكر مثل حظّ الأنثيين، و ثلثه لابن خال الميّت و خالته يقتسم بينهما بالسويّة. فتضرب ثلاثة في مثلها فتنتج تسعة، فتضرب في اثنين فتنتج ثمانيهعشر، فبعد التقسيم يكون سهم ابن عمّ الميّت و هو ابن خاله أحد عشر، و سهم ابن عمّة الميّت و هو ابن خالته سبعة.
و منها: ابن عمّ هو زوج أو بنت عمّ هي زوجة كما لو كان لياسر أخي خالد ابنان عمّار و عمرو و كان لخالد بنت المسمّاة بزينب، و تزوّج عمّار زينب، ثمّ ماتت زينب فورثها عمّار و عمرو، فعمّار زوجها و ابن عمّها و عمرو ابن عمّها. فيقتسم المال أربعة نصفه لعمّار (زوج الميّت) و نصف نصف الآخر لعمّار أيضا؛ لأنّه ابن عمّها و نصف هذا النصف لعمرو ابن عمّها الآخر.
و في هذا المثال لو مات عمّار فورثه زينب زوجته و عمرو الاّ أنّ عمروا هنا يفرض أخو زينب، فسهم الزوجة ربع المال و باقيه يقتسم أثلاثا بين زينب بنت عمّه و عمرو ابن عمّه للذكر مثل حظّ الأنثيين، فتضرب أربعة في ثلاثة فينتج اثناعشر فلزينب النصف و هي ستّة جمع الربع نصيب الزوجيّة و ربع آخر نصيب ابنة العمّ، و النصف الآخر لعمرو.
و منها: لو كان له نسبان يحجب أحدهما الآخر كأخ هو ابن عمّ، و ذلك بأنتزوّج الرجل امرأة أخيه بعد أنولدت منه ولدا، ثمّ أولدها الأخ الثاني ولدا آخر، فهو أخ الولد الأوّل لأمّه و ابن عمّه. مثاله: اذا كان الحسن و الحسين أخوين، فتزوّج الحسن زينب، فولدت له زيدا و خالدا، ثمّ طلّق زينب و تزوّجت الحسين
فولدت له عمروا، فعمرو أخو زيد و خالد من جهة الأمّ و ابن عمّهما من جهة الأب. فلو مات خالد و لميكن له وارث الاّ زيدا و عمروا، فزيد أخو الميّت من أبويه و عمرو أخوه من أمّه، فسهم عمرو السدس من المال و الباقي لزيد، و لايرث عمرو من جهة كونه ابن عمّ الميّت، لأنّ نسبه بعنوان الأخ يحجبه عن ارثه بعنوان كونه ابن عمّ للميّت، و لو لميكن للميّت وارث غير عمرو، يرث المال كلّه، سدسه بالفرض و الباقي بالقرابة.
«الرابعة»: اذا دخل الزوج أو الزوجة على الخؤولة و الخالات و العمومة و العمّات، كان للزوج أو الزوجة النصيب الأعلى، و لمن تقرّب بالأمّ نصيبه الأصلي من أصل التركة، و ما بقي فهو لقرابة الأب و الأمّ، و انلميكونوا فلقرابة الأب.
في المسالك: «المراد بنصيبه الأصلي ما كان يرثه لولا الزوج و هو ثلث التركة، سواء كان خالاً أو خالة لأب أم لأمّ، اذا لميكن في مرتبته غيره. و يدخل النقص بنصيب الزوج أو الزوجة على من تقرّب بالأب، و هم العمومة و العمّات. فلو فرض كون الوارث عمّا من أيّ جهة كانت و خالاً كذلك مع الزوج فللخال الثلث و للزوج النصف و الباقي - و هو السدس - للعمّ و ان تعدّد؛ لأنّه يتقرّب بالأب و النقص يدخل على من يتقرّب بالأب دون من يتقرّب بها».(1)
أقول:
اذا كان الوارث خالاً و عمّا فللعمّ الثلثان و للخال الثلث، كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«...رجل مات و ترك عمّه و خاله، فقال: للعمّ الثلثان و للخال
1) - مسالك الأفهام 13: 174.
الثلث».(1)
و ظاهر هذا الحديث شامل لمطلق العمّ من أيّ جهة كان، كما أنّ الخال كذلك. و كذا اذا ترك الرجل عمّته و خالته فللعمّة الثلثان و للخالة الثلث، كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«...للعمّة الثلثان و للخالة الثلث».(2)
فظاهر الحديث و نظائره شامل للعمّة و الخالة من أيّ جهة كانتا.
و عليه فما ذكره في المسالك اذا دخل عليهما الزوج، من القسمة مطابق للروايات.
و أمّا لو فرض كون الخؤولة و العمومة متفرّقين، مع أحد الزوجين، فنصف المال أو ربعه للزوج أو الزوجة و ثلثه للأخوال و من هذا الثلث، سدسه لمن تقرّب بالأمّ ان كان واحدا، و ثلثه ان كان أكثر، و الباقي من السدس أو الثلث للأخوال من قبل الأبوين أو الأب، و الباقي - بعد اخراج نصيب أحد الزوجين و الأخوال - للأعمام، فللمتقرّب منهم بالأمّ سدسه ان كان واحدا، و ثلثه ان كان أكثر بالسويّة، و الباقي للمتقرّب منهم بالأبوين أو بالأب بالتفاوت.
«الخامسة»: حكم أولاد الخؤولة مع الزوج و الزوجة حكم الخؤولة، فان كان زوج أو زوجة و بنو أخوال مع بني أعمام، فللزوج أو الزوجة نصيب الزوجيّة، و لبني الأخوال ثلث الأصل، و الباقي لبني الأعمام.
قد مرّ أنّه اذا كان للميّت خال و عمّ، فللخال ثلث المال و للعمّ ثلثاه، سواء كان واحدا أو متعدّدا و كذا لو كان وارث الميّت خالة و عمّة، فللخالة ثلث المال و
للعمّة ثلثاه، فلو اجتمع مع الخال و العمّ، أو الخالة و العمّة زوج أو زوجة، فيأخذ الزوج أو الزوجة نصيبه الأعلى و كذا يأخذ الخال أو الخالة، الثلث و الباقي للعمّ أو العمّة فيدخل النقص على العمّ أو العمّة. و هذا الحكم جارٍ فيما اذا كان وارث الميّت ولد الخال و ولد العمّ، أو ولد الخالة و ولد العمّة، سواء كان لكلّ من الخال و العمّ ولد أو أولاد، و كذا الخالة و العمّة، و لو اجتمع مع أولاد الخؤولة و العمومة زوج أو زوجة فيأخذ الزوج أو الزوجة نصيبه الأعلى و كذا أولاد الخؤولة من الخال أو الخالة، و الباقي لأولاد العمومة من العمّ أو العمّة، فيدخل النقص على أولادهما. و لميتعرّض المصنّف رحمهالله لحكم ما لو اجتمع أحد الزوجين مع أحد الفريقين، فلو كان للميّت خال من الأمّ و خال من الأبوين مع أحد الزوجين، فحينئذ يأخذ الزوج أو الزوجة نصيبهما، و يكون للخال من الأمّ سدس الأصل ان كان واحدا و ثلثه ان كان أكثر، و الباقي للخال من الأبوين، و هذا الحكم جارٍ في أولاد الخال للأمّ و الخال للأبوين مع فقدهما. و هنا لك قولان آخران ضعيفان نقلهما في المسالك(1).
1) - مسالك الأفهام 13: 175
«الأولى»: الزوجة ترث ما دامت في حبال الزوج، و ان لميدخل بها، و كذا يرثها الزوج. و لو طلّقت رجعيّة، توارثا اذا مات أحدهما في العدّة؛ لأنّها بحكم الزوجة. و لاترث البائن و لاتورث، كالمطلّقة ثالثة، و التي لميدخل بها، و اليائسة و ليس في سنّها من تحيض، و المختلعة، و المبارأة، و المعتدّة عن وطء الشبهة أو الفسخ.
قد تقدّم البحث عن ارث الزوجين في المانع الأوّل من موانع الارث في ذيل قول المصنّف: «و لو كان الوارث زوجا أو زوجة...»(1)و لنذكر هنا فروعا لتبيين مسائل من أحكام الأزواج.
واعلم أنّ الكلام هنا و فيما سبق في العقد الدائم و أمّا العقد المنقطع فلايقتضي توارثا بين الزوجين الاّ اذا شرطا، فاذا شرطا ثبت تبعا للشرط على ما هو الحقّ في المسألة و قد فصّلناه في كتاب النكاح.(2)
هنا فروع:
الزوجة ترث ما دامت في حبال الزوج و لمتكن لها موانع الارث من الكفر و القتل و غيرهما، و ان كانت غير مدخول بها؛ لصدق الزوجة عليها و يرثها الزوج كذلك، و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «و لكم نصف ما ترك أزواجكم ان لميكن لهنّ ولد فان كان لهنّ ولد فلكم الربع ممّا تركن من بعد وصيّة يوصين بها أو دين و لهنّ الربع ممّا تركتم ان لميكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهنّ الثمن ممّا تركتم من بعد وصيّة توصون بها أو دين. الآية»(1). فاطلاق الزوج و الزوجة يشملهما و ان لميدخل بها؛ لصدق الزوج و الزوجة عليهما.
و من الثاني صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام، قال:
«سألته عن الرجل يتزوّج المرأة، ثمّ يموت قبل أنيدخل بها، فقال: لها الميراث، و عليها العدّة أربعة أشهر و عشر، و ان كان سمّى لها مهرا - يعني صداقا - فلها نصفه، و ان لميكن سمّى لها مهرا فلا مهر لها».(2)
و لو طلّقت الزوجة رجعيّة، يرثها و ترثه اذا مات أحدهما في العدّة؛ لأنّها في
العدّة بحكم الزوجة؛ لموثّقة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الرجل يطلّق المرأة، فقال: يرثها و ترثه مادام له عليها رجعة».(1)
و غيرها من الروايات.
و أمّا اذا لمتكن في العدّة الرجعيّة كما اذا طلّقها ثلاثة بينها رجعتان، فلا توارث بينهما؛ لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام، قال:
«اذا طلّقت المرأة، ثمّ توفّي عنها زوجها، و هي في عدّة منه لمتحرم عليه، فانّها ترثه، و يرثها مادامت في الدم من حيضتها الثانية من التطليقتين الأوّلتين، فان طلّقها الثالثة فانّها لاترث من زوجها شيئا، و لايرث منها».(2)
و كذلك لو خرجت من العدّة لصحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام، قال:
«المطلّقة ترث و تورث حتّى ترى الدم الثالث، فاذا رأته فقد انقطع».(3)
لاترث الزوجة المطلّقة في العدّة البائنة كالتي لميدخل بها و لايرثها الزوج؛ لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام، قال:
«اذا طلّق الرجل و هو صحيح لا رجعة له عليها(4)لميرثها. الحديث».(5)
1) - وسائل الشيعة 26: 223 / الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 26: 222 / الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 26: 223 / الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 3.
4) - في المصدر زيادة: لمترثه و ... . هامش الوسائل
5) - وسائل الشيعة 26: 223 / الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 2.
و رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لاترث المختلعة و المخيّرة و المبارأة و المستأمرة في طلاقها، هؤلاء لايرثن من أزواجهنّ شيئا في عدّتهنّ؛ لأنّ العصمة قد انقطعت فيما بينهنّ و بين أزواجهنّ من ساعتهنّ، فلا رجعة لأزواجهنّ، و لا ميراث بينهم».(1)
و رواية عبدالأعلى مولى آلسام عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المستأمرة في طلاقها اذا قالت لزوجها: طلّقني، فطلّقها بأمرها و رضاها فانّها تطليقة بائنة، و لا رجعة له عليها و لا ميراث بينهما، و هي تعتدّ منه ثلاثة أشهر، أو ثلاثة قروء. و قال أبو عبداللّه عليهالسلام في الرجل يطلّق امرأته طلاقا لايملك فيه الرجعة، قال: قد بانت منه بتطليقه و لا ميراث بينهما في العدّة».(2)
و في الجواهر بعد قول المصنّف: «و لاترث البائن و لاتورث، كالمطلّقة ثالثة، و التي لميدخل بها، و اليائسة و ليس في سنّها من تحيض، و المختلعة، و المبارأة»، قال: «لانتفاء صدق الزوجة و الزوج عليهما فعلاً، مضافا الى النصوص المستفيضة أو المتواترة فيهما معا. - الى ان قال: - نعم قد تقدّم في كتاب الطلاق أنّه لو طلّقها مريضا و لو بائنا و مات في ذلك المرض و لمتتزوّج ورثته هي دونه ما بين الطلاق و فوته في ذلك المرض الى سنة. و عن النهاية و الوسيلة التوارث في العدّة اذا كان الطلاق في المرض، و قد تقدّم الكلام فيه هناك».(3)
«الثانية»: للزوجة مع عدم الولد الربع و لو كنّ أكثر من واحدة، كنّ شركاء فيه بالسويّة. و لو كان له ولد، كان لهنّ الثمن بالسويّة. و كذا لو كانت واحدة،
لايزدن عليه شيئا.
ترث الزوجة مع عدم الولد الربع و معه الثمن يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الأوّل: قوله تعالى: «و لهنّ الربع ممّا تركتم ان لميكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهنّ الثمن ممّا تركتم»(1). و من الثاني صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام، قال:
«... و الزوجة لاتنقص من الربع شيئا اذا لميكن ولد، فاذا كان معهما ولد فللزوج الربع، و للمرأة الثمن».(2)
و الولد يشمل ولد الولد و هو يرث مع فقده و يحجب زوجة الميّت و أبواه اذا لميكن من الارث ممنوعا.
و لو كانت الزوجة أكثر من واحدة فالكلّ شركاء في الربع أو الثمن بالسويّة؛ تدلّ عليه مضافا الى الآية، رواية أبي عمر العبدي عن علي بن أبي طالب عليهالسلام (في حديث) أنّه قال:
«و لايزاد الزوج على النصف، و لاينقص من الربع، و لاتزاد المرأة على الربع، و لاتنقص من الثمن، و ان كنّ أربعا أو دون ذلك فهنّ فيه سواء. - الى أنقال الفضل: - و هذا حديث صحيح على موافقة الكتاب».(3)
«الثالثة»: اذا طلّق واحدة من أربع، و تزوّج أخرى، ثمّ اشتبهت المطلّقة في الأوّل، كان للأخيرة ربع الثُمن مع الولد، و الباقي من الثمن بين الأربع بالسويّة.
يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير، قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن رجل تزوّج أربع نسوة في عقدة واحدة، أو قال: في مجلس واحد، و مهورهنّ مختلفة. قال: جائز له و لهنّ. قلت: أرأيت ان هو خرج الى بعض البلدان، فطلّق واحدة من الأربع، و أشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد، و هم لايعرفون المرأة ثمّ تزوّج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدّة تلك المطلّقة، ثمّ مات بعد ما دخل بها، كيف يقسم ميراثه؟ فقال: ان كان له ولد فانّ للمرأة التي تزوّجها أخيرا من أهل تلك البلاد ربع ثمن ما ترك، و ان عرفت التي طلّقت من الأربع بعينها و نسبها فلا شيء لها من الميراث و عليها العدّة(1)، قال: و يقتسمن الثلاثة النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك، و عليهنّ العدّة، و ان لمتعرف التي طلّقت من الأربع، قسمن النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهنّ جميعا، و عليهنّ جميعا العدّة».(2)
«الرابعة»: اذا زوّج الصبيّة أبوها أو جدّها لأبيها، ورثها الزوج و ورثته. و كذا لو زوّج الصغيرين أبواهما، أو جدّاهما لأبويهما، توارثا. و لو زوّجهما غير الأب و الجدّ، كان العقد موقوفا على رضاهما عند البلوغ و الرشد، و لو مات أحدهما قبل ذلك، بطل العقد و لا ميراث. و كذا لو بلغ أحدهما فرضي، ثمّ مات الآخر قبل البلوغ. و لو مات الذي رضي عزل نصيب الآخر من تركة الميّت. و تربّص بالحيّ، فان بلغ و أنكر فقد بطل العقد و لا ميراث. و ان
أجاز، صحّ و أحلف أنّه لميدعه الى الرضا الرغبة في الميراث.
اذا زوّج صغيرين وليّهما يتوارثان و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في الصبيّ يتزوّج الصبيّة يتوارثان؟ فقال:
«اذا كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم. قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال: لا».(1)
و رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام، قال:
«سألته عن الصبيّ يزوّج الصبيّة، هل يتوارثان؟ قال: ان كان أبواهما هما اللذان زوّجاهما فنعم، قلنا: يجوز طلاق الأب؟ قال: لا».(2)
و لاتعارضهما صحيحة أبي عبيدة، قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن غلام و جارية زوّجهما وليّان لهما و هما غير مدركين. قال: فقال: النكاح جائز، أيّهما أدرك كان له الخيار، فان ماتا قبل أنيدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر، الاّ أنيكونا قد أدركا و رضيا. قلت: فان أدرك أحدهما قبل الآخر. قال: يجوز ذلك عليه ان هو رضي. قلت: فان كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية، و رضي النكاح، ثمّ مات قبل أنتدرك الجارية، أترثه؟ قال: نعم، يعزل ميراثها منه، حتّى تدرك، و تحلف باللّه مادعاها الى أخذ الميراث، الاّ رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع اليها الميراث و نصف المهر. قلت: فان ماتت الجارية و لمتكن أدركت، أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا لأنّ لها الخيار اذا أدركت. قلت: فان كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أنتدرك. قال: يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على
الأب للجارية».(1)
لأنّ لفظ «الوليّان» في الرواية يحمل على غير الأب و الجدّ بقرينة ذيلها من قوله عليهالسلام: «يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام» في جواب سؤاله: «قلت: فان كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أنتدرك». و الظاهر منه أنّ الغلام قد زوّجه الأب أيضا؛ لأنّه عليهالسلام قال: «و المهر على الأب للجارية». و حيث لميقل بالخيار لهما و لميوقف الميراث على ادراكهما و اجازة التزويج، كشف عن ثبوت التوارث.
و كذا لاتعارضهما صحيحة الحلبي، قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: الغلام له عشر سنين فيزوّجه أبوه في صغره، أيجوز طلاقه و هو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أمّا تزويجه فهو صحيح، و أمّا طلاقه فينبغى أنتحبس عليه امرأته حتّى يدرك، فيعلم أنّه كان قد طلّق، فان أقرّ بذلك و أمضاه فهي واحدة بائنة، و هو خاطب من الخطّاب، و ان أنكر ذلك، و أبى أنيمضيه فهي امرأته. قلت: فان ماتت أو مات؟ قال: يوقف الميراث حتّى يدرك أيّهما بقي، ثمّ يحلف باللّه مادعاه الى أخذ الميراث، الاّ الرضا بالنكاح، و يدفع اليه الميراث».(2)
فيحمل ذيله على أنّه زوّج غير الأب غلاما و جارية و أدرك أحدهما و رضي ثمّ مات؛ جمعا بينه و بين صحيحة محمّد بن مسلم.
و لو زوّجهما غير الأب و الجدّ فصحّة العقد موقوفة على اجازة وليّهما الشرعي أو رضاهما بعد البلوغ، يدلّ على ذلك و ما قاله الشرائع الروايات الواردة في أنّه لو زوّج صغيرين غير الأب و الجدّ فصحّة العقد موقوفة على اجازة وليّهما الشرعي أو اجازتهما بعد البلوغ كما تدلّ عليه صحيحتا أبي عبيدة و الحلبي
المتقدّمتان بتقريب أنّ المراد من الوليّين في صحيحة أبي عبيدة غير الأب و الجدّ.
و لو زوّج أحدهما الولي، أو كان أحدهما بالغا رشيدا و زوّج الآخر فضولي فمات الأوّل، عزل للثاني نصيبه أيضا و أحلف بعد بلوغه كذلك. و هذا و ان لميكن منصوصا، الاّ أنّه لاحق به بطريق أولى؛ لأنّ العقد لازم من أحد الطرفين، فهو أقرب الى الثبوت ممّا هو جائز من الطرفين. و يؤيّده رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام، في الرجل يزوّج ابنه يتيمة في حجره، و ابنه مدرك و اليتيمة غير مدركة، قال:
«نكاحه جائز على ابنه، فان مات عزل ميراثها منه حتّى تدرك، فاذا أدركت حلفت باللّه مادعاها الى أخذ الميراث الاّ رضاها بالنكاح، ثمّ يدفع اليها الميراث و نصف المهر. الحديث».(1)
ثمّ انّه لو كانا كبيرين و زوّجهما فضوليّان، ففي المسالك: «ففي تعدّي الحكم اليهما نظر، من مساواته للمنصوص في كونهما فضوليّين و لا مدخل للصغر و الكبر في ذلك، و من ثبوت الحكم في الصغيرين على خلاف الأصل من حيث توقّف الارث على اليمين، و ظهور التهمة في الاجازة، فيحكم فيما خرج عن المنصوص ببطلان العقد متى مات أحدهما قبل اجازة الآخر. و في الأوّل قوّة».(2)
و في الجواهر بعد عدّ كلام الشهيد من غرائب الكلام، قال: «ظاهر النصّ و الفتوى توقّف الزوجيّة على اليمين فلو نكل سقطت، و لو منع منها مانع كجنون أو نحوه انتظر ما لميحصل ضرر بذلك على الوارث أو المال، فيتّجه حينئذٍ دفعه الى الوارث الى أنيتحقّق اليمين، لأصالة عدم تحقّق ما يقتضي انتقاله عنه. و هل اليمين واجبة للتهمة بمعنى أنّها لاتجب مع ارتفاعها أو تعبّدا و التهمة حكمة؟ وجهان، قد اختار ثانيهما في المسالك، و لايبعد الأوّل لظهور النصّ فيه. و لو كان
المجيز المتأخّر الزوج فهل يتوقّف استحقاق المهر عليه على اليمين أيضا؟ وجهان، أقواهما العدم. نعم، ليس للوارث المطالبة به و ان وجب عليه دفعه اليه بعد فرض كون رضاه لاللطمع في الميراث، و الظاهر استحقاقه الارث منه، فيدفع منه ما زاد على نصيبه منه الى الوارث، و هل له المقاصّة بباقيه عن باقي التركة؟ وجهان أيضا، و لعلّ أوّلهما أقواهما، و اللّه العالم».(1)
أقول:
ظاهر النصّ و الفتوى توقّف الزوجيّة على اليمين بلا فرق بين كون الطرفين فضوليّين أو أحدهما و كذا كونهما صغيرين أو أحدهما، فلو أجاز أحدهما و مات قبل اجازة الآخر، فارث الآخر منه موقوف على اجازته و يمينه. و الظاهر أنّ يمينه لعلّة التهمة و عليه لو كان بريئا منها قطعا، لميجب عليه اليمين و يكفي اجازته. و لو قلنا بأنّ اليمين حكمة، فلو أجاز و نكل عنها سقطت الزوجيّة، و كذا لو لميطمئنّ اليه، بناءً على كونها علّة. و لو منع من الاجازة مانع بعد بلوغه و قبل الاجازة أو قبل بلوغه و استمرّ الى بلوغه، أو أجاز و جنّ قبل يمينه، على القولين انتظر ما لميحصل ضرر بذلك على الوارث أو المال، فلو كان هناك ضرر فيحكم الحاكم بردّ التركة الى الوارث، و لو أفاق و أجاز و حلف ردّ سهمه اليه ان كان، و الاّ فمن بيت المال. و بعد أنقلنا انّ ثبوت هذه الزوجيّة الفضوليّة موقوفة على الاجازة و اليمين فلا فرق في ذلك بين الارث و المهر و سائر ما يترتّب عليه من الأحكام، و أمّا لو قلنا بأنّ اليمين حكمة فالحقّ أنّ الارث متوقّف عليها دون سائر الأحكام من المهر و غيره.
«الخامسة»: اذا كان للزوجة من الميّت ولد، ورثت من جميع ما ترك، و لو
1) - جواهر الكلام 39: 206.
لميكن، لمترث من الأرض شيئا، و أعطيت حصّتها من قيمة الآلات و الأبنية. و قيل: لاتمنع الاّ من الدور و المساكن. و خرّج المرتضى رحمهالله قولاً ثالثا، و هو تقويم الأرض و تسليم حصّتها من القيمة، و القول الأوّل أظهر.
قال في المسالك(1): هذه المسألة من متفرّدات مذهبنا كمسألة الحبوة، و قد وقع الاتّفاق بين علمائنا الاّ ابن الجنيد على حرمان الزوجة في الجملة من شيء من أعيان التركة. و تلخيص البحث فيها يقع في مواضع:
الأوّل: في بيان ما يحرم منه الزوجة:
و قد اختلف فيه الأصحاب على أقوال بسبب اختلاف الروايات ظاهرا: أحدها: - و هو المشهور بينهم - حرمانها من الأرض بعينها سواء كانت قفرا أو معمورة بزرع و شجر و بناء و غيرها، عينا و قيمة، و من عين آلاتها و أبنيتها، و تعطى قيمة ذلك. ذهب اليه الشيخ في النهاية و أتباعه كالقاضي و ابن حمزة، و قبلهم أبو الصلاح. و هو ظاهر مذهب المصنّف رحمهالله في هذا الكتاب، و العلاّمة في المختلف و الشهيد في اللمعة.
و ثانيها: حرمانها من جميع ذلك مع اضافة الشجر الى الآلات في الحرمان من عينه دون قيمته. و بهذا صرّح من المتأخّرين العلاّمة في القواعد و الشهيد في الدروس و أكثر المتأخّرين، و ادّعوا أنّه المشهور، بل ادّعوا أنّه عين الأوّل. و هو ممنوع، كما يظهر ذلك من تتبّع عباراتهم.
و ثالثها: حرمانها من الرباع - و هي الدور و المساكن - دون البساتين و الضياع، و تعطى قيمة الآلات و الأبنية من الدور و المساكن دون البساتين. و هو قول المفيد، و ابن ادريس، و المصنّف في النافع، و تلميذه مصنّف كشف الرموز، و مال اليه في المختلف بعض الميل.
1) - مسالك الأفهام 13: 192 - 184.
و رابعها: حرمانها من عين الرباع خاصّة لا من قيمته. و هو قول المرتضى، و استحسنه في المختلف، و ان استقرّ رأيه أخيرا على الأوّل.
و ابن الجنيد رحمهالله منع من ذلك كلّه، و حكم بارثها من كلّ شيء كغيرها من الورّاث.
الثاني: في بيان من يحرم من الارث ممّا ذكر من الزوجات:
و قد اختلف الأصحاب فيه أيضا فالمشهور - خصوصا بين المتأخّرين، و به صرّح المصنّف في الكتاب - اختصاص الحرمان بغير ذات الولد من الزوج. و ذهب جماعة - منهم المفيد و المرتضى و الشيخ في الاستبصار، و أبو الصلاح، و ابن ادريس و المصنّف في النافع و تلميذه الشارح، بل ادّعى ابن ادريس عليه الاجماع - الى أنّ هذا المنع عامّ في كلّ زوجة، سواء كان لها ولد من الميّت أو لا، عملاً باطلاق الأخبار أو عمومها المتناول للجميع. و قد تقدّم منها جملة.
الثالث: في بيان الحكمة في هذا الحرمان:
و به يظهر أيضا عدم الفرق بين الزوجات و ان كان بعضهنّ أقوى في ذلك من بعض.
و محصّل ما دلّت عليه النصوص منها أنّ الزوجة لا نسب بينها و بين الورثة، و انّما هي دخيل عليهم، فربّما تزوّجت بعد الميّت بغيره ممّن كان ينافسه و يحسده فتسكنه في مساكنه و تسلّطه على عقاره، فيحصل على الورثة بذلك غضاضة عظيمة، فاقتضت الحكمة الالهيّة منعها من ذلك، و أمّا في الآلات و الأبنية فاعطاؤها القيمة جبرا لها، و هي في قوّة العين، و الضرر بها منفيّ أو قليل محتمل.
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المشهور هو الذي دلّ عليه الروايات الصحيحة من حرمان الزوجة من الأرض مطلقا سواء كانت قفرا أو معمورة بزرع و شجر و بناء
و غيرها، عينا و قيمة، و من عين آلاتها و أبنيتها ولكن تعطى قيمة ذلك.
و أمّا الروايات الدالّة على حرمان الزوجة من الأرض مطلقا بعينها و قيمتها و آلاتها و أبنيتها عينا و قيمة فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«النساء لايرثن من الأرض و لا من العقار شيئا».(1)
بيان: العقار بالفتح: الأرض و الضياع و الدار. و في مجمع البحرين: «عُقْر الدار: أصلها، و تضمّ العين و تفتح في الحجاز، و عن ابن فارس العُقْر أصل كلّ شيء. و في الخبر: «ما غزي قوم قطّ في عُقْرِ دارهم الاّ ذلّوا». و في الحديث ذكر العقار كسلام، و هو كلّ ملك ثابت له أصل كالدار و الأرض و النخل و الضياع، و منه قولهم: «ما له دار و لا عقار» و جمع العقار عقارات، و الضَيْعَة بمعنى أرض الزراعة و المغلّة، جمعها ضِيَع و ضياع».
و منها صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لاترث النساء من عقار الأرض شيئا».(2)
و منها رواية عبدالملك بن أعين عن أحدهما عليهماالسلام، قال:
«ليس للنساء من الدور و العقار شىء».(3)
و منها روايته الثانية، قال:
«دعا أبو جعفر عليهالسلام بكتاب علي عليهالسلام فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطويّا، فاذا فيه: انّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل (اذا توفّي عنهنّ)(4)شيء. فقال أبو جعفر عليهالسلام: هذا و اللّه خطّ علي عليهالسلام بيده، و املاء رسول اللّه صلىاللهعليهوآله».(5)
1) - وسائل الشيعة 26: 207 / الباب 6 من أبواب ميراث الزوج / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 26: 208 / الباب 6 من أبواب ميراث الزوج / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 26: 209 / الباب 6 من أبواب ميراث الزوج / الحديث 10.
4) - في المصدر: اذا هو توفّى عنها. هامش الوسائل
5) - وسائل الشيعة 26: 212 / الباب 6 من أبواب ميراث الزوج / الحديث 17.
و أمّا الروايات الدالّة على حرمان الزوجة من الأرض مطلقا بعينها و قيمتها، و ارثها من قيمة آلاتها و أبنيتها فمنها صحيحة زرارة و بكير و فضيل و بريد و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام:
«انّ المرأة لاترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض، الاّ أنيقوّم الطوب و الخشب قيمة، فتعطى ربعها أو ثمنها».(1)
و منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام، قال:
«لاترث النساء من عقار الدور شيئا، ولكن يقوّم البناء و الطوب، و تعطى ثمنها أو ربعها، قال: و انّما ذلك لئلاّيتزوّجن، فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام:
«انّ النساء لايرثن من الدور، و لا من الضياع شيئا الاّ أنيكون أحدث بناءً، فيرثن ذلك البناء».(3)
و هي و ان كانت ظاهرة في ارثهنّ من أصل البناء الاّ أنّها تحمل على القيمة جمعا.
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام:
«انّ المرأة لاترث ممّا ترك زوجها من القرى و الدور و السلاح و الدوابّ شيئا، و ترث من المال و الفرش و الثياب و متاع البيت ممّا ترك، و تقوّم النقض(4)و الأبواب و الجذوع و القصب، فتعطى حقّها
1) - وسائل الشيعة 26: 207 / الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 26: 208 / الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 26: 210 / الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 13.
4) - قال في مجمع البحرين: النقض بالضم و الكسر بمعنى المنقوض و الجمع نقوض. و قال في لسان العرب: النقض اسم البناء المنقوض اذا هُدم.
منه».(1)
و منها رواية محمّد بن مسلم، قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: ترث المرأة الطوب(2)، و لاترث من الرباع شيئا، قال: قلت: كيف ترث من الفرع، و لاترث من الرباع(3)شيئا؟ فقال: ليس لها منه نسب ترث به و انّما هي دخيل عليهم، فترث من الفرع، و لاترث من الأصل، و لايدخل عليهم داخل بسببها».(4)
و منها رواية الأحول، عن أبي عبداللّه عليهالسلام، قال:
«سمعته يقول: لايرثن النساء من العقار شيئا و لهنّ قيمة البناء و الشجر و النخل. - يعني من البناء الدور، و انّما عنى من النساء، الزوجة - ».(5)
و منها غيرها.
و ممّا يطمئنّ به الفقيه أنّ الزوجة مطلقا سواء كان لها ولد من الزوج أو لميكن لها ولد منه، لاترث من الأرض مطلقا، سواء كانت قفرا أو معمورة بزرع و شجر و بناء و غيرها، عينا و قيمة و لاترث أيضا من عين آلاتها و أبنيتها، و تعطى قيمة الآلات و الأبنية و قيمة الشجر و النخل بلا فرق بين الصغيرة و الكبيرة و الرطبة و اليابسة ان لمتقطع بعد و كذا ترث من عين الأثاث و النقود و نظائرهما.
و حجّة القول الثالث - المتقدّم عن المسالك - عموم الآية بارثها من كلّ شيء خرج منه ما اتّفق عليه الأخبار و هو أرض الرباع و المساكن عينا و قيمة و آلاتها عينا لا قيمة، فيبقى الباقي. و قد اقتصر على استثنائها في رواية محمّد بن مسلم
المتقدّمة(1)و رواية يزيد الصائغ قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: انّ النساء لايرثن من رباع الأرض شيئا، ولكن لهنّ قيمة الطوب و الخشب. قال: فقلت له: انّ الناس لايأخذون بهذا، فقال: اذا ولّيناهم ضربناهم بالسوط، فان انتهوا و الاّ ضربناهم بالسيف عليه».(2)
فهذا هو المستثنى من عدم ارثها، و لميتعرّضا للزائد من الأرض بنفي و لا اثبات. و فيه: انّه اذا دلّت الأخبار الصحيحة على حرمانها من البساتين و الضياع كحرمانها من الرباع تعيّن القول بها جمعا.
و القول الرابع - المتقدّم عن المسالك و هو قول السيّد المرتضى و هو متفرّد به - تدفعه الأخبار الصحيحة و غير الصحيحة، و كذا فتوى الفقهاء.
و حجّة القول الخامس - و هو قول ابن الجنيد - عموم الآية، و خصوص رواية الفضل بن عبدالملك و ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئا؟ أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلايرث من ذلك شيئا؟ فقال: يرثها و ترثه من كلّ شيء ترك و تركت».(3)
و فيه: انّها لاتقاوم الأخبار الصحيحة المتقدّمة، فتحمل على التقيّة لذهاب المخالف اليه.
ثمّ انّه استدلّ على عدم حرمان الزوجة ذات الولد من الأرض برواية عمر بن أذينة: «في النساء اذا كان لهنّ ولد أعطين من الرباع».(4)
و فيه أنّها ضعيفة السند، و لايمكن تقييد المطلقات المتقدّمة بهذه الرواية الضعيفة، مع أنّها لمينقل عن الامام عليهالسلام. مضافا الى أنّ بعضها غير قابلة للتقييد.
ثمّ انّه ينبغي التنبيه على أمور:
الأوّل: انّ كيفيّة التقويم أنتقوّم الآلات و الشجر و النخل باقية في الأرض مجّانا الى أنتفنى و تعطى حصّتها من ذلك، فلو زادت قيمتها مثبتة الى أنتفنى عنها غير مثبتة فلها الزيادة.
الثاني: أنّ المعتبر في القيمة يوم الدفع، لايوم وفاة الزوج؛ لأنّ لها الحقّ في البناء فاذا زادت القيمة فزيادته لها الى أنتدفع اليها. و كما أنّه اذا زادت فالزيادة لها، و لو نقصت القيمة نقصت من نصيبها.
الثالث: لو خربت الأبنية و أدواتها و قطعت الأشجار، قبل وفاة الزوج، فالزوجة ترث من أعيانها؛ لأنّها منقولة حينئذٍ.
الرابع: الظاهر أنّ الثمرة على الشجرة، و الحبّة من الحنطة و الشعير و نظائرهما بل و كذا الزرع يعدّ من المنقولات عرفا.
الخامس: لو زادت الأعيان التي كانت موجودة حين الموت، فلاترث تلك الزيادة، كما لو بنى الوارث على الدار طبقة أخرى.
السادس: لايجوز للوارث التصرّف في الأعيان التي تعلّقت قيمتها بالزوجة بدون اذنها قبل أداء قيمتها، كما لايجوز لها التصرّف فيها أيضا بدون اذن الورثة.
السابع: اذا قلنا بأنّ الزوجة تستحقّ قيمة الأبنية لا عينها، فليس لها مطالبة الأعيان، و أمّا لو رضي الطرفان بأدائها فلابأس.
الثامن: لاريب في ارثها من قيمة آلات القنوات و العيون و الآبار و الأنهار و نحوها ان كانت، و من عين الماء الموجود حال الموت الذي ملكه الميّت قبل
موته بخلاف المتجدّد، فانّه ملك للوارث على الأصحّ.
«السادسة»: نكاح المريض مشروط بالدخول، فان مات في مرضه و لميدخل، بطل العقد و لا مهر لها و لا ميراث، و هو رواية زرارة عن أحدهما عليهماالسلام.
و الدليل عليه روايات منها صحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل تزوّج في مرضه، فقال: اذا دخل بها، فمات في مرضه ورثته، و ان لميدخل بها لمترثه، و نكاحه باطل».(1)
و صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام، قال:
«ليس للمريض أنيطلّق، و له أنيتزوّج، فان هو تزوّج، و دخل بها فهو جائز، و ان لميدخل بها، حتّى مات في مرضه فنكاحه باطل، و لا مهر لها، و لا ميراث».(2)
و موثّقة عبيد بن زرارة، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن المريض، أله أنيطلّق؟ قال: لا، ولكن له أنيتزوّج ان شاء. فان دخل بها ورثته، و ان لميدخل بها فنكاحه باطل».(3)
الظاهر أنّ المراد من قوله عليهالسلام فنكاحه باطل هو بطلان أثر النكاح من المهر و الميراث كما في صحيحة زرارة، و انّما الكلام في أنّه هل يحرم زواجها على أولاد الميّت أم لا؟ فالظاهر جوازه لظاهر قوله عليهالسلام فنكاحه باطل.
و قد استشكل في الحكم لمخالفته للأصل؛ فانّه عقد صحيح في نفسه كما
فرضناه و الاّ لميصحّ الوطء، و هو صادر من أهله باختياره، فاشتراطه بأمر متأخّر عنه خلاف الأصل. و فيه كما في الجواهر: «انّه يمكن كون ذلك على جهة الكشف، بمعنى أنّه ان حصل الدخول علم صحّة النكاح من أوّل الأمر، و الاّ انكشف فساده كذلك، و له الوطء بالعقد الصادر، لظاهر النصوص».(1)
و في المسالك: «و يتفرّع عليه ما لو ماتت هي قبل الدخول، فمقتضى الحكم أنلايرث منها لعدم حصول الشرط فلايلحقه الأثر، و يحتمل هنا الارث و ان لمنقل به في جانبه؛ لأنّ العقد لازم بالنسبة اليها، فيترتّب أثره عليه في حقّها و ان لميثبت في حقّه، لعدم لزومه من جانبه، و لأنّ تخلّف ارثها منه بنصّ الشارع لايقتضي ثبوته في الجانب الآخر، بل يقتصر في الحكم المخالف للأصل على مورده. و الحكم موضع اشكال في الطرفين. و كذا الاشكال لو مات في غير مرضه قبل الدخول، من حيث اطلاق كونه مشروطا بالدخول و لميحصل، و من أنّ برء المريض يصحّح تصرّفاته الموقوفة، و هذا من أضعفها أو من جملتها. و الأقوى هنا ثبوت التوارث».(2)
أقول:
الأقوى ثبوت التوارث في الفرع الثاني و انّما الاشكال في الفرع الأوّل و ان كان الأظهر ثبوته فيه أيضا.
و هو ثلاثة أقسام:
«الأوّل»: ولاء العتق: انّما يرث المنعم اذا كان متبرّعا و لميتبرّأ من ضمان جريرته و لميكن للمعتَق وارث مناسب. فلو أعتق في واجب - كالكفّارات و النذور - لميثبت للمنعم ميراث. و كذا لو تبرّع و اشترط سقوط الضمان. و هل يشترط في سقوطه الاشهاد بالبراءة؟ الوجه: لا.
قال الشهيد الثاني في الروضة: «الولاء، بفتح الواو و أصله القرب و الدنوّ، و المراد هنا قرب أحد شخصين فصاعدا الى آخر على وجه يوجب الارث بغير نسب و لا زوجيّة».(1)
و قال في المسالك: «الولاء من أسباب الارث؛ لقوله صلىاللهعليهوآله: «الولاء لحمة كلحمة النسب»، و قوله صلىاللهعليهوآله: «الولاء لمن أعتق». و حيث كان النسب مقتضيا للارث فكذا الولاء، ولكن يفترقان بأنّ الارث في النسب ثابت من الطرفين، لتحقّق السبب منهما بخلاف الولاء، فانّه ثابت للمنعم على المعتق دون العكس، لأنّ سببه هو العتق و هو مختصّ بأحد الطرفين)(2)
و يرث المعتِق عتيقه بشروط ثلاثة:
الأوّل: أنيكون العتق تبرّعا و لميكن واجبا بسبب كالكفّارات و النذور و الدليل عليه رواية عمّار بن أبي الأحوص، قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن السائبة، فقال: انظر في القرآن فما كان فيه «فتحرير رقبه» فتلك يا عمّار السائبة التي لا ولاء لأحد من الناس عليها الاّ اللّه عزّوجلّ، فما كان ولاؤه للّه عزّوجلّ فهو لرسولاللّه صلىاللهعليهوآله و ما كان ولاؤه لرسولاللّه صلىاللهعليهوآله فانّ ولاءه للامام و جنايته على الامام، و ميراثه له».(1)
بيان: السائبة هو العتيق الذي لا علاقة بينه و بين معتِقه و لا ميراث لمعتِقه.
و لاتعارضها صحيحة أبي بصير (يعني المرادي) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يعتق الرجل في كفّارة يمين أو ظهار لمن يكون الولاء؟ قال: للّذي يعتق».(2)
لأنّها مطروحة أو محمولة على ما اذا توالى اليه بعد العتق، أو يمكن أنيقرأ يُعتَق - مبني للمفعول - يعني أنّ ولاء ذلك العبد المعتَق لنفسه، يتوالى الى من شاء، و يمكن حمله على التقيّة.
الثاني: أنلايكون المعتِق متبرّأً من ضمان جريرته حال الاعتاق والاّ فلا ولاء و لا ميراث له، و يدلّ عليه رواية أبي الربيع، قال:
«سئل أبو عبداللّه عليهالسلام عن السائبة، فقال: الرجل يعتق غلامه، و يقول له اذهب حيث شئت، ليس لي من ميراثك شيء، و لا عليّ من جريرتك شيء، و يشهد على ذلك شاهدين».(3)
الثالث: لميكن للمعتَق وارث مناسب. و يدلّ عليه صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة أعتقت رجلاً، لمن ولاؤه؟ و لمن ميراثه؟ قال:
«للذي أعتقه، الاّ أنيكون له وارث غيرها».(1)
و هل يشترط الاشهاد في سقوط الارث بالتبرّي؟ قال الشيخ(2)و جماعة باشتراطه لرواية أبي الربيع المتقدّمة و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: من أعتق رجلاً سائبة فليس عليه من جريرته شيء و ليس له من الميراث شىء و ليشهد على ذلك، قال: و من تولّى رجلاً فرضي بذلك، فجريرته عليه، و ميراثه له».(3)
و الظاهر أنّه لا دلالة في الحديث على الاشتراط، و أنّ مراده عليهالسلام من قوله: «و ليشهد على ذلك» هو الاشهاد على أنّه سائبة.
و لو نكّل به فانعتق كان سائبة. و لو كان للمعتق وارث مناسب، قريبا كان أو بعيدا، ذا فرض أو غيره لميرث المنعم. أمّا لو كان زوج أو زوجة كان سهم الزوجيّة لصاحبه و الباقي للمنعم أو من يقوم مقامه عند عدمه.
و اذا اجتمعت الشروط ورثه المنعم ان كان واحدا، و ان كانوا أكثر فهم شركاء في الولاء بالحصص، رجالاً كان المعتقون أو نساءً، أو رجالاً و نساءً.
من نكّل بمملوكه يصير حرّا؛ لصحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليهالسلام، قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام فيمن نكّل بمملوكه أنّه حرّ، لا سبيل له عليه، سائبة يذهب فيتولّى الى من أحبّ، فاذا ضمن حدثه فهو يرثه».(4)
و قد تقدّم أنّ الارث بالولاء مشروط بفقد القريب، و أمّا الزوجان فيصاحبان جميع الورّاث بالنسب و السبب فلهما مع المعتق سهمهما الأعلى، و الباقي للمنعم أو من يقوم مقامه من ورثته أو عصبته، على ما سيأتي. و اذا اجتمعت الشروط ورثه المنعم ان كان واحدا، و ان كانوا أكثر فهم شركاء بمقدار حصّتهم، رجالاً كان المعتقون أو نساءً، أو رجالاً و نساءً؛ لأنّ السبب في الارث هو الاعتاق فيتبع الحصّة، فلاينظر فيه الى الذكر و الأنثى كالارث بالنسب؛ لأنّ ذلك خارج بالنصّ و الاّ لكان مقتضى الشركة خلاف ذلك- كما في المسالك - .(1)
و لو عدم المنعم قال ابن بابويه رحمهالله: يكون الولاء للأولاد الذكور و الاناث، و هو حسن. و مثله في الخلاف اذا كان رجلاً. و قال المفيد رحمهالله: الولاء للأولاد الذكور دون الاناث رجلاً كان المنعم أو امرأة. و قال الشيخ رحمهالله في النهاية: يكون للأولاد الذكور دون الاناث ان كان المعتق رجلاً. و لو كان امرأة كان الولاء لعصبتها. و بقوله رحمهالله تشهد الروايات.
و لو عدم المنعم، قال ابن بابويه: يكون الولاء للأولاد الذكور و الاناث و استحسنه المصنّف، و الدليل عليه رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام، قال:
«قال النبي صلىاللهعليهوآله: الولاء لحمة كلحمة النسب، لاتباع و لاتوهب».(2)
ولكن الروايات الواردة في المقام تؤيّد قول الشيخ في النهاية بأنّه يكون للأولاد الذكور دون الاناث ان كان المعتق رجلاً، و ان كان امرأة كان الولاء لعصبتها، و لنذكر الروايات:
منها صحيحة بريد العجلي قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن رجل كان عليه عتق رقبة، فمات من قبل أنيعتق رقبة، فانطلق ابنه، فابتاع رجلاً من كيسه، فأعتقه عن أبيه، و انّ المعتَق أصاب بعد ذلك مالاً، ثمّ مات و تركه، لمن يكون ميراثه؟ قال: فقال: ان كانت الرقبة التي كانت على أبيه في (ظهار، أو شكر) أو واجبة عليه، فانّ المعتق سائبة لا سبيل لأحد عليه، قال: و ان كان توالى قبل أنيموت الى أحد من المسلمين، فضمن جنايته و حدثه كان مولاه و وارثه ان لميكن له قريب يرثه، قال: و ان لميكن توالى الى أحد حتّى مات، فانّ ميراثه لامام المسلمين ان لميكن له قريب يرثه من المسلمين، قال: و ان كانت الرقبة التي على أبيه تطوّعا، و قد كان أبوه أمره أنيعتق عنه نسمة، فانّ ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميّت من الرجال، قال: و يكون الذي اشتراه فأعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة، اذا لميكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه، قال: و ان كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه تطوّعا منه من غير أنيكون أبوه أمره بذلك، فانّ ولاءه و ميراثه للذي اشتراه من ماله، فأعتقه عن أبيه، اذا لميكن للمعتق وارث من قرابته».(1)
و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام، قال:
«قضى في رجل حرّر رجلاً و اشترط ولاه فتوفّي الذي أعتق، و ليس له ولد الاّ النساء ثمّ توفّي المولى و ترك مالاً و له عصبة، فاحتقّ في ميراثه بنات مولاه و العصبة، فقضى بميراثه للعصبة الذين يعقلون عنه، اذا أحدث حدثا يكون فيه عقل».(2)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام، قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام على امرأة أعتقت رجلاً، و اشترطت ولاءه، و لها ابن، فألحق ولاءه بعصبتها الذين يعقلون عنه، دون ولدها».(1)
و منها صحيحة يعقوب بن شعيب، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن امرأة أعتقت مملوكا ثمّ ماتت، قال: يرجع الولاء الى بني أبيها».(2)
و منها صحيحة أبي ولاّد حفص بن سالم الحنّاط، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أعتق جارية صغيرة لمتدرك و كانت أمّه قبل أنتموت سألته أنيعتق عنها رقبة من مالها، فاشتراها، فأعتقها بعدما ماتت أمّه لمن يكون ولاء المعتق؟ قال: فقال: يكون ولاءُها لأقرباء أمّه من قبل أبيها، و تكون نفقتها عليهم حتّى تدرك، و تستغني، قال: و لايكون للّذى أعتقها من أمّه من ولائها شىء».(3)
و قال الشيخ في النهاية: «و اذا مات المعتق، ورث ولاء مواليه أولاده الذكور منهم دون الاناث. فان لميكن له ولد ذكور، و كانت له بنات، كان ولاء مواليه لعصبته دون غيرهم؛ لأنّهم الذين يضمنون جريرته. و اذا كان المعتق امرأة، و لها موالٍ، و لها ولد ذكور و اناث، و لها عصبة، فاذا ماتت، كان ولاء مواليها لعصبتها دون أولادها. و اذا كان للمعتق أخ لأبيه و أمّه أو لأبيه، كان ميراثه له دون العصبة. و كذلك ان كان له والدان، فولاء مواليه لهما، دون العصبة. و انّما تأخذ العصبة الميراث، اذا لميكن غيرهم، أو يكون الذين تركهم الميّت اناثا. و لايصحّ بيع
الولاء و لا هبته».(1)
و في المسالك بعد ذكر الروايات المذكورة قال: «فهذه هي الروايات التي أشار المصنّف رحمهالله الى كونها شاهدة على مذهب الشيخ في النهاية، و عليه ينبغي أنيكون العمل؛ لصحّتها و كثرتها».(2)
الأقوى ما دلّت عليه الصحاح المذكورة كما في المسالك، مع التوجيه الذي ذكره بالنسبة الى قوله صلىاللهعليهوآله: «الولاء لحمة كلحمة النسب لاتباع و لاتوهب»، فراجع.
و يرث الولاء الأبوان و الأولاد و مع الانفراد لايشتركهما أحد من الأقارب. و يقوم أولاد الأولاد مقام آبائهم عند عدمهم. و يأخذ كلّ منهم نصيب من يتقرّب به كالميراث في غير الولاء و مع عدم الأبوين و الولد، يرثه الاخوة.
في المسالك: «هذا جارٍ على جميع الأقوال المذكورة في الكتاب، لاشتراكها في ثبوت الولاء للأولاد في الجملة، امّا الذكور، أو هم مع الاناث و لو على بعض الوجوه. و المراد: أنّا حيث حكمنا بارث الأولاد للولاء فلو كان هناك أبوان أو أحدهما شاركهم، لمساواتهم في الطبقة. و نبّه بذلك على خلاف ابن الجنيد حيث حكم باختصاصه بالولد».(3)
و هل ترث الأخوات؟ على تردّد أظهره نعم؛ لأنّ الولاء لحمة كلحمة النسب.
هذا الخلاف متفرّع على الخلاف في ارث الأولاد فان نفيناه رأسا و جعلناه
مختصّا بالعصبة الذين يعقلون لمترث الأخوات لأنّهنّ لايعقلن، و ان أثبتناه للأولاد في الجملة احتمل ارث الأخوات أيضا لأنّ الولاء لحمة كلحمة النسب و الأخوات يرثن بالنسب و عدمه لحديث العصبة الدالّ على ثبوت منعهنّ و ثبوت دخول الأولاد بنصّ آخر. و الأظهر أنّ الأخوات لايرثن منه مطلقا، كما في المسالك.(1)
و يشترك الاخوة، الأجداد و الجدّات، و مع عدمهم الأعمام و العمّات و بنوهم. و يترتّبون الأقرب فالأقرب. و لايرث الولاء من يتقرّب بالأمّ من الاخوة و الأخوات و الأخوال و الخالات و الأجداد و الجدّات. و مع عدم قرابة المنعم يرثه مولى المولى فان عدم فقرابة مولى المولى لأبيه دون أمّه.
قد تقدّم حكم الطبقة الأولى فمع عدمها فالاخوة و الأجداد يرثون الولاء مشتركا؛ لتساويهم في الدرجة. و أمّا الجدّات فيبنى اشتراكهنّ على أنّ النساء هل يرثن منه مطلقا أم يرثن منه في الجملة أم لايرثن؟ و الأقوى - كما في المسالك - عدم ارثهنّ.
و أمّا من يتقرّب بالأمّ فيبنى عدم ارثه على اختصاص الارث بالعصبة امّا مطلقا أو بعد فقد الأولاد؛ لأنّ من يتقرّب بالأمّ لايعقل مطلقا، كما لاتعقل الاناث و ان تقرّبن بالأب. و من اعتبر اللحمة و عمّم الميراث حكم بارث الجميع.
و مع عدم قرابة المنعم يرث الولاء معتِق المنعم و مع عدمه يرثه أقاربه من قبل أبيه على ما تقدّم دون من يتقرّبه بالأمّ، و مع عدمهم يرث معتق معتق المعتق، ثمّ أقاربه، و هكذا.
و في المبسوط: «و قد ذكرنا في النسب أنّ من يتفرّع منه العصبة نفسان: أب و
1) - مسالك الأفهام 13: 206.
ابن، كذلك هنا في الولاء الذي يتفرّع منه العصبة أبو المولى و ابن المولى، فابن المولى و الأب يرثان معا من الولاء؛ لأنّهما في درجة، و أمّا الابن فأولى من ابن الابن بلا خلاف، و الأب أولى من الجدّ، ثمّ مع فقد الرتبة الأولى أنّ الجدّ يشترك مع الأخ، و مع عدمه يشترك مع ابنه، و الأخ و ابنه أولى من العمّ و ابنه لاختلاف الدرجة بلا خلاف فيه، و كذلك العمّ أولى من ابن العمّ. و الاخوة و الأخوات من الأمّ و من يتقرّب بهما لايرثون الولاء بلا خلاف. انتهى ملخّصا».(1)
و المنعم لايرثه المعتَق و لو لميخلّف وارثا، و يكون ميراثه للامام دون المحرّر. و لايصحّ بيع الولاء، و لا هبته، و لا اشتراطه في بيع.
قال في المسالك : «المشهور بين الأصحاب أنّ المعتق لايرث المنعم، بل ادّعى عليه الشيخ الاجماع. و يدلّ عليه أيضا أنّ الارث يحتاج الى سبب شرعي يستند اليه، و لميثبت ذلك هنا شرعا. و قوله صلىاللهعليهوآله: «الولاء لمن أعتق»، و في خبر آخر: «انّما الولاء لمن أعتق» و الحصر أظهر دلالة. و لأصالة عدم التوارث. و خالف في ذلك ابن بابويه و ابن الجنيد، فحكما بارث المعتَق المنعم اذا لميخلّف وارثا غيره. و لعلّ استنادهما الى خبر اللحمة، و هو ضعيف. نعم لو دار الولاء توارثا، كما لو اشترى العتيق أبا المنعم فأعتقه و انجرّ ولاؤه من مولى المنعم الى العتيق. و لايصحّ بيع الولاء، و لا هبته و لا اشتراطه في بيع؛ لأنّه ليس مالاً يقبل النقل، و خبر اللحمة صريح فيه؛ لأنّ النسب لايقبل ذلك و قد جعل لازمه كونه لايباع و لايوهب. و لمّا كان حكمه مختصّا بالمعتِق كان اشتراطه لغيره اشتراطا غير سائغ، فكان باطلاً. و في صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليهالسلام: «أنّ عائشة قالت للنبى صلىاللهعليهوآله: انّ أهل بريرة اشترطوا ولاءها، فقال صلىاللهعليهوآله: الولاء لمن أعتق»، و
1) - المبسوط 4: 94.
أبطل شرطهم. انتهى ملخّصا».(1)
مسائل ثمان:
«الأولى»: ميراث ولد المعتَقة لمن أعتقهم، و لو أعتقوا حملاً مع أمّهم و لاينجرّ ولاؤهم. و لو حملت بهم بعد العتق كان ولاؤهم لمولى أمّهم اذا كان أبوهم رقّا و لو كان حرّا في الأصل لميكن لمولى أمّهم ولاء و ان كان أبوهم معتَقا فولاؤهم لمولى الأب. و كذا لو أعتق أبوهم بعد ولادتهم، انجرّ ولاؤهم من مولى أمّهم الى مولى الأب.
قال في المسالك: «أراد بقوله: «انّ ميراث ولد المعتقة لمن أعتقهم»، أنّ المعتق مباشرة مقدّم في حقّ الولاء على معتق الأبوين، لأنّ نعمة من أعتقه عليه أعظم من نعمة من أعتق بعض أصوله، فيختصّ بالولاء. و لا فرق في ذلك بين أنيعتقوا منفصلين أو حملاً مع أمّهم. و لاينجرّ ولاؤهم من معتقهم على تقدير فقده و فقد عصبته الى معتق أمّهم؛ لأنّ ولاء المباشرة لاينجرّ مطلقا، و انّما ينجرّ ولاء غيرها من الضعيف الى القوي. نعم، لو فرض حملها بهم بعد العتق، و كان أبوهم رقّا، فولاؤهم لمعتق أمّهم؛ لعدم امكانه من جهة الأب؛ اذ لا ولاء عليه، و لمعتق الأمّ نعمة عليهم، فانّهم عتقوا بعتق الأمّ. فان مات و الأب رقيق بعد، ورث معتق الأمّ منه بالولاء و ان أعتق الأب في حياته انجرّ الولاء من معتق الأمّ الى معتق الأب، لأنّ ثبوت الولاء لمولى الأمّ كان لضرورة أنّه لا ولاء على الأب، فاذا وجد قدّم، كما يقدّم عليه لو كان معتقا قبل عتق الأمّ أو معه، لأنّ الولاء تلو النسب، و النسب الى الآباء دون الأمّهات».(2)
«الثانية»: لو تزوّج مملوك بمعتقة فأولدها، فولاء الولد لمولاها، فلو مات الأب و أعتق الجدّ قال الشيخ: ينجرّ الولاء الى معتق الجدّ؛ لأنّه قائم مقام الأب، و كذا لو كان الأب باقيا، و لو أعتق الأب بعد ذلك انجرّ الولاء من مولى الجدّ الى مولى الأب؛ لأنّه أقرب.
قال في المسالك: «لا كلام في أنّ ولاء الولد لمولى الأمّ، لكون الوالد مملوكا و لا في انجراره الى مولى الأب على تقدير عتقه بعد ذلك كما مرّ. و انّما الكلام فيما لو أعتق الجدّ قبل عتق الأب، سواء كان الأب حيّا أم ميّتا، فانّ في انجرار الولاء من مولى الأمّ الى مولى الجدّ وجهين، كالوجهين فيما لو أسلم الجدّ و الأب حيّ هل يحكم باسلام الولد أم لا؟ فقال الشيخ رحمهالله: انّه ينجرّ؛ لأنّ الجدّ أب. و المصنّف رحمهالله اقتصر على نسبة الحكم الى الشيخ مؤذنا بالتردّد فيه، من حيث منع كونه أبا حقيقة. و الأظهر الانجرار؛ لتحقّق الانتساب الى الجدّ كما ينسب الى الأب، و كونه أحد الطرفين و أشرفهما كما قيل في الأب. و على هذا فلو أعتق الأب بعد ذلك انجرّ الولاء من مولى الجدّ الى مولى الأب؛ لأنّ الجدّ انّما جرّه لكون الأب رقيقا، و هذا هو المسمّى بجرّ الجرّ».(1)
«الثالثة»: لو أنكر المعتق ولد زوجته المعتقة فلاعنته فان مات الولد و لا مناسب له كان ولاؤه لمولى أمّه، و لو اعترف به الأب بعد ذلك لميرثه الأب و لا المنعم على الأب؛ لأنّ النسب و ان عاد فانّ الأب لايرثه و لا من يتقرّب به.
قال في المسالك: «انّما كان ولاؤه لمولى أمّه لانتفائه عن مولى أبيه بسبب
1) - مسالك الأفهام 13: 211 و 212.
انتفاء نسبه عنه بلعانه، فانحصر الولاء في مولى الأمّ. و لا فرق بين كون عتق الأمّ متقدّما على عتق الأب أو متأخّرا، لاشتراكهما في المقتضي. و لأنّه ان كان متقدّما فقد انجرّ الى مولى الأب ظاهرا، ثمّ انتفى باللعان، و تبيّن فساد الانجرار، و ان كان متأخّرا كان ثبوته لمولى الأب ابتداءً مبنيّا على الظاهر، و لمينتقل حينئذٍ الى مولى الأمّ، فاذا انتفى النسب عن الأب انحصر في معتق الأمّ. و في الحكم على التقديرين اشكال لم يشر اليه المصنّف رحمهالله. و ذلك لأنّ الحكم بكون الولاء لمولى الأمّ مشروط بكون الأب رقيقا حال عتق الأمّ، فلو كان معتقا أو حرّ الأصل لميكن لمولى الأمّ عليه ولاء و هذا الشرط مفقود هنا، لأنّ أباه غير معلوم، و الأصل فيه الحرّيّة، فكيف يثبت الولاء لمولى الأمّ مع الشكّ في الشرط المقتضي للشكّ في المشروط؟»(1)
«الرابعة»: ينجرّ الولاء من مولى الأمّ الى مولى الأب، فان لميكن فلعصبة المولى فان لميكن عصبة فلمولى عصبة مولى الأب، و لايرجع الى مولى الأمّ. فان فقد الموالي و عصباتهم و كان هناك ضامن جريرة كان له، و الاّ كان الولاء للامام عليهالسلام.
قال في المسالك: «المراد أنّ الولاء متى انجرّ من محلّه الى محلّ آخر لايعود الى الأوّل مطلقا، لأنّ عوده يحتاج الى دليل، و هو منتفٍ. و حينئذٍ فيصير المنتقل عنه كالمعدوم، فيكون الميراث للمنتقل اليه، فان لميكن فلعصبته على ما مرّ ثمّ لمولى عصبة المولى على ما مرّ تفصيله فان فقد الجميع فلضامن الجريرة، فان فقد فللامام؛ لأنّه حينئذٍ بمنزلة من لا وارث له، و لأنّ الولاء من جملة المورّثات كالأموال، فيرثه كسائر أمواله. و لا اشكال فيه من حيث أصل الارث، لأنّ الامام
1) - مسالك الأفهام 13: 212 و 213.
وارث من لا وارث له. و انّما يقع الاشكال في أنّ ارث الامام له هل هو لذلك، أم لكونه وارثا لنفس الولاء، بناءً على كونه يورث؟ فيرثه بالولاء لا بالامامة العامّة. و وجه الاشكال: ممّا ذكرناه، و من أنّ ولاء الامامة قسيم لولاء العتق، فلايجعل قسما منه و تظهر الفائدة فيما لو خلّف المولّى عليه زوجا أو زوجة، و قلنا بالردّ عليهما لو لميكن للميّت وارث سوى الامام بالولاء العامّ و هو ولاء الامامة، فانّه هنا يردّ عليهما على الثاني دون الأول، لأنّ الوارث غير الامام موجود، و هو الامام بولاء العتق المقدّم على ولاء الإمامة العامّ.».(1)
«الخامسة»: امرأة أعتقت مملوكا فأعتق المعتق آخر، فان مات الأوّل و لا مناسب له فميراثه لمولاته. و ان مات الثاني و لا مناسب له فميراثه لمعتقه، فان لميكن الأوّل و لا مناسبوه كان ولاء الثاني لمولاة مولاه.
قال في المسالك: «هذا الحكم واضح بعد ما تقرّر من المقدّمات من أنّ المباشر للعتق مقدّم، ثمّ عصبته، ثمّ معتق المعتق. فالمباشر في الموضعين مقدّم، و اذا لم يوجد الثاني و لا عصبته انتقل الحقّ الى المعتقة الأولى؛ لأنّها معتقة المعتق. و انّما ذكرها كذلك و فرضها أنثى، مع عدم الفرق في الحكم المذكور بين كونها ذكرا و أنثى، ليرتّب عليه ما سيأتي من الحكم، فانّه مختصّ بالمرأة».(2)
و لو اشترت أباها فانعتق ثمّ أعتق أبوها آخر و مات أبوها ثمّ مات المعتَق و لا وارث له سواها كان ميراث المعتق لها، النصف بالتسمية و الباقي بالردّ لا بالتعصيب، ان قلنا يرث الولاء ولد المعتِق و ان كنّ اناثا و الاّ كان الميراث لها
بالولاء.
قال في المسالك: «اذا اشترت المرأة أباها فانعتق عليها، ثمّ أعتق الأب عبدا، و مات عتيقه بعد موته، فان قلنا انّ الاناث من الأولاد يرثن المنعم اذا كان ذكرا كان ميراثه للمرأة، من حيث انّها وارث المنعم، النصف بالتسمية و الآخر بالردّ لا بالتعصيب، لأنّه عندنا باطل، و عند بعض العامّة أنّها ترثه أيضا، لكن نصفه بالتسمية و النصف الآخر بالتعصيب، لأنّها أقرب، و هي عصبة لأبيها بولائها عليه. و ان قلنا ان المرأة لاترث الولاء، فان كان للأب عصبة من النسب، من أخ أو عمّ أو ابن عمّ قريب أو بعيد، فميراث العتيق له، و لا شيء للبنت، لأنّها معتقة المعتق و هي متأخّرة عن عصبة المعتق كما مرّ. و ان لم يكن للأب عصبة فميراث العتيق للبنت، لا من حيث انّها بنت المعتق، بل لأنّها معتق المعتق، و هو قريب يرث عند فقد المعتق و عصباته. هذا اذا قلنا انّ مشتري القريب الذي يعتق بالشراء يثبت له الولاء، و الاّ فلا شيء لها أيضا، و كان ميراثه للامام ان لميكن هناك وارث آخر، من ضامن جريرة أو منعم على بعض أصوله أو عصبته له».(1)
«السادسة»: لو أولد العبد بنتين من معتقة، فاشترتا أباهما، انعتق عليهما، فلو مات الأب كان ميراثه لهما بالتسمية و الردّ لا بالولاء؛ لأنّه لايجتمع الميراث بالولاء مع النسب. و لو ماتتا أو احداهما و الأب موجود كان الميراث لأبيهما. و لو لميكن موجودا كان ميراث السابقة لأختها، بالتسمية و الردّ. و لا ميراث للمولاة؛ لوجود المناسب. و لو ماتت الأخرى و لا وارث لها هل يرثها مولى أمّها؟ فيه تردّد، منشؤه هل انجرّ الولاء اليهما بعتق الأب أم لا؟ و لعلّ الأقرب أنّه لاينجرّ هنا؛ اذ لايجتمع استحقاق الولاء بالنسب و العتق.
1) - مسالك الأفهام 13: 217 و 218.
حكم صدر المسألة واضح كما ذهب اليه المصنّف رحمهالله. و أمّا ذيلها من أنّه لو ماتت الأخرى و لا وارث لها، ففي المسالك: «فان قلنا بعدم انجرار الولاء اليها ورثها مولى أمّها. و ان قلنا بانتقاله لميعد، و كان ميراثها للامام ان لميكن هناك من هو أولى منه من ضامن جريرة أو غيره».(1)
«السابعة»: لو اشترى أحد الولدين مع أبيه مملوكا فأعتقاه، فمات الأب ثمّ مات المعتَق، كان لمن اشتراه مع أبيه ثلاثة أرباع تركته، و لأخيه الربع.
و ذلك لأنّه استحقّ نصف ولائه بالاعتاق، و ورث النصف الآخر مع أخيه.
«الثامنة»: اذا أولد العبد من معتقة ابنا فولاء الابن لمعتق أمّه. فلو اشترى الابن عبدا فأعتقه كان ولاؤه له. فلو اشترى معتَقه أب المنعم فأعتقه انجرّ الولاء من مولى الأمّ الى مولى الأب، و كان كلّ واحد منهما مولى الآخر، فان مات الأب فميراثه لابنه. فان مات الابن و لا مناسب له فولاؤه لمعتِق أبيه. و ان مات المعتَق و لا مناسب له فولاؤه للابن الذي باشر عتقه. و لو ماتا و لميكن لهما مناسب قال الشيخ: يرجع الولاء الى مولى الأمّ. و فيه تردّد.
قال في المسالك: «اذا اشترى ابن المعتقة - و قد صار ولاؤه لمولى أمّه - عبدا فأعتقه كان ولاؤه لمعتقه و هو ولد المعتقة؛ لأنّه مباشر للعتق، فكان مقدّما على مولى أمّه. و هذا لا اشكال فيه. فاذا فرض أنّ هذا المعتَق اشترى أبا معتقه و أعتقه تبرّعا كان ولاء هذا الأب لمعتِقه، و انجرّ ولاء ولد الأب الى هذا المعتق، لأنّ معتق الأب مقدّم على معتق الأمّ، و صار كلّ واحد من الولد و معتق أبيه مولى الآخر. أمّا
1) - مسالك الأفهام 13: 220.
مولويّة الولد فلمباشرته لعتق هذا العتيق. و أمّا مولويّة العتيق فلكونه أعتق أبا مولاه. فمن مات منهما و لا وارث له أولى من الآخر فميراثه لصاحبه بالولاء. و هذا كلّه واضح و لو فرض موتهما معا و لا وارث لهما مناسب، قال الشيخ في المبسوط يعود الميراث الى مولى الأمّ، لأنّ الولاء لحمة كلحمة النسب، و النسب لايزول بوجود من هو أولى و ان منع من الميراث، فاذا عدم الأوّل عاد حقّ البعيد، لتحقّق السبب المقتضي للميراث عند فقد الأوّل و المصنّف - رحمهاللّه - تردّد في ذلك، من حيث انّ معنى الانجرار انقطاع الولاء عمّن انجرّ عنه و هو مولى الأمّ من حين عتق الأب، فلا وجه لعوده اليه. و حديث اللحمة - مع ما في سنده كما أشرنا اليه - لايدلّ على مساواة النسب من كلّ وجه. و الفرق بينه و بين النسب هنا واضح، لأنّ المنتقل عن مولى الأمّ هو نفس الولاء فعوده يحتاج الى دليل، بخلاف المنتقل من البعيد في النسب الى القريب، فانّه حقّ الارث لانفس النسب، و انّما النسب باق و ان لميرث، فاذا زال العارض - و هو القريب الأوّل - عمل النسب المستقرّ مقتضاه، و الولاء لمولى الأمّ، و لايقال: انّه بقي و زال أثره خاصّة كما لايخفى. فالقول بعدم عوده أقوى، فيكون الميراث للامام ان لميكن هناك أقرب».(1)
«القسم الثاني»: ولاء تضمّن الجريرة:
و من توالى الى أحد يضمن حدثه، و يكون ولاؤه له، صحّ ذلك، و يثبت به الميراث. لكن لايتعدّى الضامن. و لايضمن الاّ سائبة لا ولاء عليه، كالمعتَق في الكفّارات و النذور، أو من لا وارث له أصلاً. و لايرث هذا الاّ مع فقد كلّ مناسب، و مع فقد المعتق. و هو أولى من الامام. و يرث معه الزوج و الزوجة نصيبهما الأعلى.
في المسالك: «هذا العقد كان في الجاهليّة يتوارثون به دون الأقارب، فأقرّهم
1) - مسالك الأفهام 13: 221 و 222.
اللّه تعالى في صدر الاسلام عليه، و أنزل فيه قوله تعالى: «و الذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم»(1). ثمّ نسخ بالاسلام و الهجرة، فاذا كان للمسلم ولد لميهاجر ورثه المهاجرون دون ولده، و اليه الاشارة بقوله تعالى: «و الذين آمنوا و لميهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء»(2). ثمّ نسخ بالتوارث بالرحم و القرابة، و أنزل اللّه تعالى فيه آيات الفرائض و قوله تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض». و بقي الارث بضمان الجريرة منسوخا عند الشافعي مطلقا. و عندنا أنّه باقٍ لكن على بعض الوجوه لا مطلقا، فمن شرطه أن لايكون للمضمون وارث مناسب و لا معتِق، بأنيكون سائبة و فاقدا للقريب».(3)
و قد وردت بصحّة ضمان الجريرة روايات:
منها صحيحة عمر بن يزيد، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أراد أنيعتق مملوكا له، و قد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كلّ سنة - الى أن قال: - قلت: فاذا أعتق مملوكا ممّا كان اكتسب سوى الفريضة، لمن يكون ولاء المعتق؟ قال: يذهب فيولّي من أحبّ فاذا ضمن جريرته و عقله كان مولاه و ورثه. قلت له: أليس قد قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: الولاء لمن أعتق؟ قال: هذا سائبة، لايكون ولاؤه لعبد مثله. قلت: فان ضمن العبد الذي أعتقه جريرته أيلزمه ذلك، و يكون مولاه، و يرثه؟ قال: لايجوز ذلك، و لايرث عبد حرّا».(4)
و منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا ولي الرجل الرجل فله ميراثه و عليه معقلته».(1)
و منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن مملوك أعتق سائبة، قال: يتولّى من شاء و على من تولاّه جريرته، و له ميراثه. قلت: فان سكت حتّى يموت؟ قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين».(2)
و منها صحيحة أبي عبيدة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أسلم فتوالى الى رجل من المسلمين، قال: ان ضمن عقله و جنايته ورثه، و كان مولاه».(3)
و منها صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام فيمن نكّل بمملوكه أنّه حرّ، لا سبيل له عليه، سائبة يذهب فيتولّى من أحبّ، فاذا ضمن جريرته فهو يرثه».(4)
و في مجمع البحرين: «العقل: الدية، و أصله أنّ القاتل كان اذا قتل قتيلاً جمع الدية من الابل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدّها في عقلها ليسلّمها اليهم و يقبضونها منه فسمّيت الدية عقلاً بالمصدر. و العاقلة التي تحمل دية الخطأ و هم من تقرّب الى القاتل بالأب كالاخوة و الأعمام و أولادهما و ان لميكونوا وارثين في الحال».
«القسم الثالث»: ولاء الامامة:
فاذا عدم الضامن كان الامام وارث من لا وارث له. و هو القسم الثالث من
1) - وسائل الشيعة 26: 244 / الباب 1 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 26: 244 / الباب 1 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 245 / الباب 1 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 26: 245 / الباب 1 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 6.
الولاء. فان كان موجودا فالمال له يصنع به ما شاء. و كان علي عليهالسلام يعطيه فقراء بلده، و ضعفاء جيرانه تبرّعا. و ان كان غائبا قسّم في الفقراء و المساكين، و لايدفع الى غير سلطان الحقّ، الاّ مع الخوف أو التغلّب.
اذا عدم الوارث حتّى ضامن الجريرة فالوارث هو الامام عليهالسلام، ثمّ ان كان حاضرا فالمال له عليهالسلام يصنع به ما شاء. و مع غيبته فقد اختلف فيه كلام الأصحاب، و الأصحّ قسمته في الفقراء و المساكين. و لايجوز دفعه الى السلطان الجائر مع الامكان. و قد تقدّم الكلام في اجتماع الامام عليهالسلام مع أحد الزوجين.
و عند العامّة أنّ ميراثه لبيت المال. و الدليل على ما قلناه صحيحة ابن رئاب و عمّار بن أبي الأحوص قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن السائبة فقال: انظروا في القرآن، فما كان فيه «فتحرير رقبة» فتلك يا عمّار السائبة التي لا ولاء لأحد عليها الاّ اللّه، فما كان ولاؤه للّه فهو لرسول اللّه، و ما كان ولاؤه لرسول اللّه صلىاللهعليهوآلهفانّ ولاءه للامام، و جنايته على الامام، و ميراثه له».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام فيمن أعتق عبدا سائبة، أنّه لا ولاء لمواليه عليه، فان شاء توالى الى رجل من المسلمين، فليشهد أنّه يضمن جريرته، و كلّ حدث يلزمه، فاذا فعل ذلك فهو يرثه، و ان لميفعل ذلك كان ميراثه يردّ على امام المسلمين».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«من مات و ليس له وارث من قرابته، و لا مولى عتاقه، قد ضمن
جريرته، فماله من الأنفال».(1)
و قد وردت روايات معتبرة في أنّ الأنفال للامام عليهالسلام كصحيحة أبي الصبّاح الكناني قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: نحن قوم فرض اللّه طاعتنا، لنا الأنفال و لنا صفو المال. الحديث».(2)
و لا منافاة بين هذه الروايات و بين الروايات التي ورد فيها أنّ ماله لبيت المال، أو يردّ الى امام المسلمين؛ لأنّ مصرف بيت المال عندنا باشراف الامام المعصوم عليهالسلام، و أنّ امام المسلمين هو الامام المعصوم حين حضوره و نائبه العامّ في غيبته. كما في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن مملوك أعتق سائبة، قال: يتولّى من شاء و على من تولاّه جريرته، و له ميراثه. قلت: فان سكت حتّى يموت؟ قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين».(3)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: من أعتق سائبة فليتوالَ من شاء، و على من والى جريرته، و له ميراثه، فان سكت حتّى يموت أخذ ميراثه، فجعل في بيت مال المسلمين، اذا لميكن له وليّ».(4)
ثمّ ان كان الامام حاضرا دفع اليه يصنع به ما شاء؛ لأنّه عالم بمواضع صرفه. و أمّا مرسلة داود عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«مات رجل على عهد أميرالمؤمنين عليهالسلام، لميكن له وارث، فدفع
1) - وسائل الشيعة 26: 246 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 535 / الباب 2 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 26: 244 / الباب 1 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 26: 249 / الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة / الحديث 9.
أميرالمؤمنين عليهالسلام ميراثه الى همشهريجه».(1)
فهي مع ارسالها لاتدلّ على أنّ ذلك على وجه اللزوم، بل لعلّهم كانوا مساكين و فقراء و من موارد صرف المال.
و ان كان غائبا فيدفع الى نائبه العامّ يصرفه مصرف سهم الامام عليهالسلام، فيضعه فيما يرضاه الامام عليهالسلام، من تبليغ دين جدّه صلىاللهعليهوآله أو اعطاء الفقراء و المساكين من محبّي آل محمّد عليهمالسلام.
مسائل ثلاث:
«الأولى»: ما يؤخذ من أموال المشركين في حال الحرب فهو للمقاتلة بعد الخمس. و ما يأخذه سريّة بغير اذن الامام عليهالسلام فهو للامام عليهالسلام. و ما يتركه المشركون فزعا و يفارقونه من غير حرب فهو للامام عليهالسلام أيضا. و ما يؤخذ صلحا أو جزية فهو للمجاهدين. و مع عدمهم يقسّم في الفقراء من المسلمين.
ما يؤخذ من أموال المشركين على سبيل الغلبة في الحرب المأذون عن الامام عليهالسلام - بعد اخراج الخمس و ما ذكر في محلّه نحو الجعائل و النفل - للمقاتلة اجماعا على ما في المسالك.(2)
ففي صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: السريّة يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام عليهم أخرج منها الخمس للّه و للرسول، و قسم بينهم أربعة أخماس، و ان لميكونوا
قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للامام يجعله حيث أحبّ».(1)
و ما يؤخذ سريّة بغير اذن الامام عليهالسلام فالمشهور بين الأصحاب كونه للامام عليهالسلام خاصّة و الدليل على ذلك مرسلة العبّاس الورّاق عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للامام، و اذا غزوا بأمر الامام فغنموا كان للامام الخمس».(2)
و ارسالها منجبر بعمل المشهور فانّه لمينقل فيه خلاف.
و ما يتركه المشركون فزعا و يفارقونه من غير حرب، فهو للامام أيضا، لما في ذيل صحيحة معاوية بن وهب و ما روى الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«...قال: الفيء ما كان من أموال لميكن فيها هراقة دم أو قتل، و الأنفال مثل ذلك، هو بمنزلته».(3)
و في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: الفيء و الأنفال ما كان من أرض لميكن فيها هراقة الدماء. الحديث».(4)
و ما يؤخذ صلحا أو جزية فهو للمجاهدين و مع عدمهم يقسّم في الفقراء و المساكين و باقي مصالح المسلمين. و عند العامّة هو لبيت المال تصرف في مصالح المسلمين مطلقا.
«الثانية»: ما يؤخذ غيلة من أهل الحرب، ان كان في زمان الهدنة أعيد
1) - وسائل الشيعة 15: 110 / الباب 41 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 529 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام / الحديث 16.
3) - وسائل الشيعة 9: 527 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 9: 527 / الباب 1 من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالامام / الحديث 12.
عليهم، و ان لميكن كان لآخذه و فيه الخمس.
اذا أخذ من مال أهل الحرب شيئا غيلة فتارة يأخذه في زمان الهدنة فيجب اعادة المال اليهم و ذلك لأنّهم في هذه الحال في حكم أهل الذمّة الذين تحرم أموالهم ان التزموا بأحكامها، خصوصا اذا حصل لهم الأمان و لو من أحد من المسلمين، و على هذا فالآخذ لايملك ما أخذه.
و أخرى يأخذه في غير حال الهدنة فمال الحربي في هذه الحال فيء للمسلمين فالمال له بعد تخميسه لدخوله في الغنيمة.
«الثالثة»: من مات من أهل الحرب و خلّف مالاً، فماله للامام اذا لميكن له وارث.
لأنّ الامام عليهالسلام وارث من لا وارث له، سواء كان من أهل الحرب أو من غيرهم. كما دلّ عليه اطلاق الروايات المعتبرة كما تقدّم.
و فيه أربعة فصول:
الفصل الأوّل في ميراث ولد الملاعنة و ولد الزنا
الفصل الثاني في ميراث الخنثى
الفصل الثالث في ميراث الغرقى و المهدوم عليهم
الفصل الرابع في ميراث المجوس
يرث ولد الملاعنة ولده و أمّه، للأمّ السدس و الباقي للولد، للذكر سهمان و للأنثى سهم. و لو لميكن ولد كان المال لأمّه، الثلث بالتسمية و الباقي بالردّ. و في رواية: ترث الثلث، و الباقي للامام؛ لأنّه الذي يعقل عنه، و الأوّل أشهر. و مع عدم الأمّ و الولد يرثه الاخوة للأمّ و أولادهم، و الأجداد لها و ان علوا، و يترتّبون الأقرب فالأقرب. و مع عدمهم يرثه الأخوال و الخالات و أولادهم على ترتيب الارث.
في المسالك: «قد تقرّر أنّ اللعان سبب في زوال الفراش و التحريم المؤبّد و انتفاء الولد عن الملاعن، و من لوازمه أنلايرثه الولد و لايرثه و لا أحد من أقارب الأب؛ لانتفاء النسب بينهم شرعا فيبقى ميراثه لأمّه و من يتقرّب بها من أخواله و أجداده من قبلها و لأولاده؛ لأنّ نسبه لمينتف عن الأمّ، و لميلزم من نفي الأب له كونه ولد زنا. فاذا كان له ولد ذكر و أمّه باقية فلها السدس و الباقي للولد. و لو تعدّد ولده اقتسموا نصيبهم على حسب ما قرّر في ميراث الأولاد. و لو لميكن ولد و لا زوج فالميراث لأمّه بالتسمية و الردّ. و هذا هو المشهور، و مقتضى الأصول، و مدلول كثير من الروايات. و في رواية زرارة و أبو عبيدة أنّ الأمّ ترث الثلث و
الباقي للامام عليهالسلام. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
يرث ولد الملاعنة أولاده و أمّه، و لو لميكن له ولد فلأمّه الثلث بالتسمية و الباقي بالردّ، و أمّا اذا لميكن له ولد و لا أمّ يرثه الاخوة و الأخوات من قبل الأمّ أو الأمّ و الأب - دون الاخوة و الأخوات من قبل الأب وحده لانتفاء النسب باللعان و هكذا لايرثه الجدّ و الجدّة من قبل الأب لهذا السبب . - و يشاركهم الجدّ و الجدّة من قبل الأمّ. و مع فقد الطبقة الثانية، يرثه الأخوال و الخالات و أولادهم على ترتيب الارث، دون الأعمام و العمّات؛ لانتفاء السبب و قد دلّت على ذلك روايات:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في الملاعن):
«ان أكذب نفسه قبل اللعان ردّت اليه امرأته، و ضرب الحدّ، (و ان لاعن، لمتحلّ له) أبدا. و ان قذف رجل امرأته كان عليه الحدّ، و ان مات ولده ورثه أخواله، فان ادّعاه أبوه لحق به، و ان مات ورثه الابن و لميرثه الأب».(2)
و منها رواية موسى بن بكر عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام:
«انّ ميراث ولد الملاعنة لأمّه، فان (لمتكن أمّه حيّة) فلأقرب الناس الى أمّه: أخواله».(3)
و أمّا الرواية التي أشار اليها المصنّف فهي صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«ابن الملاعنة ترثه أمّه الثلث و الباقي لامام المسلمين؛ (لأنّ جنايته
و كذا رواية زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في ابن الملاعنة ترث أمّه الثلث و الباقي للامام؛ لأنّ جنايته على الامام».(3)
قال الشيخ رحمهالله في التهذيب: «هذان الخبران غير معمول عليهما، لأنّا قد بيّنّا أنّ ميراث ولد الملاعنة لأمّه كلّه، و الوجه فيهما التقيّة».
و في المسالك: «و عمل بمضمونها الصدوق مع حضور الامام دون غيبته جمعا بين الأخبار، مع أنّ هذه أصحّ سندا من تلك الاّ أنّ العمل بالأولى أشهر».(4)
و في كلّ هذه المراتب يرث الذكر و الأنثى سواء، فان عدم قرابة الأمّ أصلاً حتّى لايبقى لها وارث و ان بعد، فميراثه للامام. و الزوج و الزوجة يرثان نصيبهما مع كلّ درجة من هذه الدرجات، النصف للزوج، و الربع للزوجة مع عدم الولد، و نصف ذلك معه. و هل يرث هو قرابة أمّه؟ قيل نعم؛ لأنّ نسبه من الأمّ ثابت. و قيل: لايرث الاّ أنيعترف به الأب، و هو متروك.
و لايرثه أبوه، و لا من يتقرّب به. فان اعترف به بعد اللعان ورث هو أباه و لايرثه الأب. و هل يرث أقارب أبيه مع الاعتراف؟ قيل: نعم، و الوجه أنّه لايرثهم و لايرثونه لانقطاع النسب باللعان و اختصاص حكم الاقرار بالمقرّ حسب.
و في كلّ هذه المراتب يكون الذكر و الأنثى سواء في الارث، لأنّهم يتقرّبون
اليه بالأمّ، و قد تقدّم أنّ ميراث من يتقرّب بالأمّ على السوية، و أنّ الزوج و الزوجة يرثان مع كلّ مرتبة؛ النصف للزوج و الربع للزوجة مع عدم الولد و نصفهما مع الولد. ثمّ انّه لو عدم قرابة الأمّ أصلاً حتّى لايبقى لولد الملاعنة وارث نسبي من جهة أمّه، و لميكن له ولاء من العتق و ضمان الجريرة، فميراثه للامام، و قد تقدّم حكم ارث الزوج و الزوجة مع الامام(1).
و أمّا ارثه من قرابة أمّه، فالمشهور أنّه يرثهم و وصفه العاملي في مفتاح الكرامة(2)بأنّه مذهب الأصحاب من غير خلاف كما في المبسوط و السرائر و الغنية، و في التهذيب أنّه الذي يقتضيه شرع الاسلام.
و في المسالك(3): هو الأشهر بين الأصحاب، لثبوت نسبه بالنسبة اليهم. و القول بأنّه لايرثهم ضعيف، و من ثمّ ورثوه هم اجماعا.
و نسب الى المشهور و الأشهر في كثير من كتب الأصحاب.
و قد دلّت على ارثه من قرابة أمّه صحيحة أبي الصبّاح عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في ابن الملاعنة) من يرثه؟ قال:
«ترثه أمّه. قلت: أرأيت ان ماتت أمّه، و ورثها، ثمّ مات هو، من يرثه؟ قال: عصبة أمّه، و هو يرث أخواله».(4)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل لاعن امرأته و انتفى من ولدها، ثمّ أكذب نفسه بعد الملاعنة، و زعم أنّ الولد له، هل يردّ اليه؟ قال:
«نعم، يردّ اليه، و لاأدع ولده ليس له ميراث، و أمّا المرأة فلاتحلّ له أبدا، فسألته من يرث الولد؟ قال: أخواله. قلت: أرأيت ان ماتت أمّه،
فورثها الغلام ثمّ مات الغلام، من يرثه؟ قال: قرابة أمّه. قلت: فهو يرث أخواله؟ قال: نعم».(1)
و ذيل رواية محمّد بن مسلم قال:
«...و هو يوارث أخواله؟ قال: نعم».(2)
و بازائها روايات ناطقة بعدم ارثه من عصبة أمّه كموثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل لاعن امرأته، قال: يلحق الولد بأمّه، يرثه أخواله و لايرثهم الولد».(3)
و ذيل صحيحة الفضيل، قال:
«...فان كان انتفى من ولدها الحق بأخواله، يرثونه و لايرثهم، الاّ أنّه يرث أمّه. الحديث».(4)
و كذا ذيل صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«...فان لميدّعه أبوه فانّ أخواله يرثونه، و لايرثهم».(5)
و المشهور أعرضوا عن هذه الروايات و عملوا بالأولى، بل ادّعى بعضهم عليه الاجماع.
و في الجواهر في أنّ ولد الملاعنة يرث قرابة أمّه قال: «قيل - و القائل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا، بل لعلّها كذلك -- : نعم يرثهم، بل عن المبسوط و الغنية و السرائر و غيرها أنّه مذهب الأصحاب من غير خلاف، و عن التهذيب أنّه الذي يقتضيه شرع الاسلام، و هو كذلك، لأنّ نسبه من الأمّ ثابت و
1) - وسائل الشيعة 26: 266 / الباب 4 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 26: 267 / الباب 4 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 267 / الباب 4 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 26: 269 / الباب 4 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 26: 269 / الباب 4 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 7.
صحيح بلا خلاف كما عن السرائر، فيشمله حينئذٍ عموم الأدلّة و اطلاقها كتابا و سنّة و معقد اجماع، مضافا الى الصحيح: «ابن الملاعنة ينسب الى أمّه، و يكون أمره و شأنه كلّه اليها».(1)و الى اطلاق ما في المعتبرة المستفيضة من ارثه أخواله. و قيل: - و القائل الشيخ في محكي الاستبصار - لايرث الاّ أنيعترف به الأب و هو قول متروك لمنعرف أحدا وافقه عليه ممّن تقدّمه أو تأخّره بل لميعلم كونه قولاً له».(2)
و لايرثه أبوه و لا من يتقرّب به؛ لانقطاع نسبه عنهم باللعان على ما يقتضيه النصوص المتقدّمة. و أمّا ان عاد الأب و أكذب نفسه بعد اللعان فورث أباه و لايرثه الأب؛ و الدليل عليه مضافا الى قاعدة الاقرار الاجماع و النصوص المتقدّمة آنفا.
مسائل:
«الأولى»: لا عبرة بنسب الأب هنا، فلو خلّف أخوين أحدهما لأبيه و أمّه و الآخر لأمّه، فهما سواء و كذا لو كانا أختين أو أخا و أختا، و أحدهما للأب و الأمّ. و كذا لو خلّف ابن أخيه لأبيه و أمّه و ابن أخيه لأمّه، أو خلّف أخا و أختا لأبويه مع جدّ أو جدّة، المال بينهم أثلاثا، و سقط اعتبار نسب الأب.
في الجواهر: «لأنّه بعد أنسقط اعتبار نسب الأب لميبقَ الاّ التقرّب من جهة الأمّ، و قد عرفت فيما سبق تساوي المتقرّبين بها في المال. و لو مات أخ لابن الملاعنة من أبيه و أمّه و قد كان له أخ من أبيه لميحجبه بل اشتركا في ميراثه، فيأخذ هو حصّة الأخ من الأمّ، السدس، و الباقي للأخ من الأب».(3)
«الثانية»: اذا ماتت أمّه و لا وارث لها سواه، فميراثها له. و لو كان معه أبوان أو أحدهما، فلهما السدسان، أو لأحدهما السدس، و الباقي له ان كان ذكرا، و ان كان أنثى فالنصف لها، و الباقي يردّ بموجب السهام.
و الحكم كما قاله المصنّف لبقاء النسب بينه و بين أمّه، و الملاعن لايشاركه لانتفاء السبب باللعان و ان اعترف بعده بولده.
«الثالثة»: لو أنكر الحمل و تلاعنا، فولدت توأمين، توارثا بالأمومة دون الأبوّة.
قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل في الدروس نسبته الى جميع الأصحاب فيرث حينئذٍ كلّ منهما سدس الآخر لو مات قبله كالولدين المتعاقبين المنفيّين باللعان، و احتمال الفرق بالقطع بكونهما معا لأب واحد بخلاف المتعاقبين يدفعه منع القطع أوّلاً، و منع اعتباره ثانيا».(1)
و في مفتاح الكرامة: «و الفرق بأنّ الظاهر من التوأمين كونهما لأب واحد في نفس الأمر و ان كان مجهولاً مع عدم الحكم بكونهما من زنا، و انتفاء الأبوّة ظاهرا لايقتضي انتفاؤها في نفس الأمر فيتوارثان بالأبوّة أيضا بخلاف المتعاقبين لجواز تعدّد الأب في نفس الأمر؛ لأنّ المفروض عدم العلم بحاله، لا وجه له؛ لأنّ اعتبار مجرّد الامكان في تعدّد الأب آتٍ في التوأمين أيضا كما يستفاد من بعض الأخبار أنّ الأخير من التوأمين في الولادة أكبر من السابق و صرّح بذلك بعض الأصحاب في باب الحبوة، فاذا ثبت كون أحدهما أكبر جاز تعدّد الواطئ. و لايلزم من نفي التولّد عن زنا اتّحاد الأب لجواز تعدّده عن وطء محلّل كالشبهة و المفروض اشتباه الحال، على أنّ الحكم مجمع عليه في الظاهر كما تشعر به عبارة الدروس
1) - جواهر الكلام 39: 273.
حيث نسبه الى فتوى جميع الأصحاب مع موافقة الاعتبار عند صحيح النظر».(1)
«الرابعة»: لو تبرّأ عند السلطان من جريرة ولده و من ميراثه ثمّ مات الولد، قال الشيخ رحمهالله في النهاية: كان ميراثه لعصبة أبيه دون أبيه. و هو قول شاذّ.
لو تبرّأ عند السلطان من جريرة ولده و من ميراثه ثمّ مات الولد ففي الجواهر: «قال الشيخ في محكي النهاية و الاستبصار و ابن حمزة في محكي الوسيلة و القاضي في محكي المهذّب و الكيدري في محكي الاصباح: كان ميراثه لعصبة أبيه دون أبيه».(2)
و مستند هذا الحكم رواية يزيد بن خليل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل تبرّأ عند السلطان من جريرة ابنه و ميراثه، ثمّ مات الابن و ترك مالاً، من يرثه؟ قال: ميراثه لأقرب الناس الى أبيه».(3)
و مضمرة أبي بصير قال:
«سألته عن المخلوع يتبرّأ منه أبوه عند السلطان، و من ميراثه، و جريرته لمن ميراثه؟ فقال: قال علي عليهالسلام: هو لأقرب الناس اليه».(4)
قال في الصحاح: «الخليع هو الذي قد خلعه أهله، فان جنى لميُطلَبوا بجنايته».
و في المسالك: «و الروايتان - مع شذوذهما، و مخالفة حكمهما للأصل، بل للكتاب و السنّة - ضعيفتان، لجهالة يزيد في الأولى، و في طريقها أيضا محمّد بن عيسى، و هو ضعيف أو مشترك، و قطع الثانية، فانّه لميسند الحكم الى امام، مع
اشتراك أبي بصير أيضا كما أشرنا اليه مرارا. و في شرح الارشاد ضعّفها بالارسال. و ليس بجيّد؛ لأنّها ليست مرسلة بل مقطوعة، فكأنّه أطلق الارسال على القطع، و هو غير مصطلح. و الأظهر بطلان التبرّي؛ لأصالة بقاء النسب و الاستحقاق. و هو مذهب الأكثر، و منهم الشيخ في الحائريّات، و نسب الرواية الى الشذوذ».(1)
أقول:
التبرّي المذكور غير معتبر و لا أثر له و ذلك لأنّه أوّلاً: انّ الرواية الأولى كما ذهب اليه في المسالك و الجواهر ضعيفة. و الرواية الثانية مضمرة، و حيث لميعلم أنّ مرجع الضمير الامام عليهالسلام فهي أيضا ضعيفة.
و ثانيا: أعرض أكثر الفقهاء عنهما، بل عن محكي السرائر و التنقيح اجماع المسلمين على خلافه.
و ثالثا: انّه ليس في الأولى تصريح بموت الولد قبل الأب، و لعلّه مخصوص بموته بعد الأب، بل في الرواية الثانية يمكن أنيكون المراد أنّ الميراث للأب؛ لأنّه أقرب الناس اليه، فان لميكن موجودا فلأقرب الناس اليه، كما في الوسائل.(2)
و رابعا: لما قاله في الجواهر(3)من اشتمالهما على لفظ السلطان المنصرف الى سلطان الجور القاضي بمراعاة التقيّة. و غير ذلك ممّا يخرجهما عن قابليّة معارضة الأصول و القواعد المستفادة من الكتاب و السنّة، فتأمّل.
و أمّا ولد الزنا فلا نسب له، و لايرثه الزاني و لا التي ولدته، و لا أحد من أنسابهما، و لايرثهم هو. و ميراثه لولده، و مع عدمهم للامام.
و يرث الزوج و الزوجة نصيبهما الأدنى مع الولد، و الأعلى مع عدمه. و
في رواية ترثه أمّه و من يتقرّب بها، مثل ابن الملاعنة، و هي مطّرحة.
ولد الزنا لايرثه الزاني و لا التي ولدته، و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته، فقلت له: جعلت فداك، كم دية ولد الزنا؟ قال: يعطى الذي أنفق عليه ما أنفق عليه. قلت: فانّه مات و له مال، من يرثه؟ قال: الامام».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أيّما رجل وقع على وليدة قوم حراما، ثمّ اشتراها، فادّعى ولدها، فانّه لايورث منه شيء، فانّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و لايورث ولد الزنا الاّ رجل يدّعي ابن وليدته، الحديث».(2)
و في ملاذ الأخيار، في قوله عليهالسلام: «الاّ رجل يدّعي ابن وليدته»، قال: «كأنّه استثناء منقطع، و يحتمل أنيكون المراد اذا علم أنّه زنى رجل بهذه الأمة و احتمل كون هذا الولد منه و ادّعى مالكه ذلك، يلحق به و ان كان في الواقع ولد زنا».(3)
و رواية محمّد بن الحسن الأشعري قال:
«كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليهالسلام معي، يسأله عن رجل فجر بامرأة، ثمّ انّه تزوّجها بعد الحمل، فجاءت بولد، هو أشبه خلق اللّه به، فكتب بخطّه و خاتمه، الولد لغيّة لايورث».(4)
1) - وسائل الشيعة 26: 275 / الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 26: 274 / الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 1.
3) - ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار 15: 347 / باب ميراث ابن الملاعنة من كتاب الفرائض و المواريث / الحديث الخامس عشر.
4) - وسائل الشيعة 26: 274 / الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه / الحديث 2.
و لاتعارضها رواية يونس قال:
«ميراث ولد الزنا لقرابته من قبل أمّه على نحو ميراث ابن الملاعنة».(1)
و رواية اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّ عليّا عليهالسلام كان يقول:
«ولد الزنا و ابن الملاعنة ترثه أمّه و أخواله و اخوته لأمّه، أو عصبتها».(2)
لأنّ الأولى موقوفة، لميسندها يونس الى أحد من الأئمّة عليهمالسلام، مع احتمال أنّ هذا مذهب اختاره، كما اختار مذاهب كثيرة علمنا بطلانها.
و الثانية ضعيفة مع أنّه يمكن حملها على ما لو كان الوطء بالنسبة الى المرأة شبهة، و بالنسبة الى الرجل زنا، مضافا الى أنّ التوارث لاتثبت الاّ بنسب صحيح شرعي و ذلك مفقود هنا.
فظهر أنّه اذا تحقّق الزنا من الأبوين، لايكون التوارث بين الطفل و بينهما و لا بينه و بين المنتسبين اليهما؛ لعدم الموجب للارث، من السبب و النسب الشرعيّين. فميراث ولد الزنا لولده و زوجته و نحوهما ممّن ينتسب اليه بنسب أو سبب شرعي موجب للارث. و مع عدم من يتقرّب به شرعا نسبا أو سببا فيرثه الامام عليهالسلام.
أمّا المتولّد من الشبهة فكالمتولّد من الحلال يكون التوارث بينه و بين أقاربه أبا كان أو أمّا أو غيرهما من الطبقات؛ لأنّ حكم الوطء بالشبهة كحكم الوطء الصحيح.
من له فرج الرجال و النساء، يرث على الفرج الذي يسبق منه البول، فان جاء منهما، اعتبر الذي ينقطع منه أخيرا، فيورث عليه. فان تساويا في السبق و التأخّر، قال في الخلاف: يعمل فيه بالقرعة محتجّا بالاجماع و الأخبار. و قال في النهاية و الايجاز و المبسوط: يعطى نصف ميراث رجل و نصف ميراث امرأة و عليه دلّت رواية هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قضاء علي عليهالسلام و قال المفيد و المرتضى رحمهماالله: تعدّ أضلاعه فان استوى جنباه فهو امرأة و ان اختلفا فهو ذكر، و هي رواية شريح القاضي حكاية لفعل علي عليهالسلام. و احتجّا بالاجماع، و الرواية ضعيفة و الاجماع لمنتحقّقه.
قال في المسالك: «الخنثى من له فرج الذكر و فرج الأنثى، و أحدهما أصلي و الآخر زائد. و هو امّا ذكر أو أنثى، و يستحيل اجتماعهما، و لا خارج عنهما، لقوله تعالى: «يهب لمن يشاء اناثا و يهب لمن يشاء الذكور». و قوله تعالى: «خلق الزوجين الذكر و الأنثى». الى غير ذلك من الآيات الدالّة على حصر الحيوان في الذكر و الأنثى. فيورث الخنثى على الأصليّ منهما، و يكون حكم الزائد كغيره من الزوائد في الخلقة كالاصبع. فان اشتبه الأصليّ منهما قيل: انّه لايسمّى خنثى الاّ حينئذٍ. و عليه فاطلاق الخنثى على المشكل و الواضح بطريق المجاز لا الحقيقة. و
من علامات الأصليّ، البول، فان بال من أحدهما دون الآخر حكم بأنّه أصليّ. و هذا موضع وفاق. فان توافقا - بأن بال منهما معا - اعتبر أسبقهما، و هو الذي يخرج منه البول قبل الآخر. و هذا أيضا متّفق عليه بين الأصحاب، و هو مرويّ عندهم».(1)
أقول:
للخنثى و هو الذي له فرج الرجال و النساء أقسام:
الأوّل: من بال من أحدهما دون الآخر. فهو يرث على الفرج الذي يبول منه. تدلّ على ذلك صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سئل عن مولود ولد، له قبل و ذكر كيف يورث؟ قال: ان كان يبول من ذكره فله ميراث الذكر، و ان كان يبول من القبل فله ميراث الأنثى».(2)
الثاني: من بال منهما جميعا. و هو يرث على الفرج الذي سبق منه البول. تدلّ على ذلك صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: المولود يولد، له ما للرجال، و له ما للنساء قال: يورث (من حيث يبول)(3)من حيث سبق بوله، فان خرج منهما سواء فمن حيث ينبعث، فان كانا سواء ورث ميراث الرجال و ميراث النساء».(4)
الثالث: من بال منهما جميعا من دون سبق، فيرث على الفرج الذي ينقطع منه البول أخيرا. يدلّ على ذلك ذيل صحيحة هشام بن سالم المذكورة آنفا حيث
قال عليهالسلام: «فان خرج منهما سواء، فمن حيث ينبعث».
و في الجواهر: «فان جاء البول منهما دفعة أعتبر الذي ينقطع أخيرا، فيورث عليه، اجماعا في محكي السرائر و التحرير و المفاتيح و ظاهر الغنية و الخلاف بل و كتاب الأعلام للمفيد. مضافا الى ظهور كونه المراد من قوله عليهالسلام في المرسل: «أبعدهما» على معنى أبعدهما زمانا، و ليس هو الاّ الذي ينقطع أخيرا بعد فرض تساويهما في الابتداء، بل قيل: انّه المراد أيضا من الانبعاث في الصحيح، بدعوى ملازمته، بمعنى الثوران و القوّة و الكثرة، أو بمعنى الاسترسال، لما عن القاموس: «بعثه كمنعه: أرسله فانبعث للانقطاع أخيرا».(1)
و في مفتاح الكرامة عند قول المصنّف: «يرث على الفرج الذي يبول منه فان بال منهما فعلى الذي يسبق منه البول فان جاء منهما ورث على الذي ينقطع أخيرا»، قال: «كما في المبسوط و النهاية و المقنعة و الخلاف و المراسم و الوسيلة و الغنية و السرائر و الشرائع و الارشاد و الطبقات و المختلف و التحرير و التبصرة و الايضاح و المهذّب و المقتصر و غاية المرام و اللمعة و الدروس و الروضة و التنقيح و المجمع و تعليق القواعد، و يظهر منه أنّه مذهب القطب و المفاتيح و هو ظاهر الكنز و المسالك و هو المنقول عن الايجاز - الى ان قال: - و أمّا ما يدلّ منها على أنّه اذا بدر منهما فالاعتبار بالانقطاع أخيرا فموثّقة هشام بن سالم كما نصّ على ذلك جماعة، حيث قال عليهالسلام «يورث من حيث سبق بوله فان خرج منهما سواء فمن حيث ينبعث» فمعنى ينبعث، يسترسل فيكون المراد قطعا مع انقطاع الآخر، أو يكون المراد منه الثوران المستلزم للقوّة و الكثرة و هذا يستلزم الانقطاع أخيرا. انتهى ملخّصا».(2)
و يؤيّده مرسلة الكليني عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«في المولود له ما للرجال، و له ما للنساء يبول منهما جميعا، قال: من أيّهما سبق، قيل: فان خرج منهما جميعا، قال: فمن أيّهما استدرّ، قيل: فان استدرّا جميعا، قال: فمن أبعدهما».(1)
الرابع: اذا تساوى بولاه في الأخذ و الانقطاع، فيرث نصف النصيبين، نصف نصيب الذكر و نصف نصيب الأنثى. و الدليل على ذلك قوله عليهالسلام في صحيحة هشام المتقدّمة:
«فان كانا سواء ورث ميراث الرجال و ميراث النساء».
فاذا كان نصيب الذكر عشرين، و نصيب الأنثىعشرة. فنصيب الخنثى خمسهعشر.
و في الروضة: «ليس المراد الجمع بين الفريضتين اجماعا، فهو نصفهما، و لأنّ المعهود في الشرع قسمة ما يقع فيه التنازع بين الخصمين مع تساويهما، و هو هنا كذلك، و لاستحالة الترجيح من غير مرجح».(2)
و في المسالك: «ذهب الى هذا القول الشيخ في المبسوط و النهاية و الايجاز، و تبعه أكثر المتأخّرين؛ لرواية هشام بن سالم. و بازاء قول المشهور، قول الشيخ في الخلاف بالقرعة و احتجّ عليها باجماع الفرقة و أخبارهم. و عنى بالأخبار ما ورد عنهم عليهمالسلام أنّها لكلّ أمر مشتبه و هذا منه. و ذهب المرتضى و المفيد في كتاب الاعلام و ابن ادريس - مدّعين الاجماع - الى الرجوع الى عدّ الأضلاع، فان اختلف عدد الجانبين فذكر، و ان تساويا عددا فأنثى. و الأصل في اعتبار الأضلاع ما رواه علي بن عبداللّه بن معاوية بن ميسرة بن شريح عن أبيه عن جدّه عن شريح في قضاوة أميرالمؤمنين عليهالسلام حيث قال في الخنثى: «عدّوا أضلاع جنبيها، ففعلوا ثمّ خرجوا اليه فقالوا له: عدد الجنب الأيمن اثناعشر ضلعا و الجنب الأيسر أحدعشر
ضلعا، فقال علي عليهالسلام: اللّه أكبر، ايتوني بحجّام فأخذ من شعرها و أعطاها رداءً و حذاءً و ألحقها بالرجال». ففيما ادّعى الشيخ من القرعة، و المرتضى و المفيد و ابن ادريس من عدّ الأضلاع نظر بيّن. و أمّا دعوى الشيخ و المرتضى الاجماع من الجانبين المتعارضين فلا يخفى فسادها فيهما، و أنّها واقعة في معركة النزاع، خصوصا دعوى الشيخ و قد خالفها في أكثر كتبه. و الخبر ضعيف لجهالة أكثر رواته. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
انّ الخبر الوارد في عدّ الأضلاع - الذي ذهب اليه المرتضى و المفيد و ابن ادريس - و ان كان ضعيفا على طريق الشيخ في التهذيب الاّ أنّ الظاهر صحّته على طريق الصدوق في الفقيه، غاية الأمر أنّه خاصّ بمورده و لانتعدّى عنه. و الخبر هكذا في الفقيه باسناده عن عاصم بن حميد عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«انّ شريحا القاضي بينما هو في مجلس القضاء اذ أتته امرأة فقالت: أيّها القاضي اقضِ بيني و بين خصمي. فقال لها و من خصمك؟ قالت: أنت. قال: أفرجوا لها، فأفرجوا لها فدخلت فقال لها: و ما ظلامتك؟ فقالت انّ لي ما للرجال و ما للنساء. قال شريح: فانّ أميرالمؤمنين عليهالسلام يقضي على المبال. قالت فانّي أبول منهما جميعا و يسكنان معا. قال شريح: واللّه ما سمعت بأعجب من هذا. قالت: و أعجب من هذا. قال: و ما هو؟ قالت: جامعني زوجي فولدت منه و جامعت جاريتي فولدت منّي. فضرب شريح احدى يديه على الأخرى متعجّبا ثمّ جاء الى أمير المؤمنين عليهالسلام فقصّ عليه قصّة
1) - مسالك الأفهام 13: 243 - 246.
المرأة، فسألها عن ذلك، فقالت: هو كما ذكر، فقال لها: من زوجك؟ قالت: فلان. فبعث اليه فدعاه فقال أتعرف هذه المرأة؟ قال: نعم هي زوجتي. فسأله عمّا قالت، فقال هو كذلك. فقال له عليهالسلام: لأنت أجرأ من راكب الأسد حيث تقدم عليها بهذه الحال، ثمّ قال: يا قنبر أدخلها بيتا مع امرأة تعدُّ أضلاعها، فقال زوجها: يا أميرالمؤمنين لاآمن عليها رجلاً و لاائتمن عليها امرأة فقال علي عليهالسلام: عليَّ بدينار الخصيّ - و كان من صالحي أهل الكوفة و كان يثق به، فقال له: يا دينار أدخلها بيتا و عرّها من ثيابها و مرها أنتشدّ مئزرا و عدّ أضلاعها، ففعل دينار ذلك فكان أضلاعها سبعهعشر تسعة في اليمين و ثمانية في اليسار، فألبسها علي عليهالسلام ثياب الرجال و القلنسوة و النعلين و ألقى عليه الرداء و ألحقه بالرجال، فقال زوجها: يا أميرالمؤمنين عليهالسلام ابنة عمّي و قد ولدت منّي تلحقها بالرجال فقال إنّي حكمت عليها بحكم اللّه إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق حوّاء من ضلع آدم الأيسر الأقصى و أضلاع الرجال تنقص و أضلاع النساء تمام».(1)
من لايحضره الفقيه 4: 327 / باب ميراث الخنثى من كتاب الفرائض و المواريث/ الحديث 5704.
الخامس: اذا لميكن له ما للرجال، و لا ما للنساء حكم في ميراثه بالقرعة و الدليل على ذلك صحيحة الفضيل بن يسار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن مولود ليس له ما للرجال، و لا له ما للنساء. قال: يقرع عليه الامام (أو المقرع)، يكتب على سهم عبداللّه، و على سهم أمهاللّه، ثمّ يقول الامام أو المقرع: اللّهم أنت اللّه لا اله الاّ أنت عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بيّن لنا أمر هذا المولود كيف يورث ما فرضت له في
1) - وسائل الشيعة 26: 288 / الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 5.
الكتاب؟ ثمّ تطرح السهام في سهام مبهمة ثمّ تجال السهام على ما خرج ورّث عليه».(1)
و غيرها من الروايات الواردة في هذا الباب. و سيأتي عن المصنّف في المسألة الأولى من مسائله.
اذا عرفت ذلك فان انفرد أخذ المال، و ان كانوا أكثر، فعلى القرعة يقرع. فان كانوا ذكورا أو اناثا فالمال سواء وان كان بعضهم اناثا فلكلّ ذكر مثل حظّ أنثيين. و كذا يعتبر لو قيل بعدّ الأضلاع و على ما اخترناه يكونون سواءً في المال و لو كانوا مائة؛ لتساويهم في الاستحقاق.
فاذا عرفت الأقسام الخمسة من الخنثى فاذا انفرد أخذ المال، و ان كانوا أكثر - فبعد معلوميّة كلّ واحد منهم، على ما مرّ من الأقسام - فان كانوا ذكورا أو اناثا فالمال سواء. و ان كان بعضهم اناثا فلكلّ ذكر مثل حظّ أنثيين. و ان كان كلّهم خنثى من القسم الرابع فعلى ما اخترناه من اعطاء نصف ميراث رجل و نصف ميراث امرأة، يكونون سواءً في المال و لو كانوا مائة؛ لتساويهم في الاستحقاق ظاهرا.
ثمّ انّ هذا الحكم فيما اذا كان الخنثى ولدا للميّت، و ان كان غيره، فسيأتي حكمه.
و لو اجتمع مع الخنثى ذكر بيقين، قيل: يكون للذكر أربعة أسهم و للخنثى ثلاثة. و لو كان معهما أنثى كان لها سهمان و قيل: بل تقسّم الفريضة مرّتين و يفرض في مرّة ذكرا و في الأخرى أنثى و يعطى نصف النصيبين. و طريق
1) - وسائل الشيعة 26: 292 / الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 2.
ذلك أنينظر في أقلّ عدد يمكن قسم فريضتهما منه و يضرب مخرج أحد الفرضين في الآخر. مثال ذلك: خنثى و ذكر فتفرضهما ذكرين فتطلب مالاً، له نصف و لنصفه نصف و هو أربعة. ثم تفرضهما ذكرا و أنثى فتطلب مالاً له ثلث و لثلثه نصف و هو ستّة و هما متّفقان بالنصف فتضرب نصف أحد المخرجين في الآخر فيكون اثنيعشر فيحصل للخنثى تارة النصف و هو ستّة و تارة الثلث و هو أربعة فيكون عشرة و نصفه خمسة و هو نصيب الخنثى و يبقى سبعة للذكر. و كذا لو كان بدل الذكر أنثى فانّها تصحّ من اثنيعشر أيضا فيكون للخنثى سبعة و للأنثى خمسة.
و لو كان مع الخنثى ابن و بنت فاذا فرضت ذكرين و بنتا كان المال أخماسا، و اذا فرضت ذكرا و بنتين كان أرباعا، فتضرب أربعة في خمسة يكون عشرين لكن لايقوم لحاصل الخنثى نصف صحيح فتضرب مخرج النصف - و هو اثنان - في عشرين فيكون أربعين فتصحّ الفريضة بغير كسر.
و في المسالك: «القول في بيان مقدار ما ترثه الخنثى متفرّع على الأقوال السابقة فعلى القول بالقرعة الأمر واضح؛ لأنّ الخارج بها أحد الأمرين من الذكوريّة و الأنوثيّة فيعطى حكمه. و كذلك الأضلاع لاينفكّ الواقع عن اختلاف الجانبين أو تساويهما و انّما يحصل الاشكال على القول باعطائه نصف النصيبين».(1)
و قد نقل المصنّف رحمهالله فيه طريقين:
الطريق الأوّل بالنسبة الى الفرضين:
الفرض الأوّل: لو ترك الميّت ولدين، خنثى مع ابن، أو مع بنت فيفرض من أقلّ عدد لبنت بغير كسر، و هو اثنان. و للابن ضعف ما للبنت و هو أربعة. فللخنثى
1) - مسالك الأفهام 13: 248.
نصف ما للابن و للبنت فتضاف الاثنان الى الأربعة تصير ستّة، فنصف ستّة يكون ثلاثة. فمجموع الثلاثة - و هو سهم الخنثى - و الأربعة - و هو سهم الابن - يكون سبعة.
فالمال على فرض كون الابن مع الخنثى يكون من سبعة. و على فرض كون البنت مع الخنثى يكون من خمسة.
الفرض الثاني: لو كان مع الخنثى ابن و بنت. فالمال من تسعة، فللابن أربعة و للبنت اثنان و للخنثى ثلاثة.
الطريق الثاني بالنسبة الى الفرضين:
الفرض الأوّل: لو كان مع الخنثى ابن، يفرض الخنثى مرّة ذكرا و أخرى أنثى و تقسّم الفريضة مرّتين و يعطى نصف النصيبين. و على فرض كون الخنثى ذكرا فالمال من اثنين، و على فرض كونه أنثى فالمال من ثلاثة. فالاثنان و الثلاثة متبائنان، فيضرب أحدهما في الآخر فيصير ستّة، ثمّ تضرب ستّة في اثنين - لئلاّيكسر الفروض - فيصير اثنيعشر. فان كان الخنثى ذكرا فسهمه ستّة، و ان كان أنثى فسهمه أربعة، فمجموع الستّة و الأربعة، عشرة و نصف العشرة خمسة فهي سهم الخنثى، و سهم الابن سبعة من اثنيعشر.
و لو كانت عوض الابن بنت فكالأوّل الاّ أنّ سهم الخنثى سبعة و سهم البنت خمسة؛ لأنّ الخنثى ان كان ذكرا فسهمه ثمانية و ان كان أنثى فسهمه ستّة. فنصف مجموع الثمانية و الستّة يكون سبعة و الباقي و هو خمسة للبنت.
الفرض الثاني: و لو كان مع الخنثى ابن و بنت فينقسم المال من أربعين، و ذلك لأنّ الخنثى لو كان ذكرا فالمال من خمسة و لو كان أنثى فالمال من أربعة فحاصل ضرب الخمسة في الأربعة، عشرون، لكن لايحصل للخنثى معه نصف صحيح؛ اذ هو خمسة على تقدير و ثمانية على آخر و ليس لجمعهما نصف
صحيح فلابدّ أننضرب مخرج النصف أي اثنين في العشرين فيكون الحاصل أربعين، فعلى هذا لو كان الخنثى ذكرا فسهمه ستّهعشر و لو كان أنثى فسهمه عشرة فنصف مجموع الستّهعشر و العشرة يساوي ثلاثهعشر و هو سهم الخنثى و الباقي - و هو سبعة و عشرون - يقسّم أثلاثا للابن ثلثان - و هو ثمانيهعشر - و للبنت الثلث و هو تسعة.
و في المسالك: «و الأظهر بينهم هو الطريق الثاني، و هو الذي رجّحه المصنّف في النافع، و اختاره الشيخ في المبسوط».(1)
و اختاره الشهيدان في اللمعة و الروضة.(2)
و الطريق الأوّل اختاره المصنّف هنا.
و في الجواهر: «هذا الطريق (أي الطريق الأوّل) هو المسمّى بطريق التحقيق، و لعلّه أوفق بقوله عليهالسلام: «نصف عقل الرجل و نصف عقل المرأة». - و قال في موضع آخر - و الانصاف كون الخبر ألصق بالطريق الأوّل الذي مرجعه الى كون الخنثى باعتبار تعارض الأمارتين فيه نصف ذكر و نصف أنثى».(3)
و مراده من الخبر هو ما رواه اسحاق بن عمّار عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام:
«انّ عليّا عليهالسلام كان يقول: الخنثى يورث من حيث يبول فان بال منهما جميعا فمن أيّهما سبق البول ورث منه، فان مات و لميبل فنصف عقل المرأة و نصف عقل الرجل».(4)
و عن المجلسي في قوله عليهالسلام: «...فنصف عقل المرأة و نصف عقل الرجل»،
قال: «أي ميراثه، تسمية للسبب باسم المسبّب، أو العكس اذ العقل الدية».(1)
أقول:
الرواية ضعيفة، و الذهاب الى ما ذهب اليه المشهور و هو الطريق الثاني أضبط في هذا الباب.
فان اتّفق معهم زوج أو زوجة صحّحت مسألة الخناثى و مشاركيهم أوّلاً دون الزوج أو الزوجة، ثمّ ضربت مخرج نصيب الزوج أو الزوجة فيما اجتمع، مثاله أنيجتمع ابن و بنت و خنثى و زوج و قد عرفت أنّ سهام الخنثى و مشاركيه أربعون فتضرب مخرج سهم الزوج - و هو أربعة - في أربعين فيكون مائة و ستّين يعطى الزوج الربع أربعين، و يبقى مائة و عشرون فكلّ من حصل له أوّلاً سهم ضربته في ثلاثة فما اجتمع فهو نصيبه من مائة و ستّين.
اذا اجتمع الخنثى و ابن و بنت مع زوج، فلنبتدأ بتعيين سهام ما عدا الزوج على فرض عدمه، و قد عرفت آنفا أنّه لو كان مع الخنثى ابن و بنت فينقسم المال من أربعين، فسهم الخنثى منه ثلاثهعشر و سهم الابن ثمانيهعشر و للبنت تسعة. و لتعيين سهم الزوج، تضرب أربعين في مخرج سهم الزوج - و هو أربعة - فيكون كلّ السهام مائة و ستّين، يعطى الزوج الربع منه و هو أربعون، و الباقي - و هو مائة و عشرون - للابن و البنت و الخنثى. فحاصل ضرب سهم كلّ واحد منهم - من الأربعين - في ثلاثة يكون سهمه حينئذٍ من مائة و ستّين.
ثمّ لو كانت معهم زوجة بدل الزوج، تضرب مخرج سهامهم - و هو أربعون -
1) - ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار 15: 365 / باب ميراث الخنثى من كتاب الفرائض و المواريث /الحديث الرابع.
في مخرج سهمها - و هو ثمانية - فيكون ثلاث مائة و عشرين سهما، فسهم الزوجة أربعون منه و الباقي - و هو مائتان و ثمانون - سهم الأولاد الثلاثة. فحاصل ضرب سهم كلّ واحد منهم - من الأربعين - في سبعة يكون سهمه حينئذٍ من ثلاث مائة و عشرين فللخنثى واحد و تسعون، و للابن مائة و ستّة و عشرون و للبنت ثلاثة و ستّون.
و ان كان أبوان أو أحدهما مع خنثى، فللأبوين السدسان تارة، و لهما الخمسان أخرى، فتضرب خمسة في ستّة، فيكون للأبوين أحدعشر، و للخنثى تسعهعشر.
لو كان مع الخنثى أبوان فيفرض الخنثى مرّة ذكرا و أخرى أنثى و تقسّم الفريضة مرّتين و يعطى نصف النصيبين فعلى فرض كون الخنثى ذكرا فالمال من ستّة، للأبوين ثلثها - و هو اثنان - و الباقي - و هو أربعة - للخنثى، و على فرضه أنثى فالمال من خمسة، للأبوين سهمان و للخنثى ثلاثة. فالستّة و الخمسة متبائنان، فيضرب أحدهما في الآخر فيصير ثلاثين، ثمّ تضرب في اثنين - لئلاّيكسر الفرض - فيصير ستّين. فعلى فرض كون الخنثى ذكرا فسهمه أربعون، و على فرضه أنثى فسهمه ستّة و ثلاثون، فمجموعهما ستّة و سبعون، و نصفها ثمانية و ثلاثون، سهم الخنثى و الباقي - و هو اثنان و عشرون - سهم الأبوين لكلّ واحد منهما أحدعشر.
هذا اذا كان الأبوان معا أمّا لو كان أحدهما مع الخنثى فعلى فرض كون الخنثى ذكرا فالمال من ستّة، للأب أو للأمّ سهم، و للخنثى خمسة، و على فرضه أنثى فالمال من أربعة، للأب أو للأمّ سهم و للخنثى ثلاثة. فالستّة و الأربعة متوافقان، فتضرب وفق أحدهما في الآخر فيصير اثنيعشر، ثمّ تضرب في اثنين - لئلاّيكسر الفرض - فيصير أربعة و عشرين. فعلى فرض كون الخنثى ذكرا فسهمه عشرون، و
على فرضه أنثى فسهمه ثمانيهعشر، فنصف مجموعهما - تسعهعشر - سهم
الخنثى، و الخمسة الباقية سهم الأب أو الأمّ.
و لو كان مع الأبوين خنثيان فصاعدا، كان للأبوين السدسان و الباقي للخنثيين؛ لأنّه لا ردّ هنا. و لو كان أحد الأبوين، كان الردّ عليهم أخماسا، و افتقرت الى عدد يصحّ منه ذلك.
و لو كان مع الأبوين خنثيان فصاعدا، كان للأبوين السدسان و الباقي للباقي يقسّم بينهم بالسويّة؛ من غير فرق بين فرض الخناثى ذكورا أو اناثا؛ لأنّه على فرض أنوثيّة الخناثى فيقسّم المال أثلاثا، للخناثى الثلثان و للأبوين الثلث. و على فرض ذكوريّتهم للأبوين السدسان و الباقي للخناثى.
و لو كان معهم أحد الأبوين ففريضتهم على تقدير الأنوثيّة من خمسة، و على تقدير الذكوريّة من ستّة و هما متبائنان فتضرب احداهما في الأخرى، ثمّ في اثنين فيكون ستّين، للخناثى على تقدير الذكوريّة خمسون، و على تقدير الأنوثيّة ثمانية و أربعون، فلهم نصفهما، تسعة و أربعون بالسويّة، و الباقي و هو أحدعشر لأحد الأبوين في فرض المسألة. و لتصحيح سهام الخناثى يضرب عدد سهمهم في مخرج الفريضة - أي الستّين - فلو كانوا ثلاثا فسهم كلّ واحد منهم يكون تسعة و أربعين من مائة و ثمانين.
و العمل في سهم الخناثى من الاخوة و العمومة كما ذكرناه في الأولاد.
فلو فرضنا للميّت أخا لأب خنثى و جدّا له فعلى فرضه ذكرا، يقسّم المال بينهما بالسويّة، و على فرضه أنثى يقسّم المال أثلاثا، فلهذا يضرب اثنان في ثلاثة، ثمّ في اثنين فيكون اثنيعشر، سبعة للجدّ و خمسة للخنثى على ما مرّ. و لو كان مع
الأخ الخنثى، جدّة فخمسة للجدّة و سبعة للخنثى. و لو فرضنا للميّت عمّا خنثى مع عمّة فهكذا سبعة للعمّ و خمسة للعمّة و ان كان معه عمّ آخر فبالعكس للعمّ سبعة و للخنثى خمسة.
أمّا الاخوة من الأمّ فلا حاجة في حسابهم الى هذه الكلفة؛ لأنّ ذكرهم و أنثاهم سواء في الميراث و كذا الأخوال. و في كون الآباء أو الأجداد خناثى بعد؛ لأنّ الولادة تكشف عن حال الخنثى، الاّ أنيبنى على ما روي عن شريح في المرأة التي ولدت و أولدت. و قال الشيخ رحمهالله: و لو كان الخنثى زوجا أو زوجة، كان له نصف ميراث الزوج، و نصف ميراث الزوجة.
أمّا الاخوة من الأمّ و الأخوال و أولادهم فلا حاجة في حسابهم الى هذا العمل؛ لتساوي الذكور و الاناث منهم.
قال الشيخ رحمهالله في المبسوط: «و لايتقدّر في الخنثى أن يكون أبا و أمّا؛ لأنّه متى كان أبا كان ذكرا بيقين و متى كان أمّا كانت أنثى بيقين. و يتقدّر أنيكون زوجا أو زوجة، على ما روي في بعض الأخبار، فان كان زوجا كان له نصف ميراث الزوج، و نصف ميراث الزوجة».(1)
و قال في الجواهر: «فيه: أنّ المعلوم عدم جواز نكاح الخنثى المشكل؛ لأصالة حرمة الوطء. و لو سلّم الجواز فذلك انّما يتمّ مع الاشتباه، و ذلك بأنينكح خنثى خنثى و صحّحنا العقد بينهما و ماتا متعاقبين و لميقسّم تركتهما و اشتبه الأمر علينا فلميعلم أيّهما الزوج و أيّهما الزوجة، و مع ذلك ففي الحكم باعطاء نصف النصيبين نظر، فانّ القريب انّما اضطرّنا الى ميراثه كذلك أنّ الواقع لميكن يخلو عن ارثه، و هنا يحتمل كونهما ذكرين و أنثيين، و عليهما لا نكاح فلا ارث، و
1) - المبسوط 4: 117.
يندفع بفرض ولد بينهما لايعلم أيّهما أولده أو و ان علم على ما في الخبر.
و عن القاضي أنّه قال: «و الخنثى اذا تزوّج بخنثى على أنّ الواحد منهما رجل و الآخر امرأة من قبل أنيتبيّن أمرهما أوقف النكاح على أنيتبيّن، فان مات أحدهما قبل بيان أمرهما لم يتوارثا». قلت: و هو كذلك، لجواز فساد النكاح بذكورتهما أو أنوثتهما، و لايخالف هذا ما سمعته من المبسوط بعد تنزيله على ما يعلم به انتفاء الاحتمالين من وجود ولد بينهما. و قد يحتمل كون مراد الشيخ أنّ الخنثى اذا كانت زوجا لامرأة معلومة أو زوجة لرجل كذلك بناءً على صحّة ذلك لها أو فرض لها صورة تصحّ على وجه تستحقّ الميراث كان ميراثها في الأوّل نصف ميراث زوج، و في الثاني نصف ميراث زوجة، لاحتمال الذكورة في الأوّل و الأنوثة في الثاني فتستحقّه و احتمال العكس فلا تستحقّ شيئا، فيراعى الاحتمالان و تعطى الميراث على حسبهما، و هو النصف، نحو المال المشتبه بين شخصين يدّعي كلّ منهما أنّه له، فيقسم بينهما نصفين، و اللّه العالم».(1)
مسائل ثمان:
«الأولى»: من ليس له فرج الرجال و لا النساء، يورّث بالقرعة، بأنيكتب على سهم «عبداللّه» و على آخر «أمهاللّه»، و يستخرج بعد الدعاء، فما خرج عمل عليه.
في المسالك: «من ليس له الفرجان، امّا بأنيفقدا أو يخرج الفضلة من دبره، أو يفقد الدبر أيضا و يخرج من ثقبة بينهما أو يكون له هناك لحمة رابية يخرج منها أو بأنيتقيّأ ما يأكله، كما نقل وقوع ذلك كلّه فالمشهور أنّه يورّث بالقرعة.
و عليه دلّت أخبار كثيرة، منها صحيحة الفضيل بن يسار قال: «سألت
1) - جواهر الكلام 39: 294 و 295.
أبا عبداللّه عليهالسلام عن مولود ليس له ما للرجال و لا له ما للنساء قال: يقرع الامام أو المقرع، يكتب على سهم عبداللّه، و على سهم أمهاللّه، ثمّ يقول الامام أو المقرع: اللّهمّ أنت اللّه لا اله الاّ أنت عالم الغيب و الشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بيّن لنا أمر هذا المولود كيف يورّث ما فرضت له في الكتاب؟ ثمّ يطرح السهمان في سهام مبهمة، ثمّ تجال السهام على ما خرج و ورّث عليه». و باقي الأخبار خالية من الدعاء. و يظهر من المصنّف اعتباره في القرعة، و لعلّه لصحّة روايته. و لو حمل على الاستحباب أمكن، كغير هذا الفرد من محالّ القرعة. و في مرسلة عبداللّه بن بكير: «اذا لميكن له الاّ ثقب يخرج منه البول فنحّى ببوله عند خروجه عن مباله فهو ذكر، و ان كان لاينحّي ببوله بل يبول على مباله فهو أنثى». و عمل بها ابن الجنيد. و يظهر من الشيخ جواز العمل بها، و ان كانت القرعة أحوط؛ لأنّه لمّا ذكرها مع تلك الأخبار قال: «انّه لاتنافي بينها؛ لأنّها محمولة على ما اذا لميكن هناك طريق يعلم به أنّه ذكر أم أنثى استعمل القرعة، فأمّا اذا أمكن - على ما تضمّنته الرواية الأخيرة - فلايمتنع العمل عليها، و انّما الأوّلة أحوط و أولى». و الأصحّ اعتبار القرعة، لما ذكرناه من صحّة روايته و كثرتها، و ضعف الأخرى بالارسال و القطع فضلاً عن غيرهما».(1)
أقول: ما ذهب اليه الشهيد في المسالك هو الصحيح.
«الثانية»: من له رأسان و بدنان على حقو واحد، يوقظ أحدهما، فان انتبها فهما واحد، و ان انتبه أحدهما فهما اثنان.
قال في مجمع البحرين: «الحقو - بفتح المهملة و سكون القاف - : موضع شدّ الازار، و هو الخاصرة».
1) - مسالك الأفهام 13: 257 و 258.
من كان له رأسان و بدنان على معقد الازار يوقظ أحدهما فان انتبها فهما واحد، و ان انتبه أحدهما، فهما اثنان. يدلّ على ذلك رواية حريز بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«ولد على عهد أمير المؤمنين عليهالسلام مولود له رأسان و صدران على حقو واحد، فسئل أمير المؤمنين عليهالسلام: يورث ميراث اثنين أو واحدا؟ فقال: يترك حتّى ينام، ثمّ يصاح به، فان انتبها جميعا معا كان له ميراث واحد، و ان انتبه واحد و بقي الآخر نائما فانّما يورّث ميراث اثنين».(1)
فيرثان مع التعدّد ارث ذي الفرج الموجود. و لو لميكن لهما فرج أو كانا معا حكم لهما بما سبق من حكم الخنثى و ما في معناه.
و نظيرها رواية محمّد بن محمّد المفيد في الارشاد.(2)
و الروايتان و ان كانتا ضعيفتين، الاّ أنّه لا خلاف في هذا الحكم و لا رادّ له كما في الجواهر(3)و المسالك. و في المسالك: «و حكمها ورد في الارث، و ينبغي مثله في الشهادة و الحجب لو كان أخا. أمّا في العبادة فاثنان مطلقا فيجب عليه غسل أعضائه كلّها و مسحها. و لو لميتوضّأ أحدهما ففي صحّة صلاة الآخر نظر، من الشكّ في ارتفاع حدثه، لاحتمال الوحدة، فيستصحب المانع الى أنيتطهّر الآخر. و يمكن هنا اعتبار الايقاظ أيضا، فمن لاينتبه لتنبيه الآخر لايعتبر طهارته في صحّة صلاة الآخر، للحكم بتعدّدهما. و في النكاح هما واحد من حيث الذكورة و الأنوثة. أمّا من حيث العقد فالظاهر توقّفه على رضاهما معا. و كذا يقع الاشكال في الطلاق. و في العقود - كالبيع - هما اثنان. و في الجناية هما اثنان،
فلايقتصّ من أحدهما بجناية الآخر، و لو اشتركا في الجناية اقتصّ منهما. و هل يحسبان بواحد، أو باثنين حيث تكون الجناية في غير المشترك؟ وجهان. و لو كانت جنايتهما في المشترك - و هو ما تحت الحقو - اكتفى بواحدة».(1)
أقول:
انّ ما ورد فيه النصّ، و أفتى به الأصحاب لا اشكال فيه بالنسبة الى الارث و الشهادة و الحجب، و انّما الاشكال في الفروع الأخر، و طريق الاحتياط في الجميع أقرب، و الظاهر أنّ ما ذهب اليه الشهيد في المسالك و الروضة(2)و كذا العلاّمة في القواعد(3)يطابق الاحتياط.
«الثالثة»: الحمل يرث ان ولد حيّا، و كذا لو سقط بجناية أو غير جناية فتحرّك حركة الأحياء. و لو خرج نصفه حيّا و الباقي ميّتا لميرث. و كذا لو تحرّك حركة لاتدلّ على استقرار الحياة، كحركة المذبوح. و في رواية ربعي عن أبي جعفر عليهالسلام: «اذا تحرّك تحرّكا بيّنا يرث و يورث». و كذا في رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام. و لايشترط كونه حيّا عند موت الموروث، حتّى أنّه لو ولد لستّة أشهر من موت الواطئ ورث، أو لتسعة و لمتتزوّج.
انّ الحمل يرث و يورث اذا ولد حيّا، و يعرف بأنيصيح، أو يتحرّك حركة اختياريّة؛ يدلّ على ذلك صحيحة ربعي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول في السقط اذا سقط من بطن أمّه، فتحرّك
تحرّكا بيّنا. يرث و يورث، فانّه ربّما كان أخرس».(1)
و صحيحة ثانية لربعي بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول في المنفوس اذا تحرّك ورث، أنّه ربّما كان أخرس».(2)
بيان: المنفوس هو الولد في أيّام نفاس أمّه.
و صحيحة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: قال أبي عليهالسلام: اذا تحرّك المولود تحرّكا بيّنا فانّه يرث و يورث، فانّه ربّما كان أخرس».(3)
و لايعارضها موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام في المنفوس:
«لايرث من والديه شيئا حتّى يصيح و يسمع صوته».(4)
و موثّقة ثانية لعبداللّه بن سنان في ميراث المنفوس من الدية قال:
«لايرث شيئا حتّى يصيح، و يسمع صوته».(5)
و موثّقة ثالثة له عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايصلّى على المنفوس و هو المولود الذي لميستهلّ و لميصح، و لميورّث من الدية، و لا من غيرها، فاذا استهلّ فصلّ عليه، و ورّثه».(6)
لأنّ الجمع بينهما أنّ الغالب في المولود أنيصيح، و يتحرّك أيضا، فاذا لميصح فالاكتفاء بالتحرّك كافٍ. و الشاهد على هذا الجمع صحيحة الفضيل قال:
1) - وسائل الشيعة 26: 303 / الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 26: 302 / الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 26: 304 / الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 26: 303 / الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 26: 302 / الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 26: 303 / الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 5.
«سأل الحكم بن عتيبة أبا جعفر عليهالسلام عن الصبيّ، يسقط من أمّه غير مستهلّ، أيورث؟ فأعرض عنه فأعاد عليه فقال: اذا تحرّك تحرّكا بيّنا ورث؛ فانّه ربّما كان أخرس».(1)
فالنتيجة أنّ الولد يرث و يورث اذا ولد حيّا و ان لميستقرّ حياته، و ظاهر اطلاق الروايات عدم اشتراط كون تولّده في حياة المورّث، بل لو كان عند موته نطفة يرث اذا ولد حيّا. نعم، يشترط العلم بأنّ المولود للميّت حتّى يحكم بانتسابه اليه، و قد تكلّمنا عن طريق معرفة ذلك في كتاب النكاح(2)و اللعان(3)و قلنا هناك بأنّه يعتبر في الحاق الولد أمران: وطئيمكن تكوّن الولد منه و مضيّ ستّة أشهر أو أكثر من حين الوطء الى زمن الولادة و أن لاتتجاوز عن أقصى مدّة الحمل بشرط كون الزوجة خالية من زوج و وطء يمكن الحاقه به. من أراد التفصيل فليراجع.
«الرابعة»: اذا ترك أبوين أو أحدهما أو زوجا أو زوجة، و ترك حملاً، أعطي ذوو الفروض نصيبهم الأدنى، و احتبس الباقي، فان سقط ميّتا أكمل لكلّ منهم نصيبه.
اذا ترك أبوين و زوجة - مثلاً - و ترك حملاً، فأعطي كلّ واحد من الأبوين السدس، و أعطيت الزوجة الثمن، نصيبهم الأدنى و احتبس الباقي، فالمال ينقسم من ثمانية و أربعين، حاصل ضرب الستّة في الثمانية، فسهم الأبوين ستّهعشر و سهم الزوجة ستّة، فالباقي ستّة و عشرون، فان ولد حيّا فله الباقي ان كان ذكرا و ان كان أنثى، فسهمها أربعة و عشرون و الاثنان الباقيان لها و للأبوين أخماسا، و ان سقط ميّتا، فستّة من ستّة و عشرين تعطى الزوجة؛ لأنّ سهمها بدون الولد الربع، و
ثمانية منه تعطى الأمّ لأنّ سهمها بدون الولد الثلث، و الباقي و هو اثناعشر يعطى الأب، فيكون سهم الأب عشرين من ثمانية و أربعين.
«الخامسة»: قال الشيخ رحمهالله: لو كان للميّت ابن موجود و حمل، أعطي الموجود الثلث، و وقف للحمل ثلثان؛ لأنّه الأغلب في الكثرة، و ما زاد نادر،و لو كان الموجود أنثى أعطيت الخمس، حتّى يتبيّن الحمل، و هو حسن.
لو كان للميّت ابن موجود و حمل، أعطي الموجود الثلث، و الباقي و هو الثلثان يحتبس للحمل؛ لأنّه يحتمل أنيكون ذكرين، و لو ولد حيّا و كان ذكرين فهو و الاّ يعطى كلّ واحد من المولود و الابن نصيبهم. و أمّا لو كان الموجود أنثى أعطيت الخمس؛ لأنّه يحتمل أنيكون الحمل ذكرين، فالمال ينقسم من خمسة.
و في المسالك: «انّما نسب القول الى الشيخ؛ لأنّ الحمل يمكن زيادته على اثنين فقد وجد منه ثلاثة و أربعة في زماننا و نقل بلوغه العشرة في غيره و روي أنّ امرأة بالأنبار ألقت كيسا فيه اثناعشر ولدا. لكن لمّا كان الزائد عن الاثنين نادرا لميلتفتوا اليه و اكتفوا بتقدير الاثنين».(1)
«السادسة»: دية الجنين يرثها أبواه، و من يدلي بهما جميعا أو بالأب، بالنسب و السبب.
قد تقدّم البحث عن ارث الدية في موانع الارث(2)و قلنا بأنّ الدية يرثها من يرث المال الاّ الاخوة و الأخوات من الأمّ؛ للروايات المعتبرة الدالّة على ذلك كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قضى علي عليهالسلام في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب اللّه و سهامهم، اذا لميكن على المقتول دين، الاّ الاخوة و الأخوات من الأمّ فانّهم لايرثون من ديته شيئا».(1)
«السابعة»: اذا تعارف اثنان ورث بعضهم من بعض. و لايكلّفان البيّنة. و لو كانا معروفين بغير ذلك النسب لميقبل قولهما.
اذا تعارف اثنان و أقرّا بنسب بينهما قبل قولهما، و ثبت التوارث و لايكلّفان البيّنة و كذا اذا أقرّ شخص بولديّة صبيّ له من غير معارض و الدليل على ذلك صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الحميل، فقال: و أيّ شيء الحميل؟ قال: قلت: المرأة تسبى من أرضها و معها الولد الصغير، فتقول: هو ابني، و الرجل يسبى فيلقي أخاه فيقول: هو أخي، و ليس لهم بيّنة الاّ قولهم. قال: فقال: ما يقول الناس فيهم عندكم؟ قلت: لايورّثونهم؛ لأنّه لميكن لهم على ولادتهم بيّنة و انّما هي ولادة الشرك، فقال: سبحان اللّه اذا جاءت بابنها أو بابنتها، و لمتزل مقرّة به، و اذا عرف أخاه، و كان ذلك في صحّة منهما، و لميزالا مقرّين بذلك ورث بعضهم من بعض».(2)
و صحيحة سعيد الأعرج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجلين حميلين جيء بهما من أرض الشرك، فقال أحدهما لصاحبه: أنت أخي فعرفا بذلك، ثمّ أعتقا و مكثا مقرّين،
بالاخاء، ثمّ انّ أحدهما مات، قال: الميراث للأخ يصدّقان».(1)
و لاتعارضهما رواية طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايرث الحميل الاّ ببيّنة».(2)
لأنّها مع ضعف سندها تحمل على التقيّة أو على عدم الاقرار فيكون الحصر اضافيّا.
و في الجواهر: «بلا خلاف فيه بيننا بل و لا اشكال بعد عموم «اقرار العقلاء» و انحصار الحقّ فيهما، و خصوص المعتبرة المستفيضة كصحيح عبدالرحمن، و على كلّ حال فالظاهر عدم تعدّي اقرار المتعارفين الى غيرهما من ذوي أنسابهما الاّ بالتصادق؛ لعدم ثبوت النسب بالاقرار المزبور، بل أقصاه ثبوت حكمه بالنسبة الى المقرّ خاصّة من غير فرق في ذلك بين الولد و الأخ و غيرهما، كما اعترف به في محكي المبسوط، قال: «لايتعدّى حكم التوارث الى أولاد المتصادقين و لا غيرهما من ذوي النسب الاّ بالتصادق بينهم على ذلك» و لو تصادقا بعد الاقرار على الانكار فالظاهر اعتباره أيضا؛ لانحصار الحقّ فيهما. و لو أنكر أحدهما خاصّة لميسمع منه بعد اقراره، كما أنّهما لو كانا معروفين بغير ذلك النسب لميقبل قولهما. انتهى ملخّصا».(3)
و ما ذكره رحمهالله من الأحكام صحيح لا اشكال فيه.
«الثامنة»: المفقود يتربّص بماله. و في قدر التربّص أقوال: قيل: أربع سنين، و هي رواية عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبداللّه عليهالسلام، و في الرواية ضعف. و قيل: تباع داره بعد عشر سنين. و هي اختيار المفيد رحمهالله و هي
رواية علي بن مهزيار عن أبي جعفر عليهالسلام في بيع قطعة من دار. و الاستدلال بمثل هذه تعسّف. و قال الشيخ رحمهالله: ان دفع الى الحاضرين و كفلوا به جاز. و في رواية اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن عليهالسلام: «اذا كان الورثة ملاءً اقتسموه، فان جاء ردّوه عليه». و في اسحاق قول. و في طريقها ابن سماعة و هو ضعيف. و قال في الخلاف: لايقسّم حتّى تمضي مدّة لايعيش مثله اليها بمجرى العادة. و هذا أولى.
في المسألة أقوال:
الأوّل: انّه يحبس ماله و يتربّص به حتّى يتحقّق موته أو تنقضي مدّة لايعيش مثله اليها عادة. و هو المشهور كما في المسالك(1)و الروضة(2)و المفاتيح(3)و الكفاية(4).
الثاني: انّه يحبس ماله أربع سنين، و يطلب فيها في الأرض، فان لميوجد قسّم ماله بين ورثته.
الثالث: انّه يحبس الى عشر سنين، ثمّ يقسّم من غير طلب.
الرابع: انّه يدفع المال الى ورّاثه الملاء.
أقول:
قد تقدّم الكلام منّا في حكم هذه المسألة عند تعرّض المصنّف رحمهالله لميراث الغائب غيبة منقطعة و لا وجه لاطالة الكلام بالعود اليه، الاّ بذكر ما هو الحقّ في المسألة، فنقول:
الروايات الواردة في كيفيّة تقسيم تركة المفقود خمس، اثنتان منها دالّتان على تقسيم المال بين ورثة المفقود ان كانوا ملاءً و هما موثّقتان لاسحاق بن عمّار(1)و اثنتان منها دالّتان على تربّص أربع سنين، و هما موثّقة أخرى لاسحاق بن عمّار(2)و رواية سماعة(3)و واحدة منها(4)لعلّه يظهر منها تربّص عشرة سنين.
و الجمع بين الطائفتين هو أنّه ان كانت الورثة يئسوا من مجيء المفقود قبل مضي أربع سنين و كانوا ملاءً بماله اقتسموه بينهم، فان هو جاء ردّوه عليه، فاذا لميجئ و لميكونوا ملاءً بماله قسّم بينهم بعد مضي أربع سنين. و ان جاء المفقود بعد الأربعة و التقسيم، فان كان شيء من المال باقيا ردّوه اليه.
1) - وسائل الشيعة 26: 298 و 300 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديثان 6 و 8.
2) - وسائل الشيعة 26: 298 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 26: 300 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبه / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 26: 299 / الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه / الحديث 7.
و هؤلاء يرث بعضهم من بعض اذا كان لهم أو لأحدهم مال و كانوا يتوارثون و اشتبهت الحال في تقدّم موت بعض على بعض.
فلو لميكن لهم مال أو لميكن بينهم موارثة أو كان أحدهما يرث دون صاحبه كأخوين لأحدهما ولد، سقط هذا الحكم، و كذا لو كان الموت لا عن سبب، أو علم اقتران موتهما أو تقدّم أحدهما على الآخر. و في ثبوت هذا الحكم بغير سبب الهدم و الغرق ممّا يحصل معه الاشتباه تردّد. و كلام الشيخ رحمهالله في النهاية يؤذن بطرده مع أسباب الاشتباه.
يشترط في الارث العلم بتقدّم موت المورّث على الوارث، بحيث يكون الوارث حيّا بعد موته بالضرورة عقلاً و نقلاً، فمع اقتران موتهما أو الشكّ لايثبت الارث؛ لأنّ الشكّ في الشرط يوجب الشكّ في المشروط، و استثني من ذلك ما لو اتّفق موتهما بالغرق أو الهدم، و اشتبه الحال في تقدّم موت أحدهما على الآخر و عدمه، فهنا يرث بعضهم من بعض، و الدليل عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن القوم يغرقون في السفينة، أو يقع عليهم
البيت فيموتون، فلايعلم أيّهم مات قبل صاحبه، قال: يورث بعضهم من بعض، كذلك هو في كتاب علي عليهالسلام».(1)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في رجل و امرأة، انهدم عليهما بيت فماتا و لايدرى أيّهما مات قبل، فقال: يرث كلّ واحد منهما زوجه كما فرض اللّه لورثتهما».(2)
و موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن القوم يغرقون، أو يقع عليهم البيت، قال: يورث بعضهم من بعض».(3)
و موثّقة الفضل بن عبدالملك، عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة و زوجها، سقط عليهما بيت، مثل ذلك.(4)
و مرسلة أبان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن قوم سقط عليهم سقف، كيف مواريثهم؟ فقال: يورث بعضهم من بعض».(5)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، و النصوص به مستفيضة أو متواترة».(6)
و يشترط في ارث الغرقى و المهدوم عليهم بعضهم من بعض شروط ثلاثة: الأوّل: أنيكون لهم أو لأحدهم مال؛ ضرورة انتفاء الموضوع مع انتفاء المال و لو
1) - وسائل الشيعة 26: 307 / الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 26: 308 / الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 26: 308 / الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 26: 308 / الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 26: 308 / الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم / الحديث 5.
6) - جواهر الكلام 39: 306.
كان لأحدهم مال دون الآخر انتقل المال الى من لا مال له، و منه الى وارثه الحيّ.
الثاني: أنيكون بينهما توارث من الجانبين، فلو غرق أخوان و لكلّ منهما ولد، أو لأحدهما، فلا توارث بينهما.
الثالث: أنيشتبه الحال، فلو علم اقتران الموت فلا توارث، و كذا لو علم تقدّم أحدهما على الآخر، فيرث المتأخّر دون المتقدّم.
لو ماتا بسبب آخر غير الهدم و الغرق كالحرق و القتل، و اشتبه الحال ففي المسالك: «ففي توارثهما كالغرق قولان: أحدهما - و به قال المعظم - العدم؛ لأنّ الارث مشروط بحياة الوارث بعد موت المورّث ليمكن الحكم له بالملك، فاذا جهل الشرط لميمكن الحكم بالمشروط، خرج من ذلك الغرق و الهدم بالنصّ و الاجماع، فيبقى الباقي على الأصل. و الثاني - و هو ظاهر كلام الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و أبي الصلاح - : تعميم الحكم في كلّ الأسباب؛ لأنّ العلّة في التوارث اشتباه التقدّم و التأخّر في الموت المستند الى سبب، و هي موجودة في غير الأمرين، و وجود العلّة يستلزم وجود المعلول. و أجيب بمنع علّيّة المذكور، و أيّ دليل يدلّ عليها؟ و المعلوم انّما هو الاشتباه بالأمرين المذكورين، فجاز أنتكون العلّة مختصّة بذلك، لأنّ مرجعها الى وضع الشارع».(1)
أقول:
يختصّ الحكم بالهدم و الغرق و لايشمل الحرق و القتل و أشباههما؛ لأنّه كما تقدّم أنّ الشرط في الارث العلم بتقدّم موت المورّث على الوارث، و هذا حكم
1) - مسالك الأفهام 13: 270 و 271.
ضروريّ يشهد به القرآن و الروايات، بل العرف و العقلاء. و لايمكن تخصيصه الاّ بدليل خاصّ، و هو مختصّ بالغرق و الهدم، و قياس غيرهما بهما غير مستنبط.
اذا ثبت هذا، فمع حصول الشرائط يورّث بعضهم من بعض، و لايورّث الثاني ممّا ورث منه. و قال المفيد رحمهالله: يرث ممّا ورث منه و الأوّل أصحّ؛ لأنّه انّما يفرض الممكن و التوريث ممّا ورث منه يستدعي الحياة بعد فرض الموت و هو غير ممكن عادة و لما روي أنّه لو كان لأحدهما مال صار المال لمن لا مال له.
اذا ثبت الغرق أو الهدم، و حصلت الشرائط المتقدّمة يرث كلّ منهما ممّا تركه صاحبه دون ما ورثه الآخر منه. و هو الذي دلّت عليه النصوص المعتبرة، ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«... قلت: فانّ أبا حنيفة أدخل فيها شيئا، قال: و ما أدخل؟ قلت: رجلين أخوين أحدهما مولاي و الآخر مولى لرجل، لأحدهما مائة ألف درهم، و الآخر ليس له شيء، ركبا في السفينة فغرقا، فلميدرَ أيّهما مات أوّلاً، كان المال لورثة الذي ليس له شيء، و لميكن لورثة الذي له المال شيء، قال: فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: لقد شنعها(1)و هو هكذا».(2)
و في صحيحة ثانية له عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: رجل و امرأة سقط عليهما البيت فماتا، قال: يورّث الرجل من المرأة، و المرأة من الرجل، قلت: فانّ أبا حنيفة قد أدخل عليهم
في هذا شيئا، قال: و أيّ شيء أدخل عليهم؟ قلت: رجلين أخوين أعجميّين ليس لهما وارث الاّ مواليهما، أحدهما له مائة ألف درهم معروفة، و الآخر ليس له شيء، ركبا سفينة فغرقا، فأخرجت المائة ألف، كيف يصنع بها؟ قال: تدفع الى مولى الذي ليس له شيء قال: فقال: ما أنكر ما أدخل فيها صدق، و هو هكذا، ثمّ قال: يدفع المال الى مولى الذي ليس له شيء، و لميكن للآخر مال يرثه موالي الآخر، فلا شيء لورثته».(1)
و يؤيّده رواية حمران بن أعين عمّن ذكره عن أميرالمؤمنين عليهالسلام في قوم غرقوا جميعا أهل البيت قال:
«يورث هؤلاء من هؤلاء، و هؤلاء من هؤلاء، و لايرث(2)هؤلاء ممّا ورثوا من هؤلاء شيئا، و لايورث هؤلاء ممّا ورثوا من هؤلاء شيئا».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل سقط عليه و على امرأته بيت قال:
«تورث المرأة من الرجل و يورث الرجل من المرأة. معناه: يورث بعضهم من بعض من صلب أموالهم، لايورثون ممّا يورث بعضهم بعضا شيئا».(4)
و وجه كونها مؤيّدة مع صحّتها سندا، أنّه لميعلم كون التفسير من الباقر عليهالسلام.
و في المسالك: «و ذهب المفيد و سلاّر الى أنّ الثاني يرث من الأوّل من ماله
الأصلي و ممّا ورث من الثاني؛ لأنّ فرض توريث الثاني من الأوّل انّما وقع بعد الحكم للأوّل بملك نصيبه من الثاني، فكان ذلك بمنزلة غيره من أمواله. و لأنّه قد ورد تقديم الأكثر نصيبا في الموت و توريث الآخر منه، فلو لميكن ارث الثاني ممّا ورث منه الأوّل لميكن للتقديم فائدة».(1)
أقول:
و دليل قولهما موثّقة الفضل بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة و زوجها، سقط عليهما بيت فقال:
«تورث المرأة من الرجل ثمّ يورث الرجل من المرأة».(2)
و رواية عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل سقط عليه و على امرأته بيت، فقال: تورث المرأة من الرجل ثمّ يورث الرجل من المرأة».(3)
و يردّ هذا القول أوّلاً بما ورد من صحيحتي عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمتين و رواية حمران و كذا صحيحة محمّد بن مسلم.
و ثانيا بأنّه لايلزم من انتفاء الفائدة ظاهرا انتفاؤها في نفس الأمر، فانّ أكثر علل الشرائع و المصالح المعتبرة في نظر الشارع خفيّة عنّا تعجز عقولنا عن ادراكها، و احتمل كونه تعبّدا محضا، فيجب اتّباع النصّ من غير اعتبار التعليل، كما في المسالك.(4)
و ثالثا بأنّ هذا الفرع من الارث خلاف الأصل كما تقدّم، فالواجب الاقتصار على المتيقّن، و هو الارث من غير ما ورث الأوّل من الثاني.
و قد أجاب المصنّف رحمهالله عن المفيد و سلاّر رحمهماالله - بعد قوله بأصحّيّة قول المشهور - بأنّه انّما يفرض الممكن، و التوريث ممّا ورث منه يستدعي الحياة بعد فرض الموت في موضوع واحد من جهة واحدة و هو غير ممكن.
ولكن يردّ جوابه رحمهالله بلزومه على التقديرين.
و قد أجاب عن الردّ في المسالك بالفرق بين الأمرين، فراجع(1).
و كيف كان فانّا نعتمد على النصّ الصحيح و لانحتاج الى هذه المبرّرات.
و في وجوب تقديم الأضعف في التوريث تردّد، قال في الايجاز: «لايجب». و في المبسوط: «لايتغيّر به حكم... غير أنّا نتّبع الأثر في ذلك». و على قول المفيد رحمهالله تظهر فائدة التقديم. و ما ذكره في الايجاز أشبه بالصواب. و لو ثبت الوجوب كان تعبّدا. فلو غرق زوج و زوجة فرض موت الزوج أوّلاً و تعطى الزوجة ثمّ يفرض موت الزوجة، و يعطى الزوج نصيبه من تركتها الأصليّة لا ممّا ورثته.
في المسالك: «اختلف الأصحاب في وجوب تقديم الأضعف و هو الأقلّ نصيبا، بأنيفرض موت الأقوى أوّلاً و يورّث الأضعف منه، ثمّ يفرض موت الأضعف، فذهب جماعة - منهم الشيخان و ابن ادريس و المصنّف في النافع - الى الوجوب؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في رجل سقط عليه و على امرأته بيت، فقال: «تورث المرأة من الرجل ثمّ يورث الرجل من المرأة»، و مثله رواية عبيد بن زرارة و لفظة «ثمّ» فيهما حقيقة في الترتيب».(2)
و أجاب عنه في الجواهر و قال: «انّ الجميع في خصوص الزوج و الزوجة، و
يحتمل فيه الترتيب الذكري نحو قوله تعالى: «لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثمّ اهتدى»».(1)
و في المستند: «يضعّف بعدم دلالته على الوجوب لمكان الجملة الخبريّة و عدم معلوميّة علّيّة الأضعفيّة للتقديم فيه. و دعوى الاجماع في أمثال المقام شطط من الكلام».(2)
أقول:
قد استدلّ من ذهب الى وجوب تقديم الأضعف في الارث بموثّقة الفضل بن عبدالملك و رواية عبيد بن زرارة المتقدّمتين آنفا حيث قد ذكر فيهما أنّه ترث الزوجة من الرجل ثمّ الرجل من الزوجة. و القائلون بهذا القول - على ما في مفتاح الكرامة(3)- المقنعة و النهاية و المبسوط و السرائر و الوسيلة و التبصرة و اللمعة و تعليق الفقيه، و هو ظاهر الفقيه و المراسم و المسالك و الروضة و غاية المرام و الوسائل و هو المحكي عن المقنع و الجامع و نسبه في غاية المراد الى المحقّق و صاحب الكفاية اليه في النافع. ولكن نصّ (في الشرائع و النافع و الكشف و الغنية و التحرير و الارشاد) على ما فهمه الشهيد، و المختلف و غاية المراد و تعليق النافع و الكفاية على عدم الوجوب و هو الظاهر من أبي الصلاح في الكافي حيث قال: و الأولى. و ربّما لاح من الطبقات و التنقيح و هو المحكي عن الايجاز و الاصباح و عن القطب علي بن مسعود. ولكن الظاهر عدم وجوب تقديم الأضعف و ذلك أوّلاً: لخلوّ عدّة من الروايات - مع أنّ بعضها وردت في الزوجين - عن الترتيب كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في رجل و امرأة، انهدم عليهما بيت فماتا و
لايدرى أيّهما مات قبل، فقال: يرث كلّ واحد منهما زوجه كما فرض اللّه لورثتهما».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل سقط عليه و على امرأته بيت قال:
«تورث المرأة من الرجل و يورث الرجل من المرأة. معناه: يورث بعضهم من بعض من صلب أموالهم لايورثون ممّا يورث بعضهم بعضا شيئا».(2)
و رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن القوم يغرقون أو يقع عليهم البيت، قال: يورث بعضهم من بعض».(3)
و ثانيا: لميعلم أنّ العلّة في تقديم ارث المرأة من الرجل هي الأضعفيّة، فلعلّ الترتيب ذكريّ، كما في قوله تعالى: «و انّي لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثمّ اهتدى»(4)فانّ الاهتداء يكون قبل التوبة و الايمان و العمل الصالح.
و كذا قوله تعالى: «انّ ربّكم اللّه الذي خلق السماوات و الأرض في ستّة أيّام ثمّ استوى على العرش»(5)على احتمال في الآيتين.
و الشاهد على كون الترتيب ذكريّا الروايات التي ذكرت التوارث بدون ثمّ، و بعضها بدون ثمّ و الواو.
و ثالثا: لو كانت العلّة في تقديم الأضعف ما ذكره المفيد و سلاّر رحمهماالله. فتنعدم فيما اذا تساويا في الاستحقاق، فانّه لا أضعف و لا أقوى في البين، كما اذا مات
أخوان و لا أخ لهما، فانّ كلّ واحد يرث مال الآخر، سواء قدّم هذا على ذاك أم ذاك على هذا من غير تفاوت، مضافا الى استلزام ارث الثاني جميع ما للأوّل كون الأوّل بلا مال و أنّ للثاني جميع التركة.
و رابعا: الروايتان اللتان كانتا مستند المفيد و سلاّر، و من يجب عنده الابتداء بالأضعف، وردتا في الزوجين و التعدّي عنهما بلا علّة، و هذا يقوّي احتمال كون الترتيب ترتيبا ذكريّا.
و كذا لو غرق أب و ابن، يورّث الأب ثمّ يورّث الابن.
قال في المسالك: «انّما يتمّ كون الأب أضعف على تقدير كون الابن منفردا بالارث، أو معه مشارك تزيد معه حصّته عن السدس. فلو فرض أنّ للأب خمسة أولاد ذكور غيره كان مساويا للأب في الارث. و لو فرض كون الأولاد أكثر كان أضعف».(1)
أقول:
و أمّا نحن حيث لمنلتزم بوجوب تقديم الأضعف ففي فسحة من ذلك.
ثمّ ان كان كلّ واحد منهما أولى من بقيّة الورّاث انتقل مال كلّ واحد منهما الى الآخر و منه الى ورثته كابن له اخوة من أمّ، و أب له اخوة، فمال الولد ينتقل الى الوالد و كذا مال الوالد الأصلي ينتقل الى الولد، ثمّ ينتقل ما صار الى كلّ واحد منهما الى اخوته. و ان كان لأحدهما أو لكلّ واحد منهما شريك في الارث كابن و أب، و للأب أولاد غير من غرق، و للولد أولاد فانّ الأب يرث مع الأولاد السدس ثمّ يفرض موت الأب فيرث الابن مع اخوته
1) - مسالك الأفهام 13: 277.
نصيبه و ينتقل ما بقي من تركته مع هذا النصيب الى أولاده.
و لو كان الوارثان متساويين في الاستحقاق - كالأخوين - لميقدّم أحدهما على الآخر و كانا سواءً في الاستحقاق و ينتقل مال كلّ واحد منهما الى الآخر، فان لميكن لهما وارث فميراثهما للامام عليهالسلام و ان كان لأحدهما وارث انتقل ما صار اليه الى ورثته و ما صار الى الآخر الى الامام.
انّ ما قاله المصنّف في توضيح الأمثلة واضح لايحتاج الى شرح.
و هذا المثال الأخير - أي الأخوان - أيضا كالسابق لايتمّ الاّ مع انحصار ارث كلّ منهما في الآخر أو تساوي نصيبهما مع الشريك. فلو كان مع أحدهما اخوة دون الآخر فهو الأضعف، كما في المسالك، و يجب تقديمه على ما ذهب اليه هؤلاء.
و في المسالك: «و اعلم أنّ مقتضى هذه الأمثلة أنّ المراد بالأضعف من نصيبه أقلّ من الآخر، سواء كان بالفرض كالزوجين و الوالدين مع الابن، أم بالقرابة كالابن و الأخوين اذا كانا للأب، فيعتبر في القرابة النصيب على الحال التي يرث بها. و بهذا يضعّف دلالة الخبر على الوجوب. لأنّ مفروضه الوارث بالفرض، و القوّة و الضعف فيه ظاهران، بخلاف من يرث بالقرابة فانّ نصيبه لاينضبط بحسب المشارك و عدمه، و لا دليل يدلّ على حكمه، الاّ أنيجعل عدم القائل بالفرق، و فيه ما فيه».(1)
و أمّا ارث الامام عليهالسلام فلكونه وارث من لا وارث له و لايقدح في ذلك فرض تأخّر موت كلّ منهما عن الآخر المقتضي لكونه وارثا، لأنّ ذلك الفرض قد انقطع في نظر الشارع بالفرض الآخر المضادّ له فانتفى أثره بعد ذلك.
1) - مسالك الأفهام 13: 277.
المجوسي قد ينكح المحرّمات بشبهة دينه، فيحصل له النسب الصحيح و الفاسد، و السبب الصحيح و الفاسد. و نعني بالفاسد ما يكون عن نكاح محرّم عندنا لا عندهم، كما اذا نكح أمّه فأولدها ولدا، فنسب الولد فاسد، و سبب زوجيّتها فاسد. فمن الأصحاب من لايورّثه الاّ بالصحيح من النسب و السبب، و هو المحكي عن يونس بن عبدالرحمن و متابعيه. و منهم من يورّثه بالنسب صحيحه و فاسده و بالسبب الصحيح لا الفاسد. و هو اختيار الفضل بن شاذان من القدماء و من تابعه و مذهب شيخنا المفيد رحمهالله و هو حسن. و الشيخ أبو جعفر رحمهالله يورّث بالأمرين صحيحهما و فاسدهما و على هذا القول لو اجتمع الأمران لواحد ورث بهما مثل أمّ هي زوجة، لها نصيب الزوجيّة - و هو الربع - مع عدم الولد و الثلث نصيب الأمومة من الأصل فان لميكن مشارك - كالأب - فالباقي يردّ عليها بالأمومة. و كذا بنت هي زوجة، لها الثمن و النصف و الباقي يردّ عليها بالقرابة اذا لميكن مشارك و لو كان أبوان كان لهما السدسان و لها الثمن و النصف و ما يفضل يردّ عليها بالقرابة و على الأبوين. و كذا أخت هي زوجة، لها الربع و النصف و الباقي يردّ عليها بالقرابة اذا لميكن مشارك.
و لو اجتمع السببان و أحدهما يمنع الآخر ورث من جهة المانع، مثل بنت
هي أخت من أمّ فلها نصيب البنت دون الأخت؛ لأنّه لا ميراث عندنا لأخت مع بنت. و كذا بنت هي بنت بنت، لها نصيب البنت دون بنت البنت. و كذا عمّة هي أخت من أب، لها نصيب الأخت دون العمّة و كذا عمّة هي بنت عمّة، لها نصيب العمّة.
انّ المجوسي اذا نكح من حرم عليه أو من حلّل له في دين الاسلام بشبهة دينه، فحصل له أنساب أو أسباب، صحيحة أو فاسدة في دين الاسلام، ثمّ أسلموا أو ترافعوا الينا و هم على دينهم فكيف يتوارثون؟ على الأنساب و الأسباب الصحيحة و الفاسدة أو على الأنساب الصحيحة فقط؟ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأوّل: قول الشيخ رحمهالله بأنّ المجوس يورّثون بالصحيح و الفاسد من النسب و السبب.
قال في المسالك: «قد اختار الشيخ هذا القول في النهاية و التهذيب و الاستبصار، و اختاره أيضا القاضي ابن البرّاج في المهذّب و ابن حمزة في الوسيلة و سلاّر في المراسم. انتهى ملخّصا».(1)
فانّ الرواية التي وردت في ميراث المجوس هي رواية رواها الشيخ في التهذيب باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن بنان بن محمّد عن أبيه عن ابن المغيرة عن السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:
«انّه كان يورّث المجوسي اذا تزوّج بأمّه و ابنته من وجهين: من وجه أنّها أمّه، و وجه أنّها زوجته».(2)
تهذيب الأحكام 9: 364 / باب ميراث المجوس 37 من كتاب الفرائض و المواريث / الحديث 1.
فاعلم أنّ أسناد الشيخ الى محمّد بن أحمد بن يحيى صحيحة - على ما نقله
جامع الرواة - و محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن سعد بن مالك الأشعري القمي أبو جعفر كان ثقة في الحديث الاّ أنّ أصحابنا قالوا: انّه كان يروي عن الضعفاء و يعتمد المراسيل و لايبالي عمّن أخذ، و ما عليه في نفسه طعن. و بنان بن محمّد هو عبداللّه بن محمّد بن عيسى بن عبداللّه، لميرد فيه شيء من المدح و الذمّ. و أبوه محمّد بن عبداللّه عاميّ قد ورد فيه مدح. و ابن المغيرة هو عبداللّه بن المغيرة ثقة ثقة. و السكونى هو اسماعيل بن زياد، كان عامّيا و وثّقه الشيخ.
فعلى هذا سند الحديث في الجملة لابأس به.
ثمّ انّ الشيخ رحمهالله بعد نقل الحديث قال: «قد اختلف أصحابنا رحمهمالله في ميراث المجوسي اذا تزوّج بأحد المحرّمات من جهة النسب في شريعة الاسلام. فقال يونس بن عبدالرحمن و كثير ممّن تبعه من المتأخّرين: انّه لايورّث الاّ من جهة النسب و السبب اللذين يجوزان في شريعة الاسلام فأمّا ما لايجوز في شريعة الاسلام فانّه لايورّث منه على حال. و قال الفضل بن شاذان و قوم من المتأخّرين ممّن تبعوه على قوله: انّه يورّث من جهة النسب على كلّ حال و ان كان حاصلاً عن سبب لايجوز في شريعة الاسلام فأمّا السبب فلايورّث منه الاّ بما يجوز في شريعة الاسلام.
انّه قد تزوّج بأمّه فقال: أما علمت أنّ ذلك عندهم النكاح». و قد روي أيضا أنّه قال عليهالسلام: «انّ كلّ قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه». - ثمّ قال: - فاذا كان المجوس يعتقدون صحّة ذلك فينبغي أنيكون نكاحهم جائزا و أيضا لو كان ذلك غير جائز لوجب أنلايجوز أيضا اذا عقد على غير المحرّمات و جعل المهر خمرا أو خنزيرا أو غير ذلك من المحرّمات؛ لأنّ ذلك غير جائز في الشرع و قد أجمع أصحابنا على جواز ذلك فعلم بجميع ذلك أنّ الذي ذكرناه هو الصحيح و ينبغي أنيكون عليه العمل و ما عداه يطرح و لايعمل عليه على حال».
القول الثاني: هو الذي اقتصر على الصحيح من النسب و السبب فالدليل عليه أوّلاً: انّ ما عدا الصحيح باطل، فلايترتّب عليه حكم.
و ثانيا قوله تعالى: «و أن احكم بينهم بما أنزل اللّه»(1)، و لا شيء من الفاسد ممّا أنزل اللّه. و قوله تعالى: «و قل الحقّ من ربّكم»(2)، و لا شيء من الفاسد بحقّ. و قوله تعالى: «و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط»(3)، و لا شيء من الفاسد بقسط. و قد ذهب الى هذا القول يونس بن عبدالرحمن، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي و ابن ادريس في السرائر، و العلاّمة في المختلف على ما في المسالك.(4)
القول الثالث: انّهم يورّثون بالنسب الصحيح و الفاسد، و بالسبب الصحيح دون الفاسد. و دليلهم هو دليل القول الثاني، ذهب الى هذا القول الفضل بن شاذان(5)و هو مذهب الحسن بن أبي عقيل،(6)و الفاضل في القواعد(7).
و تقريب دليلهم صحّة النسب الناشئ عن الشبهة شرعا، فيدخل في عموم أدلّة الارث، بخلاف السبب، فانّه لايقال للموطوءة بشبهة عقد أو غيره انّها زوجة، و لا للواطئ زوج، فلاتندرج في عموماته، و حينئذٍ فلو تزوّج أخته أو أمّه أو بنته يورث بالنسب خاصّة دون الزوجيّة.
و قد روى الحميري في قرب الاسناد عن أبي البختري(1)عن جعفر عن أبيه:
«أنّ عليّا عليهالسلام كان يورث المجوس اذا أسلموا من وجهين بالنسب و لايورّث بالنكاح».(2)
و اختار في الجواهر من هذه الأقوال الثلاثة قول الشيخ، قال: «و الظاهر أنّ هذا هو الحقّ و القسط الذي قد أنزل اللّه و أمر نبيّه بالحكم به عليهم».(3)
أقول:
اذا رجع المجوسي الى الحاكم المسلم و التمس منه أنيحكم بينهم بما كان عندهم من النكاح، فيورّثهم من وجهين، كما ورد في رواية السكوني و غيرها و عمل به الشيخ و من تبعه، و عدّه في الجواهر الحقّ و القسط الذي قد أنزل اللّه و أمر نبيّه بالحكم به عليهم.
و أمّا لو التمسوا ما حكم به الاسلام في الارث، أو أسلموا فالظاهر هو الاقتصار على النسب الصحيح و الفاسد و السبب الصحيح دون الفاسد. و قد تقدّم الدليل عليه.
و حينئذٍ فعلى قول الشيخ و كذا قولنا لو رجع المجوس الى الحاكم الاسلامي و سأل أنيحكم بينهم على ما دانوا به فتفصيل المسألة كما في الجواهر هكذا: «لو
اجتمع الأمران لواحد ورث بهما مثل أمّ هي زوجة، فانّ لها نصيب الزوجيّة، و هو الربع مع عدم الولد و الثلث نصيب الأمومة من الأصل، فان لميكن لها مشارك كالأب فالباقي يردّ عليها بالأمومة، كما أنّ له منها نصيب الزوجيّة النصف مع عدم الولد و الربع معه، و الباقي، ان لميكن له مشارك. و كذا الكلام في بنت هي زوجة فانّ لها الثمن نصيب الزوجيّة و النصف نصيب البنتيّة، و الباقي يردّ عليها بالقرابة اذا لميكن لها مشارك، و لو كان له أبوان كان لهما السدسان و لها الثمن و النصف، و ما يفضل عنهما يردّ بالقرابة عليها و على الأبوين أخماسا. و كذا أخت هي زوجة لها الربع نصيب الزوجيّة مع عدم الولد، و النصف نصيب الأختيّة، و الباقي يردّ عليها بالقرابة اذا لميكن لها مشارك. و كذا جدّة هي أخت، كما لو تزوّج زيد بنته فأولدها بنتا ثمّ تزوّج البنت فأولدها ولدا اسمه بكر، فأمّ البنت جدّة بكر و أخته. و لو اجتمع السببان و أحدهما يمنع الآخر ورث من جهة المانع مثل بنت هي أخت من أمّ، فانّ لها نصيب البنت دون الأخت؛ لأنّه لا ميراث عندنا لأخت مع بنت كما عرفته في الطبقات. و كذا بنت هي بنت بنت فانّ لها نصيب البنت دون بنت البنت؛ لأنّه لا ميراث لبنت البنت مع البنت عندنا. و كذا عمّة هي أخت من أب كما لو تزوّج زيد بأمّه و له ابن فأولدها بنتا فهي عمّة الابن و أخته، فانّ لها نصيب الأخت دون العمّة لأنّه لا ميراث لها مع الأخت. و كذا عمّة هي بنت عمّة كما لو كان لزيد بنت و ابن و للابن أولاد فتزوّج زيد ببنته فأولدها بنتا، فهي أخت الابن و بنت أخته و عمّة أولاد الابن و بنت عمّتهم، فانّ لها نصيب العمّة لأنّه لا ميراث لبنت العمّة مع العمّة».(1)
و لو أسلموا أو رجعوا الى الحاكم و سألوه أنيحكم لهم بما هو حكم الاسلام - فهو كما في الروضة(2)- فلو أولد المجوسي بالنكاح أو المسلم بالشبهة من ابنته
ابنتين ورثن ماله بالسويّة فلو ماتت احداهما فقد تركت أمّها و أختها فالمال لأمّها. فان ماتت الأمّ دونهما ورثتها ابنتاها. فان ماتت احداهما ورثتها الأخرى. و لو أولدها بنتا ثمّ أولد الثانية بنتا، فماله بينهنّ بالسويّة. فان ماتت العليا ورثتها الوسطى دون السفلى. و ان ماتت الوسطى فللعليا نصيب الأمّ، و للسفلى نصيب البنت، و الباقي يردّ أرباعا و ان ماتت السفلى ورثتها الوسطى لأنّها أمّ، دون العليا لأنّها جدّة و أخت و هما محجوبتان بالأمّ و قس على هذا.
مسألتان: «الأولى»: المسلم لايرث بالسبب الفاسد فلو تزوّج محرّمة لميتوارثا سواء كان تحريمها متّفقا عليه كالأمّ من الرضاع، أو مختلفا فيه كأمّ المزني بها، أو المتخلّقة من ماء الزاني و سواء كان الزوج معتقدا للتحليل أو لميكن.
انّ المسلم لايرث بالسبب الفاسد - سواء كان تحريمها متّفقا عليه أو مختلفا فيه - فلو تزوّج بالأمّ من الرضاع ثمّ بان لهما أنّها أمّه الرضاعيّة أو بان لهما فساد الزواج، تفارقا بلا طلاق و لو مات أحدهما لايرثه الآخر؛ لأنّ الارث في الكتاب و السنّة معلّق على السبب الصحيح. و الدليل على أنّ السبب يشمل الصحيح و الفاسد - كما في المجوسي - مفقود هنا.
«الثانية»: المسلم يرث بالنسب الصحيح و الفاسد؛ لأنّ الشبهة كالعقد الصحيح في التحاق النسب.
انّ المسلم يرث بالنسب الفاسد اذا كان الوطء بشبهة لا بالزنا و المراد من الفاسد هو هذا المعنى لا مطلقه لما عرفت من أنّ ولد الزنا لايرث من الأب و الأمّ، و على هذا فكلّ ما يذكر في أنساب المجوس يأتي هنا من اجتماع النسبين اللذين لايحجب أحدهما الآخر أو يحجب مطلقا أو على بعض الوجوه.
خاتمة (1)
و هي تشتمل على مقاصد:
المقصد الأوّل: في مخارج الفروض الستّة و طريق الحساب
المقصد الثاني: في المناسخات
المقصد الثالث: في معرفة سهام الورّاث من التركة
1) - قال في المسالك: «كان حقّ هذه الخاتمة أنتجعل مقدّمة لكتاب الفرائض، ليحفظ مضمونها و يستعمل في مسائل الكتاب كما فعل الشهيد رحمهالله في الدروس. و أمّا جعلها في الآخر - كما فعل المصنّف رحمهالله و الأكثر - فلايعلم الطالب مضمونها الى أنيفرغ من بحث المسائل بغير قاعدة يرجع اليها فتقلّ فائدتها». مسالك الأفهام 13: 285
و نعني بالمخرج أقلّ عدد يخرج منه ذلك الجزء صحيحا. فهي اذن خمسة: النصف من اثنين و الربع من أربعة و الثمن من ثمانية و الثلث و الثلثان من ثلاثة و السدس من ستّة.
و كلّ فريضة حصل فيها نصفان، أو نصف و ما بقي، فهي من اثنين. و ان اشتملت على ربع و نصف أو ربع و ما بقي فهي من أربعة. و ان اشتملت على ثمن و نصف أو ثمن و ما بقي فهي من ثمانية. و ان اشتملت على ثلث و ثلثين أو ثلث و ما بقي أو ثلثين و ما بقي فهي من ثلاثة. و ان اشتملت على سدس و ثلث أو سدس و ثلثين أو سدس و ما بقي فمن ستّة. و النصف مع الثلث أو الثلثين و السدس أو مع أحدهما من ستّة. و لو كان بدل النصف ربع كانت الفريضة من اثنيعشر. و لو كان بدله ثمن كانت من أربعة و عشرين.
انّ اخراج حصص الورّاث و ان كان يمكن من أعداد مختلفة الاّ أنّ عادة أهل الحساب أنيخرجونها من أقلّ عدد ينقسم على أرباب الحصص من دون كسر. و يقال لذلك العدد المخرج.
فالمخرج حينئذٍ - كما في المتن - : «أقلّ عدد يخرج منه ذلك الجزء صحيحا».
ثمّ انّ الفروض ستّة: النصف و الثلثان و الثلث و الربع و السدس و الثمن كما تقدّم تفصيل ذلك في بداية الكتاب و لمّا كان مخرج الثلث و الثلثين مشترك في الثلاثة فالمخارج خمسة:
الاثنان: و هو مخرج ما فيه النصف مع مثله كزوج و أخت لأب أو النصف و ما بقي كزوج و أخ.
و الثلاثة: و هي مخرج ما فيه الثلثان أو هما و ما بقي كأختين من الأب، أو الثلثان و الثلث كأختين لأب مع اخوة لأمّ.
و الأربعة: و هي لما فيه الربع و ما بقي كزوج و ابن، و كزوجة و اخوة أو الربع و النصف كزوج و بنت.
و الستّة: و هي لكلّ ما فيه السدس و ما بقي كأحد الأبوين مع ابن أو السدس و النصف كأخت لأب و واحد من كلالة الأمّ.
و الثمانية: و هي لكلّ ما فيه الثمن و ما بقي كزوجة مع ابن أو الثمن و النصف كزوجة و بنت.
هذا اذا كانت الفروض المجتمعة في المسألة متداخلة.
أمّا اذا كانت متبائنة كما اذا اجتمع الربع و الثلث في مثل زوجة و أمّ، أو الثمن مع الثلثين في مثل الزوجة و بنتين، أو الثلث مع النصف في مثل زوج و أمّ، ضربت أحد المخرجين في الآخر، و جعلت الحاصل هو أصل الفريضة، و هو اثناعشر في الأوّل، و أربعة و عشرون في الثاني، و ستّة في الثالث.
و في المسالك: «و قس على هذا ما يرد عليك من باقي الفروض مجتمعة و متفرّقة. فهذا القدر هو المطلوب من أصل المسألة اذا كان في المسألة ذو فرض، سواء كان معه غيره أم لا. فان لميكن في الجميع ذو فرض فأصل المال عدد رؤوسهم مع التساوي كأربعة أولاد ذكور. و ان اختلفوا بالذكوريّة و الأنوثيّة و كانوا يقتسمون مثل حظّ الأنثيين، فاجعل لكلّ ذكر سهمين و لكلّ أنثى سهما فما اجتمع
فهو أصل الفريضة. ثمّ ان انقسمت على الجميع بصحّة فذاك، و ان انكسرت فسيأتي تفصيله».(1)
اذا عرفت هذا فالفريضة امّا وفق السهام أو زائدة أو ناقصة.
«القسم الأوّل»: أنتكون الفريضة بقدر السهام فان انقسمت من غير كسر فلا بحث. مثل أخت لأب مع زوج فالفريضة من اثنين. أو بنتين و أبوين أو أبوين و زوج فالفريضة من ستّة و تنقسم بغير كسر.
و ان انكسرت الفريضة، فامّا على فريق واحد أو أكثر. فالأوّل يضرب عددهم في أصل الفريضة، ان لميكن بين نصيبهم و عددهم وفق.
مثل: أبوين و خمس بنات، فريضتهم ستّة نصيب البنات أربعة و لا وفق، فيضرب عددهنّ - و هو خمسة - في ستّة فما ارتفع فمنه الفريضة. و كلّ من حصل له من الورّاث من الفريضة سهم قبل الضرب فاضربه في خمسة، و ذلك قدر نصيبه.
و ان كان بين النصيب و العدد وفق فاضرب الوفق من عددهنّ - لا من النصيب - في الفريضة. مثل: أبوين و ستّ بنات، للبنات أربعة لاتنقسم عليهنّ على صحّة، و النصيب يوافق عددهنّ بالنصف، فتضرب نصف عددهنّ - و هو ثلاثة - في الفريضة - و هي ستّة - فتبلغ ثمانيهعشر.
و قد كان للأبوين من الأصل سهمان ضربتهما في ثلاثة فكان لهما ستّة، و للبنات من الأصل أربعة فضربتها في ثلاثة فاجتمع لهنّ اثناعشر، لكلّ بنت سهمان.
و قبل شرح ما ذكره المصنّف رحمهالله لا بدّ من التعرّض لبيان مفهوم كلمات
1) - مسالك الأفهام 13: 289.
قدتعرّض لها المصنّف فيما يأتي، و الأولى أنيذكر هنا؛ ليسهل حساب الفروض، فنقول: العددان امّا متساويان أو مختلفان و الثاني امّا متداخلان أو متوافقان أو متبائنان.
و المتداخلان: هما اللذان عدّ أقلّهما الأكثر حتّى أفناه، و لايمكن أنيتجاوز الأقلّ حينئذٍ نصف الأكثر و الاّ لميعدّه كذلك و يسمّيان أيضا بالمتناسبين؛ لأنّ الأقلّ جزء من الأكثر كثلاثة و ستّة أو أربعة و اثنيعشر.
و المتوافقان: هما اللذان لميعدّ الأقلّ منهما الأكثر ولكن وجد ثالث أكثر من الواحد يعدّ كلاًّ منهما كذلك - أي حتّى يفنيهما - و يسمّيان بالمتشاركين.
و ذلك العدد الثالث يسمّى جزء الشركة أو المقسوم عليه المشترك. ثمّ ان كان العدد الثالث اثنين يقال: انّهما متوافقان أو متشاركان في النصف أو بالنصف، و ان كان ثلاثة فبالثلث و هكذا.
و تذكّر أنّه - على التعريف المذكور للمتوافقين - امّا أنيكون الوفق بين العددين عددا واحدا كما في مثل الأربعة و الستّة فانّ الوفق بينهما الاثنان فيتوافقان بالنصف، و امّا أنيكون أكثر من واحد كما في الاثنيعشر و الثمانية فانّه يمكن أنيتوافق بينهما بالاثنين أو الأربعة على التعريف المذكور، ولكن الوفق هو العدد الأكبر كالأربعة في المثال.
و طريق تحصيل الوفق أنيسقط أقلّهما من الأكثر مرّة أو مرارا فما بقي فهو الوفق ان عدّ كليهما، و ان لميعدّ فنسقط النتيجة من الأقلّ مرّة أو مرارا حتّى نحصل على عدد يعدّ كليهما.
مثاله: عشرة و اثناعشر يعدّهما الاثنان فانّك اذا أسقطت العشرة من اثنيعشر بقي اثنان ثمّ الاثنان اذا أسقطا من العشرة مرارا فنيت و كذا اذا أسقطا من الاثنيعشر، فهذان يتوافقان بجزء ما يعدّهما و هو النصف. و كستّة و ثلاثين، و اثنين و ثمانين أسقطنا الأقلّ مرّتين من الأكثر فبقي عشرة، ثمّ أسقطناها من الأقلّ
ثلاث مرّات بقي ستّة، ثمّ أسقطناها من العشرة بقي أربعة ثمّ أسقطناها من الستّة بقي اثنان، ثمّ أسقطناهما من الأربعة ففنيت، فهما أيضا متوافقان بالنصف. و ان بقي من اسقاط الأقلّ من الأكثر، ثمّ الباقي من الأقلّ مرّة أو مرارا الى آخر العمل ثلاثة فالموافقة بالثلث، و كذا الى العشرة فالموافقة بالعشر كعشرين و ثلاثين. و ان بقي أحدعشر كاثنين و عشرين، و ثلاثة و ثلاثين فالموافقة بجزء من أحدعشر جزءً و هكذا لا الى نهاية.
ثمّ اعلم أنّ الجزء المشترك فيه يسمّى الوفق، و اذا توافق العددان فاذا ذكر وفق أحدهما أريد ذلك الجزء المشترك منه، مثلاً يتوافق العشرة و الستّة بالنصف، فوفق أحدهما بمعنى نصفه، فاذا قيل اضرب وفق أحدهما في الآخر أريد ضرب نصفه. و يتوافق العشرة و خمسهعشر في الخمسة، فوفق أحدهما هو الخمس.
و المتبائنان: هما اللذان لميعدّ أحدهما الآخر و لا عدّهما غيرهما سوى الواحد، و اذا أسقط الأقلّ منهما من الأكثر مرّة أو مرارا بقي واحد كثلاثة و تسعهعشر أو اذا أسقط الأقلّ من الأكثر ثمّ الباقي من الأقلّ الى آخر العمل بقي واحد كثلاثهعشر و عشرين، فاذا أسقطت ثلاثهعشر من عشرين بقي سبعة، فاذا أسقطتها من ثلاثهعشر بقى ستّة فاذا أسقطتها من سبعة بقي واحد.
ثمّ اذا أردت أنتطلب أقلّ عدد ينقسم على عددين مختلفين فان كانا متداخلين فالأكثر منهما هو المطلوب و لاتحتاج الى عمل آخر فاذا أردت مثلاً عددا يمكن أن يقسّم أربعة أقسام و أنيقسّم قسمين فهو الأربعة.
و ان كانا متوافقين فالمطلوب هو الحاصل من ضرب وفق أحدهما في الآخر، كما اذا طلبنا أقلّ عدد ينقسم على ثمانيهعشر و ثلاثين فالمطلوب تسعون، يحصل من ضرب سدس أحدهما في الآخر؛ لأنّهما متوافقان بالسدس.
و ان كانا متبائنين فالمطلوب هو الحاصل من ضرب أحدهما في الآخر، كما اذا طلبنا أقلّ عدد ينقسم على سبعة و تسعة فهو ثلاثة و ستّون.
و كذا اذا أردت أقلّ عدد ينقسم على أعداد مختلفة.
مثاله: اذا أردت أنتعرف أقلّ عدد ينقسم على ثلاثة و أربعة و خمسة و ستّة و ثمانية، فالمنقسم على الثلاثة و الأربعة اثناعشر، لأنّهما متبائنان، و المنقسم عليهما و على الخمسة ستّون، لأنّهما - أي الخمسة و الاثنيعشر - متبائنان أيضا، و المنقسم عليها و على الستّة، ستّون لتداخلهما أي الستّة و الستّين و المنقسم عليها و على الثمانية، مائة و عشرون، لأنّهما - أي الستّين و الثمانية - متوافقان في الربع و هكذا.
اذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم أنّ الفريضة امّا وفق السهام أو زائدة أو ناقصة:
و هو على قسمين؛ لأنّها امّا أنتنقسم بغير كسر أو لا.
لا كلام في الأوّل كما في المتن في مثل زوج و أخت لأب فانّ الفريضة تنقسم من اثنين من غير كسر فانّ سهم كلّ واحد منهما النصف و كغيره ممّا ذكره المصنّف رحمهالله.
و أمّا اذا انكسرت الفريضة فان كان على فريق واحد فله صورتان لأنّ عددهم امّا أنيوافق نصيبهم أو يباينه فان كانا متبائنين ضربت عدد رؤوسهم في أصل الفريضة، فحاصل الجمع هو ما صحّت منه المسألة. كما في أبوين و خمس بنات، فريضتهم ستّة و نصيب البنات أربعة و لا وفق بين الخمسة و الستّة فتضرب عددهنّ - و هو خمسة - في ستّة فالثلاثون هو ما صحّت منه المسألة، للأبوين عشرة و للبنات عشرون لكلّ واحدة أربعة.
و أمّا ان توافقا كما في المتن من أبوين و ستّ بنات فكان سهم الأبوين السدسين و ما بقي، أربعة أسداس للبنات، لاينقسم على البنات الستّ على صحّة
ولكن الأربعة و الستّة متوافقتان بالنصف فتضرب نصف عددهنّ - و هو ثلاثة - في أصل الفريضة - و هي ستّة - و ينقسم المال من ثمانيهعشر.
و قد ضرب في المسالك أمثلة أخرى، ان شئت فراجع.(1)
و ان انكسرت على أكثر من فريق، فامّا أنيكون بين سهام كلّ فريق و عدده وفق، و امّا أن لايكون للجميع وفق، أو يكون لبعض دون بعض.
ففي الأوّل يردّ كلّ فريق الى جزء الوفق. و في الثاني يجعل كلّ عدد بحاله. و في الثالث تردّ الطائفة التي لها الوفق الى جزء الوفق، و تبقى الأخرى بحالها.
ثمّ بعد ذلك امّا أنتبقى الأعداد متماثلة أو متداخلة أو متوافقة أو متبائنة.
فان كان الأوّل اقتصرت على أحدهما و ضربته في أصل الفريضة.
مثل: أخوين لأب و أمّ، و مثلهما لأمّ. فريضتهم من ثلاثة لاتنقسم على صحّة ضربت أحد العددين - و هو اثنان - في الفريضة - و هي ثلاثة - فصار ستّة، للأخوين للأمّ سهمان بينهما و للأخوين للأب و الأمّ أربعة.
ففي المسالك: «اذا انكسرت الفريضة على أكثر من فريق، فامّا أنيستوعب الكسر المجموع، أو يحصل على البعض - الزائد على فريق - دون البعض. و على التقديرين: امّا أنيكون بين سهام كلّ فريق و عدده وفق، أو يكون للبعض دون البعض، أو لايكون للجميع وفق. فالصور ستّ. و على التقادير الستّة: امّا أنتبقى الأعداد - بعد ابقائها على حالها، أو ردّها الى جزء الوفق، أو ردّ البعض و ابقاء البعض - متماثلة أو متداخلة أو متوافقة أو متبائنة. و مضروب الستّة في الأربعة أربعة و عشرون. و قد يجتمع فيها الأوصاف بأن يكون بعضها مبائنا لبعض و
1) - مسالك الأفهام 13: 290.
بعضها موافقا و بعضها متداخلاً.
فهذه جملة أقسام المسألة. و قد أشار المصنّف رحمهالله الى أربعة أمثلة منها للصور الأربع الأخيرة لكن ثلاثة منها مع مبائنة العدد للنصيب و واحدة مع موافقة بعض و مبائنة بعض».(1)
ثمّ انّه رحمهالله قد ذكر الأمثلة في قسمين و قسّمهما الى أنواع و صور، و نحن نذكرها على ترتيب ما ذكره:
القسم الأوّل: أنيكون الكسر على الجميع، و هو ثلاثة أنواع:
الأوّل: أن لايكون هناك وفق بين نصيب كلّ فريق و عدده. و فيه أربع صور:
«الأولى»: أنتكون الأعداد متماثلة، كثلاثة اخوة من أب و ثلاثة من أمّ.
أصل فريضتهم ثلاثة؛ لأنّ فيها ثلثا، و هو فريضة كلالة الأمّ فثلثها واحد ينكسر على كلالة الأمّ و ثلثاها اثنان ينكسران أيضا على اخوة الأب، و أعداد الاخوة متماثلة فتكتفي بأحدهما و تضربه في أصل الفريضة تبلغ تسعة ثلاثة منه لاخوة الأمّ كعددهم و ستّة لاخوة الأب لكلّ واحد منهم اثنان.
«الثانية»: أنتكون الأعداد متداخلة كما لو كان الاخوة من الأب ستّة فانّ الثلاثة داخلة في الستّة فتضرب الستّة في أصل الفريضة و هو الثلاثة، تبلغ ثمانيهعشر، ستّة منها للاخوة من قبل الأمّ و اثناعشر للاخوة من قبل الأب.
«الثالثة»: أنتكون الأعداد متوافقة كما لو كان الاخوة من الأمّ أربعة و الاخوة من الأب ستّة، فتأخذ المخرج المشترك بينهما و هو اثناعشر - الذي هو ضعف الستّة و ثلاثة أضعاف أربعة - ثمّ تضرب في ثلاثة أصل الفريضة تبلغ ستّة و ثلاثين، للاخوة من الأمّ اثناعشر، و للاخوة من الأب أربعة و عشرون، و كلاهما ينقسم على فريقه بصحّة.
«الرابعة»: أنتكون الأعداد متبائنة كتباين العدد و النصيب، كثلاثة اخوة لأمّ و
1) - مسالك الأفهام 13: 291 و 292.
أربعة لأب، فتضرب أحدهما في الآخر ثمّ المرتفع في ثلاثة تبلغ ستّة و ثلاثين، لكلالة الأمّ اثناعشر، و لاخوة الأب أربعة و عشرون.
و بالجملة تضرب المخرج المشترك بين سهم كلّ فريق و الآخر، في أصل الفريضة، الاّ أنّ طريقة أخذ المخرج المشترك في كلّ صورة مختصّة بها فانّ المتماثلين لاحاجة لهما الى المخرج المشترك لمماثلتهما، و المتداخلين يكون الأكثر هو المخرج المشترك، و المتوافقين يضرب وفق أحدهما في مجموع الآخر و المتبائنين يضرب أحدهما في الآخر ليحصل المخرج المشترك.
النوع الثاني: أنيكون الكسر على الجميع ولكن عدد البعض يوافق النصيب و عدد البعض لايوافقه. و فيه أربع صور:
الأولى: أنتبقى الأعداد بعد ردّ الموافق الى جزئه متماثلة، كزوجتين و ستّة اخوة لأب فريضتهم أربعة لاتنقسم على الفريقين، و للاخوة منها ثلاثة يوافق عددهم بالثلث بالمعنى الأعمّ فتردّ الستّة الى اثنين مماثل عدد الزوجات، فتقتصر على أحدهما و تضربه في أصل الفريضة تبلغ ثمانية، للزوجتين اثنتان، و للاخوة ستّة.
الثانية: أنتبقى الأعداد بعد الردّ متداخلة كما لو كانت الزوجات أربعا فيداخلها الاثنان اللذان ردّ عدد الاخوة اليهما فتجتزي بالأكثر و تضربه في أصل الفريضة تبلغ ستّهعشر، للزوجات الأربع أربعة و للاخوة الستّة اثنتاعشرة.
الثالثة: أنتبقى الأعداد بعد الردّ متوافقة، كزوجتين و ستّة اخوة من الأب و ستّهعشر من الأمّ، فريضتهم اثناعشر - و هي الحاصل من ضرب أربعة مخرج الربع سهم الزوجات في ثلاثة مخرج الثلث سهم الاخوة للأمّ - للزوجتين منها ثلاثة لاتنقسم و هي مبائنة لعددهما، و للاخوة من الأب خمسة و هي مبائنة لعددهم أيضا و للاخوة من الأمّ أربعة و هي توافق عددهم بالربع، فتردّهم الى أربعة جزء الوفق توافق عدد اخوة الأب بالنصف، فتضرب نصف أحدهما في الآخر ثمّ
المجتمع في أصل الفريضة - اثنيعشر - تبلغ مائة و أربعة و أربعين. فللزوجتين ستّة و ثلاثون و لكلالة الأمّ ثمانية و أربعون لكلّ واحد ثلاثة و لاخوة الأب ستّون.
الرابعة: أنتبقى بعد الردّ متبائنة، كما لو كانت الزوجات أربعا و الاخوة من الأب خمسة و الاخوة من الأمّ ستّة، نصيبهم من الفريضة أربعة توافق عددهم بالنصف، فتردّهم الى ثلاثة، تقع المبائنة بينها و بين الأربعة و الخمسة فتضرب ثلاثة في أربعة، ثمّ المرتفع في خمسة، ثمّ المجتمع - و هو ستّون - في أصل الفريضة - و هو اثناعشر - تبلغ سبعمائة و عشرين للزوجات منها مائة و ثمانون لكلّ واحدة خمسة و أربعون، و لاخوة الأمّ مائتان و أربعون لكلّ واحد أربعون و لاخوة الأب ثلاثمائة لكلّ واحد ستّون.
النوع الثالث: أنيكون بين نصيب كلّ فريق و عدده وفق، فتردّ كلّ فريق الى جزء الوفق ثمّ تعتبر الأعداد، فتأتي فيها صور أربع.
الأولى: أنتبقى الأعداد بعد ردّها متماثلة كستّ زوجات - و يتّفق ذلك في المريض يطلّق ثمّ يتزوّج و يدخل ثمّ يموت قبل الحول - و ثمانية من كلالة الأمّ و عشرة من كلالة الأب. فالفريضة اثنتاعشرة مخرج الربع و الثلث، و يكون بين نصيب كلّ فريق و عدده توافق بالنصف فيؤخذ الاثنان و يضرب في أصل الفريضة تبلغ أربعة و عشرين.
فللزوجات ستّة، و لاخوة الأمّ ثمانية، و لاخوة الأب عشرة، لكلّ واحد من الجميع سهم.
الثانية: أنتبقى الأعداد بعد ردّها الى جزء الوفق متداخلة، كالمثال الأوّل الاّ أنّ الاخوة من الأمّ ستّهعشر، فنصيبهم يوافق عددهم بالربع أيضا فتردّهم الى أربعة، و الاثنان اللذان رجع اليهما عدد الزوجات و الاخوة للأب يداخلانها، فتجتزي بالأربعة و تضربها في أصل الفريضة تبلغ ثمانية و أربعين، للزوجات اثناعشر، و للاخوة للأمّ ستّهعشر عددهم، و الباقي - و هو عشرون - للاخوة للأب.
الثالثة: أنتبقى الأعداد بعد ردّها الى جزء الوفق متوافقة، كما لو كان الاخوة من الأمّ في المثال أربعة و عشرين توافق الأربعة بالربع، فيرجع عددهم الى ستّة و اخوة الأب عشرين يوافق نصيبهم بالخمس فيرجع عددهم الى أربعة، و قد رجع عدد الزوجات الى اثنين، فبين كلّ عدد و ما فوقه موافقة بالنصف فيسقط الاثنان، و تضرب اثنين في ستّة، ثمّ المرتفع في اثنيعشر تبلغ مائة و أربعة و أربعين. و القسمة واضحة.
الرابعة: أنتكون الأعداد بعد الردّ متبائنة، كما لو كان الاخوة للأمّ اثنيعشر، فيرجع عددهم بعد الردّ الى ثلاثة، و اخوة الأب خمسة و عشرين، فيرجع عددهم الى خمسة فيبقى العدد اثنين مع ثلاثة و خمسة و هي متبائنة فتضرب اثنين في ثلاثة ثمّ الستّة في خمسة، ثمّ الثلاثين في اثنيعشر، تبلغ ثلاثمائة و ستّين. و القسمة واضحة.
القسم الثاني: أنيكون الكسر على أكثر من فريق ولكن لميستوعب الجميع، كثلاث زوجات و ثلاثة اخوة للأمّ و ثلاثة للأب، فالفريضة اثناعشر، للزوجات ثلاثة لاتنكسر عليهنّ و ينكسر نصيب الاخوة من الطرفين عليهم، و بين النصيب و العدد فيهما مبائنة، و الأعداد متماثلة، فيكتفى بأحدها و تضربه في أصل الفريضة تبلغ ستّة و ثلاثين، فمن كان له من الأصل شيء أخذه مضروبا في ثلاثة، فللاخوة من الأمّ اثناعشر، و للاخوة من الأب خمسهعشر، و للزوجات تسعة.
و الصور الاثنتاعشرة آتية في هذا القسم أيضا، و بعد ما ذكرنا من الأمثلة للقسم الأوّل فهي في هذا القسم واضحة. و كذلك لو كانت الأعداد بعد مراعاة النسبة مختلفة، فبعضها مبائن لبعض و بعضها موافق، الى غير ذلك من الفروض التي تظهر ممّا ذكرناه بأدنى تفاوت.
و ان تداخل العددان فاطرح الأقلّ، و اضرب الأكثر في الفريضة.
مثل: اخوة ثلاثة لأمّ، و ستّة لأب، فريضتهم ثلاثة لاتنقسم على صحّة، و أحد الفريقين نصف الآخر، فالعددان متداخلان، فاضرب الستّة في الفريضة تبلغ ثمانيهعشر، و منه يصحّ.
على ما تقدّم من تعريف المتداخلين فالثلاثة و الستّة متداخلتان فتصحّ المسألة من ثمانيهعشر.
و هذا واضح لا اشكال فيه، ولكن الشهيد رحمهالله في المسالك اعتبر طريقا آخر و قال بأنّه على ما اختاره كانت الثلاثة و الستّة متوافقتين و صحّح المسألة من تسعة على مذهبه، فراجع.(1)
و ان توافق العددان فاضرب وفق أحدهما في عدد الآخر، فما ارتفع فاضربه في أصل الفريضة. مثل: أربع زوجات و ستّة اخوة، فريضتهم أربعة لاتنقسم صحاحا و بين الأربعة و الستّة وفق و هو النصف فتضرب نصف أحدهما - و هو اثنان - في الآخر - و هو ستّة - تبلغ اثنيعشر، فتضرب ذلك في أصل الفريضة - و هي أربعة - فما ارتفع صحّت منه القسمة.
و ان تباين العددان فاضرب أحدهما في الآخر، فما اجتمع فاضربه في الفريضة. مثل: أخوين من أمّ و خمسة من أب، فريضتهم ثلاثة لاتنقسم على صحّة، و لا وفق بين العددين و لاتداخل، فاضرب أحدهما في الآخر تكن عشرة، ثمّ اضرب العشرة في أصل الفريضة - و هي ثلاثة - فما ارتفع فمنه تصحّ.
بناءً على ما تقدّم منّا في توضيح المتوافقين و المتبائنين فلا كلام فيما ذكره المصنّف رحمهالله و قد تقدّم شرحه.
1) - مسالك الأفهام 13: 298.
و في المسالك: «هذا أيضا كما يصحّ جعله من قسم المتوافق نظرا الى تداخل نصيب الاخوة مع عددهم و اعتبار نسبة أحد العددين الى الآخر، يصحّ جعله مثالاً لتداخل الأعداد، لأنّ بين نصيب الاخوة و عددهم توافقا بالثلث بالمعنى الأعمّ، فتردّ عددهم الى اثنين، فيداخل عدد الزوجات، فتقتصر على عددهنّ به و تضربه في أصل الفريضة تبلغ ستّهعشر، للزوجات الأربع أربعة، و للاخوة اثناعشر. و هذا أولى ممّا اعتبره المصنّف رحمهالله و أخصر فريضة، لأنّها على فرضه تكون من ثمانية و أربعين».(1)
و المختلفان: امّا متداخلان، أو متوافقان، أو متبائنان.
فالمتداخلان: هما اللذان يفني أقلّهما الأكثر، امّا مرّتين أو مرارا، و لايتجاوز الأقلّ نصف الأكثر. و ان شئت سمّيتهما بالمتناسبين، كالثلاثة بالقياس الى الستّة و التسعة، و كالأربعة بالقياس الى الثمانية و الاثني عشر.
و المتوافقان: هما اللذان اذا أسقط أقلّهما من الأكثر مرّة أو مرارا بقي أكثر من واحد، كالعشرة و الاثنيعشر، فانّك اذا أسقطت العشرة بقي اثنان، فاذا أسقطتهما من العشرة مرارا فنيت بهما. فاذا فضل بعد الاسقاط اثنان فهما يتوافقان بالنصف، و لو بقي ثلاثة فالموافقة بالثلث، و كذا الى العشرة.
و لو بقي أحدعشر فالموافقة بالجزء منها.
و المتبائنان: هما اللذان اذا أسقط الأقلّ من الأكثر مرّة أو مرارا بقي واحد. مثل: ثلاثهعشر و عشرين، فانّك اذا أسقطت ثلاثهعشر بقي سبعة، فاذا
1) - مسالك الأفهام 13: 298.
أسقطت سبعة من ثلاثهعشر بقي ستّة، فاذا أسقطت ستّة من سبعة بقي واحد.
قد تقدّم منّا شرح هذه التتمّة في أوّل البحث قبل الخوض في المقصود، و قلنا بأنّ الأولى ذكرها ابتداءً.
و في المسالك: «هذه التتمّة من جملة المقدّمات التي تشتدّ اليها الحاجة لحساب الفرائض، و كان تقديمها على القسم السابق أولى، لتوقّف حساب مسائله عليها».(1)
«القسم الثاني»: أنتكون الفريضة قاصرة عن السهام و لنتقصر الاّ بدخول الزوج أو الزوجة مثل: أبوين و بنتين فصاعدا مع زوج أو زوجة، أو أبوين و بنت و زوج، أو أحد الأبوين و بنتين فصاعدا مع زوج. فللزوج أو الزوجة في هذه المسائل نصيبهما الأدنى، و لكلّ واحد من الأبوين السدس، و ما يبقى فللبنت أو البنتين فصاعدا. و لاتعول الفريضة أبدا.
و كذا أخوان لأمّ و أختان فصاعدا لأب و أمّ أو لأب مع زوج أو زوجة، أو أحد كلالة الأمّ مع أخت و زوج. ففي هذه المسائل يأخذ الزوج أو الزوجة نصيبهما الأعلى، و يدخل النقص على الأخت أو الأخوات للأب و الأمّ أو للأب خاصّة.
فان انقسمت الفريضة على صحّة، و الاّ ضربت سهام من انكسر عليهنّ النصيب في أصل الفريضة. مثال الأوّل: أبوان و زوج و خمس بنات. فريضتهم اثناعشر، للزوج ثلاثة، و للأبوين أربعة، و يبقى خمسة للبنات
1) - مسالك الأفهام 13: 299.
بالسويّة. و مثال الثاني: كان البنات ثلاثا، فلمتنقسم الخمسة عليهنّ، ضربت ثلاثة في أصل الفريضة، فما بلغت صحّت منه المسألة.
هذا القسم يجري فيما اذا دخل الزوج أو الزوجة:
و لنوضّح بعض أمثلة المتن و ان كان ما في المتن واضحا لايحتاج الى مزيد بيان:
المثال الأوّل: اذا كان للميّت زوج و أبوان و بنتان فصاعدا، فنصيب الزوج اذا كان للميّت ولد الربع و للأبوين لكلّ واحد منهما السدس مع وجود الولد و نصيب البنتين فصاعدا الثلثان، فلانستطيع أننعطي كلّ واحد من هؤلاء نصيبه كملاً فلا بدّ من دخول النقص على بعضهم.
و لايدخل النقص على الزوج و الزوجة و الأبوين ولكن يدخل في هذا المثال على البنات، فيرث الزوج في المثال الربع و يرث الأبوان كلّ واحد منهما السدس و الباقي للبنات.
و لمّا كان بين الأربعة و الستّة وفق بالنصف، ضرب نصف أحدهما في الآخر فيصير اثنيعشر، ثلاثة منها - و هو الربع - للزوج و للأبوين لكلّ واحد منهما الاثنان، و يبقى خمسة أسهم للبنات يقسّم عليهنّ على ما تقدّم شرحه فلانعيد.
«القسم الثالث»: أنتزيد الفريضة عن السهام فتردّ على ذوي السهام، عدا الزوج و الزوجة و الأمّ مع الاخوة على ما سبق.
أو يجتمع من له سببان مع من له سبب واحد، فذو السببين أحقّ بالردّ.
مثل: أبوين و بنت، فاذا لميكن اخوة فالردّ أخماسا، و ان كان اخوة فالردّ أرباعا، تضرب مخرج سهام الردّ في أصل الفريضة. و مثل: أحد الأبوين و
بنتين فصاعدا، فالفاضل يردّ أخماسا، فتضرب خمسة في أصل الفريضة.
قد تقدّم شرح من يردّ عليه الزيادة كملاً في فواصل الكتاب فراجع.
و هذا المثال حينما تزيد الفريضة عن السهام و يردّ الفاضل عليهم من غير أولويّة.
فانّ أصل فريضتهم ستّة، لدخول النصف - سهم البنت - فيه، و الفاضل عن الفروض - و هو واحد - ان ردّ على الجميع ضربت خمسة سهام الردّ في ستّة، و ان ردّ على الأب و البنت خاصّة، لوجود الحاجب عنه للأمّ ضربت أربعة في ستّة.
و مثل واحد من كلالة الأمّ مع أخت لأب، فالردّ عليهما على الأصحّ أرباعا. و مثل اثنين من كلالة الأمّ مع أخت لأب، فانّ الردّ يكون أخماسا، تضرب خمسة في أصل الفريضة، فما ارتفع صحّت منه القسمة.
و في الفرض يردّ الباقي على الأخت للأب خاصّة و قد تقدّم البحث في ذلك مستوفى(1).
1) - قد تقدم في صفحة 357.
و نعني به أنيموت انسان فلاتقسّم تركته، ثمّ يموت بعض ورّاثه و يتعلّق الغرض بقسمة الفريضتين من أصل واحد.
المناسخات جمع مناسخة و هي مفاعلة من النسخ، و هو النقل و التحويل تقول: نسخت الكتاب اذا نقلته من نسخة الى أخرى. سمّيت هذه المسائل بها لأنّ الأنصباء بموت الميّت الثاني تنسخ و تنتقل من عدد الى عدد، و كذا التصحيح ينتقل من حال الى حال، و كذا عدد مجموع الورثة ينتقل من مقدار الى مقدار بموت واحد منهم - كما في الجواهر و المسالك (1)- و قد يطلق على الابطال، و منه: نسخت الشمس الظلّ، اذا أبطلته. و وجهه هنا: أنّ الفرض أبطل تلك القسمة و تعلّق غرضه بغيرها و ان اتّفق موافقة الثانية للأولى.
فطريق ذلك أنتصحّح مسألة الأوّل، و يجعل للثاني من ذلك نصيب اذا قسّم على ورثته صحّ من غير كسر، فان كان ورثة الثاني هم ورثة الأوّل من غير اختلاف في القسمة كان كالفريضة الواحدة. مثل: اخوة ثلاثة و أخوات ثلاث من جهة واحدة، مات أحد الاخوة ثمّ مات الآخر، ثمّ ماتت احدى
1) - جواهر الكلام 39: 352 - مسالك الأفهام 13: 306.
الأخوات ثمّ ماتت أخرى و بقي أخ و أخت، فمال الموتى بينهما أثلاثا أو بالسويّة.
فان كان ورثة الثاني هم ورثة الأوّل من غير اختلاف في القسمة يجعل الميت الثاني كأن لميكن و تقسّم التركة على الباقين، كما لو مات الأوّل عن اخوة و أخوات من أب أو أمّ، سواء كانوا كلّهم ذكورا أو اناثا أو متفرّقين، و سواء مات الثاني و الثالث من صنف واحد أو من الصنفين و سواء اتّحدت جهة الاستحقاق - كما في الاخوة - أو اختلفت، كما لو مات شخص عن بنين و بنات ثمّ مات أحدهم و لميترك وارثا سوى اخوته. و هكذا.
نعم، لو ماتت امرأة عن أولاد مختلفي الآباء، فكان واحد منهم من أب - مثلاً - و الباقون من أب آخر، فانّ مالها للجميع بالسويّة أو للذكر مثل حظّ الأنثيين، فاذا مات واحد من الاخوة للأب و الأمّ و ترك الباقين فانّ ارثه منحصر فيهم، لكن ارثهم من الأخ ليس على حسب ارثهم من الأمّ، فانّ الأخ من الأمّ له السدس و الاخوة من الأبوين لهم الباقي، فيكون الحكم هنا كما لو اختلف الورّاث، كما هو واضح.
و لو اختلف الاستحقاق أو الورّاث أو هما فانظر نصيب الثاني، فان نهض بالقسمة على الصحّة فلا كلام. مثل: أنيموت انسان و يترك زوجة و ابنا و أبا و بنتا، فللزوجة الثمن - ثلاثة من أربعة و عشرين - ثمّ تموت الزوجة فتترك ابنا و بنتا.
مثال اختلاف الاستحقاق خاصّة: ما لو مات رجل و ترك ثلاثة أولاد ثمّ مات أحدهم و لميخلّف غير أخويه فانّ جهة الاستحقاق في الفريضة مختلفة فانّها في الأولى البنوّة و في الثانية الأخوّة و الوارث واحد.
و في هذا المثال فان فرض أنّ الأولاد كلّهم ذكور، فالمال من ثلاثة و لكلّ
واحد منهم الثلث، فاذا مات أحدهم فنصيبه - اذا لميكن له وارث سوى أخويه - يقسّم بين أخويه بالسويّة، فانّه في هذا الفرض نهض بالقسمة على الصحّة.
و مثال اختلاف الوارث خاصّة: كما لو مات رجل و ترك ابنين فمات أحدهما و ترك ابنا، فانّ جهة الاستحقاق في الفريضتين واحدة و هي البنوّة ولكنّ الوارث مختلف.
و في هذا الفرض أيضا لا اشكال و لا كلام فانّ المال قبل موت الابن من اثنين، فاذا مات الابن فانّ ابنه أولى بميراثه من أخيه فيرثه ابنه جميع نصيبه.
و مثال اختلاف الوارث و الاستحقاق معا ما ذكره المصنّف رحمهالله في المتن و هو ما لو مات رجل و ترك زوجة و ابنا و بنتا و أبا، فالمصنّف رحمهالله ذكر أنّ المسألة من أربعة و عشرين و الظاهر لزوم ارتقائه الى اثنين و سبعين كما تقدّم، و سهم الزوجة منها تسعة - الثمن - و سهم الأب اثناعشر - السدس - و سهم الابن أربعة و ثلاثون و سهم البنت سبعهعشر، فاذا ماتت الزوجة فنصيبها يقسّم على ولديها للابن ستّة و للبنت ثلاثة، فصحّت المسألة بلا كلام.
و في المسالك: «و الأولى في تقسيم المسألة الى الحالتين أنيقال - كما أشرنا اليه في الأولى - : أنّه امّا أنينحصر ورثة الميّت الثاني في الباقين، و يكون الارث من الثاني على حسب ارثهم من الأوّل، و هي الحالة الأولى، أو لايكون كذلك بأن لاينحصر ورثة الثاني في الباقين، أو ينحصر ولكن اختلف مقدار الاستحقاق و هي الحالة الثانية، ثمّ عدم انحصار ورثة الثاني من الباقين امّا لأنّ الوارث غيرهم، أو لأنّ غيرهم يشركهم».(1)
فان لمينقسم نصيبه على وارثه على صحّة فهنا صورتان:
«الأولى»: أنيكون بين نصيب الميّت الثاني من فريضة الأوّل و الفريضة
1) - مسالك الأفهام 13: 308.
الثانية وفق، فتضرب وفق الفريضة الثانية - لا وفق نصيب الميّت الثاني - في الفريضة الأولى، فما بلغ صحّت منه الفريضتان.
مثل: أخوين من أمّ و مثلهما من أب و زوج، ثمّ مات الزوج و خلّف ابنا و بنتين. فالفريضة الأولى ستّة تنكسر فتصير الى اثنيعشر، نصيب الزوج ستّة لاتنقسم على أربعة، ولكن توافق الفريضة الثانية بالنصف، فتضرب جزء الوفق من الفريضة الثانية و هو اثنان - لا من النصيب - في الفريضة الأولى و هي اثناعشر، فما بلغت صحّت منه الفريضتان. و كلّ من كان له من الفريضة الأولى شيء أخذه مضروبا في اثنين.
«الصورة الثانية»: أنيتباين النصيب و الفريضة، فتضرب الفريضة الثانية في الأولى، فما بلغ صحّت منه الفريضتان. و كلّ من كان له من الفريضة الأولى شيء أخذه مضروبا في الثانية.
مثل: زوج و اثنين من كلالة الأمّ و أخ [من الأب] ثمّ مات الزوج و ترك ابنين و بنتا. فريضة الأوّل من ستّة، نصيب الزوج ثلاثة لاتنقسم على خمسة و لاتوافق، فاضرب الخمسة في الفريضة الأولى، فما بلغ صحّت منه الفريضتان.
حكم المسألة و كذا حكم المثالين اللذين مثّل بهما المصنّف رحمهالله واضح لا اشكال فيه، و ان أردت زيادة ايضاح و اضافة أمثلة فراجع المسالك.(1)
و لو كانت المناسخات أكثر من فريضتين نظرت في الثالثة، فان انقسم نصيب الثالث على ورثته على صحّة، و الاّ عملت في فريضته مع الفريضتين ما عملت في فريضة الثاني مع الأوّل. و كذا لو فرض موت رابع أو ما زاد
1) - مسالك الأفهام 13: 310.
على ذلك.
المسألة واضحة لاتحتاج الى شرح، و قد ذكر أمثلتها في المسالك فراجع(1).
1) - مسالك الأفهام 13: 313.
يريد المصنّف رحمهالله في هذا المقصد تبيين طريقة معرفة سهام الورّاث من التركة فيما اذا كانت التركة قليلة لاتقسّم بسهولة على ما ارتفعت اليه الفريضة، كما لو صحّت من مائة - مثلاً - و التركة ثلاثة دراهم أو درهم، فلايتبيّن نصيب كلّ وارث الاّ بعمل آخر.
فان كانت التركة عقارا فهو مقسوم على ما صحّت منه المسألة، و لايحتاج الى عمل آخر. و ان كانت ممّا يعدّ أو يكال أو يوزن أو يذرع فيحتاج الى عمل يتبيّن به نسبة حقّ كلّ واحد من الأصل.
فللناس في ذلك طرق، أقربها أنتنسب سهام كلّ وارث من الفريضة، و تأخذ له من التركة بتلك النسبة، فما كان فهو نصيبه منها.
هذا الطريق شامل لجميع أصناف التركة، عقارا كان أم غيره. و هو انّما يكون أقرب اذا كانت النسبة واضحة، كزوج و أبوين، الفريضة من ستّة، للزوج ثلاثة هي نصف الفريضة، فيعطى نصف التركة كائنة ما كانت، و للأمّ مع عدم الحاجب اثنان هما ثلث الفريضة، فلها ثلث التركة، و للأب واحد و هو سدس الفريضة، فيعطى
سدس التركة و ان كانت درهما.
أمّا اذا لمتكن النسبة واضحة كما لو كانت التركة خمسة دراهم، فتعسر معرفة سدسها، فيحتاج الى عمل آخر كما سيأتي.
و ان شئت قسّمت التركة على الفريضة، فما خرج بالقسمة ضربته في سهام كلّ واحد، فما بلغ فهو نصيبه.
هذا الوجه يحتاج اليه حيث تعسر معرفة نسبة عدد التركة الى سهام الفريضة، كما لو كانت التركة عشرة دنانير و السهام هي المذكورة في المثال السابق، فتعسر معرفة سدسها و نحوه من الكسور.
فطريقه: أنتقسّم التركة على الفريضة، يخرج في المثال واحد و ثلثان - حاصل من تقسيم العشرة على الستّة - فاذا أردت أنتعرف نصيب الزوج من التركة فاضرب الخارج في سهامه - و هي ثلاثة - تخرج خمسة، فهي نصيبه من العشرة. و اضرب الخارج في اثنين سهام الأمّ تخرج ثلاثة و ثلث، فهي نصيبها من العشرة. و تضربه في واحد يخرج بقدره، و هو نصيب الأب.
و قد ذكر في المسالك(1)طريقا أسهل من هذا الطريق فراجع.
و لك طريق آخر: و هو أنّه اذا كانت التركة صحاحا لا كسر فيها حرّر العدد الذي منه تصحّ الفريضة، ثمّ خذ ما حصل لكلّ وارث و اضربه في التركة، فما حصل فاقسمه على العدد الذي صحّحت منه الفريضة، فما خرج فهو نصيب ذلك الوارث.
هذا الطريق أيضا لصالح العامّ في النسبة الظاهرة و الخفيّة. و مثاله في الزوج و
1) - مسالك الأفهام 13: 315.
الأبوين و البنت و كون التركة عشرة دنانير: أنتأخذ سهام البنت - و هي خمسة - و تضربها في التركة، تبلغ خمسين، تقسّمها على اثنيعشر تخرج أربعة و سدس. و تضرب سهام الأبوين - و هي أربعة - في عشرة تبلغ أربعين، تقسّمها على اثنيعشر تخرج ثلاثة و ثلث. و تضرب سهام الزوج - و هي ثلاثة - في عشرة تبلغ ثلاثين، تقسّمها على اثنيعشر يخرج اثنان و نصف كالأوّل، و هكذا.
و ان كان فيها كسر فابسط التركة من جنس ذلك الكسر، بأنتضرب مخرج ذلك الكسر في التركة، فما ارتفع أضفت اليه الكسر و عملت فيه ما عملت في الصحاح، فما اجتمع للوارث قسّمته على ذلك المخرج، فان كان الكسر نصفا قسّمته على اثنين، و ان كان ثلثا قسّمته على ثلاثة، و على هذا الى العشر تقسّمه على عشرة، فما اجتمع فهو نصيبه.
كما لو كانت التركة في المثال المذكور عشرة دنانير و نصفا، فاذا بسطتها من جنس الكسر صارت واحدا و عشرين، و اعمل فيها ما عملت سابقا، بأن تضرب سهام البنت - و هي خمسة من اثنيعشر - في واحد و عشرين تبلغ مائة و خمسة، تقسّمها على اثنيعشر تخرج بالقسمة ثمانية و ثلاثة أرباع، تقسّمها على اثنين تخرج أربعة و ربع و ثمن. و تضرب سهام الأبوين - و هي أربعة - في واحد و عشرين تبلغ أربعة و ثمانين، تقسّمها على اثنيعشر تخرج سبعة، تقسّمها على اثنين تخرج ثلاثة و نصف، فهو نصيبهما من التركة. و تضرب سهام الزوج - و هي ثلاثة - في واحد و عشرين تبلغ ثلاثة و ستّين، تقسّمها على اثنيعشر تخرج خمسة و ربع، تقسّمها على اثنين يخرج اثنان و نصف و ثمن، اجمع الجميع و أضف الكسور بعضها الى بعض تبلغ عشرة و نصفا. و على هذا القياس.
و لو كانت المسألة عددا أصمّ فاقسم التركة عليه. فان بقي ما لايبلغ دينارا
فابسطه قراريط و اقسمه. فان بقي ما لايبلغ قيراطا فابسطه حبّات و اقسمه. فان بقي ما لايبلغ حبّة فابسطه أرزّات و اقسمه. فان بقي ما لايبلغ أرزّة فانسبه بالأجزاء اليها.
و في زماننا هذا يمكن تقسيم المال و لو كان في غاية القلّة، فلا حاجة الى هذا التفصيل.
و قد يغلط الحاسب، فاجمع ما يحصل للورّاث، فان ساوى التركة فالقسمة صواب، و الاّ فهي خطأ.
هذا ضابط مفيد في هذه المسألة و غيرها من مسائل الفرائض فاذا قسّمتها و احتمل الخطأ في الحساب أو في القسمة، فاجمع ما يحصل لكلّ وارث و ضمّ بعضه الى بعض، فان بلغ مجموع السهام أو مجموع التركة بالنسبة الى قسمتها فالحساب صحيح و كذا القسمة، و الاّ فلا.
تمّ بعون اللّه الملك العلاّم
شرح كتاب الفرائض من شرائع الاسلام
و فرغنا من تدريسه في شهر ذيقعدة الحرام سنة 1429
و من المراجعه و استئناف النظر فيه في شهر رمضان المبارك 1434
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا و الصلاة و السلام
على رسوله المنتجب و آله الطيّبين الطاهرين عليهمالسلام
سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ابن المرحوم سيّد عليأكبر
بسمه تعالى
فيما يلي قائمة لما قد تمّ نشره من أجزاء موسوعة الهادي
لمؤلّفه المحقّق و الفقيه المدقّق
سماحة آيهاللّه الحاج سيّد على محمّد دستغيب الحسيني الشيرازى «مدّ ظلّه»
1 - الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد و التقليد، و كتاب الطهارة (3 أجزاء).
2 - الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة (6 أجزاء).
3 - الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى، كتاب الصوم و الاعتكاف (جزئان).
4 - الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى كتاب الزكاة (جزئان).
5 - الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى كتاب الخمس .
6 - الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى كتاب الحجّ (جزئان).
7 - الهادى الى مناسك الحجّ و العمرة (جزئان)
8 - الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى كتاب الاجارة.
9 - الهادي الى أحكام النكاح (جزئان)
10 - الهادي الى أحكام الطلاق و ملحقاته.
11 - الهادي الى أحكام الوصايا و الفرائض
12 - الهادي الى أحكام القضاء و الشهادات (جزئان)
13 - الهادي الى أحكام الحدود و التعزيرات.
14 - الهادي الى أحكام القصاص.
15 - الهادي الى أحكام الديات.
16 - الهادي الى المكاسب المحرمة (جزئان).
17 - الهادي الى أصول الفقه (الجزء الأوّل).