ghaemiyeh.com
كاشف الغطاء
المُثُل العُليَا في الاسلَام
لَا في بحَمدُون
لسَماحة الاماَم الأكبَر
محمد الحسَين آل كاشِف الغطَاء
طَاب ثَراه
منشورات
دار الوعي الاسلامي
بيروت - لبنان
محرر الرقمي: محمد کاظم صادقي
المُثُل العُليَا في الاسلَام
لَا في بمحَمدُون
لسَمَاحه الامام الأكبر
محمد الحسَين آل كاشف الغطَاء
طَاب ثَراه
منشورات
دار الوعي الإسلامي
بيروت - لبنان
ولد المغفور له الشيخ محمد الحسين في مدينة النجف الاشرف عام 1294 ه- - 1876م ، وقد أرخ عام ولادته الشاعر النجفي المفلق السيد موسى الطالقاني بقوله :
وبشر الشرع مذ أرخوا***«ستثنى وسائده للحسين »
وقد تحققت هذه النبوءة التي جرت على لسان هذا الشاعر،فصاركاشف الغطاء آية عصره وعلمًا بارزاً في جميع الميادين العلمية والاجتماعية فيا لها من نبوءة صادقة .
وكان الرجل خليقاً ان ينشأ هذه النشأة الكريمة ، فهو من دوحة باسقة الأغصان يانعة الثمرات ، ومن أسرة رافقت تاريخ النجف الزاهي، وتزعمت الحركة الدينية فيها نحو مائة وثمانون سنة - أي منذ ان هاجر جدها الأعلى الشيخ خضر بن يحيى المالكي الى النجف من بلدة جناجة الواقعة جنوب مدينة الحلة - وخلف بعده ولده الشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب ( كشف الغطاء ) المعروف ومن ثم اخوته وابناؤه واحفاده الذين كثر فيهم العلماء الاعلام
والمجتهدون الاكابر والأدباء الجهابذ حتى وصلت النوبة الى صاحب هذه الترجمة.
وبعد أن أكمل دراسة المقدمات المتعارفة في الوسط العلمي بالنجف أقبل على حضور حلقات علماء عصره ، فكان يتلقى معارفه الأصولية على الشيخ محمد كاظم الخراساني ، وحضر في الفقه علي الملا رضا الهمداني والسيد كاظم اليزدي، وفي الاخبار والحديث على الميرزا حسين النوري كما أجازه الميرزا النوري بالحديث عنه ، وفي الكلام والحكمة على الشيخ احمد الشيرازي والميرزا محمد باقر الاصطهباناتي والشيخ محمد رضا النجف آبادي .
ولما كان يتمتع بموهبة الذكاء الحاد والالمعية الوقادة ، فقد برز بين جماعته وطبقته في زمن قصير، وتبوأ المكانة اللائقة وهو في مقتبل العمر وأوان عهد الشباب ، بل صار هو واخوه المجتهد الشيخ احمد محل اعتماد العلماء ، وصاروا على الخصوص ثقة المرجع الاكبر في وقته السيد كاظم اليزدي الذي كان يكل اليهما امور الفتيا والجواب على الأسئلة الفقهية . وبعد وفاة السيد اليزدي استقل المرحوم المؤلف بالمرجعية العامة واصدار الفتاوي ، والتصدي الى امور التقليد ، وما زال يزداد اشراق سعده ولمعان نجمه ويكثر مقلدوه ومريدوه حتى هذه الساعة.
وكان في جميع ادوار حياته، يعقد الحلقات
والمحاضرات ، فيقبل عليها جمهور غفير من مختلف طُلّاب العلم في النجف ، لسماع افاضاته النافعة والاستفادة من معارفه الجمة، وحتى صار ما يلقيه في ابواب الفقه والحديث والكلام يربو على عشرات المجلدات ، يحتفظ بقسم كبير منها خاصة تلاميذه واصحابه.
وهو الى جزيل فضله ومزيد علمه ، كان ذا بيان جذاب ساحر وأسلوب مشرق وهاج ، يرسل الكلام في تعبير قوي ولسان ذلق وفصاحة نادرة حتى لتنقضي الساعات الطويلة على السامع وهو لا يحسبها سوى دقائق قصيرة بل ثوانٍ معدودة . وطالما كان يرقى المنابر في شتى المناسبات ويعتلي الأعواد في مختلف الأوقات، فيملك القلوب بسحر بيانه ، ويستولي على العقول بحلاوة منطقه . وكان يمهد في الخطابة للوصول الى اغراضه ومقاصده بأروع المقدمات واحفلها بالطرائف المنمقة والظرائف المنسقة .وشهدت له كل من جوامع القاهرة والقدس وبغداد وكراتشي وطهران والنجف جمعاً زاخراً من خطبه الرنانة وجوامع كلمه الفتانة التي وعتها القلوب قبل الاسماع وحفظتها الافئدة قبل الآذان .
2 - طرف من أسفاره ورحلاته :
وكان المرحوم الامام كاشف الغطاء طموحاً الى أبعد
حدود الطموح ولا يرى في الوصول الى غاياته المثلى ومقاصده العالية ، حتى لو علا سروج النجوم، وامتطى غابر الكواكب.
وهو من اجل ذلك لم يجد في بلده ما يحقق آماله الواسعة واحلامه الشاسعة ، فراح يطوف في شتى البلدان العربية ، ويقصد شتى المواطن الاسلامية ، فتسمع الجموع الغفيرة والطوائف صوته الجهوري يدوي في المؤتمرات ويجلجل في المحافل والمنتديات .
وكانت أولى رحلاته في غرة شوال سنة 1328 ه- ، وقد قصد الحجاز لاداء فريضة الحج ، ومن هناك عرج على دمشق وبيروت ، فبقي يتنقل بينهما نحو شهرين ، ثم أقام في صيدا بضعة شهور ، فكان في جميع هذه البلدان نشطاً عاملاً، حتى لقد طبع عدة كتب من مؤلفاته ، كما أشرف على طبع بعض الكتب العلمية والأدبية والتعليق عليها.
ومن صيدا سافر الى القاهرة، وبقي فيها اكثر من ستة اشهر ، كان يجتمع فيها الى علماء الأزهر يتلقون عنه ويتلقى عنهم ، ثم ألقى عدة محاضرات على طلاب العلم في الأزهر الشريف ، كما ألقى بعض الخطب في الكنائس مفنداً مزاعم المبشرين الأفاقين.
وفي سنة 1350 سافر الى فلسطين لحضور المؤتمر
الاسلامي الذي انعقد في مدينة القدس ، ولما حضر المسجد الأقصى دعي للخطابة ومن ثم الى الصلاة بجميع من شارك في حضور المؤتمرات ذلك الوقت . وتجول بعد ذلك في مدن فلسطين كحيفا ونابلس ويافا.
وبعد ذلك بسنتين شد الرحال الى ايران للمرة الأولى، وقد شاهد مدنها الكبرى کهمدان وكرمانشاهان وطهران و خراسان و شيراز وكازرون وبوشهر والمحمرة وعبادان . وفي جمیع هذه المدن كان يقيم صلاة الجماعة ويقيم الاجتماعات العامة ويلقي الخطب.
وسافر الى ايران للمرة الثانية سنة 1366 ه- فأقام ردحاً من الزمن في مدينة كرند . وفي سنة 1367 ه- رحل الى ايران مرة ثانية وذلك بقصد زيارة الامام علي بن موسى الرضا في خراسان، واستطاع ان يتصل في هذه الرحلة الثالثة بالكثير من علماء ايران وشخصياتها البارزة.
ثم سافر إلى لبنان سنة 1370 ه- ، حيث كانت هذه السفرة بقصد الاصطياف والعلاج، بعد ان تردت صحته وانتابه الاسقام.
وفي سنة 1371 ه- دعته حكومة الباكستان الحضور المؤتمر الاسلامي فيها ، فسافر بالطائرة الى كراتشي ، فخطب هناك عدة خطب وشارك رجال المؤتمر في معالجة الاوضاع
السياسية والاجتماعية الراهنة في البلاد الاسلامية ، ولما كان هذا المؤتمر قد وصم من قبل الأوساط الشعبية والوطنية فقد آل سماحته على نفسه أن يفضح أي دسيسة من الدسائس التي نوى الاستعمار أن يدخلها في مقررات ذلك المؤتمر.
وبعد أن أنفض المؤتمر زار مدن باكستان كلاهور وبشاور ، وراولبندي ومظفر آباد المسماة « بكشمير الحرة » .
3- مواقفه الوطنية والاصلاحية :
لقد كان الفقيد المصلح كاشف الغطاء يؤمن بأن أهم وظائف الرجل الديني وواجباته الأولى : معالجة الشؤون السياسية والتدخل فيها وفهمها حق الفهم . وكان يرى بأن المعنى بمفهوم السياسة « هو الوعظ والارشاد والنهي عن الفساد ، والنصيحة للحاكمين بل لعامة البلاد ، والتحذير من الوقوع في حبائل الاستعمار والاستعباد ، ووضع القيود والاغلال على البلاد وابناء البلاد». وهو يقول في انشغاله بالسياسة : « أنا غارق فيها الى هامتي ، وهي من واجباتي ، وأراني مسؤولاً عنها أمام الله والوجدان » . وطالما كان يردد كلمة الامام عليه السلام : « اِنِّ الله أخَذَ اللّه ُ عَلَی العُلَماءِ أن لا یُقارّوا عَلی کِظَّهِ ظالِمٍ ولا سَغَبِ مَظلومٍ » .
ولذلك فانه ساهم في مختلف الحركات الوطنية التي طرأت على العراق خاصة والبلاد الاسلامية والعربية عامة ،
وكان له في اكثر تلك الحركات نصيب وافر ورأي صائب.
وما أن بدأت الحرب الكونية الأولى ، حتى رأيناه يسافر الى مدينة الكويت للمساهمة في الجهاد مع جموع الشعب العراقي ضد القوات الانكليزية المحتلة ، كما رأيناه يساهم ايضاً في حرب النجف مع الانكليز، ويشتد في صد المستعمر الغازي.
وبقي سماحته على هذا المنوال يجد في النزال ضد قوى الظلم الغاشمة ويشن الحرب العوان على المستعمرين واذنابهم وخدمهم فجاهر بآرائه الجريئة في اكثر من مناسبة واحدة، وعمل على فضح نوايا الانكليز واعوانهم ودسائسهم بكل وسيلة وطريقة .
4- صراحة الحديث :
وما أن سنحت له الفرصة بزيارة السفير البريطاني لمدينة النجف واجتماعه به یوم 20 جماعدي الأولى 1373 ه-1953 م حتى يصارحه بالأعمال المنكرة التي قام بها الانكليز في شرق الأرض وغربها ، ويجابهه بأقواله النافذة عن ضياغ فلسطين وتسبيب الانكليز لذلك، ومن ثم معاونتهم للصهاينة على فتح عاقل تلك الأرض المقدسة و استعمار ارضها واستعباد أهلها ، وأخيراً تشريدهم في كل صقع وربع .
ثم اجتمع بالسفير الامريكي فلم تكن صراحته بأقل صراحة وجرأة وقد عنفه كثيراً على مساهمة الولايات المتدة الامريكية في تثبيت اقدام الصهيونيين بأرض فلسطين ، وما ذلك نجم عن من الأعمال الوحشية المنكرة وكان يقول للسفير في هذا الخصوص : « ان قلوبنا دامية منكم معاشر الامريكيين لأنكم طعنتمونا بالصميم طعنة نجلاء لا يمكن السكوت عنها والصبر عليها » . ثم يقول : « ان القلوب كلها ضدكم وتقطر دماً من فظاعة ضربتكم التي قصمتم بها ظهر العرب » . وكان يعني بذلك مأساة فلسطين وضياعها من أيدي العرب.
واخيراً توج حياته الكريمة الحافلة بجلائل الأعمال الوطنية والاصلاحية برفضه حضور مؤتمر بحمدون الذي روجت له محافل الاستعمار الامريكي ، وكان رده على دعوة الحضور حاسمًا بليغاً جداً. وما اكتفى رحمه الله بل شفعه باصدار هذا الكتاب « المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون » وقد جاء هذا الكتاب آية في الجرأة الوطنية والغيرة على المصلحة العامة والسعي الى خدمة البلاد وتنوير ابنائها بما يوطهم من اخطار الاستعمار وما ينتابهم من شرور اذنابه .
بِسْمِ اللّه ِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ
كان ورد الى سماحة الامام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء كتاب من نائب رئيس جمعية أصدقاء الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الامريكية يدعوه لحضور مؤتمر لرجال الدين من المسلمين والمسيحيين يعقد في لبنان لبحث القيم الروحية في الديانتين والأهداف المشتركة وموقف الديانتين من الشيوعية .
وقد رفض سماحته حضور المؤتمر لضعف مزاجه وكثرة أشغاله. ووعده بأن يرسل اليه كتاباً يوضح فيه رأيه في الموضوع .
والى القارىء نص كتاب نائب رئيس الجمعية وجواب سماحة الامام اليه المفصل . وقد رأينا ضرورة نشر الكتاب والجواب كي يستنير به العالم الاسلامي والشعوب العربية في الحذر من حبائل الاستعمار وخداعه وجرنا الى الاستعباد، والاضطهاد والحرب والدمار والبوار .
نيويورك في 15 آذار سنة 1954 م .
فضيلة الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء المحترم .
النجف - العراق .
سيدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا شك انكم تشاركونني الرأي في أن الاسلام والمسيحية لها أهداف واحدة في كثير من النواحي ، كما أن لهاتين الديانتين أعداء مشتركة ، من بينها المغريات الدنيوية والأغراض المادية ثم الشيوعية .
وأعتقد ايضاً أنكم تشاركونني في رأيي انه ما دام لهاتين الديانتين العظيمتين أهداف مشتركة وأخصام مشتركة يترتب وضع أسس للتعاون بينهما.
وبعد التباحث مع بعض الشخصيات من المسلمين والمسيحيين وجدت أن أفضل الطرق لمعالجة هذا الأمر هو عقد اجتماع تمهيدي يضم رجال الدين من كلاالطرفين.
في هذا الاجتماع يدلي كل فرد من المجتمعين برأيه ويقر النقاط التي يمكن الوصول الى اتفاق بشأنها . إذ ان هذا الاجتماع هو عبارة عن تبادل في الرأي .
بناء على ذلك عرضت الاقتراح على مجلس ادارة جمعيتي
الذي رحب بدوره بالفكر ورجا التوفيق لهذه الخطوة المباركة كما أبدى استعداداً لمؤازرة المشروع .
لذا فقد كلفني مجلس الادارة المذكورة أن اتخذ الاجراءات اللازمة لعقد هذا المؤتمر ، وها أنا ذا أوجه الدعوة الى 25 من الشخصيات المسيحية و 25 من الشخصيات المسلمة كيما نجتمع في اوتيل امبسادور، الكائن في ( بحمدون ) لبنان وذلك لحضور المؤتمر الذي سيعقد في 22 نيسان سنة 1954 ويستمر ستة أيام ( من 22 الى 27 ) . هذا وقد حرصت على أن يجري عقد هذا المؤتمر في أحد المصايف المنعزلة في جو هادىء بعيد عن ضوضاء الصحافة .
وستكون أبحاث المؤتمر محصورة في ( النواحي الروحية والقيم المثلى التي وردت في تعاليم الدين مبينة عقم الفلسفة المادية الفانية ) ، وسيتناول البرنامج المواضيع الآتية :
1- مراجعة القيم الروحية في كلتا الديانتين .
(أ) القيم الروحية في الاسلام .
(ب) القيم الروحية في المسيحية
2 - النواحي الروحية في الدين وقدر الانسان وكرامته.
أهمية هذه القيم : (أ) بالنسبة الى الفرد .
(1) في الاسلام ؛ (2) في المسيحية .
(ب ) بالنسبة الى العائلة : (1) في الإسلام ؛ (2) في المسيحية .
( ت ) بالنسبة الى المجتمع : (1) في الاسلام ؛ (2) في المسيحية .
و « الصيغة الدينية والدنيوية في المجتمع .
والصيغة الجماعية والفردية في المجتمع » .
3 - الأعمال الحيوية المستمدة من الدين : (أ) في الاسلام ، الزكاة وامكانية انتشارها . (ب) في المسيحية ، أعمال البر والعدالة الاجتماعية .
4 - خطر الشيوعية ، على المجتمع في عصرنا الحاضر . (أ) ما هو جواب الاسلام على الشيوعية ؟ (ب) ما هو جواب المسيحية على الشيوعية ؟ .
( أ ) ما هي الطرق الكفيلة في الاسلام لنقل هذه القيم الروحية الى الجيل الحديث ؟ .
( ب ) ما هي الطرق الكفيلة في المسيحية لنقل هذه القيم الروحية الى الجيل الحديث ؟.
(ت ) ما هي الوسائل التي يمكن للطرفين ان يتعاونا بموجبها لتحقيق هذا الهدف ؟.
وسيتباحث المؤتمرون معاً مرتين أم ثلاث في اليوم ثم يعقدون الجلسات عقب ذلك . ولي وطيد الأمل في أن يمضي المؤتمرون قسماً من وقتهم في التآلف والتآخي .
وبهذه المناسبة يسرني أن أذكر أن الكثيرين من الشخصيات
المسيحية والاسلامية البارزة من جميع أنحاء العالم قد قبلوا دعوتنا . وإني أسترعي انتباهكم إلى أنه يمكنكم الاستعلام عن موقف جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية واهدافها السامية من أصحاب السعادة الدكتور محمد فاضل الجمالي أو السيد عبد الله بكر أو السيد موسى الشهبندر.
كما واني أوردت في كتابي هذه التفاصيل كلها راجياً تشريفنا بقبول دعوتنا هذه التي أوجهها اليكم للأشتراك معنا في أبحاث المؤتمر . حيث أن حضوركم سيعود بالنفع الكبير .
نحن مستعدون لتغطية نفقات السفر ذهاباً وإياباً الى( بحمدون) مع بقية نفقات المعيشة أثناء اقامتكم فيها.
أعتقد انكم تدركون ولا شك أنه من الضروري جداً أن نعلم فيما اذا كنتم ستتكرمون علينا بحضوركم وذلك كيما أتمكن من دعوة شخص آخر بدلاً منكم اذا لم يكن بمقدوركم ذلك .
لذا أرجو أن تتكرموا بارسال جوابكم لي برقياً وفي أقرب فرصة ممكنة. ويمكن ارسال البرقية بالعنوان التالي - .
وبالختام تفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام .
کارلند ايفانز هوبكنز
من النجف الأشرف
بِسْمِ اللّه ِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ
جناب نائب رئيس جمعية اصدقاء الشرق الأوسط كارلند ايفانز هوبكنز المحترم .
اكراماً واحتراماً .
وردني كتابكم تدعوني فيه الى الحضور في المؤتمر الذي اعتزمتم على عقده آخر نيسان في ( بحمدون ) ، لبنان. ويتكون من خمسة وعشرين شخصاً من علماءالمسلمين ومثلهم من المسيحيين للمداولة في أهداف كلتا الديانتين وقلتم أن أبحاث المؤتمر ستكون محصورة في النواحي الروحية والقيم المثلى التي وردت في تعاليم الدين ، مبينة عقم الفلسفة المادية الفانية . ثم ذكرتم جهات البحث في كلتا الديانتين الى أن وصلتم الى الغاية المقصودة والناحية التي لعلها هي الغرض الوحيد من هذه الترانيم والأناشيد ، فقلتم (4) خطر الشيوعية على المجتمع في عصرنا الحاضر . ويتلخص جميع ما ذكرتم من النواحي التي تريدون البحث عنها والنظر فيها من اعضاء المؤتمر الذين يبلغ عددهم الخمسين وتبلغ موادها العشرين ، نعم تتلخص أبحاثها في أمرين :
(1) القيم الروحية والمثل العليا في الاسلام والمسيحية.
(2) خطر الشيوعية على المجتمع وطلب علاجها من الاسلام والمسيحية . فنقول :
يلزم قبل كل شيء أن تعرفوا جيداً أن لسان العمل أبلغ وأشد أثراً من لسان القول ، وأن ألوف المؤتمرات والمذكرات وكل الاجتماعات والمجتمعات ليس لها أي أثر اذا لم تكن الدولة المؤسسة لتلك المؤتمرات والمذاكرات هي في نفسها منسجمة وملتزمة بالقيم المثلى والنواحي الروحية . ولا يندفع خطر الشيوعية إلا بتحقيق حرية الشعوب والعدالة الاجتماعية وقلع جذور الظلم والعدوان وقمع رذيلة الحرص والشره على حق الغير والتجاوز عليه . فهل انتم يا معاشر الامريكان ، ويا حكومة الولايات المتحدة ، ويا دولة الانكليز ، هل أنتم واجدون تلك الصفات وهل عندكم شيء من القيم الروحية والمثل العليا ؟ . وهل أبقيتم للقيم الروحية قيمة ، وقديماً قال الحكماء أن فاقد الشيء لا يكون معطياً .
أليست أعمالكم الفظيعة وضربتكم القاسية للعرب والمسلمين في فلسطين قد سودت وجه الدهر ، وألبست الأعصار ، جلابيب الخزي .
كان الشرق بأجمعه يعاني كابوسين من الاستعمار ، انگليزي وفرنسي الأثيمة ، يد الصهيونية اللئيمة . فتهاجم
قرى العرب العزلاء، وتقتل رجالها وأطفالها ونساءها الأبرياء . ألستم أنتم الذين لا تزالون تمدونهم بالمال والسلاح وتدفعونهم الى هذه الجرائم دفعاً ، وإلا فاليهود أقصر باعاً وأضعف قلباً أن يجرأوا على العرب هذه الجرأة .
ألستم أنتم اخرجتم تسعمائة ألف نسمة من العرب أخرجتموهم من أوطانهم وبلادهم وشردتموهم بالصحاري والقفار يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء . وكانوا في أوطانهم أعزاء شرفاء ، يكاد يتفجع لحالهم الصخر الأصم ، ويبكي لحالهم الأعمى والأصم ، وانتم لا تزالون تغرون اليهود بالعدوان عليهم . فهل فعل نيرون كأفعالكم هذه والعجب كل العجب انكم في نفس الوقت تطلبون من المسلمين والعرب الانضمام الى جهتكم ، والتحالف معكم ، وابرام المعاهدات لكم، فأنكم تضربون العرب بأرجلكم ورجالكم تصفعونهم على عيونهم بيد ، وتمسحون رؤوسهم باليد الأخرى .
عبادة المادة
وجئتمونا اليوم تريدون عقد المؤتمرات للمثل العليا وتناشدون اقامة المذاكرات للقيم الروحية ، أليست هذه الاضرابات والاضطرابات التي تراق فيها دماء أهل الوطن الواحد والملة الواحدة في طهران وسوريا ومصر ولبنان ، أليست
كلها من أصابعكم الخفية التي تلعب ليلاً ونهاراً من وراء الستار . ألستم أنتم الذين تصبون البلاء والمحن وتريقون دماء الأبرياء في الشرق والغرب ، فتونس ومراكش والجزائر تصطلي في المغرب بناركم، وكوريا والهند الصينية وكينيا تضطرم في الشرق بأواركم ، كل هذا حرصاً على المال وتهالكاً على المادة - المادة التي تقول عنها في كتابك :
ان ابحاث المؤتمر ستكون محصورة في النواحي الروحية والقيم المثلى التي وردت في تعاليم الدين مبينة عقم الفلسفة المادية الفانية . وهل الدين ، عندكم غير المادة وهل تعبدون إلا المادة ؟ وهل ملأتم الدنيا شراً وبلاءاً إلا في سبيل المادة ، وهل أعددتم القنابل الذرية واخواتها المهلكة للعالم إلا للاستيلاء والغلبة واستعباد العالم وتفانياً على المادة . وهل هذا الأصرار على الاستعمار ، وسلب الأحرار حرياتهم المقدسة إلا عبودية للمادة . وهل يسيل لعابكم إلا لهذه المادة السائلة وهل تطلبون السيادة الا على هذه المادة السوداء .
نعم كانت أهالي القارة الامريكية بمعزل عن العالم القديم ، ولكن زج بها وجرها الى هذه الويلات والولايات شيطان أبالسة الأستعمار ، زجها بهذا الأتون المضطرم لصالحه واكمال رسالته في الاستعمار واستعباد الأمم ، والغلبة على الألمان والنازية التي كادت أن تجعله صفراً في أرقام صحيفة الدول . استعان بها في الحرب الأولى والثانية وقرأ عليها درس
الاستعمار درساً درساً ، وغرس في لهاتها ضروس الاستعباد ضرساً ضرساً .
وبالضرورة أن امريكا أصبحت تريد السيطرة لا على الروس فقط بل على العالم كله .
وعسى أن يصل التحالف الامريكي الانكليزي الى تخالف يسحق كل منها الآخر .
نحن والشيوعية
نريد عقد مؤتمر لبنان للبحث في العلاج لدفع خطر الشيوعية ولكن اذا كانت هذه سيرتكم وسريرتكم مع الأمم عموماً ومع العرب والمسلمين خصوصاً فلعل كثيراً من يقول : ألف سلام على الشيوعية على شدة نفورنا منها وبعدنا عنها ومكافحتنا المريرة لمبادئها الهدامة ومحاربتنا لها بكل قوانا . ولكن لو أمعنا النظر وضربنا الرقم القياسي على طاولة الحساب ، ووضعنا أعمال الجهتين في كفتين هانت علينا الشيوعية وثلجت صدورنا منها ، فإن الشيوعية ما استعمرت من العرب دولة ، ولا غصبت منا بلاداً ، ولا ابتزت منها مالاً وعتاداً . وهذه الحروب الباردة التي تدسها الشيوعية في كل البلاد ، حتى في النجف انما هي منكم ومن أجلكم ، ولا تقصد إلا الانكليزي المتقمص بثوب الاسلام أو العرب :
ولو تخليتم عنا ، ولم تستميلوا اليكم ضعفاء الايمان من
رجالنا لما كان للشيوعية أي شأن معنا وكنا في مأمن من شرها فلا تكون لنا ولا علينا . وليست لدينا من نظام الدول الشيوعية وأهدافها وأسلوبها في العمل ، امارات وعلائم تدل انها تريد حربنا من الخارج، كما لا تريد حربها .
نعم وحقاً ان الطعنة الدامية التي طعنتم العرب والمسلمين فيها بتهويد فلسطين ، واجلاء العرب عنها كانت قرة عين للشيوعية ، شماتة بكم وبالدول العربية المسخرة لكم ، والتي صارت مطايا تحتكم تبلغون بها الى مقاصدكم من استعباد الشعوب ، وامتلاء الجيوب باختلاس أموالهم وامتصاص دمائهم ، نعم انتم ذبحتم فلسطين ولكن بيد الدول العربية . ذبحتموها بيد الدول المسلمة ليكون ذبحاً شرعياً ، ذبحاً بيد المسلم (ذبح على القبلة) حتى تكون ذبيحة يحل أكلها لكم وللصهاينة ، لانكم أناس أهل ورع ودين تريدون المثل العليا ، فلا تأكلون إلا الحلال الطيب ، ذبيحة المسلم للمسلم هي الحلال الطيب .
وما كفاكم ذلك ، يا الله وللعجب كل يوم عدوان جديد من الصهاينة صنائعكم على العرب . وفي عين الوقت تبذلون مساعيكم كي تزجون العرب في معاهدة الدفاع المشترك وأمثال هذا من الأحابيل والأشراك التي تصطادون بها الطيور الضعيفة . المقصوصة الاجنحة
لا أدري وليتني أبداً لا أدري هل تنصاع هذه الدول العربية وتقع في حبائلكم كما وقعت الباكستان الدولة التي زعمت أنها دولة مسلة وباسم الاسلام وجدت وتكونت . ما أدري هل تنخدع الدول العربية بوعودكم الخلابة الكاذبة ، بالأسلحة الرمزية المزيفة ، وبالمساعدات الدولارية المبهرجة التي برهنت التجارب انها كالسراب اذا جاءه العطشان لم يجده شيئاً ، تدفع امريكا دولاراً واحداً لتأخذ عوضه عشرة بل مائة.
نعم لا أدري ، ولكن ساسة العراق المخلصين يتوجسون خيفة من الوضع الراهن في العراق ولعلهم يقولون ، كما أن النبوة والبعثة تسبقها حالات شاذة ، ويتقدمها حوادث غريبة ، تسمى «ارهاصات » النبوة،كذلك للسياسة ارهاصات.
ولعل منها هذه الرحلات والزيارات المطلية بطلاءالمجاملات والدبلوماسيات ، والاكتشاف والاستطلاع . ومما يزيدفي بعث الريبة ، ويبرم خيوط الظنة لا ، اشارات من على رأس الحكومة وكتاباتها الكتابات التي هي أبلغ من التصريح ، كل ذلك يشعر أن وراء الستار مساومات
ومعاملات وخطط واتجاهات . وان هذ انكار المترجرج ، والدفاع المتحرج ، انما هو تخدير اعصاب وجسة نبض ووضع خريطة .
و مع هذا كله، بل ومع كل هذا الذي يدلي به المعارضون من الامارات والدلالات على أن الواقعة سوف تقع وان الأمر سوف يتم ، وان البلاء لا سمح الله سوف ولكن على كل الفروض والتقادير لا تكاد نفسي
تذعن وتؤمن بأن حكومة العراق الرشيدة ، بجميع أشكالها وتبدل رجالها وتغير اعضائها وأوضاعها تتورط في هذا المأزق ، وتثير نقمة الشعب عليها التي تجر الى الاضطرابات والاضرابات الدامية.
كيف والمسؤولون لا يغيب عنهم ثورة الشباب بالأمس، وتضحيتهم بأغصان الشبيبة اليانعة في معاهدة «بورت اسموث» . وهي بالقطع واليقين أهون من هذه المعاهدة المغلفة والمغطاة بالمساعدة العسكرية . وعامة الشعب لم يكن قد شارك في تلك الوثبة لأنه لم تصله شؤونها وشجونها ، ولم تفتح لها عيونها . اما اليوم فقد عم الوعي ، حتى لرجل الشارع بل حتى للنساء والأطفال واللهجة عامة انما أية فائدة استفدنا من مساعدة الدول العربية في الحرب الاولى والثانية سوى اننا ضحينا بأموالنا ونفوسنا ، بل تضررنا وخسرنا . بعد الحرب
العالمية الأولى تفرقت الأقطار العربية بعد ان كانت متحدة.
نعم تفرقت كغنائم للمستعمرين واستوطن اليهود ارض فلسطين ، وبعد الحرب العالمية الثانية ضاعت منا فلسطين والاسكندرونة نهائياً . وامريكا تريدها حرباً عالمية ( لا كان ذلك) ولكن لو كان فليس لنا بالدخول معها سوى الضرر والخسران ، بل قد يكون لنا الاحتلال والاضمحلال.
فإن كانت هي الغالبة فليس لنا من الغنيمة شيء ، بل لا شك أننا نكون غنائم لها ولحلفائها المقربين ، انكلترا وفرنسا وتركيا واسرائيل . وان كانت مغلوبة فالويل ثم الويل لها ولا تباعها ونحن حينئذٍ أول صريع في الميدان.
وكيف نعتمد على الدول الاستعمارية لتسليحنا ، وهل حقاً يريدون تسليحنا وهم اعداؤنا ونحن اعداؤهم . فهل يطمئن الشخص ويعطي سلاحه الى عدوه. نحن اعداء الحكومات الاستعمارية بالطبع ولسنا أعداء شعوبها. ويمكن ان نتعاون مع الدول الغربية عندما تأتي حكومات تحسن النية معنا ويظهر لنا بوضوح تغيير سياستها . واذا اردنا أن نتسلح حقيقة فالحكومة الوطنية تستطيع أن توفر من دخلها القومي وتنظيم ثروتها وتشتري اسلحة حقيقية لا رمزية من دول كثيرة مستعدة لبيع السلاحٍ ، الى الدول العربية ، التي هي دول شرعية معترف بها دولياً ، يجوز بيع الأسلحة لها ، وليست عصابة ثائرة .
أما من يقول : أن انكلترا وفرنسا والدول الأوروبية الداخلة في حلف الأطلسي قبلت المساعدات العسكرية ولم
تفقد استقلالها.
فالجواب : ان هذه الدول بالحقيقة فقدت استقلالها الكامل في أمورها الاقتصادية والسياسية والعسكرية وتبعت امريكا في سبيل مصالحها الاستعمارية والاقتصادية المتبادلة ، ومع ذلك نجد في تلك الدول أحزاباً كثيرة تدعو الى الانفصال عن السياسة الامريكية مثل حزب العمال في انكلترا وهو حزب كبير . أما نحن فلا تربطنا بأمريكا والدول الاستعمارية أية مصلحة.
هم يريدون لنا الفقر والجهل والتأخر في شتى النواحي. في التسلح والعمران والزراعة والصناعة لنبقى خاضعين لهم وراضين بنهب ثروات بلادنا الطبيعية . ونحن نريد العلم والسعادة والتقدم .
هم يريدون لنا التفرق والتفكك والتخاصم . ونحن نريد
الاتحاد والاخاء ، وهم يريدون الحروب والفتن والثورات، ونحن نريد السلم والامن.
وقد يرى البعض ان لا حول لنا ولا قوة للصمود على الحياد ضد رغبة الدول الاستعمارية . وهذا رأي فاشل . فإن الذل والخضوع والهوان لم تكن في يوم ما سبيلاً ينال به الشعب
حقه.
والشعب الضعيف المتأخر باتحاد ابنائه وإخائهم واخلاصهم وتفانيهم في العمل بنظام وحكمة يصبح قوياً عظيمًا وما ضاع حق له طالب .
وفي نفس الوقت الذي أحذر فيه الحكام العرب وساستهم من عقم طريقة الخضوع والاستسلام للدول الاستعمارية أنصح الشباب والجمهور في الحذر من الانجراف مع تيار الشيوعية . لأن ذلك يعقد الوضع الدولي ويخل بالسلام حيث قد تتخذ الدول الغربية من ذلك ذريعة لمقاومتنا بالقوة والاعتداء علينا وان كان ذلك حاصلاً فعلاً بالمعنى.
والعار . وها أنتم هؤلاء لا تزالون كل يوم تضربون العرب بيدكم وفي كل برهة ينتفض قطر من المستعمرات انتفاضة يحاول التخلص من بلية الاستعمار ، فيخدعونه باعطاء الاستقلال المزيف، في استعمار مغلف ، ويبدلون الصيغ والعناوين، استعمار فأنتداب فحماية . الحقيقة واحدة ، لا تتغير ، والعبارات شتى.
حتى نزلت الى ميدان الاستعمار الدنيا الجديدة ، فجاءت
بلون من استعمار جديد ، الدفاع المشترك ، المساعدات العسكرية ، النقطة الرابعة ، المساعدات الفنية، الحلف العسكري، وكلها خداع وصراع ، واختلاسات وأطماع ،
خداع مغلف وطمع مزيف.
ولو أن أمريكا تريد المساعدات الحقيقية والمعونة الجدية للدول الضعيفة المتأخرة لظهر أثر ذلك حتى الآن . وقد مضى على هذه المواعيد والأقاويل زمن ليس بالقليل . هذا العراق وهذه سوريا ولبنان أية مساعدة وجدوها من امريكا وأي مشروع ينفع أنجزته امريكا ؟ . نعم لم يجدوا غير الضجة والأقاويل ، وكلها تهاليل وأباطيل.
تريد أن تأخذ منا كل شيء ولا تعطينا أي شيء . وقد قال بعض كبراء ساسة الولايات المتحدة مشيراً الى هذه الأساليب والأكاذيب : «هكذا علمتنا امنا انكلتر».
لو كان عند الامريكان شيء من المثل العليا، والقيم
الروحية لحموا الهنود الحمر السكان الأصليين للبلاد، والامريكان أجانب عنهم ونزلاء عليهم ، لحموهم من الانقراض والفناء ، لعطفوا عليهم لقلة عددهم وتأخرهم وحياتهم البدائية.
ولكن الهنود الحمر العزل المساكين لاقوا من الفاتحين المغامرين ألوان العذاب والموت والتشريد والتقتيل . ولو كان عند حكومة امريكا الحاضرة ذرة من العدل والانصاف، لأحسنوا معاملة الزنوج الذين أستعبدوهم منذ مائتين من السنين ، ولم يفكوا أسرهم وعبوديتهم حتى الآن وقد بلغ عددهم خمسة عشر مليون نسمة . نعم الزنوج متساوون مع البيض في دستور الاتحاد الامريكي ولكن بسبب القوانين والأنظمة التي تشرعها الولايات لتضر بالزنوج صراحة أو اشارة ، وبسبب العرف والتقاليد والتعصب العرقي السائد وتغاضي الحكومة والمسؤولين عن المحافظة على حقوق الزنوج من البيض المتعصبين ، فإن الزنوج محرومون ، بالعمل وبالواقع من كل شيء ، لغيرهم الغنم وعليهم الغرم ،عليهم الواجبات الثقيلة ، وليس لهم أبسط الحقوق ، فلا يصوت في الانتخابات منهم إلا عدد قليل ، والزنجي ان قتل يذهب دمه هدراً ، ويحرم التزاوج بين البيض والسود ، ولا يملك الفلاح الزنجي ارضاً يزرعها ، والعامل الزنجي يأخذ اجراً أقل من نصف أجرة العامل الابيض ، ويقوم بأعمال أشق من الأعمال التي يقوم بها البيض ، ولا يدرس الزنوج في مدارس البيض ، ولا يسكنون مع البيض في منزل واحد ، ولا يسمح لهم بالنزول في فنادق البيض ولا يزورون البيض في منازلهم ولا يزارون . وفي الحقيقة ان الحرب الأهلية التي نشأت
بين أهل ولايات الشمال وولايات الجنوب لتحرير العبيد في أيام أبراهام لنكولن لم تنفع الزنوج شيئاً بل أدت الى اشتراك أهل الشمال في الغنيمة ، وهي أتعاب الزنوج البؤساء.
وكان اللوردات والملاكون الكبار من الانكليز يعاملون سابقاً سكان ايرلندة بصورة مشابهة مما أدى الى نضال ايرلندة المتواصل الى ان استقلت وتحررت من حكمهم وظلمهم.
اذن يروق لك أيها العربي الغيور ذلك الوضع التعيس
والعيش الخسيس ، وأن ينتهي بك الأمر الى مثل ذلك الحال. فإن الدولة التي تضطهد ابناء وطنها . فمن الأولى أن لا تتورع من اضطهاد أبناء الأقطار الاجنبية البعيدة.
ويكشف اضطهاد الزنوج في امريكا كذب مزاعم حكومة امريكا في الدفاع عن حرية الشعوب وفي السعي لتقدم الشعوب ورفاهها وسعادتها.
ليت شعري ولا أدري هل تجهل الحكومة العراقية حالة الشعب العراقي وتذمره الشديد ، والكبت المؤلم من الحرمان وسوء الوضع في جميع دوائرها.
وقلنا ولا نزال نقول : ان الشعب قد تورم وتألم بأجمعه من
سوء أعمال المسؤولين بجميع طبقاتهم من رأس الوزارة الى أدنى ادارة حتى صار كالجرح الذي تقيح ويوشك أن ينفجر .
ولو أردنا أن نجعل هذه الجملة كمتن من المتون ونشرحها ولو شرحاً وجيزاً ونعلق عليها ولو تعليقاً خفيفاً لكان يلزمنا أن نخرج الى المكتبة العربية كتاباً بحجم القاموس.
بل لو أردنا أن نقتصر فقط على قضايا الشرطة ورشواتهم
وسوء تصرفاتهم ومقاسمتهم السرقات مع اللصوص والمجرمين، لم يحص هذا الوضع التعيس قاموس بل ولا قواميس . وقل مثل هذا في كل دائرة من الدوائر ، حتى القضاء والمحاكم التي ربما يقال انها أنزه الادارات نسبة ، ولكن هل تنحسم الدعوى البسيطة بين المتخاصمين في سنة أو سنتين ؟ كلا ، بل ربما تبلغ بالأخذ والرد والتمييز والاستئناف الى بضع سنين ، وحتى يضيق الخناق وتبلغ النفوس التراق .
أما الاختلاسات والخيانات وفتح باب الرشوات على
مصراعيه في الري والاشغال والاعمار والاعاشة والبلديات والاستهلاك وغيرها فهو أمر مكشوف لا ستار عليه ولا أغطية، وصار حديث المقاهي والاندية .
وليس الغرض بيان هذه الكوارث التي تهيج الشجون ، وتستنزف ماء الجفون، وانما الغرض بيان تذمر الشعب الشديد ، الى حد بعيد ، فلو اصطدم بهذه الطامة الكبرى
والكارثة العظمى يوشك أن ينتفض انتفاضة ينقلب بها الوضع رأساً على عقب ولا يقاومها أي قوة وكفاح ، ولا يتمشى فيها أي أرشاد واصلاح .
وأعظم من ذلك خطر هذا الشاب المتحمس اذا حفزته الغيرة على وطنه والنخوة على أُمته اندفع مع أمته العاطفة اندفاع العاصفة لا يرده شيء . ولا جدوى حينئذٍ ولا صغوى الى نصائح الحاكمين وما ينشر في صحفهم من ان الشاب لا يجوز له أن يزج بنفسه ويتدخل بمعامع السياسة ويلزمه العكوف على مدرسته ودروسه ، فأمثال هذه الكلمات المعسولة قد تكون في عرف السياسة مقبولة . لكنها في عرف العواطف زخارف ليس لها أي اثر مثل أن تلقي الزيت على النار وتنصحه أن لا يشتعل.
ثم كيف وانى يتورط العراق بالدخول في حلف تركيا والباكستان في الوقت الذي تدعو فيه الحكومة العراقية الدول العربية الى الوحدة العربية أو الاتحاد العربي.
وهل هذا إلا كجمع النقيضين ، والتوفيق بين الضدين : «مُتَطلِّباً فِی الماءِ جَذْوَةُ نارٍ »
كيف نحالف تركيا وهي صديقة ( اسرائيل ) في الوقت الحاضر وأول دولة اعترفت بها ولا تزال تؤيدها وتروج بضاعتها وتجارتها ؟ ! .
وحكومة تركيا الآن عدوة العرب والاسلام وصديقة اليهود وقديماً قالوا : ( صديق عدوي ليس لي بصديق ) وقد باعت تركيا شرف استقلالها بالدولار وصارت آلة لامريكا تصرفها كيف تشاء وباشارة منها اصبحت أكثر مساعد لاسرائيل لقيطة امريكا وبنتها المدللة.
ثم أن دخول العرب في حلف تركيا سهم في قلب العروبة نعم هو سهم ذو ثلاث شعب :
1- انه اماتة لقضية فلسطين.
2- تمزيق لوحدة العرب.
3- نقمة الشعوب العربية وثورتها ولعنة الاجيال.
كل هذا من غير منفعة مادية . ولا فائدة ادبية.
نعم من الواجب واللازم انشاء حلف صادق من الدول العربية والاسلامية مشروط بعدم دخول الدول الاستعمارية فیه.
واعتقد اعتقاداً اكيداً ان الشعب الباكستاني المسلم سوف
تقوده عقيدته الاسلامية السليمة الى فسخ المعاهدات العسكرية
الاستعمارية في القريب العاجل .
كما أن الأمل غير ضعيف في الحركة النامية في تركيا للحرية الدينية والرجوع الى سياسة التآخي مع المسلمين . والاخبار من تركيا تنبىء بزيادة اعضاء حزب الأمة التركي الذي يدعو الى الحياد والانفصال عن الغرب والتقارب مع الدول الاسلامية .
الحكومات والدول كها تعلم أو يجب أن تعلم، ان الشعوب ليست اليوم على وضعها السابق كسلع تباع وتشترى في الأسواعق العالمية ، في أسواق المستعمرين ، ولا كغنائم حروب تقسم سهاماً بين الفاتحين ، المغرب حصة فرنسا ، والمشرق لانكلترا ، والجنوب لهولندا وايطاليا وهكذا.
ثم فتحت أخيراً عيونها وجاءت تريد الحصة الوافرة بل الكل من هذه الفريسة وتضحك على الذقون ، فتقدم المساعدات المالية والأسلحة الرمزية، والقواعد العسكرية ، ولا شيء إلا المواعيد الخلابة ، والاقاويل الكاذبة . أنظر الى القحة وصلابة العود ، وصفاقة الوجه.
تبذل أمريكا الأسلحة الفتاكة لاسرائيل نقداً لا وعداً تدفعها بلا قيد ولا شرط ، ولو تقاتل بها العرب ، بل على أن تقاتل بها العرب.
أما العرب فتبذل لهم الأسلحة الرمزية العاطلة وعداً لا نقداً ، وبشرط أن لا تقاتل بها اسرائيل.
ما أدري اذا لم نقاتل به اسرائيل فمن نقاتل ؟ وأي عدو لها أمر وأدهى من اسرائيل ؟ ومن خلق وأنشأ دولة اسرائيل ؟ نعم نقول امريكا بلسان الحال ، الذي هو ابلغ من لسان المقال :
أعطيكم السلاح على ان يقاتل به بعضكم بعضاً حتى تهلكوا جميعاً كما هو الحال اليوم في ايران ومصر وسوريا وغيرها . وخاصة الدول العربية ،وشعوبها ذات ( الجامعة العربية ) التي فرقت العرب ومزقتهم شر تمزيق ، وخانتهم وطعنتهم بالصميم .
وانكشف أن رئيسها وسبعة من اعضائها جواسيس للأجانب بل عمال للانكليز ، مستأجرون على ضرب العرب وتمزيقهم وقد اخذوا الألوف بل مئات الألوف اجرة على هذه الخيانة.
ولو أن ساسة العراق المسؤولين القديرين على ابرام المعاهدات ووضع الأطواق في الأعناق على العراق ، لو انهم وتلاميذهم الذين يقذفونهم في كل سنة مرتين أو ثلاث الى
لندن ، يقومون بالسفارة والخدمات الجبارة لابناء سكسون ، الزرق العيون ، على حساب العراق ، وأجلب أمواله وخيراته وبركاته الى الجزر البريطانية.
لو أنهم عوض تلك الرحلات والاسفار الى الاقطار النائية يجعلونها فقط الى مصر وسوريا ولبنان لجمع كلمة الدول العربية وشعوبها ، واصلاح شؤونها وجمع كلمتها.
اما كان خيراً من تلك التنقلات والتجولات التي ليس فيها أي خير للعرب ، ان لم تكن شراً عليهم وتمزيقاً لوحدتهم المهلهلة.
تلك الدول السبع التي سلمت لليهود فلسطين وشردت أهاليها الاعزاء وتركتهم في العراء أذلاء صاغرين ، نصف مليون من اليهود يتغلب على سبعة ملايين من العرب بل على سبعين مليون.
يا للعار والشنار ، وسوء الدمار ، وخراب الدار، واليوم جاءتنا ( نيويورك ) وجمعية أصدقاء الشرق الأوسط تناشدنا الحضور في مؤتمر تبحث فيه عن القيم الروحية والمثل العليا.
يا هؤلاء العتاة المردة ، ويا شياطين الأبالسة ، انهضوا من عثرتكم ، واستقيلوا من خطيئتكم ، واخرجوا من ضلالكم وردوا الحق الذي اغتصبوه إلى أهله ردوا فلسطين الى أصحابها الشرعيين وأخرجوا منها الصهيونيين ، وردوا أهلها
المشردين اليها.
ثم اعقدوا المؤتمرات للبحث عن المثل العليا والقيم الروحية اما يد تسبح ، ويد تذبح ، عين تدمع ، وكف تصرع ، فهذه مهزلة من المهازل، اذا جازت في عرف الكياسة ولغة السياسة ، فلا تجوز في لغة العقل والمنطق . كل هذه الفظایع والشنايع التي تتجاهر وتتعامر بها امريكا وانكلترا ووليدتهم البنت المدللة عندهم «اسرائيل » كله عجيب بل من اعجب الاعاجيب . وأعجب من ذلك خمود جمرة العرب وموت عزائمهم وغيرتهم، وتفرق كلمتهم ، وتهافتهم على التمرغ على أعتابهم والعكوف على أبوابهم ، وهم يجدون منهم هذه المعاملة القاسية والأصرار على اذلالهم ، وأهانتهم وترجيح اليهود عليهم.
وقسمًا بكل المقدسات لو ان الدول العربية بقي في ظروفها وشل من الغيرة ، وتمالة من الشرف والحمية ، والنخوة الاسلامية لقاطعوا كل أمريكي وانكليزي ، ولأخذوا بسياسة السلب والمقاطعة التي أخذ بها زعيم الهند « غاندي » ونجح ، ولحرموا على أنفسهم كل بضاعة اجنبية ، من بضائع أولئك الظالمين ولأخذوا التدابير للاستغناء عن صنايعهم ومنسوجاتهم . فإن لباس الصوف الخشن مع العز والكرامة انعم واكرم ، وأعلى وأشرف من لباس الحرير والاستبرق مع المذلة والمهانة
ولكن اذا أراد الله أن يهلك قوماً بسوء أعمالهم ، حبب اليهم عيش النعيم ، فأستبدلوا الشرف بالترف ، وتوصلوا الى اللذة بالذلة ، وفقدوا حس الشعور بكرامة النفس وعلو الهمة، وهانت عليهم الطعنات الجارحة ، والضربات الفاضحة
أُمتي غزها بعظم رميم***قدست تلكم العظام الرمام
هم على بعضهم أسود ولكن***لعداهم مذلة أغنام
ضربت في الهوان رقم قياس***عجزت عن حسابه الأرقام
(من يهن يسهل الهوان عليه***ما لجرح بميت ايلام)
(ذل من يغبط الذليل بعيش***رب عيش أخف منه الحمام)
قلنا للسفير الانكليزي في محاورتنا معه التي نشرت في العام الماضي(1)ان العراق منذ احتلالكم له حتى الآن يسير من سيء الى أسوأ في جميع نواحيه الاقتصادية والعمرانية وغيرهما.
فقال : ما معناه كلا ! بل تحسنت الأمور وتقدم العمران وكان قصر الملك في بغداد يحيط به الماء كل سنة عند الفيضان ، وقد صار آمناً من ذلك.
1) وقد أعيد نشرها ثانياً في هذه السنة.
فقلت : ليس المهم قصر الملك بل المهم كوخ الفلاح الذي يشيد منه قصر الملك . بل وقصر الكريمات مقر فخامتكم في الكرخ ، كوخ الفلاح الذي يغرق منه كل سنة الألوف ومئات الألوف من الفلاحين المساكين يهيمون على وجوههم ، ومن يسلم من موت الغرق من عيالهم وأطفالهم يصبحون بلا مأوى. ويستولي التيار على كل ما يملكون من مقومات الحياة وهكذا دواليك (كل عام وأنتم بخير) . واناس منكم بشر وأي شر . فأين العمران والتعمير يا فخامة السفير. وهل هذا إلا التدمير.
نعم وكان ترجمان الغيب شاء أن يصدقني ويحقق نبوءتنا وشاءت الطبيعة أو شاء الله تعالى أن يضرب بغداد هذه السنة بنكبة لم يحدث تاريخ بغداد بمثلها ، ولم يقتصر بلاء الماء على بغداد وحدها بل شمل مناطق واسعة من الحقول والقرى في لواء الكوت وديالة ، ولواء بغداد .وتقدر الخسائر في المزارع والبضائع بنحو عشرين مليون دينار(1). خمسة آلاف صريفة ( كوخ ) بل أكثر قلعها الفيضان ، وهام أهلها على وجوههم شاردين بأبدانهم خمسون ألف نسمة على أقل تقدير ، وهؤلاء هم عصب العمل ، ودولاب الحركة في العاصمة ، وهم أنفع للمجتمع من اولئك الذين يسكنون القصور ، ويتمتعون بافتراش الحرير والحور ، وشرب الخمور ، ملايين الدنانير من المعبود الأسود ، ومن ضرائب المساكين من الأهلين ، يصرفها المستعمر وأولياؤه الحاكمون على
1) الاحصاء الاخير يقدر الخسائر بخمسين مليون.
مصالحهم وشهواتهم . ، ويهملون هذه الناحية المهمة ، والمأساة التي تتكرر عليهم كل سنة ، بالولايات والفجائع والروائع.
حدثني الكثير من الإعراب انهم كانوا يشاهدون الجثث من النساء والاطفال والرجال طافية على وجه الماء منتفخة ابدانهم ولا يستطيع احد أن ينقذهم من غمرات ذلك التيار الذي امتد من أعالي بغداد الى الكوت ومن الكوت الى الناصرية . وكلما مر على قرية أو قبيلة أغرقها وقضى على أهاليها.
ويظهر أن أخذ التدابير لدفع هذا الخطر الهائل عن العاصمة ليس من صالح الاسياد المستعمرين ، وإلا لجعلوا بغداد في أمان من طغيان الفيضان مهما كان ، بل كان في امكانهم ان يجعلوا كبرج ايفل أو كناطحات السحاب . ولعل من صالحهم ان تصير كل سنة بهذا المصير . ( العصفور يتقلى والصياد يتفلى ).
وقبل سنوات غرق أيضاً معسكر الرشيد وجميع ما فيه من الأسلحة التي تقدر بالملايين الداخلة في خزائن الاستعمار والاستثمار ذاك على أثر اعطاء هذا الاستقلال العفن المزيف . بعد الجهود والتضحيات في طلب الاستقلال الصحيح.
نعم ولعل فيضان السياسة وسياسة الفيضان ، اقتضت يومئذٍ أن تغرق وما يدرينا لعل هذا اليوم كذلك اليوم . فإن للسياسة اسراراً غامضة دقيقة ، وآباراً عميقة . وأضرار الفيضان هذه
السنة كما ذكرنا تقدر على الأقل بعشرين أو ثلاثين مليون ديناراً عدا الأضرار بالأرواح ، ولو أن المستعمر والمستعمر ( بالكسر والفتح ) تقدموا بصرف نصف هذا المبلغ أو ثلثه لتحصين بغداد من الغرق لجعلوها أمنع من عقاب الجو ، ولو بلغ الفيضان الى الطوفان ، ما تسربت اليها قطرة واحدة.
وقد مر على احتلاله ثلاثون سنة أو اكثر في كل سنة تتمثل رواية هذه المأساة نصب عينيه فهل هذا إلا الأهمال المقصود ولا يعلم سببه وسره إلا الله والراسخون في علم الاستعمار.
وملحوظة اخرى جديرة بالذكر والتفكر ، وهي أن المستعمر حديثه وقديمه في الممالك العربية ولا سيما العراق ، هوالمالك المطلق والفاعل المختار ، ولا تمشي الأمور إلا على وفق ارادته وطوع مشورته بل طوع اشارته ، وبالأخص في النواحي الاقتصادية ، والشؤون المادية والمالية كلها تعود اليه وتدخل في خزائنه مباشرة أو غاية.
الذهب الأحمر والابيض والاسود وكل ما هنا يرجع الى ما هنالك وكل المؤسسات ذات الشأن هي له ولمصالحه .
العراق يبني المدارس المشيدة ، ولكن ثكنات عسكرية وتعمر الجسور المنضدة ، ولكنها جسور حربية . ويقيم عمارات للسكك الحديدية ، ولكنها متاريس دفاعية . المهندسون والفنيون والمدراء
كلهم انكليز ، ويستوفون الرواتب الضخمة من مالية العراق لصالح الاسياد والحلفاء. راتب الواحد منهم شهرياً مائتا دينار فأكثر . والعامل العراقي يكد ويكدح من الصبح الى المساء بربع دينار .
فاذا كانت كل نواحي العراق وغيره من الاقطار العربية في قبضة المستعمر ، وفي قبضة العاملين له اذن فما الباعث والداعي الى المحالفات والمعاهدات العسكرية والدفاع المشترك ، والدخول في جبهة تركيا والباكستان اللهم إلا ان يكون هناك أغراض أوسع وأنفع لهم.
نعم لعل لهم بذلك غرضين مهمين : الغرض ( الأول) كبح جماح يقظة الاحرار ونهضة الشعوب العربية بالقوة والسلاح والثكنات والجيوش الاجنبية . وبالتالي بقاء سيطرتهم الاقتصادية والمادية بل زيادة منافعهم واستغلالهم.
(والغرض الثاني) هو تقديم رجال العراق لميادين الحرب، وجعل الشباب من الجيش العراقي دريئة ووقاية للمستعمرين اذا وقعت الواقعة ، وقامت عليهم القيامة. ودهمتهم القوى اليسارية بمدافعها وطائراتها وقنابلها الذرية وغير الذرية.
ففي الحرب الثانية الماضية بلغنا اكيداً أنهم كانوا يضعون الجنود من العرب والهنود في الصفوف الأمامية لمقابلة المدافع النازية في العلمين وتونس، والجيش الانكليزي خلفهم وفي ذلك فائدتان : لا يبقى للعربي مناص للخلاص . ولا مدار للفرار.
فإن الانكليز وراءهم والألمان أمامهم، فهم بين نارين . وأيهما هلك العرب أو الألمان فهو فتح للآخرين.
وعليه فحكومة العراق أرشدها الله مهما كانت وبأي شكل تشكلت يرجى أن تكون أعقل وأحجى ، من أن تقذف بأولادها وفلذة اكبادها ، وذخيرة بلادها ، تقذفهم على حساب الغير ، صفوف صفوف الى الهوات الحتوف ، والى جهنميات القتال.
وليعلم الناظر في كلماتي هذه ان القلم قد طغى علي ، واندفع بالقاء هذه الفقرات أو الجمرات، على غير قصد مني اليها ، وما كان قصدي في جواب الكتاب المشتمل على دعوتي للحضور في المؤتمر الذي نوه عنه صاحب المكتوب . إلا بيان امرين مهمين يرتبطان بصميم اهداف الدعوة ، بعد ان ارسلت اليه الجواب المختصر في الاعتذار عن الحضور ووعدته بأن أدلي اليه برأيي في تلك الابحاث التي أشار اليها في كتابه المتقدم ( الأول) ما سبقت الاشارة اليه في كتابي هذا من ان اللازم ضرورة فيمن يدعو الى المثل العليا والقيم الروحية أن تكون متمكنة منه ويكون متمكناً منها. وأنها من أخص صفاته وارسخ ملكاته وهذه الركيزة من أهم ركائز الاسلام ودعائمه فالقرآن المجيد يقول :
«أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَکُمْ*کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» . وما أريد أن أخالفكم الى ما انهاكم
عنه . وفي أحاديث السنة النبوية من ذلك ما هو اكثر وأوفر فلا ينفع الوعظ إلا من المتعظ . وهل يصح التعليم إلا من المتعلم .
(وهل یستقیمُ الظِّلّ والعُود أعوج) .
وبهذا يرتبط ( الأمر الثاني ) ارتباطاً وثيقاً . وهو أن من يتطلب المثل العليا حقيقة ، ويلتمس العثور على ما يجمع القيم الروحية تماماً وواقعاً فلا يجدها مهما كدوكدح ، وشرق أو غرب ، لا يجدها إلا في الاسلام ، لا يجدها إلا في شريعة محمّد وقرآن محمّد (صلی الله علیه وآله وسلم) وسيرة محمّد ( صلی اللّه علیه وآله وسلم ) ولا يجد الديمقراطية الصحيحة والاشتراكية العادلة إلا في حياة محمّد ( صلی اللّه علیه وآله وسلم ) وعند خلفاء محمّد (صلی اللّه علیه وآله وسلم ) .
كان أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب (علیه السلام ) يشتري الثوبين فيعرضهما على غلامه ومولاه قنبر . ويقول له : اختر احسنهما فيدفع له أجودهما ويلبس هو سلام الله عليه أدناهما . يصوم ويفطر على الماء وخبز الشعير اليابس يكسره على ركبتيه . ويطعم الأرامل واليتامى الجوز والتمر والزبيب . ويقف مع خصمه اليهودي تارة عند قاضيه شريح فيحكم عليه ويرتاح لحكمه. وعند الخليفة الثاني اخرى. ويغيظه أن الخليفة كناه وقال له يا أبا الحسن . وما ساوى بينه وبين خصمه . يؤثر بطعام افطاره اليتيم والاسير والمسكين ويبقى هو وعياله بلا طعام ثلاثة أيام.
«وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» ، الى كثير أمثال هذه المزايا والفضائل التي تبهر العقول والألباب في هذا الباب.
هذا الخليفة عمر بن الخطاب . توضع بین یدیه کنوز کسری وتاجه وأساوره من الذهب المرصع بالجواهر واليواقيت التي. تخطف الابصار فيأخذه العجب ويقول : إن قوماً يأتون بمثل هذا كاملاً لا يخونون فيه لقوم أمناء.
فقالوا له : لما كنت أميناً صرنا أمناء ( ولو خنت خنا ).
فقسم المال على الجيش وعلى المهاجرين والأنصار ولم يبق لنفسه منه شيئاً . وما اكتفى بهذا ومثله في الأمانة والعفة ، حتى رأى ذات یوم عند احدى بناته أو زوجاته قلادة محلاة بمثقال أو مثقالين من الذهب . فقال هذا مال زائد عن الحاجة ، فأخذه منها ووضعه في بيت المال.
وأتى اليه يوماً رسول قيصر ملك الروم سفيراً ، فسأل : أين الخليفة عمر ؟ فقالوا : خارج المدينة فخرج اليه فوجده نائماً على الأرض وقد صنع له وسادة من الرمل وليس معه سوى درته التي أشد هيبة من سيف الحجاج . فقال له : أمنت فنمت ، ولو خفت لسهرت.
هذا نموذج من تلامذة محمد (صلی اللّه علیه وآله وسلم ) وخريجي مدرسته . وكلهم من هذا الطراز وعلى هذه الشاكلة . ولو أردنا تعدادهم
وعد مزاياهم . لم تحص عدتهم إلا بألف عداد . اما هو صلوات الله عليه وآله فقد كان المثل الأعلى والناموس الأكبر ، وعقل الكل وكل العقل ، بشر الملائكة ، وملك البشر.
يشترك الاسلام والمسيحية في أهداف معينة كثيرة ، ويمتاز الإسلام عنها ،ويفترق عنها بالكثير بل الأكثر .
يتفقان في الدعوة الى الاعتقاد بالخالق القادر الحكيم الازلي الذي لا مبدأ له ، وهو مبدأ كل كائن ، والى وجوب عبادته . وتقديسه والخضوع له بالطقوس الخاصة المحبوبة له ، من الصوم والصلاة ، والبذل والاحسان ، والاعتقاد بالمعاد والدينونة والجزاء وان المحسن يجزي باحسانه ، والمسيء يعاقب باسائته . وانه لا بد من يوم وموقف ينتقم فيه المظلوم من الظالم ، وتقام فيه موازين العدل والقسط . ويرجع كل حق مغصوب من غاصبه الى صاحبه : «یَا بُنَیَّ إِنَّهَا إِن تَکُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَکُن فِی صَخْرَةٍ أَوْ فِی السَّمَاوَاتِ أَوْ فِی الْأَرْضِ یَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِیفٌ خَبِیرٌ* الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.وَ اللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ »
كل هذه الأهداف الشريفة التي جاءت بها الأديان واجتهدت وجاهدت فيها الانبياء انما هي لاصلاح البشر
وسعادتهم في الحياتين وراحتهم في النشأتين . وان يتعاشروا بينهم بالمعروف والاخاء ، والمودة والولاء ، والتعاون على الخير : « الله المجد وعلى الأرض السلام» (1)وأحسن كما احسن الله اليك. وقولوا للناس حسناً . يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور . ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً ان الله لا يحب كل مختالفخور .
حقاً ان هذه الجذور الاساسية للحياة الانسانية حياة سعيدة ومجيدة هي أهداف جمیع والنبوات والدیاناتخاصة الاسلام والسيحية ولكن فرق عظيم بين اهداف الديانتين وتعاليمهما ، المسيحية نظرت بل اقتصرت على الناحية الروحية وعلاقة الانسان بأبيه الذي في السماء ، وطلبه الغفران الخطيئة ابيه التي أوقعت أبنائه في الجريمة، وان لم يشاركوه في ارتكابها ، ولكن شاركوه في عقابها ( الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون ) . المسيحية تدعو الى التسامح والتساهل والتحمل ولكن مع الخضوع والذل والاستسلام . مثلاً الأنجيل يقول : من ضربك على خدك الايمن فأعطه خدك الأيسر . ومن سلبك رداءك فأعطه ازارك . ومن سخرك ميلًا فسر معه ميلين . وهذا يعني غاية الذل والهوان وسقوط الهمة.
أما الاسلام فهو ايضاً يدعو الى التسامح والصبر والتحمل
1) الانجيل.
ولكن مع العزة والكرامة ، وشرف النفس وعلو الهمة .
فيقول القرآن : وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهوخير للصابرين. ويقول : جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله .الأنجيل يقول ما معناه : اعط قوتك للفقير . اعط رغيفك للمسكين . والقرآن يقول :لا تبسط يدك كل البسط ولا تجعلها مغلولة الى عنقك فتقعد ملوماً محسوراً . ويقول : وآتوا حقه يوم حصاده ، ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين . لا تسرفوا في الاعطاء بحيث يضر شؤونكم وسد حاجتكم . الانجيل يشرع ويحبذ الرهبانية التي هي كبت للغريزة الطبيعية ، وحرمان من الموهبة الالهية وقطع لما أراد الله من الحكمة في بقاء النسل والذرية.
أما القرآن فيقول محافظة على ذلك : فأنكحوا ما طاب لكم من النساء . وشدد في تحريم البغاء والزنا . الاسلام اخذ من كل فصيلة بحدها الوسط . وجعل العدل في الاوساط ، بين التفريط والافراط ، وترك للانسان الحرية فيما زاد عن الوسط من طرف الفضيلة ، فإمساك المال عن الواجب بخل ، وانفاقه في الواجب عدل . وبذل مقدار منه في الاحسان والمعروف بحيث لا يخل بالواجب فضل ، واما عدا ذلك تبذير واسراف والبخل أو الاسراف رذيلة ومحرم . وانفاقه على النحو المشروع لنفسه وعياله واجب وبذله في سبيل البر والاحسان فضيلة ومستحب .
أهداف الشريعة الاسلامية ، انتشال الانسانية من اوضار الطبيعة ، وأقذار المادة وخسة الحيوانية . والعروج بها الى مصاف الروحانيين ، والمثل العليا ، ولم يدع وسيلة للهناء والسعادة والعز والكرامة، إلا عيّنها وبيّنها في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى وجعل لمن آمن به وبرسله وباليوم الآخر . مقاماً رفيعاً وكريماً في الدارين .
طلب الاسلام ان يكون المسلم صلب العود ، رابط اجأش رفيع الهمة ، عزيز النفس ، طيب الاعراق ، دمث الاخلاق ، شديد العناد لأهل السوء والفساد ، سلس القياد لاخوانه المسلمين . يغار لهم وتهمه امورهم . جعلهم أخوة في الدين . ووحد كلمتهم بكلمة التوحيد يشد بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص . ويواسي كل واحد منهم الآخر . فلا يشبع وأخوه جائع . ولا يأمن وأخوه خائف ، ولا يعز وأخوه ذليل. والكلمة الجامعة التي يريدها الاسلام لمن يتدين به ، هي ان يجعل أخاه المسلم نفسه إلا انه غيره . وجعل علامة الاسلام وشارته أن تهتم بأمور المسلمين فقال : من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس من الاسلام في شيء . وجعلهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ . وجعل عزتهم مع عزة الله ورسوله فقال
تعالى :«وَالله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ». الى كثير من امثال هذا الذي لو أردت أن أحصيه ، وأفيض فيه ، تجاوزت القصد ، وفات الغرض ، لكن الذي أريد أن أقوله : يا هل ترى هل نجد شيئاً من هذه الاشارات أو الشارات والعلامات في واحدمن هذا الناس الذين يزعمون انهم مسلمون ، والاسلام يبرأالى الله منهم ؟ . الاسلام أرادهم أعزاء « وقد صاروا أذل من الأمة » . وضربت عليه الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله . انعكست فيهم الآية . أرادهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ،فصاروا أشداء فيما بينهم مستعبدين للكفار أرادهم أن لا يكونوا لليهود والنصارى أولياء.«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» . نعم لم يتخذوهم أولياء ، ولكن اتخذوهم اسياداً ، وقادة وسناداً يعملون لمصالحهم ويتهالكون على خدماتهم . أراد «ان يهتم كل مسلم بأمور المسلمين» فصار كل مسلم يهتم بتفريق كلمة المسلمين ، وتمزيقهم وصب البلاء عليهم.
هجم اليهود بالنار والحديد والقنابل على العرب والمسلمين في قرية ( قبية )العزلاء فنسفوا البيوت وردموها على من فيها من النساء والأطفال والرجال . وليس بينهم وبين الجيش الاردني الذي يقال أنه عربي ومسلم ، ليس بينه وبين موقع الحادثة سوى بضعة امتار ، يسمعون الصراخ والاستغاثة بآذانهم ، ويرون النار وتساقط الدور بأعينهم ، فلا يحرك واحد من الجيش
ساكناً . ولو كانت القلوب من الصخر الأصم ، لذابت لذلك الظلم الفظيع.
نعم بعد انتهاء الحادثة ورجوع اليهود الى أماكنهم سالمين غانمين ، جاء الجيش الأردني كي يحصي عدد القتلى هل هم مائتان أو أكثر. وكيف يحركون ساكناً ، ويسعدون صارخاً ، وقائد الجيش الأردني الانكليزي ( كلوب باشا ).
أنشأوا في الأردن جيشاً انكليزياً من العرب ليضرب العرب وهكذا كان وهكذا فعل ويفعل . كل يوم تقع هذه البلية العاتية ، والضربة القاسية من اليهود على القرى العربية . منذ خمس سنوات الى يومنا هذا . فهل سمعت طيلة هذه المدةمع هذه الهجمات الفظيعة من اليهود على قرى الاردن . هل سمعت ان العرب و الدول العربية المحيطة باسرائيل من كل جهاتها هل سمعت انهم قتلوا كلباً يهودياً أو هرة يهودية فضلاً عن انسان أو صورة انسان ؟ نعم السلام الوحيد عندهم والملجأ للأردن وغير الأردن الاحتجاج الى الدول الغربية الكبرى والشكوى وأقصى ما عند هؤلاء الدول الاستنكار الفارغ والعتاب الفاتر يشكي عاهل الأردن الى مثيله في العراق ( شكوى الجريح الى جريح مثله ) . وتشتكي الدول العربية المنهوكة والمهتوكة الى مجلس الأمن والدول الكبرى . ( شكوى الجريح الى العقبان والرخم ) . أتدري ما يكون من شكوى الجريح الى العقبان والنسور وامثالها من سباع الطير، انها تنزل الى الجريح فتقطع
لحمه وتمتص دمه ، وتهشم عظمه ، وتأكله في ساعة طعاماً سائغاً ، وهكذا الدول الاستعمارية تصنع معنا معاشر المسلمين . اذا اشتكينا اليهم يضربون بعضنا ببعض ويلقون بأسنا بيننا ثم يسلطون اليهود علينا.
انظر الى ما يجري في مصر من الانقلابات والاضطرابات واراقة الدماء . واعطف نظرك ثانياً الى سوريا وشكليات الشيشكلي ومشكلاته ، والنفوس التي زهقت في تلك الحوادث . وهكذا طهران ولبنان والعراق ، الاستعمار يعبث فيها بيد فيشغلها بنفسها وفي داخله ويدفع اليهود عليها باليد الأخرى ويقول : ارجعي الكرة على العرب واغتنمي الفرصة ما دامت مشغولة بنفسها.
وما ندري أي المصيبتين أوجع ، سحق العرب بعضهم لبعض وتضاربهم فيما بينهم وغفلتهم أو تغافلهم عما يكيد لهم العدو الذي ألقى بأسهم بينهم ، أم تهالك الدول الغربية على اهلاك العرب وإبادتهم . وضعة العرب والضعة التي خضعوا لها في تحملهم للذل والضيم وعدم الانتصار من ظالمهم تذكرني بقول الشاعر القديم ( نصيب ) :
ولولا أن يقال صبا نصيب*** لقلت بنفسي النشأ الصغار
بنفسي كل مهضوم حشاها*** اذا ظلمت فليس لها انتصار
ويحق أن نقول لتلك الدول العاتية الظالمة التي تتطلب المثل
العليا والقيم الروحية يحق أن نقول لها :
ضجت بظلمكم الشعوب جميعها*** ورحى الفساد أدارها الدولار
تلوي به عصب البلاد وتشتري*** ذمم الرجال وبأبخس الأفكار
ما أدري ، أي المصيبتين أنكى وأنكد على الشعوب العربية ، مصيبتها بحكوماتها التي تساوم عليها ، تريد أن تبيعها ببع الرقيق وتسوقها الى الجزارين سوق الأغنام للذبح ، أم مصيبتها من الدول الغربية التي أصبحت شراً على العالم كله ، ونفثت على العرب خاصة أسوأ سمومها وأنكى مكايدها . ولكني انتظر بطشة الله الكبرى ، بهذه الدول العاتية الطاغية ، وما أدري ان حلمه تعالى وأناته تتسع لأكثر من هذا الأمهال وان يترك هذه الأمم المستضعفة فريسة لهذه السباع الضواري من البشر.
بعث الله اكثر من مائة ألف من الأنبياء لاصلاح الأمم في العصور المختلفة والأخذ بأيدي الناس الى سبيل الهناء والسعادة ، وكان فيهم خمسة أنبياء دعوتهم عامةومكانتهم عالية وتعاليمهم سامية يعرفون «أنبیاء أولی العزم » وهم :« نُوحٌ ، وإبراهیمُ ؛ وموسی ، وعیسی ، ومحمّدٌ «صلَّی اللَّه عَلیهِ وآلهِ وعلَیهِم»» . هؤلاء الذين بعثوا لتعليم الناس اصول العدل، ومكافحة الظلم ، وغرس جذور الفضائل ، وقلع جراثيم الرذائل ، ألزموا الناس بالصدق والعفة
والاخاء ونشر السلام والمحبة في المجتمع ورعاية حقوق الفرد والاسرة والجماعة وأمروا بكل ما فيه راحة الانسان وسعادته في معاشه ومعاده ولكن لم يخل عصر من العصور من فئة شريرة تكافح تلك التعاليم الرفيعة ، والقضايا القويمة وتعكس الآية وتدعوا البشر الى اضدادها ركضاً وراء الهوى . وجرياً مع العاطفة الطاغية والشهوة العارمة .
وكما بعث الله في العهود الغابرة خمسة انبياء هم انبياء الخير والرحمة . كذلك ابتعث أبالسة الجبت والطاغوت في هذه العصور خمسة هم انبياء الشقاء والشر على البشر :« روزفلت وترومان ، وايزنهاور ، وتشرشل وايدن » هؤلاء جراثيم البلاء وخراطيم الشقاء الذين صبوا المصائب على الأمم والشعوب صباً وأعنوا فيها غصباً ونهباً ، وقلبوا الفضائل التي جاءت بها الرسل والأنبياء رأساً على عقب . وبدلوا الاصلاح بالفساد والخير بالشر ، والسعادة بالشقاء فأصبح العالم وجميع بني آدم في امواج من القلق وفقدان الهناءوالراحة ، تتدافعه موجة الى موجة وتتقاذفه بلية الى اخرى .
وأخذت عواصم الشرق حظها الوافر من هذا القلق والاضطراب والفتن والمحن، راكسة الى هامتها في حروب داخلية يتضارب بعض مع بعض ، وينتفض بعض على بعض. فلا تجد اليوم عاصمة من عواصم الشرق لم ينشب هذا الداء الوبيل فيها مخالبه ، ولم يصب عليها مصائبه . نعم إلا اسرائيل
لأنها يدهم الاثيمة التي يساعدونها ويمدون ساعدها لاراقة دم العرب والمسلمين.
أفسدوا أخلاق كل قطر من الاقطار وسلبوه كل عزة وكرامة ونبل وشهامة .
هذه بغداد التي كانت تسمى ( دار السلام ) ، بغداد وما ادراك ما بغداد - أدركنا من زمن سلطة الاتراك عليها الى الاحتلال الانكليزي مدة أربعين سنة ادركناها في عهد الاتراك.
ولا نبالغ فنقول : كانت نزيهة من الفساد ، ولكن كان من القلة والتكتم بحيث يصح ان يقال : أن نسبتها ذلك اليوم الى هذا اليوم نسبة العفيفة الطاهرة الى العاهرة الفاجرة.
كنا نتردد على بغداد فنجد فيها بقية من الصالحين ينهون عن الفساد في الأرض ، نجد فيها بيوت الشرف والشهامة ، والفتوة والزعامة ، وفيها فئة صالحة من العلماء الاتقياء من السنة والشيعة . أدركت فيها من الفريق الأول ، عبد الرحمن النقيب ومحمد جميل وولده عيسى ، وشكري ، وعاكف ، ونعمان ، وأمثالهم من الآلوسيين ويوسف السويدي وولده ناجي ، وعبد
الحليم الحافاتي ، والشيخ سعيد في جامع الفضل ، وأخاه الشيخ عبد الوهاب النائب وآخرين من أقرانهم . وقد عاشرتهم جميعاً . وذاكرتهم في أكثر العلوم مراراً حتى في الحكمة والكلام، فكانت لهم في المعارف الاسلامية مكانة مرموقة . ومثلهم من الفريق الآخر كالسيد حسين حيدر ، وابنه السيد كاظم والشيخ شكر والشيخ احمد الظاهر . والقصارى اننا كنا اذا دخلنا بغداد نجد نفسنا قد دخلنا بلداً اسلامية يلوح عليها شعائر الاسلام . وفاعل المنكر لا يستطيع التجاهر به. فلا نجد حانوتاً يباع فيه الخمر علانية . نعم قد يباع عند اليهود في الخفاء.
أما اليوم فأعاذنا الله من شر هذا اليوم ومن أشراره ، وماأكثر الأشرار فيه . نعم بغداد اليوم انقلبت فيها المقاييس وانتهكت بها الحرمات والنواميس ، ولبس الاسلام فيها لبس الفرو مقلوباً ، المعروف منكر والمنكر معروف ، والفسق والفجور ، وشرب الخمور والبغاء والزنا ، والرقص والخنا ، والقمار والعهار ، ؛ يتعاطاها الصغير والكبير ، والغني والفقير كل حسب امكانه بلا نكير والنساء والرجال على ذلك المنوال لا ناهي ولا آمر ، ولا واعظ ولا زاجر ، والمصيبة العظمى شيوع كل ذلك وتفشيه في الشباب بل والشباب المثقف فيما يزعمون . وأعظم من ذلك رزية سريانه حتى الى المسؤولين والحاكمين والذين يجب ان يكونوا هم المصلحين.
دخل الانكليز العراق وطرد الاتراك بمساعدة اهل العراق رغبة فيما يظنون من عدله وانصافه ومعونته واسعافه فلما رأوا غطرسته وجبروته ، وكان الاعتساف بدل الاسعاف ، والاجحاف عوض الانصاف ، وكان فيهم ( أي العراقيين) كما ذكرنا بقية شرف وشمم، وعزة وكرامة ، ونبل وشهامة ، وصلابة عود . وقوة ايمان. تأبى أن تحمل الضيم،وتخضع للظالم ، فثاروا عليه وانتفضوا عليه غير مرة كسروا بها شوكته ،وأذلوا عزته ، فأخذ على عادته وقاعدته من اللف والدوران فضربهم الضربة القاضية ، ولطمهم اللطمة القاسية وأعطاهم الحكم المغلف ، والاستقلال المزيف ، وهو - كما هو معلوم - تجاري رأسمالي ، قبل كل شيء ، فرأى انه لا يقدر أن يسلب من العراق ثروته حتى يستلب عقيدته ، ولا ينتزع أمواله وامكانياته حتى ينتزع صلابته وايمانه، ويميت شعوره ووجدانه.
رأى انه لا يستولي على العراق تماماً إلا بفساد الاخلاق ، والعراق بلطافة طبعه ، وخفة روحه ، سريع الاستجابة الى الشهوة العارمة ، والنزوة الراغمة.
وكان أكبر هم المستعمر جلب المغريات ، واثارة الشهوات
فتم له ما أراد ، ووصل الى بغيته من أقرب الطرق واسهلها فأستلب بجيش الشهوة كل ثروة وهد جميع قوى العراق بلا كفاح ولاقوة . وسرت هذه الروح الخبيثة ، روح الفساد ، فساد الاخلاق والاستهتار والخلاعة ، وموت الشعور والوجدان وضياع المقاييس وهتك النواميس ، الى جميع الطبقات ، الحاكمين والمحكومين ، والرعاة والرعية .
حضر عندي في العهد القريب رجل من المحافظين على اتزانه وايمانه وصار يشكو من سوء الوضع وتردي الأحوال وتلاعب الموظفين والارتشاء العلني، فأردت تسكين لوعته وتهدئة فورته ، نوعاً ما . فقلت له : أنتم تريدون حكومة من الملائكة ، أو من المعصومين ، وهذا لا يكون والحاكم بشر يصيب مرة ويخطىء اخرى ويجور طوراً . ويعدل أطواراً .
وعندكم في صحيح البخاري عن النبي «صلَّی اللَّه عَلیهِ وآلهِ وَسَلَّم» ما مضمونه : اذا تولى عليكم عبد حبشي أجدع فأطيعوه . فقال : لا يا سيدي لا نريد من الحاكمين أن يكونوا ملائكة ولا معصومين ولا من العلماء المتقين نريد أن يكون الحاكم كرجل عادي وكواحد من ذوي الحرف والمهن . نريده كالبقال والحمال والكاسب نريده أن لا يكون «حرامي» ولصاً وسارقاً ومختلساً . نريده أن لا يقول فيكذب وأن لا يعد فيخلف ، ولا يتولى فيظلم ، ولا يؤتمن فيخون ، نريده أن لا يتكبر ويطغى ويتجبر . نريده أن لا
يشمخ بأنفه على أفراد الأمة التي يعيش من مالها ويتنعم على حسابها.
نعم نحن نرضى ونطيع لعبد حبشي أجدع اذا كان عفيفاً نظيفاً ، شفيقاً على من يتولى عليهم ، لا يستفزه الطمع ، فيبيع أمته وبلاده بيع السلع.
هكذا قال لي الرجل والله شهيد على ما قال وأقول . ثم عقب كلامه ، فقال : لا نريد منهم أن يلتزموا بأركان الدين وشعائر الاسلام والمسلمين ، أما الصوم والصلاة والحج والزكاة وزميلاتها من أمهات ومهمات قواعد الاسلام .
فدع عنك نهباً صيح في حجراته***ولكن حديث ماحديث الرواحل
الحديث حديث الصدق والأمانة ، والعفة والصيانة ، حديث الظلم الفاحش ، والحكم الطائش ، حديث الرشوات والمحسوبيات ، وحرمان الوظائف لذوي الكفاءات ، حديث
انطماس الآداب الاجتماعية ، واندراس الشعائر الاسلامية. قد تسلم على بعضهم فلا يرد السلام ، وتكتب اليه الكتاب في دفع ظلامة ، أو مصلحة عامة ، فلا يعيد الجواب . ولا يدري أن جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام ، انبثق في بغداد سيل العرم ، من الموبقات والمنكرات وطغى فيضان الويسكي والبيرة ، واخواتها من الأشربة الأجنبية . وارتفع نقاب الحياء ، وصار كل واحد وواحدة يعمل ما يشاء . نعم طغى فيضان هذه
الموبقات اكثر من طغيان فيضان الماء المتدافع على بغداد وضواحيها من الأرض والسماء . ولعل هذا الفيضان من آثار ذلك الفيضان ، ومن بعض عواقبه وعقوباته . اذ ان هذا الاندفاع الهائل ليس امراً عادياً ، ولا حدثاً طبيعياً . فإن كل حادث خارق للعادة ، ناشز على نواميس الطبيعة ، وخارج من المتعارف ، لا شك انه مسبب عن أسباب خفية ، ومنبعث عن بواعث غير مادية ولعلها غضبة أو ضربة من السماء ، ومن رب السماء ، على هذه البلدة الظالم أهلها ، المتمادية في ظلمها وبغيها وبغائها وفسقها وفجورها ، أرسلت السماء ذات يوم مطراً غزيراً على قرية فأغرقت مواشيها ، وأخربت بيوتها . وكان في القرية رجل عابد فزع اليه أهاليها مستغيثين به يلتمسون أن يسأل الله تعالى أن يكشف عنهم البلاء . فقال لهم : أن اعمالكم تستوجب ان يصب عليكم ناراً تحرقكم . أفلا تشكرونه حيث اكتفى فأرسل ماء يغرقكم .
بلغ الفسق والفجور ، وسكب الخمور في بغداد الى حد ان أهالي لندن وباريس وامريكا يتعجبون من ذلك ولكنهم طبعاً يفرحون . حقاً ان بغداد قد حقت عليها كلمة العذاب ، وكأنها تمثل آية من الكتاب المجيد حيث يقول :«فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ».
ولعل هذا الطغيان انذار وارهاص لما بعده . سُئل آخر
ملوك الفرس ما الذي ازال ملككم الذي رسخت دعائمه من آلاف السنين ، فقال : ولينا صغار الرجال على كبار الأعمال فحقد علينا الكبار ، ولم يستطع كفايتنا الصغار ، فآل أمرنا الى الزوان...وهكذا ما وقعنا فيه اليوم . وليت الأمر لصغار الرجال بل صار لهم و... ولا أدري كيف يكون المآل .
وقد سألني بالأمس سائل يقول : ما بال هذا البلاء قد انصب خصوصاً على المساكين والفقراء وأهل الصرائف والأكواخ والفلاحين الذين قضي على جميع أموالهم وكل آمالهم ، فأهلك ما عندهم من زرع وضرع وربما أتلف بعض نفوسهم .
وما أصاب الاغنياء والأمراء ، وارباب الدولة والثراء ، منه لفحة اذى ولا خدشة سوء .وها هم متنعمون في قصورهم ، يتمتعون بأشربتهم وخمورهم. القوي مالك ، والضعيف هالك.
فأين العدل العدل في الفضاء ، وأين ميزان السماء .
فقلت له : ان هذا السؤال وأمثاله ناشيء عن تفريطنا معاشر المسلمين في كتاب الله العظيم . كأنك لم تقرأه أو قرأت ولم تتدبر ما قرأت . يقول سبحانه من قائل :«وَلَا تَحْسَبَنَّ الّذينَ كَفروا أنَّما نُملى لَهُمْ خَيْرٌ لاَنْفُسِهم اِنّما نُملى لَهُمْ لِيَزْدادُ وا اِثما و لَهُمْ عَذابٌ مُهِين».
نحن لا نغمرنا في المادة ، وغلبة شهواتنا على عقولنا وانطماس نور الهدى منا ، نحسب ان اولئك العتاة المتنعمين
بالقصور والفجور نحسبهم في نعيم وجبور، وهم في عين الوقت في شقاء وبلائك.وانما هم كأولئك المرضى الذين يسلب الاطباء حسهم وشعورهم (البنج ) كي يقطعوا لحومهم وجلودهم فلا يحسون ولا يتألمون :
وعند الصباح يحمد القوم السرى*** وتنجلي عنهم غيابات الكرى
وقديماً قلت ان قوله تعالى : «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِیطَهٌ بِالْکافِرِینَ» ليس معناه انها ستحيط بهم یوم القيامة . بل سطح الآية ونصها يقول ان جهنم محيطة بهم حالاً . غايته لا يحسون بذلك إلا بعد حين . أنا وأنت لضعف ادراكنا وغلبة الشهوات على أرواحنا نرى ان نعومة العيش والترف ، هوالشأن والشرف ، وان الحياة البهيمية واللذة الحيوانية ، هي الغاية والوسيلة الى السعادة الأبدية لروح الانسان ، وان الغاية من خلق الانسان هو هذه الحياة التعيسة ، التي تبدو لذيذة ونفيسة . ولا أريد ان اطيل عليك في هذا الموضوع وأصعد بك الى اللانهاية من أجواء الملكوت التي لعلي لست انا أهلاً لها ولا أنت ولكني اختمه لك بآية من كتاب الله ، وأوصيك أكيداً أن تدبرها ما وسعك التدبر عسى أن ينفتح لك منها أبواب من المعارف ويثلج بها صدرك ، وتطمئن بها نفسك يقول جل شأنه :«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ» . ثم ما يدرينا ماذا يخلف هذا الماء من البلاء وما
يتبقى منه في المستنقعات التي يحدث منها أنواع الأمراض ( لاسمح الله ) فتكون نكبة هؤلاء اغنياء المتنعمين أشد من نكبات أولئك الفقراء المساكين.
لرفع الظلم ودفع الشر ومقاومة الشعوب للاستبداد والفساد
الوسائل المتبعة للاصلاح الاجتماعي وتحقيق العدل وتمزيق الظلم ومقاومة الشر والفساد ، تكاد تنحصر في ثلاثة أنواع :
(1) وسائل الدعوة والارشاد بالخطب والمقالات والمؤلفات والنشرات . وهذه هي الخطة الشريفة التي أشار اليها الحق جل شأنه بقوله : «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ». وقوله عز شأنه : «أَدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ».
وهذه هي الطريقة التي استعملها الاسلام في أول البعثة ، وهی خطتنا التي ما زلنا عليها منذ تحملنا المسؤولية ونهضنا باعباء الاصلاح ، والمرجعية الدينية والوظائف الروحية منذ خمسين سنة لا ندعو الى ثروة ولا نرضى بإضراب واضطرابات ، وننشد السكينة والسلام في كل مقام .
(2) وسائل المقاومة السلمية والسلبية ، المظاهرات والاضرابات والمقاطعة الاقتصادية ، وعدم التعاون مع الظالمين وعدم الاشتراك في اعمالهم وحكومتهم ، وأصحاب هذه الطريقة لا يبحون اتخاذ طريق الحرب والقتل والعنف وهي المشار اليها بقوله تعالى :« وَلاَ تَرْکَنُوا إلَی الَّذِینَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّکُمُ النَّارُ . وَلَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ». وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تشير الى هذه الطريقة . وأشهر من دعا الى هذه الطريقة واكد عليها النبي الهندي بوذا والمسيح عليه السلام والأديب الروسي تولستوي والزعيم الهندي الروحي «غاندي ».
(3) الحرب والثورة والقتال . والاسلام يتدرج في هذه الأساليب الثلاثة .(الأولى) الموعظة الحسنة والدعوة السليمة، فإن لم تنجح في دفع الظالمين ودرأفسادهم واستبدادهم.
( فالثانية ) المقاطعة السلمية أو السلبية وعدم التعاون والمشاركة معهم فإن لم تجد وتنفع.
( فالثالثة) الثورة المسلحة . فإن الله لا يرضى بالظلم أبداً والراضي بل والساكت شريك الظالم .
الاسلام عقيدة . وقد غلط ، وركب الشطط من قال أن الاسلام نشر دعوته بالسيف والقتل ، فإن الاسلام ايمان وعقيدة والعقيدة لا تحصل بالجبر والاكراه ، وانما تخضع للحجة والبرهان
والقرآن المجيد ينادي بذلك في عدة آيات منها :«لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ».
والاسلام انما استعمل السيف وشهر السلاح على الظالمين الذين لم يقتنعوا بالآيات والبراهين . استعمل القوة في سبيل من وقف حجر عثرة في سبيل الدعوة الى الحق . أجهز السلاح لدفع شر المعاندين لا الى ادخالهم في حظيرة الاسلام.
يقول جل شأنه :«وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّی لاَ تَکُونَ فِتْنَهٌ».
فالقتال انما هو لدفع الفتنة لا لاعتناق الدين والعقيدة.
فالاسلام لا يقاتل غبطة واختياراً ، وانما يحرجه الاعداء فيلتجأ اليه اضطراباً ، ولا يأخذ منه إلا بالوسائل الشريفة فيحرم في الحرب والسلم التخريب والاحراق والسم ، وقطع الماءعن الاعداء ، كما يحرم قتل النساء والاطفال ، وقتل الاسرى ويوصي بالرفق بهم والاحسان اليهم ، مهما كانوا من العداء والبغضاء للمسلمين ويحرم الاغتيال في الحرب والسلم ، ويحرم قتل الشيوخ والعجزة ومن لم يبدأ بالحرب . ويحرم الهجوم على العدو ليلاً .«فَانْبِذْ إِلَیْهِمْ عَلی سَواءٍ». ويحرم القتل على الظنة والتهمة والعقاب قبل ارتكاب الجريمة . الى امثال ذلك من الأعمال التي يأباها الشرف والمروءة والتي تنبعث من الخسة والقسوة والدناءة والوحشية كل تلك الأعمال التي أبى شرف الاسلام ارتكاب شيء منها مع الاعداء في كل ما كان له من المعارك والحروب . قد ارتكبتها بأفظع صورها وأهول أنواعها ،
الدولة المتمدنة في هذا العصر الذي يسمونه عصر النور . نعم أباح عصر النور قتل النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والتبييت ليلًا والهجوم ليلا بالسلاح والقنابل على العزل والمدنيين الآمنين ، وأباح القتل بالجملة . ألم يرسل الألمان في الحرب العالمية الثانية القنابل الصاروخية الى لندن فهدمت المباني وقتلت النساء والأطفال والسكان الآمنين ؟! ألم يقتل الألمان ألوف الأسرى ؟ ألم يرسل الحلفاء في الحرب الماضية ألوف الطائرات الى المانيا لتخريب مدنها ؟ ألم يرم الامريكان القنابل الذرية على المدن اليابانية ؟ ! .
وبعد اختراع وسائل الدمار الحديثة كالصواريخ والقنابل الذرية والهيدروجينية لا يعلم الا الله ماذا يحل بالأرض من عذاب وخراب ومآسي وآلام اذا حدثت حرب عالمية ثالثة ولجأت الدول المتحاربة الى استعمال تلك الوسائل . أرشد الله الانسان الى طريق الصواب وهداه الصراط المستقيم .
وكل هذه الأساليب الدنيئة عملت بها اليهود ، ولا تزال تعمله كل يوم باشارة الدولتين العادلتين أصدقاء العرب أمريكا وانكلترا اللتين بلغت فظاعة ظلمهما للشعوب العربية ، ما لم ترتكب شيئاً منه الشيوعية . وان كانت الشيوعية بحد ذاتها قد
لا تمتنع عن القسوة والتنكيل والانتقام من خصومها في الحرب والثورات ، والاسلام هو الوحيد بين جميع الملل والدول أكد على تحريم تلك الفظائع في الحرب والسلم والحرب والأمن . وهو ما قلناه من وقوفه على حد الوسط والعدل في جميع تعاليمه واحكامه . «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَي النَّاسِ».
فلسنا مع اليمين ولا مع اليسار بل جعلنا الله أمة وسطاً .«شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ» وهذا من أهداف الاسلام ومثله العليا ، ومن مثله العليا :
الميزان العدل الذي وضعه لنا في معاملتنا مع الدول الخارجية والأمم الأجنبية حيث يقول عز شأنه :« لَايَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».
وعلى هذا الميزان العدل والعيار القويم فكل من قاتلنا في الدين ولكوننا مسلمين أو خرجنا من ديارنا أو ظاهر المخرجين فهو عدونا ولا يجوز ان نتولاه أو نتولى من يتولاه سواء كان مسلماً أو كافراً .
فهل أن امريكا ورجلاها اللتان تمشي بهما انكلترا وفرنسا لم
يقاتلونا وهذه أيديهم ملطخة بدمائنا قبلاً وفعلاً ؟!.
وهل لم يخرجونا من ديارنا وتسعمائة ألف لاجىء مشردين عن بلادهم العزيزة ؟ وهل لم يظاهروا على اخراجنا وهم الذين أتوا بالصهيونية ويدفعونها للاعتداء علينا كل يوم ؟ . وهل تركيا التي تزعم هي والدول العربية انها مسلمة ، ليست شريكة ومعينة لتلك الدول الظالمة على اخراج اولئك المسلمين من ديارهم ؟ .
وهل الباكستان اذا دخلت في معاهداتهم لا تكون ممن ظاهر على اخراج المسلمين من ديارهم وخرج عن حظيرة الاسلام والقرآن الكريم يقول : «وَمَنْ یَتَوَلَّهُمْ مِنْکُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ».
فاذا تمت معاهدتهم وارجو أن لا تتم ، ألا تكون دولة الهند وزعماء حكومتها الاشداء الحكماء الذين رفضوا الاستعمار والمستعمرين أولى بالمودة والموالاة من اولئك ؟!
اذ ليس المدار كما تشير اليه الآية الشريفة على الاسماء والعناوين ، والأقوال ، التي تكذبها الأعمال .
وكيف نحكم على دولة انها مسلمة وهي توالي وتعاون عدو الاسلام ؟ .
وفي الآية نكتة لا ينبغي اغفالهاوهي من المثل العليا في الاسلام ذاك انه عز شأنه لم ينهنا عن الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا أن نبرهم ونحسن اليهم ونعاملهم بالقسط والعدل ، وان كانوا من غير ملتنا ومن غير عنصرنا . اما الذين قاتلونا واخرجونا من ديارنا وظاهروا على اخراجنا فإن الله سبحانه ينهانا عن موالاتهم ومحبتهم لعدوانهم وظلمهم . ينهانا عن موالاتهم فقط . ولا ينهانا عن معاملتهم بالقسط والعدل وحفظ الحقوق.
فالعدل في القضاء ، عند الاسلام قائم على سواء ، بين المسلم والكافر ، والعدووالصديق ، والقريب والبعيد ، وبأي لون كان ومن أي عنصر يكون . فالمسلم وأعداء الاسلام والمحاربون له في عدل القضاء سواء ، بل فوق ذلك لم ينهنا عن برهم والاحسان اليهم.
ومن مثل الاسلام وأهدافه السامية انه يقول :«ادراًالْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ» ويقول الحديث الشريف:(أَحْسِنْ إِلَی مَنْ أَسَاءَ إِلَیْکَ وَ أَعْطِ مَنْ حَرَمَکَ وَ اُعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَکَ وصِل مَن قَطَعَکَ تكن مؤمناً حقاً» . الاسلام يقابل الاساءة بالاحسان.
وانتم تقابلون الاحسان بالاساءة ، والعدل بالظلم وكل فضيلة بضدها . القرآن يقول :« إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ» ويقول : أحسن كما أحسن الله اليك . وقولوا للناس حسناً . يعني للمسلم والكافر والعدو والصديق والاسود والأبيض.
فهل عندكما يا دول الديمقراطية مثل هذه المثل العليا والقيم الروحية ؟ وهل تجدونها في غير الاسلام ؟! وهل توافقوني اذا ختم رسالتي بما افتتحتها به : ( المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون ) .
هنا قضيتان مهمتان من قضايا الاسلام ذوات الشأن :
(الأولى) ان المشرع الأعظم يقول:«اَلْحِکْمَهُ ضالَّهُ الْمُؤْمِنِ یَأْخُذُها اَیْنَما وَجَدَها» يعني يأخذها من كافر أو مسلم وعدو أو صديق ، ويشهد لها قول الامام في معنى ( انظر الى ما قيل لا الى من قال ) .
(الثانية) ان الاسلام والمسيحية اتفقا على الدعوة الى السلام وكراهة الحرب والتحذير منها ، فالله جل شأنه هو السلام ويدعو الى السلام ، وداره دار السلام ، يهدي الله من اتبع رضوانه سبل السلام وينجيهم من عذاب أليم ، والقرآن العظيم كله سلام وخير وبركة وتحذير من الحرب وويلاتها وبلياتها :«فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» والأنجيل يقول لفظه أو معناه (الله المجد وللناس الأخوة وعلى الأرض السلام ) وعلى هذا فلو ان أمة تدعو الى الحرب وأخرى تدعو الى السلام فأيهما أحرى بالاتباع والمناصرة ؟، وليس معنى الالتزام بدعوة السلام ومناصرتها أننا أخذنا بجميع مبادىء تلك الأمة التي تدعو اليه فنحن نوافقهم على دعوة السلام ولا نوافقهم على سائر مبادئهم الهدامة ، ولكنا نقول حبذا السلام وحيا الله من
يدعو الى السلام ، ولعنة الله على الحرب وعلى كل داعٍ اليها،وكل من أتانا أو دعانا الى امر مشروع ومقبول فنحن أولى من كل احد بالقبول ولكن بشرط عدم الاخلال بالنظام وحفظ الأمن. أما الأخلال بالنظام فحرام وألف حرام وربما يؤدي الى عكس الغرض.
الاضرابات المتتابعة الموجبة للازعاج والقلق العام والمؤدية احياناً إلى غلق الأسواق وتعطيل الأعمال وأشباه ذلك نخشى ان يكون من الفساد في الأرض ومحاربة الله فتنطبق عليه آية : «إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِینَ یُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَیَسْعَوْنَ فِی الأرْضِ فَسَاداً». ونحن حيث نقول نبغض الحرب وندعو الى السلام لا نريد بذلك الافساد واضرار العباد وان يكون الأمر الى الرجالة والأوباش وصبيان المكاتيب القائمين بالشعب الذي يؤدي غالباً الى السلب والنهب والغارة واتعاب العقلاء والمصلحين . بل السبيل الجيد هو ان تكون المظاهرة بالتسالم والتفاهم . فاذا اردت ان تهتدي الى السبيل فأقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل.
اذا ما قصدت الأمر من غير بابه ضللت وان تقصد من الباب ترشد
نعم الاسلام لم يسوغ الحرب والقتال إلا في موارد مخصوصة و بشروط معينة أهمها : من يقف حجر عثرة في سبيل دعوة الحق والتوحيد وهو الجهاد في سبيل الله بشروطه المعلومة . الثاني محاربة أهل الظلم والبغي والفساد في الأرض . الثالث : الدفاع
عن النفس والعرض ورد الهجوم على البلاد الاسلامية ، اما الحرب في سبيل الغنائم والأموال والأغراض الاقتصادية والاستعمارية كما هي في الوقت الحاضر وكالحروب التي تثيرها حكومة انكلترا وامريكا فهي من اعظم المحرمات في ميزان الشرع ومن أعظم المخازي في معيار العقل ، ولا يليق بشرف الانسان أن يقتل بعضه بعضاً في سبيل النفط والكبريت والفحم والحديد والمطاط وما شابه ذلك.
لعل في مثل هذه الأيام قد اجتمع المؤتمرون في بحمدون وحضر معهم من لبى دعوتهم واستجاب لهم برمشة عين وأرشد الله فئة رفضت تلك الدعوة المسمومة وحتى الآن لم نعرف شيئاً من مقرراتهم ... ولكن الذي أريد أن أتساءل عنه انهم هل ذكروا أو تذكروا هجوم الصهيونيين قبل بضع سنين على ( دير ياسين ) فقتلوا الرجال والأطفال ، وبقروا حتى بطون الحوامل ، وهل ذكروا مباغتة الصهاينة ليلاً على « قبية » فصبوا صواعق قنابلهم على البيوت واهاليها نيام ؟ . نسفوا تلك المساكن على من فيها من رجال ونساء وأطفال والجيش الأردني المسلم الذي هو طبعاً بقيادة كلوب باشا يبصر بعينيه ويسمع بأذنيه عويلهم وصراخهم وتهافت الأنقاض عليهم نساءاً ورجالاً وصبية واطفالاً.
وهل ذكروا قتل اليهود رجال (نحالين) من غير جناية بلا أي سبب ؟ وهل ذكروا أن نسف تلك البيوت ما كان إلا بقنابل امريكية وما قتل أولئك العرب المساكين من المسلمين إلا بأسلحة امريكية وما شجعوا على هذه الوحشية إلا بقوى امريكية.زهقت تلك النفوس الزكية وجبلت الأرض بدمائهم تحت سمع وبصر تلك العدالة ، عدالة العالم الحر ، وانسانية العالم المتمدن الذي يتطلب المثل العليا والقيم الروحية كل ذلك وما هو أعظم من الجرائم العظام التي يقشعر منها أبشار البشرية ، ويعرق من ذكرها جبين الأنسانية.
كل ذلك على حسابكم يا ابناء العم (سام) وعلى (شانكم) يا أبناء سكسون ، وكرامة لعيونكم يا زرق العيون ، جرت كل هذه الوقائع فهل تحركت شعرة في ذقن العم (سام ) أو سالت دمعة من عين (جون بول ) أو اهتز طرف من أعطاف (ترومان) أو رف جفن من أجفان (تشرشل) هل ذكروا مصائب دير ياسين وما جرى على آل ياسين وهل تفجعوا لها وتفجعهم حزناً وشفقة على الصهيونيين المشردين بسطوة « هتلر » وبطشه فانتصر لهم ابن العم سام وأُمه الحنون بل الخئون سكسون. انتصروا لهم فأتخذوا لهم وطناً قومياً في فلسطين وأخرجوا منها أهاليها الشرعيين من آلاف السنين «غيري جنى» . هل تذاكروا حال أولئك المشردين عن أوطانهم تسعمائة ألف نسمة من العرب في الصحارى القفار تلفح أبدانهم
العارية لوافح الهجير، وتقشعر جلودهم لوافح الزمهرير ، لا غطاء ولا وطاء سوى الأرض والسماء ، وكل يوم تدفعون اليهود لشن الغارة بأسلحتكم الجهنمية عليهم كي يلتجأوا الى قبول الصلح الذي قررته محكمة عدالتكم ، الصلح المجاني بلا قيد ولا شرط ولا عوض . تقولون لأولياء المقتول اصطلح مع القاتل مجاناً وقبل يده وإلا لا يزال يصفعك بها . فهل سمعتم يا أبالسة الشياطين ويا لعنة السماوات والأرضين . هل سمعتم بأفظع من هذا الظلم ؟ واهاً منكم يا بني سكسون أقسم حقاً لو جمع كل ظلم من طواغيت البشر وجبابرتهم من ملايين السنين لما ساوى ظلمكم للعرب والاسلام سنة واحدة . ومنذ سبعمائة سنة أي من عهد الحروب الصليبة الى اليوم أنت دائبون في الكيد للاسلام تبغون له الغوائل وتنصبون له الحبائل وتقذفونه بالقنا والقنابل وكانت مكيدتكم هذه الأخيرة أنكد المكايد وأدهى الفظائع ،مكيدة وليدتكم المدللة «صهيون» .
وكان العرب أولى بهذه العناية من اليهود ، ولكنكم عرفتم ان العرب غالباً عنصر نجيب لا يحسن في الأكثر أفانين المكر والخداع والحيلة ، واليهود منذ كانوا ونشأوا في بدء تاريخهم والى اليوم قد تمرنوا على المكر والخداع ومهروا في القاح الفتن وأعاجيب الأكاذيب يتوسلون لسلب أموال الناس وأغراء الحاكمين حتى بأعراضهم وطالما بعثوا بناتهم الى الحاكم الذي يتعلق لهم غرض عنده وهذا الحال من هذا العنصر الخبيث
أصبح مكشوفاً في جميع بلاد الدنيا ولما وجدتم أقصى أمانيكم عندهم ساعدتموهم على العرب بالكثير والقليل ( والجنس الى الجنس يميل ).
أنتم يا أبناء العم سام ويا بني سكسون تزعمون انكم اتباع عيسى وانه ربكم ونبيكم والمكفر خطاياكم ، واليهود هم الذين كذبوه وصلبوه ولعنوه وأقل تعبير لهم عنه ابن القحبة الزانية مريم زنى بها عشيقها الحسن الصورة يوسف النجار فأولدها اليسوع فأدعت انه ابن الله ولا يزالون على هذا الاعتقاد الى يوم الناس هذا . اما الاسلام فيقول عيسى روح الله وكلمته ألقاها الى مريم ويقول عن مريم انها البتول العذراء المحصنة التي أحصنت فرجها رداً لليهود وتكذيباً لهم فكان هذا جزاء المسلمين منكم وتلك أعمالكم معهم . ولكن من أين لكم الدين ومن أين لكم الوفاء والنجابة ؟
(اذا أنت أكرمت الكريم ملكته) إلى آخره.
ومن لم يكن عنصره طيباً لا يصدر منه العمل الطيب طبعاً ولا يزال هذا دأبكم وديدنكم أيها الانكليز من أول تاريخكم الى يومكم هذا ، تسيئون الى كل من يساعدكم ويحسن اليكم ولا تكتفون بمقابلة الاحسان باساءة بل تقضون على حياته .
ولا ينسى الناس في الحرب الأولى كيف ساعدكم المرحوم أمير المحمرة ولما انتهت الحرب سلطتم عليه السلطة الايرانية
فأزالته عن ملكه ثم سجنته ومات خنقاً في سجنه باشارتكم . ساعدكم الملك حسين وحارب الأتراك وطردهم من الحجاز وكان جزاؤه بعد تلك المواثيق المؤكدة ان نفيتموه الى جزيرة قبرص فمات و استشهد فيها غريباً . اما المرحوم فيصل فلا أدري كيف مات غريباً في أوروبا ، ولكن المعروف انه تناول الغداءمع العجوز الانكليزية وما خرجت من الغرفة حتى خرجت روحه الزكية ، اما المرحوم(غازي) فلعنة الله على العمود الكهربائي الذي صدم سيارته وفسخ هامته .
ولو أردنا أمثال هذا من أعمالكم مع أصدقائكم لزمنا تأليف أكبر موسوعة مفتوحة في قضاياكم المفضوحة.
بلغني وأنا أملي هذه الكلمات ان الصحف اليوم نشرت نبأ مساعدة أمريكا للعراق بالأسلحة العسكرية بلا قيد ولا شرط ولا التزامات ، واعتبرت الحكومة ذلك غنيمة عظيمة . فقلت : نعم هذا فن من فنون الاستعمار الجديد . نعم هذا اللف و ( البلف ) والقفز والدوران ، واللعب على الحبل . نعم العراق عنصر نجيب لا بد أن يقابل الاحسان بالاحسان . « ومن وجد الاحسان قيداً تقيدا » . وهل يتبصر الحاكمون أو المتحكمون. وينظروا ان وراء الأكمة ما وراءها . نعم يبذلون لنا الأسلحة
الذرية بشرط أن لا نحارب بها اسرائيل بل ربما بعد ذلك يلزمونا بالصلح مع اسرائيل رضوخاً للأمر الواقع ونتعبد لهم ونحن أربابهم ولكن :
أرب يبول الثعلبان برأسه*** لقد ذل من بالت عليه الثعالب
وليت ابن العم سام وابن اخيه سكسون كفونا شرهم ومنعونا خيرهم ولا نريد منهم أية مساعدة فأنهم هم شر اعدائنا ومنبع بلائنا.
يحكى ان عبداً شديد السواد مهول الصورة يحمل ولداً لمولاه ، والطفل كلما نظر الى وجه العبد الهائل في البشاعة يبكي ويصرخ والعبد يقول له لا تفزع ولا تخف أنا معك والطفل يزداد في البكاء . فقطن الى النكتة بعض الأذكياء فقال للعبد أن الطفل يفزع منك ويبكي من بشاعة وجهك أطرحه على الأرض وأذهب عنه فسوف يأمن ويرعوي من البكاء.
نحن نبكي ونخاف من مساعداتكم ومعاهداتكم وقانا الله شرها وشركم.
خطرت لي سوانح دفعني حافز من الغيب الى ان اختم بها هذه الكراسة ، فتكون خاتمة المطاف. وتلك السوانح وان كانت
قضايا مبعثرة لا يرتبط بعضها ببعض ، ولكنها جميعاً لا تخرج عن الغرض ، ولا تحيد عن الهدف الأسمى.
قد سبقت الاشارة الى ان كلما أوردنا من البيان ، عتباً كان أو نقداً ، حلواً كان أو مراً . صحيحاً كان أو سقياً ، ما دفعنا إليه إلا عاملان : ( 1 ) أداء الواجب والخروج من عهدة المسؤولية (2) انها نفثة مصدور وزفرة مجمور ، لا تعدو ان تكون كوضع الماء على النار لا بد أن يغلي ويفور .
ونظراً الى ان جل الغرض هو النصح والارشاد والخدمة الانسانية لنوع البشر .
( نقول) ان الدول الكبرى في هذا العصر كل واحدة منها تشعر أحوالها وأعمالها بأنها تتطلب بحرص وجشع شديد أن تكون لها سيادة العالم ، وأن تخضع لها كل الدول . والأخرى تريد لنفسها أيضاً مثل ذلك . فالجميع يتسابقون في هذا الميدان ، ويبذل كل واحد كل ما في وسعه من الجهود حسب الأمكان لذلك الغرض ، حرصاً على التفوق ، وجشعاً الى الغلبة والأثرة .
ومن هنا تكثرت المخترعات وتوفرت آلات الابادة وسلبت الراحة والاستقرار من عامة البشر واصبحت كل أمة أو دولة كأنها معلقة بجناح طائر لا تدري متى ينتفض فتسقط وتهلك ،واصبح هذا التنافس بلاء ومحنة عليهم وعلى العالم كله.
وربما يكون التنافس وحب الغلبة والأنانية غريزة جبلت عليها النفوس وانصهرت بها العقول ، والتغلب على الطباع غير مستطاع . نعم قد يكون ذلك حقاً ( وتأبى الطباع على
الناقل ).
ولكن الغلبة والتفوق والسيادة ، ان كان فيها السعادة ، لا ينحصر الطريق اليها بالبطش والفتك والاستعداد للابادة والهلك ، بل هناك من الطرق اليها ما هو أهون وأضمن ، أهون في الكفاح، وأضمن في النجاح . وهو طريق العدل والاحسان . فعوض أن يملكوا أجساد الشعوب والأمم بالظلم والارهاق، وغل الاعناق. لماذا لا يملكون القلوب بالبر والاحسان والاشفاق ، ويعلم كل ذي شعور أن طاعة الرغبة بالطوع والاختيار ، ابقى وأخلد من طاعة الرهبة بالقسر والاضطرار . وقد قالت الحكماء ان الحركة القسرية لا تدوم وكل شيء يرجع الى طبعه والشعب قد ينتفض ، والمغلوب قد يغلب والحروب سجال ، والدنيا دول . أما ملك قلوب الشعوب بالاحسان والعدل فهو في أمن من هذه الاخطار فما بال تلك الدول المعظمة تعدل عن هذه الخطة السليمة، الى تلك الخطة
السقيمة ؟.
ولعل من يجيب عنهم يقول : ان ساسة تلك الدول رأت ان الانسانية قد هرمت مداركها وتحجرت عقولها وقست قلوبها فصار البر والاحسان لا يبعثها على السلامة ولا يمنحها الاستقامة ولا يسوقها إلا السوط والعصا ولا يبرء علتها إلا العملية الجراحية واراقة الدماء بلا هوادة ولا رحمة.
(أقول ) وقد يكون هذا حقاً أو فيه بعض الحق ولكن لا أقل من التجربة فإننا منذ زهاء مائة سنة منذ سمعنا ان في الدنيا دولة تسمى انكلترا أو أمريكا أو فرنسا ما سمعنا ان واحدة منهن استعملت العدل والقسط مع مستعمراتها فضلاً عن البر والاحسان ثم هل ان الانسانية بجميع عناصرها وأواصرها قست قلوبها وتحجرت عقولها فلا تستحق الرحمة ولا ينبغي معاملتها بالاحسان إلا الأمة اليهودية واللقيطة الصهوينية ؟ أم هي السياسة العمياء والمكيدة الماكرة لضرب العرب بالصميم؟.
واذا كانت الحكومات العربية قد زاغت عن سبل الفضيلة ونزعت عن المزايا والخلق الكريم فلا تعرف للاحسان قيمة ولا للعرف معرفة . فإن الشعوب ولا سيما الشعوب العربية فيها على قلة بقية صالحة وخير كثير وانما يحتاج الى التوجيه والتنوير .
وقد شرع القرآن شريعة العدل والاحسان فقال تعالى:«إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَالْبَغْيِ» . وقد أخذ بها المسلمون في أول عهودهم فنجحوا وتركتها الحكومات الاسلامية فما ربحوا .
ان الاخلاق والفضيلة والمثل العليا والنواحي الروحية قد بلغت من التردي والسقوط والتدهور في هذا العصر إلى أبعد حدودها . استعرض على ذهنك كل ما على هذه الأرض من الممالك والأمم والشعوب والقبائل فإن كانت ذات دین أو نحلة فهل تجدها قد تقيدت بشيء من دينها أو التزمت بحكم من أحكام شريعتها ؟ مثلاً أن أصول الفضائل في العهدين القديم والجديد الوصايا العشر وخطبة المسيح على الجبل وأهم ما فيها لا تقتل لا تسرق لا تزني لا تكذب الى آخرها . فهل تجد شيئاً من هذه الفضائل عند اليهود أو النصارى ؟ ، بل وعند أكثر المسلمين بل وحتى عند البراهمة والبوذيين الذين هم أشد الأمم تمسكاً بديانتهم والتزاماً بتقاليدهم . وأهم الأحكام عند البراهمة الذين لا يسوغ في شريعتهم مخالفته بوجه من الوجوه لا اضطراراً ولا اختياراً حرمة ذبح الحيوان بل حرمة ايذائه حتى الهوام والحشرات والانسان بالضرورة أشرف من الحيوان ومع هذا فلما نشبت الحرب بين الهندوس وبين المسلمين قبل سنوات صار ألوف
المسلمين بل مئات الألوف نساء ورجالاً وأطفالاً تصب عليهم القنابل من الطائرات في جو السماء والمدافع في دو الأرض. يحرمون قتل النملة ، ولا يحرمون قتل الناس جملة !.
اما امريكا فقد نسفت مدينة من كبريات مدن اليابان بكل من فيها من السكان والذرية ، بفضل القنبلة الذرية . ما أدري بلحظة واحدة أو اكثر. كما لا أدري ما ذنب أولئك المساكين من البشر حتى يهلكوا جميعاً على صعيد واحد ، وبنفخة واحدة ، وامريكا تدين بدين النصرانية وتبشر به وتوراتهم وانجيلهم يصرخ في كل فرد منهم لا تقتل ، لا تقتل . والاسلام يشدد في أمر القتل ويحرمه أشد حرمة . إلا في موردين أو ثلاث لأسباب خاصة من قصاص ونحوه . كما يحرم الظلم والعدوان ، ويوصي بالشفقة والرحمة ، والعطف حتى على الحيوان . أوصى بالشفقة والرقة حتى على الكلب فقال إذا رأيت الكلب يلهث من العطش فأسقه الماء فإن لكل كبد حرى اجراً . وقال لا تضرب وجه دابتك ولا تحملها فوق طاقتها واذا بلغت المنزل فأبدأ بسقيها وعلفها قبل نفسك . وقال ان للماء أهلاً فلا تبولوا فيه فتؤذونهم . وقال لا تحرقوا بيوت النمل . وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام في بعض خطبه : والله لئن أتيت على حسك السعدان مسهداً ، أو أجر في الأغلال مصفداً أحب الَّي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد ، وغاصباً لشيء من الحطام . ويقول في آخرها : والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت افلاكها على
أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت.
هذا اضمامة صغير من زهرات آداب الاسلام وتعاليمه وحال الاصحاء من رجال المسلمين وأئمتهم . ولكن هل نجد شيئاً من ذلك عند المسلمين اليوم من عامتهم بل والكثير من خاصتهم . أصبح اليوم الظلم والعدوان على حق الغير والقسوة والرشوة ، والكذب والبهتان ، والقتل بجميع انواعه ، وما الى ذلك من المساوىء والرذائل ، طعاماً سائغاً هنيئاً، يسيغه الناس كما يسيغون طعامهم وشرابهم من غير وحشة ولا نكير .
ولا أريد أن أستوفي هذا الموضوع حقه، وأخوض فيه الى أعمق نواحيه . انما الذي أريد أن أقتله بحثاً وعلمًا ، واصل الى قعره وغوره ، هو معرفة العلة والسبب في هذا الانقلاب الذي يشبه أن يكون انقلاباً فجائياً في هذه الأمة التي تقول بلسانها أنها أمة مسلمة وليس لها من روحيات الاسلام وحقايقه وخلايقه شيء قل أو كثر.
نعم أمعنت النظر وأنعمت الفكر وقايست بين هذا العصر والعصر الذي أدركته قبل نصف قرن أيام حكومة الاتراك المسلمة والتفاوت الشاسع بين الحالين مع القرب بين الحالين الذي جعله عندي انقلاباً فجائياً فكرت وتدبرت الأسباب والمسببات والعلل والمعلومات فلم يوصلني السير الحثيث والبحث المتواصل
إلا الى امرين أحدهما يعتنق الآخر ويلازمه.
( الأول ) توغل الاستعمار وتمكنه من هذه الأقطار الاسلامية ومن المعلوم ان الاستعمار عند اربابه فن من الفنون وله ادارات ووزارات ودروس ومدارس وأساتذة وامتحانات واجازات.
وقد تجلى لهم كما هو الواقع ان الغرض الأتم والفائدة المتوخاة لا تحصل لهم إلا بتغيير نفسيات المسلمين ووجدوا ان الاسلام بروحه وجوهره هو الاخلاق والملكات الفاضلة تقوم على أساس رصين من شينات الخير الثلاث يلازم بعضها بعضاً ولا ينفك أحدها عن الآخر وهي : الشرف ، الشمم . الشهامة . في قبال شينات السوء : الشر .الشغب .
أول بذرة غرسها النبي في نفوس اصحابه الأولين وهم أولئك الضعفاء المساكين كصهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي لا مال ولا رجال ولا عشيرة في محيط يتماوج بجبابرة قريش وطواغيتها وخيلائها.
وغرس في نفوس أصحابه العزة والأباء وكرامة النفس واحتقار المادة والصلابة في الدين فقال ما معناه : تذل السماوات والأرض ولا يذل المؤمن . وتزول الجبال ولا يزول ايمانه وقال في كتابه العزيز :«الْعِزَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِینَ» وقال : «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» وقال :«قَاتِلُواْ الَّذِینَ یَلُونَکُم مِّنَ الْکُفَّارِ وَلِیَجِدُواْ فِیکُمْ غِلْظَةً».
اما اليوم فهم يقاتلونا ويجدون فينا رخاوة بل مساعدة على قتل اخواننا .
يقتل بعضنا بعضاً ويمشي*** أواخرنا على هام الأوالي
رأى المستعمر ان المسلم يستحيل ان يرضى بعار الاستعمار ويلبس ثوب الذل والصغار ، ما دام مسلمًا يعرف لنفسه عزة وكرامة وشرفاً وشهامة ، اذاً فلا مناص لمن يريد ان يستعمر المسلمين أن يسلبهم قبل كل شيء عزتهم وايمانهم ، حتى يستطيع أن يأخذ بسهولة أموالهم وبلدانهم وبأي شيء يستطيع سلب عزتهم وكرامتهم وسلب ايمانهم وشهامتهم؟.
(الجواب) سهل واضح يتوسل الى ذلك بالمغريات وأشراك الشهوات وحبائل المادة والمادة وهكذا فعل وهكذا وصل وهكذا صارت حالة المسلمين ذهب منها كل خلق كريم . وصارت طباعها تمج الفضيلة وتستلذ الذلة والرذيلة ولا تجد لنفسها أي قيمة ازاء الظالمين والمستعمرين ، أراك تشك في هذا أيها المسلم فإن كنت تشك فأنت مسلوب الحس والشعور أيضاً كما أنك مسلوب العزة والكرامة.
ومما زاد في نمو هذه البذرة بذرة المهانة والذلة واحتقار النفس ونكران الذات والانغماس في الشهوات والعزوف عن صفات الأماجد وأماجد الصفات هو ( الأمرالثاني ) الذي تولد وتكون من الأمر الأول . ذاك سكوت المرشدين والواعظين بل الأصح
في التعبير عدم وجود مرشد لبيب، أو واعظ أو خطيب ، يصرخ في هذا المجتمع الهالك صرخة توقظه من نومه بل تحييه من موته و تنشره من قبره ، تراكمت العلل والأمراض في جسم هذه الأمم الاسلامية ولا طبيب يتصدى لعلاج واحدة من عللها من سائر مللها بل سرى المرض الى الاطباء فالمريض والطبيب سواء .
(رب داء سرى فأعدى الطبيبا) .
المغريات وبواعث الشهوات بالألوف والملايين ، والمثبطات والعظات ولا واحدةفكيف يكون الحال؟ .
ان اختلاف كلمة المسلمين في القرن السادس والسابع للهجرة سبب حدوث الحروب الصليبية وغلبة المغول والتتر على الممالك الاسلامية . وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر للهجرة ادى اختلاف كلمة المسلمين ايضاً الى ابتلائهم بالاستعمار الأوروبي . فأستولى الانكليز على مصر والمحميات التسع وأمارات الخليج والعراق والحجاز واستولت فرنسا على الجزائر وتونس ومراكش ولبنان وسوريا.
واختلاف كلمة الدول العربية بعد الحرب العالمية الثانية هو
الذي أدى الى فاجعة فلسطين وانشاء دولة اسرائيل .
والعالم العربي الآن يعرف جيداً ان لاسرائيل أهدافاً اعتدائية . ويعرف ان اسرائيل كالنار الملتهبة تستمر في حرق ما يجاورها أو تخمد ويقضى عليها ، وكالوباء المكروبي الذي يظل منتشراً أو يقتل ويفنى.
ان قضية فلسطين في الوقت الحاضر بعد ان اعترفت بها دول كثيرة اصبحت معقدة جداً وحلها يحتاج الى كثير من الحكمة والحذر والصبر والشجاعة . ولمعالجتها ينبغي ان نأخذ بنظر الاعتبار اموراً كثيرة اشير الى بعضها :
1 - يجب الابتعاد عن الأقوال الفارغة والوعيد والتهديد والحذر من التظاهر بالدعوة الى الانتقام والثأر ، والجولة الثانية ،تلك الدعوة التي تدسها وتنشرها الدول الاستعمارية علناً عن سوءقصد ، كي تلهي العرب بالخيال والأماني عن الواقع المر، وتحول نقمة العرب منهم الى اسرائيل .
وينبغي الحذر من دسائس الانكليز والامريكان ودحض دعايتهم التي تظهر العرب بمظهر المعتدي والمنتقم والحال ان العرب يطالبون بحقهم وهم الموتورون ، ولو ردوا اليهم بلادهم لم يكن لهم مع اليهود ولا غيرهم حقد أو سوء . وقد عاش اليهود مع العرب سلام حقبة طويلة من الزمن.
2 - ان اصل بلاءنا باسرائيل كما ذكرنا من انكلترا التي
كونتها ، وامريكا التي شجعت اسرائيل وعاونتها . فخلاصنا من اسرائيل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بخلاصنا من الاستعمار .
فإن استقلت الدول العربية استقلالاً كاملاً ، وتكونت فيها حكومات نزيهةمخلصة تتعاون وتتحد وتتسلح للقضاء على الخطر ، تهيأ الخلاص للعرب من اسرائيل وماتت من نفسها بلا عناء بل تموت بدون حرب وتستسلم في الحال بلا قتال ولا جدال ، لمطالب العرب ويمكن حينئذٍ ضم القسم اليهودي الى الاتحاد العربي الواسع ومعاملتهم كمواطنين أو اعتبارهم من أهل الذمة حسب قانون الاسلام .
3 - ان اختلاف كلمة دول العرب هو الذي أدى الى الكارثة ولا يتمكن العرب من ايقاف نمو اسرائيل أو القضاء عليها إلا بتضامنهم واتحادهم ، وإلا فإن البلاء اذا توسع هذه المرة فإنه سوف يعم الجميع بل يؤدي الى فناء العرب وتشريدهم في الآفاق وينعكس الأمر فيصبح اليهود مجتمعين آمنين في بلدان العرب ، والعرب مشردين عن بلدانهم وأوطانهم.
ولا ينفع حينئذٍ الندم ولا يمكن العلاج فإن مثقالاً من الوقاية خير من قنطار علاج وسوف نكون نحن الاسلاف لعنة الاخلاف وسبة الأجيال واذا بقينا على خدرنا وكسلنا ونومنا العميق ستصلنا النار في القريب العاجل. بالله عليكم ايها العرب ارحموا أنفسكم من العذاب الذي تعانونه الآن ومن البلاء الذي يدبره لكم
الاعداء . ووحدوا صفوفكم وتضامنوا وتعاونوا ولا تتهاونوا تنجحوا وتفلحوا.
قد يقول قائل ان الموعظة والنصيحة مهما كانت صحيحة بليغة أو فصيحة ، ولكنها أصبحت في هذه العصور وفي هذه الأيام عديمة الجدوى فاقدة الفائدة ليس فيها إلا العناء واضاعة الوقت فإن الشر والفساد قد استحكم في النفوس حتى صار كطبيعة ثانية أو ثابتة فيها والكلام لا يغير الطباع ولا يحل النظام . وقد قيل : غيروا ظروفكم تتغير أخلاقكم . يعني ان الانسان تكونه الظروف وتخلقه البيئة وقد انحدر سيل الفساد من أعالي جبال المدينة المادية كالتيار المتدافع لا ترده صيحات الصائحين ، ولا تصده نصائح الناصحين ، وعظات الواعظين ، وكل من يقف في سبيل هذا السيل يجرفه ويقضي عليه .
(أقول) وليست هذه النظرية من النظريات الحديثة وممن كان شادها وشدى بها في القديم فيلسوف « المعرة » ونظمها في لزومياته وفي غيرها بأساليب مختلفة مثل قوله :
كم وعظ الواعظون منا*** وقام في الناس أنبياء
فأنصرفوا والعناء باقٍ***ولم يزل داؤك العياء
ويقول :
غلب الشر منذ كان على الخلق***وماتت بغيظها الحكماء
واذا ما النفوس لم تقبل النصح***فماذا تفيده النصحاء
وابدع في كلمته المشهورة :
يروق مرأى لبني آدمٌ***وكلهم في الذوق لا يعذب
أحسن من أحسنهم صخرة*** لا تظلم الناس ولا توكب
وسبقه المتنبي في مثله السائر :
الظلم من شيم النفوس فإن تجد...
وقد أخذه من كلمة لامير المؤمنين سلام الله عليه من كلماته القصار وجوامع الكلم وقد حلق اليها ابو الطيب وانحط دونها :
(الظلم مودع في النفوس ، القوة تبديه والضعف يخفيه ).
ولكن هل في هذا وأضعاف أمثاله من منظوم ومنثور ، ومشهور ومأثور ، قناعة لذي اللب بسقوط هذه الفريضة وارتفاع هذا التكليف ؟ وهل الموعظة والارشاد إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من أهم فرائض الاسلام وأقوم اسسه ودعائمه،؟ وهل كانت وظيفة الأنبياء والرسل سوى هذا ؟ وهل نزلت الكتب إلا لهذا ؟ وكانت الأمم الغابرة التي بعثت الأنبياء إليها أغلظ طباعاً وأشد قسوة وامتناعاً ، من الأمم المتأخرة وقد سرد القرآن الكريم قصص الأنبياء وما تحملوا في سبيل الدعوة
من الجهد والعناء وضرب أروع الأمثال في هذا المجال . انظر الى حال نوح ومن بعده من أولاده من الأنبياء وماذا قاسوه من المهالك كل ذلك كي نعتبر ونتأسى بهم ولا نخلق لأنفسنا الكهوف والمغارات لنستريح اليها وننزوي فيها ونتكلف المعاذير للتهرب منها .
وأصح ما وصل اليه الباحثون في علم النفس ان الانسان بحسب أصل فطرته وطبيعته ساذج مرن يجوز أن يتشكل بكل شكل ويتلون بكل لون حسب الظروف والملابسات والتربية والتربة لا اقتضاء فيه الخير ولا شر .
نعم لا ريب ان لكل طبيعة من الطبائع شواذاً يقال عنها (شواذ الطبيعة) فيوجد بل وجد افراد لا تنفع فيهم العظة ويهزأون بالنصيحة كما أخبر عنهم جل شأنه:« قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فَهِیَ کَالْحِجَارَهِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَهً».«صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» والقرآن يجعلهم موتى«إنَّکَ لا تُسْمِعُ المَوْتی وَما أنتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِی القُبُورِ»
ولكن هذا النوع قل أو كثر لا يسقط التكليف لاتمام الحجة وقطع المعاذير وليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة . واذا تركنا العظة والتبليغ لوجود مثل هؤلاء في البشر يكون كمن ترك الماء لأن شخصاً شرق بالماء فمات.
المواعظ البالغة هي وظيفة الانبياء ومن أجل وجوب القيام
بها صار العلماء ورثة الأنبياء تلك العظات كالسحاب الماطر اذا أصاب الأرض الطيبة أنبتت نباتاً حسناً واذا وقع على الخبيثة أخرجت شوكاً أو ملحاً . كل هذا لا مراء فيه انما الداء العضال وعقدة الاشكال في الواعظين فأين الواعظون المتعظون واين الصالحون والمصلحون والكل يعلم ويقول ان الكلام اذا خرج من القلب دخل في القلب واذا خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان وأصول الفرايض يجمعها ثلاثة عناوين يجب على كل انسان ان يعلم ثم يعمل ثم يعلم وروح هذه الأصول الثلاثة الاخلاص والمعرفة وعلى درجات الاخلاص يكون التأثير في المحل المقابل ، والاستعداد الكامل ، وصف المتقين أمير المؤمنين (علیه السلام) فما فرغ من خطبته حتى صعق همام ولحق باخوانه المتقين ، ووعظ بعض العرفاء شاباً من تلاميذه فشهق شهقة كانت روحه فيها فجاءت امه تبكي ومعها أهله يطالبون الشيخ بديته فقال الشيخ نفوس طهرت وطابت ، ثم دعيت فأجابت ، خذوا ديته ممن أخذه ممن دعا فلباه وتجلى له فاستهواه .
نعم هکذا تصنع المواعظ البليغة في من يعيها من سامعيها أما أنا وأنت وأمثالنا من الهياكل البشرية الجوفاء المشحونة بالهوس والاهواء فأي أثر لوعظنا ، وأي فائدة في ارشادنا لو أرشدنا نحن علماء نتلو آيات الكتاب ونعرف فقه الحديث ولكن من طراز الذي آتیناه آیاتنا فأنسلخ منها... ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه.
مضى عليَّ اكثر من خمسين سنة وأنا أهيب بأخواني المسلمين أدعوهم الى الاتفاق والوحدة وجمع الكلمة ونبذ ما يثير الحفائظ وينبش الدفائن والضغائن التي أضرت بالاسلام وفرقت كلمة المسلمين فأصبح الاسلام غريباً يستنجد بهم . تكالب عليه اعداؤه وجاحدوه وخذله أهله وحاملوه . ومن أراد شاهد صدق على ذلك فليراجع الجزء الأول من (الدين والاسلام) أو الدعوة الاسلامية الذي طبع منذ 44 سنة ولينظر أول صفحة منه
الى صفحة 27 تحت عنوان (البواعث والدواعي لهذه الدعوة).
ثم يشفع هذه النظرة بأخرى في أول الجزء الثاني منه فيرى المقطوعة التي يقول أولها :
بني آدم إنا جميعاً بنو أب*** لحفظ التآخي بيننا وبنو أم
ومنها يقول :
رأيتكم شتى الحزازات بينكم***وما بينكم غير التضارب بالوهم
خذوا ظاهراً من صورتي فضميرها***تصور من روح التحنن والرحم
يود لو أن الأرض تصبح جنة***تفيئكم ظل السلامة والسلم
بني آدم رحماكم في قبيلكم***فقد جز تم بري العظام الى الهشم
حناناً على هذي النفوس فإنها***سماوية من رشح ذيالك اليم
هلم نعش بالسلم عصراً فإننا***قضينا عصوراً بالتضارب واللدم
اليكم بني الأديان مني دعوة*** دعوتكم فيها الى الشرف الجم
الى السلم فيكم والتساهل بينكم***فيا حبذا شرع التساهل والسلم
ولم تزل نشراتي ومؤلفاتي في اكثر من نصف قرن سلسلة متوالية الحلقات متصلة غير منقطعة كلها في النصح والارشاد والدعوة الى الاتحاد ودفع الفساد ، وقد طبع ( أصل الشيعة ) تسع مرات في كل واحدة مقدمة طويلة في الحث والبعث الى الوعي واليقظة ، وان البلاء على الاسلام قد أحاط بالمسلمين منهم ومن الملحدين ومن المشركين .
وفي خلال هذه البرهة تحملت الاسفار وركبت متون الاخطار في البر والبحر والهواء ، وانا في المرحلة الاخيرة ، ومن الحياة المنهوكة بالعلل والاسقام والتي هي تحت أجنحة الحمام ، كل ذلك في سبيل الدعوة الى الخير والحق ، وخدمة الاسلام خالصاً لوجهه الكريم لا نريد مالاً ولا جاهاً ولا جزاء ولا شکوراً. ومع ذلك أجدني مقصراً ، ولا أرى لعظاتي ونصائحي أثراً فما السر في ذلك ؟ حديث غريب يحز في النفس ويبعث الألم .
أظن (وظن الألمعي يقين) ان التأثير يحتاج الى قوة وصلابة ، يحتاج الى شجاعة ادبية وصرامة دينية ، وجرأة واندفاع لا رخاوة فيه ولا هوادة . لست أنا ذلك المؤمن الذي لو ألقي على الرجل فرية أقول له اسكت يا كذاب . أو جلس عندي شارب الخمر أقول له قم عني يا فاسق ، واذا زارني الظالم أكرمه وأركن اليه والله جل شأنه يقول:«وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» لو اننا نقول للكاذب أنت كاذب وللظالم
انت الظالم لما وصلنا الى هذا الحال التعيس الذي يلعنه ابليس.
نعم هذا السكوت وهذا النفاق وهذا المخاتلة التي نسميها مجاملة . والمخادعة التي نقول انها مصانعة.
هذه التلبيسات الشيطانية الناشئة من خور الطبيعة وضعف الدين وهزال اليقين وهو الذي جرأ المسلمين وجرهم الى ارتكاب هذه العظائم والجرائم غير مبالين ولا مكترثين.
انا سكتنا عن الكذاب فانفتحت***امامه لفنون الكذب أبواب
يلقي علينا أقاويل مزخرفة***ولا نقول له اسكت انت كذاب
هذه الخمور التي تباع جهراً في اسواق المسلمين وفي حوانيت المسلمين هي محاربة الله ولرسوله وللاسلام . نقول لك بلسان حالها من وراء زجاجتها على رغم أنفك أيها المسلم اتيت من أوروبا لتشتريني وتدفع المال يصنع به السلاح لاستعبادك واستعمارك . تقول لك على رغم دينك وقرآنك الذي يقول : «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ» . ها انا ذا بارزة أمامك وأمام المسلمين يمرون على تلك الحانات غادين ورائحين فهل حركت الغيرة جماعة منهم لمكافحتها أو مكافحة من يراودها ويرودها ويخرج منها ثملًا يتمايل ؟ هل هجم ذو غيرة وحمية للدين والقرآن فيحطم تلك الزجاجات والقناني التي قد يكون أثرها على البلاد أسوأ من القنابل بل هي القنابل الصامتة
والمدافع الخرساء ؟ هل هجم عليها احد كما هجم جدنا كاشف الغطاء على حانة خمر لأحد الصوفية في شيراز فأراق خمورها في الشوارع فأنشأ الصوفي البيتين البديعتين بالفارسية :
(شیخ نجفي شکست خمخانه مي ) البيتين المشهورين
نعم سكوتنا عن المجرمين شجعهم على الجرائم والساكت عن المجرم شريكه في جريمته ، يقول الكتاب العزيز :« لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» ، ومما يثير العجب آية اخرى تقول : «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِکَ قَرْیَهً أَمَرْنَا مُتْرَفِیهَا فَفَسَقُوا فِیهَا فَحَقَّ عَلَیْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِیراً» يفسق المترفون فتدمر القرية كلها.
نعم سكوتنا عن المجرمين شجعهم على الجرائم والساكت عن الحق شيطان أخرس . ويزيد لو لم يساعده ابن زياد وابن سعد لما قتل الحسين وسبى عياله . وعتاة الصهيونيين لولا امريكا وانكلترا ، لما هجموا كل يوم على العرب والمسلمين يقتلون رجالهم ونسائهم وأطفالهم ثم تصر امريكا على العرب بقبول ذلك الصلح الكافر . والظلم السافر الذي يهون الموت دونه ودون الخضوع له ، وليعلم بنو العم سام وذيولهم سكسون وصهيون ، انه من المستحيل بين العرب واسرائيل ، ان يقع صلح ، أو يندمل جرح ، إلا ان يرجع الحق لأهله ويعود العدل
الى نصابه وترد البلاد لاربابها ، ويخرج منها غاصبوها . وإلا فاذا انقطع الأمل في تلك الدول، ومن المربوطين بعجلتها العابدين لعجلها من الحكومات العربية ، فأما أن تنهض الشعوب العربية معتمدة على نفسها وتعدعدتها وتوحد كلمتها وتأخذ ثأرها وتغسل عارها ، وتلبس الثياب الحمر وتنزع السود وإلا فلا معول بعد هذا إلا أن تضربهم يد السطوة الأزلية بضربة من ضرباته التي لا يزال يضرب بها من طغى وتجبر وحكم وظلم وألحد وأفسد ثم يبطش بغتة :«إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌوَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ».
«سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا»
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» .
اللّهم ان هذا الثالوث المشؤوم : امريكا . انكلترا . فرنسا . قد سفكوا من دماء البشر ما لم تسفكه السباع الضواري في الغابات والصحاري . وقد تمر السنة ولا نسمع ان السباع والذئاب افترست انساناً وهؤلاء كل يوم يفترسون ألوفاً من البشر اللهم انهم قد حكموا في البلاد وأكثروا فيها الفساد وظلموا عبادك وهتكوا كل حرمة وارتكبوا كل حرام فأدبهم بعاجل عقابك ، واضربهم بسوط عذابك حتى يستريح العالم كله من
شرهم ومكرهم ، وشياطينهم وسلاطينهم ، واقطع دابر القوم الذين ظلموا وقيل الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين والمصلحين.
يقول الناشر : سمعت البعض يقول :
ما بال سماحة الامام يتدخل في السياسة وهو رجل ديني روحاني ؟ فسألته هذا وعن رأيه في الأحزاب فأجاب دامت بركاته قائلاً : أما الأحزاب فحتى الآن لم يظهر منها الفائدة المتوخاة ولم تصل الى درجة من القوة تجلب الشعوب اليها حتى تقوم بأعمال جذرية في الاصلاح ولا أخص هذا في العراق بل في جميع البلاد العربية لم تجد منها الأعمال المجدية وذلك إما لعدم تضامنها وعدم تأييد بعضها لبعض أو لغير ذلك الأسباب ، وعلى كل فنحن نتمنى لها التوفيق وان يمدها الله بروح من العناية عساها أن تأتي بعمل جدي ومجدٍ.
أما التدخل بالسياسة فإن كان المعنى بها هو الوعظ والارشاد والنهي عن الفساد، والنصيحة للحاكمين بل لعامة العباد ، والتحذير من الوقوع في حبائل الاستعمار والاستعباد ، ووضع القيود والاغلال على البلاد وأبناء البلاد.
إن كانت السياسة هي هذه الأمور فأنا ( وَاَعُوذُ بِاللّه ِ مِنَ
قولي أنا إلا في هذا المقام )
نعم أنا غارق فيها الى هامتي وهي من واجباتي وأراني مسؤولاً عنها أمام الله والوجدان وهي من وظائف ووظيفة آبائي الذين كانت لهم الزعامة الدينية منذ ثلاثة قرون أو أكثر لا في العراق ( فحسب) بل في دنيا الاسلام كله وهي النيابة العامة ، والزعامة الكبرى ، والخلافة الالهية العظمى .«يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ» . وفي بعض زيارات الأئمة الجامعة (وَأَنْتُمْ ساسَهُ الْعِبادِ وَأَرْکانُ الْبِلادِ»،
فسياستنا هي سياسة النبي والأئمة سلام الله عليه وعليهم الخالية عن كل هوى وهوس وطمع ودنس. «وَلا تَتَّبِعِ الْهَوی فَیُضِلَّکَ عَنْ سَبیلِ اللّهِ». واذا لم يتصد لها أو يقوم بها
آخرون فلعله معذور ، لتقصير أو قصور.
واذا كان المعنى بالسياسة : هو احداث الفتن والثورات، والاضرابات للتوصل الى الحكم والجلوس على الكراسي الناعمة لمعاملة الناس بالخشونة والغطرسة والكبرياء واستغلال النفوذ للمنافع الذاتية والأطماع الدنية ، والسمسرة للأجانب على البلاد وتسلطهم على الأمة ولو باراقة الدماء ، ان كانت السياسة هذا وما اليه : فإني أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم . «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُکُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِکَ
مَثُوبَهً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَیْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَهَ وَالْخَنَازِیرَوَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِکَ شَرٌّ مَّکَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِیلِ » . حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
اذا كانت الغاية تبرر الواسطة ( كما يقولون ) ، خصوصاً في بعض الاحيان والأحوال . واذا كانت الأعمال بالنيات ، والمبادىء تتبع الغايات . واذا كان الدين هو النصيحة . ولطمة الناصح (كما في امثالهم) خير من قبلة الغاش . وان الساكت عن الحق شيطان أخرس . وأن أفضل الجهاد كلمة عدل عند امام جائر . وان الله قد أخذ على العلماء أن لا يقاروا على كضة ظالم ولا سغب مظلوم« وَإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْهُدى وَالبَيّناتِ اولِئكَ يَلعَنُهُمُ اللّه ُ ويَلعَنُهُم الّلاعِنُون»
هذا من جهة ومن جهة اخرى ، ان العرب والمسلمين قد صاروا بالحال الذي انبأ عنه نبي الاسلام حيث يقول لأمته يوشك ان تتداعى عليكم الأمم كما يتداعى الجياع على القصاع . فقالوا : أمن قلة فينا يا رسول الله ؟ فقال : لا بل انتم يومئذٍ كثيرون ولكن غثاء كغثاء السيل من اتباع الهوى و اختلاف كلمتكم . ويشهد لهذا ان الاسلام عموماً والعرب
خصوصاً لا تزال منذ قرون تنهشها أفاعي الاستعمار وزاد عليها في هذا القرن عفاريت الصهيونية والشيوعية . أحاطت بها من الخارج العفاريت الثلاثة الشيوعية ، الصهيونية ، والعفريت الأعظم ( الاستعمار)العتيق الجديد . ومن الداخل اختلاف كلمتها وتضارب بعضها ببعض ، وفساد اخلاقها الى حد بعيد .
إذن ، فمن له ادنى وقوف على ما نحن فيه من هذه الظروف اذا نظر الى ما نفتته براعتي في هذه الصحائف ، لا يشك ان ذلك لم ينبعث إلا عن زفرة قلب مشتعل ، وفورة
بركان ملتهب يقذف الحمم جمراً ، ويرمي باللهب قسراً.
زفرات حرية بأن تكون حرى ، لا يستطاع امساكها ولا استدراكها . وكيف يستطيع الغيور ، الصبر على هذه الأمور ، وهو يرى بلاده نهباً مقسماً ، وأمته للأعداء مغنما ، والمسلمون صاروا أذل من اليهود بل فريسة لهم،ومع هذا كله ، فما أردنا أن نخدش عاطفة ، أو نمس كرامة أو ننال أحداً بسوء.
نعم ما أردنا فيما أوردنا إلا النصيحة ، وما بعثنا عليه إلا الاخص في أداء رسالتنا ، والقيام بواجبنا ، وخروجاً عن عهدة المسؤولية يوم الحساب كي لا يقال لماذا لم تأمر بالمعروف وانت تعرفه ولم تنه عن المنكر وانت تبصره . وها أنا ذا قد وقفت على عتبة الثمانين ، وأخذت أهبة الراحلين غداً أو بعد غد ( وما أنا إلا هامة اليوم أو غد ) . وقد انهكت كل قواي الأيام والآلام ،
ولم يبق من متع حياتي إلا آلامي وأقلامي ، عساني انتفع بالأولى وانفع أُمتي بالثانية.
واذا كان في البيان ، بغض الاحيان ، خشونة ، أو في المقال شدة ، فإن الأعمال بالنيات ، والعبرة بالمقاصد ، لا بظاهر الكلمات . ولعل هذه الكلمة الناعمة ترفع تلك الخشونة ، وتلين بها تلك الشدة . فما قصدنا إلا الخير . ولا أردنا إلا المجد والمنعة ، والعلو والرفعة والنصيحة الخالصة ، لا لبلادنا ( العراق ) فحسب، بل لما هو أوسع من سائر أوطاننا العربية المجاورات لنا ، العزيزات علينا كالأردن والكويت والمملكة العربية السعودية ، وما اليها من لبنان وسوريا ومصر واليمن ، بل وما بعدت المسافات بيننا وبينهن وهي منا ونحن منها ، ديناً ولغة واخلاقاً وأعرافاً ومحنة ، كتونس والجزائر ومراكش وليبيا ، بل وعامة الممالك الاسلامية التي تشاركنا في الدين كما تشاركنا في الابتلاء كإيران والافغان والباكستان واندونيسيا .
ولو أن هذه الشعوب والممالك اخلصت الله نيتها ، واحكمت وحدتها ووحدت كلمتها ، وسحقت الأطماع، تحت بروق المطامع ، وان الاتحاد قوة ، والاجتماع ثروة .
لو انها صنعت ذلك عن جد وحقيقة ، لجعل الله منها قوة هائلةتخضع لها جميع دول الدنيا كما خضعت للاسلام من قبل
والدول الغربية عرفت ذلك حق المعرفة ، فأخذت تعمل كل ما في امكانها من التدابير ، وأمعنت في الدول الاسلامية ، والشعوب العربية تفريقاً وتمزيقاً ، ووضعت الحدود والقيود وفرقت بين المرء وزوجه ، والأخ واخيه ، والولد وأبيه ، فكيف لا تفرق بين أُمة وأُمة ، ودولة ودولة ؟.
أما آن لهذه الحكومات والشعوب أن تستيقظ من رقدتها، وتنشر من موتتها ، وتتدارك أمرها . أما أيقنت وأذعنت ان هذا الاستعمار الأعمى الظالم ، بل المجنون العارم ، يستحيل التخلص منه إلا بالاتحاد العميق ، والاتفاق الوثيق ، وان تكون تلك الدول كأجسام فيها روح واحدة ، ولكل واحدة التمتع بوحدتها واستقلالها مع انضمامها الى اخواتها في سائر احوالها . بهذا حياة هذه الشعوب والدول ، وإلا فالى الهلاك مصيرها لا محالة . ولا أقل أن يحصل للدول العربية أو لشعوبها الوعي الصحيح الذي يدفعها للعمل الجدي والمجدي الموصل للغاية المنشودة من حرية وتقدم واستقلال واتحاد وما ذلك على الله بعزيز.
«رَبَّنَآ هَبِّ لَنَا مِنْ لَدُنْکَ رَحْمَةً وَهَیِّء لَنا مِنْ اَمْرِنا رَشَداً».
كتب سماحة الامام دامت بركاته هذا الجواب الذي قد فاض به قلمه فأبدع فيه بحقائق راهنة وأسرار عن الوضع العراقي كامنة وما تبيت له الدول الصديقة من البوار والتدمير والخداع السافر المكشوف من الدولتين الصديقتين امريكا وانكلترا وفضح ( أيده الله ) تلك السياسة الغاشمة بأجلى بيان ، وأوثق برهان.
نعم كتب كل ذلك على عادته من الترسل في الكتابة والخطابة من دون وقفة وأناة بل على جري القلم وعفو الخاطر وحضور البديهة مرتجلاً ، بلا تجديد مراجعة في كتاب أو صحيفة أو مقال مما يناسب هذه المواضيع التي تطرق اليها . ولذا ربما يفوته بعض ما يناسب المقام مثلاً لم يذكر الأدلة التي تبرهن على سياسة حكومة امريكا العدوانية ، وسعيها الحثيث لاشعال نار حرب عالمية ، لاطماع وأهداف وهمية وهي دحر الدول الشيوعية ، والسيطرة على العالم.
ونحن لا ننكر ان الدول الشيوعية لها أهداف توسعية ، ولكن المتابع لتصريحات زعماء الدول الشيوعية ، يظهر له أنهم لا يريدون الوصول الى غايتهم عن طريق اعلان حرب عالمية لما
فيها من خطر عظيم على الانسانية ، بل عن طريق الثورات الداخلية والتوسع التدريجي.
وعوضاً عن اتخاذ امريكا أساليب مماثلة فتجلب اليها ود الشعوب وصداقتها بالمعاملة الحسنة والنية الصافية ، نجدها تتفق مع الدول الاستعمارية القديمة في اتباع سياسة المكر والخداع البالية التي اصبحت سياسة غير مجدية ازاء يقظة الشعوب.
وتستعد في نفس الوقت لشن حرب عالمية عوضاً عن اصلاح الشؤون الداخلية للشعوب.
والى القارىء أهم الأدلة التي تثبت استعداد امريكا لاعلان حرب عالمية :
(1) التصريحات الكثيرة التي أدلى بها كبار رجال السياسة الامريكية موضحين استعدادهم للحرب العالمية.
ومن هذه التصريحات ، ما نقلته صحيفة الحياد العراقية ، تصريح المستر دالس وزير الخارجية الامريكية في السابع عشر من كانون الثاني سنة 1954م. عن الاستراتيجية الامريكية الجديدة ( ان القرار القاعدي هو الاعتماد بصورة اولية على قابلية عظمى للانتقام في اللحظة والحال ) .
وبعد ذلك وضح نائب رئيس الجمهورية المستر نيكسون هذه الخطة بقوله : ( اننا تبنينا مبدأ جديداً ، فبدلاً من ان نترك
الشيوعيين يخزوننا وخزاً حتى نموت في طول العالم وعرضه بحروب صغيرة ، فإننا سوف نعتمد في المستقبل على قوانا الانتقامية الهائلة الاجماعية المتحركة ) .
واذا كان المعنى الظاهري للانتقام هو الدفاع عند حصول اعتداء. ولكن المقصود الحقيقي هو الاستعداد لحرب عالمية والانتقام من سياسة الدول الشيوعية ( اثارة الحروب الصغيرة ) باعلان حرب عالمية.
(2) سعي امريكا لبعث العسكرية الالمانية واليابانية ، والاهتمام بالاحلاف العسكرية في الشرق الاوسط والشرق الاقصى ولو كانت خطة امريكا خطة دفاعية لتساهلت في حل المشكلة الالمانية لأن خطر بعث العسكرية الالمانية على أمن العالم جلي لكل انسان حيث قامت باعلان حربين عالميتين.
(3) الاكثار من صنع القنابل الذرية والهيدروجينية وهي وسائل هجومية وليست وسائل للدفاع لأن وسائل الدفاع كما هو معلوم الملاجىء والطائرات المقاتلة والمدافع المضادة للطائرات والرادار وغيرها .
( 4 ) اتخاذها موقفاً صلباً ازاء المشاكل الدولية ولم تقدم خطوة واحدة لتخفيف التوتر الدولي .
ان سياسة امريكا الخارجية بعيدة عن المنطق السليم ،فهي سياسة ذات طرف واحد تلاحظ مصلحتها القومية بدون
ان تلاحظ مصلحة الدول والشعوب الأخرى.
ومن الأدلة على ذلك عدم الاعتراف بحكومة الصين الجديدة وموقفها من المشكلة الالمانية ، وموقفها من قضية فلسطين.
وتأييد الاستعمار الانكليزي والفرنسي والهولندي وغير ذلك ، اميركا اعترف باسرائيل وتمدها بالمال والسلاح وتعتبرها حكومة شرعية ، ولكن ما اعترفت بحكومة الصين الجديدة لأنها جاءت عن طريق الحرب والثورة .
نعم توافقها على ذلك . ولكن حكومة الصين لم تحتل ارضاً اجنبية ولم تشرد سكان قطر آخر ، واعترفت باسرائيل الدولة التي صنعت كل المخالفات.
وعندما تعالج امريكا موضوع الحرب والسلم تعالجه على اساس بعيد عن المنطق والواقع بل تعالجه حسب مصلحتها. فهي لا تنظر الى الظروف الاجتماعية والتاريخية المعقدة التي تنشأ فيها الحرب وتتجاهل وجود حرب عادلة . للدفاع عن النفس ، أو المطالبة بحق مغتصب أو اصلاح اجتماعي ، وتتعامى عن وجود حروب اعتدائية غاشمة . وكأن امريكا نست حربها مع انكلترا في سبيل الاستقلال.
وعندما يدعو ساسة دولة امريكا الى السلم ، يقصدون به السلام المطلق في كل مكان وكل زمان . ومعناه استسلام
الدول لسياسة امريكا وأهدافها الاقتصادية ، ودوام الاستعمار والاستغلال والاستعباد ، والظلم والاضطهاد، ولا يعم السلام المطلق إلا عندما تتحرر الشعوب ويتم العدل والانصاف ويزول الاستعمار والاستغلال .
نعم يدعو ساسة امريكا دائما الى السلم المسلح وليت شعري متى كان التسابق على التسلح في التاريخ طريقاً للسلم . ان التمادي في التسلح يؤدي حتماً الى الحرب . ان روح المحبة والتعاون والمسالمة والمفاهمة ، في المجتمع البشري ، دائماً هي طريق الخير والسلم وازدهار المدينة والعلم.
كما أشرنا الى وجود حروب عادلة وحروب اعتدائية في التاريخ ، لا ننكر عدالة التسلح لرد الاعتداء ، ولكن لا نستطيع ان نحكم ان دولة امريكا تريد التسلح للدفاع ، بل
القرائن تدل انها تريد التسلح للحرب والاعتداء كما مر .
وفي العصر الحاضر الذي نما فيه وعي الناس وعقولهم وافكارهم بفضل تقدم العلوم الاجتماعية ، في هذا العصر الذي تضخمت فيه وسائل الحرب الى النهاية العظمى ووصلت حد الخطر لذلك من الأفضل الآن للدول اتخاذ سبيل المحبة والاخاء ، وترك الاعتداء . والواجب على الشعوب ان تجير حكوماتها لقبول هذا السبيل الوحيد لانقاذ الانسانية من الاخطار المقبلة . ان جميع الشعوب في العالم الآن تكافح كفاحاً
شديداً لا فتور فيه ولا كلل في سبيل السلم . ان الشعوب ضجت من الآلام والمآسي والمظالم في الحرب والسلم وتريد انهاءها.
ان الشعوب مؤمنة بقدرة العلم على خدمة الانسان اذا توجه الى تلك الجهة . ان الشعوب تريد الأموال الطائلة التي تصرف على السلاح أن تحول الى الغذاء والكساء والدواء والبناء والكتب والمختبرات والمدارس والمستشفيات.
نجد ساسة دولة امريكا تارة يدعون الى السلام ويعنون السلام المطلق ، وتارة يدعون الى السلم المسلح . ولكن احياناً تضيق نفوسهم من الكتب فيكشفون عن نواياهم ويصرحون ان لا حياة لهم بدون الحرب وان الحرب الثالثة واقعة فعلاً في كوريا وفي الهند الصينية والأصح ان يقولوا انها واقعة فعلاً في كل مكان من العالم ، في كل مدينة وفي كل قرية من قراه ، وفي كل مزرعة ، وفي كل بيت من بيوته . الكل يصيبهم شرر من الحرب الحارة في كوريا والهند الصينية ، وضرر من الحرب الباردة الموجودة في كل اصقاع العالم ()(1)
(1) السلم المسلح : وتروج له حكومة أمريكا والاحزاب الموالية لهما في انكلترا وفرنسا والبلاد الأخرى. وتقصد به الاستمرار في التسلح لردع الاتحاد السوفياتي عن التوسع أو الهجوم. (2) السلم العالمي : وتتبنى هذه الدعوة الاتحاد السوفياتي والصين والحكومات الموالية =
1) ()توجد في الوقت الحاضر ثلاث دعوات في العالم ذات صلة بالسلام :
هذه سياسة حكومة امريكا الخارجية ، اما سياستها الداخلية فإنها قد تركت المجال لعدد قليل من الشركات الكبرى لا تتجاوز المائة ، تتحكم في حياة البلاد الاقتصادية . وغضت النظر كما مر عن اضطهاد الزنوج ، وتهاونت في حفظ الأمن وسلامة اموال الناس وارواحهم واعراضهم .
فقد ذكرت بعض المصادر الموثوقة ( ان مليوني حادثة انتهاك عرض فتاة وامرأة تحدث سنوياً في شوارع امريكا غير (1)
(3) الحياد : والمقصود به عدم الانحياز الى احد الطرفين المتنازعين أو الارتباط به بمخالفات عسكرية ، وعدم التفكير في دخول الحرب العالمية ان حدثت وصرف الأموال على الاصلاحات الداخلية بالدرجة الأولى .
واذا اجتاح احد المتحاربين البلد المحايد يقف الشعب موقفاً سلبياً لا يتعاون مع الجانبين. وهذه الفكرة في الحقيقة منبثقة من الدعوة الى السلم العالمي ومرتبطة به وان اختلفت عنها قليلاً ، لأن وقوف عدد كبير من الدول على الحياد يثبط عزم امريكا في اعلان حرب عالمية ويفسد عليها خططها ويقوي الجبهة الداعية الى السلام بينما تضعف الجبهة الأخرى لأن المهاجم يحتاج الى تحشيد القوى أكثر من المدافع وعند اعلان حرب عالمية من الناحية العسكرية يكون موقف امريكا موقف المهاجم مع
حلفائها .
وتتبنى هذه الدعوة في الوقت الحاضر حكومة الهند وبورما واندونيسيا وتؤيدها الشعوب الاسلامية والعربية .
1) =لهما. وتؤيد هذه الدعوة الاحزاب الشيوعية الاشتراكية في العالم الرأسمالي وتؤيدها بعض الأحزاب الديمقراطية والحزب التقدمي في امريكا وعدد كبير من المستقلين في جميع انحاء العالم ، ويقصد به عدم حدوث حرب عالمية بين الاتحاد السوفياتي والدول الموالية له من جهة ، وامريكا وحلفائها من جهة اخرى واللجوء الى التفاوض والتسامح في حل المشاكل الدولية.
المضاءة اضاءة حسنة).
«وتدل الاحصاءات الرسمية لعام 1952 ، م . ان 7310 اشخاص قتلوا و 58140 سرقوا » .
ونلفت نظر القارىء الى ان سماحة الامام دامت افاضاته لم يقصد من طعنه في سياسة دولة امريكا ، بث روح العداء لها بل لعله يقدر ما لها من ثقافة وصناعة وغيرهما.
ولكن الغرض من ذلك حث الشعوب العربية والاسلامية والهند المحايدة لمقاومة تلك السياسة ، فتضطر امريكا اخيراً التغيير سياستها ، واتباع سياسة صحيحة تستهدف التعاون والتقارب مع جميع دول العالم وحفظ استقلالها ، لأن ذلك أجدى في مكافحة الشيوعية.
وبالختام نسأل الله للشعوب الخير والهدى والسعادة.
وكانت قد وردت بعد ذلك الكتاب برقية مسجلة جوابية من نيويورك من صاحب الكتاب المتقدم اليك ترجمة نصها : شيخ . محمد الغطاء - النجف - بغداد.
اشارة الى دعوتكم في 15 مارس للاجتماع الديني في لبنان نرجو باحترام الاجابة برقياً عن عزمكم .
من نيويورك :
هوبكنز
الجواب : - لا نستطيع الحضور . بالأسف . نشكركم .
كاشف الغطاء
بِسْمِ اللّه ِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ
فخامة رئيس وزراء الباكستان الاستاذ محمد علي دام عزه.
بعد السلام عليكم والدعاء لكم بالخير والسلامة والتوفيق والكرامة نبدي لمقامكم ان الدولة الباكستانية المحترمة هي دولة اسلامية وباسم الاسلام نشأت وتكونت فهي أحق الدول الاسلامية بأن ترعى وتراعي الشؤون الاسلامية والشعائر الدينية . والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم : «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ» . ولا شك ولا اشكال في ان دولة امريكا قد حادت الله ورسوله وحادت عن جادة العدل والانصاف بالظلم والاعتساف على خصوص العرب وعموم المسلمين وغصبت منهم فلسطين واعطتها لليهود
ولا تزال تمدهم وتساهم بالسلاح والعتاد عدا الأموال فلا يليق ولا يناسب من مثل دولتكم المسلمة أن ترتبط بدولة امريكا بمعاهدات وخصوصاً معاهدات عسكرية . فإن هؤلاء القوم رؤوس الاستعمار الموجب للبوار والدمار ، وادخال الخزي والعار . فنحن نعيذكم بالله من مخالفة جمهور المسلمين والله يحفظكم ويرعاكم بدعاء.
20 ج 1 - 1373
بدعاء محمد الحسين
آل كاشف الغطاء
في جامعة برنستون
في خلال شهر أيار سنة 1953 ميلادية قدم الى العراق الدكتور فيليب حتي المؤرخ العربي والاستاذ في جامعة برنستون موفداً من الجامعة وسلم الى سماحة الامام كاشف الغطاء رسالة من الدكتور بيارد ضودج يدعوه الى حضور مؤتمر الثقافة الاسلامية وعلاقتها بالعالم المعاصر ، يعقد من 8 - 17 أيلول 1953 في جامعة برنستون وفي مكتبة الكونغرس في واشنطن
من 17 - 19 أيلول . فأعتذر من الاستاذ حتي عن الحضور .
كما اعتذر عن الحضور في هذا المؤتمر.
لقد قابل جمهور الشعب في البلاد العربية والاسلامية ، والزعماء المخلصون الكتاب بارتياح عظيم ، واعتبره الناس معبراً عن شعورهم وآلامهم ، وممثلاً لآرائهم ومصالحهم.
وقد نوه عن الكتاب عدد كبير من الصحف العراقية واللبنانية بما يستحقه من الاطراء منها : الاستقلال ، وصوت الاهالي ، والاخبار والزمان والشعب والحساب والوادي في العراق . والعرفان والهدف والتلغراف وبيروت المساء والصرخة في لبنان .
ووردت الى سماحة الامام تحارير كثيرة وبرقيات يبدي اصحابها سرورهم لصدور الكتاب واستحسانهم موقف سماحته المشرف من المستعمرين، واعجابهم ببلاغة بيان سماحته ، واصالة واصابة الآراء التي أبداها سماحته بصراحة ووضوح .
وتقدم الى القارىء بعض تقاريظ الصحف ونصوص
بعض الرسائل الواردة . وسوف ننشر البعض الآخر في المستقبل.
في هذا الواقع المرير الذي تتخبط فيه البلاد العربية بعد ضياع فلسطين ، توسعت هوة الاستعمار وصارت كل دولة تحاول شراء الضمائر الرخيصة لتستعمر بلادنا بالطرق الخفية .
وحلت أمريكا بعد انكلترا في هذا المضمار . فعدا محاولاتها الاستعمارية العديدة من سياسية واقتصادية لجأت الآن الى استعمار جديد فدعت فريقاً من رجال الدين من مسيحيين ومسلمين الى مؤتمر عقد في (بحمدون ) من أجل بحث القيم الروحية الموحدة بين الديانتين وطرق مجابهة الشيوعية ، وقد تلقى سماحة الامام كاشف الغطاء دعوة لحضور هذا المؤتمر غير انه اعتذر وفصل أسباب ذلك في كتاب ما لبث ان اخرجته المطبعة حتى انتشر في العالم العربي انتشاراً كبيراً للجرأة والصراحة ومجابهة الواقع التي تظهر من قراءة هذا الكتاب.
ومهما بالغ الكاتب في اطراء كتابة الامام كاشف الغطاء فإن القلم ليعجز عن ايفاء ما امتاز به رده اذ جاء مفصحاً لا يقبل زيادة المزيد ووضع النقاط على الحروف بفضحه اسرار المستعمرين وأساليبهم الخداعة.
وخوفاً من أن يضيع وقت القارىء فإني أضع أمامه بعض
ما جاء في الكتاب من الحقائق الراهنة(1).
وجه رئيس جمعية اصدقاء الشرق الأوسط الامريكية دعوة لعقد مؤتمر في ( بحمدون ) في الثامن والعشرين من هذا الشهر ، يحضره خمسة وعشرون من رجال الدين المسلمين ومثله من المسيحيين ، وذلك للبحث - كما قيل - في تعبئة القوى الروحية في العالم ضد القوى المادية المنبعثة من روسيا ، أو كما ورد في الكتاب الذي وجهه نائب رئيس جمعية اصدقاء الشرق الاوسط الى المدعوين :«البحث في النواحي الروحية والقيم المثلى التي وردت في تعاليم الدين وتبيان عقم الفلسفة المادية والفانية»! . هذا وقد جاء في هذا الكتاب أيضاً :« أن للديانتين الاسلامية والمسيحية أهداف واحدة...كما ان لهما اعداء مشتركة ، ومن بينها المغريات الدنيوية ، والاغراض المادية ، ثم الشيوعية»!!! ثم يروح الكتاب يتحدث عن القيم الروحية في الديانتين ، والطرق العملية لنقل هذه القيم الى الجيل الحديث ! ويرشده الى ثلاثة من ( اصدقاء ) هذه ( الجمعية ) ! للاستفسار ، وهم السادة : الدكتور محمد فاضل الجمالي ، وعبد الله بكر ، وموسى الشابندر ! وأخيراً يعرب.
1) « العرفان» لصاحبها الاستاذ احمد عارف الزين . العدد 7 أيار 1954 .
الكتاب عن استعداد الجمعیة(لتغظیة التفقات)!
لقد كان الرد الذي وضعه سماحة العلامة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ، الذي ضمنه في كراس يقع في (61) صفحة لطمة عنيفة لهذا المؤتمر ، وللداعين له، ولمؤيديه ولجمعية الشرق الأوسط واصدقائها وجواسيسها... ولقد كان في الحق رداً رهيباً مخرساً لا يجادل ولا يجاري...
فمتى كان للامريكان وأصدقائهم الانكليز ، قيم روحية ومثل عليا ؟! ولماذا هذا الحرص على تعاليم الدين ، ونحن نعلم عن تجربة مرة المذاق ، ان ليس للاستعماريين الامريكان والانكليز دين ولا ذمة ؟ ! .
ولماذا هذا التزهيد في ( المغريات الدنيوية ) ! و ( الاغراض المادية ) ! ونحن أعلم الناس بجشع وشره هؤلاء الامريكان والانكليز المتباكين على الدين والمتشبثين عبثاً بقيم الدين وتعاليم الدين !
لئن كان الامريكان والانكليز زاهدين حقاً في ( المغريات الدنيوية ) و ( الأغراض المادية) فلماذا ينهبون نفطنا وتمورنا وحاصلاتنا وأقواتنا ؟؟! لماذا يقتلون عمالنا في شركاتهم النفطية عندما يطالبون بزيادة اجورهم لبضع فلوس ؟! لماذا يفرقون اضراباتهم بالدم، ويطردونهم جملة وافراداً ويعرضونهم في عقر دارهم الى التشرد والجوع والشقاء ؟! لماذا هؤلاء الامريكان
والانكليز ( الزاهدين في الدنيا) يغزون بلادنا ، وغير بلادنا ببضائعهم وشركاتهم وبنوكهم ورؤوس اموالهم ، واخيراً بجيوشهم وطائراتهم ودباباتهم ، ودسائسهم ومؤامراتهم وجواسيسهم وخبراتهم وشرورهم وآثامهم ؟!.
انهم يفعلون ذلك لأنهم بطبيعة الحال (اصحاب قيم روحية ومثل عليا ) لأنهم( متمسكون بتعاليم الدين ) ! لأنهم زاهدون في هذه الدنيا الزائلة الفانية بمغرياتها!.
انها لأعجوبة الزمان ان تنقلب «الضواري » الى «حملان» ! وان تتحول المستعمرات بين عشية وضحاها الى صوامع للعبادة وأديرة لرهبان الشركات الاحتكارية ودراويش
الاستعمار.(1)
صدرت الطبعة الثانية من هذا الكتاب الرائع الذي ألفه سماحة الامام المصلح الكبير محمد الحسين آل كاشف الغطاء وتمتاز هذه الطبعة عن سابقتها باضافة مواضيع جديدة خطيرة نلفت اليها الانتباه كموضوع الاسلام والسلام وموضوع مؤتمر بحمدون وكيف تحل مشكلة فلسطين ، وطاعة الرغبة ابقى من
1) «الوادي» للاستاذ خالد الدرة . العدد 7 السبت 1 مايس 1954.
طاعة الرهبة والنصح والارشاد لدفع الشر والفساد ، كما تضمنت كلمة الناشر كلمة عن الحرب والسلم ويلاحظ من هذه الابحاث ان هذا الكتاب من الكتب النفيسة التي تستحق الدراسة.
ان من يطالع هذا الكتاب يحس بتدفق دماء الشباب المصلحين والغيرة الوطنية الصادقة ، حتى ان هذا الشيخ الجليل ذكرنا بأسلوب مجلتنا (الوادي) ( في شبابها بل وأعاد إلى أنفسنا الحنين الى ذلك الاسلوب الجريء في محاربة المستعمرين وأذنابهم.
ان تأليف مثل هذا الكتاب من قبل العلامة كاشف الغطاء ليبعث الأمل الى النفوس بأن الكرامة الوطنية لها ركائز باقية فوق تربة الوطن . وان روح جمال الدين الأفغاني لم يمح أثرها من عقول بعض رجال الدين ، وان الوطنية يمكن بعثها شاملة ما دام أمثال العلامة كاشف الغطاء يمسك بمشعلها ليحرق به الاستعمار واوكار المستعمرين والخونة والمارقين (1).
من بشائر نمو الفكرة الحيادية ودلائل مقت الاستعمار
1) الوادي للاستاذ خالد الدرة . العدد 10 السبت 15 مايس 1954.
الغربي ومقاومة مظالمه في البلاد العربية والاسلامية ان يلقى هذا الرواج كتاب ( المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون ) الذي وضعه سماحة الامام المصلح الكبير الحجة محمد الحسين آل كاشف الغطاء رداً على الدعوة التي تلقاها من نائب رئيس جمعية اصدقاء الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الامريكية ، ذلك الرد المفعم بالحقائق والوقائع والبراهين والذي فضح فيه جرائم الاستعمار الانكلو اميركي ، وهتك ستر هذا المؤتمر الاستعماري وما فيه من أحابيل لاصطياد عقول المسلمين فقد نفذ هذا الكتاب القيم خلال بضعة أيام وأعيد طبعه مرة ثانية بزيادات كثيرة جداً استوفى الموضوع من جوانب اخرى ذات أهمية بالغة ، ولا شك ان نصيب هذه الطبعة سيكون النفاد السريع لخطورة الابحاث التي عالجها سماحة الامام المصلح بروح يتجلى فيها الصدق والاخلاص والحماس.
فنحن لا يسعنا إلا حث القراء على اقتناء هذا الكتاب لتنوير أذهانهم ومعرفة المكايد الاستعمارية واعمال الدول الغربية الجائرة .(1)
1) «الحياد» للاستاذ صادق البصام . العدد 126 تاريخ 24 مايس 1954.
الهيئة العربية العليا لفلسطين
القاهرة
التاريخ 22 رمضان 1373
25 مايو 1954
بِسْمِ اللّه ِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ
حضرة الكريم الفاضل الشيخ شريف كاشف الغطاء حفظه الله تعالى.
النجف الاشرف - العراق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ، فقد حمل الَّي البريد هدية قيمة من مكتبة حضرة صاحب السماحة الأخ الأجل العلّامة حجة الاسلام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء حفظه الله وأدام النفع به . وهي رد سماحته البليغ على دعوة مستر غارلند ايفانز هوبكنز لعقد مؤتمر في ( بحمدون ).
وقرأت بكل عناية رسالة سماحته وتتبعت أجوبته السديدة المحكمة ومناقشته الهادئة القوية لموضوع دعوة هوبكنز التي حاول الأجانب أن يموهوا بها على المسلمين ويتخذوا من اجتماع بحمدون وسيلة لتحقيق أهوائهم وأغراضهم وقد كان رفض سماحته للدعوة وتصديه للرد على القائمين بها بما ينير الاذهان
ويجلو الشكوك والريب وتقديره للحقيقة الناصعة والآية الساطعةوهی ان المثل العليا هي دائماً وابداً في الاسلام دين الله القويم وصراطه المستقيم - قد كان عملاً عظيمًا صاحبته التوفيقات الربانية والنفحات السماوية العلوية . واني اذ أشكركم خالص الشكر على اتحافي بهذه الرسالة القيمة ارجو أن تتفضلوا بابلاغ أذكى سلامي وعميق شكري وعظيم احترامي لسماحة مولانا الأخ الجليل حجة الاسلام ، وأختم كلمتي بالدعاء الى الله عز وجل أن يشمله بعنايته ويتولاه بكريم فضله ورعايته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
مفتي فلسطين
محمد أمين الحسيني
دیوان رئيس الجمهورية
986
الى السيد محمد الصلوات مدير مكتبة سماحة الامام كاشف الغطاء العامة . في النجف الاشرف بالعراق .
تحية طيبة :
وبعد لقد وصلتنا النسخة التي تفضلتم بأهدائها للسيد اللواء أركان الحرب محمد نجيب رئيس الجمهورية من كتاب (المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون ) بقلم سماحة الامام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء دامت بركاته . وقد رفعنا هذه النسخة الى سيادة الرئيس فنالت لديه حسن القبول . واني اذ أبلغكم شكر سيادته وأطيب تمنياته مع بالغ تقديره لآراء سماحة الامام كاشف الغطاء أرجو التفضل بقبول أسمى تحياتي .
16 مايو 1954
قائمقام . ا . ح
حسن کامل
مدير مكتب رئيس الجمهورية
5/1/ 1954 الشامية
سماحة العلامة الكبير محمد الحسين آل كاشف الغطاء المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ، فقد يدهشكم هذا الاسم الغريب الذي لم ترتبطکم به سابق معرفة ، ولكن لا بأس ، قليلاً من وقتكم الثمين ، لمطالعة هذه السطور التي اجبرت على كتابتها اثر قراءتي لكتابكم القيم : «المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون» ولا اكتمكم الحقيقة ، فقد وجدتني أهتف خلال مطالعتي اياه وبصوت مسموع : «مرحى مرحى» ولم أكن أعلم انني جالس في مقهى ، وان عيوناً مجرمة تراقبني وتحصي حتى الزفرات المخلصة لكل شخص شريف.
سيدي :
كتابكم هذا سيف بتار أشهر في وجه الطغيان ، فعلام كان مغمداً من قبل ، تمنيت من صميم قلبي ، لو خضتم المعركة مع آلاف المجاهدين من ابناء هذا الشعب الذي يجرع الظلم والاستهتار كؤوساً مرة.
تمنيت لو ان علماء الدين عملوا بقوله (صلی الله الیه وآله وسلم) : « مَن رَأی مِنکُم مُنکَراً فَلْیُغَیِّرْهُ بِیَدِهِ ، ومن لَم یَستَطِعْ فبِلِسانِهِ» ، أليس
علماء الدين خلفاء الأنبياء وحاملوا علم الجهاد من بعدهم ؟؟.
لقد حارب الأنبياء والمرسلون بكل قواهم ، وخاضوا المعارك بأنفسهم ، فأدميت أجسامهم الطاهرة، وشجت جباههم بسهام الطغاة ، وسفهت دعواتهم ووصموا بكل شيء مقذع من الأقاويل الباطلة ، ولكنهم كانوا أقوى من الأعصار وأمضى من الاقدار ، وساروا يحدوهم الحق ويدفعهم صالح الجميع الى حيث شيدوا بأيديهم الطاهرة بناء راسخاً وطيداً.
مولاي :
انتم وزملاؤكم من العلماء الأبرار ، كان عليكم أن تخوضوها بكل قواكم فأما الى موتة مشرفة ، وأما الى حياة كريمة ، وأؤكد لسماحتكم ان ملايين من الناس الطيبين من عامة الشعب، من بسطائه ، عمالاً وفلاحين ، وكسبة ومثقفين ، ان ملايين من هؤلاء ستشد أزركم ، وتندفع ورائكم لا يوقفها سوط الظلم مهما يكن قاسياً.
وعلى كل حال ، وبعد خروج كتابكم هذا الى حيز الوجود وجدته شيئاً قيماً جداً يستحق الاكبار والتعظيم ويشهد الله اني اشتريت عدة نسخ من جيبي الخاص لأوزعها على الناس المتلهفين ، كما توزع أرغفة الخبز على الجياع.
سيدي :
تمنيت لو كان عندي غير كلمات الاطراء والثناء،
لاجازي فضلكم فقد ألهبتم عواطفكم الشريفة ، في سبيل اضاءة الطريق ، طريق اعلاء كلمة الحق ، التي اصبحت في بلادنا مسكينة مضطهدة فمن قال الحق كان من المغضوب عليهم ، ومن تكلم العكس ربت على كتفه ، ذلك ما شاهدته بعيني ، وخبرته بنفسي ، إلا ان الله تعالى وهب ولا يزال يهب عقولاً جبارة وهمًما قوية ، تحارب الطغيان ، وترفع البشر من حضيضه الذي يعيش فيه الى مقام أسمى ، فالتاريخ يذكرنا بأن أعناق الظالمين قد دقت ، وأن بروجهم قد دكت ، مما يجعلنا نزداد أيماناً ونتعظ ، وننفض عنا غبار القنوط ، وتتحرك لا بأرجلنا فقط وأنما بأفكارنا وعواطفنا.
سيدي :
لقد بلغت القمة بكتابك ، وقد احتللت من نفوس الناس خیر مكان ، ان آراءك التي بينتها وأقوالكم التي رددتها قد فتت الصخر وأذابت الحديد ووهبت الجماد روحاً ، ولئن كان الفيضان في حدة هذه السنة قد شرد آلاف الناس ، فإن سيلك قد أنعش آلاف الأرواح التي عانت الأمرين من السكوت عن الحق والتغاضي عن المنكر .
وختاماً اليكم تحياتي العطرة ، واحتراماتي العظيمة ،راجياً من الله ان يجعلكم سنداً للخير ولساناً للحق ونوراً يستضاء به والله من وراء القصد ، والسلام عليكم.
أحد الأدباء
بغداد في 1954/5/13
سماحة الامام المصلح الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء دامت بركاته.
بعد تقبيل أياديكم الكريمة.
أرجو ان تكونوا في صحة جيدة وبعد فقد وقفت على رسالتكم السامية المسماة ب- « المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون» ، فأكبرت ما رأيت فيها من روح ثائرة ووطنية صادقة واخلاص عميق يتجلى واضحاً في هذه الحملات العنيفة على الاستعمار الانكلو - امريكي وعلى أذنابه.
ولست أستكثر هذا من سماحتكم ، فقد كنتم ولا تزالون اليد العاملة واللسان الناطق والفكر المدبر وليس للعراق وحده بل للعالم الاسلامي من أقصاه الى أقصاه .
وقد لاقت الرسالة ما تستحقه من اكبار الناس واعجابهم في العاصمة وسائر المدن الأخرى. وكلي رجاء أن تكون هذه الرسالة فاتحة رسائل اخرى من هذا الطراز العالي الباني الموجه . وكلي رجاء كذلك ان تكون رعايتكم شاملة لشباب الجيل الطالع المنادي بالسلام والمفند لكل حركة استعمارية يراد منها ربط العراق بالعجلة الزاحفة عجلة الاستعمار البغيض.
ويسرني جداً ان يكون في كتابي هذا ما يتناسب ومقامكم
السامي ، وتفضلوا بقبول تهاني القلبية الخالصة .
وأقبل أياديكم الكريمة ثانية سيدي.
المخلص
السيد طالب الحيدري
الكويت في 1954/4/26
حضرة صاحب السماحة الشيخ محمد الحسين آل کاشف الغطاء المحترم .
تحية وبعد ،
لقد كان لموقفكم المشرف من المؤتمر الذي دعي لحضوره رجال الدين في البلدان العربية والذي تقرر عقده في بحمدون بلبنان . كان لموقفكم من هذه الحلقة من سلسلة المؤامرات الاستعمارية الامريكية في بلداننا أكبر الأثر وأعظمه في نفوسنا ، ونفوس جميع الشرفاء المحبين للسلم عندنا.
لقد قمتم على أثر توجيه الدعوة لكم من قبل اصحابها الامريكان بفضح نوايا المشرفين والموجهين لهذا المؤتمر . اولئك الذين يحاولون عبثاً تنصيب أنفسهم حماة للأديان السماوية في الوقت الذي تدل أعمالهم على عكس ما نادت به هذه الأديان ، فعبثاً يحاول ايزنهاور واتباعه مصاصوا دماء الأطفال
الأبرياء في كوريا ان ينجحوا في خدع الشعوب بتمويه حقيقتهم.
لقد عبرتم بموقفكم هذا عن رغبة شعوبنا العربية في التحررو والخلاص من شباك المستعمرين ومؤامراتهم . مما اجتهد هؤلاء في اخفاء حقيقتها واظهارها بالمظهر البريء .
فنحن اذ نحيي ونؤيد سماحتكم بأسم أنصار السلم في الكويت ، نحيي دفاعكم المجيد عن منزلة الأديان السماوية المنادية بالعدالة والسلم ، ونؤيد صلابتكم في تنزيه الأديان عن ان تكون وسيلة لذوي النوايا والأغراض السيئة . كما نهيب برجال الدين ان يكونوا على رأس جبهة النضال في سبيل السلم والتحرر الوطني . والسلام عليكم ورحمة الله.
عن اللجنة الوطنية
لأنصار السلم في الكويت
علي فارس
كان سماحة الامام قد أرسل حين انعقاد المؤتمر في بحمدون احد فضلاء لتوزيع نسخ من الكتاب على اعضاء المؤتمر وبعض الشخصيات اللبنانية وبعد ان قام بواجبه أرسل الكتاب التالي الى سماحته آثرنا نشره لأهميته.
سيدنا ومولانا حجة الاسلام سماحة الامام كاشف الغطاء دامت بركاته.
ألثم أناملكم الكريمة الطاهرة ، وألتمس أبر ادعيتكم ورضاكم .
يوم سعيد نلت فيه السمو والرفعة ، يوم تيسر لي أن أحظى بكريم عطفكم وفاضل عنايتكم وسامي ثقتكم الغالية بأن وليتموني شرف المساهمة في نشر رسالتكم العالمية التي أخرجتموها بعد جهد ، وبعد الشعور بالمسؤولية امام الله تعالى ، وامام هذا الشعب العربي الذي أصبح في وضع لا يحسد عليه ، وقد فسدت ضمائر ساسته ، ومتقلدي زمام امره . وأمام التاريخ الذي سجل لكم حياة ناصعة ، غنية
بالجهاد المقدس، والنضال الشريف في سبيل الاسلام واهله ، والذي ينتظر أن يسجل لكم صفحات خالدة من المآثر الزاكية ، والخدمات الجلية، والتوجيهات السامية ، والأعمال الموفقة لخير الانسانية المعذبة ، وتلبية النداء الواجب الديني ، ووحي الرسالة البشرية الملقاة على عاتقكم «اَللَّهُ یَعْلَمُ حَیْثُ یَجْعَلُ رِسَالَتَهُ».
سيدي : بعد التشرف بزيارة العتبات المقدسة في كربلاء وبعد مقابلتكم الموجزة التي انتهت بتوديعكم ، بعد التزود من فيض روحانيتكم المشرقة . وأخلاقكم السامية ونور ابتسامتكم التي أوحت لي بالعزم والثبات وارشاداتكم القويمة، وتوجيهاتكم الحكيمة المرفقة بالدعاء والرضا .
وفي مساء 4/23/ 1954 كنت في طريقي الى بيروت حيث دخلتها بتاريخ 1954/4/24 في تمام الساعة الواحدة والنصف ظهراً وما كانت هذه السرعة إلا للوصول في الموعد المفيد لنشر رسالتكم ، وفكرة الانتباه الى ما يرمي اليه دعاة المؤتمر من التضليل ، واستغلال بساطة رجال الدين ، وايمانهم الطاهر، للزج بهم في أتون هذه الحرب الباردة العالمية ، والسياسة الاستعمارية المجرمة من كلا الطرفين الشرقي والغربي، باسم الدين، وقيمه الروحية ، ومثله العليا ، ثم الاستفادة من القرارات التي سيتمخض عنها المؤتمر بصورة فتوى دينية لمحاربة القوى المادية الهدامة.
هذه القرارات التي ستتحول بفضل تحريراتهم وتأويلاتهم ، ودعواتهم العمل بروح النص الى فتوى صريحة لضرب الحركات التحريرية في العالم الاسلامي . ومحاربة كل فكرة وطنية تهدف الى الخلاص من الاستعمار ، وبناء كيان دولة وطنية مستقلة . والغاية من هذه الفتوى اضفاء الصفة الشرعية باسم الدين على اعمالهم الاجرامية من
سجن ونفي وقتل الوطنيين الاحرار في كل قطر اسلامي.
وبعد ساعة واحدة من وصولي تيسر لي الاجتماع ببعض قادة الحركة الفكرية في لبنان على اختلاف مذاهبهم الدينية وميولهم السياسية . وقد كان للصدفة الفضل في تيسير هذا الاجتماع. وقد وفقت في عرض وجهة نظر سماحتكم قبل توزيع الكراس. وفي ختام الأحاديث وتبادل وجهات النظر بحضور العلامة العلايلي الذي وصل متأخراً ، والدكتور سهيل ادريس . اطلعتهم على رسالتكم التي جاءت في كراس جواباً صريحاً فاضحاً لنوايا دعاة المؤتمر باسم الدين والقيم الروحية.
فكانت مفاجأة قوية ذات أثر فعال. هلل لها الحاضرون وباركوا هذا النتاج. وفي مساء ذلك اليوم كانت عدة نسخ منه بين يدي اثني عشر عضواً . أخذ كل واحد منهم زاوية هادئة ليقرأ ما تضمنه هذا الكراس من حقائق فاضحة ، وأبحاث واقعية ، وتوجيهات منسقة بحيث كانت
صفعة أليمة مني بها المؤتمر ، وكل من القائمين به والمؤيدين له ، والساهرين عليه . مما اضطر هيئة الادارة الى تحويل جلسات المؤتمر العلنية الى جلسات سرية لا يجوز لأحد دخولها إلا بأذن خاص . ولمن كان صريحاً في اخلاصه وحبه لفكرتهم .
وفي بيروت تناقلته الأيدي بعد ان وضعت تحت تصرفها عدة نسخ ، أهدي القسم الأكبر منها الى قادة الحركة الفكرية والسياسية ولرؤساء الاحزاب والشخصيات اللبنانية ، والعلماء الأعلام ورجال الدين.
وبعد مضي ثلاثة أيام على وصولي النبطية . ذهبت الى بيروت بغية الوقوف على مدى الأثر الذي تركه هذا الكراس ، الذي ظهرت نتائجه وفعاليته بين اعضاء المؤتمر انفسهم . حيث انسحب عضوان بارزان من المشتركين فيه . وهما سعيد رمضان رئيس الاخوان المسلمين في القدس، والشيخ مصطفى السباعي الذي عقد مؤتمراً صحفياً في المجلس النيابي اللبناني تحدث فيه عن هذا المؤتمر وغايته واهدافه الذي كشف عنها الستار بقوله : «كانت غاية المؤتمر انشاء جبهة لمكافحة معسكر معادٍ للدول الغربية ، مما اضطرنا الى السعي بقوة للحيلولة دون توجيه المؤتمر الى مقاومة أي معسكر وخاصة المعسكر الشرقي » . ثم أعقب كلامه هذا بقوله : « وقد جرت مناورات
ومؤامرات لتزوير قرارات المؤتمر في غفلة عن الأعضاء . وقد دفعتنا هذه المحاولات الى الاحتجاج والتهديد ومن ثم الى مراقبة القرارات بدقة خوفاً من التزوير وقد جعلنا انفسنا رقباء للحيلولة دون ذلك ».
وقد اضطر أعضاء ودعاة المؤتمر الى ابقاء القرارات سرية أثر الفشل الذي مني ، والحملة التي تعرض اليها وخاصة فكرة تحويل القوى الروحية في الأديان ، وتكتيلها للوقوف في وجه دول تعادي الدول الغربية ، والتستر بالقيم الروحية لاخفاء نوايا لا يعرفها إلا الله تعالى والراسخون في السياسة الاستعمارية .
هذا ما كان من أمر المؤتمر ونهايته الفاشلة. أما جهة كتابكم ورسالتكم الموفقة ، فقد تناولته الصحف في كثير من العرض والتعليق والتأييد ، وبعناوين بارزة ، ومقتطفات مناسبة .
*علقت ( الهدف) على ما تضمنه الكتاب واستعرضت الأثر الذي تركه تحت عنوان « الامام كاشف الغطاء عن مؤتمر بحمدون المسيحي الاسلامي » داخل اطار خاص يلفت النظر . وفي اليوم التالي اقتطفت منه عدة فقرات مناسبة.
*وتناولته جريدة ( التلغراف) في عرض جيد
وبأسلوب قوي ، وتقديم لبعض فصوله المهمة ، وقد أخذ هذا العرض ما لا يقل عن نصف الصفحة بستة أعمدة ، ختمته بقول احد رجال الدين الذين لا يؤمنون بمثل هذه المؤتمرات وهو يضحك مسروراً بملء فيه : «آل كاشف الغطاء كشف غطاءهم»
*واستوحى عبد الله المشنوق في « بيروت المساء» اثر اطلاعه على الكتاب افتتاحية قوية ، ففضح فيها دعاة المؤتمر وأهدافهم ختمها بقوله : « لقد باع رجال السياسة المسلمون دنياهم للحلفاء ، ونحن لن نذهب الى بحمدون لنبيع ديننا لأي كان» .
*وتناولت صحيفة ( الصرخة) الاسبوعية بالعرض والتعليق صدرته بهذه الكلمة : «نشر سماحة الامام محمد حسيين كاشف الغطاء من كبار علماء الاسلام في العراق كراساً خاصاً حلل فيه بالتفصيل ما تنطوي عليه الدعوة الى هذا المؤتمر من مآرب استعمارية مفضوحة ، وكشف القناع عن المدبرين الحقيقيين لمؤتمر بحمدون » . واقتطفت منه عدة فقرات تتناسب ودعوة الحياد ، وفصل كامل، عن وعي الشعوب وسياسة الحكومات في العالم العربي والاسلامي .
**بيان للمسلمين لحضرة صاحب الفضيلة العلامة الكبير الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء
اطلع القراء على ما نشرناه من قبل لبعض العلماء من استعظام مهمة التقريب وتوهم استحالتها. وقد جاد فكر الامام الكبير العلامة شيخ الشريعة وكبير مجتهدي الشيعة بهذا البيان الناصع ، الذي يفيض اخلاصاً وايماناً كما يفيض المعية وعلماً . ونحن اذ ننشره دفاعاً عن فكرة الحق ، وجمعاً للمسلمين على كلمة الايمان ، نسأل الله تعالى أن يطيل حياة الشيخ ويبارك فيها للاسلام والمسلمين .
«دار التقريب بين المذاهب»
قال دامت برکاته :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ
وصلني العدد الأول من السنة الثانية من مجلة رسالة الاسلام الزاهرة التي تصدرها جماعة دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة ونظرت حسبما سمح لي
الوقت والفراغ في أكثر ما نشره الاعلام فيه من المقالات فما وقع بصري منه إلا على النافع الشهي مما لذ وطاب ، من اقلام اولئك الكتاب ، بيد اني شعرت من بعض ما نشر في آخر هذا العدد وبعض الأعداد السابقة ، ان جماعة من ذوي الفضل لم يصلوا الى ما يهدف له اعضاء هذه الجماعة الأماثل ، وحيث ضلوا عن قصد السبيل ، وجدوا ان حصول غرض الجمعية من المستحيل . نعم انه لمن المستحيل ان لم يكن عقلاً فعادة ! اذا كان الغرض هو ازالة الخلاف بين المذاهب الاسلامية ، وجعلها مذهباً واحداً سنياً فقط أو شيعياً . أو.... كيف ، واختلاف الرأي والخلاف في الجملة طبيعة ارتكازية في البشر ، ولعل اليه الاشارة بقوله تعالى:« وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) اي للرحمة أو للاختلاف على الخلاف .
ولكن ينبغي ان يكون من المقطوع به ان ليس المراد من التقريب بين المذاهب الاسلامية ازالة اصل الخلاف بينها ، بل اقصى المراد وجل الغرض هو ازالة ان يكون هذا الخلاف سباً للعداء والبغضاء ، الغرض تبديل التباعد والتضارب بالاخاءوالتقارب . فإن المسلمين جميعاً مهما اختلفوا في اشياء من الأصول والفروع فإنهم قد اتفقوا على مضمون الاحاديث المقطوع عندهم بصحتها . من ان من شهد الشهادتين واتخذ الاسلام ديناً له فقد حرم دمه وماله
وعرضه . والمسلم أخو المسلم ، وان من صلى الى قبلتنا ، وأكل من ذبيحتنا ، ولم يتدين بغير ديننا فهو منا له ما لنا وعليه ما علينا.
ان «جمعية التقريب » لعلها تقول : المسلمون بعد اتفاقهم كلمة واحدة على ان القرآن العزيز وحي من الله جل شأنه وان العمل به واجب ومنكر كونه وحياً كافر . والقرآن صريح في لزوم الاتفاق والاخاء والنهي عن التفرق والعداء ، وقد جعل المسلمين اخوة فقال عز شأنه : «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» ، «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا» «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» الى كثير من أمثالها ، فبعد اتفاقهم على وجوب الاخذ بنصوص الكتاب الكريم فأي عذر لهم في هذا التباعد والتباغض والعداء والبغضاء ، وكفى بالقرآن جامعاً مهما بلغ الخلاف بينهم في غيره فإن رابطة القرآن تجمعهم في كثير من الأصول والفروع ، تجمعهم في أشد الروابط من التوحيد والنبوة والقبلة وأمثالها من الأركان والدعائم واختلاف الرأي فيما يستنبط أو يفهم من القرآن في بعض النواحي ،اختلاف اجتهادي ، لا يوجب التباغض والتعادي .
نعم اعظم فرق جوهري ، بل لعله الفارق الوحيد بين الطائفتين «السنة والشيعة» هو قضية الامامة حيث وقع
الفرقتان منها على طرفي الخط فالشيعة ترى ان «الامام» أصل من أصول الدين ، وهي رديفة التوحيد والنبوة ، وانها منوطة بالنص من الله ورسوله وليس للأمة فيها من الرأي والاختيار شيء كما لا أختيار لهم في النبوة بخلاف اخواننا من اهل السنة ، فهم متفقون على عدم كونها من اصول ومختلفون بين قائل بوجوب نصب الامام على(علیه السلام) الرعية بالاجماع ونحوه ، وبين قائل بأنها قضية سياسية ليست من الدين في شيء لا من أصوله ولا من فروعه ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين في هذه القضية ، هل تجد الشيعة تقول أن من لا يقول بالامامة غير مسلم؟ «كلا ومعاذ الله » ، أو تجد السنة تقول ان القائل بالامامة خارج عن الاسلام لا وكلا - اذن فالقول بالامامة وعدمه لا علاقة له بالجامعة الاسلامية واحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله ، ووجوب اخوته وحفظ حرمته ، وعدم جواز غيبته الى كثير من امثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه.
نعم ونريد ان نكون أشد صراحة من ذلك ، ولا يبقى ما لعله يعتلج أو يختلج في نفس القراء الكرام . فنقول : لعل قائلاً يقول : ان سبب العداء بين الطائفتين ان الشيعة
ترى جواز المس من كرامة الخلفاء او الطعن فيهم ، تجاوز البعض الى السب والقدح مما يسيء الفريق الآخر طبعاً ويهيج عواطفهم ، فتشتد العداء والخصومة بينهم .
والجواب : ان هذا لو تبصرنا قليلاً ورجعنا الى حكم العقل بل والشرع أيضاً لم نجده مقتضياً للعداء ايضاً .
أما « أولاً » فليس هذا من رأي جميع الشيعة وانما هو رأي فردي من بعضهم ، وربما لا يوافق عليه الأكثر . كيف وفي اخبار ائمة الشيعة النهي عن ذلک فلايصح معاداة
الشيعة أجمع لاساءة بعض المتطرفين منهم.
«وثانياً » ان هذا على فرضه لا يكون موجباً للكفر والخروج عن الاسلام، بل اقصى ما هناك ان يكون معصية ، وما اكثر العصاة في الطائفتين ، ومعصية المسلم لا تستوجب قطع رابطة الاخوة الاسلامية معه قطعاً .
«ثالثاً » قد لا يدخل هذا في المعصية أيضاً ولا يوجب فسقاً اذا كان ناشئاً عن اجتهاد واعتقاد ، وان كان خطأ فإن من المتسالم عليه عند الجميع في باب الاجتهاد ان للمخطىء أجراً وللمصيب اجرين ، وقد صحح علماء السنة الحروب التي وقعت بين الصحابة في الصدر الأول كحرب الجمل وصفين وغيرهما . بأن طلحة والزبير ومعاوية اجتهدوا وهم وان اخطأوا في اجتهادهم. ولكن لا يقدح ذلك في «عدالتهم » وعظيم مكانتهم واذا كان الاجتهاد يبرر ولا يستنكر قتل آلاف النفوس من المسلمين واراقة دمائهم فبالأولى ان يبرر ولا يستنكر معه - أي مع الاجتهاد - تجاوز
بعض المتطرفين على تلك المقامات المحترمة.
والغرض من كل هذا أننا مهما تعمقنا في البحث ومشينا على ضوء الأدلة عقلية أو شرعية ، وتجردنا من الهوى والهوس والعصبيات فلا نجد أي سبب مبرر للعداء والتضارب بين طوائف المسلمين مهما اتسعت شقة الخلاف بينهم في كثير من المسائل.
هذا كله بالنظر الى القضية من حيث ذاتها مجردة عن كل الملابسات فكيف اذا نظرنا اليها من حيث ما جره هذا الخلاف والعداء من الويلات والبليات على المسلمين ، وما ضاع على أثره من الممالك الاسلامية الكبرى كالأندلس والقوقاز وبخارى ونحوها ، ولو ان المسلمين كانوا في تلك الظروف يداً واحدةً كما أمرهم الله ، لما انتزع من الاسلام شبر واحد . واذا لم يكفنا عبرة ما سجله التاريخ من تلک الفجائع فليكفنا ما رأيناه بأعيننا من رزية المسلمين بفلسطين وهي الفردوس الثاني ، سبع دول عربية اسلامية كما يزعمون تتغلب عليهم عصابة من أذل الأمم مشهداً واقلهم عدداً ثم يمزقون تلك الدول شر ممزق ؟ . يشردون تسعماية ألف مسلم بل أكثر من عرب فلسطين فيملكون دورهم وقصورهم واراضيهم واموالهم، ويضعونهم في البراري والقفار تحت رحمة الاقدار ، يفتك بهم البرد والجوع والمرض، والمسلمون يسرحون ويمرحون لا ينصرونهم إلا
بالكلمات الفارغة والتأوهات الكاذبة اما والله لو ان تلك الدول تركت عرب فلسطين يحاربون اليهود بأنفسهم لما استطاع اليهود ان يتغلبوا على قرية من قراهم أو قطعة من اراضيهم . لم يكتف المسلمون بخذلان اخوانهم وتسليمهم الى اليهود ، بل كانوا ولا يزالون حتى اليوم عوناً لليهود يساعدونهم بكل ما في وسعهم من تهريب وغيره . بل يصنعون لليهود ما لا يصنعون لأنفسهم . كل ذلك من آثار التقاطع والتخاذل بين المسلمين فلا جامعة تجمعهم ولا رابطة تربط بعضهم ببعض ، وتعطف بعضاً على بعض ، لذلك حقت عليهم كلمة العذاب«وَلَا یُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِینَ ».
نعود فنقول ان جمعية التقريب تريد ان تقرب بين الطوائف الاسلامية وترفع العداء المستحكم بينهم وتدعوهم الى الاخذ بما أمرهم الله به ومن الاعتصام بحبل الاسلام وأن لا يتفرقوا ويتنازعوا فتذهب ريحهم ويتسلط عليهم أذل عباده ، وأرذل خلقه وليست هذه الفئة المباركة بأول من نهض بهذه الدعوة وقام بهذه الفكرة، بل سبقهم الى ذلك جماعة من المخلصين الغيارى على الاسلام والمسلمين كالسيد الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده والكواكبي وغيرهم سوى ان هؤلاء كانت دعوتهم بصفة فردية، ورجال التقريب قاموا بها بصفة جمعية . ، ولعل الحق جل شأنه بعنايته اذا علم
با خلاصهم وصدق نياتهم يجعل لدعوتهم ثمراً جنياً وأثراً حسياً.
اما هذا العاجز فقد أهبت بالمسلمين وصرخت فيهم بهذه الدعوة منذ عهد سحيق كما تشهد بذلك مؤلفاتنا التي طبعت قبل زهاء اربعين سنة، كالدين والاسلام والمراجعات وغيرهما، ثم ملأنا الصحف والمجلات بايقاظهم من نومهم ، وبعثهم من موتهم ، وألقينا مئات الخطب على المنابر في عواصم الاسلام وقد طبع عدة منها كخطبة فلسطين التاريخية طبعت مرتين ، وخطبة الاتحاد والاقتصاد في جامع الكوفة والخطب الأربع الى كثير من امثالها ، ولكن كان الله ختم على قلوبهم وذهب بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
جماعة التقريب تريد ان تقرب بين الطوائف الاسلامية وتبعثهم وتحثهم على الأخوة والوحدة التي امرهم الله بها في كتابه العزيز، ولكن يلزمهم ويلزمنا تمهيداً لهذه الغاية الشريفة أن ينصحوا لأخوانهم من الكتاب وحملة الاقلام في مصر أن لا يتحرشوا ويطعنوا باخوانهم الأمامية فما يكاد يأتي عام إلا ونسمع أو نرى كتاباً أو رسالة من مصر ترمي الشيعة بالفظائع وتهجم عليهم بالمطاعن وبحكم الضرورة يلتجىء هؤلاء الى الدفاع عن انفسهم فتثور الاحقاد وتستعر الحفائظ وتكون أكبر خدمة للاعداء والمستعمرين ، كما ان
اللازم على كل فرقة من المسلمين من الشيعة وغيرهم ان يوصدوا باب المجادلات المذهبية وما يثير الحفائظ والعصبية ، فإنها ان لم تكن محرمة بنفسها ، ومضرة بذاتها، فهي من اعظم المحرمات في هذه الظروف التي أحاط بنا فيها الاعداء ، اعداء الاسلام من كل جانب ومكان حتى من المسلمين مدعي الاسلام العدو الداخلي الذي ضرره اعظم من العدو الخارجي فهل في هذا كفاية وبلاغ أيها المسلمون ؟.
«قُلْ هَذِهِ سَبِیلِی أَدْعُو إِلَی اللّهِ عَلَی بَصِیرَهٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِی وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِکِینَ»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ
«أو كلمة في الاصلاح لا بد منها»
«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا»
لم يبق ذو حس وشعور في شرق الأرض وغربها ، الا وقد احس وشعر - بضرورة الاتحاد والاتفاق ، ومضرة الفرقة والاختلاف ، حتى أصبح هذا الحس والشعور امراً وجدانياً محسوساً يحس به كل فرد من المسلمين ، كما يحس بعوارضه الشخصية من صحته وسقمه وجوعه وعطشه وذلك بفضل الجهود التي قام بها جملة من افذاذ الرجال المصلحين في هذه العصور الاخيرة ، الذين أهابوا بالمجتمع الاسلامي، وصرخوا فيه صرخة المعلم الماهر ، وتمثلوا للمسلمين بمثال الطبيب النطاسي الذي شخص الداء وحصر الدواء وأصاب الهدف بما عين ووصف وبعث النفوس بعثاً حثيثاً وشوقها الى استعمال الدواء لقطع مادة ذلك الداء الخبيث والعلل والأمراض المهلكة ، قبل ان تقضي على هذا الجسد الحي فيدخل في خبر كان ، ويعود كأمس الدابر.
صرخ المصلحون فسمع المسلمون كلهم عظيم
صرخاتهم، بأن داء المسلمين تفرقهم وتضارب بعضهم ببعض ، ودواؤهم الذي لا يصلح آخرهم إلا به كما لا يصلح إلا عليه أو لهم - ألا وهو الاتفاق والوحدة ، ومؤازرة اليوم دأب رجالات انار الله بصائرهم ، وشحذ عزائمهم واشعال جذوة الاخلاص لصالح هذه الأمة ومن وراء شغاف افئدتهم ، فما انفكوا يدعون الى تلك الوحدة المقدسة وحدة ابناء التوحيد وانضمام جميع المسلمين تحت راية« لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه» من غير فرق بين عناصرهم ولا بين مذاهبهم.
يدعون الى هذه الجامعة السامية ، والعروة الوثقى ، والسبب المتين الذي أمر الله بالاعتصام به ، والحبل القوي الذي أمر الله به ان يوصل ، يدعون اليها لأنها هي الحياة وبها النجاة للأمة الاسلامية ، وإلا فالهلاك المؤبد والموت المخلد.
اولئك دعاة الوحدة ، وحملة مشعل التوحيد ، اولئك دعاة الحق وانبياء الحقيقة ، ورسل الله الى عباده في هذا العصر ، يجددون من معالم الاسلام ما درس ، ويرفعون من منار المحمدية ما طمس ، وكان بفضل تلك المساعي الدائبة ، والجهود المستمرة من اولئك الرجال ( وقليل ما هم) قد بدت بشائر الخير، وظهرت طلائع النجاح ، ودبت وتسربت في نفوس المسلمين تلك الروح الطاهرة ، وصار
يتقارب بعضهم من بعض ويتعرف فريق لفريق ، وكان أول بزوغ تلك الحقيقة ، ونمو لبذر تلك الفكرة ، ما حدث بين المسلمين قبل بضعة أعوام في المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف، من اجتماع ثلة من كبار المسلمين ، وتداولهم في الشؤون الاسلامية ، وتبادل الثقة والاخاء فيما بينهم - على اختلافهم في المذاهب والقومية، وتباعد اقطارهم وديارهم - ذلك الاجتماع الذي هو الأول من نوعه والوحيد في بابه ، والذي علق عليه سائر المسلمين الآمال الجسام ، فكان قرة عين المسلمين، كما كان قذى عيون المستعمرين ، والذين حسبوا له ألف حساب، وأوصدوا دونه - حسب امكانهم - كل باب... ولكن على رغم كل ما قام به أولئك الاعلام من التمهيدات لتلك الغاية ، وما بذلوه من التضحيات والمفادات في غرس تلك البذرة ، وتعاهدها بالعناية والرعاية ، حتى تثمر الثمر الجني ، وتأخذ حظها من الرسوخ والقوة، لا نزال نحن - معاشر المسلمين - بالنظر العام تتعلق بحبال الأمال، ونكتفي بالأقوال عن الأعمال ، وندور على دوائر الظواهر والمظاهر دون الحقائق والجواهر ، ندور على القشور لا نعرف كيف نصل الى اللب على العكس مما كان عليه اسلافنا ، أهل الجد والنشاط ، أهل الصدق في العمل قبل القول ، وفي العزائم قبل الحديث ، تلك السجايا الجبارة التي أخذها
عنهم الأغيار فسبقونا ، وكان السبق لنا ، وكانت لنا الدائرة عليهم فأصبحت علينا تلك «سُنَّهَ اللَّهِ فِی الَّذِینَ خَلَوْامِن قَبْلُ وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّهِ اللَّهِ تَبْدِیلاً» نحن نحسب اننا اذا قلنا قد اتحدنا واتفقنا وملأنا بتلك الكلمات لهواتنا واشداقنا ، وشحنا بها صحفنا وأوراقنا - نحسب بهذا ومثله يحصل الغرض المهم من الاتحاد، وتكون كأمة من الأمم الحية التي نالت بوحدتها وعزها وشرفها ، واخذت المستوى الذي يحق لها ، ولذلك تجدنا لا نزداد إلا هبوطاً ، ولا تنال مساعينا إلا أخفاقاً وحبوطاً ، لا تجد لأقوالنا واعمالنا اثراً ، إلا اننا نأنس بها ساعة سماعنا لها وما هي بعد ذلك إلا «كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئاً». ويستحيل لو بقي المسلمون على هذا الحال ان تقوم لهم قائمة ، أو تجتمع لهم كلمة ، أو تثبت لهم في المجتمع البشري دعامة ، ولو ملؤوا الصحف والطوامير ، وشحنوا ارجاء الأرض وآفاق السماء بألفاظ الاتحاد والوحدة ، وكل ما يشتق منها ويرادفها ، بل ولو صاغوا سبائك الخطب منها بأساليب البلاغة ، ونظموا فيها عقود جواهر الابداع والبراعة ، كل ذلك لا يجدي اذا لم يندفعوا الى العمل الجدي والحركة الجوهرية ويحرروا اخلاقهم وملكاتهم ، ويكبحوا جماح اهوائهم ونفوسهم بأرسان العقل والروية والحنكة والحكمة ، فيجد كل مسلم ان مصلحة أخيه المسلم
هي مصلحة نفسه ، فيسعى لها كما يسعى لمصالح ذاته ذلك حيث ينزع الغل من صدره والحقد من قلبه وينظر كل من المسلمين الى الآخر - مهما كان - نظر الاخاء لا نظر العداء ، وبعين الرضا لا بعين السخط . وبلحاظ الرحمة لا الغضب والنقمة .
ذاك حيث يحس بوجدانه . ويجد بضرورة حسه . ان عزه بعز اخوانه وقوته بقوة اعوانه . وان كل واحد منهم عون للآخر . فهل يتقاعس عن تقوية عونه . وتعزيز عزه
وصونه ...؟.
كلا - ثم اذا كان التخلق بهذا الخلق الشريف عسيراً لا ينال . وشأواً متعالياً لا يدرك . ولا يستطيع المسلم ان يواسي أخاه المسلم وان يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه وان يجد ان صلاحه بصلاح أُمته. وعزه بعزة قومه . فلا أقل من التناصف والتعادل والمشاطرة والتوازن . فلا يجحد المسلم لأخيه حقاً . ولا يبخسه كيلا ولا يطفف له وزناً . والأصل والملاك في كل ذلك - اقتلاع رذيلة الحرص. والجشع والغلبة . والاستئثار والحسد والتنافس . فإن هذه الرذائل سلسلة شقاء وحلقات بلاء يتصل بعضها ببعض . ويجر بعضها الى بعض. حتى تنتهي الى هلاك الأمة التي تتغلغل فيها . ثم تهوي بها الى احط مهاوي الشقاء والتعاسة . والبذرة الأولى لكل من تلك الثمار
الموبوءة هو حب الأثرة . وقد قيل : الاستئثار يوجب الحسد والحسد يوجب البغضاء . والبغضاء يوجب الاختلاف والاختلاف يوجب الفرقة . والفرقة توجب الضعف ،
والضعف يوجب الذل . والذل يوجب زوال الدولة. وزوال النعمة وهلاك الامة... والتأريخ يحدثنا والعيان والوجدان يشهدان لنا شهادة حق انه حيث تكون تلك السخائم والمآثم . فهناك فناء الأمم . وموت الهمم . وفشل العزائم . وتلاشي العناصر وتلاشي العناصر . هناك الاستعباد والاستعمار. والهلك والبوار، وتغلب الأجانب . وسيطرة العدو . . . أما حيث تكون الآراء مجتمعة . والاهواء مؤتلفة . والقلوب متألفة ، والأيدي مترادفة ، والبصائر متناصرة ، والعزائم متوازرة ، فلا القلوب متضاغنة ، ولا الصدور متشاحنة ولا النفوس متدابرة ولا الايدي متخاذلة ، فهناك العز والبقاء ، والعافية والنعماء، والقهر والقوة، والملك والثروة ، والكرامة والسطوة ، هناك يجعل الله لهم من مضايق البلاء فرجاً ، ومن حلقات السوء مخرجاً، ويبدلهم العز مكان
الذل ، والأمن مكان الخوف ، فيصبحوا ملوكاً حكاماً وأئمة أعلاماً ، وليعتبر المسلمون اليوم بحال آبائهم بالأمس كيف كانوا قبل الاسلام اخوان و بر ودبر ، وابناء حل وترحال ، اذل الأمم دارا ، واشقاهم قراراً ، لا جناح دعوة يأوون الى كنفها ، ولا ظل وحدة يستظلون بفيئها في اطواق
بلاء ، واطباق جهل ، من نیران حرب مشبوبة ، وغارات مشنونة الى بنات مؤودة، واصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، ودماء مهدورة .
ثم كيف اصبحوا بعد ان جمع الله بالاسلام كلمتهم ،وعقد بدين التوحيد وحدتهم، ونشر على دعوة الحق رايتهم ، هنالك نشرت الرحمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها ، حتى تربعت الايام بهم في ظل سلطان قاهر ، وآوتهم الوحدة الى كنف عز غالب. وتعطفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت . فما عتموا ان اصبحوا - بعد ذلك الذل وتلك الهنات - حكاماً على العالمين. وملوكاً في اطراف الارضين . يملكون الأمور على كان يملكها عليهم ، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم . لا تغمز لهم قناة . ولا تقرع لهم صفاة، ذاك یوم كان للمسلمين وحدة جامعة واخوة صادقة. يوم كانوا متحدين بحقيقة الوحدة وصحيح الاخاء. يوم كانت مصالح المسلمين مشتركة . ومنافعهم متبادلة وعزائمهم متكافلة . ولا يجد المسلم من اخيه فيما يهمه إلا كل نصر ومعونة ورعاية وكفاية . ثم دارت الدوائر . ودالت الأيام والأيام دول . وأصبح المسلم لا يجد من أخيه القريب فضلا عن البعيد إلا القطيعة بل الوقيعة ولا يرتقب منه إلا المخاوف بل المتالف ولا يحذر من عدوه الكافر اكثر من
حذره من أخيه المسلم فكيف يرجى وحال المسلمين هذه ان تقوم لهم قائمة أو تشاد لهم دعامة ؟.
وهيهات أن يسعدوا ما لم يتحدوا . وهيهات ان يتحدوا ما لم يتساعدوا . فيا ايها المسلمون لا تبلغون الاتحاد الذي بلغ به آباؤكم ما بلغوا بتزويق الالفاظ وتنميق العبارات أو نشر الخطب والمقالات وضجيج الصحف وعجيج الاقلام . ليس الاتحاد الفاظاً فارغة. واقوالاً بليغة . وحكماً بالغة مهما بلغت من أوج البلاغة وشأو الفصاحة . ملاك الاتاد وحقيقة التوحيد هنا - صفاء نية. واخلاص طوية . واعمال جد ونشاط.
الاتحاد سجايا وصفات. وأعمال وملكات . ملكات راسخة . واخلاق فاضلة وحقائق راهنة ونفوس متضامنة. وسجايا شريفة وعواطف كريمة . الاتحاد أن يتبادل المسلمون المنافع ويشتركوا في الفوائد . ويأخذوا بموازيين القسط . وقوانين العدل . ونواميس النصف . فاذا كان في قطر من الاقطار كسوريا والعراق طائفتان من المسلمين أو أكثر فالواجب ان يفترضوا جميعاً أنفسهم كأخوين شقيقين قد ورثا من ابيهما داراً وعقاراً فهم يقتسمونه عدلاً . ويوزعونه قسطاً ، ولا يستأثر فريق على آخر فيستبد عليه بحظه ، ويشح عليه بحقه «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» فتكون المنافع عامة ، والمصالح في الكل
مشاعة ، والأعمال على الجميع موزعة.
وليس معنى الوحدة في الأمة ان يهضم احد الفريقين حقوق الآخر فيصمت، ويتغلب عليه فيسكت ، ولا من العدل ان يقال للمهضوم اذا طالب بحق ، أو دعا الى عدل : انك مفرق أو مشاغب ، بل ينظر الآخرون الى طلبه فإن كان حقاً نصروه، وان كان حيفاً أرشدوه وأقنعوه ، والا جادلوه بالتي هي احسن مجادلة الحميم لحميمه ، والشقيق لشقيقه ، لا بالشتائم والسباب والمنابذة بالألقاب ، فتحتدم نار البغضاء بينهما حتى يكونا لها معاً حطباً ويصبحا معاً للأجنبي لقمة سائغة وغنيمة باردة .
وقد عرف اليوم حتى الأبكم والأصم من المسلمين ان لكل قطر من الاقطار الاسلامية حوتاً من حيتان الغرب ، وافعى من أفاعي الاستعمار فاغراً فاه لالتهام ذلك القطر وما فيه ، أفلا يكفي هذا جامعاً للمسلمين ومؤججاً لنار الغيرة والحماس في عزائمهم، أفلا تكون شدة تلك الآلام وآلام تلك الشدة باعثة لهم على الاتحاد واماتة ما بينهم من الاضغان والاحقاد وقد قيل«عند الشدائد تذهب الاحقاد» وكيف يطمع المسلم ان يكتسح اخاه المسلم أو يستعبده وهو شريكه في البلاد من اقدم العهود وابعد الاجداد أفلا توقهم المحن والمصائب التي انصبت عليهم صب الصواعق من الأجانب، الى اقامة موازين العدل
والتناصف فيما بينهم ويحتفظ أهل كل قطر على التعاون الانتفاعي والتوازن الاجتماعي.
ونحن وان اوشكنا ان نكون آيسين من حصول هذه الثمرة اليانعة ، والجامعة النافعة ، لما نرى من عدم التأثير والتقدير لكلمات المصلحين والناصحين من رجال المسلمين.
ومن نظر فيها نشر وطبع من جمهرة خطبنا وما فيها من بليغ الدعوة الى الوحدة بفنون الأساليب ويرى حالة المسلمين اليوم وانهم لا يزدادون إلا تقاطعاً وتباعداً فكأننا ندعوهم الى التنابذ والجفاء، ونقدم النار الى الحلفاء .
نعم ، من ينظر الى ما نشره «النشاشيبي» في الكتاب الذي سماه - وما اكثر ما تكذب الاسماء- ب- « الاسلام الصحيح» وكانت نتيجة ذلك الكتاب وفذلكته يعني صحة الاسلام عنده هو الطعن والغمز واللمز والتوهين بأهل بيت النبوة : علي وفاطمة والحسنين سلام الله عليهم ، وانكار كل فضيلة أو منقبة لهم وردت في آية أو رواية ، فآية التطهير مثلاً : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» مختصة بزوجات النبي ( صلی الله الیه وآله وسلم ) ، وبالأخص عائشة بل هي لا غيرها أهل البيت ، أما فاطمة بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخارجة بالقطع واليقين عنده.
انظر ما أحلى هذا الفهم وأجمل هذا الذوق والانصاف ، وهكذا آية المباهلة وآية القربى فضلاً عن الروايات الواردة في حقهم، فكلها عنده كذب وباطل حتى المروية في صحاحهم.
ومثله ما سبقه اليه امثاله من النصولي والحصان واضرابهم ، افترجو مع هذا أن تصلح حالة المسلمين ويلموا شعثهم ؟ أفلا تراني على حق لو يئست وتشاءمت ؟ أفلا يعلم النشاشيبي واخوانه ممن يغمزون بالشيعة وأئمتهم ان ذلك باعث على أن يقوم أحد كتبة الشيعة فيقابله بالمثل وينال من كرامة الخلفاء الراشدين ويتحامل عليهم وعلى السنة قائلاً:« ان بني عمك فيهم رماح» ، وهكذا دواليك ينشر كل فريق مطاعن الآخر.
فلينظر عقلاء الفريقين الى اين ينتهي حال المسلمين من هذه الهوة السحيقة وما الثمرة والفائدة من كل ذلك ؟ وما ذنب الشيعة سوى موالاة أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله.
ولكن مع كل ذلك لا يأس من روح الله ورحمته ، ولا قنوط من خفي الطافه بدينه وشريعته ، فعسى أن يرشد الله الغيارى على الاسلام من عقلاء الفريقين فيضربوا على الايدي التي تنشر تلك النشرات الخبيثة - منا ومنهم - تلك النشرات التي هي السم المزهق لروح
الاسلام ، وهذا البصيص من الأمل هو الذي دعانا الى الاذن في اعادة طبع هذه الرسالة ثانياً ونشر ما يضاهيها من ارشاداتنا وتعاليمنا في الحث على قيام كل مسلم بهذه الفريضة اللازمة والقضية الضرورية«كل بحسبه» ، وبمقدار وسعه ألا وهي اعادة صمیم الاخاء والوحدة بين عموم فرق المسلمين واول شرط ذلك سد باب المجادلات المذهبية واغلاقها تماماً فإن اراد احد التنويه عن مذهبه فعلى شرط ان لا يمس مذهب غيره بسوء ولا غميزة.
والشرط الثاني بل هو الأول في الأهمية - ان يعقد المسلم قلبه على الاخاء الصحيح لأخيه المسلم وان يحب لاخيه ما يحب لنفسه ويبرأ من كل حقد وحسد عليه جداً وحقيقة لا لقلقة في القول ومخادعة في اللسان ومنافسة على المصالح الفردية والمنافع الذاتية ، كما هو الحال السائدة اليوم عند الجميع .
انما الوحدة الحقة والاخاء الصحيح الذي جاء به الاسلام ، بل جاء بالاسلام وتمشت عليه وضيعة الأمم الراقية وبلغت أوج العز والقوة - ان يرى كل فرد من الأمة ان المصلحة النوعية هي عين المصلحة الفردية بل هي فوقها ، وهذه الصفة خفيفة في اللسان ، ثقيلة في الميزان ، بعيدة في الامكان ، يكاد أن يكون تحققها عندنا معشر المسلمين من المستحيلات ، لا سيما من كل طائفة بالنظر
الى الاخرى التي تنظر كل منهما الى الاخرى نظر العدو الألد والمخاصم المزاحم ، واذا جامله في القول أو اظهر له الولاء فلن يجامله إلا ليخاذله ، ولن يصانعه إلا ليخادعه ، أما ملقاً أو تزلفاً لغاية واهنة ، أو توسلاً الى ان يبتز ماله، أو يسلبه حقه ، أو تكون له السلطة عليه والاستعباد له ، وكلهم جارون على غلوائهم في هذه السخائم التي صارت لهم ضربة لازم ، لا يصدهم عنها صرخة ناصح ، ولا صيحة زاجر ، ولا عظة بليغ.
ينسى الكل أو يتناسى عدوهم الصميم الذي هو لهم بالمرصاد والذي يريد سحق الكل ومحو الجميع ، ويبث بذور الشقاق بينهم ليضرب بعضهم ببعض وينصب اشراك المكر لصيد الجميع ولا يسلم المسلمون من هذه الاشراك المبثوثة لهم في كل سبيل حتى يتحدوا عملاً ولا قولاً وجداً لا هزلاً وأقرب وسيلة الى تنمية تلك البذرة وتقوية تلك الفكرة - فكرة الاتحاد الجدي - هو عقد المؤتمرات في كل عام أو عامين يجتمع فيها عقلاء المسلمين وعلماؤهم من الاقطار النائية ليتعارفوا أولاً ويتداولوا في شؤون الاسلام ثانياً ، بل واوجب من هذا عقد المؤتمرات والمعاهدات بين حكام المسلمين« لو كان للمسلمين حكام حق» فيكونون يداً واحداً بل كيدين لجسد واحد يدفعان عنه الاخطار المحدقة به من كل جانب، وقد املت عليهم الحوادث بعد
الحرب العامة دروساً بليغة وعبراً محسوسة لو كانوا يعتبرون
وفي ابتلاع الطليان مملكة الحبشة العريقة في القدم ببضعة أشهر ما يستوجب ان يقض مضاجعهم ويسهر عيونهم ، وينظروا الى مستقبلهم بكل خيفة وحذر ، وإلا فهم اعرف بالعاقبة وكيف يكون المصير .
وحسبنا بهذا القدر بلاغاً ودعوة وانذاراً وايقاظاً ونحن تكميلاً للفائدة قد اكملنا في هذه الطبعة بعض نواقص هذه الرسالة واستوفينا ما فات في بعض مباحثها مما له دخل أو فضل في توسعة البحث وتوفية الموضوع حقه ، مع الحرص الشديد على الايجاز والايصال الى الغرض المهم من أقرب الطرق اليه ليسهل تناوله ومطالعته لعامة الطبقات.
فالعصر الذي ألف أهلوه طي المراحل الشاسعة الى البلاد النازحة ببضع ساعات، وكانت لا تطوى إلا بالأيام أو الشهور ولا يناسبه الاطالة والاطناب ، حتى في الرسالة والكتاب . بيد اني لا ادعي الاحاطة ولا ابرىء نفسي من القصور ، ويكفيني حسن النية والقيام بالواجب حسب الوسع مع ابتكار الموضوع ، وابتداع الاسلوب.
وللأفاضل في عصرنا وما بعده أن يتوسعوا اذا شاؤوا فقد فتحنا لهم الباب ونهجنا لهم السبيل الذي لا امت فيه
النافعة
ولا عثار والذي هو أقرب الى ما يتطلبه الوقت الحاضر ، والعلم الحديث، والصق بالحقيقة الناصعة والطريقة من دون خدشة لمذهب، أو مس لكرامة ، مع الاشارة الخفيفة أو الخفية لبعض الادلة والبراهين والمساند والمصادر في الجملة.
«وَما تَوْفيقي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنيبُ»
حرره منتصف ربيع الآخر سنة 1355 ه- .
محمد الحسين آل كاشف الغطاء
الموضوع...الصفحة
المؤلف في سطور...3
رسالة هوبكنز الى الإمام...11
جواب الإمام إلى هوبكنز...16
عبادة المادة...18
نحن والشيوعية...20
المساعدات الدولارية المبهرجة...22
ضرورة الحياد...23
صور جديدة للإستعمار...26
اضطهاد الزنوج...27
تذمر الشعب...29
ضرورة التحالف بين الدول الاسلامية...31
وعي الشعوب...33
تهاون الحاكمين العرب في جمع...34
الکلمة
فيضان السياسة...37
سياسة الفيضان...39
الغرض الحقيقي من الدفاع المشترك...40
المثل العليا في الاسلام...43
اهداف الإسلام والمسيحية...45
والله العزة ولرسوله وللمؤمنين...48
أنبياء الخير وأنبياء الشر...52
بغداد بالأمس واليوم...54
دخول الانكليز في العراق...56
أساليب العمل في الإسلام...62
وجوب المعاملة الحسنة في الإسلام...68
الإسلام والسلام ...70
مؤتمر بحمدون...72
خاتمة المطاف...77
كيف تحل مشكلة فلسطين...86
النصح والإرشاد...89
الأحزاب والسياسة...98
كلمة ناعمة...100
كلمة الناشر...104
صدى الكتاب في العالم...114
مؤتمر تعبئة القوى الروحية...116
رسائل من مختلف الشخصيات الی سماحته...121
صدى الكتاب في لبنان...130
كيف يتحد المسلمون...145
الطبعة الخامسة
كافة الحقوق محفوظة
1400ه -1980م