المنتقى شرح العروة الوثقى

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

المنتقى

شرح العُروة الوثقى

تألیف

اقل خدمة العلم

محمد تقي المجلسي الاصفهاني

قمر المشرفة

مباحث الاجتهاد والتقليد

محرر الرقمي: محمد مبين روزبهاني

اشارة

المنتقى، شرح العروة الوثقى

تأليف : محمدتقى المجلسي الاصفهاني

چاپ دوم : 1368

چاپ و صحافی : چاپخانه سپهر، تهران

تعداد : 500 نسخه

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي وفقنا لتحصيل معرفة الاحكام بفقه العترة من آل الرسول، وأنار بصائر نا ببركة مودتهم حتى اهتدينا في ردّ الفروع الى الاصول ، فصلوات الله عليهم وعلى جدهم وأمهم الزهراء البتول ، صلوة تليق بشأنهم ، وتحلّ عندهم محل القبول ، واللعنة الدائمة على اعدائهم الذين شذوا عن طريقتهم ، فتاهت منهم العقول .

و بعد : فهذه جملة ما سنح في تحريرها الخاطر ، وجاد في تهذيبها الفكر الفاتر من مدارك العروة الوثقى التي ألفها سيد مشايخنا المحققين وفخر الفقهاء والمجتهدين العلامة الفقيد السيد محمد كاظم الطباطبائي (أعلى الله مقامه) فلما اتفقت لى المذاكرة حولها في محافل البحث ومجالس التنقيب، فاغتنمت الفرصة في تنقيحها وتأليفها حسبما ساعدنى البال واقتضاه الحال، صوناً لها عن الضياع، وتلبية لمن أمره مطاع ؛ ولعلها تقع تذكرة لى وتبصرة لغيرى ، راجياً من الله سبحانه ان يجعلها ذخراً ليوم فقرى وفاقتی ، فعليه اتكل وبه أعتصم ، وهو حسبي ونعم الوكيل .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خير خلقه وآله الطاهرين و بعد : فيقول المعترف بذنبه المفتقر الى رحمة ربه (محمد كاظم الطباطبائي) هذه جملة مسائل تعم به البلوى وعليها الفتوى جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى ان ينتفع بها اخواننا المؤمنون وتكون ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، انه ولي التوفيق.

(مسئلة 1) يجب على كل مكلف في عباداته ومعاملاته ان يكون مجتهداً او مقلداً أو محتاطاً .

(يجب على كل مكلف) بحكم العقل كوجوب الطاعة شكراً للمنعم وبالفطرة دفعاً للضرر المحتمل القوى، كما في المقام من العذاب المهلك الممكن في اطراف المعلوم بالاجمال من الواجبات والمحرمات الكثيرة فعلا أوتركاً ، والفرق ان الاول مختص بالعقلاء بخلاف الثانى فانه يعم غيرهم من الحيوانات، كما ترى ان الشاة تفر بالفطرة بمجردان تحس الذئب (في عباداته ومعاملاته) بل وسائر افعاله وترو که المبتلى بها من السياسات والعاديات على الضروريات والقطعيات (وتوهم) انحلال المعلوم بالاجمال بالعبادات والمعاملات مع ضمّ غيرهما من اليقينيات وحصول الشك

في ماعداها بدوياً مجرى للبرائة (مدفوع) ببقاء العلم المزبور وجدانا في ذلك ايضاً مع انه لا مجال لاجراء البرائة فى الشبهات الحكمية قبل الفحص وان كانت بدوية (ان يكون مجتهداً او مقاداً أو محتاطاً) مخيراً بين الابدال الثلثة ، لحصول الشكر والدفع المزبورين بكل واحد منها واستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك الجميع عقلا كما لا يخفى .

ثم ان الكلام هيهنا يقع في جهات ثلاثة (الجهة الاولى في الاجتهاد) وتفصيل القول فيه يستدعى رسم امور ؛ (الاول) في تحقيق معنى الاجتهاد وهو (لغة) تحمل المشقة بناء على كون الجهد بالضم والفتح بمعنى المشقة كما عن بعض أهل اللغة، ويتردد بين كونه بمعنى صرف الطاقة وتحمل المشقة بناء على كونه بالضم هو الطاقة و بالفتح هو المشقة كما عن بعض آخر ، و (اصطلاحاً) كما عن الحاجبي والعلامة (قدس سره) هو استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي ، وعن غيرهما ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعى الفرعى من الاصل فعلا اوقوة قريبة من الفعل والتقيد بالفرعى انما هو لاخراج من كانت له ملكة استنباط الاحكام الاصولية الاعتقادية، كوجود الصانع تعالى وعدله ، والنبوة والامامة والمعاد فانه لا يطلق عليه المجتهد وان كان قادراً على استنباط ذلك عن الادلة، كما هو الشأن في غالب العوام من الناس .

وقد يرد على التعريف الاول انه لا يستقيم على مذهب الامامية اذ لا اعتبار للظن في ثبوت الاحكام الشرعية ، وانما العبرة فى ذلك بالعلم الوجدانى سواء كان متعلقه ثبوت الحكم في الواقع ام كان متعلقه ثبوت الحكم بالتعبد (وان شئت فقل) لابد للمجتهد من تحصيل العلم ، فقد يعلم بثبوت الحكم المجعول اولا ، وقد يعلم بقيام الحجة فيحكم بثبوت الحكم تعبداً كما في موارد الامارات والاصول المعتبرة شرعاً فانها وان لم تكن موجبة للقطع بالحكم الواقعى لانها تكون لامحالة ظنية من جهة الدلالة او السند او الجهة ، الا انها مقطوعة الحجية ، ويكفى ذلك في حصول الا من من العقوبة .

(تحقیق معنی الاجتهاد و تعریفه)

ولكن يندفع ذلك باحتمال ارادة خصوص الظن المعتبر شرعاً او عقلا كما لا يبعد (نعم) لو بدلوا كلمة الظن بالحجة وقالوا ان الاجتهاد هو استفراغ الوسع لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي لما يبقى معه مجال لتوهم ذلك الاشكال .

وأما على التعريف الثاني فالاجتهاد ليس موضوعاً لحكم من الاحكام الشرعية المترتبة على الفقيه والعارف بالاحكام الذى هو مستنبط فعلى (والقول) بان ملكة الاستنباط انما تحصل بالتمرين وعمل الاستنباط كملكة الشجاعة التي تحصل للجبان بمزاولة آثار الشجاعة والاقتحام فى الشدائد حتى يزول جبنه وينقلب شجاعاً، فملكة الاستنباط لا تنفك عن الفعلية لحصول الممارسة فى العمل (وحينئذ) فالتعريف المذكور تعريف باللازم وغير مناف لترتب الاحكام الشرعية على مرحلة الفعلية (مندفع) بان ملكة الاستنباط انما تتوقف على مقدمات نظرية حاصلة بدراسة علوم خاصة كعلوم العربية والتفسير فى الجملة واصول الفقه واتقان النظر فيها وان لم يستنبط حكما من الاحكام (نعم) الملكة تتقوى بالممارسة لكنه امر آخر لا يرتبط بحصول الملكة عن عمل الاستنباط كما لا يخفى .

(الثاني) في انقسام الاجتهاد الى مطلق و تجز (فالاول) هي القدرة على استنباط الاحكام الفعلية من امارة معتبرة أو أصل معتبر عقلا او نقلا في الموارد التي لم يظفر فيها بها (والثاني) هى القدرة على استنباط بعض تلك الاحكام دون بعض، وذلك لمعرفة ما يناسبه من المدارك والمآخذ لاجل سهولتها وصعوبة غيرها ، اولاجل الممارسة فيها دون غيرها كما اذا كان قادراً على استنباط الاحكام المتوقفة على المبادى اللفظية ولم يكن قادراً على استنباط الاحكام المتوقفة على الاصول العملية والعقلية والنقلية الصعوبة تشخيص مجاريها واثبات حجيتها .

ثم انه لا اشكال في امكان الاجتهاد المطلق بالمعنى الثاني، اعنى الملكة على استنباط جميع الاحكام وحصوله بذلك المعنى للاعلام ، وعدم التمكن من الترجيح في المسئلة وتعيين حكمها والتردد منهم في بعض المسائل انما هو بالنسبة الى حكمها الواقعي لاجل عدم دليل مساعد في كل مسئلة عليه اوعدم الظفر به بعد الفحص عنه بالمقدار

(امکان التجزی فی الاجتهاد و عدمه)

اللازم لالقلة الاطلاع اوقصور الباع ، وأما بالنسبة الى حكمها الفعلي فلا تردد لهم اصلا كما ذكر المحقق الخراسانی (قدس سره) فالاشكال فيه بانه كيف يمكن حصول ملكة الجميع كتقييد الفصول على ما حكى عنه للاحكام بجملة معتد بها ليتحقق امكانه في غير محله (نعم) الاجتهاد المطلق بالمعنى الاول كما عن الحاجبي والعلامة غير ممكن كما لا يخفى .

وأما التجزى فى الاجتهاد فقد اختلف الاصحاب في امكانه ، واستدل عليه المحقق الخراساني (قدس سره) بوجهين (الاول) حكم الوجدان بذلك حيث ان ابواب الفقه مختلفه مدركا ، والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة عقلية ونقلية لة وصعوبة عقلية ونقلية مع اختلاف الاشخاص فى الاطلاع عليها وفى طول الباع وقصوره بالنسبة اليها ، فرب شخص كثير الاطلاع وطويل الباع في مدرك باب بمهارته في النقليات او العقليات ، وليس كذلك في آخر لعدم مهارته فيها وابتنائه عليها ، وهذا بالضرورة ربما يوجب حصول القدرة على الاستنباط في بعضها لسهولة مدركه اولمهارة الشخص فيه مع صعوبته مع عدم القدرة على ما ليس كذلك .

(الثاني) حكم العقل بمسبوقية المطلق بالتجزى اذ يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة بلا كونه مسبوقاً بالتجزى المزوم الطفرة ، واستدل على امتناعه ايضاً بوجهين

(الاول) انه لو امكن التجزى فى الاجتهاد للزم تجزى الملكة وهو محال فالمقدم مثله (بيان الملازمة) انها من مقولة الكيف وهو امر بسيط لا يقبل القسمة كما هو الحال فى سائر البسائط ، سواء كانت من الملكات النفسانية ام غيرها ، فهو إما مجتهد مطلق اوليس بمجتهد رأساً .

والذي يظهر في دفعه من الكلمات امور ثلاثة (احدها) ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) من ان بساطة الملكة وعدم قبولها التجزئة لا وعدم قبولها التجزئة لا تمنع من حصولها بالنسبة الى بعض الابواب بحيث يتمكن بها من الاحاطة بمدار که ، وظاهره الاستدلال بشدة الملكة وضعفها (وفيه) انه مع فرض البساطة فدائماً يدور امرها بين الوجود والعدم، والشدة والضعف اجنبيان عما هو محل الكلام من التجزى فى الاجتهاد

بل هما من أدلة الاعلمية دون التجزى كما لا يخفى .

(ثانيها) ما ذكره بعض تلامذته (قدس سره) من منع الملازمة بدعوى التجزئة في متعلقها لا فى نفسها ولذا لا بأس بحصول ملكة النحو دون الصرف (وفيه) انه خروج عما هو الموضوع للبحث في المقام اعنى الاجتهاد الذى هو ملكة الاستنباط او نفس الاستنباط ويرجع النزاع معه لفظياً .

( ثالثها ) ما عن سيدنا الاستاذ دام ظله في تقرير كلامه من ان بساطة الملكة لاتنافى تحقق فردمنها دون فرد آخر، اذ التجزى تبعيض في افراد الكلى لا التبعيض في اجزاء الكل لان القدرة على استنباط كل حكم تغاير القدرة على الاخر لاختلاف مباديها ومقدماتها ، فكما أن نفس الاحكام تغاير بعضها بعضاً بتغاير متعلقاتها ، كذلك القدرة على استنباطها لاختلاف ما به تحصل القدرة ؛ فان القدرة الحاصلة للنفس من معرفة الاصول اللفظية غير القدرة الحاصلة لها من معرفة الاصول العملية ؛ واحداهما اجنبية عن الاخرى ؛ فالفرق بين المطلق والمتجزى انما هو بزيادة افراد ملكة الاستنباط ونقيصتها لا بشدة الملكة وضعفها لتغاير علل افراد الملكة ؛ فان معرفة الاصول اللفظية التي توجب القدرة على استنباط الاحكام المتوقفة عليها تغاير معرفة الاصول العلمية التي تكون سبباً للقدرة على استنباط احكام تكون متوقفة على معرفتها.

(الثاني) أن الاجتهاد في مسئلة يتوقف على النظر في جميع أدلة الفقه لاحتمال دليل فيها متعلق بتلك المسئلة ؛ والقادر على النظر كذلك مجتهد مطلق ؛ وغير القادر لا يكون مجتهداً فيها ايضاً .

ويرد عليه (أولا) أنه ربما يقطع او يطمئن بعدم دخل ما في سائر ادلة الفقه بتلك المسئلة اصلا اولا يعتنى باحتماله لاجل الفحص بالمقدار اللازم الموجب للاطمينان بعدم دخله كما فى الملكة المطلقه ؛ اذ لا يعتبر فى استنباط مسئلة معها من الاطلاع فعلا على مدارك جميع المسائل (وثانياً) بعد تسليم عدم حصول الامرين قبل النظر فى سائر ادلة الفقه ان النظر فيها من حيث وجود دليل متعلق بتلك المسئلة لا يلازم استنباط المسائل الاخر من ادلتها كما لا يخفى .

(الاحکام المتعلقة بالمجتهد)

(الامر الثالث) فى الاحكام المتعلقة بالمجتهد وهى ثلاثة (احدها) حرمة ان يقلد غيره (ثانيها) جواز ان يقلده العامي (ثالثها) جواز تصديه للقضاء وما بحكمه من مناصب النقيه .

(أما الاول) وهو حرمة تقليد المجتهد لغيره فهو المعروف بينهم ؛ بل عن رسالة شيخنا الانصاري (قدس سره) دعوى الاجماع على حرمة التقليد على القادر على الاستنباط؛ ولكن قد ينسب الى السيد ره فى المناهل عدم الحرمة وجواز ذلك؛ والذى يقتضيه الاصل الاولى هو عدم الجواز؛ وما دل على جواز التقليد من الايات والروايات منصرف عن شمول مثل ذلك ؛ وكذلك اذا كان الدليل على جوازه هو الفطرة وحكم العقل؛ فانه لا ينبغى الريب في اختصاصهما بالعامى العاجز عن تحصيل العلم والاستناد الى الحجة ؛ لان الفطرة كما ذكره بعض المحققين (قدس سره) تقتضي تحصيل العلم حيث انها كمال للعاقلة لا الانقياد للعالم وان الصحيح الاستناد الى حكم العقل؛ والاستناد الى له الحجة وظيفة من لم يتمكن من الاستناد الى الحجة ؛ حيث لايقين معه ببرائة الذمة عن الواقع بالاستناد الى من له الحجة مع التمكن من تحصيل الحجة والاستناد اليها ؛ فلايجوز العقل التنزل من الاستناد الى الحجة الى الاستناد الى من له الحجة بل يحكم بعدم الجواز فيما اذا يرى خطاء غيره كما اذا فرض مخالفته معه في الاعتقاد والرأى .

(وأما الثاني) فالدليل عليه هو الدليل على حجية قول العالم من الفطرة والضرورة والاجماع والسيرة والايات كايتى النفر والسؤال والروايات بالمطابقة او الملازمة مثل قوله (عليه السلام) في الحديث المنقول عن تفسير العسكرى عن الصادق (عليه السلام) فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه ، وقوله (عليه السلام) في التوفيع المبارك وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانهم حجتى عليكم واناحجة الله، ومثل مادل على جواز الافتاء منطوقاً ومفهوماً (فالاول) كقول الصادق(علیه السلام) لابان بن تغلب: اجلس في مسجد المدينة وأنت الناس ، فاني احب ان يرى فى شیعتی

(ذکر الادلة الدالة علی جواز التقلید)

مثلك (والثانى) كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن رئاب : من افتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه.

وقد يستدل على ذلك بصحيحة احمد بن اسحق عن ابى الحسن (علیه السلام) قال : سألته وقلت من اعامل وعمن اخذو قول من اقبل فقال: العمرى ثقتى فما ادى اليك عنى فعنى يؤدى ، فان اطلاقها يشمل كلا القسمين (الرواية والفتوى) من الاداء ورواية حسن بن على بن يقطين عن الرضا (علیه السلام) قال قلت لا اكاد اصل اليك اسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ منه ما احتاج اليه من معالم دينى فقال نعم ، ورواية على بن المسيب الهمداني قال قلت للرضا (عليه السلام) شقتى بعيدة ولست اصل اليك في كل وقت فممن اخذ معالم دینی، قال (علیه السلام) من ذكر يا ابن آدم القمى المأمون على الدين والدنيا ، قال على بن المسيب : فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم، فسألته عما احتجت اليه ، وحسنة عبد العزيز المهتدى قال قلت للرضا (علیه السلام) ان شقتى بعيده فلست اصل اليك فى كل وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين ، قال نعم .

فان اطلاق الاخذ في هذه الأخذ عن طريق الرواية والفتوى (وفيه) ان يعم الاولى اعنى الصحيحة لادلالة فيها على ذلك ، اذ الظاهر من التأدية هو الحكاية والنقل دون الفتوى والرأى ، وأما الثانية فقول السائل فيها : أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ منه ما احتاج اليه من معالم دينى لا اطلاق فيه يشمل الاخذ عن الرواية والفتوى معاً ، لان بناء السائل بما انه أحد من العرف والعقلاء على الاخذ بخبر الثقة فيما نقل اليه واخبر به من الحس دون الحدس ، فيسئل الامام (عليه السلام) عن حال يونس، وانه هل يكون ثقة حتى يأخذ منه معالم دينه على الوجه المعهود عنده من الاخذ عند اخباره عن الحس، اولا يكون كذلك كى لا يجوز له ذلك، فأجاب الامام (عليه السلام) بقوله نعم ، فأين هذا من الدلالة على جواز مطلق الاخذ بقوله ونقله ولو عن حدس ، كالافتاء الذى هو اخبار عن الحكم الشرعي بالحدس لابالحس، مثل السماع من المعصوم (عليه السلام) .

(ان قلت) الافتاء هو نقل الفتوى والرأى بالحكم الشرعي ؛ لانقل الحكم الشرعي عن الحدس .

(قلت) لو سلم ولكنه لا يفيد فى اثبات دلالة الرواية على حجية الفتوى والرأى؛ بل على جواز الاخذ بنقله وكونه صادقا في نقله واخباره ؛ فان كان الاخبار عن الحكم الشرعي عن حس كما اذا روى شيئا فيثبت به الحكم لا محالة ، وان كان الاخبار عن رأيه بالحكم الشرعى وفتواه فيثبت به الرأى والفتوى دون الحجية الا اذا صدق عليه انه من معالم الدين.

(وتوهم) انه لا يثبت بنقل الثقة واخباره رأيه الذي هو من الموضوعات ، اذ العمدة فى اعتباره هو السيرة المردوعة فى الموضوعات برواية مسعدة بن صدقة.

(مدفوع) بعدم صلاحيتها للردع عنها ، وذلك من جهات (الأولى) انها ضعيفة بمسعدة بن صدقة (الثانية) ان المراد بالبينة فيها هو معناه اللغوى ، اعنى مطلق ما يتبين به الشيىء ويظهر به فيشمل نقل الثقة لاخصوص مصداق معين منه وهو شهادة العدلين كما هو المصطلح عليه بين الفقهاء ، وكان هو المراد من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم( انما اقضى بينكم بالبينات والايمان لاجل وقوع قضاوته بذلك خارجا ولكنه لا تدل ارادتها فيه على ارادتها عند الاطلاق فى غيره (الثالثة) انه لو اريد منها خصوص ذلك فالحصر مما لا وجه له ، لانه كما تثبت تلك الامور المذكورة في الرواية وامثالها بشهادة عدلين ، كذلك تثبت بالاستصحاب والاقرار واليد وغير ذلك.

(ان قلت) البناء والفطرة على الاخذ بالمخبر به وان كان الاخبار به عن حدس فيما اذا كان المخبر به من اهل الخبرة فيه ، وعليه فيعم الاخذ للرواية والافتاء الذى هو بمعنى الاخبار عن الحكم الشرعي عن الحكم الشرعي بالحدس لا الحس .

(قلت) نعم ولكن لا تثبت به حجية الفتوى وجواز العمل بها الا اذا صدق عليه انه من معالم الدين ، وان يونس من اهل الفتوى باليقين ، مع أن الرواية على ذلك امضاء للسيرة والفطرة وليست تأسيسا في قبالها كما لا يخفى ، ومن هذا كله يظهر حال سائر الروايات .

ثم ان مقتضى الادلة السابقة انما هو حجية الفتوى وجواز العمل بها بالمطابقة أو الملازمة العرفية، أما انه لابد اولا من أخذها وتعلمها او الالتزام بها فلا يستفاد شيئي منها من تلك الادلة ، بل الظاهر ان اللازم انما هو موافقة العمل لها من حيث انها حجة فعلية معتبرة (ودعوى) دلالة الفطرة وكذا ما في التوقيع المبارك من الامر بالرجوع في الحوادث الواقعة الى رواة أحاديثهم، على لزوم الرجوع الى العلماء لتحصيل العلم بالحكم والاخذ بالرأى اولا (ممنوعة) اذ الظاهر انه للارشاد الى احراز كون العمل موافقا للحجة المعتبرة لحكم العقل بلزوم تحصيل الامن من العقاب المحتمل، لا انه مولوى وان المتعلم والاخذ موضوعية أو طريقية الى موافقة العمل لها ، اذلا تتوقف عليه الموافقة اللازمة كما لا يخفى، واذاً فالعمل الموافق للحجة المعتبرة فى حق العامى اذا صدر منه اتفاقا جامعا للشرائط المعتبرة فيه حتى القربة بلا اخذها والالترام بها صحيح ، ولا وجه لبطلانه عدى توهم كونه مذموما عند العقلاء ومقبوحا لديهم من جهة تركه للطريق ومبغوضا عند المولى لذلك أيضا فيسرى ذاك القبح الفاعلى الى الفعل فيصير حراما ومبغوضا ؛ فلا يمكن التقرب به؛ اذ لا يعبد الله من حيث يعصى (ولكنه مدفوع) بمنع الذم عندهم مع فرض كونه بصدد الامتثال راجيا له ؛ وكذا لا يكون مبغوضا عند المولى مع الفرض المزبور؛ ولو سلم فلا يسرى القبح الفاعلى الى الفعل كي لا يحصل التقرب به ؛ ولذا لا يلتزمون يحرمة الفعل المتجرى به مع البغض الفاعلى من جهة التجرى (نعم) لابد من احراز كون العمل موافقاً للحجة الفعلية المعتبرة في حقه ولو بعده من جهة حكم العقل بلزوم تحصيل الامن من العقاب المحتمل والا من لا يحصل بدونه .

(وبالجملة) لادليل على اعتبار الاخذ والالتزام قبل العمل ، بل اللازم انما هو العمل موافقاً للحجة الفعلية المعتبرة (غاية الامر) انه فيما اذا تعددت الفتاوى واختلفت مع عدم ترجيح فى البين توقفت الحجية الفعلية على التعيين والاخذ والالتزام ، اذ لا يمكن ان تكون الاراء المختلفة حجة فعلية يلزم موافقة العمل لجميعها ، بل حجة شأنية كما لا يخفى، وذلك نظير الاخذ باحدى الروايتين المتعارضتين مع عدم

المرحج في البين على ما هو مقتضى ادلة التخيير، حيث انه لا بدمنه في تعيين ما هو الحجة .

فقد طهر من ما ذكرنا كله ان الواجب على المكلف ان يكون عمله موافقاً للحجة المعتبرة فى حقه من رأيه اورأى غيره او مطابقاً للواقع على سبيل الاحتياط الذى ليس سالكه بناكب عن الصراط ، وبذلك الذى ذكرنا من الادلة المتقدمة على حجية الفتوى وجواز العمل بها ، يخصص عموم ما دل على المنع عن اتباع غير العلم والذم على تقليد الغير من الايات ، كقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم ، وقوله تعالى ان هم الا يظنون ، وقوله تعالى ان الظن لا يغنى من الحق شيئاً، وقوله تعالى انا وجدنا آبائنا على امة وانا على آثارهم مقتدون ، هذا مع الغض عن انها واردة للارشاد الى عدم كفاية الظن في اصول الدين، وان الظاهر منها او المتيقن من اطلاقاتها هو اتباع غير العلم في الاصول الاعتقادية ، لا ما يعم الفروع الشرعية ، مع ان الذم في الاخير على تقليدهم للجهال ، ولو سلم فالمتيقن لولا المنصرف اليه اطلاقها هو خصوص الظن الذى لم يقم على اعتباره حجة كما في المقام ، هذا فيما اذا لم تتمسك بالسيرة ، ولو تمسكنا بها كما تمسك بها بعض الاعلام ، بل ذكر انه الدليل الوحيد فى باب التقليد ، فيشكل بانه يكفى في ردعها الايات المذكورة .

ويرده (أولا) ان هذا البناء والسيرة من العقلاء بمثابة من الرسوخ والاستحكام لا يرتدع عنه الانسان الا بقول صريح ونص مبين ، ولا يكفي في ذلك العمومات التي لم يعلم حالها ، ولا ينقدح في اذهانهم ان الغرض منها ردع السيرة وقلعها من رأس ولا ينتقل منها اليه ما لم ينص عليه بقول صريح ، واوضح شاهد عليه ان المخاطبين فى عصر نزول الآيات لم ينتهوا الى ان الهدف منها ردع تلك المرتكزات (وثانيا) انهم لا ترى العمل باقوال العلماء عملا بالظن ، بل عملا بالعلم (وثالثاً) ان الردع بها لا يكون الا على وجه دائر ، اذ الردع بها يتوقف على عدم تخصيص عمومها او تقييد اطلاقها بالسيرة ، وهو يتوقف على الردع عنها بها ، والا لكانت مخصصة او مقيدة لها .

(ان قلت) على هذا لا يكون التمسك لذلك بالسيرة ايضاً الاعلى وجه دائر فان اعتبار جواز العمل بالفتوى ورأى الغير فعلا بالسيرة يتوقف على عدم الردع بها عنها ، وهو يتوقف على تخصيصها بها ، وهو يتوقف على عدم الردع بها عنها .

(قلت) انما يكفى فى حجية الفتوى وجواز العمل بها بالسيرة عدم ثبوت الردع عنها لعدم نهوض ما يصلح لردعها كما يكفى فى تخصيصها لها ذلك ، ضرورة ان ماجرت عليه السيرة المستمرة فى مقام الاطاعة والمعصية يكون عقلا في الشرع متبعاً ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه .

ولكن التحقيق انه لا اعتبار بالسيرة في المقام ، لاحتمال كون مناطها هو الفطرة ، مع انه يرد عليها ان الامور العقلائية انما تثمر وتفيد اذا كان بمرأى من النبي والأئمة من بعده (عليهم السلام) حتى يستكشف من سكوته وعدم ردعه رضاه وكونه مرضيا عنده ، وأما الامور العقلائية المستحدثة التي لم يكن في زمنهم منها عين ولا اثر ؛ فلا يدل عدم ردعه على رضاه ، والمقام من هذا القبيل ؛ فان الامر الدارج في از منتهم انما هو الرجوع الى نظراء عبدالله بن عباس ومعاذ ومحمد بن مسلم وزرارة وابن أبي يعفور وابان وغيرهم الذين اخذوا الاحكام عن منتقى الوحى وائمة الدين ، وعاشر وهم مدة طويلة حتى صاروا بطانة علومهم ومخازن معارفهم ومعادن اسرارهم؛ فنقلوا ما سمعوها باسماعهم وأبصروها باعينهم من دون اجتهاد ولا اعمال نظر، فارجعوا شيعتهم الى تلك العلماء الذين هذه سير تهم ؛ فكان رجوع الجاهل الى العلماء في تلك الاعصار من رجوع الجاهل الى العالم بالعلم الوجداني الحاصل لهم من مشافهة الائمة من دون اجتهاد ولا اعمال نظر، وأمارجوع الجاهل في اعصارنا فانما هو الى العلماء الذين عرفوا الاحكام من طرق الامارات والظنون الاجتهادية فأين هذا من ذاك ؛ واجيب عن ذلك بوجهين .

(الاول) ان الاجتهاد بالمعنى الوسيع واعمال النظر في الروايات والتدقيق في دلالتها وترجيح بعضها على بعض كان موجوداً في اعصارهم دارجة بين اصحابهم؛ فان الاجتهاد وان توسع نطاقه في اعصارنا وبلغ مبلغاً عظيماً الا ان اصل الاجتهاد

بالمعنى الجامع بين عامة مراتبه كان دارجاً في تلك الاعصار ؛ كما تشير اليه عدة من الروايات مثل قوله (عليه السلام) انما علينا القاء الاصول وعليكم ان تفرعوا ؛ وقوله (عليه السلام) أنتم أفقه الناس اذا عرفتم معانى كلامنا ؛ وقوله (علیه السلام) من رد متشابه القرآن الى محكمه فقد هدى الى صراط مستقیم؛ وان في اخبارنا محكما كمحكم القران و متشابهاً كمتشابه القرآن ؛ فردوا متشابهها الى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا ؛ وقوله (عليه السلام) في كتب بني فضال خذوا بما رووا وذروا ما رأوا؛ وقوله (عليه السلام) جواباً عن سؤال الراوى انه كيف يصنع بالوضوء بعد ما انقطع ظفره فجعل على اصبعه مرارة ؛ يعرف هذا واشباهه من كتاب الله ؛ قال الله تعالى : ما جعل الله عليكم في الدين من حرج ؛ امسح عليه الى غير ذلك مما يدل على المطلوب مثل ما ورد من ارجاع الائمة شيعتهم الى فقهاء اعصارهم كما تقدم .

(الثاني) ان النبى والأئمة من بعده (عليهم السلام) عارفون بحال امته وما يجرى عليهم من غيبة ولى الدين وحرمان الامة عن الوصول اليه وان الامة بمقتضى ارتكاز هم من لزوم رجوع الجاهل الى عالمه ترجع الى علمائهم ، فلو لم تكن هذه السيرة مرضية لكان عليهم الردع والمنع عن ذلك .

وفيه (أولا) ان الاجتهاد بالمعنى الجامع بين عامة مراتبه وان كان موجوداً في تلك الاعصار كماذكره وتدل عليه الاخبار، الا ان الجامع المزبور في تلك الاعصار انما كان موجوداً بمرتبة منهادون الجميع ، وعلى هذا فكيف يستكشف من عدم ردعه بل امضائه بتلك المرتبة حجيته وجواز العمل به مطلقاً حتى بالنسبة الى المرتبة المستحدثة التي بمراحل من تلك المرتبة كما لا يخفى .

وهذا نظير تحقق طبيعي الطبابة فى عصر سينا مثلا بكيفية خاصة، وهي المعالجة بالعقاقير والنبات ، وتحققها اليوم بكيفية اخرى حادثة كالمعالجة بالتزريقات وما هو المتعارف فى العصر الحاضر من الادوية المصنوعة ، فانه لا يمكن استكشاف رضاه بهذه عن رضاه بتلك الكيفية ، وهذا واضح جداً .

(وثانياً) ان النبي والأئمة من بعده (عليهم السلام) وان كانوا عارفين بذلك ولا سبيل لتوهم نفيه وانكاره لانهم عالمون بالاشياء علماً حضورياً لا بمعنى انها معلومة لوجودهم الشريف حاضرة عندهم حضور المعلول عند العلة في ايجاده ؛ اذهو مختص بذات الباري عز وجل ، بل بمعنى انها لا تغيب عن نفوسهم القدسية ، وان صورها وحقائقها مرتسمة في نفوسهم الشريفة ، وانهم يعلمون ما كان وما يكون الى يوم القيمة ، كما صرحت به السنة المتواترة مضموناً(1)

ويقرب منه ما فى الشافي عنه (عليه السلام ورب الكعبة ورب البينة ثلث مرات لو كنت بين موسى والخضر لاخبرتهما انى أعلم منهما ؛ ولا نبأتهما بما ليس في ايديهما ، لان موسى والخضر أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة ؛ وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وراثة .

ومنها ما رواه في الكافي عن ابى الحسن الأول موسى (علیه السلام) قال مبلغ علومنا على ثلاثة وجوه ماض وغابر وحادث ؛ فأما الماضى فمفسر؛ وأما الغابر فمز بور فمزبور وأما الحادث فقذف في القلوب و نقر فى الاسماء ، وهو افضل علمنا ولا نبي بعد نبينا.

وفى مرآت العقول فأما الماضى فمفسر أى فسره لنا رسول الله (صلى الله علیه و آله وسلم) وأما الغابرأى العلوم المتعلقة بالامور الاتية المحتومة فمزبور ؛ أى مكتوب لنا في الجامعة ومصحف فاطمة وغيرهما ، والشرائع والاحكام يمكن ادخالهما في الاول أو فى الثانى أو بالتفريق ، وأما الحادث وهوما يتجدد من الله حتمه من الامور البدائية أو العلوم أو المعارف الربانية وتفصيل المجملات أو الاعم فقذف في القلوب بالالهام من الله تعالى بلا توسط ملك أو نقر فى الاسماع بتحديث الملك ، وكونه من أفضل علومهم لاختصاصه بهم و لحصوله لهم بلا واسطة بشر أو لعدم اختصاص الاولين بهم اذ قد اطلع على بعضهما بعض خواص الصحابة مثل سلمان وابي ذر باخبار النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) بل قد رأى بعض اصحابهم (عليهم السلام) بعض مواضع تلك الكتب اولانها من المعارف الربانية التى هى اشرف العلوم ؛ ولما كان هذا القول منه (عليه السلام) يوهم ادعاء النبوة ، فان الاخبار عن الملك عند الناس مخصوص بالانبياء نفى (عليه السلام) ذلك الوهم بقوله ولا نبي بعد نبينا؛ وذلك لان الفرق بين النبي والمحدث انما هو برؤية الملك عند القاء الحكم وعدمها لا بالسماع منه وعدمه.

هذا وقد كتب الحجة المحقق السيد عبدالرزاق الموسوى المقرم في مقدمة كتابه (مقتل الحسين عليه السلام) فصلاضافيا عن سعة علم الامام المنصوب من المولى سبحانه علماً للعباد مما يؤيد ذلك فراجع .

ولا ينافيها ما ورد من انهم ان

1) منها ما رواه فى الكافي عن ابي عبد الله (عليه السلام) يقول اني لاعلم ما في السموات وما في الارض ، وأعلم ما في الجنة وما في النار ، واعلم ما كان واعلم ما يكون ، ثم مكث هنيئة فرأى ان ذلك كبر على من سمعه منه ، فقال علمت ذلك من كتاب الله عز وجل ، ان الله تعالى يقول فيه تبيان كل شيء .

(في ما دل علی جواز القضاء للمجتهد)

شاؤوا علموا وان لم يشأوا لم يعلموا مع الغض عما في سنده من الضعف ، اذ القضية الشرطية لاتنافى وجوب اطرافها ولا امتناع الاطراف ، الا ان دعوى لزوم الردع عليهم عن ذلك (ممنوعة) اذلا موجب له بعد ما بلغوا الاحكام وبينوها ، وانما وقع الناس في ذلك اضطراراً بما كسبت أيديهم وأنفسهم كما لا يخفى .

(وأما الثالث) وهو تصديه لمنصب القضاء وغيره فمقتضى مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها جواز حكومته ونفوذ فصل خصومته اذا عرف جملة معتداً بها بها من الإحكام بحيث يصدق عليه انه ممن عرف احكامهم، فلا يكفي في ذلك معرفة مقدار قليل

منها كما لا تكفى . المطلقة العارية عن فعلية الاستنباط رأساً ، لعدم صدق العارف بالاحكام عليه ، وأما قوله (عليه السلام) في مشهورة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال، ولكن انظروا الى رجل منكم بعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه ، فلا ينافي ما ذكر من لزوم معرفة جملة معتد بها من الاحكام .

وذلك لنكتة بديعة وهى ان اضافة الشيىء الى أمر يختلف سعة وضيقاً بسعة

(في ان الاجتهاد واجب نفسی کفائی)

المضاف اليه وضيقه ، فلو أضيفت كلمة شيىء الى البحر وقال رأيت شيئاً من البحر لا يصدق على القليل كالقطرة ونحوها ، بل لابد وان يكون شيئاً بالاضافة الى ماء البحر وان كان كثيراً فى نفسه ، وهكذا لو قال املك شيئاً من الارض مثلا لا يصدق على شبر ونحوه ، بل لابد وان يملك مقداراً معتدا به (نعم) لو قال املك شيئاً هذه الدار أوشيئاً من هذا الرغيف يصدق على القليل ، وبما ان علوم العترة الطاهرة (عليهم السلام) بحار لا يحيط بها أحد ، فكل من عرف جملة من الاحكام التي بأيدينا أو جميعها فهو لا يعرف الا شيئاً من قضاياهم وان كان معلومه في نفسه كثيراً، هذا مضافاً الى امكان دعوى ظهور ذلك في ان يعلم شيئاً معتداً به لا شيئاً واحداً لمكان صدق النكرة عليه ، ولو شك في المقام فالاصل الاولى يقتضى عدم جواز حكومته و نفوذ حكمه في حق الاخر مطلقاً .

(وأما تصديه لغير منصب القضاء) من سائر مناصب الفقيه كالامور الحسبية ، فالظاهر انه لا دليل عليه الا الاجماع على لزوم القيام بها ؛ والقدر المتيقن منه هو المجتهد المطلق؛ كما ان مقتضى الاصل هو ذلك ايضاً لان التصرف في اموال الغيب والقصر ونحو ذلك مما ليس له ولى خاص غير جائز بمقتضى عموم قوله (علیه السلام) لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال الغير الا باذنه ؛ ولا يحل مال امرء الا عن طيب نفسه تخرج عن ذلك بما ذا كان التصرف باذن من المجتهد المطلق الجامع للشرائط ؛ ويبقى تصرف المتجزى أو التصرف باذنه تحت عموم المنع .

(الامر الرابع) فى أن الاجتهاد واجب كفائى أو عيني، فالمعروف بين العلماء الامامية ان الاجتهاد واجب نفسى كفائي؛ وعن بعضهم القول بوجوبه النفسي العيني؛ وهو لازم القول بحرمة التقليد كما لا يخفى .

والتحقيق ان الكلام يقع في ذلك (تارة) بلحاظ عمل نفس المجتهد و (أخرى) بلحاظ رجوع العامى اليه .

(أما الاول) فالحق أنه واجب عيني تخييرى بينه وبين الاحتياط أو التقليد من باب لزوم الطاعة بحكم العقل؛ كما تقدم في صدر الكتاب ؛ اذ لا دليل على وجوبه

الشرعى الا من باب وجوب تعلم الاحكام الذى يظهر من الاخبار الدالة عليه كونه طريقيا لا نفسا .

(وأما الثاني) فالظاهر انه واجب كفائي تعييني في كل وزمان حفظاً عصر لمعالم الدين وآثاره عن الاندراس ؛ فان في ترك تعلم الاحكام واهمالها اضمحلالا للشريعة المقدسة ؛ ومن المعلوم ضرورة وجوب حفظ الدين عن الزوال على كل مسلم ، هذا مضافاً الى آية النفر ، وهي قوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا ، فانها تدل على وجوب التفقه في الدين على طائفة من كل اليهم لعلهم : فرقة لتبليغ الاحكام الى الباقين وانذارهم بالعقاب على مخالفتها ، وهذا هو معنى الوجوب الكفائي ، وقد يؤيد ذلك بما ورد في تفسير الآية المباركة من الروايات كرواية عبدالمؤمن الانصاري قال : قلت لابی عبدالله (علیه السّلام) ان قوما يرون ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال اختلاف امتی رحمة فقال صدقوا (فقلت) ان كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب ، قال ليس حيث تذهب وذهبوا ، انما اراد قول الله عز وجل : (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) فأمران ينفروا الى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فيتعلموا ثم يرجعوا الى قومهم ، انما اراد اختلافهم من البلدان لا اختلافاً في دين الله ، انما الدين فيعلموهم واحد(1)ورواية فضل بن شاذان عن الرضا (علیه السّلام) في حديث قال : انما امروا بالحج ، لعلة الوفادة الى الله عز وجل ، وطلب الزيارة والخروج من كل ما اقترف العبد ، الى ان قال مع ما فيه من التفقه في الدين، ونقل اخبار الائمة الى كل صقع وناحية كما قال الله عز وجل (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين...)(2).


1) الوسائل ب 11 من أبواب صفات القاضى ح 11

2) الوسائل ب 8 من أبواب صفات القاضي ح 64 .

(في بیان معنی التقلید و تعریفه)

(الجهة الثانية فى التقليد) والمناسب للمقام من معانيه اللغوية معنيان (الاول) كونه بمعنى جعل الشيىء ناقلادة ، ويتعدى حينئذ الى مفعولين ، احدهما الشيء الذى يجعل القلادة له ، والاخر الشيىء المجعول قلادة ، يقال قلد الهدى نعله ای جعله قلادة له ، وقلد العبد حبلا اى جعله قلادة على عنقه ، ومنه قوله (علیه السّلام)قلدوا الخيول ، اى اجعلوا الجهاد قلادة للخيول ، وقوله في حديث الخلافة قلدها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) علياً ؛ اي جعل الخلافة قلادة في عنقه ؛ وقولهم قلد السيف اى جعل السيف قلادة في عنقه ، فيكون معنى قلدت الفقيه صلوتي وصومي وحجي جعلتها على عهدته والقيتها على عنقه (الثاني) التبعية ؛ ويتعدى الى المفعول الثانى بفى ؛ يقال قلده في مشيه اى تبعه فيه فيكون معنى قلدت الفقيه في وجوب الصلوة والزكوة اتبعته فيه .

وفي الاصطلاح فقد يعرف بانه اخذ قول الغير ورأيه العمل به في الفرعيات او للالتزام به في الاعتقاديات تعبداً بلا مطالبة دليل على رأيه ، وقد يعرف بانه الالتزام بالعمل بقول المجتهد وان لم يأخذ بعد فتواه فضلا عن العمل بها ؛ وقد يعرف بانه العمل استنادا الى قول الغير واعتماداً الى رأيه .

(اقول) هذا الاختلاف في معناه المصطلح ان كان خلافاً في مجرد مجرد الاصطلاح من دون ان يترتب عليه اثر شرعى فلا طائل تحته اذ لا مشاحة في الاصطلاح ؛ وان كان خلافاً في ذلك من اجل ترتب الأثر عليه فلم يؤخذ عنوان التقليد موضوعاً في شيء من الادلة كي نبحث عما اريد به من المعنى لترتيب آثاره عليه ، مع ان المناسب لذلك على تقديره هو البحث والفحص عن معناه اللغوى والعرفي لا الاصطلاحي كما لا يخفى .

نعم قد ورد التعبير بذلك في الحديث المنسوب الى تفسير العسکری (علیه السلام) وهو قوله (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه) لكنه مع ضعفه من حيث السند غير ناظر الى المقام اعنى التقليد في الفروع كي يقع النزاع في ذلك من اجله .

هذا ولكن يمكن ان يرجع الخلاف في ذلك الى ما يستفاد اعتباره من الادلة الذى اصطلحوا عليه عنوان التقليد وان لم يعنون به في شيء منها ، بل لا مجال له في كثير منها لانها غير لفظية كما قد عرفت (ومع ذلك نقول) فالذى يناسب معناه اللغوى في قولهم قلد المجتهد هو الاخير ، اعنى كونه العمل استناداً الى رأى الغير وقوله ، وذلك لان اكثر موارد استعماله ه-و تقليد الغير وجعله ذا قلادة ، وه-و المناسب للعمل استناداً الى رأى الغير، فكان المقلد جعل العمل كالقلادة في عنقه ، وأما الأول وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به تعبداً من دون مطالبة دليل و برهان كما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) اوالثاني وهو مجرد البناء على العمل بقول الغير والالتزام به وان لم يعمل بعد ، فليس جعلا لشيء في عنق الغير حتى يكون جعله ناقلادة ؛ فما أفاده شيخنا الانصاري (قدس سره) من انه بمعنى الاخذ للعمل اوفق بمعناه اللغوى غير ظاهر.

وقد يرد على ما ذكر (أولا) ان التقليد سابق على العمل والاكان العمل بلا تقليد (وثانيا) انه مقابل الاجتهاد الذي يقدم على العمل ، فكذلك التقليد حتى يكون العمل ناشئاً عنه ؛ فكيف يكون عينه (وثالثا) ان ذلك يستلزم تقدم الشيىء على نفسه فى العبادات بناء على اشتراط التميز فيها ؛ اذا لعمل موقوف على التقليد في التمييز حتى يكون عملا صحيحا ؛ والمفروض انه نفس العمل فيلزم المحذور (ولكن الكل كما ترى) اذلا موجب لكونه سابقا على العمل ؛ ولا تقابل بين الاجتهاد والتقليد ايضا ، كي يكون سبق الاول على العمل موجبا لسبق الثاني عليه ؛ بل التقابل بين عمل المجتهد وعمل المقلد ؛ فالعمل المستند الى ما حصله من المدرك عمل المجتهد ؛ والعمل المستند الى رأى الغير عمل المقلد ؛ ومنه يظهر ما فى دعوى الاستلزام المزبور ان كان التقليد عنوانا لنفس العمل ؛ اذ ليس العمل حينذ موقوفا على التقليد، بل على الاخذ والتعلم ، كي يكون العمل مستنداً الى رأيه ؛ فالانسب بمعناه اللغوى كما ذكره بعض المحققين (قدس سره) كون التقليد عنوانا لنفس العمل استناداً الى رأى الغير .

هذا ولكن التحقيق انه لا يهمنا البحث عما يراد به من معناه اللغوى أو العرفى أو الاصطلاحي ؛ بل عمدة مالا بد منه في المقام هو ملاحظة الادلة وانها تدل على اى شيىء ؛ والظاهر انها لا تدل الا على حجية قول العالم وجواز اتباعه والعمل على وفقه مطابقة أو التزاما ؛ وهى ما تقدم من الفطرة والاجماع والضرورة وسيرة المتدينين والايات كايتى النفر والسؤال والاخبار ؛ لكن العمدة فيها هي الفطرة والاخبار دون غيرهما من الاجماع والضرورة والسيرة والايات لانها قابلة المنافشة ، لبعد تحصيل الاجماع التعبدى في مثل المسئلة مما يمكن ان يكون القول فيه لاجل كونه من الامور الفطرية الارتكازية ؛ والمنقول منه غير حجة فى مثلها ولوقيل بالحجية في غيرها لو هنه بذلك ، وكذا يمكن القدح في دعوى كونه من الضروريات للدين باحتمال كونه من ضروريات العقل وفطرياته لا من ضروريات الدين ، وهكذا القدح في دعوى سيرة المتدينين ، وأما الآيات فلعدم دلالة آيتى النفر والسؤال على حجية قول المنذر والمسئول من اهل العلم وجواز قبوله لقوة احتمال ان يكون الانذار لاجل حصول العلم به للمنذر لا الاخذ تعبداً من اجل كونه حجة ، ولان المسئول آية السؤال هم أهل الكتاب كما هو ظاهرها أو أهل بيت العصمة (عليهم السلام) كما فسر به في الاخبار.

(وحينئذ نقول) ان كان المجتهد منحصراً في واحد وكان من جاز تقليده منحصراً فيه ، كما اذا تعدد وكان الواحد اعلم فالامر واضح ، اذ قوله حجة في حق الجاهل ولولم يلتزم ولا يعمل ولا تعلم الفتوى بقصد العمل، كما ذهب الى كل واحد منها بعضهم ، نعم الحجية الفعلية المترتب عليها العذرية والتميز موقوف على العلم بقوله كما هو كذلك فى سائر الامارات .

وان كان من جاز تقليده متعددا ، فان اتفقوا فى الفتوى فالظاهر انه لادليل على تعيين واحد منهم، بلجاز تقليد جميعهم كما جاز تقليد بعضهم لان ادلة حجية الفتوى كادلة حجية الخبر انما تدل على حجية الفتوى بنحو صرف الوجود الصادق على القليل والكثير، فكما انه لو تعدد الخبر الدال على حكم يكون الجميع حجة

(جواز العمل بالاحتیاط للمجتهد و غیره)

(مسئلة 2) الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان اولا ، لكن يجب ان يكون عارفاً بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو التقليد .


على هذا الحكم ، كما يكون البعض حجة عليه ولا تختص الحجة بواحد معين او مردد كذلك الامر لو تعددت الفتوى ، وان اختلفوا فى الفتوى فيلزم فى مقام الحجية الفعلية تعيين واحد منهم ، وحينئد تكون الحجية الفعلية مشروطة بالاختيار الذى هو الالتزام بالعمل على طبق فتوى معين ، وهذا هو المراد من الاخذ المعبر به في الروايات يعنى الالتزام بالعمل على واحد منها مع المعارضة ، وبالجملة ليس لباب التقليد خصوصية بالنسبة الى سائر الامارات المعتبرة كالاخبار وغيرها .

الجهة الثالثة فى الاحتياط) وهو المحافظة على الشيء بالاحاطة الى جوانبه وجعل الحائطة على اطرافه، ولا ريب فى حكم العقل والنقل بجوازه بل حسنه ورحجانه مطلقاً حتى فيما كانت هناك امارة مغنية عن اصالة الاباحة والبرائة كما سيأتى انشاء الله تعالى، فانه سبيل النجاة وسالكه غير ناكب عن الصراط .

الأقوى جواز العمل بالاحتياط) الغير المخل بالنظام دون المخل لكونه نقضاً للغرض الذى هو انتفاع الخلق فلا يجوز بتاً ، والدليل على ذلك ما تقدم آنفا من حكم العقل والنقل بجوازه (مجتهدا كان اولا) لاطلاق الدليل المزبور واحراز الواقع به على كل حال (نعم) انما ذلك بعد ان اجتهد أو قلد في مسألة عدم اعتبار الجزم بالنية والا لا يتمكن من الاحتياط الا بالتشريع المحرم المنافي لذلك حقيقة.

لكن يحب ان يكون عارفا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد او بالتقليد اذا لظاهر ان الجهل بها مانع من حصوله لعدم احراز الواقع معه ، فلا يحصل الامن من العقاب بدونه ، فالوجوب هنا ارشادى عقلى من باب لزوم الطاعة لامولوى شرعى .

ثم لا يخفى ان الاحتياط المستلزم للحرج داخل في محل البحث على ما هو التحقيق من ان دليل نفى الحرج انما يدل على نفى اللزوم لا الجواز بخلاف دليل نفى الضرر ،

فان قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) نفى لحقيقة الضرر وموضوعه في الاسلام كناية عن عدم مضيه وامضائه فى الشريعة المقدسة ، ومن أجل هذا كانه ليس فى دائرة التشريع منه عين ولااثر

وهذا مثل قوله (لارهبانية فى الاسلام ولا اخصاء فى الاسلام) كناية عن عدم رضاء الشارع بهما وعدم مضيهما عنده ، وكذا مثل قول المولى لعبده ليس في بيتي جناية ولا خيانة ، يعنى من أجل عدم رضايته بهما وإمضائه لهما فكأنه ليس في بيته منهما عين ولا أثر ، وحينئذ فيدل قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) لاضرر ولاضرار في الاسلام ، بقرينة المقام ، وهو كونه بصدد بيان الحكم الشرعي والقضاء بين الانصارى وسمرة بن جندب على نفى مشروعية الفعل الضررى ، وعدم جوازه بأبلغ الوجوه .

وأما دليل نفى الحرج فانما يدل على نفى اللزوم فقط ، فان قوله تعالى : وما جعل الله عليكم في الدين من حرج ، انما يدل على عدم جعل الفعل الحرجي على عهدة المكلفين وعدم تكليفهم به ، وذلك لان الحرج كالعسر والاصر وامثالهما من العناوين اوصاف للافعال التي تعلق بها الاحكام لا لنفس الاحكام ، فالمتصف بهذه الصفة نفس العمل لا الوجوب المتعلق به ، فلا يقال وجوب الوضوء على مثل هذا الشخص حرجى الا من باب الوصف بحال المتعلق، وحينئذ فمعنى قوله تعالى: وما جعل الله عليكم في الدين من حرج، انه ما جعل على عاتق المكلفين وعهدتهم الفعل الحرجى وانهم لم يكلفوا به ، أما انه ليس بجائز لهم أيضاً فلا يستفاد منه ، ولوسلم انه من أوصاف الاحكام لا الافعال ولا أقل منه في الاية فلا تدل الاية المباركة أيضاً على نفى الجواز، وذلك لان مفادها حينئذ هو نفى جعل الحكم الحرجى، اى المستلزم للحرج على المكلفين ، ولا يخفى أنه انما يكون فى الحكم الالزامي دون غيره ، اذ لا ينشأ من الحكم الغير الالزامي حرج لجواز ترکه کفعله ؛ وعليه فلا يستفاد من الاية الشريفة نفى جواز الفعل الذي يكون حرجاً على المكلف مضافاً الى نفى اللزوم وهذا واضح

(جواز العمل بالاحتیاط ولو مع اسلزامه للتکرار)

(مسئلة 3) قديكون الاحتياط في الفعل، كما انما اذا احتمل كون الفعل واجباً وكان قاطعاً بعدم حرمته ، وقد يكون فى الترك ، كما اذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعاً بعدم وجوبه ؛ وقد يكون في الجمع بين امرين مع التكرارا كما اذا لم يعلم ان وظيفته القصر أو التمام .

(مسئلة 4) الاقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزماً للتكرار وأمكن الاجتهاد أو التقليد .


(قديكون الاحتياط فى الفعل كما اذا احتمل كون الفعل واجباً وكان قاطعاً بعدم حرمته) سواء كا.نت الشبهة حكمية او موضوعية ، فالاولى كالاذان او الاقامة والدعاء عند رؤية الهلال ؛ والثانية كالصلوة الى اربع جوانب عند اشتباه القبلة (وقد يكون فى الترك ، كما اذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعاً بعدم وجوبه) سواء كانت الشبهة حكمية اوه وضوعية ايضاً ، فالاولى كالنظر الى المرأة الاجنبية فى الماء والمنظرة والثانية كشرب المائع المردد بين كونه خمراً اوخلا ؛ وكالنظر الى المرأة المرددة بين كونها أجنبية اوغيرها من المحارم (وقد يكون في الجمع بين امرين مع التكرار كما اذا لم يعلم ان وظيفته القصر أو التمام) مع مراعاة ما ذكر من الاجتهاد أو التقليد فى مسئلة عدم اعتبار الجزم بالنية (هذا) ولا يخفى جريان نظير ذلك كله في الاستحباب والكراهة أيضاً .

(الأقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزماً للتكرار) سواء كان في العبادات أو المعاملات ، وذلك لامور (منها) احراز الواقع به مع كمال القدرة على تحصيله . (ومنها) الاخبار التي تندب اليه مطلقا ، كقوله (علیه السّلام) أخوك دينك فاحتط لدينك بماشئت ، وقوله (علیه السّلام) وخذ الاحتياط في جميع امورك ما تجد اليه سبيلا ، وقوله (علیه السّلام) دع ما يريبك الى ما لا يريبك، وقوله (علیه السّلام) لك ان تنظر بالجزم ، وتأخذ بالحائط لدينك وقوله (علیه السّلام) ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط، الى غيرها مما دل

على رحجان الاحتياط في العمل مطلقاً (ومنها) ثبوت المقتضى لذلك ، اعنى نفس الخطاب الواقعى فى موارد العلم الاجمالى فى المحصور وغيره وعدم المانع منه عدا وجوه واهية .

وهي على اقسام ثلاثة : (ألاول) ما يجرى فى جميع موارد الاحتياط (الثاني) ما يجرى فى العبادات (الثالث) ما يجرى في المعاملات .

(فالقسم الاول) من وجوه المنع عن الاحتياط هو الاخبار الدالة على وجوب التعلم (وفيه) أنها تأبى عن الحمل على الوجوب النفسى ، مع أنه لو سلم فلا يدل على المنع ، والوجوب الغيرى ممتنع ، لعدم المقدمية بين العلم والعمل، فالمراد منها الوجوب الارشادى الى حكم العقل المستقل من عدم معذورية الجاهل في مخالفة الواقع قبل التعلم (بداهة) ان في اليوم الموعود من جاء بالواقع لا يعاقب على ترك التعلم ، بل لا معنى للعقاب على ترك الطريق، حتى لو قلنا فرضاً بتقييد الواقع في دائرته ، بل لا معنى لتصرف الشارع فى الاحكام العقلية المستقلة خصوصاً في مرحلة الامتثال ، ولذا يرد على المحقق النائيني (رحمه الله علیه) حيث زعم جواز تصرفه في ذلك في مسئلة قاعدة الفراغ ما لا يخفى.

(والقسم الثانى) من ذلك أمور (الاول) ما عن المشهور من بطلان عبادة تارك طريقى الاجتهاد والتقليد معاً (وفيه) ان المشهور لا ينكرون الاحتياط ابداً ، ولذا حكى عن الشيخ دعوى الاجماع على الجواز ، بل انهم يقولون لا يمكن تحقق موضوعه فى العبادات خاصة، بزعمهم من الموانع التي ستعرف فسادها لا أنهم ينكرونه اصلا

(والثاني) ما عن ظاهر المحكى عن السيد المرتضى وأخيه الرضى(قدس سرهما) من دعوى الاتفاق على ذلك (وفيه) ان اجماع السيد (رحمه الله علیه) لا اعتبار به لاجل حدسه لذلك ببعض القواعد المسلمة عنه والمدارك الثابتة لديه ؛ وعلى فرض اعتباره فهو غير مرتبط بالمقام ، على ما حكى عن الشيخ ومقرره في تقريراته ، من ان السید (رحمه الله علیه) قال في مسئلة الجاهل بالقصر قد انعقد اجماع اصحابنا على بطلان صلوة من صلى

صلوة لا يعلم احكامها وقرره اخوه علم الهدی ، من ان السید (رحمه الله علیه) .

(ولا يخفى) انه متين ولا يحتاج الى دعوى الاجماع لانه مع الجهل بها لا يكون قاطعاً باحراز الواقع الذى هو لازم بحكم العقل لحصول الامن من العقاب ولا يجوز الاجتزاء به في نظر العقل في مقام الامتثال لعدم حصول الامن من العقاب المحتمل ، فيكون اجنبيا عن جواز الاحتياط الذى يحرز به الواقع وعدم جوازه .

(وكيفكان) فالظاهر ان الاجماع المزبور معقده بطلان الجاهل بالاحكام ولا غروفيه بالمعنى المزبور ، ويرشدك الى ما ذكر، أنا نفرض مجتهداً مطلقا عالما بكل الاحكام بالظنون الاجتهادية ، ويريد العمل بالاحتياط فلا اشكال في انه غیر داخل فی معقد الاجماع كما لا يخفى .

(والثالث) فوت قصد الوجه والتميز (والرابع) فوت الجزم بالنية (والخامس) فوت قصد العنوان (والسادس) فوت قصد القضاء والاداء (وفيه) انه لادليل على اعتبار هذه مع أن الجزم بالنية حاصل بان يقصد الواقع على ما هو عليه .

(ان قلت) يكفي في عدم تحقق الاحتياط المحرز للواقع احتمال دخلها في الغرض وان لم يدل عليها دليل (قلت) انه مدفوع بالاطلاقات المقامية ، اعنى عدم الدليل على اعتبارها وعدم بيان دخلها مع كونه في مقام بيان كلما له دخل في لعبادة فى طى بيان الاجزاء والشرائط ؛ وهو اعنى عدم الدليل فى مقام البيان دليل العدم (وح) فلا يصلح ذلك علة لوجوب الاحتياط في نظر العقل كاحتمال اعتبار شيئ جزء او شرطاً فى المأمور به فتأمل (والسابع) عدم تحقق الطاعة المعتبرة في العبادة اللازمة على العبيد عقلا (وفيه) انه ممنوع، لتحقق الاطاعة عند العقلاء بنفس الفعل الصادر عن داعى الامر ولو كان محتملا، والحاكم فيه هو العقل ، حيث يرى صدقها كمال الصدق ، بل كانت الطاعة والعبودية فيها اكثر اذا كان الاحتياط مستلزما لتكرارها (والثامن) اللعب والعبث بامر المولى ؛ وفيه (أولا) انه لالعب بامر المولى اذا اتى الفعل برجاء المطلوبية (وثانياً) ولو سلم كونه لعباً، ولكنه انما يضر بصحة العبادة اذا كان ذلك بالمأمور به لا الامر (وثالثا) لو سلم فانما يضر اذا كان في أصل

امتثال الامر لا فى كيفيته ؛ واللعب لو فرض تحققه فانما هو في كيفية الامتثال لا في نفسه ، وهي متأخرة عنه رتبة كما لا يخفى (والتاسع) مذمة العقلاء لفاعله (وفيه) أنه ممنوع ، كيف وانهم مسرعين فيه ويمدحون فاعله (والقسم الثالث) من ذلك ما عن الشيخ (قدس سره) من النقاش فى الاحتياط فى باب العقود والايقاعات بان الجزم المعتبر فيهاينا في الترديد الحاصل فيها (وفيه) أنه مندفع بان التردد فيما هو الممضى من السبب شرعاً غير التردد في الانشاء والاعتبار الذي هو أمر نفساني قائم بالمعتبر، والذي يضر بصحة العقد أو الايقاع هو الثاني دون الاول .

قوله قده (وأمكن الاجتهاد أو التقليد) لاطلاق ما تقدم من دليل الجواز خلافاً لما عن بعض الاعلام (قدس سره) من استقلال العقل باعتبار قصد الامر في حصول القربة مع التمكن منه ، فلا يجوز الامتثال الاجمالى مع التمكن من الامتثال التفصيلي بالاجتهاد او التقليد ، ولا اقل من الشك فيرجع الى قاعدة الاشتغال .

ولكنه ممنوع (أولا) انه لا ينحصر تحقق القربة المعتبرة في العبادة بما اذا اتى بالفعل بداعى الامر المتعلق به ، بل كما تتحقق به كذا تتحقق بداعى مطلوبيته و محبوبیته المولى ، لاجل وجود ملاكها فيه أورجاء ذلك (والحاصل) انها عبارة عن انيان العمل مضافاً الى الله تعالى، ومن أجله بأى وجه اتفق، ولا يعتبر فيها خصوص داعى الامر (وثانياً) انه لوقلنا بدخل ذلك في القربة ، فلا وجه لاختصاصه بفرض التمكن منه دون غيره (وثالثا) ان فعل كل من الاطراف ناش عن داعى الامر بفعل الواجب والاحتمال دخيل فى داعوية الأمر لا انه الداعى اليه .

ومن ذلك تعرف ان . تعرف ان مرجع الشك في المقام لو حصل الى الشك في اعتبار العلم بالامر زائداً على ذلك في حصول الطاعة والقربة بالنسبة الى الفعل المأتى به من الاطراف، فيكون من قبيل الدوران بين الاقل والاكثر ، لا الدوران بين التعيين والتخيير ( نعم ) بناء على ان الباعث على العمل والداعى اليه في المقام هو الاحتمال كما زعمه (قدس سره) فالشك في اعتبار الامتثال التفصيلي في ذلك يكون من التردد بين التعيين والتخيير لتباين نحوى الامتثال ، اذ فى احدهما يكون الداعي هو الامر ، وفي الاخر هو احتماله

(مسئلة 5) في مسئلة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً ، لان المسئلة خلافية .


ولكن يمكن ارجاعه الى الاول أيضاً ، بدعوى ان مرجعه الى الشك في اعتبار أمر زائد على أصل الامتثال الجامع بين التفصيلي والاجمالي؛ وهو خصوص التفصيلى الناشيء من داعوية الامر فى حصول الطاعة والقربة ؛ وفى مثله تجرى البرائة ، إذ الظاهر ان بيانه وظيفة المولى، فانه لاحكم للعقل في اعتبار قصد القربة في امتثال أوامر المولى بعد ان لا دلالة فيها على ذلك ، بل هى لا تدعوا الا الى متعلقاتها ، والاصل فيها انها توصلية لا تعبدية ؛ فلا بد في اعتبارها من دليل خارج من اجماع أو غيره والاشتغال فيها بقدر ما ثبت (اللهم) الا أن يكون الشك في ذلك شكا في المحصل في مقام الامتثال الذي هو مجرى لقاعدة الاشتغال بحكم العقل (فتأمل) .

في مسئلة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً) اذتكون المسئلة خلافية ؛ فلا يحصل بدونه الامن من العقاب ؛ لاحتمال حرمته ولو من حيث الطريق وان كان موجباً للعلم باداء الواقع ؛ وذلك كالعمل بالقياس ونحوه الموجب للعلم بالواقع أحياناً الممنوع عن العمل به شرعاً .

(فما ذكره) بعض أجلة السادة من مشايخنا المحققين (قدس سره) من أن الاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل ؛ انما هو لكونه موجبا للعلم باداء الواقع المؤدى الى الامن من تبعة مخالفته ، فاذا ادرك عقل المكلف لذلك كان مجتهداً في مسئلة جواز الاحتياط حينئذ ولزم الاكتفاء به ، والا امتنع الاكتفاء به الا ان يدرك عقله حجية رأى الغير فيفتى له بجواز الاحتياط فيكتفى به أيضا ، (وان كان سديداً) بالاضافة الى احراز الواقع والامن من تبعة مخالفته ، الا انه لا يوجب الامن من مخالفة الطريق؛ فانه لا يحصل الامن من مخالفته الابالاجتهاد أو التقليد في ذلك ، مع انه يحتمل تقييد الواقع بغير ما حصل من ذاك الطريق اعنى الاحتياط ؛ من جهة التسهيل على المكلفين أو عدم ابتلائهم بالوسواس (لان المسئلة خلافية) ولكن الخلاف لا يختص بجواز الاحتياط ، بل

(حکم عمل العامی بلا تقلید ولا احتیاط)

(مسئلة6) فى الضروريات لاحاجة الى التقليد، كوجوب الصلوة والصوم ونحوهما وكذا في اليقينيات اذا حصل له اليقين وفي غيرهما يجب التقليدان لم يكن مجتهداً اذا لم يمكن الاحتياط ، وان امكن تخير بينه وبين التقليد

(مسئلة 7) عمل العامى بلا تقليد ولا احتياط باطل .


جواز التقليد ايضاً خلافى ، فان المحكى عن علماء حلب وغيرهم من الاخباريين وجوب الاجتهاد عيناً وعدم جواز التقليد ، فلا وجه لاختصاص الاحتياط بذلك ، ولا يصلح ذلك علة الزوم الاجتهاد أو التقليد في تلك المسئلة ، والايلزم وجوب التقليد على العامى فى مسئلة جواز التقليد ايضاً بعين العلة وليس كذلك ، اذ لابد للعامى من أن يكون مجتهداً في مسئلة جواز التقليد والا لتسلسل ، على ان التعليل بذلك يشعر بأنه اذا كانت المسئلة اجماعية ؛ فلا يلزم عليه الاجتهادا و التقليد فيها (وهو كماترى) فالاولى التعليل بما ذكر ؛ فتذكر .

(فى الضروريات) التي يحصل فيها العلم الوجداني بالواقع لامجال للتعبد بالامارة ، سواء فى ذلك الفتوى ام غيرها لاختصاص الحجة بمن جهل الواقع ؛ اذ مع العلم به لا معنى لجعل الحجية لرأى الغير والتعبد به ؛ وأدلتها قاصرة عن شموله؛ وبهذا ظهر الحال في اليقينيات .

(عمل العامى بلا تقليد ولا احتياط باطل) اى لا يجوز الاكتفاء به في نظر العقل في مقام الامتثال وحصول الامن من العقاب ؛ مالم تنكشف صحته ومطابقته للواقع او للحجة المعتبرة فى حقه من رأى من يجوز تقليده ؛ لا بمعنى البطلان رأساً بحيث اذا انكشف مطابقته للواقع يلزم عليه الاعادة .

(نعم) ربما يتوهم الفساد في خصوص العبادات بالنسبة الى الجاهل المقصر الملتفت الى الاحكام المتردد فى صحة عبادته وفساده ؛ من جهة انه لا يتمشى منه قصد القربة المعتبرة فى العبادة ، ؛ فتبطل عبادته لاجل فقدها لما هو شرط في صحتها.

(مسئله 8) التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين وان لم يعمل بعد بل ولو لم يؤخذ فتواه ؛ فاذا اخذ رسالته والتزم بما فیها كفى فى تحقق التقليد .


(ولكنه مندفع) بان المفقود فى حقه انما هو الجزم بالنية دون قصد القربة وقد تقدم انه لا دليل على اعتبار الجزم بالنية فى صحة العبادة ؛ لعدم ظهور بناء العقلاء عليه ، بل يكفى فيها مجرد الاضافة الى المولى ولو باحتمال تعلق التكليف بها واقعاً ؛ والاتيان بها رجاء لدرك الواقع ، مع انه ينبعث المكلف فيها عن الارادة التشريعية المولوية ؛ ويكون احتمال الانطباق كالجزم به دخيلا في تأثير تلك الارادة ولا ينافيه الاقتصار على بعض المحتملات وترك الباقي؛ لامكان ان يكون ذلك لبعض الدواعى الاخر كالمشقة أو غيرها .

(وأما دعوى الاجماع) على ان من صلى صلوة لا يعلم أحكامها فهي باطلة كما عن السيد الرضى (قدس سره) وعن أخيه السيد المرتضى (قدس سره) تقريره عليها (فغير ثابتة) لما تقدم فى المسئلة الثانية ؛ مع احتمال أن يكون مرادهم بذلك هو عدم امكان الاجتزاء بها في نظر العقل ما لم يحرز مطابقتها للواقع أو للحجة المعتبرة كما لا يخفى ، وسيأتي تفصيل ذلك فى مسئلة (السادس عشر) انشاء الله تعالى .

(التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين وان لم يعمل بعد) بل قد تقدم انه عنوان لنفس العمل اعتماداً على رأى الغيروا ستناداً اليه المناسب حداً ، وهو لمعناه اللغوى الذى هو عبارة عن جعل القلادة فى رقبة الغير ، ويعبر عنه في العرفيات (بأنى اعمل كذا ويكون ذلك في رقبتك) مخاطباً لمن يشير عليه بالفعل ؛ والالتزام أجنبى عن هذا (نعم) قد سبق أنه لابد منه فيها اذا اختلف المجتهدون في الفتوى مع عدم الترجيح فى البين ؛ فانه لما امتنع ان يكون الجميع حجة للتكاذب الموجب للتناقض ولا واحد معين ، لانه ترجيح بلا مرحج ؛ ولا التساقط والرجوع الى غير الفتوى ؛لانه خلاف الاجماع والسيرة ظاهراً ؛ فتعين ان تكون الحجة

(حکم تقلید المیت ابتداء و بقاء)

(مسئله 9) الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ، ولا يجوز تقليد الميت ابتداء .


هى ما اختاره ، فيجب عليه الاختيار مقدمة لتحصيل الحجة ، وليس هو الا الالتزام بالعمل على وفق احدى الفتويين أو الفتاوى بعينها ، وحينئذ فالالتزام مقدمة للتقليد لا نفس التقليد .

الاولى تقديم البحث عن تقليد الميت ابتداء ثم البحث عن البقاء على تقليد الميت ، لاختصاص الثانى بوجوه لم تذكر فى الاول مع اشتراكهما في باقي الوجوه والمشهور بين الاصحاب بل عن جماعة دعوى الاجماع عليه هو عدم جواز تقليد الميت ابتداء .

وعن المحقق القمى (قدس سره) القول بالجواز مبنياً على ما زعمه من انسداد باب العلم والعلمى ، فينتهى الامر الى العمل بالظن ، ولافرق فيه بين ما هو حاصل من قول مجتهد حي ، أوما هو حاصل من قول مجتهد ميت (وفيه) انه لوسلم البناء لكن لا يسلم المبنى لفساده على ما قرر في محله ، وحكى عن العامة أيضاً إجماعهم على الجواز. وبالجملة فقد اختلف في جواز تقليد الميت وعدمه على اقوال فمنهم من ذهب الى جوازه مطلقاً ومنهم من ذهب الى عدم جوازه كذلك ومنهم من فصل بين تقليده ابتداء والبقاء عليه استدامة فجوز فى الثانى دون الاول ، وقيد بعض هؤلاء جوازه بقاء بالنسبة الى المسائل التي قلده فيها في زمان حيوته على اختلاف مشاربهم في التقليد وانه العمل أو الالتزام أو هما معاً أو غير ذلك .

فنقول يقع الكلام أولا في وجه المنع ، وقبل الشروع فيه لابد من بيان مقدمة وهی ان المجتهد الحى الذى يحتمل حجية قوله في قبال الميت اما أن يكون قوله موافقاً لقول الميت واما أن يكون مخالفاً له ، وعلى التقديرين اما نقول بكون التقليد عبارة عن نفس العمل الموافق لرأى الغير أو الالتزام برأيه أو هما معاً .

فان كان قول المجتهد الحى موافقاً لقول الميت، وقلنا بان التقليد عبارة عن

نفس العمل الموافق لرأي الغير، فليس من مورد النزاع في شيء ، اذ التقليد لكل منهما حاصل بالعمل الموافق لر أيهما بعد اتفاقهما فى الرأى كما هو المفروض ، فلا ثمرة للنزاع في جواز تقليد الميت وعدمه (نعم) لو قلنا بان التقليد عبارة عن الالتزام برأى الغير فتكون للنزاع فى ذلك ثمرة كما لا يخفى ، وكذلك لو قلنا بكونه عبارة عنهما معا ووجهه ظاهر .

وان كان قوله مخالفاً له فيكون مورداً النزاع المذكور سواء قلنا بأن التقليد عبارة عن العمل او الالتزام اوهما معاً ، لان له ثمرة على جميع الاقوال ؛ وحيث انا لا نقول بالالتزام فينحصر مورد النزاع بفرض واحد ، وهو ما أذا كان رأى الحى مخالفاً لرأى الميت مع كون التقليد عبارة عن نفس العمل .

ثم أنه قد تمسك المانعون عن جواز تقليد الميت بوجوه أوجهها بعد الاجماع المحكى عليه عن جماعة من الاصحاب والشهرة المحققة بينهم ه-و الاصل ، فانه بعد أن لم تكن الآيات والروايات دالة على التقليد أولم يكن لها اطلاق على تقدير دلالتها لكونها مسوقة لبيان أصل تشريعه ، فيحصل الشك في جواز تقليد الميت والاصل عدم جوازه ، ويمكن تقريب الاصل بوجهين .

(الاول) ان الذى يقتضى لزوم اصل التقليد اعنى حكم العقل هو الذى يقتضى لزوم تقليد خصوص الحى ، لانه لايقين بابراء الذمة الا بتقليد الحى لا تقليد الميت ان حجية قوله مشكوكة والشك فيها مساوق لعدمها ، فان من شأن الحجية احرازها وهذا الوجه كما يكون مستنداً للمقلد في تقليده كذلك يكون مستنداً للمجتهد في ارجاع مقلده الى حى غيره .

(الثاني) أن المقام يكون من باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجة فلابد في مثله من الاخذ بما يحتمل تعيينه دون غيره ، للقطع بحجيته تعييناً أو تخييراً والشك فى حجية غيره ، وهذا يكفى فى عدم اعتباره (وذلك) لان العقل مستقل بوجوب دفع الضرر المحتمل فيحكم بان الواجب للمكلف ان يعتمد في عمله على ما يقطع بحجيته فى حقه حتى يأمن من العقاب المحتمل دون ما يشك في حجيته ، اذ معه

كان احتمال العقاب موجوداً فلا يأمن من العقاب ، وحيث أنا نحتمل تعين حجية قول الحى دون الميت فلابد لنا من الاخذ به لكونه مقطوع الحجية دون غيره كما لا يخفى، وهذا الوجه ايضاً كما يكون مستنداً المقلد فى تقليده كذلك يكون مستنداً المجتهد في ارجاع مقلده الى حي غيره ، ولعل الوجهين يرجع احدهما الى الاخر.

(أقول) فيه أولا ان هذا الاصل الذى جعلوه وجهاً للمنع ممنوع على اطلاقه اذلو فرضنا كون الميت اعلم من الحى فلا مناص (ح) من الرجوع اليه لان رأيه كان اقرب الى الواقع ، ولا يعقل التفاوت في الاقربية بين الحيوة والممات حتى يكون رأى الحى اقرب من جهة حيوته .

(ان قلت) ليس وجه العقل هنا الاقربية الى الواقع ، بل هو كون جواز تقليد الحى بالنسبة الى الميت مقطوعاً به من حيث كونه مبرئاً للذمة يقيناً ولو بمنشأية توهم الاجماع على لزوم اتباع رأيه دون غيره ، ولذا ترى العوام يتحيرون بعد موت مقلدهم في بناء عملهم وانه من الذى يجب عليهم تقليده .

(قلت) انه على مسلك قال بان المراد بالاعلم من كان معرفته بالاحكام الشرعية أقوى بحيث انها لاتزول بتشكيك المشكك لقوة مبنى عرفانه ، فلا ريب في ان قوله أقرب ، فكان بالاتباع اصوب لدى العقل ، وعلى مسلك المختار من ان المراد به من كان اكثر اطلاعاً على الاحكام الشرعية ومداركها واجود استنباطاً من غيره ، (فح) يتعين تقليده وان لم نقل يكون قوله اقرب والمدار على الاقربية لكونه اكثر احاطة بموجبات الاستنباط المغفولة عن غيره ، فتكون النسبة بينه وبين غيره هى النسبة بين العالم والجاهل لقصور نظر غيره عما وصل اليه الاعلم .

وما ذكرت من أن وجه حكم العقل ليس هو الأقربية الى الواقع ، بل هو كون تقليد الحى مبرئاً للذمة يقينا ولو بمنشأية توهم الاجماع .

(ممنوع) اذ الاجماع حاصل على لزوم اتباع الاعلم أيضا فلايتم الاصل لوجود اجماعين مهملين فى ما اذا كان الميت هو الاعلم .

(ان قلت) دعوى الاصل مبنية على فرض ان الاجماع محصل على لزوم اتباع

رأى الحى واحتمال تعين الاخذ برأيه محقق دون غيره فيبقى جواز الرجوع الى غيره مطلقاً تحت الشك .

(قلت) بل الاجماع محقق على لزوم اتباع الاعلم سواء كان حيا أوميتادون غيره (وعليه) فيجيء احتمال التعين في خصوص الاعلم لاغيره ، فالاصل هو جواز الرجوع اليه لاغيره (وثانيا) ان الحاكم للتقليد سواء كان للمقلد أو للمجتهد أمور ثلثة ، الفطرة والدليل العقلى وبناء العرف والعقلاء ولا شبهة في ان مقتضاها كما يكون رجوع الجاهل الى العالم ، كذلك يكون رجوعه الى الاعلم أيضا بلا دخل للحيوة عندها أبداً .

(ان قلت) اذا كان الامر كذلك ، فلم لا يرجع المريض الى الطبيب الميت الحاذق ولا يعمل بما في نسخته الموجودة مما يوجب برئه عن مرضه ، بل يرجع الى الحى الذى ليس كمثله في الحذاقة .

(قلت) هذا انما يكون لاجل تشخيص صغرى المرض وانه ما هو لا لاجل ما يعالج به مثل هذا المرض ولذا لوتيقن بحقيقة مرضه وبما يعالجه به الطبيب الميت الحاذق لما ير ى نفسه محتاجا الى الرجوع الى الحى الذى ليس كمثله في الحذاقة بل لا يصغي اليه والحال هذه أبداً (وتوهم) ان العالم على قسمين (أحدهما) العالم بلا أعمال الرأى كالحافظ للروايات والعارف باللغات (الثاني) العالم مع أعمال الرأى والتصرف كارباب الصناعات والمقومين للاشياء ، وفى الثاني لابد في الرجوع اليه من بقاء رأيه الملازم لبقاء حيوته ؛ دون الاول ؛ وحال المفتي كالثاني في ذلك ولذا لو تبدل رأيه في حيوته لا يؤخذ برأيه الاول ويبطل العمل به ؛ فلو لم يكن دخل لبقاء الرأى فما معنى بطلانه بالتبدل .

(مدفوع) بأنه لاشك فى اعتبار بقاء الرأى فى الرجوع اليه وجداناً أو تعبداً لكونه موضوعاً للاخذ والعمل ، وكلامنا في لزوم الرجوع الى الافضل بلا دخل للحيوة فيه انما يكون فى فرض احراز بقاء رأيه كما لا يخفى (نعم) ربما ادعى الاجماع على عدم جواز تقليد الميت ابتداء فهو إما ان يكون تاماً أو يوجب احتمال دخل

الحيوة تعبداً فيتم الاصل في الحدوث لا البقاء .

وقد يمكن تقرير الاصل بوجهين آخرين أيضاً (احدهما) ان التقليد عمل بماوراء العلم وهو منفى بالاثار والاعتبار وقد خرج منه قول الحى بالاجماع وبقى الباقى تحت الاصل (الثاني) ان الذمة مشغولة بالعبادة كالصلوة ، ولا يحصل الخروج عن عهدتها الابتقليد الحى ، لان تقليد الميت محل الخلاف والاشكال ومعركة للاراء بين الاصحاب، فقاعدة الشغل واستصحابه يقتضيان المنع من تقليد الميت ، هذا في العبادات وأما في المعاملات فاصالة عدم ترتب الاثر محكمة ، ولا مخرج عن ذلك عد ما استند اليه المجوز من وجوه لا يخلو شيىء منها عن المناقشة

(الوجه الاول) ولعله أوجهها هو الاستصحاب ويقرر (تارة) بالنسبة الى حال الفتوى (وأخرى) بالنسبة الى حال المفتى ( وثالثة) بالنسبة الى حال المستفتى، فيقال أن المجتهد فى حال حيوته كانت فتواه معتبرة وكان هو ممن يجوز تقليده وكان للمقلد الاستناد الى قوله فى عباداته ومعاملاته ، فيشك في بقاء هذه الاحكام الثلاثة بعد موته فيحكم ببقائها بمقتضى الاستصحاب لها ، ولا يخفى ان هذه الاستصحابات متقاربة ويرجع بعضها الى بعض ، والعمدة التى هى الجامع بينها هو استصحاب حجية رأيه حال حيوته الى ما بعد موته .

وأورد عليه بأمور (الاول) انه يشترط في جريان الاستصحاب بقاء الموضوع وليس فى المقام كذلك ، اذا الموضوع للحجية هو رأى المجتهد وهو يزول بموته .

(ان قلت) ان الرأى قائم بالنفس الناطقة وهي باقية بعد الموت وخراب البدن لكونها من المجردات.

(قلت) انه وان كان باقياً بحسب الواقع ببقاء النفس الناطقة المجردة عن المادة الا انه لابقاء له بعد الموت بنظر العرف وهو المناط فى باب الاستصحاب كما لا يخفى .

(وأجيب عنه) بأن الرأى وان زال بالموت بالنظر العرفي الا أنه لا يشترط فى الاستصحاب بقاء ذات الموضوع عرفاً ؛ بل التحقيق هو اشتراط اتحاد القضية

المتيقنة والمشكوكة وهو حاصل ؛ اذ يكفي في استمرار الحجية له حدوث آناما بحيث يكون رأى المجتهد الحى بوجوده الحادث حجة على المكلفين ألى ألابد وان مات المجتهد .

(توضيحه) ان الاحكام المجعولة فى الشريعة المقدسة على قسمين (أحدهما) ان يكون الحكم دائراً مدار الموضوع حدوثا وبقاء كحرمة شرب الخمر فان الشيىء مادام خمراً يحرم شر به فاذا انقلب خلا انقلب حلا ولا يبقى حراما بعد ذلك (ثانيهما) ان يكون حدوث الموضوع كافيا في حدوث الحكم وبقائه كحرمة الاقتداء بالمحدود فان وقوع الحد عليه في زمان يكفى فى عدم جواز الصلوة خلفه مادام حيا ؛ وحجية الاراء عند العقلاء تكون من هذا القبيل ؛ فان بنائهم على العمل بآراء الخبراء في مختلف العلوم والموضوعات الخارجية ولو بعد موت أهل الخبرة والعالم والخبير في ذلك الفن ؛ ومن ذلك أيضا يكون رأى المجتهد شرعا في باب الاحكام ؛ فاذا شك في بقاء حجيته بعد موته تستصحب الحجية الى ما بعد موته .

وفيه (أولا) انه لو ثبت أن رأى المجتهد فى الاحكام الشرعية من قبيل سائر الاراء عند العقلاء في كونه بحدوثه موضوعاً لترتب الاثر عليه حدوثاً وبقاء وتمت سيرتهم على ذلك من دون ردع الشارع عنها ، فهي كاشفة عن بقاء حجية رأى المجتهد الى ما بعد موته (وحينئذ) فلا يشك في حجية رأيه بعد موته كي يستصحب ، م--ع انه لم تثبت تلك الدعوى بعد وعهدتها على مدعيها ولا سيما في فرض اختلاف رأى الميت مع الحى الذى هو مورد الاثر وموضع الثمر كما لا يخفى .

(وثانياً) ان الموضوع في المقام ليس هو الرأى بما هو حتى يقال ان حدوثه كاف في ثبوت الحجية له حدوثاً وبقاء وان ارتفع الرأى خارجاً ، بل الظاهر ان اللازم على العامى هو الرجوع الى الفقيه والعالم والناظر في الحلال والحرام واهل الذكر وغيرها من العناوين المأخوذة فى الادلة غير القابلة للانطباق على الميت (فحينئذ) لا تتحد القضية المتيقنة والمشكوكة ، اذ الظاهر منها هو اتصاف المرجع بهذه الاوصاف حين رجوع العامى اليه ، ولا عبرة باتصافه بها فيما مضى ، اللهم الا ان

(حکم استصحابه حجیة رأی المجتهد)

يقال انه لاخصوصية الرجوع اليه والسؤال عنه ، بل هي مقدمة لتعلم الاحكام والعمل بها حسبما يقضيه رأيه، فان علم به ولو بالرجوع الى رسائله وكتبه أو غير ذلك وعمل به كان مجزياً والادلة المزبورة ارشادية .

(وثالثاً) أن الموضوع لو كان هو الرأى بما هو ولكنه يحتمل اختصاص الحجية برأيه حال حيوته وعدمها بعد مماته ولو بملاحظة الاجماع المدعى على لزوم الرجوع الى الحى دون الميت ، فيعارض استصحاب حجية ذاك الرأى باستصحاب عدم اعتبارها بالنسبة الى ما بعد الموت فيتساقطان ، فيرجع الى أصالة عدم الحجية التي ذكرت وجهاً للمنع (نعم) لوتمت السيرة المزبورة لا ندفع بها الاحتمال المذكور ، ولكن الشأن في ثبوت السيرة وتماميتها كما قد عرفت .

(الامر الثانى) أنه لا يقين سابق بحجية رأى المجتهد الميت بالاضافة الى الجاهل المعدوم فى زمانه ، كي تستصحب الحجية بالاضافة اليه فيما بعد الموت ، وانما ثبت اليقين بالحجية بالاضافة الى الموجودين في زمان حيوته فقط .

(وأجيب عنه) بأن المجعول الشرعى ه-و الحجية للجاهل على نحو القضية الحقيقية التي تشمل الافراد المحققة وجوداً والمقدرة كذلك ، كما هو حال القضايا المتعارفة المتداولة ، لاعلى نحو القضايا الخارجية التي لا تشمل الا الافراد المحققة

دون المقدرة .

(وفيه) ان الحجية المستصحبة ان أريد بها الحجية الفعلية (فحينئذ) إما ان يراد بالاستصحاب الاستصحاب التنجيزى وإما أن يراد به الاستصحاب التعليقى .

(والاول) لا يمكن لانه لم يكن الرأى حجة فعلية في حق المعدومين في زمان حيوته کى تستصحب في حقهم الى بعد مماته .

قالى

(وأما الثاني) أعنى انه لو كانوا موجودين في حيوته لكان رأية حجة في حقهم فتستصحب الحجية الى ما بعد الموت (فهو ممنوع) كما قد قرر في محله وستجييء الاشارة الى وجه المنع عنه انشاء الله تعالى .

وان أريد بها الحجية في مرحلة الانشاء والجمل دون الحجية الفعلية فالاستصحاب

فى هذه المرحلة وان لم يكن من الاستصحاب التعليقى ؛ الا أنه من الاستصحاب مع الشك في المقتضى للجعل ؛ كالاستصحاب مع الشك في المفهوم سعة وضيقاً الذى ليس الشك فيه شكاً فى البقاء حقيقة ، بل الأمر فيه انما يدور بين ما هو باق قطعاً وما هو زائل بتاً (ففى المقام) الشك انما يكون فى سعة الجعل وضيقه لاحتمال تقيد موضوع الجعل بحيوة المجتهد ، فمن لم يكن موجوداً في عصر المجتهد أولم يكن بالغاً فصار موجوداً أو بالغاً بعد عصره يشك فى شمول الجعل بالاضافة اليه (ومعه) يرجع الى استصحاب عدمه ، لان القدر المتيقن هو جعل الحجية لرأى المجتهد الحي بالاضافة الى الموجودين البالغين في عصره ، وبمثل هذا استشكل استصحاب احكام الشرائع السابقة واستصحاب عدم النسخ في شريعتنا المقدسة ؛ لوجود القدر المتيقن في الموردين ؛ وفي الزائد يرجع الى استصحاب العدم السابق لعدم العلم بانتقاضه الا بالمقدار المعين، ولو فرض صحة الاستصحاب المزبور من جهة المقتضى ولكن يشكل جريانه بما حقق فى الاصول من عدم امكان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية الالهية لوجود المانع؛ أى لمعارضته دائماً باستصحاب عدم الجعل؛ بيانه بنحو الاجمال أن الشك في بقاء المتيقن فى الشبهة الحكمية يلازمة الشك في سعة العالم الجعل وضيقه باعتبار عموم المجعول وخصوصه ، فاستصحاب الحكم المجعول الى ظرف الشك يعارضه استصحاب عدم الجعل فى غير المقدار المتيقن جعله ، كما في مسئلة استصحاب نجاسة الماء المتغير بالنجاسة اذا زال تغيره بنفسه ، فان استصحاب نجاسته بعد زوال تغيره من قبل نفسه يعارض باستصحاب عدم جعل النجاسة للماء فى الفرض المزبور (ففى المقام) القدر المتيقن انما هو جعل الحجية لفتوى المجتهد حال حيوته ، وأما جعل الحجية لفتواه بعد مماته فهو مشكوك فيه ، فيرجع الى أصالة عدمه ويعارض بها استصحاب الحجية الثابتة حال حيوته .

هذا مضافاً الى ما يرد فى المقام من أن استصحاب الحجية انما ينتج فيما اذا كان الميت اعلم من جميع المجتهدين الاحياء أو انه لم تعلم المخالفة بينه وبينهم اذا لم يكن أعلم ، وأما اذا علمت المخالفة وكان في الاحياء من هو أعلم منه أو مساوياً

له في الدرجة لم يكن قوله حجة ، أما مع وجود الاعلم فالوجه فيه ظاهر، وأما مع التساوى فلان دليل الحجية لا يشمل المتعارضين ؛ والقائل بالتخيير انما استند فيه الى الاجماع ، ومن الظاهر أنه لا اجماع فى المقام، فالامر فيه دائر بين التعيين والتخيير في الحجية ؛ والمرجع فيه أصالة الاشتغال لان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها ، فلا بد من الاخذ بمقطوع الحجية تحصيلا للفراغ اليقيني ، فتحصل مما ذكر أن استصحاب حجية رأى المجتهد بعد موته إما أن لا يتم في نفسه وإما أن لايفيد القائل بجواز تقليد الميت إبتداء لهيا اوسنا العارية كلها الجداً

(الأمر الثالث) أنه يلزم فى المستصحب أن يكون حكماً شرعياً وموضوعاً ذا حكم شرعى ؛ كي يصح التعبد ببقائه والنهى عن نقضه ، وما يمكن استصحابه في المقام أحد أمور .

(أحدها) الحجية العقلائية ولزوم الاتباع عن ذوى الاراء والخبراء في كل فن حسب ما ارتكز في أذهان العقلاء وأنفسهم؛ وبنوا عليه أيضا من رجوع الجاهل الى العالم فى فنه ، وهذا ليس بحكم شرعى ولا بموضوع ذى حكم كذلك ؛ حتى يصح استصحابه .

(ثانيهما) الحجية الشرعية وجواز العمل للعامى على وفق رأى المجتهد وفتواه شرعا ، وهو أيضا فرع ان يكون هنا جعل شرعى ؛ سواء كان المجعول هو الحجية أو جواز العمل ، وليس في المقام جعل شرعى ؛ بل المحقق انما هو تنفيذ الامر العقلائى من جواز اتباع العالم والاستناد اليه فى رأيه وفتواه ، والظاهر انه لم يكن في الادلة شيىء مما يصلح الاعتماد عليه دالا على جعل الشارع لزوم العمل برأى المجتهد أو جوازه .

(ثالثها) الاحكام الواقعية ، ولا ريب في أن استصحابها متوقف على اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وكلاهما غير حاصل .

(أما الأول) فلعدم اليقين الوجداني حال موت المجتهد بثبوت الحكم الواقعي فى حال حيوته ، اذ لا منشأ له وكذا اليقين التنزيلى ، وكون رأيه بمنزلة اليقين

مسلم ؛ ولكن لوثبتت حجيته حال موته ؛ وهو أول الكلام وبعد محل النزاع في المقام وأما حجيته حال حيوته على ثبوت الحكم الواقعي في تلك الحالة فلا توجب اليقين التنزيلى حال موته باصل الثبوت ؛ فلا يقين في حال الموت بثبوت الحكم الواقعي من أول الامر ؛ ولاما هو بمنزلته كي يجوز استصحابه .

(وأما الثاني) فللعلم بثبوت الحكم الواقعى وبقائه على فرض الحدوث ؛ ولا شك في البقاء على الفرض المزبور ، وذلك لان الشك في البقاء إما ان يكون من أجل الشك فى طرو النسخ اليها أو من اجل فقدان شرطه كاحتمال شرطية حضور الامام (عليه السلام) في صلوة الجمعة أو من عروض مانع كالحرج مثلا ، وليس الشك فيها مستنداً الى أحد هذه الامور كما لا يخفى .

(واندفع) بهذا توهم صحة التعبد في المقام بالبقاء على فرض الحدوث وجعل الملازمة بينهما من دون لزوم اليقين به لا وجداناً ولا تنزيلا على ما بنى عليه المحقق الخراسانی (قدس سره) وحينئذ فالدليل على البقاء يكون هو الدليل على الثبوت حال الحيوة أعنى رأى المجتهد في هذا الحال .

(وجه الاندفاع) أنه لاشك فى البقاء على فرض الحدوث، وانما الشك في أصل الحدوث حال الاستصحاب الذى هو حال الموت ؛ لعدم اليقين به حينئذ لا وجداناً ولا تنزيلا كما ذكر ، والدليل على الثبوت انما يتم حال الحيوة ، وأما حال المماة فلم يتم بعد دليل على الثبوت مطلقاً ولو ثبوت الحكم في حال حيوة المجتهد كي يحكم ببقائه باليقين او الاستصحاب الى بعد وفاته .

(رابعها) الاحكام الظاهرية بناء على جعل الشارع للحكم المماثل عقيب فتوى المجتهد ورأيه ، وتقريب الاستصحاب فيها أن هذا المقلدوان لم يثبت في حقه حكم ظاهرى الى حين موت المجتهد لعدم وجوده فى حيوته او عدم تكليفه أصلا حينئذ ولكنه بحيث لو كان موجوداً فى حيوته ورجع اليه لثبت في حقه الحكم الظاهري فيستصحب ذلك الى ما بعد موت المجتهد ووجود هذا المقلد ، فيثبت حينئذ أنه لو رجع اليه لكان محكوماً بالحكم الظاهرى .

(وفيه) بعد تسليم الاستصحاب على هذا المنوال ، ولكنه لا دليل على صحة المنبى وان الشارع جعل حكماً مما ثلاً عقيب الرأى والفتوى ، بل الظاهر أنه أمضى ما هو الدارج الدائر بين العقلاء من رجوع كل جاهل إلى العالم والعمل على وفق رأيه بلا تأسيس ولاجعل للحكم المماثل كما قيل به في حجية الامارات .

(ان قلت) نعم ولكن يستصحب ذاك الذي أمضاه الشارع من العمل الذي هو التقليد في الحقيقة .

(قلت) هذا انما يتم بالاضافة الى من عمل على وفق رأيه حال حيوته دون من لم يدرك حيوته أولم يعمل بعد برأيه الا على نحو التعليق الذي هو محل الاشكال كما سبق (نعم) يمكن ان يكون ذلك دليلا للبقاء على التقليد لا التقليد ابتداء كما هو مفروض الكلام .

فقد تحصل مما ذكر أنه ليس فى المقام مجعول شرعى ولا ما هو موضوع لذلك ، بل الثابت انما هو حجية قول اهل الخبرة للجاهل حجية قول اهل الخبرة للجاهل بحسب ارتكاز العقلاء وبنائهم ؛ وليس هو موضوعاً لحكم شرعي؛ بل لحكم عقلى هو تنجز الواقع به على المكلف فيما اذا انكشف رضى الشارع به من امضائه أو عدم الردع عنه .

(ان قلت) لازم ما ذكرت سد باب الاستصحاب فى الاحكام التي هي مؤديات الطرق والامارات لانها كالفتوى تكون أمارة الى الحكم الواقعي ، ولو شككنا في بقاء مؤدى الامارات حكمنا ببقائه بلا اشكال ، فلتكن فتوى المجتهد كذلك .

(قلت) الفرق بينهما أن الشك فى مفاد الامارات متعلق ببقاء نفس الحكم الذى أدت اليه الامارة لاجل احتمال طر و النسخ عليه او فقدان شيىء يحتمل شرطيته كالحضور في صلوة الجمعة (وأما المقام) فليس الشك فيه متعلقاً ببقاء نفس الحكم الذى أدى اليه رأى المفتى ، بل هو على تقدير حدوثه ووجوده من أول الامرباق قطعاً ، وانما الشك تعلق بمقدار حجية رأيه وفتواه وانه كما يكون دليلا على الثبوت حدوثاً يكون دليلا على البقاء (وبعبارة اخرى) تعلق الشك بمقدار كاشفيته شرعا عن الواقع وأنه كاشف عنه مطلقا او يختص كاشفيته بحال الحيوة كما لا يخفى ، ولو

فرض تحقق الشك في الامارات بهذه المثابة أيضا لقلنا بعدم جريان الاستصحاب فيها لذلك .

(ان قلت) بناء على لزوم الجزم فى النية فى أجزاء العبادات وشرائطها يلزم القول بجعل المماثل في الامارات ومنها فتوى الفقيه والايلزم اتيان كثير منها رجاء لعدم قيام الدليل القطعى على جزئيتها وشرطيتها ؛ فلا مناص من القول باستتباع الامارات احكاما على طبق مؤدياتها .

قلت (أولا) لا دليل على اشتراط الجزم فى النية فى العبادات كما تقدم ؛ لعدم ظهور بناء العقلاء عليه في حصول الطاعة؛ وعدم المجال لدعوى الاجماع فيه اذا لمسئلة عقلية لاشرعية (وثانيا) أن الجزم يمكن حصوله بلا احتياج الى القول باستتباع الامارات لاحكام مماثلة لمؤدياتها ، (وذلك) لان احتمال الخطاء والخلاف مغفول عنه عند العقلاء حين العمل بالامارات الدائرة بينهم ، فانهم يعملون معها بصرافة طبعهم و ارتکاز هم معاملة العلم والجزم ، وليس ذلك الامن جهة عدم انتباههم وغفلتهم عن ذاك الاحتمال ، وهذا نظير معاملاتهم السوقية ؛ حيث انهم يبيعون ويشترون على وجه الجزم مع انه مبنى على كون البائع مالكا ؛ ولا طريق لهم غالبا على ملكيته الا اليد التي هي من أماراتها ، فهذا ليس الامن أجل عدم انقداح احتمال الخطاء والخلاف في أذهانهم (وثالثا) أن استتباعها للحكم الظاهرى في خصوص فتوى المجتهد ليس محصلا للجزم اذا لعامي انما يعمل بفتواه من أجل كونها طريقا الى الواقع وكاشفا عنه كسائر اهل العرف ؛ حيث انهم يعملون بآراء أهل الخبرة فى سائر النمنون من هذه الجهة وحينئذ فاستتباع فتوى المجتهد للحكم الظاهرى أمر يغفل عنه العامى حين العمل على وفقه ، فكيف يمكن أن يكون مناطا لحصول الجزم مع عدم انقداح ذلك في ذهنه وهذا ظاهر .

(الوجه الثاني) ما عن بعض من أن دليل جواز التقليد لزوم العسر والحرج على العامى لو لم يكن قول المجتهد حجة، وهو كما يندفع بأخذ قول الحي كذلك يندفع بأخذ قول الميت .

(وجه جواز تقلید المیت والجواب عنه.)

وفيه (أولا) أن الدليل ليس منحصراً فيه ، وقد تقدم مما يدل عليه وسيأتى انشاء الله تعالى (وثانياً) أنه لا ينيد الحجية ( وثالثاً) أنه لا يفيد اذا لزم عسر شخصى (ورابعاً) أن قول الحى مقطوع الجواز ، وبعد اندفاع العسر والحرج به لا يثبت حجية قول الميت .

(الوجه الثالث) أنه لو لم يجز تقليد الميت لما أجمعوا على النقل عن السلف وعلى وضع الكتب ، اذ لا فائدة في هذين الا العمل باقوال السلف والاعتماد عليها الت في العبادات والمعاملات وليس هذا الا التقليد ، ولا ينا فى ذالك كون المراجعين الى كتبهم هم العلماء ؛ فان العمل بقول الموتى على تقدير حرمته تساوى فيه العامي والعالم .

(وفيه) أن المراجعة الى كتب السلف ليس للعمل باقوالهم تعبداً ، بل للاستعانة على فهم مدرك المسئلة وكيفية الاستنباط وأطوار الاستدلال وأنواع الاستخراج من الادلة والاحاطة بالاخبار والالتفات الى الاسرار وأى نفع اعظم من ذلك ، فيتخيل أن هؤلاء الاجلة كان بعضهم يقلد بعضاً ، كيف وهم صرحوا في كتبهم الاصولية والفقهية بعدم جواز التقليد في المقام ، كما تقدمت الاشارة اليه فى صدر المسئلة .

(الوجه الرابع) أن كثيراً من البلاد والازمنة فاقدة لمجتهد حي، فلولم يجز العمل بقول الميت لزم العسر والحرج المنفيين فى الشريعة المقدسة .

(وفيه) أنه على فرض الاقتصار على فتوى الاحياء فمنعه واضح ، ولو فرض لزومهما أحياناً فهو لا يقتضى فتح باب التقليد للاموات مطلقاً، بل يتقدر بقدره كما هو الشأن في سائر الاحكام والتكاليف الشرعية.

(الوجه الخامس) أن قول الميت مفيد للظن، وكلما كان كذلك فهو حجة في حق المقلد ، أما الصغرى فوجدانية ، وأما الكبرى فلدليل الانسداد (وتقريبه) أن التكاليف باقية ، وباب العلم منسد فى حق المقلد ، والظن الخاص مفقودلان الدليل على جواز الاخذ بقول المجتهد تعبداً مفقود ، اذ الادلة اللفظية من الكتاب والسنة غير واضحة الدلالة لما فيها من المناقشات الى ماشاء الله ، ولو سلم فلا يحصل منها الا

الظن المعلوم عدم حجيته فى اثبات الطريق الشرعي ، والادلة اللبية من الاجماع والضرورة والسيرة غير ثاتبة ، لان السلف المعاصرين للامام كان باب العلم فى حقهم مفتوحاً وكانوا يعملون به ، والاجماع موهون بخلاف جملة من الاصحاب كفقهاء الحلب والاخباريين ؛ فلا مناص المعامى الا الاعتماد على الظن كالمجتهد لان الاقتصار على القدر المعلوم من الضرورة والاجماع من التكاليف يقتضى الخروج عن الدين لكونه فى غاية القلة ، والزام الاحتياط يستلزم العسر والحرج ؛ وهذا الدليل مما احتج به الفاضل القمى (قدس سره) على ما حكى عنه امختاره من جواز تقليد الميت أو وجوبه اذا كان الظن الحاصل من قوله أقوى .

ويرد عليه (أولا) أنه لو تم فانما يقتضى تقليد الميت اذا كان الظن الحاصل من قوله أقوي من قول الحى ، وأما فى صورة التساوى فلا الا بضميمة عدم القول بالفصل الذي لا يناسب ممن لا يعترف بكون جواز اصل التقليد اجماعياً ، وذلك لان العمل بقول الميت مع وجود الحى المساوى موقوف على حكم العقل بالتخيير بينهما، والتخيير العقلى لا يجتمع مع احتمال المرحج ، وما ذكر من نقل الاجماعات المستفيضة وغيره على المنع لولم يقتض تعين قول الحى وترجحه على قول الميت ، فلا اقل من قيام الاحتمال ، ومع قيامه لا يحكم العقل بالتخيير جداً ، بل يأخذ بالقدر المتيقن .

(وثانياً) أن انكار الظن الخاص بمنع قيام الدليل على حجية قول المفتي في حق المقلد تعبداً (مكابرة واضحة) لان جواز التقليد للعامى فى الجملة معلوم بالضرورة من المذهب بل من الدين ؛ كسائر الاحكام الضرورية مثل وجوب الصلوة والصوم ؛ يتحقق موجبها من مسيس الحاجة وتوفر الدواعى واستقرار طريقة السلف المعاصرين للامام (علیه السّلام)والخلف من العالم والجاهل والشريف والوضيع الى يومنا هذا عليه ، فانکار نادر ممن اختل طريقته كالاخباريين ليس الا كانكار من منع عن ثبوت التكاليف الشرعية في حق الواصلين الى درجة اليقين من حيث عدم القدح في انعقاد الاجماع ، وأما انكار بعض فقهاء حلب فمع عدم منافاته لانعقاد الاجماع في

هذا اليوم على طريقة المتأخرين من دورانه مدار الكشف فلعله لاجل بعض الشبهات السابقة الى اذهانهم .

(الوجه السادس) ما حكى عن السيد الجزائرى (قدس سره) من ان قضية المنع صحة إحدى صلوتى المقلد وبطلان الاخرى اذا مات المجتهد بين الصلوتين ، ولازم هذا ان يكون شريكاً للشارع فى الاحكام الشرعية ، وهذا لا ينطبق على اصولنا لان علمائنا يحكمون كلام الشارع ويعملون به فلا تفاوت في اتباع اقوالهم بين حيوتهم ومماتهم ، وانما يناسب هذا لو كان صادراً من رأيه كما كان الكوفي كذلك حيث قال في مسجد الكوفة قال على (علیه السّلام) كذا ، وانا اقول كذا .

(والجواب عنه) بالنقض والحل (أما الاول) فينقض بحال الحيوة فيما لو عرض للمجتهد الفسق او الجنون او الكفر او تغيير الرأى الى غير ذلك من اسباب العدول (وأما الثاني) فبان هذا الكلام مبنى على ان تكون الفتوى هى الرواية المنقولة بالمعنى ، وقد قرر الفرق بينهما ؛ ولذلك لا يجوز التقليد فيما طرء النسق بعد الفتوى مع جواز الاخذ بروايته حال العدالة كالاخذ بها حال الافاقة فيما لوجن فالمجتهد (تارة) يكون اهلاً لان يطاع (واخرى) لايكون وليس ذلك شركة المشارع فان هذه الاحكام مأخوذة منه .

(الوجه السابع) سيرة المتشرعة واصحاب الائمة (علیهم السّلام) على اتباع آراء علمائهم وان كانوا امواتاً (وفيه) أن دعويها على الرجوع ابتداء الى الاموات (مجازفة) وان سلم كونها متحققة بالنسبة الى البقاء فيما اذا اخذ الرأى وعمل به حال حيوته ثم مات ، كيف وان التقليد الابتدائى كان غير ممكن في تلك الاعصار التي لم يكن ذكر الفتاوى وتدوينها مرسوما في كتاب ؛ بل المعهود انما هو تدوين الحديث وهو اعم من الافتاء بمضمونه كما لا يخفى ؛ هذا مع انه على فرض تسليم وقوع اصل الاجتهاد و اعمال النظر بينهم ؛ ولكنه ليس بهذه المثابة التى فتح بابها ابن جنيد ، فلا يمكن استكشاف رضاء الشارع بهذه من عدم ردعه عن ذلك ؛ والجامع لا يجدى في اثبات الخصوصية كما قد سبق بيانه .

(الوجه الثامن) الاجماع على ذلك ؛ ولكن المنقول منه لم نقف عليه وأما المحقق فيمكن استعلامه من عدة أمور لا تزيح علة ؛ فدعواه على هذه المسئلة التي نقل عن غير واحد من الاساطين والاكابر عدم الخلاف فيها كما تقدم (مجازفة بهتة) وعهدتها على مدعيها .

(الوجه التاسع) السيرة العقلائية واستقرار طريقة العرف والعقلاء قديما وحديثا على الرجوع في كل ما يجهلونه من امور معاشهم ومعادهم وفي مختلف العلوم والموضوعات الخارجية الى أهل الخبرة والعالمين بذلك كما يرجعون اليهم في حل المنازعات والخصومات من دون فرق بين حال حيوتهم ومماتهم ، فكما يعملون بآراء الاحياء يعملون بآراء الامرات وانظارهم ؛ كما انهم لا يفرقون في العمل بقولهم بعد الرجوع اليهم بين بقائهم أحياء وموتهم قبل العمل ؛ ومقتضى ذلك جواز تقليد الميت ابتداء وبقاء .

(أقول) لا ريب فى أن حجية الاراء من ذوى الفنون في حق غيرهم ارتكازية للعقلاء ، وانهم لا يفرقون حسب ارتكاز هم بين الاحياء منهم والاموات في حجية آرائهم إذ المرتكز في اذهانهم ان الاراء كلها طرق وامارات الى الواقع كسائر الامارات ، ولا دخل للحيوة في طريقية الاراء عندهم ، ولكن مجرد كون ذلك ارتكازياً من دون الجرى على وفقه خارجاً لا يكفى فى اثبات المدعى ، بل لابد له من امرين آخرين (احدهما) الجرى على وفق ذلك مع كونه بمرأى من الشارع (ثانيهما) امضائه لذلك بالدليل اللفظى او عدم الردع عنه (والاول) غير حاصل لقصور الادلة اللفظية من التعبد بقول الميت ورأيه ابتداء (والثاني) منوط بالجرى على وفقه مع کونه بمرأى من الشارع حتى يستكشف من عدم ردعه رضاه به والا فلا موضوع للردع .

والانصاف ان بنائهم على العمل على طبق ارتكاز هم والجرى على وفقه مما لا يقبل الانكار ، ولكن ثبوته مطلقاً غير معلوم ، بل القدر المتيقن منه هو فى غير فرض اختلاف الاراء والانظار ، فهى قاصرة الشمول لذلك كقصور ادلة اعتبار حجية الاخبار

(ذکر الامور الراعدة عن تقلید المیت ابتداء)

عن الشمول لفرض التعارض والخلاف ، وذلك لعدم ترجيح احدهما على الآخر في ما هو ملاك الاخذ بالرأى من كونه طريقاً الى الواقع وكاشفاً عنه ، لكن يمكن الترجيح لرأى الحى حينئذ بحسب الاعتبار وحكم العقل ، لعدم اليقين بالبرائة مع الرجوع الى رأى الميت ؛ واليقين بها مع الرجوع الى الحي من اجل بعض المناسبات والاجماع المدعى على جواز الاخذ برأى الحى دون الميت ، بل دعوى الاجماع على عدم جواز الاخذ برأى الميت (نعم) الظاهر فى فرض اتحاد الاراء هو ثبوت السيرة على العمل بها مطلقاً دون فرق بين الحى والميت ، وهذا لا يوجب خلافاً من في الاجماع على عدم جواز تقليد الميت ابتداء ؛ بناء على ما قرر سابقاً من ان التقليد ليس الا العمل استناداً الى رأى الغير، اذ المفروض هو اتحاد الرأى ، فالرجوع الى رأى الميت في الحقيقة هو الرجوع إلى رأى الحي .

هذا ولكن الظاهر من سيدنا الاستاد دام ظله هو الاعتراف بثبوت السيرة على ذلك مطلقاً مع حصول الردع عنها بامور.

(الاول) الآيات والروايات فانها كافية للردع عنها بالنسبة الى التقليد الابتدائى من حيث ظهورها فى اعتبار الحيوة فى المرجع حين الرجوع ، فتبقى السيرة تامة من حيث البقاء .

(وفيه) انها ظاهرة فى حيوة المرجع حين الرجوع ، فهي قاصرة عن شمول فرض مماته ، لا انها ظاهرة فى اعتبار الحيوة فيه بحيث كان لها مفهوم بالاضافة الى ما اذا لم يكن بحى وكان ميتاً ، فلا اقتضاء لها بالنسبة اليه نفياً ولا اثباتاً ، بل هي هذه الجهة وناظرة الى فرض الحيوة ؛ واثبات الشيء لا ينفى ما عداه ساكتة من وحينئذ فلا يمكن ردع السيرة بها .

(الثاني) الاجماع المدعى فى كلمات جماعة من الاكابر كالمحقق الثانى فى محكى شرح الالفية حيث قال لا يجوز الاخذ عن الميت مع وجود المجتهد الحي بلا خلاف بين علماء الامامية ، وعن الشهيد الثانى فى المسالك ما يقرب من ذلك ؛ وعن المعالم العمل بفتاوى الموتى مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من

الرجوع الى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي .

وعن الوحيد البهبهاني (قدس سره) في فوائده أن الفقهاء أجمعوا على أن الفقيه لومات لا يكون قوله حجة الى غير ذلك من كلمات اكابر اصحابنا في هذا الباب ؛ وأن خلاف الاخباريين والمحقق القمى (قدس سره) لا يضر بالاجماع ؛ وقد تقدم الوجه فيه ؛ فلو لا القطع بتحققه فلا اقل من الاطمئنان به .

(وفيه) انه لا يمكن التمسك بالاجماع في مثل المقام ؛ وذلك للظن بل الوثوق باستناد المجمعين الى سائر الوجوه ؛ ومع هذا بل ومع احتماله ايضا لا يمكن استكشاف رأى المعصوم (علیه السّلام) وبدونه فلا يصلح مجرد الاتفاق على الحكم وان لم يكن بكاشف عن ذلك للردع عن السيرة كما لا يخفى .

(الثالث) أنه لو جاز تقليد الميت ابتداء للزم حصر التقليد من زمان الكليني (قدس سره) الى زماننا هذا في واحد ، وذلك للعلم الاجمالي بوجود الخلاف بين الفقهاء الامامية في المسائل الفرعية ، وفي موارد الخلاف يجب تقليد الاعلم ، فلابد حينئذ من الفحص عن أعلم علماء الامامية من الصدر الاول الى يومنا لانحصار الحجة في قوله فلا يجوز تقليد غيره فينحصر المقلد فى شخص واحد ، وهذا ضرورى البطلان فى مذهب الشيعة الامامية .

(وفيه) أن كثيراً من المسائل الشرعية الفرعية لولا الاكثر منها وفاقية لا يجب تقليد الاعلم فيها ، وأما المسائل الخلافية منها فلا مانع من الفحص عن أعلم العلماء فيها وتقليده فيها مالم يصل الى حد العسر والحرج والا فيتقدر بقدره كسائر التكاليف الشرعية ، ولعله من أجل ذلك صار بطلانه معروفاً من مذهب الشيعة مع أن وجوب تقليد الاعلم في موارد الخلاف خلافية ، وحينئذ فكيف يصلح كون ذلك ردعاً عن السيرة مع فرض ثبوتها .

(الوجه العاشر) اطلاق الادلة اللفظية من الكتاب والسنة ، أما الكتاب فهى الايات التي استدل بها على مشروعية أصل التقليد غير واحد من الاصحاب حيث انها دالة باطلاقها على حجية قول الميت للمقلد كقول الحى .

(الایات المستشهدة لجواز تقلید المیت)

(منها) آية النفر المذكورة فى سورة البرائة وهى قوله تعالى: ولولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ، فانها تدل على وجوب الحذر عند الانداز الواحب المراد به الفتوى خاصة أو الاعم منها ومن الرواية ، وذلك لوجهين .

(الأول) أن كلمة لعل بعد انسلاخها عن الترجى المستحيل في حقه تعالى تفيد مطلوبية مدخولها وهو الحذر عقيب الانذار في المقام ، واذا ثبت رحجان الحذر وحسنه ثبت وجوبه اذ مع قيام المقتضى يجب ومع عدمه لا يحسن على وجه الاستحباب أيضا ، بل لا يكاد يتحقق موضوع الحذر مع انتفاء ما يكون سببا للخوف والوجل مع أن ثبوت رجحان الحذر يكفي في اثبات وجوبه الاجماع المركب ؛ فان من قال بجوازه قال بوجوبه .

(والثاني) ان وقوع الانذار غاية للنفر الواجب بدلالة كلمة (لولا) يقتضى وجوبه وعدم رضى الأمر بانتفائها كما هو الشأن في جميع الغايات المترتبة على فعل الواجبات سواء كانت من الافعال أوغيرها كما في قوله تعالى (وقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى) وقوله تعالى (وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الرسول لعلكم تفلحون).

و(ح) فالحذر أيضا واجب لوقوعه غاية للانذار الواجب ؛ هذا مع أن وجوب أصل الانذار في ذاته يقتضى وجوب الحذر عقيبه وان لم يصرح بكونه غايته والاكان الانذار لغواً ؛ كما ان حرمة الكتمان المستفادة من قوله تعالى (ولا يحل لهن ان يكتمن ما فى ارحامهن) يقتضى وجوب قبول قولهن بالنسبة الى ما في الارحام ؛ والا كان الاظهار لغوا ؛ واذا دلت الاية المباركة باطلاقها على وجوب الحذر عقيب الانذار الصادر من الموتى فى حال حيوتهم ؛ ولا يكون وجوب الحذر الا مع حجية الانذار ؛ اذ لا مقتضى لوجوبه بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان فتستفاد من الاية حجية الانذار مطلقاً ولو بعد موت المنذر وهو المطلوب كما لا يخفى :

وأجيب عنها بأمور (الاول) ان المراد بالنفر الواجب في الآية هو النفر الى

الجهاد بقرينة قوله (علیه السّلام) قبلها (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ومن المعلوم ان المقصود من النفر الى الجهاد ليس هو التفقه والانذار حتى يجبان فيجب لاجل وجوبهما الحذر ( نعم ) قديترتبان عليه لما فيه من مشاهدة آيات الله وغلبة أوليائه على أعدائه وغيرهما مما يوجب قوة الايمان وتأكد اليقين بسببها بصيرة لهم في الدين .

(وفيه) أنه خلاف الظاهر كالصريح من الاية المباركة وهو كون الغاية للنفر هو التفقه والانذار كما تقتضيه اللام فيهما وأن المراد بالنفر الواجب هو كون النفر لاجل التفقه والانذار لالاجل غيره مما توهم كالجهاد .

(والثاني) أن المراد بالتفقه هو أخذ الاحكام من الحجة ويحتمل الروايات فالحذر الواجب ؛ كان عقيب الانذار بطريق الرواية لفظاً أو معنى فلا دلالة فيها على وجوبه عقيب الانذار بالفتوى؛ ولذا تمسك الاصحاب بهذه الآية على حجية الخبر والدليل على ذلك أمران (أحدهما) أن الاجتهاد لم يكن متعارفاً زمن نزول الاية بل المتعارف فيه انما هو الرجوع الى الحجة فتحمل الاية على الغالب المتعارف (ثانيهما) استدلال الامام (علیه السلام) بهذه الاية على وجوب نقل الاخبار فى بعض الروايات.

(وفيه) أن مراتب التفقه مختلفة فان التفقه فى الصدر الاول كان بسماع الاحكام من الحجة وأخذ الحديث عنه ؛ لكونهم من اهل اللسان غالباً فكانوا فقهاء فيما نقلوه ولم يكن من الصعوبة بهذه المثابة التي حصلت من كثرة الروايات واختلافها وتعارضها واحتمال الخلل فيها من جهة السند او الدلالة وغيرها مما يوجب بذل الجهد في تنقيحها واعمال النظر في استنباط الحكم منها ؛ ولاريب أن ذلك لا يوجب اختصاص الحكم به مع ان التفقه عام لجميع مراتبه و اختلاف مراتبه لا يوجب اختصاص الحكم ببعض افراده، فلا موجب لدعوى اختصاص الاية المباركة بالحكاية والاخبار ، بل يبعد دعوى دلالة الاية على اعتبار فهم الراوى لمعنى الرواية في حجية اخباره اذلا يصدق التفقه على مجرد نقل الفاظ الحجة المسموعة (وح) فلعل دلالتها على حجية الفتوى أولى من حجية الرواية كما لا يخفى .

(والثالث) أن القدر المسلم المستفاد من الآية هو وجوب الحذر عند العلم

بصدق المنذر ، وذلك لان التفقه عبارة عن معرفة الامور الواقعية وحيث لا يعلم أن الانذار هل وقع في محله بمطابقة الامور الواقعية أم لا لم يتحقق موضوع الانذار حتى يجب الحذر والقبول ، فانحصر وجوب الحذر فيما اذا علم صدق المنذر في انذاره بالاحكام الواقعية .

(وفيه) أنه مندفع باطلاق الاية المباركة اذ الظاهر منها ترتب وجوب الحذر على مجرد الانذار لاعلى العلم بثبوت المنذر به، ولا يتوقف صدق الانذار على علم المنذر واعتقاده بمطابقة الواقع ؛ اذ الانذار نوع من الاخبار وهو لا يتوقف على اعتقاد السامع بصدق الخبر ، فلا وجه لتقييد اطلاق قوله لعلهم يحذرون بما اذا حصل العلم بمطابقة الانذار للواقع .

(والرابع) أن ظاهر الاية اختصاص الحكم بانذار الاحياء لان الحيوة لها مدخلية فى حقيقة الانذار والأمر بالتفقه والانذار متوجه الى الاحياء .

(وفيه) ان الامر بهما وان كان متوجهاً الى الاحياء الا ان وجوب الحذر عقيب الانذار لا يختض بحال حيوة المنذر فتشمل الآية باطلاقها للحذر باندازه ولو بعد مماته كما لا يخفى .

(والخامس) انه لو سلم دلالة الآية على جواز تقليد الميت و التعبد برايه ابتداء ولكن الاجماعات المستفيضة المنقولة عن غير واحد من اكابر الاصحاب تكون مخصصة لها.

(وفيه) أنا ذكرنا ان دعوى الاجماع في مثل هذه المسئلة التي يحتمل لولم يظن او يطمئن باستناد المجمعين فيها الى سائر الوجوه لا يمكن ان يكون كاشفا رأى المعصوم (علیه السّلام) وما لم يكشف عن رأيه (علیه السّلام) لا يجدي في تخصيص عموم أو تقیید اطلاق ولاسيما عموم الكتاب واطلاقه .

هذا ولكن التحقيق فى الجواب عن الاية المباركة انها لا تشمل فرض اختلاف الاراء وتعارضها ، وذلك لان حجيتها انما تكون من جهة طريقيتها الى الواقع وكاشفيتها عنه ، والمفروض ان الواقع امر واحد فلا يمكن ان تكون هذه كلها حجة عليه للزوم التناقض ولا واحد منها للزوم الترجيح بلامر حج ، اذلا فرق

بينها من جهة الطريقية الى الواقع والكاشفية عنه ، فمن الأول تقصر الاية عن شمول مثل الفرض فلا تكون حجة على جواز تقليد الميت ابتداء في فرض اختلاف الاراء والخلاف بينها (نعم) لامانع من شمولها لفرض اتحادها ، ولكنها لاتضر (ح) القول بعدم جواز تقليد الميت ابتداء بناء على ما تقدم من ان التقليد ليس الا العمل استناداً الى رأى الغير، اذ التقليد بهذا المعنى للميت عين التقليد للحى ، لان الرأى واحد والفرق اعتبارى لا حقيقى .

(ومنها) آية السؤال المذكورة فى سورة النحل (وما ارسلنا من قبلك الا من رجالا نوحى اليهم فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر) ومثلها فى سورة الانبياء من غير ذكر البينات والزبر ، فانها تدل على وجوب السؤال ولا يمكن الاستدلال بوجوب السؤال الا اذا كان الجواب حجة ، اذ لافائدة في السؤال الا العمل على طبق الجواب ، ومن المعلوم أن وجوبه مقدمى وذريعة الى العمل بقول الحجة فان حجية القول توجب وجوب السؤال لا ان وجوبه يوجب الحجية ؛ فيكون بوجوب السؤال على الحجية انياً ؛ وبما ان المجتهد من اهل الذكر من انه ليس له موضوعية ؛ بل لاجل العمل على وفق قول الحجة ؛ فاذا علم قوله وفتواه من دون سؤال فيجوز الجرى على وفقه لكونه حجة ايضاً ؛ وان أبيت الاعن دلالة الاية على حجية فتواه المسبوقة بالسؤال كما اذا سئل الفقيه ثم مات فنقول وتدل على ححية غير المسبوقة بالسؤال أيضا بضميمة عدم القول بالفصل .

وأجيب عنها أيضا بأمور (الاول) ان ظاهرها بشهادة السياق ارادة أهل الكتاب وعلماء اليهود بالخصوص كما عن ابن عباس وقتادة وغيرهما (والثاني) انه قد ورد في عدة من الروايات تفسير أهل الذكر بالائمة (صلوات الله عليهم) فارادة وجوب الرجوع في امر الدين الى مطلق العلماء خروج عن قول المفسرين والنصوص الواردة في تفسيرها .

(ويندفعان) بانهما من باب التطبيق لا الاختصاص اذ الظاهر ان المراد بالذكر

هو مطلق ما يوجب ذكر الله مما يرجع الى أمر النبوة والولاية والاحكام الالهية ، فكل من كان عالماً بشيئ من ذلك فهو من اهل الذكر ، ولما كان علماء اهل الكتاب عارفين بنبوة نبينا وبعلاماتها أمر الله تعالى بالسؤال منهم عن شأن نبوة النبي الاكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) و اختصاص مورد نزول الاية المباركة لا يوجب الاقتصار عليه ؛ و بهذا قد ظهر الحال في وجه تفسير الآية الكريمة بالائمة الاطهار (عليهم السلام) .

(والثالث) ان الظاهر من الأمر بالسؤال عند عدم العلم ارادة تحصيل العلم لا وجوب السؤال للعمل بما يجيب المسئول تعبداً وهو واضح ؛ فلا دلالة على أصل التقليد التعبدى فضلا عن تقليد الميت .

(وفيه) ان الاية الشريفة ظاهرة في حصول العلم بنفس الجواب لا بضمائم خارجية ؛ ولا يكون ذلك الا من جهة أن الجواب حجة وعلم تعبدى فان المفروض أنه بنفسه لا يوجب القطع بالواقع واطلاق العلم على الحجة غير عزيز (ويمكن أن يقال) ان تعليق الأمر بالسؤال على عدم العلم لا يدل على كون الغاية حصول العلم بالجواب ؛ بل انما يدل على حجية الجواب في هذا الحال سواء حصل به العلم أم لا ؛ فالغاية من السؤال هو القرب الى الواقع لا العلم به ، وهذا نظير أن يقال للمريض ان كنت لا تعرف العلاج فاسأل الطبيب ، ومن المعلوم أن جوابه لا يوجب العلم بالعلاج ، بل غايته الاقربية الى العلاج فتأمل .

(والرابع) أن الذكر عبارة عن العلم فلا دلالة فيها على وجوب السؤال عن المجتهدين المعتمدين على الظنون الا في الفتاوى التي تكون عن علم والمدعى هو اثبات جواز التقليد في الفتاوى الظنية خاصة أو مطلقاً .

(وفيه) ما ذكرنا سابقاً من أن الظاهر من الذكر هو مطلق ما يوجب ذكر الله مما يرجع الى أمر النبوة والولاية والاحكام الشرعية الالهية ، فمن كان عنده علم بشيء من ذلك فهو من أهل الذكر ، ولا ريب ان المجتهد من افراده مع انه يطلق على الفقيه بالحمل الشايع انه من أهل العلم كما لا يخفى .

(والخامس) أن المراد بالعلماء الأحياء ، ودعوى صدقها على الاموات ممنوعة

فى الغاية ، اما لزوال العلوم والاعتقادات القائمة بالنفس بالموت وان حصلت بعده اعتقادات أخرى حضورية موافقة لها او مخالفة ، واما لظهورها بقرينة السؤال في الاحياء اذلا يعقل السؤال عن الاموات ، ولعله لاجل ذلك استدل بهذه الاية على عدم جواز تقليد الميت وان لم يكن في محله ، لان ظهورها فى الاحياء لا يوجب دلالة الاية على المنع من الرجوع الى الاموات .

(وفيه) أن الظاهر منها بقرينة السؤال وان كان الاحياء ولا اطلاق فيها يشمل الاموات ؛ الا انه لما استكشف من وجوب السؤال حجية قوله فى الجواب ، فيفهم بقرينة فهم العرف وارتكاز هم على عدم الفرق فى حجية الرأى بين حيوته ومماته ان رأيه وقوله حجة مطلقاً حال الحيوة وبعد الممات ، وذلك لما قد سبق من ان حجية الاراء عند العرف والعقلاء من جهة الطريقية الى الواقع والكاشفية عنه ، ولا فرق عند العقل من هذه الجهة بين الحيوة والممات ، هذا مضافاً الى ما تقدم من انها تدل على حجية فتواه المسبوقة بالسؤال يقيناً كما اذا سئل الفقية ثم مات فتدل على حجية فتواه غير المسبوقة به بعدم القول بالفصل (فالانصاف) ان الاية اما ان تدل باطلاقها على جواز تقليد الميت كما تدل على جواز تقليد الحى واما ان تنتج نتيجة الاطلاق بضميمة فهم العرف وارتكاز هم او عدم الفصل كما قد عرفت .

(هذا) لكن التحقيق فى الجواب عن هذه الاية ايضاً ما ذكر في الاية السابقة من أنها لا تعم فرض اختلاف الاراء ولا يضر بنا شمولها لفرض اتحادها على اتحادها على المختار من كون التقليد هو العمل استناداً الى رأى الغير كما تقدم بيانه .

(ومنها) آية الكتمان وهو قوله تعالى ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ، فان حرمة الكتمان يستلزم وجوب القبول عند الاظهار وهذا هو التقليد واطلاقه يشمل الميت كالحي .

وأورد عليها بجميع ما أورد على آية النفر من الامور عدا الاولين منها والجواب عن هذه هو الجواب عنها الا أن الانصاف كون الاية مسوقة لبيان لزوم

(الاخبار المستدلة علی جواز تقلید المیت)

أظهار الحق في أصول الدين وحرمة كتمانه كما هو موردها من كتمان اليهود لعلامات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وذلك لكى يتبين الحق ولا يخفى ضوئه ، ومن المعلوم أن المطلوب فيه هو اليقين لا الالتزام بقول الغير أو الاستناد في العمل اليه تعبداً فلامساس للاية حينئذ بباب التقليد الذى جار في الفروع دون الاصول كي يتمسك باطلاقها على تقليد الميت ابتداء ، ومع تسليمه فيجرى فيها الجواب المتقدم في الايتين كما لا يخفى.

(وأما السنة) فما يمكن الاستيناس بها على المدعى طائفتان (الأولى) الاخبار الخاصة الواردة في ارجاع احاد الناس الى الاشخاص المعينين (الثانية) الاخبار العامة الواردة في حجية اقوال العلماء والرواة والمحدثين .

(أما الأولى) مثل ما ورد في حق زرارة كقوله (علیه السّلام) اذا اردت حديثاً فعليك بهذا الجالس مشيراً الى زرارة ، وقوله (علیه السّلام) وأما ما رواه زرارة عن ابى فلا يجوز ردها

وفي حق محمد بن مسلم كما في رواية عبد الله بن أبي يعفور قال قلت لابي عبدالله (علیه السّلام) انه ليس كل ساعة القاك ولا يمكن القدوم ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندى كل ما يسألني عنه فقال ما يمنعك عن محمد بن مسلم الثقفى سمع من أبي وكان عند وجيهاً .

وفي حق ابان بن تغلب كقوله انت أبان بن تغلب فانه قد سمع منى حديثاً كثيراً ، فما روى لك منى فاروه عنى، وقوله له اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فاني أحب ان يرى في شيعتي مثلك .

وفي حق الاسدى كقوله (علیه السّلام) الشعيب العقرقوقى عليك بالاسدى يعنى أبا بصير ن له وفي حق زكريا ابن آدم كما في رواية على بن المسيب الهمداني قال قلت للرضا (علیه السّلام) شقتى بعيدة ولست أصل اليك في كل وقت فممن اخذ معالم دینی ، قال (علیه السّلام) من زكريا بن آدم القمى المأمون على الدين والدنيا ، قال على بن المسيب فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم فسألته عما احتجت اليه.

وفي حق يونس كما فى حسنة عبد العزيز المهتدى ، قال قلت للرضا (علیه السّلام) ان شقتى بعيدة فلست اصل اليك في كل وقت ، فاخذ معالم ديني عن يونس مولى

اليقطين قال (عليه السلام) نعم وكما في رواية حسن بن على بن يقطين عن الرضا (علیه السّلام) قال قلت لا اكاد اصل اليك اسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني ، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة اخذ منه ما احتاج اليه من معالم دينى فقال (نعم) .

وفي حق العمرى كما في صحيحة احمد ابن اسحق عن أبي الحسن (علیه السّلام) قال سئلته وقلت من اعامل و عمن اخذ وقول من اقبل ، فقال العمری ثقتی فما ادی الیك عنی یؤدی ، وما قال لك عنی فعنی بقول ، فاسمع له وأطع فانه الثقة المأمون .

وفي رواية معاذ بن مسلم النحوى عن ابي عبد الله (علیه السّلام) قال بلغنى انك تقعد في الجامع فتفتى الناس (قلت نعم) واردت ان اسألك عن ذلك قبل ان اخرج اني اقعد في المسجد فيجئنى الرجل فيسألني عن الشيىء ، فاذا عرفته بالخلاف لكم اخبرته بما يفعلون ، ويجيئنى الرجل اعرفه بمودتكم وحبكم فاخبره بماجاء عنكم ويجيئنى الرجل لا اعرفه ولا ادرى من ، فاقول جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا ، فادخل قولكم فيما بين ذلك ، فقال لى اصنع كذا فاني كذا اصنع .

وجه الاستيناس بهذه الاخبار على المدعى ، ان بعضها مختصة بالفتوى ، وبعضها واردة في الرواية ، بحيث يستشعر منها الفتوى ، فتكون هذه الاخبار أدلة على التقليد ؛ وباطلاقها تدل على جواز تقليد الميت ايضاً .

(وفيه) ان الانصاف انه لادلالة فيها على قبول قول المفتى تعبداً ؛ اذ المقصود المتعارف من الامر بالرجوع الى أمثالهم من الرواة والمحدثين والعلماء والموثقين أو تجويز الرجوع اليهم ، ليس الا وصول الحق لى الجاهل ورفع جهله عما كان جاهلابه ، وأما انشاء حكم تعبدى ثانوى ، وهو قبول قولهم تعبداً بلا حصول العلم والاعتقاد بمقالتهم فهو بمراحل عن ذلك ؛ فلا دلالة لها على شرعية أصل التقليد فضلا عن تقليد الميت ، ويؤكد ما ذكرنا اشتمال بعض هذه الاخبار في حق يونس وزكريا ابن آدم ولعمرى على لفظة الثقة والامانة فان اعتبار وصف الوثاقة والامانة فى المسئول عنه والمأخوذ منه كما يقتضيه سوق الخبر ولو بملاحظة سؤال الراوى

عن كون يونس ثقة ليأخذ منه معالم دينه ؛ يكشف عن أن المراد من الرجوع اليهم هو الوصول الى الواقع ، لا تحصیل موضوع حکم ثانوى تعبداً وهو قول المفتى من حيث هو .

ومع التنزل عن ذلك والقول بالدلالة كما لا يبعد بالنسبة الى قوله (عليه السلام) لابان بن تغلب اجلس في المدينة وأنت للناس اه) وان يمكن المناقشة فيه باحتمال ارادة النقل والاخبار عن الافتاء ؛ كما اطلق عليه في رواية معانى المتقدمة حيث بينه بما هو اخبار لا افتاء بالمعنى المصطلح الذى هو اظهار الرأى والنظر فيتوجه ان أمر الامام (علیه السّلام) بالاخذ من زرارة وابان ويونس وزكريا وعمرى ونحوهم ممن أدركوا شرافة حضوره (عليه السلام) وأخذوا معالم الدين عنه بالسماع والشفاهة لا يدل على جواز الاخذ بقول كل من يفتى باجتهاده تعبداً ؛ لانهم كانوا وسائط بين الامام وبين غيره من سائر الخلق ؛ مثل وسائط عصر نابين المجتهدين والمقلدين من العدول والموثقين ؛ والاخذ من الواسطة ليس من التقليد له في شيء .

نعم ربما يفتى الواسطة باجتهاده ؛ مثل قول الشيخ أبي القاسم بن روح الجليل حين سئله عن كتب الشلمغاني ؛ أقول فيها ما قاله العسكري (عليه السلام) في كتب بني فضال؛ حيث قالوا ما نصنع بكتبهم وبيوتنا منها ملاء (فقال)خذوا بمارووا وذروا ماراوا ؛ لكن اجتهاد مثل هذه الاشخاص مستند الى السماع عن الامام (علیه السّلام)عموماً او خصوصاً قطعاً ؛ فالعمل باجتهادهم ورواياتهم في مرتبة واحدة ؛ يجب على المقلد والمجتهد على حد سواء ؛ فلا يقاس بهم غيرهم من المفتين الذين يفتون بغیر سماع عن المعصوم .

ومن هنا يظهر أن ما ورد في حق عمرى مثلا من ان قوله قولی و کتابه کتابی وأمثال ذلك فى حق أمثاله ، لا يفيد حجية الفتوى من كل من يفتي باجتهاده ، كما يظهر أن أمر أبان بالافتاء بين الناس لا يقتضى جواز تقليد غير الوسائط ومن هذا الباب ما قيل في حق على بن بابويه من أن الاصحاب كانوا يعلمون بفتاويه عند اعوان النصوص، ومع تسليم جميع ماذكر لا دلالة فيها على جواز تقليد الميت ابتداء

اذ الظاهر من الارجاع الى تلك الاشخاص لا الى آرائهم ورواياتهم ، هو كونها أحياء اذ لا معنى للرجوع الى الميت كى يصح الارجاع اليه (وح) فهى قاصرة عن شمولها للتقليد الابتدائى عن الميت كما لا يخفى ، وهذا بخلاف ما لو أرجع إلى آرائهم ورواياتهم ، فانه على هذا التقدير كان دالا على ذلك ، كما في قوله (عليه السلام) لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا ، قد عرفوا بأنا نفارضهم سرنا ونحملهم اياه اليهم .

(وأما الثانية) فهي كثيرة منها ما يدل على وجوب قبول الحكم عند الترافع مثل مقبولة . بن حنظلة الواردة في الترجيحات ، أنظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به حاكماً ، فاني قد جعلته عليكم حاكما ، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه ، فانه بحكم الله استخف وعلينا رد ، والراد علينا راد على الله ، وهو على حد الشرك بالله عزوجل .

و مثل مشهورة ابي خديجة ، اياكم أن يحاكم بعضكم الى أهل الجور ، ولكن أنظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بينكم حكماً ، فأنى قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه ، وجه الاستدلال بهما على التقليد اما لان قبول الحكم يستلزم قبول الفتوى بالاجماع المركب أو بالاولوية كما قيل ، واما لان الترافع قد يكون من جهة اختلاف المتحاكمين في حكم الله تعالى، فيكون قبول الحكم (ح) متوقفاً على اعتبار فتواه في بيان الحكم الشرعي، اذ لولا ذلك لما حصل فصل للخصومة وهو واضح .

(وفيه) بعد تسليم دلالتهما على اعتبار الفتوى لادلالة فيهما على جواز الاخذ بقول الميت ؛ لان ذلك اما ان يكون مستفاداً من الاولوية أو عدم القول بالفصل أو بواسطة التوقف المزبور ؛ وعلى التقادير لا اطلاق فيها فانها كالادلة اللبية والقدر المتيقن منها هو في صورة الحيوة ؛ بل لعلها بالدلالة على عكس المقصود أعنى عدم جواز تقليد الميت اولى ؛ لان الحكومة لما كانت من المناصب الزائلة بالموت

فتشاركه الفتوى فى المنصبية والارتفاع بما يوجب ارتفاعها .

(ومنها) ما يدل على جواز الرجوع اليهم الشامل باطلاقه للرواية والفتوى مثل قول الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف في التوقيع المبارك لاسحق بن يعقوب على مارواه المشايخ الثلاثة في الغيبة واكمال الدين والاحتجاج ، وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا، فانهم حجتى عليكم وأنا حجة الله (وجه الدلالة) انه عليه السلام أمر بالرجوع الى رواة الاحاديث ، وهو باطلاقه شامل للرواية والفتوى وعلى التنزل فقوله (علیه السّلام) فانهم حجتى عليكم يوجب ذلك ؛ لان الحجة يقبل قوله وفتواه أيضاً ، وهو ، وهو دليل على اعتبار قوله بعد موته ايضاً ، فان الحجة قوله معتبر مطلقاً ، ويؤيده قوله وانا حجة الله ، فان ذلك يفيد ان حجية من جعله حجة انما هو من قبيل حجية نفسه (عليه السلام) الموجب لاعتبار قولهم بعد موتهم أيضاً .

(وفيه) (أولا) ان الظاهر اختصاص الرواية بالرواية لا الاعم منها ومن الفتوى كما ربما يظهر من قوله : الى رواة أحاديثنا ، فان أخذ عنوان الراوى لعله يومى اليه ، ولابد في الرواية من العمل بها بعد الموت وقبله (وثانياً) ان الاستدلال بها موقوف على كون المراد بالحوادث الواقعة مواضع التقليد من المسائل العملية وهذا غير معلوم اذا لظاهر ان اللام فى الحوادث للعهد اشارة الى الحوادث التي حكمها اسحق ، وسؤاله ليس عندنا حتى ننظر في المرادبه ، ومن هنا ينقدح امتناع حمل اللام على الاستغراق الموقوف عليه تمامية الاستدلال ، لان عمومية الجواب وخصوصيته تابعان لعموم السؤال وخصوصه ، فاذا لم نعرف به ولم تعلم ان المراد به ما ذا من العموم أو الخصوص من بعض الحوادث امتنع حمل الجواب على شيي منهما ، بل قد يتقوى كون المراد بالحوادث شبه المسائل الاعتقادية من الامور المشكلة (وذلك) لان اسحق بن يعقوب يقول سئلت فيه عن مسائل أشكلت على واسحق من اجلاء الاصحاب ، وشأنه أجل من ان يشكل عليه أمر المسائل العملية التي هي موارد التقليد ؛ ولا يعرف تكليفه فيها حتى يسئل عن حكمها زمن الغيبة ويكون ذلك عنده من المشكلات ، مع ان الرجوع إلى العلماء في العمليات كان

ضرورياً لاغلب العوام فضلا عن الخواص ؛ ومما يؤيده ان التوقيع الشريف يتضمن جملة من المسائل العلمية (منها) قوله عليه السلام وأما ما سئلت عنه ارشدك الله وثبتك من أمر المنكرين لى من أهل بيتنا وبنى عمنا فاعلم انه ليس بين الله عز وجل وبين احد من قرابة ؛ ومن انكرنى فليس منی ، وسبیله سبیل ابن نوح (ومنها) قوله عليه السلام : وأما وجه الانتفاع فى غيبتى فكالانتفاع بالشمس اذا غيبتها السحاب عن الابصار الى غير ذلك مما اشتمل عليه التوقيع ولم يكن من المسائل العملية ؛ فان ملاحظة هذه الفقرات وامثالها مضافاً الى جلالة قدر اسحق عن ان يجهل التكليف في المسائل العملية التي يبتلى بها في كل ساعة أو يوم مما يفيد الظن بأن المراد بالحوادث الواقعة شيىء وراء موارد التقليد قد خفى علينا باعتبار عدم الظفر بأصل السؤال وعبارته

(ان قلت) نعم ولكن عليكم يدل على اعتبار م التعليل بقوله فانهم حجنی علیکم یدل علی اعتبار قول الرواة وفتواهم كما هو شأن الحجة (قلت) لو سلم ذلك ولكن الظاهر منه اختصاصه بقول الاحياء لان مرجع الضمير هم الاحياء ، ومجرد ، ومجرد التشبيه في الحجية لا يجدي في اعتبار قولهم بعد موتهم كاعتبار قوله بنفسه مطلقاً كما توهم (أما اولا) فللفرق بين حجيته وحجيتهم ، فان الأولى من جانب الله تعالى ، والثانية من جانبه عليه السلام (وثانيا) فلعدم المساواة في جميع الاحكام العقلية بل الشرعية ايضاً، وقبول له عليه السلام بعد موته انما هو لاجل العلم بصدقه لدليل العصمة ، وليس هو من الاحكام الشرعية كما هو ظاهر .

(ومنها) ما هو صريح في جواز التقليد للفقيه الجامع لسائر شرائط الفتوى كالعدالة مثل ما عن الاحتجاج من قوله (عليه السلام) فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه (وجه الدلالة) ان الامام عليه السلام حكم بجواز تقليد من كان متصفاً بالصفات التي تدور مدارها جواز التقليد ، ولم يذكر الحيوة فيها مع كونه في مقام البيان لذلك ، فيدل على عدم اعتبار الحيوة فى تقليد المفتى ، ويؤيد هذا الحديث ماعن المحاسن من قول أبيجعفر علیه السلام (و بقول العلماء فاتبعوا) .

وفيه (أولا) أنه لا ريب فى شمول الرواية لاصول الدين ؛ فان مورد السؤال فيها انما هو ذلك لو لم نقل باختصاصها بذلك كما هو الظاهر منها على ما هو قضية الانصاف ، فلا يجوز حمل التقليد على ما لايجوز فى الاصول ، لاستلزامه تخصيص المورد وهو قبيح فى الغاية ، بل لابد من حملها على ما يوجب الاعتقاد ؛ وهو عند التحقيق ليس تقليداً بل هو اجتهاد (نعم) مقدماته حاصلة بواسطة حسن الظن بالعالم الذي أفاد متابعته ذلك الاعتقاد ، ولا يتفاوت في مثل ذلك الموت والحيوة ، والكلام انما هو في التقليد التعبدي ؛ وليس بين التقليدين قدر جامع يصح استعمال اللفظ فيه على وجه لا يلزم استعمال اللفظ فى اكثر من معنى ، ولا يلزم منه خلاف الظاهر في لفظ لتقليد ، فان ذلك من الاصطلاحات المتأخرة كما لا يخفى .

(وثانياً) على تقدير التنزل فالاستدلال بها موقوف على ثبوت الاطلاق بحسب الاحوال بحيث تندرج فيها حالتا الحيوة والممات وهو ممنوع (أما اولا) فلان الظاهر منها بقرينة رجوع الضمير الى شخص الفقيه المتصف بتلك الصفات لا الى رأيه وفتواه هو ارادة الاحياء دون الاعم منها ومن الاموات (وأما ثانياً) فلو رود هذه المقالة في مقام بيان مشروعية أصل التقليد ؛ دفعاً لتوهم السائل عن ظاهر الاية حرمة التقليد رأساً ؛ فلا اطلاق فيها بحيث تقتضى حجية فتوى الميت .

(وثالثاً) أن هذه الرواية فى أعلى مراتب الضعف من حيث السند ؛ فلا يجوز التعويل عليها والاستناد اليها في الخروج عن تحت الاصل المسلم بين الكل كما لا يخفى .

(ومنها) ما هو ظاهر في جواز التقليد ؛ مثل ما دل على النهي عن الافتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصوم (عليه السلام) كالافتاء بالرأى والمقاليس والاستحسانات ونحوها من الاستنباطات الظنية التي يعول عليها غيرنا ؛ كصحيحة ابن رئاب عن ابي عبدالله (عليه السلام) من أفتى بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ؛ ولحقه وزر من عمل بفتياه (وجه الدلالة) أنها تدل بمفهومها على جواز الافتاء مع العلم بوروده عن المعصوم (عليه السلام) وجوازه يلازم جواز العمل به بلا فرق

بين ما اذا كان حياً بعد أو مات حين العمل به كما لا يخفى .

(وفيه) أنها وان دلت على جواز الافتاء مفهوماً وعلى جواز العمل به ملازمة الا أن الانصاف انه لم تكن مسوقة لبيان جوازهما ؛ فلا اطلاق لها بالنسبة الى حال الممات لولم نقل بظهورها في حال الحيوة على ذلك التقدير كما لا يخفى .

(ومنها) ما يستظهر منه جواز الرجوع الى فتوى الميت بخصوصه ؛ مثل ما تقدم عن العسكرى فى كتب بنى فضال من قوله (علیه السلام) خذوا ما رووا وذروا ما رأوا ؛ فان الامر بعدم اتباع مارأوا لو كان بعد موتهم يشير الى جواز الاخذ بما يراه غيرهم بعد موتهم ؛ والا لم يكن وجه لاختصاصهم بالحكم ؛ ومثل ما ورد في كتاب يونس بن عبدالرحمن ؛ المسمى بيوم وليلة من قول ابى الحسن (عليه السلام) بعد ان عرضه ابو جعفر الجعفرى عليه ؛ ونظر فيه وتصفحه كله ؛ هذا دینی و دین آبائی وهو الحق كله ، ومن قول أبيجعفر (عليه السلام) بعد التصفح من أوله الى آخره رحم ا الله يونس رحم الله يونس ، فان الاول صريح في جواز العمل بكتابه وهوميت والثانى ظاهر فى التقرير على العمل به .

وفيه (أولا) انه لم يعلم ان المراد بالرأى في الاولى ه-و الفتوى فيحتمل ارادة ما رأوه من مذاهب العامة (وثانيا) لوسلم ذلك كما لعله الظاهر؛ ولكنها لاتدل على عدم جواز الاخذ بفتاويهم بعد موتهم ، اذ لم يثبت من دليل انقطاعهم في ذلك الزمان (وثالثاً) لا يستفاد من الرواية اختصاصهم بالحكم كى تدل من أجله على جواز الاخذ من غيرهم اذ ليس هذا الكلام ابتدائياً من الامام (علیه السّلام) بل هو مسبوق بما سئله السائل من قوله ما نصنع بكتبهم وبيوتنا منها ملاء ؛ فالجواب انما ورد في مورده ؛ ولا يفيد نفى الحكم عن غيره كما لا يخفى (ورابعاً) أن الوصف لا مفهوم له (و خامساً) على تقدير تسليمه موجبة جزئية لا موجبة كلية (وأما الاخيرتان) فعدم دلالتهما على المدعى أوضح ؛ اذ ترحيم يونس لادلالة فيها على ما نحن فيه بوجه (نعم) لو علم ان المكتوب في الكتاب انما كان من فتوى يونس لا روايته وكان المقصود من عرضه على الامام استعلام جواز العمل به كان ذلك دليلا ، ومنه يظهر ما في دلالة

قوله هذا دينى ودين آبائی على المطلوب ، فاين هذا من الدلالة على جواز العمل بكتاب كل من افتى فى كتابه حسب الظنون الاجتهادية بأمور يحصل فيها الصواب والخطاء ، هذا مضافاً الى ان الظاهر كون ذلك الكتاب كتاب الرواية دون الفتوي.

(ومنها) جميع ما يدل على عدم تغير أحكام الله بمرور الدهور ومضى الاعوام والشهور كقوله (علیه السّلام) حلال محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) حلال الى يوم القيمة وحرامه حرام الى يوم القيمة (وجه الدلالة) ان موت المجتهد لو كان مؤثراً فى جواز الاخذ بفتواه كان موجباً لتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله ، اذ لا فرق في تأبيد الاحكام وعدم تغيرها بتغيير الاحوال والازمان بين الحكم الأولى والحكم الثانوى.

(وفيه) ان الحلال والحرام اسمان للحلال والحرام الواقعيين ، فلا يندرج فيهما التقليد التعبدى الذى هو حكم ظاهرى ، ولو سلم صدقها على ذلك فلا ريب ان تأبيد الاحكام لا يقتضى بقائها بعد تغيير العنوان وتبدل المتعلق والا يلزم ان يكون جميع الامور المغيرة لاوصاف الموضوعات التي بها تبدل حكمها محلا للحرام وبالعكس وذلك ظاهر البطلان ، فالتمسك بهذه انما يتم فيما اذا شك في رفع الحكم الشرعي في موضوع ثبت فيه لا فيما اذا شك فى ثبوت الحكم الشرعي في موضوع فان التمسك عليه بمثل تلك الاخبار يوجب الوهن فى الاعتماد عليها كما لا يخفى.

(ومنها) الاخبار الدالة على أن العلماء ورثة الانبياء وأنهم أفضل من أنبياء بنی اسرائيل وان مدادهم افضل من دماء الشهداء ، فان هذه المعاني تنافى سقوط قولهم عن درجة الاعتبار بعد موتهم الى غير ذلك من الاخبار الدالة على ترحيم العلماء مثل قوله رحم الله خلفائى .

(وفيه) أن الظاهر من هذه الاخبار كونها واردة في مقام بيان الفضيلة وذكر علو درجاتهم وترفع مراتبهم ولا دخل لها بحجية اقوالهم حتى يقال بأن التنزيل يوجب الاخذ بأقوالهم بعد الموت أيضاً .

هذا مع أنا لو سلمنا دلالة هذه الاخبار على مشروعية أصل التقليد وكونها مطلقة بالنسبة الى الحيوة والممات ايضاً ، ولكنا لا نسلم شمولها لفرض اختلاف

الاراء الذى هو العمدة في محل النزاع ، هذا كله مع الغض عما في سند اكثر هذه الاخبار من الضعف والارسال ، والا فمن الواضح أن الخروج عن تحت الاصل المسلم بين الكل بمثل هذه الضعاف سنداً ودلالة مع مخالفة الجل لولا الكل مما لا يندرج تحت قاعدة ، ولعله لذلك قال صاحب المعالم في محكى كلامه ان المعتمد من أدلة التقليد ، انما هو الاجماع الضرورة ، وهما قاصران عن الدلالة على جواز تقليد الميت.

وقد يستدل على ذلك أيضاً بالمناط القطعى المستفاد من هذه الاخبار، بدعوى أنه قد ثبت منها حجية قول الحى فى حق المقلد ، وليس هذا الامن أجل كون قوله خبراً عن الواقع وكاشفاً عنه ، ومن المعلوم أن صفة الحكاية لاتزول عنه بمفارقة الحيوة كما لا يخفى ، والفرق بين هذا والاستدلال الاول أن الاول مبنى على اندراج تقليد الميت تحت اطلاق الادلة والثانى مبنى على اختصاصها بتقليد الحى مع اشتراك تقليد الميت له فى المناط المستظهر من عمومها أو اطلاقها .

(وفيه) انه كيف يمكن تنقيح المناط القطعى منها، كدعوى تشخيص. وضوع الحكم لترتيب الاحكام الظاهرية ، فان الظاهر أنه مما لا يمكن الوصول اليه ، اذ لم يعلم بعد عدم المدخلية للحيوة في الحجية ، بل هو اما مظنون أو محتمل ولادافع لهذا الاحتمال لاعقلا ولا نقلا ، فقد ظهر بذلك كله انه لم يثبت لنا دليل دل على جواز تقليد الميت ابتداء ، بل قد يدل على عدم جوازه ما ذكرت سابقاً من الوجوه الثلاثة المتقدمة في تقرير الاصل على عدم الجواز، مضافاً الى نقل الاجماعات المستفيضة المدعاة فى كلمات اكابر الاصحاب .

ثم انه قد ظهر مما ذكرنا ان المستفاد من الايات والروايات هو جواز الرجوع الى نفس الفقيه وراوى الحديث والناظر في الحلال والحرام ، لا الى فتواه ورأيه ، وظاهرها تحقق هذه العناوين حال الاخذ والرجوع لاقبله، كما هو قضية كل عنوان اخذ موضوعاً للحكم ، ولا تصدق هذه العناوين على الميت ، كما لا يعقل الاخذ منه والرجوع اليه ، فلا مجال لتوهم دلالتها على حجية فتواه فيما بعد الموت أيضاً وهذا بخلاف باب الرجوع الى الروايات ، فان الظاهر من قوله عليه السلام (لاعذر

لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا اه) هو ان المرجع نفس الرواية لا الراوى ، فهى حجة ولو بعد موت الراوى ، واما في المقام فالمرجع هو نفس المفتى دون الفتوى فلا بد فى الرجوع اليه حينئذ من تحقق تلك العناوين حال الرجوع ولا يكفي في ذلك تحققها قبله .

ولكن قد يناقش ذلك بان التمسك بالاطلاق لا ينافي الظهور المذكور ، ان الظاهر ان الأمر بالرجوع الى هؤلاء أو السؤال عن اهل الذكر انما هو لغاية العمل بقوله ، فهو يدل بالالتزام على جواز العمل به، فهناك امران (أحدهما) لزوم الرجوع اليه (والثاني) العمل بقوله ، والظهور المدعى انما يرجع الى الاول ، اذ الظاهر من الادلة كما ذكر انما هو الرجوع الى الفقيه لا الى فتواه ، وهذا يقتضى تحقق العنوان حال الرجوع اليه لاقبله ، الا انه لا ينافي الامر الثاني، أعنى جواز العمل بقوله بعد موته كما هو قضية اطلاق الغاية المذكورة المستفاد من الادلة (وبالجملة) لا يمنع تقييد السؤال بكونه من العالم ، أو الرجوع بكونه الى الفقيه أو الراوى أو الناظر فى الحلال والحرام عن الاخد بمقتضى الاطلاق المزبور اعنى العمل بقوله حال حيوته وبعد مماته.

(وفيه) أنه بعد تسليمه لا يجدى فى اثبات الكلية ، اذغاية ما يمكن استفادته هو جواز تقليده والعمل بقوله فيما رجع اليه وأخذه منه وان لم يعمل به بعد ؛ فلا يفيد الجواز بالاضافة الى من لم يرجع ولا الى من رجع ، في غير ما رجع هذا بناء على ما هو التحقيق من كون التقليد عنواناً لنفس العمل استناداً الى رأى الغير (نعم) بناء على أنه هو الاخذ والرجوع، فلا ريب في قصور الدليل عن اثبات الجواز بالاضافة الى الميت مطلقا ، ولعله الى ذلك نظر بعض مشايخنا المحققين (شكر الله مساعيهم الجميلة) حيث ذكر بعد تعريف التقليد بانه العمل عن استناد الى رأى الغير أنه مع ذلك يكفى فى جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل وكونه ذاكراً لها ؛ ولكنه تسامح (حينئذ) في تعبيره بالبقاء ، اذ ليس هذا في الحقيقة بقاء على التقليد ؛ بل هو تقليد ابتدائى للميت استظهر جوازه من اطلاق الدليل لمن رجع الى الفقيه فى حيوته باخذ فتواه للعمل، فمات الفقيه قبل ان يعمل بها

من دون فرق بين ما اذا نسيها أو كان بعد ذاكراً لها ؛ فانقدح ايضاً أنه لا وجه للتقييد حينئذ بكونه ذاكراً لها عدا ما قد يتوهم من أنه اذا نسى الفتوى رأسا بحيث احتاج الى مراجعة رسالته ثانيا يكون ذلك رجوعاً ابتدائياً الى الميت لا الجرى على رجوعه السابق ؛ ولكنه انما يتم بناء على كون التقليد هو الرجوع والاخذ دون العمل، وأما بناء على كونه عنوانا لنفس العمل ، كما اختاره فلا مجال للتوهم المزبور، بل هو من التقليد الابتدائى، سواء كان ذاكراً لذلك ام غير ذاكر له ؛ ولا يخفى انه اذا استظهر من ذلك جواز تقليد الميت ابتداء فى الفرض المزبور، فقد يستظهر منه جواز البقاء على التقليد لمن عمل به بعد الاخذ في حيوته بطريق اولى كما هو ظاهر ، هذا تمام الكلام فى حكم تقليد الميت ابتداء .

(وأما البقاء على تقليد الميت) فالظاهر أن الاقوال فيه ثلاثة ، الجواز مطلقاً وعدمه كذلك ، والتفصيل بين ما اذا كان الميت اعلم فيجب والا فيجوز ، وقد نسب الى المشهور عدم الفرق فى المنع عن تقليد الميت بين الابتدائى والاستمرارى ، وأنه لافرق بينهما في اشتراط حيوة المجتهد فيه .

وقد ذهب جملة من المتأخرين الى القول بجواز البقاء على تقليده (ولا يخفى) أن ما تقرر من الوجوه الثلاثة للاصل في المنع عن تقليد الميت بعينه جارههنا فلا بد من النظر فى أدلة الجواز ، وانه هل يمكن الاستدلال بها عليه ام لا ، وليعرف أن الكلام فى هذا المقام انما هو في صورة مخالفة رأيه لرأى الحى الذى يجب تقليده على فرض عدم جواز النقاء على تقليد الميت، وأما فى صورة الموافقة ف-لا تترتب صحة العمل واقعاً وعدمها على الجواز وعدمه ، بناء على ما هو المختار من ان التقليد هو نفس العمل برأى الغير مطلقاً واحداً كان ام متعدداً، وذلك لان العمل الموافق لرأى الميت هو الموافق لرأى الحى ايضاً ، فيكون صحيحا سواء كان رأى الميت حجة ام لا غاية الامر أنه على تقدير حجيته يكون الاجتزاء به في نظر العقل لاجل موافقته لرأى الجميع ؛ وعلى تقدير عدم حجيته يكون الاجتزاء به لاجل موافقته لرأى الحى ؛ فالصحة بمعنى الاجتزاء به عند العقل محرز على كل تقدير

(الدلیل لجواز البقاء علی تقلید المیت)

وانما تظهر ثمرة البحث عن حجيته من حيث جواز البقاء عليها لعدم كونه تشريعا وعدم جوازه لكونه كذلك (نعم) بناء على ان التقليد هو الالتزام بالعمل برأى الغير فتترتب صحة العمل وعدمها على جواز البقاء وعدمه كما لا يخفى (فنقول) ان ما يمكن ان يستدل به على الجواز في المقام وجوه .

(الاول) اطلاق الادلة اللفظية من الكتاب والسنة (وفيه) ما تقدم من انه لا دلالة فيها على مشروعية أصل التقليد ، وعلى فرض الدلالة فلا اطلاق لها يشمل لتقليد الميت ؛ وعلى فرض الاطلاق ايضا فلا يشمل لصورة الاختلاف في الاراء بين الميت والحي كما هو مفروض الكلام ؛ وذلك لتكاذبهما المانع من شمول الدليل لهما ولا لاحدهما كما في تعارض الخبرين وتكاذبهما المانع من شمول ادلة حجيته (وحينئذ) فلا مجال للتمسك بها على جواز التقليد للميت مطلقا .

(والثاني) دعوى الاجماع على الجواز (وفيه) انه لم يثبت بالنسبة الى الميت بل استظهر شيخنا المرتضى (قدس سره) من اطلاق كلمات الاصحاب وادلة المانعين الاجماع على المنع عنه مطلقا فضلا عن العلم بعدم انعقاده على الجواز ؛ وان قلنا

بانه لا يمكن الاستناد إليه فى التقليد الابتدائى فضلا عن المقام لما تقدم .

(والثالث) بناء اهل العرف والعقلاء في مختلف العلوم والموضوعات الخارجية على الرجوع الى أهل الخبرة حيهم وميتهم وان كان القدر الميتقن منه بالاضافة الى الميت هو الرجوع الاستمرارى لا الابتدائى (وفيه) ان الانصاف وان كان تحققه بالنسبة الى البقاء على الرجوع السابق مع عدم ثبوت ردع الشارع عنه بل قد يستفاد هذا من اطلاق الادلة اللفظية كما قربناه فيما تقدم ، الا ان الظاهر عدم شموله لفرض الاختلاف في الفتوى كالادلة اللفظية (نعم) فيما اذا كان الميت اعلم من الحى فالظاهر جرى البناء والارتكاز على البقاء فى الفرض المزبور ، والاجماع المدعى على المنع لو تم دليلا عليه لم يثبت الا في التقليد الابتدائى فلم يكن صالحاً للردع عن ذلك.

(والرابع) سيرة المتشرعة وأصحاب الائمة (عليهم السلام) على ذلك فانهم اذا اخذوا الرأى من فقيه عملوا به حتى بعد موته ووجدوا أنفسهم غير محتاجين

الى ان يرجعوا الى فقيه آخر، وقد يدعى استفادة ذلك من الاخبار الماضية التي ارجع الامام (عليه السلام) الشيعة الى فقهائهم أو السائل منه الى واحد معين منهم كما قال على بن المسيب للرضا (عليه السلام) شقتى بعيدة ولست أصل اليك في كل وقت فممن آخذ معالم دینی ، قال من زكريا ابن آدم المأمون على الدين والدنيا فهل يظن ان على بن المسيب فهم منه أنه يجب عليه الرجوع عليه والاخذ بآرائه غيرانه اذا مات وقضى نحبه فسقطت تلك الاراء عن الحجية ويجب عليه الرجوع مرة ثانية الى الامام (عليه السلام) حتى يعين فرداً آخر كلا ثم كلا ، بل يقطع بخلافه فلو كانت الحيوة شرطا في جواز العمل بالرأى الذى أخذه ، لكان له التنبيه عليه لشهادة ارتكاز كل عامل على الفرق بين حيوته ومماته في جواز العمل بكل ما تعلم من معالم الدين من العالم ولا سيما مع كون شقته بعيدة وانقطاعه عن الامام (علیه السلام) بعد ایا به الى شقته في تلك الأزمنة ، وهكذا الكلام فى سائر الروايات الواردة في ارجاع السائلين الى اشخاص خاصة كالاسدى والثقفى ونحوهما .

(وفيه) أن اصحابهم (عليهم السلام) على طوائف ثلاث (فمنهم) من أخذ عن الامام عليه السلام) بلا واسطة (ومنهم) من أخذ عن غيره من الاصحاب بما هو راو وناقل للفظ الامام (عليه السلام) من دون اتباع رأيه (ومنهم) من أخذ عن غيره بما هو مجتهد ذور أى ؛ فان كانت دعوى السيرة فى الاولين فهى وانكانت متحققة الا انهما أجنبيان عن محل الكلام، وانكانت فى الاخير فهى وانكانت في محل الكلام الاانها غير معلومة ، وعلى فرض التسليم فانه لا يثبت الكلية ؛ وذلك لما تقدم من أن جواز الاخذ والعمل بقول زرارة وأبان ويونس وزكريا وعمری و نحوهم ممن ادر کو شرافة حضوره (عليه السلام) وأخذوا معالم الدين عنه بالسماع والشفاهة لا يدل على جواز الاخذوا لعمل بقول كل من يفتى باجتهاده تعبداً ولو كانوا من غيرهم ولا سيما من عاصر ناهم أو قاربنا عصر هم من الفقهاء الذين وقعوا في الاعصار المتأخرة أوقار عن زمن المعصومين (عليهم السلام) بسنين متطاولة ولم يكن عهدهم قريباً الى زمانهم فانه من المحتمل وجداناً أنهم من جهة القرب اليهم والدرك لشرافة حضورهم وأخذ

الاحكام عن منابع الوحى بلا واسطة وان اعملوا النظر فيما اخذوه واجتهدوا فيما تعلموه منهم ، كان رأيهم حجة لاجل كونه اقرب الى الواقع جداً بحيث لا يحتمل خلافه ؛ وهذا بخلاف غيرهم ممن احتاجوا الى الجمع والتأليف في الروايات المظنونة المتضاربة والجرح والتعديل في رواية واحدة وتفريع الفروع على الاصول المختلف فيها منبى وبناء مع اختلاف استظهاراتهم من حيث الحوادث الواقعة بينهم وبين الامام (علیه السّلام) من اجل الوسائط كما لا يخفى .

(والخامس) الاصل أعنى الاستصحاب وتقريره على ثلاثة وجوه (الاول) اجرائه في الحكم الوضعى الاصولى وهو الحجية ، فيقال كان رأى فلان حجة على حال حيوته فهو باق على ما كان عليه من الحجية .

وفيه (أولا) انه يتوقف على كونها متأصلة في الجعل بحيث يصح اعتبارها من مجرد جعلها وتترتب عليها آثارها عقلا من صحة اعتذار كل من المولى والعبد بها ، لكنه غير ظاهر ، بل الظاهر أنها منتزعة من الحكم الظاهرى الراجع الى الامر بالعمل بالواقع على تقدير المصادفة نظير الأمر بالاحتياط في بعض موارد الشك والى الترخيص على تقدير المخالفة فان ذلك هو منشأ صحة الاعتذار والاحتجاج فالحجية نظير الوجوب والحرمة المنتزعين من مقام الارادة والكراهه ، ولا يصح اعتبارهما من مجرد جعلهما مع قطع النظر عن الارادة والكراهة ، هكذا ذكره بعض أجلة السادة من مشايخنا المحققين ، ولكن لا يخفى ان الوجوب والحرمة انما يعتبران من مقام الابراز والاظهار للبعث والزجر لا انهما ينتزعان من مقام الارادة والكراهة كما ذكره وان كانتا مستكشفتين بذلك (وبالجملة) فالحجية سواء كانت بمعنى المنجزية والمعذرية أو الطريقية أو السببية لابد في جريان الاستصحاب فيها من كونها متأصلة في الجعل وقابلة للاعتبار بمجردها لاانها منتزعة من شيىء آخر نظير ما قيل فى الاخير أعنى السببية من انها منتزعة عما كان السبب عليها من الخصوصية الموجية لحصول المسبب وليست قابلة للاعتبار من مجرد جعلها ، وذلك غير معلوم انها من قبيل الاول ، بل الظاهر كونها من قبيل الثاني .

(وثانياً) لو سلم ولكن الظاهر أن ادلة اعتبار الامارات ومنها فتوى الفقيه لیست تأسيسيا بل امضائياً للبناء والسيرة العقلائية وتنفيذاً للامر الارتكازى الفطرى من لزوم اتباع الجاهل للعالم ورجوعه فيما يجهل الى أهل الخبرة في ذلك ، فليس هناك مجعول شرعى ورائه كي يستصحب ، وأما قوله (علیه السّلام) فانهم حجتى عليكم فقد تقدم انه يقصر عن اثبات الحجية للرأى لما بعد الموت ؛ كما يشعر به ما ف-ي صدرها من الأمر بالرجوع في الحوادث الواقعة الى رواة الاحاديث الظاهر في حال حيوتهم؛ اذ لا يمكن الرجوع اليهم في حال الممات .

(وثالثا) على تقدير التنزل أيضاً (فقد يقال) بعدم امكان أجراء الاصل فيها لكونها منوطة بالرأى حدوثاً وبقاء بحيث يكون موضوعها في الان الثاني هو بقاء الرأى فلا مجال لجريان الاستصحاب فيها لعدم بقاء موضوعها لانتفاء الرأى بالموت عرفاً وان كانت في الحقيقة قائمة بالنفس الناطقة المجردة الباقية بعد خراب البدن كما حكى الاخبار ببقائها بعد الموت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله خلقتم للبقاء لا للفناء ، كما يستظهر ذلك من بناء الاصحاب بل ظهور الاجماع على ارتفاع الحجية بتبدل رأى المجتهد وارتفاع الشرائط من العدالة والضبط وغيرها.

(ويرد عليه) أن ارتفاع الحجية بتبدل الرأى انما هو لكون الحجية مشروطة بعدم ظهور الخطأ له في المستند لا لكونها منوطة بالرأى حدوثاً وبقاء ، ولذا ترى الشهادة تسقط عن مقام الحجية اذا ظهر للشاهد الخطاء في المستند مع انها حجة بحدوثها الى الابد ولا ترتفع حجيتها بموت الشاهد أو نسيانه ، والاجماع على ارتفاع الحجية بارتفاع الشرائط المذكورة لوتم لا يقتضى ارتفاعها بارتفاع الحيوة اذا كان محلا للخلاف فاحتمال حجية الرأى بحدوثه الى الابد لا رافع له فلامانع من الاستصحاب.

(وقد يقال بعدم امكان ذلك أجلان القدر المتيقن من حجية رأيه الدال على ثبوت الحكم في جميع الوقائع هو حجيته بالنسبة الى غير الوقائع اللاحقة فهى بالاضافة اليها غير معلومة حتى تستصحب بعد الموت ، اذ الاستصحاب حينئذ يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلى الذى كان المحقق عدم جريانه .

(ويرد عليه) انه انما يتم الاشكال لو كانت الوقائع ملحوظة بخصوصها موضوعا للحجية في قبال غيرها كافراد الكلى الملحوظ بعضها في قبال آخر، أما اذا كانت جميع الوقائع ملحوظة بنحو القضية الحقيقة ، والشك انما هو في مجرد استمرار الحكم الى الازمنة اللاحقة فلا مانع من استصحابه ؛ اذا لواقعة اللاحقة على هذا المعنى تكون موضوعا للحكم لو كانت واقعة في حيوة المفتى وانما الشك في خصوصية زمان الحيوة والاستصحاب شأنه الغاء احتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم.

(هذا) ولكن يمكن القول بعدم جريان الاستصحاب في المقام من أجل أمر آخر، وهو ان الاستصحاب هنا انما هو على نحو التعليق على الشرط الزماني في ناحية الموضوع فيقال هذه الواقعة لو وجدت فيما مضى يعنى زمان حيوة المفتى لكان رأيه فيها حجة فهى باقية على ما كانت ، وحينئذ فحجية رأيه بالنسبة اليها انما هي محرزة على فرض تحققها فى الزمان السابق واستصحابها على هذا النحو من التعليق مما لامجال له ، اذهى على هذا المنوال لم تكن مشكوكاً فيها ، وبدونه لم تكن متيقنة فى زمان ، بل من الأول كانت مشكوكة كما لا يخفى ، والاستصحاب التعليقى وان كان مقتضى التحقيق جريانه ، اذ لافرق بين الحكم التعليقى والتنجيزى فى الدخول في عموم دليل الاستصحاب الا انه انما يكون جارياً فيما اذا تم أركانه كما في استصحاب حرمة المصير المعلق على غليانه حالكونه من العنب الى حالكونه من الزبيب، فالموصوع للاستصحاب فى القضية المتيقنة والمشكوكة متحد عرفاً والحكم فيها ايضاً متحد ؛ وهى الحرمة المعلقة ، وقد كانت متيقنة في زمان وصارت مشكوكة فى زمان فتستصحب على ما كانت عليه من التعليق .

وهذا بخلاف المقام فان الحجية بالنسبة الى الواقعة اللاحقة على تقدير وجودها في السابق وان كان متيقنة الا انها ليست مشكوكة بقاء كي تستصحب ؛ و بدون هذا التقدير وان كانت مشكوكة الا انها لم تكن لها حالة سابقة متيقنة فيختل فيها احد ركنى الاستصحاب كما لا يخفى ؛ ولو فرض جريانه فيها في حد نفسه ؛ لكنه معارض باستصحاب عدم جعلها السابق بالاضافة الى الواقعة اللاحقة

المشكوكة ، وحينئذ فلا دليل على ثبوت الحجية بالاضافة اليها .

(والثاني) إجراءه في الحكم الشرعى الثابت بالرأى (وفيه) انه لا يمكن ذلك أيضاً لا من جهة ان جعل الحجية انما هو جعل المنجزية والمعذرية لاجعل الاحكام الشرعية على طبق المؤدى ، فليس هنا حكم شرعي متيقن كي يستصحب .

وذلك لان الحكم الشرعى محرز بناء على ما استظهر ناه فيما تقدم من انه لا تأسيس ولا جعل في باب الامارات ، بل الادلة اللفظية كلها امضائى وتنفيذ للامر العقلائي الذي هو كونها طريقاً الى الواقع وكاشفاً عنه بحيث لا يلتفت الى احتمال خلافه ومع التنزل فالاظهر كون المجعول فيها هي هو الطريقية حيث انها انسب واقرب الى الاعتبار كما لا يخفى (وعليه) ايضا كان الحكم الشرعى محرزاً تعبداً ، لان من قامت عنده الامارة في حكم العالم بثبوت الحكم فى الواقع تعبداً وان لم يكن عالما بالثبوت وجدانا .

بل لاجل ما تقدم في مسئلة التقليد الابتدائى من انه يتوقف على اليقين بالحدوث فعلا والشك في البقاء كذلك (وكلاهما غير حاصل) ومجرد جعل الملازمة المستفادة من دليل الاستصحاب بين الحدوث والبقاء مع عدم احراز الدليل الفعلى على الثبوت لا يجدى فى اثبات البقاء كما سبق بيانه .

(والثالث) إجراءه في الحكم الظاهرى المجعول على طبق المؤدى بناء على القول بالسببية بمعنى جعل الحكم المماثل لما ادت اليه الامارة لاجتماع اركانه من اليقين الوجدانى حال الوفاة بثبوته حال الحيوة ، والشك في بقائه للشك في بقاء الحجية الى زمان الوفاة .

(وقد أورد عليه) بعدم بقاء الموضوع بعد وفاة المجتهد وان كان اليقين السابق بالحكم الظاهرى ثابتاً ، وذلك لان جعل الاحكام الظاهرية يدور مدار قيام الامارة وجوداً وعدماً ، فالامارة مقومة لموضوع الحكم الظاهري بناء على القول بالسببية لا أنها من حالاته وعوارضه ، فصلوة الجمعة بما انه افتى المجتهد بوجوبها واجبة وجوبا ظاهريا، لا انها واجبة بقول مطلق لاجل فتوى المجتهد بوجوبها بحيث تكون

فتواه واسطة في العروض (هذا) على القول بان نفس وجود الامارة موضوع للحكم الظاهرى ، وأما على القول بأن موضوعه حجية الامارة وان انتفت الامارة بقاء فيشكل جريان الاستصحاب فيه أيضا من جهة الشك في بقاء موضوعه وهو الحجية الى ما بعد الوفاة .

(وأجيب عنه) بان موضوعه اذا كان نفس قيام الامارة بشيء فانا نفرض ان الامارة قامت على ثبوت حكم غير موقت بزمان ؛ غاية الامرانانشك في مقدار ماهو المجعول، وانه هل هو مقيد بزمان حيوة ،المفتى اوانه مطلق بالاضافة الى ذلك ، فلا مانع من استصحاب الحكم بعد موته ، وأما اذا كان موضوعه الحجية ، فانانجرى الاستصحاب فى الموضوع ، ويترتب عليه اثره الشرعى .

(وفيه) أنه لوسلم جريان الاصل في الحكم الظاهرى او الحجية ، واغمض عما تقدم من اشكال التعليق فيهما ولكنه لما كان القدر المتيقن منهما هو ثبوته في زمان حيوة المجتهد ، ففى الزائديرجع الى استصحاب العدم الاصلي، فتقع المعارضة بين الاصلين الوجودى والعدمى فيتساقطان .

(نعم) كان جريان الاستصحاب في الحكم الظاهري بعد الغض عما ذكرنا فيه سابقاً من اشكال التعليق اوضح من جريانه في الحجية ، كما ذكره بعض اجلة السادة من مشايخنا المحققين (دام ظله) وذلك لان الحكم المستصحب ان لم يكن اقتضائيا ، كما لو كانت فتوى الميت عدم الوجوب او عدم الحرمة ؛ فاستصحابهما التعليقى لا يعارضه الاستصحاب التنجيزى لانه لوجرى كان مفاده نفى الوجوب او الحرمة لاصالة عدمهما ، فالاستصحاب التنجيزى ؛ لوجرى فهو موافق لا مخالف کی يسقطا بالمعارضة ؛ وان كان اقتضائياً كما لو كانت فتوى الميت الوجوب او الحرمة فالاصل التنجيزى وان كان معارضاً؛ لكن البقاء على التقليد في الاحكام الاقتضائية هما لا بأس به قطعاً من حيث العمل لموافقته للاحتياط ؛ ولو كانت فتوى الميت الوجوب وفتوى الحى الحرمة ؛ فالفتوى الاولى لما كان مفادها نفى الحرمة كانت من هذه الجهة غير اقتضائية ؛ فلا مانع من جريان الاستصحاب في مضمونها ومن

حيث نفس الوجوب اقتضائية ؛ فلا بأس بالبقاء عليها من حيث العمل كما عرفت .

هذا كله بعد التنزل عن فساد المبنى؛ وانه لاجعل ولا تأسيس فى باب الامارات التى منها فتوى المجتهد لا السببية ولاغيرها من المنجزية والمعذرية والطريقية بل الادلة كلها امضائى وتنفيد للامر العقلائي كما تقدم بيانه .

(والسادس) لزوم العسر و الحرج المنفيين ل-و حكم بوجوب العدول على المقلد (وفيه) انه انكان المراد لزوم العسر و الحرج فى تعلم المسائل (ففيه) ان وجوب الرجوع انما يكون فى موارد الخلاف ؛ وهى ليست بمثابة توجب ذلك والا لم يجب التقليد على من بلغ واراد تعلم جميع المسائل ان العسر فيه أشد ، وأما الاطلاع على الخلاف والوفاق فربما يمكن في يوم واحد بالرجوع الى رسالته او السؤال عنه ونحوهما فليس فيه عسر أصلا ، وانكان المراد لزوم العسر والحرج من تطبيق الاعمال على قول الحى (ففيه) انه على القول بالاجزاء فانه يوجب عدم الاعادة فى الاعمال السابقة ، وأما الاعمال اللاحقة فلا عسر في تطبيقها على قول الحى وعلى عدم القول به ؛ فان اقتضى العدول العسر والحرج سقط التكليف به بالنسبة الى خصوص نقض الاثار السابقة ؛ وأما البقاء على التقليد في تلك المسئلة في مستقبل الزمان فلا ؛ لان العسر الثابت فى نقض الاثار لا يقتضى سقوط التكليف بالعدول بالنسبة الى الاعمال المستقبلة (هذا) مع انه يرد على كلا الوجهين ان العسر المنفى شخصى فلا يثبت العموم كما لا يخفى .

فقد تحصل من جميع ما تقدم ان مقتضى الاصل المتقدم بوجوهه السابقة عدم جواز البقاء على تقليد الميت ؛ كما ان مقتضى ذلك عدم جواز تقليده ابتداء .

ولا يدل على جوازه شيىء فى محل الكلام وهو فرض اختلاف رأى الميت مع رأى الحى ، بل قد استظهر شيخنا الانصاري (قدس سره) من اطلاق كلمات الاصحاب المانعين عن تقليد الميت الاجماع على المنع عن ذلك ، كما انه لا يدل على جواز الرجوع من الميت الى الحي فضلا عن وجوبه

شيء ، لان الادلة اللفظية من الكتاب والسنة لا تشمل فرض الخلاف ، وهكذا السيرة ، فان القدر المتيقن منها هو تحققها في غير مورد الاختلاف ، كماهو مفروض البحث ، ولا دلالة فى الفطرة وحكم العقل على جواز الرجوع بعد اخذ الطريق والحجة وكذا الاجماع ، فان المحقق منه هو الاتفاق على المنع عن التقليد الابتدائى ولزوم الاقتصار على الحى ، ولو فرض تحققه على المنع عن التقليد الابتدائى والاستمرارى ، ولكن لم يثبت اجماع على جواز الرجوع من الميت الى الحي، بل مقتضى الاصل الاولى عدم جواز الرجوع .

وانما نخرج عن الاصلين المزبورين فيما اذا كان احدهما أعلم من الاخر لبناء العقلاء على تعيين الرجوع الى الاعلم في موارد المعارضة مع غير الاعلم من دون فرق بين ان يكون الاعلم حياً أو ميتاً ، فيجب العدول الى الحى ان كان أعلم كما يجب البقاء ان كان الميت أعلم ؛ بلا فرق بين ما علم وعمل وبين غيره ودعوى الاجماع على عدم وجوب البقاء على تقليد الميت غير ثابتة (نعم) اذا كانت فتوى غير الاعلم موافقاً للاحتياط يجوز العمل بها من باب الاحتياط لا التقليد وأما في غير هذين الفرضين كما اذا علم بتساويهما أو يحتمل ذلك أو يحتمل أعلمية كل منهما من الاخر مع اختلاف الرأى كما هو محل البحث فلا بد من الرجوع الى حكم العقل وهو العمل بالاحتياط والاخذ بما هو الاحوط بين القولين وربما يدعى استقرار بناء العقلاء عليه ايضاً وإن لم يمكن الاحتياط كما في دوران الامر بين المحذورين أو امكن ولكن قلنا بعدم وجوبه لقيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي فلا محالة يتخير بينهما لو لم يدعى الاجماع على المنع عن جواز البقاء كما استظهره الشيخ (رحمه الله علیه) من اطلاق كلمات المانعين عن تقليد الميت ، والا فعليه يدور الامر بين التخبر بينهما أو التعيين فى الحى فيحكم العقل بما هو محتمل التعين في مقام الحجية وهو الرجوع الى الحى كما لا يخفى .

فصارت النتيجة فى المسئلة انه لا يجوز تقليد الميت ابتداء ولا بقاء ، بل فى الأول يجب الاقتصار على الحى مطلقاً ، وفى الثانى يجب الرجوع الى الحى الا اذا

علم بكون الميت اعلم منه ، فيجب البقاء على تقليده ، ولكن هذه انما تكون في مفروض البحث ، وهو فرض الاختلاف في الرأي ، وأما مع الاتحاد فيه فلا تترتب على البحث عن ذلك ثمرة على من ان التقليد هو العمل اعتماداً على رأى الغير الا من حيث الالتزام المستلزم للتشريع بناء على عدم جواز تقليد الميت ، وعدمه بناء على الجواز كما قدبيناه سابقاً .

هذا ولو بنى على جواز البقاء على تقليد الميت، فهل يجوز العدول كما هو ظاهر المتن ، أولا كما هو المنسوب الى أكثر القائلين بالجواز على ما ذكره بعض أجلة السادة من مشايخنا المحققين (قدس سره) وجهان .

أما وجه الاول فهو استصحاب التخيير الثابت قبل الرجوع الى الميت (وفيه) ان مرجع التخيير الثابت سابقاً الى انه لو اختار اى واحد منهما كان رأيه حجة عليه ، فيقال انه كان لو اختار الحى الذى يقع الكلام في جواز العدول اليه لكان رأيه حجة فالان كما كان ، وهو من الاستصحاب التعليقى المعارض باستصحاب عدم الحجية الثابت قبل الاختيار ، هذا مع التنزل عن عدم احراز بقاء الموضوع فيه لاحتمال كونه هو المتحير الذى لم يأخذ بعد بحجة دون من قام عنده مجرد الفتاوى المختلفة ، والا فلا مقتضى لجريان استصحاب التخيير ، لا انه معارض بغيره ، اذالمعارضة فرع الاقتضاء وهو غير حاصل ، هذا كله مع فرض ثبوت التخيير شرعاً من اجماع أو سيرة ، وأما مع ثبوته عقلا كما هو الحق فلا مجال لتوهم استصحابه .

وأما وجه الثانى فهو إما الاجماع على عدم جواز العدول الثابت قبل الوفاة وبعدها أو الثابت قبل الوفاة ، فيستصحب المنع الى ما بعد الوفاة أو اصالة الاحتياط لكون المورد من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير (وفيه ان عموم معصد الاجماع الى ما بعد الوفاة ممنوع ، بل ثبوت الاجماع على المنع حال الحيوة عن العدول تعبداً غير ظاهر کی بجری استصحابه .

أما أصالة الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير فلا مجال لها ، اذ كما يحتمل وجوب البقاء على تقليد الميت يحتمل وجوب العدول عنه الى الحى

(حکم العدول عن المیت الی الحی)

(مسئلة 10) اذا عدل عن الميت الى الحى(1)لايجوز له العدول الى الميت(2).


فاحتمال التعيين موجود في كل من الطرفين كما يحتمل التخيير ايضاً ، وفي مثله يجب البناء على التخيير بعد قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي حتى احوط القولين المتعين فى نظر العقل لولا الاجماع المذكور، للعلم الاجمالي بثبوت الحجة بينهما المستوجب لوجوب موافقتها عقلا والعمل بأحوطما موافقة لهما معاً ، لكن الاجماع على عدم وجوب الاحتياط مطلقاً على العامى يستوجب الحكم بالتخيير، نعم البناء على ذلك موقوف على عدم جريان الاصول الشرعية والاكان عليها التعويل كما بيناه فيما تقدم فراجع .


1) اما جوازاً في غير ما اذا كان الحى اعلم من الميت ، والا فيجب العدول ويحرم البقاء بناء على ما اختاره المصنف (قدس سره) من جواز البقاء ، وقد تقدم وجه جواز العدول على هذا المبنى قبل هذه المسئلة فلاحظ ، واما وجوباً في غير ما اذا كان الميت اعلم من الحى ، والا فيحرم العدول ويجب البقاء بناء على ما حققناه فيما تقدم فراجع .

2) لا اشكال في جواز العدول الى الميت بل وجوبه اذا كان اعلم من الحى ، ولا يعد هذا تقليداً ابتدائياً لفساد عدوله الاول ، كما لا اشكال في عدم جواز العدول الى الميت اذا كان الحى اعلم منه ، وذلك لما بيناه من ان الرجوع الى الاعلم هو المتعين والمتيقن من بناء العقلاء ، بلا فرق في ذلك بين كونه حيا او ميتاً ، مضافاً الى انه مما دار الامر فيه بين التعيين والتخيير فى مقام الحجية ، وفى مثله يحكم العقل بلزوم الاخذ بما هو محتمل التعين ، وليس هو الا قول الاعلم ، هذا مع انه مقتضى الاصل المتقدم فى المسئلة المتقدمة كما لا يخفى ، انما الاشكال في غير الفرضين المزبورين ؛ وقد يذكر فى وجه ذلك اعنى عدم جواز العدول الى الميت مطلقاً وجهان .

(الوجه الاول) أنه من التقليد الابتدائى الذى قام الاجماع على منعه منعه في الميت ، ولا يخفى انه لا يتم فيما اذا كان الميت اعلم من الحى بناء على المختار من وجوب البقاء حينئذ ، اذ ليس لعدوله الى الحى اثر (ح) كي يكون رجوعه عنه الى الميت تقليداً ابتدائيا ، بل يجب الرجوع عنه لعدم كون فتواه بحجة ، كما انه لا يتحقق العدول مع الالتزام بقول الحى من دون العمل على وفقه بناء على كون التقليد عبارة عن العمل على وفق رأى المجتهد كما حققناه ، فيجوز الرجوع الى الميت (ح) لان مجرد الالتزام بقوله من دون العمل على وفقه لا يعد تقليداً حتى يحصل العدول به ، فليس رجوعه الى الميت تقليداً ابتدائياً كي يمنع ، بل هو استمرارى وبقاء على تقليده السابق .

(هذا) ولكن الظاهر حصول العدول بذلك وعدم دورانه مدار تحقق التقليد فيعد رجوعه الى الميت ثانياً من التقليد الابتدائى الذى قام الاجماع على منعه ذلك اللهم الا ان يقال ان القدر المتيقن من معقد الاجماع هو المنع عن في غير مثل الفرض المسبوق بالتقليد للميت ؛ بل قد يقال انه لم يكن من التقليد الابتدائى شيئي ؛ لانه انما يتحقق فيما اذا لم يرجع الى احد بعد ؛ دون ما اذا رجع كما في المقام .

(الوجه الثانى) الاصل العقلى اعنى قاعدة الاشتغال ؛ فانها تقضى بعدم العدول الى الميت بعد ما عدل عنه الى الحى لانه (ح) يشك فى حجية فتوى المعدول عنه الذي يريد العدول اليه ثانياً ويعلم بحجية فتوى الحى على كل حال ؛ كما هو مفروض المسئلة ، فيكون من دوران الامر بين التخيير والتعيين في الحجة ، و مقتضى الاصل المزبور هو التعيين وعدم حجية مشكوك الحجية ؛ اذالشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها كما هو ظاهر ، وليس هنا ما يسقط هذا الاصل العقلى من دلیل اواصل شرعى وذلك لما تقدم من عدم شمول الادلة اللفظية اعنى اطلاق الايات والروايات لمورد الاختلاف فى الفتوى فضلا عما اذا اخذ بالحجة ولا يبقى بعد جاهلا بالوظيفة كما نحن فيه وكذلك بناء العقلاء ، ولا اجماع ولاسيرة على جواز العدول

الى الميت ثانياً .

وأما استصحاب حجية رأيه فقد عرفت مافيه بما لا مزيد عليه ، وأما استصحاب التخيير الثابت قبل العدول فلا مجال له أيضاً لعدم ثبوت التخيير على المختار من البقاء مع عدم كون الحى اعلم ، ومع فرضه فليس بشرعي ، ومع التسليم أيضاً فانما هو بدوى لااستمرارى ، ان موضوعه ليس الا المتحير والجاهل بالوظيفة ولا أقل من احتماله ، فاذا اختار الحجة واخذ بقول الحى فيرتفع تحيره ولا يبقى جاهلا ، فلا مجال (حينئذ) لاستصحابه لعدم احراز بقاء الموضوع ، ومع التنزل أيضاً فهو معارض باستصحاب عدمة الاصلى كما لا يخفى .

ملا هذا وقد يمكن أن يقال بناء على ثبوت التخيير شرعاً ان الشك في بقاء التخيير سبب عن الشك فى خروج مورد الشك عن تحت اصالة الحرمة في العمل بما وراء العلم ، فلا بد من الرجوع الى الأصل فى السبب ومعه لا شك في التخيير كي يستصحب (وحينئذ) فليس المرجع الا هو لكونه وارداً على ما تقدم من الاصل العقلى وحاكماً على ما ذكر من الأصل الشرعى أعنى الاستصحاب فتدبر (نعم) مع الاتفاق فى الفتوى لا مانع من الاعتماد على فتوى كل من المجتهدين عملا باطلاق ادلة الحجية من اللفظية وغيرها ، ولكن الظاهر ان هذا الفرض خارج عن محل الكلام .

هذا كله اذا لم يكن المعدول اليه اعلم والا فيجب الرجوع اليه ، اذ لا فرق فى مقتضى ادلة وجوب الرجوع الى الاعلم بين كونه مسبوقاً بتقليد غيره وعدمه (نعم) ان كان الوجه في وجوب الرجوع الى الاعلم هو الاصل العقلي ، اعنى اصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير ، وكان الوجه فى عدم جواز العدول استصحاب حجية فتوى من يريد العدول عنه ونحوه من الأصول الشرعية ، لزم عدم جواز العدول مطلقاً ولو الى الاعلم ، لان الاصل الشرعى وارد على الاصل العقلي.

(حکم العدول عن الحی الی الحی)

(مسئلة 11) لا يجوز العدول عن الحى الى الحى .


وقد اختلفوا في ذلك على قولين ، فالمحكى عن المحقق والشهيد الثانيين تبعاً للمحكى عن العلامة القول بالجواز ، والمحكى عن التهذيب وشرحه والذكرى القول بعدم الجواز وهو الذى اختاره شيخنا الانصاري (قدس سره) .

ولا ريب انه على المختار من كون التقليد هو نفس العمل ، فالبحث عن جواز العدول وعدمه انما يقع فيما اذا اختلف رأى الاول مع الثاني ، وأما فيما اذا اتحد رأيهما فلا ثمرة مهمة في البحث عن ذلك كما لا يخفى (نعم) انما يثمر البحث عن ذلك مطلقاً بناء على ما اختاره المصنف (قدس سره) من كون التقليد هو مجرد الالتزام بالعمل بقول الغير وان لم يعمل بعد .

فا لتحقيق ان يقال انه لا اشكال في عدم شمول ادلة حجية الفتوى لفرض الخلاف للتكاذب المانع عن ذلك في مدلولها وكذلك بناء العقلاء (وحينئذ) فمقتضى القاعدة التساقط والاحتياط ، الا انه حيث لم يمكن الاحتياط في موارد دوران الامر بين المحذورين ، ولم يجب في غيرها بالاجماع خصوصاً على العامي ، فيحكم العقل بحجية واحد منهما تخييراً والاخذ باحدهما كذلك بعد ما كان كل منهما حجة باقتضاء نفسه ، مع قطع النظر عن تعانده لغيره ، كما تقتضيه الفطرة والسيرة العقلائية من رجوع الجاهل الى العالم واهل الخبرة التى هى العمدة في أدلة التقليد وذلك لان الجمع بينهما غير ممكن للتخالف ، والاخذ بواحد معين ترجيح بلا مرحج والمفروض ان الاحتياط غير ممكن أو غير واجب فتتعين الحجة بحكم العقل بواحد منهما تخييراً لا تعييناً ، بمعنى أن العقل يدرك حجية كل واحد منهما على البدل ولكنه بعد الاخذو الاختيار لاحكم له بحجية الاخر ولو على نحو العدلية والبدلية اى لا يدرك حجيته ولو بنحو التخيير بينه وبين الاول ، فيدور الامر حينئذ بين التعيين والتخيير في الحجية ، والعقل يحكم فى مثله بالتعيين دون التخيير كما فى دوران الأمر بينهما في مقام الامتثال مثل لزوم انقاذ الغريقين مع عدم قدرة

المكلف على امتثاله الا فى واحد منهما مع احتمال الاهمية في احدهما دون الاخر .

(وبالجملة) فمقتضى الاصل العقلى هو المنع عن العدول والبقاء على تقليد الاول ، ولا مجال للرجوع الى الاصل اللفظى في المقام اعنى اصالة حرمة العمل بما وراء العلم المستفادة من الادلة اللفظية التي تقتضى عدم جواز العمل بقول الغير من غير علم به تعبداً ، وذلك للخروج عنها في التقليد بمقتضى الادلة من الفطرة والاجماع والسيرة وغيرها من الادلة اللفظية التأسيسية أو الامضائية ، وقد بينا سابقاً عدم امكان الردع عن البناء أو السيرة بالايات الناهية عن العمل بغير العلم والظن، وان العمل بقول من قامت على حجيته الادلة المعتبرة ليس عملا بغير العلم فراجع وحينئذ فلا ريب في حجية رأى كل واحد من المجتهدين في حد نفسه نفسه مع الغض عن معارضته بالاخر ، وانه يجوز العمل على وفقه كذلك ، غاية الامر ان العقل من جهة انه لا يمكن الاخذ بهما جميعاً لاجل المعارضة ولا الاخذ بواحد معين ، للزوم الترجيح بلا مرحج ، مع عدم امكان الاحتياط أو عدم وجوبه ، يحكم بحجية واحد منهما على التخيير قبل الاختيار ، وبحجية ما اختاره وجواز الاستناد إليه بعد الاخذ والاختيار دون غيره فتأمل .

وقد يستند في المنع عن العدول بوجوه اخرى غير ما ذكرناه من الاصل العقلي.

(منها) الاجماع على عدم الجواز كما هو المحكى عن المحقق القمى (قدس سره) ویرد عليه (أولا) ان المسئلة لم تكن معنونة في كلام القدماء بل هي حادثة من زمان المحقق والعلامة (قدهما) فلم يحرز اتفاقهم على ذلك ، بل عن المحقق والشهيد الثانيين والعلامة فى النهاية والمحقق الاول الذين يعبأ بخلاف مثلهم القول بجواز العدول (وثانياً) ان مثل هذا الاتفاق لو سلم فليس بكاشف عن رأى المعصوم (عليه السلام) لاستناد بعضهم الى ادلة ذكروها كقاعدة الاشتغال وغيرها فهو مدركي وليس باجماع تعبدی .

(ومنها استصحاب حجية الفتوى المختارة ، فانها صارت حجة فعلية في حق المقلد بسبب اختيارها كما هو شأن الحجة التخييرية ، فيشك في بقائها على الحجية

برفع اليد عن الالتزام بها واختيار فتوى من يريد العدول اليه من جهة الشك في ان الالتزام بها علة لحدوث الحجة وبقائها أو انه علة للحدوث فقط .

وقد يعبر عنه باستصحاب الحكم المختار وهو ما افتى به المجتهد الاول کوجوب القصر عند ذهاب اربعة فراسخ مثلا ؛ فالمستصحب هو الحكم الفرعى الثابت على المقلد بفتوى المجتهد الاول ؛ فيثبت عليه بالاستصحاب الى ما بعد العدول الى الثانى (ويرد عليه) ما تقدم فى استصحاب الحجية من انها باى معنى كان ليس امراً مجعولا كى يجرى استصحابه ؛ ولو سلم فلا يتم لكونه في الشبهة الحكمية التي يعارض الاصل فيها باصالة عدم الجعل دائماً ؛ سواء كان ذلك في الحجية الفعلية أو الحكم الفرعى الشرعي؛ وأما توهم كونه محكوماً باستصحاب التخيير الثابت قبل الالتزام أو معارضاً به .

(فهو مدفوع) بكونه متوقفاً على أمرين (احدهما) جريانه في نفسه وهو ممنوع من وجهين (الاول) عدم ثبوت ذلك شرعاً وان ثبت عقلا (الثاني) عدم احراز بقاء الموضوع على فرض ثبوته شرعاً ؛ وذلك لاحتمال ان يكون موضوعه المتحير والجاهل بالوظيفة الذى لا يبقى بعد الاختيار والاخذ بالحجة ؛ لا مطلق من قام عنده الرأيان المتعارضان (ثانيهما) عدم كونه معارضا بشي في رتبته ؛ ولا ريب انه أيضاً على ذلك يكون فى الشبهة الحكمية التي يعارض الأصل فيها باصالة عدم الجعل دائماً .

(ومنها) لزوم المخالفة القطعية بسبب العدول في بعض الموارد سواء كانت اجمالية كما في دوران الأمر بين المحذورين ، مثل ما اذا افتى المجتهد الاول بوجوب صلوة الجمعة وأفتى المجتهد الثاني بحرمتها ، فقلد العامي في يوم جمعة لمن افتى بالوجوب فصليها ، وقلد في آخر لمن افتى بالحرمة فتركها (فحينئذ) يعلم اجمالا بالمخالفة إما من أجل فعلها في الاول او تركها في الثاني ، ام كانت تفصيلية كما اذا قلد في صلوة الظهر من يفتى بوجوب القصر لمن سافر الى اربع فراسخ قاصداً لرجوعه في غير يومه ، وفي صلوة العصر من يفتى بوجوب التمام ،

فانه يعلم تفصيلا ببطلان العصر إما لعدم حصول الترتيب المعتبر بينهما ، لاحتمال فساد الظهر ، وإما لانه قصر ايضاً كالظهر ، وهذا هو الشأن في كل عملين مترتبين اذا قلد في أحدهما مجتهداً وفى الاخر مجتهداً آخر ، فلا يجوز العدول في أمثال هذه الموارد لذلك وفى غيرها بعدم القول بالفصل .

ويرد عليه النقض بموارد العدول الواجب كالعدول الى الاعلم ، او عند تبدل رأى المجتهد الاول ؛ او العدول عنه لموت او جنون او نحو ذلك ؛ فانه يجب الرجوع في هذه الموارد وان استلزم العلم بالمخالفة ؛ كما اذا كان الرأى الثاني مخالفاً للاول (والتحقيق) انه لاريب فى ان مقتضى القاعدة الأولية في الا وامر الظاهرية عدم الاجزاء عند كشف الخلاف ، بناء على جعل الطريقية في الامارات تأسيساً او امضاء (وحينئذ) فيشكل الحكم بصحة الاعمال الماضية اذا كانت الفتوى الثانية مخالفة لها ؛ الا اذا كان هناك دليل يدل بالعموم او الخصوص على الاجزاء بالنسبة اليها ؛ وعلى ذلك فحل الاشكال في جميع موارد العدول ، هو ان يقال ان قام دليل عام من اجماع اوسيرة شرعية او نحوهما ، كما ادعى على اجزاء الاعمال الماضية الموافقة لرأى المجتهد الاول في العبادات والمعاملات ، فلا حاجة حينئذ الى الاعادة مطلقاً ؛ سواء كان العدول موجباً للعلم بالمخالفة تفصيلا أو اجمالا ام لم يكن موجباً لذلك ؛ لكفاية صحة الاعمال الماضية تعبداً في ترتب اللاحقة عليها ؛ وان لم يقم دليل عام على ذلك كما هو التحقيق لعدم ثبوته وعدم تمامية ما ادعى منه ؛ فلابد من ملاحظة الحكم في كل مورد بخصوصه .

فربما يقال بأنه لا تجب الاعادة فى باب الصلوة فضلا عن القضاء ان كان النقص فيها من جهة التقليد الأول فى غير الاركان منها ؛ لاجل شمول حديث لاتعاد الموارد الجهل عن قصور ؛ وتجب الاعادة ان كان النقص فى الاركان لما ذكرنا من ان مقتضى القاعدة الاولية هو عدم الاجزاء ؛ فاللازم فى مسألة القصر والتمام هو اعادة صلوة الظهر تماماً اذا عدل الى من يفتى بوجوب التمام كي لا يحصل له القطع بالمخالفة من دون عذر ان النقص في الركعات ؛ وأما القضاء فلابد فيه من

احراز الفوت؛ فان كان مستند من يريد العدول اليه فى فتواه بالتمام هى الامارة بجب القضاء لان الامارة حجة فى لوازمها ، وان كان مستنده غير الأمارة لايجب القضاء ، واستصحاب عدم اتيان الواجب فى الوقت لا يثبت الفوت الذى هو موضوع الحكم بالقضاء فتدبر .

وبالجملة ان غاية ما يقتضيه هذا الوجه هو لزوم الاحتياط وتكرار العمل السابق ، لاعدم جواز العدول ، فمتى استلزم العدول للمخالفة القطعية يتخلص منها بذلك ، فقد تبين مما تقدم ان العمدة في دليل المنع عن العدول ما ذكرناه قاعدة الاشتغال ، ولا يكون هنا ما يدل على الجواز أولا من الاصل العقلى وهو كي يسقطه الا توهم وجوه غير ناهضة .

(الاول) اطلاق الادلة اللفظية الدالة على جواز التقليد فانها تشمل باطلاقها لفتوى المجتهد الثانى (وفيه) ما عرفت سابقاً من عدم شمولها لصورة الاختلاف في الفتوى ، بلا فرق بين اطلاق الايات والروايات ، فهى ساقطة فى موارد المعارضة بين الفتاوى ، بناء على ما هو الصحيح فى باب الامارات من جعل الطريقية تأسيسا او امضاء ، ولاسيما بعد أخذ الحجة واختيارها كما هو المفروض .

(الثاني) السيرة العقلائية وبناء أهل العرف على العمل على وفق كل من آراء أهل الخبرة وان كانت مختلفة (وفيه) ان الظاهر عدم شمولها لصورة الاختلاف في الفتوى كالادلة اللفظية ، بل بنائهم على التساقط عند التعارض والعمل بالاحتياط ، ولا اقل من الشك فى ذلك ، فيؤخذ بالقدر المتيقن منها ولاسيما في مفروض المسئلة كما لا يخفى .

(الثالث) الاجماع على التخيير كما هو المحكى عن شيخنا الانصاري (قدس سره) وغيره (وفيه) انه لو سلم الاجماع على ذلك ؛ ولكن لم يتحقق ثبوته مطلقاً حتى بالاضافة الى ما بعد الاخذ بالحجة واختيارها ؛ بل القدر المتيقن من ثبوت الاجماع على التخيير انما هو قبل ذلك ومع فرض التسليم ايضاً فليس باجماع تعبدى في مثل المقام .

(الرابع) سيرة المتشرعة من زمن المعصومين (عليهم السلام) على الرجوع الى المفتين والرواة ولو مع العلم الاجمالي بحصول الخلاف بينهم ؛ اذ ليس التقليد أمرا حادثاً ، بل كان متحققا في زمانهم مستمراً الى زماننا هذا ، كما تشهد بذلك الاخبار المتقدمة المشتملة على ارجاع العوام الى الفقهاء والرواة المعاصرين لهم والمدركين لتشرف حضورهم وصحبتهم عليهم السلام (وفيه) ان التقليد وان لم يكن أمراً حادثاً ، بل كان ثابتاً في تلك الازمنة الا انه لم تثبت السيرة على التخيير والاخذ برأى كل من الفقهاء مع العلم باختلافهم ، كيف وقد كان بناء العقلاء على تساقط الاراء في كل أمر عند المعارضة ؛ ومع التنزل فلم تثبت السيرة على ذلك فيما بعد الاخذ والاختيار ، كما هو المفروض فى محل الكلام (هذا) مضافاً الى ما تقدم ذكره من عدم كونها مجدية بالنسبة الى فقهاء عصرنا الذين بعدوا عن اعصارهم فضلا عن التشرف عندهم والاخذ عنهم بلا واسطة كالفقهاء من اصحابهم عليهم السلام .

(الخامس) استصحاب الحجة التخييرية لفتوى من يريد العدول اليه الثابتة قبل الاخذ والاختيار لفتوى المجتهد الاول الى ما بعد ذلك (وفيه) ما تقدم (أولا) من أنه فرع الثبوت الشرعى حدوثا ، وقد بينا المنع عنه (وثانيا) انه لم يحرز فيه بقاء الموضوع لاحتمال ان يكون الموضوع للتخيير هو من لم تقم عنده الحجة الفعلية ، لا مطلق من قامت عنده الفتويان المتعارضتان كي يكون باقيا ولو بعد اختيار أحديهما والاخذ بها ؛ وذلك لانه لو ثبت فانما هو بالاجماع والسيرة كما ادعى فى قال المقام ، وهو دليل لبى لم يظهر منه حد الموضوع فيه سعة وضيقا بخلاف الدليل اللفظى كما في التخيير الثابت فى الاخبار المتعارضة ؛ لظهور كون الموضوع فيه هو من جائه الخبر ان المتعارضان (وحينئذ فيدور أمر الموضوع في المقام بين ما هو باق قطعا أو مرتفع كذلك؛ ففى مثله لا مثله لا يجرى استصحاب الحكم كما لا يجرى استصحاب الموضوع بما ه-و موضوع ؛ لانه عبارة أخرى عن استصحاب الحكم كما لا يخفى ( وثالثا) انه في الشبهة الحكمية الكلية التى كان الأصل فيها معارضا باصالة عدم الجعل فى رتبته ؛ ولو أغمض عن ذلك فهو معارض باستصحاب حجية الفتوى المختارة

كما سبق ذكره .

وما عن شيخنا الانصارى (قد) من الجواب عن اشكال المعارضة بان استصحاب التخيير حاكم على استصحاب الحجية المذكورة (مدفوع) بانه لا ملازمة شرعية بين بقاء الحجية التخييرية لقول المعدول اليه ؛ وعدم الحجية التعيينية لقول المعدول عنه كي يكون التعبد الاول تعبداً بالثانى ؛ فلم يبق مجال الجريان استصحاب الوجود أعنى حجية الفتوى المختارة ؛ بل عقلية من باب ان وجود احد الضدين يلازم عدم الاخر عقلا ؛ للمضادة بين الحجية التخييرية لقول الثانى مع الحجية الفعلية التعينية لقول الأول ؛ وليس عدمها من الاثار الشرعية للاولى ايضاً ؛ كعدم بقاء نجاسة الثوب المتنجس المغسول بالماء المشكوك طهارته المحكوم بالطهارة لاستصحابها ؛ فانه حاكم على استصحاب نجاسة الثوب المشكوك ؛ فيحكم بعدم بقاء النجاسة اذلك كما لا يخفى .

فقد تحصل من جميع ما ذكر ، ان مقتضى الاصل عدم جواز العدول من الحى الى الحى ؛ وليس في مفروض الكلام ما يسقطه من دليل لفظى أو أصل شرعى (هذا) والمحكى عن جماعة هو التفصيل بين الوقائع التي التزم فيها بتقليد من قلده فلا يجوز العدول عنه الى غيره ؛ كما لو عقد على زوجته بالفارسية اعتماداً على فتوى مجتهد يجوز ذلك ؛ فلا يجوز العدول الى غيره فيه بأن لا يرتب آثار الزوجية من النفقة والقسمة ونحوهما اعتماداً على فتوى مجتهد آخر لا يصح عنده العقد الفارسي وبين غيرها من الوقايع كالعقد على امرأة اخرى ؛ فيجوز له العدول اليه فيه ؛ فلو عقد على امرأة اخرى بالفارسية بعد العدول جاز له عدم ترتيب آثار الزوجية عليها واختاره فى الجواهر ؛ وكانه لاستصحاب التخيير الذى لا اجماع على خلافه ؛ وقد عرفت ما فيه .

(تفصیل القول فی حکم تقلید الاعلم)

(مسئله 12) يجب تقليد الأعلم مع الامكان على الاحوط(1)

(الثاني) ما هو وظيفة المفتى من حيث الافتاء بملاحظة الاجتهاد في تعيين ما هو قضية الادلة النقلية والعقلية في هذه المسئلة .

.

قوله قده ( الا اذا كان الثاني أعلم ) .

الظاهر ان المستثنى منقطع لا متصل ؛ لان الرجوع الى الاعلم واجب لا جائز ؛ وسيأتي ان مقتضى ادلته هو وجوب الرجوع اليه بلا فرق في ذلك بين كونه مسبوقا بتقليد غيره كما في المقام او غير مسبوق به ، فلا معنى لجواز ذلك الا ان يقال ان الجواز في مقابل المنع فلا ينافي الوجوب .

(أما المقام الاول) فلا ريب فى أنه بعد ما توجه العامي والتفت الى تنجز الاحكام الشرعية عليه بالعلم الاجمالي : وانه لا يجوز له اهمالها وترك التعرض لامتثالها ؛ وانه لا طريق له الى امتثالها الافتوى الفقهاء والمجتهدين ولو بملاحظة بناء العقلاء وأهل العرف على الرجوع الى أهل الخبرة ؛ يستقل عقله بلزوم الرجوع الى الاعلم والافضل ، اذا احتمل تعينه فيما اذا اختلفو في الفتوى مع اختلافهم فى العلم والفضيلة ؛ وذلك للقطع بحجيته والشك في حجية غيره المساوق للقطع بعدمها ؛ ولا وجه للرجوع الى الغير فى تقليده ، لاستلزامه تقدم الشيئي على نفسه كما لا يخفى ؛ فلا بد للعامى من ان يكون مجتهداً في مسئلة جواز التقليد (نعم) ان قطع بالتخيير في ذلك بين الافضل وغيره ؛ او جوز له الافضل الرجوع الى غيره بعد ان رجع اليه جاز حينئذ الرجوع الى غيره ولا بأس به .

(أما المقام الثاني) فقد اختلف الاصحاب فى ذلك على قولين ؛ والمشهور بينهم هو وجوب تقليد الاعلم ؛ وعن ؛ وعن رسالة شيخنا الانصاري (قدس سره) انه لم يحك الخلاف فيه عن معروف ؛ بل حكى عن صريح المحقق الثانى فى حاشية الشرايع


1) والبحث عن يقع في مقامين (الاول) ما هو وظيفة العامي من حيث العمل بملاحظة ما يستقل به عقله .

دعوى الاجماع عليه ؛ وعن ظاهر السيد علم الهدى (رحمه الله علیه) في الذريعة كونه من المسلمات عند الشيعة ؛ والمنسوب الى جماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني هو جواز الرجوع الى غيره وعدم وجوب تقليده

والذى يقتضيه الاصل بعد الفراغ عن عدم وجوب الاحتياط للاجماع وغيره هو ما ذهب اليه المشهور من لزوم تقليد الأفضل ، وذلك لانه بناء على ما هو الاظهر من ان قول المجتهد كان طريقاً معتبرا إلى الحكم الشرعي لاسبباً وموضوعا لذلك كما توهم ، فلا يكون لادلة الجواز اطلاق يشمل صورة الخلاف المتعارض والتكاذب في مدلولها المانع من الاخذ بها في ذلك كما تقدم ، فيكون المقام حينئذ من قبيل ما دار الامرفيه بين التعيين والتخيير فى المسئلة الاصولية اعنى الحجية ، لان حجية قول المفضول مشكوكة انشاء أو امضاء حيث انه لم يشمله اطلاق الادلة في الفرض المزبور اعنى فيما خالفه الفاضل ، وقد علم بحجية قول الفاضل حينئذ اما تعيينا أو تخييراً من غير مين ، ولا ريب أنه عند الدوران في الحجية بين التعيين والتخيير يحكم العقل من جهة قاعدة الاشتغال بالتعيين، للقطع معه بالفراغ عما هو وظيفته دون التخيير ولكن لا يطرد العمل بهذا الاصل مع سبق تقليد المفضول لعدم وجود الافضل ثم تجدد وجوده ، بناء على ماذهب اليه بعض اجلة السادة من مشايخنا المحققين (قدس سره) من استصحاب بقاء الاحكام الظاهرية ، فانه وارد على الاصل المذكور وهذا فى ما اذا كانت الاحكام غير اقتضائية ظاهر؛ وأما اذا كانت اقتضائية ففى جريان استصحابها أشكال ؛ لانه من الاستصحاب التعليقى بالاضافة الى الوقائع المتجددة المعارض بالاستصحاب التنجيزى ؛ وبعد التساقط يرجع الى الاصل العقلى المقتضى للتخيير بين البقاء والعدول ؛ وذلك من أجل احتمال التعين في كل منها من جهة كما تقدم .

ثم انه ربما يتوهم جريان البرائة عن تعين الرجوع الى الا علم ؛ لان في اعتباره كلفة زائدة على أصل الرجوع الى العالم ، كما اذا دار الامر بين التعيين والتخيير في الظهر والجمعة ؛ حيث تجرى البرائة عن تعين الجمعة ، فيحكم للمكلف بالتخيير

بينهما (ولكنه مدفوع) بأنه ليس العقاب فى باب الامارات على مخالفة الامارة ؛ بل على مخالفة الواقع ؛ اذ ليس شأن الامارة الا المنجزية للواقع مع الاصابة من جهة الطريقية اليه ؛ وليس العمل على وفقها واجبا نفسيا ، كي يعاقب على مخالفتها ويدفع العقاب على ذلك بالاصل عند الشك ، وانما يعمل بها للخروج عن تبعة الواقع وحصول البرائة منه ؛ لانها طريق امتثاله ، لكونها حجة عليه، لكنه حيث دار الامر بين مقطوع الحجة ومشكوكها ؛ فالعقل يحكم بالعمل على وفق الأول للقطع معه بالبرائة دون الثاني .

بيان ذلك ان الحجية العقلائية عبارة عن تنجيز الواقع والمعذرية عن الخطاء وفتوى الافضل منجزة ومعذرة قطعاً، لانها حجة اما تعينياً او تخييراً دون فتوى المفضول (لا يقال) استحقاق العقوبة على مخالفة فتوى الافضل بالخصوص غير ثابت لاحتمال حجيتها تخييراً ، بل العقاب على مخالفتها ومخالفة عدلها ، فمع موافقة عدلها لاعقاب (لانا نقول) عدم العقاب عليها بالخصوص لا يجوز الاقتصار على غيرها ان لا يجوز الاقتصار الا على ما يقطع بانه معذر عند الخطاء ، وليس ذلك الاشأن مقطوع الحجية ، ومنه تعرف ان اصالة البرائة عن العقوبة على مخالفة فتوى الافضل لا تجدى في جواز الاقتصار على فتوى المفضول ، لان جواز الاقتصار اثر القطع بالمعدنية ، لا أثر عدم العقاب على مخالفة فتوى الافضل بالخصوص .

(توضيحه) ان الواقعيات حيث انها منجزة بالعلم بها ولا يمكن امتثالها على وجه يقطع ببرائة الذمة عنها ، فلذا حكم العقل بالتنزل الى الاستناد الى الحجة او الى من له الحجة ، فتطبيق العمل على فتوى المجتهد يوجب برائة الذمة عن الواقع ، ومع عدمه فلا عقاب الا على الواقع ، ولذا لو اتى به من دون مراجعة المجتهد ، بل ولو كان مخالفاً لفتواه واقعاً لم يكن عليه عقاب مخالفة الواقع ، وعليه فلا عقاب على مخالفة الافضل بما هي ، بل ولا على مخالفة المفضول أيضا ، اذا اتى بالواقع الخارج عن فتواهما ، فليس اثر القطع بعدم ترتب العقاب على مخالفة فتوى الافضل بالخصوص برائة الذمة عن تبعة الواقع مع موافقة المفضول ؛ نظراً الى ان

الواقع لو كان فى مؤدى فتوى المفضول فقد اتى به ؛ وانكان في فتوى الافضل فالمفروض البرائة عنه ؛ وان كان خارجا عنهما فهو لا منجزله ؛ مع ان لازمه تسليم الاشكال في صورة دوران أمر الواقع بين فتوى الافضل او المفضول ؛ وهذا مدفوع بما مر آنفا من ان الواقع منجز على اى حال ؛ فيجب عقلا اما اتيانه او اتيان ما جعل امتثالا له ؛ والمقتصر على فتوى المفضول لم يأت بالواقع ؛ ولا بما يقطع بانه امتثال جعلى للواقع ؛ فأية فائدة فى القطع بعدم ترتب العقاب على ترك موافقة الافضل بالخصوص (نعم) لو قطع بعدم ترتب العقاب على عدم اتيان الواقع في ضمن فتوى الافضل ؛ وكان امره دائراً بين ان يكون فى ضمن فتوى الافضل او المفضول صبح ما ذكر ؛ لكنه ليس كذلك ؛ لعدم الشك في تنجر الواقع ؛ فاللازم اما اتيانه بنفسه أو بما هو امتثال له جعلا .

ثم انه لاشيىء في المقام يدل على خلاف الاصل العقلى المذكور المقتضى لتعين الرجوع الى الاعلم ؛ وعدم جواز الرجوع الى غيره ؛ عدا توهم وجوه غير ناهضة لذلك .

(منها) اطلاق ادلة التقليد من الايات والروايات (وفيه) بعد الغض عما في دلالتها على جواز اصل التقليد ومشروعيته من المناقشات المتقدمة لا اطلاق فيها لانها إرشاد الى حكم العقل الفطرى بلزوم الرجوع في كل فن الى اهل الخبرة في ذلك الفن ، ولاريب انه لا اطلاق في حكمه ، بل المتيقن والمتعين منه انما هو تقليد الافضل والاعلم ؛ كما ادعى من استقرار بناء العقلاء عليه ايضاً وعلى التنزل والقول بالتأسيس لا الارشاد ، فالظاهر انها بصدد بيان اصل جواز الاخذ بقول العالم لا فى كل حال ؛ من غير تعرض لصورة المعارضة بقول الفاضل ، كما هو شأن سائر

الطرق والامارات ، مع انه لا يمكن شمولها انه لا يمكن شمولها لفرض المعارضة والمخالفة بین الاراء ، للتكاذب في مدلولها المانع عن شمولها لفرض التعارض ، اذ الظاهر منها هیالحجية التعيينية لا التخييرية التي يمكن معها الجمع بين الاراء في ذلك ، والحمل عليها خلاف ظاهر الادلة وهو محتاج الى القرينة ، فلو احرز الاختلاف بينهم في الفتوى

لكان هذا قرينة على الحمل المزبور ، والا فلا قرينة تستدعى لذلك كما لا يخفى .

(ومنها) قيام السيرة المتشرعة على الرجوع الى كل فقيه من زمن الائمة المعصومين (عليهم السلام) الى زماننا هذا ، مع ان مراتب الفقهاء في الفقاهة مختلفة ودرجاتهم في الفضيلة متفاوتة ؛ كما انهم لم يتفقوا في جميع آرائهم ؛ وهذا مما لا يخفى.

(وفيه) ان قيام السيرة على الرجوع الى المختلفين في الفضيلة غير معلوم ، ولو سلم فمجرد ذلك لا يجدى في جواز الرجوع اليهم مع الاختلاف في الفتوى ، والعلم بوجود الخلاف بينهم وان كان محققا ، لكن ثبوت السيرة على الرجوع الى المختلفين في الفتوى من دون فحص عن أعلميته مع العلم الاجمالى بأعلمية احدهما والتمكن من تمييزه والرجوع اليه كما هو محل الكلام بعيد جداً بل يمكن دعوى العكس فيه؛ أعنى ثبوت السيرة الفعلية على الفحص عن ذلك في صورة الشك فضلا عن العلم بأعلمية أحدهما اجمالا كما لا يخفى .

(ومنها) أن فى وجوب تقليد الافضل عسراً لا يتحمل في العادة ؛ خصوصاً اذا كان المراد به من كان افضل عصره ؛ كما لعله الظاهر من كلام المانعين ؛ وذلك لتعسر تشخيص الافضل مفهوماً ومصداقا هكذا وتحصيل فتاواه (وحينئذ) فمقتضى دليل نفى العسر و الحرج ولو فى بعض هذه المراحل ؛ نفى وجوب تقليده في الشريعة المقدسة .

(وفيه) أنه لاعسر فى تقليد الافضل ، لا فى لا أمر عرفي، ويأتي إنشاء الله تعالى بیانه ، ولا في تشخیص مصداقه ، لانه ليس باشكل من تشخيص أصل الاجتهاد ، فيحصل العلم أو الاطمينان به من الاختبار والشياع ونحو ذلك ، وقد يكتفى فيه بالبينة ايضاً ، ولا في تحصيل فتاواه خصوصاً في هذه الازمنة ، لا عليه لاخذ آرائه من رسائله وكتبه ، ولا لمقلديه لذلك أيضاً ، وتشهد لما ذكر كله شهرة القول بوجوب تقليد الافضل في أكثر الاعصار بين الاعلام، مع عدم ثبوت الحرج في ذلك على العوام (هذا) مع ان مقتضى نفى العسر الاقتصار على مورده ، فيجب تقليد الافضل فيما لا يلزم منه عسر، ومحل الكلام فيما اذا تميز الاعلم عن غيره ، وأمكن

الرجوع اليه بلا عسر ولا حرج (نعم) لو بنى على الرجوع اليه على نحو يجب الفحص عنه مهما احتمل وجوده لكان ذلك موجبا للعسر غالبا ، لكنه ليس كذلك لماسيأتي انشاء الله تعالى .

(ومنها) انه لو كان تقليد الاعلم واجباً ، لما كان الاخذ بفتاوى أصحاب لائمة (علیهم السّلام) مع امكان الاستفتاء منهم جائزاً ، بل وجب الرجوع الى الائمة انفسهم لا الى اصحابهم ، لانهم اولى بان يؤخذ منهم من الاعلم مع انهم (عليهم السلام ارجعوا شيعتهم الى الرواة والمفتين من أصحابهم ، وليس ذلك الا من اجل ان تقليد الفقيه جائز مع وجود الامام (علیه السّلام) فانه مع وجود الاعلم غير الامام جائز بطريق أولى .

وفيه (أولا) انه انما يتم لو كان الرجوع الى غير الاعلم ممنوعا ذاتا ، وأما اذا كان من جهة عدم الدليل على حجية فتوى غير الاعلم فالمقايسة غير ظاهرة ، لقيام الدليل على جواز الرجوع الى غير المعصوم مع امكان الرجوع اليه .

(وثانيا) ان محل الكلام صورة العلم بالمخالفة صورة العلم بالمخالفة بين الاعلم وغيره ، ولاريب انه مع العلم بمخالفتهم للامام (علیه السّلام) يقطع ببطلان فتوى غيره ، فلا يجوز تقليده.

(وثالثا) يمكن أن يكون الارجاع الى غيرهم من جهة لزوم العسر والحرج على المقلد فى مراجعتهم فى تلك الاعصار بالسماع منهم مشافهة دون غيرهم ، وذلك من جهة بعد البلاد وعدم امكان الوصول اليهم فى كل زمان ؛ ولا سيما مع عدم وجود الوسائل النقلية الموجودة فى عصرنا الحاضر ؛ كما يدل على ذلك قول السائل للرضا (علیه السّلام) ان شقتى بعيدة ولست اصل اليك في كل وقت اه .

(ومنها) دليل الانسداد الذى استند اليه المحقق القمي (قدس سره) حيث انه يقضى بوجوب أخذ العامى بقول العالم بلا فرق فيه بين الاعلم وغيره ؛ ضرورة حصول المناط وامكانه فى غير الاعلم أيضا لعدم التفاوت بين الظنين (وفيه) انه مبنى على مقدمات لم يساعد عليها بداهة ولا برهان بل قامت الضرورة الدينية على خلافه ؛ ومع التنزل فالواجب هو الاخذ بقول الاعلم أيضا لما ستعرف من أدلة المنع عن ذلك .

(ومنها) اطلاق ما ورد فى الرجوع الى شخص معين ، فانه يقتضى جواز الرجوع اليه وان كان غيره أعلم منه ، (وفيه) ان الارجاع الى الغير بالخصوص كالارجاع اليه بالعموم انما يقتضى الحجية فى الجملة ولا يشمل صورة مخالفته لغيره والا تعارض مع ما دل على الارجاع الى ذلك الغير بالخصوص بل ومع ما دل على الارجاع اليه بالعموم ايضا واحتمال التخصيص يتوقف على احتمال الخصوصية في الشخص المعين وهو منتف ولو سلم اختص الحكم بذلك الشخص بعينه ولا يطرد في غيره من الاشخاص كما لا يخفى .

(ومنها) ان اهمال المفضول وغير الاعلم فى مقام التقليد عند معارضته بالافضل والاعلم يساوق الحكم بمساواته للجاهل وقد دل الاعتبار والاثار على نفى الاستواء بينهما كما قال الله تبارك وتعالى (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولوا الالباب) وفيه (أولا) انها بالدلالة على العكس اولى لان مساواة الاعلم وغيره في التقليد ايضا يوجب الحكم بمساواة العالم وغيره وقد دلت الاية على نفيها (وثانياً) ان الاستدلال بالاية فى امثال المقام مما لا وجه له أصلا ، ان نفى المساواة من جميع الجهات مما لا سبيل اليه كما لا يخفى ، ولا ظهور لها في نفيها بالاضافة الى خصوص المقام ، فيكفى فى نفى المساواة الاختلاف في بعض الجهات ، ولم يثبت كون المقام منها .

و بالجملة فلم يظهر دليل على خلاف ما ذكرناه من الاصل العقلى فى المقام المقتضى لتعين الرجوع الى الاعلم ، بل السيرة العقلائية قامت على الرجوع الى الاعلم والعمل بقوله اذا اختلف مع غيره فى مختلف الانحاء ، ولكنه لم يعلم انه على وج-ه اللزوم أو من باب حسن الاحتياط ، فربما يقال بالثاني لكون الرأيين واجدين للملاك وشرائط الحجية والامارية وان احتمال أقربية قول الاعلم ليس على وجه يلزمهم على التقديم ، ولذا يراجعون الى المفضول في كل فن مع وجود أفضل منه فى البلد معتذرين باعذار لا تعد عذراً عند العقل والعقلاء مع فرض لزوم الرجوع الى الاعلم كبعد طريقه وسوء خلقه ونحو ذلك ، وهذا يدل على ان ترجيح

الافضل ليس على حد د اللزوم .

ولكن التحقيق انه لو سلم ذلك في الجملة ، ولكن لا يسلم مطلقاً، فانه لو كان الامر خطيراً لا يراجعون فيه إلا الى الافضل ، خصوصاً في موارد اختلافه فى الرأى مع غيره ، مثلا اذا مرض بمرض معلوم ، فربما يعالج عند احد من الاطباء وان كان غيره اعلم منه ، وأما اذا مرض بمرض مجهول ، والاراء فيه مختلفة لا يعالج الا عند من هو اكثر اطلاعاً فى الطب عن غيره ، ولا يعمل الا برأيه دون غيره ، ولعله ، فطرى (وحينئذ) فالاعتماد في العمل بالاحكام الشرعية على قول المفضول مع معارضته لقول الافضل مشكل جداً ، فانه ربما يتسامح الرجل في اغراضه الشخصية ، ولا يمكن له ذلك في أغراض الموالی، خصوصاً في اغراض المولى الحكيم ، بالاضافة الى الاحكام الشرعية التى تقع مورداً للاحتجاج بين العبد ومولاه ، ويترتب عليها الثوب والعقاب ومع التشكيك في أصل السيرة أو وجهها فيكفى فى ذلك الاصل المزبور الذى ربما يظن أو يوثق باستناد الجل لولا الكل اليه ؛ هذا مضافاً الى انه يساعده الاعتبار ؛ حيث ان قول الافضل يكون اقرب الى الواقع جزماً ؛ لاجل اطلاعه على مزايا وخصوصيات لم يطلع عليها الآخر ؛ فيجب الاخذ به عند المعارضة مع غيره عقلا ؛ لان ما هو الملاك في الرجوع الى قول العالم وهو الوصول الى الواقع يكون في الافضل اقوى من غيره ؛ وقد يمنع عنه صغرى وكبرى .

أما الصعرى فلاجل أن فتوى غير الافضل ربما يكون اقرب كما اذا كان موافقاً لفتوى المشهور من الاحياء او لفتوى من هو اعلم منه من الاموات ، فيكون الظن بها اقوى من الظن الحاصل من فتوى الافضل ، والاقربية حينئذ وان لم تكن بلحاظ الامارة لنفسها ، بل بلحاظ الامور الخارجة عن حقيقتها ، اعنى موافقتها لامارة اخرى ، الا ان العقل لا يرى تفاوتاً بين الاقربية الداخلية بلحاظ نفسها والخارجية بلحاظ موافقتها لغيرها .

ولكن التحقيق ما ذكره بعض المحققين (قدس سره) من ان الفتوى اذا كانت حجة شرعاً أو عقلا ، لاجل افادة الظن، وانها اقرب الى الواقع من غيرها ، فلا محالة

ليس لاجل مطلق الظن بحكم الله تعالى ، ولذا لا يجوز للعامى العمل بظنه ، بل لاجل انه خصوص ظن حاصل من فتوى من يستند الى الحجة القاطعة للعذر ؛ فالحجة شرعاً او عقلا هو الظن الحاصل من الفتوى ؛ لا الظن بما افتى به المجتهد وان لم يحصل من فتوى المجتهد .

(وعليه) فالفرق بين الاقربية الداخلية والخارجية فى كمال المتانة ؛ مضافاً الى ان مطابقة فتوى المفضول لفتوى الافضل من الاموات وان كانت تفيد ظناً اقوى من الحاصل من فتوى الافضل ؛ الا انه لاحجية لفتوى الميت حتى يكون الظن من مطابقة المفضول له حجة اقوى ؛ لان الظن الحاصل من فتوى الحى هو الحجة ؛ فلا تكون الحجة اقوى الا اذا حصل هذا الظن من فتوى الحى دون الميت ، فمطابقته له كمطابقته لسائر الامارات غير المعتبرة ؛ كما ان مطابقة فتوى المفضول لفتاوى جملة من الاحياء لا تفيد ظناً اقوى ؛ اذ المطابقة لتوافق مداركهم و تقارب أفهامهم وانظارهم ؛ فالمدرك واحد ؛ والانظار المتعددة في قوة نظر واحد ولا يكشف توافق آرائهم على الاستنباط من مدرك واحد او مدارك متفرقة عن اقوائية مدركهم من مدرك فتوى الافضل ؛ والا لزم الخلف لفرض اقوائية نظر الافضل من غيره فى مرحلة الاستنباط بجميع جهاته ؛ ومنه تبين فساد قياس ما نحن فيه بالخبرين المتعارضين المحكى احدهما بطريق واحد ، والاخر بطرق متعددة حيث انه لا شبهة في ترجيح الثانى ؛ اذ ليست الحكايات المتعددة بمنزلة حكاية واحدة ؛ فلا محالة يوجب كل حكاية الظن بصدور شخص هذا الكلام من الامام (عليه السلام) ولا يلزم الخلف كما كان يلزم فيما نحن فيه .

وأما الكبرى فلانه لم يعلم بعد ان الملاك في حجية الفتوى ولو على نحو الطريقية هو القرب الى الواقع ؛ فلعله شيئى آخر يكون في الافضل وغيره على حد سواء ؛ ولم يكن لزيادة القرب في احدهما دخل اصلا (وفيه) انه ان اريد ان القرب الى الواقع لادخل له اصلا فهو على خلاف الطريقية ؛ وان اريد انه ليس بتمام الملاك فلا يضر بالمقصود ؛ لان فتوى الافضل وان كانت تساوى فتوى غيره

في بعض الملاك ؛ ولكنها تترجح عليها في بعضه الاخر ؛ وهو القرب الى الواقع (وعليه) فيكون فتوى الافضل اقوى ملاكا من فتوى غيره ، هذا مع ان القرب هو تمام الملاك فى الحجية ظاهراً (وذلك) لما بيناه من انه لا تأسيس في باب الامارات التى منها الفتوى ؛ بل الادلة كلها تنفيذ للامر العقلائى الفطرى من رجوع الجاهل الى العالم ؛ وحينئذ فكانت حجية الفتوى بنطر العقل ولا ريب ان تمام الملاك فى ذلك بنظره هو القرب ؛ وعليه فالمتعين هو الأقرب .

وقد استدل ايضاً للزوم تقليد الافضل بوجوه لا تخلوا عن المناقشة ؛ ولكنه لا بأس بكونها تأييداً لما ذكر .

(الاول) الاجماعات المنقولة صريحاً كما عن المحقق الثاني ؛ وظاهراً كما عن الشهيد الثاني ؛ المؤيدة بنقل عدم الخلاف عند اصحابنا كما عن ظاهر السيد فى الذريعة والبهائى ؛ حيث قال وتقليد الافضل عندنا الافضل معين ، وعن المعالم هو قول الاصحاب الذين وصل الينا كلامهم المعاضدة بالشهرة المحققة بينهم .

وفيه (أولا) انها ممنوعة ، لذهاب جملة من المتأخرين على خلاف ذلك (وثانيا) انه لامجال لتحصيل الاجماع ولو مع الظفر بالاتفاق ، لقوة احتمال استناد الجل اولا الكل الى سائر الوجوه كالاصل المقتضى للمنع ، بل لا يبعد دعوى الاطمئنان بذلك ، فيكون نقله موهونا مع عدم حجية نقله ولو مع عدم وهنه كما ذكره المحقق الخراساني قده (وثالثا) ان دعوى الاجماع في مثل تلك المسئلة العقلية التي تضاربت فيها الاراء والاقوال مع تراكم الادلة واختلافها مما لا يصغى اليها أصلا .

(والثاني) الاخبار الدالة على ترجيح الافضل مع المعارضة .

(فمنها) مقبولة عمر بن حنظلة التي رواها المشايخ الثلاثة قال سئلت ابا عبدالله (علیه السّلام) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث ، فتحاكما الى ان قال : فان كان كل واحد منهما اختار رجلا من اصحابنا فتراضيا ان يكونا ناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم ، فقال الحكم

ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما ، ولا يلتفت الى ما حكم به الاخر الحديث .

(ومنها) رواية داود بن حصين عن ابي عبد الله (علیه السّلام) في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما فى حكم وقع بينهما فيه خلاف ، فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما عن قول ، ايهما يمضى الحكم ؟ قال : ينظر الى قول افقههما واعلمهما باحاديثنا و اورعهما ، فينفذ حكمه ولا يلتفت الى الاخر .

(ومنها) خبر موسى بن اكيل عن ابيعبد الله (علیه السّلام) عن رجل يكون بينه وبين آخر منازعة فى حق ، فيتفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما (قال) وكيف يختلفان ؟ (قلت) كل منهما الذى اختاره الخصمان ؛ فقال : ينظر الى اعدلهما وافقههما في دين الله فيمضى حكمه .

(والثالث) الاخبار الدالة على اختيار الافضل للحكومة والقضاءة (فمنها) ماهو المنقول عن امير المؤمنين في عهده الطويل الى مالك الاشتر (اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك) .

(ومنها) ما روى من الذم على من يتصدى منصب القضاء وفى المصر من هو افضل منه .

وفى هذه الاخبار مالا يخفى فانه بعد الغض عن سندها لادلالة فيها على تقديم الافضل فى الفتوى لانها ظاهرة في الحكم الفاصل للخصومة ولا تشمل الفتوى المعارضة في مقام الحكومة لفصل الخصومة ورفعها التي لا ترتفع والترجيح مع الا به لايستلزم الترجيح فى مقام الفتوى كما لا يخفى ودعوى الحاق الفتوى به لعدم القول بالفصل غير ظاهر .

فقد تحصل ان العمدة في تقديم قول الافضل وعدم جواز الرجوع الى غيره هو البناء العملى والدليل الاعتبارى والاصل العقلى المتقدم بيانه ، ولو نوقش في الأولين ، فيكفى فى ذلك الاصل المزبور، مؤيداً بما ذكرناه آنفاً الاجماعات المنقولة والشهرة المحققة ؛ والاخبار التي ربما يستأنس منها ذلك كما لا يخفى؛ وفي

ويجب الفحص عنه(1).


بعض الروايات ذم من دعى الناس الى نفسه وفيهم من هو اعلم منه ؛ وفي بعضها الاخرذم من يفتى وفى الامة من هو اعلم منه ؛ كالمروى عن الامام الجواد (عليه السلام) مخاطباً لعمه حين سألوه عن مسائل ولم يجب فيها بالحق ( يا عم انه عظيم عند الله ان تقف غداً بين يديه فيقول لك لم تفتى عبادى بمالم تعلم وفى الامة من هو اعلم منك وفى الكافي عن على عن أبيه عن صفوان بن يحيى عن عيص بن القاسم قال سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول عليكم بتقوى الله وحده لاشريك له ؛ فوالله ان الرجل ليكون له الغنم فيها الراعى؛ فاذا وجد رجلاهو اعلم بغنمه من الذى هو فيها يخرجه ويجييء بذلك الرجل الذى هو اعلم بغنمه من الذى كان فيها الحديث ؛ وعن العيون قال رسول الله (صلى الله علیه و آله اني اخاف عليكم استخفافاً بالدين ؛ وبيع الحكم وقطيعة الرحم وان تتخذوا القرآن مزامير وتقدمون احدكم وليس بافضلكم في الدين


1) الظاهرانه بناء على كون التقليد هو العمل مستنداً الى رأى الغير كما قدمناه لا يجب الفحص عن الاعلم ؛ وان علم بوجوده في الاحياء احتمالا ؛ فضلا عما اذا لم يعلم فيما اذا أحرز توافق الفتاوى فيه (وذلك) لان الاستناد الى رأى كل واحد منهم هو الاستناد الى رأى الاعلم لو كان ، لفرض اتحاد الاراء ؛ ولولم يكن فهو على التخيير عقلا كما هو ظاهر (نعم) فيما اذا لم يحرز التوافق واحتمل الاختلاف فى الرأى فضلا عما علم به ؛ يجب الفحص عن الاعلم مع احتمال وجوده أو العلم به اجمالا بين الاحياء (وذلك) لما قرر فيما تقدم من وجوب تقليده بمقتضى الاصل العقلى والبناء العملي والدليل الاعتبارى ؛ فيجب حينئذ الفحص عنه لاحراز تقليده ؛ لانه من اشتباه الحجة باللاحجة فان لم يتمكن من الفحص أو لم يظفر به بعد الفحص اولم يتميز كذلك فيأخذ باحوط الاقوال مع اختلافها فيما اذا أمكن الاحتياط واما اذا لم يمكن الاحتياط كما دار الامر فيه بين المحذورين أو قلنا بعدم لزومه وان امكن من جهة الاجماع كما قيل فيتخير في ذلك عقلا ومع عدم الاختلاف فهو في سعة ذلك كما من تقدم لان الاستناد الى رأى كل واحد منهم هو

(وجوب الفحص عن الاعلم مهما امکن)

الاستناد الى رأى الاعلم مع وجوده واقعاً لاتحاد الاراء على الفرض ومع عدم وجوده واقعاً فهو على التخيير العقلى قطعاً (هذا) فيما اذا احتمل أو علم بذلك اجمالا واما اذا احتمل أو علم بذلك تفصيلا كما اذا احتمل أو علم بأعلمية أحدهم المعين دون غيره فلا ريب فى تعين الاستناد الى رأيه دون غيره من أول الأمر ولا مجال حينئذ للفحص اصلا (هذا) كله مع عدم احتمال وجود مجتهد آخر غير من يعرف ممن يمكن کونه اعلم ممن يعرف والا فلا يبعد استقرار بناء العقلاء والسيرة المتشرعة على العمل برأيه مع الشك في وجود غيره ممن يمكن ان يكون اعلم ممن يعرف من دون أن يفحص عنه .

ثم انه قد يتمسك لعدم وجوب الفحص عن الاعلم مع الاختلاف في الفتوى بوجهين (الاول) أصل البرائة عنه للشك في وجوبه (والثاني) ان رأى الاعلم ورأى غيره امارتان متعارضتان لا يمكن الجمع بينهما ولا طرحهما ولا تعيين احديهما ( فحينئذ لابد من التخيير بينهما .

ويرد على الاول انه ليس الكلام في وجوب الفحص مولوياً كي يرجع في نفيه الى أصل البرائة ، وانما الكلام فى وجوبه عقلياً مقدمياً لاحراز الحجة والامن من الخطر ، اذ بدون ذلك لا تحرز الحجة ، كى يحصل الامن من ذلك باستناده في العمل الى رأيه ، حيث لا يعلم بالبرائة قبل الفحص بخلافه بعده (وحينئذ) فلا مناص من الفحص مع انه يمكن الاستدلال على ذلك بقوله (علیه السّلام) في رواية داود بن الحصين تنظر الى افقههما فان فيه دلالة واضحة على وجوب الفحص ، مضافاً الى كونه معمولا به في جميع الطرق المتعارضة كما قيل .

ويرد على الثانى انه لاحكم للعقل بالتخيير بين الفتويين المتعارضتين الا بعد الفحص عن الاعلم فيما اذا احتمل وجوده مع عدم الظفر به ، وفيما علم به اجمالا مع عدم تميزه ، وكذا لولم يتمكن من الفحص عنه اصلا مع عدم امكان الاحتياط ايضاً ، كما دار فيه الامر بين المحذورين مثل صلوة الجمعة التي أفتى واحد بوجوبها والاخر بحرمتها ، او مع امكانه وعدم وجوبه الاجماع كما قيل ؛ والا فلا

حكم للعقل بالتخيير مطلقاً بل بل يجب الاقوال ان لم يمكن كما تقدم بيانه ؛ ثم ان المعتبر فى الفحص هو الفحص عن

الاخذ بقول الاعلم مهما امكن ؛ وباحوط حال العلماء الذين تيسر للعامى الرجوع اليهم ؛ فلا يجب الفحص عن حال الموجودين في مشارق الأرض ومغاربها عملا بالسيرة واعتماداً على نفى العسر و الحرج كما لا يخفى .

(تذنيب)

اذا اتفق المجتهدون فى الفتوى ؛ سواء تساووا فى الفضيلة أم اختلفوا فيها فهل يلزم على العامى الاستناد الى فتواهم في مقام العمل ؛ او يكفى مجرد المطابقة الخارجية ولو بلا استناد اليها ؛ وعلى فرض اللزوم فالمستند اليه ما هو ؛ فهل يكون خصوص فتوى أحدهم أو الجامع بينهم أو المجموع أو الجميع ؛ فيقع البحث في مقامين .

(أما المقام الاول) ففى لزوم أصل الاستناد ولاريب ان صيحة العمل وفساده یدوران مدار مطابقته للواقع وعدمها من غير أن يكون للاستناد الى الحجة دخل فى ذلك ؛ وأما الاجتزاء به عقلا في حصول الامن من العقاب المحتمل لو خالف الواقع فيكون فيه تفصيل ؛ لان ما اتفق المجتهدون عليه ؛ إما ان يكون موافقاً للاحتياط ؛ وإما ان يكون مخالفاً له (فعلى الاول) لو احتاط العامي في عمله من دون تقليد واستناد الى فتوى المجتهد ؛ وأتى به رجاء لدرك الواقع فيجتزى به عقلا لحصول برائة الذمة به يقيناً (وهذا) كما اذا اتفقوا على وجوب السورة في الصلوة واتى بها العامي في صلوته لا عن تقليد واستناد اليهم ، بل من باب الاحتياط ورجاء لدرك الواقع (وعلى الثاني) كما اذا اتفقوا على عدم وجوب السورة في الصلوة فاما ان يعلم العامى بقيام الحجة على عدم وجوبها ، واما أن لا يعلم بذلك ، ففى الفرض الاخير لايؤمن من العقاب المحتمل لو تركها كي يجتزى به عقلا ؛ بل

استحق العقاب لعدم الامن منه الا بعد وصول الحجة اليه ؛ والمفروض انها لم تصل اليه فلا عذر له في مخالفة الواقع، مع ان الشبهة حكمية قبل الفحص ، وفي الفرض الاول لا يبعد الامن من ذلك لو تركها لسقوط الواقع عن التنجيز لقيام الحجة الواصلة على خلافه ، وان لم يستند اليها العامى فى مقام العمل ، اذ لا طريق له الى الواقع الا هذه الحجة ؛ والمفروض انها على خلاف الواقع ، فهو وان لم يكن في تركه للواجب مستنداً اليها ، لكن مع ذلك لا يصح للمولى ان يعاقبه على ذلك لوصول المؤمن اليه من قبله وعدم سبيل له الى الواقع الا ذلك (نعم) قد تجرى على المولى من اجل عدم الاستناد الى ما جعله حجة عليه ؛ فيكون ملوماً ومقبوحا لديه ؛ ومذموما عند العقلاء لذلك (هذا كله) فى فرض العلم باتفاق المجتهدين في الفتوى ، وأما فيما اذا احتمل الخلاف أو علم به ، فالظاهر أنه لا يكون معذوراً في مخالفة الواقع ما لم يستند الى الحجة على خلافه ، ولما كانت الحجية الفعلية منوطة بالاختيار بناء على ثبوت التخيير فى الفتاوى المتعارضة كما تقدم ، فلا بد من ان يستند الى فتوى احدهم حتى تصير حجة فعلية عليه فيما علم بالخلاف أو يحرز ذلك فيما احتمل كما لا يخفى .

(أما المقام الثانى) ففى ما يستند اليه في مقام العمل ؛ والظاهرانه يجزى الاستناد الى فتوى كل واحد من المجتهدين ، لشمول أدلة الحجية لذلك ؛ اذ موضوعها انما هی طبيعة الفتوى الملغاة عنها الخصوصيات الفردية الصادقة على القليل والكثير ؛ فكل واحدة من الفتاوى لها طريقية الى الواقع ، ومنجزة له فى فرض الاصابة ومعذرة عنه في فرض عدمها ؛ كما في الروايات المتعددة المتحدة معناً (ومنه قد انقدح) جواز الاستناد الى الجامع بينهما كما لا يخفى ، وأما الاستناد الى الكل بنحو العام المجموعي؛ فهو ينا فى حجية كل واحدة منها مستقلة ، وأما الاستناد الى الجميع بنحو العام الاستغراقى فالظاهر انه لم يكن فيه محذور عقلا وشرعاً كما ذكره بعض الافاضل ، اذ الفعل والترك لا يستندان إلى الحجج المتعددة كي يستلزم توارد العلل المتعددة على معلول واحد ، بل هما يستندان الى ثبوت

(التخییر بین المجتهدین المتساویین فی الفضیلة)

(مسألة 13) اذا كان هناك مجتهدان متساويان فى الفضيله يتخير بينهما(1)

وقد يظهر من بعض الاعلام (قدس سره) كونه مقتضى الادلة وانها تشمل حال التعارض وغيره فتدل على حجية طبيعة قول الفقيه على نحو صرف الوجود (وعليه) فالمرجع هى الطبيعة وترجيح كل واحد على الآخر يكون بلا مرجح ؛ فيستحيل عقلا وان نسب الى بعض القول بعدم قبحه الا على الله تعالى ، وحينئذ فالحكم هو التخيير في الاخذ بين افرادها وهذا بخلاف ادلة حجية خبر الثقة ؛ فانها تدل على حجية طبيعة خبر الثقة على نحو الوجود السارى ؛ فلا يمكن شمولها لفرض التعارض والتكاذب المانع عن ذلك .

.

التكليف وعدمه ؛ ولكنه مع ذلك لا موجب له ولا طائل تحته كما لا يخفى .

فقال لتوضيح ذلك في محكى كلامه الفرق بين البابين ان ما البابين ان ما هو الموضوع للحجية فى باب الروايات ؛ انما هي طبيعة خبر الثقة على نحو الوجود السارى ؛ اذ لا معنى لحجية خبره على نحو صرف الوجود ؛ لان الغرض قائم بحجية خبر الثقه على نحو العام الاستغراقى ؛ ولا يفيد صرف وجود الخبر فى الفقه أصلا (وعليه) فلا يعقل جعل الحجية التعيينية فى المتعارضين؛ كما لا يمكن جعل الحجية التعيينية في غير موارد التعارض والتخييرية فيها بدليل واحد ، فلا مناص من انكار الاطلاق وهذا بخلاف الموضوع في حجية قول الفقهاء فان ما هو الموضوع فيها انما هي طبيعة قول الفقيه على نحو صرف الوجود لان الغرض قائم بقول كل واحد من الفقهاء


1) فيما اذا اتفقا في الفتوى لشمول دليل الحجية لرأى كل منهما ، وأما اذا اختلفا فى الفتوى فمقتضى القاعدة تساقطهما والرجوع الى الاحتياط ؛ لعدم اليقين بالبرائه الا مع العمل به (نعم) لو لم يمكن الاحتياط كما في دوران الامر بين المحذورين أو امكن ولكنه اوجب العسر والحرج المنفيين في الشريعة المقدسة فيرجع الى القواعد الاخر الا انه ادعى اجماع الاصحاب وتسالمهم على عدم وجوب الاحتياط مطلقاً ، بل التخيير بينهما .

على هذا النحو ولا معنى لجعل الحجية لقول عامة الفقهاء على نحو الطبيعة السارية بان يكون المكلف ملزماً بتحصيل رأى الفقهاء في كل واقعة بل يكون الرجوع الى فقيه واحد في عامة ما يحتاج اليه فاذا كان المأمور به هو صرف الوجود فلا اشكال فى شمول اطلاق جعل الحجية لحال التعارض وغيره فاذا أخذ برأى واحد من الفقهاء فقد أطاع وامتثل .

فظهر من ذلك ان اطلاق قوله (علیه السّلام) في التوقيع المبارك (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا) وما فى خبر أحمد بن حاتم بن ماهويه (فاصمدا في دينكما الى كل مسن في حبنا) وغيرهما من عمومات حجية رأى الفقهاء شامل لحال التعارض وغيره ؛ فاذا اخذ بآراء واحد من الفقهاء فقد اطاع الأمر الواحد .

(هذا) ولا يخفى ان ما ذكره رفع الله درجته انما امكان الاخذ بالاطلاق في المقام على تقدير وجود ما يصح الاتكال عليه من الدليل ؛ وقد تقدم انه لادليل كذلك تدل على حجية رأى الفقيه كي يؤخذ باطلاقه في مورد التعارض بما بينه ؛ بين ما لا يصح سنداً وما لا يصح دلالة بل هو ارشاد الى ما هو المرتكز في اذهان العرف من رجوع الجاهل الى العالم وتنفيذ للامر العقلائي والبناء العملى من العرف على الرجوع الى أهل الخبرة في كل فن وقد عرفت ان بنائهم في مورد التعارض ليس الا على الاحتياط وما اشار اليه من التوقيع المبارك قد علم اجماله فى ما سبق .

وأما قوله (علیه السّلام) فاصمدا في دينكما الى كل مسن في حبنا ، كثير القدم في امرنا ، فالظاهر انه بعد مفروغية لزوم الرجوع الى احد من العلماء عند السائل كما يشير اليه قوله عمن آخذ معالم دينى غير انه طلب من الامام (علیه السّلام) تعيين ذلك المرجع فجعل الامام (علیه السّلام) له مقياساً لذلك وقال الى كل مسن في حبنا الخ كناية عمن لهمعرفة كاملة بأمر الامامة حتى تطمئن النفس وتثق بما ينقله ويفتى به وحينئذ فانما ترك الامام (علیه السّلام) ما هو الشرط الاصلى فى ذلك أعنى الفقاهة اتكالا

على ارتكازه ، وكونه مفروغاً عنه عند السائل والمسئول فليس هو بصدد أعمال التعبد والارجاع الى الفقهاء كي يؤخذ باطلاقه ، بل بصدد بيان القيود الآخر، ولوسلم كونه بصدد ذلك ولكنه ليس فى مقام بيان الحكم الا بنحو الاهمال لا الاطلاق ، فيكون وزانه وزان قول الرجل لاخيه المريض عليك بالرجوع الى الطبيب وشرب الدواء ونحو ذلك من الاقوال التي ليس قائلها الا بصدد بيان أصل الحكم على الاجمال فلا اطلاق له كى يشمل حال التعارض بالبيان المتقدم .

وقد يستدل على التخيير بالاخبار العلاجية ايضاً كموثقة سماعة عن ابيعبد الله (علیه السّلام) قال سئلته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه احدهما يامر بأخذه والاخر ينهاه عنه ، كيف يصنع ، قال يرجئه حتى يلقى من يخبره ، فهو في سعة حتى يلقاه ، اذ الأمر بالاخذ ليس الادعوة المخاطب الى اخذه لاعتقاد صحته ، وهو عبارة أخرى عن الفتوى كما لا يخفى .

(وفيه) ان الاستدلال بها مبنى على حمل قوله (علیه السّلام) فهو في سعة حتى يلقاه على جواز العمل بالخبرين حتى يلاقى من يخبره بالحكم الواقعي ، وهذا مخالف لما ذكره الامام (علیه السّلام) قبله من قوله : يرجئه حتى يلقى من يخبره ، لان الارجاء هو تأخير الواقعة ، وعدم العمل بشيء منهما، فهو يصير قرينة على ان المراد بقوله : فهو في سعة حتى يلقاه ، هو كونه في سمة في ترك الحكم الواقعي ومعذور فيه ، اذا كان مقتضى الاصول التي رجع اليها مخالفا له ، فهو على خلاف المطلوب ادل (هذا) مع ان الظاهر كون الموثقة واردة في الرواية ، وادعاً الغاء الخصوصية عنها صنعيف فى الغاية ، كما لا يخفى على اولى الدراية ، ومما ذكر يعرف الحال في سائر الاخبار الواردة فى تعارض الروايات .

(جواز الاخذ من غیر الاعلم مع عدم الفتوی للاعلم)

(مسئلة 14) اذا لم يكن للاعلم فتوى في مسئلة من المسائل يجوز في تلك المسئلة الاخذ من غير الاعلم(1)وان امكن الاحتياط(2)الااذا كان احدهما اورع فيختار الاورع(3).

والتحقيق انه لا دليل على تقديم الاورع في صورة الموافقة في الفتوى ، الشمول دليل الحجية لفتوى غير الاورع كشموله لفتوى لاورع ؛ فلا ترجيح في البين وأما في صورة المخالفة .

(فقد يقال) بتقديم الاورع لاصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه وبين التخيير ولا يظهر على خلافها دليل ان الاطلاقات الدالة على الحجية لو تمت لا تشمل صورة الاختلاف كما تقدم، اللهم الا ان يكون بناء العقلاء على التخيير بين المتساويين في الفضل وان كان احدهما اورع فيتبع اتباعه في حجية رأى العالم لكن هذا


1) لشمول أدلة الحجية لفتوى غير الاعلم بلا معارض ، ان المعارضة تتحقق بوجود فتوى الاعلم ، والمفروض عدمه ؛ لكن لابد فى ذلك من مراعاة الاعلم فالاعلم كما هو مقتضى ما تقدم فى وجوب تقليد الاعلم .

2) لعدم وجوبه على العامى ؛ لما تقدم من الادلة القطعية على جواز رجوع الجاهل الى العالم مطلقاً ؛ ولو مع امكان الاحتياط ؛ ولاوجه للايراد على الماتن (قدس سره) بان كان عليه تقييد كلامه بما اذا لم يوجب الاعلم الاحتياط عليه ايضاً ؛ والا فمع ایجابه عليه لا يجوز له الرجوع الى غير الاعلم ؛ لعدم اعتبار قوله في الفرض ؛ اذ لو كان المراد بذلك نفى الاحتياط الوجوبى فى الحكم فهو لا يمنع من الرجوع الى غير الاعلم ؛ لانه ليس بفتوى كى تقدم في مقام التعارض مع غيره لصدوره من الاعلم ؛ وان كان المراد نفى الفتوى بوجوب الاحتياط كما هو ظاهره ؛ فهذا يكون مشمولا لاطلاق كلامه (قدس سره) ولا يحتاج حينئذ بالتقييد به كما لا يخفى .

3) كما عن النهاية والتهذيب والذكرى والدروس والجعفرية والمقاصد العلية والمسالك والتمهيد وشرح الزبدة وغيرها .

البناء غير ظاهر .

وقد ناقش فى ذلك بعض المحققين (قدس سره) بالفرق بين ملاك الحجية كالعلم وبين شرائطها كالعدالة ؛ فانه قال في رسالته بعد تعرضه للاصل المذكور ، لكن ينبغي ان يعلم ان ملاك الحجية أمر وشروطها أمر آخر ؛ فان العلم والمعرفة ملاك الحجية ؛ ولاجلهما يحكم العقل والعقلاء برجوع الجاهل الى العالم ؛ فمن كان الملاك فيه اقوى كانت حجيته اقوى ؛ بخلاف العدالة في العمل وسائر الشرائط ، فانها وان كانت معتبرة فى حجية الفتوى ؛ لكنها ليست ملاك الحجية ومناط الطريقية ؛ فتفاوت المجتهدين فى الشرائط قوة وضعفاً لا يوجب اقوائية الحجية في فتاواهما .

(وعليه) ففى مثل الشك فى شرطية اصل العدالة ، وان كان الاصل اشتراطها لعدم اليقين ببرائة الذمة الاباتباع العادل مثلا ، لكن بعد فرض شرطية العدالة باول مرتبة منها ، فلا يوجب تعارض الاعدل والعادل تقديم الأول من باب تقديم اقوى الحجتين على اضعفهما لفرض طريقية الفتوى ، وليس ملاك طريقيتها و حجتيها الا العلم والمعرفة بالحكم ؛ والشرائط شرائط لاملاكات ومقتضيات ، فهى أجنبية عن مرحلة تقدیم اقوى الحجتين على اضعفهما (نعم) بناء على الموضوعية ربما امكن ان يتوهم ان مجموع الامور المعتبرة في الفتوى ملاك حجيتها ، وان المصلحة المقتضية لجعل الحكم المماثل قائمة بفتوى خاصة .

(هذا) ولكن يمكن الجواب عن هذه المناقشة بانه لافرق بين الملاكات و الشرائط فى ان الفاقد لقوة الملاك او لما يحتمل دخله في الحجية كالاورعية ولو عند المعارضة فقط وان لم يحتمل دخلها في غير هذه الحالة مشكوك الحجية ، فلا يقين معه بالبرائة الا بموافقة غيره ممن يكون واجداً لذلك وحجة قطعاً .

وعن شيخنا الانصاري (قدس سره) بعد ما قواه واستظهر الشهرة عليه ، بل حكى الاجماع عليه عن المحقق الثانى الاستدلال عليه (تارة) بالمقبولة وتأييده بما روى من انه لا يحل الفتيا الا لمن كان اتبع أهل زمانه برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و (اخرى) بالاصل .

(تقدیم الاعلم علی الاورع عند التعارض فی الفتوی)

ولا يخفى ان للمناقشة في ثبوت الاجماع وتمامية المقبولة من جهة الدلالة مجالا واسعاً ، وأما الاصل فانه وان قد يتوهم ان المرجع بعد تساقط الادلة الاولية بالمعارضة هو قاعدة الاشتغال ، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية ، لاحتمال دخل الاورعية فيها عند المعارضة كما ذكرنا ، ولو من جهة نقل الاجماع والشهرة ا عليه ، لكنه فرع ثبوت التخيير، ولكن بعد لم يثبت بدليل ، ولم يظهر بناء العقلاء عليه في مفروض الكلام ، بل الظاهر ان بنائهم على العمل بالاحتياط والاخذ باحوط الاقوال في مورد الخلاف اذا لم يكن فى البين من هو اعلم ، اللهم الا ان يثبت الاجماع على عدم السقوط فى الفتاوى المتنافية ، كما ربما يدعى الاجماع على عدم السقوط في الاخبار المتعارضة ، أو لم يمكن الاحتياط كما في دوران الامر بين المحذورين أو لم يجب وان امكن للزوم العسر والحرج المنفيين في الشريعة ، أو لاجل الاجماع على عدم وجوبه وان لم يلزم منه حرج اصلا ، فيحكم العقل حينئذ بالتخيير، ومع احتمال التعيين يحكم بتعينه في مقام الحجية، كما يحكم به في مرحلة التزاحم في مقام الامتثال .

والظاهر ان المراد بالاورع من كان كذلك فى مقام الاستنباط ، بان يبالغ في بذل جهده ووسعه في الاحاطة بمدارك الحكم ازيد من المقدار اللازم منه المشترك بينه وبين غيره ، كي يكون ذلك سبباً لوثاقة فتواه بواسطة اعمال الفكر زائداً على ما هو المعتبر فى مقام الاستنباط ، والا فلا دخل للاورعية في مقام العمل في ذلك كما لا يخفى .

ثم انه اذا تعارض الاعلم والاورع ، فهل يتخير بينهما أو يقدم الاول او الثاني وجوه ، والظاهر انه بملاحظة ملاك الحجية والطريقية لا ينبغى الريب في تقديم لاول وهو الاعلم ، لان ملاك الحجية فيه اقوى ، ومناط الاستفتاء والعمل بقوله اكد من غيره وان كان اورع ، وأما بملاحظة السببية والموضوعية فاحتمال تعين كل من الوصفين قائم، فلا موجب لتقديم الاعلم على هذا الوجه ، بل اللازم هو الاحتياط أو التخيير حسب ما تقدم من التفصيل .

(مسئله 15) اذا قلد مجتهداً كان يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسئلة ، بل يجب الرجوع الى الحي الاعلم في جواز البقاء وعدمه(1).


فانقدح بهذا انه لا منافات بين هذه المسئلة التي قال فيها بعدم جواز البقاء على تقليد الميت فى مسئله البقاء وبين المسئلة التاسعة التي قال فيها بجواز البقاء على تقليد الميت مطلقاً ، كى يجمع بينهما بالتخصيص ويقال انه يجوز البقاء على تقليد الميت الا فى هذه المسئلة ، فانه لا يجوز البقاء على تقليد الميت فيها .

وذلك لان ما ذكره هنا انما يكون بالاضافة الى ما هو وظيفة العامى من حيث العمل بلحاظ ما يستقل به عقله وتقتضيه فطرته وما ذكره هناك انما يكون بالاضافة الى ما هو وظيفة المفتى من حيث الافتاء بلحاظ مقتضيات الادلة الدالة على

جواز البقاء .

ثم انه لا اشكال في حرمة البقاء على تقليد الميت مطلقاً استناداً الى فتوى الحى بالحرمة كما لا اشكال في جواز البقاء على تقليده فى غير مسئله البقاء من سائر المسائل كذلك (وانما الاشكال) في جواز البقاء على تقليد الميت في خصوص هذه المسئلة من جهة الاستناد الى فتوى الحى به وانه هل يشمل فتوى الحى بجواز البقاء لفتوى الميت به .

فربما يمنع عن ذلك لوجهين (الاول) ان المسألة الواحدة لاتحتمل تقليدين مترتبين ؛ لانه لو بنى على جواز اجتماع المثلين في رتبتين فلا اقل من لزوم


1) وذلك لان مسئلة جواز البقاء على تقليد الميت وعدمه تكون كسائر المسائل التي يجب فيها التقليد على العامى لاجل حصول الامن من العقوبة ، فاذا مات المجتهد الذى قلده يشك في بقاء فتاواه التي من جملتها هذه المسئلة على الحجية وعدمه اذلا يستقل عقله بجواز البقاء على تقليده في ذلك مطلقاً ، فلا مناص (ح) من الرجوع الى الحى الاعلم في مسئلة البقاء حسبما تقيضيه فطرته وماحكم به عقله فيعمل على مقتضى فتواه في جواز البقاء وعدمه .

(وجوب الرجوع الی الحی فی جواز البقاء علی تقلید المیت)

اللغوية مع اتفاقهما عملا ؛ او التناقض مع اختلافهما وبطلانه ظاهر .

(والثاني) انه اذا رجع العامى الى الحى في مسئلة جواز البقاء على تقليد الميت فافتى له بالجواز ؛ فيلزم ان يكون موضوع هذه القضية غير هذه المسئلة ، والا يستلزم اخذ الحكم في موضوع نفسه ؛ فيمتنع ان يفتى الحى بجواز البقاء على تقليد الميت في جواز البقاء على تقليد الميت ، او بحجية رأى الميت في حجية رأى الميت ؛ فلابد ان يكون موضوع الحجية غير هذه المسئلة .

وأجيب عن ذلك (أولا) بانه قد يفرض ان موضوع الجواز بنظر الميت او الحى أمر واحد لا يختلفان فيه ؛ ففى مثل ذلك لا يمكن جعل الحجية لفتوى الميت بجواز البقاء بعد موته من جهة فتوى الحى بجواز البقاء (وذلك) لان النتيجة المترتبة على حجية فتوى الميت بجواز البقاء انما هى حجية فتاواه في سائر المسائل ؛ وقد فرضنا العلم بها بفتوى الحى بها فاثباتها بتوسيط حجية فتوى الميت بجواز البقاء بعد موته من جهة الفتوى بالجواز من أوضح انحاء تحصيل الحاصل .

وقد يفرض ان موضوع جواز البقاء بنظر الميت اوسع منه بنظر الحى ؛ فاذا فرضنا ان الميت يرى جواز البقاء فى كل مسئلة التزم العامى بالعمل فيها على طبق فتوى مجتهده ، وان لم يتعلمها تفصيلا فضلا عن ان يعمل بها ، ولكن الحي يرى اعتبار التعلم في جوازه ولا يكتفى فيه بمجرد الالتزام ، والمقلد قد تعلم هذا الحكم من مجتهده فمات ؛ فاذا رجع الى الحي في مسئلة جواز البقاء ؛ فقد ثبت بذلك حجية فتوى الميت بجواز البقاء ، ويثبت بها حجية فتاواه في المسائل التي لم يتعلم المقلد حكمها في حيوة مجتهده ، وليس في هذا محذور اللغوية فضلا عن محذور اجتماع المثلين ، وهذا ظاهر فيما اذا كان اعتبار التعلم في موضوع جواز البقاء بنظر الحى من باب الاخذ بالقدر المتيقن ؛ وعدم جزمه بجواز البقاء في غير صورة التعلم (وذلك) من جهة تردد موضوع البقاء عنده بين الاقل والاكثر، فيقتصر على الأقل لعدم ثبوت حجية غيره .

وأما اذا افتى الحى بعدم جواز البقاء بمجرد الالتزام دون ان يتعلم لقيام

الدليل عنده على عدم الجواز ؛ فقد يتوهم فيه عدم جواز الرجوع الى الميت في فتواه بجواز البقاء بمجرد الالتزام اذا كان المقلد قد تعلمها قبل موت ذلك المجتهد من جهة فتوى الحى بالجواز مع التعلم (وذلك) من جهة ان الحي اذا افتى بحرمة البقاء في هذه الصورة ، لم يجز الرجوع فيها الى الميت القائل بجوازه ، كما كان الحال فيما اذا افتى الحى بحرمة البقاء مطلقاً ، وكان الميت قائلا بجوازه، ولكن الصحيح هو الجواز فى هذه الصورة ايضاً (وذلك) من جهة ان المجتهد الحى وان افتى بعدم جواز البقاء بمجرد الالتزام ، الا ان المقلد لا يرجع اليه في هذه الفتوى ، وانما يرجع اليه فى فتواه بجواز البقاء في كل مسئلة تعلم المقلدفتوى مجتهده فيها ، وقد فرضنا ان المقلد قد تعلم جواز البقاء قبل ان يموت المجتهد الذي كان يقلده ؛ فيجوز له البقاء فى هذه المسألة ويترتب عليه جواز العمل بفتاوى ذلك المجتهد فى المسائل التي التزم المقلد فيها بتطبيق اعماله على فتاوى ذلك المجتهد وهذا) نظير ما اذا كان المجتهد الحي يفتى بعدم حجية خبر الواحد في في الموضوعات ، والميت كان يفتى بحجيته ، وقد عمل المقلد بفتواه ، فاذا رجع المقلد الى الحى فى مسألة جواز البقاء كانت فتوى الميت حجة له ؛ ويثبت بها حجية خبر الواحد ، وبذلك يظهر بطلان قياس ذلك بما اذا افتى الحى بحرمة البقاء على الاطلاق ؛ وكان الميت قائلا بجوازه ، فان فتوى الميت فيه قد سقطت عن الحجية بموته ؛ والمفروض ان الحى لا يرى حجيتها رأساً، وهذا بخلاف المقام؛ فان المفروض فيه حجية فتوى الميت بجواز البقاء من جهة فتوى الحى بها .

(وثانيا) بأن المحذور انما هو في اخذ كل حكم في موضوع شخصه ، وهذا غير لازم فى المقام (بيان ذلك) ان الميت اذا كان قد افتى بعدم جزئية السورة للصلوة مثلا ؛ وأفتى بجواز البقاء على تقليد الميت ؛ وافتى الحى بجوازه ايضاً (فهنا) افراد من الفتيا ؛ الفتوى بعدم جزئية السورة للصلوة ؛ وفتوى الميت بجواز البقاء وفتوى الحى به ؛ والحجية ثابتة للثالثة ابتداء ؛ وبثبوتها لها تثبت الحجية للثانية وتثبت الحجية للاولى ؛ فقولنا يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء

(تفصیل القول في حکم عمل الجاهل المقصر)

(مسئله 16) عمل الجاهل المقصر(1)الملتفت باطل وان كان مطابقاً للمواقع(2).


مرجعه إلى افتاء الحى بحجية فتوى الميت بحجية سائر فتاوى نفسه أو غيره بعد الموت ، وليس فى حجية هذه الفتوى من الحى اى محذور عقلى ؛ وانما المحذور فى اخذ الحكم مفروض الوجود حين جعله وهذا غير لازم فى محل الكلام بوجه (ومن ذلك) يعرف حال بعض الصور الاخرى في المسئلة كما لا يخفى .

وقد يتوهم البطلان أيضاً من جهة عدم كونه مقرباً له ، أو لسراية القبح الفاعلى الى الفعل ، فلا يمكن معه حصول القربة به ، كما لو علم بكونه مبغوضاً او لاجل بعض الروايات الواردة في الحث على التعلم (والكل كما ترى) اذ كيف لا يكون مقرباً له مع انه مطابق للواقع او الطريق المعتبر المجعول في حقه ،


1) وهو الذى قد تمت الحجة عليه وتنجزت الواقعيات فى حقه من اجل كونه ملتفتاً بانه مكلف ، ويجب عليه تعلم احكام الدين بالوجوب الغيرى ، اوالنفسى ولو تهيئياً او بحكم العقل الاستقلالى ، ومع ذلك ترك التعلم ويفوت به الواقع او الطريق الموصل اليه والمنصوب له ، والكفار من هذا القبيل فانهم مكلفون بالفروع كالاصول ، ويعاقبون على الفروع كما يعاقبون على الاصول .

2) أو للحجة المعتبرة في حقه فيما اذا لم يحرز المطابقة (وح) يكون البطلان عقلياً ، بمعنى عدم جواز الاجتزاء به عند العقل ؛ وأما فيما اذا احرز المطابقة فلاوجه للبطلان مطلقاً أما فى المعاملات والواجبات التوصلية فظاهر ؛ اذ لا يشترط فى صحتها الاجتهاد أو التقليد ؛ بل هما طريقان لامتثال الاحكام الواقعية فاذا حصلت المطابقة لها اتفاقاً من دون اجتهاد او تقليد في معرفتها ؛ تترتب عليها آثارها من النقل والانتقال مثلا ؛ او سقوط الوجوب عن عهدة المكلف وذمته ؛ وأما في العبادات فلا ندفاع توهم عدم حصول القربة مع التردد في النية بما تقدم في المسئلة السابقة فراجع (نعم) فيما اذا احتمل المبغوضية تبطل العبادة لعدم تأتي و تمشى قصد القربة فيها مع الاحتمال المزبور كما لا يخفى .

وأما الجاهل القاصر أو المقصر الذى كان غافلا حين العمل(1)وحصل منه قصد القربة ، فان كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذى قلده بعد ذلك كان صحيحاً(2)والاحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان عليه تقليده يجب حين العمل .


ودعوى السراية ممنوعة ، ولذا لايلتزمون بقبح الفعل المتجرى به ، مع انهم يقولون بالقبح الفاعلى ، والاخبار الدالة على التعلم لا دلالة فيها على البطلان ، بل الظاهر انها ارشاد الى عدم معذورية المكلف فى وقوعه فى خلاف الواقع من جهة ترك التعلم وجهله بالواقع .

وأما وظيفة المجتهد الذى يرجع اليه فى ذلك ويقلده فعلا ؛ فهل هو الافتاء بالصحة بلحاظ مطابقتها لفتوى نفسه ، او بلحاظ مطابقتها لفتوى من كان يجب على العامى الرجوع اليه حين العمل ؛ فقد اختلف فيها الاصحاب على قولين .

والتحقيق انه بناء على القول بالسببية فى باب الامارات التي منها الفتوى ، وجعل الحكم المماثل لمؤدى الامارة بقيامها يعتبر مطابقته لرأى من يجب عليه تقليده حال العمل ؛ لانه المجعول وظيفة له ، وعلى القول بالطريقية سواء كانت تأسيسية او امضائية كما اخترناه لا يعتبر ذلك ، بل يجزى مطابقته لرأى من قلده بعد ذلك ؛ عملا بما يدل على حجيته ولو بعد العمل ؛ وهل يجزى المطابقة لرأى من كان يجب عليه تقليده حين العمل الظاهر هو التفصيل ؛ فانه لا يصح ولا يجزى بمعنى عدم المطابقة للواقع بنظر المجتهد الذى رجع اليه بعد ذلك ؛ لكونه مخالفاً لرأيه الذى هو طريق الى الواقع وكاشف عنه فيجب الاعادة او القضاء ويصح و يجزى بنظره بمعنى جواز الاجتزاء به عقلا لكونه موافقاً للحجة المعتبرة في


1) عنى الملتفت الى الاحكام فلم يتعلم تهاوناً مع تمكنه منه ، حتى غفل حين العمل ويقابله القاصر .

2) بلا كلام فيما اذا حصل للعامى العلم بالمطابقة للواقع ايضاً ؛ والا فلا اشكال فى ان وظيفته الفعلية هو الرجوع الى فتواه فى معرفة حكم اعماله الماضية صحة وفساداً .

(تفصیل القول في حکم عمل عمل الجاهل القاصر و الغافل)

حقه وان لم تكن فعلية لعدم الوصول اليه ما لم ينكشف كونه مخالفاً للواقع بحجة معتبرة .

خلافاً لبعض المحققين (قدس سره) حيث انه مع عدم القول بالسببية في باب الامارات ذهب الى اعتبار مطابقته لرأى من يجب عليه تقليده حال العمل وعدم كون المطابقة لرأى من قلده بعد ذلك مجزياً فى الصحة وقد ذكر في وجه ذلك ان الفتوى حجة على العامى ومنجزة لتكاليفه من حين وجوب رجوعه الى ذلك المفتى فتؤثر فى الوقائع المتجددة والاعمال المستقبلة ووجوب القضاء وعدمه هنا وان كان مربوطاً بالاعمال المستقبلة لكنه فرع بطلان العمل وصحته المنوطين بنظر من كانت وظيفة العامى الرجوع اليه والاخذ منه وهو اعلم عصره حال العمل دون هذا المفتى بل ربما لا وجود له في تلك الحال او لم يكن بمجتهد او كان مفضولا بالاضافة الى غيره وأما ما ذكر من ان وجوب التقليد حيث انه بداعى ايصال الواقع او تنجيزه فلا فعلية له قبل وصوله فقد ذكرنا في محله ان حال الاحكام الحقيقة المسوقة لجعل الداعى ايضاً كذلك اذ لا يتصف الانشاء بداعى جعل الداعى بكونه باعثاً ومحركا وداعيا الا بعد وصوله بنحو من أنحاء الوصول فان التكليف الواقعى وان كان في غاية القوة لا يمكن ان يكون داعياً الا بعد التنبه والوصول (وعليه) فالفعلية بمعنى تحقق جعل الداعى وايصال الواقع وتنجيز الواقع متقومة بالوصول عقلا ، فلا اختصاص لها بالاخيرين ، وأما الفعلية من قبل الامر والمولى فهو الانشاء بداعى جعل الداعي او بداعى ايصال الواقع ، فانه الذى يتمكن منه المولى ويتحقق منه ؛ وهو وظيفته و تمام ما بيده ، ووصوله لادخل له فى تحققه من قبله ، فمناط الصحة والبطلان والقضاء وعدمه هذا المقدار من التكليف الفعلى ، وهو فيما نحن فيه موجود ، لوجوب التقليد والرجوع الى أعلم عصره عليه حقيقة من قبل المولى وان لم يتنبه له اصلا فضلا عن المقصر الذى تنبه له وان غفل عنه حال العمل هذا كله في العبادات .

وأما في المعاملات فكذلك ؛ بل الأمر أوضح حيث لا واقع لاعتبار الملكية

الانفسه فليس له بعد قيام الحجة على سببية شيء له كشف الخلاف بخلاف الحجة على وجوب شيىء فانه على الطريقية المحضة لها كشف الخلاف وعلى الموضوعية المقتضية لوجود المصلحة فى الشييء بعنوانه الثانوى ايضاً لها كشف الخلاف الا اذا علم بدلية المصلحة عن مصلحة الواقع وأما المعاملات فليست مصالحها لازمة الاستيفاء حتى يقال ان مصلحه الواقع باقية على حالها ولم يعلم استيفائها باستيفاء مصلحة مؤدى الطريق بل مصالحها باعثة على اعتبار الملكية عند وجود العقدالفارسي فمعه يثبت حقيقة الاعتبار فلا معنى لكشف الخلاف (نعم) لو كان مفاد حجية الطريق في المعاملات جعل الحكم التكليفى المماثل كان حالها حال غيرها من قصره على صورة المصادفة ، لكنه خلاف الظاهر انتهى (ولا يخفى) انه لا يمكن المساعدة عليه.

أما ما ذكره في وجه الاجزاء في العبادات فلان المتحصل مما افاده في ذلك أمران (احدهما) حجية فتوى المجتهد الثانى من حين وجوب الرجوع اليه بالاضافة الى الاعمال المتجددة والمستقبلة دون السابقة (ثانيهما) كفاية مطابقة الاعمال الماضية لفتوى المجتهد الأول فى صحتها (وكلاهما محل نظر ) .

أما الاول فلان الفتوى وانكانت حجة من حين وجوب الرجوع اليها ، الا ان مفادها مطلق بالاضافة الى الاعمال الماضية والمستقبلة ، واثر حجيتها بالنسبة الى الاعمال الماضية لزوم تداركها بالاعادة أو القضاء ، واستيناف العقد أو الايقاع كما هو الحال في حجية الخبر بالاضافة الى المجتهد (والحاصل) انه لا تنافي بين تأخر الكاشف وسبق المنكشف .

وأما الثانى فلان تمام ما بيد المولى وان كان جعل الطريق دون الايصال و كان أثره العقلى المنجزية عند الاصابة والمعذرية عند عدمها ، الا انهما يدوران مدار الحجية وجوداً وعدماً ، فاذا سقطت الحجية بالموت أو بغيره ؛ فلا بد فى عدم الاعادة أو القضاء من الاستناد الى حجة اخرى بعد انكشاف عدم اتيانه للواقع بحجة معتبرة (فحينئذ) لابد في المقام من استناده الى المجتهد الثاني في حكم اعماله الماضية بلحاظ آثارها المترتبة عليها لاحقا من وجوب الاعادة أو القضاء ، وهذا

نظير ما اذا صار العامي مجتهداً ، فانه يرجع في تلك الاثار الى اجتهاد نفسه دون المجتهد السابق .

وأما ما ذكره في وجه الاجزاء فى المعاملات ؛ فان الاعتبار الشرعى اذا تحقق لمصلحة داعية اليه فالامر كما ذكره (قدس سره) من انه لا يتصور فيه مخالفة الواقع اذلا واقع للاعتبار وراء نفسه ؛ الا ان الكلام فى تحقق ذلك ؛ فان قلنا بالسببية في الامارات فالاعتبار قد تحقق لا محالة ، ولا ينقلب الشيىء عما وقع عليه ؛ فاذا بطلت الحجة السابقة كان بطلانه موجبا لتبدل الموضوع ؛ ولا تكون الحجة اللاحقة كاشفة عن خطاء الحجة السابقة ؛ لما عرفت من ان الاعتبار لا واقع له وراء نفسه وهذا بخلاف العبادات ؛ فان الامارة القائمة على وجوب القصر مثلا غايتها انها تحدث مصلحة فى صلوة القصر ؛ وأما لصلوة تماما الواجدة للملاك الملزم على تقدير مخالفة الامارة للواقع ؛ فلا دليل على وفاء المأتى به بملاكها ؛ فلا بد للقائل بالاجزاء من اثبات ذلك .

وبالجملة ان ما ذكره (قدس سره) متين على القول بالسببية ، ولكنه لا يلتزم به مع أنه غير صحيح في نفسه ، وأما على الطريقية فتحقق الاعتبار في الخارج انما كان لاجل قيام الحجة عليه ، اذ المفروض انه غير محرز بالوجدان ، وقد قامت حجة اخرى بعد بطلان الحجة الاولى لوجود مانع او فقدان شرطه على انه لم يكن متحققاً ؛ وان الحجة الأولى كانت مخالفة للواقع ؛ ومع ذلك كيف يمكن ان يقال انه لا يتصور فى المعاملات كشف الخلاف ؛ فان حال الامارة حال القطع الوجداني فی دوران الحجية مداره وجوداً وعدماً ؛ فتحصل انه لا فرق بين العبادات والمعاملات من هذه الجهة .

والصحيح في المقام ما أفاده سيدنا الاستاد (دام ظله) من ان الاعمال السابقة على قسمين (أحدهما) ما لا يكون له اثر فعلى من القضاء والاعادة وغيرهما من الاثار اصلا ؛ كما اذا زكى حيواناً بغير الحديد واكله وغسل ما باشره (ثانيهما) ما يكون له الأثر فعلا ؛ كالقضاء والاعادة وكما في المعاملات بالمعنى الاعم (أما الاول) فاذا

(تحقیق القول في تبیین المراد من الاعلم و تعریفه)

(مسئلة 17) المراد من الاعلم(1)من يكون اعرف بالقواعد والمدارك للمسألة وأكثر اطلاعاً لنظائرها وللاخبار وأجود فهماً للاخبار .


فرضنا فيه مخالفة عملية للواقع فلا يفيده مطابقته لكلتا الفتويين فضلا عن احديهما لانه عمل مضى ولا اثر له بقاء على الفرض سوى استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع وهذا الاثر لا يرتفع بمطابقة عمله للحجة الفعلية اولما كان حجة حين صدوره وذلك لعدم استناده الى احديهما في مخالفة الواقع (وأما الثاني) فبالاضافة الى استحقاق العقوبة حاله حال القسم الاول فاذا كان مخالفاً للواقع حقيقة وفي نفس الامر استحق العقاب لعدم الاستناد الى الحجة وأما بالاضافة الى بقية الاثار الدنيوية كالقضاء والاعادة والطهارة والنجاسة واستيناف العقود او الايقاعات السابقة فيرجع فيها الى المجتهد الثانى فان كان العمل السابق مخالفاً لفتواه يجب التدارك كما اذا عقد بالفارسى وكان رأى الثانى اعتبار العربية لزم استيناف العقد وان كان فتوى الاول عدم اعتبارها (نعم) في خصوص باب الصلوة ربما يحكم بالصحة لحديث لا تعاد بناء على شموله لصورة الجهل بالحكم كما اختاره دام ظله في غير الجاهل المقصر الملتفت بل غير الملتفت أيضاً اذا كان الخلل في غير الخمسة المستثناة في الحديث المذكور او فيما دل دليل على وجوب الاعادة فظهر مما ذكر بطلان القول بان المناط فى الصحة مطابقته لاحدهما لسقوط فتوى الأول عن الحجية بقاء كما ظهر انه لا وجه لاعتبارهما معاً لانضم اللاحجة بالحجة لا اثر له وان كان الاحتياط حسناً.


1) من كان ملكة الاستنباط والاجتهاد فيه اقوى واشد بحسب القواعد المقررة ؛ ومن آثاره ان يكون أعرف بفهم معانى كلامهم مطابقة والتزاما اشارة و تلویحا و بمدارك المسئلة من حيث رد فرعها الى الاصل وتطبيق الكبرى على الصغرى وتمييز بعض انواع التعارض عن بعض وتقديم بعض الامارات على بعض والجمع بينها باعمال القواعد المقررة لذلك مراعيا للتقريبات العرفية ونكاتها و تشخيص مظان الاصول اللفظية والعلمية الى غير ذلك من جهات الاستنباط و كذا يكون أكثر اطلاعا

والحاصل ان يكون أجود استنباطاً والمرجع(1)فى تعيينه أهل الخبرة والاستنباط.

(مسئلة 18) الاحوط عدم تقليد المفضول حتى فى المسألة التى توافق فتواه فتوى الافضل(2).


لنظائر المسئله وأشباهها وللاخبار الواردة فيها وفى غيرها مما يضاهيها كي يكون بذلك أجود استنباطا من غيره وانما هى فى الحقيقة قوة بيد الله يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده كما أشار إليه قول الصادق (عليه السلام) لعنوان البصرى : يا عنوان ان العلم ليس بكثرة التعليم والتعلم ؛ بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء او من يريد ان يهديه ، ولكثرة المجاهدة والممارسة لاهلها مدخل عظيم في تحصيلها ؛ كما قال الله عزوجل : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين .

وأما كثرة الاستنباط والاستخراج الفعلى بحيث كانت معلوماته الفعلية أكثر ؛ فلا دخل لها فيما هو المراد من الاعلم في المقام ؛ وان كان ذلك اقرب الى مفهوم التفضيل المدلول عليه بهيئة (أفعل) إذ الظاهرانه غير مراد من القائلين بوجوب تقليد الاعلم ؛ ولا تقتضيه أدلته من بناء العقلاء ، أو حكم العقل من باب قاعدة الاشتغال .


1) فى معرفته كسائر الملكات الحسنة والسيئة من العدالة وحسن السريرة وطيبها ؛ وسوء السريرة وخبثها وامثال ذلك ؛ هو أهل الخبرة في تشخيصها من العرف العام او الخاص ؛ وأهل الخبرة في لمقام انما هو اهل العلم والاستنباط لانهم خبراء ذلك دون غيرهم كما لا يخفى .

2) بناء على الموضوعية لاحتمال ان يكون العمل المستند الى فتوى الافضل معنوناً بعنوان ذى مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع ، دون فتوى المفضول وان كان نفس العمل مطابقاً لكلا الفتوتين ، وأما بناء على الطريقية كما هو التحقيق فلا ضير فى تقليد المفضول على فرض موافقة فتواه لفتوى الافضل ، اذ الواقع المنجز الذى

لا يعذر عن خلافه أمر واحد ؛ حسب فتوى الافضل والمفضول ، ولامنجز لغيره على الفرض ، فلا تبعة له على تقدير خطاء المفضول كالافضل .

وقد يتوهم احتمال تعين تقليد الأفضل ، وعدم اليقين بالبرائة في تقليد المفضول ، حتى مع الاتفاق في الفتوى ايضاً ، بملاحظة ما ورد في باب القضاء عن امير المؤمنين (علیه السّلام) في كتابه الى واليه بمصر (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك) وما ورد من النهى عن افتاء الشخص وفى الناس من هو اعلم منه ، وفحوى ماورد فى تقديم الافضل على غيره في باب الجماعة .

ولا يخفى انها لا تنهض لاثبات تعين الافضل فى فرض الاختلاف في الفتوى ، فضلا عن فرض الوفاق (وذلك لوضوح كون الاول للارشاد والاستحباب ، والا يقتضى تعين الأفضل للحكم بين الناس ، لارجاع الكل الى شخص واحد ، لا ارجاع اهل كل بلد الى افضل الرعية ، بل اللازم هو تولى الوالي ، اعنى مالك الاشتر بنفسه للقضاء ، لكونه افضل ممن كان بمصر قطعاً (هذا) مضافاً الى عدم ثبوت الملازمة بين القضاء والافتاء كما تقدم ، وأما الثانى فانه على تقدير صحته يقتضى ايكال أمر الفتوى الى الاعلم ، لكون نظره من جهة أعلميته اصوب ، لا لان الافتاء لا يليق الا للافضل وان وافق المفضول فى الرأى ؛ وأما الثالث فان سياقه للاستحباب قطعاً، خصوصا بملاحظة انه يقدم هناك من كانت قرائته اصح على من كان افضل .

و بالجملة لادليل على وجوب تقليد الافضل عند الموافقة مع المفضول في الفتوى والرأى ، بل الدليل يقتضى خلافه لشمول الاطلاقات للفتاوى المتوافقة وتحقق السيرة القطعية على الرجوع الى كل منها (ح) (نعم) قد يحتمل المنع عن تقليد المفضول مطلقا حتى فى مفروض الكلام من الموافقة في الفتوى من جهة اطلاق قولهم (لايجوز تقليد المفضول) لكنه لو تم فالظاهر انه ليس معقداً لاجماع تعدى كى يجب العمل به .

فقد ظهر بذلك كله ما فى التمسك للمنع عن تقليد المفضول في المقام بالاصل اللفظى (تارة) وهو حرمة العمل بغير العلم المخرج عنه قول الافضل يقينا

(عدم جواز تقلید غیر المجتهد وان کان عالما)

(مسئله 19) لا يجوز تقليد غير المجتهد(1)وان كان من اهل العلم كما انه يجب على غير المجتهد التقليد وان كان من اهل العلم .

مع الشك فى خروج غيره وبالاصل العقلى (اخرى) وهو لزوم الاخذ بالمتعين عقلا مع الدوران بين التعيين والتخيير فى مقام الحجية للقطع بحجية ما يحتمل تعينه دون ما لا يحتمل ؛ وذلك لما ذكر من وجود المخرج وعدم الوجه لاحتمال التعين كما لا يخفى .

(1) اجماعا لعدم اطلاق في موضوع ادلة التقليد يشمل لمن لم يكن واجداً المملكة الاستنباط وعدم ثبوت دليل على حجية فتاه وان كان من اهل العلم بل يجب عليه التقليد اذا لم يكن محتاطا لشمول الادلة المجوزة للرجوع الى الغير لمثله فانه من أجل ان لا يعلم مشمول لقوله تعالى (فاسئلوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)

ومن أجل ان لم يكن من الفقهاء مشمول لقوله (علیه السّلام) في رواية الاحتجاج (وأما كان من الفقهاء) بقرينة المقابلة ، وكذلك بالاضافة الى غيرهما من الادلة (نعم) لا يجب بل لا يجوز عليه التقليد في الضروريات والمتواترات التي حصل له العلم الوجداني بها لعدم المقتضى لذلك ، بل لامجال للتعبد بالامارة فيها ؛ سواء في ذلك الفتوى ام غيرها، كما أشرنا اليه فى المسئلة السادسة .

هذا حال من لم يكن واجداً لملكة الاستنباط ، وأما من كان واجداً لها ، فاما ان يجزم بشيئي حسبما استنبطه فعلا من الادلة ، أو لا يجزم به ، بل يتوقف وعلى الثانى فاما ان يعلم بعدم تمامية ما استدل به المجتهد الاخر الذى هو جازم به ، اولا يعلم بذلك ، لاحتمال استناده في ذلك الى وجه لم يطلع هو عليه بعد ، ولاريب انه على الاولين لا يجوز له الرجوع الى غيره ، لعدم شمول اطلاقات ادلة التقليد له ، ولكونه من رجوع العالم الى الجاهل في نظره ، وأما على الاخير ففى جواز الرجوع اليه وعدمه (وجهان) ولا وجه عدم الجواز ، لانصراف اطلاقات الادلة المجوزة للرجوع الى الغير عن مثله ، والقدر المتيقن من الادلة اللبية غيره أيضاً ، ولا مجال لاجراء استصحاب جوازه قبل الوصول الى تلك المرتبة ، لعدم


1)

(طریق معرفة اجتهاد المجتهد واعلمیته)

(مسئلة 20) يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني(1)كما اذا كان المقلد من اهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص(2)وكذا يعرف بشهادة عدلين(3)اذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد ، وكذا يعرف بالشياع المفيد للعلم ، وكذا الا علمية تعرف بالعلم أو البينة غير المعارضة أو الشياع المفيد للمعلم .


المقتضى (أولا) من جهة عدم احراز الموضوع ، لاحتمال كونه من لم يبلغ درجة الاستنباط ؛ ولوجود المانع (ثانياً) وهو معارضته باستصحاب عدم الجعل ، لكون الشبهة حكمية كما لا يخفى .


1) بلاشك ولا ريب ؛ وكذلك الاعلمية من دون فرق بين أسبابه من الاختبار او الشياع أو غيرهما في حجية العلم الطريقي عقلا ، اذ هو حجة بنفس ذاته قدظهر الواقع في مرآته ، فلا تناله يد الجعل اثباتاً ولا نفياً ؛ كما لا ريب في ثبوته بالاطمئنان الذى هو علم عادى نظامى ؛ فانه كان عند العقلاء حجة كما لا يخفى.

2) بسبب المزاولة والمباحثة والمراجعة الى كتبه الاستدلالية على نحو أوجبت حصول العلم له باجتهاده .

3) بناء على عموم حجيتها لمطلق الموضوعات ؛ وعدم اختصاصها بما ورد فيه النص بذلك بالخصوص كالهلال والعدالة والفسق والشهادة على شهادة رجل واحد والزندقة والسحر وثبوت الميتة فى الجبن على ما استفاده الاستاد (دام ظله) من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم انما اقضى بينكم بالبينات والايمان فان البينة وان كانت فى اللغة بمعنى الحجة وما يتبين به الشيي ويظهر به الا انه حيث يعلم قضائه (صلی الله علیه و آله و سلم) بشهادة العدلين فيعلم به كونها حجة عنده في مرتبة متقدمة على القضاء اذ لا يجوز القضاء الا بعد ظهور الحق بل قد يدعى عموم بناء العقلاء على حجيتها بالمعنى المصطلح وامضاء الشارع ل-ه اما بعدم الردع عنه أو بمثل قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك لكنه غير ظاهر .

وقد يستظهر ذلك ايضاً من روايه مسعدة بن صدقة عن ابی عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول : كل شيى هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً أو امرأة تحتك وهي اختك اورضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة .

ويرد عليها (أولا) انها ضعيفة السند بمسعدة بن صدقة اذلم تثبت وثاقته (وثانيا) انه لم يعلم منها ارادة المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء لعدم ثبوت حقيقة شرعية لها في ذلك بل هي في اللغة تشمل مطلق ما كان حجة وبه يتبين الشيئء كما أشرنا اليه آنفا (وحينئذ) فمفاد الرواية ان الاشياء كلها على الحل حتى يظهر لك غيره بنفسه أو بقيام الحجة والبيئة عليه ( وثالثا) لوسلم ارادة البيئة المصطلحة منها فغايتها الدلالة على حجية البينة بالاضافة الى سائر الشبهات الموضوعية التي من قبيل موردها مما يشابهها دون غيرها مما لا يضاهيها فانها المتيقن منها كما لا يخفى ؛ بل قد يقال باختصاصها بالمورد من اجل الحصر المستفاد منها ؛ فانه لا يناسب غيره ؛ والا لزم تخصيص الاكثر المستهجن عرفا ؛ لثبوت الحرمة بالاستصحاب والاقرار و حكم الحاكم .

ان الظاهر هو ثبوت الاجتهاد والاعلمية بخبر العدل الواحد ، بل بخبر الثقة وان لم يكن عدلا ؛ لاستقرار سيرة العقلاء على ذلك في مطلق الموضوعات ، عدم ثبوت ردع الشارع عن ذلك ، وأما توهم دلالة الآيات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم على الردع عن ذلك (فمندفع) بما تقدم في ذيل المسئلة الاولى من كونها ارشادية ، وان ادلة الحجية واردة عليها فراجع ؛وأما توهم دلالة رواية مسعدة بن صدقة على الردع عن ذلك ، لاجل دلالتها على حصر الحجة في الموضوعات في العلم والبينة ، حيث انه جعل غاية الحل فيها احد أمرين (الاستبانة وقيام البينة) وخبر العدل والثقة ليسا منهما (فمندفع أيضاً) بما تقدم من الايراد عليها بالوجوه الثلاثة ، مع امكان القول بتعميم الاستبانة ؛ ودعوى

تحققها عر فا عند خبر العدل والثقة ايضا فلا اختصاص لها بالعلم الوجداني كما توهم (وح) فيكون النسبة بينها وبين البينة عموما من وجه كما لا يخفى ، فلا يرد على التعميم انه لاحاجة مع الاستبانة الى ذكر البينة ؛ فقد ظهر ان الرواية غير رادعة عن بناء العقلاء على ذلك بل مؤيدة له ؛ كما يؤيده ماورد في ابواب الفقه من قبول خبر الثقة فى عدة من الروايات ؛ ويبعد دعوى اختصاص الحجية لمواردها .

(منها) خبر الثقة بعزل الوكيل عن هشام بن سالم عن ابی عبدالله (علیه السّلام) في حديث ان الوكيل اذا وكل ثم قام عن المجلس فامره ماض ابداً ، و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه او يشافه بالعزل عن الوكالة .

و(منها) خبر البائع باستبراء الامة اذا كان ثقة عن حفص بن البخترى عن ابي عبدالله (علیه السّلام) في الرجل يشترى الامة من رجل ، فيقول اني لم اطأها ؛ فقال ان وثق به فلا بأس ان يأتيها الحديث .

(منها) خبر الثقة بالوصية عن اسحاق بن عمار عن ابي عبدالله (علیه السّلام) قال سألته عن رجل كانت له عندى دنانير وكان مريضا ؛ فقال لي ان حدث بی حدث فاعط فلانا عشرين ديناراً ؛ واعط اخى بقية الدنانير ، فمات ولم اشهد موته ، فاتانی رجل مسلم صادق ؛ فقال لى انه امرنى ان اقول لك انظر الدنانير التي امرتك ان تدفعها الى اخى ؛ فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين ؛ ولم يعلم اخوه ان عندى شيئا ، فقال ارى ان تصدق منها بعشرة دنانير .

و(منها) خبر الثقة بان المرأة زوجته ، عن سماعة قال سألته عن رجل تزوج امة او تمتع بها فحدثه ثقة اوغير ثقة فقال ان هذه امرأتي وليست لى بينة ، فقال ان كان ثقة فلا يقربها ؛ وان كان غير ثقة فلا يقبل منه .

و(منها) خبر الثقة بدخول الوقت عن ذريح قال قال ابو عبد الله (علیه السّلام) : صل الجمعة باذان هؤلاء ؛ فانهم اشد شيئى مواظبة على الوقت (هذا) وربما يقال بثبوت ذلك بخبر الثقة وان لم يكن اخباره عن الموضوع بحجة ، لعموم مادل على حجيته في الاحكام الكلية ، اذالمراد منه ما يؤدى الى الحكم الواقعي سواء كان بمدلوله

المطابقى ام الالتزامى ؛ والمقام من الثانى ، فان مدلول الخبر المطابقى هو وجود الاجتهاد ؛ وهو من هذه الجهة يكون اخباراً عن الموضوع ، لكن مدلوله الالتزامى هو ثبوت الحكم الواقعى الكلى الذى يؤدى اليه نظر المجتهد (لكنه مردود) بان حال المدلول الالتزامى بالاضافة الى المدلول المطابقى حال المفهوم بالاضافة الى المنطوق فى أن الاول ظل الثانى وثبوته فرع ثبوته ؛ فاذا فرض في المقام ان اخبار الثقة عن اجتهاد شخص ليس بحجة ؛ لكونه اخباراً عن موضوع ولم يثبت بخبره اجتهاده الذى هو مدلول مطابقى له فكيف يثبت به مدلوله الالتزامى وهو الحكم الواقعى الكلى الذى يؤدى اليه نظر المجتهد مع كونه فرع ثبوت اجتهاده الا انه قد ذكر عموم دليل الحجية وهى السيرة العقلائية لمطلق الموضوعات مع عدم ثبوت الردع عنها لولا امضائها .

وأما توهم ان الاخبار عن الاجتهاد اخبار عن الحدس لا الحس ؛ اذ المخبر لا يحس بوجود ملكة الاستنباط وقوة الاجتهاد فى المجتهد وانما يحدس بها بسبب الاختبار اذا كان من أهل الخبرة كان يباحث معه ويراجع كتبه الاستدلالية الى غير ذلك مما يصير سببا لوثوقه باجتهاده فيخبر بذلك وادلة حجية خبر الثقة مختصة بالاخبار عن حس ولا تشمل الاخبار عن حدس ولذا لم تكن تلك الادلة دالة على حجية فتوى المجتهد مع كونها اخباراً عن الحكم الكلى الا ان مستنده الحدس (فمدفوع) بأن الظاهر ه-و تعميم بناء العقلاء (وهو العمده في حجية خبر الثقة) للاخبار عن الحدس القريب من الحس كما في المقام ، اعنى ما يقل فيه الخطاء وكانت مقدماته موجبة للحدس بها عند أكثر الناس ، فيكون حجة ببنائهم كالاخبار عن الحس .

ثم انه اختلف الاصحاب فى ثبوته بدعوى من يدعى الاجتهاد لنفسه الاجتهاد لنفسه مع فرض كونه واجداً لسائر شرائط الفتوى من العدالة والورع والمخالفة على هواه والمتابعة لامر مولاه (على قولين) فذهب بعضهم الى الثبوت لاجل انه من الامور الخفية التي لا يمكن الاطلاع عليها غالباً الأمن قبل نفسه ، كالطهر و الحيض والعدة والانخلاع

(مسئلة 21) اذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البينة ، فان حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين تقليده(1)بل لو كان فى احدهما احتمال الاعلمية يقدم ، كما اذا علم انهما اما متساويان أو هذا المعين أعلم ولا يحتمل أعلمية الاخر ، فالاحوط تقديم من يحتمل اعلميته .


عن الزوج واحتلام الغلام وغير ذلك ، ولعموم دعوى انه لا يعلم الأمن قبله ، وللزوم العسر والحرج من جهة قلة أهل الخبرة أو عدم الوثوق بصلاحهم ؛ ولعموم آيتي الانذار والنباء ، بل عموم بناء العقلاء ايضاً من أجل كونه ثقة يخبر عن حال نفسه وما يرجع اليه مما هو اعرف به من غيره مع كونه من أهل الخبرة بذلك على الفرض .

(وفى الكل ما لا يخفى) اذ ليس الاجتهاد بمثابة الطهر والحيض وأمثالهما من المذكورات في الاختفاء كى لا يمكن الاطلاع عليه غالباً الا من قبل نفسه ، ولاسيما في العصر الحاضر كما لا يخفى ، وبه يظهر الجواب عن الوجه الثاني والثالث (وأما الآيتان) فهما مع فرض تسليم الدلالة على حجية الخبر منصرفتان عن مثل المقام ، كما انه لم يثبت عموم لبناء العقلاء على ذلك ايضا ، والفرق بين المقام وغيره ان الانسان مجبول على حب حب ذاته وما يرجع اليه من كماله ، فربما يتخيل لاجل هذه انه واصل الى مرتبة لاعتماده الى فهمه وادراكه ، وليس الامر في الواقع كما زعمه (وبالجملة) لم يحرز البناء على الاخذ بخبر الثقة في مثل المقام ، ولم يثبت بعد دليل على حجيته في الاخبار عن اجتهاده بالعموم أو الخصوص ، ومعه فالاصل يقتضى عدم الحجية وعدم ثبوت اجتهاده بدعواه لنفسه .


1) لدوران الأمر فيه بين التعيين والتخيير ، فتعين أخذ الاول وطرح الثاني عقلا ، لرجوعه الى دوران الامر بين معلوم الحجية ومشكوكها المساوق للقطع بعدم الحجية ، وهكذا يكون الفرض الثانى من المسئلة ؛ لكن هذا مع الاختلاف في الفتوى والا فمع الاتفاق فيها لا فرق بينهما فى ذلك ؛ وان علم بالاعلمية فضلا عما اذا ظن بها او احتمل لما مربيانه ؛ فيتخير فى الاخذ بأى واحد منهما شاء كما

(شروط المجتهد الذی یکون مرجعا للتقلید)

(مسئلة 22) يشترط فى المجتهد(1)أمور: البلوغ والعقل والايمان والعدالة والرجولية والحرية على قول .


يكون الأمر كذلك مطلقا ولو مع الاختلاف في فرض ثالث ؛ اعنى . اذا احتمل التساوى بينهما واحتمل ايضا الاعلمية فى كل واحد منهما .

وان كان مقتضى القاعدة فيه هو الاخذ بأحوط القولين بل الاقوال؛ اذ الاعتماد على كل واحد منهما استناد الى مشكوك الحجية ؛ وذلك لدعوى الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط ؛ وجواز الرجوع الى ايهما شاء وان امكن الاحتياط مع عدم ظهور المرحج في البين كي يرجح به والترجيح بدونه قبيح لكنه غير ظاهر .

(1) الذى يكون مرجعاً للتقليد والافتاء والامور المعتبرة فيه على ما ذكره المصنف (قدس سره) هنا احد عشر امراً ، وقد ذكر بعض المحققين (قدس سره) بعد عد جملة منها انه لولا التسالم على الكل من الكل لامكن المناقشة في الكل .

(أقول) يقع الكلام (تارة) فيما هو وظيفة العامي من حيث العمل بلحاظ ما يستقل به عقله و تقتضيه فطرته (واخرى) فيما هو وظيفة المفتى من حيث الافتاء بلحاظ ما تقتضيه الادلة الشرعية .

(أما الاول) فلا ريب فى ان وظيفة العامى ابتداء هو الرجوع الى من كان جامعاً لكل ما احتمل اعتباره فى صحة التقليد ، اذ لا يستقل عقله بحجية فتوى غيره ممن يكون فاقداً لواحد من الشرائط مما احتمل اعتباره في ذلك ، فاذا رجع اليه ، فله الافتاء بما استنبطه من الادلة واستفاده منها من اعتبار امر في جواز التقليد او عدم اعتباره فيه .

(وأما الثاني) فالذى يقتضيه الاصل الاولى مع الشك في اعتبار شيئي في جواز التقليد وحجية فتوى المجتهد هو اعتبار ذلك الشيئي ، اذ بدونه يشك في الحجية الفعلية ، ولا يجوز الاعتماد على ما هو مشكوك الحجية ، اذ الشك فيها يساوق القطع بعده ها ، ولا مجال لاجراء البرائة عن ذلك ، لان الشك كان في تحقق الامتثال الذى يقتضى الاشتغال عقلا لافي اصل التكليف الذى مجرى للبرائة


1)

(نعم) ان كان هناك عموم أو اطلاق فى الادلة اللفظية أو اللبية كالاجماع والسيرة مع عدم ثبوت ردع الشارع عنها فهو وارد على الاصل المزبور كما لا يخفى ؛ فلابد (ح) من ملاحظة الادلة فى كل واحد من تلك الامور ؛ وانه هل يكون لها عموم او اطلاق بالاضافة اليه يقتضى عدم اعتباره في ذلك اولا يكون لها ذلك ؛ فاقول (أما البلوغ) فالظاهران عمدة ادلة حجية الفتوى وهى الفطرة والسيرة العقلائية على رجوع الجاهل الى العالم من دون فرق فيه بين كونه بالغاً اوغير بالغ اذا كان حائزاً لمراتب الفضل حتى صار كالبالغ ؛ اذ لا عبرة عندهم بالوصول الى الحد الشرعى ؛ بل العبرة لديهم بالرشد والتمييز وكونه من اهل الخبرة وان لم يكن واصلا الى ذاك الحد ، بل قد تشمله الاطلاقات اللفظية أيضاً ؛ لصدق جميع العناوين المأخوذة فيها عليه ؛ مثل أهل الذكر والعالم والفقيه ، ودعوى الانصراف عنه (ممنوعة) فلا بد (ح) في اعتبار البلوغ فى المفتى من دليل رادع عن اطلاق السيرة و غيرها من الادلة اللفظية .

وقد يستدل على ذلك بأمور (منها) دعوى الاجماع عليه ؛ كما قد يستظهر من كلام شيخنا الانصاري (قدس سره) حيث قال ( يعتبر فى المجتهد أمور البلوغ والعقل والايمان ولا اشكال فى اعتبار هذه الثلاثة ولم يعقبه بشيئ فجعل اعتبار البلوغ من الامور المسلمة ، فان تم ذلك ولم يحتمل انه من جهة الاستناد الى سائر الوجوه فهو ، والا فلا بد من النظر في نفس تلك الوجوه .

(ومنها) قوله ع (انظروا الى رجل منكم الحديث) فانه يدل على خصوصية كونه رجلا في قبال كونه غلاماً (وفيه) انه وارد مورد الغالب ، لا ان لكونه رجلا خصوصية في قبال غيره ، مع ان مورده القضاء ، و اعتبار شيء فيه لا يلازم اعتباره في الافتاء كما لا يخفى (ومنها) قوله ع (عمد الصبى خطأ) فان المستفاد منه على ما يقتضيه عدم ذكر المتعلق ، هو الغاء عموم افعاله واقواله ، ومنها فتاواه ، فانها لاحجية لها اذا صدرت خطأ (وفيه) انه لا اطلاق الحديث يشمل جميع الموارد قطعاً والقدر المتيقن منه هو عمده فى القتل كما عن حديث آخر، فيقتضى كون الدية على

عاقلته مثل ما فى القتل خطاء وأما ما قيل من ان الملغى في الرواية هو فعل الصبى وهذا لا يشمل آرائه وعلومه ؛ فلم يكن في الرواية ما يدل عليه .

(ومنها) رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم بناء على كون الموضوع هو الالزام والوضع الذى منه حجية فتواه على غيره (وفيه) انه كالاول لااطلاق فيه ؛ بل القدر المتيقن منه هو التكليف الالزامي لاغير .

(ومنها) انه محجور عن التصرف ومولى عليه ؛ ولا ولاية له على نفسه فكيف بغيره (وفيه) انه لاولاية له فى حجية فتواه على الغير .

(ومنها) انه لا . يسمع قوله في حق نفسه وكذا نقله فى الرواية بالاجماع ففى الفتوى بالأولوية .

(ومنها) عدم حصول الوثوق بقوله بعد كونه مطلق العنان .

(ومنها) ان منصب الافتاء امر عظيم ؛ فلا يليق بان يتصديه الصبي (وفي الكل ما لا يخفى) فانها استبعاد محض لا تصلح لان تكون رادعة عن اطلاق البناء وغيره من الادلة ؛ وأورد على الاخيرين ان منصب الافتاء ليس باعظم من النبوة والامامة مع انه ربما كان حائزاً لمرتبتهما كما في عيسى (علیه السّلام) ويحيى (علیه السّلام) بل نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) على ما حققه بعض من قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) وكما في امامنا القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) لكنه قياس في غير محله اذ العصمة وظهور الكرامة فيهم يمنع عن عدم الصلاحية لذلك المنصب الرفيع ؛ وهذا بخلاف غيرهم كما لا يخفى .

(ومنها) ان منصب الفتوى يختص بالمعصوم اولا وبالذات ولغيره بواسطة الاذن ولم يثبت بعد ؛ والشك فيه كاف في المنع .

(وفيه) انه خلاف اطلاق الادلة ؛ ولا سيما بناء العقلاء الذى هو العمدة في حجية الفتوى، ثم انه لوسلم اعتبار البلوغ ؛ فانما هو في حال العمل بفتواه ؛ لاحال استنباطه ؛ فاذا استنبط الأحكام قبل الوصول الى حد البلوغ على الطريقة المألوفة بينهم ؛ وبقى على آرائه و انظاره الى ما بعد البلوغ جاز الرجوع اليه في العمل بها(ح).

(وأما العقل) فلم يثبت ما ينفى اعتباره من عموم او اطلاق ؛ بل لاريب في

اعتباره حال العمل برأيه فضلا عن حال استنباطه ؛ لعدم شمول الادلة لغيره بلا كلام ؛ فيبقى تحت اصالة عدم عدم الحجية ؛ مع ان امر ذلك ظاهر عند العقلاء فضلا عن المتشرعة ؛ فانه ادعى عليه اجماع السلف والخلف ، بل العامة والخاصة(نعم) لا مانع ظاهراً عند العقلاء من الرجوع الى المجنون الادوارى حال افاقته ، وتقتضيه ايضاً اطلاقات الادلة ، وهو المحكى عن بعض متأخرى المتأخرين ، كصاحبى المفاتيح والاشارات ، ولذلك لا بأس به ان لم ينعقد الاجماع على خلافه ، وأما حديث رفع القلم عنه ؛ فمع تسليم الدلالة على رفع الوضع مضافاً الى الالزام يدل على رفع حجية قوله مطلقاً ؛ بل فيما لم يفق كما هو مدلول الغاية فيه ؛ فيوافق ما استظهر ناه.

(وأما الايمان) فقد يدعى ما يقتضى عدم اعتباره من عموم بناء العقلاء الذي هو العمدة في حجية الفتوى كالخبر على عدم الفرق عندهم بين المؤمن وغيره اذا كان من اهل خبرة طريقة الشيعة ، وكان مأموناً عن الكذب والخيانة ؛ كما هو المشاهد من طريقتهم فى غير الاحكام الشرعية (ولا يبعد ذلك) اذ الظاهر ان ملاك قبول رأى الغير عندهم ؛ هو كونه عالماً ، كما ان ملاك قبول خبره لديهم هو كونه ثقة (وح) فلا بد في اعتباره من التماس دليل يصلح رادعاً عن عموم البناء .

وقد ذكر لذلك وجوه لا تخلوا من المناقشة (منها) الاجماع على الاعتبار والكلام فيه كما تقدم .

(ومنها) قول ابى الحسن (علیه السّلام) فيما كتبه لعلى بن سويد : لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا فانك ان تعديتهم اخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) وخانوا اماناتهم ؛ انهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوهو بدلوه الحديث.

(وفيه) ان الظاهر منها بقرينة ذيلها ان المانع عن اخذ الاحكام من غير الشيعة هو عدم الايتمان ؛ لا مجرد اعتقاد الخلاف تعبداً فلو فرض القطع باجتهاده و استنباطه على طريقة الحق ؛ وحصل الوثوق بإخباره عما استنبطه من هذه الطريقة فقد حصل الامن من خيانته من جميع الجهات فلا يكون مشمولا للمنع عن أخذ الاحكام المدلول عليه بالرواية مع ما قيل من انصرافها الى القضاة الذين كانوا يعتمدون .

على القياس ونحوه من الحجج الظنية فى مقابل فتوى المعصومين ، وليس مثلهم محل الكلام ، وانما الكلام في اعتبار الايمان فيمن استنبط الاحكام على طريقة اهل الحق والنهج المألوف بين علمائنا حصول الامن من خيانته من هذه الجهة كما لا مع يخفى (هذا) بعد الغض عن تضعيف سند الرواية بعلى بن حبيب المدائني وبمحمد بن اسماعيل الرازى الواقعين في طريقها لان الاول مجهول بل لم يثبت كونه امامياً والثاني مشترك بين الثقة والضعيف أو متعين في الضعيف .

(ومنها) قول ابى الحسن الثالث (علیه السّلام) فيما كتبه لاحمد بن حاتم بن ما هويه وأخيه (فاصمدا في دينكما على كل مسن فى حبنا ؛ وكل كثير القدم في امرنا ؛ فانهما كافو كما ان شاء الله (وفيه انها محمولة على الاستحباب والرجحان للاجماع القطعى على خلاف ظاهره ؛ لدلالتها على شدة الحب والثبات التام فى امرهم (علیه السّلام) الذى هو فوق الايمان ؛ والكلام بعد في ما دونه كما لا يخفى (هذا) مضافاً الى تضعيف سندها ايضاً بنفس احمد بن حاتم ؛ لكونه مجهولا لم يذكر له مدح ولا ذم و باخيه وهو فارس ؛ لرميه بالغلو واشتهاره بالكذب .

(ومنها) قوله (علیه السّلام) في مقبولة عمر بن حنظلة (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا الحديث) وقوله (علیه السّلام) في مشهورة أبي خديجة (ولكن انظروا الى رجل منكم الحديث) (وفيه انهما واردان مورد القضاء ولا يلازمه الافتاء في الشرائط ؛ مع ان الظاهر منهما هو اعتبار التشيع فى القاضى من اجل ان المخالف لا يروى عنهم ولا ينطر فى حلالهم وحرامهم ولا يعرف احكامهم ولا يحكم بحكمهم (علیه السّلام) لا من أجل التعبد وان حصل منه ذلك (هذا) مع ضعف سند المقبولة بعمر بن حنظلة فانه لم يثبت وثاقته وان تلقى الاصحاب روايته بالقبول ولذا سميت بالمقبولة

فقد انقدح بذلك وجه ما ذكره المحقق القمى (رحمه الله علیه) من ان اشتراط الايمان اجماعی او مبنى على عدم جواز الرجوع الى احكام المخالفين مع مخالفة الحكم لنا والا فلو فرض ان مخالفاً ثقة صدوق وافتى على وفق اصولنا وطريقنا بحيث يحصل الاطمئنان بمساواته مع المفتى من اصحابنا في الاستنباط عن اصولنا كما كان

جماعة من اصحابنا مفتى الفرق والعامة كانوا يعتمدون عليهم فيشكل الحكم بعدم جواز الرجوع اليه وعدم الاعتقاد بالحكم لاينا في عدم التقصير في الاستنباط وعدم الكذب في الاخبار عنه .

وما قيل من ان الحكم بجواز الرجوع اليه اشكل ، لان الحكم في المقام برجوع العامى اليه جوازاً او وجوباً بمقتضى الاصول ، كاصالة عدم نفوذ فتوى احد على غيره ، وعدم ترتب آلاثار الشرعية عليها ، الا ما علم خروجه بالدليل ، محل اشكال لاصالة الاشتغال في المرجع الذي يرجع اليه بعد تيقن اشتغال الذمة باحكام الله تعالى المقتضية للرجوع الى من كان مبرئاً يقيناً ، ولاصالة حرمة التقليد المستفادة من عمومات الكتاب والسنة تعبداً ، ومجرد الموافقة لاصولنا غير مجد (مدفوع) بانه لاموقع لتلك الاصول مع عموم البناء والفطرة والارتكاز على عدم الفرق بين المؤمن وغيره ؛ لاجل ان الملاك في الرجوع عندهم هو كما اشرنا اليه كونه عالماً ومن اهل الخبرة لاغير ؛ مع عدم ثبوت ما يصلح رادعاً عن عمومه ، وذلك لورودها على تلك الاصول ؛ أما على الاصل العقلى من الاشتغال فواضح ؛ وأما على الاصل اللفظى المستفاد من العمومات المذكورة كقوله تعالى لا تقف ما ليس لك به علم و نحوه بعد تسليم عمومها للفروع وعدم اختصاصها بالاصول فلعين ما تقدم في رد الاشكال على ادلة التقليد التي عمدتها السيرة بمثل تلك العمومات المتوهم ردعها عن السيرة فراجع .

هذا كله بحسب القاعدة والبرهان والا فلا ينبغى الريب في عدم جواز الرجوع الى المخالف في ذلك لان الافتاء من المناصب الرفيعة كالقضاء ولا يصلح له الا النبي (صلى الله عليه و آله) أو وصيه أو من نصبه النبي أو الوصى ، ويؤيده ما ورد من ان مجارى الامور بيد العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه، وان العلماء ورثة الأنبياء ولا قابلية للمخالف لشيء منها هذا مع ما سيأتى من دليل اعتبار العدالة فيه المقتضى لعدم جواز الرجوع الى المخالف الفاقد لها كما لا يخفى .

(وأما العدالة) فاعتبارها غير ظاهر عند العقلاء بل الظاهر من بنائهم عدم

اعتبارها من حيث انهم يكتفون بكون المرجع عالماً ومن اهل الخبرة مع كونه مأموناً وثقة فى اخباره ، لما عرفت من الملاك عندهم في الرجوع اليه ، فلا بد في اعتبارها (ح) من دليل تعبدى خاص ، وقد يستدل على ذلك بوجوه .

(فالاول) هو الاصل وقد مربيانه ولكنه انما يجرى مع عدم ثبوث عموم للبناء المذكور الذى هو العمدة في ادلة التقليد .

(والثاني) ظهور الاتفاق عليه ، وفيه ان مجرد الاتفاق لا يجدى في ذلك مالم يكشف عن رأى المعصوم (علیه السّلام) حدساً كما هو مبنى حجيته عند المتأخرين ولا كشف له عن ذلك مع احتمال استناده الى سائر الوجوه كما لا يخفى .

(والثالث) الاجماعات المحكية على نحو الاستفاضة كما عن المنية وية وشرح المبادى ويب، والكلام فيه ما تقدم.

(والرابع) آية الركون يعنى قوله تعالى (ولا تركنوا الى الذين ظلموا) ولكن الظاهر منها هو حرمة الركون اليهم فيما لم يأتمنوا عن الظلم ، فلا تشمل ما لو فرض العلم بايتمانهم عن ذلك فيه ، كي يثبت بها حرمة الركون اليهم فيه ايضاً .

(والخامس) آية النبأ يعنى قوله تعالى (ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).

وفيه انها بمناسبة الحكم والموضوع لا تقتضى ازيد من اعتبار الوثوق ، اذ لا مبالاة للفاسق بالكذب طبعاً ، فيكون الاعتماد على خبره في معرض الوقوع في خلاف الواقع ، وهذا بخلاف العادل ومن يوثق بخبره وان كان فاسقاً بالجوارح مع ان مقتضى الجمع بينها وبين ما دل على اعتبار الوثوق وكفايته في حجية الخبر هو حمل التبين فيها على الوثوق (هذا) مضافاً الى انها في الخبر دون الفتوى واعتبار العدالة فى الاول لا دخل له باعتبارها فى الثانى ، فلا دلالة لها على عدم جواز العمل بفتوى الفاسق مع القطع بكونه صادقا في اخباره عن فتواه .

(والسادس) ان غير العدل لا تقبل شهادته ولا يجوز الاقتداء به فعدم جواز تقلیده اولى (وفيه) منع الاولوية الظنية فضلا عن القطعية .

(والسابع) قوله تعالى (ولا ينال عهدى الظالمين) والاجتهاد خلافة الهية بلا واسطة كما حكى احتماله عن الجواهر أو مع الواسطة فلا ينال الفاسق لهذه المرتبة من اجل كونه من الظالمين (وفيه) منع الدعوى كما لا يخفى .

(والثامن) خبر الاحتجاج المروى عن تفسير العسكرى من قوله (علیه السّلام) (فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه ) وفيه انه بعد تسليم السند يقصر عن اثبات ذلك دلالة ، فان الظاهر منه وان كان هو اعتبار العدالة بل ما فوقها ، الا انه بقرينة ما بعده هو اعتبارها من جهة الامانة والوثوق ، لا من اجل التعبد فانه (علیه السّلام) قال بعد (وذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم ، فان من ركب من القبائح والفواحش مراكب علماء العامة ، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة ، وانما كثر التخليط فيما يتحمل عنا اهل البيت لذلك ، لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم ويصنعون الاشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم ، وآخرون يتعمدون الكذب علينا) فالتعليل لعدم قبول شيىء من الفسقة عنهم (علیه السّلام) بالتحريف لجهلهم أو لتعمد الكذب عليهم يؤذن بأن اعتبار ذلك من أجل الامن عن الخيانة والكذب لا التعبد ، والكلام انما هو بعد الفراغ عن ذلك كما لا يخفى ، (هذا) مع ان مورده اصول الدين التي لا يجوز فيها التقليد ، ولا يقبل فيها الخبر تعبداً ، فلابد من حمله على غير التقليد الذى هو محل الكلام كما ذكر بعض الاعلام ؛ ولذلك احتمل بعضهم جواز تقليد الفاسق المأمون المتحرز عن الكذب كقبول اخباره (ولكن الانصاف) انه ليس على ما ينبغي اذ هو مع كونه مخالفاً للمتسالم عليه بين الاصحاب وللمرتكز في اذهان المتشرعة ينا في ذلك المنصب الرفيع الذى هو دون منصب الامامة ، فكيف يمكن ان يرضی الشارع بان يكون زمام امور الدين واحكام الشرع المبين بيد من هو في مقام التمرد والطغيان على الله ويتصداه من هو خارج عن طريقة الحق بارتكابه لما حرمه الله ؛ مع ما قيل من ان طبائع العقلاء قد جبلت على عدم قبول قول من يخالف قوله لعمله ، فاذا الطبيب عن أكل شيئى ومع ذلك اكله لا يعتمد على قوله ،

فكذلك الفقيه (وهذا هو الوجه) في اعتبار العصمة في الانبياء والائمة الهدى عليهم السلام .

(أما الرجولية) فمقتضى الاصل وانكان اعتبارها ؛ الا ان الظاهر كون بناء العقلاء على عدم الفرق في الرجوع الى اهل الخبرة والعمل بقولهم بين ان يكون رجلا أو امرأة ؛ وهذا ايضاً لما قد عرفت من الملاك فى ذلك فيما تقدم ؛ فلا بد حينئذ في اعتبارها كسابقتها من دليل بالخصوص موجب للردع عنه ؛ وليس هو ما عدا وجوه ضعيفة استدل القائل بها .

(منها) دعوى الاجماعات المتكاثرة على ذلك ؛ كما عن الشهيد والرياض والغنية والنهج ومجمع الفائدة وغيرها ؛ والكلام فيها كما تقدم .

(ومنها) دعوى انصراف اطلاقات الادلة الى الرجل ، ولكنه لوسلم فليس يصلح رادعا عن بناء العقلاء ، لعدم ظهور عقد سلب لها كما لا يخفى .

(ومنها) التعبير فى روايات الارجاع الى الغير بالرجل ، كما في مقبولة عمر بن حنظلة ومشهورة ابي خديجة وغيرهما (وفيه) ما تقدم من كونها واردة مورد الغالب ، مع ان موردها القضاء ولا يلازمه الافتاء في الشرائط .

(ومنها) ما ورد فى باب القضاء من عدم جواز تصدى المرأة له ، وكذلك فى الامامة للرجال ؛ ففى الافتاء بالاولوية او بعدم القول بالفصل(وفيه) ان الحكمة فيهما ظاهرة ، ولاملازمة بين البابين ؛ والكلام فى مجرد العمل بفتواها لافي تصديها لسائر مناصب المجتهد كما لا يخفى ، وعدم القول بالفصل لا يفيد مالم يرجع الى القول بعدم الفصل ،مع انه بمجرده لا يفيد ايضاً ، بل لابد من كشفه عن رأى ، مع المعصوم (عليه السلام) ولا يمكن ذلك مع احتمال استناده الى سائر الوجوه ، ولعله لذلك افتى بعض المحققين بجواز تقليد الانثى والخنثى على ما نقله بعض الاعلام .

(هذا ولكن الانصاف ان دقيق النظر فى الروايات الواردة في احوال النساء من انها قاصرات العقول والدين (وهى على ماذكره بعض الافاضل ازيد من ثلاث ماة حديث) وكون شهادتهن نصف شهادة الرجال ، وانها قرة عين الشيطان وجنوده ،

وكونه مجتهداً مطلقاً ، فلا يجوز تقليد المتجزى(1).


وملعبة الرجال ؛ وانها لا تكون ولياً على نفسها وأموالها مع البعل ؛ والنهى عن تولية قضائهن ومشاورتهن وامامتهن للرجال ، وان شر الناس هم الذين يكون كلامهم عن رأى النسوان ؛ وانها شرّ كلها الى غير ذلك مما يؤذن بالنقص فيها ؛ يوجب الوثوق بانها لا تناسب منصب الافتاء الذى هو مقام خطير ؛ ومزلة لاقدام الفحول من الرجال ؛ فكيف بان تتصداه المرأة للقيام بامور الناس في دينهم و دنياهم، ولعله لذلك قد تسالم عليه الاصحاب ولم يفتوا بالخلاف (نعم) لاريب في جواز العمل لها برأيها ؛ لكونها حجة في حقها لانها عالمة ، بل رجوعها الى العير مشكل ؛ لانصراف ادلة التقليد عن مثلها .

(أما الحرية) فيظهر من الماتن التردد فيها تبعاً لمتن المحقق ، حيث نسبها الى قول ؛ ولكن مقتضى بناء العقلاء وغيره من المطلقات عدم اعتبارها ؛ وما قد يستند اليه فى ذلك من كونه عبداً مملوكا لا يقدر على شيئي ؛ ومن كونه مولى عليه ؛ فكيف يكون ولياً على غيره ؛ مما لا يصلح للاعتماد عليه في الردع عن البناء او تقييد المطلق كما لا يخفى ؛ ولاتنا في الرقية لكمال النفس ؛ كى يتوهم المحذور من أجله ، بل الارقاء كما قيل تكون كثيراً ما من اولياء الله تعالى ؛ هذا بالنسبة الى رجوع الغير اليه ؛ وأما بالنسبة الى عمل نفسه ، فلا اشكال في عدم اشتراطها فيه ؛ بل لا يجوز له الرجوع الى غيره ممن خالفه فى الرأى ، لكونه مخطأ وجاهلا في زعمه ، فيكون من رجوع العالم الى للجاهل كما لا يخفى .

هذا ( وأما كونه مجتهداً مطلقاً ) فهو وان ذهب بعضهم الى اعتباره بل قيل انه المعروف المدعى عليه الوفاق او الاجماع ، فلا يصح تقليد المتجزى ، الا ان دليله غير ظاهر ، بل الظاهر من بناء العقلاء هو العموم ، اذ لافرق في بنائهم على الرجوع الى اهل الخبرة فيما يرجعون اليه بين ما اذا كان مطلقاً

ص: 135


1) بناء على امكان التجزى فى الاجتهاد لاختلاف مراتب الملكة قوة وضعفاً كاختلاف المسائل وضوحاً وخفاء والا فعلى القول بامتناعه لامجال للبحث عن ذلك.

او متجزياً ، كما يظهر ذلك من مراجعتهم الى الطبيب المختص بمرض دون مرض في خصوص ذاك المرض ، وان لم يكن عالماً بالاضافة الى معالجة غيره من الامراض بل ربما لا يراجعون الا اليه من أجل تخصصه فيه .

وقد ذكر سيدنا الاستاد (دام ظله) بعد الاعتراف بعموم البناء انه لا عبرة ببناء العقلاء مالم يمضها الشارع ، ومقتضى الادلة اللفظية الدالة على حجية الفتوى كآية النفر والسؤال ؛ وبعض الروايات هو اعتبار عنوان العالم والفقيه ولا يصدق شيىء من ذلك على المتجزى فيما اذا لم يستنبط مقداراً معتداً به من الاحكام ؛ كما انها لا تصدق على من له ملكة الاجتهاد المطلق أيضاً اذا لم يستنبط شيئاً من الاحكام ؛ أو استنبط مقداراً غير معتد به بحيث لا يصدق عليه العالم ؛ كمسألتين اوثلاث ؛ فالنسبة بين من يجوز تقليده وكل واحد من المجتهد المتجزى والمطلق العموم من وجه لظهور العناوين المذكورة فى الفعلية ؛ ولاجل هذا قال فالحق في المقام هو التفصيل بين المتجزى القليل الاستنباط وكثيره ؛ فلا يجوز تقليد الاول ويجوز تقليد الثاني انتهى .

(اقول) ولازم ما ذكره هو التفصيل فى المجتهد المطلق ايضاً بين كونه قليل الاستنباط وكثيره ؛ فلا يجوز تقليد الاول وان كان مطلقاً (ولكن قد عرفت) فيما تقدم ان الادلة اللفظية بين ما لا تتم سنداً لضعفها ؛ وبين ما لا تتم دلالة على اعتبار ذلك بعد تسليم دلالتها على اصل التقليد ؛ لعدم نفيها لغير العنوان المأخوذ فيها من جهة المفهوم اذ لاعقد سلب لها فراجع ؛ بل قد ذكرنا انها امضائية لا تأسيسة

(هذا) مع ان في عدم صدق العالم والفقيه على قليل الاستنباط مع كونه واجداً لملكته نظر ؛ فانقدح بذلك انه لا مجال ايضاً لاجراء الاصول العقلية واللفظية في المقام ؛ كما ارتكبه بعض الاعلام.

ثم انه قد يستدل على جواز الرجوع الى المتجزى مطلقاً مضافا الى ماذكر من عموم بناء العقلاء بمشهورة ابي خديجة عن الصادق (علیه السّلام) اياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور ؛ ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا (قضايانا)

ص: 136

فاجعلوه بينكم ؛ فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه ، فانها تدل على كفاية العلم ببعض الاحكام ؛ وكونها في القضاء لا يمنع من الاستدلال بها في المقام لان منصب القضاء منصب للفتوى ولاعكس فما دل على عدم اعتبار شيئى فى القاضى يدل على عدم اعتباره فى المفتى ولا تعارض هذه بمقبولة عمر بن حنظلة سألت ابا عبدالله (علیه السّلام) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث الى ان قال قال (علیه السّلام) ينظر ان من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر فى حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما (الحديث) من أجل ظهوز قوله (علیه السّلام) حلالنا وحرامنا واحكامنا في العموم .

(وذلك) لان قوله (علیه السّلام) روى حديثنا ليس المراد منه كل حديث لهم (علیه السّلام) فان ذلك مقطوع بخلافه لتعذر ذلك ولا سيما في زمان صدور الرواية ، فيمتنع اخذه شرطا في القضاء ، فيتعين ان يكون المراد احاديثهم (علیه السّلام) في الجملة ، فيكون المراد من قوله ونظر فى حلالنا وحرامنا ، انه نظر فى الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الاحاديث التي رواها ؛ لا عموم الحلال والحرام ، وكذلك المراد من احكامهم (علیه السّلام) يعنى الاحكام التي عرفها بعد النظر فى الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الاحاديث فيتعين ان يكون المراد بعض الاحكام لا جميعها ، مضافا الى الاجماع على عدم اعتبار رواية جميع احاديثهم ، ولا النظر في جميع حلالهم وحرامهم ، حتى من القائلين باعتبار الاجتهاد المطلق لاجتزائهم بالنظر في الجملة ، فيتعين حمل الحديث والحلال والحرام على الجنس الصادق على البعض ؛ وهكذا الحال في معرفة احكامهم وحمل المعرفة على الملكة ، كما يدعيه القائلون باعتبار الاجتهاد المطلق ، مع انه خلاف ظاهر المعرفة ؛ تفكيك بين فقرات الرواية ياباه سياقها ، ولو اغمض النظر عن ذلك كله ، فلا اقل من عدم صلاحية المقبولة لمعارضة رواية ابي خديجة ؛ لا مكان حملها على مالاينا فيها عرفا ؛ فيتعين فى مقام الجمع العرفي بينهما ؛ ويكون العمل على ظاهر رواية ابي خديجة بلا مانع .

(هذا) ولكن قد يرد عليها انه لو كانت كلمة (من) في قوله (علیه السّلام) (يعلم شيئا

ص: 137

والحيوة(1)فلا يجوز تقليد الميت ابتداء .


من قضايانا كما في متن التهذيب أو (من قضائنا) كما فى متن الكافي والفقيه (بيانية) فعدم صدقه على معرفة البعض (ظاهر جداً) اذا لمراد حينئذ ان يعلم قضاياهم أو قضائهم أما على الاول فلظهور الجمع المضاف فى العموم ; وأما على الثاني فلعدم صدق معرفة الطبيعة اى طبيعة قضائهم (عليهم السلام) على معرفة مسألة أو مسألتين مثلا ، فانه اذا قيل (فلان يعرف الطب) لا يصدق ذلك مع معرفة مسألة طبية ، بل لابد وان يعرف جملة معتداً بها من مسائل الطب لولا ظهورها في ارادة الكل ، واذا كانت كلمة (من) تبعيضة كما هو الاظهر ، بل لا يصح (البيانية) على رواية (قضايانا) لعدم مطابقة البيان للمبين ، اذا لمناسب (ح) ان يقال اشياء من قضايانا فلا يصدق على معرفة البعض ايضاً ، لان مفهوم بعض الشيئء يختلف سعة وضيقاً باختلاف سعة المضاف اليه وضيقه ، فلا يصدق على القطرة انه بعض ماء البحر عرفا ، وبما ان علوم اهل بيت العصمة (عليهم السلام) ابحر لا يحيط بها احد ، فمعرفة بعض منها لا تكون الا بمعرفة مقدار معتدبه من احكامهم .

(وان شئت قلت) ان مناسبة الحكم والموضوع تمنع عن الحمل على معرفة البعض القليل ، لان منصب القضاء من مناصب الانبياء وأوصيائهم كما في بعض الاخبار ولا يليق من يعرف قضاء واحداً أو قضائين بهذا المنصب العظيم (فالانصاف) ان ظهور رواية ابي خديجة في لزوم معرفة جملة معتدبها من الاحكام بحيث توجب صدق عنوان الفقيه لا ينبغى الريب فيه فضلا عن المقبولة التى هى كالصريحة في ذلك (وح) فلا تدل الرواية على كفاية مطلق التجزى في جواز القضاء والافتاء ، بل مرتبة منه توجب صدق عنوان الفقيه عليه كما لا يخفى (هذا) مع الغض عن كون الروايتين مختصتين بالقضاء ، ولا ملازمة بينه وبين الافتاء فى الشرائط (وكيفكان) ففي عموم البناء مع عدم ثبوت الردع عنه من الشارع كفاية لجواز الاكتفاء بمطلق التجزى في التقليد والافتاء .

ص: 138


1) أما كونه حيا فلما تقدم من الاصل والاجماع على اعتباره في الابتداء قطعا وفى البقاء على ما يقتضيه اطلاق معقده .

نعم يجوز(1)البقاء كما مر وان يكون اعلم(2)فلا يجوز على الاحوط تقليد المفضول مع التمكن من الافضل وان لا يكون متولداً من الزنا(3)وان لا يكون مقبلا على الدنيا وطالبالها مكبا عليها مجداً في تحصيلها(4)ففى الخبر من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه ، مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه .

ص: 139


1) بل يجب في بعض الصور ؛ وهو ما اذا فرض الاختلاف في الرأي ، وكان الميت اعلم كما قدسبق وجهه وأما في غيره فقد حققنا انه لا يجوز البقاء ؛ بل يجب الرجوع الى الحى لما تقدم في المسئلة التاسعة فراجع .

2) اما كونه اعلم فلما دل على اعتباره من الاصل وبناء العقلاء ؛ وقدمر بيانه.

3) اما طهارة المولد فهى - في الايمان بناء على كفر المتولد من الزنا وأما بناء على خلافه فلم يظهر دليل على اعتبارها الا ما استند اليه من وجوه ثلاثة (الاول) دعوى الاجماع عليه كما عن الروضه (وفيه) ان محصله غير حاصل ومنقوله غير مقبول (الثاني) الاصل وهو دوران الأمر بين التعيين والتخيير فى الحجية ؛ ولو من اجل دعوى الاجماع على اعتبار ذلك (وفيه) انه محكوم ببناء العقلاء على عدم اشتراط طهارة المولد فى الرجوع الى اهل الخبرة ، ولم يثبت من الشارع بعد ردع عن ذلك عدى توهم الاجماع الذى قد عرفت ما فيه (الثالث) فحوى مادل على اعتبارها فى امام الجماعة ، وعلى عدم قبول شهادة المتولد من الزنا ، فان منصب الافتاء اهم منها ، فاذا لم يرض الشارع بامامته ولم يعتد بشهادته لخسته في في ذاته ،فكيف يرضى بمرجعيته في امر الدين الذى يكون من اهم الامور فضلا عن زعامته للمسلمين بان يرجع اليه في امور الدين والدنيا .

4) ان كان المراد من هذه الأمور ما ينافي العدالة ، فاعتبارها في المرجع يغنى عن اعتبار عدم تلك الامور فيه ؛ وان كان المراد منها غير ذلك ، بل اعتبار امر آخر زائد على العدالة كما هو الظاهر؛ والا كان ذكر ذلك مستدركا ؛ لتقدم اعتبار العدالة في كلامه (قدس سره) فهو مما لا يساعد عليه دليل عدى ما ذكره من الخبر المروى عن تفسير العسكرى (عليه السلام) الذى قد عرفت الاشكال في دلالته بعد

(تفصیل القول في حقیقة العدالة وطریق ثبوتها)

(مسئلة 23) العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات وترك المحرمات(1)


الغض عما في سنده على اكثر من اعتبار الامانة والوثوق فضلا عن دلالته على اعتبار اكثر من العدالة التى هى فوق الامانة كما يظهر ذلك من ملاحظة مجموع فقراته فلاحظ .

(الاول) ما عن الاكثر بل نسب الى المشهور بين المتأخرين بلالى العلماء او الفقهاء والى المخالف والمؤالف من انها ملكة راسخة نفسانية باعثة على ملازمة التقوى وترك القبائح او عليها وعلى ملازمة المروة .

(الثاني) انها عبارة عن مجرد ترك المعاصى او خصوص الكبائر كما هو الظاهر من محكى السرائر والوسيلة حيث قال (في الاول) حد العدل هو الذي لا يخل بواجب ولا يرتكب قبيحا (وفى الثانى) ان العدالة في الدين الاجتناب عن الكبائر وعن الاصرار على الصغائر ومن محكى ابى الصلاح حيث قال : ان العدالة شرط في قبول الشهادة ويثبت حكمها بالبلوغ وكمال العقل والايمان واجتناب القبائح اجمع بل عن العلامة المجلسى والمحقق السبزواري (قدس هما) ان الاشهر في معناها ان لا يكون مرتكبا للكبائر ولا مصراً على الصغائر، وظاهر هذا القول كما استظهره شيخنا الانصاري (قدس سره) انها عبارة عن الاستقامة الفعلية في افعاله وترو که من دون اعتبار ان يكون ذلك عن ملكة نفسانية وهذا هو ما اختاره الاستاد (دام ظله) حيث قال انها عبارة عن الاستقامة في جادة الشرع وعدم الانحراف عنها يمينا وشمالا .

(الثالث) انها عبارة عن الاستقامة الفعلية ولكن عن ملكتها فلا يصدق العدل على من لم يتفق له فعل كبيرة مع عدم الملكة ؛ وهذا اخص من الاولين ؛ لان ملكة

ص: 140


1) العدالة فى اللغة هى الاستواء والاستقامة والظاهر انها في العرف كذلك ايضا لكن اختلف في معناها المعتبر شرعا في مقامات عديدة كما في المقام وامام الجماعة وقبول الشهادة واستماع الطلاق وغير ذلك على اقوال .

الاجتناب لا يستلزم الاجتناب ، وكذا ترك الكبيرة لا يستلزم الملك-ة وه--و المحكى عن ظاهر الصدوق و والده في رسالته الى ولده حيث ذكر فيها لا تصل الا خلف رجلين أحدهما من تثق بدينه وورعه والآخر من تتقى سيفه وسوطه وعن ظاهر المفيد فى المقنعة حيث قال : ان العدل من كان معروفا بالدين والورع والكف عن محارم الله ولا يخفى ان الورع والكف لا يكونان الا عن كيفية نفسانيه ؛ لظهور الفرق بينه وبين مجرد الترك وكذلك المحكى عن النهايه والوسيلة والجامع وغيره .

(الرابع) القول بانها الاسلام مع عدم ظهور الفسق وهو المحكى عن ابن الجنيد والمفيد في الاشراف والشيخ فى الخلاف مدعيا عليه الاجماع .

(الخامس) القول بانها عبارة عن حسن الظاهر فقط كما هو المنسوب الى جماعة بل اكثر القدماء ؛ ولكن الظاهر انهما طريقان للعدالة وليسا قولين فيها ؛ ولذا حكى عن جماعة من الاصحاب انهم ذكر وهما في عنوان ما يعرف به العدالة ، وكيفكان فالظاهر اعتبار الملكة فى -ة في العدالة وعدم كونها مجر مجرد الاستقامة الظاهرية ولو من دون ملكة ، وذلك لوجوه كما استدل بها شيخنا الانصاري (قدس سره) عليه .

(الاول) الاصل وتقريبه أن مقتضى الاستصحاب عدم جواز تقليد من ليس له ملكة العدالة ، وعدم جواز الايتمام به، وعدم قبول شهادته وهكذا ؛ واورد عليه (اولا) انه محكوم بما دل على كفاية الاستقامة العملية في ترتب تلك الاثار .

(وفيه) ما سيظهر انشاء الله تعالى من عدم دلالة شيئى من الادلة على كفاية مجرد الاستقامة المزبورة .

(وثانياً) انه لا يجرى الاصل اذا كان هناك اطلاق ؛ كاطلاق ما دل على مشروعية التقليد ، وجواز الرجوع الى اهل الذكر والفقيه ، فانه قيد بدليل منفصل بان يكون المرجع عادلا ؛ فاذا شك فى اعتبار الملكة في مفهوم العدالة كان هذا من دوران الأمر بين الاقل والاكثر، ومعه يرجع الى الاطلاق في غير المقدار المتيقن (وفيه) ان ما دل على مشروعية التقليد مع تسليم الدلالة عليها فانما يدل

ص: 141

على اصل جوازه ولا اطلاق له من سائر الجهات والشرائط مع انه لوسلم ذلك و لكن المقام ليس من قبيل الدوران بين الاقل والاكثر لعدم تيقن اعتبار الاستقامة الفعلية في مفهوم العدالة مطلقاً كى يشك فى اعتبار امر زائد عليها وهو الملكة کی تدفع بالاطلاق بل هى مرددة بين الاستقامة الظاهرية والملكة وهما امر ان متباينان لا يمكن مع تردد المفهوم بينهما التمسك بالاطلاق ؛ وكون الملكة مستلزمة للاستقامة لو سلم لا يوجب دخل الاستقامة فى المفهوم زائداً على الملكة کی تصیر الاستقامة بذلك متيقن الاعتبار ؛ ولو سلم ذلك وقلنا بوجود المتيقن اعتبارها فيها ؛ فانما هو الملكة دون الاستقامة ؛ لدوران الامر بين الملكة والاستقامة الفعلية عنها كما لا يخفى ؛ ومن المعلوم (ح) عدم جواز التمسك بالاطلاق الا لدفع اعتبار الاستقامة لا الملكة كما توهم .

نعم لو كان الامر دائراً بين مجرد الاستقامة والاستقامة عن الملكة لكان لما ذكره وجه ، ولكن ليس الامر كذلك .

(الوجه الثانى) الاتفاق المنقول المعتضد بالشهرة المحققة ؛ بل عدم الخلاف بناء على ارجاع كلام الحلى الى المشهور ، ولا يخفى انه لا يصلح وجهاً لذلك الا على نحو التأييد .

(الوجه الثالث) ما دل على اعتبار لوثوق بدین امام الجماعة وورعه ، مع ان الوثوق لا يحصل بمجرد تركه المعاصى في جميع ما مضى من عمره ما لم يعلم أو يظن فيه ملكة الترك (ورد) بأن المراد منه الوثوق بالتزامه بمادان به قولا وفعلا ويكفى فيه مجرد الداعى الالهى من الخوف أو الرجاء، ولا يعتبر فيه وجود الملكة المقصودة ، ويكفي في الوثوق باستمراره على ما كان عليه في الماضى من الالتزام بالدين الوثوق ببقاء الداعى المذكور في المستقبل (وفيه) ان ما ذكر من الداعى اللهى وهو الخوف أو الرجاء يكون بعينه من الملكات النفسانية والحالات النفسانية مع كونه راسخاً في النفس ، وليس هما من صفات الفعل ، ولا من عناوين فعل النفس كما توهم ، بل هو انفعال لها ، ولا نعنى بالملكة الا ذلك مع كونها باعثة على

ص: 142

ملازمة التقوى ، وقد قال الله تعالى : وأوجس فى نفسه خيفة موسى ، وقال العلامة (قدس سره) فى نهاية الاصول على ما حكى عنه في بيان طرق معرفة العدالة (الاول) الاختبار بالصحبة المتأكدة والملازمة ، بحيث يظهر له احواله ويطلع على سريرة امره بتكرار المعاشرة حتى يظهر له من القرائن ما يستدل به على خوف في قلبه مانع عن الكذب والاقدام على المعصية .

(الوجه الرابع) ما دل على اعتبار المأمونية والعفة والصيانة والصلاح وغيرها مما اعتبر في الاخبار من الصفات النفسانية في الشاهد مع الاجماع على عدم اعتبارها زيادة على العدالة فيه وفى الامام (ورد) بانه ليس شيىء من هذه العناوين من الصفات النفسانية لغة وعرفاً ؛ بل هى اما عناوين لفعل النفس أو لفعل الجوارح وفيه ما لا يخفى وقد ذكر مولانا امير المؤمنين (عليه السلام) فى خطبة همام في اوصاف المتقين ، اجسادهم نحيفة ، وانفسهم عفيفة ، وحاجاتهم خفيفة والستير هو العفيف .

(الوجه الخامس) صحيحة عبد الله بن الجعفور حيث سأل اباعبدالله (علیه السلام)

وقال بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم فقال (علیه السّلام) ان تعرفوه بالستر والعفاف ؛ وكف البطن والفرج واليد واللسان ، وتعرف باجتناب الكبائر التى أو عدها الله عليها النار من شرب الخمور والزنا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك ، والدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ماوراء ذلك ، ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس (الحديث)

فان الستر والعفاف والكف قد وقع مجموعها المشتمل على الصفة النفسانية معرفاً للعدالة ، فلا يجوز ان يكون اخص منها ، بل لابد من مساواته ، وقد يكون اعم اذا كان من المعرفات الجعلية ، كما جعل (علیه السّلام) في هذه الصحيحة الدليل على هذه الامور كون الشخص ساتراً لعيوبه .

ودعوى ان ظاهر السؤال وقوعه من الامارة المعرفة للعدالة بعد معرفة مفهومها تفصيلا، والصفات المذكورة ليست امارة ، بل هى على هذا القول عينها ،

ص: 143

فيدور الأمر بين حمل السؤال على وقوعه عن المعرف المنطقى لمفهومها بعد العلم اجمالا ، وهو خلاف ظاهر السؤال ، وبين خلاف ظاهر آخر ، وهو حمل الصفات المذكورة على مجرد ملكاتها ، فتكون ملكاتها معرفة وطريقاً للعدالة (وحينئذ)

فلا يصلح ان يراد بها الانفس اجتناب الكبائر المسبب عن ملكة العفاف والكف وهو القول الثانى .

،

(مدفوعة) يبعد ارادة مجرد الملكة من الصفات المذكورة ، بخلاف ارادة المعرف المنطقى المشهور لمفهوم العدالة ، فانه غير بعيد خصوصاً بملاخطة ان طريقية ملكة ترك المعاصى لتركها ليست امراً مجهولا عند العقلاء محتاجاً الى السؤال ، وخصوصا بملاحظة قوله فيما بعد ؛ والدليل على ذلك كله ان يكون ساتراً لعيوبه ؛ فانه على ما ذكر يكون امارة على امارة ؛ فيكون ذكر الامارة الاولى اعنى الملكة خالية عن الفائدة ؛ مستغنى عنها بذكر امارتها اذ لاحاجة غالبا الى ذكر امارة تذكر لها امارة اخرى ؛ بخلاف ما لو جعل الصفات المذكورة عين العدالة ؛ فان المناسب بل اللازم ان يذكر لها طريق اظهر واوضح للناظر فى احوال الناس ؛ ويؤيد ما ذكرنا انه لا معنى محصل حينئذ لقوله (علیه السّلام) بعد الصفات المذكورة ؛ وتعرف باجتناب الكبائر التي اوعد الله عليها النار ؛ لان الضمير في تعرف ؛ اما راجع الى العدالة بان يكون معرفا مستقلا واما راجع الى الشخص بان يكون من تتمة المعرف الاول ؛ واما ان يكون راجعا الى المستتر وما عطف عليه ؛ ليكون معرفا للمعرف وقوله (علیه السّلام) والدليل على ذلك معرفا ثالثا ؛ وهو ابعد الاحتمالات ؛ وعلى أى تقدير فلا يجوز ان يكون امارة على العدالة ؛ لانه على هذا القول نفس العدالة ؛ والحاصل ان الامور الثلثة المذكورة من قبيل المعرف المنطقى للعدالة لا المعرف الشرعى فى اصطلاح الاصوليين .

هذا ما ذكره الشيخ (قدس سره) في تقريب الاستدلال على ذلك بالصحيحة .

وقد يجاب عنه بان الستر والعفاف ليسا من الصفات النفسانية ، وانما عدا من الفضائل النفسانية في علم الاخلاق ؛ بل هما لغة من الافعال ؛ فالمراد من الستر

ص: 144

ستر الذنوب منه تعالى بمعنى عدم ارتكابها كما ان المراد من العفاف حفظ النفس عن المعاصى فيكون عطف الكف عليها من قبيل عطف التفسير مع ان الحمل على المعرف المنطقى خلاف ظاهر السؤال والخروج عن ظهوره بظهور الجواب في المعرف المنطقى غير صحيح وانه لابد في معرف الشيىء من صحة حمله عليه و في الصحيحة الشريفة لم تجعل نفس الأمور المذكورة اى الستر والعفاف والكف معرفاً كى تحمل على العدالة حمل المعرف على المعرف وانما جعل (عليه السلام) معرفها معروفية الرجل بهذه الامور ولا يصح حملها على العدالة بان يقال العدالة معروفية الرجل بالستر والعفاف .

(أقول) الظاهر أن المراد بالسترهنا ما يرادف الحياء والعفاف ؛ فعن الصحاح رجل ستيراى عفيف وجارية ستيرة ؛ وفى غيره الستر هو الخوف والحياء وهو من مقولة الكيف ؛ فالظاهر انها جهة انفعالية للنفس لعلل و عوامل ؛ لاجهة فعلية كما لا يخفى وهكذا العفاف فانه حالة نفسانية وليس من مقولة الفعل وهو المعبر عنه في الفارسي بـ(پاکدامنی) ولاريب انه حالة حاصلة للنفس كما يظهر من قول مولانا امير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة همام في بيان أوصاف المتقين (وأنفسهم عفيفة) .

وحينئذ فالاظهر ما ذكره الشيخ (قدس سره) من اشتمال الجملة الاولى على الصفة النفسانية ؛ ولكن ليس ظاهراً فى بيان مفهوم العدالة كما توهم من أجل ان الستر والعفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات فلو كان ذلك طريقاً الى العدالة للزم كونها أمراً آخر وراء ما ذكر وهو مما لم يقل به احد ولا يمكن الالتزام به (فحينئذ) يتعين حمل السؤال على السؤال عن المفهوم فيكون بيان الطريق في الذيل تفضلا من الامام (عليه السلام) وذلك لانه لم تجعل نفس تلك الامور طريقا الى العدالة كي يلزم المحذور بل معروفية الرجل بها ؛ ولاغرو في جعل المعروفية طريقاً جعلياً الى الوجود كما لا يخفى (وعليه) فلا موجب لصرف السؤال عن ظاهره بحمله على السؤال عن المفهوم كما لا يوجب لصرف الجملة الاولى عن ظهورها في

ص: 145

الجواب عن السؤال لما بينها وبينه من المشاكلة فى التعبير وجعلها بياناً للمفهوم تفضلا او تمهيداً للجواب مع حمل السؤال على ظاهره من كونه عن الطريق الى المصداق .

(واما الجملة الثانية) اعنى قوله وتعرف باجتناب الكبائر فيمكن كونها معرفاً اصولياً مستقلا لوجود العدالة بان يرجع الضمير في تعرف اليها ؛ ويمكن كونها معرفا جعليا المعرف الاول بان يرجع الى المذكورات قبله من أجل ان معرفة الستر والعفاف وكف الجوارح عن المعاصى أمر عسر يحتاج الى طول المعاشرة والمصاحبة فسهله الامام (عليه السلام) باجتناب الكبائر، وهذا ظاهر بناء على كونها من الصفات النفسانية كما اختاره الشيخ (قدس سره) وأما بناء على ما اختاره من كونها عبارة أخرى من الاجتناب والترك، فليس بذاك الظهور كما لا يخفى؛ وأما احتمال كونها من تتمة المعرف الاول ، بان يكون الضمير راجعاً الى الرجل فبعيد غايته ؛ وذلك لامرين (الاول) انها ضمير التأنيث (والثاني) كون المناسب حينئذ عطف قوله اجتناب الكبائر على ما قبله من دون تغيير وجهة اللفظ بقوله (وتعرف). وقدا نقدح بعد ذلك ايضاً بناء على قرائة ( يعرف) بالياء كما عن نسخ الوسائل ؛ كما يبعد يبعد كونها معرفاً جعلياً للاول ايضا بناء على هذه القرائة ؛ ان المناسب حينئذ رجوع ضمير التأنيث الى المذكورات قبله لا التذكير كما لا يخفى.

(وأما الجملة الثالثة) اعنى قوله (والدلالة على ذلك كله اه) فلا ريب في كونها بياناً للطريق الى اثبات العدالة بحسن الظاهر وستر عيوبه عن الناس وعدم التجاهر بها ؛ ولو عند واحد ؛ كي يحرم بذلك على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك بل يجب اظهار عدالته وتزكيته فهو دليل على العدالة وما جعلت امارة اليها وهذا ظاهر.

فتحصل من جميع ما ذكر ان الرواية الشريفة ظاهرة في المعرف الاصولي والطريق الى وجود العدالة سؤالا وجواباً ؛ لا المعرف المنطقى والبيان لمفهومها كما استظهره الشيخ ره ولكن مع ذلك ليست آبية عن الدلالة على المفهوم بالكلية وان كان بيان المفهوم خارجاً عن نطاقها وذلك لانه لا يشترط فى الدلالة على الشيىء

ص: 146

ان يكون ذلك الشيىء مقصوداً بالافهام ، كي يحتاج الى احرازه ولا يكتفى باحتماله بل يكفى فى ذلك استفادته ولو من جهة الالتزام .

(وح) فيمكن ان يقال انه بناء على ما استظهر من كون الستر والعفاف من سنخ الملكات والصفات النفسانية وكون المعروفية بها طريقاً الى وجود العدالة المسئول عنها في الرواية ، فاما ان تكون العدالة هي تلك الامور بنفسها ، واما ان تكون غيرها وعلى الثانى فلا تخلوا اما ان تكون هى الاجتناب عن القبائح، واما ان تكون شئياً وراء ذلك ، وهذا كما ذكر فيما تقدم ممالم يقل به احد ، ولا يمكن الالتزام به ؛ والثانى لا يحسن من اجل ان معرفة تلك الامور اخفى من ترك القبائح واجتنابها ، فكيف يمكن ان تكون معرفاً لتركها بل المناسب هو عكس ذلك كما لا يخفى (وح) فيتعين الاول وهو كون العدالة عبارة عن نفس تلك الامور .

هذا مع أن كون معروفية الرجل بتلك الامور طريقا الى وجود العدالة ظاهر فى أن العدالة عبارة عن نفس تلك الامور ، فجعل شياع الرجل بها طريقا اليها كما هو المتعارف والمتفاهم من امثال هذا التعبير ؛ ويؤيده عطف العدالة على الستر في رواية عاقمة فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا ؛ ولم يشهد عليه شاهدان بذلك فهو من أهل الستر والعدالة) ومثل صحيحة ابن أبي يعفور موثقته عن أخيه عن أبي جعفر (علیه السّلام) تقبل شهادة المرأة والنسوة اذا كن مستورات معروفات بالستر والعفاف ؛ مطيعات للازواج ؛ تاركات البذاء والتبرج للرجال في أنديتهم .

ومن ذلك يعرف أنه لافرق في ارجاع الضمير في قوله (تعرف) الى العدالة او الى المذكورات قبله ؛ فيكون اجتناب الكبائر طريقا اليها ؛ فكما ان تكون معروفية الرجل بها معرفا اصوليا وطريقا جعليا شرعيا الى وجود العدالة التي هي نفس تلك الامور كذلك اجتناب الكبائر طريق الى وجود الستر والعفاف والكف عن المعاصى مطلقا فانقدح بذلك كله ان الظاهر هو اعتبار الملكة في العدالة ، ولا تكفى الاستقامة الظاهرة وان لم تكن عن ملكة كما استظهره الشيخ (قدس سره) .

بقى الكلام في اعتبار المروة في العدالة ، وقد نسب الى المشهور بين من

ص: 147

تأخر عن العلامة اعتبارها في مفهومها ، حيث عرفوها بانها هيئة راسخة تبعث على ملازمة التقوى والمروة ، وهو الذى يلوح من عبارة المبسوط حيث ذكر في محكى كلامه ان العدالة فى اللغة ان يكون الانسان متعادل الاحوال متساويا ، وفى الشريعة من كان عدلا في دينه عدلا في مروته ، عدلا في احكامه بناء على ان المراد بالعدالة فى الدين والمروة فى الاحكام الاستقامة فيهما .

وعمدة ما استند اليه فى ذلك صحيحة عبد الله بن أبي يعفور المتقدمة ومحل الاستناد اليها يمكن ان تكون فقرات منها (الأولى) قوله (علیه السّلام): بان يعرفوه بالستر والعفاف ، على ان يكون المراد منه ستر العيوب الشرعية والعرفية على ما يقتضيه حذف المتعلق من العموم (الثانية) قوله (علیه السّلام) : وكف البطن والفرج واليد واللسان ، بناء على ان منافيات المروة تكون غالباً من شهوات الجوارح (الثالثة) قوله (علیه السّلام): والدال على ذلك كله ان يكون ساتراً لجميع عيوبه الخ ، وقد نقل شيخنا الانصاري (علیه السّلام)عن بعض من عاصرهم التمسك بكل واحد منها على ذلك ، وقال وفى الكل نظر .

أما الفقرة الاولى فلما سبق من ان المراد ليس هو الستر الفعلى ، وانما يراد به صفة مرادفة للعفاف كما تقدم من الصحاح ، كيف وقد جعل ستر العيوب بعد ذلك دليلا على العدالة ؛ فيلزم اتحاد الدليل والمدلول ؛ مضافاً الى ان المتبادر من الستر تعلقه بالعيوب الشرعية دون العرفية ؛ فلايفيد حذف المتعلق العموم ؛ وبهذا يجاب عن الفقرة الثانية فان الظاهر من كف الجوارح الاربع كفها عن معاصيها ؛ لا مطلق ما تشتهيها .

وأما الفقرة الثالثة ففيها (أولا) ان المتبادر من العيوب هي ما تقدم في الفقرة السابقة مما أخذ تركها في مفهوم العدالة ، لا مطلق النقائص في الكبائر والصغائر والمكروهات المنافية للمروة والالزم تخصيص الاكثر اذا لكبائر ومنافيات المروة فى جنب غيرهما الذى لا يعتبر في العدالة تركها ولا فى طريقها سترها، كالقطرة فى جنب البحر فلابد من حمله على المعهود المتقدم فى الفقرات السابقة فكان الامام

ص: 148

(عليه السلام) لما عرف العدالة بملكة الكف والتعفف عن الكبائر جعل سترها عند المعاشرة والمخالطة طريقاً اليها (وثانياً) ان غايه ما يدل عليه هذه الفقرة كون ستر منافيات المروة من تتمة طريق العدالة لا مأخوذة في نفسها فيكون فيه دلالة على ان عدم ستر منافيات المروة وظهورها عند المعاشرة والمخالطة لا يوجب الحكم ظاهراً بعداله الرجل التي تقدم معناها في الفقرات السابقة ولا يلزم من هذا أنا لو اطلعنا على ذلك المعنى بحيث لا يحتاج الى الطريق الشرعي وعلمنا منه صدور منافيات المروة لم نحكم بعد الله ؛ لان الوصول الى ذى الطريق يغنى عن الطريق ففى الرواية دلالة على التفصيل الذى ذكره بعض متأخرى المتأخرين من انه لو كشف فعل منافى المروة عن قلة المبالاة فى الدين بحيث لا يوثق منه بالتحرز عن الكبائر والاصرار على الصغائر كان معتبراً والا فلا ، وهذا التفصيل غير بعيد ، لكنه في الحقيقة ليس تفصيلا في مسئلة اعتبار المروة في نفس العدالة ، بل قول ينفيه مطلقا ، الا انه يوجب الوهن فى حسن الظاهر الذى هو طريق اليها .

(اقول) بل يمكن ان يقال بدلالة الصحيحة على نفى اعتبارها في العدالة حسب ما يقتضيه اطلاقها ؛ ولايتوقف هذا على ان تكون الصحيحة حداً للعدالة و معرفاً منطقيا لها كما توهم ، لكى يدعى فساده ؛ بل يمكن القول بذلك حتى مع كون الصحيحة لبيان المعرف الاصولى للعدالة والطريق اليها ، بناء على ما تقدم من ظهورها بلازمها حينئذ في كون العدالة أيضاً عبارة عن نفس الستر والعفاف حيث ان المتعارف كون معروفية الأمر بشيئى انما هو طريق الى نفس ذلك الشيئي لا الى شيئى آخر ، فاطلاقه ايضا يقتضى عدم اعتبار المروة فيها .

(نعم) ان كانت المروة بحيث يوجب ارتكاب منافيها لهتك مرتكبه ، فقد يقال بكونه محرما بالعنوان الثانوى ، فيخل بالعدالة من هذه الجهة لحرمة هتك المؤمن مطلقا ، وهذا أمر آخر خارج عن محل الكلام .

ثم ان الصحيحة انما تدل على عدم اخلال الصغيرة بالعدالة بناء على ان تكون حدالها وبياناً للمعرف المنطقى حيث ان قوله (علیه السّلام) ويعرف باحتناب الكبائر يقتضى

ص: 149

باطلاقه على عدم اعتبار اجتناب الصغيرة فيها وأما بناء على ما استظهرنا من كونها لبيان الطريق الى العدالة ومعرفاً اصولياً لها فلا تدل على ذلك بل غايتها انه يكفى في الحكم بالعدالة احراز اجتنابه عن الكبائر وان لم يحرز كونه مجتنباً عن الصغائر وهذا لاينافي اعتبار في حقيقتها بل يمكن القول (ح) باعتبار اجتناب الصغيرة فيها بناء على ما تقدم منا من ظهورها بلازمها (ح) في كون العدالة عبارة عن نفس الستر والعفاف الذى يقتضى باطلاقه حسب ما يوجبه حذف المتعلق من العموم كونها هى الستر عن مطلق العيوب الشرعية وانكانت صغيرة .

وما قد يتوهم من تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى: وان تجتنبون كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ، ففيه .

(أولا) ان مجرد تكفير الصغائر وغفرانها تفضلا من الله تعالى بلا توبة لا يوجب زوالها كي يتحقق به الستر والعدالة ، وهذا بخلاف التوبة ، فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له (هذا) مع انها كاشفة عن رسوخ الخوف المقتضى لترك الذنب في النفس المستتبع للندم عليه لو صدر منه اتفاقا لغلبة الهوى ، وليس هذا الكشف مع عدمها كما لا يخفى .

(وثانيا) ان ذلك معلق على اجتناب الكبائر على الاطلاق طيلة حيوته فلوارتكب كبيرة ولو في أواخر عمره ، لم يكفر عنه صغائره وسيئاته (وح) فلا يجوز الحكم بعدالة من ارتكب صغيرة ، لاحتمال ان لا يغفر له بارتكابه الكبيرة بعد ذلك ولا يمكن احراز الاجتناب عنها بعد ذلك بالاستصحاب فى الاستقبال لا لعدم جريانه فى الامور المستقبلة ان الظاهر جريانه فيها وشمول الادلة لها ، ولا لما قد يتوهم من ان الاجتناب ليس عنوانا لنفس التروك كى يثبت بالاستصحاب، بل هو امر وجودی ملازم له ؛ واستصحاب أحد المتلازمين لا يثبت الآخر؛ لان الظاهر كون الاجتناب عنواناً منتزعا عن نفس الترك محمولا عليه ؛ لا انه امر وجودى ورائه ملازم له ؛ بل يكون ذلك لاجل عدم جريان الاستصحاب الا اذا كان التعبد به صحيحا ، وليس ذلك الا فيما اذا كان المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا ذاحكم ، وليس المستصحب في

ص: 150

وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علما(1)أوظناً ، وتثبت بشهادة العدلين وبالشياع المفيد للعلم .


المقام بشيىء منهما أما الاول فواضح وأما الثانى فلانه ليس الاجتناب عن الكبائر في المستقبل موضوعا ولو شطراً لترتب آثار العدالة فعلا كما هو المقصود منه .

(1) لا ينبغى الريب فى ثبوت العدالة كغيرها من الموضوعات بالعلم الوجداني من اى سببحصل ، سواء كان من حسن الظاهر او الشياع اوغيرهما ، ان اذ هو حجة بنفس ذاته قد ظهر الواقع فى مرأته ، فلا اشكال في كونه طريقاً اليها وكفايته فى الحكم بثبوتها عقلا ، وأما غيره من حسن الظاهر أو الشياع مطلقا وان لم يفد العلم أو البينة أو اخبار العدل الواحد أو الثقة او مطلق الوثوق أو الظن بذلك فطريقية كل واحد منها الى العدالة وكفايته فى الحكم بثبوتها محتاج الى حجة و بيان ، ولا يخفى انه لا يعتبر في ذلك العلم ، وان كان مقتضى القاعدة هو اعتباره ؛ و ذلك لتعسره بل تعذره غالباً ؛ فلو لم يكتف فيها بغيره لانسدباب الشهادات و الجماعات ، ويبطل اكثر الحقوق ؛ وما قام للمسلمين سوق ؛ مع ما علم من الشارع من تسهيل الأمر فيها ، والأمر باستخلاف أحد من المأمومين عند حصول عذر للامام والاكتفاء بأدنى امارة عليها ؛ مثل ما سيأتى من ان يعرف منه خير ؛ وان يصلى الخمس في جماعة ، وان يعامل الناس ويعدهم ويحدثهم فلا يظلمهم ولا يخلفهم ولا يكذبهم ؛ وان يكون ظاهره ظاهراً مأموناً ، الى غير ذلك من ادلة القائلين بحجية حسن الظاهر .

وقد استدل على حجية كل منها لاثبات العدالة بوجوه (اما حسن الظاهر) فبعدة من الأخبار .

(منها) ما في مرسلة يونس من قوله (عليه السلام) خمسة اشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم ، الولايات والمناكح والذبائح والشهادات و الانساب ، فاذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأمونا جازت شهادته ، ولا يسئل عن باطنه

ص: 151


1)

(ومنها) ما فى ذيل صحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة من قوله (عليه السلام) والدلالة على ذلك كله ان يكون ساتراً لجميع عيوبه ؛ حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ؛ وتفتيش ماوراء ذلك ، ويجب عليهم تزكيته ، واظهار عدالته فى الناس ، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهن ، وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين ، وان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم الا من علة؛ فاذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فاذا سئل عنه في قبيلته ومحاته قالوا ما رأينا منه الاخيراً مواظبا على الصلوات متعاهداً لاوقاتها في مصلاه ؛ فان ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين ؛ وذلك ان الصلوة ستر وكفارة للذنوب وليس يمكن الشهادة على الرجل بانه يصلى اذا كان لا يحضر مصلاه ويتعاهد جماعة المسلمين وانما جعل الجماعة والاجتماع الى الصلوة لكى يعرف من يصلى ممن لا يصلى ومن يحفظ مواقيت الصلوة ممن يضيع و لو لاذلك لم يمكن احداً ان يشهد على آخر بصلاح لان من لا يصلى لاصلاح له بين المسلمين فان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هم بان يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور في جماعة المسلمين وقد كان فيهم من يصلى فى بيته فلم يقبل منه ذلك فكيف يقبل شهادة او عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله (عز وجل) ومن رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه بالحرق في جوف بيته بالنار وقد كان يقول (صلی الله علیه و آله و سلم) لاصلوة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين الا من علة (الخبر) .

(ومنها) ما في صحيحة عبد الله بن مغيرة من قوله كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته .

(ومنها ) ما في حسنة البزنطى من قوله من ولد على الفطرة اجيزت شهادته على الطلاق بعد ان يعرف منه خير

(ومنها) صحيحة حريز عن ابی عبدالله (علیه السلام) في اربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الاخران فقال: اذا كانوا من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم جميعا .

ص: 152

(ومنها) موثقة سماعة عن ابي عبدالله (علیه السّلام) قال قال من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن حرمت غيبته ، وكملت مروته وظهر عدله ، ووجبت اخوته .

(ومنها) ما في رواية علقمة من قوله (علیه السّلام) فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا ؛ أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من اهل العدالة والستر ؛ وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنبا الى غير ذلك ؛ ومقتضى اطلاق هذه الاخبار حجية حسن الظاهر وكفايته بمجرده وان لم يفد الظن الفعلى بحسن باطنه فضلا عن الوثوق به بل وان كان الظن على خلافه ، ولكن قد يقيد اطلاقها بما دل على اعتبار الوثوق بالعدالة كقول الصادق (علیه السّلام) في مرسلة يونس المتقدمة : فاذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه ؛ بدعوى ان المراد هو كون ظاهره موجبا للوثوق بباطنه ؛ لعدم حصول الا من الا بذلك ؛ وكقوله (علیه السّلام) في رواية ابى على بن راشد (لا تصل الاخلف من تثق بدينه وفي رواية الشيخ (رحمه الله علیه) زيادة (وامانته) .

ويرد عليه انه لا يصلح شيء من الروايتين لتقييد تلك المطلقات .

(أما الأولى) فانها ضعيفة سنداً ودلالة (أما الاول) فبالارسال (والاعتذار) عنه با نه لا يقدح يعد كون المرسل من اصحاب الاجماع ورواية المشايخ الثلاثة (قدهم) له في كتبهم باسانيد مختلفة وفيهم جماعة من الاعاظم ، كاحمد بن محمد بن عيسى وعلى بن براهيم وغيرهما ، واعتماد المشهور عليه في بعض مضمونه ، فان مجموع ذلك مما يستوجب الوثوق المدخل له تحت دليل الحجية (مدفوع) بان المشايخ وغيرهم من الاعاظم وان كانوا من اصحاب الاجماع ، الا انهم قد يروون عن الضعاف والالزم تصحيح جميع ما يروونه في الكتب الاربعة ، ومن المحتمل ان تكون الواسطة فى المرسلة من الضعاف فلامجال (ح) للوثوق بها والعمل لا يجبرها (وأما الثاني) فلان الموصوف بالمأمونية هو ظاهر الرجل دون باطنه ، والمراد منها على الظاهر عدم ظهور الخيانة منه ، وعدم تجاهره بالفسق ، بان تكون افعاله الظاهرة غير موضوفة بالخيانة بحيث يوثق بظاهره ، لا ان يكون ظاهره موجبا للوثوق بباطنه

ص: 153

اذ (ح) يكون الباطن مأموناً لا الظاهر كما هو منطوق الرواية .

(وأما الثانية) فلان المنصرف اليه من الدين هو الاصول لا الفروع ، مع انه يحمل على ذلك بقرينة السؤال (نعم) بناء على مارواه الشيخ من زيادة (وامانته) لا يجرى فيها الاشكال المزبور ، ولكن يرد عليها ان الوثوق ان اعتبر من باب الموضوعية فى مسألة الايتمام بالامام فالامر كما ذكر ، لكنه مختص بالايتمام وهو خارج عن محل الكلام ، وان اعتبر من باب الطريقية كما هو الظاهر ، والا لزم تقييد حجية البيئة واستصحابها بالدليل المذكور ، ولا يظن بأحد ان يلتزم بذلك فادلة حسن الظاهر كسائر ادلة الطرق والامارات حاكمة عليه .

وأما التقييد بالظن كما فعله الماتن (قدس سره) فليس له وجه ظاهر عدا احد الأمرين على سبيل منع الخلو ، إما القول بانصراف الروايات الى الغالب من حصول الظن بالعدالة من ذلك .

وإما تقييدها بخبر ابراهيم الكرخي من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيراً او كل خير، واجيزوا شهادته (وفيه) أن الاول ضعيف (نعم) لا يبعد الانصراف عما اذا ظن بالخلاف ؛ والثانى ممنوع ؛ اذغاية ما يدل عليه الخبر هو ان هذه الاسباب معتبرة لكونها مظنة الخير؛ وانه يلزم ترتيب آثار الظن عليها ؛ لكنه لا يقتضى حجية حسن الظاهر بسبب الظن ؛ وانما يدل على حجيته كالظن ، فهو باطلاقه من ادلة حجية الظاهر مطلقاً كالظن ؛ ولا يصلح لتقييد حجيته

بالظن

(أما الشياع) فقد يستدل على حجيته عموما بمرسلة يونس المتقدمة عن ابي عبد الله (علیه السّلام) قال سألته عن البينة اذا اقيمت على الحق ؛ ايحل للقاضى ان يقضى بقول البينة من غير مسألة اذا لم يعرفهم قال فقال (علیه السّلام) خمسة اشياء يجب الاخذ فيها بظاهر الحكم ؛ الولايات والمناكح والذبائح والمواريث والشهادات ، فاذا كان ظاهره ظاهراً مأمونا جازت شهادته ، ولا يسأل عن باطنه والمحكى عن بعض نسخ التهذيب (ظاهر الحال) بدل ظاهر الحكم؛ بتقريب كون المراد من الحكم هي

ص: 154

النسبة الخبرية فاذا ظهرت هذه النسبة الخبرية بين الناس وشاعت يجوز الاخذ بها في هذه الأمور الخمسة .

ويرد عليه بعد الغض عن ضعفها بالارسال ان المراد من الحكم هي النسبة الحكمية دون الخبرية فقط وظهور النسبة وشيوعها الذى يساوق لظهور الحال (أمر) واستفاضة الخبر عنها وشياعه (أمر اخر ) ولا ملازمة بينهما فيمكن ان تكون زوجية امرأة لزيد وبنوة ولد لعمر و ظاهرة وان لم يكن الخبر عنها شائعا ويمكن عكس ذلك بان يخبر عنها جماعة كثيرة سراً ولكن لم يكن لها ظهور عند الناس ويشهد لذلك اعنى ارادة ظهور النسبة لاشيوع الخبر عنها قوله (علیه السّلام) بعد ذلك فاذا كان ظاهره ظاهراً مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه) فان ظاهره كون الظاهر فى قبال الباطن لا عدم شياع الخبر فكانه بعد السؤال عن جواز القضاوة وحليتها للقاضى مع فرض قيام البينة وشهادة العدلين عند الناس وعدم معرفة القاضى لهما ؛ اجاب الامام (علیه السّلام) بان ظهور صلاحهما عندهم كاف في قبول شهادتهما من دون مسيس الحاجة سؤالا وجوابا الى فرض شيوع الخبر عن عدالتهما وعدمه .

و بما في صحيحة حريز من قول الصادق (علیه السّلام) بعد قول ابنه اسماعیل : يا ابه انى لم اره يشرب الخمر انما سمعت الناس يقولون ؛ يا بنى ان الله يقول في كتابه يؤمن بالله ويؤمن للمومنين ، يقول يصدق الله ويصدق للمؤمنين ، فاذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم (الخبر) بتقريب ان الامام (علیه السّلام) رتب آثار الواقع على مجردقول الناس ؛ وهو الشياع كما يظهر مما بعد ذلك حيث قال (علیه السّلام) ( ولا تأتمن شارب الخمر) .

ويرد عليه انه (علیه السّلام) لم يرتب جميع آثار الواقع عليه بلما ينفع المخبر اليه ولا يضر المخبر عنه لموافقته للاحتياط كما فعل خلاف ذلك في خبر آخر حيث قال (علیه السّلام) كذب سمعك وبصرك عن اخيك المؤمن ؛ فاذا شهد عندك خمسون قسامة انه قال قولا وقال لم اقله فصدقه وكذبهم (الخبر) الا ترى انه امر بتكذيب خمسين بينة عادلة فيما يضر المخبر عنه ولا يجدى المخبر اليه فكيف يأمر بتصديق ما هو ادون من بينة عادلة واحدة في ترتيب جميع آثار الواقع كذاذكره بعض المحققين .

ص: 155

وقد يحكى عن الشهيد (قدس سره) الاستدلال على ذلك بالاولوية نظراً الى ان الظن الحاصل من الشياع اقوى من الحاصل من البيئة العادلة .

ويرد عليه انه لا ظن بأن ملاك حجية البيئة افادتها الظن بل المقطوع خلافه لحجيتها وان لم تفد الظن الفعلى مع ان لازمه حجية الخبر الواحد اذا افاد من باب الاتفاق ظنها اقوى من الظن الحاصل من البينة مع انه على فرض الظن بان ملاك الحجية هو الظن فكون الشياع اولى بالحجية أولوية ظنية وهي ليست بحجة كما لا يخفى .

ويستدل على حجية الشياع واعتباره في خصوص مسألة العدالة بامور (منها) ما دل على كفاية الظن بالعدالة من تعذر العلم (ومنها) قوله (علیه السّلام) في صحيحة ابن ابی يعفور في جواب السائل عن طريق معرفة العدالة ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان) لدلالته على ان معروفية الشخص عند الناس بهذه الامور امارة على عدالته وهى معنى الشياع عندهم (ومنها) قوله (علیه السّلام) في ذيل الصحيحة المزبورة فاذا سئل عنه في محلته وقبيلته قالوا ما رأينا منه الاخيراً و

(ومنها ما روى من ان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يبعث رجلين لتحقيق حال الشهود من اهل محلتهم وقبيلتهم وكان (صلی الله علیه و آله و سلم) يقبل قولهما اذا رجعا بخير مؤيداً بقوله (علیه السّلام) كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح فى نفسه جازت شهادته (ومنها) السيرة المستمرة الجارية في ترتيب آثار العدالة على الشخص بمجرد التسامع والتظافر فان الخلق الكثير يقتدون بالامام في الصلوة ولم يشهد عند كل واحد عدلان على عدالة الامام بل لم يحصل لهم الا الظن بالتسامع ونحو ذلك ، وقد استدل على ذلك بما عدا الثانى من هذه الامور شيخنا الانصاري (قدس سره) في صلوته .

(اقول) والكل لا يخلوا عن مناقشة (أما الاول) فلان تعذر العلم بالعدالة لو سلم لا يقتضى كفاية مطلق الظن ، بل الكفاية بغير العلم من الامارات اجمالا فلا بد من النظر في الادلة وانها تدل على حجية أى منها وعلى تقدير الدلالة على حجية مطلق الظن في المقام فهى غير الدلالة على حجية الشياع وان لم يفد الظن الفعلى

ص: 156

كما هو المدعى .

(وأما الثانى) فلانه لا يدل الا على شيوع معرفة الناس له بالعدالة ؛ لاشيوع الخبر عن عدالته كما هو المراد بالشياع ، فانه اخبار جماعة عن أمر يفيد الظن به نوعاً (وح) فكانه (علیه السّلام) قال اذا شاع اعتقاد الناس بعدالته ومعرفتهم لها ، كفى ذلك فى ثبوتها واحرازها ؛ وهذا غير شيوع الخبر عن عدالته واستفاضته بين الناس . و قد يعتذر عن ذلك بان معروفية الشخص عند الناس بالعدالة لاتنفك غالباً عن معروفية الخبر عنها عندهم ، اذ لا طريق لنا الى معرفة الناس بشيئي واعتقادهم به الا اخبارهم عنه الدال بالالتزام على اعتقادهم به ؛ فاخبار جماعة عن عدالة شخص يكشف عن اعتقادهم بها كشفاً نوعياً ؛ فيكون عدالته معروفا بينهم بذاك المعنى المراد (وفيه ما لا يخفى) فان الطريق فى المقام الى معرفة الناس واعتقادهم بعدالة شخص لا ينحصر باخبارهم عنها ، بل يمكن استكشاف ذلك من عملهم ؛ وانهم يعاملون معه معاملة العدالة ويرتبون عليه آثارها من الايتمام به وقبول شهادته والطلاق عنده وغير ذلك مما هو مشروط بعدالته ؛ ولو سلم عدم الانفكاك غالباً عن ذلك ؛ لما يجدى ذلك فى ثبوت العدالة باشاعة الخبر عنها مطلقاً وان لم تكشف عن معرفة العدالة واعتقادها تماما .

ودعوى كشفها نوعاً عن ذلك ان اريد به التمام ، كما هو مقتضى اطلاقه فهى وان كانت تجدى فى ذلك ولكن لا مطلقا ، ولا تثبت الكلية كما هو المرتجى ، بل هي اخص من المدعى ، وان اريد به مطلق الكشف وان لم يكن بتمام فهى لاتجدى فى اثبات المطلوب اصلا كما لا يخفى .

(وأما الثالث) فاللازم ذكر تمام الفقرة كي يظهر حاله ، قال (علیه السّلام) ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهن ، وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين ، وان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم الا من علة ، فاذا كان كذلك لازماً لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس ، فاذا سئل عنه في قبيلته ومحلته ؛ قالوا ما رأينا منه الاخيراً مواظباً على الصلوات ، متعاهداً لاوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز

ص: 157

شهادته وعدالته بين المسلمين (الخبر) فان الظاهر من مجموع هذه الفقرات ان التعاهد للصلوات الخمس ، والمواظبة عليها وحفظ مواقيتها بحضور الجماعات الموجبة لحسن الظاهر له بين المسلمين ، هو الذي يجيز شهادته وعدالته بينهم لا قولهم ما رأينا منه الاخيراً .

وذلك لان قوله فان ذلك يجيز شهادته جواب لقوله (علیه السّلام) (فاذا كان كذلك لازماً لمصلاه لا لقوله فإذا سئل عنه (اه) بل هى غاية مترتبة على تعاهده لحضور الجماعات ولزومه لمصلاه ، وجوابه هو(قالوا ما راينا منه الاخيراً) فالمراد (ح) انه اذا تعاهد للصلوات الخمس ، وحفظ مواقيتهن بحضور الجماعة وعدم التخلف عنها ، بحيث اذا سئل عنه اهل قبيلته ومحلته ، قالوا ما رأينا منه الاخيراً ، فكونه كذلك عندهم هو الذي يجيز شهادته ويثبت عدالته .

هذا ولكن قد يقال بان الظاهر من هذه الجملة أنها لبيان الامارة على ما هو الشرط لثبوت العدالة من حسن الظاهر (فاذا كان كذلك لازماً لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس وجوابه قوله (علیه السّلام) بعد ذلك (فان ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين .

فيستفاد من الصحيحة ثبوت العدالة بما يوجب حسن الظاهر له بين المسلمين من تعاهده للصلوات بحضور الجماعات وانه اذا كان ذلك مجهولا عندنا وسئلنا اهل قبيلته عن حاله ؛ فقالوا ما رأينا منه الاخيرا يكفى ذلك فى ثبوت حسن ظاهره الكاشف عن العدالة الواقعية ويكون جوابهم حجة وان لم يفد العلم بها (وفيه مالا يخفى) فان مجرد ترتب ذلك على الشرط لا يقتضى كونه لبيان الامارة على الشرط بل الظاهر انه من متمماته ، يعنى انه لابد من كونه من حسن الظاهر والتعاهد للصلوات بمثابة انه اذا سئل اهل محلته عن حاله قالوا لم نرمنه الاخيراً ، واين هذا من دعوى الدلالة على حجية الجواب ، ولزوم قبوله وان لم يفد العلم (وعهدتها على مدعيها) فالانصاف ان الصحيحة لا تدل الا على ثبوت العدالة بذاك الشرط اما ان الشرط المزبور يثبت باخبار اهل قبيلته وان لم يحصل لنا العلم بها من اخبارهم

ص: 158

فلم يظهر لنا بعد من الصحيحة .

(وأما الرابع) فهو ما روى عن الامام العسكرى في التفسير المنسوب اليه عن آبائه عن امير المؤمنين (علیه السّلام) قال كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

اذا تخاصم اليه رجلان ، قال للمدعى : ألك حجة ، فان اقام بينة يرضاها و يعرفها انفذ الحكم على المدعى عليه الى ان قال ؛ واذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شر قال للشهود: این قبائلكما فيصفان ، این منز لكما فيصفان ، ثم يقيم الخصوم والشهود بين يديه ، ثم يأمر فيكتب اسامى المدعى والمدعى عليه والشهود ؛ ويصف ما شهدوا به ثم يدفع ذلك الى رجل من اصحابه الخيار ، ثم مثل ذلك الى رجل آخر من خيار أصحابه ، ثم يقول : ليذهب كل واحد منكما من حيث لا يشعر الاخر الى قبائلهما واسواقهما ومحالهما ، والبرنص الذى ينزلانه فيسأل عنهما ؛ فيذهبان ويسألانفان أتوا خيراً وذكروا فضلا رجعوا الى رسول الله فاخبراه ؛ احضر القوم الذى أثنوا عليهما ؛ واحضر الشهود ؛ فقال للقوم المثنين عليهما ؛ هذا فلان بن فلان وهذا فلان بن فلان ؛ اتعرفونهما ؛ فيقولون (نعم) فيقول : ان فلاناً وفلاناً جاء آنى عنكم

: فيما بيننا بجميل وذكر صالح ؛ فان قالوا (نعم) قضى حينئذ بشهادتهما على المدعى عليه الحديث(1).

وقد استدل بها شيخنا الانصاري (قدس سره) لثبوت العدالة بالشياع في كتاب الصلوة ، ولثبوتها بالشهادة في رسالة العدالة (وفيه) مع ضعف السند ماذكره بعض المحققين (قدس سره) من انه ان اريد استناده (صلی الله علیه و آله و سلم) الى البينة واستناد البينة في تعديلها الى الشياع ، فهو اجنبي عن المقام ؛ حيث ان الكلام فى ترتيب آثار العدالة بالشياع لا في التعديل بالشياع الا بالفحوى كما لا يبعد ، وان اريد استناده (صلی الله علیه و آله و سلم) في ترتيب آثار عدالة الشهود الى الشياع الثابت بالبينة ، فتكون شهادة المبعوثين من قبله (علیه السّلام) من قبيل الشهادة على الشهادة ، فهو انما يصح اذا كان المخبر به من المبعوثين اخبار القبيلة بنحو الاستفاضة والشيوع ، مع ان الظاهر من الرواية اخبار المبعوثين بعد

ص: 159


1) الوسائل كتاب القضاء (ب 6) من ابواب كيفية الحكم (ح 1) .

الرجوع بالثناء الجميل والفضل والذكر الصالح ، وهو عبارة أخرى عن حسن الظاهر عند القبيلة ، وفى الرواية انه (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يحضر الشهود ، ويقول ان فلان بن فلان جائني عنكم بنبأ جميل وذكر صالح، فان ظاهرها ان المأتى به هو الجميل الذى يتصف النباء به بالعرض ، لا ان الغرض اخبارها باخبار القوم بالجميل ، فتكون الرواية كقوله تعالى (ان جائكم فاسق بنبأ) وقوله تعالى (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) انتهى .

(أقول) ولا يخفى ان استناده (صلی الله علیه و آله و سلم) الى البيئة المعدلة في تعديل الشاهدين ؛ کی يترتب اثر العدالة بالشياع بالفحوى والاولوية خلاف ظاهر الرواية ؛ لان احضار القوم المثنين على الشاهدين وسؤالهم عن حالهما مع ان الرجلين المبعوثين اليهم جاءاه بالخير والفضل يدل على عدم عمل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بقولهما في التعديل ؛ فهى على عدم ثبوت العدالة بالشهادة ادل من الثبوت (وحينئذ) فالاستشهاد بالرواية على ثبوت العدالة بالشياع (مشكل جداً) .

وأما تأييده بقوله (عليه السلام) كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح (اه) فان اريد كونه معروفا بين الناس بالصلاح (ففيه) ان ظهور الصلاح غير ظهور الخبر عنه والظاهر منه ظهور صلاحه بين الناس لا شيوع الخبر عنه فقط ؛ وان اريد كونه معروفاً عند من يريد ترتيب الاثر ؛ فظاهره العلم وبما بمنزلته وكون الشياع كذلك اول الكلام .

(وأما الخامس) فانه وان كان يمكن تصديقه فى الجملة كما في فرض الاقتداء ؛ ولكن لا يمكن استفادة الكلية منه ، مع ان امثال هذه السيرة مبنية غالباً على قلة المبالاة في الدين كما لا يخفى .

(أما البينة) فلا ريب في حجيتها وكونها من الامارات المعتبرة في خصوص الموضوعات كالاقرار ؛ لا المعتبرة فى الاحكام كالاجماع ؛ ولا فى المشتركة بينهما كالظواهر (وانما الكلام) فى انها مختصة بباب الحكومات والمرافعات والخصومات ؛ او انها حجة مطلقاً وان لم تكن مورداً لحكم الحاكم ؛ اوفى مورد حكم الحاكم .

ص: 160

فقد يستدل على حجيتها عموماً بامور (منها) الاجماع القولى كما عن الجواهر وغيره ؛ بل العملى كما في اثبات الهلال بها وفي التذكية اذا لم تكن عليها يد ؛ مع انها خلاف الاصل ؛ وكما في القبلة والاعياد والعرفة الى غير ذلك من الموارد .

(ومنها) ما دل على حجيتها بنحو العموم من الايات والروايات ؛ مثل قوله تعالى : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) وقوله تعالى : (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) وقد قال الصادق (عليه السلام) لابنه اسمعيل متفرعاً (عليه : (فاذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم) كما في صحيحة حريز المتقدمة ومثل مارواه في الوسائل عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) انما اقضى بينكم بالبينات والايمان ومارواه في الكافي عن مسعدة بن صدقه عن أبى عبدالله (علیه السلام) قال سمعته يقول : كل شيئي هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب قد اشتريته وهو سرقة او المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه او خدع فبيع او قهر فبيع اوامرأة تحتك اختك او رضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك او تقوم به البينة وعن عبد الله بن سلمان عن ابی عبدالله (علیه السلام) فى الجبن ؛ قال : كل شيئى لك حلال ؛ حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة ؛ وعن امير المؤمنين (علیه السّلام) انه قال احكام المسلمين على ثلاثة ؛ شهادة عادلة ؛ اويمين قاطعة ؛ اوسنة ماضيتة من ائمة الهدى (عليهم السلام) .

(ومنها) الأولوية القطعية من حجيتها في باب المخاصمات (و منها) الاستقرار القطعى مما دل على حجيتها في موارد مخصوصة وهي كثيرة ؛ مثل ماورد في اثبات حقوق الناس او حقوق الله ؛ والحدود باقسامها على اختلاف في كميتها عدداً ، و الديات والملكية ؛ بل الامور الاعتبارية العقلائية ؛ كالبيع والاجارة والنكاح والطلاق والعتق والوقف والوصية الى غير ذلك مما يشرف الفقيه القطع بعدم الخصوصية في تلك الموارد ؛ وان احتمالها خارج عن متفاهم العرف (ومنها) دعوى عموم بناء العقلاء على العمل بها فى مطلق الموضوعات ؛ مع عدم ثبوت الردع عنها

ص: 161

الا في بعض الموارد كالزنا فان المعتبر فيه اربع شهادات بلامضائها بمثل قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) انما اقضى بينكم بالبينات والايمان .

(وفى الكل مناقشة) (أما الاجماع القولى) فينافيه الخلاف المحكى عن غير واحد من الاصحاب في مقامات عديدة (والاجماع العملى) لو ثبت لما يجدى العموم كما لا يخفى .

(وأما الاية الاولى) فالظاهر ان المراد بالبينة فيها هو معناها اللغوى العرفى ؛ اعنى الحجة وما يتبين به الشيئى ؛ لامعناها المصطلح عندنا من اخبار العدلين ، كما ان الظاهر منها هو ثبوت الهلاكة والحيوة بذلك بالاضافة الى الاحكام

لا الموضوعات .

(وأما الاية الثانية) فقد تقدم الجواب عنها في الاستدلال بها على حجية الشياع ومن ذلك قد ظهر ان المراد بالتصديق فى قوله (علیه السّلام) فصدقهم ، هو التصديق النفسى ولو ببعض مراتبه ، لا التعبدى بترتيب آثار الواقع الذي هو محل الكلام .

(وأما الرواية الاولى) فموردها انما هو القضاء ؛ ولا كلام لنافيه ، والقول بان الظاهر منها مفروغية حجية البيئة المصطلحة ، اذ لا يجوز القضاء الا بما هو حجة عند الشارع ؛ لان القضاء في مرتبة متأخرة عن ظهور الحق (مدفوع) بأنها لا تقتضى الاكون البينة حجة عند الشارع للقضاء أما انها حجة مطلقاً ولوفي غير مورد القضاء فلا ؛ اذ لا يشترط في جواز القضاء بها الا كونها حجة لذلك عند الشارع ، لاحجة للاعم منه ومن غيره كما هو ظاهر .

(وأما الرواية الثانية) فقد يقال بان البينة فيها انما جعلت غاية للحل الذى هو المراد من اسم الاشارة ، وكونها حجة على الحرمة لا يقتضى حجيتها على الموضوع فضلا عن عموم الحجية لما لم يكن مورداً للحل والحرمة من موضوعات سائر الاحكام ولكن يعتذر عن ذلك بان المراد من قيام البيئة بالحرمة اعم من كونها مدلولا مطابقياً وتضمنياً والتزامياً ، فاذا شهدت بكون الثوب سرقة فقد قامت بحرمته وكذا اذا شهدت بكون المرأة رضيعة ، فقد قامت بحرمتها فليس المراد من قيام البينة

ص: 162

بالحرمة شهادتها بها فحسب ، بل اعم من ذلك ومن شهادتها به وضوع خارجی تلزمه الحرمة أو لازم لها أو ملازم ، مثل كون المائع خمراً أو بولا أو دماً أو نحوها و كذا اعم من شهادتها بعنوان اعتبارى ؛ مثل اخوة امرأة أو نجاسة مائع أو حرية رجل اذا كان بينه وبين الحرمة ملازمة ، فان البينة فى جميع ذلك قائمة بالحرمة ، فلا يختص موردها بما اذا شهدت البينة بالحرمة لاغير ، كذا ذكره بعض أجلة السادة من مشايحنا المحققين والتحقيق فى الجواب عن ذلك ما تقدم من الا يراد عليها بالوجوه الثلاثة (في المسئله 20) ومنها يظهر الجواب عما روى عن الصادق (علیه السّلام) ايضا من عموم قوله انما تثبت الامور بالبينة فراجع (وأما الرواية الثالثة) فانها ضعيفة السند ودعوى جبرها بالشهرة بل بالاجماعات المنقولة المستفيضة (ضعيفة) مع فرض احراز الاستناد اليها فكيف بعدم الاحراز وايضاً فانها مختصه بما فيه الميتة ولا تعم سائر الموضوعات كما هو المطلوب (فتأمل) .

(وأما الرواية الرابعة) فمع ضعف سندها تكون الظاهر منها انها وردت مورد الحكم ، فلا تعم غيره كما لا يخفى

(وأما الاولوية من باب المخاصمات) فتمنع بأنه لابد في مورد المخاصمات من فصل الخصومة ورفعها ، ولا يمكن اهمالها لكونه موجباً لاختلال النظام ؛ وهذا بخلاف غيره (وح) فالاستناد الى البينة فى باب المنازعات والخصومات لرفع النزاع وفصل الخصومة لا يقتضى جواز ذلك فى غيره بنحو التساوى فضلا عن الاولوية فكيف بالقطعية منها كما ادعى .

(وأما الاستقراء) فالانصاف انه ليس بمثابة يحصل معها القطع عند عامة الناس بعدم الخصوصية ؛ وعموم حجية البيئة لمطلق الموضوعات ؛ کی امكن الاعتماد عليه في الحكم بعموم الحجية وان جاز منه حصول القطع بذلك لبعضهم .

(وأما عموم البناء على العمل بها في مطلق الموضوعات) فالظاهر انه انما استقر على الاخذ بالوثوق وخبر الثقة ، وبينهما وبين البينة عموم من وجه (نعم) لو كان العدلان ثقة فى النفل أو حصل من قولهما الوثوق والاطمئنان الذى يعبر عنه بالعلم

ص: 163

العادى النظامي ؛ لكان قولهما حجة من اجل البناء ولكنه لا يجدى فى اثبات حجيتها مطلقاً كما هو المدعى .

وقد يستدل على حجيتها في خصوص المقام أعنى ثبوت العدالة بها بعدظهور الاجماع عليه بل نفى الخلاف عنه بما في ذيل صحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة من قوله (علیه السّلام) فاذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا ما رأينا منه الاخيراً بضميمة الاجماع على عدم اعتبار أكثر من البيئة وبما ورد من فعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث كان يبعث رجلين من أصحابه لتزكية الشهود المجهولين ؛ فيعمل بقولهما جرحاً و تعديلا كما تقدم في ثبوت العدالة بالشياع وبما دل على قبول شهادة القابلة اذا سئل عنها فعدلت من قوله (علیه السّلام) في خبر جابر شهادة القابلة جائزة على انه استهلاوبرز ميتاً اذا سئل عنها فعدلت وبفحوى ما دل على اعتبارها في الجرح مثل قوله (علیه السّلام) في رواية علقمة (فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً اولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من اهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنباً) وقد يستند اليه فى ذلك بضميمة عدم الفصل بين الفسق والعدالة .

هذا ولكن يظهر الجواب عن الاولين مما تقدم في الجواب عن الاستدلال بهما على ثبوت العدالة بالشياع ، وقد سبق ان الثانى ادل على عدم ثبوتها بالشهادة من الثبوت ، وعلى تقدير الدلالة عليه فقبول شهادة المعدل والجارح هنا في مورد حكم الحاكم ، بل مورد لحكم الحاكم ايضاً ، فان اجازة شهادة المجهولين بعد تعديلهما بشهادة العدلين من أصحابه (صلی الله علیه و آله و سلم) مرتبة على ثبوتها عنده (صلی الله علیه و آله و سلم) وبالجملة هذا و ان كان نافعاً لاصل ثبوت العدالة بشهادة العدلين ، لكنه لا يجدى للاطلاق المدعى في مورد الكلام ؛ كما ذكره بعض المحققين (قدس سره) .

(وأما الثالث) فانه مضافاً الى ضعف سنده بعمر و بن شمر مجمل ؛ اذ لا ذكر فيه المسبب ؛ وانه بالشياع المفيد للقطع ؛ أو بشهادة العدلين ، أو العدل الواحد أو غير ذلك ، فالقدر المتيقن منه هو التعديل بالقطع وما هو المفروغ عن حجيته مما نزل منزلته ، مثل ما يوجب الوثوق والاطمئنان ؛ وحمله على ارادة البينة محتاج

ص: 164

الى دليل خارجي كما لا يخفى .

(وأما الرابع) فان كان المراد به هو ان ثبوت العدالة بشهادة العدلين بها اولى من ثبوتها بعدم شهادتهما بالفسق ؛ كما تقتضيه الرواية ، إذ من قامت البينة على عدالته يكون واجداً لعدم قيام البينة على فسقه مع زيادة ، والمفروض كفاية عدم قيامها على فسقه فى ثبوت العدالة .

(ففيه) ان ثبوت العدالة ليس بمجرد عدم قيام البينة على فسقه ، بل انما هو منضماً الى امر آخر من حسن الظاهر وعدم رؤية الذنب منه ، من دون فرق بين ان يكون العطف بين الجملتين فى قوله (علیه السّلام) فمن لم تره بعينك الخ (بالواو) كما في رسالة العدالة لشيخنا الانصاري (قدس سره) او (باو) كما عن بعض نسخ الوسائل وامالي الصدوق، اذ على كلا الوجهين كان المراد من العطف هو الجمع بينهما ، لعدم احتمال ان يكون انتفاء احد الامرين دون الاخر كافياً في ثبوت العدالة ، بل يمكن ان تكون الجملة الاولى ، اعنى عدم رؤية الذنب منه مقتضياً للثبوت واعتبار عدم شهادة الشاهدين على فسقه (كما تقتضيه الجملة الثانية) من قبيل اعتبار عدم المنع عن ذلك كما لا يخفى .

وان كان المراد بذلك ان شهادة الشاهدين على فسقه اذا كانت مقبولة بمقتضى هذه الرواية ، ففى التعديل اولى بالقبول ، لكونه موافقاً للاصل وهذا بخلاف الفسق فانه امر وجودى ، فاذا كانت البينة حجة على اثباته مع انه خلاف الاصل ، فعلى اثبات أمر عدمى موافق للاصل تكون أولى بالحجية ، ولكونه موافقاً لظاهر الاسلام الذي ربما يكتفى به مع عدم ظهور الفسق في تحقق العدالة .

(قفيه) مضافاً الى ان الفسق ليس أمراً وجودياً ، ولا العدالة أمراً عدمياً ، بل الفسق كما يتحقق بفعل الحرام ، يتحقق بترك الواجب ، كما ان العدالة تتحقق بترك الاول ، وفعل الثانى معاً (منع الفحوى) اذيمكن الاطلاع على الفسق بسهولة ، لانه يحصل بفعل اى حرام وترك اى واجب ؛ فلا بأس باعتبار البينة فيه ، وهذا بخلاف العدالة ؛ فانه يصعب الاطلاع عليها الاطلاع عليها ؛ حيث انها تحتاج الى معاشرة تامة ومصاحبة

ص: 165

كاملة كما لا يخفى ؛ فاعتبار البيئة فيها ليس مساوياً لاعتبارها في ذلك فضلا عن الاولوية .

وأما الاستناد في ذلك الى الرواية منضمة الى عدم الفصل بين الفق والعدالة فمندفع) بانه لا يجدى ما لم يرجع الى الاجماع على عدم الفصل ؛ والاجماع التعبدى على ذلك غير ثابت (هذا) ولعل في بعض الاطلاقات المتقدمة ؛ والاستقراء المدعى كونه قطعياً ؛ مع نفى الخلاف عن ذلك كفاية في المطلوب ؛ بقى فى المقام امران .

(الامر الأول) ان البينة هل هي حجة مع افادتها الوثوق بصدقها او الظن به او عدم الظن بالخلاف ؛ او انها حجة مطلقا وان ظن بالخلاف (وجوه مبنية) على ثبوت اطلاق يعتمد عليه في ادلتها ؛ وعدم انصرافه الى شيىء من ذلك وعدمه .

وربما يفصل بينما اذا كان احتمال خلافها مستنداً الى احتمال تعمد الكذب فلا اعتبار به وان كان مظنوناً ؛ لظهور ادلة تصديق العادل بل المؤمن في نفى تعمد الكذب عنه مطلقا حتى مع الظن ؛ كما يدل عليه قوله (علیه السّلام) كذب سمعك وبصرك عن اخيك ؛ وبين ما اذا كان مستنداً إلى احتمال الخطاء والاشتباه ؛ فالظاهر اعتبار كونه موهوما ؛ لان ظاهر ادلة حجية الخبر خصوصا آية النبأ المفصل بين العادل الاعتناء باحتمال تعمد كذبه ؛ وأما عدم الاعتناء باحتمال خطائه والفاسق عدم و اشتباهه ؛ فهو مما ينفيه ظاهر حال المخبر المعتبر (هذا الظهور) عند كافة العقلاء اذا كان المخبر به من المحسوسات او من غيرها النازل فى ندرة الخطاء والاشتباه منزلة المحسوسات ولو عند المخبر ، لكونه من اهل الخبرة والاطلاع بالنسبة الى مضمون الخبر .

ثم انه قد يدعى عموم بناء العقلاء على حجية البينة مطلقاً ، وان احتمل الخلاف ولو ظناً ، من دون فرق في ذلك بين استناده الى احتمال تعمد الكذب او الخطاء ، كما استقر بنائهم على ذلك فى العمل بظواهر الالفاظ ، وحملها على ارادة الظواهر بنحو الجد حفظا لنظام معيشتهم ، ولكن قد تقدم ان البناء انما استقر

ص: 166

على الاخذ بالوثوق وخبر الثقة ، وبينهما وبين البينة عموم من وجه (نعم) في فرض الاجتماع تكون حجة ، لكنها لا تجدى لاثبات الحجية مطلقاً ، كما هو المدعى ،مع انه دليل لبى ، والقدر المتيقن منه هو الاخذ بخبره فيما اذا كان احتمال خطائه مو هو ما ولا اقل من عدم كونه مطنونا ، فينفيه ظهور حال المخبر فى عدم الخطاء لندرة حصوله منه وأما فيمن يظن منه الخطاء لعدم ندورصدوره منه فلا مجال لاجراء الاصل المزبور كما لا يخفى .

و بهذا قد ظهر الفرق بين احتمال تعمد الكذب واحتمال الخطاء ، فان الاول لا اعتبار به مطلقا ؛ لما تقدم في وجه التفصيل آنفا من ظهور الادلة في نفيه كذلك والثانى ليس بتلك المثابة بل قد يعتنى به العقلاء فيما اذا كان مطنونا لاجل عدم ندرة صدور الخطاء من المخبر ؛ وذلك لانه لا مجال (ح) لظهور حاله في نفيه الذى هو المعتبر والمناط لعدم اعتنائهم باحتماله ؛ هذا فيما لو بنى في الحجية على البناء ؛ واما اذا استند فى ذلك الى بعض الادلة اللفظية المتقدمة والاستقراء القطعى المدعى فقد يتوهم منه استفادة الاطلاق والعموم ؛ وعدم الفرق فيها بين ذلك كله ؛ ولكن الانصاف انه لم يبعد انصرافها ايضاً عن ما اذا ظن بالخلاف ولو من اجل البناء ولكنه فى فرض استناده الى احتمال تعمد الكذب محكوم بظهور الادلة المتقدمة نفيه مطلقا وان كان مظنونا .

(الامر الثانى) ان الظاهر عدم الفرق فى المقام بين الشهادة القولية والفعلية لدى العقلاء مع احراز وجه العمل وانه هو الاعتقاد بالعدالة ؛ لا امر آخر من ضرورة ونحوها ، وان لم يقصد العدلان بفعلهما الحكاية وذلك لانه لا يعتبر عندهم قصد الحكاية في حجية الدلالات ، سواء كانت لفظية أو فعلية ، ولذا يأخذون بالدلالات الالتزامية ، وان لم يكن المتكلم ملتفتاً الى الملازمة ، ولم يقصد بكلامه الحكاية عن اللازم (وح) فيمكن من اجل ذلك القول بعموم ما دل على وجوب تصديق العادل بل المؤمن وعدم انصرافه عن التصديق لفعله كما ذكره شيخنا الانصاري (قدس سره) في رسالة العدالة أو الغاء الخصوصية عنه على تقدير الانصراف و

ص: 167

(أما اخبار العدل الواحد) فيمكن الاستناد فى قبوله الى اطلاق آية البنا و موردها الموضوع دون الحكم وقد يشكل بان مفهومها على فرض الدلالة يتعارض الحصر في رواية مسعدة المتقدمة ورفع اليد عنه اولى من تخصيص الرواية لانعطف خبر العدل على البينة مستهجن لان العدل جزء البينة ولو كان خبره حجة تعين الاقتصار عليه دون البينة ولكن قد سبق النقاش في روايه مسعدة من وجوه ، ومعه لا مجال للاشكال المزبور كما لا يخفى .

ولكن يمكن الاشكال في ذلك من اجل ما ورد في غير مورد الدعوى والخصومة من دوران القبول مدار شهادة العدلين مثل رواية مسعدة على فرض الدلالة وان اختصت بموردها كما تقدم وروايه الجبن حيث اينط الحرمة فيها باخبار شاهدين بان فيه الميتة وروايات باب العدالة على ما تقدمت وما ورد في الهلال من انه لا يثبت الا برجلين عدلين وفى الشهادة على شهادة رجل واحد من انها لا تثبت الا بشهادة العدلين الى غير ذلك .

وقد يستند في ذلك ايضا الى بناء العقلاء على الاخذ بخبر الثقة وقبوله بلا فرق عندهم بين الحكم وموضوعه ؛ والى ما ورد في ابواب الفقه من جواز الصلوة باذان الثقة ؛ وثبوت عزل الوكيل باخباره وكذا ثبوت الوصية بقوله ؛ وقبول خبر البائع في استبراء الامة الى غير ذلك (وفيه) ان البناء وكذا الموارد المذكورة موضوعها خبر الثقة وبينه وبين خبر العادل عموم من وجه ؛ مع ان استفادة الكلية تلك الموارد غير ظاهرة (هذا) مضافا الى جريان الاشكال المذكورهنا ايضا (وح) فالقول بثبوت العدالة باخبار العدل الواحد مشكل والاحتياط لا ينبعى تركه .

(اما اخبار الثقة) فقد ظهر الوجه فيه مما تقدم من بناء العقلاء على العمل به مضافا الى ورود روایات فی موارد من ابواب الفقه على قبول ذلك والجواب عنه هو ما ذكر من عدم ظهور استفادة الكلية من تلك الموارد مع جريان الاشكال المتقدم فى اخبار العدل الواحد فيه أيضا .

(اما الوثوق بالعدالة) اعنى الظن القوى الذى يعبر عنه بالوثوق (تارة)

ص: 168

و بالاطمئنان (اخرى) و بالامن (ثالثة) فيمكن القول بحجتيه ، لانه علم عادى في نظر العقلاء ؛ ويعاملون معه معاملة العلم الحقيقي في ترتيب آثار الواقع به ، ولم يثبت الردع عنه من الشارع الا فى بعض موارد خاصة (وهذه) هي العمدة في المقام .

وأما سائر ما استدل به على اعتبار الوثوق من الادلة اللفظية ، مثل رواية ابی علی بن راشد لاتصل الا خلف من تثق بدينه ؛ ومرسلة يونس المتقدمة اذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ؛ ولا يسئل عن باطنه ؛ وموثقه سماعة من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ؛ ووعدهم فلم يخلفهم ؛ كان ممن حرمت غیبته و كملت مروته ، وظهر عدله ووجبت اخوته (فلا يخلو شيئى منها عن المناقشة) .

(أما الأولى) فلما تقدم من ان المنصرف اليه من الدين فيها هو الاصول لا الفروع ؛ مع انه قد يحمل على ذلك بقرينة السؤال ؛ نعم بناء على مارواها الشيخ (قدس سره) بزيادة (وامانته) لا يجرى فيها الاشكال المزبور ، ولكن موردها هو الايتمام ؛ والتعدى عنه الى سائر موارد اعتبار العدالة مشكل ، ولكن ذكر بعض اجلة السادة من مشايخنا المحققين انه هو الاقرب ، ولاسيما بملاحظة مرسلة يونس فان ارتكاز العقلائي يناسب كون الوجه فى الحجية هو الامن ، لا الخصوصية في حسن الظاهر (وفيه) ما سيذكر من الاشكال في المرسلة ، هذا مع احتمال الموضوعية فى الوثوق بالعدالة لصحة الاقتداء (وح) فيكون التعدى عن موردها الى سائر الموارد اشكل وابعد .

(وأما الثانية) فمع ضعفها بالارسال ، لادلالة فيها على اعتبار الوثوق بالعدالة لما تقدم من ان الموصوف بالمأمونية ، هو ظاهر الرجل دون باطنه (وح) فالمراد هو عدم ظهور الخيانة منه ، وعدم تجاهره بالفسق ، بحيث تكون افعاله الظاهره مأمونة عن الخيانة ، لا ان يكون ظاهره موجباً للوثوق بباطنه .

(وأما الثالثة) فلانها لا تدل الا على ثبوت العدالة وظهورها بحسن الظاهر؛ اين هذا و من الوثوق ، مع ان لازم ذلك تقييد اعتبار حسن الظاهر بافادة الوثوق ،

ص: 169

لا اعتبار مطلق الوثوق كما لا يخفى .

(وأما الظن بالعدالة) فقد يستشهد لحجيته مطلقاً بتعسر العلم ؛ بل تعذره ؛ وعدم جواز الرجوع فى موارد الجهل بها الى اصالة العدم، والا لزم بطلان اكثر الحقوق ؛ ولم يقم للمسلمين سوق ؛ فيتعين الرجوع فيها الى الظن كما في نظائره من الموضوعات ، بل اكثر الاحكام الشرعية عند القائل بعدم وفاء الظنون المعتبرة بالخصوص باكثر الاحكام (وفيه) منع ظاهر بعد ان الشارع جعل مثل حسن الظاهر امارة عليها ، وطريقاً اليها ؛ مع ان انسداد العلم لوسلم انما يوجب العمل بالظن في الجملة ، فيجب الاقتصار على الظن القوى المعبر عنه بالوثوق والاطمئنان الذى ذكرنا بناء العقلاء على العمل به ، وانه المتيقن من جميع اطلاقات ادلة حسن الظاهر كما لا يخفى .

وقد يستشهد لذلك بخبر ابراهيم الكرخي من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيراً ؛ واجيز وا شهادته وفي المحكى عن الفقيه فظنوا به كل خير نظراً الى كونه دالا على ان ظن الخير بالمصلى جماعة ظن في موقعه والمقصود الاصلى ليس مجرد ظن الخير وانما هو ترتيب آثار الخير بعد الظن به فیدل (ح) على حجية مطلق الظن به (وفيه ان ظاهر الخبر هو الامر بترتيب الأثر بعنوان الأمر بتحصيل الظن فالمفروض ترتيب الأثر مع فرض عدم حصوله والا لما أمر بتحصيله .

(نعم يمكن تقريب ذلك) بان الامر بالظن لا يعقل لعدم كونه اختيارياً فيدل بدلالة الاقتضاء على الامر بترتيب اثر الظن بعنوان الامر بتحصيله فيدل على ان ظن الخير له اثر و لذا امر بترتيبه بعنوان الأمر بتحصيل موضوعه ويؤكد ذلك عطف قوله : واجيز وا شهادته على قوله : فظنوا ؛ فان الظاهر كونه من قبيل عطف العملة الغائية على معلولها كما ادعى كونه شايعاً في الامثلة العرفية والايات والاخبار (وح) فترتبه على ظن الخير واضح .

ولكن يرد عليه ان ترتيب الاثر لا يدور على الفرض مدار حصول الظن بل

ص: 170

مسئله (24) اذا عرض للمجتهد ما يوجب ض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب يجب على المقلد العدول الى غيره(1).


مدار ما هو بطبعه سبب لظن الخير في نظر الشارع (وح) فيمكن القول بان الاشياء متفاوتة في نظر الشارع من حيث الصلاحية لظن الخير وعدمها فلعل الظن الحاصل من غير حسن الظاهر ظن في غير موقعه والمفروض عدم دوران الحكم مدار الظن الفعلى بالخير حتى يجب ترتيب الأثر بمجرد حصوله بل مدار ما هو صالح لافادة ظن الخير في نظر الشارع ولم يحرز ان كل سبب نوعى لظن الخير سبب في نظر الشارع وان حصول ظن الخير منه في موقعه .

وظاهر شيخنا المرتضى (قدس سره) و بعض أجلة السادة من مشايخنا المحققين هو الاعتراف بالدلالة على حجية الظن بالعدالة مطلقاً وان حصل من غير حسن الظاهر حيث اجابوا عن ذلك بالتقييد بعد الاغماض عن دعوى الانصراف الى الوثوق بما دل على اعتباره من خبر ابن راشد ومرسل يونس بالاولوية ، فيحمل على الظن الاطمئنانى .

(وفيه) ما قد عرفت من انه لاتدل الا على حجية الظن الحاصل من حسن الظاهر دون مطلق الظن بالعدالة ولو حصل من غيره ، ومع تسليمه لاوجه للجواب عنه ايضاً بالتقييد المزبور لما تقدم من الايراد على الخبرين فراجع (نعم) ربما يمكن التقييد بالوثوق في خصوص الايتمام لاجل قوله (علیه السّلام) في خبر ابن راشد : لا تصل الا خلف من تثق بدينه وأمانته ، بناء على ما رواها الشيخ من زيادة قوله (وامانته) وهو لا يقتضى التقييد بذلك في ترتيب جميع آثار العدالة كما لا يخفى ، فقد تحصل من جميع ما ذكرنا كله ان العدالة كما تثبت بالعلم تثبت ايضاً بحسن الظاهر مطلقاً وان لم يكشف ظناً ، نعم لم يظهر من الادلة اعتباره مع الظن بالخلاف وكذا تثبت بالبينة والوثوق الذى هو علم عادى نظامى يكون بناء أمر المعاش والمعاد عليه كما لا يخفى .

ص: 171


1) المعروف على ما نسب اليه ان حكم صيرورة المجتهد فاسقاً او كافراً او

(وظیفة المقلد عند فقد شرائط المجتهد الذی قلده)

مخالفاً او مجنوناً او عامياً حكم موته في وجوب العدول عنه ، وهو الذى يقتضيه الاصل ، اذ لاريب ان مقتضى الاصل العملى عند زوال بعض الشرائط من العلم و العدالة والايمان والعقل عن المجتهد هو عدم حجية رأيه ، وعدم جواز تقليده ؛ لاحتمال دخل هذه الشروط فى البقاء كدخلها في الحدوث ؛ فلابد للقول بذلك (ح) من حجة يخرجنا عن الاصل المزبور .

فقد يتمسك لذلك بوجوه (منها) استصحاب حجية الرأى السابق (وفيه) ما تقدم في مسئلة البقاء على تقليد الميت من الايراد على اجراء مثل هذا الاصل من جهات عديدة .

(ومنها) اطلاق الادلة اللفظية ؛ حيث انها تدل على اعتبار الوصف حين الرجوع الى المجتهد لاحين العمل بفتواه ، وذلك لان المستفاد مما دل على وجوب الرجوع الى الفقيه والسؤال من اهل الذكر هو لزوم صدق العنوان عليه حال تعلم الاحكام منه لاحال العمل بفتواه ؛ وبذلك ربما يقال ايضاً بجواز البقاء على تقليد الميت ، ومعه لا حاجة الى الاستصحاب .

(وفيه) ايضاً ما تقدم في مسئلة البقاء وما قبلها من المناقشات في تلك الادلة سنداً ودلالة (فراجع) .

ومنها) بناء العرف والعقلاء على الرجوع الى اهل الخبرة والعمل بالرأى السابق منهم ( والانصاف) ان هذا الوجه هو العمدة في ذلك فلابد (ح) من ملاحظة ما يقيده من الادلة المتقدمة التي استدل بها على اعتبار الشروط المذكورة من العقل والايمان والعلم والعدالة ، وانه هل لها اطلاق لفرض البقاء كي تكون مقيدة للبناء المزبور ورادعة عنه ؛ وانما الشأن في اثباته ؛ فراجع ما تقدم من الاستدلال على اعتبار تلك الشروط .

وقد حكى عن شيخنا المرتضى (قدس سره) في رسالة التقليد الاستدلال على ذلك باطلاق معاقد الاجماعات في اعتبار العلم والعدالة عند العمل ، من غير فرق بين الابتداء والاستدامة ؛ وعن غير واحد من معاصريه القول بجواز البقاء في ذلك كله

ص: 172

(ولا يخفى) ان تحصيل الاجماع التعبدى الكاشف عن رأى المعصوم (عليه السلام) في مثل المقام في غاية البعد ، ولاسيما مع وجود المخالف كما هو المحكى في كلامه ، وقد يتوهم ردع البناء عن العمل بفتوى الذى صار مخالفاً بقوله (عليه السلام) في كتب بنى فضال (خذوا بمارووا وذرواما رأوا) ولكنه مدفوع بما هو الظاهر من انه (عليه السلام) بصدد دفع توهم السائل من احتمال اضرار سوء عقيدتهم و خبث آرائهم بما رووها في كتبهم ؛ وان فساد عقيدتهم وآرائهم فعلا لا يضر بالروايات التى رووها في تلك الكتب حال استقامتهم ، فكانه (عليه السلام) قال ذروا عقيدتهم الفاسدة ، ولا تمنعكم تلك العقيدة من الاخذ برواياتهم التي رووها قبل ذلك حال الاستقامة ، لا ان يكون المراد ان كتبهم مشتملة على الرواية والرأى ، فيجب الاخذ بمارووا دون ما رأوا ؛ اذ من البعيد جداً اعمال النظر والرأى من اصحاب الائمة (عليهم السلام) في تلك الاعصار كما لا يخفى ، ولا اقل من مجيىء احتمال ذلك فى الرواية فيبطل به الاستدلال .

(هذا) ولكن قد يقال بان المعلوم من مذاق الشرع ان من زال عقله او علمه او عدالته او ايمانه المستلزم ذلك نقصه و نزول مقامه لا يليق بمنصب الزعامة و المرجعية فى الدين ، وهو العمدة فى اعتبار هذه الشروط حدوثا وبقاء (وفيه ما لا يخفى) فان جواز العمل بالرأى السابق ممن زال عنه احد هذه الأوصاف لا يستلزم زعامته ومرجعيته في الدين مطلقاً ، بان جاز اختلاف الناس عنده للسؤال عن احكام الدين ، وفصل الخصومات والمرافعات الحادثة لديه، وكذا الرجوع اليه فى سائر الامور الحسبية والنظامية التى كان امرها الى حكام الشرع الانور ، كي يقال بان ذلك لا يليق بمنصب الزعامة والمرجعية فى الدين وهذا ظاهر وعلى ذلك فمن الظاهر ان العمل باحوط القولين هو الاحوط .

ص: 173

(وجوب العلم باجزاء العبادات و تعلم مسائل الشك والسهو)

(مسئلة 25) اذا قلد من لم يكن جامعا ، ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد اصلا(1)فحاله حال الجاهل القاصر أو(2)المقصر .

(مسئلة 26) اذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات وقلد من يجوز(3)البقاء له ان يبقى على تقليد الأول في جميع المسائل(4)الا مسألة حرمة البقاء(5).

(مسئلة 27) يجب على المكلف(6)العلم باجزاء العبادات وشرائطها وموانعها ومقدماتها .


(احدهما) انه يجب اطاعة الله ورسوله وخلفائه في تكاليفهم بمناط وجوب شكر المنعم عقلا وه-و يتوقف على تحصيل العلم بالتكاليف بتمام جهاتها وشئونها فيجب تعلمها لذلك .

(والثاني) انه بعد العلم بالتكاليف وتنجزها عليه يحكم العقل بلزوم فراغ

ص: 174


1) لعدم الفرق بين ان لا يقلد احداً في عمله أو يقلد ، ولكن كان تقليده باطلا لفقد شرطه .

2) العاطف للتقسيم لا للترديد بمعنى انه اذا كان معذوراً في تقليده لفاقد الشرائط فهو كالجاهل القاصر، وان لم يكن كذلك فهو كالجاهل المقصر، وقد تقدم حكمهما وان الظاهر فيهما هو صحة العمل اذا طابق الواقع أو الحجة الفعلية المعتبرة في حقه فراجع (المسئلة 16) .

3) الظاهر ان الجواز يكون بالمعنى الاعم الشامل للوجوب .

4) تعييناً على فرض لزوم البقاء وتخييراً على فرض عدم اللزوم.

5) فلا يجوز البقاء فيها لاستلزام شمول الفتوى بجواز البقاء للفتوى بحرمته (الخلف) و التناقض لان الحكمين متضادان لا يجتمعان ، وقد تقدم نظير ذلك في (المسئلة 15) .

6) وجوباً عقلياً لا يترتب عليه سوى العقاب على مخالفة الواقع ، وتقريره بوجهين .

ولو لم يعلمها لكن علم اجمالا ان عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح(1)وان لم يعلمها تفصيلا .


الذمة عن عهدتها ، ولا يحصل العلم بالفراغ الا بذلك ؛ فيستقل العقل بوجوبه من باب المقدمة العلمية لامتثال التكاليف المنجزة اذ لا يؤمن بدونه من تبعة الوقوع في مخالفة الواقع ؛ فانه لا مجال للبرائة العقلية والنقلية عن المشكوك بعد تمامية البيان ؛ وتمكن العبد من الوصول اليه فيجب التعلم دفعاً للضرر المحتمل في تركه .

وقد يتمسك لذلك باخبار التعلم ؛ مثل ما في المعتبر عن الصادق (علیه السّلام) وقد سئل عن قوله تعالى (قل فلله الحجة البالغة) فقال ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيمة عبدى اكنت عالماً ( فان قال نعم) قال له (أفلا عملت بما علمت) وان قال كنت جاهلا (قال له) افلا تعلمت حتى تعمل فيخصم ؛ فتلك الحجة البالغة ولكن الظاهر انها ارشادية الى ما تقرر من حكم العقل .

ص: 175


1) لان هم العقل فى باب امتثال العبادة تحصيل المؤمن وانما يحصل المؤمن بالعلم بالفراغ ولو اجمالا اذ هو كاف في التمكن من الامتثال التفصيلي ؛ لعدم الاخلال بشيىء مما يعتبر في العبادة ؛ وما ذكر لعدم كفاية الامتثال الاجمالى وعدم جواز الاحتياط من اعتبار قصد الوجه والتميز لا دليل عليه ، ولاسيما فى اجزاء العبادة وشرائطها ، ومع الشك فالمرجع لو فرض عدم كفاية خطابات العبادة لدفع اعتباره هو الاطلاق المقامى ومعه فلاتصل النوبة الى البرائة (هذا) لو لم يعتبر ذلك في حصول الامتثال ولم يكن من القيود العقلية التي لها دخل في ذلك كما عن الخواجه فى التجريد والعلامة في شرحه ، والالزم العلم التفصيلى باجزاء العبادة وشرائطها وموانعها ، حتى يتمكن من قصد الوجه والتميز فيها ، اذ لا معنى للرجوع الى البرائة فيه مع الشك في الامتثال ، ولكن الظاهر عدم اعتبار ذلك فى العبادية وحصول الامتثال فى العبادة عند العقلاء كما لا يخفى .

(مسئله 28) يجب(1)تعلم مسائل الشك والسهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالباً ؛ نعم لو اطمأن من نفسه انه لا يبتلى بالشك والسهوصح عمله(2)وان لم يحصل العلم باحكامهما .


(احدهما) حكم العقل بلزوم حفظ القدرة او تحصيلها لغرض المولى وحفظه عند الابتلاء به ، وهو لا يمكن الابتعلمها

(والثاني) انه بعد البناء على حرمة ابطال الصلوة ؛ كما هو المعروف بينهم لا بد للمكلف من علاج صلوته بما ذكر لها من احكام الشك والسهو ؛ اذ لا يجوز له (ح) قطع صلوته واستينافها من رأس ؛ وكذا لايجوز له البناء على احد طرفي الشك والترديد واعادتها ؛ حيث انه تحتمل كون ما بنى عليه مبطلا لصلوته ، ومن اجله يحكم العقل بلزوم تعلم مسائل الشك والسهو مقدمة للاتيان بما هو وظيفته وعدم وقوعه فيما يحرم عليه من ابطال الصلوة .

وانما يحكم العقل بلزوم ذلك بالمقدار الذى يبتلى به المكلف ؛ وأما الزائد عليه فلا حكم للعقل بلزوم تحصيله ، لانه ليس نفسياً بل غيرى لما ذكر ، فاذا لم يكن محل الابتلاء لا يبقى مجال لحكم العقل بلزوم تعلمه كما لا يخفى والتقييد بالغالب في كلامه (قدس سره) لعله من اجل انه لا يعتنى باحتمال غيره عند العقلاء غالباً فافهم .

وقد يحكم بفسق تارك تعلم مسائل الشك والسهو كما عن شيخنا المرتضى (قدس سره) في رسالته العملية ؛ ولعله لاستفادة الوجوب النفسي للتعلم من اخباره كما عن الاردبيلي (قدس سره) او كون ذلك كاشفا عن عدم وجود ملكة العدالة في نفسه لعدم وجود الداعي الالهي فيها .

ص: 176


1) هذا الوجوب كسابقه عقلى ، لما تقدم فى المسئلة السابقة ويزيد عليه في المقام امران .

2) بل يصح عمله وان لم يطمئن بذلك ؛ فاتفق عدم الابتلاء او ابتلى ولكنه اتى بما هو وظيفته من عمل الشك والسهورجاء ؛ وذلك للاجزاء به عقلا ، اذالصحة والبطلان يدوران مدار تطابق العمل للواقع وعدمه ، ولا دخل للاطمئنان وعدمه في ذلك ، له دخل فى نفى العقاب ولهذا لو اطمئن بعدم الابتلاء فاتفق ل-ه الابتلاء بذلك في اثناء العمل ولم يأت بما هو وظيفة الشك والسهو بطل عمله و لكنه معذور لدى العقلاء من العقاب ولا يستحقه عقلا حيث ان الاطمئنان حجة عقلائية كما هو ظاهر .

(مسئله 29) كما يجب التقليد(1)فى الواجبات والمحرمات يجب في المستحبات والمكروهات والمباحات ، بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه(2)سواء كان من العبادات أو المعاملات أو العاديات .

ص: 177


1) الظاهر انه تكرار فى المسئلة ولم يتضح وجهه وفائدته حيث انه (قدس سره) ذكر في صدر الكتاب انه يجب على كل مكلف في عباداته ومعاملاته ان يكون مقلداً على وجه التخيير بينه وبين عدليه الاجتهاد والاحتياط ولاريب ان هذه العناوين الخمسة داخلة فيها ، وليس شيىء منها خارجاً عنها ، اذ هى اما عبادة أو معاملة بالمعنى الاعم الشامل للسياسة والامور العادية كما لا يخفى .

2) فى وجوب ذلك اشكال ، بناء على جواز خلو الواقعة عن حكم الله عز وجل كما هو المستفاد من بعض الاخبار مثل قوله (علیه السّلام) اسكتوا عما سكت الله فانه لم يسكت عنها نسياناً أو جهلا لكن المشهور على ما حكى عنه على عدم جواز خلو الواقعة عن ذلك وكيف كان فالوجوب فطرى أو عقلى كما سبق بمناط لزوم دفع الضرر المحتمل فى اطراف المعلوم بالاجمال من وجود تكاليف الزامية فى الشريعة المقدسة ؛ فيستقل العقل من أجله بلزوم الاستناد الى الحجة كفتوى المجتهد في كلما يحتمل الضرر فيه من الفعل أو الترك (نعم) فيما لا يحتمل ذلك لاحراز عدم حكم الزامي فيه فلا يحكم العقل بلزوم ذلك الا من أجل حرمة التشريع فيحكم به لنفى التشريع لا لجواز العمل كما لا يخفى .

(وظیفة المقلد عند تبدل رأی المجتهد الذی قلده)

(مسئلة 30) اذا علم ان الفعل الفلاني ليس حراماً ولم يعلم انه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه يجوز له ان ياتى به(1)لاحتمال كونه مطلوباً وبرجاء الثواب ؛ واذا علم انه ليس بواجب ولم يعلم انه حرام أو مكروه أو مباح له ان ان يتركه لاحتمال كونه مبغوضا . (مسئله(31) اذا تبدل رأى المجتهد لا يجوز للمفلد البقاء على رأيه الاول(2)


(فح) يجب على العامى العمل بالرأى الجديد بالاضافة الى الاعمال الاتية ، وأما الاعمال الماضية فهل ينتقض آثارها بذلك اولا يأتى الكلام فيها في المسئلة (53) انشاء الله تعالى .

ص: 178


1) بناء على عدم اعتبار قصد الوجه فى العبادة وجواز الامتثال الاحتمالي مع التمكن من الامتثال العلمى والا فلا بد من تقييد كلامه بما اذا لم يتمكن من ذلك ؛ هذا اذا كان المورد من العبادات كما هو ظاهر العبارة والا فلا احتياج الى التقييد المزبور كما لا يخفى؛ وأما ما ذكره بعض اجلة السادة من مشايخنا المحققين من ابتناء ذلك على جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي والا فالمتعين تقييد الجواز بصورة عدم التمكن من الاجتهاد أو التقليد (فغير ظاهر) اذ جعل مراتب الامتثال اربعة ؛ ثم القول بالتنزل الى اللاحق من السابق كما صنعه المحقق النائيني (قدس سره) لو سلم تماميته فانما هو فيما اذا ثبت تكليف مسلم وتحقق اشتغال الذمة به ؛ وأما فيما لم يثبت تكليف بل كان من موارد البرائة عنه عقلا ونقلا كما فى المقام ؛ لاحتمال عدم التكليف بتاتا فلا مجال لتوهم ذلك كما لا يخفى .

2) لسقوطه عن الحجية لانكشاف خطأه بالرأى الثاني على خلافه ، فلا تشمله ادلة الحجية وجواز رجوع الجاهل الى العالم لاختصاصها بصورة ما اذا لم ينكشف بعد خطاه عنده ولم يعترف هو بذلك .

(مسئله 32) اذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقف والتردد يجب على المقلد الاحتياط(1)او العدول الى الاعلم بعد ذلك المجتهد(2).

(مسئله 33) اذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد ايهما شاء(3).

ص: 179


1) اذا جوز له الاحتياط والايتعين عليه العدول الى غيره .

2) اذا لم يوجب عليه الاحتياط في موارد عدم الفتوى ، والا لايجوز له العدول بل يجب عليه الاحتياط كما لا يخفى (وكيف كان) فلا يجوز البقاء في التقليد على الرأى السابق لزواله بكشف الخطاء فيما استند اليه حسب اعترافه ولا دليل على حجيته كما تقدم في المسئلة السابقة والفرق بين المسئلتين انه في الاولى اعترف بخطاء الواقع وفى الثانية اعترف بخطائه في الاستناد دون خطاء الواقع لجهله بذلك ولكنه ليس بفارق بينهما فان ادلة الحجية لا تشمل كلا الفرضين وليست حجية الرأى بالاضافة الى العامي باولى من حجيته بالاضافة الى نفس المجتهد ولاريب في سقوطه عن الحجية بالاضافة اليه في المقامين .

3) مع اتفاقهما في الفتوى لشمول دليل الحجية لرأى كل منهما وأما اذا اختلفا فى الفتوى فقد تقدم في المسئلة (13) ان مقتضى القاعدة تساقطهما عن الحجية لسقوط اطلاق ادلتها بالمعارضة والترجيح بلا مرجح محال أو قبيح والظاهر عدم ثبوت بناء العقلاء على التخيير مع اختلاف الفتوى كسائر اطلاقات ادلة الحجية فانها جميعا لا تشمل صورة التعارض كما اعترف به مشايخنا المحققين فاللازم (ح) هو الرجوع الى الاحتياط ؛ لعدم اليقين بالبرائه الا مع العمل به (نعم) أو لم يمكن الاحتياط كما في دوران الأمر بين المحذورين او امكن ولكنه يخل بالنظام او يوجب العسر والحرج المنفيين فى الشريعة فيرجع الى القواعد الاخر الا انه ادعى تسالم الاصحاب على عدم وجوب الاحتياط والاجماع منهم على التخيير بينهما مطلقا من دون فرق بين صورة الاتفاق فى الفتوى والاختلاف وموافقة فتوى احدهما للاحتياط المطلق دون آخر وغيرها ولكن الشأن في ثبوت الاجماع التعبدي في مثل المقام .

(حکم التبعیض في المسائل من حیث التقلید)

ويجوز التبعيض في المسائل(1)واذا كان احدهما ارجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك فالاولى بل الاحوط اختياره(2).


وقد يقال انه بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين لا مانع من التبعيض لاطلاق ادلة الحجية (وهذا) بخلاف كونه هو العمل بقوله ولكن الظاهر عدم الفرق بينهما في ذلك اذلا دخل لماهية التقليد في حجية الفتوى في حق العامي وعدمها ، اذ لا ريب انه امتنع اطلاق ادلة حجية الفتوى وشمولها لكلا المتعارضين للتكاذب الموجب للتناقض سواء قلنا بان التقليد هو العمل أو الالتزام بالعمل بقول المجتهد ، (نعم) لو ثبتت الحجية التخييرية بينهما بدليل كانت فعليتها لاحدى الفتويين منوطة باختيار المقلد والالتزام بالعمل بها لكن الشأن في اثباته كما ذكر (هذا) مع اختلافهما في الفتوى وأما مع الاتفاق فيها فاطلاقات ادلة الحجية تشمل كلا الفتويين فتقتضى حجيتهما جميعاً من غير محذور .

ص: 180


1) بان يقلد واحداً منهم في العبادات والاخر في المعاملات والثالث في السياسات مثلا ، لكنه انما يصح مع فرض حجية فتاوى الكل في حقه كما في صورة الاتفاق فى الفتوى ، واما فى الفتوى ، واما مع الاختلاف فيها فقد فت انه تسقط اطلاقات عر ادلة الحجية بالمعارضة فلا يبقى مجال للاخذ بواحد منها فضلا عن التبعيض بينها (نعم) لو ثبت عموم الاجماع على التخيير بينها لصورة التبعيض لا مكن القول بجوازه ولكن الكلام في ثبوت اصله فكيف بعمومه ؛ ومثله دعوى السيرة عليه في عصر المعصومين (عليهم السلام) (وح) فالقول بالتبعيض لا يخلو من اشكال .

2) لاصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير في الحجية ولكنه فرع ثبوت التخيير وقد تقدم عدم ظهور دليل على ثبوته في مورد المعارضة اللهم الا ان يثبت اجماع عليه كما ادعى والا فمقتضى القاعدة تساقط الرأيين عن الحجية بالمعارضة والرجوع الى الاحتياط ؛ اذ لا يقين بالبرائة الا مع العمل به كما اشرنا

(مسئله 34) اذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى الى الاعلم ، ثم وجد اعلم من ذلك المجتهد ، فالاحوط العدول(1)الى ذلك الاعلم وان قال الاول بعدم جوازه .

(مسئله 35) اذا قلد شخصاً(2)بتخيل انه زيد فبان عمرواً ، فان كانا متساوين


اليه هنا ؛ وقد تقدم بيانه ايضاً في المسئلة (13) فراجع .

هذا هو وظيفة المجتهد من حيث الافتاء عند رجوع المقلد اليه ، واما المقلد فلا ريب في استقلال عقله بلزوم الرجوع الى الاعلم عند تجدده كلزوم الرجوع الى الحى بعد ان مات مجتهده ، وذلك لحصول الشك فى حجية فتوى الاول (ح) فيدور الأمر عنده بين التعيين والتخيير ، ولاريب ان الاصل فيه هو التعيين للقطع بحجيته دون غيره (نعم) لو احتمل تعين البقاء على تقليد الأول فيستقل عقله (ح) بالاحتياط في العمل لان فيه امناً من العقاب المحتمل

ص: 181


1) بل لعله الاقوى مع المخالفة فى الفتوى ، لما تقدم من ان اطلاقات ادلة الحجية تسقط (ح) بالمعارضة ، والمرجع بناء العقلاء وهو على لزوم الرجوع الى الاعلم بلا فرق فيه بين الابتداء والاستدامة ظاهراً ، فكما يلزم الرجوع اليه ابتداء يلزم العدول اليه استدامة ، ولو لم يكن العدول اقوى فليس باحوط ايضاً ! في التقليد الابتدائى ، واما العدول الى غير من قلده اولا ممن هو اعلم فلم يكن كذلك لوجود القول بالحرمة فيه ، فلابد (ح) من الاخذ باحوط الاقوال لو فرض عدم ثبوت عموم البناء من العقلاء على ذلك كما لا يخفى .

2) وانما يظهر فرض المسئلة مع الاختلاف فى الفتوى او القول بان التقليد هو الالتزام ؛ وأما بناء على كونه هو العمل وقد كان المجتهدان متفقين في الفتوى فقد يشكل فرضها بان العمل (ح) يكون مطابقاً لفتويهما ؛ ولا اثر للتقييد في حقيقة التقليد على هذا المبنى ، فتقليد عمر و هو بعينه تقليد لزيد وبالعكس ؛ و يدفع بان التقليد على ذلك ليس مجرد العمل ، بل العمل عن استناد الى فتوى المجتهد ؛ والاستناد فعل اختيارى قائم بالنفس ؛ فان كان للتقييد اثر في المقام فلا فرق فيه بين ان يكون التقليد هو العمل او الالتزام ؛ وبين ان يتفقا في الفتوى او يختلفا فيها ، وان لم يكن له اثر فكذلك على جميع التقادير .

(حکم تقلید المجتهد مع الاشتباه فی التطبیق علیه)

فى الفضيلة ولم يكن على وجه التقييد (صح) والا فمشكل(1).


(وفيه) ما تقدم في اوائل الشرح من انه انما يلزم الاستناد في العمل للتقليد مع الاختلاف فى الفتوى ؛ لتعيين واحد منها فى مقام الحجية الفعلية ؛ لانها منوطة بالاختيار والاستناد ؛ واما مع الاتفاق فيها فلا يلزم ذلك لحجية فتوى الجميع في حقه لشمول اطلاقات ادلة الحجية للجميع بلا تعارض بينها والعمل مطابق للكل ، وعلى هذا فلا يندفع الاشكال المزبور فى فرض المسئلة بناء على كون التقليد هو العمل مع اتفاق المجتهدين فى الفتوى بل هو باق بعد كما لا يخفى .

(وتوهم) انه لا يمكن التقييد في المقام ؛ لان الشخص الذى قلده بتخيل انه زید جزئی حقيقى وهو لا يقبل الاطلاق كي يقبل التقييد ؛ اذ النسبة بينهما عدم الملكة فكلما لا يمكن فيه الاطلاق لا يمكن فيه التقييد فلا بد من رجوع القيد (ح) الى الجهات التعليلية وكونه من قبيل الداعى الذى لا يقدح تخلفه ؛ لانه انما يؤثر بوجوده العلمى لا الخارجى كى يوجب انتفائه في الخارج لانتفاء مدعوه .

(مدفوع) بان الموضوع للتقليد في الحقيقة انما هو رأى المجتهد لاشخصه والعمل الموافق لرايه هو التقليد ؛ ولا ريب فى ان الراى كلى قابل للتقليد بكونه الزيد مثلا دون عمرو .

لكن الذى يسهل الخطب فى المقام ان التقييد فيه مما لااثر له ؛ ان لادخل لخصوصيات الاشخاص في حصول عنوان التقليد من الاستناد إلى رأى المجتهد في

ص: 182


1) فى اطلاقه نظر فان ما يتصور في المقام ان المجتهدين اما ان يكونا متساويين فى الفضيلة ام مختلفين فيها ؛ وعلى التقديرين اما ان يكونا متساويين في الفتوى ام مختلفين فيها ؛ وعلى الاختلاف في الفتوى اما ان يأخذ بالاحوط منهما او الاعلم ام لا يأخذ ؛ وعلى جميع التقادير اما ان يكون ذلك على وجه التقييد ام لا يكون على وجه التقييد مطلقاً مدعوه .

(مسئله 36) فتوى المجتهد تعلم باحد أمور (الاول) ان يسمع منه(1)شفاهاً (الثاني) ان يخبر بها عدلان(2)(الثالث) إخبار عدل واحد(3)بل يكفى


مقام العمل او العمل موافقاً لرأيه ، فان قصد كون المجتهد هو زيد مثلا وان كان على وجه التقييد لا يؤثر فى تحقق ذاك العنوان اصلا ، فلوا نكشف الخلاف وانه استند في عمله الى رأى عمر ووعمل على وفق رأيه ، وكان رأى عمر و حجة في حقه ، جاز تقليده وصح عمله وان لم يقصد تقليده اصلا ، فلا وجه لما ربما يقال في صورة التقیيد من ان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، او ان المقيد ينتفى بانتفاء قيده ؛ لما ذكر من عدم دخل تشخصات الاجزاء فى حقيقة التقليد كى يوجب انتفائها لانتفائه .

فقد انقدح مما ذكر انه يصح عمله في جميع فروض المسئلة الا فيما اذا لم يكن رأيه حجة في حقه كما اذا اختلفا في الفضيلة والفتوى ولم يأخذ بفتوى الاعلم ولا الاحوط منهما ، فيكون (ح) كمن لم يقلد اصلا لعدم حجية قول غيره فى هذا الحال ، ومن هذا ظهر وجه النظر فى اطلاق قوله (رحمه الله علیه) والا فمشكل بل في اصله بناء على رجوع الاستثناء الى الجملة الاخيرة دون الجملتين المتعاطفتين قبله ؛ كما لعله الظاهر من كلامه (قدس سره) .

ص: 183


1) فذلك لا اشكال فيه فيأخذ ولو بظاهر كلامه الذي هو حجة لما عليه بناء العقلاء في كل دورة وكورة من الاخذ بظواهر الكلام ، مع ان التكليف بغيره في مقام التفهيم و متعسر جداً بل متعذر كما لا يخفى .

2) بناء على عموم حجية البينة بنحو يشمل المقام كما عن شيخنا المرتضى فى رسالة الجماعة ؛ وعن غير واحد نسبته الى المشهور ، وقد تقدم تقريبه فيما تثبت به العدالة .

3) في المقابلة بينه وبين البينة ما لا يخفى ، فانه لا احتياج معه الى ذكرها لانها تضمنته مع الزيادة ؛ ولكن فى ثبوت الفتوى به اشكال قد سبق فيما تثبت به العدالة .

(وظیفة من قلد لمن لیست له اهلیة للفتوی)

إخبار شخص موثق يوجب قوله الاطمئنان(1)وان لم يكن عادلا (الرابع) الوجدان في رسالته ولابد ان تكون مأمونة(2)من الغلط .

(مسئله 37) اذا قلد من ليس له اهلية الفتوى ثم التفت وجب عليه العدول(3)و حال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلد(4)وكذا اذا قلد غير الاعلم وجب على الاحوط(5)العدول الى الاعلم .

ص: 184


1) بل وان لم يوجب ذلك (ويمكن ان يكون القيد توضيحياً بان يكون المراد من الاطمئنان هو النوعى لا الشخص فلا اشكال) وذلك لما جرت عليه السيرة الاخذ باخبار الثقات مطلقاً ، غاية الامر ثبوت ردع الشارع عنها في العقلائية من الموضوعات ؛ فتبقى فى الاحكام حجة وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ فان الاخبار عن الفتوى اخبار عن الحكم الظاهرى المستنبط من الادلة الشرعية ؛ فيكون حجة ببناء العقلاء كالاخبار عن الحكم الواقعى مثل الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام ، اذ لافرق في ذلك بينهما ، فتعمهما السيرة على حد سواء ، وهى العمدة في حجيته كما لا يخفى .

2) بل الظاهر كفاية أصل السلامة وعدم الخطاء المعول عليه عند العقلاء فيما لم يظن بالغلط فيها من اجل كثرة وقوع مشاهدة الاغلاط (نعم) فيما اذا كانت الرسالة بغير خطه لابد وان تكون مأمونة من الغلط ولو باخبار ثقة عن صحتها أو كون كاتبها ثقة ؛ ان الكتابة نوع من الاخبار عن فتوى المجتهد ، فيعتبر فيها الوثوق بصحتها أو ثبوتها بنقل الثقة أو كتابته .

3) اى التقليد ابتداء اذلا عدول هنا عن تقليد فى الحقيقة وكذا الحال فيما بعده.

4) لذى قد تقدم انه لو طابق الواقع أو الحجة الفعلية المعتبرة في حقه كان مجزياً والا فلا الا ان يكون ذلك على طبق الموازين الشرعية فقد يقال (ح) باندراجه تحت كبرى مسئلة البحث عن اجزاء الحكم الظاهرى اذا انكشف خلافه بالقطع أو بامارة معتبرة .

5) بل على الاقوى مع المخالفة فى الفتوى بناء على لزوم تقليد الاعلم (ح) من جهة بناء العقلاء عليه كما لا يبعد في مثل الفرض المزبور وهكذا الكلام فيما بعده ، مع ان فى جعل العدول احوط ما لا يخفى لأنه قد نقل القول بحرمة العدول حتى الى الاعلم ولو لم يكن العدول اقوى فلم يكن باحوط ايضاً لذلك (فح) لابد من الرجوع الى احوط الاقوال كما تقدم فى (المسئلة34) .

واذا قلد الاعلم ثم صار بعد ذلك غيره اعلم وجب العدول الى الثانى على الاحوط .

(مسئله 38) اذا كان الاعلم منحصراً في شخصين ولم يمكن التعيين(1)فان امكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط(2)والا كان مخيراً بينهما(3).


ومع عدم الظن و احتمال الاعلمية في كل منهما كان مخيراً بينهما لعدم الترجيح فى البين ، وأما لو احتمل الا علمية فى احدهما دون الآخر فالظاهر تعين الاخذ بذلك لعين ما ذكر في وجه في تقديم مظنون الا علمية فانقدح بذلك

ص: 185


1) وقد يقال بامكان تعيينه بالقرعة لاطلاق ادلتها ولكنه خلاف ما بنى عليه المشهور ظاهراً من عدم العمل بها الا فى موارد خاصة لضعفها كما يعللون به ذلك.

2) بل الظاهرانه المتعين مع العلم بأعملية أحدهما من الاخر اجمالا كما هو المفروض ظاهراً فانه يقتضى الاحتياط في اطرافه لعدم ثبوت حجية قول غير الاعلم مع العلم بوجود الاعلم مطقاً (نعم) لو لم يعلم بذلك واحتمل التساوى بينهما فلا يبعد القول بالتخيير من جهة قيام السيرة العملية عليه كما لا يخفى واما دعوى عموم السيرة وكذا اتفاق الاصحاب على ذلك مطلقاً من دون فرق بين صورة التساوى أو احتماله وبين العلم ، باعلمية أحدهما من الاخر اجمالا (فغير ظاهرة) .

3) كما اذا افتى أحدهما بوجوب شيىء والاخر بحرمته ، فانه من دوران الامر بين المحذورين الذى لا يمكن فيه الاحتياط فانه ان ثبت هنا دليل على التخيير من الاجماع أو السيرة كما فى فرض التساوى أو احتماله فهو ، والافمقتضى القاعدة الاخذ بما هو مظنون ،الاعلمية ، لانه من دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية كما لا يخفى .

(حکم عمل العامی بلا تقلید برهة من الزمان)

(مسئله 39) اذا شك فى ثبوت المجتهد أو في تبدل رأيه أو عروض ما وجب عدم جواز تقليده يجوز له البقاء(1)الى ان يتبين الحال .

مسئله) (40) اذا علم انه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان ولم يعلم مقداره ، فان علم بكيفيتها وموافقتها للواقع او لفتوى المجتهد الذى يكون مكلفاً بالرجوع اليه(2)فهو والا فيقضى(3)المقدار الذى يعلم معه بالبرائة على الاحوط


الاشكال في اطلاق قوله (قدس سره) والا كان مخيراً بينهما .

(أما الصورة الاولى) فقد يقال بعدم وجوب القضاء فيها لاصالة البرأته عن وجوبه لانه بامر جدید موضوعه فوت الفريضة في وقتها ولم يحرز بعد لاحتمال الاتيان بها فى ذلك الوقت ، واستصحاب عدم اتيانه فى الوقت لا يثبت عنوان الفوت ، لانه امر وجودى بلازم لعدم الاتيان ، اذ الفوت عبارة عن ذهاب الفعل عنه لا مجرد عدم الاتيان به .

(ولكنه يشكل) بان مقتضى الجمع بين ادلة القضاء والاداء انه بالامر الاول ، وان وجوب الاداء فى الوقت بنحو تعدد المطلوب ، فيكفي في وجوب القضاء استصحاب التكليف ، مع ان الظاهر من ادلة القضاء ان الفوت المأخوذ موضوعاً له فيها هو مجرد ترك الواجب في وقته وهو مما يمكن اثباته بالاصل أللهم الا ان

ص: 186


1) للاستصحاب فى ذلك كله وعدم لزوم الفحص في الشبهات الموضوعية

2) حين الالتفات الى ذلك وان لم يكن مطابقاً لرأى من كان مكلفاً بالرجوع اليه حال العمل ، اذلا دليل على اعتباره حيث ان ادلة الحجية لا تقتضى السببية ، بل الظاهر انه لا عبرة به اصلا كما قد سبق في (المسئلة 16) .

3) تندرج في الاستثناء المزبور صورتان (احديهما) ما اذا لم يعلم بذلك وجهل كيفية اعماله السابقة من اجل نسيان صورتها الا انه احتمل مطابقتها للواقع او لفتوى من يجب الرجوع اليه فعلا (الثانية) ما اذا علم بالكيفية وكونها مخالفة للواقع أو لفتوى من يجب الرجوع اليه كذلك .

يكون ذلك محكوماً باصالة الصحة وقاعدة الفراغ التي بني عليها العقلاء وقد امضاها الشارع ، ولكن القدر المتيقن من بنائهم على ذلك هو عدم الاعتناء باحتمال الفساد اذا كان منشأ الشك في الصحة احتمال ترك جزء او شرط سهواً مع فرض التفاته الى اجزاء العمل وشرائطه المحتملة حين الشروع فيه او احتمال ذلك ، وأما ان كان منشأ للشك فيها الغفلة عن ذلك وعدم وعدم الالتفات اليها من جهة الجهل بحكمها فالظاهر عدم ثبوتها مجرى لقاعدة الفراغ (ودعوى) شمول ادلتها لفرض الغفلة عن ذلك كما عن المحقق النائيني (قدس سره) لاطلاق دليلها وعدم اختصاصه بما اذا احرز او احتمل الالتفات الى العمل حين وقوعه (غير ظاهرة) بل الظاهر من ادلتها كونها امضاء للقاعدة العقلائية كما يشير اليه التعليل في رواية بكير بن اعين قال قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال : هوحين يتوضأ اذكر منه حين يشك ، فانه یر شد الى انها ليست قاعدة تعبدية تأسيسية بل ارشادية الى ما جرت عليه السيرة العقلائية في امورهم (وح) فلابد من الاقتصار على موردها ، ولا يمكن الاخذ بالاطلاق فيها خصوصاً مع ذاك التعليل الموجب للتقييد كما لا يخفى .

وقد يستدل على عدم لزوم الاعتناء بالشك مع فرض الغفلة فرض الغفلة برواية حسين بن أبى العلا قال سألت ابا عبدالله (علیه السّلام) عن الخاتم اذا اغتسلت قال هو له من مكانه وقال في الوضوء - تديره ، فان نسيت حتى تقوم في الصلوة فلا آمرك ان تعيد الصلوة حيث انها تدل على ان الشك في صحة الغسل أو الوضوء لا يوجب اعادة الصلوة وان كان منشأه الغفلة عن تحريك الخاتم وادارته .

ولكن الظاهر منها انه بصدد دفع ما ربما يوهمه صدر الرواية من لزوم ذلك فى الغسل والوضوء وكون الاخلال به موجباً لاعادة الصلوة لا انها في مقام بيان عدم وجوب الاعتناء بالشك في وصول الماء الى البشرة مطلقاً كما يظهر ذلك بالتأمل الرواية حقه فانقدح بذلك انه لا تجرى القاعدة مع فرض الغفلة ، فلابد(ح) من الاعادة فى الوقت او القضاء فى خارجه (هذا كله) فيما اذا كان الشك حادثاً بعد العمل ، وأما اذا كان مقارنا له بأن كان المكلف ملتفتاً حين العمل الى عدم التقليد في عمله ؛ فلا

ص: 187

وان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن(1).

(مسئله 41) اذا علم ان اعماله السابقة كانت مع التقليد ، لكن لا يعلم انها كانت عن تقليد صحيح ام لا بني على الصحة(2).


مجال لاصالة الصحة لاختصاص ادلتها بصورة حدوث الشك بعد العمل كما لا يخفى .

(وأما الصورة الثانية) فالظاهر فيها هو وجوب القضاء لتحقق موضوعه اعنى فوت الواجب في الوقت باليقين وجداناً لمخالفته للواقع أو تنزيلا لمخالفته لفتوى من يجب الرجوع اليه (نعم) لا يجب القضاء فيما اذا احرز صحة العبادة المأتى بها فى الوقت بمثل (حديث لا تعاد) بناء على شموله للجاهل القاصر او المقصر غير الملتفت وعدم اختصاصه بالناسي كما عن المحقق النائيني (قدس سره) وذلك في غير ما يجب فيه اعادة الصلوة مثل ما اذا كان المتروك فيها من الخمسة المستثناة فيه وغيرها من الموارد المنصوصة كما لا يخفى .

(وتوهم) ان الشك قد تعلق بتكليف منجز وهو مورد الاشتغال لا البرائة مدفوع (اولا) بان بقاء التكليف على التنجز منوط ببقاء موضوعه وهو العلم ، فاذا زال يزول التنجز لامحالة (وثانياً) بان ذلك لا ينطبق على المقام ، ان العلم بالفوت ووجوب القضاء لم يحصل عند الاتيان بالعمل وانما حصل بعد العلم بالمخالفة لفتوى المجتهد ، فليس التكليف المشكوك مسبوقاً بالعلم كي يصير مورداً للتوهم المذكور

ص: 188


1) أى فوته تفصيلا وهو الأقل واجراء البرائة عن الاكثر عقلا ونقلا كما نسب الى المشهور في الاقل والاكثر الاستقلاليين ، ولكن عن بعض الاصحاب انه يلزم الاتيان بالاكثر حتى يعلم معه بالبرائة والفراغ عما في الذمة مستدلا بقاعدة الاشتغال (وفيه) ان الاشتغال بقدر ما ثبت وانما هو الاقل والزائد مشكوك كما ذكر

2) لان الشك انما يكون فى صحة التقليد وفساده ، فتجرى فيه اصالة الصحة التي جرت عليها السيرة العقلائية وبناء اهل العرف فى سائر امورهم كما هي العمدة فيها ولا اختصاص لها بعمل دون عمل ، ويترتب على ذلك صحة الاعمال السابقة لتمحض الشك فيها والا فلا شك في صحة الاعمال على فرض صحة التقليد كما لا يخفى.

(مسئلة 42) اذا قلد مجتهداً ثم شك فى انه جامع للشرائط ام لا وجب عليه الفحص(1).


هذا وقد يقال ان صحة التقليد وفساده انما يكونان مجرى الاصول الشرعية اذا كانا مورداً لاثر عملى ، ولا يتضح ذلك الا في فروض عدول العامي عن المجتهد الى غيره مع اختلافهما في الفتوى بان كان رأى الثاني بطلان العمل المطابق لفتوى الأول ، فان قلنا بعدم لزوم التدارك بالقضاء اذا كان تقليده للاول صحيحاً كانت صحة التقليد موضوعاً للاثر العملى فيجرى الاصل لاثباتها كما في سائر موارد الشك في الصحة .

ولكن يرد عليه (أولا) انه اى اثر اعظم من صحة اعماله من عباداته ومعاملاته المترتبة على صحة التقليد لانها من آثار صحته كما لا يخفى (وثانياً) ان صحة اعماله الماضية فى فرض العدول الذى لا يجوز الا بوجه شرعی کوجود مرجح هناك من الاعلمية وغيرها منوطة بنظر المعدول اليه وتابعة لرأيه دون اجراء اصالة الصحة فى تقليده (وثالثا) كيف يمكن اجراء المجتهد الثاني لاصالة الصحة في ذلك مع فرض انه يرى بطلان العمل السابق الموافق لرأى الاول من اجل فساد ذلك الرأى بنظره .

(والثانية) ان يكون الشك فيها على نحو الشك الطارى بان علم باجتماع الشرائط فيه سابقا ثم طرء عليه الشك فيها بقاء (وح) فلا ريب في جريان استصحاب

ص: 189


1) ان لهذه المسئلة صورتين (الأولى) ان يكون الشك فيها على نحو الشك السارى (وح) فيحب عليه الفحص عن جامعيته للشرائط بقاء ان لا فرق في لزوم احراز ذلك بين التقليد الابتدائى وبين البقاء عليه ، فكما يلزم الفحص لاحراز ذلك فى الأول لعدم حجية مشكوك الحجية ، كذلك يلزم الفحص في الثاني للشك فى حجية رأيه بقاء وان اعتقد بحجيته قبل ذلك ثم زال اعتقاده بالشك فان انكشف له بعد ذلك جامعاً لشرائط الفتوى جاز له البقاء على تقليده والا وجب عليه العدول الى غيره ممن يكون رأيه حجة ،

(حرمة الافتاء علی من لیست له اهلیة الفتوی)

(مسئله 43) من ليس اهلا للفتوى(1)يحرم عليه الافتاء(2).


بقائه على تلك الشرائط من غير لزوم فحص عن ذلك ، فيترتب عليه (ح) صحة البقاء على تقليده كما لا يخفى .

(ومنها) انها تقول على الله بغير علم ، وقد دلت جملة من الايات والروايات على حرمته (فمن الأولى) قوله تعالى : الله اذن لكم ام على الله تفترون ، وقوله تعالى : لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين (ومن الثانية) جملة من الاخبار التي ذكرها في الوسائل في كتاب القضاء في الباب الرابع من ابواب القاضي فراجع .

(ومنها) انها اخبار عن الرأى المتعلق بالحكم الشرعى مع عدم الرأى له واقعاً فحرم من جهة الكذب ، او مع الرأى المستند الى ما ليس بحجة شرعاً كالقياس والاستحسان فيحرم من جهة اخرى .

(ومنها) انها اغراء بالجهل واغواء واضلال لان وظيفة المفتى له لزوم العمل بغيرها .

(ومنها) أنها فتوى بغير علم وقد دلت الاخبار على حرمتها ؛ فعن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من افتى الناس بغير علم فليتبوء مقعده من النار ، وعن الصادق (علیه السّلام) من افتى الناس

ص: 190


1) بان لم يبلغ درجة الاجتهاد وان كان من اهل الفضل او بلغ ذلك ولكن كان فاقداً لسائر شرائط الفتوى .

2) كما عن جماعة من الاعيان مرسلين له ارسال المسلمات بل عن ظاهر المسالك وغيره انه اجماعي ، وقد يستدل لذلك بعد تسالم الاصحاب عليه بوجوه . (منها) ان الافتاء من المناصب الالهية التى تختص بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والامام (علیه السّلام) من بعده ولا يجوز التصدى له الا باذنهما ، وقد ثبت الاذن لمن كان اهلا لذلك بالخصوص او بالعموم بناء على ثبوت الولاية العامة للفقيه الجامع لشرائط الفتوى دون من فقد غير بعض الشرائط ، فانه بعد لم يثبت له الاذن فلا يجوز له التصدى لذلك .

بغير علم لعنته ملائكة الارض وملائكة السماء ، وعن أبي الحسن (علیه السّلام) من افتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والارض ويرد على الاول ان دليله غير ظاهر اذ ما تقدم من ادلة الشرائط انما يدل على اعتبارها في حجية الفتوى ؛ لافى جوازها تكليفاً ولا على كونها من المناصب المختصة بالمعصوم .

وعلى الثانى انه يقتضى حرمة الفتوى من غير المجتهد لا من المجتهد الفاقد لبقية الشرائط ، بل قد يشكل اقتضائه الحرمة فى غير المجتهد اذا كانت فتواه مطابقة لفتوى مرجعه في العمل ، لان حجية فتواه كافية في صدق العلم بالحكم فالفتوى اعتماداً عليها قول على الله بعلم (نعم) لو اعتمد على رأيه الناقص كان تشريعاً منه فى حجية رأيه فيكون به آثماً لا انه قول بغير علم .

وعلى الثالث انه لا يتم فى المجتهد الفاقد لسائر الشرائط ؛ بل في غير المجتهد ايضاً اذا كان له رأى وفق الحجة وان لم يكن مستنداً اليها وكان مستنداً الى ما ليس بحجة فى حقه شرعا ، بل وان لم يوافق الحجة فانه يقتضى انه ليس بحجة لا انه يقضى بالحرمة كما لا يخفى .

وعلى الرابع (اولا) انه لا يتم ذلك مع موافقتها لفتوى المجتهد الجامع للشرائط (وثانياً) انه انما يتوهم فيما اذا علم برجوع الغير اليه لا مطلقاً ولكنه يندفع مع ذلك بانه لا اغراء بالاضافة الى الواقع اذا قامت عنده الحجة عليه ؛ و عدم حجيته في حق الغير لا ينافى ذلك كما اذا اخبر من ليس بثقة عند المخبر (بالفتح) بثبوت الحكم الواقعى المعلوم لديه ؛ فانه اخبار عن الحكم الواقعي وليس باغراء ولا اضلال ولا اغواء ولا سيما اذا اعلم بعد ان افتى بشيئي ان فتواه ليست بحجة فى حق غيره بل عليه العمل بغير فتواه .

فلم يبق فى المقام الا الوجه الخامس وهوانما يقتضى الحرمة في غير المجتهد لا المجتهد الفاقد لسائر شرائط الفتوى كما لا يخفى ؛ اللهم الا اذا صدق عليه انها فتوى بغير علم ، ولكن الظاهر من كلماتهم هو اطلاق الحرمة في ذلك والتسالم عليها

ص: 191

وكذا من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء(1)بين الناس


مطلقاً.

ورواية سليمان بن خالد عن ابی عبدالله (علیه السّلام) قال : اتقوا الحكومة فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبی او وصی نبی .

ورواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال قال ابو عبدالله (علیه السّلام) : اياكم ان يحاكم بعضكم بعضاً الى اهل الجور ؛ ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم ، فاني قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه .

فان قوله (علیه السّلام) (فانى قد جعلته قاضياً) يدل على ان ولاية احد على القضاء تحتاج الى الجعل منهم (عليهم السلام فبدونه لا ولاية لاحد عليه كما لا يخفى .

بل ثبت عدم الاذن لغير من يكون اهلا لذلك بجملة من الأخبار .

كما عن دعائم الاسلام من قوله : لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا للامام او من يقيمه منه ، وهكذا عن الجعفريات بلازيادة قوله : او من يقيمه منه .

وعن الاشعثيات ان الجمعة والحكومة لامام المسلمين وعن رسالة المحكم والمتشابه عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) فما كان الله ولرسوله فهو للامام بعده الى غير ذلك مما في الوسائل وغيرها .

هذا مع ان ذلك مما يقتضيه الاصل اذثبوت الولاية على القضاء لاحد يحتاج الى الدليل ومع عدمه فالاصل عدم الولاية (وح) فيكون الحكومة والقضاءة بعنوان الاهلية لذلك تشريعاً محرما ، اذا لظاهر أنه من عناوين نفس الفعل خارجاً لامن افعال النفس كما قيل .

ص: 192


1) للاجماع المحكى عن جماعة كثيرة والاخبار المستفيضة الدالة على ان الولاية على القضاء من المناصب المختصة بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و اوصیائه الكرام (عليهم السلام) فلا يجوز لغيرهم التصدى لذلك الا مع ثبوت اذنهم له فى ذلك بالخصوص او بالعموم ؛ كرواية اسحق بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال قال امير المؤمنين (علیه السّلام) لشريح یا شریح جلست مجلساً لا يجلسه الا نبی او وصی نبی او شقی .

وحكمه ليس بنافذ(1).

ولا يجوز الترافع اليه(2).


بل عن المسالك ان ذلك كبيرة عندنا ، ولعله لما ورد في رواية تحف العقول من قوله : وأما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالى و ولاية ولاته (الى ان قال) لان كل شيىء من جهة المعونة له معصية كبيرة من الكبائر (الخبر) .

ولا يخفى ان الحكم المزبور مما لا اشكال فيه بالاضافة الى حكام الجور وقضاة العامة . فان الترافع والتحاكم اليهم حرام بعنوانه الاولى كما يدل عليه الوجه الاخير ؛ بل بعنوانه الثانوى من حيث كونه ركونا الى الظالم واعانة على ائمه ومن الأمر بالمنكر لحرمة القضاء عليه ، وكذلك بالاضافة الى من يكون فاقداً لسائر شرائط القضاء من الاجتهاد والعدالة لكن لا بعنوانه الاولى بل الثانوى ، وأما الترافع اليه بعنوانه الاولى فقد يشكل حرمته كذلك من جهة انه لادليل عليه الا ان يجعل الحكومة والقضاوة منصباً له كالقضاة كي يصير بذلك طاغياً ، فيصدق على الترافع اليه انه تحاكم الى الطاغوت الذى أمر الله تعالى ان يكفر به .

ص: 193


1) لاصالة عدم النفوذ الا فيما خرج بالدليل وهو من كان أهلا لذلك.

2) لوجوه (منها) دعوى الاجماع على حرمته كما عن بعضهم (ومنها) انه ركون الى الظالم وقد نهى الله عنه في كتابه حيث قال : ولا تركنوا الى الذين ظلموا (ومنها) انه اعانة على الاثم وقد نهى الله تعالى عنها ايضاً بقوله تعالى : ولا تعاونوا على الاثم والعدوان (ومنها) انه من الأمر بالمنكر فيشمله مادل على حرمته (ومنها) الاخبار الكثيرة الدالة على المنع عنه بعنوانه الاولى مثل مشهورة ابي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة المتقدمتين وغيرهما مما رواها في الوسائل في كتاب القضاء .

(حرمة المال المأخوذ بحکم من لیس اهلا للقضاء

ولا الشهادة عنده(1)والمال الذى يؤخذ بحكمه حرام وان كان الاخذ محقاً(2).


ولا يخفى ان ظاهر الرواية هو كون السحت حالا للمأخوذ لا وصفا للاخذ خصوصا بملاحظة التعليل بعده بقوله لانه اخذه بحكم الطاغوت (الخ) مع ان السحت في اللغة هو كل ما لا يجل كسبه ، فحمله على الاخذ الذى هو نفس الكسب لا يناسب ما يظهر من معناه لغة كما ان اطلاقها بل الظاهر منها تعميم الحكم لما اذا كان الحق ثابتا بغير حكمه ايضا ككونه ثابتا به ولا موجب لحمل الرواية على خلاف ذلك بجعل الحق فيها ثابتا بحكمه أو بجعل السحت وصفا للاخذ فيحكم بكون الاخذ حراما تكليفا لا وضعا يعنى انه فعل حراما من دون ان يكون تصرفه في المال حراما مطلقا ولو مع كون المأخوذ حقا ثابتا في نفسه ، ومجرد استبعاد ذلك لا يوجب حمل الرواية على خلاف ظاهرها كما لا يخفى ، فيحكم حينئذ لذلك يكون التصرف فى المال المأخوذ بحكمه حراما مطلقا بالعنوان الثانوى كحرمة التصرف في المغصوب من أجل كون الاخذ بحكمه كما يقتضيه التعليل بقوله لانه اخذه بحكم الطاغوت (الخ) .

ص: 194


1) لكونها معونة للظالم فى ظلمه وتقوية له فى شوكته ومعاونة على ائمه اذا كانت بقصد فصل الخصومة ، والا فصدقها على ذلك (ح) محل اشكال بل منع وربما تكون مقدمة منحصرة للحرام ايضاً كما لا يخفى .

2) وعن المستند حكاية دعوى الاجماع على ذلك عن والده (قدهما) ويشهد له صريح مقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة ومقتضى اطلاقها بل ظاهر ما في صدرها من فرض التنازع في الدين أو الميراث هو عدم الفرق بين الدين والعين لبعد حمل الميراث على الدين كما لا يخفى ، الا ان موردها هو المأخوذ بحكم السلطان والقضاة فلا يعم المأخوذ بحكم غيرهم ممن يكون فاقداً لسائر شرائط القضاء من الاجتهاد والعدالة، ولكن يمكن استفادة عموم الحكم لذلك من عموم التعليل بقوله (علیه السّلام) لانه اخذ بحكم الطاغوت (الخ) فان الظاهر انه يشمل الطاغوت لكل طاغ فيعم لمن يتصدى القضاء المحرم عليه من اجل عدم كونه واجداً لسائر الشرائط .

(وتوهم) ان مقتضى الظاهر من معنى السحت فى اللغة (وهو كل ما لا يحل كسبه) انه لا يطلق الا على ما انتقل اليه من الغير على وجه محرم ، وأما مال نفسه فلا يكون سحتا ولو سلم اطلاقه على مطلق الحرام كان ذلك فيما خبث ذاتا ، وأما ما كان غير خبيث فى ذاته فليس بسحت وان حرم بطرو عنوان عرض عليه ولا يحتمل خروج العين في المقام عن ملكه من أجل انها مأخوذة بحكم الجائر (وح) فلا محذور في الالتزام بحرمة الترافع الى حكام الجور بمقتضى صدر المقبولة دون حرمة المأخوذ بحكمهم ، اذ لاملازمة بين حرمة الترافع وحرمة المأخوذ .

(مندفع) بالتنزيل الشرعى وكون ما يأخذه بحكم الجائر سحتا في نظر الشرع وعالم التشريع وان لم يكن بسحت بمعناه اللغوى وكان ثابتاله في نفسه مع قطع النظر عن حكمه .

وقد يتوهم معارضتها بموثقة ابن فضال الواردة فى تفسير قوله تعالى : (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام) فكتب (علیه السّلام) بخطه الحكام القضاة ؛ قال ثم كتب تحته هو ان يعلم الرجل انه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في اخذ ذلك الذى حكم به اذا كان قد علم انه ظالم .

(ولكنه يدفع) بورودها في تفسير الاية المباركة لا بيان موضوع الحرمة مطلقا ، ولا ينافي اعتبار الظلم فى صدق الباطل عدم اعتباره في الحرمة ولو بعنوان آخر .

وأما احتمال حملها على قضاة العدل ولو من جهه الجمع العرفي بينه وبين المقبولة ؛ فينا فيه مضافا الى ظهور الاية فى نفسها ما ورد في تفسيرها من ان المراد بالحكام فيها هي قضاة الجور وهي رواية ابى بصير قال قلت ابی عبدالله (علیه السّلام) قول الله عز وجل في كتابه : (ولا تأكلو اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام) فقال یا ابا بصير ان الله عز وجل قد علم ان فى الامة حكاما يجورون ، اما انه لم يعن حكام اهل العدل ولكنه عنى اهل الجور ؛ یا ابا محمد انه لو كان لك على رجل حق فدعوته الى حكام أهل العدل فابي عليك الا ان يرافعك الى حكام الجور ليقضوا

ص: 195

ج 1

الا اذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده(1).

(مسئلة 44) يجب فى المفتى والقاضى العدالة(2)وتثبت العدالة بشهادة


له لكان ممن حاكم الى الطاغوت ، وهو قول الله عزوجل (الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت) .

ثم انه لافرق في ذلك بين ان يكون عدم امكان الترافع الى قضاة العدل المستجمعين لسائر شرائط القضاء من أجل عدم وجودهم ؛ اوعدم امكان اثبات الحق عندهم لعدم حصول مقدمات الحكم لديهم ، او عدم رضى المديون بالترافع اليهم بل الى غيرهم الى غير ذلك كما لا يخفى .

ص: 196


1) فانه يجوز حينئذ مطلقا اذا كان الحق معلوما بالوجدان او التعبد بامارة معتبرة من الاقرار او البينة او فتوى المجتهد بكونه ذاحق مثلا (وذلك) اما لانصراف ادلة الحرمة عن فرض الانحصار بل صراحة بعضها في فرض التمكن كالمشهورة ، والمقبولة ؛ او حكومة قاعدة نفى الضرر على جميع ما يحتمل دليلا على الحرمة في المقام من عمومات حرمة الركون الى الظالم والاعانة على الاثم و والأمر بالمنكر واطلاق الاخبار الناهية عن ذلك ، وربما يؤيد الجواز بما ورد من الحلف كاذبا بالله تعالى لدفع الضرر المالى مضافاً الى ماورد عن الصادق (علیه السّلام) من قوله كلما اضطر اليه بنو آدم فقد احل الله ؛ وما عن على بن محمد قال سألته هل يجوز لنا ان نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضاتهم فكتب (علیه السّلام) يجوز ذلك .

2) أما المفتى فلما سبق ، وأما القاضى فللاجماع المستفيض نقله عن الاصحاب مؤيداً ببعض الروايات كقوله (علیه السّلام) في مشهورة ابي خديجة المتقدمة (اياكم ان تحاكموا الى احد من هؤلاء الفساق فانه ظاهر في تعليق التحذير عن التحاكم اليهم على وجود وصف الفسق فيهم فيعلم من ذلك انه لا يجوز الترافع الى مطلق الفاسق بل الى العادل وكقوله (علیه السّلام) في المروى عن الخصال اتقوا الفساق من العلماء) وللمروى عن الفقيه من قوله (علیه السّلام) اتقوا الحكومة فانها للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين ، وعن البحار من قوله (علیه السّلام) انه لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا بامام عادل .

عدلين وبالمعاشرة المفيدة للعلم بالمملكة أو الاطمئنان بها وبالشياع المفيد للعلم(1).

مسئلة (45 اذا مضت مدة من بلوغه وشك بعد ذلك في ان اعماله كانت عن تقليد صحيح ام لا يجوز له البناء على الصحة في اعماله السابقة(2)وفي اللاحقة يجب التصحيح فعلا(3).

(مسئلة 46) يجب(4)على العامى ان يقلد الاعلم في مسألة وجوب تقليد


و اما ما يقال فى وجه ذلك من ان القضاء منصب شريف ومرتبة رفيعة فكيف يرضى الشارع بتصدى الفاسق الخارج عن طريقة الشرع له ، فمجرد استبعاد لا ينهض دليلا على المدعى من اشتراط العدالة فيه كما تقدم في المفتى (نعم) لا بأس بكونه تأييداً لذلك كما لا يخفى .

ص: 197


1) وبحسن الظاهر الكاشف عنها ظناً بل مطلقا الا مع الظن بالخلاف فانه لم يثبت من الادلة اعتباره حينئذ كما تقدم وقد سبق وجه ذلك كله فى المفتى .

2) لجريان اصالة الصحة فيها كما تقدم فى (المسئلة 41) .

3) بالرجوع الى المجتهد الجامع للشرائط ، ولا يمكن البناء على صحة الاعمال اللاحقة المطابقة للاعمال السابقة من جهة التلازم فى الصحة بينهما (وذلك) لان اصالة الصحة من الامارات كانت او من الاصول لا تثبت اللوازم العقلية من اجل قصور دليلها عن اثبات ذلك ، وهذا نظير جريان قاعدة الفراغ في الصلوة مع الشك في الطهارة بعد الفراغ عنها ، فانه لا يجوز الدخول فى الصلوة التالية بدون تحصيل الطهارة .

4) وان لم يجب عليه التقليد في اصل وجوب التقليد بل انما هو بحكم العقل كما تقدم والا لدار او تسلسل (وذلك) لعدم استقلال العقل بوجوب تقليد الاعلم الا من باب الاحتياط والاخذ بما هو المتيقن في الحجية لدوران امرها بين

الاعلم او عدم وجوبه ولا يجوز(1)ان يقلد غير الاعلم اذا افتى بعدم وجوب تقليد الاعلم بل لو افتى الا علم بعدم وجوب تقليد الأعلم يشكل(2)جواز الاعتماد عليه فالقدر المتيقن للعامى تقليد الاعلم في الفرعيات .

(مسئلة 47) اذا كان مجتهد ان احدهما اعلم في احكام العبادات والاخر اعلم فى المعاملات(3)فالاحوط تبعيض التقليد ، وكذا اذا كان احدهما اعلم في بعض العبادات مثلا والآخر فى البعض الاخر .

(مسئلة 48) اذا نقل شخص فتوى المجتهد خطاء يجب عليه اعلام من تعلم منه ، وكذا اذا اخطاء المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام(4).


التعيين والتخيير ، فاذا قامت الحجة على عدمه عدمه فيرتفع موضوع الاحتياط فلا يبقى (ح) مجال لحكم العقل بوجوب تقليد الاعلم كما لا يخفى .

(نعم) لوادرك العقل عدم حجيته واقعاً بمعنى انه انكشف له عدم جعل الحجية له بحسب الواقع ونفس الأمر لما جاز تقليده وان افتى الاعلم بحوازه لقطع العامى (ح) ببطلان فتواه وجداناً فلا يمكن التعبد على خلافه ولكن الظاهر ان استقلال بعدم العقل بعدم الحجية ليس بمعنى الادراك المزبور بل كان من باب الاحتياط والاخذ بما هو المتيقن كما ذكر .

ص: 198


1) لعدم دليل على اعتبار قوله وعدم ثبوت حجيته بامر عقلی او نقلی ، بل الأصل يقتضى عدم الحجية .

2) بل الظاهر هو الجواز اذلاتنا في بين استقلال العقل بوجوب الرجوع الى الاعلم من باب الاحتياط والاخذ بما هو المتيقن عند دوران امر الحجية بين التعيين والتخيير كما تقدم لعدم احرازها الافى الاعلم ، وبين جواز الرجوع الى غير الاعلم بفتوى الاعلم ، اذ حجية قوله تصير محرزة (ح) بما هو محرز الحجية .

3) بل الاظهر ذلك مع المخالفة فى الفتوى كما تقدم وجه ذلك بما لا يخفى.

4) وذلك لوجوه تقصر عن الدلالة على ذلك مطلقا بل غايته الدلالة على

وجوب الاعلام بالاضافة الى الاحكام الالزامية .

(منها) الآيات الدالة على وجوب تبليغ الاحكام كايتى النفر والكتمان اعنى قوله تعالى (ولولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذ ارجعو اليهم لعلهم يحذرون) وقوله تعالى (ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) .

ولا يخفى عدم شمول الاولى لغير الاحكام الالزامية ، اذ لا يصدق الانذار والتخويف على غيرها و به يظهر الامر فى قوله تعالى (ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جائكم بشير ونذير) وأما الثانية فقد يقال بعمومها المطلق الاحكام لكن الظاهر عدم شمولها ايضا لغير الاحكام الالزامية (وذلك) لان الظاهر منها هو حرمة كتمان ما يكون هدى للناس عن الهلكة والضلالة كما يرشد اليه مورد الاية المباركة من عدم إيمان اليهود بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لكتمان علمائهم آيات نبوته وعلاماته بعد ما بين الله لهم في التوراة لا مطلق ما أنزل الله تعالى من البينات والهدى وان لم يكن في تركه هلكة ولاضلالة مثل الاحكام غير الا لزامية فليتأمل .

(ومنها) الروايات الدالة على ذلك ، مثل رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال قرأت في كتاب على ان الله تعالى لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم حتى اخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهال لان العلم كان قبل الجهل ، وروايته الأخرى عنه (علیه السّلام) عن آبائه قال قال على (علیه السّلام) ان العالم الكاتم علمه يبعث أنتن أهل القيامة ريحاً تلعنه كل دابة من دواب الارض الصغار .

وحيث ان الظاهر منهما كون التعليم طريقاً كالتعلم بلحاظ رعاية المصالح والمفاسد الواقعية وعدم وقوع الجهال فى المعصية والهلكة ، فيستفاد منهما انه يجب التعليم على العالم فيما يجب فيه التعلم على الجاهل ، وهو انما يكون في الاحكام الا لزامية التي تترتب على ترك التعلم فيها مفسدة دون سائر الاحكام مما لا تترتب على ترك التعلم فيها مفسدة ، كما يشهد لذلك الملازمة بين أخذه تعالى

ص: 199

العهد على العلماء يبذل العلم وبين اخذه العهد على الجهال بطلبه في الرواية الاولى كما لا يخفى .

(ومنها) الاخبار الدالة على ضمان المفتى وان عليه عقوبة من عمل بفتياه كرواية ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج قال كان أبو عبد الله (علیه السّلام) قاعداً في حلقة ربيعة الرأى فجاء اعرابي فسأل ربيعة الرأى عن مسألة ، فاجابه فلما سكت قال له الاعرابي اهو في عنقك ، فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئاً ، فاعاد المسئلة علیه فاجابه بمثل ذلك ، فقال له الأعرابي اهو في عنقك فسكت ربيعة ، فقال ابو عبد الله (علیه السّلام) هو في عنقه قال او لم يقل وكل مفت ضامن ، وكالروايات المستفيضة بان من افتى بغير علم فعليه وزر من عمل بفتياه ، غاية الامر أنه يعذر اذا اخطاء من دون تقصير في المقدمات ، فاذاعلم بالخطاء وجب عليه الاعلام دفعاً للوزر عن نفسه ولاريب ان هذا الوجه يختص بالمفتى ومقتضاه لزوم الاعلام فيما يترتب على تركه الوزر على نفسه دون ما اذا لم يترتب عليه ذلك كما في غير الاحكام الا لزامية .

(ومنها) ان ذلك تسبيب الى الحرام أى ما يعم ترك الواجب لاستناد العامي في فعله الحرام أو تركه الواجب الى فتوى المجتهد أو نقل الناقل لها وحرمة التسبيب الى الحرام ثابتة بحكم العقل والنقل ، ولا يخفى ان هذا الوجه وان يعم النقل والفتوى الا انه يختص بما اذا كان النقل والفتوى باباحة الواجب او الحرام ولا يطرد في غيرهما .

وقد يدعى ان الاستناد الى الفتوى انما يقتضى حرمتها لو كانت عمداً والمفروض خلافه ، وترك الاعلام الذى هو محل الكلام غير مستند اليه العمل .

(ولكن يرد عليه) ان التسبيب صادق الاول بمجرد الافتاء على خلاف من الواقع اذلا اعتبار بالعلم والقصد في صدق ذلك ، غايته ان المفتي كان معذوراً في تسبيبه (هذا) ما دام جهله بالحال ، فاذا ارتفع الجهل بظهور الخطاء يرتفع يرتفع العذر بقاء فالتسبيب وان لم يكن محرماً حدوثاً الا انه يحرم بقاء ببقاء موضوعه لاستناد المقلد الى فتواه فى الاعمال الاتية ، وهذا نظير ما اذا قدم طعاماً نجساً للضيف جاهلا بنجاسته

ص: 200

(مسئلة 49) اذا اتفق فى اثناء الصلوة مسألة لا يعلم حكمها يحوز له ان يبنى على احد الطرفين(1)بقصد ان يسأل عن الحكم بعد الصلوة وانه اذا كان مااتى به على خلاف الواقع يعيد صلوته ، فلو فعل ذلك وكان ما فعله مطابقاً للواقع لا يجب عليه الاعادة .

(مسئلة 50) يجب على العلمى فى زمان الفحص عن المجتهد أو عن الا علم ان يحتاط في اعماله(2).


ثم علم بالنجاسة اثناء اشتغال الضيف بالاكل ، فانه يجب عليه الاعلام بلا اشكال .

ص: 201


1) برجاء ادراك الواقع أو ادراك الوظيفة الفعلية في حقه مطلقاً ، لانه نحو من الاحتياط الذى حسن على كل حال وان لم يقصد السؤال بل الامتثال على فرض ظهور الخطاء (نعم) لا يجوز له البناء على انه الواقع أو حكم الله تعالى من جهة کونه تشريعاً في الظاهر وقد يصير العمل فاسداً من أجله ، ثم ان مقتضى حكم العقل عدم جواز الاكتفاء بذلك لعدم اليقين معه بالبرائة وفراغ الذمة بل لابد من السؤال عن حكم المسئلة فان اتفق مطابقته للمأمور به الواقعى أو الظاهرى من فتوى من يجوز تقليده والا يعيد صلوته ويمتثلها على الوجه الصحيح كي يفرغ عهدته عما اشتغلت به من التكليف ، ويحصل له الامن من العقاب المحتمل وهذا ظاهر .

2) لعدم حصول الا من من العقاب بدونه ، لكنه فى الفرض الاول وهو زمان الفحص عن المجتهد ظاهر ، اذ لا يمكنه الامتثال عقلا الابه فيجب عليه الاحتياط حتى يجد المجتهد فيقلده وأما في الفرض الثاني اعنى الاعلم فربما يشكل ذلك من جهة احتمال عموم دعوى الاتفاق على جواز التقليد للفرض المزبور فلا بد له (ح) من التقليد ، فان جوز له الاحتياط فيتخير في عمله بين التقليد أو الاحتياط والا فينحصر امره في التقليد ولكن يكفى فى الاحتياط (ح) الاخذ باحوط الاقوال في المسئلة كما لا يخفى .

(مسئلة 51) المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرف في الاوقاف او في اموال القصر ينعزل بموت المجتهد(1)بخلاف المنصوب من قبله كما اذا نصبه متولياً للوقف او قيماً على القصر فانه لاتبطل توليته وقيمومته على الاظهر(2).


(أقول) انه لو سلم ذلك فانما هو فرع ثبوت اصل الولاية للفقيه على النصب ولو كان عن الامام ، ولكن اثباته في غاية الاشكال ؛ بل القدر المتيقن من الاجماع والنص هى ولايته على القضاء دون سائر الولايات ، مثل ولايته على الحكم في غير المخاصمات كما في الهلال وعلى القصر و الغيب والاوقاف فضلا عن ولايته على نصب القيم للقصر والمتولى للاوقاف (نعم) يمكن اثبات الولاية له في الثاني والثالث من باب الحسبة ، وأما الاخير فلا لحصول الحسبة بالمباشرة والتوكيل (ومعه) لا وجه

ص: 202


1) أما فى المأذون فلارتفاع الاذن بالموت ، وأما في الوكيل فلدعوى الاجماع على بطلان وكالته بالموت ؛ وعن الجواهر انها هي العمدة في بطلان الوكالة بالموت .

2) وقد يوجه ذلك (تارة) بان الولاية بما أنها سلطنة مفوضة تكون قابلة للبقاء باستعداد ذاتها ما لم يرفعها رافع كعزل المجتهد للولى؛ وأما موته فلا يكون رافعاً ولا اقل من الشك فيستصحب ، وهذا بخلاف الوكالة فانها الاستنابة في التصرف بحيث يكون فعل الوكيل فعلا للموكل تنزيلا ، فتدور مدار قابلية الموكل للتصرف وجوداً وعدماً والموت يسقطه عن اهلية التصرف فيكون الموت مبطلا للوكالة دون الولاية ، وبهذا يفرق بينهما ومن هنا لا يتمكن الوكيل من ان يتصرف بما زاد على مقدار الوكالة بخلاف الولى ، فان تصرفه يكون منوطا بالغبطة والمصلحة في نظره (واخرى) بان المرتكز فى أذهان المتشرعة والمستفاد من النصوص ان منصب القضاء منصب نیابی ، فجميع الوظائف التي يؤديها القاضي من فصل الخصومة و نصب قيم ونحو ذلك يؤديه نيابة عن الامام ، فمنصوبه منصوب الامام ولا يقصد به كونه نائبا عن الامام او عن المجتهد ، ولازم ذلك البناء على عدم البطلان بالموت .

(مسئلة 52) اذا بقى على تقليد الميت من دون ان يقلد الحى في هذه المسئلة كان كمن عمل من غير تقليد(1).

(مسئلة 53) اذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الاربع واكتفى بها ، أو قلد من يكتفى فى التيمم بضربة واحدة ثم مات ذلك المجتهد ، فقلد من يقول بوجوب التعدد لا يجب عليه اعادة الاعمال السابقة(2).


للتفويض كما لا يخفى .

ص: 203


1) في عدم جواز الاكتفاء بالاعمال السابقة عقلا ما لم تظهر صحتها من جهة المطابقة لفتوى الحى بها ايضا أو من أجل فتوى الحى بجواز البقاء فيها وان لم تطابق لفتوى الحى (وذلك) المشك فى حجية فتوى الميت مع عدم الرجوع الى الحى في مسألة البقاء ، فلا يجوز (ح) الاستناد اليه فى عمله لانه في حكم العدم حيث ان الشك فى حجيته مساوق للقطع بعدم الحجية ، اللهم الا ان يجتهد في ذلك فادى نظره الى جواز تقليده ايضا (فح) يمكن الاجتزاء به من جهة انه رآه حجة فى حقه ، وقد تقدم ان مسئلة التقليد ليست تقليدية والا يلزم الدور أو التسلسل ؛ لكن الظاهر من فرض المسئلة هو الأول كما لا يخفى .

2) إما لاقتضاء موافقة الامر الظاهرى للاجزاء ، وإما لدعوى قيام الدليل عليه بالخصوص من الاجماع أو السيرة أو نفى الحرج ؛ وإما لاستصحاب الحجية لفتوى الميت بالاضافة الى الوقائع السابقة بعد قصور الدليل عن اثبات الحجية لفتوى الحى بالاضافة اليها ان العمدة في جوار العدول اليها أو وجوبه هو الاجماع أو أصالة التعيين فى الحجية عند الدوران بينه وبين التخيير (وكلاهما) لا يثبتان الحجية بالاضافة الى الوقائع السابقة لاهمال الأول فيقتصر فيه على القدر المتيقن ولا سيما مع تصريح جماعة من الاعاظم بالرجوع في الوقائع السابقة الى فتوى الاول وعدم وجوب التدارك بالاعادة أو القضاء ، ولورود استصحاب الاحكام الظاهرية الثابتة بمقتضى فتوى الأول فى الوقائع السابقة على الثاني اعنى اصالة

التعيين لانها اصل عقلى لا يجرى مع جريان الأصل الشرعى .

وفى الكل ما لا يخفى (أما الاول) فلان مقتضى القاعدة الاولية في الاوامر الظاهرية عند كشف الخلاف هو النقض وعدم النقض وعدم الاجزاء بناء على الطريقية في باب الامارات كما قد حقق في محله واطلاق دليل الواقع هو المحكم (وأما الثاني) فلانه غير ثابت اذ لم يتحقق بعد اجماع تعبدى فى المقام مع ان المحكى عن العلامة والعميدى هو دعوى الاجماع على خلافه وكذلك السيرة ولو تمت لا يمكن التعويل عليها ايضا لكونها مستندة الى فتاوى الاصحاب ولم يحرز اتصالها بزمان المعصومين عليهم السلام وأما دليل نفى الحرج فهو شخصى لا يطرد في جميع فروض فروض المسئلة كما لا يخفى(وأما الثالث) وهو استصحاب الحجية لفتوى الميت بالاضافة الى الوقائع السابقة او استصحاب الاحكام الظاهرية الثابتة بفتواه فى تلك الوقائع فقد ظهر الجواب عنه مما تقدم في مسئلة البقاء على تقليد الميت فراجع .

والصحيح في المقام انه بعد الرجوع الى الحى والعلم بمخالفة فتواه لفتوى الميت كما هو المفروض تسقط فتوى الميت عن الحجية بالمعارضة فليس للمكلف حجة على الاجتزاء بالاعمال السابقة من حيث آثارها اللاحقة من الاعادة والقضاء بقاء فلا بد في معرفة حكمها من هذه الجهة من الرجوع الى الحى إما لكونه اعلم اولكون فتواه موافقاً للاحتياط اذا كان مساويا مع الميت في الفضيلة هذا هذا هو وظيفة المقلد من حيث العمل .

وأما وظيفة المجتهد المرجوع اليه في المقام من حيث الافتاء ان العمل السابق المطابق لفتوى المجتهد الأول اذا كان النقص فيه نقصاً لا يضر مع السهو او الجهل بالصحة كما في غير الخمسة المستثناه في (حديث لا تعاد) أعنى الوقت و الطهور والركوع والسجود وغير ما ورد النص فيه بالخصوص بوجوب الاعادة لا تجب اعادته ولا قضائه (وهذا) كالسورة فى الصلوة ، فلو افتى الأول بعدم وجوبها في الصلوة فعمل المقلد به ولم يأت بها في الصلوة ثم قلد من افتى بالوجوب لا تجب علیه اعادتها مع السورة فى الوقت فضلا عن قضائه فى خارج الوقت ؛ وذلك لعموم

ص: 204

وكذا لو اوقع عقداً أو ايقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة(1)نعم فيما سياتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني .

وأما اذا قلد من يقول بطهارة شيىء كالغسالة ثم مات وقلد من يقول بنجاسته فالصلوات والاعمال السابقة محكومة بالصحة وان كانت مع استعمال ذلك الشيء وأما نفس ذلك الشيء اذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته ، وكذا في الحلية والحرمة فاذا افتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد مثلا فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد وقلد من يقول بحرمته فان باعه أو اكله حكم بصحة البيع واباحة الاكل واما اذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا اكله وهكذا(2).


حديث لا تعاد لمثله .

واذا كان النقص في ذلك نقصاً يضر بصحة العمل مطلقاً ، فان كان اجتهاد الثاني من باب الاحتياط والاخذ بالمتيقن كما في لزوم التعدد في ضربات التيمم من اجل عدم تمامية الدليل اللفظى عنده على احد الطرفين وجبت الاعادة في الوقت القاعدة الاشتغال دون القضاء خارج الوقت لاصالة البرائة عن وجوب القضاء لكونه بامر جديد ، واستصحاب عدم الاتيان لا يثبت موضوع القضاء الذى هو فوت الواجب في وقته ، وان كان اجتهاده من جهة التمسك بالدليل فالظاهر هو وجوب هو وجوب الاعادة مطلقاً ولو في خارج الوقت لكشف بطلان الاعمال الماضية بالدليل فلا مجال معه البرائة عن وجوب القضاء .

وهذا يجرى في العدول عن الحى الى الحى من اجل تجدد اعلمية الثانى او فقد الشرط في الأول ، وكذا في تبدل رأى المجتهد بالاضافة الى اعماله واعمال مقلديه ، وذلك لسقوط الفتوى الاولى عن الحجية في الجميع كما لا يخفى .

ص: 205


1) والكلام فيه كما تقدم من غير فرق ظاهر بين الموارد والاحوط ترتيب الاثار الفعلية للبطلان على ذلك وما بعده .

2) وقد يشكل الفرق بينه وبين العقود والايقاعات السابقة ، فان حلية الحيوان

(مسئلة 54) الوكيل في عمل عن الغير كاجراء عقد أو ايقاع أو اعطاء خمس أو زكوة أو كفارة أو نحو ذلك يجب ان يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه(1)وكذلك الوصى فى مثل ما لو كان وصياً في استيجار الصلوة عنه يجب ان يكون وفق فتوى مجتهد الميت .


من آثار الذبح السابق كما ان حلية المرئة من آثار العقد السابق (نعم) فيما كان الاثر مرتباً على وجود الموضوع حدوثاً وبقاء ولم يكن من آثار السبب السابق يجب العمل على تقليد الثانى كنجاسة عرق الجنب من الحرام (هذا) ولكن الظاهر مما تقدم عدم الاجزاء ونقض الاثار في جميع موارد الاحكام الظاهرية من غير فرق فى ذلك بین مواردها من العبادات وغيرها

فقد يقال ان اطلاق الوكالة يقتضى ايكال تطبيق العمل الموكل عليه الى نظر الوكيل ، فاذا وكله على شراء فرس بدرهم وكان نظر الوكيل ان المطابق

ص: 206


1) لا ينبغى الريب فى ان الوكيل (تارة) يكون مجرد الالة لايجاد الشيىء من دون ان يكون له نظر و استقلال المتصرف فيه وهذا كالوكيل في اجراء العقود والايقاعات فمن وكل عالماً مثلا فى اجراء عقد البيع أو النكاح لا يترتب عليه الأثر من تحقق خيار المجلس والعيب عند ظهوره للوكيل بل للموكل وفى مثله لا بد ان يكون التصرف فيه بنظر الموكل لا الوكيل (واخرى) يكون على نحو لابد له الاستقلال فيه بنفسه فكانه الموكل ، وهذا كاعطاء الاخماس والزكوات أو الكفارات الى حكام الشرع الانور ليصرفوها في مصارفها لانهم اعرف بمواقع الصحة والفساد ولا معنى (ح) للقول بأن صرف الحاكم لا بد وان يكون بنطر الدافع الموكل بل بنظر الحاكم كما لا يخفى ، وذلك لا يستلزم الاشتراك اللفظى بل الاشتراك المعنوى اعنى الاستنابة في الشيء حال الحيوة ولكن يمكن حصولها في الخارج على الوجهين المزبورين بالوجدان ولا يحتاج الى اقامة البرهان كما ذكره بعض الاعلام (قدس سره) وانما الكلام في موارد الشك فى أنها على أى وجه تحققت .

(مسئلة 55) اذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة المعاطاة مثلا او العقد بالفارسي ، والمشترى مقلداً لمن يقول بالبطلان لا يصح البيع بالنسبة الى البائع


لمفهوم شراء الفرس بدرهم هو كذا كان موضوعا للتوكيل ونافذاً في نظره (نعم) اذا اتفق التفات الموكل الى الاختلاف في التطبيق فقد يشكل ذلك من جهة ان نظر الموكل مانع من عموم التوكيل لمورد الاختلاف (ويدفعه) انه وان كان يمنع من عمومه بنظر الموكل تفصيلا لكن لا يمنع من عمومه اجمالا وهو كاف في جواز العمل ، مثل اذا وكله فى ان يعقد له امرأة وكان الموكل يعتقد فساد العقد بالفارسية والوكيل يعتقد صحته فان موضوع الوكالة وهو العقد الصحيح باطلاقه الاجمالي ينطبق على العقد بالفارسية وان كان لا ينطبق باطلاقه التفصيلي بنظر الموكل .

هذا ولكن يرد عليه ان الغرض من توكيل الغير في عمل هو ترتيب الاثر على فعله عند الموكل والاكتفاء بعمله عن المباشرة (وهذه) قرينة عرفية عامة على تخصيص مورد الوكالة بما يراه الموكل صحيحا ومفرغا لذمته بالاجتهاد او التقليد ؛ ومعها لا مجال لتوهم التمسك بمقدمات الحكمة لاثبات الاطلاق بل نحتاج فيه الى قرينة خاصة تدل على كون الغرض اعم ، وعليه فلابد للوكيل من مراعات نظر موكله من حيث الصحة والفساد .

ومن هذا ظهر الحال في الوصى وانه لابد من ان يستأجر للنيابة عن الميت في الصلوة وغيرها من العبادات كالصوم والحج من يأتى بالعمل على وفق فتوى مجتهد الموصى لاغيره ، وذلك لاجل ما ذكر آنفاً في الوكالة من وجود القرينة العرفية العامة الموجبة لانصراف الوصية عرفاً الى ما يراه الموصى مفرغاً لذمته كالوكالة وأما نفس الاستيجار الذى هو عمله فالظاهر انه كسائر اعماله لا يلزم فيها الارعاية فتوى مجتهد نفسه اذ لا موجب لرعاية فتوى مجتهد الموصى في ذلك كما لا يخفى

ص: 207

ايضاً لانه متقوم بطرفين(1)فاللازم ان يكون صحيحاً من الطرفين ، وكذافي كل عقد كان مذهب احد الطرفين بطلانه ومذهب الآخر صحته .

(مسئلة 56) في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعى(2)الا اذا كان مختار المدعى عليه اعلم(3)بل مع وجود الاعلم وامكان الترافع اليه الاحوط الرجوع اليه مطلقاً .

ص: 208


1) ويمكن أيضاً توجيه صحة العقد من الطرفين فى فرض المسئلة بعين التعليل المزبور ، وان العقد متقوم بطرفين ولا يتحقق مفهومه الا بين اثنين ، فاذا وقع صحيحاً من أحد الجانبين فلابد من وقوعه كذلك من جانب الاخر اذ لا يمكن الصحة من طرف دون الآخر ولكنه انما يتم بالاضافة الى الحكم الواقعي في مقام الثبوت لوجود التلازم فيه بين الأمرين (وهذا) لا يمنع التفكيك بالاضافة الى الحكم الظاهري في مقام الاثبات ، فانه يمكن التفكيك فيه بين الطرفين فيكون العقد صحيحاً في حق أحدهما فاسداً في حق الآخر فكل يعمل على وظيفته ، ولا مانع من مثله وذلك غير عزيز ، فان الماء الواحد كالغسالة تكون طاهراً عند بعض و نجساً عند آخر مع انه الواقع لم يكن محكوماً الا باحد الامرين وهكذا ، ولكنه قد يؤدى الى النزاع والخصومة فيرفع امره الى الحاكم ويرجع فيه اليه لاجل حسمه كما لا يخفى .

2) لدعوى الاجماع عليه كما عن المستند وظهور بناء العقلاء على ان طرق اثبات الدعوى بيد المدعى وان له اختيار أى طريق شاء في إثبات دعواه ، ولاريب فى ان اختيار الحاكم من طرق اثبات دعواه فيكون بيد المدعى (هذا) مضافاً الى ان المدعى هو المطالب بحق الدعوى ولاحق لغيره ، وربما يعد من فروع ذلك اعجاز الانبياء (علیهم السّلام) وانه يكفي في اثبات نبوتهم أى معجزة جاءوا بها من عند الله عز وجل، وليس للناس بعد ذلك ان يقترحوا على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) معجزة خاصة فان طلبوا منه ذلك واتى به لهم فهو تفضل منه .

3) فيقدم على مختار المدعى ، هذا مع الاختلاف في الفتوى التي تكون

(مسئلة 57) حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه(1)ولو لمجتهد آخر الا اذا تبين خطأه .


منشأ لاختلاف الحكم ظاهر (وذلك) لقصور الاجماع والبناء المزبور عن شموله فانهما لبيان ، والقدر المتيقن منهما غير ذلك ، بل ربما يظهر من الروايات وبناء العرف والعقلاء تقديم ذلك مع انه من دوران الامر بين التعيين والتخيير الذي يحكم العقل في مثله بالاخذ بالتعيين ، وأما مع الاتحاد في الفتوى (فغير ظاهر) ولا يبعد شمول ما دل على تقديم مختار المدعى للفرض المزبور ايضاً .

هذا كله فيما اذا كان احد المتخاصمين مدعيا والاخر منكراً ، واما اذا تداعيا و كان كل منهما مدعياً ومنكراً فلا موجب لان يكون الاختيار لواحد معين منهما ، بل كل من سبق الى رفع امره الى الحاكم فحكم له نفذ حكمه ، ولورفعا امرهما الى حاكمين ينفذ حكم من سبق بالحكم لدخوله تحت ادلة النفوذ بلا مانع (نعم) مع الاقتران في الحكم لم ينفذ من احدهما لعدم المرجح ، ونفوذهما معاً ممتنع للتنافي .

(هذا) مع تساوى الحاكمين فى الفضيلة ، وأما مع الاختلاف فيها فقد يدعى الاجماع على وجوب الرجوع الى الاعلم في ذلك (ولعله) لما في مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها من ان الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وانه ينظر الى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيمضى حكمه ، وانه ينظران الى افقههما واعلمهما باحاديثنا واورعهم فينفذ حكمه ولا يلتفت الى الاخر (ولكنه) بعد تسليم السند فيها فان موردها هو اختلاف الحكمين والتعدى عنه الى غيره يحتاج الى قرينة ولا قرينة (هذا) مع ان لازم ذلك هو الترجيح بغيره من المرجحات المذكورة في رتبته ، وهو على الظاهر مما لم يلتزم به احد .

ص: 209


1) لما ادعى عليه من الاجماع بقسميه ولعله لما فى مقبولة عمر بن حنظلة من قوله(علیه السّلام) فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو في حد الشرك بالله .

وأما اذا تبين خطأه لنفسه أو لحاكم آخر (فتارة) يكون ذلك بدليل غير قطعى (واخرى) بدلیل قطعى وعلى الاول فقد يدعى انه لا يجوز نقضه ايضاً لاطلاق ما تقدم وعن الجواهر لما هو المعلوم بل حكى عليه الاجماع بعضهم من عدم جواز نقض الحكم الناشى عن اجتهاد صحيح باجتهاد كذلك وانما يجوز نقضه بالقطعى من اجماع أو سنة متواترة أو نحوهما (انتهى) .

ولكن عن جماعة كالشرائع وغيره اطلاق القول بجواز نقض الحكم عندتبين خطائه ولا يبعد ان يكون مرادهم هو فرض العلم بخطاء الحكم للواقع أو في طريقه وان احتمل موافقته للواقع كما يقتضيه اطلاق التبين فان ظاهره هو العلمى لا غير، ولعل المراد من العبارة ذلك ايضاً لما ذكر (وح) فالبحث انما يقع في جو از نقض الحكم بالقطع بخطأه بحيث لا يتأتى فيه احتمال الخلاف لنفسه أو لحاكم آخر. ولا ينبعى الاشكال في انه بناء على كون المراد بالحكم هو الحكم الواقعي جاز نقضه فيما اذا ظهر خطأه فى الاستناد أو المستند كما اذا اعتمد في حكمه على بينة غير عادلة مع اعتقاد العدالة فيها أو اعتمد على ظهور رواية لم يعثر على وجود القرينة على خلافها وقد ظهرت القرينة لغيره من الحكام (وذلك) لان الحكم الصادر من الحاكم الاول وان كان عن مبادى مشروعة واجتهاد صحيح الا انه مخالف للواقع في نظر الحاكم الثاني لقيام الحجة على خلافه عنده فليس ذلك حكمهم (علیه السّلام) يحرم نقضه .

وبالجملة فالصحيح ماذكره بعض أجلة السادة من مشايخنا المحققين من ان الحكم الصادر من الحاكم الجامع لشرائط الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح وان كان طريقاً شرعاً الى الواقع لكل احد ، ولكن كما يسقط عن الطريقية عند العلم بمخالفته للواقع كذلك يسقط عن الطريقية عند العلم بوقوع الخطاء في طريقه وفي مباديه وقيام الحجة على خلافه وان احتمل موافقته للواقع (انتهى) .

وأما بناء على كون المراد بذلك هو الحكم الواقعي بنظر الحاكم بحيث يكون النظر موضوعاً لوجوب التنفيذ والمعنى انه اذا حكم بما يراه حكمهم (علیه السّلام)

ص: 210

وجب قبوله وحرم رده ، فلا يجوز النقض بل وجب القبول حتى مع العلم بالخطاء فى مباديه كما يقتضيه اطلاق الدليل بل ربما يقال ان مقتضى الاطلاق (ح) نفوذ الحكم مطلقاً على نحو الموضوعية وان علم من دليل قطعي ان ما يراه حكمهم ليس بحكم الله وانه حكم بخلاف ما أنزل الله ، فمن أجله يشكل الالتزام بذلك اذ كيف يحتمل وجوب قبول ما لم يكن بحكم الله وحرمة رده وكون الراد عليه الراد على الله وانه فى حد الشرك بالله تعالى ، بل يشهد على خلاف ذلك صحیح هشام بن الحكم قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) انما اقضى بينكم بالبينات والايمان وبعضكم الحسن بحجته من بعض ، فايما رجل اقتطعت له من مال اخيه شيئاً فانما قطعت له به قطعة من النار ، فانه صريح في عدم الموضوعية للحكم كما لا يخفى .

ولذلك قيل انه يتعين حمل الدليل على الطريقية والحجية ولاجل انه يمتنع جعل الطريقية في ظرف العلم بالواقع يمتنع العمل بالدليل مع العلم بمخالفة الحكم للواقع أما مع احتمال الموافقة للواقع فيجب العمل بدليل حجيته وان علم بوقوع الخطأ في طريقه لان حجية الحكم ليست من سنخ حجية الخبر والفتوى عن حس ا وحدس بل فيه نحو من الموضوعية وشبه بها لانه منصب وولاية ، فحكم الحاكم نظير حكم الوالى والامير واجب الاتباع ولو مع العلم بالخطأ ما دام يحتمل موافقته للواقع .

وبالجملة فرق واضح في نظر العرف بين جعل قول المجتهد حكمت بان هذا نجس حجة، وجعل قوله هذا نجس حجة فانه مع العلم بالخطاء في طريق الاول لا يسقط عن الحجية وفى الثانى يسقط ولم يثبت عند العقلاء قدح مثل ذاك العلم بالخطاء في الحجية عندهم على نحو يكون كالقرينة المتصلة التى يسقط بها اطلاق المطلق ، فالعمل بالاطلاق متعين (نعم) لا ريب فى انصرافه عن الحكم الجارى على غير الموازين اللازمة في الاستنباط والاجتهاد عمداً أو سهواً او نسياناً ويبقى غيره تحت العموم والاطلاق .

ص: 211

(مسئلة 58) اذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره ، ثم تبدل رأى المجتهد في تلك المسئلة لا يجب على الناقل اعلام من سمع منه الفتوى الاولى(1)وان كان احوط ، بخلاف ما اذا تبين له خطأه في النقل فانه يجب عليه الاعلام .

(مسئلة 59) اذا تعارض الناقلان فى نقل الفتوى تساقطا(2)وكذا البينتان واذا تعارض النقل السماع من المجتهد شفاها قدم السماع(3)وكذا اذا تعارض ما في الرسالة مع السماع(4)وفي تعارض النقل مع ما فى الرسالة قدم ما

ص: 212


1) لان النقل كان مستنداً الى الحجية وهى فتوى المجتهد ولا يصدق التسبيب الى الحرام بتبدل رأيه فلا موجب للاعلام الا من باب وجوب تبليغ الاحكام المشترك بينه وبين غيره (وهذا) بخلاف ما اذا اخطأ فى النقل فانه ربما يكون تسبيباً الى الحرام ، اعنى ما هو الاعم من ترك الواجب على حد ما تقدم في المسألة الثامنة والاربعين ، وهو غير مطرد في جميع موارد الخطاء في النقل (ومنه) قد ظهر ما في اطلاق قوله يجب عليه الاعلام .

2) كما هو الاصل في المتعارضين ، لكنه مبنى على عدم عموم أدلة الترجيح للمقام والا فان كان لاحدهما ترجيح ككونه اوثق او اضبط في النقل من الاخر فيتعين الاخذ به دون الاخر (هذا) مع تكافؤ النقلين والا فلا ريب في لزوم الاخذ بقول من يحصل منه الوثوق دون من لا يحصل .

3) مطلقا مع عدم احتمال تبدل رأيه (وذلك) لانه من تعارض القطعى و الظني ، اذا السماع يوجب القطع بنقل المجتهد لرأيه والنقل طريق وامارة الى نقله لذلك ، ومع احراز نقله بالوجدان يقطع بمخالفة النقل للواقع فيسقط عن الاعتبار ، وأما مع احتمال تبدل رايه فالظاهر تقديم ما هو المتأخر تاريخه من حين حدوثه ، وذلك لان استصحاب رأيه السابق الثابت بالحجة من سماع أو نقل محكوم بما هو الحجة على خلافه كذلك ، فمنه قد ظهر ما في اطلاق القول بتقديم السماع كما فعله المنصف (قدس سره) .

4) اذا كانت الرسالة على نحو الحكاية عن قول المجتهد كما اذا كانت بخط غيره مع احتمال عدم رؤية المجتهد لها ، فحالها حال نقل الفتوى فيجرى فيه ما ذكر في الفرض السابق بعينه ، وأما اذا لم تكن كذلك بان كانت بخط المجتهد نفسه فيقع التعارض فى نقاه لفتواه بين خطه وقوله ، ويشكل الترجيح لان اصالة عدم الخطاء فيهما على حد سواء ؛ اللهم الا ان يثبت من العقلاء بناء على ترجيح وثق منهما فيؤخذ به أياً منهما كان ، وقد ادعى بنائهم حينئذ على تقديم الخط لكونه اضبط من جهة اختصاصه بعناية زائدة دون المشافهة .

فى الرسالة(1)مع الامن من الغلط(2).

(مسئله 60) اذا عرضت مسئلة لا يعلم حكمها ولم يكن الاعلم حاضراً فان امكن تأخير الواقعة الى السؤال وجب ذلك(3)والا فان امكن الاحتياط تعين(4)وان لم يمكن يجوز الرجوع الى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم(5)وان لم يكن

ص: 213


1) ان كانت الرسالة بخط المجتهد كان الفرض نظير تعارض النقل والسماع اذ الخط بمنزلة القول ؛ وان كانت بخط غيره كان من قبيل تعارض النقلين كما قيل فالظاهر جريان حكمه عليه ، اللهم الا ان ينقل الناقل عدول المجتهد عما في الرسالة فيقدم قوله ، ولكن لا يخفى انه خارج فى الحقيقة عن فرض التعارض .

2) بما يجرى معه اصالة عدم الخطاء عند العقلاء ، ويمكن ان يكون المراد به ازيد من ذلك بان حصل الوثوق التام به ؛ ولعله هو الوجه في ترجيحه على النقل لعدم حصول ذلك فيه .

3) لو بنى على عدم جواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلى والا فلا يجب التأخير بل الاولى هو العمل بالاحتياط من غير تأخير .

4) بناء على عدم تمامية الاجماع على عدم وجوب الاحتياط مع امكان التقليد او عدم شموله للمقام ؛ والاجاز ترك الاحتياط والرجوع الى غير الاعلم مالم يحرز المخالفة مع الاعلم في الفتوى كما لا يخفى .

5) لبناء العقلاء على جوار الرجوع الى غير الاعلم مع عدم التمكن من الاعلم بوجه وعدم امكان الاحتياط كما امكان الاحتياط كما هو المفروض ، فهو من باب التقليد لا العمل بالظن

هناك هناك مجتهد آخر ولا رسالته يجوز العمل(1)بقول المشهور بين العلماء اذا كان من يقدر على تعيين قول المشهور ؛ واذا عمل بقول المشهور؛ ثم تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة أو القضاء(2)واذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع الى اوثق الاموات ، وان لم يمكن ذلك ايضاً يعمل بطنه ؛ وان لم يكن له ظن باحد الطرفين يبنى على احدهما ؛ وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفاً لفتواه فعليه الاعادة او القضاء .

مسئلة (61) اذا قلد مجتهداً ثم مات فقلد غيره ثم مات فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت او جوازه ، فهل يبقى على تقليد المجتهد الاول او الثاني الاظهر الثانى(3).


بمقتضى مقدمات الانسداد وهذا بخلاف الفروض اللاحقة ، ولعله لذلك حكم لما تن ،بوجوب القضاء والاعادة عند كشف الخطاء فيها دونه ، لكن ما تقدم من الاشكال في افادة الاوامر الظاهرية للاجزاء يجرى في التقليد ايضاً .

ص: 214


1) كما تقتضيه مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة الخاصة من الاخذ بالظن والعمل به مع مراعات الاقوى فالاقوى ، وهكذا الكلام فيما بعده .

2) هذا مبنى على احد الامرين إما عدم اقتضاء تلك المقدمات لحجية الظن الا على نحو الحكومة وإما عدم اقتضاء موافقة الامارة الشرعية للاجزاء مع افادة المقدمات لحجية الظن عند الشارع على نحو الكشف.

3) بناء على عدم انتقاض التقليد الصحيح الواقع في زمان بتقليد مجتهد آخر في زمان لاحق لعدم حجية رأى المجتهد اللاحق بالاضافة الى الاعمال السابقة المطابقة لرأى المجتهد في ذلك الزمان (وذلك) لانقطاع تقليد الاول (ح) بتقليد الثاني المفروض صحته اذ لا اثر لنفى الثالث جواز عدوله الى الثانى (ح) بل ينقطع الاول بالثانى جزماً فالرجوع الى الاول بعد انقطاعه جزماً بالعدول الى الثانى ليس من البقاء على التقليد، بل من التقليد الابتدائى الذي اتفق المشهور على بطلانه (وعلى هذا) فان كان الثالث قائلا بوجوب البقاء على تقليد الميت تعين البقاء

والاحوط مراعات الاحتياط(1).

(مسئلة 62) يكفى فى تحقق التقليد أخذ الرسالة(2)والالتزام بالعمل بما فيها وان لم يعلم ما فيها ولم يعمل فلو مات مجتهده يجوز له البقاء وان كان


على الثانى ، وان كان قائلا بجوازه فيتخير المكلف بين البقاء على تقليد الثاني و العدول الى الثالث .

وأما بناء على انتقاض ذلك من أجل حجية رأى المجتهد اللاحق بالنسبة الى الوقائع السابقة كما تقدم ، فلا يتم اطلاق ما في المتن لان رأى المجتهد الثالث ان كان هو وجوب البقاء على تقليد الميت تعين على المكلف البقاء على تقليد الاول ؛ لبطلان العدول الى الثانى بعد موت الاول وعدم انقطاع تقليده بتقليد الثاني في نظر الثالث ؛ حيث انه يرى بقاء قول الاول على الحجية التعيينية ، وان كان هو جواز العدول والبقاء فجاز للمكلف البقاء على الثانى لصحة العدول اليه بعد موت الاول في نظر الثالث كما انه جاز له العدول الى الثالث (نعم) لو رأى وجوب العدول تعين العدول من الثانى الى الثالث كما هو ظاهر.

(نعم) ربما تصير من مقدمات حصوله كما اذا لم يكن المجتهد منحصراً في واحد وكان من جاز تقليده متعدداً مع اختلافهم فى الفتوى (فح) يلزم ذلك لتعيين الحجة الفعلية التي لا تحصل في المقام الا بالاختيار ، وانما يتحقق هو باخذ الرسالة

ص: 215


1) بان بأخذ باحوط الاقوال مع تجويز الثالث لاصل الاحتياط والا فلا مجال له كما لا يخفى .

2) قد تقدم في اوائل الشرح فى ذيل بيان التقليد انه لايهم البحث عن تحقيق معناه اللغوى او العرفى ؛ بل العمدة في ذلك ملاحظة الادلة وانها تدل على اى شيئى ، وقد سبق ان المستفاد منها انما هو حجية رأى الفقيه وجواز اتباعه و العمل على وفقه وأما اخذ الرسالة أو الالتزام بالعمل بها او كلاهما فهى خارجة عن ضوء الادلة ولا دلالة فيها على شيئى منها فهى غير مرتبطة بالتقليد وليست منه في شيئي .

(فیما یتحقق به التقلید من الالتزام وغیره)

الاحوط(1)مع عدم العلم بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم عدم البقاء والعدول الى الحى بل الاحوط استحباباً على وجه(2)عدم البقاء مطلقاً ولو كان بعد العلم والعمل .


للعمل بما فيها أو الالتزام بالعمل على وفق رأيه فيكون ذلك من مقدمات حصول التقليد المستفاد من الادلة اعنى اتباع رأى الحجة والعمل على وفقه ، ولذا ذكرنا فيما تقدم صحة العمل المطابق للواقع أو الحجة الفعلية في حقه من رأى الفقيه اذا حصل منه قصد القربة في العبادات وان لم يتعلم الفتوى ولم يلتزم بالعمل بها وقد اتفقت عليه كلمة المتأخرين ظاهراً .

(هذا) ولكن مع ذلك قد يقال انه يكفي في جواز البقاء او وجوبه تعلم الفتوى اما بالاخذ شفاهاً او بالاخذ من رسالته او ممن ينقل عنه بانيا على العمل بها وان لم يعمل لشمول الاطلاقات لمثله كآية السؤال وهي قوله تعالى (فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) ولا يخفى انه بناء على ما ذكرنا من كون التقليد هو العمل على وفق رأى الغير فما لم يعمل برأيه حال الحيوة يكون العمل به بعد الوفاة من قبيل التقليد الابتدائى للميت الذي انعقد الاجماع على المنع عنه ظاهراً ولكن الشأن فى اثبات عمومه لمثل الفرض .

ص: 216


1) من جهة الخلاف في تحقق التقليد بمجرد أخذ الرسالة او الالتزام بالعمل بها من دون ان يعلم بما فيها بل ولم يعمل بها مع ذهاب بعضهم الى عدم جواز البقاء فى الفرض (هذا) بناء على ما اختاره من جواز البقاء على تقليد الميت والا ففيما يجب البقاء على تقليد الميت كما اذا كان اعلم من الحي ومخالفا ل-ه في الفتوى فلا يبقى مجال للاحتياط بالعدول اليه كما لا يخفى .

2) وهو الخروج عن خلاف احتمال عموم معاقد الاجماعات المحكية على المنع عن تقليد الميت للحدوث والبقاء وذهاب جماعة الى عدم جوازه كذلك ، وقد يعارضه احتمال المنع عن العدول كما قيل انه المنسوب الى اكثر القائلين بجواز البقاء فالعدول موافق للاحتياط على وجه ومخالف له على وجه آخر فتدبر .

(مسئله 63) فى احتياطات الاعلم اذا لم يكن له فتوى يتخير(1)المقلد بين العمل بها وبين الرجوع الى غيره الاعلم فالاعلم(2).

(مسئله 64) الاحتياط المذكور فى الرسالة اما استحبابي وهو ما اذا كان مسبوقاً أو ملحوقاً بالفتوى ، واما وجوبي وهو ما لم يكن معه فتوى ويسمى بالاحتياط المطلق ، وفيه يتخير المقلد(3)بين العمل به والرجوع الى مجتهد آخر، واما القسم الاول فلا يجب العمل به ولا يجوز الرجوع الى الغير(4)بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى وبين العمل به .

ص: 217


1) بناء على جواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي اليقيني بالاجتهاد او التقليد والا تعين الرجوع الى غير الاعلم ، ولا يجوز للمكلف الاحتياط مع التمكن من تقليده وليس هذا من الرجوع الى غير الاعلم في مقابل الاعلم كي لا يجوز بل من الرجوع الى العالم في مقابل غيره ان المفروض انه ليس للاعلم فتوى في الواقعة (ولا يخفى) ان هذا حكم المسئله من حيث الافتاء الذى هو وظيفة المجتهد واما حكمها من حيث العمل الذى هو وظيفة المقلد فالظاهر انه يرجع الى الاعلم في ذلك فان جوز له الرجوع الى غيره والا فيتعين عليه الاحتياط الذى اوجبه(وذلك) لانه يرى ان العمل بالاحتياط لازم فى تلك الموارد وان المفتى فيها جاهل عنده (وح) فلا يتخير الا بعد اذنه في ترك الاحتياط ورجوعه الى الغير.

2) بناء على ما اختاره من وجوب تقليد الاعلم مطلقاً واما بناء على ما سبق من عدم وجوبه الا مع العلم بالمخالفة في الفتوى فلا يلزم رعايته الا في الفرض المزبور .

3) قد تبين انه لا يتم على اطلاقه بناء على عدم جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد كما انه ليس للعامى الرجوع الى الغير في مقام العمل الا بعد اذن المجتهد في ترك الاحتياط والرجوع الى غيره .

4) لان للاعلم فتوى فى المسئلة على خلاف الاحتياط من اجل قيام الحجة عنده بخلافه على الفرض ولهذا يكون الاحتياط استحبابياً لا وجوبياً فلا يجوز للمقلد الرجوع الى غيره لانه ليس من الرجوع الى العالم في مقابل الجاهل بل الى غير الاعلم فى مقابل الاعلم وهو غير جائز وانكان فتوى غير الاعلم موافقة للاحتياط (وذلك) لانها ليست بحجة مع قيام الحجة على خلافها فلا يجوز الاستناد اليها في مقام العمل لانه تشريع محرم (نعم) الاتيان بالعمل على وجه الاحتياط الاستحبابي استناداً الى الحجة وهو قول الاعلم لا محذور فيه بل هو راجح مطلقاً كما لا يخفى .

(التخییر بین المجتهدین المتساویین فی التقلید)

(مسئلة 65) في صورة تساوى المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء(1)كما يجوز له التبعيض(2).


(نعم) لولم يمكن ذلك كما في فرض دوران الأمر بين المحذورين أو امكن ولكنه مخل بالنظام أو يوجب العسر والحرج المنفيين في الشريعة فيرجع الى القواعد الاخر الا انه ادعى تسالم الاصحاب على عدم وجوب الاحتياط والاجماع منهم على التخيير بينهما مطلقاً ، من دون فرق بين صورة الاتفاق في الفتوى والاختلاف فيها وبين موافقة فتوى احدهما للاحتياط المطلق دون الاخر وغيرها ، ولكن الشأن في ثبوت الاجماع التعبدى فى مثل المقام وان لم يبعد كله .

ص: 218


1) مع الاتفاق فى الفتوى لشمول دليل الحجية (ح) لرأى كل منهما ، واما مع الاختلاف فيها فقد تقدم فى (مسئلة (13) واشير اليه ايضاً في (مسئلة 33) ان مقتضى القاعدة هو تساقط الفتاوى المختلفة عن الحجية لسقوط ادلتها بالمعارضة محال أو قبيح والظاهر عدم ثبوت بناء من العقلاء على التخيير والترجيح بلا مرجح الاختلاف فى الفتوى كسائر اطلاقات ادلة الحجية ، فانها كما اعترف به مشايخنا المحققين لا تشمل فرض التعارض أيضاً فاللازم (ح) هو الرجوع الى الاحتياط لعدم اليقين بالبرائة الا مع العمل به .

2) والكلام فيه هو الكلام فى ما قبله فانه انما يصح مع فرض حجية فتاوى الكل في حقه كما في فرض الاتفاق في الفتوى ، واما مع الاختلاف فيها فقد ذكر ان اطلاقات ادلة الحجية تسقط بالمعارضة ، فلا يبقى مجال للاخذ بواحد منها فضلا عن التبعيض بينها وهذا اوضح من ان يخفى ، اللهم الا ان يدعى عموم الاجماع على التخيير للفرض المزبور ، ولكن قد عرفت ان الكلام فى ثبوت اصله فكيف بعمومه .

ني في احكام العمل الواحد(1)حتى انه لو كان مثلا فتوى احدهما وجوب جلسة الاستراحه واستحباب التثيت في التسبيحات الاربع وفتوى الآخر بالعكس يجوز ان يقلد الاول فى استحباب التثليث والثاني في استحباب الجلسة.


ولكنه يندفع بانه بعد البناء على جواز التبعيض في التقليد لا يضر مخالفة كل منهما بذلك ، اذ المفروض ان المخالفة فى غير مورد التقليد اللازم انما هي الموافقة في مورده وهو حاصل على الفرض وبالجملة ان المكلف يستند في عمله الى مجموع القولين منضماً احدهما الى الاخر لا الى كل واحد منهما على نحو الاستقلال كى يبطل عمله مطلقاً لعدم حصول الموافقة لرأيه (نعم) اذا حصل منه العلم الوجدانى بالبطلان كما فى موارد العلم بالملازمة الواقعية بين الأمرين وجوداً وعدماً فلا اشكال في عدم جواز التبعيض لذلك ، كما اذا قلد احد المجتهدين في الافطار وقلد الاخر في اتمام الصلوة فى موارد الخلاف في القصر والتمام فانه لاريب فى منعه لوجود التلازم الواقعى بين وجوب التمام ووجوب الصوم ، واما غير تلك الموارد مما يحتمل فيه عدم وجوب الامرين معاً كما في المثال المتقدم فلا محذور في تبعيضه من الجهة المزبورة وانكان فيه محذور من جهة الاشكال المتقدم في أصل التبعيض .

ص: 219


1) وقد يشكل التبعيض فى ذلك بالخصوص بامر آخر غير ما ذكر وهو ان التبعيض فى ذلك مؤد الى بطلان الفعل في نظر كل واحد ، فالصلوة الفاقدة للجزئين باطلة عند كل واحد من المجتهدين بلحاظ فقدها لما يعتبره هو دون الاخر فان القائل بجواز الاقتصار على التسبيحة الواحدة وعدم وجوب الزائد عليها يرى بطلان الصلوة من جهة فقدها لجلسة الاستراحة مثلا كما ان القائل بعدم وجوب جلسة الاستراحة يرى بطلانها من جهة الاكتفاء على التسبيحة الواحدة .

(في بیان محل التقلید و مورده)

(مسئلة 66) لا يخفى ان تشخیص موارد الاحتياط عسر على العامي(1)اذ لابد فيه من الاطلاع التام ، ومع ذلك قد يتعارض الاحتياطان فلابد من الترجيح وقد لا يلتفت الى اشكال المسألة حتى يحتاط ، وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط (مثلا) الاحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر لكن اذا فرض انحصار الماء فيه الاحوط التوضوء به ، بل يجب ذلك بناء على كون احتياط الترك استحبابيا والاحوط الجمع بين التوضوء به والتيمم وايضا الاحوط التثليث في التسبيحات الاربع ، لكن اذا كان في ضيق الوقت ويلزم من التثليث وقوع بعض الصلوة خارج الوقت فالاحوط ترك هذا الاحتياط ان يلزم تركه ، وكذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط لكن اذا لم يكن معه الا هذا فالاحوط التيمم به ، وان كان عنده الطين مثلا فالاحوط الجمع وهكذا .

(مسئلة 67) محل التقليد ومورده هو الاحكام الفرعية العملية فلا يجرى في اصول الدين(2)وفى مسائل اصول الفقه(3)ولا فى مبادىء الاستنباط من النحو


(وتوهم) ان حجية الرأى تعبداً توجب الامن من ذلك (مدفوع) بانها انما توجب ذلك على تقدير المعرفة فكيف يمكن ثبوتها بذلك ولو تعبداً .

ص: 220


1) بل غير ممكن له فى كثير من الموارد ، فلابد له من ان يقلد المجتهد في معرفة كيفيته حتى يؤمن من الوقوع في مخالفة الواقع ؛ إذ بدونه لا يؤمن من ذلك كما هو ظاهر .

2) لدعوى الاجماع عليه عن جماعة بل دعوى اجماع المسلمين عليه ولان ما هو المناط في وجوب معرفة الله سبحانه ونبيه الاكرم (عقلا) من لزوم شكر المنعم (وفطرة) من دفع الضرر المحتمل لا يحصل بالتقليد لاحتمال الخطاء في الرأي كما لا يخفى فلا يتحقق بذلك الامن مما ينافي الشكر ولا الامن من الضرر والخطر .

3) لخروجها عن محل ابتلاء العوام فينصرف عنها ادلة التقليد ، فلو فرض كونها محلا للابتلاء كما اذا تمت عنده مقدمات الاستنباط للحكم الشرعى الفرعى من فهم الظواهر وتمكنه من الفحص عن المعارض ونحوه عدا مسئلة من من مسائل اصول الفقه التي يبتنى استنباط الحكم عليها لم يكن محذور عن التقليد فيها لعموم ادلته لها كما لا يخفى .

والصرف ونحوهما(1)ولا فى الموضوعات المستنبطة(2)العرفية أو اللغوية ولا فى الموضوعات الصرفة فلو شك المقلد في مانع انه خمر اوخل مثلا وقال المجتهد انه خمر لايجوز له تقليده (نعم) من حيث انه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامى العادل وهكذا وأما الموضوعات المستنبطة الشرعية كالصلوة والصوم ونحوهما فيجرى التقليد فيها كالاحكام العملية .

(مسئلة 68) لا يعتبر الاعلمية(3)فيما امره راجع الى المجتهد الا في التقليد


(نعم) في غيرها من الموضوعات الصرفة التي تبين مفهومها وانما تمحض الشك فى مصاديقه كالخمر مثلا لا يجرى فيها التقليد لانه بعد وضوح المفهوم و تشخيصه فليس من شأن الفقيه بيان مصاديقه وموارده وهو ظاهر .

ص: 221


1) كاللغة والمعاني والبيان والمنطق لان تلك المسائل ليست مما يرجع فيه الى اهل الخبرة فانها راجعة الى اثبات الظهور للكلام في مفهوم خاص وهو مما لا يثبت بنظر احد ، بل لابد من تحصيل العلم بقواعد ذلك كله ولو بالمراجعة الى كتبهم المدونة لتلك القواعد ، وذلك لعدم شمول ادلة التقليد لامثال ذلك كما يخفى ، فيبقى تحت اصالة المنع (نعم) يلزم على العامى تقليد الفقيه الذي جزم بالظهور وافتى على وفقه لانه من التقليد في الحكم الشرعي لا الغير .

2) لا يخفى ان مرجع الشك فى الموضوع العرفي واللغوى من حيث المفهوم كالشك فى مفهوم الغناء والصعيد والكعب والمرفق ونحوها انما هو الى الشبهة الحكمية فلابد فيها من التقليد للمجتهد و (ح) فلا فرق فى الموضوعات المستنبطة من هذه الجهة بين الشرعية منها او العرفية واللغوية لعموم ادلة التقليد للجميع بملاك واحد .

3) ولعله لاطلاق بعض الاخبار التي ادعى دلالتها على ولاية الفقيه مثل التوقيع الشريف (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا) وما دل على

(عدم جواز اجزاء الاصل للمقلد في الشبهات)

وأما الولاية على الايتام والمجانين والاوقاف التي لا متولي لها والوصايا التي لاوصى لها ونحو ذلك فلا يعتبر فيها الاعلمية (نعم) الاحوط فى القاضى(1)ان يكون اعلم من فى ذلك البلد أوفى غيره مما لاحرج في الترافع اليه .

(مسئلة 69) اذا تبدل رأى المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين ام لافيه تفصيل(2)فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط فالظاهر عدم الوجوب ، وان كانت مخالفة فالاحوط الاعلام بل لا يخلو عن قوة .

(مسئله 70) لايجوز للمقلد اجراء(3)اصالة البرائة او الطهارة او الاستصحاب فى الشبهات الحكمية ، وأما فى الشبهات الموضوعية فيجوز بعد ان قلد مجتهده في حجيتها (مثلا) اذا شك فى ان عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له اجراء اصل الطهارة ، لكن فى ان هذا الماء او غيره لاقته النجاسة ام لا يجوز له اجراءها بعد ان قلد المجتهد في جواز الاجراء


أن مجارى الامور بيد العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه ، وأنهم ورثة الانبياء ، وأنهم كانبياء بنى اسرائيل ، وأنهم خلفاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ونحو ذلك ، ولكن قد اشرنا فيما تقدم الى قصور بعضها سنداً والاخر دلالة .

(والعمدة) في ذلك مادل على كون الفقيه قاضياً وحاكماً، والظاهر منه كونه كذلك بالنسبة الى جميع مناصب القضاة والحكام دون غيرها مما ذكر فى المتن(نعم) انما يثبت ولاية الفقيه فيها من باب الحسبة للاجماع أو الضرورة والعلم باذن الشارع في التصرف، بل عدم رضاه بتر كه واهمال الواقعة، لكنه لما كان لبياً لا اطلاق فيه ، فالمتيقن منه هو ولاية المجتهد لذلك بل القدر المتيقن منه ايضاً هو ولاية المجتهد الاعلم مع التمكن من الوصول اليه ، اللهم الا ان يثبت اجماع على عدم الفرق بين الاعلم وغيره .

ص: 222


1) قد مر تفصيل ذلك في المسئلة (56) فراجع .

2) يظهر بيانه والوجه فيه مما تقدم في المسئلة (48) فراجع .

3) لعدم تشخيصه موارد الاصل وعجزه عن الفحص عن معارضه الذي هو شرط فى جريانه (نعم) ان تمكن من ذلك كما اذا كان من اهل الفضل فالظاهر انه لا مانع له من اجراء للاصل (هذا) فى الشبهات الحكمية ، وأما الشبهات الموضوعية فالاصول الجارية فيها من المسائل الفرعية وليست مشروطة بالفحص فيها وعلى تقدیر اشتراطها به فليس العامي بعاجز عنه كما لا يخفى (فح) لا اشكال في جواز رجوعه اليها مع اجتماع الشرائط .

(مسئله 71) المجتهد غير العادل او مجهول الحال لا يجوز تقليده(1)وان كان موثوقاً به في فتواه ، ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه وكذا لا ينفذ حكمه ولا تصرفاته في الامور العامة ، ولا ولاية له في الاوقاف والوصايا واموال القصر والغيب

(مسئلة72) الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفى(2)في جواز العمل الا اذا كان حاصلا من ظاهر لفظه شفاهاً او لفظ الناقل او من الفاظه في رسالته والحاصل ، ان الظن ليس حجة الا اذا كان حاصلا من ظواهر الالفاظ منه او من الناقل


وأما إعتبار فتاواه لعمل نفسه فلعموم أدلة الاحكام لمطلق المكلفين العدول وغيرهم.

هذا آخر ما تيسر ایراده في هذا الجزء من مباحث الاجتهاد والتقليد بقلم العبد الراجي عفور به الكريم محمد تقى المجلسى الاصفهاني يوم العشرين من جمادى الثانية سنة 86 الهجرية القمرية والحمد لله اولا واخراً وصلى الله على محمد و آله الأطيبين الغر الميامين .

ص: 223


1) واقعاً في الاول لاحراز فقد شرطه وهو العدالة . وظاهراً في الثاني لعدم احراز شرطه المزبور وعدم ثبوت حجية رأيه ، فلا يترتب شيء من الاحكام المذكورة .

2) لعدم ثبوت دليل على حجية الظن ، بل قيام الادلة الشرعية والعقلية على عدم حجيته الا فى ظواهر الالفاظ .

( فهرس مطالب الكتاب )

رقم الصفحه / الموضوع

(7) / تحقیق معنى الاجتهاد وتعريفه

(8) / امكان التجزى فى الاجتهاد وعدمه

(10) / الاحكام المتعلقة بالمجتهد

(11) / ذكر الادلة الدالة على جواز التقليد

(18) / في ما دل على جواز القضاء للمجتهد

(19) / فى ان الاجتهاد واجب نفسی کفائی

(21) / في بيان معنى التقليد وتعريفه

(24) / جواز العمل بالاحتياط للمجتهد وغيره

(26) / جواز العمل بالاحتياط ولو مع استلزامه للتكراو

(31) / حكم عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط

(33) / حكم تقليد الميت ابتداء وبقاء

(39) / حكم استصحاب حجية رأى المجتهد

(45) / وجه جواز تقليد الميت والجواب عنه

(49) / ذكر الامور الرادعة عن تقليد الميت ابتداء

(51) / الايات المستشهدة لجواز تقليد الميت

(57) / الاخبار المستدلة على جواز تقليد الميت

(69) / الدليل لجواز البقاء على تقليد الميت

(79) / حكم العدول عن الميت الى الحى

(82) / حكم العدول عن الحي الى الحى

(89) / تفصيل القول في حكم تقليد الاعلم

(100) / وجوب الفحص عن الا علم مهما امكن

(104) / التخيير بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة

ص: 224

رقم الصفحه / الموضوع

(107) / جواز الاخذ من غير الاعلم مع عدم الفتوى للاعلم

(109) / تقديم الاعلم على الاورع عند التعارض في الفتوى

(111) / وجوب الرجوع الى الحى في جواز البقاء على تقليد الميت

(113) / تفصيل القول في حكم عمل الجاهل المقصر

(115) / تفصيل القول في حكم عمل الجاهل القاصر والغافل

(118) / تحقيق القول في تبيين المراد من الاعلم وتعريفه

(121) / عدم جواز تقليد غير المجتهد وان كان عالماً

(122) / طريق معرفة اجتهاد المجتهد واعلميته

(127) / شروط المجتهد الذى يكون مرجعاً للتقليد

(141) / تفصيل القول في حقيقة العدالة وطريق ثبوتها

(173) / وظيفة المقلد عند فقد شرائط المجتهد الذي قلده

(175) / وجوب العلم باجزاء العبادات وتعلم مسائل الشك والسهو

(179) / وظيفة المقلد عند تبدل رأى المجتهد الذي قلده

(181) / حكم التبعيض في المسائل من حيث التقليد

(183) / حكم تقليد المجتهد مع الاشتباه في التطبيق عليه

(185) / وظيفة من قلد لمن ليست له اهلية الفتوى

(187) / حكم عمل العامي بلا تقليد برهة من الزمان

(191) / حرمة الافتاء على من ليست له اهلية الفتوى

(195) / حرمة المال المأخوذ بحكم من ليس اهلا للقضاء

(217) / فيما يتحقق به التقليد من الالتزام وغيره

(219) / التخيير بين المجتهدين المتساويين في التقليد

(221) / فى بيان محل التقليد ومورده

(223) / عدم جواز اجراء الاصل للمقلد في الشبهات

ص: 225