فقه الثقلین فی شرح تحریرالوسیلة کتاب القصاص

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه: صانعی، یوسف، 1316 - 1399. Saanei Yusuf

عنوان قراردادی: تحریرالوسیلة. برگزیده. شرح

عنوان و نام پدیدآور: فقه‌الثقلین فی شرح تحریرالوسیلة: کتاب القصاص/ تالیف یوسف الصانعی؛ تحقیق موسّسة فقه‌الثقلین الثقافیة.

مشخصات نشر: قم: فقه‌الثقلین، 1443 ق. = 1401 – مشخصات ظاهری: 697 ص.

شابک: 9786229473405 وضعیت فهرست نویسی: فیپا

یادداشت: زبان: عربی.

یادداشت: چاپ قبلی: موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی، 1424ق. = 2003م. = 1382.

عنوان دیگر: کتاب القصاص.

موضوع: خمینی، روح الله، رهبرانقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، 1279 – 1368. تحریرالوسیله - نقد و تفسیر

Islamic law Ja`fari – Handbooks manuals etc*

Lex talionis (Islamic law)

رده بندی کنگره: 9/183Bp

رده بندی دیویی: 3422/297

شماره کتابشناسی ملی: 8860756

اطلاعات رکورد کتابشناسی: فیپا

اشارة

منشورات فقه الثقلين

فقه الثقلین (کتاب القصاص)

سماحة آیة الله العظمی الشیخ یوسف الصانعي (قدّس سرّه)

الناشر: منشورات فقه الثقلين

ليتوقرافي: النويس ■ المطبعة: الزمزم

الطبعة الأُولی / ذي القعدة 1443 ق - الکمّیة: 500 نسخة

جمیع حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

العنوان: ایران - قم المقدّسة - شارع المعلّم - أمام فندق الصفاء - المجتمع للمنشورات - الطبقة الأولی - الواحد 134

قم/ شارع الشهداء (صفائیة)، الفرع 37 (سپاه)، الفرع 5 (ناصر)، رقم 162

الهاتف: 37835090/ تلفکس: 37835091 (25- 98+)

صندوق البرید: 557/ 37185

عنوان الإنترنت: www.feqh.ir / الموقع الإکتروني: info@feqh.ir

فقه الثقلين

کتاب القصاص

تأليف

آیة الله العظمی الشیخ یوسف الصانعي (قدّس سرّه)

فی شرح تحریرالوسیلة

تحقیق :

موسّسة فقه‌الثقلین الثقافیة

بسم الله الرحمن الرحيم

مؤسسة فقه الثقلين الثقافية

دلیل الکتاب

كتاب القصاص ... 13

القسم الأوّل: في قصاص النفس ... 14

القول في الموجب ... 31

القول في الشرائط المعتبرة في القصاص ...169

القول فيما يثبت به القود ...361

المقصد الأوّل: في اللوث ... 413

المقصد الثاني: في كمّيّة القسامة ... 437

المقصد الثالث: في أحكامها القسامة ... 471

القول في كيفيّة الاستيفاء... 487

القسم الثاني: في قصاص ما دون النفس ... 611

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

ثمّ إنّ من أحسن الكتب الفقهية التي أُلَّفت أخيراً هو كتاب تحرير الوسيلة الذي ألَّفه الفقيه النحرير، العالم بزمانه، الذي كان من أعلم فقهاء العصر، السيّد الأُستاذ الإمام آية الله العظمى الحاج السيّد روح الله الخميني تغمّده الله برحمته ورضوانه، فإنّه جدّاً من أحسن المتون الفتوائية الجامعة لأهمّ المسائل الفقهية من الطهارة إلى آخر الديات، بل وهو حاوٍ لمسائل جديدة مستحدثة، فتح بها باب ورود الفقيه في هذه المسائل المستحدثة، فإنّ فقهنا الإمامي الاثني عشري فقه تامّ عامّ، لاستقائه من ينابيع كلمات العترة الطاهرة التي تركها الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)لأُمّته، وهي أعظم الثقلين اللذين هما كتاب الله وعترته، صلوات الله عليهم أجمعين.

وقد حاز هذا الکتاب من الأهمّية شأناً عظيماً بحيث ما زال محور للتحقيق والاجتهاد، الذي عكف العلماء والفضلاء على تدريسه، وشرحه، والتعليق عليه، وتوضيح غوامضه.

ونظراً إلى أهمّية هذا الكتاب، وضرورة نشره على مختلف المستوياتوالأصعدة؛ قام الفقيه المدقّق آیة الله العظمی الشيخ يوسف الصانعي - قدّس

الله نفسه الزکيّة وحشره مع أولیائه الکرام(علیهم السلام) - بتدريسه، ثمّ ألّف بعض مباحثه ناظراً إلی آراء المحقّقين من الفقهاء وأنظارهم والنقض والإبرام فيها.

ويعدّ الكتاب الذي بين يديك، واحداً من هذه المباحث الضخمة التي تروم مؤسّسة فقه الثقلین طبعها، وهو شرح لمباحث القصاص من التحرير. نسأل الله تعالی أن یحشر مؤلّفه مع موالیه الطاهرین وتغمّده الله بغفرانه، وأسکنه فرادیس جنانه.

والجدير بالذكر أنّه قد طبع هذا الأثر مرّة في حیاته؛ بهمّة مؤسّسة تنظیم ونشر آثار الإمام الخمیني، ومن المناسب أن نحیي هذا التراث الفخم من الأُستاذ;، فلذا تصدّت مؤسّسة فقه الثقلین بهذه الطبعة الحديثة بعد مقابلته مع الطبعة الأُولی وملاحظة تحقيقه السابق واستخراج منابعه وتنظيم فهرس فنّية له، ونشره بهذه الصورة الأنيقة، مع التحاق بعض الحواشي من التعلیقة علی تحریر الوسيلة من کتاب قصاصه.

أمّا منهجنا في تحقيق الكتاب فهو كما يلي:

1.

تسهيلاًً لمراجعة القرّاء الكرام أثبتنا المتن في صدر الصفحة وذكرنا شرحها في ذيلها.

2.

استخرجنا کلّ ما یحتاجه المتن والشرح، کالآیات القرآنیة الکریمة، والروایات النبويّة والأحاديث الشريفة عن أئمّة أهلالبيت(علیهم السلام)، من المصادر الرئیسة المعتمدة علیها علماء المسلمین، مع ضمّ کتاب وسائل الشيعة المطبوع في مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام)، لتسهیل المراجعة إلی الرواية، وکذا تخريج الأقوال الفقهية التي أوردها المعظّم له واستدلّ بها أو ناقشها أثناء بحثه في مسائل الکتاب، وکذا مراعاة فنّية الترقيم والتنقيط ووضع العناوين المقتبسة من

موضوعات الکتاب.

وفي الختام تتقدّم المؤسّسة بالشكر الجزيل والثناء العاطر إلى كلّ الإخوة الفضلاء الذين ساهموا في تحقيق هذا الكتاب راجيةً لهم التسديد والموفّقية في خدمة ديننا الحنيف.

مؤسّسة فقه الثقلین

قم المقدّسة

فخرالدین الصانعي

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم وفضّله على بقيّة الأنام بفضيلة الكرم وسلام الله التامّ الدائم الشامل وصلواته الزاكية النامية وصلوات جميع أنبيائه وأوصيائهم وجميع الصالحين والملائكة المقرّبين على نبيّه المكرّم ورسوله الخاتم، المبعوث في الأُميّين ليتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، المحمود الأحمد، السراج المنير، البشير النذير، المسمّى في كتابه الكريم بمحمّد وأحمد، الموصوف بالرحمة للعالمين وعلى آله الطاهرين وعترته الحافظين لشريعته والهادين لطريقته والمبلّغين لسنّته والوارثين لجميع علومه وما نزل عليه من الأحكام والشرائع بالوحي والمفسّرين للقرآن والمبيّنين لمتشابهه والعاصمين لمحكمه، واللعن الدائم على أعدائهم أعداء الدين من اليوم إلى آخر الأيّام.

أمّا بعد، فيقول العبد المحتاج إلى ربّه الكريم يوسف الصانعي ابن العالم المؤمن المتّقي المرحوم الشيخ محمّد عليّ الصانعي (عفا الله عنهما): هذا الكتاب هو تنقيح وتهذيب وتنظيم لما ألقيته من المباحث في جمّ غفير منالأفاضل وعدّة من الأعلام على أساس كتاب القصاص من تحرير الوسيلة لسيّدنا الأُستاذ الإمام الخميني (سلام الله عليه)

ولقد بذلت غاية جهدي وكمال وسعي للنظر في أدلّة مسائله والسعي في نقضها وإبرامها على قدر الطاقة وصرفت فيه أوقاتاً كثيرة في أيّام البحث وما بعدها من الأيّام، وقد طال النظر في بعض مباحثه إلى ساعة وساعتين بعد النصف من الليالي، بل قد طال النظر نادراً في بعض المسائل المهمّة كقصاص المسلم بالمؤتمن والرجل بالمرأة من دون الردّ وأمثالهما زائداً على ما صرفت فيها الوقت في بقيّة الأوقات؛ لإجالة النظر والمداقّة في الأدلّة والفحص عمّا قيل أو يمكن أن يقال إلى طلوع الفجر، والمنّة لله تعالى والتوفيق منه، فإنّه لامؤثّر في الوجود إلّا هو، وأشكره على توفيقه في النظر إلى الفقه ودراسة أحكام الإسلام الذي هو الطريق الوحيد لسعادة الناس، وأسال منه العفو عن قصور القلم والكلام، فإنّه العفوّ الغفور الرحيم.

وليعلم أنّ ما في الكتاب من السهو والخطأ فيرجع إليّ، وما كان فيه من إصابة الحقّ والدقّة في البحث فالعمدة فيه هو من بركة ما استفدناه من محضر سيّدنا الأُستاذ وفي امتداد الجهود القيّمة العلميّة والمساعي الكبيرة الفقهيّة لكبار الفقهاء الماضين (قدّس الله أسرارهم وحشرنا الله معهم ومع مواليهم الأئمّة المعصومين) ونسأل الله تعالى أن يجعل بذل طاقتي في البحث وكمال جهدي في الكتاب، أداءً لبعض حقوق سيّدنا الأستاذ من حقوقه الكثيرة عليّ وعلى الحوزات العلميّة في توسعة التعليم وازديادالتحقيق والتتبّع في العلوم المختلفة وقوّة الإبداع في المسائل الفقهيّة، لا سيّما شكراً لعناياته الخاصّة بي ومراحمه الكثيرة لي كأُستاذ شفيق ومعلّم رفيق وأب رحيم، فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.

یوسف الصانعي

قم المقدّسة

كتاب القصاص

اشارة

القسم الأوّل : في قصاص النفس

كتاب القصاص(1)

وهو إمّا في النفس، وإمّا فيما دونها.

القسم الأوّل: في قصاص النفس

والنظر فیه في الموجب، والشرائط المعتبرة فيه، وما يثبت به، وکیفیّة الاستیفاء.


(1) البحث في الكتاب عن المقابلة بالمثل بالقتل أو القطع، وفي الضرر على النفس أو الأعضاء والأطراف، وفي كتاب الديات عن المال الجابر للخسارة وللضرر عليهما أو على منافعه، المسمّى بالدية أو الأرش.

فالبحث هنا عن الجزاء والعقوبة، وفي الديات عن جبران الخسارة.

وبذلك يظهر دخل المعصية والعمد في القصاص دون الدية، فموجبها الضرر بما هو ضررٌ، من دون دخل للمعصية وإن كانت موجودة في بعض مواردها، كدية الولد على الوالد فيما لو كان هو القاتل له،فالقصاص والدية يفترقان عن الآخر بوجوهٍ ثلاثة:

من كونه عقوبة وكونها جبران الخسارة.

ومن اشتراطه بالعصيان دونها.

ومن ترتّب آثار الجزاء على القصاص وآثار الدين على الدية، كانتفاء الأوّل

...


بموت الجاني وبقاء الدية في قتل الخطأ مع موت القاتل فيما لو كانت على عهدته، فضلاً عمّا لو كانت على العاقلة.

ومن ذلك يظهر أنّه ينبغي البحث عن كلٍّ منهما منفرداً عن الآخر، كما فعله جُلّ العلماء وأعاظمهم في كتبهم القيّمة کالمقنع(1)والمقنعة(2)والانتصار(3)والنهاية(4)والوسيلة(5)والشرائع(6)والتحرير(7)وغيرها، فقد عبّروا بالجنايات والديات، أو بالقصاص والديات، أو أحكام القتل والقود والدية، وأمثال ذلك ممّا يدلّ على الافتراق.

ولا دلالة لكون الدية حكم القتل في بعض تلك العبائر على أنّها هي الجزاء والعقوبة؛ لعدم دلالة الدية على الأزيد من الضمان، ولتعرّضهم للعقوبة مثل التعزير والكفّارة بنفسها مضافة إليها فيما يوجبها كقتل الوالد ولده.

نعم، في عبارة القواعد إشعار بعدم التفاوت بينهما وأنّ الديات من العقوبات، ففيه: «كتاب الجنايات». وفيه «قطبان» الأوّل: في القصاص، وجعل الثاني منهما في الديات.(8)ففي جعله رحمه الله قطبين لكتاب الجنايات -الظاهرة في المعصية - إشعارٌ بل ظهورٌ في كونها عقوبة عنده كالقصاص.


1) . المقنع: 509.

2) . المقنعة: 734.

3) . الانتصار: 510.

4) . النهاية: 733.

5) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 408.

6) . شرائع الإسلام 4: 180 و228.

7) . تحرير الأحكام 5: 415.

8) . راجع: قواعد الأحكام 3: 581 و650؛ «كتاب الجنايات، القتل من أعظم الکبائر، ویتعلّق به القصاص أو الدیة والکفّارة. فهنا قطبان وخاتمة: الأوّل: القصاص...، القطب الثاني في الدیات».

...


لكنّ المستفاد من الدقّة في العبارة خلافه، فإنّ الدية مترتّبة على المعصية في الجرح الذي لا يقبل القصاص، وعلى غيرها كالخطأ معاً. ومراده من جعله الدية في الجنايات أنّها حكم لها ومترتّبة عليها أيضاً كترتّب القصاص في موارده.

وأمّا أنّ ذلك الحكم والترتّب في الجنايات من باب العقوبة أو الضمان فالعبارة عنه ساكتة، بل في عنوان الدية ظهور في الثاني، وفي أنّ الترتّب من باب الضمان، وأنّى لذلك بباب العقوبة.

وبالجملة؛ مراد مثل صاحب القواعد; بيان اشتراك الدية في الجملة مع القصاص في أصل الترتّب، لا في كيفيّته وسببه وجهته وأنّها عقوبة أم ضمان، كما لا يخفى على المتدبّر.

ولنختم البحث بما في شرح الإرشاد في ذيل قوله: «الجناية إمّا على نفس أو طرف، وهي إمّا عمد محض» بما لفظه:

الظاهر أنّ المراد بالجناية هنا أعمّ ممّا يوجب القصاص في النفس أو الطرف، بل في الأعضاء مطلقا،ً وممّا يوجب الدية كذلك فقط؛ لما يفهم من تقسيمها وبيان الأقسام. وكان ينبغي أن يراد بها ما يوجب القصاص فقط؛ لما سيأتي من كتاب الديات.

وأيضاً كان ينبغي تقسيمها إلى النفس والأعضاء لا إلى النفس والطرف، إلّا أن يريد بالطرف مطلق العضو.

وكان ينبغي أن يعبّر ب- «كتاب القصاص»؛ لما سيأتي من كتابالديات، كما فعل في الشرائع(1)وغيره، أو ب- «كتاب الجناية»، ثمّ يجعل مقصداً في


1) . شرائع الإسلام 4: 180.

...


القصاص وآخر في الديات، كما فعل في القواعد(1).(2)

معنى القصاص

اشارة

القصاص لغةً - على ما يظهر من المراجعة إلى اللغة وموارد استعمالها -: المقابلة بالمثل مطلقاً في نفس كان أو في مال أو في غيرهما، من دون اختصاصه فيه بالنفس، خلافاً للمصطلح منه المختصّ بالنفس.

وفي المنجد ذكر له معنيين: أحدهما: الجزاء على الذنب، وثانيهما: أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل.(3)

وفي المصباح المنير للفيّومي:

قاصصته مقاصّة وقصاصاً من باب قاتل إذا كان لك عليه دين مثل ما له عليك، فجعلت الدين في مقابلة الدين. مأخوذ من اقتصاص الأثر، ثمّ غلب استعمال القصاص في قتل القاتل وجرح الجارح وقطع القاطع.(4)

وكيف كان، فالقصاص لما كان مفهومه اللغوي الجزاء والمعارضة على نحو المماثلة فمصاديقه مختلفة بحسب المقامات، فالمقاصّة في الدين بما ذكره الفيّومي أو بالأخذ من مال المديون بشرائطه الخاصّه، والمقاصّةوالقصاص في باب الجزاء على


1) . قواعد الأحكام 3: 581.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 371.

3) . المنجد: 631، مادّة: «قصّ».

4) . المصباح المنير 2: 505، مادّة: «قصص».

...


الضرر ببدن الإنسان الموضوع للبحث فهو: المماثلة في الجزاء بالقود والقطع كما هو واضح، فالمفهوم للقصاص واحد والاختلاف في المصاديق.

وعلى هذا، فمعناه الاصطلاحي ليس معنىً خاصّاً له، بل يكون من باب تطبيق المفهوم على المصداق، فالمفهوم والمعنى لتلك المادّة واحد، وهو المماثلة من دون الفرق بين المال والبدن. والكثرة من جانب المصاديق لا المفهوم، فلا تغفل وكن على ذكر من مسألة الخلط الواقع كثيراً بين المفهوم والمصداق في شرح الألفاظ.

وكيف كان، ففي الجواهر ذكر المناسبة بين القصّ بمعنى التتبّع شيئاً فشيئاً وبين ذلك المعنى، ودونك العبارة:

القِصاص بالكسر فعال من قصّ أثره إذا تتبّعه، والمراد به هنا: استيفاء أثر الجناية من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، فكأنّ المقتصّ يتبع أثر الجاني فيفعل مثل فعله، ويقال: اقتصّ الأمر فلاناً من فلان إذا اقتصّ له منه.(1)

الاستدلال بالآيات على القصاص

والأصل في القصاص - قبل الإجماع والسنّة المتواترة - هو الكتاب، وآياته على قسمين، أحدهما: الدالّة عليه بالخصوص، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثى بِالأُنثى فَمَنْ عُفِىَ لَهُمِنْ أخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ.(2)


1) . جواهر الكلام 42: 7.

2) . البقرة (2): 178.

...


وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ يَا أُولِى الاَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.(1)

وقوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنّ النَّفْسَ بِالنَّفسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأَنْفَ بِالأَنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ....(2)

وقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنْصُورَاً.(3)

وثانيهما: الدالّة عليه بالعموم، كقوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إنَّهُ لَايُحِبُّ الظَّالِمِينَ.(4)

وقوله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل.(5)

وقوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ. (6)

وقوله تعالى: الشَّهرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ والْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.(7)

مقتضى إطلاق الآيات المؤيّدة بمذاق الشرع ولسان الكتاب والسنّة،كون


1) . البقرة (2): 179.

2) . المائدة (5): 45.

3) . الإسراء (17): 33.

4) . الشورى (42): 40.

5) . الشورى (42): 41.

6) . النحل (16): 126.

7) . البقرة (2): 194.

...


القصاص في مطلق الجناية على الإنسان من دون فرق بين الذكر والأُنثى، والحرّ والعبد، والمسلم والكافر في الجاني والمجنيّ عليه، كما لا فرق فيه بين مثل الأسود من الإنسان وأبيضه.

توهّم عدم الإطلاق في الآيات

وتوهّم أنّ الآيات المتضمّنة للقصاص، بل آية الانتصار بنفسها غير كافية لذلك الإطلاق والشمول وعدم الفرق بين أبناء البشر في القصاص، حيث إنّ القصاص والمماثلة كان صادقاً عندهم مع التفاوت في الذكوريّة والأُنوثيّة والحريّة والعبديّة في الأزمنة السابقة عرفاً، لا سيّما في زمان النزول وعصر الجاهليّة الذي كانت تحكمه الموازين الباطلة والخرافيّة الناشئة عن الكبر والغرور والرذائل الأخلاقيّة. وعليه فلا دلالة في تلك الآيات على عدم الفرق وعلى أنّ النفس بالنفس؛ لصدق ما في الآيات من الموضوع كالقصاص ونحوه على قتل الذكر بالأُنثى - مثلاً - في تلك الأزمنة، فكيف التمسّك بالإطلاق؟!

مدفوعٌ بكفاية بقيّة الآيات، لا سيّما مثل: وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا(1)و: أنّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(2)ممّا لا كلام ولا إشكال في صدقها وإطلاقها المقتضي للقصاص بين جميع أبناء البشر من دون التفاوت والتفضيل بينهم في ذلك أصلاً أوّلاً.وبأنّ الصدق عندهم كذلك كان مبتنياً على الباطل عندهم أيضاً؛ حيث إنّ العرف بفطرته الأصليّة معتقد بالمماثلة، وبعدم الفرق بين أبناء البشر من حيث


1) . الشورى (42): 40.

2) . المائدة (5): 45.

...


الدم والخلقة ثانياً.

وبأنّ العرف في زماننا - حيث بلغ العلم والإدراك والفهم مرتبة عالية نسبيّاً،بحيث أصبح يطالب بالحكومة الموحّدة التي وعدها الله تعالى بقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(1)- حاكم بصدق القصاص والمماثلة على الإطلاق والشمول وعدم التفاوت في الأفراد من تلك الجهة ثالثاً.

والمناط في الأحكام الثابتة على العناوين - مثل تلك الآيات - الصدق، وإن كان متأخّراً عن زمان النزول بالنسبة إلى بعض المصاديق، وهذا بخلاف الثابتة منها على المصاديق والقضيّة الخارجيّة، فإنّها مختصّة بالمصاديق الموجودة في زمان جعل الحكم كما لا يخفى، ويكون ذلك الصدق في تلك الأزمنة مخالفاً للآيات والأخبار الكثيرة الدالّة على التساوي وعدم التفاوت بين الناس وأبناء البشر في الحقوق الاجتماعية والإنسانية والبشرية والرادعة النافية المبطلة لذلك الفكر والنظر، فيكون باطلاً من رأس ولا محلّ له أصلاً رابعاً.

أمّا الآيات، فهي من قبيل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا....(2)

وقوله تعالى: يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَمِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً....(3)


1) . التوبة (9): 33.

2) . الحجرات (49): 13.

3) . النساء (4): 1.

...


أمّا الأخبار، فكقوله(صلی الله علیه وآله وسلم) في حديث: «أيّها الناس، إنّ ربّكم واحد وإنّ أباكم واحد، كلّكم لآدم وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربيٍّ على عجميّ فضل إلّا بالتقوى...».(1)

وهناك غيرها من الآيات والأخبار الظاهرة في أنّ التفاوت بالتقوى التي هي الفعليّة الكاملة عند الله فقط لا عند الحقوق والشرع والقانون، بل عدم التفاوت بين الأبناء من تلك الجهة من الأُمور الرفيعة الظاهرة في الإسلام، بل ومن البديهيّات فيه، وممّا يفتخر به المسلمون ويجعلونه دليلاً على حقيقة الإسلام ومطابقته للفطرة والخلوّ عن العلوّ والاستبعاد. ومن المعلوم أنّ المتّبع في موارد الاختلاف في المصاديق بين الشرع والعرف هو الشرع، فإنّه المشرّع الذي يحكم بالحقّ ويقصّه وهو خير الفاصلين.

فدلالة الآيات كلّها تامّة، والإشكال فيها - بما ذكر - غير وارد جدّاً ومذبوب قطعاً.

نعم، في الآية الأُولى من القسم الأوّل إشكال يخصّها، حيث إنّها تدلّ على التفاوت والاختلاف، وأنّ الحرّ والعبد والأُنثى لا يقتلون إلّا في قتل المماثل لا المخالف، فلا يُقتل الحرّ بالعبد ولا الرجل بالأُنثى.

وهذا كما ترى حجّة على التفضيل وعدم المساواة بين الأبناء من جهة الدم والحياة، ومخالفة لجميع الآيات المستدلّ بها على المساواة.

لكنّه مدفوعٌ بأنّه لعلّ المراد من الآية(2)ومن تخصيص الثلاثة بالذكر بيان المساواة وردّ التفاوت والاختلاف، وأنّهم مساوون للآخرين، وأنّ القصاص


1) . تحف العقول: 34، ما روي عن النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)، خطبته (صلی الله علیه وآله وسلم)في حجّة الوداع.

2) . أي: سورة البقرة (2): 178.

...


غير واقع إلّا على القاتل كائناً من كان، وكذا المقتول، وذلك بأن يقال:

الآية ناظرة إلى أنّ القصاص لابدّ من وقوعه على القاتل لا على غيره، وأنّ الحرّ إذا كان قاتلاً للحرّ فالقصاص يكون منه، والحرّ بالحرّ لا من غيره كعبده؛ بناءً على التصوّر الذي يرى المقتول دون شأن القاتل؛ لما له من الطَول على المقتول من جهة الغنى، أو الطائفة التي ينتمي إليها، أو غيرها من الأُمور الموجبة للوجاهة الاجتماعيّة، فلا يجوز قتله به، بل لابدّ من قتل عبده مثلاً بذلك الحرّ المقتول.

وأنّ العبد إذا كان قاتلاً للعبد فلابدّ من قصاصه لا قصاص حرّ غير قاتل؛ للقول بأنّ العبد المقتول لارتباطه بمن له طول أفضل من العبد القاتل المرتبط بمن ليس له ذلك الطَول فلابدّ، إلّا من قتل الحرّ غير القاتل من المرتبطين بمولى القاتل.

وأنّ الأُنثى إذا كانت قاتلة لمثلها فلابدّ لأولياءِ الدم من قتل الرجل غير القاتل عوضاً عن القاتلة؛ وفقاً للرؤية الباطلة المبتنية على أنّ لبعض النساء فضيلة على البعض الآخر، وأنّ تلك الفضيلة موجبة للتفاوت في الدم، فلابدّ من قتل الرجل في مقابل قتل ذلك البعض من النساء المفضّلات؛ لما في الرجال عموماً من الفضيلة على النساءِ، فتكون تلك الفضيلة موجبة للمساواة مع الفضيلة الخاصّة للمرأة المقتولة.

وعلى هذا، ففي الآية احتمالان متقابلان، فبأحدهما يثبت التفاوت، وبالآخر التساوي. لكنّ الأظهر، بل الظاهر منهما هو الثاني؛ وذلك لمخالفة الآية على الأوّل مع مذاق الشرع وسياق بقيّة الآيات، ولاستلزامه التقييد في الإطلاقات الكثيرة، وألسنتها آبية عنه كما لايخفى.

هذا، مع موافقة الثاني لشأن النزول، ففي مجمع البيان:

...


نزلت هذه الآية في حيّين من العرب لأحدهما طَول على الآخر، وكانوا يتزوّجون نساءهم بغير مهور، وأقسموا لنقتلنّ بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرجل منهم، وبالرجل منّا الرجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم على الضعف من جراح أولئك، حتّى جاء الإسلام فأنزل الله هذه الآية.(1)

وإن أبيتَ عن ذلك واعتقدتَ عدم الظهور في الثاني فلابدّ من احتماله، فالآية ذات احتمالين، وإطلاق بقيّة الآيات محكّم، هذا ما في الكتاب.

الاستدلال بالروايات على القصاص

وأمّا السنّة، فإنّها متواترة منقولة في كتب الحديث والفقه وفي أبواب مختلفة ومسائل متفرّقة وننقل ما نحتاجه في محلّه إن شاء الله تعالى، إلّا أنّه لا يخفى عليك كونها في مقام بيان خصوصيّات القصاص وفروعه بعد الفراغ عن أصل القصاص، فإطلاقها مشكلٌ، بل ممنوعٌ.

وهذا بخلاف الكتاب، ففيه إطلاق؛ لكونه في مقام بيان حكم أصل القصاص كما هو الظاهر. وكيف كان، ننقل حديثين من تلك الأحاديث هنا لتضمّنهما الفوائد الخاصّة:

أحدهما: الصحيح عن عبدالله بن سنان وابن بكير جميعاً عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً، هل له توبة؟ فقال: «إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو لسببمن أمر الدنيا فإنّ توبته أن يُقاد منه، وإن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا


1) . مجمع البيان 1: 479.

...


عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية، وأعتق نسمة، وصام شهرين متتابعين، وأطعم ستّين مسكيناً توبة إلى الله عزّ وجلّ».(1)

ثانيهما: خبر عيسى الضرير، قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): رجل قتل رجلاً متعمّداً ما توبته؟ قال: «يمكّن من نفسه»، قلت: يخاف أن يقتلوه، قال: «فليعطهم الدية»، قلت: يخاف أن يعلموا ذلك، قال: «فلينظر إلى الدية فليجعلها صرراً، ثمّ لينظر مواقيت الصلاة فيلقها في دارهم».(2)

وفي التحرير في ذيل الحديث الأوّل، قال:

وفي هذا الحديث فوائد كثيرة:

منها: أنّ القاتل إن قتل المؤمن لإيمانه، فلا توبة له؛ لأنّه يكون قد ارتدّ؛ لأنّ قتله لإيمانه إنّما يكون على تقدير تكذيبه فيما اعتقده، ولا تقبل توبة المرتدّ عن فطرة.

ومنها: أنّه لو قتله على غير هذا الوجه قبلت توبته، وهو خلاف ما نقل عن ابن عبّاس.

ومنها: أنّ حدّ التوبة تسليم القاتل نفسه إلى أولياءِ المقتول، فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا عفوا عنه.ومنها: أنّ كفّارة العمد هي كفّارة الجمع.

إذا عرفت هذا، فالقتل يشتمل على حقّ لله تعالى، وهو المخالفة بارتكاب هذا الذنب العظيم، وهو يسقط بالاستغفار. وعلى حقّ للوارث، وهو


1) . وسائل الشيعة 29: 30، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 9، الحديث 1.

2) . وسائل الشيعة 29: 33، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 10، الحديث1.

...


يسقط بتسليم نفسه أو الدية أو عفو الورثة عنه. و]على[ حقّ للمقتول، وهو الآلام التي أدخلها عليه بقتله، وتلك لا ينفع فيها التوبة، بل لابدّ من القصاص في الآخرة. ويمكن أن يكون قول ابن عبّاس إشارة إلى هذا.(1)

انتهى كلامه رفع مقامه.

ولقد أحسن وأجاد فيما أفاد، لكن ينبغي له ذكر الخبر الثاني؛ لما فيه من فائدة خاصّة زائدة أيضاً، وهي كفاية إعطاءِ الدية مع جهل الأولياء وخوف القاتل من الإعلام، ولعلّه لم يذكره للضعف في سنده بعيسى الضرير، فإنّه مهملٌ.

وفي مرآة العقول في ذيل قوله: «فليعطيهم الدية»، قال:

أي بأن يوصل إليهم على سبيل الهديّة. والصرر جمع الصرّة، والتقييد بمواقيت الصلوات؛ لوقوع مرورهم عليها لبروزهم للطهارة والذهاب إلى المساجد، وأمّا غير ذلك الوقت فيمكن أن يصيبها غيرهم. وفيه دلالة على أنّ وليّ الدم إن لم يعلم بالقتل لم يجب على القاتل إعلامه وتمكينه، بل يجب أن يُوصل إليه الدية، وهو خلاف ما هو المشهور من أنّ الخيار في ذلك إلى ورثة المجنيّ عليه لا إليه.(2).

وفي قوله: «هو خلاف ما هو المشهور» إشكال، بل ليس خلافاً له؛ لأنّ ما هو المشهور الخيار بعد المعلوميّة لا قبله ولا فيما هو المفروض في الخبر. فتأ‌مّل جيّداً.


1) . تحرير الأحكام 5: 418.

2) . مرآة العقول 24: 15، باب أنً من قتل مؤمناً علی دينه فليست له توبته، ذيل الحديث الرابع.

...


وبالجملة؛ الخيار للأولياء بعد الثبوت عندهم، وما في الحديث مربوط بقبل الثبوت عندهم وبما فيما بينهم وبين الله تعالى، فكم بينهما من الفرق؟!

القتل من أعظم الكبائر

وعلى كلّ حال، فقتل المؤمن ظلماً من أعظم الكبائر، قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً.(1)

وقال كذلك: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ).(2)

وعن عوالي اللئالي رُوي أنّه(صلی الله علیه وآله وسلم)مَرّ بقتيل فقال: «من له؟» فلم يذكر له أحد، فغضب ثمّ قال: «والذي نفسي بيده، لو اشترك في قتله أهل السماوات والأرض، لأكبّهم الله في النار».(3)

وعنه(صلی الله علیه وآله وسلم) قال: «من أعان على قتل مسلم ولوبشطر كلمة، جاء يوم القيامة وهو آيس من رحمة الله».(4)


1) . النساء (4): 93.

2) . المائدة (5): 32.

3) . عوالي اللئالي 2: 359، باب الجنايات باب القصاص، الحديث 2؛ و3: 577، باب القصاص، الحديث 5؛ مستدرك الوسائل 18: 211، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 2، الحديث 5.

4) . عوالي اللئالي 1: 283، الفصل العاشر، الحديث 123؛ مستدرك الوسائل 18: 211، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 2، الحديث 4.

...


وعن الصادق (علیه السلام)، قال: «لا يدخل الجنّة سافك للدم، ولا شارب الخمر، ولا مشّاءٌ بنميم».(1)

وعنه (علیه السلام)، قال: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً»، قال: «ولا يُوفّق قاتل المؤمن متعمّداً للتوبة».(2)

وعن ابن مسلم: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: مَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً قال: «له في النار مقعد، لو قتل الناس جميعاً لم يرد إلّا ذلك المقعد».(3)

وفي آخر عن حمران، قال: قلت لأبي جعفر(علیه السلام)...، قال: قلت: كيف كأ‌نّما قتل الناس جميعاً فإنّما قتل واحداً ؟ فقال: «يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها، لو قتل الناس جميعاً (لكان إنّما) يدخل ذلك المكان»، قلت: فإنّه قتل آخر، قال: «يضاعف عليه».(4)

إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على المبالغة في أمر القتل،(5)بلوعلى تفسير الآية (6)المزبورة بما عرفت.

ولعلّ الأوجه من جميع ما قيل فيها من الوجوه هو الوجه في التشبيه بالنسبة إلى


1) . وسائل الشيعة 29: 13، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 1، الحديث 9.

2) . وسائل الشيعة 29: 13، كتاب القصاص،أبواب القصاص في النفس، الباب 1، الحديث 8.

3) . وسائل الشيعة 29: 9، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 1، الحديث 1.

4) . وسائل الشيعة 29: 9، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 1، الحديث 2.

5) . وسائل الشيعة 29: 9 - 17، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 1.

6) . المائدة (5): 32.

...


العذاب، وأمّا الجهات الأُخرى من الاستعارة والتشبيه ففي التفاسير مذكورة، ومن أراد الاطّلاع عليها فعليه المراجعة، فإنّ الباب باب التشبيه والاستعارة والادّعاء، لا باب الحقيقة الواقعيّة، ضرورة منافاته الحسّ والعقل والعدل، وحاصله المبالغة في شأن القتل والإحياء. ولا ينافي ذلك زيادة العقاب والثواب على من فعل المتعدّد منهما، كما أشار(علیه السلام) إليه بقوله: «يضاعف عليه» وإن اتّحدوا جميعاً في وادٍ واحد.

هذا ما أردنا نقله من الأخبار الدالّة على عظم حرمة القتل، وإلّا فهي أكثر من ذلك في كتب الحديث.(1)

ثمّ إنّه قد ظهر ممّا مرّ أنّ الأصل المستفاد من الكتاب في القاتل والمقتول، القصاص بلا تفاوت واختلاف، فإنّ النفس بالنفس، وبني آدم من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا للأبيض على الأسود، والناس كلّهم مخلوقون من ذكر وأُنثى وجُعلوا شعوباً وقبائل ليتعارفوا فقط لا لطَول بعضهم على بعض، ولا لكون ذلك موجباً لعدم قصاصهم، فإنّ أكرمهم عند الله أتقاهم، ولا يختلفون في الحقوق والدماء والأموال.

نعم، السنّة لا إطلاق فيها، فإنّها ناظرة إلى بيان الخصوصيّات بعد الفراغ عن أصل القصاص كما عرفت، لكن في إطلاق الكتاب كفاية كماهو واضح.


1) . لمزید الاطّلاع راجع: الكافي 7: 271 - 276، كتاب الديات، باب أنّ من قتل مؤمناً علی دينه...؛ وتهذيب الأحكام10: 155 - 165، كتاب الديات، باب القضايا في الديات والقصاص، الباب 11؛ وسائل الشيعة 29: 9- 17، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 1.

القول في الموجب

اشارة

وهو إزهاق النفس المعصومة (1) عمداً مع الشرائط الآتية:


(1) أي إخراجها من التعلّق بالبدن. والمعصومة من العصمة بمعنى المنع، فالمقتول قصاصاً أو دفاعاً غير معصوم الدم بالنسبة إلى القاتل وإن كان معصوماً بالنسبة إلى غيره، فلا يصدق على نفسه إطلاق المعصومة المنساق منه الكلّ، فقتله، بل قتل غير معصوم الدم، كالحربي والزاني المحصن والمرتدّ وكلّ من أباح الشرع قتله، غير موجبٍ للقصاص أيضاً على ما في الجواهر في نفس المقام، وفي غيره من الكتب الفقهيّة.(1)ففي الجواهر:

فلو قتل غير معصوم الدم، كالحربي والزاني المحصن والمرتدّ وكلّ من أباح الشرع قتله فلا قصاص وإن أثم في بعض الصور، باعتبار كون قتله حدّاً مباشرته للحاكم.(2)

عدم القصاص في تلك الموارد عندي تبعاً للماتن(3)- كما يأتي في المسألة - ولموضع


1) . راجع: تحرير الأحكام 5: 425.

2) . جواهر الكلام 42: 12.

3) . قال الماتن في تحرير الوسیلة 2: 495، في البحث عن شرائط المعتبرة في القصاص، وفي فروع لواحق هذا الباب، ما لفظه: «ومنها لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الوليّ كان عليه القود، ولو وجب قتله بالزنا أو اللواط فقتله غير الإمام (علیه السلام) قيل: لا قود عليه ولا دية. وفيه تردّد».

(مسألة 1): يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً، وبقصد فعل يقتل به غالباً، وإن لم يقصد القتل به، وقد ذكرنا تفصيل الأقسام في كتاب الديات.(1)


آخر من الجواهر،(1)محلّ إشكال، بل الحقّ منعه؛ وذلك لعصمة تلك الأنفس لغير الحاكم والحكومة في غير الحربي، وفيه لغير حالة الحرب وزمان المحاربة، وعدم الدليل على نفي العصمة عنهم على الإطلاق، كما هو الظاهر للمتأمّل، بل ولغيره، فإنّ غاية مدلول أخبار الحدود والحروب جواز القتل للحاكم في إجرائها على المحدودين والعاصين، وللمسلم على الكافر المحارب في تلك الحالة وذلك الزمان فقط دون غيره من الكفّار، فأين الدلالة فيها على عدم عصمة أنفس هؤلاء الأفراد لغيرهما؟! فعصمة أنفسهم ثابتة وباقية على حالها لغيرهم، فقتل الغير لهم موجب للقصاص؛ قضاءً لإطلاق أدلّته.

العمد والخطأ في القتل

(1) اعتبار العمد في القصاص ممّا لا كلام فيه، بل من الضروريات في فقه


1) . قال في جواهر الكلام 42: 167؛ «وبالجملة، فالمدار على احترام النفس على وجهٍ يجب على المكلّف حفظها، ومرجع ذلك إلى الاستظهار من الأدلّة، وإلّا فمجرّد وجوب القتل حدّاً لا يقتضي ذلك، خصوصاً مع توبة المحدود وندمه وأسفه إذا كان بحيث لا يسقط عنه الحدّ، كما لو فرض توبته بعد إقامة البيّنة عليه وحكم الحاكم عليه، فإنَّ دعوى عدم احترام نفسه مع هذا الحال، بحيث يكون كبعض الحيوانات التي هي غير محترمة من جهة وجوب القتل عليه حدّاً لا يخفى عليك ما فيها».

...


الإسلام، بل في الإسلام، ووجهه واضح؛ حيث إنّه المتيقّن من القصاص، وحيث إنّه مع الخطأ لا يتحقّق العصيان الموجب للعقوبة بالقصاص، فإنّ القصاص عقوبة لابدّ فيها من العصيان عقلاً وشرعاً.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ اعتبار العمد لا أثر له إلّا في بعض الأخبار، وإلّا فالكتاب كما أنّه خالٍ عن اعتباره بالظهور وبالتقييد اللفظي فكذلك عن الإشارة إليه باللفظ كما يظهر ذلك لمن يراجع، فالتقييد لُبيّ قطعيّ.

نعم، مقابل العمد - أي الخطأ - في الكتاب مذكور: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أهْلِهِ إلّا أن يَصَّدَّقُوا(1)وقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً...(2)مربوط بالجزاء الأُخروي والحرمة، لا القصاص والعقوبة الدنيويّة.

وعلى هذا، فعدم جواز القصاص في موارد الشكّ في تحقّق العمد وإن كان هو الموافق لاستصحاب حرمة القتل وعدم جوازه وللاحتياط في الدماء، فإنّ القصاص هو المحتاج إلى الدليل كما هو واضح.

لكن مقتضى إطلاق الكتاب لا سيّما القسم الثاني من آياته هو القصاص في تلك الموارد، فإنّ الإطلاق محكّم حتّى يثبت خلافه، والمفروض عدم الدليل على الخلاف، وقصور أدلّه حرمة القصاص عن الشمول لتلك الموارد المشكوكة، فلا وجه لرفع اليد عنه.

وبالجملة: الأصل العملي - مع قطع النظر عن إطلاق الكتاب - حرمةالقصاص


1) . النساء (4): 92.

2) . النساء (4): 93.

...


في الموارد المشكوكة، لكنّ الأصل اللفظي من جهة الإطلاق المحكّم والمقدّم عليه تقدّم الدليل على الأصل وحكومته أو وروده عليه، جوازه من دون فرق في ذلك بين أسباب الشكّ وجهاته.

أقسام القتل

ولنذكر هنا تفصيل صور ما أشار إليه الماتن في قتل العمد - وإن أحال تفصيله إلى كتاب الديات - تتميماً للبحث فعلاً ووفاقاً لطبع البحث، وأقول مستعيناً بالله:

إنّ الصور أربعة، فإنّ القاتل إمّا أن يكون عامداً وقاصداً، وإمّا أن لا يكون كذلك، وفي كلٍّ منهما إمّا تكون الآلة ممّا يقتل بها غالباً وإمّا لا تكون كذلك، بل القتل بها نادر، فالصور أربعة:

إحداها: القصد إلى القتل بالآلة القتّالة وبما يقتل به غالباً، وكون القتل كذلك عمداً موجباً للقصاص بديهي غير محتاج إلى البيان ويكون مشمولاً ومدلولاً بالكتاب والسنّة ومتيقّناً منهما قطعاً، كيف وإن لم يكن القتل كذلك موجباً له فلا موجب له أصلاً.

ثانيتها: مثل الأُولى، إلّا في الآلة من حيث إنّها ممّا لا يغلب بها القتل، كالرمي بالحصاة بقصد القتل، وفيه قولان:

أحدهما: أنّه عمد أيضاً، كما في الشرائع(1)والنافع(2)وكتب الفاضل،(3)ومحتمل


1) . شرائع الإسلام 4: 180.

2) . المختصر النافع: 292.

3) . قواعد الأحكام 3: 582؛ تحرير الأحكام 5: 419.

...


السرائر،(1)وصريح الفاضل المقداد في الكنز(2)والتنقيح،(3)وعن ابن حمزة،(4)وهو ظاهر الغنية(5)نافياً الخلاف عنه، وعليه الشهيد الثاني في شرحيه على اللمعة(6)والشرائع(7)وغيره من المتأخّرين، بل في الرياض:

لعلّه عليه عامتهم، بل لم أجد الخلاف فيه وإن نقلوه. نعم، ظاهر اللمعة(8)التردّد فيه؛ حيث نسب ما في العبارة إلى القيل مشعراً بتمريضه أو متردّداً فيه.(9)

ثانيهما: أنّه غير عمد، وفي اللثام(10)نسبته إلى ظاهر الأكثر، إلّا أنّ في الجواهر: «ولكن لم نتحقّقه».(11)

وكيف كان، فالأوّل هو الأقوى، بل المتعيّن؛ وذلك - مضافاً إلى أنّه مقتضى الإطلاق والأصل اللفظي الذي مرّ بيانه - أنّ العمد محقّق في القتل والفعل معاً كالصورة الأُولى، ولا دخاله للآلة لغةً وعرفاً في الصدق حتّى تكون الصورة مغايرة للأُولى.


1) . السرائر 3: 322.

2) . كنز العرفان 2: 366.

3) . التنقيح الرائع 4: 405.

4) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 429.

5) . غنية النزوع 1: 402.

6) . الروضة البهيّة 10: 17.

7) . مسالك الأفهام 15: 67.

8) . اللمعة الدمشقيّة: 174.

9) . رياض المسائل 16: 182.

10) . كشف اللثام 11: 10.

11) . جواهر الكلام 42: 13.

...


وللأخبار، كصحيح عبدالرحمن بن الحجّاج، عن الصادق(علیه السلام)، فقال: «إنّ من عندنا ليقيدون بالوكزة، وإنّما الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره»،(1)فإنّ القدر المتيقّن، بل الظاهر منه ما كانت الوكزة بقصد القتل، وهي ممّا لا يُقتل بها غالباً.

وصحيح الحلبي، قال: قال أبو‌عبدالله(علیه السلام): «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره».(2)

وفيه دلالة على أنّ المعيار في العمد القصد إلى الفعل وكفاية مطلق الآلة ولو مثل الوكزة أو العصا ممّا لا يحصل القتل بهما غالباً.

ومرسل جميل، عن أحدهما(علیهما السلام)، قال: «قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره...»(3)إلى آخره. ودلالته أوضح من صحيح الحلبي؛ للتصريح فيها بقتل العمد. فتأ‌مّل.

وخبر أبي بصير، عن أبي عبدالله(علیه السلام)، قال: «لو أنّ رجلاًضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً».(4)

والظاهر أنّ التمثيل بالثلاثة لبيان عدم دخل الغالبيّة للآلة في صدق القتل، وأنّه صادق مع هذه الآلات غير الغالبيّة، وإن أبيتَ فالاستدلال بإطلاقها في محلّه.

ومرسل ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أحدهما(علیهما السلام)، قال: «كلّما أُريد


1) . وسائل الشيعة 29: 35، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 1.

2) . وسائل الشيعة 29: 36، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 3.

3) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 6.

4) . وسائل الشيعة 29: 38، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث 8.

...


به ففيه القود، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره»،(1)ودلالته بالعموم على كفاية مطلق الآلة بشرط العمد في القتل واضحة.

وخبر عبدالرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبدالله(علیه السلام) في حديث قال: «إنّما الخطأ أن تريد شيئاً فتصيب غيره، فأمّا كلّ شيء قصدت إليه فأصبته فهو العمد»،(2)ودلالته كالمرسل بالعموم.

وهذه هي الأخبار المستفيضة الدالّة على القول الأوّل عموماً كجُلّها، أو ظهوراً كصحيحي الحلبي وابن الحجّاج وخبر أبي بصير على ما ذكرناه في كيفيّة الاستدلال بها.

وأمّا القول الثاني: فاستدلّ له بوجوه ثلاثة: من الاحتياط، ومن أنّه لما لم تكن الآلة ممّا يقتل بها عادة فاجتماع القصد معها كالقصد بلا ضرب، ومن الأخبار الأُخرى المستفيضة، مضافاً إلى النصوص الدالّة على عدم العمد بضرب الرجل بالعصا أو بالحجر بضربة واحدة فمات بها قبل أن يتكلّم:

منها: الموثّق لأبي العبّاس، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله، قال: «هذا خطأ»، ثمّ أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشاة فاُصيب رجلاً، قال: «هذاالخطأ الذي لا شكّ فيه، والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله».(3)

ومنها: المرسل عن عبدالله بن سنان، قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول: «قال


1) . وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 16.

2) . وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث 18.

3) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 7.

...


أمير‌المؤمنين (علیه السلام): في الخطأ شبه العمد أن تقتله بالسوط أو بالعصا أو بالحجارة، إنّ دية ذلك تغلظ، وهي مائة من الإبل...»،(1)الحديث.

ومنها: خبر أبي العبّاس وزرارة، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله، والخطأ الذي لا شكّ فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه».(2)

هذا، مع إمكان الجواب عن النصوص المتقدّمة بحمل العمد فيها على ما يشمل شبه العمد؛ لمقابلته بالخطأ المحض.

وفيه: لا دلالة لهذه الأخبار على المدّعى أوّلاً، أمّا الموثّق، فإنّ الظاهر منه بالقرينة الداخليّة والخارجيّة كون مراد السائل الرمي بما لا يقتل بمثله مع عدم قصد القتل، فلا محلّ للاستفصال حتّى يكون عدمه دليلاً على الأعمّ منه ومن قصد القتل.

أمّا الداخليّة، فأخذه (علیه السلام) الحصاة والرمي بها، حيث إنّ تعليمه العملي للرمي بقصد الضرب العدواني، فضلاً عمّا قصد به القتل بعيد عن ساحة المعصوم (علیه السلام) الذي يكون من عباده المخلصين إن لم نقل بامتناعه، فتعليمه لابدّ وأن يكون لعدم قصد القتل، وفيه دلالة على مرادالسائل كما لا يخفى.

وأمّا الخارجيّة، فقوله (علیه السلام) في موثّق أبي العبّاس وزرارة: «والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله».(3)


1) . وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 11.

2) . وسائل الشيعة 29: 40، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 13.

3) . وسائل الشيعة 40:29، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 13.

...


والاستدلال بذيل الموثّق، وهو قوله (علیه السلام): «والعمد الذي يضرب الشيء الذي يقتل بمثله».(1)

ففیه: أنّ الوصف بالصلة ليس لبيان الشرطيّة، بل لبيان اللازم الواقعي لقتل العمد؛ بمعنى أنّ من يريد القتل فيقتله بما يقتل بمثله بحسب العادة، ويشهد على ذلك قوله (علیه السلام) في موثّق أبي العبّاس وزرارة: «إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل بمثله»، حيث فرّع القتل بالآلة القتّالة على التعمّد، فذلك بيان للواقع والعادة لا الشرطيّة للصدق، وإلّا لم يفرّعه بالفاء ولم يجعله جزاءً، وتظهر الشهادة على ذلك أيضاً في قوله (علیه السلام): «والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله»، فإنّ القتل بالآلة غير القتّالة جزاءٌ للشرط لا شرطاً في الصدق.

وبالجملة؛ ظاهر الموثّقة - تفريعاً وجزاءً - هو بيان الأمر العادي لا الشرط الشرعي. فتدبّر جيّداً وتأ‌مّل في كلمات المعصومين : حتّى تطّلع على مقاصدهم العالية وأحكامهم السامية.

وأمّا المرسل، فالظاهر منه أيضاً صورة عدم قصد القتل، حيث إنّ الشباهة بالعمد في الخطأ ليست إلّا بقصد الضرب دون القتل، وإلّا فهو عمدٌ، ومع عدمها خطأٌ محضٌ.

وحيث إنّه (علیه السلام) بصدد بيان شبه العمد من الخطأ الذي تغلظ ديته على دية الخطأ المحض، وهو محقّق عرفاً ولغةً مع قصد الضرب دونالقتل، فعمده في الضرب وخطأه في القتل.

وأمّا موثّق أبي العبّاس وزرارة، فالظاهر منه بيان العادة لا الشرط كما مرّ


1) . وسائل الشيعة 29: 38، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 7.

...


تحقيقه،(1)فهو كسابقَيه مربوط بعدم قصد القتل، وعن محلّ البحث خارج.

هذا كلّه، مع أنّ هذه النصوص - على فرض تسليم الدلالة - غير مكافئة للنصوص السابقة ثانياً؛ وذلك لما فيها من الترجيح عليها بموافقة الكتاب والشهرة وكثرة العدد وأوضحيّة الدلالة، لما فيها من القود الذي هو نصٌّ في العمد. ولننقل عبارة الرياض؛ لما فيها من التوضيح لبعض ما ذكر، ومن الجواب عن بقيّة الوجوه، ففيه بعد بيانه للوجوه الثلاثة وإمكان الجواب عن النصوص الدالّة على القول الأوّل بحمل العمد فيها على شبه العمد ما هذا لفظه:

وفيه: أنّه معارض بإمكان حمل الأخبار الأخيرة على صورة عدم القصد إلى القتل، كما هو الغالب في الضرب بما لا يقتل إلّا نادراً، مع ضعف الشاهد على الحمل الأوّل بتضمّن جملة منها التصريح بالقود في العمد، وهو لا يجامع حمله على شبه العمد أو ما يعمّه. هذا، مع أنّه لا داعي إلى هذا الحمل سوى الاحتياط الغير اللازم مراعاته بعد قيام الدليل من العمومات والنصوص الصحيحة الظاهرة على خلافه، والتعليل بعده في غاية من الضعف، سيّما في مقابلتها.

والنصوص معارضة - مع ضعف دلالتها جملة كما عرفته - أكثرها ضعيفة السند، والمعتبرة منها بحسبه غير مكافئة للأدلّةمن وجوه عديدة، مع مخالفة الصحيح منها وما في معناه للإجماع ظاهراً؛ لجعلهما القتل بالسيف من قسم شبه العمد مطلقاً، ولا قائل به مطلقاً.(2)


1) . مرّ في الصفحة السابقة.

2) . رياض المسائل 16: 184و 185.

...


وما ذكره من «مخالفة الصحيح وما في معناه للإجماع ظاهراً» الظاهر أنّ نظره إلى المرسل عن ابن سنان على نقله السيف بدل السوط، وهو مخالفٌ لنقل الوسائل(1)والكافي(2)والتهذيب(3)والاستبصار(4)والفقيه.(5)

نعم، على صحّة نقله فالمخالفة للإجماع في محلّه، لكنّ الشأن في النقل.

ثالثتها: ما ليس فيه قصد القتل ولا الآلة قتّالة، بل فيه قصد الفعل فقط، كالضرب بالحصاة الصغار والعود الخفيف ونحوهما في غير مقتل بغير قصد القتل، وفيه قولان:

أحدهما: أنّه عمدٌ، كما عن الشيخ في المبسوط:(6)إمّا مطلقاً، كما حكاه عنه جماعة،(7)أو في الأشياء المحدّدة خاصّة، كما حكاه عنه الفاضل الأصبهاني في كشف اللثام.(8)

ثانيهما: أنّه خطأ شبه العمد، وهو الأشهر، كما فيالنافع(9)والمسالك،(10)بل هو


1) . وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث11.

2) . الكافي 7: 281، باب الدية في قتل العمد والخطأ، الحديث 3.

3) . تهذيب الأحكام 10: 158/635، باب القضايا في الديات والقصاص، الحديث 14.

4) . الاستبصار 4: 259/976، باب مقدار الدية، الحديث 4.

5) . الفقيه 4: 77/240، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 3.

6) . المبسوط 7: 17.

7) . راجع: مسالك الأفهام 15: 68؛ رياض المسائل 16: 185؛ مجمع الفائدة والبرهان 13: 373؛ جواهر الكلام 42: 16.

8) . كشف اللثام 11: 10.

9) . المختصر النافع: 292.

10) . مسالك الأفهام 15: 68.

...


المشهور، كما في المجمع،(1)بل لا خلاف فيه بين المتأخّرين، بل عن الغنية(2)الإجماع عليه.

دليل الأوّل: عموم الآيات، مثل: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ،(3)والحُرُّ بِالْحُرِّ،(4)ووَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(5)وعموم الروايات، مثل صحيحة الحلبي، قال: قال أبو‌عبدالله (علیه السلام): «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة فهذا كلّه عمد، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره».(6)

ورواية أبي بصير، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «لو أنّ رجلاً ضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً».(7)

ومرسلة جميل، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (علیهما السلام)، قال: «قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتُصيب غيره»، وقال: «إذا أقرّ على نفسه بالقتل، قُتِل وإن لم يكن عليهبيّنة».(8)

وما في صحيحة عبدالرحمان بن الحجّاج، عن أبي عبدالله (علیه السلام) من الحصر: «وإنّما الخطأ أن يريد شيئاً فيصيب غيره».(9)


1) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 373.

2) . غنية النزوع 1: 402.

3) . المائدة (5): 45.

4) . البقرة (2): 178.

5) . الإسراء (17): 33.

6) . وسائل الشيعة 29: 36، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 3.

7) . وسائل الشيعة 29: 38، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 8.

8) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 6.

9) . وسائل الشيعة 29: 35، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 1.

...


وفيه: أمّا آية السلطنة(1)فموضوعها المقتول مظلوماً، وصدقه مع عدم القصد إلى القتل ولا إلى سببه - أي الآلة القتّالة - مشكلٌ، بل ممنوعٌ، فإنّ المقتول في المورد مقتول اتّفاقاً وإن كان مضروباً ظلماً.

وأمّا آية النفس،(2)فمربوطة بالقصاص وهو منوط بالعمد في القتل المحلّ للكلام فكيف الاستدلال بها؟ وبذلك يظهر الإشكال في عموم الأخبار؛(3)حيث إنّ العموم تابع للصدق، وصدق العمد في القتل أوّل الكلام.

نعم، على فرض كون العموم من جهة التعبّد والادّعاء فالاستدلال تامّ، لكنّ الشأن فيه، فإنّ الادّعاء مخالف للظاهر ولا يُصار إليه إلّا بدليل.

وأمّا الحصر، فمن المحتمل أن يكون بالنسبة إلى الخطأ المنسوب للعمد، ويشهد عليه خبر أبي العبّاس وزرارة الآتي.

هذا كلّه، مع أنّ الدلالة في تلك الأدلّة بأجمعها ليست إلّا بالإطلاق وعلى التماميّة، فمقيّدة بالأخبارالآتية الخاصّة الدالّة على عدم كون المبحوث عنه عمداً.

هذا كلّه، مع ما في مجمع الفائدة والبرهان(4)من المناقشة في سند رواية أبي بصير وصحيحة الحلبي وعبدالرحمن، وإن أجاب عنها في الأخير بل الأخيرين، لكنّها للمناقشة كافية. فتأ‌مّل.

دليل الثاني: موثّق أبي العبّاس وزرارة، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إنّ العمد أن


1) . أي: سورة الإسراء (17): 33.

2) . أي: سورة المائدة (5): 45.

3) . التي تقدّمت آنفاً.

4) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان 13: 374 و375.

...


يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله، والخطأ الذي لا شكّ فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه».(1)

والموثّق الأوّل عن أبي العبّاس وحدة، عنه(علیه السلام)، قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله، قال: «هذا خطأ»، ثمّ أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشاة فاُصيب رجلاً، قال: «هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه، والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله».(2)

والموثّق الثالث عن أبي العبّاس، عنه (علیه السلام)، قال: سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفّارة أهو أن يعتمّد ضرب رجل ولا يعتمّد قتله؟ فقال: «نعم»، قلت: رمى شاة فأصاب إنساناً؟ قال: «ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه، عليه الدية والكفّارة».(3)

وخبر علاء بن فضيل، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «العمد الذي يضرب بالسلاح أو بالعصا لا يقلع عنه حتّى يقتل، والخطأ الذي لا يتعمّده».(4)

ومرسل يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (علیه السلام)،قال: «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل، وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمد يقتل به، وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثمّ مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد».(5)


1) . وسائل الشيعة 40:29، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث 13.

2) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث 7.

3) . وسائل الشيعة 29: 38، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 9.

4) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 4.

5) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 5.

...


والأوّلان من الأحاديث نصٌّ في المطلوب، والبقيّة ظاهرة بالإطلاق كالثالث والرابع، أو بالحمل على كون الضربة الواحدة بغير القتّالة بقرينة التقييد بالموت بها وأنّه شبه العمد في الخامس، وهو مرسل يونس.

رابعتها: القصد إلى الفعل دون القتل، لكن مع كون الآلة ممّا يقتل بها غالباً كالضرب بالسيف أو السهم على رأسه - مثلاً - ، ولا خلاف في كونه عمداً كالأوّل.

واستدلّ لذلك بوجوهٍ أربعة:

الأوّل: أنّ قصد السبب مع العلم بالسببيّة قصدٌ للمسبّب كما في اللثام،(1)أو أنّ القصد إلى الفعل المزبور كالقصد إلى القتل كما في الرياض(2)والجواهر،(3)والظاهر رجوعهما إلى ما في اللثام، وأنّ المقصود واحد، فإنّ التشبيه إن لم يرجع إلى الملازمة المذكورة ليس بأزيد من الادّعاء وأشبه شيءٍ بالمصادرة.

الثاني: الإجماع المفهوم من الغنية(4)كما في الرياض.(5)

الثالث: النصوص المعتبرة للعمد الشاملة بإطلاقها لمن قصد القتل بما يقتل به غالباً، ولمن لم يقصده مع قصده الفعل.

الرابع: - وهو العمدة - الأخبار المستفيضة المعتبرة كصحيح الحلبيوخبر أبي الصباح الكناني جميعاً عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألناه عن رجل ضرب رجلاً


1) . كشف اللثام 11: 10.

2) . رياض المسائل 16: 183.

3) . جواهر الكلام 42: 12.

4) . غنية النزوع 1: 402.

5) . رياض المسائل 16: 183.

...


بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أ يدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف».(1)

ومثله خبر موسى بن بكر(2)وسليمان بن خالد.(3)

ووجه الاستدلال بها: أنّ الظاهر كون السؤال عن القود في الصورة الرابعة، وهي صورة عدم القصد إلى القتل بالضرب المسؤول عنه بما يقتل به غالباً، بل السؤال كالنصّ في ذلك؛ حيث إنّ تحقّق العمد مع القصد إلى القتل فيما يقتل به غالباً ممّا لا إشكال ولا كلام فيه ويكون واضحاً غير محتاج إلى السؤال، فالعناية في السؤال لابدّ وأن يكون مع عدم القصد ومربوطاً بالرابعة، فالجواب بقوله: «نعم» حجّة على كونها عمداً. وإن أبيت عن ذلك الظهور ففي ترك الاستفصال كفاية، ثمّ لا يخفى عليك ما في بقيّة الوجوه:

أمّا الإجماع المنقول في المسألة التي فيها وجوه ثلاثة أُخرى - لما فيه من احتمال كونه مدركيّاً، فلعلّ الإجماع على القاعدة لا دون القاعدة - غير حجّة كما لا يخفى.

وأمّا الملازمة بين قصد السبب مع العلم بالسببيّة، فتكون أخصّ منالمدّعى؛ لأنّها ثابتة مع ذلك العلم دون الغفلة عنها، كما هو أوضح من أن يخفى.

اللهمّ إلّا أن يقال بكفاية القصد الارتكازي، ولعلّه المقصود للمستدلّ، وهو كما ترى.

وأمّا الإطلاق في النصوص، فقد عرفتَ أنّه لبيان العمد عرفاً لا ادّعاءً، فإثباته


1) . وسائل الشيعة 29: 36، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 2.

2) . وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 10.

3) . وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 12.

...


بإطلاقها أوّل الكلام.

وأمّا الأخبار المستفيضة التي جُعلت وجهاً رابعاً، ففيها أنّ الظاهر كون السؤال عن وقوع القتل بالآلة الغير القتّالة، فإنّ العصا ليس منها، كما لا ينبغي الشكّ فيه أصلاً.

والأولى، بل المتعيّن الاستدلال بآية السلطنة،(1)فإنّ المناط فيها القتل ظلماً المحقّق في المورد قطعاً، وعدم قصد القتل - كما هو المفروض فيه - غير مضرّ؛ لعدم دخالته في مناط الآية.

ولا يتوهّم أنّ اللازم من ذلك الحكم بالقود فيما لم تكن الآلة قتّالة أيضاً، فهما مشتركان في عدم القصد والعمد إلى القتل وفي كون القتل ظلماً؛ لوضوح الفرق بينهما عرفاً، فإنّ القتل في تلك الصورة اتّفاقيّة؛ لعدم القصد وعدم الغالبيّة، دون المبحوث عنه الذي يكون الغلبة في الآلة والفعل القتل، فإنّه ليس من باب الاتّفاق بنظر العرف بل ظلم، وأيّ ظلم أشدّ من قتله بضرب السيف على عنقه ولو مع عدم قصد القتل وغفلته عنه؟! فتدبّر جيّداً.

نعم، مع جهله بكون الآلة والفعل ممّا يكون كذلك وزعمه أنّه ممّا لا يقتل به غالباً، فالظاهر عدم القود؛ لعدم العمد لا تفصيلاً ولا إجمالاً، ولعدم كون المقتول ظلماً عرفاً، بل مقتول اتّفاقاً، مثل ما لو كان القتل به واقعاً.

وبالجملة، الظاهر أنّ المانع من صدق القتل ظلماً اعتقاد القاتل بالنسبة إلى الفعل، لا الواقع منه ثبوتاً.نعم، ادّعاؤه الجهل غير مسموع، فإنّه لو سُمعت دعواه بطلت أكثر الدماء،


1) . أي: سورة الإسراء (17): 33.

...


فالجهل مانع والأصل القصاص، لا أنّ العلم شرط حتّى يعكس الأمر ويصير الأصل عدم القصاص إلّا مع إثباته.

وقد ظهر ممّا ذكرناه، وجوه المسائل التي ذكرها الأُستاذ (سلام الله عليه) في كتاب الديات من التحرير(1)تفصيلاً لما وعده في المقام، وتلك المسائل ثمانية من المسألة الأُولى إلى الثامنة من مسائل القول في أقسام القتل، فراجعها.

ولزيادة التوضيح في شبه العمد والخطأ ننقل عبارة القواعد(2)والفاضل الأصبهاني في شرحه:

وأمّا شبيه العمد، فهو أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده؛ لأنّه لم يقصد القتل ولكن أفضى إليه فعله، مثل أن يضرب للتأديب أو يمازح به أو يعالجه الطبيب فيموت، أو يقصد ضربه بما لا يقتل غالباً بقصد العدوان فيموت.

وأمّا الخطأ المحض الذي ورد في الأخبار أنّه الخطأ الذي لا شبهة فيه؛ بأن يكون مخطئاً في فعله وقصده جميعاً، وهو أن يفعل فعلاً لا يريد به إصابة المقتول فضلاً عن إرادة قتله فيصيبه، مثل أن يقصد صيداً أو هدفاً أو عدوّاً أو غيره فيصيبه؛ سواء كان بآلة قتّالة غالباً أو لا، أو أن لا يقصد الفعل أصلاً، كمن يزلق رجلهفيسقط على غيره فيقتله، أو ينقلب في النوم على طفل فيقتله.(3)


1) . لاحظ: تحرير الوسيلة 2: 579.

2) . قواعد الأحكام 3: 583.

3) . كشف اللثام 11: 13 و14.

(مسألة 2): العمد: قد يكون مباشرة، كالذبح والخنق باليد والضرب بالسيف والسكّين والحجر الغامز والجرح في المقتل، ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً، ففيه القود. وقد يكون بالتسبيب بنحو، وفيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية.(1)


المباشرة والتسبيب في القتل

(1) المباشرة والتسبيب وإن لم يكونا موضوعاً في الأدلّة بعنوانهما حتّى يلزم البحث عن تعريفهما وبيان مفهومهما عرفاً، بل المعيار في القصاص نسبة القتل إلى القاتل من دون فرق بين المباشرة والتسبيب، إلّا أنّ وقوعهما في كلمات الأصحاب يطلب الحاجة إلى بيان المفهوم والتعريف، وما في مثل المتن لا يزيد عن بيان المصاديق.

فنقول: المباشرة: هي إيجاد أقرب العلل إلى الزهوق؛ أيّ المؤدّية إليه ابتداءً وبلا واسطة بين الفعل والقتل، كالضرب بالسيف على عنقه.

وأمّا التسبيب: فهو إيجاد ما لَهُ دخل في القتل مع الواسطة، كمنعه من الطعام والشراب إلى أن يموت.

ولا يخفى أنّ الجامع بين المباشرة والتسبيب الدخالة في القتل الموجبة لنسبة القتل إلى القاتل عرفاً، وهو المناط في القصاص كما عرفت.

وأمّا الأُمور غير الدخيلة في النسبة، كالمعدّات والمقدّمات البعيدة، فلعدم الدخالة في النسبة فلا تكون دخلية في القتل والقصاص، ووجودها كعدمها في ذلك، كما هو واضح.

ففي حفر البئر بما هو حفر لا دخالة له أصلاً في وقوع الشخص فيهوقتله به؛ إذ

...


الوقوع مستند إلى علّته وهي التخطّي، بخلاف العلّة التي يستند الإزهاق إليها ابتداءً (المسمّى بالمباشرة)، أو بواسطة كالجراحات القاتلة بالسراية، فإنّها تولّد السراية، والسراية مولّدة للموت، أو بوسائط كالرمي المولّد للجرح المولّد للسراية المولّدة للموت، فأنّهما من التسبيب.

وبالجملة؛ قتل العمد منوط بدخالة الفعل في القتل؛ إمّا بلا واسطة وهو المباشرة، وإمّا معها وهو التسبيب، وأمّا ما ليس فيه الدخالة في تأثير الفعل، بل يكون معِدّاً (بالكسر) اصطلاحاً فلا اعتبار به فيه، وهو المسمّى بالشرط في الباب على ما في الجواهر(1)وغيره.

هذا، مع أنّه لا ثمرة في البحث عن التقسيم ولا عن التعريف، بعد ما عرفتَ أنّ المناط في القصاص والدية صدق القتل عمداً وخطأً، وأنّ شيئاً من المباشرة والتسبيب ليس عنواناً للحكم في الأدلّة، وإنّما المعتبر فيها القتل عمداً وسيّئةً والمقتول ظلماً وأمثالها، فالاعتبار بصدقها دون صدقهما. نعم، ما لا يحصل فيه الصدق المزبور فالضمان فيه بالقصاص أو الدية لابدّ له من الدليل.

إذا عرفت ذلك فنقول: ما في المتن من ذكر الأمثلة للمباشرة والضابطة فيها بقوله (سلام الله عليه) : «ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً» جيّد جدّاً، وموافق لما بيّناه شرحاً لها وللتسبيب، والزائد على ذلك - كما فعله صاحب القواعد(2)وشارحها صاحب كشف اللثام؛ أي الفاضلالأصبهاني - ليس إلّا ذكراً للأمثلة والمصاديق الخارجة عن شؤون الفقاهة. هذا، مع ما في الأمثلة من المناقشة وإن لم تكن


1) . جواهر الكلام 42: 18.

2) . قواعد الأحكام 3: 582 و583.

...


المناقشة فيها من دأب المحصّل. فتأ‌مّل.

وكيف كان، ففي اللثام مزجاً ب- القواعد:

وهي نوعان: الأوّل: أن يضربه بمحدّد: وهو ما يقطع ويدخل في البدن، كالسيف والسكّين والسنان وما في معناه ممّا يحدّد فيجرح ويقطع من الحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضّة والزجاج والحجر والقصب والخشب، فهذا كلّه إذا جرح به جرحاً كبيراً يقتل مثله غالباً، فهو قتل عمدٍ إذا تعمّد.

وإن جرحه بأحد ما ذكر جرحاً صغيراً لا يقتل مثله غالباً، كشرطة الحجّام أو غرزه بإبرة أو شوكة، فإن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأُذن والأُنثيين والمثانة والأجدعين ونقرة النحر، فمات فهو عمدٌ أيضاً؛ فإنّه ممّا يقتل غالباً.

وإن كان في غير مقتل، فإن كان قد بالغ في إدخالها فهو كالكبير من الجرح؛ لأنّه قد يشتدّ ألمه ويفضي إلى القتل، فإذا بالغ مبالغة كذلك فقد فعل ما يقتل غالباً.

وإن كان الغرز يسيراً أو جرحه بالكبير جرحاً يسيراً، كشرطة الحجّام، فإن بقي المجروح من ذلك ضَمناً - أي مريضاً زمناً - حتّى مات، أو حصل بسببه تشنّج أو تآكل أو ورم حتّى مات فهو عمدٌ، كما في المبسوط؛(1)لتحقّق العلم بحصول القتل بفعله، كماإذا سرى الجرح فمات، فإنّه يوجب القصاص.


1) . المبسوط 7: 16.

...


فالضابط في القصاص العلم العادي بتسبّب موت المقتول من فعله المتعمّد به. وإن مات في الحال بغير تجدّد شيء من ذلك، فالأقرب وجوب الدية في ماله كما مرّ.

[النوع] الثاني: أن يضربه بمثقل يقتل مثله غالباً، كاللتّ - أي الدبوس وهو فارسي - والمطرقة والخشبة الكبيرة والحجارة الكبيرة، أو يضربه بحجر صغير أو عصا أو يلكزه - أي يضربه بجميع الكفّ بها - أي بيده أو كفّه - وإن لم يجر بها ذكر، أو اللكزة، أو بالحجر والعصا، واللكزة؛ أي يضربه بها في مقتل أو في حال ضعف المضروب بمرض أو صغر أو في زمن مفرط الحرّ أو البرد. وبالجملة؛ بحيث يقتله بتلك الضربة غالباً بحسب الزمان وحال المضروب ومحلّ الضرب، أو يكرّر الضرب عليه حتّى يقتله بما يقتل من العدد غالباً عدده، وهو أيضاً يختلف باختلاف الزمان وباختلاف حال المضروب، كما سمعته من عبارة المبسوط.(1)وكلّ ذلك يوجب القود وإن لم يقصد القتل بذلك، أو ادّعى الجهل بإفضائه إلى القتل عادة، فإنّه لو سمع منه ذلك أدّى إلى إهدار دماء المسلمين.

أمّا لو ضربه بشيء صغير جدّاً، كالقلم والإصبع في غير مقتل، أو مسّه بالكبير من غير ضرب ولا مسّ عنيف ولم يكن بما يقتل بثقله. وبالجملة؛ فعل ما لا يحتمل استناد القتل إليه عادة ولانادراً، فلا قود ولا دية؛ لأنّه لم يقتله عمداً ولا خطأً، وإنّما اتّفق موته مع فعل من أفعاله. وكذا يجب القصاص بالذبح ونحوه ممّا لا يدخل في الضرب


1) . لاحظ: المصدر أعلاه.

...


بمحدّد أو مثقل. والخنق الذي هو كذلك.(1).

ولا يخفى عليك أنّه ليس في إطنابهما 0 إلّا ذكر الأمثلة للمباشرة، مع أنّ الفاضل ذكر الخنق تارة من أقسام المباشرة وأُخرى من التسبيب، ومثله واقع من المحقّق في الشرائع.(2)والإطناب كذلك وإن لم يكن فقهيّاً وراجعاً إلى محصّل بعد أنّ المدار على الضابطة، لكنّه مفيد في التسلّط على المصاديق والموضوعات.

وما في اللثام من بيان الضابط بقوله: «فالضابط في القصاص العلم العادي بتسبّب موت المقتول من فعله المتعمّد به»،(3)وفي الجواهر من قبوله بأنّه موافق لما ذكره 1: «نعم، ما سمعته من الضابط المزبور في القصاص موافق لما ذكرناه».(4).

ففيه أوّلاً: أنّ الضابط هو ذلك التسبّب بضميمة قصد القتل، أو كون القتل ممّا يقتل به غالباً، لا مطلقاً كما بيّنّاه.

وثانياً: أنّ مقتضى ذلك عدم الفرق في موت المقتول بالغرزة اليسيرة - مثلاً - ، كشرطة الحجّام، وبين ما صار ضمناً ثمّ مات، أو مات في الحال؛ لاستناد القتل فيهما إلى الفعل المتعمّد به، فكيف تفصيله بينهما تبعاً للمتن؛ أي القواعد؟!(5)وفي المسالك التصريح بالإشكال في مسألة الضرب بما لا يقتل به غالباً أيضاً، بقوله: «ولا يخلو من إشكال...».(6)


1) . كشف اللثام 11: 14- 16.

2) . شرائع الإسلام 4: 181- 183.

3) . كشف اللثام 11: 15.

4) . جواهر الكلام 42: 21.

5) . قواعد الأحكام 3: 583.

6) . مسالك الأفهام 15: 70.

...


هذا، لكنّ الظاهر من المسالك واللثام والجواهر الاستدلال على الفرق بوجوهٍ ثلاثة:

أحدها: فحوى سراية الجرح.

ثانيها: أنّ الجرح بمثل شرطة الحجّام مع المرض المتولّد منه بمنزلة سبب واحد، وهو ممّا يقتل به غالباً وإن كان الجرح ممّا لا يقتل به وحده.

ثالثها: ما في الجواهر من قوله رحمه الله:

لعلّ الوجه فيه [أي في التفصيل] ما ذكرناه من كون الجميع عمداً؛ لما عرفته من الصدق العرفي من غير اعتبار قصد القتل ولا كون الشيء ممّا يقتل مثله غالباً؛ إذ ذاك عمدٌ إلى القتل لا قتله عامداً، والعنوان في الأدلّة الثاني الذي تشهد له النصوص السابقة، لا الأوّل الذي وإن شهدت له النصوص الأُخر في الجملة، إلّا أنّه لا جابر لها، لكن خرج عن ذلك صورة عدم تعقّب المرض للنصوص المزبورة وبقيت هي تحت الضابط ولو لعدم انجبار تلك النصوص بالنسبة إلى هذه الصورة المؤيّدة بنصوص سراية الجرح الغير القاتل مثله، والاتّفاق ظاهر هنا.(1).

وفي كلّ الوجوه ما لا يخفى:

أمّا الأوّل: ففيه: أنّ الحكم في السراية بالجرح ليس على الإطلاق، بل فيه التفصيل المطابق للقاعدة، فإن كان الجرح الساري ممّا يقتل به ففيه القود ويكون عمداً، وإلّا فلا، فليس في الأصل حكم على خلاف القواعد،فضلاً عن الفرع ودلالة الفحوى.


1) . جواهر الكلام 42: 24.

...


وأمّا الثاني: فإن كان المراد منه التنزيل والادّعاء فليس ذلك بأزيد من الادّعاء، وإن كان المراد منه الصيرورة والمنزلة بنظر العرف، ففيه: أنّه ليس ذلك بتفصيل كما لا يخفى، بل بيان لمصاديق الجرح مع المرض من أنّهما قد يكونان ممّا يقتل به غالباً وقد لا يكون كذلك. وأين ذلك من التفصيل الذي في القواعد؟!(1)بل وفي الشرائع على أحد الاحتمالين في المراد من المشبّه به في قوله: «كالأوّل»، حيث قال: «ولو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضاً ومات فالبحث كالأوّل».(2)

وفي المسالك في شرح العبارة، قال:

فسّر بعضهم «الأوّل» في قول المصنّف: «فالبحث كالأوّل» بما فصّله سابقاً في الصورة الأُولى من قوله: «أمّا لو حبس نفسه يسيراً لا يقتل مثله غالباً...، - إلى قوله - والأشبه القصاص إن قصد القتل، أو الدية إن لم يقصد»، فيكون الحكم هنا أنّ الضرب المعقّب للمرض عمدٌ إن قصد به القتل، ويوجب الدية إن لم يقصد، لا أنّه عمدٌ مطلقاً.

وهذا التفسير وإن وافق الظاهر من الحكم، إلّا أنّه غير مراد للمصنّف;؛ لأنّ حكمه وحكم غيره في خصوص هذه المسألة بكونه عمداً مطلقاً، والعلّامة(3)فرض هذه المسألة على وجه لا يحتملسوى ذلك، وإن كانت عبارة المصنّف لقرب المسألة الأُخرى محتملة احتمالاً مرجوحاً.(4)


1) . تقدّم تخریجه في الصفحة 48.

2) . شرائع الإسلام 4: 181.

3) . راجع: قواعد الأحكام 3: 583.

4) . مسالك الأفهام 15: 70.

...


وأمّا الثالث: فحاصل المستفاد من كلامه 1 هنا وفي مسألة القتل بما لا يقتل به غالباً مع عدم قصد القتل به أيضاً، أنّ المناط والأصل في القصاص وما هو العنوان في أدلّته القتل عمداً وقتله عامداً، لا العمد إلى القتل.

والأوّل صادق في جميع صور القتل مع قصد الفعل وإن لم يكن معه قصد القتل ولا كون الآلة قتّالة وممّا يقتل بها غالباً دون الثاني، فإنّه غير صادقٍ مع عدم القصد ولو رجاءً وارتكازاً كما في الآلة الغالبيّة.

وفيه: أنّ المناط - كما عرفت - كون المقتول مظلوماً والقتل ظلماً وسيئةً،(1)وهو غير صادقٍ هنا، ولا في المسألة السابقة؛ أي مسألة القتل بما لا يقتل به غالباً، مع عدم قصد القتل أيضاً.

ومسألة مناطيّة العمد ودخالته في القصاص قد عرفت عدم الدلالة عليها في الكتاب، وأنّ آياته مطلقة من دون تعرّض للعمد أصلاً، لا بالنحو الأوّل ولا الثاني، وما في السنّة ليس بأزيد عن الإشارة.

وعلى هذا، فالحقّ في المسألة عدم القود مطلقاً، لا مع الضمن ولا بدونه؛ لعدم كون الفعل مقصوداً به القتل، ولا كونه ممّا يقتل به غالباً، ولا كون المقتول مقتولاً ظلماً وعرفاً. نعم، هو مضروب كذلك عرفاً ومقتول بالضمن أو بالاتّفاق عندهم، لا بالظلم الذي هو العمدة والأصلعندنا في القصاص، كما مرّ بيانه.(2)

نعم، على الضارب والقاتل كذلك التعزير والدية، كما لا يخفى.


1) . عرفته في الصفحة 47 وما بعده.

2) . مرّ بیانه في الصفحة 47 وما بعده.

(مسألة 3): لو رماه بسهم أو بندقة فمات، فهو عمدٌ عليه القود ولو لم يقصد القتل به، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتّى مات، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتّى مات، أو جعل رأسه في جراب النورة حتّى مات، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف، فهي من العمد.(1)


(1) وجه أصل المسألة واضح ممّا مرّ، وهو نسبة القتل عمداً، وكون المقتول مظلوماً والقتل ظلماً. وأمّا كون تلك الأسباب والموارد من العمد الموجب للقصاص وإن لم يقصد به القتل كما في المتن بقوله: «ولو لم يقصد القتل به»، فالظاهر من المسألة الخامسة أنّه لكون الأسباب ممّا يقتل بها غالباً حتّى في السهم والبندقة، لا لغيره من قصد القتل ولو رجاءً أو من كونه عمداً تعبّداً، بل هو الظاهر من بيانه الضابطة لقتل العمد في المسألة الأُولى إن لم يكن نصّاً في ذلك أيضاً، وهو الحقّ الحقيق بالتصديق كما مرّ بيانه.

وعلى ذلك، فما في الشرائع(1)من التعليل للقصاص في تلك الموارد بالقصد إلى القتل بها غالباً الراجع إلى حجّية الغلبة في القصد، كما هو الظاهر منه أو إلى الرجاء أو التعبّد، ففيه ما لا يخفى. كما أنّ تعليل الجواهر بقوله:

لما سمعته من صدق القتل عمداً وإن لم يقصد به، بل وإن قصد عدمه فاتّفق القتل، بل لو أراد برميه غير المقتل فأصاب المقتل، فإنّ ذلك كلّه من العمد الموجب للقصاص؛ لما عرفته، ولا يردالتأديب ونحوه ممّا لم يكن عادياً فيه.

نعم، خرج من ذلك الصورة المزبورة خاصّة؛ للأدلّة المذكورة.(2)


1) . شرائع الإسلام 4: 181.

2) . جواهر الكلام 42: 21.

(مسألة 4): في مثل الخنق وما بعده لو أخرجه منقطع النفس، أو غير منقطع لكن متردّد النفس، فمات من أثر ما فعل به، فهو عمدٌ عليه القود.(1)

(مسألة 5): لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله، ثمّ أرسله فمات بسببه، فإن قصد ولو رجاء القتل به ففيه القصاص، وإلّا فالدية، وكذا لو داس بطنه بما لا يقتل به غالباً، أو عصر خصيته فمات، أو أرسله منقطع القوّة فمات.(2)


ففيه: أنّه لا دليل على كفاية القتل عمداً وإن ادّعاه ;، بل المناط العمد في القتل أو كون المقتول مظلوماً - كما مرّ بيانه وتحقيقه(1)- ومع عدم القصد ولا كون الفعل ممّا يقتل به غالباً، لا يصدق شيء من العنوانين الموجبين للقصاص.

(1) وجه القود في منقطع النفس واضح، وأمّا في غير المنقطع مع تردّد النفس وموته من أثر ما فعل به؛ فلكونه عمداً أيضاً، وكونه مثل الموت مع الخنق ومقارناً للاشتراك في كون الفعل ممّا يقتل به غالباً.

(2) ممّا ذكرناه في ذيل المسائل السابقة يظهر وجه الأحكام في هذهالمسألة والمسائل الآتية إلى المسألة الثالثة والثلاثين من الباب، وأنّ المناط نسبة القتل والعمد فيه وكون المقتول مظلوماً، وما في تلك المسائل ليس إلّا بياناً للمصاديق وبيان النسبة.

ولا يخفى عليك أنّه مع كون المقتول مظلوماً، القصاص ثابت بالآية: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(2)وإن كان العمد في القتل أو كون القتل


1) . مرّ بیانه في الصفحة 46 وما بعده.

2) . الإسراء (17): 33.

(مسألة 6): لو كان الطرف ضعيفاً - لمرض أو صغر أو كبر ونحوها - ففعل به ما ذكر في المسألة السابقة، فالظاهر أنّ فيه القصاص ولو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه، وإلّا ففيه التفصيل المتقدّم.(1)

(مسألة 7): لو ضربه بعصا - مثلاً - فلم يقلع عنه حتّى مات، أو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه ككونه ضعيفاً أو صغيراً، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد ككون الضارب قويّاً، أو بالنسبة إلى الزمان كفصل البرودة الشديدة - مثلاً - فمات، فهو عمد.(2)


عمداً مشكوكاً وغير ثابت. فافهم ذلك وتدبّر فيه واغتنمه، فإنّه دقيق جدّاً.

هذا، ولكن مع ذلك نبحث في بعض المسائل منها؛ لما فيه من الكلام والبحث اللائق بالذكر، ونحيل البقيّة إلى ما في المسائل السابقة وإلى ما ذكرناه من المناط، ونسأل الله تعالى أن يجعل مستقبلنا خيراً ممّا فينا.

(1) راجع ما تقدّم في ذيل المسألة الخامسة.

(2) وجه القصاص في المسألة كون الفعل مع الخصوصيّات المفروضة فيها ممّا يقتل به غالباً. هذا، مع ما فيها من النصوص المختصّة بالفرع الأوّل، وهو الضرب بالعصا مع عدم القلع إلى أن يموت، كمرسل يونس عن الصادق (علیه السلام): «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجرٍ فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل، وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمدٌ يقتل به، وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثمّ مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد».(1)


1) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 5.

(مسألة 8): لو ضربه بما لا يوجب القتل، فأعقبه مرضاً بسببه ومات به، فالظاهر أنّه مع عدم قصد القتل لا يكون عمداً ولا قود، ومع قصده عليه القود.(1)


وصحيح أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أ يُدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يُترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف».(1)

وخبر العلاء بن فضيل،(2)وخبر موسى بن بكر،(3)وخبر سلمان بن خالد.(4)

(1) وجه الظهور أنّ المعتبر في القصاص عند الماتن، كما يظهر من المسألة الأُولى وبعض مسائل أُخرى - كما تقدّم(5)- القصد إلى القتل أو فعل ما يقتل به غالباً، وليس في المفروض شيء منهما، وإنّما المفروض حدوث القتل من المرض المتحقّق عقيب الضرب. ومن المعلوم أنّ المرض ليس من فعل الضارب، وإن كان سبباً فيه.

وأمّا على المختار من كفاية القتل ظلماً فيه، فقد مرّ منّا في تفصيل الصور في المسألة الأولى عدم كون المقتول كذلك مقتولاً ظلماً أيضاً، وإنّما هو مضروبٌ كذلك عرفاً.

والتعبير بالظهور لا الإرسال المسلّم كغيره من الموارد، إنّما هو للوجوه الثلاثة المستدلّ بها التي عرفتَ عدم تماميّتها مفصّلاً في ذيل المسألة الثانية.


1) . وسائل الشيعة 29: 36، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 2.

2) . وسائل الشيعة 29: 37، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث 4.

3) . وسائل الشيعة29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث 10.

4) . وسائل الشيعة 29: 39، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث 12.

5) . تقدّم في الصفحة 41 وما بعدها.

(مسألة 9): لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء، فهو عمدٌ وإن لم يقصد القتل، وإن كان مدّة يتحمّل مثله عادة ولا يموت به، لكن اتّفق الموت، أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً أو لا؟(1)

(مسألة 10): لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتّى مات، أو منعه عنه حتّى مات، قتل به،(2)


نعم، صريح القواعد(1)وشرحه اللثام(2)والتحرير(3)ومحكيّ المبسوط(4)الحكم بالقصاص.

(1) كون المنع عمداً وإن لم يقصد القتل؛ لكونه ممّا يقتل به غالباً، ولا يخفى أنّ عدم التحمّل لمثله البقاء مختلف بحسب حال الأشخاص صحةً ومرضاً، وشبعاً وجوعاً، وريّاً وعطشاً، وغيرها من الحالات، هذا في المدّة التي لا يحتمل لمثله البقاء.

وأمّا في المدّة القابلة للتحمّل فتفصيل المتن في محلّه، ووجهه ظاهر، لكن مع تقييد المرض بكونه غير قابل للمعالجة، أو قابلاً لها لكنّ المانع منعه عنها أيضاً، وإلّا فمع كون المرض قابلاً لها ولم يعالج المرض ليموت فالظاهر كونه شريكاً مع المانع في القتل؛ لدخالة المنع وعدم المعالجة في الموت معاً. فتأ‌مّل.

(2) من جهة القصد أو كون الفعل ممّا يقتل به غالباً.


1) . قواعد الأحكام 3: 584.

2) . كشف اللثام 11: 17.

3) . تحرير الأحكام 5: 423.

4) .حكی عنه السيّد الأعرج في كنز الفوائد 669:3؛ وراجع: المبسوط 7: 16.

ولو لم يخرج منها عمداً وتخاذلاً فلا قود(1)ولا دية قتل، وعليه دية جناية الإلقاء في النار، ولو لم يظهر الحال واحتمل الأمران لا يثبت قود ولا دية.


نعم، مع عدم القصد - ولو رجاءً - وجهل الفاعل بالسببيّة فالظاهر الدية والتعزير دون القصاص.

أمّا عدم القصاص؛ فلعدم نسبة العمد في القتل أو القتل عمداً إليه عرفاً، فضلاً عن كون قتله له ظلماً، وعن كون المقتول ممّن قُتِل مظلوماً.

وأمّا الدية، فلكون الملقي في النار قاتلاً وإن لم يكن قاتلاً عمداً، والدية تابعة لنسبة أصل القتل وإن كان القتل خطأً. هذا، مع أنّه لا يبطل دم امرءٍ مسلم.

وأمّا التعزير، فوجهه ظاهر.

(1) نفي القود والدية إنّما يكون لأنّ الموت إنّما حصل بلبثه، وهو مستند إليه لا إلى الجاني. وأمّا لو شك في التخاذل وعجزه للشكّ في تمكّنه وعدمه؛ بأن احتمل عدم تمكنّه أصلاً للشكّ في التمكّن، أو احتمل حصول الذهول أو الضعف عن الخروج وإن كان قادراً عليه، ففي الشرائع(1)والتحرير(2)والإرشاد(3)والتلخيص(4)ثبوت القصاص، حيث إنّ السبب المهلك معلومٌ والدفع مجهولٌ وإن كان موثوقاً به؛ لما مرّ من حصول الظهوروالدهشة.

وفي المسالك:

لوجود السبب المقتضي للضمان وهو الإلقاء، مع الشكّ في المسقط وهو


1) . شرائع الإسلام 4: 181.

2) . تحرير الأحكام 5: 423.

3) . إرشاد الأذهان 2: 195.

4) . تلخيص المرام: 335.

...


القدرة على الخروج [فتركه] مع التهاون فيه.

ولا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يعلم التخاذل عن الخروج؛ لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهش أو تحيّر أو تشنّج أعضائه ونحو ذلك.(1)

وعلى كلّ حالٍ، فمقتضى الجميع ثبوت القصاص، ولكن عن الخلاف(2)القطع بعدمه، بل هو ظاهر القواعد أو صريحه أيضاً، حيث قال:

وإن تركه في نار يتمكّن من التخلّص منها لقلّتها، أو لكونه في طرفها يمكن الخروج بأدنى حركة فلم يخرج، فلا قصاص. وفي الضمان إشكال، أقربه السقوط إن علم منه أنّه ترك الخروج تخاذلاً، ولو لم يعلم ضمنه وإن قدر على الخروج؛ لأنّ النار قد ترعبه وتدهشه وتشنّج أعضاءه بالملاقاة، فلا يظفر بوجه المخلّص.(3)

ومن هنا قال في كشف اللثام:

ثمّ هذه العبارة تُعطي القطع بعدم القصاص مطلقاً، وهو موافق للخلاف، والتردّد في سقوط الدية، ثمّ استقرابه إذا علم الإهمال تخاذلاً. - ثمّ قال: - ومبنى الوجهين على تعارض ظاهِرَين وأصلين، فإنّ الظاهِر من حال الإنسان أنّه لا يتخاذلعن الخروج حتّى يحترق، وظاهر النار المفروضة سهولة الخروج عنها، وأنّه لا يحترق بها إلّا من تعمّد اللبث


1) . مسالك الأفهام 15: 73.

2) . الخلاف 5: 162، المسألة 20.

3) . قواعد الأحكام 3: 585.

(مسألة 11): لو ألقاه في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتّى مات، أو منعه عنه حتّى مات، قتل به، ومع عدم خروجه عمداً وتخاذلاً أو الشكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة. ولو اعتقد أنّه قادر على الخروج - لكونه من أهل فنّ السباحة - فألقاه، ثمّ تبيّن الخلاف، ولم يقدر الملقي على نجاته، لم يكن عمداً.(1)


فيها، والأصل براءة الذمّة، والأصل عدم الشركة في الجناية، والاحتياط يقوّي ما في الكتاب.(1)

قلت: الظاهر ثبوت القصاص مطلقاً، حيث إنّ كون السبب في مثل الإلقاء في النار المحتمل فيها حصول الدهشة والتشنّج والذهول ممّا يقتل به غالباً ممّا يساعده العرف، فيكون القتل عمداً وإن لم يقصد به ذلك.

نعم، ما كان ذلك الاحتمال فيه ضعيفاً من حيث الشخص أو النار - مثلاً - فليس السبب كذلك عرفاً، فالعمد فيه دائر مدار القصد.

وأمّا الدية مع عدم القصد، فالظاهر عدمه؛ لعدم ثبوت النسبة.

ولعلّ مراد الجواهر من أنّ مبنى المسألة على تحقّق صدق قتله فإن حصل ففيه القصاص، ما ذكرناه، أي صدق القتل عمداً، ولذلك قال: «وإن لم يحصل - أي الصدق - فالمتّجه سقوطهما».(2)فليس في كلامه ; الضمان بالديه، وعليه يتّحد ما قلناه مع قوله ;.

وأمّا إن كان مراده من الصدق الصدق في النسبة، ففيه: كيف يحصل الصدق في النسبة مع الشكّ؟!

(1) راجع ما تقدّم في ذيل المسألة الخامسة.


1) . كشف اللثام 11: 19و 20.

2) . جواهر الكلام 42: 26.

(مسألة 12): لو فصده ومنعه عن شدّه فنزف الدم ومات فعليه القود،(1) ولو فصده وتركه، فإن كان قادراً على الشدّ فتركه تعمّداً وتخاذلاً حتّى مات، فلا قود ولا دية النفس،(2)


(1) لأنّه السبب في قتله بما يوجب القتل عادة.

(2) كما في شرائع الإسلام(1)وعن التحرير(2)‌والإرشاد(3)والتلخيص،(4)لكن في القواعد(5)الإشكال فيه، وفي كشف اللثام:

من استناد الموت إلى تفريطه، وكون الفصد غير مهلك عادة، وأصل عدم وجوب الشدّ على الفصّاد... - إلی أن قال: - ومن استناده إلى سراية الجرح، فهو كغيره من الجراحات التي يهمل المجروح مداواتها.(6)

والتحقيق في المسألة: أنّ الفصد قد يكون عدواناً وقد يكون علاجاً؛ ففي الأوّل، إن كان بقصد القتل أو كان المتعارف في الفصد من دون الشدّ الموت، فهما عمدٌ كما لا يخفى. ومحض عدم شدّ المفصود وإن كان بقصد نزف الدم وموته فغير موجب لخروج الآلة عن الآلية، ولا لمنع قصد القتل من كونه عمداً؛ حيث إنّ الفصّاد أوجد السبب لذلك وإيجاد المفصود المانع وإن كان واجباً له إلّا أنّه غير رافع للصدق عرفاً؛ لكون المقتول مقتولاًظلماً، فتكون سراية الجرح الحاصل من الفصد كسراية غيره من الجراحات التي يهمل المجروح مداواتها الموجبة للقود.


1) . شرائع الإسلام 4: 181.

2) . تحرير الأحكام 5: 423.

3) . إرشاد الأذهان 2: 195.

4) . تلخيص المرام: 335.

5) . قواعد الأحكام 3: 585.

6) . كشف اللثام 11: 21 و22.

وعليه دية الفصد،(1) ولو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود، ولو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً، وإن لم يقصده، بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود، وعليه دية شبه العمد.

(مسألة 13): لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً، فإن كان ذلك ممّا يقتل به غالباً؛ ولو لضعف الملقى عليه - لكبر أو صغر أو مرض - فعليه القود،(2) وإلّا


واحتمال الفرق بين الفصد وترك المفصود الشدّ، وبين ترك المداواة في الجرح الساري بالقود في الثاني دون الأوّل، باعتبار أنّ الفصد بنفسه غير قاتل وإنّما الذي قتله خروج الدم، فهو كاللبث في النار في استناد الموت إلى أمر لم يكن من فعل الجاني ولا من آثاره، بخلاف سراية الجرح نفسه التي هي من آثار الجرح وإن ترك المداواة آثماً.

ففيه ما لا يخفى، فإنّ الموت في الجرح كالفصد مستند أيضاً إلى تركه المداواة، فإنّ سبب الموت لم يكن نفس الجرح، بل السراية الحادثة القابلة للدفع بالمداواة، كما هو كذلك في النزف والفصد. فتدبّر جيّداً.

وفي الثاني، فحكمه حكم الطبيب إن كان حاذقاً في فصده، فمع التقصير ضامن دون عدمه، بل مع تقصيره بترك الشدّ مع لزوم الشدّ عليه يكون حكمه حكم العدوان في إيجابه القصاص؛ لما ذكر من الآلية، كما أنّه على القول بضمان الطبيب مطلقاً هو ضامن أيضاً مطلقاً ولو مع عدم التقصير.

هذا كلّه فيما لم يكن الفصد بأمر الطبيب وإلّا فهو المحكوم بالضمان أو القصاص دون الفصّاد؛ لأقوائيّة السبب عن المباشر.

(1) كما هو الأصل.

(2) لكون الفعل آلة للقتل، ومرّ كفاية الآلية له في القود.

فإن قصد القتل به ولو رجاءً فكذلك هو عمد عليه القود،(1) وإن لم يقصد فهو شبه عمد،(2)وفي جميع التقادير دم الجاني هدر،(3) ولو عثر فوقع على غيره فمات فلا شيء عليه لا ديةً ولا قوداً،(4) وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.(5)


(1) ووجهه واضح، فإنّ العمد ومظلوميّة المقتول محقّق مع الرجاء، كتحقّقه مع الجزم واليقين.

(2) كما لا يخفى.

(3) لكونه قاتلاً لنفسه.

(4) لعدم القصد إلى الفعل، فضلاً عن القتل، فلا نسبة للقتل إليه أصلاً.

ولصحيح عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: «ليس عليه شيء».(1)

وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (علیهما السلام)، قال: في الرجل يسقط على الرجل فيقتله؟ فقال: «لا شيء عليه»، وقال: «من قتله القصاص فلا دية له».(2)

وخبر عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما؟ قال: «ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء».(3).

(5) للواقع إذا مات؛ لعدم إرتباط قتله به أصلاً، فإنّ الوقوع أمر صادر من الواقع، والذي وقع عليه ليس بأزيد من المحلّ.

هذا في العثر من دون اختيار، وأمّا العثر معه، مثل من يعلم أنّ في سيره وفعله


1) . وسائل الشيعة 29: 56، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 20، الحديث 1.

2) . وسائل الشيعة 29: 56، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 20، الحديث 2.

3) . وسائل الشيعة 29: 57، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 20، الحديث 3.

...


غير اللازم الذي له مندوحة يعثر غالباً، والغالب في أمثال ذلك العثر القتل، فإن عثر كذلك ومات المعثور عليه فالقصاص غير بعيد؛ لأنّه مقتول ظلماً، والنفس بالنفس.

هذا، مع جواز الفعل والسير، وأمّا مع المنع والحرمة فالقصاص أوضح، فإنّ القتل قتل عمد عرفاً؛ لكفاية سبق الاحتمال والفعل برجاء القتل. فتدبّر جيّداً.

ولو ألقاه غيره قاصداً للأسفل أن يقتله قيّد الدافع به، وبالواقع إن كان الوقوع ممّا يقتل الواقع غالباً أو قصد قتله أيضاً. ولو قصد قتله وحده بالدفع، أو كان الوقوع ممّا يقتل غالباً ولم يقصد إيقاعه على الأسفل، ضمن دية الأسفل وقيّد بالواقع؛ قضاءً للقواعد.

لكن في صحيح ابن رئاب وعبدالله بن سنان، عن الصادق (علیه السلام) في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله؟ قال: «الدية على الذي دفع (وقع - خ. ل) على الرجل فقتله لأولياء المقتول»، قال: «ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه»، قال: «وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً».(1)

فالدلالة والظهور في كون الضمان على الواقع والاستقرار على الدافع، وذلك مخالف للقواعد؛ لعدم التقصير والدخالة له في ذلك، فإنّه كالحجر الملقى لقتل الغير عمداً شبه الخطأ.

فالفرق بين المقام وبين تعاقب الأيادي واضح، فللأيادي دخالة ولوبجعل اليد، فإنّه موجب لضمان اليد وإن كان استقرار الضمان على الأخير، وفي كشف اللثام:


1) . وسائل الشيعة 29: 57، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 21، الحديث1.

...


هو محمول على أنّه لم يعلم إلّا وقوعه، ولم يعلم تعمّده ولا دفع غيره له.(1)ولكنّه كما ترى، ضرورة صراحة الخبر في خلافه أوّلاً، وعدم وجوب الدية على الوجه المزبور بعد التسليم ثانياً، خصوصاً بعد ما سمعته منه من عدم شيء عليه مع الوقوع لا عن عمد، وهذا منه؛ لأنّ الفرض كونه مدفوعاً للغير، فالوجه الرجوع بالدية على الدافع خصوصاً بعد معلوميّة مثل ذلك في المال، بل ذكروا في كتاب الغصب أنّ الضمان من أوّل وهلة على المكرِه دون المكرَه - بالفتح - وإن كان قد أتلف هو المال ولكن بالإكراه، وليس هو كقاعدة الغرور. فلاحظ وتأ‌مّل.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ ذلك هنا كذلك تعبّداً، أو أنّ ذلك مفروض فيما كان للواقع اختيارٌ وإرادةٌ في ذلك، فالضمان عليه لذلك المقدار من الدخل، كما أنّ الاستقرار على الواقع، لأنّه السبب بل المباشر.

وترك الاستفصال في الجواب وإن كان مقتضياً للأعمّ منه، بل ظاهر السؤال الاختصاص بما لا دخالة للواقع، إلّا أنّ الحمل والتوجيه لا يخلو عن المخالفة للظاهر.

وعلى هذا، الحمل فليس في الرواية التعبّد والمخالفة للقواعد كما لا يخفى، لكنّ الشأن في صحّة الحمل كذلك وعدمها لكونه مخالفاً للظاهر. فتدبّر جيّداً.

ولا يخفى أنّه على كون صلة الذي «دفع» بالدال كما في أصل النسخةعلى ما في الوسائل(2)فلابدّ من قرائته على المبنيّ للمفعول كما لا يخفى، وهذا بخلاف كون الصلة «وقع» كما في نسخة البدل فإنّه مبنيّ للفاعل.


1) . كشف اللثام 11: 22.

2) . تقدّم آنفاً.

(مسألة 14): لو سحره فقتل وعلم سببيّة سحره له، فهو عمد إن أراد بذلك قتله، وإلّا فليس بعمد بل شبهه؛ من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعيّة أو لا، ولو كان مثل هذا السحر قاتلاً نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به.(1)


حقيقة السحر

(1) اختلف الفقهاء في أنّ السحر هل له حقيقة مؤثّرة في المسحور بحيث يموت منه ويتأثّر به فيما يقصده الساحر، أم هو مجرّد كلام ولا تأثير له أصلاً، فذهب بعضهم إلى الأوّل، وآخرون إلى الثاني.

استدلّ القائلون بالأوّل بقوله تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلّا بِإِذْنِ اللهِ....(1)

أسند القرآن التفريق إليه وذمّهم على تعلّم ما يفرّقون به بين المرء وزوجه، فلو لم يكن له تأثير لم يتوجّه إليهم الذمّ؛ ولأنّ تأثيره أمر وجداني شائع بين الخلق كثيراً قديماً وحديثاً، وفي الأخبار ما يدلّ على وقوعه في زمن النبيّ (صلی الله علیه وآله) حتّى قيل: إنّه سُحِرَ حتّى كان يُخيّلُ إليه أنّه فعل شيئاً ولم يفعله، وفيه نزلت المعوّذتان.

والقائلون بالثاني استدلّوا بقوله تعالى: يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنَّهَا تَسْعَى،(2)وقوله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلّا بِإِذْنِ اللهِ....(3).

وجه الدلالة: أنّ تأثيره لو كان بالإضرار فلابدّ من إذنه تعالى وفقاً للآية،(4)وإذنه تعالى ممتنع؛ لاستلزامه القبيح.


1) . البقرة (2): 102.

2) . طه (20): 66.

3) . البقرة (2): 102.

4) . البقرة (2): 102.

...


هذا، وأقوى القولين بل الحقّ منهما هو الأوّل؛ لما عرفت من الأدلّة وغيرها ممّا يظهر لمن يراجع البحار.(1)

وما استدلّ به للثاني - مضافاً إلى أنّ الأوّل منه على الخلاف أدلّ، بل دليل عليه من جهة الظهور في تأثير السحر في الخيال - أنّ الإذن إذن تكوينيّ لازم في جميع الأعمال والأفعال، فإنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، فيكون محقّقاً في السحر. ولا قبح فيه من جهة الاختيار في الفعل كجميع المعاصي، فإنّ تأثيرها وتحقّقها ليس إلّا بإذن الله تعالى، فإنّه مسبّب الأسباب. وعدم القبح في إذنه تعالى كذلك يكون من جهة ما في المعاصي من الاختيار. هذا كلّه في أصل الثبوت.

ولا يخفى عليك أنّه لو سحره فمات لم يوجب قصاصاً ولا ديةً على القول الثاني؛ لعدم إمكانه. ولا فرق في ذلك بين قيام البيّنة عليه أو الإقرار به؛ لأنّهما على أمرٍ محال غير قابل للتحقّق على ذلك القول. وأمّا على القول الأوّل فالكلام يقع في إثباته، فنقول: كما أنّ الإقرار مثبت له فكذلك البيّنة؛ لما في السحر من أعمال وأسباب وجوديّة قابلة للعلم كبقيّة الأسباب.

وبالجملة؛ على القول بتحقّقه، فإنّ قيام البيّنة عليه واضح حتّى على الخيالي منه فضلاً عن الخارجي؛ لكونه مسبّباً عن العمل والسبب ولو مثل الشعبذة، فلا فرق بين البيّنة والإقرار في الإثبات إلّا في كفاية الإمكان فيالثاني دون الأوّل، فلابدّ فيه من الوقوع كما لا يخفى.

ثمّ إنّه كما أنّ أصل القتل به قابل للإثبات بهما فكذلك أنواعه من العمد والخطأ، فإن أقرّ مع القتل؛ بأنّ سحره ممّا يقتل به غالباً فقد أقرّ بالعمد، وإن قال:


1) . بحار الأنوار 60: 21، باب تأثير السحر والعين و...، الحديث 14.

(مسألة 15): لو جنى عليه عمداً فسرت فمات، فإن كانت الجناية ممّا تسري غالباً فهو عمد، أو قصد بها الموت فسرت فمات فكذلك. وأمّا لو كانت ممّا لا تسري ولا تقتل غالباً، ولم يقصد الجاني القتل، ففيه إشكال، بل الأقرب عدم القتل بها وثبوت دية شبه العمد.(1)


«نادراً» استفسر: فإن أضاف إليه قصد قتله فهو عمد أيضاً، وإلّا فهو شبيه العمد. وإن قال: «أخطأت من اسم غيره إلى اسمه» فهو إقرار بالخطأ، فيلزمه حكم ما أقرّ به، ولكن في صورة الخطأ لا يلزم إقراره العاقلة، بل تجب الدية في ماله؛ قضاءً للدية في الخطأ. نعم، لو صدّقوه أخذناهم بإقرارهم.

السراية في الجناية العمديّة

(1) ما في المسألة هو الموافق للأُصول والقواعد، ولا إشكال ولا كلام في القود وكونه عمداً فيما كانت الجناية مسرية غالباً أو قصد بها الموت، وإنّما الإشكال - كما في المتن - في الصورة الثالثة، ففي اللثام:

لو سرت جناية العمد على طرف إلى النفس ثبت القصاص في النفس اتفاقاً كما هو الظاهر، وإطلاقهم يشمل كلّ جراحة قصد بها القتل أم لا، كانت ممّا يسري غالباً أو لا، فلو قطع إصبعه عمداً لا بقصد القتل فسرت إلى نفسه قُتل الجارح، ولكن فيه نظر.(1)

وفي المسالك:

قوله: «السراية عن جناية العمد...» إلى آخره، ظاهره عدمالفرق في إيجاب السراية القصاص - إذا كان أصل الجناية عمداً - بين كونها ممّا


1) . كشف اللثام 11: 22.

...


يوجبها غالباً أو يوجب القتل كذلك وعدمه، ولا بين أن يقصد بذلك القتل وعدمه، وبهذا المفهوم صرّح العلّامة في القواعد و‌التحرير،(1)وتمشية هذا الإطلاق على قاعدة العمد السابقة لا يخلو من إشكال.(2)

ووجه الإشكال ظاهر؛ لعدم القصد إلى القتل ولا غلبة الجناية في السراية أو القتل، بل وليس المقتول كذلك مظلوماً، فكيف القود والقصاص؟! نعم، ثبوت الدية - كما في المتن - لكون الجاني ضامناً للجرح ابتداءً وسرايةً والموت منتسب إليه وإلى جرحه هو الأقرب. نعم، على القول بالقود في الموت بما يقتل به نادراً من دون قصد القتل على ما مرّ في تفصيل الأقسام للعمد في المسألة الأُولى، لابدّ من القول بالقود هنا أيضاً، فإنّه من موارده وأفراده.

وعليه: فالإطلاق في مثل الشرائع(3)في المسألة موجّه، لكنّ الشأن في تماميّة ذلك المبنى، وقد عرفتَ عدم التماميّة، وأنّ الأشهر بل المشهور أنّه ليس بعمد، بل عن الغنية(4)الإجماع عليه.

وفي الجواهر بعد نقل ما مرّ(5)عن عبارة المسالك، قال:

قلت: قد مضى ما يستفاد منه ذلك وإن كان الإنصاف عدم خلوّهعن النظر أيضاً.(6)


1) . قواعد الأحكام 3: 585؛ تحرير الأحكام 5: 424.

2) . مسالك الأفهام 15: 74.

3) . شرائع الإسلام 4: 182.

4) . غنية النزوع 1: 402.

5) . مرّ آنفاً.

6) . جواهر الكلام 42: 29.

(مسألة 16): لو قدّم له طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به، فلو لم يعلم الحال فأكل ومات، فعليه القود، ولا أثر لمباشرة المجنيّ عليه، وكذا الحال لو كان المجنيّ عليه غير مميّز؛ سواء خلطه بطعام نفسه وقدّم إليه أو أهداه أو خلطه بطعام الآكل.(1)


فما مضى منه هو ما ذكره وجهاً للقصاص وتحقّق العمد مع عدم القصد إلى القتل وعدم الغلبة للآلة فيه بقوله: «ولولا ذلك لكان المتّجه فيه القصاص؛ لصدق القتل عمداً» ونظره فيه راجع إلى ما ذكره ; بأنّ:

العمدة في تنزيل إطلاق النصوص المزبورة على ذلك الشهرة المحقّقة والمحكيّة والإجماع المحكيّ، ولولا ذلك لكان المتّجه فيه القصاص؛ لصدق القتل عمداً على معنى حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الذي حصل به القتل وإن كان ممّا يقتل نادراً؛ إذ ليس في شيء من الأدلّة العمد إلى القتل، بل ولا العرف يساعد عليه، فإنّه لا ريب في صدق القتل عمداً على من ضرب رجلاً عادياً غير قاصد للقتل أو قاصداً عدمه فاتّفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمد له.(1)

التسبيب في القتل

(1) كلّ ما في المسائل السابقة إلى هنا من مسائل التسبيب كان من انفراد الجاني بالتسبيب، ومن هذه المسألة السادسة عشر إلى الثالثة والثلاثين يكون في اشتراك الجاني كذلك مع المجنيّ عليه، كما أنّ ما فيالرابعة والعشرين إلى الحادية والثلاثين مربوط باشتراكه مع الحيوان، والمسألة الثانية والثلاثين وكذا الثالثة


1) . جواهر الكلام 42: 17.

...


والثلاثين من مسائل اشتراك الجاني كذلك، أي بالتسبيب مع إنسان آخر.

وللجاني بالتسبيب أقسام أربعة، ذكرها صاحب القواعد(1)في مطالب أربعة.

نعم، ما في المتن يخالفه في ترتيب الأقسام، والأمر في التقسيم والترتيب وغيرهما من الأُمور الفنيّة وأُمور الفهرسة سهلة المؤونة في الفقه، إنّما المهمّ نفس المسائل والأحكام.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ المقدّم (بالكسر) للطعام المسموم وإن كان له السببيّة في الجملة، لكنّ المقتول شريكه في القتل، وينبغي في البحث عن هذه المسألة وما يتلوها إلى المسألة الحادية والعشرين اتّباع صاحبي اللثام(2)والجواهر 0،(3)حيث جعلا الكلام في مسألة التقديم في التقديم والمناولة تارة، وفي الوضع والجعل أُخرى، وفي حكم الاختلاف ثالثة، وفي الخطأ رابعة، فالكلام يتمّ في مسائل أربعة، وبه يظهر حال مسائل المتن.

القتل بالطعام المسموم

أوّلها: لو قدّم إليه طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد القتل به في الأكل، فإن علم الآكل بالسمّ وكان مميّزاً فلا قود ولا دية بلا خلاف ولا إشكال؛ لكونه هو القاتل نفسه بمباشرته عالماً بالحال لا المقدّم، وتقديمهوإن كان مؤثّراً في الجملة لكنّ تأثيره شرطيّة كمناولته السكّين لمن ذبح نفسه بها عالماً.


1) . قواعد الأحكام 3: 583.

2) . كشف اللثام 11: 26.

3) . جواهر الكلام 42: 35 - 39.

...


وما وقع من مثل الإمام الحسن والإمام الرضا (عليهما الصلاة والسلام) من الإقدام على الطعام المسموم، فمن المحتمل كون دخالة العلم في النهي عن الإلقاء في التهلكة وفي قتل النفس على نحو الموضوعيّة، وخروج العلم من الغيب عن الموضوع واختصاصه بالعلم العادّي، فإنّ اختيار الموضوع بيد الشارع فلا حرمة على ذلك أصلاً.

وهذا الاحتمال وإن كان مخالفاً لظاهر الأدلّة، واقتضائه الطريقيّة للعلم كسائر الموارد المثبتة للحكم على ذات الموضوع، إلّا أنّ العصمة في الإمام (عليه الصلاة والسلام ) قرينة على ذلك الاحتمال؛ دفعاً لما ينافي العصمة، وفي محض الاحتمال ثبوتاً كفاية كما لا يخفى.

ومن المحتمل كون الإقدام منهما لمصلحة الإسلام والمسلمين، كالشهادة والجهاد أو غيرهما من الوجوه المذكورة في محلّها.

وإن لم يعلم الآكل بالحال فأكل فمات، فللوليّ القود عندنا؛ لأنّ المباشرة هنا ضعفت بالغرور، وينسب القتل إلى السبب، أي المقدّم (بالكسر) كما لو قتله بالسيف - مثلاً - ، حيث إنّ المقدّم عرّضه لأكل الطعام ولم يُعلمه بكون الطعام مسموماً، ألا ترى أنّه لو أعلمه أنّ فيه السمّ لم يختر شربه ولا أكله.

ولا فرق في ذلك بين ما لو خلطه بطعام نفسه وقدّمه إليه، أو أهداه إليه، أو خلطه بطعام الآكل ولم يعلم، أو بطعام أجنبيّ وندبه إليه من غير شعور أحد من الآكل والأجنبيّ. ولو علم الأجنبيّ وشارك في التقديم كان شريكاً في الجناية، فما عن الشافعي من قوله بنفي القود مع عدم العلم ترجيحاً للمباشرة التي عرفت سقوطها بالغرور واضح الضعف.

...


هذا، وفي مجمع الفائدة والبرهان:

لو قدّم شخص إلى غيره طعاماً مسموماً فأكله ذلك الغير عالماً بالسمّ وكونه قاتلاً، لا شيء على المقدّم من القصاص والدية؛ لأنّه السبب القويّ بل المباشر، فهو القاتل لنفسه لا غير، وإن جهل أحدهما يكون المقدّم قاتل عمد، فعليه القصاص مع علمه بهما، والدية عليه مع جهله بأحدهما.(1)

وفي الجواهر الإيراد عليه بقوله:

منع كون المقدّم قاتل عمد مع فرض علم المتناول بأنّ في الطعام شيئاً قاتلاً ولكن لم يعلم أنّه سمّ، ضرورة عدم مدخليّة جهله بالسمّ في إقدامه على قتل نفسه، بل قد يشك في ذلك لو علم بأنّ فيه سمّاً خاصّة، حيث إنّه أقدم على ما يحتمل فيه القتل.(2)

وما ذكره رحمه الله من المنع في محلّه، اللهمّ إلّا أن يقال: الجهالة بالسمّ مستلزمة عادة للجهل بأنّ في الطعام شيئاً قاتلاً، وبأنّ السمّ في الطعام هو الغالب القاتل دون غيره لندرته جدّاً، فكلامه منصرف إلى الغالب، فلا منع ولا نقض كما لا يخفى.

وبذلك يظهر ضعف ما في الجواهر من الإشكال في إطلاق ثبوت الدية على المقدّم مع جهله بأحدهما، إذ من أفراده ما لو علم بكونه قاتلاً ولكن لم يعلم بأنّه سمٌّ فإنّ المتّجه فيه القصاص لا الدية، ووجه الضعفما مرّ في عكسه من


1) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 385.

2) . جواهر الكلام 42: 36.

...


خروج ذلك الفرد من إطلاق كلامه وانصرافه إلى غيره لندرته إن لم نقل بعدم تحقّقه، فالكلام منصرف إلى المتعارف، فالجهالة بالسمّ مع العلم بأنّ الطعام قاتل كعكسه من الجهالة بأنّه قاتل مع العلم بأنّ فيه السمّ، كلاهما خارجان عن إطلاق كلامه بانصراف الكلام إلى الغالب.

وأمّا ما أورده عليه قبل ذلك بمنع ثبوت الدية على المقدّم الجاهل فيما لو كان واضع السمّ غيره، للأصل، وأولويّة المباشرة مع التساوي، وبعد ذلك بثبوت القصاص على المقدّم مع كونه عالماً بالسمّ دون كونه قاتلاً فيما قصد القتل به، أو أعقب مرضاً أدّى إلى ذلك.

ففيه: أنّهما خارجان عن محلّ البحث؛ لأنّ الظاهر كون السبب في جهل المقدّم ما هو السبب في جهل الآكل، وهو الجهل من حيث السمّ في الطعام، لا من جهة الواضع ولا غيرها من الجهات حتّى يرد النقض بما ذكره ; من المنع، ولأنّ الجهل المبحوث عنه ما هو السبب لعدم العمد بما هو جهل، ففرضه مع شيء يوجب العمد كقصد القتل، والنقض بثبوت القصاص معه خروج عن محلّ البحث أيضاً.

القتل بالسمّ

ثانيها: القتل بالسمّ والمشاركة لكن لا بنحو المناولة والتقديم، بل مثل جعله في طعام صاحب المنزل وأكله من غير شعور واطّلاع، وفيه احتمالات ثلاثة:

الأوّل: القود على السبب والجاعل، كما اختاره الشيخ في الخلاف(1)والمبسوط،(2)


1) . الخلاف 5: 170، المسألة 31.

2) . المبسوط 7: 45.

...


بل في المسالك(1)على أنّه الأشهر؛ لضعف المباشرة بالغرور وأقوائيّة السبب، ولصدق القتل عامداً لغةً وعرفاً، بل لعلّه نحو التقديم الذي ليس إلجاءً وإنّما هو داعٍ للأكل، والطريق المتعارف في القتل بالسمّ الذي هو كالآلة.

الثاني: الدية عليه دون القود، حيث إنّه لم يَلجئه إلى الأكل ولم يكن مقدّماً فيلزمه القصاص، ووجوب الدية عليه لنسبة القتل إليه وكونه غارّاً.

الثالث: عدم الضمان من رأس، وهو قول للعامّة.

والمتعيّن من الاحتمالات، بل الأقوى منها الأوّل؛ لما عرفت من الوجه، والقود ليس دائراً مدار الإلجاء أو التقديم حتّى ينتفي بانتفائه، بل هو دائر مدار صدق القتل مظلوماً، وأقوائيّة السبب عن المباشر الموجب لصدق النسبة كما عرفت.

وبالجملة؛ الظاهر عدم الفرق من حيث العمد والنسبة بين التقديم وبين الجعل في منزله وأكله مع جهله، فكما يلزم القود في الأوّل فكذا الثاني.

نعم، مع علم الآكل فلا ضمان على المقدّم فضلاً عن الجاعل، ول- مجمع الفائدة هنا كلام لا يخلو نقله من فائدة وزيادة توضيح للمسألة، قال:

لو جعل شخص سمّاً في طعام صاحب المنزل فأكله، قال الشيخ: عليه القصاص فإنّه قتل نفساً بالتسبيب وهو موجب للقصاص، وقيل: بالدية؛ لأنّه أكل بنفسه طعام نفسه فلا يلزم على الغير، إذ صدق القاتل عمداً عليه غير ظاهر، ولكن لما صار سبباً للقتلفي الجملة - ولابدّ لدم امرءٍ مسلم من شيءٍ، ولما لم يلزم القود للشكّ في كونه قاتلاً - لزم الدية.


1) . مسالك الأفهام 15: 78.

...


ويحتمل عدم شيء أصلاً؛ لأنّه ما فعل إلّا إلقاء السمّ وهو غير قاتل ولا سبب موجب، لعدم الإلجاء، وهذا ضعيف.

وينبغي التفصيل وهو:

أنّه إن كان الملقي عالماً بأنّه سمّ قاتل وأكل الآكل جاهلاً بذلك فعليه القصاص؛ لأنّه تعمّد القتل أو ما يؤول إليه غالباً؛ لأنّ إلقاءه مع عدم مانع أكله بمنزلة فعل السبب، ولأنّه لو لم يكن مثل هذا موجباً للزم منه وجود قتل كثير مع عدم القصاص يلزم عدم القود في مقدّم الطعام المسموم أيضاً، إذ لا إلجاء هنا أيضاً كذلك، وكذا في أمثال ذلك وهو ظاهر، وفتح للفساد والقتل الكثير، وهو مناف لحكمة شرع القصاص، فتأمّل.

وإن أكل عالماً لا شيء عليه وأنّ(1)الآكل هو القاتل نفسه لا غير.

وإن فعل جاهلاً فعليه الدية؛ لعدم قصد القتل ولا إلى موجبه التامّ ولو نادراً، فلا يكون عامداً مع ثبوت عدم إبطال دم امرءٍ، وعدم اعتبار القصد والعمد في الدية. فتأ‌مّل.(2)

ولا يخفى عليك أنّ ما يدلّ عليه ما ذكره من اللازم الباطل؛ لعدم القصاص فيما كان الملقي عالماً والآكل جاهلاً، من عدم القود في مقدّم الطعام المسموم أيضاً، وهو عدم الفرق بين جعل السمّ في الطعام وبين تقديم الطعام المسموم، أمرٌ متين وتامّ جدّاً، فإنّ المناط فيهما واحد، ولقدأجاد فيما أفاد.


1) . هكذا في نفس المصدر ولعلّ الصواب: «لأنّ الآكل».

2) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 385.

...


الاختلاف في القتل بالجعل أو التقديم

ثالثها: إن حصل الاختلاف بين الجاعل أو المقدّم مع وليّ الدم في الجنس أو المقدار فالقول قوله، وعلى الوليّ البيّنة؛ لأنّه المدّعي ويكون قوله مخالفاً لأصالة البراءة عن القصاص والدية، فإن قامت وثبت أنّه ممّا يقتل به غالباً فادّعى الجهل بأنّه كذلك ففي التحرير:

احتمل القود؛ لأنّ السمّ من جنس ما يقتل غالباً فأشبه ما لو جرحه وقال: لم أعلم أنّه يموت منه، وعدمه لجواز خفائه، فكان شبهةً في سقوط القود، فتجب الدية.(1)

وأقوى الاحتمالين - وفاقاً ل- اللثام - هو الثاني؛ أي عدمه، لكن بشرط كون جواز الخفاء على حدّ الشبهة الموجبة للاحتياط والتخفيف، كما هو الظاهر من عبارة التحرير أيضاً؛ لما فيها من عطف (كان) بالواو لا بالفاء. فإنّ محض جواز الخفاء له أعمّ من تلك الشبهة.

فمن المعلوم عدم اعتناء العقلاء، بل لعلّ بناؤهم على عدمه فيما كان جواز الخفاء والشبهة ضعيفاً في حقّه جدّاً من جهة الشخص أو الزمان أو المكان، أو غير ذلك من الجهات.

وبالجملة؛ لابدّ من كون الاحتمال عقلائيّاً لا عقليّاً.

وما في اللثام من اشتراطه الأقوائيّة بما إذا حصلت الشبهة، حيث قال بعد نقل عبارة التحرير:


1) . تحرير الأحكام 5: 428.

...


والأقوى الثاني إذا حصلت الشبهة،(1)

إنّما يكون لما في عبارته المنقولة من عطف «كان» بالفاء، فإنّ الاشتراط في أقوائيّة الثاني من الاحتمالين في عبارته لازم معه. نعم، مع الواو كما فيما عندنا من نسخة التحرير،(2)فالاشتراط غير لازم. فتدبّر جيّداً.

وما في الجواهر من الاعتراض عليه بقوله:

قلت: قد يقال: إنّ الأقوى الأوّل بعد فرض ثبوت العمد إلى القتل منه؛ لعموم النَّفْسَ بِالنَّفْسِ،(3)وصدق القتل عمداً وغير ذلك. (4)

ففيه: إن كان مراده أنّ ذلك الفرض محلّ البحث فهو كما ترى؛ لأنّه غيره، وإن كان مراده كون محلّ البحث مثله، ففيه أنّه أوّل الكلام.

الخطأ في تقديم السمّ

رابعها: الخطأ في التقديم كما لو قصد بالتقديم قتل غير الآكل، بأن قدّم إليه بظنّ أنّه الغير؛ لكونه في ظلمة أو من وراء حجاب أو نحو ذلك، ففي القواعد(5)وغيره: أنّه خطأ وعليه الدية.

لكنّ الظاهر القصاص، وقضاءً لقوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ


1) . كشف اللثام 11: 28.

2) . وهو في نسخة مؤسّسة آل البيت؛ «احتمل القود؛ لأنّ السمّ من جنس ما يقتل غالباً فأشبه ما لو جرحه وقال: لم أعلم أنّه يموت منه، وعدمه لجواز خفائه، وكان شبهةً في سقوط القود، فتجب الدية». ( تحرير الأحكام 2: 242).

3) . المائدة (5): 45.

4) . جواهر الكلام 42: 37.

5) . قواعد الأحكام 3: 587.

(مسألة 17: لو قدّم إليه طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلاً، فأكل متعمّداً وعن اختيار، فلا قود ولا دية، ولو قال كذباً: «إنّ فيه سمّاً غير قاتل وفيه علاج لكذا» فأكله فمات، فعليه القود، ولو قال: «فيه سمّ» وأطلق فأكله، فلا قود ولا دية.)(مسألة 18: لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، فإن قصد قتله - ولو رجاء‌ً - فهو عمد لو جهل الآكل، ولو لم يقصد القتل فلا قود.)(مسألة 19: لو قدم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم فبان الخلاف، لم يكن قتل عمد ولا قود فيه.)--------------سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ.(1) وقصد القتل ظلماً وإن لم يكن متعلّقاً بالأكل، إلّا أنّ انجراره إلى قتله كافٍ في الصدق عرفاً، فإنّه ظالم في قتله وهو مظلوم فيه.

هذا، مع أنّ إلغاء الخصوصيّة غير بعيدة، حيث إنّ الخاطئ والعامد مشتركان في قصد المعصية والقتل المحرّم، وفي تحقّق المعصية والقتل منهما، وإنّما الاختلاف في تطابق القصد وعدمه الخارج عن الاختيار، فمناط القصاص عرفاً - وهو سوء النيّة بنيّة القتل - حاصل في مثل هذا الخطأ كالعمد، من دون فرق بينهما في ذلك أصلاً.

ولك أن تقول: الفرق بينهما راجع إلى دخالة الأمر الذي لا يكون اختياريّاً، وهو مطابقة القصد مع المقصود وعدم مطابقته معه في القصاص وعدمه، وهو كما ترى مع تحقّق الظلم والعصيان المناطللقصاص فيهما على السواء.


1) . الإسراء (17): 33.

(مسألة 20): لوجعل السمّ في طعام صاحب المنزل، فأكله صاحب المنزل من غير علم به فمات، فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل. وأمّا لو جعله بقصد قتل كلب - مثلاً - فأكله صاحب المنزل فلا قود، بل الظاهر أنّه لا دية أيضاً، ولو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود.

(مسألة 21): لو كان في بيته طعام مسموم، فدخل شخص بلا إذنه فأكل ومات، فلا قود ولا دية،(1) ولو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام فأكله بلا إذن منه وعدواناً فلا قود.


الدخول في البيت وأكل السمّ فيه

(1) عدم القود والدية مع الدخول من دون الإذن؛ لعدم نسبة المباشرة ولا التسبيب لا في قتله ولا في أكله لصاحب البيت، حيث إنّ المقتول هو المباشر في أكل السمّ وفي قتل نفسه اختياراً، فلو لم يدخل البيت لم يقتل، فلا دخالة مؤثّرة لصاحب البيت في قتله، وإنّما يكون عمله عملاً جائزاً لنفسه، والآكل هو المتعدّي بدخول دار غيره والأكل من طعامه.

وبالجملة؛ هو قاتل نفسه، حيث إنّ له أن لا يدخل البيت، بل كان ممنوعاً؛ لكونه عدواناً وظلماً، بل لا ضمان لصاحب البيت والطعام أيضاً إن كان الآكل متعدّياً بأن لم يكن مأذوناً في أكله وإن كان مأذوناً في الدخول لعين ما ذكر قبيل ذلك، حيث إنّه مباشر في قتل نفسه ويكون هو المتعدّي في الأكل مثل المتعدّي في الدخول، فلو لم يأكل لم يقتل، وصاحب البيت لم يكن داعياً ومؤثّراً في أكله حتّى يكون سبباً أقوى من المباشر.

وبذلك يظهر وجه قوله (سلام الله عليه) في المتن: «ولو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام...».

...


وأمّا إن كان الأكل غير عادي ومأذوناً في أكله فعليه الدية مع عدم قصد القتل؛ لجهله بوجود السمّ في الطعام، ولكون القتل منسوباً إليه وكونه دخيلاً فيه ولو من جهة الإذن، فإنّ السبب أقوى من المباشر؛ لضعف المباشرة بالغرور والجهل، ومحض النسبة مع كون الآلة أو الفعل بما يقتل به غالباً كافية في الدية، وأمّا مع قصده القتل فالقصاص، حيث إنّ كون الإذْن كالتقديم غير بعيد.

السموم القاتلة من غير أكل وشرب

مسألة: مثل الطعام المسموم غيره من السموم القاتلة بغير الأكل والشرب، كمسموميّة المكان والمحيط أو الوسائل والأدوات، وغيرها ممّا يوجب الموت سريعاً أو بطيئاً بعد مدّة غالباً، فحكم ذلك المكان أو العامل بتلك الآلات والوسائل والمواد السامّة حكم الطعام المسموم، فالداعي لهما إلى المكان وإلى العمل بها كالمستأجر وصاحب العمل إن كان عالماً بذلك وكان المقتول جاهلاً، فعلى مثل المستأجر (السبب) القود؛ لضعف المباشرة بالغرور والجهل.

وأمّا إن كان المقتول عالماً فلا ضمان على السبب، عالماً كان أو جاهلاً؛ لإقدامه على قتل نفسه، وضعف السبب بعلم المباشر، فيكون كمن أعطاه الغير سكّيناً فقتل نفسه به متعمّداً، فلا ضمان على المعطي كما لا يخفى. وإن كانا جاهلين فلا ضمان على السبب، مع اشتراكه المباشر في الجهل وعدم الغرور.

شكّ السبب في السمّية

مسألة: إن كان السبب - أي مثل المستأجر وصاحب العمل - شاكّاً ومردّداً

(مسألة 22): لو حفر بئراً ممّا يقتل بوقوعه فيها، ودعا غيره - الذي جهلها - بوجهٍ يسقط فيها بمجيئه، فجاء فسقط ومات، فعليه القود. (1)

ولو كانت البئر في غير طريقه ودعاه لا على وجه يسقط فيها، فذهب الجائي على غير الطريق فوقع فيها، لا قود ولا دية.(2)


في السمّية فضمانه بالديه ممّا لا ينبغي الإشكال فيه؛ لأقوائيّة السبب على المباشر.

وأمّا الضمان بالقصاص، فمحلّ إشكال من قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً(1)فهذا مقتول بظلم السبب باعتبار عدم إعلامه الاحتمال والترديد في السمّية ممّا يحتمل كونه داعياً لترك المباشر العمل والمباشرة، ومن عدم قصد القتل وعدم إحراز القابليّة في الوسيلة والآلة.

والحقّ التفصيل بأنّه مع إحراز ترك المباشرة لو أخبره السبب بالاحتمال، بحيث كان الاحتمال له موجباً للترك وعدم المباشرة، فعلى السبب القود؛ لأنّ عدم الإعلام من جانب السبب هو المنشأ، فالمباشرة ضعيفة بهذا المقدار من الغرور.

وكيف لا يكون أقوى من المباشر مع أنّ في تركه الإعلام تمام الدخل على المفروض، كما أنّ مع إحراز عدم التأثير للإعلام على تحقّقه، وأنّ العامل - أي المباشر - لم يكن يترك ذلك المحلّ ولم يكن معتنياً بذلك الاحتمال لضعفه عنده أو لجهة أُخرى، فلا قود على السبب؛ لعدم الأقوائيّةوعدم الغرور أصلاً.

وبذلك يظهر عدم القود مع عدم إحراز شيء من التقديرين.

(1) لأقوائيّة السبب وضعف المباشرة بالجهل والغرور.

(2) لعدم نسبة القتل إلى الداعي، وعدم دخالته فيه عرفاً لا سبباً ولا


1) . الإسراء (17): 33.

(مسألة 23): لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّي مجهّز - بحيث يستند القتل إليه لا إلى الجرح - لا قود في النفس، وفي الجرح قصاص إن كان ممّا يوجبه، وإلّا فأرش الجناية، ولو لم يكن مجهّزاً لكن اتّفق القتل به وبالجرح معاً، سقط ما قابل فعل المجروح، فللوليّ قتل الجارح بعد ردّ نصف ديته.(1)


مباشرة، فالداعي بما أنّه أجنبيٌّ عن النسبة فأجنبيّ عن الضمان أيضاً. لكن لا يخفى أنّ عدم الضمان على الداعي في هذا الفرع إنّما هو بما هو داعٍ على ذلك الوجه، وإلّا فبالنسبة إلى الحافر فضمانه دائر مدار عدم الإنذار والحذر اللازم المتعارف، فإنّ مع الإنذار أقوائيّة السبب منتفية: «وقد أعذر من حذر».(1)

ولا فرق في ضمان الحافر وعدمه بين كونه هو الداعي أو غيره، وبين كون الحفر للحافر جائزاً أم حراماً من جهة أنّ المناط السببيّة والدخالة المرتفعة بالإنذار. فتدبّر جيّداً.

تداوي المجروح بدواء سمّي

(1) تفصيل المسألة أنّ لها أربع صور:

إحداها: أن يكون الجرح الأوّل متلفاً مستقلاً من دون تأثير للدواء في القتل أصلاً، فالجارح هو القاتل وعليه القود مع قصده القتل جزماً أو رجاءً، أو مع كون الفعل ممّا يقتل به غالباً، وعليه الدية مع عدمهما،والوجه فيها واضح.

ثانيتها: أن يكون الدواء قاتلاً مستقلاً عكس السابقة، مثل المداواة بدواءٍ سمّي مجهّز، بحيث يستند القتل إليه، ففي الشرائع - كما في المتن - :

فالأوّل جارح، والقاتل هو المقتول فلا دية له، ولوليّه القصاص في


1) . وسائل الشيعة 29: 69، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 26، الحديث1.

...


الجرح إن كان الجرح يوجب القصاص، وإلّا كان له أرش الجراحة.(1)

وصريحه كصريح غيره عدم ضمان النفس على الجارح وإنّ ما عليه ضمان الجرح فقط، من دون تعرّضهم للإشكال فيه أصلاً، بل أرسلوه إرسال المسلّم.

وفيه: أنّ المفروض إن كان مع سبق العلم بسمّية الدواءِ وكونه مجهّزاً وقاتلاً، فعدم القود والدية على الجارح في محلّه، لكنّه بعيدٌ، بل مخالفٌ لظاهر المداواة.

وإن كان مع الجهل بذلك، فكان التداوي بذلك السمّ كالتداوي بغيره من الأدوية، ففي عدم الضمان على الجارح قضاءً لمباشرة المقتول إشكال بل منع؛ لضعف المباشرة بالجهل، والمعالجة والتداوي به إنّما يكون مسبّباً عن جرح الجارح، فإنّه إن لم يجرح لم يحصل التداوي المنجر إلى القتل، فالسبب أقوى من المباشر، وضمان القتل منسوب إليه لا إلى المقتول، كالضمان في أكل الطعام المسموم للجاهل على المناول والمقدّم العالم، فلا فرق بينهما ظاهراً.

نعم، فيما لم يكن الجرح لقلّته - مثلاً - ممّا يتعارف فيه التداوي بأن كان التداوي خارجاً عن المتعارف، فالحقّ فيه عدم الضمان على السبب؛ لقوّة المباشر وضعف السبب بعدم التعارف.

وكيف كان، فقصاص الجارح والسبب أو ضمانه بالدية تابع لموضوعهوموجبه من العمد في القتل وكون التداوي ممّا يقتل به غالباً، أو احتمال القتل ورجائه ممّا يكون عمداً وموجباً للقود، ومن عدم العمد الموجب للدية، ولا يخفى أنّ قصد السبب قصد للمسبّب من حيث الضمان وكيفيّته.

ثالثتها: استناد القتل إليهما، وبما أنّ الجناية بينهما بالسواء مع عدم ضمان الجاني


1) . شرائع الإسلام 4: 183.

...


لما قابل فعل المجروح وهو نصف الدية كما في نظائره، فيقتصّ من الجاني بعد ردّ نصف الدية عليه، كما في القواعد(1)والشرائع(2)والمتن، مع تصريحهما بعدم الفرق بين كون الدواء ممّا يغلب معه السلامة أو يغلب معه التلف.

نعم، عن العامّة قول بنفي القصاص مطلقاً؛(3)لأنّ أحد الجنايتين غير مضمونة، وآخر بنفي القصاص إذا كان الغالب مع السمّ السلامة؛ لحصول الموت من عمد وخطأ شبيه به، ولا ريب في ضعفهما.

ولكن لا يخفى عليك ممّا مرّ(4)أنّ مقتضى اشتراط الجناية بالعلم بكونها سبباً للقتل إناطة اشتراك الجناية بينهما بعلم المجروح بكون الدواء ممّا يحصل معه التلف، أمّا مع عدم العلم بذلك بأن كان التداوي به كالتداوي ببقيّة الأدوية، فتكون نسبة القتل إلى الجارح أقوى من المباشر والمقتول ولو بالنسبة إلى النصف، فلا اشتراك في القتل كما مرّ بيانه.(5)

رابعتها: الشكّ في الاستناد من أنّه على الشركة أو على استقلال الجرح أو التداوي، فمقتضى القاعدة فيه براءة الجارح، للشكّ في ضمانه، وذلك لاحتمال كون التداوي مستقلاً في القتل.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الجرح - لكونه سبباً - موجب للضمان حتّى معاستقلال التداوي في القتل، فالضمان مطلقاً بالنسبة إلى النصف على الجارح. فتأ‌مّل جيّداً.


1) . قواعد الأحكام 3: 587.

2) . شرائع الإسلام 4: 183.

3) . الفقه علی مذاهب الأربعة 322:5، كتاب الحدود، مبحث الفعلين.

4) . مرّ في الصفحة السابقة.

5) . مرّ بیانه في الصفحة السابقة.

(مسألة 24): لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه فقتله السباع، فهو قتل عمد عليه القود.(1)


الإلقاء في المسبعة

(1) ما عليه من القود وجهه واضح ومطابق للقواعد والأُصول، لكن في الشرائع والقواعد نفي القود وإثبات الدية، ففي الشرائع:

لو كتفه وألقاه في أرض مسبعة فافترسه الأسد اتّفاقاً فلا قود، وفيه الدية.(1)

ومثله القواعد.(2)وفي المسالك التعليل لذلك بقوله:

إنّما لم يكن عليه القود؛ لأنّ فعل السبع يقع باختياره، وطبعه يختلف في ذلك اختلافاً كثيراً، فليس الإلقاء في أرضه ممّا يقتل غالباً. نعم، تجب الدية؛ لكونه سبباً في القتل.(3)

وفي اللثام التعليل بقوله:

فإنّ الإلقاءَ المذكور ليس ممّا يغلب أداؤه إلى الافتراس، وعليه الدية للتسبيب.(4)

ولعلّ نظره في عدم الغلبة على ما في المسالك من الاختيار واختلاف الطبع.

وكيف كان، ففيهما ما ترى، فإنّ الإلقاء متكتّفاً في الأرض المسبعة - وهي التي


1) . شرائع الإسلام 4: 184.

2) . قواعد الأحكام 3: 586.

3) . مسالك الأفهام 15: 83.

4) . كشف اللثام 11: 23.

...


فيها سباع كثير - ممّا يقتل به غالباً كما لا يخفى، وعدم وجود السبع في زمان الإلقاء مع الكثرة في حوالي المحلّ وتردّدهم في الأرض وما حولها ممّا لا يضرّ بالغلبة، بل الظاهر القود في الإلقاء متكتّفاً على الأرض المحتمل فيها مجيء السباع؛ لعدم انفكاك الاحتمال من الرجاء، بل لعلّ في محض الاحتمال كفاية للقصاص؛ لقوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(1)و‌النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.(2)هذا، مع النقض على المسالك بما لو ألقاه إلى السبع فافترسه ففيه القصاص، مع أنّ اللازم من تعليله عدمه.

وعليك بعبارة المجمع في المقام ففيها زيادة توضيح لما ذكرناه وإن كانت لا تخلو من تشويش في الجملة، قال:

لو ألقى شخص إنساناً مربوط اليدين في محلّ السبع ولم يكن السبع حاضراً فأكله السبع اتّفاقاً، لزمه الدية لا القود؛ لأنّه ما قصد القتل، ولا فعلاً قاتلاً غالباً، فلا عمد وقد تلف نفس بسببه.

ويحتمل القود أيضاً، فإنّه قتل نفساً بالتسبيب فيدلّ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ عليه، وهو بعيد إذا لم يكن قاصداً للقتل وإلقائه(3)في فم السبع، وإلّا فليس ببعيد، فإنّ إلقاء المربوط في محلّ السبع - ولو كان مجيؤه إليه نادراً - لا يخلو عن قصد قتله، بل ولو ثبت عدم قصده فإنّ فعله موجب لذلك. وينبغي التأ‌مّل في ذلك، وهوفرع التأ‌مّل في معنى العمد،


1) . الإسراء (17): 33.

2) . المائدة (5): 45.

3) . كلمة «وإلقائِهِ» (بالكسر) معطوفٌ على كلمة القتل.

وكذا لو ألقاه إلى أسد ضارّ فافترسه؛ إذا لم يمكنه الاعتصام منه بنحو ولو بالفرار،(1) ولو أمكنه ذلك وترك تخاذلاً وتعمّداً لا قود ولا دية.(2) ولو لم يكن الأسد ضارياً فألقاه لا بقصد القتل فاتّفق أنّه قتله، لم يكن من العمد،(3) ولو ألقاه برجاء قتله فقتله فهو عمد، عليه القود،(4) ولو جهل حال الأسد فألقاه عنده فقتله فهو عمد إن قصد قتله، بل الظاهر ذلك لو لم يقصده.

(مسألة 25): لو ألقاه في أرض مسبعة متكتّفاً، فمع علمه بتردّد السباع عنده فهو قتل عمد بلا إشكال،(5) بل هو من العمد مع احتمال ذلك وإلقائه بقصد


وقد مرّ، فتذكّر.(1)

(1) وجه القصاص فيه ظاهر ممّا مرّ.(2)

(2) وجه عدم القود والدية كون المقتول هو المباشر في قتل نفسه.

(3) كما هو واضح. نعم، عليه الدية؛ لئلّا يبطل دم امرءٍ مسلم، فإنّه شبيه العمد.

(4) فإنّ في الرجاء قصد القتل كالجزم، والفرق بينهما في الجزم والتردّد، فتشمله أدلّة القصاص وقتل العمد. ومن ذلك يعلم حكم ما ذكره أخيراً، وهو ما لو جهل حال الأسد فألقاه عنده فقتله فهو عمد مع قصد القتل، بل الظاهر ذلك لو لم يقصده، حيث إنّ الإلقاء إلى السبع ممّا يقتل به غالباً عرفاً وهو عمد، إلّا أن يحرز عدم عضّه وعدم كونه ضارياًكالأرنب - مثلاً - فليس كذلك عرفاً، فلا قود لكن عليه الدية؛ للضمان والسببيّة.

(5) حيث إنّ الإلقاء في الأرض كذلك ممّا يقتل به غالباً عرفاً.


1) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 389.

2) . مرّ آنفاً.

الافتراس ولو رجاءً.(1) نعم، مع علمه أو اطمئنانه بأنّه لا يتردّد السباع فاتّفق ذلك لا يكون من العمد،(2) والظاهر ثبوت الدية.(3)

(مسألة 26): لو ألقاه عند السبع فعضّه بما لا يقتل به، لكن سرى فمات، فهو عمد عليه القود. (4)

(مسألة 27): لو أنهشه حيّة لها سمّ قاتل؛ بأن أخذها وألقمها شيئاً من بدنه، فهو قتل عمد عليه القود. وكذا لو طرح عليه حيّة قاتلة فنهشته فهلك. وكذا لو جمع بينه وبينها في مضيق لا يمكنه الفرار، أو جمع بينها وبين من لا يقدر عليه - لضعف كمرض أو صغر أو كبر - فإنّ في جميعها - وكذا في نظائرها - قوداً.(5)


(1) لما مرّ(1)من كفاية رجاء القتل في العمد والقصاص.

(2) لعدم العمد، وما في معناه ممّا يوجب القود كما لا يخفى.

(3) الدية فيه للسببيّة والضمان.

(4) لكون الإلقاء عنده ممّا يقتل به غالباً عرفاً.

(5) لكون الفعل في جميعها ونظائرها ممّا يقتل به غالباً، خلافاً لما عن العامّة من الفرق بين الجمع مع الحيّة والجمع مع السبع بعدم القود في الأوّل؛ لأنّها تهرب من الإنسان دون السبع، وهو ظاهر المبسوط،(2)وقد أشار في التحرير إلى احتماله بقوله: «فالأشبه ذلك»؛(3)يعني القود.

وفيه: أنّه على تسليم هرب الحيّة فنفس الجمع في المضيق معها ممّايقتل به غالباً للخوف من الحيّة، بل محض رؤية الحيّة ولو في البرّ والمكان الوسيع موجب


1) . مرّ في الصفحة 68 - 69 و 94 - 95.

2) . المبسوط 7: 46.

3) . تحرير الأحكام 5: 430.

(مسألة 28): لو أغرى به كلباً عقوراً قاتلاً غالباً فقتله فعليه القود. وكذا لو قصد القتل به ولو لم يكن قاتلاً غالباً، أو لم يعلم حاله، وقصد - ولو رجاءً - القتل، فهو عمد.

(مسألة 29): لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فعليه القود،(1) ولو ألقاه في البحر ليقتله فالتقمه الحوت بعد الوصول إلى البحر، فعليه القود(2) وإن لم يكن من قصده القتل بالتقام الحوت، بل كان قصده الغرق. ولو ألقاه في البحر، وقبل وصوله إليه وقع على حجر ونحوه فقتل، فعليه الدية،(3) ولو التقمه الحوت قبل


للخوف غالباً، فكيف في المضيق ومع عدم إمكان الفرار؟!

(1) لكون الفعل ممّا يقتل به غالباً، ولكون القتل ظلماً على المقتول.

(2) لوصوله قبله إلى المهلك وهو البحر، ولك أن تقول: إنّ ذلك الإلقاء في البحر من الأفعال المهلكة، فالقتل به بعد تحقّق ذلك الفعل عمد مطلقاً وإن كان القتل بسبب آخر كالتقام الحوت - مثلاً - ؛ قضاءً لإطلاق النَّفسَ بالنَّفْسِ،(1)ولإطلاق ما دلّ على كفاية الآلة القتّالة في القود والعمد، ولكفاية قصد القتل في العمد مطلقاً وإن لم يتحقّق الفعل الخاصّ المقصود به القتل كما لا يخفى.

(3) الفرق بين هذه الصورة بالحكم بالدية وبين ما بعدها من التقامه الحوت من الحكم بالقود محلّ تأ‌مّل بل منع، والظاهر القود فيهما كما يظهر ممّا نبيّنه فيه، فإنّ الفعل فيهما ممّا يقتل به غالباً مع أنّ القتل فيهما ظلمعلى المقتول أيضاً. ولعلّ مورد كلامه (سلام الله عليه) في هذه الصورة ما لم يقصد بإلقائه البحر القتل، وكان الملقى (بالفتح) بالفعل ممّن لا يقتل به عادة؛ لكونه سائحاً وعالماً بالسباحة.


1) . المائدة (5): 45.

وصوله إليه فالظاهر أنّ عليه القود.(1)


(1) كما في الخلاف(1)والمبسوط(2)والمختلف(3)والمهذّب(4)وغاية المراد؛(5)لأنّه أهلكه بالإلقاء، والإلقاء في البحر إتلاف عادة، فلو لم يأخذه الحوت يهلك بالغرق، فكأنّه ابتعله بعد الغرق، فهو كنصل منصوبٌ في عمق البئر، وفي اللثام مزجاً ب- القواعد:

على إشكال ينشأ من تلفه بسبب غير مقصود للملقي، كما لو رمى به من شاهق فاستقبله غيره بالسيف فقدّه، وهو خيرة الشرائع(6).(7)

لكنّ الإشكال مذبوبٌ بأنّ الملقي ظالم في قتله عرفاً، فإنّه إن لم يجرء ولم يفعل الإلقاء فلم يقتل، فيكون المقتول مظلوماً وتشمله الآية وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِولِيِّهِ سُلْطَاناً(8)ولا اعتبار معه بالقصد والعمد كما اخترناه، هذا، مع صدق القاتل عمداً على مثله، فضلاً عن قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(9)‌ونحوه ممّا لا إشكال في شموله لمثل ذلك الذي هو في الحقيقة كما لو وصل إلى البحر فالتقمه الحوت بعد وصوله، الذي صرّح فيالقواعد(10)بكونه عمداً لوصوله قبله إلى


1) . الخلاف 5: 162، المسألة 22.

2) . المبسوط 7: 19.

3) . مختلف الشيعة 9: 469، المسألة 160.

4) . المهذّب 2: 464.

5) . غاية المراد 4: 311.

6) . شرائع الإسلام 4: 184.

7) . كشف اللثام 11: 24.

8) . الإسراء (17): 33.

9) . المائدة (5): 45.

10) . قواعد الأحكام 3: 586.

(مسألة 30): لو جرحه ثمّ عضّه سبع وسرتا فعليه القود، لكن مع ردّ نصف الدية، ولو صالح الوليّ على الدية فعليه نصفها، إلّا أن يكون سبب عضّ السبع هو الجارح، فعليه القود، ومع العفو - على الدية - عليه تمام الدية.

(مسألة 31): لو جرحه ثمّ عضّه سبع ثمّ نهشته حيّة فعليه القود مع ردّ ثلثي الدية، ولو صالح بها فعليه ثلثها، وهكذا. وممّا ذكر يظهر الحال في جميع موارد اشتراك الحيوان مع الإنسان في القتل.

(مسألة 32): لو حفر بئراً ووقع فيها شخص بدفع ثالث فالقاتل الدافع لا الحافر، وكذا لو ألقاه من شاهق وقبل وصوله إلى الأرض ضربه آخر بالسيف - مثلاً - فقدّه نصفين، أو ألقاه في البحر وبعد وقوعه فيه قبل موته - مع بقاء حياته المستقرّة - قتله آخر، فإنّ القاتل هو الضارب لا المُلقي.


المهلك وإن استشكل في هذه الصورة، بل لعلّ التلف بالإلقاء إلى البحر من أفراده ذلك وإن كان الغالب منها الغرق.

وكم من فرق بين المورد وبين ما شبّهه به من الرمي من شاهق، فإنّ القادّ في الرمي مباشر وظالم فعليه القود، والرامي وإن كان ظالماً أيضاً لكنّه غير قاتل عرفاً، غاية الأمر أنّه سبب مقصّر عليه التعزير.

نعم، مع التباني معه يكون شريكاً في القتل، وأنّى ذلك بما نحن فيه ممّا لا يصحّ الحكم على المباشر الحيوان وممّا ينسب العرف القتل عن ظلم إلى الملقي فقط.

نعم، لو ألقاه في ماء قليل لا يغرق فأكله سبع لوقوعه فيه أو التقمه حوتأو تمساح، فعليه الدية للتسبيب لا القود؛ لعدم العمد إلى القتل، وعدم كون الفعل ممّا يقتل به غالباً، وعدم كونه مقتولاً ظلماً عرفاً، بل غاية الأمر حكمهم بأنّه ملقى في الماء ظلماً.

(مسألة 33): لو أمسكه شخص وقتله آخر وكان ثالث عيناً لهم، فالقود على القاتل لا الممسك، لكنّ الممسك يحبس أبداً حتّى يموت في الحبس،(1)


(1) ما في المتن من حكمي القاتل والمُمْسِك ثابت بلا خلاف أجده في شيءٍ منهما، بل في الخلاف(1)وعن الغنية(2)الإجماع عليه؛ لما استفيض من الروايات:

منها: صحيح الحلبي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: «قضى عليّ (علیه السلام) في رجلين أمسك أحدهما وقتل الآخر، قال: يقتل القاتل ويُحبس الآخر حتّى يموت غمّاً كما حبسه حتّى مات غمّاً».(3)

ومنها: خبر سماعة قال: «قضى أميرالمؤمنين (علیه السلام) في رجل شدّ على رجل ليقتله والرجل فارٌّ منه فاستقبله رجل آخر فأمسكه عليه حتّى جاء الرجل فقتله، فقتل الرجل الذي قتله، وقضى: على الآخر الذي أمسكه عليه أن يطرح في السجن أبداً حتّى يموت فيه، لأنّه أمسكه على الموت».(4)وغيرهما من النصوص.(5).

وليس على الممسك عقوبة زائدة على الحبس وإن اختارها المقنعة، حيث قال: «بعد أن ينهك بالعقوبة»؛(6)للأصل.

ولما في عدم ذكرها في الأخبار المبيّنة لحكمه من الظهور والدلالة على العدم، لئلّا يلزم تأخير البيان عن الحاجة.

ولك أن تقول: في كون الأخبار في مقام بيان حكم المُمْسِك وجزائه دلالة


1) . الخلاف 5: 174، المسألة 36.

2) . غنية النزوع 1: 407.

3) . وسائل الشيعة 29: 49، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب17، الحديث1.

4) . وسائل الشيعة 29: 50، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب17، الحديث2.

5) . وسائل الشيعة 29: 50، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 17، لحديث 3.

6) . المقنعة: 745.

والربيئة تسمل عيناه بميل محمىً ونحوه.(1)


فعليّة على عدم عقوبة زائدة على الحبس وأنّ عقوبته منحصرة فيه.

والاستدلال عليها بخبر أبي المقدام: «إنّ الصادق (علیه السلام) أمر به، فضرب جنبيه، وحبسه في السجن، ووقع على رأسه يحبس عمره، ويضرب في كلّ سنة خمسين جلدة»،(1)غير تامّ سنداً بالإرسال قبل محمّد بن الفضيل، وبالاشتراك فيه بين الثقة وغيرها، وبعدم ثبوت وثاقة عمرو بن أبي المقدام، وبالإعراض عنه على تماميّة السند؛ لعدم الفتوى به حتّى من المقنعة، فما عنه الإنهاك بالعقوبة لا العقوبة الخاصّة الواردة.

وعدم الفتوى به ليس إلّا من جهة الإعراض على تماميّة السند، وإلّا فالحديث ممّا نقله المشايخ الثلاثة في الكافي(2)والفقيه(3)والتهذيب،(4)وليس من الأحاديث النادرة ليحتمل كون عدم العمل للندرة لا للإعراض.

ودلالةً؛ لكونه قضيّة شخصيّة، والعقوبة الزائدة لعلّها من جهة الإطراق بالليل وعدم رجوع الذي يكون مورداً للسؤال. فتدبّر جيّداً.

(1) إجماعاً على ما يظهر من الخلاف،(5)ولموثّق السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام) المعتضد بعمل الأصحاب، بل قيل: إنّه مقطوعٌ بهفي كلامهم، قال: «إنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير‌المؤمنين(علیه السلام): واحد منهم أمسك رجلاً، وأقبل الآخر فقتله،


1) . وسائل الشيعة 29: 51، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 18، الحديث1.

2) . الكافي 7: 287، كتاب الديات، باب الرجل يمسك الرجل فيقتله آخر، الحديث 3.

3) . الفقيه 4: 86/279، باب حكم الرجل يقتل الرجلين أو...، الحديث 6.

4) . تهذيب الأحكام 10: 221/868، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 1.

5) . الخلاف 5: 174، المسألة 37.

...


والآخر يراهم، فقضى في صاحب الرؤية(1)أن تسمل عيناه، وفي الذي أمسك أن يسجن حتّى يموت كما أمسكه، وقضى في الذي قتل أن يقتل».(2)

وفي مجمع الفائدة والبرهان الإيراد على الرواية بعد قبول دلالتها على الأحكام الثلاثة بالضعف في السند، لكنّه قال:

إلّا أنّها معمولة (3)ومشتملة على ما اشتمل عليه الصحيحة المتقدّمة.(4)ولكنّ الأصل عدم عقوبة على الناظر، وما فعل ما يوجبها بحسب الظاهر، فالحكم الأخير [وهو سمل عين الناظر[ لو لم يكن مجمعاً عليه فهو محلّ التأ‌مّل. فتأ‌مّل.(5)

ولعلّ أمره بالتأ‌مّل لمكان العمل، فإنّها معمولٌ بها كما صرّح به، فضعفها بالعمل منجبرٌ، كما أنّه على المختار من كونها موثّقة، فالأمر أوضح.

وهي حجّة على كلّ الثلاثة من الأحكام. فتأ‌مّل؛ فإنّ من البعيد وجودبناء العقلاء على حجّية خبر الواحد الثقة لإثبات مثل سمل عين الناظر بمثل رواية واحدة، وهي موثّقة السكوني في المسألة، ومع عدم ذكرٍ لذلك الحكم في بقيّة روايات المسألة، والاكتفاء فيها بحبس الآمر وقتل القاتل، ومع أنّ مقتضى القاعدة


1) . وفي الجواهر: «فقضى في الرؤية، وفي نسخة: الرئية، وفي الثالثة: الربية». (جواهر الكلام 42: 47)؛ وفي تهذيب الأحكام 10: 219/863، باب الاثنين إذا قتلا واحداً والثلاثة يشتركون في القتل...، الحديث 10؛ «في الربيئة». والربيئة: الطليعة، والذي يرصد الطريق للقاتل كي لا يطّلع عليه أحد. (انظر: الصحاح 1: 94، مادّة: «ربأ»).

2) . وسائل الشيعة 29: 50، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 17، الحديث 3.

3) . وفي المطبوعة «محمولة»، لكنّ الصواب على ما في النسخ المخطوطة: «معمولة».

4) . وسائل الشيعة 29: 49، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 17، الحديث 1.

5) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 400.

(مسألة 34): لو أكرهه على القتل فالقود على المباشر إذا كان بالغاً عاقلاً، دون المكره وإن أوعده على القتل، ويحبس الآمر به أبداً حتّى يموت. ولو كان المكره مجنوناً أو طفلاً غير مميّز فالقصاص على المكره الآمر. ولو أمر شخص طفلاً مميّزاً بالقتل فقتله ليس على واحد منهما القود، والدية على عاقلة الطفل، ولو أكرهه على ذلك فهل على الرجل المكره القود أو الحبس أبداً؟ الأحوط الثاني.(1)


إجرار حكم الشركة في القتل على الناظر؛ قضاءً للقواعد.

وبالجملة؛ إثبات مثل هذه الأحكام الصعبة، مع مخالفتها للقواعد، ومع كونها في رواية واحدة - وإن كانت موثّقة معمولاً بها - مشكلٌ بل ممنوع؛ للشكّ في بناء العقلاء إن لم نقل بعدمه على العمل بمثلها في مثل تلك الأحكام، فالمتّبع هو القواعد الشرعيّة والعقلائيّة المعتبرة.

الإكراه في القتل

(1) صور المسألة أربع:

الصورة الأُولى: إكراه الكامل كاملاً آخر على القتل، وحكمه على ما في المتن و‌الخلاف(1)والمبسوط(2)والشرائع(3)والقواعد(4)وغيرها من كتب الأصحاب كون القود والقصاص على المكره المباشر للقتل دون المكرِه المُلجئ السبب، خلافاً للعامّة، فإنّ لهم أقوالاً أُخرى متفاوتة مع قولالإماميّة، فالمسألة من المسائل الخلافيّة بيننا وبينهم. ففي الخلاف:


1) . الخلاف 5: 166، المسألة 28.

2) . المبسوط 7: 41.

3) . شرائع الإسلام 4: 184.

4) . یأتي عبارتها.

...


إذا أكره الأمير غيره على قتل من لا يجب قتله، فقال له: «إن قتلته وإلّا قتلتك» لم يحلّ له قتله بلا خلاف، فإن خالف وقتل، فإنّ القود على المباشر دون المُلجئ.

وبعد نقله ; أقوال العامّة، قال في الاستدلال على مختاره:

دليلنا: قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً.(1)وهذا قُتل مظلوماً، وعليه إجماع الصحابة. - إلى أن قال: - ومعولنا على الآية قوله تعالى: الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بالأُنْثَى،(2)وعلى إجماع الفرقه.(3)

وفي القواعد:

الأُولى: الإكراه، فإنّه يولّد في المكره داعية القتل غالباً، والقصاص عندنا على المباشر خاصّةً دون الآمر؛ لأنّه قتَلَ عمداً ]و [ظلماً لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله، ولو وجبت الدية كانت على المباشر أيضاً، فلا يتحقّق الإكراه في القتل عندنا.(4)

وفي الجواهر:

إذا أكرهه على القتل بأن توعّده الظالم القادر بالقتل - مثلاً - إن لم يقتله، فالحكم فيه عندنا نصّاً وفتوىً بل الإجماعبقسميه عليه، أنّ القصاص على المباشر الكامل دون الآمر المكرِه، بل ولا دية، بل


1) . الإسراء (17): 33.

2) . البقرة (2): 178.

3) . الخلاف 5: 166- 168، المسألة 29.

4) . قواعد الأحكام 3: 589 - 590.

...


ولا كفّارة.(1)

وفي الشرائع(2)إرسال الحكم والفتوى كذلك إرسال المسلّم، فالمسألة عندهم إجماعيّة، بل كالمسلّمات بينهم.

هذا من الإماميّة.

وأمّا العامّة، فأقوالهم فيه مختلفة: فمنهم من نفى عنهما القود والدية،(3)ومنهم من أوجب القود على المكرِه (بالكسر) وحده،(4)وللشافعي قولان: أحدهما: اشتراكهما في الجناية، فعليهما القصاص وعند العفو الدية نصفين، والآخر: القود على المكرِه وعلى المباشر نصف الدية، وعند العفو على المكرِه أيضاً نصف الدية.(5)

هذه هي الأقوال في المسألة من الخاصّة والعامّة، والأقوى منها كون القود على المكرِه والملجئ وحده دون المباشر والمكرَه (بالفتح)؛ لأقوائيّته عنه بالإلجاءِ والوعيد بالقتل، والقود على السبب الأقوى كما لا يخفى، ولرفع الإكراه، فالقتل الواقع من المباشر المضطرّ إليه لإلجاءِ الغير وإكراهه مرفوعٌ ادّعاءً، فلا حرمة لذلك القتل ولا قود ولا دية ولا غيرها من الآثار، ورفع الإكراه وانتفاءِ حكمه ليس لخصوص حديث الرفع حتّى يشكل باختصاصه برفع المؤاخذة لا جميع الآثار، وإن كان الإشكال غيروارد، حيث إنّ العموم أنسب بل هو المناسب، بل هو المناسب في رفع الحقيقة ادّعاءً كما حقّقناه في محلّه، بل لذلك الحديث وللقاعدة


1) . جواهر الكلام 42: 47.

2) . شرائع الإسلام 4: 184.

3) . لاحظ: المجموع 20: 50، كتاب الجنايات، باب ما يجب به القصاص من الجنايات.

4) . لاحظ: المبسوط، للسرخسي 12: 4092.

5) . لاحظ: الأُمّ 3: 37.

...


المستفادة من الأخبار الكثيرة الواردة في أبواب مختلفة الدالّة على عدم الحكم له، مثل الإكراه على الطلاق والعتق واليمين وغيرها، ومع عدم القود والدية على المباشر، فلابدّ إلّا من الحكم على المكرِه والمُلجئ بهما؛ قضاءً لأقوائيّة السبب، ولئلّا يبطل دم امرءٍ مسلمٍ.

الاستدلال على كون القود على المكره المباشر

وكيف كان، فما يستدلّ به على مذهب الإماميّة وجوهٌ:

أحدها: الأخبار الدالّة على عدم التقيّة مع بلوغها الدم:

ففي صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة».(1)

ومثله موثّق أبي حمزة الثمالي، إلّا أنّ فيه: «إذا بلغت التقيّة الدم».(2)

وفي مرسل الصدوق في الهداية عن الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «لو قلت: إنّ تارك التقيّة كتارك الصلاة لكنت صادقاً، والتقيّة في كلّ شيء حتّى يبلغ الدم، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة».(3)

والتقيّة إمّا عامّة ومحمولة على معناها اللغوي؛ أي التجنّب والتحفّظ من كلّ سوء أوجبت ضرورة وعذراً، كما يظهر من سيّدنا الأُستاذ(سلام الله عليه) في رسالة


1) . وسائل الشيعة 16: 234، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الباب 31، الحديث 1.

2) . وسائل الشيعة 16: 234، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الباب 31، الحديث 2.

3) . الهداية: 51، باب التقيّة؛ وسائل الشيعة10: 131، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الباب 57، الحديث 2.

...


التقيّة، إذ قال:

وبالجملة، يظهر من مجموع ما ورد فيها أنّها على أقسام؛ منها: كونها كسائر الأعذار والضرورات، فرخصت للضرورة والاضطرار، ويدخل فيها التقيّة الإكراهيّة التي لم نتعرّض لها هاهنا، وفصلّنا حولها في الرسالة المعمولة في المكاسب المحرّمة(1).(2)

واستشهد عليه بما في الأخبار، مثل: «التقيّة في كلّ ضرورة»،(3)أو: «التقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم، فقد أحلّه الله له»،(4)ومثل ما ورد في شأن نزول آية: إلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌ بِالْإِيمَانِ(5)في عمّار، ومثل غيرها من الواردة في أخبار التقيّة، فعليه وجه الاستدلال واضحٌ.

وإمّا خاصّة بالتحفّظ من السوء الحاصل من المخالفين للمذهب، كما هو المعروف في معناه، فعليه الاستدلال بالأولويّة، فإنّ الدم إذا لم يكن إهراقه جائزاً مع التقيّة التي هي دين الله، وأنّه «لا دين لمن لا تقيّة له»،(6)وأنّهالمجعول؛ حفظاً للمذهب، لئلّا يذهب مذهب الحقّ، فعدم جوازه مع الإكراه بطريق أولى. وإلى


1) . المكاسب المحرّمة 2: 208.

2) . الرسالات الفقهيّة والأصوليّة، للإمام الخميني1: 6.

3) . وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الباب 25، الحديث 1.

4) . وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الباب 25، الحديث 2.

5) . النحل (16): 106.

6) . وسائل الشيعة 16: 204، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الباب 24، الحديث 3.

...


هذا الوجه - أي أخبار استثناء التقيّة في الدم - يرجع ما في كلامهم من الاستدلال للقصاص على المباشر بعدم استباحة الدم بالإكراه، فلا أقوائيّة للسبب - أي المكرِه المُلجئ - حتّى يكون القصاص عليه.

فعلى هذا، السبب والمباشر هنا متعادلان، وإنّما القصاص على المباشر فقط في المورد؛ لجهات خاصّة به، كالإجماع والأخبار وآية النفس وأمثالها.

والإشكال على هذا الوجه بأنّ التقيّة لما كانت مجعولة لحقن الدم، على ما في تلك الأخبار المستدلّ بها، فعدمها مع عدم الحقن وإهراق الدم موافقٌ للاعتبار، وهذا بخلاف الإكراه الذي لم يكن لذلك، بل كان رفعه للإمتنان على الأُمّة، فالفرق موجودٌ والقياس ممنوعٌ ولو على نحو الأولويّة؛ لأنّها مع الخصوصيّة غير مقطوعة.

مذبوبٌ بأنّ المذكور في تلك الأخبار إشارة إلى أصل الجعل ومبدئه لا إلى العلّة والحكمة؛ حيث إنّ التقيّة مجعولة ديناً وحفظاً للمذهب وسهولة على الملّة وضرورة واضطراراً، كما يظهر من أخبارها ومن التأ‌مّل في الواقع منها في زمن الأئمّة :، فالفرق غير فارق؛ لأنّ الدم مبدء له للجعل لا منشأ ومناط وعلّة منحصرة كما عرفت.

ثانيها: أنّ قتل الغير رفعاً لتوعيد المكرِه بالقتل دفع ضرر عن نفسه بإيقاعه على الغير، وهو قبيحٌ عقلاً وغير جائز شرعاً.

ثالثها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجل أمر رجلاً بقتل رجل، فقال: «يقتل به الذي قتله، ويحبس الآمر بقتله فيالحبس حتّى يموت».(1)


1) . وسائل الشيعة 29: 45، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 13، الحديث 1.

...


الاستدلال بها لابدّ وأن يكون بالشمول للمفروض بترك الاستفصال، فإنّه(علیه السلام) لم يستفصل من كون المأمور مكرَهاً (بالفتح) أو غير مكرَه، وأنّ المكرِه الآمر هل كان ممّن توعّد بالقتل أو بما دونه؟

رابعها: إطلاق مثل قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.(1)

خامسها: الإجماع.

سادسها: أنّ المسلمين تتكافؤ دماؤهم، فلا يجوز قتل الغير لحفظ النفس.

وفي كلّ الوجوه مناقشة وإشكال، ولا شيء منها قابل للاستدلال والاحتجاج به في مقابل القواعد والأُصول الشرعيّة المعتبرة النافذة والاعتبارات العقلائيّة.

ففي الأوّل: إنّه مختصّ بغير المفروض، حيث إنّ الدم المانع من التقيّة موجودٌ معها أيضاً، لكون التوعيد به، فترك التقيّة غير موجب لعدم الدم؛ لتحقّقه بالنسبة إلى نفس المكرَه من جانب المكرِه (بالكسر)، فنفي التقيّة منتفية بانتفاء علّته.

وبالجملة؛ التقيّة في الحديث معلولٌ لعدم الدم وحفظاً للدم والنفس، ومع فرض الدم - ولو دم المتّقي - النفي منفيّ؛ قضاءً للعلّيّة، فالحديث لمكان العلّيّة مختصٌّ بغير التوعيد بالقتل، وتوهّم اختصاص الدم بدم الغير، كما ترى، فإنّه مخالف لإطلاق العلّيّة، بل لظاهرها؛ لعدم كون الدم المطلق عليه علّة، بل العلّة الدم المقيّد المحتاج إلى القيد المباين للمطلق.

هذا، مع أنّ مناط الحكم أهمّيّة الدم والنفس، فعلى الخصوصيّة تكونالخصوصيّة ملغاة بالفحوى وبالإلغاءِ العرفي؛ لعدم الفرق بين دماء الأفراد في الأهمّيّة عندهم.


1) . المائدة (5): 45.

...


هذا، مع أنّه على عدم الإطلاق في الدم فالاستدلال بالحديث غير تامّ أيضاً؛ لاحتمال الانصراف إلى المتعارف في التقيّة في تلك الأزمنة من الإكراه والتقيّة بالتوعيد بغير القتل من الضرر بالمال أو العرض أو النفس، فإنّ التوعيد بالقتل في تلك الأزمنة - بل في زماننا أيضاً - نادرٌ جدّاً. وكيف كان، تلك الأخبار غير مقيّدة لإطلاق أدلّة الإكراه؛ لعدم شمولها لهذه الصورة حتّى تكون مقيّدة له كما بيّنّاه.

وفي الثاني: أنّ مفروض البحث ليس من ذلك الباب، بل من باب عدم تحمّل الضرر على الغير بالضرر على النفس، وهو أمرٌ جائز، فإنّ الضرر في مفروض البحث متوجّه من أوّل الأمر إلى الثالث، والمكرِه (بالكسر) يريد قتله بتوعيد الغير عليه، فالمكرَه (بالفتح) مع قتله الثالث ليس بموقع ضرر نفسه على الغير؛ لعدم توجّه الضرر من المُلجئ إليه من أوّل الأمر، بل منه متوجّه إلى الثالث بدواً كما هو واضح. فتركه المكره عليه موجبٌ لكونه موقعاً لضرر الثالث على نفسه، عكس إيقاع ضرر النفس على الغير.

وبالجملة؛ دفع ضرر المتوجّه إلى النفس بالإيقاع على الغير - كجريه السيل الوارد في بيته على بيت الجار - قبيح وحرام.

وأمّا دفع الضرر المتوجّه إلى الغير بتوجيهه إلى نفسه - كدفع السيل عن بيت الغير لحفظه إلى بيت نفسه - فغير واجب، وقتل المكرَه (بالفتح) الثالث المقصود للمكرِه مع التوعيد عليه بقتل المكرَه (بالفتح) مع تركه - كما في محلّ البحث - يكون من باب ترك تحمّل ضرر قتله الغير بإيقاعه علىنفسه، وهو غير واجب، لا من باب إيقاع ضرر نفسه على الغير حتّى يكون قبيحاً ومحرّماً كما لا يخفى.

وفي الثالث: أنّ الاستدلال بالصحيحة كما عرفت موقوف على ترك الاستفصال،

...


والظاهر عدم المحلّ له لما بين الإكراه والأمر من المباينة مفهوماً، فالاتحّاد الموجب للسؤال لابدّ وأن يكون من جهة المصداق، فإنّ الإكراه وإن كان أخصّ مطلقاً من الأمر بحبسه، لكنّ المتعارف انفراد كلّ واحد منهما عن الآخر في السؤال والجواب والمكالمات، ولذلك كان البحث في الكتب الفقهيّة عن كلّ واحد منهما مستقلاً، فإنّ لكلٍّ منهما عناية خاصّة، فالعناية في الأمر إليه وإلى الآمر القانوني أو الاجتماعي الأعمّ من المشروع وغير المشروع، وفي الكراهة إلى حيث الإكراه والإجبار.

فعلى هذا، لا موقع للاستفصال أصلاً كما لا يخفى، وبعبارة أُخرى: حيثيّة الأمر حيثيّة استلزام تخلّفه العقوبة قانوناً وعقلاءً حقيقة، أو ناشئاً من جهة سوء استخدام الآمر سلطته وحاكميّته، فالعقوبة في الأمر تدخل في العقوبات المجعولة في الشرع والقانون والحكومة، أو ناشئاً من سوء مُعاقبة المتخلّف بما يضرّه من الأُمور الاستخداميّة وغيرها، وحيثيّة الإكراه حيثيّة التوعيد بإضرار المُلجئ على المكرَه (بالفتح) بما في يده واختياره الشخصي من التوعيد إضراراً في المال أو في العرض وغيرهما من دون ارتباطه بالحكومة والقانون.

هذا، مع ما في موثّقة إسحاق بن عمّار والسكوني في أمر المولى عبده بالقتل من قتل السيّد وسجن العبد،(1)بل وفي الشرائع ما يؤذن بتوقّفه فيحبس الآمر وإن جزم بقتل المكرَه المباشر، فقد جاء هناك:


1) . الکافي 7: 285، باب الرجل یأمر رجلاً...، الحدیث 2 و3؛ تهذیب الأحکام 10: 220/865 و866، باب الاثنین إذا قتلا...، الحدیث 12 و13؛ الاستبصار 4: 283/1072 و1073، باب من أمر غیره یقتل إنسان...، الحدیث 2 و3؛ وسائل الشيعة 29: 47، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 14، الحديث 1 و2.

...


إذا أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر دون الآمر ولا يتحقّق الإكراه في القتل ويتحقّق فيما عداه، وفي رواية عليّ بن رئاب(1)يحبس الآمر بقتله حتّى يموت.(2)

وفي المسالك اختياره:

ونسبة المصنّف الحكم [الحبس] إلى الرواية يؤذن بالتوقّف فيه، ولا بأس به [أي بالحكم] لصحّة الرواية.(3)

هذا كلّه، مع أنّه لا يبعد أن يكون السؤال في الصحيحة عمّا يتّفق من أمر بعض من الأفراد بعضاً آخر بالقتل حقداً وحسداً وجنايةً وبُغضاً على المقتول، مع اشتراكهم في تلك الرذائل الأخلاقيّة والدواعي المؤدّية إلى القتل.

وليست مخالفة ذلك الآمر مستتبعة ومتعقّبة للجزاء والعقوبة القانونية، ولا الناشئة من سوء استخدام الآمر سلطته ووجاهته ومقامه، ولا للضرر الشخصي المتوعّد به، بل مخالفته مخالفة لتلك الدواعي المشتركة، ومخالفة في قتله المحبوب للمأمور وللآمر معاً، فهذا النحو من الآمرمفارق مع غيره من الأوامر في الجزاء والعقوبة أوّلاً، وفي داعي الامتثال ثانياً، فإنّ الداعي في غيره هو الخوف من العقوبة القانونيّة أو الضرر المتوعّد عليه من جهة الإكراه، أو من جهة سوء


1) . الکافي 7: 285، باب الرجل یأمر رجلاً...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 219/846، باب الاثنین إذا قتلا...، الحدیث 11؛ الاستبصار 4: 283/1071، باب من أمر غیره بقتل إنسان...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 81/254، باب القود ومبلغ الدیه، الحدیث 17؛ وسائل الشيعة 29: 45، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 13، الحديث1.

2) . شرائع الإسلام 4: 184.

3) . مسالك الأفهام 15: 86.

...


الاستفادة من السلطة القانونيّة دونه فإنّه البغض والتواطؤ على القتل، وفي الآمر ثالثاً، فإنّ الآمر في غيره له القدرة والآمرية دونه فليس في آمره تلك القدرة.

نعم، يكون الآمر في هذا القسم محرّكاً للمأمور ودافعاً له فيه فيقول - مثلاً -: «اقتله فعليّ دمه»، أو «ليس بينكم رجل يقتل فلاناً» وغير ذلك ممّا يظهر للمطّلع على ما بين الناس وعداوة بعضهم لبعض، لا سيّما العداوة الطائفيّة والتعصبيّة وأمثالها.

وعلى ذلك، الصحيحة مربوطة بأمر عرفي خارجيٍّ بين الناس، ولا ارتباط لها بالأمر مع القدرة، فضلاً عن صورة الإكراه، وإن أبيتَ عن ظهور الرواية في هذا، فلا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال. فتدبّر جيّداً فإنّه ممّا ينبغي التدبّر فيه؛ لتزداد المعرفة في محاسن كلامهم وحسن الاتّباع لهم (صلوات الله عليهم أجمعين).

وفي الرابع: أنّه لا كلام في كون المراد من الآية(1)قصاص القاتل وأنّ نفس القاتل بنفس المقتول؛ ولا بحث فيه من حيث الكبرى أصلاً، وإنّما الكلام في المسألة في الصغرى من أنّ القاتل المباشر، لمباشرته أو السبب أي الملجئ المكرِه لأقوائيّته، فإنّ ثبوت القصاص على السبب الأقوى من مسلّمات الفقه في القصاص وفي غيره من الضمانات، والقائل بكون القصاص على الملجئ المكرِه قائل بأقوائيّته في القتل من المباشر المكرَه (بالفتح)، فذلك القائل عامل بالآية كغيره من القائلين بقصاص المباشر كمالا يخفى.

وبالجملة؛ مقتضى الآية في المقام هو مقتضاها في كلّ ما كان السبب أقوى، ولا إشكال عندهم في قصاص السبب الأقوى دون المباشر.


1) . المائدة (5): 45.

...


وفي الخامس: فمضافاً إلى أنّ الأصل في هذا الإجماع هو ما نقله الشيخ في الخلاف، كونه في مسألة اجتهاديّة فلا يكون حجّة، فإنّ الإجماع حجّة حيث ما ليس للعقل إليه سبيل ولا للنقل فيه دليل.

ولننقل عبارة الخلاف بأجمعها؛ لما فيها من الفائدة، ومن الشهادة على عدم البُعد في كونه إجماعاً حدسيّاً لا حسيّاً، وعبارة المبسوط أيضاً؛ لما فيها من الإشعار أو الظهور على كون المسألة اتّفاقيّة، بل هي ممّا لا خلاف فيها. ففي الخلاف:

إذا أكره الأمير غيره على قتل من لا يجب قتله فقال له: «إن قتلته وإلّا قتلتك»، لم يحلّ له قتله بلا خلاف، فإن خالف وقتل فإنّ القود على المباشر دون الملجئ، وفرض الفقهاء ذلك في الإمام والمتغلّب مثل الخوارج وغيرهم، والخلاف في الإمام والأمير واحد.

وللشافعي فيه قولان:

أحدهما: يجب عليهما القود كأنّهما باشرا قتله معاً - وبه قال زفر - قال: وإن عفی الأولياء فعلى كلّ واحد منهما نصف الدية والكفّارة.

والقول الثاني: على المُلجئ وحده القود، وعلى المكرَه نصف الدية، فإن عفی عن الإمام فعليه نصف الدية، وعلى كلّ واحد منهما الكفّارة. ولا يختلف مذهبه أنّ الدية عليهما نصفان وعلى كلّ واحد منهما الكفّارة، وأنّ على الإمام القود، وهل على المكرهالقود؟ على قولين.

وقال أبو‌حنيفة ومحمّد: القود على المكرِه وحده، ولا ضمان على المكرَه من قود، ولا دية ولا كفّارة.

وقال أبو يوسف: لا قود على الإمام ولا على المكرَه؛ أمّا المكرَه فلأنّه

...


مُلجأ، وأمّا الإمام فلأنّه ما باشر القتل. دليلنا: قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومَاً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانَاً،(1)وهذا قُتِل مظلوماً، وعليه إجماع الصحابة.

وروي: أنّ رجلين شهدا عند عليّ (علیه السلام) على رجل بالسرقة، فقطعه عليّ (علیه السلام)، ثمّ أتياه بآخر وقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا على الأوّل فردّ شهادتهما على الثاني، وقال: «لو علمت أنّكما تعمّدتما على الأوّل لقطعتكما».

فموضع الدلالة أنّه (علیه السلام) قضى بالقصاص على مَن ألجأ الحاكم إلى القطع بالشهادة مع قدرة الحاكم على الامتناع من قتله بأن يعزل نفسه عن النظر، والمكرَه أغلظ حالاً من الحاكم، فإنّه مُلجأ إليه على وجه لا يمكنه إلّا قتله خوفاً على نفسه، فإذا كان على الشاهد القود فبأن يكون على المكرَه أولى وأحرى. وهذا دليلٌ الشافعي، وليس فيه دلالة؛ لأنّه قياسٌ، ونحن لا نقول به، ومعوّلنا على الآية قوله تعالى: الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنْثَى بِالأُنثَى،(2)وعلى إجماع الفرقة.

وأيضاً روى عثمان بن عفان أنّ النبيّ (صلی الله علیه وآله)، قال: «لا يحلّ دم امرءٍ مسلم إلّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس». وهذا قتل نفساً بغيرنفس، فيجب أن يحلّ دمه.(3)


1) . الإسراء (17): 33.

2) . البقرة (2): 178.

3) . الخلاف 5: 166- 168، المسألة 29.

...


وفي المبسوط:

فأمّا إن أكرهه على قتله، فقال: إن قتلته، وإلّا قتلتك لم يحلّ له قتله وإن كان خائفاً على نفسه؛ لأنّ قتل المؤمن لا يُستباح بالإكراه على قتله، فإن خالفه وقتل فقد أتى كبيرة بقتل نفس محترمة. فأمّا الضمان فعندنا أنّ القود على القاتل، وعند قوم منهم، وقال بعضهم: عليه وعلى الآمر القود، كأنّهما باشرا قتله واشتركا فيه.(1)

ولا يخفى أنّ عبارة الخلاف وإن كانت ظاهرة في الإجماع، إلّا أنّ ظهور (عندنا) في المبسوط المتأخّر عن الخلاف تأليفاً، كما يظهر من قوله في مقدّمة المبسوط:

ولا أذكر أسماءَ المخالفين في المسألة لئلّا يطول به الكتاب، وقد ذكرت ذلك في مسائل الخلاف مستوفاً.(2)

إن لم يكن قرينة على وحدة المراد وأنّ ذلك مقتضى المذهب فلا أقلّ من احتمالها.

وبالجملة؛ ظهور الإجماع في اتّفاق الكلّ وإن كان أقوى من كلمة (عندنا) فإنّها ظاهرة في المذهب ومثله، إلّا أنّ تأخر المبسوط عن الخلاف موجب للتصرّف في عبارة الخلاف أو لإجمالها، فنقل الشيخ الاتّفاق غير ثابت علی أيّ حالٍ أوّلاً، وأنّ المظنون كون الإجماع حدسيّاً ثانياً، لا لماذكره الشيخ الأعظم في الإجماع في المقصد الثاني من كتابه المسمّى ب- الرسائل من كون الأصل في الإجماعات المنقوله كونها حدسيّة لما قال:

والحاصل، أنّ المتتبّع في الإجماعات المنقولة يحصل له القطع من تراكم


1) . المبسوط 7: 41.

2) . المبسوط 1: 3.

...


أمارات كثيرة باستناد دعوى الناقلين للإجماع - خصوصاً إذا أرادوا به اتّفاق علماء جميع الأعصار، كما هو الغالب في إجماعات المتأخّرين - إلى الحدس الحاصل من حسن الظنّ بجماعة ممّن تقدّم على الناقل، أو من الانتقال من الملزوم إلى لازمه مع ثبوت الملازمة باجتهاد الناقل واعتقاده.(1)

لما حقّقناه من عدم التماميّة، بل لما في مثل هذا الإجماع من خصوصيّة مسبوقيّته وملحوقيّته بالآية المتّفق دلالتها على القصاص، واستدلاله ; على ذلك الادّعاء في المبسوط أيضاً بقاعدة اتّفاقيّة وهي «أنّ قتل المؤمن لا يستباح بالإكراه على قتله»، ومن عدم التعرّض للمسألة في المتون الفقهيّة التي بأيدينا من كتاب الجوامع الفقهية فضلاً عن ادّعاء الإجماع عليه.

وهذه الوجوه الثلاثة - فضلاً عن واحد منها - كافية في الشهادة والقرينة على أنّ مثل ذلك الإجماع حدسي لا حسي، وكون الإجماع دون الأدلّة الاجتهادية لا فوقها ولو احتمالاً ثالثاً، فإنّ الإجماع حجيّته موقوفة على إحراز عدم الاستناد إلى الأدلّة الموجودة التي بأيدينا كما هو واضح، ومع كون المسألة مصبّ الآية والرواية، الإحراز مشكل بل ممنوع، هذا كلّه في الإجماع، وفي كلامه في الخلاف موارد للنقض والإيراد:

أحدها: الإشكال على الشافعي وردّه عليه بعدم الدلالة وأنّه قياس.

ففيه: أنّ الدلالة بالأولويّة وتنقيح المناط، حيث استدلّ بأنّ المكرِه (بالكسر)


1) . فرائد الأُصول «ضمن تراث الشيخ الأعظم» 1: 211.

...


أغلظ حالاً من المكرَه؛ لما له من القدرة على الامتناع بعدوله عن النظر، دون المكرَه فإنّه ملجأ على وجه لا يمكنه إلّا قتله خوفاً على نفسه، فإذا لم يكن القصاص على الحاكم فعلى المُلْجَأ والمكرَه (بالفتح) بطريق أولى.

ولك أن تقول: إنّ الاستدلال بإلغاء الخصوصيّة المعتبرة في الفقه، وأنّى ذلك بالقياس المطرود عند الشيعة؟!

نعم، لعلّه هو قياس اسماً، لكنّه غير مضرّ قطعاً.

ثانيها: تعويله واعتماده على قوله تعالى: الحُرُّ بالحُرِّ....(1)

ففيه: أنّ الآية ليست في مقام بيان أصل القصاص، بل في مقام بيان الكيفيّة باعتبار الاتّحاد في النوع وأنّ الحرّ بالحرّ، فلا يُقتل الحرّ بقتل العبد - مثلاً -، أو في مقام بيان عدم قتل غير القاتل بدلاً عنه كما استظهرناه من الآية، فالتعويل والتمسك بإطلاقها على ما رامه ; كما ترى، وكان الأولى بل المتيقّن التعويل على مثل: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ(2)ومثل: جَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا.(3)

ثالثها: استدلاله بالنبويّ، وأنّ المكرَه المباشر للقتل هو القاتل للنفس، فيجب أن يحلّ دمه.

ففيه: أنّ القاتل هو المكرِه المُلجئ؛ لأنّه السبب الأقوى، فالمورد كغيرهمن موارد الأقوائيّة، فالقتل منتسب عرفاً إلى السبب الأقوى.

وفي السادس: أنّ المراد منه تساوي المسلمين من حيث الدم، ويُقتل القاتل كائناً


1) . البقرة (2): 178.

2) . البقرة (2): 179.

3) . الشورى (42): 40.

...


من كان، ودمه ليس بأحمر من الآخر حتّى لا يقتل به، وقتل السبب - أي المكرِه - دون المباشر غير مخالف له، بل يكون موافقاً له كمال الموافقة، فإنّه القاتل عرفاً لا المباشر كما مرّ مراراً.

هذا تمام الكلام في المناقشة والإشكال على الوجوه المستدلّة بها على كون القود على المكره المباشر، وقد عرفت المناقشة في كلّها، كما قد عرفت أنّ مقتضى التحقيق كون الإكراه على القتل مع التوعيد به - أي بقتل المكرَه (بالفتح) - رافعاً للقود والدية عليه كالإكراه على غيره من الأُمور الموجبة للضمان والجزاء، وفقاً لقاعدة الإكراه وحديث الرفع، فلا قود على المباشر المكرَه (بالفتح)، بل القود والدية على السبب المكرِه المُلجئ قضاءً لقاعدة أقوائيّة السبب على المباشر كما هو ظاهر.

وتوهُّم أنّ حديث الرفع حديث امتنان، فرفع الإكراه عن المباشر مخالف للامتنان على الثالث وهو المقتول، لاستلزامه جواز قتله للمكرَه أي المباشر.

مدفوعٌ بالنقض بالإكراه بما دون القتل مع التوعيد به أو بما دونه، بل والإكراه بجميع حقوق الناس أوّلاً.

وبالحلّ بأنّ الامتنان لعلّه من جهة التسعة ومجموعها، لا كلّ واحد منها مستقلاً، فإنّ رفع الجميع من مختصّات الأُمّة، وإلّا فبعضها كان مرفوعاً من الاُمم السابقة أيضاً ثانياً. وأنّ الامتنان على تسليم كونه لكلّ واحد منها بالخصوص لما كان عن الأُمّة لا عن الشخص، فلابدّ من رعايته لا رعاية الشخص ثالثاً. والرعاية على الأُمّة موجودة؛ لأنّ الثالث مشمول للرفع معفرض صيرورته مباشراً مكرَهاً.

وبالجملة؛ الحديث كما أنّه جارٍٍ في حقوق الله فكذلك في حقوق الناس، ولا منافاة

...


بين الامتنان والرفع في حقوق الناس؛ لما ذكرناه من الوجوه الثلاثة.

هذا، مع أنّه على المنافاة لابدّ من الاختصاص بحقوق الله، وهو كما ترى لإيجابه خروج المورد للنزول في آية الإكراه: إلّا مَنْ أُكْرِهَ،(1)وهو قضيّة عمّار(2)التي كانت في حقّ الناس وحقّ الرسول (صلی الله علیه وآله).

ولاستدلال أبي الحسن (علیه السلام) بالحديث(3)في الإكراه على الحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، فإنّه كان من ذلك القبيل أيضاً. وكيف كان، لا إشكال في عموميّة الحديث كما يظهر من مراجعة الموارد.

ثمّ إنّ ما في المتن وغيره من حبس الآمر في المسألة، المراد منه المكره، فالدليل عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر(علیه السلام) في رجلأمر رجلاً بقتل رجل، فقال: «يقتل به الذي قتله، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى يموت».(4)


1) . النحل (16): 106.

2) . عن مسعدة بن صدقة، قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): إنَّ الناس يروون أنّ عليّاً(علیه السلام) قال على منبر الكوفة: «أيُّها الناس... - إلى أن قال - فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة فقال: «والله ما ذلك عليه، وما له إلّا ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكّة وقلبه مطمئن بالإيمان فانزل الله عزّ وجلّ فيه: إلّا مَنْ اُكرِهَ وقَلْبُهُ مُطمئِنٌّ بِالاِْيمَانِ فقال له النبيّ(صلی الله علیه وآله) عندها: «يا عمّار! إنْ عادوا فعدّ، فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إنْ عادوا». الکافي 2: 219، باب التقیّة، الحدیث 10؛ وسائل الشيعة 16: 225، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الباب 29، الحديث 2.

3) . عن أبي الحسن (علیه السلام) في الرجل يستكره على اليمين، فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال: «لا، قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه و...». المحاسن 2: 69، کتاب العلل، الحدیث 124؛ وسائل الشيعة 23: 226، كتاب الأيمان، باب جواز الحلف باليمين الكاذبه، الباب 12، الحديث 12.

4) . الکافي 7: 285، باب الرجل یأمر رجلاً...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 219/864، باب الاثنین إذا قتلا...، الحدیث 11؛ الاستبصار 4: 283/1071، باب من أمر غیره بقتل إنسان...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 81/254، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 17؛ وسائل الشيعة 29: 45، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 13، الحديث 1.

...


وفي الجواهر:

ولا بأس بالعمل بها بعد صحّتها وعمل غير واحد من الأصحاب بها، فما عساه يظهر من المتن من التوقّف في ذلك في غير محلّه.(1)

وقد مضى الكلام منّا فيها مفصّلاً وأنّها مربوطة بغير الإكراه، بل الظاهر كونها مربوطة بالأوامر العاديّة ممّا لا تكون إطاعتها واجبة على المأمور لا قانوناً ولا سلطة، والعمل بها في موردها لازم؛ لأنّها صحيحة وحجّة أيضاً. ومضى الكلام بما لا مزيد عليه أنّ على المكره القود والدية، وأنّه القاتل من دون شيء على المكرَه (بالفتح) كالمكره على غير القتل من سائر الأُمور.

الإكراه بالقتل بالتوعيد بغير القتل

هذا كلّه في الإكراه على القتل بالتوعيد بالقتل، وأمّا الإكراه عليه مع التوعيد بغيره من الضرر والحرج بالمال أو النفس أو العرض ممّا هو دون القتل، فلابدّ فيه من التفصيل بين ما كان المتوعّد عليه موجباً لضعف المباشرة عقلاً وعقلاءً، ولكون المباشر عندهم غير قاتل وغير مختار من العظم والشدّة على فرض تحقّقه، وبين ما لم يكن المتوعّد عليه كذلك، كما هو الغالب، بل الدائم، فكان المباشر والسبب متعادلين بالقود على السبب دون المباشر في الأوّل؛ لعدم الاختيار له، فلا يكون قاتلاً ولا مكرهاً كما لايخفى، فإنّ الاختيار بمعنى الإرادة في مقابل الإلجاء


1) . جواهر الكلام 42: 48.

...


الموجبة لعدمها معتبر في المشتقّات ومباديها.

وأمّا كونه على السبب؛ فلأقوائيّته، ولنسبة القتل إليه وحده في الفرض دون المباشر. وعلى المباشر دون السبب في الثاني؛ للأصل، ولعدم أقوائيّته.

وأمّا كونه على المباشر؛ فلعدم الإكراه في الدم نصاً وفتوىً. وهذه الصورة - أي الإكراه على القتل - بما دون القتل هي المتيقّن من النصّ، بل هي المتعيّن منه كما مرّ تحقيقه، ومع الشكّ في كون الإكراه من أيّ القسمين منهما، فلابدّ من الدية والتعزير قضاءً للعلم الإجمالي في القاتل واحتياطاً في الدماء.

هذا في شكّ الأولياء والحكومة، وأمّا مسألة ادّعاء كلٍّ منهما ما ينفعه ويضرّ الآخر فعلٰى مدّعيه الإثبات.

الإكراه والاضطرار في سقط الجنين

فرعٌ: لا فرق في الدم المانع للتقيّة بين كونه دم صغير أو كبير، بل أو دم جنين بعد ولوج الروح وكمال الخلقة الذي ديته دية النفس؛ قضاءً لإطلاق الدم في أخباره فإنّه شامل للجميع. والإنصراف إلى الكبير أو إليه وإلى الصغير بدويّ لا يعبأ به. وعلى هذا، فكما أنّ استثناء التقيّه في الدم على المختار لم تكن شاملة للإكراه على القتل بالتوعيد بقتل المكرَه (بالفتح)، فكذلك لا تكون شاملة للإكراه على سقط الجنين بعد ولوج الروح بالتوعيد على قتله.

ثمّ إنّ ممّا ذكرناه يظهر حكم الاضطرار إلى سقط الجنين؛ لأنّ التقيّة أعمّ من الحاصلة منها بالإكراه أو الاضطرار كما مرّ بيانه، فاضطرار الحامل إليه إن كان قبل الولوج وقبل مضيّ أربعة أشهر، فلا ينبغي الكلام في مسوغيّته وكونه رافعاً لحرمة

...


السقط كرافعيّته لبقيّة المحرّمات، والتقيّة غير بالغة الدم حتّى تكون منفيّة ومقيّدة أدلّتها لإطلاق أدلّة قواعد نفي الحرج ورفع الاضطرار.

وإن كان مع الولوج وبعده بما دون الموت مثل اضطرارها إلى المعالجة ورفع المشقّة، ليس برافع لحرمة ذلك السقط؛ لعدم التقيّة في الدم. وأمّا اضطرارها بالموت، مثل أنّها كانت مريضة وبحاجة إلى المعالجة المتوقّفة على سقط الجنين بالآلة أو باستعمال الدواء أو الإغماء أو التزريق، وغيرها الموجبة للسقط تبعاً:

فعلى القول بشمول قوله (علیه السلام): «فإذا بلغت التقيّة الدم» لمثل المورد من تزاحم الدمين، فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز المعالجة للحامل؛ لاستلزامها الدم، ولا تقيّة مع بلوغها الدم، فيكون المقام مثل مقام الإكراه على القتل بالتوعيد بالقتل. وقد مرّ ذهابهم إلى عدم الجواز، وأنّ القود على المباشر دون السبب المُلجئ؛ لعدم الإكراه في القتل.

وأمّا على المختار من انصراف الحديث عن مثل مورد الإكراه على القتل مع التوعيد بالقتل وتزاحم القتلين، فاللازم منه القول بالجواز في الموارد أيضاً؛ قضاءً لإطلاق رفع الاضطرار ونفي الحرج، لكنّ الشأن في المحذور المختصّ بأمثال المورد، وهو كون المعالجة مستلزمةً لدفع الضرر عن النفس بإلقائه وتحميله على الغير، وهو محرّم حتّى فيما دون القتل من الضرر فضلاً عنه، فكما لا يجوز للمضطرّ إلى الأكل قتل الغير والأكل من لحمه فكذلك المقام.

وبالجملة؛ الدمان متساويان، فكيف يحكم بأولويّة أحدهما وأحمريّتهعلى الآخر؟! اللهمّ إلّا أن يُقال بالفرق بين الحامل والحمل وغيره من موارد تلك الحرمة، حيث إنّ الضرر في الحمل واصل إلى الغير بدفع الضرر عن نفس الحامل

...


لا إيصال إليه، فالمورد مثل دفع السيل والماء الكثير عن بيته إلى الشارع والطريق - مثلاً - الواصل إلى بيت الجار، ولا قبح للدفع كذلك عقلاً ولا حرمة شرعاً حتّى مع العلم بوصول الماء إلى ذلك البيت، فإنّ دفع الضرر عن الغير بالتحمّل كما لا يكون واجباً حدوثاً فكذلك بقاءً، والدافع غير متصرّف في مال الغير؛ ليكون الدفع حراماً من تلك الجهة.

والحامل بالمعالجة تدفع الضرر والحرج عن نفسها بأكلها الدواء أو التزريق وأمثالهما من دون تصرّف ودخالة في الحمل، وقتله بالتبع يكون من باب وصول الضرر إليه لا الإيصال، فكما أنّ إخراج الماء لمثل من يخرج السيل من بيته مع علمه بأنّه يدخل من الشارع إلى بيت غيره، له جائز لعدم الإيصال، وأنّ الدخول في ذلك البيت ليس من تقصير المُخرِج بل لابدّ منه، والمخرج عامل بوظيفته والدخول من باب الوصول الذي لابدّ منه، فكذلك السقط في المورد حرفاً بحرف ونعلاً بنعل وحذواً بحذو.

نعم، في قتل الحمل - مثل إخراجه من الرحم الموجب لقتله - كون الضرر من باب الإيصال غير بعيد. فتأ‌مّل حتّى تعرف أنّ ما ذكرناه من الوجه في مثل الدواء والمعالجة به غير جارٍ في القتل بالإخراج الذي هو قتل الولد مباشرةً؛ لأنّه على أيّ حال يكون من باب قتل الغير لحفظ النفس، وهو غير جائز؛ لانجراره إلى إفداء الغير لحفظ نفسه، ومسألة كون الولد من الأجزاءِ كلام شعري لا فقهي ولا يُعبأ به.

نعم، ما ذكر تامٌّ في غير قتل الحمل مباشرةً من بقيّة الأنحاء في مقام المعالجة، ولا يخفى عليك أنّ محلّ البحث ما يكون طريق المعالجةمنحصراً بما يوجب قتل

...


الولد، وإلّا فمع عدم الانحصار وعدم التوقّف فلابدّ من حفظ الولد ولو بإخراجه من الرحم؛ لعدم التوقّف والاضطرار كما هو ظاهر، بل لابدّ من الحفظ حتّى فيما لم يُرجَ بقاؤه؛ لحرمة القتل مطلقاً، فإنّ قتل مَنْ لا يمكنه العيش أكثر من ساعة واحدة حرام وموجب للقصاص أيضاً كقتل غيره من الأحياء.

ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ ما في الجواهر من قوله:

وأمّا لو كانا معاً حيّيْن وخُشِي على كلٍّ منهما، فالظاهر الصبر إلى أن يقضي الله تعالى، ولا ترجيح شرعاً، والأُمور الاعتباريّة من غير دليل شرعي لا يلتفت إليها، والله ورسوله أعلم.(1)

الظاهر في الصبر مطلقاً حتّى فيما كانت حياة الأُمّ متوقّفة على إسقاط الحمل وعلى سبيل المعالجة لابدّ فيه من التفصيل: بأنّ حياة الأُمّ إن كانت متوقّفة على قتل الولد بإسقاطه أو إخراجه، فما في الجواهر من الصبر إلى القضاء من الله تعالى لعدم الترجيح هو الحقّ الظاهر.

وأمّا إن كان التوقّف بغير ذلك ممّا يُوجب قتل الحمل والولد قهراً، فالظاهر تقديم الأُمّ ومعالجتها؛ لما مرّ من قصور ما دلّ على استثناء الدم في التقيّة من الشمول لمثل المورد، كما أنّ مثل المورد إنّما يكون من باب وصول الضرر إلى الغير لا إيصاله الضرر وإلقائه إليه حتّى يكون قبيحاً ومحرّماً وممنوعاً من تلك الجهة. فتدبّر جيّداً.

هذا فيما لو خشي على كلٍّ منهما، وأمّا لو خشي عليهما مع عدم المعالجة، فالحكم بالجواز مع عدم قتل الحمل مباشرةً أوضح من السابق كما هو واضح. وأمّا مع


1) . جواهر الكلام 4: 378.

...


استلزام المعالجة قتله مباشرةً كالإسقاط والإخراج، فالجواز غير بعيد؛ لما في المعالجة من الترجيح لحياة أحدهما وهو الأُمّ، وترجيح حياة أحدهما ولو بقتل الآخر على موتهما موافق لمذاق الشرع. هذا، مع أنّ موت الولد متحقّق على أيّ حالٍ ولابدّ منه: إمّا بقتله معالجةً للأُمّ، وإمّا بموتهما معاً مع عدم المعالجة.

اللهمّ إلّا أن يُقال: إنّ هذا الوجه غير مسوّغ للقتل، ألا ترى أنّهم أفتوا بالقصاص في قتل المشرف على الموت الذي تكون له حياة وإن كان لم يعش إلّا دقائق قليلة إن لم يُقتل، مع أنّ هذا الوجه الأخير جار فيه أيضاً، فالعمدة في الاستدلال الدرائي والاجتهادي الترجيح.

وأمّا في الاستدلال الروائي - الأولى من الدرائي - التمسّك بإطلاق أدلّة الاضطرار، وانصراف استثناء التقيّة إلى ما كانت التقيّة إلى قتل الغير ممّن يعيش بحسب العادة كما هو الغالب دون المعلوم موته بعد دقايق أو ساعات قليلة ممّا يكون نادراً، فالاستثناء عنه منصرف.

هذا كلّه فيما كان الاضطرار إلى قتل الولد من ناحية الحامل، وأمّا إن كان من ناحية الحمل، مثل كونه موجباً لموت الحامل بنفسه، أو لما فيه من مرض مسر مثلاً، فالظاهر جواز إسقاطه وإخراجه فضلاً عن تداويها بما يوجب موته؛ قضاءً لوجوب حفظ النفس عليها وكون الحمل منشأً لموتها، فإخراجه وإسقاطه جائز، وليس دفعه إلقاءً لضرر نفسه على الغير حتّى يكون محرّماً وقبيحاً، بل لما يكون الحمل بنفسه ضرراً وحرجاً علىالحامل فدفعه دفع نفس الضرر، والمورد مثل دفع السائح في البحرِ المتمسّكَ به لنجاة نفسه، فهو جائز مطلقاً وإن كان موجباً لغرقه وموته مع توقّف حفظ نفسه عليه، ولا ينبغي الإشكال في ذلك.

...


هذا تمام الكلام في الصورة الأُولى من مسألة الإكراه على القتل، وهو كون المكرِه والمكرَه كاملين حُرّين، وهو الأصل في الإكراه المورد للبحث، ولا يخفى عليك أنّ ما ذكرناه من مسألة الاضطرار كان من باب الاستطراد.

إكراه غير المميّز على القتل

الصورة الثانية: ما إذا كان المباشر المقهور على القتل غير مميّز كالطفل غير المميّز أو المجنون، فالقصاص على المكرِه المُلجئ بلا خلاف ولا إشكال؛ لأنّهما بالنسبة إليه كالآلة في نسبة القتل، والسبب أقوى من المباشر قطعاً، لا لخصوص ما اخترناه في أصل المسألة حتّى يقال مبنائي، بل له ولعدم الإدراك والتمييز فيهما، ولذلك يكون القصاص على الآمر بذلك. هذا، مع أنّ غير المميّز ليس بمكرَه، بل يكون مأموراً على المفروض.

وفي اللثام:

قال في المبسوط:(1)قالوا: أ ليس لو أمره بسرقة فسرق لا قطع على السيّد، هلّا قلتم مثله هاهنا؟ ! قلنا: الفصل بينهما من وجهين:

أحدهما: أنّ القود يجب بالقتل بالمباشرة وبالسبب، فجاز أن يجب القود بالأمر؛ لأنّه من الأسباب. وليس كذلك القطع في السرقة،فإنّه لا يجب إلّا مباشرة، ولا يجب بالسبب، فلهذا لم يكن هذا السبب ممّا يجب به القطع عليه.


1) . المبسوط 7: 42.

...


والثاني: أنّ القود لما دخلت النيابة في استيفائه جاز أن يجب القود بالاستنابة فيه.(1)

وفي الجواهر:

ولا يرد عدم القطع على السيّد لو أمرهما بالسرقة؛ لوضوح الفرق بعدم صدق السرقة عليه بالأمر بخلاف صدق القتل الذي يحصل بالمباشرة والتسبيب.(2)

ولا يخفى عليك ما في هذه الأجوبة:

أمّا ما في المبسوط من الوجهين ففي الأوّل منهما: أنّه ليس بأزيد من الادّعاء والمصادرة أوّلاً، وعموميّة قاعدة الأقوائيّة ثانياً، فإنّها قاعدة عقلائيّة ممضاة شرعاً وليست بأزيد من النسبة الموجبة لترتّب الحكم على الفاعل، ولذلك نقول: الحقّ أنّ في السرقة القطع أيضاً كما سيأتي نقله من المبسوط.

وفي الثاني منهما فضعفه أظهر من أن يُبيّن، فإنّ حاصله كون جواز النيابة في القصاص من جانب الوليّ للدم موجباً لجواز النيابة في قصاص القاتل بقتل غير القاتل وهو السبب، وتلك النيابة للمسروق منه غير جائزة، فكذلك في السارق. وأنت ترى المباينة بين النيابتين والملازمة، فإنّ إحدى النيابتين في استيفاء الحقّ والأُخرى في التجاوز عن الحقّ، فكيف الملازمة؟!

وبالجملة؛ هذا الاعتبار ممّا لا أصل له أوّلاً، وليس بأزيد من الاعتبار على الصحّة ثانياً.


1) . كشف اللثام 11: 32 و33.

2) . جواهر الكلام 42: 48.

...


وأمّا ما في الجواهر(1)فليس بأزيد من وجه الأوّل، وفيه ما فيه فلا نعيده.

هذا، ولكنّ الذي يسهّل الأمر أنّ النقض بالسرقة وجوابه بما في المبسوط بالوجهين كلّه عن العامّة كما في المبسوط، وإلّا فالخاصّة قائلون بأنّ العبد آلة للسيّد كالسيف مطلقاً في قتل كان أو في سرقة، ففي آخر كلامه ;:

هذا فصل الفقهاء، والذي رواه أصحابنا أنّ العبد آلته كالسيف والسكّين مطلقاً، فلا يحتاج إلى ما ذكروه.(2)

ثمّ إنّه لا فرق في غير المميّز المقهور بين أن يكون حرّاً وعبداً للآمر أو لغيره؛ لأنّه كالآلة على أيّ حال.

إكراه غير البالغ المميّز على القتل

الصورة الثالثة: ما كان المقهور عارفاً مميّزاً غير بالغ وهو حرّ، فعلى شرطيّة البلوغ في القصاص - كما هو المعروف - فلا قود على واحد منهما، كما في الشرائع(3)والقواعد(4)وغيرهما.

أمّا على المقهور؛ لعدم البلوغ، وأمّا على القاهر؛ فلعدم كون المباشر آلةله، وفيهما أيضاً أنّ الدية على عاقلة المباشر، ووجهه أنّ عمد الصبيّ خطأ تتحمّله العاقلة، وهذا على المشهور في الإكراه، وأنّه لا تقيّة في الدم في محلّه.


1) . مرّت في الصفحة السابقة آنفاً.

2) . المبسوط 7: 43.

3) . شرائع الإسلام 4: 184.

4) . قواعد الأحكام 3: 590.

...


وأمّا على المختار فيه، فالقود على القاهر لإكراهه، وعليه حتّى على المشهور في الإكراه وأنّه لا تقيّة في الدم، فلا فرق بين المقهور المميّز غير البالغ مع البالغ في تحقّق الإكراه وأقوائيّة السبب، كما أنّ عليه وعلى عاقلة المباشر الدية؛ لكون القصاص على المكرِه القاهر، القاتل عمداً.

ثمّ لا يخفى عليك منافاة ما في الشرائع والقواعد من نفي القود منهما لقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ يا أُولِى الألْبَابِ(1)فالقصاص مجعول للحياة، ومنعاً من القتل، ومع عدم القصاص لا من القاهر ولا المقهور المميّز، والاكتفاء بأخذ الدية من العاقلة يكثر القتل للمريدين له، فإنّهم يقهرون غير البالغ المميّز على ذلك، وذلك منافٍ لعلّة القصاص كما هو واضح.

وأمّا على عدم شرطيّة البلوغ والاكتفاء بالبلوغ عشراً أو بلوغه خمسة أشبار أو كونه مراهقاً، فحكمه حكم البالغ، ولا فرق بينهما أصلاً كما هو واضح.

وما وقع من البحث في ذلك في الشرائع والقواعد ففي غير محلّه كما لا يخفى، حيث إنّ ما فيهما من البحث بحث صغروي، كما يظهر للمراجع إليهما، محلّه كتاب الحجر وعلائم البلوغ.

الصورة الرابعة: ما كان المقهور مميّزاً غير بالغ وهو عبد، فالذي تقتضيه أُصول المذهب وقواعده أنّ حكمه نحو ما ذكرناه في الحرّ، فإن كان مكرَهاً كان القصاص على المكرِه الذي هو أقوى من المباشر، وإلّافتتعلّق الجناية برقبته، ولا قود عليه؛ لأنّ الفرض عدم بلوغه، ولا على الآمر؛ لعدم مباشرته ولا إكراهه، وليست هي حينئذٍ إلّا كغيرها من جناية الخطأ الصادرة منه بالغاً.


1) . البقرة (2): 179.

(مسألة 35): لو قال بالغ عاقل لآخر: «اقتلني وإلّا قتلتك» لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة،(1) لكن لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله جاز قتله دفاعاً، بل وجب، ولا شيء عليه،(2) ولو قتله بمجرّد الإيعاد كان آثماً.(3) وهل عليه القود؟ فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه.(4)


الإذن والأمر على القتل

(1) لعدم الإشكال، وعدم الخلاف عندهم في عدم جواز القتل وحرمته له؛ لأنّ الإذن غير رافع للحرمة الحاصلة من نهي المالك الحقيقي.

(2) ووجهه ظاهر، فإنّ دم المدفوع هدر.

(3) لما مرّ(1)من حرمته.

(4) بل لا قصاص عليه، كما في الشرائع.(2)وعن الشيخ في المبسوط على المحكيّ عنه في الجواهر،(3)وعن الفاضل في التلخيص(4)والإرشاد.(5)

بل في المسالك(6)أنّه الأشهر؛ لأنّه أسقط حقّه بالإذن، فلا سلطةللوارث، - الذي هو فرعٌ - على المقتول. ومنه ينقدح عدم الدية حينئذٍ التي تنتقل من الميّت ولو في آخر جزء من حياته إلى الوارث لا ابتداءً؛ بدليل نفوذ وصاياه وقضاء ديونه منها، وإذا كانت للوارث ابتداءً لم يكن كذلك. وفي الجواهر:


1) . مرّ في الصفحة 118.

2) . شرائع الإسلام 4: 158.

3) . جواهر الكلام 42: 53؛ وراجع: المبسوط 7: 43.

4) . تلخيص المرام: 336.

5) . إرشاد الأذهان 2: 196.

6) . مسالك الأفهام 15: 89.

...


نعم، قد يناقش في أصل سقوط القصاص بكون الإذن غير مبيح فلا يرتفع به العدوان، كما لو قال: «اقتل زيداً وإلّا قتلتك»، فيدخل في عموم أدلّة القصاص، نحو ما لو أكره على قتل الغير، اللهمّ إلّا أن يشكّ في شمول أدلّة القصاص بل والدية لمثله، والأصل البراءة، ولا أقلّ من أن يكون ذلك شبهة يسقط بها قتله؛ بناءً على أنّه كالحدود في ذلك. لكن لا يخفى عليك ما في الجميع، إلّا أن يندرج في الدفاع، فيتّجه حينئذٍ سقوط القصاص والدية والإثم.(1)

وما في المسالك،(2)فيه مواضع من الإشكال:

أحدها: أنّ حقّ الحياة للإنسان ليس بيده بحيث يقبل الإسقاط، فإنّ قتل النفس حرام وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً(3)فكيف يكون إذنه فيه موجباً لنفي القصاص؟! بل لك أن تقول بالملازمة العرفيّة بين حرمة الإذن وعدم تأثيره في سقوط القصاص، وأنّ بينهما المنافاة عرفاً، والشارع لا يحمي ناقض الشرع. ولعلّ ما في الجواهر من قوله: «نعم - إلى قوله: - على قتل الغير» ناظر إلى بعض ما ذكرناه.

ثانيها: ما فيها من انقداح عدم الدية أيضاً للوارث؛ بناءً على انتقالها من الميت إليهم، لا ابتداءً من دون الانتقال إليه.

وفيه: بعد سقوط القصاص لم يبقَ وجه للدية؛ لأنّها فرع عدم القصاص


1) . جواهر الكلام 42: 53.

2) . مسالك الأفهام 15: 89.

3) . النساء (4): 29.

...


والتراضي مع الجاني، وبعد السقوط لا محلّ لها في العمد كما هو واضح. فعلى هذا، لا فرق في الانقداح بين المبنيين من الانتقال من الميّت أو الانتقال ابتداءً كما لا يخفى.

ثالثها: أنّه على تسليم الابتناء فعدم الدية تابع للنفوذ من الثلث؛ لكون الباب باب الوصيّة بحسب الحقيقة، لعدم تنجّز الحقّ للميّت في حياته، بل مشروط بما بعد موته، فنفوذه للجاني منوط بكون الدية دون ثلث الميّت. وإن أبيت عن تسليم كونه وصيّة وكان عندك محلاً للإشكال، فلا أقلّ من الاحتياط فيما كانت الدية زائدة عن الثلث.

هذا، والتحقيق على المختار في الإكراه جواز القتل، ويكون المورد مثل ما لو قال: «اقتل زيداً وإلّا قتلتك»، فكما أنّ قتل المقهور زيداً كان جائزاً ولا قصاص ولا دية عليه؛ قضاءً لرفع الإكراه، فكذلك المورد. نعم، إن كان التوعيد بما دون القتل، كالضرب وغيره، فعلى القاتل القصاص؛ لعدم التقيّة في الدم.

وفي الجواهر:

ولو قال الكامل للناقص ذلك لم يكن قصاص؛ لنقصه لا لقوله، والدية على البحث السابق.(1)

لا يخفى عليك أنّ تعليله على مبناه، وإلّا فعلى المختار، العلّة في الناقص كالكامل هو الإكراه. نعم، ذلك التعليل تامّ فيما كان المتوعّد عليهدون القتل، وممّا ذكرناه في هذا الفرع يظهر حكم الفرعين التاليين في الجواهر على المبنيين؛ من العكس ومن كونهما ناقصين. وفيه أيضاً:


1) . جواهر الكلام 42: 54.

...


ولو كان الآمر المكرِه هو الوارث للمقتول كان له القصاص؛ لعموم الأدلّة، ولا يسقط حقّه بإكراهه.(1)

وفيه: أمّا على المختار من القصاص على المكرِه، فلا ولاية له فيه أصلاً؛ لأنّه القاتل عمداً بحسب الحقيقة وعليه القود، وإنّما الولاية لغيره أو لمن بعده من الورثة.

وأمّا على المشهور، فالظاهر أيضاً عدم الولاية له؛ قضاءً للانصراف، فإنّ الولاية كما أنّها لما في القصاص من الحياة فكذلك للتشفّي أيضاً، ولا وجه للتشفّي في المكرَه كما هو واضح. هذا كلّه بالنسبة إلى ولاية القصاص.

وأمّا الكفّارة، فليست عليه على المشهور؛ لعدم كونه قاتلاً، ولذلك لا قود عليه، أمّا على المختار، فإنّه القاتل وعليه القصاص والكفّارة.

وأمّا مسألة المنع عن الإرث، فعلى المختار واضحٌ، وهو ممنوعٌ منه؛ لأنّه القاتل بحكم أقوائيّة السبب.

وأمّا على المشهور، ففي اللثام والقواعد مزجاً:

ويمنع من الميراث على إشكال من التهمة وضعف المباشر في الجملة، ومن الأصل وعدم صدق القاتل عليه.(2)

وهذا عجيبٌ من صاحب اللثام، فهو مع مخالفته في الإرث للقواعد في كون السبب للقتل كالمباشر وأنّه الوارث؛ قضاءً لأدلّة الإرث، كيف جعلالأمر عليه مشكلاً مع أنّ المكرِه ليس سبباً أقوى على مبناهم؟! وتمام الكلام في محلّه.


1) . جواهر الكلام 42: 54.

2) . كشف اللثام 11: 39؛ قواعد الأحكام 3: 590.

كما لا يبعد عدم الدية أيضاً.(1)

(مسألة 36): لو قال: «اقتل نفسك»، فإن كان المأمور عاقلاً مميّزاً فلا شيء على الآمر، بل الظاهر أنّه لو أكرهه على ذلك فكذلك، ويحتمل الحبس أبداً؛ لإكراهه فيما صدق الإكراه، كما لو قال: «اقتل نفسك وإلّا قتلتك شرّ قتلة».(2)


(1) بل لا دية عليه؛ لما مرّ وجهه في الإشكال الثاني على كلمات المسالك، فراجعه.(1)

الإكراه على قتل نفسه

(2) ما في المسألة من أمره بقتل نفسه؛ بأن قال له: «اقتل نفسك» قد يكون مع فرض كونهما كاملين أو غير كاملين، أو أحدهما كامل دون الآخر، والمراد من الكمال التمييز فما فوقه. فإن كانا كاملين فلا قود ولا دية على الآمر؛ لأنّ المأمور هو المباشر لقتل نفسه، وليس السبب الآمر بأقوى مع فرض عدم الإكراه من رأس، ولا الإكراه بما دون القتل.

نعم، مع فرض الإكراه بالقتل بأن يقول الآمر للمأمور: «اقتل نفسك وإلّا قتلتك» فالظاهر تحقّق الإكراه والاضطرار؛ لعدم الفرق بين الإكراه بقتله نفسه أو بقتله الغير مع التوعيد فيهما بقتله.

نعم، على المشهور من عدم الإكراه في القتل ولو مع التوعيد به فلا إكراه هنا أيضاً؛ لعدم الفرق بينهما من تلك الجهة.

وفي الشرائع: «وفي تحقّق إكراه العاقل هنا إشكالٌ».(2)


1) . مرّ في الصفحة 128.

2) . شرائع الإسلام 4: 185.

...


وفي الجواهر في شرحه:

باعتبار أنّه لا معنى للاضطرار إلى قتل نفسه خوفاً من قتله، لكن في المسالك(1)وكشف اللثام:(2)

نعم، لو كان التخويف بنوع من القتل أصعب من النوع الذي قتل به نفسه فدفعه به اتّجه حينئذٍ تحقّق الإكراه، وترتّب القصاص حينئذٍ على المكرِه الذي هو أقوى من المباشر.

وقد يناقش بأنّ ذلك لا يقتضي جواز قتله لنفسه المنهيّ عنه، فلا حكم لإكراهه المزبور، وحينئذٍ يكون المباشر أقوى من السبب. واحتمال الجواز باعتبار شدّة الأمر المتوعّد به منافٍ لإطلاق دليل المنع، وإلّا لجاز للعالم بأنّه يموت عطشاً - مثلاً - أن يقتل نفسه بالأسهل من ذلك. فتأ‌مّل جيّداً.(3)

ولا يخفى أنّ إشكال الشرايع وجهه غير بيّن ولا مبيّن. وكيف يكون محلاً للإشكال مع عدم إشكاله - تبعاً للمشهور - في عدم الإكراه في القتل؟ وما في الجواهر وجهٌ لعدم جريانه أيضاً لا بيان المنشأ للإشكال. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه ناشٍ من عدمه في القتل مطلقاً؛ لإطلاق الدليل، كقوله (علیه السلام): «إذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة»،(4)ومن انصراف ذلك الدليل إلىقتل الغير، كما لا يخفى عليك أيضاً


1) . مسالك الأفهام 15: 90.

2) . كشف اللثام 11: 38.

3) . جواهر الكلام 42: 54.

4) . تهذیب الأحکام 6: 172/335، باب النوادر، الحدیث 13؛ وسائل الشيعة 16: 234، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهى، الباب 31، الحديث 2.

...


أنّه على المختار يجوز له قتل نفسه وإن لم يكن بين القتلين تفاوت أصلاً، فضلاً عمّا لو كان التخويف بنوع أصعب من النوع الذي قتل به نفسه، كما في المسالك واللثام،(1)ولقد أجادا فيما ذكراه.

وما في الجواهر(2)من منافاة احتمال الجواز باعتبار شدّة الأمر المتوعّد به مع إطلاق دليل المنع، ففيه: منع الإطلاق، فإنّ العمدة فيه قوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُم إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً،(3)والتعليل في الأوّل تعليل للنهي؛ بمعنى أنّ نهيه تعالى وتحريمه إنّما هو لكونه بِكُمْ رَحِيماً، وقوله: وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ... إلى آخره تخصيص للحرمة بالعدوان والظلم، فالقاتل نفسه كان إقدامه دفعاً لقتله الأصعب وليس قتله ظلماً، مقتضاه عدم الحرمة والجواز في كلّ ما كان قتله نفسه أسهل من القتل والموت الحاصل من غير نفسه. فعليه، يجوز للعالم المشرف على الموت عطشاً - مثلاً - أن يقتل نفسه بالأسهل من ذلك، ولعلّه أشار إلى ذلك بقوله: «فتأ‌مّل جيّداً».

ثمّ إنّ التوجّه إلى الآيتين يسهّل الأمر في قتله نفسه فيما كان في يد العدوّ ويريد قتله بنحو أصعب، أو يريد الضغط عليه بشدّة وبصورة غير قابلة للتحمّل.

وبالجملة؛ الحرمة مشروطة بتحقّق العدوان والظلم. فتأ‌مّل جيّداً وكن على ذكر من الآيتين في فروع المسألة.


1) . مرَّت آنفاً.

2) . جواهر الكلام 42: 54.

3) . النساء (4): 29- 30.

(مسألة 37): يصحّ الإكراه بما دون النفس، فلو قال له: «اقطع يد هذا وإلّا قتلتك» كان له قطعها وليس عليه قصاص،(1)بل القصاص على المكره،(2) ولو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر(3) ولو أكرهه على قطع


هذا كلّه في الكاملين، وأمّا إن كانا ناقصين بلا تخويف من الآمر فلا شيء على الآمر، لا على نفسه ولا على عاقلته، كما هو أوضح من أن يبيّن.

وأمّا مع تخويفه، بحيث المأمور مضطرّاً إلى ذلك بقدر إدراكه وتمييزه الناقص فالدية على عاقلة الآمر؛ نظراً لأقوائيّة السبب.

وممّا ذكرناه في الصورتين يظهر حكم الثالثة، وهي صورة الاختلاف، ونترك البحث عنها ونحيله إلى ذلك الظهور.

(1) لعموم دليل الإكراه وعدم كون القطع عدوانيّاً. وفي الجواهر:

يصحّ الإكراه فيما دون النفس؛ لعموم دليله المقتصر في تخصيصه على المتيقّن الذي هو النفس، فلو قال: «اقطع يد هذا وإلّا قتلتك» كان له قطعها؛ دفعاً لإتلاف نفسه بما ليس إتلافاً، فلا قصاص حينئذٍ عليه؛ لعدم العدوان. نعم، هوعلى المكرِه الذي هو أقوى حينئذٍ من المباشر.

لكن في القواعد(1)الإشكال فيه من ذلك ومن عدم المباشرة، فتجب عليه الدية دون القصاص. وفيه: أنّ وجوبها ليس إلّا لقوّة السببعلى المباشرة، وهو مقتض للقصاص دونها، كما هو واضح.(2)

(2) لأقوائيّة السبب وضعف المباشرة بالإكراه.

(3) وجهه ظاهر، إلّا أن يكون الأمر من الآمر القانوني الذي يكون تخلّفه موجباً


1) . قواعد الأحكام 3: 590.

2) . جواهر الكلام 42: 55.

إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو قطع يد أحد الرجلين فاختار أحدهما، فليس عليه شيء، وإنّما القصاص على المكره الآمر.(1)

(مسألة 38): لو أكرهه على صعود شاهق فزلق رجله وسقط فمات، فالظاهر أنّ عليه الدية لا القصاص، بل الظاهر أنّ الأمر كذلك لو كان مثل الصعود موجباً للسقوط غالباً على إشكال.(2)


للعقوبة من جهة القانون أو من جهة ظلمه، فالظاهر كون القصاص على الآمر؛ لأقوائية السبب بإنجرار التخلّف عن الأمر بالعقوبة، وضعف المباشرة؛ بالاضطرار والخوف فإنّه رافع لجميع الآثار إلّا في الدم؛ لعدم التقيّة فيه كما مرّ.

(1) لما مرّ في الفرع الأوّل من الفروع الثلاثة في المسألة.

وفي اللثام:

ولو قال: «اقطع يد هذا أو هذا وإلّا قتلتك»، فاختار المكرَه أحدهما، ففي القصاص على المباشر إشكال ينشأ من تحقّق الإكراه على الآمر المردّد بينهما، والأمر بالكلّي وإن لم يكن أمراً بجزئي من جزئيّاته تكليفاً كان أو إكراهاً. ولكن لا مخلص للمكره إلّا بأحدهما، فأ‌يّهما أقربه أتى فهو مكره عليه، كما أنّ المكلّف بأيّ جزئي أتى من جزئيّات الواجب أتى بالواجب.

ومن عدم الإكراه على التعيين، فبأ‌يّهما أتى صدق أنّه غير مكره عليه. والأوّل أقوى كما في التحرير،(1)وقوّى فيه القصاص علىالآمر.(2)

(2) في اللثام:


1) . تحرير الأحكام 5: 427.

2) . كشف اللثام 11: 36.

...


ولو أكرهه على صعود شجرة - مثلاً - فزلق رجله ومات وجب الضمان على المكرِه، وهل عليه القصاص أو الدية؟ استقرب الدية في التحرير(1)واستشكل في القصاص.

والتحقيق أنّه إن كان الغالب في مثل هذا الإنسان إذا صعد مثل تلك الشجرة السقوط، والغالب في السقوط الموت، فالإكراه عليه كالإكراه على تناول السمّ، وإلّا فإن لم يقصد به القتل فلا إشكال في سقوط القصاص عنه، وإن قصد فبناءً على ما تقدّم عليه القصاص، ويحتمل الفرق بين فعل ما يقتل نادراً والإكراه عليه.(2)

وجه احتمال الفرق لا بيّن ولا مبيّن، بل الظاهر عدم الفرق، فإنّ القصد سبب للعمد في أيّ فعل كان أو في الإكراه عليه، فالمكرِه (بالكسر) بمنزلة المباشر في النسبة، فكيف الفرق؟!

وبما ذكرناه ونقلناه من اللثام يظهر أنّ ما في المتن من الإشكال في القصاص في الصعود الموجب للسقوط في غير محلّه؛ لأنّه إن كان الغالب في مثل هذا الإنسان إذا صعد مثل تلك الشجرة السقوط غالباً والموت معه غالباً، فالإكراه عليه كالإكراه على تناول ما يقتل بمثله غالباً، فالضمان بالقصاص على السبب؛ لأقوائيّته، ولكون الفعل ممّا يقتل به غالباً على المفروض، وإلّا فإن لم يقصد به القتل فلا إشكال في عدم القصاص عنه، كما أ نّه مع قصده القتل عليه القصاص، ووجهه ظاهر.


1) . تحرير الأحكام 5: 429 و430.

2) . كشف اللثام 11: 39.

(مسألة 39): لو شهد اثنان بما يوجب قتلاً كالارتداد - مثلاً - ، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً كالزنا، ثمّ ثبت أنّهم شهدوا زوراً بعد إجراء الحدّ أو القصاص لم يضمن الحاكم ولا المأمور من قبله في الحدّ،(1) وكان القود على الشهود زوراً مع ردّ الدية على حساب الشهود.(2)


(1) لعدم التقصير منهما، وضعف المباشرة في المجرى بجهله.

(2) كما عليه النصوص والأخبار، ففي مرسل ابن محبوب، عن أبي عبدالله(علیه السلام) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثمّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: «إن قال الرابع: وهمت، ضرب الحدّ وغرم الدية، وإن قال: تعمّدتُ، قتل».(1)

وفي خبر مسمع، عن أبي عبدالله (علیه السلام): «إنّ أمير‌المؤمنين (علیه السلام) قضى في أربعة شهدوا على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها، فيرجم، ثمّ يرجع واحد منهم، قال: يغرم ربع الدية إذا قال: شبّه عليّ، فإن رجع اثنان وقالا: شبّه علينا، غرما نصف الدية، وإن رجعوا وقالوا: شبّه علينا، غرموا الدية، وإن قالوا: شهدنا بالزور، قتلوا جميعاً».(2)

وفي خبر الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (علیه السلام) فيأربعة شهدوا على رجل أنّه زنى فرجم، ثمّ رجعوا وقالوا: قد وهمنا: «يلزمون الدية، وإن قالوا: إنّما


1) . الکافي 7: 366، باب، الحدیث 2 و384، باب من شهد ثمّ رجع عن شهادته، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 311/1162، باب من الزیادات، الحدیث 3؛ و6: 260/691، باب البیّنات، الحدیث 96؛ وسائل الشيعة 29: 128، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 63، الحديث 1.

2) . الکافي 7: 366، باب، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 312/1163، باب من الزیادات، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 129، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 64، الحديث 1.

ولو طلب الوليّ القصاص كذباً وشهد الشهود زوراً، فهل القود عليهم جميعاً، أو على الوليّ، أو على الشهود؟ وجوه، أقربها الأخير.(1)


تعمّدنا، قتل أيّ الأربعة شاءَ وليّ المقتول وردّ الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلى أولياء المقتول الثاني، ويُجلد الثلاثة كلّ واحد منهم ثمانين جلدة، وإن شاء وليّ المقتول أن يقتلهم ردّ ثلاث ديات على أولياء الشهود الأربعة ويجلدون ثمانين كلّ واحد منهم، ثمّ يقتلهم الإمام...».(1)إلى غير ذلك من النصوص.

(1) وجه القود على الشهود والوليّ جميعاً هو كون الوليّ والشهود شركاء في الدم، ووجه كونه على الوليّ الطالب أقربيّة الطلب إلى المباشرة من الشهادة، ووجه كونه على الشهود كون الشهادة أقرب وأقوى من المباشرة في المباشر وكذا من الطلب للوليّ، وأنّها السبب في سببيّة الطلب، فإن لم تكن الشهادة لم يكن الطلب من رأس.

هذه هي الوجوه في المسألة، وأقربها كما في المتن الأخير، فإنّ ما في الوجه الأوّل من كونهم شركاء في الدم ليس بأزيد من ادّعاء، وعدم تماميته واضح.

وما في الثاني من الأقربيّة، ففيه: عدم كونها دخيلة في القصاص، وإنّما الدخيل النسبة والمباشرة وأقوائيّة السبب.

والأقوائيّة للشهادة، بل كونها سبباً للطلب أيضاً ممّا لا يقربه الشكّ.

فرعٌ: لو علم الوليّ بزور الشهود وباشر القصاص، كان القصاص عليه دون


1) . الکافي 7: 366، باب، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 311/1161، باب من الزیادات، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 129و130، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب64، الحديث2.

(مسألة 40): لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح - بحيث لا يبقى له حياة مستقرّة - فذبحه آخر فالقود على الأوّل، وهو القاتل عمداً، وعلى الثاني دية الجناية على الميّت، ولو جنى عليه وكانت حياته مستقرّة فذبحه آخر فالقود على الثاني،


الشهود؛ لقصده إلى القتل العدواني من غير غرور، فهو أقوى من السبب ولو لم يباشره.

فرعٌ: لو أمر نائب الإمام (علیه السلام) العامّ أو الخاصّ بقتل من ثبت قتله بالبيّنة، وهو يعلم فسق الشهود، ففي القواعد(1)وشرحها للأصبهاني:

فهو شبهة في حقّه من حيث إنّ مخالفة السلطان الحقّ تثير فتنةً عظيمةً، ومن كون القتل ظلماً في علمه.

وفي الأخير:

فلو اعترف بعلمه فعليه القصاص، إلّا أن يعتذر بتلك الشبهة، فيدرأ عنه، ويثبت الدية.(2)

قلت: لابدّ للعالم بفسقها إعلام الحاكم بذلك، فإن قبل وردّ الحكم فبها، وإلّا فعليه الامتناع.

كما أنّ على الحاكم رفع التكليف عنه وإرجاع الأمر إلى غيره، فإن فعل مع ذلك فعليه القصاص بلا إشكال؛ لكون قتله ظلماً وعدواناً كما هو واضح.

وما فيهما من أنّ مخالفة السلطان تثير فتنة عظيمة، ففيه: المخالفة معإعلام العذر الموجّه لا تثير فتنةً، فضلاً عن الفتنة العظيمة. هذا، مع أنّه كيف تكون الشبهة دارئة عن القصاص، مع أنّه حقّ الناس؟!


1) . قواعد الأحكام 3: 591.

2) . كشف اللثام 11: 39.

وعلى الأوّل حكم الجرح قصاصاً أو أرشاً؛ سواء كان الجرح ممّا لا يقتل مثله أو يقتل غالباً.(1)

(مسألة 41): لو جرحه اثنان، فاندمل جراحة أحدهما، وسرت الأُخرى فمات،


(1) ممّا ذكر في المتن يظهر حكم قتل المريض المشرف على الموت، فإنّ القاتل ضامن قتله قوداً أو دية، إلّا أن لا تكون له حياة مستقرّة، كما فيما كانت حياته بحركة كحركة المذبوح، فلا قود؛ لعدم صدق القتل عرفاً، أو لانصراف أدلّته عن مثله، وعليه ضمان الجرح على الميّت؛ لأنّه بحكمه.

وفي القواعد: «ولو قتل مريضاً مشرفاً وجب القود»،(1)وهو كذلك؛ لصدق القتل عرفاً.

لكن في كشف اللثام:

وإن لم يكن بقيت له حياة مستقرّة لصدق القتل، والفرق بينه وبين مَنْ جنى عليه جناية لم يبق له حياة مستقرّة وقوع جنايتين مضمونتين عليه، وإنّما يوجب القصاص على أدخلهما في تلف النفس؛ لأنّ المريض ربّما انتهى إلى مثل تلك الحالة ثمّ برئ للاشتراك. نعم، يصلح ضميمةً إلى ما قلنا.(2)

وفيه: مع كون المفروض عدم استقرار الحياة على نحو ما عرفت، لا وجه لاحتمال البرء مع تلك الحال، كما لا يخفى. هذا كلّه فيما كان الفعلينمرتّبين واقعين على الطول، وأمّا لو فعلا معاً وكان فعل كلٍّ منهما مزهقاً فهما معاً قاتلان، وكذا لو لم يكونا مزهقين ولكن مات بهما، ولو كان أحدهما المزهق دون الآخر فهو القاتل.


1) . قواعد الأحكام 3: 593.

2) . كشف اللثام 11: 44.

فعلى من اندملت جراحته دية الجراحة أو قصاصها، وعلى الثاني القود، فهل يقتل بعد ردّ دية الجرح المندمل أم يقتل بلا ردّ؟ فيه إشكال؛ وإن كان الأقرب عدم الردّ.(1)

(مسألة 42): لو قطع أحد يده من الزند وآخر من المرفق فمات، فإن كان قطع الأوّل بنحو بقيت سرايته بعد قطع الثاني، كما لو كانت الآلة مسمومة وسرى السمّ في الدم، وهلك به وبالقطع الثاني، كان القود عليهما، كما أنّه لو كان القتل مستنداً إلى السمّ القاتل في القطع، ولم يكن في القطع سراية، كان الأوّل قاتلاً، فالقود عليه.(2)


(1) وجه الأقربيّة الاندمال وكون النفس بالنفس على الإطلاق.

(2) لأنّه القاتل، كما أنّ القود عليهما في الفرع السابق على ذلك؛ لاشتراكهما في القتل من جهة الهلاكة بالسمّ وبالقطع الثاني، والاشتراك في مثل هذا ممّا لا كلام ولا إشكال فيه، وإنّما الكلام والإشكال في الاشتراك إنّما يكون فيما إذا دخلت الأُولى في الثانية، كما لو قطع أحدهما يده من الكوع - مثلاً - وآخر ذراعه.

ففي الشرائع(1)تعرّضه للمسألة في الصورة السادسة من صور الاشتراك وذهابه إلى قتلهما به؛ لأنّ سراية الأوّل لم تنقطع بالثاني بشياع ألمه قبل الثاني.

وفي الجواهر:

والاحتمال الآخر المقابل لذلك اختصاص القصاص بالثاني؛ لانقطاع سراية الجرح الأوّل بالثاني، لدخوله في ضمنه، والألمالسابق لم يبلغ حدّ القتل. نعم، يلحق الأوّل حكم جنايته خاصّة نحو ما لو جرحه شخص وأزهق نفسه آخر.


1) . شرائع الإسلام 4: 186.

وإذا كان سراية القطع الأوّل انقطع بقطع الثاني كان الثاني قاتلاً.(1)


ثمّ أورد عليه بقوله مزجاً ب- الشرائع:

وفيه أنّ ما نحن فيه ليس كذا - أي لو قطع واحد يده وقتله الآخر - ؛ لأنّ السراية انقطعت بالتعجيل للإزهاق، بخلاف القطع من المرفق - مثلاً - ، فإنّ الروح معه باقية، والألم الحادث على النفس والأعضاء الرئيسة باق من الجنايتين. وحاصل الفرق أنّ الجرحين إن كان إهلاكهما بالسراية كالقطعين والاجافتين فالقود عليهما، وإلّا بل كان أحدهما القتل والآخر الجراحة السارية فالقود على القاتل، وعلى الجارح الآخر القصاص في الطرف أو ديته.(1)

ولا يخفى أنّ البحث كذلك ليس فقهيّاً، بل موضوعيّاً محضاً، ولابدّ فيه من مراجعة أهل الخبرة وغير ذلك من القرائن ونتركه لذلك. وأمّا فقه المسألة، فكما في المتن من التفصيل. هذا فيما علم الحال، وأمّا مع الشكّ في سراية الأُولى فليس على جارحها إلّا ضمان الجناية؛ لكونه معلوماً ومتيقّناً لا ضمان القتل، فإنّه مشكوك مع أنّ باب الدماء باب الاحتياط.

(1) كما لا يخفى، فإنّ سراية الأوّل صار منقطعاً بقطع الثاني، فكان الثاني هو القاتل فقط.

الشركة في الجناية بالجرح والسراية

مسألة: لو جرحه اثنان كلّ واحد منهما جرحاً فمات، فادّعى أحدهما اندمال جرحه وصدّقه الوليّ، نفذ على نفسه، فليس للوليّ قصاصه منجهة الاشتراك في


1) . جواهر الكلام 42: 61.

...


القتل، فإنّه إقرار على نفسه، ولم ينفذ على الآخر بحيث لا يكون مستحقّاً لنصف الدية في قصاصه؛ لكونه إقراراً على الغير، ولكونه متّهماً في ذلك بأنّه يحاول أخذ دية الجرح من الجارح والدية من الآخر، والمتّهم في التصديق إقراره غير نافذ.

ولأنّ الجارح الآخر منكر، فيكون القول قوله مع اليمين؛ لمطابقة قوله مع أصالة عدم الاندمال، فلا يتسلّط الوليّ عليه بالقصاص مجاناً ولا بالدية تماماً على انفراده بالقتل، وإنّما يتسلّط عليه بقدر سهمه من الدية؛ بناءً على سراية الجرحين، فيأخذه خاصّة منه، أو يردّه عليه ويقتصّ منه بعد يمينه بأنّ الجرح الآخر ما اندمل. وليس له أن يأخذ من المقرّ له إلّا أرش جناية ما صدّقه عليه من الجرح غير الساري، أو يقتصّ منه في خصوص ذلك العضو، كما هو واضح، وبه صرّح في القواعد(1)وكشف اللثام(2)وغيرهما.

لكن قد يناقش فيما سمعته من التهمة بأنّه لا يتمّ بناءً على دفع عوض المندمل إلى المقتصّ منه دون الوليّ.

نعم، لو قلنا بأنّ الدية تامّة أو القصاص للوليّ مضافاً إلى ما يأخذه من عوض المندمل، اتّجه ذلك. اللهمّ إلّا أن يفرّق بين القصاص والدية، فيدفع عوض المندمل إلى المقتصّ منه إن أُريد القصاص، وأمّا إذا أُريد الدية فلا يدفع إليه شيء، بل تؤخذ منه تامّة، مضافاً إلى عوض المندمل، وحينئذٍ تتّجه التهمة المزبورة.

ولكن في الفرق نظرٌ بل منعٌ، والاعتماد على أصالة عدم الاندمال مثبت؛ لأنّ الأثر الشرعي مرتّب على السراية الملازم لعدم الاندمال لا على نفسه بلا


1) . قواعد الأحكام 3: 588 - 589.

2) . كشف اللثام 11: 30.

(مسألة 43): لو كان الجاني في الفرض المتقدّم واحداً، دخل دية الطرف في دية النفس على تأ‌مّل في بعض الفروض.(1)وهل يدخل قصاص الطرف في قصاص


واسطة، فالعمدة في الوجه هو الأوّل؛ أي عدم نفوذ إقرار الوليّ في حقّ الغير بالنسبة إلى ذلك.

هذا كلّه في تصديق الوليّ، وأمّا لو صدّقه الشريك دون الوليّ نفذ في حقّه دون الوليّ، وفي كشف اللثام:

فليس له المطالبة بشيء من الدية إذا أُريد الاقتصاص منه، ولا الامتناع من كمال الدية إذا طولب به.(1)

وهو مبنيٌّ على عدم مطالبته بدية المندمل، والأمر سهلٌ.

تداخل دية وقصاص الطرف في النفس وعدمها

(1) فرض المسألة السابقة ما إذا كان هناك جانيان، وأمّا إذا كان جانٍ واحد ففي الشرائع(2)والقواعد:(3)

دخلت دية الطرف في دية النفس إجماعاً.

وفي اللثام(4)والجواهر(5)التقييد بالثابتة بالأصالة، مثل ما لو كان الجاني أباً للمجنيّ عليه، أو كان مسلماً والمجنيّ عليه كافراً على القول بعدمالقصاص في مثله، وأمّا الثابتة بالصلح مع إطلاق الصلح عليها عوضاً عن القصاص ففيها


1) . كشف اللثام 11: 30.

2) . شرائع الإسلام 4: 186.

3) . قواعد الأحكام 3: 593.

4) . كشف اللثام 11: 42.

5) . جواهر الكلام 42: 62.

النفس مطلقاً، أو لا مطلقاً، أو يدخل إذا كانت الجناية أو الجنايات بضربة واحدة، فلو ضربه ففقئت عيناه وشجّ رأسه فمات دخل قصاص الطرف في قصاص النفس. وأمّا إذا كانت الجنايات بضربات عديدة لم يدخل في قصاصها، أو يفرّق بين ما كانت الجنايات العديدة متوالية، كمن أخذ سيفاً وقطّع الرجل إرباً إرباً حتّى مات، فيدخل قصاصها في قصاص النفس، وبين ما إذا كانت متفرّقة، كمن قطع يده في يوم، وقطع رجله في يوم آخر وهكذا إلى أن مات، فلم يدخل قصاصها في قصاصها؟ وجوه، لا يبعد أوجهيّة الأخير، والمسألة بعد مشكلة.

نعم، لا إشكال في عدم التداخل لو كان التفريق بوجهٍ اندمل بعض الجراحات، فمن قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها، ثمّ قطع رجله فاندملت ثمّ قتله، يقتصّ منه ثمّ يقتل.(1)


إشكال: من الخلاف الآتي في القصاص، وأيضاً من التردّد في دخول ذلك في إطلاق القول بدخول الدية في الدية.

(1) هل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، أم لا؟ فيه أقوال ثلاثة:

أحدها: عدم الدخول مطلقاً، كما في الجامع،(1)وموضع آخر من الكتابين المبسوط(2)والخلاف،(3)بل هو خيرة السرائر(4)ونكت النهاية،(5)وعنالغنية(6)الميل إليه.


1) . الجامع للشرائع: 594.

2) . المبسوط 7: 22.

3) . الخلاف 5: 210، المسألة 89.

4) . السرائر 3: 405.

5) . النهاية ونكتها 3: 446.

6) . غنية النزوع 1: 408.

...


ثانيها: القول بالدخول مطلقاً، كما في التبصرة،(1)وفي موضع من المبسوط(2)والخلاف.(3)

ثالثها: التفصيل بالدخول مع كونهما عن ضربة واحدة وعدمه مع التعدّد والتفرّق، كما عن النهاية(4)والتحرير(5)والإرشاد(6)والتلخيص(7)والمسالك(8)والروضة،(9)بل نسبه في الأخير إلى أكثر المتأخّرين، فهذه هي الأقوال الثلاثة.

وأمّا ما في المتن لسيّدنا الأُستاذ (سلام الله عليه) من نفي البعد من أوجهيّة الأخير ففيه: أنّه خارج عن البحث، حيث إنّ الظاهر كون الحكم بالتداخل مع التعدّد والتوالي، وعدم الفصل من جهة السراية، ومن جهة كون عدم الفصل أمارة عرفيّة على عدم الفرق بين الضربات في القتل والسراية، وأنّى يكون ذلك تفصيلاً في محلّ البحث وهو التداخل مع التعدّد وعدم السرايه؟!

هذا، مع ما في الجواهر من: «لكنّه غير منضبط».(10)

ولا يخفى عليك اضطراب فتوى الشيخ في المسألة، حتّى أنّه اضطرب كلامه


1) . تبصرة المتعلّمين: 198.

2) . المبسوط 7: 81.

3) . الخلاف 5: 163، المسألة 23.

4) . النهاية: 734.

5) . تحرير الأحكام 5: 442.

6) . إرشاد الأذهان 2: 206.

7) . تلخيص المرام: 337.

8) . مسالك الأفهام 15: 98.

9) . الروضة البهيّة 10: 92.

10) . جواهر الكلام 42: 65.

...


في كلّ واحد من كتابيه الخلاف(1)والمبسوط،(2)مضافاً إلى اضطرابه في كتبه، كما لا يخفى عليك أيضاً أنّ مقتضى الأصل في المسألة التداخل، حيث إنّ ضمان النفس معلوم وضمان الطرف غير معلوم فيكون مرفوعاً، والأصل البراءة منه.

وما يتراءى في كلماتهم من التمسّك باستصحاب الضمان، وعدم التداخل مع التعدّد ففيه: أنّ أصل ثبوت الضمان للطرف مع تعقّبه بضمان النفس مشكوك وغير معلوم من أوّل الأمر؛ لعدم الدليل على ذلك كما هو المفروض، فإنّ الكلام في الأصل العملي في المسألة، فما المتيقّن حتّى يتمسّك لبقائه باستصحاب البقاء، واستصحاب عدم الرافع والمانع؟ وأنّ موضع البحث ما كانت الجناية في الطرف غير مسرية، وأنّ القتل واقع بسببه، وإلّا فالتداخل مع السراية واضحة، بل خارجة عن محلّ البحث موضوعاً كما هو واضح.

وكيف كان، فقد استُدِلّ للتداخل مطلقاً بصحيحة أبي عبيدة الحذّاء، قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام) عن رجل ضرب رجلاً بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتّى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله؟ قال: «إن كان المضروب لا يعقل منها الصلاة، ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له، فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه وبين السنة اُقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة ولم يرجع إليه عقله اُغرم ضاربه الدية فيماله لذهاب عقله»، قلت له: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ قال: «لا، لأنّه إنّما ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين وهي الدية، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية


1) . تقدّمت آنفاً.

2) . المبسوط 7: 81.

...


ما جنتا كائناً ما كانتا، إلّا أن يكون فيهما الموت».(1)

ودلالتها في مواضعها الثلاثة تكون ظاهرة غنيّة عن البيان.

وبما في المبسوط: «فلأنّ أصحابنا رووا(2)أنّه إذا مثّل إنسان بغيره فقتله، فلم يكن له غير القتل، وليس له التمثيل بصاحبه»،(3)دلالتها على التداخل واضحة ولا إشكال فيها.

وأمّا الإشكال على الصحيحة بما في نكت النهاية(4)من معارضتها برواية إبراهيم بن عمرو، بل صحيحته عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «قضى أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حيّ، بستّ ديات».(5)

ففيه: أنّ وجه المعارضة في مفروض المسألة غير واضح، بل خلافه ظاهر؛ للاختلاف بينهما في الموضوع، فالمعارضة منتفية.

اللهمّ إلّا أن يكون وجهه أن ليس ذلك إلّا لتعدّد الجنايات وإن كانت الضربة


1) . الکافي 7: 325، باب الرجل یضرب الرجل...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 98/327، باب ما یجب فيه الدیه...، الحدیث 8؛ تهذیب الأحکام 10: 253/1003، باب دیات الأعضاء...، الحدیث 36؛ وسائل الشيعة 29: 366، كتاب الديات، أبواب ديات المنافع، الباب 7، الحديث 1.

2) . وسائل الشيعة 29: 126، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 62.

3) . المبسوط 7: 22.

4) . النهاية ونكتها 3: 446.

5) . الکافي 7: 325، باب الرجل یضرب الرجل...، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 252 /999، باب دیات الأعضاء...، الحدیث 32؛ وسائل الشيعة 29: 365، كتاب الديات، أبواب ديات المنافع، الباب 6، الحديث 1.

...


واحدة، ولا فرق بين حال الحياة والموت.

وفيه: ابتناء التعارض على ذلك باطل واضح؛ لاستلزامه الاجتهاد في مقابل النصّ، والصحيحة والفتوى قائمان على الفرق.

وبالجملة؛ معارضة خبر إبراهيم موقوفة على دلالتها الالتزاميّة المبتنية على عدم الفرق، والصحيحة دالّة على الفرق فكيف التعارض؟

وما في الجواهر من قوله:

نعم، يمكن حمل الصحيح المزبور على الموت بالسراية من الضربات المتعدّدة، فإنّه يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس حينئذٍ، ولعلّ قوله (علیه السلام): «إلّا أن يكون فيهما الموت - أو - فيها» ظاهر في ذلك، أو لا يأبى الحمل عليه خصوصاً بعد الالتفات إلى ما في غيره.(1)

ففيه: أنّ الحمل مخالف للإطلاق، وظهور «فيهما» أو «فيها» في الحمل كما ترى؛ لأنّ المراد منهما تحقّق جناية الموت زائدة على الجناية الأُخرى فيهما أو فيها، وهذا أعمّ من الحمل، و(في) للظرفيّة لا السببيّة كما لا يخفى.

واستدلّ لعدم التداخل مطلقاً بعموم أدلّة القصاص من الكتاب والسنّة، وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ،(2)مضافاً إلى استصحاب الحالة السابقة على فرض عدم الإطلاق في تلك الأدلّة،والشكّ في تحقّق الرافع.

وفيه: عدم المحلّ لهما مع الصحيحة ومع رواية ابن قيس المستدلّ بها على


1) . جواهر الكلام 42: 65.

2) . البقرة (2): 194.

...


التفصيل بتقديم الدليل على الأصل، وتخصيص العمومات بالنصّ الخاصّ. وأمّا التفصيل، فدليله رواية محمّد بن قيس عن أحدهما (علیهما السلام) في رجل فَقأَ عيني رجل وقطع أُذنيه، ثمّ قتله، فقال: «إن كان فرّق ذلك اقتصّ منه ثمّ يُقتل، وإن كان ضربه ضربة واحدة ضربت عنقه ولم يقتصّ منه».(1)

بل قيل: وحسنة حفص بن البختري، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن رجل ضُرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه، ثمّ مات؟ فقال: «إن كان ضربه ضربةً بعد ضربة اقتصّ منه ثمّ قُتِل، وإن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قُتِل ولم يقتصّ منه».(2)

لكنّها ظاهرة في السراية التي ليست هي محلّ البحث.

وما في الجواهر من تصحيحه الاستدلال بها ولو مع الظهور في السراية بقوله:

اللهمّ إلّا أن يُقال: إنّ إطلاق الجواب فيه شامل لصورة المسألة.(3)

ففيه: أنّه غير مفيد؛ لعدم الإطلاق في الجواب، بل مختصّ بصورةالسؤال، لمكان ضمير الغائب وهو اسم «كان» الراجع إلى الرجل المسؤول عنه ممّن يكون قتله بالسراية من الجناية على الطرف.

هذا كلّه في الحسنة، وأمّا الرواية، فضعيفة باشتراك ابن قيس بين الثقة وغيره،


1) . الکافي 7: 326، باب آخر، الحدیث 1؛ الفقیة 4: 97/324، باب ما یجب فيه الدیة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 252/1000، باب دیات الأعضاء...، الحدیث 33؛ وسائل الشيعة 29: 112، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب51، الحديث 1.

2) . تهذیب الأحکام 10: 253/1002، باب دیات الأعضاء...، الحدیث 35؛ وسائل الشيعة 29: 112، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب51، الحديث 2.

3) . جواهر الكلام 42: 62.

...


اللهمّ إلّا أن يُقال بأنّها صحيحة إليه واشتراكه مجبور بابن أبي عمير المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه الراوي عنه ولو بواسطة محمّد بن أبي حمزة، وباعتضاد ما فيها من الحكم الأوّل بما مرّ دليلاً للقول بعدم التداخل، ومن الحكم الثاني بأنّه ما جنى عليه عرفاً إلّا جناية واحدة، فيكون قتله خاصّة اعتداءً بما اعتدى، واقتصاص الزائد تعدّياً خارجاً، وبدلالة ما في صحيح أبي عبيدة الحذّاء، فقد ورد فيه: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ فقال: «لا، لأنّه إنّما ضرب ضربة واحدة».(1)فتأ‌مّل.

والتحقيق: أنّه ينبغي القطع بالتداخل مع اتّحاد الضرب - مثلاً - ؛ لاتّفاق النصوص عليه وأكثر الفتاوى مع عدم منافاة العمومات لها كما مضى، وعلى تقديرها فلتكن بها مخصّصة، فإنّ الخاصّ مقدّم على العامّ وإن كان أظهر، فضلاً عن العكس كما في المقام.

بقي الكلام في التداخل وعدمه مع التعدّد، فعلى حجّيّة رواية ابن قيس لما ذكر من وجود ابن أبي عمير من أصحاب الإجماع في السند واعتضاد مضمونها بما مرّ، لابدّ إلّا من القول بعدم التداخل، فإنّ الرواية أخصّ من الصحيحة(2)المستدلّة بها


1) . الکافي 7: 325، باب الرجل یضرب الرجل...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 98/327، باب ما یجب فيه الدیة...، الحدیث 8؛ تهذیب الأحکام 10: 253/1003، باب دیات الأعضاء...، الحدیث 36؛ وسائل الشيعة 29: 366، كتاب الديات، أبواب ديات المنافع، الباب 7، الحديث 1.

2) . الکافي 7: 325، باب الرجل یضرب الرجل...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 98/327، باب ما یجب فيه الدیة...، الحدیث 8؛ تهذیب الأحکام 10: 253/1003، باب دیات الأعضاء...، الحدیث 36؛ وسائل الشيعة 29: 366، كتاب الديات، أبواب ديات المنافع، الباب 7، الحديث 1.

...


للتداخل الشاملة للسراية وغيرها فتكون مخصّصة بها.

هذا، مع ما مرّ من احتمال اختصاصها بالسراية وإن لم يكن تامّاً، وذكرنا أنّ الصحيحة مطلقة، كما أنّه على حملها على الضربات المتكرّرة المتوالية، مع القول بأنّ فيها الأماريّة على السراية أو القول بانصراف أدلّة قصاص الأطراف عن مثل ذلك، فعليه يكون ما في الصحيحة بياناً للمنصرف عنه، فلا منافاة بينها وبين العمومات والإطلاقات، لابدّ إلّا من القول بعدم التداخل أيضاً للعمومات والإطلاقات، مضافاً إلى الاستصحاب المؤ‌يّد بالرواية كما لا يخفى.

وبما أنّ حمل الصحيحة على أحد الوجهين غير بعيد، فالتفصيل بين الضربات بالتداخل مع التوالي وعدمه مع الانفصال أيضاً غير بعيد.

فرعٌ: بما أنّ الأصل عدم التداخل، فمع الشكّ في التوالي الموجب للأماريّة أو للانصراف لابدّ من قصاص الطرف زائداً على النفس.

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ ما في المتن من التفصيل ونفي البعد في محلّه.

وفي الرياض:

بقي الكلام في التداخل مع التعدّد، والأقرب فيه العدم؛ لتعدّد ما يدلّ عليه خصوصاً وعموماً، كتاباً وسنةً، مضافاً إلى الاستصحاب كما تقدّم، والتأيّد بالاعتبار قطعاً، كما نبّه عليه بعض أصحابنا فقال على القول الثاني: وفيه بُعد؛ إذ يلزم أن لوقطع يده - مثلاً - في وقت، ثمّ يده الأُخرى في سنة، ثمّ رجله في سنة، وأُخرى في أُخرى، ثمّ قتله في سنة، لم يلزمه إلّا القود أو دية النفس، فينبغي اشتراط اتّحاد الوقت أو تقاربها، ولكنّه غير منضبط.

(مسألة 44): لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتصّ منهم إذا أراد الوليّ، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول، فيأخذ كلّ واحد ما فضل عن ديته، فلو قتله اثنان وأراد القصاص يؤدّي لكلّ منهما نصف دية القتل، ولو كانوا ثلاثة فلكلّ ثلثا ديته وهكذا، وللوليّ أن يقتصّ من بعضهم، ويردّ الباقون المتروكون دية جنايتهم إلى الذي اقتصّ منه، ثمّ لو فضل للمقتول أو المقتولين فضل عمّا ردّه شركاؤهم قام الوليّ به، ويردّه إليهم، كما لو كان الشركاء ثلاثة فاقتصّ من اثنين، فيردّ المتروك دية جنايته، وهي الثلث إليهما، ويردّ الوليّ البقيّة إليهما، وهي دية كاملة، فيكون لكلّ


وهو حسنٌ [للآيات والأخبار] ولا يعارض جميع ذلك الصحيح الواحد، مع أنّه عارضه الماتن في نكت النهاية(1)بالخبر:

«قضى أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حيٌّ بست ديات»،(2)ولكن وجه المعارضة في مفروض المسألة غير واضحة.(3)

وفيه: أنّ الجميع ليس بأزيد من العمومات والإطلاقات، ومن خصوص رواية ابن قيس، ومن الاستصحاب، مضافاً إلى تلك الأدلّة، ومن البعد وعدم الانضباط.

لكنّ ذلك الصحيح وحده قابل للمعارضة مع الجميع؛ لكفاية الصحيح الواحد الخاصّ في تخصيص العمومات وإن كانت أزيد من العشرة وما فوقها. فتأ‌مّل.

والبعد بعدم الانضباط غير مضرّ؛ لأنّ الأصل عدم التداخل.


1) . النهاية ونكتها 3: 446.

2) . تقدّم تخریجها في الصفحة 149.

3) . رياض المسائل 16: 195.

واحد ثلثا الدية.(1)


حكم الاشتراك في القتل

(1) بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل في الجواهر:

الإجماع بقسميه عليه، مضافاً إلى المعلوميّة كون شرع القصاص لحقن الدماء، فلو لم يجب عند الاشتراك لاتّخذ ذريعةً إلى سفكها.(1)

والدليل على ما في المتن من الأحكام التي لا إشكال فيها ولا خلاف مضافاً إلى قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» منضمّة إلى عموم أدلّة القصاص، وإلى عدم الخلاف، بل والإجماع بقسميه كما مرّ، وإلى الاعتبار والنصوص المستفيضة:

منها: موثّق فضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): عشرة قتلوا رجلاً؟ قال: «إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، وإن شاؤوا تخيّروا رجلاً فقتلوه وأدّى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عُشْر الدية كلّ رجل منهم»، قال: «ثمّ الوالي بعدُ يلي أدّبهم وحبسهم».(2)

ومنها: صحيح الحلبي، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في عشرة اشتركوافي قتل رجل؟ قال: «يخيّر أهل المقتول، فأ‌يّهم شاؤوا قتلوا، ويرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية».(3)


1) . جواهر الكلام 42: 66.

2) . الکافي 7: 283، باب الجماعة یجتمعون...، الحدیث 2؛ الفقیه 4: 85/274، باب حکم الرجل یقتل...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 217/854، باب الاثنین إذا قتلا...، الحدیث 1؛ الاستبصار 4: 281/1064، باب جواز قتل الاثنین...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 43، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث 6.

3) . الکافي 7: 283، باب الجماعة یجتمعون...، الحدیث 1؛ الفقیه4: 86/276، باب حکم الرجل یقتل...، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 218/857، باب الاثنین إذا قتلا...، الحدیث 4؛ الاستبصار 4: 281/1067، باب جواز قتل الاثنین...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 42، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث 3.

...


وهو بانضمام صحيح داود بن سرحان(1)حجّة على كلّ المسألة، كما أنّ في صحيح داود وحده دلالة على الكلّ أيضاً كما لا يخفى.

ومنها: صحيح ابن مسكان، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إذا قتل الرجلان والثلاثة رجلاً، فإن أرادوا قتلهم ترادّوا فضل الديات، فإن قَبِل أولياؤه الدية كانت عليهما، وإلّا أخذوا دية صاحبهم».(2)

وهو أيضاً مثل صحيح داود في الدلالة.

ومنها: خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام)، قال: سألته عن قوم مماليك اجتمعوا على قتل حرّ ما حالهم؟ فقال: «يقتلون به»، وسألته عن قوم أحرار اجتمعوا على قتل مملوك ما حالهم؟ فقال: «یؤدّون قيمته ]ثمنه[».(3).

ويعارض الأخبار ما في الصحيح عن أبي العبّاس البقباق وغيره عن أبي عبدالله (علیه السلام)


1) . عن داود بن سرحان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجلين قتلا رجلاً؟ قال: «إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية ويقتلوهما جميعاً قتلوهما». الفقیه 4: 82/261، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 23؛ وسائل الشيعة 41:29، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث1.

2) . تهذیب الأحکام 10: 217/856، باب الاثنین إذا قتلا...، الحدیث 3؛ الاستبصار 4: 281/1066، باب جواز قتل الاثنین...، الحدیث 3؛ الکافي 7: 283، باب الجمعة یجتمعون...، الحدیث 3، مع تفاوت في بعض ألفاظ الروایة؛ وسائل الشيعة 29: 42، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث5.

3) . تهذیب الأحکام 10: 244/966، باب اشتراك الأحرار والعبید...، الحدیث 6؛ مسائل علی بن جعفر ومستدرکاتها: 291، باب الحدود، الحدیث 742؛ و128، قسم المسائل، الحدیث 105 و106؛ قرب الإسناد: 207، کتاب الحدود، الحدیث 1011 و1012؛ وسائل الشيعة 29: 44، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب12، الحديث10.

...


قال: «إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أ‌يّهم شاؤوا، وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ،(1)وإذا قتل ثلاثةٌ واحداً خُيّر الوالي أيّ الثلاثة شاء أن يقتل ويضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول».(2)

وفي الجواهر:

ولكنّه شاذّ قاصر عن معارضة غيره من وجوه، فليُحمل على الندب أو التقيّة أو غيرهما.(3)

وفي الوسائل:

أقول: حمله الشيخ على التقيّة، أو على ما مرّ من التفصيل وهو أنّ لهم قتل ما زاد على واحد إذا أدّوا ما بقي من الدية، وإلّا فلهم قتل واحد فقط، ويحتمل الكراهة.(4)

ولعلّ مراد الجواهر من «غيرهما» ما نقله في الوسائل عن الشيخ منالتفصيل، ولا يخفى أنّ الحمل كذلك مع أنّه غير بعيد؛ لكونه من باب حمل ما في صحيح البقباق من الإطلاق في نفي القتل عن الزائد على الواحد على صورة عدم أداء


1) . الإسراء (17): 33.

2) . الکافي 7: 284، باب الجماعة یجتمعون...، الحدیث 9؛ تهذيب الأحكام 10: 218/858، باب الاثنين إذا قتلا واحداً والثلاثة يشتركون في القتل...، الحديث 5؛ الاستبصار 4: 282/1068، باب جواز قتل الاثنین...، الحدیث 5؛ وسائل الشیعة 29: 43، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحدیث 7.

3) . جواهر الكلام 42: 69.

4) . وسائل الشيعة 29: 44، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث 8.

(مسألة 45): تتحقّق الشركة في القتل؛ بأن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد، كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار أو البحر أو من شاهق، أو جرحوه بجراحات كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت. وكذا تتحقّق بما يكون له الشركة في السراية مع قصد


دية الزائد، عنه على ورثة الآخر، فالحمل يكون من حمل المطلق على المقيّد، موجبٌ لنفي التعارض من رأس، فلا حاجة معه إلى ما ذكر من الترجيح أو الحمل. وكيف كان، الصحيح قاصر عن المعارضة؛ لشهرة تلك الأخبار عملاً ولكثرتها وأصحيّة سندها ومخالفتها مع العامّة.

نعم، ما في الجواهر من الحمل على الندب غير تامّ؛ لما في الصحيح من التعليل والاستدلال بالآية حيث إنّ الإسراف في القتل منهيٌّ ومحرّم بلا إشكال، كما أنّ ما في الوسائل(1)من الحمل على الكراهة، بل الحمل على التقيّة أيضاً غير وجيه، حيث إنّ التقيّة اضطرار وضرورة، والضرورة تتقدّر بقدرها، والضرورة والاضطرار مرتفعان ببيان أصل الحكم وبالنهي عن قتل الزائد، فالاستدلال بالآية زائد غير مضطرٍّ إليه وغير مناسب مع التقيّة كما لا يخفى.

وترجيح الصحيح على تلك الأخبار؛ لموافقته مع الكتاب المستدلّ به في الصحيح، حيث إنّ قتل الزائد عن الواحد إسراف، منهيّ عنه، غير تامّ، للشكّ في صدق الإسراف مع ردّ الزائد عن دية الواحد.وتوهّم أنّ الاستدلال في الصحيح بالآية كافٍ في الموافقة.

مدفوعٌ: بأنّ معارضة الصحيح كما يكون معارضاً مع بقيّة الأخبار في أصل مضمونه، فكذلك في استدلاله وتفسيره. فتدبّر جيّداً.


1) . مرّت آنفاً.

الجناية، فلو اجتمع عليه عدّة، فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً، لكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ.(1)

ولا یعتبر التساوي في عدد الجنایة، فلو ضربه أحدهم ضربة والآخر ضربات والثالث أکثر وهکذا، فمات بالجمیع، فالقصاص علیهم بالسواء، والدیة علیهم


فيما تتحقّق به الشركة في القتل

(1) ما في المسألة من الصور الثلاث كلّها مشتركة في تحقّق الشركة في القتل وفي نسبة القتل إليهم، ولكن في الأُولى والثانية تكون الشركة على نحو المباشرة، وفي الثالثة على نحو السببيّة، إذ فعل كلٍّ منهم سبب للقتل من حيث السراية عن جرح الجميع، فلو لم يكن من أحدهم جرح لم يتحقّق الموت، ولم تكن سراية البقيّة موجبة لقتله كما هو المفروض.

مسألة: لو اتّفق جمع على واحد وضربه كلّ واحد سوطاً فمات وجب القصاص على الجميع بلا فرق بين ضارب السوط الأوّل وضارب الأخير؛ لاستواء الكلّ في سببيّة الموت، إذ كما أنّه لو اكتفى الأوّل لم يمت فلو لم يكن الأوّل لم يمت بالأخير.

وعن العامّة قول بأنّه لا قصاص، وآخر إذا وقع منهم اتّفاقاً دون ما إذا تواطؤوا عليه، وهما معاً كما ترى.

نعم، قد يُشكّ في ثبوت القصاص على الجميع لو فرض ترتّب الأسواط، وكان موته من السوط الأخير، بل ينبغي الجزم بعدمه لو فرض كونه على وجه يسند إليه الموت نحو إسناده في الجرح الذي يحصل به الموت دونسرايته للمجروح سابقاً، وبالجملة المدار على صدق الاشتراك والاتّحاد.

سواء، وکذا لا یعتبر التساوي في جنس الجنایة، فلو جرحه أحدهما جائفة والآخر موضحة - مثلاً - ، أو جرحه أحدهما وضربة الآخر، یقتصّ منهما سواء، والدیة علیهما کذلك بعد کون السرایة من فعلهما.(1)

(مسألة 46): لو اشترك اثنان أو جماعة في الجناية على الأطراف، يقتصّ منهم كما يقتصّ في النفس، فلو اجتمع رجلان على قطع يد رجل، فإن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد يقتسمانها ثمّ يقطعهما، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد، وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم يقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية، وعلى هذا القياس اشتراك الجماعة.(2)


(1) الوجه فيما ذكره (سلام الله عليه) من عدم اعتبار التساوي في العدد ولا في النوع، وجود التساوي في نسبة القتل وفي صدق القاتل، فيشمله إطلاق أدلّة الاشتراك في القتل.

(2) الاقتصاص من الجماعة في الأطراف كالاقتصاص منهم في النفس على نحو ما في المتن بلا خلاف ولا إشكال فيه؛ لفحوى ما مرّ(1)في الاشتراك في القتل، ولصحيح أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل قال: «إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد فاقتسما ثمّ يقطعهما، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد - قال - وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية».(2).


1) . مرّت في الصفحة 155.

2) . الکافي 7: 284، باب الجمعة یجتمعون... الحدیث 7؛ تهذیب الأحکام 10: 240/957، باب الاشتراك في الجنایات، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 116/403، باب ما جاء في رجلین اجتمعا علی قطع...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 186، كتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 25، الحديث 1.

(مسألة 47): الاشتراك فيها يحصل باشتراكهم في الفعل الواحد المقتضي للقطع؛ بأن يكرهوا شخصاً على قطع اليد، أو يضعوا خنجراً على يده واعتمدوا عليه أجمع حتّى تقطع.

وأمّا لو انفرد كلّ على قطع جزء من يده فلا قطع في يدهما، وكذا لو جعل أحدهما آلته فوق يده والآخر تحتها، فقطع كلّ جزء منها حتّى وصل الآلتان وقطعت اليد، فلا شركة ولا قطع، بل كلّ جنى جناية منفردة، وعليه القصاص أو الدية في جنايته الخاصّة.(1)

(مسألة 48): لو اشترك في قتل رجل امرأتان قتلتا به من غير ردّ شيء، ولو كنّ أكثر فللوليّ قتلهنّ وردّ فاضل ديته يقسّم عليهنّ بالسويّة، فإن كنّ ثلاثاً وأراد قتلهنّ ردّ عليهنّ دية امرأة، وهي بينهنّ بالسويّة، وإن كنّ أربعاً فدية امرأتين كذلك وهكذا، وإن قتل بعضهنّ ردّ البعض الآخر ما فضل من جنايتها، فلو قتل في الثلاث اثنتين ردّت المتروكة ثلث ديته على المقتولتين بالسويّة، ولو اختار قتل


(1) ما في المسألة من قوله: «الاشتراك» إلى قوله (سلام الله عليه) : «وأمّا لو انفرد» مثل ما في المسألة الخامسة والأربعين، بيان للمصداق العرفي للشركة، لا بحث فقهي كما هو ظاهر.

نعم، ما بيّنه (سلام الله عليه) تامٌّ؛ لقضاء العرف بالاشتراك ويصيرمحكوماً بحكمه؛ لما في صحيح أبي مريم(1)من الإطلاق كما أنّ المذكور بعده بيان للموضوع أيضاً، ولعدم الشركة عرفاً وهو أيضاً مطابق لما عندهم.


1) . تقدّمت الروایة وتخریجها في الصفحة السابقة.

واحدة ردّت المتروكتان على المقتولة ثلث ديتها، وعلى الوليّ نصف دية الرجل.(1)

(مسألة 49): لو اشترك في قتل رجل رجل وامرأة فعلى كلّ منهما نصف الدية، فلو قتلهما الوليّ فعليه ردّ نصف الدية على الرجل، ولا ردّ على المرأة، ولو قتل المرأة فلا ردّ، وعلى الرجل نصف الدية، ولو قتل الرجل ردّت المرأة عليه نصف ديته لا ديتها.

(مسألة 50): قالوا: كلّ موضع يوجب الردّ يجب أوّلاً الردّ ثمّ يستوفى، وله وجه.(2) ثمّ إنّ المفروض في المسائل المتقدّمة هو الرجل المسلم الحرّ والمرأة كذلك.


(1) كلّ ما في المسألة موافقٌ لأدلّة الشركة في القتل، بناءً على ما هو المعروف بينهم، بل كأنّه إجماعيٌ من لزوم ردّ نصف الدية إلى القاتل في قصاص الرجل بالمرأة. ويدلّ على الفرع الأوّل صحيح محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن امرأتين قتلتا رجلاً عمداً؟ قال: «تقتلان به، ما يختلف في هذا أحد».(1)

وأمّا بناءً على المختار من تساوي الرجل والمرأة في القصاص - كما سيأتي بيانه - فلا يلزم ردّ النصف في قتل الرجل المرأة كالعكس وأنّ النفس بالنفسِ، ويكون حكم اشتراك النسوة في قتل الرجل كحكم اشتراك الرجال في قتله من دون فرق بينهما، ومثل هذه المسألة المسألة التاليةحرفاً بحرف كما لا يخفى.

حكم الردّ قبل الاستيفاء

(2) الوجه زيادة المستوفى على الحقّ قبل الردّ، وفي اللثام:


1) . تهذیب الأحکام 10: 183/716، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 12 و244/965، باب اشتراك الأحرار والعبید...، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 84، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث 15.

...


ويعارضه أنّه لا يستحقّ الفاضل، ما لم يستوفِ، ولذا كان أكثر الأخبار وفتاوى الأصحاب إنّما تضمّنت الردّ على الورثة أو الأولياء.(1)

وفي مجمع الفائدة والبرهان اكتفى بتوضيح المسألة وأنّ وجهه ظاهر، حيث قال قدس سره:

يجب تقديم الردّ على الاستيفاء؛ بمعنى أنّه ليس لصاحب الحقّ أن يستوفی قبل الردّ إلى صاحبه، وله أن يمتنع من التسليم للاستيفاء قبله. وأمّا إذا رضي فيجوز قتله، فيجب أوّلاً أن يردّ على من يريد قتله أو على وليّه إذا كانت جنايته أقلّ من نفسه، كما مرّ في الأمثلة في جميع المسائل المتقدّمة، ووجهه ظاهر.(2)

والتحقيق عدم وجوب التقديم، لا لما في اللثام من التضمّن، حيث إنّ الظاهر من أخبار الشركة ونصوصها بل وفتاواها كونها في مقام لزوم أداء الردّ، وأنّه ليس للوليّ قتل واحد من الشركاء أو كلّهم من دون الردّ الذي هو مذهب بعض العامّة، ولا نظر فيها إلى خصوصيّة الردّ إلى الأولياء بما هم أولياء، بل ذكرهم يكون من باب الغالب في ردّ الدية، فإنّه يردّ غالباً إلى الأولياء؛ لعدم الجدوى في الدية للمقتصّ منه كما لا يخفى.

وأمّا أخبار ردّ نصف الدية إلى الرجل القاتل للمرأة، فهي أيضاً ناظرةإلى الفرق بين ذلك القتل وعكسه - أي قتل المرأة الرجل - بلزوم الردّ في الأصل دون العكس، وأنّه لا يجني الجاني أكثر من جنايته على نفسه، من دون النظر إلى الردّ إلى


1) . كشف اللثام 11: 55.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 456.

...


أهل الرجل بما هو هو كما لا يخفى على من يراجعها، بل للأصل، ولإطلاق تلك الأخبار المقتضي للتخيير لعدم التقييد. هذا، مع أنّ فيها لسبق الردّ على القود والقصاص. هذا، مع أنّ القصاص حقّ الوليّ وهو الأصل في القتل، وأنّ فيه الحياة.

وفي وجوب التقديم نحو منافاة له من حيث انجراره إلى التأخير في القصاص الذي فيه الحياة، بل يمكن أن يصير سبباً لتعطيله، وهو كما ترى. فتدبّر جيّداً.

وما في الجواهر من الإشكال على اللثام بقوله:

قلت: هو كذلك في النصوص حيث يكون الردّ من الشريك، وأمّا إذا كان من وليّ المقتول فقد سمعتَ صحيح أبي مريم، وستسمع فيما يأتي إن شاء الله في الشرائط، النصوص الدالّة على تقديم فاضل دية الرجل إذا أُريد قتله بالمرأة المعتضد بقول الأصحاب: «اقتص منهم بعد ردّ الفاضل» كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، ولعل وجه الأوّل أنّ الشركة في الفعل اقتضت الضمان المزبور قهراً على الشريك؛ لأنّ فعل كلٍّ منهما باعتبار صار كأنّه فعل الآخر، بخلاف ما إذا أراد قتل الجميع، إذ لم يكن له حتّى يدفع كي يستحقّ استيفاء حقّه؛ لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وفي الحقيقة هو كالتقابض في المعاوضة. فتأ‌مّل جيّداً.(1)

ففيه: قد عرفتَ عدم الفرق في الأخبار، وما ذكره من دلالة نصوصردّ فاضل الدية، فكان عليه الإشارة إلى تلك الدلالة؛ لعدم كونها بيّنة ولا مبيّنة، وليس بينها وبين أخبار الشركة في تلك الدلالة فرق وتفاوت أصلاً، وأنّهما ليستا ناظرتين إلى


1) . جواهر الكلام 42: 74.

...


أزيد من الردّ في كلٍّ منهما ومن ردّ قول بعض العامّة في الشركة، ومن كون دية الرجل ضعفي دية المرأة.

نعم، ما ذكره (سلام الله عليه) من الوجه في لزوم التقديم فيما إذا أراد الوليّ قتل الجميع، من عدم الحقّ له في الاستيفاء قبل الأداء بقاعدة نفي الضرر تامّ.

ويؤ‌يّده، بل يدلّ عليه صحيح ابن مسكان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجلين قتلا رجلاً قال: «إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة وقتلوهما، وتكون الدية بين أولياء المقتولين، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول، وإن لم يؤدّ دية أحدهما ولم يقتل أحدهما قبل الدية صاحبه من كليهما، وإن قبل أولياؤه الدية كانت عليهما».(1)

فالواجب من التقديم في الردّ مختصّ بهذه الصورة؛ أي قتل الوليّ جميع الشركاء في القتل دون غيرها من الصور.

وبما ذكرناه يظهر عدم تماميّة الأقوال والوجوه الثلاثة في المسألة من القول بوجوبه مطلقاً كما عليه الشرائع(2)والقواعد،(3)وبعدمه مطلقاً كمايظهر من اللثام،(4)ومن التفصيل بين الردّ من الوليّ والردّ من غيره بالوجوب في الأوّل دون الثاني كما


1) . تهذیب الأحکام 10: 217/855، باب الاثنین إذا قتلا...، الحدیث 2؛ الاستبصار 4: 281/1065، باب جواز قتل الاثنین...، الحدیث 2؛ الکافي 7: 283، باب الجماعة یجتمعون...، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 42، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث4.

2) . شرائع الإسلام 4: 188.

3) . قواعد الأحكام 3: 588.

4) . كشف اللثام 11: 55.

...


يظهر من الجواهر هنا، بل وصرّح به في المسألة الأُولى من مسائل الاشتراك حيث قال:

بل ظاهرها - أي أخبار الشركة في القتل - أيضاً عدم اعتبار تقديم الأداء في الاقتصاص. نعم، ظاهر المصنّف وغيره اعتباره من المقتصّ لو أراد قتل الجميع، كما هو ظاهر لفظ «ثمّ» في صحيح أبي مريم(1)الذي ستسمعه في المسألة الثانية، فلاحظ وتأ‌مّل.(2)

لما عرفت من النقض والإبرام في الوجوه.

مسألة: صريح المسالك، وظاهر الجواهر التزام الوليّ في الشركة في القتل بالردّ على المقتول قصاصاً ما زاد عمّا يختصّه من الدية وأخذه من الباقين. ففي المسالك:

لكن يردّ على المقتول ما زاد عمّا يخصّه منها ويأخذه من الباقين.(3)

وفي الجواهر بعد بيان ظهور الأخبار بل صراحتها في تعلّق ما زاد على جناية المقتول بغيره من الجاني المتروك دون الوليّ، قال:

وإن كان مقتضى القواعد التزام الوليّ بها؛ لأنّه المباشرللإتلاف وإن كان له حقّ على الآخر، فيؤدّي هو له، ويرجع بما يستحقّه على الآخر.(4)


1) . الکافي 7: 284، باب الجماعة یجتمعون علی قتل واحد، الحدیث 7؛ تهذیب الأحکام 10: 240/957، باب الاشتراك في الجنایات، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 116/403، باب ما جاء في رجلین...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 186، كتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 25، الحديث 1.

2) . جواهر الكلام 42: 68.

3) . مسالك الأفهام 15: 100.

4) . جواهر الكلام 42: 68.

...


لكن لا يخفى عليك أنّ ما ذكره 1 من مقتضى القواعد يرجع إلى كون أصل الضمان على الوليّ والاستقرار على الآخر، وهو كما ترى، حيث إنّ الأخبار - كما اعترف به - ظاهرة أو صريحة في تعلّق الزائد عن جناية المقتول بغيره من الجاني المتروك، فكيف يحكم بخلافها؟!

وما استوجهه لذلك من مقتضى القواعد ففيه: أنّ الوليّ ليس مباشراً للإتلاف عن غير حقّ حتّى يكون سبباً للضمان ولولا على نحو الاستقرار، بل إتلافه عن حقّ وعن سلطنته عليه، فكيف يوجب الضمان؟! وإنّما الموجب له الإتلاف غير المأذون فيه، دون المأذون.

هذا، مع أنّ الحكم بالتزام الوليّ بالزائد مخالف لإطلاق آية السلطنة،(1)وإطلاق أدلّة القصاص، وأنّ ردّ البقيّة الزائد من باب الجمع بين الحقوق، ولئلّا يقع الإسراف في القتل. فتدبّر جيّداً. فالحقّ - كما عليه ظاهر الأخبار بل وصريحها - كون الضمان على الجاني المتروك ابتداءً واستقراراً.


1) . الإسراء (17): 33.

القول في الشرائط المعتبرة في القصاص

اشارة

وهي أُمورٌ: الأوّل: التساوي في الحرّيّة والرقّيّة، فيقتل الحرّ بالحرّ وبالحرّة، لكن مع ردّ فاضل الدية، وهو نصف دية الرجل الحرّ، وكذا تقتل الحرّة بالحرّة وبالحرّ، لكن لا يؤخذ من وليّها أو تركتها فاضل دية الرجل.(1)


(1) الصور المذكورة الحاصلة من كون القاتل والمقتول حرّين أو حرّتين أو بالاختلاف أربعة:

إحداها: كون القاتل والمقتول كليهما حرّين، والقصاص في هذه الصورة من بديهيّات الفقة، بل من بديهيّات القصاص وضروريّاته كضروريّة أصل القصاص والمقابلة بالمثل، فإنّ الصورة هي المتيقّنة من عموم أدلّة القصاص وإطلاقها، وممّا لا يشكّ في عمومها وشمولها له أحد من المسلمين. وفي الجواهر:

فيُقتل الحُرّ بالحرّ؛ كتاباً وسنّةً وإجماعاً بقسمَيه عليه، بلوضرورة.(1)

ومثلها الصورة الثانية، وهي: كونهما حرّتين، فهي كالأُولى حرفاً بحرف وحذو النعل بالنعل. وفي الجواهر(2)أيضاً الاستدلال لها بعين ما استدلّ به للأُولى.


1) . جواهر الكلام 42: 81 - 82.

2) . جواهر الكلام 42: 83.

...


نعم، لم يذكر الضرورة هنا، لكنّه كان ممّا ينبغي أن يذكرها في هذه الصورة كالسابقة. فتأ‌مّل.

قصاص الحرّ بالحرّة

ثالثتها: أن يكون القاتل حرّاً والمقتول حرّة، فلوليّها قصاص القاتل، لكن مع ردّ نصف الدية إلى أهله بلا خلاف بين الأصحاب، بل في الجواهر: «بل الإجماع بقسمَيه عليه».(1)وفي كشف اللثام(2)ادّعاء الإجماع عليه صريحاً. وفي الخلاف:

مسألة: يقتل الحرّ بالحرّة إذا ردّ أولياؤها فاضل الدية، وهو خمسة آلاف درهم. وبه قال عطاء، إلّا أنّه قال: ستّة آلاف درهم. وروي ذلك عن الحسن البصري، ورواه عن عليّ (علیه السلام). وقال جميع الفقهاء: إنّه يقتل بها، ولا يردّ أولياؤها شيئاً. ورووا ذلك عن عليّ (علیه السلام)، وابن مسعود. دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى: وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى، فدلّ على أنّ الذكر لا يقتل بالأُنْثَى.(3)

وفي الانتصار:

مسألة: وممّا انفردت به الإماميّة أنّ الرجل إذا قتل المرأة عمداً واختار أولياؤها الدية كان على القاتل أن يؤدّيها إليهم وهي نصفدية الرجل، فإن اختار الأولياء القود وقتل الرجل بها كان لهم ذلك على أن يؤدّوا إلى ورثة الرجل المقتول نصف الدية، ولا يجوز لهم أن يقتلوه إلّا على هذا


1) . جواهر الكلام 42: 82.

2) . كشف اللثام 11: 54.

3) . الخلاف 5: 145، المسألة 1.

...


الشرط. وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يوجبوا على من قتل الرجل بالمرأة شيئاً من الدية. دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردّد؛ ولأنّ نفس المرأة لا تساوي نفس الرجل، بل هي على النصف منها، فيجب إذا أخذت النفس الكاملة بالناقصة أن يردّ فضل ما بينهما.(1)

والمستفاد منه ومن الخلاف إجماع فقهاء العامّة على عدم الردّ، في مقابل إجماع الخاصّة على الردّ، والمستفاد من الخلاف أيضاً نقل العامّة كلا القولين عن عليّ (علیه السلام).

إجمال القول في استدلال الأصحاب

هذا، واستدلّ الإماميّة (قدّس الله أرواحهم) - كما يظهر من الخلاف وغيره - بوجوهٍ أربعة:

أحدها: الكتاب، وهو قوله تعالى: والأُنْثَى بالأُنْثَى.(2)

ثانيها: أنّ دية المرأة نصف دية الرجل.

ثالثها: الإجماع.

رابعها: الأخبار والنصوص المستفيضة التي تبلغ الموجود منها في الكتب الأربعة المعتمدة إلى خمسة عشر حديثاً تقريباً، وفيها الصحاح وغيرها، ولعلّ الصحيح منها يبلغ عشرة، وهي منقولة عن أعاظمالمحدّثين من الأصحاب، مثل عبدالله بن سنان، وعبدالله بن مسكان، وعبيدالله بن عليّ الحلبي، وفضل بن عبدالملك أبي العبّاس البقباق، وليث بن البختري أبي بصير المرادي، وغيرهم من


1) . الانتصار: 539.

2) . البقرة (2): 178.

...


العدول الثقاة، وهي العمدة لهم في الاستدلال، ويليها في القوّة مسألة تفاضل الدية بينهما الثانية من الوجوه.

النقاش في استدلال الأصحاب

هذا مجمل ما استدلّ به الأصحاب (رضوان الله عليهم) في المسألة، والعمدة - كما مرّ - هي الأخبار المستفيضة، ثمّ الاستشهاد بتفاضل الدية. لكنّ الاعتماد على تلك النصوص، والاستدلال بها في مثل المسألة، مع ما لها من التماميّة سنداً ودلالةً مشكلٌ، بل ممنوعٌ، فضلاً عن غيرها من الوجوه المذكورة؛ وذلك لما في هذه الأخبار والنصوص من المخالفة للكتاب والسنّة والعقل والقواعد والأُصول المسلّمة من الإسلام، وعدم حجّية الخبر كذلك أظهر من الشمس وأبين من الأمس، فإنّ من الشروط القطعيّة في حجّية الخبر عدم مخالفته للكتاب والسنّة، وعليه الأخبار الكثيرة إن لم تكن متواترة:

ففي صحيح هشام بن الحكم والصحيح عن غيره، عن أبي عبدالله(علیه السلام)، قال: «خطب النبيّ(صلی الله علیه وآله) بمنى، فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله».(1)

ورواه البرقي، كما ذكره في الوسائل:

في المحاسن،(2)عن أبي أ‌يّوب المدايني، عن ابن أبي عمير، عن الهشامين


1) . الکافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الکتاب، الحدیث5؛ المحاسن 1: 347، کتاب مصابیح الظلم، الباب 11، الحدیث 727؛ وسائل الشيعة 27: 111، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 15.

2) . المحاسن 1: 347، باب الاحتياط في الدين والأخذ بالسنة، الباب 11، الحديث 727.

...


جميعاً، وغيرهما.(1)

وعن أبي جعفر الثاني(علیه السلام) في مناظرته مع يحيى بن أكثم أنّه قال: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله) في حجّة الوداع: «قد كثرت عليّ الكذّابة وستكثر بعدي، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله عزّوجلّ وسنّتي، فما وافق كتاب الله وسنّتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به».(2)ومثله ما عن عليّ (علیه السلام)، عن رسول الله (صلی الله علیه وآله) .(3)

وفي موثّق السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، عن أبيه، عن عليّ (علیه السلام)، قال: «إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه».(4)وفي الوسائل:

ورواه البرقي في المحاسن(5)عن النوفلي، ورواه الصدوق في الأمالي(6)عن أحمد بن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه مثله.(7).

وفي رسالة الشيخ الأعظم في الظنّ في مسألة حجّية خبر الواحد ما يظهر منه كون الخبر بهذا المضمون أكثر ممّا نقلناه من الوسائل، حيث قال عند بيانه أدلّة


1) . وسائل الشيعة 27: 111، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، ذيل الحديث 15.

2) . الاحتجاج477:2، احتجاج 323، أجوبته (علیه السلام) علی مسائل يحيی ابن أكثم...

3) . الفقیه 4: 264/824، باب النوادر وهو آخر أبواب الکتاب، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 12: 249، كتاب الحجّ، أبواب أحكام العشرة، الباب 139، الحديث 5.

4) . الکافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الکتاب، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 27: 109، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 10.

5) . المحاسن 1: 354، باب حقيقة الحقّ، الباب 14، الحديث 749.

6) . الأمالي، للصدوق:300، المجلس الثامن والخمسون، الحديث 16.

7) . وسائل الشيعة 27: 110، کتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، ذيل الحديث 10.

...


القائلين بعدم حجّية الخبر:

مثل ما ورد في غير واحد من الأخبار أنّ النبيّ (صلی الله علیه وآله) قال: «ما جاءكم عنّي ]ممّا[ لا يوافق القرآن، فلم أقله»(1).(2)

بل الظاهر أنّ ما أشار إليه غير ما نقلناه من الوسائل، والأمر سهلٌ بعد كثرة الأخبار الدالّة على عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب والسنّة، بل وفيه أيضاً:

والأخبار الواردة في طرح الأخبار المخالفة للكتاب والسنّة ولو مع عدم المعارض متواترة جدّاً.(3)

ولا يخفى أنّ بالرجوع إلى مثل الوسائل(4)وجامع أحاديث الشيعة(5)والبحار(6)يظهر تواتر تلك الأخبار، وعليك بالدقّة فيها وفي اهتمام المعصومين : لا سيّما الرسول المكرّم (صلی الله علیه وآله) ببيان عدم حجّية الأخبار كذلك للمسلمين حتّى أنّه بيّن لهم ونبّههم على ذلك في خطبته بمنى المتضمّنة لمسائل مهمّة كما لا يخفى.

كيفيّة مخالفة هذه الأخبار للكتاب

هذا كلّه في الكبرى وشرطيّة عدم المخالفة للكتاب والسنّة في حجّية الخبر.


1) . الکافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الکتاب، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 27: 111، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 15، مع تفاوتٍ يسير في النقل.

2) . فرائد الأُصول «ضمن تراث الشيخ الأعظم» 1: 243.

3) . فرائد الأُصول «ضمن تراث الشيخ الأعظم» 1: 245.

4) . وسائل الشيعة 27: 109- 124، کتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9.

5) . جامع أحاديث الشيعة 1: 311 - 322، أبواب المقدّمات، الباب 6، الحديث 454 - 461 و465 و472.

6) . بحارالأنوار219:2، كتاب العلم، باب 29.

...


وأمّا الصغرى، أي مخالفة تلك الأخبار لهما، وهي العمدة في المسألة، ولابدّ من بسط الكلام فيها.

فنقول مَستعينين بالله تعالى: إنّ هذه الأخبار مخالفة لآيات كثيرة من الكتاب.

منها: قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً.(1)

ومنها: قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إلّا لِلّه يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ.(2)

ومنها: قوله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ(3)وغيرها من الآيات(4)الدالّة على أنّ كلماته وأحكامه تعالى عدلٌ وحقٌّ وأنّه تعالى ليس بظالم للعباد، لا في التكوين ولا في التشريع، و‌إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ،(5)وإِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ،(6)ووَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِباَدِ،(7)ولَا يُحِبُّ الظّالِمِينَ(8)إلى غيرها من الآيات الكثيرة الدالّة على حرمة الظلم وقبحه وأنّه سبحانه وتعالى منزّه عنه.

وذلك أنّ التفاوت في نظر العرف بين الرجل والمرأة في القصاص،وإلزام أولياء المرأة بردّ نصف الدية إلى أهل الرجل عند القصاص دون عكسه، ظلمٌ وخلاف العدل والحقّ، فإنّ المرأة تساوي الرجل في الحقيقة الإنسانيّة والحقوق


1) . الأنعام (6): 115.

2) . الأنعام (6): 57.

3) . فصّلت (41): 46.

4) . كقوله تعالى في الآية 182 من آل عمران؛ و51 من الأنفال؛ و10 من الحجّ؛ و29 من ق.

5) . يونس (10): 44.

6) . النساء (4): 40.

7) . غافر (40): 31.

8) . آل عمران (3): 57 و140.

...


الاجتماعيّة والاقتصاديّة وغيرها عقلاً وكتاباً وسنّةً. دلّ عليه قوله تعالى في الآية الأُولى من سورة النساء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً.(1)

فإنّ الظاهر كون المراد من التقوى المأمور بها المنسوبة إلى ربّ الناس وإلى مدبّرهم ومربّيهم - بمناسبة ما في الآية - من أنّ الناس متّحدون في الحقيقة الإنسانيّة من غير اختلاف فيها بين الرجل منهم والمرأة، والصغير والكبير، والعاجز والقويّ - أي بمناسبة الحكم والموضوع - التقوى في عدم إجحاف الناس بعضهم على بعض كإجحاف الرجل بالمرأة، أو الكبير بالصغير، أو المولى بالعبد، أو القويّ بالضعيف، أو مثل غير بمثل غيرهم ممّن هو دونهم بأنظارهم الباطلة.

وهذا التقوى بعمومه من جهة حذف المتعلّق ظاهر في التقوى عن الإجحاف بكلّ شؤونه وأنواعه وأقسامه من الإجحاف في الاقتصاد والسياسة والتشريع والقانون والشخصيّة الاجتماعيّة وغيرها.

وبما أنّ الكتاب بلسان عربي مبين، فاللازم للناس تحرّزهم من القوانين التي تكون مجحفة بنظر العرف والعقلاء كما هو واضح، وإذا كان التحرّز لهم واجباً فالله تعالى أولى بالوجوب وسبحانه وتعالى عن الإجحاف في التشريع بالتبعيض في الحقوق الإنسانيّة والاجتماعيّة، فالآية ظاهرة بل كأنّها ناصّة في نفي الأحكام الإجحافيّة بنظر العرف في الإسلام، وأنّ أفراد البشر متساوية في الأحكام وإن لم تكن متشابهة، فإنّ المعتبر التساويوالعدل وعدم الإجحاف لا التشابه والتماثل؛ لعدم الوجه له عقلاً ولا شرعاً، فإنّ اللازم عقلاً وشرعاً العدل وعدم الإجحاف؛


1) . النساء (4): 1.

...


سواء كان مع التشابه أو مع عدمه قطعاً.

فإرث الذكر وإن كان ضعفي إرث الأُنثى على ما نصّ به كتاب الله وعليه الضرورة وليس متشابهاً، لكنّه مع ذلك عدلٌ وتساوي وليس فيه إجحاف ولا إشكال أصلاً، كما حقّقه العلّامة الطباطبائي في «الميزان»(1)في ذيل الآية.

ومثل الآية في الدلالة - وإن لم تكن بقوّتها فيها - قوله تعالى: إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر واُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ.(2)

كيف لا يتساويان؟! مع أنّ الله تعالى عند ما ذكر مراحل خلقة الإنسان، قال: ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقِينَ(3)من دون اختصاص في ذلك بالرجل، ومنه يعلم أنّ لكلٍّ منهما منزلة واحدة عند الله تعالى، أضف إليهما غيرهما من الآيات الدالّة على عدم الفرق بينهما بالصراحة أو بالظهور.

وعن النبيّ (صلی الله علیه وآله): «الناس سواء كأسنان المشط».(4)

وعنه (صلی الله علیه وآله): «فالناس اليوم كلّهم أبيضهم وأسودهم وقرشَيّهم وعربيّهم وعجميّهم من آدم، وإنّ آدم (علیه السلام) خلقه الله منطين، وإنّ أحبّ الناس إلى الله عزّوجلّ يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم».(5)


1) . راجع: الميزان في تفسير القرآن 4: 215.

2) . الحجرات (49): 13.

3) . المؤمنون (23): 14.

4) . كنز العمّال 9: 17، کتاب الصحبة، الباب الثاني، محظورات الصحبة، الحديث 24817 و24818؛ الفقيه 4: 272/828، باب النوادر، في ضمن الحديث 8، وفي الکنز تفاوت يسير.

5) . الکافي 5: 339، باب أنّ المؤمن کفوّ المؤمنة، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 20: 67، کتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الباب 25، الحديث1.

...


وعنه (صلی الله علیه وآله) أيضاً: «إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، ولا للأحمر على الأسود إلّا بالتقوى».(1)

وعنه (صلی الله علیه وآله) أيضاً: «أيّها الناس إنّ ربّكُم واحد، وإنّ أباكُم واحد كلّكم لآدم وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربيٍّ على عجميٍّ فضل إلّا بالتقوى».(2).

مع وجود هذه الآيات والروايات لا ينبغي الشكّ في كون التفاوت في المسألة ظلماً في منطق الكتاب والسنّة فضلاً عن العرف والعقلاء؛ فإنّهم بعد الالتفات إلى المسألة لا يشكّون في كونه ظلماً، ويخطر ببالهم أنّه تعالى وسبحانه كيف أصدر هذا الحكم الموجب للتفاوت ولتحقير النساء، وأنّ قدرهنّ نصف قدر الرجال، بل في نفس عرض السؤال والشبهة واهتمام العلماء بالجواب عنها لَدلالة واضحة على تسليمهم بوجود الظلم في هذا التفاوت مع قطع النظر عن جوابهم.

ومنها: قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَينِ وَالأنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُروحَ قِصَاصٌ،(3)فإنّ مخالفة تلك الأخبار لهذه الآية واضحة غير محتاجة إلى بسط القول، فإنّ قتلالرجل بالمرأة قصاصاً مع ردّ نصف الدية إلى أهله ليس نفساً بنفس، بل نفساً بنفس مع نصف الدية.

وبتعبير آخر: لك أن تقول: إنّ الآية تدلّ على أنّه ليس دم إنسان أحمر من


1) . الاختصاص:341، بعض وصايا لقمان الحكيم لابنه (عليهما السلام)؛ مستدرك الوسائل 12: 89، کتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما یناسبه، الباب 85، الحدیث 6.

2) . تحف العقول:34، مواعظ النبيّ (صلی الله علیه وآله) وحكمه، خطبته (صلی الله علیه وآله) في حجّة الوداع.

3) . المائدة (5): 45.

...


دم إنسان آخر كما هو الشائع في الألسنة، فإلزام أولياء المرأة المقتولة بردّ نصف الدية إلى أهل الرجل القاتل - كما هو مفاد الأخبار وعليه الفتاوى - مخالفٌ للآية ومغاير لها.

توهّم ودفع

ثمّ إنّ توهّم عدم الإطلاق في الآية وأنّها بصدد بيان القصاص في النفس في الجملة مدفوعٌ بأنّ الأصل في البيان وفي لسان التشريع هو الإطلاق، لا سيّما في الكتاب الذي وصف نفسه بكونه تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ،(1)وأنّه عَرَبِيٌّ مُبِينٌ،(2)وبأنّ في ذكر مصاديق قصاص الأعضاء واحداً بعد واحد، ثمّ تكميله وتتميمه بقاعدة كلّية في قصاص الجروح، شهادة واضحة على الإطلاق وعلى أنّ الآية في مقام البيان وإفادة الإطلاق.

ويؤ‌يّد مخالفة الأخبار للآية ما ذكره الشيخ 1 في التهذيب بعد نقل رواية أبي مريم الأنصاري، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: في امرأة قتلت رجلاً؟ قال: «تُقتل ويؤدّي وليّها بقيّة المال».(3)وفي رواية محمّد بن عليّ بن محبوب: «بقيّة الدية»، فإنّه 1 قال هناك:

هذه الرواية شاذّة ما رواها غير أبي مريم الأنصاري وإن تكرّرت في


1) . النحل (16): 89.

2) . النحل (16): 103.

3) . تهذيب الأحكام 10: 183/717، باب القود بين الرجال والنساء والمسلمين و...، الحديث 14؛ الاستبصار 4: 267/1009، باب حکم المرأة إذا...، الحدیث 5؛ وسائل الشیعة 29: 85، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 33، الحدیث 17.

...


الكتب في مواضع، وهي مع هذا مخالفة للأخبار كلّها ولظاهر القرآن، قال الله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالعَيْنِ...،(1)الآية، فحكم أنّ النفس بالنفس، ولم يذكر معها شيء آخر.(2)

فكما أنّ ما في الرواية من الحكم بردّ بقيّة الدية إلى أهل الرجل المقتول مخالفٌ للكتاب، كذلك الأمر في أخبار العكس، والقول بالفرق في ذلك تحكّم.

لا يقال: الآية حكاية لما في التوراة خاصّة لبني إسرائيل أوّلاً، ومنسوخة بقوله تعالى: يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى(3)ثانياً.

وعن عليّ بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيها...قال:

يعني في التوراة أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُروحَ قِصَاصٌ فهي منسوخة بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى، وقوله: والجُروحَ قِصَاصٌ لم تنسخ.(4).

فإذا كانت الآية منسوخة فالمخالفة غير مضرّة.


1) . المائدة (5): 45.

2) . تهذيب الأحكام 10: 183، باب القود بين الرجال والنساء والمسلمين و...، ذيل الحديث 717/14.

3) . البقرة (2): 178.

4) . تفسير القمي 1: 169؛ ذیل الآیة؛ مستدرك الوسائل 18: 240، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب30، الحديث4.

...


لأنّه يقال: الآية عامّة غير مختصّة ببني إسرائيل أوّلاً؛ لما في ذيل الآية من قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ،(1)فَإنّ في عموم الموصول لشهادة على وجوب الحكم بما أنزل الله من النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ...، إلى آخرها، بلا فرق بين كون الحاكم من بني إسرائيل أو أُمّة محمّد(صلی الله علیه وآله وسلم).

وليست بمنسوخة ثانياً؛ لما في صحيح زرارة عن أحدهما (علیهما السلام) في قول الله عزّوجلّ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأَنْفَ بِالأَنْفِ...، الآية، قال: «هي محكمة».(2)

وفي التهذيب قال:

وليس لأحد أن يقول: إنّ الآية إنّما هي إخبار عمّا كتب الله تعالى على اليهود في التوراة، وليس فيها أنّ ذلك حكمنا؛ لأنّ الآية وإن تضمّنت أنّ ذلك كان مكتوباً على أهل التوراة فحكمها سارٍ فينا، يدلّ على ذلك ما رواه.(3)

ثمّ ذكر صحيح زرارة عن أحدهما الذي مضى نقله، وهذا منافٍ للنسخ كما لا يخفى.

ويؤ‌يّده ما ذكره الفاضل المقداد في تفسير قوله تعالى: الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ


1) . المائدة (5): 45.

2) . تهذیب الأحکام 10: 183/718، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 15؛ وسائل الشيعة 29: 83، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث11؛ و:164، أبواب قصاص الطرف، الباب1، الحديث 5.

3) . تهذيب الأحكام 10: 183/717، باب القود بين الرجال والنساء و...، ذيل الحديث 14.

...--------------والأُنْثَى بالأُنْثَى بقوله: «قيل: منسوخ بقوله: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ». وأمّا ردّه قدس سره ذلك بقوله:

وليس بشيء، أمّا أوّلاً: فلأنّه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ القرآن، وأمّا ثانياً: فلأصالة عدم النسخ؛ إذ لا منافاة بينهما، وأمّا ثالثاً: فلأنّ قوله: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ عامّ وهذا خاصّ، وقد تقرّر في الأُصول بناء العامّ على الخاصّ مع التنافي.(1)

ففيه: أنّه لا بأس بكون ما في التوراة ناسخاً حينما نقله للرسول الخاتم (صلی الله علیه وآله)، فمن زمان نقله له (صلی الله علیه وآله) وجعله تعالى ناسخاً لما في القرآن يصير ناسخاً له، وما لا يصحّ إنّما هو ناسخيّة ما في الزمان السابق لما يأتي في الزمان اللاحق، كما أنّ الظاهر عدم صحّة التخصيص بالمنفصل المستقلّ الذي لا إشارة فيه إلى العامّ في كتاب الله؛ لكون التخالف بينهما اختلافاً في الكتاب، وهو منفيّ بالكتاب بقوله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثيراً،(2)بل الظاهر عدمه مطلقاً ولو في السنة، حيث إنّ الاختلاف موجبٌ للتعارض.

وما يقال من كون التعارض والاختلاف فيهما بدويٌّ، وأنّه مرتفعٌ بالأظهريّة أو الجمع العرفي أو غيرهما من الوجوه المذكورة في محلّها غير تمام، وتفصيله في محلّه. هذا، مع أنّ لسان آية النفس آبية عن التخصيص، بل التخصيص منافٍ للقصاص والمقابلة بالمثل كما لا يخفى.

وما في تفسير ابن إبراهيم لا يقاومه في المعارضة؛ للضعف في السند، وبعدم


1) . كنز العرفان 2: 355.

2) . النساء (4): 82.

...


السند وبعدم السند لنا إلى تفسيره، وبعدم الحجّة والدليل على انتساب كلّ ما فيه إلى المعصوم (علیه السلام).

هذا كلّه مع ما في تفسير الميزان، حيث قال:

ونسبة هذه الآية إلى قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(1)نسبة التفسير، فلا وجه لما ربّما يقال: إنّ هذه الآية ناسخة لتلك الآية فلا يقتل حرٌّ بعبد ولا رجلٌ بمرأة.(2)

ولقد أجاد فيما أفاد من عدم المنافاة بين الآيتين أصلاً، فإنّ الموضوع في سورة البقرة القصاص والردّ بالمثل بعين ما في سورة المائدة مع الاختلاف في العموميّة وفي بيان المصاديق المحتاجة إلى التفسير، فالظاهر من آية البقرة بيان مصاديق المماثلة؛ لأنّه لا يتعدّى في الردّ ويقتل الحُرّ غير القاتل بالعبد المقتول مثلاً - بل يقتل الحُرّ القاتل بالحُرّ المقتول - أو يُقتلَ العبدُ غير القاتل بالحُرّ المقتول.

فالآية ناظرة إلى رفع الأوهام والخرافات الشائعة في الجاهليّة في أمر القصاص، كحكمهم بلزوم قتل حرٍّ غير قاتل بعبدٍ مقتول؛ لما كانوا يرون لعبدهم قيمة وشخصيّة لا يقابلها إلّا الحرّ من طائفة القاتل، أو قصاص عبد غير قاتل بحرٍّ مقتول؛ لما كانوا يرون للحرّ المقتول نقيصة في الشخصيّة الطائفيّة والاجتماعيّة، وكذلك الأمر في الأُنْثَى بِالأُنْثَى.

ويشهد لذلك ما في شأن نزوله في زبدة البيان:

وأمّا سبب النزول، فالظاهر منه أنّ المقصود نفي تفاضل إحدى الحيّين


1) . المائدة (5): 45.

2) . الميزان في تفسير القرآن 1: 441.

...


على الآخر كما كان مرادهم، والمفهوم من قولهم: «كان لأحدهما طول»، ومن قولهم: «لنقتلنّ الحرّ منكم بعبدٍ منّا»، وكذا «من الذكر بالأُنثى»، وقولهم: «والاثنين بواحد» كما نقله في الكشّاف(1)بعد قوله: بِالأُنثَى، وقال في مجمع البيان:(2)وأقسموا لنقتلنّ بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرجل منهم، وبالرجل منّا الرجلين منهم.(3)

وبالجملة؛ إنّ الموضوع في آية البقرة هو القصاص والردّ بالمثل، ومن المعلوم عدم التفاوت بين العبد والحرّ والرجل والمرأة في أصل المنزلة الإنسانيّة والحياة الإنسانيّة والشخصيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والقوميّة، فإنّ بني آدم كلّهم من تراب ولهم أب واحد وأُمّ واحدة.

ومنها: قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعلَّكُمْ تَتَّقُونَ،(4)فإنّ القصاص هو الردّ بالمثل كما مرّ بيانه، والردّ بالمثل في قتل الرجل المرأة قتله بلا ردّ شيء إلى أهله كعكسه، فردّ النصف من جانب أولياء المرأة زائدٌ عن المقابلة وخارجٌ عن قصاص القاتل بالمقتول، وهو موجبٌ للظلم على المقتولة، فتصير المرأة - على هذا - خارجةً ومستثناة من عموم حكم القصاص الذي فيه الحياة، وأيّ قصاص مع أنّ المقابلةبالمثل في المسألة وغيرها يتحقّق بقتل القاتل، فإنّ النفس بالنفس، لا بالنفس مع ردّ نصف الدية؟!


1) . الكشّاف 1: 221، ذیل الآیه 178 و179، سوره البقرة.

2) . مجمع البيان 1 - 2: 479؛ ذیل الآیه 178 و179، سورة البقرة.

3) . زبدة البيان: 844، کتاب الجنایات، ذیل الآیه 178 و179، سورة البقرة.

4) . البقرة (2): 179.

...


لا يقال: إنّ الأخبار غير مخالفة لشيء من آيات المسألة، فإنّها مطلقة والأخبار خاصّة ومقيّدة، فيلزم التقييد الذي يدور حوله رحَى السنّة في مقابلة الكتاب، بل السنّة ليست إلّا لبيانه تقييداً أو تخصيصاً، والمخالفة الموجبة لعدم الحجّية هي المخالفة بالتباين لا بالعموم والخصوص مطلقاً. وبالجملة؛ الآيات ليست بأزيد من المطلقات، والأخبار ليست بأزيد من المقيّدات، فأين المخالفة والمباينة حتّى ينتج عدم الحجّية؟!

لأنّه يقال: لسان الإطلاقات فيها آبية عن التقييد والاستثناء، فالأخبار مباينة معها كما لا يخفى، فهل يصحّ أن يقال: وَمَا رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبيِدِ(1)إلّا الظلم في قصاص الرجل بالمرأة - مثلاً -؟ إنّ الذهاب إلى التقييد والاستثناء كذلك يرجع إلى أنّه سبحانه وتعالى ظالم في هذا الحكم.

أو يقال: إنِ الْحُكْمُ إلّا لِلّه يَقُصُّ الْحَقَّ(2)إلّا الحكم في هذه المسألة، فإنّه تعالى شأنه حكم فيها بغير الحقّ أو بغير العدل أو بأمثالهما؛ تقييداً واستثناءً من تلك الآيات، وهل لا يكون هذا إلّا قبيحاً في حقّه تعالى ونسبة الظلم وخلاف الحقّ والعدل إليه، وافتراءً على المعصومين : وإيراد الظلم عليهم بنسبة تلك الأُمور إليهم؟! وإباء اللسان عن التقييد والاستثناء والتخصيص في مثل المورد، ليس إلّا من جهة كون تلك الأُمور راجعة في نظر العرف وفهمهم العرفي - الذي هو الطريق الوحيد في حجّية ظواهر الكتاب والسنّة:وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ،(3)


1) . فصّلت (41): 46.

2) . الأنعام (6): 57.

3) . إبراهيم (14): 4.

...


ونَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ * بلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(1)- إلى انتساب شيء(2)باطل إلى الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كثيراً، وإلى المعصومين الحافظين لحدود الله وأحكامه والذين هم الصراط الأقوم.

نعم، الإباء في موارد أُخرى يكون ناشئاً من جهات أُخرى، كوجود الحلف والقسم ومثله في بيان الحكم ممّا فيه الدلالة على أهمّيّة الحكم عند الحاكم، بحيث لا يرضى بخروج مورد منه.

وبالجملة؛ إباء اللسان عن التقييد أمرٌ يرجع إلى نظر العرف، وهو الحاكم فيه، فإنّه من شؤون الظواهر كما هو واضح.

لا يقال: لعلّ الأخبار غير مخالفة لظاهر القرآن في فهم الأئمّة (صلوات الله عليهم أجمعين) الذين هم أصل الخطاب كما عليه الأخبار،(3)وإنّما يعرف القرآن من خُوطب به، ومع عدم إحراز المخالفة لا وجه لرفع اليد عن الأخبار وظواهرها، فإنّ الحجّة لا يُرفع اليد عنها إلّا بالحجّة.

لأنّه يقال: المعيار في عرض الأخبار على الكتاب وسقوطها عن الحجّية بالمخالفة والترجيح بالموافقة، هو ظواهر القرآن بفهم العرف لا بعلمهم :، وإلّا لا يمكن أن يكون الكتاب ميزاناً لعرض الأخبار؛ لاستلزامه الدور كما لا يخفى، ولا يمكن الحكم بالمخالفة ولا الموافقة؛ لاحتمال كونكلّ ما نراه مخالفاً للكتاب موافقاً له بنظرهم :، وكذا كلّ ما نراه موافقاً له مخالفاً له بنظرهم :، فما معنى


1) . الشعراء (26): 193 و195.

2) . «إلى انتساب شيء» الجار والمجرور متعلّق بقوله: «راجعة».

3) . انظر: وسائل الشيعة 27: 176، کتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 13.

...


ميزانيّة العرض على الكتاب لصدق الأخبار وكذبها؟ وما معنى قولهم : بمثل: «وما جاءكم يخالف القرآن فلم أقله»،(1)أو «فهو زخرفٌ»؟(2)

ولك أن تقول: جَعْل فهمهم : المناط في عرض الأخبار لا ظواهر القرآن بما هي ظواهر عرفاً، راجع في الحقيقة إلى قول بعض الأخباريّين من عدم حجّية ظواهر القرآن، وأنّها في حكم المتشابه المحتاج إلى بيان أهل البيت :، وهو كما ترى.

ترجيح أخبار المواسعة على المضايقة بموافقة الكتاب

وممّا ينبغي نقله هنا ما ذكره صاحب الجواهر 1 في ترجيح أخبار المواسعة على المضايقة بموافقة الكتاب؛ تأييداً لما قلناه وأداءً لقليل من حقّه الكثير علينا وعلى جميع الحوزات العلميّة، وإشارة إلى مدى إحاطته بالأقوال والأخبار والتحقيق في الأدلّة والآثار، ودونك عبارته:

بل وبموافقة الكتاب أيضاً الذي أمرنا بها عند التعارض في عدّة أخبار مذكورة في محلّها للتمييز بين الصادق والكاذب، من حيثإنّه كثر الكذّابة من أهل الأهواء والبدع على النبيّ والأئمّة (عليهم الصلاة والسلام) في حياتهم وبعد موتهم لتحصيل الأغراض الدنيويّة.


1) . الکافي 1: 69، باب الأخذ بالسنة وشواهد الکتاب، الحدیث 15؛ المحاسن 1: 347، کتاب مصابیح الظلم، الباب11، باب الاحتیاط في الدین...، الحدیث 727 و728؛ وسائل الشيعة 27: 111، کتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 15.

2) . الکافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الکتاب، الحدیث 3؛ المحاسن 1: 374، کتاب المصابیح الظلم، الباب 11، باب الاحتیاط في الدین...، الحدیث 725؛ وسائل الشيعة 27: 111و110، کتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث12و14.

...


ولما رأى جماعة منهم أنّ الأئمّة عليهم السلام حكموا بكثير ممّا اشتهر خلافه بين الناس - ولا سيّما العامّة - وكشفوا عن المراد بكثير من الآيات والروايات ممّا هو بعيدٌ إلى الأذهان، بل لا يصل إليه عدا المعصوم أحد من أفراد الإنسان، جعلوا ذلك وسيلة إلى الاقتحام على نسبة كثير من الأكاذيب إليهم واختلاق الأضاليل والبدع عليهم، فمن هنا أمر الأئمّة عليهم السلام بالعرض على الكتاب لسلامته من الكذب والاختلاق.

لكن من المعلوم إرادة النصوص القرآنيّة منه، أو الظواهر التي لا يحتاج فهم معناها إلى العصمة الربانيّة، أو احتاج لكن على سبيل التنبيه للغير، بحيث يكون بعد الوقوف هو الظاهر المراد لديه، لا الآيات التي ورد تفسيرها بالأخبار الظنّيّة التي تلحق من جهتها بالبطون الخفيّة، وعلى فرض صحّتها بالسرّ المخزون والعلم المكنون، إذ ذاك في الحقيقة عرض على الخبر الذي لامزيّة له على المعروض، ضرورة أنّ الكذوب كما يمكنه اختلاق الكذب على الأئمّة عليهم السلام فيما لا يتعلّق بالتفسير كذلك يمكنه الاختلاق فيما يتعلّق به، بل قيل: قد طعن في الرجال على جملة من أرباب التفسير الذين شأنهم نقل الأخبار في ذلك عن الأئمّة عليهم السلام كما طعن على أرباب الأخبار، ووجد في التفاسير المنقولة عنهم عليهم السلام أكاذيب وأباطيل كما وجدت في غيرها من الأخبار.

فدعوى بعض الناس إرادة الأعمّ من ذلك ممّا لا يصغى إليها وإنبالغ في تأييدها وتشييدها، بل شنّع على الأصحاب بما غيرهم أولى به عند ذوي الألباب.

...


وتفصيل الحال لا يناسب المقام.(1)انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

لا يقال: لعلّ التفاوت في المسألة بين قصاص الرجل والمرأة عدل وحقّ عند الشارع تعالى في نظامه الأتمّ الأكمل في التشريع، وأنّه يعلم من المصالح والجهات ما لا نعلم شيئاً منها، فضلاً عن كثيرها أو كلّها، كما قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلاً،(2)وإن لم يكن الحكم عدلاً عندنا، لكنّ الله تعالى هو الحاكم الذي يقصّ الحقّ وهو خير الحاكمين، وإنِ الْحُكْمُ إلّا لِلّه،(3)فعدم كونه عدلاً وحقّاً عندنا لا بأس به وغير مضرٍّ بالتشريع والحكم أصلاً.

لأنّه يقال: الأمر بحسب الثبوت كما ذكر، والاحتمال نافع في ذلك المقام، وفي إثبات الإمكان بالنسبة إلى الحكم القطعي الإلهي المخالف لما عندنا من مفهوم العدل والحقّ.

وأمّا بحسب مقام الإثبات، ونسبة الحكم إلى الله تعالى واستنباطه من الأدلّة والأمارات الظنّيّة في جهة من الجهات التي عليها يدور حجر رحى الفقه والاستدلال، فلابدّ من كون الدليل على الحكم من الأخبار غير مخالف لظواهر الكتاب وآيات العدل والحقّ، وطبقاً لما يفهمه العرف كما مرّتحقيقه،(4)وإلّا لا يبقى معنى ومحلّ لميزانيّة القرآن للأخبار كما لا يخفى.

وبالجملة؛ الظاهر وقوع الخلط في هذا الإشكال بين مقامي الثبوت والإثبات.


1) . جواهر الكلام 13: 98.

2) . الإسراء (17): 85.

3) . الأنعام (6): 57.

4) . مرّت في الصفحة 185.

...


فتدبّر جيّداً واغتنم. ولا بأس هنا بنقل ما عليه الأُستاذ الشهيد المطهّري 1 في أصل المسألة، ودونك عبارته المترجمة إلى العربيّة:

أصل العدل من مقاييس الإسلام الذي يجب أن يلاحظ ماذا ينطبق عليه، إنّ العدالة في سلسلة علل الأحكام لا في سلسلة المعلولات، فإنّه ليس الأمر أنّ ما قاله الدين هو العدل، بل ما هو عدل يقوله الدين، وهذا معنى كون العدل مقياساً للدين. فيلزم البحث في أنّ الدين مقياس للعدالة، أو العدالة مقياس للدين؟ إنّ القداسة ]الكاذبة[ تقتضي أن نقول: إنّ الدين هو مقياس العدالة، لكن الحقيقة ليست هكذا.

هذا نظير ما شاع بين المتكلّمين في باب الحسن والقبح العقليين، والشيعة والمعتزلة صاروا عدليّة؛ أي اعتبروا العدل مقياساً للدين لا الدين مقياساً للعدل. وبهذا الدليل جعل العقل أحد الأدلّة الشرعيّة حتّى قالوا: العدل والتوحيد علويّان، والجبر والتشبيه أمويّان.

في الجاهليّة كانوا يعتبرون الدين مقياساً للعدل والحسن والقبح، ولهذا ينقل ]القرآن[ عنهم في سورة الأعراف أنّهم كانوا يحسبون كلّ عمل قبيح على عاتق الدين ويجيبهم القرآن بقوله: قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأمُرُ بِالْفَحْشَاءِ(1).(2).

لا يقال: اللازم ممّا ذكرت عدم حجّية هذه الأخبار الكثيرة المنقولة عن غير


1) . وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَائَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ.... (الأعراف (7): 28 و29).

2) . بررسي اجمالي مباني اقتصاد اسلامي، للشهيد المطهري: 14.

...


واحد من أعاظم المحدّثين من الأصحاب البالغة إلى خمسة عشر حديثاً تقريباً، مع ما فيها من الصحاح، ومع رواية هؤلاء الكبار من المحدّثين، وهو كما ترى.

لأنّه يقال أوّلاً: لا اعتبار بهذه الاستبعادات والاعتبارات، بل ما نعتبره ونقف عليه هو الأدلّة والضوابط والقواعد الرائجة.

وثانياً: ينتقض الإشكال هنا بباب أخبار التحريف، مع ما لها من الكثرة، ففي مرآة العقول في شرح خبر هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل (علیه السلام) إلى محمّد (صلی الله علیه وآله) سبعة عشر ألف آية»،(1)قال:

ولا يخفى أنّ هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أنّ الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظنّي أنّ الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة.(2)

فانظر إلى عبارة العلّامة المجلسي الظاهرة بل الصريحة في كثرة أخبار التحريف، وأنّ كثيراً منها من الصحاح، وأنّها في الكثرة والصحّة إلى حدٍّ يكون رفع اليد عنها موجباً لرفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، وأنّها لا تقصر عن أخبار الإمامة.

لكنّك خبيرٌ بأنّ هذه الأخبار - مع تلك الكثرة والصحّة المذكورة فيكلامه - مطروحة طرّاً وساقطة عن الحجّية رأساً؛ لما فيها من المخالفة للكتاب والسنّة والعقل.

فالجواب عن لزوم عدم حجّية أخبار المسألة - على ما هو مختارنا - هو الجواب


1) . الكافي 634:2، باب النوادر، الحديث 28.

2) . مرآة العقول 12: 525، باب النوادر، ذيل الحديث 28.

...


عن القول بعدم حجّية أخبار باب التحريف، بل الأمر فيما نحن فيه أسهل؛ لكونها أقلّ منها بمراتب، ولا تبلغ في غايتها إلى أكثر من عشرين خبراً.

وبالجملة؛ ما هو الجواب هناك هو الجواب هنا.

وبما ورد في المسائل الفرعيّة ممّا تكون مخالفة للكتاب في الكتب الأربعة مع الأسانيد المعتبرة، مع أنّ مخالفته له اليوم أظهر من مخالفته له بالأمس، وأبين من الشمس في رابعة النهار:

فمنها: ما رواه الكليني في الكافي عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن عبدالله بن سنان، قال: قال أبو‌عبدالله (علیه السلام)، قال: «الرجم في القرآن قول الله عزّ وجلّ: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة، فإنّهما قضيا الشهوة».(1)

ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) في القرآن رجم؟ قال: «نعم»، قلت: كيف؟ قال: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة، فإنّهما قضيا الشهوة».(2).

ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح أيضاً، عن يونس بن عبدالرحمان، عن عبدالله بن سنان، قال: قال أبو‌عبدالله (علیه السلام): «الرجم في القرآن قوله


1) . الكافي 7: 177، باب الرجم والجلد ...، الحديث 3؛ الفقیه 4: 17/32، باب ما یجب به التعزیر والحدّ...، الحدیث 12، عن سلیمان بن خالد؛ تهذیب الأحکام 10: 3/7، باب حدود الزنا، الحدیث 7؛ وسائل الشیعة 28: 62، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب حدّ الزنا، الباب 1، الحدیث 4؛ و67، الحدیث 18، عن سلیمان بن خالد.

2) . الفقيه 4: 17/32، باب ما يجب به التعزير والحدّ والرجم...، الحديث 12.

...


تعالى: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة، فإنّهما قضيا الشهوة».(1)

فانظر إلى أُولئك المشايخ العِظام الذين هم أئمّة الحديث والفقه، كيف لم يتوجّهوا إلى مخالفة تلك الأخبار للكتاب ولم يتعرّضوا لها أصلاً، بل لا يبعد إفتاؤهم بها، كما يظهر من عناوين الأبواب ممّا ذكروها في مقدّمات كتبهم، لا سيّما الفقيه ، بل ولا سيّما التهذيب المتعرّض لشذوذ الروايات.

وممّا ينبغي نقله هنا أيضاً ما ذكره الشيخ في التهذيب في ترجيح الأخبار الدالّة على حرمة أُمّهات النساء، وإن لم يدخل ببنتها على ما دلّ على حرمتها مع الدخول بالبنت، بمخالفة الطائفة الثانية لظاهر الكتاب، دونك عبارته:

قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وأَخَواتُكُمْ وعَمَّاتُكُم وخَالاتُكُمْ وبَناتُ الأَخِ وَبَناتُ الأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائكُمْ وَرَبائبُكُمْ الَّلاتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحَلائلُ أَبْنائكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحيماً * وَالمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ.(2)فجميع ما تضمّنت هذه الآية ذكرهنّ فإنّهنّ يُحرّمن بالنكاح علىكلّ حالٍ وبأيّ وجهٍ كان من وجوه النكاح: نكاح غبطة، أونكاح متعة، أو ملك أيمان وعلى كلّ حالٍ. وأمّا أُمّهات النساء فلا يعتبر فيهنّ أكثر من


1) . تهذيب الأحكام 10: 3/7، باب حدود الزنا، الحديث 7.

2) . النساء (4): 23 و24.

...


العقد عليهنّ، ولا اعتبار بالدخول بهنّ؛ لأنّ الآية مطلقة غير مقيّدة، فليس لنا أن نشترط فيها ما ليس في ظاهرها إلّا بدليل يقطع العذر، ويؤ‌يّد هذا الظاهر أيضاً ما رواه:

1.

محمّد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن غياث بن كلّوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (علیهما السلام): «إنّ عليّاً (علیه السلام) كان يقول: الربائب عليكم حرامٌ مع الأُمّهات اللاتي قد دخلتم بهنّ - هنّ في الحجور وغير الحجور سواء - والأُمّهات مبهمات دُخل بالبنات أم لم يدخل بهنّ، فحرِّموا وأبهِموا ما أبهم الله».

2.

أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (علیهما السلام): «إنّ عليّاً (علیه السلام) قال: إذا تزوّج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأُمّ، فإذا لم يدخل بالأُمّ فلا بأس أن يتزوّج بالابنة، وإذا تزوّج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الأُمّ، وقال: الربائب عليكم حرامٌ، كنّ في الحجر أو لم يكن».

3.

الصفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة، ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها؟ فقال: «تحلّ له ابنتها ولا تحلّ له أُمّها».

4.

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج وحمّاد بن عثمان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال:«الأُمّ والبنت سواء إذا لم يدخل بها - يعني إذا تزوّج المرأة، ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها - فإنّه إن شاء تزوّج أُمّها وإن شاء ابنتها».

...


5. وما رواه محمّد بن يعقوب، عن أبي عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبدالجبّار ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم، قال: كنت عند أبي عبدالله (علیه السلام) فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوّج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أيتزوّج بأُمّها؟ فقال أبو‌عبدالله (علیه السلام): «قد فعله رجل منّا فلم نر به بأساً». فقلت: جعلت فداك! ما تفخر الشيعة إلّا بقضاء عليّ (علیه السلام) في هذه السمجيّة التي أفتى بها ابن مسعود أنّه لا بأس بذلك، ثمّ أتى عليّاً (صلوات الله عليه وآله) فسأله فقال له عليّ(علیه السلام): «من أين أخذتها؟» فقال: من قول الله عزّوجلّ: وَرَبَائبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ،(1)فقال عليّ (علیه السلام): «إنّ هذه مستثناة وهذه مرسلة وأُمّهات نسائكم»، فقال أبو‌عبدالله(علیه السلام) للرجل: «أما تسمع ما يروي هذا عن عليّ(علیه السلام)؟ فلمّا قمتُ ندمتُ وقلتُ: أيّ شيء صنعت، يقول هو: قد فعله رجل منّا فلم نرَ به بأساً، وأقول أنا: قضى عليّ (علیه السلام) فيها؟! فلقيته بعد ذلك، فقلت: جعلت فداك! مسألة الرجل إنّما كان الذي كنت تقول كان زلّة منّي فما تقول فيها؟ فقال: «يا شيخ! تخبرني أنّ عليّاً (علیه السلام) قضى فيها وتسألني ما تقول فيها؟!»فهذان الخبران قد وردا شاذّين مخالفَين لظاهر كتاب الله، وكلّ حديث ورد هذا المورد فإنّه لا يجوز العمل عليه؛ لأنّه روي عن النبيّ (صلی الله علیه وآله) وعن الأئمّة : أنّهم قالوا: «إذا جاءكم منّا حديث فاعرضوه على

1) . النساء (4): 23.

...


كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه أو ردّوه علينا». وهذان الخبران مخالفان على ما ترى لظاهر كتاب الله، والأخبار المسندة أيضاً المفصّلة، وما هذا حكمه لا يجوز العمل به.

إلى أن قال:

وأمّا الذي رواه:

6. الصفّار، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن العبّاس بن معروف، عن صفوان بن يحيى، عن محمّد بن إسحاق بن عمّار، قال: قلت له: رجل تزوّج امرأة ودخل بها ثمّ ماتت، أ يحل له أن يتزوّج أُمّها؟ قال: «سبحان الله! كيف يحلّ له أُمّها وقد دخل بها»، قال: قلت له: فرجل تزوّج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها، تحلّ له أُمّها؟ قال: «وما الذي يحرم عليه منها ولم يدخل بها».(1)

فهذا الخبر أيضاً لاحق بالخبرين الأوّلين في شذوذه وكونه مضادّاً ومخالفاً لظاهر القرآن، وما هذا حكمه لا يعمل عليه.(2)

ثالثاً: ما يوجب نفي الاستبعاد من رأس هو الالتفات إلى ما وقع منالدسّ الكثير في الأخبار كما يظهر للمراجع، وعليه اتّفاق الأخيار من أُولي الأبصار، ولنكتف هنا بصحيح يونس بن عبد الرحمن، ففي رجال الكشّي:


1) . تهذيب الأحكام 7: 275/1170، باب من أحلّ الله نکاحه من النساء و...، الحدیث 6؛ الاستبصار 3: 158/574، باب أنّه إذا عقد الرجل...، الحدیث 6؛ وسائل الشیعة 20: 464، کتاب النکاح، أبواب ما یحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 21، الحدیث 5.

2) . تهذیب الأحکام 7: 275، ذیل الحدیث 1170/6.

...


حدّثني محمّد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القمّي، قالا: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثني محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن: إنّ بعض أصحابنا سأله [أي سأل عن يونس] وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمّد! ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟ فقال: حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبدالله (علیه السلام) يقول: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلّا ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد (لعنه الله) دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا (صلی الله علیه وآله)، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عزّ وجلّ وقال رسول الله (صلی الله علیه وآله)».

قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (علیه السلام) ووجدت أصحاب أبي عبدالله (علیه السلام) متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (علیه السلام) فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبدالله (علیه السلام)، وقال لي: «إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبدالله (علیه السلام)، لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله(علیه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلافالقرآن، فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن وموافقه السنّة، إنّا عن الله وعن رسوله نحدّث، ولا نقول: قال فلانٌ وفلانٌ، فيتناقض كلامنا. إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا وكلام أوّلنا مصدّق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف

...


ذلك فردّوه عليه وقولوا: أنت أعلم وما جئت به! فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان».(1)

السند صحيحٌ، فالرواية صحيحةٌ.

فإن قلت: ما الفائدة في دسّ تلك الأخبار المخالفة للعامّة؟

قلت: لعلّ الفائدة والسرّ في دسّها هو إيجاد العداوة والنفرة في النساء بالنسبة إلى الأئمّة، بل وإلى الرسول (صلوات الله عليهم أجمعين ) حتّى ينفضّ الناس من حولهم ويقلّ محبّوهم وشيعتهم، بل ويقلّ المسلمون، وكيف لا يكون كذلك مع الحكم بالتفاوت بين الرجل والمرأة في المسألة، ومع إيجاد أرضيّة الإيراد والإشكال على الإسلام، والخدشة في فقه الشيعة؛ ليصبح مانعاً عن توجّه الناس سيّما الشباب منهم إلى المذهب؟!

هذا، مع أنّ أخبار التحريف مشتركة في هذه الجهة مع أخبار المسألة، حيث إنّ مذهب العامّة هو عدم التحريف، فكما أنّ دسّ أخبار التحريف في الأخبار كان لتنفير الناس عن مذهب الشيعة، والافتراء عليهم باعتقادهم التحريف في القرآن كالإنجيل والتوراة، وأنّ خلافة أئمّتهم المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) يثبتونها ويستدلّون عليها بقرآن آخر وبالمحرّفات من القرآن بالقرآن الرائج، فكذلك الكلام في أخبار المسألة حرفاً بحرفٍ.

إن قلت: التفاوت بين الرجل والمرأة في القصاص ووجوب ردّ النصفعند قصاص الرجل بالمرأة ناشئ من وجوب النفقة على الرجل، وأنّ قوام المعيشة


1) . رجال الكشّي: 194، الرقم 401.

...


والاقتصاد به، فعند قصاصه بالمرأة يجب ردّ نصف الدية إلى أهله؛ قضاءً للنقص الوارد في معيشتهم بقتل الرجل قصاصاً، وأنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.

قلت: توجيه التفاوت كذلك شعري واعتباري وأنّ كلّيته منتقضة بالصغار والشيوخ والأعرجين والزمنة ومَن ليس لهم معيشة من الرجال، وبالنساء الشاغلات ومَن كنّ منهنّ ذوات فعّاليّات اقتصاديّة دخيلة في المعيشة ممّا تكون كثيرة في زماننا هذا،(1)وبدّية الحمل بعد الحياة. فلا يصحّ ابتناء الفقه وأحكامه العالية الإلهيّة به، وهو اجتهادٌ في مقابل النصّ.

مضافاً إلى ما في الأخبار من تعليل عدم الردّ بأنّه لا يجني الجاني بأكثر من جنايته على نفسه، ومضافاً إلى أنّ الدية ما يعطى في الدم وعوضاً عنه، ففي مفردات الراغب: «ووديت القتيل أعطيت ديته، ويقال لما يعطى في الدم دية»،(2)فلا ارتباط بينه وبين المعيشة والاقتصاد، وإنّما يكون ارتباطه بالدم بما هو دم ووسيلة للحياة ومورد ومحلّ لنفس الإنسان.

هذا كلّه في مخالفة أخبار المسألة للكتاب، ومنه يظهر مخالفتها للسنّة المماثلة لتلك الآيات المتضمّنة لإثبات العدل والحكمة لله تعالى وتقبيح ونفي الظلم منه تعالى، وغيرها أيضاً كما هو ظاهر، بل ومخالفتها للعقل والقواعد المسلّمة، فإنّ العقل حاكم بقبح الظلم لا سيّما من الشارع تعالى، بل منه محالٌ، كما أنّ من الأُصول والقواعد المسلّمة كون الأحكامالشرعيّة كلّها عدلاً وحقّاً.

هذا تمام الكلام في الإشكال على الأخبار بالمخالفة، وقد ظهر ممّا مرّ أنّ هذه


1) . هو سنة 1423 هجريّة قمريّة.

2) . المفردات في غريب القرآن: 862، مادّة «وادى».

...


المخالفة سبب لعدم حجيّتها على كثرتها.

مخالفة الأخبار المستدلّ بها مع الأخبار الأُخر في المسألة

هذا، مع معارضتها للأخبار الثلاثة:

أحدها: صحيحة أبي مريم الأنصاري ]وهو عبدالغفّار بن القاسم[ عن أبي‌جعفر(علیه السلام)، قال في امرأة قتلت رجلاً، قال: «تُقتل ويؤدّي وليّها بقيّة المال». وفي رواية محمّد بن عليّ بن محبوب: «بقيّة الدية».(1)

وصرّح في التهذيب بتكرّر الرواية في الكتب في مواضع، حيث قال:

هذه الرواية شاذّة، ما رواها غير أبي مريم الأنصاري وإن تكرّرت في الكتب في مواضع.(2)

ثانيها: موثّقة السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام): «إنّ أمير‌المؤمنين (علیه السلام) قتل رجلاً بامرأة قتلها عمداً، وقتل امرأة قتلت رجلاً عمداً».(3)

ثالثها: خبر إسحاق بن عمّار، عن جعفر (علیه السلام): «إنّ رجلاً قتلامرأة فلم يجعل عليّ(علیه السلام) بينهما قصاصاً وألزمه الدية».(4)


1) . تهذیب الأحکام 10: 183/717، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 14؛ الاستبصار 4: 267/1009، باب حکم المرأة إذا قتلت رجلاً، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 85، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث17.

2) . تهذيب الأحكام 10: 183، باب القود بين الرجال والنساء والمسلمين و...، ذيل الحديث 717/14.

3) . تهذیب الأحکام 10: 183/715، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 12؛ وسائل الشيعة 29: 84، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث14.

4) . تهذیب الأحکام 10: 280/1097، باب القصاص، الحدیث 23؛ الاستبصار 4: 266/1002، باب حکم الرجل إذا قتل امرأة، الحدیث 6؛ وسائل الشيعة 29: 84، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث 16.

...


وهذه الأخبار وإن كانت مختلفة مضموناً، لكنّها مشتركة في المعارضة والمخالفة لتلك الأخبار الكثيرة.

هذا، مع أنّ في معارضة الموثّقة لتلك الأخبار، ومع كون الترجيح معها للموافقة مع الكتاب المقدّمة على بقيّة المرجّحات المنصوصة فضلاً عن غيرها، كفاية في تقديمها عليها، وفي ردّ علم تلك الأخبار الكثيرة إلى أهلها، وكثرتها وأصحّيتها وأوضحيّة دلالتها وغيرها من المزايا على الموثّقة الموافقة للكتاب، كما حقّقناه في محلّه، فإنّها مقدّمة على المرجّحات المنصوصة فضلاً عن غيرها. وبهذه المزيّة تكون مقدّمة على خبري أبي مريم وإسحاق أيضاً. فتدبّر جيّداً.

هذا تمام الكلام في العمدة من أدلّتهم وهي الأخبار.

وأمّا الاستدلال بكون دية المرأة نصف دية الرجل، المستلزم لردّ النصف في قصاص الرجل بالمرأة، وهو الوجه الثاني من الوجوه الأربعة على ما تقدّم ذكره.(1)

ففيه: - مضافاً إلى النقض بعكسه اللازم منه ردّ نصف الدية إلى أهل الرجل المقتول زائداً على قصاص المرأة ليرتفع النقصان، ومضافاً إلى أنّه اجتهادٌ في مقابل النصّ؛ لما فيه من التعليل بقوله (علیه السلام): «لا يجني الجاني على أكثر من نفسه»(2)- أنّ الاستدلال كذلك منوطٌ بتماميّةالمبنى، لكنّه عندي محلّ إشكال ومنع، فإنّ


1) . تقدّم في الصفحة 169.

2) . تهذیب الأحکام 10: 182/712، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 9؛ الاستبصار 4: 267/1008، باب حکم المرأة إذا قتلت رجلاً، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 83، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث10.

...


الأقوى تساوي دية المرأة مع الرجل؛ قضاءً لإطلاق الأخبار الكثيرة الواردة في بيان مقدار الدية التي جمعها الوسائل في الباب الأوّل من أبواب الديات(1)وبلغت عددها فيه إلى أربعة عشر حديثاً، وليست في تلك الأخبار من التفصيل بين دية الرجل والمرأة بالكمال والتنصيف أثر أصلاً.

نعم، ما في خبر أبي بصير: «دية الرجل مائة من الإبل...»(2)فيه إشعارٌ ضعيفٌ بالاختصاص بالرجل في مقابل المرأة، لكن مع أنّ التعبير بالرجل رائج في الأخبار والمكالمات من دون خصوصيّة فيه، بل يكون ذكره للتعارف والرواج، ومع أنّ في تقييد تلك الإطلاقات الكثيرة بهذا الخبر المشعر بالتقييد، مع ما فيه من عدم العلم بكونه عن المعصوم (علیه السلام)؛ لعدم ذكر منه (علیه السلام) فيه، فلعلّه من أبي بصير أو شخص آخر، ومع ما في سنده من الضعف باشتراك أبي بصير وعدم معلوميّة إبراهيم وأبي جعفر، الواقعين في السند قبل ابن أبي حمزة، ما لا يخفى من الضعف وعدم التماميّة.

هذا كلّه مع كونه مخالفاً لجميع أخبار الباب ومعرضاً عنه؛ لما فيه من الترتيب بين الإبل والبقر والكبش بقوله: «دية الرجل مائة من الإبل، فإنلم يكن فمن البقر بقيمة ذلك، فإن لم يكن فألف كبش»، فإنّه لا ترتيب بين أُصول الدية نصّاً


1) . وسائل الشيعة 29: 193، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 1.

2) . تهذیب الأحکام 10: 161/644، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 23؛ وسائل الشيعة 29: 197، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 1، الحديث 12. وفيه: «عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم، عن أبي جعفر، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: «دية الرجل مائة من الإبل، فإن لم يكن فمن البقر بقيمة ذلك، فإن لم يكن فألف كبش، هذا في العمد، وفي الخطأ مثل العمد ألف شاة مخلطة».

...


وفتوىً، لكنّ الظاهر من عبارات الأصحاب كون النصّ والإجماع على التفاوت، وأنّ دية المرأة على النصف. ففي الجواهر:

وكيف كان، فلا خلاف ولا إشكال نصّاً وفتوىً في أنّ دية المرأة الحرّة المسلّمة، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، سليمة الأعضاء أو غير سليمتها، على النصف من جميع الأجناس المذكورة في العمد وشبهه والخطأ، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكيّ منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص، بل هو كذلك من المسلمين كافّة إلّا من ابن عليّة والأصمّ، فقالا: هي كالرجل،(1)وقد سبقهما الإجماع ولحقهما، بل لم يعتدّ بخلافهما من حكى إجماع الأُمّة غير مشير إليهما، ولا بأس به. وحينئذٍ فمن الإبل خمسون، ومن الدينار خمسمائة، وهكذا كما هو واضح.(2)

وفي الرياض:

وأمّا دية قتل المرأة الحرّة المسلمة، فعلى النصف من الجميع - أي جميع التقادير الستّة المتقدّمة - فمن الإبل خمسون، ومن الدنانير خمسمائة، وهكذا؛ إجماعاً محقّقاً ومحكيّاً في كلام جماعة حدّ الاستفاضة وهو الحجّة، مضافاً إلى الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة التي كادت تكون متواترة، فمنها - زيادة على ما مرّ في بحث تساوي الرجل والمرأة في دية الجراحات ما يبلغ الثلثوغيره - الصحيح: «دية المرأة نصف دية الرجل»، والصحيح عن رجل قتل امرأة خطأ وهي على رأس الولد


1) . المغني، لابن قدامة 9: 531 - 532، دیة الحرّة المسلمة...؛ الشرح الکبیر 9: 518.

2) . جواهر الكلام 43: 32.

...


تمخض، قال: «عليه الدية خمسة آلاف درهم...» .(1)

وصريح العبارتين من ذينك العلمين - كغيرهما من العبائر في بقيّة الكتب الفقهيّة المماثلة لهما في الاستدلال والنقض والإبرام - كون المسألة إجماعيّة وعليها النصوص، وفي الثانية منهما: أنّها صحاحٌ مستفيضة وغير مستفيضة معتبرة كادت أن تكون متواترة، وفي الأُولى: إضافة المسلمين كافّة إلّا من ابن عليّة والأصمّ إلى إجماع الإماميّة، لكنّه مع ذلك كلّه فيها ما ترى.

في مجمع الفائدة ذكر في مقام الاستدلال على المسألة في موضع:

فكأنّه إجماع أو نصٌّ ما اطّلعت عليه.(2)

وفي موضع آخر:

قوله: ودية الأُنثى...، إلى آخره، كأنّ دليله الإجماع والأخبار وقد مرّت، فتذكّر.(3)

فانظر إلى ما في عبارة المجمع وعبارتي الجواهر والرياض من الاختلاف الشديد في الاستدلال بالإجماع والأخبار، ففي عبارتيهما الجزم وفي عبارته الشكّ والظنّ؛ لمكان التعبير بكلمة «كأنّ»، وكذا الاختلاف في وجوههما، ففيهما الجزم بذلك أيضاً، بل الجزم بالمرتبة العالية من الإجماع في الجواهر، وبالكثرة في الأخبار في الثاني كما مرّ بيانه، وفيه الشكّ فيأصل وجودهما من رأس، وكأنّهما كانا وما اطّلع عليهما.

وما في المجمع من الدقّة، مع ما فيه من الإشعار، بل الظهور في عدم الجزم


1) . رياض المسائل 16: 360 - 361.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 313.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 322.

...


بالمعروف من حكم المسألة؛ لعدم جزمه بما استدلّوا به من الأخبار والإجماع، جرأةً لأمثالنا من البحث في المسألة، فإنّه 1 مع كونه في الثقة والجلالة والفضل والنبالة والزهد والديانة والورع والأمانة أشهر من أن يحيط به قلم أو يحويه رقم، ومع ما له من مقامات وكرامات خاصّة به، إذا لم يكن جازماً بمثل حكم المدّعى عليه اتّفاق المسلمين وتواتر أخبار الخاصّة، فلا خوف لنا في تحقيق المسألة وإثبات ما عليه من الدقّة في الأخبار والآثار، وإثبات أنّ دية المرأة كدية الرجل دية كاملة؛ قضاءً للأصل؛ أي إطلاق الأدلّة، كما مرّ تحقيقه في أوّل البحث.

ثمّ إنّ لمثله ولمثل سيّدنا الأُستاذ من العلماء الكبار (سلام الله عليهم أجمعين) بما لهم من الدقّة والنقض والإبرام في المسائل والفحص والبحث عنها، الموجبة لعدم الجمود على آراء الماضين4 وللجرأة على نقض آرائهم، ولانفتاح باب الاجتهاد على الدوام وجذب الناس إلى الإسلام، لما في اجتهاداتهم من السهولة في الأحكام وتساوي الناس في الحقوق ورعاية تأثير الزمان والمكان في استنباط الأحكام، كتأثيره في مصاديق الموضوعات، حقٌّ عظيم على الفقه والفقاهة والاجتهاد والدراية وعلى الحوزات العلميّة (صانها الله عن الحدثان) وإن كانت حقوقهم مختلفة حسب قدر تلك الأُمور: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض،(1)وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا.(2).

وكيف كان، أخبار المسألة ونصوصها على طوائف ثلاثة:

الطائفة الأُولى: المخصوصة بالباب؛ أي الدية بما هي دية، يعني الضماني منه


1) . البقرة (2): 253.

2) . الأنعام (6): 132.

...


كدية الخطأ وشبه العمد والعمد الذي ليس فيه القصاص، وهي خمس:

أحدها: رواية عبدالله بن مسكان؛ محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبدالله بن مسكان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في حديث قال: «دية المرأة نصف دية الرجل».(1)

ثانيها: ما عنه أيضاً عن أبي عبدالله (علیه السلام) في دية الجنين، قال: «... فإذا أُنشئ فيه الروح فديته ألف دينار أو عشرة آلاف درهم إن كان ذكراً، وإن كان أُنثى فخمسمائة دينار، وإن قتلت المرأة وهي حبلى فلم يدر أ ذكراً كان ولدها أم أُنثى، فدية الولد نصف دية الذكر ونصف دية الأُثنى، وديتها كاملة».(2)

ثالثها: صحيحة الحلبي وأبي عبيدة، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سئل عن رجل قتل امرأة خطأً، وهي على رأس الولد تمخض؟ قال: «عليه الدية خمسة آلاف درهم، وعليه للذي في بطنها غرّة وصيف أو وصيفة أو أربعون ديناراً».(3).

رابعها: ما في كتاب ظريف عن أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في دية الجنين: «فإذا نشأ فيه


1) . الکافي 7: 298، باب الرجل یقتل المرأه...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 180/705، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 2؛ الاستبصار 4: 265/998، باب حکم الرجل إذا قتل امرأة، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 205، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 5، الحديث 1.

2) . الکافي 7: 343، باب دیة الجنین، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 281/1099، باب الحوامل والحمول...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 229، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 21، الحديث 1.

3) . الکافي 7: 299، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 185/725، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 22؛ وسائل الشيعة 29: 206، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 5، الحديث 3.

...


خلق آخر وهو الروح فهو حينئذٍ نفس بألف دينار كاملة إن كان ذكراً، وإن كان أُنثى فخمسمائة دينار، وإن قتلت امرأة وهي حبلى متم فلم يسقط ولدها ولم يعلم أ ذكر هو أو أُنثى، ولم يعلم أ بعدها مات أم قبلها، فديته نصفان نصف دية الذكر ونصف دية الأُنثى...».(1)

خامسها: صحيحة أبي جرير القمي، عن العبد الصالح (علیه السلام) في دية النطفة والجنين، ففيها: «قال الله عزّ وجلّ: ثُمَّ أنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ،(2)فإن كان ذكراً ففيه الدية، وإن كانت أُنثى ففيها ديتها».(3)

ولا يخفى ما في الاستدلال بهذه الأخبار من المناقشة والإشكال.

ففي الأُولى: التي هي أظهر أخبار الطائفة، بل الطوائف كلّها، كما سيظهر إن شاء الله تعالى، فدلالتها وإن كانت تامّة وتكون مطلقة وفي مقام بيان الضابطة، لكن في سندها - على تسليم صحّتها - محمّد بن عيسى، عن يونس، ففيه أنّ فيما يرويه عنه تبعاً لاستثناء محمّد بن الحسن الوليد، بل وتلميذه الصدوق ; من أخباره ما يكون كذلك، تأ‌مّل بل منعٌ.

وما في تنقيح المقال من عدم مضريّة ذلك الاستثناء؛ لأنّه:

إن كان لتحمّله إيّاه في الصغر فقد حقّقنا في محلّه كون المدارعلى وقت الأداء دون التحمّل، وإن كان لابتناء رواياته على الإجازة فقد حقّقنا


1) . الکافي 7: 342، باب دیة الجنین، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 312، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 19، الحديث 1.

2) . المؤمنون (23): 14.

3) . تهذیب الأحکام 10: 282/1102، باب الحوامل والحمول...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 317، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 19، الحديث 9.

...


كفايتها في جواز الرواية، ولذا ترى أنّ أكثر أخبارنا من هذا القبيل. فتدبّر جيّداً.(1)

ففيه: لم يعلم بعد وجه تركهما العمل، وما ذكره رحمه الله من الوجهين الذين ردّهما دراية وحدس غير ثابت، فلعلّه كان نظرهما إلى غير الوجهين من المناقشة وعدم صحّة المتن ومن غيره ممّا لا نعلمه، فرفع اليد عن استثناء مثل ابن الوليد محلّ تأ‌مّل بل منعٌ؛ حيث لم يعلم كون الوجه ما ذكره ; من الوجهين، بل لعلّ الوجه غيره. وكيف كان، رفع اليد عن الاستثناء من مثل ابن الوليد، بل وتلميذه مشكلٌ إن لم يكن ممنوعاً.

وبالجملة؛ نظرهما رواية عنهما متّبعة، ونظر التنقيح دراية عن الغير وتوجيه لكلامهما، فلا حجّية فيه. هذا، مع أنّ وثاقة العبيدي محلّ الخلاف، ففي تنقيح المقال في ترجمته، قال:

وقد وقع الخلاف بين أصحابنا في الرجل على قولين: أحدهما: أنّه ضعيفٌ، وهو الذي صرّح به جمعٌ، منهم: الشيخ رحمه الله في موضعين من رجاله،(2)وفي فهرسته قال في باب أصحاب الهادي (علیه السلام) من رجاله: «محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني بن يونس ضعيفٌ».(3)انتهى.

وقال في باب مَن لم يرو عنهم عليهم السلام : «محمّد بن عيسى اليقطينيضعيفٌ».(4)انتهى.


1) . تنقيح المقال 3: 169، ذيل الرقم 11211.

2) . رجال الطوسي: 391، الرقم 5758؛ و: 448، الرقم 6361.

3) . الفهرست: 216، الرقم 611.

4) . الفهرست: 448، الرقم 6361.

...


وقال في الفهرست: «محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ضعيفٌ استثناه أبو‌جعفر بن بابويه(1)من رجال نوادر الحكمة، وقال: لا أروي ما يختصّ بروايته، وقيل: إنّه يذهب مذهب الغلاة، له كتاب الوصايا، وله كتاب تفسير القرآن، وله كتاب التجمّل والمروّة وكتاب الأ‌مل والرجاء. أخبرنا بكتبه ورواياته جماعة عن التلعكبري، عن ابن همّام، عن محمّد بن عيسى».(2)انتهى.

ومنهم: ابن طاووس، فإنّه ضعّفه فيما مرّ من كلامه عند نقل الأخبار الذامّة لزرارة بقوله: «ولقد أكثر محمّد بن عيسى من القول في زرارة حتّى لو كان بمقام عدالة كادت الظنون تسرّع إليه بالتهمة، فكيف وهو مقدوح فيه».(3)انتهى.

ومنهم: الشهيد الثاني ; في عبارته المزبورة هناك من قوله: «فقد ظهر اشتراك جميع الأخبار القادحة في أسنادها إلى محمّد بن عيسى، وهي قرينة عظيمة على ميل وانحراف منه على زرارة، مضافاً إلى ضعفه في نفسه».(4)انتهى.

ومنهم: جمع كثير من فقهائنا في مصنّفاتهم في الفقه، كالمحقّق فيالمعتبر،(5)


1) . في الفهرست: «أبو‌جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه، عن...».

2) . الفهرست: 216، الرقم 611.

3) . تحریر الطاووسي: 240، الرقم 175، ذیل حدیث سابع عشر.

4) . رسائل الشهيد الثاني 2: 981، الرقم 175، عن تحریر الطاووسي.

5) . المعتبر 1: 81.

...


وكاشف الرموز،(1)والعلّامة في المختلف(2)في مسألة الوضوء بماء الورد، والسيّد في المدارك،(3)وصاحب الذخيرة،(4)والفاضل المقداد في التنقيح،(5)والشهيد الثاني في روض الجنان،(6)وغيرهم.

إلى أن قال:

القول الثاني: إنّه ثقة، وهو الذي صرّح به النجاشي رحمه الله، حيث قال: «محمّد بن عيسى بن عبيد بن يقطين بن موسى، مولى أسد بن خزيمة، أبو‌جعفر، جليل في أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف، روى عن أبي جعفر الثاني (علیه السلام) مكاتبة ومشافهة. وذكر أبو‌جعفر بن بابويه، عن ابن الوليد أنّه قال: ما تفرّد محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه. ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون: من مثل أبي جعفر محمّد بن عيسى سكن بغداد. قال أبو‌عمرو الكشّي: نصر بن الصباح يقول: إنّ محمّد بن عيسى بن عبيد بن يقطين أصغر في السنّ أن يروى عن ابن محبوب، قال أبو‌عمرو: قال القتيبي: كان الفضل بن شاذان رحمه الله يحبّ العبيدي ويثني عليه ويمدحه ويميل إليهويقول: «ليس في أقرانه مثله»، ويحسبك هذا الثناء من الفضل رحمه الله.


1) . كشف الرموز 545:1.

2) . مختلف الشيعة 1: 62، المسألة 32.

3) . جامع المدارك 1: 384.

4) . ذخيرة المعاد: 34 و67 و112.

5) . التنقيح الرائع 1: 105.

6) . روض الجنان 1: 193.

...


وذكر محمّد بن جعفر الرزّاز: أنّه سكن سوق العطش، له من الكتب: كتاب الإمامة، كتاب الواضح المكشوف في الردّ على أهل الوقوف، كتاب المعرفة، كتاب بعد الإسناد، كتاب قرب الإسناد، كتاب الوصايا، كتاب اللؤلؤة، كتاب المسائل المحرّمة، كتاب الضياء، كتاب الطرائف، كتاب التوقيعات، كتاب التجمّل والمروّة، كتاب الفيء والخمس، كتاب الرجال، كتاب الزكاة، كتاب ثواب الأعمال، كتاب النوادر. أخبرنا أبو‌عبدالله بن شاذان، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى، عن الحميري، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى بكتبه ورواياته، وعن أحمد بن محمّد، عن سعد عنه».(1)انتهى.

وقد تبعه جماعة، فقد عنونَ العلّامة ; الرجل في القسم الأوّل من الخلاصة وقال: «اختلف علماؤنا في شأنه، ونقل ما سمعته من الفهرست، ثمّ نقل ما سمعته في عبارة النجاشي من نقل الكشّي عن عليّ بن محمّد القتيبي، ثمّ نقل عن جعفر بن معروف: أنّه ندم إذ لم يستكثر منه، ثمّ نقل قول النجاشي إلى قوله: سكن بغداد. ثمّ قال: وله كتب ذكرناها في كتابنا الكبير. ثمّ قال: والأقوى عندي قبول روايته».(2)انتهى. وإن كان ينافيه قوله في ترجمة بكر بنمحمّد الأزدي: «وعندي في محمّد بن عيسى توقّف».(3)انتهى.


1) . رجال النجاشي: 333، الرقم 896.

2) . خلاصة الأقوال: 241 و242، الرقم 821.

3) . خلاصة الأقوال: 81.

...


ولعلّه ذكر ذلك قبل تحقيق حال الرجل كما يكشف عنه كون ذلك قبل هذا... .(1)إلى آخره.

ومع التعارض والخلاف فلابدّ من التوقّف، فإنّ توثيق النجاشي يكون معارضاً مع تضعيف الشيخ، فوثاقته مع ذلك الخلاف بين الرجاليين والفقهاء، ومع كون الجارح مقدّماً على المعدّل، محلّ تأ‌مّل وإشكال، فالأحوط، إن لم يكن الأقوى ترك العمل بروايته، فإنّ الأصل في الظنون عدم الحجّية.

وفي الثانية: فإنّها وإن لم يكن ظهورها في بيان الضابطة كالأُولى؛ لكونها مربوطة بمورد خاصّ وهو قتل الجنين، لكنّها مع ذلك ظاهرة في بيانها عرفاً؛ لكون خصوصيّة الجنين ملغاة عندهم، وإنّما المناط في الحكم مثل الرجل والمرأة وديتهما، إلّا أنّ فيها ممّا بيّناه في الأُولى من الخدشة في السند.

وفي الثالثة: ففيها أوّلاً: أنّها مختصّة بمورد السؤال، وليس فيها إطلاق ولا قاعدة كلّية، وخصوصيّة المورد فيها غير قابل للإلغاء عرفاً، فإنّ في قتل المرأة في حال المخاض وهي على رأس الولد خطأً، احتمال الخصوصيّة بنظر العرف موجود كما لا يخفى.

وثانياً: ذيل الحديث غير معمول به؛ لأنّ دية الجنين الكامل خلقته دية النفس، ودية ما دون الخلقة مائة دينار فما دونها، فالتخيير بين الغرّة وأربعين ديناراً في إهلاك الجنين مخالفٌ لفتوى الأصحاب، وخروج الذيلعن الحجّية في مثل الحديث ممّا يكون متعرّضاً لحكم مسألة واحدة مضرٌّ بحجّية الصدر أيضاً؛ لما بينهما من الارتباط، وليسا حكمين مستقلّين في مسألتين حتّى لا يكون الإعراض


1) . تنقيح المقال 3: 167 و168، الرقم 11211.

...


في الذيل وسقوطه مضرّ بحجّية الصدر.

وبالجملة؛ حجّية صدر مثل الحديث عند العقلاء غير محرزة، أو محرزة العدم.

وفي الرابعة والخامسة: فهما وإن كانتا تامّتين سنداً ودلالةً، بل الرابعة فيها الدلالة أيضاً من جهة بيان حكم ما لم يعلم ذكوريّة الجنين وأُنوثيّته، وأنّ ديته النصف من دية الذكر والنصف من دية الأُنثى كما لا يخفى.

بل يشهد ويدلّ على الحكم أيضاً ما في دية الخنثى، وهو خبر غياث بن كلّوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (علیهما السلام): «إنّ عليّاً (علیه السلام) كان يقول: الخنثى يورث من حيث يبول، فإن بال منهما جميعاً، فمن أ‌يّهما سبق البول ورث منه، فإن مات ولم يبل فنصف عقل الرجل ونصف عقل المرأة»،(1)لكن فيهما مثل ما في أخبار ديات أعضاء الأُنثى من الرجوع إلى النصف بعد مضيّ الثلث، من محذور المخالفة مع الكتاب والسنّة، كما سيأتي بيانه وتحقيقه.

كما أنّ الظاهر، أنّ العقل في خبر إسحاق بن عمّار بمعنى سهم الإرث لا الدية كما لا يخفى، والحمل على الدية مع عدم البحث عنه في الحديث بعيدٌ جدّاً، بل لا وجه له إلّا مسألة حمل اللفظ على معناه الحقيقي الاصطلاحي، لكن عدم تماميّة الحمل مع القرينة الظاهرة على المجازيّةواضحٌ ممّا لا ريب فيه.

الطائفة الثانية: الأخبار الكثيرة التي مضى الاستدلال بها على لزوم ردّ نصف الدية في قتل الحرّ بالحرّة، فإنّها دالّة بالملازمة على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل،


1) . تهذیب الأحکام 9: 354/1270، باب میراث الخنثی و...، الحدیث 4؛ الفقیه 4: 237/759، باب میراث الخنثی، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 228، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 20، الحديث 1.

...


وإلّا لم يكن وجه في ردّ النصف كما لا يخفى.

وفي الاستدلال بها للمسألة - مضافاً إلى عدم حجيّتها في موردها، وعدم صحّة الاستدلال بها في مضمونها المطابقي كما مرّ تحقيقه - أنّ الدلالة الالتزاميّة كما أنّها تابعة للمطابقة وجوداً فكذلك في الحجّية، فإنّ المطابقة بعد ما لم تكن حجّة، وكأنّها لم تكن فكيف تكون التزاميّتها حجّة؟! فلا مطابقة حتّى يكون لها لازم. فتدبّر جيّداً.

هذا، مع أنّ من المحتمل كون ردّ النصف لما في اختيار وليّ المرأة من قتل الرجل وقصاصه بقتلها، وهذا بخلاف ما لو قتلت المرأة خطأً ممّا لا قصاص فيه ولا جناية، فلا بأس في كون ديتها دية الرجل ودية كاملة. ألا ترى أنّ العامّة مع كونهم قائلين بكون دية الأُنثى نصف دية الرجل، ليسوا بقائلين بالردّ في قتل الحرّ بالحرّة، بل يقولون بعدمه كعكسه، فلا ملازمة بين الحكمين.

وبالجملة؛ إلغاء الخصوصيّة من باب العمد إلى باب الخطأ، وأنّه إذا كان في العمد النصف ففي الخطأ أيضاً النصف لا الكلّ، ممنوعة؛ لاحتمال دخالة قصاص المرأة بالرجل في تقليل الدية، وأين ذلك بالتنصيف فيما ليس فيه قصاص الرجل، كقتل الرجل المرأة خطأً؟!

الطائفة الثالثة: الأخبار المستدلّ بها في أنّ قطع أعضاء المرأة كالرجل حتّى يبلغ الثلث، فإذا بلغ الثلث ترجع الدية إلى النصف، ففي هذه الأخبار دلالة على أنّ دية المرأة فيما زاد عن الثلث على النصف ومن الزائد دية نفس المرأة، فديتها على النصف.

وفيها أوّلاً: أنّ الظاهر من تلك الأخبار، اختصاص الزائد عن الثلث، بالأعضاء،

...


بل كالنصّ في الاختصاص كما لا يخفى على المراجع.

وثانياً: أنّه على تسليم الظهور والدلالة، فالإطلاق منصرفٌ من النفس، فإنّ العناية في تلك الأخبار إلى الأعضاء.

وثالثاً: وهو العمدة، أنّ تلك الأخبار في موردها وهو دية الأعضاء غير حجّة، كما سنبيّنه، فضلاً عن غير موردها وهو دية النفس.

وأمّا الآية، وهو الوجه الأوّل منها، فقد عرفت أنّها في مقام بيان نفي التفاوت ومنع قتل غير القاتل وأنّه لابدّ من قتل القاتل لا غيره وإن اختلفا في الشخصيّة الاجتماعيّة والوجاهة الاعتباريّة؛ قضاءً لتحقّق المقابلة بالمثل، وتساوي القاتل عموماً مع المقتول عموماً.

وأمّا الإجماع، وهو الوجه الرابع، فعدم صحّة الاستدلال به في مثل هذه المسألة الاجتهاديّة ممّا لا يخفى.

هذا، مع ما في مجمع الفائدة والبرهان من التعبير بقوله: «كأنّه إجماع»(1)وهذا مشعرٌ بضعف تحقّق الإجماع في نظره 1. هذا، مع ما للشيخ الأعظم ممّا ذكره في الفرائد(2)في آخر البحث عن حجّية الإجماع المنقول بعد نقله عبارة كشف القناع،(3)ممّا يرجع محصّله إلى عدم حجّية الإجماع، فراجعه وإن لم يفِ به في الفقه.

ومع ما للشهيد الثاني في رسالته الموجودة في المجموعة المطبوعةبمناسبة الذكرى الألفية للشيخ الطوسي ;، فقد عدّ فيها الإجماعات التي ناقض فيها نفسه


1) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 313.

2) . فرائد الأُصول «ضمن تراث الشيخ الأعظم» 1: 224 و225.

3) . كشف القناع: 400.

(مسألة 1): لو امتنع وليّ دم المرأة عن تأدية فاضل الدية، أو كان فقيراً ولم يرض القاتل بالدية، أو كان فقيراً، يؤخّر القصاص إلى وقت الأداء والميسرة.(1)


في مسألة واحدة انتهى عددها إلى «أربع وثلاثين»،(1)وفي الحدائق فيما كانت عنده من الرسالة انتهى عددها إلى «نيف وسبعين».(2)

(1) في الجواهر:

ولو امتنع الوليّ من ردّ الفاضل أو كان فقيراً، ففي القواعد: الأقرب أنّ له المطالبة بدية الحرّة وإن لم يرض القاتل، إذ لا سبيل إلى طلّ الدم(3). وفيه: أنّ المتّجه العدم؛ بناءً على أنّ الأصل فيها القود، والدية إنّما تثبت صلحاً موقوفاً على التراضي، فمع عدم رضى القاتل تقف مطالبته بالقصاص على بذل الوليّ الزائد، وامتناعه عن ذلك لا يوجب الدية، بل وكذا فقره، بل أقصاه التأخير إلى وقت الميسرة، وليس مثل ذلك طلاً، كما هو واضح.(4)

وفيه: أنّ ما أورده على القواعد تامّ، لكن إلحاق الفقر بالامتناع محلّ إشكال، بل منع؛ لأنّه لا يبعد القول بانصراف أخبار الردّ إلى القادر من الأولياء، فإنّه القابل للتكليف بذلك، والمتعارف في السؤال والجواب.وعليه، فلابدّ للوليّ من القصاص؛ قضاءً للأصل في القتل.

وبالجملة؛ الحكم بلزوم الردّ مع الفقر على تماميّة أصله على خلاف الأصل، فإنّ


1) . الذكرى الألفية، للشيخ الطوسي: 792 - 798.

2) . الحدائق الناضرة 9: 368.

3) . قواعد الأحكام 3: 594.

4) . جواهر الكلام 42: 82.

(مسألة 2): يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف،(1) وكذا يقتصّ للمرأة من الرجل فيها من غير ردّ، وتتساوى ديتهما في الأطراف ما لم يبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحرّ، فإذا بلغته ترجع إلى النصف من الرجل فيهما، فحينئذٍ لا يقتصّ من الرجل لها إلّا مع ردّ التفاوت.(2)


الأصل القصاص، والنفس بالنفس، فلابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن وهو الوليّ القادر على الردّ، والأمر في المسألة على المختار من عدم تماميّة أصل الردّ واضح، ولا تصل النوبة إلى مثل هذه الفروع.

(1) بلا خلاف ولا إشكال، بل عليه الإجماع وعمومات القصاص والاعتداء بالمثل.

وفي الجواهر:

أمّا الأطراف فلا خلاف ولا إشكال في أنّه يقتصّ للرجل منها من دون رجوع له زائد عن الجرح.(1)

(2) ما في المتن شبيهٌ بما في الشرائع،(2)وفي الجواهر في ذيله:

على حسب ما سمعته في النفس، للنصوص المستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب من غير خلاف محقّق أجده فيه، بل عن الخلاف(3)الإجماع عليه.(4)

والاستدلال بأخبار المسألة المنقولة في الوسائل في الباب الأربعوالأربعين من


1) . جواهر الكلام 42: 85.

2) . شرائع الإسلام 4: 187.

3) . الخلاف 5: 155، المسألة 13.

4) . جواهر الكلام 42: 86.

...


أبواب ديات الأعضاء،(1)وفي الباب الأوّل من أبواب قصاص الطرف،(2)كالاستدلال بها في النفس - أي في قتل الرجل بالمرأة ردّ نصف الدية إلى أهل الرجل - غير تامٍّ من جهات:

أحدها: المخالفة مع آيات العدل والحقّ ونفي الظلم عن الربّ من الآيات العامّة في الكتاب وأخبارها من السنّة مثل ما مرّ(3)في أخبار النفس، فإنّ الحكم على المرأة المقطوع يدها ظلماً بلزوم ردّ ربع الدية على الرجل القاطع - إن أرادت قطع يده قصاصاً - ظلم وباطل وخلاف للحقّ والعدل، فالأخبار الدالّة على ذلك مخالفة للكتاب والسنّة الدالّة على عدمها في الإسلام وفي أحكام الشرع، وسبحانه تعالى من أمثال ذلك علوّاً كبيراً.

والإشكال بعدم المخالفة بالتخصيص وبأنّها كثيرة وبأمثالهما من المحاذير، فقد مرّ الجواب عنه في أخبار النفس، فالجواب هنا عين الجواب فيها حرفاً بحرف.

هذا، مع أنّ أخبار المسألة المنقولة في الكتب الأربعة ليست بكثرة تلك الأخبار فإنّها لا تزيد غايتها عن عشرة، مع احتمال الاتّحاد في بعضها كما يظهر لمن يراجعها.

ثانيها: المخالفة مع قوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ،(4)ووَالْحُرُمَاتُقِصَاصٌ(5)وغيرهما من آيات القصاص والاعتداء والردّ بالمثل، فإنّ لزوم ردّ مقدار من الدية في المرأة في الجروح الزائدة عن الثلث مخالفٌ للقصاص في الخروج


1) . وسائل الشيعة 29: 352، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44.

2) . وسائل الشيعة 29: 163، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1.

3) . مرّ في الصفحة 174 - 178.

4) . المائدة (5): 45.

5) . البقرة (2): 194.

...


والمماثلة فيها، فكما أنّ القصاص في جروح الرجلين أو المرأتين بالجرح فقط، فلابدّ من أن يكون الأمر كذلك في قصاص الرجل بالمرأة؛ لعدم الفرق عرفاً من حيث صدق القصاص والاعتداء بالمثل في المصداقين.

وشبهة التخصيص منتفية بإباء ألسنة مثل قوله تعالى: وَالسِّنَّ بالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ(1)عن التخصيص كما لا يخفى.

وتوهُّم أنّه بعد ما كانت الدية في المرأة فيما زادت على الثلث راجعة إلى النصف وكان الحكم في قصاص الأطراف مبنيّاً عليه، فالأخبار الدالّة على لزوم الردّ حاكمة على آيات القصاص في الجروح والحرمات والاعتداء والردّ بالمثل، حيث إنّ قطع عضو الرجل بعضو المرأة فيما زادت ديته عن الثلث بلا ردّ الدية ليس مماثلاً وقصاصاً لعضو الرجل في مقابل عضو المرأة، بل يكون ناقصاً عنه، بل من ذلك يظهر عدم مخالفة الأخبار لآيات العدل والحقّ ونفي الظلم عن الربّ كما لا يخفى.

وبالجملة؛ الباب باب الحكومة وباب بيان الموضوع وتفسيره، فالاستدلال بأخبار المسألة تامّ.

مدفوعٌ أوّلاً: بعدم كون لسانها لسان التفسير وبيان الموضوع، بل لسانها لسان بيان الحكم والتشريع كما هو الظاهر، والحكومة دائرة مدار اللسان كما هو أوضح من أن يحتاج إلى البيان. وثانياً: بأنّ ذلك المبنى غير تامٍّ في نفسه وباطل من رأس، كما سيأتي بيانه.

ثالثها: التهافت في أخبار المسألة، حيث إنّ اللازم من ردّ نصف الدية في قصاص الحرّ بأعضاء الحرّة فيما تزيد ديته عن الثلث إلى الحرّ، أخذ نصفه منها في


1) . المائدة (5): 45.

...


العکس أيضاً، أي في قصاص الحرّة بالحرّ فيما تزيد عن الثلث، لئلّا يلزم الهدر في نصف العضو المقطوع منه كما لا يخفى، حيث إنّه يعلم من لزوم الردّ في الأصل عدم جبران خسارة العضو بالقطع فقط، بل جبرانه به مع ردّ الزائد، ففي عكسه عدم لزوم الردّ مستلزم للهدر وعدم الجبران بالنسبة إلى النصف من العضو الزائد ديته عن الثلث. فما في الأخبار والفتاوى من اللزوم في الأصل وعدمه في العكس، ففيه تهافت وتناقض واضح دلالة بين المطابقة منهما مع الالتزامية لهما، وفي ذلك التهافت شهادة وحجّة على عدم الحجّية.

رابعها: أنّ المستفاد من النصوص والفتاوى كون الحكم بردّ التفاوت في المسألة - أي مسألة العمد في الجرح - مبنيّ على رجوع دية جرح المرأة إلى النصف في الزائد عن الثلث في باب دية الجروح، فتماميّة أخبار المسألة منوطة بتماميّة ذلك المبنى، وبما أنّ المبنى غير تامّ على ما نبيّنه، فالاستدلال بها غير تامّ من تلك الجهة أيضاً.

البحث حول دية أعضاء المرأة بما هي دية

فعلى ذلك لابدّ من البحث في دية أعضاء المرأة بما هي ديةٌ ومأخوذٌ في شبه العمد والخطأ والعمد الذي ليس فيه القصاص، فأقول مستعيناً بالله تعالى:

إنّ الأصل قضاءً لإطلاق الأخبار الكثيرة المبيّنة لمقدار ديات الأطراف والأعضاء أو المنافع أو في غيرها، عدم الفرق بين الرجل والمرأة، وأنّالدية فيهما واحدة مطلقاً، فليس في واحد منها - على كثرتها وكونها في مقام البيان بل وفي مقام الحاجة - أثر وإشارة إلى الفرق أصلاً، بل ذكر الوصف المذكر وجعله موضوعاً شامل للمذكّر وللمؤنّث أيضاً، من جهة إلغاء الخصوصية العرفيّة كما في بقيّة

...


الأحكام والأخبار، فذكر الوصف كذلك من باب المتعارف والغلبة من دون الخصوصية، فإنّ مناط الحكم بنظر العرف والعقلاء هو العنوان والجهة المذكورة في الأخبار وفي أدلّة الحكم، كما يظهر للمراجع والعارف بلسان الأخبار والآيات.

وفي الجواهر في آخر البحث عن حرمة النساء على المُحرم وطياً وتقبيلاً وعقداً وغيرها من الأُمور ذات الصلة بهنّ، قال:

والظاهر ثبوت الأحكام المزبورة للمرأة المحرمة كالرجل، ضرورة عدم كونه من خواصّ الرجل، بل لا يبعد إرادة الجنس من المحرم في نحو قوله (صلی الله علیه وآله): «لا ينكح ولا ينكح».

قال في المنتهى:(1)لا يجوز للمحرم أن يزوّج ولا يتزوّج ولا يكون وليّاً في النكاح ولا وكيلاً فيه، سواء كان رجلاً أو امرأة، ذهب إليه علماؤنا أجمع - إلى أن قال -: أمّا غيره فالعمدة فيه الإجماع المزبور، وما يستفاد من الأدلّة من حرمة الاستمتاع للمحرم رجلاً وامرأة، وحرمة مباشرة عقد النكاح له ولغيره، وإلّا فقاعدة الاشتراك لا تأتي في مثل ما ورد من النهي عن تقبيل الرجل امرأته، ولا دليله شامل للمرأة، فليس حينئذٍ إلّا ما عرفت، فيثبت عدم جواز تقبيلها لزوجها - مثلاً - وهي محرمة، وعلىهذا القياس. والله العالم.(2)

فانظر إلى استدلاله ; بالعنوان، وأنّ المناط التلبّس بالمبدأ، وأنّه العمدة في الاستدلال في مثل مسألة الإحرام والحجّ من العبادات فضلاً عن المعاملات.


1) . منتهى المطلب 12: 198.

2) . جواهر الكلام 18: 317.

...


ولا يخفى عليك وضوح المطلب، وإنّما نقلنا هذه العبارة من العبائر الكثيرة مثلها في الأبواب المختلفة في الفقه استشهاداً وتأييداً بكلمات مثله، فإنّ كلماته وحدها - فضلاً عن كلمات غيره - كافية في التأييد كما لا يخفى.

هذا، لكنّ الظاهر من الخلاف والجواهر اتّفاق علماء العامّة والخاصّة على النقص في دية جراحات النساء عن دية الرجال، ففي الخلاف:

المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها في الأُروش المقدّرة، فإذا بلغتها فعلى النصف ... .

إلى أن قال بعد نقل اختلاف العامّة وأقوالهم:

دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

وفي الجواهر:

وكذا الجراحات والأطراف منها على النصف من الرجل ما لم تقصر ديتها عن ثلث دية الرجل، فإن قصرت دية الجناية جراحة أو طرفاً عن الثلث تساويا قصاصاً ودية. كما مرّ الكلام فيه مفصّلاً.(2)

مرّ تفصيله في كتاب القصاص في مسألة اقتصاص الأطراف من الرجل والمرأة، ففيه:

ثمّ إنّها إذا بلغته [أي الثلث] أو تجاوزته دية أو جناية ترجع إلى النصف من الرجل فيهما معاً، فلا يقتصّ لها منه إلّامع ردّالتفاوت على حسب ما سمعته في النفس؛ للنصوص المستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب


1) . الخلاف 5: 255 - 256، المسألة 64.

2) . جواهر الكلام 43: 32.

...


من غير خلاف محقّق أجده فيه، بل عن الخلاف الإجماع عليه.(1)انتهى كلامه، رفع في الخلد مقامه.

والظاهر من عدم نقله الإجماع إلّا من الخلاف انحصار ادّعائه فيه، وإلّا لنقله - كما لا يخفى على العارف - بدأبه وطريقته في نقله الإجماع دليلاً أو تأييداً، كما أنّ الظاهر من نقل الخلاف أقوال العامّة في المسألة اتّفاقهم على التفاوت في دية الأعضاء بين الرجل والمرأة بنقصانها في المرأة عن الرجل والرجوع إلى النصف فيما زاد عن الثلث كالمعروف بين الأصحاب، أو بالرجوع إليه مطلقاً ولو فيما دون الثلث، أو منحصراً بالزائد عن الثلث في أرش الجائفة والمأمومة أو في غير الجائفة فقط، أو فيما لم تبلغ الدية نصف دية أرش اليد أو الرجل، أو في غيرهما ممّا هو منقول عنهم في الخلاف ، فأصل التفاوت والنقص في الجملة مورد لاتّفاقهم وخلافهم في موارده.

إذا عرفت حال الأقوال في المسألة من الخاصّة والعامّة، فنقول: في الاستدلال بتلك النصوص المستفيضة جهات من الإشكال والمنع:

الجهة الأُولى: أنّ ما يكون من تلك النصوص مربوطة بالدية لا تزيد عن اثنين، صحيحة أبان ومضمرة سماعة، وبقيّتها على كثرتها ترتبط بقصاص الأطراف في الرجل والمرأة.

نعم، صحيح الحلبي المنقول في الوسائل(2)في الأعمّ من القصاص والدية،وفي تلك


1) . جواهر الكلام 42: 85 - 86.

2) . وسائل الشيعة 29: 165 و166، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1 و2، الحديث 6 و1.

...


البقيّة محذور المخالفة مع الكتاب والسنّة بمثل المخالفة في قصاص النفس منهما.

حيث إنّ الخبر الدالّ على لزوم ردّ ربع الدية - مثلاً - في المرأة المقطوع يدها على الرجل القاطع إذا أرادت القصاص، مخالفٌ لقوله تعالى: وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ،(1)أو وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ،(2)بل ولقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبَابِ؛(3)بناءً على أعميّة القصاص فيه عن القصاص في النفس، كما أنّه مخالفٌ لآيات العدل والحقّ وتساوي الرجل والمرأة، بل وكذلك الأمر في قصاص المرأة بالرجل في الأطراف؛ لأنّ الاكتفاء بالقطع ليس بقصاص، بل ظلمٌ على الرجل المقطوع؛ لعدم المقابلة بالمثل وهدر ربع يده المقطوعة - مثلاً - ، كما لا يخفى.

ومن الواضح عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب وإن بلغ من الكثرة ما بلغ. هذا، مع أنّها على التماميّة مربوطة بالدية في قصاص الأطراف، وأين ذلك من الدية المجرّدة عن القصاص؟! وليس التعدّي من الدية مع القصاص إلى المجرّدة عنه إلّا قياساً واضح البطلان، وفي الصحيحة محذور الاختلال في المتن، فإنّه يكون بحدّ ذاته مانعاً عن حجيّتها، وعن جواز الاستدلال بها للحكم الموافق مع الأصل، فضلاً عن المخالف له كما في المسألة، وذلك الاختلال من جهات:

أ) ما فيه من اعتراض أبان وإيراده على الصادق (علیه السلام) بقوله: «إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان»(4)غير مناسب؛ لما يحصى به


1) . البقرة (2): 194.

2) . المائدة (5): 45.

3) . البقرة (2): 179.

4) . الکافي 7: 299، باب الرجل یقتل المراة...، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 184/719، باب القود بین الرجال والسناء...، الحدیث 16؛ الفقیه 4: 88/283، باب الجراحات والقتل بین النساء والرجال، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 352، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 1.

...


أمثال أبان من شأن ومقام في الإطاعة والحبّ والفضل والفقاهة، بل هو ليس شأن من هو دونه بدرجات كثيرة، فاعتراضه بذلك إن لم يرجع إلى هتك المعصوم (علیه السلام) وارتداد القائل به، فلا أقلّ من أنّه خلاف الاحترام اللازم بالنسبة إلى العالم، فضلاً عن الإمام المعصوم، فهل يتجرّأ أحد بتصحيح تلك النسبة إلى مثل أبان، بل هل يحتمل أحد صحّتها؟

ففي الفهرست(1)والخلاصة(2)جميعاً: إنّه ثقة جليل القدر؛ عظيم المنزلة في أصحابنا، لقى أبا محمّد عليّ بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبدالله :، وروى عنهم، وكان له عندهم حظوة وقدم، وقال له أبو‌جعفر الباقر (علیه السلام): «اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك». ومات في حياة أبي عبدالله (علیه السلام) وقال (علیه السلام) لما أتاه نعيه: «أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان». ومات في سنة إحدى وأربعين ومائة، وزاد في الخلاصة قوله: وروي أنّ الصادق (علیهالسلام)، قال: «يا أبان! ناظر أهل المدينة، فإنّي أحبّ أن يكون مثلك من رواتي ورجالي». وفي تنقيح المقال:

وقال النجاشي(3)بعد ذكر نسبه على ما مرّ وذكر عظم منزلته في أصحابنا وملاقاته الأئمّة الثلاثة ونقله الروايات المزبورة ما لفظه: وكان أبان رحمه الله مقدّماً في كلّ فنٍّ من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة


1) . الفهرست: 57، الرقم61.

2) . خلاصة الأقوال: 73، الرقم 119.

3) . رجال النجاشي: 11، الرقم 7،.

...


والنحو، - إلى أن قال -: ولأبان قراءة مقروّة مشهورة عند القرّاء، ثمّ روى مسنداً عن محمّد بن موسى بن أبي مريم صاحب اللؤلؤ أنّه قال: سمعت أبان بن تغلب وما رأيت أحداً أقرأ منه قطّ، يقول: إنّما الهمزة رياضة.

ثمّ روى مسنداً عن أبان بن محمّد بن أبان بن تغلب، قال: سمعت أبي يقول: دخلت مع أبي إلى أبي عبدالله (علیه السلام) فلمّا بصر به أمر بوسادة فألقيت له وصافحه واعتنقه وسائله ورحّب به وقال: وكان أبان إذا قدم المدينة تفوّضت إليه الحلق وأخليت له سارية النبيّ (صلی الله علیه وآله). انتهى المهمّ ممّا في رجال الكشّي.(1)

وفي رجال ابن داود: أنّه ثقة جليل القدر، سيّد عصره وفقيهه وعمدة الأئمّة :، روى عن الصادق (علیه السلام) ثلاثين ألف حديثاً.(2)انتهى المهمّ ممّا فيه.

و روي عن أبان بن عثمان، عن أبي عبدالله (علیه السلام): أنّ أبان بن تغلب روى عنّي ثلاثين ألف حديثاً فاروها عنّي، وكفى في فضله تصديق جمع من العامّة إيّاه مع اعترافهم بتشيّعه...، - إلى أن قال: - وروى الكشّي عنه أنّه «قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): أمّا إنّي أقعد في المسجد فيجيئني الناسفيسألوني، فإن لم أجبهم لم يقبلوا منّي وأكره أن اُجيبهم بقولكم وما جاء عنكم، فقال له: انظر ما علمت أنّه من قولهم


1) . كذا وقد سهی الناسخ فأبدل النجاشي بالكشّي، والصحيح رجال النجاشي.

2) . رجال ابن داود: 9، الرقم 4.

...


فأخبرهم بذلك».(1)

ثمّ لا يخفى عليك أنّ أمر الباقر والصادق (علیهما السلام) إيّاه بالفتيا دليل واضح وبرهان لائح على علوّ مرتبته في العلم والعمل وثقته وعدالته وأمانته في الحديث، ... ويشهد بذلك أيضاً أمر الصادق (علیه السلام) بإلقاء وسادة له ومصافحته ومعانقته والسؤال عن حاله والترحيب به وفي إخلاء سارية النبيّ (صلی الله علیه وآله) له شأن عظيم له.(2)انتهى ما أردنا نقله منه.

فمع هذه المنزلة المنيعة والدرجة الرفيعة هل يجوز له الكلام مع الإمام الصادق (علیه السلام) بمثل تلك الجملات والاعتراض عليه بذلك النحو، وهل يجوز أن يكون المأمور بالفتوى من قبل الباقر (علیه السلام) بل ومن قبل الصادق (علیه السلام) نسبة الرواية الدالّة على ذلك الحكم إلى الشيطان؟!

وتوهمّ: كون ذلك الكلام منه بياناً لتسليمه في مقابل كلام الصادق (علیه السلام)، وذلك كأنّه يقول للإمام (علیه السلام): ما ذكرت من الحكم وإن كان قبل ذلك في نظرنا ممّا جاء به الشيطان، ولكن مع ذلك نسلّم لكم ونقول الآن: إنّه من الله تعالى تصديقاً لكلامكم وتسليماً لأمركم.

مدفوعٌ: بمنافاة ذلك مع قوله (علیه السلام): «مهلاً يا أبان»، كما لا يخفى على المتدبّر والعارف بالمكالمة، بل ومن ذلك يظهر عدم معروفيّتهوشهرته بين الأصحاب في عصر الباقرين(علیهما السلام)، ويكون ذلك إشكالاً جدليّاً على المستدلّين بالحديث، مع اعترافهم بأنّه المشهور وأنّ عليه عمل الأصحاب.


1) . رجال الكشّي: 395، الرقم 602.

2) . تنقيح المقال 1: 4، الرقم 19.

...


ب) أنّ اللازم من أخذه الإمام (علیه السلام) بالقياس وقوله (علیه السلام) بأنّ «السنّة إذا قيست محق الدين»، جهل أبان بحرمة القياس وأنّه موجب لمحق الدين أو الجهل بها، وبأنّ المورد من مصاديق القياس أو لا أقل من الجهل بالمورد والموضوع فقط، وجهل مثل أبان - المفتي في زمان الباقر (علیه السلام) ومَن بلغ في المذهب إلى مرتبة من العلم والفقاهة بحيث يحبّ الإمام (علیه السلام) جلوسه في المسجد وإفتائه - ممّا لا يحتمله أحد في مَن دون شأنه فضلاً عن مثله 1.

ج) تعجّبه ; من الثلاثين في قطع الثلاث والعشرين في قطع الأربع، وأنّ اللازم الأربعين في الأربع كالثلاثين في الثلاث والعشرين في اثنين وعشرة في الواحد، ليس تعجّباً في غير محلّه، ولا الأربع مع الثلاث وما قبله في الدية مساوياً بزيادة العشرة في الأربع وكون ديته أربعين عملاً بالقياس بالحكم؛ لأنّ ذلك يكون من باب فحوى الدليل والمفهوم منه عرفاً، أي من باب العمل بالظواهر الذي عليه رحى الكتاب والسنّة والفقه والفقاهة حيث قال تعالى: وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ،(1)ومن باب القاعدة العقليّة والعقلائيّة في الضمان بأنّه كلّما زادت الخسارة زاد مقدار الضمان، فكيف جعله الإمام (علیه السلام) مورداً للاعتراض وأنّه أخذ المعصوم (علیه السلام) بالقياس. فتدبّر جيّداً.

د) أنّه (علیه السلام) بعد اللتيا والتي أجابه بالسنّة، ومن المعلوم عدممناسبة الجواب مع السؤال، حيث إنّ إشكال أبان يرتبط بمقام الجعل والثبوت وأنّه كيف يكون كذلك، لا بمقام الإثبات، وإلّا فمحض قول إمامه (علیه السلام) له حجّة قطعيّة ضروریّة،


1) . إبراهيم (14): 4.

...


وإشكاله الثبوتي باقٍ على كلام الرسول (صلی الله علیه وآله) أيضاً كما لا يخفى.

بل في وجود السؤال والجواب كذلك في أخبار العامّة: «وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيّب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت له: لما عظمت مصيبتها قلّ عقلها، قال: هكذا السنّة»،(1)شهادة على كون الرواية على الصدور والمطابقة للواقع من باب التقيّة وتوجيه ما في أخبارهم وآثارهم، ألا ترى أنّ التقيّة قد أوجبت التحريف اللفظي من المعصوم (علیه السلام)، مع ما في حفظ القرآن من ذلك التحريف من الأهميّة، بحيث إنّ الله تعالى ضمن عدمه بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.(2)

في الكافي بسنده عن موسى بن أشيم، قال: كنت عند أبي عبدالله (علیه السلام) فسأله رجلٌ عن آية من كتاب الله عزّ وجلّ، فأخبره بها، ثمّ دخلعليه داخل فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبر بها الأوّل، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتّى كأنّ قلبي يشرح بالسكّاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في


1) . نقلاً عن الخلاف 5: 256، المسألة 64؛ وراجع المصدر: الموطّأ، للمالك: 619، ما جاء في عقل الأصابع، الرقم 1566؛ السنن الكبری، للبیهقي168:12، كتاب الديات، باب ما جاء في جراح المرأة، الرقم 16766. وفيهما مع اختلاف يسير: «عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنّه قال: سألت سعيد بن المسيّب، كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشرٌ من الإبل، فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، فقلت: كم في ثلاث؟ فقال ثلاثون من الإبل، فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل، فقلت: حين عظم جرحها واشتدّت مصيبتها نقص عقلها، فقال سعيد: أ عراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبّت أو جاهل متعلّم، فقال سعيد: هي السنّة يا بن أخي».

2) . الحجر (15): 9.

...


الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كلّه، فبينا أنّا كذلك، إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي، فعلمتُ أنّ ذلك منه تقيّة، قال: ثمّ التفت إليّ فقال لي: «يا ابن أشيم! إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى سليمان بن داود فقال: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أو أمْسِكْ بِغَيرِ حِسَاب،(1)وفوّض إلى نبيّه (صلی الله علیه وآله) فقال: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا،(2)فما فوّض إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله) فقد فوّضه إلينا».(3)

ومن المعلوم أنّ حديث أبان وإن كان صحيحاً بحسب السند، لكنّه مع هذه المحاذير والجهات المشكلة الموجبة للاختلال في المتن غير حجّة عند العقلاء ولا يعبأون به أصلاً وإن كان ما فيه موافقاً مع القواعد فضلاً عمّا فيه من المخالفة. وإن أبيت عن عدم بنائهم على العمل بمثله فلا أقلّ من الشكّ في البناء، وذلك كافٍ في عدم الحجّية، فإنّ الأصل في الظنون عدم الحجّية.

هذا كلّه في الصحيحة التي هي أظهر أحاديث الباب، وأمّا مضمرة سماعة، قال: سألته عن جراحة النساء؟ فقال: «الرجال والنساء في الديةسواء حتّى تبلغ الثلث، فإذا جازت الثلث، فإنّها مثل نصف دية الرجل».(4)ففي سندها الضعف


1) . ص (38): 39.

2) . الحشر (59): 7.

3) . الكافي 1: 265، باب التفويض إلی رسول الله (صلی الله علیه وآله) وإلی الأئمّة(علیهم السلام)في أمرالدين، الحديث 2؛ وسائل الشيعة 22: 70، کتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه، الباب 29، الحديث 27. مع التفاوت.

4) . تهذیب الأحکام 10: 184/722، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 19؛ وسائل الشيعة 29: 352، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 2.

...


بالإضمار، وبكون سماعة واقفيّاً، وبكون عثمان - على الذهاب بأنّه ابن الرواسي - ضعيفاً عند البعض، ومجهولاً على عدم كونه ابن الرواسي؛ للاشتراك، وفي متنه الضعف من جعله الغاية أوّلاً الثلث، ثانياً التجاوز عنه.

هذا، مع أنّ العمل بالخبر الواحد التامّ دلالةً وسنداً المخالف للقواعد إذا لم يزد عن الواحد والاثنين مشكلٌ بل ممنوعٌ، دونك عبارة جامع المدارك للفقيه المتّقي السيّد أحمد الخوانساري رحمه الله:

وفي المقام شبهة أُخرى وهي: أنّ اعتبار خبر الثقة أو العدل مع توثيق بعض علماء الرجال أو تعديله من جهة بناء العقلاء أو الاستفادة من بعض الأخبار لا يخلو عن إشكال في الدماء مع شدّة الاهتمام في الدماء، ألا ترى أنّ العقلاء في الأُمور الخطيرة لا يكتفون بخبر الثقة مع اكتفائهم في غيرها به.(1)

الجهة الثانية: أنّ تلك النصوص على تسليم تماميّتها سنداً ومتناً ليست بحجّة من جهة المخالفة للكتاب والسنّة، مثل أخبار ردّ النصف من الدية في قتل الحرّ بالحرّة؛ وذلك لأنّ دية كلّ عضو تكون في مقابل عضو الإنسان الحرّ بما أنّه إنسان، لا بما هي قيمة عضوه وغرامته كالغرامة في الأموال وكالدية في أعضاء العبد، وإلّا كان اللازم اختلاف دية الأيادي - مثلاً - باعتبار اختلافها في مثل الصنعة والعمل بها؛ لأنّ ضمانها من تلك الجهة تختلف باختلاف الجهة، وكان اللازم أيضاً أن لا تزيد دية العضوعلى دية النفس، كما في دية اليدين مع رجل واحد فإنّها تزيد بنصف على دية النفس، فإنّ عمل الأعضاء وضمانها على ذلك


1) . جامع المدارك 7: 35.

...


فرع الأصل، فإنّ عمل مثل اليد فرع الحياة، فكيف يزيد دية الفرع على الأصل، فالديات ديات الأعضاء بما أنّها أعضاء الإنسان.

ومن المعلوم عدم التفاوت في أعضاء الرجل والمرأة من حيث عضوية الإنسان، فإنّ أعضاء الإنسان بما هي أعضاء الإنسان مع انضمامها إلى الخلق الآخر سبب لنسبة الله تعالى البركة إلى ذاته بقوله تعالى: ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقِينَ(1)فمع تساوي أعضاء المرأة وأعضاء الرجل في النسبة إلى الإنسان كيف تكون دية أعضاء المرأة بعد الثلث نصف الرجل؟! وهل هذا إلّا ظلمٌ ومخالف للعدل؟! وهل هذا إلّا التمييز والتفريق بين الرجل والمرأة؟!

هذا، مع ما في الآيات والأخبار من التساوي بينهما، وأنّه لا مزيّة لأحدهما على الآخر، فإنّ إنسانيّة الإنسان بروحه الإنساني الموجود في المرأة بعين وجوده في الرجل.

فعلى هذا، أخبار التنصيف في دية أعضاء المرأة بعد الثلث؛ لمخالفتها لآيات العدل، وآيات نفي الظلم، وآيات تساوي أفراد البشر وعدم المزيّة لأحد على الآخر والسنّة المماثلة للكتاب، غير حجّة، ولابدّ من ضربها على الجدار أو ردّ علمها إلى أهلها وإن بلغت من الكثرة ما بلغت.

الجهة الثالثة: ما في الأخبار من الاختلاف في الغاية أُمور:

أحدها: في بعضها الثلث، وفي الآخر التجاوز عنه.

ثانيها: في الثلث من أنّه ثلث دية الرجل، كما في غير واحد منالأخبار، أو ثلث دية المرأة، كما في خبر ابن أبي يعفور: قال سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل


1) . المؤمنون (23): 14.

...


قطع إصبع امرأة؟ قال: «تقطع إصبعه حتّى ينتهي إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل».(1)

ثالثها: في أنّ دية المرأة فيما زاد عن الثلث، على النصف من دية الرجل، كما في جُلّ أخبارها، أو أنّها على الثلث والرجل على الثلثين، كما في صحيح الحلبي، ففيها: «فإذا جازت الثلث صيّرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية».(2)

ومن المعلوم أنّ الاختلاف في الجهات الثلاثة في أخبار الباب الذي لا يزيد عن ثمانية أو تسعة، موجبٌ لعدم الحجّية، وعدم بناء العقلاء على البناء بالحديث مع ذلك الاختلاف، بل بما دونه من الاختلاف أيضاً، ولا أقلّ من كونه سبباً للشكّ في البناء والحجّية.

وتوهّم عدم الاختلاف في الأمر الأوّل؛ لما في الجواهر(3)من عدم وضوح الدلالة في أخبار التجاوز، لأنّ الدلالة ليست إلّا من حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل، وهو معارضٌ بمفهوم الغاية في الصدر، والجمعبينهما كما يمكن بصرف مفهوم الغاية إلى الشرط كذا يمكن بالعكس.


1) . تهذیب الأحکام 10: 185/724، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 21؛ الکافي 7: 301، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 14، مع تفاوت في بعض الألفاظ؛ وسائل الشيعة 29: 164، کتاب القصاص، أبواب القصاص الطرف، الباب 1، الحديث 4.

2) . تهذیب الأحکام 10: 185/726، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 23؛ الکافي 7: 300، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 165، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 6.

3) . جواهر الكلام 42: 87.

...


مدفوعٌ بما يلي: - مضافاً إلى أنّ مفهوم الشرط أظهر من الغاية فالترجيح معه - أنّه لا تعارض بينهما في مثل خبر الباب أصلاً؛ حيث إنّ الظاهر من شرط الذيل - أي اعتبار التجاوز - كون الغاية في حكم المغيّى، فمفهومها ثبوت الحكم المخالف فيما بعدها وهو التجاوز، فإنّه لا ظهور للغاية إلّا أنّها غاية.

وأمّا أنّها في حكم المغَيّى والمنطوق وداخلة فيه، أو في حكم المفهوم وأنّه ليست داخلة في المغَيّى، فلا ظهور للغاية فيه أصلاً، والظاهر وقوع الخلط من صاحب الجواهر 1 بين ظهور الغاية في المفهوم وبين ظهور الغاية في الغائيّة، وإلّا فمع عدم الخلط لا تعارض بين الصدر والذيل في مثل الخبر من رأس كما بيّناه. فتدبّر جيّداً حتّى لا يختلط عليك الأمر.

هذا كلّه مع أنّ الظاهر من وجود الاختلاف بين العامّة في الغاية من أنّها الثلث، أو الزائد عليه كما يظهر لمن راجع المغني لابن قدامة، ففيه بعد الاستدلال على التساوي فيما دون الثلث ما هذا لفظه:

فأمّا الثلث نفسه فهل يستويان فيه؟ على روايتين، إحداهما: يستويان فيه.(1)

ووجود الاختلاف في أخبارنا أيضاً كما لا يخفى على المتأ‌مّل.

الجهة الرابعة: معارضة الأخبار مع خبر أبي مريم، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «جراحات النساء على النصف من جراحات الرجالفي كلّ شيء»،(2)بل هذا الخبر


1) . المغني، لابن قدامة 9: 534، کتاب الجراح، دیة العبد والأمة... .

2) . تهذیب الأحکام 10: 185/723، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 20؛ وسائل الشيعة 29: 384، کتاب الدیات، أبواب ديات الشجاج والجراح، الباب3، الحديث2.

...


أيضاً موجب لتأييد الوجه السابق وهو الاختلاف في الأخبار. فتدبّر جيّداً وتأ‌مّل.

الجهة الخامسة: ما في شرح الإرشاد المسمّى ب- مجمع الفائدة والبرهان من مناقشة المقدّس الأردبيلي 1 حكم المشهور في المسألة، بكونه مخالفاً للقواعد العقليّة والنقليّة، ومن الخدشة في الروايات بما لا مزيد عليه في الدقّة والتحقيق والتتبّع، ولننقل تمام عبارته التي هي آخر عباراته في ذلك الكتاب، ففي ختامه مسك، وكم فيها - كبقيّة عباراته في الكتاب - من الفوائد، ودونك العبارة:

يتساوى الرجل والمرأة في ديات الأعضاء والجراح حتّى تبلغ دية عضو المرأة ثلث دية الرجل، فترجع حينئذٍ دية عضو المرأة إلى نصف دية عضو الرجل.

وحينئذٍ لو قطع رجل عضو امرأة - مثل إصبعها - فعلى الجاني دية إصبع الرجل، وهي عشر من الإبل، وفي الاثنتين [الاثنين] عشرون، وفي الثلاث ثلاثون، حتّى إذا قطع أربع أصابعها، ولما كان ديتها زائدة على ثلث دية الرجل، فإنّما أربعون، وهو زائد على الثلث، وهو ثلاث وثلاثون بعيراً وثلث بعير فترجع إلى نصف دية أربع أصابع الرجل وهي عشرون إبلاً.

ولا فرق في ذلك بين كون الجاني رجلاً أو امرأة، وإليه أشار بقوله: «سواء…» إلى آخره، وهو إشارة إلى ردّ مَن خصّص الحكم بما إذا كان الجاني هو الرجل.

وكذا إذا قطع رجل عضو امرأة قطعاً موجباً للقصاص، فلها أن تقتصّ منه من غير ردٍّ، حتّى إذا قطع عضواً ديته ثلث دية الرجل فصاعداً فلها

...


أن یقتصّ منه بعد ردّ نصف دية عضو، كما إذا قطع رجل أربع أصابعها فأرادت القصاص فلها ذلك بعد ردّ عشر أبعرة.

هذا الحكم مشهور، وهو خلاف بعض القواعد المنقولة، مثل كون طرف الإنسان إن كان واحداً فديته دية صاحبه، وإن كان اثنين فدية كلّ واحدة نصف ديته، وأنّ دية اليد نصف دية النفس، وهي منقسمة على الأصابع فكان ينبغي أن يكون دية إصبع المرأة خمساً من الإبل، ودية الإصبعين عشراً، والثلاث خمسة عشر، ويكون لها القصاص في الإصبع الواحدة بعد ردّ خمس من الإبل، والمعقوله أيضاً، فإنّ العقل يقتضى أن يزيد دية أربع أصابع على دية الثلاث وإن لم يزد لم ينقص، وهنا قد نقص فإنّها عشرون إبلاً ودية الثلاث ثلاثون.

ولكنّ دية الأربع على هذا الوجه موافق للقاعدة الأُولى، فإنّ مقتضاها كون دية الأربع عشرون والخمسة أصابع خمس وعشرون وهكذا فلابدّ من حكمة تشرّع الزيادة في الثلاث والاثنتين والواحدة فيهما.

ويدلّ على الأوّل أخبار: مثل صحيحة أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنتين، قال: «عشرون» ]من الإبل[، قلت: قطع ثلاثاً، قال: «ثلاثون» ]من الإبل[، قال: قلت: قطع أربعاً، قال: «عشرون»]من الإبل[، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: «مهلاً يا أبان

...


[إنّ]! هذا حكم رسول الله (صلی الله علیه وآله)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان! إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست انمحق [محق] الدين».(1)

وفيها بطلان القياس، بل يشكل أمر مفهوم الموافقة، فإنّ العقل يجد بحسب الظاهر أنّه إذا كان ثلاثون لازماً في الثلاث، فيكون لازماً في الأربع بالطريق الأولى، فعلم أنّه لا ينبغي الجرأة فيه أيضاً، إذ قد يخفى الحكمة، ولهذا شرطوا العلم بالعلّة في أصل المفهوم ووجودها في الفرع. فتأ‌مّل.

ومضمرة سماعة - وهي ضعيفة من وجوه كثيرة - قال: سألته عن جراحات (جراحة) النساء؟ فقال: «الرجال والنساء في الدية سواء حتّى تبلغ الثلث، فإذا جازت الثلث فإنّها مثل نصف دية الرجل»،(2)على أنّ «جازت» غير موافق لصحيحة «أبان»، ولقولهم. فتأ‌مّل فيه.

ويدلّ على الثاني صحيحة جميل بن درّاج، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن المرأة بينها وبين الرجل قصاص؟ قال: «نعم، في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل وسفلت المرأة».(3)


1) . الکافي 7: 299، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 184/719، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 16؛ الفقیه 4: 88/283، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 352، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 1.

2) . تهذیب الأحکام 10: 184/722، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 19؛ وسائل الشيعة 29: 352، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 2.

3) . تهذیب الأحکام 10: 184/720، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 17؛ الکافي 7: 300، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 89/284، باب الجراحات والقتل بین النساء والرجال، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 164، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 3.

...


ومثله صحيحة عبدالرحمن بن أبي نجران.

ويدلّ عليهما صحيحة الحلبي، قال: سُئل أبو‌عبدالله (علیه السلام) عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص سواء؟ فقال: «الرجال والنساء في القصاص السنّ بالسنّ والشجّة بالشجّة والإصبع بالإصبع سواء حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيّرت دية الرجال ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية».(1)

هذه أيضاً غير موافقة لصحيحة أبان وقولهم.

ثمّ اعلم، إنّ في رواية أبان، عبدالرحمن بن الحجّاج، وفيه شيء، وهو أنّه نقل في مشيخة الفقيه: أنّ أبا الحسن (علیه السلام) قال: «إنّه لثقيل على الفؤاد».(2)وقيل: إنّه رُمي بالكيسانيّة، ثمّ رجع وقال بالحقّ، وإن قيل: إنّه ثقة ثقة.(3)وليس في الروايات أصرح منها.

وصحيحة الحلبي ليست بصريحة فيما ذكره من التفاوت؛ إذ يحتمل حمل التساوي على أنّ دية عضوها بالنسبة إلى دية نفسها صار دية عضو الرجل بالنسبة إلى ديته، فهما متساويان فيذلك، وأنّه لا ردّ ولا تفاوت


1) . تهذیب الأحکام 10: 185/726، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 23؛ الکافي 7: 300، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 165، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 6.

2) . الفقيه 4: 41، شرح مشيخة.

3) . رجال النجاشي: 237، الرقم 630.

...


في قصاص العضو، مثل السنّ بالسنّ، ويكون ذلك في الرجل بالنسبة إلى الرجل وفي المرأة بالنسبة إلى المرأة.

على أنّ رواية أبي مريم - ولعلّها صحيحة، ولا يضرّ أبان، فإنّ الظاهر أنّه ابن عثمان المُجمع عليه - عن أبي جعفر(علیه السلام)، قال: «جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال في كلّ شيء»،(1)مخالفة لها [وللمشهور - خ.ل].

وتخالفها أيضاً رواية ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل قطع إصبع امرأة؟ قال: «يقطع إصبعه حتّى ينتهي إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل».(2)

والمخالفة من جهة ثلث المرأة والتجاوز عن الثلث لا البلوغ.

وبالجملة؛ الحكم مخالفٌ للقواعد كما عرفته. وفي دليله أيضاً بعض المناقشات مع المخالفة في الجملة، وهو مشكلٌ.(3)

ثمّ إنّ هنا مسائل متفرّعة على المبنى المشهور، والبحث عنها وإن لم يكن لازماً على المختار لكنّنا نبحثها تتميماً للبحث وتكميلاً للفائدة:

مسائل متفرّعة على المبنى المشهور

المسألة الأُولى: هل التساوي غايته الثلث، كما هو المشهور وعليه غير واحد من الأخبار، أو التجاوز عنه المحكيّ عن الشيخ في النهاية؟ قالفيها:


1) . تقدّمت في الصفحة 234، الرقم 2.

2) . تقدّمت في الصفحة 233، الرقم 1.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 467 و471.

...


ويتساوى جراحهما ما لم يتجاوز ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية نُقصت المرأة وزيد الرجل.(1)

كما ورد ذلك في خبر ابن أبي يعفور،(2)وصحيح الحلبي،(3)وخبر أبي بصير.(4)

فيه قولان، وبما أنّه لا ترجيح لواحد من المتعارضين من الأخبار فلابدّ للفقيه من التخيّر بينهما.

وما في الجواهر من عدم الدلالة في تلك الأخبار الثلاثة لتعارض الصدر والذيل فقد مضى الجواب عنه، وأمّا ما فيه من قوله:

بل قد يقال: - بعد فرض تعارض الأدلّة وتكافئها من كلّ وجه - إنّ الأصل كون المرأة على الضعف(5)من الرجل ولو باستقراءغير المقام.(6)

ففيه: أنّ الأصل بعد تكافؤ الخبرين التخيير لا التساقط، والرجوع إلى أمر آخر من الاستقراء وغيره.


1) . النهاية: 773.

2) . تهذیب الأحکام 10: 185/724، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 21؛ الکافي 7: 301، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 14؛ وسائل الشيعة 29: 164، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 4.

3) . تهذیب الأحکام 10: 185/726، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 23؛ الکافي 7: 300، باب الرجل یقتل المرأة، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 165، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 6.

4) . الکافي 7: 300، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 11؛ تهذیب الأحکام 10: 184/724، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 21، وفیه: «عن سماعة»؛ وسائل الشيعة 29: 383، کتاب الدیات، أبواب ديات الشجاج والجراح، الباب 3، الحديث1.

5) . الظاهر أنّه تصحیفٌ، والصحیح: «النصف».

6) . جواهر الكلام 42: 88.

...


ومثل ذلك القول في عدم التماميّة ما ذكره ; قبل ذلك من إمكان القول:

بأنّ النصّ بالتجاوز عن الثلث فيها إنّما وقع مسامحةً، أو نظراً إلى كون البلوغ إلى الثلث من دون زيادة ولا نقيصة من الأفراد النادرة غاية الندرة.(1)

ففيه: أنّ المسامحة خلاف الظاهر، وأنّ ندرة الوجود ليست إلّا سبباً لعدم اختصاص العموم والإطلاق بالنادر، فإنّه خلاف الظاهر أيضاً، وأمّا كونها سبباً لتغيير الضابطة فكما ترى.

المسألة الثانية: قد ظهر لك أنّه - على المشهور - لو قطع الرجل إصبعاً أو إصبعين أو ثلاثاً من المرأة قطع مثلها منه قصاصاً من غير ردٍّ.

ولو أخذت الدية أُخذت كدية أصابعه، ولو قطع أربعاً منها لم تقطع الأربع منه إلّا بعد ردّ دية إصبعين، ولو أخذت منه الدية أُخذت منه عشرين بعيراً دية إصبعين منه، كما سمعت التصريح به في خبر أبان بن تغلب.

وهل لها إذا قطع الأربع منها القصاص في إصبعين منه من دون ردّ؟ إشكالٌ: من تحقّق العمل بمقتضى التفاوت بينهما، وهو الأخذ لها بالنصف ممّا له، وأنّه كان لها قطعهما إذا قطعت منها اثنتان فقط فلها ذلك إذا قطعت منها أربع؛ لوجود المقتضي وهو قطع اثنين وانتفاء المانع، فإنّ الزائد لا يصلح مانعاً.

ومن أنّه خارج عن فتوى الأصحاب والأخبار، فإنّ الوارد فيها إمّا أخذ الدية عشرين من الإبل - مثلاً - أو القصاص وردّ عشرين عليه، وهو ليس شيئاً منهما، وقصاص البعض ليس قصاصاً، ومنع انتفاء المانع، فإنّ الزيادة في الجناية كما منعت


1) . جواهر الكلام 42: 88.

...


أخذ ثلاثين من الإبل، فلِمَ لا تمنع القصاص في إصبعين؟!

هذا، ولكن مقتضى التحقيق أنّ لها قطع الإصبعين من دون ردٍّ؛ قضاءً لفحوى الأدلّة، فإنّ المتفاهم منها عرفاً كون دية المرأة في الأعضاء نصف دية الرجل فيها فيما زاد على الثلث، فالقصاص والمقابلة بالمثل - على ذلك - موجب لردّ النصف من الدية إلى الرجل؛ قضاءً للمقابلة والمقاصّة والمماثلة، لا لخصوصيّة أُخرى خاصّة بصورة القطع.

وعليه، فكما تكون للمرأة قطع الأربع مع ردّ النصف فكذلك لها قطع الاثنين بلا ردٍّ؛ لحصول المقابلة والمماثلة كما لا يخفى، ولذلك يظهر عدم تماميّة ما في وجه المنع من أنّ الزيادة في الجناية...، إلى آخره.

ففيه: أنّ أخذ الثلاثين أخذٌ للزائد عن حقّها، وهو بخلاف قطع الإصبعين، فإنّه موافق ومماثلة لحقّها على التنصيف كما هو المفروض، كما يظهر بما حقّقناه أنّ لها قطع الثلاث مع ردّ دية الإصبع الواحدة. نعم، ليس لها القطع كذلك بلا ردٍّ؛ لكون القطع كذلك زائداً عن حقّهما على كلّ حالٍ.

وقد ظهر لك ممّا حقّقناه أنّه ليس للرجل الامتناع من ذلك بأن يقول لها: إمّا أن تأخذي الدية ولا تقطعي شيئاً من أصابعي، أو تقطعي الأربع وتردّي عليّ دية اثنين، بل الاختيار بيد المرأة فيهما وفي قطع الاثنين فقط أو الثلاث مع الردّ، كما أنّه ليس للمرأة المطالبة بأكثر من دية إصبعين، وليس لها أن تطلب دية ثلاث وتعفو عن الرابع؛ لمخالفته مع النصّ والفتوى الراجعة إلى الزيادة في القصاص.

المسألة الثالثة: الظاهر أيضاً اختصاص الحكم بما إذا كان الجاني رجلاً، بل لا خلاف فيه اقتصاراً على القدر المتيقّن، فإنّ الحكم على خلاف القواعد. وأمّا إذا

الثاني: التساوي في الدين، فلا يقتل مسلم بكافر مع عدم اعتياده قتل الكفّار.(1)


كان الجاني امرأة، ففيه خلاف: فجعل البعض سواء بسواء مثل النفس، فلا فرق بين أعضاء المرأة إذا كان الجاني امرأة كما في النفس، ففي الإصبع خمس، وفي الاثنين عشرة، وفي الثلاث خمس عشرة، وفي الأربع عشرون، وفي الخمس خمسة وعشرون، وهكذا.

ولكون الحكم على خلاف القواعد، قال في مجمع الفائدة والبرهان:

وكأنّه لذلك تردّد في القواعد،(1)ولكنّ الذي يظهر أنّه ينبغي عدم التردّد والجزم بالتسوية، فإنّ الحكم مخالفٌ للقواعد كما عرفت، وليس له في المرأة دليل؛ لاختصاص الدليل بالرجل كما سمعت، وبطلان القياس خصوصاً هنا على ماعرفت، فأيّ شيء يقتضي التردّد كما فعله في القواعد، أو الحكم بالتسوية بين كون الجاني رجلاً أو امرأة كما فعله هنا؟ وهو ظاهر.(2)

المسألة الرابعة: الظاهر أنّ الحكم المزبور إذا كان القطع للأربع بضربة واحدة، وأمّا لو كان بأربع ضربات يقطع بكلّ واحدة إصبعاً أو بضربتين يقطع بكلٍّ منهما إصبعين، فالظاهر ثبوت دية الأربع أو القصاص في الجميع من غير ردٍّ كما صرّح به غير واحد، إذ كلّ ما جنى عليها جناية يثبت لها حكمها، ولا دليل على سقوطه بلحوق جناية أُخرى، والجناية الأخيرة إنّما هي قطع ما دون الأربع فلها حكمها، ولا تسقط بسبقأُخرى. والله العالم.

(1) في الجواهر:


1) . قواعد الأحكام 3: 691.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 471 و472.

...


الشرط الثاني: التساوي في الدين، فلا يقتل مسلم بكافر مع عدم الاعتياد، ذمّياً كان أو مستأمناً أو حربيّاً، بلا خلاف معتدٍّ به أجده فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكيّ منهما مستفيض حدّ الاستفاضة أو متواتر كالنصوص، منها: قول أبي جعفر (علیه السلام) في خبر محمّد بن قيس: «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم»،(1)وغيره على وجه لا يقدح في الأوّل ]أي الإجماع[ خلاف الصدوق في المقنع.(2)

وصريح عبارته انحصار المخالف للإجماع بالصدوق في المقنع، والظاهر أنّه كذلك لانحصار نقل الخلاف من المقنع فقط، ففي المقنع:

وإذا قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد، فإن شاؤوا أخذوا دية يده، وإن شاؤوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك.(3)

وأمّا ما في الفقيه من ذهابه إلى قتل المسلم بقتل المعاهد الواحد فضلاًعن الذمّي وفضلاً عن الموجب للاعتياد، فليس من باب القصاص وحقّ الناس، بل يكون من


1) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 9؛ الفقیه 4: 90/292، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 188/740، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 37؛ الاستبصار 4: 270/1022، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 108، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث5.

2) . جواهر الكلام 42: 150.

3) . المقنع: 534.

...


باب الجزاء والحدّ وحقّ الله تعالى؛ للمخالفة مع عهد الإمام، ودونك عبارته:

وعلى من خالف الإمام في قتل واحد منهم متعمّداً القتل؛ لخلافه على إمام المسلمين لا لحرمة الذمّي.(1)

وبما ذكرناه يظهر عدم كون مثل التفصيل في قتل المسلم بالكافر بين المعتاد وغيره بالقتل في المعتاد حدّاً وعدمه في غيره رأساً، المحكيّ عن ابن الجنيد(2)والحلبي0(3)تفصيلاً في المسألة - أي مسألة القصاص - بل ذلك القول راجع إلى القول بعدم القصاص مطلقاً، وإنّما يكون تفصيله جمعاً بين الفتويين في المسألتين - أي مسألة القصاص والحدّ - في مسألة واحدة كما لا يخفى.

نعم، ما عن عدّة من الأصحاب وفي المقنعة(4)والنهاية(5)من القود في المعتاد دون غيره، الظاهر في كونه تفصيلاً في المسألة، مبنيٌّ على كون القتل في المعتاد من باب القصاص لا من باب الحدّ، وإلّا فيرجع إلى التفصيل السابق.

عدم شرطيّة التساوي في الدين

وكيف كان، مقتضى إطلاق أدلّة القصاص وعموماته عدم شرطيّة التساوي في الدين، ومشروعيّة القصاص مطلقاً من دون فرق بين صورة التساوي كقتل المسلم أو الكافر بمثلهما، أو الاختلاف كقتل المسلم بالكافر أو عكسه، فالمناط في


1) . الفقيه 4: 92/299، باب المسلم يقتل الذمّي أو العبد أو...، ذيل الحديث 8.

2) . حكی عنه العلّامة في مختلف الشيعة 9: 335، المسألة32.

3) . الكافي في الفقه: 384.

4) . المقنعة: 739.

5) . النهاية: 749.

...


القصاص الإنسانيّة والخلقة لا العقيدة والملّة.

قال الله تعالى في كتابه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَياةٌ يَا أُوْلي الأَلْبَابِ،(1)وهذه الآية كالنصّ في الإطلاق؛ لأنّ الخطاب إلى أُولي الألباب، وهم المخاطبون بدرك الحياة في القصاص.

وفي آية أُخرى يقول تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ.(2)

ومثلهما في الدلالة آية الاعتداء بالمثل حيث قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.(3)

وشمول «مَن» الموصول فيهما لجميع أفراد البشر ممّا لا يعتريه ريب ولا شكّ، فالآيتان في الشمول كالآية الأُولى.

ومثل هذه الآيات، بل أظهر منها قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيْهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ،(4)وشمول النفس لجميع الأنفس واضح.

وفي صحيح زرارة، عن أحدهما (علیهما السلام) في قول الله عزّ وجلّ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ...، الآية، قال: «هي محكمة».(5)


1) . البقرة (2): 179.

2) . الإسراء (17): 33.

3) . البقرة (2): 194.

4) . المائدة (5): 45.

5) . تهذیب الأحکام 10: 183/718، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 15؛ وسائل الشيعة 29: 83، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث11.

...


لا يقال: بما أنّ الخطاب في صدر الآية الأُولى للمؤمنين، فحكم القصاص في تلك الآية صدراً وذيلاً مختصٌ بهم؛ أي بالمسلمين فقط وغير شامل لغيرهم.

لأنّه يقال: تخصيص المؤمنين بالذكر والخطاب في الآية وغيرها مثل آية الأمر بالوفاء بالعقود،(1)وآية الأمر بالاجتناب من الظنّ،(2)وغيرها من الآيات المماثلة لها، ليس إلّا تذكّراً للإيمان الضامن للإجراء من الباطن والقلب أوّلاً، وإلّا فمن البديهي عدم اختصاص وجوب الوفاء بالعقود ووجوب الاجتناب من الظنّ، وغيرهما من الأحكام المتوجّهة للمؤمنين بهم، بل تلك الأحكام الثابتة للناس جميعاً وَمَا أرْسَلنَاكَ إلّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.(3)

وأنّ الخطاب في الآية وإن كان للمؤمنين، لكنّ الحكم المجعول فيها للكلّ بقرينة الآية السابقة عليها ثانياً، حيث إنّ في كون الحكم في القتلى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى(4)الذي يكون في الآية السابقة على الآية الأُولى على العموم، شهادة وظهور بل صراحة على العموم فيها أيضاً كما لا يخفى.

وأنّ ذيل الآية: يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الشامل لجميع العقلاء يكون أمراًمستقلاً عن الصدر، فليس في الاختصاص في الخطاب فيه التسليم. والغضّ عمّا ذكرناه أوّلاً وثانياً، قرينة على الاختصاص في الذيل ثالثاً.

وهل يحتمل أحد عدم العموميّة في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَياةٌ


1) . المائدة (5): 45.

2) . الحجرات (49): 12؛ النجم (53): 28؛ يونس (10): 36؛ الأنعام (6): 148.

3) . سبأ (34): 28.

4) . البقرة (2): 178.

...--------------يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ،(1)وأنّه مختصّ بالمؤمنين بقرينة الصدر؟! بل الحمل كذلك موجب لذهاب ما في هذه الجملة بالخصوص من الفصاحة والبلاغة كما لا يخفى. ففي الآيات كلّها دلالة على عدم شرطيّة التساوي في الدين، وأنّ المسلم يقتل بغير المسلم المحترم مطلقاً، ذمّياً كان أو غيره من جميع فرق الكفر، فهو الأصل وخلافه محتاج إلى الدليل والإثبات.

أدلّة القائلين بشرطيّة التساوي في الدين

إذا عرفت ذلك فنقول: استدلّوا على الشرطيّة بالكتاب والسنّة والإجماع:

أمّا الكتاب، فقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً،(2)والأصل في الاستدلال بالآية الشيخ في الخلاف:

لا يقتل مسلم بكافر؛ سواء كان معاهداً أو مستأمناً أو حربيّاً، وبه قال في الصحابة: عليّ (علیه السلام) وعمر وعثمان وزيد بن ثابت، وفي التابعين: الحسن البصري وعطاء وعكرمة، وفي الفقهاء: مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وإليه ذهب أبو‌عبيد وأبو‌ثور، وذهبت طائفة إلى أنّه يقتل بالذمّي، ولا يقتل بالمستأمن ولا بالحربي، ذهب إليهالشعبي، والنخعي، وأبو‌حنيفة وأصحابه. والمستأمن عند أبي حنيفة كالحربي. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ولم يفصّل.


1) . البقرة (2): 179.

2) . النساء (4): 141.

...


والمراد بالآية: النهي لا الخبر؛ لأنّه لو كان المراد الخبر لكان كذباً.(1).

ويرد على الاستدلال بالآية أنّ الظاهر كون النفي إخباراً لا إنشاءً. وما استدلّ به 1 على الإنشائيّة باستلزام الإِخبار كذباً لوجود السبيل والسلطة منهم في الخارج في الأيّام الماضية والحاليّة، بل والمستقبليّة، ففيه: أنّ وزان الآية وزان قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ،(2)فكما أنّ الاختلاف في النسبة في الآية ليس بكذب، مع أنّ الحسنة والسيّئة كلاهما باعتبار العلّة الأُولى ومنشأ العلل من الله تعالى، فإنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، وباعتبار تحقّقهما بيد الإنسان واختياره وعمله فكلاهما من الإنسان؛ لأنّ(3)النسبة في الحسنة باعتبار الأمر بها والتوفيق من الله تعالى فيها، وهذا بخلاف السيئة، فلا أمر من الله تعالى بها ولا توفيق منه إليها، بل منه تعالى النهي عنها، فكذلك الأمر في الآية، فالإخبار بنفي السبيل إن كان على سبيل الإخبار عن التكوين وما هو الواقع في الخارج وعالم الحقيقة، فلا شبهة في عدم كونه مراداً من الآية؛ لاستلزامه الكذب لما ذكره رحمه الله.

أمّا إن كان الإخبار بقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً باعتبار عدم الأمر، بل والنهي منه تعالى عن سبيلهم على المؤمنينبالمكر والحيلة بقولهم مع تربّصهم بالمؤمنين: فَإن كَانَ لَكُمْ فَتحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ، وبقولهم مع الكافرين إن كان لهم نصيب: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ


1) . الخلاف 5: 145، المسألة 2.

2) . النساء (4): 79.

3) . بيان لعدم الكذب مع الاختلاف.

...--------------وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،(1)فالمنفيّ هو السبيل بمعنى المكر والحيلة والنفي باعتبار عدم الأمر، بل النهي منه، مثل ما ذكرناه في اعتبار كون السيّئة من أنفسهم حرفاً بحرف. ولا يخفى أنّه على هذا لا دلالة للآية على الحكم التشريعي والإنشائي من رأس، لا حكماً مربوطاً بالمسألة ولا بغير المسألة، فالآية ليست بأزيد من الإخبار.

وفي مناسبة صدر الآية مع ذيلها شهادة على ما ذكرناه من الظاهر والمراد منها كما لا يخفى، فكما أنّ باب الصدر باب الإخبار عن الواقع لا الإنشاء والتشريع، فكذلك الذيل، هذا كلّه أوّلاً.

وثانياً: على تسليم الإنشائيّة والنهي عن سبيل الكفّار وضعاً وتكليفاً على المؤمنين، فالاستدلال بالآية على شرطيّة التساوي غير تامّ أيضاً؛ للأُمور التالية:

أ) بالنقض بمثل حدّ السرقة وغيره من الحدود والتعزيرات فيما لو كان السارق مسلماً والمسروق منه كافراً - مثلاً - ، فإن كان ثبوت القصاص على المسلم بقتله الكافر سبيلاً عليه كان منهيّاً عنه ومنفيّاً، وكذلك حقّ حدّ السرقة ومطالبة الكافر المسلم من الحكومة سبيل أيضاً، فلابدّ من عدمه.

وبباب الضمان فيما لو كان المضمون له كافراً والمضمون عليه مسلماً ضماناً قهريّاً أو جعليّاً، فلابدّ من عدم الضمان من حيث نفي السبيل، وبغيره من الموارد الكثيرة في الفقه، فكما أنّ تلك الأحكام غير مشروطةبالمساواة من جهة نفي السبيل فكذلك الكلام في محلّ البحث. وكيف كان، الجواب فيها هو الجواب في المسألة.

ب) بالحلّ من حيث إنّه ليست القوانين المجعولة في شرع الإسلام وغيره


1) . النساء (4): 141.

...


لوصول الناس إلى حقوقهم عند العرف والعقلاء سبيلاً وسلطةً لمن له الحقّ على من عليه الحقّ أصلاً، وإنّما السبيل والسلطة يكونان في موارد الظلم وعدم الحقّ، فجعل الحقّ لأحدهما على الآخر في تلك الموارد ظلمٌ وسبيلٌ قطعاً، كما هو واضح لمن يراجع الكتاب والسنّة والعرف والعقلاء. فتدبّر جيّداً.

ج) على تسليم الشمول وصدق السبيل على القانون والشرع الموجب لوصول صاحب الحقّ إلى حقّه وكون قصاص المسلم بالكافر سبيلاً، ففيه: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى بوجهين:

أحدهما: أنّ الكافر - كما حقّقناه في مسائل متناثرة - أخصّ من غير المسلم، فإنّه الساتر للإيمان، وذلك لا يكون إلّا مع علمه بالحقّ من التوحيد والنبوّة والمعاد وتقصيره في ذهابه إلى الخلاف والباطل، وهذا ليس إلّا في قليل من غير المسلمين.

ولتكن على ذكر من تلك الأخصيّة حتّى تفرّق في ترتّب الأحكام بين ما تكون لغير المسلم وما تكون للكافر، والظاهر لمن يراجع الكتاب والسنّة أنّ الموضوع لغالب الأحكام المختصّة بغير المسلمين كون الموضوع فيها الكفر. فتدبّر جيّداً حتّى تعلم أنّ ما يكون موضوعاً في الإسلام للحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وغيرها هو الإنسان بما هو إنسانٌ، لا بما هو أهل العقيدة الحقّة والملّة الإسلاميّة، ولا بما هو أهل أُمور أُخرى خارجة عن حقيقة الإنسانيّة، وما ليس منها للكفّار بالمعنى المذكور فمن باب العقوبة والجزاء لشرّهم وعنادهم.

وهذا أمرٌ صحيحٌ عقلائي في كلّ الشرائع وواضح لكلّ عالم بحقوق البشر والإنسان، ودونك عبارة الفقيه من الكتب الأربعة للمحدّث المتعبّد الخبير حتّى تطمئنّ بأنّ الإسلام دين الوحدة الإنسانيّة:

...


وأنّ الله عزّ وجلّ إنّما حرّم على الكفّار الميراث عقوبة لهم بكفرهم، كما حرّم على القاتل عقوبة لقتله.(1)

ثانيهما: عدم جريان الآية فيما لو كان الوارث للكافر المقتول مسلماً، فإنّ السبيل للمسلم على المسلم لا للكافر على المسلم ، ودعوى تماميّة الاستدلال بعدم القول بالفصل بين ما كان الوليّ كافراً وبين ما كان مسلماً، بأنّ القصاص ثابت في الكافر بالآية وفي المسلم بعدم القول بالفصل، مدفوعة بعدم حجّيّة الإجماع البسيط في مثل المسألة التي هي مصبّ الاجتهاد من الكتاب والسنّة، فضلاً عن مركّبه.

د) مع الغضّ عن جميع ما مرّ من المحاذير الثلاثة وتسليم الدلالة، فالآية غير تامّة في الاستدلال أيضاً؛ لأنّ الآية - كحديث نفي الضرر وقاعدة نفي الحرج - ناظرة إلى السبيل من الله تعالى؛ أي ما كان ناشئاً من حكمه تعالى، لا الأعمّ منه وممّا كان بسبب المكلّف وإقدامه، وقصاص المسلم بالكافر إنّما يكون بسبب قتله الكافر وإقدامه على القصاص.

وبالجملة؛ كما أنّ قاعدة نفي الحرج والضرر منصرفان عن المقدَّمين (بفتح الدال) منهما، فكذلك الآية منصرفة عن السبيل المقدَّم كالقصاص - مثلاً -.

وأمَّا السنّة، ففي مجمع الفائدة والبرهان:

والأخبار من طرق العامّة مثل «لا يقتل المسلم بكافر»(2)العامّالشامل لمطلق الكفّار، ومن طرق الخاصّة مثل رواية محمّد بن قيس عن أبي


1) . الفقيه 4: 243، باب ميراث أهل الملل.

2) . الموطّأ، للمالك:622، ما جاء في دية أهل الذمّة، الرقم1574.

...


جعفر (علیه السلام): «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم».(1)قال في شرح الشرائع:(2)هي كثيرة، وهو أعرف.(3)

ويظهر من الجواهر،(4)بل صريحه أنّ النصوص مستفيضة أو متواترة، ولعلّ نظر مثل شرح الشرائع(5)- ك- الجواهر - إلى الأخبار المفصّلة في قتل المسلم بالكافر بين المعتاد وغيره، المنقولة في الوسائل في الباب المعنون بأنّه: «لا يقتل المسلم إذا قتل الكافر إلّا أن يعتاد قتلهم، فيقتل بالذمّي بعد ردّ فاضل الدية».(6)

منها: صحيح إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، إلّا أن يكونمتعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلّا أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».(7)


1) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 9؛ الفقیه 4: 90/292، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 188/740، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 37؛ الاستبصار 4: 270/1022، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 108، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث5.

2) . مسالك الأفهام 15: 142.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 23.

4) . جواهر الكلام 42: 150.

5) . مسالك الأفهام 15: 143.

6) . وسائل الشيعة 29: 107، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 47.

7) . الکافي 7: 309، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 189/744، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 41؛ الاستبصار 4: 271/1026، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 92/301، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 10؛ وسائل الشيعة 29: 107، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث 1.

...


ومنها: خبره بسند آخر، وهو مثل صحيحه.(1)

ومنها: عنه ثالثاً عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: قلت له: رجل قتل رجلاً من أهل الذمّة؟ قال: «لا يقتل به إلّا أن يكون متعوّداً للقتل».(2)

ومنها: صحيح محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام)،(3)وهو مثل صحيح إسماعيل الهاشمي.

وهذه الأخبار الأربعة مع رواية محمّد بن قيس التي تكون خمسة هي المستدلّ بها ظاهراً، لكن في الاستدلال بغير الأُولى - وهي صحيحة ابن قيس - ما لا يخفى، فإنّ الظاهر كونها مربوطة بالجزاء وحقّ الله في قتل المسلم أهل الذمّة والمجوس واليهود، لا القصاص وحقّ الناس، حيث إنّ السؤال والجواب عن قتل المسلم بأهل الذمّة إذا قتلهم، الظاهر في الموضوعيّة وعدم دخالة شيء آخر في الموضوع


1) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 12؛ تهذیب الأحکام 10: 189/744، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 41؛ الاستبصار 4: 271/1026، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 92/301، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 10؛ وسائل الشيعة 29: 109، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث 6.

2) . تهذیب الأحکام 10: 190/745 و746، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 42 و43؛ الاستبصار 4: 272/1027 و1028، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 6 و7؛ وسائل الشيعة 29: 109، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث7.

3) . وسائل الشيعة 29: 107، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، ذیل الحديث 1.

...


من مطالبة بالقصاص وردّ فضل دية المسلم مع إرادة القود. هذا، مع أنّه ليس فيها ما في جلّ أخبار القصاص بل كلّها من التعبير بالقود والقصاص.

وممّا يؤ‌يّد ذلك الظهور، بل يشهد عليه أيضاً أنّه لا إبهام في قتل المتعوّد من حيث المطالب (بالكسر) من أولياء المقتولين، وأنّه هل هو أولياء مقتول الأخير، أو كلّهم؟ ولا إبهام أيضاً من حيث ردّ الفاضل من دية المسلم من أنّه هو الفاضل عن دية الأخير، أو عن دية كلّ المقتولين ممّن يكون قتلهم سبباً لصدق الاعتياد؛ وذلك لأنّ قتل المتعوّد على ذلك الظاهر يكون من باب الجزاء والحدّ المنتفي فيه الإبهامين من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فإنّه ليس في الحدّ لا ردّ ولا مطالبة، وهذا بخلاف القصاص المعتبر فيه الأمران، ففي عدم الإبهام في الأخبار في الأمرين شهادة على كون تلك الأخبار مربوطة بالحدّ لا بالقصاص، وما في كلماتهم من الإبهام فيهما والبحث عنهما إنّما هو على مذهب من يجعل قتل المتعوّد قصاصاً لا حدّاً، فلا تغفل.

وإن أبيتَ عن ظهورها في الجزاء والحدّ دون القصاص فلابدّ من الاحتمال، ومعه لا يتمّ الاستدلال أيضاً، فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

لا يقال: إن كان الظاهر في تلك الأخبار السؤال عن الحدّ فلم يكن وجه، للاختصاص بقتل المسلم الذمّي، بل لابدّ من العموميّة والسؤال عن قتل المسلم أو الإنسان غيره، وأنّ له الجزاء والحدّ أم لا؟ فإنّ حيثيّة الجزاء مشتركة، وهذا بخلاف السؤال عن القصاص، لاحتمال عدمه من جهةشرطيّة المساواة في الدين.

ففي الاختصاص في تلك الأخبار شهادة على الدلالة على عدم قصاص المسلم

...


بالذمّي، وتكون حالها حال صحيحة ابن قيس.

لأنّه يقال: القتل من جهة العداوة الدينيّة المحتمل فيه الحدّ والجزاء الموجب للسؤال غير متصوّر إلّا في قتل المسلم الذمّي.

وأمّا قتل المسلم المسلم فليس إلّا من باب العداوة الشخصيّة الموجب للقصاص، وليس فيه احتمال الجزاء والحدّ، فلا محلّ للسؤال والجواب عنه، بل السؤال والجواب عنه لغوٌ وتوضيحٌ للواضحات.

وقد ظهر ممّا ذكرناه عدم دلالة تلك الأخبار على المسألة، والدالّ منها منحصر في الصحيحة، هذا أوّلاً.

وثانياً: على تسليم دلالة الكلّ تكون معارضة مع الأخبار الدالّة على القصاص وعدم شرطيّة التساوي، كصحيحة ابن مسكان، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إذا قتل المسلم يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً فأرادوا أن يقيدوا ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه».(1)

وخبر أبي بصير عنه (علیه السلام) أيضاً، قال: «إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه، وأدّوا فضل ما بين الديتين».(2)


1) . الکافي 7: 309، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث2؛ تهذیب الأحکام 10: 189/741، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 38؛ الاستبصار 4: 271/1023، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 107، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث2.

2) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 8؛ تهذیب الأحکام 10: 189/743، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 40؛ الاستبصار 4: 271/1025، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 4؛ الفقیه 4: 92/300، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 9؛ وسائل الشيعة 29: 108، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث4.

...


وموثّقة سماعة عنه (علیه السلام) - ثالثاً - في رجل قتل رجلاً من أهل الذمّة، فقال: «هذا حديث شديد لا يحتمله الناس، ولكن يعطي الذمّي دية المسلم ثمّ يقتل به المسلم».(1)

ولعلّ المراد من «الحديث الشديد» قتل المسلم بالكافر، فإنّه مشكلٌ على الناس تحمّله؛ لما في ارتكازهم من كون العظمة والمقام للمسلم لإسلامه مانعة عن قتله بأهل الذمّة ذوي الشأن الداني والحقير، وكيف يجوز قتل المسلم الشريف بأهل الذمّة الوضيعين؟! والشاعر يقول في أبي يوسف من علماء العامّة:

يا قاتل المسلم بالكافر *** جرت وما العادل كالجائر

يا من ببغداد وأطرافها *** من فقهاء الناس أو شاعر

جارٍ على الدين أبو يوسف *** إذ یقتل المسلم بالكافر

فاسترجعوا وابكوا على دينكم *** واصطبروا فالأجر للصابر(2)

وفي هذه الأشعار شهادة ودلالة تامّة على ذلك الارتكاز كما لا يخفى.

وحكم المعصوم (علیه السلام) بأنّه: «لكن يعطي الذمّي دية المسلم، ثمّ يقتل به المسلم» يكون لتقليل الشدّة من جهة أنّ المسلم وإن كان يقتل لكن قتله يكون مع ديته، وهذا بخلاف قتل المسلم المسلم، فليس فيه إلّا قتله به.

وكيف كان، بعد المعارضة بين الأخبار، فالترجيح مع هذه الأخبار الدالّة على


1) . الکافي 7: 309، باب المسلم یقتل الذمّط...، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 189/742، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 39؛ الاستبصار 4: 271/1024، باب أنّه لا یقاد مسلم بکفّار، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 108، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث3.

2) 4. الحاوي الكبير15:12، كتاب القتل، باب تحريم القتل.

...


القصاص؛ للموافقة مع الكتاب، فإنّها مقدّمة على جميع المرجّحات، كما حقّقناه في محلّه.

وما يظهر من الجواهر(1)من كونها مخالفة للكتاب، وهو قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً،(2)فعدم تماميّته ظاهر ممّا حقّقناه في استدلالهم بالكتاب، فلا نعيده.

وما فيه أيضاً من الحمل على التعوّد أو التقيّة، ففيه: أنّه فرع التعارض وعدم الترجيح، ولا يذهب عليك أنّ هذا الإشكال (الذي هو العمدة في عدم تماميّة الاستدلال بتلك الأخبار) مشترك بين الصحيحة وغيرها وإن كان الإشكال الأوّل في غير الصحيحة.

لا يقال: هذه الأخبار المعارضة لما فيها من التفاوت بين دية المسلم والكافر ليست بحجّة على مختاركم من تساويهما في الدية.

لأنّه يقال: ما ذكرت وإن كان صحيحاً، لكن ما أوردناه من المعارضة تامّ على المعروف بين الأصحاب في الدية القائلين بالشرطيّة في هذه المسألة.

والتحقيق الحقيق أنّ الرواية التامّة سنداً ودلالة المرتبطة بالمسألة، منحصرة في صحيحة ابن قيس، أمّا غيرها من الأخبار المستدلّ بها فقد عرفت عدم ارتباطها بالمسألة، وأنّها ترتبط بمسألة عدم الحدّ والجزاء لقتل المسلم الكافر إلّا مع التعوّد، والأخبار المعارضة وإن كانت تامّة من حيثالدلالة والارتباط إلّا أنّها غير حجّة؛ لما فيها من المخالفة مع الكتاب في لزوم ردّ فاضل دية المسلم مثل مخالفة


1) . جواهر الكلام 42: 150.

2) . النساء (4): 141.

(مسألة 1): لا فرق بين أصناف الكفّار من الذمّي والحربي والمستأمن وغيره،(1) ولو كان الكافر محرّم القتل كالذمّي والمعاهد يعزّر لقتله،(2) ويغرم المسلم دية الذمّي لهم.(3)


أخبار قتل الرجل بالمرأة مع ردّ الفاضل من الدية حرفاً بحرف ونقلاً بنقل، ومثلها الصحيحة النافية للقصاص بين المسلم والذمّي وأنّه لا يقاد المسلم بالذمّي، فإنّها أيضاً مخالفة لآيات القصاص الآبية عن التخصيص، كما مرّ تحقيقه.

فالحقّ في المسألة - قضاءً للأصل - عدم شرطيّة التساوي، وأنّ المسلم يقتل بغير المسلم وبالمسلم من دون تفاوت بينهما.

أمّا الإجماع، فعدم تماميّة الاستدلال به - مضافاً إلى مخالفة مثل الصدوق في المقنع،(1)ومن كون المسألة اجتهاديّة ومصبّاً للاستدلال بالكتاب والسنّة - واضح غير محتاج إلى البيان.

(1) لإطلاق أدلّة نفي قصاص المسلم بالكافر من الكتاب والسنّة.

(2) قضاءً لاحترامهما وكون قتلهما معصية، وكان على الماتن (سلام الله عليه) إضافة الحربي أيضاً؛ لكونه كمالِه محترماً في غير حال الحرب.

(3) كما يدلّ عليه صحيحة محمّد بن قيس،(2)ولا يخفى أنّه علىالمختار من قصاص المسلم بالكافر لا فرق أيضاً بين أقسام الكفّار؛ لإطلاق أدلّة القصاص


1) . المقنع: 534.

2) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 9؛ الفقیه 4: 90/292، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 188/740، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 37؛ الاستبصار 4: 270/1022، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 108، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 47، الحديث 5.

(مسألة 2): لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمّة جاز الاقتصاص منه بعد ردّ فاضل ديته، وقيل: إنّ ذلك حدّ لا قصاص، وهو ضعيفٌ.(1)


أيضاً، كما أنّه عليه لم يبق وجه للتعزير ولا لغرامة الدية، كما لا يخفى.

وكيف كان، البحث في هذه المسألة ظاهر ممّا مرّ(1)ولا احتياج إلى الإعادة.

محكوميّة المسلم المعتاد بقتل غير المسلم

(1) قد ظهر ممّا مرّ أنّ قتل المعتاد من باب الحدّ، ورواياته ظاهرة فيه، وأنّ المسلم المعتاد قتل الكافر وغير المسلم محكوم بحكمين:

أحدهما: القصاص من جهة القتل الموجب له وإن كان المقتول غير مسلم مطلقاً.

ثانيهما: من جهة حدّ الاعتياد.

والأوّل حقّ الناس ، والثاني حقّ الله تعالى.

ودليل الأوّل: الأصل؛ أي عمومات القصاص وإطلاقاتها.

ودليل الثاني: أخبار الهاشمي المستدلّ بها في بحث السنّة، وفيها الصحيح، وصحيح محمّد بن فضیل عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام)، الذي يكون مثل الصحيح من أخبار الهاشمي على ما في الوسائل.(2)

وفي الجواهر في قتل المتعوّد:

وعلى كلّ حالٍ، لم يحك القول بالقتل حدّاً في غاية المراد(3)إلّا عن أبي


1) . مرّ في الصفحة 243 وما بعدها.

2) . وسائل الشيعة 29: 107، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 47، ذیل الحديث 1.

3) . غاية المراد 4: 347.

...


عليّ(1)والتقيّ.(2)

نعم، في كشف اللثام(3)حكايته عن المختلف(4)وظاهر الغنية،(5)بل وعن الفقيه(6)أنّه يقتل عقوبة لخلافه على الإمام.

إلى أن قال: - بعد نقل ما في الفقيه والمقنع(7)-

وهما معاً كما ترى لا يستأهلان ردّاً كما عرفت، بل وسابقهما؛ أي القتل حدّاً بعد النصوص المزبورة المعتضدة بما عرفت، ولولاهما لأمكن القول به على معنى إيكال أمر ذلك إلى الإمام، خصوصاً بعد خبر سماعة: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس، فليعطِ أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد وعن قتل الذمّي»، ثمّ قال: «لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر ]القتل[(8)في الذمّيين، ومن قتل ذمّياً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتلذمّياً حراماً، آمن(9)بالجزية


1) . حكی عنه العلّامة في مختلف الشيعة 9: 335، المسألة32.

2) . الكافي في الفقه: 384.

3) . كشف اللثام 11: 89.

4) . مختلف الشيعة 9: 335، المسألة32.

5) . غنية النزوع 1: 407.

6) . الفقيه 4: 92، باب المسلم يقتل الذمّي أو العبد أو...، ذيل الحديث 299.

7) . المقنع: 534.

8) . كلمة «القتل» موجودة في «الوسائل» وسقطت عند النقل في «الجواهر».

9) . في الوسائل: «ما آمن».

...


وأدّاها ولم يجحدها».(1)

الذي جعله الشيخ شاهداً على الجمع بين ما دلّ على أنّ ديته ثمانمائة درهم وبين ما دلّ على أنّها أربعة آلاف أو دية المسلم بحمل الأوّل على غير المتعوّد وغيره على المتعوّد الذي يرجع في تنكيله إلى ما يراه الإمام صلاحاً.

مويّداً ذلك بأنّ ظاهر بعض النصوص المزبورة استيفاء الكافر منه ذلك، ولا ريب في أنّه سبيل له، وستعرف أنّه حيث يكون للكافر قصاص على المسلم في طرف يستوفيه الإمام دونه، كما تسمعه في مسألة المرتدّ.

بل وبغير ذلك ممّا دلّ على عدم قتل الواحد من الشيعة بألف من العامّة، إذا قام الحقّ المستفاد من فحواها عدم قتل الواحد منهم بألف من الكفّار وغيره. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ ذلك كلّه لا يقابل ما عرفت من النصّ والفتوى على قتله به قصاصاً لاحدّاً. وفائدة ذلك واضحة، ضرورة سقوطه بالعفو، وعدم استيفائه منه إلّا بعد طلب الوليّ وردّ الأولياء فاضل الدية على الأوّل بخلاف الثاني.

ومن الغريب ما في الروضة(2)من احتمال القول بالقتل حدّاً مع ردّ فاضل الدية، إذ هو - مع أنّه إحداث قول يمكن دعوى الإجماعالمركّب على خلافه وإن سبقه إليه الكركي في حاشية الكتاب - غير واضح الوجه،


1) . تهذیب الأحکام 10: 188/738، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 35؛ الاستبصار 4: 270/1020، باب مقدار دیة أهل الذمّة، الحدیث 11؛ وسائل الشيعة 29: 221، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 14، الحديث 1.

2) . الروضة البهيّة 10: 57.

...


ومنافٍ لما سمعته من النصوص، فليس حينئذٍ إلّا القول بقتله قصاصاً.(1)

انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

نقلناه بطوله؛ لما فيه من الفوائد والمحالّ للأنظار، وفيها ما يلي:

أوّلاً: وجود القول بالحدّ، مضافاً إلى أبي عليّ والتقيّ من المختلف(2)والغنية،(3)ووجود القائلين بذلك من مثلهم يخرج ذلك القول عن كونه نادراً إلى خلاف المشهور إن لم يكن موجباً لصيرورة المسألة ذات قولين، وهذه فائدة جيّدة للمختار ومعتضد له، كما لا يخفى.

ثانياً: وفيما ذكره تأييداً للممكن من القول بالحدّ بقوله: «بأنّ ظاهر بعض النصوص...» إلى آخره ، وقوله: «بل وبغير ذلك ممّا دلّ...» إلى آخره فائدة أُخرى أيضاً، وهي أنّهما كما فيهما التأييد لاحتمال الحدّ بذلك المعنى، فكذلك فيهما التأييد للمختار من معنى الحديث أنّ التأييد من حيث عدم مناسبة الوجهين مع القصاص الشامل للحدّ بالمعنيين، بل بالحدّ على مختار الصدوق أيضاً.

ثالثاً: النصوص التي أشار إليها في كلامه مرّتين تضعيفاً للقول بالحدّ، ففيه: أنّه لو جعلها تقوية ودليلاً على الحدّية لكان أولى، بل كان متعيّناً؛ لما مرّ من ظهورها في الحدّ، أو لا أقل من الاحتمال المسقط للاستدلال.

رابعاً: ما اعتمد عليه من الفتوى؛ اعتضاداً للأخبار، ولكونه(4)موجباً لعدم مقابلة


1) . جواهر الكلام 42: 153- 155.

2) . حكی عن ابن الجنيد العلّامة في مختلف الشيعة 9: 335، المسألة 32.

3) . غنية النزوع 1: 406؛ وقال أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 384.

4) . جواهر الكلام 42: 155؛ قوله 1: «إنّ ذلك كلّه لا يقابل ما عرفت من النصّ والفتوى على قتله به قصاصاً لاحدّاً».

(مسألة 3): يقتل الذمّي بالذمّي وبالذمّية مع ردّ فاضل الدية، والذمّية بالذمّية وبالذمّي من غير ردّ الفضل كالمسلمين؛ من غير فرق بين وحدة ملّتهما واختلافهما، فيقتل اليهودي بالنصراني وبالعكس، والمجوسي بهما وبالعكس.(1)


القول الممكن في الحدّ به وبالنصّ، ليس بتلك المثابة، مع ما في ظاهر الشرائع(1)والقواعد(2)واللمعة(3)من التردّد في المسألة، ومع مخالفة ابن إدريس(4)فيها، كما صرّح صاحب الجواهر بكليهما في أوائل المسألة بقوله 1: «فإنّه لم يخالف فيها أحد منّا سوى ابن إدريس»،(5)وقوله 1: «وظاهر المتن والقواعد واللمعة التردّد».(6)

هذا، مع عدم ظهور كلماتهم في الحدّية كما لا يخفى على من راجعها. وبالجملة، عباراتهم مأخوذة من النصوص فليس فيها إلّا ما فيها.

(1) ما في المسألة من قتل كلٍّ من الذمّي والذمّية بالآخر كالمسلمين، وكذا قتل المستأمن بالذمّي والذمّية والعكس ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب، لعموم أدلّة القصاص وإطلاقها، فإنّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ،(7)وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ.(8).

وما عن أبي حنيفة(9)من أنّه لا يقتل الذمّي بالمستأمن، واضح الضعف ومنافٍ لعموم الأدلّة، والحربي مثلهما في الحكم أيضاً؛ لعموم الأدلّة، من غير رجحان،


1) . شرائع الإسلام 4: 196.

2) . قواعد الأحكام 3: 605.

3) . الروضة البهيّة 10: 57.

4) . السرائر 3: 351.

5) . جواهر الكلام 42: 151.

6) . جواهر الكلام 42: 151.

7) . المائدة (5): 45.

8) . البقرة (2): 194.

9) . المبسوط، للسرخسي 13: الجزء السادس والعشرون 120،كتاب الديات، باب القصاص.

...


والكفر ملّة واحدة، وزيادة الكفر في الحربي وخفّته في غيره ليس بفارق كزيادة الإيمان والتقوى وعدمهما في المسلمين، وهذا ظاهر مكشوف.

ويؤ‌يّده موثّقة السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام): «إنّ أمير‌المؤمنين (علیه السلام) كان يقول: يقتصّ اليهودي والنصراني والمجوسي (للنصراني - خ. ل) بعضهم من بعض ويقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً».(1)

وفي الجواهر:

نعم، في كشف اللثام:(2)لا يقتل الذمّي ولا المستأمن بالحربي، ولعلّه لأنّ الحربي غير محقون الدم، إلّا أنّ مقتضى ذلك عدم القود ولو قتله حربي، والتزامه مشكلٌ وإن جزم به الفاضل في القواعد،(3)فإنّ أهل الذمّة فيما بينهم كالحربيّين، إذ لا ذمّة لبعضهم على بعض، فالعمدة حينئذٍ الإجماع إن كان.(4)

والظاهر عدم الإجماع أيضاً كعدم الذمّة، وإلّا كان ينبغي لصاحب اللثام الاستدلال به.

ثمّ إنّ ما في المتن وغيره من ردّ فاضل الدية في طوائف الكفر كالمسلمين مبنيٌّ على عموم ما دلّ على أنّ دية المرأة في العمد نصف الرجل، وعدم كون الكافرة


1) . الکافي 7: 309، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 190/749، باب القود بین الرجال والنساء، الحدیث 46؛ وسائل الشيعة 29: 110، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 48، الحديث1.

2) . كشف اللثام 11: 92.

3) . قواعد الأحكام 3: 606.

4) . جواهر الكلام 42: 156.

(مسألة 4): لو قتل ذمّي مسلماً عمداً دفع هو وماله إلى أولياء المقتول، وهم مخيّرون بين قتله واسترقاقه؛ من غير فرق بين كون المال عيناً أو ديناً منقولاً أو لا، ولا بين كونه مساوياً لفاضل دية المسلم أو زائداً عليه أو مساوياً للدية أو زائداً عليها.(1)


بأولى من المسلمة، وأنّه لا يجني الجاني بأكثر من نفسه.

ولا يخفى أنّ بناء حكم الردّ في الطوائف مبنيٌّ على مبناه في المسلمين؛ قضاءً لعموم أدلّته وإطلاقه ممّا لا إشكال فيه ولا كلام، وإنّما الإشكال والكلام في أصل المبنى، فقد مضى الإشكال فيه، وأنّ أخبار الردّ مخالفة للكتاب، فلا تكون حجّة بالنسبة إلى المسلمين، فضلاً عن الكافرين، فالحقّ فيهم - كالحقّ في المسلمين - عدم الردّ، وكون النفس بالنفس لا بها مع الردّ في بعض الأنفس.

(1) في الشرائع:

لو قتل الذمّي مسلماً عمداً دفع هو وماله إلى أولياء المقتول، وهم مخيّرون بين قتله واسترقاقه.(1)

وفي الجواهر في ذيله:

على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً، بل في الانتصار(2)والسرائر(3)والروضة(4)وظاهر النكت(5)الإجماع عليه، وهو [أيالإجماع المنقول] الحجّة بعد صحيح ضريس عن أبي جعفر (علیه السلام) في نصراني [قتل مسلماً فلمّا


1) . شرائع الإسلام 4: 196.

2) . الانتصار: 548.

3) . السرائر 3: 351.

4) . الروضة البهيّة 10: 61.

5) . النهاية ونكتها 3: 388.

...


أُخذ أسلم، قال: «اقتله به»، قيل: وإن لم يسلم؟ قال:] «يُدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استرقّوا»، [قيل:] وإن كان معه عين مال؟ [قال:] «دفع إلى أولياء المقتول هو وماله».(1)

وفي حسنة عنه (علیه السلام) أيضاً، وحَسَن عبدالله بن سنان عن الصادق (علیه السلام) في نصراني قتل مسلماً فلمّا أُخذ أسلم، قال: «اقتله به»، قيل: فإن لم يسلم؟ قال: «يدفع إلى أولياء المقتول هو وماله »(2).(3)

وليعلم أنّ العمدة في استدلاله ; النصّ وفيه ما يأتي، وإلّا فالإجماع - مضافاً إلى كونه منقولاً، وإلى أنّه في مورد النصوص المنقولة في كلامه، وهو صحيح ضريس وحسنته وحسن عبدالله بن سنان، كما أشار إليه ; بقوله: «وهو الحجّة بعد صحيح ضريس...»، وإلى أنّه في مورد القاعدة - يكون مدركيّاً، فإنّه ; ادّعى كون الاسترقاق لا للخروج عن الذمّة بالقتل وصرّح بذلك بقوله:

والظاهر أنّ ذلك حكم قتله المسلم لا لخروجه بذلك عن الذمّة المبيح لنفسه قتلاً واسترقاقاً، ولما له كما في كشف اللثام،(4)بل وعن التقيّ(5)وابن


1) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 91/295، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 190/750، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 47؛ وسائل الشيعة 29: 110، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب49، الحديث 1.

2) . وسائل الشيعة 29: 110، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب49، ذيل الحديث 1.

3) . جواهر الكلام 42: 156- 157.

4) . كشف اللثام 11: 90.

5) . الكافي في الفقه: 385.

...


زهرة(1)والكيدري،(2)وإلّا لجاز لغير أولياء المقتول، وهو خلاف النصّ والفتوى.(3)

ثمّ إنّ الحديث منقولٌ عن ضريس، عن أبي جعفر (علیه السلام) في التهذيب(4)والفقيه(5)و‌الكافي،(6)وعن عبدالله بن سنان في التهذيب فقط، وسنده إليه سنده إلى ضريس، فحديث ابن سنان صحيحٌ أيضاً كحديث ضريس، فتعبيره ; بحسنة ابن سنان ممّا لا ينبغي، بل لا يكون في محلّه.

نعم، في واحد من سندي الكافي إبراهيم بن هاشم، وفي الآخر سهل بن زياد، والحكم بالحسن دون الصحيح من جهة إبراهيم له مجالٌ، وإن كان غير تامّ أيضاً، فإنّه في أعلى مراتب الوثاقة كما حقّق في محلّه، ومع ذلك لا يصحّ التعبير عنه بالحسنة على الإطلاق، مع كونه بسند التهذيب صحيحاً كما لا يخفى.

وكيف كان، ففي الاستدلال بالحديث مناقشة وإشكال من جهات:

أحدها: الاختلاف في النقل زيادة ونقيصة من حيث الكلمات كما بيّنهالمقدّس الأردبيلي 1 في المجمع وسننقل عبارته،(7)فهذا الاختلاف إن لم يكن كاشفاً جزماً عن عدم بيان الحكم في الحالة العاديّة فلا أقلّ من كونه موجباً لاحتماله، والاعتماد


1) . غنية النزوع 1: 406.

2) . إصباح الشيعة: 493.

3) . جواهر الكلام 42: 157.

4) . تهذيب الأحكام 10: 190/750، باب القود بين الرجال والنساء والمسلمين و...، الحديث 47.

5) . الفقيه 4: 91/295، باب المسلم يقتل الذمّي أو العبد أو...، الحديث 4.

6) . الكافي 7: 310، باب المسلم يقتل الذمّي أو يجرحه والذمّي يقتل المسلم أو...، الحديث 7.

7) . يأتي في الصفحة الآتية.

...


مع ذلك الاحتمال مشكلٌ بل ممنوعٌ.

ثانيها: ما فيه من المخالفة للقواعد في باب القصاص وفي حرمة مال الغير، فتخصيص تلك القواعد الواضحة المطلقة والعامّة بصحيح واحد أو بصحيحين من المشكل عند العقلاء، بل الظاهر عدم حجّية الصحيح أو الصحيحين في مثل هذه الأحكام المخالفة للقواعد المسلّمة الشرعيّة والعقلائيّة والعقليّة، ومنعهم تخصيصها به، وبعد ما كانت حجّية الأخبار وتخصيص العمومات من باب بناء العقلاء فكيف يجترئ الفقيه ترك القواعد والعمل بذلك الصحيح أو الصحيحين؟!

ثالثها: عدم معلوميّة الجهة في السؤال، فلعلّها إن كانت معلومة كانت قرينة على أنّ القضيّة شخصيّة وواقعة في واقعة، فلم يكن في الحديث إطلاق ولا عموم أصلاً.

رابعها: الحديث إمّا يكون مختصّاً بالنصراني؛ قضاءً لظاهر العنوان، أو الأعمّ منه ومن الذمّي؛ لترك الاستفصال، فتخصيصهم الحكم بالذمّي بلا دليل، إلّا أن يكون المراد منه القابل للذمّة لا الفعلي منه، فالتأ‌مّل فيما هو المشهور مع هذه المناقشات في محلّه، والعمل بالقواعد أحوط وأضبط.

ثمّ مع التنزّل لابدّ من الاختصاص بالنصراني أخذاً بظاهر العنوان، لا الذمّي، بل ولا أهل الكتاب أيضاً. فتأ‌مّل.

ولننقل عبارة المجمع في المسألة بتمامها؛ تفصيلاً للبحث وتبييناً لما في نقل الكافي، مع نقل الفقيه والتهذيب من الاختلاف:

قوله: «ولو قتل الذمّي مسلماً» دفع الذمّي القاتل عمداً وماله إلى ورثةالمسلم

...


المقتول المسلم، وتخييرهم بين قتله واسترقاقه هو المشهور بين الأصحاب. لعلّ دليله حسنة ضريس الكناسي في الكافي، عن أبي جعفر (علیه السلام) في نصراني قتل مسلماً فلمّا أُخذ أسلم؟ قال: «اقتله به»، قيل: فإن لم يسلم؟ قال: «يدفع إلى أولياء المقتول هو وماله».(1)

وهي صحيحة في التهذيب عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (علیه السلام) وعبدالله ابن سنان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في نصراني قتل مسلماً فلمّا أُخذ أسلم؟ قال: «اقتله به»، قيل: فإن لم يسلم؟ قال: «يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا وإن شاؤوا استرقّوا»، قيل: وإن كان معه عين (مال - خ. ل)؟ قال: «دفع إلى أولياء المقتول هو وماله».(2)

لعلّه سقط عن الكافي، وهي مذكورة في الفقيه أيضاً مثل التهذيب بتغييرٍ ما، مثل حذف «قال» بعد قوله: «أسلم»، وزيادته مع «نعم» بعد قوله: «به»، وزيادة «مال» أيضاً بعد «عين» و«له»، وحذف «قال» أيضاً بعد قوله: «عين» وهو أولى،فإنّه لا يحتاج إلى تقدير «قيل» قبل قوله: «وإن كان...» إلى آخره.

ثمّ اعلم أنّ صريح هذه الرواية أنّ قتل الذمّي بالمسلم، للقصاص، وأنّه مع ماله عوض قتل المسلم؛ سواء كان المال زائداً عن دية المسلم أو


1) 1. الموجود في «الکافي» في النسخة التي في أیدینا هکذا: «يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا وإن شاؤوا استرقّوا، وإن كان معه مالٌ دفع إلى أولياء المقتول». (الكافي 7: 310، باب المسلم يقتل الذمّي أو يجرحه والذمّي يقتل المسلم...، الحديث 7).

2) . تهذيب الأحكام 10: 190/750، باب القود بين الرجال والنساء والمسلمين و...، الحديث 47.

...


ناقصاً أو مساوياً لها؛ لأنّه قال (علیه السلام): «يدفع الذمّي إلى أولياء الدم، فإن شاؤوا...» إلى آخره، وكذا قال: «ويدفع ماله»، وكذا ظاهر كلامهم، فلا بُعد في ذلك بعد وجود النصّ والفتوى.

وأمّا دفع أولاده الصغار إليه ليكونوا أرقاء لهم فليس بظاهر (بذلك - خ.ل) الدليل؛ سواء استرقّوا أباهم القاتل أو قتلوه؛ إذ لا يلزم من استرقاق مَن استحقّ ذلك بسبب قتله عمداً استرقاق أولاده، وهو ظاهر، ومن قتله بالطريق الأولى، ولا نصّ في ذلك على ما يظهر الآن، بل أنكر في الشرح كونه قولاً للشيخ،(1)وقال: نقله المصنّف عنه، وكذا نقل عميد الدين شيخنا أنّه قوله في الفقيه،(2)وما رأيته، وهما أعرف بما قالا.

ونقل الشارح أنّه قولٌ للمفيد، وقال: يبعد أن يكون مراد المصنّف الشيخ المفيد، فإنّه ليس عادته ذلك.

وأيضاً يبعد قول ابن إدريس بمنع أخذ المال إن قتله أو عفا عنه وجواز أخذه لو استرقّه؛ إذ ما نظر إلى قول الأصحاب ودليلهم،دليله غير ظاهر، وكذا مذهب التقيّ(3)وابن زهرة(4)والكيدري(5)أنّه يقتل بخرقه


1) . لاحظ: غاية المراد 4: 350. وفيه: «فقد نقل المصنّف عن الشیخ هنا وفي «التحریر» أنّه حکم باسترقاقهم، وكذا نقله شيخنا عميد الدين; في «الکنز» عن الشیخ في النهاية، ولم أجده في شيء من کتب الشیخ، وهما أعرف بما قالا».

2) . کذا في الأصل، ولکنّ الصحیح: «في النهایة»، کما ورد في غاية المراد. لاحظ: المصدر أعلاه.

3) . الكافي في الفقه: 385.

4) . غنية النزوع 1: 406.

5) . إصباح الشيعة: 493.

...


الذمّة، ثمّ يؤخذ من ماله دية المسلم تامّة؛ إذ قتله لخرق الذمّة، ليس لأولياء الدم، بل للإمام ومن يأذن له، وهو ظاهر.

وفي الرواية: أنّه «يدفع إلى أولياء المقتول إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استرقّوا، ويدفع إليهم هو وماله» وليس مخصوصاً بمقدار الدية، فهم أيضاً تركوا هذه الرواية وما أعرف لهم دليلاً، وهم أعرف.

وكذا قول الصدوق: يقتصّ للمسلم من الذمّي في النفس والأطراف، ويؤخذ من ماله أو من مال أوليائه فضل ما بين ديتي المسلم والذمّي. وفي هذا المذهب أيضاً الرواية متروكة، وما نعرف له دليلاً مع أنّه إنّما ذكر في كتابه الفقيه رواية ضريس الكناسي. فتأ‌مّل.

وذكر الشارح هذه المذاهب، ثمّ قال: «ومبنى هذه الأقوال على أنّ قتله هل هو قودٌ أولخرقه (بخرقه - خ.ل) الذمّة، وعلى أنّ أخذ ماله هل هو لتكملة دية المسلم، أو لاسترقاقه، أو لمجرّد جنايته؟» وأنت تعلم أنّ هذا كلّه خروج عن الأدلّة، وليست هذه الأُمور مبنى هذه الأقوال كلّها، مع أنّه لا يخرج عن الجهالة ولم يرجّح مبنى مذهب حتّى يتحقّق، فلا ثمرة لذلك. فتأ‌مّل.

ثمّ نقل في آخر القول ما يدلّ على أنّ مضمون الرواية كأنّه مجمع عليه، حيث قال: قال المحقّق في النكت: «وعلى ذلك عمل الأصحاب» إشارة إلى ما تضمّنته الرواية من جواز قتله والعفووالاسترقاق له وأخذ ماله.(1)


1) . النهاية ونكتها 3: 388.

(مسألة 5): أولاد الذمّي القاتل أحرار، لا يسترقّ واحد منهم لقتل والدهم،(1)


وأمّا وجه سقوط الاسترقاق لو أسلم قبل القتل والاسترقاق، فهو أنّ المسلم لا يسترقّ فيسقط الاسترقاق، وإن كان جائزاً قبل الإسلام، فانحصر ما يلزمه في القود خاصّة. وكذا يمكن سقوط أخذ ماله على القول به؛(1)إذ لا يحلّ مال امرء مسلم بغير وجه مقرّر عندهم. نعم، يجوز له العفو أيضاً وهو ظاهر.(2)

(1) وجه عدم استرقاق الأولاد واضح، فإنّ الحكم على تماميّته مخالف للقواعد، يقتصر على مورد النصّ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.(3)

وعن المفيد(4)وسلّار،(5)وابن حمزة:(6)استرقاق صغار أولادهم؛ لتبعيّتهم له، ولأنّه بخروجه عن الذمّة التحق بأهل الحرب، ومن أحكامهم استرقاق أولادهم الصغار.

وفيه: ما لا يخفى من عدم الدليل على أنّه بخروجه عن الذمّة يلتحق بأهل الحرب وأنّه منهم أوّلاً، وعدم الدليل على الإلحاق في جميع الأحكام على تسليم أصل الإلحاق ثانياً.

نعم، الذمّي - مع الخروج - حربي، أي غير ذمّي، لا أنّه محارب وأنّهمن أهل الحرب. فتأ‌مّل جيّداً.


1) . راجع: غاية المراد 4: 352.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 30 - 33.

3) . الأنعام (6): 164؛ الإسراء (17): 15؛ الفاطر (35): 18؛ الزمر (39): 7.

4) . المقنعة: 740.

5) . المراسم: 237.

6) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 434.

ولو أسلم الذمّي القاتل قبل استرقاقه لم يكن لأولياء المقتول غير قتله.(1)

(مسألة 6): لو قتل الكافر كافراً وأسلم لم يقتل به، بل عليه الدية إن كان المقتول ذا دية.(2)

(مسألة 7): يقتل ولد الرشدة بولد الزنية بعد وصفه الإسلام حين تميّزه ولو لم يبلغ. وأمّا في حال صغره قبل التميّز أو بعده وقبل إسلامه، ففي قتله به وعدمه تأ‌مّل وإشكال.(3)


(1) بلا خلاف ولا إشكال لصحيح ضريس، عن أبي جعفر (علیه السلام) في نصراني قتل مسلماً فلمّا أُخذ أسلم؟ قال: «اقتله به...».(1)

(2) عدم قتله مبنيّ على شرطيّة التساوي في الدين وأنّه لا يقتل مسلم بكافر، وعلى شمول أدلّته لما كان القاتل مسلماً ولوحين القصاص فقط رغم كونه كافراً حال قتله، وأمّا بناءً على عدم الشرطيّة كما اخترناه، أو بناءً على أنّ المانع الإسلام حين القتل والقصاص معاً، فالقصاص هو الأوجه بل المتعيّن، وممّا ذكرنا يظهر حكم الدية أيضاً.

(3) ما في المسألة مبنيّ أيضاً على شرطيّة التساوي، وإلّا فعلى المختار القصاص ظاهر. وفي الجواهر:

ويقتل ولد الرشيدة بولد الزنية بعد وصفه الإسلام؛ لتساويهما في الإسلام عندنا.


1) . الکافي 7: 310، باب أنّ النصراني إذا قتل مسلماً...، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 91/295، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 190/750، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 47؛ وسائل الشيعة: 29: 110، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب49، الحديث1.

ومن لواحق هذا الباب فروعٌ:(1)

منها: لو قطع مسلم يد ذمّي عمداً فأسلم وسرت إلى نفسه، فلا قصاص في الطرف(2) ولا قود في النفس(3) وعليه دية النفس كاملة(4) وكذا لو قطع صبيّ


نعم، مَن حكم بكفره من الأصحاب وإن أظهر الإسلام لا يقتله به، بل قيل: لا يقتل به وهو صغير؛ لعدم إسلامه التبعيّ بعدم الأبوين له شرعاً إلّا أن يسبى، بناءً على صحّة سبي مثله، فيحكم حينئذٍ بإسلامه تبعاً للسابي، وكأنّه مبنيّ على اشتراط المساواة في الدين في القصاص، للإجماع ونحوه، وإلّا فما سمعته من النصوص عدم قتل المسلم بالكافر، وولد الزنا قبل وصفه الإسلام لا يحكم بكفره، ولذا قلنا بطهارته، فيندرج في قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ،(1)وغيره ممّا دلّ على القصاص. والله العالم.(2)

(1) لا يخفى عليك عدم الموضوعيّة لهذه اللواحق على المختار، لكنّه نبحث عنها على مختار المتن وغيره من الأصحاب.

(2) قطعاً؛ لدخوله في النفس.

(3) لأنّ التكافؤ في الإسلام ليس بحاصل وقت الجناية حتّى يتحقّق العمد في قتل المسلم للمسلم، والعمد في قتل المسلم هو المناط في القصاص لا نفس قتل المسلم وكون القاتل مسلماً المتحقّق في المورد.

(4) لأنّه يكفي في الدية استناد القتل إليه ولو بالتسبيب الذي لا ريب في حصوله هنا بالسراية المتولّدة من فعله التي بها حصل إزهاق النفس المسلمة.


1) . المائدة (5): 45.

2) . جواهر الكلام 42: 158.

يد بالغ فبلغ ثمّ سرت جنايته، لا قصاص في الطرف ولا قود في النفس،(1) وعلى عاقلته دية النفس.(2)

ومنها: لو قطع يد حربي أو مرتدّ فأسلم ثمّ سرت فلا قود،(3) ولا دية على الأقوى.

وقيل بالدية اعتباراً بحال الاستقرار، والأوّل أقوى،(4) ولو رماه فأصابه بعد


(1) لكنّه فيما لو كان الصبيّ غير مميّز، وإلّا فالصبيّ المميّز كالبالغ كما يأتي وجهه في الشرط الخامس. ووجه عدمه ظاهر ممّا مرّ؛(1)لعدم العمد في القتل الموجب للقصاص، فإنّه لابدّ وأن يكون القاتل حين العمد إلى القتل واجداً لشرطيّة البلوغ، وإلّا فمحض العمد إلى القتل مع عدم الشرائط غير موجب للقصاص بداهة؛ قضاءً للشرطيّة.

(2) حيث إنّ عمد الصبيّ خطأ تحمله العاقلة، ولا يخفى عليك جريان ما ذكر من عدم القصاص فيما لم يكن القاتل واجداً للشرائط حين الجناية وصار واجداً لها حين السراية، والقتل بالنسبة إلى جميع الشرائط الثلاثة من البلوغ والتساوي في الدين والحريّة كما لا يخفى.

وحكم جناية الحرّ على العبد مثل قطع يد وسرايته إلى قتله حال عتقه وحرّيّته، حكم غير المسلم وغير البالغ من دون تفاوت؛ قضاءً للمناطالمذكور، كما أنّ عليه الدية أيضاً، كما مرّ من كفاية نسبة القتل في ثبوت الدية مطلقاً.

(3) قطعاً؛ لما عرفت من عدم التساوي حين القتل.

(4) في الجواهر الاستدلال عليه بأنّ:

الجناية لم تكن مضمونة بقصاص ولا دية، فلم تضمن سرايتها كالقطع


1) . مرَّ في الصفحة 32 وما بعدها.

بعد إسلامه فلا قود (1) ولكن عليه الدية،(2) وربما يحتمل العدم اعتباراً بحال الرمي، وهو ضعيف،(3)


بالسرقة والقصاص، وكذا في كلّ جناية غير مضمونة حال وقوعها فتجدّد لها حال يضمن به ابتداؤها.(1)

وعدم الضمان بالدية فيهما لدليل خاصّ، وإلّا فلا منافاة بين الإذن في الجناية مع الضمان بالسراية.

نعم، الضمان لنفس تلك الجناية من دون السراية منافٍ للإذن فيها كما لا يخفى، وعلى هذا فضمان الدية اعتباراً بحال الاستقرار - بناءً على ما عرفت من تحقّق عنوانها بنسبة القتل إليه ولو بالسراية المتولّدة من فعله - هو الأقوى، ويزيده تأييداً ما تسمعه من الحكم بالدية لو رماه بسهم حربيّاً فأصابه مسلماً، ضرورة اتّحاد السراية مع الإصابة في التوليد من فعله، بل لو قلنا بمنع جرحه المرتدّ على وجه يتحقّق فيه ضمان الدية باعتبار تفويض قتله إلى الإمام، أو منع جرحه الحربي كذلك باعتبار تفويض قتله إلى حال الحرب كما هو الحقّ فيهما، اتّجه حينئذٍ اعتبار حال الاستقرار فيه كما مرّ في الفرع السابق.

(1) لعدم العمد إلى قتل المسلم.

(2) لكفاية نسبة قتل المسلم إلى القاتل في ثبوت الدية مطلقاً، وعدم اشتراطه بشيء غير النسبة كما لا يخفى.

ومثله في عدم القود وثبوت دية الحرّ فيما لو رمى عبداً فاعتق ثمّ أصابه فمات؛ لما عرفت، ولعدم طل دم امرءٍ مسلم.

(3) لعدم كون الرمي بما هو سبباً للضمان قطعاً حتّى يعتبر حاله، بل السبب


1) . جواهر الكلام 42: 160.

وكذا الحال لو رمى ذمّياً فأسلم ثمّ أصابه فلا قود، وعليه الدية.(1)

ومنها: لو قتل مرتدّ ذمّياً يقتل به،(2) وإن قتله ورجع إلى الإسلام فلا قود(3)


في الضمان القتل، فالاعتبار بحاله.

(1) وجهه ظاهر ممّا مرّ.

(2) كما قوّاه الشرائع،(1)وفاقاً للفاضل وغيره ممّن تأخّر عنه، بل وللمحكيّ عن المبسوط(2)والخلاف،(3)للتساوي في الكفر، كما يقتل النصراني باليهودي؛ لأنّ الكفر كالملّة الواحدة، بل المرتدّ أسوء حالاً؛ لأنّه لا يقرّ على دينه، ولإطلاق أدلّة القصاص المقتصر في الخروج عنها على عدم قتل المسلم بالكافر، إذ لا دليل على اعتبار التساوي على وجه يقتضي خروج المفروض، بل لعلّ المراد من اشتراط التساوي في عبارة الأصحاب - ولو بقرينة التفريع - هو عدم قتل المسلم بالكافر، فلا دليل لاعتبار حرمته بالإسلام في سقوط القصاص مع إمكان مقابلته بما يقتضي كونه أسوأ حالاً من الذمّي، كوجوب قتله مع عدم التوبة دونه، وعدم حلّ ذبيحته إجماعاً، بخلاف الذمّي المختلف فيه وعدم إقراره بالجزية، وعدم الدية له مع فرض قتله بالمسلم على الظاهر المصرّح به في غير واحد من العبائر وإن كان فيه تأ‌مّل بل منع.

(3) كما في الشرائع(4)والقواعد،(5)بل في اللثام(6)التصريح بالقطع، وفي


1) . شرائع الإسلام 4: 198.

2) . المبسوط 7: 47.

3) . الخلاف 5: 171، المسألة 33.

4) . شرائع الإسلام 4: 198.

5) . قواعد الأحكام 3: 605.

6) . كشف اللثام 11:90.

...


الجواهر(1)الاستدلال عليه بعموم ما دلّ على أنّ المسلم لا يقتل بكافر، ويجبّ الإسلام ما قبله ويعلو ولا يُعلى عليه ما قبله.

والحقّ هو القصاص؛ لعموم أدلّته.

وما دلّ على عدم قتله به مثل قوله (علیه السلام): «لا يقاد مسلم بذمّي»(2)ظاهر في عدمه في المسلم المتّصف بالإسلام في حال القود وحال القتل معاً، فعدم القصاص مشروط بالإسلام حالهما، فلا فائدة في الإسلام في حال القود فقط مع عدمه في وحال القتل؛ قضاءً للاشتراط الظاهر من الحديث، فإنّ معنى نفي القود فيه نفي قصاص المسلم بقتله الكافر بقتله عوضاً عنه قصاصاً للكافر، فالقتل الموضوع لنفي القود قتل المسلم الذي لا يتحقّق إلّا بصدق النسبة حينه، فإنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ حال النسبة.

هذا، مع أنّ ذلك هو المستفاد أيضاً من بقيّة الأخبار، ففي موثّق أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن فضل، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) - إلى أن قال: - سألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟قال:«لا، إلّا أن يكون معتاداً لذلك...»،(3)إلى آخره.


1) . جواهر الكلام 42: 164.

2) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 9؛ الفقیه 4: 90/292، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 188/740، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 37؛ الاستبصار 4: 270/1022، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 108، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث 5.

3) . الکافي 7: 309، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 189/744، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 41؛ الاستبصار 4: 271/1026، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 92/301، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 10؛ وسائل الشيعة 29: 107، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث1.

وعليه دية الذمّي،(1)


ودلالة الرواية على أنّ السؤال عمّن يكون مسلماً في زمان القتل لدلالة الشرط ممّا لا يحتاج إلى البيان.

وفي صحيح ابن رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات ولكن يؤخذ...»،(1)إلى آخره، ودلالة الجارّ المتعلّق بالقود على المقصود ظاهر.

ومثله ما عن أبان بن إسماعيل بن الفضل، عن أبي عبدالله(علیه السلام)، قال: سألت أبا عبدالله(علیه السلام) عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال: «لا...»،(2)إلى آخره.

ففيه: الدلالة لمكان الجارّ أيضاً.

هذا كلّه فيما استدلّ لعدم القود من عدم قتل المسلم بالكافر، وأمّا حديث الجبّ فيرتبط بحقّ الله لاحقّ الناس.

(2) كما في الشرائع(3)والقواعد(4)وغيرهما، مع إمكان القول بعدمها أيضاً إن


1) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 9؛ الفقیه 4: 90/292، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 188/740، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 39؛ الاستبصار 4: 270/1022، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 108، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث5.

2) . الکافي 7: 310، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 12؛ تهذیب الأحکام 10: 189/744، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 41؛ الاستبصار 4: 271/1026، باب أنّه لا یقاد مسلم بکافر، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 92/301، باب المسلم یقتل الذمّي...، الحدیث 10؛ وسائل الشيعة 29: 109، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب47، الحديث 6.

3) . شرائع الإسلام 4: 198.

4) . قواعد الأحكام 3: 605.

ولو قتل ذمّي مرتدّاً - ولو عن فطرة - قتل به،(1)


لم يكن إجماع على الثبوت؛ باعتبار كون الواجب عليه القصاص، والفرض سقوطه عنه بالإسلام. اللهمّ إلّا أن يستفاد من الأدلّة قيامها مقامه في كلّ مقام تعذّر الاستيفاء على وجه يشمل الفرض.

(1) بلا خلاف أجده فيه؛ لعمومات أدلّة القصاص وإطلاقها. وفي الشرائع والقواعد الاستدلال بأنّه «محقون الدم بالنسبة إلى الذمّي».(1)

وفي اللثام تفسيره بقوله: «لا يستحقّ قتله إلّا المسلمون»،(2)فيندرج في عموم أدلّة القصاص بالحقن، فأدلّة القصاص هي الدليل.

وما عن الشافعيّة(3)- من القول بالمنع؛ لأنّه مباح الدم، فلا يجب القصاص بقتله كالحربي، وكما لو قتله مسلم، وتحريم قتله بغيره مع كونه مباح الدم لكفره لا يوجب إقادة القاتل به، كما لو قتل الزاني المحصن غير الإمام، وبهذا فارق من عليه القصاص إذا قتله غير المستحقّ؛ لأنّه معصوم الدم بالنسبة إليه - واضح الضعف؛ ضرورة عدم كونه مباح الدم لكلّ أحد.

وفي المسالك:

يمكن بناء هذين الوجهين على ما تقدّم في السابقة من أنّ المرتدّأسوأ حالاً من الذمّي أم بالعكس.(4)


1) . شرائع الإسلام 4: 198؛ قواعد الأحكام 3: 605.

2) . كشف اللثام 11: 90.

3) . المغني، لابن قدامة 9: 341، کتاب الجراح، فصل في امتناع قتل المسلم الکافر؛ و: 348، فصول في القصاص.

4) . مسالك الأفهام 15: 154.

ولو قتله مسلم فلا قود،(1) والظاهر عدم الدية عليه، وللإمام(علیه السلام) تعزيره.(2)


وفيه: ما أشرنا إليه سابقاً من عدم اعتبار ذلك، إذ لا دليل على اعتبار المساواة في القصاص بالنسبة إلى ذلك، وإنّما بناء المسألة على كونه مهدور الدم في نفسه، وإن أثم غير الإمام بقتله، فلا قصاص على قاتله بل ولا دية، لعدم احترام نفسه أو أنّه كذلك بالنسبة إلى الإمام دون غيره، أو أنّه بالنسبة إلى المسلمين غير محترم وإن أثموا أيضاً بقتله من دون إذن الإمام بخلاف غيرهم، فإنّ الاحترام الموجب للضمان باقٍ، وستسمع بعض الكلام في ذلك.

حكم قتل المسلم مرتدّاً

(1) بلا خلاف؛ لاشتراطهم التساوي.

(2) في الشرائع: «وفي الدية تردّد، والأقرب أنّه لا دية»،(1)مع نفيه القود على القطع بقوله: «فلا قود قطعاً».(2)ومنشأ التردّد التردّد في احترامه الموجب للدية والضمان، ولا يخفى عليك أنّ ما هو الحقّ في الدية من الاحترام هو الحقّ عندنا أيضاً في القصاص؛ لعدم اعتبار شرطيّة التساوي على المختار كما مرّ، فلا فرق بين القود والدية في المسألة وجوداً وعدماً. ولننقل ما في الجواهر في الدية؛ ليظهر وجهها ووجه تردّد المتن في قوله:

والأقرب عند المصنّف والفاضل وغيرهما أنّه لا دية؛ للأصل وعدم احترام نفسه وإن أثم غير الإمام بقتله. ولكن قد يناقش بأنّ ذلك يقتضي عدم القود في الأوّل، فإنّ دعوى اختصاص عدم الاحترام بالنسبة


1) . شرائع الإسلام 4: 198.

2) . شرائع الإسلام 4: 198.

...


للمسلمين خاصّة لا دليل عليها، ومن هنا احتمل وجوب الدية؛ لأنّه محقون الدم بالنسبة إلى غير الإمام.

لكن في المسالك: وهو ضعيفٌ، بل غاية ما يجب بقتله بدون إذنه الإثم، كغيره ممّن يتوقّف قتله على إذنه من الزاني واللائط وغيرهما.(1)

وفيه: ما عرفت من اقتضاء ذلك عدم القود على الذمّي كما سمعت، بل ينبغي عدم القود أيضاً بقتل المرتدّ مرتدّاً، مع أنّه جزم به الفاضل في القواعد(2)وشارحه الأصبهاني في كشفه؛ معلّلاً في الأخير ب- «التكافؤ مع تحرّمهما بالإسلام الموجب لعصمة الدم».(3)

نعم، جزما فيهما بعدم قتل الحربي بالحربي؛ لأنّ المقتول غير معصوم الدم، وقد عرفت الإشكال فيه سابقاً.

وبالجملة؛ فالمدار على احترام النفس على وجه يجب على المكلّف حفظها، ومرجع ذلك إلى الاستظهار من الأدلّة، وإلّا فمجرّد وجوب القتل حدّاً لا يقتضي ذلك، خصوصاً مع توبة المحدود وندمه وأسفه إذا كان بحيث لا يسقط عنه الحدّ، كما لو فرض توبته بعد إقامة البيّنة عليه وحكم الحاكم عليه، فإنّ دعوىعدم احترام نفسه مع هذا الحال بحيث يكون كبعض الحيوانات التي هي غير محترمة من جهة وجوب القتل عليه حدّاً لا يخفى عليك ما فيها.


1) . مسالك الأفهام 15: 154.

2) . قواعد الأحكام 3: 606.

3) . كشف اللثام 11: 92.

...


نعم، قد يستظهر من بعض الأدلّة في بعض الأفراد - وخصوصاً في بعض أفراد الارتداد ونحوه ممّا يوجب القتل - ذلك، وإن لم يجز تولّي قتلهم أيضاً إلّا للإمام (علیه السلام) باعتبار كون إقامة الحدّ له لا لاحترامهم. وهذا، وإن اقتضى سقوط الدية في المسلم أيضاً، لكنّه يقتضي سقوطها والقود أيضاً في غيره.(1)

ولا يخفى أنّه ما لم يقم الدليل على عدم الاحترام، عموم أدلّة القصاص محكّم، كما كان محكّماً في قتل الذمّي المرتدّ، وكيف لا يكون محكّماً مع أنّ المقتول مظلوم كما هو واضح؟ ! فالولاية مجعولة لوليّه وصدق القتل عدواناً وكون المقتول مظلوماً ليس بدائر مدار الدين والمذهب، بل دائر مدار عدم ظلم المقتول وعدم تهجّمه على الغير، وإلّا فإنّه مقتول معه ظلماً لا مظلوماً.

وعدم كفاية محض احتمال عدم الاحترام للمسلم في التخصيص واضح، فلا يرفع اليد عن الحجّة بغير الحجّة.

ومن ذلك كلّه، يظهر عدم تماميّة ما في الشرائع(2)وغيره من عدم القود والدية في قتل مَن وجب قتله بالحدّ، كالزنا واللواط وغيرهما من غير من له إجراء الحدّ كالإمام (علیه السلام)، فإنّ دمهما محترم وإن وجب قتلهما حدّاً بيد الإمام. ولا دلالة للحدّ ووجوب قتلهما بيد الإمام على هدر دمهما في غير الحدّ، بل المستفاد من قوله (علیه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ قد جعللكلّ شيء حدّاً وجعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حدّاً»(3)المنع من


1) . جواهر الكلام 42: 166- 167.

2) . شرائع الإسلام 4: 198.

3) . الکافي 7: 176، باب التحدید، الحدیث 12؛ تهذیب الأحکام 10: 3/5، باب حدود الزنا، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 16/25، باب ما یجب به التعزیر...، الحدیث 5؛ المحاسن 1: 427، کتاب مصابیح الظلم، باب التحدید، الحدیث 986/388 و988/390؛ وسائل الشيعة 28: 14، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب 2، الحديث 1.

...


القتل بغير الحدّ الذي هو القتل بيد الإمام، ومقتضى المنع والحدّ احترام الدم وعدم الهدر.

ويشهد على ذلك ما في خبر عمرو بن قيس، عن أبي عبدالله (علیه السلام): «وجعل لكلّ شيء حدّاً ولمن جاوز الحدّ حدّاً» - إلى أن قال: - قلت: وكيف جعل لمن جاوز الحدّ حدّاً؟ قال: «إنّ الله حدّ في الأموال أن لا تؤخذ إلّا من حلّها، فمن أخذها من غير حلّها قطعت يده حدّاً لمجاوزة الحدّ، وإنّ الله عزّوجلّ حدّ أن لا ينكح النكاح إلّا من حلّه ومن فعل غير ذلك - إن كان عزباً - حدّ، وإن كان محصناً رجم لمجاوزته الحدّ».(1)

حيث إنّه جعل الشرع والقانون حدّاً من الله، وجعل التعدّي عنه محرّماً موجباً لقطع اليد، وحدّ الزنا بالجَلد أو الرجم على اختلاف الموارد، واللازم القصاص في قتل اللائط بغير يد الإمام؛ لأنّه تعدٍّ عن الحدّ المقرّر، والتعدّي بالقتل موجب للقصاص والقود. فتأ‌مّل ولا تغفل.

والاستدلال على عدم القصاص بما عن سعيد بن المسيّب: أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري أنّ ابن أبي الجسرين وجد رجلاً مع امرأته فقتله، وقد أشكل عليّ القضاء فسل لي عليّاً (علیه السلام) عن هذا الأمر، قال أبو‌موسى: فلقيت عليّاً (علیه السلام)، قال: فقال عليّ (علیه السلام): «والله ما هذا في هذه البلاد يعني الكوفة، ولا هذا بحضرتي، فمن


1) . الکافي 7: 175، باب التحدید، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 28: 15، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب 2، الحديث 3.

...


أين جاءك هذا؟» قلت: كتب إليّ معاوية (لعنه الله) أنّ ابن أبي الجسرين وجد مع امرأته رجلاً فقتله وقد أشكل عليه القضاء فيه، فرأيك في هذا، فقال: «أنا أبو‌الحسن، إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد، وإلّا دفع برمّته».(1)

فيه نظرٌ؛ لاختصاصه بمن يقتله الزوج لكونه زنا بزوجته، ولا وجه للتعدّي إلى غيره لا سيّما الأجانب حتّى في الزنا، فضلاً عن اللواط.

وفي القواعد:

وهذا حكم ينسحب على كلّ قريب للرجل أو ولد أو مملوك، وهل ينسحب على الأجانب؟ إشكالٌ.(2)

من عموم النَّفْسَ بِالنَّفْسِ،(3)واختصاص إقامة الحدود بالإمام ونوّابه، ومن أنّه إنّما مباح الدم.

ولا يخفى أنّ الانسحاب إلى الطوائف لابدّ وأن يكون من جهة الدفاع عن الحريم والناموس، ولذلك يفترق مع الأجانب، وجواز القتل من جهته غير مرتبط بالحديث، فإنّه حكم خاصٌّ من جهة الزنا بزوجته لا من جهة الدفاع كما لا يخفى، والدفاع جائز لكلّ أحد، ودم المدفوع هدر نصّاً وعقلاً وإجماعاً.

وبالجملة؛ ثبوت الحدّ غير ثبوت الهدر، ولا ملازمة بينهما من رأس، والمفيد لعدم القصاص الهدر لا الحدّ، فالأقوى في مثل الزنا أو اللواط الموجب لحدّ القتل


1) . تهذيب الأحكام 10: 314/1168، باب من الزيادات، الحديث 9؛ الفقیه 4: 127/447، باب نوادر الدیات، الحدیث 9؛ وسائل الشیعة 29: 135، أبواب القصاص في النفس، الباب 69، الحدیث 2.

2) . قواعد الأحكام 3: 606.

3) . المائدة (5): 45.

ومنها: لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الوليّ كان عليه القود،(1) ولو وجب قتله بالزنا أو اللواط فقتله غير الإمام(علیه السلام)، قيل: لا قود عليه ولا دية، وفيه تردّد.(2)


قصاص القاتل إذا كان غير الإمام.

وبما ذكرنا يظهر ضعف ما في المسالك من الاستدلال على عدم القصاص بقوله: فإنّ دمهما ]أي الزاني واللائط ونحوهما[ هدر مطلقاً، غايته أن تولّي قتله متوقّف على أمر الحاكم، فإذا فعله غيره أثم ووقع موقعه.(1)

ووجه الضعف أنّ الهدر كذلك أوّل الكلام، بل الاستدلال كذلك مصادرة بالمطلوب.

وفي الجواهر - بعد جعله العمدة - الاستظهار من الأدلّة على عدم حرمة النفس مطلقاً، أو في بعض الأحوال لمطلق الناس أو لخصوص المسلمين، قال ما هذا لفظه:

ولم يحضرني الآن من النصوص ما يشخّص ذلك بجميع أفراده.(2)

ولقد أجاد فيما ذكره (قدّس الله نفسه ونوّر مضجعه).

(1) بلا خلاف ولا إشكال فيه؛ لعموم أدلّة القصاص التي لا ينافيها استحقاق القصاص عليه لآخر، فإنّ ذلك غير مقتض لسقوط احترام نفسه مطلقاً.

(2) تمام الكلام في هذا الفرع والمختار فيه مرّ في الفرع السابق فلا نعيده، ولقد أجاد (سلام الله عليه) في تردّده في المسألة، فإنّه سبب للجرأة لمثلنا البحث عنها والقول بالقود والدية كما مرّ.


1) . مسالك الأفهام 15: 155.

2) . جواهر الكلام 42: 168.

الشرط الثالث: انتفاء الأُبّوة، فلا يقتل أب بقتل ابنه(1)،(1)


(1) إجماعاً بقسميه، بل عليه إجماع علماء الإسلام في بعض الأنواع. قال في الخلاف:

لا يقتل الوالد بولده؛ سواء قتله بالسيف حذفاً أو ذبحاً وعلی أيّ وجه كان، وبه قال في الصحابة: عمر بن الخطّاب، وفي الفقهاء: ربيعة والأوزاعي والثوري وأبوحنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك: إن قتله حذفاً بالسيف فلا قود، وإن قتله ذبحاً أو شقّ بطنه فعليه القود. وبه قال عثمان البتّي. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(2)

وفي المسالك:

لا قصاص على الوالد بقتل الولد؛ ذكراً ] كان [ أو أُنثى؛ إجماعاً منّا ومن أكثر العامّة.(3)

وذلك مضافاً إلى إجماع النصوص من الطرفين:

منها: ما عن النبيّ (صلی الله علیه وآله): «لا يقتل والد بولده».(4)

ومنها: قول أحدهما (علیهما السلام)، قال: «لا يقاد والد بولده، ويقتلالولد إذا قتل والده عمداً».(5)


1) . ولقد علّق1 علی هذه المسألة من التحریر الوسیلة في تعلیقة طویلة وصرّح فیه: «أنّ عدم قصاص الوالد بالولد مختصّ بما إذا کان لغیر الأغراض الشخصية العنادية المتعارفة. (راجع التعلیقة علی تحریر الوسیلة 2: 543)

2) . الخلاف 5: 151، المسألة 9.

3) . مسالك الأفهام 15: 156.

4) . الفقیه 4: 265/824، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 238/950، الحدیث 22؛ وسائل الشيعة 29: 80، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب32، الحديث11.

5) . الکافي 7: 297، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 236/941، باب قتل السیّد عبده...، الحدیث 13؛ وسائل الشيعة 29: 77 کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث1.

...


ومنها: قول الصادق (علیه السلام) في خبر الفضيل بن يسار: «لا يقتل الرجل بولده إذا قتله، ويقتل الولد بوالده إذا قتل والده».(1)

ومنها: قوله (علیه السلام) أيضاً في خبره الآخر: «لا يقتل الوالد بولده، ويقتل الولد بوالده...»،(2)الحديث.

ومنها: ما عن كتاب ظريف: «وقضى ]أميرالمؤمنين(علیه السلام)[ أنّه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره، وتكون له الدية ولا يقاد».(3)ومنه يعلم عدم الفرق بين النفس والطرف.

إلى غير ذلك من النصوص(4)التي يمكن دعوى القطع بذلك منها إن لم تكن متواترة اصطلاحاً.

والولد أعمّ لغةً وعرفاً من الابن والبنت، فما فيه الولد من الفتاوى والنصوص شامل لهما، بل في المسالك التصريح بالعموميّة، بل وبكونهإجماعيّاً، ففيه: «لا قصاص على الوالد بقتل الولد؛ ذكراً ]كان[ أو أُنثى؛ إجماعاً منّا».(5)


1) . الکافي 7: 141، باب میراث القاتل، الحدیث 7؛ تهذیب الأحکام 9: 379/1359، باب میراث القاتل، الحدیث 12؛ الاستبصار 4: 193/727، باب أنّ القاتل خطأ...، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 77، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث3.

2) . الکافي 7: 298، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 237/946، الحدیث 18؛ وسائل الشيعة 29: 78، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث4.

3) . تهذیب الأحکام 10: 308/1148، الحدیث 26؛ الفقیه 4: 66/194، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 79، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب32، الحديث10.

4) . راجع: وسائل الشيعة 29: 77، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32.

5) . مسالك الأفهام 15: 156.

والظاهر أن لا يقتل أب الأب، وهكذا.(1)


وما في صحيحي الحلبي من قوله: عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن الرجل يقتل ابنه، أيقتل به؟ قال: «لا»،(1)ومن قوله: عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن الرجل يقتل ابنه، أيقتل به؟ قال: «لا، ولا يرث أحدهما الآخر إذا قتله».(2)

وخبر أبي بصير عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «لا يقتل الأب بابنه إذا قتله، ويقتل الابن بأبيه إذا قتل أباه»،(3)من تخصيص الابن بالذكر فغير مخصّص؛ لكون التخصيص في الصحيحين في كلام السائل، وأمّا خبر أبي بصير، فإنّه وإن كان في كلام المعصوم (علیه السلام) لكنّه لا مفهوم للقب، والحكم على الشيء غير نافٍ لما عداه.

(1) كما في الشرائع(4)والمبسوط(5)والوسيلة،(6)بل عن ظاهر الخلاف(7)أو صريحه الإجماع عليه. وفي الجواهر:

بل لم أجد فيه خلافاً. نعم، تردّد فيه المصنّف في النافع(8)وبعض الناس،


1) . الکافي 7: 298، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 237/943، باب قتل السیّد عبده...، الحدیث 15؛ وسائل الشيعة 29: 77، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث2.

2) . تهذیب الأحکام 10: 238/948، باب قتل السیّد عبده...، الحدیث 20؛ وسائل الشيعة 29: 79، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث7.

3) . الکافي 7: 298، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 237/942، باب قتل السیّد عبده...، الحدیث 14؛ الفقیه 4: 89/288، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 78، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث 6.

4) . شرائع الإسلام 4: 198.

5) . المبسوط 7: 9.

6) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 431.

7) . الخلاف 5: 152.

8) . المختصر النافع: 397.

(مسألة 1): لا تسقط الكفّارة عن الأب بقتل ابنه ولا الدية، فيؤدّي الدية إلى غيره من الورّاث، ولا يرث هو منها.(1)


لكنّه في غير محلّه؛ بناءً على تناول الإطلاق له لغة وعرفاً، بل وإن لم يكن كذلك، ولكن في المقام يمكن إرادته من نحو قول الصادق(علیه السلام): «لا يقتل الأب بابنه»،(1)بمعونة كلام الأصحاب وبأولويّة الجدّ أو مساواته للأب في ذلك.(2)

وفيه: أنّ كلام الأصحاب لعلّه مستند إلى مثل ما ذكره 1 من الأولويّة لا إلى الرواية، مع أنّ فهمهم غير حجّة لنا؛ قضاءً للأصل وللحجّة على خلافه. فتأ‌مّل.

وأمّا الأولويّة والمساواة فمع عدم التماميّة في حدّ نفسها ليس بأزيد من القياس والاستحسان.

وبالجملة؛ بما أنّ الحكم على خلاف العمومات والإطلاقات، فلابدّ من الاقتصار على مورد النصّ وعلى القدر المتيقّن منه، بل الظاهر اختصاص الحكم بالأب فقط دون غيره من أب الأب، فضلاً عمّا فوقه وفضلاً عن الأجداد من طرف الأُمّ؛ وذلك لكون الأب والوالد الوارد في النصّ والفتوى حقيقة في الأب ومجاز في أب الأب، وصحّة سلب الأب والوالد عن الجدّ، ولزوم التقييد والقرينة فيما أُريد منهما الجدّ حجّة على المجازيّة وعلى ظهورهما في الأب دون أب الأب فضلاً عن أب الأُمّ.

(1) المنفيّ عن الأب أو عنه وعن الأُمّ - على القول بإلحاقها به -القصاص فقط، وإلّا فعليه الكفّارة؛ لعموم الأدلّة، بل وكفّارة الجمع والدية والتعزير بما يراه


1) . تقدّمت الروایة وتخریجها آنفاً.

2) . جواهر الكلام 42: 170.

(مسألة 2): لا يقتل الأب بقتل ابنه ولو لم يكن مكافئاً له، فلا يقتل الأب الكافر بقتل ابنه المسلم.(1)

(مسألة 3): يقتل الولد بقتل أبيه، وكذا الأُمّ وإن علت بقتل ولدها، والولد بقتل أُمّه، وكذا الأقارب كالأجداد والجدّات من قبل الأُمّ، والإخوة من الطرفين، والأعمام والعمّات والأخوال والخالات.(2)


الحاكم، لما هو المعروف من التعزير بارتكاب الحرام بما يراه الحاكم وعدم اختصاصه بالموارد المنصوصة، ولخبر جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) في الرجل يقتل ابنه أو عبده، قال: «لا يقتل به، ولكن يضرب ضرباً شديداً ويُنفى عن مسقط رأسه».(1)

وما فيه من التعيين محمول على أنّ ذلك بعض أفراد ما يراه الحاكم، لا أنّه المتعيّن كما لا يخفى.

(1) مقتضى إطلاق النصّ والفتوى عدم الفرق بين المتكافئين في الإسلام والحريّة ونحوها. نعم، للجلّاد والغازي أن يقتلا أباهما مع أمر الإمام (علیه السلام)؛ للعمومات وعصمة الإمام عندنا، بل عن التحرير(2)أنّهما لا يمنعان مع ذلك من الميراث؛ لأنّه قتل سائغ، بل قد يقال بالجواز في الغازي بدون أمر الإمام (علیه السلام)، وتمام الكلام فيه في كتاب الجهاد.

قصاص الولد بقتل أبيه

(2) في المسألة مسائل:


1) . تهذیب الأحکام 10: 236/939، باب قتل السیّد عبده...، الحدیث 11؛ الفقیه 4: 90/290، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 79، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث 9.

2) . تحرير الأحكام 5: 463.

...


أحدها: يُقتل الولد بأبيه إجماعاً بقسميه، ونصوصاً عموماً وخصوصاً،(1)مضافاً إلى الكتاب.(2)وكذلك يقتل بأُمّه إجماعاً؛ للعموم، ولخصوص صحيح أبي عبيدة: سألت أبا‌جعفر (علیه السلام) عن رجل قتل أُمّه؟ قال: «يقتل بها صاغراً، ولا أظنّ قتله كفّارة له، ولا يرثها».(3)

وظاهره كون القتل كفّارة في غير الأُمّ دونها، كما أنّ ظاهر النصّ والفتوى عدم ردّه فاضل ديته عليه وإن لم أجد مصرّحاً به.

عدم قصاص الأُمّ بقتل الولد

ثانيها: تُقتل الأُمّ بقتل ولدها على المشهور؛ للعمومات، من غير معارض، خلافاً لأبي عليّ(4)منّا، وللعامّة؛ قياساً على الأب واستحساناً. هذا، ولكن عدم القصاص فيها وجيه قويّ؛ قضاءً لإلغاء الخصوصيّة وتنقيح المناط عرفاً، فإنّ المناط عندهم الولادة، فلا خصوصيّة للأب.

والظاهر من عدم ذكر الأُمّ أنّه لعدم الابتلاء، بل لك أن تقول: إنّ في عدم ذكرها في الأخبار سؤالاً ولا ابتداءً تأييداً وإمضاءً لما عند العامّة،وإلّا فمع اتّفاق القائلين بعدم القود منهم بعدمه في الأُمّ أيضاً، كان على المعصوم مع فرض عدم


1) . راجع: وسائل الشيعة 29: 77، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32.

2) . انظر: سورة المائدة (5): 45؛ وسورة البقرة (2): 178 و179.

3) . الکافي 7: 298، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 2؛ تهدیب الأحکام10: 237/944، باب قتل السیّد عبده...، الحدیث 16؛ الفقیه 4: 81/255، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 18 و90/291، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 78، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث5.

4) . مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 369، المسألة 16.

...


قبوله الردع؛ لئلّا يتوهّم أنّ نظر المعصوم (علیه السلام) نظر القائلين من العامّة، فكما أنّه (علیه السلام) موافق لهم في الأب فكذلك في الأُمّ، وهذا التوهّم أمرٌ عادي، فعدم دفعه دليل وتقرير على الموافقة في الأُمّ أيضاً، وتخصيص الأب والوالد بالذكر لأكثريّة الابتلاء به، بل والابتلاء في طرف الأُمّ نادر جدّاً، ويكون كافياً في الحكم على الأُمّ أيضاً لما ذكر.

هذا كلّه مع أنّ الأُمّ أولى برعاية الحقوق، بل حقوقها أكثر، فعدم القود فيها أولى. كيف وفي المستدرك عن العلّامة الكراجكي في كتاب التعريف بوجوب حقّ الوالدين:

وقد جعل الله تعالى حقّ الأُمّ مقدّماً؛ لأنّها الجناح الكبير والذراع القصير، أضعف الوالدين وأحوجهما في الحياة إلى معين، إذ كانت أكثر بالولد (علیه السلام) شفقة وأعظم تعباً وعناءً، فروي أنّ رجلاً قال للنبيّ (صلی الله علیه وآله): يا رسول الله! أيّ الوالدين أعظم؟ قال: «التي حملته بين الجنبين، وأرضعته بين الثديين، وحضنته على الفخذين، وفدته بالوالدين».(1)

وكذا عنه (صلی الله علیه وآله) أنّه قال (له) رجل: يا رسول الله (صلی الله علیه وآله)! مَن أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أُمّك»، قال: ثمّ مَن؟ قال: «أُمّك»، قال: ثم مَن؟ قال: «أبوك». وفي رواية أُخرى: «أنّه جعل ثلاثاً للأُمّوالرابعة للأب».(2)


1) . مستدرك الوسائل 15: 182، كتاب النكاح، أبواب أحكام الأولاد، الباب 70، الحديث10. عن کتاب التعریف للعلّامة الکراجکي: 9، ولیس بموجود عندنا، والحدیث منقول أیضاً في کتب أهل السنّة منها: المراسیل لأبي داود السجستاني: 335، الحدیث 486.

2) . عوالي اللئالي 444:1، المسلك الثالث، الحديث165؛ مستدرك الوسائل 15: 182، كتاب النكاح، أبواب أحكام الأولاد، الباب 70، الحديث 9 والحدیث منقول في الصحاح والمسانید من أهل السنّة، منها: صحیح البخاري 9: 209، کتاب الأدب، الباب 524، من أحقّ الناس بحسن الصحبة، الحدیث 5277؛ وصحیح مسلم 2: 510، کتاب البرّ والصلة والآداب، الباب 1، باب برّ الوالدین وأنّهما أحقّ به، الحدیث 2548.

(مسألة 4): لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً، فإن قتله أحدهما قبل القرعة فلا قود، ولو قتلاه معاً فهل هو كذلك لبقاء الاحتمال بالنسبة إلى كلّ منهما، أو يرجع إلى القرعة؟ الأقوى هو الثاني. ولو ادّعياه ثمّ رجع أحدهما وقتلاه، توجّه القصاص على الراجع بعد ردّ ما يفضل عن جنايته، وعلى الآخر نصف الدية بعد انتفاء القصاص عنه، ولو قتله الراجع خاصّة اختصّ بالقصاص، ولو قتله الآخر لا يقتصّ منه. ولو رجعا معاً فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفس عليهما. وكذا الحال لو رجعا أو رجع أحدهما بعد القتل، بل الظاهر أنّه لو رجع من أخرجته القرعة، كان الأمر كذلك؛ بقي الآخر على الدعوى أم لا.(1)


ثالثها: غير الأب من الجدّات والأقارب كالأجنبيّ؛ اقتصاراً في خلاف القاعدة على مورد النصّ، وأمّا الأُمّ فملحقة بالأب مناطاً كما مرّ.

(1) لو ادّعى المجهول اثنان، فقتله أحدهما قبل القرعة وثبوت الأُبوّة لأحدهما فلا قود؛ لاحتمال الأُبوّة واشتراطه بانتفائها، وإشكال التهجّم على الدم مع الشبهة، وكذا لو قتلاه معاً قبلها، ولا يكفي هنا ولا فيما لو قتله أحدهما القرعة بعد القتل؛ لأنّ أيّ تعليق للقصاص عليها تهجّم على الدم من غير قاطع.

والفرق بينها حينئذٍ وبينها قبل القتل - مع استلزامها التهجّم عليه في النهاية - أنّ المقصود بما قبله الإلحاق ولزمه التهجّم اتّفاقاً، ويحتمل الاكتفاء بها قويّاً؛ لإطلاق النصّ والفتوى بالإلحاق بالقرعة مع ما في الإهدار من الإشكال، وعموم

(مسألة 5): لو قتل رجل زوجته يثبت القصاص عليه؛ لولدها منه، على الأصحّ. وقيل: لا يملك أن يقتصّ من والده، وهو غير وجيهٍ.(1)


أدلّة القصاص، واحتمال عدم كون الأُبوّة مانعة، بل أظهريّته مع الجهل بحصولها، بل رجحان العدم، وعموم القرعة لكلّ مشكلٌ.

ولو قتله أحدهما بعد القرعة فالقصاص عليه إن لم تخرجه القرعة، وكذا لو قتلاه بعدها فالقصاص على مَن لم تخرجه منها، لثبوت الإلحاق بها شرعاً.

ومن المعلوم أنّهما مع الاشتراك في القتل إذا اقتصّ عن أحدهما ردّ الأرش عليه نصف الدية، ولو ادّعياه ثمّ رجع أحدهما وقتلاه بعد الرجوع أو قبله توجّه القصاص على الراجع بعد ما يفضل عن جنايته أخذاً بإقراره، وعلى الآخر الذي هو الأب شرعاً نصف الدية دون القصاص، ولو رجعا اقتصّ منهما - إن أراده الوارث - بعد ردّ دية نفس عليهما، وعلى كلٍّ منهما إذا اشتركا في قتله - على كلّ تقدير - كفّارة القتل؛ لثبوتها في قتل الولد وغيره، ولو قتله الراجع خاصّة قتل به ولا ردّ، ولو قتله الآخر فعليه الدية دون القود، وعلى القاتل مع عدم القصاص التعزير وإن كان العدم للجهل بالشرطيّة، فضلاً عمّا لو ثبتت الشرطيّة والأُبوّة، فإنّ التعزير لارتكاب مطلق الحرام، إلّا أن يثبت معه الجزاء من القصاص أو الحدّ.

هل يثبت القصاص للولد بقتل زوج زوجته أم لا؟

(1) لو قتل الرجل زوجته هل يثبت القصاص عليه لولدها منه؛اقتصاراً في المنع على مورد النصّ، كما احتمله المحقّق في الشرائع،(1)أم لا، كما هو المشهور؟ بل


1) . شرائع الإسلام 4: 199 و200.

...


قطع بذلك الشيخ في المبسوط،(1)والعلّامة في كتبه؛(2)لعموم أدلّة حقوق الأبوين، ومثل: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً،(3)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ،(4)فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً،(5)وغيرها من الآيات والأخبار، ولأنّه لا يقتل بقتله، فأولى أن لا يستحقّ عليه القتل قصاصاً لمورّثه.

وفيه: أنّ أدلّة القصاص أخصّ من تلك العمومات، وشمول العمومات القصاصَ أوضح من الشمس وأبين من الأمس، وأمّا الأولويّة فممنوعةٌ؛ لكون القصاص إرثاً قصاصاً لقتله غير الولد وعوضاً عن ذلك القتل، وأمّا في قتل الولد، فالقصاص يكون لولده ولمن يكون الوالد سبباً لوجوده.

وما في المسالك من:

أنّ استيفاء القصاص موقوفٌ على مطالبة المستحقّ، وإذا كان هو الولد وطالب به كان هو السبب في القود، فيتناوله عموم النصّ أو إطلاقه.(6)

واضح الضعف؛ ضرورة قوله (علیه السلام): «لا يقاد والد بولده» في كون المراد عدم قتله بقتله، وبسببيّة قتله لا الأعمّ منها ومن سببيّة مطالبة الولد.وما في ذيل الحديث من قوله (علیه السلام): «ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً»(7)مؤ‌يّد، بل قرينة لذلك الظهور كما لا يخفى.


1) . المبسوط 7: 10.

2) . لاحظ: قواعد الأحكام 3: 608.

3) . لقمان (31): 15.

4) . الإسراء (17): 24.

5) . الإسراء (17): 23.

6) . مسالك الأفهام 15: 160.

7) . الکافي 7: 297، باب الرجل یقتل ابنه...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 77، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 32، الحديث1.

الشرط الرابع والخامس: العقل والبلوغ، فلا يقتل المجنون؛ سواء قتل عاقلاً أو مجنوناً. نعم، تثبت الدية على عاقلته.ولا يقتل الصبيّ بصبيّ ولاببالغ وإن بلغ عشراً أو بلغ خمسة أشبار، فعمده خطأ حتّى يبلغ حدّ الرجال في السنّ أو سائر الأمارات، والدية على عاقلته.(1)


هذا مضافاً إلى أنّ المطالبة لها الشرطيّة لا السببيّة، ونسبة القصاص إليها نسبة مجازيّة بعيدة. فالحقّ القصاص إرثاً، واختصاص المنع بالقصاص قتلاً الظاهر من النصّ والقدر المتيقّن منه، مع فرض الإباء عن الظهور دون إثبات ظهوره في الأعمّ كما ذكره المسالك ورامه خرط القتاة. هذا كلّه فيما كان وارث القصاص ولد الزوج القاتل.

وأمّا لو كان لها ولد من غيره فله القصاص بعد ردّ نصيب ولده من الدية كغير المورد من موارد إرث القصاص وزيادة الورثة على الواحد بلا خلاف ولا إشكال؛ لعموم أدلّة القصاص.

مسألة: لو قتل ولد أباه وآخر أُمّه فلكلٍّ منهما على الآخر القود، ويقدّم قصاص أحدهما بالقرعة، تقارنت الجنايتان أولا؛ للتساوي في الاستحقاق، وقد يحتمل تقديم الاقتصاص من الأقدم جناية، ولا حقّ لأحد منهما في قصاص المقتولة وديته عندنا، فإنّ القاتل لا يرث، فإن بدر أحدهما فقتل صاحبه - أخرجته القرعة أولا - استوفى حقّه، وكان لورثة الآخر قتله قصاصاً، وكذا إذا بدر من أخرجته القرعة اقتصّ منه ورثة الآخر، وفائدة القرعة أنّ حقّ المبادرة لمن أخرجته.

شرطيّة العقل في القصاص

(1) شرطيّة العقل ممّا لا كلام ولا إشكال فيه، فلا قصاص على المجنون؛

...


إجماعاً، ونصوصاً. عموماً، كحديث رفع القلم،(1)وخصوصاً، كصحيح محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «كان أمير‌المؤمنين (علیه السلام) يجعل جناية المعتوّه على عاقلته، خطأً كان أو عمداً».(2)

وموثّق السكوني عن أبي عبدالله(علیه السلام): «أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى أميرالمؤمنين(علیه السلام) يسأله عن رجل مجنون قتل رجلاً عمداً، فجعل الدية على قومه، وجعل خطأه وعمده سواء».(3)

وخبر بريد العجلي، قال: سئل أبو‌جعفر (علیه السلام) عن رجل قتل رجلاً عمداً، فلم يقم عليه الحدّ ولم تصحّ الشهادة عليه حتّى خولط وذهب عقله، ثمّ إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعد ما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قتل به، وإن لم يشهدوا عليه بذلك وكان له مال يعرف دفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل، وإن لم یترك مالاً أعطى الدية من بيت المال، ولا يبطلدم امرءٍ مسلم».(4)


1) . قرب الإسناد: 137، أحادیث متفرّقة، ما یروي عن الإمام الصادق(علیه السلام)، الحدیث 556؛ وسائل الشيعة 29: 90، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 36، الحديث 2.

2) . تهذیب الأحکام 10: 233/919، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 52؛ الفقیه 4: 107/358، باب العاقلة، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 400، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 1.

3) . الفقیه 4: 85/272، باب من عمد خطأ، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 232/916، الحدیث 49؛ وسائل الشيعة 29: 401، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 5.

4) . الکافي 7: 295، باب الرجل یقتل فلم تصحّ...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 78/242، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 232/915، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 48، وفي کلّها «وإن لم یترك مالاً» بدل «وإن لم یکن له مال» کما في الوسائل؛ وسائل الشيعة 29: 72، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 29، الحديث1.

...


وخبر أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (علیه السلام) أنّه كان يقول في المجنون والمعتوّه الذي لا يفيق والصبيّ الذي لم يبلغ: «عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم».(1)

وعن دعائم الإسلام، عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنّه قال: «ما قتل المجنون المغلوب على عقله والصبيّ، فعمدهما خطأ على عاقلتهما».(2)

وقال أبو‌جعفر (علیه السلام): «إذا قتل رجل رجلاً عمداً، ثمّ خولط القاتل في عقله بعد أن قتل وهو صحيح العقل، قتل إذا شاء ذلك وليّ الدم، وما جنى الصبيّ والمجنون فعلى عاقلتهما».(3)

وقال الصدوق في المقنع:

وكان أمير‌المؤمنين (علیه السلام) يجعل جناية المعتوّه على عاقلته، خطأً كانت جنايته أو عمداً.(4)

ولا يخفى أنّ الظاهر كون الاستدلال برفع القلم برفعه القصاص بنفسه، لكن مع توقّفه على عموميّة القلم للوضع والتكليف، وعدم اختصاصهبالثاني فقط، متوقّف أيضاً على كون القصاص مجعولاً على القاتل، كجعله لوليّ الدم، وهو محلّ تأ‌مّل وإشكال، حيث إنّ القصاص للأولياء؛ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ


1) . قرب الإسناد: 137، أحادیث متفرّقة، ما یروي عن الإمام الصادق(علیه السلام) الحدیث 556؛ وسائل الشيعة 29: 90، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 36، الحديث2.

2) . دعائم الإسلام 2: 417، کتاب الدیات، فصل ذكر الجنایات...، الحديث 1454؛ مستدرك الوسائل 18: 236، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 26، الحدیث 1.

3) . دعائم الإسلام 2: 417، کتاب الدیات، فصل ذکر الجنایات...، ذیل الحدیث 1454؛ مستدرك الوسائل 18: 236، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب26، ذیل الحديث 1.

4) . المقنع: 529.

...--------------سُلْطَاناً(1)و وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْبَابِ.(2) وما في بعض الأخبار من نسبة القود والقصاص إليه، فالظاهر أنّها بيان اللازم كما لا يخفى. فالأولى - إن لم يكن متعيّناً - الاستدلال بالحديث برفع الحرمة، حيث إنّ القصاص والقود جزاء مترتّب على القتل المحرّم، فبرفع الحرمة يرتفع القصاص. وعليه، فالقصاص مرفوعٌ برفع الموضوع لا بنفسه وبلا واسطة رفع الحرمة، والأمر في ذلك سهلٌ بعد تماميّة الاستدلال.

وعلى أيّ حالٍ، لا فرق في المجنون بين أن يكون مطبقاً أو إدواريّاً إذا قتل حين الجنون، كما هو واضح؛ للإطلاق وعدم الخصوصيّة للمطبق، فإنّ المناط الجنون.

هل تثبت الدية على العاقلة في المجنون أم لا؟

وتثبت الدية على عاقلته عندنا، كما في الجواهر، وفيه التعليل بقوله: «لأنّ عمده خطأ».(3)

ويدلّ عليه صحيح ابن مسلم،(4)وموثّق السكوني،(5)وخبر أبي‌البختري(6)من


1) . الإسراء (17): 33.

2) . البقرة (2): 179.

3) . جواهر الكلام 42: 177.

4) . تهذیب الأحکام 10: 233/919، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 52؛ الفقیه 4: 107/358، باب العاقلة، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 400، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 1.

5) . الفقیه 4: 85/272، باب من عمده خطأ، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 232/916، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 49؛ وسائل الشيعة 29: 401، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 5.

6) . تقدّم تخریجه في الصفحة السابقة.

...


تلك الأخبار الخاصّة التي مضى نقلها، ولا إشكال في حجيّتها وتماميّة الاستدلال بها على المدّعى سنداً ودلالةً.

وليس فيما فيها وما في الفتاوى من كون الدية على العاقلة، وفي الجملة بالنسبة إلى بعض الموارد مخالفةً للقواعد ولا مورداً للإشكال والكلام أصلاً، وذلك مثل ما كان المجنون مضرّ بالناس ومهاجماً عليهم كما سيظهر وجهه.

وإنّما الكلام والإشكال بنظري القاصر في إطلاق تلك الأحاديث والفتاوى؛ وذلك لشمولهما المجنون الذي ليس بضارٍّ للناس، ولا خطر فيه عليهم، ولا يهجم عليهم بحيث لابدّ من المحافظة عليه بالحبس والقيد لئلّا يضرّ الناس ويقتلهم، وهذا هو الغالب في المجانين، وأمّا الخَطر والمهاجم منهم فقليل جدّاً.

وذلك(1)لأنّ الحكم بكون الدية في الغالب - الذي لا يكون مضرّاً وخطرياً على العاقلة - موجب لكون ضمان المجنون وضرره على الغير، أي العاقلة، وجعل وزره عليه، وهل هذا إلّا ظلمٌ وضررٌ على العاقلة ووزر عليها، مع عدم دخالتها في الضمان والوزر من رأس؟! وهل لا يكون إطلاق الخبر الدالّ على ذلك مخالفاً للكتاب والسنّة القطعيّة، وحكم العقل بقبحهما وبناء العقلاء على عدمهما في التشريع؟!

وهل يصّح القول بحجّية إطلاق تلك الأخبار مع ما ورد من ضربالخبر المخالف للكتاب والسنّة على الجدار،(2)وأنّه زخرف، وأنا لم أقله،(3)ومع أنّ


1) . وجهٌ للإشكال والكلام.

2) . التبيان في تفسير القرآن 1: 273.

3) . الکافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الکتاب، الحدیث 3 - 5؛ المحاسن 1: 347 و348، کتاب مصابیح الظلم، الباب 11، الحدیث 725 و728؛ وسائل الشيعة 27: 110 و111، کتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 12 - 15.

...

الإسلام دين العقل، وأنّه رسولٌ من الباطن، كما أنّ الرسول (صلی الله علیه وآله) عقل ظاهر؟! فليس فيه ما يخالف العقل، لا سيّما مثل مخالفة قبح الظلم، ومع أنّ باب الضمان باب إمضائي عقلائي لا تأسيسي تعبّدي، فكيف يحصل الوثوق والاطمئنان بإعمال التعبّد من الشارع، والحكم على الخلاف رغم أنفهم، من دون جهة مقتضية لذلك بيّنة ولا مبيّنة؟! بل الظاهر الوثوق بخلافه.

فعلى هذا، إطلاق الأخبار غير حجّة قطعاً، وتكون مخصوصة بالمجنون الخطر الذي لابدّ لعاقلته - بحكم العقل والعقلاء؛ حفظاً لأنفس المجتمع - من حبسه وقيده؛ لئلّا يهلك الناس ويقتلهم أو يضرّهم، فقتله وضرره ليس إلّا بترك الحفظ والدفع من العاقلة، فالضمان والوزر عليه؛ لأقوائيّة السبب من المباشر، كما هو أوضح من أن يُبيّن.

ألا ترى أنّ في أزمنتنا - أي أزمنة الحكومة مع بسط اليد - وجوب حفظ غالب المجانين من الناس ودفع خطرهم، وعلى الحكومة رعايتهم وتهيئة الأماكن الخاصّة لهم، فالحكم بالدية على العاقلة في مثل هؤلاء المجانين عدل وموافق للقواعد، وتخصيص للضمان المباشر، بل خروج عنه تخصّصاً، كما لا يخفى على المتأ‌مّل.

لا يقال: فما تقول في ضمان دية الخطأ على العاقلة؟

لأنّه يقال: ما ذكرناه من الإشكال موجود فيه أيضاً، والحكم فيه أيضاً مخالف للكتاب والسنّة والقواعد.

...


نعم، فيما كانت العاقلة سبباً وموجباً لكون الدية عليه بحيث لا يعدّونه العقلاء والعرف ظلماً ومخالفاً للقواعد بل بناؤهم على ذلك، تكون الدية فيه على العاقلة أيضاً.

وبالجملة؛ إطلاق الحكم بالدية على العاقلة في قتل الخطأ محلّ إشكال ومنع، وتفصيل الكلام في محلّه.

وعليك بالنظر والدقّة في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام)، وحسين بن خالد وغيره عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) أيضاً مثله، حتّى تعلم بعدم التعبّد، وبعدم الحكم على خلاف القواعد في دية الخطأ فضلاً عن غيرها، ودونك الرواية:

محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن أسلم، عن هارون بن الجهم، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو‌جعفر (علیه السلام): «أ‌يّما ظئر قوم قتلت صبيّاً لهم وهي نائمة فانقلبت عليه فقتلته، فإنّ عليها الدية من مالها خاصّة إن كانت إنّما ظائرت طلب العزّ والفخر، وإن كانت إنّما ظائرت من الفقر فإنّ الدية على عاقلتها».(1)

محمّد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمّد بن خالد مثله.(2)

وبإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن نائحة، عن محمّد بن عليّ، عن عبدالرحمن بن سالم، عن أبيه، عن أبي جعفر (علیه السلام)مثله.(3)

وبإسناده عن الصفّار، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن أسلم الجبلّي، عن


1) . الكافي 7: 370، باب النوادر، الحديث 2؛ وسائل الشيعة 29: 265، کتاب الدیات، أبواب موجبات الضمان، الباب 29، الحديث 1.

2) . تهذيب الأحكام 10: 222/872، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 5.

3) . تهذيب الأحكام 10: 222/873، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 6.

...


الحسين بن خالد وغيره، عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) مثله.(1)

ورواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن ناحية.(2)

ورواه البرقي في المحاسن، عن أبيه، عن هارون بن الجهم مثله.(3)

ولا يخفى عليك أنّ ما في الرواية منقولة في الكافي والتهذيب والفقيه للمشايخ الثلاثة، وفي محاسن البرقي من الكتب المعروفة، وبإسناد متعدّدة مختلفة وعن الإمامين الهامّين الباقر والرضا (عليهما صلوات الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله)، فالرواية معتبرة ومعتمدة، فإنّ بناء العقلاء على حجّية مثل هذه الرواية.

هذا، مع أنّ مضمونها موافق للعقل والنقل، ومع هذه الجهات لا حاجة إلى البحث في الإسناد كما لا يخفى.

وتوهّم عدم مخالفة الضمان في المسألة على العاقلة للكتاب والسنّة بتخصيصها بأدلّة دية المجنون على العاقلة، مدفوع بما مرّ من عدم شرطيّة التساوي في الدين والذكوريّة، ومن إباء مثل الألسنة من التخصيص بما لا مزيد عليه، فراجعه.

ثمّ من الواضح أنّ كون الدية على العاقلة مطلقاً أو في الجملة منوطبوجودها للقاتل المجنون، وأمّا إن لم تكن فعن النهاية(4)والجامع:(5)أنّ الدية على بيت المال،


1) . تهذيب الأحكام 10: 223/874، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 7.

2) . الفقيه 4: 119/412، باب ضمان الظئر إذا انقلبت علی الصبيّ...، الحديث 1. فيه «ناجية» بدل: «ناحية».

3) . المحاسن 2: 15، كتاب العلل، الحديث 14.

4) . النهاية: 760.

5) . الجامع للشرائع: 575.

...


وهو الحقّ؛ لئلّا يبطل دم امرءٍ مسلم. وفي كشف اللثام:

ويوافقه خبر بريد العجلي(1)الآتي.(2)

وفي الجواهر:

وفيه: - مع أنّه لا صراحة فيه، بل ولا ظهور في كونه قاتلاً مجنوناً - يمكن أن يكون المراد بيت مال الإمام؛ لأنّه الوارث له، ولذا كان المحكيّ عن السرائر(3)أنّها على الإمام دون بيت المال.(4)

ولا يخفى أنّه لعلّ نظره 1 إلى عموم العلّة، وهو قوله (علیه السلام): «ولا يبطل دم امرءٍ مسلم»،(5)لا إلى المورد، وإلّا فلابدّ من الإشكال عليه بظهوره في الخلاف، فإنّ المورد مشكوك الجنون حين القتل، لا الإشكال بما أورده ; من عدم الصراحة، بل عدم الظهور، كما لا يخفى.

وفي حكم عدم العاقلة إعسارها؛ لعموم العلّة، وهو عدم هدر الدم.

ثمّ إنّ إطلاق النصّ والفتوى مقتضٍ لكون الدية على بيت المالوإن كان


1) . الکافي 7: 295، باب الرجل یقتل فلم تصحّ...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 78/242، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 232/915، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 48؛ وسائل الشيعة 29: 72، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 29، الحديث 1.

2) . كشف اللثام 11: 101.

3) . السرائر 3: 368.

4) . جواهر الكلام 42: 178.

5) . الکافي 7: 295، باب الرجل یقتل فلم تصحّ...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 78/242، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 232/915، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 48؛ وسائل الشيعة 29: 72، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 29، الحديث 1.

...


للمجنون مال وكان موسراً، لكن مقتضى الأصل في باب الضمان، وأنّه على الجاني والمباشر وذي اليد والمتلِف الاختصاص بحال العسر. وأمّا مع اليسر فعلى مال المجنون؛ لأنّه الأصل، وفي رواية بريد إشعار بذلك إن لم نقل بظهورها فيه.

هذا، مع أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في ضمان العاقلة في أبواب مختلفة أنّ الأصل في ضمان العاقلة عدمه أيضاً، وأنّ ضمانها في بعض الموارد على خلاف الأصل:

ففي خبر أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: «لا تضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً».(1)

وفي موثّق السكوني، عن جعفر، عن أبيه (علیهما السلام): «إنّ أمير‌المؤمنين (علیه السلام) قال: العاقلة لا تضمن عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً».(2)

وفي خبر زيد بن عليّ، عن آبائه : قال: «لا تعقل العاقلة إلّا ما قامت عليه البيّنة، قال: وأتاه رجل فاعترف عنده، فجعله في ماله خاصّة ولم يجعل علىالعاقلة شيئاً».(3)


1) . الکافي 7: 366، باب العاقلة، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 107/360، باب العاقلة الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 170/670، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 10؛ الاستبصار 4: 261/983، باب أنّه لا یحب علی العاقلة عمد...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 394، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 3، الحديث 1.

2) . تهذیب الأحکام 10: 170/673 و670 عن أبي جعفر(علیه السلام)، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 13 و10؛ الاستبصار 4: 261/983 و984، باب أنّه لا یجب علی العاقلة عمد...، الحدیث 1 و2؛ وسائل الشيعة 29: 394، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 3، الحديث 1 و2.

3) . تهذیب الأحکام 10: 175/684، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 24؛ الاستبصار 4: 262/987، باب أنّه لا یجب علی العاقلة عمد...، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 107/359، باب العاقلة، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 399، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 9، الحديث 1.

...


وفي خبر عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: في مكاتب قتل رجلاً خطأً، قال: «عليه ديته بقدر ما اُعتق، وعلى مولاه ما بقي من قيمة المملوك، فإن عجز المكاتب فلا عاقلة له إنّما ذلك على إمام المسلمين».(1)

وفي مجموع هذه الأخبار دلالة على أنّ الحكم بضمان العاقلة على خلاف الأصل. فتأ‌مّل.

نعم، على ما اخترناه من اختصاص ضمان العاقلة في قتل المجنون ببعض الموارد، الظاهر أنّ الضمان فيه عليها ولو مع يسر المجنون فضلاً عن عسره؛ لكونها سبباً أقوى من المباشر، كما مرّ بيانه، فالضمان عليها في تلك الموارد موافق مع الأصل والقواعد في باب الضمان. فتدبّر جيّداً.

هذا كلّه في شرطيّة العقل، وهو الرابع من الشرائط على ترتيب المتن.

شرطيّة البلوغ أو التمييز في القصاص

وأمّا البلوغ وهو الخامس منها على ترتيبه فنقول: شرطيّة التمييز ممّا لا كلام ولا بحث فيه أصلاً، بل ضرورة العقل والعقلاء على شرطيّته، وعدم القصاص على الصبيّ مع عدم تمييزه، فإنّه - مع عدم التمييز - كالبهائم والجدران والآلات والأدوات الجمادات، فكيف تصحّ نسبة القتل إليه، وأنّه قاتل، وأنّ عليه القصاص؟!

وأمّا شرطيّة البلوغ زائداً على التمييز والإدراك ففيها الخلاف:


1) . الکافي 7: 308، باب المکاتب یقتل الحرّ...، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 199/788، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 85؛ وسائل الشيعة 29: 402، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 12، الحديث 1.

...


ففي الجواهر:

البلوغ شرط في المشهور أيضاً، بل عليه عامّة المتأخّرين، بل نسبه بعض إلى الأصحاب مشعراً بالإجماع عليه، بل عن الغنية (1)دعواه عليه صريحاً، بل عن الخلاف:(2)علیه إجماع الفرقة وأخبارهم.(3)

وفي اللثام بعد نقل ما رواه السكوني، الدالّ على الاقتصاص إذا بلغ الغلام خمسة أشبار، وعليه الدية ما لم يبلغ خمسة أشبار، قال:

وعليه الشيخان والصدوق وجماعة.(4)

وبعد نقله ; صحيح أبي بصير(5)فيحتمل أن يكون في غلام وامرأة علم (علیه السلام) أنّهما تعمدا القتل، وأنّ الغلام قد اُدرك، وزعم السائل أنّه لم يدرك، وأنّهما قتلاه خطأً.(6)

وفي الجواهر:

ولكن في رواية مقطوعة ومرسلة في الكتب: يقتصّ من الصبيّ إذا بلغ


1) . غنية النزوع 1: 403.

2) . الخلاف 5: 176، المسألة 39.

3) . جواهر الكلام 42: 178.

4) . كشف اللثام 11: 102 - 103.

5) . الکافي 7: 301، باب من خطأه عمد و...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 242/963، باب اشتراك الأحرار والعبید...، الحدیث 3؛ الاستبصار 4: 286/1084، باب المرأة والعبد یقتلان رجلاً، الحدیث 2، وفيهما: عن هشام بن سالم؛ الفقیه 4: 83/267، باب من خطأه عمد، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 87، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 34، الحديث1.

6) . كشف اللثام 11: 101 - 102.

...


عشراً، وإن حُكي عن الشيخ في النهاية و‌المبسوط والاستبصار الفتوى بمضمونها.(1)

ولا يخفى أنّ المستفاد من عبارات اللثام(2)مخالفة الشيخين والصدوق وجماعة في الصبيّ البالغ خمسة أشبار، وأنّ عليه القصاص، بل مخالفة الشيخ في التهذيب والصدوق في الفقيه والكليني في الكافي في عمد الغلام غير المدرك مطلقاً، وأنّ في عمده القصاص.

ومن عبارة الجواهر مخالفة الشيخ في كتبه الثلاثة بالنسبة إلى قصاص الصبيّ البالغ عشراً، فالمسألة خلافيّة.

هذا كلّه في أقوال المسألة.

وأمّا أدلّة الطرفين، فقد استدلّ للمشهور بالأصل، والاحتياط في الدماء، وحديث رفع القلم(3)المجمع عليه، كما عن السرائر.(4)

وخصوص قول الصادق (علیه السلام) في صحيح ابن مسلم: «عمد الصبيّ وخطأه واحد».(5)


1) . جواهر الكلام 42: 180.

2) . كشف اللثام 11: 102 - 103.

3) . قرب الإسناد: 137، أحادیث متفرّقة، فيما یروي عن الإمام الصادق(علیه السلام)، الحدیث 556؛ وسائل الشيعة 29: 90، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 36، الحديث2؛ وأيضاً الخصال: 119، رفع القلم عن ثلاثة، الحدیث 40؛ وسائل الشيعة 1: 45، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 4، الحديث 11.

4) . السرائر 3: 369.

5) . تهذیب الأحکام 10: 233/920، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 53؛ وسائل الشيعة 29: 400، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 2.

...


وقول أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في خبر إسحاق بن عمّار: «عمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة».(1)

كقوله في المرويّ عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (علیه السلام) أنّه كان يقول في المجنون والمعتوّه الذي لا يفيق، والصبيّ الذي لم يبلغ: «عمدهما خطأ تحمله العاقلة».(2)

وفيه: الأصل والاحتياط لا محلّ لهما مع الدليل ولو على الوفاق، فضلاً عن الخلاف، فهما ليسا بدليل اصطلاحيّ قابل للمعارضة مع الدليل المخالف، كما هو أوضح من أن يُبيّن.

وأمّا حديث رفع القلم، فمضافاً إلى عدم كونه بأزيد من عموم قابل للتخصيص، أنّه قد مرّ في الاستدلال به لشرطيّة العقل عدم كون القصاص مرفوعاً به بما هو هو؛ لعدم كونه وضعاً على القاتل أوّلاً، واحتمال اختصاصه بالتكليفيّات ثانياً، بل غاية الأمر في الاستدلال به إنّما هو القول برفعه باعتبار رفع الحرمة، وقد بدا لي الآن في الاستدلال به كذلك للمقام نظراً وإشكالاً، حيث إنّ الحديث بما هو حديث امتنان لا يناسبه رفع التكليف والنهي في المحرّمات والمعاصي التي فيها مفاسدٌ عنالصبيّ، وجعلها له مباحةً.


1) . تهذیب الأحکام 10: 233/921، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 54؛ وسائل الشيعة 29: 400، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 3، وفیه «یحمل علی العاقله» مکان «تحمله».

2) . قرب الإسناد: 137، أحادیث متفرّقة، فیما یروي عن الإمام الصادق(علیه السلام) الحدیث 556؛ وسائل الشيعة 29: 90، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 36، الحديث 2.

...


وهذا بخلاف التكاليف الواجبة، فرفع التكليف فيها رفع مستلزم لعدم وجوب جلب المصلحة، وذلك بخلاف رفع الحرمة، حيث إنّه إذنٌ وإجازةٌ في جلب المفسدة، وهو كما ترى غير مناسب في مقام التشريع من الحكيم الرؤوف اللطيف بعباده المحرّم للمحرمات؛ ردعاً للناس عن الوقوع في المفاسد ونجاة لهم عن المهالك والخسران والخذلان في الدنيا والآخرة، ومع أنّ الأحكام الشرعيّة ألطاف في الأحكام العقلية، فضلاً عن مقام الامتنان فيه.

نعم، شمول حديث الرفع لرفع قلم الحرمة عن المجنون أو الصبيّ غير المدرك قضاءً لإطلاقه لا بأس به، ولا يتنافى مع الامتنان؛ لعدم كون الحرمة بالنسبة إليهما زاجراً ومانعاً عن إرتكاب الحرام ودفع المفسدة؛ لعدم التفاتهم وإدراكهم الحرمة والمفاسد المترتّبة عليها، والعواقب اللازمة لها، كما لا يخفى.

هذا، مع ما في أخبار البلوغ من اشتراط الحدود التامّة به لا أصل الحدود، وكذلك ما في مثل أخبار(1)سرقة الصبيّ من حَكّ أنامله وإدمائه وقطعه من التأييد؛ لاختصاص الرفع بالواجبات وعدم شموله للمحرّمات، كما لا يخفى، فراجعها.

وكيف كان، فحديث رفع القلم ليس بأزيد من عموم وإطلاق قابل للتخصيص والتقييد.

وأمّا صحيح ابن مسلم فعلى تسليم التنزيل في الآثار وإن كان مقتضىإطلاقه عدم القصاص في عمد الصبيّ كخطائه، وكون ديته في العمد على عاقلته، لكنّه ليس بأزيد من الإطلاق، إلّا أنّ الشأن مع ذلك في وجه التنزيل، فمن المحتمل كون المراد: لا قيمة لأعماله، بمعنى أنّه كما لا قيمة لخطأ الصبيّ فكذلك الحال في


1) . وسائل الشيعة 28: 293، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب حدّ السرقة، الباب 28.

...


عمده، فلا قيمة لأفعاله وأقواله من حيث الحقوق المدنيّة، فعقده وإيقاعه غير موجب للإلزام وترتيب الأثر؛ لكونها فاقدة للقيمة، فالصبيّ مسلوب العبارة والأفعال بذلك المعنى، فالتنزيل في نفي القيمة وأنّ عمده كخطائه في ذلك.

ولعلّه إلى ذلك الإشارة والنصّ فيما يقال في شرائط المتعاملين: إنّ الصبيّ مسلوب العبارة، فلا ارتباط للحديث بمسألة نفي القصاص وإثبات الدية على العاقلة من رأس. ومع هذا الاحتمال يبطل الاستدلال، فضلاً عن القول بظهور الحديث في ذلك.

وأمّا مثل خبر إسحاق بن عمّار، فالظاهر أو المحتمل مع التوجّه إلى القواعد العقلائيّة في باب ضمان السبب إن كان أقوى من المباشر، أن يكون مختصّاً بالصبيان الذين لم يكن لهم تمييز ولا إدراك ممّن تُنْتسب أعمالهم إلى أوليائهم، ويكونون هم السبب الأقوى من المباشر عند العرف، مثل ما مرّ في دية العاقلة في قتل المجنون.

وإن أبيتَ عن الفهم كذلك وجمدتَ على ظاهر الألفاظ فنقول: الإطلاق كذلك مخالف للكتاب والسنّة والقواعد، فلابدّ من تقييد الحديث، مثل ما مرّ من التقييد في حديث المجنون. فتدبّر جيّداً.

وممّا ذكرناه يظهر عدم تماميّة الاستدلال بخبر أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (علیه السلام)، أنّه كان يقول في المجنون والمعتوّه الذي لا يفيق والصبيّ الذي لم

يبلغ: «عمدهما خطأ تحملهالعاقلة»،(1)لأنّه على تسليم إطلاقه، وعدم انصرافه


1) . قرب الإسناد: 137، أحادیث متفرّقة، فیما یروي عن الإمام الصادق(علیه السلام)، الحدیث 556؛ وسائل الشيعة 29: 90، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 36، الحديث2.

...


• بقرينة مقارنة الصبيّ مع المجنون - إلى الصبيّ غير المدرك المماثل للمجنون والمعتوّه فإطلاقه غير حجّة؛ للمخالفة مع الكتاب وقوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرَى)(1)على ما مرّ بيانه.

بل لك أن تقول: إنّ في الخبر - بقرينة المقارنة - شهادة على المراد من مثل خبر إسحاق بن عمّار كما لا يخفى.

الاستدلال على عدم شرطيّ ة البلوغ وكفاية الإدراك والتمييز

وأمّا ما يمكن أن يستدلّ به للقول بعدم شرطيّة البلوغ بما هو هو، وكفاية الإدراك والتمييز ممّا يمكن حصوله بالبلوغ عشراً أو كون طوله خمسة أشبار أو بغيرهما وإن لم يحصل البلوغ الشرعي، فوجوهٌ:

أحدها: عمومات القصاص وإطلاقاته.

ثانيها: موثّق السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام): في رجل وغلام اشتركا في ]قتل[ رجل فقتلاه، فقال أمير‌المؤمنين (علیه السلام): «إذا بلغ الغُلام خمسة أشبار اقتصّ منه، وإذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قضى بالدية».(2)

والموثّق منقول في الكافي والفقيه والتهذيب، والاستبصار الكتب الأربعة للمشايخ الثلاثة.(3)


1) . الزمر (39): 7.

2) . وسائل الشيعة 29: 401، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 4.

3) . الكافي 7: 302، باب نادر، الحديث1؛ الفقيه 4: 84/270، باب من خطأه عمد، الحديث 4؛ تهذيب الأحكام 10: 233/922، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 55؛ الاستبصار 4: 287/1085، باب المرأة والعبد یقتلان رجلاً، الحدیث 3.

...


وفي اللثام بعد نقله الموثّق قال: «وعليه الشيخان والصدوق وجماعة».(1)

ثالثها: صحيح أبي بصير، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: سُئل عن غلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلاً خطأً؟ فقال: «إنّ خطأ المرأة والغلام عمد، فإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما ويردّوا على أولياء الغلام خمسة الآف درهم، وإن أحبّوا أن يقتلوا الغلام قتلوه وتردّ المرأة على أولياء الغلام ربع الدية، وإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتل المرأة قتلوها ويردّ الغلام على أولياء المرأة ربع الدية»، قال: «وإن أحبّ أولياء المقتول أن يأخذوا الدية كان على الغلام نصف الدية، وعلى المرأة نصف الدية».(2)

ومن المعلوم أنّ المراد من خطأ الغلام والمرأة ليس معناه الاصطلاحي الذي ليس فيه القصاص بالكتاب والسنّة والضرورة العقليّة والعقلائيّة، بل والفقه، بل والدين؛ لكون الصحيح على ذلك مخالفاً للضرورة وهو كما ترى، بل المراد منه الخطأ بنظر العرف وبالنسبة إلى الرجل الكامل البالغ، حيث إنّ العرف لا سيّما في مثل زمان السؤال والرواية يرى الغفلةوالجهالة في النساء والغلمان أكثر من الرجال، فالتعبير بالخطأ نسبي لا حقيقي.

هذا، مع ما ذكره الشيخ ; من حمل الصحيح وكذا صحيح الكناسي في قتل العبد والمرأة، ممّا يكون مثله على كونهما في مقام الردّ على ما يعتقده بعض المخالفين


1) . كشف اللثام 11: 103.

2) . الکافي 7: 301، باب من خطأه عمد...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 242/963، باب اشتراك الأحرار والعبید، الحدیث 3؛ الاستبصار 4: 286/1084، باب المرأة والعبد یقتلان رجلاً، الحدیث 2؛ الفقیه 4: 83/267، باب من خطأه عمد، الحدیث 1، مع تفاوت في بعض الکلمات؛ وسائل الشيعة 29: 87، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 34، الحديث1.

...


من العامّة بعد بيان مخالفتهما للكتاب وأنّهما غير حجّة، ففي التهذيب بعد نقلهما قال ما هذا لفظه:

قال محمّد بن الحسن: قد أوردتُ هاتين الروايتين لما تتضمّنان من أحكام قتل العمد، فأمّا قوله في الخبر الأوّل: «إنّ خطأ المرأة والعبد عمدٌ»، وفي الرواية الأُخرى: «إنّ خطأ المرأة والغلام عمد» فهذا مخالف لقول الله تعالى؛ لأنّ الله حكم في قتل الخطأ الدية دون القود، فلا يجوز أن يكون الخطأ عمداً، كما لا يجوز أن يكون العمد خطأً إلّا فيمن ليس بمكلّف، مثل المجانين والذين ليسوا عقلاء.

وأيضاً قدّمنا من الأخبار ما يدلّ على أنّ العبد إذا قتل خطأ سُلّم إلى أولياء المقتول أو يفتديه مولاه، وليس لهم قتله. وكذلك قد بيّنا أنّ الصبيّ إذا لم يبلغ فإنّ عمده خطأ، وتتحمّل الدية عاقلته. فكيف يجوز أن نقول في هذه الرواية: إنّ خطأه عمد؟

وإذا كان الخبران على ما قلناه من الاختلاط، لم ينبغِ أن يكون العمل عليهما فيما يتعلّق بأن يجعل الخطأ عمداً، على أنّه يشبه أن يكون الوجه فیه أنّ خطأهما عمد، علی ما يعتقده بعض مخالفينا أنّه خطأ؛ لأنّ منهم من يقول: إنّ كلّ من يقتل بغير حديدة فإنّ قتله خطأ. وقد بيّنا نحن خلاف ذلك، وأنّ القتل بأيّ شيء كان إذا قصد كان عمداً، ويكون القول في قوله (علیه السلام): «غلام لم يدرك» المراد به لم يدرك حدّ الكمال؛ لأنّا قدبيّنا أنّه إذا بلغ خمسة أشبار اقتصّ منه.(1)


1) . تهذيب الأحكام 10: 243/963، باب اشتراك الأحرار والعبيد والنساء...، ذيل الحديث 3.

...


رابعها: المقطوعة المرسلة المنقولة في طائفة من الكتب على ما في اللثام:

وروي أنّه يُقتصّ من الصبيّ إذا بلغ عشراً، كذا في طائفة من الكتب حكيت الرواية مرسلة مقطوعة، وأفتى بمضمونها الشيخ في النهاية(1)والمبسوط(2)والاستبصار،(3)ولم نظفر بها مستندة.(4)

وفي الجواهر بعد ذكره مثل ما ذكره اللثام، قال:

نعم، النصوص المسندة بجواز طلاقه ووصاياه وإقامة الحدود عليه موجودة، ولعلّ من رواها أراد هذه النصوص بإدخال القصاص في الحدود، أو أنّ مبنی ما تضمّنته على ثبوت البلوغ بذلك، ولا فرق بينه وبين القصاص. وكيف كان، فلم نقف عليها بالخصوص.

نعم، في المرويّ عن سليمان بن حفص، والحسن بن راشد، عن العسكري(علیه السلام): «أنّه إذا بلغ ثمان سنين فجائز أمره في ماله، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود»(5)ولم نجد به عاملاً.(6).

وهذه الوجوه تامّة كافية للقول بعدم الشرطيّة، والإرسال والقطع في الوجه الرابع غير مضرّ بحجيّته؛ لما عرفت من كونها منقولة في كتب الجماعة، وفتوى


1) . النهاية: 760.

2) . المبسوط 7: 44.

3) . الاستبصار 4: 287/1084، باب المرأة والعبد يقتلان رجلاً، ذيل الحديث 2.

4) . كشف اللثام 11: 102.

5) . تهذیب الأحکام 9: 183/736، باب وصیّة الصبيّ والمحجور علیه، الحدیث 11؛ وسائل الشيعة 19: 212، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 15، الحديث 4.

6) . جواهر الكلام 42: 180.

...


الشيخ بمضمونها في كتبه الثلاثة،(1)لا سيّما النهاية التي هي متون الأخبار.

هذا، مع أنّ في البقيّة كفاية، والرابع وإن لم يكن حجّةً ودليلاً فلا أقلّ من كونه مؤ‌يّداً للبقيّة، وما ذكره الشيخ من المحمل لصحيح أبي بصير غير منافٍ للاستدلال به؛ لعدم شرطيّة البلوغ إن لم نقل بمناسبته مع عدمها، كما لا يخفى.

وما في الجواهر من احتماله كون المبنى فيما تضمّنته النصوص المسندة «على ثبوت البلوغ بذلك ولا فرق بينه وبين القصاص»، ففيه: أنّه احتمال تبرّعي لا دليل عليه، بل الظاهر من تلك الأخبار كون البلوغ إلى عشرة - مثلاً - طريقاً للإدراك والتمييز الكافي في مواردها من الوصيّة والطلاق والقصاص وإقامة الحدود التامّة، لا أنّه أمارة على البلوغ.

وبالجملة؛ الظاهر منها طريقيّة ذلك القدر من العمر للكشف عن الإدراك والتمييز، لا أماريّته على البلوغ الشرعيّ. فتأ‌مّل جيّداً.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه كفاية التمييز في القصاص، وعدم شرطيّة البلوغ فيه؛ قضاءً لإطلاقات القصاص وعموماته، والأخبار الخاصّة من الصحيحة والموثّقة والمرسلة المقطوعة.

وبما أنّ المسألة من المسائل المهمّة التي جرّت صاحب الجواهر إلى نسبة الخرافة إلى ما في مجمع الفائدة والبرهان، فيما ذكره ; وجهاً للترديدفي شرطيّة البلوغ، بل في ميله إلى عدمه مطلقاً، فيما ذكره ; من احتمال الجمع بين النصوص بحمل ما دلّ على الاقتصاص منه في صورة القصد، وحمل ما دلّ على عدمه على صورة عدم


1) . المبسوط 7: 44؛ النهاية: 761؛ الاستبصار 4: 287/1084، باب المرأة والعبد يقتلان رجلاً، ذيل الحديث2.

...


القصد، فينبغي، بل لابدّ من نقل ما في الجواهر في المقام وذكر بعد ذكره «فمن الغريب» ما فيه من النقض والإبرام، ففيه:

وعلى كلّ حالٍ، فالوجه أنّ عمد الصبيّ خطأ محض يلزم أرشه العاقلة حتّى يبلغ الصبيّ خمس عشرة سنة؛ وفاقاً لمن عرفت، لما سمعت، بل في المسالك: «هذه الروايات مع ضعف سندها شاذّة مخالفة للأُصول الممهّدة، بل لما أجمع عليه المسلمون إلّا مَن شذّ، فلا يلتفت إليها».(1)

كلّ ذلك مضافاً إلى ما مرّ في الحجر(2)من النصّ والفتوى على عدم حصول البلوغ، إلّا بأماراته المعلومة التي يمكن حمل خبر السكوني(3)على ما إذا وجد أحدها مع الخمسة، بل وخبر العشر وإن كان نادراً، بل هي كافية في ردّه إن كان مراد القائل تحقّق البلوغ بالعشر وبالخمسة أشبار، ضرورة قصورها عن تخصيصها بها من وجوه. وإن كان المراد أنّه صبيّ يُقتصّ منه، فقد عرفت قصورها عن تقييد ما دلّ على أنّ عمده خطأٌ (4)منوجوه.

فمن الغريب وسوسة الأردبيلي(5)في الحكم المزبور من تخصيص القرآن


1) . مسالك الأفهام 15: 163.

2) . جواهر الكلام 24: 4.

3) . الکافي 7: 302، باب نادر، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 233/922، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 55؛ الفقیه 4: 84/270، باب من خطأه عمد، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 90، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 36، الحديث 1.

4) . وسائل الشيعة 29: 401، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 11.

5) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 5.

...


الكريم والأخبار المتواترة بالإجماع وأخبار الآحاد، مع أنّ بناء الفقه عليه، ومن احتمال اختصاص حديث رفع القلم(1)بغير القصاص الذي قد يقال: إنّه من القلم الوضعي الذي لم يرفع عن الصبيان، ولذا يضمن لو أتلف مال الغير، ومن احتمال الجمع بين النصوص بحمل ما دلّ على الاقتصاص منه في صورة القصد، وحمل ما دلّ على عدمه على صورة عدم القصد، والكلّ كما ترى، كاد يكون خرافة بعد ما عرفت.

وأغرب من ذلك أنّه غير موافق لما هو المعلوم من احتياطه وتقدّسه المانعين من التهجّم على الدماء بمثل ذلك، خصوصاً بعد عدم الموافق له على ما ذكره من القصاص من الصبيّ مطلقاً.

نعم، في كشف اللثام: «أطلق ابن زهرة أنّ ظاهر القرآن الاقتصاص من الصغير».(2)والموجود في غنيته: «ومنها - أي شروط القصاص - أن يكون القاتل بالغاً كامل العقل، فإنّ حكم العمد ممّن ليست هذه حاله حكم الخطأ بدليل إجماع الطائفة، ومنها: أن لا يكون المقتول مجنوناً بلا خلاف، ومنها: أن لا يكون صغيراً على خلاف بينهم، وظاهر القرآن يقتضي الاستقادةبه»،(3)ونحوها عن عبارة السرائر،(4)وهما صريحان في خلاف ذلك، وإنّما استند إلى ظاهر القرآن فيما إذا قتله البالغ، لا فيما إذا


1) . دعائم الإسلام 2: 456، فصل ذكر حدّ الزاني والزانية، الحديث 1607؛ مستدرك الوسائل 18: کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب 6، الحدیث 1.

2) . كشف اللثام 11: 103.

3) . غنية النزوع 1: 403.

4) . السرائر 3: 324.

...


قتل غيره.

وأمّا صحيح أبي بصير(1)- المتقدّم في مسألة اشتراك الرجل والمرأة في القتل، المتضمّن أنّ خطأ المرأة والغلام عمد جواب السؤال عن الغلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلاً - فهو محمول على قضيّة في واقعة يعلم الإمام (علیه السلام) حالها، وأنّ الغلام فيها مدرك، وأنّهما تعمّدا القتل، أو غير ذلك.

وبالجملة؛ فالمسألة خالية من الإشكال على وجه لا يشكلها أمثال هذه النصوص المحتملة وجوهاً عديدة مع شذوذها والإعراض عنها.(2)انتهى كلامه رفع في الخلد مقام من سبقه المقدّس الأردبيلي ومقامه.

وفيه موارد للإشكال والمناقشة:

أحدها: تسليمه تماميّة ما في المسالك من نسبة الروايات إلى الضعف وغيره، مع عدم تماميّة النسبة في جلّها بل في كلّها لا سيّما الأخير منها. ففي تلك الأخبار رواية السكوني وهي موثّقة على التحقيق، ورواية أبي بصير وهي صحيحة.

وأمّا نسبة الشذوذ إليها مع ما في اللثام من حكاية العمل بالموثّقة عنالشيخين والصدوق وجماعة، ومع ما في المسالك حكاية عمل الصدوق والمفيد كما ترى.

وأمّا المخالفة مع الأُصول الممهّدة، فتلك الأُصول غير بيّنة ولا مبيّنة في كلامه، فكيف يصح الحكم والإذعان الجزمي بالمخالفة؟ فتأ‌مّل.


1) . الکافي 7: 301، باب من خطأه عمد...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 242/963، باب من خطأه عمد...، الحدیث 3؛ الاستبصار 4: 286/1084، باب المرأة والعبد یقتلان رجلاً، الحدیث 2؛ الفقیه 4: 83/267، باب من خطأه عمد، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 87، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 34، الحديث 1.

2) . جواهر الكلام 42: 181.

...


ثانيها: ما في كلامه من حمل خبر السكوني، بل وخبر العشر، على ما إذا وجد معهما إحدى أمارات البلوغ وعلائمه وإن كان نادراً.

ففيه: أنّه حمل تبرّعي بعيدٌ جدّاً؛ لعدم الخصوصيّة لهما في ذلك، فإنّه على ذلك، تلك الأمارات والعلائم أمارات البلوغ وعلائمه كلّما تحقّقت كانت مع خمسة أشبار أو مضيّ عشر سنين، أو لم تكن معهما مثل ما كانت مع ثلاثة أشبار أو مضيّ سبع سنين من عمره - مثلاً - ، فما في خبر السكوني وخبر العشر لا خصوصيّة لهما، ولم يبق لمثل قوله (علیه السلام): «واذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضى بالدية» معناً موجّهاً كما لا يخفى.

وبالجملة؛ على ما ذكره ; من الحمل لا خصوصيّة لما في الخبرين، وذلك مخالف للظاهر جدّاً، فإنّ الظاهر عرفاً في القيود المأخوذة لا سيّما العدد منها القيديّة والخصوصيّة، واللازم في حمله ; عدمها، وهو كما ترى.

ثالثها: ما فيه من قصور تلك الأخبار؛ لتقييد ما دلّ على أنّ عمد الصبيّ خطأ من وجوه.

ففيه: أنّها قابلة للتقييد كما بيّناه على تسليم دلالته على أنّ عمده في القتل خطأ، لكنّه قد مرّ منع دلالته على ذلك وحقّقناه بما لا مزيد عليه، فلا تغفل وكن على ذكر ممّا ذكرناه يفيدك في غير واحد من الموارد.

رابعها: ما فيه بعد نقل ما كان سبباً لوسوسة الأردبيلي 1 في الحكم المزبور من قوله: «والكلّ كما ترى».

وفيه: أنّ مراجعة المجمع والدقّة في عباراته قاضية وحاكمة بما في مطالبه من الدقّة والمتانة المختصّة به، وكم له ; في ذلك الكتاب من المطالب الدقيقة الموجبة

(مسألة 1): لو قتل عاقل ثمّ خولط وذهب عقله لم يسقط عنه القود؛(1)


للفتاوى النادرة المطابقة مع الكتاب والسنّة القائمة، فجزاه الله عن الإسلام خيراً وحشرنا الله معه، ومع مثل صاحب الجواهر من العلماء المحقّقين، ومع مثل سيّدنا الأُستاذ الإمام (سلام الله عليه) من الفقهاء المتّقين الموفّقين، آمين ربّ العالمين.

خامسها: ما ذكره بقوله: «فهو ]أي صحيح أبي بصير[ محمولٌ على قضيّة في واقعة يعلم الإمام (علیه السلام)... »، إلى آخره، ففيه: أنّ الحمل كذلك حمل لما هو كالصريح أو الصريح، ففيه: «سُئل عن غلام لم يدرك»، فمع التصريح بقوله: «لم يدرك» كيف يُحمل على أنّ الغلام فيها مدرك؟! وهذا، مع أنّ مقتضى عموم الكبرى الكلّية فيها، وهو قوله (علیه السلام) «خطأ المرأة والغلام» أنّها بيان لضابطة كلّية، ولا يضرّها القول بكون مورد السؤال قضيّة شخصيّة. فتدبّر جيّداً، ووكّل الأمر في القضاء بين هذين العلمين في أزيد من ذلك إلى الله العالم الخبير، وفيما ذكرناه لنا كفاية.

(1) بلا خلاف فيه إلّا من العامّة، حيث منع بعضهم من الاقتصاص حال الجنون، وآخرون حيث قالوا: إن جَنّ حين قُدّم للقصاص اقتُصّ منه، وإن جَنّ قبله لم يقتصّ منه.

والدليل على القصاص إطلاقاته وعموماته، وخبر بريد بن معاوية العجلي، قال: سئل أبو‌جعفر (علیه السلام) عن رجل قتل رجلاً عمداً فلم يقم عليه الحدّ ولم تصحّ الشهادة عليه حتّى خولط وذهب عقله، ثمّ إنّ قوماًآخرين شهدوا عليه بعد ما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قتل به، وإن لم يشهدوا عليه بذلك، وكان له مال يعرف دفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل، وإن لم يكن له مال اُعطي الدية من بيت المال، ولا يبطل

سواء ثبت القتل بالبيّنة أو بإقراره حال صحّته.(1)

(مسألة 2): لا يشترط الرشد بالمعنى المعهود في القصاص،(2) فلو قتل بالغ


دم امرءٍ مسلم».(1)

وضعف الحديث بجهالة خضر الصيرفي منجبر بعمل الأصحاب وبموافقته مع الكتاب والسنّة والعقل، وبكونه منقولاً عن المشايخ الثلاثة في الفقيه(2)والكافي(3)والتهذيب(4)من الكتب الأربعة المعتمدة، كما لا يخفى.

والاستدلال بالأصل، بمعنى الاستصحاب غير تامّ؛ لكون الشبهة حكميّة، وفي العمومات والإطلاقات كفاية، ولا احتياج إلى الأصل ولا إلى خبر بريد أيضاً وإن كان حجّة، كما مرّ.

وفي خلاف العامّة مع ما ذكر من الدليل ما ترى.

(1) قضاءً للإطلاق، وإنّما السقوط بإسقاط الوليّ، وهذا بخلاف الرجم الثابت بالزنا، فإنّه لو ثبت الزنا الموجب له بالإقرار، ثمّ جَنّ لم يرجم؛ لدرئ الحدود بالشبهة، ولكون البناء فيها على التخفيف، ولسقوطه بإنكاره إقراره الرجم - أي بالإنكار بعد الإقرار - بأن يقول: ما أقررتُ أو كانإقراري فاسداً.

(2) في الجواهر:


1) . الکافي 7: 295، باب الرجل یقتل فلم یصحّ...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 78/242، باب القود ومبلغ الدیة الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 232/915، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 48؛ وسائل الشيعة 29: 72، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 29، الحديث1.

2) . الفقيه 4: 78/242، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 5.

3) . الكافي 7: 295، باب الرجل يقتل فلم تصحّ الشهادة عليه حتّی خولط، الحديث 1.

4) . تهذيب الأحكام 10: 232/915، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 48.

غير رشيد فعليه القود.


نعم، ما عن التحرير(1)من اشتراط الرشد مع البلوغ لا وجه له، إلّا أن يريد به كمال العقل لا الرشد بالمعنى المصطلح. والله العالم.(2)

ونفيه الوجه له باعتبار عدم الدليل عليه في القصاص، بل إطلاقات القصاص دليل على عدم الشرطيّة، وذلك بخلاف باب العقود والأموال ممّا دلّ الكتاب على اشتراط الرشد فيه.

هذا، ولكنّ القول باعتباره - وفاقاً للتحرير - لا يخلو من قوّة وتحقيق، وتوضيح ذلك يتوقّف على بيان أمرين: أحدهما: أنّ الرشد في كلّ أمر من الأُمور مقابل للسفاهة فيه، فالرشد في التجارة مقابل للسفاهة فيها، وفي النكاح للسفاهة فيه، وهكذا في بقيّة الأُمور، فإنّه ليس للرشد إلّا معنى واحد ومفهوم واحد مقابل للسفاهة، وذلك المفهوم تختلف مصاديقه باختلاف الموارد، كما هو أوضح من أن يُبيّن. ثانيهما: أنّ العلّة في القصاص على ما في كتاب الله تعالى الحياة للمجتمع: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ(3)وذلك لكون القصاص مانعاً لمريد القتل من القتل؛ خوفاً منه، فالعلّة في الحقيقة خوف المريد للقتل من القصاص، ومن المعلوم في تحقّق الحياة، والعلّة لزوم كون القاتل مدركاً لعواقب قتله وقصاصه به، وإلّا فمع عدم إدراكه ذلك لا يكون القصاص مانعاً ورادعاً،ولا تكون العلّة التي يدور الحكم مدارها متحقّقة.

وعلى هذا، فلا قصاص مع عدم ذلك الإدراك من القاتل؛ لعدم العلّة، والمعلول


1) . تحرير الأحكام 5: 464.

2) . جواهر الكلام 42: 183.

3) . البقرة (2): 179.

(مسألة 3): لو اختلف الوليّ والجاني بعد بلوغه أو بعد إفاقته، فقال الوليّ: «قتلته حال بلوغك أو عقلك» فأنكره الجاني، فالقول قول الجاني بيمينه. ولكن تثبت الدية في مالهما بإقرارهما لا العاقلة؛ من غير فرق بين الجهل بتاريخهما أو بتاريخ أحدهما دون الآخر. هذا في فرض الاختلاف في البلوغ. وأمّا في الاختلاف في عروض الجنون، فيمكن الفرق بين ما إذا كان القتل معلوم التاريخ، وشكّ في تاريخ عروض الجنون، فالقول قول الوليّ، وبين سائر الصور فالقول قول الجاني، ولو لم يعهد للقاتل حال جنون فالظاهر أنّ القول قول الوليّ أيضاً.(1)


يدور مدارها وجوداً وكمّيةً وكيفيّة، كما لا يخفى.

إذا عرفت الأمرين فنقول:

إنّ القاتل السفيه وغير الرشيد في القتل وعواقبه، بمعنى عدم إدراكه، وعدم التفاته إلى عقوبة القصاص، وبمعنى أنّ إدراكه ليس بأزيد من كون القتل عمداً مذموماً، جزاؤه عدد من الضربات والجلدات، ليس في قصاصه حياة ولا سببيّة، لخوف أمثاله من القتل؛ لأنّهم غير ملتفتين إلى القصاص، ولا يصير القصاص سبباً لخوفهم من القتل، فعلّة القصاص - أي الحياة - غير متحقّقة في قصاصهم، فلابدّ من عدم المعلول، أي عدم جواز القصاص، ولعلّ ذلك مراد الشرائع (1)من كمال العقل في عبارته. فتدبّر جيّداً.

(1) ما ذكره وبيّنه في المسألة تامّ وواضح، وغير محتاج إلى الشرح.

نعم، ما فيه من إمكان الفرق في فرض الاختلاف في عروض الجنون لا بيّن ولا مبيّن، فالحقّ عدم الفرق بينه وبين بقيّة الفروض. فتدبّر جيّداً.


1) . شرائع الإسلام 4: 200.

(مسألة 4): لو ادّعى الجاني صغره فعلاً وكان ممكناً في حقّه، فإن أمكن إثبات بلوغه فهو، وإلّا فالقول قوله بلا يمين، ولا أثر لإقراره بالقتل، إلّا بعد زمان العلم ببلوغه وبقائه على الإقرار به.

(مسألة 5): لو قتل البالغ الصبيّ قتل به على الأشبه؛(1)


قصاص القاتل بقتل الصبيّ

(1) بل هو المشهور نقلاً وتحصيلاً، وفي الجواهر(1)وفي المسالك:(2)هو المذهب، وفي محكيّ السرائر:(3)هو الأظهر بين أصحابنا، والمعمول عليه عند المحصّلين منهم، بل لم أجد فيه خلافاً بين المتأخّرين من الأصحاب ولا بين قدمائهم، عدا ما يحكى عن أبي الصلاح الحلبي(4)من عدم قتله به. وعليه، فعدم كون المقتول صبيّاً يكون من الشرائط عنده، كعدم كونه مجنوناً.

وكيف كان، فحجّة المشهور عمومات القصاص وإطلاقاته كتاباً وسنّةً، وخصوص مرسل ابن فضّال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «كلّ من قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أن يتعمّد فعليه القود».(5)وضعفه منجبرٌ بما عرفت من الشهرة وغيرها.


1) . جواهر الكلام 42: 184.

2) . مسالك الأفهام 15: 164.

3) . السرائر 3: 369.

4) . الكافي في الفقه: 384.

5) . تهذیب الأحکام 10: 162/648، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 27؛ الفقیه 4: 83/265، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 28، عن ابن بکیر؛ وسائل الشيعة 29: 76، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب31، الحديث 4.

...


وحجّة الخلاف عموم الموصول فيما يكون بمنزلة العلّة في صحيح أبي بصير [أي المرادي] قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن رجل قتل رجلاً مجنوناً، فقال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فقتله فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطي ورثته ديته من بيت مال المسلمين»، قال: «وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يُقاد منه، فأری أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون ويستغفر الله ويتوب إليه».(1)

قوله (علیه السلام): «فلا قود لمَن لا يُقاد منه» موصوله عامّ شامل لجميع مصاديقه، وتكون الجملة بياناً لضابطة كلّية، وخصوصيّة المورد غير مضرّة بالإطلاق إن لم تكن مؤ‌يّدة له، كما حقّقناه في محلّه، فإنّ في إعراضه (علیه السلام) عن الجواب المختصّ بمورد السؤال بالجواب عنه على العموم والإطلاق شهادة على العموميّة، وأنّ غرضه (علیه السلام) من الجواب بيان ضابطة كلّية، كما لا يخفى.

لا يقال: عموم الموصول في الصحيح غير قابل للأخذ ولابدّ من الاقتصار على مورد السؤال فيه؛ لاستلزامه التخصيص الأكثر استهجاناً،فإنّه يقتل الكافر بالمسلم والعبد بالحرّ والابن بالأب، واللازم من العموم في الموصول عدم القتل بعكس الجميع، كما لا يخفى، فقتلهم فيه لابدّ من كونه تخصيصاً لذلك العموم، ويكون لكثرته تخصيصاً مستهجناً.

لأنّه يقال: على تسليم كون باب الإطلاق كالعموم في الاستهجان، وعلى


1) . الکافي 7: 294، باب الرجل الصحیح العقل...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 231/913، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 46؛ الفقیه 4: 75/234، باب من لا دیة له في جراح أو قتل، الحدیث 9؛ علل الشرائع 2: 307، الباب 329، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 71، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 28، الحديث 1.

...


تسليم كون التخصيص في تلك الموارد من الكثرة بمرتبة الاستهجان، تلك الموارد خارجة عن العموم تخصّصاً لا تخصيصاً؛ وذلك لأنّ المراد من الموصول المنفيّ فيه القود، القود المطلق لا القود الخاصّ بنوع من الأنواع، حيث إنّ المنفي ماهية القود وطبيعته، وانتفاء الطبيعة بانتفاء جميع الأفراد، كما لا يخفى.

وعدم القود في قتل الكافر مختصّ بما كان القاتل مسلماً، وكذلك الأمر في العبد والابن، كما يظهر بالدقّة. وهذا بخلاف عدم القود في قتل الصبيّ أو المجنون فإنّه غير مختصّ بنوع من القتلة، بل حكم عامّ لمطلق من قتلهما.

وبما ذكرناه يظهر ضعف ما في اللثام ، فإنّه بعد نقله خلاف الحلبي قال:

ولم نظفر له بمستند، والحمل على المجنون قياس، ولا دليل على أنّه لا يقتصّ من الكامل للناقص.(1)

وضعفه ظاهر ممّا ذكرناه، فلا نعيده، فإنّ المستند صحيح أبي بصير(2)وفيه الكفاية، ومعه لا حاجة إلى القياس.

لا يقال: الصحيح معارض بمرسل ابن فضّال، فعمومات القصاص وإطلاقاته في محلّها وتكون محكّمة؛ لتساقط الخبرين بالتعارض.

لأنّه يقال: المرسل غير مكافئ الصحيح من جهة الإرسال تارة،والاختلال في المتن أُخرى، حيث إنّ التعبير عن الإنسان بالشيء بعيدٌ وغير مأنوس في المكالمات، وأنّ الصغير أعمّ من غير البالغ ثالثاً، ومن الاختلاف في نقل الفقيه (3)مع التهذيب(4)


1) . كشف اللثام 11: 103.

2) . تقدّمت في الصفحة السابقة.

3) . الفقيه 4: 83/265، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 28.

4) . تهذيب الأحكام 10: 162/648، باب القضايا في الديات والقصاص، الحديث 27.

...


رابعاً، ففيه: وفي رواية ابن بكير قال: قال أبوعبدالله (علیه السلام): «كلّ من قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أن يتعمّد فعليه القود».(1)

ومن المحتمل بل الظاهر - كما فهمه المجلسي الأوّل في روضة المتّقين(2)- كون الصغير والكبير صفة للشيء، فيكون مضمونه عدم الفرق في قتل العمد بين أن تكون الآلة كبيرة قتّالة أو صغيرة غير قتّالة، كالحجر الصغير، والترجيح مع نقل الفقيه، وأنّ في نقل التهذيب حصل غلط، وإلّا فالشيء مجرور بالباء، وكأنّ الصغير والكبير مجروران وصفتان له، فعلى هذا لا ارتباط للحديث بمحلّ البحث، كما إنّه واضح.

ثمّ إنّه لما كان المختار عدم القود للصغير إذا لم يكن مميّزاً، فعدم قتل البالغ به مختصّ بالصبيّ إذا كان غير مميّز، كما لا يخفى، فإنّه صغرى؛ لعموم «لا قود لمن لا يقاد منه». نعم، على المعروف من عدم القود في الصبيّ مطلقاً، فعدم قتل البالغ به يكون في مطلق الصبيّ، فإنّه الصغرى لتلك الكبرى على ذلك المبنى، كما لا يخفى.

وفي مجمع الفائدة والبرهان:

قوله: «ويقتل البالغ...» إلى آخره دليل قتل البالغ بغير البالغ عموم الكتاب، والسنّة،(3)والإجماع الدالّ على وجوب قصاصالنفس بالنفس،


1) . تهذیب الأحکام 10: 162/648، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 27؛ الفقیه 4: 83/265، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 28؛ وسائل الشيعة 29: 76، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 31، الحديث4.

2) . روضة المتّقين 10: 334.

3) . هكذا في المخطوط، وهو الصواب، وفي المطبوعة «في السنّة» بدل: «والسنّة». والظاهر هو خطأ.

...


من غير مخصّص صريح في إخراج قتل البالغ الصبيّ من العقل والنقل، وليس عدم تكليفه مانعاً، وهو ظاهر.

وما في صحيحة أبي بصير المتقدّمة «فلا قود لمن لا يقاد منه»(1)عامّ لم يصلح مخصّصاً؛ لعموم ذلك كلّه، لما تقدّم من أنّ الخبر الواحد الصحيح إن سُلّم التخصيص به إنّما يُخصّص إذا كان خاصّاً صريحاً دلالته يقينياً لا ظنيّاً، وظاهر أنّه ليس هنا كذلك، فإنّه يُحتمل أن يكون مخصوصاً بالمجنون.

ويؤ‌يّده أنّ البحث في المجنون في لزوم الدية في ماله، وهو قوله (علیه السلام): «وأرى أنّ على عاقلته(2)الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون»، على أنّ أبا بصير مشترك. فتأ‌مّل.(3)

وفيه: أنّ الخبر الواحد بما هو حجّة مخصّص لعموم الكتاب الذي هو حجّة مثله، من دون الفرق بين النصّ والظهور، وكيف الفرق مع بناء العقلاء على تخصيص العامّ بالخاصّ مطلقاً؟! وكيف الفرق مع أنّ سيرة الفقهاء على التخصيص مطلقاً؟!


1) . تقدّمت الروایة وتخریجها في الصفحة 328.

2) . ليس في الروايات «على عاقلته»، بل الموجود: «على قاتله». فراجع: الكافي 7: 294، باب الرجل الصحيح العقل يقتل المجنون، الحديث 1؛ الفقيه 4: 75/234، باب من لا دية له في جراح أو قتل، الحديث 9؛ تهذيب الأحكام 10: 231/913، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 46؛ وسائل الشيعة 29: 71، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 28، الحديث 1.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 10.

...


اللهمّ إلّا أن يقال بأنّه: ليس مراده من التفصيل التفصيل بين الظنّ واليقين في تخصيص العامّ الكتابي بعدم جوازه بالأوّل دون الثاني، حتّى يرد عليه ما ذكرت من عدم الفرق ووجود السيرة، بل إنّما يكون تفصيله بين اليقين والظنّ في تخصيص مثل عمومات القصاص في الكتاب ممّا تكون كثيرة محكمة، فإنّ الاكتفاء وإن كان في تخصيصه بالظنّ حجّة في نفسه غير صحيح؛ لعدم إحراز بناء العقلاء في التخصيص كذلك فضلاً عن إحراز عدمه، كما مرّ تحقيقه في أمثال المورد.

هذا كلّه مع أنّ ظهور الموصول في العموم غير ثابت مع اختصاص الإمام (علیه السلام) البحث بعده بالمجنون بقوله (علیه السلام): «وأرى أنّ على قاتله الديه في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون»، فإن كان الموصول عامّاً كان الأنسب بل المتعيّن له (علیه السلام) بيان الحكم على نحو الكلّي بأن يقول: وأرى أنّ على قاتل من لا يقاد منه الديه في ماله يدفعها إلى ورثة المقتول.

وكيف كان، فتخصيصه (علیه السلام) المجنون بالذكر في التفريع على الكبرى الكلّي و«من» الموصولة، إن لم يكن قرينة على عدم العموم في الموصول، فلا أقلّ من كونه صالحاً للقرينيّة ولاحتمال الاختصاص في الموصول، ومعه لا يتمّ الاستدلال، فإنّه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

فما في المتن من كون قتل البالغ بالصبيّ هو «الأشبه» تامّ وفي محلّه؛ لكونه موافقاً مع القواعد والعمومات، حتّى على المعروف بين الأصحاب من شرطيّة البلوغ في القصاص، فضلاً عمّا هو المختار من عدمشرطيّته، وإنّما الشرط التمييز. والموصول في صحيح أبي بصير لم يثبت ظهوره في العموم حتّى يكون مخصّصاً لهما على الإطلاق على المبنى المعروف بين الأصحاب، وهو عدم القصاص للصغير

وإن كان الاحتياط أن لا يختار وليّ المقتول قتله، بل يصالح عنه بالدية،(1) ولا يقتل العاقل بالمجنون وإن كان أدواريّاً مع كون القتل حال جنونه،(2)ويثبت


وغير البالغ أو في المميّز على المختار. فتدبّر جيّداً.

(1) وجه الاحتياط ظاهر ممّا مرّ من احتمال العموميّة في الموصول.

(2) بلا خلاف أجده فيه، كما عن الغنية (1)وغيرها الاعتراف به، بل في كشف اللثام(2)نسبة قطع الأصحاب إليه.

بل عن كشف الرموز(3)الإجماع عليه.

والحجّة قبل الإجماع صحيح أبي بصير، سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن رجل قتل رجلاً مجنوناً؟ فقال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه ]فقتله[ فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطي ورثته ديته من بيت مال المسلمين»، قال: «وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه، وأرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون، ويستغفر الله ويتوب إليه».(4).

وفي خبر أبي الورد، قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) أو أبي جعفر (علیه السلام): أصلحك الله، رجل حمل عليه رجل مجنون فضربه المجنون ضربة فتناول الرجل السيف من المجنون فضربه فقتله؟ فقال: «أرى أن لا يُقتل به، ولا يُغرم ديته، وتكون ديته على


1) . غنية النزوع 1: 403.

2) . كشف اللثام 11: 101.

3) . كشف الرموز 2: 611.

4) . الکافي 7: 294، باب الرجل الصحیح العقل...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 231/913، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 46؛ الفقیه 4: 75/234، باب من لا دیة له في جراح أو قتل، الحدیث 9؛ علل الشرائع 2: 307، الباب 329، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 71، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 28، الحديث1.

الدية على القاتل إن كان عمداً أو شبهه،(1) وعلى العاقلة إن كان خطأً محضاً،(2) ولو كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه، فلا شيء عليه من قود ولا دية،(3) ويعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين.(4)


الإمام، ولا يبطل دمه».(1)

وبالجملة؛ فالحكم مفروغ منه لو كان القاتل أدواريّاً فقتل حال عقله آخر، كذلك حال جنونه؛ عملاً بإطلاق النصّ والفتوى، وإن كان لا يخلو من إشكال احتمال انصراف المجنون المقتول في الصحيح وغيره إلى الدائم. هذا، مع وجود الفرق بين الدائم والأدواري في النقص، لكنّ شمول إطلاق الكبرى الكلّية في الصحيح الأدواري لا يخلو من قوّة؛ لعدم القود للمجنون الأدواري حال جنونه بقتله العاقل أيضاً.

(1) للقاعدة، ولصحيح أبي بصير في الأوّل: «وأرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون».(2)

(2) للقاعدة المعروفة فيه.

(3) لما دلّ عليه صحيح أبي بصير.(4) فلصحيح أبي بصير، فقال (علیه السلام): «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه


1) . الکافي 7: 294، باب الرجل الصحیح العقل...، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 231/914، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 47؛ وسائل الشيعة 29: 71، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 28، الحديث2.

2) . الکافي 7: 294، باب للرجل الصحیح العقل...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 231/913، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 46؛ الفقیه 4: 75/234، باب من لا دیة له في جراح أو قتل، الحدیث 9؛ علل الشرائع 2: 307، الباب 329، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 71، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 28، الحديث1.

...


فقتله[ فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطي ورثته ديته من بيت مال المسلمين»،(1)بل ولخبر أبي الورد أيضاً،: «وتكون ديته على الإمام».(2)

فما في المتن من الأحكام للدية ولغيره لا إشكال ولا كلام فيه، وهو على القاعده والنصّ كما بيّناه.

نعم، يقع الكلام في المقام في أمرين:

أحدهما: أنّ دم المدفوع هدر، نصّاً وفتوىً، فكيف يوجّه ما في النصّ والفتوى من دية المجنون من بيت المال فيما كان مقتولاً دفاعاً للعاقل عن نفسه حينما أراده؟!

وفيه أوّلاً: أنّ إطلاقه منصرف عن المدفوع المجنون، ومختصّ بغيره من المتعارف في الدفاع.

وثانياً: على تسليم منع الانصراف، فعموم ذلك الهدر مخصّص في المقام بالخبرين، فلا إشكال في المسألة.

ثانيهما: أنّ في الخبرين تعارضاً واختلافاً في محل الدية، ففي الصحيح: «أنّه على بيت مال المسلمين»، وفي خبر أبي الورد: «أنّه على الإمام».ومن المعلوم أنّ ما في بيت المال من الزكوات والخراجات لمصالح المسلمين، وما للإمام كالخمس فهو له،


1) . الکافي 7: 294، باب للرجل الصحیح العقل...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 231/913، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 46؛ الفقیه 4: 75/234، باب من لا دیة له في جراح أو قتل، الحدیث 9؛ وسائل الشيعة 29: 71، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 28، الحديث1.

2) . الکافي 7: 294، باب الرجل الصحیح العقل...، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 231/914، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 47؛ وسائل الشيعة 29: 71، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 28، الحديث2.

(مسألة 6): في ثبوت القود على السكران الآثم في شرب المسكر - إن خرج به عن العمد والاختيار - تردّد،(1)


وعونه لدينه وعياله، فكيف الجمع بين الحديثين؟!

أقول: يمكن الجمع بإرادة التأدية والتنفيذ على الإمام في خبر أبي الورد، وبكون محلّه من بيت المال في الصحيح، فكأنّ المعصوم (علیه السلام) قال: على عهدة الإمام التنفيذ، فإنّه الحاكم والتنفيذ عليه، وتأدية ديته من بيت المال.

كما يمكن الجمع بالعكس، بكون المراد أنّ الدية على الإمام؛ أي في ماله، لكنّه مع ذلك على بيت المال باعتبار كونه محلاً لأمواله في الواقع.

لكنّ الجمع الأوّل أولى، بل متعيّن؛ قضاءً لوظيفة الإمام الحاكم المنفّذ للشرائع والقوانين، بل لا قائل بالثاني، والله العالم.

ثمّ إنّ للمقدّس الأردبيلي هنا نكتة ينبغي نقلها وبيانها، ففي المجمع:

والمراد بدفعها إلى ورثة المجنون كونها من متروكات المجنون، يخرج منها الديون والوصايا إن كان، ثمّ القسمة بين من يرث الدية.(1)

هذا لبيان أنّ دفع الدية إلى الورثة ليس من جهة استحقاقهم لها بما هي هي، بل الدفع من باب دفع تركة الميّت إلى وارثه، فاللازم منه إخراج الديون والوصايا منها، كما أنّ استحقاقهم لها لما كان من باب الإرث، فالديون والوصايا قبله. فتدبّر جيّداً وانظر إلى الدقّة في الفقه، وكم له في المجمع من هذه الدقائق؟ فعليك بمراجعته في كلّ ما فيه من المباحثوالكتب الفقهيّة.

(1) عبارة المتن شبيهة لما في الجواهر ، ففيه:

وفي ثبوت القود على السكران الآثم في سكره تردّد وخلاف، ولكنّ


1) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 11.

والأقرب الأحوط عدم القود.(1)


الثبوت أشبه؛ وفاقاً للأكثر، كما في المسالك.(1)

بل قد يظهر من غاية المراد(2)نسبته إلى الأصحاب، مشعراً بالإجماع عليه، بل في الإيضاح(3)دعواه صريحاً عليه، ناسباً له مع ذلك إلى النصّ، ذكر ذلك في مسألة شارب المرقد والمبنج.(4)

منشأ التردّد: من انتفاء العمد والقصد فيه والاحتياط في الدم فلا قود عليه، ومن أنّه كالصاحي في تعلّق الأحكام، فإنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فهو من الخارج عن الاختيار بسوء اختياره، المعامل معه معاملة المختار في إجراء الأحكام، حتّى طلاق زوجته وغيره من الأحكام فعليه القود.

ثبوت القود على السكران

(1) بل الأقرب القود، والحجّة على ذلك وجوهٌ أربعة مؤيّدة ومعتضدة بالإجماع المصرّح به في الإيضاح،(5)والمشعر به في غاية المراد،(6)كما عرفت من عبارة الجواهر:

أحدها: عمومات القصاص وإطلاقاته لا سيّما قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَمَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ،(7)وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ


1) . مسالك الأفهام 15: 166.

2) . غاية المراد 4: 387.

3) . إيضاح الفوائد 4: 340.

4) . جواهر الكلام 42: 186.

5) . إيضاح الفوائد 4: 340.

6) . غاية المراد 4: 387.

7) . الإسراء (17): 33.

...--------------حَياةٌ يا أُولي الأَلبَابِ،(1)فأيّ قاتل أظلم ممّن شرب الخمر حراماً ولذّة ولهواً وصار سكراناً فقتل نفساً محترمة، كان - مثلاً - في طريقه إلى المسجد لأداء الصلاة أو في طريق أو أمر آخر من دون اعتراض أو مهاجمة لذلك السكران القاتل؟ وأيّ مظلوم يكون مثل ذلك المقتول في المظلوميّة؟ وهل يُتصوّر أن لا يجعل الله الحكيم تعالى ولاية لوليّه في القصاص، ويكتفي الشرع بالدية والمال؟ وهل لا يكون لمثله الموت والقود عوضاً عن الحياة؟ ثانيها: موثّقة السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون(2)بسكّاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير‌المؤمنين (علیه السلام)، فسجنهم فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين: يا أميرالمؤمنين! أقدهما بصاحبينا، فقال عليّ(علیه السلام): «ما ترون؟» فقالوا: نرى أن تقيدهما، فقال عليّ (علیه السلام) للقوم: «فلعلّ ذينك اللذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه؟» قالوا: لا ندري، فقال عليّ (علیه السلام): «بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة، وآخذ دية جراحة الباقين من دية المقتولين»، وذكر إسماعيل بن الحجّاج بن أرطاة، عن سمّاك بن حرب، عن عبيدالله بن أبي الجعد، قال: كنت أنارابعهم، فقضى عليّ (علیه السلام) هذه القضيّة فينا.(3)

ففي جواب عليّ(علیه السلام) لأهل المقتولين الذين يريدون قصاص الرجلين الباقين


1) . البقرة (2): 179.

2) . «یقال: بعج بطنه بالسکین بعجاً: إذا شقّه - ومنه «تباعجوا بالسکّاکین» (مجمع البحرین 2: 278، مادّة «بعج»).

3) . تهذیب الأحکام 10: 240/955، باب الاشتراك في الجنایات، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 87/280، باب حکم الرجل یقتل الرجلین...، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 233، کتاب الدیات، أبواب موجبات الضمان، الباب 1، الحديث 2.

...


بقوله: «فلعلّ ذينك اللذين ماتا...» إلى آخره، الظاهر في أنّ عدم القود للباقين إنّما هو لعدم العلم دلالة مفهوميّة على ثبوت القود عليهما مع إحراز كونهما قاتلين، وإن كانا سكرانين، فمفهوم الحديث عدم كون السكر مانعاً عن القصاص، وأنّ على السكران القصاص، كما على غيره من القتلة، والمفهوم حجّة كالمنطوق.

ثالثها: ما في المسالك وغيره وهو:

أنّ الشارع لم يعذر السكران مطلقاً، بل نزّله منزلة الصاحي.(1)

وذلك لما عليه من مثل قضاء الصلاة، ومن صحّة أقاريره على نفسه، وصحّة طلاقه وغيرها من الأحكام.

وبالجملة؛ الثالث؛ الاستقراء وإلغاء الخصوصيّة من الموارد؛ لكثرتها، فالحكم بجريان تلك الأحكام على السكران إنّما هو بما هو سكران، لا لخصوصيّته في تلك الأحكام. فتأ‌مّل.

رابعها: وجود المقتضي وعدم المانع، أمّا عدم الثاني؛ فلعدم الإشكال والكلام فيه. وأمّا الأوّل؛ فلأنّ العمد والقصد الذي يكون من شرائط القصاص وإن كان غير موجود في السكران، كما هو المفروض، إلّا أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار تكليفاً وملاكاً أو ملاكاً فقط.

كيفما كان، لا يكون سكره الناشئ عن المعصية والإثم عذراً رافعاً للقصاص والقود إن لم نقل بكونه متأكّداً له، ولك أن تقول: أدلّة شرطيّة العمد منصرفة عن العاصي والناقض للشرع والقانون، فإنّ الشارع لايحمي بشرعه الناقض له، والمولى الحكيم لا يجعل العاصي معافاً عن الجزاء والقصاص الذي فيه الحياة، بل


1) . مسالك الأفهام 15: 165.

...


لا يمكن ذلك له عقلاً؛ لكونه سبباً للتجرّي على المعصية، كما لا يخفى.

وبما ذكرناه يظهر عدم تماميّة ما استُدلّ به؛ لعدم القصاص بعدم العمد وبالاحتياط في الدماء.

أمّا الثاني، فلا محلّ له مع الدليل، وأمّا أوّلهما، مع أنّه اجتهاد في مقابل النصّ، غير مضرّ؛ لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

تنبيهٌ: في صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «قضى أميرالمؤمنين (علیه السلام) في أربعة شربوا مسكراً فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا، فقُتِل اثنان وجُرِح اثنان، فأمر المجروحين فضرب كلّ واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أن یقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية، فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شيء».(1)

بما أنّ في هذه الصحيحة - المشابهة مورداً مع موثّقة السكوني - من أحكام ثلاثة مخالفة للقواعد والضوابط، فلا يصحّ الاعتماد عليها بجعلها معارضاً للموثّقة كما سيأتي توضيحه، أو مؤ‌يّدة له، كما يظهر من الجواهر؛(2)حملاً لها على عدم العلم كالموثّقة، والأحكام الثلاثة هي:

أ) جعل دية المقتولين على المجروحين، مع أنّ الظاهر عدم العلم بكونهما قاتلين لهما، ومن المعلوم كون الدية منوطةً بالثبوت والإحراز.

ب) جعل دية جرحهما من دية المقتولين، وهذا كالأوّل في المخالفة للقواعد،


1) . الکافي 7: 284، باب الجماعة یجتمعون علی قتل واحد، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 240/956، باب الاشتراك في الجنایات الحدیث 6؛ وسائل الشيعة 29: 233، کتاب الدیات، أبواب موجبات الضمان، الباب 1، الحديث 1.

2) . جواهر الكلام 42: 187.

نعم، لو شكّ في زوال العمد والاختيار منه يلحق بالعامد.(1) وكذا الحال في كلّ ما يسلب العمد والاختيار، فلو فرض أنّ في البنج وشرب المرقد حصول ذلك يلحق بالسكران.(2)


كما لا يخفى.

ج) عدم ترتّب شيء على المقتولين من موت المجروحين، فكيف يمكن الجمع بين أخذ دية جرحهما من دية المقتولين، الظاهر في كون الجراحة منهما، وبين عدم الشيء عليهما مع موت المجروحين بسراية الجراحة المضمونة عليهما؟ وهل هذا إلّا تعارض وتناف بين الحكمين؟

وتوهُّم أنّه لما كان (علیه السلام) عالماً بالقضيّة، وأنّ قتل المقتولين بالمجروحين وجرحهما بالمقتولين، فلا مخالفة فيهما مع القواعد أصلاً، وتكون الصحيحة معارضة مع الموثّقة، للدلالة على عدم القود على السكران.

مدفوعٌ: بأنّ هذا ليس إلّا توجيهاً تبرعيّاً، بل وليس إلّا رجماً بالغيب أوّلاً، وبقاء الحكم الثالث على المخالفة ثانياً، كما لا يخفى، وأنّ المعارضة فرع الظهور دون الاحتمال والرجم بالغيب ثالثاً.

(1) الإلحاق لابدّ وأن يكون للأصل، وهو مثبت؛ لأنّه مقتضٍ لبقاء عمده واختياره، وموضوع القود القتل عن عمد، وتقارن القتل مع العمد من المثبتات العقليّة، كما لا يخفى. هذا على عدم إلحاق السكران بالعامد، كما قرّبه الماتن، وأمّا على المختار في إلحاق السكران بالعامد فالمشكوك أولى.

(2) إلحاق كلّ ما يسلب العمد والاختيار بالسكران في القود - كما هوالمختار - تابع لكون السبب السكر إثماً، وأمّا مع عدم الإثم فيه، كالمُكْرَه على شرب الخمر وما يوجب سلب الاختيار والقصد والعمد فلا قود ولا قصاص عليه؛ لعدم

ومع الشكّ يعمل معه معاملة العمد.(1)

ولو كان السكر ونحوه من غير إثم فلا شبهة في عدم القود، ولا قود على النائم والمغمى عليه.(2)


العمد، ولكون الامتناع بلا اختيار، وهو ينافي الاختيار. ولا يخفى أنّ الدية على السبب إن كان أقوى كالمُكرِه - بالكسر - مثلاً، بل عليه القود مع علمه بالإنجرار وقصده القتل بالسكران.

(1) حاله ظاهر ممّا ذكرناه قبيل ذلك.

هل القود على النائم والمغمى عليه؟

(2) عدم القود فيهما لا إشكال ولا كلام فيه، بل الإجماع بقسميه عليه في النائم؛ لانتفاء التعمّد فيهما بعدم القصد الذي يدرجهما في اسم العمد، وكونهما معذورين من حيث التسبيب.

هذا، مع حديث رفع القلم عن النائم، وقوله (علیه السلام): «كلّما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر»(1)في المغمى عليه.


1) . الکافي 3: 412، باب صلاة المغمی علیه...، الحدیث 1 و7؛ الفقیه 1: 237/1042، باب صلاة المریض والمغمی علیه...، الحدیث 11؛ وسائل الشيعة 8: 259، کتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلاة، الباب 3، الحديث 3؛ وأيضاً الصفحه260، الحديث 8 و9 ما هذا لفظه: وفي «العلل» (علل الشرائع 2: 360، الباب 182، الحدیث 9) و«الخصال»: عن محمّد بن الحسن، عن الصفّار، عن أحمد بن محمّد، عن ابن سنان، عن عبدالله بن مسكان، عن موسى بن بكر، قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): الرجل يُغمى عليه يوماً أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ قال: «أ لا أُخبرك بما يجمع لك هذه الأشياء؟ كلّما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده»، الحديث 9 قال: وزاد فيه غيره أنّ أبا عبدالله (علیه السلام) قال: «هذا من الأبواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب» (الخصال 2: 704، علّم رسول الله6 علیّاً ألف باب...، الحدیث 14).

...


نعم، الكلام والخلاف واقع في ضامن الدية، فهل هو النائم أو عاقلته؟

فعن الشيخين(1)ويحيى بن سعيد(2)والحلّي: أنّ الدية في ماله، بل عن السرائر نسبته إلى أصحابنا. وفي السرائر في أوّل كلامه(3)و‌القواعد(4)و‌كشف الرموز(5)والإيضاح(6)والتنقيح(7)والروضة(8)و المسالك (9)- على ما حكي عن بعضها - أنّ الدية على العاقلة، بل نسبه بعض إلى عامّة المتأخّرين.(10)

واستُدلّ للأوّل - وهو الأقوى - بأصالة ضمان المتلف دون غيره، وبمرسل السرائر:

وروي أنّ من نام، فانقلب على غيره فقتله، كان ذلك شبيه العمد، يلزمه الدية في ماله خاصّة، وليس عليه قود.(11)

وللثاني: بأنّه خطأ محض والدية فيه على العاقلة؛ نصّاً وإجماعاً.

وفيه: على تسليم كون الدية على العاقلة في الخطأ المحض، لما أنّ الحكم على خلاف القاعدة الشرعيّة والعقليّة من ضمان المتلف، وأنّه لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ


1) . المقنعة: 747؛ النهاية: 758.

2) . الجامع للشرائع: 583.

3) . السرائر 3: 365 - 366.

4) . قواعد الأحكام 3: 651.

5) . كشف الرموز 2: 638.

6) . إيضاح الفوائد 4: 656.

7) . التنقيح الرائع 4: 471.

8) . الروضة البهيّة 10: 113 و131.

9) . مسالك الأفهام 15: 330.

10) . انظر: جواهر الكلام 43: 51.

11) . السرائر 3: 365.

...--------------أُخْرى،(1)فلابدّ من الاقتصار على مورد النصّ، وهو في غير النائم، فإنّه لا نصّ فيه. هذا كلّه في النائم غير الظئر، وأمّا هي ففيها أقوال ثلاثة، ثالثها: التفصيل بين الإظئار للفخر والعزّة وبينه للحاجة، فالأوّل: في مالها، والثاني: على العاقلة، وهو الأقوى عندي؛ للرواية ومناسبة الاعتبار، وتمام الكلام في ذلك كلّه في كتاب الديات، إن شاء الله تعالى.

وممّا ذكر في النائم يظهر حال المغمى عليه، فالأقوى فيه أيضاً كون الدية عليه لا على العاقلة.

ثمّ إنّ للعلّامة في المختلف في ضمان العاقلة واستقراره عليها أو على القاتل كلام جيّد جدّاً، لابدّ من نقله في المقام وإن كان محلاً للبحث، كما أنّ ما ذكرناه من مسألة الدية في النائم كان خارجاً عن المقام، ومقام البحث عنها كتاب الديات، لكنّنا تبعنا الجواهر واقتدينا به في الاستطراد. وكيف كان، ففي المختلف:

مسألة: المشهور بين علمائنا أنّ دية الخطأ تجب على العاقلة ابتداءً، ولا يرجع بها على القاتل؛ سواء كان موسراً أو معسراً، اختاره الشيخ في كتبه(2)وابن البرّاج(3)وأبو‌الصلاح.(4).

قال الشيخ في الخلاف(5)والمبسوط:(6)الدية في قتل الخطأ تجب ابتداءً على


1) . الزمر (39): 6.

2) . النهاية: 737؛ المبسوط 7: 173؛ الخلاف 5: 285، المسألة 108.

3) . المهذّب 2: 457.

4) . الكافي في الفقه: 392.

5) . الخلاف 5: 285، المسألة 108.

6) . المبسوط 7: 173.

...


العاقلة. وفي أصحابنا مَن قال: ترجع العاقلة على القاتل بها، ولا أعرف به نصّاً.

وقال ابن الجنيد: ولا أعلم خلافاً في أنّ دية المقتول خطأ - إذا قامت بالقتل البيّنة - على عاقلة القاتل؛ سواء كان القاتل ذا مال أو معدماً. ثمّ قال: ولا يدخل الجاني في ضمان دية مَن قتله خطأً مع عاقلته.

وقال ابن إدريس:(1)دية الخطأ على العاقلة، ولا ترجع العاقلة بها على القاتل؛ سواء كان في حال الأداء موسراً أو معسراً. وذهب شيخنا المفيد(2)إلى أنّ العاقلة ترجع بها على القاتل، قال: وهذا خلاف إجماع الأُمّة. وهذا جهل من ابن إدريس، وتخطئة لشيخنا الأعظم، مع أنّه الأصل في إنشاء المذهب وتقريره، والعارف بمذاهب الناس، والمجمع عليه والمختلف فيه، القيم بالأُصولين، المهذّب لهما، الباحث مع الخصوم، العالم بما يجوز له فيه المخالفة والموافقة. مع أنّ هذا القائل الجاهل إنّما يعتدّ بإجماع الطائفة، ويعتقد رئاسة شيخنا المفيد، وأنّه رأس هذه الطائفة، وأوّل من أظهر علم الإماميّة وفقه آل محمّد : بعد السلف.

وسلّار رحمه الله (3)ذهب إلى ما ذهب إليه شيخنا المفيد. ولا بُعد فيه، بلفيه أيضاً الجمع بين المعقول والمنقول، فإنّ الإجماع لما دلّ على تضمين العاقلة، والعقل لما دلّ على أنّ العقوبة إنّما تجب على الجاني، جمع شيخنا المفيد


1) . السرائر 3: 322.

2) . المقنعة: 737.

3) . المراسم: 239.

وفي الأعمى تردّد.(1)


بذهنه الثاقب وفكره الصائب بين الدليلين، وألزم العاقلة ضمان الدية؛ لدلالة الإجماع عليه، وجعل لها الرجوع على الجاني، تعويلاً على دليل العقل. وشيخنا أبو‌جعفر الطوسي ; أصاب حيث قال: «لا أعرف به نصّاً»،(1)فإنّه لا يقتضي نسبة شيخنا إلى تخطئة وتغليط ومخالفة للإجماع، فإنّ عدم معرفته لا يستلزم عدم النصّ، فلعلّ شيخنا المفيد وقف عليه، أو عوّل على دليل قاده العقل إليه.(2)

جناية الأعمى

(1) منشأ التردّد ما أشار إليه الشرائع من العمد، وعمومات القصاص، ومن رواية الحلبي(3)الدالّة على أنّ جنايته خطأ تلزم عاقلته.

وعن أبي علي،(4)والشيخ في النهاية،(5)والصهرشتي والطبرسي المحكيّ عنهما في الجواهر،(6)وابني البرّاج(7)وحمزة،(8)بل والصدوق فيظاهره العمل بها؛ لنقلها في


1) . الخلاف 5: 285، المسألة 108.

2) . مختلف الشيعة 9: 289، المسألة 4.

3) . تهذیب الأحکام 10: 232/918، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 51؛ الفقیه 4: 107/361، باب العاقلة، الحدیث 6؛ وسائل الشيعة 29: 399، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 10، الحديث 1.

4) . مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 358.

5) . النهاية: 760.

6) . جواهر الكلام 42: 189.

7) . المهذّب 2: 495. 496.

8) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 455.

...


الفقيه(1)المحتوي على ما يفتى به، ويحكم بصحّته، حيث قال:

ولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحّته، وأعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني وبين ربّي تقدّس ذكره وتعالت قدرته.(2)

بل وفي غاية المراد: «هذا القول مشهور بين الأصحاب».(3)

لكنّ المتأخّرين(4)يقولون بكون الأعمى كالمبصر وأنّ عليه القود، وطعنوا بتلك الرواية ورواية أبي عبيدة(5)اللتين كانتا دليل المتقدّمين.

وكيف كان، فلتحقيق الحقّ في المسألة وبيانه ننقل عبارة المسالك أوّلاً، ونتبعها بعبارة الجواهر مع ما فيه من الإيراد ثانياً، ونبيّن الحقّ ثالثاً.

ففي المسالك:

وفي الأعمى تردّد ... إلى آخره، ذهب الشيخ في النهاية(6)إلى أنّ عمد الأعمى وخطأه سواء، تجب فيه الدية على عاقلته، وتبعهابن البرّاج،(7)


1) . الفقيه 4: 107/361، باب العاقلة، الحديث 6.

2) . الفقيه 1: 3، مقدّمة الكتاب.

3) . غاية المراد 4: 343.

4) . مختلف الشيعة 9: 359، المسألة47؛ إيضاح الفوائد 4: 601؛ التنقيح الرائع 4: 431.

5) . الکافي 7: 302، باب من خطأه عمد...، الحدیث3؛ تهذیب الأحکام 10: 232/917، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 50؛ الفقیه 4: 85/271، باب من عمده خطأ، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 89، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 35، الحديث1.

6) . النهاية: 760.

7) . المهذّب 2: 495.

...


وهو قول ابن الجنيد(1)وابن بابويه.(2)والمستند رواية الحلبي عن الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «الأعمى جنايته خطأ تلزم عاقلته، يؤخذون بها في ثلاث سنين، في كلّ سنة نجماً، فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله، يؤخذ بها في ثلاث سنين...»،(3)الحديث.

وروى أبو‌عبيدة عن الباقر (علیه السلام)، قال: سألته عن أعمى فقأ عين رجل صحيحٌ متعمّداً، فقال: «يا أبا عبيدة! إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية من ماله، فإن لم يكن له مال فإنّ دية(4)ذلك على الإمام، ولا يبطل حقّ مسلم».(5)

وهاتان الروايتان مشتركتان في الدلالة على أنّ عمد الأعمى خطأ، وفي ضعف السند، ومختلفتان في الحكم، ومخالفتان للأُصول؛ لاشتمال الأُولى على كون الدية تجب ابتداءً علىالعاقلة، ومع عدمها تجب على الجاني، وهذا مخالف لحكم الخطأ. وفي الثانية مع جعله الجناية كالخطأ أوجب


1) . حكاه عنه في مختلف الشيعة 9: 359، المسألة 47.

2) . الفقيه 4: 85/271، باب من عمده خطأ، الحديث 1.

3) . تهذیب الأحکام 10: 232/918، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 51؛ الفقیه 4: 107/361، باب العاقلة، الحدیث 6؛ وسائل الشيعة 29: 399، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 10، الحديث 1.

4) . في الكافي: «فإنّ ديتهُ».

5) . الكافي 7: 302، باب من خطاؤه عمد ومن عمده خطأ، الحديث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 232/917، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 50؛ الفقیه 4: 85/271، باب من عمده خطأ، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 89، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 35، الحديث 1.

...


الدية على الجاني، ومع عدم ماله على الإمام، ولم يوجبها على العاقلة. وظاهر اختلاف الحكمين ومخالفتهما لحكم الخطأ.

وذهب ابن إدريس(1)وجملة المتأخّرين(2)إلى أنّ الأعمى كالمبصر في وجوب القصاص عليه بعمده؛ لوجود المقتضي له، وهو قصده إلى القتل وانتفاء المانع؛ لأنّ العمى لا يصلح مانعاً مع اجتماع شروط القصاص من التكليف والقصد ونحوهما، ولعموم الأدلّة من الآيات والروايات المتناولة له، وانتفاء المخصّص، لما ذكرناه من الموجب لاطّراحه، مع أنّ الرواية الأُولى ليست صريحة في مطلوبهم، لجواز كون قوله: «خطأ» حالاً، والجملة الفعليّة بعده الخبر، وإنّما يتمّ استدلالهم بها على تقدير جعله مرفوعاً على الخبريّة، وأمّا نصب «خطأ» على التمييز - كما فعله بعضهم - فهو خطأ واضح.(3)

والظاهر أنّ وضوح الخطأ من جهة اعتبار الجمود في التمييز والخطأ مشتقّ، هذا كلّه في نقل عبارة المسالك التي وعدنا نقلها بالوعد الأوّل.

وفي الجواهر:

وعن المختلف: الجواب عن الرواية الأُولى بالحمل على قصد الدفع، وفيه: - مع أنّه مناف لظاهر الترتيب - أنّه مخالف لما فيهمن إلزام العاقلة الدية، بل لا شيء فيه حينئذٍ، كما أنّ في احتمال النصب منافاة


1) . السرائر 3: 368.

2) . مختلف الشيعة 9: 359، المسألة 47؛ إيضاح الفوائد 4: 601؛ التنقيح الرائع 4: 431؛ المختصر النافع: 429.

3) . مسالك الأفهام 15: 166.

...


لقوله (علیه السلام): «هذان متعدّيان» وللاستدلال، بل ولقوله: «فوثب المضروب».(1)

بل لعلّ المناقشة في السند ضعيفة؛ لأنّ الأُولى رواها في الفقيه(2)عن العلاء بن رزين عن الحلبي، وطريقه إليه صحيح، والثانية موثّقة بعمّار، واختلافهما في الخارج عن موضوع المسألة غير ضائر، خصوصاً بعد اتّفاق القائلين على أنّه على العاقلة، عدا الصدوق في ظاهره؛ لأنّه روى رواية الحلبي، ومقتضاه - إن كان باقياً على ما قدّمه في كتابه من العمل بما يرويه فيه - العمل به، وعلى تقديره فهو شاذٌّ؛ لأنّ المعروف بين القائلين كونه على العاقلة، كعمد الصبيّ والمجنون، وعلى كلّ حال لا قدح في الرواية من هذه الجهة.

ودعوى عدم صلاحية أخبار الآحاد - وإن صحّت لتخصيص الكتاب - قد ذكرنا فسادها في الأُصول، ولكن الإنصاف مع ذلك كلّه عدم الجرأة بها على تخصيص العمومات، بعد مخالفة المتأخّرين، واحتمال إرادة أنّ الأعمى غالباً لا يعلم تعمّده إلّا بإقراره منها، والله العالم.(3).

وفي دفعه (علیه السلام) إشكال المسالك (4)باختلافهما في الحكم، بأنّ الاختلاف في


1) . تهذیب الأحکام 10: 232/918، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 15؛ الفقیه 4: 107/361، في العاقلة، الحدیث 6؛ وسائل الشيعة 29: 399، کتاب الدیات، أبواب العاقله، الباب 10، الحديث 1.

2) . الفقيه 4: 107/361، باب العاقلة، الحديث 6.

3) . جواهر الكلام 42: 189.

4) . تقدّمت في الصفحة 347 - 349.

...


الخارج عن موضوع المسألة، وهو غير ضائر كما ترى، حيث إنّ الكلام في الخارج إن كان بدلالة مستقلّة فالاختلاف فيه غير ضائر بحجيّتها بالنسبة إلى غيره، كالموضوع في المسألة، فإنّ التبعيض في حجّية المتن ممّا لا بأس به، وعليه بناء العقلاء في موارد، مثل التبعيض في قوله: غسل الجنابة واجب، وغسل الجمعة واجب، بحجيّته في وجوب الجنابة دون الجمعة.

وأمّا التبعيض فيما تكون الجملات مترابطة ارتباطاً دلالياً، كارتباط المطابقة مع الالتزام، واسم الإشارة مع المشار إليه فغير ثابت، بل خلافه ثابت من العقلاء، فإنّهم لا يتعبّدون بحجّية الجملة والحديث - مثلاً - في دلالتها الالتزاميّة دون المطابقة أو في الإشارة دون المشار إليه.

ففي مثل قوله في الخمر: «الفقّاع خمر، فلا يكون نجساً»، لا يصحّ القول بحجّية الخبر بالنسبة إلى نجاسة الفقاع دون الخمريّة أو العكس، كما لاشكّ في عدم بناء العقلاء على التبعّض في إعمال الترجيح في مورد التعارض في العامّين من وجه، كما لا يخفى.

ومن المعلوم أنّ مسألة دية الخطأ، وأنّها على العاقلة من اللوازم الواضحة لها، وأنّ الخطأ يُعرف بذلك اللازم قبل أن يُعرف بعدم القود، بل عدم القود فيه واضح عقلاً وشرعاً، وغير محتاج إلى البيان، فالاختلاف فيه في الروايتين مضرٌّ كما ذكره المسالك ،(1)فتدبّر جيّداً، وهذا كلّه في الوفاء بالوعد الثاني.

والحقّ في المسألة كون الأعمى كالمبصر في توجّه القصاص عليه بعمده، وفاقاً لمن عرفت من المتأخّرين، وعدم المانع، والمخصّص لها.


1) . مسالك الأفهام 15: 167.

...


وفي الخبرين - مع قطع النظر عمّا ذكره الجواهر(1)في آخر كلامه من الإنصاف - احتمال كون الألف واللام للعهد، ففي خبر الحلبي(2)إشارة إلى الأعمى الذي صار أعمى بضربة المقتول، وفي الثاني(3)إلى الأعمى الذي فقأ عين رجل صحيحة متعمّداً. وعليه، فليس في شيء منهما تخصيص لعمومات القصاص مطلقاً؛ لعدم العمد ولا القتل بما يقتل به غالباً ممّا هو شرط في القصاص في الأوّل، وعدم المحلّ للقصاص في الثاني، بل ليس فيهما مخالفة لقواعد أُخرى أيضاً إلّا في مورد خاصّ في الأوّل فقط.

بيان ذلك: أنّ تحقّق قصد القتل والعمد فيه لمن ضرب رأسه بمعوّل فسالت عيناه على خدّيه فوثب على ضاربه بعيدٌ جدّاً ثبوتاً، والعمد منه إحرازه إثباتاً، حيث إنّه لغضبه وسخطه بصيرورته بالضرب أعمى كأنّه ليس له قدرة الاختيار والتعمّد في القتل، بل يكون تمام هدفه المقابلة بالمثل والاعتداء عليه، بل كأنّه غافل عن العمد في القتل، ومتحيّر في الانتخاب، كما أنّه لما لا يعلم ولا يبصر محلّ ما يقتل به بالضرب فالأعمى في الحديث ليس عامداً ولا قاصداً إلى ما يقتل به غالباً آلةً ومحلاً؛ لعدم القود عليه، وليس تخصيصاً لعمومات القصاص بل تخصّصاً وخروجاً موضوعيّاً.

نعم، ما فيه من كون ديته على العاقلة مع أنّ قتله على ذلك شبه العمد، للقصد إلى الفعل لا خطأ محض، مخالفٌ لقاعدة ضمان المتلف.


1) . جواهر الكلام 42: 190.

2) . تقدّمت في الصفحة 348

3) . تقدّمت في الصفحة 348.

الشرط السادس: أن يكون المقتول محقون الدم، فلو قتل من كان مهدور الدم - كالسابّ للنبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)- فليس عليه القود.(1)


هذا كلّه في صحيح الحلبي، وأمّا خبر أبي عبيدة، فعدم القصاص فيه على القاعدة، كما هو واضح؛ لعدم البصر والعين للأعمى حتّى يقتصّ منه، فإنّ الألف واللام للعهد على المفروض. نعم، على كونه للجنس في الخبرين، وأنّ عمد الأعمى خطأ مطلقاً، فلابدّ من التخصيص في أدلّة العمد والقصاص به، لكنّ الاستدلال بهما مع ما ذكر من الاحتمال وإن لم نقل بترجيحه على الجنس لإخراج الحديثين عن المخالفة للقواعد، وإعمال التعبّد في الأعمى مشكلٌ، بل ممنوعٌ، فإنّ الاحتمال مضرٌّ بالاستدلال، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

(1) عدم القود في قتل مهدور الدم ضروري ولا كلام ولا إشكال فيه من رأس، بل يكون شبيهاً بالقضايا التي قياساتها معها، حيث إنّ الضمان والقصاص لحقن الدم واحترامه، فمع هدره لا ضمان ولا قصاص قطعاً، فقتل مهدور الدم كقتل الحيّة والسبع في عدم القصاص وعدم المؤاخذة عليه.

نعم، لابدّ على ذلك في عدم القصاص على قاتله من كونه مهدوراً لكلّ أحد أو للقاتل على الأقلّ، وإلّا فعلى القاتل القصاص لمحقونيّة المقتول بالنسبة إليه، فتشمله أدلّة القصاص وعمومه، فالكلام والبحث لابدّ وأن يكون في الصغريات، كما يظهر من التأ‌مّل في المتن وإشكاله فيها.

نعم، على القول بكفاية الهدر في الجملة - كما يظهر من بعض العبائروالفتاوى - فالأمر بالعكس، بمعنى أنّه لابدّ من البحث في الكبرى دون الصغرى. وقد مرّ البحث والكلام فيها بالنقض والإبرام، وعدم تماميّة الكبرى في الفرع الأخير من لواحق الشرط الأوّل والثاني، وهو قوله: «ومنها: لو وجب على مسلم قصاص...»

...


إلى آخره فلا نعيده، ولنمحّض الكلام في الصغريات على ما في المتن فنقول:

حكم سابّ النبيّ (صلی الله علیه وآله)

منها: سابّ النبيّ (صلی الله علیه وآله)، ففي الشرائع:

من سبّ النبيّ (صلی الله علیه وآله) جاز لسامعه قتله ما لم يخف الضرر على نفسه أو ماله أو غيره من أهل الإيمان.(1)

وفي المسالك في ذيله: «هذا الحكم موضع وفاقٍ، وبه نصوصٌ».(2)

وعن الغنية: الإجماع عليه.(3)

وفي الرياض في ذيل عبارة النافع، وهو قوله: «يحلّ دمه ]أي دم سابّ النبيّ(صلی الله علیه وآله) أو أحد الأئمّة: [ لكلّ سامع»، قال:

من غير توقّف على إذن الإمام، كما هو المشهور، بل عليه في الغنية الإجماع، خلافاً للمحكيّ عن المفيد والمختلف، فلم يجوّزا قتله بغير إذنه.(4)

وفي المختلف:

مسألة 141: قال المفيد في المقنعة: ومن سبّ رسول الله(صلی الله علیه وآله) أو واحداً من الأئمّة : فهو مرتدٌّ عن الإسلام، ودمههدر، يتولّى ذلك منه الإمام (علیه السلام)، فإن سمعه منه غير الإمام فبدر إلى قتله عصى الله، ولم يكن عليه قود ولا دية؛ لاستحقاقه القتل على ما ذكرناه، لكنّه يكون


1) . شرائع الإسلام 4: 154.

2) . مسالك الأفهام 14: 452.

3) . غنية النزوع 1: 428.

4) . رياض المسائل 16: 55.

...


مخطئاً بتقدّمه على السلطان.

وقال الشيخ في النهاية: ومَن سبّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) أو واحداً من الأئمّة : كان دمه هدراً، وحلّ لمن سمع ذلك منه قتله ما لم يخف في قتله على نفسه أو على غيره. والوجه ما قاله المفيد؛ لأنّه حدٌّ، والمستوفي للحدود هو الإمام، ورواية أبي عاصم السجستاني(1)دالّة عليه.(2)انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

والحقّ عدم جواز قتله للسامع من دون إذن الإمام، وأنّ عليه القصاص؛ لعدم هدر دمه على الإطلاق.

وما استُدِلّ به على الجواز والهدر من الإجماع، وإطلاق النصوص، وخصوصها غير تامّ:

أمّا الأوّل، فلوجود الخلاف، لا سيّما مع أنّ المخالف مثل شيخ المفيد(3)مثل السيّد المرتضى(4)والشيخ الطوسي(5)وغيرهما من أئمّة الفقه والحديث، ومثل العلّامة الملّقب به في ألسنة العلماء والفقهاء من غير ترديد وإنكار، المؤلّف لغير واحد من الكتب الفقهيّة المعتمدة ك- القواعدوالتذكرة وغيرهما ممّا يبلغ أزيد


1) . الکافي 7: 376، باب النوادر، الحدیث 17؛ تهذیب الأحکام 10: 213/844، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 49؛ وسائل الشيعة 29: 272، کتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 33، الحديث1.

2) . مختلف الشيعة 9: 460، المسألة 141.

3) . المقنعة: 743.

4) . الانتصار: 480.

5) . النهاية: 730.

...


من خمسة عشر كتاباً.(1)

هذا، مع أنّ الاتّفاق على تحقّقه وحجيّته غير حجّة في مثل المسألة من المسائل الاجتهاديّة والمسائل المنصوصة، كما لا يخفى.

أمّا الثاني، الذي استدلّ به الجواهر ،(2)ففيه ما لا يخفى؛ لأنّ الإطلاق في مقام بيان سببيّة السبّ للقتل، كالرجم والارتداد وأمثالهما دون كيفيّة الإجراء وشرائطه.

وأمّا الثالث؛ أي النصوص الخاصّة الثلاثة من صحيح هشام بن سالم عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنّه سُئِل عمّن شتم رسول الله (صلی الله علیه وآله)، فقال (علیه السلام): «يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفع إلى الإمام».(3)

وموثّق عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(علیهما السلام)، ففيه: فقال أبوعبدالله(علیهما السلام): «أخبرني أبي أنّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) قال: الناس فيّ اُسوة سواء، من سمع أحداً يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال منّي».(4).

وصحيح محمّد بن مسلم، ففيه: قال محمّد بن مسلم: فقلت لأبي جعفر (علیه السلام):


1) . مختلف الشيعة 1: 25، (المقدّمة).

2) . جواهر الكلام 42: 191.

3) . الکافي 7: 259، باب حدّ المرتّد، الحدیث 21؛ تهذیب الأحکام 10: 141/560، باب حدّ المرتدّ والمرتدّة، الحدیث21؛ وسائل الشيعة 28: 337، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب حدّ المرتدّ، الباب7، الحديث1.

4) . الکافي 7: 266، باب النوادر، الحدیث 32؛ تهذیب الأحکام 10: 84/331، باب الحدّ في الفریة والسبّ...، الحدیث 96؛ وسائل الشيعة 28: 212، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب حدّ القذف، الباب25، الحديث2.

...


أرأيت لو أنّ رجلاً الآن سبّ النبيّ (صلی الله علیه وآله) أيقتل؟ قال: «إن لم تخف على نفسك فاقتله».(1)

ففيه: أمّا صحيح هشام، ففيه احتمال كون القضيّة شخصيّة، وكون السؤال عن واقعة خارجيّة لا عن أمر كلّي فقهي، حتّى يتمّ الاستدلال به حيث إنّه نقل عنه (علیه السلام) بكونه مسؤولاً عمّن شتم وهو هشام، فالراوي ليس بسائل بل هو ناقل عن كونه (علیه السلام) نائباً للفاعل عن الفعل المبنيّ للمجهول عن مادّة السؤال، فلعلّه (علیه السلام) كان عالماً بمن سئل عن شتمه، ويؤ‌يّده التعبير في الحديث بالفعل الماضي من مادّة الشتم ففيه: سئل(علیه السلام) عمّن شتم الدالّ على وقوعه، ومع هذا الاحتمال لا يصّح الاستدلال، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. هذا، مع أنّ دعوى ظهور الحديث في كونه قضيّة شخصية - لما ذكر من الوجهين - ليست دعوى جزافيّة خالية عن القرينة.

وأمّا موثّق عليّ بن جعفر فمعارض مع صحيح ابن مسلم، حيث إنّ المتفاهم من سؤال ابن مسلم بقوله: «أرأيت لو أنّ رجلا الآن...» إلى آخره.

بعد نقله (علیه السلام) قضيّة رجل من هذيل، أنّ ما فيها من جواز قتل سابّ النبيّ(صلی الله علیه وآله) لم يكن ظاهراً في الدوام، وإلّا لم يسأل ابنمسلم الفقيه عن الجواز في زمانه وفي الآن.

المتفاهم من توجيه الأمر والخطاب من أبي جعفر (علیه السلام) إليه شخصاً مع أنّ


1) . الکافي 7: 267، باب النوادر، الحدیث 33؛ تهذیب الأحکام 10: 85، 333، باب الحدّ في الفریة والسبّ...، الحدیث 98؛ وسائل الشيعة 28: 213، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب حدّ القذف، الباب25، الحديث3.

...


السؤال عن العموم، كون الأمر إذناً شخصيّاً لا حكماً كلّياً إلهياً، وإلّا كان المناسب بل اللازم في الجواب، الجواب بما يدلّ على الحكم الكلّي.

وعلى ذلك فلا دلالة للصحيح - لا من صدره وهو قضيّة هذيل ولا من ذيله وهو جواب الإمام (علیه السلام) عن سؤال ابن مسلم - على أزيد من جواز القتل مع الإذن الشخصي، بل فيه الدلالة على اعتباره وشرطيته وعدم الإباحة وهدر الدم على الإطلاق؛ حيث إنّه مع عدم اعتبار إذنه كذلك كان إذنه (علیه السلام) في غير محلّه وهو كما ترى، فإنّ بعد إذن الله تعالى وإباحته لا احتياج إلى إذن الإمام (علیه السلام) كما لا يخفى.

فالصحيح كما أنّه ظاهر في شرطيته عدم الخوف في جواز قتل السابّ فكذلك ظاهر في اعتبار الإذن في قتله فليس للسامع لسبّ النبيّ (صلی الله علیه وآله) قتله إلّا مع الإذن.

وعلى هذا، فصحيح محمّد بن مسلم معارض مع موثّق عليّ بن جعفر، الظاهر في جواز القتل لكلّ سامع للشتم في كلّ الأزمنة من دون احتياج إلى الإذن والمراجعة إلى الحكومة، والترجيح مع صحيح ابن مسلم؛ لصحّة سنده.

وسند الموثّق وإن كان حجّة ومعتبراً، لكنّه موثّق لا صحيح.

وبما ذكرناه يظهر عدم الدليل على ما هو المشهور من جواز قتل السامع لسابّ النبيّ (صلی الله علیه وآله)، وهدر دمه على الإطلاق. وعليه، فعلى قاتله من دون إذن الحكومة والحاكم القصاص، كما مرّ بيانه.

وما عن المفيد من عدم القود والدية عليه؛ لاستحقاقه القتل،(1)فضعفه ظاهرممّا مرّ.(2)

ثمّ إنّ الجواز - على القول به، كما هو المشهور - مقيّد بعدم خوف الضرر على


1) . المقنعة: 743.

2) . مرَّ في الصفحة 352 - 353.

وكذا لا قود على من قتله بحقّ كالقصاص والقتل دفاعاً،(1) وفي القود على


القاتل نفسه وماله وعرضه، وكذا سائر المسلمين؛ لصحيح ابن مسلم السابق، ولفحوى ما ورد في قتل السابّ لأمير‌المؤمنين (علیه السلام) أو أحد الأئمّة :، ولقاعدة نفي الضرر والحرج، بل لا ينبغي الإشكال في تقيّده بعدم الخوف على الضرر على الإسلام وعزّته أيضاً، بتضييع حرمته وصيرورته متهماً بالفوضى وعدم الأمن والأمان فيه، وبأنّه مع كون المقتول غير قادر على الدفاع فكيف يحكم عليه بارتكابه السبّ واستحقاقه التعزير أو الحدّ، وبغير ذلك ممّا يوجب الضرر بعزّته، فضلاً عمّا يوجب الوهن فيه، كما لا يخفى؟!

وعلى أيّ حالٍ، فعلى المشهور لا ينبغي الشكّ في القصاص في بعض تلك الصور، ممّا يكون المنع من جهة الضرر على الإسلام، أو من جهة الضرر العظيم على الغير، كما يظهر بالمراجعة والدقّة في القواعد والضوابط التي بيّناها. فتدبّر جيّداً.

(1) عدم القود فيهما ضروري ولابدّ منه بعد جواز القتل، فإنّ اللازم من جوازه بهما هو الهدر وعدم الحرمة لدم المقتول بهما، كما هو أظهر من الشمس وأبين من الأمس.

وبالجملة؛ القصاص بهما منافٍ لجوازهما ومباين ذاتي لهما، وإلى ذلك يشير خبر أبي الصباح الكناني، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في حديث، قال: سألته عن رجل قتله القصاص، له دية؟ فقال: «لو كان ذلك لم يقتصّأحد من أحد»، وقال: «من قتله الحدّ فلا دية له».(1)هذا، مع ما يدلّ على عدم القصاص في القصاص والحدّ، من


1) . الکافي 7: 292، باب من لا دیة له، الحدیث 7 و3، عن زید الشحّام؛ تهذیب الأحکام 10: 207/715 و719، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 20 و24، عن زید الشحّام؛ الاستبصار 4: 279/1056، الحدیث 2، عن زید الشحّام؛ وسائل الشيعة 29: 63، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث1.

قتل من وجب قتله حدّاً - كاللائط والزاني والمرتدّ فطرةً بعد التوبة - تأ‌مّل وإشكال.(1) ولا قود على من هلك بسراية القصاص أو الحدّ.


الأخبار الكثيرة المنقولة في الوسائل في الباب 24 من أبواب القصاص في النفس.(1)

(1) والظاهر كما مرّ في اللواحق القصاص بالقتل كذلك؛ لعموم أدلّة القصاص، وعدم الدليل على هدر دمهم بالنسبة إلى المسلمين على الإطلاق ولكلّ واحد منهم، بل دليل هدرهم مختصٌّ بالحكومة والحاكم أو الإمام (علیه السلام)، كاختصاص إجراء بقيّة الحدود بهما، فكما لا دليل على هدر دمهم بالنسبة إلى الكفّار، ولذلك كان على الذمّي القود في قتله المرتدّ كذلك بالنسبة إلى المسلمين. فتدبّر جيّداً.

ولقد أجاد سيّدنا الأُستاذ (سلام الله عليه) في جعله القود فيهم محلّ إشكال وتأ‌مّل، بعد ما كان عدم القود في مثل الشرائع - الذي هو قرآن الفقه - وغيره مرسلاً إرسال المسلّم.

ففي الشرائع:

الشرط الخامس: أن يكون المقتول محقون الدم، احترازاً من المرتدّ بالنظر إلى المسلم، فإنّ المسلم لو قتله لم يثبت القود، وكذا كلّ من أباح الشرع قتله، ومثله من هلك بسراية القصاص أو الحدّ.(2).

وممّا ذكرناه كلّه ظهر الوجه في قوله: «ولا قود على من هلك بسراية القصاص أو الحدّ»، ولا حاجة إلى بيانه.


1) . وسائل الشيعة 29: 63، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24.

2) . شرائع الإسلام 4: 201.

القول فيما يثبت به القود

اشارة

وهو أُمورٌ:(1)

الأوّل: الإقرار بالقتل

ويكفي فيه مرّة واحدة، ومنهم من يشترط مرّتين،(2) وهو غير وجيه.


(1) ثلاثة: الإقرار، والبیّنة، والقسامة.

الإقرار بالقتل

(2) ففيه خلافٌ، وفي المسالك:

القول بثبوته بالإقرار مرّة مذهب أكثر الأصحاب.

إلى أن قال:

وذهب الشيخ في النهاية(1)والقاضي(2)وابن إدريس(3)وجماعة إلى اعتبار المرّتين.(4)


1) . النهاية: 742.

2) . المهذّب 2: 502.

3) . السرائر 3: 341.

4) . مسالك الأفهام 15: 174.

...


واستُدِلّ للأوّل بعموم أدلّة الإقرار، مثل: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»،(1)وغيره ممّا هو مذكور في كتاب الإقرار، وبخصوص الروايات الدالّة على أخذ المقرّ والحكم عليه بمجرّد المرّة، مثل ما في حكاية قضاء الحسن (علیه السلام): «فلمّا أقرّ الرجل الخارج من الخربة وبيده سكّين متلطّخة بالدم، وفيها رجل مذبوح وقضى أمير‌المؤمنين(علیه السلام) بالقود، فأقرّ آخر بأنّه القاتل، قبل منه وأسقط القود».(2)

وما يدلّ على كون دية الخطأ على المقرّ،(3)فإنّ المذكور فيها الإقرار مرّة لا أزيد. وما يدلّ على حكم لو أقرّ واحد بالعمد والآخر بالخطأ.(4)

وما في صحيحة زرارة،(5)عن أبي جعفر(علیه السلام) من أنّ شخصاًأقرّ بأنّه القاتل بعد أن شهد جماعة على غيره أنّه القاتل، وغير ذلك.


1) . عوالي اللئالي 1: 223، الفصل التاسع، الحدیث 104 و2: 257، باب الدیون، الحدیث 5، و3: 442، باب الإقرار، الحدیث 5؛ مستدرك الوسائل 13: 369، کتاب التجارة، أبواب بیع الحیوان، الباب 3، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 23: 184، کتاب الإقرار، الباب 3، الحديث2.

2) . راجع: لم أعثر علی هذه الروایة بهذه الألفاظ، ولکنّ القضیّة صحیحة ومنقولة في کتب الحدیث منها: الکافي 7: 289، باب نادر، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 173/679، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 19 و6: 315/874، باب من الزیادات في القضایا...، الحدیث 81؛ الفقیه 3: 14/37، باب الحیل في الأحکام، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 142، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 4، الحديث 1 و2، عبارة الماتن متّخذة من الروايتين المذكورتين في هذه المصادر.

3) . لعلّه مستفاد من الرواية التي جاء في وسائل الشيعة 29: 144، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 5.

4) . وسائل الشيعة 29: 141، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 3.

5) . الکافي 7: 290، باب نادر، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 1: 172/678، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 18؛ وسائل الشيعة 29: 144، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 5، الحديث 1.

...


والعمدة من هذه الوجوه هو عموم أدلّة الإقرار؛ لما في الأخبار الخاصّة من المناقشة بكونها واردة مورد تعارض الإقرار مع إقرار آخر أو مع الشهود، وفي مورد التعارض خصوصيّة الاتّهام بتبرئة القاتل موجودة، فلعلّ كفاية المرّة كانت دفعاً للتآمر والتوطئة، وتلك الخصوصيّة منتفية في غير مورد التعارض، فالاستدلال بتلك الأخبار غير تامّ.

وأمّا ما يدلّ من الأخبار على كون دية الخطأ... إلى آخره، فما وجدناه في مثل الوسائل وغيره من كتب الأخبار، ولم يبيّنه المستدلّ مجمع الفائدة والبرهان. ولعلّ نظره إلى ما دلّ من الأخبار(1)على أنّه لا تضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً، ومن المعلوم أنّه ليس من ذكر الإقرار مرّة فيه أثر أصلاً، بل ولا يدلّ على كفاية المرّة من جهة الإطلاق أيضاً؛ لأنّه في مقام بيان موارد عدم ضمان العاقلة بعد ثبوت أصل القتل والضمان لا في مقام بيان كفاية الإقرار وعدمها كما لا يخفى.

وللثاني وهو الأحوط بل الأقرب؛ بالاحتياط في الدماء، وبالأولويّة عن السرقة، فلا تقلّ عن الإقرار بالسرقة التي يشترط فيها التعدد، فهي أولى.

وما في الجواهر وغيره(2)من الإيراد على الوجهين وردّهما بأنّ:

الاحتياط في الدماء الذي لا يعارض مع الأدلّة مع أنّه معارضٌ بمثله، وعدم بطلان دم المسلم، ولذا قبلت فيه في الجملة شهادة النساء والصبيان وقسامة المدّعي؛ تحقيقاً لقوله تعالى: وَلَكُمْ فِيالْقِصَاصِ حَياةٌ(3)وإلّا


1) . وسائل الشيعة 29: 394، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 3.

2) . المهذّب البارع 5: 199.

3) . البقرة (2): 179.

...


القياس على السرقة ممنوع عندنا، على أنّه مع الفارق، ضرورة كونها من الحقوق الإلهيّة المبنيّة على التخفيف والمسامحة، ولذا يسقط بالتوبة بخلاف حقوق الآدميّين.(1)

ففيه: أنّ الدليل ليس بأزيد من عموم مثل: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»،(2)وشموله لمثل باب الدم والقصاص الذي ليس بقابل للاستيفاء على فرض وقوع خطأ وسهو في الإثبات محلّ تأ‌مّل بل منع، فإنّ انصرافه إلى الأموال والأُمور القابلة للتدارك أو الجزئيّة وإن لم تكن قابلةً له، غير بعيد بل قريب، فالاحتياط منشأ للانصراف، لا أنّه معارض له حتّى يُقال بعدم قابليّة معارضة الأصل والاحتياط مع الدليل.

وأمّا معارضته بمثله، فمذبوبة باختلافهما في المحلّ، فلا معارضة من رأس؛ وذلك لأنّ مورد عدم البطلان بعد ثبوت القتل، فإنّه «لا يبطل دم امرءٍ مسلم»،(3)ولذا تكون ديته في بعض الموارد على بيت المال أو الإمام، ومورد الاحتياط في الدماء قبل الثبوت، وفي مقام الإثبات المبحوث عنه في المقام، وقبول شهادة النساء وما بعدها ليس تحقيقاً لقوله تعالى:وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ،(4)كيف والعفو


1) . جواهر الكلام 42: 204.

2) . تقدّم الکلام فيها وتخریجها في الصفحة 362.

3) . الکافي 7: 295، باب الرجل یقتل فلم تصحّ الشهادة...، الحدیث 1؛ الفقیه 4: 78/242، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 232/915، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 48؛ وسائل الشيعة 29: 72، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 29، الحديث1.

4) . البقرة (2): 179.

(مسألة 1): يعتبر في المقرّ: البلوغ والعقل والاختيار والقصد والحرّيّة، فلا‌عبرة بإقرار الصبيّ وإن كان مراهقاً، ولا المجنون، ولا المكره، ولا الساهي والنائم والغافل والسكران الذي ذهب عقله واختياره.(1)


خیر منه؟! بل يكون تخفيفاً لحصول الاطمئنان وتماميّة الحجّة، فإن الباب باب حقوق الناس، فلابدّ من رعاية حقّ المقتول والقاتل بجعل الشارع شهادة النساء وغيرها، ممّا يوجب الاطمئنان حجّةً في الإثبات، ففي الحقيقة حجّية تلك الأُمور راجعة إلى كون القصاص من حقوق الناس لا إلى تحقيق القصاص والحياة، كما لا يخفى. فتأ‌مّل.

نعم، الإيراد على الأولويّة باحتمال الخصوصيّة في السرقة، فليست الأولويّة قطعيّة، بأنّ القطع من حقوق الله المبنيّة على التخفيف والمسامحة، تامّ.

وبذلك يظهر أنّ الاستدلال كان بالأولويّة لا القياس كما هو الظاهر والواضح.

فالإيراد عليها بالقياس، وأنّه ممنوعٌ عندنا فكما ترى، حيث إنّ المستدلّ من الإماميّة لا يستدلّ به في شيء من الفقه فضلاً عمّا في المقام من الاستدلال بالأولويّة. فما في الجواهر من الإشكال بممنوعيّة القياس ممّا لا ينبغي صدوره من مثله 1 على مثل المستدلّ ;، كما لا يخفى.

وكيف كان، فالعمدة في أقربيّة الثاني انصراف العمومات، فلابدّ من الاحتياط في الدماء والعمل بأصالة عدم جواز قتل المقرّ إلّا في المتيقّن من حجّية الإقرار المتحقّق بالإقرار مرّتين.

(1) الوجه الإجمالي في اعتبار تلك الشرائط، اعتبارها في المقرّ، وتفصيلها في كتاب الإقرار.

(مسألة 2): يقبل إقرار المحجور عليه لسفه أو فلس بالقتل العمدي، فيؤخذ بإقراره، ويقتصّ منه في الحال من غير انتظار لفكّ حجره.(1)

(مسألة 3): لو أقرّ شخص بقتله عمداً وآخر بقتله خطأً، كان للوليّ الأخذ بقول صاحب العمد، فيقتصّ منه، والأخذ بقول صاحب الخطأ،(2) فيلزمه بالدية، وليس له الأخذ بقولهما.


(1) لعدم الحجر عليه، فتشمله العمومات.

(2) كما صرّح به غير واحد،(1)بل عن الانتصار:(2)الإجماع عليه؛ وذلك لأنّ إقرار كلٍّ منهما حجّة وسبب مستقلّ في إيجاب مقتضاه على المقرّ به، ولا يمكن الجمع بين الأمرين، فيتخيّر الوليّ في العمل بأ‌يّهما شاء وإن جهل الحال.

هذا مضافاً إلى خبر الحسن بن صالح، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل وجد مقتولاً فجاء رجلان إلى وليّه، فقال أحدهما: أنا قتلته عمداً، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ؟ فقال: «إن هو أخذ بقول صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل».(3)

ولا يخفى عليك أنّه ليس في الحديث أمر أزيد ممّا قبله من قاعدة الإقرار، وتخيير الوليّ لعدم إمكان الجمع بين الأمرين المدلول عليه بنفيه السبيل على الآخر بعد أخذ أحدهما بإقراره، فلا يكون دليلاً مستقلاً زائداً عليه، بل يكون شاهداً


1) . منهم المحقّق في شرائع الإسلام 4: 203؛ والعلّامة في قواعد الأحكام 3: 612؛ ومختلف الشيعة 9: 442، المسألة 112؛ وإرشاد الأذهان 2: 215؛ والشهيد في غاية المراد 4: 408.

2) . الانتصار: 543.

3) . الکافي 7: 289، باب نادر، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 172/677، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 17؛ الفقیه 4: 78/244، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 141- 142، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 3، الحديث 1.

(مسألة 4): لو اتّهم رجل بقتل وأقرّ المتّهم بقتله عمداً، فجاء آخر وأقرّ أنّه هو الذي قتله، ورجع المُقرّ الأوّل عن إقراره، درئ عنهما القصاص والدية، ويؤدّى دية المقتول من بيت المال على رواية عمل بها الأصحاب، ولا بأس به، لكن يقتصر على موردها والمتيقّن من مورد فتوى الأصحاب، فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد، ولو لم يكن بيت مال للمسلمين فلا يبعد إلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية، ولو لم يكن لهما مال ففي القود إشكال.(1)


عليه، معتضداً له.

وعن بعض العامّة من قتلهما أو أخذ الدية منهما واضح الفساد؛ لما فيه من المخالفة لأحد الإقرارين، بل وكذا ما عن الغنية(1)والإصباح(2)من تخيّر الوليّ بين قتل المقرّ بالعمد وأخذ الدية منهما نصفين؛ لما فيه من ترجيح الإقرار بالعمد بما لا دليل عليه، بل عموم أدلّة الإقرار وشمولها للإقرارين دليل وحجّة على خلافه، كما أنّ أخذ الدية منهما نصفين طرح لكلا الإقرارين، وهو كما ترى.

(1) البحث في المسألة وفي الاقتصار على مورد الرواية، وفي فرع عدم بيت المال يتمّ في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: ما في المتن من حكم المسألة، وهو المشهور بين الأصحاب، بل في كشف الرموز: «والأصحاب ذاهبون إليها، وما أعرفلها مخالفاً».(3)بل ظاهر الانتصار: الإجماع عليه، وفيه مضافاً إلى ذلك جعل النصّ هو المستند للأصحاب، حيث قال في المسألة:


1) . غنية النزوع 1: 407.

2) . إصباح الشيعة: 494.

3) . كشف الرموز 2: 614.

...


ولأننّا نسند ما نذهب إليه في هذه المسألة إلى نصٍّ، وتوقيف، ويرجع المخالف لنا إلى الظنّ والحسبان.(1)

والمخالف للمشهور الشهيد الثاني في المسالك(2)والروضة(3)وأبو‌العبّاس في المهذّب.(4)

ففي المسالك بعد الإشكال على مستندهم بكونه مرسلاً مخالفاً للأصل: «والأقوى تخيير الوليّ في تصديق أ‌يّهما شاء، والاستيفاء منه».(5)

ومثله الروضة،(6)ويظهر من اللثام التردّد، حيث قال: «الخبر مرسلٌ مرفوعٌ مخالفٌ للأُصول».(7)

والظاهر انحصار المخالف فيهم؛ لعدم نقل الخلاف ممّن سواهم، بل في تعليقات صاحب مفتاح الكرامة على قصاص اللثام بعد نقل الخلاف والتردّد منهم، قال: «ولم نجد الخلاف إلّا ممّن عرفت، وقد سبقهم الإجماع».(8)

وكيف كان، فدليل المشهور ومستندهم خبر عليّ بن إبراهيم، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: اُتي أمير‌المؤمنين (علیهالسلام) برجل وجد في خربة وبيده سكّين ملطّخ بالدم، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له


1) . الانتصار: 543.

2) . مسالك الأفهام 15: 176.

3) . الروضة البهيّة 10: 70.

4) . المهذّب البارع 5: 202.

5) . مسالك الأفهام 15: 177

6) . الروضة البهيّة 10: 70.

7) . كشف اللثام 11: 114.

8) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 40.

...


أمير‌المؤمنين(علیه السلام): «ما تقول؟»، قال: یا أمیر المؤمنین أنا قتلته، قال: «إذهبوا به فأقيدوه»، فلمّا ذهبوا به أقبل رجل مسرعاً، - إلى أن قال: - فقال: أنا قتلته، فقال أمير‌المؤمنين (علیه السلام) للأوّل: «ما حملك على إقرارك على نفسك؟»، فقال یا أمیر المؤمنین: وما كنت أستطيع أن أقول، وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني وبيدي سكّين ملطّخ بالدم، والرجل يتشحّط في دمه، وأنا قائم عليه، وخفت الضرب فأقررت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة، فأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحّطاً في دمه، فقمت متعجّباً، فدخل عليّ هؤلاء، فأخذوني، فقال أمير‌المؤمنين (علیه السلام): «خذوا هذين، فإذهبوا بهما إلى الحسن (علیه السلام)، وقولوا له: ما الحكم فيهما؟»، قال: فذهبوا إلى الحسن (علیه السلام) وقصّوا عليه قصّتهما، فقال الحسن(علیه السلام): «قولوا لأمير‌المؤمنين (علیه السلام): إنّ هذا إن كان ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال الله عزّوجلّ: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً(1)يخلّى عنهما، وتخرج دية المذبوح من بيت المال».(2)

وفي فتوى المشهور واستنادهم إلى الخبر محاذير، ومخالفة للقواعد:

منها: عدم اختصاص الحكم بالإقرارين، بل يكون للأعمّ منهما ومن ثبوت الأوّل بالبيّنة أو القسامة، مع أنّ المشهور الاختصاص لما في الخبر من عموميّة


1) . المائدة (5): 32.

2) . الکافي 7: 289، باب نادر، الحدیث 2، وفيه: «اذهبوا به فاقتلوه به» مکان «اذهبوا به فأقیدوه»؛ تهذیب الأحکام 10: 173/679، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 19، و6: 315/874، باب من الزیادات في القضایا...، الحدیث 81، مع تفاوت في بعض الألفاظ؛ الفقیه 3: 14/37، باب الحیل في الأحکام، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 142- 143، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 4، الحديث 1.

...


الكبرى، فإنّها هي قول الحسن (علیه السلام): «إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً».

وعليه، إن ثَبت كون المتّهم قاتلاً بالبيّنة أو القسامة، ثمّ جاء آخر وأقرّ بأنّه القاتل والمتّهم بريء من القتل، وأنكر المتّهم القتل وأنّه بريء، كما يقول المقرّ، فالحكم فيه أيضاً درئ القصاص والدية عنهما، وتأدية الدية من بيت المال، فتخصيصهم الحكم بالإقرارين مع عموميّة الدليل، كما ترى.

ومنها: أنّ جواز أداء الدية من بيت المال فضلاً عن لزومه المفتى به مشكلٌ، بل ممنوعٌ؛ لأنّ المقرّ الثاني إن كان بإحياء النفس مستحقّاً للجزاء بالمثوبة فعلى الأوّل جزاؤه بأداء الدية؛ لأنّه المنتفع من إقرار الثاني، فمن له الغنم فعليه الغرم، وبيت المال وإن كان معدّاً للصرف في مصالح المسلمين لكنّه مشروطٌ قطعاً بعدم المكلّف والملزَم (بالفتح) بالصرف، وإلّا فإن لم يكن مشروطاً بذلك لكان صرفه في دية المقتول في شبه العمد - مثلاً - مع وجود القاتل الملزم، المتمكن للأداء والمريد لها جائز وهو كما ترى.

فمقتضى القاعدة في المسألة كون الدية على المقرّ الأوّل دون بيت المال المخالف للقواعد.

ومنها: أنّ اللازم من ذلك الحكم سقوط حقّ القصاص الموجب للحياة: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ يا أُوْلِي الأَلْبَابِ،(1)وتضييع حقوق أولياء الدم، بلولك أن تقول: إنّ الحكم كذلك مخالف للكتاب والسنّة القطعيّة؛ وذلك لكونه موجباً لجواز التواطؤ من المقرّين على قتله بالإقرارين كذلك من القاتل وغيره


1) . البقرة (2): 179.

...


لإسقاط القود والدية، ولا لوم ولاذنب على ذلك التواطؤ؛ لكونه مسبّباً ومستنداً إلى الشرع وقانونه، كما لا يخفى.

وإلى ذلك يشير ما عن المهذّب البارع(1)في مفتاح الكرامة من قوله:

إنّه لا يجوز للفقيه أن يحكم بمثل هذا الحكم بجواز التواطؤ من المقرّين على قتل المسلم وإسقاط القصاص والدية.(2)

وفي الجواهر الإشكال عليه بقوله:

وهو كما ترى مجرّد اعتبار لا يعارض ما سمعت من النصّ والفتوى المشتمل على الكرامة للحسن (علیه السلام)، باعتبار أنّه لو كان غيره لأخذ بقاعدة الإقرار، إلّا أنّه لمّا كان مؤ‌يّداً بروح القدس ومسدّداً بتسديداته، والفرض أنّ الحكم عند الله تعالى شأنه على خلاف قاعدة الإقرار، للحكمة التي ذكرها أبو‌محمّد (علیه السلام) قضى فيها بما سمعت، وأراد أمير‌المؤمنين (علیه السلام) إظهار أمر الحسن(علیه السلام) وأنّه من معادن أسرار الله تعالى.(3)

وفيه ما لا يخفى، حيث إنّ تضييع حقوق الناس وتجويز التوطئة لدفع القصاص الذي فيه الحياة كيف يكون كرامة؟! وكيف يكون ذلك الحكم المخالف للعقل والكتاب والسنّة مؤ‌يّداً بروح القدس ومسدّداً بتسديداته؟! وكيف يصحّ القول بحجّية ما يدلّ على الحكم المخالف لتلك الحجج الباهرةوالأنوار الساطعة؟!

هذا، مع أنّه على ما ذكره ; لا يوجد خبر مخالف للكتاب أصلاً، حيث إنّ


1) . المهذّب البارع 5: 202.

2) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 40.

3) . جواهر الكلام 42: 208.

...


الخبر إن كان مخالفاً على نحو التباين يكون حجّة وقابلاً للعمل وواصلاً من المؤ‌يّدين بروح القدس، فإنّ المخالفة تكون بما عندنا من الفهم والظواهر، وإلّا فالحكم عند الله على خلاف القرآن بما يفهمه المعصومين (صلوات عليهم أجمعين)، وهو كما ترى، فإنّه خلاف التحقيق، وخلاف مذهب الجواهر وغيره، بل خلاف سيرة الفقهاء، كما هو الظاهر الواضح. نعم، إنّما يكون حكمه (علیه السلام) بذلك النحو من الحكم كرامة على ما نبيّنه ونوضحه من مورد الحديث من دون مخالفة فيه للكتاب والسنّة، فانتظر.

ومنها: ما في استنادهم إلى الخبر، وأنّ إرساله ورفعه منجبر بعمل الأصحاب ما لا يخفى؛ لما بين الخبر والفتوى من التغاير والتفاوت موضوعاً، فكيف يحرز الاستناد؟ فإنّ مورد الخبر - كما سنبيّنه - ما كان الإقراران بضميمة القرائن والشواهد موجباً للاطمئنان بصحّتهما، وذلك بخلاف مورد الفتوى من الإقرارين مطلقاً.

اللهمّ إلّا أن يُقال بأنّ مقتضى الجمع بين استنادهم المعلوم إلى الحديث وبين عدم كونه قائلاً لاستنادهم إليه؛ لما عرفت من التفاوت بين الحديث وفتواهم، كون الخطأ منهم في فقه الحديث، وما يكون جابراً نفس الاستناد والفتوى بالرواية، الذي يكون معلوماً ولا شكّ فيه، فإنّها كاف في اعتبار سند الرواية لامطابقة فتوى المستند مع الرواية زائداً على الاستناد. فتأ‌مّل.

هذا تمام الكلام في محاذير فتوى المشهور، ومنه يعلم أنّ الأقوى - وفاقاًللمسالك(1)- تخيير الوليّ في الإقرارين - أي في مورد فتوى المشهور - في تصديق


1) . مسالك الأفهام 15: 177.

...


أ‌يّهما شاء والاستيفاء منه، كما سبق لما سبق.

المقام الثاني: كون مقتضى عموم العلّة في الرواية عدم اختصاص الحكم بموردها، وأنّه ثابت في أمثال المورد من مصاديق العلّة، وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال والبحث فيه، وإنّما الشأن في فقه الرواية، والظاهر بل المقطوع أنّ موردها الإقراران الموجبان للاطمئنان بصحّتهما من جهة الشواهد والقرائن، وذلك في الأوّل واضح؛ لما فيه من الشواهد والقرائن التي بيّنها في جواب السؤال عنه بالإقرار بعد التبرئة، وكذا الثاني؛ لأنّ من يرى المتّهم بالقتل المحكوم بالقصاص ومع ذلك يقرّ بتبرئته، وأنّ القاتل نفسه لا داعي له قطعاً إلّا بيان الحقيقة والواقع، وهذا بخلاف ما يكون مورداً لفتوى الأصحاب من كفاية الإقرار بما هو هو في الحكم. وقد عرفت عدم تماميته بما ذكرناه في فقه الرواية.

والظاهر أنّ عدم التخيير في الرواية مطابق للقواعد، فالمعتمد هو الرواية المعتضدة بالقواعد، ويُقال في إرسالها ورفعها: إنّه منجبر بعمل الأصحاب، بل في الجواهر:

لولا ظهور الاتّفاق على النصّ المزبور، المشتمل على كرامة الحسن (علیه السلام) أمكن حمل ما وقع من الحسن (علیه السلام) على أنّه قضيّة في واقعة أو غير ذلك.(1)

ولا يخفى عدم تماميّة الحمل كذلك مع ما فيها من الكبرى الكلّية والتعليل بها.ثمّ إنّ التعدّي عن مورد الرواية إنّما يكون فيما كان إقرار الأوّل من باب اللابدّية، وأنّه لا طريق لإنكاره من جهة الشواهد، بحيث كان في طريقه نحو


1) . جواهر الكلام 42: 208.

...


القصاص، وكان إقرار الثاني لتبرئته وبداعي إجراء القصاص في حقّه؛ لأنّه القاتل، ومن المعلوم أنّ ذلك غير متحقّق إلّا مع الجهل بحكم المسألة، من عدم القصاص، ومن أداء الدية من بيت المال، وإلّا فمع علمه بالحكم بل واحتمال كون الحكم كذلك لا يحصل القطع بانحصار داعي المقرّ الثاني في القصاص، فلعلّه يكون توطئة في براءتهما عن القصاص، وذهاب حقّ أولياء الدم فيه، وذلك غير مماثل لمورد الرواية، ولا ممّا ينطبق عليه التعليل والكبرى الكلّية، كما لا يخفى.

وما في المتن، تفريعاً على لزوم الاقتصار على مورد الرواية، وعلى المتيقّن من فتوى الأصحاب من قوله: «فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد» موافقٌ مع قاعدة الاقتصار فيما خالف الأُصول على المتيقّن، لكنّه مخالف لعموم التعليل، كما لا يخفى. ومع العموم فيه، الاقتصار على المتيقّن مخالف لظهور التعليل في العموم، والظهور حجّة بالنسبة إلى تمام أفراده الشامل لها على السويّة، فالأقوى عدم القصاص في مثل مورد الرواية، ولو مع عدم رجوع الأوّل، ولا فرق في ذلك بين جعل المورد على المشهور الإقرارين بما هما هما، أو الإقرارين على نحو ما بيّنّاه حيث إنّ المناط عموم التعليل.

المقام الثالث: ظاهر التعليل المزبور عدم الفرق بين وجود بيت مال وعدمه، بل لعلّه ظاهر الفتاوى. وفي المسالك:

وعلى المشهور، لو لم يكن بيت مال أشكل درئ القصاصعنهما وإذهاب حقّ المقرّ له.(1)

وفيه: أنّ ذلك يتمّ مع عدم القول بإلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية؛ لئلّا


1) . مسالك الأفهام 15: 177.

الثاني: البيّنة

لا يثبت ما يوجب القصاص - سواء كان في النفس أو الطرف - إلّا بشاهدين عدلين، ولا اعتبار بشهادة النساء فيه منفردات ولا منضمّات إلى الرجل، ولا توجب بشهادتهنّ الدية فيما يوجب القصاص.(1)


يبطل دم امرءٍ مسلم. نعم، على القول بدرئ القصاص والدية عنهما، الإشكال في محلّه.

فما في الرياض من قوله: «نعم، لو لم يكن بيت مال كهذا الزمان أشكل درئ القصاص والدية عنهما وإذهاب حقّ المقرّ له رأساً»(1)تامٌّ، ولعلّه كان إليه نظر المسالك أيضاً.

ولو لم يكن لهما مال، ولم يؤدّ الدية شخص، فالظاهر كون القصاص على الثاني؛ لأنّه القاتل على ما بيّنّاه، كما لا يخفى، وعليهما على التخيير، وعلى كون مورد الحكم هو الإقراران بما هما هما؛ قضاءً للقاعدة.

وما في المتن من الإشكال في القود في هذه الصورة، ففيه ما لا يخفى، لما مرّ(2)من القصاص. وعموم العلّة معارض بعدم بطلان دم امرءٍ مسلم، فعمومات القصاص محكّمة.

شهادة النساء في القتل

(1) عدم الاعتبار بشهادتهنّ منفردات في القتل الموجب للقصاص ممّا لا خلاف فيه بينهم، بل في شهادات المسالك عند البحث عن شهادتهنّ فيالقصاص:


1) . رياض المسائل 16: 267.

2) . مرّت آنفاً.

نعم، تجوز شهادتهنّ فيما يوجب الدية، كالقتل خطأً أو شبه عمد، وفي الجراحات التي لا توجب القصاص كالهاشمة وما فوقها. ولا يثبت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي على قول مشهور.


واعلم أنّ محلّ الإشكال شهادتهنّ منضمّات إلى الرجال، أمّا على الانفراد فلا تقبل شهادتهنّ قطعاً.(1)

وفيه: كيف القطع بذلك من الإماميّة لا سيّما من مثل شيوخهم في الفقه، ومن مثله من العمد للمتأخّرين المحقّقين في الفقه، مع صحيح جميل بن درّاج ومحمّد بن حمران، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده، إنّ عليّاً (علیه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرءٍ مسلم»،(2)الدالّ بإطلاقه في كفاية شهادتهنّ على الإنفراد في القصاص كصورة الانضمام.

نعم، لو لم يكن فيه الاستدلال بقول عليّ (علیه السلام) كان من المحتمل «في القتل وحده» القتل حدّاً مثل الزنا بذات محرم أو السرقة في المرتبة الرابعة وغيرهما، لكن الاستدلال جعله نصّاً في القصاص. هذا، مع كونه معتضداً ومؤ‌يّداً بما دلّ من الأخبار على جواز شهادتهنّ فيه مع الرجال،كخبري زيد الشحّام(3)وأبي الصباح


1) . مسالك الأفهام 14: 254- 255.

2) . الکافي 7: 390، باب ما یجوز من شهادة النساء، وما لا یجوز، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 6: 266/711، باب البیّنات، الحدیث 116؛ الاستبصار 3: 26/82، باب ما یجوز شهادة النساء وما لا یجوز، الحدیث 14، وفیه: «لا یُطلّ دم امرءٍ مسلم» مکان «لا یبطل دم امرءٍ مسلم»؛ وسائل الشيعة 27: 350، كتاب الشهادات، الباب 24، الحديث 1.

3) . وسائل الشيعة 27: 359، کتاب الشهادات، الباب 24، الحديث 32؛ «عن زيد الشحّام، قال: سألته عن شهادة النساء؟ قال: فقال: «لا تجوز شهادة النساء في الرجم إلّا مع ثلاثة رجال وامرأتين، فإن كان رجلان وأربع نسوة فلا تجوز في الرجم»، قال: فقلت: أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم، قال: «نعم»؛ تهذیب الأحکام 6: 266/712، باب البیّنات، الحدیث 117؛ الاستبصار 3: 27/83، باب ما یجوز شهادة النساء...، الحدیث 15.

...


الكناني،(1)هذا، مع أنّ ضمّ الرجال إلى شهادة النساء في حديث زيد الشحّام مذكور في السؤال لا في الجواب.

ولا يتوهّم أنّ الصحيح لإعراض الأصحاب عنه وعدم الفتوى بمضمونه ساقط عن الحجّية؛ لأنّه لا يخفى على من راجع الكتب الفقهيّة في الشهادات اعتناء الأصحاب بالصحيح كاعتنائهم بالخبرين، بالجمع بينه وبين الأخبار المعارضة، والقول بأنّه يثبت بشهادتهنّ مع الرجال الدية دون القصاص وبغيره ممّا يدلّ على عدم السقوط عن الحجّية وعدم الإعراض الموجب لكونه ممّا لا ريب في بطلانه، اللازم من عدم الريب في بطلان معارض المجمع عليه بين الأصحاب على ما في مقبولة ابن حنظلة.(2)فتأ‌مّل وتدبّر جيّداً حتّى تطمئنّ بلزوم العمل بالصحيح والمؤ‌يّدين له، وأنّه لابدّ من القول بأنّ الأقوى الاعتبار بشهادتهنّ على الانفراد في القصاص، فضلاً عن الانضمام، كما أنّ الأقوى أيضاً الاكتفاء بشهادةالاثنين منهنّ كالرجال؛ قضاءً للأصل في الشهادة، والعلّة في الصحيح(3)من


1) . وسائل الشيعة 27: 357، كتاب الشهادات، الباب 24، الحديث 25؛ «عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبدالله(علیه السلام)، قال: قال عليّ(علیه السلام): «شهادة النساء تجوز في النكاح، ولا تجوز في الطلاق»، وقال: «إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان جاز في الرجم، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم يجز»، وقال: «تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال»؛ تهذیب الأحکام 6: 267/713، الحدیث 118؛ الاستبصار 3: 27/84، باب ما یجوز شهادة النساء...، الحدیث 16.

2) . الکافي 1: 67، باب اختلاف الحدیث، الحدیث 10؛ تهذیب الأحکام 6: 301/845، الحدیث 52؛ الفقیه 3: 5/18، باب الاتّفاق علی عدلین في الحکومة، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 27: 106، کتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1.

3) . تقدمت الروایة وتخریجها في الصفحة السابقة.

...


الدلالة على أنّ الاثنين من النساء بمنزلة الواحد من الرجال، فلابدّ في شهادتهنّ من الأربع.

وما في الآية: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى.(1)

مضافاً إلى أنّ في ذكر النساء بالخصوص في مورد الآية شهادة بل دلالة على أنّ الأصل عدم الفرق في اعتبار العدد والعدالة في الشهادة بين الرجل والمرأة، وأنّ الأصل الاكتفاء بالاثنين مطلقاً، وأنّ في التعليل بما فيها دلالة على الاختصاص بما تكون المرأة في مورد الشهادة حفظها أقلّ من الرجل بحسب المتعارف، فإنّ العلّة تخصّص كما أنّها تعمّم، مثل باب الدين في زمان نزول الآية، بل إلى ما يقرب من خمسين سنة في بلادنا قبل هذا الزمان - أي عامّ ثمانية عشر وأربع مائة بعد الألف من الهجرة النبويّة - فإنّهنّ بحسب المتعارف لم يكنّ عالمات بمسائل الاقتصاد والرياضيّات؛ لعدم ابتلائهنّ بتلك المسائل.

ومن المعلوم عدم الفرق في باب الشهادة على القتل بين الرجل والمرأة في أسبابها من النظر والعلم بالقتل والقاتل دون باب الدين، كما لا يخفى. هذا، مع أنّه على تسليم الدلالة فعمومها مخصّص بما في الصحيح من العلّة.

هذا مختصر من الكلام في البحث، وتفصيله في كتاب الشهادات؛ ثمّ إنّه بما ذكرناه يظهر إجمالاً حال ما في المسألة من الأحكام، وأنّ الأقوى فيجميعها عدم الفرق بين الرجل والمرأة. وأمّا تفصيل الكلام فيها، ففي الشهادات أيضاً فإنّها المناسب للتفصيل.


1) . البقرة (2): 282.

(مسألة 1): يعتبر في قبول الشهادة بالقتل أن تكون الشهادة صريحة أو كالصريحة، نحو قوله: «قتله بالسيف»، أو «ضربه به فمات»، أو «أراق دمه فمات منه»، ولو كان فيه إجمال أو احتمال لا تقبل. نعم، الظاهر عدم الاعتبار بالاحتمالات العقليّة التي لا تنافي الظهور أو الصراحة عرفاً، مثل أن يقال في قوله: «ضربه بالسيف فمات» يحتمل أن يكون الموت بغير الضرب، بل الظاهر اعتبار الظهور العقلائي، ولا يلزم التصريح بما لا يتخلّل فيه الاحتمال عقلاً.

(مسألة 2): يعتبر في قبول الشهادة أن ترد شهادتهما على موضوع واحد ووصف واحد، فلو شهد أحدهما: أنّه قتله غدوة، والآخر: عشيّة، أو شهد أحدهما: أنّه قتله بالسمّ، والآخر: أنّه بالسيف، أو قال أحدهما: أنّه قتله في السوق، وقال الآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، والظاهر أنّه ليس من اللوث أيضاً، نعم، لو شهد أحدهما: بأنّه أقرّ بالقتل، والآخر بمشاهدته، لم يقبل شهادتهما، ولكنّه من اللوث.

(مسألة 3): لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً، وشهد الآخر بالإقرار عمداً، ثبت أصل القتل الذي اتّفقا عليه، فحينئذٍ يكلّف المدّعى عليه بالبيان، فإن أنكر أصل القتل لا يقبل منه، وإن أقرّ بالعمد قبل منه، وإن أنكر العمد وادّعاه الوليّ فالقول قول الجاني مع يمينه، وإن ادّعى الخطأ وأنكر الوليّ، قيل: يقبل قول الجاني بيمينه،(1) وفيه إشكال، بل الظاهر أنّ القول قول الوليّ، ولو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الوليّ العمد فالظاهر هو التداعي.


(1) وهو الحقّ؛ لأنّه المنكر، والوليّ هو المدّعي كالفرع السابقعليه، فإنّه الذي لو ترك الدعوى تُركت، فالجاني منكرٌ يقبل قوله بيمينه، فما في المتن - من أنّ الظاهر كون القول قول الوليّ - مخالف لما ذكرناه من تشخيص المدّعي والمنكر، والاستناد إلى ظهور القتل في العمد، فالوليّ الموافق قوله للظاهر هو المنكر.

(مسألة 4): لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الوليّ كان شهادة الواحد لوثاً، فإن أراد الوليّ إثبات دعواه فلابدّ من القسامة.

(مسألة 5): لو شهد اثنان: بأنّ القاتل زيد - مثلاً - ، وآخران: بأنّه عمرو دونه، قيل: يسقط القصاص، ووجب الدية عليهما نصفين لو كان القتل المشهود به عمداً أو شبيهاً به، وعلى عاقلتهما لو كان خطأً، وقيل: إنّ الوليّ مخيّر في تصديق أ‌يّهما شاء، كما لو أقرّ اثنان كلّ واحد بقتله منفرداً، والوجه سقوط القود والدية جميعاً.(1).


لا يخفى ما فيه مبناءً وبناءً، وبذلك يظهر عدم الإشكال فيما قيل، فما في المتن من قوله: «وفيه إشكال» غير تامّ، هذا، مع الإشكال أنّه لا بيّن ولا مبيّن.

تعارض البيّنتين

(1) قبل الورود في البحث ينبغي بل لابدّ من تصوير تعارض البيّنتين في مثل المورد، حيث إنّه كيف يتصوّر التعارض مع أنّ بيّنة المدّعى عليه وكذا البيّنة المتبرّع بها غير حجّة وغير مسموعة؟ وتصويره يكون: إمّا بأن يقال: التعارض مبنيّ على القول بصحّة التبرّع في الشهادة بالدم وإن لم يكن صحيحاً في غيره، وإمّا بفرض المسألة فيما كان للمدّعى وكيلان فادّعى أحدهما أنّ القاتل زيد، والآخر أنّ القاتل عمرو دونه، وإمّا بالقول بأنّ للمدّعى عليه تبرئة نفسه بإقامة البيّنة على أنّ القاتل غيره، وإمّا لما كان أولياء الدم متعدّداً فكلٌّ منهم يدّعي القتل على مَن أقام البيّنةعليه.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ المسألة من المسائل المشكلة، ولم يستقرّ على شيء من

...


الفتاوى فيها إجماع محقّق كي يقال: إنّ الفتوى الفلانية خرق له؛ ضرورة بقائها في غالب الإشكال عندهم، حتّى أنّ الفاضل في الرياض (1)لم يخرج منها على حاصل معتدٍّ به، كما لا يخفى على من تأ‌مّله.

والاحتمالات والوجوه فيها كثيرة تبلغ ثمانية، ولبعضها بل أكثرها قائل:

منها: الرجوع إلى المرحّجات من الأكثريّة والأعدليّة وغيرها، ومع عدمها الرجوع إلى القرعة في تقديم إحدى البيّنتين وإحلاف صاحبها.

وبالجملة؛ إعمال ما في المتعارضين من البيّنة في مثل ادّعاء الوارد من الاثنين، من الترجيح بالمرجّحات والقرعة، والحلف لمن أصاب بيّنته القرعة.

لكنّه - أي الرجوع إلى المرجّحات - غير تامّ، ويكون الترجيح في تعارضهما مختصّاً بما إذا كان كلّ واحد من أصحاب الدعوى مدّعياً لموردها وأنّه له، مثل التنازع في الدار أو في الجمل أو في الوصيّة بمائة دينار - مثلاً - لزيد أو لعمرو، أو في أنّ الدين الكذائي لزيد أو لعمرو وغيرها ممّا فيه الدعويان، لا في مثل المقام ممّا يكون فيه الادّعاء والإنكار، فوليّ الدم مدّع للقتل، والمتّهم منكر له، وذلك لعدم الدليل في غير ذلك المورد، فإنّ أخباره مختصّة به، والأصل عدمه.

وكيف لا يكون كذلك مع أنّ صاحب المستند قائل باختصاص أخبار التعارض والترجيح بالأعيان من الأموال مستدلاً بقوله:

والتحقيق في الجميع أن يبنى على أصالة عدم قبول بيّنة المنكروعلى تعيين القرعة لكلّ أمر مشكل. وعلى هذا، فنقول: إنّ جميع الأخبار المتضمّنة لسماع بيّنة المنكر أيضاً ومزاحمتها لبيّنة المدّعي كانت مخصوصةً


1) . رياض المسائل 16: 270.

...


بالأعيان من الأموال، فلا أثر لها في غيرها أصلاً...»(1)إلى آخر كلامه رحمه الله.

هذا، مع أنّ الاحتياط في الدماء إمّا مانع ومخصّص لأخبار الترجيح على الإطلاق والشمول، وإمّا موجب للانصراف، ولعلّه لذلك مقتضى إطلاقهم عدم الاعتبار بالترجيح، ومع ما في أخبار الترجيح والأقوال فيه من الاختلاف:

ففي كتاب القضاء من العروة الوثقى:

مسألة 2: إذا تعارضت البيّنات في شيء: فإمّا أن يكون بيد أحد الطرفين، أو بيدهما، أو بيد ثالث، أو لا يد عليه. وللعلماء فيها - خصوصاً في الصورة الأُولى - أقوال مختلفة وآراء متشتّ-تة، جملة منها غير منطبقة على أخبار المقام، ولا على القواعد العامّة، بل قد يختلف فتوى واحد منهم فيفتي في مقام ويفتي بخلافه في مقام آخر، وربّما يُدّعى الإجماع في مورد ويُدّعى على خلافه الإجماع في مقام آخر، وقد يُحكم بضعف خبر ويُعمل به في مورد آخر، وقد يحملون الخبر على محمل بلا شاهد ويفتون به، ويفرّقون بين الصور بقيود لا تستفاد من الأخبار، من ذكر الشاهد السبب وعدمه، أو كون الشيء ممّا يتكرّر كالبيع والشراء والصياغة ونحوها، أو ممّا لا يتكرّر كالنتاج والنساجة والخياطة ونحوها، وليس الغرض الإزراء عليهم، بل بيان الحال مقدّمةلتوضيح الحقّ من الأقوال، فإنّ المسألة في غاية الإشكال وليست محرّرة.(2)

وهل يصحّ الذهاب إلى احتمال الترجيح في المقام مع ما ذكره الفقيه اليزدي،


1) . مستند الشيعة 17: 412.

2) . ملحقات العروة الوثقى 2: 323، كتاب القضاء، الفصل الثالث عشر، المسألة 2.

...


ومع ما في الدماء من الاحتياط بل ومع الدرئ بالشبهة؛ قضاءً لأولويّة القصاص عن الحدّ في الدرئ، كما قيل.

ومنها: القرعة، فإنّها لكلّ أمر مشكل، وتعيين القاتل هنا مشكلٌ.

وفيها: - مضافاً إلى ما في الجواهر هنا من قوله: «كما أنّه لم يعتبر أحد القرعة هنا»(1)- أنّ أدلّة القرعة وأخبارها غير شاملة لمثل المورد، من قتل العمد والقصاص من وجهين:

أحدهما: أنّها واردة في الأُمور الماليّة والحقوقيّة دون غيرها، كالدم وقصاص الأعضاء.

ثانيهما: اختصاصها بكون المشكل فيها تعيين صاحب المال والحقّ، الذي يتعيّن بالقرعة ويصير محقّاً وصاحباً للسهم وآخذاً للحق دون غيره ممّا لا يكون كذلك، ففي أخبار القرعة: فقال رسول الله (صلی الله علیه وآله): «ليس من قوم تنازعوا، ثمّ فوّضوا أمرهم إلى الله، إلّا خرج سهم المحقّ».(2)

وذلك غير متحقّق في المورد حيث إنّ المعيّن بالقرعة يقتله الوليّ، ويأخذ روحه ونفسه فلم يبق المعيّن حتّى يأخذ سهمه، فهذا مباين مع المشكل والموضوع في أخبار القرعة.

وبالجملة؛ محلّ البحث غير مشمول لأخبار القرعة وأدلّتها، من جهة اختصاصها بغير القصاص في النفس والأعضاء، ومن جهة اختصاصها بما كان


1) . جواهر الكلام 42: 219.

2) . تهذیب الأحکام 6: 238/585، باب البیّنین یتقابلان...، الحدیث 16؛ وسائل الشيعة 27: 258، کتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى، الباب 13، الحديث 5.

...


التنازع بين الأفراد راجعاً إلى الاستحقاق والأخذ بأن تكون القرعة موجبة لصيرورة من أصابته القرعة مستحقّاً للأخذ، وتكون الإصابة بنفع المصاب وبضرر الآخر بنفي استحقاقه وبعدم وصول شيء إليه.

وأ‌نّى ذلك مع باب القصاص في مفروض البحث الذي لا تكون القرعة فيه إلّا موجباً لذهاب النفس أو العضو بالنسبة إلى المصاب، وتبرئة غيره؟! فأين الأخذ والاستحقاق للعين أو الحقّ من الأُمور الماليّة؟! ولعلّ ترك الأصحاب الفتوى بالقرعة في المقام وأمثاله من القصاص كان لما ذكر، المؤ‌يّد بالاحتياط في الدماء.

ومنها: تخيير الوليّ في تصديق أ‌يّهما شاء كما يتخيّر المجتهد بين الخبرين المتعارضين، وهو المحكيّ عن ابن إدريس؛(1)محتجّاً عليه بقوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً،(2)إذ نفي القتل عنهما ينافي ذلك، وبأنّ البيّنة قائمة على كلٍّ منهما بوجوب القود، فلا وجه لسقوطه، وبأ‌نّا قد أجمعنا على أنّه لو شهد اثنان على واحد بأنّه القاتل، فأقرّ آخر بالقتل، يتخيّر الوليّ في التصديق والإقرار، كالبيّنة. لكنّه كما ترى، ضرورة دلالة الآية على ثبوت السلطان للوليّ مع العلم بالقاتل، لا في مثل المقام الذي لا إشكال في كونه إسرافاً في القتل إذا قتلهما، خصوصاً مع براءة أحدهما، بل وكذا لو قتل أحدهما المحتمل أنّه بريء، والبيّنتان قد كذّبت كلٌّ منهما الأُخرى، فتساقطا بالتعارض عن الحجّية. والإجماع الذي ذكره - مع أنّه ممنوع فيمورده - لا يمكن قياس المقام عليه بعد حرمته في مذهبنا، مع أنّه مع


1) . السرائر 3: 342.

2) . الإسراء (17): 33.

...


الفارق أيضاً حيث إنّ المقِرّ بالقتل وتخطئة الشاهدين مقرٌّ على نفسه بالقتل وباستحقاق القصاص، وهذا بخلاف المقام ممّا ليس فيه إقرار بالقتل وبالاستحقاق، بل كلٌّ منهما يدفع عن نفسه الاتّهام ويكذّب البيّنة.

ومنها: سقوط القصاص عنهما، ووجوب نصف الدية على كلٍّ منهما، وهو للشيخين(1)والقاضي(2)والصهرشتي(3)وأبي منصور الطبرسي،(4)والمحقّق في الشرائع (5)و‌النافع،(6)والعلّامة في المختلف(7)والإرشاد،(8)وولده في الإيضاح،(9)وأبي العبّاس في المقتصر(10)على المحكيّ عنه في الجواهر،(11)لكن في الشرائع و‌النافع: «لعلّه احتياط».(12)وهذا القول - كما هو الواضح - مركّب من أمرين: أحدهما: سقوط القصاص، ثانيهما: الدية عليهما على نحو المناصفة.

ويستدلّ لأوّلهما بأنّهما بيّنتان تصادمتا، وليس قبول أحدهما في نظرالشارع أولى من قبول الأُخرى، ولا يمكن العمل بهما؛ لاستلزامه وجوب قتل الشخصين معاً،


1) . المقنعة: 737؛ النهاية: 742.

2) . المهذّب 2: 502.

3) . على المحكيّ عنه في جواهر الكلام 42: 219، ولكن لم أجده في إصباح الشيعة.

4) . على المحكيّ عنه في جواهر الكلام 42: 219.

5) . شرائع الإسلام 4: 205.

6) . المختصر النافع: 298.

7) . مختلف الشيعة 9: 313، المسألة22.

8) . إرشاد الأذهان 2: 216.

9) . إيضاح الفوائد 4: 608.

10) . المقتصر من شرح المختصر: 431.

11) . جواهر الكلام 4: 219.

12) . شرائع الإسلام 4: 205؛ المختصر النافع: 298.

...


وهو باطل إجماعاً، فضلاً عن القول: «قطعاً»، عن غير واحد أيضاً، وهو كذلك خصوصاً بعد العلم ببراءة أحدهما الذي يجب ترك أخذ الحقّ مقدّمة له، لا العكس مقدّمة لوصول الحقّ، ولا العمل بأحديها دون الأُخرى؛ لعدم الأولويّة، فلم يبق إلّا سقوطهما معاً بالنسبة إلى القود؛ لأنّه تهجّم على الدماء المحقونة في نظر الشارع بغير سبب معلوم ولا مظنون، إذ كلّ واحد من الشهادتين يكذّب الأُخرى، ولما قد يقال بأنّ القصاص كالحدّ في السقوط بالشبهة.

ولثانيهما: - وهو ثبوت الدية عليهما - بعدم بطلان دم امرءٍ مسلم، وتساويهما في قيام البيّنة على كلٍّ منهما، وفحوى التنصيف في المشهود به عند تعارضهما، كما إذا كان التعارض بين البيّنتين على الشيء الواحد الذي في يديهما أو يد ثالث من مورد الدعوى.

وفيه: أنّ عدم بطلان الدم أعمّ من ذلك؛ لاحتمال كونه على بيت المال المعدّ لمثل ذلك، أو القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل، كما أنّ التساوي في البيّنة غير مقتض للتوزيع المزبور الخارج عن البيّنتين، بل ولا غيره، بل هما بالتعارض متساقطتان بالنسبة إلى الدية أيضاً، كالقود.

بل لك أن تقول: إنّ الدية ليست حكماً مستقلاً في العمد، بل هي ثابتة بعد ثبوت القصاص تخييراً أو صلحاً ورضايةً أو بدلاً، على اختلاف المباني والموارد، فمع عدم القصاص لا محلّ لها في ا لعمد من رأس مطلقاً.

وبذلك يظهر عدم تماميّة الاستدلال بالفحوى أيضاً؛ لأنّها إنّما تتمّ فيمورد البيّنة المتعارضة، والدية في المقام ليست كذلك، لا مطابقةً، - كما هو واضح - ولا التزاماً؛ لتوقّفه على ثبوت القصاص قبله، ومن المعلوم عدم ثبوته كما مرّ، فليس

...


الحمل على التنصيف في المشهود به إلّا قياساً لا نقول به.

وإلى بعض ما ذكرناه يرجع ما عن الإيضاح(1)والمهذّب البارع(2)من حساب الدية عليهما، بأنّه إن لم نقل بذلك يلزم أحد محالات ثلاثة: إمّا طلّ دم المسلم، أو إيجاب شيء بغير سبب، أو الترجيح بلا مرجّح؛ لأَنّا إن لم نوجب الدية عوضاً لزم الأوّل، وإن أوجبناه على غيرهما لزم الأمر الثاني، وإن وجب على أحدهما بعينه لزم الأمر الثالث، فبقى إمّا على أحدهما لا بعينه أو عليهما، والثاني هو المطلوب، والأوّل إن لم يرد به الثاني فهو المحال الأوّل؛ لعدم الحقيقة في الخارج لأحدهما غير المعيّن، كما لا يخفى.

وفيه: مع ما يظهر ممّا مرّ أنّ ذلك لا يرجع إلى دليل شرعي معتبر؛ ضرورة إمكان أنّ له حكماً شرعاً لا نصل إليه، أنّه يمكن التخيير في الرجوع على كلٍّ منهما، كما عن العلّامة(3)الجزم به، بل لعلّه محتمل ما تسمعه من عبارة المصنّف في النكت،(4)أو على بيت المال المعدّ لمثل ذلك، أو القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل، وعدم بطلان دم المسلم أعمّ من ذلك كلّه ومن غيره ممّا هو عند الشارع ممّا لا نعرفه.

ومنها: سقوط القود؛ لما مرّ،(5)والتخيير في الرجوع إلى كلٍّ منهما فيأخذ الدية منه؛ لعدم الترجيح.

وفيه: ما لا يخفى؛ حيث إنّ التخيير إنّما يكون بعد ثبوت الدية، وقد مرّ عدمه.


1) . إيضاح الفوائد 4: 608.

2) . المهذّب البارع 5: 202.

3) . جامع المقاصد 2: 259.

4) . النهاية ونكتها 3: 375.

5) . مرّ في الصفحة 385.

...


ومنها: سقوط القود وتعيين المكلّف بأداء الدية منهما بالقرعة، فإنّها لكلّ أمر مشكل. وضعفه ظاهر ممّا مرّ.(1).

ومنها: التفصيل بين ما كان الأولياء مدّعين لكون القاتل أحدهما المعيّن بالقود فيه؛ لقيام البيّنة على الدعوى، وتهدر البيّنة الأُخرى فلا يكون له سبيل، وبين ما لم يكن كذلك بأن ادّعوا عدم العلم بسقوط القود ووجوب الدية فيه؛ لما يأتي.

وهذا التفصيل للمحقّق في نكت النهاية، وتبعه عليه تلميذه في كشف الرموز،(2)وأبو‌العبّاس في المهذّب،(3)والمقداد في التنقيح،(4)وكأنّه مال إليه الشهيدان في غاية المراد(5)و المسالك.(6)

وفي نكت النهاية بعد أن أورد كلام السائل عن عبارة النهاية مورداً عليها بأنّه:

لم يعمل بشيء من الشهادتين، فإيجاب الدية عليهما حكم بغير بيّنة ولا إقرار، ثمّ الشهادة ليست بأنّهما اشتركا.

قال:

الجواب: الوجه أنّ الأولياء إمّا أن يدّعوا القتل على أحدهما، أويقولوا: لا نعلم. فإن ادّعوه على أحدهما قتلوه؛ لقيام البيّنة بالدعوى، ويهدر


1) . مرّ في الصفحة السابقة.

2) . كشف الرموز 2: 614.

3) . المهذّب البارع 5: 204.

4) . التنقيح الرائع 4: 435.

5) . غاية المراد 4: 421.

6) . مسالك الأفهام 15: 192.

...


البيّنة الأُخرى، فلا يكون لهم على الآخر سبيل. وإن قالوا: لا نعلم فالبيّنتان متعارضتان على الانفراد لا على مجرّد القتل، فيثبت القتل من أحدهما، ولا يتعيّن. والقصاص يتوقّف على تعيين القاتل فيسقط ويجب الدية؛ لأنّه ليس نسبة القتل إلى أحدهما أولى من نسبته إلى الآخر.(1)

وفيه: أنّه تخصيص لكلام الشيخين والجماعة بالصورة الثانية، وهو مناف لإطلاقهم المبنيّ - ظاهراً - على اعتبار البيّنة الثانية وإن كانت على التبرّع. وعليه يتّجه التعارض حينئذٍ، وإن صدّق الوليّ أحدهما، بل لو لم نقل باعتبارها أمكن تصوير المسألة في الوكيلين. وأمّا احتمال عدم اعتبارها في خصوص المقام، وإن قلنا باعتبارها في غيره فلا أعرف له وجهاً، وإن حكي في كشف اللثام(2)القطع به عن المحقّق في النكت.

ثمّ إنّه احتمل غير واحد من أتباع المحقّق فيما عرفت ثبوت اللوث لو ادّعى الوليّ عليهما، وهي صورة لم يذكرها المحقّق فيما سمعت من عبارته المشتملة على صورة دعوى الوليّ على أحدهما، أو يقول: لا علم لي. أمّا إذا ادّعى عليهما معاً فيتّجه ثبوت اللوث باعتبار اتّفاق الأربعة على القتل والقاتل وإن اختلفوا في التعيين، فيحلف حينئذٍ الوليّ ويثبت له القصاص مع ردّ فاضل الدية عليهما.

وفيه: أنّ مقتضاه الثبوت أيضاً في تكاذب الشاهدين في المكان أوالزمان أو الآلة؛ ضرورة الاتّفاق منهما أيضاً على القتل والقاتل، ولكن اختلفا في الزمان أو المكان أو الآلة، بل لعلّه أولى من المقام الذي فيه التكاذب في تعيين القاتل دونهما،


1) . النهاية ونكتها 3: 374.

2) . كشف اللثام 11: 121.

(مسألة 6): لو شهدا بأنّه قتل عمداً، فأقرّ آخر أنّه هو القاتل، وأنّ المشهود عليه بريء من قتله، ففي رواية صحيحة معمول بها: «إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر، ثمّ لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه. وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد


وقد عرفت عدم اللوث فيه؛ للتكاذب، فهنا أولى.

وبذلك كلّه ظهر لك أنّ المسألة لم يستقرّ على شيء منها إجماع محقّق كي يقال: إنّ ما ذكره الفلاني خرق له؛ ضرورة بقائها في قالب الإشكال عندهم، حتّى إنّ الفاضل في الرياض(1)لم يخرج منها على حاصل معتدٍّ به، كما لا يخفى على من تأ‌مّله، فلاحظ وتأ‌مّل. والموافق للضوابط ما سمعت، ولكن الاحتياط مهما أمكن لا ينبغي تركه.

ومنها: سقوط القود والدية جميعاً، وهو المتّجه، كما في الجواهر والمتن.

والوجه في ذلك عدم تماميّة الوجوه السابقة، لاسيّما التنصيف في الدية والتخيير في القصاص ممّا كان أوجه من غيره، ولا غيرهما من البقيّة.

وفي الجواهر بعد النقض والإبرام في وجه التنصيف:

فتحقّق من ذلك كلّه أنّ المتّجه - بحسب القواعد - سقوط القود والدية حتّى يتبيّن الحال. ودعوى أنّ ذلك خرق للإجماع المركّب واضحة الفساد لمن أحاط بأطراف المسألة، وخصوصاً بعد ذكرالشيخ فيما حكي عنه ذلك احتمالاً، بل هو الذي اختاره في المسالك (2).(3)


1) . رياض المسائل 16: 270.

2) . مسالك الأفهام 15: 190.

3) . جواهر الكلام 42: 220.

عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثمّ ليؤدّ الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية. وإن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصّاً - دون صاحبه - ثمّ يقتلوهما، وإن أرادوا أن يأخذوا الدية فهي بينهما نصفان». والمسألة مشكلة جدّاً يجب الاحتياط فيها وعدم التهجّم على قتلهما.(1)


تعارض البيّنة مع الإقرار

(1) ما في مثل الشرائع (1)والمتن من الأحكام هو المحكيّ عن الشيخ في النهاية(2)وأبي علي(3)والحلبي(4)والقاضي(5)والكيدري(6)ويحيى بن سعيد(7)وابني حمزة(8)وزهرة،(9)بل عن ظاهر الآبي(10)أيضاً، ومال إليه الشهيدان،(11)وفي الجواهر: «هو المشهور قطعاً»،(12)بل في الرياض:

قد صرّحوا بشهرة الرواية مشعرين ببلوغها درجة الإجماع، ولعلّه


1) . شرائع الإسلام 4: 205.

2) . النهاية: 743.

3) . مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 357.

4) . الكافي في الفقه: 387.

5) . المهذّب 2: 502.

6) . إصباح الشيعة: 493.

7) . الجامع للشرائع: 578.

8) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 461.

9) . غنية النزوع 1: 407.

10) . كشف الرموز 2: 615.

11) . غاية المراد 4: 418.

12) . جواهر الكلام 42: 223.

...


كذلك، فقد أفتى به الشيخ وأتباعه والإسكافي والحلبي وغيرهم، بل لم نرَ لهم مخالفاً عدا مَن مرّ، وعبائرهم غير صريحة في المخالفة عدا الحلّي(1)وفخر الدين،(2)وهي - أي المخالفة - مشكلة؛ لصحّة الرواية واعتضادها بعمل الطائفة...(3)

لكن مختار ابن إدريس(4)و‌التحرير(5)والإيضاح(6)والمهذّب البارع(7)والتنقيح(8)والمقتصر(9)على المحكيّ عنه(10)تخيير الوليّ في قتل أ‌يّهما شاء، وفي المختلف:(11)نفى البأس عنه، وفي الشرائع (12)والمفاتيح:(13)فيه وجهٌ قويٌّ.

والعمدة في منشأ الخلاف صحيحة زرارة،(14)و ما فيها من المخالفةللقواعد


1) . قواعد الأحكام 3: 615.

2) . إيضاح الفوائد 4: 608.

3) . رياض المسائل 16: 272.

4) . السرائر 3: 342.

5) . تحرير الأحكام 5: 474.

6) . إيضاح الفوائد 4: 608.

7) . المهذّب البارع 5: 205- 207.

8) . التنقيح الرائع 4: 436.

9) . المقتصر من شرح المختصر: 431.

10) . انظر: جواهر الكلام 42: 224.

11) . مختلف الشيعة 9: 316، المسألة 23.

12) . شرائع الإسلام 4: 205.

13) . مفاتيح الشرائع 2: 121.

14) . الکافي 7: 290، باب نادر، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 172/678، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 18؛ وسائل الشيعة 29: 144، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل و...، الباب 5، الحديث 1.

...


ومقتضاها، فإنّ مقتضاها التخيير في العمل بالحجّتين بعد عدم إمكان العمل بهما؛ لاستلزامه قتل الاثنين بقتل الواحد، وعدم الترجيح لأحدهما من البيّنة والإقرار فلابدّ من التخيير، كما أنّ ظاهر الصحيحة، بل صريحها ما هو المذكور في المتن، لكن فيه مخالفة للقواعد كما يأتي بيانها.

مقتضى القاعدة في تعارض البيّنة مع الإقرار

وكيف كان، فتحقيق الكلام في المسألة مقتضٍ للبحث في مقامين:

أحدهما: البحث في حكم المسألة من حيث القواعد، مع قطع النظر عن النصّ والفتوى، فنقول: إنّ مقتضاها الأخذ بإقرار المقرّ وطرح البيّنة المعارضة له؛ وذلك لعدم الإطلاق في أدلّة حجّية البيّنة الشامل لمورد تعارضها معه أوّلاً، حيث إنّ عموم حجيّتها استقرائيّة، وانصرافها على الإطلاق عن مثل المورد ممّا يكون إقرار المقرّ موجباً لقتله، مع ما في إقراره من تبرئة الآخر المحكوم بالقصاص ثانياً، فإنّ الإقرار كذلك يكون على قتل نفسه، ويكون موجباً للظنّ القويّ بصحّة قوله، ولضعف الظنّ بصحّة البيّنة، وعدم بناء العقلاء على حجّية البيّنة مع ذلك التعارض إن أبيت عن الانصراف ثالثاً، حيث إنّ حجّية البيّنة إمضائيّة لا تأسيسيّة، والمتّبع في موارد الشكّ في الأحكام الإمضائيّة الرجوع إلى البناء؛ لأنّه الأصل والمبنی في الإمضائيّة.

وبالجملة؛ مع وجود البناء على عدم حجّية مثل البيّنة على القتل في مقابل الإقرار عليه، وحجّية الإقرار كذلك لا محيص إلّا من الاعتماد علىذلك البناء، إمّا لكونه سبباً للانصراف، أو للشكّ فيه. فعلى الأوّل يكون قرينة على الانصراف،

...


والأصل عدم الحجّية. وعلى الثاني يكون بنفسها دليلاً على عدم حجيّتها، وحجّية الإقرار على التقريبين بلا معارض، وهو المتّبع.

ولا يخفى أنّ الإقرار كما كان حجّة بلا معارض في المسألة، فكذلك فيما كان التعارض بينه وبين شهادة القوم الموجب للعلم بكون المشهود عليه هو القاتل، لكن لا لما مرّ من الوجوه، لاختصاصها بالبيّنة، بل لما هو شبيه بها، وهو أنّ إقرار المقرّ بالقتل وتبرئة المشهود عليه بعد تماميّة الشهادة، وثبوت كونه قاتلاً عمداً موجب لانتفاء العلم والاطمئنان الحاصل من شهادة القوم، كما لا يخفى.

كيف كان، فإنّ المقرّ إقراره المفروض في المسألة موجب للعلم بما أقرّ به بلا كلام ولا إشكال، والعلم بكونه قاتلاً سبب لانتفاء العلم السابق الحاصل من شهادة القوم والشهود بالنسبة إلى المشهود عليه؛ قضاءً للتعارض، كما هو ظاهر، ولا ريب فيه.

واحتمال كون إقراره توطئة لتبرئة القاتل، مع أنّه ضعيف جدّاً، معارض مع احتمال توطئة الشهود بالنسبة إلى المشهود عليه، بل الظاهر انحصار الاحتمال فيهم في ذلك، كما لا يخفى، وإلّا فاحتمال سهو الشهود من القوم الذين تكون شهادتهم لكثرتهم موجبة للعلم منتفٍ قطعاً.

ولكنّ الظاهر من ابن إدريس، ومَن تبعه من القائلين بتخيير الوليّ في قتل أحدهما خاصّة كالإقرارين، كون التخيير مقتضى القواعد.

ففي السرائر بعد بيان حكم الاشتراك في القتل، وهو فيما أقرّ المقرّ بالشركة وشهدت البيّنة كذلك، وأنّ الحكم فيه ما هو الحكم في الاشتراكالثابت بغيرهما قال:

...


فأمّا إذا كانا متفرّقين، فالعمل على ما حرّرناه في شهادة الشهود على الاثنين حرفاً فحرفاً.(1)

وما اختاره فيها هو تخيير الوليّ في تصديق إحدى البيّنتين ودونك عبارته فيها:

والذي يقتضيه أُصول المذهب ويحكم بصحته الاستدلال، أنّ أولياء المقتول بالخيار في تصديق إحدى البيّنتين وتكذيب الأُخرى، فإذا صدقوا إحداهما قتلوا ذلك المشهود عليه، ولم يكن لهم على الآخر سبيل، ولا يبطل هاهنا القود؛ لأنّه لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة متواترة، بل الكتاب قاض بالقود مع البيّنة في قوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَليّهِ سُلْطَاناً(2)فمن عمل بهذه الرواية أبطل حكم الآية رأساً. ولا وجه لأخذ الدية منهما جميعاً؛ لأنّهما غير مشتركين في القتل، لأنّ البيّنة عليهما بخلاف ذلك، لأنّها تشهد بقتل كلّ واحد منهما على الانفراد دون الاجتماع والاشتراك. ويحقّق ذلك ويزيده بياناً المسألة التي تأتي بعد ذلك.(3)

وهي ما ذكره رحمه الله من مسألة تعارض الإقرارين.

عدم تماميّة كلامه غير محتاج إلى البيان، حيث إنّ القاعدة المسلّمة العقلائيّة الممضاة شرعاً بسيرة عمليّة للفقهاء في الفقه بل وبإجماعهمالقولي في الأُصول، على التساقط وعدم الحجّية لشيء منهما في المدلول المطابقي ولا في الالتزامي


1) . السرائر 3: 343.

2) . الإسراء (17): 33.

3) . السرائر 3: 341 و342.

...


منهما. نعم، في الالتزامي المشترك بينهما - كنفي الثالث - خلاف، وكيف لا تكون القاعدة كذلك مع أنّ كلاً من الحجّتين والأمارتين المتعارضين يكذّب الأُخرى؟!

دلالة النصّ في تعارض البيّنة مع الإقرار

ثانيهما: البحث في حكم المسألة من حيث النصّ، فنقول: إنّ ما في المسألة منحصر بصحيح زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي وجاءه قوم فشهدوا عليه الشهود أنّه قتله عمداً، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يرتموا حتّى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمداً، وأنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود بريء من قتل صاحبکم فلان، فلا تقتلوه به وخذوني بدمه، قال: فقال أبو‌جعفر (علیه السلام): «إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الآخر، ثمّ لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه، وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثمّ ليؤدّ الدية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية».

قلت: أرأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً؟ قال: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبة، ثمّيقتلونهما».

قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدية؟ قال: فقال: «الدية بينهما نصفان؛ لأنّ أحدهما أقرّ والآخر شُهد عليه».

قلت: كيف جعلت لأولياء الذي شُهد عليه على الذي أقرّ نصف الدية حيث قتل، ولم تجعل لأولياء الذي أقرّ على أولياء الذي شُهد عليه ولم يقتل؟ قال: فقال:

...


«لأنّ الذي شُهد عليه ليس مثل الذي أقرّ، الذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يُبرئ صاحبه، والآخر أقرّ وأبرأ صاحبه، فلزم الذي أقرّو أبرأ صاحبه ما لم يلزم الذي شُهد عليه ولم يقرّ ولم يبرئ صاحبه».(1)

ولا ريب في مخالفته للقواعد من وجوه:

أحدها: في جواز قتلهما معاً مع انتفاء الشركة في القتل، كما هو مقتضى الشهادة والإقرار، بل فيهما بدلالتهما الالتزاميّة دلالة على انتفاء الثالث ودلالةٌ على عدم الشركة.

ثانيها: في إلزامهما بالدية نصفين بعد عدم ثبوت المقتضي لاشتراكهما في موجبه، وهو القتل، بل فيهما دلالة على عدم الشركة، كما مرّ.

ثالثها: في إلزام المقرّ بردّ النصف، ضرورة أنّه إن كان كذلك لاعترافه ببراءة المقتول، فالمتّجه ردّ الجميع، وإلّا فلا وجه لردّ النصف، فإنّ أقصى ما هناك إقرار المقرّ بأنّه القاتل وأنّ المشهود عليه قتل مظلوماً، فلم يقصّر في الدفع عنه، وليس عليه إلّا تخطئة البيّنة، ولعلّه بهذا لا يلزمه شيء، وإن أبيتم عن إلزامه بشيء فالجميع عليه كما مرّ.

رابعها: في إلزام الأولياء بردّ النصف إلى أولياء المشهود عليه مع قتلهما دون أولياء المقرّ، فإنّ القاعدة في قود المتعدّد في مقابل الواحد ردّ دية الزائد على أولياء المقتولين بالسويّة، ففي قتل الاثنين بالواحد - مثلاً -يردّ وليّ الدم الدية كاملة على


1) . الکافي 7: 290، باب نادر، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 172/678، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 18، مع تفاوت في بعض ألفاظ الروایة؛ وسائل الشيعة 29: 144 - 145، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 5، الحديث 1.

...


أوليائهما بالمناصفة، وفي الثلاثة بالواحد أثلاثاً، كما مضى في محلّه، فردّ نصف الدية على أولياء أحد المقتولين في الصحيح مخالف لهذه القاعدة أيضاً.

خامسها: ما فيه في تخيير وليّ الدم في القود بينهما، مع أنّ الحجّتين - أي الشهود والإقرار بالتعارض - سقطتا عن الحجّية، فالتخيير بلا وجه، كما لا يخفى.

سادسها: أنّ في تخيير الوليّ مع عدم الدليل عليه، فيه احتمال قتل غير القاتل، وهو مخالف للاحتياط في الدماء وحرمة الأنفس.

سابعها: أنّ اللازم في إلزام المقرّ بردّ النصف إلى أولياء المشهود عليه المقتول قوداً، كون أولياء المقتول آخذين حينئذٍ دماً ونصفاً، وهو زائد على حقّهم، فإنّما حقّهم واحد، وهم وإن لم يأخذوا النصف مباشرةً، لكنّهم باختيارهم القود على المشهود عليه صاروا سبباً في ردّ الزائد، فكأنّهم الآخذون له، وإلّا فلهم القود على المقرّ، فكان ردّ النصف منتفياً.

فهذه هي المحاذير السبعة فيه.

وفي ظاهر نكت النهاية للمحقّق حصر الإشكال في ثلاثة مواضع منه، ففيه بعد نقل الرواية:

والإشكال في هذه في ثلاثة مواضع:

أحدها: أن يقال: لِمَ يتخيّر الأولياء؟

والجواب: لأنّ أحدهما يقتل بالبيّنة والآخر بالإقرار، فإنّ المقرّ أباح نفسه بإقراره بالانفراد.

الثاني: أن يقال: لِمَ وَجب الردّ لوقتلوهما؟

لأ‌نّا نقول: حيث إنّه لا يقتل اثنان بواحد إلّا مع الشركة، ومع الشركة

...


تردّ فاضل الدية، وهو دية كاملة، لكن المقرّ أسقط حقّه من الردّ، فبقي الردّ على المشهود عليه.

الثالث: أن يقال: لِمَ إذا قتل المقرّ وحده لا يردّ المشهود عليه، وإذا قتل المشهود عليه يردّ على أوليائه؟

لأ‌نّا نقول: المقرّ سقط حقّه من الردّ، والمشهود عليه لم يقرّ فيرجع على ورثة المقرّ بنصف الدية؛ لاعترافه بالقتل وإنكار المشهود عليه.(1)

ولا يخفى عليك عدم تماميّة جوابه عن الإشكال الأوّل؛ لما مرّ من التعارض والسقوط عن الحجّية.

وأمّا إشكاله الثاني وجوابه، ففيه: ليس هذا من الإشكال في شيء وإن كان جوابه عنه على الشيئية تامّاً، حيث إنّ الإشكال في جواز قتلهما مع عدم الشركة بحسب الظاهر والحجّة لا في وجوب الدية على تقدير قتلهما، فما هو الإشكال لم يتعرّض له، وما تعرّض له فليس بشيء.

والكلام معه في الثالث مثل الكلام في الثاني فلا نعيده. فتدبّر جيّداً.

وبالجملة؛ ما في النكت غير رافع لبعض محاذيرالصحيح، فضلاً عن كلّها.

وكيف كان، فعن الشيخ في النهاية(2)وأبي علي(3)والحلبي(4)والقاضي(5)والكيدري(6)


1) . النهاية ونكتها 3: 376 و377.

2) . النهاية: 743.

3) . مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 357.

4) . الكافي في الفقه: 387.

5) . المهذّب 2: 502.

6) . إصباح الشيعة: 493.

...


ويحيى بن سعيد(1)وابني حمزة وزهرة،(2)بل عن ظاهر الآبي،(3)وعن ميل الشهيدين أو جزمهما في غاية المراد:(4)الفتوى والعمل بالصحيح، بل في الرياض:

وبشهرتها صرّح الفاضل في كتبه المتقدّمة، وغيره من الجماعة، مشعرين ببلوغها درجة الإجماع، ولعلّه كذلك، فقد أفتى به الشيخ وأتباعه والإسكافي والحلبي وغيرهم، بل لم نرَ لهم مخالفاً عدا من مرّ، وعبائرهم غير صريحة في المخالفة عدا الحلّي وفخر الدين.(5)

لكن مع ذلك كلّه، فمختار ابن إدريس في صريح السرائر،(6)ومثله العلّامة في التحرير(7)وابنه في الإيضاح،(8)وظاهره في القواعد(9)عدم العمل به، والفتوى بتخيّر الوليّ في قتل كلّ واحد من المشهود عليه ومن المقرّ.

ولعلّ وجه ردّ السرائر الرواية وعدم العمل بها، ما فيها من بعضالمحاذير التي ذكرناها، مضافاً إلى قاعدته.

وأمّا عدم العمل من غيره فليس إلّا بعض المحاذير قطعاً، وهو وجيه وقويّ، حيث إنّ دليل حجّية خبر الواحد بناء العقلاء، وبناؤهم على العمل بمثل الخبر ممّا


1) . الجامع للشرائع: 578.

2) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 461؛ غنية النزوع 1: 407.

3) . كشف الرموز 2: 615.

4) . غاية المراد 4: 418.

5) . رياض المسائل 16: 272.

6) . السرائر 3: 342.

7) . تحرير الأحكام 5: 474.

8) . إيضاح الفوائد 4: 608.

9) . قواعد الأحكام 3: 615.

...


فيه المخالفة للقواعد ولو من جهة واحدة، فضلاً عن جهات متعدّدة، غير محرز إن لم نقل بأنّ عدمها محرز.

ومن المعلوم إناطة الحجّية بإحراز البناء، فمع الشكّ فيها - كما في مثل الصحيحة فضلاً عن العلم بالعدم - لا حجّية فيها.

هذا، مع ما فيها من المخالفة الموجبة لإهراق الدم، والإسراف فيه من الأُمور الخطيرة والعقوبات غير القابلة للتدارك على فرض السهو والغفلة، فإنّها كافية؛ لعدم إحراز البناء وإن كانت الرواية متعدّدة فضلاً عن الواحدة، ألا ترى أنّ العقلاء يحتاطون فيها - أي في الأُمور الخطيرة - ومع عدم حصول القطع لا يقدمون؟

وفي جامع المدارك:

في كلام بعض الأكابر الإشكال، أو عدم جواز التهجّم في الدماء.(1)

والظاهر أنّ ما نقله من الإشكال وعدم جواز التهجّم مربوط بأصل مسألة حجّية الخبر في الأُمور الخطيرة لا في حكم هذه المسألة، وإلّا فالإشكال فيه في الكلمات معروف ومشهور، ونقلناه سابقاً، فراجع المدارك.

وبما ذكرناه وقوّيناه من الوجه في عدم حجّية الصحيحة تظهر المناقشة، وعدم تماميّة ما في الرياض في التعليل والتوجيه على أنّ المخالفة مع الرواية مشكلة، وهذا لفظه:

وهي مشكلة؛ لصحّة الرواية واعتضادها بعمل الطائفة، فيخصّص بها القاعدة. وليس هذه بأوّل قارورة، فكم من أُصول قويّة وقواعد كلّية


1) . جامع المدارك 7: 247.

...


خصّصت بمثل هذه الرواية، بل وبما دونها، كما لا يخفى على ذي اطّلاع وخبرة، ولكنّ المسألة مع ذلك لعلّها لا تخلو عن شبهة، فالأحوط الاقتصار فيها بقتل أحدهما خاصّة؛ لعدم الخلاف فيه ظاهراً فتوىً وروايةً، وحكى الإجماع عليه الحلّي في السرائر صريحاً.(1)

ولقد أجاد في رعاية الاحتياط؛ لاحتمال عدم خلوّ المسألة من الشبهة، وإن كان عليه القطع بالشبهة وعدم الحجّية؛ لما مرّ بيانه،(2)كما أنّه قد مرّ(3)أنّ مقتضى القاعدة العمل بالإقرار ترجيحاً له على البيّنة؛ قضاءً لبناء العقلاء لا التخيير، وفي السرائر: نفي الخلاف لا الإجماع، فراجعه.(4)

وكيف كان، بعد عدم حجّية الصحيحة في المسألة لابدّ من الرجوع إلى الأُصول والقواعد، ومقتضاها تقديم الإقرار على البيّنة، كما حقّقناه وبيّنّاه في المقام الأوّل.

ثمّ إنّ الظاهر كون مورد الرواية والفتاوى ما لم يكن للوليّ علم تفصيلي بالقاتل وبصدق الإقرار أو البيّنة، ولا علم إجمالي به وبصدق أحدهما، ولا علم بالشركة حيث إنّ المعلوم كون الرواية والفتاوى ناظرين إلى الحجّتين المتعارضين بما هما هما من دون انضمام العلم من رأس، كما لا يخفى.

وإلّا فلا إشكال ولا كلام في الأوّل في لزوم متابعة العلم التفصيلي وحجّيّته الموافق له من الإقرار والبيّنة دون الآخر المخالف له منهما. كما أنّه لا إشكال


1) . رياض المسائل 16: 272.

2) . مرّ في الصفحة السابقة.

3) . مرّ في الصفحة 395.

4) . السرائر 3: 342. وفيه: «وهو من شهد عليه بالقتل، ثمّ أقرَّ آخر بالقتل، فللأولياء أن يقتلوا من شاؤوا منهما بغير خلاف».

(مسألة 7): لو فرض في المسألة المتقدّمة: أنّ أولياء الميّت ادّعوا على أحدهما دون الآخر سقط الآخر، فإن ادّعوا على المشهود عليه سقط إقرار المقرّ، وإن ادّعوا على المقرّ سقطت البيّنة.(1)


ولا كلام أيضاً في عدم حجّية شيء منهما في الثاني؛ لكون العلم الإجمالي لكذب أحدهما مانعاً عن الحجّية كالعلم التفصيلي بالكذب بالنسبة إلى المعيّن منهما.

وأمّا الثالث، فالعلم بالشركة وإن كان مقتضياً لعدم حجّيّة شيء من الإقرار والبيّنة القائمين على عدمها بالدلالة المطابقة، كما هو المفروض، فإنّ المقرّ يبرئ المشهود عليه، لكن للوليّ العمل بعلمه، وله إجراء حكم الشركة في القتل فيما بينه وبين الله تعالى، لكنّه ممنوعٌ بحسب الظاهر؛ لعدم حجّية علمه إلّا لنفسه لا للحاكم وأولياء المقتولين.

فالحاصل، أنّ الإقرار والبيّنة ليستا بحجّة في هذه الصورة من رأس، كالصورتين السابقتين؛ لما بينهما مع علمه من المخالفة. نعم، في صورة احتمال الوليّ الشركة هما حجّة بالقوّة؛ لتماميّة شرائط الحجّيّة فيهما، لكنّها غير فعليّة؛ للتعارض، بل الظاهر كون هذه الصورة مشمولة للرواية والفتاوى، حيث إنّ الاحتمال غير رافع للجهل ولا مضرّ بالحجّية، فهذه الصورة كصورة علم الوليّ بعدم الشركة التي هي المتيقّن من النصّ، والفتاوى مشمولة لهما أيضاً.

(1) ما في المتن تامٌّ وموافق لما في نكت النهاية فيكون تابعاً له، كأبي‌العبّاس(1)والمقداد(2)والفاضل الأصبهاني(3)في نكت النهاية بعد ذكر المسألة السابقة:


1) . المهذّب البارع 5: 207.

2) . التنقيح الرائع 4: 435.

3) . كشف اللثام 11: 121.

الثالث: القسامة(1)


هذا كلّه بتقدير أن يقول الورثة: لا نعلم القاتل، أمّا لو ادّعوا على أحدهما سقط الآخر.(1)

والوجه في ذلك أنّه مع فرض كون الدعوى على المقرّ لا عبرة بالبيّنة بعد توافق مَن له الحقّ وعليه على خلافها، كما لا عبرة بالإقرار بعد دعوى المدّعي على غيره، وقيام البيّنة له بذلك، وعلمه بكذب المقرّ، أمّا إذا لم يكن دعوى من المدّعي، ولا طريق له إلّا البيّنة والإقرار فالحكم ما عرفت.

(1) وقبل البحث فيها ينبغي تقديم أُمورٍ:

في معنى القسامة

أحدها: القسامة (بفتح القاف) هي: اسم اُقيم مقام المصدر، يقال: أقسم إقساماً قسامةً، وهي الاسم له، كما يُقال: أكرم إكراماً وكرامةً، من القسَم بالتحريك، بمعنى اليمين.

وفي كتاب الله استعملت صيغة المفاعلة منه بذلك المعنى: وَقاسَمَهُمَا إنّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ.(2)

هذا بحسب معناها الأصلي المطابق للقواعد.

لكن في الصحاح: «الأيمان، تقسّم على جماعة يحلفونها».(3).

وفي القاموس:


1) . النهاية ونكتها 3: 377.

2) . الأعراف (7): 21.

3) . في الصحاح2: 1482، مادّة: «قسم». وفيه: «وأصله من القسامة، وهي الأيمان تقسّم على الأولياء في الدم».

...


والجماعةُ يُقْسِمُون على الشيء ويأخذونه أو يشهدون.(1)

وفي المصباح المنير، بل والمنجد: التصريح بصدقها على الأيمان التي تقسّم، وعلى الجماعة الذي يقسمون، فلها معنى آخر مناسباً مع المعنى الأصلي.(2)والظاهر أنّه ليس في الصحاح والقاموس دلالة على حصر معناها في المعنى الواحد المذكور فيهما حتّى يكون بينهما وبين المصباح والمنجد تخالفاً وافتراقاً.

بل لعلّ الاقتصار منهما على أحد المعنيين لعدم اطّلاعهم على الآخر.

وعلى الظهور في الحصر ف- المصباح مقدّم؛ لعدم التعارض بين الوجدان وعدمه، كما لا يخفى، هذا بحسب اللغة أصلاً وحدوثاً.

وأمّا بحسب الاصطلاح ولسان الفقهاء، اسم للأيمان.(3)ففي المسالك:

ولا اختصاص لها بأيمان الدماء لغة، لكن الفقهاء خصّوها بها، وصورتها أن يوجد قتيل في موضع لا يُعرف من قتله، ولا تقوم عليه بيّنة، ويدّعي الوليّ على واحد أو جماعة، ويقترن بالواقعةما يشعر بصدق الوليّ في دعواه، ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدّعيه، ويحكم بما سيذكر.(4)


1) . القاموس المحيط 4: 233، مادّة: «قسم».

2) . المصباح المنير: 503؛ المنجد: 628، مادّة: «قسم» وفي المصباح: «القسامة بالفتح، الأیمان تُقسَم علی أولیاء القتیل إذا ادّعوا الدم - إذا اجتمعت جماعة من أولیاء القتیل، فادّعوا علی رجل أنّه قتل صاحبهم ومعهم دلیل دون البیّنة فحلفوا خمسین یمیناً أنّ المدّعی علیه، قتل صاحبهم فهؤلاء الذین یقسمون علی دعواهم یسمّون قسامة».

3) . لاحظ: مجمع الفائدة: «في اصطلاح الفقهاء: اسم للأيمان المقرّرة عندهم لمدّعي الدم وأقاربه». (مجمع الفائدة والبرهان 14: 180).

4) . مسالك الأفهام 15: 198.

...


فتلخّص من جميع ما ذكرناه صحّة إطلاقها واستعمالها على نفس الأيمان، وعلى جماعة الحالفين التي تقسّم الأيمان عليهم، هذا كلّه في القسامة بفتح القاف.

وإمّا القُسامة بالضمّ، فلها معنيان، كما يظهر من لسان العرب،(1)أحدهما: الصدقة، ثانيهما: ما يأخذه القاسم لنفسه من أصل المال المقسوم.

وبالكسر منها تطلق على من تكون حرفته التقسيم كالتجارة.

فللقسامة بحركاتها الثلاثة للقاف معانٍ ثلاثة، هذا كلّه في المزيد فيه من القسم، وأمّا الثلاثي المجرّد منه من باب «فعل» بفتح العين «ويفعل» بفتحها وبكسرها، فالمصدر منه «القسم» بالسكون بمعنى السهم، وبالفتح بمعنى الحلف.

القسامة إمضائيّة أم تأسيسيّة؟

ثانيها: هل القسامة إمضائيّة، كما يظهر من نهاية ابن الأثير حيث قال: «إنّ القسامة جاهليّة وأقرّها الإسلام»، أو إبداعيّة وتأسيسيّة؟ وتظهر الفائدة في الشكّ في الشروط، وفي اعتبار الأُمور التي لا على شرطيّتها واعتبارها الدليل ولا على عدمها.

فعلى الأوّل، لابدّ من الرجوع إلى العقلاء الذين هم الأصل فيها، كما هي القاعدة في الأبنية الإمضائيّة، مثل حجّيّة الظواهر والخبر الواحد.

وعلى الثاني، لابدّ من الرجوع إلى مقتضى القواعد والأُصول فيها،وبذلك يظهر أنّ ما في الجواهر (2)من عدم الفائدة في ذلك في غير محلّه.


1) . لسان العرب 11: 164، مادّة: «قسم».

2) . جواهر الكلام 42: 226.

...


نعم، إثبات الإمضائيّة مشكلٌ؛ لما في أخبار العامّة من الدلالة على الإمضائيّة، ففيها: القسامة جاهليّة، والمراد منها: إمّا الذمّ وعدم حجيّتها، وإمّا المدح وأنّها كانت موجودة قبل الإسلام أيضاً، فيكون أمراً شرعيّاً وعقلائيّاً، بل في لسان العرب:

في حديث الحسن: القَسامة جاهليّة، أي كان أهل الجاهليّة يدينون بها وقرّرها الإسلام.(1)

ولما قيل ربّما يظهر من أخبارنا(2)أنّها من وضع رسول الله (صلی الله علیه وآله)، فتكون تأسيسيّة وإبداعيّة.

والعمدة في هذا الأمر من الأخبار خبر أبي بصير، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن القسامة أين كان بدؤها؟ فقال: «كان من قبل رسول الله (صلی الله علیه وآله)، لما كان بعد فتح خيبر تخلّف رجل من الأنصار عن أصحابه، فرجعوا في طلبه فوجدوه متشحّطاً في دمه قتيلاً، فجاءت الأنصار إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله) فقالوا: يا رسول الله! قتلت اليهود صاحبنا، فقال: ليقسم منكم خمسون رجلاً على أنّهم قتلوه...»، (3)الحديث.

ولا يخفى أنّ في قراءة لفظ «من قبل» من جهة عدم كون الأخبار منقولة إلينا بالقراءة، كما كانت في عصر الأئمّة : وما قاربه منالأعصار، بل تكون منقولة بالوجادة، احتمالين، كما صرّح به الجواهر:(4)أحدهما: بسكون الباء


1) . لسان العرب 11: 165.

2) . وسائل الشيعة 29: 155، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10.

3) . الکافي 7: 362، باب القسامة، الحدیث 8؛ الفقیة 4: 73/223، باب القسامّه الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 167/663، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 156- 157، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 5.

4) . جواهر الكلام 42: 226.

...


وفتح القاف؛ بمعنى الزمان المتقدّم المقابل للفظ البُعد الزماني، ثانيهما: بكسر القاف وفتح الباء؛ بمعنى الناحية والجهة. فعلى الأوّل يكون الحديث سنداً للإمضاء، وعلى الثاني دليلاً على التأسيس، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، بل لكلٍّ منهما مبعّد.

فمبعّد الأوّل - مضافاً إلى أنّ عليه لاحاجة معه إلى كلمة «من»، وكان ذكر لفظ «قبل» كافياً للدلالة على أنّها كانت قبل زمان رسول الله (صلی الله علیه وآله)، وكلمة «من» لا تزيد في هذا المعنى شيئاً أصلاً - فإنّه لا فرق بين أن يقال: كان الأمر الفلاني قبل رسول الله؛ أي في زمان قبله أو من قبل رسول الله (صلی الله علیه وآله)، كما هو واضح غير محتاج إلى التفصيل والبيان، فكلمة «من» تكون زيادة أو كالزيادة، وهو كما ترى، عدم المناسبة بين ذلك - أي كون القسامة - قبل زمان رسول الله (صلی الله علیه وآله) مع قوله (علیه السلام): «لما كان بعد فتح خيبر تخلّف...»، الحديث؛ لعدم الارتباط والمناسبة بينهما كما لا يخفى.

ومبعّد الثاني زيادة كلمة «قبل»، وكفاية «من رسول الله» (صلی الله علیه وآله) بحذف «قبل» بمعنى الناحية كما هو المعروف، فإنّ حرف الجرّ - أي كلمة «من» - للبيان ويكون كافياً في الجواب عن السؤال عن بدؤها، «وإنّما كانت من ناحية رسول الله (صلی الله علیه وآله) ومن قبله» فذكر ما يدلّ على الناحية والجهة؛ أي كلمة «قبل» بكسر القاف وفتح الباء يكون ذكر للزائد كما لا يخفى.

وبالجملة؛ الحكم بإمضائيّة القسامة وترتيب أثر الإمضاء مع عدمالحجّة والدليل المعتبر عليها مشكلٌ، فالمتّبع في موارد الشكّ القواعد والأُصول.

نعم، ما في غير واحد من أخبار الباب من تعليل القسامة بأنّها مجعولة: «احتياطاً

...


للناس»،(1)أو أنّ «القسامة نجاة للناس»،(2)أو أنّ: «حقن دماء المسلمين بالقسامة»،(3)متّبع ومحكّم في رفع الشكوك فيما تكون مرتبطة بتلك العلل، وفيما تكون تلك العلل أيضاً رافعة للشكّ، فالعلّة المذكورة منالأُصول والقواعد، فلا تغفل وكن على ذكر من ذلك؛ لرفع الشكّ في شرائط القسامة وموانعها.


1) . صحيحة زرارة، عن أبي عبدالله(علیه السلام)، قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً، أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل». (وسائل الشيعة 29: 151، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 1؛ الفقیه 4: 74/225، باب القسامة، الحدیث 7).

2) . صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله،(علیه السلام) قال: سألته عن القسامة كيف كانت؟ فقال: «هي حقٌ، وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً، ثُمَّ لم يكن شيء، وإنَّما القسامة نجاة للناس». (وسائل الشيعة 29: 151- 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 2؛ الکافي 7: 360، باب القسامة، الحدیث 1).

3) . خبر بريد بن معاوية، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «الحقوق كلّها البيّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه، إلّا في الدم خاصّة، فإنّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلاً منهم فوجدوه قتيلاً، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول الله (صلی الله علیه وآله) للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده برمّته، فإنْ لم تجدوا شاهدين، فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمّته، فقالوا: يا رسول الله! ما عندنا شاهدان من غيرنا وإنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره، فوداه رسول الله (صلی الله علیه وآله) وقال: إنَّما حقن دماء المسلمين بالقسامة، لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدِّوه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله، وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلّا اغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون». (وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 3؛ الکافي 7: 361، باب القسامة الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 166/661، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 1؛ علل الشرائع 2: 305، الباب 328، الحدیث 1).

...


الفرق بين حلف القسامة وغيرها

ثالثها: حلف القسامة ويمينها متفاوت ومفترق عن يمين المنكر وحلفه في الدعاوي في غير الدم من جهات خمسة:

الأوّل: أنّه في القسامة للمدّعي، وفي اليمين على المدّعى عليه.

الثاني: أنّه في القسامة خمسون، وفي المنكر واحد.

الثالث: أنّ الحلف للغير ولإثبات حقّه في القسامة ممكن وجائز دون حلف الدعاوي، فإنّ الحلف من غير المنكر غير نافذ، فإنّ البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، وذلك بخلاف باب القسامة، فإنّ حلف غير الأولياء لتكميل القسامة نافذ.

الرابع: الحلف من الغير للنفي في القسامة جائز فيما كانت القسامة للمدّعى عليه، فله تكميل القسامة بحلف غيره على نفي القتل عنه، وهذا بخلاف باب الدعاوي فليس لغير المنكر الحلف على النفي كما مرّ.

الخامس: نكول المدّعى عن القسامة التي هي حقّه موجب لقسامة المدّعى عليه إجماعاً، لكن نكول المدّعى عليه عن الحلف الذي هو حقّه في باب الدعاوي فيه خلاف: من أنّه يردّ الحلف على المدّعي بمحض النكول، أو محتاج إلى ردّه إليه مضافاً إلى نكوله.

وبالجملة؛ بين اليمين في القسامة وفي الدعاوي فروق خمسة، ولك أن تقول: في حلف القسامة مخالفة للقواعد من جهات خمس: من كون اليمين على المدّعي، ومن تعدّد الأيمان فيها، ومن جواز حلف الإنسان لإثباتحقّ غيره، ولنفي

...


الدعوى عن غيره، ولعدم سقوط الدعوى بنكول من توجّهت عليه اليمين والقسامة؛ أي المدّعى، إجماعاً على ما في المسالك ،(1)بل تردّ اليمين والقسامة على غيره؛ أي المنكر.

رابعها: القسامة في الجملة، عليها إجماع علماء الشيعة، بل علماء الإسلام إلّا أبا حنيفة، فإنّه قال: «لا أعتبر اللوث ولا أراعيه ولا أجعل اليمين في جنبة المدّعي».(2)

وفي الجواهر بعد نقله ذلك منه:

وكم له من نحو ذلك، وإلّا فهي من الضروريّات بين علماء المسلمين، والنصوص فيها من الطرفين متواترة أو قطعيّة المضمون.(3)

خامسها: لما أنّ القسامة مخالفة للقواعد من جهات، كما بيّناه في الأمر الثالث، فمقتضى الأصل العملي في شروطها وموانعها الاقتصار على القدر المتيقّن ومورد الدليل.

هذا مضافاً إلى كون الأصل عدم الحكم إلّا بالحجّة والدليل، وما مرّ من الرجوع إلى عموم العلّة هو فيما قبل الأصل وفي فرض عدمه، كما لا يخفى.


1) . مسالك الأفهام 15: 199.

2) . الخلاف 5: 303.

3) . جواهر الكلام 42: 227.

والبحث فيها في مقاصد:

[المقصد] الأوّل: في اللوث (1)

اشارة


معنى اللوث

(1) في الجواهر:

وهو - لغةً - القوّة، أو من التلوّث: وهو التلطّخ. وعلى كلّ حالٍ، فهو مناسب لما تسمعه من المراد به هنا في لسان الفقهاء وإن لم نجده في شيء ممّا وصل إلينا من النصوص، إلّا أنّه لاريب في اعتباره عندنا فيها.(1)

ولا يخفى أنّ اعتباره فيها تابع لما عليه الأخبار من الظنّ مطلقاً، أو الظنّ الغالب أو المتاخم للعلم على كونه متفاوتاً مع الغالب، فإنّها الحجّة للاعتبار. ثمّ إنّه ليس فيها لفظ اللوث، كما صرّح به الجواهر في العبارة المنقولة حتّى يلزم البحث عن معناه المعتبر وتفسيره، وإنّما الموجود فيها بعض أسباب الظنّ وموجباته، كما يظهر ممّا ننقله منها في مباحث القسامة وأحكامها.

وما في كلمات الأصحاب من تفسيره وبيان المراد منه فمأخوذ من تلك الأخبار دلالة للسبب على المسبّب.


1) . جواهر الكلام 42: 226.

...


اعتبار اللوث في القسامة

وكيف كان، فالكلام في اللوث يقع في مقامين: أحدهما: في اعتباره، وثانيهما: في المراد منه على الاعتبار. والكلام في المقام الثاني يأتي في ذيل عبارة المتن من قوله: «والمراد به...»، إلى آخره.

وأمّا الكلام في المقام الأوّل، فهو معتبر بلا خلاف أجده فيه، وظاهرهم الإجماع عليه، كما صرّح به في الغنية،(1)بل و‌الخلاف،(2)وعن السرائر:(3)أنّ عليه في النفس إجماع المسلمين وفي الأعضاء إجماعنا.

ولكن ناقشهم بعض الأجلّة،(4)حيث قال بعد نقله جملة الأخبار المتعلّقة بالقسامة الدالّة على ثبوتها في الشريعة من طرق العامّة والخاصّة، كالنبويّ: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر إلّا في القسامة».(5)

والصحيح: سألته عن القسامة، كيف كانت؟ فقال: «هي حقّ، وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً، ثمّ لم يكن شيء، وإنّما القسامة نجاة للناس».(6)

والصحيح: سألته عن القسامة؟ فقال: «الحقوق كلّها البيّنة على المدّعي واليمين


1) . غنية النزوع 1: 441.

2) . الخلاف 5: 303، المسألة 1.

3) . السرائر 3: 338.

4) . وهو المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 14: 182.

5) . المغني، لابن قدامة 10: 31، باب القسامه، مسألة سواء کان المقتول مسلماً أو کافراً... .

6) . الکافي 7: 360، باب القسامة، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 151، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 2.

...


على المدّعى عليه، إلّا في الدم خاصّة، فإنّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلاً منهم فوجدوه قتيلاً، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول الله (صلی الله علیه وآله) للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم اقيدوه برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلاً اقيدوه برمّته، فقالوا: يا رسول الله(صلی الله علیه وآله)! ما عندنا شاهدان من غيرنا، وإنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره، فودّاه رسول الله (صلی الله علیه وآله) وقال: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذ رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله، وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلّا اُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».(1)

واستفادته قدس سره أحكام تسعة منه، حيث قال ما لفظه:

إنّ هذه الأخبار خالية من اعتبار اللوث لفظاً؛ يعني لم يوجد للقسامة شرط اللوث. نعم، في بعضها وجد القتيل في قبیلةٍ [قليب] وقرية ونحو ذلك، وليس ذلك بواضح ولا صريح في اشتراطة، - إلى أن قال: - وكأنّ لهم على ذلك إجماعاً أو نصّاً ما اطّلعتعليه.(2)

هذا، ولكنّ الذي يظهر من الرياض(3)ومن حواشي صاحب مفتاح الكرامة على قصاص اللثام ، استدلالهم على اعتباره بوجوهٍ:


1) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 166/661، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 1؛ علل الشرائع 2: 305، الباب 328، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 3.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 182.

3) . رياض المسائل 16: 279.

...


أحدها: الإجماع المعلوم والمنقول، ففي مفتاح الكرامة:

وكيف كان، فإنّما ثبتت القسامة في الدماء مع اللوث بالإجماع المعلوم والمنقول في الغنية(1)و الخلاف ،(2)بل يظهر من السرائر(3)أنّ عليه في القتل إجماع المسلمين، وفي الإيضاح:(4)إجماعنا.(5)

ثانيها: صحيح مسعدة بن زياد، عن جعفر (علیه السلام)، قال: «كان أبي(رضي الله عنه) إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم، ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه، حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، ثمّ يؤدّي الدية إلى أولياء القتيل، وذلك إذا قتل في حيٍّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال».(6)

وفيه الدلالة من جهة ما فيه من ذكر التهمة، ومن جهة الفرق بين ما قتل في حيٍّ، وما قتل في عسكر، ففيه الدلالة على اعتبار اللوث من وجهين.

وأظهر منه قول الصادق (علیه السلام) في خبر زرارة، قال: «إنّما جعلتالقسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشرّ المتّهم، فإن شهدوا عليه جازت شهادتهم».(7)


1) . غنية النزوع 1: 440.

2) . الخلاف 5: 303.

3) . السرائر 3: 338.

4) . إيضاح الفوائد 4: 610.

5) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 51.

6) . تهذیب الأحکام 10: 206/812، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 17؛ الاستبصار 4: 278/1054، باب المقتول یوجد في قبیلة أو قریة، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 6.

7) . تهذیب الأحکام 10: 315/1176، باب من الزیادات، الحدیث 17، وفيه: «بالستر» مکان «بالشر»؛ الفقیه 4: 73/222، باب القسامة، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 154، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 7.

...


ثالثها: إطباق المسلمين، وفي الحاشية بعد الاستدلال بالإجماع والصحيح المذكور قال:

مضافاً إلى إطباق المسلمين على ذلك؛ أي اعتبار اللوث، سوى الكوفي(1)على ما حكي عنه في الخلاف ، حيث قال: لا أعتبر اللوث، ولا أرى بحثه، ولا أرى جعل اليمين في جانب المدّعي(2).(3)

رابعها: لزوم الاقتصار على القدر المتيقّن من القسامة، وهو ما فيه اللوث لما فيها من المخالفة للقواعد، ففي الرياض:

لعلّ الوجه فيما ذكروه من اشتراط اللوث مخالفة القسامة للقاعدة، فإنّ إثبات الدعوى بقول المدّعي ويمينه على خلاف القاعدة؛ لأنّه حكم بغير دليل، ولقوله (صلی الله علیه وآله): «لو يعطى الناس بأقوالهم لاستباح قوم دماء قوم وأموالهم»، فيجب الاقتصار فيها على المتيقّن من النصّ والفتوى، وليس إلّا ما ذكرنا؛ لورود أكثر النصوص في قضيّة عبدالله بن سهل المشهورة، وفيها اللوث بلا شبهة.(4)

وغيرها بين ما مورد الأسئلة فيها وجدان القتيل في محلّ التهمة وهيكالأوّل، وبين مطلقة ولكن إطلاقها لبيان أصل المشروعيّة لا لبيان ثبوتها على الإطلاق،


1) . المراد بالكوفي هو أبوحنيفة.

2) . الخلاف303:5، المسالة1.

3) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 51.

4) . رياض المسائل 16: 279.

...


فهو حينئذٍ عن المجملات.

خامسها: أنّ عدم اعتبار اللوث يستلزم عدم الفرق بين قتيل يوجد في قرية أو محلّة أو نحو ذلك من الأمثلة الآتية للوث، وقتيل يوجد في سوق أو فلاة أو جمعة، مع أنّ الفتاوى والنصوص مطبقة بالفرق بينهما بثبوت القسامة في الأوّل دون الثاني.

وفي الحاشية بعد ذكر الأدلّة على التفصيل قال:

فقد دلّت على اعتبار هذا الشرط الأُصول، والقواعد، والأخبار، والإجماعات من الخاصّة والعامّة.(1)

لكن مع ذلك كلّه ناقش الجواهر في الأدلّة وقال بعد بيان جلّ الأدلّة إن لم يكن كلّها:

لكن العمدة ما عرفته من الإجماع السابق ضرورة منع الإجمال في الإطلاقات المزبورة الفارقة بين الدماء والأموال، وصحيح مسعدة(2)لا ظهور فيه في الاشتراط على وجه إن لم تحصل أمارة للحاكم لم تشرع القسامة، ولا الخبر الآخر،(3)والفرق المزبوربين قتيل الزحام وغيره إنّما


1) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 52.

2) . تهذیب الأحکام 10: 206/812، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 17؛ الاستبصار 4: 278/1054، باب المقتول یوجد في قبیلة أو قریة، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 6.

3) . تهذیب الأحکام 10: 315/1176، باب من الزیادات، الحدیث 17، وفيه: «بالستر» مکان «بالشر»؛ الفقیه 4: 73/222، باب القسامة، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 154، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 7.

...


هو بالنسبة إلى أداء الدية لا في اللوث، كما ستعرفه في نصوصه. فتأ‌مّل جيّداً.(1)

ولقد أجاد في أمره بالتأ‌مّل جيّداً؛ لما في كلامه من المناقشة ما لا يخفى، حيث إنّ الإطلاقات الفارقة - مع قطع النظر عن عدم كونها إلّا واحدة، وهي خبر أبي بصير(2)كما بيّنوه - لأصل المشروعيّة، وللفرق بين الأموال والدماء فيها، ولذلك لا يصحّ التمسّك بها لعدم شرطيّة بقيّة شرائط القسامة أيضاً، فلا يمكن التمسّك بمثل ذلك الإطلاق على عدم اشتراط اللوث ولا على عدم اعتبار بقيّة الشرائط.

وحيث إنّ الخبر الآخر - أي خبر زرارة(3)- يدلّ على اعتبار اللوث بالحصر وبكلمة «إنّما»، فكيف يقال بعدم ظهوره في الاشتراط؟ وحيث إنّ في جعله العمدة من الأدلّة الإجماع ما لا يخفى، فإنّه في مسألة اجتهاديّة.

نعم، العمدة من الثلاثة الباقية (الرابع والخامس والثاني) الرابع، واللازم منه الاقتصار على المتيقّن منه، وهو الظنّ الغالب المتآخم للعلم، كما هوواضح، لا مطلقه ولا الغالب في إفادة الظنّ للغالب من دون التآخم.

وكيف كان، فلا قسامة مع ارتفاع التهمة وعدم الأمارة التي تورث ظنّا


1) . جواهر الكلام 42: 231.

2) . الکافي 7: 361، باب القسامه، الحدیث 6؛ الفقیه 4: 72/219، باب القسامه، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 4.

3) . تهذیب الأحکام 10: 315/1176، باب من الزیادات، الحدیث 17؛ الفقیه 4: 73/222، باب القسامة، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 154، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 7.

والمراد به: أمارة ظنّيّة قامت عند الحاكم على صدق المدّعي،(1) كالشاهد الواحد، أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول، وكذا لو وجد متشحّطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم أو في محلّة منفردة عن البلد؛ لا يدخل فيها غير أهلها، أو في صفّ قتال مقابل الخصم بعد المراماة.

وبالجملة؛ كلّ أمارة ظنّيّة عند الحاكم توجب اللوث؛ من غير فرق بين الأسباب المفيدة للظنّ، فيحصل اللوث بإخبار الصبيّ المميّز المعتمد عليه، والفاسق الموثوق به في إخباره، والكافر كذلك، والمرأة ونحوهم.


بصدق المدّعى، فضلاً عن كونه متآخماً للعلم بلا خلاف فيه، بل الإجماع بقسمية عليه، فللوليّ إحلاف المنكر يميناً واحدة، كما في غيره من الدعاوي، ولا يجب التغليظ عليه فيها عدداً أو قولاً أو غيرهما وإن دعاه إليه الوليّ أو الحاكم، خلافاً للنافع،(1)فأوجب خمسين يميناً على منكر القتل مطلقاً، وهو واضح الضعف.

ولو نكل فعلى قولين من القضاء عليه بالنكول أو مع يمين المدّعي.

المراد باللوث في القسامة

(1) صريح المتن و الشرائع(2)و الجواهر(3)وغيره اعتبار مطلق الظنّ في اللوث، وكفايته فيه. لكنّ الظاهر عدم كفاية ذلك الظنّ فيه، بل لابدّ منكونه قويّاً اطمئنانياً وظنّاً متآخماً للعلم، بحيث لو كان مورد الدعوى غير الدم والقتل من الأُمور الماليّة لكان للقاضي الاكتفاء بالأمارات الموجبة لذلك القسم من الظنّ


1) . المختصر النافع: 299.

2) . شرائع الإسلام 4: 207.

3) . جواهر الكلام 42: 232.

...


والحكم على طبقها؛ لكون الاطمئنان كذلك علماً عاديّاً حجّة في القضاء، كما يظهر من قضايا عليّ (علیه السلام) وأنّ تلك القضايا مخصّصة لقوله (صلی الله علیه وآله): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»،(1)كما حقّقناه في تعليقنا على ملحقات العروة في كتاب القضاء منها.

لكن ليس له الاكتفاء بذلك العلم في المقام؛ لكون باب الدم والقصاص خطيراً محتاجاً إلى الاحتياط فيه أكثر من سائر الموارد؛ وذلك، أي الظهور، لوجوهٍ ستّة:

أحدها: ما مرّ(2)في الوجه الرابع من وجوه اعتبار أصل اللوث، من لزوم الاقتصار على القدر المتيقّن، فإنّ القسامة خلاف الأصل، فلابدّ من الاقتصار على مورد اليقين، ولا يجوز الحكم بها مع الشكّ في مشروعيّتها وحجّيّتها.

ثانيها: ما في غير واحد من أخبار أصل القسامة(3)- إن لم يكن كلّها - في مورد فقدان أنصاري فوجدوه قتيلاً، وادّعى الأنصار كونه مقتولاً بفلان اليهودي أو اليهود، من قولهم: «إنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره»، أو«كيف نحلف على ما لم نعلم ولم نشهد؟»، أو «كيف نقسم على ما لم نر؟»، فإنّ في عدم حلفهم على غير العلم وغير الرؤية بالعين من الظنّ والأمارات المفيدة له، بل للاطمئنان أيضاً؛


1) . الکافي 7: 414، باب أنّ القضاء بالبیّنات والأیمان، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 6: 229/552، باب کیفیّة الحکم والقضاء، الحدیث 3؛ وما في معاني الأخبار: 391، باب معنی المحاقله...، الحدیث 1، بألفاظ غیر هذه الألفاظ؛ وسائل الشيعة 27: 232، کتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحکام الدعوی، الباب 2، الحديث 1.

2) . مرّ في الصفحة 417.

3) . راجع: وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 3؛ و: 155، الباب 10، الحديث 1 و3 و5 و7.

...


قضاءً لظاهر حالهم في النسبة، كما لا يخفى، فضلاً عن الشكّ، دلالةٌ وشهادةٌ على أنّهم كانوا من الأخيار ومن المقيّدين في أمر الشهادة والحلف والقضاء، فإخبارهم النبيّ (صلی الله علیه وآله) بالقتل، وأنّ الأنصاري مقتول بيد اليهود موجبٌ لاطمئنان النبيّ(صلی الله علیه وآله) بالقتل وبصحّة ادّعائهم، فحكمه(صلی الله علیه وآله) بالقسامة يكون أيضاً مع ذلك الاطمئنان، فهو المعتبر في القسامة دون مطلق الظنّ؛ لاختصاص تلك الأخبار بذلك دونه.

ثالثها: أنّ قول عدّة من الأنصار المصاحبين لرسول الله وإخبارهم بقتل رجل من الأنصار بنفسه موجب الاطمئنان.

رابعها: ما في رضى النبيّ (صلی الله علیه وآله) بعدم حلف اليهود وقسامتهم لعدم رضى الأنصار به، مع علمهم بأنّهم كفّار، وبأنّه لا أحد يصدّق اليهود، وبغير ذلك من أمثال تلك التوجيهات، فإنّه لو لم يكن قولهم موجباً لاطمئنان النبيّ (صلی الله علیه وآله) بصدق الأنصار وكذب اليهود لم يصحّ للنبيّ (صلی الله علیه وآله) الرضى بترك حلفهم، حيث إنّه على فرض الظنّ بكذبهم يصحّ منهم الحلف، فإنّ الحلف حقّ لهم، ورافع للتهمة عنهم، وإنّما لا يصحّ حلفهم مع اطمئنان الحاكم والنبيّ (صلی الله علیه وآله) بكذبهم.

خامسها: مقتضى التعليل الواقع في أخبار القسامة، من أنّها إنّما «جعلت القسامه احتياطاً للناس»،(1)وأنّها «حوط يحاط به الناس»،(2)وأنّه «لولاذلك لقتل الناس


1) . الفقیه 4: 74/225، باب القسامة، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 151، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 1.

2) . الکافي 7: 360، باب القسامة، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 168/665، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 155، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 1.

...


بعضهم بعضاً»،(1)وأنّه جعل اليمين في الدم للمدّعي «لئلّا يبطل دم امرءٍ مسلم»،(2)فإنّ الحاصل من مجموعها أنّ العلّة حفظ الأنفس والدماء، ومن المعلوم أنّ القول بكفاية مطلق الظنّ معارضٌ ومخالفٌ لتلك العلّة؛ لاستلزامه هدر الدماء بقسامة الأفراد الفاسقين والمجهولين في مورد مطلق الظنّ الذي حصوله سهلٌ.

وهذا بخلاف الاطمئنان، فإنّ حصوله وتحقّقه للحاكم مشكلٌ؛ لاحتياجه إلى أمارات مفيدة له بحسب العادة. ثمّ إنّه مع حصوله كذلك لابدّ للحاكم من الحكم، وليس حكمه موجباً للهدر؛ لأنّ الحكم كذلك عقلائي، والشارع شرّع القسامة معه احتياطاً في الدماء.

وبالجملة؛ بعد ما لم يكن اللوث ولا الظنّ مورداً للنصّ، وإنّما الموجود في النصوص عدّة من الأمارات في غير واحد منها، وبعد ما كانت القسامة على خلاف القواعد، فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن، وهو الظنّ الاطمئناني المتآخم للعلم، وهو المراد من اللوث أيضاً كما لا يخفى؛ قضاءً للأصل المؤ‌يّد والمعتضد بما مرّ من الوجوه الأربعة، وبالاعتبار العقلائي،حيث إنّهم يعتبرون القسامة كذلك؛ أي القسامة مع الاطمئنان للحاكم بالقتل على النحو الذي لو كان ذلك الاطمئنان الحاصل من الأمارات في غير الدماء من الأموال للزم الحكم على طبقه بلا قسامة،


1) . الکافي 7: 360، باب القسامة، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 168/665، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 5؛ علل الشرائع 2: 306، الباب 328، الحدیث 3، و354، الباب 385، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 154، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 8.

2) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 6؛ الفقیه 4: 72/219، باب القسامة الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 4.

...


ويحكمون أيضاً برعاية الشارع في الحكم بها الحكمة. وهذا بخلاف القسامة مع الظنّ، فإنّها موجبة عندهم لهدر الدماء بقسامة المجهولين والفسّاق؛ لعنادهم مع المتّهم، ويعتبرونها خالية عن الحكمة، وغير مناسبة مع الشارع تعالى، الذي أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.(1)

ولك أن تجعل هذا الوجه وجهاً سادساً، يرجع حاصله إلى كون صحّة القسامة مع الظنّ خلاف العقل؛ لما يراه العقلاء خلاف الحكمة، بل تكون مخالفةً لآيات الكتاب المتضمّنة لكون الشارع حكيماً في شرعه وتكوينه، وأنّ أحكامه مع الحكمة اُحكمت.

ثمّ إنّه يظهر من الجواهر في مسألة تحقّق اللوث وعدمه فيما لو كان جماعة المخبرين صبياناً أو كفّاراً، الاستدلال على كفاية مطلق الظنّ في اللوث بأمرين: أحدهما: إطلاق أدلّة القسامة، ثانيهما: الأمثلة المذكورة في عبارات الفقهاء مثالاً للوث، ودونك عبارته:

وأشكل من ذلك [أي من عدم اللوث مع شهادة الصبيّ أو الفاسق أو الكافر ولو كان مأموناً في نحلته]. قولهم: ولو كان الجماعة صبياناً أو كفّاراً لم يثبت اللوث ما لم يبلغ حدّ التواتر، مع أنّ بلوغه حدّ التواتر يوجب ثبوت القتل لا اللوث، وحمله في كشف اللثام(2)على الشياع.

وفيه: أنّه لا دليل على اعتباره أيضاً؛ لما سمعته من النصوصالدالّة بإطلاقها على سماع دعوى المدّعي في الدماء، أقصى ما تقيّدت من جهة


1) . هود (11): 1.

2) . كشف اللثام 11: 125.

...


الإجماع وغيره بعدم القسامة مع عدم أمارة توجب ظنّاً، وحينئذٍ فمتى حصل الظنّ بصدق المدّعي من أمارة من أماراته سمعت دعواه بالقسامة من غير فرق بين أسباب الظنّ، بل وأفراده؛ إذ الظاهر إرادة حصول الظنّ من قول المصنّف وغيره: «يغلب...» إلى آخره في تعريف اللوث، لا اعتبار الظنّ الغالب، نحو ما عبّروا به في الشكّ في عدد الركعات من غلبة الظنّ نصّاً(1)وفتوىً، وإلّا كان منافياً لإطلاق الأدلّة، بل ولما ذكروه من الأمارات التي تفيد الظنّ، لا الظنّ الغالب، ومنه المتآخم للعلم. نعم، لابدّ من الانتقاد للأفراد المشتبهة بالظنّ، فإنّ بعض أفراد الشكّ قد تشتبه به، وإلّا فمتى حصل ثبت الحكم.

واحتمال القول بأنّ الإطلاق عُلم تقييده باللوث، والمتيقّن منه ظنٌّ مخصوصٌ، يدفعه ما عرفت من عدم وجود لفظ اللوث، وعلى تقديره فقد عرفت ما ذكروه في تفسيره وما ذكروه من الأمثلة له، وأنّه على تقديره لا دليل عليه، وليس المقام من التقييد بالمحلّ، كما هو واضح. نعم، لابدّ من وجود أمارة تقتضي الظنّ بصدق المدّعي.(2).

وفيه: أمّا إطلاق الأدلّة، فمقيّدة بما فيها من العلّة بأنّها نجاة للناسوحوط يُحاط بها الناس وغيرهما ممّا يقرب بهما، وقد مرّ(3)أنّ مقتضاها عدم جواز القسامة مع الظنّ.


1) . راجع: وسائل الشيعة 8: 211، کتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 7.

2) . جواهر الكلام 42: 239.

3) . مرّ في الصفحة 420.

(مسألة 1): لو وجد في قرية مطروقة فيها الإياب والذهاب، أو محلّة منفردة كانت مطروقة، فلا لوث إلّا إذا كانت هناك عداوة فيثبت اللوث.

(مسألة 2): لو وجد قتيل بين القريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي فهما سواء في اللوث. نعم، لو كان في إحداهما عداوة فاللوث فيها وإن كانت أبعد.(1)


وأمّا ما في عبارات الأصحاب من أمثلة اللوث ومورده، فليس إلّا بياناً للموضوع، حسب آرائهم في الموارد، وحسب بنائهم على كفاية مطلق الظنّ، فلا تعبّد فيها حتّى يكون الإجماع القولي فيها - فضلاً عن الاستنباطي منها - حجّة.

هذا، مع ما لهم من الاختلاف كثيراً في تلك الموارد، ففي مثل القتيل في القرية ذهب بعضهم إلى أنّه لوث على الإطلاق، وآخرون إلى أنّه لوث مع التهمة، وثالث إلى أنّه لوث مع العداوة ومن الاضطراب؛ حيث إنّ الشرائع(1)اكتفى بالعدل الواحد للوث دون شهادة الصبيان والنساء والكفّار، مع أنّه لا فرق بينه وبينهم في إفادة الظنّ، بل لعلّ الظنّ الحاصل منهم قد يكون أقوى من الحاصل من شهادته.

(1) الموارد المذكورة في المتن في هذه المسألة والمسألة الأُولى وما قبلها وفي غيره من كتب الأصحاب بيان لأسباب اللوث وموجباته، ويكون النظر فيها نظراً موضوعيّاً وبنائيّاً لا نظراً فقهيّاً وبياناً حكميّاً، وعليه فلا حجّة فيها للحاكم، ولا يلزمه اتّباع هذه الآراء والفتاوى، بل عليه اتّباع رأيهوإن كان مخالفاً رأي مرجعه، حيث إنّ المتّبع في مثل الموضوع رأي المقلّد (بالكسر) لا المقلّد (بالفتح)؛ لعدم دخالة الفقاهة والاجتهاد في تشخيص الموضوع الخارجي من رأس.


1) . شرائع الإسلام 4: 207- 208.

(مسألة 3): لو لم يحصل اللوث فالحكم فيه كغيره من الدعاوي، فلا قسامة ولا تغليظ، والبيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، فللوليّ مع عدم البيّنة إحلاف المنكر يميناً واحداً.(1)


نعم، لابدّ له من مراجعة مَن يقلّده في أنّ المعيار في اللوث المراد منه مطلق الظنّ، كما هو المعروف، أو الظنّ الخاصّ الاطمئناني المتآخم للعلم، كما هو المختار؟

ثمّ إنّه على أيّ حال، ليس على الحاكم مع شكّه في كون الأمارة موجبة للوث وعدمها ترتيب أثر اللوث والحكم بالقسامة، بل عليه الرجوع إلى القواعد، كما لا يخفى.

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لابدّ على المختار من تقييد الأمارة في المتن في قوله: «وبالجملة، كلّ أمارة ظنّيّة بالظنّ الغالب المتآخم للعلم».

ولا يخفى أنّ جعله الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول على الإطلاق لوثاً غير تامٍّ حتّى على مبناه من كفاية مطلق الظنّ؛ لأنّ منه ما كان لهما داء النسيان، بل ولو لم يكن لهما الحفظ المتعارف فإنّ من المعلوم عدم إفادة شهادتهما الظنّ أصلاً لاسيّما في المبتلى بالنسيان.

لكنّ الأمر في أمثال المناقشات سهلٌ؛ لأنّها مثاليّة. فتدبّر جيّداً.

حكم ما لو لم يحصل اللوث

اشارة

(1) وجه كون الحكم في الدم مع عدم اللوث حكم بقيّة الدعاوي، هو إطلاق أدلّة القضاء والدعاوي.

وما في المتن من نفي التغليظ وأنّ للوليّ إحلاف المنكر يميناً واحدة، يكون ردّاً للشافعي القائل بالتغليظ بخمسين يميناً في أحد قوليه، كما يظهر من الخلاف،

(مسألة 4): لو قتل شخص في زحام الناس ليوم جمعة أو عيد، أو وجد في فلاة أو سوق أو على جسر، ولم يعلم من قتله، فديته من بيت مال المسلمين.(1)


ففيه:

إذا لم يكن لوث ولا شاهد، ويكون دعوى محضة، فاليمين في جنبة المدّعى عليه بلا خلاف، وهل تغلّظ أم لا؟ عندنا أنّه لا يلزمه أكثر من يمين واحدة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: أنّها تغلّظ خمسين يميناً.(1)

(1) إجماعاً، ويدلّ عليه الأخبار المستفيضة أو المتواترة:

منها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «ازدحم الناس يوم الجمعة في امرة عليّ (علیه السلام) بالكوفة فقتلوا رجلاً، فودى ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين».(2)

ومنها: خبر مسمع بن عبدالملك، عن أبي عبدالله (علیه السلام): «أنّ أميرالمؤمنين (علیه السلام) قال: مَن مات في زحام الناس يوم الجمعة، أو يوم عرفة، أو على جسر لا يعلمون مَن قتله، فديته من بيت المال».(3)ومنها: خبر السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (علیه السلام)، قال: «مَن مات في


1) . الخلاف 5: 314، المسألة 14.

2) . الکافي 7: 355، باب المقتول لا یدری من قتله، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 202/798، باب القضاء في قتل الزحام...، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 146، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 6، الحديث 2.

3) . وسائل الشيعة 29: 146، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 6، الحديث 5؛ وراجع: الكافي 7: 355، باب المقتول لا يدری من قتله، الحديث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 201/796، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 1.

...


زحام جمعة أو عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله، فديته على بيت المال».(1)

وأشار إليه الوسائل بعد نقل خبر مسمع بقوله:

محمّد بن الحسن، بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن بنان بن محمّد، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ : مثله.(2)

ورواه الصدوق بإسناده عن السكوني وزاد: «أو عيد أو على بئر».(3)

ومنها: خبر ابني سنان وبكير، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «قضى أميرالمؤمنين (علیه السلام) في رجل وجد مقتولاً لا يدري من قتله، قال: إن كان عرف وکان له أولياء يطلبون ديته أعطوا ديته من بيت مال المسلمين، ولا يبطل دم امرءٍ مسلم؛ لأنّ ميراثه للإمام، فكذلك تكون ديته على الإمام، ويصلّون عليه ويدفنونه»، قال: «وقضى (علیه السلام) في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات، أنّ ديته من بيت مال المسلمين».(4).

ومنها: خبر سوار، عن الحسن، قال: «إنّ عليّاً (علیه السلام) لما هزم طلحة والزبير أقبل الناس منهزمين، فمرّوا بامرأة حامل على الطريق، ففزعت منهم، فطرحت ما في


1) . تهذيب الأحكام 10: 202/797، باب القضاء في قتيل الزحام ومن لا يعرف قاتله و...، الحديث 2؛ الفقیه 4: 122/427، باب من مات في زحام الأعیاد أو عرفه...، الحدیث 1.

2) . وسائل الشيعة 29: 147، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 6، ذیل الحديث 5.

3) . الفقيه 4: 122/427، باب من مات في زحام الأعياد أوعرفة أو...، الحديث 1.

4) . الکافي 7: 354، باب المقتول لا یدری من قتله، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 202/799، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 145، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 6، الحديث 1.

...


بطنها حيّاً فاضطرب حتّى مات، ثمّ ماتت أُمّه من بعده، فمرّ بها علي (علیه السلام) وأصحابه، وهي مطروحة [على الطريق] وولدها على الطريق فسألهم عن أمرها، فقالوا له: إنّها كانت حبلى، ففزعت حين رأت القتال والهزيمة، قال: فسألهم: أ‌يّهما مات قبل صاحبه؟ فقيل: إنّ ابنها مات قبلها، قال: فدعا بزوجها أبي الغلام الميّت، فورّثه من ابنه ثلثي الدية، وورّث أُمّه ثلث الدية، ثمّ ورّث الزوج من المرأة الميتة نصف ثلث الديه التي ورّثه من ابنها، وورّث قرابة المرأة الميتة الباقي، ثمّ ورّث الزوج أيضاً من دية امرأته الميتة نصف الدية، وهو ألفان وخمسمائة درهم، وورّث قرابة المرأة الميتة نصف الدية، وهو ألفان وخمسمائة درهم، وذلك أنّه لم يكن لها ولد غير الذي رمت به حين فزعت، قال: وأدّى ذلك كلّه من بيت مال البصرة».(1).

ومن ذلك يعلم أنّ المراد من قوله (علیه السلام) في خبر السكوني: «ليس في الهايشات عقل ولا قصاص والهايشات: الفزعة تقع بالليل والنهار فيشجّ الرجل فيها، أو يقع قتيل لا يدری من قتله وشجّه»(2)أيعلى غير بيت المال، بل يشهد له ما عن الكافي متّصلاً بالخبر المزبور، وقال أبو‌عبدالله (علیه السلام) في حديث آخر يرفعه إلى


1) . الکافي 7: 138، باب مواریث القتلی و...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 9: 376/1344، باب میراث المرتدّ ومن یستحقّ...، الحدیث 13؛ الفقیه 4: 226/719، باب میراث الجنین...، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 26: 36، کتاب الإرث، أبواب موانع الإرث، الباب10، الحديث 3.

2) . الکافي 7: 355، باب المقتول لا یدری من قتله، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 203/802، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 146، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 6، الحديث 3.

...


أمير‌المؤمنين(علیه السلام): «فوداه من بيت المال».(1)

إلى غير ذلك من النصوص المعلوم كون المراد منها ذلك، مع عدم اللوث على معيّن، وادّعاه الوليّ وإلّا ترتّب حكمه، وكأنّ الإطلاق فيها مبنيّ على الغالب، كإطلاق الدية في الأخبار في قتيل القرية ونحوها؛ ضرورة عدمها مع عدم التهمة أيضاً، ولكن يترتّب اللوث لو ادّعاه عليها أو على غيرها مع فرض تحقّقه، وذلك كلّه واضح بحمد الله.

هذا كلّه مضافاً إلى أنّه «لا يبطل دم امرءٍ مسلم»، ففي خبر أبي بصير، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إن وجد قتيل بأرض فلاة، أدّيت ديته من بيت المال، فإنّ أمير‌المؤمنين (علیه السلام) كان يقول: «لا يبطل دم امرءٍ مسلم»،(2)وكأنّه لا فرق بين الفلاة وغيرها من المذكورات.

أمّا ما في صحيح عبدالله بن سنان وموثّق ابن بكير من تعليل لزوم إعطاء دية من لا يدري من قتله من بيت مال المسلمين بقوله (علیه السلام): «ولا يبطل دم امرءٍ مسلم؛ لأنّ ميراثه للإمام، فكذلك تكون ديته على الإمام»،(3)ففيه ما لا يخفى من الصعوبة، فيردّ علمه إلى أهله.


1) . الكافي 7: 355، باب المقتول لا يدری من قتله، ذيل الحديث 6.

2) . الکافي 7: 355، باب آخر منه [المقتول لا یدری من قتله] الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 204/804، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 9؛ وسائل الشيعة 29: 149، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 8، الحديث 3.

3) . الکافي 7: 354، باب المقتول لا یدری من قتله، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 202/799، باب القضاء في قتیل الزحام، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 145، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 6، الحديث 1.

نعم، لو كان في الموارد المذكورة أمارة ظنّيّة على كون القتل بفعل شخص معيّن - مثلاً - حصل اللوث.(1)


وفي مجمع الفائدة والبرهان أضاف إلى استدلاله بأخبار المسألة احتمال كون فعل النبيّ(صلی الله علیه وآله) في قضيّة الأنصاري وكونه مقتولاً في الأخبار التي كانت أصلاً في القسامة ومضى نقلها، دليلاً على المسألة أيضاً، وهو غير بعيد. ففيه:

ولعلّ دليله أيضاً ما تقدّم من فعله (صلی الله علیه وآله) بعد عدم إمكان القسامة، فودّاه رسول الله (صلی الله علیه وآله) من عنده مع أنّه كان هناك مدّع على أنّ اليهود قتلوه، ووجد اللوث، إلّا أنّه لابدّ من العلم على القتل حتّى يحلف، وادّعوا عدم ذلك وقابليّة المدّعى عليه للحلف أيضاً، بأن يقبل منه ولم يقبلونها من اليهود؛ لكفرهم، فسقط القسامة فودّاه رسول الله (صلی الله علیه وآله)، كأنّه من بيت مال المسلمين، لئلّا يبطل دم امرءٍ مسلم، فهنا بالطريق الأُولى. فتأ‌مّل.(1)

ولعلّ أمره ; بالتأ‌مّل إشارة إلى أنّ أداءه الدية من ماله (صلی الله علیه وآله) لعلّه كان لرفع الاختلاف.

(1) وجه حصول اللوث واضح. نعم، على المختار لابدّ أن تكون الأمارة الظنّيّة قويّة.

تنبيهٌ وفرعٌ:

لا يخفى عليك انصراف تلك الأخبار عن المقتول في مثل زحام المعصية أو مكانها؛ لاستبعاد ضمان بيت المال دية من خالف قوانين الإسلام وشرائعه في


1) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 188.

(مسألة 5): لو تعارض الأمارات الظنّيّة بطل اللوث، كما لو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح ملطّخ بالدم، وسبع من شأنه قتل الإنسان، ولم تكن أمارة لحصول القتل بأ‌يّهما وفي كلّ طرف شكّ محض، فلابدّ في مثله فصل الخصومة بالطرق المعهودة غير القسامة.(1)

(مسألة 6): لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل - على الأقوى - بعد قيام الأمارة الظنّيّة على أصل القتل،(2)


الذهاب إلى محلّ المعصية ومحل التخلّف عن أحكام الله تعالى للمعصية والتخلّف، كيف واللازم من عدم الانصراف دفاع الشارع والمقنّن عن ناقض القانون والشريعة وحمايته للعاصي والمتخلّف؟ وهو كما ترى. ولك أن تقول: هذا وجه آخر للانصراف.

وما في صحيح ابن سنان، وموثّق ابن بكير من تعليله (علیه السلام) كون دية المقتول المجهول قاتله على بيت المال بقوله: «لأنّ ميراثه للإمام، فكذلك تكون ديته على الإمام»،(1)الدالّ على الملازمة بين إرث الإمام وديته للمقتول، فقد مضى(2)أنّ فهمه مشكلٌ يردّ علمه إلى أهله، فإنّ «كون الميراث للإمام فالدية عليه» كيف تكون علّة وجهة لكون دية المقتول المجهول على بيت المال، فإنّ بيت المال للمسلمين وما للإمام فللإمام؟ فتأ‌مّل جيّداً.

(1) ما في المسألة من بطلان اللوث بالتعارض والرجوع إلى الطرق المعهودة، وجهه واضح غير محتاج إلى الذكر والبيان.

(2) وجه الأقوائيّة أنّ المعتبر أصل اللوث كيف ما كان، من دون خصوصيّة


1) . تقدّم تخریجها في الصفحة 431.

2) . في الصفحة السابقة.

...


في الأمارة المفيدة له؛ لعدم الدليل على الأزيد منه، وأنّ غاية الأمر في المستفاد من الوجوه الخمسة التي استدلّ بها على اعتبار اللوث هو وجود ما يقتضيه من الأمارات، كيف ما كانت، والأمارة الظنّيّة قائمة في المسألة.

وإن أبيت إلّا على اعتبار وجود الأثر ودلالة الأخبار عليه، فخصوصيّته مرتفعة بإلغاء الخصوصيّة.

وفي الجواهر - تبعاً للشرائع (1)- كون عدم اشتراطه أشبه، ما هذا لفظه:

ولا يشترط في اللوث وجود أثر القتل على الأشبه بأُصول المذهب وإطلاق الأدلّة، بل لا أجد فيه خلافاً بيننا إلّا من أبي علي؛ إذ قد يخلو القتل عن ذلك. نعم، عن أبي حنيفة اشتراطه، فقال: إن لم تكن جراحة ولا دم فلا قسامة، وإن كانت جراحة ثبتت، وإن لم یكن وكان دم فإن خرج من أذنه ثبتت، لا إن خرج من أنفه، وهو كما ترى، وإن حكي عن الشيخ في المبسوط(2)أنّه قوّاه.(3)

وفي مجمع الفائدة والبرهان - تبعاً للإرشاد - الجزم بعدم الشرطيّة، لكنّه استبعد حصول أمارة القتل بدون أثره، ففيه في ذيل ما في الإرشاد: «وإن لم يوجد أثر القتل»،(4)ما هذا لفظه:

وإن لم يوجد فيه أثر القتل، فلا يشترط كونه مجروحاً وملطّخاً بالدم، أنّه قد يحصل القطع بدونهما مثل الخنق، والعصر، وقبض مجرى النفس،


1) . شرائع الإسلام 4: 208.

2) . المبسوط 7: 215.

3) . جواهر الكلام 42: 241.

4) . إرشاد الأذهان 2: 218.

ولا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه، كما في سائر المقامات على الأصحّ.(1)

(مسألة 7): لو ادّعى الوليّ أنّ فلاناً من أهل الدار قتله، بعد أن وجد مقتولاً فيها، حصل اللوث وثبتت الدعوى بالقسامة بشرط ثبوت كون المدّعى عليه في الدار حين القتل، وإلّا فلا لوث بالنسبة إليه، فلو أنكر كونه فيها وقت القتل كان القول قوله مع يمينه.


وسقي السمّ وغير ذلك.

كأنّه أشار بذلك إلى مذهب العامّة، بل إلى مذهب بعض الأصحاب، كما يظهر من الشرائع قال: ولا يشترط أثر القتل على الأشبه، ولكنّه بعيدٌ.(1)

وفيه: أنّه لا فائدة في الاستبعاد؛ لأنّ الملاك الظنّ والقسامة تابعة له وجوداً وعدماً.

(1) فإنّه من إفراد الحكم على الغائب، خلافاً لبعض العامّة ممّن لم ير الحكم على الغائب مطلقاً أو في خصوص الدم في القسامة؛ احتياطاً فيه واستضعافاً للوث، وهما وإن لم يكونا دليلاً في مقابل عموم الأدلّة، بل في مقابل الأصل، وأنّه إثبات دعوى كسائر الدعاوي، لكنّهما سببٌ لعدم الجزم والحكم بأنّه الأصحّ، كما في المتن.


1) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 184.

المقصد الثاني: في كمّيّة القسامة

اشارة

وهي في العمد خمسون يميناً، وفي الخطأ وشبهه خمس وعشرون على الأصحّ.(1)


العدد في القسامة

(1) اعتبار الخمسين في العمد لاخلاف فيه كما في الغنية(1)و‌غاية المراد(2)والمسالك(3)و‌المفاتيح،(4)بل إجماعي على الظاهر المصرّح به في جملة من العبائر ك- التنقيح(5)و‌الروضة،(6)وعن شرح الشرائع للصيمري،(7)بل عن السرائر: «عليه إجماع المسلمين».(8)

وفي الجواهر:


1) . غنية النزوع 1: 440.

2) . غاية المراد 4: 428.

3) . مسالك الأفهام 15: 204.

4) . مفاتيح الشرائع 2: 122.

5) . التنقيح الرائع 4: 440.

6) . الروضة البهيّة 10: 73.

7) . غاية المرام 4: 396.

8) . السرائر 3: 338.

...


وهي في قتل العمد خمسون يميناً فتوىً ونصّاً،(1)مستفيضاً أو متواتراً، - إلى أن قال: - بخلاف ابن حمزة حيث قال: «إنّها خمسة وعشرون في العمد إذا كان هناك شاهد واحد»،(2)وهو مع ندرته غير واضح الوجه، عدا ما قيل من أنّه مبنيّ على أنّ الخمسين بمنزلة شاهدين، وهو اعتبار ضعيف لا تساعده الأدلّة بل إطلاقها على خلافه.(3)

هذا، مع مخالفته للأصل وللاحتياط قطعاً، فلا ريب في سقوطه وأنّه لابدّ من الخمسين؛ والدليل عليه الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالّة عليه من أخبار القسامة الواردة في قضيّة عبدالله بن سهل(4)المشهورة التي هي الأصل في شرعيّة القسامة، وهي كثيرة، ومن خبر مسعدة بن زياد عن جعفر(علیه السلام)،(5)ومن غيره ممّا فيه التعبير بالقسامة.

ومن الأخبار المفصّلة بين العمد وغيره باعتبار الخمسين في الأوّل وخمسة وعشرين في الثاني ممّا يأتي في قسامة غير العمد.


1) . راجع: وسائل الشيعة 29: 151- 158، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9 و10 و11.

2) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 460.

3) . جواهر الكلام 42: 243.

4) . لاحظ: دعائم الإسلام 2: 428، فصل، ذكر القسامة، الحديث 1486؛ مستدرك الوسائل 18: 270، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 8، الحديث 3؛ السنن الكبرى، للبيهقي 12: 208، كتاب القسامة، الحدیث 16898 وانظر: رياض المسائل 16: 280.

5) . تهذیب الأحکام 10: 206/812، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 17؛ الاستبصار 4: 278/1054، باب المقتول یوجد في قبیلة أو قریة، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 6.

...


وأمّا اعتبار الخمس وعشرين في غير العمد من الخطأ المحض ومن شبه العمد، أو تساويه مع العمد واعتبار الخمسين فيه أيضاً ففيه خلاف:

فالأوّل - أي عدم التساوي - للشيخ في كتبه الثلاثة،(1)والصهرشتي،(2)والطبرسي على المحكيّ عنه في غاية المراد،(3)وابني البرّاج(4)وحمزة،(5)والمحقّق في الشرائع(6)و‌النافع،(7)والعلّامة في المختلف،(8)والفاضل المقداد في التنقيح،(9)وغيرهم من المتأخّرين، بل في القواعد «أنّه المشهور»،(10)وادّعى عليه الشيخ إجماع الفرقة،(11)ونسبه في الغنية(12)إلى رواية الأصحاب مقرّاً بالإجماع عليها.

والثاني - أي التساوي - للمفيد،(13)والسلّار،(14)وابن إدريس،(15)وأبي‌الصلاح(16)


1) . النهاية: 740؛ المبسوط 7: 211؛ الخلاف 5: 308، المسألة 4.

2) . إصباح الشيعة: 530.

3) . غاية المراد 4: 429؛ وراجع: المؤتلف من المختلف بين أئمّة السلف 2: 367، المسألة 3 و4.

4) . المهذّب 2: 500.

5) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 460.

6) . شرائع الإسلام 4: 209.

7) . المختصر النافع: 299.

8) . مختلف الشيعة 9: 311، المسألة 19.

9) . التنقيح الرائع 4: 440.

10) . قواعد الأحكام 3: 618.

11) . الخلاف 5: 308، المسألة 4.

12) . غنية النزوع 1: 440.

13) . المقنعة: 736.

14) . المراسم: 232.

15) . السرائر 3: 338.

16) . الكافي في الفقه: 439.

...


وأبي علي(1)في ظاهرهما، وللعلّامة في الإرشاد(2)وظاهر التحرير،(3)ولولده في الإيضاح،(4)والشهيدين(5)في اللمعة والروضة، وفي السرائر: «عليه إجماع المسلمين»،(6)وهو كما قال بالنسبة إلى العامّة فإنّه لم يختلف اثنان منهم وإلّا فبالنسبة إلينا عدمه أوضح من أن يبيّن، مع ما مرّ من الخلاف من غير واحد من الأصحاب.

وكيف كان، فالحقّ هو الأوّل؛ وفاقاً لمن تقدّم، وللمعتبر من الأخبار كصحيح عبدالله بن سنان - على القول بكون العبيدي صحيحاً - قال: قال أبو‌عبدالله (علیه السلام): «في القسامة خمسون رجلاً في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً، وعليهم أن يحلفوا بالله».(7)

وموثّقة ابن فضّال أو صحيحته - إن قلنا أنّه رجع عن الفطحيّة - عن الرضا(علیه السلام): «والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً».(8)


1) . مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 357، المسألة 1.

2) . إرشاد الأذهان 2: 219.

3) . تحرير الأحكام 5: 484.

4) . إيضاح الفوائد 4: 615.

5) . الروضة البهيّة 10: 73.

6) . السرائر 3: 338.

7) . الکافي 7: 363، باب القسامة، الحدیث 10؛ تهذیب الأحکام 10: 168/667، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 158، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 11، الحديث 1.

8) . الکافي 7: 362، باب القسامة، الحدیث 9؛ تهذیب الأحکام 10: 169/668، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 159، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 11، الحديث 2.

...


وخبر أبي عمر وعمرو المتطبّب، وفي نسخة من الفقيه: ابن أبي عمر الطبيب،(1)وفي نسخة (هامش المخطوط): أبي عمير الطبيب، وفي تعليقات صاحب مفتاح الكرامة على قصاص اللثام: «وفي الفقيه ابن أبي عمير المتطبّب، والثلاثة مجهولون»(2)المؤيّد بما جعله المختلف دليلاً، فقال: «لنا أنّه أدون من قتل العمد، فناسب تخفيف القسامة».(3)

ولأنّ التهجّم على الدم بالقود أضعف من التهجّم على أخذ الدية، فكان التشدّد في الأوّل أولى.

وبإطباق العامّة على عدم الفرق والرشد في خلافهم.

وبأخبار الفرقة المحكيّة في الخلاف ،(4)ولعلّها غير هذه، وما يحكيه كما يرويه، فهي مرسلة. فتأ‌مّل.

وبرواية الأصحاب المحكيّة في الغنية (5)الظاهرة في دعوى الإجماع.

وبإجماع الخلاف،(6)بل وبما في تعليقات القصاص من اللثام لصاحبمفتاح


1) . الفقيه 4: 54/194، باب دية جوارح الإنسان ومفاصله و...، الحديث 1، وفيه: «عن ابن أبي عمر الطبیب».

2) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 65 وفيه: «وفي الفقه» مکان «الفقیه» والذي في الفقیه: «حدّثني حسین الرواسي عن ابن أبي عمر الطبیب».

3) . مختلف الشيعة 9: 311، المسألة 19.

4) . الخلاف 5: 308، المسألة 4.

5) . غنية النزوع 1: 441.

6) . الخلاف 5: 308، المسألة 4.

...


الكرامة(1)من قوله: وقد تظهر دعوى الإجماع من المبسوط،(2)وقد عضدت ذلك كلّه الشهرة المحكيّة في ثلاثة مواضع، كأظهريتّه بين الأصحاب المحكيّة في كشف الرموز،(3)وأظهريّته في المذهب المحكيّة في ثلاثة مواضع.

وبالجملة؛ أخبار المسند في المسألة مؤ‌يّدة ومعتضدة بوجوهٍ خمسة أو أزيد من دليلي المختلف، ومراسيل الخلاف وإجماعه، وإجماع الغنية والإجماعات الظاهرة من المبسوط وغيرها ممّا كانت مذكورة في تعليقات صاحب مفتاح الكرامة على قصاص اللثام ، فإن لم تكن فيها موثّقة أو صحيحة وكانت كلّها غير معتبرة يكفي في اعتبارها وصحّة الاعتماد عليها تلك الوجوه الخمسة، كيف وفيها لا أقلّ من موثّقة ابن فضّال،(4)وهي في نفسها - وإن كانت رواية واحدة - كافية فضلاً عن تعدّد الروايات. هذا كلّه في القول الأوّل.

وأمّا الثاني - أي قول المفيد وسلّار وابن إدريس وغيرهم - مستندهم غير واضح عدا الأصل والاحتياط وإطلاقات الأخبار بالخمسين.

ففي الأصل: المراد منه على الظاهر من مقابلته في الاستدلال به مع الاحتياط هو الاقتصار على قدر المتيقّن، أنّه لا محلّ له مع النصّ والدليلعلى خمسة وعشرين في الخطأ.

وفي الاحتياط: أنّه معارض بالمثل، فإنّ زيادة الأيمان على الحالف تكليف ينافي


1) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 67.

2) . المبسوط 7: 211 و8: 203.

3) . كشف الرموز 2: 618.

4) . تقدّم تخریجها في الصفحة 440.

...


إلزام المكلّف به طريقة الاحتياط.

وفي الثالث: أنّها ما بين نوعين:

نوع ورد في قضيّة عبدالله بن سهل، وسياقها أجمع ظاهر، بل وصريح في قتل العمد، حيث قال (صلی الله علیه وآله) في بعضها: «أقيده برمّته»،(1)وفي بعضها: «فليقسم خمسون رجلاً منكم ندفعه إليكم»،(2)على أنّه قد ردّ جماعة الاستدلال بها على تقدير التسليم لإطلاقها؛ بأنّها قضيّة في واقعة لا عموم لها بحيث ينتفع به الخصم. هذا، مع أنّ العامّ محمول على الخاصّ، والمطلق على المقيّد، والمجمل على المبيّن.

ونوع ورد معلّلاً لشرعيّة القسامة بمثل ما في صحيح بريد بن معاوية بقوله (صلی الله علیه وآله): «لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به، فكفّ عن قتله».(3).

وهو صريح في اختصاصها بالعمد دون الخطأ وما يشبهه.

وبالجملة؛ لا ريب في ضعف هذا القول وإن ادّعى عليه إجماع المسلمين في السرائر(4)والشهرة في الروضة؛(5)لظهور وهن الأوّل بمخالفة عظماء الطائفة، مع


1) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 166/661، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 1؛ علل الشرائع 2: 305، الباب 328، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 3.

2) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 166/662، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 155، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 3.

3) . نفس الهامش 1.

4) . السرائر 3: 338.

5) . الروضة البهيّة 10: 73.

(مسألة 1): إن كان له قوم بلغ مقدار القسامة حلف كلّ واحد يميناً وإن نقصوا عنه كرّرت عليهم الأيمان حتّى يكملوا القسامة، ولو كان القوم أكثر، فهم مختارون في تعيين خمسين منهم في العمد وخمسة وعشرين في غيره.

(مسألة 2): لو لم يكن للمدّعي قسامة، أو كان ولكن امتنعوا - كلاً أو بعضاً - حلف المدّعي ومن يوافقه إن كان، وكرّر عليهم حتّى تتمّ القسامة، ولو لم يوافقه أحد كرّر عليه حتّى يأتي بتمام العدد.(1)


أنّه لم ينقل موافقاً له عدا المفيد(1)خاصّة.

وعلى تقدير سلامته عن الوهن فهو معارض بإجماع الشيخ،(2)وبنحو هذا يجاب عن دعوى الشهرة، فإنّها على تقدير تسليمها معارضة بنقل الشهرة على الخلاف في القواعد.

وبالجملة؛ المذهب هو القول الأوّل وإن كان الثاني أحوط، لكن لا مطلقاً كما زعموه، بل إذا بذل الحالف الزيادة برضى ورغبة، وإلّا فإلزامه بها خلاف الاحتياط أيضاً كما عرفته.

في عدم القسامة للمدّعي

(1) في الجواهر:

لو لم يكن له قوم، أو كانوا فامتنعوا من الحلف - علموا بالحال أو لا - حلف المدّعي خمسين يميناً كما ذكره غير واحد، بل فيالرياض(3)نفي


1) . المقنعة: 736.

2) . الخلاف 5: 308، المسألة 4.

3) . رياض المسائل 16: 228.

...


الخلاف فيه، وفي المدّعى عليه إذا لم يقسم المدّعي، بل عن الغنية(1)الإجماع عليه. وحينئذٍ فكيفيّتها أن يحلف المدّعي وأقاربه أوّلاً، فإن بلغوا العدد المعتبر حلف كلّ واحد منهم يميناً، وإلّا كرّرت عليه الأيمان بالسوية أو التفريق، والتخيير إليهم، كما لو زاد عددهم عن العدد المعتبر. ولو لم يكن للمدّعي قسامة، أو امتنعوا كلاً أوبعضاً؛ لعدم العلم أو اقتراحاً، حلف المدّعي ومن وافقه إن كان، وإلّا كرّرت عليه الأيمان حتّى يأتي بالعدد كملاً. ولو لم يحلف وكان للمنكر من قومه قسامة، حلف كلٌّ منهم حتّى يكملوا العدد، ولو لم يكن له قسامة يحلفون كرّرت عليه حتّى يأتي تمام العدد.

وهذا التفصيل كما هو وإن لم يستفد صريحاً من أخبار القسامة، إلّا أنّه لا خلاف أجده فيه، بل عليه الإجماع عن الغنية كما عرفت،(2)بل يمكن استفادته أيضاً من التأ‌مّل في النصوص، فإنّه وإن ذكر في بعضها(3)الأمر بأن يقسم خمسون رجلاً، إلّا أنّ في آخر: «فليتمّوا قسامة خمسين رجلاً»،(4)وهو مع قراءته بالإضافة يكون ظاهراً في إرادة خمسين يميناً، بل لعلّ صحيح مسعدة(5)السابق ظاهر أيضاً فيه، بل لعلّ غيره من النصوص


1) . غنية النزوع 1: 441.

2) . غنية النزوع 1: 441.

3) . تقدّم تخریجها في الصفحة 443.

4) . تقدّم تخریجها في الصفحة 443.

5) . تهذیب الأحکام 10: 206/812، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 17؛ الاستبصار 4: 278/1054، باب المقتول یوجد في قبیلة أو قریة، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 6.

...


كذلك ولو بمعونة الاتّفاق المزبور. نعم، في بعض النصوص(1)قصّة عبدالله بن سهل تقديم حلف المدّعى عليه أوّلاً ثمّ المدّعي، ولكن غيره من النصوص والفتاوى والإجماع بقسميه على العكس، فيحمل ذلك على عدم إرادة الترتيب منه كما هو واضح.

وكيف كان، فلابدّ من الخمسين في قتل العمد حتّى إذا لم يكن إلّا الوليّ حلفها أجمع بلا خلاف ولا إشكال، وستسمع ما يدلّ عليه في الجملة في قسامة الأعضاء.(2)

وفيه: أنّ ما يستفاد من الأخبار بل عليه الصراحة فيها، كون القسامة منتقلة إلى المدّعى عليه مع عدمها للمدّعي، كما أنّ مقتضى إطلاقها كفاية خمسين رجلاً في القسامة كانوا من أقارب من له الحلف من المدّعي أو المدّعى عليه أو من غير أقاربه من دون فرق بينهما.

وأمّا مسألة التكرار على المدّعي أو المدعّى عليه حتّى يأتي كلّ واحد منهما تمام العدد، أو على المدّعي ومن يحلف معه مع عدم بلوغها خمسين، أو المدّعى عليه كذلك، فليس في الأخبار ما يدلّ عليه، بل الظاهر أو الصريح من مثل قوله (صلی الله علیه وآله): «فليقسم خمسون رجلاًمنكم على رجل ندفعه اليكم»(3)اعتبار عدد الخمسين في


1) . الکافي 7: 36، باب القسامة، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 168/665، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 5؛ السنن الکبری، للبیهقي 12: 208، کتاب القسامة، الحدیث 16898؛ وسائل الشيعة 29: 155، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 1.

2) . جواهر الكلام 42: 245 - 247.

3) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 166/662، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 156، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 3.

...


الحالفين وعدم كفاية الخمسين يميناً من دون ذلك، كما في مسألتي التكرار، بل الظاهر من مثل قوله(صلی الله علیه وآله): «فأقيموا أو فليتمّوا قسامة خمسين رجلاً»(1)ذلك أيضاً، فإنّ العدد مع تمييزه - أي خمسين رجلاً - بدل أو بيان للقسامة.

وما فيه - أي الجواهر - من أنّه مع قراءة الحديث بالإضافة، يكون ظاهراً في إرادته خمسين يميناً.

ففيه: أنّه ليس بأزيد من الاحتمال المخالف لظاهر القراءة، والمتعارف في أمثال الجملة. نعم، على ثبوته فظهوره فيما ذكره تامّ.

نعم، صحيح مسعدة بن زياد فيه دلالة على كفاية التكرار من الحالفين الذين لم يبلغ عددهم الخمسين؛ وذلك لإطلاق قوله(علیه السلام): «حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً»،(2)فإنّه شامل لما كان المتّهمون بعدد القسامة أو أقلّ منه أو أكثر، بل لقائل أن يقول: فيه دلالة على الأقلّ من عدد الجمع «المتّهمين»؛ أي ثلاثة أيضاً بإلغاء الخصوصيّة العرفيّة، فإنّهإذا كان خمسون يميناً من ثلاثة - وهو أقلّ عدد الجمع - مثلاً - كافية لذلك الإطلاق، فكذلك الخمسون من اثنين أو واحد، ولا استبعاد في كفاية الخمسين يميناً من واحد، حيث يفهم العرف - لا سيّما على المختار - من تماميّة الحجّة قبل القسامة تقريباً، وأنّها تكون رعاية لمناسب الدم ورعاية


1) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 166/661، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 1؛ علل الشرائع 2: 305، الباب 328، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 3.

2) . تهذیب الأحکام 10: 206/812، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 17؛ الاستبصار 4: 278/1054، باب المقتول یوجد في قبیلة أو قریة، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 6.

...


الاحتياط فيه أزيد من المال كما مرّ بيانه.

وفي الصحيح دلالة على أنّ المناط عدد الخمسين في اليمين كما هو الظاهر من قوله(علیه السلام): «خمسين يميناً»، وإلّا فعلى اعتبار العدد لابدّ وأن لا يكتفى بأقلّ من العدد في الحالف ولو بأن يزيد الحالف عن ثلاثة كما هو الواضح.

هذا كلّه في دلالة الصحيح على الاكتفاء في المتّهم.

ومنه يظهر الاكتفاء في الوليّ أيضاً؛ لعدم الخصوصيّة عرفاً، بل دلالته عليها فيه أظهر، حيث إنّ الوليّ هو الأصل في القسامة، وأنّها تكون حفظاً للنفوس ونجاتها من القتل.

هذا، لكن مقتضى التحقيق عدم صحّة إلغاء الخصوصيّة من المتّهم والمدّعى عليه إلى المدّعي، حيث إنّ حلف المنكر مطلقاً حتّى في باب اللوث إنّما يكون لفصل الدعوى، وإلّا فلا احتياج إلى حلفه بحسب القواعد الأوليّة، فإنّ قوله موافق للبراءة وكونه خمسين قسامة في باب اللوث إنّما يكون لخصوصيّة اللوث. وهذا بخلاف الحلف والقسامة في المدّعي، فإنّه لازم بحسب القواعد الأوليّة والاعتبارات العقلائيّة؛ لكونه مدّعياً على الآخر على خلاف البراءة، وبحلفه وقسامته يلزم مدّعاه على المنكر، ويحكم عليه بالقصاص في مورده وبغيره في الموارد الأُخرى.(1)

ومع هذا التفاوت والاختلاف الفاحش من حيث الاعتبارات والقواعد،ومن حيث نتيجة الحلف من أنّها البراءة في قسامة المتّهم والقصاص في قسامة المدّعي،


1) . إشارة إلى موارد حلف المدّعي نحو ردّ المنكر اليمين عليه.

...


كيف القول بالإلغاء والتعدّي من الخمسين في منكر القتل ولو من الواحد الموافق للسهولة والبراءة إلى المدّعى له المخالف للبراءة والموجب للقصاص؟

وعلى هذا - أي عدم إلغاء الخصوصيّة من المدّعى عليه إلى المدّعى - ما في المتن من الاكتفاء بالأقلّ في المسألة وسابقها وتواليها إلى المسألة السادسة غير موجّه ولا دليل عليه. ومقتضى القاعدة عدم الاكتفاء بالأيمان المكرّرة من المدّعي أو منه ومن بعض من يحلف له من قومه، بل لابدّ من اعتبار العدد أي الخمسين في الحالفين. وهذا بخلاف المدّعى عليه، فيكفيه العدد في الأيمان فقط؛ لصحيح مسعدة بن زياد.(1)

وما في الجواهر(2)من ادّعائه عدم وجدانه الخلاف فيها، ومن نقله الإجماع عن الغنية عليها، ففيه: مع أنّ الاكتفاء بإجماع الغنية مع انفراده به في مثل المسألة مشكلٌ، أنّ في إجماع الغنية من حيث كونه مربوطاً بالتكرار أو أمراً آخر تأ‌مّل، ولننقل عبارته حتّى يتّضح الحال للمتأ‌مّل، قال:

فإن نقصوا عن ذلك كرّرت عليهم الأيمان حتّى تكمل خمسين يميناً، وإن لم يكن إلّا وليّ الدم وحده أقسم خمسين يميناً، فإن لم يقسم أولياء المقتول أقسم خمسون رجلاً من أولياء المتّهم أنّه بريء ممّا ادّعي عليه، فإن لم يكن له من يقسم، حلف هو خمسين يميناً وبريء. والقسامة لا تكون إلّا مع التهمة بأماراتظاهرة، ويدلّ على ذلك إجماع الطائفة.(3)


1) . تقدّم تخریجها في الصفحة 445.

2) . جواهر الكلام 42: 246.

3) . غنية النزوع 1: 440 - 441.

(مسألة 3): لو كان العدد ناقصاً، فهل يجب التوزيع عليهم بالسويّة، فإن كان عددهم عشرة يحلف كلّ واحد خمسة، أو يحلف كلّ مرّة ويتمّ وليّ الدم النقيصة، أو لهم الخيرة بعد يمين كلّ واحد، فلهم التوزيع بينهم بأيّ نحو شاؤوا؟ لا يبعد الأخير؛ وإن كان الأولى التوزيع بالسويّة. نعم، لو كان في التوزيع كسر، كما إذا كان عددهم سبعة، فبعد التوزيع بقي الكسر واحداً، فلهم الخيرة. والأولى حلف وليّ الدم في المفروض، بل لو قيل: إنّ النقيصة مطلقاً على وليّ الدم أو أوليائه فليس ببعيد، فإذا كان العدد تسعة فالباقي خمسة يحلفها الوليّ أو الأولياء، فإن كان في التوزيع بين الأولياء كسر فهم بالخيار، ولو وقع فيهم تشاحّ فلا يبعد الرجوع إلى القرعة وليس هذا نكولاً.(1)

(مسألة 4): هل يعتبر في القسامة أن تكون من الورّاث فعلاً، أو في طبقات


هذا، لكنّ القول بمثل ما في المتن على المختار في اللوث من اعتبار الظنّ الغالب المتآخم للعلم؛ لإلغاء خصوصيّة الخمسين في الحالفين عرفاً، وإنّما المناط عندهم الخمسين حلفاً غير بعيد، بل لا يخلو من قوّة، حيث إنّه على المختار كأنّ الحجّة مع اللوث تامّة للحاكم والحكم بالقصاص، وإنّما القسامة للاحتياط في الدماء كما مرّ تفصيله.

ولا يخفى أنّ ذلك الإلغاء مؤ‌يّد بما نقلناه وذكرناه من وجوه الاكتفاء، فإنّها وإن كانت غير تامّة للاستدلال لكنّها كافية للتأ‌مّل. فتدبّر جيّداً.

(1) ليس على شيء ممّا في المسألة نصّ ولا حجّة معتبرة، وإنّما الوجوه ليست بأزيد من الدراية غير المعتبرة، كما يظهر من جمع المتنبين نفي البعد والأولويّة. نعم، ما فيها من القرعة على التشاحّ وعدم كونه نكولاً، فالدليل عليه عمومات القرعة وإطلاقاتها، فإنّها لكلّ أمر مشكلٌ في باب الحقوق.

الإرث ولو لم تكن وارثاً فعلاً، أو يكفي كونها من قبيلة المدّعي وعشيرته عرفاً وإن لم تكن من أقربائه؟ الظاهر عدم اعتبار الوراثة فعلاً. نعم، الظاهر اعتبار ذلك في المدّعي. وأمّا سائر الأفراد فالاكتفاء بكونهم من القبيلة والعشيرة غير بعيد، لكن الأظهر أن يكونوا من أهل الرجل وأقربائه. والظاهر اعتبار الرجوليّة في القسامة، وأمّا في المدّعي فلا تعتبر فيه وإن كانت أحد المدّعين، ومع عدم العدد من الرجال ففي كفاية حلف النساء تأ‌مّل وإشكال، فلابدّ من التكرير بين الرجال، ومع الفقد يحلف المدّعي تمام العدد ولو كان من النساء.(1)


ما يعتبر في القسامة

(1) في المسألة ظواهر ثلاثة:

أمّا الأوّل؛ أي عدم اعتبار الوراثة الفعليّة، فوجه الظهور فيه إطلاق الأدلّة.

وأمّا الثاني؛ أي اعتبارها في المدّعي، فوجهه كون القصاص من حقوق الناس ووليّه وارث المقتول، كما هو واضح وغير محتاج إلى البيان.

وأمّا ما في ذيله من الاكتفاء بكونهم من القبيلة والعشيرة، ونفي البعد عنها الظاهر في البعد في كفاية الأجنبيّ فيها.

ففيه: أنّ الظاهر هو الاكتفاء بمطلقهم وإن كانوا أجانب؛ قضاءًلإطلاق أخبار القسامة.

وأمّا الثالث؛ أي اعتبار الرجوليّة، فوجه الظهور لابدّ وأن يكون من باب الاقتصار على القدر المتيقّن؛ لما في بعض أخبارها التقييد بالرجل،(1)وإن كان في


1) . بل هي جلّها، فراجع: وسائل الشيعة 29: 151- 158، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9 و10.

...


بعضها الإطلاق،(1)أو من باب تقييد المطلقات منها بمقيّداتها.

لكنّ الظاهر مع ذلك عدم الاعتبار بها؛ لعدم الخصوصيّة للرجولية وإلغائها في نظر العرف وعدم دخالتها في القسامة والحلف، فإنّ المناط في إثبات اللوث وتأييده أو نفيه ورفعه هو الحلف بما هو هو من دون فرق بين كون الحالف رجلاً أو امرأة.

هذا، مع أنّ عدم الاعتبار موافق لعموم العلّة في القسامه وإطلاقها بمثل «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس»(2)أو «القسامة نجاة للناس»(3)أو «إنّ حقن دماء المسلمين بالقسامة»(4)وإطلاق بعض تلك الأخبار.

وممّا ذكرناه في وجه الاعتبار من الاقتصار على القدر المتيقّن يظهر وجه التأ‌مّل وإشكال المتن في فرع عدم العدد من الرجال من الاقتصار على المتيقّن، فإنّ القسامة على خلاف القواعد، ومن أنّه مع الاضطرار وعدم العدد من الرجال لابدّ من الاكتفاء بهنّ حفظاً لعلّة القسامة، وهي نجاةالناس.


1) . وهي منحصرة في صحيح مسعدة بن زياد، وقد مرّت تخریجها في الصفحه 445، راجع: وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 6، وخبر عليّ بن فضيل في المصدر أعلاه، الباب 9، الحديث 5.

2) . الفقیه 4: 74/225، باب القسامة، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 151، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 1.

3) . الکافي 7: 360، باب القسامة، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 2.

4) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 166/661، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 1؛ علل الشرائع 2: 305، الباب 328، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 3.

(مسألة 5): لو كان المدّعي أكثر من واحد فالظاهر كفاية خمسين قسامة،(1) وأمّا لو كان المدّعى عليه أكثر ففي كفاية خمسين قسامة وعدمها إشكال، والأوجه تعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه، فلو كان اثنين يحلف كلّ منهما مع قومه خمسين قسامة على ردّ دعوى المدّعي، وإن كان الاكتفاء بالخمسين لا يخلو من وجه، لكن الأوّل أوجه.


فيما كان المدّعي أو المدّعى عليه أكثر من واحد

(1) ظاهر الخلاف (1)وصريح الجواهر(2)كون الكفاية في مفروض المسألة، وهو ما إذا كان المدّعي أكثر من واحد إجماعيّة، ويدلّ عليها النصوص:

ففي صحيح بريد بن معاوية: فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول الله (صلی الله علیه وآله) للطالبين: «أقيموا رجلين عدلين من غيركم...» إلى أن قال: «فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمّته».(3)

ومثله غيره من الأخبار الواردة في تلك القضيّة، بل تدلّ عليها أيضاً مثل ما في موثّقة مسعدة بن زياد عن جعفر (علیه السلام)، ففيها: «كان أبي(رضي الله عنه) إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه، حلّف المتّهمين بالقتل».(4).

و«القوم» ظاهر في التعدّد، بل ويدلّ عليه ثالثة إطلاقات أخبار القسامة.

هذا كلّه مع أنّ الحقّ في إقامة الدعوى لعلّه للمقتول وتنقل منه إلى


1) . الخلاف 5: 314، المسألة 13.

2) . جواهر الكلام 42: 244.

3) . تقدّم تخریجها في الصفحة 443.

4) . تقدّم تخریجها في الصفحة 445.

...


الوارث، فهو واحد.

وأمّا الكفاية فيما كان المدّعى عليه أكثر من واحد ففيها خلاف وإشكال:

ففي المبسوط(1)وغيره ومن تأخّر عنه عدم الكفاية، وأنّ على كلّ واحد خمسين يميناً.

وفي الخلاف الاكتفاء بخمسين منهم أجمع؛ مدّعياً عليها الإجماع، ففيه:

مسألة 13: إذا كان المدّعي واحداً فعليه خمسون يميناً بلا خلاف، وكذلك المدّعى عليه إن كان واحداً فعليه خمسون يميناً، وإن كان المدّعون جماعة فعليهم خمسون يميناً عندنا، ولا يلزم كلّ واحد خمسون يميناً، وكذلك في المدّعى عليه إن كان واحداً لزمته خمسون يميناً وإن كانوا جماعة لم يلزمهم أكثر من خمسين يميناً.

وللشافعي فيه قولان في الموضعين:

أحدهما: مثل ما قلناه في الموضعين.

والثاني: يلزم كلّ واحد خمسون يميناً في الموضعين، إلّا أنّه قال: أصحّهما أنّ في جنبة المدّعي خمسين يميناً بالحصص من الدية، للذكر مثل حظّ الانثيين، فإن ينقص في واحد كمل يميناً تامّة، وأصحّهما في جنبة المدّعى عليه أن يلزم كلّ واحد خمسون يميناً.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً: الأصل براءة الذمّة، وماقلناه مجمع على لزومه، وما قالوه ليس عليه دليل.(2)


1) . المبسوط 7: 222.

2) . الخلاف: 314، المسألة 13.

...


واستدلّ للأوّل: بأنّ كلّ واحد منهم تتوجّه عليه دعوى بانفراده، فهو حينئذٍ منكر يلزم باليمين والفرض أنّها هنا خمسون.

واستدلّ للثاني بما في خبر أبي بصير من أنّه «فإذا ادّعى الرجل على القوم أنّهم قتلوا كانت اليمين لمدّعي الدم قبل المدّعى عليهم، فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً، فيدفع إليهم الذي حلف عليه... وإن لم يقسموا فإنّ على الذين ادّعى عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً».(1)

وظاهره كفاية الخمسين فيما كان المدّعى عليه أكثر من واحد؛ لكون المفروض فيه ادّعاء الرجل على القوم: «فإذا ادّعى الرجل على القوم».

مع ما في بيان قسامة المدّعى عليه الإشعار، بل الظهور في ذلك؛ لمكان ضمير الجمع في قوله: «ادّعى عليهم».

وفي الجواهر «بل لعلّ إطلاق غيره».(2)

وبجملة(3)من الأخبار الواردة في قضيّة سهل؛(4)لظهورها في دعوى الأنصار على اليهود أنّهم قتلوا صاحبهم، ومع ذلك فقد اكتفى منهم بأنيحلفوا خمسين:

ففي صحيح عبدالله بن سنان: «خرج رجلان من الأنصار يصيبان من الثمار فتفرّقا فوجد أحدهما ميتاً، فقال أصحابه لرسول الله (صلی الله علیه وآله) إنّما قتل صاحبنا


1) . الکافي 7: 362، باب القسامة، الحدیث 4؛ الفقیه 4: 73/223، باب القسامة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 167/663، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 156، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 5.

2) . جواهر الكلام 42: 250.

3) . عطف على قوله: «بما في خبر أبي بصير».

4) . السنن الكبرى، للبيهقي 12: 207- 214، كتاب القسامة، الحدیث 16898.

...


اليهود...»،(1)الحديث، ومثله غيره.

وفي الاستدلال بهما ما لا يخفى، أمّا خبر أبي بصير ففيه - مضافاً إلى ضعفه بأبي بصير؛ لاشتراكه بين الثقة وغيره، وعدم الجابر له من عمل الأصحاب من أصله، مع وجود أخبار معتبرة في القسامة، فمن المحتمل، بل الظاهر استناد الأصحاب إليها دونه، فضلاً عمّا يكون عنه مربوطاً بمحلّ البحث - موضع اختلاف بين الخلاف والمبسوط وغيره ممّن تأخّر عنه.

وإجماع الخلاف موهون سيّما مع مخالفة التأ‌مّل بنفسه سيّما مع ما فيه من إضافته الأخبار إلى الإجماع، فلعلّ نظر المجمعين إلى أخبار قضيّة سهل، بل الظاهر ذلك؛ لانحصار الدالّ من الأخبار فيها.

وأنّه لا ظهور له في ذلك؛ لاحتمال حمله على كون الدعوى على القوم على واحد منهم، لصحّة الإضافة لأدنى ملابسة؛ لمكان قوله (علیه السلام) في آخرها: «يحلفون أن قتل فلاناً فيدفع إليهم»، وهو ظاهر في أنّ المدّعى عليه واحد، وإنّما أضاف الدعوى إلى القوم؛ لكونه منهم.

وأمّا الأخبار الواردة في قضيّة سهل، ففي صحيح بريد بن معاوية: «فقدت الأنصار رجلاً منهم فوجدوه قتيلاً، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتلصاحبنا».(2)


1) . الکافي 7: 360، باب القسامة، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 168/665، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 155، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 1.

2) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 166/661، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 1؛ علل الشرائع 2: 305، الباب 328، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 152، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 3.

(مسألة 6): لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته، فله أن يردّ الحلف على المدّعى عليه فعليه - أيضاً - خمسون قسامة، فليحضر من قومه خمسين يشهدون ببراءته، وحلف كلّ واحد ببراءته، ولو كانوا أقلّ من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتّى يكملوا العدد، وحكم ببراءته قصاصاً ودية.

وإن لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً، فإذا حلف حكم ببراءته قصاصاً ودية.(1)


وهو صريح في المخالفة لتلك الأخبار، والقضيّة واحدة، والجمع بينهما يقتضي إرجاع تلك إلى هذا؛ لصراحته دونها، لاحتمالها الحمل على المجازيّة في النسبة لأدنى الملابسة على نحو ما مرّ، ممّا يرجع إليه دونه.

ويظهر ممّا ذكرناه من النقض والإبرام عدم الكفاية ولزوم خمسين قسامة كلّ واحد من المنكرين مع القاعدة والدراية، ولا حجّة على خلافه من الرواية، فهو المتعيّن، لكنّ مع ذلك كلّه القول بكفاية خمسين قسامة من كلّهم لا يخلو من وجه بل من قوّة، مع كون القسامة على نفي القتل عن الجميع، فإنّه لا وجه لتعدّدها كما لا يخفى، ومحض كون كلٍّ من المنكرين والمدّعين عليهم منكراً غير مقتض للإلزام بالقسامة المتكرّرة غير المفيدة شيئاً.

وإلزام المنكر المتعدّد بالحلف إنّما يكون من جهة أنّ كلّ منكر يحلف لنفسه ولا يصحّ له الحلف لغيره، وذلك بخلاف باب القسامة التي تكون العمدة في حلفها للغير، كما هو أوضح من أن يبيّن، ولعلّ ما في المتن من قوله: «والاكتفاء بالخمسين لا يخلو من وجه» ناظرٌ إلى ذلك.

(1) أدلّة الأحكام المذكورة في المسألة ظاهرة ممّا مرّ، فلا احتياج إلى بيانها.

وإن لم تكن له قسامة ونكل عن اليمين اُلزم بالغرامة، ولا يردّ في المقام اليمين على الطرف.(1)


في النكول عن اليمين في القسامة

(1) وفاقاً للسرائر(1)و الشرائع (2)و‌الجامع(3)والنافع،(4)بل في الرياض:

أنّه الأشهر الأقوى، بل عليه عامّة متأخّري أصحابنا.(5)

وذلك أمّا على القضاء بمجرّد النكول فظاهر، وأمّا على الآخر؛ فلما في صحيح بريد بن معاوية: «وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلّا اُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».(6)

وفي خبر عليّ بن الفضيل أيضاً: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم، حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً، فإن أبوا أن يحلفوا، غرموا الدية فيما بينهم في أموالهم، سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين».(7)

وعليّ بن الفضيل وإن كان مجهولاً وغير مبيّن الحال، وليس له روايةإلّا هذه الرواية، لكن في الرياض بعد الإشارة إليها بعنوان بعض المعتبرة قال ما لفظه:


1) . السرائر 3: 340.

2) . شرائع الإسلام 4: 210.

3) . الجامع للشرائع: 577.

4) . المختصر النافع: 299.

5) . رياض المسائل 16: 291.

6) . تقدّم تخریجها في الصفحة 456.

7) . تهذیب الأحکام 10: 206/811، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 16؛ الاستبصار 4: 278/1053، باب المقتول یوجد في قبیلة أو قریة، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 5.

...


المنجبر قصور سنده بالجهالة بالشهرة ووجود ابن محبوب قبلها، وقد حكي على تصحيح ما يصحّ عنه إجماع العصابة.(1)

والظاهر أنّ الضمير في «قبلها» راجع إلى الشهرة، فالمراد أنّ الانجبار بوجود ابن محبوب في السند قبل الشهرة، ولأنّ اليمين هنا على المدّعي أصالة وإنّما يحلف المنكر بنكول المدّعي، فإذا نكل لم يعد إلى المدّعي خلافاً للمبسوط(2)من ردّ اليمين على المدّعي كما في سائر الدعاوي، وظاهر عبارته الإجماع عليه.

واستدلّ له بعموم أدلّة الردّ في سائر الدعاوي، وبالاحتياط في الدم، بل وبإجماعه الظاهر من عبارته، وفي الكلّ ما لا يخفی.

أمّا أدلّة الردّ فعمومها مختصّة باليمين التي تكون للمنكر وكانت حقّه من أوّل الأمر وكانت واحدة، دون القسامة التي تكون للمدّعي من أوّل الأمر وتكون خمسين. وبعبارة أُخرى: تلك الأدلّة ترتبط باليمين لا بالقسامة، هذا، مع ما مرّ من أنّ اليمين هنا للمدّعي أصالة، مع أنّ عمومها على التسليم مخصّص بالصحيح وبالخبر.

وأمّا الاحتياط، فالاحتياط في مراعاة جانب اللوث، فإنّ القسامة للناس وأنّها حوط يحاط به الناس.

وأمّا الإجماع، فموهون بمخالفته مع الأشهر، بل ومع عامّة المتأخّرين، هذا مضافاً إلى كونه في مسألة اجتهاديّة لاسيّما مع ما في عبارة المبسوطمن استدلاله على نظره بوجوه ثلاثة، ومضافاً إلى عدم استدلاله به.


1) . رياض المسائل 16: 291 - 292.

2) . المبسوط 7: 228.

...


ثمّ إنّه لا بأس بنقل عبارته هنا؛ لاشتمالها على احتجاج وتفصيل حسن وإن طالت، قال:

فإن كانت اليمين في جنبة المدّعي ابتداءً، مثل أن ادّعى قتلاً ومعه لوث، أو مالاً وله به شاهد واحد، فإن حلف مع شاهده استحقّ، وإن لم يحلف ردّ اليمين على المدّعى عليه، فإن حلف برئ، وإن لم يحلف ونكل عن اليمين فهل يردّ على المدّعي بعد أن كانت في جنبته ولم يحلف؟ نظرت:

فإن كان استحقّ بيمين الردّ غير ما كان يستحقّه بيمين الابتداء، وهو القسامة عند قوم، يستحقّ بها الدية، فإن ردّت إليه استحقّ القود بها، فإذا كان الاستحقاق بها غير ما كان يستحقّه بيمين الابتداء وجب أن يردّ عليه.

وإن كان ما يستحقّه بيمين الردّ هو الذي يستحقّه بيمين الابتداء، مثل القسامة يستحقّ عندنا بها القود إذا حلف ابتداءً، وإذا ردّت عليه استحقّ القود أيضاً.

وهكذا في الأموال، إن حلف مع شاهده استحقّ المال، وإن حلف يمين الردّ استحقّ المال أيضاً، فهل يردُّ عليه اليمين أم لا؟

قال قوم: لا يردّ؛ لأنّ اليمين إذا كانت في جنبة أحد المتداعيين، فإذا بذلها لخصمه لم تردّ عليه إذا كان استحقاقه بها هو الذي استحقّ بيمين الابتداء، كيمين المدّعى عليه ابتداء إذا لم يحلف ردّت على المدّعي، فإن لم يحلف لم يردّ على المدّعى عليه بعدأن زالت عنه، ولأنّ يمينه حجّته فإذا قعد عنها فقدأبطلها فلا يسمع منه ثانياً، كما لو ادّعى حقاً وأقام شاهدین

...


ثمّ قال: هما فاسقان، لم يقبلا بعد هذا.

وقال آخرون: - وهو الصحيح عندنا - إنّها يردّ عليه لأُمور ثلاثة:

أحدها: يمين الابتداء قامت في جنبته بسبب، وهو قوّة جنبته بالشاهد أو اللوث، وسبب الثانية غير سبب الأُولى؛ لأنّه يستحقّها لنكول خصمه، فإذا كانت كلّ واحدة يصير في جنبته لسبب غير سبب الأُخرى، فإذا قعد عن أحدهما لم يكن تركاً لهما، كما لو قال: من جاء بعبدي فله دينار، ومن جاء بجاريتي فله دينار، فجاء رجل بالعبد وأبرأه من الدينار ثمّ مضى، فجاء بالجارية لم يسقط الدينار؛ لأنّه يستحقّ الثاني بسبب غير سبب الأوّل، فإذا سقط الأوّل لم يكن إسقاطاً للثاني.

وهكذا إذا اشترى عبداً فأصاب به عيباً كان له ردّه، فإن رضى سقط ردّه، فإن أصاب به عيباً ثانياً كان له ردّه به، ولم يكن رضاه بالأوّل رضىً منه بالثاني ويفارق هذا يمين المدّعى عليه ابتداءً؛ لأنّها لو ردّت إليه عادت بالسبب الذي كانت في جنبته ابتداء؛ وهو كونه مدّعى عليه، والأصل براءة ذمّته، فلهذا لم نردّه، وهاهنا يعود لغير السبب الأوّل.

ولأنّه(1)إذا كان معه لوث كان له أن يحلف، فإذا لم يحلف فكأنّه لا لوث، بدليل أنّ المدّعى عليه يحلف، وإذا كان كأنّه لا لوثمعه صارت اليمين في جنبة المدّعى عليه ابتداءً، فإذا نكل عنها وجب أن يردّ على المدّعي.


1) . هذا ثانيها.

(مسألة 7): تثبت القسامة في الأعضاء مع اللوث.(1)


ولأنّ(1)للمدّعي أن يردّ اليمين على المدّعى عليه غرضاً صحيحاً، وهو إذا كان معه لوث كانت يمينه على غالب الظنّ والظنّة والتهمة ینصرف إليه، فإذا بذلها للمدّعى عليه فلم يحلف زالت عنه الظنّة وانصرفت عنه التهمة، فلهذا أجاز أن يردّ عليه.(2)

ولا يخفى عليك أنّ تمام أُموره الثلاثة المستدلّ بها على تماميّتها ليست بأزيد من اجتهاد في مقابل النصّ، فلا عبرة بها.

القسامة في الأعضاء

(1) القسامة في الأعضاء ثابتة بلا خلاف أجده، بل ظاهر المبسوط و الخلاف إجماعنا عليها، خلافاً للعامّة، ففي المبسوط:

فأمّا إذا كانت الدعوى دون النفس فعندنا فيه قسامة وعندهم لا قسامة فيها.(3)

وفي الخلاف:

مسألة 12: يثبت عندنا في الأطراف قسامة مثل العينين واللسان واليدين والرجلين والشمّ وغير ذلك. وقال جميع الفقهاء: لا قسامة في الأطراف.(4).

والوجه في الثبوت - مضافاً إلى نفي الخلاف والإجماع - الاشتراك في حكمة


1) . هذا ثالثها.

2) . المبسوط 7: 228 - 229.

3) . المبسوط 7: 223.

4) . الخلاف 5: 312، المسألة 12.

وهل القسامة فيها خمسون في العمد وخمس وعشرون في غيره فيما بلغت الجناية الدية - كالأنف والذكر - وإلّا فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد، وخمس وعشرين في الخطأ وشبهه، أو ستّة أيمان فيما فيه دية النفس، وبحسابه من الستّ فيما فيه دون الدية؟ الأحوط هو الأوّل، والأشبه هو الثاني.(1)


مشروعيّتها والنصوص الخاصّة التي تسمعها.

وهل يعتبر اقتران الدعوى مع التهمة كما في النفس أم لا؟ ظاهر مثل عبارة النافع(1)وصريح الشرائع(2)وجماعة منهم الحلّي(3)الأوّل، قيل: مدّعياً في ظاهر كلامه الإجماع عليه، ويدلّ عليه بعض ما قدّمناه من أدلّة اعتبار اللوث في النفس.

وظاهر المبسوط(4)بل صريحه الثاني، وهو المحكيّ عن أكثر العامّة أو جميعهم عدا الشافعي في تفصيل له، وحجّته غير واضحة سيّما في مقابل تلك الأدلّة. والاستدلال له بما في الجواهر:

ولعلّه لإطلاق النصوص السابقة كون اليمين على المدّعي في الدم المقتصر في تقييدها باللوث على النفس دون الأعضاء.(5)

ففيه: أنّه مقيّد بما عرفت، مضافاً إلى إجماع السرائر.(6).

(1) وجه أحوطيّة الأوّل - وهو المحكيّ عن المفيد في كتاب أحكام النساء(7)


1) . المختصر النافع: 299.

2) . شرائع الإسلام 4: 210.

3) . تحرير الأحكام 5: 483.

4) . المبسوط 7: 223.

5) . جواهر الكلام 42: 254.

6) . السرائر 3: 341.

7) . أحكام النساء «ضمن مصنّفات الشيخ المفيد» 9: 53.

...


وسلّار(1)وابن إدريس(2)بل عن الأخير: ادّعاء الإجماع عليه - واضح.

واستدلّ له بأنّ القسامة مخالفة للأصل، فيقتصر فيها على المتيقّن الذي هو الخمسون مطلقاً أو في خصوص العمد والخمس وعشرون في الخطأ، وبإطلاق بعض النصوص(3)في أنّ القسامة في العمد خمسون وفي الخطأ خمس وعشرون، وبإجماع السرائر(4)المعتضد بدعوى الشهرة عن بعضهم.

وفي الوجوه ما لا يخفى:

أمّا الاقتصار، فلا وجه له بعد وجود المعتبر من النصوص المستدلّ به للثاني، كما يأتي، فإنّ الاقتصار على المتيقّن تامّ مع عدم الحجّة على خلافه وعلى الزائد عليه.

وأمّا الإطلاق، فالمنصرف من مثله من المقابلة بين العمد والخطأ هو القتل دون غيره من الأعضاء، فإنّهما المذكوران في كتاب الله والمتعارف في التعبير كذلك.

وأمّا الإجماع، ففيه احتمال أنّ الثبوت بالخمسين متيقّن لا متعيّن بل لعلّه الظاهر، وإلّا كان إجماعه بيّن الخطأ، ضرورة كون المشهور بين من تقدّم عليه خلافه. نعم، ربّما كان ذلك مشهوراً بعده مع أنّه غير محقّقأيضاً؛ لأنّه خيرة الفاضل في بعض كتبه،(5)والشهيدين،(6)والمقداد.(7)

وعلى تقديره فهو معارض بالشهرة القديمة المحقّقة التي لا يقدح فيها خروج


1) . المراسم: 232.

2) . السرائر 3: 341.

3) . وسائل الشيعة 29: 158، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 11.

4) . السرائر 3: 341.

5) . تحرير الأحكام 5: 483.

6) . غاية المراد 4: 431.

7) . التنقيح الرائع 4: 443.

...


المفيد وسلّار، وربّما كان العذر لابن إدريس عدم عمله بأخبار الآحاد وإن صحّت، أمّا غيره فلا عذر له إلّا ظنّ ضعيفٌ.

وأمّا الثاني، وهو كفاية ستّة أيمان في الأعضاء فيما فيه دية النفس وبحسابه من الستّ فيما فيه دون الدية، فهو خيرة الشيخ(1)وأتباعه، وعن ظاهر خلافه(2)ومبسوطه:(3)الإجماع عليه، بل في الغنية:(4)الإجماع عليه صريحاً.

وهو الأشبه الأقوى؛ للمرويّ عن أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في الكافي (5)و التهذيب(6)والفقيه(7)بطرق فيها الموثّق والحسن، بل والصحيح، كما في الجواهر(8)والرياض(9)وغيرها من أنّه: «والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً، وعلى ما بلغت ديته من الجوارح الجروح ألف دينار ستّة نفر، فما كان دون ذلك فحسابه من ستّة نفر» - إلى أن قال: - «وتفسير ذلك...»(10)إلىآخر ما ذكره ممّا هو نحو ما عند الأصحاب، إلّا أنّ الظاهر كون


1) . النهاية: 741.

2) . الخلاف 5: 313.

3) . المبسوط 7: 223.

4) . غنية النزوع 1: 441.

5) . الكافي 7: 362، باب القسامة، الحديث 9.

6) . تهذيب الأحكام 10: 169/668، باب البيّنات علی القتل، الحديث 8.

7) . الفقيه 4: 54/194، باب دية جوارح الإنسان ومفاصله و...، الحديث 1.

8) . جواهر الكلام 42: 254.

9) . رياض المسائل 16: 293.

10) . الکافي 7: 362، باب القسامة، الحدیث 9؛ تهذیب الأحکام 10: 169/668، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 159، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 11، الحديث 2.

وعليه، ففي اليد الواحدة أو الرجل الواحدة - وكلّ ما فيه نصف الدية - ثلاث أيمان، وفيما فيه ثلثها اثنتان وهكذا، وإن كان كسر في اليمين اُكمل بيمين؛ إذ لا تكسر اليمين، فحينئذٍ في الإصبع الواحدة يمين واحدة، وكذا في الأنملة الواحدة، وكذا الكلام في الجرح، فيجزي الستّ بحسب النسبة، وفي الكسر يكمل بيمين.(1)

(مسألة 8): يشترط في القسامة علم الحالف، ويكون حلفه عن جزم وعلم، ولا يكفي الظنّ.(2)


قول: «وتفسير ذلك...» إلى آخره من الكليني لا من الرواية، كما لا يخفى على من تأ‌مّل، وقد اعترف به بعض الأفاضل، لكن يكفينا في الاستدلال ما قبل قوله: «وتفسيره» مؤيّداً ذلك بأنّ الجناية هنا أخفّ، فناسبها التخفيف في اليمين.

(1) الأخذ بالنسبة مضافاً إلى أنّه مقتضى القواعد واعتبار العقلاء في مثل المورد، ومضافاً إلى ما في الكافي من قوله: «وتفسير ذلك...»(1)إلى آخره.

فإن كان من المعصوم فحجّة، وإن كان من الكليني - كما هو الظاهر - فمؤيّد الدليل عليه ما في ذلك المرويّ عن أمير‌المؤمنين (علیه السلام) الحجّة على المسألة، ففيه: «وما كان دون ذلك فحسابه من ستّة نفر».

ثمّ إنّه لا اختصاص للأخذ بالنسبة بالقول الثاني في المسألة بل يأتي على الأوّل أيضاً، لكن يبدّل فيه الستّة بالخمسين، والثلاثة بالخمسينوعشرين، والواحدة بالخمس، وهكذا.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، ولذا لم يقسم الأنصار، وتحقيق المسألة في كتاب


1) . الكافي 7: 363، باب القسامة، ذيل الحديث 9.

(مسألة 9): هل تقبل قسامة الكافر على دعواه على المسلم في العمد والخطأ في النفس وغيرها؟ فيه خلافٌ، والوجه عدم القبول.(1)


القضاء، ولكن في كشف اللثام عن الشيخ: «في المبسوط الاكتفاء بالظنّ، وهو بعيدٌ».(1)

قلت: كأنّه ; لحظ أوّل كلامه الذي هو للعامّة، وإلّا فإنّه قد صرّح في المقام وغيره على ما في مبسوطه بأنّه: «لا يجوز عندنا أن يحلف إلّا على علم».(2)

قسامة الكافر

(1) عدم القبول والمنع عن حجّيّة قسامة الكافر على دعوى المسلم؛ وفاقاً للشيخ،(3)والفاضل(4)وولده(5)ووالده،(6)وغيرهم على ما حكي عنهم،(7)وهو الأظهر في الشرائع ؛(8)لأنّها على خلاف الأصل، ومورد النصّ(9)قسامة المسلم، بل في الحسن كالصحيح: «إنّما حقن دماء المسلمينبالقسامة».(10)

وفي آخر: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً


1) . كشف اللثام 11: 138.

2) . المبسوط 7: 216.

3) . الخلاف 5: 311، المسألة 10.

4) . قواعد الأحكام 3: 620؛ إرشاد الأذهان 2: 219.

5) . إيضاح الفوائد 4: 618.

6) . نقله حفيده في الإیضاح الهامش السابق.

7) . کالصیمري في غایة المرام 4: 398.

8) . شرائع الإسلام 4: 210.

9) . وسائل الشيعة 29: 151، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9.

10) . تقدّم تخریجها في الصفحة 452.

...


أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحداً خاف ذلك فامتنع من القتل».(1)

ففي الكافر تبقى على أصالة عدم ثبوت الحقّ بها، ولأنّها يثبت بها القود في القتل عمداً، والكافر لا يستحقّه على المسلم. وعن الخلاف:

ولو أوجبنا عليه الدية لأوجبنا بيمين كافر ابتداءً على مسلم مالاً، مع علمنا بأنّهم يستحلّون أموال المسلمين ودماءهم.(2)

ولأنّها سبيل منفيّ عن الكافر على المسلم، ولتقرير النبيّ (صلی الله علیه وآله) الأنصار على آبائهم قبول قسامة اليهود، ولذا أداه هو (صلی الله علیه وآله) من بيت المال.

ولكنّ الجميع كما ترى، ضرورة الخروج عن الأصل بإطلاق قوله (علیه السلام): «القسامة حقّ، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً»،(3)«والقسامة نجاة للناس»،(4)وغير ذلك ممّا يظهر منه مشروعيّة القسامة للناس كافة، وهو مقتضى أصالة الاشتراك، وليس المراد من الخبرين الأوّلين أنّها شرعت لهم خاصّة كي يكون معارضاً بها، فيحتاج فيه إلى الجمع بالإطلاق والتقييد، كما تخيّله بعض المشايخ؛ لكونهما مثبتين، ولأنّ التعبير بالمسلم والمؤمن رائج في بيان الأحكام، ويكون تذكّراً إلى إسلام المسلمين وإيمانهم لصيرورته داعياً ومحركاً إلى العمل وإلّا فالأحكام للناس عامّة.

وعدم ثبوت القود بها؛ لعدم استحقاق الكافر له على المسلم، لا ينافي ثبوت


1) . تقدّم تخریجها في الصفحة 452.

2) . الخلاف 5: 312، المسألة 10.

3) . علل الشرائع 2: 306، الباب 328، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 154، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 8.

4) . تقدّم تخریجها في الصفحة 452.

...


القتل عمداً بها لاستحقاقه الدية عليه، كما لو قامت البيّنة، ووجوب المال بها ابتداءً على المسلم كالشاهد واليمين غير مناف لشيء من الأدلّة، بل إطلاقها يقتضيه.

ومنه يعلم عدم كونها سبيلاً، ضرورة عدم كون الحقّ على الوجه الشرعي سبيلاً منفيّاً.

وتقرير النبيّ (صلی الله علیه وآله) الأنصار على الآباء وأداؤه من نفسه إنّما كان سياسة، لا لعدم جواز قسامتهم، وإلّا لم يأمر (صلی الله علیه وآله) بها. فإنّ ذلك صريح في ثبوتها، بل هو دليل على المشروعيّة بناءً على اتّحاد الدعوى مع الإنكار في القبول كما هو واضح، فالأقوى حينئذٍ ثبوتها في الكافر كالمسلم، وفاقاً للشيخ في المبسوط(1)وغيره من الأصحاب.

ولا يخفى عليك أنّ مصبّ البحث بينهم وإن كان هو الكافر، لكنّ الظاهر كون المراد منه غير المسلم الأعمّ من الكافر، وقد مرّ منّا في شرائط القصاص عدم شرطيّة التساوي في الدين، وأنّه يقتل المسلم بالكافر، فضلاً عن غير المسلم. وعلى هذا يظهر عدم تماميّة الاستدلال للمنع من رأس بأنّه يثبت بها القود... إلى آخره، فلا حاجة إلى الجواب عنه؛ لما مرّ(2)من عدم منافاة عدم القود في قتل المسلم الكافر عمداً ثبوت الدية، كما لا يخفى.

نعم، الاستدلال والجواب عنه إنّما يكون في محلّه على المعروف بينالأصحاب من شرطيّة التساوي، كما لا يخفى عليك أيضاً عدم تماميّة مختار المتن، وأنّ


1) . المسبوط 7: 216.

2) . مرّ في الصفحة السابقة.

(مسألة 10): لابدّ في اليمين من ذكر قيود يخرج الموضوع ومورد الحلف عن الإبهام والاحتمال؛ من ذكرالقاتل والمقتول ونسبهما ووصفهما بما يزيل الإبهام والاحتمال، وذكر نوع القتل من كونه عمداً أو خطأً أو شبه عمد، وذكرالانفراد أو الشركة ونحوذلك من القيود.(1)


الوجه، بل الأقوى القبول.

(1) وجه اعتبار ذكر الأُمور المذكورة واضح من المتن؛ لما يعتبر في الحلف عدم الإبهام والاحتمال.

المقصد الثالث: في أحكامها [القسامة]

اشارة

(مسألة 1): يثبت القصاص بالقسامة في قتل العمد، والدية على القاتل في الخطأ شبيه العمد، وعلى العاقلة في الخطأ المحض. وقيل: تثبت في الخطأ المحض على القاتل لا العاقلة، وهو غير مرضيّ.(1)


حجّية القسامة في ثبوت القصاص والدية

(1) الوجه فيما ذكره واضح، فإنّ القسامة حجّة في إثبات القتل كالبيّنة، فيترتّب ثبوت القصاص بالقسامة، عليه الإجماع منّا محصّلاً ومنقولاً، وعن أبي حنيفة والشافعي(1)في «الجديد» أنّ بها الدية مغلّظة في مال الجاني.

ويدلّ عليه نصوص من نصوصها كصحيح بريد بن معاوية،(2)ففي موضعين منه الدلالة على ذلك:

أحدهما: قوله (صلی الله علیه وآله): «فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيدهبرمّته».

ثانيهما: قوله (صلی الله علیه وآله): «لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوّه حجزه مخافة


1) . الخلاف 5: 306، المسألة 2.

2) . تقدّم تخریجها في الصفحة 456.

...


القسامة أن يقتل به».

وكخبر ابن سنان،(1)ففيه مثل الموضع الثاني من الصحيح.

وكصحيح زرارة، فقال لهم رسول الله (صلی الله علیه وآله): «فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم».(2)

وكخبر أبي بصير: «فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً، فيدفع إليهم الذي حلف عليه، فإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدية».(3)

هذا، مع أنّ اللازم من حجيّتها في ثبوت القتل بها، كالبيّنة، ثبوت القصاص بها كما هو واضح، وبذلك يظهر وضوح ترتّب الدية وأحكام شبه العمد والخطأ بثبوت موضوعهما بها. وفي التحرير:

وإن كان القتل خطأ، تثبت الدية على القاتل لا على العاقلة، فإنّ العاقلة إنّما يضمن الدية مع البيّنة.(4)


1) . علل الشرائع 2: 307، الباب 328، الحدیث 4؛ المحاسن 2: 38، کتاب العلل، الحدیث 1118؛ وسائل الشيعة 29: 154، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 9.

2) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 166/662، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 155، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 3.

3) . الکافي 7: 362، باب القسامة، الحدیث 8؛ الفقیه 4: 73/223، باب القسامة، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 167/663، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 157، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 10، الحديث 5.

4) . تحرير الأحكام 5: 487.

(مسألة 2): لو ادّعى على اثنين وله على أحدهما لوث، فبالنسبة إلى ذي اللوث كان الحكم كما تقدّم من إثباته بخمسين قسامة، وبالنسبة إلى غيره كانت الدعوى كسائر الدعاوي؛ اليمين على المدّعى عليه ولا قسامة، فلو حلف سقطت دعواه بالنسبة إليه، وإن ردّ اليمين على المدّعي حلف، وهذا الحلف لا يدخل في الخمسين، بل لابدّ في اللوث من خمسين غير هذا الحلف على الأقوى.(1)


وعن الشهيد في حواشيه أنّه قوّاه،(1)والظاهر أنّه لا وجه لقوله إلّا استناده إلى ما في خبر زيد، عن آبائه :، قال: «لا تعقل العاقلة إلّا ما قامت عليه البيّنة».(2)

وفيه، مع ما فيه من الضعف وعدم الجابر له، الظاهر أنّ الحصر إضافي ويكون المراد منه في مقابل الإقرار، وإلّا كان معارضاً بظاهر ما دلّ على إثبات الدعوى بها ممّا هو أرجح منه من وجوه كما هو واضح.

هذا، ولا يخفى عليك أنّ الشأن في أصل الدية في الخطأ على العاقلة، فإنّ الأقوى عندي كونها على الجاني كقسميه إلّا في بعض الموارد الخاصّة، وتفصيله في محلّه.

(1) لا إشكال ولا كلام في الأحكام المذكورة في المسألة، والدليل على القسامة بالنسبة إلى ذي اللوث إطلاق أدلّتها، وبالنسبة إلى غير ذي اللوثقواعد باب القضاء وأنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من اُدّعي عليه.

وما في المتن من قوله: «وهذا الحلف لا يدخل...» إلى آخره، فناظر إلى ما في المسالك من قوله:


1) . على المحكيّ عنه في جواهر الكلام 42: 265؛ وراجع: حاشية الإرشاد 4: 484.

2) . تهذیب الأحکام 10: 175/684، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 24؛ الاستبصار 4: 262/987، باب أنّه لا یجب علی العاقلة عمد...، الحدیث 5؛ الفقیه 4: 107/359، باب ما جاء في رجل ضرب رجلاً...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 398، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 9، الحديث 1.

(مسألة 3): لو أراد قتل ذي اللوث بعد الثبوت عليه بالقسامة يردّ عليه نصف ديته. وكذا لو ثبت على الآخر باليمين المردودة وأراد قتله، يردّ عليه نصف الدية.(1)

(مسألة 4): لو كان لوث وبعض الأولياء غائب ورفع الحاضر الدعوى إلى الحاكم تسمع دعواه، ويطالبه خمسين قسامة، ومع الفقد يحلّفه خمسين يميناً في العمد، وفي غيره نصفها حسب ما عرفت، ويثبت حقّه، ولم يجب انتظار سائر الأولياء، وله الاستيفاء ولو قوداً. (2)


وفي دخوله في جملة الخمسين أو كونه خارجاً عنها القولان السابقان فيما إذا تعدّد المدّعى عليه.(1)

وفيه: أنّ القولين فيما إذا تعدّد المدّعى عليه مع وجود اللوث لا في مثل الفرض الذي فيه اليمين المردودة، أو يمين النكول التي لا مدخليّة لها في يمين اللوث، فالأقوى - كما في المتن - عدم دخولها على القولين.

(1) وجه ردّ نصف الدية إلى ذي اللوث أو إلى الآخر كون الادّعاء على اثنين، فبعد إثبات الدعوى بالنسبة إلى أحدهما ليس له حقّ إلّا بالنسبة إلى نصف دمه، كما لا يخفى.

جريان القسامة مع غيبة بعض الأولياء

(2) دليل جريان القسامة في الفرض إطلاق أدلّتها. وأمّا عدم وجوب الانتظار؛ فلأنّه إذا جاز القصاص مع غضّ الباقين فمع الغيبة أولى، ولقاعدة تسلّط كلّ ذي حقّ على حقّه، وعدم الضرر والضرار، وأصالةالبراءة عن شرطيّة


1) . مسالك الأفهام 15: 215.

ثمّ لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه، قالوا: حلف بقدر نصيبه، فإذا كان واحداً ففي العمد خمس وعشرون، وإن كان اثنين فلكلّ ثلث، وهكذا، وفي الكسور يجبر بواحدة. ويحتمل ثبوت حقّ الغائب بقسامة الحاضر أو يمينه. ويحتمل التفصيل بين قسامة الحاضر، فيقال بثبوت حقّ الغائب بها ويمينه خمسين يميناً مع فقد القسامة، فيقال بعدم ثبوته بها. ويحتمل ثبوت حقّ الغائب بضمّ يمين واحدة إلى عدد القسامة، ومع فقدها ويمين الحاضر ضمّ حصّته من الأيمان. ويحتمل عدم ثبوت دعوى الغائب إلّا بخمسين قسامة، ومع فقدها يحلف خمسين يميناً كالحاضر. ولو كان الغائب أزيد من واحد وادّعى الجميع، كفاهم خمسين قسامة أو خمسين يميناً من جميعهم، أقوى الاحتمالات الأخير، سيّما إذا ثبت حقّه بخمسين يميناً منه، ويأتي الاحتمالات مع قصور بعض الأولياء.(1)


حضور الغائب في جواز الاستيفاء.

هذا، مضافاً إلى اعتضاد تلك الوجوه بالمحكيّ(1)من إجماع الشيخ في الخلاف(2)وظاهر المبسوط(3)والسيّدين علم الهدى(4)وأبي المكارم.(5)

(1) الاحتمالات المذكورة خمسة، ودونك وجوهها:

وجه الأوّل: أنّ إلزام الأوّل بالخمسين يكون على الأصل، وأمّا إلزام الغائب بقدر حصّته بالنسبة إلى المدّعين فليس على الغائب إلّا المقدار الذيعليه لو كان حاضر مع الحاضر.


1) . حكاه عنهم في جواهر الكلام 42: 267.

2) .[2] الخلاف 179:5، المسألة 42.

3) .[3] المبسوط 54:7 و72.

4) .[4] لم نعثر في كتبه، لكن نقله عنه في غاية المراد 323:4.

5) . غنية النزوع1: 406.

...


وجه الثاني: أنّ الذي يظهر من نصوص القسامة، بل وما سلف من الفتاوى، أنّها إذا حصلت القسامة أو الأيمان ثبت الحقّ لأهله من غير فرق بين الحالف منهم وغيره مع فرض كونه مدّعيّاً، كما أنّه يظهر منهما عدم لزوم توزيع الحلف على المدّعين على قدر نصيبهم على وجهٍ إن لم يحصل اليمين من بعضهم على قدر استحقاقه لم يثبت له حقّ.

وجه الثالث: كون القسامة كالبيّنة، فمع تحقّقها يثبت الحقّ المشترك بين الحاضر والغائب، فلا حاجة للغائب إلى إثباته، وهذا بخلاف الأيمان، فإنّها كاليمين للمنكر قاطعة للدعوى.

وجه الرابع: - أي ضمّ يمين واحدة إلى عدد القسامة لو كان الغائب واحداً - مثلاً - ، ومع فقدها ويمين الحاضر ضمّ حصّته من الأيمان، وبهذه النسبة مع كون الغائب أكثر من واحد - عدم خلوّ حقّ الغائب من اليمين.

وجه الخامس: كون دعوى الغائب غير دعوى الحاضر، فلابدّ له من حلف تمام الخمسين كالحاضر؛ إذ لا قسامة مثبتة للحقّ دون ذلك. لكن هذا منافٍ لما ذكروه.

بل أرسلوه إرسال المسلّم من حلف الغائب بقدر حصّته وإن كان موافقاً مع الاقتصار على المتيقّن، حيث إنّ القسامة على خلاف الأصل، والمتيقّن منها كونها خمسين على كلٍّ من الحاضر والغائب مطلقاً، وهو الأحوط، بل الأقوى كما في المتن؛ لأنّه بعد ما لم تكن حجّة وكان الباب باب الاحتمال، فالمورد من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير بعد عدم كون واحد من الأربعة على اللزوم، كما هو واضح، والحكم فيه التعيين.

(مسألة 5): لو كذّب أحد الوليّين صاحبه لم يقدح في اللوث فيما إذا كانت أمارات على القتل. نعم، لا يبعد القدح إذا كان اللوث بشاهد واحد - مثلاً -. والمقامات مختلفة.(1)

(مسألة 6): لو مات الوليّ قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه، قام وارثه مقامه في الدعوى، فعليه إذا أراد إثبات حقّه القسامة، ومع فقدها خمسون أو خمس وعشرون يميناً. وإن مات الوليّ في أثناء الأيمان فالظاهر لزوم استئناف الأيمان. ولو مات بعد كمال العدد ثبت للوارث حقّه من غير يمين.(2)


وما في المتن من كفاية الخمسين للغائب الأزيد من الواحد وادّعائهم الجميع، فالظاهر لكونهم كالحاضرين من أوّل الأمر وقصور بعض الأولياء كغيبته في جريان الاحتمالات، حيث إنّ القصور من جهات أُخرى كالقصور في الغيبة في عدم القدرة على القسامة والحلف، فإنّ حلف الصغير والمجنون كعدمه.

(1) القدح وعدم القدح تابع للمقامات، والمقامات مختلفة، فإنّه ليس للوث ضابطة معيّنة غير مختلفة بحسب المقامات، بل لا يمكن فيه تلك الضابطة، حيث إنّ المعيار في اللوث إمّا هو الظنّ أو الظنّ الغالب القريب للعلم والاطمئنان، فلابدّ فيه إلّا من الاختلاف في حصوله باختلاف المقامات والأمارات.

(2) قيام الوارث مقام الوليّ في الدعوى إنّما يكون من جهة إرثه الحقّ؛ أي حقّ الدعوى الذي كان لمورّثه: «ما ترك الميّت من حقّ أو مالفلوارثه»(1)وبعد ما صار


1) . صحيح البخاري 4: 118، کتاب في الاستقراض، باب الصلاه علی من ترك دیناً، الرقم 2153؛ مسند أحمد 3: 474، مسند أبي هریرة، الرقم9882؛ و96:6، مسند الشامیین، الرقم 17199، مع اختلاف في ألفاظ الحديث، أمّا نصّ الحديث، فلم أجده في كتب العامّة والخاصّة. نعم، ورد بلفظ «من ترك مالاً فللوارث» أو «فلورثته». راجع: وسائل الشيعة 26: 251، کتاب الفرائض والمواريث، أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، الباب 3، الحديث 14؛ وراجع أيضاً الفقيه 4: 254/818، باب نوادر المواريث، الحديث 14؛ الکافي 1: 406، باب ما یجب من حقّ الإمام...، الحدیث 6.

(مسألة 7): لو حلف المدّعي مع اللوث واستوفى الدية، ثمّ شهد اثنان أنّه كان غائباً غيبة لا يقدر معها على القتل، أو محبوساً كذلك، فهل تبطل القسامة بذلك واستُعيدت الدية، أم لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين؟ فيه تردّد، والأرجح الثاني.(1)


محقّاً في الدعوى وصار مدّعياً للقتل فتشمله أدلّة القسامة بإطلاقها كشمول أدلّة البيّنة وسائر أحكام الدعاوي له أيضاً.

ووجه ما ذكره من كون الظاهر لزوم استئناف الأيمان الاقتصار على القدر المتيقّن، فإنّ القسامة على خلاف الأصل، فلابدّ من الاقتصار فيها على المتيقّن في المورد ممّا لا دليل على الاكتفاء بالإتمام فيه.

وأمّا ثبوت حقّه للوارث بعد كمال العدد من المورّث وعدم احتياج الوارث إلى اليمين، فلكونه وارثاً لحقّه الثابت بأيمانه، فلا وجه ليمينه أصلاً.

(1) منشأ التردّد أقوائيّة البيّنة على القسامة، فلابدّ من القول ببطلان القسامة بها، وكون اليمين قاطعة للدعوى، وأنّ البيّنة بعدها غير مفيدة، فلابدّ من القول بأنّ القسامة غير باطلة بالبيّنة؛ لكون البيّنة بعد القسامة كالبيّنة من المدّعي بعد حلف المنكر وتماميّة الدعوى، فكما لا جدوى لها فكذلك لا جدوى لها في المقام، فالحكم بتقديم البيّنة منافٍ لذهاب اليمين بما فيها.

والظاهر أنّ وجه الأرجحيّة للثاني في المتن إذهاب اليمين بما فيها، الذي

نعم، لو علم ذلك وجداناً بطلت القسامة واستُعيدت الدية ولو اقتصّ بالقسامة أو الحلف أُخذت منه الدية لو لم يعترف بتعمّد الكذب، وإلّا اقتصّ منه.(1)

(مسألة 8): لو استوفى حقّه بالقسامة فقال آخر: «أنا قتلته منفرداً»، فإن كان المدّعي حلف وحده أو مع القسامة، فليس له الرجوع إلى المقرّ إلّا إذا كذّب نفسه وصدّق المقرّ، وحينئذٍ ليس له العمل بمقتضى القسامة، ولابدّ من ردّ ما استوفاه. وإن لم يحلف وقلنا بعدم لزوم حلفه وكفى حلف قومه فإذا ادّعى جزماً، فكذلك ليس له الرجوع إلى المقرّ إلّا مع تكذيب نفسه. وإن ادّعى ظنّاً وقلنا بسماع دعواه كذلك، جاز له الرجوع إلى المقرّ، وجاز العمل بمقتضى القسامة، والظاهر ثبوت الخيار لو لم يكذّب نفسه ورجع عن جزمه إلى الترديد أو الظنّ.


هو مورد النصّ، وفيه: أنّ الذهاب مختصّ بيمين المنكر في الدعاوي الماليّة وغيرها، وأنّى له بباب القتل والقسامة للمدّعي، فبينهما بون بعيدٌ، كما لا يخفى.

والتحقيق: أرجحيّة الأوّل بل تعيّنه، لا لأقوائيّة البيّنة؛ لعدم الأقوائيّة لها في الحجّية عن القسامة، فإنّ الحجّية ثابتة لهما من دون زيادة للبيّنة على الآخر، بل الزيادة فيها غير معقولة، ولا لقوّة الظنّ الحاصل منها؛ لأنّ القوّة فيها مختلفة بحسب الموارد فيهما ومختلفة بها فيهما.

هذا، مع أنّه لا دليل على الترجيح بقوّة الظنّ هنا، بل لأنّ البيّنة من المنكر في المورد كما أنّها كانت حجّة ونافية للوث إن كانت قبل القسامةفكذلك بعدها، ولأنّ القسامة دليل حيث لا دليل، ولأنّ في العمل بالبيّنة والحكم ببطلان اللوث واستعادة الدية جمعاً بين الحقّين. فتأ‌مّل.

(1) الوجه فيما ذكره من أحكام العلم وعدم التعمّد في الكذب أو التعمّد فيه فواضح، كالوجه فيما ذكره في المسألة التالية، ولا حاجة إلى بيانه.

(مسألة 9): لو اتّهم رجل بالقتل والتمس الوليّ من الحاكم حبسه حتّى يحضر البيّنة، فالظاهر جواز إجابته، إلّا إذا كان الرجل ممّن يوثق بعدم فراره، ولو أخّر المدّعي إقامة البيّنة إلى ستّة أ‌يّام يخلّى سبيله.(1)


حبس المتّهم ومدّته

(1) ما في المسألة وكلمات الأصحاب وإن كان مختصّاً باتّهام القتل وحبس المتّهم به لكشف الحقيقة، لكنّه ينبغي البحث عن الحبس الاستظهاري للمنكر في جميع الدعاوي وحقوق الناس أوّلاً، ثمّ البحث عن خصوص المتّهم بالقتل ثانياً.

وأمّا حقوق الله تعالى، فالحبس كذلك فيها حرامٌ؛ لكونه منافياً لوجوب درئ الحدّ بالشبهة، ومخالفاً للسيرة المنقولة عن عليّ (علیه السلام) في إجراء الحدود، ولكونه عقوبة بلا دليل. ولا يخفى أنّ حرمته في حقوق الله غير مختصّة بالحدود، بل يكون الحبس كذلك حراماً في التعزير منها؛ قضاء لجريان الدرئ في التعزير بالأولويّة، واشتراكه مع الحدود في كونه عقوبة بلا دليل. فتدبّر جيّداً.

إذا عرفت ذلك فنقول: مقتضى القاعدة حرمة الحبس الاستظهاري وعدم جوازه؛ لكونه ضرراً وإيذاءً وحرجاً على المنكر المتّهم وتدخّلاً في حدود سلطنته أوّلاً، ولتسلّط الناس على أنفسهم كتسلّطهم على أموالهم، بل تسلّطهم عليها أولى من الأموال ثانياً، وعقوبة عليه بلا وجهٍ ثالثاً، فكلّ واحد من الجهات الثلاثة كافية في حرمته، فضلاً عن كلّها.

هذا، مع أنّ مقتضى الاستصحاب - أيضاً - حرمة الاستظهاري، كما لايخفى.

وبالجملة؛ حبس الأفراد من المحرّمات الواضحة، لكن إذا كان ذلك الحبس حفظاً لحقّ الغير واحتياطاً فيه؛ حذراً من فرار المتّهم مع انحصار الطريق به، ففي

...


حرمته تأ‌مّل وإشكال، بل الظاهر جوازه مع أهميّة مورد الدعوى؛ وذلك قضاءً لقاعدة التزاحم، فكما أنّ الحبس من دون ثبوت سببه - كحبس المتّهم بإمساك المقتول مثلاً - حرام ومعصية وتركه واجب، فكذلك تضييع حقوق الناس للحاكم وعدم تحفّظه لها بالحبس الاستظهاري محرّم، وتركه المتوقّف عليه واجب ولازم، فالحكمان متزاحمان بالنسبة إلى الحاكم، فلابدّ عليه من رعاية قاعدة التزاحم من الترجيح بالأهميّة أو باحتمالها، ففي مثل حقّ القصاص ممّا يكون أهمّ من الحبس الاستظهاري يجوز للحاكم، بل يجب عليه حبس المتّهم بالقتل مع انحصار طريق الاحتياط ومنعه من الفرار به كما هو المفروض.

ولا يخفى عليك أنّه كان الجواز هنا مربوطاً بقاعدة التزاحم، فمدّته أيضاً مربوطة بما يراه العقلاء وعلماء الاجتماع والحقوق الجزائيّة والمدنيّة والإنسانيّة، ممّا تكون كافية للحاكم عادة في حفظ حقوق الناس ورعاية الاحتياط لكشف الحقيقة في مثل القتل، ومن المعلوم أنّ ذلك يختلف باختلاف الموارد والأشخاص والأزمنة والأمكنة، ولما أنّ الضابطة والقاعدة في الأهمّ أو محتمل الأهميّة، ومدّة الحبس الاستظهاري لازمة في الحكومة، فلابدّ من جعل القوانين في المجالس الشورائيّة ضابطة وقاعدة لموارد الأمرين، مع ملاحظة كشف أهميّة المورد مع الرجوع إلى العقلاء والمتشرّعة والأحكام الثابتة له في الشرع، أو إلى الفقيه مع بيان خصوصيّات الموضوع.

بل لقائل أن يقول: الرجوع إلى الضوابط والقوانين المجعولة بينالعقلاء والنظر والبحث فيها كافية في الاعتبار، وفي جعل القوانين في الحكومة الإسلاميّة على حذوها؛ لأنّ أهميّة بعض الحقوق قياساً إلى الآخر وكفاية أيّ مدّة للحبس في

...


الاستظهار تكون أمراً عقلائيّاً وليس في الشرع ما يضادّ أمرهم. فتدبّر جيّداً.

هذا كلّه مع كون التزاحم والترجيح بالأهميّة مؤ‌يّدة ببعض الأخبار، ففي موثّق السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير‌المؤمنين (علیه السلام)، فسجنهم، فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين: يا أمير‌المؤمنين! أقدهما بصاحبينا، فقال (علیه السلام) للقوم: «ما ترون؟» فقالوا: نرى أن تقيدهما، قال عليّ (علیه السلام): «فلعلّ ذينك اللذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه»، قالوا: لا ندري، فقال عليّ (علیه السلام): «بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة، وآخذ دية جراحة الباقين من دية المقتولين».(1)

فإنّ الظاهر منه كون الحبس قبل ثبوت القتل؛ لمكان قولهم: «لا ندري».

وفي خبر أبي بصير، عن أبي جعفر(علیه السلام) - في حديث - : «إنّ شابّاً قال لأمير‌المؤمنين (علیه

السلام): إنّ هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر، فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا: ما ترك مالاً، فقدّمتهم إلى شريح، فاستحلفهم وقد علمت أنّأبي خرج ومعه مالٌ كثير - الی أن قال - فقال أمير‌المؤمنين (علیه السلام): «والله لأحكمنّ فیهم بحكم ما حكم به خلق قبلي إلّا داود النبيّ (علیه السلام)، يا قنبر! ادع لي شرطة الخميس، فدعاهم، فوكّل بكلّ رجل منهم رجلاً من الشرطة، ثمّ نظر إلى وجوههم، فقال: ماذا تقولون؟» أتقولون: إنّي لا أعلم ما


1) . تهذیب الأحکام 10: 240/955، باب الاشتراك في الجنایات، الحدیث 5؛ الفقیه 87/280، باب حکم الرجل یقتل الرجلین...، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 233، کتاب الدیات، أبواب موجبات الضمان، الباب 1، الحديث 2.

...


صنعتم بأبي هذا الفتى؟ إنّي إذاً لجاهل، ثمّ قال: «فرّقوهم وغطّوا رؤوسهم»، قال: ففرّق بينهم واُقيم كلّ رجل منهم إلى أسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطّاة بثيابهم، ثمّ دعا بعبيد الله بن أبي رافع كاتبه، فقال: هات صحيفة ودواة، وجلس أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في مجلس القضاء، وجلس الناس إليه، فقال لهم: «إذا أنا كبّرت فكبّروا»، ثمّ قال للناس: «اخرجوا»، ثمّ دعا بواحد منهم، فأجلسه بين يديه، وكشف عن وجهه، ثمّ قال لعبيد الله: «اكتب إقراره وما يقول»، ثمّ أقبل عليه بالسؤال، فقال له أمير‌المؤمنين (علیه السلام): «في أيّ يوم خرجتم من منازلكم، وأبو هذا الفتى معكم؟» فقال الرجل: في يوم كذا وكذا، فقال: «وفي أيّ شهر؟» قال: في شهر كذا وكذا، قال: «في أيّ سنة؟» قال: في سنة كذا وكذا، فقال: «وإلى أين بلغتم في سفركم حتّى مات أبو هذا الفتى؟» قال: إلى موضع كذا وكذا، قال: «وفي منزل من مات؟» قال: في منزل فلان بن فلان، قال: «وما كان مرضه؟» قال: كذا وكذا، قال: «وكم يوماً مرض؟» قال: كذا وكذا، قال: «ففي أيّ يوم مات؟ ومن غسّله؟ ومن كفّنه؟ وبما كفّنتموه؟ ومن صلّى عليه؟ ومن نزل قبره؟» فلمّا سأله عن جميع ما يريد، كبّر أمير‌المؤمنين (علیه السلام)، وكبّر الناس جميعاً، فارتاب أولئك الباقون، ولم يشكّوا أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه، فأمر أن يغطّى رأسه وينطلق به إلى السجن...».(1).

وهذا الحديث ظاهر أيضاً في السجن قبل ثبوت القتل والمعصية، كما لا يخفى.


1) . الکافي 7: 371، باب النوادر، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 27: 279، کتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحکام الدعوی، الباب 20، الحديث 1.

...


لا يقال: حبس المتّهم غير جائز إلّا في الدم في الجملة؛ قضاءً للأصل، ولرواية دعائم الإسلام، عن عليّ (علیه السلام) أنّه قال: «لا حبس في تهمة إلّا في دم، والحبس بعد معرفة الحقّ ظلم».(1)

وموثّقة السكوني، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إنّ النبيّ (صلی الله علیه وآله) كان يحبس في تهمة الدم ستّة أ‌يّام، فإن جاء أولياء المقتول بثَبَت،(2)وإلّا خلّي سبيله».(3)

لأنّه يقال: أمّا الأصل، فمدفوعٌ بما مرّ من الدليل والحجّة.

وأمّا رواية الدعائم، فإنّها مرسلة، مع ما في الدعائم من الإشكال والتأ‌مّل فيه.

وأمّا الموثّقة، فلا دلالة لها على عدم الحبس في غير الدم أصلاً ومن رأس؛ لعدم المفهوم لها، وإنّما دلّت على الحبس في الدم وأنّ النبيّ (صلی الله علیه وآله) كان يحبس فيه، فأين دلالتها على عدم جواز الحبس في غيره؟ فإثبات الشيء ليس منافٍ لما عداه، كما هو أظهر من الشمس وأبين من الأمس.فتلخّص من جميع ما ذكرناه جواز حبس المتّهم في الجملة في الدم وغيره، وأنّ الضابط في مدّته ما تكون من المدّة مانعة عن فرار المنكر؛ حفظاً لحقّ المدّعي مع رعاية الحقوق من الطرفين.

وما في الموثّقة من ستّة أ‌يّام غير منافٍ لذلك؛ لأنّها محمولة على كون تلك المدّة


1) . دعائم الإسلام 2: 539، كتاب آداب القضاة، الحديث 1916؛ مستدرك الوسائل 17: 403، کتاب القضاء، أبواب کیفیّة الحکم، الباب 24، الحدیث 3.

2) . هكذا في تهذيب الأحكام 10: 174 و175/683، باب البيّنات علی القتل، الحديث 23؛ وورد في الكافي: «ببيّنة». (الكافي 7: 370، باب النوادر، الحديث 5). الثَبَت: بفتحتين: الحجّة، الصحاح 1: 245، مادّة: «ثبت».

3) . تهذیب الأحکام 10: 174/683، باب البیّنات علی القتل، الحدیث 23 و312/1164، باب من الزیادات، الحدیث 5؛ الکافي 7: 370، باب النوادر، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 160، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 12، الحديث 1.

...


في زمانه كافيةً للمنع وجامعةً لحقوق الطرفين.

هذا كلّه في الحبس الاستظهاري في غير المتّهم بالقتل. وأمّا ما فيه من أقوال الأصحاب، فهي مختلفة: من القول بعدم جوازه، كما هو خيرة الحلّي(1)والفخر(2)وجدّه(3)وغيرهم على المحكيّ عنهم، بل هو الظاهر من الشهيد الثاني في الروضة، حيث قال:

والرواية [أي رواية السكوني] ضعيفة، والحبس تعجيل عقوبة لم يثبت موجبها، فعدم جوازه أجود.(4)

وفي المسالك:

القول بحبس المتّهم بالدم ستّة أيّام للشيخ وأتباعه - إلی أن قال - والأصحّ عدم الحبس قبل ثبوت الحقّ مطلقاً.(5)

ومن الفيض الكاشاني في المفاتيح:

وهل يجوز حبس المنكر إلى أن يحضر بيّنة المدّعي؟ قيل: نعم، إلى ستّة أ‌يّام، كما في الخبر، وقيل: ثلاثة أ‌يّام، ولا مستند له.

والأصحّ عدم الحبس قبل ثبوت الحقّ مطلقاً.(6)

بل ويظهر من العلّامة في القواعد من نسبته الجواز إلى القيل عدمارتضائه به:


1) . السرائر 3: 343.

2) . إيضاح الفوائد 4: 619.

3) . إيضاح الفوائد 4: 619.

4) . الروضة البهيّة 10: 76.

5) . مسالك الأفهام 15: 223.

6) . مفاتيح الشرائع 2: 124 - 123، مفتاح 579.

...


قيل: ويحبس المتّهم في الدم مع التماس خصمه حتّى یحضر البيّنة.(1)

ومن القول بجوازه مع الاقتصار بما في الموثّقة من ستّة أ‌يّام كما عليه المتن، وعن الشيخ(2)وأتباعه،(3)والصهرشتي والطبرسي على المحكيّ عنهما،(4)والفاضل في القواعد(5)وغيره.

ففي الأوّل - أي القول بعدم الجواز - أنّه بعد كون الجواز على القاعدة وعلى الحجّة، كما بيّناه، لا وجه للتمسّك لعدمه بالأصل وضعف الرواية وأنّ الحبس تعجيل عقوبة، كما لا يخفى.

وفي الثاني، أنّ المدّة في الموثّقة ليست تعبديّة بل كانت مرتبطة بزمان الرسول (صلی الله علیه وآله)، كما يشهد عليه ما فيها من قوله (علیه السلام): «إنّ النبيّ(صلی الله علیه وآله) كان يحبس...»، إلى آخره، فإنّه نقل لعمله وسيرته، والمتفاهم منها عرفاً كون تلك المدّة من مصاديق مدّة حبس المتّهم وأنّه لا خصوصيّة ولا تعبّد فيه كيف مع أنّ التعبّد بتلك المدّة خاصّة، مع ما فيه من مخالفة العقل والعقلاء محتاج إلى أخبار مستفيضة محفوفة بقرائن ظاهرة في التعبّد. فتدبّر جيّداً.


1) . قواعد الأحكام 3: 621.

2) . النهاية: 744.

3) . کابن البرّاج في المهذّب 2: 503، وابن حمزة في الوسیلة: 461، قال: «حبس ثلاثة أیّام».

4) . في غایة المراد في شرح نکت الإرشاد 4: 439.

5) . قواعد الأحكام 3: 621.

القول في كيفيّة الاستيفاء

اشارة

(مسألة 1): قتل العمد يوجب القصاص عيناً، ولا يوجب الدية لا عيناً ولا تخييراً، فلو عفا الوليّ القود يسقط وليس له مطالبة الدية، ولو بذل الجاني نفسه ليس للوليّ غيرها، ولو عفا الوليّ بشرط الدية فللجاني القبول وعدمه، ولا تثبت الدية إلّا برضاه، فلو رضي بها يسقط القود وتثبت الدية.(1)


فيما يوجبه القتل العمد

(1) الاحتمالات الجارية ابتداءً فيما يوجبه قتل العمد ثلاثة:

أحدها: الدية على التعيّن كأخويه من الخطأ وشبه العمد، ولا ريب في بطلانه قطعاً بل ضرورةً؛ لاقتضائه حذف عنوان القصاص، وهو فعل المماثل وإيجاد مثل العمل الذي وقع؛ لعدم المورد له على ذلك بوجه، وهذا مخالف للكتاب والسنّة الحاكمان بثبوته على القطع واليقين.

ثانيها: القود للوليّ على التعيّن، وهو المشهور بين الأصحاب، بل في السرائر(1)


1) . السرائر 3: 327 و328 و330.

...


نفي الخلاف بيننا فيه تارة، وأنّه أصلنا المقرّر أُخرى، والإجماع عليه ثالثة، بل قال:

وظاهر الكتاب والمتواتر من الأخبار وأُصول مذهبنا.

وفي المبسوط(1)والخلاف:(2)الإجماع عليه، بل هو خيرة الغنية،(3)وفي الرياض:(4)

تارة أنّه الأشهر وعليه عامّة من تأخّر، وتارة أنّ الشهرة به عظيمة كادت تكون إجماعاً.(5)

ثالثها: تخيير الوليّ بين القود والدية، وهو المحكيّ عن ابن الجنيد الإسكافي، وعن ابن أبي عقيل العمّاني، ففي المختلف:

وقال ابن الجنيد: ولوليّ المقتول عمداً الخيار بين أن يستقيد أو يأخذ الدية أو يعفو عن الجناية، ولو شاء الوليّ أخذ الدية وامتنع القاتل من ذلك وبذل نفسه للقود، كان الخيار إلى الوليّ. ولو هرب القاتل فشاء الوليّ أخذ الدية من ماله، حكم بها له، وكذلك القول في جراح العمد، وليس عفو الوليّ والمجنيّ عليه عن القود مسقطاً حقّه من الدية.

وقال ابن أبي عقيل: فإن عفا الأولياء عن القود لم يُقتل، وكانت عليه الدية لهم جميعاً.(6)


1) . المبسوط 7: 52.

2) . الخلاف 5: 178، المسألة 40.

3) . غنية النزوع 1: 403.

4) . رياض المسائل 16: 296.

5) . لم نعثر في الریاض علی عبارة: «أنّ الشهرة به عظیمة کادت تکون إجماعاً»، بل لم نقف فیه علی عبارة التي تشیر به.

6) . مختلف الشيعة 9: 286، المسألة 2، الفصل الاوّل في أقسام القتل.

...


ولا يخفى عليك أنّ عبارة العمّاني لاصراحة لها في الخلاف، فإنّها محتملة للوجوب عليه؛ حفظاً للنصّ لمكان: «وكانت عليه الدية لهم»، لا من جهة تخيير الوليّ وكونه محقّاً في ذلك، وإلّا كان المناسب نسبة الدية إلى الوليّ وأنّه الآخذ له، كما لا يخفى. فتأ‌مّل. فهي وإن لم تكن صريحة في الخلاف لكنّها ظاهرة فيه كما فهمه المختلف وغيره.

وكيف كان، فالمسألة خلافيّة وذات قولين وغير إجماعيّة عندنا، بل وكذلك عند العامّة. ففي الخلاف:

وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنّ موجب القتل أصلان: القود، أو الدية - وهو اختيار أبي حامد - والقول الثاني: موجبه القود فقط.(1)

الاستدلال للقول المشهور

واستدلّ للمشهور بالإجماع، والكتاب، والسنّة، والقاعدة.

أمّا الإجماع، ففي الخلاف: «دليلنا إجماع الفرقة».(2)

وفي الجواهر:(3)أنّه الحجّة، مضافاً إلى غيره من الأدلّة.

وفي الرياض (4)بعد الاستدلال به قال:

وإنّ مخالفة معلوم النسب غير مضرّ بالإجماع.

وفي التعليقات على قصاص كشف اللثام بعد ذكره الاستدلالبالآيات


1) . الخلاف 5: 177، المسألة 40.

2) . الخلاف 5: 178، المسألة 40.

3) . جواهر الكلام 42: 278.

4) . رياض المسائل 16: 298.

...


الشريفة والسنّة المتواترة:

قلت: الأصل في ذلك الإجماع، ولا أجد لغيره ممّا ذكر صراحة في المطلوب.(1)

وأمّا الكتاب، فقوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(2)وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،(3)وغيرهما من آيات القصاص التي معناها فعل المماثل، أو الدالّة منها على القود فإنّه لا إشعار فيها بالتخيّر الذي مقتضى الأصل عدمه أيضاً.

ولعلّهم أرادوا بالأصل براءة ذمّة القاتل من الدية، أو أنّ الأصل في المتلف أن يكون بدله من جنسه كما صرّح به جماعة، فليتأ‌مّل.

وأمّا كون مرادهم من الأصل القاعدة المستفادة من عموم قوله جلّ شأنه: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ الذي هو عين العموم المستفاد من قوله جلّ شأنه: النَّفْسَ بالنَّفْسِ... وَالجُرُوحَ قِصاصٌ،(4)فهو كما ترى، فإنّ الظاهر بل المقطوع هو المعنى الأوّل، بل الأوّل من الأوّل، كما لا يخفى.

وأمّا السنّة، فالنصوص المتواترة المتضمّنة لوجوب القود من غير إشعار فيها بالتخيير، ففيها الدلالة على عدمه مع ضمّ الأصل كدلالة الآيات، وخصوص صحيح ابن سنان، قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السلام)يقول: «من قتل مؤمناً متعمّداً قيد


1) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 93.

2) . المائدة (5): 45.

3) . البقرة (2): 194.

4) . المائدة (5): 45.

...


منه، إلّا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية اثنا عشر ألفاً أو ألف دينار أو مائة من الإبل، وإن كان في أرض فيها الدنانير فألف دينار، وإن كان في أرض فيها الإبل فمائة من الإبل، وإن كان في أرض فيها الدراهم فدراهم بحساب (ذلك) اثنی عشر ألفاً».(1)

وأمّا القاعدة، فهي قاعدة الإتلاف المقتضية للضمان بالمثل، كما يظهر من الجواهر.(2)

الاستدلال للقول المخالف للمشهور

وللقول الآخر - أي تخيير الوليّ بين القود والدية - بوجوهٍ أربعة:

أحدها: النبويّان العامّيان.

أحدهما: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمّا أن يفدى، وإمّا أن يقتل».(3)

وثانيهما: «من اُصيب بدم أو خبل [والخبل الجراح ] فهو بالخيار بينإحدى ثلاث: إمّا أن يقتصّ، أو يعفو، أو يأخذ العقل».(4)

ثانيها: الخبر الخاصّ عن علاء بن الفضيل، عن أبي عبدالله (علیه السلام) - في حديث -


1) . تهذیب الأحکام 10: 159/638، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 17؛ الاستبصار 4: 261/980، باب أنّه لا یجب علی العاقلة عمد...، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 196، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 1، الحديث 9.

2) . جواهر الكلام 42: 279.

3) . السنن الكبرى، للبيهقي12: 83، كتاب الجنايات، باب الخيار في القصاص، الحديث 16472 و16473.

4) . السنن الكبرى، للبيهقي 12: 82، كتاب الجنايات، باب الخيار في القصاص، الحديث 16469.

...


قال: «... والعمد هو القود أو رضى وليّ المقتول».(1)

ثالثها: أنّ في الدية إسقاط بعض الحقّ، فليس للجاني الامتناع كإبراء بعض الدين.

رابعها: أنّ الرضى بالدية ذريعة إلى حفظ نفس الجاني فيجب عليه.

وفي الجواهر المناقشة في النبويّين سنداً بقوله: «اللذان لم نجدهما في طرقنا»، ودلالةً بقوله:

الواجب تقييدهما بما عرفت في العقل والفداء على معنى وأراد القاتل ذلك، كخبر العلاء بن الفضيل، عن الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «والعمد هو القود، أو يرضى وليّ المقتول»، بل لعلّه ظاهر في إرادة وجوب القود أو تحصيل رضى الوليّ، وهو لا نزاع فيه. كما أنّه لا إشكال في حمل المطلق المزبور على المقيّد في صحيح ابن سنان الذي سمعته، خصوصاً مع ملاحظة غلبة رضى الجاني بالدية إذا طلبها الوليّ.(2)

حاصل ما أورده رحمه الله من المناقشة في الدلالة يرجع إلى الحمل على صورة إرادة القاتل الدية ورضائه به، المنافي لتخيير الوليّ في إلزامه به ولو مععدم رضاه، فليس له إلّا الإلزام بالقود فقط، بل لعلّه هو الظاهر من خبر العلاء، وإلى تقييد المطلق في


1) . تهذیب الأحکام 10: 247/977، باب دیات الأعضاء والجوارح...، الحدیث 10 و158/634، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 13؛ الاستبصار 4: 258/974، کتاب الدیات باب مقدار الدیة، الحدیث 2؛ الکافي 7: 282، باب الدیة في قتل العمد والخطأ، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 198، کتاب الدیات، أبواب ديات النفس، الباب 1، الحديث 13.

2) . جواهر الكلام 42: 279.

...


خبر العلاء بما في صحيحة ابن سنان.

وفي الوجوه ما لا يخفى:

أمّا الحمل، فلا دليل ولا شاهد له، بل هو أوّل الكلام، وكون المراد منه التقييد بالصحيح، فراجع إلى وجه الثاني، فليس بوجهٍ مستقلّ، وما ذكره من الظهور في الخبر ففيه: إنّما يصحّ إن كان النظر في الخبر إلى تعيين وظيفة القاتل، فرضى وليّ المقتول كان بمعنى أنّ للقاتل تحصيل رضى الوليّ، لكنّ الخبر ناظر إلى وظيفة الوليّ؛ لمكان ما فيه من مقابلة الرضى بالقود، والقود من أعمال الوليّ لا القاتل، فالرضى أيضاً من أعماله، كما لا يخفى.

وأمّا حمل المطلق على المقيّد في صحيح ابن سنان، وتقييد المطلق في خبر علاء بما فيه أيضاً التقييد فمنوط بدلالة الصحيح وظهوره في التقييد، وهي مخدوشة وغير تامّة كما سنذكرها.

نعم، يرد على الاستدلال بالخبر بعدم كونه دالّا ًعلى التخيير للوليّ بين القود وبين رضايته المتعلّقة إلى أيّ أمر من الأُمور؛ لمكان حذف المتعلّق، وأين ذلك بتخييره بين القود والدية؟ فلابدّ إلّا من تقييد الرضاية برضاية القاتل أيضاً المنافي مع التخيير كما مرّ بيانه. هذا، مع ما في سنده من الضعف؛ لمكان محمّد بن عيسى، عن يونس في واحد من طرقي الشيخ للخبر، ولمحمّد بن سنان في طريقه له.

وأمّا ما احتمل فيه من الحمل على التقيّة لكون التخيير مذهب الشافعي وأحمد وجماعة من العامّة على ما حكاه عنهم بعض الأجلّة فليس بجيّد؛لأنّه مشتمل على أحكام كثيرة لا توافق أكثرهم، هذا كلّه في الوجهين الأوّلين.

وأمّا الوجه الثالث، فضعفه ظاهر بمنع كون قبول الدية إسقاط حقّ، بل معاوضة

...


صرفة تحتاج إلى رضى الطرفين، كما لو أبرأ الدين أو بعضه بعوض من غير جنسه.

وأمّا الوجه الرابع - أعني قولهم: إنّ الرضى بالدية ذريعة إلى حفظ النفس الواجب عليه - ففيه: أنّه لا يفيد التخيير للوليّ وتسلّطه على أخذ الدية من الجاني من غير رضاه، وإنّما يفيد أنّه يجب على الجاني بذل المال بعد رضى وليّ الدم به، وهذا لا تغيّر حكم الوليّ فلكلّ منهما حكمه؛ لأنّ حكمه أنّه يحرم عليه أن يتسلّط على الجاني ويلزمه بالدية، وحكم الجاني أنّه يجب عليه بذل المال، كما أنّه يستحبّ للمشتري أن يقبض ناقصاً وللبائع أن يدفع راجحاً، ومثل أنّه يحرم على من اشترى ما يعلم أنّه مغصوب ودفع ثمنه إلى الغاصب أن يطالب الغاصب بالثمن وإن كانت عينه باقية على المشهور المعروف، وقد ادّعيت عليه إجماعات، مع أنّه يجب على الغاصب ردّ الثمن عليه، وكذلك فيما إذا حلف المنكر، فإنّه يحرم على المدّعي مطالبته بعين المدّعی أو قيمته بعد حلفه وإن كان كاذباً، ويجب على المنكر ردّه إليه.

فكان الحاصل أنّ هنا حكمين مختلفين غير متلازمين، ولما ذكرناه من عدم التلازم بين وجوب البذل للجاني لحفظ نفسه وتخيير الوليّ وأنّ الوجوب غير مقتضٍ لثبوت التخيير للوليّ أصالة بين القصاص والدية، مال جماعة من أصحابنا المخالفين لابن الجنيد في القول المزبور القائلين بعدم التخيير للوليّ وأنّ له القود فقط إلى القول بوجوب البذل على الجاني،كالفاضل(1)وولده(2)حيث قرّبا الوجوب، بل عن الشهيد في الحواشي(3)نفي البأس عنه تارةً، وفيه قوّة أُخرى، بل


1) . قواعد الأحكام 3: 648.

2) . إيضاح الفوائد 4: 654.

3) . غاية المراد 4: 316.

...


حكاه عن ابن إدريس،(1)والشهيدين في اللمعة والروضة مالا إليه أو قالا به.

ففي اللمعة: «فيه وجهٌ»،(2)وفي الروضة: «لا بأس به»،(3)وظاهر المسالك القول به أو الميل إليه،(4)وعن المحقّق الثاني في حاشية القواعد: «إنّه جيّد»،(5)والمقدّس الأردبيلي استدلّ عليه وقوّاه، ثمّ نفى عنه البعد.(6)

هذا تمام الكلام في النقض والإبرام في الوجوه المستدلّة للقول المخالف للمشهور.

وأمّا ما استدلّ به للمشهور من الإجماع والكتاب والسنّة والقاعدة ممّا مضت كيفيّة الاستدلال بها، فعمدته صحيح ابن سنان، وإلّا فالإجماع - مضافاً إلى ما فيه من وجود الخلاف - إجماعٌ في مسألة اجتهاديّة لا تعبّدية كاشفيّة، والاستدلال بالآيات والأخبار كان محتاجاً إلى ضمّ الأصل كما مرّ، وإلّا فليس لهما مفهوم ودلالة على عدم التخيير بإثباتهما القود، كما لا يخفى، فإنّ إثبات الشيء ليس دليلاً على نفي ما عداه، ومن المعلوم عدممقاومة الأصل للدليل.

وأمّا الصحيح، فدلالته على عدم التخيير للوليّ في أخذ الدية إنّما يكون لاشتراط أخذه بحبّ القائل بأداء الدية، وهذا منافٍ مع التخيير للوليّ، ففيه: «فإن


1) . انظر: مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 96، بل وجدتُ في السرائرخلافه؛ السرائر3: 326.

2) . اللمعة الدمشقيّة: 273.

3) . الروضة البهيّة 10: 90.

4) . مسالك الأفهام 15: 227.

5) . انظر: مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 96؛ وجواهر الكلام 42: 280.

6) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 410.

...


رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية اثنا عشر ألفاً»،(1)فمع عدم حبّه ليس لهم الأخذ بالدية، إلّا أنّ الذي يشكل الاستدلال به كون القيد وارداً مورد الغالب أوّلاً، فلا قيديّة ولا اشتراط فيه، فإنّ الغالب رضى القاتل بالدية؛ حفظاً لنفسه من القود.

وإن أبيت عن ذلك وجمدت على تقييديّة، فنقول: إنّه متروك الظاهر؛ لعدم الاعتبار بالحبّ الزائد عن الرضاية على القول بعدم التخيير، وبأنّه لابدّ من كون أخذ الدية برضايتهما، فإنّ المدار على القول به أصل القبول والرضى بالمعارضة بالدية وإن كان على كراهيّة، كما هو الأمر في الرضى المعتبر في العقود والمعاملات، فإنّ المعتبر الرضى بالمعاملة والتجارة وإن كان الرضى ناشئاً من الاضطرار واللابدّية والاحتياج لا عن طيب النفس، بل ولقائل أن يقول: وممّا يرشد إلى خروجه مخرج الغالب التعبير بالمحبّة، كما هو واضح، وإلّا لقال: «وأجاب» أو «قبل»، على أنّه لو قال أحد هذين لقلنا: خرج مخرج الغالب كما مرّ.

وإن أبيت عن ذلك أيضاً، قلنا: المفهوم أنّه إذا رضي ولم يحبّ لم تكن الدية إلفاً،(2)بل يرفع إلى الحاكم ليلزمه بذلك. فتأ‌مّل هذا، وقد ظهر ممّا ذكرناه كلّه عدم الدليل المعتبر لشيء من القولين.

والتحقيق القابل للتصديق هو التخيير؛ قضاءً لإلغاء الخصوصيّة والأولويّة القطعيّة العرفيّة، وذلك لأولويّة جواز الإلزام بالدية على القاتلمن جواز إلزامه بالقود، فإذا جاز للوليّ القصاص وقتل القاتل وأخذ دمه ونفسه إلزاماً عليه


1) . تقدّم تخریجها في الصفحة 491.

2) . إلْفاً: بكسر الألف على وزن عِلْم بمعنى المحبّة والاُلفة.

...


ومن دون اعتبار رضىً منه بذلك، فجاز له بالأولويّة القطعيّة عند العرف إلزام الوليّ الدية عليه، وأنّه يجب عليه القبول وإن لم يكن راضياً به؛ لأنّ الإلزام بأخذ المال والدية أهون بمراتب من أخذ النفس والدم وقتله، ولا خصوصيّة عند العرف في الإلزام بالقود والقصاص، فإنّهم لا يفرّقون بينه وبين الإلزام بالدية، ولعلّ عدم ذكر الإلزام بها في الأدلّة دون الإلزام بالقود كان من جهة ظهور جوازه ووضوحه، لامن جهة خصوصيّة فيه موجبة لعدم جوازه، كيف وأنّه مورد تسليم العقلاء قطعاً، بخلاف القود، فإنّه المحتاج إلى الذكر وإلى التبيين والتحقيق بمثل قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبابِ؛(1)لعدم كونه مرغوباً ومسلّماً عند الكلّ، كما هو الظاهر لمن رجع إلى العقلاء.

وممّا يؤ‌يّد ذلك عدم اعتبار الرضى في العفو، فالأقوى بل الحقّ في المسألة - وفاقاً للقديمين وخلافاً للمشهور وللمتن - التخيير للوليّ بين القود والدية.

وما في المتن من الفروع متفرّعة على مختاره - من عدم التخيير للوليّ - وتامّة عليه، كما هو واضح.

وأمّا على المختار، فتختلف أحكامها مع ما في المتن، فلا تسقط الدية مع عفو الوليّ عن القود، بل له المطالبة بالدية؛ لكونها أحد شطري اختياره، كما أنّ للوليّ أخذ الدية وإن رضى الجاني ببذل نفسه؛ لأنّ اختيار التعيينمنهما بيد الوليّ، وكما أنّ للجاني قبول الدية مع عفو الوليّ بشرط الدية وكما أنّ الدية تثبت من دون رضى الجاني، كذلك تثبت مع رضاه، والوجه في الكلّ ظاهر.


1) . البقرة (2): 179.

ولو عفا بشرط الدية صحّ على الأصحّ، ولو كان بنحو التعليق فإذا قبل سقط القود، ولو كان الشرط إعطاء الدية لم يسقط القود إلّا بإعطائه، (1)


عفو القود بشرط الدية

(1) لا يخفى أنّ اعتبار الشرط أو الإعطاء في سقوط القود إنّما يكون على المشهور ومختار المتن ويكون من متفرّعاته، وإلّا فعلى المختار الاختيار والسقوط بيد الوليّ لا برضى الجاني وشرطه. ثمّ إنّ الظاهر من التعبير بالأصحّ وجود الإشكال والمناقشة في التعليق والاشتراط في إنشاء العفو، ويكفي في وجه ذلك كلّه من المناقشة ومن وجه الأصحيّة عبارة الجواهر ، ففيه في ذيل الشرائع: «فلو عفا الوليّ على مال لم يسقط القود ولم تثبت الدية إلّا مع رضى الجاني»(1)بعد ما له من سطري العبارة ما لفظه:

إنّما الكلام في المراد من العفو على مال الذي اشتهر التعبير به، فإن كان المراد تعليق عفوه على الدية فلا ريب في بطلانه للتعليق وإن رضي الجاني بذلك، وإن أُريد به الشرطيّة الالزاميّة في صيغة إنشاء العفو - كما هو مقتضى قول المصنّف: «ولو عفا» ولم يشترط - فهو مبنيّ على لزوم الشرط في الايقاع مع رضى المشترط عليه، وهو لا يخلو من بحث بل منع إلّا في مثل الخلع ونحوه ممّا ثبت بالأدلّة، ولذا ذكر غير واحد أنّه على المختار لا تثبت الدية إلّا صلحاً، بل يمكن في الفرض المزبورحصول العفو وعدم لزوم الشرط على الجاني وإن كان الأقوى خلافه، باعتبار اقتران قصد العافي بالمال ولو على جهة الشرطية الإلزاميّة، ولذا


1) . شرائع الإسلام 4: 213.

ولا يجب على الجاني إعطاء الدية لخلاص نفسه، وقيل: يجب لوجوب حفظها.(1)


قلنا في العقود: إن بطل الشرط بطل العقد، فتأمّل جيّداً، فإنّ مبنى صحّة ذلك ولزومه على دعوى استفادته من الأدلّة وإن كان لم يحضرنا منها ما يدلّ عليه بالخصوص.

نعم، قد يقال: إنّ إطلاق النصوص صحّة العفو على مال - المنزّل على ما إذا رضي الجاني - يدلّ عليه، مؤيّداً بإطلاق أدلّة العفو الشامل للفرض وغيره.(1)

هذا كلّه مع عدم الدليل على مبطليّة التعليق في العقود ولا الإيقاع من رأس، كما حقّق في محلّه في مسألة شرطيّة التنجيز في كتاب البيع في الكتب الفقهيّة.

في وجوب بذل الدية على الجاني

(1) مرّ(2)ميل جماعة من الأصحاب إلى وجوب البذل على الجاني، وهو الأقوى؛ لوجوب حفظ النفس عليه المعلوم من العقل والنقل.

أمّا النقل، فأكثر من أن يحصى، وقد طفحت فتاواهم أنّه إذا أُريد قتله يجب عليه بذل ماله وتخليص نفسه، وقد قالوا في باب الدفاع عن المال والعرض: إنّه لا يجوز التغرير بالنفس إلى غير ذلك.

وليس لك أن تقول هنا: القاتل كالمرتدّ، فكما أنّ الشارع أمرهبإتلاف نفسه


1) . جواهر الكلام 42: 281.

2) . مرّ في الصفحة 494.

...


فكذلك القاتل كالمرتدّ؛ لأنّه لو كان كذلك لما صحّ الصلح على الدية ولا العفو. ولا أن تقول: إنّه جوّز له إتلاف نفسه كما في إعزاز الدين؛ لأنّ الجواز هنا محل النزاع.

وأمّا العقل، فإنّه يحكم بذمّ من لا يفكّ نفسه بالمال القادر عليه، كما أنّه لو أبرأه أو عفا عنه فإنّه يذمّه لو قال: ما أُريد العفو والإبراء بل اقتلني قصاصاً، وليس في المقام - كما في بعض المقامات - ما يقتضي عدم وجوب حفظ النفس ببذل المال حتّى تخصّص به أدلّة حفظ النفس من عقل ونقل، فليتأ‌مّل.

وقد تطابقت ظواهر الفتاوى والأخبار(1)فيما إذا قتل جماعة رجلاً واحداً على أنّ لوليه أن يقتل واحداً، وأنّه يجب على الباقين أن يردّ عليه ما فضل له من ديته، وأنّهم هم المطالبون لهذا المقتصّ منه قوداً.

وظواهر النصوص والفتاوى أيضاً أنّهم ليس لهم الامتناع بأن يقولوا: إنّا لا نؤدّي فليقتصّ منّا وليردّ علينا ما يفضل، كما أنّ ظاهرهما أنّه لو طلب الدية لم يكن لهم الامتناع.

ففي خبر ابن مسكان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجلين قتلا رجلاً؟ قال: «...فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول...، وإن قبل أولياؤه الدية كانت عليهما».(2)


1) . وسائل الشيعة 29: 41، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12.

2) . الکافي 7: 283، باب الجماعة یجتمعون علی قتل واحد، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 217/755، باب الاثنین إذا قتلاً...، الحدیث 2؛ الاستبصار 4: 281/1065، باب جواز قتل الاثنین...، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 42، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث4.

(مسألة 2): يجوز التصالح على الدية أو الزائد عليها أو الناقص، فلو لم يرض الوليّ إلّا بأضعاف الدية جاز، وللجاني القبول، فإذا قبل صحّ، ويجب عليه الوفاء.(1)


ونحوه خبره الآخر(1)وغيره.

وفي صحيح أبي مريم، عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل، قال: «إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد، واقتسماها ثمّ يقطعهما، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد».(2)

إلى غير ذلك من الأخبار، ولا أقلّ من أن تخرج شواهد ومؤ‌يّدات إن لم تكن أدلّة. وما في الجواهر(3)من الاستدلال لعدم الوجوب بصحيح ابن سنان(4)وبالأصل وغيره. وبأنّه لا دليل على وجوب حفظ النفس في المقام بعد تعلّق حقّ الغير بها والأمر بإعطاء القصاص.

ففيه: أمّا الصحيح، فالقيد فيه وارد مورد الغالب، كما عرفت بما لامزيد عليه، وأمّا الأصل وعدم الدليل، فلا محلّ لهما مع ما بيّنّاه من الأدلّة.

(1) جواز التصالح ووجوب الوفاء للجاني بعد القبول واضح غير محتاج إلى البيان، ولا خلاف ولا إشكال فيه؛ قضاءً لعمومات العقودوالشروط والصلح بخصوصه.


1) . الفقیه 4: 82/261، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 24؛ وسائل الشيعة 29: 41، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 12، الحديث1.

2) . الکافي 7: 284، باب الجماعة یجتعمون...، الحدیث 107؛ الفقیه 4: 116/403، باب ما جاء في رجلین اجتمعا...، الحدیث 1.

3) . جواهر الكلام 42: 279.

4) . تقدّم تخریجها في الصفحة 491.

(مسألة 3): لا يجوز للحاكم أن يقضي بالقصاص ما لم يثبت أنّ التلف كان بالجناية، فإن اشتبه عنده ولم يقم بيّنة على ذلك، ولم يثبت بإقرار الجاني، اقتصر على القصاص أو الأرش في الجناية لا النفس، فإذا قطع يد شخص ولم يعلم - ولو بالبيّنة أو الإقرار - أنّ القتل حصل بالجناية، لا يجوز القتل.(1)

(مسألة 4): يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة، فإنّهما لا يستحقّان قصاصاً. ومنهم من قال: لا يرث القصاص الإخوة والأخوات من الأُمّ ومن يتقرّب بها. وقيل: ليس للنساء قود ولا عفو وإن تقرّبن بالأب، والأوّل أشبه.(2)


(1) وجه ما في المسألة من عدم جواز الحكم بالقصاص للحاكم مع الاشتباه ولزوم الاقتصار على المتيقّن واضح.

نعم، في الرياض هنا بعد بيان وضوح الوجه، قال:

والمراد باليقين ما يعمّ اليقين الشرعي الحاصل من نحو الإقرار والشهادة، هذا بالنسبة إلى الحاكم، وأمّا بالنسبة إلى الشهود ووليّ الدم إذا أراد قتل الجاني حيث يجوز له فلابدّ من العلم الواقعي.(1)

ما فيه من الفرق بين علم الحاكم ووليّ الدم وجهه لابيّن في كلامه ولا معلوم بل خلافه معلوم، فإنّ الظاهر أو المقطوع عدم الفرق فيهما، فإنّ البيّنة والإقرار كما يكونان حجّة للحاكم فكذلك للوليّ لإطلاق أدلّتهما.

إرث القصاص

(2) الوارث للقصاص هو الوارث للمال؛ لعموم أدلّة الإرث من آية أُولي


1) . رياض المسائل 16: 299.

...


الأرحام وغيرها، وإطلاق قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(1)وسائر نصوص القصاص ممّا هي نحوه.

وهذا في الجملة لاكلام ولا إشكال ولا خلاف فيه بل عليه الإجماع، وإنّما الإشكال في استثناء الزوج والزوجة من ذلك وإن كانت إجماعيّة، وهو مع الخلاف في استثناء الإخوة والأخوات والمتقرّب بهما من الأُمّ والنساء مطلقاً وإن تقرّبن بالأب. فالبحث في موارد ثلاثة:

إرث الزوج والزوجة في القصاص

أحدها: الزوج والزوجة، وفي الجواهر: «فإنّهما لا يستحقّان قصاصاً إجماعاً بقسميه».(2)

وفي اللثام: «اتّفاقاً».(3)ويظهر من تعليقات صاحب مفتاح الكرامة على اللثام: كون نقل الاتّفاق مستفيضاً نقله في الخلاف وما تأخّر عنه.(4)

وفي المسالك:

هذا موضع وفاق، وعلّل بأنّ القصاص يثبت للوليّ للتشفّي، ولا نسب في الزوجيّة من حيث هي زوجيّة يوجبه.(5)

والمستفاد من هذه العبائر في مثل تلك الكتب الفقهيّة المفصّلة الجامعةللأدلّة،


1) . الإسراء (17): 33.

2) . جواهر الكلام 42: 283.

3) . كشف اللثام 11: 148.

4) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 85.

5) . مسالك الأفهام 13: 45.

...


عدم الدليل على ذلك الاستثناء إلّا الإجماع.

وما في المسالك من قوله: «وعلّل...»، إلى آخره بالمبنيّ للمفعول ليس بأزيد من التعليل الاعتباري، لا الدليل الاستدلالي.

نعم، في الخلاف: «دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم».(1)

ولكن ليس للمسألة خبر واحد فضلاً عن الأخبار، ومن البعيد وجود تلك الأخبار عندهم، لكنّه لم تصل إلينا حتّى الواحد منها، وكيف يكون كذلك مع خلوّ كتابيه في الأخبار لا سيّما التهذيب الجامع لما في غالب الثلاثة من الكتب الأربعة؟ فوقوع الخلط والسهو منه 1 في ذلك غير بعيدٍ.

وكيف كان، فالعمدة في المسألة الإجماع، وبعده التعليل على كونه دليلاً لكنّ الثاني غير تامّ؛ لعدم كون القصاص للتشفّي بل للحياة كما في كتاب الله أوّلاً، وأنّه على صحّته اجتهاد في مقابل نصّ الكتاب ثانياً، وعدم اختصاص التشفّي بالنسب، فإنّه موجود في الزوجين اللذين جعل كلّ منهما سكناً للآخر، كما هو المعلوم بالوجدان ثالثاً.

وأمّا الأوّل - وهو العمدة، بل الدليل الوحيد - فالاعتماد عليه - مع احتمال استنادهم جميعاً أو بعضهم بالعلّة المذكورة، ومع كونه مخالفاً للقواعد والعمومات - مشكلٌ، كما أنّ رفع اليد منه مع كونه مخالفاً للقواعد ومع عدم النصّ أشكل بل ممنوعٌ، فإنّ الإجماع عليه تعبّدي. هذا، مع أنّ في عدم ردع الأئمّة المعصومين : ذلك وعدم إنكارهم للعامّة، شهادة على الرضىمنهم بذلك.


1) . الخلاف 5: 153، المسألة 11.

...


إرث الإخوة والأخوات في القصاص

ثانيها: الإخوة والأخوات من قبل الأُمّ ومن يتقرّب بها، ففي الشرائع:

وقيل: لا يرث القصاص إلّا العصبة دون الإخوة والأخوات من الأُمّ ومن يتقرّب بها.(1)

ففي المسألة قولان:

أحدهما: عدم الاستثناء، وأنّ غير العصبة كالعصبة في إرث القصاص، وهو الظاهر ممّن لم يستثنه من عموم ويرث القصاص من يرث المال.

ثانيهما: الاستثناء، وهو للشيخ في النهاية(2)و‌الاستبصار(3)ومختصر الفرائض،(4)وهو الأظهر عند المحقّق في الشرائع ،(5)والشهيد في حواشيه.(6)بل عن الحلّي في موضع من السرائر:

فإنّ كلالة الأُمّ لا ترث الدية ولا القصاص ولا القود بغير خلاف.(7)بل في تعليقات صاحب مفتاح الكرامة على قصاص اللثام:


1) . شرائع الإسلام 4: 213.

2) . النهاية: 673 و735.

3) . الاستبصار 4: 262/988، باب أنّه لیس للنساء عفو ولا قود، الحدیث 1، وفي تهذیب الأحکام 9: 397/1418، باب من الزیادات، الحدیث 25، حكى عنه في مفتاح الكرامة، تعلیقات علی باب القصاص 11: 86.

4) . على ما نقل في المبسوط 7: 54؛ وجواهر الكلام 42: 283.

5) . شرائع الإسلام 4: 213.

6) . غاية المراد 3: 608 و609.

7) . السرائر 3: 336.

...


وقد يظهر ذلك [أي عدم إرثهنّ] من المقنعة(1)و‌الخلاف(2)والكافي ،(3)بناءً على أنّ إرث القصاص مترتّب على إرث الدية، وستسمع أنّ الأكثر على أنّ المتقرّب بالأُمّ لا يرث الدية.(4)

ولا يخفى أنّه على ذلك ينبغي أن يكون خيرة غيرها أيضاً، حيث إنّ الأكثر أو المشهور على عدم إرث المتقرّب بالأُمّ لها من الدية، لكنّ البناء غير تامّ؛ للفرق بين القصاص والدية.

فمن الممكن عدم الإرث من الدية التي تكون من أموال المقتول وثابتة بالشرع أصالةً تخصيصاً في عموم أدلّة الإرث، وذلك بخلاف القصاص الثابت للورثة بالولاية، وعموم: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(5)فالمتّبع في كلٍّ منهما الدليل.

وبذلك يظهر عدم تماميّة الاستدلال؛ للبناء المذكور، والملازمة بين عدم الدية وعدم القصاص بالأولويّة بأنّه إذا لم يكن للوارث الدية فليس له القصاص بطريق أولى؛ وذلك لما بيّنا من تفاوت البابين، فأحدهما بالإرث وثانيهما بالولاية، فلا اشتراك بينهما حتّى تصحّ الأولويّة.

نعم، بين القصاص والعفو ملازمة وجوداً وعدماً؛ لكون العفو فرع القصاص لا مقابلاً له، كما أنّه قد ظهر عدم صحّة الاستثناء؛ لعمومأدلّة الولاية وعدم


1) . المقنعة: 702.

2) . الخلاف 5: 178، المسألة 41.

3) . الكافي في الفقه: 376.

4) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 86.

5) . الإسراء (17): 33.

...


الدليل على التخصيص، إلّا أن يقال بأنّ في شمول العموم فيها لمثلهنّ تأ‌مّل. وكيف كان، فهو الأشبه، كما في المتن.

إرث النساء في القصاص

ثالثها: النساء، وأنّه ليس لهنّ العفو والقصاص وإن تقرّبن بالأب.

وفي التعليقات على قول اللثام:

وليس للنساء عفو ولا قود. هذا ما ذكره المحقّق في الشرائع (1)وغيره قولاً ثالثاً، ونسبه في المسالك (2)إلى الشيخ في المبسوط(3)وكتابي الأخبار،(4)وقد سمعت ما وجدناه في المبسوط في باب الجراح، وهذا يوافق ما في المهذّب(5)والإيجاز(6)وجنايات الخلاف (7)أنّه لا يرث الدية النساء ممّن يتقرّب بالأب، كما لا يرثها منيتقرّب بالأُمّ مطلقاً.(8)

قلت: ما ذكره ; من نسبة ما في الشرائع من القول الثالث إلى المهذّب وتالیه


1) . شرائع الإسلام 4: 213.

2) . مسالك الأفهام 15: 227.

3) . راجع: المبسوط 7: 54، ولكن نسب عدم إرث النساء للقود إلى جماعة من أصحابنا، وقوّى هو التوريث، ولازمه جواز عفوهنّ.

4) . تهذيب الأحكام 10: 177/692، باب القضاء في اختلاف الأولياء، الحديث 7؛ الاستبصار 4: 262/988، باب أنّه لیس للنساء عفو ولا قود، الحدیث 1.

5) . المهذّب 2: 504.

6) . الإيجاز في الفرائض والمواریث «ضمن الرسائل العشر»: 277، فصل فيمن یرث الدیة.

7) . الخلاف 5: 178، المسألة 41.

8) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 86.

(مسألة 5): يرث الدية من يرث المال حتّى الزوج والزوجة. نعم، لا يرث منها الإخوة والأخوات من قبل الأُمّ، بل مطلق من يتقرّب بها على الأقوى، لكن


من الكتاب، مبنيّ على مختاره من البناء بين إرث الدية والقصاص، ممّا مرّ نقله وضعفه في المورد الثاني، فراجعه.

وفي الجواهر قال في ذيل عبارة الشرائع: «وقيل: ليس للنساء عفو ولا قود»:

ولكن لم أعرف القائل به وإن حكي عن المبسوط وكتابي الأخبار، إلّا أنّى لم أتحقّقه.(1)

لكن مع ذلك كلّه، ففي اللثام:

حكاه الشيخ في المبسوط عن جماعة من الأصحاب، ورواه علي بن الحسن(2)بن فضّال بسنده عن أبي العبّاس أنّه قال للصادق(علیه السلام): هل للنساء قود أو عفو؟ قال: «لا، وذلك للعصبة»، قال: عليّ بن الحسن: «هذا خلاف ما عليه أصحابنا»(3).(4).

قلت: بل هو خلاف مقتضى الأدلّة أيضاً.

وفي الوسائل في ذيل الرواية: «أقول: هذا محمول على التقيّة».(5)


1) . جواهر الکلام 42: 284.

2) . في کشف اللثام: «علي بن الحسین بن فضّال، ولکن في الروایة علي بن الحسن بن فضّال».

3) . تهذیب الأحکام 9: 397/1418، باب من الزیادات، الحدیث 25؛ الاستبصار 4: 262/988، باب أنّه لیس للنساء عفو ولا قود، الحدیث 1، مع تفاوت في الراوي وبعض الألفاظ؛ الکافي 7: 357، باب الرجل یقتل...، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 26: 87، کتاب الفرائض والمواريث، أبواب موجبات الإرث، الباب 8، الحديث 6.

4) . كشف اللثام 11: 148.

5) . وسائل الشيعة 26: 87، کتاب الفرائض والمواريث، أبواب موجبات الإرث، الباب 8، ذيل الحديث 6.

الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسن.(1)

(مسألة 6): الأحوط عدم جواز المبادرة للوليّ إذا كان منفرداً إلى القصاص، سيّما في الطرف إلّا مع إذن والي المسلمين، بل لا يخلو من قوّة، ولو بادر فللوالي تعزيره، ولكن لا قصاص عليه ولا دية.(2)


(1) مرّ البحث عنه في المسألة الخامسة من مسائل مانعيّة القتل، وقلنا بأنّ اختصاص عدم الإرث منها بالإخوة والأخوات من قبل الأُمّ دون مطلق المتقرّب بها غير خالٍ من القوّة، ولا نعيده، فراجعه.

هل يتوقّف القصاص على إذن الإمام؟

(2) المسألة ذات قولين:

لزوم الإذن من الإمام ووجوبه وتوقّف جواز الاقتصاص عليه، كما في المقنعة(1)و الكافي ،(2)وعن المهذّب(3)والتلخيص(4)وموضع من المبسوط.(5).

وعدم لزومه وجواز الاستيفاء بلا إذن منه كحقّ الشفعة، وهو خيرة الخلاف،(6)والمحقّق في الشرائع (7)و‌النافع،(8)والعلّامة في التحرير،(9)وولده في


1) . المقنعة: 760.

2) . الكافي في الفقه: 383.

3) . المهذّب 2: 485.

4) . تلخيص المرام 3: 342.

5) . المبسوط 7: 100.

6) . الخلاف 5: 205، المسألة 80.

7) . شرائع الإسلام 4: 213.

8) . المختصر النافع: 299.

9) . تحرير الأحكام 5: 491.

...


الإيضاح،(1)والشهيدين(2)في اللمعة والروضة، والمقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان.(3)بل في المسالك(4)والمفاتيح(5)نسبته إلى الأكثر.

وفي الرياض إلى أكثر المتأخّرين، بل قال: «بل عامّتهم».(6)

لكنّ الظاهر عدم الخلاف بين القائلين بعدم وجوب الإذن بأولويّة الإذن وكونه أحوط في الدماء وفي الخروج عن الخلاف عملاً، بل الظاهر من الشرائع(7)و‌التحرير(8)والنافع(9)بل صريحهم الكراهة، وهي الظاهرة من مثل الخلاف القائل بعدم التعزير في الاقتصاص من دون الإذن، فإنّه لو كان الإذن واجباً عنده للزم عليه القول بالتعزير، كما لا يخفى.

هذا، مع ما في عبارة الخلاف من التعبير بقوله: «فلا ينبغي»(10)ممّا ليس بظاهر في الحرمة، كما أنّ الظاهر بل المقطوع منهم كون وجوب الإذن وحرمة الترك تکلیفاً محضاً؛ لاتّفاقهم على عدم الدية والقصاص في الاقتصاص من دون الإذن.


1) . إيضاح الفوائد 4: 632.

2) . الروضة البهيّة 10: 94.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 429.

4) . مسالك الأفهام 15: 228.

5) . مفاتيح الشرائع 2: 139.

6) . رياض المسائل 16: 299.

7) . شرائع الإسلام 4: 213.

8) . تحرير الأحكام 5: 491.

9) . المختصر النافع: 299.

10) . الخلاف 5: 205، المسألة 80.

...


الاستدلال على لزوم إذن الإمام

وكيف كان، فقد استدلّ للوجوب بوجوه:

أحدها: إجماع الغنية(1)و الخلاف.(2)وفي الرياض:

وعليه [أي التوقّف على إذن الحاكم] الفاضل في القواعد،(3)ولعلّه الظاهر من الغنية، فإنّ فيها لا يستيقد إلّا سلطان الإسلام أو من يأذن له في ذلك، وهو وليّ من ليس له وليّ من أهله - إلى أن قال: - بلا خلاف بين أصحابنا في ذلك كلّه، وظاهره دعوى الإجماع عليه كالشيخ في الخلاف ، فإن تمّ فهو الحجّة.(4)

قد عرفت أنّ معقد إجماع الخلاف على تسليمه هو الكراهة.

أمّا الغنية، فالظاهر أنّ كلامه المنقول غير مرتبط بمحلّ البحث، بل يكون مربوطاً بحدّ معتاد قتل الرقيق والعبيد وأهل الذمّة، وأنّه لا يستيقده إلّا سلطان الإسلام أو من يأذن له في ذلك.

وحرف الواو في قوله: «وهو وليّ» للاستئناف، ولبيان أنّ السلطان وليّ من لا وليّ له من أهله حيث قال بعده: «لكنّه يقتل بالعمد أو يأخذ دية الخطأ، ولا يجوز له العفو كغيره من الأولياء».

فلا ربط لهذه العبائر وهذه الأحكام كالسابقة بمحلّ البحث أصلاً،فراجع


1) . غنية النزوع 1: 407.

2) . الخلاف 5: 205، المسألة 80.

3) . قواعد الأحكام 3: 622.

4) . رياض المسائل 16: 300.

...


الغنية.(1)

هذا كلّه مع أنّ الإجماع في مسألة اجتهاديّة، ومع ما فيه من مخالفة المتأخّرين بل ومن القدماء، من كلّ من لم يتعرض لإذن الإمام والحاكم، فإنّ ظاهره عدم التوقّف کالنهاية(2)و‌الانتصار(3)و‌المراسم(4)والوسيلة(5)و‌السرائر،(6)بل والمقنع،(7)وهي مختلفة في الظهور الذي لا يكاد ينكر، وإن كان بعضها أظهر.

ثانيها: ما قيل من أنّه يحتاج لإثبات القصاص واستيفائه إلى النظر والاجتهاد، فإنّ الناس مختلفون في شرائط الوجوب والاستيفاء وأمر الدماء خطير.

وفيه: أنّ هذا يفيد عدم الجواز مع عدم العلم، والخصم يقول به، فهذا خارج عن محل النزاع ومباين له؛ لأنّ محلّه تيقّن الوليّ بثبوت القصاص، وهو غير متوقّف على إذن الحاكم، بل على حكمه، بل ولا على حكمه أيضاً حيث يكون حكمه ضروريّاً أو إجماعيّاً، أو يكون عارفاً بثبوته عند مجتهده، أو غير ذلك.

ثالثها: ما في الرياض أيضاً من «إشعار جملة من النصوص باعتبارالإذن، كالخبر «من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة».(8)


1) . غنية النزوع 1: 407.

2) . النهاية: 736.

3) . الانتصار: 547.

4) . المراسم العلويّة: 240.

5) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 206.

6) . السرائر 3: 253.

7) . المقنع: 533.

8) . تهذیب الأحکام 10: 279/1091 و1092، باب القصاص، الحدیث 17 و18؛ وسائل الشيعة 29: 65، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث 8.

...


وقريب منه غيره».(1)

وفيه: أنّ الإشعار المزبور بعد تسليمه غير صالح للحجّية.

الاستدلال على عدم وجوب الإذن من الإمام

هذا كلّه في أدلّة الوجوب، وأمّا عدم الوجوب - وهو الأقوى - فالدليل عليه مضافاً إلى الأصل، إطلاق أدلّة القصاص من الكتاب والسنّة، لاسيّما مثل قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسرِفْ فِي القَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً،(2)وأنّ حقّ القصاص حقّ فيكون كسائر الحقوق، كالأخذ بالشفعة وغيره من الحقوق التي لا يعتبر في استيفائها إذن الإمام.

ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرناه في قصاص النفس حال قصاص الأطراف، فإنّهما من واد واحد وإن قيل بشدّة الكراهة من دون الإذن في قصاص الأطراف؛ لاحتمال السراية وغيرها من الجهات المشدّدة للكراهة، والأمر سهل في أصل الكراهة فضلاً عن شدّتها.

ثمّ لا يخفى أنّه لاخصوصيّة للإمام أو الحاكم أو الوالي الواقع في العبائر، بل المناط ثبوت القتل والحكم به بالقصاص؛ دفعاً للاختلاف والتشاجر والنزاع، كما كان ظاهرٌ من الأدلّة، فيكفي في ذلك حكم المحكمة والقاضي وإن لم يكن إماماً ووالياً ومجتهداً ونائباً عاماً عن الإمام (علیه السلام)، كما لا يخفى، فلا خصوصيّة


1) . رياض المسائل 16: 301.

2) . الإسراء (17): 33.

(مسألة 7): لو كان أولياء الدم أكثر من واحد، فالأقوى عدم جواز الاستيفاء إلّا


للإمام، كما أنّه لا خصوصيّة للحكم أيضاً، بل يكفي ثبوت القتل وإيجابه القصاص عند القاضي وإن لم يحكم بعدُ؛ لعدم الدليل على لزومه.

وكما أنّه ليس للحاكم الامتناع من الإذن؛ لأنّه ليس من حقوقه، بل إذنه من

حقوق وليّ الدم ويكون لازماً عليه، دفعاً للفتنة والمفسدة والمشاجرة المحتملة، بل قد عرفت أنّه ليس على الوليّ القصاص ولا الدية مع اقتصاصه من دون الإذن، فكيف للحاكم حقّ عدم الإذن؟

هذا تمام الكلام في النقض والإبرام في الأدلّة، لكن لقائل أن يقول: بعد اللتيا والتي القصاص متوقّف على الإذن وجوباً وتركه محرّم موجب للتعزير؛ وذلك لوجوب الاحتياط في الدماء، ووجوب حفظ النفس عن الهلاكة، وحفظ الأحكام الشرعيّة عن المنقصة،. فإنّ القصاص من الوليّ من دون الإذن فيه احتمال الهلاكة بعدم قدرته على إثبات قتل القاتل على العمد، ومع عدم الإثبات يقتل قصاصاً. فالقصاص كذلك منافٍ مع الوجوبين الأولين، كما لا يخفى.

كما أنّ الحكم بالجواز ونسبته إلى الشرع مستلزم لتنقيصه بأنّه كيف يأذن الشارع في قتل القاتل من دون الثبوت في المحكمة، مع أنّه بعد قتله قصاصاً لا قدرة له في الدفاع، فلعلّه إن كان حيّاً يدافع عن نفسه ويثبت عدم كونه قاتلاً أو عدم كونه عامداً.

بل لقائل أن يقول: إنّ الوليّ غير قادر على إثبات عمد القاتل بعدالقصاص لذلك الاحتمال ووجوده دائماً، فالأحوط الذي لا يخلو من قوّة لزوم الإذن والإثبات في المحكمة قبل القصاص، بل لعلّ القصاص من دون الإذن موجب للهرج والمرج.

باجتماع الجميع وإذن الوليّ؛ لا بمعنى ضرب كلّ واحد إيّاه، بل بمعنى إذنهم لأحد منهم أو توكيلهم أحداً.

وعن جمع أنّه يجوز لكلّ منهم المبادرة، ولا يتوقّف على إذن الآخر، لكن يضمن حصص من لم يأذن، والأوّل أقوى. نعم، لو بادر واستبدّ فلا قود، بل عليه حصص البقيّة مع عدم الإذن، وللإمام(علیه السلام) تعزيره.(1)


هل يعتبر إذن جميع أولياء الدم إذا كان أكثر من واحد

(1) البحث في هذه المسألة في اعتبار إذن الجميع في الاستيفاء وعدمه، وفي السابقة عليها في اعتبار إذن الحاكم، فكلٌّ من المسألتين مستقلّة عن الآخر.

وشرطيّة الإذن من الحاكم وعدمها تكون في كلتا المسألتين، فلا يتوهّم خصوصيّة وحدة الوليّ، بل إنّما يكون ذكر وحدة الوليّ في السابقة من جهة المثال والمصداق لا من جهة الموضوعيّة والخصوصيّة.

فالقائل باعتبار إذن الحاكم مع كون الوليّ واحداً قائل باعتباره مع التعدّد زائداً على إذن الجميع على اعتباره، والقائل بعدم اعتباره قائل بعدمه في المسألة وإن كان قائلاً باعتبار إذن الجميع.

وبالجملة؛ إذن الحاكم وإذن الجميع على الشرطيّة وعدمها مستقلّ عن الآخر، وما في كلٍّ من المسألتين يجري مع كلا المبنيين في المسألة الأُخرى، وعلى هذا ليس لتقييد المتن وغيره في السابقة الوليّ بالوحدة وجه ظاهر، لما عرفت من جريان الخلاف مع الكثرة أيضاً، ولعلّه لأنّ معالكثرة خلاف آخر أيضاً، وهو إذن الجميع. وكيف كان، ففي المسألة قولان:

أحدهما: اعتبار اجتماعهم في الاستيفاء بالوكالة أو بالإذن لواحد منهم، وعدم

...


جواز الاستيفاء من دون ذلك، وهو المحكيّ عن الفاضل(1)والشهيدين(2)والمقداد،(3)ومختار المحقّق(4)والعلّامة(5)ومجمع الفائدة(6)والمفاتيح.(7)

ثانيهما: جواز الاستيفاء لكلّ واحد منهم من دون التوقّف على إذن الآخر، وهو المحكيّ عن أبي علي.(8)وعلم الهدى(9)والقاضي(10)والكيدري(11)بل في مجمع الفائدة والبرهان(12)نسبته إلى الأكثر، وفي الخلاف(13)والغنية(14)وظاهر المبسوط(15)الإجماع عليه، وهو المحكيّ عن علم الهدى في مفتاح الكرامة.(16).

حجّة قول الأوّل أنّ الحقّ للكلّ، فلا يجوز للغير التصرّف والاستيفاء، فعلى الفاعل ضمان العهدة.


1) . كشف اللثام 11: 149.

2) . الروضة البهيّة 10: 95.

3) . التنقيح الرائع 4: 445.

4) . شرائع الإسلام 4: 213؛ المختصر النافع: 299.

5) . قواعد الأحكام 3: 622.

6) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 430.

7) . مفاتيح الشرائع 2: 139.

8) . انظر: مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 88؛ جواهر الكلام 42: 289.

9) . الانتصار: 538.

10) . المهذّب 2: 457.

11) . إصباح الشيعة: 493.

12) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 430.

13) . الخلاف 5: 179، المسألة 42.

14) . غنية النزوع 1: 406.

15) . المبسوط 7: 54، 72.

16) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 88.

...


وفيه: مع ما سيأتي من الشهادة في أدلّة القول الثاني على عدم كون الحقّ للكلّ بذلك المعنى، بل له معنى آخر موافق مع القول الآخر، أنّه لا قرينة ولا دليل على ذلك المعنى وعلى ذلك النحو من الشركة في الحقّ، وأنّه أيّ مانع من كون الشركة في المقام كالشريك في حقّ الخيار للورثة في أنّ لكلٍّ منهم الاستبداد في إعمال الخيار؟ وبذلك يظهر عدم تماميّة ما يقال في توجيهه من عدم كون حقّ القصاص قابلاً للتبعيض، فلابدّ من اتّفاق الجميع على استيفائه، وذلك لعدم انحصار الشركة في الحقّ بذلك، بل لها معنى آخر، وهو الموجود في شركة مثل حقّ الخيار.

هذا، مع أنّه لو سلّم اقتضاء قاعدة الشركة ذلك كان المتّجة الخروج منها بما يأتي من بعض الوجوه.

واستُدلّ للقول الثاني بوجوهٍ:

أحدها: ما مرّ من الإجماع المعتضد بما في المجمع من نسبته إلى الأكثر.(1)

بل يظهر من مفتاح الكرامة(2)أنّه العمدة في الأدلّة.

ثانيها: كون بناء القصاص على التغليب، ولذا إذا عفا الأولياء إلّا واحداً كان له القصاص مع أنّ القاتل قد أحرز بعض نفسه.

ثالثها: أنّه إذا جاز القصاص مع عفو الباقين وإحراز القاتل بعض نفسه، فمع السكوت أو الجهل وعدم الإحراز أولى.

رابعها: قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(3)فإنّ ثبوت


1) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان 13: 430.

2) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 88.

3) . الإسراء (17): 33.

...


السلطان للوليّ يقتضي تسلّط كلّ واحد منهم على ذلك منفرداً، كما هو مقتضى الإضافة، وإلّا لم يتمّ له السلطان.

خامسها: أنّ الباقين إمّا أن يريدوا قتله أو الدية أو العفو، والفرض أنّ الأوّل قد حصل، والدية مبذولة من القاتل، والعفو باق في محلّه، فإنّ المقصود به المثوبة وهي موجودة.

سادسها: أنّه مخالف لما أجمع عليه العامّة.

سابعها: أنّ اشتراك الحقّ المزبور ليس على حسب غيره من الأموال التي لا يجوز التصرّف فيها بدون إذن الشريك، بل المراد من اشتراكه أنّ لكلّ واحد منهم استيفاءه لا لكونه بينهم على الحصص، ولا أنّه حقّ للمجموع من حيث كونه كذلك، ضرورة عدم تعقّل الأوّل، ومنافاة الثاني لبقائه مع عفو البعض، وغرم الدية إنّما هو لدليله لا لاشتراكه.

بل لعلّ ذلك ظاهر كلّ ما يستفاد من كون القصاص لأوليائه من كتاب أو سنّة بعد العلم بعدم إرادة المجموع من حيث كونه كذلك، ولعلّه لذا نسبه فيما سمعته من الخلاف إلى أخبار الفرقة.

وهذه الوجوه وإن كان بعضها قابلاً للمناقشة، لكن في الآية وبعضها كفاية.

وفي تعليقات صاحب مفتاح الكرامة على اللثام هنا كلام متضمّن لفوائد جيّدة ينبغي نقله:

والحاصل أنّه لا معارض لأدلّة هذا القول إلّا الشهرة المتأخّرة المعلومة والمنقولة، وهي ليست بحجّة، على أنّ المتقدّمة متقدّمةعليها في هذا المقام؛ لأنّ المسألة ليست من الغامضات التي تحتاج إلى النظر، بل

...


الظاهر من الإجماعات والشهرة المتقدّمة أنّها راجعة إلى نقل عمل وسيرة واستمرار طريقة على أنّ إجماع القدماء قد يكون معلوماً، إذ لم يعرف الخلاف إلّا من المحقّق(1)والمصنّف(2)وبعض من تأخّر عنهما،(3)وما كان ليخفى على القدماء أنّ الحقّ مشترك بين الجميع فلا يستوفيه بعضهم، وأنّه موضوع للتشفّي ولا يحصل بفعل بعضهم، مع إطباق علماء العامّة على عدم الجواز واستدلالهم بهذه الأدلّة والمناقشة في الأخير ظاهرة، إذ لا يمكن أن يقتله الجميع وأصحابنا أجابوهم - كما في الخلاف (4)وغيره - بأنّ إجماعنا منعقد على ذلك وطريقتنا مستمرة، ومن المعلوم أنّ ذلك مع إطباق العامّة على خلافهم وظهور الوجه في قولهم إنّما كان صادراً عن أئمّتهم :، وأشاروا إلى بيان مأخذ الإجماع واستمرار الطريقة على سبيل التقريب والاستظهار على العامّة بأنّ الله سبحانه وتعالى جعل للوليّ سلطاناً، وهذا أولى، فيجب أن يكون له سلطان، فلو توقف على إذن شركائه لم يكن له سلطان.

ومثل هذا يكفي في بيان مأخذ الإجماع بالنسبة إلى العامّة، وإلّا فقد يكون الإجماع منعقد إلّا عن نصّ مسطور في الكتب، بل عن نصّ محفوظ في الأذهان متداول في العمل، كما هو الشأن فيكثير من إجماعات الانتصار و الخلاف و الغنية ، وقد حررّ ذلك في محلّه.


1) . شرائع الإسلام 4: 213؛ المختصر النافع: 300.

2) . قواعد الأحكام 3: 622.

3) . مسالك الأفهام 15: 230.

4) . الخلاف 5: 187، المسألة 52.

...


وقولهم: إنّ بناء القصاص على التغليب آخر ما ذكره الشارح، إنّما هو جواب عن استبعاد جواز استبداد بعض الشركاء باستيفاء الحقّ من دون إذن، وهو جواب صحيح في محلّه رافع للاستبعاد المذكور، وليس دليلاً مستقلاً، وإنّما الدليل السيرة واستمرار الطريقة والإجماع. فلا تتوجّه المناقشة في الاستدلال بالآية الشريفة بأنّها غير ظاهرة في المطلوب، لما عرفت. على أنّ ظهورها في الجملة لا يكاد ينكر وإن كان ليس بتلك المكانة، كما هو الشأن في كثير من ظواهر القرآن المجيد في كثير من المسائل، كما لا يخفى على المتتبّع.

ولا معنى للمناقشة أصلاً في التغليب بعد ما عرفت الحال بأنّه ليس حجّة، بل غير مسلّم، فإنّه يسقط بالشبهة كسائر الحدود، وأنّ جواز استقلال البعض بالاستيفاء والقصاص بعد عفو الباقي أو أخذه حقّه لا يستلزم جوازه بدون أخذهم ذلك.

ثمّ إنّ المحقّق ومن وافقه أطلقوا ولم يفرّقوا في الأولياء بين أن يكونوا كلّهم بالغين أو لا، لأن كانت المسألتان من سنخ واحد.

والشيخ في الخلاف(1)ادّعى إجماع الفرقة وأخبارهم في الثانية والذي يحكيه كالذي يرويه، وظاهره في المبسوط(2)الإجماع فيها،وإجماع الغنية (3)يتناولها، فقد تكرّرت دعوى الإجماع منهم، وحكى لنا في الخلاف أنّ في


1) . قد مَرَّ آنفاً.

2) . المبسوط 7: 54.

3) . غنية النزوع 1: 406.

...


المسألة أخباراً أقصاها أنّها مرسلة منجبرة بما عرفت، فكانت حجّة أُخرى.

وناهيك بقتل مولانا الحسن (علیه السلام) ابن ملجم لعنه الله تعالى وله من الإخوة والأخوات ستّة وعشرون؛ لأنّ أولاد أمير‌المؤمنين (علیه السلام) سبعة وعشرون وفيهم البالغ وغيره، والحقّ للجميع وإن كانت له الولاية والإمامة.

ثمّ إنّ خلاف المحقّق والمصنّف ومن وافقهم مآله إلى أنّ دعوى الإجماع خطأ، وهذه قد تسمع لو كان المدّعى له واحداً، وقد وجد الخلاف ممّن عاصره أو تقدّمه.

وأمّا إذا كان المدّعى له جماعة غير مرّة ولم يوجد خلاف ممّن عاصرهم أو تقدّمهم، فكيف يصح الإقدام على تخطئتهم ومخالفتهم، مع أنّ دليل المخالف نصب أعينهم يدلي به مخالفوهم من العامّة، وهم يردّونه بإجماعهم وسيرتهم المأخوذين عن أئمّتهم:، فكان هذا القول ممّا لاريب فيه ولا أجد عذراً لمن خالف إلّا بأنّه لم يتلبّث ولم يعط النظر حقّه في تتبّع كلام القوم وسيرة قدمائهم وأئمّتهم :.(1)

ثمّ إنّه على القول الثاني وإن كان الاستيفاء من دون إذن بقيّة الأولياء جائزاً، لكن يضمن الوليّ المستوفي حصص البقيّة بلا خلاف ولا إشكال، بل الإجماعات المزبورة كلّها عليه.

نعم، قد يقال بظهورها في اعتبار الضمان قبل القتل إلّا أنّ الأقوى كونه


1) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 89.

...


ضماناً شرعيّاً، على معنى كون الاستيفاء المزبور من أسباب الضمان على المستوفي، فلا وجه لاعتبار سبقه، بل لا يبعد أن يكون ذلك أيضاً مراد القائل بالسبق وأن يكون النزاع لفظياً، حيث إنّ الضمان أمر تعليقي جعلي على العهدة وتابع لسببه، فلا معنى لتحقّقه بالقتل ولجعله على العهدة ولو على حقيقة التعليقيّة إلّا بعد تحقّق سببه.

فمراد القائل بتقدّمه على القصاص تقدّمه على نحو الكلّية التعليقيّة، والأمر سهلٌ.

نعم، لابدّ للمستوفي من كونه مليّاً وقادراً على أداء الحصص من الدية، وإلّا فمع عدم ملاءته وعدم قدرته على الأداء فالقصاص بدون إذن البقيّة غير جائز له حتّى على القول بعدم التوقّف على إذن الجميع؛ لكونه سبباً لتضييع حقوق البقيّة.

وأمّا على القول الأوّل، فيحتمل كونه كذلك وإن أثم وعليه التعزير، مثل ما مرّ في عدم الإذن من الحاكم، بل هو الأقوى، كما في المتن؛ لضرورة عدم كونه قتل عمد عدواني موضوع للقصاص بعد أن كان المستوفي من المستحقّين له، فقتله قصاص وعدل واستيفاء للحقّ لا عدوان وظلم واستيفاء بغير الحقّ؛ ولأنّه على تسليم تلك الضرورة فلا أقلّ من كون المستوفي صاحب حقّ شبهة دارءة للعقوبة احتياطاً في الدماء، ومن اختلاف العلماء في جواز القتل، وهو أيضاً شبهة دارءة للعقوبة.

ويحتمل القصاص عليه، كما احتمله القواعد(1)وتبعه غيره؛ لأنّه استوفى أكثر


1) . قواعد الأحكام 3: 623.

(مسألة 8): لو تشاحّ الأولياء في مباشرة القتل وتحصيل الإذن يقرع بينهم، ولو كان بينهم من لا يقدر على المباشرة، لكن أراد الدخول في القرعة ليوكّل قادراً في الاستيفاء، يجب إدخاله فيها.(1)


من حقّه فيلزمه القصاص، كما لو استحقّ الطرف فاستوفى النفس، ولأنّ القصاص لهما في فرض كون الأولياء اثنين، فإذا قتله أحدهما فكأنّه أتلف نصف النفس متعدّياً، وهو سبب يوجب القصاص، كما إذا قتل الاثنان واحداً فعلى هذا لم يقع القصاص، ويكون قتل المستوفي من دون إذن الآخر، كقتل الأجنبيّ، فيتّجه وجوب دية الأب المقتول أوّلاً في تركة الجاني؛ بناءً على وجوبها كذلك بفوات محلّ القصاص؛ لأنّه لم يقع قتل الجاني قصاصاً، فيكون كما لو قتله أجنبيّ، فإن اقتصّ وارث الجاني من الابن القاتل أخذ وارث المقتصّ منه والابن الآخر الدية من تركة الجاني وكانت بينهما نصفين، وإن عفا عن الدية فللأخ الذي لم يقتل نصف الدية في تركة الجاني، وللأخ القاتل النصف أيضاً، ولكن عليه دية الجاني بتمامها.

ويقع الكلام في التقاصّ، فقد يصير النصف بالنصف قصاصاً ويأخذ وارث الجاني النصف الآخر، وقد يختلف المقدّر بأن يكون المقتول رجلاً والجاني امرأة، فيحكم في كلٍّ منهما بما يقتضيه الحال.

والأمر في ذلك سهلٌ بعد سقوط ذلك من أصله على المختار.

القرعة في تزاحم الحقوق

(1) وجه القرعة في المسألة تزاحم الحقوق فيها، فإنّه المورد للقرعةوإنّه القدر المتيقّن لها، كما حقّق في محلّه. ووجه وجوب إدخال غير القادر على مباشرة

(مسألة 9): ينبغي لوالي المسلمين أو نائبه أن يحضر - عند الاستيفاء - شاهدين عدلين فطنين عارفين بمواقعه وشرائطه احتياطاً، ولإقامة الشهادة إن حصلت منازعة بين المقتصّ وأولياء المقتصّ منه، وأن يعتبر الآلة لئلّا تكون مسمومة، موجبة لفساد البدن وتقطّعه وهتكه عند الغسل أو الدفن،(1) فلو علم


الاستيفاء في القرعة ما في المتن من إرادته الدخول في القرعة لتوكيل القادر على الاستيفاء.

وفي اللثام بعد ذكر ذلك الوجه قال: «ويحتمل العدم، فإنّ الإقراع لتعيين المباشر».(1)

وفيه: أنّ الاحتمال منفيّ بعموم أدلّة القرعة وبعدم الخصوصيّة للمباشرة، فإنّ القرعة لتعيين الحقّ لذي الحقّ ورفع التزاحم، من دون فرق بين كون المحقّ مريداً للمباشرة في استيفاء حقّه أو مريداً فيه بالنيابة، كما هو واضح.

(1) ما في مثل المتن و الشرائع(2)والقواعد(3)من التعبير بكلمة «ينبغي»، وما ذكروه في وجهه في إحضار والاعتبار، ليس زائداً على إرشاد احتياطي عقلي حسن، وهو في محلّه.

وما عن البعض من التعبير بالاستحباب في الإحضار.

ففيه: مع أ‌نّا لم نعثر على أثر فيه بالخصوص وعدم ورود الأمر به،الحكم بالاستحباب مشكلٌ بل ممنوعٌ، إلّا بالقول بالتسامح في الندب، وعموميّة التسامح أيضاً لمثل الفتوى به مع عدم النصّ ولو بسند ضعيف، ودونها لا سيّما


1) . كشف اللثام 11: 150.

2) . شرائع الإسلام 4: 214.

3) . قواعد الأحكام 3: 626.

مسموميّتها بما يوجب الهتك لا يجوز استعمالها في قصاص المؤمن، ويعزّر فاعله.(1)


الثاني خرط القتاد.

(1) وصريح المتن والقواعد(1)وظاهر الشرائع(2)وغيره ممّن عبّر كعبارته عدم جواز الاستيفاء بالآلة المسمومة، وبه صرّح في المسالك(3)و‌المبسوط، ولكن لا شيء عليه من دية أو غيرها إلّا التعزير الذي صرّح به في المبسوط حيث قال:

لأنّه بمنزلة جناية عليه حينئذٍ بعد استيفاء القصاص، فهو كما لو قتله ثمّ عاد فقطّعه أو حرّقه.(4)

ولكن عن موضع آخر منه بعد الحكم بأنّه لا يقتصّ بالمسموم؛ لعدم إمكان تغسيله، قال:

ويقتضي مذهبنا جوازه؛ لأنّه يغتسل أوّلاً ويتكفّن، ثمّ يقام عليه القود، ولا يغسل بعد موته.(5)

قلت: لكن ذلك لا يدفع هتك الحرمة الحاصل بالتهرّي ونحوه. نعم، لو لم يحصل ذلك منه عادة إلّا بعد الدفن اتّجه جوازه؛ لعدم زيادة العقوبة وعدم هتك الحرمة، فيبقى على إطلاق الأدلّة وخصوصاً إذا كان قد قتل بها وإن كان الأولى العدم مطلقاً. وصريح المتن وظاهر غيره تعزير فاعلالقصاص بالآلة المسمومة، ووجهه واضح بعد الحرمة.


1) . قواعد الأحكام 3: 627.

2) . شرائع الإسلام 4: 214.

3) . مسالك الأفهام 15: 234.

4) . المبسوط 7: 108.

5) . المبسوط 7: 56.

(مسألة 10): لا يجوز في قصاص الطرف استعمال الآلة المسمومة التي توجب السراية، فإن استعملها الوليّ المباشر ضمن، فلو علم بذلك، ويكون السمّ ممّا يقتل به غالباً، أو أراد القتل ولو لم يكن قاتلاً غالباً، يقتصّ منه بعد ردّ نصف ديته إن مات بهما، فلو کان القتل لا عن عمد يردّ نصف دية المقتول.

ولو سرى السمّ إلى عضو آخر ولم يؤدّ إلى الموت، فإنّه يضمن ما جنى دية وقصاصاً مع الشرائط.(1)

(مسألة 11): لا يجوز الاستيفاء في النفس والطرف بالآلة الكالّة وما يوجب تعذيباً زائداً على ما ضرب بالسيف، مثل أن يقطع بالمنشار ونحوه، ولو فعل أثم


نعم، ما في خصوص المتن من التقييد بالمؤمن غير تامّ ظاهراً؛ لعموميّة حرمة الهتك لكلّ من يكون محترماً، مسلماً كان أو غير مسلم، فضلاً عن المؤمن وغيره، فإنّ حرمته من باب الإيذاء والظلم، وهما محرّمان على الإطلاق، كيف وإيذاء الحيوان منهيّ عنه فضلاً عن الإنسان؟!

نعم، المعاند للدين أو المبدع فيه هتكه جائز؛ لتضعيفه ونهيه عن المعاندة والبدعة، ففي صحيح داود بن سرحان، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «قال رسول الله(صلی الله علیه وآله): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم، والقول فيهم، والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلّمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم بهالدرجات في الآخرة».(1)

(1) ما في المسألة تامّ ومطابق للقواعد.


1) . الکافي 2: 375، باب مجالسة أهل المعاصی، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 16: 267، کتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، أبواب الأمر والنهي، الباب 39، الحديث 1.

وعزّر، لكن لا شيء عليه، ولا يقتصّ إلّا بالسيف ونحوه.

ولا يبعد الجواز بما هو أسهل من السيف كالبندقة على المخّ، بل وبالاتّصال بالقوّة الكهربائيّة. ولو كان بالسيف يقتصر على ضرب عنقه؛ ولو كانت جنايته بغير ذلك كالغرق أو الحرق أو الرضخ بالحجارة، ولا يجوز التمثيل به.(1)


عدم جواز استيفاء القصاص بالآلة الكالّة

(1) في المسألة أحكام أربعة:

أحدها: عدم جواز الاستيفاء مطلقاً بالآلة الكالّة الموجبة للتعذيب الزائد على القتل بالسيف، وهو ممّا لا إشكال ولا خلاف فيه في الجملة؛ لما في الاستيفاء كذلك عقوبة زائدة، وهي محرّمة.

وفي الشرائع: «ويمنع من الاستيفاء بالآلة الكالّة، تجنباً للتعذيب».(1)

وللنبويّ: «فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة».(2)

وللأمر بإراحة الذبيحة وتحديد الشفرة للذبح،(3)

وأيضاً في البحار: عن أبي جعفر (علیه السلام) أ‌نّه قال: «إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذّب البهيمة أحدّ الشفرة واستقبل القبلة ولا تنخعها حتّى تموت»؛ يعني بقوله: «ولا تنخعها» قطع النخاع، وهو عظم في العنق». (بحار الأنوار 62: 327، الحديث 40).

ففي الآدميين أولى.

ثانيها: التعزير بالاستيفاء كذلك؛ لارتكابه المحرّم ولإيذائه الغير، ولا شيء عليه من دية ونحوها؛ قضاء للبراءة، ولعدم الحرمة لنفس القاتل ولا لأعضائه في


1) . شرائع الإسلام 4: 214.

2) . السنن الكبرى، للبيهقي 12: 98، كتاب الجنايات، باب يحفظ الإمام سيفه...، الرقم 16509؛ بحار الأنوار 62: 315، ذیل الحديث 7.

3) . في البحار عن دعائم الإسلام: عن جعفر بن محمّد، عن آبائه: «أنّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) قال: من ذبح ذبيحة فليحدّ شفرته وليرح ذبيحته». (بحار الأنوار 62: 327، الحديث 39).

...


القتل ولا للطرف المورد للقصاص.

ثالثها: جواز القتل بغير السيف ممّا يكون مثل السيف، كالبندقة على المخّ، أو الاتّصال بالقوّة الكهربائيّة على فرض كونه عند العقلاء مثل البندقة على المخّ أسهل، ووجهه ظاهر.

استيفاء القصاص بالسيف والاستدلال عليه

رابعها: أنّه يقتصّ في القصاص بالسيف على ضرب عنقه ولو كانت جنايته بالإغراق أو بالإحراق أو بالمثقل أو بالرضخ، فلابدّ إلّا من الاقتصار في الاستيفاء بالسيف ونحوه. وهو عند أكثر الأصحاب، كما في المسالك ،(1)بل المشهور كما في غيرها،(2)بل في المبسوط:(3)«عندنا» تارة و«مذهبنا» أُخرى، بل عن الغنية:

ولا يستقاد إلّا بضرب العنق. ولا يجوز قتل القاتل بغير الحديد وإن كان هو فعل ذلك، بلا خلاف بين أصحابنا.(4)بل في التنقيح(5)والروضة:(6)الإجماع عليه، بل في الخلاف:(7)«إجماع الفرقة وأخبارهم»، على أنّه إذا قتل غيره بما فيه القود من السيف والحرق والغرق والخنق أو منع منالطعام والشراب أو غير ذلك فإنّه لا يستقاد منه إلّا بحديدة، ولا يقتل مثل ما قتله.


1) . مسالك الأفهام 15: 235.

2) . رياض المسائل 16: 303؛ مفاتيح الشرائع 2: 142.

3) . المبسوط 7: 73.

4) . غنية النزوع 1: 408.

5) . التنقيح الرائع 4: 446.

6) . الروضة البهيّة 10: 91و92.

7) . الخلاف 5: 189 - 190، المسألة 55.

...


وعن ابن أبي عقيل العمّاني(1)وابن الجنيد (أبو‌علي الإسكافي)(2)جواز قتله بالمثل؛ وفاقاً لأكثر العامّة، لكن في رواية من ابن الجنيد اشتراط الجواز بالوثوق بأنّه لا يتعدّى، وفي رواية أُخرى عنه من دون تقييد بالوثوق.

وفي المختلف بعد أن استدلّ لأبي عليّ بعموم قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ(3)قال: «وهو وجهٌ قريبٌ».(4)

وفي المسالك: «وهذا القول لا بأس به».(5)

وفي مجمع الفائدة والبرهان:

واعلم أنّ هذه ليس لها دليل واضح، فإن كانت إجماعيّة، والظاهر عدمه كما نقله في شرح الشرائع.(6)وفي الجواهر وغيره الاستدلال للمشهور بوجوهٍ:

الأوّل: الإجماع.

ففي الجواهر بعد نقله من التنقيح والروضة و الخلاف:

وهو الحجّة بعد النهي في أخبار كثيرة عن المثلة به(7).(8)


1) . على المحكيّ عنه في جواهر الكلام 42: 297؛ وفي مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 113.

2) . مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 370، المسألة 19.

3) . البقرة (2): 194.

4) . مختلف الشيعة 9: 454، المسألة 132.

5) . مسالك الأفهام 15: 236.

6) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 425.

7) . جواهر الكلام 42: 296.

8) . راجع: وسائل الشیعة 29: 126، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 62؛ مستدرك الوسائل 18: 254، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 51.

...


الثاني: أخبار النهي عن المثلة وأنّها لا تجوز ولو في الكلب العقور،(1)وأنّها من الإسراف في القتل المنهيّ عنه(2)ولو كان مماثلاً لقتل المقتول.

الثالث: صحيح الحلبي والكناني، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه حتّى مات، أيدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يترك يعبث به ولكن يجيز عليه بالسيف».(3)

ومثلهما من دون تفاوت صحيح سليمان بن خالد،(4)وخبر موسى بن بكر، عن العبد الصالح (علیه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يرفع العصا عنه حتّى مات؟ قال: «يدفع إلى أولياء المقتول، ولكن لا يترك يتلذّذبه، ولكن يجاز عليه بالسيف».(5)


1) . نهج البلاغة، صبحی صالح: 442، وصیّة 47؛ الاختصاص، للمفيد: 150، في فضائل علی(علیه السلام) من کتاب ابن دأب؛ مستدرك الوسائل 18: 256، أبواب القصاص في النفس، الباب 51، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 128، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب62، الحديث6.

2) . الکافي 7: 370، باب النوادر، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 127، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب62، الحديث2.

3) . الکافي 7: 279، باب قتل العمد وشبه العمد والخطأ، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 157/630، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 9؛ وسائل الشيعة 29: 36، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 11، الحديث2.

4) . تهذیب الأحکام 10: 157/632، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 11؛ الفقیه 4: 77/238، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 39، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب11، الحديث12.

5) . الفقیه 4: 97/322، باب ما یجب فيه الدیة...، الحدیث 3؛ الکافي 7: 279، باب قتل العمد وشبه العمد والخظأ، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 157/629، باب القضایا في الدیات والقصاص، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 127، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب62، الحديث3.

...


قال المجلسي في المرآة:

قوله (علیه السلام): «يتلذّذ به»؛ أي يمثّل به، ويزيد في عقوبته قبل قتله لزيادة التشفّي، ويقال: أجاز عليه أي أجهزه وأسرع في قتله، ومنعه الجوهري وأثبت غيره، والخبر أيضاً يثبته.(1)

الرابع: ما في مجمع الفائدة والبرهان:

لعلّ دليل المذكور تحريم هذه الأُمور ]أي الغرق والحرق والقتل بالسيف الكالّ المسموم[ إلّا القتل الذي جوّز له بدليله، وهو يحصل بما مرّ فلا يتعدّى.(2)

وفي كلّ الوجوه مناقشة، وليس واحدٌ منها معتبراً وقابلاً للاستدلال:

أمّا الإجماع، - فمضافاً إلى كونه في مسألة اجتهاديّة - أصله غير ثابت، بل خلافه محقّق من القديمين، ومن ظاهر المسالك(3)من نسبة ذلك القول إلى الأكثر.

وأمّا الأخبار الناهية عن المثلة وأنّها من الإسراف في القتل، ففيها: أنّ متعلّق النهي والإسراف هو المثلة بما هي هي؛ أي المثلة ابتداءً، لا ما كانت منها قصاصاً وجزاءً للسيّئة بمثلها من السيّئة، فإنّ الأحكام متعلّقة بموضوعاتها، بعناوينها الثابتة الذاتيّة لابها بالأعمّ من العنوان الذاتيوالعرضي.

ألا ترى قبح القتل وحرمته والنهي عنه في الكتاب والسنّة، لكنّه مع ذلك يكون جائزاً بعنوان القصاص، فالمحرّم هو القتل الابتدائي، وهو القتل بما هو هو


1) . مرآة العقول 24: 22، باب الدية في قتل العمد والخطأ، ذيل الحديث6.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 424.

3) . مسالك الأفهام 15: 235.

...


لا القتل بالقصاص بما هو قصاص وبما هو موضوع لعنوان عارضي ثانوي.

وأمّا الثالث: فالنهي والحرمة في صحاحها إنّما يكون عن العبث به، وأنّى ذلك بالمقابلة بالمثل ومتابعة القاتل في قتله قصاصاً ممّا ليست عبثاً ولغواً أصلاً، كما أنّ ما في خبر موسى بن بكر من النهي أو النفي عن التلذّذ، إنّما يكون مورده غير باب المماثلة، كما هو واضح لمن نظر إلى الخبر مع العناية إلى ذلك.

ولقد أجاد المقدّس الأردبيلي; في المجمع، حيث إنّه بعد ذكر تلك الأدلّة قال:

واعلم أنّ هذه ليس لها دليلٌ واضح، فإن كانت إجماعيّة - والظاهر عدمه كما نقله في شرح الشرائع - وإلّا فالظاهر جواز القتل بالمثل نقلاً، للآية والخبر، وعقلاً ما لم يكن محرّماً.(1)

واستدلّ للقول الآخر - أي قول القديمين - بالآية: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،(2)والنبويّ: «من حرق حرّقناه، ومن غرّق غرقناه»(3)أنّ يهوديّاً رضخ رأس جارية بالحجارة فأمر (صلی الله علیه وآله) فرضخ رأسه بالحجارة.(4).

وفي الجواهر(5)الإشكال على الاستدلال بالنبويّ الأوّل بعدم الجابر له المعارض بغيره من النصوص التي فيها النبويّ وغيره، وبالنبويّ الآخر بأنّه قضيّة في واقعة


1) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 425.

2) . البقرة (2): 194.

3) . السنن الكبرى، للبيهقي 12: 65، باب عمد القتل بالحجر، ذيل الرقم 16424.

4) . السنن الكبرى، للبيهقي 12: 62، باب عمد القتل بالحجر، الرقم 16412.

5) . جواهر الكلام 42: 298.

...


في اليهودي، وعلى الاستدلال بآية الاعتداء بأنّه بعد خروج كثير من أفراد الاعتداء منها، وما سمعته من النصوص وغيرها يجب حملها على إرادته المماثلة في أصل الاعتداء في القتل.

قلت: ما ذكره من كون النبويّ الأوّل(1)معارضاً بغيره من النصوص، فضعفه ظاهر ممّا مرّ،(2)من كون الأخبار الناهية عن المثلة ناظرة إلى المثلة الابتدائيّة لا المثلة القصاصيّة، ومن كون أخبار الصحاح وخبر موسى بن بكر(3)مربوطة بالعبث بالقاتل والتلذّذ به، فأين المقابلة بالمثل المبحوث عنها في المقام؟

نعم، ما ذكره ; من ضعف السند فيهما ومن كون الثاني قضيّة شخصيّة، ففي محلّه ويكون تامّاً وصحيحاً، كما أنّ ما ذكره ; من كون الآية(4)في مقام جواز المماثلة في أصل الاعتداء لاخصوصيّاتها وكيفيّتها أيضاً في محلّه، لكن لا لما ذكره؛ لعدم تماميّته، بل لأنّ مورد الآية باب الجهاد والمقاتلة، ومن المعلوم عدم إمكان المماثلة في الاعتداء فيهما في الكيفيّة، فلابدّ من كون المراد المماثلة في أصل الاعتداء تحرّزاً عن خروج المورد.

هذا، ولكن لا يخفى عليك كفاية آية القصاص،(5)بل وآية جَزَاؤُ سَيِّئَةٍسَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا(6)في كونها حجّة على مختار القديمين، فهو الأقوى، لكن يستثنى منه ما إذا


1) . تقدّمت في الصفحة السابقة.

2) . تقدّمت في الصفحة السابقة.

3) . تقدّمت في الصفحة 530.

4) . البقرة (2): 194.

5) . البقرة (2): 178.

6) . الشورى (42): 40.

(مسألة 12): أُجرة من يقيم الحدود الشرعيّة على بيت المال، وأُجرة المقتصّ على وليّ الدم لو كان الاقتصاص في النفس، وعلى المجنيّ عليه لو كان في الطرف، ومع إعسارهما استدين عليهما، ومع عدم الإمكان فمن بيت المال. ويحتمل أن تكون ابتداءً على بيت المال، ومع فقده أو كان هناك ما هو أهمّ فعلى الوليّ أو المجنيّ عليه. وقيل: هي على الجاني.(1)


قتله بالسحر أو الجماع قبلاً أو دبراً أو أوجره خمراً.

والوجه فيه ظاهر؛ لأنّه عمل محرّم، ويزيد السحر بعدم انضباطه واختلاف تأثيراته.

وعن العامّة(1)قول بأنّه إذا أوجره خمراً يوجره ماء حتّى يموت، ولو قتله باللواط اتّخذ آلة شبيهة بآلة اللواط فيصنع به مثل ذلك حتّى يموت، مراعاةً لما يمكن من المماثلة التي من المعلوم عدم وجوب مراعاتها من كلّ وجه كما عرفت، ولكن لو فعل كذلك لم يكن عليه إلّا الإثم دون الضمان؛ لأنّه مهدور الدم بالنسبة إليه.

(1) أُجرة من يقيم الحدود والتعزيرات ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيما يكون من مراتبهما المختصّة بالحكومة، ومستوفى القصاص إذا لم يستوفه الوليّ ولم يكن هناك من يتبرّع به من بيت المال؛ لأنّها من المصالح العظيمة المعدّ لها مع أصل براءة الجاني والوليّ ابتداءً، ولو لم يكن فيه مال أو كان وكان هناك ما هو أهمّ كسدّ الثغور أوالجهاد، فالأقوى - وفاقاً للمبسوط(2)- كونها على المستوفي؛


1) . الأشباه والنظائر 1: 740؛ المجموع108:20 و111، كتاب الجنايات، باب استيفاء القصاص؛ الحاوي الكبير140:12، كتاب القتل، باب القصاص بغير السيف.

2) . المبسوط 7: 108، عبارة المبسوط هکذا: «یعطی الذی یقیم الحدود ویقتصّ للناس من بیت المال أرزاقهم عندنا وعند جماعة، وإن لم یکن بیت المال... کانت الأُجرة علی المقتصّ منه عند قوم وقال آخرون: أُجرة القصاص علی المقتصّ المستوفی دون المستوفی منه وهو الأقوی».

...


لأنّه عامل له فأُجرته عليه.

وإنّما على الجاني التمكين لا الفعل والقتل، ولذا لو أراد أن يقتصّ من نفسه لم يمكّن منه إلّا بإذن الوليّ.

وما عن الخلاف(1)من كونها على المقتصّ منه؛ لأنّ هذه الأُجرة مؤونة التسليم الواجب على الجاني، فهي كأُجرة الكيّال الواجبة على البائع.

ففيه: أنّ الواجب عليه تسليم النفس لا قتل نفسه أو قطع طرفه، فإنّهما حقّ الوليّ والمجنيّ عليه، كما لا يخفى، ولذا لا يجوز للجاني قتل نفسه ولا قطع طرفه، والجواز فيهما بيد الوليّ والمجنيّ عليه.

ثمّ إن لم يكن على مذهب الخلاف للمقتصّ منه مال، فإن كان القصاص على النفس استدان الإمام على بيت المال؛ لعدم إمكان الاستدانة عليه، كما هو واضح، وإن كان القصاص على الطرف استدان على الجاني.

وأمّا على مذهب المبسوط الذي قوّيناه استدان على المستوفي مطلقاً؛ لإمكان الاستدانة عليه ولو في قصاص النفس.

هذا كلّه مع تمكّن المجنيّ عليه أو المستوفي من الأداء لكن مع التعسّر، وأمّا عدم الإمكان لهما فالاستدانة على بيت المال.


1) . على المحكيّ عنه في جواهر الكلام 42: 300 وفي الخلاف: «أُجرة من یقیم الحدود ویقتصّ للناس من بیت المال وقال الشافعي... کان علی المقتصّی منه الأُجرة وقال أبو حنیفة: علی المقتصّ، المستوفي دون المستوفی منه» دلیلنا إجماع الفرقه وأخبارهم ولأنّ الأصل براءة الذمّة» (الخلاف 5: 205 - 206، المسألة 81.

(مسألة 13): لا يضمن المقتصّ في الطرف سراية القصاص إلّا مع التعدّي في اقتصاصه، فلو كان متعمّداً اقتصّ منه في الزائد إن أمكن، ومع عدمه يضمن الدية أو الأرش، ولو ادّعى المقتصّ منه تعمّد المقتصّ وأنكره فالقول قول المقتصّ بيمينه، بل لو ادّعى الخطأ وأنكر المقتصّ منه، فالظاهر أنّ القول قول المقتصّ بيمينه على وجه، ولو ادّعى حصول الزيادة باضطراب المقتصّ منه أو بشيء من جهته، فالقول قول المقتصّ منه.(1)


وممّا ذكرناه يظهر ما في المتن من الخلط وعدم التماميّة. فتدبّر جيّداً.

عدم الضمان في قصاص الطرف مع السراية

(1) عدم ضمان المقتصّ في الطرف السراية ولو إلى النفس مع عدم التعدّي، ممّا لاخلاف ولا إشكال فيه؛ وذلك لوجوهٍ أربعة:

أحدها: الأصل.

ثانيها: لأنّه أثر فعل المقتصّ الجائز المستحقّ له والمأذون فيه، فلا ضمان عليه.

ثالثها: لأنّ السبب - أي المقتصّ به العامد في الجناية على الطرف - أقوى من المقتصّ المباشر، فإنّه المقدّم على استحقاقه القصاص، وتضعف المباشرة بعدم العصيان.

رابعها: النصوص التي يمكن دعوى تواترها أو القطع بمضمونها علىما في الجواهر:(1)

منها: صحيح الحلبي، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «أيّما رجل قتله الحدّ أو


1) . جواهر الكلام 42: 301.

...


القصاص فلا دية له».(1)

ومنها: صحيح ابن مسلم عن أحدهما (علیهما السلام) - في حديث - قال: «ومن قتله القصاص فلا دية له».(2)

ومنها: ما عن معلّى بن عثمان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) - في حديث - قال: «من قتله القصاص أو الحدّ لم يكن له دية».(3)

ومنها: موثّق السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «من اقتصّ منه فهو قتيل القرآن».(4)

هذا على نقل الكافي ، وفي التهذيب: «من اقتص منه فمات...».(5)

ومنها: ما عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبدالله (علیه السلام) - فيحديث - قال: سألته عن رجل قتله القصاص، له دية؟ فقال: «لو كان ذلك لم يقتصّ من أحد»،


1) . تهذیب الأحکام 10: 206/813، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 18؛ الاستبصار 4: 278/1055، باب من قتله الحدّ، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 65، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث9.

2) . تهذیب الأحکام 10: 212/838، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 43؛ الفقیه 4: 74/228، باب من لا دیة له في جراح أو قتل، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 64، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث5.

3) . تهذیب الأحکام 10: 191/755، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 52؛ وسائل الشيعة 29: 65، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث 6.

4) . وسائل الشيعة 29: 64، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث2.

5) . الكافي 7: 377، باب النوادر، الحديث 19؛ تهذيب الأحكام 10: 279/1090، باب القصاص، الحدیث16.

(مسألة 14): كلّ من يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف، ومن لا يقتصّ له في النفس لا يقتصّ له في الطرف، فلا يقطع يد والد لقطع يد ولده، ولا


وقال: «من قتله الحدّ فلا دية له».(1)

ومنها: ما عن زيد الشحّام، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام)، وذكر نحو ما عن أبي الصباح الكناني.(2)

ومنها: صحيح ابن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة».(3)

وما فيه من أمر الإمام فليس فيه بأزيد من الإشعار على اعتباره، مع أنّه على اعتباره لافرق في عدم الدية بين كون القصاص بأمره أو من دون أمره، كما مرّ من أنّه على الاعتبار ليس بأزيد من التكليف.

هذا كلّه مع عدم التعدّي، وأمّا مع تعدّيه في اقتصاصه؛ بأن زاد في ماله - مثلاً - فضامن بلا خلاف ولا إشكال؛ لصدق الجناية حينئذٍ بغير حقّ، فإن اعترف به اقتصّ فيما زاد فيه بالقصاص أو الدية أو الأرش، ولو ادّعىالخطأ وأنكر المقتصّ منه فالقول قوله بيمينه.


1) . الکافي 7: 292، باب من لا دیة له، الحدیث 7؛ تهذیب الأحکام 10: 207/819، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 24؛ الاستبصار 4: 279/1056؛ باب من قتله الحدّ، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 63:29، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث1.

2) . الکافي 7: 291، باب من لا دیة له، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 207/815، باب القضاء في قتیل الزحام...، الحدیث 20؛ وسائل الشیعة 29: 63، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، ذیل الحدیث 1.

3) . تهذیب الأحکام 10: 279/1091، باب القصاص، الحدیث 17؛ وسائل الشيعة 29: 65، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 24، الحديث8.

يد مسلم لقطع يد كافر.(1)


وما في المتن من كون القول قول المقتصّ منه مع ادّعاء المقتصّ حصول الزيادة باضطراب المقتصّ منه ومن جهته، لكون ذلك الحاصل ناشئاً منه، فهو أعلم به وإن كان لا يبعد تقدّم قول المقتصّ في هذا الفرع أيضاً؛ لأنّ الاقتصاص كان فعله، فهو أعلم بفعله، ولكون قوله موافقاً مع ظاهر حال المقتصّ منه أيضاً.

(1) ما في المسألة من كلّية الأصل ممّا لا إشكال فيه؛ لعموم أدلّة القصاص في النفس والطرف، سواء اتّفقوا في الدية أو اختلفوا على القول بالاختلاف فيها.

وعن أبي حنيفة: اشتراط التساوي(1)في الدية المخالف لإطلاق الأدلّة.

وأمّا ما فيها من العكس، وهو عدم جريان القصاص في الأطراف مع عدم الجريان في النفس ففيه: أنّه لا وجه له بعد الاختلاف بينهما في الموضوع، فالدليل على عدم القصاص في النفس كقصاص الوالد بولده - مثلاً - قاصر عن إفادة عدمه في قصاص الأطراف في ذلك المورد، كما هو ظاهر.

وفي تعليقات صاحب مفتاح الكرامة في المسألة مزجاً بعبارة اللثام:

وكلّ من يجري بينهم القصاص في النفس يجري بينهم القصاص في الأطراف والجراحات، وكلّ من لا يجري القصاص بينهم في الأنفس لا يجري في الأطراف.

هذا قولنا طرداً وعكساً، كما في المبسوط.(2)وهذا ممّا لا أجد فيه خلافاً، وهو الموافق للقواعد والاعتبار.(3)


1) . المغني، لابن قدامة 9: 351، کتاب الجراح، فصل القصاص یجری بینهم... والشرح الکبیر 9: 356.

2) . المبسوط 7: 13.

3) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 115.

(مسألة 15): إذا كان له أولياء شركاء في القصاص، فإن حضر بعض وغاب بعض، فعن الشيخ 1: للحاضر الاستيفاء بشرط أن يضمن حصص الباقين من الدية. والأشبه أن يقال: لو كانت الغيبة قصيرة يصبر إلى مجيء الغائب، والظاهر جواز حبس الجاني إلى مجيئه لو كان في معرض الفرار. ولوكان غير منقطعة أو طويلة فأمر الغائب بيد الوالي، فيعمل بما هو مصلحة عنده أو مصلحة الغائب. ولو كان بعضهم مجنوناً فأمره إلى وليّه.(1) ولو كان صغيراً ففي رواية: «انتظروا الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغوا خيّروا، فإن أحبّوا قتلوا أو عفوا أو صالحوا».


قلت: موافقة العكس لهما لا بيّن ولا مبيّن، بل قد عرفت أنّ مقتضى القواعد على خلاف العكس.

وأمّا ما ذكره من الاعتبار ففيه: أنّ بين النفس والعضو اختلاف بحسب الاعتبار، فالعقلاء يرون الفرق بين النفس والعضو، وأنّ من الممكن عدم جريان القصاص بينهما في النفس دون القصاص بينهما في الأطراف.

وبالجملة؛ كلّية الأصل تامّة، وأمّا العكس فغير تامّ، والمتّبع فيه إطلاق أدلّة القصاص في الأطراف، وعلى هذا، فيقطع يد الوالد لولده ويد المسلم لقطع يد كافر ولو على القول بعدم قتل المسلم بالكافر فضلاً عن قتله به كما هو المختار. وعليه، فلا يكون هذا المثال الثاني مثالاً للممثّل كما لا يخفى.

جواز الاستيفاء مع غيبة بعض الأولياء

(1) ما عن الشيخ ; من جواز الاستيفاء للحاضر بشرط ضمان حصصالبقيّة من الدية مبنيّ على مبناه المختار لنا أيضاً، وهو عدم اعتبار إذن البقيّة مع

...


كونهم حاضرين، كما مرّ نقله منه في المسألة السابعة، فراجعها.(1)

فكما لم يكن إذن البقيّة مع حضورهم معتبراً في جواز الاستيفاء مع الضمان، فكذلك مع غيبتهم أو صغرهم أو جنونهم بل بطريق أولى.

وأمّا بناءً على اعتبار إذن البقيّة مع حضورهم، فيحتمل عدم اعتباره هنا من جهة ترتّب الضرر على الحاضر أو الكامل بالتأخير الذي هو معرض زوال الحقّ، وحبسه إلى أن يقدم الغائب ويبلغ الصبيّ ويفيق المجنون أو يموتوا ضررٌ على القاتل وتعجيل عقوبة لا دليل عليه.

نعم، فيما كانت مدّة الغيبة قصيرة فالأشبه - كما في المتن - الصبر إلى مجيء الغائب، وحبس الجاني إلى مجيئه لو كان في معرض الفرار؛ لكونه جمعاً بين الحقوق، وعدم كون الحبس مدّة قصيرة عقوبة وإضراراً محرّماً بالجاني، لكونه سبباً له، فتكون العقوبة والضررّ من ناحيته.

هذا، مع عدم البعد في كون الحبس كذلك جائزاً عند العقلاء.

وما في المتن من كون الولاية في الغائب بيد الوالي فيما تكون الغيبة غير منقطعة أو طويلة، فوجهه ولاية السلطان على القصّر والغيّب وفي المجنون لوليه؛ قضاءً لعموم ولايته، وعلى هذا كان على المتن إلحاق الصغير بهم أيضاً.

ثمّ إنّ ذلك كلّه مربوط بما كان بعض الأولياء حاضراً وبعضهم غائباً أو قاصراً بالصباوة أو الجنون.

وقد عرفت أنّ للحاضر أو الكامل - على المختار من عدم اعتبار إذنالجميع - جواز الاستيفاء.


1) . مرّ في الصفحة 513.

...


وعلى القول الآخر ففيه ما مرّ؛(1)من الاحتمالين، ومن الأشبه على ذلك المبنى.

فيما إذا كان الوليّ صغيراً أو مجنوناً

وإن كان الوليّ صغيراً أو مجنوناً، ففيه وجوهٌ، بل أقوالٌ ثلاثة:

أحدها: أنّ للوليّ الولاية على القصاص مع رعاية المصلحة أو عدم المفسدة، كما هو المحكيّ عن الفاضل في الإرشاد(2)وحجر القواعد ،(3)وولده في الإيضاح هنا(4)وفي الحجر،(5)والشهيدين في الحواشي(6)والروضة(7)و المسالك ،(8)والكركي في حجر جامع المقاصد،(9)والكاشاني في المفاتيح؛(10)قضاءً لعموم أدلّة الولاية، من العمومات الآمرة بالبرّ والإحسان،(11)وعمل المعروف،(12)والمسارعة إلى المغفرة(13)وغيرها.


1) . مرَّت في الصفحة 514.

2) . على المحكيّ عنه في جواهر الكلام 42: 303؛ وراجع: إرشاد الأذهان 2: 199.

3) . قواعد الأحكام 2: 135.

4) . إيضاح الفوائد 4: 653.

5) . إيضاح الفوائد 2: 52.

6) . غاية المراد 4: 325.

7) . الروضة البهيّة 10: 96.

8) . مسالك الأفهام 15: 239.

9) . جامع المقاصد 5: 187.

10) . مفاتيح الشرائع 2: 140.

11) . المائدة (5): 2 و93؛ النحل (16): 90.

12) . آل عمران (3): 104؛ الحجّ (22): 41.

13) . آل عمران (3): 133؛ الحديد (57): 21.

...


فكما أنّ له التصرّف في مال المولّى عليه بالمعاملة، بل في نفسه أيضاً كجعله أجيراً مثلاً، فكذلك له التصرّف في حقّه القصاص من قتله القاتل أو العفو بدية أو أزيد مع رعاية المصلحة للمولّى عليه.

نعم، ليس له العفو مجّاناً إلّا مع كونه ذا مصلحة للطفل بأزيد من مصلحة الدية، وهذا وإن كان نادراً لكنّه على فرض تحقّقه يكون جائزاً.

وليس له العفو لما في العفو من الخيرية والمصلحة؛ لأنّها غير مربوطة بالمولّى عليه، بل إنّما تكون ثابتة لأصل العفو وترغيباً لمن له القود بنفسه كالكامل، أي البالغ العاقل الرشيد.

ثانيها: ما عن الشيخ في الخلاف و‌المبسوط من أنّه ليس للوليّ الاستيفاء، ولابدّ من الصبر إلى أن يبلغ الصبيّ أو يفيق المجنون أو يموتا، ويحبس القاتل حتّى يبلغ الصبيّ ويفيق المجنون، مقدّمة لحفظ حقّهما وجمعاً بين مصلحة العيش والاستيثاق، بل عنه في الخلاف،(1)وعن ظاهر المبسوط:(2)الإجماع عليه، كما في الجواهر. وفيه أيضاً:

لعلّه لعدم ثبوت الولاية على مثل ذلك ممّا لا يمكن تلافيه، كالعفو عن القصاص ولو على مال والطلاق والعتق، فهو على استحقاقه بعد الكمال.(3)وفيه: لا دليل على تقييد الولاية بما يكون قابلاً للجبران والتلافي حتّى يتمّ هذا


1) . الخلاف 5: 179- 181، المسألة 43.

2) . المبسوط 7: 55.

3) . جواهر الكلام 42: 303.

...


الوجه أوّلاً، وأنّ عفوه على المال من الدية أو الزائد عليها جبران للقصاص وتلاف له ثانياً؛ لأنّ المال يكون عوضاً عن القصاص، مثل الثمن المقابل للمثمن في معاملة الوليّ على مال المولّى عليه. فكيف ذكره في أمثلة ما لا يمكن تلافيه.

هذا، مع أنّ ما في حبس القاتل خصوصاً في المجنون الذي لا ترجى إفاقته ضررٌ وتعجيل عقوبة لا دليل عليهما، بل لكونهما ضرراً وظلماً وعدواناً عليه محرّم غير جائز.

ثالثها: أنّ له العفو على مال مع استحقاق الصغير والمجنون القصاص بعد كمالهما، وهو المحكيّ عن المبسوط(1)أيضاً.

ففي اللثام:

ولذا قال المبسوط: إنّ للوليّ العفو عن القصاص على مال؛ لأنّ المولّى عليه إذا كمل كان له القصاص.(2)

والوجه في ذلك العمل بأدلّة الولاية المقيّدة بما فيه الجبران والجمع بين حقوق القاتل ووليّ الدم، وأنّ المال في المورد كالمال في بدل الحيلولة، فكما أنّ الضمان فيه مقيّد بالحيلولة وبارتفاعها ورفع الحائل عن العين المضمونة يرجع المال إلى الضامن، فكذلك المورد، كما لا يخفى.

وفيه: - مضافاً إلى ما مرّ من عدم الدليل على تقييد الولاية بما يكون فيه القدرة على الجبران - فإنّ أدلّتها عامّة، وأنّ أخذ المال من القاتل على ذلكالنحو ضررٌ عليه، فلا يجوز إجباره عليه.


1) . المبسوط 7: 55.

2) . كشف اللثام 11: 151.

...


هذا، مع أنّ العفو كذلك موجب لحرج التحيّر عليه، فإنّه لا يدري ما يفعل به في الغد، وذلك حرج، فجواز العفو كذلك استناداً إلى الجمع بين الحقوق على تسليمه منفيّ بقاعدتي نفي الضرر والحرج.

هذا كلّه بحسب القواعد، وقد ظهر أنّ الأقوى بحسبها من الوجوه والأقوال الثلاثة، الأوّل.

وأمّا بحسب الرواية فليس في المسألة إلّا رواية واحدة، وهي:

معتبرة إسحاق ابن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (علیهما السلام): «أنّ عليّاً (علیه السلام) قال: انتظروا بالصغار الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغوا خيّروا، فإن أحبوا قتلوا أو عفوا، أو صالحوا».(1)

ودلالتها على عدم جواز الاستيفاء ولزوم الصبر إلى بلوغهم ظاهرة، إلّا أنّها مخالفة للقواعد؛ لأنّ حفظ القاتل عن الفرار ليس إلّا بالحبس إلى بلوغهم وإن كانت المدّة إلى بلوغهم طويلة، وذلك ضرر على القاتل وعقوبة زائدة عليه، فكيف يصار إليه؟!

وتوهّم أنّه يمكن حفظ القاتل عن الفرار بأخذ التعهّد والوثيقة الماليّة منه، مدفوعٌ بأنّه غير مانع عن فراره ونجاة نفسه من القصاص الموجب لتضييع حقوق الصغار في القصاص.

نعم، حملها على ما كانت المدّة قليلة بحيث تكون مدّة الحبس قصيرة لا بأس به؛


1) . تهذیب الأحکام 10: 176/690، باب القضاء في اختلاف الأولیاء، الحدیث 5؛ الاستبصار 4: 265/966، باب أنّه لیس للنساء عفو ولا قود، الحدیث 9؛ وسائل الشيعة 29: 115، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب53، الحديث 2.

(مسألة 16): لو اختار بعض الأولياء الدية عن القود فدفعها القاتل، لم يسقط القود لو أراد غيره ذلك، فللآخرين القصاص بعد أن يردّوا على الجاني نصيب من فاداه من الدية؛ من غير فرق بين كون ما دفعه أو صالح عليه بمقدار الدية أو أقلّ أو أکثر، ففي جميع الصور يردّ إليه مقدار نصيبه، فلو كان نصيبه الثلث يردّ إليه الثلث ولو دفع الجاني أقلّ أو أكثر، ولو عفا أو صالح بمقدار وامتنع الجاني من البدل، جاز لمن أراد القود أن يقتصّ بعد ردّ نصيب شريكه.

نعم، لو اقتصر على مطالبة الدية وامتنع الجاني، لا يجوز الاقتصاص إلّا بإذن الجميع.

ولو عفا بعض مجّاناً لم يسقط القصاص، فللباقين القصاص بعد ردّ نصيب من عفا على الجاني.(1)


لكون الضرر قليلاً قابلاً للتحمّل، كما مرّ.

ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرناه وقوع الخلط بين المسألتين في المتن، كما أنّ ما فيه من رعاية الوالي ما هو مصلحة عنده أو مصلحة الغائب غير تامّ أيضاً، حيث إنّ اللازم رعاية مصلحة القاصر وهو الغائب فقط لا غيره.

اختيار بعض الأولياء الدية أو العفو

(1) المسألة متضمّنة لمسائل أربعة كلّها مشتركة في أنّ بعض أولياء الدم يريد القصاص وبعضهم الآخر يريد عفو الجاني مجّاناً أو صلحاً، كان الجاني مؤدّياً للمال أو ممتنعاً من أدائه، وإليك تفصيل المسائل:

وعمدتها ما إذا اختار بعض الأولياء الدية عوضاً عن القود وأجابهالجاني بالدفع أو بالذمّة، فللباقي القصاص مع أدائهم نصيب من فاداه من الدية إلى

...


الجاني على المشهور، كما في الشرائع(1)والتحرير(2)و المسالك،(3)وعن المهذّب البارع(4)والمقتصر(5)و‌ملاذ الأخیار(6)والمفاتيح،(7)بل وفي التنقيح(8)والروضة(9)و‌الرياض:(10)أنّ ثبوت القصاص للباقين هو المشهور لا نعلم خلافاً فيه، وعن المبسوط:(11)كان للباقي القصاص عندنا في عدّة من مواضعه، وفي الغنية:(12)الإجماع عليه.

وعلى تماميّة ما يقال من أنّ هذه الصورة مع صورة العفو مجّاناً من سنخ واحد، كما هو المحكيّ عن نصّ جماعة، يكثر الإجماع في المسألة، حيث إنّ الإجماع في صورة العفو إجماع على المسألة أيضاً؛ لأنّهما من سنخ واحد، فعن الخلاف (13)و الغنية (14)تعرّضهما لصورةالعفو مجّاناً وادّعائهما الإجماع


1) . شرائع الإسلام 4: 215.

2) . تحرير الأحكام 5: 493.

3) . مسالك الأفهام 15: 239.

4) . المهذّب البارع 5: 223.

5) . المقتصر من شرح المختصر: 434.

6) . ملاذ الأخيار 16: 358.

7) . مفاتيح الشرائع 2: 139.

8) . التنقيح الرائع 4: 446.

9) . الروضة البهيّة 10: 96.

10) . رياض المسائل 16: 306.

11) . المبسوط 7: 54. 55.

12) . غنية النزوع 1: 406.

13) . الخلاف 5: 153، المسألة 12.

14) . غنية النزوع 1: 406.

...


عليه صريحاً، وعن ظاهر المسالك (1)وملاذ الأخيار(2)و الرياض:(3)الإجماع عليه أيضاً.

وكيف كان، ففي مفتاح الكرامة:

ويظهر من جماعة أنّ مسألة العفو لا خلاف فيها، وإنّما الشبهة أو الخلاف فيما إذا اختار أحدهما الدية، وأوّل من فتح ذلك المحقّق في الشرائع ،(4)فإنّه قال: ما أسمعناكه فيما إذا اختار أحدهما الدية، وجزم فيما إذا عفا البعض بعدم سقوط القصاص من غير تأ‌مّل ولا نسبه إلى رواية.

وتبعه على ذلك المصنّف في المنتهى،(5)والشهيد الثاني في المسالك و‌الروضة(6)وغيرهما،(7)فنسب في المسالك(8)مسألة العفو إلى الأصحاب ومسألة اختيار الدية إلى المشهور.

والحاصل، أنّ المحقّق في الشرائع في مسألة ما إذا اختار بعضهمالدية وأجاب القاتل نسب سقوط القود إلى الرواية، وتبعه على ذلك المصنّف


1) . مسالك الأفهام 15: 241.

2) . ملاذ الأخيار 16: 359.

3) . رياض المسائل 16: 307.

4) . شرائع الإسلام 3: 215.

5) .کذا في مفتاح الکرامة، ولکن ما عثرت علی ذلك لأنّه لیس في المنتهی کتاب الحجر والقصاص والدیات.

6) . مسالك الأفهام 15: 241؛ الروضة البهيّة 10: 95.

7) . غاية المراد 4: 325.

8) . مسالك الأفهام 15: 240 و241.

...


في المنتهى، والشهيد الثاني في المسالك والروضة.

ونحن قد تتبّعنا أخبار الباب فوجدنا الأخبار الدالّة على سقوط القود إنّما هي في صورة ما إذا عفا بعضهم، وليس في الباب خبر ولا أثر يدلّ على سقوط القود إذا اختار بعضهم الدية بمنطوقه ولا بمفهومه، فكان الواجب على المحقّق وغيره أن يعكسوا الأمر، كما هو واضح.(1)

واستدلّ للمشهور بوجوهٍ:

أحدها: الإجماع، والمستدلّ به اللثام.(2)

ثانيها: قوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَليِّه سُلْطاناً،(3)فإنّ مقتضى إطلاقه ثبوت الولاية للأولياء مع أخذ البقيّة الدية ومع عدمه.

ثالثها: صحيحة أبي ولّاد الحنّاط، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن رجل قتل وله أُمّ وأب وابن؟ فقال الابن: أنا أريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب: أنا أعفو، وقالت الأُمّ: أنا أريد أن آخذ الدية، قال: فقال: «فليعط الابنُ أُمّ المقتول السدس من الدية، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذي عفا وليقتله».(4).

والمستفاد منها عرفاً تقدّم مريد القصاص على مريد العفو ومريد أخذ الدية، بل


1) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 98.

2) . كشف اللثام 11: 151.

3) . الإسراء (17): 33.

4) . الکافي 7: 356، باب الرجل یقتل وله ولیّان...، الحدیث 2؛ الفقیه 4: 105/353، باب الرجل یقتل فيعفو بعض أولیائه...، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 175/686، باب القضاء في اختلاف الأولیاء، الحدیث 1، مع تفاوت یسیر؛ وسائل الشيعة 29: 113، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب52، الحديث1.

...


تكون من أخبار المسألة أيضاً، فإنّ الأُمّ والأب فيها مريدة للدية فدلالتها أوضح، وطلب الدية من الجاني ملازم مع قبوله، فلا فرق بينه وبين ما أجاب القاتل بالدية وهو المفروض في المسألة، كما لا يخفى.

وبالجملة؛ دلالتها على المشهور كسندها تامّة، ولقد أجاد المسالك (1)في ذكرها في عداد الأدلّة، وما وجدت غيره استدلّ بها.

رابعها: مرسلة جميل بن درّاج، عن بعض أصحابه، رفعه إلى أمير‌المؤمنين(علیه السلام) في رجل قتل وله وليّان، فعفا أحدهما وأبى الآخر أن يعفو، قال: «إن أراد الذي لم يعف أن يقتل، قتل وردّ نصف الدية على أولياء المقتول المقاد منه».(2)

ومورد السؤال فيها وإن كان عفو البقيّة، لكنّها دليل على محلّ البحث أيضاً من جهة ترك الاستفصال في جوابه (علیه السلام)، فتكون شاملة لعفو البعض مجّاناً ولعفوه مع المال.

والظاهر أنّ نظر المجمع(3)في وجه الاستدلال بها ما بيّناه من ترك الاستفصال، وإلّا فلا عموم فيها حتّى تكون شاملة لما نحن فيه.

خامسها: أصالة بقاء الحقّ، حيث إنّ حقّ القصاص لمريد القصاص قبل جواب


1) . مسالك الأفهام 15: 240.

2) . الکافي 7: 356، باب الرجل یقتل وله ولیّان...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 177/694، باب القضاء في اختلاف الأولیاء، الحدیث 9؛ الفقیه 4: 105/352، باب الرجل یقتل فيعفو بعض أولیائه...، الحدیث 1، مع تفاوت في بعض ألفاظ الروایة؛ وسائل الشيعة 29: 113، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب52، الحديث2.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 13: 432.

...


الجاني بالدية والمال للمريد لها من الأولياء كان ثابتاً له قطعاً يستصحب بقاءه إلى بعد الجواب.

ولا يخفى عليك أنّ العمدة من الوجوه الخمسة الثاني، ثمّ بعدها الثالث، ثمّ بعدها الرابع، وأمّا الخامس فمنوط بعدم الدليل، فمع عدمه جارٍ وتامّ، وأمّا الأوّل ممنوع وجوداً وحجّة، كما لا يخفى.

وما في المتن من أنّ المردود إلى الجاني نصيب من فاداه وإن كان ما دفعه إلى من فاداه أكثر أو أقلّ من سهمه أو مساوياً له هو الموافق للاعتبار؛ لأنّه قد ملك من نفسه بمقدار نصيب العافي، سواء صالحه بأكثر أو أقلّ من نصيبه أو مساوياً له.

هذا كلّه مع جواب الجاني بالمال، وهو العمدة من الصور، ومثلها بل أولى منها بجواز القصاص لمن أراده من الأولياء ما لو امتنع الجاني من الأداء بعد ما وقع العفو والصلح معه على مقدار من المال، فإنّه بعد ما كان له القصاص مع أداء الجاني المال فمع عدمه بطريق أولى. نعم، لابدّ له من أداء سهم العافي من الدية إليه.

وأمّا لو اقتصر بعض الأولياء على مطالبته بالدية وامتنع الجاني، فالظاهر جواز الاقتصاص لمريده من الأولياء مع ردّ حصّة المطالب بها؛ لما مرّ(1)من عدم اعتبار إذن الجميع في القصاص، غاية الأمر أنّ المستوفي للقصاص يضمن حصص البقيّة من الدية.

وما في المتن من عدم الجواز في هذه الصورة مبني على مبناه في تلك المسألة.


1) . مرّ في الصفحة 546.

...


هذا كلّه في صور العفو مع عدم كونه مجّانيّاً، وأمّا صورة المجّانيّة منه، وهو المذكور في المتن في آخر المسألة، فجواز الاستيفاء فيها لغير العافي، وعليه الإجماع محصّلاً ومنقولاً مستفيضاً، كما يظهر لمن راجع الإجماعات المنقولة في الصورة الأُولى، ومرّ الكلام فيها في تلك الصورة.

ويدلّ عليه آية السلطنة: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(1)

وصحيحة أبي ولّاد،(2)ومرسلة جميل،(3)من أدلّة الجواز لصورة العفو مع عدم مجّانيّته، ودلالتهما على جواز الاستيفاء في هذه الصورة واضحة كالدلالة في تلك الصورة فغير محتاجة إلى البيان، لكنّ الأخبار المستفيضة التي تبلغ عددها الخمسة تدلّ على سقوط حقّ القصاص عن البقيّة في هذه الصورة:

أحدها: صحيح عبدالرحمن بن الحجّاج - في حديث - قال: قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): رجلان قتلا رجلاً عمداً وله وليّان فعفا أحد الوليين؟ قا ل: فقال: «إذا عفا بعض الأولياء درئ عنهما القتل، وطرح عنهما من الدية بقدر حصّة من عفا، وأَدّيا الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا».(4)

ثانيها: صحيح زرارة، عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجلين قتلارجلاً عمداً وله وليّان فعفا أحد الوليين؟ فقال: «إذا عفا عنهما بعض الأولياء درئ عنهما القتل، وطرح


1) . الإسراء (17): 33.

2) . تقدّم تخریجها في الصفحة 549.

3) . تقدّم تخریجها في الصفحة 550.

4) . الکافي 7: 358، باب الرجل یقتل وله ولیّان...، الحدیث 8؛ تهذیب الأحکام 10: 176/688، باب القضاء في اختلاف الأولیاء، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 115، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب54، الحديث1.

...


عنهما من الدية بقدر حصّة من عفا، وأدّيا الباقي من أموالهما إلى الذي لم يعف»، وقال: «عفو كلّ ذي سهم جائز».(1)

ثالثها: خبر إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (علیهما السلام): «أنّ عليّاً (علیه السلام) كان يقول: من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه فعفوه جائز وسقط الدم وتصير دية، ويرفع عنه حصّة الذي عفا».(2)

رابعها: موثّق أبي مريم، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «قضى أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في من عفا من ذي سهم فإنّ عفوه جائز، وقضى في أربعة إخوة عفا أحدهم، قال: يعطي بقيّتهم الدية، ويرفع عنهم بحصّة الذي عفا».(3)

خامسها: مرسلة الفقيه، قال: قد روي أنّه: «إن عفا واحد من الأولياء ارتفع القود».(4)

وهذه الأخبار قد أعرض عنها الأصحاب فليست بحجّة وإن كانتمستفيضة، وفيها الصحيح والموثّق، فإنّ الخبر المعرض عنه يقال فيه: كلّما إزداد قوّة


1) . الکافي 7: 357، باب الرجل یقتل وله ولیّان...، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 116، أبواب القصاص في النفس، الباب54، الحديث3.

2) . تهذیب الأحکام 10: 177/695، باب القضاء في اختلاف الأولیاء، الحدیث 10؛ الاستبصار 4: 264/992، باب أنّه لیس للنساء عفو ولا قود، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 116، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب54، الحديث4.

3) . الکافي 7: 357، باب الرجل یقتل وله ولیّان...، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 177/693، باب القضاء في اختلاف الأولیاء، الحدیث 8؛ الاستبصار 4: 262/989، باب أنّه لیس للنساء عفو ولا قود، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 115، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب54، الحديث2.

4) . الفقیه 4: 105/355، باب الرجل یقتل فيعفو بعض أولیائه...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 117، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب54، الحديث5.

...


إزداد ضعفاً، وحملها جماعة على التقيّة.

قال في ملاذ الأخيار:(1)هو الأظهر حمله على التقيّة؛ لاشتهار ذلك بين العامّة، وحملت أيضاً على الاستحباب.

وحملها الشيخ في الاستبصار على ما «إذا لم يؤدّ من يريد القود إلى أولياء المقاد منه مقدار ما عفى عنه؛ لأنّه متى لم يؤدّ ذلك لم يكن له القود على حالٍ».(2)

وتوهّم: عناية مثل الشرائع بتلك الأخبار لاستناده في سقوط القصاص إلى الرواية، وليس في الأخبار ما يدلّ على ذلك إلّا تلك الأخبار، والمسألتان من سنخ واحد، كما عليه جماعة، فالإعراض المسقط غير ثابت.

مدفوعٌ: بأنّ المظنون - إن لم يكن المقطوع - عدم كون مراده من الرواية تلك الأخبار؛ لأنّه أفتى بالجزم على عدم سقوط القود والقصاص عن البقيّة مع العفو المجاني عن بعض الأولياء، مع أنّه المورد لتلك الأخبار، كما عرفت.

ففي الشرائع:

ولو عفا البعض لم يسقط القصاص، وللباقين أن يقتصّوا بعد ردّ نصيب من عفا على القاتل.(3).

والمسألتان ليستا من سنخ واحد؛ لما عرفت من الإجماع وعدم الخلاف، والجزم بالجواز في هذه الصورة دون الصورة الأُولى، وممّا في مثل الشرائع من نسبة سقوط القود إلى الرواية وعدم السقوط إلى الشهرة في الصورة الأُولى.


1) . ملاذ الأخيار 16: 359.

2) . الاستبصار 4: 263/990، باب أنّه ليس للنساء عفو ولا قود، ذيل الحديث 4.

3) . شرائع الإسلام 4: 215.

(مسألة 17): إذا اشترك الأب والأجنبيّ في قتل ولده، أو المسلم والذمّي في قتل ذمّي، فعلى الشريك القود، لكن يردّ الشريك الآخر عليه نصف ديته، أو يردّ الوليّ نصفها ويطالب الآخر به. ولو كان أحدهما عامداً والآخر خاطئاً، فالقود على العامد بعد ردّ نصف الدية على المقتصّ منه، فإن كان القتل خطأً محضاً فالنصف على العاقلة، وإن كان شبه عمد كان الردّ من الجاني. ولو شارك العامد سبع ونحوه يقتصّ منه بعد ردّ نصف ديته.(1)


اشتراك الأب في قتل ولده مع الأجنبيّ

(1) الجامع بين الصور المذكورة في المسألة كون أحدهما ممّن عليه القصاص لو كان منفرداً دون الآخر الذي لاقصاص عليه؛ لعدم الشرط، أو وجود المانع، أو لعدم العمد، أو لكونه سبعاً ونحوه وإن كان عليه(1)أو على عاقلته نصف الدية للمقتصّ منه.

كما أنّه يجوز لوليّ الدم ردّ النصف إليه وأخذه من ذلك الآخر الذي عليه نصف دية المقتصّ منه من نفسه أو عاقلته. نعم، فيما كان المشارك السبع ردّ النصف إلى المقتصّ منه على الوليّ ومستقرّ عليه، كما لا يخفى.

والحكم في جميع الصور ثبوت القصاص لوليّ الدم لمن كان عليه القصاص إن كان منفرداً بلا إشكال، بل لاخلاف فيه منّا؛ لإطلاق قوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(2)ولأنّ البناء على تغليب القصاص فيالموارد المختلفة نصّاً وفتوىً.

فكما تنقسم الجناية بتعدّد الأولياء كذا تنقسم بتعدّد الجاني، وكما لا يمنع عفو


1) . الضمير في «عليه» راجع إلى «الآخر».

2) . الإسراء (17): 33.

(مسألة 18): لا يمنع الحجر (1) - لفلس أو سفه - من استيفاء القصاص، فللمحجور عليه الاقتصاص، ولو عفا المحجور عليه لفلس على مال، ورضي به القاتل، قسّمه على الغرماء كغيره من الأموال المكتسبة بعد حجر الحاكم جديداً عنه، والحجر السابق لا يكفي في ذلك، وللمحجور عليه العفو مجّاناً وبأقلّ من الدية.


بعض الأولياء الباقين عن القصاص كذا لا يمنع عدم تعلّق القصاص ببعض الجانين تعلّقه بالباقي ووجوب ردّ نصف الدية على المقتصّ منه إنّما يكون لشركة الآخر في القتل فإنّها وإن لم تكن موجبة للقصاص عليه؛ لكونه والداً مثلاً، إلّا أنّ ذلك لا يرفع ضمان النصف المقتصّ منه الذي ليس عليه إلّا نصف بمقتضى الشركة، هذا كلّه حكم أصل المسألة. ثمّ إنّ مثالية جميع الأمثلة مبتنية على المبنى في شرائط القصاص، كما أنّ مافيها من الدية على العاقلة أيضاً مبتنية على ذلك في الديات، فتدبّر ليظهر لك الحقّ فيهما في الأمثلة من الحقّ في المبنيين.

(1) الوجه في عدم مانعيّة الحجر للفلس أو السفه عن الاستيفاء هو اختصاص الحجر عليهما بالمال، والقصاص ليس منه حتّى على المختار من أنّ الواجب في العمد أحد الأمرين، فإنّ ذلك لا يجعله مالاً، بل لا يجب عليه معيّناً حتّى على المختار، اختيار الدية، إذ هو تكسّب لا يجب عليه، كما أنّه ليس استيفاؤهما القصاص تصرّفاً مالياً كي يمنعا منه. نعم، لو عفا المفلّس على مال أقلّ من الدية أو أكثر أو مساو ورضي القاتل، قسّمه على الغرماء كغيره من الأموال التي يكتسبها، ولهما العفو مجّاناً فضلاً عن العفو على الأقلّ من الدية؛ بناءً على عدم وجوب غير القود بقتل العمد.

أمّا على المختار من أنّ الواجب أحد الأمرين، فالمتّجه عدم جواز عفوهما عن المال؛ لكونه أمراً ماليّاً غير جائز منهما، كما هو واضح.

(مسألة 19): لو قتل شخص وعليه دين، فإن أخذ الورثة ديته صرفت في ديون المقتول ووصاياه كباقي أمواله؛ ولا فرق في ذلك بين دية القتل خطأً، أو شبه عمد، أو ما صولح عليه في العمد؛ كان بمقدار ديته أو أقلّ أو أكثر، بجنس ديته أو غيره.(1)


صرف الدية في ديون المقتول

(1) في المتن إشارة إلى وجه صرف الدية في ديون المقتول ووصاياه قبل الإرث، وهو التشبيه بباقي أمواله، فإنّ الدية كباقي أمواله على الأظهر الأشهر بل المشهور، بل نفي عنه الخلاف في مجمع الفائدة والبرهان(1)والكفاية(2)وقواعد الأحكام،(3)وفي السرائر(4)و‌المهذّب:(5)الإجماع عليه، لكن في دية الخطأ خاصّة، وهو الحجّة مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة.

ففي صحيح ابن مسلم: قال: قلت له: رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله ثلث أو ربع، فقتل الرجل خطأ - يعني الموصي - فقال: «تجاز لهذا الوصيّة من ميراثه ومن ديته».(6).

وفي صحيح ابن قيس، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «قضى أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في رجل أوصى لرجل وصيّة مقطوعة غير مسمّاة من ماله ثلثاً، أو ربعاً أو أقلّ من ذلك أو أكثر،


1) . مجمع الفائدة والبرهان 11: 511.

2) . كفاية الأحكام 2: 802.

3) . قواعد الأحكام 3: 626.

4) . السرائر 2: 49.

5) . المهذّب 2: 163.

6) . تهذيب الأحكام 9: 207/822، باب وصیّة من قتل نفسه...، الحدیث3؛ الکافي 7: 63، باب النوادر، الحدیث 21، ومثله عن محمّد بن قيس في وسائل الشيعة 19: 285، كتاب الوصايا، الباب 14، الحديث 1.

...


ثمّ قتل بعد ذلك الموصي فودي، فقضى في وصيّته، أنّها تنفذ من ماله ودِيته كما أوصى».(1)

وفي صحيح يحيى الأزرق، عن أبي الحسن (علیه السلام) في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالاً فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟ قال: «نعم»، قلت: وهو لم يترك شيئاً، قال: «إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».(2)ونحوه خبر عبد الحميد بن سعيد، قال: سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام)... إلى آخره.(3)

وانجبار ضعف رواية عبد الحميد بن سعيد والحكم باعتبارها من جهة رواية صفوان بن يحيى الذي يكون من أصحاب الإجماع عنه، إنّما يتمّ على بعض الاحتمالات في أصحاب الإجماع.

لكنّ الأمر سهلٌ مع وجود الروايات الصحيحة وإطلاق الثلاثة الأخيرة، بل عمومها الناشئ من ترك الاستفصال، مضافاً إلى النصّ الصريح المرويّ في الفقيه عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن بن موسى بن جعفر (علیهما السلام)، وفيه قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه قاتله علىالدية فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ فقال: «بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياءه، فإنّه أحقّ بديته من غيره».(4)


1) . تهذیب الأحکام 9: 207/823، باب وصیّة من قتل نفسه...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 19: 286، كتاب الوصايا، الباب 14، الحديث 3.

2) . تهذیب الأحکام 9: 167/681، باب الإقرار في المرض، الحدیث 27؛ الفقیه 4: 167/584، باب قضاء الدین من الدیّة، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 19: 336، كتاب الوصايا، الباب 31، الحديث 1.

3) . تهذيب الأحكام 6: 192/416، باب في الديون وأحكامها، الحديث 41؛ وسائل الشيعة 365:18، أبواب الدین والقرض، الباب 24، ذیل الحدیث 1.

4) . الفقيه 4: 83 /264، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 27؛ وسائل الشیعة 29: 123، أبواب القصاص في النفس، الباب 59، الحدیث 2.

...


وفي التهذيب عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر (علیه السلام): إنّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) قال: «إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال».(1)

حجّة على عدم الفرق في ذلك بين دية الخطأ والعمد، وعليه الإجماع والفتاوى. خلافاً للحلّي(2)فخصّ الحكم بدية الخطأ؛ معلّلاً بأنّ العمد إنّما يوجب القصاص، وهو حقّ للوارث، فإذا رضي بالدية كانت عوضاً عنه، فكانت أبعد عن استحقاق الميّت من دية الخطأ. ومال إليه في الكفاية،(3)حيث استشكل في الحكم في دية العمد؛ معتذراً بما مرّ.(4)وبكون الصحيحين الأوّلين غير شاملين لدية العمد، لاختصاص أوّلهما بدية الخطأ وكون الثاني قضيّة في واقعة، فلا تعمّ.

وفيه: المنقول من قضايا عليّ (علیه السلام)، أو النبيّ (صلی الله علیه وآله) بنقل المعصومين : إطلاقه كبقيّة الإطلاقات، ولا فرق بينهما حيث إنّ نقله (علیه السلام) إنّما يكون لبيان الحكم بالعمل، ولا فرق في الإطلاق بين لسان العمل ولسان الكلام.

نعم، ما كان منقولاً بنقل غيرهم فقضيّة في واقعة، ولا إطلاق فيها؛حيث إنّ النقل لبيان التاريخ والقضيّة الواقعة، فلسان النقل لسان التاريخ ولسان القضايا الشخصيّة الاتّفاقيّة. وبذلك يظهر عدم الإطلاق في نقل المعصومين : أيضاً إذا اُحرز كونه لنقل القضيّة والتاريخ لا لبيان الحكم. فتدبّر جيّداً.

هذا، مع ما في صحيح يحيى الأزرق وخبر عبد الحميد المماثل له من الإطلاق


1) . تهذيب الأحكام 9: 377/1347، في ميراث المرتدّ ومن يستحقّ الدية من ذوي الأرحام، الحديث 16؛ وسائل الشیعة 26: 40، کتاب الإرث، أبواب موانع الإرث، الباب 14، الحدیث 1.

2) . انظر: السرائر 2: 49.

3) . كفاية الأحكام 2: 43.

4) . رياض المسائل 10: 398 و399.

...


والشمول من وجهين: من ترك الاستفصال ومن عموم العلّة.

وما في الرياض:

نعم، ربما يعضد ما ذكره من الاختصاص بدية الخطأ مفهوم القوي بالسكوني المجمع على تصحيح رواياته كما حكي: «من أوصى بثلثه، ثمّ قتل خطأً، فإنّ ثلث ديته داخل في وصيّته»،(1)فيقيّد به إطلاق الصحيحين. ويذبّ عن النصّ الصريح بضعفه بمحمّد بن أسلم الجبلي وعليّ بن حمزة البطائي.(2)

ففيه: الظاهر كون قتل الخطأ في سؤال السائل لا في كلامه (علیه السلام)؛ وذلك لتكرار نسبة القول إلى أمير‌المؤمنين (علیه السلام) في الحديث بما يكون ظاهراً فيما ذكرناه على نقل التهذيب ، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: قال أمير‌المؤمنين (علیه السلام): «من أوصى بثلثه، ثمّ قتل خطأً، قال: ثلث ديته داخل في وصيّته».(3)

بل صريح نقل الفقيه وأنّ السؤال عن أبي عبدالله (علیه السلام)، ففيه وفي خبر آخر:

سُئل أبو‌عبدالله (علیه السلام) عن رجل أوصى بثلث ماله، ثمّ قتل خطأً؟ قال: «ثلث ديته داخل في وصيّته».(4)نعم، ظاهر ما في الرياض الموافق لنقل الكافي (5)كون القيد في كلام الإمام (علیه السلام).

هذا، مع أنّه على كونه في كلام الإمام (علیه السلام) فليس بأزيد من مفهوم اللقب، ومع


1) . وسائل الشيعة 19: 285، كتاب الوصايا، الباب 14، الحديث 2.

2) . رياض المسائل 10: 398 و399.

3) . تهذيب الأحكام 9: 193/774، باب الوصيّة بالثلث وأقلّ منه وأكثر، الحديث 6.

4) . الفقيه 4: 169/589، باب الرجل يوصي من ماله لرجل بشيء ثمّ يقتل خطأ، الحديث 2.

5) . الكافي 7: 11، باب ما للإنسان أن يوصی به بعد موته و...، الحديث 7.

(مسألة 20): هل يجوز للورثة استيفاء القصاص للمديون من دون ضمان الدية للغرماء؟ فيه قولان،(1) والأحوط عدم الاستيفاء إلّا بعد الضمان، بل الأحوط مع هبة الأولياء دمه للقاتل ضمان الدية للغرماء.


أنّ شمول المفهوم للعمد حتّى يكون مقيّداً للإطلاقات موقوفٌ على الإطلاق في المفهوم الشامل للعمد وشبه العمد، وهو ممنوع كما حقّقناه في محلّه. فتأ‌مّل. فلا‌ريب ولا شبهة فيما ذكره الجماعة، وكون رأي الحلّي ضعيفاً غايته، ولذا لم يشر إليه أحد في الكتب الاستدلاليّة.

وأضعف منه القول المحكيّ عن نادر مجهول بعدم كون الدية مطلقاً كبقيّة أمواله، معلّلاً بتأخّر استحقاقها عن الحياة التي هي شرط الملك، والدين كان متعلّقاً بالذمّة حال الحياة وبالمال بعد الوفاة، والميّت لا يملك بعدها شيئاً، وإن هو إلّا اجتهاد صرف في مقابل النصوص المستفيضة المعتضدة بالإجماعات المحكيّة.

استيفاء القصاص للمديون

(1) أحدهما: الجواز، وهو لابن إدريس،(1)والمحقّق،(2)والعلّامة في المختلف(3)وفي كثير من كتبه.(4)

ثانيهما: عدمه، وهو لابن الجنيد(5)والشيخ في النهاية ،(6)وتبع‌النهاية


1) . في السرائر 2: 49.

2) . في المختصر النافع: 265.

3) . مختلف الشيعة 5: 382، المسألة 63.

4) . نظیر تحرير الأحكام 5: 496؛ وقواعد الأحكام 3: 626.

5) . لاحظ: مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 371، المسألة 22.

6) . النهاية: 309.

...


أبوالصلاح(1)والقاضي(2)وابن زهرة(3)والكيدري(4)وصفي الدين محمّد بن معد العلوي الموسوي على ما حكاه عنه غاية المراد،(5)بل في الجواهر عن الدروس: نسبته إلى المشهور،(6)بل عن الغنية:(7)الإجماع عليه.

ويستدلّ للأوّل بالأصل، وبإطلاق أدلّة القصاص، كقوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(8)وكغيره من الكتاب(9)والسنّة.(10)

وللثاني بخبر أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن الرجل يقتل وعليه دين وليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهبوا أولياءه دية القاتل فجائز، وإن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتّى يضمنوا الدين للغرماء، وإلّا فلا».(11).

وبما احتجّ به الشيخ على ما في المختلف من خبر عبد الحميد بن سعيد، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالاً، فأخذ أهله الدية من


1) . الكافي في الفقه: 332.

2) . المهذّب 2: 163.

3) . غنية النزوع 1: 241.

4) . إصباح الشيعة: 285.

5) . غاية المراد 4: 327.

6) . جواهر الكلام 42: 313؛ وراجع: الدروس الشرعيّة 3: 313.

7) . غنية النزوع 1: 241.

8) . الإسراء (17): 33.

9) . البقرة (2): 178.

10) . لاحظ: وسائل الشيعة 29: 52، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 19.

11) . تهذیب الأحکام 6: 312/861، باب من الزیادات في القضایا والأحکام، الحدیث 68؛ وسائل الشيعة 18: 365، کتاب التجارة، أبواب الدين والقرض، الباب 24، الحديث 2.

...


قاتله، أعليهم أن يقضوا الدين؟ قال: «نعم»، قال: قلت: وهو لم يترك شيئاً؟ قال:«إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا عنه الدين».(1)

وأجاب عنه بقوله:

والجواب: المنع من الدلالة على محلّ النزاع. أمّا أوّلاً، فلاحتمال أن يكون القتل خطأً أو شبهةً.

وأمّا ثانياً، فلأنّ السؤال إنّما وقع عن أولياء أخذوا الدية، ونحن نقول بموجبه، فإنّ الورثة لو صالحوا القاتل على الدية وجب قضاء الدين منها.(2).

ولقد أجاد في الجواب عن الخبر ببيان المنع من وجهين، وإن كان الأوّل كافياً فيه.

نعم، لا يصحّ الجواب عن خبر أبي بصير بشيء من الوجهين، فإنّ تجويز كون القتل خطأً وشبهةً منفي بقوله: «وإن أرادوا القود».

كما أنّ كون السؤال وقع عمّن أخذ الدية ظاهر الانتفاء أيضاً، والجواب عنه - مضافاً إلى الضعف في السند بمحمّد بن أسلم الجبلّي الواقع في سند الصدوق(3)وواحد من سندي التهذيب،(4)فإنّه ممّن اتّفق علىضعفه،(5)وبجهالة إسماعيل بن مرار وصالح بن السندي الواقفي في سند آخر للشيخ،(6)وباشتراك أبي بصير،


1) . تهذيب الأحكام 6: 192/416، باب في الديون وأحكامها، الحديث41.

2) . مختلف الشيعة 5: 399، المسألة 15.

3) . الفقيه 4: 119/411، باب الرجل يقتل وعليه دين، الحديث 1.

4) . تهذيب الأحكام 10: 314/1170، باب من الزيادات، الحديث 11؛ وسائل الشيعة 29: 122، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 59، الحديث 1.

5) . انظر: معجم رجال الحديث 16: 86، الرقم 10255 - 10257؛ رجال النجاشي: 368، الرقم 999.

6) . شرح مشيخة تهذيب الأحكام 10: 83.

...


وبكونه موافقاً للعامّة - أنّه مختلّ المتن باعتبار فرقه بين الهبة وبين القود، فجوّز للوارث الأوّل دون الثاني، وهما معاً مشتركان في تفويت حقّ الدين، وباعتبار قوله(علیه السلام) فيه: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء» المناسب لتفريع عدم جواز الهبة.

كما وقع التفريع كذلك في خبره الآخر أيضاً المرويّ في التهذيب والفقيه، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل قتل وعليه دين وليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمن الدية للغرماء، وإلّا فلا».(1)

ومع هذه المحاذير ليس بحجّة في نفسه، فضلاً عن كونه موجباً للخروج عن عموم الأدلّة وإطلاقها، كما اعترف المحقّق بذلك في النكت(2)بعد بيانه الضعف في السند والموافقة للعامّة فقط، فكيف بما ذكرناه من الزيادة عليهما بالاختلال في المتن؟!

هذا، مع معارضته مع ذلك الخبر المرويّ في التهذيب والفقيه في مورد هبة القاتل، بل وخبره الثالث المرويّ عن الفقيه أيضاً عن أبي الحسن موسى بن جعفر(علیهما السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك! رجل قتل رجلاًمتعمّداً أو خطأً وعليه دين ومال وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل؟ فقال: «إن وهبوا دمه ضمنوا الدین»، قلت: فإن هم أرادوا قتله؟ فقال: «إن قتل عمداً قتل قاتله وأدّى عنه الإمام الدين من سهم الغارمين»، قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه قاتله على الدية، فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ فقال: «بل يؤدّوا دينه


1) . تهذيب الأحكام 10: 180/703، باب القضاء في اختلاف الأولياء، الحديث 18؛ وفيه: «هم الغرماء» مکان «هم الخصماء»؛ الفقيه 4: 119/411، باب الرجل يقتل وعليه دين، الحديث 1؛ وسائل الشيعة 29: 123، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 59، الحديث 1.

2) . النهاية ونكتها 2: 29.

...


من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه، فإنّه أحقّ بديته من غيره».(1)

فإنّهما يدلاّن على الضمان في الهبة المخالف مع ما في الأوّل من جواز الهبة من دون ذكر الضمان. وما عن أبي منصور الطبرسي في كافيته(2)من حمل الخبر الأوّل لأبي بصير على ما إذا بذل القاتل الدية، فإنّه يجب حينئذٍ قبولها، ولا يجوز للأولياء القصاص إلّا بعد الضمان، فإن لم يبذلها جاز القود من غير ضمان.

ففيه: مع أنّه خرق للإجماع المركّب، أنّه لا فرق بين البذل وعدمه بالنسبة إلى عموم الأدلّة، وأنّ الحمل كذلك تبرّعي.

وفي خبر عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى (علیه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك! رجل قتل رجلاً متعمّداً أو خطأً وعليه دين و(ليس له) مال، وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل؟ قال: «إن وهبوا دمه ضمنوا ديته»، فقلت: إن هم أرادوا قتله؟ قال: «إن قتل عمداً قتل قاتله وأدّى عنه الإمام الدين من سهم الغارمين»، قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه قاتله على الدية، فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ فقال: «بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه، فإنّه أحقّ بديته من غيره».(3).

وهذا الخبر موافق لخبر أبي بصير الثاني في الضمان في الهبة ومخالف لخبره الأوّل فيها؛ لما مرّ من دلالته على جواز الهبة من دون الضمان، لكنّه مخالف لهما في القود،


1) . الفقيه 4: 83/264، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 27؛ وسائل الشيعة 29: 123، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 59، الحديث 2.

2) . هو صاحب کتاب الاحتجاج، له کتاب في الفقه لم یطبع وكتابه لم يصل إلينا، لكن حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة 5: 399، المسألة 15.

3) . تقدّم تخریجها آنفاً.

...


لدلالته على جوازه وضمان الدين على الإمام يؤدّيه من سهم الغارمين.

وقد ظهر ممّا ذكرناه وبيّناه أنّ الحقّ بحسب الصناعة القول الأوّل في القود بل وفي الهبة أيضاً؛ لما عرفت من المحاذير في الأخبار وعدم خلوّ شيء منها من المحذور، وأنّ كلّها مشتركة في الضعف في السند، لكنّ مقتضى الجمع بين الحقوق الثاني، إلّا أنّه دراية رفع اليد عنها مشكل، وتقييد الإطلاقات بها أشكل.

فما في المتن من الاحتياط في محلّه، إلّا أن يقال: الظاهر التفصيل بين ما كان المقتول مقصّراً في أداء الدين من جهة الإفراط والتفريط، وبين ما لم يكن كذلك بعدم جواز القصاص أو العفو إلّا مع ضمان الدين في الأوّل دون الثاني، وذلك لكون جواز القصاص أو العفو مقيّداً بما لم يكن فيه حرج وضرر ومشقّة وعذاب للمقتول، فإنّ أدلّة نفي الحرج والضرر كما تكون شاملة للدنيوي منهما فكذلك الأُخروي؛ قضاءً للإطلاق أو لإلغاء الخصوصيّة والأولويّة، حيث إنّ مقتضى مذاق الشرع عدم رضايته بكونه معذّباً لقصاص وليه دمه، فإنّ الدم دمه والقصاص إنّما يكون للورثة؛ لأنّهم ورثته، وإلّا فالحقّ للمقتول أوّلاً وبالذات هذا كلّه فيما كان المقتول مقصّراً في أداء الدين.

وأمّا فيما لم يكن مقصّراً في أداء الدين، فالقصاص من الوليّ ليس سبباً للضرر والحرج عليه في الآخرة بالعذاب بعدم أداء الدين؛ لعدم العذاب له بذلك، لما كان عليه من العسر وعدم القدرة على الأداء، فالله تعالى ينظر لمعسر في الآخرة، كيف وأمر عباده بالإنظار للمعسر في الدنيا: وَإنْ كَانَ ذُوعُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ،(1)فلا مانع للوليّ من القصاص مع عدم تقصير المقتول في الأداء كما لا يخفى.


1) . البقرة (2): 280.

(مسألة 21): لو قتل واحد رجلين أو أكثر عمداً على التعاقب أو معاً قتل بهم، ولا سبيل لهم على ماله، فلو عفا أولياء بعض لا على مال، كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء، وإن تراضى الأولياء مع الجاني بالدية فلكلّ منهم دية كاملة.

فهل لكلّ واحد منهم الاستبداد بقتله من غير رضا الباقين أو لا، أو يجوز مع كون قتل الجميع معاً، وأمّا مع التعاقب فيقدّم حقّ السابق فالسابق، فلو قتل عشرة متعاقباً يقدّم حقّ وليّ الأوّل، فجاز له الاستبداد بقتله بلا إذن منهم، فلو عفا فالحقّ للمتأخّر منه وهكذا؟ وجوه، لعلّ أوجهها عدم جواز الاستبداد ولزوم الإذن من الجميع، لكن لو قتله ليس عليه إلّا الإثم، وللحاكم تعزيره، ولا شيء عليه ولا على الجاني في ماله.

ولو اختلفوا في الاستيفاء ولم يمكن الاجتماع فيه فالمرجع القرعة، فإن استوفى أحدهم بالقرعة أو بلا قرعة سقط حقّ الباقين.(1)


تعدّد القتيل مع كون القاتل واحداً

(1) الأحكام المذكورة في المسألة المربوطة بتعدّد القتل، يتمّ بيانها في مسائل:

أحدها: أنّه إذا قتل الواحد جماعة ثبت لوليّ كلّ واحد منهم القود معيّناً، على المعروف، أو هو مخيّر بينه وبين الدية على مذهب القديمين المختار، بلا خلاف ولا إشكال؛ لتحقّق السبب من القاتل بالنسبة إلى كلّ واحد من المقتولين، فإنّه القاتل لهم بالضرورة والوضوح، وحينئذٍ فلا يتعلّق حقّ واحد بالآخر؛ للأصل، ولعدم الوجه له، بل يتعلّق حقّ الجميع به، فإن اجتمعوا على المطالبة بالقود فقتلوه مباشرةً منهم، أو وكّلوا من يقتله فقد استوفوا حقوقهم بلا خلاف فيه بيننا، بل ولا إشكال؛ إذ ليس لهم عليه مع مطالبة القود إلّا القود ونفسه فقط ولو على مذهب

...


القديمين فضلاً عن المذهب المعروف، كما هو الظاهر بل الواضح؛ إذ لا يجني الجاني أكثر من جنايته على نفسه. هذا، مع وجود النصّ على ذلك أيضاً، وهو صحيح ابن مسكان على نقل الشيخ;، أو مرسلة على نقل الكليني ;، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إذا قتل الرجل الرجلين أو أكثر من ذلك قتل بهم».(1)

خلافاً لما عن عثمان البتي، فإنّه قال:

يقتل بجماعتهم، فإذا قتل سقط من الديات واحدة، وكان ما بقي من الديات في تركته، يأخذها أولياء القتلی بالحصص.(2)

ولا دليل عليه، بل الأدلّة من الإجماع والقاعدة والنصّ على خلافه.

ثانيها: إن اجتمع الأولياء على الدية تخييراً أو تراضياً فلكلٍّ منهم دية كاملة؛ لاستحقاق كلّ منهم عليه نفساً كاملة بالنفس الكاملة، ولذا لو عفا أحدهم استحقّ الباقي القصاص فقط، أو هو مع الدية تخييراً على القولين، والدية المصالح بها أو المختار من كلٍّ إنّما هي على ما يستحقّه صلحاً أو تخييراً، وليس إلّا نفساً كاملة كما عرفته، فما بإزائها أو عدلها أيضاً دية كاملة إلّا أن تراضوا بالأقلّ.

ثالثها: ما لو اختلفوا فطلب بعضهم الدية والباقي القصاص، فهل لهم ذلك؟ وجهان بل قولان: أوّلهما؛ أي الجواز وأنّ لهم ذلك، هو خيرة الغنية(3)


1) . الكافي 7: 285، باب الرجل يقتل رجلين أو أكثر، الحديث1؛ تهذيب الأحكام 10: 220/867، باب الاثنين إذا قتلا واحداً أو...، الحديث 14؛ وسائل الشيعة 29: 48، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 15، الحديث 1.

2) . نقله عنه الشیخ في الخلاف 5: 183، المسألة 47؛ وراجع: المجموع 20: 86، كتاب الجنايات، باب القصاص في الجروح والأعضاء.

3) . غنية النزوع 1: 406.

...


والمختلف(1)والمسالك،(2)وهو لازم لكلّ من قال: إنّه إذا قتله أحدهما كان للآخر أخذ الدية من التركة، كأبي علي كما نقله المختلف،(3)والعلّامة في الإرشاد(4)والتحرير،(5)وعن ولده في موضعين من الإيضاح،(6)وعن السيوري في التنقيح،(7)واستشكل القواعد (8)في المسألة وفي المسألة الأُخرى؛ أي أخذ أحدهما الدية إذا قتله الآخر.

ثانيهما؛ أي عدم الجواز، ففي التعليقات على قصاص اللثام:

فهو صريح المحقّق الثاني،(9)ولازم لكلّ من قال في الفرع المذكور - أعني ما إذا قتله أحدهما - أن ليس للآخر أخذ الدية، كالمفيد في المقنعة،(10)والشيخ في النهاية(11)و‌المبسوط(12)والخلاف،(13)والطوسي في الوسيلة،(14)والقاضي في المهذّبعلى ما حُكي عنه،(15)والعجلي في


1) . مختلف الشيعة 9: 452، المسألة 130.

2) . مسالك الأفهام 15: 248.

3) . مختلف الشيعة 9: 452، المسألة 130.

4) . إرشاد الأذهان 2: 199.

5) . تحرير الأحكام 5: 497.

6) . إيضاح الفوائد 4: 626 و628.

7) . التنقيح الرائع 4: 449.

8) . قواعد الأحكام 3: 625.

9) . لم نعثر علی قول المحقّق الثاني في آثاره وتألیفاته.

10) . المقنعة: 745.

11) . النهاية: 747.

12) . المبسوط 7: 60 و61.

13) . الخلاف 5: 182، المسألة 47.

14) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 432.

15) . المهذّب 2: 469.

...


السرائر،(1)وابني سعيد في الجامع(2)والشرائع(3)في موضع منها، و‌النافع(4)في موضعين منه، والشهيد في اللمعة،(5)وفي الخلاف وظاهر المبسوط: الإجماع عليه.

لكن هذه الكتب متفاوتة في الظهور، وعبارة اللمعة أوجزها، وهي: «لو قتل حرّ حرّين فصاعداً فليس لهم إلّا قتله». وقد فهم منها الشهيد الثاني(6)أنّه لا يجوز لبعضهم المطالبة بالدية ولبعضهم المطالبة بالقصاص، وأنّه إذا قتله أحدهما ليس للآخر المطالبة بالدية، وأنّه لا يجوز قتله بواحد، إمّا الأوّل أو بالقرعة أو يتخيّر أو يأخذ الدية من ماله للباقين، فتكون بقيّة العبارات مثلها في الدلالة على ذلك، أو أوضح منها دلالة ممّا كان أوضح منها عبارة.(7)

والأقوى الأشبه بقواعد المذهب الأوّل؛ لوجوهٌ:

أ) قوله عليه السلام: «لا يبطل دم امرءٍ مسلم»،(8)واللازم من القول الثانيطلّ دم


1) . السرائر 3: 348.

2) . الجامع للشرائع: 579.

3) . شرائع الإسلام 4: 216 و192.

4) . المختصر النافع: 259 و300.

5) . اللمعة الدمشقيّة: 269.

6) . راجع: الروضة البهيّة 10: 49.

7) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 103.

8) . الکافي 7: 354، باب المقتول لا یدري من قتله، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 202/799، باب القضاء، في قتیل الزحام...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 145، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 6، الحديث 1؛ و: 149، الباب 8، الحديث 3؛ و: 153، الباب 9، الحديث 4.

...


المسلم بالنسبة إلى الوليّ المريد للدية، فإنّ الجاني قد أتلف على كلّ واحد منهم نفساً كاملة لا تعلّق لها بباقي النفوس المتلفة، وإنّما يملك الجاني بدلاً واحداً وهو نفسه، فكان لمن لم يقتصّ الدية، لتعذّر البدل، وإلّا يلزم بطلان الدم، كما لا يخفى.

ب) أنّ الوليّ لو انفرد كان له القصاص أو العفو على الدية، فكذلك الأمر مع اجتماعه مع الوليّ الآخر، ولا دليل على أنّ إرادته القصاص واختياره على التراضي بالدية مانع من حقّ الوليّ الآخر المريد للدية.

ج) فحوى ما يدلّ على الدية فيما هرب قاتل العمد ومات، وفحوى القول بالدية بموته قبل القصاص وإن لم يكن هارباً، في صحيح حريز، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل رجلاً عمداً، فرفع إلى الوالي، فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فوثب عليهم قوم فخلّصوا القاتل من أيدي الأولياء؟ قال: «أرى أن يحبس الذين خلّصوا القاتل من أيدي الأولياء حتّى يأتوا بالقاتل»، قيل: فإن مات القاتل وهم في السجن؟ قال: «إن مات فعليهم الدية يؤدّونها جميعاً إلى أولياء المقتول».(1)

د) صحيح عبدالرحمن، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل رجلين عمداً ولهما أولياء، فعفا أولياء أحدهما وأبى الآخرون؟قال: فقال: «يقتل الذي لم يعف، وإن أحبوا أن يأخذوا الدية أخذوا...»،(2)الحديث.


1) . الکافي 7: 286، باب الرجل یخلّص من وجب علیه القود، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 223/875، باب ضمان النفوس وغیرها، الحدیث 8؛ الفقیه 4: 80/252، باب القود ومبلغ الدیة، الحدیث 15؛ وسائل الشيعة 29: 49، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب16، الحديث 1.

2) . الکافي 7: 358، باب الرجل یقتل وله ولیّان...، الحدیث 8؛ تهذیب الأحکام 10: 176/688، باب القضاء، في اختلاف الأولیاء، الحدیث 3؛ الاستبصار 4: 263/991، باب أنّه لیس للنساء عفو ولا قود، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 113، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب52، الحديث3.

...


والصحيح وإن كان مربوطاً بعفو أولياء أحدهما لا أخذهم الدية المورد للبحث، لكنّ المستفاد منه عرفاً - بإلغاء الخصوصيّة وتنقيح المناط - عدم الفرق في ذلك، حيث إنّ المتفاهم من الصحيح عرفاً أنّ لكلٍّ من الأولياء ولاية مستقلّة غير مرتبطة بالآخر، وكأنّها كانت لذينك الأولياء منفردين عن الآخر، ولذلك كما للآخر القود والدية مع عفو أولياء أحدهما فكذلك له ذلك مع أخذهم الدية.

هذا، مع احتمال العموم في الحديث، قضاءً لترك الاستفصال، وكون العفو قابلاً وصادقاً مع الدية ودونها (مجّاناً).

ه) استحقاق كلٍّ من أولياء المقتولين القصاص والمقابلة بالمثل مستقلاً؛ قضاءً لعموم: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَياةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبابِ،(1)ولما لم يريد الجميع القود فلهم بدله، وهو الدية؛ حفظاً للحقوق. فتأ‌مّل.

واستدلّ للثاني بوجهين:

أ) أنّ الواجب بالأصل القصاص، والدية لا تجب إلّا صلحاً، والفرض عدمه.

وفي التعليقات بعد استدلاله بهذا الوجه أورد على ما في اللثام(2)و الرياض(3)بقوله:


1) . البقرة (2): 179.

2) . كشف اللثام 11: 161.

3) . رياض المسائل 16: 311.

...


ولا نسلّم ما ذكره الشارح وشيخنا صاحب الرياض من أنّ أحدهما لو انفرد كان له القصاص والعفو على الدية؛ لأنّهما إن أرادا أنّ ذلك - أي العفو على الدية - ثابت له بدون رضى الجاني فأوهن شيء وأوّل ممنوع، وإن أرادا مع التراضي فلا ريب فيه، والمفروض خلافه.(1)

ب) قوله (علیه السلام): «وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه».(2)

واللازم من جواز أخذ الدية من القاتل لأولياء القتيل مع مطالبة أولياء القتيل الآخر بالقصاص كونه جانياً بالزائد على نفسه، وهو الدية، وهو منفيّ بالحديث.

يرد على الأوّل أنّ ذلك الواجب بالأصل لما يكون لكلّ واحد من أولياء الجماعة المقتولين بيد القاتل الواحد، ومن المعلوم عدم إمكانه للجميع فيما لم يريدوا الاستيفاء بالاستيفاء على نحو الوحدة، فالقول بعدم جواز أخذ الدية والمطالبة بها من بعضهم موجب لتضييع الحقّ وبطلان الدم، وهو كما ترى.

وبالجملة؛ هذا الوجه لما يكون موجباً لطلّ الدم فمردود بقوله (علیهالسلام): «لا يبطل دم امرءٍ مسلم».(3)

وعلى الثاني - مضافاً إلى كونه غير تامّ في مورده، وهو قتل المرأة بالرجل؛ لما مرّ في قصاص الرجل بالمرأة وعكسه، من كون الحكم بالردّ في قتل الرجل بالمرأة دون


1) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 104.

2) . الکافي 7: 299، باب الرجل یقتل المرأة ...، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 181/707، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 4؛ الفقیه 4: 89/286، باب الجراحات والقتل...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 80، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 33، الحديث 1؛ و: 85، الباب 33، الحديث 18.

3) . تقدّم تخرجها في الصفحة 570.

...


عكسه مخالفٌ للأُصول المسلّمة العقليّة والنقليّة، فإنّ التبعيض ظلمٌ وخلافٌ للعدل كما بيّناه، ومضافاً إلى معارضته في مورده بها في خبر أبي مريم الأنصاري، قال (علیه السلام): «تقتل ويؤدّي وليّها بقيّة المال»(1)- أنّه معارض لحديث: «لا يبطل دم امرءٍ مسلم»، ويكون مقدّماً عليه في المقام، حيث إنّ عدم زيادة الجناية على نفس الجاني مربوط بحقّ الجاني وبرعاية حاله، فإنّ أخذ المال منه زائد على نفسه زيادة جناية عليه، ومخالف للنفس بالنفس، فلا يردّ مع القود على المرأة القاتلة على أولياء الرجل المقتول شيئاً من مالها، فإنّه زائد على نفسها، بل ظلمٌ في حقّها كما لا يخفى.

وهذا بخلاف عدم طلّ الدم، فإنّه مربوط بحقّ المجنيّ عليه، وأنّه لا يهدر ولا يبطل دمه بمحض عدم إمكان القصاص - مثلاً - ، بل لابدّ معه من الدية؛ حفظاً لدم المقتول ودفعاً لهدره وبطلانه.

فعلى هذا، بعد ما كان لكلّ وليّ دم من القتيل المتعدّد على القاتل حقّ القصاص على الاستقلال من باب النفس بالنفس، فالقول بعدم جواز مطالبة بعضهم الدية مع مطالبة غيرهم القصاص موجب لبطلان دمهم وطلّه، وليس أخذ الدية منه ظلماً بحاله وزيادة على جنايته على نفسه؛ لكون الأخذ مسبّباً عن زيادته في القتل والجناية، فليس بظلم ولا زائداً على نفسه،ومخالفاً لرعاية حاله، كما لا يخفى.

وبالجملة؛ مورد كلٍّ من الحديثين وما فيهما من العناية به مخالفٌ ومباينٌ للآخر،


1) . تهذیب الأحکام 10: 183/717، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 14؛ الاستبصار 4: 267/1009، باب حکم المرأة إذا قتلت رجلاً، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 85، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث17.

...


فلا تعارض بينهما، فحديث نفي الطلّ مربوط بحال المقتول، وحديث نفي الجناية الزائدة مربوطٌ بالقاتل، فكلّ واحد منهما في مقام بيان حيثيّة وجهه مستقلّة متفاوتة مع الآخر، فلا إطلاق فيهما، بحيث يشمل كلٌّ منهما مورد الآخر فيحصل التعارض. فتدبّر جيّداً.

وما في التعليقات في آخر بحثه عن المسألة من كون حديث نفي البطلان:

مقصوراً على ما إذا كان الإبطال باختيار المكلّف وبسببه، وهنا لا اختيار للجاني كما هو واضح، وإلّا فلو مات ولا مال له ولا قريب فإنّه يبطل بالإجماع، سلّمنا، لكنّ الخبر ليس صريحاً ولا ظاهراً في كون الدية في مال القاتل لِمَ لم تكن في بيت المال.(1)

ففيه: أنّ الاقتصار مخالفٌ للإطلاق، بل ولمورده من المقتول في زحام، وأنّ الظاهر كون الدية في مال القاتل، فإنّه السبب للقتل والجناية، فأيّ ارتباط له ببيت المال؟

هذا، مع أنّ كونه على بيت المال ليس من مصالح الإسلام ولا المسلمين، بل من مصالح الجاني، وهو كما ترى، ومع أنّه على تسليم عدم ظهور الحديث في كونها على الجاني فالإجماع المركّب حجّة عليه، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هذا كلّه كان بناءً على المعروف من انحصار الحقّ في القصاص وإلّا فعلى المختار من التخيير فالحكم بجواز الأخذ، وهو القول الأوّل،أوضح.

رابعها: قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ في مال الجاني الدية لغير المبادر الذي لم يستأذن من الجميع؛ قضاءً لعدم طلّ الدم، كما عرفت. وعليه، فما في المتن من قوله: «ولا


1) . مفتاح الكرامة، تعليقات على باب القصاص 11: 104.

(مسألة 22): يجوز التوكيل في استيفاء القصاص، فلو عزله قبل استيفائه فإن علم الوكيل بالعزل فعليه القصاص، وإن لم يعلم فلا قصاص ولا دية، ولو عفا الموكّل عن القصاص قبل الاستيفاء، فإن علم الوكيل واستوفاه فعليه القصاص، وإن لم يعلم فعليه الدية، ويرجع فيها بعد الأداء على الموكّل.(1)


على الجاني في ماله» تامّ على مبناه، دون المختار.

التوكيل في استيفاء القصاص

(1) لا خلاف ولا إشكال في صحّة التوكيل لاستيفاء القصاص، بل الإجماع بقسميه عليه، كغيرها ممّا تدخله النيابة ممّا جعل ذريعة إلى غرض لا يختصّ بالمباشرة، قضاءً لعموم الوكالة والعقود، كما حُقّق في كتاب الوكالة. وحينئذٍ فلو عزله قبل استيفائه القصاص ثمّ استوفى، فإن علم الوكيل بالعزل ومع ذلك استوفاه، فعليه القصاص بلا خلاف ولا إشكال؛ لأنّه صار بالانعزال أجنبيّاً، وقد تعمّد القتل ظلماً وعدواناً، وللموكّل دية مورّثه على ورثة قاتله؛ لئلّا يبطل دم مورّثه. وإن لم يكن يعلم فلا قصاص ولا دية قطعاً؛ بناءً على عدم الانعزال بالعزل ما لم يعلم، وأمّا على انعزاله بالعزل مطلقاً فعدم القصاص عليه؛ لعدم العدوان والظلم ممّا لا كلام ولا إشكال فيه، وهو صريح كلّ من تعرّض للمسألة، كالتحرير،(1)والمسالك،(2)واللثام (3)وغيرها.

وأمّا الدية، ففيها كلام يأتي في العفو؛ لوحدة المناط، وعدم الفرق بين هذه


1) . تحرير الأحكام 5: 497.

2) . مسالك الأفهام 15: 250.

3) . كشف اللثام 11: 158.

...


الصورة وصورة العفو في الوجوه والأقوال، كما سيظهر.

ولو عفا الموكّل فاستوفى الوكيل عالماً به، فهو قاتل عمد، كما هو واضح، وإن لم يكن يعلم فلا قصاص قطعاً.

وأمّا الدية ففيها احتمالات ووجوه:

أحدها: عليه الدية للمباشرة في قتل من ظنّه مباح الدم ولم يكن كذلك، وهذا يكون كمن قتل مجاهداً من المسلمين حسبه محارباً مشركاً مهدور الدم ثمّ انكشف أنّه كان مسلماً محقون الدم من دون فرق بينهما في الدية.

نعم، في المثال على بيت المال، وفيما نحن فيه على الوكيل ويرجع بها على الموكّل؛ لأنّه غرّه بالعفو عن غير علمه، وهو مختار المبسوط(1)و الشرائع(2)والتحرير(3)والمسالك (4)و الجواهر (5)والمتن.

ثانيها: عدم الضمان للدية لبطلان العفو؛ لأنّ العفو إنّما حصل عند حصول سبب الهلاك فصار كما لو عفا بعد رمي السهم، فهو كالعفو بعد الاستيفاء.

ثالثها: الضمان على الوكيل من دون المراجعة إلى الموكّل، فالضمان واستقراره كلاهما عليه؛ لعدم التعزير للموكّل، فإنّه إنّما فعل ما ندب الشرع إليه، والعفو إحسان إلى القاتل، وعدم علم الوكيل ليس من فعلالموكّل، ولا دخل له فيه، بل يكون مربوطاً بنفس الوكيل والمباشر واستقرار الضمان عليه.


1) . المبسوط 7: 58.

2) . شرائع الإسلام 4: 216.

3) . تحرير الأحكام 5: 498.

4) . مسالك الأفهام 15: 250- 251.

5) . جواهر الكلام 42: 320.

...


رابعها: التفصيل في الرجوع إلى الموكّل بعد كون أصله على الوكيل بين إمكان الإعلام وعدمه بجواز الرجوع مع الإمكان وعدمه مع عدمه، أوجهها وأقواها الثاني؛ لضعف المباشر بكونه كالآلة للموكّل، فإنّه يعمل ويستوفي القصاص نيابةً عن الموكّل لا عن نفسه، فكأنّه ما قتل الوكيل الجاني بل قتله الموكّل بالنيابة، وأنّه لو كان عالماً بعفو الموكّل ما قتله، وكأنّه ما أراد ولا اختار قتله؛ لأنّه لم يقتله عن نفسه بل قتله عن الموكّل وعن ذلك الغير، فكيف عليه الدية؟! هذا بالنسبة إلى الوكيل.

وأمّا الموكّل فلا دية عليه لما كان له حقّ القصاص، وعفوه لما يكون مجّاناً، فهو إحسان إليه، كما لا يخفى.

وما في الجواهر من الإشكال في الاستدلال على الاحتمال الثاني؛ أي عدم الدية على الوكيل بأنّ العفو: «بعد خروج الأمر من يده فيكون لغواً كعفوه بعد خروج السهم من يده - مثلاً - ، ولأنّ القتل يباح له في الظاهر فلا يتّجه التضمين به» بقوله:

واضح الفساد، إذ هما معاً كما ترى؛ ضرورة خروجه في الأوّل عن الاختيار دون الفرض، وإباحة الدم في الظاهر لا تنافي التضمين كما في نظائره.(1)

ففيه: أنّ الفرض كالأوّل في الخروج عن اختيار الوكيل، فإنّه لم يستوف القصاص لنفسه ولاختياره وإرادته، بل استوفاه للموكّل وباختياره وإرادته نيابة عنه فلا فرق بينهما. وبذلك يظهر ضعف مباشرة الوكيلأيضاً فلا يصير ضامناً،


1) . جواهر الكلام 42: 320.

(مسألة 23): لا يقتصّ من الحامل حتّى تضع حملها ولو تجدّد الحمل بعد الجناية، بل ولو كان الحمل من زنا، ولو ادّعت الحمل وشهدت لها أربع قوابل ثبت حملها، وإن تجرّدت دعواها فالأحوط التأخير إلى اتّضاح الحال، ولو وضعت حملها فلا يجوز قتلها إذا توقّف حياة الصبيّ عليها، بل لو خيف موت الولد لا يجوز ويجب التأخير، ولو وجد ما يعيش به الولد فالظاهر أنّ له القصاص. ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملاً فالدية على الوليّ القاتل.(1)


وضمانه مناف لضعف المباشرة، وبهذا يفترق المورد عن بقيّة موارد التضمين بالمباشرة مع إباحة الدم، كما لا يخفى.

هذا كلّه في عفوه مجّاناً، وأمّا لو كان عفوه على المال بالتراضي مع الجاني أو باختياره الدية على التخيير، ففيه كلام وبحث آخر من جهة دية الجاني، فهو وغيره من مباحث أُخرى مذكورة في الجواهر(1)و‌مجمع الفائدة والبرهان(2)وغيرهما، فعلى مريد البحث عن تلك المباحث والاطّلاع عليه الرجوع إلى تلك الكتب، وإنّما تركنا التعرّض لذلك لقلّة الابتلاء بمسألة الوكالة في الاستيفاء فضلاً عن أمثال تلك المباحث.

عدم جواز الاقتصاص من الحامل

(1) لا يقتصّ من الحامل حتّى تضع ولو تجدّد حملها بعد الجناية وكانمن زنا بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام:(3)الاتّفاق عليه؛ لكونه إسرافاً في القتل،


1) . جواهر الكلام 42: 321.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 139.

3) . كشف اللثام 11: 169.

...


ولغير ذلك ممّا هو واضح ومعلوم من روايات الحدود(1)وغيرها.

نعم، هو كذلك مع ثبوت الحمل بالأمارات الدالّة عليه، فإن لم يثبت ولا ادّعته فلا إشكال في القصاص منها وإن احتمل الحمل، للأصل وغيره.

فإن ادّعت الحمل وأثبتته بالحجّة الشرعيّة فلا يجوز قصاصها، وإن تجرّدت دعواها عن الحجّة قيل: لا يؤخذ بقولها؛ لأنّ فيه دفعاً للوليّ عن سلطنته مع أنّ الأصل عدمه.

ولو قيل: يؤخذ بقولها فيؤخّر حتّى يعلم حالها كان أحوط احتياطاً يلزم مراعاته، كما جزم به الفاضل في الإرشاد وولده والشهيدان والعلّامة والأردبيلي(2)على ما حكى عن بعضهم؛ لأنّ للحمل أمارات تظهر وأمارات تخفى، وهي عوارض تجدها الحامل من نفسها وتختصّ بمراعاتها على وجه يتعذّر إقامة البيّنة عليها، فيقبل قولها فيه كالحيض ونحوه ممّا دلّت عليه الأدلّة في قبول قولها فيهما، بل لعلّ قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ(3)ظاهر في تصديقها، ولا أقلّ من الشبهة المقتضية تأخير ذلك إلى أن يعلم الحال.

بل لم نجد مخالفاً صريحاً، فإنّ الشرائع(4)والفاضل في القواعد(5)والشيخ فيالمبسوط(6)


1) . وسائل الشيعة 28: 103، کتاب الحدود والتعزیرات، أبواب حدّ الزنا، الباب 16، الحديث 1، 4، 5، 6و7.

2) . إرشاد الأذهان 2: 198؛ إيضاح الفوائد 4: 629؛ الروضة البهيّة 10: 100؛ قواعد الأحكام 3: 628؛ مجمع الفائدة والبرهان 13: 421.

3) . البقرة (2): 228.

4) . شرائع الإسلام 4: 216.

5) . قواعد الأحكام 3: 628.

6) . المبسوط 7: 59.

...


وإن ذكروا أنّ الأولى الاحتياط، لكن يمكن إرادتهم الاحتياط اللازم، بل لعلّه الظاهر من عبارة الشرائع.

ثمّ إنّ الظاهر أيضاً عدم جواز قتلها بعد الوضع حتّى يشرب الصبيّ اللبأ الذي ذكر الشيخ(1)والفاضل(2)والشهيد(3)وغيرهم من أنّه لا يعيش الصبيّ بدونه وإن كان الوجدان يشهد بخلافه، كما اعترف به في المسالك ،(4)إلّا أنه يمكن أن يكون ذلك غالباً، ويكفي حينئذٍ في تأخير القتل عنها.

بل الظاهر عدم جواز قتلها أيضاً إذا توقّفت حياة الصبيّ عليها؛ لعدم وجود ما يعيش به غيرها؛ لأنّه إذا وجب الانتظار احتياطاً للحمل فبعد الوضع وتيقّن الوجود أولى، بل احتمل غير واحد القصاص عليه لو بادر إلى القصاص والحال هذه عالماً بالحال؛ لصدق قتله التسبّبي، نحو ما لو حبس رجلاً ومنعه الطعام أو الشراب حتّى مات جوعاً أو عطشاً. ويحتمل العدم؛ لعدم صدق التسبيب إلى قتله على وجه يترتّب عليه القصاص، لأنّه كمن غصب طعام رجل أو سلبه فتركه حتّى مات جوعاً أو برداً لكن يمكن حصول الغذاء له إلّا أنّه اتّفق العدم.

هذا كلّه إذا لم يوجد ما يعيش به، أمّا مع وجوده ولو من شاة أو مراضع متعدّدة يتناوبن عليه أو نحو ذلك، فالظاهر أنّ له القصاص وإن قيل:استحبّ له الصبر لئلّا يفسد خلقه ونشوؤه بالألبان المختلفة، بل ربّما احتمل العدم لذلك حتّى لو


1) . المبسوط 7: 59.

2) . قواعد الأحكام 3: 628.

3) . الروضة البهيّة 10: 100.

4) . مسالك الأفهام 15: 252.

(مسألة 24): لو قطع يد رجل وقتل رجلاً آخر تقطع يده أوّلاً ثمّ يقتل؛(1) من غير فرق بين كون القطع أوّلاً أو القتل.

ولو قتله وليّ المقتول قبل القطع أثم، وللوالي تعزيره، ولا ضمان عليه.(2)

ولو سرى القطع في المجنيّ عليه قبل القصاص يستحقّ وليّه ووليّ المقتول القصاص.(3)

ولو سرى بعد القصاص فالظاهر(4) عدم وجوب شيء في تركة الجاني.


وجدت مرضعة راتبه؛ لأنّ لبن أُمّه أوفق بطبعه وإن كان فيه منع واضح حتّى مع القول بمثله في الحدود التي مبناها التخفيف، بخلاف حقوق الناس التي لا يجوز تأخيرها مع طلب أهلها بمثل هذه الاعتبارات.

ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملاً فالدية على الوليّ القاتل لها بدون إذن الحاكم، بل ومع إذنه مع علمهما بالحال أو جهلهما أو علم القاتل دون الحاكم؛ لأنّه المباشر، وأمّا الإثمّ فعلى من علم منهما.

حكم ما لو قطع الجاني يد رجل ثمّ قتل آخر

(1) جمعاً بين الحقّين واستيفاءً لهما.

(2) للأصل، لكن كون دية اليد في تركة الجاني في مثله غير بعيد؛ لئلّا يذهب حقّ المقطوع ولا يهدر يده.

(3) لتساوي الوليّين في استحاق القتل، وصار كما لو اتّحد القاتل وتعدّد القتيل، وقد سبق حكمه.

(4) لا وجه للظهور إلّا الأصل وعدم وجود الجاني حتّى يكون ضامناً، لكنّ الظاهر لئلّا يبطل الدم ولا يبطل كون الدية في ماله.

ولو قطع فاقتصّ منه ثمّ سرت جراحة المجنيّ عليه، فلوليّه القصاص في النفس.(1)

(مسألة 25): لو هلك قاتل العمد سقط القصاص بل والدية. نعم، لو هرب فلم يقدر عليه حتّى مات، ففي رواية معمول بها: «إن كان له مال أُخذ منه، وإلّا أُخذ من الأقرب فالأقرب»، ولا بأس به، لكن يقتصر على موردها.(2)


(1) لوجود سببه، ولا ينافيه القطع السابق الواقع عوضاً عن بدله، بل لا شيء له عوضاً عنه بعد أن قطع قصاصاً وإن كان لولا الاستيفاء لدخل في النفس، كما هو واضح.

سقوط القصاص بهلاك قاتل العمد

(2) سقوط القصاص مع هلاك قاتل العمد بلا تقصير ولا تفريط منه لا إشكال ولا كلام فيه، بل قطعي وعقلي؛ لانتفاء المحلّ.

هل تسقط الدية بهلاك قاتل العمد؟

وإنّما الكلام والإشكال في ثبوت الدية في مال الجاني وسقوطها على المشهور في قتل العمد من كون الحكم فيه القصاص فقط، ففيه قولان:

الأوّل للشيخ في النهاية(1)وابن زهرة(2)مدّعياً للإجماع، والقاضي(3)والطبرسي(4)


1) . النهاية: 736.

2) . غنية النزوع 1: 405.

3) . المهذّب 2: 457.

4) . حکاه عنه في غاية المراد 4: 317؛ والمؤتلف من المختلف بين الأئمّة السلف 2: 321، المسألة50.

...


وابن‌حمزة(1)والكيدري،(2)وعليه المحقّق في النافع(3)والنكت(4)والعلّامة في القواعد(5)و‌التبصرة(6)بل و‌الإرشاد.(7)

والثاني للمبسوط، حيث قال: «وهو الذي يقتضيه مذهبنا»،(8)و‌السرائر(9)وادّعى عليه الإجماع، ولظاهر المختلف(10)والمحقّق الکرکي.(11)

ولا يتوهّم أنّ عبارة السرائر كانت في موت القاتل الهارب لا موته وهلاكه بدون الهرب؛ أي موضوع البحث هنا؛ لأنّ القول بعدم الدية في الهارب الهالك المفوّت للمعوّض مستلزم لعدمها في الهالك من دون الهرب المفوّت للمفوّض بالأولويّة.

وهذا بخلاف القول بالدية في الهارب المفوّت، فإنّه غير مستلزم للقول بها من غير الهارب الذي لا يقصر ولا دخالة له في فوت المعوّض، كما لايخفى.

وفي الشرائع: «وتردّد في الخلاف ،(12)بل لا يبعد كونه موافقاً له في التردّد، حيث


1) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 440.

2) . إصباح الشيعة: 492.

3) . المختصر النافع: 300.

4) . النهاية ونكتها 3: 365.

5) . قواعد الأحكام 3: 648.

6) . تبصرة المتعلّمين: 198.

7) . إرشاد الأذهان 2: 198.

8) . المبسوط 7: 65.

9) . السرائر 3: 330.

10) . مختلف الشيعة 9: 297- 299، المسألة 9.

11) . قواعد الأحكام 3: 638.

12) . شرائع الإسلام 4: 217.

...


اكتفى بنقل موافقة المبسوط في سقوط الدية، وتردّد الخلاف فيه، ونقل رواية أبي بصير الواردة في القاتل الهارب من دون اختيار النظر والردّ. وكيف كان، فإن جعلنا التردّد في المسألة قولاً فالمسألة ذات أقوال ثلاثة.

واستدلّ لثبوت الدية بأُمور:

أحدها: عموم قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً،(1)فإطلاق السلطنة مقتضٍ لسلطنة الوليّ على أخذ الدية مع هلاك القاتل قبل القصاص.

ثانيها: قولهم :: «لا يبطل دم امرءٍ مسلم».(2)

ثالثها: كون المورد كمن قطع يد رجل ولا يد له، فإنّ عليه الدية، فكذا في النفس.

رابعها: صحيح البزنطي، عن أبي جعفر (علیه السلام) - على كون المراد من أبي جعفر الثاني(علیه السلام) وإلّا فمرسل؛ لعدم رواية البزنطي عن الباقر (علیه السلام) - في رجل قتل رجلاً عمداً، ثمّ فرّ فلم يقدر عليه حتّى مات؟ قال: «إن كان له مال أخذ منه، وإلّا أخذ من الأقرب فالأقرب».(3).

ومثله خبر أبي بصير عن أبي عبدالله (علیه السلام)، مع زيادة التعليل بقوله (علیه السلام): «فإنّه لا يبطل دم امرءٍ مسلم».(4)


1) . الإسراء (17): 33.

2) . الکافي 7: 365، باب العاقلة، الحدیث 3؛ الفقیه 4: 124/430، باب ما جاء فیمن قتل ثمّ فرّ، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 395، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 4، الحديث 1.

3) . الکافي 7: 365، باب العاقلة، الحدیث 3؛ الفقیه 4: 124/430، باب ما جاء فیمن قتل ثمّ فرّ، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 395، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 4، الحديث 1.

4) . تقدّم آنفاً.

...


وفي الوجوه غير الثاني منها ما ترى:

أمّا الكتاب، فالسلطان فيه إنّما هو على القتل فقط لا عليه وعلى الدية؛ لما في ذيله من قوله تعالى: فَلَا يُسْرِفْ فِي القَتْلِ.(1)

وأمّا القياس على مقطوع الطرف، فالفرق واضح؛ لأنّ الثابت عليه من أوّل الأمر وحين الجناية الدية، وهذا بخلاف المورد ممّا كان الثابت من أوّل الأمر القود، والدية على ثبوتها تكون من باب البدل، فالدية في المقطوع على الأصلية، وفي المورد على البدلية فليس من مذهبنا.

وأمّا الحديثين، فموردهما الفرار الموجب لكون القاتل الهارب مفوّتاً للعوض ومقصّراً في تضييع حقّ المقتول، وهذا بخلاف المقام حيث لم يفرّ القاتل ولم يقصّر، فالاستدلال بهما على المقام غير تامّ، كما لا يخفى.

ودعوى أنّ ذكر الهرب والموت في الحديثين في السؤال لا في الجواب، بل في خبر أبي بصير لا ذكر فيه للموت في السؤال فضلاً عن الجواب، ومن هنا جعل غير واحد العنوان كالمتن الهالك، يدفعها عدم الاستقلال وعموم في الجواب، حتّى يقال: إنّ المورد غير مخصّص له، بل الجواب جواب خاصّ بالسؤال.

نعم، الاستدلال بالوجه الثاني تامّ ولا ينبغي الإشكال فيه، فإنّ حجّيّة العلّة ممّا عليها بناء العقلاء بل عليها مدار الفقه، بل الظاهر أنّ مخالفة مثل السيّد المرتضى في حجّيّة العلّة تكون مخالفة في الصغرى لا في الكبرى،فالنزاع في الحجّية لفظيّة.

وما في الجواهر من الإشكال على هذا الوجه بقوله:

وفيه أنّه ظاهر في كونه تعليلاً لتأدية الإمام (علیه السلام) له لا أصل الحكم، ولعلّه


1) . الإسراء (17): 33.

...


لذا كان ظاهر الأصحاب الاقتصار على خصوص الهارب الميّت.(1)

ففيه: أنّه على تسليم ذلك الظهور، فمربوطٌ بمثل خبر أبي بصير في المقام، لا بما في خبره عن أبي عبدالله (علیه السلام) في اليمين على مدّعي القتل: «وحكم في دمائكم أنّ البيّنة على المدّعى عليه، واليمين على من أدّعى، لئلّا يبطل دم امرءٍ مسلم».(2)

وبما ذكرناه من تماميّة الوجه الثاني يظهر الجواب عمّا استدلّ به للسقوط من الأُصول، فإنّه لامحلّ لها مع الدليل.

هذا كلّه في موت القاتل من دون الهرب والتقصير.

ثبوت الدية مع موت القاتل الهارب

وأمّا موته مع الهرب فثبوت الدية فيه على مال الجاني على المختار من التخيير أولى من الصورة السابقة، ولا نزاع فيه، كما لا يخفى.

وإنّما الكلام على المبنى المعروف ففيه خلاف أيضاً كالسابقة، فالقول بالدية للشيخ في النهاية(3)وابن زهرة(4)والقاضي(5)والتقي(6)وابن حمزة(7)والكيدري(8)


1) . جواهر الكلام 42: 332.

2) . الکافي 7: 361، باب القسامة، الحدیث 6، وفیه: «لکیلا یبطل» مکان «لئلا یبطل»؛ الفقیه 4: 72/219، باب القسامة، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 153، کتاب القصاص، أبواب دعوى القتل، الباب 9، الحديث 4.

3) . النهاية: 736.

4) . غنية النزوع 1: 405.

5) . المهذّب 2: 457.

6) . الكافي في الفقه: 395.

7) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 440.

8) . إصباح الشيعة: 492.

...


وغيرهم، بل في غاية المراد والمسالك والتنقيح(1)نسبته إلى أكثر الأصحاب تارة وإليهم أُخرى، بل عن الغنية: الإجماع عليه،(2)وبعدمه لابن إدريس في السرائر(3)وادّعى الإجماع عليه.

والوجوه المستدلّ بها على الثبوت في هذه الصورة هي المستدلّ بها في السابقة بزيادة ما في المختلف من سببيّة تفويت الواجب عليه حتّى تعذّر فعليه البدل، والدية تؤخذ من تركته.

ففي المختلف:

والمعتمد: ما قاله الشيخ في النهاية ، وهو قول ابن الجنيد، لنا: قوله (علیه السلام): «لا يطلّ دم امرءٍ مسلم»،(4)وعموم قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً.(5)

وما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن ]أبي جعفر(علیه السلام) [ في رجل قتل رجلاً عمداً، ثمّ فرّ فلم يقدر عليه حتّى مات؟ قال: «إن كان له مال أُخذ منه، وإلّا أُخذ من الأقرب فالأقرب».(6)


1) . غاية المراد 4: 319 و320؛ مسالك الأفهام 15: 261؛ التنقيح الرائع 4: 447.

2) . غنية النزوع 1: 405.

3) . السرائر 3: 330.

4) . الفقيه 4: 73/223، باب القسامة، الحديث 5.

5) . الإسراء (17): 33.

6) . تهذيب الأحكام 10: 170/672، باب البيّنات علی القتل، الحديث 12؛ الاستبصار 4: 262/986، باب أنّه لا يجب علی العاقلة عمد و...، الحديث 4؛ وسائل الشيعة 29: 395، کتاب الدیات، أبواب العاقلة، الباب 4، الحديث 3.

...


وعن أبي بصير، عن الصادق (علیه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ثمّ هرب القاتل فلم يقدر عليه؟ قال: «إن كان له مال أُخذت الدية من ماله، وإلّا فمن الأقرب فالأقرب، فإنّه لا يبطل دم امرءٍ مسلم».(1)

ولأنّه أخلّ بدفع الواجب عليه حتّى تعذّر، فكان عليه البدل، فإذا مات وجب أن تؤخذ من تركته.(2)

وفي هذه الوجوه غير الوجه الأوّل تأ‌مّل وإشكال، أمّا رواية أحمد بن أبي نصر البزنطي فمردّدة بين كونها صحيحة أو مرسلة كما مرّ،(3)بل الظاهر أنّها مرسلة؛ لكونها منقولة عن أبي جعفر (علیه السلام) على الإطلاق المنصرف إلى الباقر (علیه السلام)، وليس لابن نصر رواية عنه بلا واسطة فإنّه من أصحاب الرضا (علیه السلام).

وأمّا رواية أبي بصير، فضعيفة باشتراكه بين الثقة وغيره. وفي الجواهر: في رواية أبي بصير الموثّقة المرويّة في التهذيب (4)و الكافي (5)بتفاوت يسير.(6).

وهو أعلم بما قال. نعم، وجود أبان بن عثمان - من أصحاب الإجماع - في السند موجب لاعتباره؛ لأنّ شأن كونه من أصحاب الإجماع مقتضٍ لعدم نقلهم عن


1) . تقدّم تخریجها في الصفحة 585.

2) . مختلف الشيعة 9: 298، المسألة 9.

3) . مرّت في الصفحة 585.

4) . تهذيب الأحكام 10: 170/670، باب البيّنات علی القتل، الحديث 10.

5) . الكافي 7: 365، باب العاقلة، الحديث 3.

6) . جواهر الكلام 42: 330.

...


المجهول أو الضعيف، ولازم ذلك كون أبي بصير هو الثقة، هذا مضافاً إلى أنّ الشهرة وعمل الأصحاب جابران لضعف السند. فتأ‌مّل. لكن مع ذلك كلّه ما في متنها ومتن خبر أبي نصر من إيجاب الدية على الأقرب فالأقرب مع عدم ضبط ذلك، بعيد وخلاف القوانين العقليّة والنقليّة كما سنوضحه.

وما ذكره رحمه الله من الوجهين الاعتباريّين بقوله:

لأنّهم يأخذون ديته مع العفو على المال أو تعذّر الاستيفاء بالقصاص، فكانت ديته عليهم كما في الخطأ».

وبقوله:

ولأنّهم يضمنون دية الخطأ ولم يُبطلها الشارع حراسةً للنفوس وحفظاً لها وزجراً عن القتل خطأً، فالعمد أولى بالحراسة والزجر عنه والمعاقبة عليه وأخذ العوض فيه.(1)

فليس بأزيد من الاعتبار لادليلاً عليه. نعم، لو ثبت ذلك الحكم بالدليل كان ذلك وجه مناسبة له، فإنّ إثبات هذه الأحكام بمجرّد مثل هذه الأُمور غير ممكنة؛ لعدم الاعتبار بالاعتبار في الاعتبار.

وأمّا آية السلطنة، مضت(2)المناقشة في الاستدلال بها فلا نعيدها.

نعم، الوجه الأوّل كما كان الاستدلال به تامّاً في الصورة السابقة، فكذلك في هذه الصورة؛ لعدم الفرق بينهما في لزوم أنّه لا يبطل دم امرءٍ مسلم.

وفي السرائر:


1) . مختلف الشيعة 9: 298.

2) . مضت في الصفحة 585.

...


هذا غير واضح؛ لأنّه خلاف الإجماع وظاهر الكتاب، والمتواتر من الأخبار، وأُصول مذهبنا، وهو أنّ موجب القتل العمد القود دون الدية، على ما كرّرنا القول فيه بلا خلاف بيننا، فإذا فات محلّه، وهو الرقبة، فقد سقط لا إلى بدل، وانتقاله إلى المال الذي للميّت، أو إلى مال أوليائه، حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي، ولن يجده أبداً، وهذه أخبار آحاد شواذّ أوردها شيخنا في نهايته(1)إيراداً لا اعتقاداً؛ لأنّه رجع عن هذا القول في مسائل خلافه وأفتى بخلافه، وهو الحقّ اليقين.(2)

وفيه: ما ذكره ابن إدريس من أنّ قول شيخنا في النهاية مخالف للإجماع جَهْلٌ منه وخطأ في القول، وحاشا شيخنا عن مخالفة الإجماع، مع أنّه أعرف بمواضعه منه، وأيّ أخبار تواترت له في ذلك حتّى يخالفها شيخنا ; ؟! وأيّ منافاة بين ما قلناه وبين أنّ الواجب القود؟! فإنّا لو سلّمنا له ذلك لم يلزم إبطال ما اخترناه، فإنّ مفوّت العوض مع مباشرة إتلاف العوض ضامن للبدل.

والشيخ لم يرجع في الخلاف عن قوله في النهاية ، بل صدر المسألة مطابق لما أفتى به في الخلاف ، ثمّ عقّب في آخرها بقوله: «ولو قلنا بقول أبي حنيفة كان قويّاً»،(3)وليس في ذلك إفتاء بقوله.

ثمّ مع ذلك ،كيف يدّعي مخالفة الشيخ للإجماع وقد أفتى بقوله جماعة من علمائنا؟!


1) . النهایة: 736.

2) . السرائر 3: 330.

3) . الخلاف 5: 185، المسألة 50.

...


ثمّ إنّ ما في الخبرين من كون الدية على الأقرب فالأقرب مع عدم المال له مخالفٌ للقواعد، فإنّه لا تزر وازرة وزر أُخرى، وأنّه لا ضمان إلّا على المتلف والجاني، وأنّ جعل الدية في مالهم ظلم عليهم فلا يصحّ الذهاب إليه ولا الفتوى به للمخالفة مع القواعد.

والظاهر أنّ فتوى العلّامة في الإرشاد(1)بالسقوط مع عدم المال له، إنّما تكون لتلك المخالفة، بل في المسالك:(2)أنّ المتأخّرين على السقوط مع عدم المال له، ودفع المخالفة بكونه مؤثّراً في عدم تفويت العوض من جهة عدم حفظ الجاني بحيث لا يكون قادراً على الفرار.

وفيه: مع أنّ الرواية والفتوى مطلقة شاملة لمطلق الأقارب وإن لم يكن لهم دخل في المنع عن الفرار، أنّه لاخصوصيّة للأقربيّة، فضلاً عن الأقرب فالأقرب، بل الخصوصيّة للدخيل الأقوى ثمّ الأقوى، كما لا يخفى.

هذا، مع أنّ الأقربيّة غير مضبوطة فيهما والضبط على الدقّة لازم للشارع ولمقنّن الحكم، ومع أنّ أصل إثبات مثل هذه الأحكام المخالفة للقواعد العقلائيّة والعقليّة والشرعيّة بالخبرين بل وبالثلاثة والأربعة محلّ إشكال وتأ‌مّل؛ لعدم الدليل على حجّية الخبر إلّا بناء العقلاء غير المحرز في مثل المورد، فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن.

وبما ذكرناه يظهر عدم تماميّة ما في الجواهر من نفي الاستبعاد،ففيه: «ولا


1) . إرشاد الأذهان 2: 198.

2) . مسالك الأفهام 15: 262.

(مسألة 26): لو ضرب الوليّ القاتل وتركه ظنّاً منه أنّه مات فبرئ، فالأشبه أن يعتبر الضرب، فإن كان ضربه ممّا يسوغ له القتل والقصاص به لم يقتصّ من الوليّ، بل جاز له قتله قصاصاً، وإن كان ضربه ممّا لا يسوغ القصاص به - كأن


استبعاد في الحكم الشرعي، خصوصاً بعد أن كان إرثه لهم».(1)

وذلك لأنّ الكلام في الثبوت ودفاعه في الإثبات.

فرعٌ: الحكم بجواز أخذ الدية في الهالك ليس دائراً مدار فراره، بل يكون ثابتاً أيضاً مع عدم إمكان الوصول إليه وإن لم يكن فارّاً؛ لإلغاء الخصوصيّة، ولعموم العلّة.

تنبيهٌ:

لا يخفى أنّ الظاهر على مثل مذهب ابني‌الجنيد وأبي عقيل(2)من التخيير بين القود والدية، عدم توقّف جواز أخذ الدية للوليّ في الفرار على هلاكه؛ لأنّ له ذلك مع حضور الجاني، فضلاً عن فراره وفضلاً عن موته مع الفرار، بل له ذلك أيضاً مع عدم التوقّف على الموت على القول به مع البناء على المعروف من تعيّن القصاص لكن فيما إذا انجرّ مدّة الفرار إلى الضرر والحرج على الوليّ، وكانا مرتفعين بأخذه الدية؛ قضاءً لحاكميّة أدلّتهما على دليل التعيّن، كما أنّ الظاهر أيضاً لزوم ردّ الدية على القاتل مع كشف الخلاف ورجوعه على ذلك القول؛ لأنّ الدية عليه بمنزلة بدلالحيلولة، وهذا بخلاف القول الآخر المختار، فليس على الوليّ الرجوع بل لا يكون له ذلك؛ لأنّ الظاهر كون التخيير بدويّاً. فتأ‌مّل.


1) . جواهر الكلام 42: 332.

2) . حكاه عنهما العلّامة في مختلف الشيعة 9: 286، المسألة 2.

ضربه بالحجر ونحوه - كان للجاني الاقتصاص، ثمّ للوليّ أن يقتله قصاصاً أو يتتاركان.(1)


حكم ما لو برئ الجاني من ضربة وليّ الدم

(1) ويظهر من اللثام(1)أنّ الأصل في التفصيل متن المحقّق في الشرائع(2)والنافع،(3)وبعده العلّامة(4)في بعض كتبه، وابنه في الإيضاح،(5)والشهيد في المسالك (6)وغيرهما ممّن تأخّر عنه، وإلّا فالشيخ في النهاية(7)وأتباعه قائلون بالاقتصاص للجاني مطلقاً. وفي الرياض:

الرابعة: إذا ضرب الوليّ الجاني وتركه ظنّاً منه أنّه مات فبرئ، ففي رواية(8)أنّه يقتصّ بمثل ذلك الضرب من الوليّ ثمّ يقتله الوليّ، أو يتتاركا؛ أي يترك كلّ واحد الآخر ويتجاوز عنه، وعمل بإطلاقها الشيخ وأتباعه، كما في المسالك وغيره، ولم يرتضه المتأخّرون، كالماتن هنا وفي الشرائع ، والفاضل فيالإرشاد(9)و‌التحرير والقواعد ، وولده في


1) . كشف اللثام 11: 176.

2) . شرائع الإسلام 4: 218.

3) . المختصر النافع: 300.

4) . قواعد الأحكام 3: 629؛ تحرير الأحكام 5: 498.

5) . إيضاح الفوائد 4: 631.

6) . مسالك الأفهام 15: 267.

7) . النهاية: 774 و775.

8) . الکافي 7: 360، باب، الحدیث 1؛ الفقیه4: 128/452، باب نوادر الدیات، الحدیث 14؛ تهذیب الأحکام 10: 278/1087، باب القصاص، الحدیث 13؛ وسائل الشیعة 29/125، أبوب القصاص في النفس، الباب 61، الحدیث 1.

9) . إرشاد الأذهان 2: 199.

...


شرحه، والفاضل المقداد في التنقيح،(1)وشيخنا في المسالك وغيرهم.(2)

ثمّ إنّ مستند الشيخ وأتباعه رواية أبان بن عثمان، عمّن أخبره، عن أحدهما (علیهما السلام) قال: «أتى عمر بن الخطّاب برجلٍ قد قتل أخا رجل فدفعه إليه وأمره بقتله، فضربه الرجل حتّى رأى أنّه قد قتله، فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقاً فعالجوه فبرئ، فلمّا خرج أخذه أخو المقتول الأوّل، فقال: أنت قاتل أخي ولي أن أقتلك، فقال: قد قتلتني مرّة، فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله، فخرج وهو يقول: والله قتلتني مرّة، فمرّوا على أمير‌المؤمنين (علیه السلام) فأخبره خبره، فقال: «لا تعجل حتّى أخرج إليك»، فدخل على عمر، فقال: «ليس الحكم فيه هكذا»، فقال: ما هو يا أبا الحسن؟ فقال: «يقتصّ هذا من أخي المقتول الأوّل ما صنع به ثمّ يقتله بأخيه»، فنظر الرجل أنّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه، فعفا عنه وتتاركا».(3)

وفي الشرائع(4)وغيره الإشكال على الرواية بالضعف في أبان بفساد عقيدته بالناووسيّة على ما ذكره عليّ بن الحسن بن فضّال، وبإرسال الرواية.

وفيه: أنّه غير تامّ، أمّا بالنسبة إلى أبان، ففيه أوّلاً: أنّ الناقل لكلام ابنفضّال هو الكشّي،(5)وفي نسخه اختلاف على ما يظهر من كتاب الكفالة من مجمع الفائدة والبرهان، قال:

وفي كتاب الكشّي الذي عندي قيل: كان قادسياً؛ أي من القادسيّة،


1) . التنقيح الرائع 4: 450 و451.

2) . رياض المسائل 16: 312.

3) . تقدّم تخریجها في الصفحه السابقة.

4) . شرائع الإسلام 4: 218.

5) . اختيار معرفة الرجال: 417، الرقم 659و660.

...


فكأنّه تصحيفٌ. وبالجملة، وهو لابأس به وأحسن من الحسن.(1)

واحتمال أن يراد به أنّه من قوم ناووسيّة، لا أنّه ناوسيّ ثانياً، وكونه ناقلاً عن الصادق والكاظم (علیهما السلام) على ما ذكره الشيخ(2)والنجاشي،(3)منافياً لنسبة الناووسيّة كما لا يخفى ثالثاً. فإنّ الناووسيّة هم المعتقدون بختم الإمامة بالصادق (علیه السلام) وأنّه حيّ لن يموت، ولا إمام بعده إلى أن يظهر أمره وهو القائم المهدي (علیه السلام) .(4)

وأنّه على تسليم النسخة والظهور ونسبة الاستناد في ضعف أبان بكونه ناووسيّاً بكلام مثل ابن فضّال الفطحي محال رابعاً؛ لما يلزم من حجّيّة كلامه في النسبة عدم حجّيّة كلامه لكونه فطحيّاً، فكما أنّ الناووسيّة موجبة لضعف الناووسي وعدم حجّيّة خبره مع كونه موثّقاً، فكذلك الفطحيّة موجبة لضعف الفطحي وعدم حجّيّة خبره مثله؛ لعدم الفرق بينهما في الضعف على القول بمضريّة غير الإماميّة الاثنا عشريّة في حجّيّة الخبر، وأنّ المعتبر في الحجّيّة الوثاقة والاثنا عشريّة في الإمامة.

وبعبارة أُخرى: إن كان خبر ابن فضّال في نسبة الناووسيّة إلى أبان معتبراً وموجباً لضعفه، فلازمه عدم حجّيّة خبر ابن فضال الفطحي المذهب؛ لما مرّ، وهو كما ترى.

نعم، إن قلنا بعدم كون الفطحيّة مضرّة، فإنّها وإن كانت تثبت بأخبار ابن فضّال، لكنّه يقبل رواية أبان كما يقبل فساد عقيدته؛ إذ كما لا يمنع فساد العقيدة


1) . مجمع الفائدة والبرهان 9: 323.

2) . في الفهرست: 59، الرقم 62.

3) . في رجال النجاشي: 13، الرقم8.

4) . راجع: تنقيح المقال 1: 5، الرقم 28.

...


في المخبر، كذا لا يمنع في المخبر عن حاله، وأنّه على تسليم جميع ما ذكر، فقول ابن فضّال معارضٌ بقول الكشّي: «قد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه»(1)والإقرار له بالفقه، فأبان من أصحاب الإجماع، والترجيح مع الكشّي؛ لأنّه أعدل من الجارح فليقدّم عليه، على دلالته على الوثاقة والعدالة. فإنّ العدالة هي الوثاقة منضمّة مع الاعتقاد بإمامة الأئمّة الاثني عشر (صلوات الله عليهم أجمعين).

وأمّا على عدم دلالة عبارة الكشّي على أزيد من الوثاقة أو الاعتبار، فلا تعارض بينهما من رأس، فيكون أبان موثّقاً، كما هو المشهور على ما في الرياض ، أو قويّاً على ما جعله الأقوى في عبارته أيضاً خامساً، ففيه:

ولو سلّمنا، الجمع بينهما أفاد كونه موثّقاً، كما هو المشهور، أو قويّاً على الأقوى؛ بناءً على عدم ظهور دعوى الإجماع في التوثيق، وإن جعلوها صريحة فيه، أو ظاهرة. وبالجملة؛ فلا ريب في قوّة الراوي وجواز الاعتماد على روايته، كما هو ظاهر المشهور، وصرّح به في الخلاصة(2).(3)

وبالجملة؛ أبان إن لم يكن ثقة فلا أقلّ من أنّه موثّق، كيف وهو من أصحاب الإجماع؟! هذا كلّه بالنسبة إلى نفسه.

وأمّا بالنسبة إلى إرساله، فمضافاً إلى كون المرسل من أصحابالإجماع، وإلى انجباره بعمل المشهور، وبكونه مرويّاً في الكتب الثلاثة الكافي(4)والتهذيب(5)


1) . رجال الكشّي: 441، الرقم 705.

2) . خلاصة الأقوال: 74، الرقم 121.

3) . رياض المسائل 16: 314.

4) . الكافي 7: 360، باب، الحديث 1.

5) . تهذيب الأحكام 10: 278/1087، باب القصاص، الحديث 13.

...


و‌الفقيه،(1)أنّه لا إرسال في الفقيه. ففيه هكذا: وفي رواية أبان بن عثمان أنّ عمر بن الخطّاب...، إلى آخره .فتأ‌مّل.

هذا، لكن في الرواية مناقشات أُخرى:

أحدها: ضعفها بالإرسال قبل أبان أيضاً: في الكافي ففيه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبان بن عثمان عمّن أخبره. وبالجهالة في التهذيب ففيه: عليّ بن مهزيار، عن إبراهيم بن عبدالله، عن أبان بن عثمان عمّن أخبره.

وفيه: أنّ السند إليه صحيح في الفقيه: وفي رواية أبان بن عثمان أنّ عمر بن الخطّاب.

ثانيها: أنّ ما في الرواية من تيقّن اقتصاص الجاني مع مخالفة الوليّ في كيفيّة الاقتصاص باقتصاص الجاني بأمر غير سائغ، منافٍ لما هو المعروف من أنّه ليس فيه على الوليّ شيء إلّا الإثم والتعزير.

وفيه: أنّ ذلك فيما حصل القصاص وصار الجاني مقتولاً.

وأمّا في مثل ما نحن فيه، فمقتضى القواعد من الضمان بالقصاص أو الدية والأرش محكّم، ولا دليل على خلافه.

ثالثها: مقتضى إطلاقها الضمان وإن كانت كيفيّة قتل الوليّ سائغة، كضرب عنقه بالسيف - مثلاً - ، مع أنّه فعل سائغ له، ودمه هدرٌ بالنسبة إليه، فكيف الضمان معه؟!

وفيه: أنّ الضمان من جهة تقصيره في الفحص والدقّة وللضرب الذي لم يكن


1) . الفقيه 4: 128/452، باب نوادر الديات، الحديث 14.

...


قاتلاً، فإنّ السائغ له قتله بضرب عنقه، وهو غير محقّق، والمحقّق غير سائغ، كما لا يخفى.

رابعها: أنّ الرواية شخصيّة فلا إطلاق فيها، وهذه المناقشة واردة على نقل الفقيه؛ لعدم كونه عن المعصوم وعدم كونه بأزيد من تاريخ. وهذا بخلاف نقل التهذيب و‌الكافي فإنّه عن المعصوم، والأصل في نقل التاريخ والقضايا عن عليّ(علیه السلام) أو عن الرسول (صلی الله علیه وآله) أو عن معصوم آخر كونه بياناً للحكم الشرعي كبيانه الحكم بلسانه، فالفرق بين بيان الصادق (علیه السلام) الحكم الشرعي باللسان وبين بيانه بنقل القضايا عن عليّ(علیه السلام) - مثلاً - إنّما يكون في اللسان والعمل، فكما أنّ للبيان باللسان ظهور وإطلاق فكذلك للعمل والنقل، وعلى ذلك بناء العقلاء وطريقة الكتاب والسنّة.

نعم، لقائل أن يقول في مثل ما في الرواية من القضايا الدالّة على جهالة مثل عمر لا ظهور فيه أن يكون لبيان الحكم، بل لعلّة يكون لفرض الإعلام بجهل المدّعي للخلافة والإمامة، وبعلم من كان خليفة عن الرسول (صلی الله علیه وآله) وليّاً للدين وهادياً للمسلمين إلى الحقّ والقرآن المبين؛ أعني أمير‌المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) من الأزل إلى يوم القيام.

ثمّ إنّه يظهر ممّا ذكرناه عدم تماميّة التفصيل وضعفه من دون احتياجإلى البيان، فإنّهم استدلّوا عليه - كما في الشرائع -(1)بعد ردّ الرواية بالضعف بالجهالة والإرسال، بعدم ضمان الوليّ، وعدم جواز اقتصاص الجاني منه إن كان اقتصاصه


1) . شرائع الإسلام 4: 218.

(مسألة 27): لو قطع يده فعفا المقطوع ثمّ قتله القاطع، فللوليّ القصاص في النفس، وهل هو بعد ردّ دية اليد أم يقتصّ بلا ردّ؟ الأشبه الثاني. وكذا لو قتل رجل صحيح رجلاً مقطوع اليد قتل به. وفي رواية: «إن قطعت في جناية جناها أو قطع يده وأخذ ديتها، يردّ عليه دية يده ويقتلوه، ولو قطعت من غير جناية ولا أخذ لها دية قتلوه بلا غرم». والمسألة مورد إشكال وتردّد، والأحوط العمل بها،(1)


بالأمر السائغ؛ لعدم الضمان فيه، دون ما كان بأمر غير سائغ.

والتحقيق: الضمان وجواز الاقتصاص للجاني مطلقاً؛ وفاقاً للشيخ في النهاية(1)وأتباعه، وقضاءً للقواعد، بل وللرواية أيضاً على ما مرّ في بيانهما. فتدبّر جيّداً.

حكم قصاص قتل الكامل الناقص

(1) البحث عمّا في مثل المتن من الصور بحث عن حكم قتل الكامل الناقص من أنّه القصاص بلا ردّ، كقتل الكامل مثله أو الناقص مثله مطلقاً أو فيه تفصيل، والصور خمسه:

أحدها: أن يكون نقصان المقتول خلقةً أو اتّفاقاً.

ثانيها وثالثها: أن يكون من جهة جناية الجاني وعفو المجنيّ عليه، وفي هذه الصورة إمّا يكون القاتل الكامل هو الجاني المعفو عنه أو غيره.

رابعها: أن يكون النقصان في المقتول قصاصاً عليه.

خامسها: أخذ الناقص المقتول الدية على نقصه.

فالبحث عمّا في المسألة إنّما يتمّ بالبحث عن حكم الصور على القاعدة والنصّ،


1) . النهاية: 774.

...


وأقول مستعيناً بالله تعالى: إنّه لا إشكال ولا كلام في القصاص وعدم الردّ في الصورة الأُولى؛ لعموم النفس بالنفس كتاباً وسنّة، ولما في ذيل رواية سورة بن كليب، عن أبي عبدالله (علیه السلام)...، قال: «وإن كانت يده قطعت من غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاؤوا أخذوا دية كاملة»، قال: «وهكذا وجدناه في كتاب عليّ (علیه السلام)».(1)

وأمّا الصورة الثانية، وهي ما كان القاتل هو الجاني المعفو عنه، ففيه خلاف، فظاهر الشرائع(2)أنّ للوليّ القصاص مع ردّه دية المقطوع إلى القاطع القاتل؛ استناداً إلى رواية سورة بن كليب، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سئل عن رجل قتل رجلاً عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال: «إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه، أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها، وإن كان أخذ دية يده ويقتلوه، وإن شاؤوا طرحوا عنه دية يد، وأخذوا الباقي»، قال: «وإن كانت يده قطعت من غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاؤوا أخذوا دية كاملة»، قال: «وهكذا وجدناه في كتاب عليّ (علیه السلام)».

وقيل: الرواية مؤ‌يّدة بوجهين، سيأتي بيانهما.

ثمّ إنّ تماميّة استناده ; موقوفٌ على كون العفو بمنزلة أخذ الدية، وهو غير بعيدٍ كما سنبيّنه، أو إلى إلغاء الخصوصيّة من الأخذ إلى العفو، وإلّا فليس في الرواية


1) . الکافي 7: 316، باب الرجل یقتل الرجل...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 277/1083، باب القصاص، الحدیث 9؛ وسائل الشيعة 29: 111، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب50، الحديث1.

2) . شرائع الإسلام 4: 218.

...


صورة العفو. فتدبّر جيّداً.

وكيف كان، ففي المسألة وجهان آخران:

أحدهما: عدم قتل القاطع أصلاً؛ أخذاً من أنّ القتل بعد القطع كسراية الجناية الأولى، وقد سبق العفو عن بعضها، فليس له القصاص في الباقي. هكذا علّله في المبسوط.(1)

ولا يخفى ضعفه، فإنّ القتل إحداث قاطع للسراية، فكيف يتوهّم أنّه كالسراية؟! وعلى تقديره فاستلزام العفو عن البعض سقوط القود ممنوع.

والثاني: أن يقتل من غير ردّ، وهو الذي جعله اللثام(2)عنده أقوى؛ لعموم النَّفْسَ بالنَّفْسِ(3)و‌الْحُرُّ بِالحُرِّ،(4)ولأنّ النفس بدلاً بانفرادها، ونقصان اليد يجري مجرى نقص صفة في الطرف، فإنّه ليس بمانع من القصاص في الطرف ولا من الردّ، فكذلك هنا. ولأنّه لو قتل القاتل فاقد اليد خلقة قتل من غير ردّ مع تحقّق النقصان، فكذا هنا، لكون العفو من القطع بجعله كالقطع خلقةً كما لا يخفى.

ولأنّ القتل بعد العفو عن القطع كالقتل بعد اندمال الجرح، فللوليّ كمال الدية أو القصاص بلا ردّ.

هذا، وقد استدلّ للردّ مضافاً إلى الرواية بأنّه لا يقتل الكامل كمثل هذا بالناقص إلّا بعد الردّ كالمرأة من الرجل، وكقطع الكفّ الذي ليس له أصابع،فإنّه


1) . المبسوط 7: 67.

2) . كشف اللثام 11: 174.

3) . المائدة (5): 45.

4) . البقرة (2): 178.

...


قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع، كما في الخبر،(1)فهنا كذلك؛ لعدم الفرق بينهما وبين محل البحث.

والتحقيق: - وفاقاً ل- اللثام - عدم الردّ؛ وذلك للأصل، وعموم: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ،(2)ونفي السبيل على المحسن،(3)فإنّ المقتول العافي كان محسناً إلى القاطع بعفوه، فلزوم ردّ الدية من وليّ المقتول المقطوع العافي إلى القاتل المعفوّ عنه سبيل على المقتول عرفاً ومنفيّ بالآية.

وتوهّم أنّ السبيل عليه إنّما يكون مع لزوم الردّ من مال المقتول دون ما لو كان من مال الوليّ، كما هو اللازم.

مدفوعٌ بأنّ قصاص الوليّ إنّما هو لارتباطه بالمقتول وكونه حقّاً له بالأصالة، وإن أبيت عن ذلك فنقول بإلغاء الخصوصيّة وتنقيح المناط. فتدبّر جيّداً حتّى يندفع لك ذلك التوهّم.

ولا يخفى ما في الوجوه المستدلّ بها من الرواية والدراية:

أمّا الرواية، فهي محكومة لآية نفي السبيل، على تسليم كون العفو بمنزلة أخذ الدية، نظير ما في هبة المرأة مهرها لزوجها قبل الدخول ثمّ طلّقها، ففي موثّقة سماعة(4)أنّ عليها أداء نصف المهر إلى الزوج؛ لأنّهبتها قبضها.


1) . الکافي 7: 317، باب نادر، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 276/1082، باب القصاص، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 172، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 10، الحديث 1.

2) . المائدة (5): 45.

3) . التوبة (9): 91؛ مَا عَلَى الْمُحْسِنيِنَ مِنْ سَبِيل.

4) . تهذیب الأحکام 7: 374/1513، باب المهور والأُجور...، الحدیث 76؛ وسائل الشيعة 21: 301، کتاب النکاح، أبواب المهور، الباب 41، الحديث 2.

...


ولا يخفى عليك أنّ إطلاق الموثّقة منافٍ لنفي السبيل، فلابدّ من تقييد إطلاقها بالآية. فتدبّر جيّداً.

وأمّا كلّيّته: «إنّه لا يقتل الكامل بالناقص» فممنوعة، وما ذكر في بيانها من قصاص المرأة قياس غير مسموع، مضافاً إلى الفارق، لنقص المرأة نفساً لا طرفاً، مع معارضته بما كان النقص بحسب الخلقة، فلا ردّ إجماعاً. هذا كلّه على المعروف من الردّ في قتل الرجل بالمرأة، وإلّا فعلى المختار فالبيان غير تامّ من رأس.

وأمّا المقايسة بقطع الكفّ من دون الأصابع، فبعد تسليمها مقتضاها الردّ على الإطلاق، ولا يقولون به. هذا كلّه مع كون جميع تلك الوجوه الدرائيّة محكومة لآية نفي السبيل كالرواية، بل تكون الدراية في مقابل الآية اجتهاداً في مقابل النصّ، كما لا يخفى. هذا كلّه فيما كان القاتل هو القاطع المعفوّ عنه.

وأمّا إن كان غير القاطع - وهو الصورة الثالثة - فالظاهر أنّه في حكم الصورة الخامسة؛ لأنّ الظاهر كون عفو المقتول بمنزلة أخذ الدية عرفاً.

وأمّا الصورة الرابعة والخامس فالعمدة في لزوم الردّ فيهما رواية سورة بن كليب.(1)

وقد مرّ أنّ ظاهر الشرائع(2)الاستناد إليها، وعمل بها الحلّي فيالسرائر(3)والفاضل في التحرير(4)وغيرهما، وهو مشكل؛ لجهالة سورة بن كليب، ولذا


1) . تقدّم تخریجها في الصفحة 601.

2) . شرائع الإسلام 4: 218.

3) . السرائر 3: 404.

4) . تحرير الأحكام 5: 498.

...


ردّها فخرالدين في الإيضاح.(1)

ولكن في السند قبله الحسن بن محبوب المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه، فيكون كافياً في الاعتبار والصحّة على القول بأنّ المراد من الإجماع صحّة ما صحّ عنهم وإن كان من بعدهم من الرواة مجهولاً أو ضعيفاً أو مرسلاً، إلّا أنّ الشأن في صحّة ذلك القول وذلك المعنى، فالمسألة مشكلة، لكنّ الأحوط الذي لا ينبغي تركه العمل بالرواية في موردها خروجاً عن خلافها.

والتحقيق الحقيق بالتصديق: عدم الردّ مطلقاً؛ قضاءً لتحقّق القصاص والمقابلة بالمثل في قصاص الكامل بالناقص كالكامل بالكامل، فإنّ المقابلة والقصاص في النفس بما هي هي بالنفس كذلك، ولا نظر ولا اعتبار فيها بالأطراف والأعضاء فإنّها خارجة عن النفس.

وبذلك يظهر أنّه على تسليم تماميّة الرواية سنداً فليست بحجّة على التخصيص؛ لإباء لسان الآية منه، فإنّ ردّ دية النقص إلى الكامل في قصاصه بالناقص يكون زائداً على النفس بالنفس، والآية ناصّة على عدم الزيادة لا ظاهرة، حيت يصحّ التخصيص، بل لا يصحّ التخصيص مع الظهور أيضاً؛ لإبائها عنه، كما لا يخفى.

هذا، مع أنّ القول بالردّ وتخصيص الآية مستلزم لما لا يقول به أحد، وهو القول بردّ ديات خمس لقتل الكامل بالناقص حتّى من اليدين والرجلين والعينين والأُذنين والنخاع قصاصاً أو في صورة أخذ الدية، وهو كماترى، فإنّه يلزم بطلان دم الناقص، فالدليل على الردّ في المسألة - على تسليم التماميّة وعلى تسليم


1) . إيضاح الفوائد 4: 631.

وكذا الحال في مسألة أُخرى بها رواية، وهي لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع، فإنّها مشكلة أيضاً.(1)


التخصيص، لمنافاته مع الدليل القطعي والضرورة - غير قابل للاعتماد.

قطع كفّ الجاني مع كون كفّ المجنيّ عليه بغير أصابع

(1) لما أنّ الجواهر حام حول البحث عن هذه المسألة، وأتى في بيانها بما لا مزيد عليه من البحث عن الرواية وقواعد القصاص ونفي الضرر، فلنكتف بنقل عبارته. نعم، ما ذكره ; في العفو غير تامّ؛ لما مرّ.

ففيه - بعد الميل إلى الاعتماد بخبر سورة بن كليب، وأنّه عمل بها ابن إدريس(1)الذي لا يعمل إلّا بالقطعيّات - ما هذا لفظه:

بل لم نعرف من ردّها صريحاً إلّا ما سمعته من الشيخ، ويحكى عن الفخر.(2)نعم، توقّف فيه غير واحد.

مؤيّدةً مع ذلك بخبر الحسن بن الجريش(3)عن أبي جعفر الثاني (علیه السلام)، الذي أشار المصنّف إلى مضمونه بقوله: وكذا لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع، قال: قال أبو‌جعفر الأوّل (علیه السلام) لعبد الله بن عبّاس: «يابن عبّاس أنشدك الله هل في حكم الله اختلاف»؟ قال: لا. قال: «فما ترى في رجل ضربت أصابعه بالسيف حتّىسقطت فذهب فأتي رجل آخر فأطار يده فأتى به إليك وأنت قاض، كيف أنت صانع؟


1) . السرائر 3: 404.

2) . إيضاح الفوائد 4: 631.

3) . والصحيح الحسن بن الحريش.

...


قال: أقول لهذا القاطع: أعط دية كفّه، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت أو أبعث إليهما ذوي عدل، قال: فقال له: «جاء الاختلاف في حكم الله، ونقضت القول الأوّل، أبى الله أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود وليس تفسيره في الأرض، أقطع يد قاطع الكفّ أصلاً، ثمّ أعط دية الأصابع، هكذا حكم الله عزّوجلّ».(1)

ونحوه ما عن الكليني من المرسل في باب شأن: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وتفسيرها من كتاب الحجّة من الكافي(2)عن الصادق، عن أبيه (علیهما السلام)، وقد عمل به الشيخ(3)والمصنّف(4)وغيرهما، بل عن المبسوط: «أنّه رواه أصحابنا»،(5)بل في غاية المراد(6)و المسالك:(7)عمل به الأكثر.

بل عن الخلاف (8)و‌المبسوط(9)الإجماع على أنّ من قطع ذراعرجل بلا كفّ كان للمجنيّ عليه القصاص وردّ دية، بل عن الخلاف منهما نسبته


1) . الکافي 7: 317، باب نادر، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 276/1082، باب القصاص، الحدیث 8؛ وسائل الشيعة 29: 172، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 10، الحديث 1.

2) . الكافي 1: 247، باب في شأن إنّا أنزلناه في ليلة القدروتفسيرها، الحديث 2.

3) . النهاية: 774.

4) . شرائع الإسلام 4: 218.

5) . المبسوط 7: 90.

6) . غاية المراد 4: 332.

7) . مسالك الأفهام 15: 266. وفيه: «عمل بموجبها أكثر الأصحاب».

8) . الخلاف 5: 189، المسألة 54.

9) . المبسوط 7: 71 و72.

...


إلى أخبار الفرقة أيضاً، بل عن الغنية (1)الإجماع على أنّه إذا كانت يد المقطوع ناقصة أصابع أنّ له قطع يد الجاني وردّ الفاضل.

بل لم نعرف له رادّاً إلّا ابن إدريس بناءً منه على أصله، فقال: «إنّه مخالف لأُصول المذهب؛ إذ لا خلاف بيننا أنّه لا يقتصّ العضو الكامل للناقص - إلى أن قال: - والأولى الحكومة في ذلك وترك القصاص وأخذ الأرش»،(2)نحو ما سمعته من ابن عبّاس المخالف لقوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ(3)وغيره، والفاضل في المختلف وإن نفى البأس عنه، لكن قال: «ونحن في هذه المسألة من المتوقّفين»،(4)فانحصر الخلاف فيه خاصّة بناءً على أصله.

وحينئذٍ فضعف الخبر المزبور بسهل والحسن - إن كان - منجبرٌ بما عرفت، كما أنّ احتمال ضرب الأصابع فيه مفسّر بخبر سورة(5)السابق، المراد من الأخذ فيه ما يشمل صورة العفو ولو باعتبار أنّه أخذ للعوض الذي هو الثواب.

بل يظهر من غير المقام تنزيل العفو منزلة الأداء، وبذلك كلّه تخصّ العمومات إن قلنا بظهورها في عدم الردّ، وإلّا فلا منافاة.

بل قد يظهر من الأخير أنّ ذلك هو مقتضى الجمع بين قوله تعالى:


1) . غنية النزوع 1: 410.

2) . السرائر 3: 404.

3) . المائدة (5): 45.

4) . مختلف الشيعة 9: 408، المسألة 83.

5) . تقدّم تخریجها في الصفحة 601.

...


وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ وَالنَّفْسَ بِالنَّفْسِ(1)وبين قاعدة الضرر والضرار والتساوي في الاقتصاص المبنيّ على التغليب، فيكون عامّاً لمحلّ الخبر وغيره. فتأ‌مّل جيّداً، فإنّه نافع جدّاً.(2) ما اختاره من الردّ في المسألة في غير صورة العفو غير بعيدٍ، بل لا يخلو من قوّة؛ قضاءً لمفهوم القصاص في الجروح، وللرواية، ولما ذكره ; من القواعد.


1) . المائدة (5): 45.

2) . جواهر الكلام 42: 337.

القسم الثاني : في قصاص ما دون النفس

القسم الثاني : في قصاص ما دون النفس

(مسألة 1): الموجب له هاهنا كالموجب في قتل النفس.(1) وهو الجناية العمديّة مباشرة أو تسبيباً حسب ما عرفت. فلو جنى بما يتلف العضو غالباً


قصاص الطرف

(1) الدليل على الإيجاب للقصاص هاهنا الكتاب من عموم مثل قوله تعالى: وَجَزَاؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا،(1)وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَياةٌ يَا أُوْلِي الأَلبَابِ(2)إن لم يكن الألف واللام للعهد الذكري، ومن خصوص قوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ(3)وقوله: وَالحُرُماتُ قِصَاصٌ.(4)

والسنّة من الأخبار الكثيرة المتواترة في خصوصيّات المسألةومواردها الدالّة على الفراغ من الأصل، بل لك أن تقول: الدليل عليه ضرورة الفقه الإسلامي.


1) . الشورى (42): 40.

2) . البقرة (2): 179.

3) . المائدة (5): 45.

4) . البقرة (2): 194.

فهو عمد؛(1) قصد الإتلاف به أو لا، ولو جنى بما لا يتلف به غالباً، فهو عمد مع قصد الإتلاف ولو رجاءً.

(مسألة 2): يشترط في جواز الاقتصاص فيه ما يشترط في الاقتصاص في النفس؛ من التساوي في الإسلام والحرّيّة وانتفاء الأُبوّة وكون الجاني عاقلاً بالغاً، فلا يقتصّ في الطرف لمن لا يقتصّ له في النفس.(2)


(1) لملازمة القصد بالجناية المتلفة للعضو غالباً مع قصد الإتلاف ارتكازاً.

ولك أن تقول: القصد إلى الجناية كذلك أمارة عرفيّة على قصد الإتلاف.

هذا، مع أنّ الظاهر عدم الاحتياج إلى الاستدلال بالملازمة أو الأخبار كما فعله الأخيار؛ لكفاية آية القصاص في ذلك، فإنّ القصاص المتابعة والمقابلة بالمثل، فقصاص الجاني بالآلة القتّالة وما به يقتل غالباً من حيث المكان أو الزمان أو الخصوصيات الأُخرى الجناية عليه بمثل تلك الآلة الملازم لقتله، ولعلّ ما في الأخبار ناظر إلى ذلك الوجه، لا التعبّد أو مسألة الملازمة والقصد إلى القتل ارتكازاً. فتدبّر جيّداً، فإنّه وجهٌ جيّدٌ دقيقٌ.

فيما يشترط في قصاص الطرف

(2) قد مرّ في قصاص النفس عدم شرطيّة الإسلام فيه، فكذلك الأمر في قصاص الطرف؛ قضاءً لعموم قوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ،(1)وقوله: وَالحُرُماتُ قِصَاصٌ(2)ولما مرّ من إباء مثل هذه الألسنة عن التخصيص.

وأمّا انتفاء الأُبوّة، فليست شرطاً في المقام؛ لعدم الدليل عليه لا من النصّ ولا


1) . المائدة (5): 45.

2) . البقرة (2): 194.

...


غيره، وإلغاء الخصوصيّة من القتل إلى القطع كما ترى، ولم أجدها مذكورة في مثل الشرائع المعدّ لتنظيم الأبواب والشرائط والموانع فضلاً عن غيره، والمتن متفرّد بذكرها من الشرائط، وهو أعلم بما ذكره وأفتى به وإن كان الحقّ عدم الاعتبار والشرطيّة لها.

والدليل على اعتبار الكمال هنا هو الدليل على اعتباره في قصاص النفس، والعمدة فيه عدم صدق العمد المعتبر في القصاص مطلقاً في الصبيّ غير المميّز الذي يكون كالمجنون في عدم العمد له، فعمدهما كالعدم وكعمد الحيوان، فكما لاجزاء في عمله فكذا في عملهما.

وقد مرّ أنّ المراد من الصبيّ المقارن مع المجنون في كون عمدهما خطأ تحمّله العاقلة غير المميّز منه، بمناسبة الحكم والموضوع ووحدة السياق. فإنّ الدية على العاقلة عقلاً وعرفاً تكون مسبّبة من عدم ردعه ومنعه، وهذا إنّما يتمّ في غير المميّز كما كان تامّاً في المجنون، وحمل الحكم فيهما على التعبّد والأخذ بإطلاق الصبيّ كما ترى، فإنّه مخالف للظاهر لتلك المناسبة العرفيّة أوّلاً.

وإثبات مثل ذلك التعبّد لمثل هذه من الرواية أو الروايتين أو الثلاث بل والزائد عليها مالم تصل الروايات إلى بيان شائع رائج مشكل بل ممنوع ثانياً، فإنّ الحكمة مقتضية لبيان الشارع الحكيم مثل ذلك التعبّد، بياناً رائجاً شائعاً واضح الدلالة بحيث يكون البيان كافياً ووافياً ولا يشوبه الشكّ في إعماله التعبد سنداً ودلالة.

وبالجملة؛ بناء العقلاء على حجّيّة الخبر أو الخبرين وما زاد عليه فيبيان مثل التعبّد كذلك ممنوعة، أو لا أقلّ من عدم كونها محرزة. فتدبّر جيّداً في هذه النكتة، فإنّها نافعة لك في الفقة نفعاً كثيراً.

(مسألة 3): لا يشترط التساوي في الذكورة والأُنوثة، فيقتصّ فيه للرجل من الرجل ومن المرأة من غير أخذ الفضل. ويقتصّ للمرأة من المرأة ومن الرجل، لكن بعد ردّ التفاوت فيما بلغ الثلث كما مرّ.(1)


قصاص الطرف للرجل من الرجل ومن المرأة

(1) عدم شرطيّة التساوي في الذكورة والأُنوثة بمعنى القصاص للرجل من الرجل ومن المرأة من دون أخذ الفضل، لا إشكال ولا كلام ولا خلاف فيها بل إجماعي؛ لعموم الأدلّة من الكتاب والسنّة، وهو الموافق مع الأُصول، لما بين الجاني والمجنيّ عليه من التساوي، فإنّ الكلّ من أبناء البشر وأباهم آدم وأُمّهم حوّاء، ولا فضل لأحد إلّا بالتقوى، الموجبة للفضل عند الله أيضاً لا في جهة الحقوق الإنسانيّة.

وإنّما الإشكال كما مرّ في ردّ التفاوت فيما بلغ الثلث في القصاص للمرأة من المرأة ومن الرجل، فإنّه مخالف لتلك الأُصول والضوابط المشار إليها، كما مرّ تحقيقه في ذيل مسألة من مسائل الكتاب، والاكتفاء في البحث هنا بما مرّ في السابق وإن كان تامّاً، لكن لما كانت المسألة مهمّة والحوالة لم تكن عن المحذور خالية، والإعادة ليست بلافائدة ولا إفادة، كان المناسب هو التعرّض لها هنا أيضاً.

فأقول مستعيناً بالله: إنّ ما في المتن هو المعروف، بل ادّعى الشيخ في الخلاف: «إجماع الفرقة عليه»،(1)ومستندهم الأخبار الواردة في دية الأطراف، إلّا أنّها مختلفة اللسان ومتعارضة البيان، مع ما في أظهرها متناًوأصحّها سنداً من الشذوذ ما يسقطه عن الحجّيّة من رأس؛ وذلك لأنّ تلك الأخبار على أربعة أنواع:


1) . الخلاف 5: 254، المسألة 63.

...


أ) الأخبار الخمسة التي تدلّ على المعروف بين الأصحاب، وهو تساوي دية المرأة مع دية الرجل إلى أن تبلغ الثلث، فإذا بلغت الثلث ترجع إلى النصف:

أحدها: - وهو أصرح أخبار الباب - صحيح أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنتين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون»، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول الله(صلی الله علیه وآله)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان! إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».(1)

ثانيها: مضمرة سماعة، قال: سألته عن جراحة النساء؟ فقال: «الرجال والنساء في الدية سواء حتّى تبلغ الثلث، فإذا جازت الثلث فإنّها مثل نصف دية الرجل».(2).

ثالثها: صحيح جميل بن درّاج، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن المرأة بينها وبين الرجل قصاص؟ قال: «نعم، في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث


1) . الکافي 7: 299، باب الرجل یقتل المرأة و...، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 184/719، باب القود بین الرجال والنساء... الحدیث 16؛ الفقیه 4: 88/283، باب الجراحات والتقل...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 352، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 1.

2) . تهذیب الأحکام 10: 184/722، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 19؛ وسائل الشيعة 29: 352، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 2.

...


سواء، ارتفع الرجل وسفلت المرأة».(1)

رابعها: خبر أبي بصير، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن الجراحات؟ فقال: «جراحة المرأة مثل جراحة الرجل حتّى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية سواء أضعفت جراحة الرجل ضعفين على جراحة المرأة، وسنّ الرجل وسنّ المرأة سواء...»،(2)الحديث.

خامسها: صحيح الحلبي، عن أبي عبدالله (علیه السلام): «وإصبع المرأة بإصبع الرجل حتّى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعفت دية الرجل على دية المرأة».(3)

ب) ما يدلّ على أنّ ديتهما إلى الثلث مساوية مع الآخر، ومع التجاوز عنه صارت دية جرح الرجل ثلثي الدية وجرح المرأة ثلثها مطلقاً، وهو صحيح الحلبي، قال: سئل أبو‌عبدالله (علیه السلام) عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص سواء؟ فقال: «الرجال والنساء فيالقصاص السنّ بالسنّ، والشجّة


1) . تهذیب الأحکام 10: 184/720، باب القود بین الرجال النساء...، الحدیث 17، الکافي 7: 300، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 89/284، باب الجراحات والقتل بین النساء والرجال، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 164، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 3.

2) . الکافي 7: 299، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 181/706، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 163، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 2.

3) . الکافي 7: 298، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 180/704، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 163، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 1.

...


بالشجّة، والإصبع بالإصبع سواء حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية».(1)

ج) ما يدلّ على أنّ دية جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال، وهو موثّق أبي مريم، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: «جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال في كلّ شيء».(2)

د) ما يدلّ على مساواة دية المرأة مع الرجل إلى أن تبلغ الدية ثلث دية المرأة، أي ثلث نصف الدية الكاملة؛ بناءً على كون دية نفس المرأة نصف الدية.

وهو خبر ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا‌عبدالله (علیه السلام) عن رجل قطع إصبع امرأة؟ قال: «تقطع إصبعه حتّى تنتهي إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل».(3)

وفي هذه الأنواع الأربعة تعارض واختلاف من جهات متعدّدة: من أنّالتفاوت بين دية جرح الرجل والمرأة فيما زاد على الثلث بالثلث، فتكون في الرجل الثلثين وفي المرأة الثلث والثلثين، كما عليه النوع الثاني، أو بالنصف كما عليه الأوّل.


1) . الکافي 7: 300، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 8؛ تهذیب الأحکام 10: 185/726، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 23؛ وسائل الشيعة 29: 165، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 6.

2) . تهذیب الأحکام 10: 185/723، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 20؛ وسائل الشيعة 29: 384، کتاب الدیات، أبواب ديات الشجاج والجراح، الباب3، الحديث2.

3) . الکافي 7: 301، باب الرجل یقتل المرأة...، الحدیث 14، تهذیب الأحکام 10: 185/724، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 164، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1، الحديث 4.

...


ومن أنّ الثلث الذي فيه المساواة ثلث دية الرجل كما في الأوّل والثاني، أو ثلث دية المرأة كما في الرابع على ما مرّ بيانه.

ومن كون جراحات النساء على النصف مطلقاً حتّى فيما دون الثلث، كما عليه الثالث، مع ما في بقيّة الأنواع من التساوي فيما دون الثلث، فالاختلاف بينها في جهات ثلاث.

وتوهّم عدم التعارض بين الثالث مع البقيّة؛ لكونه أعمّ منها، فإطلاقة مقيّد بها.

مدفوعٌ، مضافاً إلى إباء لسانه عن التقييد والتخصيص؛ لكونه في مقام بيان الضابطة والقاعدة الكلية لحدّ التفاوت بينهما، فتخصيصه كما ترى، أنّ مضمونه فتوى بعض العامّة مع ما لهم من الاختلاف في المسألة، فلعلّه يكون نظر المعصوم - أي الباقر(علیه السلام) - هو ذلك.

وأيضاً أنّ التقييد والتخصيص فيه مستلزم لتأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو ممنوعٌ وغير جائز، حيث إنّ ذلك الخبر، أي خبر أبي مريم منقول عن الباقر(علیه السلام)، وأخبار الأنواع الثلاثة الباقية منقولة عن الصادق (علیه السلام).

ومع التعارض لابدّ من التساقط، وأدلّة التخيير على إطلاقها منصرفة عن مثل الأخبار الكثيرة المتعارضة بالاختلاف في جهات ثلاث، وإنّما تكون منصرفة إلى خبرين أو ثلاثة - مثلاً - .

وتوهّم الترجيح للنوع الأوّل بالشهرة مدفوع؛ لعدم الشهرة القويّة الواضحة الظاهرة أوّلاً، كيف مع أنّ ادّعاء الإجماع على القول المعروفليس إلّا في الخلاف(1)


1) . الخلاف 5: 254، المسألة 64.

...


و الغنية ،(1)دون غيرهما من الكتب المنقول فيها الإجماع كثيراً، فضلاً عن غيرها.

ففي الجواهر في الاستدلال على ذلك القول ما هذا لفظه:

للنصوص المستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب من غير خلاف محقّق أجده فيه، بل عن الخلاف: الإجماع عليه.(2)

وبعدم كونها كاشفة عن الشهرة بين أصحاب الحديث في زمان الباقرين (علیهما السلام) ومن بعدهما عن الأئمّة المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - ثانياً، حيث إنّ الطريق المتعارف في فهم فتواهم منحصرٌ بأخبارهم؛ لأنّهم كانوا يفتون بمضمون الخبر بنقله، والفرض أنّ الأخبار مختلفة، فالظاهر أنّ مضمون كلّ واحد من الأحاديث فتوى ناقله، ومن المعلوم أنّ الشهرة المرجّحة هي الشهرة العمليّة بين أصحاب الحديث وبعده، فإنّها التي توجب صحّة المشهورة ونفي الريب فيها وفي بطلان غير المشهورة.

وبعدم كونها مرجّحة على تسليم تحقّقها ثالثة؛ لاحتمال عدم كون البقيّة من الأخبار بمرأى منهم، فلعلّها لم يكن عندهم إلّا النوع الأوّل، فعدم فتواهم بالبقيّة ليس بكاشف عن الإعراض، كما لا يخفى.

لا يقال: الترجيح بالشهرة وإن لم يكن تامّاً لما ذكر، لكنّ الترجيحبالأكثريّة والأصحيّة والأظهريّة مع النوع الأوّل أيضاً، فلابدّ من الذهاب إلى القول المعروف.


1) . غنية النزوع 1: 414 و420.

2) . جواهر الكلام 42: 86.

...


لأنّه يقال: الترجيح بتلك المرجّحات غير المنصوصة إنّما يكون من جهة التعيين في الدوران بين التعيين والتخيير، والدوران في مثل أخبار المسألة بين ثلاثة بإضافة التساقط إليهما؛ لانصراف أخبار التخيير عن مثلها، كما مرّ. فتدبّر جيّداً حتّى لا تغترّ بالترجيح بتلك المرجّحات بها؛ قضاءً لأصل التعيين في الدوران بينه وبين التخيير.

هذا كلّه مع ما في صحيحة أبان - العمدة في النوع الأوّل - من حيث الدلاله فإنّها أظهر أخباره، ومن حيث السند فإنّها الأصحّ منها، إن لم يكن من جميع أخبار الباب ما لا يخفى من المحاذير المتعددّة الموجبة للخلل في المتن الموجب لعدم الحجّية، لعدم بناء العقلاء على مثل الصحيحة ممّا فيها من تلك المحاذير:

أحدها: أنّ أبان - الناقل من الإمام (علیه السلام) - من أصحاب الأئمّة الثلاثة: أبي محمّد زين العابدين، وأبي جعفر الباقر، وأبي عبدالله الصادق :. ولا كلام في وثاقته، ولم يغمض أحد فيها وإن وقع الغمض على مثل عبدالرحمن بن الحجّاج(1)الواقع في سند الرواية.

قال الباقر (علیه السلام) له: «إجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإنّيأحبّ أن يرى في شيعتي مثلك».(2)


1) . في مجمع الفائدة والبرهان في البحث عن أخبار المسألة، قال: «ثمّ اعلم أنّ في رواية أبان، عبدالرحمن بن الحجّاج وفيه شيء، وهو أ‌نّه نقل في مشيخة من لا يحضره الفقيه: أنّ أبا الحسن (علیه السلام)، قال: إنّه لثقيل على الفؤاد. وقيل: إنّه رُمي بالكيسانيّة، ثمّ رجع وقال بالحقّ، وإن قيل: إنّه ثقه ثقة». (مجمع الفائدة والبرهان 14: 470). فراجع الفقيه 4: 41، شرح مشيخة: «وما كان فيه عن عبدالرحمن بن الحجّاج...».

2) . في شرح مشیخة الفقیه 4: 41؛ رجال الکشّي: 368، الرقم 829؛ تنقیح المقال 2: 141، الرقم 6356، عن أبي عبدالله وفيها: «یا عبدالرحمن کلّم أهل المدینة، فإنّي أحبّ أن یُری في رجال الشیعة مثلك» وما عن الباقر(علیه السلام) کان لأبان بن تغلب، (رجال النجاشي: 10؛ الرقم 7؛ تنقیح المقال 1: 4، الرقم 19).

...


وفي هذا شهادة على أنّ فقاهته وورعه وعرفانه الحلال والحرام بالغة إلى مرتبة عالية، إلى مرتبة موجبة لحبّ الإمام المعصوم (علیه السلام) جلوسه في المدينة للإفتاء وبيان الأحكام الشرعيّة. ونقل أنّه إذا ورد مسجد الرسول يكرمونه بالجلوس على أسطوانته، وقال: «وكان أبان إذا قدم المدينة تفوّضت إليه الحلق وأخليت له سارية النبيّ (صلی الله علیه وآله)».(1)

ومع ما له من تلك الموجبات للفضيلة والكرامة والأدب، فهل يجوّز أحد أن يتكلّم هو مع إمامه (علیه السلام) - بعد ما أجاب به (علیه السلام) سؤاله عن دية قطع إصبع المرأة وبيّن أحكامه - بما نقل عنه من قوله: «قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون، إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق نبرأ ممّن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان»، فإنّ في هذه الجمل - وإن كانت صادرة ممّن هو دون أبان فضلاً عن مثله - مخالفة للأدب والاحترام اللازم مراعاته في شأن غير المعصوم(علیه السلام) من العلماء، بل ومن العالم ببعض المسائل، فكيف يحتمل صدورها منه؟! ففي هذه المخالفة في أدب المكالمة شهادة على الخلل في الحديث.

وتوهّم: أنّ تلك الجمل منه تكون لبيان تسليمه في مقابل حكم الإمام المعصوم(علیه السلام)، بأنّ ما ذكره (علیه السلام) وإن كان حين بلوغه إليناالعراق كنّا ننسبه إلى الشيطان وكنّا نتبرّأ منه، لكنّا الآن نقول: إنّه من الحقّ ومن الله تعالى؛ لكونه حكماً منك عليك السلام.


1) . رجال النجاشي: 11، الرقم 7؛ تنقیح المقال 1: 4، الرقم 19.

...


مدفوعٌ: بأنّ ذلك منافٍ ومباين ومضادّ جدّاً مع قوله (علیه السلام) له: «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول الله (صلی الله علیه وآله)»، ومع قوله (علیه السلام): «يا أبان! إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين»، فإنّ ذلك الكلام منه لو كان من جهة التسليم لحكمه (علیه السلام) لم يبق لأمره بالمهلة، ولكونه مؤاخذاً للإمام (علیه السلام) بالقياس محلّ أصلاً كما لا يخفى.

ثانيها: استدلاله (علیه السلام) لإثبات مدّعاه بقوله: «مهلاً يا أبان! (إنّ - خ.ل) هذا حكم رسول الله (صلی الله علیه وآله) أنّ المرأة تعاقل الرجل...»، غير مناسب، بل غير صحيح، مع مثل أبان الذي اعتبره جمع من العامّة مع توثيقه بكونه مغالياً في التشيّع، ومع ما عن الصادق (علیه السلام) أنّه لما أتاه نعيه، قال: «أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان».(1)

ومع غير ذلك ممّا ورد في حقّه كثيراً ممّا يدلّ على كونه عظيم المنزلة في أصحابنا، وكونه شيعيّاً خالصاً مسلّماً للأئمّة (صلوات الله عليهم أجمعين) كمال التسليم؛ وذلك لأنّ الاستدلال كذلك إنّما يكون مناسباً مع من لا يراهم أئمّة معصومين : الذين علّم الله الناس معالم دينهم، فلابدّ لهم : لإثبات كون أحكامهم إلهيّة من النسبة والنقل عن الرسول الذي هو موضع قبول كلّ المسلمين من الفرق المختلفة، وإلّا فمثل أبان ممّن يقبل حكمهم وقولهم كقبول حكم الرسول وقوله (صلی الله علیه وآله) لهم، فلا احتياج لهم: في إثبات ما يحكمون به إلى النقل عنه، بل يكون النقل كذلك معه غير صحيح، لما فيه من الإشعار بعدم تشيّعه، وهو كما ترى.

ثالثها: ما فيه من نسبته (علیه السلام) بأخذه الإمام بالقياس بقوله: «يا أبان! إنّك أخذتني


1) . رجال النجاشي:10، الرقم7؛ تنقیح المقال 1: 4، الرقم 19.

...


بالقياس»، فإنّ المستفاد من ذلك جهله ببطلان القياس، وإلّا فمع علمه ببطلان القياس لم يكن يأخذ الإمام ولم يكن يستدلّ عليه به محاجّة؛ لأنّ الاستدلال والمحاجّة وأخذ الخصم بما يكون باطلاً عنده وعند الخصم - أي الإمام (علیه السلام) - خارج عن طريق المناظرة والمحاجّة، ويكون كلام المحاجّ كذلك غير محتاج إلى الجواب.

وتوهّم جهله ببطلانه كما ترى، فإنّه ممّن يحبّ الباقر (علیه السلام) جلوسه في مسجد المدينة وإفتاءه الناس، ففي الحديث: قال له أبو‌جعفر (علیه السلام): «إجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإنّي اُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك»،(1)فكيف يعقل جهله ببطلان القياس الذي يعرف الشيعة به مع ما له من ذلك المقام والفضيلة، ومع كونه من أصحاب السجّاد والباقر والصادق :؟!

رابعها: الحكم بأربعين في قطع الأربع الذي كان مورداً لنظر أبان واستشكل في خلافه، ليس بقياس، بل استفاده من الدليل بتنقيح المناط والفهم العرفي، حيث إنّ الخسارة كلّما كثرت والقطع والجرح على الإنسان كلّما زاد، فلابدّ من الزيادة في الجبران بالمثل أو القيمة في غير الجرح والقطع، وبالدية والأرش فيهما، ومن المعلوم بناء الفقه على فهم العرف وإلغائه الخصوصيّة وتنقيحه المناط ولا ارتباط لها بالقياس أصلاً، والمورد من أظهر موارد تلك السيرة.

والقياس الباطل عبارة عن إسراء حكم من موضوع إلى موضوع؛ استناداً إلى الاستحسانات والاعتبارات العقليّة غير المستندة إلى الأدلّة الأربعة. وفي الحقيقة، القياس الباطل عبارة عن إسراء الحكم استناداً إلى الاحتمالات الناشئة عن غير


1) . رجال النجاشي:10، الرقم7.

(مسألة 4): يشترط في المقام - زائداً على ما تقدّم - التساوي في السلامة من


الكتاب والسنّة وكلمات المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأنّى ذلك مع ما استشكل لأبان ممّا كان مستنداً إلى الفهم العرفي من الدليل المسمّى مثله بالفحوى وتنقيح المناط. فتدبّر جيّداً.

خامسها: أنّ المناسب مع سيرة الأئمّة : وما في الكتاب والسنّة، إقناع السائل بالجواب عنه بما يجعل الثقيل والصعب التعبّدي عنده خفيفاً وسهلاً له، لا الجواب بتعبّد آخر.

فانظر الكتاب من آيات الصوم والصلاة والحجّ والزكاة وغيرها ممّا فيه الجهات المقرّبة الموجبة لإقناع المسلمين، بل الناس جميعاً، مع أنّها من العبادات الخالصة التوقيفيّة، فكيف بمثل الباب من أبواب الضمانات والقواعد العقلائيّة؟!

ثمّ إنّ إحراز بناء العقلاء على العمل بمثل هذه الصحيحة - مع ما لها من المحاذير الخمسة في متنها الموجبة للظنّ، بل الاطمئنان والعلم العادي بوجود الخلل فيه - إن لم يكن محالاً عاديّاً، فلا أقلّ من كونه دون خرط القتاد، فالاعتماد عليها، لاسيّما في إثبات مثل ما فيه من الحكم التعبّدي المخالف للقواعد العقلائيّة والشرعيّة بل للعقل، مشكلٌ بل ممنوعٌ.

ولنختم البحث عنها بما ذكره المقدّس الأردبيلي في المجمع بالنسبة إلى أصل المسألة، فإنّه حسن ختام، حيث قال:

وبالجملة، الحكم مخالفٌ للقواعد كما عرفته، وفي دليله أيضاًبعض المناقشات مع المخالفة في الجملة، وهو مشكلٌ.(1)


1) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 471.

الشلل ونحوه - على ما يجيء - أو كون المقتصّ منه أخفض، والتساوي في الأصالة والزيادة، وكذا في المحلّ على ما يأتي الكلام فيه، فلا تقطع اليد الصحيحة - مثلاً - بالشلّاء ولو بذلها الجاني، وتقطع الشلّاء بالصحيحة. نعم، لو حكم أهل الخبرة بالسراية - بل خيف منها - يعدل إلى الدية.(1)


التساوي في السلامة من الشلل

(1) قد عرفت الحال في اعتبار الشرائط المعتبرة في قصاص النفس في قصاص الأطراف في ذيل المسألة السابقة، وما في المسألة من شرطيّة التساوي في السلامة من الشلل ونحوه على ما بيّنه المتن، والتساوي في الأصالة والزيادة، وكذا التساوي في المحلّ من الشرائط الثلاثة زائدة على ما مرّ، فنذكرها على ترتيب المتن ونقول:

أمّا الأوّل، وهو عدم قطع الصحيح بالشلّاء دون عكسه، ففي الجواهر:

بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به بعضهم، بل عن ظاهر المبسوط.(1)أو صريحه وصريح الخلاف(2)الإجماع عليه، وهو الحجّة بعد إطلاق قول الصادق (علیه السلام) في خبر سليمان بن خالد، عن أبي عبد‌الله (علیه السلام) في رجل قطع يد رجل شلّاء«أنّ عليه ثلث الدية».(3)

بل قيل: وقوله تعالى: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ(4)


1) . المبسوط 7: 71.

2) . الخلاف 5: 194، المسألة 60.

3) . تهذیب الأحکام 10: 270/1064، باب دیة عین الأعور...، الحدیث 9؛ الکافي 7: 318، باب دیة عین الأعمی وید الأشل...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 332، كتاب الديات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 28، الحديث 1.

4) . البقرة (2): 194.

...


وإنْ عَاقَبْتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ(1)وإن كان فيه أنّ الظاهر المماثلة في أصل الاعتداء والعقاب على وجهٍ يصدق كونه مقاصّة، فلا ينافي ما دلّ على القصاص من قوله تعالى: وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ(2)وغيره، إلّا أنّ الأمر سهل بعد عدم انحصار الدليل فيه؛ إذ الحكم مفروغ منه عندهم، وقد حكي الإجماع صريحاً وظاهراً عليه.(3) وفي المجمع(4)للمقدّس الأردبيلي الاستدلال لذلك بالاعتبار والخبر، فجميع الوجوه المستدلّ بها ترجع إلى أربعة كلّها مورد للمناقشة.

أمّا الإجماع، فمضافاً إلى كونه في الخلاف(5)المعدّ لردّ مذاهب العامّة ولو على سبيل المجادلة، فمن المحتمل فيه كون استدلاله بالإجماع ردّاً عليهم مجادلة من دون اعتقاده بحجّيّته، ومضافاً إلى أنّ للشهيد الثاني 1 رسالة تشتمل على مسائل يبلغ عددها على ما في الحدائق(6)إلى نيف وسبعين مسألة ادّعى الشيخ عليها الإجماع في الخلاف، مع أنّه بنفسه خالف فيها في غيره من كتبه.

أنّه لا اعتماد على مثل هذه الإجماعات التي تكون في المسائلالاجتهاديّة المستدلّ فيها بالكتاب والسنّة، كما لا يخفى، كيف ومن المحتمل فيها تقريباً لاسيّما في مثل ما في الخلاف في المسألة من الاستدلال بآية المماثلة في الاعتداء بعد


1) . النحل (16): 126.

2) . المائدة (5): 45.

3) . جواهر الكلام 42: 348.

4) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 80.

5) . الخلاف 5: 194، المسألة 60.

6) . الحدائق الناضرة 9: 368.

...


الاستدلال بالإجماع،(1)كون الإجماع مستنداً إلى الدليل لا إلى الوصول من المعصوم أو الكشف عن وجود دليل معتبر واصل إلينا ومحض احتمال الاستثناء كاف في عدم حجّيّة الإجماع.

وأمّا الآيتان: فالقدر المتيقّن منهما - من جهة شأن النزول، وإشعار التعبير بالجمع، بل من جهة المورد في آية الاعتداء لسبقها بقوله تعالى: الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالحُرُماتُ قِصَاصٌ(2)- هو الحرب والمقاتلة، ومن الواضح أنّ المماثلة فيه إنّما تكون في أصل الحرب، فالشهر الحرام بالشهر الحرام والمقاتلة بالسيف بالمقاتلة بالسيف - مثلاً - لا بالزائد عنه - مثلاً - ، وإلّا فمن المعلوم أنّ المماثلة من جميع الجهات في الحرب.

والمماثلة في الخصوصيّات في موضع البحث في المقام، كالضرب على الرجل في الضرب عليه - مثلاً - فضلاً عن المماثلة في الصحّة والشلّاء، فغير معقول في مثل الحرب، كما هو واضح.

فالاستدلال بهما للمقام وللمماثلة المعتبرة في المسألة كما ترى.

وأمّا الخبر - أي خبر سليمان بن خالد - المستدلّ بإطلاقه في الجواهر، وبظهوره في مجمع الفائدة والبرهان،(3)مضافاً إلى ضعف سنده بحمّاد بن زياد أو ابن زيد؛ لكونه مهملاً أو مجهولاً.(4)


1) . الخلاف 5: 194، المسألة 60.

2) . البقرة (2): 194.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 81، ففيه بعد نقل الخبر: «والظاهر أنّ القاطع صحيح، فيفهم منه الدية».

4) . فراجع: تنقيح المقال 1: 363، الرقم 3289و3290.

...


الظاهر كون السؤال فيه عن حكم القاطع ووظيفته فيما بينه وبين الله عزّ وجلّ، لا عن جزاء القطع وحقّ المقطوع منه، فلا دلالة فيه عليهما، كما لا يخفى، ولا يصحّ الاستدلال به لهما، بل لابدّ من الرجوع إلى دليل آخر.

ولا منافاة بين كون حكم القاطع ووظيفته الإلهيّة أداء الثلث، وبين كون الجزاء للقطع، وما للمقطوع منه في المحكمة وبعد الطلب والإثبات القصاص بلا ردّ أو معه؛ وذلك لأنّ إحدى الوظيفتين إلهيّة سريّة والمكلّف بها القاطع، والأُخرى جهريّة قضائية يأخذ بها المقطوع منه، فهما مختلفان في كلتا الجهتين.

ولا استبعاد في ذلك بعد وقوع مثله في قتل العمد، كالحكم بالدية بدواً في قتل العمد في الأخبار المستفيضة المنقولة في الوسائل في باب «حكم القاتل إذا لم يقدر على دفع الدية أو لم يقبل منه»،(1)مع أنّ حكم العمد القصاص، فإنّه ليس ذلك إلّا لكون السؤال والجواب في تلك الأخبار عن وظيفة القاتل بما هي هي، مع قطع النظر عن حقّ القصاص الثابت لوليّ الدم.

وأمّا الاعتبار المستدلّ به في المجمع بقوله:

وأمّا عدم قطع الصحيح بالشلّاء فهو الاعتبار.(2)

ففيه: - مضافاً إلى كون مقتضى الاعتبار تخيير المجنيّ عليه بين أخذهالدية أو القصاص مع ردّ الأرش، وما به التفاوت بين اليد الصحيحة والشلّاء - أنّه لا اعتبار بالاعتبار، لكنّه لا يخفى عليك أنّ ذلك التخيير هو الموافق للتحقيق الحقيق بالتصديق أيضاً، فإنّ الظاهر من قوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ،(3)بل صراحته


1) . وسائل الشيعة 29: 73، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 30.

2) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 80.

3) . المائدة (5): 45.

...


أنّ الأصل والضابطة في الجراحات المقابلة بالمثل ومتابعة المجنيّ عليه الجاني في الجناية والجراحة؛ قضاءً لمعنى القصاص عرفاً ولغةً بل وشرعاً، كما يظهر من الرجوع إلى مسائل المقاصّة الماليّة في الشرع، ولا اختصاص له بالقطع والجناية المشابهة قطعاً.

وإنّما يتحقّق القصاص عرفاً فيما لو قطع صاحب اليد الصحيحة اليد الشلّاء بقطعها مع ردّ التفاوت بينهما، وإلّا فمن الواضح عند العرف عدم كون قطع اليد الصحيحة باليد الشلّاء بلا ردٍّ قصاصاً ومقابلة بالمثل؛ لما بينهما من التفاوت في العمل والخسارة، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ مثل الآية وإن كانت مقتضية للقصاص مع الردّ، إلّا أنّ التخيير بينه وبين أخذ المجنيّ عليه الدية، إنّما يثبت بالأولويّة، كما مرّ بيانها في قصاص النفس، فالمجنيّ عليه إن كان له قطع يد الجاني مع الردّ فله عدم القطع وأخذ الدية بالأولويّة القطعيّة؛ لكونه أولى من القطع عرفاً بلا شكّ وارتياب.

وممّا يؤ‌يّد التحقيق كونه جمعاً بين الحقّين، وذلك بخلاف نفي القود رأساً، والحكم بالحكومة كما عليه العامّة، أو الثلث كما عليه الخاصّة.

ويؤ‌يّده أيضاً ما في الجواهر ممّا دونك عبارته:

هذا، ولكن في المسالك: «من شرائط القصاص في الطرف تساويهما في السلامة لا مطلقاً؛ لأنّ اليد الصحيحة تقطع بالبرصاء، بل المراد سلامة خاصّة، وهي التي تؤثّر التفاوت فيهاأو يتخيّل تأثيره كالصحّة والشلل».(1)


1) . مسالك الأفهام 15: 268.

...


قلت: لا كلام في عدم القصاص بين الصحيحة والشلّاء بعد الاتّفاق عليه نصّاً وفتوىً، أمّا ما لا يصدق عليه اسم الشلل ممّا هو مؤثّر فيها أيضاً فلا دليل على عدم القصاص به بعد قوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ(1)وصدق (اليد باليد).(2)نعم، يجبر ضرر المقتصّ منه بدفع التفاوت من المقتصّ؛ بناءً على ما أشرنا إليه من خبر الحسن بن الجريش(3)المشتمل على قضيّة ابن عبّاس، لكن لم أجد من أقعد القاعدة المزبورة على وجهٍ يعمل عليها في غير محلّ النصّ.(4)

ولقد أجاد في بيان الآية وحقيقة القصاص ممّا يكون راجعاً إلى ما قلناه، وفي أنّ عدم القصاص بين الصحيحة والشلّاء إنّما هو للاتّفاق عليه نصاً وفتوىً، الظاهر في أنّ عدم القصاص في مثلهما مع الردّ من جهة التخصيص والدليل الخاصّ، وإلّا فمقتضى القاعدة جواز المقاصّة بينهما مع الجبران من المقتصّ. فتدبّر في كلامه واغتنم ما بيّنه وبيّنّاه من الآيةوحقيقة القصاص، وأسأل له من الله الرحمة والرضوان، ولنا التوفيق لفقه آيات الكتاب وأخبار ذوي الألباب الذين هم منابع


1) . المائدة (5): 45.

2) . الکافي 7: 319، باب أنّ الجروح قصاص، الحدیث 4؛ تهذیب الأحکام 10: 259/1022، باب دیات الأعضاء والجوارح...، الحدیث 55؛ الفقیه 4: 99/328، باب ما یجب فیه الروایة...، الحدیث 9؛ وسائل الشيعة 29: 174، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 12، الحديث 2.

3) . راجع: وسائل الشيعة 29: 172، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 10، الحديث 1؛ والصحيح: الحسن بن العبّاس بن الحريش. ( راجع: تنقيح المقال 287:1، الرقم 2591).

4) . جواهر الكلام 42: 350.

...


الأحكام والوحي والإلهام، سلام الله عليهم إلى يوم القيام.

هذا كلّه في عدم قطع الصحيحة بالشلّاء، ويظهر منه حكم عكسه - أي قطع الشلّاء بالصحيحة - فحكمه أيضاً تخيير الصحيح المجنيّ عليه بين قطع يد الجاني الشلّاء وأخذ الأرش منه وبين أخذ ديتها فقط؛ وذلك لعين ما ذكرناه في الأصل من دلالة الآية والأولويّة.

وما في الجواهر من الاستدلال لعدم ضمّ الأرش بالأصل وغيره بعد تساويهما في الجرم ونحوه، حيث قال:

وإنّما اختلافهما في الصفة التي لا تقابل بالمال كالرجولية والأُنوثة، والحريّة والعبوديّة، والإسلام والكفر، فإنّه إذا قتل الناقص منهم بالكامل لم يجبر بدفع أرش، خصوصاً بعد قولهم عليهم السلام: «إنّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه»(1).(2)

ففيه: أنّ صفة الصحيحة في مقابل الشلّاء تقابل بالمال عرفاً، وكيف لا تقابل بالمال مع ما مرّ(3)من الاستدلال برواية سليمان بن خالد على عدم قطع الصحيحة بالشلّاء وأنّ على القاطع الثلث، وتلك الصفة مغايرة مع مثل الإسلام والكفر؛ لأنّ القصاص في النفس بالقود وبإذهاب نفس القاتلفي مقابل نفس المقتول، فلا دخالة للصفات في الجناية ولا في القصاص عليها؟


1) . تهذیب الأحکام 10: 182/712، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 9؛ الاستبصار 4: 267/1008، باب حکم المرأة إذا قتلت رجلاً، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 83، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث10.

2) . جواهر الكلام 42: 349.

3) . مرّ في الصفحة 627.

(مسألة 5): المراد بالشلل هو يبس اليد بحيث تخرج عن الطاعة ولم تعمل عملها ولو بقي فيها حسّ وحركة غير اختياريّة. والتشخيص موكول إلى العرف كسائر الموضوعات. ولو قطع يداً بعض أصابعها شلّاء ففي قصاص اليد الصحيحة تردّد، ولا أثر للتفاوت بالبطش ونحوه، فيقطع اليد القويّة بالضعيفة، واليد السالمة باليد البرصاء والمجروحة.(1)

(مسألة 6): يعتبر التساوي في المحلّ مع وجوده، فتقطع اليمين باليمين واليسار باليسار، ولو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره، ولو لم يكن له يد أصلاً قطعت رجله على رواية معمول بها، ولا بأس به.

وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في اليد اليسرى أو هما سواء؟ وجهان.


هذا، مع ما مرّ من الإشكال في التعليل الواقع في قولهم :: وإنّه يردّ علمه إلى أهله.

نعم، ليس للمجنيّ عليه التخيير بين قطع يد الشلّاء مع أخذ الأرش من الجاني وبين أخذه الدية منه مع حكم أهل الخبرة بالسراية بل خيف منها، فإنّه يتعيّن الدية، ووجهه ظاهر غير محتاج إلى البيان.

(1) ولا يخفى أنّه لا خصوصيّة للشلل بما هو هو على ما بيّنّاه من القاعدة فيه، فجميع أحكام الشلل جار فيما هو مثله ممّا يكون مقابلاً بالمال والضمان عرفاً؛ قضاءً لأدلّة القصاص وغيرها، كما مرّ، وعلى هذا فيجري ما في قطع الصحيحة بالشلّاء وعكسه من الأحكام فيما كان بعض الأصابع شلّاء؛ لكون الأحكام على القاعدة، وكون الإصبع مقابلاً بالمالوجوداً وعدماً، وهذا بخلاف البطش ونحوه فحكمه المقابلة بالمثل من دون الردّ، كما في المتن؛ لعدم مقابلة مثله بالمال.

ولو قطع اليسرى ولم يكن له اليسرى فالظاهر قطع اليمنى على إشكال، ومع عدمهما قطع الرجل. ولو قطع الرجل من لا رجل له فهل يقطع يده بدل الرجل؟ فيه وجه لا يخلو من إشكال.

والتعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب وغيرها مشكلٌ. وإن لا يخلو من وجه، سيّما اليسرى من كلّ باليمنى.(1)


اعتبار التساوي في المحلّ

(1) اعتبار التساوي في المحلّ مع وجوده - أي قطع اليمين باليمين، واليسار باليسار، والإبهام بمثلها، وهكذا - لا خلاف فيه بين المسلمين، بل في كشف اللثام: «الاتّفاق عليه»،(1)وهو الموافق مع أدلّة القصاص، كما لا يخفى.

وأمّا حكم عدم اليمين أو عدم اليد أصلاً، ممّا نسبه المتن إلى رواية معمول بها مع نفيه البأس به، فلنكتف في شرحه بنقل ما في الجواهر لكفايته وجيادته، حيث قال:

نعم، عن الأكثر بل المشهور، بل عن الخلاف(2)والغنية:(3)إجماع الفرقة عليه، مع زيادة أخبارهم عليه، في الثاني أنّه إن لم تكن يمين قطعت يساره، ولو لم يكن له يمين ولا يسار قطعت رجله؛استناداً إلى الرواية التي هي صحيحة حبيب السجستاني المرويّة في الكتب الثلاثة،(4)بل


1) . كشف اللثام 11: 183.

2) . الخلاف 5: 193، المسألة 59.

3) . غنية النزوع 1: 410.

4) . الكافي 7: 319، باب أنّ الجروح قصاص، الحديث 4؛ الفقيه 4: 99/328، باب ما يجب فيه الدية ونصف الدية...، الحديث 9؛ تهذيب الأحكام 10: 259/1022، باب ديات الأعضاء والجوارح والقصاص فيها، الحديث 55؛ المحاسن 2: 41/1113، کتاب العلل، الحدیث 61.

...


و‌المحاسن على ما قيل، قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام) عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين؟ فقال: «يا حبيب! تقطع يمينه للذي قطع يمينه أوّلاً، وتقطع يساره للذي قطعت يمينه أخيراً، لأنّه إنّما قطع يد الرجل الآخر ويمينه قصاص للرجل الأوّل»، قال: فقلت: إنّ عليّاً (علیه السلام) إنّما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، فقال: «إنّما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق الله تعالى، فأمّا ما يجب من حقوق المسلمين فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في القصاص، اليد باليد إذا كانت للقاطع يدان، والرجل باليد إذا لم تكن للقاطع يد»، فقلت له: أما توجب عليه الدية وتترك رجله؟ فقال: «إنّما نوجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان، ثمّ نوجب عليه الدية، لأنّه ليست له جارحة يقتصّ منها».(1)

وهي معلومة الصحّة إلى حبيب، وأمّا هو، ففي المسالك: لا نصّ على توثيقه، وقال: «وحينئذٍ فإطلاق جماعة من الأصحاب صحّة الرواية مدخول أو محمول على الصحّة الإضافيّة، كما تقدّم في نظائره، وهذا هو السرّ في نسبة المصنّف الحكم إلى الرواية من غير ترجيح».(2).

قلت: قد يقال بكفاية شهادة وصفها بالصحّة في المختلف(3)والإيضاح(4)


1) . وسائل الشيعة 29: 174، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 12، الحديث 2 .

2) . مسالك الأفهام 15: 271.

3) . مختلف الشيعة 9: 404، المسألة79.

4) . إيضاح الفوائد 4: 573.

...


و‌المهذّب البارع(1)والتنقيح،(2)بل في الروضة(3)نسبة وصفها بذلك إلى الأصحاب، على أنّ المذكور في ترجمته أنّه كان شارياً، ورجع إلى الباقر والصادق(علیهما السلام) وانقطع إليهما، بل عن صاحب البلغة: «الحكم بكونه ممدوحاً»، بل عن الفاضل المتبحّر وحيد عصره - وخصوصاً في الحديث والرجال - الآغا محمّد باقر عن جدّه أنّه حكم بأنّه ثقة.

كلّ ذلك مضافاً إلى انجباره بما عرفت، بل لم نعثر على رادٍّ له غير الحلّي(4)وثاني الشهيدين(5)في بعض المواضع من بعض كتبه على أصليهما الفاسدين، والفخر(6)في خصوص قطع الرجل باليد.

بل وإلى تأييده بما قيل من أنّه استيفاء لمساوي الحقّ مع تعذّر اليمين كالقيمة في المتلفات، والدية مع تعذّر القصاص، والمساواة الحقيقية لو اعتبرت لما جاز التخطّي من اليد اليمنى إلى اليد اليسرى، كما لا يجوز لو كانت الجناية واحدة.

وإن كان قد يناقش بأنّه لو كفت المساواة ديةً لجاز قلع العين إذا فقدت اليدان والرجلان، وقياس الرجل على اليد التي يمكن دعوىحصول المقاصّة فيها باعتبار الصدق - ومن هنا حكي عليه الإجماع في المسالك (7)


1) . المهذّب البارع 5: 173.

2) . التنقيح الرائع 4: 422. وفيه: «شارباً».

3) . الروضة البهيّة 10: 78.

4) . السرائر 3: 397.

5) . مسالك الأفهام 15: 272.

6) . إيضاح الفوائد 4: 574.

7) . مسالك الأفهام 15: 271.

...


ومحكيّ المهذّب البارع(1)و‌المقتصر، ونفى فيه الخلاف في التنقيح(2)والرياض(3)- لا وجه له، لكنّ العمدة ما عرفت.

نعم، ليس في الخبر المزبور ترتيب في الرجلين، وإنّما هو موجود في معقد إجماع الخلاف و‌الغنية ، ولعلّه كافٍ في إثبات ذلك بعد عدم العلم بخطأه.(4)

هذا كلّه فيما كان مورداً للتعرّض في الرواية، وأمّا غيرهما من المسائل الأربعة المتفرّعة على المسألة المذكورة فيها:

من لزوم الموافقة للرجل مع اليد بتقديم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى في قطع اليد اليسرى أو عدمه، وأنّهما سواء ولا تقديم للموافق.

ومن جواز قطع اليمنى في مقابل اليسرى وعدمه. نعم، مع عدمهما لا إشكال في وصول الدور إلى الرجلين.

ومن جواز قطع اليد بدل الرجل، كعكسه وعدمه.

ومن التعدّي إلى مطلق الأعضاء، كالعين والأُذن والحاجب وغيرها، بل ومن التعدّي إلى مثل الحاجب أو إلى الأُذن مع فقدان مثل العين من الأعضاء الموجودة في الوجه.

ففي كلّها وجهان من الجواز والتعدّي؛ قضاء لصدق القصاص في بعضها،


1) . المهذّب البارع 5: 172.

2) . التنقيح الرائع 4: 422.

3) . رياض المسائل 16: 319.

4) . جواهر الكلام 42: 351.

...


ولعموم العلّة في رواية حبيب في كلّها، ومن عدم الجواز وعدم التعدّي؛ اقتصاراً في مخالف الأصل والقاعدة على المتيقّن. لكنّ الظاهر في غير التعدّي الأخير الذي ذكرناه في ذيل الرابع، الجواز والتعدّي؛ لعموم العلّة وصدق القصاص في البعض، ومع الدليل لم يبق وجه للاقتصار على المتيقّن.

نعم، لا يخفى عليك الاختلاف في الظهور. وفي الجواهر:

هذا كلّه في خصوص اليدين والرجلين دون غيرهما؛ لقاعدة الاقتصار على المتيقّن فيما خالف العمومات، كما صرّح به غير واحد، خلافاً للحلّي،(1)فعمّم الحكم، حيث قال: «وكذلك القول في أصابع اليدين والرجلين والأسنان». ولعلّه نظر إلى العلّة في الرواية التي ظاهر الأصحاب - عداه - عدم العمل بها في ذلك، حتّى في العينين - مثلاً - ، فلا تقلع اليمنى باليسرى مع عدمها، وبالعكس وإن كان لولا ذلك لأمكن القول به؛ للخبر المزبور المؤ يّد بإطلاق قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ(2)مثلاً، بعد تخصيص اعتبار الترتيب بصورة الإمكان، فتأمّل.(3)

ولا يخفى أنّ محض كون ظاهر الأصحاب - عداه - عدم العمل بهاغير مضرّ بالقول به؛ للخبر، فلعلّهم لم يلتفتوا إلى عموم العلّة المؤ يّدة بإطلاق الآية. فتدبّر جيّداً.


1) . الظاهر أ‌نّه الحلبي، كما نقل عنه «المختلف»، لا الحلّي؛ لعدم ثبوت الخلاف كذلك عنه، حيث قال: «وأبو الصلاح عمّم الحكم فقال: وكذلك...». فراجع: مختلف الشيعة 9: 403، المسألة 79؛ الكافي في الفقه: 389.

2) . المائدة (5): 45.

3) . جواهر الكلام 42: 353.

(مسألة 7): لو قطع أيدي جماعة على التعاقب قطعت يداه ورجلاه بالأوّل فالأوّل، وعليه للباقين الدية، ولو قطع فاقد اليدين والرجلين يد شخص أو رجله

فعليه الدية.(1)

(مسألة 8): يعتبر في الشجاج التساوي بالمساحة طولاً وعرضاً، قالوا ولا يعتبر عمقاً ونزولاً، بل يعتبر حصول اسم الشجّة، وفيه تأ‌مّل وإشكال والوجه التساوي مع الإمكان، ولو زاد من غير عمد فعليه الأرش، ولو لم يمكن إلّا بالنقص لا يبعد ثبوت الأرش في الزائد على تأ‌مّل. هذا في الحارصة والدامية والمتلاحمة.

وأمّا في السمحاق والموضحة فالظاهر عدم اعتبار التساوي في العمق، فيقتصّ المهزول من السمين إلى تحقّق السمحاق والموضحة.

(مسألة 9): لا يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أو طرف، وكذا فيما لا يمكن الاستيفاء بلا زيادة ونقيصة كالجائفة والمأمومة، ويثبت في كلّ جرح لا تغرير في أخذه بالنفس وبالطرف، وكانت السلامة معه غالبة، فيثبت في الحارصة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة، ولا يثبت في الهاشمة ولا المنقّلة، ولا لكسر شيء من العظام. وفي رواية صحيحة إثبات القود في السنّ والذراع إذا كسرا عمداً، والعامل بها قليل.(2)


(1) القطع بالأوّل فالأوّل مستفاد من رواية حبيب، مضافاً إلى قاعدة ترتّب المسبّبات على ترتيب الأسباب.

وأمّا الدية للباقين أو في قطع فاقد اليدين والرجلين، فللضمان به شرعاً وعقلاً مع عدم القصاص، كما لا يخفى.

(2) ما في المسألتين من الأحكام وجوهها واضحة، ومن أراد زيادة الاطّلاع

...


فليراجع الجواهر وغيره من الكتب القويمة الفقهيّة.

ولا يخفى أنّ عدم ثبوت القصاص في الهاشمة وبعدها ليس إلّا من جهة التغرير، وما في النصّ من قول أمير‌المؤمنين (علیه السلام): «لا قصاص في عظم».(1)وفي الفتاوى من الإجماع على الحكومة في الجميع،(2)إنّما يكون بذلك أيضاً، كما يفهمه العرف، فلا خصوصيّة لتلك الموارد، فيثبت القصاص فيها مع عدم التغرير؛ قضاءً لعموم أدلّته.

وما في المتن من الرواية الصحيحة هي ما عن أبي بصير، عن أبي عبدالله(علیه السلام)، قال: سألته عن السنّ والذراع يكسران عمداً لهما أرش أو قود؟ فقال: «قود»، قال: قلت: فإن أضعفوا الدية؟ قال: «إن أرضوه بما شاء فهو له».(3)

والظاهر أنّها محمولة على عدم التغرير، فالعمل بها على ذلك لا إشكال فيه وإن كان العامل بها قليل وإطلاقها مقيّد بعدم التغرير.

نعم، العمل بإطلاقها مشكلٌ بل ممنوعٌ، وإن كان العامل بها كثيراً؛ لما في القصاص مع التغرير خطر بالنفس أو زيادة في العقوبة، وهما محرّمانوغير قابلين للتقيّد، كما هو واضح.


1) . النوادر، للأشعري: 143، باب قذف اللسان والحدود، الحدیث 368؛ وسائل الشيعة 29: 186، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 24، الحديث 2.

2) . لاحظ: جواهر الكلام 42: 355.

3) . الکافي 7: 320، باب أنّ الجروح قصاص، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 102/341، باب دیة الأصباح والأسنان والعظام، الحدیث 2؛ تهذیب الأحکام 10: 275/1077، باب القصاص، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 176، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 13، الحديث 4.

(مسألة 10): هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية؟ قيل: لا؛ لعدم الأمن من السراية الموجبة لدخول الطرف في النفس، والأشبه الجواز. وفي رواية:« لا يقضى في شيء من الجراحات حتّى تبرأ». وفي دلالتها نظر. والأحوط الصبر، سيّما فيما لا يؤمن من السراية. فلو قطع عدّة من أعضائه خطأً، هل يجوز أخذ دياتها ولو كانت أضعاف دية النفس، أو يقتصر على مقدار دية النفس حتّى يتّضح الحال، فإن اندملت أخذ الباقي، وإلّا فيكون له ما أخذ لدخول الطرف في النفس؟ الأقوى جواز الأخذ ووجوب الإعطاء. نعم لو سرت الجراحات يجب إرجاع الزائد على النفس.(1)


ثمّ إنّ ما في المتن و الجواهر(1)من التعبير عن الرواية بالصحيحة، مع كون الناقل أبي بصير المشترك بين الثقة وغيره، ففيه ما لا يخفى. نعم، هي صحيحة إلى أبي بصير. فتأ‌مّل.

(1) القائل بعدم الجواز الشيخ في المبسوط؛ معلّلاً بما في المتن من عدم الأمن، فقد قال:

فإذا ثبت ذلك، فالقصاص يجوز من الموضحة قبل الاندمال عند قوم، وقال قوم: لا يجوز إلّا بعد الاندمال، وهو الأحوط عندنا؛ لأنّها ربّما صارت نفساً.(2).

لكنّه اختار الجواز في الخلاف(3)مع استحباب الصبر، وهو أشبه بأُصول المذهب وقواعده التي منها: العمل بعموم قوله تعالى: وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ،(4)


1) . جواهر الكلام 42: 356.

2) . المبسوط 7: 75.

3) . الخلاف 5: 196، المسألة 65.

4) . المائدة (5): 45.

(مسألة 11): إذا أُريد الاقتصاص حلق الشعر عن المحلّ إن كان يمنع عن سهولة الاستيفاء أو الاستيفاء بحدّه، وربط الجاني على خشبة أو نحوها بحيث لا يتمكّن من الاضطراب، ثمّ يقاس بخيط ونحوه ويعلّم طرفاه في محلّ الاقتصاص،


و‌فَمَنِ اعْتَدَى...،(1)وَإنْ عاقَبْتُمْ...،(2)خصوصاً بعد ما قيل من دلالة الفاء على ذلك بلا مهلة وإن كان فيه نظر واضح.

ومنها: أصالة البراءة من وجوب الصبر، وأصالة عدم حصول السراية، بل وأشهر، بل لم نجد فيه مخالفاً عدا ما في المبسوط(3)مع أنّه قال: التأخير فيه أحوط، وهو بعينه الاستحباب الذي أشار إليه في الخلاف، فتخرج المسألة حينئذٍ عن الخلاف، والموثّق محمول على إرادة عدم القضاء في الجرح الذي لا يعلم حال إفساده حتّى يبرأ، لا الجرح الذي تحقّق فيه موجب القصاص وشكّ في حصول المسقط.

ومنه يعلم ما في الأوّل المبني على أنّ السراية كاشفة عن عدم حقّ له إلّا قصاص النفس، وهو ممنوع، ضرورة تحقّق الموجب حتّى لو علم السراية كان له القصاص فعلاً لحصول الموجب. نعم، لو لم يفعل فاتّفق حصولها دخل قصاص الطرف فيه، ومن هنا لا يجب عليه ردّ دية العضو بعد حصولها لو فرض قطعه قبلها.

وقد ظهر ممّا ذكرناه وجه أقوائيّة جواز الأخذ ووجوب الإعطاء فيمالو قطع عدّة من أعضائه خطأً، فلا نعيده.


1) . البقرة (2): 194.

2) . النحل (16): 126.

3) . المبسوط 7: 75.

ثمّ يشقّ من إحدى العلامتين إلى الأُخرى، ولو كان جرح الجاني ذا عرض يقاس العرض أيضاً. وإذا شقّ على الجاني الاستيفاء دفعة يجوز الاستيفاء بدفعات، وهل يجوز ذلك حتّى مع عدم رضا المجنيّ عليه؟ فيه تأ‌مّل.

(مسألة 12): لو اضطرب الجاني فزاد المقتصّ في جرحه لذلك فلا شيء عليه، ولو زاد بلا اضطراب أو بلا استناد إلى ذلك، فإن كان عن عمد يقتصّ منه، وإلّا فعليه الدية أو الأرش، ولو ادّعى الجاني العمد وأنكره المباشر فالقول قوله، ولو ادّعى المباشر الخطأ وأنكر الجاني، قالوا: القول قول المباشر، وفيه تأ‌مّل.

(مسألة 13): يؤخّر القصاص في الطرف عن شدّة الحرّ والبرد وجوباً إذا خيف من السراية، وإرفاقاً بالجاني في غير ذلك، ولو لم يرض في هذا الفرض المجنيّ عليه ففي جواز التأخير نظر.

(مسألة 14): لا يقتصّ إلّا بحديدة حادّة غير مسمومة ولا كالّة مناسبة لاقتصاص مثله، ولا يجوز تعذيبه أكثر ممّا عذّبه، فلو قلع عينه بآلة كانت سهلة في القلع، لا يجوز قلعها بآلة كانت أكثر تعذيباً، وجاز القلع باليد إذا قلع الجاني بيده أو كان القلع بها أسهل. والأولى للمجنيّ عليه مراعاة السهولة، وجاز له المماثلة. ولو تجاوز واقتصّ بما هو موجب للتعذيب، وكان أصعب ممّا فعل به، فللوالي تعزيره، ولا شيء عليه، ولو جاوز بما يوجب القصاص اقتصّ منه، أو بما يوجب الأرش أو الدية أُخذ منه.

(مسألة 15): لو كان الجرح يستوعب عضو الجاني مع كونه أقلّفي المجنيّ عليه؛ لكبر رأسه - مثلاً - كأن يكون رأس الجاني شبراً ورأس المجنيّ عليه شبرين، وجنى عليه بشبر، يقتصّ الشبر وإن استوعبه. وإن زاد على العضو - كأن جنى عليه في الفرض بشبرين - لا يتجاوز عن عضو بعضو آخر، فلا يقتصّ من

الرقبة أو الوجه، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض، ويؤخذ للباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر، وإلّا فالحكومة. وكذا لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من العضو. ولو انعكس وكان عضو المجنيّ عليه صغيراً، فجنى عليه بمقدار شبر وهو مستوعب لرأسه - مثلاً - لا يستوعب في القصاص رأس الجاني، بل يقتصّ بمقدار شبر وإن كان الشبر نصف مساحة رأسه.

(مسألة 16): لو أوضح جميع رأسه؛ بأن سلخ الجلد واللحم من جملة الرأس، فللمجنيّ عليه ذلك مع مساواة رأسهما في المساحة، وله الخيار في الابتداء بأيّ جهة. وكذا لو كان رأس المجنيّ عليه أصغر، لكن له الغرامة في المقدار الزائد بالتقسيط على مساحة الموضحة. ولو كان أكبر يقتصّ من الجاني بمقدار مساحة جنايته، ولا يسلخ جميع رأسه. ولو شجّه فأوضح في بعضها فله دية موضحة، ولو أراد القصاص استوفى في الموضحة والباقي.

(مسألة 17): في الاقتصاص في الأعضاء غير ما مرّ: كلّ عضو ينقسم إلى يمين وشمال - كالعينين والأُذنين والأُنثيين والمنخرين ونحوها - لا يقتصّ إحداهما بالأُخرى، فلو فَقَأ عينه اليُمنى لا يقتصّ عينه اليُسرى، وكذا في غيرهما.

وكلّ ما يكون فيه الأعلى والأسفل يراعى في القصاص المحلّ، فلا يقتصّ الأسفل بالأعلى كالجفنين والشفتين.

(مسألة 18): في الأُذن قصاص؛ يقتصّ اليمنى باليمنى واليسرىباليسرى. وتستوي أُذن الصغير والكبير، والمثقوبة والصحيحة إذا كان الثقب على المتعارف، والصغيرة والكبيرة، والصمّاء والسامعة، والسمينة والهزيلة.

وهل تؤخذ الصحيحة بالمخرومة وكذا الصحيحة بالمثقوبة على غير المتعارف بحيث تعدّ عيباً، أو يقتصّ إلى حدّ الخرم والثقب والحكومة فيما بقي، أو يقتصّ مع

ردّ دية الخرم؟ وجوه، لا يبعد الأخير. ولو قطع بعضها جاز القصاص.( 1)

(مسألة 19): لو قطع أُذنه فألصقها المجنيّ عليه والتصقت، فالظاهر (2) عدم سقوط القصاص، ولو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت، ففي رواية: قطعت ثانية لبقاء الشين. وقيل: يأمر الحاكم بالإبانة لحمله الميتة والنجس. وفي الرواية ضعف.

ولو صارت بالإلصاق حيّة كسائر الأعضاء لم تكن ميتة، ويصحّ الصلاة معها، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها، بل لو أبانه شخص فعليه القصاص لو كان عن عمد وعلم، وإلّا فالدية، ولو قطع بعض الأُذن ولم يبنها فإن أمكنت المماثلة في


(1) ما في المسائل الثمانية الآتية من المباحث الموضوعيّة وكيفيّة الإجراء أو الحكمية، وجوهها ساذجة تظهر بالتأ‌مّل فيها وبما ذكره في المتن، فلنصرف الكلام منها لقلّة الفائدة العلميّة فيها، بل ولقلّة الابتلاء بها، ونرجو من الله التوفيق في سائر المسائل.

(2) ذلك لوجود المقتضي الذي لا دليل على عدم اقتضائه بالإلصاق الطارئ، خصوصاً مع عدم الإقرار عليه.

وأمّا لو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت، فللمجنيّ عليه أن يطالب بقطعها وإبانتها.

وفي الخلاف: عليه إجماع الفرقة وأخبارهم، حيث قال:

إذا قطع أُذن غيره قطعت أُذنه، فإن أخذ الجاني أُذنه فألصقها فالتصقت، كان للمجنيّ عليه أن يطالب بقطعها وإبانتها - إلى أنقال -: «دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)


1) . الخلاف 5: 201، المسألة 72.

القصاص ثبت، وإلّا فلا، وله القصاص ولو مع إلصاقها.

(مسألة 20): لو قطع أُذنه فأزال سمعه فهما جنايتان(1) ولو قطع أُذناً مستحشفة شلّاء ففي القصاص إشكال، بل لا يبعد ثبوت ثلث الدية.(2)


والحجّة على ذلك عموم العلّة في رواية إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه(علیهما السلام): «أنّ رجلاً قطع من بعض أُذن رجل شيئاً، فرفع ذلك إلى عليّ (علیه السلام) فأقاده، فأخذ الآخر ما قطع من أُذنه فردّه على أُذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى عليّ (علیه السلام) فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت، وقال (علیه السلام): إنّما يكون القصاص من أجل الشين».(1)بل وظهور الحكم، فإنّ من الواضح بنظر العرف إلغاء الخصوصيّة لبعض الأُذن، فلا فرق بين الكلّ والبعض.

وما في المتن من ضعف الرواية، فمضافاً إلى انجباره بعمل الأصحاب، كما يشهد عليه إجماع الخلاف. فتأ‌مّل، أنّه ليس في السند ما يوجب الضعف إلّا غياث بن كلوب الذي ادّعى الشيخ في العدّة(2)عمل الطائفة بأخباره، وهو كافٍ في اعتبار حديثه.

وأمّا غيره ممّن كان في السند، فالذين قبله عدول، والذين بعده مشتركون بين الثقة والموثّق، فإنّ إسحاق بن عمّار الصيرفي ثقةوالساباطي موثّق.

(1) قطع الأُذن وإزالة السمع هما جنايتان؛ لأنّ منفعة السمع في الدماغ لا في الأُذن ليتبعها.

(2) والإشكال في القصاص لقطع الأُذن المستحشفة - وهي التي لم يبق فيها


1) . تهذیب الأحکام 10: 279/1093، باب القصاص، الحدیث 99؛ المقنع: 518، باب الدیات؛ وسائل الشيعة 29: 185، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 23، الحديث 1.

2) . العدّة في أُصول الفقه 1: 149.

(مسألة 21): يثبت القصاص في العين، وتقتصّ مع مساواة المحلّ، فلا تقلع اليمنى باليسرى ولا بالعكس، ولو كان الجاني أعور اقتصّ منه وإن عمي، فإنّ الحقّ أعماه، ولا يردّ شيء إليه ولو كان ديتها دية النفس إذا كان العور خلقة أو بآفة من الله تعالى.

ولا فرق بين كونه أعور خلقة أو بجناية أو آفة أو قصاص، ولو قطع أعور العين الصحيحة من أعور يقتصّ منه.(1)


حسّ وصارت شلّاء؛ أي يابسة - ناشئ من أنّ اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلّاء، ومن أنّ الشلل ليس نقصاً يعتدّ به لأجل بقاء الجمال والمنفعة المقصودة في الأُذن، لأنّها تجمع الصوت وتوصله إلى الدماغ، وتدفع الهوام والغبار والدخان والبخار الغليظ من الدخول في ثقب الأُذن، بخلاف اليد الشلّاء.

وهذا الوجه أوجه بل متعيّن.

ثمّ إنّ الإشكال غير مختصّ بالمعروف من عدم قطع اليد الصحيحة بالشلّاء، بل يكون - على ما اخترناه - من التخيير بين القصاص مع ردّ الأرش أو الدية أيضاً، حيث إنّه على كون الاستحشاف واليبوسة في الأُذن نقصاً، فللمجنيّ عليه التخيير بين الدية أو القصاص مع الردّ.

وأمّا على عدم كونه عيباً ونقصاً يعتدّ به فليس للمجنيّ عليه إلّا القصاص أو الدية، كما لا يخفى.

ولما أنّ الوجه الثاني - أي عدم كونه عيباً - هو المتعيّن كما ذكرناه، فليس للمجنيّ عليه إلّا القصاص أو التخيير.

(1) ما في المسألة من الأحكام من أصل القصاص في العين،وشرطيّة المساواة، واقتصاص الجاني الأعور وإن عمي بالقصاص، وعدم ردّ شيء إليه ولو

...


كانت ديتها دية النفس إذا كان العور خلقة أو بآفة من الله تعالى، من دون فرق بين كونه أعور خلقة أو بجناية أو آفة أو قصاص، ومن قصاص أعور العين إذا قلع العين الصحيحة من أعور، كلّها ممّا لا إشكال ولا خلاف فيها، وتكون موافقة مع القواعد والعمومات والأُصول.

في كتاب الله: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ،(1)ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الجاني الأعور وغيره، مع ما في صحيح محمّد بن قيس ومرسلة أبان من الدلالة على الاقتصاص من الجاني الأعور على ما في المتن من التعليل بأنّ «الحقّ أعماه».

ففي الأوّل: قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): أعور فقأ عين صحيح، فقال: «تفقأ عينه»، قال: قلت: يبقى أعمى، قال: «الحقّ أعماه».(2)

وفي الثاني: عن أبان، عن رجل، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن أعور فقأ عين صحيح متعمّداً؟ فقال: «تفقأ عينه»، قلت: فيكون أعمى، قال: فقال: «الحقّ أعماه».(3)وضعف المرسل بالإرسال غير مضرّ؛ لكفاية صحيح ابن قيس. هذا، مع أنّ اتّفاق الأصحاب ظاهراً جابرلضعفه. فتأ‌مّل. بل عن الخلاف: «إجماع الفرقة وأخبارهم».(4)


1) . المائدة (5): 45.

2) . الکافي 7: 319، باب أنّ الجروح قصاص، الحدیث 3 و9؛ تهذیب الأحکام 10: 276/1078 و1079، باب القصاص، الحدیث 4 و5؛ وسائل الشيعة 29: 178، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 15، الحديث 1.

3) . وسائل الشيعة 29: 178، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 15، ذيل الحديث 1.

4) . الخلاف 5: 251، المسألة 57.

(مسألة 22): لو قلع ذو عينين عين أعور اقتصّ له بعين واحدة، فهل له مع ذلك الردّ بنصف الدية؟ قيل لا، والأقوى ثبوته، والظاهر تخيير المجنيّ عليه بين أخذ الدية كاملة وبين الاقتصاص وأخذ نصفها، كما أنّ الظاهر أنّ الحكم ثابت فيما تكون لعين الأعور دية كاملة، كما كان خلقة أو بآفة من الله؛ لا في غيره مثل ما إذا قلع عينه قصاصاً.(1)


قصاص عين الأعور

(1) في المسألة أحكام ثلاثة:

أحدها: قصاص الأعور بعين واحدة من الجاني ذي العينين مع ردّ الجاني نصف الدية إلى المجنيّ عليه الأعور أو بدونه على قولين في المسألة. والثاني خيرة المقنعة(1)والسرائر(2)و الشرائع(3)والتحرير،(4)والأوّل خيرة النهاية(5)و‌المبسوط(6)و‌الجامع(7)والوسيلة،(8)ونفى البأس عنه في المختلف.(9)

حجّة الأوّل الدراية والرواية:

أمّا الدراية؛ لأنّه أذهب جميع بصره واستوفى منه نصف البصر، فيبقي عليه دية


1) . المقنعة: 761.

2) . السرائر 3: 381.

3) . شرائع الإسلام 4: 221.

4) . تحرير الأحكام 5: 511.

5) . النهاية: 765.

6) . المبسوط 7: 146.

7) . الجامع للشرائع: 592.

8) . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 446.

9) . مختلف الشيعة 9: 376، المسألة 59.

...


النصف، وهو نصف الدية.

وأمّا الرواية؛ فصحيح محمّد بن قيس قال: قال أبو جعفر(علیه السلام): «قضى أمير‌المؤمنين(علیه السلام) في رجل أعور اُصيبت عينه الصحيحة ففقئت، أن تُفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويُعفا عن عين صاحبه».(1)

وخبر عبدالله بن الحكم، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور؟ فقال: «عليه الدية كاملة، فإن شاء الذي فقئت عينه أن يقتصّ من صاحبه ويأخذ منه خمسة آلاف درهم، فعل، لأنّ له الدية كاملة وقد أخذ نصفها بالقصاص».(2)

والعمدة منهما الرواية وإلّا فالدراية، مضافاً إلى أنّها اعتبار لا اعتبار به، القصاص موضوعه العين لا المنافع، كما لا يخفى.

وبالإشكال الأخير على الدراية يظهر عدم تماميّة ما في الجواهر من الاستدلال بها مستنداً إلى الرواية بقوله:

مضافاً إلى معلوميّة وجوب الدية تامّة بعين الأعور خلقةً أو بآفة من الله، بل نفى عنه الخلاف غير واحد، بل عن الخلاف(3)والغنية(4)و‌المختلف(5)


1) . الکافي 7: 317، باب دیة عین الأعمی و...، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 269/1057، باب دیة عین الأعور...، الحدیث 2؛ المقنع: 517، باب الدیات؛ وسائل الشيعة 29: 331، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 27، الحديث 2.

2) 2. تهذیب الأحکام 10: 269/1058، باب دیة عین الأعور و...، الحدیث 3؛ وسائل الشيعة 29: 331، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 27، الحديث 4.

3) . الخلاف 5: 235، المسألة 22.

4) . غنية النزوع 1: 416.

5) . مختلف الشيعة 9: 374، المسألة 58.

...


و‌غاية المراد(1)و‌التنقيح(2)والمهذّب البارع(3)والرياض:(4)الإجماع عليه، وهوالحجّة بعد ما في حسنة العجلّي(5)وخبر أبي بصير(6)في عين الأعور الدية.(7)

فلا نعيده.

وحجّة الثاني: عموم: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ،(8)والأصل.

وردّ بعدم عموميّة العين فإنّه مفرد معرّف، ولو سلّم خصّ بالدليل وقد ذكر مع أنّه حكاية من التوراة ولا يلزم حكمها في شرعنا، والأصل إنّما يكون حجّة مع عدم الدليل، وقد وجد.

واُجيب بأنّ الآية مقرّرة في شرعنا؛ لصحيحة زرارة عن أحدهما (علیهما السلام) في قول الله عزّ وجلّ: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِوَالأَنْفَ بِالأَنْفِ،(9)قال: «هي


1) . غاية المراد 4: 526.

2) . التنقيح الرائع 4: 495.

3) . المهذّب البارع 5: 312.

4) . رياض المسائل 16: 330.

5) . الکافي 7: 318، باب دیة عین الأعمی و...، الحدیث 3؛ تهذیب الأحکام 10: 269/1059، باب دیة عین الأعور و...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 29: 330، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 27، الحديث 1، والصحیح حسنة الحلبي.

6) . الکافي 7: 317، باب دیة عین الأعمی و...، الحدیث 2، تهذیب الأحکام 10: 269/1056، باب دیة عین الأعور و...، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 331، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 27، الحديث 3.

7) . جواهر الكلام 42: 369.

8) . المائدة (5): 45.

9) . المائدة (5): 45.

...


محكمة».(1)

ولقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئكَ هُمُ الظّالِمُونَ.(2)ومَن للعموم، و«الظُلْم»: وضع الشيء في غير موضعه، وهو حرام وتركه واجب، ولا يتمّ إلّا بالحكم بالعين في العين بلا ردّ.

ولا يخفى أنّ العمدة في ردّ الاستدلال بالآية هو التخصيص، وأمّا غيره فقد عرفت الجواب منه.

لكنّ التحقيق في الجواب عنها عدم الدلالة على حكم المسألة، إلّا حيث إنّ ما فيها من المقابلة إنّما يكون من جهة القصاص لا التعبّد، ومن المعلوم أنّ قلع إحدى العينين من الجاني ليست مقابلة بالمثل ومتابعة لجنايته على المجنيّ عليه عرفاً؛ لأنّ الجاني أذهب العين الصحيحة من الأعور مع علمه بأنّه أعور وأنّ كلّ بصره بتلك الواحدة، فقصاصه بإذهاب كلّ بصره أوّلاً وبالذات.

لكنّه لما يكون فيه نحو إفراط فلابدّ من الردّ يتمّ بالقصاص والمقابلة من دون شبهة الإفراط، وإلّا فعلى القول بالدلالة فتخصيصها بما ورد من الخبرين مشكل بل ممنوع؛ لأنّ الظاهر منهما بيان الحكم على القاعدة لا على خلافها على نحو التخصيص، كما يظهر من لسانهما.

وكيف كان، فالأمر في ذلك سهل بعد وجود الرواية الصحيحة، وكونها المستند في الحكم تخصيصاً أو بياناً للقاعدة.


1) . تهذیب الأحکام 10: 183/718، باب القود بین الرجال والنساء...، الحدیث 15؛ وسائل الشيعة 29: 83، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب33، الحديث11.

2) . المائدة (5): 45.

...


وعن أبي علي(1)تخيير المجنيّ عليه بين قلع عيني صاحبه ودفع خمسمائة دينار، وقلع إحداهما وأخذ ذلك، وهو - مع شذوذه، وعدم وضوح مستنده، ومخالفته لظاهر النصّ السابق - غريبٌ، فإنّ العينين إمّا أن تساويا عينه فلا ردّ، وإلّا فلا قلع.

ونحوه ما في المسالك من أنّ:

والقول الأوّل لا يخلو من قوّة، والرواية تصلح شاهداً مؤيّداً بوجوب الدية لهذه الجناية كاملة على تقدير الخطأ.(2)

ضرورة صراحتها في القصاص، فمع فرض كونها صالحة دليلاً فهي حجّة فيه، وإلّا فلا فيهما معاً.

ثانيها: تخيير المجنيّ عليه بين أخذ الدية كاملة وبين الاقتصاص وأخذ نصفها، كما صرّح به غير واحد، بل قيل: إنّه المشهور بين المتقدّمين حتّى كاد أن يكون إجماعاً منهم، بل عن الخلاف: «والإجماع عليه»،(3)وهو الحجّة بعد ظهور الخبرين(4)في ذلك الذي لا داعي إلى حمله على التراضي، إلّا ما سمعته في قصاص النفس من كون الواجب القود، وأنّه لا تجب الدية إلّا صلحاً الذي يمكن تخصيصه بما عرفت، بل قد يقال بذلك في مطلق قصاص الطرف، لتضمّن كثير من نصوصه التخيير المزبورالذي لا داعي إلى حمله على صورة التراضي، فلاحظ وتأ‌مّل.


1) . مجموعة فتاوی ابن الجنيد: 372، المسألة 24.

2) . مسالك الأفهام 15: 282.

3) . الخلاف 5: 251، المسألة 57.

4) . تقدّم تخریجها في الصفحة 651.

...


وعلى كلّ حالٍ، فليس له قلع العينين بعينه قطعاً نصاً(1)وفتوىً، إلّا ما سمعته من الإسكافي، كما أنّه لا يقتضي ما ذكرناه هنا الردّ عليه عند الاقتصاص منه؛ ضرورة وضوح الفرق بينهما بما أشار إليه (علیه السلام) من أنّ «الحقّ أعماه»،(2)ولعلّه لكونه عادياً هناك لم يستحقّ شيئاً، بخلافه هنا، فإنّه معتدى عليه.

ثالثها: ما ذكره (سلام الله عليه) من اختصاص الحكم بما تكون لعين الأعور دية كاملة كما كان خلقة أو بآفة من الله تعالى، دون ما إذا قلع عينه قصاصاً ممّا ليس له إلّا نصف الديه بلا خلاف أجده فيه، على ما في الجواهر،(3)بل عن الخلاف(4)والغنية:(5)الإجماع عليه.

ويدلّ عليه إطلاق النصوص أنّ في العين نصف الدية المعتضد بالاعتبار، وبوضوح الفرق بين الخلقي وما ألحق به المشابه للأنف ونحوه ممّا هو عضو واحد، وبين المستوفى عوضها - مثلاً - .

وعليه، فلا وجه للاقتصاص إلّا بالعين الواحدة المقابلة لعين الأعور كذلك فإنّ في كليهما نصف الدية، ولا وجه لكونهما مشمولاً لصحيح ابن قيس(6)وخبر عبدالله،(7)كما لا يخفى.


1) . تقدّم تخریجها في الصفحة 651.

2) . تقدّم تخریجها في الصفحة 649.

3) . جواهر الكلام 42: 369.

4) . الخلاف 5: 251، المسألة 57.

5) . غنية النزوع 1: 416.

6) . تقدّم تخریجها في الصفحة 651.

7) . تقدّم تخریجها في الصفحة 651.

(مسألة 23): لو قلع عيناً عمياء قائمة فلا يقتصّ منه، وعليه ثلث الدية.(1)


عدم القصاص في العين العمياء القائمة

(1) عدم القصاص في قلع العين العمياء القائمة إجماعي؛ لنقصها، وأمّا أنّ عليه ثلث الدية أو ربعها ففيه روايتان:

أحدهما: صحيحة بريد بن معاوية، عن أبي جعفر،(علیه السلام) قال: «في لسان الأخرس وعين الأعمى وذكر الخصيّ وأُنثييه ثلث الدية».(1)

ومثلها صحيحة أبي بصير، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان رجل أخرس، قال: فقال: «إن كان ولدته أُمّه وهو أخرس فعليه ثلث الدية، وإن كان لسانه ذهب به وجع أو آفة بعدما كان يتكلّم فإنّ على الذي قطع لسانه ثلث دية لسانه»، قال: «وكذلك القضاء في العينين والجوارح»، قال: «وهكذا وجدناه في كتاب عليّ(علیه السلام)».(2)وإلى هذا ذهب الأكثر،(3)ومنهم الشيخ وأتباعه،(4)


1) . الکافي 7: 318، باب دیة عین الأعمی و...، الحدیث 6؛ تهذیب الأحکام 10: 270/1062، باب دیة عین الأعور و...، الحدیث 7؛ الفقیه 4: 98/325، باب ما یجب فيه الدیه و...، الحدیث 6؛ وسائل الشيعة 29: 336، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 31، الحديث 1.

2) . الکافي 7: 318، باب دیة عین الأعمی و...، الحدیث 7؛ تهذیب الأحکام 10: 270/1063، باب دیة عین الأعور و...، الحدیث 8؛ الفقیه 4: 111/376، باب دیة لسان الأُخری، الحدیث 1؛ وسائل الشيعة 29: 336، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 31، الحديث 2.

3) . الكافي في الفقه: 396؛ وحكاه العلّامة عن ابن الجنيد في مختلف الشيعة 9: 377؛ السرائر 3: 381؛ الجامع للشرائع: 593؛ كشف الرموز 2: 652؛ إيضاح الفوائد 4: 687؛ الروضة البهيّة 10: 205؛ المهذّب البارع 5: 309.

4) . النهاية: 766؛ الوسيلة: 446؛ غنية النزوع 1: 416؛ إصباح الشيعة: 503.

(مسألة 24): لو أذهب الضوء دون الحدقة اقتصّ منه بالمماثل بما أمكن إذهاب الضوء مع بقاء الحدقة، فيرجع إلى حذّاق الأطبّاء ليفعلوا به ما ذكر. وقيل في طريقه: يطرح على أجفانه قطن مبلول، ثمّ تُحمى المرآة وتقابل بالشمس، ثمّ يفتح عيناه ويكلّف بالنظر إليها حتّى يذهب النظر وتبقى الحدقة. ولو لم يكن


والمحقّق في الشرائع ،(1)والعلّامة في إرشاد الأذهان(2)والمختلف.(3)

ثانيهما: رواية عبدالله بن سليمان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجل فقأ عين رجل ذاهبة، وهي قائمة، قال: «عليه ربع دية العين».(4)

وبمضمونها عمل المفيد(5)وسلّار،(6)وهي ضعيفة السند بأبي جميلة المفضّل بن صالح، وعبدالله بن سليمان مجهول الحال، فالعمل بالصحيح متعيّن.

مع أنّ هذا روي أيضاً بهذا الإسناد عن عبدالله بن أبي جعفر، عن أبي عبدالله(علیه السلام) في العين العوراء تكون قائمة فتخسف، فقال: «قضى فيها عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) نصف الدية في العينالصحيحة».(7)


1) . شرائع الإسلام 4: 221.

2) . إرشاد الأذهان 2: 237.

3) . مختلف الشيعة 9: 377، المسألة 59.

4) . الکافي 7: 318، باب دیة عین الأعمی و...، الحدیث 8؛ الفقیه 10: 270/1061، باب دیة عین الأعور و...، الحدیث 6؛ وسائل الشيعة 29: 334، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 29، الحديث 2.

5) . المقنعة: 761.

6) . المراسم: 244.

7) . الکافي 7: 318، باب دیة عین الأعمی و...، الحدیث 5؛ تهذیب الأحکام 10: 270/1060، باب دیة عین الأعور و...، الحدیث 5؛ وسائل الشيعة 29: 333، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 29، الحديث 1.

إذهاب الضوء إلّا بإيقاع جناية أُخرى كالتسميل ونحوه سقط القصاص وعليه الدية.(1)


وهي مشاركة مع السابقة في الضعف وزيادة.

كيفيّة القصاص في إذهاب ضوء العين

(1) إذا ذهب الضوء بالجناية وبقيت العين، فالواجب في القصاص المماثلة، كغيره؛ بأن يذهب من عين الجاني الضوء مع بقاء الحدقة كيف اتّفق، فيرجع إلى حذّاق الأطبّاء ليفعلوا به ما ذكر، دون غيره. هذا هو الذي يوافق الأصل ويقتضيه عموم الأدلّة.

والقول بتخصيصه بما قيل في طريقه بأن يطرح على أجفانه... إلى آخره - المستند في ذلك إلى رواية رفاعة عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: «إنّ عثمان أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه فأنزل الماء فيها وهي قائمة ليس يبصر بها شيئاً، فقال له: أعطيك الدية، فأبى، قال: فأرسل بهما إلى عليّ(علیه السلام)، وقال: احكم بين هذين، فأعطاه الدية فأبى، قال: فلم يزالوا يعطونه حتّى أعطوه ديتين، قال: فقال: ليس أريد إلّا القصاص، قال: فدعا عليّ(علیه السلام) بمرآة فحماها، ثمّ دعا بكرسف(1)فبله، ثمّ جعله على أشفار عينيه وعلى حواليها، ثمّ استقبل بعينه عين الشمس، قال: وجاء بالمرآة، فقال: اُنظر، فنظر فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة وذهب البصر»(2)- ربّما استظهر من


1) . الكرسف: القطن. راجع: الصحاح 2: 1085، مادّة: «كرسف».

2) . الکافي 7: 319، باب أنّ الجروح قصاص، الحدیث 1؛ تهذیب الأحکام 10: 276/1081، باب القصاص، الحدیث 7؛ وسائل الشيعة 29: 173، کتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 11، الحديث 1.

(مسألة 25): يقتصّ العين الصحيحة بالعمشاء والحولاء والخفشاء والجهراء والعشياء.(1)


الشيخ وغيره، بل لعلّ نسبة الشرائع(1)والشهيد(2)له إلى القيل مشعرٌ بذلك، بل قيل: وفي الخلاف(3)على إجماع الفرقة وأخبارهم.

وفي الروضة: «والقول باستيفائه على هذا الوجه هو المشهور»،(4)وإن كان هو واضح الضعف؛ وذلك لعدم الدلالة في الخبر على التعيين على وجهٍ يصلح مقيّداً لإطلاق الأدلّة، بعد أن كان قضيّة في واقعة.

وعن الشيخ في المبسوط أنّه قال:

يستوفی بما يمكن من حديدة حارّة، أو دواء يذرّ فيها من كافور وغيره.(5)هذا، مع ما في سنده من الضعف بالإهمال في سليمان الدهان.

(1) وجه الاقتصاص إطلاق أدلّته عموماً، وإطلاق قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ(6)خصوصاً، وأنّ التفاوت بين الصحيحة وتلك الأقسام بالنفع لا بالعين وشخصها حتّى يكون مانعاً عن شمول الإطلاق، فإنّ الحول:اعوجاج، والعمش: خلل في الأجفان يقتضي سيلان الدمع غالباً، والخفش: عدم حدّة في البصر، بحيث يرى من بعد، أو عدم البصر في الليل خاصّة، أو في يوم غيم، أو فساد الأجفان، أو صغر العين، والجهر: عدم البصر نهاراً، ضدّ العشاء: الذي هو


1) . شرائع الإسلام 4: 221.

2) . اللمعة الدمشقيّة: 272.

3) . الخلاف 5: 175، المسألة 38.

4) . الروضة البهيّة 10: 83.

5) . المبسوط 7: 83.

6) . المائدة (5): 45.

(مسألة 26): في ثبوت القصاص لشعر الحاجب والرأس واللحية والأهداب ونحوها تأ‌مّل؛ وإن لا يخلو من وجه. نعم، لو جنى على المحلّ بجرح ونحوه يقتصّ منه مع الإمكان.(1)

(مسألة 27): يثبت القصاص في الأجفان مع التساوي في المحلّ، ولو خلت أجفان المجنيّ عليه عن الأهداب ففي القصاص وجهان، لا يبعد عدم ثبوته، فعليه الدية.

(مسألة 28): في الأنف قصاص، ويقتصّ الأنف الشامّ بعادمه، والصحيح بالمجذوم ما لم يتناثر منه شيء، وإلّا فيقتصّ بمقدار غير المتناثر، والصغير والكبير والأفطس والأشمّ والأقنى سواء، والظاهر عدم اقتصاص الصحيح بالمستحشف


عدم البصر ليلاً.

(1) عموم الأدلّة مقتض للقصاص في شعر تلك الموارد كشعر غيرها، بل عن التحرير:(1)القطع بذلك. ووجه التأ‌مّل ما عن القواعد من قوله في شعر الرأس واللحية والحاجبين:

على إشكال ينشأ: من أنّه لم يفسد المنبت فالشعر يعود، وإن أفسده فالجناية على البشرة والشعر تابع.(2)

أي إن كان إفساده بما يمكن الاقتصاص له اقتصّ، وهو قصاص للبشرة لا الشعر، وإلّا تعيّنت دية الشعر على التفصيل الآتي في محلّه وأرش البشرة إن جرحت.

وفيه: أنّ عود الشعر غير مناف للقصاص، كما هو الظاهر.


1) . تحرير الأحكام 5: 512.

2) . قواعد الأحكام 3: 639.

الذي هو كالشلل. ويقتصّ بقطع المارن وبقطع بعضه. والمارن: هو ما لان من الأنف. ولو قطع المارن مع بعض القصبة، فهل يقتصّ المجموع، أو يقتصّ المارن وفي القصبة حكومة؟ وجهان. وهنا وجه آخر: وهو القصاص ما لم يصل القصبة إلى العظم، فيقتصّ الغضروف مع المارن، ولا يقتصّ العظم.

(مسألة 29): يقتصّ المنخر بالمنخر مع تساوي المحلّ، فتقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، وكذا يقتصّ الحاجز بالحاجز. ولو قطع بعض الأنف قيس المقطوع إلى أصله واقتصّ من الجاني بحسابه، فلو قطع بعض المارن قيس إلى تمامه، فإن كان نصفاً يقطع من الجاني النصف أو ثلثاً فالثلث، ولا ينظر إلى عظم المارن وصغره، أو قيس إلى تمام الأنف، فيقطع بحسابه؛ لئلّا يستوعب أنف الجاني إن كان صغيراً.

(مسألة 30): يقتصّ الشفة بالشفة مع تساوي المحلّ، فالشفة العليا بالعليا والسفلى بالسفلى. وتستوي الطويلة والقصيرة، والكبيرة والصغيرة، والصحيحة والمريضة ما لم يصل إلى الشلل، والغليظة والرقيقة. ولو قطع بعضها فحساب المساحة كما مرّ. وقد ذكرنا حدّ الشفة في كتاب الديات.

(مسألة 31): يثبت القصاص في اللسان وبعضه ببعضه بشرط التساوي في النطق، فلا يقطع الناطق بالأخرس، ويقطع الأخرس بالناطق وبالأخرس، والفصيح بغيره، والخفيف بالثقيل. ولو قطع لسان طفل يقتصّ به إلّا مع إثبات خرسه، ولو ظهر فيه علامات الخرس ففيه الدية.

(مسألة 32): في ثدي المرأة وحلمته قصاص، فلو قطعت امرأة ثديأُخرى أو حلمة ثديها يقتصّ منها، وكذا في حلمة الرجل القصاص، فلو قطع حلمته يقتصّ منه مع تساوي المحلّ، فاليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، ولو قطع الرجل

حلمة ثدي المرأة فلها القصاص من غير ردّ.

(مسألة 33): في السنّ قصاص بشرط تساوي المحلّ، فلا يقلع ما في الفكّ الأعلى بما في الأسفل ولا العكس، ولا ما في اليمين باليسار وبالعكس، ولا يقلع الثنيّة بالرباعية أو الطاحن أو الناب أو الضاحك وبالعكس، ولا تقلع الأصليّة بالزائدة، ولا الزائدة بالأصليّة، ولا الزائدة بالزائدة مع اختلاف المحلّ.

(مسألة 34): لو كانت المقلوعة سنّ مثّغر - أي أصليّ نبت بعد سقوط أسنان الرضاع - ففيها القصاص، وهل في كسرها القصاص أو الدية والأرش؟ وجهان، الأقرب الأوّل، لكن لابدّ في الاقتصاص كسرها بما يحصل به المماثلة كالآلات الحديثة، ولا يضرب بما يكسرها لعدم حصولها نوعاً.

(مسألة 35): لو عادت المقلوعة قبل القصاص فهل يسقط القصاص أم لا؟ الأشبه الثاني، والمشهور الأوّل، ولا محيص عن الاحتياط بعدم القصاص، فحينئذٍ لو كان العائدة ناقصة متغيّرة ففيها الحكومة، وإن عادت كما كانت، فلا شيء غير التعزير إلّا مع حصول نقص، ففيه الأرش.

(مسألة 36): لو عادت بعد القصاص فعليه غرامتها للجاني بناءً على سقوط القصاص إلّا مع عود سنّ الجاني أيضاً، وتستعاد الدية لو أخذها صلحاً، ولو اقتصّ وعادت سنّ الجاني ليس للمجنيّ عليه إزالتها، ولو عادت سنّ المجنيّ عليه ليس للجاني إزالتها.

(مسألة 37): لو قلع سنّ الصبيّ ينتظر به مدّة جرت العادة بالإنباتفيها، فإن عادت ففيها الأرش على قول معروف، ولا يبعد أن يكون في كلّ سنّ منه بعير، وإن لم تعد ففيها القصاص.

(مسألة 38): يثبت القصاص في قطع الذكر. ويتساوى في ذلك الصغير - ولو

رضيعاً - والكبير بلغ كبره ما بلغ، والفحل والذي سلّت خصيتاه إذا لم يؤدّ إلى شلل فيه، والأغلف والمختون. ولا يقطع الصحيح بذكر العنّين ومن في ذكره شلل، ويقطع ذكر العنّين بالصحيح والمشلول به. وكذا يثبت في قطع الحشفة، فتقطع الحشفة بالحشفة، وفي بعضها أو الزائد عليها استوفي بالقياس إلى الأصل، إن نصفاً فنصفاً وإن ثلثاً فثلثاً وهكذا.

(مسألة 39): في الخصيتين قصاص، وكذا في إحداهما مع التساوي في المحلّ، فتقتصّ اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، ولو خشي ذهاب منفعة الأُخرى تُؤخذ الدية، ولا يجوز القصاص إلّا أن يكون في عمل الجاني ذهاب المنفعة فيُقتصّ، فلو لم تذهب بالقصاص منفعة الأُخرى مع ذهابها بفعل الجاني، فإن أمكن إذهابها مع قيام العين يجوز القصاص، وإلّا فعليه الدية. ولو قطع الذكر والخصيتين اقتصّ منه؛ سواء قطعهما على التعاقب أو لا.

(مسألة 40): في الشفرين القصاص، والمراد بهما اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، وكذا في إحداهما. وتتساوى فيه البكر والثيّب، والصغيرة والكبيرة، والصحيحة والرتقاء والقرناء والعفلاء والمختونة وغيرها، والمفضاة والسليمة. نعم، لا يقتصّ الصحيحة بالشلّاء. والقصاص في الشفرين إنّما هو فيما جنت عليها المرأة، ولو كان الجاني عليها رجلاً فلا قصاص عليه، وعليه الدية، وفي رواية غير معتمد عليها: إن لم يؤدّ إليها الدية قطع لها فرجه. وكذا لو قطعت المرأة ذكر الرجل أو خصيته لا قصاص عليها، وعليها الدية.(1)


(1) وجوه ما في المسألة السابعة والعشرين إلى الحادي والأربعين من القواعد والعمومات والأُصول واضحة مغنية عن البيان، فإنّها قد مضت مكرّرة في المسائل السابقة.

(مسألة 41): لو أزالت بكر بكارة أُخرى فالظاهر القصاص، وقيل بالدية، وهو وجيهٌ مع عدم إمكان المساواة. وكذا تثبت الدية في كلّ مورد تعذّر المماثلة والمساواة.(1)

وهنا فروعٌ:

الأوّل: لو قطع من كان يده ناقصة بإصبع أو أزيد يداً كاملة صحيحة فللمجنيّ عليه القصاص، فهل له بعد القطع أخذ دية ما نقص عن يد الجاني؟ قيل: لا، وقيل: نعم، فيما يكون قطع إصبعه بجناية وأخذ ديتها أو استحقّها، وأمّا إذا كانت مفقودة خلقة أو بآفة لم يستحقّ المقتصّ شيئاً، والأشبه أنّ له الدية مطلقاً، ولو قطع الصحيح الناقص عكس ما تقدّم، فهل تقطع يد الجاني بعد أداء دية ما نقص من المجنيّ عليه، أو لا يقتصّ وعليه الدية أو يقتصّ ما وجد وفي الباقي الحكومة؟ وجوه، والمسألة مشكلة مرّ نظيرها.(2)


(1) وجه القصاص عموم الأدلّة، ووجه الدية مع عدم إمكان المساواة، عدم إمكان القصاص فتصل النوبة إلى الدية، فإنّها الأصل في كلّ مورد تعذّر المماثلة والمساواة؛ قضاءً لقاعدة الضمان.

ولا يخفى أنّ الظاهر كون المراد من الدية الأعمّ منها ومن الأرش، فإنّ الظاهر عدم ثبوت الدية في جميع الموارد، وقاعدة الضمان مشتركة بينهما ومقتضية لهما، كما لا يخفى.

حكم تفاوت العضو في الجاني والمجنيّ عليه

(2) تفاوت العضوين بالعدد قد يكون بالنقصان في طرف الجاني، وقديكون بالنقصان في طرف المجنيّ عليه.

...


فإن كان في طرف الجاني، كما لو كانت يده ناقصة بإصبع وقد قطع يداً كاملة، فإن أخذ المجنيّ عليه دية اليد أخذها كاملة.

وإن اختار القصاص فلا إشكال في جواز قطعه لليد الناقصة؛ لأنّها حقّه فما دون. وهل يأخذ دية الإصبع الناقصة؟

قولان للشيخ: ففي موضع من المبسوط(1)في أوّل فصل الشجاج وفي الخلاف:(2)لا تجزئ اليد الناقصة، بل يأخذ دية الإصبع؛ محتجّاً في الخلاف بالإجماع، وبقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،(3)والمثل إمّا من طريق الصورة الجليّة، وهو هنا متعذّر، أو من طريق القيمة فيجب، وإلّا لم تتحقّق المماثلة.

وفي موضع آخر من المبسوط(4)في الفصل المذكور بعد ذلك بنحو أربع صفحات اختار الإجزاء إن كان ذلك خلقة أو بآفة من الله تعالى، أمّا لو أخذ ديتها أو استحقّها لم يجز، نظراً إلى أنّه لما لم يكن سبباً في النقصان ولم يأخذ عوض الناقص لم يكن مضموناً، ولأنّه كالقاتل ويده أو يد مقتوله ذاهبة، فإنّه قد قيل فيهما هذا التفصيل.

والأقوى الأوّل؛ للقاعدة المشهورة من أنّ كلّ عضو يقاد تؤخذ الدية مع فقده، حتّى لو قطع مقطوع اليدين يدين أُخذت ديتهما، وليس ذلككالنفس، وعدم


1) . المبسوط 7: 80 و79.

2) . الخلاف 5: 193 و194، المسألة 60.

3) . البقرة (2): 194.

4) . المبسوط 7: 85.

...


أخذه الدية عند فقدها إنّما يكون من جهة القصاص في النفس و‌أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.(1)

ووجود اليد وبقيّة الأعضاء وعدمه لادخالة له في صدق القصاص فيها، كما هو الظاهر الواضح غير المحتاج إلى البيان، وذلك بخلاف المقام، فإنّ الجاني هنا قد قطع منه إصبعاً لم يستوف قصاصها فيكون له ديتها؛ لقوله (علیه السلام): «في كلّ إصبع عشر من الإبل»،(2)وتلك الإصبع لو كانت لكان له استيفاؤها، فإذا لم يوجد استوفى بدلها، كما لو قطع إصبعين وليست له إلّا واحدة، ويلزم على التفصيل لو قطع يداً ولا يد له خلقة أن لا يكون عليه شيء، وهو بعيد.

ولو كان في يد المجنيّ عليه كما لو قطع الصحيح الناقص، عكس ما تقدّم، ففيه وجوه: من أنّ للمجنيّ عليه قطع يد الجاني بعد أداء ما يقصّ منه؛ قضاءً للقصاص الثابت في الجروح مطلقاً، وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ،(3)فإنّه المقابلة بالمثل المستحقّة في أمثال الموارد بالجمع بين القطع وردّ ما به التفاوت، كما أنّ على المجنيّ عليه القطع مع أخذه التفاوت؛ قضاءً لتحقّق القصاص، كما مرّ. لا فرق بينهما في ذلك، كما لا يخفى.

ومن عدم القصاص وأنّ على الجاني الدية؛ لكونه موجباً للزيادة، ومن قطع


1) . المائدة (5): 45.

2) . الکافي 7: 328، باب دیة الجراحات والشجاج، الحدیث 11؛ تهذیب الأحکام 10: 257/1016، باب دیات الأعضاء والجوارح و...، الحدیث 49؛ الاستبصار 4: 291/1100، باب دیة الأصابع، الحدیث 2؛ وسائل الشيعة 29: 346، کتاب الدیات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 39، الحديث 4.

3) . المائدة (5): 45.

الثاني: لو قطع إصبع رجل فسرت إلى كفّه؛ بحيث قطعت ثمّ اندملت، ثبت القصاص فيهما، فتقطع كفّه من المفصل، ولو قطع يده من مفصل الكوع ثبت القصاص، ولو قطع معها بعض الذراع اقتصّ من مفصل الكوع، وفي الزائد يحتمل الحكومة ويحتمل الحساب بالمسافة، ولو قطعها من المرفق فالقصاص وفي الزيادة ما مرّ، وحكم الرجل حكم اليد، ففي القطع من المفصل قصاص، وفي الزيادة ما مرّ.(1)


الأصابع التي قطعها لكونه قصاصاً في الأصابع بلا زيادة ويؤخذ منه حكومة الكفّ، وجوه، أقواها الأوّل.

وما في الثاني من لزوم الزيادة، ففيه: أنّ السبب لها الجاني بنفسه، وهو المقصّر في القصاص كذلك، وبذلك يظهر ما في الثالث، والظاهر كون نظر المتن إلى المسألة الثمانية عشر من مسائل الباب، ونفى البعد فيها عن القصاص مع الدية، فكان عليه اختيار ذلك في هذه المسألة.

سراية قطع الإصبع إلى الكفّ

(1) ثبوت القصاص فيهما في فرض سراية قطع الإصبع إلى كفّه، بحيث قطعت واندملت، ممّا لاخلاف فيه معتدّ به؛ لعموم الأدلّة بعد كون السراية من فعله، بل عن المبسوط: «والذي يقتضية مذهبنا»،(1)لكن عنه في موضع آخر، أنّه أثبت في السراية الدية دون القصاص، وهو واضح الفساد، وأوضح منه فساداً ما عن أبي حنيفة من أنّه: «لا قصاص عليهأصلاً».(2)وأمّا قطع اليد من مفصل الکوع


1) . المبسوط 7: 80.

2) . الخلاف 5: 195، المسألة 63.

الثالث: يشترط في القصاص التساوي في الأصالة والزيادة، فلا تقطع أصليّة بزائدة ولو مع اتّحاد المحلّ، ولا زائدة بأصليّة مع اختلاف المحلّ، وتقطع الأصليّة بالأصليّة مع اتّحاد المحلّ، والزائدة بالزائدة كذلك، وكذا الزائدة بالأصليّة مع اتّحاد المحلّ وفقدان الأصليّة، ولا تقطع اليد الزائدة اليمنى بالزائدة اليسرى وبالعكس، ولا الزائدة اليمنى بالأصليّة اليسرى، وكذا العكس.(1)

الرابع: لو قطع كفّه فإن كان للجاني والمجنيّ عليه إصبع زائدة في محلّ واحد - كالإبهام الزائدة في يمينهما - وقطع اليمين من الكفّ، اقتصّ منه، ولو كانت الزائدة في الجاني خاصّة، فإن كانت خارجة عن الكفّ يقتصّ منه وتبقى الزائدة، وإن كانت في سمت الأصابع منفصلة، فهل يقطع الكفّ ويؤتى دية الزائدة، أو يقتصّ الأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكفّ، وفي الكفّ الحكومة؟ وجهان، أقربهما الثاني، ولو كانت الزائدة في المجنيّ عليه خاصّة فله القصاص في


أو من المرفق قصاصاً، فوجهه عموم أدلّة القصاص.

وأمّا الحكومة أو الحساب بالمسافة في الزائد عن الكوع أو المرفق وعدم القصاص فيهما، فالظاهر أنّه لعدم إمكان المماثلة في القصاص؛ لما فيهما من العروق والأعصاب.

ثمّ لا يخفى عليك جريان جميع ما ذكرناه في اليد في الرجل، ضرورة كون القدم كالكفّ، والساق كالذراع، والفخذ كالعضد، والدرك كعظم الكتف.

(1) الوجه في شرطيّة التساوي في الأصالة والزيادة في القصاص عدمصدقه مع الاختلاف فيهما، فقطع اليد الزائدة بالأصليّة - مثلاً - ليس قصاصاً ومتابعة للجاني في قطعه، ولا مقابلة معه بالمثل عرفاً. وما ذكره من الصور فكلّها بيان لموارد صدق القصاص وعدمه، كما لا يخفى.

الكفّ، وله دية الإصبع الزائدة، وهي ثلث دية الأصليّة، ولو صالح بالدية مطلقاً كان له دية الكفّ ودية الزائدة، ولو كان للمجنيّ عليه أربع أصابع أصليّة وخامسة غير أصليّة لم تقطع يد الجاني السالمة، وللمجنيّ عليه القصاص في أربع ودية الخامسة وأرش الكفّ.(1)


(1) الصور المذكورة في هذا الفرع ستّ:

أحدها: قطع الكفّ مع تساوي الجاني والمجنيّ عليه في الإصبع الزائدة وفي محلّها، كالإبهام الزائدة في يمينهما مع كون قطع اليمين من الكفّ، فلا إشكال ولا كلام في القصاص؛ لتحقّق شرائطه وعدم المانع فيه من التغرير أو الزيادة.

ثانيها: كون الزيادة في الجاني فقط مع فرض خروجها عن الكفّ، والقصاص في هذه الصورة وبقاء الزائدة في محلّها واضحة أيضاً، يعني ما مرّ في السابقة.

ثالثها: مثل الثاني لكن مع الفرق بكون الزائدة في سمت الأصابع منفصلة، ففيه وجهان: من قطع الكفّ قصاصاً مع ردّ الدية الزائدة على الجاني، جمعاً بين الحقّين وقضاءً لصدق القصاص والمماثلة عرفاً، كما مرّ نظيره في بعض الفروع السابقة. ومن قطع الأصابع الخمس الأصلية دون الزائدة ودون الكفّ؛ لما في قطع الكفّ من التعزير بالزائدة، وفيه الحكومة، قضاءً لقاعدة الرجوع إلى القيمة والأرش والدية مع تعذّر القطع، وأقرب الوجهين الثاني.

رابعها: ما لو كانت الزائدة في المجنيّ عليه خاصّة، فمن المعلوم أنّ له القصاص في الكفّ مع أخذه دية الإصبع الزائدة.

خامسها: ما لو صالح المجنيّ عليه على الزائدة بالدية، فله دية الكفّ ودية الزائدة.

سادسها: ما لو كان للمجنيّ عليه أربع أصابع أصليّة وخامسة غير أصليّة

الخامس: لو قطع من واحد الأنملة العليا ومن آخر الوسطى، فإن طالب صاحب العليا يقتصّ منه، وللآخر اقتصاص الوسطى، وإن طالب صاحب الوسطى بالقصاص سابقاً على صاحب العليا، أُخّر حقّه إلى اتّضاح حال الآخر، فإن اقتصّ صاحب العليا اقتصّ لصاحب الوسطى، وإن عفا أو أخذ الدية، فهل لصاحب الوسطى القصاص بعد ردّ دية العليا، أو ليس له القصاص بل لابدّ من الدية؟ وجهان، أوجههما الثاني. ولو بادر صاحب الوسطى وقطع قبل استيفاء العليا فقد أساء، وعليه دية الزائدة على حقّه، وعلى الجاني دية اُنملة صاحب العليا.(1)

السادس: لو قطع يميناً - مثلاً - فبذل شمالاً للقصاص، فقطعها المجنيّ عليه من غير علم بأنّها الشمال، فهل يسقط القود، أو يكون القصاص في اليمنى باقياً؟ الأقوى هو الثاني. ولو خيف من السراية يؤخّر القصاص حتّى يندمل اليسار، ولا دية لو بذل الجاني عالماً بالحكم والموضوع عامداً، بل لا يبعد عدمها مع البذل


لم تقطع يد الجاني السالمة؛ لعدم المساواة في الأصالة والزيادة. نعم، للمجنيّ عليه القصاص في أربع ودية الخامسة وأرش الكفّ، ووجهه ظاهر.

(1) ما في المسألة من الفروع مطابق مع القواعد وما فيها، فيما لو عفا صاحب العليا أو أخذ الدية من الوجهين، من أنّه هل لصاحب الوسطى القصاص بعد ردّ دية العليا؛ قضاءً للقصاص والجمع بين الحقّين، أو ليس له القصاص بل له أخذ الدية؛ لكون القصاص تغريراً على الجاني بالنسبة إلى الأنملة العليا وزيادة على جنايته؟ فأقربهما الثاني؛ لكون الجاني سبباًلتغريره، وهو المنشأ والمقصّر في ذلك. نعم، يؤدّي إليه دية الأنملة الأعلى؛ لئلّا يقع الظلم عليه، ولئلّا تتحقّق الزيادة.

جاهلاً بالموضوع أو الحكم. ولو قطعها المجنيّ عليه مع العلم بكونها اليسار ضمنها مع جهل الجاني، بل عليه القود. وأمّا مع علمه وبذله فلا شبهة في الإثم، لكن في القود والدية إشكال.

السابع: لو قطع إصبع رجل من يده اليمنى - مثلاً - ثمّ اليد اليمنى من آخر اقتصّ للأوّل، فيقطع إصبعه ثمّ يقطع يده للآخر، ورجع الثاني بدية إصبع على الجاني.

ولو قطع اليد اليمنى من شخص، ثمّ قطع إصبعاً من اليد اليمنى لآخر، اقتصّ للأوّل، فيقطع يده، وعليه دية إصبع الآخر.(1)

الثامن: إذا قطع إصبع رجل فعفا عن القطع قبل الاندمال، فإن اندملت فلا قصاص في عمده، ولا دية في خطئه وشبه عمده.

ولو قال: «عفوت عن الجناية» فكذلك.

ولو قال في مورد العمد: «عفوت عن الدية» لا أثر له.

ولو قال: «عفوت عن القصاص» سقط القصاص ولم يثبت الدية، وليس له مطالبتها.

ولو قال: «عفوت عن القطع أو عن الجناية»، ثمّ سرت إلى الكفّ خاصّة سقط القصاص في الإصبع، وهل له القصاص في الكفّ مع ردّ دية الإصبع المعفوّ عنها، أو لابدّ من الرجوع إلى دية الكفّ؟ الأشبه الثاني، مع أنّه أحوط.

ولو قال: «عفوت عن القصاص» ثمّ سرت إلى النفس، فللوليّ القصاص في النفس. وهل عليه ردّ دية الإصبع المعفوّ عنها؟ فيه إشكال، بل منع؛ وإن كان أحوط.


(1) ما فيهما من الأحكام ظاهرة غير محتاجة إلى البحث والنقض والإبرام في أدلّتها. فتدبّر جيّداً.

ولو قال: «عفوت عن الجناية» ثمّ سرت إلى النفس فكذلك.

ولو قال: «عفوت عنها وعن سرايتها» فلا شبهة في صحّته فيما كان ثابتاً، وأمّا فيما لم يثبت ففيه خلاف، والأوجه صحّته.(1)


في عفو المجنيّ عليه

(1) الفرع الثامن ممحّض لبيان مصاديق متعلّق العفو وأحكامها، والغالب في كليهما غير محتاج إلى البيان، فإنّ المناط في متعلّق العفو الظهور العرفي، والمناط في أحكامها القواعد.

نعم، ما ذكره (سلام الله عليه) بقوله: «ولو قال في مورد العمد: عفوت عن الدية، لا أثر له» مبنيّ على المعروف المشهور بين الأصحاب من أنّ الحكم في العمد - نفساً كان أو طرفاً - القصاص، وأمّا على المختار من تخيير الوليّ في العمد مطلقاً بين القصاص والدية للأولويّة، فالعفو عن الدية أثره سقوط القصاص والدية معاً، حيث إنّ العفو عنها عفو عن القصاص أيضاً، فإنّه لا خير في العفو عمّا دون القصاص إلّا مع العفو عنه أيضاً، بل لعلّ العفو عنه دونه لغو عرفاً، ويكون أشبه شيء بالمزاح.

وما في آخره من قوله: «وأمّا فيما لم يثبت ففيه خلاف»، فعن الشيخ في الخلاف: الصحّة،(1)وكأنّه مال إليه، وقال به الشهيدان في غاية المراد،(2)والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان؛(3)لعموم قولهتعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ


1) . الخلاف 5: 208، المسألة 86.

2) . غاية المراد 4: 399.

3) . مجمع الفائدة والبرهان 14: 142.

...--------------بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ.(1) وثبوت الإبراء عن الجناية قبلها شرعاً للتطبيب والبيطار، فبينها وبين السراية أُولى، ولأنّ الأصل صحّة العفو المناسبة لما ورد من الترغيب فيه شرعاً ترغيباً يكون به عبادة،(2)فيناسبه الصحّة. ولأنّ الجناية على الطرف سبب لفوات النفس التي لا تباشر بالجناية، ووجود السبب كوجود المسبب، ولوجوب الوفاء بالوعد، وعموم «المؤمنون عند شروطهم».(3)وعن أبي علي(4)والشيخ في المبسوط(5)والفاضل(6)وولده(7)وغيرهم الثاني؛ لأنّه إبراء ممّا لا يجب، وأنّه وصيّة للقاتل، وفي جوازها وعدمه الخلاف المعروف، وإسقاط لحقّ الغير، وهو الوليّ. ومن هنا قال في الخلاف:

صحّ من المجنيّ عليه أن يعفو عنها وعمّا يحدث منها من الدية، فإذا فعل ذلك ثمّ سرى إلى النفس كان عفوه ماضياً من الثلث؛ لأنّه بمنزلة الوصيّة.(8)


1) . المائدة (5): 45.

2) . وسائل الشيعة 29: 119، کتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 57.

3) . تهذیب الأحکام 7: 371/1053، باب المهور والأُجور...، الحدیث 66؛ الاستبصار 3: 232/835، باب من عقد علی امرأة و...، الحدیث 4؛ وسائل الشيعة 21: 276، کتاب النکاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4.

4) . مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 371، المسألة 22.

5) . المبسوط 7: 109 و111.

6) . مختلف الشيعة 9: 457، المسألة135؛ قواعد الأحكام 3: 638.

7) . إيضاح الفوائد 4: 641.

8) . الخلاف 5: 208، المسألة 86.

التاسع: لو عفا الوارث الواحد أو المتعدّد عن القصاص سقط بلا بدل، فلا يستحقّ واحد منهم الدية رضي الجاني أو لا. ولو قال: «عفوت إلى شهر أو إلى سنة» لم يسقط القصاص، وكان له بعد ذلك القصاص. ولو قال: «عفوت عن نصفك أو عن رجلك»، فإن كنّى عن العفو عن النفس صحّ وسقط القصاص، وإلّا ففي سقوطه إشكال بل منع، ولو قال: «عفوت عن جميع أعضائك إلّا رجلك» - مثلاً - ، لا يجوز له قطع الرجل، ولا يصحّ الإسقاط.(1)


وإن كان لا يخفى عليك ما فيه من منع كون العفو وصيّة أوّلاً، ولو سلّم فهي باطلة.

خلافاً للمحكيّ عن المبسوط(1)لو صرّح بها، ضرورة صحتها فيما هو للميّت، والفرض أنّ القصاص للوارث لا له، بل والدية وإن تعلّقت بها وصاياه وديونه للدليل، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ عوض نفسه قصاصاً أو دية له، ومن ينتقل إلى الوارث، وما يقال فيه أيضاً أنّه لاوجه للوصيّة به قبل استحقاقه إيّاه المتوقّف على إزهاق روحه، ووجود الجناية أعمّ من ثبوته حالها، ضرورة استناده إلى سرايتها التي هي غيرها.

اللهمّ إلّا أن يقال بصحّة الوصيّة بمثل ذلك؛ للعمومات الشاملة له ولما يملكه بعد موته، كالذي يصيده في شبكته التي نصبها حال جنايته.

ولا يخفى أنّه قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ ما في المتن من الأصحّيّة في محلّه.

(1) لا يخفى عليك أنّ ما فيه من سقوط القصاص بلا بدل في صدر الفرع مبنيّ على المشهور في العمد من تعيّن القصاص للوليّ وإلّا فعلى المختار من التخيير


1) . المبسوط 7: 110.

العاشر: لو قال: «عفوت بشرط الدية» ورضي الجاني وجبت دية المقتول، لا دية القاتل.(1)


فالدية غير ساقطة مع العفو عن القصاص، كما لا يخفى.

(1) لا يخفى أنّ اعتبار رضى الجاني مبنيّ على تعيّن القصاص للوليّ، وإلّا فبناءً على تخييره بينه وبين الدية فلا اعتبار برضاه عليها، كما لا اعتبار به في القصاص. ثمّ إنّ وجه كون الواجب دية المقتول دون القاتل على فرض الاختلاف واضح، فإنّ الدية المعفو عنها أو المختارة دية المقتول، بل لا ارتباط لها بدية القاتل، بل لعلّ بيان ذلك توضيح للواضح.


تمّ تحرير كتاب القصاص وتأليفه الذي هو كالشرح لكتاب القصاص من تحرير الوسيلة لسيّدنا الأُستاذ الإمام الخميني (سلام الله عليه) وكان كتباً وتهذيباً وتنظيماً لما ذكرته في جلسات البحث من مباحث القصاص على ترتيب التحرير، بحضور عدّة من الفضلاء والعلماء والمحصّلين (وفّقهم الله تعالى لتحصيل العلم والعمل به) في المدرسة الفيضيّة بقم، وكان الفراغ من ذلك في الساعة الثانية وعشرين دقيقة بعد النصف من ليلة الأحد، ليلة الثامن من شهر صفر الخير سنة ألف وأربعمائة وثلاث وعشرين بعد الهجرة النبويّة (على مهاجرها وآله الصلوات والسلام إلى يوم القيامة)، بل وما بعده إلى نهاية الأ‌يّام، ونسأل الله المغفرة والرحمة للمؤمنين والمسلمين وذوي الحقوق لاسيّما الوالدين والحشر مع المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين).

مصادر التحقيق

«القرآن الكريم».

«أ»

1.

أحكام النساء ضمن مصنفات الشيخ المفيد، لأبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي المعروف بالشيخ المفيد، المتوفى 413 ق، تحقيق: الشيخ مهدي نجف، الناشر: المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد.

2.

اختيار معرفة الرجال (المعروف برجال الكشّي)، لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي1، المتوفى 460 ق، تصحيح وتعليق: المعلم الثالث ميرداماد الأسترابادي، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، الناشر: مؤسّسة آل البيت :.

3.

إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، (العلّامة الحلّي) ابن منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي، المتوفى 726 ق، تحقيق: الشيخ فارس الحسون، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى 1410ق، مجلدان.

4.

الاستبصار، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي1، المتوفى 460ق، تحقيق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الأُولى 1404ق، أربعة مجلدات.

5.

الاشباه والنظاتر، لعبد الرحمن بن أبي بکر السیوطی، المتوفّی 911، الناشر: دارالکتب العلمیّه، بیروت 1403.

6.

إصباح الشيعة بمصباح الشريعة، لقطب الدين البيهقي الكيدري، تحقيقالشيخ إبراهيم بهادري، الناشر مؤسّسة الإمام الصادق، قم، الطبعة الأُولى، 1416ق.

7. إعانة الطالبین علی حلّ ألفاظ فتح المعین، لأبي بکر (المشهور بالبکری) بن محمّد شطا الدمیاطی، المتوفّی بعد 1302، الناشر: دار الفکر للطباعة والنشر والتوزیع، بیروت، الطبعة الأُولی، 1418 ق 1997 م.

8 . الأُمّ، لأبي عبدالله محمد بن ادریس الشافعي (150 - 204) الناشر: دارالفکر للطباعة والنشر، بیروت 1410 ق1990، عدد الأجزاء 9.

9.

الانتصار، للشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي البغدادي، المتوفّى 436ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.

10.

إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، للفقيه الأعظم والهمّام المعظم فخر المحققين الشيخ أبي طالب محمّد بن الحسن يوسف بن مطهّر الحلّي 1، المتوفّى 771ق، تحقيق: الكرماني والاشتهاردي والبروجردي، المطبعة العلمية، قم، 1387ق.

«ب»

11.

بحار الأنوار، محمّد باقر المجلسي، المتوفّى 1111 ق، الناشر: مؤسّسة الوفاء، بيروت، مائة وعشر مجلّدات.

12.

بررسي إجمالي مباني اقتصاد إسلامي، متفكر شهيد الأُستاذ مطهري 1، المتوفّى سنة 1398ق، تنظيم ونشر: منشورات حكمت، الطبعة الأُولى 1403ق.

«ت»

13.

تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين، للحسن بن يوسف بن المطهر العلّامة الحلّي، المتوفّى 726ق، تحقيق: محمّد هادي اليوسفي الغروي، الطبعة الأُولى 1411ق.

14.

التبيان في تفسير القرآن، للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفّی 460، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولی، قم، 1413ق. عدد الأجزاء 10.

15.

تحرير الأحكام الشرعيّة على مذهب الإمامية، للحسن بن يوسف بن المطهر العلامة الحلّي، المتوفّى 726 ق، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري، الناشر: مؤسّسة

الإمام الصادق، قم، الطبعة الأُولى، 1420 ق، خمسة مجلّدات.

16.

تحریر الطاووسي، للشیخ حسن بن زین الدین صاحب المعالم، المتوفّی 1011 ق، تحقیق: فاضل الجواهري، الناشر: مکتبة آیة الله المرعشي النجفي، مطبعة سیّد الشهداء، قم، الطبعة الأُولی 1411ق.

17.

تفسير علي بن إبراهيم القمي، لعلي بن إبراهيم بن هاشم القمي، المتوفّى 307ق، دار الكتاب، قم، 1404ق، مجلّدان.

18.

التعليقة على تحرير الوسيلة، آية الله العظمى يوسف الصانعي، الناشر: مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني1 مطبعة مؤسّسة العروج، الطبعة الأُولى، 1384 ش / 1426 ق.

19.

تلخيص المرام في معرفة الأحكام، للعلّامة الحلّي الحسن بن يوسف بن مطهر، المتوفّى 726ق، تحقيق: هادي القبيسي، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1421ق.

20.

التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، لجمال الدين مقداد بن عبدالله السيوري الحلّي، المتوفّى 826ق، تحقيق: السيّد عبد اللطيف الحسيني الكوه كمري، الناشر: مكتبة آية الله المرعشي، قم، الطبعة الأُولى 1404ق، أربعة مجلّدات.

21.

تنقيح المقال، للعلّامة الجليل الشيخ عبد‌الله المامقاني1، المتوفّى 1311ق، الناشر: انتشارات جهان، ثلاثة مجلّدات.

22.

تهذيب الأحكام، للشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي 1، المتوفّى 460ق، تحقيق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار صعب - دار التعارف، الطبعة الأُولى 1401ق، عشر مجلّدات.

«ج»

23. جامع أحاديث الشيعة، للمحقّق العلّامة الإمام آية الله العظمى الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي، المتوفّى 1380ق، تحقيق: الحاج الشيخ إسماعيل المعزي

الملايري، الناشر: مؤسّسة الواصف، قم، الطبعة الأُولى 1422ق، واحد وثلاثون مجلّداً.

24.

جامع المدارك، للمرحوم آية الله العظمى الحاج سيّد أحمد الخوانساري 1، المتوفّى 1405ق، تحقيق: علي أكبر غفاري، الناشر: مؤسّسة إسماعيليان، قم، الطبعة الثانية 1355ق، سبعة مجلّدات.

25.

الجامع للشرائع، للشيخ أبي زكريا يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي، المتوفّى 689ق، الناشر: مؤسّسة سيّد الشهداء العلمية، قم، 1405ق.

26.

جامع المقاصد في شرح القواعد، للمحقّق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي 1، المتوفّى 940ق، الناشر: انتشارات جهان، مجلّدان.

27.

الجوامع الفقهية، لجماعة من أركان وعدة من الأعيان، إعداد: الحاج محمّد بن رحيم الخوانساري، الناشر: مكتبة آية الله المرعشى النجفي، قم.

28.

جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، لشيخ الفقهاء وإمام المحقّقين الشيخمحمّد حسن النجفي، المتوفّى 1266ق، تحقيق: محمود القوجاني، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ثلاثة وأربعون مجلّداً.

«ح»

29.

الحادي الکبیر، لأبي الحسن علی بن محمّد بن حبیب الماوردي البصري (المتوفّی 450) تحقیق الشیخ علی محمّد مؤمن والشیخ عادل أحمد عبدالموجود، الناشر: دارالکتب العلمیة، بیروت 1419 ق 1999 م، الطبعة الأُولی، عدد الأجزاء 19.

30.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للعالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني 1، المتوفّى 1186ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1404ق، خمسة وعشرون مجلّداً.

«خ»

31. خلاصة الأقوال في معرفة الأقوال، للعلّامة الحلّي أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي، المتوفّى 726ق، تحقيق: فضيلة الشيخ جواد القيومي، الناشر:

مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى 1417ق .

32. الخلاف، للشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفّى 460ق، تحقيق: السيّد علي الخراساني والسيّد جواد الشهرستاني والشيخ مهدي طه نجف، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى 1416ق، ستّة مجلّدات.

«د»

33. الدروس الشرعية في فقه الإمامية، للشيخ شمس الدين محمّد بن مكي العاملي، سنة 786 ق، تحقيق والنشر: مؤسّسة النشر الإسلامي.34. دعائم الإسلام، للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد بن منصور بن أحمد بن حَيُّون التميمي المغربي، المتوفّى 363 ق، تحقيق: آصف بن علي أصغر فيضي، الناشر: دار المعارف بمصر، مجلّدان.

«ذ»

35.

ذخيرة المعاد، للعلّامة المحقّق محمّد باقر السبزواري، المتوفّى 1090ق، الناشر: مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث.

36.

الذکری الألفیّة للشیخ الطوسي (کنگره هزاره شیخ طوسی مشهد) اسفند 1348، الناشر: دانشکده الهیات ومعارف اسلامی مشهد.

«ر»

37.

رجال ابن داود، لعلي بن داود الحلّي، المتوفّى بعد سنة 707 ق، منشورات الرضي، قم 1392 ق 1972 م.

38.

رجال الطوسي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفّى 460ق، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1415ق.

39.

رجال النجاشي، للشيخ الجليل أبي العبّاس أحمد بن علي بن العبّاس النجاشي، المتوفّى 450ق، الناشر: مكتبة الداوري، قم.

40.

رسائل الشهيد الثاني: للشيخ زين الدين بن علي العاملي المشهور بالشهيد الثاني، التحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1421 ق.

41.

رسائل الشريف المرتضى، للشريف المرتضى، نشر دار القران الكريم، مطبعة سيّد الشهداء، 1405ق.

42.

الرسائل العشرة، للإمام الخميني1، المتوفّى 1409ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني1، 1420 ق.

43.

روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، لزين الدين بن علي العاملي 1 المعروف بالشهيد الثاني، المتوفّى 965 ق، تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى 1422 ق، مجلّدان.

44.

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية، للشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي، المتوفّى 965ق، الناشر: مكتبة الداوري، قم.

45.

روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه، للعلّامة المولى محمّد تقي المجلسي‌1، المتوفّى 1070ق، تحقيق: السيّد حسين الموسوي الكرماني والشيخ علي پناه الاشتهاردي، الناشر: بنياد فرهنگ إسلامي - حاج محمّد حسين كوشانپور.

46.

رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، لآية الله المحقّق السيّد علي الطباطبائي 1، المتوفّى 1231ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1412ق.

«ز»

47. زبدة البيان، للمحقّق الأردبيلي، المتوفّى 993ق، تحقيق: رضا الأُستادي - علي أكبر رباني نژاد، الناشر:انتشارات مؤمنين، الطبعة الثانية 1421ق.

«س»

48. السرائر، للشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي، المتوفّى 598 ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية، 1410ق، ثلاثة مجلّدات.
49.

سلسلة الينابيع الفقهية، إعداد: علي أصغر مرواريد، الناشر: دار التراث - الدار الإسلامية، مائة وعشر مجلّداً.

50.

السنن الكبرى، لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي، المتوفّى 458ق، الناشر: دار الفكر، بيروت، خمسة عشر مجلّدات.

«ش»

51. شرائع الإسلام، للمحقّق الحلّي أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن مع تعليقات عبدالحسين محمّد علي، المتوفّى 676ق، الناشر: انتشارات دار التفسير، الطبعة الثالثة، 1383 ش 1425 ق ، أربعة مجلّدات.

«ص»

52.

الصحاح، لإسماعيل بن حماد الجوهري، المتوفّى 393ق، تحقيق: أحمد بن عبدالغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت، 1399ق.

53.

صحيح البخاري، للإمام أبي عبدالله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزية البخاري الجعفي، المتوفّى 256ق، تحقيق ونشر: وزارة الأوقاف، المجلس الأعلی للشؤن الإسلامیة، قاهره، الطبعة الثانیة 1410ق، أحد عشرمجلّداً.

54.

صحیح مسلم، لأبي الحسین مسلم بن الحجاج النیسابوري، المتوفّی 261، الناشر: دارالفکر للطباعة والنشر.

«ع»

55.

العدّة في أُصول الفقه، للشيخ الطائفة الإمام أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفّى 460ق، تحقيق محمّد رضا الأنصاري القمي، الناشر: مطبعة ستارة، قم، الطبعة الأُولى، 1417ق، مجلّدان.

56.

عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، للشيخ محمّد بن علي بنإبراهيم الأحسائي المعروف بابن أبي جمهور، المتوفّى 880ق، تحقيق: مجتبى العراقي، الطبعة الأُولى، مطبعة سيّد الشهداء، قم، 1403ق، أربعة مجلّدات.

«غ»

57.

غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، للشهيد الأول محمّد بن مكي العاملي، المتوفّى 786ق، تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية قسم إحياء التراث الإسلامي، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1420ق، أربعة مجلّدات.

58.

غاية المرام في شرح شرائع الإسلام، للفقيه المحقّق الشيخ مفلح الصيمَري البحراني، المتوفّى حدود 900ق، تحقيق: الشيخ جعفر الكوثراني العاملي، الناشر: دار الهادي، الطبعة الأُولى 1420ق، أربعة مجلّدات.

59.

الغدير، للشيخ عبدالحسين الأميني، المتوفّى 1393ق، الناشر: دارالكتاب العربي، بيروت، إحدی عشر مجلّداً.

60.

غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع، للفقيه البارع الأقدم السيّد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، المتوفّى 585ق، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري، مؤسّسة الإمام الصادق، قم، الطبعة الأُولى، 1417 ق، مجلّدان.

«ف»

61.

فرائد الأُصول (ضمن تراث الشيخ الأعظم)، لأُستاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاري، المتوفّى 1281ق، الناشر: المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم، 1418ق.

62.

الفهرست، لشيخ الطائفة الإمام جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفّى 460ق، تحقيق: الشيخ جواد القيّومي، الناشر: مؤسّسة نشر الفقاهة، الطبعةالأُولى 1417ق.

«ق»

63. القاموس المحيط، للشيخ مجد الدين الفيروزآبادي الشافعي، المتوفّى 817ق، الناشر: دار احیاء التراث العربي، بيروت، أربع مجلّدات، الطبعة الأُولی، 1991 م 1412 ق.
64. قواعد الأحكام، لأبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلّامة الحلّي)، المتوفّى 726ق، تحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى 1413ق، ثلاثة مجلّدات.

«ك»

65.

الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي، المتوفّى 329 ق، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، ونهض بمشروعه: الشيخ محمّد الآخوندي، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران، ثمانية مجلّدات.

66.

الكافي في الفقه، للفقيه الأقدم أبي الصلاح الحلبي، المتوفّى 447ق، تحقيق: رضا الأُستادي، الناشر: مكتبة الإمام أمير‌المؤمنين (علیه السلام)، أصفهان، 1403ق.

67.

كشف الرموز في شرح المختصر النافع، لزين الدين أبي علي الحسن بن أبي طالب ابن أبي المجد اليوسفي المعروف بالفاضل والمحقّق الآبي، المتوفّى 676ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1417ق، مجلّدان.

68.

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للمحمود بن عُمر الزمخشري، 528ق، دار الكتاب العربي 1407 ق1987م.

69.

كشف القناع عن وجوه حجّية الإجماع، للمحقّق الشيخ أسد الله التستري المعروف بالمحقق الكاظمي، المتوفّى 1051ق، الناشر: مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام)لإحياء التراث.

70.

كشف اللثام، لبهاء الدين محمّد بن الحسن بن محمّد الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي، المتوفّى 1137ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1416ق.

71.

كفاية الفقه المشتهر بکفایة الأحكام، للعلّامة المحقّق المولى محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري، المتوفّى 1090ق، الناشر: مكتبة الإمام أمير‌المؤمنين (علیه السلام)، أصفهان.

72.

كنز العرفان في فقه القرآن، للشيخ الأجل جمال الدين المقداد بن عبد‌الله السيوري، المتوفّى 826ق، الناشر: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، 1384ق.

73.

كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، للعلّامة علاء الدين علي المتقي بن حسام

الدين الهندي، المتوفّى 975ق، تحقيق: الشيخ بكري حياني، الناشر: مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1409ق، ستّة عشر مجلّداً.

«ل»

74.

لسان العرب، للإمام العلّامة ابن منظور، المتوفّى 711ق، تحقيق: علي سيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1408ق، ثمانية عشر مجلّداً.

75.

اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية، الشهيد الأوّل، شمس الدين محمّد بنمكّي (734 - 768)، دار التراث - الدار الإسلاميّة، الطبعة الأُولى، بيروت، 140ق.

«م»

76.

المبسوط، السرخسي، لشمس الدين السرخسي الحنفي محمّد بن أحمد بن أبي سهل، المتوفّى 483ق، الناشر: دار المعرفة، بيروت، 1404ق.

77.

المبسوط في فقه الإمامية، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، المتوفّى 460ق، تحقيق: محمّد الباقر البهبودي، الناشر: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران، 1393ق، ثمانية مجلّدات.

78.

مجمع البيان في تفسير القرآن، للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفّى 560ق، تحقيق: الفاضل المتبحّر الشيخ أبو الحسن الشعراني، الناشر: المكتبة الإسلامية، طهران، 1395ق، عشر مجلّدات.

79.

مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد المقدّس الأردبيلي، المتوفّى 993ق، تحقيق: الحاج آقا مجتبى العراقي والحاج الشيخ علي پناه الاشتهاردي والحاج آقا حسين اليزدي الأصفهاني، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1406ق، أربعة عشر مجلّداً.

80.

مجموعة فتاوى ابن الجنيد، لآية الله الشيخ علي پناه الاشتهاردي، طبع ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي، الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (علیه السلام)، قم.

81.

المحاسن، لأبي جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي المتوفّى 274 أو 280 ق،

الناشر: المجمع العالمي لأهل اليت، المطبعة أمير، الطبعة الثانية ، 1416ق.

82.

المختصر النافع، لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي، المتوفّى 676ق، الناشر: مؤسّسة المطبوعات الديني، الطبعة الأُولى، 1416ق، مجلّدان.

83.

مختلف الشيعة في الأحكام الشرعية، للعلّامة الحلّي الحسن بن يوسف بن مطهر، المتوفّى 726ق، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1418 ق، تسع مجلّدات.

84.

مرآة العقول في شرح أخبار الرسول، للعلّامة شيخ الإسلام المولى محمّد باقر المجلسي، المتوفّى 1111ق، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407ق، ستّة وعشرون مجلّداً.

85.

المراسم في فقه الإمامي، للشيخ أبي يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي، المتوفّى 448ق، الناشر: منشورات حرمين، قم، 1404ق.

86.

المجموع النوَّوي شرح المهذّب، للإمام أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي، المتوفّى 676 ق، تحقيق محمود مطرحي، الناشر: دار الفكر.

87.

مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، لزين الدين بن عليّ العاملي 1 الشهيد الثاني، المتوفّى 965ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة المعارف الإسلامية، قم، الطبعة الأُولى، 1416 ق، خمسة عشر مجلّداً.

88.

مستدرك الوسائل، لخاتمة المحدّثين الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي، المتوفّى 1320 ق، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت(علیهم السلام)لإحياء التراث، قم، الطبعة الأُولى، 1407 ق، ثمانية عشر مجلّداً.

89.

مستند الشيعة، للعلّامة الفقيه أحمد بن محمّد مهدي النراقي، المتوفّى 1245ق، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت(علیهم السلام)لإحياء التراث، مشهد، ثمانية عشر مجلّداً.90. مسند أحمد، لأبي عبد‌الله أحمد بن حنبل الشيباني، المتوفّى 241ق، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، 1414ق، سبعة مجلّدات.

91.

المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للعالم العلّامة أحمد بن محمّد بن علي المقري الفيّومي، المتوفّى 770 ق، الناشر: مؤسّسة دار الهجرة، قم، الطبعة الأُولى، 1405 ق، مجلّدان.

92.

المعتبر في شرح المختصر، لنجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن المحقّق الحلّي، المتوفّى 676ق، الناشر: مؤسّسة سيّد الشهداء، قم، 1364ش.

93.

معجم مقاييس اللّغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، المتوفّى 395ق، تحقيق: عبدالسلام محمّد هارون، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1404ق، ستّة مجلّدات.

94.

المغني، للشيخ الإمام العلّامة موفق الدين أبي محمّد عبد‌الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة، المتوفّى 620ق، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، اثنى عشر مجلّداً.

95.

المراسیل، لأبي داود، سلیمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشیر الأزدي السجستاني، المتوفّی 275 ق، تحقیق: شعیب الأزنا ؤوط، الناشر: مؤسّسة الرسالة، الطبعة الأُولی، بیروت، 1408 ق.

96.

مفاتيح الشرائع، للعارف المحدّث الفقيه المولى محمّد محسن الفيض الكاشاني، المتوفّى 1091ق، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، الناشر: مجمع الذخائر الإسلامية، قم، الطبعة الأُولى، 1401 ق، مجلّدان.

97.

مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة، للمحقّق المتتبّع السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي، المتوفّى 1226ق، الناشر: دار إحياء التراث العربي، إحدى عشر مجلّداً.

98.

المفردات في غريب القرآن، للعلّامة الراغب الأصفهاني، المتوفّى 425ق، تحقيق: صفوان عدنان داودي، الناشر: دار القلم - الدار الشامية.

99.

المقتصر، لأبي العبّاس أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي، 757 - 841 ق، نشر مجمع البحوث الإسلامية، مطبعة سيّد الشهداء (علیه السلام)، قم، 1410 ق، الطبعة الأُولى.

100.

المقنع، للشيخ الصدوق محمّد بن علي بن بابويه، المتوفّى 381ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة الإمام الهادي (علیه السلام)، قم، الطبعة الأُولى، 1415ق.

101.

المقنعة، لفخر الشيعة أبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد، المتوفّى 413ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الرابعة، 1417ق.

102.

المكاسب المحرّمة، للإمام الخميني1، المتوفّى 1409ق، الناشر: مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني 1، الطبعة الأُولى، 1415ق، مجلّدان.

103.

ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، للعلم العلّامة الحجّة فخر الأُمة المولى الشيخ محمّد باقر المجلسي، المتوفّى 1111ق، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، الطبعة الأُولى، 1406ق، ستّة عشر مجلّداً.

104.

ملحقات العروة الوثقى، للسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي 1، المتوفّى 1338ق، الناشر: مكتبة الداوري، قم، الطبعة الثانية، 1409ق، مجلّدان.

105.

معجم الرجال الحديث، للسيّد القاسم الموسوي الخوئي، الناشر: الثقافةالإسلامية، الطبعة الخامسة، سنة 1413 ق 1992 م.

106.

منتهى المطلب في تحقيق المذهب، للعلّامة الحلّي أبي المنصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي، المتوفّى 726ق، الطبعة الحجرية، مجلّدان.

107.

المنجد، للويس معلوف، الناشر: دار الشرق، بيروت، الطبعة الأُولى، 1994 م.

108.

من لا يحضره الفقيه، لرئيس المحدّثين أبي جعفر الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، المتوفّى 381ق، تحقيق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلامية، النجف، الطبعة الأُولى 1404 ق، أربعة مجلّدات.

109.

المهذّب، للقاضي عبدالعزيز بن البرّاج الطرابلسي، المتوفّى 481ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1406ق، عدد الأجزاء: 2.

110.

المهذّب البارع، للعلّامة جمال الدين أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي، تحقيق: الحاج آقا مجتبى العراقي، المتوفّى 841ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1411ق، خمسة مجلّدات.

111. الميزان في تفسير القرآن، للعلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي1، المتوفّى 1402ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، عشرون مجلّداً.

«ن»

112.

نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر، للشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلّي 601 - 690 ق، مع التعاليق لسماحة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي، إخراج وتحقيق مؤسّسة فقه الثقلين الثقافية، الطبعة الأُولى، 1434 ق.

113.

النهاية، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي،المتوفّى 460ق، تحقيق: الشيخ آغا بزرك الطهراني، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1400ق.

114.

النهاية ونكتها، لنجم الدين جعفر بن الحسن الهذليّ (المحقّق الحلّي)، المتوفّى 676ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1412ق، ثلاثة مجلّدات.

115.

النوادر، لأحمد بن محمّد عیسی الأشعري القمّي، المتوفّی فی القرن الثالث، الناشر: مدرسه إمام مهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، الطبعة الأُولی، قم، 1408ق.

«و»

116.

وسائل الشيعة إلى تحقيق مسائل الشرعية، للفقية المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، المتوفّى 1104ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام)لإحياء التراث، قم، الطبعة الأُولى، 1421ق، ثلاثون مجلّداً.

117.

الوسيلة إلى نيل الفضيلة، لأبي جعفر الطوسي المعروف بابن حمزة، المتوفّى بعد عام 585ق، تحقيق: الشيخ محمّد الحسون، الناشر: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم.

«ه»

118. الهداية في الأُصول والفروع، للشيخ الصدوق محمّد بن علي بن بابوية، المتوفّى 381ق، تحقيق ونشر: مؤسّسة الإمام الهادي (علیه السلام)، قم، الطبعة الأُولى، 418ق

فهرس المطالب

دلیل الکتاب ... 5

مقدّمة التحقيق ... 7

مقدّمة المؤلّف ... 11

كتاب القصاص ... 13

القسم الأوّل: في قصاص النفس ... 14

معنى القصاص ... 18

الاستدلال بالآيات على القصاص ... 19

توهّم عدم الإطلاق في الآيات ... 21

الاستدلال بالروايات على القصاص ... 25

القتل من أعظم الكبائر ... 28

القول في الموجب ... 31

العمد والخطأ في القتل ... 32

أقسام القتل ... 34

المباشرة والتسبيب في القتل ... 49

حقيقة السحر ... 70

السراية في الجناية العمديّة ... 72

التسبيب في القتل ... 74

القتل بالطعام المسموم ... 75

القتل بالسمّ ... 78

الاختلاف في القتل بالجعل أو التقديم ... 81

الخطأ في تقديم السمّ ... 82

الدخول في البيت وأكل السمّ فيه ... 84

السموم القاتلة من غير أكل وشرب ... 85

شكّ السبب في السمّية ... 85

تداوي المجروح بدواء سمّي ... 87

الإلقاء في المسبعة ... 90

الإكراه في القتل ... 100

الاستدلال على كون القود على المكره المباشر ... 103

الإكراه بالقتل بالتوعيد بغير القتل ... 118

الإكراه والاضطرار في سقط الجنين ... 119

إكراه غير المميّز على القتل ... 124

إكراه غير البالغ المميّز على القتل ... 126

الإذن والأمر على القتل ... 128

الإكراه على قتل نفسه ... 132

الشركة في الجناية بالجرح والسراية ... 143

تداخل دية وقصاص الطرف في النفس وعدمها ... 145

حكم الاشتراك في القتل ... 155

فيما تتحقّق به الشركة في القتل ... 159

حكم الردّ قبل الاستيفاء ... 162

القول في: الشرائط المعتبرة في القصاص ... 169

قصاص الحرّ بالحرّة ... 170

إجمال القول في استدلال الأصحاب ... 171

النقاش في استدلال الأصحاب ... 172

كيفيّة مخالفة هذه الأخبار للكتاب ... 174

توهّم ودفع ... 179

ترجيح أخبار المواسعة على المضايقة بموافقة الكتاب ... 187

مخالفة الأخبار المستدلّ بها مع الأخبار الأُخر في المسألة ... 200

البحث حول دية أعضاء المرأة بما هي دية ... 220

مسائل متفرّعة على المبنى المشهور ... 239

عدم شرطيّة التساوي في الدين ... 245

أدلّة القائلين بشرطيّة التساوي في الدين ... 248

محكوميّة المسلم المعتاد بقتل غير المسلم ... 260

حكم قتل المسلم مرتدّاً ... 282

قصاص الولد بقتل أبيه ... 292

عدم قصاص الأُمّ بقتل الولد ... 293

هل يثبت القصاص للولد بقتل زوج زوجته أم لا؟ ... 296

شرطيّة العقل في القصاص ... 298

هل تثبت الدية على العاقلة في المجنون أم لا؟ ... 301

شرطيّة البلوغ أو التمييز في القصاص ... 308

الاستدلال على عدم شرطيّة البلوغ وكفاية الإدراك والتمييز ... 314

قصاص القاتل بقتل الصبيّ ... 327

ثبوت القود على السكران ... 337

هل القود على النائم والمغمى عليه؟ ... 342

جناية الأعمى ... 346

حكم سابّ النبيّ (صلی الله علیه وآله) ... 354

القول فيما يثبت به القود ... 361

الإقرار بالقتل ... 361

شهادة النساء في القتل ... 375

تعارض البيّنتين ... 380

تعارض البيّنة مع الإقرار ... 391

مقتضى القاعدة في تعارض البيّنة مع الإقرار ... 393

دلالة النصّ في تعارض البيّنة مع الإقرار ... 396

في معنى القسامة ... 404

القسامة إمضائيّة أم تأسيسيّة؟ ... 406

الفرق بين حلف القسامة وغيرها ... 410

[المقصد] الأوّل: في اللوث ... 413

معنى اللوث ... 413

اعتبار اللوث في القسامة ... 414

المراد باللوث في القسامة ... 420

حكم ما لو لم يحصل اللوث ... 427

تنبيهٌ وفرعٌ: ... 432

المقصد الثاني: في كمّيّة القسامة ... 437

العدد في القسامة ... 437

في عدم القسامة للمدّعي ... 444

ما يعتبر في القسامة ... 451

فيما كان المدّعي أو المدّعى عليه أكثر من واحد ... 453

في النكول عن اليمين في القسامة ... 458

القسامة في الأعضاء ... 462

قسامة الكافر ... 467

المقصد الثالث: في أحكامها [القسامة] ... 471

حجّية القسامة في ثبوت القصاص والدية ... 471

جريان القسامة مع غيبة بعض الأولياء ... 474

حبس المتّهم ومدّته ... 480

القول في كيفيّة الاستيفاء ... 487

فيما يوجبه القتل العمد ... 487

الاستدلال للقول المشهور ... 489

الاستدلال للقول المخالف للمشهور ... 491

عفو القود بشرط الدية ... 498

في وجوب بذل الدية على الجاني ... 499

إرث القصاص ... 502

إرث الزوج والزوجة في القصاص ... 503

إرث الإخوة والأخوات في القصاص ... 505

إرث النساء في القصاص ... 507

هل يتوقّف القصاص على إذن الإمام؟ ... 509

الاستدلال على لزوم إذن الإمام ... 511

الاستدلال على عدم وجوب الإذن من الإمام ... 513

هل يعتبر إذن جميع أولياء الدم إذا كان أكثر من واحد ... 515

القرعة في تزاحم الحقوق ... 523

عدم جواز استيفاء القصاص بالآلة الكالّة ... 527

استيفاء القصاص بالسيف والاستدلال عليه ... 528

عدم الضمان في قصاص الطرف مع السراية ... 536

جواز الاستيفاء مع غيبة بعض الأولياء ... 540

فيما إذا كان الوليّ صغيراً أو مجنوناً ... 542

اختيار بعض الأولياء الدية أو العفو ... 546

اشتراك الأب في قتل ولده مع الأجنبيّ ... 555

صرف الدية في ديون المقتول ... 557

استيفاء القصاص للمديون ... 561

تعدّد القتيل مع كون القاتل واحداً ... 567

التوكيل في استيفاء القصاص ... 576

عدم جواز الاقتصاص من الحامل ... 579

حكم ما لو قطع الجاني يد رجل ثمّ قتل آخر ... 582

سقوط القصاص بهلاك قاتل العمد ... 583

هل تسقط الدية بهلاك قاتل العمد؟ ... 583

ثبوت الدية مع موت القاتل الهارب ... 587

حكم ما لو برئ الجاني من ضربة وليّ الدم ... 594

حكم قصاص قتل الكامل الناقص ... 600

قطع كفّ الجاني مع كون كفّ المجنيّ عليه بغير أصابع ... 606

القسم الثاني: في قصاص ما دون النفس ... 611

قصاص الطرف ... 613

فيما يشترط في قصاص الطرف ... 614

قصاص الطرف للرجل من الرجل ومن المرأة ... 616

التساوي في السلامة من الشلل ... 627

اعتبار التساوي في المحلّ ... 635

قصاص عين الأعور ... 650

عدم القصاص في العين العمياء القائمة ... 656

كيفيّة القصاص في إذهاب ضوء العين ... 658

حكم تفاوت العضو في الجاني والمجنيّ عليه ... 664

سراية قطع الإصبع إلى الكفّ ... 667

في عفو المجنيّ عليه ... 672

مصادر التحقیقّ ... 677

فهرس المطالب ... 691