ghaemiyeh.com
العتبة الحسينية المقدسة
مركز الامام الحسن للدراسات التخصصیة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز العراق - النجف الأشرف - حي المثنى - شارع جامع الكليدار
www.imamhassan.org
info@imamhassan.org
9647803358020
اسم الكتاب: الإمام الحسن عليه السلام في صلحه الظروف. القوة . المظلومية
المؤلف: علي السيد محمد حسين الحكيم
الطبعة:الأولى
سنة الطبع:1445ه- / 2024م
عدد النسخ:1000 نسخه
الناشر:مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 2036 لسنة 2023
ISBN: 978- 9922- 70081- 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
BP193.12.A3 H35 2023
الحكيم، علي السيد محمد حسين – مؤلف.
الإمام الحسن عليه السلام في صلحه : الظروف القوة المظلومية / علي السيد محمد حسين الحكيم. - الطبعة الاولى - النجف العراق : العتبة الحسينية المقدسة، مركز
الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية، 2023 / 1444 للهجرة.
166 صفحة ؛ 24 سم. - (العتبة الحسينية المقدسة ؛ 1246)، ( مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية ؛ 80 )
يتضمن هوامش لائحة المصادر الصفحات 157158).
1 . الحسن المجتبى الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الامام الثاني 350. للهجرة الصلح مع معاوية .2. اهل بيت الرسول عليهم السلام (الشيعة الامامية) - أ. العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء العراق). مركز الامام الحسن (عليه السلام) للدراسات التخصصية جهة مصدرة. ب. العنوان
تمت الفهرسة قبل النش- في شعبة نظم المعلومات التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة.
الإمام الحسن عليه السلام في صلحه الظروف. القوة. المظلومية. علي السيد محمد حسين الحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين، آمين رب العالمين.
أهل البيت عليهم السلام شخوص نورانية وأشخاص ملكوتية، منها ولأجلها وجد الكون، وإليها حساب الخلق، يتدفقون نوراً وينطقون حياة، شفاههم رحمة وقلوبهم رأفة، وُضِعَ الخير بميزانهم فزانوه عدلاً، ونَمَت المعرفة على ربوع ألسنتهم فغذوها حكمة.
أنوار هداة، قادة سادات ( ينحدر عنهم السيل ولا يرقى إليهم الطير)، ألفوا الخلق فألفوهم، تصطف على أبوابهم أبناء آدم متعلّمين مستنجدين سائلين، وبمغانمهم عائدين.
لا يُكرهون أحداً على موالاتهم ولا يجبرون فرداً على اتباعهم، يُقيّد حبُّهم كل من استمع إليهم ويشغف قلب كل من رآهم منهجهم الحق وطريقهم الصدق وكلمتهم العليا، هم فوق ما نقول ودون ما يُقال من التأليه، هم أنوار السماء وأوتاد الأرض.
والإمام الحسن المجتبى عليه السلام هو أحد هذه الأسرار التي حار الكثير في معناها وغفل البعض عن وجه الحكمة في قراراتها وباع آخرون دينهم بدنيا غيرهم فراحوا يُسطرون الكذب والافتراءات عليه والتي جاوز بعضها حد العقل ولم يتجاوز حد الحقد المنصب على بيت الرسالة.
وقد اهتم مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية بكتابة البحوث والدراسات وتحقيق المخطوطات التي تُعنى بشأن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ونشرها في كتب وكتيبات بالإضافة إلى نشرها على مواقع الانترنت وصفحات التواصل الاجتماعي التابعة للمركز. بالإضافة إلى النشاطات الثقافية والإعلامية الأُخرى التي يقوم بها المركز من خلال نشر التصاميم الفنّية وإقامة مجالس العزاء وعقد المحاضرات والندوات والمسابقات العلمية والثقافية التي تثرى بفكر أهل البيت عليهم السلام وغيرها من توفيقات الله تعالى لنا لخدمة الإمام المظلوم أبي محمد الحسن المجتبى عليه السلام.
وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ الكريم هو أحد تلك الثمار التي أينعت والتي تهدف لتسليط الضوء على بعض الجوانب المهمة في صلح الإمام الحسن منها الظروف المحيطة بهذا الصلح التي الجأت الإمام للصلح والمهادنة، ومنها نقاط قوة الإمام في هذا الصلح، ومنها ما نال الإمام من الظلم نتيجة هذا الصلح لعدم ادراك المصلحة منه، وهو بقلم علي السيد محمد حسين الحكيم، وعرفانا منا بدوره في نشر فكر أهل البيت خلال مسيرته العلمية قمنا بطباعة كتابه ولرفد المكتبة الإسلامية ببحوث ودراسات عن شخصية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ومن الله التوفيق والسداد.
العتبة الحسينية المقدسة
مركز الإمام الحسن للدراسات التخصصية
كاظم السيد محمد جواد الخرسان
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
من حسن التوفيق أن يطّلع العلامة الفاضل سماحة (السيد كاظم الخرسان) مدير مركز الدراسات التخصصية في الإمام الحسن (عليه السلام) على الكتيّب الذي صدر عن ظروف صلح الإمام الحسن (عليه السلام) ورغبة المركز في إعادة طبعه ولكنه اقترح عليّ أنه إذا كانت لديّ كتابات أخرى في نفس الموضوع تصلح أن تضاف للكتيب بحيث تكون كتاباً متكاملاً عن مواضيع جديدة في صلح الإمام الحسن (عليه السلام) فذكرت له أني من خلال مطالعاتي المتواضعة في إعداد كتيب ظروف صلح الإمام (عليه السلام) تبلورت عندي بعض الأفكار عن موارد القوة في صلح الإمام (عليه السلام) وكذلك موارد مظلومية الإمام (عليه السلام) نتيجةً لهذا الصلح فأقترح فضيلته أن نقوم بجمعها بكتاب واحد يقوم المركز مشكوراً بطباعته ووقع اختياري أن أسميه (الإمام الحسن (عليه السلام) في صلحه الظروف القوة المظلومية) وشكرت له هذا الجهد والاهتمام ودعوت له بالقبول والتوفيق.
علي السيد محمد حسين الحكيم
26 / ربيع الأول / 1444 ه-
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
السلام عليكم أيها الحضور الكريمالسلام على صاحب الذكرى، مَن شرَّفَ الكون بولادته الكريمة في هذا الشهر المبارك، في هذه الأيام المباركة.
أعتذر للحضور الكريم مما قد يبدر مني من تقصير، في عدم الوفاء لحق صاحب الذكرى، فإنّي أقل من أن أوفّي له (عليه السلام) جزءاً يسيراً من حقّه علينا، مع قلّة البضاعة، وعظم صاحب الذكرى، ومستوى الحضور الكريم، ولكن ما لا يُدرك كُلّه لا يُترك جُلّه.
كثيراً ما يرتبط اسم الأمام الحسن (عليه السلام) وذكراه مع قضية الصلح، وكأنَّ الأمام (عليه السلام) قد خرج عن وظيفته التي كُلِّف بها، أو قَصَّر في أداء واجبه كإمام، ويُقارن دائماً بين صلحه (عليه السلام) وثورة أخيه الأمام الحسين (عليه السلام)، وكأنَّه كان ينبغي له أيضاً أنْ يكون ثائراً، وأن يُقتل، مع إغفال دور الأنبياء والأوصياء، بل حتى بقية الأئمة (عليهم السلام) غير الحسين (عليه السلام).
ومما يوجب هذه المقارنة شدة الارتباط بين الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) وقُرب العهد فيما بينهما مع ما أحدثته ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من انعطافة تاريخيّة في تاريخ الإسلام ومسيرته الخالدة في محاربة الظلم والدعوة لإصلاح النظام السياسي فيه، والثورة ضد الطغاة بعد ما أحدث فيه بنو أمية من ظلم وخروج عن مسيرته الحقة.
لكنه إذا نظرنا إلى دور الأنبياء والأوصياء والمصلحين لم نجد أنَّ لغة القتل والحرب هي اللغة السائدة في خطابهم في أثناء ممارستهم لعملية الإصلاح والوقوف بوجه الظلمة، بل يلجؤون إليها عند الضرورة، وذلك بعد استنفاد كُلّ السُبُل الأخرى كما يقال (آخر الدواء الكي).
فمثلاً خاطب الله تعالى نبيه موسى وأخاه هارون (عليهما السلام) حينما بعثهما لمواجهة فرعون المتجاهر بدعوى الربوبية قائلاً [فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى](1)
ولم يأمرهما بالقتل.
وهكذا لما بعث الله تعالى نبيه الكريم محمداً (صلى الله عليه وآله) قال: {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق}(2)
وما يشاع أنه بُعث بالسيف، فهو ذريعة لمن أتخذ منهج القتل والترويع باسم الدين، وليس هو واقع سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) وما بُعث من أجله.ولذا كان أول ما بعث به (صلى الله عليه وآله) قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 )}(3)
يعني علم الإنسان القراءة، والكتابة، والعلم، والمعرفة، ولم يقل علمه القتل بالسيف.
ثُمّ أمره تعالى بالإنذار والإبلاغ فقال {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(4)ولم يقل له: اقتل من عشيرتك من لم يؤمن بك، وكذلك لما خوطب بإعلان الدعوة {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}(5)
ثم توالت الآيات الكثيرة المُبيّنة أنَّ دوره (صلى الله عليه وآله) تبليغيٌ وليس دوراً قمعياً، قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ}(6)و {فَإِنْ أَسْلَمُوا
فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}(1)و {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(2)و {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(3)
ولمّا أشتدّ عليه الظلم من قومه أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ثم هاجر هو ومن بقي معه إلى المدينة، وخَطب فيها في أول جمعة فقال فيما قال: {أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة}(4)ولم يذكر القتل ولا السيف.
ولم يلجأ لخيار الحرب إلا بعد أنْ أضطُرَّ لأجل نشر الدعوة وخوفه على بيضة الإسلام من المشركين والمعارضين للدعوة الذين أخذوا يتربّصون بها وبمعتنقيها من أجل القضاء عليها.
فنفهم من ذلك أن الدور المُناط بالأنبياء والأوصياء هو حفظ الدين، بكل ما كلَّفهم الله به من وسائل مشروعة، وإن كانت بذل أموالهم، أو أنفسهم، أو غير ذلك مما يقتضيه حفظ الدين، وإبلاغ تعاليم السماء، وإصلاح الأمة، ولذا إنَّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما أُرغم على ترك الخلافة ومبايعةالأوّل - مع أنها كانت حقاً شرعياً له - ترك مطالبة حقه بالسيف من أجل الحفاظ على الدين، التي هي مهمّته
بالأساس، وذكر ذلك في بعض خطبه (عليه السلام) حيث قال: { فما راعني إلا انثيال(1)الناس على أبي بكر وإجفالهم(2)إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي(3)ورأيت أني أحق بمقام محمد (صلى الله عليه وآله) في الناس ممن تولى الأمر من بعده(4)،فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام(5)يدعون إلى محق دين الله وملّة محمد (صلى الله عليه وآله)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً يكون المصاب بهما عليَّ أعظم من فوات ولاية أمركم التي إنما هي متاع أيام قلائل
ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب(6)}(7).
وهذا هو دور الإمام الحسن (عليه السلام) بما أنّه وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ دوره ليس مقتصراً على الحرب والقتال حتى نحاول أنْ نجد له المبررات التي دعته للصلح، وكأنَّه
1) الإنثيال هو تتابع الشيء يتلو بعضه بعضاً، وهو إشارة إلى مبايعتهم لأبي بكر جماعة بعد جماعة كما مذكور في حديث السقيفة
2) انجفال الناس إليه أي ذهابهم نحوه مسرعين
3) الإمساك عن الأمر هو الكف عنه والابتعاد أي ابتعدت عن أمر الخلافة والمطالبة بها لما رأيت من تهافت الناس على أبي بكر
4) ولكنه (عليه السلام) أشار إلى أن إمساك يده عن الخلافة وعدم مطالبته بها لا يعني أنه لا يرى أن صاحب الحق بل يقول أنى أرى أني صاحب الحق وأنى أولى منه بالخلافة وهذا تأكيد منه على أن الخلافة حق له قد اغتصب منه كما ذكر مثل ذلك في خطبته الشقشقية بقوله (عليه السلام) (أرى تراثي نهباً)
5) لبث مكث وبقي أي بقيت على عدم مبايعة أبي بكر للخلافة حتى رأيت تراجع الناس عن الدين بسبب ما يروه من الانحراف من غير أهل الحق
6) السراب هو ما يتخيل أنه الماء في هجير الصحراء، ومراده (عليه السلام) أن ما يمكن أن أجنيه من الفائدة للدين بسبب المطالبة بحقي من الولاية التي لو كسبتها بالمطالبة فإنها سوف تزول فائدته عاجلاً كما يزول السراب ويعود الأمر إلى ما هو أسوأ من ذلك
7) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 6 ص 95 خطبته بعد شهادة محمد بن أبي بكر
قد أخطأ مهمته التي أوكلت له بإمامته، ولذا نجد كثيراً من الكُتّاب يُحاول أن يُبرّر الصلح للإمام (عليه السلام) وكأنّه كان من اللازم عليه القتال وهو قد تخلّى عن واجبه.ومع ذلك لم يترك الإمام (عليه السلام) هذا الخيار وقام بكلا الأمرين، الدعوة بالحسنى أوّلاً، ثم إعداد العُدّة للحرب والقتال ثانياً، إسقاطاً للتكليف الشرعي بوجود من به الكفاءة للقتال، ولكن كانت هناك عدة عوامل أحاطت بالإمام (عليه السلام) فترة إمامته منعته من المعركة وألجأته لخيار الهدنة والصلح، حفاظاً على الدين وحَمَلَته الحقيقّيين.
وهذه الظروف جعلت من انتصار الإمام (عليه السلام) في المعركة وكسب ثمارها حتى من طريق الشهادة مستحيلاً، وعَرَفَ الإمام (عليه السلام) أن النتائج ستكون خسارة للدين، ولا يكون الرابح فيها إلا الحاكم الظالم، ولذا فإن الإمام الحسن (عليه السلام) عَلِمَ أنَّ انتصاره على عدوّه لا يكون إلا بصلحه مع معاوية، ليكشف للناس التزامه (عليه السلام) بمبادئ الدين الحنيف التي جاء بها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) و يبين غَدْر معاوية ونكثه للعهد، ويبين أن معاوية إنّما يطلب الخلافة للدنيا وليس للحفاظ على الدين، ولبيان أنّ هذا هو شأن بني أمية، في توليهم للخلافة، وكان ذلك منه أيضاً تمهيداً وإعداداً لثورة الإمام الحسين (عليه السلام).
وسنتعرض بهذه العجالة لأربعة عوامل بنحو من الاختصار، لو كانت قد تهيأت للإمام الحسن (عليه السلام) كما تهيأت للإمام الحسين (عليه السلام) لقاد المعركة ولكان له ثورة كثورة أخيه سيد الشهداء (عليه السلام) التي كتب لها النجاح والخلود بسبب هذه العوامل.
وسيكون حديثنا في صلب موضوع ظروف الصلح هو بيان هذه العوامل التي ألجأت الإمام (عليه السلام) للصلح وهي:
الأول : القائد الناجح الكُفء لقيادة المعركة.
الثاني : الجيش المتمسّك بالمبادئ التي يُقاتِل من أجلها.
الثالث : نوع العدو الذي يواجه في المعركة.
الرابع : الظروف المحيطة بالمعركة.
اختار الإمام الحسن (عليه السلام) (عبيد الله بن العباس) قائداً لجيشه، وذلك لمؤهّلات وجدها الإمام (عليه السلام) فيه تؤهله أن يكون قائداً ناجحاً.منها: كونه من بني هاشم، وقد عُرِفوا بالشجاعة، والإيمان بالرسالة، والمبدأ الحق.
منها: كونه رحماً له، لأنّه ابن عمه(1)،
والرحم أولى بعدم خذلان رحمه عند الشدة.
ومنها: كونه كان والياً لأبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على اليمن، فهو خبيرٌ بالشؤون القيادية والعسكرية.
ومنها: كونه كان موتوراً من معاوية، بسبب قتل وَلَدَيه، وجنون أُمهما بسبب ذلك على يد قائد جيشه بُسر بن أرطاة حين غزوه لليمن(2)
وعن سنان بن أبي سنان أن أهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوا وهربوا وخرج ابنا عبيد الله سليمان وداود وأمهما جويرية أم حكيم ابنة خالد بن قارظ الكنانية وهم حلفاء بني زهرة وهما غلامان مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون وميمون هذا ابن الحضرمي أخو العلاء بن الحضرمي وهجم عليهما بسر فأخذهما فذبحهما فقالت أمهما:
ها من أحس بأبني الذين هما كالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بأبني الذين هما سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
ها من أحس بأبني الذين هما مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا من قتلهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابني مرهفة مشحوذة وكذاك الإثم يقترف
من ذل والهة حرى مسلبة على صبيين ضلا إذ مضى السلف
وفي رواية ثانية فخرج حتى مر ببني كنانة وفيهم ابنا عبيد الله بن العباس عبد الرحمن وقثم وأمهما جويرية بنت قارظ الكنانية وقارظ من حلفاء بني زهرة ، وكان عبيد الله قد جعل ابنيه عند رجل من بني كنانة فلما انتهى بسر إليهما أراد أن يقتلهما فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته وأخذ السيف وخرج إليه فقال له بسر: ثكلتك أمك والله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل؟ - قال : نعم أقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس، ثم شد عليهم بالسيف حاسرا وهو يقول :
آليت لا يمنع حافات الدار * ولا يموت مصلتا دون الجار* إلا فتى أروع غير غدار
فضارب بسيفه حتى قتل، وقدم الغلامين فقتلهما، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: هذه الرجال تقتلها فعلام تقتل الولدان؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية ولا في الإسلام، والله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الضرع الضعيف والمُدْرَهمّ الكبير ورفع الرحمة وقطع الأرحام لسلطان سوء فقال بسر: والله لهممت أن أضع فيكن السيف، قالت: والله إنه لأحب إلي إن فعلته، وقالت جويرية أبياتها.
.1) لأنه عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وهو (عليه السلام) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب
2) فلما قدم الكتاب إلى معاوية دعا بسر بن أبي أرطاة [ وكان قاسي القلب، سفاكا للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمة فوجهه إلى اليمن وأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة [ حتى ينتهي إلى اليمن ] وقال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاة لهم [ منك ] وأنك محيط بهم، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا.
فوجّه الإمام (عليه السلام) كتيبة عدادها اثنا عشر ألف مقاتل، وأمَّره عليهم استعداداً لخوض المعركة مع معاوية، ولكن كلَّ هذه المؤهلات لم تقف أمام شهوة المال وحب الدنيا، فما أنْ كتب إليه معاوية وأغراه بالدراهم التي بعث له نصف ما وعده به، ونصف عند الالتحاق به، أخذ معه جمع من أصحابه وانحاز لجيش معاوية، فأصبح الجيش لصلاة الصبح بدون قائد، وتدارك الأمر قيس بن سعد بن عبادة، فصلى صلاة الصبح بالجيش وخطب فيهم مُهدِّئاً من روعهم.
ولكنَّ بعض المؤرخين لم يدرك ذلك، وزاد في ظلامة الإمام (عليه السلام) فتصور أن الإمام (عليه السلام) بتأميره (عبيد الله) كان رغبة منه في الصلح، وليس لمؤهلات (عبيد الله)، أو حُسْنُ إدارة عسكرية من الإمام (عليه السلام).
فمثلا المؤرخ الطبري وقع بهذا الخطأ الفظيع فقال (عن الزهري قال جعل علي (عليه السلام) قيس بن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قِبَلِ أذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا علياً (عليه السلام) على الموت ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل علي (عليه السلام) واستخلف أهل العراق الحسن بن علي (عليه السلام) على الخلافة وكان الحسن (عليه السلام) لا يرى القتال ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة وعرف الحسن (عليه السلام) أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه وأمَّرَ (عبيد الله بن عباس) فلما علم (عبيد الله بن عباس) بالذي يريد الحسن عليه السلام أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها فشرط ذلك له معاوية)(1).
ولكن حقيقة الأمر ليس كما ذكره الطبري، بل لما ذكرناه وغيرها من المؤهلات هي التي أوجبت جعله قائداً، ثُمَّ وإن خَلَفَه قيس بن سعد، لكنه أيضاً لم يتمكن من السيطرة على تخاذل الجيش ورغبته في الصلح، وكذلك تخاذل بقية قواد الكتائب الأخرى.وبعد ذلك أرسل الإمام (عليه السلام) كتيبة أخرى بأربعة ألاف، وكانت بقيادة رجل من كنده، وأمره الإمام (عليه السلام) أن يعسكر بالأنبار، ولا يُحدث شيئاً حتى يأتيه الأمر من الإمام (عليه السلام)، فلما عَلِمَ به معاوية كتب له كتاباً يقول فيه:
1) تاريخ الطبري ج 4 ص121
(إنك إن أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام، أو الجزيرة، غير منفس عليك. وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي - عدو الله - المال، وقلب على الحسن عليه السلام وصار إلى معاوية، في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته)(1)
وعَلِمَ الإمام (عليه السلام) بذلك فخطب وقال في بعض ما قال: (وهذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجه رجلاً آخر مكانه، وأنا أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه، لا يراقب الله فيَّ ولا فيكم)(2)
ثم أرسل كتيبة أخرى بأربعة ألاف، وجعلها بقيادة رجل من مراد وحَلَفَ للإمام (عليه السلام) بالأيمان أنه لا يغدُر، فلما توجه للأنبار أرسل إليه معاوية كما أرسل لصاحبه، فأنحاز إلى معسكر معاوية غير مبالٍ بما أعطى للإمام (عليه السلام) من مواثيق وعهود.
وخطب الإمام (عليه السلام) وقال: (قد أخبرتكم مرة بعد مرة أنّكم لا تفون لله بعهود، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم وصار إلى معاوية)(3)
فكيف يمكن للإمام (عليه السلام) أن يُقاتل بهكذا نفوس، وهم من يُعدّون من قيادة الجيش، فكيف بعموم الناس الذين هم عموم أفراد الجيش.
لكنه لما أتيح هذا العامل للإمام الحسين (عليه السلام) كان سبباً في إصراره على المعركة حتى النصر أو الشهادة، حيث كان قائد معسكره هو أخوه أبو الفضل العباس (عليه السلام)، وقائد الأنصار حبيب بن مظاهر الأسدي (رضوان الله عليه)، فثبت الإمام الحسين (عليه السلام) بهم كما ثبتوا هم على المبدأ الحق لحين الشهادة ولم يخذل الإمام الحسين (عليه السلام)، أبو الفضل العباس (عليه السلام)، ولا حبيب بن مظاهر الأسدي (رضوان الله عليه)، ولا من كان تحت قيادتهما من أهل البيت والأنصار، حتى استشهدوا بين يديه (عليه السلام).
بما أن الإمام (عليه السلام) كان في الكوفة بعد شهادة أبيه (عليه السلام)، فأخرج الجيش منها، ومجتمع الكوفة في ذلك الوقت لم يكن كلُّه موالياً للإمام (عليه السلام)، بل ولا أكثره، لأن الكوفة كانت خليطاً غير متجانس، أكثره غير موالٍ للإمام (عليه السلام)فقسم منها يدين بالولاء إلى بني أمية كعمرو بن حريث، وعمارة بن الوليد، وعمر بن سعد، وأبو بردة أبن أبي موسى الأشعري، وغيرهم، وهؤلاء كان لهم دور كبير وفاعل في تخذيل الجيش عن الخروج للقتال ضد معاوية، وكانت لهم مكاتبات بالسمع والطاعة له، وهم من كاتَبَ معاوية أنّه لو شئت سلَّمنا لك الحسن (عليه السلام) مكتوفاً يداً بيد.
وقسم آخر من الخوارج، وهم وإن لم يكن لهم عدد كبير بعد انهزامهم في معركة النهروان، إلا أنهم أصحاب فكر، ولهم دور كبير أيضاً في تثبيط عزائم الناس عن الخروج للمعركة، والتشكيك بإمامة الأمام الحسن (عليه السلام)، وعدم الطاعة له، وكان دورهم كبيراً في التأثير لما يظهر من مغريات كلامهم وما يظهر عليهم من الصلاح والنصح.
وقسم آخر يُسمَّون بالحُمَراء، وهم هجين من موالٍ وعبيد، بعضهم من بقايا سبايا بلاد فارس أسكنهم عمر بن الخطاب الكوفة، وذكر الطبري أنَّ عددهم في الكوفة كان قرابة عشرين ألف، حتى كانت توصف الكوفة في بعض الأحيان بالحمراء لظهورهم فيها، وهؤلاء لم يكن يعرف لهم ولاء لأهل البيت (عليه السلام) أصلاً، بل قد يظهر من بعضهم أن أكثر من خرج لحرب الحسين (عليه السلام) كان منهم.
وقد تبين حال هذا الخليط من أهل الكوفة جلياً لما عزم الإمام الحسن (عليه السلام) على القتال ونادى بالصلاة جامعة، فلما صعد المنبر قال في جملة ما قال: (أما بعد: فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ](1)
فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك فأخرجوا - رحمكم الله - إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا).
قال: فسكتوا فما تكلم منهم أحد ولا أجاب بحرف. فلما رأى ذلك عَدي بن حاتم، قال: أنا ابن حاتم سبحان الله، ما أقبح هذا المقام ؟ ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم أين خطباء مضر؟ أين المسلمون ؟ أين الخواضون من أهل المصر الذينألسنتهم كالمخاريق في الدعة(2)
فإذا جد الجد فروّاغون(3)
كالثعالب أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها)(4)
وقام قيس بن سعد ومعقل بن قيس وزياد بن صعصعة وأنّبوا الناس ولكن ما يصنع هؤلاء القلة مع هذا الانكماش والتخاذل من الكثرة، ولذلك التخاذل أسباب نذكرها في العامل الرابع إن شاء الله.
1) آية 46 سورة الأنفال
2) المخاريق: جمع مخراق، وهو المنديل أو نحوه يلوي فيضرب به ويوصف به السيف. والدعة: السعة والخفض في العيش. مراده ألسنتهم تضرب كالسيوف لكن وقت الراحة والسعة في العيش
3) وراغ الثعلب من باب قال يروغ روغا وروغانا : ذهب يمنة ويسرة في سرعة خديعة ، فهو لا يستقر في جهة ، والرواغ بالفتح اسم منه .
4) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص29
بينما الإمام الحسين (عليه السلام) خرج بأهل بيته الذين كانوا في فترة إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) صغاراً غير قادرين على الحرب، وخُلَّص أصحابه الذين كانوا على أتمّ الاستعداد للثبات على العقيدة والمبدأ الحق حتى النفس الأخير، ولذا لما قام الإمام الحسين (عليه السلام) في أصحابه خطيبا ليلة العاشر، فقال: (اللهم إني لا أعرف أهل بيت أبر ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحاباً هم خير من أصحابي، وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حل من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمة، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا(1)،
وتفرقوا في سواده، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري.
فقام إليه عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: يا بن رسول الله، ماذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا وابن سيد الأعمام، وابن نبينا سيد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف، ولم نقاتل معه برمح ! لا والله أو نرد موردك، ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا وخرجنا مما لزمنا.
وقام إليه رجل يُقال له زهير بن القين البجلي، فقال: يا بن رسول الله، ووددت أني قُتلت ثم نُشرت، ثم قُتلت ثم نُشرت ، ثم قُتلت ثم نُشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة، وإن الله دفع بي عنكم أهل البيت. فقال له ولأصحابه: جزيتم خيراً)(2)
وهذا ما كان يخطط له الإمام الحسين (عليه السلام) إما النصر أو الشهادة على يد يزيد بأبشع الطرق لتَخلُدَ بذلك ثورته.
وهو معاوية بن أبي سفيان، فأبوه أبو سفيان من وجهاء قريش، وهو والي عمر بن الخطاب على الشام، والخليفة للمسلمين بعد حادثة التحكيم، وكان يُعدّ مندُهاة العرب، وهو يتمتع بشيء من حكمة السياسة وتعقّل بعض الأمور، وكان يتظاهر بمظاهر الإسلام من حضور الجمعة والجماعة وغيرها، وهذه عوامل قوة لموقف معاوية.
إضافة إلى أنه أحاط نفسه بمجموعة من المستشارين يُعتبرون أيضاً من الدهاة كالمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عتبة، ومسلم بن عقبة، والضحاك الفهري، ويزيد العبسي، فهو بذلك يستطيع قلب المعادلة بالمعركة لحسابه سواءٌ أكان خاسراً بها أم رابحاً، كما استطاع قلب موازين المعركة لما أشرف جيشه على الهلاك في معركة صفين بخدعة رفع المصاحف والتحكيم وكسب نتيجة المعركة لصالحة، مع أن الذي كان مقابله في المعركة هو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وكذلك كانت الأمور لو انتصر في المعركة مع الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية وتمكن من الإمام الحسن (عليه السلام) فإنه لا يصنع معه كما صنع يزيد مع الإمام الحسين (عليه السلام)، ولذا ذكر الإمام الحسن (عليه السلام) في الرد على بعض منكري الصلح (والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي، وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز خير
من أن يقتلني وأنا أسيره أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم(1)
إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت)(2)
ويكون بذلك معاوية مغتنماً لفرصة رد عاره كونه من الطلقاء بعفوه عن الإمام (عليه السلام) ومن يؤسر معه وتكون واحدة بواحدة.
بينما الإمام الحسين (عليه السلام) كان عدوّه يزيد بن معاوية ذلك الشاب النزق الذي أعلن الفسق والفجور صراحة، كما ذكر ذلك الطبري فقال: (ذكر أبو مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حميد بن حمزة مولى لبنى أمية، قال: فقدم فتى غر، حدث غمر، لم يجرب الأمور، ولم يحنكه السنن ولم تضرسه التجارب، وكان لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، وبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة، فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وعبد الله بن أبي عمرو ابن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير، ورجالاً كثيراً من أشرافأهل المدينة فقدموا على يزيد بن معاوية فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم، ثم انصرفوا من عنده وقدموا المدينة كلهم إلا المنذر بن الزبير فإنه قدم على عبيد الله ابن زياد بالبصرة وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف درهم، فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبه، وقالوا إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير،
ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم إنا قد خلعناه، فتابعهم الناس)(1)
فيزيد بن معاوية لم يكن له حنكة ودهاء أبيه، وأبعد مستشاري أبيه عنه، وأعتمد على من هم أمثاله، كسرجون المسيحي وأشباهه، ولذا كان مستعداً لأن يقوم بأبشع الجرائم من أجل بقائه في كرسي السلطة، وهذا ما فعله بالإمام الحسين (عليه السلام) وعيالاته، وهذا ما أراده الإمام الحسين (عليه السلام) بنهضته، هو بيان فسق وجور بني أمية ومدى خروجهم عن الدين من أجل السلطة، ولذا فإن الإمام الحسين (عليه السلام) عاش بعد شهادة أخيه الحسن (عليه السلام) مع معاوية عشر سنين لم يحرك ساكناً مع معاوية؛ لأن العلة التي منعت الإمام الحسن (عليه السلام) من الحرب موجودة عينها مع الإمام الحسين (عليه السلام) وهي وجود معاوية.
1) تاريخ الطبري ج 4 ص368
تولى الإمام الحسن (عليه السلام) الخلافة سنة أربعين للهجرة، وكانت هذه السنين حافلة بالمعارك الطاحنة فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان له ما يقارب من سبعين غزوة، كلّها من بعد الهجرة، أي في مدة عشر سنوات، ثم من بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وفي خلافة أبي بكر كانت فيها حروب الردة(1)
وأوّلهم - مسيلمة الكذّاب وكان على قبيلة بني حنيفة شرقي جزيرة العرب ، وهذا ادّعى النبوّة قبل وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
وثانيهم - الأسود العنسي بصنعاء كلاهما ادّعى النبوّة إمّا قبيل حجّة الوداع أو بعدها في مرض النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) الذي مات فيه .
ثالثهم - طليحة بن خويلد الأسدي ، الذي ادّعى النبوّة أيضاً في بلاد بني أسد في مرض الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .
رابعهم - ادّعت النبوّة سجاح بنت الحارث التميمية بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وهؤلاء لا يعتبرون من المرتدين
وحرب فئة من قبائل العرب المسلمين امتنعوا عن أداء الزكاة . فبعضهم حبسها ، وبعضهم توّقف يترقّب ما يصير إليه أمر الخلافة ، وبعضهم قال : نأخذها من أغنيائنا ونعطيها فقراءنا وهؤلاء كانت لعم أعذار بعدم دفع الزكاة وليسوا مرتدين أيضاً فبعضهم كانت حجّتهم أنّهم كانوا يدفعون الزكاة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حال حياته ، وأمّا بعد موته فإنّهم لن يدفعوها لي ، بل سيأخذونها من أغنيائهم ويردّونها على فقرائهم . وهذا الحارث بن سراق ، أحد شيوخ كندة في حضرموت يقول : نحن إنّما أطعنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا كان حيّاً ، ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه ، وأمّا ابن أبي قحافة فلا ، والله ما له في رقابنا طاعة ولا بيعة ! ثم قال : أطعنا رسولَ اللهِ إذ كانَ بيننا فيا عَجَباً ممّن يطيع أبا بكر وبنو ذهل ، من كنده ، سار إليهم زياد بن لبيد أمير حضر موت ، يدعوهم إلى السمع والطاعة ، فقالوا له : وإنّك لتدعوا إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد ! قال زياد : صدقتم ، فإنّه لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد ، ولكنّا اخترناه لهذا الأمر . فقالوا له : أخبرنا لم نحيتم عنها أهل بيته وهم أحقّ الناس بها والله تعالى يقول : ( وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّهِ ) ؟ فقال زياد لمتكلّمهم : إنّ المهاجرين والأنصار أنظر لأنفسهم منك . فقال له الحارث بن معاوية الذهلي الكندي : لا والله ، ما أزلتموها عن أهلها إلاّ حسداً منكم لهم ! وما يستقرّ في قلبي أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علماً يتبعونه ! ! فارحل عنا أيّها الرجل فإنّك تدعوا إلى غير رضى . فوثب آخر من القوم فقال : صدق والله الحارث ، أخرجوا هذا الرجل عنكم ، فما صاحبه بأهل للخلافة ، ولا يستحقّها بوجه من الوجوه ، وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأُمّة من نبيّها محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ! ومالك بن نويرة : وكان النبىّ ( صلى الله عليه وآله ) قد استعمل مالكاً على صدقات قومه ، فلمّا بلغه وفاة النبىّ ( صلى الله عليه وآله ) فرّق الصدقات على فقراء قومه ، ولم يبعث بها إليه ، وقال : فقلت خذوا أموالكم غير خائف ولا نظر فيما يجيء من الغدِ فإن قام بالدين المحقوق قائمٌ أطعنا وقلنا الدين دينُ محمّدِ وقد أمر مالك رجال قبيلته بعدم التحزب وعدم رفع السلاح ، وعندما دخل عليهم خالد بن الوليد بجيشه وخيله فدهشوا لذلك وقالوا لهم : من أنتم ؟ فأجابهم خالد نحن مسلمون . فقال مالك وأصحابه : ونحن مسلمون ! فقال لهم خالد : فضعوا أسلحتكم ، وأذّن أصحاب خالد وأذّن أصحاب مالك وصلّى القوم صلاة واحدة . ثم ساقهم أصحاب خالد أسارى ووضعوا القيود في أيديهم ، فأمر خالد أن يُقتل رجالهم صبراً أمام مالك ! فصاحوا : إنّا مسلمون فعلى ماذا تأمر بقتلنا ؟ !قال : والله لأقتلنكم ! ! فضربت أعناقهم صبراً واحداً بعد واحد ، ثمّ جاء الدور لمالك ، فلم يشفع له عند خالد احتجاجه بإسلامه وصلاته ، ولا شفع له شهادة أبي قتادة الأنصاري بإسلامه ، الذي كان على الخيل التي حصرتهم . وبعد أن أكثر فيهم القتل وسبى نساءهم ، دخل على زوجة مالك ابن نويرة من ليلته ، فعندها أقبل أبو قتادة بالنبأ إلى أبي بكر، وكان قد عاهد الله ألاّ يشهد مع خالد حرباً بعد هذه ! وتكلّم عمر عند أبي بكر في خالد رجاء أن يقيم عليه حدّ الله ، لقتله هؤلاء المسلمين ، ودخوله بزوجة المقتول من ليلتها . وقال عمر : عدو الله ، عدا على امرئ مسلم ، فقتله ونزا على امرأته ! لكنّ أبي بكر قال له : هيه يا عمر ! تأوّل فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد . ولذلك وديت قوم مالك ورددت سباياهم
،ومعارك كبيرة، كمعركة
1) ويقصد بها حرب مدعي النبوة
اليرموك(1)،
وغيرها، وفي خلافة عمر بن الخطاب كثرت المعارك بسبب كثرة الفتوحات الإسلامية، كمعركة القادسية(2)،
وغيرها، وكذلك في خلافة عثمان بن عفان حيث غزا أرمينية، وأذربيجان، وفتح افريقية، وغيرها.
ثم في خلافة أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بدأت الحروب بين المسلمين أنفسهم، فكانت أوّلها حرب الجمل التي حصدت أرواح ما يربو على عشرة آلاف من الفريقين، ثم حرب صفين التي لم تقل ضراوة عن سابقتها، ومن بعدها حرب النهروان، فكان هناك ملل وتضجر من كثرة المعارك والحروب.
مضافاً إلى أنه لم تكن فكرة وجود خط ولائي شيعي يعترف بإمامة أهل البيت (عليه السلام) متبلورة جداً في نفوس المسلمين، وإن كانت نشأة التشيع وفكرة الإمامة نشأت من عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) لما نصب الإمام علي (عليه السلام) في غدير خم، لكن لم تكن على صعيد واضح بحيث تؤسس لشارع شيعي يدين بالولاء لأهل البيت (عليه السلام) بما أنهم أئمة وتجب طاعتهم.
لذلك بدأ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يُغذّي هذه الفكرة لخُلّص أصحابه، ليُنتج مدرسة تحمل هذا الفكر، وتعتقد به، وتضحي من أجله، وذلك في فترة خلافة من قبله، وفي أيام خلافته رغم انشغاله (عليه السلام) بالحروب في فترة خلافته القصيرة، وكان نضوج هذا الخط بوضوح عند أصحاب الحسين (عليه السلام)، بعد أن أعدهم الإمام الحسن (عليه السلام) إعداداً جيداً بعد فترة الهدنة بينه وبين معاوية، ليكونوا قدوة لنشر الفكر الولائي لأهل البيت (عليه السلام).
ولذا كان صلحه مع معاوية له الأثر الكبير في الحفاظ على البقية الباقية لحملة هذا الفكر وإعدادهم إعداداً جيداً لذلك، فمثلا كان من هذه المدرسة مع الإمام الحسنكبيرة، كمعركة اليرموك(3)،
وغيرها، وفي خلافة عمر بن الخطاب كثرت المعارك بسبب كثرة الفتوحات الإسلامية، كمعركة القادسية(4)،
وغيرها، وكذلك في خلافة عثمان بن عفان حيث غزا أرمينية، وأذربيجان، وفتح افريقية، وغيرها.
ثم في خلافة أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بدأت الحروب بين المسلمين أنفسهم، فكانت أوّلها حرب الجمل التي حصدت أرواح ما يربو على عشرة آلاف من الفريقين، ثم حرب صفين التي لم تقل ضراوة عن سابقتها، ومن بعدها حرب النهروان، فكان هناك ملل وتضجر من كثرة المعارك والحروب.
مضافاً إلى أنه لم تكن فكرة وجود خط ولائي شيعي يعترف بإمامة أهل البيت (عليه السلام) متبلورة جداً في نفوس المسلمين، وإن كانت نشأة التشيع وفكرة الإمامة نشأت من عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) لما نصب الإمام علي (عليه السلام) في غدير خم، لكن لم تكن على صعيد واضح بحيث تؤسس لشارع شيعي يدين بالولاء لأهل البيت (عليه السلام) بما أنهم أئمة وتجب طاعتهم.
لذلك بدأ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يُغذّي هذه الفكرة لخُلّص أصحابه، ليُنتج مدرسة تحمل هذا الفكر، وتعتقد به، وتضحي من أجله، وذلك في فترة خلافة من قبله، وفي أيام خلافته رغم انشغاله (عليه السلام) بالحروب في فترة خلافته القصيرة، وكان نضوج هذا الخط بوضوح عند أصحاب الحسين (عليه السلام)، بعد أن أعدهم الإمام الحسن (عليه السلام) إعداداً جيداً بعد فترة الهدنة بينه وبين معاوية، ليكونوا قدوة لنشر الفكر الولائي لأهل البيت (عليه السلام).
ولذا كان صلحه مع معاوية له الأثر الكبير في الحفاظ على البقية الباقية لحملة هذا الفكر وإعدادهم إعداداً جيداً لذلك، فمثلا كان من هذه المدرسة مع الإمام الحسن(عليه السلام) على سبيل المثال لا الحصر رُشَيد الهجري، ومِيثَم التمار، وهاني بن عروة، وحبيب بن مظاهر، وعدي بن حاتم، وعابس بن شبيب، وصعصعة بن صوحان، ومسلم بن عوسجه، ومعقل الأشجعي، وسهل بن سعد، وقيس بن مسهر الصيداوي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وغيرهم (رضوان الله عليهم) وقسم منهم كبير قاتل مع الإمام الحسين (عليه السلام) وقتل بين يديه.
بل حتى الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج بعضهم معه، ولعلّه لكي لا يُقتلون كلّهم، بل من أجل أن تبقى بقية من حملة هذا الفكر الولائي لإرشاد الناس نحو هذا الخط وتثقيفهم، ككميل بن زياد، وأبي حمزة الثمالي، وسهل بن سعد، وغيرهم (رضوان الله عليهم).
فلذا كانت ظروف المعركة بهكذا أناس لا تحمل عقيدة وفكر أهل البيت (عليهم السلام)، مع أنها متعبة من ويلات الحروب، تشير إلى كونها خاسرة بكل نتائجها وحساباتها.
بل كما تقدم لا يمكن أن تكون حتى كواقعة كربلاء في الأفعال والنتائج، ولذا لما جاء كتاب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى قيس بن سعد للصلح مع معاوية خطب قيس في الجيش فقال ( أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال بغير إمام، فقالوا نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلالة)(1)
وبايعوا لمعاوية وكان عددهم كما مر قرابة عشرين ألفاً.
بينما الإمام الحسين (عليه السلام) تهيأ له الظرف بعد مرور عشرين سنة من الهدنة، وكانت هذه المدة كافية للراحة من ويلات الحروب، مع الإعداد الجيد للموالين لأهل البيت (عليه السلام)، وكثرة عددهم، مع تهيأ أهل بيته (عليه السلام) للقتال بعد أن كان أكثرهم حين إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) صغاراً غير مؤهلين للمعركة، كالعباس بن علي (عليه السلام)، وأخوته، وعلي الأكبر (عليه السلام)، والقاسم وأخوته، وآل عقيل، وآل جعفر (عليهم السلام)، ولذا فإن الإمام الحسين (عليه السلام) خرج بأهل بيته وخلص أصحابه الموالين له، الذين كانوا على أتم الاستعداد للتضحية بالدماء الغالية من أجل الدين والإمام الحسين (عليه السلام)، ولم يخذله أحد منهم حتى أخر رمق فيهم.
ولذا كان انتصار الإمام الحسين (عليه السلام) ظلماً بما جرى من أحداث في كربلاء من صور بشعة لا بالحسابات العسكرية، وكان انتصاراً للدم لا للسيف.
1) تاريخ الطبري ج 4 ص122
ختاماً نرجو أن نكون قد وفقنا لإزالة الشبهة عن دور الإمام الحسن (عليه السلام) وأن دوره لم يكن القتال فقط وقد تخاذل عنه أو رغب في الصلح طلباً للراحة، بل إنه (عليه السلام) قد قام بالمهمة المنوطة به خير قيام، وانتصر بصلحه كما انتصر الإمام الحسين (عليه السلام) بثورته في فضح حكم بني أمية، وعدم أهليّتهم للخلافية الإسلامية التي استولوا عليها بالغدر والخديعة، وتخاذل المسلمين.
ولذا لو كانت قد توفرت للإمام الحسن (عليه السلام) الظروف والعوامل أنفة الذكر لكان له ثورة كثورة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) ولكن كانت ثورته (عليه السلام) بصلحه وتهيئة الظروف لثورة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كلمة أُلقِيَتْ بمناسبة ولادة الإمام الحسن (عليه السلام) في مهرجان الحلة، مدينة الإمام الحسن (عليه السلام) الذي أقيم في مدينة الحلة في ليلة ولادته (عليه السلام) في شهر رمضان سنة 1420 هجرية بحضور جمع من أساتذة وطلاب الجامعات وبعض النخب المثقفة وجمع من أهالي مدينة الحلة.
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
تثار كثير من الشبهات عن صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية وقد يبدو من البعض أنه كان موقف ضعف من الإمام (عليه السلام) أو رغبة في الصلح طلباً للراحة وعدم تحمل جهد القتال ومكاره الجهاد جهلاً منهم بمقام الإمام الحسن (عليه السلام) أو عدم وضوح رؤية تامة عن سبب معاهدة الصلح وأن الإمام (عليه السلام) كان يهدف من هذه المعاهدة حفظ دماء شيعته وتركيز مذهب وعقيدة أهل البيت (عليهم السلام) في النفوس وقوة بيضة الإسلام وتمهيد أمور الثورة لأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) وغير ذلك من الأمور التي أطلع عليها بعلمه الغيبي وخفيت علينا لعدم اطلاعنا على بواطن الأمور، وقد كان موقف الإمام (عليه السلام) واضحاً من معاوية حين توليه الخلافة بعد أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث كان الإمام (عليه السلام) مصراً على أنه هو الخليفة الشرعي وهوصاحب الحق والناس قد بايعته طوعاً ولا بد من بيعة معاوية له وإن لم يقبل فلا خيار له إلا الحرب، فقد ذكر أبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (قال أبو الفرج الأصفهاني كتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدي: من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليكم فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فان الله عزو جل بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) رحمةً للعالمين، ومنةً للمؤمنين توفّاه الله غير مقصّر ولا وانٍ، بعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشر، وخص قريشاً خاصّة فقال له {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}(1)فلما توفي تنازعت
1) آية 44 سورة الزخرف
سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد (صلى الله عليه وآله)، فأنعمت لهم وسلمت إليهم. ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياؤه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو المولي النصير. ولقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافةً على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمرٍ لست من أهله، لا بفضلٍ في الدين معروف، ولا أثرٍ في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريشٍ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن الله حسيبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينَّ عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد. إن علياً لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حياً – ولّاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظَّ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أنّي أحقُّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أوابٍ حفيظ، ومن له قلبٌ منيب. واتق الله! ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله مالك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله،
ومن هو أحق به منك ليطفئ الله النائرة بذلك،ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.)(1)
وكذلك يتضح قوة موقفه (عليه السلام) من معاوية حتى بعد الصلح، وأنه (عليه السلام) هو صاحب الحق وإن تنازل لمعاوية فإنّما هو لأمرٍ عارض لاحظ الإمام (عليه السلام) فيه مصلحة الأمة وليس لمقام معاوية أو أحقيته للخلافة أو لفضيلةٍ له تذكر فقد روى في تحف العقول قال: (قال معاوية للحسن (عليه السلام) بعد الصلح: أذكر فضلنا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد النبي وآله ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلّت عليه الملائكة، أنا ابن من شُرِّفت به الأمة، أنا ابن من كان جبرئيل السفير من الله إليه، أنا ابن من بُعث رحمة للعالمين (صلى الله عليه وآله) أجمعين.
فلم يقدر معاوية أن يكتم عداوته وحسده فقال: يا حسن عليك بالرطب فانعته لنا، قال: نعم يا معاوية، الريح تلقِّحه، والشمس تنفخه، والقمر يلوّنه، والحر ينضجه، والليل يبرّده. ثم أقبل على منطقه فقال: أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن من كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغماً، أنا ابن من سعد تابعه، وشقي خاذله، أنا ابن من جُعلت الأرض له طهوراً ومسجداً أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
فقال معاوية: أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة، فقال: ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعمل بطاعة الله، ولعمري إنّا لأعلام الهدى
1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 34 في ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام)
ومنار التقى، ولكنّك يا معاوية ممن أباد السنن، وأحيا البدع، واتخذ عباد الله خِولا، ودين الله لعباً، فكأنّ قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيراً، وبقيت عليك تبعاته، يا معاوية والله لقد خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب أسماؤهما جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحداً غير جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال معاوية: يا أبا محمد أخبرنا عن ليلة القدر، قال: نعم، عن مثل هذا فاسأل إنّ الله خلق السماوات سبعاً والأرضين سبعاً، والجنّ من سبع، والانس من سبع فتطلب من ليلة ثلاث وعشرين إلى ليلة سبع وعشرين ثم نهض عليه السلام)(1).مضافاً إلى ما أحاطت بالإمام (عليه السلام) من ظروف جعلت مصير الصلح حتمياً كما أشرنا لبعضها في كتيب (ظروف صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، ولذا سنبين هنا موقف الإمام (عليه السلام) وقوته حتى خلال معاهدة الصلح من خلال أمرين ملفتين للانتباه في قضية الصلح وهما بنود معاهدة الصلح التي طلبها الإمام (عليه السلام) من معاوية كشرط للصلح، وخطبة الإمام (عليه السلام) بعد إتمام المعاهدة وإن كان من خبث معاوية هو عدم الالتزام ببنود المعاهدة ولكن الإمام (عليه السلام) أراد بيان حقائق مهمة بهذه المعاهدة وإقرار معاوية ظاهراً بها كاف في إثبات الحق وبطلان حق معاوية في الخلافة، حيث سنسلط الضوء على أمور يتم استيضاحها منهما.
الأول: عدم شرعية خلافة معاوية وخروجه عن مسيرة الإسلام حتى من تقدمه من الخلفاء غير الشرعيين.
الثاني: أن الخلافة حق له ولأخيه الإمام الحسين (عليهما السلام) من بعد أبيه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الله عز وجل.
1) تحف العقول عن آل الرسول ص233
الثالث: بيان أن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو صاحب الحق في حربه مع معاوية في معركة صفين.
الرابع: أن يترك سبَّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر علياً الا بخير.
الخامس: عدم شرعية خلافة معاوية حتى بعد الصلح وعدم ائتمانه على مال المسلمين
السادس: تفضيل بني هاشم على غيرهم من بني عبد شمس
السابع: توفير الحماية لشيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)
الثامن: على أن لا يسلم على معاوية بأمرة المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة.
وذلك أن معاوية لم يكن خليفة شرعياً حين خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) لأنه إنما تسلم ولاية الشام أيام خلافة عمر بن الخطاب ولما توفي عمر سقطت شرعية ولايته بموت من نصبه ولكنه عاد والياً بعد أن أقره على هذه الولاية عثمان بن عفان وكذلك سقطت شرعية ولايته بوفاة عثمان ولكن لما آلت الخلافة إلى الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بإجماع المسلمين عليه كما ذكر (عليه السلام ) في بعض خطبه (وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء ووطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بهاالصغير وهدج إليها الكبير وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب(1))(2)
ولم يقره (عليه السلام) على تلك الولاية ففي كتاب له إلى جرير البجلي (ومن كتاب له (عليه السلام) إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالأمر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية(3)
أو سلم مخزية، فإن
1) التداك : الازدحام كأن كل واحد يدك الآخر أي يدقه . والهيم أي العطاش جمع هيماء ، كعيناء وعين وهدج : مشى مشية الضعيف ، وهدج الظليم إذا مشى في ارتعاش والكعاب - كسحاب - : الجارية حين يبدو ثديها للنهود وهي الكاعبة . وحسرت أي كشفت عن وجهها متوجهة إلى البيعة لتعقدها بلا استحياء لشدة الرغبة والحرص على إتمام الأمر لأمير المؤمنين (عليه السلام)
2) نهج البلاغة ج 2 خطبة 229 في وصف بيعته بالخلافة ص222
3) وحرب مجلية أي مخرجة له من وطنه . والسلم المخزية الصلح الدال على العجز
اختار الحرب فانبذ إليه، وإن اختار السلم فخذ بيعته والسلام)(1)
وفي كتاب أرسله إليه ( وكيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب(2)ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت(3)بزينتها وخدعت بلذتها. دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها. وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن(4).
فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، وشمر لما قد نزل بك، ولا تمكن الغواة من سمعك، وإلا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه وبلغ فيك أمله ، وجرى منك مجرى الروح والدم ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الأمة؟ بغير قدم سابق ولا شرف باسق(5)،ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشقاء وأحذرك أن تكون متماديا في غرة الأمنية(6)مختلف العلانية والسريرة وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانبا واخرج إلي وأعف الفريقين من القتال ليعلم أينا المرين على قلبه(7)والمغطى على بصره . فأنا أبو حسن قاتل جدك وخالك وأخيك(8)شدخا يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوي، ما استبدلت ديناً، ولااستحدثت نبياً. وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين(9)ودخلتم فيه مكرهين وزعمت أنك جئت ثائراً بعثمان. ولقد
1) نهج البلاغة ج 3 كتاب 8 من كتاب له الى جرير البجلي ص8
2) الجلابيب جمع جلباب وهو الثوب فوق جميع الثياب كالملحفة .
3) وتبهجت: تحسنت. والضمير فيه وفيما بعده للدنيا
4) المجن: الترس، أي يوشك أن يطلعك الله على مهلكة لك لا تتقي منها بترس
5) العالي الرفيع
6) الغرة بالكسر: الغرور. والأمنية بضم الهمزة: ما يتمناه الإنسان ويؤمل إدراكه
7) المرين بفتح فكسر: اسم مفعول من ران ذنبه على قلبه غلب عليه فغطى بصيرته
8) جد معاوية لأمه عتبة بن أبي ربيعة ، وخاله الوليد بن عتبة ، وأخوه حنظلة بن أبي سفيان. وشدخا أي كسرا. قالوا هو الكسر في الرطب ، وقيل في اليابس
9) المنهاج هو طريق الدين الحق لم يدخل فيه أبو سفيان ومعاوية إلا بعد الفتح كرها
علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك إن كنت طالبا، فكأني قد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالأثقال(1)وكأني بجماعتك تدعوني - جزعا من الضرب المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بعد مصارع - إلى كتاب الله ، وهي كافرة جاحدة، أو مبايعة حائدة)(2)وفي كتاب له (عليه السلام) جواباً على كتاب لمعاوية يطلب منه ولاية الشام.
(فأما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس. وأما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس(3)بقيت ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة ومن أكله الباطل فإلى النار. وأما استواؤنا في الحرب والرجال فلست بأمضى على الشك مني على اليقين. وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن. ولكن ليس أمية كهاشم(4). ولا حرب كعبد المطلب(5).ولا أبو سفيان كأبي طالب(6). ولا المهاجر كالطليق(7)، ولا الصريح
1) يعني إنك ستضج من وقع الحرب إذا جد الجد وتحملت أثر المعركة
2) نهج البلاغة ج 3 كتاب 10 من كتاب له ص12
3) كتب معاوية إلى علي يطلب منه أن يترك له الشام ويدعوه للشفقة على العرب الذين أكلتهم الحرب ولم يبق منهم إلا حشاشات أنفس : جمع حشاشة بالضم ، بقية الروح ويخوفه باستواء العدد في رجال الفريقين
4) أمية جد أبو سفيان وهاشم جد عبد المطلب وشتان بين الشخصيتين
5) وحرب جد معاوية وعبد المطلب جد أمير المؤمنين وشتان بين الشخصيتين
6) وابو سفيان ابو معاوية وابو طالب أبو أمير المؤمنين وأحدهما أشد الناس حرباً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)بينما أبو طالب أشد الناس دفاعاً عنه
7) والمهاجر من آمن في المخافة وهاجر تخلصا منها وأمير المؤمنين (عليه السلام) من أول المهاجرين والطليق الذي أسر فأطلق بالمن عليه أو الفدية، وأبو سفيان ومعاوية كانوا من الطلقاء يوم الفتح .
كاللصيق(1). ولا المحق كالمبطل ولا المؤمن كالمدغل(2). ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ونعشنا بها الذليل. ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا وأسلمت له هذه الأمة طوعاوكرها كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم. فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا، ولا على نفسك سبيلا)(3)فتمرّد معاوية على الخليفة الشرعي وقامت الحرب ولم يكسب معاوية الحرب الا بخديعة رفع المصاحف وتخاذل جيش الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن القتال ووقوع التحكيم وسوء اختيار الحكمين التي لم يقبل بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) فرفض إيقاف المعركة والتحكيم كما أنه بعد إصرارهم على التحكيم كان رافضاً لاختيار أهل الكوفة لأبي موسى الأشعري حكماً وكان يريد عبد الله بن العباس، ولكن أصر أهل الكوفة على التحكيم وعلى اختيار أبي موسى، فوقع التحكيم من دون رضاه وعليه كسب معاوية الخلافة بخدعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري، ومع ذلك فإن معاوية بعد ذلك لم ينتهج سيرة الإسلام الصحيحة التي جاء بها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بل حتى سيرة من سبقه من الخلفاء غير الشرعيين، ولذا كان أول بنود المعاهدة هو شرط تسليم الأمر لمعاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين، وهو إشارة من الإمام الحسن (عليه السلام) إلى عدم عمل معاوية بكتاب الله وسنة نبيه وإلا فلا معنى لهذا الشرط مع عمل معاوية بهما وكذلك هو إشارة منه (عليه السلام) إلى السير على سيرة الخلفاء الصالحين
وقصده بحسب ظاهر كلامه من الخلفاء الصالحين أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أو الصالحين بنظر معاوية وهو من سبقه من الخلفاء، فكان البند الأول من أوضح بنود موقف قوة الإمام الحسن (عليه السلام) أمام معاوية، وأنه يريد مصلحة الإسلام، وأن عدم قبوله بولاية معاوية ليس لعداء شخصي أو لطلب السلطة بل لعدم عمله بكتاب الله وسنة نبيه ومثله لا يصلح لخلافة المسلمين، مع أنها حق شرعي للإمام الحسن (عليه السلام).
وهذا من الإمام (عليه السلام) تأكيد على أن الخلافة هي حق شرعي له ولأخيه بعد أبيهما بأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بما أنهم أئمة المسلمين، فحق الخلافة أيضاً لهم؛ لأن الإمامة تقتضي الخلافة الدينية والدنيوية، وإن تم التنازل عن الخلافة الدنيوية لظروف خاصة وبصورة مؤقتة فهي لا زالت حقاً ثابتاً لهم يرجع لهم متى ما سمحت الظروف بذلك، ولذا شرط الإمام (عليه السلام) عود الخلافة له او لأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) إن لم يكن هو موجوداً وما ذكره (عليه السلام) من كونهم أئمة المسلمين وأن الخلافة الدينية والدنيوية لهم هو ما أكد عليه النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) في خطبته في حجة الوداع يوم غدير خم حيث قال:( معاشر الناس ) إن علياً والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر، والقرآن الثقل الأكبر، فكل واحد مُنبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا على الحوض(1)،هم أمناء الله في خلقه وحكماؤه في أرضه، ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا وإن الله عز وجل قال وأنا قلت عن الله عز وجل، ألا إنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا ولا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره. ثم ضرب بيده إلى عضده فرفعه، وكان منذ أول ما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله شال عليا حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم قال:
1) المراد حوض الكوثر
( معاشر الناس ) هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على أمتي وعلى تفسير كتاب الله عز وجل والداعي إليه والعامل بما يرضاه والمحارب لأعدائه والموالي على طاعته والناهي عن معصيته خليفة رسول الله وأمير المؤمنين والإمام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله، أقول ما يبدل القول لدي بأمر ربي، أقول: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه والعن من أنكره واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت عليَّ أن الإمامة بعدي لعلي وليك عند تبياني ذلك ونصبي إياه بما أكملت لعبادك من دينهم وأتممت عليهم بنعمتك ورضيت لهم الإسلام دينا، فقلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }(1)اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيدا أني قد بلغت.
( معاشر الناس ) إنما أكمل الله عز وجل دينكم بإمامته ، فمن لم يأتم به وبمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله عز وجل ف{ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ }(2)، {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}(3)وقال أيضاً ( معاشر الناس ) إني أدعها إمامة ووراثة في عقبى إلى يوم القيامة، وقد بلّغت ما أمرت بتبليغه حجة على كل حاضر وغائب وعلى كل أحد ممن شهد أو لم يشهد ولد أو لم يولد، فليبلغ الحاضر الغائب، والوالد الولد إلى يوم القيامة،
وسيجعلونها ملكا واغتصابا(1)،ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين،وعندها {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ}(2)
{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ }(3).)
وحيث كان نظر الإمام (عليه السلام) إلى أن ظرف وجود معاوية مناسب للتنازل عن الخلافة الدنيوية له لكن يكون ذلك منوطاً بوجوده هو ولا يكون حقاً له ان يجعله فيمن يختاره من بعده بل هو متطفل عليه بسبب الظروف المحيطة، وعليه يرجع الحق في الخلافة لأصحاب الحق بعد انتهاء موضوع الظرف الاستثنائي، وذلك يكون بشرط ان لا يوصي معاوية لاحد من بعده وإنما ترجع الخلافة إما للإمام الحسن (عليه السلام) إن كان موجوداً أو لأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) إن لم يكن هو موجوداً.
وهذا أوضح دليل على سلب شرعية خلافة معاوية وأنه لا يستحق الخلافة حتى بعد الصلح، كما أدعاه معاوية أن الإمام الحسن (عليه السلام) وجده أهلاً لها وتنازل عنها، بل إنما حكمت عليه الظروف الاستثنائية بسبب تخاذل من حوله عن قتال معاوية، فكان يرى أن من مصلحة الإسلام فعلاً هو التنازل مؤقتاً عن الخلافة الدنيوية لمعاوية لطمعه في الدنيا ورغبته في الملك والتسلط كما سيأتي التصريح منه بذلك أنه إنما قاتل رغبة في الملك وحب الدنيا، ولا يعني هذا انتقال الحق منهم (عليهم السلام) إلى بني أمية يتداولونه فيما بينهم، بل لابد من رجوعه لأصحابه متى سمحت الظروف بذلك وهو ظرف موت معاوية.
إن شرط الإمام (عليه السلام) العطاء لأولاد من استشهد مع الإمام علي (عليه السلام) يوم صفين والجمل لهو اقرار صريح بكونهم شهداء يستحقون العطاء وأن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان هو صاحب الحق في معركة صفين والجمل لاستحقاق أولاد من استشهدوا العطاء من بيت مال المسلمين وإلا لو لم يكن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على الحق في تلك المعارك لكان من قتل معه يعتبر باغياً لا يستحق العطاء من بيت المال، كما أن الإمام (عليه السلام) شرطه أن يكون من معاوية نفسه وليس من العطاء الذي استثناه الإمام (عليه السلام ) لنفسه، وذلك لاستحقاقهم العطاء من بيت مال المسلمين وهو تحت يد معاوية، وخصه الإمام(عليه السلام) من خراج أبجرد دون غيرها من البلدان وذلك لأسباب ذكرت، منها ما ذكره الشيخ الصدوق (قده) في علل الشرائع (فان قال: ما تأويل اختيار مال دار أبجرد على سائر الأموال لما اشترط ان يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفين قيل لدار أبجرد خطب في شأن الحسن بخلاف جميع فارس، وقلنا: ان المال مالان الفيء الذي ادَّعوا انه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة وعمارتها من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة ولأرزاق الأسارى ومال الصدقة الذي خص به أهل السهام وقد جرى في فتوح الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان مما فتح منها صلحا وما فتح منها عنوة وما أسلم أهلها عليها هنات هنات وأسباب وأسباب بإيجاب الشرائط الدالة لها، وقد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب وهو عامله على العراق أيدك الله هاش في السواد ما يركبون فيه البراذين ويتختمون بالذهب
ويلبسون الطيالسة وخذ فضل ذلك فضعه في بيت المال، وكتب ابن الزبير إلى عامله جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر والقناطر فإنه سحت فقصر المال عما كان فكتب إليهم ما للمال قد قصر فكتبوا إليه ان أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر والقناطر فلذلك قصر المال فكتب إليهم عودوا إلى ما كنتم عليه هذا بعد قوله إنه سحت ولا بد أن يكون أولاد من قتل من أصحاب علي صلوات الله عليه بالجمل وبصفين من أهل الفيء ومال المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصدقة أمرت ان أخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم - بالكاف والميم ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة ومن وجبت لهم الصدقة - فخاف الحسن (عليه السلام) أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ولا اكل صدقة كثير منهم إذا كانت غسالة ذنوبهم ولم يكن للحسن (عليه السلام) في مال الصدقة سهم وروى ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في كل أربعين من الإبل ابنة لبون ولا تفرق إبل عن حسابها من أتانا بها مؤتجرا فله اجرها ومن منعناها أخذناها منه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا ليس لمحمد وآل محمد فيها شيء وفي كل غنيمة خمس أهل الخمس بكتاب الله عز وجل وان منعوا فخص الحسن (عليه السلام) ما لعله كان عنده أعف وأنظف من مال (أردشير خره) لأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع وعمارات ثم ميزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم وبين الأصطخر الأول والأصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو الحسن (عليه السلام) فاختار لهم أنظف ما عرف)(1).
أقول : قال ابن أبي الحديد : روى أبو الحسن المدائني قال : سأل معاوية الحسن بن علي عليهما السلام بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع ، فناشده أن يفعل فوضع له كرسي فجلس
1) علل الشرائع للصدوق ج1 باب العلة التي من أجلها صالح الإمام الحسن (عليه السلام ) معاوية ص210
عليه ، ثم قال : الحمد لله الذي توحد في ملكه ، وتفرد في ربوبيته : يؤتي الملك من يشاء ، وينزعه عمن يشاء ، والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم ، وأخرج من الشرك أو لكم ، وحقن دماء آخركم ، فبلاؤنا عندكم قديما وحديثا أحسن البلاء ، إن شكرتم أو كفرتم ، أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه ، ولقد اختصه بفضل لن تعهدوا بمثله ، ولن تجدوا مثل سابقته . فهيهات هيهات طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم ، وهو صاحبكم غزاكم في بدر وأخواتها ، جرعكم رنقا وسقاكم علقا ، وأذل رقابكم وشرقكم بريقكم ، فلستم بملومين على بغضه ، وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضا ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية ، ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم ، وانضوائكم إلى شياطينكم ، فعند الله أحتسب ما مضى ، وما ينتظر من سوء رغبتكم ، وحيث حلمكم .
ثم قال : يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله ، صائب على أعداء الله ، نكال على فجار قريش ، لم يزل آخذا بحناجرها جاثما على أنفسها ليس بالملومة في أمر الله ، ولا بالسروقة لمال الله ، ولا بالفروقة في حرب أعداء الله ، أعطى الكتاب خواتيمه وعزائمه ، دعاه فأجابه ، وقاده فاتبعه ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، فصلوات الله عليه ورحمته .
هذه الفقرة أيضاً تدل على أن ما شرعه معاوية لأهل الشام من سن سب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل خطبة الجمعة وبعدها وفي قنوت الصلاة وفي غير ذلك ليس هو من الشرع كما حاول تصويرها معاوية أن ذلك من سنة النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما هو بدعة شرّعها معاوية وليست من صلب الإسلام وهذا معناه عدم استحقاق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للسب وإنما هو أمر مبتن على حقد معاوية الشخصي.وفيه تأكيد على تجاوز معاوية على شرائع الإسلام بتشريع مالم يكن مشرعاً وجعله جزءاً من صلاة المسلمين وبياناً لمقام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي حاول معاوية إنكاره عند أهل الشام وأن هذا الرجل لا يستحق السب كما سن معاوية ذلك.
وحيث إن معاوية قد سن السب لسنين متطاولة فينشأ جيل على ذلك ظاناً أن هذا مشرع من الله في الصلاة والخُطَب وممن ذكر سن معاوية السب كثير من الكتاب، فقد روى إبراهيم الكوفي في الغارات، (قال هشام بن الكلبي قال: إني أدركت بني أود وهم يعلمون أبناءهم وحرمهم سب علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفيهم رجل دخل على الحجاج فكلمه بكلام فأغلظ عليه الحجاج في الجواب فقال: لا تقل هذا أيها الأمير فما لقريش ولا لثقيف منقبة يعتّدون بها إلا ونحن نعتّد بمثلها، قال: وما مناقبكم؟- قال: ما ينقص عثمان ولا يذكر بسوء في نادينا قط، قال: هذه منقبة. قال: ولا رؤي منا خارجي قط، قال: منقبة. قال: وما شهد منا مع أبي تراب مشاهده إلا رجل فأسقطه ذلك عندنا، قال: منقبة: قال: وما أراد رجل منا قط أن يتزوج امرأة إلا سأل عنها: هل
تحب أبا تراب أو تذكره بخير؟ فإن قيل: إنها تفعل اجتنبها، قال: منقبة. قال: ولا ولد فينا ذكر فسمي عليا ولا حسنا ولا حسينا، ولا ولدت فينا جارية فسميت فاطمة، قال: منقبة. قال: ونذرت امرأة منا إن قتل الحسين أن تنحر عشر جزور فلما قتل وفت بنذرها. قال: منقبة. قال: ودعي رجل منا إلى البراءة من علي ولعنه، فقال: نعم وأزيدكم حسنا وحسينا، قال، منقبة والله.
وقد كان معاوية - لعنه الله - يسب عليا ويتتبع أصحابه مثل ميثم التمار وعمرو بن الحمق وجويرية بن مسهر وقيس بن سعد ورشيد الهجري ويقنت بسبه في الصلاة ويسب ابن عباس وقيس بن سعد والحسن والحسين عليهما السلام ولم ينكر ذلك عليه أحد .
وكان خالد بن عبد الله القسري - لعنه الله - يقول على المنبر: العنوا علي بن أبي طالب فإنه لُص بن لُص ( بضم اللام ) فقام إليه أعرابي فقال: والله ما أعلم من أي شيء أعجب؟ من سبك علي بن أبي طالب؟ ! أم من معرفتك بالعربية)(1).
وفي شرح الأخبار، (وأبو أيوب بن زيد بدري: وهو الذي نزل عليه رسول الله صلوات الله عليه وآله [ يوم ] مقدمه المدينة، وكان على مقدّمة علي (عليه السلام) يوم صفين، وهو الذي خاصم الخوارج يوم النهروان، وهو الذي قال لمعاوية - حينأظهر سب علي (عليه السلام) -: كف يا معاوية عن سب علي! قال معاوية: ما أقدر على ذلك. فتنحى أبو أيوب، وقال: والله لا أسكن أرضاً أسمع فيها سب علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه). وخرج من المدينة إلى ساحل البحر، فأقام هنالك حتى مات رحمة الله عليه)(2).
وروى الشيخ في الآمالي، (أخبرنا أبو عمر، قال: أخبرنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا، قال: حدثنا علي بن قادم، قال: حدثنا إسرائيل، عن عبد الله بن شريك، عن سهم بن الحصين الأسدي، قال: قدمت إلى مكة أنا وعبد الله بن علقمة، وكان عبد الله بن علقمة سبابة لعلي ( عليه السلام ) دهراً. قال: فقلت له: هل لك في هذا - يعني أبا سعيد الخدري - نحدث به عهدا؟ قال: نعم، فأتيناه فقال: هل سمعت لعلي منقبة؟ قال: نعم إذا حدثتك فسل عنها المهاجرين وقريشاً، إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قام يوم غدير خم، فأبلغ ثم قال: يا أيها الناس، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قالها ثلاث مرات، ثم قال: ادن يا علي، فرفع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يديه حتى نظرت إلى بياض آباطهما قال: من كنت مولاه فعلي مولاه ، ثلاث مرات. قال: فقال عبد الله بن علقمة: أنت سمعت هذا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله )؟ قال أبو سعيد: نعم، وأشار إلى أذنيه وصدره، قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. قال عبد الله بن شريك: فقدم علينا عبد الله بن علقمة وسهم بن حصين، فلما صلينا الهجير قام عبد الله بن علقمة فقال: إني أتوب إلى الله واستغفره من سب علي بن أبي طالب ( صلوات الله عليه )، ثلاث مرات)(1).
وقال الكراجكي في كتاب ( التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة ) ما معناه، (مسجد الذكر بمصر وهو معروف في موضع يعرف بسوق وردان، وإنما سمي مسجد الذكر لان الخطيب سها يوم الجمعة عن سب علي بن أبي طالب على المنبر، فلما وصل إلى موضع المسجد المذكور، وذكر انه لم يسبه فوقف وسبه هناك قضاء لما نسيه، فبني الموضع وسمي بذلك. وقال: مررت به في بعض السنين فرأيت فيه سرجا كثيرة
1) آمالي الشيخ الطوسي ح433 ص247
وآثار بخور، وذكر لي أنه يؤخذ من ترابه ويتشافى به، ثم جدد بنيانه بعد ذلك وعظم أمره، ويسمون إلى الان يوم الجمعة يوم السب بالشام)(1).
وذكر أبو الفداء في المختصر (كان خلفاء بني أمية يسبون علياً (رضي الله عنه) من سنة إِحدى وأربعين وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة إلىأول سنة تسع وتسعين آخر أيام سليمان بن عبد الملك فلما ولي عمر(2)أبطل ذلك وكتب إِلى نوابه: بإبطاله ولما خطب يوم الجمعة أبدل السب في آخر الخطبة بقراءة قوله تعالى {إِن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي لعلكم تذكرون}(3)فلم يسب علي بعد ذلك. واستمرت الخطباء على قراءة هذه الآية ومدحه كثير بن عبد الرحمن الخزاعي فقال:
وُليت فلم تَشتُم عليا ولم تخف ***بريا ولم تتبع سجية مجرم
وقلتَ فصدّقتَ الذي قلتَ بالذي ***فعلتَ فأضحى راضياً كل مسلم)(4)
استثناء ما في بيت المال في الكوفة، وهو خمسة آلاف الف فلا يشمله تسليم الامر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الإمام الحسن (عليه السلام) كل عام الفي الف درهم.هذه الفقرة فسرها البعض أن الإمام (عليه السلام) كان يريد أن يحصل على المال من معاوية قدر المستطاع وهو الذي جعل بعض قيادات جيش الإمام تسلم نفسها لمعاوية مقابل المال، كما وقع هذا اللبس للطبري حيث قال (عن الزهري قال جعل علي (عليه السلام) قيس ابن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قِبَلِ أذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفاً بايعوا علياً (عليه السلام) على الموت ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل علي (عليه السلام) واستخلف أهل العراق الحسن بن علي (عليه السلام) على الخلافة وكان الحسن (عليه السلام) لا يرى القتال ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة وعرف الحسن (عليه السلام) أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه وأمَّرَ (عبيد الله بن عباس) فلما علم (عبيد الله بن عباس) بالذي يريد الحسن (عليه السلام) أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها فشرط ذلك له معاوية)(1)، ولكن هذا البعض وقع في جهل واضح فالإمام (عليه السلام) في هذه الفقرة يريد أن يبين أنه هو صاحب الحق في التصرف في خراج الدولة الاسلامية وأن المال الذي عند معاوية هو مال حرام لاستيلائه على مال ليس له الحق بالاستيلاء عليه ولكن هذا لا يمكن في حال صلح الإمام وكون معاوية هو الخليفة خارجاً فاستثنى الإمام (عليه السلام) مالا يبقى تحت تصرفه لكي لا يكون لمعاوية المنة عليه بالخراج ويكون ما
1) تاريخ الطبري ج 4 ص121
يأخذه من المال حلالاً له لعدم دخوله تحت سلطنة السلطان الجائر، وأراد الإمام (عليه السلام) أن يبين أنه لازال هو صاحب الحق في الخلافة ولذا هو من يستثني مقدار خراج الكوفة ويريد أن لا يكون هو (عليه السلام) تحت رحمة سلطة معاوية في المال.
وفي البحار ذكر بعد ذلك (أن الإمام (عليه السلام) لم يكن طامعاً في مال معاوية كما تصوره البعض وإلا كان خراج الدولة الإسلامية تحت يده لكونه هو الخليفة الشرعي بعد أبيه بمبايعة الناس له، بل حتى أن ما استثناه لم يكن يصرفه لنفسه فقال (فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في تفسير قوله عز وجل: {وقفوهم إنهم مسؤولون}(1)
أنه لا يجاوز قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن ثيابه فيما أبلاه وعمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه، وفيما أنفقه، وعن حبناأهل البيت، وكان الحسن والحسين (عليهما السلام) يأخذان من معاوية الأموال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما ولا على عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها)(2).
وإنما لكي يفي الإمام الحسن (عليه السلام) بكثير من الالتزامات المالية المنوطة به وكذلك يعطي من يمنعهم معاوية من العطاء
ثم جعل الإمام (عليه السلام) الشرط بتفضيل بني هاشم بالعطاء على بني عبد شمس لهو اعتراف صريح بأفضليتهم على غيرهم حتى بالعطاء ولكون معاوية من بني عبد شمس والإمام (عليه السلام) يعلم أن مسيرة معاوية كمسيرة من كان قبلهحيث فرق أموال الدولة الإسلامية بين قرابته كما أشار لذلك أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته الشقشقية لما وصف فترة خلافة عثمان بن عفان حيث قال (إلى أن قام ثالث القوم(1)، نافجاً حضنيه(2)
بين نثيله(3)
ومعتلفه(4)، وقام معه بنو أبيه يخضمون(5)مال الله خضم الإبل نبتة الربيع(6)،
1) وهو عثمان بن عفان.
2) نافجا حضنيه رافعا لهما، والحضن ما بين الإبط والكشح. يقال للمتكبر جاء نافجا حضنيه. ويقال مثله لمن امتلأ بطنه طعاما وهذا وصف من الإمام (عليه السلام) لحال عثمان أنه لا هم له غير الأكل أو أكل مال المسلمين ولعله هو الأقرب لمراد الإمام (عليه السلام) .
3) النثيل هو الروث.
4) المعتلف مكان الأكل وهذا إشارة منه (عليه السلام) إلى انشغال عثمان عن الخلافة ببيت المال والتنعم بالمأكل والملبس عن الاهتمام بأمور المسلمين، فشبهه (عليه السلام) بمن لا هم له إلا الأكل.
5) الخضم هو الأكل بجميع الفم، والفرق بينه وبين القضم أن القضم هو الأكل بأطراف الأسنان، وهو إشارة إلى كثرة ما أخذوه من أموال المسلمين.
6) وذلك تشبيه لبني أمية حينما أخذوا مال المسلمين بلا هوادة، فمثلهم كمثل الإبل حينما تخضم نبت الربيع لليونته، لا كما تأكل الأشواك فإنها تقضمها لصلابتها، وذلك إشارة إلى توسعهم في الاستيلاء على مال المسلمين من كل حدب وصوب.
إلى أن انتكث عليه فتله(1)، وكبت به بطنته(2)،وأجهز عليه عمله(3))(4)
وإقرار معاوية لذلك التفضيل وهذا معناه أن معاوية كان مبغضاً لبني هاشم حتى بمنع العطاء عنهم فكيف يكون هو ممثلاً للدولة الاسلامية.
وهذا أكبر دليل أن الإمام (عليه السلام) يريد أن يبين مقام بني هاشم عن غيرهم وأن لهم الفضل والمكانة عند الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ولذا استوجبوا التقديم بالعطاء ولبيان أنه (عليه السلام) أولى من معاوية بهذا المنصب لأنه إذا كان الهاشمي مقدم بالعطاء فهو في غيره أولى بالتقديم وقد بين ذلك النبيمحمد (صلى الله عليه وآله) في خطبة الغدير في حجة الوداع حينما بين مقام وفضل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنه مفضل ومقدم من قبل الله تعالى فقال:
(( معاشر الناس ) ما من علم إلا وقد أحصاه الله فيَّ، وكل علم عُلِّمت فقد أحصيته في إمام المتقين، وما من علم إلا علَّمتُه علياً، وهو الإمام المبين.
( معاشر الناس ) لا تضلوا عنه ولا تنفِروا منه ولا تستكبروا [ ولا تستنكفوا ] من ولايته، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه ولا تأخذه في الله لومة لائم. ثم إنه أول من آمن بالله ورسوله، وهو الذي فدى رسوله بنفسه وهو الذي كان مع رسول الله ولا أحد يعبد الله مع رسوله من الرجال غيره.
( معاشر الناس ) فَضِّلوه فقد فَضَّله الله، واقبلوه فقد نصبه الله.
1) النكث معناه النقض وهو ما نقض من غزل وغيره، والفتل هو الأمر المبرم، ومراد الأمام (عليه السلام) أنه انتقض ما كان يبرمه مع جماعته دون استشارة أهل الرأي والعلم والعقل .
2) الكبوة هو سقوط الفرس بعد استمرار عدوها، والبطنة هي الامتلاء الشديد من الأكل، أراد (عليه السلام) بهذا التشبيه أنه بعد أن توسع في الأخذ من بيت المال أصابته البطنة من هذا المال، وسقط بهذه البطنة بعد أن كان مستمراً على النهج الذي انتهجه.
3) أي الذي قضى عليه هو سوء إدارته للخلافة.
4) نهج البلاغة ج1 ص35
( معاشر الناس ) إنه إمام من الله ولن يتوب الله على أحد أنكر ولايته، ولن يغفر الله له، حتما على الله أن يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه وأن يعذبه عذابا شديدا نكرا أبد الآباد ودهر الدهور، فاحذروا أن تخالفوه فتصلوا نارا وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين. أيها الناس بي والله بشَّرَ الأولون من النبيين والمرسلين، وأنا خاتم الأنبياء والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين، فمن شك في ذلك فهو كافر كفر الجاهلية الأولى، ومن شك في شئ من قولي هذا فقد شك في الكل منه، والشاك في ذلك فله النار.
( معاشر الناس ) حباني الله بهذه الفضيلة منَّاً منه عليَّ وإحسانا منه إلي، ولا إله إلا هو، له الحمد مني أبد الآبدين ودهر الداهرين على كل حال.
( معاشر الناس ) فضِّلوا عليّاً فإنه أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى، بنا أنزل الله الرزق وبقي الخلق، ملعون ملعون مغضوب مغضوب من رد عليَّ قولي هذا ولم يوافقه، ألا إن جبرئيل خبرني عن الله تعالى بذلك ويقول: من عادى عليّاً ولم يتوله فعليه لعنتي وغضبي فلتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله أن تخالفوه فتزل قدم بعد ثبوتها إن الله خبير بما تعملون)(1).
وهذا ما صرح به بعد ذلك الإمام زين العابدين (عليه السلام) بخطبته في مجلس يزيد حينما أدخلوهم سبايا بعد واقعة الطف حيث قال:
(وفُضِّلنا بأن منّا النبيُ المُختار محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنا الصديق - ويقصد أمير المؤمنين (عليه السلام) - ومنا الطيار - وهو جعفر بن أبيطالب - ومنا أَسَدُ الله وأَسَدُ الرسول
1) الاحتجاج ج 1 ص 75 احتجاج النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير
1) البحار ج45 ص 138 - أعيان الشيعة ج 1 ص 433 - مناقب آل أبي طالب لابن شهرا شوب ج 4 ص 182 - لواعج الأشجان للسيد محسن الأمين ص 234 - بلاغة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) للشيخ جعفر عباس الحائري ص 102
وهذا الشرط دليل على أن معاوية كان يتتبع كل صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) ممن كان يوالي الإمام أمير المؤمنين فأشترط الإمام ( عليه السلام) على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأنيؤمّنَ الأسود والأحمر، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة. وعلى أمان أصحاب عليّ (عليه السلام) حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي (عليه السلام) بمكروه، وأن أصحاب علي (عليه السلام) وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وان لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لاحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب عليّ (عليه السلام) حيث كانوا. وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي (عليهما السلام)، ولا لأخيه الحسين (عليه السلام)، ولا لاحد من أهل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) غائلةً، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أفق من الآفاق.
وهذا الشرط ينبئ عن سياسة معاوية من التعقب والاغتيال والقتل على الهوية الشيعية ولذا الإمام (عليه السلام) شرط عليه عدم تعقب شيعة أبيه وأهل العراق ممن كان موالياً للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ممن شاركوا مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في غزواته ضد معاوية وغيرها وكذلك شرط الإمام (عليه السلام) الأمان لنسائهم وأولادهم مما يكشف عن شدة إجرام سلطة معاوية من قتل النساء والأطفال بسبب ولاء أباءهم للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنه عُرف عن معاوية قتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وكان باعتراف منه (فعن صالح بن كيسان قال: لما قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حج ذلك العام فلقي الحسين بن علي (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر، وأصحابه،
وأشياعه، وشيعة أبيك؟ فقال (عليه السلام): وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم، وكفنّاهم، وصلّينا عليهم. فضحك الحسين (عليه السلام) ثم قال: خَصَمَكَ القوم يا معاوية، لكننا لو قتلنا شيعتك. ما كفنّاهم، ولا صلّينا عليهم، ولا قبرناهم، ولقد بلغني وقيعتك في علي وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثم سلها الحق عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيبا فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية فلا توترن غير قوسك، ولا ترمين غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكان قريب، فإنك والله لقد أطعت فينا رجلا ما قدم إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك فانظر لنفسك أو دع - يعني: (عمرو بن العاص). وعاتبه على ذلك الحسين (عليه السلام) قائلاً (في جواب كتاب كتب إليه معاوية على طريق الاحتجاج -: أما بعد: فقد بلغني كتابك أنه بلغك عني أمور أن بي عنها غنى، وزعمت أني راغب فيها، وأنا بغيرها عنك جدير، أما ما رقى إليك عني فإنه رقاه إليك الملّاقون المشاؤون بالنمائم المفرّقون بين الجمع، كذب الساعون الواشون ما أردت حربك ولا خلافا عليك وأيم الله إني لأخاف الله عز ذكره في ترك ذلك، وما أظن الله تبارك وتعالى براض عني بتركه، ولا عاذري بدون الاعتذار إليهفيك، وفي أولئك القاسطين الملبين حزب الظالمين، بل أولياء الشيطان الرجيم، ألست قاتل حجر بن عدي أخي كندة وأصحابه الصالحين المطيعين العابدين، كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون المنكر والبدع، ويؤثرون حكم الكتاب، ولا يخافون في الله لومة لائم، فقتلتهم ظلما وعدواناً، بعدما كنت أعطيتهم الإيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بأحنة تجدها في صدرك عليهم، أو لست قاتل عمرو ابن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فصفرت لونه، ونحلت جسمه، بعد أن أمنته وأعطيته من عهود الله عز وجل وميثاقه ما لو أعطيته العصم ففهمته لنزلت إليك من شعف الجبال، ثم قتلته جرأة على الله عز
وجل، واستخفافاً بذلك العهد) وكذلك قتل أهل العراق والحضرميين لولائهم للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ذكر ذلك له (عليه السلام) أيضاً (أو لست المدعي زياد بن سمية، المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله: ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) فتركت سنة رسول الله واتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على أهل العراق فقطع أيدي المسلمين وأرجلهم وسمل أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل كأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك؟ أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب إليك فيهم ابن سمية أنهم: على دين علي ورأيه، فكتبت إليه اقتل كل من كان على دين علي (عليه السلام) ورأيه فقتلهم، ومثل بهم بأمرك، ودين علي والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وهو أجلسك بمجلسك الذي أنت فيه ولولا ذلك لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليكم فوضعهما عنكم)(1)
ونقل في كيفية قتل عمرو الخزاعي (كان عمرو بن الحمق الخزاعي شيعة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلما صار الأمر إلى معاوية انحاز إلى شهر زور من الموصل. وكتب إليه معاوية: أما بعد فإن الله أطفأ النائرة وأخمد الفتنة وجعل العاقبة للمتقين، ولست بأبعد أصحابك همة ولا أشدهم في سوء الأثر صنعا، كلهم قد أسهل بطاعتي وسارع إلى الدخول في أمري، وقد بطأ بك ما بطأ فادخل فيما دخل فيه [ الناس ] يمح عنك سالف ذنوبك ونحي داثر حسناتك، ولعلي لا أكون لك دون من كان قبلي إن أبقيت واتقيت ووفيت وأحسنت، فاقدم علي آمنا في ذمة الله وذمة رسوله، محفوظا من حسد القلوب وإحن الصدور وكفى بالله شهيدا. فلم يقدم عليه عمرو بن الحمق، فبعث إليه من قتله وجاء برأسه [ إليه ] فبعث به [ معاوية ] إلى امرأته [وهي في سجنه] فوضع في حجرها
1) الاحتجاج للشيخ الطبرسي ج2 ص 21 البحار ج44 ص215
فقالت: سترتموه عني طويلا وأهديتموه إلي قتيلا! فأهلا وسهلا من هدية غير قالية ولا بمقلية، بلغ أيها الرسول عني معاوية ما أقول: طلب الله بدمه، وعجل له الويل من نقمه، فقد أتى أمرا فريا وقتل برا تقيا،فأبلغ أيها الرسول معاوية ما قلت. فبلغ الرسول [ معاوية ] ما قالت، فبعث إليها فقال لها: أنت القائلة ما قلت؟ قالت: نعم غير ناكلة عنه ولا معتذرة منه. قال لها: اخرجي من بلادي. قالت: أفعل فوالله ما هو لي بوطن ولا أحن فيها إلى سجن، ولقد طال بها سهري واشتهر بها عبري وكثر فيها ديني من غير ما قرت به عيني. فقال عبد الله بن أبي سرح الكاتب: يا أمير المؤمنين! إنها منافقة فألحقها بزوجها. فنظرت إليه فقالت: يا من بين لحييه كجثمان الضفدع! إلا قتلت من أنعمك خلعا وأصفاك بكساء، إنما المارق المنافق من قال بغير الصواب، واتخذ العباد كالأرباب، فأنزل كفره في الكتاب. فأومأ معاوية إلى الحاجب بإخراجها فقالت: وا عجباه من ابن هند! يشير إلي ببنانه ويمنعني نوافذ لسانه، أما والله لأبقرنه بكلام عتيد كنوافذ الحديد، أو ما أنا بآمنة بنت الرشيد)(1)
(وحدثنا يوسف بن يعقوب حدثني أبو بكر بن عياش عن جواد الضبّي قال أول رأس بعث في الاسلام رأس عمرو بن الحمق بعثه زياد إلى معاوية)(2)
( وسمعت ابا علي الحافظ يقول سمعت ابن قتيبة يقول سمعت إبراهيم بن يعقوب يقول قد أدرك حجر بن عدي الجاهلية واكل الدم فيها ثم صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسمع منه وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه الجمل وصفين وقتل في موالاة علي)(3)
( وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي ببغداد حدثنا أحمد بن عبيد الله النرسي حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن مروان بن الحكم قال دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت يا معاوية قتلت حجراً وأصحابه وفعلت الذي فعلت)(1)
(وأخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: أمر معاوية بقتل حجر بن عدي الكندي، فقال حجر: لا تحلوا عني قيدا، أو قال: حديدا، وكفنوني بثيابي ودمي.)(2)(وفي الطبقة الرابعة من الصحابة حجر الخير بن عدي الأدبر وانما طعن مولياً فسمي الأدبر بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندي جاهلي اسلامي وفد إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشهد القادسية وهو الذي افتتح مرج عذار وشهد الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب وكانوا ألفين وخمسمائة من العطاء وقتله معاوية بن أبي سفيان وأصحابه بمرج عذراء وابناه عبيد الله وعبد الرحمن ابنا حجر بن عدي وقتلهما مصعب بن الزبير صبراً وكانا يتشيعان وكان حجر ثقة معروفا ولم يرو عن غير علي شيئاً انتهى كذا قال وقد قدمنا ذكر روايته عن عمار وشراحبيل بن مرة ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر)(3).
وهذا الشرط هو اسقاط لشرعية خلافة معاوية بالكامل وأن مهادنة الإمام الحسن (عليه السلام) معه وقتية للظرف الحالي وعدم استحقاق معاوية لهذا المنصب أبداً كسابقه من الشروط وقد أكد هذا المعنى الشيخ الصدوق في علله حيث قال (حدثنا يوسف ابن مازن الراشي قال: بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة وعلى ان لا يتعقب على شيعة علي شيئا وعلى ان يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين الف ألف درهم وان يجعل ذلك من خراج دار أبجرد، قال ما الطف حيلة الحسن (صلوات الله عليه) هذه في اسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين، قال يوسف فسمعت القاسم بن محيمة يقول: ما وفى معاوية للحسن بن علي (صلوات الله عليه) بشيء عاهده عليه، وانى قرأت كتاب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية يعد عليه ذنوبه إليه والى شيعة علي (عليه السلام) فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه. فنقول رحمك الله، ان ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن (عليه السلام) ومعاوية عند أهل التمييز والتحصيل تسمى المهادنة والمعاهدة ألا ترى كيف يقول ما وفى معاوية للحسن بن علي (عليه السلام) بشيء عاهده عليه وهادنه ولم يقل بشيء بايعه عليه والمبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط التي ذكرناها ثم لم يف بها لم يلزم الحسن (عليه السلام) وأشد ماها هنا من الحجة على الخصوم معاهدته إياه أن لا يسميه أمير المؤمنين ، والحسن (عليه السلام) عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده ان لا يكون عليه أميرا إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له فاحتال الحسن صلوات الله عليه لإسقاط الائتمار لمعاوية إذا أمره أمراً على نفسه، والأمير هو الذي أمره مأمور من فوقه فدل على أن عز وجل لم يؤمره عليه ولا رسوله (صلى الله عليه وآله) امره عليه فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) لا يلين
مفاء على مفيئ، يريدان من حكمه هو حكم هوازن الذين صاروا فيئاً للمهاجرين والأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين والأنصار بحكم إسعافهم النبي (صلى الله عليه وآله) فيئهم لموضع رضاعه وحكم قريش وأهل مكة حكم هوازن لمن أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم فهو التأمير من الله جل جلاله ورسوله (صلى الله عليه وآله) أو من الناس كما قالوا في غير معاوية ان الأمة اجتمعت فأمرت فلانا وفلانا وفلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله ولا رسوله وهو إن لم يكن تأميرا من الله ومن رسوله ولا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه والحسن (صلوات الله عليه) مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرط عليه ان لا يسميه أمير المؤمنين فلم يلزمه ذلك الائتمار له في شيء أمره به وفرغ (صلوات الله عليه) إذ خلص نفسه من الايجاب عليها الائتمار له عن أن يتخذ على المؤمنين الذين هم على الحقيقة مؤمنون وهم الذين كتب في قلوبهم الايمان ولأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته ووجوب طاعته على أنفسهم ولان الحسن (عليه السلام) أمير البررة وقاتل الفجرة كما قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي (عليه السلام) أمير المؤمنين علي أمير البررة وقاتل الفجرة فأوجب ( صلى الله عليه وآله ) انه ليس لبر من الأبرار ان يتأمر عليه وان التأمير على أمير الأبرار ليس ببر، هكذا يقتضى مراد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولو لم يشترط الحسن بن علي (عليه السلام) على معاوية هذه الشروط وسماه أمير المؤمنين وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها وفجارها لفجارها وكل من اعتقد من قريش ان معاوية إمامه بحقيقة الإمامة من الله عز وجل اعتقد الائتمار له وجوبا عليه فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا وترك أمر الله إياه إن كان مؤمنا فقد أمر الله عز وجل المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى فقال { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(1)فإن كان اتخاذ مال الله دولا وعباده خولا ودين الله دخلا من البر والتقوى جاز على تأويلك
1) آية 2 سورة المائدة
من اتخذه إماما وأمره على نفسه كما ترون التأمير على العباد، ومن اعتقد ان قهر مال الله على ما يقهر عليه وقهر دين الله على ما يسام وأهل دين الله على ما يسامون هو بقهر من اتخذهم خولا، وان لله من قبله مديلا في تخليص المال من الدول، والدين من الدغل، والعباد من الخول علم وسلم، وامن واتقى، ان البر مقهور في يد الفاجر، والأبرار مقهورون في أيدي الفجار بتعاونهم مع الفاجر على الاثم والعدوان، المزجور عنه، المأمور بضده وخلافه ومنافيه. وقد سئل سفيان الثوري عن العدوان ما هو؟ فقال: هو أن ينقل صدقة ( بانقيا ) إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة وببانقيا أهل السهام وانا أقسم بالله قسما بارا ان حراسة سفيان ومعاوية بن مرة ومالك بن معول وخيثمة بن عبد الرحمان خشبة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان الذي زجر الله عز وجل عنه وان حراسة من سميتهم بخشبة زيد رضوان الله عليه الداعية بنقل صدقة بانقيا إلى الحيرة فان عذر عاذر من سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الامام من قبل الله عز وجل الذي فرض طاعته على العباد، على الفاجر الذي تأمر بإعانة الفجرة إياه، قلنا: لعمري ان العاجز معذور فيما عجز عنه ولكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب في ما فرض الله عز وجل عليه وايجابه على نفسه فرض طاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الامر وبأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الامر بخلاف علانيتهم كما لم يجز أن يكون سريرة النبي الذي هو أصل ولاة الامر وهم فرعه بخلاف علانيته، وان الله تعالى العالم بالسرائر والضمائر والمطلع على ما في صدور العباد لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد جل وعز عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم وطوقهم إذ ذاك ظلم من المكلف وعبث منه وانه لا يجوز ان يجعل جل وتقدس اختيار من يستوى سريرته بعلانيته ومن لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة والغصب والظلم منه إلى من لا يعلم السرائر والضمائر فلا يسع أحدا جهل هذه الأشياء وان
وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه فإنه لا يسعهالجهل بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار والعاجز بعجزه معذور والجاهل غير معذور، فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام وإن كان مقهورا في قهر الفاجر والفجار، فمتى لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور فمات ميتة جاهلية إذا مات وليس يعرف إمامه.
فان قلت: فما تأويل عهد الحسن (عليه السلام) وشرطه على معاوية بان لا يقيم عنده شهادة لا يجاب الله عز وجل عليه إقامة شهادة بما علمه قبل شرطه على معاوية قيل إن لإقامة الشهادة شرائط وهي: حدودها التي لا يجوز تعديها لان من تعدى حدود الله عز وجل فقد ظلم نفسه، وأوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل وحكم عدل ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من تجد شهادته حقاً ويميت بها إثرة ويزيل بها ظلماً فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة ولم يكن معاوية عند الحسن (عليه السلام) أميراً أقامه الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) أو حاكماً من ولاة الحكم، فلو كان حاكماً من قبل الله وقبل رسوله ثم على الحسن (عليه السلام) ان الحكم هو الأمير والأمير هو الحكم وقد شرط عليه الحسن (عليه السلام) ان لا يؤمر حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الامرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين وإذا أزال ذلك بالشرط أزال عنه الحكم لان الأمير هو الحاكم وهو المقيم للحاكم، ومن ليس له تأمير ولا تحاكم يحكم فحكمه هذر ولا تقام الشهادة عند من حكمه هذر.
فان قلت: فما تأويل عهد الحسن (عليه السلام) على معاوية وشرطه عليه ألا يتعقب على شيعة علي (عليه السلام) شيئا؟ قيل إن الحسن (عليه السلام) علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل وسوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء وإن كان الله تعالى حقنه وحقن ما أرادوا حقنه وإن كان الله تعالى أراقه في حكمه فأراد الحسن (عليه السلام) ان يبين ان تأويل معاوية على شيعة علي (عليه السلام) بتعقبه عليهم ما يتعقبه زايل مضمحل فاسد، كما أنه أزال إمرته عنه وعن
المؤمنين بشرط ان لا يسميه أمير المؤمنين وان إمرته زالت عنه وعنهم وأفسد حكمه عليه وعليهم ثم سوغ الحسن (عليه السلام) بشرطه عليه ان لا يقيم عنده شهادة للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فيكون حينئذ داره دائرة، وقدرته قائمة لغير الحسن (عليه السلام) ولغير المؤمنين ويكون داره كدار بخت نصر وهو بمنزلة دانيال فيها، وكدار العزيز وهو كيوسف فيها.
فان قال: دانيال ويوسف عليهما السلام كانا يحكمان لبخت نصر، والعزيز قلنا: لو أراد بخت نصر دانيال والعزيز يوسف، ان يريقا بشهادة عمار بن الوليد وعقبة بن أبي معيط، وشهادة أبى بردة بن أبي موسى، وشهادة عبد الرحمان بن الأشعثبن قيس دم حجر بن عدي ابن الأدبر وأصحابه رحمة الله عليهم، وان يحكما له بان زيادا اخوه وان دم حجر وأصحابه مراقة بشهادة من ذكرت، لما جاز أن يحكما لبخت نصر والعزيز والحكم بالعدل يرمى الحاكم به في قدرة عدل أو جاير ومؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطرا إلى أن يدين قدر الجائر الكافر، والمبطل والمحق بحكمه.
فان قال: ولم خص الحسن (عليه السلام) عد الذنوب إليه والى شيعة علي (عليه السلام) وقدم امامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه وقد قتل حجر وأصحابه وغيرهم؟ قلنا: لو قدم الحسن (عليه السلام) في عده على معاوية ذنوب حجر وأصحابه على عبد الله ابن يحيى الحضرمي وأصحابه لكان سؤالك قائما فتقول لم قدم حجرا على عبد الله بن يحيى وأصحابه أهل الأخيار والزهد في الدنيا والاعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الحزق على أمير المؤمنين (عليه السلام) وشدة حبهم إياه وافاضتهم في ذكره وفضله فجاءهم فضرب أعناقهم صبرا ، ومن انزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج قسا من ديره فيقتله لان صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه على التشريط من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والأرض
فتقديم الحسن (عليه السلام) العباد على العباد والزهاد على الزهاد ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد لا يتعجب منه بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت ومقتصدا على مجتهد(1).
وبعد ما ذكرنا ما يدور بخلدنا من أهم نقاط المعاهدة وكونها كانت دليل قوة الإمام الحسن (عليه السلام) ولكن شاءت الظروف المحيطة بالإمام (عليه السلام) ومصلحة الدين الحنيف أن تتم هذه المعاهدة التي سنذكرها بتمامها كما ذكرها الشيخ كاشف الغطاء في كتابه صلح الحسن (عليه السلام).
1) علل الشرائع الشيخ الصدوق باب 59 ص 216
المادة الأولى: تسليم الامر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب اللّه وبسنة رسوله ( صلى اللّه عليه وآله )، وبسيرة الخلفاء الصالحين.
المادة الثانية: أن يكون الامر للإمام الحسن(عليه السلام) من بعده، فان حدث به حدث فلأخيه الإمام الحسين(عليه السلام)، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.
المادة الثالثة: أن يترك سبَّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر علياً (عليه السلام) الا بخير.المادة الرابعة: استثناء ما في بيت مال الكوفة، وهو خمسة آلاف الف فلا يشمله تسليم الامر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الإمام الحسن (عليه السلام) كل عام الفي الف درهم، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين الف الف درهم ، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد.
المادة الخامسة: على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمّنَ الأسود والأحمر، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة. وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وان لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لاحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام) حيث كانوا. وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لاحد من أهل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) غائلةً، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أفق من الآفاق.
وأضاف الشيخ الصدوق (رحمه الله) مادة سادسة وهي: أن لا يسلم عليه بإمرة المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة.
الختام:
قال ابن قتيبة: ثم كتب عبد اللّه بن عامر - يعني رسول معاوية إلى الحسن (عليه السلام) - إلى معاوية شروط الحسن(عليه السلام) كما أملاها عليه، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة، والايمان المغلَّظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، ووجه به إلى عبد اللّه بن عامر، فأوصله إلى الحسن (عليه السلام)(1).
1) صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين ص 261
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين
مما يوضح موقف الإمام الحسن (عليه السلام) من قضية الصلح أمور كثيرة منها خطبته بعد الصلح حيث رد الإمام (عليه السلام) على كلام معاوية الذي ذكر أن الإمام الحسن (عليه السلام) رأى أن معاوية أهلٌ للخلافة دون الإمام (عليه السلام) ولذا تنازل عنها، ولذا ذكر(عليه السلام) في خطبته أموراً تبين سبب الصلح وقوة موقف الإمام (عليه السلام) وأنه كان يفعل ما يفعله لمصلحة الدين والأمة وكما ذكرنا مثل ذلك فيما تقدم من الكلام في معاهدة الصلح وأنا سأذكر الخطبة التيذكرها الشيخ آل يسين في كتابه صلح الحسن (عليه السلام) وما جرى بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية معلقاً على فقرات الخطبة بما يقتضيه الحال .
فقال:
ونودي في الناس إلى المسجد الجامع، ليستمعوا هناك إلى الخطيبين الموقعين على معاهدة الصلح .
وكان لابد لمعاوية أن يستبق إلى المنبر، فسبق اليه وجلس عليه، وخطب في الناس خطبته الطويلة التي لم ترو المصادر منها الا فقراتها البارزة فحسب.
منها ( على رواية اليعقوبي ):
أما بعد ذلكم، فإنه لم تختلف أمة بعد نبيها، الا غلب باطلها حقها، قال: وانتبه معاوية لما وقع فيه. فقال: الا ما كان من هذه الأمة، فان حقها غلب باطلها.
ومنها ( على رواية المدائني ):
يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم(1)،
وقد آتاني اللّه ذلك وأنتم كارهون ألا ان كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول(2)،
وكل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين(3)ولا يصلح الناس الا ثلاث: اخراج العطاء عند محله(4)، وأقفال الجنود لوقتها(5)،وغزو العدو في داره(6)، فان لم تغزوهم غزوكم.وروى أبو الفرج الأصفهاني عن حبيب بن أبي ثابت مسنداً، أنه ذكر في هذه الخطبة علياً فنال منه ، ثم نال من الحسن.
وزاد أبو اسحق السبيعي فيما رواه من خطبة معاوية قوله: الا وان كل شيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به.
قال أبو اسحق: وكان واللّه غدّاراً(7).
1) أي أتولى على رقابكم أي طمعاً في الإمرة والخلافة، فهو يريد أن يبين أنه إنما قاتل ليس من أجل الدين أو العقيدة وإنما من أجل الملك والإمارة على رقاب الناس وقد تحقق له ذاك بالقهر والخديعة.
2) مطلول أي مهدور يعني يريد أن يقول أن الدماء التي سالت في حربه مع الإمام الحسن (عليه السلام) مهدورة ولا دية لها من بيت المال
3) أي شروط معاهدة الصلح مع الإمام (عليه السلام) وليكشف عن خسته ومعدنه في نكث العهود.
4) أي دفع العطاء في وقته وذلك لما يراه هو من أهمية المال فيرى أهمية إغراء الناس به.
5) أي إرجاع الجنود لمواقعها بعد انتهاء المعركة لما يلاقيه الجندي من صعوبة حال الحرب فإرجاعه لبلده يكون فيه جنبة استراحة يمكن بعدها معاودة القتال به مرة أخرى.
6) أي عدم انتظار تقدم العدو للبلاد ومحاربته دفاعا وإنما مبادرته في المعركة في عقر داره كما فعلها قبله من الخلفاء في الفتوحات.
7) أي معاوية أنه كان معروفاً بخلف الوعد والغدر.
ثم تطلَّع الناس، فإذا هم بابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان أشبههم به خلقاً وخلقاً وهيبة وسؤدداً(1)،
يخطو من ناحية محراب أبيه في المسجد العظيم ليصعد على منبره، وفي غوغاء الناس(2)
ولعٌ بالفضول لا يصبر عن استقراء الدقائق من شؤون الكبراء، فذكروا لجلجة(3)معاوية في خطبته، ورباطة الجأش(4)الموفورة في الحسن(عليه السلام) وقد استوى على أعواده، وأخذ يستعرض الجموع الزاخرة التي كانت تضغط المسجد الرحب على سعته، وكلها - إذ ذاك - أسماع مرهفة(5)
لا همَّ لها الا أن تعي ما يردّ به على معاوية، فيما خرج به عن موضوع الصلح، فنقض العهود وأهدر الدماء وتطاول على الأولياء.
وكان الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) أسرع الناس بديهة بالقول، وأبرع الخطباء المفوَّهين على تلوين الموضوعات، فخطب في هذا الموقف الدقيق، خطبته البليغة الطويلة التي جاءت من أروع الوثائق عن الوضع القائم بين الناس وبين أهل البيت (عليهم السلام) بعد وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، ووعظ ونصح ودعا المسلمين - في أولها - إلى المحبة والرضا والاجتماع، وذكّرهم - في أواسطها - مواقف أهله بل مواقف الأنبياء، ثم ردّ على معاوية - في آخرها - دون أن يناله بسب أو شتم، ولكنه كان بأسلوبه البليغ، أوجع شاتم وسابّ.قال (عليه السلام):
1) الهيبة مأخوذة من المهابة والاحترام والسؤدد هو المجد والعظمة والشرف وهو مأخوذ من معنى السيادة.
2) الغوغاء من الناس هم السِفْلة من الناس وذلك لكثرة لغطهم وصياحهم لان معنى الغوغاء هو الضجة والفوضى.
3) اللجلجة التردد والتلعثم بالكلام وعدم البيان الواضح.
4) الجأش هو النفس أو القلب والرباطة هي الثبات عند الشدائد وهو عبارة عن الشجاعة.
5) أي دقيقة يعني هي بانتظار ما سيتكلم به الإمام الحسن (عليه السلام) بعد تلعثم وتلجلج معاوية وكيف سيرد عليه.
الحمد للّه كلما حمده حامد، وأشهد ان لا اله الا اللّه كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى، وائتمنه على الوحي، (صلى اللّه عليه وآله وسلم).
أما بعد، فواللّه اني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه، وأنا انصح خلق اللّه لخلقه(1)،
وما أصبحت محتملاً على مسلمٍ ضغينةً(2)
ولا مريداً له سوءاً ولا غائلة(3).
ألا وإنَّ ما تكرهون في الجماعة، خير لكم مما تحبون في الفرقة(4)،
الا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم(5)، فلا
1) بما أنه هو الإمام المنصوب من الله عز وجل لرعاية مصالح الدين والدنيا فهو يكون أنصح الناس لهم لمعرفته بما يصلح لهم.
2) [2]- الضغينة هي الحقد الشديد ويريد (عليه السلام) أنه لا يحمل حقداً وضغينة على مسلم لآن ذلك ليس من طبعه ولا من تربيته فهو يريد ان يبين أن الصلح مع معاوية ليس فيه إساءة للمسلمين أو حقداً منه عليهم لتخاذلهم عن نصرته.
3) الغائلة هي الفساد والشر وهذا تأكيد لما ذكرته قبل قليل من أنه لا يريد الشر والسوء لأحد وإن كانوا قد خذلوه بالمعركة.
4) أي أن بعض أصحاب الإمام (عليه السلام) وإن كانوا يرغبون أن يكون بهم كيان مستقل وإمامهم الحسن (عليه السلام) وليس معاوية لكن ما سينالهم من الصلح أفضل مما ينالهم من الفرقة بعد تخاذل الناس عنه لما كان يعلمه (عليه السلام) من فوائد نتائج الصلح
5) لأنه (عليه السلام) إمام ويعرف المصالح الغيبية التي تخفى على الإنسان العادي فهو يعلم بالخير للنفس وإن كان ظاهراً قد لا يبدو خيرا فيقول لهم أنا أعرف بالخير لكم حتى من أنفسكم فلا ينبغي مخالفة اختياره من الصلح وإن كان خلاف رغبتهم لكنه هو الأصلح لهم وللدين، لما ظهر من بعض أصحابه (عليه السلام) من الاعتراض على الصلح والمعاهدة لمّا خفيت عليهم المصالح الغيبية وبعواطفهم أخذهم الجهل بكونه إمام معصوم لا يقدم على خطأ ولا يفعل إلا ما فيه صلاح الدين والدنيا ولكن الإنسان عجول كما وصفه الله تعالى {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} وقال تعالى { وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا}.
تخالفوا أمري ولا تردّوا عليَّ رأيي(1)، غفر اللّه لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا(2)ثم قال (عليه السلام):
أيها الناس، ان اللّه هداكم بأولنا(3)،
وحقن دماءكم بآخرنا(4)
وان لهذا الامر مدة(5)،
والدنيا دِول(6).
قال اللّه عزّ وجل لنبيه محمد (صلى اللّه عليه وآله): {قل ان أدري أقريب أم بعيد ما توعدون. انه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين}(7).
ثم قال (عليه السلام):
1) أي لا ينبغي أن يرد على الإمام في رأيه واختياره لأن الراد عليه كالراد على الله والرد هو الاعتراض على ما يختاره ظناً منهم أن ما يختاروه أفضل مما أختاره لهم (عليه السلام).
2) هذا تنزل منه كأسلوب القرآن حيث يقول { وإنا وإيكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين} أنه يدعو من الله أن يرشده ويرشدهم لما فيه المحبة والرضا من الله تعالى وبين الناس.
3) ويقصد به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أول أهل البيت (عليهم السلام) فهو سبب هدايتهم للإيمان بالله تعالى وسبب نجاتهم من نار جهنم بعد أن كانوا في ظلام الشرك والجاهلية .
4) وكما كانت هدايتهم للدين بأول أهل البيت ونجاتهم من دخول النار فكان حقن دمائهم من القتل وخسارة المعركة من دون فائدة تعود للإسلام والمسلمين به (عليه السلام) والذي يقصد به أخرنا يعني هو الإمام الفعلي فهو أخر أهل البيت (عليهم السلام) الفعليين من حيثية الإمامة الفعلية.
5) وهو الصلح والهدنة مع معاوية فهو أمر غير قابل للاستمرار وإنما مرهون بالظروف المحيطة، وإشارة إلى غدر معاوية ونقضه للصلح، وإعلان غيبي لثورة الإمام الحسين(عليه السلام) وأن هذا الحال مؤقت لمصلحة أكبر.
6) المقصود من دِول أي تتداول من واحد لواحد وهو بيان أنها لا تدوم لأحد فلابد ان يأتي يوم وينقلب الحال عن معاوية.
7) آية 109 و110و111 من سورة الأنبياء.
وان معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية.
نحن أولى الناس بالناس في كتاب اللّه عزّ وجل وعلى لسان نبيه(1)(صلى الله عليه وآله) ولم نزل - أهل البيت - مظلومين منذ قبض اللّه نبيه (صلى الله عليه وآله)(2)
فاللّه بيننا وبين من ظلمنا(3)، وتوثب على رقابنا(4)وحمل الناس علينا(5)،
ومنعنا سهمنا من الفيء(6)
وذكر الدكتور جواد جعفر الخليلي في كتابه محاكمات الخلفاء وأتباعهم أن أبا بكر يمنع الخمس عن آل البيت (عليهم السلام): الآية (41) من سورة الأنفال، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ}. لقد منع الله الصدقات من الزكاة على أهل البيت (عليهم السلام) منعا باتا، فلا تحل لهم صدقة، وأعاضهم بقسم من الخمس لكي لا تبقى العترة في ضيق اقتصادي. وجرى ذلك في عهده (صلى الله عليه وآله) رغم ضيق الوضع الاقتصادي، فهذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام: حق الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وذوي القربى تقسم بيد الإمام العادل التقي الذكر البالغ على مصالح المسلمين. والأسهم الثلاثة الباقية تخص الأيتام والمحتاجين، وأبناء السبيل من آل البيت، ليقوم مقام الصدقات المحرومين منها. وذلك ما كان متبعا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما تولى الخلافة أبو بكر وبعده عمر رغم توسع الوضع الاقتصادي وقفا أمام هذا النص والسنة فمنعا أن يعطى آل محمد شيئاً منه، وهم محرومون من الصدقات، وإذا بهم محرومون من كل شيء، وكأنهم غير مسلمين، إذ حرمانهم من الخمس لا يسمح لهم الصدقة والزكاة. وظل هذا الاجتهاد من أبي بكر وعمر جاريا زمن عثمان وعهد الأمويين، ودام في العهد العباسي وإلى اليوم. وبدأها أبو بكر وعمر بأنهم بحاجة للفتوح، ويلزم لذا موارد اقتصادية، فاتخذوها ذريعة لحرمان آل محمد (صلى الله عليه وآله) منها. وهاك ما أدرجه الإمام الشافعي محمد بن إدريس في ص 69 في كتاب الأم قوله: (وأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضا عن الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئا، قل أو كثر. لا يحل لهم أن يأخذوها ولا يجزي عمن يعطيهموها إذا عرفهم. حتى قال: وليس منعهم حقهم من الخمس يحل لهم ما حرم عليهم من الصدقة). وقد نزلت آية الخمس وباتفاق جمهور المفسرين، كان نزولها لمساعدة ذراري وأقارب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتنفق لاحتياجاتهم. واليوم لا يعمل بها طبق النص سوى فقهاء الإمامية، وعندما تراجع أكابر علماء أهل السنة والجماعة تراهم يؤيدون ذلك ولكن لا يعملون به. راجع بذلك الأسانيد الواردة في موسوعتنا ج 3 موضوع منع الخمس عن آل البيت (عليهم السلام)، وهذه إحدى النصوص التي خالفوها.
1) أي لهم الولاية على الناس بما أنهم أئمة على الخلق والله جعل لهم الولاية العامة المستمدة من ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) فمن كتاب الله قوله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وقوله تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} وقوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وأما ما ورد على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) فهو ما سيشير إليه (عليه السلام) من حديث الغدير وقول النبي (صلى الله عليه وآله) {من كنت مولاه فعلي مولاه}
2) يقصد (عليه السلام) غصب الخلافة من أبيه (عليه السلام) التي نص عليها النبي (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم فهذا أول الظلم ثم استمر لآخرهم (عليهم السلام) ويقصد نفسه هو (عليه السلام) بغصب الخلافة منه من معاوية.
3) فإنه جعل الله هو الحاكم بينهم وبين غاصبي الخلافة منهم ظلماً وهذا موقف قوة منه (عليه السلام) حيث يصرح بعدم شرعية من سبق معاوية من الخلفاء ومعناه عدم شريعة خلافته لأنه استمدها منهم وهذا معناه كذب معاوية بدعواه أن الإمام (عليه السلام) لا يرى نفسه أهلاً لها، وإنما معاوية هو أهل لها، بل الإمام (عليه السلام) يشير إلى أنها حق له ولأبيه (عليهما السلام) قد غصبه الظالمون وسيطالبون بهذا الحق ومعناه عدم تنازلهم عن حقهم حتى قهراً.
4) الوثوب هو الصعود ويريد (عليه السلام) أنه أخذ الخلافة منهم قهراً وتقدمه عليهم مع أنه لابد أن يكون متأخراً عنهم ومحكوم لهم (عليهم السلام).
5) أي كره الناس فينا من حيث سنه سب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعين سنة وغير ذلك من الأساليب التي توجب كره الناس لأهل البيت (عليهم السلام) مع أنهم أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) والمفروض أن يكونوا أكثر الناس مودة لما أمرهم به الله تعالى عن لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) في كتابه المجيد {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} مما جعل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يلجأ لتلك الحروب الداخلية بسبب الحقد الذي زرعه البعض تجاه أهل البيت (عليهم السلام).
6) وهو سهم الخمس حيث منعه أبو بكر عنهم بمشورة عمر كما روى في البحار عن المفضل بن عمر قال: قال مولاي جعفر الصادق (عليه السلام): لما ولي أبو بكر بن أبي قحافة قال له عمر: إن الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن علي وأهل بيته الخمس، والفيء، وفدكاً، فان شيعته إذا علموا ذلك تركوا علياً وأقبلوا إليك رغبة في الدنيا وإيثارا ومحاباة عليها، ففعل أبو بكر ذلك وصرف عنهم جميع ذلك. فلما قام - أبو بكر بن أبي قحافة - مناديه: من كان له عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دين أو عدة فليأتني حتى أقضيه، وأنجز لجابر بن عبد الله ولجرير بن عبد الله البجلي. قال: [ قال ] علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): صيري إلى أبي بكر وذكّريه فدكاً، فصارت فاطمة إليه وذكرت له فدكاً مع الخمس والفيء، فقال: هاتي بينة يا بنت رسول الله. فقالت: أما فدك، فإن الله عز وجل أنزل على نبيه قرآنا يأمر فيه بأن يؤتيني وولدي حقي، قال الله تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} فكنت أنا وولدي أقرب الخلائق إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فنحلني وولدي فدكا، فلما تلا عليه جبرئيل (عليه السلام): {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما حق المسكين وابن السبيل؟ فأنزل الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}، فقسم الخمس على خمسة أقسام، فقال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ} فما لله فهو لرسوله، وما لرسول الله فهو لذي القربى، ونحن ذو القربى. قال الله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطاب وقال: ما تقول؟ فقال عمر: ومن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل؟ فقالت فاطمة ( عليها السلام ): اليتامى الذين يأتمون بالله وبرسوله وبذي القربى، والمساكين الذين أسكنوا معهم في الدنيا والآخرة، وابن السبيل الذي يسلك مسلكهم. قال عمر: فإذاً الخمس والفيء كله لكم ولمواليكم وأشياعكم؟ ! فقالت فاطمة (عليها السلام): أما فدك فأوجبها الله لي ولولدي دون موالينا وشيعتنا، وأما الخمس فقسمه الله لنا ولموالينا وأشياعنا كما يقرأ في كتاب الله. قال عمر: فما لسائر المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان؟ قالت فاطمة: إن كانوا موالينا ومن أشياعنا فلهم الصدقات التي قسمها الله وأوجبها في كتابه، فقال الله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} . . إلى آخر القصة، قال عمر: فدك لك خاصة والفيء لكم ولأوليائكم؟ ما أحسب أصحاب محمد يرضون بهذا! ! قالت فاطمة: فإن الله عز وجل رضي بذلك، ورسوله رضي به، وقسم على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخالفة، ومن عادانا فقد عادى الله، ومن خالفنا فقد خالف الله، ومن خالف الله فقد استوجب من الله العذاب الأليم والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة. فقال عمر: هاتي بينة يا بنت محمد على ما تدعين؟ ! فقالت فاطمة ( عليها السلام ): قد صدقتم جابر بن عبد الله وجرير بن عبد الله ولم تسألوهما البينة! وبينتي في كتاب الله، فقال عمر: إن جابراً وجريراً ذكرا أمراً هيّناً، وأنت تدعين أمراً عظيماً يقع به الردة من المهاجرين والأنصار!. فقالت (عليها السلام): إن المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه، والأنصار بالإيمان بالله ورسوله وبذي القربى أحسنوا، فلا هجرة إلا إلينا، ولا نصرة إلا لنا، ولا اتباع بإحسان إلا بنا، ومن ارتد عنا فإلى الجاهلية. فقال لها عمر: دعينا من أباطيلك، وأحضرينا من يشهد لك بما تقولين! !. فبعثت إلى علي والحسن والحسين وأم أيمن وأسماء بنت عميس - وكانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة - فأقبلوا إلى أبي بكر وشهدوا لها بجميع ما قالت وادعته. فقال: أما علي فزوجها، وأما الحسن والحسين ابناها، وأما أم أيمن فمولاتها، وأما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر ابن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم، وقد كانت تخدم فاطمة، وكل هؤلاء يجرون إلى أنفسهم!. فقال علي ( عليه السلام ): أما فاطمة فبضعة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، ومن آذاها فقد آذى رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، ومن كذّبها فقد كذّب رسول الله، وأما الحسن والحسين فابنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسيدا شباب أهل الجنة، من كذّبهما فقد كذّب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ كان أهل الجنة صادقين، وأما أنا فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت مني وأنا منك، وأنت أخي في الدنيا والآخرة، والراد عليك هو الراد علي، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني، وأما أم أيمن فقد شهد لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجنة، ودعا لأسماء بنت عميس وذريتها. قال عمر: أنتم كما وصفتم أنفسكم، ولكن شهادة الجار إلى نفسه لا تقبل. فقال علي (عليه السلام): إذاً كنا كما نحن كما تعرفون ولا تنكرون، وشهادتنا لأنفسنا لا تقبل، وشهادة رسول الله لا تقبل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذا ادعينا لأنفسنا تسألنا البينة؟! فما من معين يعين، وقد وثبتم على سلطان الله وسلطان رسوله، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة ولا حجة، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}. ثم قال لفاطمة: انصرفي حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
ومنع أمَّنا ما جعل لها رسول اللّه(1).
واقسم باللّه لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها(2)
1) هنا إشارة إلى منع الزهراء (عليها السلام) من أرض فدك التي جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لها خالصة في حياته عوضاً عما بذلته أمها خديجة في سبيل الإسلام كما مر قبل قليل.
2) كلامه (عليه السلام) شبيه بكلام أمه الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الصغرى مع نساء المهاجرين والأنصار حيث قالت (وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا منه والله نكير سيفه، وقلة مبالاته بحتفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله. وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردهم إليها، وحملهم عليها، ولسار بهم سيرا سجحا، لا يكلم خشاشه ولا يكل سائره، ولا يمل راكبه ولأوردهم منهلا نميرا صافيا رويا تطفح ضفتاه، ولا يترنق جانباه, ولأصدرهم بطانا, ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يتحلى من الغنى بطائل، ولا يحظى من الدنيا بنائل، غير ري الناهل، وشبعة الكافل ولبان لهم الزاهد من الراغب، والصادق من الكاذب،) وعين ما ذكره الصحابي الجليل سلمان الفارسي في احتجاجه على القوم بعد تركهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لغيره حيث قال (أما والذي نفس سلمان بيده: لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم، ومن تحت أقدامكم، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش لكم سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره فأبشروا بالبلايا، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء).
ولما طمعت فيها يا معاوية. فلما خرجت من معدنها(1)،تنازعتها قريش بينها(2)، فطمع فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء أنت وأصحابك. وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه اله ) فهرسومنع أمَّنا ما جعل لها رسول اللّه(3).
واقسم باللّه لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها(4)
ولما طمعت فيها يا معاوية. فلما خرجت من معدنها(5)،
تنازعتها قريش بينها(6)، فطمع فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء أنت وأصحابك. وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليهوآله): ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه، الا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً(7)،
حتى يرجعوا إلى ما تركوا(8)، فقد ترك بنو إسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم، واتبعوا السامريّ، وتركت هذه الأمة أبي وبايعوا غيره(9)وقد سمعوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول له:
1) يعني لما حالت الإمامة عن معدنها الأصيل وهو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته الذين أوصى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بهم وذهبت إلى غير أهلها طمع فيها مثلك وأمثالك بعد أن تولاها من هم ليسوا لها بأهل، وإلا لو كنت الناس بايعت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كما نص النبي (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم وكانت من بعده لمن هو أحق بها بوصية الرسول (صلى الله عليه وآله) لما شبح نظرك ونظر غيرك لها لكن لما خرجت عما أراد الله لها أصبحت مطمع الطامعين ممن ليسوا لها بأهل.
2) كما حصل في سقيفة بني ساعدة من تداعي الخلافة بين المهاجرين والأنصار، ومن ثم طمعت أنت فيها من بعد ان جعلك الخليفة غير الشرعي واليا ًعلى الشام، وقاتلت الخليفة الشرعي بعد ذلك الذي أختاره المسلمون خليفة لهم بعدما شاهدوه من جور وفساد من سبقه من الخلفاء غير الشرعيين وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وخذله أصحابه في المعركة بعد حيلتك ورفعك المصاحف حيلة لا صدقاً، وحصلت على الخلافة بالحيلة والغدر الذي صنعه عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري، فتصورت نفسك أنك الخليفة الشرعي وترى نفسك أنك أحق بها منّي.
3) هنا إشارة إلى منع الزهراء (عليها السلام) من أرض فدك التي جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لها خالصة في حياته عوضاً عما بذلته أمها خديجة في سبيل الإسلام كما مر قبل قليل.
4) كلامه (عليه السلام) شبيه بكلام أمه الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الصغرى مع نساء المهاجرين والأنصار حيث قالت (وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا منه والله نكير سيفه، وقلة مبالاته بحتفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله. وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردهم إليها، وحملهم عليها، ولسار بهم سيرا سجحا، لا يكلم خشاشه ولا يكل سائره، ولا يمل راكبه ولأوردهم منهلا نميرا صافيا رويا تطفح ضفتاه، ولا يترنق جانباه, ولأصدرهم بطانا, ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يتحلى من الغنى بطائل، ولا يحظى من الدنيا بنائل، غير ري الناهل، وشبعة الكافل ولبان لهم الزاهد من الراغب، والصادق من الكاذب،) وعين ما ذكره الصحابي الجليل سلمان الفارسي في احتجاجه على القوم بعد تركهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لغيره حيث قال (أما والذي نفس سلمان بيده: لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم، ومن تحت أقدامكم، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش لكم سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره فأبشروا بالبلايا، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء).
5) يعني لما حالت الإمامة عن معدنها الأصيل وهو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته الذين أوصى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بهم وذهبت إلى غير أهلها طمع فيها مثلك وأمثالك بعد أن تولاها من هم ليسوا لها بأهل، وإلا لو كنت الناس بايعت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كما نص النبي (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم وكانت من بعده لمن هو أحق بها بوصية الرسول (صلى الله عليه وآله) لما شبح نظرك ونظر غيرك لها لكن لما خرجت عما أراد الله لها أصبحت مطمع الطامعين ممن ليسوا لها بأهل.
6) كما حصل في سقيفة بني ساعدة من تداعي الخلافة بين المهاجرين والأنصار، ومن ثم طمعت أنت فيها من بعد ان جعلك الخليفة غير الشرعي واليا ًعلى الشام، وقاتلت الخليفة الشرعي بعد ذلك الذي أختاره المسلمون خليفة لهم بعدما شاهدوه من جور وفساد من سبقه من الخلفاء غير الشرعيين وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وخذله أصحابه في المعركة بعد حيلتك ورفعك المصاحف حيلة لا صدقاً، وحصلت على الخلافة بالحيلة والغدر الذي صنعه عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري، فتصورت نفسك أنك الخليفة الشرعي وترى نفسك أنك أحق بها منّي.
7) أي يكون أمرهم في تسافل وانحدار نحو الهاوية؛ لأن ترك رأي الأعلم والرجوع لغيره موجب للزوغان عن الحق وكلما ابتعد الناس عن الطريق المستقيم كان النزول نحو الهاوية أسرع شيئاً فشيئاً
8) وهو الأعلم الذي تركوه ويقصد نفسه (عليه السلام) فعلاً، وأبوه أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهد خلافته بالرجوع إليه وترك قليل العلم الذي اتبعوه وهو معاوية وأمثاله.
9) إشارة إلى كون أمير المؤمنين (عليه السلام) أعلم من كل الموجودين بعد رسول الله وبما أن الأمة تركت الأعلم ورجعوا إلى غيره وجعلوه خليفة عليهم دون اختيار من اختاره الله لهم فصار أمرهم سفالاً حتى وصل إلى طمع الطلقاء وأبنائهم فيها معاوية ومن بعده
أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا النبوة(1)، وقد رأوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) نصب أبي يوم غدير خم، وأمرهم ان يبلغ أمره الشاهدُ الغائب(2)
أما بعد: أيها الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله وإني أوشك أن أدعى فأجبت، وإني مسؤول وأنتم مسئولون، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيرا، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده ورسوله وأن جنته حق وناره حق وأن الموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد .
ثم قال: أيها الناس ألا تسمعون؟ قالوا: نعم. قال: فإني فَرَطٌ على الحوض وأنتم واردون علي الحوض، وإن عرضه ما بين صنعاء وبصرى فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تَخْلِفُونِي في الثقلين فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عز وجل وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فسألت ذلك لهما ربي. فلا تَقْدَّمُوهما فتهلكوا ولا تَقْصِروا عنهما فتهلكوا، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات، وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب. ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي.)
.1) وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. الكافي ج 8 باب إذا بلغ المؤمن أربعين سنة. وفي صحيح البخاري حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال أتخلفني في الصبيان والنساء قال الا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى الا انه ليس نبي بعدي. ومثله صحيح مسلم.
2) كما قالها النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبته المشهورة يوم غدير خم حيث قال فيها: (الحمد لله ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضل، ولا مضل لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله .
وقد هرب رسول اللّه من قومه وهو يدعوهم إلى اللّه(1)، حتى دخل الغار، ولو أنه وجد أعواناً لما هرب، وقد كف أبي يده حين ناشدهم، واستغاث فلم يغث(2)
وورد أنه قد حمل الزهراء وابنيها: الحسن والحسين (عليهم السلام)، ودار بهم على بيوت المهاجرين والأنصار، وأهل بدر وغيرهم، يطلبون نصرتهم ، فلم يستجيبوا لهم، ثمّ إنّ الزهراء ( عليها السلام ) تشير في استنهاضها الأنصار إلى بيعتهم، بيعة العقبة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )، حين عاهدوه على أن يمنعوه وذرّيّته ممّا يمنعون منه أنفسهم وذراريهم، و كانت تقول عندما دار بها عليٌّ ( عليه السلام ) على أتان والحسنين ( عليهما السلام ) معها على بيوت المهاجرين والأنصار: يا معشر المهاجرين والأنصار ! انصروا الله فإنّي ابنة نبيّكم وقد بايعتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم بايعتموه أن تمنعوه وذرّيّته ممّا تمنعون منه أنفسكم وذراريكم ، فَفُوا لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ببيعتكم.
.فجعل اللّه هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه(3)
1) يذكرهم بهجرة النبي (صلى الله عليه وآله) ولجوئه إلى غار حراء هربا من كيد قريش له مع أنه كان يدعوهم للإيمان بالله تعالى، وهروبه بسبب قلة أنصاره على دعوته، ولو وجد أنصاراً يؤيدونه على دعوته لما هرب من كيد قريش له، وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) لما لم يجد أنصاراً ينصروه على أخذ حقه من الخلافة المغتصبة منه كف يده بالمطالبة بها وهو بذلك يريد أن يبين أن موقف أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) من سكوته عن المطالبة بالخلافة، وسكوته عن المطالبة بحقه بعد قضية التحكيم، وموقفه هو (عليه السلام) من الصلح مع معاوية ليس لأن معاوية صاحب حق أو أنه أولى منهما بالخلافة بل إنما اضطروا إلى ذلك لقلة الناصر كما اضطر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى الهرب إلى غار حراء مع أنه صاحب دعوة حق لقلة الناصر، وليس لضعف في حجة النبي (صلى الله عليه وآله) بل مراعاة لحال الإسلام والمسلمين فإن الهجرة كانت سبباً في قوة الإسلام وانتشاره، وكذلك موقفهما (عليهما السلام) ليس لضعف الحجة أو أن معاوية هو صاحب الحق بل لقلة الناصر ومراعاة مصلحة الإسلام وأهله.
2) ففي الاختصاص للشيخ المفيد في بيان مطالبة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة هو والزهراء والحسنين (عليهم السلام) قال: ثم خرجت أي الزهراء (عليها السلام) وحملها علي على أتان، عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحا في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين (عليهما السلام) معها وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار انصروا الله فإني ابنة نبيكم وقد بايعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم ففوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ببيعتكم، قال: فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها.
3) ففي علل الشرائع باب -122- العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) مجاهدة أهل الخلاف. قال حدثنا حمزة بن محمد العلوي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني الفضل بن خباب الجمحي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحمصي قال: حدثني محمد بن أحمد بن موسى الطائي، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: احتجوا في مسجد الكوفة فقالوا ما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم ينازع الثلاثة كما نازع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية، فبلغ ذلك علياً (عليه السلام) فأمر أن ينادي بالصلاة جامعة فلما اجتمعوا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر الناس، انه بلغني عنكم كذا وكذا قالوا صدق أمير المؤمنين قد قلنا ذلك، قال فان لي بسنة الأنبياء أسوة فيما فعلت قال الله عز وجل في كتابه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} قالوا ومن هم يا أمير المؤمنين؟ قال أولهم إبراهيم (عليه السلام) إذ قال لقومه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} فإن قلتم ان إبراهيم اعتزل قومه لغير مكروه أصابه منهم فقد كفرتم وان قلتم اعتزلهم لمكروه رآه منهم فالوصي اعذر. ولي بابن خالته لوط أسوة إذ قال لقومه: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ }، فان قلتم ان لوطاً كانت له بهم قوة فقد كفرتم، وان قلتم لم يكن له قوة فالوصي اعذر، ولي بيوسف (عليه السلام) أسوة إذ قال: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} فان قلتم ان يوسف دعا ربه وسأله السجن لسخط ربه فقد كفرتم، وان قلتم انه أراد بذلك لئلا يسخط ربه عليه فاختار السجن فالوصي أعذر، ولي بموسى (عليه السلام) أسوة إذ قال: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} فإن قلتم ان موسى فر من قومه بلا خوف كان له منهم فقد كفرتم، وان قلتم ان موسى خاف منهم فالوصي اعذر، ولي بأخي هارون (عليه السلام) أسوة إذ قال لأخيه: {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} فإن قلتم لم يستضعفوه ولم يشرفوا على قتله فقد كفرتم، وان قلتم استضعفوه وأشرفوا على قتله فلذلك سكت عنهم فالوصي اعذر. ولي بمحمد (صلى الله عليه وآله) أسوة حين فر من قومه ولحق بالغار من خوفهم وأنامني على فراشه، فإن قلتم فر من قومه لغير خوف منهم فقد كفرتم، وان قلتم خافهم وأنامني على فراشه ولحق هو بالغار من خوفهم فالوصي اعذر.
وجعل اللّه النبي (صلى الله عليه وآله) في سعة حين دخل الغار ولم يجد أعواناً، وكذلك أبي وأنا في سعة من اللّه(1)،حين خذلتنا هذه الأمة. وانما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً.
ثم قال (عليه السلام): فوالذي بعث محمداً بالحق، لا ينتقص من حقنا - أهل البيت - أحد الا نقصه اللّه من عمله(2)
1) يريد ان تركنا للمطالبة بحقنا ليس اجتهاداً شخصياً بل هو أمر رباني منح لنا بسبب خذلان الأمة لنا
2) يعني أن من ينتقص قدرنا أهل البيت (عليهم السلام) ولا يحفظ مقامنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن الله سوف يحبط أعماله لأن النبي (صلى الله عليه وآله) طلب المودة في القربى ومن ينتقصهم يخالف أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بمودتهم فيحبط الله عمله.
ولا تكون علينا دولة الا وتكون لنا العاقبة، {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}(1)
وفي الآمالي للشيخ الصدوق حدثنا محمد بن سيرين، قال: سمعت غير واحد من مشيخة أهل البصرة يقول: لما فرغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) من حرب أصحاب الجمل لحقه مرض وحضرت الجمعة، فقال لابنه الحسن ( عليه السلام ): انطلق يا بني فأجمع بالناس. فأقبل الحسن ( عليه السلام ) إلى المسجد، فلما استقل على المنبر حمد الله وأثنى عليه وتشهّد وصلى على رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، ثم قال: أيها الناس، إن الله اختارنا لنبوته، واصطفانا على خلقه وبريته، وأنزل علينا كتابه ووحيه، وأيم الله لا ينتقصنا أحد من حقنا شيئا إلا انتقصه الله في عاجل دنياه وآجل آخرته، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين. ثم جمع بالناس، وبلغ أباه كلامه، فلما انصرف إلى أبيه ( عليه السلام ) نظر إليه فما ملك عبرته أن سالت على خديه، ثم استدناه فقبّل بين عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
.ثم دار بوجهه إلى معاوية ثانياً، ليرد عليه نيله من أبيه، فقال - وما أروع ما قال -: أيها الذاكر علياً! أنا الحسن وأبي علي(2)،
وأنت معاوية وأبوك صخر(3)، وأمي فاطمة وأمك هند(4)
لمن الصبي بجانب البطحاء في الترب ملقى غير ذي مهد
نجلت به بيضاء آنسة من عبد شمس صلتة الخد
وقال الواقدي: وهرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن حتى ركب البحر، قال: وجاءت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في نسوة منهن هند بنت عتبة وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر بقتلها.
وآكلة الأكباد لما مثلوا بقتلى أحد كحمزة بن عبد المطلب فشقوا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة كبده، فجعلت تلوكه وجذعوا أنفه وأذنه، وقطعوا مذاكيره، وصنعتهما قلادة، وقال المسلمون لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء منهم فضلا عن الأموات.
وكانت هند بنت عتبة أم معاوية في ذلك اليوم مع المشركين تحرضهم، وتقول:
إيهاً بني عبد الدار إيهاً حماة الأدبار ضرباً بكل بتار
وقالت أيضا متمثلة، وهي تضرب بالدف:
نحن بنات طارق
نمشي على النمارق والدر في المخانق والمسك في المفارق
إن تقبلوا نعانق
ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
1) ففي الكافي عن أبي جعفر ( عليه السلام ) في قوله عز وجل: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } قال: هو أمير المؤمنين (عليه السلام) {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} قال: عند خروج القائم ( عليه السلام ).
2) لبيان مقامه (عليه السلام) وشرف نسبه والفرق بينه وبين نسب معاوية فقال أنا الحسن وقصده يعرف نفسه أنه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبن أمير المؤمنين فهو من خيرة الأنساب حيث كونه من بني هاشم وهو سيد شباب أهل الجنة.
3) بينما معاوية من الطلقاء وابوه صخر وهو أبو سفيان رأس الشرك والحرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
4) وأمه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيدة نساء أهل الجنة، بينما أم معاوية هند صاحبة الرايات في الجاهلية، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: معاوية هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وأبو سفيان هو الذي قاد قريشا في حروبها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعهر. وقال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار: كان معاوية يعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح، مغنٍ كان لعمارة بن الوليد، قال: وكان أبو سفيان دميما قصيرا وكان الصباح عسيفاً لأبي سفيان شاباً وسيماً فدعته هند إلى نفسها فغشيها، وقالوا: إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضاً، وقالوا: إنها كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك، وفي هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عام الفتح:
وجدي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وجدك عتبة بن ربيعة(1)، وجدتي خديجة وجدتك فُتيلة(2)
وفي كتاب الغارات للثقفي حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم، قال: وأخبرني يوسف بن كليب المسعودي قال: حدثنا الحسن بن حماد الطائي عن عبد الصمد البارقي عن جعفر بن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: قدم عقيل على علي (عليه السلام) وهو جالس في صحن مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، قال: وعليك السلام يا أبا يزيد ثم التفت إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: قم وأنزل عمك، فذهب به فأنزله وعاد إليه، فقال له: اشتر له قميصاً جديداً ورداءً جديداً وإزاراً جديداً ونعلاً جديداً، فغدا على علي (عليه السلام) في الثياب، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين قال: وعليك السلام يا أبا يزيد، قال: يا أمير المؤمنين ما أراك أصبت من الدنيا شيئا إلا هذه الحصباء؟ ! قال: يا أبا يزيد يخرج عطائي فأعطيكاه، فارتحل عن علي (عليه السلام) إلى معاوية، فلما سمع به معاوية نصب كراسيه وأجلس جلساءه، فورد عليه، فأمر له بمائة ألف درهم، فقبضها، فقال له معاوية: أخبرني عن العسكرين، قال: مررت بعسكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإذا ليل كليل النبي (صلى الله عليه وآله) ونهار كنهار النبي إلا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس في القوم، ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفّر برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة العقبة. ثم قال: من هذا الذي عن يمينك يا معاوية؟ - قال: هذا عمرو بن العاص، قال: هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزارها، فمن الآخر؟ - قال: الضحاك بن قيس الفهري، قال: أما والله لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيس، فمن هذا الآخر؟ - قال: أبو موسى الأشعري، قال: هذا ابن المرّاقة، فلما رأى معاوية أنه قد أغضب جلساءه، قال: يا أبا يزيد ما تقول فيّ؟ - قال: دع عنك، قال: لتقولن، قال: أتعرف حمامة؟ - قال: ومن حمامة؟ - قال: أخبرتك، ومضى عقيل، فأرسل معاوية إلى النسابة، قال: فدعاه فقال: أخبرني من حمامة، قال: أعطني الأمان على نفسي وأهلي، فأعطاه، قال: حمامة جدتك وكانت بغية في الجاهلية، لها راية تؤتى. قال الشيخ: قال أبو بكر بن زبين: هي أم أم أبي سفيان.
1) وَأَوَّلُ حَرْبٍ شَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله) يَوْمَ بَدْرٍ، بَرَزَ فِيهَا مِنْ شُرَفَاءِ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَابْنُهُ الْوَلِيدُ وَأَخُوهُ شَيْبَةُ وَدَعَوْا إلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ عَوْفٌ وَمَسْعُودٌ ابْنَا عَفْرَاءَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالُوا لِيَبْرُزَ أَكْفَاؤُنَا إلَيْنَا فَمَا نَعْرِفُكُمْ، فَبَرَزَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، بَرَزَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلَهُ، وَبَرَزَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ وَبَرَزَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ إلَى شَيْبَةَ فَاخْتَلَفَا بِضَرْبَتَيْنِ أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَمَاتَ شَيْبَةُ لِوَقْتِهِ وَاحْتُمِلَ عُبَيْدَةُ حَيًّا قَدْ قُدَّتْ رِجْلُهُ فَمَاتَ بِالصَّفْرَاءِ.
2) وتسمى حمامة وكانت من البغايا أصحاب الرايات ففي أنساب الأشراف للبلاذري وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه قال: دخل عقيل على معاوية فقال له: يا أبا يزيد أي جدّاتكم في الجاهلية شرّ؟ قال حمامة. فوجم معاوية. قال هشام: وحمامة جدة أبي سفيان وهي من ذوات الرايات في الجاهلية.
فلعن اللّه أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً وشرّنا قديماً وحديثاً(1)، وأقدمنا كفراً ونفاقاً!
قال الراوي: فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.
1) خمل: الخامِل: الخَفِيُّ الساقط الذي لا نَباهة له، يقال: هو خامل الذِّكْرِ والصوتِ، خَمَل يَخْمُل خُمولاً وأَخْمَله الله، وحكى يعقوب: إِنَّه لَخامِل الذِّكر وخامِنُ الذِّكْرِ، على البدل بمعنى واحد، لا يُعْرَف ولا يُذْكَر. واللئيم: الدني الأصل، الشحيح النفس وقد لؤم الرجل بالضم لؤما على فعل، ومَلأمة على مَفْعلة، ولآمة على فَعالة، فهو لئيم.
قال الفضل بن الحسن: قال يحيي بن معين: وانا أقول آمين.
قال أبو الفرج قال أبو عبيد قال الفضل: وانا أقول آمين.
ويقول علي بن الحسين الأصفهاني ( أبو الفرج ): آمين.
قال ابن أبي الحديد: قلت ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب ( يعني شرح النهج ): آمين.
ونحن أيضاً نقول: آمين، آمين، آمين
ولكن في الآمالي للشيخ الطوسي ذُكرت خطبة للإمام الحسن (عليه السلام) فيها إضافات أخر أحببت أن أذكرها، فقد روى عن أبي المفضل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبيه، عن عثمان أبي اليقظان، عن أبي عمر زاذان، قال: لما وادع الحسن بن علي ( عليهما السلام ) معاوية، صعد معاوية المنبر، وجمع الناس فخطبهم، وقال: إن الحسن بن علي رآني للخلافة أهلاً ولم ير نفسه لها أهلاً، وكان الحسن ( عليه السلام ) أسفل منه بمرقاة، فلما فرغ من كلامه، قام الحسن ( عليه السلام ) فحمد الله تعالى بما هو أهله، ثم ذكر المباهلة فقال: فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الأنفس بأبي(1)
وروي عن يوم المباهلة: أنه يوم الرابع والعشرين وهو الأظهر، أخبرنا جماعة عن أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع (رضي الله عنه) قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد قال : حدثنا علي بن الحسن بن أحمد بالسهلة قال: حدثنا سعيد بن الحكم عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع قال: لما قدم صهيب مع أهل نجران، ذكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ما خاصموه به من أمر عيسى بن مريم (عليه السلام) وأنهم ادعوه ولداً فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخاصمهم وخاصموه فقال: { تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}. فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فجمعهم فقال لهم العاقب: ما أرى لكم أن تلاعنوه . فإن كان نبياً هلكتم ولكن صالحوه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لاعنوني ما وجدوا لهم أهلاً ولا مالاً ولا ولداً.
1) وفي الحديث: شر النصارى نصارى نجران: وجاؤا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعهم من العلماء رجلان يقال لهما: العاقب، والسيد ودعاهم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر فلما خلا بعضهم إلى بعض قالوا للعاقب: وكان ذا رأيهم، يا عبد المسيح ما ترى ؟ قال والله لقد عرفتم إن محمداً نبي مرسل ولقد جاءكم بالفضل من أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم، فان أبيتم إلا ألف دينكم فوادعوا الرجل وصالحوه، وانصرفوا إلى بلادكم. وذلك بعد أن غدا النبي (صلى الله عليه وآله) آخذاً بيد علي (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) بين يديه وفاطمة (عليها السلام) خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم أبو حارثة - فقال الأسقف: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله بها فلا تباهلوا، فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم إنا لا نباهلك ولكن نصالحك، فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أن يؤدوا إليه في كل عام ألفي حلة، الف في صفر، والف في رجب. وعلى عارية ثلاثين درعاً وعارية ثلاثين فرساً وثلاثين رمحاً. وقال (صلى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده أن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولأضطرم عليهم الوادي ناراً، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا. وهذه الآية أوضح دلالة على فضل أصحاب الكساء وعلو درجتهم وبلوغ مرتبتهم في الكمال إلى حد لا يدانيهم أحد من الخلق.
ومن الأبناء بي وبأخي(1)،ومن النساء بأمي وكنا أهله(2)، ونحن له، وهو منا ونحن منه(3).ولما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كساء لام سلمة (رضي الله عنها) خيبري، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم
1) ليبين لمعاوية أنه وأخوه الحسين (عليهما السلام) هم ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنص القرآن الكريم لان الله أمر الرسول (صلى الله عليه وآله ) أن يحضر أبنائه وأحضرهما فهو لم يخالف أمر الله عز وجل.
2) وكذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يخالف أمر الله عز وجل بإخراج نسائه حينما أخرج أبنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) ولم يخرج زوجاته ولذا كان أمير المؤمنين والزهراء والحسن والحسين (عليهما السلام) هم أهل بيته وليس غيرهم
3) وفي الاحتجاج عن النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبة الغدير معاشر الناس القرآن يعرفكم أن الأئمة عليهم السلام من بعده من ولده وعرفتكم أنهم مني وأنا منهم حيث يقول الله عز وجل {وجعلها كلمة باقية في عقبه} وقلت لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما. وفي المناقب إن النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن هذه الآية فقال الإمامة في عقب الحسين (عليه السلام) يخرج من صلبه تسعة من الأئمة منه مهدي هذه الأمة.
تطهيراً(1)،فلم يكن أحد في الكساء غيري وأخي وأبي وأمي، ولم يكن أحد يجنب في المسجد ويولد له فيه إلا النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي(2)
وفي سنن البيهقي أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة أنبأ أبو الحسن محمد بن الحسن بن إسماعيل السراج حدثنا مطين حدثنا يحيى ابن حمزة التمار قال سمعت عطاء بن مسلم يذكر عن إسماعيل بن أمية عن جسرة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الا ان مسجدي حرام على كل حائض من النساء وكل جنب من الرجال الا على محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم).
ورواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه وقال النبي (صلى الله عليه وآله) : {لا يحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين ومن كان من أهلي فإنه مني}
وفي مناقب آل أبي طالب وفي رواية أبي رافع انه (صلى الله عليه وآله) صعد المنبر وقال: إن رجالاً يجدون في أنفسهم ان سكن علي في المسجد وخرجوا والله ما فعلت ذلك إلا عن امر ربي ان الله تعالى أوحى إلى موسى ان يسكن مسجده فلا يدخل جنب غيره وغير أخيه هارون وذريته واعلموا رحمكم الله أن علياً مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ولو كان علياً. وعن جابر بن عبد الله: كنا ننام في المسجد ومعنا علي فدخل علينا رسول الله فقال قوموا فلا تناموا في المسجد، فقمنا لنخرج فقال: أما أنت فنم يا علي فقد أُذن لك. وعن أبي صالح المؤذن في الأربعين وأبو العلاء العطار الهمداني في كتابه بالإسناد عن أم سلمة أنه قال بأعلى صوته: الا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض إلا للنبي وأزواجه وفاطمة بنت محمد وعلي ألا بينت لكم أن تضلوا، مرتين. وفي جامع الترمذي ومسند أبي يعلى وأبو سعيد الخدري قال النبي: يا علي لا يحل لاحد ان يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك، وفي رواية: يا علي لا يحل لاحد من هذه الأمة غيري وغيرك، وفي رواية: ولا يحل ان يخد مسجدي جنب غيري وغيره وغير ذريته فمن شاء فهنا وأشار بيده نحو الشام، فقال المنافقون: لقد ضل وغوى في امر ختنه فنزل {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}.
1) كما ورد في حديث الكساء (فَلَمّا اكْتَمَلْنا جَمِيعاً تَحْتَ الكِساءِ أَخَذَ أَبِي رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله) بِطَرَفَي الكِساءِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ اليُمْنى إِلى السَّماء وَقالَ: اللّهُمَّ إِنَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخاصَّتِي وَ حامَّتِي لَحْمُهُمْ لَحْمِي وَدَمُهُمْ دَمِي يُؤْلِمُنِي ما يُؤْلِمُهُمْ وَيَحْزُنُنِي ما يَحْزُنُهُمْ ، أَنا حَرْبٌ لِمَنْ حارَبَهُمْ وَسِلْمٌ لِمَنْ سالَمَهُمْ وَعَدُوُّ لِمَنْ عاداهُمْ وَمُحِبُّ لِمَنْ أَحَبَّهُمْ ، إِنَّهُمْ مِنِّي وَأَنا مِنْهُمْ فَاجْعَلْ صَلَواتِكَ وَبَرَكاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَغُفْرانَكَ وَرِضْوانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ ، وَأذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً . فَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( يا مَلائِكَتِي وَ يا سُكَّانَ سَماواتِي، إِنِّي ما خَلَقْتُ سَّماء مَبْنِيَّةً وَلا أَرْضا مَدْحِيَّةً وَلا قَمَراً مُنِيراً وَلا شَمْساً مُضِيئَةً وَلا فَلَكا يَدُورُ وَلا بَحْراً يَجْرِي وَلا فُلْكا يَسْرِي إِلاّ فِي مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ الكِساءِ). فَقالَ الأمِينُ جبْرائِيلَ: يا رَبِّ وَمَنْ تَحْتَ الكِساءِ؟ فَقالَ عَزَّ وَجَلَ: هُمْ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ، هُمْ: فاطِمَةُ وَأَبُوها وَبَعْلُها وَبَنُوها)
2) روى الترمذي حدثنا علي بن المنذر أخبرنا ابن فضيل عن سالم ابن أبي حفصة عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله( صلى الله عليه وسلم) لعلى: يا علي لا يحل لاحدٍ أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. قال علي بن المنذر قلت لضرار بن صرد ما معنى هذا الحديث؟ قال لا يحل لاحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك به.
تكرمة من الله تعالى لنا، وتفضيلاً منه لنا. وقد رأيتم مكان منزلنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأمر بسد الأبواب فسدها، وترك بابنا، فقيل له في ذلك، فقال: أما إني لم أسدها وأفتح بابه، ولكن الله (عز وجل) أمرني أن أسدها وأفتح بابه(1).
1) كشف الغمة: من مسند أحمد بن حنبل عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبواب شارعة في المسجد، فقال يوماً: سدّوا هذه الأبواب إلا باب علي (عليه السلام) قال: فتكلم في ذلك أناس، قال: فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم، والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكني أمرت بشيء فأتبعته. وبالإسناد المقدم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: لقد أوتي علي بن أبي طالب ثلاثاً لان أكون أوتيتها أحب إلي أن اعطى حمر النعم: جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله) له في المسجد، والراية يوم خيبر، والثالثة نسيها سهيل. وبالإسناد عن ابن عمر قال، كنا نقول: خير الناس أبو بكر ثم عمر، ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لان يكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم: زوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. ومن مناقب الفقيه ابن المغازلي عن عدي بن ثابت قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المسجد فقال: إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن ابن لي مسجداً طاهراً لا يسكنه إلا موسى وهارون وابنا هارون، وإن الله أوحى إلي أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلا أنا وعلي وابنا علي. وبالإسناد المقدم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لما قدم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة لم تكن لهم بيوت فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا، ثم إن القوم بنوا بيوتا حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وإن النبي (صلى الله عليه وآله) بعث إليهم معاذ بن جبل فنادى أبا بكر فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأمرك أن تخرج من المسجد وتسد بابك، فقال: سمعاً وطاعة، فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل إلى عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرك أن تسد بابك الذي في المسجد وتخرج منه، فقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله غير أني أرغب إلى الله تعالى في خوخة في المسجد، فأبلغه معاذ ما قاله عمر، ثم أرسل إلى عثمان وعنده رقية، فقال: سمعا وطاعة فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل إلى حمزة رضي الله عنه فسد بابه وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، وعلي (عليه السلام) على ذلك متردد لا يدري أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد بنى له في المسجد بيتا بين أبياته، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أسكن طاهراً مطهراً، فبلغ حمزة قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) فقال: يا محمد تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب؟ فقال له نبي الله: لو كان الامر إلي ما جعلت دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلا الله وإنك لعلى خير من الله ورسوله، ابشر، فبشره النبي (صلى الله عليه وآله) فقتل يوم أحد شهيداً، ونَفَسَ ذلك رجال على علي فوجدوا في أنفسهم، وتبين فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقام خطيبا فقال: إن رجالا يجدون في أنفسهم في أن أُسكن علياً في المسجد وأخرجهم، والله ما أخرجتهم ولا أسكنته، إن الله عز وجل أوحى إلى موسى وأخيه { أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } وأمر موسى أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله إلا هارون وذريته، وإن عليا بمنزلة هارون من موسى وهو أخي دون أهلي، ولا يحل مسجدي لاحد ينكح فيه النساء إلا علي وذريته، فمن سائه فههنا - وأومأ بيده نحو الشام.
وان معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية، نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيه (صلى الله عليه وآله)(1)، ولم نزل أهل البيت
1) كما قال (صلى الله عليه وآله) ذلك في حجة الوداع في خطبة يوم الغدير ( معاشر الناس ) إنه آخر مقام أقومه في هذا المشهد فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمر ربكم، فإن الله عز وجل هو مولاكم وإلهكم ثم من دونه محمد وليكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليكم وإمامكم بأمر ربكم، ثم الإمامة في ذريتي من ولده إلى يوم تلقون الله ورسوله، لا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله، عرفني الحلال والحرام وأنا أفضيت بما علمني ربي من كتابه وحلاله وحرامه إليه. وقال أيضاً ( معاشر الناس ) إن علياً والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر، والقرآن الثقل الأكبر، فكل واحد مُنبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا على الحوض، هم أمناء الله في خلقه وحكماؤه في أرضه، ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا وإن الله عز وجل قال وأنا قلت عن الله عز وجل، ألا إنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا ولا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره. ثم ضرب بيده إلى عضده فرفعه، وكان منذ أول ما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله شال علياً حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: ( معاشر الناس ) هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على أمتي وعلى تفسير كتاب الله عز وجل والداعي إليه والعامل بما يرضاه والمحارب لأعدائه والموالي على طاعته والناهي عن معصيته خليفة رسول الله وأمير المؤمنين والإمام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله، أقول ما يبدل القول لدي بأمر ربي، أقول: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه والعن من أنكره واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت عليَّ أن الإمامة بعدي لعلي وليك عند تبياني ذلك ونصبي إياه بما أكملت لعبادك من دينهم وأتممت عليهم بنعمتك ورضيت لهم الإسلام دينا، فقلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيداً أني قد بلغت. ( معاشر الناس ) إنما أكمل الله عز وجل دينكم بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله عز وجل فأولئك الذين حبطت أعمالهم وفي النار فيها خالدون، لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون.
مظلومين منذ قبض الله تعالى نبيه (صلى الله عليهوآله)، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا، وتوثب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء(1)، ومنع أمنا ما جعل لها رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2).
وأقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، وما طمعت فيها يا معاوية، فلما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بينها، فطمعت فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء أنت وأصحابك، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ): ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا. وقد تركت بنو إسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى ( عليه السلام ) فيهم واتبعوا السامري، وقد تركت هذه الأمة أبي وبايعوا غيره، وقد سمعوا
1) قصده (عليه السلام) منعهم من الخمس الذي هو حقهم الذي جعله الله لهم كما مر
2) يقصد ظلمهم بأخذ حقهم من الخلافة المفترضة لهم وعدم الإقرار بفضلهم ومقامهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذلك غصب حقهم الشرعي وهو غصب فدك من أمهم التي هي ملك لها إما بكونها هدية أهداها لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو ميراث لها بعد وفاته كما مر
رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة، وقد رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصب أبي يوم غدير خم، وأمرهم أن يبلّغ الشاهد منهم الغائب، وقد هرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قومه وهو يدعوهم إلى الله تعالى حتى دخل الغار، ولو وجد أعواناً ما هرب، وقد كف أبي يده حين ناشدهم واستغاث فلم يغث، فجعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، وجعل الله النبي (صلى الله عليه وآله) في سعة حين دخل الغار ولم يجد أعواناً، وكذلك أبي، وأنا في سعة من الله حين خذلتنا الأمة وبايعوك يا معاوية، وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً.أيها الناس، إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب أن تجدوا رجلاً وَلَدَهُ نبي غيري وأخي لم تجدوه، وإني قد بايعت هذا {وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين}(1).(2)
وفي الختام أرجو أن أكون قد وفقت لتسليط الضوء على بعض نقاط القوة في معاهدة صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية أداءً لجزء من بركاته (عليه السلام) لثمرة صلحه التي أبقت العقيدة الحقة وأهلها بهذه القوة بعد أربعة عشر عقداً من الزمان سيدي تقبل منا هذا القليل وأجزلنا من عطائك الكثير وأستميح القارئ الكريم العذر مما بدا من خطأ أو سهو غير مقصود راجياً بذلك القبول والرضا.
علي السيد محمد حسين الحكيم
7 / صفر / 1443 ه
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .
مما لاريب فيه في عقيدتنا أن الإمام الحسن (عليه السلام) أحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنه معصوم من الخطأ والزلل، وأنه (عليه السلام) يقوم بدوره كإمام مكلف بحفظ الدين والعقيدة الحقة، والحفاظ على حَمَلة الدين بما يلزم من تأدية الواجب المناط بهم، ولكن لمّا صالح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية من دون أن يدخل معه ساحة قتال بعد تخاذل أصحابه وغدر قيادات جيشه ومنهم من هو أقرب الناس إليه تعرّض (عليه السلام) لكثير من الكلام من البعيد والقريب عن صلحه، مع أن أباه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قد صالح أيضاً معاوية لكنه بما أنه قد دخل حرباً معه فلم يتعرّض لما تعرّض له الإمام الحسن (عليه السلام) من الانتقاد، وإن كان ظهور فرقة الخوارج كان بسبب ذلك الصلح ونتائجه، لكن بقتال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لهم ومقت المسلمين لهم خَفَتَ صوتهم، واصبحت فرقةالخوارج منبوذة عند المسلمين، وعليه فلا يحتاج فعل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للتصحيح أو التبرير، ولكنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد توجهت له أقلام النقد بما أنه لم يدخل مع معاوية في حرب وإنما صالحه بمجرد تخاذل بعض أصحابه، وبما أن الكلام والشبهات كثرت حول هذا الصلح فبدأ الكتّاب يتناولون هذا الصلح بالتبرير ومحاولة تصحيح فعل الإمام (عليه السلام) وأنه هو اللازم في ذلك الظرف، وبما أنني قد كُلّفت من بعض الأخوة في القاء محاضرة حول الإمام الحسن (عليه السلام) في يوم ولادته المباركة، ومن خلال مطالعاتي خطر في بالي أن أتحدث عن الظروف التي أحاطت بالإمام الحسن (عليه السلام) التي كان من خلالها ملزماً بأفضل الحلول وهو الصلح، وأن هذه الظروف لو أحاطت بأي إمام آخر لفعل مثله، ولست مبرراً
للإمام (عليه السلام) فعله أو مصححاً فأنا أقل قدراً من أن أصحح أو أبرر للمعصوم، وقطعاً أن ما أختاره (عليه السلام) هو عين الصواب والحكمة وهو تكليفه الإلهي، وإنما لجأت لذلك لتوضيح بعض ما يبدو لي بحسب نظري القاصر من الظروف التي حتمت على الإمام (عليه السلام) اللجوء لهذا المصير، وكل من كان بتلك الظروف من الأئمة (عليهم السلام) لكان خياره كخياره (عليه السلام)، وبعد القاء المحاضرة شجعني كثير ممن حضرها على طبعها بكراس لينتفع بها المؤمنون، وتمت طباعته فعلاً وسميته (ظروف صلح الإمام الحسن عليه السلام) وبعد طباعته ورغبة كثير من الشباب بتداوله، ذاكرني بعض الأخوة بكتابةٍ أخرى عن الإمام الحسن (عليه السلام)، ومن خلال بحثي في مطالعاتي تركزت في ذهني من خلال قراءة بنود معاهدة صلح الإمام (عليه السلام) أن فيها مظاهر قوةٍ من الإمام (عليه السلام) ولم يكن الصلح عن وهن أو ضعف أو خنوع وإنما مراعاة مصلحةٍ وقتيةٍ لا بد فيها من الهدنة، ولم أجد من تعرض لها بهذا النحو من العرض فأحببت أن اسلط الضوء على دلائل القوة في صلح الإمام الحسن (عليه السلام)
ومن خلال البحث أيضاً وجدت كثيراً من الظلم قد نال الإمام الحسن (عليه السلام) بقضية الصلح من خلّص أصحابه ومن غيرهم، فأحببت تناول ذلك وبيان ما تعرض له الإمام (عليه السلام) من تعدٍ وظلمٍ له بسبب الصلح الذي كان غرضه منه قوة الدين والعقيدة والحفاظ على حياة شيعته، ولكن بسبب جهلهم بتلك المصالح ونظرتهم الضيقة للأمور فقد تعرضوا للإمام (عليه السلام) بالعتاب واللوم على هذا الصلح الذي كان به صلاحهم وصلاح دينهم، بل قد تجاوزوا الحدود معه مما وصل الحال للتعدّي عليه ومحاولة قتله وغير ذلك، وسأسلط الضوء من خلال هذه السطور على تلك الظلامة التي تعرض لها الإمام (عليه السلام) لعله يكون جزءاً يسيراً لنصرة هذا الإمام (عليه السلام) المظلوم حياً بعدم فهم مصلحة ما قام به من خلّصأصحابه، وميتاً بعدم السماح لجثمانه الطاهر بالدّفن جوار مرقد جده
رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل منعه حتى من تجديد العهد بقبره، ورمي جنازته بالسهام(1)، ومدفوناً بتهديم قبره الشريف ومساواته بالتراب(2)
ان كان اهل الرجس لا يطيقون سماع ذكر اهل الطهر وذكر فضائلهم فتخيل هل يطيقون وجود قبورهم التي يقصدها المسلمون من كل حدب وصوب تعظيما لمقامهم ومقام جدهم صلوات الله عليهم اجمعين؟!
لا يملكون لفعلهم الشنيع هذا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة, بل كان صرفا اقتضته شهواتهم, فزعموا كاذبين ان هذه القبور باتت تعبد من دون الله, وهذه دعوى فارغة عن مضمونها لا تستند إلاّ لهوى صاحبها أو انحرافه، ولكن الحق أبلج والباطل لجلج، فمهما كانت هذه الدعاوى فإنها تتساقط وتتلاشى أمام الحجج والبراهين، وكل من ناوأ مسألة البناء على القبور وزيارتها لم يأتِ بشيء يستند إليه ويعتمد عليه فيما ذهب إليه, فهي مجرد خيالات مريضة، وأوهام فارغة، وخيوط كخيوط العنكبوت تمسكوا بها لكي يطعنوا بشعائر المسلمين.
واحدى هذه الشعائر هي شعيرة زيارة قبور البقيع خصوصا حيث دفن فيها الكثير من الصحابة الاجلاء والتابعين من شهداء بدر وشهداء الحرة فقد ذكرت المصادر الاسلامية كما ذكر البيهقي في سننه الكبرى وغيره بأنه كلما كانت ليلة عائشة من رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون» ذكره في الجزء: 5/ 249، وذكر النسائي في سننه، كتاب الجنائز، باب زيارة قبور المشركين، وأبو داود في سننه في زيارة القبور ح3234، وابن ماجه في سننه في باب ما جاء في زيارة قبور المشركين: أن النبي صلى الله علي وآله زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. بالإضافة إلى الاحاديث المتكاثرة التي تذكر بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلّم عائشة الدعاء عند زيارة القبور.
ويقول: «أَمَرَني رَبّي أنْ آتي البَقيعَ وأستَغْفِرَ لَهمْ» ثم قالَ: إذا زُرْتُمُوهُمْ فقولوا: «السلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنِ المُؤمِنِين والمُسْلِمين يَرحَمُ اللهُ المُسْتقدِمِينَ مِنّا والمُسْتَأخِرِين، وإنّا إنْ شاءَ الله بكم لاحِقُون» صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبور، ص 64
وكانت البقيع مقبرة لكثير من الصحابة والتابعين.... فهدمت وهي تحمل هذه الصبغة النبوية والاهتمام المبارك من قبل النبي الاكرم صلوات الله وسلامه عليه بالرغم مما تقدم من الكثير من النصوص التي تبين اهتمام النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله بزيارة القبور وخصوصا قبور ائمة البقيع , ولعل سائلا يتساءل عن فلسفة هدم القبور ولا سيما قبور اهل البيت عليهم السلام ما كان يحمل ذلك من معاني، سواء كانت تلك المعاني هي العلل او كانت تلك المعاني هي الرسائل التي ارادوا ارسالها الى العالم والى المسلمين خصوصا، نريد ان نبحث جانبا مهما منها وهي الفلسفة التي انطلقت منها تلك الفتاوى، الفتاوى من المراكز (العلمية) لتجيز او لتلزم بهدم تلك القبور فقد صدرت فتوى الهدم من القاضي النجدي سليمان بن بليهيل، حيث أصدر فتواه المشؤومة في 8 شوال 1344 ه، وما زالت الى اليوم بدون بناء! بل تمادوا في غيهم وطغيانهم فحاولوا هدم قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، بحجة أن وجود القبر في المسجد حرام، والصلاة عنده حرام، وبناء القبة عليه حرام، والتوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله) حرام!! لكنهم خافوا من نقمة المسلمين!
وما زالوا مصرين على هذا الانحراف، فقد أفتى شيخهم ابن باز عدة فتاوى بوجوب هدمها، لكنه استعمل فيها التقية، وغلَّفها بجعلها عامة لكل القباب والبناء على القبور! قال في جوابه على سؤال رقم116من فتاويه: (يقول السائل: ما حكم البناء على القبر؟ وما الحكم لو كان البناء مسجداً؟ الجواب: أما البناء على القبور فهو محرم، سواء كان مسجداً أو قبة أو أي بناء، فإنه لا يجوز ذلك؟......والخلاصة أنه لا يجوز البناء على القبور، لا مسجد ولا غير مسجد ولا قبة، وأن هذا من المحرمات.... طرحت من اجل ذلك عدة اجوبة من خلال مراجعتي البسيطة لمن كتب مفسرا لما حصل من هدم للقبور الشريفة سواء قبور الائمة عليهم السلام او باقي الصحابة والاولياء في البقيع فمنهم من قال ان هذا مبنى فقهي عقائدي ارادوا تطبيقه... ومنهم من قال انهم ارادوا القضاء على بدعة يمكن ان تنمو وتتطور وهي زيارة القبور ومنهم من برر بصور مختلفة لكن لكل تبرير من هذه التبريرات ما ينفيه ليحوله الى مجرد حجة واهية لا يستقيم لها اثر، والذي يبدو لي كما يبدو لكثيرين غيري يؤمنون بهذا التحليل انه كان تعبير عن حالة تعتري كل حاكم ظالم وطاغ مستبد لا يريد لمعارضيه ان يكون لهم وجود فيحاول نفي وجودهم باي صورة وهو ينفي الوجودات المادية لمعارضيه لأنها تمثل اقطاب معارضة يمكن ان تحرك الآراء ضده. كتبها السيد مهدي الجابري في موقع العتبة الحسينية المقدسة
بوضع لا يليق بأدنى إنسان كيفوهو سيد1) كما في مناقب آل أبي طالب وكان الحسن (عليه السلام) أوصى يجدد عهده عند جده، فلما مضى لسبيله غسله الحسين(عليه السلام) وكفنه وحمله على سريره فلما توجه بالحسن إلى قبر جده أقبلوا إليهم في جمعهم وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي، أما لا يكون ذلك ابدا وانا احمل السيف. فبادر ابن عباس وكثر مقالا حتى قال: ارجع من حيث جئت فانا لا نريد دفنه ههنا ولكنا نريد ان نجدد عهدا بزيارته ثم نرده إلى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته فلو كان وصى بدفنه مع النبي (صلى الله عليه وآله) لعلمت انك اقصر باعا من ردنا عن ذلك لكنه كان أعلم بحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما ورموا بالنبال جنازته حتى سل منها سبعون نبلاً.
2) باتت جريمة هدم قبور أئمة البقيع وصمة عار على جبين الفرقة الوهابية وحلفائها الى ان تقوم الساعة, وعن فعلها الشنيع الذي أقدمت عليه يتساءل كل ذي لب عن الدافع, وقد يسهب البعض في الاجابة بالتفاصيل ويقيم الادلة والبراهين ولكن الامر هيّن بيّن, اذ ان أهل الطهر دائما مستهدفون من أهل الرجس, فأهل البيت عليهم السلام هم أهل طهر كما وصمهم الله - عزّ ذكره - بذلك في كتابه الكريم في قوله: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (سورة الأحزاب 33) وثبت بالنقل المتواتر ان المراد باهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.. فمَن غير أهل الرجس كان يستهدفهم ويحرص على قتلهم أو اقصائهم؟!
شباب أهل الجنة وخامس أصحاب الكساء وأبن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذلك منع شيعته من زيارته والتشرف بمرقده، نسأل الله أن نوفق لنصرة إمامنا المظلوم، الشهيد مسموماً، وأن يكون عملاً خالصاً لوجهه تعالى ومقبولاً عند سيدي الإمام الحسن (عليه السلام) وسيدي صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه) وأن يكون ذخراً لي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وكانت كتابه هذه الأسطر بقلم العبد المذنب (علي السيد محمد حسين الحكيم) في السابع من صفر يوم شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) بجوار حرم المعزى بهذه الذكرى الأليمة مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف الأشرف وفيها أيضاً صادفت الذكرى السنوية الأولى لوفاة سيدي الغالي الوالد السيد (محمد حسين الحكيم) (رحمة الله عليه) الذي يشرفني أن أهدي ثواب هذا العمل لروحه الطاهرة وكان ذلك سنة 1433 ه- الموافق لسنة 2021 ميلادية.
مما لا ريب فيه أن المعصوم لا ينظر للأمور كما ينظرها عامة الناس بالمنظار الفعلي والمصالح الوقتية لأنه مكلف بمهمة حفظ الدين وسلامته من التلاعب ليبقى حجة بالغة ولذا كثير من أموره وتصرفاته تتدخل فيها اليد الغيبية، وعليه فهو يدرك من المصالح البعيدة المدى ما يخفى على عموم الناس بسبب عدم إدراكهم للغيب الذي يطّلع عليه، ومن هذا فإذا لم يكن الإنسان عالماً بكون الإمام معصوماً من الخطأ وأنه لا يتصرف إلا ضمن دائرة المصالح وإن خفيت عليه فقديرى من فعل الإمام بحسب المعطيات الحالية أنه تصرف غير صحيح؛ لأنه فعلاً لا يرى أي مصلحة واضحة في ذلك الفعل بحسب نظره القاصر وعليه قد يعترض على المعصوم في فعله، واما إذا أدرك أن المعصوم مسدد من الله وفعله لابد أن يشتمل على المصلحة ولو كانت خافية فعلاً عليه فيكون عنده تسليم ورضا بفعل الإمام، وحينئذٍ لا يعترض على الإمام بما فعل، وفي دور إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) لم تكن فكرة كون الإمام معصوماً ومسدداً وفعله غير قابل للخطأ متبلورة في نفوس أصحابه، وإن كان أصل الفكرة وهي الإمامة في أهل البيت (عليهم السلام) قد حاول النبي محمد (صلى الله عليه وآله) تركيزها في النفوس لكن ليس من السهولة إيصال عموم الناس للإذعان بهذه النظرية ما لم يمر عليها زمن وتوضّح بشكل جيد، ولذا كان الاعتراض حتى على النبي محمد (صلى الله عليه وآله) نفسه بأمور كثيرة لمّا خفيت عليهم المصلحة وحتى من أقرب الناس إليه مثلاً كإغلاق الأبواب عن المسجد إلا باب الإمام علي (عليه السلام) حيث كان من جملة المعترضين عليه عمّه الحمزة (رضوان الله عليه) مع ما كان عليه من الإيمان والتمسك بالنبي (صلى الله عليه وآله) لكنّه لمّا علم أنّه أمرٌ من السماء أذعن له، فقد ورد في ذلك (ثم أرسل إلى حمزة رضي الله عنه فسد بابه وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، وعلي (عليه السلام) على ذلك متردد لا يدري
أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد بنى له في المسجد بيتا بين أبياته، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أسكن طاهراً مطهراً، فبلغ حمزة قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) فقال: يا محمد تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب؟ فقال له نبي الله: لو كان الامر إلي ما جعلت دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلا الله وإنك لعلى خير من الله ورسوله، ابشر، فبشره النبي (صلى الله عليه وآله) فقتل يوم أحد شهيداً،)(1)أو إدخال العمرة في الحج وجعلها عمرة تمتع، حيث اعترض عليه عمر بشدة(2)
1) كشف الغمة في معرفة الأئمة ص339
2) أراد رسول الله صلى الله عليه وآله التوجه للحج وأداء فرض الله تعالى عليه فيه، فأذن في الناس به، وبلغت دعوته عليه السلام أقاصي بلاد الاسلام، فتجهز الناس للخروج وتأهبوا معه، وحضر المدينة من ضواحيها ومن حولها وبقرب منها خلق كثير، وتهيأوا للخروج معه، فخرج النبي صلى الله عليه وآله بهم لخمس بقين من ذي القعدة، وكاتب أمير المؤمنين عليه السلام بالتوجه إلى الحج من اليمن ولم يذكر له نوع الحج الذي قد عزم عليه، وخرج عليه وآله السلام قارنا للحج بسياق الهدي، وأحرم من ذي الحليفة وأحرم الناس معه، ولبى عليه السلام من عند الميل الذي بالبيداء، فاتصل ما بين الحرمين بالتلبية حتى انتهى إلى كراع الغميم، وكان الناس معه ركبانا ومشاة، فشق على المشاة المسير، وأجهدهم السير والتعب به، فشكوا ذلك إلى النبي ص الله عليه وآله واستحملوه فأعلمهم أنه لا يجد لهم ظهرا، وأمرهم أن يشدوا على أوساطهم ويخلطوا الرَمَلَ بالنُسل، ففعلوا ذلك واستراحوا إليه، وخرج أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه من العسكر الذي كان صحبه إلى اليمن، ومعه الحلل التي أخذها من أهل نجران. فلما قارب رسول الله الله عليه وآله مكة من طريق المدينة، قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن، وتقدم الجيش للقاء النبي صلى الله عليه وآله وخلف عليهم رجلا منهم، فأدرك النبي عليه وآله السلام وقد أشرف على مكة، فسلم وخبره بما صنع وبقبض ما قبض، وأنه سارع للقائه أمام الجيش، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وابتهج بلقائه وقال له: (بما أهللت يا علي؟ فقال له: يا رسول الله، إنك لم تكتب إلي بإهلالك ولا عرفتنيه فعقدت نيتي بنيتك، وقلت. اللهم إهلالاً كإهلال نبيك، وسقت معي من البدن أربعا وثلاثين بدنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أكبر، فقد سقت أنا ستا وستين، وأنت شريكي في حجي ومناسكي وهديي، فأقم عل إحرامك وعد إلى جيشك فعجل بهم إلي. حتى نجتمع بمكة إن شاء الله). فودعه أمير المؤمنين عليه السلام وعاد إلى جيشه، فلقيهم عن قرب فوجدهم قد لبسوا الحلل التي كانت معهم، فأنكر ذلك عليهم، وقال للذي كان استخلفه فيهم: (ويلك، ما دعاك إلى أن تعطيهم الحلل من قبل أن ندفعها إلى النبي عليه وآله السلام ولم أكن أذنت لك في ذلك؟) فقال: سألوني أن يتجملوا بها ويحرموا فيها ثم يردونها علي. فانتزعها أمير المؤمنين عليه السلام من القوم وشدها في الأعدال فاضطغنوا لذلك عليه. فلما دخلوا مكة كثرت شكايتهم من أمير المؤمنين عليه السلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في الناس: (ارفعوا ألسنتكم عن علي بن أبي طالب، فإنه خشن في ذات الله عز وجل، غير مداهن في دينه) فكف الناس عن ذكره، وعلموا مكانه من النبي صلى الله عليه وآله، وسخطه على من رام الغميزة فيه. فأقام أمير المؤمنين عليه السلام على إحرامه تأسيا برسول الله صلى الله عليه وآله. وكان قد خرج مع النبي صلى الله عليه وآله كثير من المسلمين بغير سياق هدي. فأنزل الله عز ذكره (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (دخلت العمرة في الحج - وشبك بين أصابع إحدى يديه بالأخرى - إلى يوم القيامة)، ثم قال عليه وآله السلام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي) ثم أمر مناديه فنادى: من لم يسق منكم هديا فليحل وليجعلها عمرة، ومن ساق منكم هديا فليقم على إحرامه. فأطاع بعض الناس في ذلك وخالف بعض، وجرت خطوب بينهم فيه، وقال منهم قائلون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أشعث أغبر، ونلبس الثياب ونقرب النساء وندهن !. وقال بعضهم: أما تستحيون أن تخرجوا ورؤوسكم تقطر من الغسل، ورسول الله صلى الله عليه وآله على إحرامه !. فأنكر رسول الله على من خالف في ذلك وقال: (لولا أني سقت الهدي لأحللت وجعلتها عمرة، فمن لم يسق هديا فليحل) فرجع قوم وأقام آخرون على الخلاف. وكان فيمن أقام على الخلاف للنبي صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب، فاستدعاه رسول الله عليه وآله السلام وقال له: (ما لي أراك - يا عمر - محرما أسقت هديا؟ !) قال: لم أسق، قال: (فلم لا تحل وقد أمرت من لم يسق الهدي بالإحلال؟) فقال: والله يا رسول الله لا أحللت وأنت محرم، فقال له النبي عليه وآله السلام: (إنك لن تؤمن بها حتى تموت). الإرشاد للشيخ المفيد ج1
وطلبه الدواة والكتف(1)
وغير ذلك، وكذلك كان الاعتراض على أمير المؤمنين (عليه السلام) في حربه مع معاوية وصلحه من قبل الخوارج(2)، وكذلك حصل مع الإمام
1) عن عبد الله بن العباس قال: لما حضرت النبي صلى الله عليه وآله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا؟ فقال عمر: لا تأتوه بشيء فإنه قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قوموا يكتب لكم رسول الله، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما كثر اللغط والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا عني. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: وكان ابن عباس رحمه الله يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. آمالي الشيخ المفيد.
2) ولما دخل أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة جاء إليه زرعة بن البزرج الطائي وحرقوص بن زهير التميمي ذو الثدية فقالا: لا حكم إلا لله. فقال عليه السلام: كلمة حق يراد بها باطل. قال حرقوص: فتب من خطيئتك وارجع عن قصتك وأخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي عليه السلام: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشروطا وأعطينا عليها عهودا ومواثيق وقد قال الله تعالى: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم - الآية - " فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي ان تتوب عنه. فقال علي: ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي وضعف في العقل وقد تقدمت فنهيتكم عنه. فقال ابن الكواء: الآن صح عندنا انك لست بإمام ولو كنت إماما لما رجعت. فقال علي: ويلكم قد رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عام الحديبية عن قتال أهل مكة. ففارقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقالوا: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وكانوا اثني عشر ألفا من أهل الكوفة والبصرة وغيرهما. ونادى مناديهم ان أمير المؤمنين شبث بن ربعي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء والامر شورى بعد الفتح والبيعة لله على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واستعرضوا الناس. وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، وكان عامله عليه السلام على النهروان فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا ابن عباس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ولماذا اجتمعوا؟ فلما وصل إليهم قالوا: ويلك يا ابن عباس أكفرت بربك كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب؟. مناقب آل أبي طالب.
الحسن (عليه السلام) في صلحه مع معاوية، ولذا حاول الإمام (عليه السلام) بيان ما يمكن بيانه من مصلحة الصلح مع معاوية وأن وجه الحكمة قد خفي عليهم كما خفي على نبي الله موسى (عليه السلام) مع الخضر (عليه السلام)، وقد وبخه بعض أصحابه على الصلح بما لا يليق بمقام الإمامة والعصمة وكونه خامس اصحاب الكساء وأبن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جهلاً منهم بما يترتب علىالصلح من منافع لهم ولغيرهم من شيعة الإمام (عليه السلام) وقد يضاف إلى مظلومية الإمام (عليه السلام) بعدم معرفة مصلحة ما فعل مظلومية أخرى بكونه بين أصحاب لا يعرفون مقامه ومنزلته وسعيه بكل جهده لمصلحتهم وبقائهم والمحافظة على وجودهم وعقيدتهم، وقد يقال أن ذلك من أشد الأمور على الإنسان أن لا يكون بين أقرانه ومن يعرف مقامه ومنزلته، وقد يستشهد لذلك بما ينقل عن قول نبي الله سليمان (عليه السلام) للهدهد لما أفتقده {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا}(1)عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وقيل: بأن أجعله بين أضداده(2).
وكذلك ما قيل أن مراده هو التفريق بينه وبين إلفه وقيل: إلزامه
صحبة الأضداد، وعن بعضهم أنه قال: أضيق السجون صُحبة الأضداد وقيل: حبسه مع غير جنسه(1)،وهذا مما ازداد في مظلومية الإمام (عليه السلام) أن يكون خلص أصحابه غير مدركين علو مقامه ورفعة شأنه وعصمته.
ومما ينقل من صور التوبيخ القاسي منهم بحق الإمام (عليه السلام) ما عن حنان بن سدير(2)
عن أبيه سدير بن حكيم(3)،عن أبيه(4)، عن أبي سعيد عقيصا(5)
قال: لما صالح الحسن بن علي (عليهما السلام) معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس، فلامهبعضهم على بيعته، فقال (عليه السلام): ويحكم ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه
1) بحار الأنوار ج 61 ص288
2) قال الشيخ: حنان بن سدير، له كتاب وهو ثقة رحمه الله، وعده في رجاله في أصحاب الكاظم عليه السلام قائلا: حنان بن سدير الصيرفي واقفي. وقال الكشي حنان بن سدير: سمعت حمدويه ذكر عن أشياخه أن حنان بن سدير واقفي أدرك أبا عبد الله عليه السلام ولم يدرك أبا جعفر عليه السلام، وكان يرتضى به سديدا. معجم رجال الحديث الخوئي.
3) فيه روايات مادحة وقادحة ولذا قال السيد الخوئي (قدس سره) بعد سردها فتحصل مما مر أنه لا يمكن الاستدلال بشيء من الروايات على مدح سدير ولا على قدحه، لكنه مع ذلك يحكم بأنه ثقة من جهة شهادة علي بن إبراهيم في تفسيره بوثاقته على ما يأتي. ولا يعارض ذلك بما رواه العلامة من قوله: وقال السيد علي بن أحمد العقيقي: سدير (بن) الصيرفي وكان اسمه سلمة كان مخلطاً. معجم رجال الحديث الخوئي.
4) حكيم بن صهيب: الصيرفي الكوفي أبو سدير، من أصحاب السجاد عليه السلام، رجال الشيخ. وعده في أصحاب الباقر عليه السلام نعم في بعض نسخ الرجال على ما ذكره المولى الشيخ عناية الله عده في أصحاب الصادق عليه السلام أيضا قائلا: حكيم بن صهيب أبو شبيب مولى بني ضبة، والله العالم. لم يذكره السيد الخوئي (قدس سره) بمدح أو قدح معجم رجال الحديث الخوئي.
5) أسمه دينار، يكنى أبا سعيد: ولقبه عقيصا وإنما لقب بذلك لشعر قاله، من أصحاب علي عليه السلام، رجال الشيخ. وعده في أصحاب الحسين عليه السلام من دون ذكر اسمه. وكذلك ذكره البرقي في أصحاب علي عليه السلام، قائلا أبو سعيد عقيصا من بني تيم الله بن ثعلبة، وفي أصحاب الحسين عليه السلام مقتصرا على قوله: أبو سعيد عقيصا. روى عن الحسين بن علي عليه السلام، وروى عنه فضيل الرسان. كامل الزيارات. معجم رجال الحديث الخوئي.
الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدَي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليَّ؟ قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر (عليه السلام) لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سُخطاً لموسى بن عمران (عليه السلام) إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا، أما علمتم أنه ما منا أحدٌ إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلّي روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيّب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليُعلم أن الله على كل شيء قدير(1).
وعن علل الشرائع: عن سدير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) ومعي ابني: يا سدير أذكر لنا أمرك الذي أنت عليه، فإن كان فيه إغراق كففناك عنه، وإن كان مقصراً أرشدناك قال: فذهبت أن أتكلم فقال أبو جعفر (عليه السلام): أمسك حتى أكفيك إن العلم: الذي وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند علي (عليه السلام) من عرفه كان مؤمناً ومن جحده كان كافراً ثم كان من بعده الحسن (عليه السلام) قلت: كيف يكون بتلك المنزلة، وقد كان منه ما كان دفعها إلى معاوية؟ فقال: اسكت فإنه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم(2).
وعن علل الشرائع أيضاً: حدثنا علي بن أحمد [ ابن محمد ]، عن محمد بن موسى بن داود الدقاق، عن الحسن بن أحمد بن الليث، عن محمد بن حميد، عن يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا أبو العلاء الخفاف، عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب (عليهما السلام): يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أن الحق
لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟ فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماما عليهم بعد أبي (عليه السلام)؟ قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني ضمرة وبني أشجع(1)
1) قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) فإنها نزلت في أشجع وبنى ضمرة (وهما قبيلتان) وكان من خبرهما انه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى غزاة الحديبية (بدر ط) مر قريبا من بلادهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله هادن بنى ضمرة ووادعهم قبل ذلك فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، يا رسول الله هذه بنو ضمرة قريبا منا ونخاف ان يخالفونا إلى المدينة أو يعينوا علينا قريشا فلو بدأنا بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كلا إنهم أبر العرب بالوالدين، وأوصلهم للرحم، وأوفاهم بالعهد، وكان أشجع بلادهم قريبا من بلاد بنى ضمرة وهم بطن من كنانة وكانت أشجع بينهم وبين بنى ضمرة حلف في المراعاة والأمان، فأجدبت بلاد أشجع وأخصبت بلاد بنى ضمرة فصارت أشجع إلى بلاد بنى ضمرة فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مسيرهم إلى بنى ضمرة تهيأ للمصير إلى أشجع فيغزوهم للموادعة التي كانت بينه وبين بنى ضمرة فأنزل الله ودوا لو تكفرون كما كفروا.. الخ ثم استثنى بأشجع فقال (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) وكانت أشجع محالها البيضاء والجبل والمستباح، وقد كانوا قربوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فهابوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله ان يبعث إليهم من يغزوهم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد خافهم ان يصيبوا من أطرافه شيئا فهم بالمسير إليهم فبينما هو على ذلك إذ جاءت أشجع ورئيسها مسعود بن رجيلة وهم سبعمائة، فنزلوا شعب سلع وذلك في شهر ربيع الأول (الآخر ط) سنة ست فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أسيد ابن حصين، فقال له اذهب في نفر من أصحابك حتى تنظر ما أقدم أشجع، فخرج أسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم، فقال ما أقدمكم؟ فقام إليه مسعود بن رجيلة وهو رئيس أشجع فسلم على أسيد وعلى أصحابه وقالوا جئنا لنوادع محمدا فرجع أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله خاف القوم ان اغزوهم فأرادوا الصلح بيني وبينهم، ثم بعث إليهم بعشرة اجمال تمر فقدمها امامه، ثم قال نعم الشيء الهدية امام الحاجة، ثم اتاهم، فقال يا معشر أشجع ما أقدمكم؟ قالوا قربت دارنا منك وليس في قومنا أقل عددا منا فضقنا بحربك لقرب دارنا منك، وضقنا بحرب قومك لقلتنا فيهم، فجئنا لنوادعك فقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم ووادعهم، فأقاموا يومهم ثم رجعوا إلى بلادهم وفيهم نزلت هذه الآية (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) تفسير القمي في تفسير سورة النساء.
ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية(1)، أولئك كفار بالتنزيل.
1) بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله (ص) وقالوا: ائت محمدا وصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله (ص) مقبلا قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهيل إلى رسول الله (ص) تكلم فأطال الكلام، وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الامر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أبو بكر: يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني وكان عمر يقول: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرا. قال: ثم دعا رسول الله (ص) علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم قال فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. قال: فقال رسول الله (ص): اكتب باسمك اللهم. فكتبها. ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. قال: فقال رسول الله (ص): اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وإنك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب: السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. قال: فبينا رسول الله (ص) يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله (ص). وقد كان أصحاب رسول الله (ص) قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله (ص)، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله (ص) في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فجعل ينتره بتلبيبه ويجره يعني يرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني. فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله (ص): يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم. قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدنى قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه ! قال: فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية. فلما فرغ رسول الله (ص) من الكتاب اشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن ابن عوف، و عبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص، وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. السيرة النبوية لابن كثير.
ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل(1)،يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة .
1) أي أن كفار قريش كفار بنص القرآن الكريم أما هؤلاء فهم كفار ليس بنص القرآن لكن بتأويله حيث يفسر قوله تعالى { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل فسئل صلى الله عليه وآله من هو؟ قال: هو خاصف النعل؟ - يعني أمير المؤمنين عليه السلام - وقال عمار بن ياسر قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا وهذه الرابعة والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وانهم على الباطل، فكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين عليه السلام على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة يوم فتح مكة فإنه لم يسب لهم ذرية، فقال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام فيهم: لا تسبوا لهم ذرية ولا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبرا، ومن أغلق بابه فهو آمن. تفسير القمي ج2 تفسير سورة الحجرات.
وإن كان وجهه الحكمة فيما أتيته ملتبساً. ألا ترى الخضر (عليه السلام) لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله، لاشتباهوجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما تُرك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلا قُتل(1).
وعن الاحتجاج: عن زيد بن وهب الجهني(2)
قال: لما طُعن الحسن بن علي (عليهما السلام) بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت: ما ترى يا ابن رسول الله فان الناس متحيرون؟ فقال: أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي، وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما. فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت. قال: قلت: تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لهم راع؟ قال: وما أصنع يا أخا جهينة إني والله أعلم بأمر قد أدي به إلي عن ثقاته: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال
لي ذات يوم وقد رآني فرحاً: يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟ أم كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو أمية وأميرها الرحب البلعوم(1)
الواسع الأعفاج(2)، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها تدين له العباد ويطول ملكه، يستن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذل في ملكه المؤمن ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولاً(3)
ويتخذ عباد الله خولاً(4)ويدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويلعن الصالحون، ويقتل من ناواه على الحق، ويدين من والاه على الباطل. فكذلك حتىيبعث الله رجلاً في آخر الزمان وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على الأرض، حتى يدينوا طوعاً وكرهاً يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً وبرهاناً يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لا يبقى كافر إلا آمن، ولا طالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز يملك ما بين الخافقين أربعين عاما فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه(5))(6).
1) الرحب الواسع البلعوم هو مجرى الطعام في الحلق وهو كناية عن كثرة الأكل الصفة التي كان يتصف بها معاوية.
2) الأعفاج من الناس ومن الحافر والسباع كلها: ما يصير الطعام إليه بعد المعدة، وهو مثل المصارين لذوات الخف والظلف التي تؤدى إليها الكرش ما دفعته وهي صفة أخرى لكثير الأكل.
3) أي يتداولونه فيما بينهم
4) الخِوَل العبيد أي يعامل الناس معاملة العبيد عنده
5) طوبى شجرة في الجنة لمن أدرك القائم وكان مطيعاً له.
6) الاحتجاج للطبرسي ج2 ص11
وفي كشف الغمة: روى الدولابي مرفوعا إلى جبير بن نفير، عن أبيه قال: قدمت المدينة فقال الحسن بن علي (عليهما السلام): كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء المسلمين(1).
وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبصر الحسن بن علي (عليهما السلام) مقبلاً فقال: اللهم سلمه وسلم منه)(2).
وقال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء حول صلح الإمام الحسن (عليه السلام): فان قال قائل: ما العذر له (عليه السلام) في خلع نفسه من الإمامة، وتسليمها إلى معاوية، مع ظهور فجوره، وبعده عن أسباب الإمامة، وتعريه من صفات مستحقها، ثم في بيعته وأخذ عطائه وصِلاته وإظهار موالاته والقول بإمامته، هذا مع توفّر أنصاره واجتماع أصحابه ومبايعة من كان يبذل عنه دمه وماله، حتى سموه مذلّ المؤمنين وعابوه في وجهه (عليه السلام).
الجواب: قلنا: قد ثبت أنه (عليه السلام) الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة، والأدلة القاهرة، فلا بد من التسليم لجميع أفعاله، وحملها على الصحة وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل، أو كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا هذا. وبعد فان الذي جرى منه (عليه السلام) كان السبب فيه ظاهرا، والحامل عليه بينا جليا، لأن المجتمعين له من الأصحاب وإن كانوا كثيري العدد، فقد كانت قلوب أكثرهم نغلة غير صافية، وقد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية، من غير مراقبة ولا مساترة، فأظهروا له (عليه السلام) النصرة، وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يورطوه ويسلموه، فأحس بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الأمر، وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت. وقد صرح بهذه الجملة،وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة، وبألفاظ مختلفة، وقال (عليه السلام): إنما
هادنت حقنا للدماء، وضنا بها، وإشفاقا على نفسي وأهلي، والمخلصين من أصحابي، فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله. وهو (عليه السلام) لما كتب إلى معاوية، يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه (عليه السلام) ويدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة منه والموارية وقال له فيه: لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر، وأضبط للناس، وأكيد للعدو وأقوى على جميع الأمور مني، لبايعتك، لأنني أراك لكل خير أهلا، وقال في كتابه: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله). فدعاه ذلك إلى أن خطب أصحابه بالكوفة يحضهم على الجهاد ويعرفهم فضله وما في الصبر عليه من الأجر، وأمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم، فما أجابه أحد، فقال لهم عدي بن حاتم: سبحان الله ألا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر فقام قيس بن سعد وفلان وفلان فبذلوا الجهاد وأحسنوا القول ونحن نعلم أن من يضن بكلامه أولى أن يضن بفعاله. أو ليس أحدهم جلس له في مظلم ساباط، وطعنه بمغول كان معه أصاب فخذه وشقه حتى وصل إلى العظم، وانتزع من يده، وحُمِلَ (عليه السلام) إلى المدائن، وعليها سعد بن مسعود عم المختار، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولّاه إياها فاُدخل منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوحي سنة فأبى عليه، وقال للمختار: قبح الله رأيك، أنا عامل أبيه، وقد ائتمنني وشرفني، وهبني بلاء أبيه أأنسى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبته(1).(2)
الأول: لعله قاله امتحانا لعمه وسائر من أحدق بالإمام الحسن كي يستكشف نواياهم لأن أكثر المحيطين بالإمام الحسن عليه السلام خذلوه.
الثاني: أن يكون ذلك في حال طيش شباب وقلة معرفة بخفايا الأمور وضعف عقيدة خصوصاً في مثل تلك الظروف، وعلى فرض أنه قال ذلك على نحو الحقيقة فهو نية سيئة تدل على سوء سريرته في تلك الحال، والنية المجردة ما لم يتبعها عمل غير مأخوذ بها، وما فعله أخيرا وفي سن الكمال عمل يجزى به ويدل على شدة نكيره على أعداء الله وغاية اهتمامه ومفاداته في سبيل الله ونصرة أوليائه في أواخر أيام حياته.
وقال السيد الخوئي (قدس سره) وهذه الرواية لإرسالها غير قابلة لاعتماد عليها، على أن لو صحت لأمكن أن يقال إن طلب المختار هذا لم يكن طلباً جدياً، وإنما أراد بذلك أن يستكشف رأي عمه، فإن علم أن عمه يريد ذلك لقام باستخلاص الإمام الحسن عليه السلام. فكان قوله هذا شفقة منه على الإمام الحسن عليه السلام. وقد ذكر بعض الأفاضل أنه وجد رواية بذلك عن المعصوم عليه السلام.
وقال المجلسي - قدس سره -: قال جعفر بن نما - إعلم أن كثيرا من العلماء لا يحصل لهم التوفيق بفطنة توقفهم على معاني الأخبار، ولا رؤية تنقلهم من رقدة الغفلة إلى الاستيقاظ، ولو تدبروا أقوال الأئمة في مدح المختار لعلموا أنه من السابقين المجاهدين الذين مدحهم الله تعالى جل جلاله في كتابه المبين، ودعاء زين العابدين عليه السلام للمختار دليل واضح، وبرهان لائح، على أنه عنده من المصطفين الأخيار، ولو كان على غير الطريقة المشكورة، ويعلم أنه مخالف له في اعتقاده لما كان يدعو له دعاء لا يستجاب، ويقول فيه قولا لا يستطاب، وكان دعاؤه عليه السلام له عبثا، والامام منزه عن ذلك، وقد أسلفنا من أقوال الأئمة في مطاوي الكتاب تكرار مدحهم له، ونهيهم عن ذمه ما فيه غنية لذوي الابصار، وبغية لذوي الاعتبار، وإنما أعداؤه عملوا له مثالب ليباعدوه من قلوب الشيعة، كما عمل أعداء أمير المؤمنين عليه السلام له مساوي، وهلك بها كثير ممن حاد من محبته، وحال عن طاعته، فالولي له عليه السلام لم تغيره الأوهام، ولا باحته تلك الأحلام، بل كشفت له عن فضله المكنون وعلمه المصون. فعمل في قضية المختار ما عمل مع أبي الأئمة الأطهار.. إلخ.
.1) بحار الأنوار ج44 ص28
2) أقول: قصة المختار هذه لم تثبت من طريقنا، فإن ثبتت من طريق معتمد فلا تعارض ما فعله أخيرا من تفاديه في سبيل أهل البيت وشفاء صدورهم وصدور المؤمنين بقتل المنافقين والغادرين قتلة ريحانة رسول الله وذويه، وذلك يدل على أنه إن صدر منه كلام في قصة الإمام الحسن فقد تاب منه، كما تاب كثير من الفاسقين بل وكذا كثير من الكافرين من سالف ذنوبهم ثم تداركوا واستقاموا ولم يغيروا ولم يبدلوا وعملوا بالحق ثم جاهدوا في سبيل الله حتى استشهدوا في سبيله فألحقهم الله بالشهداء والصديقين، والعبرة بخاتمة الأمر، وهو رضوان الله عليه قتل في سبيل أهل البيت عليهم السلام، مع أن ما قاله في قصة الإمام الحسن - إن صح – يحتمل فيه أمران:
ثم إن سعد بن مسعود أتاه (عليه السلام) بطبيب وقام عليه حتى برأ وحولّه إلى بيض المدائن، فمن الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم، فضلا على النصرة
والمعونة، وقد أجاب (عليه السلام) حجر بن عدي الكندي لما قال له: سوّدت وجوه المؤمنين فقال (عليه السلام): ما كلّ أحدٍ يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم.
وروى عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن أبي الكنود عبد الرحمان ابن عبيد قال: لما بايع الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى بإظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية، ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم، وأتباعهم، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز. ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد، ولا حظا من العطية، فلو كنت إذ فعلت مافعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك شيئا بينك وبينه، لم يف به، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الأشهاد: إني كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراة لقطع الفتنة، فلما أن جمع الله لنا الكلم والألفة فان ذلك تحت قدمي، والله ما عنى بذلك غيرك، وما أراد إلا ما كان بينك وبينه، وقد نقض. فإذا شئت فأعد الحرب خدعة(1)، وأذن لي في تقدمك إلى الكوفة، فاخرج عنها عامله وأظهر خلعه، وتنبذ إليه على سواء، إن الله لا يحب الخائنين، وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان.
فقال الإمام الحسن (عليه السلام): أنتم شيعتنا وأهل مودتنا فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أركض وأنصب، ما كان معاوية بأبئس مني بأسا، ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكني أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله، وسلموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا. أو قال: كفوا أيديكم
1) وفي نسخة جذعة
حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر(1)،وهذا كلام منه (عليه السلام) يشفي الصدور، ويذهب بكل شبهة في هذا الباب.
وقد روي أنه (عليه السلام) لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس، ويعلمهم ما عنده في هذا الباب، قام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: إن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، أيها الناس إنكم لو طلبتم بين جابلق(2)وجابرس(3)رجلاً جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما وجدتموه غيري، وغير أخي الحسين، وإن الله قدهداكم بأولياء محمد (صلى الله عليه وآله) وإن معاوية نازعني حقا هو لي، فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، فقد رأيت أن أسالمه ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، وأردت صلاحكم، وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين(4).
وكلامه (عليه السلام) في هذا الباب الذي يصرح في جميعه
1) أنساب الأشراف للبلاذري ج3 ص 48
2) جابلق: بالباء الموحدة المفتوحة، وسكون اللام، روى أبو روح عن الضحاك عن ابن عباس أن جابلق مدينة بأقصى المغرب، وأهلها من ولد عاد، وأهل جابرس من ولد ثمود، ففي كل واحدة منهما بقايا ولد موسى، عليه السلام، كل واحدة من الأمتين، ولما بايع الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية قال عمرو ابن العاص لمعاوية، قد اجتمع أهل الشام والعراق فلو أمرت الحسن أن يخطب فلعله يحصر فيسقط من أعين الناس، فقال: يا ابن أخي لو صعدت وخطبت وأخبرت الناس بالصلح، قال: فصعد المنبر وقال بعد حمد الله والصلاة على رسوله، صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إنكم لو نظرتم ما بين جابرس وجابلق، وفي رواية جابلص، ما وجدتم ابن نبي غيري وغير أخي، وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، وكنت أحقهم بذلك، ألا إنا بايعنا معاوية، وجعل يقول: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، فجعل معاوية يقول: انزل انزل معجم البلدان الحموي
3) جابلس بفتح اللام بلد بالمشرق ليس وراءه شيء ومراده لو تبحثون في الأرض من شرقها إلى غربها لا يوجد ابن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) غيرنا
4) أنساب الأشراف للبلاذري ج3 ص43
بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم، ودافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين والمسلمين، أشهر من الشمس وأجلى من الصبح، فأما قول السائل إنه خلع نفسه من الإمامة فمعاذ الله؛ لأن الإمامة بعد حصولها للإمام لا يخرج عنه بقوله، وعند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أن خلع الامام نفسه لا يؤثر في خروجه من الإمامة، وإنما ينخلع من الإمامة عندهم بالأحداث والكبائر، ولو كان خلعه في نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الإلجاء والاكراه فلا تأثير له، ولو كان مؤثرا في موضع من المواضع.
ولم يسلم أيضا الأمر إلى معاوية، بل كف عن المحاربة والمغالبة، لفقد الأعوان وعوز الأنصار، وتلاقي الفتنة على ما ذكرناه، فيغلب عليه معاوية بالقهر والسلطان، مع ما أنه كان متغلبا على أكثره، ولو أظهر (عليه السلام) له التسليم قولا لما كان فيه شيء إذا كان عن إكراه واضطهاد. فأما البيعة فان أريد بها الصفقة وإظهار الرضا والكف عن المنازعة، فقد كان ذلك، لكنّا قد بينا جهة وقوعه، والأسباب المحوجة إليه، ولا حجة في ذلك عليه صلوات الله عليه كما لم يكن في مثله حجة على أبيه صلوات الله عليهما لما بايع المتقدمين عليه، وكف عن نزاعهم، وأمسك عن غلابهم. وإن أريد بالبيعة الرضا وطيب النفس، فالحال شاهد بخلاف ذلك، وكلامه المشهور كله يدل على أنه أحوج وأحرج، وأن الأمر له وهو أحق الناس به وإنما كف عن المنازعة فيه للغلبة والقهر والخوف على الدين والمسلمين. فأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين صلوات الله عليه من ذلك أن أخذه من يد الجابر الظالم المتغلب جائز، وأنه لا لوم فيه على الأخذ ولا حرج، وأما أخذ الصلات فسائغ بل واجب، لأن كل مال في يد الغالب الجابر المتغلب على أمر الأمة، يجب على الامام وعلى جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن، بالطوع أو الاكراه، ووضعه في مواضعه. فإذا لم يتمكن (عليه السلام) من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى وأخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة، فواجب
عليه أن يتناوله من يده، ويأخذ منه حقه ويقسمه على مستحقه؛ لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له (عليه السلام). وليس لأحد أن يقول: إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية أنه كانينفقها على نفسه وعياله، ولا يخرجها إلى غيره، وذلك أن هذا مما لا يمكن أن يدعى العلم به والقطع عليه، ولا شك أنه (عليه السلام) كان ينفق منها لأن فيها حقه وحق عياله وأهله، ولا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم، وكيف يظهر ذلك وهو (عليه السلام) كان قاصدا إلى إخفائه وستره لمكان التقية، والمحوج له (عليه السلام) إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة، هو المحوج له إلى ستر اخراجها أو اخراج بعضها إلى مستحقيها من المسلمين، وقد كان عليه وآله السلام يتصدق بكثير من أمواله، ويواسي الفقراء، ويصل المحتاجين، ولعل في جملة ذلك هذه الحقوق. فأما إظهار موالاته فما أظهر (عليه السلام) من ذلك شيئا كما لم يبطنه، وكلامه (عليه السلام) فيه بمشهد معاوية ومغيبه معروف ظاهر، ولو فعل ذلك خوفا واستصلاحا وتلافيا للشر العظيم، لكان واجبا، فقد فعل أبوه صلوات الله عليه وآله مثله، مع المتقدمين عليه.
وأعجب من هذا كله دعوى القول بإمامته(1)، ومعلوم ضرورة منه (عليه السلام) خلاف ذلك، فإنه كان يعتقد ويصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الامام وأتباعه، فضلا عن الإمامة نفسها. وليس يظن مثل هذه الأمور إلا عامي حشوي قد قعد به التقليد، وما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل وسماع الأخبار المأثورة في هذا الباب، فهو لا يسمع إلا ما يوافقه، وإذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه والله المستعان، انتهى كلامه رفع الله مقامه)(2).
بعد أن صالح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية لاقى من بعض أصحابه وممن قد يعتبر من خلص الأصحاب ومن المقربين للإمام (عليه السلام) توبيخاً شديداً على صلحه، وذلك منهم حسب الظاهر إما لعدم تبلور فكرة كون الإمام معصوم من الخطأ، وأنه يقوم بحسب تكليفه الشرعي بما يراه من مصلحة الدين الكبرى، ولا ينظر للمصالح الوقتية وما يترأى أنه مصلحة لعموم الناس لكنه واقعاً ليس هو من المصلحة أو مصلحته مؤقتة وليست بعيدة المدى، وإن كان دور النبي (صلى الله عليه وآله) في ترسيخ دور الأئمة (عليهم السلام) كبير لكن لم تهضم هذه الفكرة عند جُلّ الأصحاب، ولم يتمكن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من تركيز الفكرة ببيان وترسيخ مبادئ الإمامة والعصمة كما أراد النبي (صلى الله عليه وآله) لانشغاله (عليه السلام) بالحروب الداخلية التي لم تمهله طويلاً خصوصاً بعد ابتلاء الأمة بحكام ليسوا معصومين، نعم بعد صلح الإمام الحسن (عليه السلام) وهدنة الإمام الحسين (عليه السلام) في فترة حكم معاوية وهي ما يقارب عشرين سنة تمكن الإمامان (عليهما السلام) بهذه الفترة الخالية من الحروب والفتن الداخلية من تثبيت مبدأ الإمامة والعصمة في نفوس أصحابهم حتى وصل الأمر بما هو معلوم من إخلاص أصحاب الحسين (عليه السلام) وتضحيتهم دون إمامهم بعد ترسخ مبدأ عصمة الإمام وأن ما يراه هو عين الصواب ولذا لم يوجد أي اعتراض منهم علىأي موقف وقفه الحسين (عليه السلام) في أحداث واقعة كربلاء، بل بالعكس كان موقفهم بالتسليم والرضا بكل ما خطط له الإمام (عليه السلام) وأخبرهم به من قتل وسبي نساء وغيره، بل حتى من كان مع الإمام الحسين (عليه السلام) من النساء والأطفال لم ينقل التاريخ عنهم أي شكوى أو تذمر أو اعتراض على ما قام به الإمام الحسين (عليه السلام) من اصطحاب العائلة معه وتعريضهم للسبي والذل والمهانة ولو كان هناك شيء من الاعتراض لنقل كما نقلت شكوى الزهراء (عليها السلام)
عند الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لو صح ذلك لكنه مع ذلك نقل(1)
فأجابها أمير المؤمنين (عليه السلام): لا ويل لك، بل الويل لشانئك، نهنهي من غربك، يا بنت الصفوة، وبقية النبوة، فوالله ما ونيت في ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت ترزئين البلغة فرزقك مضمون، ولعيلتك مأمون، وما أعد لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي. فقالت: حسبي الله ونعم الوكيل. آمالي الشيخ الطوسي.
، واستمر الأئمة (عليهم السلام) بعد ذلك بترسيخ مبدأ العصمة ودور الأئمة (عليهم السلام) وتوضيح مقامهم والمهمة المنوطة بهم بجهود استثنائية حتى تمكنوا من بناء أساس قوي لشيعتهم بالاعتقاد بعصمتهم وعدم الاعتراض على أي موقف كان منهم بعد ذلك، حتى صارت بذلك ثقافة شيعية تتبنى عصمة الإمام والتسليم له وإن وجد معترض فيكون نادراً أو شاذاً موجباً للانتقاد من الأصحاب، مثلاً كما هو منقول عن عبد الله بن يعفور (قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): والله لو فلقت رمانة بنصفين، فقلت هذا حرام وهذا حلال، لشهدت أن الذي قلت حلالٌ حلالٌ، وأن الذي قلت حرامٌ حرامٌ، فقال: رحمك الله رحمك الله.)(2).وكذلك ما ينقل عن موقف الريان بن الصلت مع يونس لما استشهد الإمام الرضا (عليه السلام) وكان الإمام الجواد (عليه السلام) صغيراً فقد روي عن (أبي المفضل محمد بن عبد الله، قال: حدثني أبو النجم بدر ابن عمار الطبرستاني، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي، قال:روى محمد بن المحمودي، عن أبيه، قال: كنت واقفا على رأس الرضا (عليه السلام) بطوس، فقال له بعض
1) حدثني أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: لما انصرفت فاطمة (عليها السلام) من عند أبي بكر، أقبلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت: يا بن أبي طالب، اشتملت مشيمة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي وبليغة ابني، والله لقد أجد في ظلامتي، وألد في خصامي، حتى منعتني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة، وعدت راغمة، فليتني ولا خيار لي مت قبل ذلتي، وتوفيت قبل منيتي، عذيري فيك الله حاميا، ومنك عاديا، ويلاه في كل شارق، ويلاه مات المعتمد ووهن العضد، شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي، اللهم أنت أشد قوة.
2) اختيار معرفة الرجال للطوسي ج2 ص518
أصحابه: إن حدثَ حدثٌ فإلى من؟ قال: إلى ابني أبي جعفر. قال: فإن استُصغِر سنه؟ فقال له أبو الحسن:
إن الله بعث عيسى بن مريم قائماً بشريعته في دون السن التي يقوم فيها أبو جعفر على شريعته. فلما مضى الرضا (عليه السلام)، وذلك في سنة اثنتين ومائتين، وسنُّ أبي جعفر (عليه السلام) ست سنين وشهور، واختلف الناس في جميع الأمصار، واجتمع الريان بن الصلت(1)، وصفوان بن يحيى(2)
وقال الشيخ: صفوان بن يحيى مولى بجيلة، يكنى أبا محمد بياع السابري، أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث وأعبدهم، وهو ممن روى النص على إمامة الجواد من الرضا (عليهما السلام). ذكره المفيد في الارشاد في هذا الباب. وفي مدحة روايات كثيرة نعم وردت في ذمه رواية واحدة ذكرها السيد الخوئي (قدس سره) وذكر وجه ها فقال وأما الرواية الذامة فهي كما قال: حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد، عن أحمد بن هلال، عن محمد ابن إسماعيل بن بزيع، أن أبا جعفر (عليه السلام) كان يخبرني بلعن صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان، فقال: إنهما خالفا أمري، قال: فلما كان من قابل، قال أبو جعفر (عليه السلام) لمحمد بن سهل البحراني: تول صفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان، فقد رضيت عنهما.
أقول: لا بد من حمل هذه الرواية على التقية ونحوها، كما حملنا الروايات الواردة في ذم زرارة عليها، أو يرد علمها إليهم سلام الله عليهم، فإن مقام صفوان أجل من أن يلعنه الإمام (عليه السلام)، ويؤيد ذلك: ما تقدم في مدحه من أنه لم يخالف الإمام (عليه السلام) قط. وكيف يمكن الالتزام بمخالفته للإمام الجواد (عليه السلام)، وقد شهد الرضا (عليه السلام) بعدالته في رواية صحيحة، أمر فيها محمد بن عيسى اليقطيني أن يتخذه شاهدا في الطلاق. معجم رجال الحديث للخوئي.
1) قال النجاشي: ريان بن الصلت الأشعري القمي أبو علي: روى عن الرضا عليه السلام، كان ثقة صدوقا. ذُكر أن له كتابا جمع فيه كلام الرضا عليه السلام في الفرق بين الآل والأمة. وقال الشيخ: الريان بن الصلت، له كتاب أخبرنا به الشيخ المفيد والحسين بن عبيد الله، وعده في رجاله من أصحاب الرضا عليه السلام قائلا: " الريان بن الصلت: بغدادي ثقة خراساني الأصل. ومن أصحاب الهادي عليه السلام قائلا: " الريان بن الصلت البغدادي ثقة. وفي من لم يرو عنهم عليهم السلام قائلا: الريان بن الصلت روى عنه إبراهيم بن هاشم. وعده البرقي في أصحاب الرضا والهادي عليهما السلام.
2) قال النجاشي: صفوان بن يحيى أبو محمد البجلي بياع السابري، كوفي، ثقة ثقة، عين، روى أبوه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وروى هو عن الرضا (عليه السلام)، وكانت له عنده منزلة شريفة، ذكره الكشي في رجال أبي الحسن موسى (عليه السلام)، وقد توكل للرضا وأبي جعفر (عليهما السلام) وسلِم مذهبه من الوقف، وكانت له منزلة من الزهد والعبادة، وكان جماعة الواقفة بذلوا له مالا كثيرا، وكان شريكا لعبد الله بن جندب وعلي بن النعمان، وروي أنهم تعاقدوا في بيت الله الحرام أنه من مات منهم صلى من بقي صلاته وصام عنه صيامه وزكى عنه زكاته، فماتا وبقى صفوان، فكان يصلي في كل يوم مائة وخمسين ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ويزكي زكاته ثلاث دفعات، وكل ما يتبرع به عن نفسه مما عدا ما ذكرناه تبرع عنهما مثله. وحكى بعض أصحابنا أن إنسانا كلّفه حمل دينارين إلى أهله إلى الكوفة، فقال: إن جمالي مكراة وأنا أستأذن الأجراء، وكان من الورع والعبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقته رحمه الله، وصنف ثلاثين كتابا، كما ذكر أصحابنا، ومات صفوان بن يحيى رحمه الله سنة عشرة ومائتين.
1) قال النجاشي: محمد بن حكيم الخثعمي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، يكنى أبا جعفر، له كتاب. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام، قائلا: محمد بن حكيم الخثعمي، كوفي، أبو جعفر. وعده البرقي أيضا، في أصحاب الصادق عليه السلام، قائلا: محمد بن حكيم الخثعمي، كوفي، مولى، وقال عند تعداده أصحاب الكاظم عليه السلام، من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام: محمد بن حكيم، فيظهر من ذلك أن محمد ابن حكيم الذي هو من أصحاب الكاظم عليه السلام، هو محمد بن حكيم الخثعمي، وهذا هو صريح النجاشي، وبذلك يظهر أن من ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم عليه السلام، وذكره في الفهرست مكررا، هو محمد بن حكيم الخثعمي، غير أنه لم يذكر وصفه. وكيف كان، فمحمد بن حكيم، الذي هو من أصحاب الكاظم عليه السلام ممدوح، على ما دلت عليه رواية الكشي المتقدمة. وعن يونس بن عبد الرحمن، عن حماد، قال: كان أبو الحسن عليه السلام يأمر محمد بن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يكلمهم ويخاصمهم، حتى كلمهم في صاحب القبر، فكان إذا انصرف إليه، قال له: ما قلت لهم وما قالوا لك، ويرضى بذلك منه. معجم رجال الحديث للخوئي.
2) قال النجاشي: عبد الرحمان بن الحجاج البجلي: مولاهم، كوفي، بياع السابري، سكن بغداد، ورمي بالكيسانية، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليه السلام)، وبقي بعد أبي الحسن، ورجع إلى الحق ولقي الرضا (عليه السلام)، وكان ثقة ثقة، ثبتا، وجها، وكانت بنتُ بنتِ ابنه مختلطة مع عجائزنا تذكر عن سلفها ما كان عليه من العبادة. له كتب يرويها عنه جماعات من أصحابنا، عن أبي القاسم نصر بن الصباح، قال: عبد الرحمان بن الحجاج شهد له أبو الحسن (عليه السلام)، بالجنة، وكان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول لعبد الرحمان: يا عبد الرحمان كلم أهل المدينة فإني أحب أن يرى في رجال الشيعة مثلك. وهو ممن قال بالوقف، ثم رجع لما ظهر من المعجزات على يد الرضا (عليه السلام)، ذكره الشيخ في الكلام على الواقفة، من كتاب الغيبة، وعده فيه في (فصل في ذكر طرف من أخبار السفراء) من الوكلاء المحمودين، قائلا: وكان عبد الرحمان بن الحجاج وكيلا لأبي عبد الله (عليه السلام)، ومات في عصر الرضا (عليه السلام)، على ولايته. وعده الشيخ المفيد من شيوخ أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين، الارشاد: باب ذكر الامام بعد أبي عبد الله (عليه السلام) من ولده، فصل في النص بالإمامة على موسى بن جعفر (عليهما السلام). معجم رجال الحديث للخوئي.
ويونس بن عبد الرحمن(1)
أقول: ما ذكره الكشي متين جدا، ولقد أجاد فيما أفاد، ويزاد على ما ذكره أن الروايات الذامة بأجمعها ضعيفة، فلا تصلح لمعارضة الأخبار المتقدمة المادحة. معجم رجال الحديث للخوئي.
،وجماعة من وجوه العصابة في دار عبد الرحمن بن الحجاجفي بركة زلزل(2)، يبكون ويتوجعون من المصيبة، فقال لهم يونس: دعوا البكاء، مَن لهذا الأمر يفتي بالمسائل إلى أن يكبر هذا الصبي؟ يعني أبا جعفر (عليهالسلام)، وكان له ست سنين وشهور، ثم قال: أنا ومن مثلي! فقام إليه الريان بن الصلت فوضع يده في حلقه،
1) قال النجاشي: يونس بن عبد الرحمان، مولى علي بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد، أبو محمد: كان وجها في أصحابنا متقدما، عظيم المنزلة، ولد في أيام هشام بن عبد الملك، ورأى جعفر بن محمد عليه السلام، بين الصفا والمروة ولم يرو عنه، وروى عن أبي الحسن موسى والرضا عليهما السلام، وكان الرضا يشير إليه في العلم والفتيا، وكان ممن بذل له على الوقف مال جزيل، فامتنع من أخذه وثبت على الحق، وقد ورد في يونس بن عبد الرحمن مدح وذم. وما ورد في مدحه ما عن الفضل بن شاذان، قال: حدثني عبد العزيز بن المهتدي وكان خير قمي رأيته، وكان وكيل الرضا عليه السلام وخاصته، فقال: إني سألته فقلت: إني لا أقدر على لقائك في كل وقت، فعمن آخذ معالم ديني؟ فقال: خذ عن يونس بن عبد الرحمن. وهذه منزلة عظيمة، ومثله رواه الكشي عن الحسن بن علي بن يقطين سواء. وقال شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، في كتابه مصابيح النور: أخبرني الشيخ الصدوق أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (رحمه الله)، قال: حدثنا علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: قال لنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري (رحمه الله): عرضت على أبي محمد صاحب العسكر عليه السلام كتاب يوم وليلة ليونس، فقال لي: تصنيف من هذا؟ فقلت: تصنيف يونس مولى آل يقطين، فقال: أعطاه الله بكل حرف نورا يوم القيامة. ومدائح يونس كثيرة ليس هذا موضعها، وإنما ذكرنا هذا حتى لا نخليه من بعض حقوقه (رحمه الله) أقول: تقدم في ترجمة أبي حمزة الثمالي، قول الفضل بن شاذان قال: سمعت الثقة يقول: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ويونس بن عبد الرحمان كذلك هو سلمان في زمانه.
2) ببغداد بين الكرخ والسراة وباب المحول وسويقة أبي الورد، وكان زلزل هذا ضرابا بالعود يضرب به المثل بحسن ضربه، وكان من الأجواد، وكان في أيام المهدي الهادي والرشيد، وكان غلاما لعيسى بن جعفر بن المنصور، وكان في موضع البركة قرية يقال لها سال بقباء إلى قصر الوضاح، فحفر هناك بركة ووقفها على المسلمين، ونسبت المحلة بأسرها إليه. معجم البلدان للحموي.
ولم يزل يلطم وجهه ويضرب رأسه، ثم قال له: يا بن الفاعلة، إن كان أمرٌ من الله (جل وعلا) فابن يومين مثل ابن مائة سنة، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة (عليهم السلام) أو ببعضه، أوَ هذا مما ينبغي أن ينظر فيه؟ وأقبلت العصابة على يونس تعذّله.)(1)
فهذا الموقف من الريان وغيره يدل على التسليم بعصمة الإمام وحسن اختياره حتى لو اختار للإمامة من بعده ولده الصغير فهو إنما يبلّغ عن السماء والتباني على عدم الاعتراض عليه حتى لو كان الإمام صبياً بنظر الناس، وأما مثل موقف يونس مع جلالة قدره فقد يؤول بأنه أراد بيان ذلك لهم وأنه لابد من التسليم للإمام وعدم الاعتراض على صغر سنه فحاول ان يلهب عواطفهم ليكون مثل هذا الموقف للتسليم للإمام الجواد (عليه السلام) وإن كان صغيراً لئلا يحصل الاختلاف بين الشيعة، وليعلموا أن مثل يونس ومقامه عندهم لما شكك ظاهراً في إمامة الجواد (عليه السلام) أمام الناس تم الاعتراض عليه بهذا المقدار، فحتى لا يترك مجالاً لأحد بالاعتراض على إمامة الإمام الجواد (عليه السلام) لأن من هو بمثل مقام يونس عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عندما أظهر التشكيك كان هذا الرد القاسي بحقه من الأصحاب فكيف بالآخرين، أو أن الرواية ضعيفة لا يعتمد عليها كما ذكر ذلك زعيم الحوزة العلمية السيد الخوئي (قدس سره) والله أعلم بواقع الحال.
فهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن معرفة الأصحاب بمقام الإمامة وعصمة الإمام كان بعد عمل وجهد متواصل من الأئمة (عليهم السلام) مع الأصحاب حتى استوعبوا هذه الفكرة، بحيث أصبح المعترض عليها يلقى ما لاقاه مثل يونس على عظمه وجلالة قدره إن صحت الرواية، أما أيام إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) فالقضية بعد لم تنضج جيداً بهذا
1) دلائل الإمامة لابن جرير الطبري الشيعي ص389 في أحوال الإمام الجواد (عليه السلام)
المقدار ولذا تم الاعتراض منهم على موقف الإمام (عليه السلام) كما أنه لم نجد راداً للمعترضين بقوة من غيرهم كما حصل من الرد لمثل الريان ليونس.
أو أن بعضهم كان متأثراً من سلطنة وجور معاوية وعدم صلوحه للخلافة وكان يطمح للتغيير على يد الإمام الحسن (عليه السلام) لأنه يجدها بحسب نظره القاصر فرصة ذهبية للتخلص من ملك بني أمية وجورهم فأخذته العصبية والتعجّلبالأمور مما تسبب بالاعتراض على الإمام (عليه السلام) من دون تروي أو تفكير في أن الإمام (عليه السلام) لا ينبغي الاعتراض عليه وهو أعرف بالمصالح الوقتية والغيبية وهو أشد منهم رغبة في منع تسلط بني أمية على مقاليد الحكم، وهذا مما زاد في مظلومية الإمام الحسن (عليه السلام) وهو عدم معرفة أقرب الناس إليه بمصلحة ما قام به من أجل الحفاظ عليهم وعلى دين جده المكلف بحفظه.
ومما روي في الاعتراض عليه (عليه السلام) (قال المسيب بن نجبة الفزاري(1)
1) عده الشيخ في رجاله (تارة) من أصحاب علي عليه السلام، مضيفا إليه قوله: الفزاري، و (أخرى) من أصحاب الحسن عليه السلام. وتقدم عن الكشي في ترجمة جندب بن زهير، أن المسيب بن نجبة من التابعين الكبار ورؤسائهم وزهادهم الذين أفناهم الحرب. وقال ابن شهرآشوب: كان ممن خرج إلى نصرة علي عليه السلام في حرب الجمل مع جماعة، فاستقبلهم علي عليه السلام على فرسخ وقال: مرحبا بكم أهل الكوفة وفئة الاسلام ومركز الدين. المناقب: الجزء 3، في باب حرب الجمل. وهو كاتب الحسين عليه السلام مع سليمان بن صرد ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر، وطلبوا منه أن يأتي العراق وكتبوا في آخره: إنه لو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه (النعمان بن بشير والي الكوفة) حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى، ذكره ابن الأثير في الكامل: الجزء 3، في وقائع سنة ستين، عند ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين بن علي عليه السلام. قال ابن الأثير: " قيل لما قتل الحسين عليه السلام ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة ودخل الكوفة، تلاقته الشيعة بالتلاؤم والمنادمة، ورأت أن قد أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الحسين عليهم السلام وتركهم نصرته واجابته حتى قتل إلى جانبهم، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والاثم عليهم إلا قتل من قتله والقتل فيهم، فاجتمعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤساء الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي وكانت له صحبته، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي عليه السلام، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التيمي تيم بكر بن وائل، وإلى رفاعة بن شداد البجلي، وكانوا من خيار أصحاب علي عليه السلام، فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فبدأهم المسيب بن نجبة وقال بعد حمد الله: فإنا ابتلينا بطول العمر (إلى أن قال) وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا فوجدنا الله كاذبين في كل موطن من مواطن ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله وأعذر إلينا، فسألنا نصره عودا وبدءا وعلانية، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربنا وعند لقاء نبينا وقد قتل فينا ولد حبيبه وذريته ونسله. لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أون تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك، ولا أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن (إلى أن قال فما زالوا، بجمع آلة الحرب ودعاء الناس في السر إلى الطلب بدم الحسين عليه السلام فكان يجيبهم النفر بعد النفر)، ولم يزالوا على ذلك إلى أن هلك يزيد ابن معاوية سنة أربع وستين، فلما مات يزيد جاء إلى سليمان أصحابه فقالوا: قد هلك هذا الطاغية والامر ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث، وهو (كان) خليفة ابن زياد على الكوفة، ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين عليه السلام، وتتبعنا قتلته، ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم، المدفوعين عن حقهم (إلى أن قال) فلما مضت ستة أشهر بعد هلاك يزيد (إلى أن قال) ثم ساروا مجدين فانتهوا إلى عين الوردة، فنزلوا غربيتها وأقاموا خمسا، فاستراحوا وأراحوا، وأقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، فقام سليمان في أصحابه وذكر الآخرة ورغب فيها، ثم قال: أما بعد فقد أتاكم عدوكم الذي دأبتم إليه في السير آناء الليل والنهار، فإذا لقيتموهم فأصدقوهم القتال (إلى أن قال) إن أنا قتلت فأمير الناس مسيب بن نجبة (إلى أن قال) فلما قتل سليمان أخذ الراية المسيب بن نجبة، وترحم على سليمان، ثم تقدم فقاتل بها ساعة، ثم رجع، ثم حمل فعل ذلك مرارا، ثم قتل رضي الله عنه بعد أن قتل رجالا. الكامل: الجزء 3، في وقائع سنة أربع وستين عند ذكر التوابين.
وسليمان بن صرد الخزاعي(1)
أقول: لا ينبغي الاشكال في جلالة سليمان بن صرد، وعظمته، لشهادة الفضل بن شاذان بذلك، وأما تخلفه عن أمير المؤمنين عليه السلام في وقعة الجمل فهو ثابت، ولعل ذلك كان لعذر أو بأمر من أمير المؤمنين عليه السلام، فإن ما روي عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم، عن أبي عبد الله سيف بن عمر، عن إسماعيل بن أبي عمرة، عن عبد الرحمان بن عبيد بن أبي الكنود، من عتاب أمير المؤمنين عليه السلام، وعذله سليمان بن صرد في قعوده عن نصرته بعد رجوعه عليه السلام من حرب الجمل لا يمكن تصديقه لان عدة من رواته لم تثبت وثاقتهم، على أنه لم يثبت كون هذا الكتاب عن نصر بن مزاحم بطريق معتبر، فلعل القصة مكذوبة عليه كما احتمله الشيخ - قدس سره -. ثم إن ما ذكره الشيخ - من كون سليمان بن صرد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله - لعله مأخوذ من بعض كتب العامة، وإلا فقد صرح الفضل بن شاذان بأنه من التابعين كما مر. معجم رجال الحديث الخوئي.
للحسن بن علي (عليهما السلام): ما ينقضي تعجبنا منك، بايعت معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز فقال
1) هو من التابعين الكبار، ورؤسائهم، وزهادهم، حكاه الكشي عن الفضل ابن شاذان في ذيل ترجمة صعصعة بن صوحان، وتقدم كلامه في جندب بن زهير. وعده الشيخ في رجاله (تارة) في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، (وأخرى) في أصحاب علي عليه السلام، قائلا: (سليمان بن صرد الخزاعي المتخلف عنه يوم الجمل المروي عن الحسن عليه السلام، أو المروي على لسانه كذبا في عذره في التخلف). (وثالثة) في أصحاب الحسن عليه السلام، قائلا: (سليمان بن صرد الخزاعي، أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله). وعن ابن نما في شرح الثأر أنه أول من نهض بعد قتل الحسين طالبا بثأره عليه السلام.
الحسن (عليه السلام): قد كان ذلك، فما ترى الآن فقال: والله أرى أنترجع لأنه نقض [ العهد ]، فقال: يا مسيب إن الغدر لا خير فيه ولو أردت لما فعلت)(1).
وقال حجر بن عدي(2):
أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم، فانا رجعنا راغمين بما كرهنا
1) مناقب آل أبي طالب بن شهر آشوب ج3 ص197
2) حجر بن عدي الكندي: وكان من الأبدال من أصحاب علي (عليه السلام)، رجال الشيخ وعده من أصحاب الحسن (عليه السلام)، وعده البرقي من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) من اليمن. وعده الفضل بن شاذان من التابعين الكبار ورؤسائهم وزهادهم وتقدم في جندب بن زهير قاتل الساحر. وقال الكشي: حجر بن عدي الكندي: قال: حدثنا ابن عيينة. قال: حدثنا طاووس، عن أبيه، قال: أنبأنا حجر بن عدي قال: قال لي علي (عليه السلام) كيف تصنع إذا ضربت وأمرت بلعنتي؟ ! قلت له: كيف أصنع؟ قال العني ولا تبرأ مني، فإني على دين الله. قال: ولقد ضربه محمد بن يوسف، وأمره أن يلعن عليا ! وأقامه على باب مسجد صنعاء، قال: فقال: إن الأمير أمرني أن ألعن عليا، فالعنوه لعنه الله فرأيت مجوازاً من الناس إلا رجلاً فهمها وسلم. وذكر أرباب التراجم والتواريخ أن معاوية بن أبي سفيان لعنه الله قتله سنة 51، أو 53، لولائه عليا (عليه السلام).
ورجعوا مسرورين بما أحبوا. فلما خلا به الحسن (عليه السلام) قال: يا حجر قد سمعت كلامك، في مجلس معاوية وليس كل انسان يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم، والله تعالى كل يوم هو في شأن)(1).
وأنشأ (عليه السلام) لما اضطر إلى البيعة.
أجامل أقواما حياء ولا أرى قلوبهم تغلي علي مراضها(2)
وله (عليه السلام):
لئن ساءني دهرٌ عزمت تصبراً وكل بلاءٍ لا يدوم يسير(3)
وإن سرني لم أبتهج بسروره وكل سرورٍ لا يدوم حقير(4)(عن يوسف بن مازن الراسبي(5)
أنه لما صالح الحسن بن علي (عليه السلام) عُذّل وقيل له: يا مذل المؤمنين ومسود الوجوه، فقال عليه السلام: لا تعذلوني فان فيها مصلحة ولقد رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه: يخطب بنو أمية واحد بعد واحد فحزن فأتاه جبرئيل بقوله {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}(6)و{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}(7).(8)
1) مناقب آل أبي طالب بن شهر آشوب ج3 ص197
2) الإمام (عليه السلام) يريد أنه يجامل أناساً من أجل أن لا يرى قلوبهم تغلي عليه حقداً بسبب كونها مريضة بتحمل الحقد عليه لعدم معرفتهم بأهداف ومصلحة الصلح
3) الإمام (عليه السلام) يقول له البلاء مادام في الدنيا وينقضي فهو يسر وهو أهون من البلاء الدائم وهو عذاب جهنم والعياذ بالله
4) وكذلك السرور الدنيوي المؤقت لا قيمة له مقابل السرور الدائم في الجنان وهو عبارة أخرى عن أنه يريد أنه ما دمت أنا على الحق فلا أبالي بالحال الدنيوي
5) لم يترجم له في كتب الرجال.
6) آية 1 سورة الكوثر
7) آية 1 سورة القدر
8) مناقب آل أبي طالب بن شهر آشوب ج3 ص197
و(قال عبد الحميد بن أبي الحديد(1):
قال أبو الفرج الأصفهاني: بسنده عن عدي بن ثابت عن سفيان قال: أتيت الحسن بن علي عليهما السلام حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: وعليك السلام يا سفيان [ انزل ] فنزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان؟ قال: قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: ما جر هذا منك إلينا؟ فقلت: أنت والله بأبي أنت وأمي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، وقد جمع الله عليك أمر الناس. فقال: يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت علياً (عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية وإني عرفت أن الله بالغ أمره. ثم أذن المؤذن فقمنا إلى حالب يحلب ناقته فتناول الاناء فشرب قائما ثم سقاني وخرجنا نمشي إلى المسجد فقال لي: ما جاء بك يا سفيان؟ قلت: حبكم والذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق، قال: فأبشر يا سفيان فاني سمعت علياً (عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين يعني السبابتين أو كهاتين يعني السبابة والوسطى - إحداهما تفضل على الأخرى، أبشر يا سفيان فان الدنيا تسع البر والفاجر، حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد (صلى الله عليه وآله)(2).
وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاء رجل من أصحاب الحسن (عليه السلام) يقال له: سفيان بن أبي ليلى(1)
وهو على راحلة له فدخل على الحسن (عليه السلام) وهو محتب في فناء داره(2)
فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال له الحسن (عليه السلام): أنزل ولا تعجل، فنزل فعقل راحلته في الدار، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إليه قال: فقال له الحسن (عليه السلام): ما قلت؟ قال قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال وما علمك بذلك؟ قال: عمدت إلى أمر الأمة فحللته من عنقك وقلدته هذه الطاغية يحكم بغير ما أنزل الله، قال: فقال الحسن (عليه السلام): سأخبرك لِمَ فعلت ذلك سمعت أبي يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لن تذهب الأيام والليالي حتى يلي على أمتي رجل واسع البلعوم رحب الصدر يأكل ولا يشبع وهو معاوية، فلذلك فعلت ما جاء بك، قال: حبك؟ قال: الله، قال: فقال الحسن عليه السلام: والله لا يحبنا عبد أبداً ولو كان أسيراً بالديلم إلا نفعه الله بحبنا وإن حبنا ليساقط الذنوب من ابن آدم كما يساقط الريح الورق من الشجر(3).
وقال أبو جعفر: حدثنا أبو محمد، قال: أخبرنا عمارة بن زيد، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: أخبرني ثقيف البكاء، قال: رأيت الحسن بن علي ( عليه السلام ) عند منصرفه من معاوية، وقد دخل عليه حجر بن عدي، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: مه، ما كنت مذلهم، بل أنا معز المؤمنين، وإنما أردت البقاء
1) سفيان بن أبي ليلى: الهمداني: من أصحاب الحسن الإمام (عليه السلام)، كما في رجال الشيخ. وعده البرقي أيضاً من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام. وذُكر في ترجمة أويس القرني رواية أسباط بن سالم، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، عدّه من حواري الحسن بن علي عليهما السلام ابن فاطمة عليهما السلام، وذكرنا أن الرواية ضعيفة. معجم رجال الحديث الخوئي
2) احتبى بالثوب: جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوه. (القاموس) وفي البحار أي كان محتبياً: جمع بين ظهره وساقيه بيديه أو بأزاره.
3) الاختصاص للشيخ المفيد ص82
عليهم، ثم ضرب برجله في فسطاطه، فإذا أنا في ظهر الكوفة، وقد خرج إلى دمشق ومصر حتى رأينا عمرو بن العاص بمصر، ومعاوية بدمشق، وقال: لو شئت لنزعتهما، ولكن هاه هاه، مضى مُحمدٌ على منهاجٍ، وعليٌّ على منهاجٍ، وأنا أخالفهما؟ ! لا يكون ذلك مني(1).
وذُكر في حديث آخر عن الحسن بن علي (عليهما السلام)، قال: ( إني أرى الناس يقولون: إن الحسن بن علي بايع معاوية طائعاً غير مكرهوأيم الله ما فعلت حتى خذلني أهل العراق ولولا ذلك ما بايعته ولا نعمة عينٌ(2))(3).
ودخل ابن عدي الطائي على الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: ( بالله يا أمير المؤمنين يسعك ترك معاوية ). فغضب (عليه السلام) غضباً شديداً حتى احمرت عيناه ودرت أوداجه وسكبت دموعه، فقال: ( ويحك يا حجر، تسميني بإمرة المؤمنين؟! وما جعلها لي ولا لأخي ولا لأحد ممن يأتي إلا أمير المؤمنين وحده خاصة. أو ما سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لأبي: إن الله سماك بإمرة المؤمنين ولا يشرك معك في هذا الاسم أحد. فما يتسمى به غيرك وإلا فهو مأفون في عقله ومأفون ( خ ل: مأبون ) في ذاته. فانصرف حجر وهو يستغفر الله. فمكث أياماً ثم عاد عليه فقال: ( السلام عليك يا مذل المؤمنين )! فضحك (عليه السلام) في وجهه وقال له: ( والله يا حجر، إن هذه الكلمة أسهل علي وأسر إلى قلبي من كلمتك الأولى )(4)
ومما زاد في ظلامة الإمام الحسن (عليه السلام) هو عدم اقتصار من حوله على الاعتراض اللفظي فقط وتوبيخ الإمام (عليه السلام) على الصلح وإنما تجاوز إلى التعدي عليه بنهب فسطاطه وغير ذلك (عليه السلام) وكان هذا منهم تعدٍ كبير على مقام الإمام (عليه السلام) حتى وبخهم بشدة على فعلهم فقد نقل عن موقف الإمام (عليه السلام) لما أراد اختبار اصحابه وحالهم في طاعته في الحرب والسلم فهو بمجرد أن لمّح لهم بأنه قد يضطر للصلح لم يسلّموا له ذلك بل حاولوا التعدي على شخصه الكريم، مع أنهم بعد ذلك خذلوه في المعركة وتخاذل عنه أقرب الناس إليه بل حتى وصل الأمر لكتابتهم لمعاوية أنهم مستعدون لتسليم الإمام (عليه السلام) له مكتوفاً (وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة له في السر واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوه من عسكره)(1)
فمما يروى في ذلك ما ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد مما جرى بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية من مراسلات ومحاولة الإمام الحسن (عليه السلام) اختبارهم.
(وكان بين الحسن (عليه السلام) وبينه بعد ذلك مكاتبات ومراسلات واحتجاجات للحسن (عليه السلام) في استحقاقه الأمر، وتوثب من تقدم على أبيه (عليهما السلام) وابتزازه سلطان ابن عمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتحققهم به دونه، وأشياء يطول ذكرها. وسار معاوية نحو العراق
1) مناقب آل أبي طالب بن شهر آشوب ج3 ص195
ليغلب عليه، فلما بلغجسر منبج(1)تحرك الحسن (عليه السلام) وبعث حجر بن عدي فأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خف معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه (عليهما السلام)، وبعضهم محكّمة(2)
يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين. فسار حتى أتى حمام عمر(3)، ثم أخذ على دير كعب(4)، فنزل ساباط دون القنطرة(5)وبات هناك، فلما أصبح أراد (عليه السلام) أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في الطاعة له، ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه، ويكون على بصيرة في لقاء معاوية وأهل الشام، فأمر أن ينادى في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال: الحمد لله بكل ما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق وائتمنه على الوحي (صلى الله عليه وآله). أما بعد: فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت - بحمد الله عنه - وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم
1) جسر على نهر الفرات قرب الأراضي السورية في بلد من بلاد الشام، وقيل: أول من بناها كسرى لما غلب على الشام ومنه إلى حلب عشر فراسخ.
2) وهم الخوارج مشتق من التحكيم أي من رفض التحكيم بعد أن أصرّوا عليه
3) والظاهر أنه اسم موضع ولكنا لم نجد مكانا يسمى حمام عمر ويمكن كونه حمام أعين فصحف أعين بعمر ففي معجم البلدان حمام أعين بالكوفة ذكره في الأخبار مشهور منسوب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقاص اه. كما في مستدركات أعيان الشيعة.
4) مكان قرب الشام
5) من قرى المدائن
لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه - والله - يريد أن يصالح معاوية ويسلّم الأمر إليه، فقالوا: كفر - والله - الرجل، ثم شدّوا على فسطاطه فانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه(1)
عن عاتقه، فبقي جالسا متقلداً السيف بغير رداء. ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال: ادعوا إليّ ربيعة وهمدان(2)فدعوا له فأطافوا به ودفعوا الناس عنه. وسار ومعه شوب(3)من الناس)(4)
1) المطرف: رداء من خز
2) ربيعة، المراد هنا ربيعة بن نزار، شعب عظيم، فيه قبائل عظام وبطون وأفخاذ ينتسب إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ويعرف بربيعة الفرس، وأفرهم وأشرفهم بطن عبد القيس وهم بنو عبد القيس بن أقصى. وهمدان بطن من كهلان، من القحطانية، وهم بنو همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار [ الحيان ] بن مالك بن زيد بن كهلان، وهم أشرف من سكن اليمن، وكانوا شيعة لعلي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام.
3) الشوب: الخليط - من الناس -
4) الإرشاد للشيخ المفيد ج 2 ص12
وأمتد الأمر إلى أكثر من توبيخ للإمام (عليه السلام) واعتداء إلى محاولة قتل الإمام والغدر به وهم إما من كانت مصلحتهم بإقامة الحرب كالنفعيين، وإما ممن كان يجهل المصلحة وخذله شيطانه بأن في قتل الإمام (عليه السلام) لصلحه مصلحة كالخوارج كما صنعوا مع أبيه أمير المؤمنين وإما ممن أغراهم معاوية بالمال من أجل التخلص من الإمام الحسن (عليه السلام) فذكر في علل الشرائع: دس معاوية إلى عمرو بن حريث(1)والأشعث بن قيس(2)
الأشعث بن قيس الكندي: أبو محمّد، ارتدّ بعد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في ردّة أهل ياسر، زوّجه أبو بكر أخته أم فروة - وكانت عوراء - فولدت له محمّدا. كان من أصحاب عليّ عليه السلام ثم صار خارجيّا ملعونا. منتهى المقال للمازندراني.
وروى الشيخ الكليني (ره) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ان الأشعث ابن قيس شرك في دم أمير المؤمنين عليه السلام، وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام ومحمدا ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام.
وإلى حجر بن الحارث(3)وشبث بن ربعي(4)دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، أنك إن قتلت الحسنبن علي فلك مائتا ألف درهم وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي،1) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، رجال الشيخ. وعده في أصحاب علي عليه السلام أيضا، قائلا: عمرو بن حريث، عدو الله، ملعونٌ.
2) الأشعث بن قيس فإنه كان ممن ارتد وأتي به إلى أبى بكر أسيرا فعاد إلى الإسلام فقبل منه ذلك وزوجه أخته وكانت عوراء فأولدها ابنه محمدا أحد قاتلي الحسين (عليه السلام) الدرجات الرفيعة للسيد علي خان المدني.
3) غير معروف في كتب الرجال
4) شَبَثْ ابن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد - القدوس الكوفي مخضرم كان مؤذن سجاح، ثم أسلم، ثم كان ممن أعان على عثمان، ثم صحب عليا، ثم صار من الخوارج عليه، ثم تاب فحضر قتل الحسين، ثم كان ممن طلب بدم الحسين مع المختار ثم ولى شرطة الكوفة. ثم حضر قتل المختار ومات بالكوفة في حدود سنة الثمانين.
فبلغ الحسن عليه السلام فاستلأم(1)ولبس درعا وكفرها(2)، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك(3). فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه، لما عليه من اللامة(4)فلما صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر فأمر عليه السلام أن يعدل به إلى بطن جريحي(5)وعليها عم المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن قيلة فقال المختار لعمه: تعال حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية، فيجعل لنا العراق فنذر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه فهموا بقتل المختار فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار، ففعلوا(6).
فقال الإمام الحسن عليه السلام: ويلكم والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن أني إن وضعت يدي في يده فأسالمه يتركني أدين لدين جدي صلى الله عليه وآله وإني أقدر أن أعبد الله عز وجل وحدي، ولكني كأني أنظر إلى أبناءكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعدا وسحقا لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه، فكتب الحسن من فوره ذلك إلى معاوية: أما بعد فان خطبي انتهى
إلى اليأس من حق أحييه وباطل أميته(1)،وخطبك خطب من انتهى إلى مراده(2)، وإنني أعتزل هذا الأمر، وأخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شرا لك في معادك(3)،ولي شروط أشترطها، لا تبهظنك إن وفيت لي بها بعهدولا تخف إن غدرت(4)
وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية: فإنا معك، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك، ثم أغاروا على فسطاطه، وضربوه بحربة، واخذ مجروحا، ثم كتب جوابا لمعاوية: إنما هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد(6)وانصرف إلى الكوفة(7).
فلما مر في مظلم ساباط، بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان، وأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال: الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من
1) يعني يأس عليه السلام من أداء دوره كإمام ظاهر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2) بينما أنت يا معاوية قد أدركت مرادك من الاستيلاء على السلطة الدنيوية فالإمام (عليه السلام) يقول له شتان بين ما كنت ترجوه وكنت أنا أرجوه أنا كنت أرجو الآخرة وإقامة الأمر بالعروف والنهي عن المنكر وقد يئست منه بهؤلاء الناس وأنت كنت ترجو الحكم والسلطة عليهم وقد أدركت ما تريد منهم.
3) أي ترك الأمر لك هو شر عليك في آخرتك لأنك ستدعي خلافة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأنت ليس أهلاً لذلك.
4) يعني شروطي التي أشترطها ليست مما يبهظك الوفاء بها ولا يخفف عنك الغدر بها
5) علل الشرائع ج1 ص221 باب 160 علة مصالحة الإمام الحسن (عليه السلام)
6) أي لولا خذلان الناصر لما صالحتك وجعلتك تحصل حتى على الخلافة الدنيوية التي كنت تطمح إليها
7) بحار الأنوار للمجلسي ج44 ص45
قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرا جميعا إلى الأرض فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبد الله بن خطل الطائي(1)
فانتزع المغول من يده، وخضخض به جوفه، فأكب عليه آخر يقال له: ظبيان بن عمارة(2)فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن، فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه.
وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على السير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به(3)
1) لم أجد له ترجمة في كتب التراجم وكذلك ذكر الشيخ النمازي في مستدركات علم الرجال: لم يذكروه. هو من شيعة مولانا الحسن المجتبى عليه السلام. ما يدل على مدحه
2) ذكر الشيخ أنه ممن روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يذكر بمدح أو قدح نعم ذكر أنه كان مع سليمان بن صرد الخزاعي في ثورة التوابين وذكر الشيخ النمازي أنه عد من مجاهيل أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. جملة من أحواله يوم صفين. نصر مولانا الحسن المجتبى يوم ساباط. وفي مسافر بن سعد أنه مع مسافر من أصحاب المختار، حملا رأس عمر بن سعد وابنه حفص إلى محمد بن الحنفية. ومن تضعيف الذهبي له نعرف أنه من شيعة أمير المؤمنين حيث قال ظبيان بن عمارة الكوفي. عن علي. وعنه أبو قطبة. قال الأزدي: لا يقوم حديثه. نعم ابن حبان ذكره في الثقات وقال عنه السيد محسن الأمين كان من أنصار علي (عليه السلام) وولديه الحسنين (عليه السلام) من أهل الكوفة ذكر المدايني انه لما كان عام الصلح بين الحسن ومعاوية وتجهز الحسن للشخوص إلى المدينة دخل عليه المسيب بن نجبة الفزاري وظبيان بن عمارة التميمي ليودعاه إلى أن قال فعرض له المسيب وظبيان فقال ليس إلى ذلك سبيل. وظبيان هذا هو الذي اخذ المعول من يد سنان بن الجراح الطائي حين طعن الحسن في فخذه يوم ساباط المدائن فضرب سنانا به وقطع أنفه ثم ضربه بصخرة على رأسه فقتله.
3) الفتك به أي قتله
وبلغ الإمام الحسن عليه السلام ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد(1)
وكان قد أنفذه مععبيد الله بن العباس(2)عند
مسيره من الكوفة، ليلقى معاوية ويرده عن العراق، وجعله
1) عده الشيخ (تارة) في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، (وأخرى) في أصحاب علي عليه السلام، قائلا: " قيس بن سعد بن عبادة، وهو ممن لم يبايع أبا بكر ". و(ثالثة) في أصحاب الحسن عليه السلام، وعده البرقي في آخر رجاله من المنكرين على أبي بكر، وهم اثنا عشر رجلا، وقال: ثم قام قيس بن سعد بن عبادة، فقال: يا معشر قريش قد علم خياركم أن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بمكانه في سبق سابقة وحسن عناء، وقد جعل الله هذا الامر لعلي بمحضر منكم وسماع أذنيكم، فلا ترجعوا ضلالا فتنقلبوا خاسرين. وله خطبة جميلة يحرض فيها الامام أمير المؤمنين عليه السلام على قتال معاوية حين ما بلغ عليا عليه السلام سير طلحة والزبير، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أحسنت والله يا قيس وأجملت، ذكرها الشيخ في آماليه الجزء 2، في مجلس يوم الجمعة 23 ذي الحجة سنة 457. وقال الكشي عن فضل غلام محمد بن راشد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما، أن أقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء، فقال: يا حسن قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال للحسين عليه السلام: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره، فقال: يا قيس إنه إمامي يعني الحسن عليه السلام. ذكر يونس بن عبد الرحمان في بعض كتبه: أنه كان لسعد بن عبادة ستة أولاد، كلهم قد نصر رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيهم قيس بن سعد بن عبادة، وكان قيس أحد العشرة الذين لحقهم النبي صلى الله عليه وآله من العصر الأول ممن كان طولهم عشرة أشبار بأشبار أنفسهم، وكان شبر الرجل منهم يقال إنه مثل ذراع أحدنا، وكان قيس وسعد أبوه طولهما عشرة أشبار بأشبارهما، ويقال إنه كان من العشرة خمسة من الأنصار، أربعة من الخزرج كلها، ورجل من الأوس، وسعد لم يزل سيدا في الجاهلية والاسلام، وأبوه وجده، وجد جده لم يزل فيهم الشرف، وكان سعد يجير فيجار وذلك له لسؤدده، ولم يزل هو وأبوه أصحاب إطعام في الجاهلية والاسلام، وقيس ابنه بعده على مثل ذلك.
2) قال الكشي: ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه، قال: إن الحسن عليه السلام لما قتل أبوه أمير المؤمنين عليه السلام، خرج في شوال من الكوفة إلى قتال معاوية، فالتقوا بكسكر وحاربه ستة أشهر، وكان الحسن عليه السلام جعل ابن عمه عبيد الله بن العباس على مقدمته، فبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم فمر بالراية ولحق بمعاوية ! وبقي العسكر بلا قائد ولا رئيس، فقام قيس بن سعد بن عبادة فخطب الناس، وقال: أيها الناس لا يهولنكم ذهاب عبيد الله هذا لكذا وكذا، فإن هذا وأباه لم يأتيا قط بخير.
أميرا على الجماعة، وقال: إن أصبت فالأمير قيس ابن سعد. فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها: الحبونية، بإزاء مسكن وأن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله إلى الكوفة فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في أمورهم. فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له، واستحلال دمه، ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعة لا يقوم لأجناد الشام فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، واشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن وعلم باحتياله بذلك واغتياله، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس منه من ترك الحرب، وإنفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له، ومصيره إلى عدوه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة. فتوثق عليه السلام لنفسه من معاوية لتوكيد الحجة عليه، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلوات وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وأجابه معاوية إلى ذلك كله، وعاهد عليهوحلف له بالوفاء له. فلما استتمت الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنخيلة(1)، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة
1) النخيلة: تصغير نخلة، موضع قرب الكوفة على سمت الشام (معجم البلدان).
فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيءٍ منها له)(1).
1) الارشاد للشيخ المفيد ج 2 ص14
ختاماً أسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت لتسليط الضوء على بعض ملامح موقف الإمام الحسن (عليه السلام) من الصلح وأنه كان يروم بذلك مصلحة الدين والأمة وكان ذلك في النجف الأشرف بجوار سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) بقلم الأقل الذي سودت وجهه الذنوب (علي) نجل المرحوم سماحة آية الله السيد (محمد حسين الطباطبائي الحكيم) في الأول من محرم الحرام سنة ألف وأربعمائة وثلاث وأربعون للهجرة النبوية الشريفة راجياً بذلك القبول من سيدي ومولاي الإمام الحسن (عليه السلام) وأن يكون خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وأرجو من الله قبول هذا اليسير بحق سيدنا ومولانا الإمام أبي محمد الحسن (عليه السلام) وأن يكون خالصاً لوجهه الكريم وأرجو من الله ومن سيدي أبي محمد (عليه السلام) العذر فيما بدر مني من خطأ أو تقصير كما يشرفني أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساعدني في هذا الجهد وكان له الفضل بنتائج هذه الأفكار وأخص بالذكر أخي العزيز أمين مسجد السهلة المعظم المهندس السيد (مضر السيد عبد الهادي علي خان المدني) على متابعة ما كتبته ومراجعته ومن الله التوفيق
الأقل
علي السيد محمد حسين الحكيم
القرآن الكريم
اخيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي
أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين
الإرشاد للشيخ المفيد
الاختصاص للشيخ المفيد
الاحتجاج للشيخ الطبرسي
التشريف بالمنن في التعريف بالفتن للسيد بن طاووس
التاريخ الصغير للطبري
الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي
الغارات لإبراهيم الثقفي
الصحاح للجوهري
المصنف لعبد الرزاق الصنعاني
المستدرك للحاكم النيسابوري
المختصر لأبي الفداء
آمالي الشيخ الصدوق
آمالي الشيخ الطوسي
أنساب الأشراف للبلاذري
اليقين لأبن طاووس
بحار الأنوار للعلامة المجلسي
بلاغة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) للشيخ جعفر الحائري
تاريخ دمشق لأبن عساكر
تاريخ الطبري للطبري
تحف العقول عن آل الرسول لابن شعبة الحراني
تنزيه الأنبياء للسيد المرتضى
دلائل الإمامة لأبن جرير الطبري الشيعي
شرح الأخبار للقاضي النعماني
صلح الحسن (عليه السلام) للشيخ راضي آل ياسين
علل الشرائع للشيخ الصدوق
29.فرحة الغري لأبن طاووس
30.كشف الغمة في معرفة الأئمة لأبي الفتح الأربلي
31.كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق
32.لسان العرب لابن منظور
33.لواعج الأحزان للسيد بن طاووس
34.مجمع البحرين للشيخ الطريحي
35.محاكمات الخلفاء وأتباعهم لجواد جعفر الخليلي
36.مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني
37.معجم رجال الحديث للسيد الخوئي
38.مناقب آل أبي طالب لأبن شهر آشوب
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة