ghaemiyeh.com
القرآن والمستشرقون. الجزء الثاني: دراسات نقدية لمباني المستشرقين حول القرآن الكريم / مجموعة باحثين - الطبعة الأولى. – النجف، العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 1443 ه. = 2021.
مجلد ؛ 24 سم. – (سلسلة القرآن في الدراسات الغربية ؛ 11)
يتضمن إرجاعات ببليوجرافية.
.1 القرآن -- دفع مطاعن. 2. الاستشراق والمستشرقون. أ. العنوان.
LCC: BP130.1 Q73 2021
مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
فهرسة أثناء النشر
سلسلة القرآن في الدِّراسات الغربیَّة 11
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
القُرآنْ والمُستشْرقون
دراسات نقديّة لمباني المستشرقين حول القرآن الكريم
(الجزء الثاني)
مجموعة باحثين
العَتَبَةُ العَبَاسِیَةُ المُقَدَسَةُ
المَرکَز الإسلامي للدراسَات الاستَراتیْجیة
العَتَبَةُ العَبَاسِیَةُ المُقَدَسَةُ
المَرکَز الإسلامي للدراسَات الاستَراتیْجیة
سلسلة القرآن في الدِّراسات الغربیَّة 11
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
القُرآنْ والمُستشْرقون
دراسات نقديّة لمباني المستشرقين حول القرآن الكريم
(الجزء الثاني)
مجموعة باحثين
القرآن والمستشرقون. الجزء الثاني: دراسات نقدية لمباني المستشرقين حول القرآن الكريم / مجموعة باحثين - الطبعة الأولى. – النجف، العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 1443 ه. = 2021.
مجلد ؛ 24 سم. – (سلسلة القرآن في الدراسات الغربية ؛ 11)
يتضمن إرجاعات ببليوجرافية.
.1 القرآن -- دفع مطاعن. 2. الاستشراق والمستشرقون. أ. العنوان.
LCC: BP130.1 Q73 2021
مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
فهرسة أثناء النشر
سلسلة القرآن في الدِّراسات الغربیَّة
القُرآنُ وَالمُستشرقون
دراسات نقديّة
لمباني المستشرقين حول القرآن الكريم
الجزء الثاني
مجموعة باحثين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدَّمة المرکز ... 7
الفصل الأوّل: المستشرقون وترجمة القرآن
*أهداف ترجمة قرآن عند المستشرقين ... 13
أ.د. جميل حمداوي
د. الشيخ محمدول الرضائي - إستيفان فريدريش شيفر
أنس الصهناجي
د. مهدي سعد الله
م.م. محمد عبد علي حسين القزاز
د. أحمد البهنسي
د. حامد ناصر الظل
الفصل الثاني: المستشرقون اليهود والقرآن الكريم
*مدخل الفصل الثاني:
*الدراسات القرآنية في الاستعداق الإسرائيلي ... 177
د. أحمد البهنسي
د. آحمد البهنسي
د. آحمد البهنسي
*المستشرق الاسرائيلي مانیربر - آشیرو وآراؤه حول القرآن الکریم ... 231
د. آحمد البهنسي
د. آحمد البهنسي
الفصل الثالث: قراءات في آطروحات قرآنیّة لبعض آعلام المستشرقین
مدخل الفصل الثالث:
آ.د. مقدام عبد الحسن الفیاض -أ.م.د. علي عبد الطلب علي خان المدني
د. جمیل قاسم
*دراسات جولدزیهر القرآنية -تقویم ونقد- ... 313
سید مجید بو طباطبانی
د. آحمد عطية
د. الشیخ محمد علي الرضائي الأصفهانی - السید مهدي اعتصامي
آ.د. عامرعبد زید الوائلي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمّد صلّی الله علیه و آله و علی آله الطاهرين علیهم السّۀام، وبعد...
لم يترك المستشرقون بابًا من أبواب الشرق إلّا وطرقوه أو دخلوه بدون استئذان، تحت عناوين برّاقة كالمعرفة الإنسانيّة التي ينبغي أن تتناغم على موسيقى التكاون والتكامل الحضاري، وإسداء الخدمات المتبادلة بين أهل المعمورة على اختلاف مشاربهم وأصولهم وألوانهم...، وهذا بحسب الظاهر هدف سام، بل رؤية إنسانيّة راقية منسجمة مع تطلّعات الشرائع السماويّة إلى الكون والإنسان.
ولكن عندما نعمّق النظر قليلًا ونلاحظ كل أطراف الصورة سنصل إلى نتيجة تتعارض مع تلك النتيجة الأولى، وإنّ ما يجعلنا واضحين في هذه النتيجة هو السلوك العلمي للمستشرقين أنفسهم، بل إنّ كثيرًا من شبهات المستشرقين قديمًا أو حديثًا لا تخرج كثيراً عن الشبهات التي أثارها كفار قریش سوى أن المستشرقين قدّموا شبهاتهم بطريقة أكثر تفصيلًا، وصبغوها بالصبغة العلميّة الأكاديميّة، وانطلت هذه الشبهات على الأوروبيّين، وغيرهم من الشعوب التي تخضع للفكر الأوروبي. وذلك كشبهة أنّ القرآن مستمد من المصادر اليهوديّة والنصرانيّة...، أو أنّ الرسول صلّی الله علیه و آله قد أخذ عن الأحناف، وقد كان هؤلاء بضعة نفر من العرب أدركوا ما عليه قومهم من ضلال وانحراف فبحثوا عن الهداية في اليهوديّة والنصرانيّة فلم يجدوا فيهما ما يشفي الغليل، وبذلك فقد اطلعوا على الكتب المقدّسة لدى الديانتين.
ونالت مسألة الوحي اهتمامًا كبيرًا من المستشرقين سواءً اليهود أو
النصارى، وحاولوا بشتّى الوسائل الطعن في الإسلام من خلال هذا الأمر بمحاولة تفسير الوحي الذي نزل على سيدنا محمّد صلّی الله علیه و آله بشتّى التفسيرات المادّيّة والعقلانيّة. فهل يعقل أن بعض كبارهم يصف الوحي بأنّه يشبه الصرع الذي يصيب الإنسان...
ومن الموضوعات التي خاض فيها المستشرقون فيما يخص القرآن الكريم ما أطلقوا عليه نقد النص القرآني، وهذا الأمر ناتج عما أحدثه الغربيّون بخصوص كتبهم المقدسة حيث أعملوا فيها نظريات نقد النص، وقد أدّى هذا النقد إلى التشكيك في طريقة نقل هذه الكتب وروايتها، وكذلك في الحقائق التي وردت فيها.
وقد عالجنا بعض هذه الأمور في الجزء الأول من هذا الكتاب، ونعالج بعضها الآخر في هذا الجزء الثاني من الكتاب. حيث ركّزنا في القسم الأوّل من بحوثه على قضية حسّاسة ترتبط بفهم النص القرآني باللغات الأخرى من خلال ترجمة القرآن، وما ارتبط بهذه القضيّة من إشكاليّات ورُتّب عليها من شبهات وآراء وفهم منقوص وخاص للقرآن الكريم. خاصّة وأنّ ترجمة القرآن الكريم، من لسانه الإلهيّ إلى لغات أخرى من التحدّيات الكبرى التي تنطوي على إشكالات إيديولوجيّة ومعرفيّة ومنهجيّة؛ ذلك أنّ القرآن مُعجِزٌ بذاته؛ بخصوصيّاته اللغويّة والبيانيّة والبلاغيّة والمعنائيّة والحكائيّة و... التي تقصر عنها اللغات الأخرى، فضلًا عن المحكّي من اللسان العربيّ من قِبَل الناس؛ فلا يمكن الإتيان بترجمة تحافظ على هذه الخصوصيّات الإعجازيّة الكامنة في النصّ القرآنيّ. وقد تنوَّعت ترجمات القرآن الكريم عبر التاريخ والواقع المعاصر، واختلفت دوافعها وأهدافها وغاياتها؛ بين ترجمات متحيّزة أيديولوجيًّا؛ مدفوعة بالتطرّف الكنسي أو بعقدة الأنا الغربيّة المستعلية، فشوّهت تعاليم القرآن وحرّفتها؛ من خلال الفعل الترجميّ نفسه، أو من خلال ما أوردته من تفسيرات وتأويلات وتعليقات في الهوامش والملاحق، وبين ترجمات أخرى افتقدت في أغلبها للمعايير المنهجيّة والمعرفيّة لدى المترجمين، مع كون نواياهم ودوافعهم غير مريبة وراء فعلهم الترجميّ.
ولأنّ رسالة القرآن الكريم عالميّة وكونيّة، فقد مسّت الحاجة إلى نقل تعاليمه إلى الناس على اختلاف ألسنتهم، وباتت الترجمة ضرورة رسالية ودعويّة، لا بدّ من الاضطلاع بها؛ وفق رؤية شاملة محكومة بأطر معرفيّة ومنهجيّة تنظر إلى القرآن بوصفه كتابًا معجزًا له خصائصه ومميّزاته، لا كما يريد المترجم أن يقدِّمه وتتجنّب
تشويه تعاليمه ومفاهيمه وحَرْفِها عن مقصدها الرساليّ. وهذا العمل يحتاج إلى جهد مؤسّساتيّ وعمل جماعيّ يقدِّم ترجمات جديدة للقرآن الكريم تتلافى ثغرات الترجمات السابقة، وتعالج شبهات الترجمات المشبوهة وتصوِّب انحرافاتها، وتضع الفعل الترجميّ في دوره الحضاريّ والثقافيّ؛ بوصفه وسيطًا بين الأمم والشعوب، تتجاوز مهمّته نقل المعنى بين لغتين مختلفتين، إلى استكشاف حضارة الآخر وثقافته، وتحقيق حوارٍ حضاريّ قوامه احترام الهويّات والخصوصيّات الحضاريّة والثقافيّة للأمم والشعوب.
فة القسم الثاني من الكتاب تناولنا بالبحث والدراسة جانبًا من دراسات المستشرقين اليهود حول القرآن الكريم، الذين طرحوا - كغيرهم من المستشرقين - إشكاليّات تركّزت في مصدر القرآن والكثير من مضامينه وما يرتبط به. فقد كان للاستشراق اليهوديّ سابقًا والإسرائيليّ لاحقًا نصيب من هذه الافتراءات، ولا سيّما في ما يتعلّق بإرجاع تعاليم القرآن إلى تعاليم المقرائيّة (العهد القديم) وأدب التلمود، مدفوعًا بروح العنصريّة والشعور بالتفوّق والتميّز المُؤَدْلَج بوهم فكرة شعب الله المختار التي تخوّله النظر باستعلاء وازدراء إلى الآخر المختلف، وإرجاع ما يجده عند غيره من مظاهر الحضارة والرقيّ والجمال... إلى نفسه !
ومن المحاولات الاستشراقيّة الإسرائيليّة المعاصرة التي تدور في هذا الفلك: ما قام به المستشرق الإسرائيلي المعاصر أوري روبين (Uri Rubin) في هوامش ترجمته العبريّة للقرآن الكريم. تلك الترجمة التي صدرت طبعتها الأولى عن جامعة تل أبيب في عام 2005م، وأعيد طباعتها في طبعة ثانية مزيدة ومنقَّحة عام 2016م، حيث تعرّض روبين لفرية استقاء القرآن من مصادر يهوديّة على الأعم الأغلب؛ بردّ قصص القرآن إلى قصص يهوديّة؛ كقصّة آدم علیه السلام ، وزوجه، وقصّة إبراهيم... وردّ عقائد القرآن وتشريعاته وألفاظه إلى مصادر يهوديّة؛ كالقضاء والقدر، وتحريم أكل الدم، واستعمال لفظ حطّة ... مع إشارته إلى أخذ القرآن من النصرانيّة والوثنيّة على مستوى القصص والتشريع والألفاظ؛ كما في قصّة مريم والخضر وكما في تشريع الزكاة واستعمال لفظ الجبت...
وأمّا في القسم الثالث من الكتاب فقد ركّزنا على بحوث ودراسات لبعض أعلام المستشرقين الذين اهتموا بالقرآن الكريم في كتابتهم، وقدّموا نظريات وآراء كثيرة
ترتبط بمصدر القرآن تارة، وبالوحي أخرى، وبالمضامين ثالثة...، وغيرها الكثير. والأعم الأغلب من هذه الأفكار والآراء تحتاج إلى التحليل والتقويم والنقد أو التوجيه والتصحيح وتقديم وجهة النظر الصحيحة في هذا المجال، مع الإشارة إلى أن ما عالجناه في هذا الكتاب هو آراء بعض هؤلاء المستشرقين، علّنا نوفق في القريب لإصدار سلسلة من الكتب ترتبط بالمعالجات العلميّة الموضوعيّة لكل ما طرحه أعلام المستشرقين ورجالاتهم الكبار حول القرآن الكريم والحديث الشريف.
هذا الكتاب (القرآن والمستشرقون، الجزء الثاني)، هو الكتاب الحادي عشر من سلسلة القرآن في الدراسات الغربية، التي أطلقها المركز لدفع ونقد الكثير من الشبهات والزلّات التي أثارها أو وقع فيها المستشرقون وغيرهم من المستغربين حول القرآن الكريم، ليبقى القرآن الكريم رسالة السماء الإلهيّة لهداية أهل الأرض وشريعتهم في عبور الحياة الدنيا نحو الحياة الحقيقة.
وقد توزّعت مضامينه على فصول ثلاثة، وتتضمّن كل فصل منه باقة من البحوث التخصّصية، شارك فيها مجموعة من الباحثين المتخصّصين في الدراسات الاستشراقيّة، وقد قدّمنا لكل فصل بمدخل علمي يشرح وجهة النظر الإسلامية بشكل مجمل في القضية التي تتناولها بحوث الفصل، وذلك وفق التفصيل الآتي:
الفصل الأوّل: المستشرقون وترجمة القرآن
الفصل الثاني المستشرقون اليهود والقرآن الكريم
الفصل الثالث: قراءات نقدية في أطروحات قرآنيّة لبعض أعلام المستشرقين
ولا يسعنا أمام هذا الجهد القيّم إلا أن نوجه خالص الشكر والامتنان إلى جميع الباحثين المشاركين في بحوثه، وإلى كل من ساهم في تحريره وتبويبه .
والحمد لله رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
الترجمة (Translation/ Traduction)؛ تعني نقل النصّ من ثقافة إلى أخرى، بمراعاة مجموعة من القواعد اللسانيّة. وغالبًا، ما يكون النّقل من النّصّ المصدر (أو النصّ المنطلق) إلى النصّ الهدف (أو النصّ الوصول)، عبر مجموعةٍ من الوسائط الأساسيّة؛ مثل: الوسيط اللسانيّ، والوسيط الثقافيّ، والوسيط النسقيّ، والوسيط التقنيّ الإلكترونيّ أو الرقميّ، والوسيط السياقيّ التفاعليّ، والوسيط المرجعيّ... والهدف من ذلك كلّه هو تحقيق التكامل الثقافيّ، أو تجسيد فعل المثاقفة ميدانيًّا وحضاريًّا ومجتمعيًّا، أو خلق علاقة بين لغتين، أو ثقافتين أو فترتين زمنيّتين معيّنتين.
وتقوم الترجمة على المماثلة بين نصّين متقابلين، أو تقريب نصّ المصدر من قراء ثقافة الهدف. والشّرط الأساس لهذه الترجمة، أن2 تكون المماثلة بين النصّين صادقة ووفيّة وأمينة؛ فقد قيل: إنّ الترجمة خيانة. ومن ثمّ، تستوجب الترجمة أنْ يكون المترجم عارفًا بنحو لغة النصّ المصدر، ومنفتحًا على سياقها الثقافيّ، وملمًّا بأنساقها السوسيولوجيّة، والتاريخيّة، والاقتصاديّة، والدينيّة، والحضاريّة، وبالتالي، يكون ملمًّا بمجمل نظريّات الترجمة وتصوّراتها الإجرائيّة، عارفًا بتقنيّاتها وآليّاتها التطبيقيّة المختلفة. ويعني هذا، أنْ يكون مزوّدًا بمجموعة من الكفايات الأساسيّة والضروريّة التي تتمثّل في كفايات عدّة؛ منها: اللسانيّة، والمعرفيّة، والثقافية، والكتابة، والترجمة، والتداوليّة، وتحليل النصّوص، والتقنيّة، والتفاعليّة، والمهنيّة...
وثمّة مجموعة من النظريّات الخاصّة بالترجمة التي ينبغي للمترجم أو القارئ الاطّلاع عليها لاستيعاب فعل الترجمة؛ فهمًا وتفسيرًا، وتأويلًا. ومن أبرز هذه النظريّات: نظريّات الترجمة النظريّة النسقيّة، والنظريّة السيميوطيقيّة؛ التي
تبحث في العلامات أو الإشارت والرموز اللغويّة وغير اللغويّة، والنظريّة التواصليّة أو التفاعليّة، والنظريّة الأدبيّة، والنظريّة اللسانيّة، والنظريّة السوسيولسانيّة؛ التي تبحث عن الكيفيّة التي تتفاعل بها اللغة مع المجتمع، والنظرية الفلسفيّة والتأويليّة ... (1)
وتنبني الترجمة - سيميائيًا - على مجموعة من المرتكزات المنهجيّة؛ وهي: النصّ، والعلامة، واللغة، والمعرفة، والتواصل. وهذا يعني أنّ الترجمة عبارة عن علامات لغويّة وسيميائيّة تشكّل نصًا متّسقًا ومنسجمًا يحمل في طيّاته رسائل ثقافيّة، ومعرفيّة، وعلميّة، متنوّعة، يكون الغرض منها التواصل، والتبادل، والإعلام، والتبليغ، والتثاقف ...
مضافًا إلى أنّ الترجمة تستند إلى ثلاث مراحل أساسيّة ؛هي: فهم النصّ المنطلق، وتفكيك الشفرة الأصليّة، وإعادة التعبير في ضوء شفرة النصّ الهدف.
وعلى العموم، تستوجب الترجمة معرفة السياق اللغويّ والثقافيّ والحضاريّ والمرجعيّ، والتمكّن من آليّات الميتاترجمة (Metatraduction)، والتمييز بين الإيحاء والتعيين أو بين الحرفيّ والمعنويّ...
وعليه، فمن الصّعب الحصول على ترجمةٍ صادقةٍ، وأمينةٍ، ومماثلةٍ بشكل مطلق، بل يصعب الوصول إلى ترجمة مثاليّة عندما يتعلّق الأمر بالإبداع، والشعر، والإيقاع والتعبير عن المشاعر والأحاسيس. وفي هذا، يقول الجاحظ في كتابه (الحيوان): « ثمّ قال بعض من ينصّر الشعر ويحوطه ويحتجّ له: إنّ الترجمان لا يؤدّي أبدًا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيّات حدوده، ولا يقدر أنْ يوفيها حقوقها، ويؤدّي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل، ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقّها وصدقها، إلا أنْ يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها؛ مثل مؤلّف الكتاب واضعه»...
1) انظر: حمداوي، جميل: سيميوطيقا الترجمة، ط1، تطوان، مطبعة الخليج العربيّ، 2016م
ولا بدّ للترجمان من أنْ يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتّى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضًا قد تكلم بلسانين، علمنا أنّه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأنّ كلّ واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكّن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكّنه إذا انفرد بالواحدة، وإنّما له قوّة واحدة، فإنْ تكلّم بلغة واحدة استفرغت تلك القوّة عليهما، وكذلك إنْ تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات... (1).
وينطبق هذا الكلام على ترجمة القرآن الكريم على أساس أنّ القرآن الكريم كلامٌ معجزٌ، ويتجلّى إعجازه في لغته العربيّة التي تحدّت الشعراء العرب أنْ يأتوا بمثلها. وعندما يُترجَم القرآن إلى اللّغات الأجنبية يفتقد لذّته الفنّيّة والجماليّة، وينعدم تأثيره البيانيّ الساحر المبهر، ويغيب إعجازه الحقيقيّ، ويصير مجرّد كلام طبيعيّ يحمل إخبارًا وتشريعًا وتنبيهًا.
ومن هنا، يرفض كثير من العلماء والمثقّفون المسلمون أنْ يترجم القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيّة؛ لارتباط الألفاظ بالمعاني ارتباطًا وثيقًا، فلا يمكن أنْ تكون الترجمة بالمعاني دون الألفاظ ؛ لأنّ الألفاظ والكلمات القرآنيّة لها معانٍ عدّة تختلف من سياق إلى آخر. وقد نترجم بعض معاني الآيات الواضحة والمحكمة والظاهرة الدلالة، ولكنْ نفشل في ترجمة معاني الآيات المتشابهة. وعلى الرغم من ذلك، يمكن أنْ نترجم معاني القرآن من أجل تقريبه من الأعاجم لهدايتهم، والتعريف بالإسلام، بشرط أنْ تحترم الترجمة المعنويّة تركيب اللغة العربيّة، ونظمها، وحقائق الشريعة الإسلاميّة، ومقاصدها.
وهذا يعني أنّ ترجمة القرآن الكريم، بمعناها التماثليّ الحقيقيّ، مستحيلة وغير ممكنة. بيد أنّ تقريب معاني القرآن إلى الأجانب، فحكم ذلك هو الجواز والإمكان؛ كما ذهب إلى ذلك الحنفيّة والحجوي الثعالبي؛ لأنّ القرآن معجز لفظًا، ومعنى،
1) الجاحظ، عمرو : كتاب الحيوان، تحقيق: محمد عبد السلام هارون، لا ط، بیروت، دار الجيل، 1955م، ج1، ص75-79
ومقصديّة، وإيقاعًا، وتنغيمًا، ونظمًا. وبذلك، فمن المستحيل ترجمة هذه الظواهر النظميّة والبلاغيّة والتداوليّة إلى اللغات الأجنبيّة بشكلها الأصلي. لذا، يُكتفى - في الغالب - بتفسير معاني القرآن التي تصبح تقريبيّة ليس إلّا.
الترجمة اللفظية للقرآن(1)
إنَّ الترجمة اللفظية (تُعنَى بوضع لفظٍ بلغةٍ ما مكان لفظٍ من القرآن، بغضّ النّظر عن المعاني الأخرى في اللفظ القرآني، ممّا يحتمله في وجوهه المتعدّدة) (2)، غير أنّ هذا النّوع من الترجمة سوف يُفقد النّصّ البليغ خاصّة كثيرًا من مزاياه البلاغية، وخاصة في القرآن، إذ إنّ فنون المجاز والاستعارة والكتابة والتشبيه والبديع وغيرها من الفنون البلاغية تعجز معها الترجمة اللفظية في بيان الدلالات التي تُوحي بها هذه الفنون في النص القرآني، لذا سيكون هذا النوع من الترجمة قاصرًا عن إدراك ما يتوخّاها النص المبارك، إذ إنّ (من المستحيل تأدية المعاني المستوحاة من كلمات القرآن الموجزة في الترجمة اللفظية) (3).
في حين أنّ ترجمة معاني القرآن ربّما تكون أفضل من سابقتها؛ لأنّها (عبارة عن تفسير موجز للقرآن الكريم بسبيل إعطاء معاينة في لغة ما بحيث يحافظ فيه على أصل المعنى، ويعتمد على ثقافة المترجم وسعة استيعابه واستقصائه، فهي تُعنى بمدلول الآيات القرآنيّة دون النّظر بموافقة الألفاظ حرفيًّا للمعنى المراد، بل العكس هو الصحيح) (4).
إنّ الاختلاف والتّنوّع فى الترجمة فضلًا عن المترجم، كان له أثره الكبير في تنويع المُنْتَج المُتَرجم بين البعد والقرب من معاني النّصّ، أو بين السّلب والإيجاب، فضلًا عن إرادة الجهة التي تسعى للترجمة وموقفها من النّصّ الذي يُراد له الترجمة.
1) النصراوي، عادل عباس: أساسيّات فهم النصّ القرآنّي ومصادر دراسته عند المستشرقين، مجلة دراسات استشراقية، العدد 7،ربيع 2016م/ 1437ه-
2) جوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، لاط، بیروت، 1399ه-، ص79
3) محمّد حسين الصغير: المستشرقون والدراسات القرآنية، ط1، بيروت، دار المؤرخ العربي، 1999م، ص114
4) الندوي، عبد الله عباس: ترجمة معاني في القرآن الكريم، لا ط، مكة المكرمة، دار الفتح، 1972م، ص19
أمّا بالنسبة للنص القرآني فإنّ من الصعوبة الوصول إلى كنه مضامينه ومعانيه المطلقة التي تساير كل العصور، فأين هو المترجم الذي يمكنه أن يضع نصًّا آخر فيه هذه الإمكانات العالية والإنسان ليس بقادرٍ على ملاحقة المطلق، وهو المجبول على النقص والحيرة ؟!
ترجمة القرآن الكريم عمل -في كل الأحيان- يجانبه النقص والقصور وذلك للأسباب الآتية:
إنّ معاني القرآن مطلقةً، فهي غير محدّدةٍ بحدود الزّمن؛ لأنها من وضع الخالق المطلق (عز وجل).
فنون البلاغة من المجاز والكتابة والاستعارة والتمثيل والبديع، وغيرها من الفنون الأخرى تكون مانعًا أمام المترجم من أداء حق النص المترجم في معانيه ومضامينه.
المعاني المستوحاة من ألفاظ القرآن التي تكفّل بها السياق وطريقة النظم للكلمات وطريقة الاستعمال وغيرها ممّا يعجز المترجم من الإتيان بمثل النص الأصلي.
المعاني الثانوية، أو ما تُسمى بمعنى المعنى الذي يلازم أغلب العبارات، هي الأخرى تشكل أمام المترجم حاجزًا يصعب اجتيازه للوصول إلى المعاني التي يكتنزها النص.
إشعاعات المعنى المرتبطة بالتأويل، إذ إنّ هناك معنىً ظاهرًا وآخر لا يمكن معرفته إلّا بالتأويل، في حين أنّ الترجمة غير قادرة على استيعابها.
تفاوت قدرة المترجم في معرفة اللغتين، يخلط عليه فيقصُر في معرفة الدلالة إمّا في النّصّ الأصل أو الترجمة للغة الأخرى أو بالعكس.
فضلًا عن الشكّ في أمانة كثير من المترجمين الذين يتّبعون مؤسّساتهم القائمة على الطعن بالقرآن.
هذه الأمور تجعلنا نقف بحذرٍ أمام كلّ الترجمات للقرآن الكريم، وخاصّة ما ترجمه المستشرقون، لما في عملهم من مقاصد ربما كان أكثرها ممّا يسيء ء للنصّ المبارك أو للإسلام عامّة.
فضلًا عن ذلك، إنّ ما يُترجَم من الكتاب العزيز، ربّما يكون قريبًا من معانيه، إلّا أنّ هذه المعاني المُترجمة ستكون حبيسة عصرها ولا تتعداها، وذلك - كما علمنا من قبل - أنّ معاني القرآن متجدّدة عبر العصور، ففي كل عصر نجد معاني جديدة، وها التفاسير من القرون الأولى وإلى يومنا تعجّ بالأفكار والمعاني والمضامين عبر كلّ العصور، وهي دليل على عدم إمكان ترجمة القرآن بلغة أخرى، إذ إنّ مثل هذه الترجمة ستطبع القرآن المترجم بعلوم ذلك العصر وفنونه، وجعله جامدًا ومحصورًا بحدوده وغير متطوّر في مفاهيمه ومعانيه ودلالاته، وهذا ممّا لا يتّفق مع المضامين الكبرى في النّصّ المبارك الذي عجز بلغاء العرب وفصحاؤهم عن الإتيان بمثله، أي إنَّ الترجمة ستفقده الإعجاز ، وهذا مما لا يتوافق مضمونًا مع قوله سبحانه «قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» (سورة الإسراء، الآيتان 88-89) (1)، لهذا (لا يمكن إنكار الحقيقة التي تقول : إنّ القرآن إذا تُرجِمَ لن يكون قرآنًا، مثلما أن ترجمة الروايات ستظلّ دائماً ترجمة وليست أصلًا، ولكن في حال القرآن، هناك أيضًا الجانب المقدس للموضوع، فكيف يمكننا ترجمة كتاب تُعدّ كل كلمة فيه معجزة؟)(2)، لذلك على المترجم أن يكون حذراً في ترجمة القرآن، لأنّه لا يستطيع أن يوفيه حقه، وهو في كلّ ذلك يجانبه النقص، ولذلك كان البروفيسور أ. ج. آربري المولود «1905م» دقيقًا حينما اعتبر ترجمته للقرآن تفسيرًا لفظيًّا فسمّاها القرآن مفسّرًا، وقد طُبع في نيويورك « 1955م» ولندن « 1959م)» (3)، علماً أنّ وضع لفظة محل لفظة أخرى يغيّر المعنى تمامًا وهذا ما حذّر منه القدماء.
[3]
لهذا ولغيره نجد من العلماء العرب والمسلمين قد نشط كثيرًا في الحد من ترجمة القرآن أو الحذر منه، ودعوا إلى ضرورة تعلّم العربية وقراءة النص المقدّس بها لأجل فهمه ومدارسته بدلًا من نقل معانيه، ثم إنّ العرب الأوائل الذين حملوا القرآن معهم في فتوحاتهم الإسلاميّة لم يُشْعِروا في دعوتهم الأقوامَ غيرَ العربية إلى الإسلام بالحاجة إلى نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وربّما كان عدم نقلها إلى غير العربية - وهم في تلك العزة والسلطان - من أسباب إقبال غير العرب على معرفة لسان العرب (1)، وقد صدرت دراسات تحرّم ترجمة القرآن الكريم، وعزاها القدماء والمحدثون إلى أسبابها (2)ومن هذه الدراسات:
ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام للشيخ محمّد رشيد رضا.
الفرقدان النيران في بعض المباحث المتعلقة بالقرآن، للأستاذ محمّد سعيد الباني.
القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد، للشيخ محمّد مصطفى الشاطر.
ترجمة القرآن الكريم وأحكامها، للشيخ محمّد مصطفى المراغي، نشرته مجلة الأزهر في السنة السابعة - 1355ه-
المستشرقون وترجمة القرآن
وهناك دراسات وبحوث أخرى ضمّتها بعض الكتب والمؤلّفات التي اهتمّت بالقرآن و دراسات المستشرقين خاصة، لأن هؤلاء كانت لهم الباع الطويلة في هذا المجال موجّهين من قِبل مؤسّساتهم الاستشراقيّة أو الكنيسة أو غيرها من المؤسّسات الأخرى التي تهتم بترجمة الكتاب العزيز.
بيد أنّ أكثر هؤلاء المستشرقين قد أساء إلى القرآن في الترجمة، ومنهم من كان
مُنصفًا، ولعلّ من أساء إليه كان لأغراضٍ مؤسّساتيّةٍ أو دينيّةٍ حاكمة على تصرّفهم، لذلك حاولوا تقديم القرآن للقارئ الغربي على غير حقيقته قصد التّشويه وعمل جدار حاجز بين المتلقّي وفهمه فهمًا صحيحًا كي لا يكون موضع قبول لديهم، لذلك جاءت ترجماتهم للقرآن يشوبها كثير من التشويه والنقص فضلًا عن الدّسّ فيه ما ليس منه بقصد الطعن، مع علمنا أنَّ اللغات غير العربيّة قد عجزت عن مجاراة لغة العرب في إحكام الدلالة والإشارة إليها والتمكّن منها(1)، ولعلّ هذا من أهم الأسباب التي أدّت إلى عدم فهم النص المبارك، فضلًا عن إعمال أغراضهم الخبيثة في ترجمة النص، وخاصّة المتعصّبون منهم إزاء الإسلام من اليهود والنصارى الذين أعمى الحقد بصائرهم عن رؤية القرآن حتى رأوه بعينٍ عوراء، فضلًا عن رغبتهم في التعتيم على معانيه ودلالاته عندما يقدّموه إلى القارئ الغربي، وإمعانًا في جهلهم نراهم يصدرون أحكامًا على القرآن لينسبوا الضَّعْفَ إلى العربيّة، فضلًا عن عدم وجود ضوابط صارمة للترجمة، بحجّة التزامهم بحريّة الترجمة؛ كي تأتي موافِقةً لأهوائهم من حيث التصرّف بالنّصوص على طريقة التّقديم والتّأخير، واختيار لفظ معيّن مع وجود خيارات أخرى ربما تكون هي الأصلح من غيرها.
ومن توجّهات المستشرقين في ترجمة القرآن أيضًا، أنهم شكّكوا في وجود الإعراب للقرآن، منهم فوللر وباول كاله، وكذلك عملوا على الدفع بالترجمات المضلّلة وإعادة نشرها وطباعتها مرات عديدة، حتى بدا القرآن من خلالها كأنّه من عمل الإنسان ولیس موحی به من الله تعالى على نبيه محمّد صلّی الله علیه و آله ، فضلًا عن نسبته إلى كتب اليهود والنصارى، فقاموا بوضع مقدمات لترجماتهم بوصفها مداخل له تحوي على تشهير به.
لعلّ من أهم سمات الترجمة عند المستشرقين(2):
الخطأ في معاني الألفاظ، أو طمس دلالتها.
قطع بعض النّصوص من الآية الواحدة ممّا يخلّ بالمعنى الكلي لها.
استعمال المعاني المباشرة للألفاظ وهدر الدلالات المجازيّة والسياقيّة.
الخطأ في أرقام الآيات القرآنيّة.
في بعض الأحيان توجد للكلمة العربية الواحدة ألفاظ عدّة في اللغة الثانية، غير أنّ المترجم يستعمل منها ما يُوافقه لا ما يوافق السياق.
غالبًا ما تكون الترجمة غير مسبوكة بشكلٍ جيّدٍ ولا تٌوافق النّصّ القرآني.
هناك من الترجمات لم تترجم القرآن باللغة العربيّة الأم مباشرة وإنّما كانت من اللغات الأخرى، وهذا المنهج أصبح شائعًا في القرن الثامن عشر الميلادي.
وقد أورد عبد الجبار ناجي ترجمات لبعض الألفاظ من الآيات القرآنية أنموذجًا لإثنين من المستشرقين هما: ترجمة رود ويل التي طُبعت عام 1840م، ثم أعيد طباعتها عام 1861 م ، ثم في العامين 1876 م و 1909م، والأخرى للمستشرق بالمر التي طبعت أوّلًا عام 1880 ، ثم في العام 1900م، واستمرت طباعة هاتين الترجمتين حتى عام 1963 و 1965م على التوالي، بالرغم من أنّ هاتين الترجمتين -بحسب قوله- لم تكونا الأكثر دقّةً إلّا أنّهما بقيتا تحتفظان بأهمّيتهما نسبة إلى ما سبقها من ترجمات جورج سيل وترجمة أولمان(1).
لذلك جاءت أغلب الترجمات للقرآن غير موفية له حقه، فاتّهمه بعض المستشرقين بأنّه يفتقر إلى البنية والانسجام والتّرابط الداخلي، ويعزو المستشرق كولين تيرنر في معرض ردّه على كارليل هذا التّوجّه ضدّ المستشرقين إلى أنّهم أخذوا القرآن من الترجمة، ممّا أوقعهم في الوهم، فيقول: (فإنّ هؤلاء النقاد ما هم إلّا مجموعة من الأفراد الذين حاولوا قراءة ترجمة القرآن، ولهذا علينا التعامل بحذر شديد مع أي ادّعاء أو اتهام للقرآن مبني على الترجمة الإنكليزية، أو في الحقيقة الترجمة إلى أيّ لغة غير اللغة العربية الأصليّة) (2).
إذَا، كان رافد الترجمة بوصفه مرجعًا لفهم القرآن لدى المستشرقين رافدًا تعوزه الدقّة في إيصال المعاني الصّحيحة، وقد حذّر منها القرآن والباحثين من العرب والمسلمين فضلًا عن بغض المصنّفين من المستشرقين.
قال الشيخ الطهراني في الذريعة: يمكن ترجمة خصوص ظواهر آيات الأحكام والآداب والقصص وأمثالها من القرآن بلغة أخرى، وإن فات بالترجمة جميع المزايا التي بها عجزت الإنس والجن عن الإتيان بآية واحدة مثله ومع ذلك تعد عند أهل العرف هذه الترجمة كسوة ثانية لمعاني تلك الألفاظ الإلهيّة، فينبغي أن يراعى في كتاب الترجمة جميع الشؤون والاحترامات العرفيّة التي لها صلة، ويحترز عن هتكه وتوهينه بمجرد تلك الإضافة، وأما سائر الأحكام الثابتة في شرع الإسلام، من حرمة المس من غير طهر، وحرمة التنجيس، ووجوب إزالة النجاسة عنه، ووجوب القراءة به في الصلاة، ووجوب الإنصات لها، وغير ذلك فإنما يلحق جميعها لنفس تلك الآيات والسور العربيّة وهي خاصّة بها بعينها. وأما ترجمتها بلغة أخرى، فلا يترتّب عليها شيء من تلك الآثار مطلقًا وإن طابقتها حرفًا بحرف؛ إذ لا يخرج كتاب الترجمة عن كونه تأليف البشر نظير كتب التفاسير الفارسيّة والهنديّة التي هي ترجمة وزيادة شروح وبيانات، وقد ترجم القرآن بكثير من اللغات قديمًا وحديثًا(1)
وذهب آية الله هادي معرفت إلى تأييد قضيّة ترجمة القرآن واعتبارها حاجةً ضروريّةً لإيصال رسالة الإسلام وتعاليم القرآن إلى كل العالم، حيث قال: «إنّ ترجمة القرآن إلى مختلف لغات العالم تعدّ اليوم ضرورةً ملحّةً؛ وذلك للأسباب التالية:
أوّلًا: إنّ القرآن الكريم كتاب هداية ودعوة، ويجب إيصال هذه الدعوة إلى جميع الناس. قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...» (سورة البقرة، الآية 185).
وثانيًا: إنّ الإسلام ليس دينًا خاصًّا بشعبٍ دون شعب، بل هو للناس جميعًا. وللجميع حقٌّ في اعتناقه، ولا فضل لأمّةٍ على أمّة كي تكون أولى منها في هذا الحقّ.
1) الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ط3، بيروت، دار الأضواء، (لا،ت)، ج4، ص124
إنّ القرآن الذي هو كتاب هدايةٍ ودعوة إلى الإسلام، ينظر إلى جميع الناس بنظرةٍ متساويةٍ ومتكافئةٍ، قال الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً» (سورة سبأ، الآية 28).
وثالثًا: يجب على كلّ مسلمٍ إيصال صوت الإسلام إلى أسماع العالمين، وأن يقوم بدوره في حمل رسالة القرآن إلى الناس جميعًا، قال تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» (سورة البقرة، الآية 143)، وقال أيضًا: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (سورة النحل، الآية 44).
ورابعًا: إن الغاية من إنزال القرآن الكريم هي بيانه وإيضاحه وشرحه لجميع الناس وليس لمجرَّد تلاوته، أو جعل مفاهيمه حِكْرًا على طائفة خاصّة من الناس دون طائفة أخرى(1).
لا شَكَّ فى أن كلّ واحد من هذه الأسباب يشكّل دافعًا يؤكِّد على ضرورة ترجمة القرآن إلى مختلف اللغات العالمية؛ كي تتعرّف الشعوب بأجمعها من خلال ذلك على التعاليم والمفاهيم القرآنية السامية.
ولكن لم يؤيد (قده) الترجمة دون شروط وقيود، بل أكّد على مجموعة من الضوابط والشروط، ولذلك يرى لزوم ضبط الترجمة الصحيحة للقرآن، من خلال وضع بعض الشروط لها، إذ يقول :
1- تجب الإحاطة الدقيقة بمحتوى كلّ آيةٍ، مع استيعاب دلالاتها اللفظية -سواء في ذلك الدلالات الأصليّة أو التبعية-، والعمل على تفسير الدلالات العقليّة للآية التي تحتاج إلى التفسير.
2- يجب تظهير المعنى والمفهوم الكامل لنصّ الآية في الترجمة من خلال اختيار أقرب المعاني وأنسب الألفاظ في اللغة المنقول إليها، وإذا مسَّتْ الحاجة إلى إضافة لفظ أو عبارة وجب وضعها ضمن معقوفتين تمييزاً لها.
1) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن، ص 195-196
3- يجب أن تتمّ ترجمة القرآن تحت إشراف لجنةٍ علميّة مختصّة، ويكون أعضاؤها من المختصّين في مختلف العلوم الدينيّة؛ كي تسلم الترجمة من الخطأ ومجانبة الصواب.
4- يجب الحفاظ على صيغة الحروف المقطّعة، وعدم ترجمة الكلمات المتشابهة، من قبيل: «البرهان» في الآية 28 من سورة يوسف، و «دابّة» في الآية 82 من سورة النمل، و «الأعراف» في الآية 46 من سورة الأعراف، وإبقاؤها على ما هي عليه من الإبهام، والإحجام عن شرحها وبيانها.
5- من الضروري عدم توظيف المصطلحات العلميّة والفنيّة في الترجمة؛ لأنّ الترجمة إنما يُراد منها أن تكون نافعةً لعامّة الناس، والمصطلحات الخاصّة لا تفي بهذه الغاية. كما يجب الإحجام عن ذكر الآراء المختلفة في عملية الترجمة.
6- من الأجدر أن تتمّ الترجمة على يد مجموعة من الأشخاص، وأن لا تكون عملًا منفردًا، حتّى يمكن لكلّ شخصٍ من هذه المجموعة أن يختار الترجمة المناسبة لتخصّصه، والوصول بذلك إلى نقاط مشتركة بين الجميع، كلٌّ بحَسَب اختصاصه.
7- من الضروري أن يتمّ ضمّ نصّ الترجمة إلى نصّ الآيات القرآنية المترجمة؛ كى يتسنّى للقارئ إذا حصل له شكٌّ في المعنى أن يجري مقارنة بين النصّين، ولا يتوهّم أن الترجمة يمكنها أن تكون بديلًا عن القرآن من جميع الجهات(1).
بالالتفات إلى ما تقدّم نستنتج أنّ الأستاذ معرفت، من خلال دقّته وبُعْد نظره، عمد إلى وضع شروطٍ إذا تمّت رعايتها يمكن خفض حجم الأخطاء التي قد تعترض عملية الترجمة أحيانًا.
ومن بين مختلف أساليب الترجمة، يذهب الأستاذ معرفت إلى تفضيل أسلوب الترجمة الحُرّة، ويراها الأنسب لترجمة القرآن الكريم.
1) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن، ص119-120
-عرض وتقويم-
أ. د. جميل حمداوي (1)
انكبَّ المستشرقون الغربيُّون كثيراً على تقويم القرآن الكريم؛ من حيث تاريخه ،ترجمته ،بنيته ،مضامينه، أسلوبه، لغته، اتِّساقه، انسجامه، ترتیب سوره، تبیان مختلف تقنيَّات قراءة القرآن، تفسيره، وتأويله. وقد اختلفوا في ذلك بين باحثٍ موضوعيّ، وآخر جاحدٍ منكرٍ يخدم الأغراض الدينيَّة، والتبشيريَّة، والاستعماريَّة. ومن هنا، فما خلَّفه المستشرقون من ترجمات قرآنيَّة هي - في الحقيقة - عبارة عن تفسيراتٍ وتأويلاتٍ وشروحٍ لمعاني القرآن الكريم، وليست ترجمات حقيقيَّة لهذا الكتاب؛ لأنَّه من الصعب الحديث عن ترجمة مثاليَّة أمينة وصادقة للقرآن الكريم.
أضف إلى ذلك أنَّ القرآن الكريم كتابٌ معجزٌ بلفظه، ومعناه، ومقاصده التشريعيّة. ولذا؛ يستحيل ترجمة القرآن الكريم وفق المعنى دون اللفظ؛ لأنَّ الإعجاز البيانيّ القرآنيّ يكمن في حرفه، صوته، مقطعه، كلمته، نظمه، تركيبه، إيقاعه، تنغیمه ،مقاصده، ومعانيه. فتبقى ترجمات المستشرقين نسبيَّةً، وناقصةً، وعاجزةً عن المماثلة الكلِّيَّة للنصِّ الأصليّ. وعليه؛ من الصعب - بمكانٍ - الحديثُ عن ترجماتٍ وفيَّةِ وأمينةٍ للنصّ المقدَّس؛ بقدر ما يمكن الحديث عن تفسيراتٍ وتأويلاتٍ مبتسرة خضعت لمقصّ التصرُّف، الحذف، النقص، الزيادة، التغيير، التلخيص، التحشية، التقديم، والتعليق. ومن ثمَّ يمكن الحديث عن تفسيرات معنويَّة شائبة، ومغرِضة، ومضلِّلة. بيد أنَّ ثمّة تفسيراتٍ معنويّةٍ موضوعيَّةٍ لبعض المستشرقين الذين ترجموا القرآن الكريم إلى لغاتٍ أجنبيَّةٍ معيَّنة، وإنْ كانت تلك الترجمات تبقى غير كافية
1) باحث في الفكر الإسلاميّ، من المغرب
للإحاطة ببلاغة القرآن الكريم ونظمه، والتعبير عن جماليَّاته الفنِّيَّة والبيانيَّة من خلال التأثير في المتلقّي؛ بغية إثارته وإبهاره وإدهاشه.
وعلى الرغم من تأليف دراسات كثيرة (1)
ذاكر، عبد النبي: قضايا ترجمة القرآن، طنجة - المغرب ، وكالة «شراع » لخدمات الإعلام والاتّصال، 1998م.
عثمان، عبد العزيز محمَّد: ترجمة القرآن الكريم: بين واقعنا المعاش ومستقبلنا المنشود، حیدرآباد- الهند، الجامعة الإسلاميَّة، 1992م.
المراغي، محمد مصطفى: بحث في ترجمة القرآن الكريم وأحكامها، بيروت، دار الكتاب الجديد 1981 م. (صدرت الطبعة الأولى منه في القاهرة عام 1936م).
البنداق، محمد صالح: آراء حول ترجمات القرآن الكريم، القاهرة، دار الوفاق، 1980م.
شحاته، عبد الله: ترجمة القرآن، لا ط، القاهرة، دار الاعتصام 1980م.
صالح، صبحي: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيّة، القاهرة، دار الكتاب المصري، 1999م.
علي، عبد الله يوسف: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيّة، الرياض، دار اللواء.
مهنا، أحمد إبراهيم: دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، القاهرة، مطبوعات الشعب، 1978م.
البنداق، محمد صالح: المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، ط 1 ، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1980م.
عبد العزيز، زينب : ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك، مصر، دار الهداية، لا ت
تناولت موضوع ترجمة القرآن الكريم بصفة عامّة، وترجمات المستشرقين بصفة خاصّة؛ بحيث أضافت إضافاتٍ مهمَّة في مجال ترجمة القرآن الكريم من قِبَل المستشرقين، فقد بقيت جوانب مهمَّة على مستوى تقويم هذه الدراسات دون أن تأخذ حقَّها في البحث. ولذلك جاءت هذه الدراسة لتقوِّم تلك الترجمات؛ إيجابًا وسلبًا؛ من خلال الانطلاق من فرضيَّة رئيسة تتمثَّل في أنَّ المستشرقين الغربيِّين قد ترجموا القرآن ترجمات عدَّة من أجل التعرُّف إلى الدين الإسلامّي من جهة، وتشويه الإسلام والمسلمين من جهة أخرى، دون أن تصل تلك الترجمات إلى مرتبة الترجمة الأصليّة والحقيقيَّة والوفيَّة والأمينة بالمفهوم العلميّ؛ لأنَّها مجرَّد تفسيراتٍ وشروحٍ وتأويلاتٍ لمعاني القرآن الكريم لها ما لها، وعليها ما عليها.أولًا: أنواع الترجمة القرآنيَّة
يمكن الحديث عن أنواعٍ عدّة من الترجمات القرآنيَّة التي عمل عليها المستشرقون الغربيِّون؛ وهي:
1) من أبرز هذه الدراسات:
تهدف هذه الترجمة القرآنيَّة عند المستشرقين وغير المستشرقين إلى المقابلة الحرفيَّة بين النصِّ الأصليّ والنصِّ الهدف المنقول إليه. وتتحقَّق الترجمة الحرفيَّة بالمماثلة بين الحروف والكلمات والمعاني؛ بواسطة المحاكاة، والتقليد، والمماثلة الحرفيَّة للتراكيب والتعابير، وبمقابلة المعاجم والقواميس؛ لكي تكون منسجمة في ما بينها.
تُعدّ هذه الترجمة مقبولةً في المجالات العلميَّة والإخباريَّة، وغير مقبولة في مجال الشعر والقرآن الكريم؛ لاستحالة ترجمة القرآن الكريم ترجمة حرفيّة ولفظيّة؛ نظرًا إلى أنَّ كلمات القرآن لها مدلولاتٌ خاصَّةٌ في سياقاتٍ ثقافيَّةٍ عربيّةٍ موغلةٍ في القدم، تحتاج إلى كثير من التأنّي والتروِّي والتعمُّق؛ بسبب غياب الترادف، ووجود اللفظ المشترك، وما تحمله الكلمة القرآنيَّة من معانٍ مختلفة من سياق إلى آخر.
2.2 الترجمة القاموسَّية أو المعجميَّة
غالبًا ما يلجأ بعض المستشرقين إلى التقابل المعجميّ في عملية الترجمة؛ أي إلى ترجمة القرآن الكريم كلمة بكلمة، أو جملة بجملة، أو عبارة بعبارة. ولكنَّ هذه الترجمة المعجميَّة هي ترجمةٌ حرفيَّةٌ وقاموسيَّةً للمعاني، وليست ترجمةً للصور البلاغيَّة، أو ترجمةً للنظم التأليفيّ والتعبيريّ. وبالتالي؛ فهي لا تُعنى بالمواقف التأثيريَّة ،والإبهاريّة، والإدهاشيَّة ،والفنيَّة، والجماليَّة والبيانيَّة، والحجاجيَّة في القرآن الكريم، والتي هي سرُّ إعجازه الخارق. ثمَّ إنَّ هناك فرقًا بين الحقول الدلاليَّة والحقول المعجميَّة؛ فالأولى تدرس الكلمة وفق سياقها الدلاليّ في النصّ، بينما الثانية تدرس الكلمة في سياقها النصّيّ والخطابيّ. وغالبًا ما تكون ترجمة معاني القرآن عند المستشرقين بالمقابلة القاموسيّة الحرفيَّة ليس إلَّا.
ويمكن القول: إنَّ الترجمة المعجميّة القائمة على الاستبدال والترادف والتضادّ قد تكون غير صالحةٍ لتقريب معاني القرآن الكريم؛ لأنَّ هذه العمليَّة غير ناجعةٍ في كثيرٍ من الأحيان؛ لانعدام الترادف في اللغة العربيَّة(1).
1) انظر: الحجوي الثعالبي، محمّد بن الحسن: حكم ترجمة القرآن العظيم، مخطوطة الخزانة العامّة بالرباط، لا ط، لا م، لات، ح 113، ص 52-53
تتميَّز ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم بتقريب معاني الكتاب المقدَّس وتأويلها وفق منطلقات خاصَّة، بالتركيز على معاني القرآن الكريم دون الاهتمام باللفظ ،والمقصديةَّ والسياق، والإيقاع القرآنيّ المعجز. وهذا يعني غيابًا حقيقيًّا للترجمة بمفهومها العلميّ، فضلًا عن كون أغلب المستشرقين لا يتقنون اللغة العربيَّة بوجه جيِّد، ولا يعرفون الإطار الحضاريّ للإسلام من عاداتٍ، وأعرافٍ، وتقاليدَ، وقِيَمٍ، ومُثْلٍ، وآدابٍ، وطقوسٍ.
تستند هذه الترجمة القرآنيَّة إلى عمليَّة الفهم والتفسير؛ بمعنى أنَّ المستشرق يترجم معاني القرآن الكريم بتفسير الآيات والسور تفسيراً؛ إمَّا ذاتيًا، وإمَّا موضوعيًّا بتقريب معاني القرآن وشرحها والتعليق عليها. وغالبًا ما يخضع هذا التفسير للتصرُّف، والإضافة، والنقص، والتحوير، والتشويه، والاختصار، والاقتضاب، والابتسار، والحذف، والتحشية، بحسب الأغراض والنوايا التي يصدر عنها المستشرق. ومن هنا، فليست هذه الترجمة التفسيريَّة ترجمةً حقيقيَّةً وأمينةً للقرآن بل تكتفي بترجمة المعاني المجملة أو الجزئيَّة بتفسيرها وشرحها وفق المقاصد والأغراض والسياقات التداوليَّة.
تتعدّى الترجمة التأويليَّة الترجمة التفسيريَّة المعنويَّة الظاهريَّة، بالوقوف عند أبعاد النصّ ودلالاته المفهومة والمعقولة، باستكشاف الباطن، واستجلاء المخفيّ، والبحث عن المعاني العميقة التي يزخر بها النصّ أو الخطابُ القرآنيُّ في علاقته بالسياق ،والمرجع، والإحالة، والمقصديَّة.
ومن هنا، فالترجمة التأويليّة هي قراءة منسجمة أو غير منسجمة للنصّ القرآنيّ، تخضع لثقافة المترجم وتجربة المؤوّل على حدِّ سواء. وتستند الترجمة التأويليّة إلى الدائرة التأويليَّة التي تتكوَّن من مرحلة ما قبل الفهم، ومرحلة الفهم، ومرحلة
التأويل التي تستحضر الذات، والإحالة، والسياق. وبهذا، تكون القراءة التأويليَّة مرتبطةً أشدَّ الارتباط بخاصيَّة التأويل الذاتيّ والسياقيّ.
ومعنى هذا أنَّ الترجمة التأويليَّة للقرآن هي ترجمةٌ لمعاني القرآن؛ قد تكون ترجمةً مغرضةً ومضللةً إذا ما انطلق فيها المستشرق من نوايا لاهوتيَّة ودينيَّة ،وصليبيَّة، وقد يكون تأويلها مقبولًا - إلى حدٍّ ما- في ما إذا كان علميًّا موضوعيًا يقوم على أساس الاعتراف، والوفاء، والالتزام بالمنهج الأكاديميِّ الصحيح.
يُقصد بالترجمة المغرضة تلك التي تترجم معاني القرآني الكريم بغرضِ التشكيك والمسِّ بالإسلام والمسلمين، والطعن في القرآن الكريم. ومن ثمَّ؛ فهي ترجمة مضلَّلة، ومنحرفة، ومبتدعة تخرج عن ضوابط المنهج العلميّ الصحيح، يكون فيها المستشرق في خدمة الكنيسة، واللاهوت ،والاستعمار، والتبشير على حدٍّ سواء. وينطبق هذا الحكم على الترجمات اللاتينيَّة الأولى للقرآن الكريم، التي كانت بطلب الفاتيكان، والتي كانت ترجمات مدسوسة ومسمومة بالنوايا السيِّئة؛ حيث تنسب القرآن إلى محمَّد، وتعتبره مجرَّد کتابٍ بشريٍّ ينسخ ما هو موجود في التوراة والإنجيل؛ لوجود مضامين ومحتوياتٍ متشابهة.
تتّسم هذه الترجمة الاستشراقيَّة الحقودة لمعاني القرآن الكريم بتكريس النزعة الاستعماريَّة، ومعاداة العقليَّة الساميَّة، والغضّ من قيمتها على المستويين المعرفيّ والعلميّ، مع ترجيح كفّة العقليَّة الآريَّة. ويتجلَّى هذا واضحًا في عدم اعتراف بعض المستشرقين بالفلسفة الإسلاميَّة، والانتقاص من علم الكلام والتصوُّف الإسلامي، على أساس أنَّ العقليَّة الساميَّة غير قادرة على التجريد والتركيب، وبناء الأنساق الفلسفيّة الكبرى وجودًا ومعرفةً وأخلاقًا، كما يذهب إلى ذلك المستشرق الألماني رينان.
ومن جهة أخرى، تمسَّك المستشرقون الغربيُّون - منذ القرن التاسع عشر وبدايات
القرن العشرين - بالدفاع عن المركزيَّة الأوروبيّة، باعتبارها أنموذجًا للمعرفة والعلم والحقيقة. وقد انطلق هؤلاء الدارسون من مناهج فيلولوجيَّة أو تاريخيَّة أو ذاتيَّة.
وعليه؛ فالترجمة الاستشراقيَّة المغرِضة تتّسم بالتشكيك، والتشويه، والتبشير، والأدلجة، والتفكيك الهدّام، والتطرُّف، وإثارة ما يسمَّى بالصراع الدينيِّ والحضاريّ.
وهي ترجمة معاني القرآن الكريم وفق السياق الداخليّ والتداوليّ للنصّ القرآنيّ، أو وفق سياقه المرجعيّ الخارجيّ: الجغرافي، السياسيّ، الاجتماعيّ، الاقتصاديّ، التربويّف التعليميّ، القانونيّ، التاريخيّ، الإنثروبولوجيّ، النفسيّ، الدينيّ، الفكريّ، الثقافيّ، والحضاريّ. والسياق يعني ما يُسمَّى بالمقام (Situationality)، أو المحيط المرجعيّ، أو الإطار النفسيّ، أو الثقافيّ؛ الذي يطوِّق النصِّ من جميع جوانبه الخارجيَّة، حيث إنَّه النطاق المادّيّ الذي يُحيل عليه النصّ.
ثمَّة مستشرقون غربيُّون قاربوا معاني القرآن الكريم وترجموها وفق مقاربة تداوليَّة سياقيَّة، فلم يكتفوا بالترجمة الحرفيَّة، واللفظيَّة، والتفسيريَّة، والتأويليَّة للخطاب القرآنيّ؛ بل ربطوا ذلك بتفكيك القرآن وفق منهجيَّة سياقيَّةٍ تداوليَّةٍ لتفسير القرآن، واستيعاب دلالاته؛ بغية ضربه من الداخل والخارج، وتشويه الدين الذي يعبَّر عنه هذا النصّ؛ باختلاق أحداثٍ غيرِ صحيحةٍ، واستعراضِ معلوماتٍ تاريخيةٍ مزيّفةٍ وشائبةٍ، والانطلاق من دوافع ومعطيات لاهوتيَّة مسيحيَّة أو يهوديَّة محضة.
تهدف الترجمة اللاهوتيّة إلى تقريب معاني القرآن الكريم في ضوء التصوُّر المسيحيِّ الكنسِّي والكاثوليكيِّ الذي تتزعَّمه الفاتيكان والبابويَّة التبشيريَّة، حيث كانت الترجمات اللاتينيَّة المبكرة لمعاني القرآن الكريم، منذ القرن الثاني عشر الميلادي، تُنجز باسم الكنيسة؛ لأغراض دينيَّةٍ صليبيَّةٍ، ونوايا لاهوتيَّةٍ سيِّئة، الهدف
منها هو تشكيك المسلمين في دينهم الإسلاميّ؛ بالطعن في القرآن الكريم، من حيث إنَّه منسوبٌ إلى محمَّدٍ الذي نقله عن الأحبار اليهود والرهبان المسيحيِّين، وهو مجرَّد قانونٍ بشريٍّ وضعيٍّ نقله محمَّدٌ من القانون الرومانيّ، ما يعني أنّ القرآن الكريم لم يأتِ بشيءٍ جديدٍ، وأنَّ الإنجيل أفضل منه. بيد أنَّ السببَ الحقيقيَّ الذي دفعهم إلى هذه الترجمات اللاهوتيَّة المضلِّلة يتمثَّل في أنَّ القرآن قد فضح الرهبانيَّة المسيحيَّة، وفضح تحريف الإنجيل الذي اتُّخذ من قِبَل الرهبان وسيلةً للاسترزاق، فضلًا عن بشريَّة عيسى المسيح، وأنَّه مجرَّد رسولٍ؛ كباقي الرسل والأنبياء الذين جاؤوا من أجل نشر رسالة التوحيد. ولذا؛ فقد منعت الكنيسة نشر القرآن الكريم بعد ترجمة معانيه؛ لأنَّ ذلك يخدم الإسلام ولا يضرُّه في شيءٍ، فتركته حبيس الأديرة والكنائس.
يُقصد بالترجمة العلميَّة الممنهجة تلك الترجمة التي تبنَّاها المستشرقون المعاصرون في قراءة القرآن الكريم وترجمة معانيه؛ حيث اعتمدوا على مناهج لسانيَّة وخطابيَّة معاصرة في تحليل النصِّ القرآنيّ، وترجمة معانيه، بتوظيف المناهج المعاصرة؛ من قبيل : المنهج البنيويِّ اللسانيِّ، المنهج السيميائيِّ، المنهج الإنثروبولوجيِّ، المنهج السيكولوجيِّ، المنهج السوسيولوجيِّ، المنهج الثقافيِّ، المنهج التاريخيِّ الجديد، المنهج التفكيكيِّ، والمنهج الفلسفيِّ، ...
تتقابل الترجمة المنصفة مع الترجمة المغرضة والمضلّلة الخاضعة للأهواء والسموم والدسائس اللاهوتيَّة. فهناك بعض المستشرقين الذين كانوا يترجمون معاني القرآن الكريم ويقاربونها بطريقةٍ موضوعيَّةٍ معتدلة ومنصفة، أساسها الاعتراف بفضل القرآن الكريم على الإنسانيَّة، وأنَّ القرآن وحيٌ من الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأنَّ الكتاب شريعة الله، وأنَّها مكمِّلة لباقي الشرائع السماويَّة السابقة.
على أنّ هذا الإنصاف يبقى إمّا إنصافا جزئيًّا، وإمّا إنصافا كلِّيًّا حسب شخصيَّة كلّ مستشرق على حدة.
تهدف هذه الترجمة الاستشراقيَّة إلى المقارنة بين معاني القرآن الكريم والمعاني التي تتضمَّنها الكتب السماويَّة السابقة؛ كما في التوراة والإنجيل، حيث كان المستشرقون يقارنون بين معاني القرآن وما يوجد لدى اليهود والنصارى، بالتوقُّف عند المتشابه والمختلف. بيد أنَّ هذه المقارنة مضلّلة ومنحرفة ومشوّهة؛ إذ كيف نقارن نصًّا سليمًا؛ من حيث الصحَّة بالتواتر والحفظ الربَّانيّ، بنصوصٍ وكتبٍ دينيَّةٍ نالها التحريف والتزوير والتزييف؟
ثانيًا: ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيَّة
ترجم المستشرقون كثيراً من كتب العرب المسلمين إلى لغات أوروبيَّة مختلفة، في مجالات وميادين علميَّة متنوّعة؛ بما فيها كتب الأدب، والعلم، والفلسفة، والدين. وقد حقَّقوا مجموعةً من المصنَّفات القديمة ووثَّقوها وفق المناهج العلميَّة المستعملة في علم التحقيق والكوديكولوجيا(1). بيد أنَّهم أعطوا أهمِّيَّة كبرى لترجمة معاني القرآن الكريم؛ باعتباره دستور المسلمين، وأساس تقدُّمهم وحضارتهم ومدنيَّتهم. ولذا؛ فقد تُرجم القرآن الكريم إلى لغاتٍ أجنبيَّةٍ وعالميَّةٍ عدَّة منذ القرن الثاني عشر الميلاديّ(2).
هذا، وثمَّة أسباب عدة وراء إقبال الغربييِّن على ترجمة القرآن الكريم؛ منها: انتشار الإسلام بسرعة في مختلف أنحاء العالم، واكتساحه بشكل تدريجيّ لربوع المجتمعات المسيحيّة والوثنيَّة، وترابط الأمَّة الإسلاميَّة، وتحقيق التقدُّم والازدهار بفضل القرآن الكريم، والرغبة في اكتشاف المجتمع الإسلاميّ(3)، والتطلُّع إلى فهم
اللغة العربيَّة والسعي الحثيث من أجل فهم الإسلام، والدفاع عن الكاثوليكيَّة المسيحيَّة ضدَّ أخطار الإسلام، وحماية المسيحيِّين من هيمنة الدين الجديد(1).
ولم تقتصر الترجمة القرآنيَّة على رجال الكنيسة فحسب بل قام بها المثقَّفون، ورجال العلم، والمفكّرون، والساسة المستعمرون، والمبشّرون، والمستشرقون، والمستعربون(2)سواء أكانوا مهتمِّين باللغة العربيَّة والثقافة العربيَّة، أم كانوا قد تبنّوا العروبة الثقافيَّة أو الإيديولوجيَّة أو الهويَّاتيَّة. وهذا ما قام بها المستمزغون (3)أيضًا.
وقد «دخلت حركة ترجمة القرآن ضمن المخطط الغربيّ الذي يهدف إلى ترجمة الجوانب التي يراها مشرقة في تراثنا الفكريّ والعقديّ والحضاريّ، وذلك باسم المنهج العلميّ وخدمة الحقيقة العلميَّة، ولكنَّ هذا الاتِّصال العلميّ العميق بالإسلام، حضارةً وعقيدةً وشريعةً وتراثًا، لم يكنْ له تأثيرٌ عميقٌ في تغيير النظرة الغربيَّة للصورة العقديَّة أو الإلهيَّة أو التاريخيَّة للإسلام، بل على العكس من ذلك؛ زاد هذا الاتِّصال في تعميق كراهة الغرب وسخطهم عن الإسلام، فتفنَّنوا في ابتداع الوسائل والإمكانيَّات لمحاربته، وكأنّما تلك الدراسات للإسلام وُضعت لخدمة تلك الإمكانيَّات الوسائل»(4).
وعليه؛ فالهدف المبتغى والرئيس من ترجمة معاني القرآن الكريم عند المستشرقين -دائمًا - لم يكن هدفًا علميًّا ومنهجيًّا وأكاديميًّا ومعرفيًّا وثقافيًّا فحسب؛ بل كان ثمّة أهدافٌ دينيَّةٌ، ولاهوتيَّةٌ ، وتبشيريَّةً، وتنصيريَّةً، واستعماريَّة، وبراجماتيَّة.
1) Sasisalem, Haj, Naqd al-Khatâb al-Istishrâqi (Critique des paroles des Orientalistes), éd. Dâr al- Madâres Eslâmi, 2001, p. 15- 44
2) إذا كان الاستشراق Orientalisme) ) يدرس كلَّ ما يتعلَّق بالشرق من لغة، وحضارة، وثقافة، وتقنيَّة، وإذا كان الاستمزاغ( (Berberisme ينصبّ -أيضًا- على دراسة الحضارة الأمازيغيَّة الموجودة في شمال أفريقيا؛ فحصًا وتحليلًا وتقويمًا، فإنَّ الاستعراب (Arabisme) ينكبُّ على دراسة كلّ ما يتعلَّق بحضارة المسلمين في الأندلس؛ أدبًا، وفكرًا، وعلما، ولغةً، ومعرفةً، ومن ثمّ، فلقد ركّز المستعربون كثيرًا على الأدب الأندلسيّ، واستخدموا في ذلك اللغة العربيّة تارة، واللغة الإسبانيَّة واللغات اللاتينيَّة تارة أخرى. وقد ظهر الاستعراب في القرن التاسع عشر الميلاديّ في إسبانيا؛ من أجل فهم المنتج العربيّ في الأندلس، ودراسة قيمه وإبداعه، وبيان أسباب ذلك. ولذلك، التجأ الباحثون الأكاديميُّون والأساتذة الجامعيُّون إلى تحقيق المخطوطات العربيُّة، وتشريح الفكر العربيّ في الأندلس، وبيان أسرار تفوُّق العرب المسلمين في مجالات العلم، والمعرفة، والفنِّ، والفكر، والأدب
3) المستمزغون هم الذين يدرسون الحضارة الأمازيغيَّة
4) خروبات، محمَّد، الاستشراق والعلوم الإسلاميَّة بين نقلانيّة التأصيل وعقلانيّة التأويل ،مراكش، ط1، المطبعة والوراقة الوطنية، 2017م، ص359
كانت أوّل ترجمة للقرآن الكريم قد تولَّاها سلمان الفارسي الذي ترجم سورة الفاتحة إلى اللغة الفارسيَّة في القرن الثامن الميلاديّ(1)
قال النووي: «والجواب عن فعل سلمان أنّه كتب تفسيرها لا حقيقة الفاتحة»، (النووي، يحيى بن شرف: شرح المجموع المهذَّب للشيرازي، تحقيق: محمَّد نجيب المطيعي، لا ط، جدَّة، مكتبة الإرشاد، لا ت، ج 3، ص 380)
، وقد عرضها على النبيّ صلّی الله علیه و آله فلم يُنكر عليه ذلك؛ بل بعث بها سلمان إلى أهل فارس.وكانت الترجمة الثانية لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اليونانيَّة من قِبَل عالم القسطنطينيَّة نيسيتاس البيزنطيّ (Nicetas Byzantius) ما بين 855 و 870م(2). كما تُرجمت معاني القرآن الكريم - أيضًا - إلى اللغة الأورديَّة من قِبَل الملك وليّ الله، أو من قِبَل ولديه شاه رفیع الدين، أو شاه عبد القادر. في حين انتقلت ترجمة معاني القرآن الكريم من اللغات الأوروبيّة إلى اللغة الهنديَّة سنة 1641م(3).
تُرجم القرآن إلى اللغة اللاتينيَّة في وقتٍ مبكر من قِبَل روبيرتوس كيتينيسيس (Robertus Ketenesis) سنة 1143م، بعنوان: «قانون محمَّد النبيّ الزائف»( Les Mahumet Pseudoprophete)، وقد أُنجزت هذه الترجمة بإشراف قسّيسِ فرنسيٍّ في دير كلوني (Chuny) يسمّى «بيير دو مونت بواسيي»( Pierre de Montboissier ) المعروف ب- « بيير الموقَّر»( Pierre le Vénérable )، وما زالت النسخة المترجمة محفوظة فى مكتبة أرسنال (Arsenal) في باريس (4).
1) Al-Nawawi, Al-Majmou' sharh al-Muhadhdhab, trad. Van den Bergh, 2 vols., éd. Dâr Ihya' Al-Turath Al-'Arabi, Le Caire,1888, p. 380.
2) Hogel, Christian, Une traduction anonyme du Coran en grec, fragments de Nicetas Byzantius, éd. Collectanea Christiana Orientalia 7, 2010, pp. 6572-
3) Zamâni, Mohammad Hassan, Mostashreghân va Qor'ân (Les Orientalistes et le Coran), Téhéran, éd. Boustân-e Ketab, 2006
4) Fatani, Afnan, Translation and the Qur'an, in The Qur'an: an encyclopedia, Great Britain, éd. Routeledge, 2006, pp. 657 - 669
هذا، وقد «سعت الكنيسة من خلال هذه الترجمة إلى الإساءة إلى الإسلام، ولكنَّ الدائرة كانت عليها، بل سرعان ما استدركت أنّها تساهم بفعلها ذاك في التبشير بالإسلام عوض المسيحيّة، فقامت بفرض حظر على هذه الترجمة التي ظلَّت مخطوطةً في نسخٍ عدَّة تُتداول في الأديرة فقط لمدَّة أربعة قرون، إلى أنْ طُبعت في مدينة بال (Bale) في سويسرا في 11 يناير 1543م ، وهذه الترجمة لا تُمثِّل الحدَّ الأدنى لحقيقة القرآن الكريم، وهي بعيدةٌ كلَّ البعد عن الحقيقة العلميَّة التي تتوخَّاها التراجم عادة؛ إذ شهد على فساد هذه الترجمة المستشرق الفرنسيّ بلاشير، وجورج سيل؛ حيث أكَّد جورج سيل أنَّها لا تستحقُّ اسم ترجمة؛ لما تحتوي عليه من الأخطاء اللانهائيَّة والحذف والإضافة والتصرُّف بحرِّيَّة شديدة في مواضع عدَّة، يصعب حصرها، ما يجعلها لا تشتمل على أيِّ تشابهٍ مع الأصل. أمَّا بلاشير فيرى أنَّ هذه الترجمة لا تبدو بأيِّ وجه من الوجوه ترجمةً أمينةً وكاملةً للنصّ »(1)
ومن هنا، فقد بدأ الفاتيكان يهتمُّ بترجمة القرآن الكريم، ويشجّع الدراسات القرآنيَّة المغرِضة؛ كالتي كتبها كلٌّ من الإنكليزي روبيرت دو کیتون( Robert Ketton) والألمانيّ هيرمان ديلماش (Hermann Delmach)، بعد التقدُّم الذي حقَّقه المسلمون في الأندلس بفضل القرآن الكريم.
ثمَّ إِنَّه قد أُنجزت ترجمةٌ ثانية للقرآن الكريم إلى اللغة اللاتينيَّة من قِبَل الإيطاليّ لودوفيكو ماراشي( Ludovico Marracci ) سنة 1698م؛ بغية خدمة أهداف البابا الحادي عشر (2). وقد خصَّ هذه الترجمة بمقدِّمةٍ نقديَّة بعنوان: «الردّ على القرآن»(3).
وتتَّسم هذه الترجمات اللاتينيَّة بكونها ترجماتٍ مضلّیلة ومحرّفة، تخدم اللاهوت
1) خروبات، الاستشراق والعلوم الإسلاميَّة بين نقلانيّة التأصيل وعقلانية التأويل، م.س، ص 360-361
2) Boormans Maurice, 2002, «Ludovico Marracci et sa traduction latine du Coran», Islamochristiana, 28, pp.73-86
3) Marracci Ludovico, 1698, Alcorani textus universus ex correctioribus Arabum exemplaribus (...) descriptus (...) ac (...) ex Arabico idiomate in Latinum translatus, Patavii, ex typographia seminarii, 2 vol
الكنسيّ، من خلال تشويه تعاليم الإسلام القرآنيَّة، وتشكيك المسلمين في حقيقة أنَّ القرآن منزلٌ من عند الله، وإنّما هو من اختلاق محمَّد، وتكرارٌ لما جاء في العهدين القديم والجديد.
تُرجم القرآن الكريم إلى اللغة الإيطاليَّة سنة 1530م، وكان ذلك في مدينة البندقيَّة، ثمَّ خاف البابا من انتشار الإسلام، فأتلف جميع نسخ القرآن سنة 1547م. وظهرت ترجمةٌ قرآنيَّةً أخرى سنة 1574م قام بها المستشرق أندريا أريفابين(Andrea Arrivabene )، بعنوان: «قرآن محمَّد».
وثمّة ترجمات إيطاليّة أخرى لمعاني القرآن الكريم؛ كترجمة كالزا(C.V. Calza ) سنة 1847م، وترجمة بانزيري(G.Panziri ) سنة 1882 و 1812، و 1913م. G. علاوةً على ترجمة فراكاسي(A. Fracassi ) سنة 1914م ، وترجمة لويجي بونيلي (Luigi Bonelli ) سنة 1999 و 1937 و 1940م، وترجمة أليسادرو بوساني (Ales sadro Bausani) سنة 1955م.
هذا، وتوجد أكثر من عشر ترجماتٍ للقرآن الكريم إلى اللغة الإيطاليَّة، أغلبها ترجماتٌ مغرِضة ومحرَّفة ومضلِّلة ومبتدِعَة.
اعتنى الألمان بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيَّة منذ سنة 1616م على يد سالومون شفایغیر Salomon Schweigger) ) (1)الذي نقل ترجمته لمعاني القرآن الكريم عن التركيَّة، إلى جانب ترجمة تيودور أرنولد Theodor Arnold) ) سنة 1746م.
وقد ساهم دافيد فريدريك ميرجيرلاين( M.D.F. Mergerlin) بدوره في
1) Salomon Schweigger Alcoranus Mahometicus, Der Türcken Alcoran: traduction en allemand, d'après la version d'Andrea Arrivabene (1616 & seconde édition: 1623)
ترجمة القرآن من اللغة التركيّة - أيضًا - إلى اللغة الألمانيّة سنة 1772م، حيث ترجمها على النحو الآتي: «الكتاب المقدّس التركيّ الإسلاميّ أو القرآن»، وهي الترجمة التي أُعجب بها الشاعر الرومانسي جوته؛ وجعلته يهتمّ بالدين الإسلاميّ اهتمامًا كبيرًا(1).
وفي سنة 1773م، ظهرت ترجمةٌ أخرى لمعاني القرآن الكريم من قِبَل فريدريك أبرهرد بویزنF.E (Boysen) بعنوان: «القرآن أو التشريع عند المسلمين لمحمَّد بن عبد الله مع بعض الدعوات القرآنيَّة الاحتفاليَّة»(2).
هذا فضلًا عن ترجمات قرآنيَّة أخرى، قام بها كلٌ من: صمويل فريدريك کونتر وال (Samuel Friedrich Günther Wall) سنة 1828م(3)، وترجمة لودفيغ أولمان (Ludwig Ullmann) التي كانت في سنة 1840م(4)، وترجمة نيريتر (Nerreter) (5)، وترجمة لانج (Lange) . كما ترجم الشاعر روكرت F. Ruckert) ) مقاطع من القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيَّة سنة 1888م ، على الرغم من كونه بعيدًا عن عالم الاستشراق (6). وكذلك ظهرت ترجمات أخرى لتيودور جريجول (Th. F. Griguill ) سنة 19م، وترجمة لماكس هنينM. Henning) ) سنة ،191م، وترجمة لبيشوف (E. Bishof ) سنة 1904م، وترجمة لجريم (H. Grimme ) سنة 1923م، وترجمة للازاروس كولدشمیت ( Lazarus Goldschmidt ) (7)سنة 1916م...
1) M.D.F.Mergerlein: Die Turkische Bible, Frankfurt, 1772
2) F.E.Boysen: Der Coran; Halle, 1773,1775
3) Samuel Friedrich Günther Wahl: Der Koran oder Das Gesetz der Moslemen, Halle, (1828)
4) Ludwig Ullman: Der Koran,Gefeld-Bielefeld-Velhagen-Klasing, 1840,1842,1853,1857
5) Fatani, Afnan, Translation and the Qur'an, in The Qur'an : an encyclopedia, Great Britain, ed. Routeledge, 2006, pp. 657 - 669
6) انظر: عبد السلام أحمد حسن: «تاريخ الاستشراق الألمانّي» مجلَّة الفكر العربي، بيروت، السنة الخامسة، العدد31، ج 1، ص197
7) Lazarus Goldschmidt: Der Koran, (1916)
وهناك ترجمة لرودي باريت(Rudi Paret ) (1)دحض في مقدِّمتها آراء المستشرقين الذين يشكِّكون في جميع آيات القرآن بقوله: «ليس لدينا أيُّ سببٍ يحملنا على الاعتقاد بأنَّ هناك أيَّة آية في القرآن كلِّه لم تَرِد عن محمَّد»(2).
وهذا يعني أَنَّ باريت يدحض المنهج الذاتويّ الذي اعتمده زملاؤه من المستشرقين الغربيِّين الذين كانوا يتتبَّعون كلَّ آية آية بالنقد والدحض والاعتراض؛ من أجل أن يبيِّنوا أنَّ محمَّدًا هو مؤلّف القرآن، ومن أجل أنْ يشكِّكوا في الإسلام؛ باعتباره دينًا عالميًا.
وعليه؛ يمكن الحديث عن أكثر من عشرين ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الألمانيَّة.
اهتمَّ الفرنسيُّون بترجمة القرآن الكريم منذ القرن السابع عشر الميلاديّ(3)، بعد أنْ كانت هناك ترجماتٌ لاتينيَّة محدودة لهذا الكتاب المقدَّس في الأديرة والكنائس المسيحيَّة(4).
ومن هنا، تُعدّ ترجمة كلود إتيان سافاري (Savary) للقرآن الكريم الترجمة الفرنسيَّة الأولى، وقد ظهرت سنة 1647م، وكانت تنطلق من أهدافٍ لاهوتيَّةٍ وكنسيَّةٍ ومن نوايا عدائيَّةٍ حاقدة ومبيَّتة(5).
ثمّ أعقبها بعد ذلك ترجمة فرنسيّةٌ أخرى من قِبَل أندري دو ريير (André
1) Rudi Paret:Der Koran.Uebersetzung.Stuttgart, 1980, p: 5
2) زقزوق، الاستشراق والخلفيّة الفكرية للصراع الحضاريّ، م.س، ص112
3) Martino Pierre, 1907, »Mahomet en France au xviie et au xviiie siècle», Actes du XIVe Congrès international des orientalistes Alger 1905, Paris, Ernest Leroux, pp.206241
4) Sylvette Larzul: (Les premières traductions françaises du Coran, (XVIIe-XIXe siècles), journals.openedition.org/assr/21429
5) Savary Claude-Étienne, 1783, Le Coran, traduit de l'arabe, accompagné de notes, et précédé d'un abrégé de la vie de Mahomet, tiré des écrivains orientaux les plus estimés, Paris, Knapen et Onfroy 2 vol
du Ryer ) (1)سنة 1775م، بعنوان: «قرآن محمَّد»( LAlcoran de Mahomet translaté d'arabe en françois ) (2)حيث نسب - من خلال عنوان الترجمة - القرآن إلى محمَّد، على أساس أنَّ هذا الكتاب ليس وحيًا منزلًا، بل هو من اختلاق نبيّ مزيَّفٍ ومدَّعٍ. وقد اعتمد في ترجمته على النسخة اللاتينيّة لروبير دو كيتون .(Ketton)
وترجم أنطوان جالان( Antoine Galland ) القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيَّة في القرن الثامن عشر الميلاديّ (3). كما شارك كازيميرسكي (Kazimirski) بدوره سنة 1840م في عمليَّة ترجمة القرآن الكريم (4)، فاستهلَّ ترجمته بمقدِّمة حاقدة مضلِّلة، انتقد فيها معاني القرآن الكريم انتقادًا معوجًا، فتعسِّف في تفسيره وتأويله اللاهوتيّ المغرِض.
وفي الفترة المعاصرة، يمكن الحديث عن ترجماتٍ فرنسيّةٍ أخرى للقرآن الكريم قام بها مجموعةٌ من المستشرقين الفرنسيّين؛ أمثال: إدوار مونتي (Edouard Monet) الذي ترجم القرآن الكريم سنة 1925م (5)، ولايميش Laimeche) ) الذي ترجم القرآن سنة 1931م، وبيسلي وتيدجاني( Pele et Tidjani) اللذان ترجما القرآن سنة 1936م، وريجيس بلاشير Rege Bimacher) ) (6)الذي أصدر ترجمته سنة 1949 و 1950 و 1966م، ورجب الله( (Rajabale من جزيرة موريس الذي ترجم القرآن سنة 1949م ، وميرسيي (Mercier) الذي ترجم القرآن سنة 1956م، وكديرا
1) Hamilton Alastair, Richard Francis, 2004, André Du Ryer and Oriental Studies in Seventeenth-Century France, Oxford, Oxford University Press - The Arcadian Library
2) Du Ryer André, 1647, L'Alcoran de Mahomet, Translate d'Arabe en François, Paris, Antoine de Sommaville, 648 p. (http://gallica2.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k109735r)
3) Abdel-Halim Mohamed, 1964, Antoine Galland, sa vie et son euvre, Paris, Nizet
4) Biberstein-Kazimirski Albin de, 1840, Le Koran. Traduction nouvelle faite sur le texte arabe, Paris, Charpentier, xiv-576 p
5) Édouard Montet: MAHOMET : LE CORAN,TRADUCTION NOUVELLE AVEC NOTES D'UN CHOIX DE SOURATES PRÉCÉDÉES D'UNE INTRODUCTION AU CORAN, PAYOT, PARIS,1925
6) Blachère Régis, 1980, Le Coran (al-Qor'ân) traduit de l'arabe, Paris, G.-P. Maisonneuve et Larousse, 749 p. (texte de 1957 suivant le classement canonique des sourates)
(Ghedira) الذي ترجم القرآن سنة 1957م، وجاك بيرك Jacques Perque) ) الذي ترجم القرآن الكريم سنة 2002م(1). دون أن ننسى ترجمات فرنسيَّة أخرى للقرآن الكريم؛ مثل: ترجمة محمَّد حميد الله( (Hamidullah (2)(1959م)، وترجمة دونیس ماسون (Mason) (3)(1967م)، وترجمة مازيغ( Mazigh) (4)(1979م) وترجمة الشيخ سي حمزة بوبكر (1979م)، وترجمة جان كروجان ( (Grosjean(5)(1990م)، وترجمة كيشريد (kechrid) (6)(1990م) ، وترجمة أندري شوراقي (Andre Chouraqui ) (1990م)، وترجمة محمَّد شياظمي (2008م) ، وترجمة زينب عبد العزيز (2009م) ، وترجمة مالك شبل (Malek Chebel) (2009م)، وترجمة جان لوي ميشون Jean-Louis Michon) ) (2014م)...
وعليه، يمكن الحديث عن أكثر من عشرين ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيَّة.
ساهم الإنكليز في ترجمة القرآن الكريم؛ من أجل تشويه صورته عند الأوروبييِّن والمسلمين على حدٍّ سواء،(7)ومن بين هؤلاء روبيرت كيتون (Robert Ketton) الذي ترجم القرآن إلى اللغة اللاتينيّة لخدمة نوايا الفاتيكان، وألكسندر روس (Alexander Ross) الذي ترجم القرآن الكريم سنة 1649م، وجورج سيل(G. Sale ) الذي أصدر ترجمة مغرضة للقرآن الكريم سنة 1734م(8)، ونقلها مباشرة
1) Jacques Perque: Le Coran: essai de traduction, poche, 864 pages, Éditions Albin Michel (2 octobre 2002)
2) Mohammed Hamidullah: Le Saint Coran, le Club Français du Livre, 1977
3) Masson Denise: Le Coran, Gallimard 1967
4) Mazigh, S: Le Coran, Tunis, MaisonTunisienne D'Edition, 1979
5) Grosjean.J: Le Coran, Gallimard, paris, France, 2008. (1edition1979
6) Kechrid, S: Le Coran, Beyrouth, Dar el Gharb Al Islami, 5e éd, 1990
7) Mohammad Khalifa, The Sublime Quran and Orientalism (London: Longman, 1983); Muhammad Mohar Ali, The Quran and the Orientalists (Ipswich, England: Jamiyat Ihyaa Minhaaj al-Sunnah, 2004)
8) Sale George, 1834, The Koran, Commonly called the Alcoran of Mohammed,Translated into English immediately from the Original Arabic; with Explanatory Notes, Taken from the most approved Commentators. To which is prefixed a Preliminary Discourse, London, J. Wilcox
عن اللغة العربيَّة، وقال في مقدّمة الترجمة: «أمَّا أنَّ محمّدًا كان في الحقيقة مؤلّف القرآن، والمخترع الرئيس له؛ فأمرٌ لا يقبل الجدل، وإن كان من المرجَّح - مع ذلك - أنَّ المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطّته هذه لم تكن معاونة يسيرة. وهذا واضح في أنَّ مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك»(1). فغاب عنه أنَّ النبيّ صلّی الله علیه و آله كان نبيًّا أمَّيًّا باعتراف الجميع، لم يتلقَّ تعليمًا أو تدريسًا، ولا يستطيع النبيّ الأمِّيّ أنْ يكون قادرًا على كتابة القرآن بمختلف حقائقه العلميَّة والتشريعيّة المهمَّة التي لم يثبت صحَّتها إلى أنْ جاء العلم المعاصر في القرن العشرين. ثمّ كان هناك اعتراض على القرآن من قِبَل قريش، فلقد حاول الشعراء تحدّيه، ولم يستطيعوا ذلك، وسورة الشعراء خير دليل على ذلك.
وهناك ترجمات إنكليزيَّة أخرى مغرِضة ؛ كالترجمة التي قام بها جون رودويل (John Rodwell) سنة 1861م ، وبالمر (E.H. Palmer ) التي أنجزها سنة 1880م. وتتّسم هاتان الترجمتان بكثرة الأخطاء في الترجمة والتأويل المضلِّل والمغرض البعيد عن العلميّة الموضوعيَّة(2).
وساهم ريشارد بیل( (Richard Bill بدوره، في ترجمة القرآن الكريم ودراسته ما بين 1937 و 1939م. بيد أنَّ ترجمته كانت مضلِّلة ومغرضة؛ كباقي المستشرقين الإنكليز الآخرين؛ حيث صرَّح في مقدّمة ترجمته بأنَّ محمَّدًا اعتمد في كتابته للقرآن على مصادر يهوديَّة ونصرانيَّة(3).
وبعد ترجمة ريشارد بيل سنة 1937م، يمكن الحديث عن ترجمة إنكليزيَّة معاصرة أخرى للقرآن الكريم هي ترجمة أرتور جون آربيري (Arthur John
1) زقزوق، الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاريّ، م.س، ص 87
2) Afsaneh Pourmazaheri: (Les orientalistes et le Coran : plusieurs siècles de recherches occidentales sur le Livre sacré des musulmans), http://www.teheran.ir/spip. php?article1628 gsc.tab=0
3) زقزوق، الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاريّ، م.س، ص 102
Arberry) سنة 1950م، وترجمة داود (N. J. Dawood) سنة 1956م. وتُعدّ الترجمتان معًا من أهمّ التراجم المعتبرة في أوروبا، بل تعتبر ترجمة أرتور آربيري هي الترجمة المعتمدة علميًّا عند كثيرٍ من المتخصّصين في الدراسات القرآنيّة، كما يبدو ذلك في «القرآن المؤوّل من قِبَل آربيري» The Koran Interpreted dArberry) ). ويندرج هذا النوع من الترجمة ضمن الترجمة التأويليَّة القائمة على تفسير المعاني وشرحها وتأويلها؛ وفق رؤية المترجم ونواياه الدينيَّة.
وظهرت ترجمة إنكليزية معاصرة للقرآن الكريم سنة 1910م لميرزا أبو الفضل (Mirza Abolfazl) ، بعنوان( : (The Qur'an وهي ترجمة جديدة وجيّدة.
ومن جهة أخرى، ساهم كثير من المترجمين العرب، بعد هجرتهم إلى الدول الأنجلوسكسونيَّة، في نشر ترجماتٍ إنكليزيَّة للقرآن الكريم؛ فقد ظهرت سنة 1917م ترجمة أحمدي مولانا محمَّد علي، ونشرت الثانية سنة 1930م من قبل الإنكليزيّ الشهير باسم محمَّد مارمدوك بيكتايل Mohammad Marmaduke Pickthail))، وهي ترجمة أمينة وصادقة. كما انتهى عبد الله يوسف علي سنة 1934م من ترجمةٍ للقرآن باللغة الإنكليزيَّة كانت تتميّز بكثرة الشروح؛ ما جعلها ترجمةً مشهورةً في الأوساط الإنكليزيَّة، وقد أقبل عليها الناشرون بنهمٍ كبيرٍ، معيدين طباعتها مرّات عدّة، مع تلخيص شروحها واختصارها.
هذا، وثمّة ترجمة أخرى لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيَّة قام بها عبد اللطيف السيد Seyed Abdol Latif) ) سنة 1967م.
وبعد ذلك، ظهرت ترجماتٌ و دراساتٌ عدَّة للقرآن الكريم في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وكندا، قام بها كلٌّ من : هاشم أمير علي (1974م) ، ومحمَّد أسد (1980م)، وأحمد علي (1984م) ، والمسلم الكندي إيفينغ (T. Bring) (1985م)، ومحمَّد خليل الرحمن (1990م)، وهلالي خان (1996م)، والمترجم الإيرانيّ- الأمريكيّ لاليه باختيار ) Laleh Bakhtiar)...
ساهم المستشرقون الروس، بدورهم في عمليّة ترجمة معاني القرآن الكريم على غرار الأوروبييِّن. ومن بين هؤلاء كانتمير (D.Kantemir) سنة 1716م، وبوستنيكوف (Postnikov) الذي أنجز ترجمةً لمعاني القرآن الكريم سنة 1647م، وفيريوفكين (Veryovkin) سنة 1790م ، وكولماكوف (A Kolmakov) الذي ترجم معاني القرآن الكريم سنة ،1792م ونيكولاييف (Nikolayer) الذي ترجم معاني القرآني الكريم بموسكو ما بين 1864 و 1865 و 1876 و 1901م.
وكذلك ترجم سابلوكوف (Gordi Semionovitch Sabloukov) معاني القرآن الكريم مباشرة من اللغة العربيَّة، ولم ينتهِ من الترجمة حتَّى سنة 1897م، ثمَّ أوغناطيوس كراتشكوفسكي (Krachowski)، ثمَّ كاشتاليفا (K. S. Kashtaleva)... وثمة أكثر من عشر ترجمات للقرآن الكريم إلى اللغة الروسيَّة.
تُعدُّ مدرسة طليطلة (Tolede) في القرن الثاني عشر الميلاديّ، من أهمّ المدارس الأندلسيَّة المتخصّصة في الترجمة من العربيَّة إلى الإسبانيَّة، وكانت تشبه بيت الحكمة التي بناها المأمون في بغداد في العصر العبّاسيّ. وقد أشرف على هذه المدرسة الأندلسيَّة رجال الدين والمستعربون الإسبان، حيث تُرجم فيها مؤلَّفاتُ عربيَّة كثيرة إلى اللغة الإسبانيَّة، وإلى اللغات الأوروبيَّة الأخرى المتفرِّعة عن اللغة اللاتينيَّة الأمّ.
أَمَّا عن الترجمات الإسبانية للقرآن الكريم، فيمكن الحديث عن ترجمة دي لابويبلا( V.O.De La Puebla la. ) سنة ،1872م، وترجمة مورغيوندو أوغراطوندو(Dr. J. B de Murguiondo y Ugratondo)، وترجمة غراسيا برافو (J. Gracia Bravo) سنة 1907م، وترجمة هيرناندیس کاتا A. (Hernandez ata) سنة 1907م، وترجمة كانسينوس أسينس(R. Cansinos Assense ) سنة 1951 و 1954.
هذا مضافًا إلى ترجمات استشراقيَّة إسبانيّة عدَّة للقرآن الكريم؛ منها ترجمة خوان فرنيت (Juan Vernet) التي صدرت سنة 1953م(1)، وأخرى سنة 1963م، وقد اعتمدت ترجمته على اللغة العربيَّة مباشرة، من دون الاستعانة بالترجمات الأوروبيّة المغايرة؛ ما أهّل فرنيت إلى أنْ يحتلّ مكانة مميّزة بين المستعربين الإسبان المهتمِّين بالدراسات الإسلاميَّة(2).
هذا، فضلًا عن ترجمات معاصرة لمعاني القرآن الكريم؛ كما هو الحال عند خوليو كورتيس( Julio Cortes ) الذي اعتمد في ترجمته على النسخ المنتشرة والرائجة في أمريكا الشماليّة. وكذلك ترجمة أحمد عبّود ورفاييل كاستایانوس (Rafael Cas tallanos) اللذين نشرا كتابهما «القرآن المقدَّس» في بوينس أيريس في الأرجنتين سنة 1953م. وبعد ذلك ظهرت ترجمة كمال مصطفى حلَّاق، وترجمة عبد الغاني میلاری نابیو( Abdel Ghani Melara Naio ) التي نُشرت سنة ،1979م، وترجمة عمر قدورة Omar Kaddoura) )وعيسى عامر کیبیدو( Isa Amer Quevedo) سنة 1997م.
وعلى العموم، فقد تُرجم القرآن الكريم إلى أكثر من مئة وإحدى وعشرين لغة في أنحاء العالم كافَّة، بما فيها الهولنديَّة (3)، والبرتغاليَّة والهنغاريَّة، واليونانيَّة (4)، وتتزايد الترجمات القرآنيَّة من فترةٍ إلى أخرى؛ نظرًا إلى تعطّش العالم إلى معرفة الدين الإسلاميّ، والرغبة العارمة في الاطِّلاع على القرآن الكريم، واستكشاف ما يحمله من تشريع فذّ، وقيم نبيلة، وأخلاق مثلى، وعقائد سليمة، وعبادات هادية.
ثالثًا: تقويم وتعقيب
كان المستشرقون الغربيّون يرون في ترجمة معاني القرآن الكريم وسيلة إجرائيَّة
1) Juan Vernet: El Coran, Barcelona, 1953
2) Mikel de Epalza. Anthoropos. 117. Juan Vernet Historia de la Ciencia y de la Cultura, aportaciones de la escuela de Barcelona. Editorial del Hombre. 1991. P: 34
3) انظر: ذاكر ، عبد النبي: «قضايا ترجمة القرآن» سلسلة شراع طنجة، العدد 45، 1998م، ص 77-82
4) انظر: زقزول، الاستشراق والخلفيَّة الفكريَّة للصراع الحضاريّ، م.س، ص77 (الهامش)
مهمَّة للتعرُّف على الإسلام والمسلمين، بعدما انتشر الإسلام في معظم بيئات العالم؛ بما فيها البلدان الأوروبيَّة؛ كإسبانيا في مرحلة الدولة الأندلسيَّة، ودول البلقان في عهد الدولة العثمانيَّة. وقد تأكَّد لديهم أنَّ القرآن الكريم هو مصدر وحدتهم، ونهضتهم، وتقدُّمهم، وازدهارهم؛ والسبب في توسُّعهم وانتشارهم في العالم. وبذلك، فالمدُّ الإسلاميّ يهدِّد التوسُّعَ المسيحيّ، بل يهدِّد المسيحيَّةَ حتَّى في عقر دارها. ولذا؛ شمَّر المستشرقون الغربيُّون عن سواعدهم للوقوف في وجه الإسلام، بالتشكيك في القرآن، والتشكيك في نبوَّة محمَّد صلّی الله علیه و آله، وتشويه كلّ ما يتعلَّق بالقرآن الكريم من قريب أو من بعيد؛ باختلاق الأخبار، أو مقارنة القرآن بالمصادر اليهوديَّة والمسيحيَّة، أو مقارنة التشريع القرآنيّ بالقوانين الرومانيَّة.
وقد تكلَّفت الكنيسة والأديرة الكاثوليكيَّة بمهمَّة ترجمة معاني القرآن الكريم، وساعدها في ذلك مستشرقون يهود من جهة، ومستشرقون نصاری، بل حتَّى بعض المستغربين والمسيحيّين العرب، وكان دافعهم في ذلك هو خدمة اللاهوت والاستعمار والتبشير؛ من أجل القضاء على وحدة العرب، وتمزيق لحمة الأمَّة، واستغلال ثروات المسلمين، وتعريضهم للجوع والفقر والاضطهاد.
ومن هنا، بدأ المستشرقون في ترجمة معاني القرآن الكريم بالمماثلة والتقريب تارةً، وبتشويهها والطعن فيها تارةً أخرى. وكانت أغراضهم في ذلك مسيئة ومعيبة ومضلِّلة ومغرِضة، تحرِّكهم الأهواء الصليبيَّة الحاقدة، وكراهيَّتهم للإسلام والمسلمين؛ ما جعلهم يعتمدون منهجيَّةً استشراقيَّةً ذاتيّة تدَّعي الموضوعيَّة العلميَّة، واعتماد المناهج المعاصرة في التحليل والتفكيك .
ويبدو أنَّ الكتب التي نشرها المستشرقون الغربيون بعنوان Le Coran/ Le koran) ) لیست بترجمات حقيقيَّة، بل هى تأويلاتٌ وتفسيراتٌ وتعليقاتٌ وانتقاداتٌ مغرِضة لمعاني القرآن الكريم؛ بمعنى أنَّها ليست ترجماتٍ أمينة ومماثلة للنصّ الأصليّ؛ لأنَّ القرآن الكريم لفظ، ومعنى، ومقصديَّة، وإيقاع، وتأثير، وبيان، وإعجاز، ولا يمكن ترجمته إطلاقًا إلى اللغات الأجنبية؛ بإجماع العلماء المسلمين. ولذلك، يكتفي
المستشرقون بترجمة المعاني دون الألفاظ، ويفسِّرونها ويؤوِّلونها حسب أهوائهم، ومصالحهم، وأغراضهم الشخصيَّة، والدينيَّة، واللاهوتيَّة، والإيديولوجيَّة، والمذهبيَّة. وبذلك تكون تلك الترجمات القرآنيَّة قاصرة عن الترجمة المثاليَّة، في حين أنّ أغلب الترجمات تكتفي بالمعنى الذي يريده المستشرق (Orientalist) ، أو المستعربArabismo))، أو المستمز (Berberistie)؛ أي: إنّها ترجمة حرفيَّة من جهة، وترجمة معنويَّة تأويليَّة من جهة أخرى. وهنا يصعب الحديث عن إعجاز القرآن الكريم، إذا كنَّا نركّز على المعنى دون الصياغة اللفظيَّة والبلاغيَّة والبيانيَّة. وعليه؛ فعناوين تلك الترجمات مغالطة كبيرة، وبعيدةٌ كلَّ البعد عن ترجمة القرآن الكريم.
وعليه؛ فترجمات المستشرقين للقرآن الكريم ليست ترجمات بالمعنى الحقيقيّ لكلمة الترجمة؛ لأنَّها مجرَّد تصرُّف في المعاني (1)، وليست بالأحرى ترجمةً حرفيةً أو لفظيَّة؛ بمعنى أنّها مقاربات أو قراءات تأويليَّة لمعاني القرآن الكريم، تنطلق من ذات المستشرق التي تخضع بدورها، للأهواء والاقتناعات والاعتقادات التي تشبَّع بها المستشرق الغربي جزئيًا أو كليًّا. ولذلك، نجد بعض المستشرقين يكتفون ببعض السور، فيقومون بقراءتها وتأويلها بمناهج مختلفة؛ إنثروبولوجيَّة، ونقديَّة، وسوسيولوجيَّة، وسيميائيَّة، وموضوعاتيَّة، ولاهوتيَّة، ويرتِّبونها حسب أهوائهم ترتيبًا: موضوعيًا، أو تاريخيًا، أو نزوليًّا، وليس كالترتيب الذي يوجد في القرآن الكريم. وهدفهم من ذلك هو زعزعة المسلمين. بيد أنَّ تلك المقاربات التأويليَّة ليست بترجماتٍ للقرآن الكريم، مادام التصرُّف في المعنى مقيَّدًا بشروطٍ محدَّدة عند المسلمين؛ كأنْ لا يتعارض ذلك التصرُّف والاجتهاد مع مقاصد الشرع الربَّانيّ، وألّا يُخِلَّ بالمعنى الكلّي للآية أو السورة أو الهدف الكلّيّ للشريعة الربَّانيَّة.
وغالبًا ما يرتبط الكتاب المترجم بعنوانٍ مضلِّل رئيس؛ هو «قرآن محمَّد»؛ كما في الترجمات اللاتينيَّة الأولى؛ بمعنى أنَّ القرآن مختلقٌ ومصطنع كَتَبه محمَّد، وليس وحيًا ربّانيا منزلاً على نبيٍّ أو رسول. وبالتالي، لم يأتِ هذا الكتاب - في رأي بعض المترجمين المغرِضين بشيء جديد، بل يعبّر عن البداوة وثقافة الصحراء، يستمدُّ
1) انظر: خروبات، الاستشراق والعلوم الإسلاميَّة بين نقلانيّة التأصيل وعقلانيَّة التأويل، م.س، ص356
مضامينه وقصصه من المصادر النصرانيَّة واليهوديَّة، بطريقة مشوَّهة ومحرَّفة. ثمَّ إنَّ ترتيب القرآن وسوره لم يكنْ وفق نسقٍ صحيحٍ وسليم؛ والدليل على ذلك اختلاف العلماء المسلمين على ذلك، فضلًا عن عناوينه، وحروفه، وقراءاته، وجمع مصاحفه. هذا كلُّه قد أثار جدلًا كبيرًا بين المسلمين، فاستغلَّه المستشرقون من أجل دسِّ سمومهم الفكريَّة؛ وهذا ما يثير الشكّ- حسب تصوُّرهم- في أنْ يكون القرآن الکریم کتاب وحي، بل هو كتاب مصطنع، كتبه محمَّد، بعد أن التقى بالراهب المرتدّ بحيرا، وبمجموعة من الأحبار اليهود في المدينة وخيبر. بيد أنَّ الدافع الحقيقيَّ الذي دفع المستشرقين إلى الافتراء، وتزييف الأخبار والحقائق، هو انتشار الإسلام بسرعة في العالم، ولا سيّما في داخل أوروبا المسيحيَّة؛ فضلًا عن كونه قد قدَّم صورةً واضحة وصحيحة عن المسيح علیه السّلام بأنَّه نبيّ كباقي الأنبياء علیهم السّلام؛ كما انتقد تصرُّفات الرهبان المريبة، بفضح استغلالهم البشع، وتزييفهم للكتاب المقدَّس ؛ كما فضح اليهود بشكل كبير.
إذًا، فالترجمات الاستشراقيَّة للقرآن الكريم لم تكنْ ترجمات؛ بل هي تقريبٌ لمعاني القرآن؛ إمَّا بطريقةٍ مختصرة ومبتسرة، وإمَّا بطريقة التحشية، والإسهاب، والتعليق، عن طريق المقارنات التي ترجّح كفّة اللاهوت على القرآن، بتزييف الحقائق المعطاة، وتشويه صورة الإسلام، والحكم على القرآن؛ انطلاقًا من المصادر المسيحيَّة واليهوديَّة المحرَّفة.
أضف إلى ذلك أنَّ هذه الترجمات لمعاني الكتاب لا تكشف - في الواقع - حقيقة الإعجاز القرآنيّ الذي يتمثَّل في بيانه، وبلاغته، وتداوليَّته، وإيقاعه، وتنغيمه، وتأثيره المدهش بخطاب الترغيب والترهيب. بل تكتفي الترجمة الاستشراقيَّة بإيراد المعنى الحقيقيّ للقرآن دون المعنى المجازي،ّ وبعزله عن سياقه المرجعيّ وفصله عن سبب نزوله، وبتجريده من مقامه التشريعيِّ الكلّيّ. ومن ثمَّ، لم تخرج الترجمة الاستشراقيَّة عن الترجمات الحرفيَّة واللفظيَّة والقاموسيَّة والتفسيريَّة التي تقف عند ظواهر النصوص والآيات والسور، دون أن تتعمَّق في أبعادها الإيمانيَّة والأخلاقيَّة.
خاتمة
اتَّضح ممَّا تقدَّم دوافع المستشرقين المغرِضة حيال ترجمة القرآن الكريم، وأنَّ هذه الترجمات لم تكن - على أنواعها - ترجمات أمينة ومماثلة وصادقة للنصِّ الأصليّ.
ولذلك، لا بدَّ من ذِكْر مجموعةٍ من الاقتراحات التي تخصُّ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيَّة على النحو الآتي:
ليست ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيّة حرامًا، أو فعلا مكروهًا ، أو ممنوعًا؛ بل هي جائزة وفرض كفاية؛ إذا قام به بعضهم سقط عن الآخر، ولا سيّما إذا كان الهدف من الترجمة هو التبليغ والدعوة إلى التوحيد، وتقريب معاني القرآن لغير المسلمين؛ من أجل نشر الإسلام بين الأعاجم.
بناء مؤسِّسات الأمَّة الساهرة على ترجمة معاني القرآن الكريم من قِبَل العلماء المسلمين المتمكِّنين من اللغات الأجنبيَّة.
أنْ تكون ترجمات معاني القرآن الكريم ترجمات جماعيَّة في شكل فرق، يشارك فيها فريقٌ من العلماء والمفسّرين والمترجمين الأكفَّاء، ولو من البلدان الأجنبيَّة.
تصحيح ترجمات معاني القرآن الزائفة في أثناء كلّ طبعة، والتوقُف عند أخطائها وهفواتها وعيوبها.
إلحاق كلّ ترجمة قرآنية بتفاسيرها اليقينيَّة والصائبة والصحيحة؛ بإبعاد التفسيرات الإسرائيليَّة والنصرانيَّة.
تخصيص ترجمات لمعاني القرآن مبسَّطة، ومختصرة، وموجزة، ومفهومة، وموجّهة إلى أطفال العالم بمختلف اللغات الأجنبيَّة.
7.يجوز أنْ نأخذ بالمناهج العلميَّة المعاصرة في قراءة القرآن الكريم وترجمة معانيه؛ بشرط أن تنضبط بضوابط الشرع الإسلاميّ، وتوخّي تحريف المعاني بصورة
مشوّهة؛ خدمةً لأغراض لاهوتيَّة أو استعماريَّة مغرِضة.
كتابة أبحاث ودراسات نقديَّة لمختلف ترجمات معاني القرآن الكريم؛ من أجل فضحها، ودحضها بمختلف اللغات الأجنبيَّة من قِبَل علماء مسلمين أكفَّاء، غيورين على الدين الإسلاميّ.
أنْ تكون هناك صحفٌ، ومجلَّات، ودوريَّات، ومراكز علميَّة أكاديميَّة لدراسة الاستشراق، والاستعراب والاستمزاغ، والاستغراب من وجهة علميّة.
تخصيص جوائز ومكافآت مادِّيَّة ومعنويَّة لمن يخدم ترجمة معاني القرآن الكريم، في ضوء رؤية علميَّة أكاديميَّة معاصرة، باستخدام الوسيط الورقيّ أو الوسيط الإلكترونيّ؛ بغية تقريب كتاب الله - عزّ وجلّ- من باقي البشر.
لائحة المصادر والمراجع
البنداق، محمد صالح: آراء حول ترجمات القرآن الكريم، القاهرة، دار الوفاق، 1980م.
الحجوي الثعالبي، محمَّد بن الحسن: حكم ترجمة القرآن العظيم، مخطوطة الخزانة العامَّة بالرباط، لا ط، لا م، لات.
خروبات، محمَّد : الاستشراق والعلوم الإسلاميَّة بين نقلانيّة التأصيل وعقلانية التأويل ، مراکش ، ط1، المطبعة والوراقة الوطنيَّة، 2017م.
ذاكر، عبد النبي: «قضايا ترجمة القرآن» سلسلة شراع، طنجة، العدد 45، 1998م.
ذاكر، عبد النبي: قضايا ترجمة القرآن، طنجة - المغرب، وكالة «شراع» لخدمات الإعلام والاتّصال، 1998م.
زقزوق، محمود حمدي: الاستشراق والخلفيّة الفكرية للصراع الحضاري، ط 2 ، القاهرة دار المنار، 1989م.
شحاته، عبد الله: ترجمة القرآن، لا ط ،القاهرة، دار الاعتصام، 1980م.
صالح، صبحي: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيّة، القاهرة، دار الكتاب المصري، 1999م.
عبد السلام، أحمد حسن: «تاريخ الاستشراق الألمانيّ»، مجلَّة الفكر العربيّ، بيروت، السنة الخامسة، العدد 31.
عبد العزيز، زينب: ترجمات القرآن إلى أين ؟ وجهان لجاك بيرك، مصر، دار الهداية، لات .
عثمان، عبد العزيز محمَّد: ترجمة القرآن الكريم: بين واقعنا المعاش ومستقبلنا المنشود، حیدر آباد – الهند، الجامعة الإسلاميَّة ، 1992م.
علي، عبد الله يوسف: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزية، الرياض، دار اللواء.
المراغي، محمد مصطفى: بحث في ترجمة القرآن الكريم وأحكامها، بيروت، دار الكتاب الجديد، 1981م. (صدرت الطبعة الأولى منه في القاهرة عام 1936م).
مهنا، أحمد إبراهيم: دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، القاهرة، مطبوعات الشعب، 1978م.
15.النووي، يحيى بن شرف: شرح المجموع المهذّب للشيرازي، تحقيق: محمَّد نجيب المطيعي، لا ط، جدَّة، مكتبة الإرشاد، لا ت.
لائحة المصادر بالأجنبيّة
BIBERSTEIN-KAZIMIRSKI Albin de, 1840, Le Koran. Traduction nouvelle faite sur le texte arabe, Paris.
BLACHERE Régis, 1980, Le Coran (al-Qor'ân) traduit de l'arabe, Pa- ris, G.-P. Maisonneuve et Larousse, 749 p. (texte de 1957 suivant le classement canonique des sourates).
BOORMANS Maurice, 2002, «Ludovico Marracci et sa traduction la- tine du Coran», Islamochristiana.
DU RYER André, 1647, L'Alcoran de Mahomet, Translaté d'Arabe en François, Paris, Antoine de Sommaville.
Édouard Montet: MAHOMET: LE CORAN, TRADUCTION NOU- VELLE AVEC NOTES D'UN CHOIX DE SOURATES PRÉCÉDÉES D'UNE INTRODUCTION AU CORAN, PAYOT, PARIS, 1925.
Fatani, Afnan, Translation and the Qur'an, in The Qur'an: an encyclopedia, Great Britain, éd. Routledge, 2006.
HAMILTON Alastair, RICHARD Francis, 2004, André Du Ryer and Oriental Studies in Seventeenth-Century France, Oxford, Oxford University Press - The Arcadian Library.
Hogel, Christian, Une traduction anonyme du Coran en grec, frag- ments de Nicetas Byzantius, éd. Collectanea Christiana Orientalia 7, 2010.
Jacques Perque: Le Coran: essai de traduction, poche, 864 pages, Édi- tions Albin Michel (2 octobre 2002).
MARRACCI Ludovico, 1698, Alcorani textus universus ex correctioribus Arabum exemplaribus (...) descriptus (...) ac (...) ex Arabico idiomate in Latinum translatus, Patavii, ex typographia seminarii, 2 vol.
SAVARY Claude-Étienne, 1783, Le Coran, traduit de l'arabe, accom- pagné de notes, et précédé d'un abrégé de la vie de Mahomet, tiré des écrivains orientaux les plus estimés, Paris, Knapen et Onfroy, 2 vol.
ABDEL-HALIM Mohamed, 1964, Antoine Galland, sa vie et son œuvre, Paris, Nizet.
Al-Nawawi, Al-Majmou' sharh al-Muhadhdhab, trad. Van den Bergh, 2 vols., éd. Dâr Ihya' Al-Turath Al-'Arabi, Le Caire, 1888.
Fück, Johann, Die Arabischen Studien in Europa (bis in den Anfang des 20. Jahrhunderts), éd. Harrassowitz, Leipzig, 1955.
Juan Vernet: El Coran, Barcelona, 1953.
MARTINO Pierre, 1907, «Mahomet en France au XVIIe et au XVIIIe siècle», Actes du XIVe Congrès international des orientalistes Alger 1905, Paris, Ernest Leroux.
Masson Denise: Le Coran, Gallimard 1967.
Mazigh, S: Le Coran, Tunis, Maison Tunisienne D'Edition, 1979.
Mikel de Epalza. Anthoropos. 117. Juan Vernet Historia de la Cienci a y de la Cultura, aportaciones de la escuela de Barcelona. Editorial del Hombre. 1991.
Mohammed Hamidullah: Le Saint Coran, le Club Français du Livre, 1977.
Salomon Schweigger: Alcoranus Mahometicus, Der Türcken Alcoran: traduction en allemand, d'après la version d'Andrea Arrivabene (1616 & seconde édition: 1623).
Sasisalem, Haj, Naqd al-Khatab al-Istishrâqi (Critique des paroles des Orientalistes), éd. Dâr al-Madâres Eslâmi, 2001.
Sylvette Larzul: (Les premières traductions françaises du Coran, (XVIIe-XIXe siècles), journals.openedition.org/assr/21429.
Zamâni, Mohammad Hassan, Mostashreghân va Qor'ân (Les rienta-
listes et le Coran), Téhéran, éd. Boustân-e Ketab, 2006.
د. الشيخ محمد علي الرضائي(1)
إستيفان فریدریش شیفر(2)
تمهيد
عند ترجمة قصّةً ما لا يتوجب على المُترجم نقل الكلمات بكثير من الدقّة؛ فيكفي إيصال معناها بلغة المقصد 0اللغة المُتَرجَم إليها)؛ كما هي عليه في لغة الأصل.
ولكنّ الأمر مختلفٌ تمامًا عند ترجمة القصيدة؛ إذ يلزم نقل نصّها ومفهومها؛ فضلًا عن نظمها الشعريّ؛ سواء على مستوى قصد الشاعر من استعمال كلمات بعينها أو معانيها أو قوافيها؛ الأمر الذي يجعل من ترجمة هذا النّمط الأدبيّ أصعب بكثير من ترجمة القصّة؛ ما يدعو المترجم لبذل الجهد المضني في نقل الفكرة، مع الالتزام بانتقاء كلماتٍ موزونةٍ في لغة المقصد.
وفي ترجمة القرآن الكريم، فإنّنا نتعامل مع معجزةٍ كبرى، تتطلّب منّا التزام منتهى الدقّة في انطباق المعاني على الآيات، مع المحافظة على الجوانب الإعجازيّة فيها؛ ما يجعل من العمل غايةً في المشقّة؛ إذ كثيرًا ما تخفى علينا مفاهيم الآيات العميقة، فضلًا عن عجز الترجمة عن تضمين البلاغة الإعجازيّة فيها.
ولذا، لا يمكن لترجمة القرآن أنْ تكون بالجودة المطلوبة؛ إلّا إذا اشتملت على عناصر التفسير العلميّ والتأويل المعنويّ، مع إبراز جمال الكلام الإلهيّ.
ويعدّ تفسير المترجم نفسه للآيات من العوامل المباشرة المؤثّرة في مستوى ترجمة القرآن الكريم؛ فقد يكون مغلوطًا بصورةٍ متعمّدةٍ؛ نتيجة التعصّب لمذهب أو دين معيّن، أو بشكلٍ غير مقصود؛ لفقدان المؤهّلات العلميّة والمنهجيّة اللّازمة. وفي كلا الحالتين، فإنّ الترجمة هي الضحيّة لقصورها عن إيصال المقاصد الإلهيّة والمفاهيم العميقة التي يحفل بها الكتاب الإلهيّ.
ومن منطلق كون الإسلام دين عالميّ ورسالته خالدة موجّهة إلى الناس جميعًا في كلّ زمان ومكان، على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، فقد باتت الحاجة ماسّة وضروريّة لترجمة القرآن الكريم إلى لغات الشعوب غير الناطقة بالعربيّة، ومن بينها الناطقين باللغة الألمانيّة؛ حيث إنّ النسبة الغالبة من الشعب الألماني لا تعرف اللغة العربيّة؛ ما يستدعي تبليغهم رسالة القرآن بطريقةٍ ما، وهو ما لا يتحقّق إلّا بترجمة ذلك الكتاب السماويّ العظيم إلى لغتهم.
وتجدر الإشارة إلى أنّ أولى ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة غير متاحة لدينا حاليًا؛ ما يحول دون تقويمها، غير أنّ ما ورد من معلومات حولها، تشير أنّ تلك الترجمة لم تتمّ من القرآن مباشرةً، بل عبر لغتين وسيطتين. ولمّا كانت الترجمات القرآنيّة لا تخلو من نقص، فلا بدّ أن ينطبق ذلك عليها أيضًا.
ومنذ نشر تلك الترجمة حتّى الآن، انبری مترجمون من مختلف الجنسيّات والأديان لإصدار العديد من ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة، تفاوتت من حيث المستوى؛ فمنها غير مقبول بتاتًا؛ كترجمة مولانا صدر الدين الضعيفة جدًّا نتيجة عدم إحاطته وزميله باللّغة الألمانيّة؛ ما جعلهما يغفلان عن ترجمة المفاهيم العميقة للقرآن الكريم.
ومع كلّ الترجمات التي صدرت، يمكن القول إنّه لم يُنجَز عمل استوعب كافّة رموز القرآن وأسراره اللغويّة وإشاراته العرفانيّة. ولعلّ من المستحيل تصدّي أيّ لغة لتقديم ترجمة صحيحة وواقعيّة للقرآن، ولا تشدّ اللغة الألمانيّة عن تلك القاعدة.
أوّلًا: تاريخ ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة
ظلّت الترجمة اللاتينية للقرآن حكرًا على حلقةٍ ضيّقةٍ من الأفراد، إلى أنْ تدخّل بعض رجال الدين؛ وعلى رأسهم المصلح الدينيّ المسيحيّ ومؤسّس المذهب البروتستانتيّ؛ مارتن لوثر، كي ترى الترجمة النور في مدينة بازل السويسريّة سنة 1543م ، بعد أنْ بقيت حبيسة الأدراج مدّة أربعة قرون. وصارت حجر الأساس لترجمات أخرى باللغات الإيطاليّة، الهنديّة، الفرنسيّة، الإنجليزيّة، والألمانيّة.
وتعتبر اللغة الألمانيّة اللغة الغالبة في كلٍّ من ألمانيا، والنمسا، وقسم كبير من سويسرا، وبلد صغير باسم ليختنشتاين، بحيث يتحدّث بها حوالي مائة مليون نسمة. وتكمن أهمّيّة ألمانيا بالنسبة إلى العالم الإسلاميّ كونها مهد أوائل الباحثين الأوروبيّين في الدراسات الإسلاميّة.
وأمّا المسلمون، فقد بدؤوا الترجمة إلى اللغة الألمانيّة منذ أواسط القرن العشرين؛ ما يجعل من المتعذّر العثور على عدد معتدّ به من المقالات أو المصادر العلميّة في حقل النصوص الدينيّة والإسلاميّة.
وفي ما يلي أبرز ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة؛ وهي:
1- ترجمة سالمون شوایکر (Salomon Schweigger)
و هي أوّل ترجمة ألمانية للقرآن الكريم في القرن السابع عشر؛ وقد صدرت على يد سالمون شوايكر سنة 1616م . وقامت ترجمته على ترجمتين سابقتين؛ هما: ترجمة إيطالية لأندريا أريفاييمي (Andrea Arrivaleme) سنة 1547م، وترجمة لاتينيّة لروبرت فون كتون.
2- ترجمة فريدريش روكرت (Friedrich Ruckert)
وهي للشاعر واللغويّ والمستشرق الألمانيّ فريدريش روكرت في القرن التاسع عشر. وتعدّ تحفةً في اللغة الألمانيّة؛ جماليّةً ولغويًّا؛ إذ على الرغم من افتقارها
للدقّة وعدم مطابقتها للنصّ الأصليّ؛ فقد عكست للمرّة الأولى جمال الأسلوب القرآنيّ وروعته للقارئ الألمانيّ الذي انبهر به أيّما انبهار.
وكان روكرت نابغةً في تعلّم اللّغات حتى بلغت شهرته الآفاق؛ فقد كان متقنًا للّغات اليونانيّة القديمة، واللاتينيّة، والسنسكريتيّة، الفارسيّة، والعربيّة، والتركيّة، وسرعان ما دعاه ذلك إلى خوض ترجمة آيات من القرآن والأنس به، لينشر الدفعة الأولى من ترجماته الشعريّة لآيات من القرآن الكريم سنة 1824م.
ومنذ بدء روكرت ،عمله لم يكنْ بصدد ترجمة النصّ القرآني كاملًا؛ ما جعل بعض الآيات وحتّى السور غائبةً - للأسف - عن مخطوطاته التي تركها بعد رحيله.
ولم تجد تلك المخطوطات طريقها للطبع إلّا سنة 1888م؛ بمسعى من المستشرق الألمانيّ أوغوست مولر؛ بمناسبة مرور مائة عامّ على ميلاده؛ تلبية لطلب من أسرة الراحل. وظلّت تلك الترجمة الفريدة منذ ذلك الحين مهجورة وقابعة في زوايا النسيان إلى أنْ طُبِعَت من جديد بعد مرور أكثر من قرن على الطبعة الأولى؛ وذلك بأبهى حلّة بإشراف هارتمت بوبتسين، وتعليقات وولف ديتريش القيمّة.
3- ترجمة لودفيك أولمن (Ludwig Ullmann)
كان الدافع وراء ترجمته القرآن سنة 1840م ، إثبات تلقّي الرسول الأكرم صلّی الله علیه و آله ذلك الكتاب من اليهود. ومن الأخطاء الواردة فيه، على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة الآية (وما أنزل من قبلك ) ب- (وما أنزل عليك). استخدام كلمات لا تنقل المعنى الدقيق في ترجمة أسلوب التأكيد (إنّما) في بعض الآيات؛ كما في آية التطهير؛ إذ ترجم (إنّما) الذي يلعب دور الرابط بين جملتين - بما يفيد انحصار مصداق أهل البيت علیهم السّام بأزواج الرسول الأكرم صلّی الله علیه و آله فحسب.
4- ترجمة رودي باريت (Rudi Paret)
وهي ترجمة مهمّة باللغة الألمانيّة. نُشرت سنة 1966م. وتتضمّن ترجمة الآيات، وشرح الترجمة، وفهرس للمفردات القرآنيّة. كان الشهيد آية الله بهشتي أوّل من عرَّف بها للإيرانييّن. وقد أمضى رودي باريت حوالي ثلاثة عقود من عمره لإنجاز
هذا العمل ولا أدلَّ على مدى الجهد الكبير الذي بذله في الترجمة سوى شرحه لترجمة البسملة في خمس عشرة صفحة؛ توخّيًا للدقّة والصحّة.
5- ترجمة عادل تيودور خوري (Adel Theodor Khoury)
وهي من الترجمات الجيّدة التي تستحقّ التقدير. فبعد سنوات عدّة من نشرها سنة 1987م، صدر لخوري كتاب من 12 جزءًا يتضمّن تفسير آيات القرآن، فضلًا عن ترجمتها إلى الألمانيّة. ويتوقّف في تفسيره عند بعض الآيات؛ مستعرضًا أوجه التشابه بين القرآن والإنجيل والتوراة.
وغاية الكاتب من نشر الكتاب خلق حالة من الاتّحاد بين المسلمين والمسيحيّين. وقد فرضت غلبة عدد مسلمي السنّة على الشيعة، نفسها على كتابه الذي غلب عليه الاستناد إلى أمّهات مصادر أهل السنّة التفسيريّة. ويُعدّ مستوى ترجمة الكتاب جيّد بشكل عامّ، مع أنّه كان بإمكان المؤلّف استعمال مفردات ألمانيّة أكثر ملاءمة.
-6 ترجمة أحمد دنفر(ahmed von denffer) ويوسف كون (yusuf Kuhn)
وقد قامت هذه الترجمة على ترجمة إنجليزيّة للقرآن، لا على القرآن العربيّ مباشرةً، ونُشِرَت سنة 2009م.
ثانيًا: خصائص ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة
لا ريب أنّ هناك أوجه تفاوت واختلاف بين اللغتين الألمانيّة والعربية، تؤثّر بدورها على ترجمة القرآن. وفي ما يلي أهمّها:
في اللغة الألمانيّة ثلاثة أجناس: المؤنّث والمذكّر، والخنثى؛ بينما لا توجد في العربيّة إلا الأوّل والثاني؛ الأمر الذي يفرض على المُترجِم مراعاة مزيد من الانتباه لدى التعامل مع المذكَّر والمؤنَّث المجازيَّين؛ لاختلافهما بين اللغتين.
في العربيّة ، تختلف صيغة المخاطب؛ تبعًا للجنس؛ ذكرًا أو أنثى؛ بينما لا تمييز بينهما في الألمانيّة. فعلى المترجم الألمانيّ بيان ذلك في العبارات القرآنيّة التي يهمّها إبراز جنس المخاطب توخّيًا للدقّة.
لا صيغة تثنية في اللغة الألمانيّة، ويمكن التمييز باستخدام كلمة (beide) بمعنى (كليهما) ، والتي عادةً ما تُستخدَم للدلالة على الزوجيّة؛ ما يضفي على النصّ جمالًا وسلاسةً.
في اللغة العربيّة، تتبع الصفة الموصوف، على عكس اللغة الألمانيّة التي تسبق فيها الصفة الموصوف؛ لذلك يجب الانتباه إلى الصفة والموصوف في الترجمة.
في العربيّة، غالبًا ما تستعمل صيغة الماضي للتعبير عن الآخرة والمعاد، مع أنّ موضوع دلالتها خبر في المستقبل، فيترجم هذا النوع من الجمل في اللغة الألمانيّة بثلاثة أشكال؛ وهي:
أ- استخدام صيغة الماضي، وترك الأمر لسياق العبارة للدلالة على المستقبل.
ب- استخدام زمان المستقبل.
ت- في اللغة الألمانيّة زمان من نوع المستقبل يقع فعله في الماضي نوعًا ما (أي تبيّن أنّه في الجنّة أو النار وكان يوم القيامة). طبًعا هذه الدقّة في الزمان؛ بمعنى مستقبليّة جملة الفعل الماضي، لا توجد في الجمل العربيّة دون قرينة.
7- هنالك مفردات عربيّة، لا ترجمة مباشرة لها في اللغة الألمانيّة.
ثالثًا: قائمة ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة
هناك ترجمات متعدّدة للقرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة. وفي ما يلي قائمة بها في الجدول التالي:
جدول الترجمات إلى اللغة الألمانيّة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
رابعًا: تصنيف ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة
هناك عنصران يلعبان دورًا حاسمًا في تحديد نوعية ترجمة القرآن؛ هما:
الأوّل مذهب المترجِم ودينه .
الثاني: مواكبة المترجِم للتقدّم العلميّ في عصره .
وسوف نقسِّم تصنيف الترجمات وفق ذلك؛ في ما يلي:
يؤدّي دين المترجم ومذهبه دورًا مؤثّرًا في تصنيف الترجمات القرآنيّة، ويمكن تقسيمها، بناءً على ذلك، إلى ثلاث مجموعات؛ هي:
ترجمات غير المسلمين وأهل الكتاب
ترجمات أهل السنّة
ترجمات الشيعة
وقبل الخوض في دراسة الترجمات الألمانيّة للقرآن، ينبغي تسليط الضوء على العلاقة التي تربط إحاطة المترجم باللّغة العربيّة بمستوى ترجمته للقرآن؛ إذ تحدّد جودة العمل بشكل كبير. وبناءً عليه تقسَّم ترجمات القرآن الكريم إلى أربع مجموعات؛ هي:
ترجمات المترجمين لغتهم الأمّ هي العربيّة.
ترجمات لمترجمين لغتهم الأمّ غير عربيّة، لكنّهم يتمتّعون بإحاطة جيّدة باللغة العربيّة.
ترجمات لمترجمين إحاطتهم باللغة العربيّة ضعيفة.
ترجمات لمترجمين جاهلين باللغة العربيّة؛ استعانوا بإحدى الترجمات باللغة
التي يتقنونها. ويمكن تقسيم هذا النمط من الترجمات إلى ثلاث مجموعات أيضًا؛ هي:
الترجمة المباشرة من العربيّة إلى الألمانيّة : يلزم في هذه الحالة الاستعانة بشخص يملك الإحاطة التامّة باللغة العربيّة في الترجمة.
الترجمة عبر لغة وسيطة واحدة : الاعتماد في هذه الحالة على ترجمة للقرآن الكريم بلغة أخرى؛ كي يترجم القرآن إلى اللغة المقصَد.
لترجمة عبر لغات عدّة وسيطة: يلجأ المترجم في هذه الطريقة إلى قرآن مترجَم عبر لغة وسيطة؛ لترجمته إلى اللغة المقصَد . ومن البديهي، أنْ يكون هذا النمط من الترجمة عرضةً للأخطاء الكثيرة؛ لاستعاضتها ترجمة الكتاب الأصلي بترجمة له، وهي بدورها ترجمة لترجمة أخرى...
نماذج من ترجمات القرآن على أساس دين المترجِم ومذهبه:
أ. مذهب المترجم أحمدي - مولانا صدر الدين:
بعد أنْ أسّس أوّل مسجد في مدينة برلين، قرَّر أنْ يترجم القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة، واستعاض عن ضعفه في الألمانيّة، بالاستعانة بزميل له متمكّن فيها بشكل کامل، غیر أنّه لم يكنْ يفقه من العربيّة شيئًا، فخرجت الترجمة التي صدرت سنة 1964م في غاية الضعف. وفي ما يلي نستعرض نماذج من تلك الترجمة لعدد من الآيات:
قوله – تعالى-: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُظْهِرَكُمْ تَطْهِيرًا».
Und haltet euch auch in auren Hausern, und zeigt auren Schmuck
nicht wie in der vegangenen Heidenzeit ferner verrichtet das Gebet und entrichtet die Armensteuer, und gehorcht Gott und seinem Abgesandtem. Gott trachtet nur danach da Er den Schmutz von euch fernhalte, Hsusgenossinnen des Propheten. Ond euch vollig in Reinheit bringe.
فتكون الترجمة بذلك؛ معناها: وابقوا في بيوتكم ولا تظهروا موجوهراتكم؛ كالجاهليّة. قوموا بالصلاة وأعطوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله. إنّ الله يريد فقط أن يبعد القذارة عنكم، أهل بيت الرسول (المخاطَب مؤنث)، ويطهّركم تمامًا.
وممّا يُؤخَذ على تلك الترجمة هو: الترجمة المغلوطة لأداة التأكيد «إنّما»، والخلط بين التذكير والتأنيث؛ إذ أتت بكافّة كلمات الآية مذكَّرةً سوى عبارة «أهل البيت» التي تُرجِمَت مؤنّثةً؛ ما جعلها تترجَم بنساء النبيّ فحسب، فضلًا عن ارتكاب الأخطاء في مواضع علامات الترقيم في الترجمة.
وأحد أهداف مولانا صدر الدين من الترجمة تعريف الشعب الألمانيّ بالإسلام. كما علّق فيها على كلّ آية تفسيرًا لها. وكان أحمديّ المذهب، يعتقد خلافًا للمسلمين بصلب المسيح؛ إلا أنّه لم يقض نتيجة ذلك، بل أكمل حياته.
قوله -تعالى-: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا».
Und wegen ihrer Rede: Wir haben ja Messias, Jesus, Sohn der Maria, den Gesandten Gottes, ermordet, doch konnten sie ihn ja nicht toten, noch am Kreuz sterben lassen sondern es erschien ihnen blob so und diejenigen die das Gwgenteil in dieser Sache
behaupten sind ja selber im Zweifel daruber sie haben daruber sie haben daruber keine Sicherheit sondern folgen einer Vermutung da sie ihn ja nicht fur sicher getotet hatten.
فقد تُرجِمَت كلمة (قتل) ermorden A»»، مع وجود العديد من المفردات الألمانيّة المشتقّة من معنى (القتل)، والتي يمكن الاستعاضة بها؛ من قبيل:
.toten, umbringen, ermorden, morden
إلا أنّ لها معاني إضافيّة أيضًا تختلف؛ تبعًا للموضوع المقارن لها؛ ما ينبغي التنبّه له عند الترجمة . ولا ريب أنّ قول اليهود هو الموضوع المقارن لكلمة (القتل). الأمر الذي يجعل من الخطأ ضمّ معنى إضافيّ للقتل؛ كجملة (عمدًا من غير أن يكون الحق عليهم) ، لتصبح الترجمة (فحُكِم على عيسى وقُتِل تنفيذًا للحكم). كما نبغي الالتفات أنّه أي معنى هو المراد من كلمة (القتل) في الآية، فكان من الأفضل استعمال كلمة (toten) التي تحمل معنى عامًّا.
وقد اكتنف الترجمة كثير من الأخطاء؛ ما عقّد فهم الآيات كثيرًا. ولعلّ مولانا صدر الدين كان يكتفي باستعراض الكلمات الأساسيّة للآية لزميله، ثمّ يشرح له موضوعها، ليصار إلى ترجمتها إلى اللغة الألمانيّة من قِبَله؛ بناءً على ذلك.
ب. مذهب المترجم أحمدي: ميرزا أحمد
تكشف هذه الترجمة التي صدرت عام 2005م عن حسن إلمام المترجِم باللغة الألمانيّة. وفي ما يلي أنموذجًا من ترجمته:
الآية 157 من سورة النساء:
قوله -تعالى-: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيّة لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتَّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا».
Wegen ihrer Rede Wir haen den Messias Sohn der Maria den Gesandten Allahs getotet wahrend sie ihn doch wedeer erschlugen noch den Kreuzestod erleiden lieben sondern er erschien ihnen nur gleich einem Gekreuzigten und jene in dieser Sache uneins sind sind wahrlich im Zweifel daruber sie haben keine bestimmte Kunde davon sondern folgen blob einer Vermutung und sie haben darubev keine Gewibheit.
حيث استخدم في ترجمة الآية الفعل المبني للمجهول مع فاعلٍ مجازيّ في اللغة الألمانيّة؛ للتعبير عن قتل المسيح وصلبه. غير أنّ هذا النوع من الصياغة لا يصحّ للتعبير عن مفهوم الآية الحقيقيّ؛ إذ تركت أثرًا سلبيًّا عليه، فحرَفت التركيز عن الموضوع المقصود في الآية نحو (عيسى)؛ نتيجة تحوير الصيغة من المعلوم إلى المجهول. ويعود سبب لجوء المترجِم لهذا الأسلوب؛ في سعيه لنقل عقيدة المذهب الأحمدي الذي يقول بصلب المسيح دون قتله نتيجة ذلك؛ إذ تؤوّل الترجمة لبقاء عيسى على قيد الحياة بعد فصله عن الصليب.
ج. المترجم المسيحيّ : فريدريش أبرهارد بويسين:
صدرت ترجمته عام .1773م. وفي ما يلي أنموذجًا لنقدها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجُنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا».
Seid hauslich und putzt euch nicht in dem Geschmacke der vorigen Zeit der Unwissenheit Beobachtet das bestimmte Gebet gebt den Armen und gehorcht Gott und dem Gesandten DennGott
will dab ihr euch nicht mit Unanstandigkeit beflecken sollt da ihr Hausgenssen des Propheten seid haltet euch daher mi taller nur moglichen rein.
أبرز ما يُؤخَذ على الترجمة الألمانيّة للآية، عدم انطباق ترجمة الآية على معناها؛ إذ تُرجِمَت أداة التأكيد (إنّما) ؛ بمعنى (لأنّ)؛ ما يجعل التطهير هو السبب الذي يدعو زوجات الرسول إلى أداء الواجبات. كما تبعث هذه الترجمة على خلق انطباع بأنّ الآية تدلّ على قيام زوجات الرسول بتطهير أنفسهنّ؛ والحال أنّ الله هو المتكفّل بذلك.
وأمّا المشكلة الأخرى في هذه الترجمة، فتتمثّل في عدم ترجمة الضمير المتّصل في (رسوله)؛ لتترجِم مجرّد (رسول) فحسب.
د. المترجم المسيحيّ: رودي پارت:
صدرت ترجمته عام 1966م. وفي ما يلي نقد لأنموذجٍ مترجَم فيها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا».
Und bleibt in eurem Haus (Variante: benehmt euch in eurem Haus mit Würde (und Anstand), putzt euch nicht heraus, wie man das früher im Heidentum zu tun pflegte, verrichtet das Gebet, gebt die Almosensteuer und gehorchet Gott und seinem Gesandten!
Gott will (damit, daß er solche Gebote und Verbote erläßt) die (heidnische) Unreinheit von euch entfernen, ihr Leute des Hauses, und euch wirklich rein machen.
(Mit den Leuten des Hauses' sind entweder die Angehörigen der Familie Mohammeds gemeint, oder die Leute des Gotteshauses', d.h. die Anhänger des in der Ka'ba symbolisierten reinen Gottesglaubens.)
الترجمة صحيحة، لكنّها تقدِّم توضيحات حول مَنْ هم أهل البيت، فتطرح احتمالين: الأوّل : أسرة الرسول صلّي الله علیه و آله ، والثاني: المسلمون.
5- المترجم المسيحيّ: عادل تيودور خوري صدرت هذه الترجمة عام 1987م. وفي ما يلي أنموذج نقدي لها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا».
Haltet euch in euren Häusern auf. Und stellt nicht euren Schmuck zur Schau wie in der Zeit der früheren Unwissenheit. Verrichtet das Gebet und entrichtet die Abgabe und gehorcht Gott und seinem Gesandten. Gott will die Unreinheit von euch entfernen, ihr Leute des Hauses, und euch völlig rein machen.
فالترجمة جيّدة، لكنّها تستعمل كلمة (unreinheit) بوصفه معنى مجازيًّا لوصم قبائح الأعمال.
و. المترجم اليهودي: الدكتور لودفيك آلمن:
صدرت هذه الترجمة عام 1840م . وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 4 من سورة البقرة:
قوله -تعالى-: «وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» .
Und da glauben an das was wir dir offenbart und an den jungsten Tag
الترجمة في قسم منها جيّدة؛ إذ يُؤخَذ عليها تعمّد إهمال ترجمة (وما أنزل من قبلك)؛ لاعتقاد المترجم القائم على أخذ النبي محمد صلّی الله علیه و آله القرآن من الإنجيل والتوراة.
ز. المترجم السنّيّ: بوبن هايم:
صدرت ترجمته عام 2002م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 6 من سورة المائدة:
قوله -تعالى-: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنَّبًا فَاطَهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
O die ihr glaubt wenn ihr euch zum Gebet aufstellt dann wascht euch das Gesicht und die Hande bis zu den Ellbogen und streicht euch uber den Kopf und wascht euch die Fube bia zu den Knocheln
الترجمة دقيقة؛ إذ سعى المترجم لترجمة كافّة كلمات الآية بدقّة، غير أنّ مذهبه السنّيّ دعاه للإشارة إلى وجوب غسل القدمين عند الوضوء بإضافة كلمة (wasch euch) بين قوسين.
ح. المترجم السنّيّ: أمير زيدان
صدرت ترجمته عام 2000م . وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 6 من سورة المائدة:
قوله -تعالى-: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبا فَاظَهَرُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيْبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
(6) Ihr, die den Iman verinnerlicht habt! Wenn ihr zum rituellen Gebet aufstehen wollt, dann wascht (vorher) eure Gesichter, eure. Hände und Arme bis zu den Ellenbogen, benetzt eure Köpfe und (wascht) eure Füße bis zu den Knöcheln...
قدّم المترجِم التوضيحات اللازمة لكلّ كلمة بين قوسين. ويُؤخَذ عليها ترجمة الآية بوجوب غسل القدمين في الوضوء؛ نتيجة مذهب المترجِم السنّيّ؛ كسابقه.
ط. المترجم السنّيّ: محمد رسول:
صدرت ترجمته عام 1986م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 6 من سورة المائدة:
قوله - تعالى -: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبا فَا طَهَّرُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجَ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُظْهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
O ihr, die ihr glaubt! Wenn ihr euch zum Gebet begebt, so wascht euer Gesicht und eure Hände bis zu den Ellenbogen und streicht über euren Kopf und wascht eure Füße bis zu den Knöcheln.
هنا -أيضًا - تُرجِمَت الآية بما يُوحي بغسل القدمين في الوضوء؛ نتيجة مذهب المترجِم السنّيّ؛ إلّا أنّ اللافت للنظر في هذه الحالة استعمال المترجم كلمة (wascht) مباشرةً، دون وضعها بين معقوفتين؛ خلافًا لغيره من مترجمِي أهل السنّة الذي درجوا على ذلك للدلالة على أنّ الكلمة غير موجودة في النصّ الأصليّ.
ي مترجم مجهول المذهب: تيودور فریدریش غريغول:
صدرت ترجمته عام 1901م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا».
Bleibt still in euren Häusern und zeigt euch nicht in der Öffentlichkeit wie zur Zeit der Unwissenheit. Verrichtet treulich euer Gebet und spendet Almosen und gehorcht Gott und seinem Gesandten. Fürwahr, Gott verlangt nur von euch, dass die Sünde von euch bleibe, da ihr zum Haushalte (seines Gesandten) gehört, und dass ihr euch rein von Frevel haltet.
فالترجمة التزمت بنقل معنى (إنّما) بشكل صحيح، غير أنّها أضافت أنّ الله يأمر أهل البيت بالابتعاد عن القبائح؛ لأنّهم من أسرة النبيّ.
ذكرنا أنّ تقديم ترجمة دقيقة وصحيحة لآيةٍ ما رهنٌ بفهم معناها بشكل كامل؛
إذ كم من آية استعصت على الفهم في الماضي؛ لعدم اكتشاف موضوعها العلميّ؛ ما يجعل من الصعوبة وحتّى من المستحيل ترجمة مثل تلك الآيات بشكل صحيح في زمنٍ لم يُكتَشَف موضوعها بعد. وسنتناول بالنقد أنموذجًا لترجمة آية علميّة.
اكتشف العلماء المعاصرون أنّ الكون في حالة توسّع دائم، وأثبتوا هذا الأمر عبر الصور التي التقطتها أجهزة تصوير خاصّة؛ فضلًا عن الاستعانة بوسائل علميّة أخرى.
ومن دلائل الإعجاز العلميّ للقرآن ذِكْر تلك الحقيقة في الآية 47 من سورة الذاريات: «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ».
ولترجمة تلك الحقيقة العلميّة، ينبغي ضمان منتهى الدقة في ترجمة هذه الآية، ولا سيّما كلمة (موسعون) فيها. فما هي الترجمة الصحيحة لهذه الآية؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أخذ أمور ثلاثة بعين الاعتبار فيها؛ وهي:
وجود ثلاث صِيَغ تأكيد في الآية: «إنْ»، لام التأكيد، والجملة الاسميّة.
معنى كلمة (موسعون).
كلمة (السماء) التي جاءت بصيغة المفرد، مع أنّ الغالب استعمالها في القرآن بصورة الجمع (سماوات)؛ فضلًا عن أنّ الجملة في الآية جاءت غير مقيّدة بزمان؛ ما يشير إلى أنّ توسّع السماء ما زال جاريًا.
وفي ما يلي نستعرض نماذج مختلفة لترجمة الآية بلحاظ هذا المعطى العلميّ.
أ. ترجمة عادل تيودور خوري:
Und den Himmel haben Wir mit Kraft aufgebaut. Und Wir verfügen über breite Möglichkeiten.
الترجمة جيّدة نوعًا ما ولكنّه ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (ذو قدرات وسيعة).
ب. ترجمة أمير زيدان:
Und den Himmel errichteten WIR mit Kraft, und gewiß, WIR sind doch Ausdehnende.
الترجمة صحيحة من حيث المعنى؛ حيث حُدِّد فاعل الجملة بشكل صحيح، وتُرجِمت كلمة (موسعون) بمعنى «مَن يوسِعون».
ج. ترجمة محمد رسول:
Und den Himmel haben Wir mit (Unserer) Kraft erbaut; und siehe, wie wir ihn reichlich geweitet haben.
ترجمت كلمة (موسعون) بصيغة الفعل الماضي؛ بمعنى (وسّعنا)؛ ما يعني تثبيت توسّع السماء.
د. ترجمة بوبن هایم:
Und den Himmel haben wir mit Kraft aufgebaut, und Wir weiten (ihn) wahrlich (noch) aus
هذه الترجمة صحيحة؛ إذ جيء بكلمة (موسعون) بصيغة فعل مضارع مستمرّ ؛ بمعنى (نوسّع). واستخدم المترجم كلمة (noch) للتأكيد على استمرار عمليّة التوسع.
ه- ترجمة رودي بارت:
Und den Himmel haben wir mit Kraft aufgebaut. Uns ist alles möglich.
الترجمة خاطئة بالكامل؛ إذ ترجمت كلمة (موسعون) ب- (إمكان عمل كلّ شيء).
و. ترجمة ميرزا مسرور شامد:
Und den Himmel haben Wir erbaut mit (unseren) Kräften, und Unsere Kräfte sind wahrlich gewaltig
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى ( طاقتنا عظيمة).
ز. ترجمة صدر الدين:
Und den Himmel, Wir erbauten ihn mit Macht; denn wahrlich, wir sind machtvoll.
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (مقتدرون).
ح. ترجمة فريدريش أبرهارد بويسن:
Mit unendlicher Kraft haben wir den Himmel gebaut, und ihm einen weiten Umfang gegeben.
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (وسّعنا النطاق) بصيغة الماضي.
ط. ترجمة غريغول:
Den Himmel haben wir mit Kraft gebaut und siehe, wir haben ihn weit ausgedehnt;
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (وسّعنا بعيدًا)؛ بصيغة الماضي.
خاتمة
بناءً على ما تقدَّم في هذه الدراسة، يمكن القول إنّه لا تخلو أيّ ترجمة من أخطاء
ومآخذ، لذا لا بدّ من فرزها لتمييز المقبول من اللاّمقبول فيها. ومن أبرز الإشكالات التي تَرِد على الترجمات الألمانيّة، والتي نوصي بضرورة تلافيها في الترجمات اللاحقة؛ هي:
الأخطاء الناشئة نتيجة عدم الإلمام بالألمانيّة. وهي ليست - بالضرورة - مقصودةً ولا مغرضة؛ إذ من الطبيعيّ وقوع المترجِم فيها في حال عدم معرفة اللغة الهدف كما ينبغي؛ ما يجعل من عمله غير مقبول!
اتّخاذ المترجِم غير المسلم عمله الترجميّ للقرآن وسيلةً لإثبات دينه ومذهبه! وتكمن خطورة مثل هذه الخطوة أنّ المترجِم يدسّ السمّ في العسل، من خلال إنجاز ترجمة في غاية الدقّة؛ إلا في المواضع التي تخالف عقيدته، فيترجمها ناقصةً أو حتّى كاذبة! ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى ترجمة لودفيك آلمن الذي تعمّد عدم ترجمة عبارة (وما أنزل من قبلك) لمخالفتها لعقيدته!
لم تنقل أغلب الترجمات القديمة معاني الآيات بشكل صحيح، فترجمت الجمل المعلومة بصيغة المجهولة؛ فضلًا عن إضفاء معانٍ مستقلّة على أدوات التأكيد؛ ما أوقعها في أخطاء كثيرة.
لائحة المصادر والمراجع:
الترجمات الألمانيّة:
Boysen, Friedrich Eberhard;Der Koran oder das Gesetz für Muselmänner; 1775; Bebauer; Halle.
Bubenheim Frank und Eliyas Nadeem; Der Coran; 2002; König Fahd Komplex; Medina - Saudi Arabien.
Denffer, Ahmed v.; Der Koran; 1996; Islam. Zentrum München; München - Pakistan.
Grigull, Theodor Friedrich; Der Koran; 1950,. 2. Druck; Otto Hendel; Münster.
Khoury, Adel Theodor und M.S. Abdullah; Der Koran; 2001; Gütersloher Verlagshaus Mohn; Gütersloh.
Megerlein, Prof. Dr. David Friedrich; Die türkische Bibel oder des Korans allererste teutsche ebersetzung aus der arabischen Urschrift; 1772; 1. Druck; bei Johann Gottlieb Gar; Frankfurt am Main.
Mirza, T. Ahmed; Der heilige Qu-an; 1954; Ahmadijja; Rabu - Pakistan.
Paret, Rudi; Der Koran; 1966; Kohlhammer; Stuttgart.
Rassoul, Muhammad Ahmad; Die ungefähre Bedeutung des Qur'an Karim in deutscher Sprache; 1986; Islam. Bibliothek; Köln.
Sadr Ud-Din, Maulana; Der heilige Koran; 1964, 3. Druck; Muslimische Revue; Berlin.
1840, UllmannDr., Ludwig; DerKoran; Funcksche Buchhandlung; Krefeld.
Zaidan, muh.
المصادر والمراجع الفارسيّة :
1.رضايي إصفهاني، محمد علي: منطق ترجمه قرآن ]منطق ترجمة القرآن[، قم مركز علوم اسلامي، 1385 ه- ش .
مصادر ومراجع على شبكة الإنترنت:
1.http://www.eslam.de/begriffe/q/quranuebersetzungen.ht; 139323/11/.
2.http://www.thekeytoislam.com/de/scientific-explanations-quran- expansion-universe.aspx; 1394/5/4.
3.http://erschaffungdesuniversums.com/de/works/28275/Dieexpansion-des-universums; 1394/5/4.
أنس الصنهاجي (1)
ظلّ الغرب المسيحيّ حتّى منتصف القرن السادس عشر ميلادي مؤمنًا بوحي إنجيله ومبعثه السّماوي، وبعد الاكتشافات العلميّة التي توصّل إليها بعض العلماء الأوروبيّين المخالفة للحقائق التي جاءت بها الكنيسة طفقت الظّنون والريبة تلف حقيقة المصدر الإلهي لكتابهم المقدّس، وانسابت الدّعوة إلى القطع مع الكنيسة وهرطقتها، وفي غمرة ذلك ظهرت مدارس فلسفيّة لائكيّة حاولت إعطاء تفسيرٍ للظاهرة الدينيّة باعتبارها ضربًا من ضروب الجهل والخوف والضعف الكامن في
وعي ولا وعي الإنسان؛ إذ زعمت المدرسة الماركسيّة أنّ الظاهرة الدينيّة انعكاس؛ لتفوّق الطبيعة في ذهن الإنسان البدائيّ باعتبارها في تمثّله ووجدانه تملك من القدرة ما تستطيع به تحديد حياته ، وإغداقها الخير أو سومها بالشر، ومسالمتها واستجداء رضاها يأتي عبر التّزلّف بعبادتها وتذكية الأضاحي والقرابين لها، والاعتقاد نفسه روّجت له المدرسة النّفسيّة، التي صوّرت في سياق تحليلها لنشأة الظاهرة، أن ضعف الإنسان وتوجّسه من الطبيعة هي التربة التي استنبتت المعتقد الديني والأطراف المؤسِّسة له. وفي خضم هذه التّصوّرات الجديدة للظاهرة الدينيّة، وفي حمأة تدافع الحضارات وصراع الأيديولوجيّات، شكّل القرآن الكريم محورًا مركزيّاً لجملة من الدّراسات الاستشراقيّة، التي تغيّ جلّها نسف حقيقة سماويّة الدّين الإسلامي المنزّه عن التّحريف والتّأليف، وذلك من خلال أرجفة مصدره والطّعن في نصوصه ومناهج حفظه وجمعه وتدوينه، وقد جاء هذا الاهتمام في سياق
1) أستاذ باحث - كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة فاس
المشروع الأمبريالي العلماني الطامح في محق كلّ الأسّس الدينيّة ودحر قيمها، تمهيدًا لإرساء قيم جديدة تذلّل سبل السيطرة على الشّعوب وتوجيهها خدمة لمصالح الأوليغارشيّات الرأسماليّة الجديدة، ومن جوقة المستشرقين الذين سلكوا هذا المضمار وتخندقوا في نفس التيّار المستشرق الفرنسي «ريجي بلاشير» الذي انطلق في دراسته للقرآن الكريم من مسلّمةٍ تقول بتأليف القرآن وزيف قدسيّته، فخصّ لذلك ترجمتين ومؤلفين؛ حيث حاول في المؤلَّف الأوّل المعنون ب- «المدخل إلى القرآن» إثارة كلّ ما يتعلّق بمسائل كتابة القرآن ورسمه وقراءته بالمعنى، في حين قدّم في المؤلَّف الثاني الموسوم ب- «القرآن» حصيلة دراسته للقرآن الكريم.
وبالعودة إلى تاريخ الترجمات الفرنسية للقرآن الكريم، يتّضح لنا أنّها مرّت بثلاث مراحل رئيسة هي:
المرحلة الأولى: هي مرحلة الترجمة من اللاتينية إلى اللغة الفرنسيّة.
المرحلة الثانية: هي مرحلة الترجمة من اللغة العربية مباشرة إلى اللغة الفرنسيّة، وهذا مسلك نهجه كثيرٌ من المستشرقين الفرنسيين في ترجماتهم للقرآن في القرن العشرين أمثال «مونتيه» و«بلاشير» و«بيرك».
المرحلة الثالثة: هي مرحلة دخول المسلمين ميدان الترجمة إلى اللغة الفرنسيّة، مثل ترجمة الجزائري لايمش وابن داوود، والتي كانت -كما يقول -«بوسكي»- بأسلوبٍ بليغٍ وعجيبٍ وترجمة أحمد تيحاني سنة 1936، وترجمة حميد الله سنة 1959 ، وترجمة الدكتور صبحي الصالح سنة 1979 .
1- المحاولات الأولى لترجمة القرآن الكريم والأهداف المرجوّة من ذلك
يعدّ موضوع ترجمة القرآن الكريم المعجز بمعناه ومغزاه من المناولات الهامّة في «الدّراسات القرآنيّة»، والمعلوم أنّ فكرة ترجمة القرآن الكريم في أوروبا في مراحله الأولى نضجت في أحضان المبشرين المسيحيّين بدافع تشويه الإسلام والطعن في أسسه ومصادر تشريعه، فرصدت لذلك كل ما من شأوه إنجاح هذا المخطّط
الجهنّمي، ولعلّ من أهم الوسائل التي وظّفتها لبلوغ الغاية، الاشتغال على ترجمة القرآن ترجمةً بنفسٍ يحكمه التأويل بالهوى، ومنهج يحرّف القصد عن حقيقته بوعيٍ وبغير وعي، مدعوم بدباجاتٍ وتدبيجاتٍ وهوامش تصر بأحكام جاهزة دون دليل على التشكك في مصدر القرآن الكريم ووحيه وكتابه ...، فالمترجمون لم يتجشموا عناء استيعاب النّصّ القرآنيّ ومعاني الألفاظ ودلالاتها، ولم يهتمّوا بأسباب النّزول وحيثيّاته، وقواعد الأحكام الفقهيّة وأصول الدين وغيرها من الأحكام والضوابط، ولم يكونوا من الملمين بتفاصيل علم النحو وجزئيّاته الدّقيقة وعلم البلاغة والبيان. إنّ هذه الهجمة المسيحيّة الحاقدة المرتّب لها بمكر، استهلّها القساوسة عقب نشوب الحروب الصليبيّة؛ بهدف تحميس الجنود على قتال المسلمين، وتبشيع الصورة الإيجابيّة التي رسمها المحاربون المسيحيون العائدون من الشرق عن سماحة الإسلام وزيف ادّعاءات رجال الدين عن المسلمين. ويعتبر الفرنسي «بيتر المحترم» أوّل من أُجريَ مشروع ترجمة القرآن الكريم تحت إشرافه (1)إذ أوكل تنفيذه إلى «بيتر الطليطلي» و «هرمن» الدماشي»(2)و «روبرت کیت» (3)مقابل مبلغ مغرٍ من المال (4)بمساعدة عربي مسلم يدعى محمّد(5)، فأتموا المهمّة سنة 1143م(6)، وقد تكفّل روبرت في هذا المشروع بترجمة القرآن، في حين قام «هرمن» بترجمة النّبذة المختصرة (7)، وفي خطابٍ أرسله «بيير المحترم»، إلى القديس «برنار» قال فيه ما يلي: «قابلت روبرت وصديقه هرمان عام 1141م بالقرب من «الأبر» في إسبانيا وقد أقنعتهما بتحويل اهتمامهما من دراسة علم الفلك إلى ترجمة القرآن باللّاتينيّة، فأتماها سنة 1143م»، وكانت أوّل ترجمة للقرآن باستعانة اثنين من
1) عبد الباقي، محمّد فؤاد: تفصيل آيات القرآن الكريم، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان، دار الكتاب العربي، 1969م، ص 45
2) الصالح، صبحي: مباحث في علوم القرآن، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان، دار العلم للملايين، 1981، ص83
3) جحا، ميشال: الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، لا ط، بيروت – لبنان، معهد الإنماء العربي، 1982، ص39
4) فوك، يوهان :تاريخ حركة الاستشراق، نقله عن الألمانية: عمر لطفي العالم، الطبعة الثانية بيروت - لبنان، دار المدار الإسلامي، 2001، ص17
5) بدوي، عبد الرحمان: موسوعة المستشرقين، لا ط، بيروت - لبنان، دار العلم للملايين، 1974، ص307
6) مجلة كلية أصول الدين، المملكة العربية السعودية، العدد الرابع، 1403، ص44
7) يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، م.س، ص17
العرب»(1). أحدهما مغربي مسلم ملمّ بالقرآن واللغة العربيّة (2). وبعد مراجعتها باللّاتينيّة من قبل «بيير دي بواتييه»، تمّ إرسالها إلى رئيس دير «كلوني» العام «برندوس» مشفوعة بخطاب من بطرس ينوّه فيها بنضالات رجال الكنيسة ضدّ سائر أشكال الإلحاد (3)، فوضعها إثر ذلك تحت تصرّف رجال الكنيسة؛ ليستفيدوا منها في استكمال دراساتهم اللّاهوتيّة أو للقيام بأعمال التبشير، وكان ظهور هذه الترجمة بعد الحملة الصليبيّة بأربع سنوات.
وقد أفنى «بيير المحترم» عمرًا في دراسة العلوم العربيّة والإسلاميّة، لإنتاج الأفكار وتجييش الحملات وإحكام الخطط التي من شأنها هدم الإسلام والقضاء على مصادر قوّته، وهذا ما أكّده «بوسكي» بالقول: «منذ سنة 1141م، اجتمع رجال الدين بإيعازٍ من بيتر المحترم رئيس دير كلوني لترجمة القرآن إلى اللّاتينيّة، قصد محاربة الإسلام»(4).
وقد خلت هذه الترجمة من الأمانة العلميّة، وعجّت بالبهتان والتّضليل؛ إذ تعدّدت فيها هنات الإضافة والحذف، وأغفلت العديد من المفردات، كما لم تتقيّد بأصل السّياق ولم تقم وزنًا لخصوصية الأسلوب (5)، وهذا ما عبّر عنه عبد الرحمن بدوي حين اعتبر هذه الترجمة أقرب إلى التلخيص الموسّع منها إلى الترجمة، فهي لا تلتزم بالنّصّ الحرفي، ولا تنضبط لترتيب الجمل في الأصل العربي، وإنّما تؤوّل المعنى العام في أجزاء السّورة الواحدة، ثم تعبّر عن هذا بترتيب من عند المترجم (6). وفى هذا الصدد علّق المستشرق آربري عن هذه الترجمة بالقول: «بالرغم من
1) البنداق، محمّد صالح: المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، الطبعة الثانية، بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، 1403ه-، - 1983م، ص98
2) يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، م.س، ص19
3) المرجع نفسه، ص18-19
4) علي الصغير، محمّد حسين: المستشرقون والدراسات القرآنية، لا ط، بيروت – لبنان، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1403 ه- - 1983م، ص112
5) يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، م.س، ص17
6) عبد الرحمان بدري، موسوعة المستشرقين، م.س، ص307
امتلاء هذه الترجمة بالأكاذيب وسوء الفهم، فإنّها كانت الأساس الذي قامت عليه الترجمات الأوربية المبكرة في الأسلوب الذي استخدمته»(1). وقد ظلّت ترجمة «بطرس المحترم» مصدرًا لتحقيق الأغراض المتعدّدة ومرجعًا لبثّ الرّوح الصليبيّة، وشحذ الهمم لمحاربة الإسلام (2)، وقد انتشرت هذه الترّجمة انتشارًا واسعًا في مختلف كنائس أوروبا، وباتت هي الأرضيّة والبوصلة التي توجّه أغلب التّرجمات الأوروبيّة الحديثة، وعلى الرّغم من اشتمال هذه الترجمة على كلّ ذلك الزيف والتزوير لحقائق العقيدة الإسلاميّة وشرائعها، فإنّ الكاتدرائيّات والمؤسّسات الدّينيّة المسيحيّة منعت ظهورها وانتشارها بين العامّة؛ إذ توجّست من تحقيقها لعكس الهدف المرجوّ وهو التعريف بالإسلام، وزيادة في الحرص أشاعت الكنيسة بأنّ من يطبع القرآن أو يحاول طبعه فإنّه سيموت قبل أن يحلّ أجله الطبيعي (3).
وبالفعل، فقد ظلّت الترجمة المذكورة ضمن مخطوطات دير «كولوني» وظلت مخطوطة في نسخ عدّة، تتداول في الأديرة مدّة أربعة قرون ولم تصدر إلّا في سنة 1543م ، أي بعد أربعمائة عام من صدورها حيث قام بطبعها ونشرها اللاهوتي السويسري «ثيو دور بييلياندر» في ثلاثة مجلدات (4)، اشتملت على مقدمة لمارتن لوثر وفيليب ميلانختون، بيد أن «جورج سال» اعتبر ما نشره «بيبلياندر» باللاتينيّة ليست ترجمة للقرآن، فالأخطاء اللانهائيّة والحذف والإضافة والتصرف بحريّة شديدة في مواضع عدّة يصعب حصرها، جعلت الترجمة عارية عن أي تشابه مع الأصل (5)، ورغم ما انطوت عليه هذه الترجمة من تدليس وافتراء وتشويه، فقد أمر البابا «بولس الثالث» بعيد صدور طبعة منها بإتلافها، ولم تسمح الكنسية بطبع الترجمة باللاتينية إلّا على عهد البابا ألكسندر السابع (1555-1568م) (6). وفي سنة
1647م ظهرت أول ترجمة للقرآن الكريم باللغة الفرنسية على يد «أندري ديريو» الذي ظلت ترجمته محط اهتمام ودراسة ردحا من الزمن، ومرجعًا في الترجمات إلى لغات أُخر، وفي هذا الشأن يقول «جون برسون» إن الترجمة الفرنسيّة القديمة جدًّا هي ترجمة «أندري ديريور»، طبعت كثيرًا بين الأعوام 1647م و 1775م، إذ احتوت كلها على مختصر لديانة الأتراك وبعض المستندات، وقد نتج عن هذا العمل أول ترجمة للقرآن إلى الإنجليزيّة بوساطة «ألكسندر روس» وكانت أيضًا للأب ترجمات أُخر إلى الهولندية بوساطة «جلازماخر»، وإلى الألمانية بوساطة «لانج»، وإلى الروسية بوساطة «بستنكوف وفريفكين»(1). وبعد ظهور ترجمة الإيطالي و «لودفيك مراكي» سنة 1698م ، باتت عمدة في الترجمات إلى اليوم، بسبب ترجمتها للقرآن الكريم من العربيّة إلى الإيطاليّة، المعزز بالنص الأصلي للقرآن الكريم وترجمة لاتينية وجيزة جدًّا له وبعض التعاليق، وقد عكف المترجم على دراسة القرآن الكريم ومؤلّفات أشهر المفسّرين المسلمين ما ينيف عن أربعين سنة. واعتبر «هنري لامنز» هذه الترجمة أكثر الترجمات إنصافًا للقرآن الكريم، ومرجع كثير من المترجمين الأوروبييّن، غير أنهم لا يشيرون إليها في معظم الأحيان، بسبب موضوعيّتها(2).
وبعد الربع الأوّل من القرن الثامن عشر، ترادفت الترجمات الأوروبيّة المعتمدة على النص العربي للقرآن الكريم، فاشتهر في هذا الصدد ترجمة الإنجليزيّة «جورج سال» سنة 1734م، جزم في مقدمتها أن القرآن من تأليف محمّد واعتبر ذلك مسلمة لا تقبل الجدل (3)، وفي سنة 1751م نشر الفرنسي «سافاري» ترجمة مباشرة إلى الفرنسية سنة 1751م (4)، وصفها إدوارد مونتيه بالترجمة العارية
عن الدقة (1)، ولكنّه في المقابل أثنى على ترجمة «كزيمرسكي» (2)التي أصدرها سنة 1840م واعتبرها أكثر رصانة وشيوعًا في فرنسا رغم ضعف معارفه في علوم اللغة العربيّة وغياب الأمانة العلميّة في دراستها (3).
بيد أنّه في سنة 1925م ظهرت له ترجمة اعتبرها شكيب أرسلان أفضل الترجمات الأوروبيّة وأكثرها دقّة، وقد ذيّلها المترجم بفهرس المواد القرآن الكريم المفصل بعناية (4)، وبعد أربعة وعشرين سنة من ترجمة «مونتيه»، ظهرت ترجمة «بلاشير » (5)سنة 1949م المتسمة بترتيب السور حسب التسلسل التاريخي لنزولها، والتي قال عنها الدكتور صبحي «تظل ترجمة «بلاشير» للقرآن في نظرنا أدق الترجمات للروح العلميّة التي تسودها ولا يغض من قيمتها إلّا الترتيب الزمني للسور القرآنيّة» (6)لكن ما عاب جاك بيرك على «بلاشير» هو علمانيّته التي حجبت عنه القدرة على اكتناه العمق الروحي للقرآن الكريم، وفي هذا المعنى يقول: «لا شك أن «بلاشير» هو أستاذ عظيم فذ، فقد كان أستاذًا لي وصديقًا كبيرًا، ولكننا لو تكلمنا كعلماء بعيدًا عن العلاقات الخاصة، فإنني أقول إن ترجمته للقرآن على الرغم من مزاياها فإن لها نواقص ولكنّها تبقى من أفضل الترجمات الفرنسية
1) Montet Edwads, Mahomet, Le Coran, Payot, Paris, 1944, p.56
2) محمّد فؤاد عبد الباقي، تفصيل …، م.س، ص8
3) Montet Edwads, Mahomet....op.cit., p.556
4) محمدّ فؤاد عبد الباقى، تفصيل ...، م.س، ص8
5) «ريجيس بلاشير» من أشهر مستشرقي فرنسا في القرن العشرين، ومن أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، ولد في مونروج بضواحي باريس، تعلم العربية في الدار البيضاء بالمغرب وتخرج من كلية الآداب في الجزائر سنة 1922م، عين أستاذًا في معهد الدراسات المغربية العليا في الرباط ما بين سنتي 1924 و 1935م، ثم انتقل إلى جامعة السوربون بباريس محاضرًا بها سنة 1938 م ، ثم أسندت إليه إدارة المدرسة العليا للدراسات العلمية سنة 1942م والاشراف على مجلة «المعرفة» الباريسية بالعربية والفرنسية، له عدة مؤلفات بالفرنسية ترجم بعضها إلى العربية، ونجح في فرض تدريسها في بعض المعاهد الثانوية الفرنسية. من كتبه: 1- ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية في ثلاثة أجزاء، أولها مقدمة القرآن الكريم، نشر الترجمة وحدها في عام 1957م ثم أعيد طبعها عام 1966م. 2 - تاريخ الأدب العربي، نقله إلى العربية إبراهيم الكيلاني. 3- قواعد العربية الفصحى. 4 - أبو الطيب المتنبي، نقله إلى العربية أحمد أحمد بدوي . 5- معجم عربي فرنسي إنكليزي. ينظر. محمّد حمدي زقزوق، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري
6) صبحي الصالح مباحث...، م.س، ص771
للقرآن»(1)واللافت في هذه الترجمة إيراده للآية الواحدة بترجمتين؛ إذ يبرز في إحداها المعنى الرمزي، وفي الأخرى المعنى الإيحائي الذي يغلّبه في كثير من الأحيان، كما لم يفته تدبيج نصّ الترجمة ببعض التّعاليق والبيانات. وفي سنة 1966م، ظهرت ترجمة المستشرق الألماني «رودي بارت»، التي عدّت في ذلك الوقت أحسن ترجمة للقرآن الكريم باللغة الألمانيّة، بل في اللغات الأوروبيّة عمومًا، وقد حرص صاحبها أن تكون دراسته منضبطةً قدر الإمكان للدقّة والأمانة في نقل المعاني القرآنيّة من العربيّة إلى الألمانيّة، وحين تقابله عبارة يصعب فهمها وترجمتها إلى اللغة الألمانيّة فلا يتوان في إدراجها بعبارتها الأصلية كما وردت في الآية الكريمة(2).
وقد كثرت بعد ذلك إصدارات الترجمات القرآنيّة الفرنسيّة، لكنّها لم تأتِ بجديدٍ يذكر (3)، حتى أصدر «جاك بيرك» سنة 1990 مناولة جديدةً في ترجمة القرآن الكريم استغرق إنجازها ثمان سنوات من العمل، استعان فيها بعشرة تفاسير تنوّعت بين ما هو قديم وحديث. والحقّ أنّ الترجمة تميّزت بمقدّمة تناولت بالتّحليل النصّ القرآنيّ ومميّزاته ومضامينه والخصوصيّات التي يحظى بها، لكن على الرّغم من الإطراء الذي حفّ هذا العمل، فقد اعتبره المترجم، عملاً عاريًا عن الكمال، وأنّ الفئة المستهدفة منه هي فئة المسلمين المتمكّنين من اللّغة الفرنسيّة غير الناطقين باللغة العربية(4).
2-«بلاشير» ومزاعمه الطاعنة في قدسيّة القرآن الكريم
هدف «بلاشير» وأمثاله من ترجماتهم لمعاني القرآن الكريم إيهام القراء بتناقضاته، وإضفاء صفة النحل والحبكة والتأليف البشري عليه، وذلك بما يبثون في مقدماتهم وحواشيهم من أكاذيب وافتراءات، لاعتقادهم الجازم أن ذلك يصيب الإسلام في الصميم.
1) حوار مع المستشرق جاك بيرك، مجلة رسالة الجهاد، العدد 48، السنة الثامنة، يناير 1990م، ص85
2) میشال جحا، الدراسات...، م.س، ص218 و 259
3) Kasimirski, Albert, Coran, Tome premier, Introductions et notes de G.H. Bousquet Fasquelles, Editeurs, Paris, p. 28
4) Chauvin Victor, Bibliographie des Ouvrages Arabes, Liege, 1909, p. 248
وتقع مقدمة الطبعة الأولى لترجمة «بلاشير» في 310 صفحة ضمّنها موضوعات عدّة، منها:
تدوين القرآن الكريم.
وصف للمصحف العثماني.
انتقادات مثارة من خلال النص القرآني.
الترجمات الأوروبيّة(1).
أمّا طبعة سنة 1980 للترجمة المذكورة (2)، فلم تتجاوز مقدمتها عشر صفحات، تناول فيها المترجم فترة النبوّة التي قسّمها إلى أربع مراحل، وضمنها تحليلات وتعليقات مزيّفة تهيّئ ذهن القارئ لقبول ما يختلقه في ترجمته من افتراءات للنيل من القرآن الكريم، وهذا يدل على ما بذله «بلاشير» من مجهودات جهيدة لتحقيق الهدف الاستشراقي المنشود.
1- المناولة المنهجيّة ل- «بلاشير» في ترجمة القرآن الكريم
رتب «بلاشير» سور القرآن الكريم وترجم معانيه الجليلة في الطبعة الأولى سنة 1949 وفق نزولها، مقتديًا بنهج بعض المترجمين البريطانيّين، وذلك بقصد تفسير التشريع على ضوء الوقائع التاريخيّة، وقد أصبح القرآن وفق هذا الترتيب 116 سورة بدلًا من 114؛ إذ قسّم سورتي العلق والمدثر إلى أربع سور، وهو ما لا يعرفه المسلمون وما لا يعرفه المصحف الشريف منذ حضور زيد بن ثابت العرضة الأخيرة للقرآن الكريم على النبي صلِّ الله علیه و آله على جبريل حتى اليوم(3).
عفا عن ذلك في الطبعات التالية، ويستهل « بلاشير» دائمًا في مقدمة كل
سورة كريمة ذكر مصدر اسمها(1)وآراء المفسرين المسلمين وغير المسلمين في مكيّتها أو مدنيّتها جزئيًا أو كليًّا، لكنّه في أغلب الأحيان يرجح آراء غير المسلمين، وقد يقحم معلومات أُخر عن السورة، والآية يترجم بعضها مرتين أو أكثر، وإذا رأى أن للآية أكثر من معنى يضع في ترجمته رقمين للآية: الرقم الأول هو رقمها حسب طبعة «فلوجل» للمصحف الذي اعتمد في عدّ آياته على ترقیم خاص به مخالف لما عليه علماء الأمّة، والرقم الثاني رقمها حسب طبعة القاهرة، وقد أشار إلى ذلك في التّنبيه الذي كتبه قبل مقدّمة ترجمته(2). وقد ادّعى أنّه اعتمد على أربعة تفاسير، وهي: الطبري، والبيضاويّ والنسفيّ والرازي. ولكن عند قراءة ترجمته، يلاحظ أنه يرجح دائماً آراء المستشرقين على ما جاء في هذه الكتب، ومن آرائه أنّه یری أنّ بعض الآيات إلحاقيّةٌ نزلت متأخّرةً عن الآية السّابقة لها، ويشير إلى هذه الآيات التي يراها متأخّرة بطباعتها بطريقةٍ خاصّةٍ تميّزها عن الآيات الأُخر، وذلك إمّا بطباعتها في الجانب الأيمن من الصفحة أو بطباعتها بحرف مائل (3). ومثال ذلك الآية 129 في سورة النساء، ويدَّعي في مواضع أنّ الآيات ناقصة، فيأتي بعبارات من التوراة ليستكمل بها هذا النقص المزعوم، كما لم يتورّع عن نقل بعض الآيات من أماكنها(4).
أ- تكذيب القرآن باعتباره وحيًا إلهيًّا
حاول «بلاشير» إثبات تعارض في بعض الآيات القرآنيّة، وفى هذا الشأن ساق مثالًا في العدل الإلهيّ في قوله تعالى: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت
من الحي وترزق من تشاء بغير حساب» (1)وعلّق بأنّ هذه الآية تخبر بسلطة الله المطلقة في أحكامه وقراراته وتقديره للأمور، بيد أنّ الآيتين التاليتين تثبتان خلاف ذلك في قوله تعالى: «مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»(2).
فبحسب قوله، تعطي الحرية للإنسان في اختيار مصيره (3). ولم يقف تجاسره عند هذا الحد، بل طفق يقدّم ويؤخّر الآيات القرآنيّة عن مواضعها حسب هواه في المصحف الشريف، من قبيل إيراده للآية الحادية عشرة من سورة النساء في الآية الثانية عشرة، وتنكيس الآيات 62-63-64، من سورة طه، وإقحامها في الآية 60 وما بعدها، أما الآيتان 16 و 17 من سورة لقمان فقد رأى أنهما تعترضان وصايا لقمان لابنه، الأمر الذي يستوجب إعادتهما إلى مقبل الوصايا لاستقامة المعنى. كما وصل به الأمر إلى إضافة ما ليس في القرآن مثل فعله في الآية 52 من صورة الزخرف إذ أضاف كلمة (antérieurement) : قبلًا بعد قوله تعالى «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» بحجّة أن معنى الآية غير واضح(4). وقد ختم «بلاشير» ديباجة ترجمته بخاتمة أكد فيها بجزم أن القرآن ليس كتاب عقيدة وشريعة، بل لا يعدو أن يكون مجرّد رسالة جهاد وتحريم، وبهذا المعنى يقول: «نشدنا أن نجمع ما لا يجوز جهله في رسالة قيل أنها عقيدة وشريعة ... وإذا ربطنا النصوص القرآنية بعضها ببعض يتّضح ويتحدّد خطوط القوة فيها إذ هي رسالة جهاد وتحريم أكثر من أية رسالة أخرى» (5)، وعن مسألة الوحي زعم بلاشير أن الوحي المنزل في مكة لم يكتب بل كان يخزن في الذاكرة، وأن فكرة تدوين مقاطع الوحي الهامة التي نزلت في السنوات السالفة على مواد خشنة من الجلود واللخاف، لم تنشأ إلّا بعد إقامة محمّد صلّی الله علیه و آله في
المدينة المنورة، على أن هذه الحاجة للتدوين لم تظهر - حسب استنتاجه - إلّا بين الحين والآخر، أي أن الجزء الذي يكتب من الوحي هو الجزء الذي كان يرى فيه النبي الكريم خدمة وإفادة لمصلحة متوخاة في سياق معيّن، وقد شغلت الأدعية والأحكام الشرعيّة معظم حيّز هذا الجزء، وبذلك يقسم بلاشير القرآن الكريم إلى مهم وغير مهم(1). وفي سياق حديثة عن مسألة جمع القرآن ومراحل تدوينه، خرج بقناعة مفادها أن التدوين لم يكن صحيحًا تمامًا، فسقطت آيات كثيرة منه، كما أن أدوات الكتابة وما كان يكتب عليها، قد تم دون ضبط، أو نظام، مما عرض بعضه للضياع كما أن الجمع في المرحلة الثانية لتدوين القرآن بعد وفاة الرسول، لم يتجاوز ما كان في صدور الحفاظ، وبمبادرة شخصيّة من بعض الصحابة وهذا ما يؤشر أن جمع القرآن وتدوينه لم يتم بطريقة علمية صحيحة، حتى عهد الخليفة الثالث عثمان كما اعتبر «بلاشير» أن قراءة القرآن الكريم قراءة خاطئة لا تنضبط للتسلسل الزمني لتواتر السور وفي هذا الصدد قال: «إن السور على النظام المعاكس للتاريخ الذي نزل فيه الوحي إننا نقرأ القرآن معكوسًا، ومن جهة أخرى فالسور بعيدة عن تكوين مجموعات متجانسة»، وعليه نصح بضرورة البحث عن ترتيب زمني للسور طالما أنّ الترتيب الذي عليه القرآن حاليًا ترتيب مصطنع يشي عن الروح الفوضويّة التي كان عليها العرب في ذلك الوقت، الأمر الذي استدعى حسب زعمه هجر هذا الترتيب والبحث عن آخر ينضبط للتسلسل التاريخي في النزول، وفي هذا الشأن قال: «من أجل فهم الكتاب المقدس للمسلمين تاريخيًا يمكن الرجوع إلى التسلسل الزمني... من أجل مساعدة القارئ» (2)وقد قسم بلاشير سور القرآن الكريم إلى أربعة مراحل، فاصلًا بين كل مرحلة من هذه المراحل الأربعة بما تتميّز به كل مرحلة عن الأخرى من سمات، والذي يبدو أنها مأخوذة من المستشرق الألماني «نولدكه» في معالجته لهذا الموضوع باعتبارها الطريقة المثلى في نظر بلاشير - التي يجب التقيد بها، وفي هذا يقول: «إن التجربة أثبتت أن التقيد
بالمراحل الزمنية للترتيب الذي اقترحه «نولدكه» وأخذ به بعض المترجمين يجعل القراءة المصحف سهلة بل ممتعة»(1). وفي معرض حديثه عن المرحلة الأخيرة في تدوين القرآن ورسمه ونقطه التي تمت في العهد الأموي، أكد أنها المرحلة التي تم فيه حذف بعض الآيات التي تمجد عليَّا وأهل البيت لأسباب سياسيّة(2)
أما على المستوى الفني فقد اعترف «بلاشير» بأن القرآن معجزة وتحفة أدبيّة رائعة تسمو على جميع ما أنتجته الإنسانية وبجلته من الصحف (3). وذلك لما يحويه من نثر موزون مقفى يأثر بسحره العجيب على المتلقي، وهذا ما اعتبره شبيها بترانيم المنجمين والسحرة وتفنن الشعراء، وفي هذا الصدد يقول «ولقد نشأ من هذا النثر انفعال إجمالي أثر على الأعداد أنفسهم...، ثم إن لهذه الميزة تأثيرًا على السامع الذي لا ينطق بالضاد ... وهذا شبيه بغرابة تنبؤات المنجمين، وهدر الشعراء، وقول السحرة» (4). فلغة القرآن ظلت في حسبه شبيهة بالشعر القديم، وذلك بفصل الأحكام الموسيقيّة للمقاطع اللفظيّة، وغنى النغم في الحركات، والقوافي المنظومة أو المسجعة(5).
إن منهج النفي الذي اتبعه «بلاشير» كان الغرض منه نفي الحقائق والوقائع المرتبطة بنزول القرآن الكريم، وذلك من خلال إثارة الشكوك إلى الحد الذي يجعلك تشكك في حقيقة النص القرآني المتداول.
ب- اعتبار القرآن الكريم من تأليف محمّد صلّی الله علیه و آله
ادّعى «بلاشير» أنّ القرآن الكريم ألّفه محمّد وجمعه من مختلف المصادر، زاعمًا أنّ تعاليمه ومادته العضويّة تلقّاها من راهب نصراني أريوسي اسمه
1) Le Coran «Que sais- je» Ed. 2me, presses, Universitaire de France, Paris, p44
2) سالم الحاج، ساسي: نقد الخطاب الاستشراقي في الظاهرة الاستشراقيّة وأثرها في الدراسات الإسلاميّة، دار المدار الإسلامي 2002، ج 1، ص 349-350
3) ريجيس بلاشير، القرآن... م.س، ص 42
4) Lammens, Henri, Lislam..., op.cit., p. 52
5) Régis Blachère, le problème de Mahomet= Essai de biographie critique du fondateur de l'Islam, presses Universitaires de France, Paris, 1952, p.49
«سيرجيون بحيرى» كان خارجًا عن العقيدة القويمة(1)، أمّا القصص الواردة في القرآن فقد استقاها محمّد من التوراة وقصص الغابرين وحکایات سوق عكاظ وخطب وشعر قس بن ساعدة الذي أخذ عنه بعض القضايا الدينيّة، لا سيّما ما تعلّق منها بالبعث والنشور والحساب (2)، ثم أضفى عليها بذكاء الرواية والأسلوب العربي الفصيحين الذي اتسم بالإيحاء أكثر منه بالوصف (3)، ومثالاً على ذلك ذكره في قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ» (4)فقد اعتبرها «بلاشير» آية مطابقة للأسطورة المنتشرة جدًّا في الشرق وفي الثقافة اليهوديّة النصرانيّة»(5)، وزعمه في مقدمة سورة إبراهيم أن الآيات الخاصّة بهذا الرسول الكريم (أي من الآية 38 إلى 42) هي نصوص قديمة تمَّ تنقيحها بالمدينة المنورة، واستدلاله بطول الآية الثالثة نسبيًّا فى سورة العصر على أنها أدرجت منذ زمن قريب (6). وجزمه في وجود آيات هامّة في مقدّمة سورة الأنعام أدخلت عليها تعديلات بعد الهجرة إلى المدينة المنورة بزمن وجيز(7). كما لم يتورع عن وصف محمّد صلّی الله علیه و آله بالزعيم الداهية الذي يتقلب بتقلب المصالح، وتحول موازين القوى، وفي هذا التفسير ادعى أنه سعى إلى تحسين علاقته مع اليهود، بانتمائه إلى الإبراهيميّة بعدما أدرك مكانتهم ونفوذهم في المدينة وقوة حلفائهم، وحينما قويت شوكته وانقطع حبل الود بينه وبينهم، مال إلى النصارى بعدما استشعر جأشهم إثر هزيمته في معركة مؤتة(8)، ويؤول ذلك من قوله تعالى. «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
1) Régis Blachère, le problème de Mahomet -Essai de biographie critique du fondateur de l'Islam, presses Universitaires de France, Paris, 1952, p. 36
2) نصري، أحمد: آراء المستشرقين في القرآن الكريم، لا ط، الرباط، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، 2009 ، ص 85-86
3) ريجيس بلاشير، القرآن... م.س ص 55-56
4) سورة البقرة، الآية 259
5) ريجيس بلاشير، القرآن... م.س، ص 69
6) المرجع نفسه، ص 664
7) المرجع نفسه، ص 151
8) المرجع نفسه، 16
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ»(1).
وفي السياق ذاته، ذيّل الصفحة الثامنة والأربعين من كتابه معلقًا على الآية الكريمة «سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم»(2)بالعبارات التالية «بقت (أي القدس) قبلة المسلمين ما يربو عن 16 أو 17 شهراً، أي حتى يئس محمّد من ولاء إسرائيل، ثم تحول إلى الكعبة»(3).
لقد ظلّ السواد الأعظم من المستشرقين وعلى رأسهم «بلاشير»، عند دراسهم للوحي ينطلقون من ثوابت معرفيّة ذات صلةٍ بديانتهم التي ترى أنّ آخر تجليّات الوحي قد انتهت مع موسى وعيسى عليهما السلام، بالتالي فالنبوّة تستحيل ظهورها في أحد بعدهما، ومن هذه الفرضيّة يتعاملون مع القرآن على أنّه حديث بشريّ محض، فهو إمّا عمليّة انتقائية اعتمدت على الكتب السماوية الأُخر، أو إنتاج ومزج بين عناصر الديانات الوثنية التي كانت سائدة في القرن السابع الميلادي(4).
3- دحض مزاعم «بلاشير»
اجتمع المسلمون على أنّ القرآن الكريم هو كلام الله المنزل بالوحي على رسوله الكريم، فالله تعالى بذاته الجليلة هو المتكلّم به والمنشئ له، فميزته عن سائر الكتب السماوية أنّه إلهيّ في لفظه ومعناه (5)، بيد أن «بلاشير» في إطار سعيه الحثيث والدؤوب نحو صرف القرآن الكريم عن مصدره الإلهي، أثار عدة نقاط للدفاع عن أطروحته، غير أن مجموعة من المتخصصين أدحضوا الدلائل الواهية التي بنا عليها تصوره وذلك من خلال النقاط التالية:
1-مسألة لقاء الرسول صلّی الله علیه و آله بالراهب بحيرى
التقى صلّی الله علیه و آله الراهب بحيرى وهو في ربيعه التاسع، أي في مرحلة لا تؤهله تمامًا لتلقي أو استيعاب أي شيء، ما بالك رسالة بهذا الوزن، وفي هذا الصدد قال عبد الودود شلبي: «هل يتصوّر بشر أن طفلًا لا يزيد سنّه عن تسع سنوات أو اثنتي عشرة سنة يتلقى برجل فيتعلّم منه لغته.. ثم يلقنه أصول عقيدة ديانته وكل ذلك في بضع ساعات؟ هل يتصور ذلك بشر» (1)، كما أنه صلّی الله علیه و آله في لقائه بالراهب كان مع رفقة ولم يكن لوحده، ولم يدم اللقاء سوى فترة تناول الطعام، ثم إن موضوع اللقاء كما بينته الرواية يدور فحواه عن علامات النبوّة لما كان عند بحيرى من ذكر ونعت عن النبي المنتظر، فأخبر بذلك أهله وأمرهم بحفظه من اليهود، زد على ذلك أن الذي دعا إليه صلّی الله علیه و آله يخالف إلى حد بعيد ما كان يعتقد بحيرى. كما أن قومه المعادين لرسالته هم أحرص الناس على القدح في نبوّته، فلو علموا بذلك ولو بقيد أنملة لجرسوه ولكانت لهم حجة في إنكار بعثه (2).
2- مسألة قس بن ساعدة الإيادي مع الرسول صلّی الله علیه و آله
ذكر ابن كثير في هذا الشأن أن الرسول الكريم سمع ابن ساعدة يومًا إبان فترة الجاهليّة في عكاظ على جمل، ولم يع من كلامه إلّا ألفاظاً مبهمة، ولما قدم وفد إياد على النبي صلّی الله علیه و آله لمبايعته، قال «يا معشر وفد إياد ما فعل قس بن ساعدة الإيادي، قالوا هلك يا رسول الله، قال لقد شهدته يومًا بسوق عكاظ على جمل يتكلّم بكلام معجب مونق لا أجدني أحفظه، فقال له أعرابي من أقاصي القوم أنا أحفظه يا رسول الله، قال فسر، قال: يا معشر الناس اجتمعوا فكل من فات فات وكل شيء آت آت، ليل داج وسماء ذات أبراج وبحر عجاج ونجوم تزهر وجبال مرسية يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا أم تركوا فناموا، أقسم قس بالله قسمًا لا ريب
فيه إن دينًا هو أرضى من دينكم هذا تم ألقى خمس أبيات شعريّة يفصل القول فيهن (1)، فقال الرسول صلّی الله علیه و آله، رحم الله قسًا، وإني لأرجو الله أن يبعثه أمّة وحده»(2). إذًا فالرسول صلّی الله علیه و آله، سمع مرة من ابن ساعدة قولًا أشكل عليه فهمه، ووقوفه لسماعه كان من باب شهرته بفصاحته وبيانه وحكمته التي طبقت الآفاق، فكيف لرجل أمي سمع من آخر كلامًا راطنًا بالنسبة له، سيحوله إلى قرآن أعجز العالم بمعجزاته اللغويّة والتاريخيّة .. والعلميّة...؟.
3- مسألة نحل القرآن الكريم من الكتب السماويّة في بعض الحقائق التاريخيّة
صرّح «بلاشير» في كثير من الآيات القرآنيّة التي تروي قصص العهود الغابرة، أنّها مأخوذة من الأخبار التي جاءت بها الكتب السماوية، ومن أمثلة ذلك قصة موسى علیهم السّلام التي سنسوقها على سبيل الذكر لا الحصر، إذ ذكر القرآن أن التي كفلت موسی علیهم السّلام هي امرأة فرعون مصداقاً لقوله تعالى: «وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ»(3)في حين يؤكّد سفر الخروج من التوراة أن التي كفلته هي ابنة الفرعون، حيث قال: فنزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغتسل وكانت جواريها ماشيات على جانب النهر فرأت السفط بين الحلفاء فأرسلت أمتها وأخذته ولما فتحت رأت الولد وإذا هو صبي يبكي فرقت له وقالت هذا من أولاد العبرانيّين فقالت أخته لابنة فرعون هل أذهب وأدعو لك امرأة مرضعة من العبرانيّين لترضع لك ولدك فقالت لها ابنة فرعون اذهبي(4)...
كما أنّ القرآن يذكر غرق فرعون بشكل دقيق، ولا يتجاهل حتى مسألة نجاة بدنه من الغرق مع موته، في قوله تعالى «فَالْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ»(5).
على حين أنّنا نجد التوراة تشير فقط إلى غرق فرعون بشكل مبهم في سفر
الخروج بالقول: «فقال الرب لموسى مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين على مركبهم وفرسانهم... فلم يبق منهم ولا واحد»(1).
4- مسألة زعامة الرسول صلّی الله علیه و آله
وصف «بلاشير» الآيات القرآنيّة التي تعرّضت للعقيدة المسيحيّة، بأنّها تكتيك زعيم سياسي محنّك، يخطب ودّ المسيحيين بعد ما أوقعوا به هزيمة نكران في معركة مؤتة، فجهله بتفاسير القرآن وأسباب النزول، وأحكام اللغة وحقده على الإسلام، جعلته ينحى هذا المنحى، فالآيات التي جاءت في النصارى ليست عامّة فيهم، بل محددة في فئة من النصارى لا يستكبرون على الحق مصداقًا لقوله تعالى: «وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ» ثم إنّ الآية لم تقل ولتجدن أقربهم مودة النّصارى مقابل اليهود الذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، بل إنّ الآية أوردت «من» التبعيضيّة في سياق ينطق بأنّهم جماعة من النّصارى وليست كل النصارى بدليل قوله تعالى «ذلك بأن منهم» وهذه الفئة المخصّصة قد حدّدتها روايات سبقت في سبب نزول الآية، فهناك من المفسرين من ذكر أنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه، أثناء تلاوة جعفر بن أبي طالب على مسامعهم سورة مريم، وهناك من ذكر أنها نزلت في الأحباش الذين قدموا مع المسلمين وهم سبعون رجلًا، اثنتان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام منهم بحيرى الراهب.
5- مسألة الوحي القرآني
المنطلق الخطأ الذي ينطلق منه «بلاشير» هو إنكار الوحي أساسًا وهذا الموقف له ما يبرره وهو أن شرذمة كثيرة منهم لم يفهموا حقيقة الوحي والنبوّة، ولم يعرفوا العلاقة التي تربطهما، ومن ثمّ راحوا يخضعون في دراستهم للوحي مقاييس العلوم التجريبيّة التي أثبتت الدراسة والبحث عجزهما التام عن تقديم أي تفسير
1) التوراة، سفر الخروج، الإصحاح الرابع عشر، الآيات 26-31
صحيح للوحي، بحيث وقفت عند حدود ظواهر الأشياء، ولم تستشف ما وراء هذه الظواهر، ولم تصل إلى كنه الأمور. ونحن إذا تتبعنا جزئيّات تفسيراته للوحي القرآني نجدها ترتكز على مركزين اثنين:
المرتكز الأوّل: الظروف التي تلقى فيها الرسول الكريم أوّل بلاغ إلهي
حيث يرى «بلاشير» أن ظهور دعوة الرب تمت على مرحلتين: في البداية عن طريق التفكير وبعد ذلك عن طريق الرؤية (1). فلو كان ذلك ما كان له أن يشعر بالرعب والخوف حينما رأى جبريل وسمع صوته، حتى أنه قطع خلوته في الغار وعاد إلى بيته مسرعًا.
وتروي أحاديث بدء الوحي، أنه صلّی الله علیه و آله خاف على نفسه لما رأى الملك أول مرة، وهذا ليس شأن من يفكر ويبحث عن الوحي، ولم يتفق أبدًا أنّه سعی أن يكون رسولًا، ولو كان الوحي يأتي بطريقة الوهم لما كان له فيه نصيب، فلقد سبقه إلى التفكير والعزلة خلق كثير أجهدوا أنفسهم وسعوا حثيثًا إلى النبوة وتلقى الوحي، لما سمعوا عن قرب ظهور نبي هذا الزمان، وما أصابوا من شيء ولا نالوا مطلبهم(2).
المرتكز الثاني: فتور الوحي
تحدث «بلاشير» عن الكرب الجسيم الذي عذب محمّد صلّی الله علیه و آله إثر انقطاع نزول الوحي عليه، إذ طفق يشك في حقيقة بعثه (3). وهذا دليل أن الوحي كان ينزل حين يشاء الله ويحبس حين يريد، ولا دخل للرسول الكريم فيه، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، منها على سبيل حادثة الإفك حيث أبطأ الوحي شهرًا كاملًا لرد الريبة التي كادت أن تعصف بقلب الرسول صلّی الله علیه و آله(4).
6- في أسلوب القرآن الكريم
في إطار السعي الحثيث والدؤوب لصرف القرآن الكريم عن مصدره الإلهي حاول «بلاشير» عند تعرضه للغة القرآن أن يصورها بصورة الأدب القديم واجتهد في التنقيب عن مواطن التشابه والمماثلة بين لغة القرآن ولغة البشر، وخرج بأن لغة القرآن تشبه إلى حد بعيد بلغة الشعر العربي القديم في إيقاعه ووزنه وقافيته، وفي هذا السياق يقول : «إن لغة القرآن تظهر لنا بحق شبيهة بالشعر الأصيل وذلك بفضل الأحكام الموسيقيّة للمقاطع اللفظيّة وبغنى النغم في الحركات واستعمال القوافي والمنظومة أو المسجعة» (1). وفي سياق آخر يقول: «إن أسلوب خطابات القرآن يذكرنا بغرابة المنجمين وقول السحرة» (2)معبرًا في الوقت نفسه أن أسلوب القرآن يشبه الأسلوب السجعي الذي عرفت به الكهانة في شبه الجزيرة العربيّة، غیر أنه اعتبر القرآن الكريم أقوى منه تعبيراً وبلاغة(3).
والحقيقة أنه حين سماع القرآن الكريم، لا يمكن تصنيفه في نثر أو شعر، رغم أن أي نص مقروء أو مكتوب في اللغة العربيّة ينتمي إلى أحدهما، إلا أننا عند تلاوته والتأمل في لغته نجد أنفسنا أمام جنس أدبي متفرد، في أشكاله البلاغية وأدواته الفنيّة التصويريّة، وبهذا المعنى يقول الماوردي: «يصنف الكلام - عمومًا- في ثلاث مراتب إما منثور يدخل في قدرة الخلق، وإما شعر وهو أعلى منه بقدر يقدر عليه فريق، ويعجز عنه آخر، وقرآن هو أعلى من جميعهما وأفضل من سائرها، تتجاوز رتبته النوعين لخروجه عن قدرة الفريقين (4)، فالقرآن بجنسه اللغوي الفريد أحدث طفرة هامّة في اللغة العربيّة إذ نقلها من المرحلة اللهجيّة الجاهليّة إلى لغة منظمة فنيًّا(5). وأمّا قوله أن لغة القرآن تشبه لغة الكهان والمنجمين وأسلوبهم، فقد أكّد ألدّ أعداء الإسلام والمسلمين، أنه عارٍ عن ذلك، حيث قال المغيرة في ذلك ...لا
1) Régis Blachère, Le Coran «Que sais- je », op.cit., p.71
2) Régis Blachère, le problème de Mahomet..., op.cit., p. 49
3) إسماعيل عبد العال، المستشرقون والقرآن، م.س، ص29
4) الماوردي، أعلام النبوة، دار الكتب العلمية، بيروت - مصر 1973، ص69
5) مالك بن نبي، الطاهرة القرآنية، الطبعة الرابعة دمشق، دار الفکر، 2000، ص 184
والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا سجعه ... فقالوا نقول ساحر قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم (1)...
وقد أكّدت المستشرقة الإيطاليّة «لورا فيشيا» بالقول: «ليس ثمّة أيّما نمط لهذا الأسلوب في الأدب العربي... والأثر الذي يحدثه في النفس البشرية إنما يتم من غير أيما عون عرضي أو إضافي من خلال سموه السليقي، إن آياته كلها على مستوى واحد من البلاغة»(2).
7- في توثيق النص القرآني وجمعه وتدوينه وترتيبه
في حديث طويل عن التدوين والقراءات ذكر «بلاشير» دعاوى عريضة متهافتة، تعتمد روایات شاذة، تقحم مواقف طوائف غلاة من القرآن، تطلق أحكامًا على عواهنها لا سند لها حول حذف بعض آيات من القرآن أو سور، وهو افتراء القصد من إثارته تدعيم أطروحته الجاهزة في تأليف القرآن الكريم، بشواهد مذاهب آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه(3). وفي دأبه هذا لخص في كلمتين أن رسالة الإسلام يمكن اختزالها في أوامر للجهاد ونواه عن المحرمات، مغفلًا القاعدة الأصوليّة التي تقول الأصل في الأشياء الإباحة، واعتبار أن دائرة الحلال والإباحة في شريعة الإسلام أوسع من دائرة التحريم(4).
أ. فيما يخص ترتيب القرآن
خطأ «بلاشير» خلال مناولته لمسألة ترتيب القرآن الكريم النهج الذي تم به ترتیب آیاته وسوره، واعتبره فوضويًا وطريقة لا تستقيم للضبط والتسلسل التاريخي، وذلك في إطار محاولته إظهار التناقض في القرآن سواء من حيث
الأسلوب أو الموضوع، وتبيين أنه مفكك الأجزاء غير متصل الحلقات، وأنه خضع في عملية تأليفه لظروف مختلفة، وتأثر مؤلفه وجماعه لعوامل متباينة أثرت في نمط تفكيرهم وفي طريقة كلامهم، وما دام الأمر كذلك فيقينا هذا الكتاب كلام بشر وليس كلام إله، غير أن هذا اللبس الذي وقع ل- «بلاشير» عائد إلى اختلاف لغته ومباينة فطرته لفطرة الذوق العربي وللأساليب الكتابية والبيانية، وعدم إلمامه إلمامًا كافيًا بأحوال العرب في الجاهلية وظروف تنزيل القرآن على الرسول صلّی الله علیه وآله في المكة والمدينة، وتشعب الحوادث والواقعات العامّة والخاصّة وعدم معرفته بأصول المسائل وملابسات الأحوال التي تناولها القرآن منذ أربعمائة وألف سنة(1).
ب. فما يخصّ الوحي القرآني
ادّعى «بلاشير» في مسألة كتابة الوحي القرآني، أنها قررت بعد استقرار الرسول صلّی الله علیه و آله في المدينة، وأنها لم تظهر إلّا حسب الحاجة وبطريقة انتقائية لبعض النصوص التي تخص الأدعية والتشريع (2). هذا البهتان المبين مردود على هذا الدعي، لأن كتابة القرآن بدأت قبل هجرته صلّی الله علیه و آله، يروي أبو داود السجستاني عن خارجة بن زيد أنه قال: «دخل نفر على زيد ابن ثابت فقالوا حدثنا عن بعض حدیث رسول الله فقال ماذا أحدثكم ؟ كنت جار رسول الله فكانت إذا نزل الوحي أرسل إليّ فكتبت الوحي»(3). وذكر فضل ابن عباس أن النبي صلّی الله علیه و آله حينما كان ينتهي الوحي من رسالته كان يقوم بأمرين اثنين: الأمر الأول أنه يتلو ما أنزل عليه على الصحابة رضوان الله عليهم، الأمر الثاني يملي على كتبة الوحي ما نزل عليه. وهكذا كانت الكتابة مصاحبة للتلاوة في كل مرة تنزل آية أو سورة على الرسول الكريم، وحتى لا يلتبس شيء بالفرقان المبين نهى رسول الله صلّی الله علیه و آله عن الكتابة عنه سوى القرآن الكريم، حيث قال في رواية لأبي سعيد الخدري «لا تكتبوا عني ومن
كتب عني غير القرآن فليمحه» (1)كما أكّد أبو عبد الله الزنجاني ذلك بالقول، «كان للنبي كتاب يكتبون الوحي بالخط المقرر وهو النسخي، وهم ثلاثة وأربعون». وقد عكف هؤلاء الكتبة على تدوين ما يملى عليهم من القرآن أوّلًا بأول، حتى أتموا كتابته كله على عهد الرسول صلّی الله علیه و آله وقد كان القرآن كله مكتوب في عهده صلي الله علیه و آله، لكنّه غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور(2)وفي هذا السياق يقول صادق الرفاعي، قبض رسول الله والقرآن في الصدور وفيما كتبوه عليه(3).
ج. فيما يخص جمع القرآن
معرض حديث «بلاشير» عن ملابسات جمع القرآن الكريم على عهد عثمان بن عفان، اتهم الخليفة بأن الهدف من ورائه كان براغماتيًّا، فاللجنة المشرفة على جمعه تجمعهم بعثمان صلات المصاهرة والقبلية ومصالح مشتركة، وأن اللجنة عملت على إقصاء بعض الشخصيّات التي لها وزنها، وشأن كبير مثل علي بن أبي طالب وأبي رضي الله عنهما، وأن اللجنة عملت على محو بعض الآيات التي لا توافق مصالحها وهواها. بيد أن الهدف من التجريح في المعهود إليهم بكتابة القرآن ونزع ثوب الثقة والورع عنهم (4)للتدليل على بشرية القرآن المكتوب لخدمة مصالح شخصيّة وفئويّة، لكن هل كان يمكن للصحابة رضوان الله عليهم، أن يسمحوا بتحريف القرآن والقيام بعمليات الحذف والتدليس على مسمع ومرأى من المسلمين دون معارضة منهم ؟ هل هذا يقبله عقل أو منطق؟
خاتمة
ليس بمستغرب تلك الحملات والانتهاكات والدعوات المسعورة القديمة الجديدة، المتجدّدة للنيل من القرآن الكريم حرقًا أو تدنيسًا أو تكذيبًا أو تشويهًا أو
1) صحيح المسلم، باب التثبث في الحديث، الطبعة الأولى، 1987، ص69
2) السيد زغلول، الشحات: الاتجاهات الفكرية في التفسير، الطبعة الثانية، الإسكندرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977، ص 446
3) الرافعي، مصطفى: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الطبعة التاسعة، بيروت، دار الكتاب العربي، 1973، ص 35
4) الطبري: جامع البيان عن تأويل القرآن، الطبعة الثانية، مصر ، دار المعارف، دون تاریخ، ج 1، ص 62
تحريفًا أو تسفيهًا أو تشكيكًا.... وما انفك منذ نزوله يشكل قلقًا للغربيّين وحيرة وبلبلة لأفكارهم، وتاريخ تعاملهم معه حافل بالمتناقضات، وفي هذا الصدد يقول المستشرق الفرنسي «ريجيس بلاشير»: «قلما وجدنا من بين الكتب الدينيّة الشرقية كتابًا بلبل بقراءته دأبنا الفكري أكثر مما فعله القرآن»(1).
وتمثّل الدوافع الاستشراقية وراء ترجمة القرآن الكريم أحد أهم أسباب فساد الترجمة (2)، بل إنه يمكن القول بأننا إذا بحثنا عن السبب في فساد الترجمة وجدناه راجعًا إلى الدافع الاستشراقي أكثر ممّا يعزا إلى الضعف في معرفة اللغة العربيّة وقواعدها، وعلى هذا الأساس، تعامل «بلاشير» مع القرآن باعتباره عمل بشري محض يجري عليه ما يجري على العمل الإنساني من ممارسات نقدية وعقد مقارنات بينه وبين الأدبيّات التي كانت منتشرة في زمان الرسالة، إذ لم يترك منفذًا للطعن إلّا ولجه ولا موضعًا للعورات إلّا تصيده إذ أنكر المصدر الإلهى للقرآن، واعتبره من تأليف محمّد الذي نقله من الكتب السماوية وقصص الغابرين، وهو لا يتجاوز كونه مجموعة من الأحداث التاريخيّة والوقائع الاجتماعيّة، فمفهوم الوحي عنده لا يعدو أن يكون عمليّة تفاعل الرسول الكريم مع الواقع الذي عاشه، ومرض نفسي يظهر وهم الوحي فيه في ذروة الحالة. غير أنه في الأخير فشل في إثبات ادعائه، ولم يستطع تأكيد فكرة قويمة عن مصدر القرآن ولا عن الوحي، علاوة على ذلك أن أكثر کلامه عن الوحي كان معطّلًا عن الأدلة الموضوعيّة.
لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
إبراهيم عوض، المستشرقون والقرآن، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة، 2003.
ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ج 3، مطبعة مدني، دون تاريخ .
ابن كثير، البداية والنهاية، ج 2، مكتبة المعارف، الطبعة الثانية، بيروت، 1979.
ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، دار الفکر، دون تاریخ .
أحمد نصري، آراء المستشرقين في القرآن الكريم، دار القلم للطباعة والنشر والتوزي،ع الرباط، 2009 .
إسماعيل عبد العال، المستشرقون والقرآن، دعوة الحق، العدد 120، 1991 .
التهامي نقرة، القرآن والمستشرقون، ج 1، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مكتب التربية العربي، دون تاريخ .
حوار مع المستشرق جاك بيرك، مجلة رسالة الجهاد، العدد 48 ، السنة الثامنة، يناير 1990م.
حوار مع بلاشير، مجلة رسالة الجهاد الليبية، عدد يناير 1990.
رابح لطفي جمعة، القرآن والمستشرقون، المجلس الأعلى للشؤون الاجتماعية، القاهرة، 1973 .
ريجيس بلاشير، القرآن نزوله، تدوينه ترجمته وتأثيره، نقله إلى العربية رضا سعادة، .1974
الزركشي، البرهان في علوم القرآن، دار حياء الكتب العربية، القاهرة، 1957.
ساسي سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي في الظاهرة الاستشراقيّة وأثرها في الدراسات الإسلاميّة، ج 1، دار المدار الإسلامي 2002.
الشحات السيد زغلول، الاتجاهات الفكريّة في التفسير ، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، الطبعة الثانية، الإسكندرية، 1977.
صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن للدكتور، دار العلم للملايين، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان، 1981.
17 .صحيح المسلم، باب التثبث في الحديث، الطبعة الأولى، 1987.
19 . عبد الرحمان بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، 1974.
21 .كتاب المصاحف، إشراف أرثر جفري، مطبعة الرحمانية، مصر، 1969.
لورا فيشا فاغليري، دفاعًا عن الإسلام، ترجمة: منير البعلبكي، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة، بيروت 1981 .
مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية، دار الفكر، دمشق، الطبعة الرابعة، 2000.
الماوردي، أعلام النبوة، دار الكتب العلمية، بيروت- مصر، .1973
مجلة كلية أصول الدين، المملكة العربية السعودية، العدد الرابع، 1403.
26 . محمّد حسين أبو العلا، القرآن وأوهام مستشرق، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، .1991
27 . محمّد حسين علي الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، 1403 ه- - 1983م.
محمّد صالح البنداق، المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، منشورات دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان، 1403 ه- - 1983م.
محمّد فؤاد عبد الباقي، تفصيل آيات القرآن الكريم، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان، 1969م.
المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982.
مصطفى الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، دار الكتاب العربي، الطبعة التاسعة، بیروت 1973 .
مصطفى السباعي الاستشراف والمستشرقون (ما لهم وما عليهم)، دار الوراق للنشر والتوزيع، 1999 .
33 . ميشال جحا، الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، معهد الإنماء العربي، بيروت- لبنان، 1982 .
لائحة المصادر بالأجنبيّة
Chauvin Victor, Bibliographie des Ouvrages Arabes, Liège, 1909.
Encyclopedie de LIslam, Nouvelle Ed.G.P. Maisonneuve - Larose, S.A, paris 1986.
J.D. Person. Al Kuran, Eneyclopedie de LIslam.
Kasimirski, Albert, Coran, Tome premier, Introductions et notes de G.H. Bousquet Fasquelles, Editeurs, Paris.
Lammens, Henri, Lislam croyanees et institutions, 3éme éd. Imp. Catholique. Beyrouth 1943.
Le Coran «Que sais- je» Ed. 2me, presses, Universitaire de France, Paris.
Montet Edwads, Mahomet, Le Coran, Payot, Paris, 1944.
Régis Blachere, Introduction au Coran selon un essai de reclassement des sourates, Maisonneuve Larose, 1947.
Régis Blachère, le problème de Mahomet - Essai de biographie critique du fondateur de l'Islam, presses Universitaires de France, Paris,1952.
-قراءة في الآليَّات والخلفيَّات -
د. مكى سعد الله(1)
المقدّمة
وقع الاهتمام على الترجمات الفرنسيّة لاتّساع فضائها وانتشارها جغرافيًّا في المستعمرات الفرنسيّة (شمال إفريقيا خاصّة)، وفي العديد من الأقاليم الفرانكوفونيّة (إفريقيا عامّة). وتعاني دول الشمال الإفريقيّ من نخبةٍ فرانكوفونيّة قويّةٍ وامتدادٍ وتغلغلٍ عميقٍ وكبيرٍ للثقافة الفرنسيّة، في حين تعاني دول إفريقيا عامّة من قوّة حركات التبشير التي تتّخذ أقنعةً كثيرةً ومزيّفةً؛ ومنها بالتحديد: المنظّمات ذات الطّابع الإنسانيّ والدّعوات الفكريّة والسياسيّة التي تسعى إلى تقويض انتشار الإسلام تحت شعارات محاربة الإرهاب والإسلام السياسيّ الأصوليّ.
أمّا من الناحية المنهجيّة، فالمقاربة اتّجهت نحو الترجمات الفرنسيّة؛ لأسباب علميّةٍ وموضوعيّةٍ، منها:
العدد الهائل من المستشرقين الفرنسيّين الذين اهتمّوا بالقرآن؛ ترجمة ودراسة، مع إدراك حجم التحيُّز المعرفيّ للمنظومة الفكريّة الفرنسيّة وتمركزها حول محور العقلانيّة الأوروبيّة التي ترفض الاختلاف والتعدّد، وتؤمن بالتفاوت الإثنيّ والمعرفيّ بين الأجناس والأعراق.
كانت الترجمات الفرنسيّة منطلقًا للعديد من الترجمات الأوروبيّة؛ ما أنتج توسّعًا في تعميم الأخطاء بالحذف والزيادة والتأويل الفاسد والتفسير السطحيّ.
تتّحد رسالة الكشف عن شبهات الترجمات الفرنسيّة للقرآن في حماية
1) باحث في الفكر الإسلاميّ، جامعة تبسه - الجزائر
المسلمين / الفرنسيّين؛ سواء الذين انحدروا من الهجرات أو من معتنقي الإسلام الفرنسيّين، من التشويه الفاضح لأصول الشريعة وكتابها المقدَّس، الذي قدّم رؤية معاكسة للمفاهيم والتشريعات والقيم السامية الواردة في القرآن، بالتحريف تارة، والتزييف التفسيريّ تارة أخرى. فالمنظومة الثقافيّة الفرنسيّة تخشى عودة المسلمين الفرنسيّين إلى الأصول الحقيقيّة للإسلام واستلهام قيمه السامية؛ ما يُؤثِّر سلبًا - حسب اعتقادها - على عمليات التكيُّف والاندماج الاجتماعيّ.
لا تدَّخر الفرانكوفونيّة جهدًا في البحث عن الانتشار والرواج والشيوع، وقد اتّخذت من القرآن الكريم؛ لمكانته وقيمته وقداسته، أرضيّة للتمظهر والبروز وإعادة التموقع في المشهد الفكريّ الغربيّ، وبخاصّة بعد الامتدادات الكبيرة لدراسات التابع( (les subalterns studies التي قابلت شقيقتها دراسات ما بعد الكولونياليّة .(Postcolonialisme)
يرتبط تاريخ ظهور أوّل الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم، بالترجمات اللاتينيّة؛ باعتبارها نواةً ومؤشّرًا لانطلاق اكتشاف النّصّ القرآنيّ، بأبعاده الروحيّة وآفاقه العوالم ما بعد الموت، وتصوّراته لأنظمة الحياة المختلفة ومواقفه من الديانات السماويّة وأنبياء الله ورسله إلى مختلف الأمم والشعوب.
وتعود الترجمة الفرنسيّة الأولى للقرآن الكريم إلى أندريه دي ريير Andre du Ryer) ) (1580- 1660) حين قدّم ترجمته الخاصّة للقرآن الكريم، بعنوان «قرآن محمّد منقول من العربيّة إلى الفرنسيّة»( LAlcoran de Mahomet translaté d'arabe en François) ) سنة 1647م ، وكانت هذه الترجمة استجابة لدعوات «المدرسة التاريخيّة النقديّة» (école historico-critique ) التي طالبت بالانفتاح على المغايرة التاريخيّة بالنقد والتحليل، فاستجاب الألمانيّ تيودور نولدكه (Theodor Nöldeke) (1836- 1930) بمصنّفه «تاريخ القرآن»(Geschichte des Korâns 1860 )
وأعقبت ترجمة دي ريير( (du Ryer ترجمتين متميزتين كانتا لبِنتين مركزيّتين
للترجمة الفرنسية للقرآن الكريم، الأولى ل- « صافاري»(Claude-Étienne Savary) (1750- 1788) بعنوان «القرآن، منقول من العربيّة مع ملاحظات ومقدّمة مختصرة الحياة محمّد»( Le Coran, traduit de l'arabe, accompagné de notes et précédé d'un abrégé de la vie de Mahomet) سنة 1782 - 1783 ، ثمّ ترجمة المستشرق الفرنسيّ ذي الأصول البولونيّة ألبير كازيميرسكي (Albert Kazimirski) (1808- 1887) «القرآن» (Koran) سنة 1869م ، وقد كانت الترجمتان أقلّ حجمًا من ترجمة المستشرق السويسريّ تيودور بیبلیاندر Theodor Bibliander) 1504-1564) التي قدّمها سنة 1543م عن الترجمة اللاتينيّة للقرآن من قبل روبير دي كيتون (Robert de Ketton) .
وبعد اختفاء ترجمة أنطوان غالان (Antoine Galland) (171-1646) التي أشار في مذكراته أنّها استغرقت ستّة عشر شهرًا (16)، تعدّدت الترجمات بعد جملة الأعمال المركزيّة التي هيَّأت مناخات وأرضيّات الانفتاح على النصّ المقدّس، فجاءت ترجمة ريجيس بلاشير( Regis Blacher ) (1900-1973) سنة 1966م، ثمّ ترجمة سيّدة مراكش (Denise Mason ) (1901- 1973) سنة 1967م؛ وهي أوّل ترجمة للقرآن تنجزها امرأة، وتلتها ترجمة جون غروجون( Jean Grojeans) (1912- 2006) سنة 1979م، بالإضافة إلى ترجمتين لمستشرقين فرنسيّين من أصول جزائريّة المولد؛ وهما: أندريه شوراكي( André Chouraqui) (1917- 2007) سنة 1990م، وجاك بيرك (Jacques Bergue) (1910- 1995) سنة 2002م. وعلى الرغم من التطوّرات الكبيرة في حقل المعجميّة والمناهج النقديّة؛ إلا أنّ الترجمات الفرنسيّة بقيت وفيّة للمصادر الأولى «اتّجه تاريخ ترجمة القرآن في فرنسا حتّى منتصف القرن التاسع عشر إلى الدقّة، وهي الخطوة التي دعا إليها جميع المترجمين ، ولكنّهم ما زالوا يعتمدون في ترجماتهم على المصادر القديمة في ترجمة النصّ القرآنيّ»(1).
ويعتبر البحث في الترجمات الفرنسيّة جميعها مدوّنة واحدة ونواة مركزيّة
1) Sylvette Larzul, Les premières traductions françaises du Coran, (XVIIe-XIXe siècles) Archives de sciences sociales des religions, 147, juillet-septembre, 2009, p163
تشكّل كتلةً واحدةً؛ لأنّها على الرّغم من تنوُّعها؛ من حيث المترجم، واختلاف الزمان والمكان؛ إلا أنّ ملامح الوحدة والإجمال سمة مركزيّة مشتركة بينهم، فانطلاقًا من آثار دي ريير (Du Ryer) إلى ترجمة غالان (A. Galland) ، ومرورًا بترجمة صافاري (Savary)، ووصولًا إلى المعاصرين؛ أمثال: جاك بيرك، وغيره، نجد أنّهم يقرُّون باستحالة ترجمة القرآن ومعانيه؛ ليبرّروا انحرافاتهم وانزلاقات المعاني من خلال الملاحظات والتدوينات الهامشيّة التي غالبًا ما تُعبّر عن وجهة النظر الأيديولوجيّة أو المركزيّة الأورو - مسيحيّة ، أو اليهود - مسيحيّة في التفسير والتأويل.
لقد ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيّة نخبة مستشرقة، تفنَّنت في إتقان اللغة العربيّة وعلومها، فارتحلت إلى الشرق للاطلاع على قرآن محمد صلّی الله علیه و آله وآداب أقوامه، فجمعت المعلومات وراكمت عندها المصادر والمراجع، ولكنّها لم تتمكّن في معظمها من التحرّر من سلطة الكنيسة والدراسات البابويّة (إيطاليا خاصّة)، ومن هيمنة المرجعيّات باختلاف أطيافها؛ وخاصّة تلك الأيديولوجيّات المؤمنة بنظريّات التفاوت بين الأعراق والحضارات التي حرصت على تقديم القرآن الكريم؛ بوصفه أنموذجًا للتشريعات العدوانيّة العنصريّة التي لا يمكنها التفاعل والتكيف مع ثقافات الاختلاف والغيريّة.
وقد أنتجت المنظومة الفكريّة والأدبيّة والدينيّة الفرنسيّة ترجمات كثيرة، متّفقة مضمونًا من حيث التحيّز والتحريف والتأويل، وتكرار الصور النمطيّة المتوارثة عن مرويّات القرون الوسطى وفترة الحروب الصليبيّة. وهذا ما صرّح به الباحث الفرنسي رينو نيم Renaud Terme) ) في ختام أطروحته للدكتوراه (1)، حيث قال: «لم يتمكّن الفرنسيّون أبدًا من إخفاء رؤية الإسلام التي غرسها فيهم مسيحيّو العصور الوسطى، ما بين 1100 و 1140م ، فالقصص والتعليقات عن الإسلام ومحمّد، متخيَّلة، مستمدّة من الأساطير الشعبيّة الفولكلوريّة والنصوص
1) حملت أطروحته للدكتوراه عنوان: «تلقي النخبة الفرنسيّة للإسلام بين 1830 و 1914 م»، وقد ناقشها علنًا في جامعة بوردو (Bordeaux) الفرنسيّة سنة 1916م
البيزنطية، هي قصص كراهية أنتجها مسيحيّو الشرق، جاعلين من محمّد كائنًا مُهدِّمًا ولا أخلاقيّ»(1).
وتقويمًا عامًا للترجمات الفرنسيّة، باستثناء ترجمة أنطوان غالان Antoine Galland)) (1646- 1715م) التي اختفت عند تقديمها للمكتبة الملكيّة ولم تنشر أبدًا (2)فإنّ استعراض مضامين الترجمات الفرنسيّة ومحتوياتها؛ ابتداءً من ترجمة دي ريير( De Ryer ) «قرآن محمد» LAlcoran de Mahomet))، ووصولًا إلى آن سيلفي بواسیلفو(Anne-Sylvie Boisliveau) «القرآن بنفسه» Le Coran par lui-même) ) یکشف عن تحوّلات كبيرة في المعنى وتغييرات فاضحة في الدلالة، ترجع الأسباب موضوعيّة ودوافع ذاتيّة، فقد ظهرت وبشكل جليّ سلطة المرجعيّة الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة على مستوى تفسير آيات القرآن وتوضيح رسالة محمد صلّی الله علیه و آله وتأويل سيرته، وتجسّدت الأيديولوجيَّات السياسيّة والثقافيّة للمركزيّة الغربيّة في انتقاد أحكام الشريعة وتعاليمها وتسفيه معتنقي الإسلام «المحمّديّين».
وساهم ضعف المؤهّلات اللغويّة والعجز في فهم رسالة القرآن الروحيّة في انزلاق المعنى وانتقاله من الدلالة المعقولة والمنطقيّة إلى المعنى السطحيّ السخيف المختلط بالثقافات المحلّيّة والأساطير العامّة؛ ما أنتج أحكامًا ومواقف نمطيّة تجعل من المسلم أنموذجًا للوحشيّة والتخلّف، تضيع معها قداسة النصّ القرآنيّ، ورقيه الروحىّ في العبادة، وإنسانيّته في التشريع.
ومن الصعوبات المنهجيّة حصر جميع المغالطات وتعدادها في الترجمات الفرنسيّة لمعاني القرآن الكريم، لذلك اكتفى البحث بعرض نماذج لعيّنات محدّدة؛
1) Renaud Terme, La perception de l'islam par les élites françaises (18301914-), Thèse de doctorat, sous la direction de Marc Agostino, Université Michel de Montaigne - Bordeaux III, 2016, p448
2) تعدّدت تفسيرات غياب ترجمة غالان عن المحافل الأكاديميّة، وربّما تعود الأسباب إلى هيمنة المركزيّة الغربيّة، وروح الحملات الصليبيّة، وسلطة المؤسّسات البابويّة والمعاهد اللاهوتيّة ونفوذ قساوستها ورهبانها، الذين اعترضوا على انتشارها ورواجها؛ لوفائها للنصّ الأصليّ، وتجنُّبها الإساءة إلى الإسلام ورسوله الكريم، وخاصّة أنّ المترجم قد استفاد استفادة هائلة من ترجمات المسلمين للقرآن الكريم إلى اللغتين الفارسّية والتركية؛ سواء في الترجمة الحرفيّة، أو في ترجمة المعاني، وهو السكرتير الخاصّ للسفارة الفرنسيّة في إسطنبول المتمكّن من اللغات الشرقيّة (العربيّة، والتركيّة والفارسيّة) التي أهَّلته لترجمة قصص «ألف ليلة وليلة»
بهدف التنبيه والتحذير والدعوة إلى إعادة القراءة والتصويب والتقويم.
وقد تجسّدت الانحرافات والشبهات في الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم في محاور ومعالم يمكن حصرها في ما يأتي:
أوَّلًا: الانزلاقات العقديّة
يُثير إصرار المستشرقين المترجمين للقرآن الكريم على نسبة القرآن إلى النبي محمّد صلّی الله علیه و آله أسئلة منهجيّة وعلميّة وعقديّة، فمن الناحية المنهجيّة العلميّة، لم يثبت عن الرسول صلّی الله علیه و آله، ولا عن غيره من المسلمين؛ صحابة وتابعين، نسبة القرآن إلى نفسه، والادّعاء ببنائه وتشكيله، مضافًا إلى طبيعة الخطاب الإلهيّ الذي يتحدّى البلاغة العربيّة بلمساته البيانيّة، وطبيعة بناء الجملة العربيّة وتراكيبها وهياكلها الإعرابيّة وموازينها الصرفيّة.
ويفرّق علماء الإسلام بين القرآن والحديث الشريف والحديث القدسيّ، ويحرّمون نسبة القرآن إلى غير الله: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْ يُوحَى»(1)، ويمنعون على غيرهم هذه النسبة؛ لعدم ثبوت الأدلّة القطعية والحجّة البيّنة والبرهان العقليّ.
على الرغم من ذلك، نجد المستشرقين يقعون في التناقض حين يؤرّخون لسيرة الرسول صلّی الله علیه و آله؛ فهم يؤمنون بأُمّيَّته وعدم قدرته على القراءة والكتابة؛ فيقولون: «هو نبي أُميِّ (Illettré) مُرسَل إلى الأمّیّين ليُبيَّن لهم ربّما أخلاقه؛ كرجل مُلهَم من أعلى» (2)، فهم يؤمنون أنّه من الناحية المعرفيّة غير قادر على التأليف وسنِّ القوانين والتشريعات، وعاجز عن القراءة والكتابة؛ كما تُورِد أغلب كتب السيرة، ولكنّهم يتجاهلون إراديَّا ذلك؛ فينسبون القرآن إليه، وينفون عنه روح القداسة والتنزيه الإلهيّ، فيرون أنّ «القرآن هو القانون والتعاليم والتشريعات التي وضعها محمّد للعرب؛ بصفته القائد الأعلى للدين وسيّده»(3).
ويُرجِع بعضهم إطلاق «الأميّين» على «عامّة الناس»، أمّا «الأُمِّيُّ (Ommi Illittre) فهي تطلق دون إكراه على محمّد نفسه»(1).
ویری جيرارد جينات (Gerard Genette) (2011م) في كتابه عتبات (Seuils) (2)أنّ مقدّمات الترجمات تُشكّل نصًّا موازيًا أو نصَّا مصاحبًا (ParaText)؛ وهي رسالات مقصودة لتثبيت الأفكار، وإثارة الاهتمام، وتلخيص الرؤية، وبيان المواقف؛ لذلك جاءت الملاحظات الببليوغرافيّة ((Notice Bibliogra phique المتموضعة في مقدّمات الترجمة، عبارة عن رسالتين: الأولى ذات وظيفة إغرائيّة (Fonction deductive) والثانية تحتوي وظيفة دلاليّة (Fonction connotative).
ولذلك ركّز المترجمون على طرح أفكارهم لتشويه صورة القرآن، من خلال إضافات وتأويلات لا تتّصل بالنصّ القرآنيّ ولا بسيرة الرسول صلّی الله علیه و آله، فقد ربط صافاري (Savary) بين الرسول صلّی الله علیه و آله واستشراف المستقبل وعلوم الغيب؛ ليمنحه ملكة علم الغيب ومعرفة المستقبل؛ وهي الصفة التي تؤِّهله لكتابة النصّ القرآنيّ، وتأليف قصصه ومضامينه. فهم يرون أنّ «اعتراف محمّد بضعف تعليمه وجهله بالغيب، لم يمنع أصحابه والأجيال المتعاقبة من تمكينه من كرامة قراءة الغيب والمستقبل وصناعة المعجزات» (3).
وتعود مصادر صافاري (Savary) في التأريخ لحياة الرسول صلّی الله علیه و آله إلى كتاب (حياة محمّد) الذي ألَّفه جون غانيي(Gagnier ) (1670- 1740) (4)، وهو يشتمل على العديد من المغالطات التاريخيّة والعقديّة التي تشوّه صورة الرسول محمّد صلّی الله علیه و آله ورسالته، وقد أعلن في المقدّمة بأنّه مسيحيّ ولنْ يتخلّى عن رؤيته الدينيّة الخاصّة
في مقاربة دين محمّد الجديد (1). وقد عدَّ كثير من الباحثين مقدّمة صافاري المُدرجة في ترجمته للقرآن الكريم عن حياة الرسول صلّی الله علیه و آله نسخًا حرفيًّا لكتاب جون غانيي.
ومن المؤشّرات العقديّة الأشدُّ خطورة: تحميل القرآن الكريم صفة الكتاب المنسوخ من الكتب السماويّة السابقة، مع احتواء مضامينه على قصص مصدرها خرافيّ وعجائبيّ، تعود أصولها الأولى إلى أساطير الحضارات الغابرة، مع صبغها وتلوينها ببعض العادات والتقاليد والآداب العربيّة القديمة، لتتلاءم وتتماشى مع ذهنيّات نخبة شبة الجزيرة العربيّة، وتَلقَى قابليّة الرواج والشياع عند العامّة؛ ف- «القرآن (بحسب زعمهم) تجميع شكليّ، غير مترابط لتعاليم أخلاقيّة ودينيّة ومدنيّة وسياسيّة، ممتزجة بوعود وتهديدات متعلّقة بالحياة المستقبليّة، يحتوي على نصوص مستعارة بنقل غير أمين، من الأناجيل القديمة، والعادات العربيّة، ومن تاريخ القرون الأولى للمسيحيّة أيضًا»(2).
ويُعدّ إنكار «التشريع» ونفيه عن الذات الإلهيّة وعن النصّ القرآنيّ، من الإشكالات العظيمة التي أثارها المترجمون؛ لإثبات صفة البشريّة للنصّ القرآنيّ، فقد أشاروا إلى أنسنة الخطاب القرآنيّ، وبشريّة تشريعاته، مدّعين أنّ محمّدًا صلّی الله علیه و آله شرَّعها لبيئة عربيّة خاصّة متميّزة بخصوصياتها الثقافيّة؛ ليكون بذلك زعيمها وقائدها. وهذا ما يؤكِّده صافاري بقوله: «إنَّ مختصر حياة محمّد الوارد في مقدمة الكتاب، مستخلص من المؤلّفين العرب الأكثر ثقة، لتكوين صورة حقيقيّة عن هذا الرجل الخارق، الذي صوّره كتّاب اليونان والرومان بأنّه وحش، بينما صوّره أتباعه من المحمّديّين بعظيم الأنبياء، حافظت على تحيّز هؤلاء وحماسة الآخرين؛ لإعطاء القارئ فرصة التعرّف بحكمة على مُشرّع شبه الجزيرة العربيّة، بعيدًا عن المُعجزات السخيفة التي يردّدها أنصاره المتطرّفين»(3).
وتتواصل عمليّات تشويه القرآن الكريم ورسوله صلّی الله علیه و آله مع ترجمة الفرنسيّ
أندريه دي ريير( André Du Ryer) (1580- 1660) سنة 1647، وهي أوّل ترجمة فرنسيّة للنصّ المقدَّس، وقد استلهم المترجم مصادره المعرفيّة واللغويّة من رحلاته، ومن تخصّصه في الثقافة التركيّة التي وضع لها مُصنَّفًا نحويًّا (النحو التركي) ( Grammaire turque) ؛ بالإضافة إلى ترجمة ديوان سعدي شيرازي (روضة الأزهار) (Gulistan ou l'Empire des roses)؛ لذلك فهو يستخدم مصطلح «الترك» و «الأتراك»؛ لتحديد المسلمين، واختزال رسالة الإسلام في عرق بعينه؛ ليزيل عنه صفة الإنسانيّة والتشريع العالميّ الذي يتجاوز الفضاءين المكانيّ والزمانيّ، بمكوّناتهما الثقافيّة والعرقيّة والأنثربولوجيّة، وينفي عنه سمو تعاليمه وتشريعاته إلى الكونيّة والكوسموبوليتيّة. يقول دي ريير في هذا الصدد: «يؤمن الأتراك بإله واحد، وبشخص واحد، خالق السماء والأرض، مصلح الخير، ومعاقب الأشرار، الذي خلق الجنّة لمكافأة الطيّبين، والجحيم كعقوبة للمجرمين. إنّهم يعتقدون أنّ محمّدًا نبيّ عظيم، أرسله الله إلى العالم لتعليم الناس الطريق القويم»(1).
وضمن ملاحظاته للقرّاء وتحذيراته المقدّمة في قالب نصائح توجيهيّة قبل ممارسة فعل القراءة للنصّ القرآنيّ، يعتقد دي ريير أنّ الكتاب المقدَّس هو عبارة عن «محاضرات طويلة عن الله والملائكة ومحمّد ابتدعها محمّد النبي المزيّف، مدعيًا أنّ الله يكلّمه (يوحي إليه) ويعلّمه القوانين بواسطة ملك ...» (2).
فلم يكنْ الغرض والهدف من وضع مقدّمة للترجمة توجيه للقارئ نحو أهمّيّة القرآن وضرورة الاطّلاع على مضمون آياته؛ باعتباره كتابًا إنسانيًّا يسعى لتخليص البشريّة من قيود الشرك والعبوديّة إلى عوالم الوحدانيّة والروحانيّات النقيّة والصافيّة، من خلال قرائن عقليّة وحجج موضوعيّة وأدلّة علميّة لإدراك جوهره وكنهه؛ بقدر ما كانت تحذيرات حاقدة ومرتجلة لم تتأسَّس على آليّات موضوعيّة؛ من مناهج، ونقد، ومقاربات، فجاءت في أشكال عشوائيّة وهياكل جامدة؛ هدفها
تشويه الحقائق، وتحجيم قداسة القرآن؛ بجدولته وهيكلته ضمن المؤلّفات البشريّة التي تخضع للإبداع الفردي والمتخيَّل الأدبيّ، فالقرآن - بنظره- «أفكار سخيفة متخيَّلة، ابتدعها محمّد لجمهوره؛ لاحتوائه بالإغراء. إنّها أفكار بسيطة، تُفرح المُبتذل الجاهل، ولكنّها لا تؤثّر على الخلق الكونيّ»(1).
وعلى الرغم من وضوح تعاليم الشريعة الإسلاميّة لجهة حفظ النفس، وحرّيّة المعتقد، وإعطاء أهل الذمّة حقوقًا تُمكِّنهم من ممارسة عباداتهم وطقوسهم الدينيّة بحرّيّة؛ مقابل جزية معلومة تتماشى مع الإمكانات المادّيّة للأقلّيّات الإثنيّة؛ مصداقًا لقوله - تعالى - : «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ» (2)، دون ترويع أو تهديد أو نفي أو إقصاء، ولكنْ في الترجمة الفرنسيّة تُحجب الفكرة الإنسانيّة السامية؛ لتقديم القرآن تشريعًا عنيفًا يحثُ على الإرهاب، ويرفض الاختلاف؛ ف- «الذين لا يعتنقون مذهب رسولهم، فعليهم اللعنة وغضب الله وانتقامه، ومن واجبات المحمّديّين مقابلتهم بحقد واشمئزاز»(3).
والتاريخ يشهد أنّ اليهود والنصارى تمتّعوا بالحرّيّة والأمن تحت سلطة القرآن؛ بتحريم قتل النفس، واتّساع فضاء التسامح العقديّ؛ فحافظت الديانات على تعاليمها، ومارس مُريدوها عباداتهم في مناخات هادئة ومتسامحة؛ كما سارت حياتهم الاجتماعيّة والمهنيّة بسيرورة طبيعيّة، لم يشعروا فيها بالتمييز والإقصاء.
في حين يرى دي ريير( Du Ryer ) عكس ذلك، مُحرِّفًا القرآن والتاريخ معًا؛ حيث يقول: «لقد وجد اليهود والنصارى الذين يعيشون بينهم (المسلمين) حماية قويَّة في حبّهم للذّهب، فقد كوَّنوا كنزاً لا يفنى في الدولة؛ ليكون مصدرًا تمويليًّا لاحتياجات التجَّار الخواص، وللرجال الأقوياء والنافذين»(4).
واتّجهت منظومة التشويه والتحريف نحو الرفع من درجات التحيُّز والاختزال
لمضامين القرآن الكريم؛ لتقديم مادّة معرفيّة مزوّرة ومركّزة على شبهات محدّدة، تتعلّق بقيم وتشريعات تناهض القوانين الوضعيّة الغربيّة وتتناقض معها، أو تدحض أفكار الجاهليَّة وسلوكيّاتها وعقائدها التي تُفكَّك المجتمعات وتُهدِّد الوجود البشريّ وتُكرّس الاستبداد والعبوديّة.
وتُدرك مؤسّسة الترجمة المتحيّزة القيمة البيانيّة الفائقة لآيات القرآن، ومدى تأثيرها على المتلقّي، ولذلك سعت إلى التقليل من إعجازه البيانيّ؛ بمقارنته مع نصوص الأدب الجاهليّ عامّة والمعلّقات خاصّة. لذا، يعتقد صافاري (Savary) أنّ هذه النصوص تُشكّل المرجعيّة البيانيّة والبلاغيّة، ويقع القرآن أدنى منها وأضعف قيمة فنيَّة منها؛ ف- «بقراءة ترجمته؛ فإنّه لا يمكن أنْ نتخيَّل بأنّ القرآن تحفة اللغة العربيّة... فالقصائد المُعلَّقة على معبد (الكعبة) مكّة تفوقه وتفوز بالسعفة»(1).
إنّ الأحكام الصادرة على بلاغة القرآن الكريم تعتبر تقويضًا لبيانه وتأثيره على القارئ والسامع، فهي ليست انزياحًا ولا عدولًا؛ بقدر ما هو تحريف وانحراف يهدف إلى التقليل والتقليص من فعل الكلم وجماليات الصياغة اللغويّة والبيانيّة.
وفي نسبة القرآن تأليفًا للرسول صلّی الله علیه و آله إنزالٌ وإسقاطٌ ودعوةٌ لممارسة منهج المقارنة غير العقلانيّة بين القدسيّ والبشريّ، وبين الإلهيّ والإنسانيّ وبين التوقيفيّ والوضعيّ. وهذا منهج مخالف لكلّ أصول البحث العلمي وأسسه.
ثانيًا: المغالطات المعرفيّة
تنطلق رحلة المغالطات المعرفيّة من عناوين الترجمات، حيث تشّكل العتبات انعطافة خطيرة نحو تحريف النصّ المقدّس، ويلزم التنبيه إلى أنّ الانحرافات؛ بأشكالها وتمظهراتها، مرتبطة ارتباطًا كلّيًا بعضها ببعض، وتسعى لتحقيق غاية جوهريّة ومركزيّة تتمثّل بتشويه صورة القرآن الكريم ومحتوياته الفكريّة والعقديّة وأسلوبه البيانيّ البليغ.
ويُعدَّ الفصل بين الانحراف اللغويّ والمعرفيّ والتاريخيّ والعقديّ ضربًا من
1) M.SAVARY, Le Coran, Tome, Premier, p7
الجدل الإشكاليّ؛ باعتبار وحدانيّة النتائج وتمحورها حول هدف وغاية محدّدة بعينها وذاتها، وتحرص مؤسّسة الترجمة على الوصول إليها وتحقيقها؛ موظِّفة كلّ الأساليب، ومُكرّسة جميع الآليّات.
فقد تتعدَّد المناهج والآليّات والمقاربات، ولكنْ يبقى الرهان المركزيّ مسطَّرًا وفق رؤية واستراتيجيّة جليَّة؛ هي تشويه كتاب الله المُقدَّس، ورسوله والمسلمين عامّة.
ولعلّ أوّل الانزلاقات تكمن في عناوين الترجمات التي تنسب جميعها القرآن لمصنِّفه محمّد صلّی الله علیه و آله، تأليفًا ،ونسخًا، وصياغةً، ورفع صفة الإلهيّة والقداسة عنه، فقد وسم دي ريير( De Ryer ) ترجمته ب- «قرآن محمد» (LALCORAN De Mahomet)، وسلك صافاري (Savary) المنهج عينه؛ ليُعنْوِن ترجمته ب- «محمد، القرآن»» (Mahomet Le Coran) جاعلًا من الرسول مؤلِّفًا وكاتبًا ومُصنِّفًا وجامعًا للأحكام والقصص والتعاليم من الديانتين المسيحيّة واليهوديّة.
وضمن استراتيجيّة عامّة ومنهجية موحَّدة، سار كازيمرسكي( (Kazimirski على درب أقرانه، فوسم ترجمته ب- «القرآن» وفق النصّ العربيّ»( (Le Coran faite sur le texte Arabe ؛ ليبعد عن نفسه شبهة اتّباع الترجمات غير الفرنسيّة التي وصفتها الدوائر والأوساط الأكاديميّة وعلماء التيولوجيا والترجمة، بالأعمال غير الأمينة، وبالتقصير في التعريف بالنصّ الأصليّ للقرآن، بعد هيمنة سلطتي الكنيسة والأيديولوجيا.
ترجم كازيمر سكي مصطلح «القرآن»، ولم يعرِّبه؛ كسابِقِيه، لكنّه بدأ ملاحظاته التحذيريّة في المقدّمة؛ بالإشارة إلى أنّ هذا القرآن تجميع من محمّد صلّی الله علیه و آله لثقافات وتشريعات وقوانين مستقاة من حضارات وثقافات مختلفة، فهو حصيلة فهم مبدع ومشرف وموجِّه.
وقد أجمعت المرجعيات الفكريّة والأيديولوجيّة لأغلب المترجمين الفرنسيّين على أن القرآن الكريم، في مضامينه ومحتوياته، عبارة عن خبرات ذاتيّة وثقافة
شخصيّة تراكميّة مكّنت محمدًا صلّی الله علیه و آله من التأليف والإنتاج والاجتهاد. وتتجلّى التهمة والافتراء بعلنيّة وتصريح عامّ، وقد تُضمَر وتظهر وتبرز بشكل تلميح؛ كما في إشارة ريجيس بلاشير( Regis Blacher ) (1900-1973) في إحدى حواشي ترجمته للقرآن الكريم، عند توضيحه لتغيير القبلة من القدس إلى البيت الحرام، دون تعليل قرآني: «فقَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَاهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ»(1)ما يسمح للمتلقّي الغربيّ بتخيُّل إمكانيّة الإضافة والحذف في النصّ المقدّس من قِبَل الرسول(2).
وتبقى الهوامش التوضيحيّة والتفسيريّة مصادر للكشف عن التحريف المقصود للنصوص القرآنيّة، فانتقاء الصور والمشاهد والمواقف والسور والآيات، وربطها بتناصٍّ تاريخيّ مع مظاهر الحياة الاجتماعيّة في الجاهليّة، أو مع قصص واردة في الكتب السماويّة القديمة، يفتح التأويل أمام المتلقّي الأوروبيّ على الاعتقاد بموثوقيّة استقاء القرآن الكريم لأفكاره من منابع كلاسيكيّة متعدّدة؛ كما هو الشأن في تفسير بلاشير للإبقاء على ديَّة القتيل من الجاهليّة (3)، متناسيًا تحذير القرآن من اعتماد قوانين الجاهليّة: «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»(4).
ومن المفارقات المتكرّرة في الترجمات الفرنسيّة القديمة: ظاهرة الشخصنة؛ وذلك بربط المسلمين ب- «محمّد» بشخصه؛ بوصفه مؤسّسًا لمذهب جديد (وليس دينًا)، وتضمر هذه النسبة إلى الهويّة الشخصيّة، فلسفة عميقة الدلالة تجعل من الرسالة الإسلاميّة مجرّد توجّه ديني، وتيّار فكريّ، ورؤية سياسيّة تسعى للهيمنة على الوجود؛ بالترغيب والترهيب.
وترمي فلسفة تفكيك الأنموذج (البراديغم) (pradigme) إلى إنهاء قيمة القيادة،
ضمن أفكار النهايات (نهاية التاريخ، الأيديولوجيا، الجغرافيا عند «فوكوياما» و «فيريليو« ، وموت الإله والإنسان عند «نيتشه» و «فوكو») التي سادت في مرحلة الحداثة وما بعدها، فيتحوّل الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله من قائدٍ ونبيٌّ مُصطفى ومُختار إلهيًّا لقيادة سفينة النجاة، إلى فيلسوف بشريّ، يُنظّر لمبادئ منظومة أدبيّة وفكريّة وتشريعيّة، على غرار فلاسفة المِلل والنِحل، الذين وضعوا أصول ديانات وضعيّة؛ ومنها: الزرادشتيّة (Zoroastrisme) ، والمانويّة (manichisme)، والبوذيّة (Bouddhisme) .
وتعتمد الترجمات تجريد الرسول محمد صلّی الله علیه و آله من صفة النبوَّة، فيرد اسمه خاليًا وعاريًا من دلالات الرسالة الإلهيَّة والتبشير بدين يحمل مبادئ تخليص البشريّة من سلطة المادّة إلى رحابة الروح، ومن سجن الدنيا إلى حرِّيَّة الوساطة في جميع مفاصل الحياة، ومن ضِيق العِرق والدين واللون إلى آفاق الإنسانيّة.
واستكمالًا لتجريد الرسول صلّی الله علیه و آله من النبوَّة والرسالة، يتمُّ إعفاء المسلمين من صفتي المؤمنين / المسلمين ومن أتباع الدين الجديد، ويكتفي المترجمون بمصطلح «المحمّديّين»؛ لإضفاء صفات الانتماء العرقيّ والقبليّ على الدين الجديد، فيتحوّل الاعتقاد بالقرآن إلى مجرد انتماء سطحيّ يستجيب لأبعاد بشريّة ضيّقة المفهوم، لا تتجاوز الرغبة في الزعامة والموالاة القبليّة والانتماءات الثأريّة المتمثّلة في صراع المركز والهامش وغيرها من الأهداف والغايات الدنيويّة. فآسيا زوجة فرعون هي في اعتقاد المحمّديّين من أفضل أربعة نساء في العالم، و«يكرّر محمّد دائمًا أنّ هناك أربعة نسوة فضليات ومثاليّات؛ هنّ: آسيا زوجة فرعون، ومريم أمّ عيسى، وخديجة زوجته الأولى، وفاطمة ابنته؛ زوجة علي»(1).
كما أنّ جمال نبيّ الله يوسف وصف لأتباع «محمّد» من المحمّديّين؛ ف- «يوسف هو نموذج الجمال عند المحمّديّين، ويعتبرون بيعه بثمن بخس، مقايضة للكنز الذي لا يقدَّر بثمن، بالمادّة التي لا قيمة لها، وهو مثلٌ يردّدونه في مضرب
1) M.KASIMIRSKI, LE CORAN, p468
مُشابهٍ»(1). والحقيقة أنّ جمال يوسف علیه الّسلام حقيقة إلهيّة وقرآنيّة: «فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ»(2).
هذا، ولم يؤرّخ تاريخ الأديان لحادثة مفردة أو جماعيّة لاضطهاد أهل الكتاب في صدر الإسلام، فقد حثَّ القرآن الكريم ودعا إلى التسامح وعدم الإكراه في الدين، كما حذَّر الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله من التطرّف والانتقام، فكانت دعواته صريحة إلى إقامة مجتمع متعدّد ومُنفتح تُمارس فيه المعتقدات الدينيّة بكلّ حرّيّة وتحت حماية السلطة المركزيّة.
ولكنْ يبدو أنّ التطرّف الأيديولوجيّ قد حجب هذه الحقائق، فتجاهلتها كتب المؤرّخين وعلماء الدين؛ فضلُّوا وأضلُّوا القرّاء بأفكار عنصريّة لا يمكن العثور عليها؛ إلَّا في بيبليوغرافيّاتهم المتطرّفة ؛ ومنها : أنْ «لا دين مسموح به ومباح في شبه الجزيرة العربيّة؛ إلّا دين المحمّديّة (أي الإسلام)» (3).
وبحسب زعمهم، يمتاز المحمّديّون ويتّصفون بالحماقة والسذاجة؛ لدرجة إيمانهم أنّ القرآن قد «كُتِب في السماء على طاولة محروسة، وأنّ جبريل نقله إلى محمّد في شكل آيات»(4). ورواية كتابة القرآن في السماء ثمّ إنزاله إلى الأرض، تفتقد إلى الموضوعيّة والموثوقيّة؛ ذلك أنّ حضورها في كتب التاريخ وأصول الدين وكتب النزول نادرة وغائبة؛ جملةً وتفصيلًا، وهي فكرة متخيَّلة، تدخل في المُتخيَّل العجائبيّ والغرائبيّ.
ويُنكر صافاري (Savary) نبوءة الرسول صلّی الله علیه و آله حول انتصار الروم وهزيمة الفرس؛ وهي المعجزة الواردة في سورة الروم، ويعتبرها حجّة واهية لا يمكنها إثبات الرسالة الإلهيّة، على الرغم من التصديق التاريخيّ للحادثة؛ حيث «يستنبط المحمّديّون من هذه الحادثة أدلّة كبيرة على إثبات نبوءة محمّد، ولكنْ من السهل استنتاج
أدلّة عقيمة من نبوءة واسعة، لرجل يعرف جيِّدًا دولة الإمبراطوريّة الرومانيّة (التي يترجمها إلى اليونانيّين Les Greces)، وكذلك دولة الفرس، فبالضرورة تكون أحكامه صادقة»(1).
ثالثًا: تجاوزات لغويّة وتاريخيّة وروحيّة
كانت فكرة التنقّل والتطلّع على الغير؛ باعتباره مرآة للذات، تعكس طموحاتها ومشاريعها وقيمتها من خلال عمليّات المقارنة والموازنة، وبالخضوع لمعايير التقويم التي تنتجها «الأنا» في مواجهة «الآخر» تحت أقنعة التواصل المختلفة؛ ابتداءً من المثاقفة الندّيّة، ووصولًا إلى الصدام والمواجهة.
وقد كانت الترجمة وسيلة وآليّة لاكتشاف الاختلاف، حيث ساهمت في فكِّ العزلة الثقافيّة بتجاوز الحدود التاريخيّة والجغرافيّة، وفتحت أمام اللغات المحلّيّة أفاقًا كبيرة للاشتقاق المعجميّ والثراء اللفظيّ؛ بدفعها إلى البحث عن بدائل لغويّة ووسائط بيانيّة تعرض المُنجز الحضاريّ للآخر المختلف بصدق وموضوعيّة.
ولكنْ تبقى عمليّة النقل محفوفة بالمخاطر العلميّة والذاتيّة، فالذاتيّة تنحصر أيديولوجيّة المترجِم ودوافعه والحوافز التي تؤرّقه للوصول إلى هدف وغاية ونتيجة معلومة سلفًا، تتمثّل في تسفيه ثقافة الآخر وتقزيمها، ووصفها بالدونيّة، ونعتها بالوحشيَّة وبعدم القابليّة للتمدُّن والتحضّر، وتتجلّى المعوّقات العلميّة في الخصوصيّة التركيبيّة والبنيويّة للُّغات المحلّيّة التي تنحت الألفاظ والمصطلحات بالتوازي مع مرجعيّاتها الثقافيّة والدينيّة والحضاريّة؛ ما يمنع من إيجاد معادل لفظيّ للمصطلحات المرغوب في ترجمتها، فيلجأ المُترجم إلى الاجتهاد الاشتقاقيّ أو التأويل الدلاليّ والتفسيريّ الذي يحرّف المعنى ويخترق الدلالة؛ ليحوِّلها إلى تحُّيز معرفيّ مُخالف للأصل ومغاير له.
وتُشكّل المصطلحات الحضاريّة صعوبة منهجيّة ومعرفيّة بالنسبة إلى المترجم؛
1) M.SAVARY, Le Coran, Tome Premier,p365
لارتباطها بالخصوصيّة الثقافيّة وببيئة سوسيو - ثقافيّة تتميّز بهويّة خاصّة؛ بمكوّناتها ومرجعيّاتها، حيث تَحُول هذه المكوّنات دون إيجاد بدائل ومعادلات موضوعيّة تقابل اللفظ الأصليّ، وتضمن ارتحاله المعرفيّ بصدق وأمانة من بيئته الحضاريّة واللغويّة إلى فضائه المعرفيّ الجديد.
ويندفع الاجتهاد في الفعل الترجميّ في هذه الوضعيّة الإشكاليّة إلى الاشتقاق والنحت والبحث عن المرادفات من لغته؛ مفاهيم، ومصطلحات تعويضيّة وتقريبيّة؛ لتحلّ محلّ المصطلحات المرتحلة والمهاجرة؛ طوعًا وقسرًا، من البيئة الأمّ، إلى البيئة الثقافيّة الجديدة، التي تتهيّأ للاستقبال والتلقّي؛ وفق معجمها وثقافتها ومرجعيّاتها ورؤى مترجميها؛ باعتبارهم مصادر عالمة وعارفة بالنصّ الأصليّ.
وعلى الرغم من الوظيفة التواصليّة للترجمة ودورها في إرساء المثاقفة ومدّ جسور التفاعل بين الثقافات والحضارات، فإنّ هذه الروافد تقف عاجزة أمام ترجمة المصطلح القرآنيّ؛ لأسباب موضوعيّة تعود إلى خصائص لغة القرآن وبيانه وإعجازه الأسلوبيّ والبنيويّ، مع ضعف اللغات المترجَم إليها واختلافها من الناحية المعجميّة والتركيبيّة، وحتّى السيميائيّة؛ ذلك أنّ مشاهد القرآن وتصويرها الفنّيّ يتجاوز الإبداع البلاغيّ والبيانيّ البشريّ.
لقد أنتجت هذه الخصوصيّات اللغويّة والحضاريّة ترجمات تشويهيّة وتحريفيّة لألفاظ القرآن، فامتدّت أخطاء الترجمة إلى تقديم مادّة علميّة غريبة وخطيرة تتعلّق بالعقيدة والثقافة والتاريخ.
فتحوّلت رحلة الإسراء والمعراج من معجزة عقديّة، إلى رحلة ليلية (Voyage Nocturne) عند صافاري (Savary) (1)، أفقد المعجزة روحها الدينيّة وبعدها الإيمانيّ؛ بانتقالها من الفضاء الإعجازيّ إلى المدلول السطحيّ لمجرّد رحلة ليليّة من مكّة إلى بيت المقدس، على الرغم من إيمان المركزيّة الغربيّة ومنظوماتها الأدبيّة والفكريّة بالرحلات الخياليّة التي تزخر بها الميثولوجيا الإغريقيّة.
1) M.SAVARY, Le Coran, Tome Premier, p282
إنّ مصطلح الإسراء (Lisra) أو (isra ) المنقول صوتيًّا إلى اللغة الفرنسيّة يؤدّي وظيفة بلاغيّة ودلاليّة وإعجازيّة أكثر دقّة ومصداقيّة من تركيب (رحلة ليليّة) الذي يبتعد دلاليًا عن القصديّة اللغويّة والدينيّة.
وينحرف المعنى ويتحوّل إلى إنتاج دلالة معاكسة؛ بمجرّد ترجمةِ لفظةٍ ترجمةً غير دقيقة، حيث يترجم أندريه شوراي( Andre Chouraqui ) لفظة (اذكروا) في قوله -تعالى-: «يَا بَنِي إِسْرَابِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ»(1)إلى الفرنسية بمصطلح (commémorez) (2)الذي يدلُّ على «الاحتفال»؛ بدل «الإقرار» (Remerciements)، أو «الاعتراف» (reconnaissance) .
وتختلف الرواية القرآنيّة في رصد أحداث قصة نبي الله يوسف علیه السّلام وسردها، عن المضمون الدينيّ الوارد في النصوص التوراتيّة؛ ذلك أنّ النصّ القرآنيّ اعتمد الوضوح واستند إلى القرائن الحجاجيّة والتدرّج الموضوعيّ في الأحداث؛ عرضًا، وبناءً ،وتركيبًا، فخالف بذلك الخرافات والأساطير والتأويلات الحاضرة في النصوص اليهوديّة القديمة.
وبعيدًا عن إثارة الجدل في المقارنات بين الروايتين القرآنيّة والتوراتيّة، فإنّ الترجمة الفرنسيّة قد حوّرت الدلالة في العديد من الآيات وغيَّرتها؛ ما أدَّى إلى تقريبها من المصدر التوراتّي، فقد جاءت المصطلحات والألفاظ مشحونة بالأبعاد المعرفيّة والدينيّة ذات الصلة المباشرة بالروايات اليهوديّة والمسيحيّة، أكثر منها وفاء للنصّ القرآنيّ، واضح الدلالة والمعنى.
فكانت الآية الثلاثين من سورة يوسف بداية التشويه الدلاليّ. قال - تعالى -: «وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ».
فترجم صافاري (Savary) الفعل «تراود» إلى (Jounir) (1)، وتذهب الدلالة المعجميّة الفرنسيّة إلى أنّ هذا الفعل يفيد المتعة واللذّة، في حين أنّ «تراود»؛ من الناحية اللغويّة، توحي بالرغبة والتحرُّش والنيَّة في الفعل، دون الوصول إليه، فدلالة اللفظ الفرنسيّ تؤكّد ارتكاب الفعل والاستمتاع بالنتيجة؛ وهو الأمر المُحرَّف والمنحرف عن القصد الأصيل للفعل «راود».
أمّا لفظة «فتاها»، فقد ترجمها إلى( (esclave . وهذا المصطلح يعني «العبد» الذي يُشتَرَى لممارسة أعمال وأشغال بعينها، وغالبًا ما تتعلَّق بالأعمال الشاقّة، أمّا «يوسف»، فدخل قصر العزيز، عاملًا بالبيت؛ فهو من خدم البيوت، المعروفين في المنظومة الاجتماعيّة الفرنسيَّة بلفظ Domestiques ) )، وقد تحوّل إلى مهمّات أخرى بعد اكتشاف قدراته وإمكاناته.
وترى الأكاديميَّة الفرنسيَّة في شرحها لمصطلح (Seigneur) أنَّه يقصد به عمومًا «السيّد، أو مالك دولة أو أرض، ولكنّ أغلب توظيفاتها اللغويّة أنّها تعني «الربّ»(2). وهو اللفظ الفرنسيّ الذي تبنّاه معظم المترجمين؛ ليخرجوا الملكيّة من أدبيّاتها الدينيّة إلى مفهوم الربوبيّة؛ كما يأتي ويحضر في التعاليم المسيحيّة.
وتاريخيًا، فإنّ «بوتيفار»، أو «قوطيفار»؛ هو أحد ملوك مصر، الذي تقلّد مسؤوليَّة تسييرها، فترة وجود يوسف علیه السّلام في بلاطه وقصره، وقد ترجم صافاري (Savary) زوجة حاكم مصر ب-(La femme du seigner) ؛ بمعنى «امرأة السيّد أو الربّ»، والربوبيّة والتوحيد من المسائل العقديّة والإيمانيّة التي تتباين حولها الديانتَين الإسلاميّة والمسيحيّة.
وتداول المعجميّون العرب مصطلح «الخبيث»؛ بصيغه المختلفة؛ بالشرح والتحليل، خاصّة بعد ورودها في العديد من السور والآيات، بمجموع إحدى عشرة
مرّة، في سياقات متعدّدة، فالخبيث لغةً؛ من الجذر اللغويّ «خَبُتْ»، ويعني «ضدّ الطيّب من الرزق، والولد، والناس» (1). وقد يأتي بمعنى «كلّ شيء فاسد؛ سواء كان من الطعم، أو اللون، أو الفعل»(2).
وأمّا اصطلاحًا؛ فقد وردت هذه المفردة؛ بمعنى الرداءة والقبح والمكر. جاء في المعجم الإسلاميّ أنّ «الخبيث ما يكره رداءة وخساسةً؛ محسوسًا كان أو معقوًلا؛ وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال»(3)
وترجم افاري (Savary) لفظة «الخبيثون» و «الخبيثات» الواردة في قوله - تعالى -: «الْخَبِيثَاتُ للخَبِيثِينَ وَالخَبيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» (4)ب- «النسوة المرتشيات»، و«الرجال المرتشون» ( Les Femmes corrompues et les hommes corrompus) (5)
(وتحمل الآية رقم 26 في الترجمة الفرنسيّة التي تتعرّض للزيادة والحذف والتصرّف)
. وباستعراض معاني الفعل (corrompre) في المعجميّة الفرنسيّة نعثر على معاني متعدّدة تدور حول «التدمير والفساد في القرن الثاني عشر؛ ليتطوّر المعنى للدلالة على التعفّن والتلوّث في الموادّ والبيئة وغيرها»(6).فمعنى «الارتشاء» بالمال والمناصب والهبات، يجانب الدلالة القرآنيّة في الإيمان بأنّ «الخبيث» هو عكس الطيِّب؛ فعلاً وقولاً، فالخلق القرآنيّ ثقافة لا تتجزّأ وسلوك عقديّ عامّ وشامل.
1) ابن منظور، لسان العرب، م.س، ج 2، ص 141
2) الزبيدي، تاج العروس، م.س، ج 5، ص231
3) عبد الفتاح، قعدان زيدان: المعجم الإسلاميّ، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2011م، ص416
4) سورة النور، الآية 26
5) M.SAVARY, Le Coran, Tome Premier, p330.
6) Académie Française, Dictionnaire de L'Académie Française, Tome Premier, Imprimerie et Librairie de FIRMIN DIDOT Frères, 1835, Paris, p 417
ويبدو أنّ كازيمرسكي كان أقرب إلى المعنى حين ترجم «الخبيثات» Impudiques)) (1)ليشحنها بدلالات العفّة والاحتشام، حتّى وإنْ كانت معاني «الخبث» تتجاوز الصفة السلبيّة الواحدة، لتجمع في وعائها كلّ ما هو قبيح وغير طيّب من الأفعال والأقوال .
ويفضي التفحّص الدقيق للترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم عن مغالطات كثيرة، وأخطاء متعدّدة ومتنوّعة؛ بقصد أو بغيره، أفسدت المعنى، وغيَّرت الدلالة، فأصبحت بعض الكلمات تَرِد خارج السياق، لا تربطها صلة اشتقاقيّة أو دلاليّة؛ وحتّى سياقيّة؛ بالمعنى الأصليّ؛ فأندري شوراكي (André chouraqui) (2)، يترجم لفظة «راعنا» في قوله - تعالى -: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(3)إلى (Sois notre berger)، أي كنْ راعينا أو حارسنا من «الرعي»، في حين أنّ لفظة «راعنا» في الآية الكريمة، تعبّر عن الْمُرَاعَاةِ؛ بمعنى الإصغاء وإعارة السمع ؛ وهو التفسير المشترك بين مختلف التفسيرات.
وتتقمّص الإضافة أحيانًا معنى التحريف والتشويه؛ كإضافة صافاري (Savary) تعريفًا هويَاتيًا لأخ يوسف علیه السّلام عند ترجمته للآية الكريمة: «لَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ»»(4)( Il fit mettre un vase dans le sac de Benjamin) (5)، في حين تجاهل القرآن الكريم التخصيص بالاسم؛ للتأكيد على صفة البلاغة بالحذف التي يتميّز بها الأسلوب القرآنيّ.
كما تجاوزت اللغة العربيّة في مفهومها للسقاية؛ وحدة للكيل، وقياس الحبوب ومحاصيلها، معنى المزهريّة (vase) ؛ وبخاصّة أنّ الحضارات القديمة كانت تستخدم
العديد من وحدات القياس؛ ومنها: (Boisseau) الوحدة القياسيّة الأسطوانيّة للحبوب والفواكه الجافّة.
ويحمِّل كازيمرسكي في ترجمته لمصطلح «خاشعين» دلالات مزيّفة، تتجافى عن تنسيق الحقيقة، وعن بناء تصوّرات معرفية حول القيمة الإيمانية لفعل يُبرِز وحدانيّة الله وتخصيصه بالعبادة دون سواه، فالخشوع لله يحمل روح التسليم الكلّيّ للخالق واللِين له ويبتعد عن المحوّلات الدلاليّة البشريّة التي تتّجه نحو الإخضاع والخنوع والإذلال؛ وهي الرؤى التي تبنَّاها المترجم في نقله لقوله -تعالى-: «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَبِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ»(1)، حيث يترجم «خاشعين» ب- ( (Humilent (2)الذي يحمل معاني الإهانة والإذلال والخزي وغيرها من القيم التي توحي بإهانة الإنسان وامتهان كرامته.
والنشوز - أيضًا - من حالات النفور والتمرّد الذي يقع داخل الخليّة الأسريّة، وقد وضع القرآن آليّات للتفاهم والصلح وبيّنها، ولكنّ المصطلح أخذ بعدًا مختلفًا في ترجمة جاك بيرك ( acques Berque) (1910-1995) حيث وضع مقابلًا له في قوله -تعالى-: «إِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا»(3)فترجم مصطلح «النشوز» ب-(Celles de qui vous craignez l'insoumission ) (4). و مصطلح (insoumission) يدلّ على العصيان والعناد المنتج للعنف والقساوة والفراق النهائيّ، في حين أنّ المصطلح القرآنيّ يفتح الأبواب للصلح والإصلاح والعودة بالمعروف؛ لما ما في العلاقة
الزوجيّة من مودّة ورحمة، ولذلك تصبح الترجمة خائنة للدلالة الأصليّة، ويصبح مصطلح (désobeissance) الدالّ على عدم الطاعة والخضوع أكثر إيحاءً وتحقيقًا للمعنى؛ وهو المصطلح الذي اعتمده كلّ من صافاري (Savary)، وكازيمرسكي (Kasimirski) .
كما جانبه الصواب – أيضًا - في ترجمته لمصطلح (صبغة الله) الواردة في قوله -تعالى-: «صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ»(1)حيث ترجمها إلى« Une teinture de Dieu ! Mais qui peut mieux teindre que dieu» (2)فتحوّلت الصبغة من الدلالة عن الفطرة والجبلة والسجيَّة، إلى فعل الصبغ الذي يعني تبديل اللون بالطلاء وغيره من موادّ تحويل الألوان، فمصطلح (Linstint) أكثر دلالة على الطبيعة البشريّة( (La Nature Humaine في عذريّتها، من دون تكلّف أو تصنّع.
وغيرها مغالطات كثيرة لا يمكن حصرها وعدّها في دراسة محدودة الحجم، فهناك مجالات كثيرة وأفكار عديدة تستوجب التصويب، وتتطلّب التوضيح؛ ومنها: الادّعاء بأن جبريل علیه السّلام نفخ في ثدي مريم علیهاالسّلام لتنجب السيّد المسيح علیه السّلام؛ علمًا أنّ الحادثة لم يثبت ورودها في كتب السِيَر الدينيّة، مضافًا إلى أنّ القرآن الكريم لم يذكر ولم يحدّد اسم الملك الذي تجسّد للعذراء علیهاالسّلام(3).
وتكثر في الترجمات الفرنسيّة - عمومًا - عمليّات خلط معرفيّة، تجمع بين العادات والثقافات العربيّة القديمة والأساطير الخرافيّة السائدة في الثقافات الشعبيّة، وتؤمن بانتمائها للإسلام؛ بوصفها حقائق دينيّة ثابتة؛ ومنها: أنّ المحمَّديّين (المسلمين من أتباع محمّد صلّی الله علیه و آله) يؤمنون ويعتقدون بأنّ الكعبة التي تعني البيت المُربعَّ أنزلها الملائكة من السماء، وكانت تمارس فيها عباداتهم قبل ألفي سنة من ميلاد نبي الله آدم علیه السّلام(4).
وقد انحرفت بعض الأفكار نحو إثارة النعرات العنصريّة ومعاداة الأديان السماويّة القديمة، ودفع معتنقيها إلى محاربة القرآن وآياته؛ باعتباره دينًا عنصريًّا، يميّز بين الأعراق؛ من ذلك: ما ذكره كازيميرسكي (KASIMIRSKI) من أنّ اليهود يأتون يوم القيامة وأيديهم مربوطة الأعناقهم؛ لقولهم «يد الله مغلولة»؛ وهي الحادثة التي تنفيها كتب السيرة والتفسير(1).
وعلى الرغم من أنّ الإسلام رسالةٌ سماويّةٌ إلهيّةٌ، تنأى بنفسها؛ تشريعًا، وأحكامًا، وتعاليم عن الانتماءات العرقيّة والجغرافيّة، ولكنّ الترجمات الفرنسيّة القديمة في معظمها، جعلت من القرآن نصًا مخصَّصًا لفئة بعينها من الأعراق؛ وهم العرب الذين عبّرت عنهم بمصطلح الأتراك (Les Turcs) .
1) M.KASIMIRSKI, Le KORAN, p158
خاتمة
تنوّعت المقاربات في ترجمة القرآن الكريم، وازدادت معها الرهانات والأهداف والغايات، فإذا كانت الترجمات الأولى قد أبانت صراحة عن خبث معرفيّ وتحيّز أيديولوجيّ في تنميط أفكار القرآن وآياته وأحكامه؛ سواء أثناء ممارسة الفعل الترجميّ، أو من خلال التفسيرات والتعقيبات والإشارات في الهوامش والملاحق، فقد اتّجهت الترجمات الأولى إلى التحريف بالزيادة والحذف والتأويل تحت سلطة العقيدة البابويّة التي تبنَّت الترجمات، وكلَّفت كهنة مترجمين بتحمُّل مسؤوليّة التشويه والخلط بين العادات والثقافات والمعتقدات العربيّة والفارسيّة والتركيّة، وبين سور القرآن وقصصه وتشريعاته.
وسيطر الارتجال والتسرّع في ترجمة المصطلح القرآنيّ على ترجمات المرحلة الثانية التي تولّى الاستشراق عبء ترجمتها، حيث هيمنت روح المركزيّة الغربيّة وثقافة التفوّق العرقيّ والعقليّ، فغدت الترجمات صور متوهَّمة ومتخيَّلة لأفكار مسبقة وتصوّرات وتمثَّلات أيديولوجيّة، ترجّح تعالي المركز على الهامش، وتجعل من الكتاب المقدّس نضًا بشريًا وأثرًا أدبيًا مفتوحًا يقبل التأويل والنقد؛ وفق مناهج النقد والتحليل الأدبيّ، ففقد النصّ والخطاب بهذه الآليّة روح الإعجاز والمصدر الإلهيّ والرسالة الإنسانيّة الخالدة؛ بوصفه سفينةً للنجاة من الشرك والعبوديّة وسلطة الاستبداد؛ بمختلف تمظهراته.
وتجلَّت التحُّيزات في تحوير المصطلحات وتحريف المفاهيم، وفي الإضاءات والتفسيرات والتعقيبات الواردة في المقدّمات الترجميّة؛ خصوصًا، وفي هوامشها؛ بوصفها إضاءات معرفيّة، ولكنّها واقعا وحقيقةً، رؤى ذاتيّة ومعتقدات فرديّة وأيديولوجيّات سيّاسية وعقديّة، تطرح نفسها وتقدِّم أفكارها ومقارباتها بدائلَ لتصوّرات بعينها، وغالبًا ما يتحوّل النقد وينحرف من بُعده الموضوعيّ إلى بوح أيديولوجيّ وتبشير دينيّ لعقيدة أو مِلَّة ونحلة.
ويقترح البحث ويوصي بالآتي:
تفعيل عمل المؤسّسات الترجميّة والعمل الجماعيّ في النقل
دعوة المستشرقين المعاصرين إلى المشاركة في الترجمة، وتعديل الترجمات القديمة؛ بتجاوز صراعات المرجعيّات وصدام الحضارات والثقافات
مراجعة الترجمات المشبوهة؛ عبر تصويب الانحرافات وتعديلها بموضوعيّة وعلميّة، وباتِّباع المناهج النقديّة السياقيّة التي تنفتح على الغيريّة والمثاقفة، دون إقصاء، وبتجرّد عن عقدة التعالي
إضافة ملاحق للتقويم تستند على الحقائق التاريخيّة، وتتجاوز الحوادث والأحداث الفردّية والاستثنائيّة التي لا تشكّل تمثيلاً دقيقًا لصورة المسلم والإسلام.
نقد الترجمات القديمة والتمييز بين مفاهيم القرآن ونصوصه، والثقافات العربيّة السائدة في شبه الجزيرة العربيّة، وثقافات وتشريعات الأمم المعتنقة للإسلام؛ من فرسٍ ،وأتراكٍ، وغيرهما من الأمم التي دخلت الإسلام، وحافظت على هوياتها وخصوصيّاتها الثقافيّة والحضاريّة
اعتماد مجمع لغويّ، يؤسِّس لمعجم قرآنيّ، تتحدّد فيه أهمّ المصطلحات ذات الصبغة الإشكاليّة المتعلّقة والمرتبطة بالعقيدة، مع الإبقاء على المصطلح فونولوجيًّا صوتيًا في لغته الأصليّة في حالة استحالة إيجاد معادل لغويّ موضوعيّ، يُعوّض اللفظ الأصليّ، مع الإشارة إلى الدلالات المستقاة، من الأثر المقدّس.
تشجيع المبادرات الشخصيّة في الترجمة؛ كمبادرة الباحثة الفرنسيّة في جامعة ستراسبورغ (Strasbourg) آن سيلفي بوليفو (Annie Boisliveau) التي دعت إلى ترجمة القرآن؛ بمفاهيمه الخاصّة ومرجعيّاته الذاتيّة، دون اللجوء إلى الترجمات المقترنة بالتاريخ والتأويل والقراءات الأيديولوجيّة، من خلال كتابها (القرآن بنفسه) (Le Coran par lui-même) .
التحذير من دعوات ترجمات المثاقفة؛ وهي ترجمات ظهرت مؤخّرًا، وتدعو
وتتبنّى رؤية تجزيئيّة للقرآن الكريم، وتطالب بحذف آيات وسور تتعلَّق باليهود والمشركين؛ لإرضاء عرقيّات وعقائد سياسيّة أكثر مما هي دينيّة، فالقرآن كلٌّ في بيانه وتشريعه وفكره ونظرته للكون والإنسان: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌّ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»(1)فهو رسالة عالميّة، تخاطب القلب والوجدان، دون إكراه أو إهانة للذات البشريّة.
1) سورة البقرة، الآية 85
لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
عبد الفتاح، قعدان زيدان: المعجم الإسلاميّ، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2011م .
ابن منظور، لسان العرب، ط3 ، دار صادر - بيروت، 1414ه-.
الزبيدي، محمد مرتضی (ت: 1205ه-)، تاج العروس، تح: علي شيري، دار الفكر، بيروت - لبنان، 1414ه- - 1994م.
Sylvette Larzul, Les premières traductions françaises du Coran, (XVIIe-XIXe siècles) Archives de sciences sociales des religions, 147, juillet-septembre, 2009.
Renaud Terme, La perception de l'islam par les élites françaises. (18301914-), Thèse de doctorat, sous la direction de Marc Agostino, Université Michel de Montaigne - Bordeaux III, 2016.
Gérard Genette, Seuils, Seuil, Paris, 2002.
Jean Gagnier, La Vie de Mahomet, A.AMESTERDAM, Les Westeins. & Smith, MDCCXXXII.
André Du Ryer, L'ALCORAN De Mahomet, Tome Premier, A. AMESTERDAM, ARKSTEE & MERKUS, MDCCLXXV.
Régis Blachère, Le Coran, G-P.MAISSONNEUVE & LAROSE, Editeurs, Paris.
André Chouraqui, Le coran, L'appel, Robert laffont, Paris, 1990.
L'Académie Française, Dictionnaire de L'ACADEMIE Française, Tome Second, Bossange ET Masson, Imprimeurs-Libraires, 1814.
Jacques Berque,Le Coran, Essai de traduction, Albin Michel, 1995, Paris.
م.م. محمّد عبد علي حسين القزاز (1)
مدخل
يظنّ البعض أنّ الاهتمام الروسي بترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم يفتقد جذوره في الماضي، وأنّه أتى كما أتت أشياء أخرى نتيجة لانهيار الدّولة السوفييتيّة فقط. غير أنّ تاريخ هذه المنطقة من العالم يؤكد أنّ المسلمين بها كانوا على مرّ العصور مجنّدين لنسخ القرآن الكريم وترجمته من قبل المستشرقين الروس، بمقدار لا يستهان به في ترجمة معانيه.
قام الباحث بدراسة موجزة لتاريخ تطوّر ترجمات معاني القرآن الكريم في روسيا وما تتبعها، كما قام بتقييم الوضع الحالي لهذه الترجمات. فكرة هذا البحث مبنيّة على تتبّع جهود المستشرقين الروس ورصد آثارهم في مجال ترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم.
المقدِّمة
الحمد لله والحمد كما يستحقه حمدًا كثيرًا والصلاة والسلام على أشرف أنبياء الله أبي القاسم محمّد صلّى الله عليه وآله الأخيار المصطفين الأبرار.
ممّا لا شكّ فيه أنّ ترجمة معاني القرآن الكريم تعدّ من أصعب المحاولات التي تمّت في مجال الترجمة على الإطلاق؛ وذلك لأنّ نقل معنى الآيات القدسية المحكمة
1) جامعة الكوفة - مركز دراسات الكوفة
إلى لغةٍ أخرى غير العربية ليس بالأمر السهل، إلى جانب عجز لغة الترجمة عن نقل التركيب البلاغي للآيات وما تحمله من معانٍ ومدلولات لا تظهرها إلّا لغةُ القرآن التي نزل بها.
الإسلام كرسالة والقرآن ككتاب، جاء ليتحدّى استكبار وجبروت وظلم وغطرسة وعنصرية وماديّة الإنسان، ويلقي في وجه الظلم حقيقة العدل الإلهي ويصارعه ليغلبه وينتصر عليه، ومن ثم يُظهر ضعفه وقلّة شأنه وإن تظاهر بالقوّة والبطش. من هنا جاء الاهتمام بهذا البحث المتواضع، ليعكس مدى أهميّة هذا الموضوع. حيث إنّ معظم الدّراسات في علوم القرآن الكريم في روسيا حاليًّا، متأثّرة إلى حدّ بعيدٍ بتقاليد مدرسة الاستشراق، إلّا أنّ النّشاط الدّعويّ التّعليميّ للعلماء المسلمين يجبر المستشرقين على الاهتمام بكتب الحديث والتاريخ، والامتناع ولو أحيانًا عن التأويلات الفاسدة لنصوص القرآن الكريم. قد لاقت تلك الترجمات قبولًا ملحوظاً لدى الشعوب الإسلاميّة النّاطقة بالروسية، والتي كانت متعطّشةً إلى معرفة معاني ألفاظ القرآن الكريم.
كانت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم للّغة الروسيّة هي ترجمة الدكتورة (سمية عفيفي)، أستاذة اللغة الروسية بقسم اللغات السلافية بكلية الألسن جامعة عين شمس بالقاهرة، حيث بدأت الترجمة عام 1995م وانتهت منها عام 2000م بإشراف لجنة من الأزهر الشريف. وقد لاقت تلك الترجمة قبولًا ملحوظاً لدى الشّعوب الإسلاميّة الناطقة بالروسيّة، والتي كانت متعطّشةً إلى معرفة معاني القرآن الكريم. إنّ البداية العلميّة النّظاميّة للاستشراق هناك ترجع إلى ما قبل قرنين من الزمان تقريبًا.
وتتأكّد أهميّة موضوع هذا البحث إذا أخذنا في الاعتبار جِدّته ومحدوديّة انتشار الاستشراق الروسي خارج حدوده، بسبب عوامل عدّة حدَّت من انتشاره، وعدم وجود دراساتٍ كثيرةٍ في هذا الشأن.
أوّلًا: تطوّر نشوء حركة الاستشراق الروسي
تعتبر اللغة الروسيّة واحدةً من اللغات الحيّة التي ترجم إليها القرآن الكريم؛ حيث ارتبطت تطوّر مراحل ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الروسية بتطوّر مراحل الاستشراق الروسي، ولعب الدين الإسلامي والمسلمون دورًا كبيرًا وبالغًا في تاريخ روسيا، وذلك منذ نشأتها مرورًا بالإمارات السلافية الأولى، ثم بالإمبراطوريّة الروسيّة والاتحاد السوفيتي، ثم المؤثّرات الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة الأولى على حياة الروس.
وبداية الاستشراق الروسي في عهد (بطرس الأول) وعهد (كاترين الثانية) الذي عرف بداية الاهتمام الفعلي بالثقافة العربيّة، حين ظهرت العديد من المجلات الثقافيّة الروسيّة متضمّنة أخبار العلوم والفلسفة والحِكَم والطرائف العربية وقواميس لغوية، حيث أدرجت اللغة العربيّة كإحدى اللغات الرئيسيّة إلى جانب الفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة في روسيا، كان هذا في الربع الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، في عهد (بطرس الأول) (1725م) ، الذي تمّ في عهده عدد من الإصلاحات والخطوات الجذريّة، وكان لها أثرٌ كبيرٌ في مستقبل روسيا وبنائها من جديد، وهذا النّوع من الاهتمام الاستشراقي ل- (بطرس) نابع من سياسته الشرقيّة، وما اقتضته مصالح روسيا، وحاجاتها المتزايدة إلى التّعرّف على جيرانها الذين دخلت معهم في صراعات مريرة (1).
تذكر المصادر التاريخيّة بعد قرنٍ كاملٍ من ظهور الإمارات الروسيّة في النّصف الأخير من القرن العاشر الميلادي، بدأت هذه الدولة الجديدة تبحث لنفسها عن دين من بين الديانات السماوية التي اعتنقتها جل الشّعوب المجاورة. وهكذا طلب أميرها فلاديمير Vladimir) ) ملوك عدد من البلدان وأمرائها أن يبعثوا إليه برسل ليحدّثوه عن دينهم حتى يتمكّن مع باقي الأمراء الروس من اختيار أحد هذه الأديان؛ ليتخذه دينًا رسميًّا للبلاد قصد توحيدها أكثر وتعزيز شرعيّة الحكم بها
1) بن محمّد الجار الله، سليمان: جهود الاستشراق الروسي في مجال السنة والسيرة (دراسة ببليوغرافية)، ص4
إلَّا أنّ الروس والسافيين الشرقيين عمومًا لم يكونوا يجهلون تمامًا أهم تعاليم هذه الديانات. فهم كانوا على اتصالٍ مستمرٍّ مع الخزر اليهود، كما أنّهم كانوا على اطّلاع على مضمون الدين المسيحي الأرثودوكسي في بيزنطة، والكاثوليكي عند جيرانهم في الغرب. أمّا الدين الإسلامي فقد تعرّفوا بعض تعاليمه، وربما سمعوا بكتاب يسمّى (القرآن) من خلال البلغار المسلمين الذين كانوا يقطنون الأراضي الممتدّة على طول ضفتي نهر (الفولكا) Volga) ) والتي تشكل حاليًّا موطن أحفادهم التتار المعروف الآن تحت اسم (جمهورية تتارستان) ذات الاستقلال الذاتي الموجودة ضمن الجمهورية الفيدراليّة الروسيّة(1).
لفهم جوهر التصور العام للإسلام السائد آنذاك عند الروسيّين، لا بدّ من التذكير بأنّ هناك مصدرًا أساسيًا مدوّنًا كان الروس يستقون منه معلوماتهم. ويتعلّق الأمر باللاهوت والمراجع التاريخية اليونانية - البيزنطية التي بدأت تظهر في روسيا منذ القرن الحادي عشر. وهكذا تكوّنت عند الروسيين صورة خياليّة عن الإسلام والمسلمين لا علاقة لها بتاناً بالواقع. وهذه الصورة المشوّهة هي الصورة نفسها التي نجدها عند باقي الشعوب المسيحية في بلدان أوروبا الغربيّة في ذلك العصر(2).
يجب الاعتراف بأنّه ظهر في مرحلة لاحقة نوع أخر من الكتابات التي حاولت الاقتراب شيئًا ما من الحقيقة وسعت إلى تغليب المنطق في تناولها لهذه الموضوعات. وكان ينتمي بعض مؤلفيها إلى فئة قليلة من المفكرين الروس الذين سبق لهم أن عاشوا فترة من الزمن داخل العالم الإسلامي. ونذكر من بين هؤلاء المفكرين (بيريسفييتوف) (Ivachko Peresvetov) وكذلك (كوسوي ) (Ferdosi Kosay) الذي عاش في القرن السادس عشر والذي دافع في كتاباته عن المساواة بين جميع الناس وبين جميع الديانات واللغات. ولقد لقيت أفكاره إقبالا في بعض الأوساط الروسية المثقفة.
وبعد حوالي مائة سنة تقريبًا، أي في القرن السابع عشر، كتب (بوسوشکوف) (Posochkov) مؤلفه (الفقر والثراء) الذي سار فيه على نهج (بيريسفييتوف) وأوصى بأن يؤخذ من التشريع الإسلامي ما قد يفيد المجتمع الروسي. وللمفكر (أندري كوربسكي) (Andriey Kurbskiy) مكانة خاصّة في معالجة هذه المواضيع. فهو بالرغم من معارضته للإسلام، يضع عددًا من تعاليمه في مرتبة أعلى من الكثير من تعاليم المسيحيّة(1).
قوى الاهتمام بالاستشراق في روسيا في بداية القرن التاسع عشر حينما أنشأت بعض الجامعات الروسيّة كراس باللغة العربية عن الإسلام، ومن هذه الجامعات جامعة قازان، وجامعة موسكو، وجامعة بطرس برغ، وكلية لازاريف وغيرها، حيث شجّعت الحكومات الروسية في العهود المختلفة دراسة التراث العربي الإسلامي، وخاصة ذلك الذي يتعلّق بالأقاليم الإسلاميّة الواقعة تحت سيطرة روسيا لتوسيع المعرفة بالشعوب الإسلامية.
إنّ بدء العمل الرّسمي والمنظم في الدراسات الاستشراقيّة العربيّة الإسلاميّة، كان قد بدأ مع عهد القيصر بطرس الأكبر، عندما تمّت أول ترجمة للقرآن الكريم عام 1716م إلى اللغة الروسية، وقد قام بها الدكتور (بيتر بوستينكوف) عن الترجمة الفرنسية للمستشرق الفرنسي (ديوري) عام 1643م ، تلا ذلك ترجمة أخرى عام 1776م ، ولكن أول ترجمة للقرآن من اللغة العربية مباشرة إلى اللغة الروسية كانت في عام 1878م ، والتي قام بها المستعرب (سابلوكوف) (1854 م - 1880 م)، والذي كان يتقن العربية إتقانًا جيّدًا، وقد تكررت طباعة هذه الترجمة في أعوام (1879م -1898م). وقام المستعرب (موخلينسكي) (1808م - 1877م) بترجمة وتفسير القرآن إلى اللغة البيلاروسيّة والبولنديّة من أجل التتار المسلمين الذين كانوا على حدود بيلاروسيا وبولندا وليتوانيا. ومع نهاية القرن الثامن عشر، وبتشجيع من (كاتيرنا) الثانية التي كانت (تود نشر القرآن الكريم بين السكان المسلمين في روسيا،
1) إغناطيوس، كراتشكوفسكي: دراسات في تاريخ الاستعراب الروسي، منشورات أكاديمية العلوم للاتحاد السوفييتي، موسكو/لیننغراد، 1950م، ص 25
وتأمل فى الاعتماد عليه في أهدافها السياسية وحروبها مع تركيا). ومن المعلوم أنّه عندما تتدخّل مصالح الدولة في شأن الترجمة، وفي مجال الاستشراق، تصبح التوجهات والأهداف والنتائج منوطة بالسياسيين لا بالمترجمين أو المستشرقين(1).
في عام 1778م، تم إدخال الحرف العربي بشكلٍ واسعٍ في الطباعة. وطبع في السنة نفسها في العاصمة (سان بيترسبورغ) المصحف الكريم بحروف عربيّة جميلة. ويقول (كراتشكوفسكي) إنّ هذه الحروف انتقلت فيما بعد إلى مدينة قازان التتارية، ثم إلى القرم وتركيا فمصر. وقد تكون بعض النسخ من هذه الطبعة دخلت المغرب. ونعتمد في هذا الافتراض على العلاقات الجيدة التي كانت تربط السلطان (سيدي محمّد بن عبد الله) بالإمبراطورة (كاتيرينا الثانية). ومعلوم أنه جرى بينهما تبادل هدايا ورسائل ودية جدًّا ؛ وأي هدية أغلى من الطبعة الروسية للقرآن الكريم ستجد الإمبراطورة لإرسالها إلى السلطان المغربي المسلم(2).
لقد أعيد طبع المصحف الكريم بهذه الحروف خمس مرات في الفترة ما بين 1789 م ، 1798م وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى الدور الكبير الذي لعبته فيما بعد مطبعة (قازان) الإسلاميّة التي أحدثت عام ،1802م، والتي طبعت، خلال القرن التاسع عشر، عشرات الآلاف من نسخ القرآن، وعددًا كبيرًا من المؤلفات الإسلاميّة الأخرى(3).
صدرت ترجمتان اثنتان للمصحف الكريم إلى اللغة الروسية أنجزتا انطلاقًا من الفرنسيّة والإنكليزيّة. قام بالأولى (فيريو فكين) (Veryorkin) سنة 1790م عن الترجمة الفرنسيّة القديمة ل- (دي رييي) (A. Du Rayer)، وأنجز الثانية سنة 1792م (كولماكوف) (Kolmakor. Sal) عن ترجمة (سالي) (G e) الإنكليزيّة. وكانت هاتان الترجمتان فى مستوى حسن بالمقارنة مع ما سبقتها من ترجمات.
1) إغناطيوس، كراتشكوفسكي: دراسات في تاريخ الاستعراب الروسي، منشورات أكاديمية العلوم للاتحاد السوفييتي، موسكو/ليننغراد 1950م، 26
2) ت. موساتوفا: العلاقات الروسية المغربية في القرن التاسع عشر، تعريب: عبد الرحيم العطاوي، مجلة دار النيابة، عدد 18، 1988م، ص 25 - 31
3) اغناطيوس كراتشكوفسكي، ترجمة معاني القرآن الكريم، م.س، ص16
وقد ألهمت إحداهن، فيما بعد ، أمير الشعر الروسي بوشكن( (a.puchkin النظم سلسلة قصائده المشهورة (قبسات من القرآن) التي عالج فيها شعريًّا نصوصًا مقتبسة من ثلاث وثلاثين سورة قرآنيّة. ويعترف الشاعر «بأن القرآن كان الكتاب الديني الأول الذي أذهل مخيلته، وقد أفلح (بوشكن) في إعطاء صورةٍ دقيقة المعالم عن مضمون القرآن الفلسفي والديني؛ كما أنّ هذه القصائد أعطت لأول مرة في الأدب الروسي مفتاح الفهم الصحيح للقرآن الكريم، وساعدت إلى درجة كبيرة على استمرار نموّ الاهتمام به عند أوسع أوساط القراء الروس(1).
إنّ اهتمام الشاعر الروسي الكبير (بوشكن) بالإسلام وبالقرآن الكريم، لم ينبع من «فراغ أو كنتيجة لشطحات الخيال الإبداعيّة؛ بل أتى كثمرةٍ لقراءاته المتعمقة في تاريخ الشرق العربي وحضارته وآثاره الأدبيّة والقرآنيّة، فضلًا عن الجذور الشرقيّة الإسلاميّة التي ربطت بين الشاعر والشرق الإسلامي. تجدر الإشارة إلى أن أحد أجداد (بوشكن) لأمّه، وهو إبراهيم (المشهور) في مختلف الكتابات الأدبيّة الروسيّة، كان ينتمي إلى أسرة إفريقيّة مسلمة. هذا ما جعل الشاعر يبحث عن جذوره المسلمة، ويحاول التعمّق في معرفة دين أجداده وكتابهم المقدس القرآن الكريم»(2).
ثانيًا: الترجمة الروسيّة للقرآن الكريم وتطوّرها
مثّلت الترجمة أهمّ جسور تواصل الاستشراق الروسي، وشكّلت ترجمة معاني القرآن الكريم مكان الصدارة من بين صنوف الترجمات الروسية. وكانت الترجمات الأولية لمعاني القرآن الكريم تتمّ من خلال لغات أوروبية وسيطة، ومن ثم أمكن ترجمة معانيه من الأصل العربي بعد تكوين مترجمين روس درسوا العربيّة، فأصبح القرآن الكريم عاملًا حيويًّا هامًّا لفَهْم مراحل العلاقات بين روسيا والإتحاد السوفيتي، والعالم الإسلامي (3).
1) غغريزنييفتش، بافل: القرآن في روسيا، ضمن: أبحاث جديدة للمستعربين السوفييت (الكتاب الأول)، موسكو، 1986م، ص 249 - 259
2) الغمري، مكارم: مؤثرات عربية إسلامية في الأدب الروسي سلسلة المعرفة، عدد 155، الكويت، نوفمبر 1991م، ص170
3) بوشكن، إلكسندر: قصائد شرقية، ترجمة: طارق مردود ،لا ط، دمشق، دار علاء الدین، 1999م، ص 77
ظهرت ترجمتان جديدتان لمعاني القرآن الكريم بالروسية، وحازتا تقدير (كراتشكوفسكي) الذي رأي فيهما حدثًا تاريخيًا بالغ الأهمية في تاريخ الثقافة الروسية، ومستوى أعلى من الترجمات السابقة. ولقد حفزت الترجمات الروسية لمعاني القرآن الكريم في صدور مؤلفات تتناول شرح القرآن الكريم، ومن أبرزها كتاب المترجم (بوجدانيفيتش) بعنوان (محمّد والقرآن) وقد لاقى نجاحاً كبيراً، وأعيد طبعه مرات عديدة(1).
شيخ المستشرقين «كراتشكوفسكي» (1883 م - 1951م) الذي اقترن اسمه الروسي طوال النصف الأول من القرن العشرين، حيث اعتبر بحق شيخ المدرسة الاستعرابية الروسية خلال هذه الفترة، وذلك للمجهودات التي بذلها في ميداني التعليم والبحث العلمي، امتازت كتاباته بالموضوعية في إنصافه لشخصية الرسول محمّد صلّی الله علیه و آله والإسلام والقرآن الكريم. إنّ «كراتشكوفسكي» يعكس صورة الشرق المعاصر المهتم بالفكر والأدب والثقافة اهتمامًا رسميًّا ودينيًّا وشخصيَّا، وصورة الشرقي المنفتح على الآخر، ذو الاهتمامات العلميّة. (إنّ النهضة الحديثة للشرق العربي المسلم تظهر بوادرها في كل مكان، وفي الصيف عندما غادرت بيروت ورحلت إلى أماكن أخرى، فهناك كان معلّمو القرى وصحفيو المدن الصغيرة، ومراسلو الجرائد، وأطباء القرى، كل هؤلاء قابلوني هناك بود وترحاب، وكان الحوار بيننا يستغرق عدة ساعات بعد أول لقاء بهم، وكانوا جميعاً يتأجّجون والثورة تتقد في نفوسهم، وفي خيالهم حلم بالتحرر الوطني) (2).
في سنة (1859م)، ظهر كتابه الفهرس الكامل للقرآن أو مدخل إلى كلماته وعباراته، وهو عبارة عن دليل لدراسة مبادئ القرآن الكريم الدينيّة والشرعية والتاريخيّة والأدبيّة. وكان من أهم عيوبه أنّه لم يعتمد نصّ القرآن الكريم، بل اعتمد على مصحف المستشرق الألماني (جوستاف فليوجل). أشرف المترجم (نيقولاييف) عام 1864م، على ترجمة معاني القرآن وكانت مأخوذة عن الترجمة الفرنسيّة
للمستشرق (بيبيرشتين كازميرسكي). وقد تكرّرت طباعة ترجمة (نيقولاييف) في موسکو خمس مرات، وفي سنة 2001م أعيدت طباعتها في دار (إليبرون كلاسيكس). يعتقد بعض النقّاد أنّ وضع النّقد الترجمي سيّئ، لا سيّما إذا عرفنا أنّه لایوجد اتفاق مشترك عام على معايير النقد الترجمي والتقويم وأنّ للنقد الترجمي علاقة واضحة بالأدب(1).
كثيراً من المختصين والمستشرقين الروس قد انتقدوا منهجَ (سابلوكوف) وترجمته لمعاني القرآن، فقد أشار المستشرق (كريمسكي) في كتابه (تاريخ الإسلام) إن ترجمة (سابلوكوف) ترجمة حرفية ميتة، ولا يمكن فهمها في كثير من المواضع؛ إلّا بعد الرجوع إلى الأصل العربي، فضلًا عن أنّها تحتوي على عدد كبير من الأخطاء التي لا مراء فيها. انتقدها أيضًا المستشرقان (بيلايف وجريزنيفيتش) ومع مرور الزمن تظهر سلبيات هذه الترجمة لكل من يرجع إليها، فأمّا المستشرق المتخصص في اللغة العربية فيجد فيها أخطاء كثيرة، وأما غير المتخصص فلا يفهم أحيانًا خصائص نص الترجمة المليئة بالكلمات القديمة والعبارات المبهمة، التي منعت من فهم المعنى الظاهر لها. كما يسأل القارئ نفسه: هل فهم المترجم ماذا أراد بهذا الكلام؟ كما وُجِد في ترجمته كلمات خاصة تستخدم عند ترجمة التوراة والإنجيل إلى اللغة الروسية، وبسبب هذه الكلمات يكون القارئ العامي قد أخذ فكرة خاطئة عن العقيدة الإسلاميّة والمعنى الحقيقي لهذا الأثر.
وعلى الرّغم من ذلك، فقد أشبعت ترجمة (سابلوكوف) لمعاني القرآن حاجة الكثيرين في المجتمع الروسي على مدى مئة عام، وعُدّت من أهم المراجع عن الدين الإسلامي. واستحقّ صاحبها مدح كثيرين منهم (كراتشكوفسكي) بقوله: «لم يتمكن أحد في أكاديميّة قازان من تأسيس منهج للاستعراب ودراسة الإسلام إلّا جوردي سابلوكوف». من الجدير بالذكر يجب الإشارة إلى أن بدايات الترجمة تعود إلى العصر البابلي القديم، حيث كان لديهم جهاز مركزي مثابر من النُسّاخ
1) عبد الواحد، محمّد : اتجاهات الترجمة المعاصرة، النقد الترجمي المقارن، لا ط ،بغداد، مطابع دار الشؤون الثقافية العامة، 2009م، ص7
المتخصّصين بعدد من اللغات الذين يبثون الرسائل الرسمية المبلغة على الرقم الطينية، بخطوط مسمارية إلى الأرجاء البعيدة من المملكة(1).
إنّ الأخطاء في ترجمة المعاني لدى (سابلكوف) أقل مما في التراجم المذكورة بالإضافة إلى دقة الترجمة وسلاسة اللغة بغية تقريبها إلى القارئ غير المسلم. وفي عام 1879م أصدر (سابلوكوف) ملاحق للترجمة، وأعقبها بإصدار دراستين كبيرتين بعنوان (معلومات حول القرآن الكريم 1884م). كما أصدر دراسة بعنوان (مقارنة أسماء الله الحسنى في الإسلام وفي الديانة المسيحيّة) 1873م. وكان الهدف من الترجمة والدراسات أكاديميًّا محضًا ولم يتطرّق المؤلف إلى الجوانب العقائدية في الإسلام.
كانت آخر ترجمة تنجز عن طريق لغة وسيطة هي ترجمة (نيكولاييف). حيث المستعربون الروس يعدون لنقل المصحف الكريم مباشرة من الأصل العربي. وهكذا أنجزت في الوقت نفسه تقريباً ترجمتان: كانت الأولى عام 1871م للجنرال (بوکوسلافسكي)( (D.N. Boguslavskiالذي نال تحصيلًا جيّدًا في علم الاستعراب الكلية الشرقية بجامعة بطرسبورغ، وقضى سنوات طويلة في العمل مترجمًا للسفارة الروسيّة في الآستانة. وكانت ترجمته التي أتمها خلال فترة مكوثه في الشرق تمتاز بالدقة العالية وبالمزايا الأدبية الفريدة، مما جعلها وقتذاك تحظى بتقدير نقاد مرهفي الحس والقلم ، أمثال (روزين) و (كراتشكوفسكي)، لكن هذه الترجمة بقيت مجرد مخطوطة، لأن صاحبها لما رجع من الشرق علم بصدور ترجمة أخرى نقلت عن النص العربي كذلك في مدينة (قازان). فتخلّى (بوكوسلافيسكي) عن طبع عمله(2).
بعد الازدهار الكبير الذي عرفته الدراسات الاستعرابية في بداية القرن العشرين، لم تعد ترجمة (سابلوكوف) تتجاوب ومتطلبات العلوم العصرية. لذا بدأ التفكير
في إنجاز عمل جديد يكون في مستوى طموحات المدرسة الاستشراقية الروسية الجديدة. فقام العالم الأوكراني (كريمسكي) (Krymski) في مطلع القرن بإصدار ترجمة لعدد من السور القرآنية مصحوبة بالشروح ضمن سلسلته المشهورة (محاضرات حول القرآن). غير أنّ هذه المحاولة توقّفت ولم يتمم صاحبها مشروعه هذا. فأخذ العالم (كراتشكوفسكي) على عاتقه هذه المهمة التي تطلّبت منه وقتًا طويلًا وجهدًا جبّارًا. وبما أنّنا نعتبر أنّ مستوى العمل الذي قام به هذا العالم الكبير يفوق جميع الترجمات الروسيّة من جهة، والعديد من الترجمات الأوروبيّة من جهة أخرى، فإنّنا سوف نتوقّف قليلًا عند مميّزات هذا العمل وبعض المراحل التي مرّ منها. فيمكن القول بأنّ اهتمام (كراتشكوفسكي) بهذا الموضوع ظهر مع بداية خطواته الأولى في عالم الاستشراق، ولم ينصرف عنه طوال حياته كلها. غير أنّ العالم لم يتمكّن من رؤية عمله مطبوعًا، إذ توفي عام 1951م ، ولم تصدر ترجمته إلّا سنة 1963م. إنّ العمل الذي استغرق أربعين سنة كاملة، مرّ بعدة مراحل. فقد كان الاهتمام بموضوعه أوّلًا، والتمهيد للخوض في غماره، ثم البحث المستمر لإنجازه تدريجيًّا(1).
إنّ (كراتشكوفسكي)، وهو العالم المتمكن من اللغة العربية، والعارف بأسرارها وكنوزها، أدرك تمام الإدراك، وذلك منذ شروعه في عمله، أنّ أسلوب القرآن الكريم هو أسلوب خاص فريد من نوعه، ولا نجد له مثيلًا في الكتابات العربية الأخرى. لذلك حاول جهد المستطاع الاقتراب من هذا الأسلوب العربي في النص الروسي لترجمته حتى يمكّن القارئ من الاقتراب أكثر من كتاب الله شكلًا ومضمونًا. وقد جاء أسلوبه سهلًا في متناول مختلف شرائح القراء. غير أنّ بعض النقّاد لم يفهموا مغزى هذه المقاربة، واعتقدوا أن العالم اعتمد النقل الحرفي في عمله.
ويعلم المختصّون في فنون الترجمة أنّ نقل المعنى والأسلوب معًا إلى لغة أخرى يشكّل المبتغى الأسمى لكل مترجم، غير أنّ مثل هذا الإنجاز لا يتأتّى إلّا نادرًا ولا ينجح في تحقيقه إلّا ذووا الباع الطويل في علوم اللغة وفنونها من جهة، وعلوم
1) عبد الرحيم العطاوي، الدراسات العربية في روسيا، م.س، ص131 - 140
الترجمة من جهة أخرى. ويمكن القول: إنّ (كراتشكوفسكي) قد وفّق إلى حد بعيد في مهمته، وإنّ عمله يعتبر حاليًا أجود ترجمة روسية لمعاني القرآن الكريم وإحدى أجود الترجمات العالميّة. وبالرغم من هذا كله، فإنّ عمله لا يخلو بالطبع من الهفوات المتفاوتة(1).
السيدة الروسية (السفيراتشكو فسكايا) 1884م، زوجة المستشرق الروسي (كراتشكوفسكي)، بحثت بأصالة عن نوادر مخطوطات القرآن من القرن السادس عشر. كتب الأستاذ (أمين الخولي) عن هذا الجهد: «قدمت السيدة (كراتشكوفسكي) بحثًا عن نوادر مخطوطات القرآن الكريم في القرن السادس عشر الميلادي، وإنّي أشكّ في أن كثيرين من أئمة المسلمين يعرفون شيئًا عن هذه المخطوطات، وأظن أن هذه مسألة لا يمكن التساهل في تقديرها»(2).
بعد زوال الدولة السوفييتية، زاد الاهتمام بشكل كبير بموضوع ترجمة معاني القرآن الكريم من قبل جمهوريات الاتحاد السوفييتي عمومًا وجمهوريّة روسيا الفدراليّة خصوصًا. وقد أدّى هذا الإقبال الكبير على قراءة كتاب الله والتأمّل في معانيه إلى إعادة طبع ترجمتي كلّ من (سابلوكوف) و (كراتشكوفسكي) عدة مرات، كما طبعت ترجمة (بوكوسلافسكي) التي سبق أن أشرنا إليها، والتي بقيت مخطوطة حتى هذا العهد. وظهرت في السنوات القليلة الأخيرة بعد 1991م ترجمتان جدیدتان: الأولى للأستاذة (بوروخافو) (V. OPorokhova)، والثانية للأستاذ (عصمانوف) المعروف في ساحة الدراسات الشرقية بصفته اختصاصيًّا في اللغة الفارسية(3).
يمكن القول بأنّ ترجمة معاني القرآن الكريم علم قائم بذاته، له قواعده وأحكامه، وهو يستوجب من المترجم الصدق والأمانة والإلمام الواسع بلغتين على الأقل
-المترجم- منها والمترجم إليها - ويستحب أن تكون له دراية بلغات أخرى وعلومها حتى يتمكّن من الاستفادة من ترجمات أخرى بمقارنة عمله بها. وعلى المترجم، إذا تعلّق الأمر بالقرآن الكريم، أن يكون على اطّلاع بعلوم القرآن والحديث، وأن يكون على صلة مستمرة بعلماء الدين، على اختلاف مذاهبهم، قصد استشارتهم والاستفادة من عملهم، وفضلاً عن هذا وذاك، فهو ملزم بأن يكون على علم كامل بالأخطاء الواردة في الترجمات السابقة، وذلك لتجنّب الوقوع فيها من جديد.
الخاتمة
كان هدفنا في هذه الصفحات البحثية القليلة التعريف ببعض مراحل تطوّر ترجمة معاني القرآن الكريم في روسيا وانتشاره بها، وكذلك إبراز مسيرة عملية ترجمة معانيه في هذا البلد. لذا فقد توصّل الباحث إلى عدة استنتاجات هي:
إنّ الترجمات الأوروبيّة للقرآن الكريم، سواء الروسية منها أو غيرها كانت من قبل مترجمين يحسنون اللغة التي ترجموا إليها أكثر من اللغة العربيّة أو العكس، ولذلك كانت تلك الترجمات الأوروبيّة معرضة للخلل والنواقص الكثيرة .
على المترجم إذا تعلّق الأمر بالقرآن الكريم، أن يكون على اطّلاع بعلوم القرآن والحديث، وأن يكون على صلة مستمرة بعلماء الدين، على اختلاف مشاربهم، قصد استشارتهم والاستفادة من عملهم، وفضلًا عن هذا وذاك، فهو ملزم بأن يكون على علم كامل بالأخطاء الواردة في الترجمات السابقة، وذلك لتجنّب الوقوع فيها من جديد
إنّ ترجمة القرآن من اللغة العربيّة إلى الروسيّة ترجمة حرفيّة مستحيلة. فإنّه يستحيل أن يترجم القرآن بألفاظ أخرى غير عربية تقوم مقام ألفاظه، وتعبّر عن نفس معانيه ومقاصده.
ظلّ القرآن الكريم مثار دهشة الغربيين من مستعربين ومستشرقين، بما أحدثه من تغيير شامل في المجتمع العربي والإسلامي، وما أضافه إلى الحضارات الإنسانيّة من زخم وحياة، وما قدّمه للثقافة من تطوّر وتجديد . فحدبوا على دراسته بمثابرة، وتتبعوا نصوصه بإمعان، فرآه البعض مادّة للأبحاث الموضوعيّة فدرسه بهذا المنظور، واشتد على البعض الآخر وقعه فأثار عنده الحقد الدفين، ومن هذا وذاك طغت على السطح الأكاديمي دراسات الاستشراق القرآنيّة.
لائحة المصادر والمراجع
بوشكن، إلكسندر ، قصائد شرقية، دمشق، ترجمة: طارق مردود، دار علاء الدین، 1999م.
الخولي ،أمين، الإسلام والمسلمين، مجلة الشبان المسلمين، القاهرة، عدد ديسمبر 1960م.
ريكول بول، فن الترجمة، ترجمة: حسين خمري ،الجزائر، ط1 ، مطابع الدار العربية للعلوم (منشورات الاختلاف) 2008م.
العطاوي، عبد الرحيم، نفض غبار النسيان عن بعض أمجاد تتارستان، مجلة التاريخ العربي، عدد 2، ربيع 1417 هجرية / 1997م.
العطاوي، عبد الرحيم، حول الجمهوريات الإسلاميّة ذات الاستقلال الذاتي في روسيا، 218 - 21، 1997م.
عبد الواحد، محمد، اتجاهات الترجمة المعاصرة، النقد الترجمي المقارن، بغداد، مطابع دار الشؤون الثقافية العامة، 2009م.
غغریزنییفتش، بافل، القرآن في روسيا، ضمن: أبحاث جديدة للمستعربين السوفييت (الكتاب الأول)، موسكو، 1986م.
الغمري ،مکارم، مؤثرات عربية إسلامية في الأدب الروسي، سلسلة المعرفة، عدد 155، الكويت، نوفمبر 1991م.
فرحات، علاء الدين، حول الترجمات الروسية للقرآن، مجلة فييستنك (مجلة الجمعية الدولية لأساتذة اللغة الروسية وأدبها)، عدد 13 ، موسكو، 1996م.
كراتشكوفسكي، إغناطيوس، دراسات في تاريخ الاستعراب الروسي، منشورات أكاديمية العلوم للاتحاد السوفييتي، موسكو/ليننغراد 1950م.
كراتشكوفسكي، إغناطيوس، معاني القرآن الكريم دار النشر (ناووكا)، موسكو، الطبعة الثانية، 1990م.
كراتشكوفسكي، إغناطيوس، القرآن في ترجمة بوكوسلافيسكي، مجلة الاستشراق الروسي، موسكو - ليننغراد العدد 3، 1945م.
محمّد الجار الله، سليمان، جهود الاستشراق الروسي في مجال السنة والسيرة (دراسة ببليوغرافية)، 1996م.
موساتوفا، ت، (العلاقات الروسية المغربية في القرن التاسع عشر)، تعريب عبد الرحيم العطاوي، مجلة دار النيابة، عدد 18 ، 1988م.
د. أحمد البهنسي (1)
مقدمة
لم يكنْ غريبًا ما قام به اليهود من ترجماتٍ لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة العبريَّة بكلِّ ما اشتملت عليه من أخطاءٍ وتحريفاتٍ وتشويهاتٍ، لكنَّ الغريب هو حرصهم - أيضًا - على ترجمة القرآن الكريم أو أجزاءٍ كبيرةٍ منه إلى لغة "اليديش" (Yiddish) اليهوديَّة؛ وهي من اللغات الخليطيَّة بين العبريَّة وعددٍ من اللغات السلافيَّة المنتشرة في شرق أوروبا، والأغرب هو قيام ما تُعرف ب- "الطائفة الأحمدية“ في مدينة حيفا شمالي إسرائيل بهذه الترجمة ورعاية إصدارها، وهي طائفة تزعم أنَّها مسلمة، لكنَّها تعتنق معتقداتٍ وأفكارًا دينيَّة يهوديَّة صِرْفة.
ففي سبتمبر (أيلول) 2012م أعلن فخامة الميرزا سرور أحمد - وهو ما يُطلق عليه الخليفة الخامس والزعيم الروحيّ للطائفة الإسلاميَّة الأحمديَّة العالميَّة- عن إصدار كتابٍ فيه مجموعة مختارة من ترجمات القرآن الكريم إلى لغة "اليديش“، طُبعت في بلدة كبابير داخل حيفا شمالي إسرائيل(2).
وقد قام بهذه الترجمة إلى اليديش، عمدة الطائفة الأحمديَّة في حيفا، ويُدعى "يونا ياهافا". ووفقًا لمقدِّمة هذه الترجمة؛ فهي تُعدُّ فريدة من نوعها في العالم، وهي تهدف إلى الوصول إلى جميع اليهود، حتَّى الذين يتحدَّثون باليديش؛ وبخاصَّة
طائفة الحريديم (1)منهم، ولا سيّما أنَّ لغة اليديش من أقرب اللغات التي طوّرها اليهود للديانة اليهوديَّة، وكتب بها كثير من الكتب الدينيَّة اليهوديَّة التصوُّفيَّة والفلسفيَّة الدينيَّة في القرنين 18 و 19 م(2)
https://www.alislam.org/quran/selected-verses/Yiddish.pdf
.وتهدف هذه المقالة إلى الوقوف على هذه الترجمة، وعلى دوافع القيام بها، وحقيقة هذه الطائفة التي قامت بها ورعتها، مضافًا إلى النظر في أهمَّ ما احتوت عليه.
أوَّلًا: الطائفة الأحمديَّة في إسرائيل
يعود تاريخ ظهور الطائفة الأحمديَّة إلى القرن التاسع عشر في مدينة "قاديان" في الهند، وأسَّسها "ميرزا غولام أحمد"، ومن هنا جاء اسمها "الأحمدية“، حيث قدَّم "أحمد" نفسه نبيًّا ومسيحًا مخلِّصًا لأتباع الديانات السماويَّة المختلفة الذين ينتظرون ظهوره ومجيئه، وهو يؤمن بأنَّ رسالته تدعو إلى دخول الإنسانيَّة جمعاء فيها والإيمان بدينٍ واحد(3).
وتُعدُّ هذه الطائفة في نظر عموم المسلمين؛ إمَّا كَفَّارًا، وإمّا أصحاب بدعة. وكثيرًا ما يُستخدم مصطلح "قاديانيَّة" للإشارة إلى الحركة بصورة ازدرائيَّة؛ نظرًا إلى عقائدها المنحرفة التي ترتكز على عقائد وأفكارٍ خليطيَّة بين المسيحيَّة واليهوديَّة وبعض أديان شبه القارَّة الهنديَّة، علاوة على الأفكار الدينيَّة المنحرفة لمؤسِّسها(4)
http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4197
.أمَّا عن تواجد أتباع هذه الطائفة في فلسطين المحتلَّة، فهو يعود إلى عام 1927م، حين أُوفِد الداعية الإسلاميّ مولانا جلال الدين شمس من الهند إلى الشرقَیْن الأدنى
1) طائفة الحريديم: طائفة يهوديَّة متشدّدة وتوصف ب-»المتصوفة اليهود»
2) انظر: مقدّمة هذه الترجمة على الرابط: /https://www.jews-for-allah.org/yiddish/Yiddish-Koran
3) Adil Hussain Khan. From Sufism to Ahmadiyya: A Muslim Minority Movement in South Asia Indiana University Press, 2015, p.2
4) انظر: مقال بعنوان «ظهور إسلام جديد» على موقع وكالة الأنباء الفسلطينيَّة (وفا) على الرابط الآتي:
والأوسط لنشر رسالة الأحمديَّة، وبحلول أوائل الثلاثينيّات من القرن الماضي، أصبحت قرية الكبابير في حيفا مركزًا للطائفة الأحمديَّة في الشرق الأوسط بأسره(1)
http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4197
.ومع قيام دولة الاحتلال الإسرائيليّ على الأراضي الفلسطينيّة عام 1948م ، حَظِيَ الأحمديُّون فيها بحماية وحرِّيَّة؛ نظرًا إلى أنَّ أفكارهم تخدم مصالح الاحتلال الإسرائيليّ، فعقائدهم الإيمانيَّة ترتكز على أنَّ الرسول صلّی الله علیه و آله نهى عن شنِّ الحروب واللجوء إلى السلاح، وأنَّ واجب الأحمديّ هو إحراز السلام العالميّ، وبالتالي فهم يدعون دائماً للسلام مع اليهود وإسرائيل، ويؤكّدون على ذلك في مؤتمراتهم السنويَّة التي تُعقد برعاية إسرائيليَّة (2)، وهذا ما يُفسرِّ تمتّع أتباع هذه الطائفة بحرِّيَّةٍ دينيَّةٍ وثقافيَّةٍ كاملة، حيث يقيمون صلواتهم في المسجد الأحمديّ الوحيد في الشرق الأوسط في مدينة حيفا، والذي جرى تدشينه في عام 1934م ، ثمَّ ترميمه عام 1979م، ويُعتبر الملجأ الآمن الذي وجده الأحمديُّون في الدولة اليهوديَّة(3)
https://www.islamahmadiyya.net/index.asp?ver=2.1
.كما تتّخذهم إسرائيل أداةً للترويج على أنَّها دولة تحترم الحرِّيَّات وحقوق الأقلِّيَّات الدينيَّة، وأنَّها ترعى التعدُّديَّة الدينيَّة للمجموعات الصغيرة؛ لذلك فأتباع هذه الطائفة لا يتحرَّجون في تقديم جميع الخدمات الممكنة للاحتلال الإسرائيليّ، والتي يتمثَّل معظمها في محاولتهم الترويج في أوساط الفلسطينيِّين في الضفّة الغربيَّة وغزّة بضرورة السلام مع إسرائيل وعدم الحرب معها(4)
http://info.wafa.ps/a_page.aspx?id=4197
.ويبدو جليًّا أنَّ رعاية هذه الطائفة وإعدادها لترجمة "اليديش" اليهوديّة للقرآن الكريم تأتي في إطار تحالفها غير المعلن مع الاحتلال الإسرائيليّ ضدَّ الثوابت والقيم الدينيَّة والأخلاقيَّة الإسلاميَّة والعربيَّة، ومحاولة زعماء هذه الطائفة في
إسرائيل الإدلاء بدلوهم - أيضًا - في مجال التشكيك في الثوابت الإسلاميَّة وتحريف مقدَّساتها وإعادة تقديمها بوجهٍ مشوَّهٍ وغير آمن من خلال ترجمتها إلى لغات يهوديَّة (اليديش).
ثانيًا: لغة اليديش
لغة اليديش هي من اللغات اليهوديَّة الخليطيَّة؛ فهي عبارة عن خليط بين اللغة العبريَّة وبين عددٍ من اللغات السلافيَّة التي تُستخدم في شرق أوروبا. وهي من اللغات التي طوّرها اليهود، ويمكن وصفها بأنَّها لغة ”مُشفّرة"؛ إذ إنَّها مكتوبة بلغة عبريَّة، لكنّها تُنطق بلغاتٍ سلافيَّة (أوروبيَّة ذوات أصول لاتينيَّة)، حيث لا يقرؤها ويفهمها إلا اليهوديّ الذي يعيش في شرق أوروبا ويعرف العبريَّة ولغات الشعوب الشرق - أوروبيَّة ( وبخاصَّة الألمانيَّة) التي يعيش بين ظهرانيها اليهود(1).
وتكمن أهمِّيَّة "لغة اليديش" في أنَّها كانت اللغة الرئيسة ليهود شرق أوروبا، ويتحدَّثها قرابة مليونَي شخص؛ غالبيَّتهم من اليهود الأشكناز (أي اليهود الغربيَّين) الذين تحدَّثوا بها داخل "الجيتو"؛ وهو المجتمع الانعزاليّ اليهوديّ في دول أوروبا كلّها. وقد كتبوا بهذه اللغة في أوروبا كثيرًا من آدابهم وإنتاجهم الفكريّ والدينيّ والفلسفيّ خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديَّين(2).
وتعود جذور تسمية هذه اللغة إلى مصطلح "يديش – تايتش" (…) أو ألمانيَّة - يهوديَّة. كانت في البداية لهجة ألمانيَّة خاصَّة باليهود في أوروبا منذ القرن العاشر الميلاديّ. وهي مستخدمة الآن في الولايات المتَّحدة، وبخاصَّة في مدينة نيويورك؛ بسبب هجرة اليهود الأشكناز إليها. وهناك 80٪ من كلمات اللغة هي ألمانيّة الأصل، مضافًا إلى بعض الكلمات من اللغتين العبريَّة والسلافيَّة، وبخاصَّة البولنديَّة بعد هروب اليهود إلى بولندا وشرق أوروبا بسبب الحروب الصليبيَّة، وعادة ما تُكتب اللغة اليديشيَّة بالحروف العبريَّة(3).
ويُتحدَّث باليديش في دول وكيانات عدَّة حتّى الآن؛ وهي: الولايات المتَّحدة، الكيان الإسرائيلي، بولندا، الأرجنتين، البرازيل، المملكة المتَّحدة، روسيا، كندا، أوكرانيا، بيلاروسيا ،المجر، المكسيك، مالدافيا، ليتوانيا، بلجيكا، ألمانيا، أستراليا، فرنسا، وغيرها(1).
ثالثًا: ترجمة معاني القرآن إلى اليديش
ترجم "يونا ياهافا"؛ عمدةُ الطائفةِ الأحمديَّة في حيفا، عددًا من معاني سور القرآن الكريم وآياته إلى اليديش، وتتكوّن الترجمة من: تصديرٍ، وثلاث مقدّمات، وترجمةٍ لعددٍ من آيات سور القرآن؛ وهي موزّعة على عشرين قسمًا، تتصدّر كلَّ قسم فقرةً تعريفيَّةً به بحدود 6 أو 7 سطور (2)
https://www.jews-for-allah.org/yiddish/Yiddish-Koran/https://www.alislam.org/quran/selected-verses/ Yiddish.pdf
، وهذه الأقسام هي:.1 توحيد الله: الفاتحة، سورة الحديد، الآيات 2-8؛ سورة التغابن، الآيات 2-5؛ سورة الأنعام، الآيات 96-101؛ سورة البقرة، الآية 256؛ سورة الحشر، الآيات 23-25 .
.2 الملائكة: سورة فاطر، الآية 2؛ سورة البقرة، الآيتان 98- 99؛ سورة البقرة، الآية 178؛ سورة البقرة، الآية 286؛ سورة الحجّ، الآية 76؛ سورة النساء، الآية 137.
.3 كتاب القرآن: سورة البقرة، الآيتان 2-3؛ سورة الواقعة، الآيتان 78-79؛ سورة البيّنة، الآية 4؛ سورة الزمر، الآية 24؛ سورة الزخرف، الآيات 2-5؛ سورة الأحزاب، الآيتان 73-74؛ سورة الإسراء ( بني إسرائيل)، الآيتان، 89-90 .
.4 الأنبياء: سورة الحشر ، الآية 22؛ سورة هود، الآية 18؛ سورة الأنعام، الآيات 93، 156؛ سورة المائدة، الآية 4؛ سورة الإسراء ( بني إسرائيل)، الآية 83، سورة الحجّ،
الآية 76؛ سورة النحل، الآية 37؛ سورة البقرة، الآيات 31، 88، 125؛ سورة النساء، الآيتان 164-165؛ سورة يونس، الآيات 91-93؛ سورة مريم، الآيات 17-35؛ سورة آل عمران، الآية 82؛ سورة الأحزاب، الآيات 8، 46-48؛ سورة الأعراف، الآية 159.
.5 نبيّ الاسلام: سورة سبأ، الآية 29؛ سورة القلم، الآيتان 4-5؛ سورة الأحزاب، الآيات 22، 41، 57؛ سورة الفتح ، الآيتان 29- 30؛ سورة آل عمران، الآيتان 32-33؛ سورة المائدة، الآية 68 .
.6 العبادة: سورة البيِّنة، الآية 6؛ سورة الذاريات، الآية 57؛ سورة الإسراء (بني إسرائيل)، الآيتان 79- 80؛ سورة البقرة، الآية 239 .
.8 الزكاة والصدقة: سورة البقرة الآية 44، 255 ، 262 - 263، 266 ، 275؛ سورة الروم، الآية 39؛ سورة الذاريات، الآية 20؛ سورة المعارج، الآيتان 25-26؛ سورة التوبة، الآية 60؛ سورة محمَّد، الآية 39.
.9 الحجّ: سورة الحجّ، الآيات 26- 30؛ سورة البقرة، الآية 198.
.10 الشورى: سورة الحجرات، الآيات -11-13؛ سورة النساء، الآيات 37-39، 136، 149 -150؛ سورة النحل، الآيات 91-93؛ سورة المائدة، الآيات 9-11؛ سورة الإسراء (بني إسرائيل)، الآيات 32-39.
.11 العفو: سورة السجدة ، الآيات 34 – 36؛ سورة النحل، الآيات 126-129؛ سورة التوبة، الآية 6 ؛ سورة الزمر، الآيتان 18-19.
.13 الشهادة: سورة الحجّ، الآيتان 40 – 41؛ سورة الممتحنة، الآيتان 109؛ سورة الصف، الآيتان 11-12؛ سورة العنكبوت، الآية 70؛ سورة التوبة، الآيتان 20، 111؛
سورة النساء، الآية 96.
.15 المرأة: سورة النحل، الآية 98؛ سورة النساء، الآية 125؛ سورة الأحزاب، الآية 36؛ سورة المؤمنون، الآية 41؛ سورة البقرة، الآيتان 229- 230.
.17 يوم القيامة: سورة الرحمن، الآيات 20 - 21 ، 34 – 36؛ سورة الانشقاقّ الآيات 2-6 ؛ سورة التكوير ، الآية 11؛ سورة الزلزلة، الآيات 2- 9، سورة طه، الآيات 106 -108؛ سورة النمل، الآية 83؛ سورة القيامة، الآيات 108.
.18 خلق الإنسان: سورة الشورى، الآية 30؛ سورة الأنعام، الآية 99؛ سورة النساء، الآية 2؛ سورة آل عمران، الآية 7؛ سورة إبراهيم، الآية 20؛ سورة الحجّ، الآية 6؛ سورة النمل، الآية 89؛ سورة النحل، الآية 9؛ سورة الملك، الآيات 2-4.
.19 الصلاء والدعاء: سورة البقرة، الآيات 187 ، 202-203، 287؛ سورة آل عمران، الآيات 191-196 .
.20 قصار السور: سورة الكافرون، الآيات 71؛ سورة النصر، الآيات 1-4 سورة العصر، الآيات 1-4؛ سورة الإخلاص، الآيات 51؛ سورة الفلق، الآيات 1-6؛ سورة الناس، الآيات 1- 7 .
رابعًا: ملاحظات حول الترجمة
يمكن تسجيل ملاحظاتٍ عدَّة على اختيار هذه الآيات من عدد من السور القرآنيَّة لترجمتها إلى اليديش، ويمكن حصرها في الآتي:
.1. اختيار السور والآيات التي تُعطي تعريفًا عامًا عن القرآن والإسلام من حيث مبادئه الأساس وأفكاره وعقائده وشرائعة الرئيسة، وهو ما يتَّضح من خلال التركيز
على صفات وحدانيَّة الله، وطبيعة النبوَّة في القرآن، وكذلك نبيّ الإسلام، مضافًا إلى عددٍ من التشريعات الرئيسة؛ كالصوم، والحجّ، علاوة على عددٍ من قصار السور. ومن جانبٍ آخر، تحاول هذه الاختيارت التركيز على ما يُعرف في الفكر الاستشراقيّ الإسرائيليّ ب- "المشتركات بين اليهوديَّة والإسلام"؛ والتي من أبرزها: صفات الوحدانيَّة للإله، وكذلك شرائع الصوم، نطق الشهادة، الصلاة، الدعاء، وتحريم الربا.
1) «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرُ حَقٌّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ»
2) انظر: مقال بعنوان «ظهور إسلام جديد» على موقع وكالة الأنباء الفسلطينيَّة (وفا) على الرابط الآتي:
http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4197
3) «إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا»
لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
صباح، سعد عبد السادة: أثر اللغة اليديشيَّة في العبريَّة الحديثة، مجلَّة كلِّيَّة اللغات، جامعة بغداد العدد 15.
لائحة المصادر بالأجنبيّة
Baumgarten, Jean, Frakes, Jerold C. (1 June 2005). Introduction to Old Yiddish literature. Oxford University Press.
YIVO Bleter, pub. YIVO Institute for Jewish Research, NYC, initial series from 1931, new series since 1991.
المواقع الإلكترونيّة
https://www.jews-for-allah.org/yiddish/Yiddish-Koran/
https://www.alislam.org/quran/selected-verses/Yiddish.pdf
Adil Hussain Khan. From Sufism to Ahmadiyya: A Muslim Minority Movement in South Asia Indiana University Press, 2015, p.2
http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4197
https://www.islamahmadiyya.net/index.asp?ver=2.1
http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4197
https://www.jews-for-allah.org/yiddish/Yiddish-Koran/https://
www.alislam.org/quran/selected-verses/Yiddish.pdf
https://themuslimtimes.info/201215/09//ahmadiyya-muslim- jamaat-shaykh-hamza-yusuf/?fbclid=IwAR36NdPhT9ETQj80S-S6T oAjTkucrTL8XtcWP6HxY5WrZd1JbuqIEpL7D3A%2F ixzz2as0sL 3fy
دراسة تأريخيّة
د حامد ناصر الظالمي
يطلق على مَنْ يحفظ القرآن في اللغة الألبانيّة كلمة (hafiz ) وهي الكلمة العربيّة نفسها، ويُطلَق على ختم القرآن (hatme)، ويحظى حافظ القرآن بمكانةٍ مهمّةٍ في المجتمع المحلّي الألباني(1). وعلى الرّغم من تلك المكانة والمنزلة المهمّة للحافظ إلّا أنّ المسلمين من الألبان والذين يشكّلون الغالبيّة من الشعب الألباني 85% ظلّوا «دون ترجمة ألبانيّة للقرآن الكريم حتى نهاية الحكم العثماني الذي امتدّ حوالي خمسة قرون، وعلى نمط ما كان في البوسنة، فقد اعتاد الألبان على تعلّم القرآن الكريم وقراءته باللغة العربيّة، واعتقدوا أيضًا باستحالة ترجمته، ولكن بعد استقلال ألبانيا خلال (1912-1913) ضمن حدودها الحاليّة وخاصّة بعد استقرارها كدولة بعد الحرب العالميّة الأولى، ظهرت أوّل محاولةٍ لترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألبانية في سنة 1912 والمترجم (جورج سيل) لم يكن مسلمًا بل مسيحيًّا. كما أنّ الترجمة لم تكن من العربيّة، بل من الإنكليزيّة إلى الألبانيّة، على أنّ دوافع الترجمة كانت سياسيّة قوميّة»(2). واعتقد الألبانيّون بذلك أي أن ترجمة القرآن الكريم إلى لغتهم هي جزء من الثقافة القوميّة الألبانيّة ومن التراث الألباني «المترجم اريلوميتكو تشافزيزي من الكُتّاب الألبان المعروفين من ذوي النزعة القوميّة الألبانيّة في النّصف الأوّل من القرن العشرين، من الذين سعوا إلى تعزيز الروح القوميّة الألبانيّة من خلال الثّقافة الواحدة التي تستوعب المسلمين والمسيحيّين، ولذلك أقدم تشافزيزي على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألبانيّة
لأنّه كان يعتقد أنّ القرآن الكريم لا يخص المسلمين فقط (وهم الغالبيّة العظمى) في ألبانيا، بل يخص الثقافة القوميّة الألبانيّة باعتباره الكتاب المقدس لغالبية الأمّة الألبانيّة»(1).
من المعروف أنّ اللغة الألبانيّة هي جزء من لغات البلقان، يتَحدَّث بها الألبانيّون والكوسوفيّون، ولكن هناك لغة مهمّة أخرى كذلك اللغة هي الصربوكرواتيّةَحدّث بها الصرب والكروات؛ إذ تُرجم إليها القرآن كذلك، فَتعرَّفت الأوساط العالميّة على القرآن في نهاية القرن التاسع عشر حين صدرت ترجمة ميتشولوبيبراتيتش (2)سنة 1895 ، ومع أنّ هذه الترجمة لم تبَق الوحيدة إلّا أنّها دون شكّ الأولى من نوعها، وقد أُنجزت حتى الآن ترجمات عدّة للقرآن في اللغة الصربوكرواتية، إلّا أنّ نصفها تقريبًا لا يزال مخطوطًا (3). ولكن قبل هذه الترجمة ظهرت ترجمات سابقة بعضها كاملة وأخرى لأجزاء من القرآن نُشِر بعضها وآخر لم ينشر تُرجم بعضها مباشرةً من العربية وأُخر، كالفرنسيّة والتركيّة والروسيّة والألمانيّة والإنكليزيّة(4). ولكن سنة 1895 تعدّ مفصلاً تأريخيًّا مهمّاً وحدثًا ثقافيًا يوغسلافيًا؛ إذ إنّها شهدت صدور الترجمة الأولى الكاملة للقرآن الكريم إلى اللغة الصربوكرواتيّة، إلّا وهي ترجمة ميتشولوبيبراتيتش الذي تُوفّي سنة 1889 وصدرت ترجمته بعد وفاته عام(5)1895. «وتقع هذه الترجمة ب- 467 صفحة بالإضافة إلى ثلاث صفحات خُصّصت لمعجم خاص بالأسماء التي ذُكِرت في القرآن ومكان .ورودها.. وعِوضًا عن كلمة سورة يذكر المترجم كلمة رأس وبعد ذلك تأتي الآيات مُرقمة وكل آية تبدأ دائمًا من أوّل السطر»(6).
1) انظر: م. الأرناؤوط، محمد: مداخلات عربية بلقانية في التأريخ الوسيط والحديث، لا ط، دمشق، منشورات اتحاد الكُتّاب العرب، 2000 ، ص 74
2) ولِد في بولوف بالقرب من تربينيا سنة 1839 وكان من زعماء الانتفاضة في الهرسك سنة 1875 عاش لاحقاً في مملكة صربيا وتُوفّي في بلغراد سنة 1889 راجع (ترجمات القرآن في يوغسلافيا) للمستشرق فتحي مهدي أستاذ في فرع الاستشراق بجامعة بريشتينا - كوسوفا - يوغسلافيا ترجمة الدكتور محمّد موفاكو، مجلة التراث العربي، دمشق عدد 37 – 38، سنة 1989 – 1990، ص191
3) فتحي مهدي، ترجمات القرآن في يوغسلافيا، م.س، ص190
4) انظر: المصدر نفسه، ص182
5) انظر: المصدر نفسه، ص183
6) فتحي مهدي، ترجمات القرآن في يوغسلافيا، م.س، ص183
وفي بدايات القرن العشرين وفي البوسنة والهرسك تحديدًا «قام محمّد سعيد سرادرفيتش (1881-1918) بترجمة بعض سور القرآن الكريم مع تفسيرها في سنة 1913، ونشرها في مجلة المصباح بينما قام شكري الآغيتش (1881-1936) بترجمة تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ونشر جزأين منه في سراييفو عاصمة البوسنة خلال عام 1962-1927) (1).
وفي الربع الأول من القرن العشرين، وفي ألبانيا تحديدًا، قام أحد علماء الألبان المسلمين بترجمة القرآن من العربيّة إلى الألبانيّة مباشرةً، وليس كما حصل مع الترجمة الألبانيّة السّابقة التى قام بها (المسيحي جورج سيل) الذي ترجم القرآن من الإنكليزيّة إلى الألبانيّة؛ لأنّ هذا المترجم قد تميّز «بنتاجه التأليفي الكبير في مجالات عدّة تجمع ما بين اللغة والأدب والترجمة والإسلاميات، فقد نشر سنة 1900 ملحمة التأريخ المقدس والخلفاء الأربعة في 75 ألف بيت من الشعر وأصدر في سنة (1914-1916) كتابين لتعليم اللغة العربيّة موجّهة إلى الألبان. وكان أوّل مَنْ بدأ بترجمة القرآن من العربيّة إلى الألبانية سنة (1923-1926) وترجم عيون الأدب الفارسي ك- (غلستان) السعدي ورباعيات الخيام وغيرها»(2). وحافظ هو لقبه الذي اشتهر به لأنّه حفظ القرآن الكريم وهو من منطقة كورتشا(3). التي أنجبت مترجمًا آخر هو (العالم المسلم علي كورتشا (الألباني) الذي قام منذ سنة 1924 بنشر ترجمة سور القرآن على حلقات في مجلة الصوت المسلم وصدرت كذلك في سنة 1929 ترجمةٌ للقرآن الكريم لعالمٍ مسلم (ألباني) هو الحافظ إبراهيم داليو» (4).
وعند عودتنا إلى البوسنة والهرسك، وتحديدًا سنة 1927 ، نجد أنّ ترجمةً ثانيةً قد صدرت «لإثنين من علماء المسلمين المعروفين هما محمّد بانجا وجمال الدين
تشاو شيفيتش، وقد صدرت في سراييفو بعنوان القرآن الكريم ترجمة وتفسير. فبعد مقدمة المترجم تأتي الصفحات التي تحمل الأعداد الرومانية (VII-LXVIII) لتعرّف ببعض الأمور من تأريخ القرآن، وذلك تحت عناوين منفصلة، ما القرآن، ترتيب القرآن وتقسيمه، جمع القرآن، توزيع القرآن، الكريم، القرآن والكتب المقدّسة، حفظ القرآن الكريم، وفي القسم الثاني لدينا عناوين أخرى، الوحدة الآلهية، الآخرة، العالم الخالد، الجنة والجحيم، الوحي الآلهي، حياة محمد، وبعد هذه الإيضاحات العامة تأتي ترجمة القرآن (ص 1 - 957) وهنا تتضح لدينا فروقٌ بارزةٌ بين هذه الترجمة وبين ترجمة لوبيبراتيتش سواء فيما يتعلّق بالأسلوب أم بالمضمون، ففي بداية كل سورة نجد ملخصًا لمضمونها ومكان نزولها وعدد آياتها. وفي هذه الترجمة ترد السورة مرقّمة بالأرقام العربية، وتحمل كل سورة عنوانها الأصيل في العربيّة» (1)، وهناك ملاحظات حول هذه الترجمة ثبتّها الدارسون وأكثرها يتعلّق بطريقة تقسيم السور أو بالجانب الفني والطباعي وتسلسل السور والآيات، فالسور الطويلة «كانت تُقسّم إلى أجزاء، كسورة البقرة التي قُسّمت إلى (40 جزءًا) وسورة الهجرة إلى ستة أجزاء...
وتأتي عبارة بسم الله الرحمن الرحيم مرةً في اللغة الأصليّة، ومرّةً مترجمة إلى الصربوكرواتية وفي نهاية الطبعة (ص 958 – 976) يوجد فهرس وكاشف للآيات والكلمات وفي ص 977 توضيح على آيات السجدة... وتبدأ كلّ آية من أوّل السّطر ولیست متعاقبة، ونجد أنّ السورة قد قُسّمت إلى أجزاء حسب مضمونها وطولها بحيث يحمل كلّ جزء عنوانًا خاصًّا، فمثلاً نجد أنّ سورة النازعات قد قُسِّمت إلى جزأين مع 64 آية. الجزء الأول يحمل عنوان الزلزلة الكبيرة بينما يحمل الجزء الثاني عنوان الكارثة الكبرى، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ بعض الآيات قُسّمت إلى عشرة أجزاء أو أكثر بينما لم يشمل التقسيم بعض الآيات الأخرى»(2).
أمّا الترجمة الثالثة والمهمّة، وهي من العربيّة إلى اللغة الصربوكراوتيّة، فقد
ظهرت مباشرةً بعد الترجمة الثانية، ففي «سنة 1937 وبعد شهور عدّة فقط من صدور ترجمة بانجا وتشاوشفيتش صدرت ترجمة أخرى للقرآن دون تفسير للحاج علي رضا كارابك بخمسة آلاف نسخة، ومع أنّ المترجم قد ذكر بأنّه قد ترجم القرآن من العربيّة، إلّا أنّ هذه الترجمة تكاد تكون تقليدًا لترجمة لوبيبراتيتش، ولذلك فقد اعتبرت مجرّد تبديلٍ سطحيٍّ لترجمة لوبيبراتيتش... وأن ترتيب السور عند كارابك مُرقّم بالأرقام الرومانيّة، وهو يسمّى السورة رأسًا كما عند لوبيبراتيتش إلّا أنّه يختلف عنه بوضع التّسمية العربيّة (سورة) بين قوسين»(1).
بعد عرضنا لتطوير التّرجمات في اللغة الألبانيّة واللغة الصرب وكرواتية، وحديثنا عن الترجمة إلى اللغة البوسنيّة، نجد كما يقول الدكتور محمّد الأرناؤوط «أنّ الترجمات البوسنيّة للقرآن الكريم توالت بعد أن نضجت الظروف أكثر بعد الحرب العالميّة الثانية أي عند تأسيس فرع ومعهد الاستشراق سنة 1950». وبسيم كركوت المولود في سراييفو سنة 1904 والمتخرج من الأزهر والذي عمل في معهد الاستشراق في سراييفو والمتوفى سنة 1975 أنجز ترجمة متميزة للقرآن الكريم من العربية مباشرة إلى البوسنية(2).
وفي أقليم كوسوفو التابع ليوغسلافيا السابقة الذي يتمتّع بأغلبية ألبانية مسلمة تأسس فرع الاستشراق في الجامعة بريشتينا عام 1973 ، فإزداد التواصل مع العالم العربي والاسلامي حتى صدرت في عام 1985 ترجمة القرآن الكريم للمستشرق الدكتور فتحي مهدي رئيس فرع الاستشراق المذكور ثمّ ترجمة أخرى للحافظ حسن ناهي في سنة 1988 وأخيرًا ترجمة الحافظ شريف أحمدي في سنة 1988 أيضاً(3).
لم تنقطع ترجمات القرآن البوسنية ولم تتوقّف بعد ترجمة بسيم كركوت؛ إذ صدرت ترجمةً جديدةٌ للباحث الدكتور أنس كارتيش عميد الدّراسات الإسلاميّة
في سراييقو، وهي (ترجمة لمعاني القرآن) عام 1995 والدكتور كارتيش من مواليد البوسنة سنة 1958 وكانت رسالته للماجستير عن أخوان الصفا عام 1986 والدكتوراه بتفسير القرآن عام(1)1990. وأصدر مصطفى مليفو في سنة 1994 في البوسنة ترجمةً آخرى للقرآن(2).
تأتي هذه الترجمات في الوقت الذي كانت البوسنة تعيش مجزرةً كبرى قام بها الصرب لم تشهدها المنطقة من قبل، كان هدفها إزاحة الوجود الإسلامي هناك ما بين (1992-1995) ، ولكن الترجمات البوسنيّة تستمر لتعبّر عن الرّوح الإسلاميّة وعن قوّة الشَّخصيّة البوسنيّة؛ إذ «صدرت في سراييفو في أيلول سنة 2004 ترجمةٌ جديدة للقرآن الكريم أنجزها الدكتور أسعد دوراكوفيتش رئيس قسم الاستشراق في جامعة سراييفو وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق والتي عُدَّت حدثًا ثقافيًا بوسنيًّا إسلاميَّا»(3).
ويطلق الدكتور محمّد موفاكو الأرناؤوط على ترجمة الدكتور أسعد دوراكوفيتش بأنّه قد خصّص بوعي حياته لخدمة اللغة العربيّة والثّقافة العربية الإسلاميّة، ولكنّه لم يكن في ذهنه سابقاً ترجمة القرآن، ولكن بعد إصداره للعديد من الترجمات من الأدب العربي القديم(4)والحديث، التي أثبت فيها قدرةً وجدارةً على نقل أصعب ما في الأدب العربي (المعلقات) إلى اللغة البوسنويّة بأسلوب شاعريٍّ يسمح لهم بتذوّق مثل هذا الأدب، قرّر دوراكوفيتش المضيّ في أهمّ تحدٍّ، ألا وهو إنجاز ترجمةٍ جديدةٍ مختلفة للقرآن الكريم... وهو يتميّز عن غيره بتمكّنه من اللغة البوسنويّة وتقاليدها الأدبيّة، وأن الترجمات السابقة ركّزت على نقل المعنى الدّيني المقدّس، ولم تهتم كثيرًا باللغة البوسنويّة التي يُنقل إليها المعنى. ويرى دوراكوفيتش أنّ هذا التركيز على نقل المعنى الدينيّ المقدّس جاء نتيجة أمرين.
أمّا الأوّل فهو أنّ الذين أنجزوا التّرجمات السابقة كانوا في تكوينهم علماء دين، ولذلك انعكست طبيعة دراستهم على ترجماتهم في التركيز على ما هو دينيّ على حساب ما هو لغويّ أدبيّ جماليّ. أما السبب الآخر ، فهو اقتناع هؤلاء بأن أسلوب القرآن في العربيّة معجزة غير قابل للنقل إلى لغة أخرى، ولذلك اكتفوا بالتركيز على نقل معانيه. وهو يعتقد أنّه أفاد من دراساته وترجماته السابقة في إثبات تفوّقه واستخدام لغة بوسنويّة شاعريّة جميلة وأن القرآن كلمة الله يستحق أن يصل إلى القارئ البوسني وغيره في أفضل أسلوب في لغة شاعرية تؤثر عليه بجماليتها على مَنْ يقرأ القرآن بالعربية .. ولأجل ذلك فقد اعتمد دوراكوفيتش الترجمة الشاعرية وجعل بعض السور بوزنٍ واحد وبعض السور بعدة أوزان واعتمد ترتيب آية مقابل آية وصفحة مقابل صفحة ولم يقم بالشرح كثيراً ولم يضع هوامش لا في يمين الصفحة ولا في أسفلها ولكن في بعض المواقع التي رآها ضرورية وصنع أرقاماً صغيرة أحال معها القارئ إلى ملحق صغير في (ص 312 - 613) لتوضيح بعض الأمور وشرحها»(1).
يتبيّن لنا من ذلك أنّه توجد فجوة في إصدار الترجمات ما بين سنة 1937 وحتى أوساط السبعينيات، وهي فترة حكم الأحزاب الشيوعية في البلقان. فقد ضعفت الترجمة، وقلّ عددها، ولكنها عادت تدريجيًّا حتى ازدادت في بداية التسعينيات، أي بعد زوال تلك الأحزاب عن السلطة. ونجد أن أكثر الترجمات كان في البوسنة؛ إذ جاءت للتعبير عن إثبات الذات الإسلاميّة والهوية البوسنيّة في أصعب الظروف.
1) ترجم المعلقات وألف ليلة وليلة إلى البوسنية وكذلك مختارات من الشعر العربي الحديث، ص 70-71
لائحة المصادر والمراجع
الإسلام في أوروبا المتغيّرة تجربة ألبانيا في القرن العشرين، تأليف محمد. م. الأرناؤوط، الدار العربية للعلوم، ناشرون بيروت، ط1، سنة 2007.
البوسنة ما بين الشرق والغرب، د. محمّد موفاكو الأناؤوط، منشورات اتحاد الكُتّاب العرب، دمشق، 2005.
ترجمات القرآن في يوغسلافيا، للمستشرق فتحي مهدي أستاذ في فرع الاستشراق بجامعة بريشتينا - كوسوفا - يوغسلافيا ترجمة الدكتور محمّد موفاكو مجلة التراث العربي دمشق عدد 37 - 38 سنة 1989 – 1990.
مداخلات عربية بلقانية في التأريخ الوسيط والحديث د. محمد . م . الأرناؤوط منشورات اتحاد الكُتّاب العرب، لسنة 2000 دمشق.
«القرآن الكريم» من الكتب السماوية المهمّشة والبارزة التي اعتنى الاستشراق الإسرائيليّ بدراستها والتعرُّض لها بالترجمة، والبحث، والتحليل، والدراسة، والنقد. وهذا ما ظهر جليًّا في إعداد ترجمات عبريَّةٍ مطبوعةٍ وكاملةٍ لمعاني القرآن الكريم صدرت في الكيان الإسرائيليّ، مضافًا إلى إعداد مقالاتٍ حول القرآن الكريم في الموسوعات اليهوديَّة - الإسرائيليَّة، وكثيرٍ من الكتب والأبحاث والدراسات والمقرَّرات الدراسيَّة حول القرآن الكريم.
ولذا؛ لم يكنْ غريبًا وجود عددٍ من المستشرقين والباحثين الإسرائيلييِّن المختصِّين في مجال الدراسات القرآنيَّة، حَرَّكَتهم الدوافع الدينيَّة والأيديولوجيَّة وحتّى العلميَّة، ولعلَّ في مقدِّمتها محاولة تشكيك المسلمين في دينهم وعقائدهم الأساس، مضافًا إلى وقف المدِّ الإسلاميّ على أتباع الديانات الأخرى، ومحاولة الردّ على النّقد الإسلاميّ الموجّه للانحرافات التي شهدتها الديانات الأخرى على أيدي أصحابها(1)إذ كان الدفاع عن العقائد اليهوديَّة التي كانت موضعًا للنقد القرآنيّ، والهجوم على الإسلام وعلى مصادره الرئيسة والتشكيك فيها، ومحاولة إثبات صلته باليهوديَّة؛ من أهمِّ هذه الدوافع(2).
ونعرض فيما يلي نماذج من الأفكار والنقود والشبهات والإشكالات التي أثارها هؤلاء المستشرقين:
أوّلًا: ما ورد في الموسوعة اليهوديّة(1)
The Jewish Encyclopedia Vol. VII Funk and Wagnalls Company: New York & London 1916
نُشرت ما بين عامي 1901-1916 في نيويورك ولندن/ مؤلف مقالة القرآن في الموسوعة ريتشارد جوثيل (Richard Gottheil) : وهو أستاذ اللغات الساميَّة في جامعة كولومبيا في الولايات المتَّحدة، وكان رئيسًا لقسم اللغات الشرقيَّة في مكتبة نيويورك العامَّة، ورئيس الفيدراليّة الأمريكيَّة - الصهيونيّة في الولايات المتَّحدة
حيث وصفت القرآن:
بأنَّه توارة المسلمين؛ حيث جاء في تعريفها للقرآن: «إنَّه كتاب توراة المسلمين، المنسوب لمحمَّد نبيّهم، وعلى اسمه أطلق عليهم اسم المحمَّديِّين».
إنَّ القرآن قد جُمع بعد موت محمَّد، وإنَّ محمَّدًا لم يهتُّم بترتيب سوره ترتيبًا دقيقًا حسب تاريخ وجودها.
إنَّ أقدم أقسام القرآن هي التي تمثِّل الصورة الماديَّة الملموسة للوحي؛ وذلك لأنَّها تعكس درجةً رائعةً من الإثارة في لغتها، ذلك لأنَّها تتكوَّن من الجمل القصيرة غير المترابطة، لكنَّها تحافظ على البناء الأدبيّ الذي يتميّز بالصيغ السحريَّة التي تشبه الصيغ السحريَّة عند الكهَّان العرب.
على الرغم من أنَّ الشواهد التي يمكن اقتباسها من القرآن تحتوي على الكثير من الأساليب البلاغيَّة والتعبيريَّة، فإنَّها كثيرًا ما تذكّرنا - وعلى نحو متكرّر - بشواهد مماثلة في العهدين القديم والجديد، وإنَّ نقاط التلامس هذه موجودة بكثرة؛ لأنَّ محمَّدًا يُردِّد الكثير من قصص العهدين القديم والجديد، وتوجد هذه القصص في السور المتأخّرة على وجه الخصوص، وهي التي لديها كلّ خصائص المواعظ.
إِنَّ الموضوعات الرئيسة التي أُخذت من العهد القديم هي قصَّة الخلق؛ أي خلق العالم، وقصَّة قابيل وهابيل، وقصَّة نوح، وقصَّة إبراهيم وأبنائه، وقصّة يعقوب
1) الموسوعة اليهوديَّة موسوعة يهوديَّة بالإنكليزيَّة خاصّة بالشؤون اليهوديَّة و «الشعب في إسرائيل». تشتمل على 12 مجلَّدًا، اشترك في تحريرها ما يقرب من 15000 كاتب ومحرّر، وتعدُّ أحد المصادر المهمَّة للمعرفة حول اليهوديَّة ومصادرها. ولهذه الموسوعة نسخة إلكترونيّة باللغة الإنكليزيَّة أيضًا.
وابنيه، وموسى وهارون و شاؤول، و داوود وسليمان وأيُّوب ويونا. أمَّا بالنسبة للعهد الجديد، فإنَّه إلى جانب عيسى ومريم، لم يذكر إلَّا يوحنا فقط، وفي القصص المأخوذة من العهد القديم كثيرًا ما يتبع محمَّد نهج الهجاداه اليهوديَّة، أكثر من اتِّباعه روايات الكتاب المقدَّس، وذلك على نحو ما أشار إليه جايجر في كتابه الذي نشر في بون 1834 ، وأعيد نشره في طبعته الثانية عام 1902م في برلين.
إنَّ هناك اختلافات كثيرة بين القصص القرآني والمقرائي؛ خاصَّة في أسماء الأشخاص الواردة في القرآن، التي نشأت عن الخلط والارتباك الذي وقع فيه محمَّد نفسه، فعلى سبيل المثال: نجد أنَّ فرعون يُبدي رغبته في تشييد برج خاصّ به للنظر إلى إله موسى (القصص: 38) وهذه القصَّة مبنيَّة على أساس رواية نمرود، وكذلك بسبب التشويش والخلط مع مريم المقرائيَّة، نجد القرآن يعتبرها أختًا لهارون (مريم: 28) ویرد هامان بصفته خادم فرعون (القصص: 38)، وآزر أبًا لإبراهيم (الأنعام: 74).
إنَّ هناك أساطير قليلة، بالإضافة إلى قصص الكتاب المقدَّس، قد وضعت في القرآن، مثل أسطورة الإسكندر الأكبر ( ذي القرنين ) (الكهف : 82) وما يليها التي نقلت عن مصدر سريانيّ، وأسطورة السبعة نيام (الكهف: 8 وما بعدها)، وأسطورة موسى وعبد من عباد الله (الكهف: 64 وما يليها)، وقصَّة النوم لمدَّة قرن من الزمن (البقرة: 261).
إنَّ القرآن يحتوي على أساطير محلّيَّة عربيَّة، بعد إدخال شيء من التعديل الظاهري على شكلها الأدبي، وقد وضعت في القرآن الكريم بسبب مغزى القصَّة الذي تقوم بتبليغه ، وتنتمي لهذا النوع من القصص، قصَّة هلاك قوم ثمود، بسبب عصيانهم لنبيّهم (الأعراف: 73) ، وهلاك قوم مدين (الأعراف: 85) ، وهلاك قوم عاد (هود: 50 وما يليها)، وهو مصلح عامّ لشعب خرافيّ ينتسب إلى عصر ما قبل التاريخ، وينتمي إلى هذه القصص - أيضًا - قصَّة دمار سدِّ اليمن (سبأ: 16)، وكلام لقمان (لقمان: 12 وما يليها)، والذي ورد بطريقة مماثلة في قصائد عربيَّة قديمة.
إنَّ اعتماد محمَّد على معلّميه اليهود أو ما سمعه من الهجادوت والممارسات اليهوديَّة، بات أمرًا مسلَّمًا به.
إنَّ (آزر ) أصبح أبا إبراهيم (الأنعام: 74) ، وهو اسم ممَّا تبقَّى في عقل محمَّد من الاسم Elizer اليعازر.
إنَّ الهجوم على اليهود كان أكثر حدَّة من النصارى؛ نظرًا إلى أنَّ معارضتهم للمؤمنين أكثر من النصارى (المائدة: 82) ، وهم يستحقُّون التحقير (البقرة: 61). وهذه العلاقة تجاه اليهود تمَّ التعبير عنها بطردهم من المدينة.
ثانيًا: ما ورد في موسوعة جودايكا الطبعة الأولى(1)
Encyclopaedia Judaica Vol. 10 (Jerusalem: Encyclopaedia Judaica 1972). 2007
حاييم زاوي هيربيرج (Ham Zew Hirschberg) : أستاذ متخصِّص في الديانة اليهوديَّة ومقارنة الأديان بجامعة بار ايلان جنوب (إسرائيل)، وهي جامعة دينيَّة متخصِّصة بدراسة علوم الديانة اليهوديَّة المختلفة
إنَّ محمَّدًا لم يجمع النصوص الموحى بها، فهذا الجمع تمّ بعده بفترة طويلة بحوالي 20 عامًا، وما تمَّ جمعه لم يُصنَّف وفق المحتويات أو المضمون أو الأشكال الأدبيَّة، أو الزمن الذي ظهر فيه كلّ جزء إلى الوجود، وأنَّ القرآن يتكوَّن من 114 سورة مرتّبة الواحدة تلو الأخرى؛ مثل: فصول المشنا، ومرتَّبة ترتيبًا تنازليَّا حسب قاعدة تناقص الطول.
إنَّ هناك عناصر من الكتاب المقدَّس تظهر في القرآن، وهناك عناصر مجهولة في الكتاب المقدَّس تظهر في قصص العقاب القرآنيَّة، ويمزج القرآن بين قصص الأنبياء والأجادوت المقرائيَّة.
إنَّ صورة إبراهيم في القرآن تظهر منعزلة عن اليهوديَّة والنصرانيَّة؛ إذ يظهر أنموذجًا قريبًا من الإسلام .
1) موسوعة جودايكا، الطبعة الأولى في 16 مجلَّدًا صدرت عام 1972
ثالثًا ما ورد في موسوعة جودايكا الطبعة الثانية(1)
إنَّ القرآن الكريم تكوّن ونشأ في سوريا أو الجزيرة العربيَّة بعد وفاة محمَّد؛ لأَّنه توجد فيه بعض العبارات التي تتحدَّث عن أشياء تسبق محمدًا.
إنَّ القرآن يتكوّن من سور، وكلّ سورة تتكوّن من آيات؛ بمعنى (SIGN) إشارة أو إيماءة، مقارنة بينها وبين اللفظة العبريَّة، وهي تعني في العبريَّة إشارة أو علامة.
إِنَّ كلمة الزكاة من المرجَّح أن تكون من الكلمة الفلسطينيَّة اليهوديَّة( (zaki
إنَّ الجدل القرآنيّ لم يشمل عبادة المشركين وحسب، بل اليهود الذين اعتقدوا أنَّ عُزيرًا ابن الله والنصارى الذين اعتقدوا أنَّ عيسى ابن الله، مثلما أتّهم النصارى -أيضًا - بتجاهل قوانينهم (الإنجيل)؛ كما ورد في القرآن (المائدة، 68).
إنَّ الهجوم القرآنيّ على اليهود يشبه النماذج المقدّمة في العهد الجديد، فقد اتّهموا -أي اليهود -بالعنصريّة وقتل الأنبياء (متى 5/ 12 و 23/ 1-30) (لوقا 11 47)، وبالتآمر لقتل يسوع، وعدم المحافظة على قوانين التوراة (أعمال الرسل، 7 /53) ، وكلّ هذه عناصر تكرّرت في الهجوم القرآنيّ على اليهود.
إنَّ القرآن احتوى على توبيخ لبني إسرائيل؛ إذ كانوا شعب الله المختار (11/2)، وتحدى اليهود والنصارى حول أنَّهم وحدهم سيدخلون الجنة (5/ 18)، ويبدو اليهود أيضًا - مستكبرين فقدوا حقّهم في أن يكونوا شعب الله المختار، كما أشار إليهم القرآن على أنّهم قتلة الأنبياء (3/ 181-183)، ورفضوا الرسل الذين أرسلوا إليهم. ونعت اليهود كذلك بأنَّهم يأخذون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض (2/ 85)، كما فعل النصارى -أيضًا - بتجاهل قوانينهم (الإنجيل)؛ كما ورد في القرآن (68/5) وأنّهم جزء من أهل الكتاب برفض الكتاب المقدَّس. ويشير القرآن -كذلك- لغضب الله عليهم؛ ما أدَّى إلى معاناتهم على مرّ التاريخ، وتحريم بعض أنواع الأطعمة
1) الطبعة الثانية في 22 مجلَّدًا صدرت عام 2007 أوري روبين (Uri Rubin) : أستاذ الدراسات القرآنيَّة في قسم الدراسات الإسلاميَّة والعربيَّة في كلِّيَّة الدراسات الإنسانيَّة والاجتماعيَّة في تل أبيب (الكيان الصهيوني)، وهو صاحب أحدث ترجمة عبريَّة لمعاني القرآن الكريم، صدرت عن جامعة تل أبيب عام 2005
عليهم، وما حرَّمه يعقوب عليهم من الأطعمة في التوراة عقابًا لهم، كما عاقب الله بعض اليهود لانتهاكهم حرمة السبت. وإنّهم قاموا بتحريف التوراة (القرآن 2/ 79) ، ولَيّ ألسنتهم واللعب بالكلمات العبريَّة بهدف التضليل.
إنَّ بعض الآيات تشير إلى الصدام بين محمَّد واليهود (5/ 64)، وبعض الآيات تظهر أنَّ اليهود هم من يبدؤون بالحرب، لكنّ آياتٍ أخرى تشير إلى أنَّهم خضعوا للقوّة العسكريَّة للمسلمين.
رابعًا: ما ورد في الموسوعة اليهودية العالميّة(1)
The Universal Jewish Encyclopedia New York: University Jewish Encyclopedia 1944
هي موسوعة يهوديَّة متخصّصة في الشؤون اليهوديّة والصهيونيّة. صدرت في نيويورك عام 1944
المقال :تأليف هينريش سبيير Heinrich peer) ): هو مستشرق يهوديّ ألمانيّ حاصل على الدكتوراه في الآداب الشرقيَّة، وتتمحور معظم اعماله الفكريَّة حول ما يُعرف في المفهوم الاستشراقيّ ب-«العناصر اليهوديَّة والنصرانيَّة في القرآن»
إنَّ السور الأقدم في القرآن صِيغَت في كلمات وبأسلوب بسيط ومختصر ودوِّنت في وقت متأخّر.
إنَّ محمَّدًا لم ينجح في إحداث ترتيب متناغم ومتماسك داخل كلّ سورة، ولا يوجد في القرآن سوى مجموعة صغيرة من السور مرتَّبة منهجيًّا، وتقع السور الشعريَّة الأقدم في القسم الأخير من القرآن، أمَّا السور الأكثر تأخُّرًا فهي نثريَّة في الغالب، وتقع في القسم الأوّل، وقد احتلَّت هذا الموقع المتميزِّ لاحتوائها على أحكام وتشريعات، ولا يوجد أيّ نظام رتِّبت عليه سور القرآن ترتيبًا تاريخيًّا دقيقًا. وبعد وفاة محمَّد اتِّخذت خطوات لجمع المادّة المبعثرة في شكل شفهيٍّ ومكتوب للاختيار منها، ووفقًا للتراث، فإنَّ الترتيب الحاليّ لأقسام القرآن أُنتج تحت رعاية الخلفاء الثلاثة الأوائل.
إنَّ قصص الكتاب المقدَّس الواردة في القرآن تمتّد من خلق العالم حتَّى عزراء الذي اعتبره اليهود، حسب ما يدَّعيه محمَّد، أنَّه ابن الله.
1) الموسوعة اليهوديَّة العالميَّة
اعتبرت الموسوعة قصَّة إبراهيم أعظم قصص الكتاب المقدَّس وأروعها، مشيرة إلى أنَّ محمَّدًا يصوّر إبراهيم بأنَّه أوّل مؤمن حقيقيّ والإنسان المثاليّ، بل إنَّه أطلق على تعاليمه هو نفسه أي تعاليم -محمَّد- (دين إبراهيم)، واعتبر محمَّد نفسه خاتم الأنبياء الحقيقيِّين وآخر سلسلة رجال الله الملهمين، الموحى إليهم بوحي إلهيّ؛ والذي كان من أهمّهم آدم، ونوح ، وموس،ى وعيسى، ومع ذلك لم يعترف بأنَّ الأخير؛ أي عيسى هو ابن الله.
إنَّ الميزة البارزة للعقديَّات القرآنيَّة هي التصوُّر القرآنيّ حول وحدانيَّة الإله، وإرادته وقدرته. وإنَّ التوحيد الذي جاء به محمَّد هو الشكل الأقدم لديانة العرب الوثنيَّة، الذي كان الله فيها هو الحاكم والمعبود الأوحد ثمَّ تفرّعت الأمور إلى آلهة عدَّة حاكمة ومعبودة؛ مثل: الملائكة والجنّ، ثمَّ تطوَّرت إلى الكعبة، وهكذا قام محمَّد في استيلائه على كلِّ عناصر العبادة هذه بتقديم تنازلات للماضي، لكنَّه ركّز شخص العبادة في الله الواحد الأحد.
إنَّ تصوُّر محمَّد عن الله وقدرته يعتمد على وصفيّات مدراشيَّة للسماوات والعرش الإلهيّ، لكنه يعتمد على عناصر روحيّة أيضًا.
خامسًا: ما ورد في الموسوعة العبريَّة العامَّة لليهوديَّة وأرض إسرائيل(1)
المقال من تأليف: البروفيسور إيتان كوليبرج: وهو أستاذ فخريّ في قسم اللغة العربيَّة وآدابها بالجامعة العبريَّة بالقدس المحتلَّة، وعضو الأكاديميَّة الإسرائيليَّة للعلوم، وفي عام 2008 حصل على جائزة روتشيلد في الآداب وجائزة إسرائيل في الاستشراق في (إسرائيل)
لقد تمّ وصف الإسلام بالأورثوذكسيّ؛ حيث جاء في تعريفها للقرآن: «إنَّه وفقًا للاعتقاد الإسلاميّ (الأورثوذكسي)، فإنَّ القرآن المتضمِّن لكتاب الله...»
إنَّ الآيات القرآنيَّة تنقسم وفق الفترة الزمنيَّة إلى مكيَّة ومدنيَّة، وهي تختلف
1) الموسوعة العبريَّة العامَّة لليهوديَّة وأرض إسرائيل: بدأت طباعة المجلد الأوّل منها في صيف عام 1948. وقد تُرجمت في ما بعد إلى اللغة الإنكليزيَّة بعنوان Encyclopedia Hebrae) ) : وتعدَّ من أهمّ الموسوعات اليهوديَّة وأكبرها، فهي الموسوعة الأكثر شمولا المكتوبة باللغة العبريَّة، اشترك فيها حوالي 2500 كاتب يهوديّ من بينهم مفكّرون وعلماء كبار.
في محتواها وأسلوبها ، لكن لا يوجد اتِّفاق بين علماء المغرب وبين المسلمين أنفسهم حول انتماء هذه الآيات إلى أيّ الفترتين (مكيَّة ومدنيَّة) ومن أجل تسوية الخلاف في ما يتعلَّق بالتناقض بين الآيات المختلفة طوّر المسلمون نظريَّة وفقًا لها، وهي أنَّ الآيات التي تنتمي لفترة متأخّرة تنسخ الأحكام الشرعية للآيات التي تنتمي إلى فترات سابقة.
إنَّ في القرآن آياتٍ كثيرةً متأثِّرة بشكل خاصّ ب- (التناخ(1)، والمدراشيم(2)والعهد الجديد)، والتي تتضمَّن قصصًا حول أناس سبقوا محمّدًا ويعدّون من الأنبياء مثل: (آدم، نوح ، إبراهيم، إسحاق، إسماعيل، يعقوب، يوسف، داوود، سليمان، يوحنا المعمدان، عيسى، وآخرون)، وأيضًا بعض الأنبياء العرب (هود، صالح)، في حين أنَّ إبراهيم يوصف ب- أوَّل الموحِّدين).
يوجد كثير من الآيات الجدليّة مع اليهود والنصارى؛ وقليل منهم يعدّون مؤمنين بالله ويستحقُّون على ذلك الأجر (آل عمران ،199، الأعراف، 159)، لكن معظم اليهود متّهمون بتحريف التوراة، وإنكارهم لنبوَّة محمَّد وانضمامهم لأعدائه لحقدهم عليه (النساء ، 44 والمائدة 43-44) ، كما أّتهم - اليهود - عرفوا بقتل الأنبياء (البقرة، 87، آل عمران، 113) وخيانة قادتهم (مثل : صنع عجل من ذهب، البقرة، 54-55 الأعراف، 148)، وانتهاك قوانين التوراة التي أعطيت لهم (انتهاك السبت، أخذ الربا، الأعراف 163-167، النساء 161).
إنَّ النصارى يُهاجَمون في القرآن بشكل خاصّ على إيمانهم بأنَّ يسوع ليس نبيًّا وحسب؛ وإنّما ابن الله.
1) اسم من أسماء كتاب اليهود المقدَّس (العهد القديم)
2) من الكلمات التي تطوَّر معناها تطوُّرًا كبيرًا في الفكر اليهوديّ على مرّ العصور، لكنَّ الرأي السائد أنَّ (الدراشيم) عبارة عن تفسيرات وشروح للعهد القديم نتج عنها ما يعرف باسم أدب المدراشيم؛ الذي يقسم إلى: (هالاخاه) المرتبطة بالتشريعات، و(آجادا) أو (ها جدا) المرتبطة بالقصص
سادسًا: ما ورد في موسوعة كنز إسرائيل(1)
وُسصف القرآن بأنَّه توراة الأسماعيليِّين: «إنَّ القرآن هو كتاب توراة الإسماعيليِّين، الذي أعطاه لهم نبيُّهم محمَّد...»
إنَّ الخليفة أبا بكر رتَّب القرآن بعد وفاة محمَّد، ووضع السور الطويلة في البداية، والقصيرة في النهاية بدون رابط بينها، وجاء عثمان ووضع المصحف في شكله الأخير.
إنَّ السور المكَّيَّة مكتوبة بشكلٍ شعريٍّ حماسيٍّ يثير النّفوس، أمَّا السور المدنيَّة ففيها قوانين فقط.
أشارت مقالة (ماذا تعلَّم محمَّد من توراة اليهود؟) إلى أنَّ محمَّدًا لم يكن يعرف القراءة والكتابة؛ لذلك اضطرّ إلى أن يتعلَّم من أحد اليهود، الذين نقلوا له قصصًا من حياة الأنبياء وأساطير من أعمال الآباء، وكان أستاذه اليهوديّ هو (عبد الله بن سلام)، ووفقًا لما ظهر من القرآن فإنَّ (ابن سلام) قال لمحمَّد مجرَّد أفكار هامشيَّة وقطع بسيطة، وليست معارف شاملة وكاملة، ومن الصعب تحديد ما إذا كانت الأخطاء الكثيرة والتبديلات والزيادات خرجت من فم المعلّم أم التلميذ، كما لا يوجد ترتيب صحيح بالقصص، فكثيرًا ما حُدِّد (إبراهيم، إسحاق، يعقوب، إسماعيل، نوح، داوود، سليمان، أيّوب، يوسف، موسى، هارون) لكن بترتيب مقلوب.
وعرَّفت الموسوعة تحت عنوان (قصص القرآن وفق ترتيب التوراة) الخلق بأنَّه: الأرض والسماء انفصلتا عن بعضهما البعض بعدما كانتا كتلة واحدة، وبعد ذلك خُلق سبع سماوات، وفي البداية خُلقت الجنّة وبعد ذلك خُلق آدم وزوجه،
1) (كنز إسرائيل) موسوعة لكلّ مجالات توراة إسرائيل وأدابها وتاريخها، صدرت في نيويورك بين عامي 1907-1910، ثمَّ صدرت طبعتانْ إضافيَّتان لها في لندن وبرلين- فيينا عام 1924. وهي موسوعة خاصَّة بالعلوم اليهوديَّة باللغة العبريَّة وتحتوي على 10 مجلَّدات. تستمدُّ خصوصيّتها من عدم تركيزها على العلوم التوراتيَّة والتلموديَّة فحسب، بل بعض العلوم العامَّة الأخرى. اشترك في تحريرها عدّد من العلماء والكتّاب والحاخامات ورغم أنَّها لا تعدُّ (دقيقة) من الناحية العلميَّة، لكنَّها لاقت انتشارًا واسعًا بين اليهود في العالم؛ سواء داخل (إسرائيل) أو خارجها. والمقال من تأليف الدكتور إسحاق تسيفي آيز عنبعرن: وهو حاخام يهوديّ فرنسيّ، وله كتابات في مجال مقارنة الأديان
وسمع الملائكة أنَّ آدم سيخلق، فاتّهموه بالسوء أمام الإله، وحينما خلق آدم أمر الإله ملائكته بالسجود له، وسجدوا إلَّا إبليس امتنع.
وعن آدم وزوجه قالت: آدم وحوّاء أُمرا بألَّا يأكلا من شجرة المعرفة، لكنّ الشيطان (إبليس) حرَّضهما وأكلا منها، وطُردا من جنَّة عدن، وأخرج الإله من بعده (أي من بعد آدم) نسله من الجنّة وآمنوا بالله.
وعن نوح، ذكرت: أنَّه وعظ قومه وقال: أنا لا أطلب منكم أجرًا؛ إذ إنَّ أجري هو على ربِّ العالمين، وهذه الصيغة موجودة كذلك عند من دعوا بالأنبياء، هود، صالح ،لوط، ومصدرها موجود في أشعياء (32/ 14)... هذا هو أجري. ومن هذا نفهم أنَّ محمَّدًا كَرَّر لقومه أنَّه لا يطلب أيّ أجر منهم. ومثلما قال قوم محمدَّ عليه - أيضًا - قال- قوم نوح عليه أنَّه مجنون وساحر، ونجا نوح بسفينة من ماء الطوفان، وعاش 950 سنة بين قومه ومات بعدها.
ذكرت عن النبيّ هود: أنَّه وفقًا لجايجر هو عافر، الذي قال عظاته أمام قوم عاد، وكذَّبوه حتَّى دمّرتهم عاصفة، وبعد هود جاء صالح؛ وهو شالح؛ وفقًا لجايجر أيضًا، وكان نبيًّا لقوم ثمود، الذين خدعوه، وبعد ذلك خلق ناقة تدلّ على نبوَّته، لكنّ تسعة من المجرمين قتلوها .
أشارت الموسوعة - أيضًا - إلى قصص إبراهيم، ولوط، ويوسف، وأيوب، وقصَّة موسى وفرعون، وقصَّة خضوع الريح لسليمان، وقصَّة نجاة يونس من بطن الحوت، وقصَّة عيسى، وذلك من دون تحديد مواضع معيَّنة داخل التوراة أو العهد القديم؛ بوصفها مصادر يهوديَّة لهذه القصص.
إنَّ محمَّدًا أخذ عددًا من الأفكار الرئيسة من اليهوديَّة؛ ومنها: الإيمان بالله، ووحدانيّته، وقدرته، وأنَّه الخالق والرازق.
إنَّ محمَّدًا حاول التقرُّب من اليهود واستمالتهم عن طريق استخدام بعض الكلمات الخاصَّة؛ مثل : (سكينة) وكلمة (قسِّيسين) التي تعني في العبريَّة كبار
السنّ أو الشيوخ، والتي عكست توجّهه بأن يُظهر لهم معرفته بالتوراة.
سابعًا: ما ورد في ويكيبيديا العبرية (1)
بالنسبة لمقالة (قرآن) فيها، فلا يوجد له اسم مؤلّف أو محرّر ، لكنّ مصادر المقالة محدّدة فيها، وتنحصر بالموسوعة اليهوديَّة، وكتابات المستشرقة الإسرائيليَّة حافا لازروس حول القرآن الكريم
أشارت مقالة بعنوان (القرآن في مقابل الكتب المقدَّسة اليهوديَّة والنصرانيَّة) إلى أنَّ القرآن يذكر صورًا وأحداثًا تمَّ قصُّها في الكتب المقدَّسة اليهوديَّة والنصرانيَّة (التناخ) والأبوكريفا (2)والمدراشيم)، على الرغم من أنَّها مختلفةً في كثير من تفاصيلها عن التناخ المذكور به آدم، وحانوخ، ونوح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، ويثرو، وداوود، وسليمان، والياهو واليشع، ويونا (يونس)، وهارون، وموسى، وزكريا. ومن العهد الجديد يذكر -كذلك- يوحنا المعمدان، وعيسى، والحقيقة أنَّ عيسى ذُكر في القرآن أكثر من محمَّد، كما أنَّ مريم أمّ عيسى ذكرت في القرآن أكثر ممَّا ذُكرت في العهد الجديد. وإنَّ كلَّ الصور السابقة الذكر عن هذه الشخصيَّات تُعرف في الإسلام أنبياءً تواصلوا مع الإله، وحملوا كلماته إلى البشر، ذلك جنبًا إلى جنب مع عدد كبير (عشرات، وربّما وفقًا لكتب تراثيَّة معيَّنة مئات الآلاف) من الأنبياء. لكنَّ 26 نبيًّا - فقط - ذُكروا في القرآن، ومحمَّد هو خاتم الأنبياء، وليس من المنتظر أن يكون هناك نبيّ بعده
إنَّ الباحثين في مجال الإسلام يرون تشابهًا كبيرًا بين القرآن والتناخ والعهد الجديد، وكذلك المدراشيم والآجادوت اليهوديَّة - أيضًا، ما يكشف عن تأثيرٍ يهوديٍّ ونصرانيٍّ على محمَّد، فمن المعروف أنَّ محمَّدًا اتَّصل باليهود والنصارى الذين سكنوا في زمنه الجزيرة العربيَّة، وبالتالي يمكن أن نجد (صدىً) للتراث
1) ويكيبيديا العبرية : موسوعة إلكترونيّة حرّة بالعبريَّة على الإنترنت. وتتضمَّن - بالإضافة إلى مقالة (القرآن) - ترجمة إنكليزيَّة للقرآن صدرت عن جامعة كاليفورنيا الجنوبيَّة بالولايات المتَّحدة، بالإضافة إلى مقالة القرآن في موسوعة القرآن الصادرة عن جامعة جورج تاون في واشنطن عام 2009 http://he.wikipedia.org/wiki/ .
2) الكتب الخارجيَّة أو غير القانونيَّة
اليهوديّ في التلمود، وكذلك التراث الذي كان بين يدي آباء النصرانيَّة.
إنَّ التعرُّض للتشابه الموجود بين (المقرا) و(القرآن) لا يتوافق في حالات كثيرة مع النصّ المقرائيّ، ومثال بارز لذلك هو: التعرُّض ل- (مريم) أمّ يسوع أختًا لهارون الكاهن، فاللاهوت الإسلاميّ يشرح هذا الاختلاف بأنَّ القرآن جاء ليُصحِّح التحريفات التي أدخلها اليهود والنصارى على كتبهم المقدَّسة، ففي القرآن توجد قصص عن شعوب وصور غير موجودة بالمقرا، منها : (شعب عاد) الذي خرج منه النبيّ هود، وشعب ثمود (المنسوب إلى تدمر المقرائيَّة) الذي خرج من بينه النبيّ صالح، وحول هذه الصور وهذه الشعوب يقصّ القرآن بطريقة المثل والعتاب.
إنَّ كلمة (قرآن) مرتبطة بالجذر السامي (ق ر أ ) ، المرتبط بالقراءة، وهي مرتبطة بالكلمة العبريَّة (مقرا) التي يُقصد بها - أيضًا - القانون الدينيّ الأعلى وهو التناخ.
إنَّ القرآن كثيرًا ما تعرَّض لليهود، وموسى - على سبيل المثال - ذُكر في القرآن 145 مرَّة. ولم تكن علاقة محمَّد باليهود تسير على نمط واحد، ففي البداية ظنَّ أنَّهم سينضمُّون إليه فدعا إلى عدم التعرُّض لهم ولعباداتهم، لكن حينما عارض اليهود دعوته، قاتلهم وأمر بأخذهم أهلَ ذمَّةِ صاغرين، وهذا هو السبب أنَّ هناك آيات قرآنيَّة جزء منها يشيد باليهود والجزء الآخر ينتقدهم. مع ذلك تجدر الإشارة إلى أنَّ القرآن رأى أنَّ (شعب إسرائيل) هو شعب مختار من بين كلّ الأمم، وهو ما تمّ التعبير عنه في آيتي (البقرة/ 122 والجاثية (16).
إنَّ القرآن لا يقبل نظريَّة (الثالوث المقدَّس)، ويقول القرآن: إنّ يسوع ليس إِنَّ ابنَ الإله، لكنَّه نبيٌّ من لحم ودم، سينزل من السماء في آخر الأيَّام ويبشِّر بيوم الدين. وفي التراث المتأخّر جدًّا حول مجيء المهدي (الماشيح) هناك تيَّارات إسلاميَّة ترى في يسوع أنَّه ليس مبشِّرًا بمجيء المهدي وإنَّما هو المهدي ذاته.
(دراسة نقدية)
د. أحمد البهنسي (1)
مقدّمة
يعود تاريخ الاهتمام اليهودي بالإسلامِ ومصادرهِ الأساسيّة وفي مقدمتها القرآنُ الكريمُ، إلى زمن ظهور الإسلام نفسه، وهو ما سجله القرآن الكريم في ورود بعض الآيات التي تردُّ على بعض التساؤلات التي طرحها اليهودُ على الرسول صلّي الله علیه و آله بهدف تحدّيه والجدل معه وإظهارِ ضَعفِه، وكان منها الآيات 9-26 من سورة الكهف.
أمّا في العصور الوسْطى التي شهدت احتكاكًا وتعايشًا قويًّا بين المسلمين واليهود في مراكزَ وبقاعٍ عدّة، منها العراقُ واليمنُ والأندلسُ، فقد تَبدَّى الاهتمام اليهودي بالقرآن الكريم على شكل إعداد ترجماتٍ عبريّة جزئيَّة لبعض آي القرآن الكريم، لم تكن أمينةً، وامتلأت بالتحريفات والتشويهات، وقد ظهرت أيامُ حُكْمِ المسلمين للأندلس، وقام بهذه الترجمات الفيلسوفُ اليهوديُّ «سعديا الفيومي»، والشاعرُ اليهوديُّ «سليمان بن جبيرول».
كما كان الاهتمامُ اليهوديُّ بالدّراسات الإسلاميّة - ولا سيّما القرآنِ الكريم في العصر الحديث - اهتمامًا كبيرًا ، فقد ظهرت وتكونت ما يمكن تسميتّه ب- «المدرسة اليهودية في الاستشراق»، التي كان من أهمِّ مجالاتها الدراساتُ الدينيّةُ المقارِنةُ بين اليهودية والإسلام، والتي هدفت إلى ردّ القرآن الكريم إلى العهد القديم، وكان من أبرز
1) باحث مصري مختص بالاستشراق الإسرائيلي والدراسات الدينية اليهودية
المؤلفات في هذا الصدد: كتابُ الحَبْر اليهودي الألماني الشهير أبراهام جايجر «ماذا أخذ محمدٌ عن اليهودية»؟
Was hat Mohammed aus dem Judenthume aufgenommen» »
فضلًا عن ذلك، فإن المستشرقين اليهودَ و «الإسرائيليين»، قاموا بنشر أفكارهم وأيديولُوجيَّاتِهم الاستشراقيّةِ عن القرآن الكريم في مؤلفاتٍ ومجلداتٍ ضخْمة، إضافةً إلى نشرِها في موسوعات ودوائر معارف كبيرة منها ما كُتب بالإنجليزيّة، ومنها: ما كتب بالعِبْرِيَّة، ومنها: ما كان مطبوعًا، ومنها: ما تم نشره إلكترونيًا، ومنها: الموسوعاُت العامة، ومنها : الموسوعات المُتخصّصة.
في ضوء ما سبق، يأتي الكتاب الماثل للعرض، والذي يقدم دراسةً نقديّةً شاملة الجوانب للمقالات التي وردت عن «القرآن الكريم» في جميع الموسوعات اليهوديّة حول القرآن الكريم، إضافة إلى احتوائه على ملحقٍ يشتمل على النّصوص الأصليّة لهذه المقالات الموسوعيّة بلغاتها الأصلية (العبرية، الانجليزية)، وترجمتها إلى اللغة العربية. ويتم استعراض أهم محاور الكتاب على النحو الآتي:
مادّة الدراسة ومنهجها
تَشْمُلُ مادةُ الدراسة جميعَ المقالات عن القرآن الكريم في الموسوعات اليهوديّة، سواءً المتخصّصة أو العامّة، وسواء بالعبريّة أو الإنجليزيّة، وسواء المطبوعة ورقيَّا أو المنشورة إلكترونيًا. ويمكن تقسيمُها على النحو التالي:
• أولًا: موسوعاتٌ مطبوعةٌ
1- بالإنجليزيّة
الموسوعة اليهوديّة
موسوعة جودايكا
Encyclopaedia Judaica, Vol. 10, (Jerusalem: Encyclopaedia Judaica, 1972).2007.
الموسوعةُ اليهوديّة العالمیّة
2- بالعِبْرِيّة
الموسوعةُ العبريّة العامّة لليهوديّة وأرض إسرائيل:
1910אנציקלופדיות ירושלים אוצר ישראל. אינצקלופדיה לכל מקצועות תורת ישראל
«كَنْزُ إسرائيل، موسوعةٌ لكل مجالات توراة إسرائيل وآدابها وتاريخها».
ثانيًا: موسوعاتٌ إلكترونيةٌ
1- بالإنجليزيّة
http://www.jewishencyclopedia.com/- Jewish Encyclopedia,
هي نسخةٌ إلكترونيّةٌ من موسوعة Jewish Encyclopedia The)) «الموسوعة اليهودية» الإنجليزيّة الورقيّة.
2- بالعِبْرِيَّة
http://he.wikipedia.org/wiki/
«ويكيبديا»: هي موسوعةٌ الكترونيّةٌ حُرَّةٌ بالعبريّة على الإنترنت.
موسوعة المعرفة الموثوقة
http://www.ynet.co.il/yaan
وهي موسوعة يهوديّة تابعة لصحيفة يديعوت أحرونوت، التي تعد أشهر الصحف الإسرائيليّة وأكثرها توزيعًا داخل إسرائيل.
الموسوعة اليهوديّة
http://www.daat.ac.il/encyclopedia
أمّا عن منهج الدراسة، فهو المنهج «الوصفي - النقدي»؛ إذ يتمُّ حصرُ ووصفُ وتصنيفُ الفرضيّات والمطاعن المتعلّقة بالقرآن الكريم الواردة في المقالات الموسوعيّة، ثم نقدها بشكل علميٍّ موضوعيٍّ.
يعتمد منهجُ «النقد» الذي استخدمته الدّراسة على أدوات أساسيّة عدّة بغية الوصول إلى النقد الموضوعي العلمي غيرِ المُتَحَيَّز للفرضيات الاستشراقيّة الواردة بهذه المقالات الموسوعيّة حول القرآن الكريم . وذلك من خلال الخطوات الآتية:
استعراض ووصف الفرضيّة الواردة في الموسوعة اليهوديّة حول القرآن الكريم.
عرض النصوص، النصّ القرآني، والنصّ اليهودي أو النصراني أو الوثني، المردود له النصّ القرآني.
المقارنة بين النَّصَّيْن: النصّ القرآني والنصّ اليهودي أو النصراني أو الوثني المردود له النصّ القرآني بغية الوقوف على أوجه التشابه والخلاف، ومعرفة ما إذا كان هذا التشابه حقيقيًّا وكاملا ويتعلّق بالمضمون، أم إنّه تشابهٌ ظاهريٌّ وسطحيٌّ ومنقوصٌ، وتَكْمُنُ أهميّةُ ذلك في أنّ معظمَ الكتابات الاستشراقيّة حول القرآن الكريم تعتمد على وجود تشابه بين القرآن الكريم ومصادر دينيّة يهوديّة ونصرانّية ووثنيّة، كأساس لما يعتبرونه تأثيراً وتأثُراً أو اقتباسًا قرآنيًّا من هذه المصادر الدينيّة غير الأصيلة (اليهوديّة، النصرانيّة، الوثنيّة).
المقارنة بين السياق الوارد فيه النّصّ القرآنيّ والسياق الوارد فيه النّصّ المردود له (اليهودي، النصراني، الوثني).
التأصيل لمصدر النص (اليهودي، النصراني، الوثني) المردود له النصُّ القرآني، وذلك للتثبت من صحة المصدر ومدى أصالته.
الاستعانة بالأدلّة والشواهد التاريخيّة والعلميّة، إضافة إلى الآراء العلميّة لعدد من المستشرقين الذين يمكن وصفهم ب- «الموضوعيّين » أو «العلميّين» أو «المنصفين».
أمَّا فيما يتعلّق بالفرضيات اللغوية حول رَدُّ عدد من الألفاظ القرآنيّة لألفاظٍ تنتمي للديانة اليهوديّة (العبريّة، الآراميّة - اليهوديّة)، فإنّ الدّراسة اعتمدت منهجَ تأصيلِ اللفظة القرآنيّة مباشرة وتأصيل وجودها أو شبيه لها في لغات أخرى لا سيّما اللغاتِ السامية (تشترك مع العربية في نفس الأسرة اللغوية «اللغات السامية»)، لمعرفة إذا كانت اللفظة القرآنيّة، التي ردتها الفرضيّة الاستشراقيّة إلى لغة أخرى غير العربية، لفظةً عربيّةً أصيلةً، أم لفظةً ساميةً مشتركة، أم لفظةً أعجميّة دخيلة.
«تاريخيّة» القرآن الكريم
اهتم المستشرقون عامّة واليهود منهم خاصّة بما بات يُعرف في الدّراسات الاستشراقيّة بقضيّة «تأريخيّة القرآن الكريم» أي وضع النّص القرآنيّ في إطار تاريخيّ من حيث نزوله أو مراحل جمعه وتدوينه، إضافة إلى ترتيب الآيات والأجزاء القرآنيّة. وكذا تقسيم سوره إلى «مدنيّة ومكّيّة». وهو ما تعرّضت له المقالات بالموسوعات اليهوديّة حول القرآن الكريم، من خلال طرحها للفرضيّات المتعلقة ب- «تعريف القرآن الكريم وجمع آياته وترتيبها».
في هذا الصدد، طرحت الموسوعات اليهوديّة فرضيتين أساسيتين: الأولى، هي أنّ محمّدًا صلّی الله علیه و آله هو من ألّف القرآن الكريم. والثانية، هي أنّ القرآن الكريم نتاج وَثَنِيُّ بَشَرِي نشأ إمّا في سوريا أو الجزيرة العربية فيما بعد محمد صلّی الله علیه و آله.
فنّدت الدراسة الماثلة للعرض هاتين الفرضّيتين السابق ذكرهما، بالإشارة إلى أنّه بالنسبة للفرضيّة الأولى فإنّ إثبات «أُمِّيَةِ» محمد صلّی الله علیه و آله تُدْحِضُ بما لا يدع مجالًا للشك إمكانيّة أن يأتيَ محمد صلّی الله علیه و آله «النبي الأمي» بمثل هذا القرآن، بما يحتوي من بناءٍ أدبيٍّ وفكريٍّ ومعرفيٍّ معجز وشديد البلاغة، تلك «الأميّة» التي شكّكت فيها
الدّراسات الاستشراقيّة من أجل إثبات أن القرآن الكريم هو من نتاج محمد صلّی الله علیه و آله. وكان من بين هؤلاء وأبرزهم المستشرق الفرنسي بلاشير وكذك المستشرق الإنجليزي منتجمري واط.
كما أنّ جميعَ وسائل البحث التاريخيّة والعلمية حول حياة محمّد صلّی الله علیه و آله سواء العادية أو حياته في فترة الرسالة، سواء في مسقط رأسة بمكة أو موطنه الأخير المدينة المنورة «يَثْرِبَ»، أو في رحلاته واتصالاته، عجزت عن تقديم تفسير كافٍ يثبت أن محمّدًا صلّی الله علیه و آله على أميته هو من جاء بالقرآن الكريم بما يحتويه من بناءٍ شامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي تُقدم من خلال القرآن الكريم في مجالات الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون... إلخ.
أمّا الفرضيّة الثانية التي طرحتها الموسوعات اليهوديّة، فهي تقول بفكرة أنّ القرآن الكريم لم يكتمل ولم يُدَوَّنْ في عهد البعثة النبويّة، وأنّه تكوّن فيما بعد وفاة محمد صلّی الله علیه و آله، إمّا في الجزيرة العربيّة أو سوريا، وهو ما يعرف في الدّراسات الاستشراقيّة لا سيّما المهتمّة بدراسة تاريخ الأديان بنظريّة «النشأة والتطور» والتي حاول المستشرقون إلصاقها بالقرآن الكريم وتطبيقها عليه.
وقد ردت الدّراسة على هذه الفرضيّة، بالقول إنّ نظريّة «النشأة والتطور» لا يمكن تطبيقها على الإسلام والقرآن الكريم، فإذا نظرنا إلى عمر الوحي أو القرآن الكريم، فنجده هو عمر البعثة النبويّة المحمديّة، والذي لا يتجاوز 23 عامًا، تبدأ منذ أن بُعث محمد صلّی الله علیه و آله في الأربعين من عمره وحتى وفاته في ال- 63 من عمره صلّی الله علیه و آله وفق ما استقرّت عليه كتب السيرة والتاريخ، وهي فترة لا تعطي نشأةً وتطوّرًا لا سيما أنّه لا يوجد للإسلام تاريخ سابق على نزول القرآن الكريم، وليس له تاريخ لاحق على نزول القرآن الكريم على عكس أديان العالم الأخرى التي غَطَّتْ نشأتها وتطوّرها ونسخ كتابها وتدوينه عشرات القرون.
وأضافت الدّراسة أنّه لم يحدث في تاريخ الأديان أن نشأ دين واكتمل في عصر مؤسّسه مثلما حدث في الإسلام فرؤية الواضع أو المؤسّس في الأديان الأخرى تأتي بعدها عشرات الرُّؤى المُفَسِّرَةِ لرؤية المؤسّس والتي تقترب منها أو تبتعد حسب
درجة الفهم والاستيعاب للرؤية الأصلية، وهو ما لم يحدث في الإسلام، الذي مَثّل «الاستثناء» الوحيد لقاعدة النشأة والتطور في تاريخ الأديان، فقد ظهر ببداية الوحي واكتمل بنهاية الوحي.
مصادر غير أصليّة
ردّت المقالات الواردة بالموسوعات اليهوديّة حول القرآن الكريم، عددًا من القصص القرآني إضافة إلى عددٍ من الآيات الوراد بها عقائد وشرائع إلى مصادر غير أصليّة، تلك المصادر التي انقسمت إلى مصادر يهوديّة ونصرانيّة ووثنيّة.
بالنسبة لقصص القرآن، فقد نهجت المقالات الموسوعيّة اليهوديّة نهجين مختلفين في رده لمصادر غير أصليّة، الأول: ردُّ القصص القرآني «بشكل عام» لهذه المصادر دون تحديد موضع أو نصّ معيّن في المصدر اليهودي أو النصراني أو الوثني المردودة له القصص القرآني، والثاني: ردُّ بعض قصص القرآن الكريم إلى هذه المصادر مع تحديد موضع أو نص معين بها».
من أبرز الأمثلة على النهج الأوّل، هو ما أشار إليه كل من مقال القرآن في ציקלופדיהיהודיתאינ الموسوعة اليهودية الإلكترونيّة بالعبريّة على الإنترنت، ومقال موسوعة אוצרישראל كنز إسرائيل، تحت عنوان «ماذا تعلم محمد من توراة اليهود؟» من «أن محمّدًا لم يكن يعرف القراءة والكتابة، لذلك اضطر إلى أن يتعلّم من أحد اليهود، الذين قالوا له قصصًا من حياة الأنبياء وأساطير من أعمال الآباء، وكان أستاذه اليهودي هو عبد الله بن سلام».
أما النهج الثاني، فكانت من أبرز أمثلته واردة في أن ردت كلّ من الموسوعة اليهوديّة بالعبريّة على الإنترنت: http://www.daat.ac.il/encyclopedia
وموسوعة (אוצרישראל) كنز اسرائيل، قصة «ذي القرنين» القرآنيّة، إلى سفر دانيال، وذلك ضمن تعليقهما على الآية 259 من سورة البقرة.
وقد أجملت الدراسة تفنيد هذه الفرضيّة التي طرحتها الموسوعات اليهوديّة حول القصص القرآني، في أنّه من المعروف أنّ هناك الكثيرَ من الشخصيّات التي وردت قصصُها في القرآن الكريم وردت على أنّهم «أنبياء أو رسل يوحى لهم من رب
العالمين على عكس ما وردوا عليه في العهد القديم، ومنهم على سبيل المثال سليمان وداوود اللذين وردا في المصادر الدينيّة اليهوديّة على أنّهما «مَلِكَان» ونُسبت إليهما كثير من الآثام، في حين أنّهما في القرآن الكريم نبيّان وملكان في آنٍ واحد، ما يعني وجود اختلاف كبير بين القصص القرآني والتوراتي في التّصوّر والمضمون حول كثير من الشخصيات التي أطلق عليها الفكر الاستشراقي اليهودي والإسرائيلي مصطلح «الأنبياء المشتركون بين اليهوديّة والإسلام»، وهو مصطلح لا يتّسم بالدّقّة والموضوعيّة؛ إذ إنّ كثيرًا من الشخصيات المقرائيّة (أي الواردة في العهد القديم) والقرآنيّة، وردت كأنبياء في القرآن الكريم ولم تَرِدْ كذلك في العهد القديم، كما وردت أسماء لأشخاص على أنّهم أنبياء في العهد القديم ولم يرد ذكر لهم في القرآن الكريم، مثال (أشعياء، وأرميا، وهوشع ، .....الخ). أضافت الدراسة كذلك، أنّه توجد اختلافاتٌ كبيرةٌ بين القصص في القرآن الكريم سواء من حيث المفهوم أو العناصر أو السمات عن القصص في العهد القديم والمصادر اليهوديّة سواء في العناصر أو الأغراض.
فيلاحظ أنّ القصص القرآني يتّسم ويتميّز وينفرد عن القصة التوراتيّة بأنّ القصة القرآنيّة تمتزج بموضوعات السورة التي ترد فيها امتزاج عضوي لا مجال فيها للفصل بينها وبين غيرها من موضوعات السورة، بحيث لو حذفنا القصة من موقعها الوارد في السورة لاختل المعنى؛ لأنّ القصة تسهم في بيان مضمون النّصّ وإيضاحه للقارئ، فلو حذفنا على سبيل المثال، قصة الغراب التي وردت أثناء الحديث عن قصة ابني آدم (قابيل وهابيل) لما استقام المعنى؛ لأنّ الغرض من ذكر الغراب كان لحكمةٍ إلهيّةٍ لبيان حكمة دفن الموتى.
وأبرز ما تَتَّصِفُ به القصّة القرآنيّة ويميّزها عن القصة التوراتيّة أيضًا، أنّ القصّة القرآنيّة «تَتَنَاسَب مع غايات» التنزيل الإلهي وهي غايات كثيرة، لكنّها تتلخّص في إثبات الوحي الإلهي ووحدانيّة الله وقدرته، في حين أنّ القصص في التوراة جاءت لِتُبْرِزَ أنماط حياة الآباء اليهود وسلوكياتهم وأخلاقياتهم، حتى يقتدي بها اليهود.
كما توجد اختلافاتٌ كبيرة بين القصة في القرآن الكريم وبين القصة في كل من
الأناجيل والتراث الوثني القصصي القديم؛ إذ إنّ هناك اختلافًا من حيث الأنواع والأغراض والأهداف؛ فالقصّة في الأناجيل إما تاريخيّة أو تعليميّة، وذلك من حيث «الغرض»، أمّا من حيث «النوع» فهي تنقسم إلى نوعين «القصة» و« المثل». وهو ما لا يوجد في القصّة القرآنيّة.
أما القصّة في تراث الشرق الأدنى القديم (الوثني)، فعبارة عن «أسطورة» تخضع لمقاييس ذهنيّة وأساليب فنيّة وأجناس أدبيّة وقواعد وضوابط تخضع للتراث الحضاري النابعة منه سواء في بلاد النَّهْرين أو في جنوب شبه الجزيرة العربيّة؛ فالأسطورة عادة ليست من نتاج شخص أو فرد معيّن، بل هي في الغالب مجهولة المؤلف وتبنّاها مجتمع ما فصارت نتاجًا له. وهذا النّوع القصصي الأسطوري لا أثر له في القرآن الكريم.
بالنسبة لرد المقالات الموسوعيّة اليهوديّة لبعض الآيات القرآنيّة الوراد بها عدد من «العقائد والشرائع» الإسلامية، فقد كان من أبرز أمثلته ما ذكرته موسوعة (Ency clopaedia Judaica) جودايكا، عن شريعة الصوم في القرآن الكريم، حيث أوردت «أنّه في البداية أمر محمد بصوم يوم يماثل يوم الغفران اليهودي، ويدوم يومًا واحدًا بالعربية «عاشوراء» وفي العبرية עָשְּׁוֹרִ (اللاويين 23/ 27). ثم أحلّ محلّه صومًا يبدأ من شروق الشمس حتى غروبها، طوال شهر كامل هو شهر رمضان، ويعظم محمد نفسه هذا الصوم لأن ذكرى نزول القرآن تقع في هذا الشهر، وهذا يجب أن يقارن بالتّصوّر اليهودي ليوم الغفران بوصفه يوم منح اللوحات الثانية للشريعة، وتفاصيل النظم المتعلقة بالصوم (سورة البقرة، الآيات 183-185) تُظهر تأثيرًا يهوديًا على نحو متكرر».
كان من أهم ما استعانت به الدراسة لتفنيد هذه الفرضيّة، هو أنّه بالمقارنة بين النّصّ التوراتي الذي ذكرته الموسوعة اليهوديّة (اللاويين /27/23) «אַךְ בֶּעָשׂוֹר לַחֹדֶשׁ הַשְּׁבִיעִי הַזֶּה יוֹם הַכְּפָרִים הוּא, מִקְרָא-קֹדֶשׁ יִהְיֶה לָכֶם, וְעָנִיתָם, אֶת-נַפְשֹׁתֵיכֶם; וְהִקְרַבְתֶּם » «وَيَكُونُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ السَّابِعِ يَوْمَ كَفَّارَةٍ، تَحْتَفِلُونَ فِيهِ احْتِفَالًا
مُقَدَّسًا، وَتُذَلّلُونَ نُفُوسَكُمْ، وَتُقَرِّبُونَ مُحْرَقَاتٍ لِلرَّبِّ»، وبين النص القرآني الذي استشهدت به الموسوعة أيضًا «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (البقرة 2/ 183 (185)، تتضح لنا اختلافات جوهريّة عدة، منها أنّ النّصّ التوراتي لم يتحدث عن « صيام» ولكن عن «يوم احتفال وتوقف عن العمل» و «تذليل للنفس»، أمّا النّصّ القرآني فقد تحدّث صراحة وبوضوح عن «صيام» في أيام معدودات وشهر محدّد وهو (شهر رمضان).
كما يذكر أنه لم يرد في سفر اللاويين - الذي استعانت به الموسوعة اليهودية - أو غيره من أسفار التوراة الخمسة (التكوين، الخروج، العدد، اللاويين، التثنية)، «الصيام» على أنّه فريضة يتعبّد بها، وكلّ ما ورد نصوص قليلة تتحدّث عن «تذليل النفس» أي قهرها، مثال (وَيَكُونُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ السَّابِعِ يَوْمَ كَفَّارَةٍ، تَحْتَفِلُونَ فِيهِ احْتِفَالًا مُقَدَّسًا، وَتُذَلَّلُونَ نُفُوسَكُمْ، وَتُقَرِّبُونَ مُحْرَقَاتٍ لِلرَّبِّ) ( اللاويين 23/ 27)، أمّا في الإسلام فهو فريضة بل ركن ركين من أركان الإسلام الخمسة.
أضافت الدراسة كذلك أنّه من أبرز الخلافات المتعلّقة بالصيام عامّة فيما بين اليهوديّة والإسلام، أنّ الصيام في الإسلام كانت له رُخَصٌ في حالات معيّنةٍ، مثل المريض والمسافر (البقرة، 185). أمّا في اليهودية فلا يوجد بها هذه الرخصُ المتعلقة بالصيام، بل إنّها جعلت عقاب المفطر هو القتل، وهو ما لا يوجد في الإسلام، كما أنّ هذا العقاب في غاية الشدة، بشكلٍ يدفع النّاس لادعاء التدين والصوم والتعبد كذبًا، خوفًا من العقاب وهو أمر باطل في مجال العبادة.
الألفاظ الأعجميّة
تعرّضت المقالات حول القرآن الكريم بالموسوعات اليهوديّة لتلك القضيّة المعروفة في الدّراسات الإسلاميّة والاستشراقيّة بقضيّة «الألفاظ الأعجميّة بالقرآن الكريم». فقد ردت الموسوعات اليهوديّة عددًا من الألفاظ القرآنيّة (6 ألفاظ) إلى اللغة العبرية، التي تُعَدَّ اللغة الأكثر تعبيرًا وارتباطًا باليهوديّة؛ إذ كانت اللغة الأساسيّة التي كُتب بها كلّ من العهد القديم والتلمود. إضافة إلى ردّها أصول لفظ قرآني واحد إلى اللغة أو اللهجة الآراميّة - اليهوديّة، وهي من اللغات أو اللهجات «الخليطيّة»، وكتُب بها التلمود وأقدم المدارشيم، كما كُتب بها أيضًا תָרִנַוְמִיֶם الترجوميم وهي الترجمات الآرامية للعهد القديم بالتالي، فقد ارتبطت هذه اللغة أو اللهجة أيضا بالديانة اليهودية ارتباطاً وثيقاً.
من أبرز الأمثلة على ذلك، ما ذكرته موسوعة אוְארִיֶשֹׁרִאלָ كنز إسرائيل، أنّ محمّدًا حاول التّقرّب من اليهود واستمالتهم عن طريق استخدام بعض الكلمات الخاصة مثل שֹׁכֶוְנִה سكينة (وردت على سبيل المثال فى سورة البقرة 248. والآية 26 من سورة التوبة) والتي عكست توجهه بأن يُظهر لهم معرفته بالتوراة.
ردت الدراسة الماثلة للعرض على هذه الفرضيّة بالإشارة إلى أنّ معنى كلمة «سكينة» في العربية هو السكون والهدوء والطمأنينة، وهي من الألفاظ التي صيغت بصياغةٍ دينيّةٍ بعد ظهور الإسلام، أما في العبرية שֹׁכֶוְנִה فجاءت بمعنى الروح القدس أو الوحي الإلهي، وهو ما يدل بوضوح على وجود فارقٍ كبير في المعنى للفظة بين العربية والعبرية رغم وجود تشابه في اللفظ الذي على الأرجح من الممكن أن يكون عائدًا لظاهرة الإبدال الشائعة بين الساميات. بشكل دفع بعض المستشرقين إلى اعتبار أن (سكينة) مأخوذة من ( שֹׁכֶוְנִה ) لتشابه المبنى رغم اختلاف المعنى. وأضافت الدراسة أنّ الدراسات اللغوية التأصيليّة المقارنة، أثبتت أن لفظة (سكينة) لفظةٌ عربيّة الأصل الأصل وهي تنسب تنسب للألفاظ العربية الشمالية. وليست من الألفاظ الدخيلة أو المعربة. بما ينفي تمامًا فرضيّة أن تكون ذات أصولٍ عبريّةٍ.
الموقف من اليهوديّة والنصرانيّة
ناقشت الدّراسة الماثلة للعرض كذلك ما ذكرته الموسوعات اليهوديّة من أنّ القرآن الكريم وردت به آیاتٌ جدليّةٌ كثيرة مع اليهود، وتتهمهم بتحريف كتابهم المقدس وبالكفر، ومن ذلك ما ورد في האנַציקְלָוּפְדֶיההעָנִרַיתֶּ الموسوعة العبريّة العامّة «أنّه توجد الكثير من الآيات الجدليّة مع اليهود والنصارى، والذين قليلًا منهم يُعَدّون مؤمنين بالله ويستحقون على ذلك الأجر (آل عمران، 199، الأعراف، 159)، لكن معظم اليهود متهمون بتحريف التوراة، وإنكارهم لنبوة محمّد وانضمامهم لأعداءه الحقدهم عليه (النساء ، 44 والمائدة 43 - 44) كما اتّهم اليهود بقتل الأنبياء (البقرة، 87، آل عمران 113)».
هذا الصدد أكّدت الدّراسة على أنّ هناك موقفًا ومنهجًا قرآنيَّا واضحًا فيما يتعلق بعلاقة الإسلام باليهوديّة وحتى النصرانيّة، ذلك الموقف أو المنهج الذي أطلق عليه المفسرون وعلماء تاريخ الأديان مفهوم « الهَيْمَنَة»، وهو مفهوم قرآني مُسْتَمَدُّ من الآيات (المائدة 48-50) «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»، وهو يشير إلى هَيْمَنَةِ الإسلام على الأديان التوحيديّة السابقة له (اليهوديّة، النصرانيّة) بهدف العودة إلى الدين الواحد للبشريّة دين التوحيد، واعتباره (مهيمنا) على الأديان فما وافق الإسلام في هذه الأديان فهو حقّ وما خالفه فهو باطل.
وشدّدت الدّراسة على أنّ هذا المفهوم القرآني، لا يُعَدُّ مفهومًا ذاتيًّا أو غير موضوعيّ، بل إنّه يحتوي على عناصر الموضوعيّة والحِيَادِيَّة بشكلٍ دفع المستشرق الألماني
هربرت بوسه، وهو من أكثر المستشرقين موضوعيّة وعلميّة، إلى الاعتراف بهذا المفهوم، ففي إطار شرحه لعلاقة الإسلام وموقفه ممن عرفوا ب- «أهل الكتاب»، أوضح «بوسه» أنّ الإسلام يعترف بوحدة الأديان وبوحدة مصدرها الإلهي، وأنّ القرآن يُمَثِّل نموذجًا للوحدة الدينيّة؛ إذ يشير القرآن في نصوصه إلى «إله واحد ونصّ أصلي واحد أخذت عنه كل نصوص وكتابات الوحي».
وهو ما يُوَضّح أنّ الموقف القرآني تجاه اليهوديّة واضح في أصله ويقضي بالاعتراف باليهوديّة والنصرانيّة وفي الوقت نفسه رفضه ونقده لما شابهما من انحراف وتشويهات وتحريفات، وهو ما وضح في أنّ مفهوم الهَيْمَنَةِ يقصد به أنّ القرآن الكريم حافظ على الكتب السابقة له مبينًا للباطل فيها دالًا على الصحيح منها، وهو ما فسّره المستشرق «بوسه» بأنّه «موقف قرآني متسق» يجمع ما بين الاعتراف بالديانة اليهوديّة كديانةٍ سماويّةٍ، في نفس الوقت توجيه انتقادات مباشرة للتحريفات التي شابتها، تلك الانتقادات التي أخذت ثلاثة أشكال في القرآن.
نتائج الدراسة
توصّلت الدَّراسة لعدد غير قليلٍ من النتائج حول الفرضيّات التي طرحتها المقالات الواردة بالموسوعات اليهودية المخلتفة عن القرآن الكريم وما يتعلق به، ويمكن حصر أهم هذه النتائج فيما يأتي:
عدم التزام الموسوعات اليهودية في مقالاتها عن القرآن الكريم ب-«الوصف» و «السرد المعلوماتي» المحايد الذي من المفترض أن تلتزم به الموسوعات ودوائر المعارف؛ إذ تَمَّ استخدام مناهج استشراقيّة نقديّة «التأثير والتأثر والإسقاط». وذلك بشكل «متعسف» وغير موضوعي.
وجود اختلافات في الجوهر والمضمون والمقاصد بين المادة القرآنيّة والمصادر الدينيّة اليهوديّة المردودة لها من جانب الموسوعات اليهوديّة، تلك الاختلافات التي تمنع إمكانية الاقتباس أو التأثّر القرآني من مصادر دينيّة يهوديّة. فضلًا عن
أنّ التحليل المنطقي والعلمي الدقيق والمدعوم بآراء وأقوال ما يمكنهم وصفهم ب- «المنصفين والموضوعيّين» من المستشرقين يدحض الفرضيات التي طرحتها الموسوعات اليهودية حول القرآن الكريم.
لجوء الموسوعات اليهوديّة في مقالاتها عن القرآن الكريم لمصادر دينيّة يهوديّة «متأخرة» (الآجادا) لرد المادة القرآنيّة إليها، وهو ما يعبّر عن «عجز» الموسوعات اليهوديّة عن إيجاد شبيه للمادة القرآنيّة في المصادر الدينيّة اليهوديّة الأساسيّة (العهد القديم). وهو ما عكس من جانب آخر «خطأ منهجيًّا»؛ إذ يظهر تناقضًا مع المنهجيّة الاستشراقيّة التي ردّت القرآن الكريم إلى العهدين القديم والجديد، على أساس رد «اللاحق» إلى «السابق» على وفق نظرية التأثير والتأثّر في حين أنّ الموسوعات اليهوديّة تَرُدُّ القرآن الكريم الذي هو «سابق» للأجادا التي هي «لاحقة» عليه في التاريخ والتدوين، بل إنّ هناك عددًا من الأدلّة الموضوعيّة المتعلّقة بالتحليل الفيلولوجي للآجادا تثبت أنّها هي التي تأثّرت بالقرآن الكريم، لا سيّما على مستوى القصص لا العكس.
وجود قرائن علميّة ولغويّة تُدْحِضُ فرضيّة الموسوعات اليهوديّة بوجود ألفاظ ذات أصول لغويّة يهوديّة ( عبرية ، الآرامية - اليهوديّة) بالقرآن الكريم.
بروز أَزْمَةِ «الفهم» من خلال الفرضيّات التي طرحتْها الموسوعات اليهوديّة حول القرآن الكريم، مُتَمَثَّلَةً في سيطرة إيديولوجيّة استشراقيّة يهوديّة على تلك الفرضيات، وتجاهل الرؤية الإسلاميّة «القرآنيّة» عن المادة القرآنيّة.
-الأنماط والسّمات وسبل التصحيح والمواجهة-
د. أحمد البهنسي (1)
ملخص
تُعدُّ مسألة تدخُل وسائل الإعلام في رسم الصّورة التي يرى بها الأفراد ويدركون من خلالها العالم المحيط بهم، واحدةً من أهمِّ العوامل المؤثِّرة داخل أيّ مجتمع، سواء على القطاعات الشعبيَّة أم على النّخب السياسيّة الحاكمة (2). ولا شكّ أنَّ الفكرة أو الرّؤية التي تُبثُ عبر وسائل الإعلام ليست بريئةً في كلِّ الأحيان؛ إذ من الصّعب الفصل بين ما هو موضوعيّ محايد، وبين ما هو دعاية منحازة مؤدلجة في ما تقدِّمه وسائل الإعلام من معلوماتٍ ورؤىً وأفكارٍ وصورٍ وأنماطٍ مختلفة(3).
ثمَّ إِنَّ وسائل الإعلام، وعلى رأسها الإنترنت، تُعدُّ من أهمِّ القنوات التي تُسهم في تكوين الصّورة النّمطيَّة في أذهان الناس وتكتسب أهمِّيَّةً إضافيَّةً في الحياة المعاصرة؛ بسبب انتشارها الواسع، وامتدادها الأفقيّ والرأسيّ، وقدرتها البالغة على الاستقطاب والإبهار، واستيلائها الطاغي على أوقات الناس، ومنافستها الشّديدة للمؤسِّسات الاجتماعيَّة في مجال التأثير الجماهيريّ(4).
وبالنسبة إلى المنظومة الإعلاميَّة الإسرائيليَّة، فإنّها تستفيد من تضافر المدخلات
1) باحث متخصِّص في الاستشراق الإسرائيلّي، من مصر
2) انظر: مهدي، محمّد: «وسائل الإعلام والصورة النمطيَّة» ، مجلة شؤون الشرق الأوسط (تصدر عن مركز بحوث الشرق الأوسط)، القاهرة، جامعة عين شمس، أكتوبر 2002، العدد 4 ص 167
3) انظر: م.ن
4) انظر: حلس، موسى عبد الرحيم؛ مهدي، ناصر علي: دور وسائل الإعلام في تشكيل الوعي الاجتماعيّ لدى الشباب الفلسطينيّ (دراسة ميدانيَّة على عيِّنة من طلَّاب كلِّيَّة الآداب في جامعة الأزهر)، مجلة جامعة الأزهر، غزّة، 2010م، المجلد 1، العدد 2، ص 136
السياسيَّة والاقتصاديَّة والعلميَّة والتكنولوجيّة، وتعمل على تدويرها داخل آلة إعلاميّة بأنواعها المختلفة (المسموعة والمرئيّة والمقروءة والرقميَّة)، لتُخرِج في النهاية مفهومًا ثقافيًا متعدِّد الأهداف والجوانب، الغرض منه التمهيد لتحقيق المشروع الإسرائيليّ التوسُّعيّ الاستعماريّ في منطقة الشّرق الأوسط(1)، وفرض ثقافة العولمة على المنطقة العربيَّة بشكلٍ يسهل اختراقها، مضافًا إلى ترسيخ بعض الصّور النمطيَّة السّلبيَّة عن الإسلام ومصادره الرئيسة، وفي مقدِّمتها القرآن الكريم.
علاوة على ما سبق، فإنَّ الكنيست (البرلمان) الإسرائيليّ أقرّ منتصف عام 2017م قانونًا جديدًا يقضي بإنشاء هيئة مستقلة تُعنى بما يُسمى ب- (الحرب السيبرانيَّة) والذي عُرف بقانون (السايبر)، أو قانون سلطة الإنترنت الجديد؛ وذلك في ظلّ
1) انظر: مهدي، "وسائل الإعلام والصورة النمطيَّة"، م.س، ص 168
2) انظر: ندوة مستقبل النشر الإلكترونيّ العلميّ، المجلَّة العربيَّة للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، 1996م، العدد 56، ص 35
3) انظر: صحيفة هآرتس « הארץ» الإسرائيليَّة على موقعها الإلكتروني باللغة العبريَّة : www.haaretz.co.il بتاریخ: 2 شباط (فبراير) 2012م
4) لمزيد من الفاصل، انظر: الموقع الرسميّ لهذه الهيئة الإسرائيليّة على الإنترنت: www.isoc.org.il.
تزايد الهجمات الإلكترونيّة التي تتعرّض لها الكثير من مواقع المؤسِّسات والهيئات الإسرائيليَّة المدنيَّة والعسكريَّة. ومن شأن هذا القانون إلزام أجهزة المخابرات الإسرائيليَّة المختلفة بالعمل على حماية هذه المواقع إلكترونيًّا، مضافًا إلى الاهتمام بتعزيز القدرات والمهارات والإمكانيَّات الإلكترونيَّة للقوى البشريَّة التي يجري تجنيدها في الجيش والأجهزة الأمنيّة الإسرائيليَّة (1).
وقد وجدت المجهودات الإسرائيليَّة - الهادفة إلى تقديم صورةٍ مشوَّهةٍ عن الإسلام عامَّةً وعن القرآن الكريم وعلومه المختلفة خاصَّة - في هذه الشبكة الإلكترونيَّة أداةً فعّالةً ومهمَّة ومؤثّرة، وهو ما تُرجم عمليًّا بوجود العديد من المواقع الإلكترونيَّة الإسرائيليَّة المهتمَّة بالإسلام والقرآن الكريم (2).
ولا شلَّ أنَّ الصورة المعروضة عن الإسلام عامَّة، وعن القرآن الكريم خاصَّة على مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة، تُعدَّ انعكاسًا للتصوُّر الرسميّ والشعبيّ الإسرائيليّ عن الإسلام والقرآن الكريم وكلّ ما يتعلَّق بهما، ولا سيّما أنَّ شبكة الإنترنت بوصفها واحدةً من أبرز وسائل الإعلام في عصرنا الحاليّ، لها تأثير كبير جدًّا على تشكيل المنظور النفسيّ والاجتماعّي للأفراد والمجتمع ووسائل الإعلام (3)، وهو ما يضيف أهمِّيَّة خاصَّة لضرورة دراسة هذه الصورة المقدَّمة على مواقع الإنترنت الإسرائيليّة عن القرآن الكريم بأنماطها وأبعادها المختلفة وجهات عرضها، مضافًا إلى ضرورة طرح المقترحات والسُبل المختلفة لتصحيحها ومواجهتها.
كما تنطوي أهمِّيَّة خاصَّة لهذا الموضوع كذلك من ناحية سياسيَّة أيضًا؛ إذ
1) انظر: موقع صحيفة معاريف الإسرائيليّة باللغة العبريَّة على الإنترنت www.nrg.co.il بتاریخ: 30 نيسان (أبريل) 2017م
2) وتتنوَّع هذه المواقع ما بين مواقع مستقلة أو خاصَّة (مثال: موقع www.kol.co.il وهو موقع عامّ، يستعرض آراء الخبراء الإسرائيليِّين في الشؤون الإسلاميَّة)، ومواقع تابعة لمؤسِّسات أكاديميَّة وتعليميَّة وبحثيَّة (مثال: موقع https://islamic-mideast huji.ac.il قسم الدراسات الإسلاميَّة والشرق أوسطيَّة في كلّيَّة الآداب في الجامعة العبريَّة في القدس المحتلَّة)، ومواقع تابعة لمؤسِّسات ووزارات حكوميّة (مثال:: www.mov.gov.co.il موقع وزارة الخارجيّة الإسرائيليَّة)، ومواقع تابعة لجمعيات اجتماعيّة :(مثال: www.vanleer.org.il موقع معهد فان- لير للدراسات) ومواقع تابعة لأحزاب أو لجهاتٍ حزبيَّة (مثال: .www.shas co.il موقع حزب شاس اليمينيّ الدينيّ اليهوديّ المتطرِّف)
3) انظر: بیرجر، آرثر اسا: وسائل الإعلام والمجتمع وجهة نظر نقديّة، ترجمة: صالح خليل أبو إصبع، سلسلة عالم المعرفة، الكويت آذار (مارس) 2012م العدد 386، ص15-42
بات من المعروف أنَّ شعار «اعرف عدوَّك» هو الشعار الاستراتيجيّ الأكثر تأثيرًا في إدارة الصراع العربيّ - الإسرائيليّ، وبالتالي نجد أنّ لدى إسرائيل كمًّا هائلًا من المعلومات عن الإسلام ومصادره الأساسيّة وعن المسلمين، استخدمته ليكون وسيلةً جيّدةً لتشويه صورة الإسلام ومصادره الرئيسة، وفي مقدِّمتها القرآن الكريم، بل وتمكَّنت من تصدير هذه الصورة إلى الخارج (العالم الغربيّ) بوجهٍ نجح الإسرائيليُّون من خلاله في استدرار عطف الرأي العام العالمي،ّ وكسب تأييدٍ دوليٍّ لصالحهم رغم عدم عدالة قضيَّتهم؛ إذ أظهروا العرب والمسلمين في صورة المتشدِّدين الذين لا يقبلون الحوار والتفاهم، وأظهروا القرآن الكريم بصورة المصدر الدينيّ الذي يضجُّ بتحريض المسلمين على العنف وسفك الدماء (1)، ما أضاف ضرورة مهمَّة جدًّا لرصد هذه الصورة الإسرائيليَّة المصدَّرة للخارج عن الإسلام والقرآن الكريم عن طريق مواقع الإنترنت، ومحاولة تصحيحها، واستبيان ما انطوت عليه من ادِّعاءات وافتراءات وقوالب نمطيَّة بعيدة عن الواقع.
تكمن خطورة الموضوع كذلك في أنَّ وسائل الإعلام الحديثة وعلى رأسها الانترنت، أضافت مشكلةً جديدةً لنمطيَّة الصورة الغربيَّة عن الإسلام عامَّة والقرآن الكريم خاصَّة، وذلك في إسهامها الخطير والفعّال والسريع في نقل هذه الصورة من دوائر الاستشراق الغربيَّة، ومن ثمَّ إلى دوائر الاستشراق الإسرائيليَّة واليهوديَّة (2)إلى الدائرة الأوسع والأرحب وهي الدائرة الشعبيَّة في الغرب وفي إسرائيل؛ لما يحظى به الإنترنت من انتشارٍ أوسع. فقد أثبتت دراسات عدَّة وجود تماثلٍ كبيرٍ بين الصورة النمطيَّة التي تُقدِّمها الدراسات والكتابات الغربيَّة، والتي تنقلها بطبيعة الحال وسائل الإعلام الإسرائيليَّة عن الإسلام والقرآن الكريم، وتلك الصورة المشوَّهة التي يُروّج لها عن الإسلام والقرآن الكريم في وسائل الإعلام الغربيَّة والإسرائيليَّة(3).
1) انظر: البهنسي، أحمد : «صورة الشخصيَّة العربيَّة في الأدب العبريّ الحديث » صحيفة الوطن العمانيّة، 31 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2006م، العدد 8500
2) للمزيد حول علاقة الاستشراق الغربيّ بالاستشراق اليهوديّ والإسرائيليّ، انظر: حسن، محمَّد خليفة: «المدرسة اليهوديَّة في الاستشراق»، مجلَّة رسالة المشرق، جامعة القاهرة، مركز الدراسات الشرقيَّة، 2003م، المجلد 12، الأعداد 1-4
3) انظر على سبيل المثال: سعيد، إدوارد : تغطية الإسلام كيف تتحكم وسائل الإعلام الغربيّ في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم، ترجمة: سميرة نعيم كوري، لا ط، بيروت، مؤسِّسة الأبحاث العربيَّة، 1983م، ص159-163
في ضوء ما سبق، فإنَّ البحث يتناول محاور عدَّة حول صورة القرآن الكريم في مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة، من حيث أنماطها، وكيفيَّة عرضها، والسِّمات التي اتّسمت بها، مضافًا إلى سبل مواجهة ذلك من خلال اقتراح خطَّة متكاملة الخطوات. وذلك على النحو الآتي:
أوّلًا: أنماط صورة القرآن الكريم في مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة
يُعدُّ مفهوم الصورة النمطيَّة، أو الصورة الذهنيَّة، أو الصورة المُقولبة من المفاهيم محلّ الخلاف لدى الباحثين والدارسين في مجال صورة الإسلام ومصادره الرئيسة لدى الغرب، لكنّهم يتَّفقون على أنَّ هذه المفاهيم جميعها نشأت وترعرعت في أحضان الغرب(1).
أمَّا الدراسات العربيَّة، فتتَّفق على أنَّ الصورة الذهنيَّة أو النمطيَّة، هي الشيء المكرَّر على نحو لا يتغيَّر أو الشيء المتفق مع نمطٍ ثابتٍ أو عامّ، وتعوزه السمات الفرديّة المميّزة أو الصورة العقليَّة التي يشترك في حملها أفراد جماعة ما، وتمثِّل رأيًا مبسطًا إلى حد الإفراط المُشَوَّه، أو موقفًا علميًّا(2).
تتكوّن الصورة النمطيَّة من ثلاثة عناصر :
العنصر الأوّل: مجموعة الصفات المعرفيَّة التي يمكن أن يدرك بها الإنسان ذلك الشيء بطريقة عقليّة
العنصر الثاني: العنصر العاطفيّ المتعلَّق بالميل إلى هذا الشيء أو النفور منه
العنصر الثالث: العنصر السلوكي الممثَّل في مجموعة الاستجابات العمليَّة تجاه هذا الشيء (3).
1) انظر: طاش، عبد القادر: صورة الإسلام في الإعلام الغربيّ، لا ط، القاهرة، دار الزهراء للإعلام العربي، 1993م، ص19-20
2) انظر: م.ن
3) العامري، سلوى حسني: «تصوُّرات المثقَّفين المصريِّين لخصائص بعض الجماعات القوميّة واتِّجاهاتهم نحو هذه الجماعات»، رسالة دكتوراه، مصر كليَّة الآداب في جامعين عين شمس، غير منشورة، 1983م، ص22
وقد تنوَّعت أنماط صورة القرآن الكريم على مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة، وجاءت على النحو الآتي:
ردّ القرآن الكريم إلى مصادر يهوديَّة
تصدَّر هذا النمط قائمة الأنماط المتعلِّقة بصورة القرآن على مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة، والتي قدَّمت القرآن الكريم على أنَّه مجرَّد "هرطقة يهوديَّة" أو مقتبس من الكتب الدينيَّة اليهوديَّة (العهد القديم (1)، التلمود (2)، الآجادا(3).
يبرز من بين مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة المعنيَّة بالقرآن الكريم، موقع البروفيسور الإسرائيليّ "أوري روبين( Uri Rubin)" (4)، أستاذ الدراسات القرآنيَّة والإسلاميَّة في جامعة تل أبيب www.urirubin.com، والذي يمكن تصنيفه ضمن المواقع
1) العهد القديم: هو كتاب اليهود المقدَّس الذي يضم ثلاثة أقسام رئيسة، وهي: التوراة والأنبياء والمكتوبات. وتسميته بالعهد القديم أو العهد العتيق تسمية مسيحيّة غير مقبولة عند اليهود؛ لأنَّ فيها إشارة إلى أنَّ العهد المُعطى لبني إسرائيل عهد قديم، حلّ محلّه عهد جديد معطى للأمَّة المسيحيّة الجديدة، حيث استخدم رجال الكنيسة المسيحيَّة الأوائل المصطلحات (العهد الجديد) في مقابل (العهد القديم)، ومصطلح (أورشليم الجديدة) في مقابل (أورشليم القديمة). وقد ضمت الكنيسة أسفار العهد القديم إلى جانب أسفار العهد الجديد المسيحيّة في كتابٍ واحد مسمَّى ب- «الكتاب المقدس» (The Bible)، معترفةً للعهد القديم بقداسته، وموظَّفة مادَّته في خدمة العهد الجديد وتفسير العديد من المفاهيم والمعتقدات الدينيَّة المسيحيَّة. أمَّا التسمية اليهوديَّة للعهد القديم فهي الكتاب العبريّ The Hebrew Bible ) ) أو الكتاب (The Bible)، ويُعرف - أيضًا - باسمه العبريّ "המקדא" بمعنى المقروء، كما يُعرف اختصارًا ب- "التناخ"، وهذه التسمية العبريَّة اختصار لمجموعة الكتب المكوّنة للكتب الدينيَّة اليهوديّة المقدَّسة، فترمز "ת" إلى תורה أسفار موسى الخمسة، التكوين، الخروج، العدد، اللاويِّين، التثنية، و "נ" נביאים إلى أسفار الأنبياء، و" " בתובים إلى أسفار المكتوبات ( انظر: حسن، محمَّد خليفة: مدخل نقديّ إلى أسفار العهد القديم، القاهرة، دار الثقافة العربيَّة، 2002م، ص9). ونظرًا إلى أنَّ هذه الدراسة موجَّهة أساسًا إلى القارئ العربيّ، فقد فضَّل الباحث استخدام مصطلح "العهد القديم"؛ لأنَّه المصطلح الأكثر شيوعًا واستخدامًا من بين المصطحات المختلفة للكتاب اليهوديّ المقدَّس في الكتابات العربيَّة
2) التلمود: مجموعة من الشروح والتفاسير اليهوديّة لمجموعة من أجيال حاخامات ومفكّري ومفسِّري اليهود خلال العصور الوسطى في كلٍّ من العراق وفلسطين (للمزيد، انظر: التلمود .. أصله وتسلسله وآدابه، لا ط، ترجمه عن العبريَّة: شمعون مويال، تقديم : ليلى إبراهيم أبو المجد، مراجعة: رشاد الشامي، القاهرة، الدار الثقافيَّة للنشر، 1996م)
3) الأجادا אנדה: هي المادَّة المتنوّعة الموجودة في التلمود والمدراش، وهي مشتقة من الفعل הנרד بمعنى يقول أو يروي، والمصطلح المرادف والمستخدم في المصادر التي اكتشفت في أرض كنعنان هو הודה، والذي لا نجد له تفسيرًا واضحًا. (الصيَّاد، عبير الحديدي محمدَّ السيّد: رؤية الأجاداه لداوود وسليمان، رسالة دكتوراة، القاهرة، جامعة عين شمس غير منشورة، 2002م، ص: ي).
4) أوري روبين: مستشرق إسرائيلي معاصر ولد في فلسطين في 1944/6/24 بمستوطنة «كريات أونو»(קרייתאונו)، له العديد من المؤلَّفات حول القرآن والإسلام، من أهمِّها: ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى العبريَّة التي صدرت عن جامعة تل أبيب عام 2005 (للمزيد، انظر: البهنسي، أحمد صلاح: التعليقات والهوامش لترجمة «روبين» العبريَّة لمعاني القرآن الكريم دراسة نقديَّة، رسالة ماجستير، القاهرة، كليَّة الآداب في جامعة عين شمس، 2012م، ص5-31)
الإلكترونيّة الأكاديميَّة المعنيَّة بالقرآن الكريم؛ إذ إنَّه مرتبط بموقع قسم الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في كلِّيَّة العلوم الإنسانية في جامعة تل أبيب
https://humanities.tau.ac.il/arabic/.
يزخر موقع المستشرق الإسرائيلي "روبين" على الإنترنت بالكثير من المقالات، والأبحاث، والدراسات، والمقابلات الإذاعيَّة المسجّلة التي تدور جميعها حول ردّ القرآن الكريم والتراث الإسلاميّ المبكر إلى العهد القديم وإلى مصادر يهوديَّة مختلفة، ومنها مقابلة إذاعيَّة أُجريت معه بتاريخ 3/9/ 2004م ، حول ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى العبريَّة التي صدرت في تل أبيب في شهر آذار (مارس) من العام 2005م أشار فيها إلى أنَّ القرآن يشتمل على الكثير من القصص الموجودة في العهد القديم، ولا سيَّما حول ما سمَّاهم ب- "الأنبياء المشتركين (1)» بين اليهوديَّة والإسلام، مثال: (موسى، ويوسف، وإبراهيم، ويونس)، رافضًا جميع الآراء الاستشراقيَّة الأخرى التي تقول بأن للإسلام ومصادره خصوصيَّةً وأصالةً ينفرد ويتميَّز بها عن الديانات التي سبقته(2).
فعلى سبيل المثال: أشار البروفيسور «روبين» في بحثه المنشور على موقعه(3)بعنوان: (The Direction of Prayer in Islam: On the History of a Conflict Between Rituals) اتِّجاه الصلاة في الإسلام حول تاريخ الصراع بين الشعائر) إلى أنَّ تغيير اتِّجاه الصلاة (القِبلة) في الإسلام، كان عبارة عن محاولة من محمَّد؛ للتخلّص من سيطرة اليهوديَّة على ديانته الجديدة، والتي اقتبس معظم تعاليمها من مصادر العهد القديم التي كانت بحوزة يهود مكَّة والمدينة، معتبرًا أنَّ
1) يعدُّ مصطلحًا استشراقيًا يهوديًا يرفضه الباحث ؛ وذلك لأسباب عدَّة، لعلّ من أهمِّها: اختلاف مفهوم النبوَّة في القرآن والتراث الدينيّ الإسلامّي من جانب، وفي العهد القديم والتراث الدينيّ اليهوديّ من جانب ٍآخر؛ ففي اليهوديَّة نُسبت إلى بعض الشخصيَّات الدينيَّة، ومنهم الأنبياء، أفعالٌ وتصرفاتٌ لا تليق بمقام النبوَّة في الإسلام، وهو ما انعكس في أنَّ بعض الشخصيَّات الواردة في القرآن على أنّهم أنبياء مثل داوود وسليمان، ورد في العهد القديم أنّهم ملوك وليسوا بأنبياء، ونُسب إليهم ارتكاب الفواحش والكبائر. وقد دأبت الكتابات الاستشراقيَّة اليهوديَّة والاسرائيليَّة على استخدام هذا المصطلح - ولا سيَّما عند تعرُّضهم لقصص الأنبياء في القرآن الكريم - لإثبات أنَّ القرآن اقتبس هذه القصص أو أجزاء منها من العهد القديم
2) http://www.urirubin.com/Interviews.html
3) http://www.hrirubin.com/publications
تغيير القِبلة في الإسلام يؤصِّل للصراع بين الإسلام واليهوديَّة الذي تبدَّى في مراحل أخيرة من تكوُّن الإسلام؛ إذ إنَّ الإسلام في بدايته خرج من رحم التعاليم والتقاليد الدينيَّة اليهوديَّة(1).
ويؤكِّد «روبين» على الفكرة نفسها في مقالته باللغة العبريَّة التي حملت عنوان: "ביומכהוירושלים"(2)(بين مكة وأورشليم)؛ إذ اعتبر أنَّ هناك أدلَّةً من القرآن نفسه تثبت أنَّ الإسلام مأخوذٌ من اليهوديَّة، وأنَّ القرآن تضمَّن اعترافًا باليهوديَّة، وبحقِّها التاريخيّ في القدس، مشيرًا إلى أنَّ الآيتين القرآنيَّتين: «يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ وَنَجَيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ» ذكرتا الأرض المقدَّسة الخاصَّة باليهود على أنّها القدس.
يضيف «روبين» في هذه المقالة - أيضًا - أنَّ القرآن يبُجّل ويُعظَّم مكانة إبراهيم، وهو الشيء نفسه الموجود في المقرا (العهد القديم)؛ فإبراهيم في القرآن هو حلقة الوصل بين الأنسال المقدَّسة اليهوديّة والإسلاميَّة، في حين أنَّه في المقرا (العهد القديم) الأب الأعلى لليهود، ما يعني التأثُر القرآنيّ في جزئيَّة مهمَّة حول إبراهيم بما جاء في المقرا (العهد القديم).
ثمَّ إنَّ الفكرة نفسها يقدِّمها - أيضًا - موقع "צומתoפרים" الثقافيّ الإسرائيليّ باللغة العبريَّة على الإنترنت، حيث يعتبر الأديب الإسرائيليّ إريك عمونئيل شميت - في روايته بعنوان"אדוואיברהים ופרחי הקוראו" (سيِّدنا إبراهيم وثمار القرآن) - أنَّ ذكر إبراهيم في القرآن يدلّ على وجود صلات قويَّة بين الإسلام واليهوديَّة، وأنَّ الأخيرة أثرت بشكل قويّ جدًّا على القرآن الكريم(3).
وحول شخصيَّة إبراهيم علیه السّلام في كلّ من القرآن الكريم والعهد القديم، دارت
محاضرة بعنوان: "حول صورة إبراهيم في القرآن والتراث الإسلاميّ"(1)للمستشرق الإسرائيليّ مائير بر -أشير (2)جاء فيها أنَّ القرآن يشتمل على الكثير من القصص والشخصيَّات المقرائيَّة (أي الواردة في العهد القديم)؛ إذ يحتوي على الكثير من قصص آباء الأمَّة اليهوديّة، وأنبياء وملوك العهد القديم، وكذلك قصص حول مسيرة شعب بني إسرائيل، سواء في أرضه أم في أرض الشتات في مصر والعراق، حتّى حصل على حرِّيَّته الكاملة، ودخل إلى أرض كنعان، تلك الأرض التي وصفها القرآن ب-: (الأرض المقدَّسة).
وذكر البروفيسور "بر-أشير" في محاضرته قوله تعالى: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(3)، مقارنًا بين صورة إبراهيم في القرآن والعهد القديم والعهد الجديد، معتبرًا أنَّ هذه الصورة الإبراهيميَّة المشتركة في الديانات السماوية الثلاث اتَّخذها محمَّدٌ أساسًا لتشكيل دينه الجديد (الإسلام) الذي احتلَّ فيه إبراهيم مكانة مركزيَّة؛ إذ اعتُبِر أبو الموحِّدين في العالم، وأنَّ محمَّدًا ليس إلَّا باعثًا لتراث إبراهيم الذي ضاع على أيدي العرب من عبدة الأصنام.
وأضاف "بر-أشير" أنَّ صورة إبراهيم في القرآن جاءت على أساس ما عليه هي في العهد القديم، بزيادة أنَّه أي ابراهيم - المُبلوِر لعبادة الحجّ التي تُقام في مكَّة وما حولها حتّى قبل ظهور الإسلام، مشيرًا إلى أنَّ قصَّة إبراهيم القرآنيَّة ذات جذور يهوديَّة واضحة، وقد استُخْدِمت في القرآن بهدف إعادة ترميم التراث الدينيّ
1) بُثْت هذه المحاضرة في 29 مارس (آذار) 2019م على الموقع الإلكترونّي لسمينار الآباء والمؤسِّسين لدراسات تراث إسرائيل« סמינר אבות ומייסדים מורשת ישראל» http://avot-meyasdim.co.il/page280html))، ونُشرت مصوّرة على موقع يوتيوب على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=gcWZIEZcif
2) مائير بر-أشير: مستشرق إسرائيليّ يهوديّ من أصول مغربيَّة، متخصّص في الشؤون الإسلاميَّة. يشغل حاليًّا منصب رئيس معهد الدراسات الآسيويَّة والإفريقيَّة في الجامعة العبريَّة في القدس. تلقَّى تعلميه الأكاديميّ كاملًا في هذه الجامعة التي تخرَّج منها عام 1987 م ، ثمَّ حصل على درجة الدكتوراه بإشراف البروفيسور الإسرائيلي المتخصِّص في الدراسات القرآنيَّة «إيتان كولبرج» في رسالة بعنوان «إشكاليَّات التفاسير الشيعيَّة الإماميَّة القديمة للقرآن الكريم خلال القرنين الثالث - الرابع الهجريّ/ التاسع- العاشر الميلاديّ) (انظر صفحة البروفيسور بر - أشير على موقع الجامعة العبريَّة على الإنترنت http://pluto.mscc.huji.ac.il/~barasher/)
3) سورة آل عمران، الآية 67
والحضاريّ العربيّ، ومنحه قوَّة إلهيَّةً ودينيَّةً تساعد محمَّدًا في تأسيس دين الإسلام الجديد، وفي شقِّه لطريقه الدعويّ.
وفي مذكرة تعليميَّة للأطفال الصغار، قدَّم المركز التعليميّ لمستوطنة « לבהשרוו ليف هشارون» على موقعها بالإنترنت http://www.kdror.co.il/، أنماطًا مختلفة للآيات القرآنيَّة، مُعرّفًا القرآن الكريم على أنَّه مجموعةً من الأفكار والآراء والعقائد حول الإله والكون، تأثَّرت بالعهد القديم واقتبست منه، وأنَّ العبادات بالقرآن تكاد تكون نفسها هي العبادات المذكورة في العهد القديم والتلمود، ضاربًا مثالًا لذلك ذكر القرآن بأنَّ السماء مكوّنة من سبع درجات، وأنَّ في الدرجة السابعة لوح محفوظ، وهو نفسه "הOפר השמימי המקורי" أي الكتاب السماويّ الأصليّ، المذكور في الكتب الدينيَّة اليهوديَّة(1).
أمَّا الإعلاميّ الإسرائيليّ «عيدو مزراحي»، فقد أشار في مقالته «مشكلة الخلاف بین السنّة والشيعة في ظلّ الربيع العربيّ»(2)
http://www.meisai.org.il/.
إلى أنَّ منشأ الخلاف بين السنَّة والشيعة في الإسلام مردّه تأثُّر مصادر الإسلام - ومنها القرآن الكريم - بمفاهيم عقديَّة دينيَّة يهوديَّة حول طبيعة الإله وحول طبيعة النبوَّة، ما أدَّى إلى حدوث انقسامٍ فكريٍّ داخل البناء الإسلاميّ، أدَّى بدوره إلى ظهور فرقة الشيعة المتأثّرة في أفكارها بأفكار بعض الفرق الدينيَّة اليهوديَّة.أمَّا المحاضرة الصوتيّة بعنوان: "מהמד" (محمَّد) ، والتي نُشرت على موقع ويكيميديا الثقافيّ الإعلاميّ الإسرائيلي(3)، فقد أشارت إلى أنَّ التأثُّر القرآنيّ بالعهد القديم راجعٌ إلى العلاقات التي نسجها محمَّد مع قبائل اليهود في الجزيرة العربيَّة، خاصَّةً في المدينةِ المنوّرة التي عاشت فيه ثلاث قبائل يهوديّة كبرى، مضافًا إلى وجود
1) www.kdror.co.il/studies/subjects/arabic/alquran.ppt
2) انظر مزراحي عيدو: «مشكلة الخلاف بين السنَّة والشيعة في ظل الربيع العربيّ»، مجلة «روح شرقيَّة (רוהמורחית)، العدد 14 ديسمبر (كانون الأول) 2013م، تُنشر المجلة على موقع الجمعيَّة الإسرائيليَّة لدراسات الشرق الأوسط والإسلام
3) http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/a/aa/Ar-muhammad.ogg
اليهود في اليمن جنوبيّ الجزيرة العربية. واعتبرت المحاضرة أنَّ أولى مظاهر التأثُر الإسلاميّ باليهوديَّة كان صلاة المسلمين نحو القدس وصومهم يوم عاشوراء.
وفي المحاضرة إشارة أيضًا إلى أنَّ لفظة «القرآن» جاءت من الفعل العبري"קרא" (قرأ)، وبذلك تكون شبيهةً جدًّا للفظة «מקרא» (مِقرا) التي تشير إلى العهد القديم، وهو كتاب اليهوديّة المقدَّس، ما يعني أنَّ محمَّدًا حاول التوفيق بين كتابه المقدَّس وكتاب اليهود المقدَّس، كما أنَّ لفظة «سورة» جاءت من لفظة «Oדרא» التي تعني «سورة» في العبريّة. وأضافت المحاضرة كذلك أنَّ قصص القرآن وردت مُرتَّبة وفق الترتيب الذي جاءت عليه في العهد القديم، و لا سيَّما تلك المتعلّقة بقصص الخلق وبقصَّة آدم وحَّواء.
هذا، ويشير الصحفيّ الإسرائيليّ «أبراهام أليكييم» في مقالته بعنوان: «لماذا يجب أن يكون القرآن جزءًا لا يتجزَّأ من خزانة الكتب الإسرائيليَّة؟» (1)
https://www.haaretz.co.il/literature/study/.premium-1.2780153
، إلى أنَّ سورة الفاتحة في القرآن هي - في الأساس - جزءٌ من الترانيم التي تُتلى في الصلوات اليهوديَّة.من جانبها، أشارت«אינצלופיה، ידע עם אחריות» (2)(موسوعة المعرفة الموثوقة) اليهوديَّة بالعبريّة على الإنترنت http://www.ynet.co.il/yaan ، في مقالة لها بعنوانٍ رئيس: "קוראו" (القرآن) ، وبعنوانٍ فرعيّ: «ماذا تعلَّم محمَّد من توراة اليهود؟»، إلى «أنَّ محمَّدًا لم يكن يعرف القراءة والكتابة، كما ذكر هو بنفسه (في سورة 22/47 - محمد 22) (3)، ما اضطرّه إلى أن يتعلَّم من أحد اليهود،
1) انظر: الموقع الإلكترونّي لصحيفة هآرتس الإسرائيليّة، 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015م.
2) موسوعة المعرفة الموثوقة: (אינצלופיה، ידע עם אחריות) موسوعة تابعة لصحيفة يديعوت أحرونوت، أكثر الصحف مبيعًا وانتشارًا في إسرائيل، ونظرًا إلى كونها إلكترونيَّة، فإنَّها يجري تحديثها بشكلٍ مستمرّ، وهي عامَّة لا تختصّ بمجالٍ معين، ويقع مقال القرآن في الجزء الخاصّ ب-"الإسلام" في هذه الموسوعة، والمقال غير منسوب لكاتبٍ أو محرّرٍ معيَّن. ويلحظ فيه تزويده عددا من الصور المتعلِّقة بالمخطوطات القرآنيّة (انظر: http://www.ynet.co.il/yaan )
3) الاستشهاد بهذه الآية خطاً؛ فنصّها هو «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ» (سورة محمَّد، الآية 22)، والصحيح هو الاستشهاد بالآية 157 من سورة الأعراف، ونصُّها «هو الذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيُّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَامُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ لا فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ لا أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ». (الباحث)
الذين قالوا له قصصًا من حياة الأنبياء وأساطير من أعمال الآباء، وكان أستاذه اليهوديّ هو «عبد الله بن سلام»، ووفقًا لما ظهر من القرآن فإنَّ «ابن سلام» قال لمحمَّد مجرَّد أفكار هامشيَّة وقطعًا بسيطة، وليست معارف شاملة وكاملة، ومن الصعب تحديد ما إذا كانت الأخطاء الكثيرة والتبديلات والزيادات خرجت من فم المعلم أم التلميذ، كما لا يوجد ترتيب صحيح بالقصص، فكثيرًا ما حُدِّد «إبراهيم، إسحق، يعقوب، إسماعيل، نوح، داود سليمان، أيُّوب، يوسف، موسى، هارون» لكن بترتيبٍ مقلوب(1)».
الإسقاطات السياسيَّة
يتّسم الاستشراق اليهوديّ عامَّة والإسرائيليّ خاصَّة بعددٍ من السمات، لعلَّ من أهمِّها «غلبة الطابع السياسيّ»(2)على موضوعاته واهتماماته؛ إذ إن معظم اهتماماته وموضوعاته التي تناولها بالدراسة والبحث كانت سياسيَّة، وحتَّى الدينيَّة منها، أو اللغويَّة، أو الأدبيَّة أو التاريخيَّة، جرى استخدامها وتطويعها لخدمة أغراض سياسيّة.
يرجع سبب بروز تلك السمة في مرحلة الاستشراق الإسرائيليّ خاصَّة إلى ارتباط المجهودات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة تحديدًا بكيانٍ سياسّي، جرى زرعه بالقوَّة في المنطقة وهو «الكيان الإسرائيليّ»؛ لذلك لم يكن غريبًا تجييش وحشد كلّ المجهودات الفكريَّة - ومن ضمنها الاستشراقيَّة - من أجل خدمة هذا الكيان السياسيّ.
من أسباب بروز هذه السمة -أيضًا - ما يمثِّله الاستشراق بالنسبة إلى «الكيان الإسرائيليّ» من صمَّام أمان استراتيجيّ وسياسيّ لا غنى لها عنه؛ نظرًا إلى تقديمه
أي- الاستشراق - المجهودات العلميَّة والأكاديميَّة لصُنّاع القرار الإسرائيليِّين حول القضايا المختلفة المرتبطة بالصراع العربيّ - الإسرائيليّ، علاوة على تقديمه كمًّا هائلًا من المعلومات حول جميع الشؤون العربيَّة والإسلاميَّة، الأمر الذي يُمثَّل إفادةً كبيرةً بالنسبة إلى الكيان الإسرائيليّ للتعرُّف عن قرب على البلدان العربيَّة والإسلاميَّة؛ إذ يُنظر إلى هذه المجهودات الاستشراقيَّة داخل الكيان إسرائيليّ على أنَّها مجهودات ذات بُعد قوميٍّ أمنيٍّ استراتيجيٍّ. وخير شاهد على هذا هو ما قامت به وزارة الدفاع الإسرائيليَّة من ترجمة عددٍ من مؤلِّفات «حافا لازروس يافيه»(1)
https://he.wikipedia.org/wik.
- إحدى أبرز المستشرقين -الإسرائيليِّين عن الإسلام، من اللغة الإنكليزيَّة إلى اللغة العبريَّة، وإعادة إصدارها(2).في ضوء ما سبق، فإنّه لا غرابَة في محاولات «الإسقاطات السياسيَّة» لبعض الكتابات الإسرائيليَّة على الإنترنت على بعض آي القرآن والمفاهيم والمصطلحات المختلفة الواردة فيه؛ لخدمة الأيديولوجيَّات والأفكار الاستيطانيَّة والاستعماريَّة اليهوديَّة في المنطقة العربيَّة.
وقد تمحورت هذه الكتابات حول قضيَّتين رئيستين هما: المسجد الأقصى، ومصطلح أو مفهوم الجهاد ؛ وذلك على النحو الآتي:
أ. المسجد الأقصى
حاولت الكتابات الإسرائيليَّة على الإنترنت إثبات أنَّ القرآن الكريم نفسه
1) حافا لازروس - يافيه (1930 م - 1998م): مستشرقة إسرائيليَّة من مواليد مدينة فيسبادن الألمانيَّة، وتعدُّ من الشخصيَّات الاستشراقيَّة النسائيَّة القليلة في إسرائيل التي تخصَّصت في الإسلام ودرسته وتركت مؤلّفات عدَّة حوله، درست في الجامعة العبريَّة في القدس، وحصلت منها على درجتي الماجستير والدكتوراه، وعُيّنت في الجامعة نفسها أستاذة للدراسات الإسلاميَّة في معهد الدراسات الآسيويَّة والإفريقيَّة، وفي العام 1993م حصلت على جائزة إسرائيل في التاريخ. تركّزت أبحاثها حول العلاقة بين اليهوديَّة والإسلام، وإبراز المشتركات بينهما وعوامل التأثير والتأثُّر المتبادل، ولا سيَّما خلال حقبة العصر الوسيط التاريخيَّة، التي شهدت تمازجًا بين الثقافتين الإسلاميّة واليهوديَّة في حواضر عدَّة في الشرق والأندلس. (انظر الرابط الآتي:
2) ومن هذه الكتب: كتاب «الإسلام: خطوط عريضة» عام 1980م، وكتاب «أحاديث أخرى عن الإسلام» عام 1985م. (انظر: البهنسي، الاستشراق الإسرائيليّ الإشكاليَّة السمات والأهداف، م.س، ص 475)
ينفي وجود صلة بين المسلمين والمسجد الأقصى، بوجهٍ يخدم الأهداف السياسيَّة الإسرائيليَّة الرامية لمحو أيَّة صلة للفلسطينيِّين والمسلمين بالمسجد الأقصى المبارك، وبمدينة القدس الشريف.
من أمثلة ذلك: مقالة بعنوان: «קוראו: ארץ ישראל ליהודים» (القرآن: أرض إسرائيل لليهود) (1)
http://www.israelhayom.co.il/article/263947
، أُشير فيها -وعلى خلاف ما تروّجه وسائل الإعلام الإسلاميَّة من عدم وجود أيَّة صلة لأمَّة اليهود بالأرض المقدَّسة- إلى أنَّ القرآن وتفاسيره يؤكِّدان أنَّ الله أورث بني إسرائيل هذه الأرض، وأنَّ القدس المذكورة في القرآن هي أرض موعودة لليهود، مقابل عدم وجود أيَّة إشارة إلى أنَّ هذه الأرض للمسلمين، أو العرب أو الفلسطينيّين. وضربت المقالة من الآية 142 وما بعدها من سورة البقرة (2)مثالاً على ذلك، والتي يُلاحظ أنَّه لا ذكرَ فيها لمدينة القدس.وفي مقالة بعنوان: : «השקרים האOלאמיים על ירושלים ומנOד אל-אקצא» (الأكاذيب الإسلاميَّة حول القدس والمسجد الأقصى"(3)للمستشرق الإسرائيليّ الدكتور مردخاي كيدار(4)
http://archive.is/20121218224720/www.biu.ac.il/Besa/Nmordechai_kedar.html)
، ادِّعاء وجود أكاذيب قرآنيَّة نقلت المسجد الأقصى من شبه الجزيرة العربيَّة إلى القدس، وحدَّدت موقعه محلّ "جبل الهيكل"(5)بغرض منع اليهود من دخول هذه المنطقة (6). هذا، مضافًا إلى زعم الكاتب بأنَّ التراث الإسلاميّ - في حدِّ ذاته - يحدِّد المسجد الأقصى داخل شبه الجزيرة العربيَّة في منطقة بين مدينتَي مكَّة والطائف، تسمَّى (جعرانه)، وأنَّ القرآن1) انظر : موقع صحيفة «إسرائيل اليوم» باللغة العبرية، في 6 مارس (آذار) 2015م، على الرابط الآتي:
2) «سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل للَّهِ الْمَشِرْقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صَرِاط مُّسْتَقِيم» (سورة البقرة، الآية 142)
3) انظر: موقع «مدى» التعليميّ الإسرائيليّ، في 9 أغسطس (آب) 2016م
4) مردخاي كيدار (1952م- .....) : باحث إسرائيليّ في الثقافة العربيّة، ومحاضر في جامعة «بار إيلان» الإسرائيليَّة. يعدُّ من الخبراء في الشؤون الفسلطينيَّة والعربيّة، خدم لفترة طويلة في المخابرات الإسرائيليّة، وتخصَّص في شؤون الجماعات الإسلاميَّة والإسلام السياسيّ. (انظر: موقعه الرسميّ على الإنترنت على الرابط:
5) جبل الهيكل: مصطلح دينيّ يهوديّ يرمز إلى هيكل سليمان المزعوم ( الباحث)
6) انظر: http://nida org.il
لم يحدّد موقعه في جنوب منطقة (جبل الهيكل) كما هو موجود الآن.
ب. الجهاد
حاولت بعض الكتابات الإسرائيليَّة على الإنترنت ربط مفهوم "الجهاد" بأفكار سفك الدماء والقتل، معتبرةً إيَّاها الدافع لشنِّ هجماتٍ إرهابيَّة وانتحاريَّة عند المسلمين، بل تجاوزت بعض هذه الكتابات إلى حدٍّ ترجمة مصطلح "الجهاد" إلى مصطلحات وألفاظ تربطه بالقتل والحرب وسفك الدماء دون غيرها من أيَّة معاني أخرى، مثال ترجمته إلى "מלחמת מצווה למעו אללה" أي (الحرب المقدَّسة من أجل الله) و «ההרינה למעו אללה » بمعنى (القتل من أجل الله).
من أبرز النماذج والأمثلة على ذلك مقالة البروفيسور الإسرائيليّ "مائير بر- أشير" بعنوان: "מתמOרים עם חאיOלאם" (1)
في 15 يونيو (حزيران) 2005م .1.1018840/www.haaretz.co.il/literature
(مستسلمون مع الاسلام)، الذي أشار من خلاله إلى وجود مفاهيم عدَّة في القرآن، تُخضِعُ المسلمَ لقيم القتل والعنف، وهي تلك القيم المرتبطة بمفهوم "الجهاد" الواردة في عدد من الآيات القرآنيَّة.وكذلك أُشير في محاضرة بعنوان: " في الوعي الثقافيّ العبري "(2)
http://www.almash-had.org/viewarticle.asp?ArticalID=642
إلى أنَّ نظرة القرآن الى الآخر غير المسلم، هي نظرة مركّبة؛ فمن جهة يدعو القرآن -حقًّا- إلى إعلان الجهاد على غير المسلمين، ومن جهة أخرى يمكن العثور فيه - أيضًا - على دعوةٍ إلى التسامح مع الغير، وإلى محاولة إقناعه بالتي هي أحسن أو التنازل له. ونقلت هذه المحاضرة – أيضًا - عن البروفيسور الإسرائيليّ «روبين» قوله: «إنَّ في كلِّ الكتب الدينيَّة تقريبًا، يمكن العثور فيها على توجهات متطرّفة، لكنَّ البارز في القرآن بشكلٍ خاصّ هو الثنائيَّات المتناقضة؛ ففيه آيات تدعو الى الجهاد الشامل، إلى جانب آياتتقول «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا»(1). مضيفًا أنَّ المفسِّرين يميلون إلى تفسير هذه التناقضات بالقول: إنَّ الآيات نزلت في فترتين؛ الآيات المعتدلة في الفترة الأولى من الرسالة، والآيات المتشدّدة بعد وصول النبيّ محمَّد الى المدينة المنوَّرة، وتعزيز قوَّته العسكريَّة فيها».
هذا، وتشير الدكتورة دانيلا تيلمون - هيللر» (2)
https://in.bgu.ac.il/humsos/mideast/Pages/staff/daniella.aspx)
الباحثة في مجال الإسلام في جامعة بن غوريون في النقب، في محاضرة لها بعنوان: The Formation of Islam) ) (3)(http://in.bgu.ac.il/Pages/default.aspx)
، إلى أنَّ نشأة الإسلام ارتبطت بعددٍ من المفاهيم المتعصِّبة التي تكوَّنت نتيجة وجود عقائد القتل والجهاد في القرآن والإسلام، لافتة إلى أنَّ جميع عصور الخلافة الإسلاميَّة شهدت حروبًا وحملاتٍ عسكريَّةً غير مسبوقة، كانت مشبعة جميعها بمفاهيم القتال التي ترسَّخت في الإسلام منذ بدايته.ويذكر الصحفيّ الإسرائيلّي «دانيال فايبس» في مقالته بعنوان: " ניצול הקו ראן למטרות טרור " (4)(استغلال القرآن لأهداف الإرهاب) وجود عددٍ من المعاهد القرآنيَّة في الولايات المتَّحدة التي تخرّج عناصر إسلاميَّة متشدِّدة، تستغلَ عددًا من المفاهيم والآيات القرآنيَّة؛ بهدف خدمة أهداف إرهابيَّة، مضيفًا أنَّ منظماتٍ كحماس - على سبيل المثال - تستغلّ القرآن من أجل جذب التبرُّعات الداعمة لأنشطتها المسلّحة(5).
1) سورة الأنفال، الآية 61
2) دانيلا تيلمون - هيللر: أستاذة في قسم الدراسات الشرق أوسطيّة في جامعة بن غوريون في النقب، متخصِّصة في الشؤون الدينيَّة والاجتماعيَّة في منطقة الشرق الأوسط في العصر الوسيط، والتاريخ الإسلاميّ في المنطقة. (انظر صفحتها الشخصيَّة على الموقع الإلكترونيّ لجامعة بن غوريون في النقب على الرابط الآتي:
3) نُشرت على موقع قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون في النقب
4) انظر: الموقع الإلكتروني لصحيفة «معاريف» الإسرائيليَّة، في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2004م
5) http://www.nrg.co.il/online/1/ART/841662/.html
ثانيًا: سمات محتوى صورة القرآن الكريم في مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة
من السمات العامَّة لأيَّة صورة نمطيَّة نزوعها إلى الثبات والتكرُّر دون تغيُّر وفق ظروفٍ وملابساتٍ مختلفة، وهي تعتمد على تعميماتٍ مؤسَّ على الشائعات أو الآراء التي لا تستند إلى براهين علميَّة تجريبيَّة(1)، وبالتالي فهي تُبنى على معلومات غير دقيقة أو خيالات، ثمَّ إنَّ من سماتها الأساس أنّها تكون محمَّلة بالمشاعر الذاتيَّة ومشحونة بالعواطف الشخصيَّة التي يصعب تغييرها أو تفنيدها بسهولة(2).
في ما يتعلَّق بصورة القرآن الكريم على مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة تحديدًا، فقد اتّسمت بسمات عدَّة، منها:
1- الامتداد والتكرار
تُمثِّل الكتابات الإسرائيليَّة على مواقع الإنترنت عن القرآن الكريم "امتدادًا" نمطيًّا وممنهجًا لتلك الكتابات الغربيَّة - في معظمها - عن القرآن الكريم على الإنترنت، وكلاهما -أي الكتابات الغربيَّة والإسرائيليَّة- يُمثِّلان امتدادًا وتكرارًا للأقاويل والشبهات والتصوُّرات التي يحاول الغرب ترسيخها وترويجها عن الإسلام ومصادره الأساس، وفي مقدِّمتها القرآن الكريم منذ العصر الوسيط وحتّى اليوم.
وكذلك كرَّرت الكتابات الإسرائيليَّة على الإنترنت الصورة النمطيَّة نفسها عن القرآن الكريم التي ذكرتها المواقع الغربيَّة على الإنترنت، وهو ما أدَّى إلى أن تكون هذه الكتابات "تكرارًا" للموضوعات والأطروحات نفسها الخاصَّة بالكتابات الغربيَّة عن القرآن الكريم على الإنترنت، فعلى سبيل المثال نجد الأفكار نفسها المتعلِّقة بردِّ القرآن الكريم إلى مصادر غير أصيلة، وفي مقدِّمتها المصادر اليهوديَّة، وكذلك ربطه بمفاهيم العنف والتطرُّف والإرهاب.
يلحظ - أيضًا - أنَّ الكتابات الإسرائيليَّة نفسها «تكرّر » فكرة واحدة، لكن من
خلال نماذج مختلفة؛ فنجد أنَّ أكثر هذه الكتابات تتمحور حول ردّ القرآن الكريم إلى مصادر يهوديَّة، وهو نمط واحد يجري طرحه من خلال أوجه عدَّة أو من خلال التطبيق على نماذج عدَّة؛ فنجد - مثلًا - المستشرق الإسرائيليّ «أوري روبين» يتَّخذ نموذج أو صورة ما سمَّاه ب-: (الأنبياء المشتركين بين الإسلام واليهوديَّة)؛ لإثبات هذه الفكرة، في حين نجد أنَّ كتابات إسرائيليَّة أخرى على الإنترنت تتَّخذ من سورة الفاتحة نموذجًا لإثبات الفكرة نفسها.
كان السبب في بروز سمة «الامتداد والتكرار» هو أنَّ معظم هذه الكتابات تعود إلى مستشرقين ومتخصِّصين إسرائيليِّين في الشؤون الإسلاميَّة والعربيَّة، وجميعهم إِمَّا متأثِّر بالكتابات الغربيَّة عن القرآن الكريم أو مرتبط بمؤسَّسات علميَّة وأكاديميَّة وإعلاميَّة غربيَّة، تشترك جميعها في هدف الترويج لصورة خاطئة ومشوَّهة عن القرآن الكريم.
فعلى سبيل المثال نجد المستشرق الإسرائيليّ «روبين» يعمل أستاذًا في الدراسات الإسلاميَّة في جامعة تل أبيب، ومع ذلك فإنّه يحاضر في جامعات أمريكيَّة وأوروبيَّة عدَّة، مثل: جامعة شيكاغو في الولايات المتّحدة، وجامعة برلين الحرَّة في ألمانيا، وجامعة ليدن في هولندا، كما أنَّ كتاباته عن الإسلام باللغات الانكليزيَّة والألمانية يجري الاقتباس منها في مواقع الإنترنت الغربيَّة المختلفة.
وعليه، فليس من الغريب أن تُردّد هذه الكتابات أفكار الاستشراق الكلاسيكيّ وأطروحاته ومقولاته بشأن القرآن الكريم، وليس من المبالغة التأكيد على أنَّ هذه الكتابات الإسرائيليَّة تفتقد ل- «الخصوصيَّة»(1).
2- التعدُّديَّة اللغويَّة
لم تكن الكتابات الإسرائيليَّة على الإنترنت عن القرآن الكريم باللغة العبريَّة فقط، وهي اللغة الرسميّة والأولى في إسرائيل، بل كُتبت باللغة الإنكليزيَّة أيضًا.
1) إدريس، محمَّد علاء: الاستشراق الإسرائيلي في الدراسات العبريَّة المعاصرة، القاهرة، مكتبة الآداب، 2003م، ص144
والأكثر من ذلك أنَّ بعض المواقع الإسرائيليَّة عن القرآن الكريم، كانت باللغة العربيَّة(1)
http://cms.education.gov.il/EducationCMS/Units/Tochniyot_Limudim/LashonAravit/Bchira/Kuran.htm،
وهو موقع تابع لوزارة التربية والتعليم الإسرائيليَّة، وينشر عددًا من سور القرآن الكريم؛ بعضها مترجم إلى العبريَّة، وبعضها الآخر بالعربيَّة، وفيه -أيضًا - ملفّات صوتيّة لبعض سور القرآن مقروءة بشكل عادِّيّ ومُرتلة، وذلك في إطار مادَّة اللغة العربيَّة التي تُدرَّس للصفوف الدراسيَّة من الصف السابع حتَّى الصف الثاني عشر من مراحل التعليم الأساسيّ الإسرائيليّ
. ومن المعروف أنَّ كثيرًا من المواقع الإنترنت الإسرائيليَّة لا تكون بلغة واحدة فقط، بل بأكثر من لغة، خاصَّة باللغتين الإنكليزيَّة والروسيَّة؛ ويعود ذلك إلى حرص الإعلام الإسرائيليّ - ولا سيّما على الإنترنت - على نشر أفكاره من خلال لغات واسعة الاستخدام والانتشار.أمَّا في ما يتعلَّق بالروسيَّة تحديدًا؛ فيعود استخدام الإعلام الإسرائيليّ لها بكثرة إلى تزايد عدد المهاجرين الروس إلى إسرائيل خاصَّة في مطلع عقد التسعينيَّات من القرن الماضي، والذين بلغ عددهم حوالي مليون نسمة، ومعظمهم لا يعرفون العبريَّة؛ ولذلك نجد وسائل إعلام إسرائيليَّة كثيرة تبثّ وتنشر باللغة الروسيَّة.
ولا تسم ظاهرة «التعدُّديّة اللغويَّة» هذه الكتابات الإسرائيليَّة عن القرآن الكريم على الإنترنت وحسب، بل تسم - أيضًا - الكتابات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة بصفة عامَّة؛ فمعظم المستشرقين الإسرائيليَّين يكتبون بلغات عدَّة أخرى إلى جانب اللغة العبريَّة (2). ثمَّ إنَّ المؤسسات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة حريصة على أن تُصدر إنتاجها بلغات عدة غير العبريَّة.
3- الارتباط بالمؤسَّسات السياسيّة والأمنيَّة والتعليميَّة والأكاديميَّة
تنوَّعت ارتباطات الكتابات الإسرائيليَّة على الإنترنت عن القرآن الكريم في مختلف المؤسَّسات الإسرائيليَّة من تعليميَّة وأكاديميَّة وبحثيَّة وإعلاميَّة وأمنيَّة. وهي ارتباطات تعكس إلى حدٍّ كبير أنَّ أهداف هذه الكتابات متنوِّعة وشاملة لعددٍ من الأهداف والأغراض، ولا تقف فقط عند حدٍّ التشويه والترويج الإعلاميّ لصورةٍ خاطئة عن القرآن الكريم.
فنجد أنَّ المؤسسات الأمنيَّة والسياسيَّة على سيبل المثال- تستخدم هذه الكتابات بهدف التبرير لاستهداف المقاومة الفلسطينيَّة ومن يناصرها؛ إذ إنَّها تصوّرها على أنَّ المعتقدات والأفكار الإسلاميَّة ما هي إلَّا ترويجًا لفكر الإرهاب والعنف، وأنَّ إسرائيل تقاوم ذلك بشتىَّ الصور الأمنيَّة والسياسيَّة؛ لحماية أمنها وكيانها وأمن الغرب وكيانه(1).
من ناحية أخرى، فإنَّ كثيرًا من أصحاب الكتابات الإسرائيليَّة عن القرآن الكريم على الإنترنت، لهم دورٌ كبيرٌ في تقديم استشاراتٍ متعدّدةٍ حول الشؤون الإسلاميَّة والعربيَّة لصناع القرار في إسرائيل (2).
أمَّا المؤسَّسات الأكاديميَّة والبحثيَّة الإسرائيليَّة، فتستخدم هذه الكتابات من أجل إضفاء « صبغة أكاديميَّة» على صورٍ نمطيَّةٍ مغلوطةٍ عن القرآن الكريم، وإعادة صياغتها وتقديمها للغرب بشكل من الممكن أن يقبله الغرب ويؤمن به(3). في حين أنَّ المؤسسات التعليميَّة الإسرائيليَّة تهدف من وراء استخدام هذه الكتابات إلى ترسيخ صورٍ نمطيَّةٍ لدى الناشئة وأطفال المدارس عن القرآن الكريم والمسلمين، بأسلوبٍ يمكن معه مستقبلًا أن يكون من السهل توجيههم فكريًّا وأيديولوجيًّا تجاه كلّ ما يمتّ إلى العرب والمسلمين بصلة(4).
4- أثر المجهودات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة:
تربتط بالسمة السابقة سمة أخرى بالغة الأهميَّة، وهي ارتباط الكتابات الإسرائيليّة على الإنترنت عن القرآن الكريم بالمجهودات الاستشراقيَّة الإسرائيلية المختلفة؛ إذ يُلاحظ بشدَّة أنَّ الكثير من هذه الكتابات هي المستشرقين، أو على
1) عبد الكريم، إبراهيم: أبحاث الصراع والاستشراق لدى إسرائيل، عمان، دار الجليل للنشر والتوزيع، 1992م، ص538
2) م.ن، ص 537-540
3) البهنسي، أحمد: «صناعة الكراهَّية الإسلام في مؤسَّسات التعليم الإسرائيلّي»، مقالة منشورة على موقع «إضاءات»، 11/ 8/ 2018 م على الرابط: https://www.idarat.com/islam-in-israeli-educational-institutions/
4) البهنسي، أحمد صلاح: «تقاليد ومناهج التعليم الدينيّ في إسرائيل»، ضمن كتاب (التعليم الدينيّ... التوصيف)، دبي، مركز المسبار للدراسات والبحوث، مارس (آذار) 2010م، ص87
مواقع إنترنت تنضوي تحت لواء المواقع الاستشراقيَّة أو البحثيَّة المهتمَّة بالإسلام ومصادره الأساس (القرآن الكريم).
ولا شكَّ أنَّ الاستشراق الإسرائيليّ يمتاز من بين التيارات والاتِّجاهات المختلفة للاستشراق ومدارسه، بخدمته لأهداف ومصالح إسرائيليَّة بحتة(1)، على رأسها التأصيل للتواجد اليهوديّ في المنطقة، وهو ما نجده واضحًا في أنَّ كثيرًا من الكتابات الإسرائيليَّة على الإنترنت هي حول خدمة الأيديولوجيَّات والمفاهيم الاستشراقيَّة والسياسيَّة الإسرائيليَّة. واقتباس معظم مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة للآيات القرآنيَّة المترجمة إلى اللغة العبريَّة من ترجمة المستشرق الإسرائيليّ أوري روبين لخيرُ شاهد ودليل على عظيم أثر هذه المجهودات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة على الكتابات الإسرائيليَّة حول القرآن الكريم على الإنترنت.
ثالثًا: سبل تصحيح الصورة
يمكن طرح استراتيجيَّة متكاملة تكون أساسًا لبناء مشروعٍ هادفٍ وبنَّاء ٍيساهم في تصحيح صورة القرآن الكريم على مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة.
تقوم هذه الاستراتيجيّة على محاور خمسة رئيسة، يُكمل بعضها بعض، وهي تتشعَّب في مجالات مختلفة وتتوزّع على أدوارٍ لجهاتٍ ومؤسَّساتٍ ذات الصلة بالموضوع. وذلك وفق الآتي:
موقع إلكترونيّ
من الضروري إطلاق موقع إسلاميٍّ شاملٍّ على شبكة الإنترنت، يُركّز على القرآن الكريم وعلومه وتفاسيره وكلّ ما يتعلَّق به، ويُفضّل أن يكون باللغة العبريَّة؛ لكونها اللغة الرسميَّة في إسرائيل والأكثر انتشارًا واستخدامًا فيها، ومن الممكن أن يشتمل -أيضًا- على عددٍ من اللغات الأخرى المنتشرة في إسرائيل، ولا سيّما الإنكليزيَّة والفرنسيَّة والروسيَّة(2).
1) للمزيد انظر: البهنسي، الاستشراق الإسرائيلّي الإشكاليّة السمات الأهداف، م.س، ص124
2) يوجد حوالي مليون نسمة في إسرائيل يتحدَّثون اللغة الروسيَّة، ولا يعرفون العبريَّة إلَّا قليلاً، ولهم إذاعات وصحف ومواقع إلكترونيَّة خاصَّة بهم ناطقة باللغة الروسيّة. وتعود هذه الكتلة السكانيَّة إلى الهجرة الكبرى من قبل سكان عددٍ من دول الاتّحاد السوفيتيّ السابق إلى إسرائيل إيَّان سنوات التسعينيات
ومن الضروريّ أيضًا - استخدام اللغات المختلفة وتوظيفها بوصفها وسيلةً وأداةً ضروريَّةً لتبليغ الحقائق الإسلاميَّة الصحيحة وردِّ الشبهات والافتراءات والطعون التي توجّه إلى القرآن الكريم(1).
ثمَّ، يُفضّل أن يكون هذا الموقع الإلكترونيّ على غرار موقع الفاتيكان الإلكتروني ومنافسًا له؛ فقد أطلق الفاتيكان عام 1995م موقعًا شاملًا، يهتمّ بالأناجيل ونشر النصرانيَّة، واستغرق العمل من أجل إطلاقه سنوات عدَّة، وهو يتّسم بالتعدُّديَّة اللغويَّة والتطوُّر(2).
ولا بدَّ لهذا الموقع الإلكترونيّ من الجمع بين الهدف الدعويّ والتعريفيّ بالإسلام وبيَّن الهدف النقديّ والتصحيحيّ. ومن الضروريّ أن يكون شاملًا بمعنى الكلمة، بشكلٍ يُغني أيَّ باحثٍ أو مهتمٍّ بالقرآن الكريم عن أيِّ شيء عند الدخول إليه؛ نظرًا لوجود العشرات من المواقع الإسلاميَّة، لكنَّها غير شاملة ومستواها ضعيف.
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى الموقع الإلكتروني الذي جرى إطلاقه باسم "الإسلام لليهود"( ISLAM FOR JEWS ) (3)وهو باللغة العبريَّة يتكوَّن من أجزاء عدَّة، تركّز جميعها على التعريف بالدين الإسلاميّ، وكتابه الأساس (القرآن الكريم)، وفيه ترجماتٌ عدَّة لعددٍ من الآيات القرآنيَّة، ولا سيَّما سورة الفاتحة، مضافًا إلى إتاحته ترجمة البروفيسور "أوري روبين" العبريَّة لمعاني القرآن الكريم بشكلٍ إلكترونيّ مجانيّ لزوّار الموقع، وهي الترجمة العبريَّة الأحدث لمعاني القرآن الكريم، والتي صدرت في تل أبيب في آذار (مارس) 2005م.
ولكن يُؤخذ على هذا الموقع أنَّه تعريفيّ ووصفيّ بحت، ولا يتعرَّض لأيّ
1) عزوزي، حسن: «دور العلماء في تصحيح صورة الإسلام»، مقالة منشورة على موقع مركز الأبحاث والدراسات في مجال تصحيح صورة الإسلام على الإنترنت، على الرابط الآتي: http://www.cercii.ma/
2) ابن المالك، فهد محمَّد : «النشر الإلكترونّي لترجمات معاني القرآن الكريم»، بحث ألقي في مؤتمر مجمع الملك فهد للمصحف الشريف حول ترجمات القرآن الكريم، السعودية، م 2005، ص 15
3) https://islam4jews.wordpress.com/
جوانب نقديَّة في ما يتعلَّق بنقد الكتابات الإسرائيليَّة واليهوديَّة عن القرآن الكريم، ولا سيَّما التي باللغة العبريَّة، على الرغم من تعرُّض أجزاء عدَّة منه للقرآن الكريم، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالعبادات وبعض الاعتقادات بالقرآن. ومع ذلك يُحسب له أنَّه يحاول تقديم صورة وصفيَّة وتعريفيَّة صحيحة للإسلام باللغة العبريَّة للمواطن اليهوديّ داخل إسرائيل.
وفي ما يتعلَّق بالجزء الخاص بالقرآن الكريم في هذا الموقع، فهو يقدّم تعريفًا مختصرًا عن القرآن باللغة العبريَّة، مشيراً إلى أنّه الكتاب المقدَّس في الإسلام الذي نزل على النبيّ محمّد صلّی الله علیه و آله عن طريق الملاك جبريل، وأنَّه يتكوَّن من 114 سورة.
اعتماد مشروع ترجمات إلكترونيَّة
تنطوي أهمِّيَّة كبرى على اعتماد مشروعٍ إسلاميٍّ ضخم ٍومتكاملٍ للترجمات الإلكترونيّة، يعمل على تجنيد مجموعة من المترجمين والباحثين العاملين على رصد جميع الكتابات الإسرائيليَّة على شبكة الإنترنت حول القرآن الكريم وتصنيفها، ومحاولة الردِّ عليها من خلال الموقع الإلكترونيّ الإسلاميّ المقترح إطلاقه أو من خلال وسائل إعلام مختلفة.
ومن الضروريّ - في هذا الصدد - أن تكون هذه الترجمات مواكبةً وملائمةً لثقافة المجتمع في إسرائيل الذي تُطرَح من أجله؛ إذ إن هناك سمت لغويّ معيَّن بدأ يتبلور في المجتمع، فبعدما كانت اللغة العبريَّة التي أعيد إحياؤها مرَّة أخرى متأثِّرة باللغات والثقافات الأوروبيّة، أصبحت الآن متأثَّرة بثقافة ذلك الجيل من اليهود الذي ولد وتربَّى في إسرائيل، وأصبحت له ثقافته الخاصَّة التي تجمع بين الثقافة الغربيَّة وبين الثقافة الشرقيَّة، وأصبحت لهذا الجيل لغته الخاصَّة به.
ثمَّ إنَّه يجب العمل -أيضًا- على إنشاء محرِّكات بحثٍ إسلاميَّة خاصَّة بترجمة بعض الكلمات والمصطلحات والألفاظ المتعلِّقة بالقرآن الكريم؛ نظرًا إلى وجود عددٍ
لا بأس به من محركات البحث الإلكترونيّة(1)(Google-yahoo) التي تعمد إلى وضع مرادفات مترجمة لبعض المصطلحات القرآنيَّة بشكل خاطئ ومشوه. وبالتالي، من الضروري إمَّا تصحيحها أو إطلاق محرّكات بحث إسلاميَّة خاصَّة وبلغات عدَّة، من بينها العبريَّة، بحيث تقدّم ترجماتٍ صحيحةٍ وأمينةٍ للمفاهيم والمصطلحات الإسلاميَّة.
دور المنظّمات الإسلاميَّة في إسرائيل
يجب التواصل مع عرب فلسطين داخل إسرائيل الذين يشكّل المسلمون منهم أغلبيَّة كبيرة، ولديهم عدد من المؤسَّسات والأحزاب والحركات الإسلاميّة الفاعلة (2)، التي يمكن تفعيلها في الداخل الإسرائيليّ؛ للعمل على تصحيح صورة القرآن الكريم في ما يبثُّ في وسائل الإعلام الإسرائيليَّة المختلفة، وعلى رأسها الإنترنت.
يُشار إلى أنَّ اختيار عرب فلسطين للقيام بهذه المهمَّة تحديدًا، يرجع إلى أنَّهم الأكثر دراية وفهمًا بطبيعة المجتمع الإسرائيليّ وثقافته، وما يبث داخله من صور وقوالب إعلاميَّة مختلفة. مضافًا إلى أنَّهم الأقرب إلى نبض التغييرات المجتمعيَّة والثقافيَّة المختلفة التي تعتري المجتمع الإسرائيليّ بشكلٍ متسارع، وما يتعلّق بها من ظهور مصطلحاتٍ وألفاظٍ عبريَّة جديدة.
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى تلك الترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة العبريَّة التي قام بها المعلّم الفلسطينيّ صبحي عدوى(3)- من سكان عرب فلسطين في
1) من محرّكات البحث هذه: محرَّك بحث google.co.il" "، وكذلك محرَّك البحث الخاص بوزارة الخارجيَّة الإسرائيليَّة tawasul.co.il“. ". وجميعها تقدّم ترجمات خاطئة عن الكثير من المصطلحات والمفاهيم القرآنيَّة. وكذلك صفحة "إسرائيل تتكلّم العربيَّة" التابعة لوزارة الخارجيَّة الإسرائيليَّة - أيضًا - على موقع التواصل الاجتماعيّ الفيس بوك".http://www.facebook com/IsraelArabic/info" الذي يقدِّم ترجمات خاطئة عن المفاهيم والمصطلحات الإسلاميَّة والقرآنيَّة
2) من أبرز هذه الحركات: الحركة الإسلاميَّة في إسرائيل (للاطّلاع عليها، انظر: الحركة الإسلاميَّة_في_إسرائيل//:http ar.wikipedia.org/wiki/)؛ وكذلك مؤسَّسة الأقصى للوقف والتراث (للاطّلاع على هذه المنظَّمة، انظر: http://www.iaqsa.com)
3) صبحي عدوى: من سكَّان عرب فلسطين في الداخل الإسرائيلّي، صدرت ترجمته للقرآن عام 2015 م عن مركز بيّنات للدراسات والبحوث في العاصمة الأردنيّة عمان (للمزيد حول هذه الترجمة، انظر: ג'קי חוגי: המוסלמי הראשון שתרגם את הקוראן לעברית: ידיעות אחרונות: 2015/12/29)
الداخل الإسرائيليّ، وهي أوّل ترجمة يمكن تسميتها أو وصفها ب-(الإسلاميَّة) (1)، حاول من خلالها تقديم صورة صحيحة ومبسَّطة للمجتمع الإسرائيليّ عن القرآن الكريم.
يشار كذلك إلى مجهودات ما يعرف ب- "درا السلام للتعريف بالإسلام" داخل إسرائيل، التابعة لعرب فلسطين(2)، والتي أصدرت مؤخَّرًا ترجمة عبريَّةً لمعاني القرآن الكريم (3)، وفق منهجيَّة علميَّة جيّدة، تهدف إلى تصحيح الترجمات العبريَّة السابقة المشوّهة التي قام بها يهود.
إعداد جيلٍ من الباحثين
من المهمّ جدًّا العمل على إعداد جيلٍ من الباحثين القادرين على تصحيح صورة القرآن الكريم على مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة، وهذا يتطلَّب استحداث أقسام ومعاهد دراسات جديدة داخل كلِّيَّات الآداب واللغات والدراسات الإنسانيَّة والدينيَّة، تكون متخصّصةً في الشؤون الإسرائيليَّة، واللغة العبريَّة، ونقد المجهودات الاستشراقيَّة اليهوديَّة بشكل عامّ والإسرائيليَّة بشكل خاصّ حول الإسلام ومصادره الأساس (القرآن الكريم)، وما يتعلَّق بها من دراساتٍ وعلومٍ مختلفة، سواء اجتماعيَّة أم تاريخيَّة أم دينيَّة.
وبموازاة ذلك، يُعتبر من الضروريّ أيضًا- تخصيص أقسام منفصلة داخل الوزارات السياديَّة ذات الطابع الأمنيّ والاستراتيجيّ، مثل: وزارات الدفاع، والداخليَّة، والخارجيَّة، والتربية والتعليم، والإعلام والثقافة، تكون مهمَّتها متابعة المجهودات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة حول القرآن الكريم ونقدها والردِّ عليها.
1) ثمَّة أربع ترجمات عبريَّة أخرى لمعاني القرآن الكريم، قام بها مستشرقون يهود أو إسرائيليَّون (للمزيد عن الترجمات العبريَّة لمعاني القرآن الكريم، انظر: البهنسي التعليقات والهوامش لترجمة أوري روبين العبريَّة لمعاني القرآن الكريم دراسة نقديَّة، م.س، ص 3-5)
2) انظر الموقع الإلكترونّي: http://islamhouse.com/en?fbclid
3) وقد صدرت هذه الترجمة بالتعاون مع أكاديميَّة العلوم الشرعيَّة في كفر برا في الداخل الفلسطينيّ، وبإشراف الدكتور «أيمن ریان» عميد قسم العلوم الإسلاميّة في هذه الأكاديميَّة . والترجمة متاحة على الإنترنت، وقد اشترك فيها طاقمٌ كبيرٌ من المترجمين المتخصِّصين
مؤسَّسة إسلاميَّة
يُقترح تدشين مؤسَّسة إسلاميّة كاملة قادرة على رعاية المجهودات المختلفة وتنسيقها وتنفيذها؛ لتصحيح صورة الإسلام على مواقع الإنترنت الإسرائيليَّة، وتكون مسؤولة عن تحقيق ذلك من خلال اعتماد استراتيجيَّات علميَّة وتكنولوجيَّة ودعوية مختلفة، تقوم هذه المؤسَّسة بتنفيذها من خلال وحداتٍ وأقسامٍ ذات تخصُّصات مختلفة.
ومن الضروريّ - بطبيعة الحال - أن تكون هذه المؤسَّسة على تواصلٍ مع الهيئات والمؤسَّسات الأكاديميَّة والدينيَّة والدعويَّة المختلفة المهتمَّة بهذا المجال.
لائحة المصادر والمراجع
مهدي، محمَّد: وسائل الإعلام والصورة النمطيَّة ، مجلة شؤون الشرق الأوسط (تصدر عن مركز بحوث الشرق الأوسط)، القاهرة، جامعة عين شمس، أكتوبر 2002، العدد 4.
حلس، موسى عبد الرحيم؛ مهدي، ناصر علي: دور وسائل الإعلام في تشكيل الوعي الاجتماعيّ لدى الشباب الفلسطينيّ (دراسة ميدانيَّة على عيّنة من طلَّاب كلِّيَّة الآداب في جامعة الأزهر)، مجلَّة جامعة الأزهر، غزّة، 2010م، المجلَّد 12، العدد 2.
ندوة مستقبل النشر الإلكترونيّ العلميّ، المجلَّة العربيَّة للعلوم الإنسانيَّة، جامعة الكويت، 1996م.
بيرجر، آرثر اسا: وسائل الإعلام والمجتمع وجهة نظر نقديَّة، ترجمة: صالح خليل أبو إصبع، سلسلة عالم المعرفة، الكويت آذار (مارس) 2012م العدد 386 .
البهنسي، أحمد: "صورة الشخصيَّة العربيَّة في الأدب العبريّ الحديث"، صحيفة الوطن العمانيَّة، 31) تشرين الأوّل (أكتوبر) 2006م، العدد 8500.
حسن، محمَّد خليفة: "المدرسة اليهوديَّة في الاستشراق"، مجلَّة رسالة المشرق، جامعة القاهرة، مركز الدراسات الشرقيَّة، 2003م، المجلَّد 12، الأعداد1-4.
سعيد إدوارد : تغطية الإسلام كيف تتحكم وسائل الإعلام الغربيّ في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم، ترجمة: سميرة نعيم خوري، لا ط، بيروت، مؤسَّسة الأبحاث العربيَّة، 1983م.
طاش، عبد القادر: صورة الإسلام في الإعلام الغربيّ، لا ط، القاهرة، دار الزهراء للإعلام العربيّ، 1993م.
سلوى حسني: "تصوُّرات المثقَّفين المصريِّين لخصائص بعض الجماعات القوميَّة واتِّجاهاتهم نحو هذه الجماعات"، رسالة دكتوراه، مصر كليَّة الآداب في جامعين عين شمس، غير منشورة، 1983م.
1.0 حسن، محمَّد خليفة: مدخل نقديّ إلى أسفار العهد القديم، القاهرة، دار الثقافة العربيَّة، 2002م.
التلمود .. أصله وتسلسله وآدابه، لا ط، ترجمه عن العبريَّة: شمعون مويال، تقديم: ليلى إبراهيم أبو المجد، مراجعة: رشاد الشامي، القاهرة، الدار الثقافيَّة للنشر، 1996م.
الصيَّاد، عبير الحديدي محمَّد السيّد: رؤية الأجاداه لداوود وسليمان، رسالة دكتوراة، القاهرة، جامعة عين شمس، غير منشورة، 2002م.
البهنسي، أحمد صلاح: التعليقات والهوامش لترجمة "روبين" العبريَّة لمعاني القرآن الكريم دراسة نقديَّة، رسالة ماجستير، القاهرة كليَّة الآداب في جامعة عين شمس، 2012م.
1.4 مزراحي، عيدو : "مشكلة الخلاف بين السنَّة والشيعة في ظلّ الربيع العربيّ“، مجلَّة "روح شرقيَّة" (רוח מורחית)، العدد 14، ديسمبر (كانون الأوّل) 2013م.
البهنسي، أحمد صلاح: "الاستشراق الإسرائيليّ الإشكالية السمات والأهداف"، مجلَّة الدراسات الشرقيَّة، جامعة القاهرة، مركز الدراسات الشرقيَّة، العدد 38، 2007م.
إدريس، محمَّد جلاء: الاستشراق الإسرائيليّ في الدراسات العبريَّة المعاصرة، القاهرة، مكتبة الآداب، 2003م.
عبد الكريم، إبراهيم: أبحاث الصراع والاستشراق لدى إسرائيل، عمان، دار الجليل للنشر والتوزيع، 1992م.
عزوزي، حسن: "دور العلماء في تصحيح صورة الإسلام"، مقالة منشورة على موقع مركز الأبحاث والدراسات في مجال تصحيح صورة الإسلام على الإنترنت، على الرابط الآتي:
/http://www.cercii.ma
19 . ابن المالك، فهد محمَّد: "النشر الإلكترونيّ لترجمات معاني القرآن الكريم"، بحث ألقي في مؤتمر مجمع الملك فهد للمصحف الشريف حول ترجمات القرآن الكريم، السعودية، م 2005.
د. أحمد البهنسي(1)
مقدّمة
حاز «القرآن الكريم» مكانةً مهمَّةً وبارزةً من بين الاهتمامات والموضوعات المختلفة التي اعتنى الاستشراق الإسرائيليّ بدراستها والتعرُّض لها بالترجمة، والبحث، والتحليل، والدراسة، والنقد. وهذا ما ظهر جليًّا في إعداد ترجماتٍ عبريَّةٍ مطبوعةٍ وكاملةٍ لمعاني القرآن الكريم صدرت في الكيان الإسرائيليّ، مضافًا إلى إعداد مقالاتٍ حول القرآن الكريم في الموسوعات اليهوديَّة - الإسرائيليَّة، وكثيرٍ من الكتب والأبحاث والدراسات والمقرَّرات الدراسيَّة حول القرآن الكريم.
ولذا لم يكن غريبًا وجود عددٍ من المستشرقين والباحثين الإسرائيليِّين المختصِّين في مجال الدراسات القرآنيَّة، حَرَّكَتهم الدوافع الدينيَّة والأيديولوجيَّة وحتّى العلميَّة، ولعلَّ في مقدِّمتها محاولة تشكيك المسلمين في دينهم وعقائدهم الأساس، مضافًا إلى وقف المدِّ الإسلاميّ على أتباع الديانات الأخرى، ومحاولة الردّ على النقد الإسلاميّ الموجَّه للانحرافات التي شهدتها الديانات الأخرى على أيدي أصحابها (2)إذ كان الدفاع عن العقائد اليهوديَّة التي كانت موضعًا للنقد القرآنيّ، والهجوم على الإسلام وعلى مصادره الرئيسة والتشكيك فيها، ومحاولة إثبات صلته باليهوديَّة؛ من أهمِّ هذه الدوافع(3).
وقد برز من بين هؤلاء المستشرقين الإسرائيليين: البروفيسور « מאירבראשר
مائیر بر- آشير"، الذي نستعرض من خلال هذا التقرير سيرته العلميَّة، ونُلقي الضوء على أبرز مؤلّفاته، ولا سيّما المتعلِّقة بالقرآن الكريم، مع نقدٍ موجَزٍ لها.
أولًا: سيرته العلميَّة
ولد بر - آشير في مدينة الرشيديَّة؛ جنوب شرق المملكة المغربيَّة، عام 1955م، وكان والده حاخامًا يقتات من بيع نسخ التوراة. هاجرت أسرته إلى الكيان الإسرائيليّ قبل أن يتمَّ له عامٌ واحد، واستقرَّ بصحبتها في مدينة القدس المحتلَّة، وتعلَّم من خلال أسرته اللغة العربيَّة بلهجتها المغربيّة (1)، واكتسب تعليماً دينيًّا يهوديًّا في المرحلتين الابتدائيَّة والثانويَّة، وواصل تعلُّم اللغة العربيَّة بمفرده (2)، وربَّما ساعده على ذلك سکنه بجوار تجمُّعاتٍ عربيَّةٍ - إسلاميَّةٍ في مدينة القدس المحتلَّة.
درس جميع مراحله العلميَّة الجامعيّة في الجامعة العبريَّة في القدس، حيث أنهى دراسته للَّقب الأوّل عام 1978م في قسم اللغة العربيَّة وآدابها، وفي قسم الفلسفة والتصوُّف اليهوديّ (القبَّالاه). أمَّا دراسته للَّقب الجامعيّ الثاني (الماجستير) فقد أتمَّها في قسم اللغة العربيَّة وآدابها، وكتب أطروحته بإشراف البروفيسور شلومو بينس، وعنوانها: «دراسات في فلسفة الأخلاق عند أبي بكر الرازي». وبعدها سافر إلى باريس وقضى عامًا دراسيًّا واحدًا (1982-1983م) في الفرع الثالث لجامعة السوربون في باريس، وفي المدرسة العليا للدراسات التطبيقيَّة في باريس (EPHE) (3).
كتب أطروحته للدكتوراه بإشراف البروفيسور الإسرائيليّ "إيتان كولبيرج“، المتخصّص في الدراسات الإسلاميَّة وعنوانها: "قضايا في التفسير الشيعيّ الإماميّ المبكِر للقرآن (من القرن الثالث إلى الرابع الهجرّي التاسع -العاشر الميلاديّ) ، وحصل عن هذه الأطروحة على مرتبة الشرف الأولى عام (1991م) (4).
تولَّى مناصب عدَّة؛ منها: رئيس معهد الدراسات الآسيويَّة والإفريقيَّة، ورئيس
قسم اللغة العربيَّة وآدابها في الجامعة العبريَّة في القدس، ورئيس كرسي الدراسات الإسلاميَّة على اسم ماكس شليزنجر في الجامعة نفسها، وكذلك شغل منصب سكرتير الجمعيَّة الإسرائيليَّة للدراسات الشرقيَّة (1). ويشغل حاليًّا منصب أستاذ الأدب العربيّ في الجامعة العبريَّة في القدس المحتلَّة.
يُلحظ من سيرته العلميَّة أنّه ينتمي إلى فئة المستشرقين الإسرائيليِّين من اليهود الذين هاجروا من البلدان العربيَّة (المغرب) إلى الكيان الإسرائيليّ، والذين يحظون بمعرفةٍ كبيرة بالعرب وشؤونهم وبدرايةٍ لا بأس بها باللغة العربيَّة (2)، وهي فئة غلب عليها طابع الجدل الدينيّ اليهوديّ المضادّ للإسلام في كتابتها؛ نظرًا إلى أنَّها تشبَّعَت بفكر دينيٍّ يهوديٍّ متطرّفٍ يرى أنَّ الإسلام يُمثِّل خطرًا على اليهود واليهوديَّة، ولا سيَّما أنَّه نشأ في أسرةٍ يهوديّةٍ متديّنةٍ؛ فقد كان والده حاخامًا، وحينما هاجر إلى القدس المحتلَّة التحق بمدارس دينيَّةٍ يهوديَّةٍ للدراسة؛ بمعنى أنَّ تكوينه التربويَّ والدراسيّ كان يهوديًّا متشدّدًا.
كما إنَّه ينتمي لتلك الفئة من المستشرقين الإسرائيليِّين التي وُصفت ب-«الخطيرة»؛ وهم أولئك الذين درسوا الثقافة الإسلاميَّة من الكتب في الجامعات الإسرائيليَّة (3)إذ إنَّه يعمل أستاذًا في الجامعة العبريَّة متخصِّصًا في الدراسات الإسلاميَّة، وتلقَّى تكوينًا علميًّا متكاملاً في الجامعة العبريَّة في القدس المحتلَّة حول الشؤون الإسلاميَّة والأدب العربيّ، مكَّنَه من الاطّلاع على الشؤون الإسلاميَّة ودراستها من خلال كتبٍ ومؤلَّفات علميَّة أكاديميَّة.
ثانيًا: إنتاجاته العلميّة
يمكن تقسيم إنتاجاته وإنجازاته العلميَّة إلى أقسامٍ ثلاثة؛ هي:
1-المشاريع والبرامج العلميَّة والبحثيَّة
ترأَّس منذ شهر سبتمبر (أيلول) عام 2002 م وحتَّى شهر مارس (آذار) عام 2003م، بمشاركة البروفيسور «إيتان كوليبرج» (المتخصّص في الدراسات الإسلاميَّة) طاقم بحثٍ في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العبريَّة في القدس المحتلّة. وقد تناول هذا الطاقم بالبحث «التمايُز والانغلاق مقابل الانفتاح والعالميَّة في الإسلام الشيعيّ» (Exclusivity and Universality in Shi'i Islam) . وقد كانت هذه هي المرّة الأولى التي اجتمع فيها طاقمٌ من الباحثين الدوليِّين للعمل المشترك في مجال دراسات الشيعة، لمدَّة تزيد على نصف عام(1).
كما ترأَّس منذ مطلع شهر سبتمبر (أيلول) عام 2010م وحتّى مارس (آذار) عام 2011م بمشاركة البروفيسور «مردخاي كوهين» (باحث المقرا من المدرسة الدينيَّة يونيفرسيتي في نيويورك)، مجموعةً من الباحثين في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العبريَّة في القدس المحتلَّة، وكان موضوع البحث: «تلاقي الكتب المقدَّسة في الحضارات ذات الوشائج المشتركة: طرائق التفسير القديمة في الديانة اليهوديَّة، والمسيحية، والإسلام، وآثارها في العهود الحديثة»
Encountering Scripture in Overlapping Cultures: Early Jewish Christian and Muslim Strategies of Reading and Their Contemporary Implications(2).
2- المؤلَّفات العلميَّة وترجمات الكتب
ألَّف بر - آشير عددًا من الكتب التي تمحورت حول المذاهب الشيعيَّة المختلفة، وحول القرآن الكريم والدراسات الإسلاميَّة كذلك، وكان من أهمِّها كتابه: «النصّ المقدَّس والتفسير عند الشيعة الإماميَّة القديمة»( Scripture and Exegesis in Early Imami Shi'ism Leiden 1999 ) (3).
يُعدُّ هذا الكتاب صيغةً معدَّلةً ومنقَّحةً من أطروحته للدكتوراه التي أنجزها بإشراف البروفيسور إيتان كولبرج. ويتناول فيه تفسير القرآن عند الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة، مركّزًا على ما اعتبره الإشكاليَّة التي صوَّرها القرآن للخلاف بين الشيعة والسنّة، والاتّهامات التي وجَّهها ما أطلق عليه «الإسلام الشيعيّ» ضدّ «الإسلام السُّنيّ» بتزييف السنَّة للقرآن بسبب دوافع سياسيَّة(1).
كما ألَّف كتابًا يحمل عنوان: (The Nusayri- 'Alawi Religion: An Enquiry into its Theology and Liturgy) (الديانة النُصيريَّة - العلويَّة؛ تحقيق في اللاهوت والليتورجيا)، بمشاركة البروفسيور أرييه كوفسكي المختصّ بالديانة المسيحيَّة، من قسم دراسات الديار المقدَّسة في جامعة حيفا، حيث تناول فيه بالتحقيق والدراسة الفرقة «النُصيريَّة» التي اعتبرها قد تحوّلت إلى «ديانة مستقلَّة»(2).
اشتمل الكتاب -أيضًا- على طبعة علميَّة محقَّقة لمخطوطة نُصيريَّة عنوانها: «تعليم ديانة النصيريَّة»، وهو مؤلّف لتعليم أسس العقيدة، يتكوّن من أسئلةٍ وإجاباتٍ حول أسرار العقيدة، ويشبه في الأسلوب كتب تعليم العقيدة المسيحيَّة، ويبدو أنَّ مؤلّف هذا المخطوط قد تأثرَّ بمؤلَّفات مسيحيّة، أو أنَّه كان على اطِّلاع عليها.
كما إنَّ له كتابًا -أيضًا - بعنوان: كتاب المعارف لأبي سعيد ميمون بن قاسم الطبراني... طبعة نقديَّة مع مقدّمة»
Kitab al-Ma'arif by Abu Sa'id Maymun b. Qasim al-Tabarani, Critical edition with an Introduction Louvain: Peeters, 2011(3).
يقدِّم هذا الكتاب رؤية نقديَّة لكتاب المعارف؛ من تأليف حكيم أبو سعيد الميمون قاسم الطبرانيّ؛ أحد شيوخ النُصيريَّة في أوائل القرن الحادي عشر، ومن أهمّ
الشخصيَّات البارزة في المذهب النُصيريّ، والذي كان له دورٌ كبيرٌ في تشكيل هويَّة هذا المذهب الجديد(1).
شارك بر-آشير كذلك في تحرير كتب ومؤلِّفاتٍ عدَّة وترجمتها؛ هي: ”سفونوت"(2)، "الحشّاشون"(3)(فرقة من فرق الغلاة في الإسلام)، «القرآن: مدخل موجز" (4)، "قول مقول على أكمل وجه"(5)، "الإسلام... التاريخ، الدين، الثقافة"(6).
3- المقالات والمحاضرات العلميَّة:
كتب بر-آشير مقالاتٍ عدَّة في مجالات اهتماماته البحثيّة نفسها باللغات العبريَّة والإنكليزيَّة والفرنسيَّة، ومن بينها مقالات في مجال القرآن الكريم؛ أبرزها:
«تقاليد غير متجانسة في التعليقات الإماميَّة القديمة على القرآن» (7)، باللغة الفرنسيَّة.
«قراءات مختلفة وإضافات للإمام الشيعيّ في القرآن» (8)، باللغة الإنكليزيَّة.
«تفسير القرآن الكريم للإمام الحسن العسكريّ» (9)، باللغة الإنكليزيَّة.
1) انظر: صفحة البروفيسو بر - آشير- على موقع الجامعة العبريَّة في القدس، م.س
2) حوليَّة لدراسة الجاليات اليهوديَّة في بلدان الشرق، صدرت بالعبريَّة عن دار النشر التابعة لمعهد إسحاق بن تسفي لدراسة الجاليات اليهوديَّة في بلدان الشرق، المجلّد 22، 1999م
3) كتاب من تأليف: برنارد لويس، ترجمه عن الإنكليزيَّة: موشيه إيلان، تحرير ومراجعة علميّة: مائير بر- آشير، مدينة القدس، دار ماجنس للنشر، 2000م
4) كتاب من تأليف: مايكل كوك، القرآن، ترجمه عن الإنكليزيَّة: مائير بر - آشير؛ ونوريت صفرير، تل أبيب، 2006م
5) عبارة عن أبحاث في تفسير المقرا والقرآن في العصور الوسطى، مهداة إلى: حجاي بن شماي، صدرت بالعبريَّة، من تحرير: مائیر بر-آشير؛ وسايمون هوبكنز؛ سارة سطرومزة؛ وبرونو كيازة، القدس المحتلَّة، 2007م
6) كتاب صدر باللغة العبريَّة، تحرير: مائير بر- آشير، القدس المحتلَّة، دار ماجنس للنشر، 2017م
7) Deux traditions hétérodoxes dans les anciens commentaires imamites du Coran, Arabica 37 (1990), Pp. 291-314
8) Variant readings and additions of the Imami-Shia to the Quran, Israel Oriental Studies 13 (1993), pp. 39- 74
9) The Qur'an commentary ascribed to the Imam Hasan al-'Askari, Jerusalem Studies in Arabic and Islam 24 (2000), pp. 358- 379
وله في مجال القرآن وتفسيره مداخل عدَّة هي مواد في دائرة معارف القرآن، وفي معجم القرآن بالفرنسيَّة ( le Dictionnaire du coran, paris 2008) .
وكذلك ألقى في هذا المجال محاضراتٍ علميَّة عدَّة ؛ أبرزها محاضرة بعنوان: «صورة إبراهيم في القرآن والتراث الإسلاميّ» (1).
ثالثًا: آراؤه حول القرآن الكريم، ونقد موجز لها
كان للقرآن الكريم نصيبٌ مهمٌّ من بين الاهتمامات العلميَّة والأكاديميَّة للمستشرق الإسرائيليّ البروفيسور مائير بر- آشير وقد صبَّ اهتمامه في مجال القرآن الكريم على دراسة تفاسير القرآن ولا سيّما الشيعيّة منها. أمّا كتاباته حول القرآن الكريم في حدِّ ذاته؛ باعتباره نصَّا، فيمكن تقسيمها إلى جانبين أساسين؛ هما:
قصص القرآن الكريم
أشار بر -آشير في محاضرة علميَّة له حول «إبراهيم في القرآن والتراث الإسلاميّ المبكر» إلى أنَّ قصَّة إبراهيم في القرآن وردت- كما جميع قصص القرآن- مبعثرة وغير مرتَّبة، ووردت على هيئة أجزاء داخل سور قرآنيَّة متعدِّدة، وأنّه لم يُستفاض في سرد أجزاءٍ منها، وعلى سبيل المثال : قصَّة نشأة إبراهيم علیه السّلام وترعرعه؛ ذلك أنَّ القرآن يعطي لنفسه أحقَّيَّة أن يقفز إلى فائدة القصَّة وليس إلى تفاصيلها؛ لأنَّ القرآن لا يقصّ القصص من أجل «القصّ» ولكنْ من أجل «التذكير»(2).
ثمَّ أشار إلى أنَّ ثمّة «خطًا واحدًا» يفصل بين قصص القرآن وقصص العهد القديم، وهو أنَّ قصص القرآن حول بني إسرائيل تشتمل على عموميَّات، بخلاف ما هي عليه في العهد القديم وأدب التلمود، وكذلك في كتب آباء الكنيسة النصرانيَّة- ولا سيما الكنيسة السوريَّة - حيث تذكر التفاصيل بكاملها (3).
وكذلك استطرد في المقارنة بين قصص القرآن وقصص العهد القديم، مشيراً إلى أنَّ الأوَّل اعتمد كثيرًا على الثاني، وأنَّ ذلك ظهر في كتابات المفسِّرين الأوائل؛ أمثال: الطبري الذي أضاف كثيراً من المصادر الإسرائيليَّة حول قصص القرآن، ولا سيّما قصَّة إبراهيم وابْنَيْه إسحاق وإسماعيل، مضيفًا أنَّ ثمّة تسلسلًا تاريخيًّا واضحًا وسردًا متتاليًا في قصص العهد القديم، أمَّا في القرآن فلا يوجد مثل هذا التسلسل التاريخيّ ولا التراتب السرديّ(1).
ويمكن الردّ على ما أشار إليه بر- آشير، بالقول:
إنّ انعدام البعد التاريخيّ المتسلسل في القصص القرآنيّ إنّما هو لحكمة إلهيَّة بالغة؛ وهي أنَّ القرآن الكريم كتاب يهدف إلى تقديم العظة الدينيَّة، وكلُّ ما ورد فيه هو من أجل هذه الغاية الإلهيَّة، بما في ذلك القصص. أمَّا العهد القديم فهو کتابٌ اختلطت فيه المادَّة التاريخيَّة بالمادَّة الدينيَّة، إلى درجة أنَّ نقّاد العهد القديم اعتبروه كتابًا تاريخيًا في المقام الأوّل، يؤرّخ لتاريخ الجماعة الإسرائيليَّة في سياق دینیّ(2).
كما إنَّ انعدام البُعد التاريخيّ في قصص القرآن يؤكِّد خصوصيَّة النصّ القرآنيّ وانفصاله التامّ عن نصِّ العهد القديم؛ إذ تنعدم في القرآن المادَّة التاريخيَّة، في حين يختلط التاريخ بالدين في نصِّ العهد القديم (3).
وتجدر الإشارة - كذلك - إلى أنَّ المشكلة التاريخيَّة موجودة في القصَّة التوراتيَّة، وليست موجودة في القصَّة القرآنيَّة، وهذا يعود إلى اختلاف الهدف من تكرار القصَّة في كلِّ منهما ؛ فالقصَّة إنّما تتكرّر في التوراة بهدف بیان خبر آخر وسرد آخر مغاير وربَّما مناقض لما ورد في السرد الأوَّل؛ ومن أمثلة ذلك: قصَّة موطن إبراهيم،
1) انظر: صفحة البروفيسور بر - أشير على موقع الجامعة العبريَّة في القدس، م.س
2) حول اختلاط التاريخ بالدين في العهد القديم، انظر: حسن، محمّد خليفة: تاريخ الديانة اليهوديَّة، لا ط، القاهرة، لا ن، 1996م، ص 52
3) هويدي، أحمد محمود: «الردّ محمود: الردّ على شبهات المستشرق اليهوديّ أبرهام جايجر حول قصص الأنبياء في القرآن الكريم»، مجلَّة كلِّيَّة الآداب، جامعة القاهرة، المجلَّد ،60 عدد 4 أكتوبر 2000م، ص 141
وقصَّة إنقاذ يوسف، وكذلك قصَّة بيعه. أمَّا التكرار في القصَّة القرآنيَّة فهدف يتّسق مع الهدف الأساس من القرآن؛ وهو الوعظ، ففي كلّ مرَّة تتكرّر فيها القصَّة القرآنيَّة ثمَّة عظة دينيَّة مختلفة (1)، لا سردٌ تاريخيٌّ مختلف.
كما إنَّ أبرز ما تَتَّصِفُ به القصَّة القرآنيَّة ويميّزها عن القصَّة التوراتيَّة أيضًا؛ أنَّ القصَّة القرآنيَّة تَتَناسَب مع غايات التنزيل الإلهيّ، وهي غايات كثيرة؛ تتلخَّص في إثبات الوحي الإلهيّ، ووحدانيَّة الله وقدرته، في حين أنَّ القصص في التوراة جاءت لِتُبْرِزَ أنماط حياة الآباء العبرانيِّين (إبراهيم، إسحاق، يعقوب، ...) وسلوكيَّاتهم وأخلاقيَّاتهم؛ ليقتدي بها اليهود(2).
نشرت صحيفة هاآرتس الإسرائيليَّة في 15 يونيو (حزيران) 2005م مقالةً علميّةً لمائير بر- آشير بعنوان: « מחמOרים עם האיOלאם مستسلمون/ مسلمون مع الإسلام»؛ وذلك تعليقًا منه على ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبريَّة، التي صدرت من جامعة تل أبيب خلال شهر مارس من العام نفسه، للبروفيسور الإسرائيليّ أوري روبين أستاذ الدراسات القرآنيَّة في الجامعة نفسها(3).
تحدّث بر- آشير في هذه المقالة بموضوعيَّة كبيرة عن ترجمة معاني القرآن إلى العبريَّة؛ إذ اعتبر في بدايته أنَّ هذا عمل صعب جدًّا، وأنَّه لا بدَّ للمترجم الذي يُقدِم على هذا العمل من أنْ يكون مُطَلعًا تمام الاطِّلاع على التفاسير الإسلاميَّة التي كُتبت حول القرآن الكريم منذ قرون حتى وقتنا الحاليّ(4).
1) دبور، محمَّد عبد الله عبده: أسس بناء القصَّة من القرآن الكريم، دراسة أدبيَّة ونقديَّة، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة الأزهر، كلِّيَّة اللغة العربيَّة، 1996م، ص 23-25
2) مطاوع، سعيد عطيَّة: قصص الأنبياء في العهد القديم في ضوء النقد الأدبيّ، لا ط، القاهرة المجلس الأعلى للثقافة، 2007م، ص 32
3) للمزيد حول هذه الترجمة، انظر: البهنسي أحمد ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبريَّة... أوري روبين أنموذجًا، لا ط، الدوحة، منتدى العلاقات العربيَّة والدوليَّة، 2017م
4) انظر: المقال باللغة العبريَّة على هذا الرابط: 1.1018840/https://www.haaretz.co.il/literature
وأضاف أنَّ على المترجم أنْ يكون مُتقِنًا جدًّا للُّغة العربيَّة التي كُتِبَ بها القرآن؛ فقد جاء القرآن بلغة عربيَّة صعبة وحمَّالة أوجه ومعانٍ كثيرة، وثريَّة بالمصطلحات الخاصَّة والتعبيرات المتعدّدة ذات الدلالات المجهولة، وكثيرة هي المواضع في القرآن التي ما زالت تحتمل تفسيراتٍ لامتناهية (1)، على الرغم من مرور أكثر من 1300 عام على نزوله، واجتهاد المسلمين في تفسيره على مدار قرون، وبعد أكثر من قرنين من البحث العلميّ حول نصّ القرآن في الشرق والغرب.
ولكنْ على الرغم من هذه الإشارات الموضوعيّة التي لا يمكن تجاهلها في مقالة بر-آشير، فقد فاتته الإشارة إلى أنَّه كان من الأفضل أن «يقوم فريق علميّ متكامل» بترجمة القرآن الكريم؛ سواء إلى اللغة العبريَّة، أو إلى غيرها من اللغات الأجنبيَّة؛ نظرًا إلى خطورة هذا العمل وحسّاسيَّته، ولأنَّه يتطلَّب معرفة كثير من العلوم والمعارف والإلمام بها.
أمَّا ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة العبريَّة تحديدًا، فهي - بلا شكّ - عمل ينطوي على عظيم الأهمِّيَّة العلميَّة والثقافيَّة؛ وذلك لكون ترجمة القرآن الكريم تحتاج إلى إتقان كثيرٍ من العلوم، وتوافر أدوات عدّة؛ لتخرج في النهاية ترجمةً صحيحةً موضوعيّةً وخاليةً من الأخطاء والشبهات. وكذلك ينطوي هذا العمل على خطورةٍ شديدةٍ وحسّاسيَّةٍ بالغة؛ وذلك نظراً إلى أمرين:
أوَّلهما: المكانة العظيمة التي بلغها القرآن الكريم في نفوس المسلمين على مستوى أنحاء العالم بشتّى مذاهبهم ومشاربهم.
وثانيهما: تراث العداء والكراهيّة المتبادلة بين المسلمين والعرب من جانب، والكيان الإسرائيليّ التي ترى نفسها دولة اليهود؛ بوصفها كيانًا سياسيًّا من جانبٍ آخر(2).
لائحة المصادر والمراجع
إدريس، محمَّد جلاء: الاستشراق الإسرائيليّ في الدراسات العبريَّة المعاصرة، لا ط، القاهرة مكتبة الآداب، 2003م.
حسن، محمَّد خليفة: «المدرسة اليهوديَّة في الاستشراق »، مجلَّة رسالة المشرق، القاهرة، المجلَّد 12، الأعداد 1-4، 2003م.
عبد الكريم، إبراهيم: الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، لا ط، عمّان، دار الجليل، 1993م.
هويدي، أحمد محمود : «الردّ على شبهات المستشرق اليهوديّ أبرهام جايجر حول قصص الأنبياء في القرآن الكريم»، مجلَّة كلّيَّة الآداب، جامعة القاهرة، المجلَّد 60، عدد 4، أكتوبر 2000م.
دبور، محمَّد عبد الله عبده : أسس بناء القصَّة من القرآن الكريم، دراسة أدبيَّة ونقديَّة، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة الأزهر، كلّيّة اللغة العربيَّة، 96 1996م.
مطاوع، سعيد عطيَّة: قصص الأنبياء في العهد القديم في ضوء النقد الأدبيَّ، لا ط، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2007م.
أحمد: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبريَّة... أوري روبين أنموذجًا، لا ط، الدوحة، منتدى العلاقات العربيَّة والدوليَّة، 2017م.
صفحة البروفيسور بر -آشير على موقع الجامعة العبريَّة في القدس:
http://pluto.mscc.huji.ac.il/~barasher/
-Deux traditions hétérodoxes dans les anciens commentaires imamites du Coran, Arabica 37 (1990), pp. 291-314.
-Variant readings and additions of the Imami-Shi'a to the Quran, Israel OrientalStudies 13 (1993).
د. أحمد البهنسي (1)
مقدّمة
مقدمة ورد هذا المقال - الماثل للترجمة والتقديم - الذي حمل عنوان « משולחנושל המתרנם» (من مائدة المترجم)، من ضمن مقالات أُلقيت في فعاليَّة يوم دراسي (2)احتفاءً بإصدار جامعة تل أبيب عام 2005 ترجمة عبريَّة كاملة ومطبوعة لمعاني القرآن الكريم، من إعداد البروفيسور الإسرائيليّ «أوري روبين» (Uri Rubin) (3)للاطَّلاع على ترجمة أوري روبين للقرآن الكريم إلى اللغة العبريَّة، وعلى مقدّمتها وبعض التعليقات التي أضافها في هوامشها، انظر: «مقدَّمة ترجمة «أوري روبين» العبريَّة لمعاني القرآن الكريم»، مجلَّة القرآن والاستشراق المعاصر، السنة 1، العدد 3 ، صيف 2019م، ص31-39(4)
ولد في منطقة يافا في فلسطين عام 1944م، وتعلّم اللغة العربيَّة؛ نتيجة قربه من المجتمعات العربيَّة الفلسطينيَّة التي عاش بجوارها، في بداية عقد الستينيَّات التحق بالمدرسة الثانويَّة « הובוו חדש»، والتي قامت مديرتها «توني هيله» بإنشاء قسم « המנמה המורחנית» (الاتِّجاه الاستشراقيّ» لتعليم اللغة العربيَّة الذي كان يلتحق به الطلبة الإسرائيليُّون المجيدون للعربيَّة، وكان «روبين» من خرِّيجي الدورة الأولى في هذا القسم، والذي تعلَّم فيه العربيَّة وآدابها، وكيفيَّة التعايش مع السكَّان العرب، ودرس فيه بعض الموادّ القيّمة، مثل: العربيَّة الفصحى، والقرآن الكريم. لم يغيّر «روبين» بعد ذلك وجهته الدراسيَّة؛ إذ حرص عند وصوله إلى المرحلة الجامعية والتحاقه بجامعة تل أبيب، على الانتظام في أقسامٍ علميّة تكون فيها دراسات قريبة من ذلك التخصُّص. وحصل على شهادتَي ليسانس (اللقب الجامعيّ الأول) من جامعة تل أبيب، أوّلهما عام 1969م في تخصُّص دراسات العهد القديم وتاريخ الشرق الأوسط، وثانيهما عام 1972م في تخصُّص اللغة العربيَّة. كما حصل عام 1970م على شهادة دراسيَّة تكميليَّة من جامعة تل أبيب في تدريس العهد القديم. أمَّا بالنسبة إلى شهادة الدكتوراة، فقد حصل عليها عام 1976م من الجامعة نفسها من قسم اللغة العربيَّة والدراسات الإسلاميّة، وكانت أطروحته بعنوان: «النبيّ محمَّد في التراث الإسلاميّ المبكر». تولّى «روبين» مراكز علميَّة وبحثيَّة كثيرة داخل أقسام الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في الجامعات الإسرائيليَّة، كان من أهمّها: رئاسة قسم الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في كلّيّة الإنسانيَّات (الآداب) - جامعة تل أبيب، لمدة ستَّة أعوام في الفترة 1984 - 1990م. له العديد من المؤلَّفات العلميَّة في مجال الدراسات القرآنيَّة بلغات عدَّة (الإنكليزيَّة، العبريَّة، الألمانيَّة، والإيطاليَّة)، وما صدر منها باللغة العبريَّة - مضافًا إلى ترجمته لمعاني القرآن الكريم محور هذه المقالة – كتابان، بعنوان: «القرآن كلام الصوت الالهيّ إلى محمَّد الرسول، القدس» (2019 م)، و «بين القدس ومكَّة: قداستها وخلاصها الدينيّ في القرآن والتراث الإسلاميّ» (2019م). للاطّلاع على هذين الكتابين، انظر: مجلَّة القرآن والاستشراق المعاصر، السنة ، العدد 4 خریف 2019 م ضمن ملف إصدارات علميَّة، ص 72-73، 76-77
، أستاذ الدراسات القرآنيَّة في الجامعة نفسها.1) باحث متخصِّص في الاستشراق الإسرائيلّي، من مصر
2) نبذة عن الفعاليَّة: أقام المجمع الوطني الإسرائيلّي للعلوم والآداب في القدس المحتلَّة فعاليَّة علميَّة بمناسبة إصدار هذه الترجمة عن جامعة تل أبيب، بعنوان: « על תרנם הקוראו ... יום עיוו לכבור פרOום תרנמרי של אורי רוביו לקוראו» (حول ترجمة القرآن... يوم دراسيّ على شرف إصدار ترجمة أوري روبين العبريَّة للقرآن)؛ وذلك في 13 ديسمبر (كانون الأوَّل) عام 2005م. وقد صدر كُتيّب يشمل المحاضرات والمقالات التي أُلقيت خلال هذا اليوم عن المجمع نفسه عام 2012م. شارك في هذه الفعالية إلى جانب البروفيسور أوري روبين، كلَّ من: البروفيسور مائير بر-اشير أستاذ الدراسات الاسلاميَّة في الجامعة العبريَّة في القدس المحتلَّة بمقالٍ بعنوان: « עשינו אותו קוראו עובי למעו תשכילו להביו... השקפות מולOמיות שבאלת תונום הקוראו» (أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون... وجهات نظر إسلاميَّة حول مسألة ترجمة القرآن)، وكذلك البروفيسور ناصر بصل أستاذ الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في جامعة تل ابيب، بمقالٍ بعنوان: « היהודים והקוראו: תונומי הקוראו הלשונות אירופה לעברת» )اليهود والقرآن: ترجمات القرآن من لغات أوروبيَّة إلى العبريَّة). وقام بتحرير هذا الكُتيِّب الدكتور يوحنان فريدمان؛ الأستاذ بالمجمع الوطنيّ الإسرائيليّ، وجاء في 112 صفحة من القطع المتوسط. وقد سلَّطت هذه الفعاليّة - بما تضمَّنته من مقالات- الضوء على بعض الجوانب المهمَّة في هذه الترجمة، ولا سيَّما تلك المتعلِّقة بأسلوب المترجم ومنهجه في اختيار بعض الألفاظ القرآنيَّة وترجمتها، ولا سيَّما تلك التي لها صدىِّ صوتيّ متقارب بين اللغتين العربيّة والعبريَّة. فقد بدا واضحًا حرص صاحب الترجمة على إبراز تلك الخصوصيَّة اللغويَّة في لغة القرآن، خاصَّة وأنَّه كان قد اعترف بأنَّ القرآن يحظى ببناءٍ أدبيٍّ لأسلوبٍ نثريٍّ لا مثيل له، يدلُّ على عظمة من أنتج هذا النصّ، وهو الاعتراف نفسه الذي كان قد أقرَّ به في مقابلة إذاعيَّة، أجريت معه بمناسبة إصدار ترجمته العبريَّة للقرآن؛ إذ أكَّد أنَّ النصّ القرآنيّ يحمل لغةً لا يمكن سبر أغوارها، فهي فريدة من نوعها وذات إيقاع إعجازيّ
3) أوري روبين Uri Rubin) ): يعدُّ واحدًا من أبرز المستشرقين المستشرق الإسرائيلي "أوري روبين " وفهمه لمعاني القرآن الكريم
4) الإسرائيليِّين المعاصرين المختصِّين في الدراسات القرآنيّة.
وبالنسبة إلى المقال الماثل للتقديم والترجمة، فقد عكس اهتمام روبين الخاصّ بلغة القرآن، ومحاولة تقديمها في أقرب صورة للقارئ العبريّ، بما تحمله من صدىً صوتيٍّ وإيقاعٍ لغويٍّ، بشكل يحقِّق هدفين:
الهدف الأوّل: هو إيصال خصوصيَّة لغة القرآن
الهدف الثاني: محاولة تبسيط النصّ القرآنيّ المترجَم للمتلقِّي
هذا، علاوةً على أنّه يلقي الضوء على بعض الإشكاليَّات اللغويَّة التي واجهت المترجِم في ترجمة بعض الألفاظ القرآنيَّة وكيفيَّة تعامله معها، إضافة إلى أسباب استعانته بالهوامش والتعليقات في حواشي الترجمة، وهدفه من وراء ذلك، والحالات التي لجأ إلى ذلك فيها.
أوّلًا: ترجمة المقال
تمنح العبريَّة ميزة كبيرة لمترجم القرآن إليها مقارنة بمن يترجم القرآن إلى لغة غير ساميَّة (1)فالعبريَّة تُعطي للمترجم إمكانيَّةً لإيجاد ترجماتٍ غير ممكنة في لغات
1) تشترك العبريَّة والعربيَّة في الفرع اللغويّ نفسه من الأسرة اللغويَّة نفسها؛ إذ تنتسبان إلى فرع اللغات الساميَّة الذي هو أحد أهمّ فروع أسرة اللغات الأفروآسيويَّة. وتعدُّ العبريَّة من ضمن اللغات السامية التي تُنسب إلى بني إسرائيل، وبعض الشعوب التي تربطهم صلات دموية بهم، كبني إسماعيل وبني مدين. وقد أخذت اللغة العبرية العديد من الأسماء، فهي لغة كنعان שפת כנעו (وهو اسم واردّ في التوراة) واللغة اليهوديَّة שפה יהודית (بوصفها لغة مهمَّة في الديانة اليهوديَّة) واللغة المقدَّسة שפת כנעו (حيث تعدُّ في التوراة لغة مقدَّسة؛ بسبب كتابة التوراة بها)، لكن أشهر الأسماء لها هي اللغة العبريَّة؛ فقد سُمِّيت بهذا الاسم نسبةً إلى العبرانيين الذين حملوا اللغة من بَعْدِ الكنعانيِّين (المترجم)
أخرى، وهو ما نستعرضه من خلال طرح نماذج وأمثلة من ترجمتي العبريَّة للقرآن، التي صدرت عام 2005 .
النموذج الأوّل:
نقرأ في الآية 104 من سورة البقرة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ» فهذه الآية تحظر على المؤمنين قول لفظة (رَاعِنَا) التي تُفسَّر على أنّها تطلب لفت الانتباه، أو الإصغاء، وتأمرهم بقول (انْظُرْنَا) بدلًا منها، والتي تُفسَّر حرفيًّا : انظر لنا، وهو ما يعني أنَّنا أمام لفظتين مترادفتين: الأولى خاطئة، والثانية وُضعت لتستبدل بها، ويشرح المفسِّرون المسلمون أنَّ أمر الكفّ عن استخدام هذه اللفظة (رَاعِنَا) هو بسبب كونها تعدّ سبّ ولعنة في لغة اليهود أعداء محمَّد، ووفقًا لذلك فإنَّ المسلمين باستخدامهم لهذه اللفظة يلعنون محمَّدًا، ووفقًا لتفسيرٍ آخر فإنَّ أمر عدم استخدام هذه اللفظة هو بسبب أنَّها تُذكِّر بأصل اللفظ العربيّ ( رعن) الذي انبثقت منه ألفاظ ذات معانٍ سيِّئة، وبالتالي فإنَّ الآية تأمر المؤمنين باستخدام لفظ (انْظُرْنَا) بدلًا من (رَاعِنَا) نظرًا إلى أنَّ لها -أي (انْظُرْنَا) - صدىً أقلّ إشكاليَّة على أذن المستمع العربيّ.
ونظرًا إلى أنَّ موضوع الآية قائم على صدى اللفظتين، فقد كان الحلّ الأصح هو الإبقاء عليهما بصورتهما العربيَّة وتجنُّب ترجمتهما إلى العبريَّة، مثلما فعل يوسف يوئيل ريفلين (1)وأهارون بن شيمش (2)في ترجمتهما للقرآن إلى العبريَّة، لكن في
1) قام بهذه الترجمة «يوسف ريفلين»، بعنوان: « אלקוראו – תרנום מערבית» (القرآن - ترجمة عن اللغة العربية)، وقد صدرت عن دار النشر דביר في تل أبيب عام 1936م، وصدرت طبعتها الثانية عام 1963م ، ثمَّ الثالثة عام 1972م، والرابعة عام 1987م. وتعدُّ هذه الترجمة النسخة العبريَّة المعتمدة لدى فئةٍ كبيرةٍ من الباحثين والأكاديميّين اليهود والإسرائيليِّين المعنيين بدراسة الإسلام ومصادره الرئيسة (المترجم)
2) قام بهذه الترجمة الدكتور «أهارون بن شيمش»، بعنوان: « הקוראו הקדוש תרנום חופשי» (القرآن المقدَّس... ترجمة حرّة)، وصدرت الطبعة الأولى منها عام 1971م، أمَّا الطبعة الثانية فصدرت عام 1978م، بعنوان: « הקוראו Oפר הOפרים שלהאשלאם תרנום מערבית» القرآن... كتاب الإسلام الأوّل - ترجمة من العربيَّة-). وتعدُّ هذه الترجمة من أكثر الترجمات رواجًا بين الجمهور الإسرائيليّ من غير المتخصِّصين في الدراسات الإسلاميَّة، أو ممَّن لا يعرفون اللغة العربيَّة الفصحى (المترجم)
ترجمتي اخترت ترجمة اللفظتين؛ وذلك لأنَّه - وفقًا لرأيي- من الضروريّ إيضاح الفرق بين صدى اللفظتين، وهو الأمر الذي لا يمكن فعله في ترجمةٍ إلى لغةٍ أخرى غير العبريَّة.
فقد ترجمت راعنا إلى רענו (1)وبهذا أكون قد حافظت تقريبًا على معنى اللفظة؛ إذ إنَّ معناها العبريّ هو (كُن لنا صديقًا) أي حافظ علينا، وفي الهامش أوردت كذلك اللفظة العربيَّة بصورتها الأصليّة.
أمَّا اللفظة (انْظُرْنَا) فقد ترجمتها إلى רענו أي (انظر إلينا)، وبهذا ربحنا (إضافة) بأن خلقنا لعبة صدىً صوتيٍّ بين اللفظة المُستهجنة רענו واللفظة التي من المفترض أن تُستبدل بها רענו ، فالحرف (ע ع) في اللفظة רענו يحافظ على الانتساب إلى اللفظة רע أو רוע أي الشرّ، وهو ما يتوافق مع التفاسير التي تقول بأنَّ يهود المدينة كانوا يقصدون بها السبّ واللعنة، وفي العبريَّة المعاصرة اختفى الاختلاف الهجائيّ في الصوت بين حرفي (א أ) و (ע ع) ، لكن في ما يتعلَّق باللغة الكلاسيكيَّة للقرآن فقد تراءت لي إمكانيَّة استخدام لعبة المبادلة بين حرف (ע ع) المتعلّق بالشرّ وحرف (א أ) الذي يُحيّد معنى الشرّ من اللفظة.
في ضوء ما سبق، فإنّه يمكن القول: إنَّه في العبريَّة فقط يمكن الحفاظ على الصدى الصوتيّ للأصل العربيّ في ترجمة القرآن، وتطوير لعبة الألفاظ مثلما حدث في هذا المثال .
النموذج الثاني:
هناك مثالٌ آخر لميزة العبريَّة عن أي لغة أخرى لجهة ترجمة القرآن إليها، وهو ما نقرأه في الآية 59 من سورة مريم: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا»، التي تتحدَّث عن الكفار الذين يُعاقبون بسبب خطاياهم، فيُهدِّدهم القرآن ويقول (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا)، وقد
1) هذه اللفظة في هجائها الصوتّي في اللغة العبرية تشبه إلى حدٍّ كبير اللفظة العربيَّة «راعنا» (المترجم)
ترجمها ريفلين « אר נפול יפלו בתועה » أي (سقطوا في الضلال)، أمَّا ابن شیمش فقد ترجمها « וOופם אבדוו» أي (ونهايتم ضياع)، ولا يوجد أيُّ خطإٍ في ترجمتهما؛ فإنَّ الصورة ( غَيَّا) - وفقًا لهما - هي مصطلح مباشر يعني الخطيئة أو الضلال، وكما يقول القرآن فإنَّ الكافرين سيقعون في الضلال.
على الرغم من ذلك، فإنَّ ترجمتهما لم تأخذ في الحسبان تفسيرًا إسلاميًا مجرَّدًا وموجودًا في التفاسير الرئيسة، ومنها تفسير الجلالين (1)، الذي ورد فيه - على سبيل المثال - تفسيرٌ وحيدٌ ومتفردٌ للفظة (غَيَّا) وهو (وادي عميق في جهنم، سيسقطون فيه)، وذكر القرطبيّ أنَّ ذلك هو التفسير الأكثر معقوليّة، وهذا التفسير يتيح لمترجم القرآن إلى العبريَّة فرصةً عظيمةً لاستخدام التشابهات بين اللغتين العربيَّة والعبريَّة. فهل يكون من الطبيعيّ الاقتباس من اللفظة (غَيَّا) واستبدالها بلفظة (ניא) العبريَّة؟ وبالتالي، فإنَّ القارئ العبريّ سيتذكر على الفور ניא בו הינום (2)، وبالتالي فقد ترجمته إلى (Oופם שיניעו אל ה ניא) (نهايتهم سيصلون إلى جيا) ووضعت في الهامش أيضًا اللفظة العربيَّة بصورتها الأصليَّة وشرحت معنى الموضوع ، وكتبت أنَّ المفسّرين يشرحون أنَّ هذا اسم وادي في جهنم، وأنَّه ربّما يعدُّ صدىً لصورة اللفظ العبريّ ניא בו הינום، وشرحت أنَّ هناك مفسّرين آخرين شرحوا اللفظة وفقًا لأصلها العربيّ (غوى) الذي يعني ضياع.
النموذج الثالث
وردت اللفظة (بَقِيَّة) ثلاث مرّات في القرآن؛ في الآية 248 من سورة البقرة (3)،
[1] أشار البروفيسور «أوري روبين» في مقدّمة ترجمته العبريَّة لمعاني القرآن الكريم إلى أنّه قد استعان بعددٍ من التفاسير الإسلاميَّة للقرآن الكريم التي كُتبت خلال القرون الإسلاميَّة الأولى؛ وذلك بهدف إعانته على إعداد ترجمة عبريَّة للقرآن الكريم تعكس التفسير الأكثر قبولًا لدى عامَّة المسلمين. هذا مضافًا إلى اعتماده على هذه التفاسير كثيرًا في إضافة ملاحظات وتعليقات نقديَّة حول الآيات القرآنيَّة في هوامش الترجمة وحواشيها، محدِّدا أنّه اعتمد على أربعة تفاسير، وهي: 1- تفسير «بحر العلوم» ل- «أبي الليث السمرقندي» (ت : 375ه- /985م)، 2- تفسير «زاد المسير» ل- «عبد الرحمن بن الجوزي» (ت: 597ه- / 1200م) ، 3 - تفسير «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» ل- « القاضي البيضاوي» (ت: 685ه- / 1286م)
1) تفسير «الجلالين» ل-: «جلال الدين السيوطيّ» (ت: 911ه- / 1505م) ، و «جلال الدين المحليّ» (ت: 846 ه- / 1459م) (المترجم)
2) اسم وادٍ ذُكر كثيرًا في المقرا (الكتاب المقدَّس اليهوديّ) يوجد جنوب مدينة القدس بالقرب من جبل صهيون المقدَّس، وهو مرتبط بلفظ «ניהונם » جهنم العبريّ الوارد في المصادر الدينيَّة اليهوديَّة على أنَّه مكان الخاطئين بعد موتهم (المترجم)
3) «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» سورة البقرة، الآية 248
والآيتان 86 و 116 من سورة هود (1)، والمعنى الأساس البسيط للفظة هو (بقية) وفقًا لجذرها (بقى) . المشكلة هي أنَّه فى إحدى هذه الآيات، وتحديدًا الآية 116 من سورة هود: «فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَغْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ» وردت (أولُو بَقِيَّةٍ) لوصف الصدِّيقين من أبناء الأجيال السابقة، والذين لولا أنَّ هناك الكثير من أمثالهم لدَّمر الإله جيلهم وأفناهم من على وجه الأرض.
ويقول المفسِّرون إنَّ المقصود هم أصحاب المعتقدات الدينيَّة والصدَّيقين، وقد ترجمها ابن شيمش إلى « בני אדם ישרים» أي (أشخاص صالحون)، لكنَّ هذه الترجمة تفصل بين الأصل العربيّ لها (بقية) والأصل المقابل لها في العبريَّة שאר. على الرغم من أنَّ هناك طريقة للحفاظ على هذه الصلة؛ وذلك عن طريق استخدام اللفظة العبريّة (שאר רוח) التي تُجسّد فكرة السموّ والتميُّز، وبالتالي لا يوجد ما هو أنسب منها لترجمة لفظة (بقية) إلى العبريَّة، وهو ما قام به ريفلين في ترجمته؛ إذ استخدم مصطلح (בעלי שאר - רוח) وكانت ترجمتي أنا كذلك.
النموذج الرابع
نتناول في هذا المثال الجذور اللغويَّة المتشابهة في العربيَّة والعبريَّة، مثال الواردة في الآية 178 من سورة البقرة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنقى بالأنْثَى فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخفِيفُ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، والتي تتعرَّض لأحكام العقوبة المتعلّقة بالقتل وحالات الكفَّارة، مثلما هو وارد في الآية (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ....) والتي تقصد أنَّ أقارب القتيل قد سامحوا القاتل أي لن يقتلوه، وفي هذه الحالة فإنَّه على المُسامح أن يتبع طريق المعروف (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)، وفي هذه الحال تقدِّم لنا العبريَّة ترجمةً بسيطةً
1) «بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ» سورة هود، الآية 86
لتعظيم لفظة (اتِّباع) وهي (תביעה) وبهذا يرد المعنى الدقيق لهذا الأمر الإلهيّ من خلال استخدام هذا الجذر العبريّ؛ لذلك فقد ترجمت هذه الآية على النحو الآتي: ואוםל אם מוחל נואל הדם לרוצח על קצת דמו של אחיו יסתפק בתביעה כדת וכדין (ואז ישלם לו הרוצח כופר נפש).
النموذج الخامس
ورد في مواضع عدَّة من القرآن لفظة (المؤتفكات) أو (المؤتفكة) (1)كصفة للمدن التي دمرَّها الإله، وكان يُقصد بها مدينتي سدوم وعمورة المقرائيَّتَيْن(2).
ويورد المفسّرون المسلمون معلوماتٍ عن صلة هذه المدن بما وردت عليه في الأصل المقرائيّ الذي يصف هذه المدن التي انقلبت رأسًا على عقب، كما أنَّ القرآن نفسه يصف انقلاب هذه المدن في الآية 82 من سورة هود «فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عاليها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجّيلٍ مَنْضُودٍ»، والآية 74 من سورة الحِجر «فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ»، والذي كان انقلابًا تامًّا، أي أنَّ الإله ألقى بهذه المدن وقلبها رأسًا على عقب، وهذه الصورة موصوفة أيضًا في المقرا؛ إذ يُحكى أنَّ الإله أمطر سدوم وعمورة نارًا وأبادهما وقلبهما(3).
وورد انقلاب هاتين المدينتَيْن في المقرا كعلامةٍ لعقابِ الإله الشديد، مثلما ورد في سفر الخروج 25/29 ، وسفر ارميا 20/ 16، كما أنَّ القرآن استخدم هذا المثال لتحذير الكفار. وكانت الترجمة الطبيعيَّة جدًّا لهاتين المدينتين في القرآن هي «הערים הה פוכות» أي (المدن المقلوبة)، وهو ما يتيتح استخدام الجذر العبريّ القريب جدًّا من الجذر العربيّ الذي هو بدوره قريبٌ جدًّا من الجذر العبريّ.
1) سورة التوبة، الآية 70: «أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثُمَودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» : سورة النجم، الآية 53: «وَالْمُؤْتَفِكَةً أَهْوَى» ؛ سورة الحاقة، الآية :«وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ»
2) أي الواردة في (المقرا) المعروف في الكتابات العربيَّة بالعهد القديم، وهو الكتاب المقدَّس لليهود (المترجم)
3) انظر: التكوين 19/ 24-25
النموذج السادس
يقابل الجذر العربي (تَابَ) بوجهٍ واضحٍ الجذرَ العبريِّ (שוב)؛ فعلى سبيل المثال: في الآية 37 من سورة البقرة قيل عن آدم «فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ»، وقد ورد في الآية نفسها (فَتَابَ عَلَيْهِ)، وترجمها ريفلين «וישב אליו»، وفي هذه الترجمة حافظ على التشابه بين الجذر العربيّ والجذر العبريِّ، لكنَّه يأخذ بعين الاعتبار لاحقة النسب ( عليه ) وترجمها (إليه) ، ويمكن توقُّع أنَّ المترجم اعتبر أنَّ آدم هو الذي تاب إلى الإله.
كما أنَّ ابن شيمش ترجمها -أيضًا - (إليه) على اعتبار أنَّ الموضوع الأساس هو آدم وليس الإله، وتجاهل تمامًا لاحقة النسب (عليه).
ويشرح المفسِّرون المسلمون عمومًا جملة (فَتَابَ عَلَيْهِ) على أنَّها وصفٌ لارتباط الإله بآدم، ومن الممكن الحفاظ في الترجمة العبريَّة على الصلة التي بين (تَابَ) العربية و (שב) العبريَّة، وكذلك على لاحقة النسب (عليه)، وكلُّ ذلك يمكن تحقيقه إذا ترجمناها بمعنى (عاد عن غضبه عليه)، وقد انتهجت هذا الأسلوب في الترجمة في كلٍّ المواضع التي وردت فيها مسامحة الإله للإنسان، مثال: الآية 54 من سورة البقرة «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِالْخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِيكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِيكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» ، فقد قيل عن الإله (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أي عاد عن غضبه عليكم وقد ترجمها ريفلين (ושב אליכם) ، أما ابن شيمش فقد ترجمها (ושב אליכם).
النموذج السابع
المثال الأخير الذي أورده في هذا الصدد هو لفظة (خلاق) الواردة في الآية 102 من سورة البقرة «وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُونَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، وقد تكرَّرت هذه الكلمة -أيضًا - في آيات أخرى(1).
وتتكررَّ في موضع آخر من السورة نفسها في الآية :200: وقد قيل في الآية الأولى عن الإنسان الذي يشتغل بالسحر (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)، وشرح المفسِّرون المسلمون لفظة (خَلَاقٍ) بمعنى جزء (نصيب). وعليه فإنّه يمكن ترجمة اللفظة في صورتها العبريَّة المأخوذة من هذا الجذر العبريّ، بمعنى أنَّ هذا الأمر يُذكِّر بالتعبير التلموديّ الرائج « איו לא חלק בעולם הבא» أي (ليس له نصيبٌ من العالم الآخِر).
إنَّ موضوع تاريخ الجذور اللغويَّة المشتركة بين عربيَّة القرآن واللغات الساميَّة الأخرى، مثل العبريَّة، وبوجهٍ خاصّ الآراميَّة، كانت من الموضوعات التي بُحثت غير مرَّة، ومن الممكن ذكر أمثلة شهيرة عدة تتعلَّق بذلك مثل جَنَة = נו. وهي أمثلة تُجسّد ميزة العبريَّة لجهة ترجمة القرآن إليها.
ثانيًا: التعليقات والهوامش لترجمة «روبين » العبريّة لمعاني القرآن الكريم... دراسة نقديّة (2)
يمكن تقسيم المجهودات الاستشراقيّة اليهوديّة عامّة التي تعرضت للإسلام ومصادره وشؤونه المختلفة بالدراسة والنقد، إلى ثلاث مراحل أو مدارس، أوّلها: مرحلة أو مدرسة «الاستشراق اليهودي»، والتي تبدأ بالتوجّه نحو دراسة الإسلام
1) في: سورة البقرة، الآية 200 «فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ» ؛ سورة آل عمران، الآية 77 «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» ؛ وسورة التوبة، الآية 69 «كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولِئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ»
2) رسالة ماجستير، جامعة القاهرة كلية الآداب، يونيو 2012. تقديم وقراءة د. أحمد البهنسي
والمجتمعات الإسلاميّة كجزء من الحركة الاستشراقيّة في الغرب، والتي ظهرت بدايات القرن ال- 18م، فقد احتلّ اليهود مكانة مرموقة داخل حركة الاستشراق الغربي- الأوروبي. وثانيها : مرحلة أو مدرسة الاستشراق الصهيوني، والتي ارتبطت بطبيعة الحال بالحركة الصهيونية التي ظهرت بالأساس في شرق أوروبا عام 1881؛ الأمر الذي ميز هذه المرحلة أو المدرسة عن الاستشراق الغربي من حيث أن أصبح لها أهدافها وموضوعاتها الخاصّة التي تهدف بطبيعة الحال لخدمة الحركة الصهيونيّة وتأصيل الوجود اليهودي في فلسطين تاريخيًّا.
أمّا المرحلة الثالثة والأخيرة فهى مرحلة أو مدرسة «الاستشراق الإسرائيلي»، وتبدأ مع قيام دولة إسرائيل عام 1948م كامتداد لكل من «الاستشراق اليهودي» و «الصهيوني»، وبالتالي فقد حملت نفس سات وأهداف المرحلتين السابقتين، في نفس الوقت الذي انفردت به بسات وأهداف خاصة بها صبت جميعها في خدمة الأهداف السياسيّة والفكريّة لإسرائيل.
ارتبطت الترجمات العبريّة المعاني القرآن الكريم بشكل وثيق بالمجهودات الاستشراقيّة اليهوديّة؛ فقد ظهرت الكثير من الترجمات العبرية المعاني القرآن الكريم سواء الجزئية أو الكاملة وسواء المطبوعة أو المخطوطة خلال الفترات التاريخيّة المختلفة التي شهدت ظهور مدارس الاستشراق اليهودي والصهيوني والإسرائيلي.
بدأت الترجمات العبرية المعاني القرآن الكريم في صورة جزئية لبعض آي القرآن الكريم أيام حكم المسلمين للأندلس على أيدي الفيلسوف اليهودي «سعديا الفيومي»، والشاعر اليهودي «سليمان بن جبير ول»، وكانت أول ترجمة المعاني سورة كاملة للعبرية تلك التي قام بها الخبر اليهودي «أفراهام حسداي» من خلال ترجمته الكتاب الغزالي ميزان العمل..
أما الترجمات العبرية «الكاملة» المعاني القرآن الكريم، فتنقسم إلى نوعين «مخطوطة ومطبوعة»، وبالنسبة للترجمات المخطوطة غير المنشورة، فأوّلها يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، وقام بها الحبر «يعقوب بن يسرائيل هاليفي» وهي محفوظة بقاعة الآثار الشرقية بالمتحف البريطاني. أمّا الثانية فتعود للقرن الثامن عشر الميلادي وصاحبها غير معروف وهي محفوظة بالمكتبة البريطانية بلندن، وبالنسبة للثالثة فمحفوظة بمكتبة الكونجرس الأمريكي بواشنطن ولا تتوافر أيّة تفاصيل عنها.
فيما يتعلق بالترجمات المطبوعة فقد صدر أولها في ليبزج عام 1857 وقام بها الحبر «حاييم هرمان ريكندروف»، أما الثانية فقد صدرت في فلسطين عام 1937 وقام بها «يوسف ريفلين»، وصدرت الثالثة في إسرائيل عام 1971 وقام بها «أهارون بن شیمش».
أمّا الترجمة الأحدث والأهم فتلك التي صدرت عن جامعة تل أبيب الاسرائيلية في شهر مارس عام 2005 كباكورة سلسلة أعمال مترجمة لروائع الأدب العربي إلى العبرية التي أصدرتها الجامعة، وقام بهذه الترجمة البروفيسور «أوري روبين» أستاذ الدراسات الإسلاميّة بقسم اللغة العربيّة بكلية الدراسات الإنسانيّة والاجتماعيّة - جامعة تل أبيب.
نالت هذه الترجمة أهميّتها لسببين، الأول: إنها - كما يقول عنها صاحبها - جاءت تلبية للحاجة الماسّة لترجمة عبرية جديدة للقرآن لتصحيح وتنقيح الترجمات السابقة لها والإضافة عليها، والثاني: إنها صدرت في ظل متغيرات سياسيّة ودوليّة متعلّقة بأوضاع المسلمين في العالم خاصّة بعد أحداث 11 سبتمبر، وبروز نظريّات سياسيّة وفكريّة تتحدث عن الصراع بين الحضارات والأديان وتصادمها.
كيا تمثلت الأهمية الأكبر لهذه الترجمة - من وجهة نظر الباحث- في احتوائها على كثير من التعليقات والهوامش بالإضافة إلى ملحقين، تحتوي جميعها على نقد وتعليقات على معظم الآيات القرآنيّة، شملت جميع سور القرآن عدا سورتي «الضحى والعصر» وبلغ عدد صفحاتها 543 صفحة ؛ لذلك فنحن أمام مجلد عن القرآن الكريم يحتوي على ترجمة المعانيه إلى العبرية ونقد لآياته من وجهة نظر استشراقية إسرائيلية من خلال التعليقات الهامشيّة على الآيات القرآنيّة، وهو ما جعل من الضروري تقل هذه التعليقات والحواشي المليئة للتمييز بين ما هو علمي وموضوعي وما هو غير ذلك منها.
تأتي رسالة الماجستير الماثلة للعرض لتقديم دراسة نقدية للهوامش والتعليقات المذيل بها نص ترجمة «روبين» العبرية المعاني القرآن الكريم؛ فالهوامش الموجودة بحواشي الترجمة يطلق عليها مسمى «التعليقات التفسيريّة»، والتي تهدف إلى تقديم ترجمة تفسيرية لمعاني القرآن الكريم إلى لغة ما، فبعض الترجمات يقتصر المؤلف فيها على ترجمة بسيطة للآيات ثم يكتب التعليقات المطلوبة في الحواشي. وهناك الكثير من الترجمات التي لم يقصد أصحابها منها إلّا تقديم معاني النص القرآني، وكتبوا بعض التوجيهات والتوضيحات في الحواشي وهي في الحقيقة إكمالًا للترجمة حيث عجز أصحاب هذه الترجمات عن استيفاء المدلول الكامل لبعض الكلمات بكلمة أو كلمتين فشرحوها في الذيل والهامش. وبعض الترجمات فيها ترجمة بشكل عام ثم تفسير عام في الهامش حسب مرئيّات المترجم ومعتقداته الخاصّة.
بالنسبة للتعليقات والهوامش الموجودة في حواشي ترجمة «روبين»- التي هي موضوع الرسالة- فقد جمعت بين كونها تعليقات تفسيرية توضح مرئيات المترجم وكونها تعليقات شارحة مكملة للترجمة، حاول من خلالها المترجم شرح عدد من الألفاظ والآيات القرآنيّة والتعليق عليها.
هي طرح «روبين» من خلال هذه التعليقات والهوامش عددًا من الفرضيات حول الآيات القرآنيّة، والتي تمحورت حول رد الآيات القرآنية إلى مصادر خارجية غير أصيلة هي المصادر اليهوديّة والنصرانيّة والوثنيّة. وهي الفرضيّة الأساسيّة المتعلّقة مصدر القرآن الكريم، والتي صاحبها بفرضيات أخرى تتعلّق بإسقاط «روبين» لمفاهيم سياسيّة وفكريّة معيّنة على الآيات القرآنيّة، تخدم أيديولوجيّته الاستشراقيّة الإسرائيليّة.
فعلى سبيل المثال، علق «روبين» على الآية 35 من سورة البقرة «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ» بردها إلى قصة الخلق الواردة في سفر التكوين 1/ 17.
تهدف هذه الرسالة العلميّة إلى تقديم رؤية نقديّة علميّة وموضوعيّة خالية من أيّة تحيّزات للفرضيّات التي طرحها «روبين» في تعليقات ترجمته العبريّة المعاني القرآن الكريم وهوامشها؛ إذ اتبعت أسلوبًا ومنهجًا علميًّا يقوم على استخدام منهج «المقارنة» وطرح الآراء والأدلّة العلميّة والتاريخيّة التي يعود بعضها لآراء عدد من المستشرقين، لدحض ونقد فرضيّات «روبين» المختلفة.
كما أن هذه الدراسة استعانت بآراء المتخصصين وأصحاب الخبرة في مجال التفاسير الإسلاميّة وعلوم القرآن الكريم، وذلك لبلورة الآراء النقدية الموضوعيّة حول استخدام «روبين» لعدد من التفاسير القرآنيّة (السمرقندي، البيضاوي، ابن الجوزي، الجلالين) التي أشار في مقدمة ترجمته أنه استخدمها لتعينه على إخراج ترجمة قريبة للتصور الإسلامي عن القرآن الكريم.
تعرف الرسالة الماثلة للعرض ب- «أوري روبين» صاحب أحدث ترجمة عبرية المعاني القرآن الكريم من جميع الجوانب، مركزة على العوامل المختلفة التي ساهمت في نشأته العلمية والأكاديمية والمؤثرة في تفكيره وأيديولوجيّاته البحثيّة،
ومستعرضة الخبرات العلميّة المختلفة ل- «روبين» وتدرجه الأكاديمي على مدار حياته العلمية ومؤهلاته العلميّة والأكاديميّة، بشكل يوضح مدى أهلية «روبين» للقيام بترجمة عبرية كاملة لمعاني القرآن الكريم في ضوء ما تتوافر لديه من خبرات ومؤهلات علميّة ومعرفيّة وأكاديميّة.
كما تقدم الرسالة كمًّا معلوماتيًا عن المؤسسة العلمية التابع لها «روبين» والمقررات العلمية التي يدرسها بها. إضافة إلى تسليط الضوء على المستشرق الإسرائيلي مائير يعقوب «كيستر» الذي تتلمذ على يديه «روبين»، وذلك في محاولة التوضيح جوانب التأثير التي تركها «كيستر» على تلميذه «روبين» والتي انعكست على اهتمامات «روبين» البحثية ومناهجه العلميّة.
كا ذُيل هذا الجزء من الرسالة بملحقين مرجعيين، اشتمل الأول منها على معلومات عن «روبين» وحياته العلمية، حصل عليها الباحث من خلال مراسلاته الخاصّة مع «روبين». أما الملحق الثاني فقد اشتمل على استبيان الآراء عدد من المتخصصين وذوي الخبرة في مجال التفاسير حول التفاسير الأربعة التي اعتمد عليها «روبين» في تعليقات الترجمة وهوامشها.
تُقيم الرسالة كذلك التفاسير الأربعة (السمرقندي، ابن الجوزي، البيضاوي، الجلالين) التي أشار «روبين» في مقدمة ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى أنه اعتمد عليها لتعينه على الخروج بترجمة قريبة للتصور الإسلامي عن القرآن الكريم، والتي اعتمد عليها كذلك للتعليق على الآيات القرآنيّة وشرح بعض معانيها للقارئ؛ إذ ينقد هذا الجزء من الرسالة العلمية كذلك «المنهج» الذي اتبعه «روبين» في استخدام هذه التفاسير في تعليقات الترجمة وهوامشها ، وأسباب اختيار «روبين» لهذه التفاسير تحديدًا، ومدى موضوعيّة وحياديّة هذا الاختيار.
تفند الرسالة أيضًا «المناهج» الاستشراقيّة المختلفة التي اعتمد عليها «روبين» في
تعليقات الترجمة وهوامشها ويقف على ما بها من سلبيّات ومآخذ، مدعمًا ذلك بأمثلة من تعليقات «روبين» في تعليقات الترجمة وهوامشها.
وفي هذا الجزء توصلت الرسالة لعدد غير قليل من النتائج، ومن أهمها توافر صفة أو شرط «التخصص» لدى «روبين»، نظرًا لما توافرت لديه من خبرات ومؤهلات علميّة ومعرفيّة وأكاديميّة إضافة إلى اتقانه واطلاعه على الكثير من أمهات الكتب الإسلامية بالعربية.
کا توصلت إلى أن اعتماد «روبين» على التفاسير الأربعة التي ذكرها في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم إلى العبرية (السمرقندي، ابن الجوزي، البيضاوي، الجلالين)، مَثْل «انتخابًا مشكوكًا فيه»؛ نظرًا لأن هذه التفاسير لم تعكس السمت العام للتفاسير الإسلامية، واستند اختيارها بالتحديد إلى منهج «انتقائي» ولم يستند إلى منهج «استقرائي» موضوعي.
أظهرت الرسالة كذلك الكثير من الأخطاء التي وقع فيها «روبين» في استخدامه للمناهج الاستشراقية العامة (الإسقاطي، التأثير والتأثّر، المقارن)، والتي كان من أبرزها -على سبيل المثال - ابتعاد «روبين» عن «الموضوعية» في استخدامه للمنهج الإسقاطي الذي عكس من خلال استخدامه له وقوعه تحت تأثير أيديولوجية فكرية مسبقة حاول «روبين» إثباتها بأي وسيلة بعيدًا عن الموضوعيّة العلميّة.
تمثلت الفرضية الأساسية التي طرحها «روبين» في تعليقات ترجمته لمعاني القرآن الكريم وهوامشها، في رده الآيات القرآنية إلى مصادر غير أصيلة المصادر اليهوديّة والنصرانيّة والوثنيّة.
تنقد الرسالة بشكل موضوعي و علمي، فرضية «روبين» المتعلقة بردّه الآيات القرآنيّة المصادر يهودية مختلفة (العهد القديم - التلمود - الأجادا)، والتي كانت الفرضية الأكثر استحواذًا من حيث الحجم على فرضيّات «روبين» حول الآيات
القرآنية عامة؛ نظرًا لكونه ينتمي للفكر الاستشراقي الإسرائيلي -اليهودي وواقع تحت تأثير أيديولوجيّة استشراقيّة إسرائيليّة - يهوديّة تقول برد الآيات القرآنيّة إلى مصادر دينيّة يهوديّة.
فتنقد الرسالة فرضية «روبين» المتعلقة بالقصص القرآني والذي تناول في معظمه قصص الأنبياء المشتركين بين اليهوديّة والإسلام، وكذلك ما يتعلّق بالعقائد والشرائع الواردة ببعض الآيات القرآنية، إضافة إلى عدد من الألفاظ والتعبيرات اللغوية القرآنية التي ردها «روبين» لألفاظ وتعبيرات «عبرية» وهي اللغة التي ارتبطت بالتراث الديني اليهودي.
كما عمدت الرسالة إلى بيان أوجه الاختلاف والتشابه بين السياق العام الذي توجد به القصة القرآنية أو الشريعة أو العقيدة الواردة بالقرآن الكريم، وبين السياق العام المقابل له والمرتبط بالقصة أو الشريعة أو العقيدة الواردة في النص الديني اليهودي المردودة له.
فيما يتعلّق بالألفاظ والتعبيرات اللغوية التي ردها روبين» لألفاظ وتعبيرات لغوية « عبرية » واردة بمصادر بيهودية مختلفة. فقد اتبعت الرسالة لمناقشتها والرد عليها منهجًا تأصيليًّا مقارنًا، إذ قام الباحث بتأصيل اللفظة أو التعبير اللغوي في العربيّة واللفظة والتعبير اللغوي المردود إليها في اللغة العبريّة، ثم يقارن نتائج هذا التأصيل والذي من خلاله يمكن الوقوف على مدى أصالة اللفظة أو التعبير اللغوي في العربية أو أن اللفظة من الألفاظ «السامية المشتركة» أم من الألفاظ «الدخيلة» إلى العربيّة.
ومن النتائج التي توصلت إليها الرسالة في هذا الجزء اعتاد «روبين» على «التشابه اللفظي» السطحي الوارد في الآيات القرآنية ونصوص المصادر اليهودية المختلفة (العهد القديم، التلمود، الأجادا) لرد الآيات القرآنيّة إلى مصادر يهوديّة.
توصلت الرسالة أيضًا إلى بروز أزمة «الفهم»، لدى «روبين» كمستشرق إسرائيلي - يهودي، وذلك لتفسيره أو اعتباره التشابه بين ما ورد في الآيات القرآنية وبين ما ورد
أنه
في نصوص العهدين القديم والجديد على أنه اقتباس أو تأثر، في حين مفهوم في الإسلام على أنه تطبيق للرؤية القرآنية القائلة بوحدة مصدر الوحي الإلهي في كل من الإسلام واليهودية والنصرانية. وبطبيعة الحال فإن هذه الأزمة عائدة إلى سوء التعامل والاستخدام للنص الإسلامي (القرآن الكريم) من جانب المستشرقين عامة ومن جانب «روبين» صاحب الترجمة خاصة.
فقد بدا واضحًا عدم حرص «روبين» رغم كونه أستاذًا في الإسلاميّات على التعامل مع النص القرآني من خلال حماية هويته وتكامله، بل فهمه في اطار استقطاع النص من سياقه، وفهمه في إطار انساق وقيم وتعصبات فشل في تحييدها أو أبطالها كما فشل في الاستجابة للنص وفقا لطبيعة النص ولغته.
أمّا ما يتعلق بالألفاظ القرآنية التي ردها «روبين» للغة العبرية، فقد خلصت الرسالة إلى أنها تراوحت بين مجموعتين، الأولى: الألفاظ العربية الأصيلة لا سيّما المنتمية للعربية الشمالية، والثانية: الألفاظ السامية المشتركة.
في المجموعة الأولى من هذه الألفاظ اتّضح من خلال رد «روبين» لهذه الألفاظ الأصول عبرية، أنه تسيطر عليه أيديولوجيّة استشراقيّة معيّنة، وهو ما يستتبع تطويره الفرضيّات مغلوطة ومقلوبة؛ إذ إن فرضيّته الأساسيّة تتمثّل في اقتباس المادة القرآنيّة المواد غير أصيلة، في الوقت نفسه الذي لا يفترض فيه اقتباس لغات أخرى لا سيّما السامية منها لألفاظ عربية أصيلة، استخدمها القرآن الكريم.
أما المجموعة الثانية، فقد أثبتت الرسالة أن وجود «لفظة سامية مشتركة» في القرآن الكريم لا يطعن في أصلها العربي، وذلك لعدة أسباب، من أبرزها وأهمّها - على سبيل المثال - أن وجود اللفظة السامية المشتركة في العربية ولغة سامية أخرى، يؤكد وجود اللفظة في العربيّة، ما يعزز من أصالتها ومن كونها لفظة ذات «مرونة لغوية»؛ إذ استخدمت في أكثر من لغة سامية غير العربية.
يناقش الجزء الأخير من الرسالة فرضيّة ردّ الآيات القرآنيّة إلى مصادر نصرانيّة ووثنيّة، وبالتالي فهو يتبع في نقد هذه الفرضيّة منهج الباب الثاني نفسه من حيث استخدام المنهج المقارن للوقوف على أوجه الشبه والاختلاف بين النص القرآني والنص النصراني أو الوثني المردودة له الآية القرآنية.
كما يتم استخدام المنهج نفسه المستخدم في الباب الثاني من الرسالة لمناقشة نقد الفرضيّة المتعلّقة برد بعض الألفاظ والتعبيرات اللغوية القرآنيّة للغتين الحبشية والسريانية اللتين ارتبطتا بالتراث الديني النصراني، أو إلى اللغات الآراميّة والفارسيّة واليونانيّة التي ارتبطت بالتراث الديني الوثني.
ويختم هذا الجزء من الرسالة بعدد من الأدلة التاريخيّة والعلميّة الناقدة للفرضيّات الاستشراقيّة التي تقول بأخذ أو تأثر القرآن الكريم بمصدر نصراني أو وثني ديني؛ إذ يناقش وينقد إمكانية الأخذ أو الاقتباس القرآني من مصدر نصراني أو وثني بشري أو التأثر أو الاقتباس القرآني سواء من الأناجيل أو من الشعر الجاهلي.
كما أن هذا الجزء من الرسالة يحتوي عدد من الجداول الإحصائيّة التي تقدم حصر إحصائية لفرضيّات «روبين» حول رده الآيات الكريات المصادر غير أصيلة.
توصل هذا الجزء كذلك لعدد من النتائج، من أبرزها اعتماد «روبين» على المنهج الانتقائي في استخدام النصوص التفسيريّة، مثال تعليقه على بعض الآيات لوارد بها قصة زكريا؛ إذ انتقى من بين النصوص التفسيرية العديدة التي طرحت مجموعة من الآراء التفسيرية المختلفة، رأيًا واحدًا يخدم به هدفه المتمثل في ردّ الآيات القرآنيّة لمصدر نصراني.
كما أبرزت الرسالة عدم تحديد «روبين» لمصدر معين في رده بعض الآيات القرآنيّة المصادر إمّا نصرانيّة أو وثنيّة، بل إنه أطلق الكلام على عواهنه بدون تحديد المصدر محدّد، وهو الأمر الذي كان أكثر وضوحًا في رده لعدد من الآيات القرآنيّة المصادر وثنيّة أكثر من النصرانيّة.
توصلت الرسالة كذلك لوجود عدد من الأدلة التاريخيّة والعلميّة التي تثبت استحالة التأثير النصراني الديني بوسط شبه الجزيرة العربيّة مهبط الوحي، واستحالة أن يكون هناك مصدر نصراني بشري ( بحيرا الراهب) أو حتى مصدر وثني بشري (شعر أمية بن الصلت) أخذ أو اقتبس منه محمّد صلّی الله علیه و آله كّا تقول الفرضيّات الاستشراقيّة بذلك. فقد طرحت الرسالة الكثير من الأدلة العلميّة التي تدحض هذه الفرضيّة الاستشراقيّة ومن أبرزها ما ذهب إليه المستشرق الألماني ( Fryrk Schultness ) الذي جمع شعر ابن الصلت وطبع ديوانه عام 1910 ، ويعارض فكرة أن محمّدًا تأثر بابن الصلت، معتمدًا في ذلك على الكثير من الأدلّة التاريخيّة والفينولوجيّة لتحليل شعر ابن الصلت.
أ.د. مقدام عبد الحسن الفياض
أ.م.د. علي عبد المطلب علي خان المدني
مقدمة
تعرّضت الأديان السّماويّة الرئيسة جميعًا منذ بزوغ شمسها على هذه الأرض وظهور الرسل والأنبياء عليها للتشهير والعداء السافر والحملات المحمومة من قبل الحاقدين والجهلاء وأحيانًا المأجورين الذين لم يقفوا عند حدّ رفضهم للرسالات المعتبرة، بل تجاوز ذلك إلى إعلان الحرب الشرسة بواسطة اليد والكلمة والفكر معًا، ومن البديهي أن نجد الإسلام المحمّدي الأصيل هدفًا للأعداء ولا زال؛ إذ عدّوه خطرًا حقيقيًا يهدّد أفكارهم ومناهجهم في نشر الانحراف ويعرقل تمكين الطواغيت من التحكم في مقدّرات العباد.
إنّ الاستشراق علمٌ ذو حدودٍ واسعةٍ وأحيانًا غير واضحة، ويمكن تشخيص دلالتين له، أولاهما : إنّه علمٌ يختصّ بفقه اللغات الشرقيّة ومتعلّقاتها على وجه الخصوص. وثانيهما: إنّه علم العالم الشرقي على وجه العموم، ويشمل كل ما يتعلّق بمعارفه، من لغة وآداب و تاریخ و آثار وفن وفلسفة وأديان وغيرها، كما أنّ الاستشراق بوصفه فكرةً علميّةً ازدهر منذ أواسط القرن الثامن عشر، وأخذ يطلق على كلّ مثقّف غربيّ ينقطع إلى دراسة الأنحاء المختارة من الشرق والوقوف على قواه الروحيّة وآدابه العظيمة التي أسهمت فعلًا في تكوين ثقافة العالم بأسره، والذي يعنينا هنا هو المعنى الخاص لمفهوم الاستشراق الذي يعنى
بالدّراسات الغربيّة المتعلّقة بالشرق الإسلامي في لغاته وآدابه وتاريخه وعقائده(1). وقد اختلف الباحثون المسلمون في تقييمهم لآثار الاستشراق وأهله، فمنهم من اعترف بجهودهم عادًّا إيَّاها إثراءًا فكريًّا للمعارف الغربيّة والعربيّة؛ لأنهم وضعوا دراسات مختلفة وأحيوا المخطوطات وأعدّوا البحوث حول الرموز الإسلامية قديمًا وحديثًا، فى حين عارض آخرون تلك الإنجازات متّهمين إيَّاها بالدس والتشويه خاصة المتعلقة بالقرآن الكريم والتاريخ الإسلامي بأسره(2).
وفي كلتا الحالتين، فإن المستشرقين ليسوا على مستوىً واحدٍ من الثّقافة والكفاءة العلميّة، كما أنّ دراساتهم الاستشراقيّة بُنيت على أسس البحث الرّامي إلى تحقيق أهدافٍ وأغراضٍ خاصّة، وإنّ نخبًا منهم تعمل لمؤسّساتٍ علميّةٍ أكاديميّةٍ، وقسمًا آخر جنّدته جمعيات تبشيريّة أو استعماريّة، فالدّافع العلميّ والرغبة في خدمة العلم كانت إحدى الحوافز المهمّة للدراسات الاستشراقيّة(3). ونحن إذ نقرّر هذا، فإنّه يؤسفنا القول بأنّ هذا الجزء كان يبدو ضئيلًا جدًّا، في حين بعضهم الآخر مجردين من كلّ قصدٍ نبيلٍ، محاطين بالدّوافع المشبوهة والأهداف المريبة والمقاصد غير النزيهة، كما يتّضح هذا من إنتاج المستشرقين وأعمالهم؛ لأنهم رأوا أوّلًا سرعة انتشار الإسلام وقدرته الفائقة على التَّوسّع والتّغلّب على خصومه حتى في عقر دارهم، وهو أمر أدّى إلى التّأثير على دراساتهم وجعلها طافحة بالتّحامل والتّعصّب ضدّ الإسلام(4). ومن خلال ذلك نلاحظ من البديهي إيجاد التّباين الكبير بينهم بشأن الموضوع الذي عكفوا على بحثه.
في ضوء ما تقدّم ذكره، وانطلاقًا من الرغبة في أن يكون البحث العلميّ موضوعيًّا رصينًا تسوده القواعد العلميّة والفكريّة للرد على المدّعين بمعرفتهم للقرآن معرفة
1) للاطلاع على تفاصيل أوفر عن تعريفات الاستشراق ومعانيه، انظر: مطبقاني، مازن بن صلاح: الاستشراق، الرياض، (لات)، ص2-4؛ السايح، أحمد عبد الرحيم: الاستشراق في ميزان نقد الفكر الإسلامي، لا ط، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 1996، ص 9-14
2) بن نبي، مالك: انتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، بيروت، دار الإرشاد، 1969، ص 5- 12
3) عميرة، عبد الرحمن: الإسلام والمسلمون بين أحقاد التبشير وضلال المستشرقين، بيروت، دار الجيل، (لات)، ص94-99
4) علي محمد، اسماعيل: الاستشراق بين الحقيقة والتضليل مدخل علمي لدراسة الاستشراق الطبعة 3، القاهرة، الكلمة للنشر والتوزيع، 2000، ص 28-40
دقيقة، اعتمد الباحثان على مؤلفات وجدا أنّ أصحابها كانوا على مستوى عالٍ من المسؤوليّة التاريخيّة والغيرة على هذا الدين وأمة القرآن المجيد، كاشفين بذلك زيف المستشرقين وفاضحين دوافعهم الحقيقيّة من تحريفهم للنصوص والتقولات والأباطيل التي ساقوها، مستخدمين الفكر منهجًا لمهاجمة الإسلام ومجادلة المسلمين بالانحياز والفرضيات الجوفاء والتشكيك وتلبيس الحق بالباطل. ولتسليط الضوء على من قال كلمة الحق المرضية لله تعالى على وفق المناهج الأكاديميّة والفكريّة الرصينة أُختير موضوع البحث الموسوم (الردود العربية على الدّراسات الاستشراقية في مجال القرآن الكريم) والحمد لله أوّلًا وأخيرًا.
المبحث الأوّل: كيف نظر المستشرقون إلى النصوص القرآنية؟
عمل رموز الاستشراق وشخصيّاته سواء اللغويين أو المؤرخين أو الفلاسفة على تحقيق مجموعة من الغايات الكامنة في نفوسها من دراسة النّصوص القرآنيّة، منطلقين من غايات دينيّةٍ أو استعماريّةٍ أو علميّةٍ، مستوحاة من طبيعتهم المشكّكة المتّجهة أوّلًا لتحقيق أغراضهم في معارضة الحقائق الإسلاميّة. ومن خلال تلك المنطلقات عكف المستشرقون على دراسة القرآن ونصوصه خاصّة أن أصبح الدين الإسلامي من أكثر الأديان تأثيراً في تاريخ الإنسانيّة، ناجحًا في وضع حدّ التوسّع النّصرانيّة، خاصّة في بلدان الشّرق، وأصبح على مدى التاريخ المنافس الرئيس لها بين شعوب تلك البلدان، غازيًا إيّاها في عقر دارها، كما حصل في غرب أوروبا، مستوليًا على إسبانيا إلى حدود فرنسا وما حصل في شرق أوروبا إلى حدود الصين(1).
وتأسيسًا على ذلك، فقد أظهر معظم المستشرقين بشكلٍ علنيٍّ امتعاضهم ممّا أسموه «خطر» الإسلام وانتشاره وما يمثله من تهديد مباشر لعقيدتهم، ومن هؤلاء مثلًا الألماني (كارل هينرش بكر) (2)، الذي يقول بهذا الصدد :» إنّ هناك عداء في النّصرانيّة للإسلام بسبب إن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى أقام سدًّا
1) المقدادي، فؤاد كاظم: الإسلام وشبهات المستشرقين، بغداد، مطبعة المعارف، 1425ه-، ص 131
2) هينرش بكر: مستشرق وسياسي الماني، لفته تاريخ الشرق وكان متضلعاً في الفلسفة والحضارة الاسلامية وتاريخ الاديان عموماً، ولد في مدينة فرانكفورت عام 1876 من أسرة برجوازية وحصل على كرسي الاستاذية في جامعة هامبورك. زار مصر وتخصص في دراسة كتب التراث وتعمق بها، توفي عام 1933. له كتاب: دراسات إسلامية في مجلدين. انظر: بدوي، عبد الرحمن: موسوعة المستشرقين، الطبعة 3، بيروت، دار العلم للملايين، 1993، ص113-115
منيعًا في وجه انتشار النصرانيّة، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها»(1).
وفي السياق نفسه، عبر المستشرق الإنكليزي (لورانس براون 1862-1926) المتخصّص في تاريخ الأدب الفارسي عن رأيه محذّرًا من «سطوة» الإسلام وقوّته داخل المجتمعات البشريّة التي انتشر فيها قائلًا عن ذلك: «إن الخطر الحقيقي كامن في نظامه (الإسلام) وفي قدرته على التوسع والإخضاع وفي حيويته... إنّه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي»(2). ومن دون شك، فإنّ براون يشير إلى أنّ الأسس التي يقوم عليها الإسلام أسسٌ رصينةٌ فاعلةً بليغة متناسيًا بأنها متمثلة بالقرآن الكريم، فهو كلام الله ارتبط المسلمون به عقيدةً ودينًا.
فلا غرو أن نجد المستشرقين قد عكفوا على دراسة تلك الأسس (القرآن الكريم) ونصوصه لتفحص الأسرار البلاغيّة التي تعمل على الإقناع، فضلًا عن محاولاتهم المعرفة الأسرار العلميّة، ومن أولئك المستشرق الفرنسي (بودييه) الذي يعدّ من أوّل العاملين في هذا المجال (توفي في مطلع القرن السابع عشر)، فقد عمل على تحليل النّصوص القرآنيّة ومعرفة الديانات السابقة التي ذكرها مع إصراره على دراسة الظروف العامة التي كانت تحيط بنزوله محاولًا إيجاد تناقضات في ذلك(3).
واتبع الإنكليزي (ديفيد صمؤيل مرجليوث) (4)المنهج العدائي ذاته من قبل الرموز الاستشراقيّة للقرآن الكريم؛ إذ ما بخل جهدًا للتشكيك والتشهير في كتابه: محمد ونشأة الإسلام، وحاول التشويش والتشكيك في اعجازات القرآن الكريم المتمثلة في أسلوبه البلاغي وأخباره الغيبية، مستخدمًا عبارات بعيدة عن الواقع القرآني ونهجه الصريح والقويم(5).
1) فروخ، عمر: الحضارة الإنسانية وقسط العرب فيها، بیروت، 1973، ص23
2) الصغير، محمد حسين: المستشرقون الألمانيون والدراسات القرآنية، لبنان: المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر، 1983، ص 27 - 28
3) فؤاد كاظم المقدادي، الإسلام وشبهات المستشرقين، المصدر السابق، ص134
4) ديفيد صمؤيل مرجليوث : 1858-1940، من كبار المستشرقين الإنكليز درس وتخصص في اللغات السامية ودرسها في جامعة أكسفورد، وبعد أن عين أستاذاً فيها ازدادت عنايته بالدراسات العربية يحسب له اهتمامه بالتراث العربي، وكان عضواً بالمجمع اللغوى المصرى، والمجمع العلمي فى دمشق، ونشر بحوثه عن الإسلام، ومن مؤلفاته: «التطورات المبكرة في الإسلام» و «محمد ومطلع الإسلام»، و «الجامعة الإسلامية» وغير ذلك، سرت فيها روحا غير علمية ومتعصبة . انظر : بدوي، عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، المصدر السابق، ص 546؛ مطبقاني، مازن بن صلاح، الاستشراق، م.س، ص36
5) رضوان، عمر ابراهيم: آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره: دراسة ونقد، الرياض، 1992، ج 1، ص88-89
ونحا المستشرقان الألمانيان: كارل فلرَس وباول كراوس(1)النهج الخاطئ في التحليل والقراءة للنص مدعيين أنّ القرآن لم يكن معربًا، وأنّ اللغويين هم الذين عدّلوه على مثال لغة الشعر العربي الذي يتميّز بوجود الإعراب في مقابل اللهجة المكيّة التي كانت حسب زعمهما غير معربة(2).
وظهرت كتابات ألمانيّة أخرى متقاطعة مع القرآن الكريم، في مقدمتها للألماني تیودور نولدكه -المكنى بشيخ المستشرقين الألمان (1831- 1936(3)) الذي تخصّصت دراساته في القرآن حتى أصبح من الأوائل المتخصصين في هذا المجال في تاريخ ،الاستشراق، فكان كتابه مركزًا ومهمًّا عمد إلى نشره بعنوانه الأول (حول نشوء وتركيب السور القرآنيّة) أتمه عام 1856م ، فعكف على تطويره وتوسيعه وتشجّع على تقديمه بوصفه أطروحة للدكتوراه إلى جامعة (جوتنجن) (4)، وبعد مراجعته اعترف بأنّه عملٌ غير ناضج وناقص للثوابت العلمية والفكريّة، ممّا دعاه إلى إبدال عنوانه فأطلق عليه (تاريخ القرآن)، وأدخل عليه تعديلات جوهرية وقام بترجمته من اللاتينيّة إلى اللغة الأم الألمانيّة ونشره عام 1860م(5).
زامن المستشرق الإنكليزي السير وليم موير (1819-1905) أفكار نولدكه وكان من الشخصيّات المتأثرة بالأطروحات الفكريّة المعادية للقرآن ولنبي الإسلام، ونجد ذلك في مناقشته لمسألة جمع المصحف الشريف وترتيبه وادعائه في كتابه (القرآن .. نظمه وتعاليمه وشهادته للكتب المقدسة) أنها تشهد بما جاء في العهدين القديم والجديد بصيغتها الحالية، وتدعو المسلمين إلى اتباع تعاليمهما. كما أن الترتيب الماثل الآن للآيات والسور ليس إلّا ترتيبًا تاريخيًّا وتقريبيًّا لا إلهيًّا(6). وكان ذلك دافعًا رئيسًا إلى تأليف
1) من كتب فلرس: مبادئ النحو العربي، شرح معلقة طرفة بن العبد بحسب مخطوطات باريس. أما كراوس فقد كتب: مختار من رسائل جابر بن حیان، فهرست كتب نحمد بن زكريا الرازي، منبر الشرق. بدوي، عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، م. س ص 414 و ص 464
2) المقدادي، فؤاد كاظم، الإسلام وشبهات المستشرقين، المصدر السابق، ص132
3) المقدادي، فؤاد كاظم، الإسلام وشبهات المستشرقين، المصدر السابق، ص 595
4) اينو لیتمان، تيودور نولدکه 1836- 1930 ، بحث ضمن كتاب: صلاح الدين المنجد، المستشرقون الألمان تراجمهم وما أسهموا به في الدراسات العربية، بيروت، دار الكتاب العربي، 1997، ص116
5) الغزالي، مشتاق بشير: القرآن الكريم في دراسات المستشرقين، بيروت، دار النقاش، 2006، ص 32
6) ويليام موير: القرآن نظمه وتعاليمه وشهادته للكتب المقدسة، ترجمة: مالك مسلماني، لندن، 2006، ص 25-45
كتابه الشهير المعروف ( حياة محمّد ) عام 1861م ، وضمنه مجموعة من التساؤلات حول نزول الآيات القرآنيّة والطرق التي اتبعت في تدوينها بعد وفاة النبي صلّی الله علیه و آله وكيفيّة حفظها هادفًا من ذلك التشكيك والدسّ في المصادر الإسلاميّة التي عرضت الموضوع، وكان كتابه يحوي على أحاديث غير مسندة مبتغيًا من خلالها جعل السيرة النبويّة الشريفة عبارة عن أسطورة غير قابلة لمسايرة النهج العقلي(1).
وطيلة النصف الأوّل من القرن العشرين استمر ذلك المد المناوئ للقرآن الكريم ونصوصه، من خلال التحليلات غير الواقعيّة، فنرى المستشرق الأمريكي (آرثر جفري) قد ترك بصمات واضحة من خلال تحقيقه المخطوطات ونشرها، ومن أبرزها مخطوطة (كتاب المصاحف) لابن أبي داود السجستاني (202-275ه-) وكتاب جمع القرآن للمستشرق (جون جلكرايست) الذي يعدّ من الدّراسات الاستشراقيّة المهمّة والأولى لما يحويه من معلوماتٍ حول القرآن الكريم وتاريخ جمعه(2).
لم يغفل المستشرقون الفرنسيّون موضوع القرآن ودراسة نصوصه، وتقدمهم المفكر ريجيس بلاشبر (1900-1973) في كتابه: معاني القرآن(3)الذي حاول فيه دراسة القرآن والظروف التي أحاطت بنزوله وقام بترجمته مناقشًا الروايات الإسلاميّة المتعلّقة بالموضوع وفق رؤاه الخاصة(4).
وفي الاتجاه ذاته، تعرّض المستشرق الإنكليزي مونتغمري وات (1887-1976) في كتابه الشهير (محمّد في مكة) لشخصيّة النبي صلّی الله علیه و آله ونزول القرآن وجهود تدوينه بنظرةٍ تعصبيّةٍ واضحة، وكان كارل بروكلمان (1868-1956) في مؤلّفه (تاريخ الأدب العربي) واضح الأثر لدراسة تاريخ القرآن بشكلٍ مفصلٍ بنظرةٍ استشراقيّةٍ علميّةٍ لكنّها غير منصفة(5).
1) برنارد لویس: تاريخ اهتمام الإنكليز بالعلوم العربية، بيروت :«لا.ت.»، ص 30
2) جون کلکرایست، جمع القرآن، ترجمة مكتبة الملحدين العرب: Atheistlibrary.blogspot.com
3) انظر: مازن مطبقاني، الاستشراق، م.س، ص19؛ بدوي، عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، م.س، ص127
4) مشتاق بشير الغزالي، القرآن الكريم في دراسات المستشرقين، المصدر السابق، ص34
5) كارل بوكلمان: تاريخ الأدب العربي، ترجمة: عبد الحليم النجار، الطبعة 3، بيروت، 1999 ، الجزء 1 ؛ أبو بكر كافي، مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد، الرياض، مجمع الملك فهد، 2009، ص6
واستمرارًا لذلك النّهج العدائي حاول المستشرقون النيل من شخصيّة النبي الأكرم مستخدمين الادّعاءات والمقولات المدسوسة مستهدفين الطعن بالقرآن ورسالة النبي الأكرم، ومنها ما جاء على لسان المستشرق الهولندي (1882-1939) (آرینت جان فنسنك) (1)ما نّصه: (إنّ محمّدًا كان قد اعتمد على اليهودية في مكة) (2)، وهو موضوع مختلق يعلمه جميع الباحثين والمتتبعين؛ إذ عُرف عن اليهود أنّهم أوّل وأشدّ من نصّب العداء ومارس تأليب مشركي قريش والتآمر على النبي والرسالة، وقد نزل نصّ قرآنيٌّ بذلك «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةَ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ»(3).
أمّا المستشرق الأمريكي دنكان بلاك ماكدونالد (1863-1943) (4)فقوله الآتي غاية في التشكيك: «لقد استطاع محمّد بفضل خياله المتوقد أن يصف الله بصفات واضحة معيّنة....» ويحاول هنا الافتراء بالقول بأنّ الرسول لم يكن قد أوحي إليه وإنّه ابتدع الرسالة من خياله المتوقد.
ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة، وعليه فإنّ الدّراسات الاستشراقيّة حركة ذات أهداف خاصة ومحتوى له نتائج وثمار موضوعيّة هادفة أحيانًا وتخريبيّة أحيانًا أكثر، سواء في عالم الفكر بوضع المؤلفات المختلفة أو في عالم الواقع بأبعاده الاجتماعيّة والسياسيّة، ونحن هنا نؤكّد أنّ الأسس لتلك الحركة وأهدافها فضلًا عن أسباب قيامها يمكن أن نختصرها في جانبين مهمين، هما:
أوّلًا: الجانب العقائدي (الديني)
أدركت النّخب المسيحيّة خطورة القرآن وأهميّة النظريات والأسرار التي يحويها لا سيّما بعد ترجمته إلى لغاتهم وقراءته بشكلٍ سليمٍ ومتأنٍ؛ إذ عرفوا مبلغ تأثيره على العقيدة الإلهيّة التي طالما عمد رجال الكنيسة على تحريفها ونشرها في
المجتمعات الإنسانيّة تحقيقًا لطموحاتهم الخاصّة، مما دفعهم إلى العمل المبرمج والممنهج ضدّ القرآن الكريم والنبي الأكرم معلنين في نهاية المطاف أنّ محمّدًا یکن رسولًا وأن الإسلام لم يكن إلّا هرطقة مسيحيّة باعتبار المسلمين وثنيين(1).
ثانيًا: الأغراض الاستعماريّة والتوسع
أكّد بعض المختصين في دراسة الاستشراق أنّ هذا الهدف من الأسباب الأولى لتلك الدّراسات بوساطة النتائج البحثيّة التي تقدّمها إلى الدوائر المختصّة الكبرى للدول الراغبة في ذلك، لا سيّما في بلاد المشرق بهدف السيطرة على شعوبها واستعبادها مذهبيًا واقتصاديًّا(2)
وعليه، نرى هنا من الضروري الإشارة إلى أنّ دوافع الاستشراق في دراسة القرآن الكريم والدين الإسلامي هي دوافع وغايات مريبة غالبًا، ومستمرة مع استمرار تلك الدراسات الهادفة إلى تحقيق الأغراض المعلنة والمبطنة، خاصة إذا عرفنا أنّ عمليّة الدراسة في المجال الاستشراقي نهض بها مجموعة من الأفراد الذين يختلفون في القابليّة الفكريّة والعلميّة وصولاً إلى تناقضهم في النفسيّة البشريّة؛ إذ يعمل كل فرد بما تسيره مصلحته وعقيدته أو دولته أو جهته التي تدعمه(3).
برزت مجموعة من المؤلفين والباحثين الغيورين على دينهم، وطّنوا أنفسهم للرد على تلك الترهات والأفكار المدسوسة التي تخفي وراءها نوايا سيئة ومصالح شيطانيّة واضحة للقرآن الكريم وشخصيّة الرسول الأكرم صلّي الله علیه و آله مستخدمين الأسلوب العلمي والأكاديمي مستندين على الدليل القاطع.
المبحث الثاني: نماذج من الاتهامات والردود العربيّة عليها
طالما أنّ القرآن الكريم هو كتاب الإسلام الأول الذي تقوم على أساسه عقائد
1) وليم مونتغمري واط: تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: عادل نجم عبو، جامعة الموصل، دار الكتب، 1982، ص123
2) محمد أركون وآخرون: الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، ترجمة: هشام صالح، بيروت، دار الأضواء، 1994، ص 23 وما بعدها
3) زقزوق، محمود حمدي: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، قطر، 1983، ص المقدمة
الدين الإسلامي وشريعته، فقد اتَّخذت الدّراسات الاستشراقيّة من القرآن الكريم موقفًا عدائيًّا منكرًا لحقائقه ومنزلته السامية في نفوس المسلمين، وكان معظم المستشرقين مشكّكين في مصدره الإلهي، زاعمين أنّه من عمل الرسول الأعظم محمد صلّی الله علیه و آله أو تأليفه، وقد أصبحت دعوى تأليفه للقرآن لدى المستشرقين أمرًا لا يقبل الشك كما يدعون. وتحاول الفرية الاستشراقيّة أن تكون محبوكة بقدر الإمكان، وذلك ببيان المصادر التي اعتمد عليها الرسول الكريم في كتابته للقرآن، فيذهب الخيال الاستشراقي في هذا الصدد كل مذهب لإثبات مزاعمه. واتّجهت جهود المناهضين للإسلام قديمًا وحديثًا إلى محاولة زعزعة الاعتقاد في صحة القرآن وفي مصدره، وقد بذل المستشرقون محاولات محمومة لبيان أنّه ليس وحيًا من عند الله تعالى وساقوا كثيرًا من التهم والفريات عليه، كالقول أنه ضاع منه أجزاء قبل جمعه(1). أو أنّهم وجدوا صحائف قديمة تحتوي كتابات قرآنيّة تظهر أنّ هناك «اختلافات ذات بال في المخطوطات القديمة»، محاولين زعزعة اعتقاد المسلمين بصحة القرآن الكريم، ويسوقون ما يسمّونه «حججا» للتدليل على خطأ الإيمان به، وما هي في الحقيقة سوى ممارسات تضليل وتزوير مبطنة بعيدة عن روح البحث العلمي والأسلوب الموضوعي(2).
ومن ادّعاءاتهم أنّ القرآن حُرّف بعد وفاة الرسول العظيم محمد صلّی الله علیه و آله، فيدّعون أنّ اسم محمد (فثم) أو (فثامة) ثم أبدل وصار محمّدًا لتيسير وضع الآية «ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» وربط ذلك بالكتب المقدسة(3).
كما ذهبوا إلى البحث عن الحروف في أوائل السور القرآنيّة المعنيّة، وقالوا إنّها اختصارات لأسماء مالكي النسخ التي استخدمها زيد بن ثابت لجمع القرآن في مصحف واحد(4)، أو إنّها اختصارات للأسماء القديمة للسور، ولا شكّ في لو أنّها كذلك لوجب أن توضع قبل البسملة لا بعدها، متناسين أنها سر الله تعالى في القرآن، ولله
في كل كتاب سر، فهي إذن من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، بل هي من المكتوم الذي لا يفسّره المفسرون(1).
ويرى بعضهم أنّ النبي صلّی الله علیه و آله قد اعتمد على الإنجيل أو الكتاب المقدّس لدى المسيحيّين ولا سيّما على العهد القديم في قسم القصص، أو من مصادر يهوديّة، ويزعمون أيضًا أنّ الرسول محمّد صلّی الله علیه و آله تعرف على المسيحيّة من ( بحيرى) الراهب في رحلته التجارية إلى الشام، وهذه كلها مزاعم واهية لا حظَّ لها من العلم ولا سند من التاريخ، وإنما هي تخمينات وافتراضات يضعها أصحابها كما لو كانت «حقائق ثابتة لا تقبل الجدل»(2).
وقد شرع عدد من الكتّاب العرب في التصدي لكتب بعض المستشرقين المنحازة وغير المنصفة، وقاموا برد مزاعمها وأباطيلها، عن طريق المناقشة والتحليل العلمي الموزون، وتفكيك مبتنياتها وأفكارها، ومن ثم دحضها ونسفها تدريجيًا وبصورة متسلسلة. ومن بين أولئك المؤلفين العرب الدكتور (محمد حسن حسن جبل) الذي كان يعمل أستاذًا لأصول اللغة في جامعة القاهرة، وأستاذًا في كلية القرآن الكريم فى جامعة الأزهر بطنطا، وعميدًا لكلية اللغة العربيّة بالمنصورة وقد اختار الدكتور (محمد حسن) المستشرق المجري اليهودي (جولد تسهير) (3)حصرًا لمناقشة أفكاره وردّها وذلك لخطورتها ومكانة كاتبها المرموقة بين الجامعات الغربيّة والكتابات الاستشراقيّة المتخصصة فجاء كتابه المعنون (الرد على المستشرق اليهودي جولد تسيهر في مطاعنه على القراءات القرآنيّة) حافلًا بالمناقشات العلميّة الممتعة والردود المفحمة على ما ساقه المستشرق المذكور من اتهامات.
وممّا يجدر ذكره بخصوص ديانة ( جولد تسيهر ) أنّ المستشرقين عامّة بوصفهم
1) الإمام الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدراسة من علم التفسير، بيروت، دار المعرفة، ج 1، ص29
2) زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م.س، ص86-87
3) جولد تسيهر: مستشرق مجري يهودي، ولد في مدينة أشتولفيسنبرج عام 1850 من أسرة ذات مكانة اجتماعية كبيرة. اهتم بدراسة الحياة الروحية الإسلامية والأسس الاعتقادية التي يحملها المسلمون، له كثير من المؤلفات التي تعبر عن نظرته العميقة كما يراها هو إلى تاريخنا، أهمها كتابه (تاريخ تفسير القرآن) الذي ركز على اختلاف القراءات والاتجاهات الظاهرية والباطنية والموضوعية في التفسير وما سواها. توفي في بودابست عام 1921 . انظر: ترجمته في عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، م.س، ص 197-202
کتّاب دراسات وأساتذة جامعات أو أمناء مكتبات أو مثقفين لم يكونوا مسيحيّين أو يهودًا بالمعنى العقائدي للكلمة، وإنّما كانوا كذلك بمعنى أنّ خلفيتهم الثقافيّة كانت يهوديّة أو مسيحيّة. وعلى الرغم من أنّ عددهم قليل فإنّ قرّاءهم في أوروبا كانوا كثر .
وكان اهتمام بعضهم بالأديان غير المسيحيّة ليس منصبًا على الإسلام فحسب، وإنّما شمل أيضًا الهندوسيّة والبوذيّة. وضمّت الجامعات الأوروبيّة آنذاك أساتذة متخصّصين في اللغات العربيّة والفارسيّة والتركيّة ك- (جولد تسيهر) وأمثاله. كما أنّ الاشتغال بالدراسات القرآنيّة كانت له علاقته القويّة بعلم اللّاهوت المسيحي، ففي القرن التاسع عشر ظهرت الدراسات الانتقادية حول الكتاب المقدّس، وفي هذا المجال ضم معظمها جدالًا حادًّا الكنيسة(1).
لقد بحث الدكتور محمد حسن الأهداف الحقيقيّة التي تقف وراء دراسات المستشرقين عمومًا و ( جولد تسيهر) على وجه الخصوص، وأورد أنّ فضول الباحثين منهم كان مركزًا على اللغات والآداب والثقافات والأديان الأخرى، وكان بالطبع مرتبطًا بوجه عام بالشعور والإقتناع بأن ثقافتهم ودينهم أفضل من نواح كثيرة، وشاركهم في ذلك الرأي أناس كانوا يرتابون في ديانتهم مما أثر في أبحاثهم تأثيرًا بالغًا، لأنهم انطلقوا في كثير من القضايا من أحكام مسبقة ، وحيثما كان من الأفضل محاولة الوصول إلى فهم أكثر عمقًا كانوا كثيرًا ما ينتقدون غيرهم على نحو سطحي، عن أن معرفتهم باللغة العربيّة لم تكن معرفة كافية دائمًا. كما أنهم يكتبون لجانب غير المسلم من القراء، وأن قارء هم المقصود بتلك الأبحاث كان المثقف فضلًا الأوروبي(2).
ويتّضح من ملاحظات الكاتب ودفاعاته أنّ أبحاث المستشرقين ونتائجها المتعلقة بالقرآن الكريم، قوبلت بارتيابٍ شدیدٍ و رفضٍ كبير من قبل المسلمين
1) شتيفان فیلد: ملاحظات على مساهمات المستشرقين في الدراسات الاستشراقية، لاط، الرياض، مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم، 2005، ص 3
2) شتيفان فيلد، ملاحظات على مساهمات المستشرقين في الدراسات الاستشراقية، م.س، ص 3 - 4 حسن حسن جبل، محمد: الرد على المستشرق اليهودي جولد تسيهر في مطاعنه على القراءات القرآنية، الطبعة ،2، القاهرة، 2002، ص11
ولا سيّما الأخص العرب منهم، لذلك فقد وجد الدكتور حسن أن من الضروري الاضطلاع بمهمّة الدفاع عن معتقدات المسلمين وفي مقدّمتها كتابهم الأول (القرآن) لا سيّما أنّ كلية القرآن الكريم في محافظة طنطا قد أسندت إليه مهمّة تدريس مادة القراءات لطلبة الدراسات العليا، ورأى أنّ بعضهم مغترين بالمستشرقين بما يضفون على مباحثهم من طابعٍ علميٍّ وتشكيكهم حتى في البديهيات بذريعة حرية البحث(1).
ويبدو أنّ اختياره لدراسة المستشرق اليهودي المجري (جولد تسهير) جاء لكثرة مطاعنه في القراءات ومبالغته في الحديث عنها، على الرغم من أنّه أخذ بعضها عن المستشرق الألماني نولدكه الذي تأثر به كثيراً، وعنهما أخذت الموسوعة البريطانيّة في التعريف بالقرآن(2). ثم «لأنه أخبث المستشرقين كيدًا، حتى إنّ بعض علمائنا أشادوا به رغم أنّهم لحظوا ملامح كيده»(3)على حد تعبيره. وفي كتابه المقصود بالرد (مذاهب التفسير الإسلامي)، الذي أطلع الدكتور محمد حسن على السابقين له في الرد على جولد تسهير مثل العلامة محمد طاهر بن عبد القادر الكردي في كتابه (تاريخ القرآن وغرائب رسمه) عام 1953 ، وكتاب الدكتور عبد الوهاب حمودة (اللهجات والقراءات) 1948، والدكتور عبد الفتاح شلبي في (رسم المصحف القرآني وأوهام المستشرقين) عام 1990 ، وكل هذه الردود مبنيّة على الترجمة الأولى لكتاب (جولد تسهير). أمّا الترجمة الثانية المختارة فقد ذيلها المترجم (عبد الحليم النجار) بتعليقات تعد أحسن ردود المعربين على مطاعن المستشرق المذكور، مستعينًا بكتب علمية متخصصة مثل (القراءات أحكامها ومصدرها) للدكتور شعبان محمد اسماعيل وكتاب للدكتور حسن ضياء الدين العتر معنون (الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها)، وكتاب الدكتور رشاد محمد (سالم) (القراءات القرآنيّة وصلتها باللهجات العربيّة) (4).
وقد أقدم الدكتور محمد حسن على ملاحقة جولد تسهير في كل كبيرة وصغيرة أوردها فيما يتعلّق بصحة القراءات في القرآن الكريم «بما يقدع أنفه ويقلص أظافره» حسب وصفه، ومناقشات تفصيليّة لمطاعنه فيما قال عن أحداث أو وقائع تاريخيّة تنطبق عليها الآيات «غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ»(1)نزلت بعد نبأ هزيمة الروم بشرى بأنّ الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين، وقد تم لهم النصر فعلًا سنة 622م، ثم سنتي 625 و 627، وفرح المسلمون بنصر الله الذي منحه للروم (الكتابيين)؛ إذ راهن بعض المشركين على أن يدفعوا مائة من الإبل للمسلمين إذا حصل النّصر لأهل الكتاب في تسعة أعوام، وفعلًا بدأت الدائرة تدور على الفرس فأحرز الروم أوّل انتصار لهم بعد سبعة أعوام ثم توالت الانتصارات. وقد دسَّ جولد تسهير طعنه أنّه من عمل القرّاء وإضافاتهم لحركات الإعراب، فناقشه الدكتور محمد حسن وأثبت الوقائع بأنها أنباء عن أمر غيبيّ دنيويّ تخطى حدود الجزيرة العربية وحدث في عهد النبي صلّي الله علیه و آله وكانت آيةً لصدقه(2). لأنها أنباء عن أمر غيبي ... وتلقاه المسلمون والكفار من هذه الحيثيّة وتراهنوا عليه، والتزم به طرفا المراهنة التزامًا جادًّا، حتى إن من كان يفارق مكة منهما فراقًا طويلًا يلزمه الطرف الآخر بإقامة كفيل يفي له بالمراد اذا كسب فيفعل(3).
وركز الكاتب على تفنيد إدّعاءات المستشرق المذكور ومخالفاته المنهجيّة، وتكذيبه بكل المعلومات حتى المسلمات والبديهيّات الإنسانيّة، وردّ محاولته لإسقاط الإسناد وانتقائيّاته المغرضة المعبرة عن روح الضغينة والحقد الدفين. واتهاماته الخاصّة بما يسمى «اضطراب النصوص» وحرية القراء بإنشاء القراءات بشكل اعتباطي. ثم ناقش منهج المعالجة لدى جولد تسهير ، وأثبت أنه منهج متعرج لا يقوم على أساس علمي، بل غايته التمويه والمغالطة وأدواته الإبهام والتناقض والمحاججة بما ليس بقراءات أصلًا. كما أفرد فصلًا كاملًا ضمّنه إيضاحاتٍ مهمّةً حول نشأة القراءات
1) سورة الروم، الآيتان 2- 3
2) محمد حسن حسن جبل، الرد على المستشرق اليهودي جولد تسهير...، م.س، ص 159
3) المصدر نفسه، ص 159-160 . وعن الصراع بين الدولتين الفارسية والبيزنطينية على أطراف الجزيرة العربية انظر : سالم، عبد العزيز: تاريخ العرب قبل الإسلام، لا ط، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة (لات)، ص 289
والاختلاف فيها وحجمها الحقيقي ومغالطات جولد تسهير عنها مثل زعمه تزايد القراءات عبر العصور وجهله بأنّ هناك قراءات تفسيريّة وأخرى تنزيهيّة(1).
وقد تناول الدكتور محمد عبد الله دراز في دراسته القيمة (مدخل إلى القرآن) جميع الافتراضات الاستشراقيّة المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشريّ للقرآن الكريم، وناقشها مناقشة علميّة، وأظهر زيفها وبطلانها مما جعلها مرجعًا للكتّاب المسلمين، وانتهى إلى القول بأن: «جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له (أي للنبي صلّی الله علیه و آله) فرصة الاتّصال بالحقائق المقدّسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعيّة ومعارف بيئته، فإنّه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة المفصلة التي يقدّمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون وغيرها، فلم يبقَ إلّا أنّه وحي الله تعالى لنبيّه صلّی الله علیه و آله الذي أرسله رحمة للناس أجمعين»(2).
وظهر كتاب آخر لمؤلف مصريّ يصبّ في الاتجاه نفسه، بعنوان (مصدر القرآن.. دراسة لشبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحي المحمّدي)، لإبراهيم عوض الذي بيّن بالأسلوب العلميّ أنّ الدّراسة الدقيقة غير المتحيّزة لشخصية الرسول صلّی الله علیه و آله والقرآن الكريم لا بدّ من أن تؤدّي إلى الإيمان الجازم بأنّ ذلك الكتاب محال أن يكون من نتائج عقل نبيّنا محمد صلّی الله علیه وآله ومشاعره أو أيّ إنسان آخر، وإنّما هو وحيٌ إلهيّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإنّ الرجل الذي جاء به لا يمكن أن يكون إلا نبيًّا رسولًا(3).
وقد درس الكاتب أوّلًا وقبل كلّ شيء الملامح العامّة لشخصيّة رسول الإنسانيّة محمّد صلّی الله علیه و آله والشبهات التي فسر بها المستشرقون والمبشرون المصدر الذي جاء منه القرآن، مرتبًا ذلك ترتيبًا منطقيًا، بحيث إنّ القارئ حينما يفرغ من مناقشة أولاها
1) محمد حسن حسن جبل، الرد على المستشرق اليهودي جولد تسهير ...، م.س، ص 163 - 164
2) دراز، محمد عبد الله: مدخل إلى القرآن، دار القلم ،الكويت، 1974 ، ص 130 ، مقتبس عن: زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، م.س، ص 65
3) عوض، إبراهيم: مصدر القرآن: دراسات لشبهات المستشرقين حول الوحي المحمدي، (النسخة الإلكترونية pdf)، ص1-2
ويتثبت أنّها غير قائمة على أساس تاريخيّ أو علميّ يجد أنّها تسلمه تلقائيًّا إلى الشبهة التالية وهكذا، وهذه الشبهات تدعي أنّ محمّدًا صلّی الله علیه و آله كان كذابًا مخادعًا – حاشاه - أو أنّه كان واهما ،مخدوعًا، أو أنّه كان مريضًا بمرض عصبيّ. وقد درس هذه الشبهات واحدة تلو الأخرى دراسة متأنّية، طرح فيها كلّ لون من ألوان التحرج بغية الوصول إلى ما يعتقد أنّه الحقّ الذي من شأنه أن يريح النفوس المتطلّعة إليه والتي لا تألو في البحث عنه أيّ جهد.
واعتمد في ذلك كلّه على الرّوايات التاريخيّة الموثّقة المستقاة من الكتب الصحيحة المعتبرة، وكذلك على الدراسات الطبيّة والنّفسيّة، ولا سيما تلك التي تتعلّق بمكنونات اللّاوعي. وقد نظر الكاتب إلى الروايات المتعلقة بعصر النبي صلّی الله علیه و آله وشخصه وأحاديثه من زاوية جديدة تعتمد التحليل العلمي وربطها بالشواهد التاريخيّة الموثّقة، ودرس أيضًا شخصيّة القرآن ومحتواه، ووجد أنّه لا يمكن أن يكون قد استقى من أيّ مصدر بشريّ أو اقتبس من أيّ ديانة أخرى، وذلك بعد مقارنته بغيره من أديان عصره التي اتّهم الرسول صلّی الله علیه و آله بأنّه قد أخذ عنها أفكاره أو غير وعي. وليس ذلك ببعيدٍ على من يتلألأ في مخيلته العلم القرآني الشامل المحيط، والنفس الإلهى الذي لا يمكن أن تخطئه النفوس المحبة للحقيقة. وقد كانت مصادر الكتاب ومراجعه قد جاءت معظمها أصيلة ومتخصّصة وقريبة للموضوع، ما يدل على الجهد المحترم المبذول في جمعها وكيفيّة الاستفادة منها وتوظيف معلوماتها.
وتخصّص كاتب عربي آخر بناحية لافتةٍ للنّظر تعنى بالرّد على ما جاء في دوائر المعارف الغربية عن القرآن الكريم، فقد كشف عدنان الوزان في كتابه (موقف المستشرقين من القرآن الكريم دراسة في بعض دوائر المعارف الغربية). كشف عن موقف غريب لبعض المستشرقين من القرآن الكريم أوردوه في دوائر معارفهم التي تصدرها دولهم. مبتدأً بعرضٍ موجزٍ عن الاستشراق وواقعه ونظرته إلى الإسلام وكتابنا المجيد؛ وقدم الوزان بصورةٍ موجزةٍ بعض شبهات المستشرقين التي يوردونها كتاباتهم للتمهيد لأصل موضوع البحث، حيث إنّ المقام لا يتّسع للرد والتفنيد. تبع ذلك عرض مختصر لما كتب في بعض تلك الموسوعات. ثم بيان ما تضمّنته دائرة
المعارف البريطانيّة من موضوعات عدّة في الحديث عن القرآن وحيًا وجمعًا، شكلًا ومضمونًا، تفسيرًا وترجمة، ثم عرض كثيراً من الحقائق التي ردّ بها على شبهات المستشرقين وما جاء في كتابات مفكري الغرب والشرق غير المسلمين(1).
وقد عمل الوزان على إيراد أهم الشبهات في عدد من الموسوعات التي رجع إليها فنقل النص الإنجليزي ثم ترجمه، في حين اكتفى بإيراد الشبهات وترجماتها إلى العربية جملة واحدة بما يخصُّ الموسوعة البريطانيّة من دون ذكر النصوص الأخرى تفاديًا للإطالة، واكتفاءً بإيراد المقصود والتعليق عليه ورد الشبهات، مع بیان موقف غير المسلمين من قضايا الإسلام التي تراوحت بين تعصّب أعمى وتعقّل وبصيرة. ثم ختم بتلخيص موقف المستشرقين من القرآن الكريم.
وقد أكّدت الدراسة المذكورة أنّ الاستشراق بدا وكأنّه حركةٌ علميّةٌ تعتمد على المناهج العلميّة في البحوث والدّراسات ممثلاً بأقسام أكاديميّة في كثير من الجامعات الغربيّة، حتى ظنّ كثيرون ممن يجهلون حقيقة الاستشراق أنّه أحد الروافد العلميّة والمصادر المعلوماتيّة عن العالم الإسلامي في جوانبه الدينيّة، في حين كان في جزء منه حركة تسعى إلى إظهار الباطل بثوب الحق، خصوصًا عند ما الله غير المنصفين الذين يتحدّثون عن الجوانب الروحيّة في شخصية الرسول محمد صلّی الله علیه و آله وهم ينكرون نبوته وحقوقه، ويتكلّمون عن القرآن الكريم، وكأنّ فيه تشريعات جاء بها رسولنا الحبيب محمد صلّی الله علیه و آله من عنده، زاعمين أنّها من صرعات الجنّ التي كان النبي الكريم محمد صلّی الله علیه و آله يقع تحت تأثيرها، وسبب ذلك في رأي الوزان هو الشعور بالنقص لدى المستشرقين الذين تكلّم عنهم المستشرق البريطاني مونتغمري واط فقال: «إن تشويه صورة الإسلام بين الأوروبيّين كان ضروريًّا لتعويضهم عن الشعور بالتخلف»(2). لقد حاول كثير من المستشرقين بكل ما توافر لديهم من وسائل وإمكانات النيل من الإسلام ورجاله.
وألمح أنّ عددًا يعتدّ به من المستشرقين كانوا قد عكفوا على دراسة حياة المسلمين في علوم الاجتماع والعمران والسياسة والاقتصاد، وعلوم التربية، والعلوم
الاقتصاديّة، كل ذلك بقصد الوصول إلى أفضل الوسائل التي تساعد دول الغرب على التعامل مع الشعوب الإسلاميّة بما يخدم المصالح الاستعماريّة والسياسيّة ومن ثمّ محاربة المسلمين وما يعتقدونه من أفكار(1).
ويعدّ كتاب (من افتراءات المستشرقين على الأصول العقديّة في الإسلام) من بين الكتب القيمة والمهمّة التي عرضت آراء المستشرقين في القرآن الكريم وردّت عليهم بأسلوب علميٍّ وروح موضوعيّة مسؤولة عبّرت عن قوة كاتبها ورصانة أفكاره، وهو يقصد ب- (الأصول العقدية) - الإيمان بالله تعالى وحده - الإيمان بالملائكة - الإيمان بالكتب المنزلة - الإيمان بالرسل - الإيمان باليوم الآخر - الإيمان بالقدر خيره وشره(2). ومؤلف الكتاب شخصيّة علميّة محترمة هو الدكتور ( عبد المنعم فؤاد محمود عثمان)، أستاذًا مصريًّا عمل مدرسًا في جامعة الأزهر في القاهرة ومدرسًا أيضًا في جامعة الإمام محمّد بن سعود في الرياض . نبّه كثيرًا إلى مخاطر الاستشراق، وعدّ المستشرقين جيشًا أرسله الغرب للهجوم على أمة الإسلام لتدمير دينها بأفكارهم وإفكهم وتشكيكهم على حدّ وصفه، وخداعهم لشباب المسلمين بإدعاء أنّه فكر نیّر ملتزم بالموضوعيّة والأمانة العلميّة في البحث والدراسات الإسلامية. وأشار إلى عددٍ كبيرٍ من كتب المستشرقين الإنكليز والفرنسيين والألمان، وحاول الرد عليها وكشف زيف تقولاتهم وافتراءاتهم، وتتبّعها بالعرض والنقد، فجاءت دراسته واسعة ومتنوّعة، شملت البحث في تعريف الاستشراق لغة واصطلاحًا، وتحديد بدايته التاريخيّة ونتاجاته الأولى، والتطوّر الفكري الذي مرّ به والمراحل التي انتقل عبرها والخصائص التي اتّسم بها وأسبابه وأهدافه ووسائله. كما بحث - من باب الانصاف والاعتدال - أصناف المستشرقين وتوجهاتهم، فقسّمهم إلى:
1- خطيرون، وعرّف بأسمائهم وأهم كتبهم.
2 -منصفون، وهم ممّن أعلن إسلامه أو أحب الدين الإسلامي والعرب وقال كلمة الحق فيه وفيهم(3).
وبخصوص موضوع بحثنا فقد خصّص الدكتور عبد المنعم فؤاد مساحةً جيّدةً لدراسة منهج المستشرقين حول عقيدة المسلمين في القرآن الكريم وافتراءاتهم عليها، وانتقد ذلك المنهج واستبسل في الدفاع عن عقيدة الإيمان بكتابنا المجيد، وأبدع في الرد على الشبهات والمزاعم التي أثاروها مثل فرية (تأليف القرآن) ودعوى أن (القرآن ليس فيه جديد) ففنّدها وأثبت عكسها في المجالات المختلفة مثل الأحكام ومجال المعلومات التاريخيّة وقضيّة الإشارات العلميّة، ثم رد على دعوى التناقض في القرآن الكريم وأسقطها.
فقد اختار مسائل محدّدة أثارها المستشرقون بحدّ ذاتها، مثل مسألة خلق السماوات والأرض التي قالوا عنها إنهن خلقن في ستة أيام حسبما جاء في سورة الأعراف: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ»(1). في حين ورد في سورة فصّلت «قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانُ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»(2). وهنا أيام الخلق ثمانية لا ستة، وفي هذا تناقض بين آيات القرآن وغفلة؛ لأن قائله بشر. فكان رد (فؤاد) مفحمًا حقًا؛ إذ أوضح أنّ قولهم هذا مصحوبٌ بالجهل والافتراء، حيث لا توجد أيّة إشارة تؤيّد وجود تناقضٍ بين النصوص الكريمة. وكلّ ما في الأمر أنّ الآيات السابقة التي ذكرت مدّة خلق السماوات والأرض ذكرتها على وجه الإجمال، بينما آيات (فصّلت) جاءت توضح مسألة الخلق على سبيل التفصيل. فهي تقرّر أن الأرض خُلقت في يومين ثم جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها وأرزاق أهلها وما يقيم مصالحهم وأمور معاشهم
في يومين آخرين، وبهذا أتم أمرها وكل ما يتصل بها في أربعة أيام لا ستة؛ إذ الضمير يعود إلى الأرض في كلّ ما ذكره سبحانه لا إلى غيرها... ثم استوى إلى السماء فأتمّ خلقها في يومين فيكون المجموع ستة لا ثمانية، وهذه حسبة بسيطة لا يمكن أن يقع فيها أصغر تلميذ مبتدئ، إلّا إذا كان موصومًا بالبلاهة والغباء(1).
ويعدّ كتاب (آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره... دراسة ونقد) للدكتور عمر إبراهيم رضوان واحدًا من أهم الكتب التي بحثت في هذا المجال؛ إذ جاءت في الأصل أطروحة لنيله شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلاميّة وطبعت في الرياض بجزءين عام 1992. يمكن القول عنها إنّها دراسة مستفيضة عن أبحاث المستشرقين والمبشرين التي تظاهرت على تشويه الإسلام والتحيّز ضدّه، وبحث في خلفيّات الشخصيّات الاستشراقيّة ذات المسوح الكنسيّة والفكر النصراني عامة والكاثوليكي خاصّة، حتى إنّهم لم يستطيعوا أن يتحرّروا من بصمات المعارف والبواعث الكهنوتيّة في دراساتهم مهما حاولوا أن يعلنوا خلافها أو مهما تظاهروا بالمنهجيّة والتجرّد(2). وقامت منهجيّة المؤلف على عرض بعض كتابات المستشرقين، وهم على قسمين: مستشرقون أفردوا مؤلفات حول القرآن الكريم يعرّف بكل واحد منهم وبكتابه وبأبرز القضايا التي عرضها كتابه. وفي قسمهم الثاني فعل الأمر نفسه مع الذين كتبوا عن القرآن الكريم من خلال مؤلفاتهم. ثم خصّص بابًا آخر لآراء المستشرقين ومناقشتها حيث استخلص أقوالهم وشبهاتهم حول القرآن وحول علومه، فحصرها ووزّعها على فصول عدّة. بيّن في الأول منها شبهاتهم حول مصادر القرآن الكريم التي ادّعوها (اليهوديّة- النصرانيّة - الحنفيّة - الهنديّة...) فوقف عندها طويلًا مبيّنًا شبهاتهم فيها رادًّا عليها. ثم أشار إلى الشبهات التي أثاروها في النّصّ وزعمهم أنّه وحيٌ نفسيٌّ أو إيحائيٌّ من المنجمين والكهنة، فردّ على هذه الافتراءات والتخرّصات مطولًا، مبينًا سذاجتها ومقرّرًا الحق في أنّ الوحي ربانيّ المنشأ ملائكيّ النقل بشري التلقي(3).
وتناول شبهات المستشرقين حول جمع القرآن الكريم ودعواهم بأنّه جمُع بطريقةٍ لا تؤكّد سلامته وقد تكون أجزاء منه أُضيفت إليه أو اقتطعت منه أو عدّلت فيه، فوقف عند هذه الادّعاءات طويلًا رادٌّا على كل شبهة بما يدحضها ويثبت سلامة النص القرآني من أي تغيير أو تبديل أو اضطراب أو زيادة أو نقص، وأنّه محفوظ بحفظ الله سبحانه وهذا ما أثبتته الوقائع الفعلية. ودرس الدكتور عمر إبراهيم الشبهات حول شكل القرآن الكريم ومضمونه والحروف المقطعة واختلاف القراءات، وأسلوب القرآن المكي والمدني وإعجازه البلاغي، فردّ عليها ردًّا مسهبًا بمئات الصفحات، أثبت فيها متانة الأسلوب وترابط المعاني وروعة الإعجاز وتواتر النقل إلى غير ذلك. وخصّص الباب الثالث والأخير لقضايا تتعلّق بتفسير القرآن الكريم، كالتفسير بالرأي والمأثور وما سمّوه بتفسير التمدن الإسلامي (1).
الخاتمة
وفي الختام لا بدّ من القول إنّ هذا البحث يعدّ قراءةً أوليّةً لمؤلفات كان أصحابها - في نظرنا - على مستوى عالٍ من المسؤوليّة التاريخيّة والغيرة الإسلاميّة على هذا الدين القيّم وأمة القرآن المجيد، كشفوا زيف المستشرقين وفضحوا دوافعهم الحقيقيّة في تحريفهم للنصوص وتقولاتهم وأباطيلهم التي ساقوها، ولفتوا انتباه الباحثين الآخرين إلى ضرورة الحذر من كتاباتهم، ودعوهم إلى الوقوف عندها متأملين ناقدين، مغربلين ومفرقين الغث من السمين.
فأصبحت جهود أولئك العرب الأماجد أمانة في عنق العاملين في حقل الدراسات التاريخيّة واللغويّة والمهتمين بها. فالقرآن الكريم هو كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وإنْ كره المشركون والمستشرقون والملحدون في كل زمان ومكان. وما ادّعوه من الشبهات ما هي إلّا مسائل واهية لا حظّ لها من العلم والمنطق، ولا سند لها من التاريخ والواقع، وإنما هي تخمينات وافتراءات وضعها أصحابها من غير برهان ولا حجة، بل هي مقولة قديمة حمل لواءها الوثنيون القدامى من أهل مكّة وغيرهم من المشركين، وسجل عليهم القرآن ذلك وبين زيفها وكذَّب أصحابها.
1) رضوان، عمر ابراهیم، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره: دراسة ونقد، م.س، ص10-17
قائمة المصادر والمراجع
1 - القرآن الكريم.
2- الإمام الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدراسة من علم التفسير، بيروت، دار المعرفة، ج 1.
3- اینو ليتمان، تیودور نولدکه 1836 - 1930 ، بحث ضمن كتاب: صلاح الدين المنجد، المستشرقون الألمان تراجمهم وما أسهموا به في الدراسات العربية، بيروت، دار الكتاب العربي، 1997.
4- بدوي، عبد الرحمن: موسوعة المستشرقين، الطبعة 3، بيروت، دار العلم للملايين، 1993 .
5- برنارد لویس: تاریخ اهتمام الإنكليز بالعلوم العربية، بيروت : "لا.ت.".
6- بن نبي، مالك: انتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، بيروت، دار الإرشاد، .1969
7- جون کلکرایست، جمع القرآن، ترجمة مكتبة الملحدين العرب: Atheistlibrary.blogspot.com
8- حسن عباس، فضل: قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية نقد مطاعن ورد شبهات، عمّان، .2004
9- رضوان، عمر ابراهیم: آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره: دراسة ونقد، الرياض، 1992، ج1.
10 - زقزوق، محمود حمدي: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، قطر، 1983.
11- سالم، عبدالعزيز: تاريخ العرب قبل الإسلام، لا ط، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، (لات).
12- شتيفان فیلد: ملاحظات على مساهمات المستشرقين في الدراسات الاستشراقية، لاط، الرياض، مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم، 2005.
13- الصغير، محمد حسين: المستشرقون الألمانيون والدراسات القرآنية، لبنان: المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر، 1983
14- علي محمد، اسماعيل: الاستشراق بين الحقيقة والتضليل مدخل علمي لدراسة الاستشراق الطبعة 3، القاهرة الكلمة للنشر والتوزيع 2000
15- عميرة، عبد الرحمن: الإسلام والمسلمون بين أحقاد التبشير وضلال المستشرقين، بيروت، دارالجيل (لات) .
16- عوض، إبراهیم: مصدر القرآن: دراسات الشبهات المستشرقين حول الوحي المحمدي، (النسخة الإلكترونية pdf ).
17- الغزالي، مشتاق بشير: القرآن الكريم في دراسات المستشرقين، بيروت، دار النقاش، 2006.
18- غلّاب، محمد: نظرات استشراقية في الإسلام، القاهرة، دار الكتاب العربي (لات).
19- فروخ، عمر: الحضارة الإنسانية وقسط العرب فيها، بيروت، 1973.
20- فؤاد، عبد المنعم: من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية في الإسلام، الرياض، مكتبة العبيكان 2001.
21- کارل بوكلمان: تاريخ الأدب العربي، ترجمة: عبد الحليم النجار، الطبعة 3، بيروت، 1999، الجزء 1؛ أبو بكر كافي، مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد، الرياض، مجمع الملك فهد، 2009.
22- محمد أركون وآخرون: الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، ترجمة: هشام صالح، بیروت، دار الأضواء، 1994.
23- مطبقاني، مازن بن صلاح: الاستشراق الرياض، (لات) ، ص 2 - 4 ؛ السايح، أحمد عبد الرحيم: الاستشراق في ميزان نقد الفكر الإسلامي، لا ط، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 1996.
24- المقدادي، فؤاد كاظم: الإسلام وشبهات المستشرقين، بغداد، مطبعة المعارف، 1425ه-.
25- الندوي، السيد أبو الحسن علي الحسني: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، دار القلم، الكويت، 1977.
26- الوزان، عدنان: موقف المستشرقين من القرآن الكريم دراسة في بعض دوائر المعارف الغربية.
27- وليم مونتغمري واط: تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: عادل نجم عبو، جامعة الموصل، دار الكتب، 1982.
لندن
28- ویلیام مویر: القرآن نظمه وتعاليمه وشهادته للكتب المقدسة، ترجمة: مالك مسلماني،
تاريخ القرآن الكريم (1)
د جميل قاسم (2)
المقدّمة
ما معنى أن يُعاد نشر وترجمة كتاب (تاريخ القرآن) للمستشرق الألماني تيودور نولدکه (1836 - 1930) الذي أصدره المؤلف عام 1860 (بحثًا) عالج فيه - مستعملًا منهج النقد التاريخي - مسألة نشوء نص القرآن الكريم وجمعه وروايته؟ وناقش - في هذا الإطار- مسألة التسلسل التاريخي للسور ، واقترح ترتيبًا لها يختلف عن ترتيبها بحسب زمن نزولها، كما هو معهود في الإسلام. هذا على الرغم من (القطيعات) التي مرّ فيها هذا السفر الضخم؛ إذ كان بحث نولدكه موضوعًا لأجيال من الباحثين، منهم تلميذه فريدرِش شفالي (F. Schwally ) الذي قام بإعادة صياغة الجزء الأول من الكتاب عام 1909، وذلك بطلب من نولدكه الذي منعه تقدّم السن من القيام بهذه المهمّة، فاكتفى الطالب بكتابة مقدّمة لهذا الجزء، لكن وفاة شفالي عام 1919 حالت دون أن يعاين صدور الجزء الثاني الذي يتناول جَمْعَ القرآن، وكان قد أعدّه للطبع فأضاف أوغست فيشر بعض التّصحيحات عليه وأصدره بعد وفاته. وأضاف غوتشتر سر (G. Bergsraber) الجزء الثالث، وهو بعنوان (تاريخ نص القرآن)، لكن المنيّة وافته، فأكمله تلميذه أوتر بريتسل( (O. Pretzl في مطلع العام 1937.
ثلاثة أجيال من علماء الدّراسات القرآنيّة الألمان تعاقبوا خلال سبعة عقود لإنجاز هذا العمل، الذي لم يترجم إلى العربية إلّا في عصر العولمة الثقافية- وما
أدراك ما العولمة ؟ - بواسطة (دار الجمل) وبالتعاون مع مؤسسة كونراد - أدناور في العام 2008!
(عندما يهرم الأسد تستأسد عليه الكلاب) وثمّة حديث للرسول الكريم يقول ما مفاده: (ستتكالب عليكم الأمم) ، وها هو ذا العصر، عصر الصعود والتقدّم الغربي مقابل التأخّر العربي الإسلامي يلقي بكلكله وأعبائه على أمّتنا وتاريخنا وديننا الحنيف، فيعيد قراءته وكتابته من وجهة نظر الغالب في علاقة الغلبة الاستراتيجيّة - الثقافيّة. فماذا ستكون المقدمة والنتيجة من هكذا إعادة قراءة وكتابة التاريخ القرآن والإسلام ؟ يستعرض المترجم د. جورج تامر في مقدمته للكتاب لمحةً تاريخيةً موجزةً عن أهم معالم ما سبقه من اهتمام (علمي) بالقرآن الكريم في أوروبا، ابتداء من النصف الأوّل من القرن الثاني عشر؛ إذ قام الإنكليزي روبرت الكتوني (R. Ketensis ) سنة (1142 - 1143) بطلب من بطرس المبجّل (P. Venerabilis) رئيس دير كلوني بأوّل ترجمة لاتينيّة كاملة للقرآن الكريم، رغم نواقصها وعدم دقّتها في كثير من المواضع.
بعد ذلك توالت حتى القرن الثامن عشر ترجمات عديدة للقرآن الكريم إلى اللغات الإنكليزيّة والإيطاليّة والألمانيّة والهولنديّة والفرنسيّة وغيرها من اللغات الأوروبيّة.
وكان لأغلب هذه الدراسات - بحسب المترجم - طابع اعتذاري وهجومي على السواء - مثلٌ على ذلك كتاب ألفه الراهب الدومنيكاني ريكولدو دامونت كروتشه( (R. da monte croceالذي قضى في أواخر القرن الثالث عشر شطرًا من حياته مبشِّرًا، وقد قارن القرآن بالكتاب المقدّس معتبرًا اختلافات القرآن عن الإنجيل عيوبًا، ومشيرًا إلى تناقضاته وعدم تسلسله من الوجهة التاريخيّة، وقد نقله مارتين لوثر عن اللاتينيّة، إلى اللغة الألمانية كان هذا في زمن هدّدت فيه الجيوش العثمانيّة وسط أوروبا ووصلت إلى مشارف فيينا. وكان الإسلام حينها مطبوعًا في الغرب بالطابع العثماني -التركي حتى إنّ القرآن الكريم نفسه دُعي بالكتاب المقدّس التركي
(Die turkish Bibel) ، وهو العنوان الذي تحمله الترجمة الألمانيّة التي قام بها دافيد فريدرش مغرلين (D. F. Megerlin) (هل كان يهوديًّا؟)
وابتداءً من القرن السادس عشر عرفت أوروبا الدراسات الاستشراقيّة بمعناها الواسع مع بدايات الاستشراق، وإذا كانت البدايات تقوم على الاستطلاع والتعرف والمغامرة فإنّه، لاحقاً، مع بدء الاستعمار، اقترن الاهتمام بالاستشراق بأهميّته السياسيّة، بالنسبة إلى بسط الدول المستعمرة سيطرتها على الشرق واستغلال ثرواته، ولم يعد الاستشراق- الذي كان له بعض- بل الكثير- من الإنجازات العلميّة كتحقيقات بكر( Becker ) لمخطوطات ابن رشد، و بروکلمان وموسوعته (تاريخ الأدب العربي) إلخ... - حُرًّا من الدوافع السياسيَّة والاقتصاديَّة المتحكمة فيه.
وقد تأثّرت الدّراسات الاستشراقيّة والإسلاميّة في أوروبا - في عصر صعود النظريّة التطوريّة الداروينيّة والوضعيّة الكونتيّة - بسيادة المنهج الفيلولوجي (الدراسات الفقه - لغويّة المقارنة) والمنهج التاريخوي- النقدي. وهذه المنهجيّة استعملت في دراسات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، بروح علميّة بحت، لا تتقيّد بقدسيّة النص -أيّ نص- وبالروح نفسه انكب بعض علماء اللغات السامية على دراسة القرآن، محاولين استكشاف الوقائع التاريخيّة المرتبطة به وكيفيّة حدوثها وعلاقتها بنشوئه ومصيره، وبناءً على هذه النزعة العلمويّة لم يقيّم نولدكه وتلامذته من العلماء القرآن كتابًا منزلًا، بل نصًّا (وضعه) النبي في أفضل الأحوال -إلهامًا- يستند في إدراك ماهيّته ومغزاه إلى الطب وعلم النفس في ذلك الحين..
أوّلًا: عرض كتاب نولدکه «تاریخ القرآن»
يتبنّى نولدكه في الجزء الأوّل من الكتاب التّقسيم المعهود للقرآن إلى مكّي ومدنيّ، لكنّه يوزّع السور المكية على فترات ثلاث، معتمدًا صفات أسلوبيّة ومضمونيّة، فيصف سور الفترة المكية الأولى بأنها تتميّز بقصرها، وبلغتها الشعريّة التسبيحيّة، وورود الكثير من الأقسام (جمع قَسَم) فيها التي تهدف إلى تثبيت مضمون الرسالة وإقناع المشركين بها. أمّا سور الفترة المكية الثانية، فيغلب عليها طابع الوعد والإنذار
والقصص. أما سور الفترة الثالثة فلا تختلف من حيث الأسلوب، لكنما تتميّز بشدّة لهجة الوعيد والتهديد الموجّه للكافرين.
أمّا بعد الهجرة- في المدينة - فتتّصف السور بإعلانها الشرائع والتنظيمات الضرورية لوضع أسس المجتمع الجديد (الشريعة).
وإذا كان المنهج التاريخي الضروري لمعرفة أسباب وظروف النص الديني الزمانية - المكانية مسألة لا مندوحة عنها، فإن المنهج الفيلولوجي - التاريخوي حصر الظواهر كلها - بما فيها الظاهرة الدينيّة الميتافيزيقيّة الطابع - بما هو حصري وملموس ومباشر ووضعي دون تمييز ما بين ظاهرة اجتماعيّة، اقتصاديّة، سياسيّة، وأخرى ميتافيزيقيّة وجماليّة وميثولوجيّة رمزيّة.
وقد وجدنا مثالات لهذا المنهج الوضعي في كتابات هيغل (حياة يسوع) وأرنست رينان (تاريخ المسيحيّة) وجوزيف شتراوس (جوهر المسيحيّة) وقد تعاطت هذه الكتابات مع المسيحيّة ظاهرة (تاريخيّة) مجردة من البُعد القدس والرمزي، وتناولت شخصيّة (يسوع المسيح) كأي شخصيّة تاريخيّة (عادية) تخضع لمعطيات العلوم الوضعيّة والإنسانيّة.
وقد تناول نولدکه، بدوره، شخصيّة الرسول محمّد، بناءً على معطيات هذا المنهج الفيلولوجي - التاريخي النقدي، فركز على الأبعاد التاريخية (اللغويّة-المقارنة) والاجتماعيّة، والسياسيّة، في مقارنة ما بين الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة. وتناول ظاهرة النبوّة، رواية تاريخيّة قد لا تتّفق مع معطيات النبوّة والرسالة والإيمان، من خلال إقامة صلةٍ سببيّةٍ بين الحدث والنّصّ، بغية الوصول إلى الحقيقة المجرّدة والمتجرّدة..
في مقدمته للطبعة الثانية لكتابه، يتحدّث نولدكه عن ناشر كتابه الذي سأله إذا شاء أن يسمّي من العلماء من يعيد النّظر في الكتاب الذي أنجزه قبل نصف قرن، فاقترح بعد تفكير يسير تلميذه القديم وصديقه فريدريك شفالي «بجعل الكتاب
الذي أنجزته بسرعة مراعيًا المستلزمات الحاضرة (بقدر الإمكان) لأن آثار الوقاحة الصبيانية -كما نقول- لن يمكن محوها بالكلية»(1).
وقد قام الباحث شفالي في مقدمته الثانية بتعديلاتٍ جذريّةٍ أو بإضافة مقاطع كبيرة. ولعلّ هذا ما فعله بكلّ تأكيد غ. برغشتر ومن بعده أ. بريتسل من الجزء الثالث من الكتاب. فماذا كانت النتيجة؟
في الفصل الأوّل، وهو بعنوان (في نبوءة محمّد والوحي) يقارب نولدكه معنى النبوة وصفاتها، فيرى أنّ النّبوّة في أسمى معانيها فنّ إلهيّ، لكنّه يرى أنّ النبوة لم تتطوّر إلّا في (الشعب الإسرائيلي). كيف؟ يقول نولدكه إنّ جوهر النّبيّ يقوم على تشبع روحه من فكرة دينية ما، تسيطر عليه فيتراءى له أنّه مدفوعٌ بقوّة إلهيّة ليبلغ من حوله من الناس تلك الفكرة على أنّها حقيقةً آتية من الله. وحالما يبدأ الأنبياء بتنظيم أنفسهم تتحوّل النبوة إلى (مهنة) وما يميّز معنى النبي بحسب نولدكه ما يرد في سفر عاموس 14:7 «لست أنا نبيًّا ولا أنا ابن نبي بل أنا راعٍ وجاني جميّز. فأخذني الرب من وراء الضأن وقال لي الرب: اذهب تنبأ لشعب إسرائيل»(2).
هل نظر نولدكه إلى شخصيّة النبي محمّد بالطريقة ذاتها ؟ يعالج نولدكه ظاهرة النبوّة باعتبارها (ظاهرة وضعية) لفهمها فهمًا (صحيحًا) بحسب رأيه.
يتعرف نولدكه- بهذا المعنى- بنوة محمد، أي بمقياس ما يأتي به النبي بأفكار - وإن كانت مستمدة من نبوات ورسالات أُخر، ويرى أن المصدر الصحيح لمعرفة روح محمّد هو (القرآن)، هل القرآن كتاب وحي «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلّا وَحْى يُوْحَى» أم هو كتاب فكري تأمّلي ؟ يرى نولدكه - جوابًا- إن محمّدًا حمل طويلًا في وحدته ما تسلمه من الغرباء، وجعله يتفاعل وتفكيره، ثم أعاد صياغته بحسب فكره، حتى أجبره أخيرًا الصوت الداخلي الحازم على أن يبرّر لبني قومه
رغم الخطر والسخرية اللذين تعرض لهما، ليدعوهم إلى الإيمان، الأمر الذي يجلعنا نتعرف في هذا على حماس الأنبياء(1).
يرى نولدكه، باختصار، أنّ المصدر الرئيس للوحي الذي (نُزِّل) على النبي حرفيًّا، بحسب إيمان المسلمين وبحسب اعتقاد القرون الوسطى هو بدون شك ما تحمله الكتابات اليهودية. وتعاليم محمّد برأيه في جلّها «تنطوي في أقدم السور على ما يشير بلا لبس إلى مصدرها. لهذا لا لزوم للتحليل - حسب الكاتب - لنكتشف أن أكثر قصص الأنبياء في القرآن، لا بل الكثير من التعاليم والفروض هي ذات أصل يهودي(2)».
لقد تواجد اليهود - بحسب نولدكه - في أماكن عدّة من شبه الجزيرة العربيّة، وكانوا يقيمون في مناطق يثرب، التي كانت على صلةٍ وثيقةٍ بموطن (محمّد)، وكانوا يتردّدون أيضًا في مكة. وكان ثمة تأثير يهوديّ على النبي، كذلك كانت المسيحيّة على انتشار واسع في شبه الجزيرة العربية بين القبائل المتواجدة على الحدود الفارسيّة - البيزنطية «(كلب) وطيء وتنوخ وتغلب وبكر» وفي الداخل في تميم، وفي اليمن التي كانت منذ زمن طويل تحت سيطرة الحبشة المسيحية. وينبغي لنا، إذاً، أن نأخذ بعين الاعتبار التأثير المسيحي على النبي إلى جانب التأثير اليهودي.
ویری نولدكه أنّ أهمّ مصدر استقى منه محمّد معارفه لم يكن الكتاب المقدس، بل الكتابات العقائدية والليتورجية، وفي قصص (العهد القديم) (الهاجادا). أما القصص المستقاة من (العهد الجديد)، في الإسلام، فهي أسطورية الطابع، وتشبه في بعض معالمها ما يسرد في الأناجيل المنحولة.
أمّا سورة الصف 61: 6 التي يعِدُ فيها عيسى بأن الله سيرسل من بعده رسولًا اسمه أحمد، فلا أثر لها في (العهد الجديد) المقصود هو الآية: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَابِيلَ إِنّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا
بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ» وهي الآية التي تتطابق مع ما جاء في إنجيل برنابا بهذا الصدد على لسان المسيح (سيأتي من بعدي رسول اسمه أحمد).
وما يؤكّد تأثر الإسلام بالصيغة المسيحيّة - بنظر نولدكه - أن الكفار أطلقوا على أتباع النبي محمّد لقب (الصابئة) ممّا يعني أنهم اعتبروهم على علاقة وثيقة ببعض الفرق المسيحيّة (مثل المندائيّين والكسائيّين والمعمدانيّين).
كذلك أنّ المسلمين يعتبرون أنفسهم خلفاء الأحناف، وهؤلاء كانوا أناسًا رفضوا الوثنيّة وفتشوا عمّا يرضيهم في التعاليم المسيحيّة واليهوديّة.
إنّ الكلمتين دين (فارسية) وملة (آرامية) هما من أصل أجنبي فيما تتصف كلمة (إسلام) (سورة آل عمران 3: 19) بأنها عربيّة أصيلة، وقد وضعها محمّد لدينه - كما يقول المؤلف، الذي قدر له أن يهزّ العالم كله، وقد انصهر في وجدان محمّد من مواد مختلفة. وما أضافه هو إلى ذلك يقل أهمية -بحسب نولدكه - عما أخذه عن الآخرين(1). وأعلن النبي محمّد أنّه يتلقّى الوحي من (الروح)، (روح القدس) (عبري) بأشكال عدّة مختلفة. وسمي روح القدس جبريل (جبرائيل)، ويعد كل أمر إلهي وجه إليه وحيًا حتى لو لم تعد كلماته قرآنًا، غير أنّ مقارنة نولدكه بين هذا وما ذكره السيوطي في كتاب (الإتقان) بأنّ ما تلقاه مسيلمة وطليحة يدعى أيضًا وحيًا، ينم عن استعراض حقيقي، ليس غايته العلم، لا الديني ولا التاريخي - باسم النقد التاريخي - لا سيّما مع النتيجة التي يتوصل إليها بأن محمّدًا كان يعاني نوعًا من الصرع، وأن هذا الوضع الجسدي والنفسي المضطرب هو الذي يفسر الأحلام والرؤى التي رفعته إلى مصاف الرؤيا والنبوءة. و (دليل) نولدكه على ذلك أن محمّدًا كثيرًا ما قضى الليل متهجدًا ، وأنه كثيرًا ما صام، حيث تشتد في الصيام -برأيه- القدرة على مشاهدة الرؤى، ويربط ما بين هذا التفسير وقول الرسول (ويفصم عني وقد وعيت ما قال ) أو ( فأعي ما قال). وهذه الحالة السيكولوجيّة
1) تيودور نولدكه: تأريخ القرآن، تعديل: فريدريش شفالي، م.س، ص19
تتطابق مع ما جاء في سورة المزمل :73 1: «یَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلّا قَلِيلا نِصْفَهُ أو انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أو زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثقيلا» . وتليها سورة المدثر: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ».
ولعلّ أشهر ما يذكر في هذا الصدد الإسراء والمعراج الذي كان مجرّد حلم، برأي نولدكه، وههنا لا يكلّف نولدکه نفسه عبء (تفسير الأحلام) هل الحلم ههنا سيكولوجي عادي، أم حلم ميتافيزيقي أكسترا - عادي(extra ordinaire)؟
أبعد من هذا يستشهد بقول فايل (weil) وهو كاتب ينسب كل الهرطقات -بما فيها المذكورة أعلاه - إلى النبي محمّد الذي يظن بأن محمّدًا تلقى الوحي من إنسان كان يسخر منه، لكون الرسول كان قد شبه جبريل بشخص دحية، وكان جميل الطلعة، وهي شكل من أشكال التجليات العديدة التي يظهر فيها الملك؟
الوحي في مثل صليل الجرس.
بواسطة ما ينفثه روح القدس في روعه .
جبريل فى صورته الحقيقيّة.
جبريل في صورة الرسول محمّد نفسه، إلخ.
ويحاول نولدكه أن يفسر قصار السور باعتقاد (البعض) أن محمّدًا تلقى كل آيات القرآن أثناء نوبات الصرع التي كانت تعتريه، والتي لم تدم طويلًا(1).
ويفسّر الكاتب وحدة التنزيل (السورة) بالأصل العبري (سدرا)، أو مقطع القراءة (؟) كما يربط كلمة قرآن بالكلمة اليهوديّة (مقرا) ويلتبس الأمر على نولدكه من الوجهة الفيلولوجيّة الفقهيّة حول أصل معنى القرآن الذي لا يجده مطابقًا لمعنى القراءة، وإنما الاقتران والتلاوة (قرأ) بمعنى تلا أو بمعنى (نادى)، أو أدى التحية
1) تيودور نولدکه: تأريخ القرآن، تعديل: فريدريش شفالي، م.س، ص28
(قرأ فلانًا السلام)، ولما لا يجد في العبرية ما يشفي الغليل يجد في كلمة (قريانا) السريانية الاحتمال الجذوري، وذلك بأن تكون كلمة سريانيّة وضعت على وزن (فعلان) بالعربية. كل هذا كى يثبت بأن محمّدًا لم يأت بجديد. ولماذا لا تكون كلمة قرآن مشتقة من كلمة فرقان: ههنا أيضًا يجد المستشرق نولدكه أن ذلك غير ممكن لأن كلمة فرقان اسمًا مجرّدًا، تفيد معنى الوحي الذي تلقاه أنبياء آخرون..
ماذا عن أسلوب القرآن ؟ يختلف أسلوب القرآن - بحسب نولدكه- تبعًا لأوقات التأليف المختلفة؛ إذ تشي المقاطع الأولى باضطراب شديدٍ أو بجلالٍ هادئ، وفي أقسام أُخر نجد اللغة عادية، فضفاضة، أقرب ما تكون إلى النثر. وتتميّز أسلوبيّة القرآن بتكلم الله مباشرةً، ويرى أنّ القرآن خطابيّ - سجعي- أكثر منه شعريّ، يعتمد التنميق الخطابي. ويورد بيتًا من الشعر منظومًا على بحر الرجز:
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب
وذلك لتأكيد أنّ الرسول لم يتلفظ إلّا نادرًا بأبيات نظمها آخرون، ولم يقرض الشعر، إلّا لمامًا. وكان الرسول محمّد يستعمل كل حرية أسلوبية يسمح له بها السجع، لا بل يضيف، ويغيّر، فهو لا يلفظ الفتحتين اللتين يجب التلفّظ بهما في نهاية آية (وزورا) ويخفي الكسرتين أو الكسرة، والياء في الأفعال التي تنتهي بياء أو واو ويمد الفتحة في نصب الأسماء والأفعال جاعلًا منها ألفًا كما في القافية الشعرية إلخ، ومن الواضح من هذا الاستعراض أن نولدكه يعد كلام القرآن كلامًا بشريًّا - لا كلامًا إلهيًّا - ويعد اللعب بالكلمات الذي لم يكثر منه الشعراء العرب القدامى سمة من سمات القرآن، ويورد على ذلك أمثلة : (راغبًا راهبًا) (لامية الشنفرى) (إن يغبطوا يهبطوا) (الخنساء) (بين عسر ويسر)، أخزي الحياة وخزي الممات (البحتري) إلخ.
ویری نولدكه أنّ الرواية القائلة إنّ محمّدًا حدّد لكلّ آية، فورًا بعد نزولها، مكانها المحدّد لا تتمتع بسند تاريخي، حتى لو كان قد قام أحيانًا ببعض الإضافات إلى سور معيّنة، وأبعد من ذلك لم يتحرج محمّد -حسب المستشرق الألماني- من
تكرار الآيات وتعديل مواضعها في المقاطع القرآنية أو نسخها بحسب الظروف، أو زمن تأليفها أو مضمونها. لكننا (لا يجوز أن نلومه على ذلك -كما يزعم فايل- (Weil) فهل كان للنبي فعلًا أن يتوقع، أن الخلاف سينشب بعد وقت قصير من وفاته حول حرفية ما نزّل عليه، وهو الرجل غير المتعلم (كذا) الذي لم يعرف تعظيم الحرف بتاتًا(1). وفي هذا الموقف تناقض واضح في موقف نولدكه، فهو يتحدث عن التنزيل ومن ثم ينعت الرسول بالأمية: ألم يؤت الرسول جوامع الكلم، ومن هو العالم الحقيقي، ههنا نولدكه أم النبي العربي؟
في استعراضه لأصل أجزاء القرآن، ومحاولة استكشاف الزمن الذي نشأت فيه هذه الأجزاء، يرى نولدكه أن الهدف الكبير الوحيد الذي يتبعه محمد، في السور المكية هو دعوة الناس إلى الإيمان بالإله الواحد الحق وما لا ينفصل عن ذلك الإيمان بالقيامة والحساب في يوم الدين لكنه لا يسعى إلى إقناع عقل سامعيه بواسطة البرهان المنطقي، بل بالعرف الخطابي المؤثر على الشعور والمخيلة. هل المنطق سمة من سمات الدين أم الفلسفة؟
ويرى في الإسلام نوعًا من النظام الديني، بل محاولة من نوع اشتراكي، لمقاومة أوضاع أرضية سيئة قاهرة(2). وهل هذا حسنة أم بدعة ومثلبة؟
یری نولدكه في بحثه الفيلولوجي أن سور الفترة الأولى تتميز بقوة الحماس الذي حرك النبي في السنوات الأُول، وجعله يرى الملائكة الذين أرسلهم الله إليه، فكان لا بدّ لها من أن تعبّر عن نفسها في القرآن. فالله الذي يملأه يتكلم بنفسه، فيتراجع الإنسان تمامًا، كما لدى أنبياء إسرائيل العظام في (العهد القديم) (...) أما الكلام فعظیم، جليل، مفعم صورًا صارخة ؛ والنبرة الخطابية تحتفظ بلونها الشعري الكامل والآيات القصيرة تعكس الحركة الشغوفة بتعاليم بسيطة، هادئة، لكنها زاخرة بالقوة. والكلام بأسره محرك إيقاعيًا وذو جرس عفوي جميل. ومشاعر النبي تنطق
عن نفسها أحيانًا بواسطة غموض المعنى، ومن العلامات الفارقة والمميزة لهذه الفترة كلمات القسم التي ترد فيها كثيرًا 30 مرة مقابل مرة واحدة في السور المدنية في سورة التغابن: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبِّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرُ» من الأمثلة على ذلك سورة النازعات «وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبُ يَوْمَيذٍ وَاجِفَةُ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ».
أما السور المدنية، فقد تميّزت - حسب نولدكه- بطابع الدعوة المنتصرة والنبي الذي كان في مكّة في وضع لا يحسد عليه، لا يتبعه إلّا قليل من الناس فأصبح قائدًا عالميًّا لكيان كبير. وهو يفسر انضواء المدينة في الدعوة بالصراع والمعارك الطاحنة بين الأوس والخزرج، واعتياد سكان يثرب سريعًا على سيطرة شخص غريب عليهم. ويستنتج نولدكه بأن الرجال الذين أتوا من المدينة إلى مكة ليفاوضوا محمّدًا إنما فعلوا ذلك منساقين بالدافع السياسي فقط من أجل السلام في مدينتهم. وهو التفسير المصغر لانتصار الدعوة الإسلاميّة في ظل الصراع البيزنطي- الفارسي في المرحلة السابقة على الإسلام.
وتحتوي الآيات المدنية في الغالب على تشريعات قصيرة ومخاطبات وأوامر، والتعابير والمصطلحات الجديدة تستعمل حين تقتضي المادة ذلك فقط. وهذا ما يظهر على أوضح وجه في الشرائع، ويتجنب في صياغتها كل تزيين خطابي. وتعد سورة البقرة 2 أقدم السور المدنية. فالجزء الأكبر منها نشأ في العام الثاني بعد الهجرة قبل موقعة بدر. وهي تبدأ بكلمات مشابهة للآيات المكية (ذَلِكَ الْكِتَابُ) ولكنها تنتهي بآيات تشريعية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقِّ سَفِيها أو ضَعِيفًا أو لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى إِلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ إِلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».
هو ذا ملخص كتاب نولدکه فماذا عن أتباعه وتلاميذه الذي استكملوا هذا الكتاب؟
ثانيًا: تلامذة نولدكه واستكمال العمل
يقول أوتو بريتسل في مقدمة الجزء الثالث من الكتاب إنّه بعد وفاة فريدرش شفالي العام 1919 الذي عمل على إنجاز المجلدين الأولين من هذا الكتاب أخذ غوتهلف برغشتر سر على عاتقه إنجاز المجلد الثالث، وقبل وفاته على حين غرة في العام 1926 . وبعد أن قضى آخر سنوات عمره في إعداد دراسات تمهيدية لم يتمكّن من مشاهدة نتائجها، أنيطت به مهمة إكمال العمل ودفع جزءًا منه إلى الطبع العام 1929. وقد تناولت أبحاثه القراءات الشاذة، المتعدّدة للقرآن، ومن بينها (القراءات السبع) المتعارف عليها.
ويتحدّث الباحث حول نسخٍ أربع رسميّة للقرآن كتبت بأمر الخليفة عثمان، وهي لا تلعب تقريبًا أي دور في علم القرآن، ما عدا النسخة الرسميّة، المدنيّة، التي تسمى (مصحف عثمان) وهي النسخة المتداولة عند المسلمين قاطبة. ويرى بريتسل أن هذه النسخة وظروف نشأتها تتسم بعدم الوضوح، ويعمد إلى الكشف عن أخبارها المتناقضة، وطريقة إعدادها وإخراجها إلى النور.
يرى الباحث أنّ الاختلافات الحقيقيّة في نص القرآن في المدن الأربع التي تنطلق منها الرواية حول صياغات القرآن تبيّن أنّ كلّ نص محلّي للقرآن تمسك به أهله بإخلاص كبير (...) وقد اعتمد تناقل النص كتابة، في كل ما يتعلق بالهجاء، على
الرواية الشفهية، فقراء القرآن في كل مدينة اتبعوا نصهم الرسمي، وحتى عندما لم يتّبعوه في مرة من المرات، فإنّ الوعي بالاختلاف ظل حيًّا. وهذا يوضح لماذا لم تظهر الروايات حول هذه الكتابات أية تأرجحات تقريبًا وأنّها أمينة كليًّا. وربما كان أول من ثبتها تحريرًا هو الكسائي (توفي عام 189ه-). وكان ثمة اختلاف بين المدينة والعراق في القراءة القرآنيّة، وكان ثمّة نسخة للقرآن تُعد مرجعًا للقارئين الدمشقيّين ويمثلهم أبو الدرداء. وثمّة قراءات خمس للكوفة مقابل البصرة، دون أن يؤتى على ذكر مكة، وكان ثمّة خلاف محل جدل في قراءة القرآن وتدوينه، وكانت الكلمات تتفاوت ما بين نسخة وأخرى قبل جمع القرآن في مصحف واحد موحد هو (مصحف عثمان).
مثال على ذلك:
سورة المائدة 5 : 54 - 59 (يرتدد) المدينة، مخطوطة دمشق، و (يرتد) عند البقية.
سورة الأنعام 6: 63 (أنجينا) الكوفة، (أنجيتنا) عند البقية.
سورة الأعراف 7: (تتذكرون) مخطوطة دمشق (تذكرون) عند البقية. وهكذا دواليك!
وكانت المخطوطات الكوفيّة تذهب أبعد من ذلك في مجال استبدال الألف الممدودة بالألف المقصورة، وهو ما نجده فى (حتا) بدل (حتى) و (أغنا) بدل (أغنى) و (مضا) بدل (مضى) إلخ ... والحال هذه أثرت هذه الاختلافات قبل جمع القرآن- وحتى بعد جمعه- على تهجئة اللغة القرآنية بحسب المناطق المختلفة، و (المصاحف) المتعدّدة (مصحف ابن مسعود في البصرة (مصحف أُبي) في دمشق إلخ، وقد رأينا أنّ النصّ العثمانيّ (نسبة إلى الخليفة عثمان) لم يكن موحدًا تمامًا، وبحكم أنّ غالبيّة النّسخ متكافئة، فقد كان النّصّ يحتوي على صياغات وعلى تأرجحات في الهجاء تكاثرت عند النسخ من هذا النص. ورغم ذلك شكل النص العثماني، في نهاية المطاف، وحدةً مترابطةً نسبيًّا بالمقارنة مع الصيانات المنقولة
بحروف ساكنة أو مع القراءات التي تشترط وجود نص ساكن مخالف.
كان الاختلاف في صفة الرواية بين أهل الكوفة وأهل الشام يعود إلى اختلاف الظروف الخارجيّة للتأثير الذي مارسه كلا النصين. فكما يشير إليه التأرجح حول سنة وفاته لم يلعب أُبي بعد وفاة الرسول محمّد أي دور مرموق. وسواء بسبب موته المبكر، أو لأسباب أُخر، فقد أزيح عن المسرح السياسي وانتشر نصه القرآني على الصّعيد الشخصي فقط. أما ابن مسعود فكان واليًا على الكوفة، وكان يملك بالتالي إمكانيةً، استطاع استغلالها بنجاح لإيجاد اعتراف رسميّ بقرآنه. ويبدو أنّ مصير نسختي القرآن، أي نسخة ابن مسعود ونسخة أُبي كان متغايرًا. فقد اختفت نسخة أُبي باكرًا، وربما لم تنسخ أبدًا. أو انّ عثمان -كما يُنسب إلى ابن أُبي واسمه محمّد- قد صادر مصحف أُبي (حرفيًا : قبضه، أي قبض عليه وصادره)... أما نُسخ نص ابن مسعود فأُخبر عنها مدة طويلة. ويروي الزمخشري أنّ المخطوط كان مدفوناً في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي وقد احترق سنة 398، وكان فيه، على ما يزعم قرآن ابن مسعود وقد اعتمد عليه الشيعة في بغداد (هل هو لعب على الوتر الطائفي قديم - جديد ههنا أيضاً؟).
ما سرّ الحملة الشعواء (العشواء) التي يشنها كتاب نولدكه وأتباعه على (مصحف عثمان)؟ هل هي الغيرة على التسامح والتعدّديّة في مقابل الحفاظ على الحرف والكلمة اللوغر قراطية - الإلهيّة كما يراد لنا أن نقتنع؟
وهل المنهج التاريخي وغايته التسامح والتعدديّة والاختلاف عملًا بالحديث المأثور (اختلاف أمتي رحمة) أم إنّ غايته شرذمة الوعي الإسلامي؛ ليكون لدى المسلمين ليس فقط قراءات سبع للقرآن وإنما سبعة مصاحف وأكثر . وهل الوحدة تخالف التعدّد ؟ وهل الائتلاف ما بين (المؤلفة قلوبهم) من المسلمين وأهل الكتاب يستبعد الاختلاف بالمعنى الذي يحبذه الإسلام دينًا ودعوة ورسالة؟
یری نولدكه وأتباعه أنه قد يكون عثمان حاول القضاء على نسخ نصوص القرآن المخالفة، لكن الإزالة الكاملة لكل هذه النسخ لم تتحقق آنذاك، ولم يصبح ذلك
ممكنًا إلّا عندما تم الالتزام في التلاوة بالنص العثماني. هذا الاعتراف النظري بالنص العثماني صار ذا تأثير عملي، حين تخلى المرء عن الحرية اللامبالية في التعامل مع النص، التي كانت سائدة في القديم (كذا(1)). ما الهدف والغاية من تلك الحرية اللامبالية؟ هل المعرفة الأفضل والفضلى أم اللامبالية حقًّا؟!
في زمن البعثة وحياة الرسول كان النبي نفسه يبت في الأمر، وحسب المراجع الإسلاميّة العديدة - ومن بينها مسند ابن حنبل، رفض النبي التشكيل الذي قاله عبد الله بن عمر لكلمة (ضَعْف)- وهي تعني الوهن- وطلب أن يقال (ضُعف) أي بمعنى الكم المضاعف.
هل المقصود بأن الهدف من الحديث النبوي بأن القرآن جاء على سبعة أحرف، رفض البت في صياغات النص التي يناقض بعضها البعض، وأنّ الاتجاهين المتناقضين (نجاح وانتصار النص العثماني التوحيدي والاعتراف بألوهيّة صيغ النص القديمة، غير العثمانية) قد نجحا، بالتوازي والمساواة؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال لنر ما هي الصيغ التعددية التي يدافع عنها نولدكه وأتباعه : دفاع بعض القراء على كلمة (حيي) بدلًا من ( حيّ ) الواردة في سورة الأنفال 8: 42 - 44، ويحبذون قراءة البعض لجملة (آتاني الله) مع حرف النص (آتين)، (آتانِ) سورة النمل 27: 36، وفي سورة الكهف يحبذون كلمة (إيتوني) على صيغة المتكلم 200 (آتوني) (سورة الكهف 18: 95، 96)، فأيهما أقرب إلى العقل اللغوي حيي أم حي، وأتاني أم (إيتوني) ومن هو المتمسك بالحرف جماعة المسلمين أم جماعة المستشرقين ؟
وهؤلاء يقدمون الكلمة غير الواضحة (ليلف.. إلفهم) على (الإيلاف.. إيلافهم) (2)، سورة قريش 106: 1-2 فأيّهما أقرب إلى البديهة والعقل والبداهة؟
ما الغاية التي يبحث عنها المستشرقون الألمان؟ لقد وجبت المحافظة على صفة القرآن ككلام الله الموحى به شفويًّا والذي تناقلت الأفواه معرفته حتى لو كان
أغلب نص القرآن كُتب في حياة النبي وربما بتكليف منه(1). إذًا، المقصود هو إبطال صفة الوحي وتأكيد (خلق القرآن) وياليت ذلك بالمعنى الاعتزالي في الأقل (المعاني قديمة والحروف مخلوقة ومحدثة) وإنما بمعنى الاختلاق ورفض نبوّة ورسالة النبي! ولو كانت غاية هؤلاء الأكاديميين تجديد المعنى بما يتماشى مع مبدأ تعددية المعنى، وتطوّر الأحكام بتطوّر الأزمان، لما اعترضوا على التقعيد والتوحيد وإنما لكانوا طالبوا إدخال مبدأ الظاهر والباطن على منهجهم الفيلولوجي العتيد، بدلًا من الانحياز إلى القراءات المتشظية والمتعدّدة، ولكان هذا أجدى وأقوم وأفضل.
كان المقرئ والنحوي المشهور التابع لمدرسة الكوفة اللغوية والنحوية أبو بكر (محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن) ابن مقسم العطار يسمح بكل قراءة مطابقة للمعنى وصحيحة لغويّاً، تتفق مع النص المشكَّل، حتى ولو لم يقرأها أحد من القدامى، فاستدعاه السلطان ليقف أمام جميع الفقهاء والقراء الذين أجمعوا على استنكار دعوته وهددوه بالعقاب.
يقدم البحاثة المستشرق مثلًا على صحة موقف النحوي أبو بكر العطار قراءته في الآية 80 في سورة يوسف 12 (نجباء) بدل ( نجيًا) والآية تقول: «فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيَّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ الله وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَو يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ» (يوسف: 80) والتفسير المتعارف عليه في مصحف عثمان هو بمعنى أنه (فلما يئسوا يأسًا شديدًا من يوسف وإجابته إياهم، انفردوا متناجين سرًا فيما بينهم) أو أنّ الجملة تحتمل معنى (لما يئسوا من نجاته) - بكل بساطة- أما ابن العطار فاختار كلمة ( نجباء) بدلًا من ( نجيًا ) ما دعا خصومه إلى وصف القراءة بأنها لا معنى لها، وتخالف التشكيل المعروف، وأنها (تصحيف). ويرى المستشرقون الألمان بأن قراءة ابن مقسم العطار هذه لم تندرج في خانة (البدعة) وإنما الارتجال (الاكتشاف الحر للإمكانات التي تتيح قراءة الحروف الساكنة) ومن الواضح أن موقف هؤلاء الأكاديميّين ليس أكاديميًّا تمامًا، لأن الأكاديميّة في اللغة
1) المرجع نفسه، ص 557
لا تقر الارتجال، فالعلوم اللغوية ليست علومًا جماليّة وفنية تحتمل الارتجال والأسلبة، والتشكيل الجمالي، وإنما هو علم غايته الدقة في المعنى والمبنى، لا سيّما عندما نكون بإزاء نصّ مقدّس يفتح باب الارتجال فيه حروبًا أين منها حروب البسوس و (داحس والغبراء) وحروب طروادة؟
وقد اشترط ابن مقسم العطار - هو نفسه شرطين لقبول قراءة القرآن هما صحة اللغة وموافقة القراءة لمصحف عثمان، وهذا دليل على أن موقفه يندرج في الحقيقة في باب الاجتهاد (اذا اجتهد الفقيه وأخطأ فله أجر، وإن اجتهد وأصاب فله أجران)، ولم تكن غايته الخروج عن القرآن؟!
ويقر العلماء الألمان بأن قبول المبادئ التي نادى بها ابن مقسم في حالة الإيجاب - لا النفي- تعني استبعاد المطالب الأُخر تجاه القراءات التي يمكن قبولها، خاصة تلك التي نادى بها ابن مجاهد، ونجح في إقرارها، من وجوب أن تكون القراءة منقولة بإسناد الذين رووها عن النبي. وبعد إضافة التقليد المتوارث أصبح المذهب الكلاسيكي يضم ثلاثة معايير يشترط توافرها في القراءات، وهذه المعايير الثلاثة هي (أن ينقل عن الثقاة عن النبي، ويكون وجهه في العربيّة سائغًا، ويكون موافقًا لخط المصحف. ويرى أصحابنا الألمان أنه كلما اشتد الارتباط بالتقاليد تعيّن التنازل عن الحق بالنقد، وهم يرون في موقف ابن الجزري (توفي 833) المحافظ على المعايير الثلاثة موقفًا علميًّا يتمتع صاحبه بضمير حي. والسؤال على موقف هؤلاء العلماء من النص القرآني موقفًا يوازي موقف ابن الجزري من حيث التناسب ما بين النقد والتقليد! لا يعني ههنا (التقليد) دعوة إلى التقليديّة في مقابل الإبداع، ولكن المقام هو مقام ديني - وليس فلسفيًّا- والدين ينطوي على بنية متزامنة في علاقة المقدّس بالدهري، والدين والدنيا، والزمان بالمكان.
ويقابل قاعدة المعايير الثلاثة الضرورية لقبول إحدى القراءات قاعدة (الغالبيّة) أو (اجتماع العامّة على القراءة)، وهذه القاعدة لا تعجب أصحاب كتاب (تاريخ القرآن) أيضًا باعتبار أن علم القراءات حتى القرن الرابع كان لا يعني بكلمة العامة
-وأيضًا الجماعة، والكافة، والجمهور، والناس مجموع القراء الكلي، بل الأغلبية وهكذا فإن كلمات : (الإجماع) و (الاجتماع) و (الاتفاق) لا تعني أكثر من صوت الأغلبيّة، ويعدّ الإجماع حالة قصوى ليست لها أهميّة. وقد تكون له، باعتباره (صوت الأغلبيّة) أهميّة لتوحيد النص القرآني، عن طريق استخدامه لتغييب قراءات الأقليّات الصغيرة تغييبًا كاملًا(1).. والحال هذه ما هو مناط الاتفاق والاختلاف، إذًا، إن لم يكن الأغلبيّة، وهل الإجماع المطلق ممكن، وهل القراءات الحرة، غير المقيّدة أمكن وأكثر إمكانًا؟!
يوافق نولدكه وأتباعه على الاشتراك في مصطلح (رأي) و (استصلاح) و (استحباب) واستحسان و (قیاس)، و (اجتهاد)، لكنّهم يناوئون عمليّة التوحيد في قراءة القرآن، دفاعًا عن اللهجات الشاذة، بالمعنى اللغوي، الاشتقاقي، والجهوي. ولا تعني الشواذات في الحقيقة شواذات عامية، فأهل الحجاز - كما يورد سيبويه يقولون (مررت بهو قبل) بدلًا من (مررت به قبلًا)، (ولديهو مال) بدلًا من (لديه مال) ومثل هذا التشكيل يرد كثيراً في أجزاء القرآن الكوفية، ولكن هذا لا يعني الانحياز إلى العامة باعتبار (البدوي) أو (العامي) هو معلم الإنسانية)! يستشهد (د. أوتو بريتسل) عن أقوال مروية عن نافع (ت169) أنه قال: (قرأت على سبعين من التابعين، فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شذ فيه واحد تركته، حتى ألّفت هذه القراءة. ولكن عندما سُئل نافع عن طريقة نطق (ذئب) و (بئر) كما ينطقها في لهجته (ذيب، بير) إنحاز إلى صالح النطق المنتشر، أي مع الهمزة وقال: (إن كانت العرب تهمزها فأهمزها). هل يفضل بريتسل الفصحى الشائعة أم اللهجة العامية الشاذة؟ الجواب، على ما يظهر، أنه يحبذ- كغيره من المستشرقين - العامية لما لها من خواص التجزئة اللغوية، وهي الشكل العلمي للتجزئة السياسية في الشرق الأوسط والعالم الثالث!
1) تيودور نولدكه: تأريخ القرآن، تعديل: فريدريش شفالي، م.س، ص 569
ماذا عن نقد الروايات؟
يرى بريتسل أن تدريس القرآن والقراءات للحكم على صدق روايات القراء أمست بين عام 100 وعام 300 تحتاج إلى نقد عميق حتى أظهرت قراءة الحسن البصري، إمام المعتزلة (المعتزل) – توفي 110- التي تعد أقدم القراءات التي وصلتنا، وفي الوقت ذاته، إحدى أضعفها، تعزز الاحتمال بأننا أمام شكل للنص كان يستعمله هو، أو في الأقل، كان يستعمله أنصاره المباشرون. والحقيقة أن هذه المسألة لا علاقة لها بإشكاليّة القراءة التقليديّة والقراءة الخارجة على التقليد بقدر ما لها علاقة بالمعتزلة، والحسن البصري، صاحب نظرية المنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة، أصحاب مذهب الاختيار، الذين لم يجتهدوا فقط في مجال (الرأي)، أو (القياس) أو (المصلحة) الفقهية، وإنما في مجال أصول الدين وعلم الكلام الإسلامي، وكانوا بالتالي مذهبًا وسطيًا وإصلاحيًا بامتياز.
وفي مقابل التجديد السلفي الذي أحدثه ابن مجاهد (توفي 424) في قطيعته الكبيرة مع القراءة التقليدية مهد لقوننة القراءات في أنّه استبدل القراءات المفردة بدراسة القراءات المترابطة، ولم يكن دافع ابن مجاهد سلفيًّا، وإنما ضمان يوافق التقليد، لا للقراءات فقط، وإنما للقرآن، وأصبح (الشاذ) الغالي على قلب الاستشراق ليس ما هو شاذ عن القراءات السبعة أو العشرة، بل هو كل ما هو خارج لقراءات المشهورة، وتتوج النظام الجديد بانتقال تعبير (التواتر) من مصطلح نقد التقليد ومن أصول الفقه إلى علم القراءات، والمقصود بهذا التعريف والتعبير الرواية التي تعود إلى مصادر متعدّدة ومختلفة.
ومن الذين حافظوا على حرية أكبر أولئك الذين لا ينتسبون إلى جماعة المقرئين وخاصة مفسر القرآن البغوي (ت: 510/516) ومثله الزمخشري (ت 538). ما هو نظام القراءات السبع الذي ذكرناه مرارًا وتكرارًا؟
ثمّة كتب متعدّدة تتناول القراءات هذه التي ازدهرت في القرن الخامس الهجري، منها أبو طالب القيسي (ت 437) صاحب كتاب (التبصيرة) ، وهو عبارة
عن كتاب مختصر للمبتدئين وللحفظ غيبًا حول الروايات الأربع عشرة المشهورة، بل الأربعين رواية، ودعم إسناداتها بتفصيل واسع وبيانات مختصة بالتراجم، ومن هذه الكتب كتاب (الكشف) لأبي عمرو عثمان الداني (توفي 444). ويستخدم ابن الجزري في كتابه (الطبقات) كشاف مختصرات لوضع ما يرد فيه من أسماء القراء.
والقراء السبعة هم في الحقيقة رواة، عددهم أربعة عشرة، تجمعهم سبعة أنماط من أنماط الرواية والقراءة، واضحة المعالم، تركز على أصول للقراءة، والنطق، والاستعاذة، والتسمية، والقراءات المختلفة للفاتحة تشمل:
الإدغام الكبير للحروف المذكر الساكنة المفصولة بحرف مد.
هاء الكناية؛ اللاحقة للغائب المفرد المذكر.
المد.
قواعد الهمز .
ما يسمى الإدغام الصغير (للحروف الساكنة المتماسة).
الإمالة (بما في ذلك ميزة الكسائي بنطق نهاية التأنيث (-ة).
نطق حرف الراء واللام.
الوقف هنا أيضًا (رَوْم وإشمام).
السكوت القصير (سکوت، سكت).
نطق لاحقة المتكلم المفرد ك- ( -يْ ) أو (-يَ).
11.معالجة الياء المكتوبة بتعريف ناقص.
ثالثًا: مخطوطات القرآن
تستند أبحاث كتاب (تاريخ القرآن) على تراث استشراقي، وأدوات بحث ومواد مستعملة متوفرة في البلدان الغربية والشرقية.
إن استناد وتركيز المستشرقين نولدكه وأتباعه على ما يسمى بالقراءات الشاذة، ليس مسألة نظرية، وإنما تعتمد على الاطلاع ومعاينة مخطوطات غير عثمانيّة متعدّدة متوافرة في المتاحف والمكتبات الغربيّة المختصة.
ويعتمد علم القراءات على المخطوطات القديمة للقرآن الكريم، وإن كانت تقتصر على بداية القرن الرابع الهجري.
وقد أقرت الأكاديميّة البافاريّة في ألمانيا للعلوم في مونيخ عاصمة ولاية بافاريا خطة لجمع أكبر قدر ممكن من مصورات مخطوطات القرآن القديمة التي وصلتنا، ومهدت بذلك لأول مرة لبحث مادة هذه المصادر المهمة.
والمجموعة الأكثر ثراء، مع ذلك، والتي ترتكز عليها أبحاث القرآن المخطوطة متوافرة في مدينة إسطنبول، في تركيا، وقد أضيفت إليها كافة المصاحف الكوفية الموجودة في مكتبات المدينة العريقة. وتوجد مجموعة أخرى في متحف الأوقاف، كانت تضم في الأصل 16 نسخة، يضاف إليها بعض موجودات مكتبات المدينة. وتضم المكتبة الوطنية في باريس مجموعة قيمة من أجزاء القرآن الكريم القديمة التي تتميز بتعدد أنواع خطوطها. كما توجد مجموعة من المخطوطات القديمة جدًا في المكتبة المصرية في القاهرة وفي جامع الأزهر. وثمة نسخ قيمة من القرآن موجودة في المغرب. وتضم مكتبات غربية مختلفة مجموعات كبيرة وصغيرة ( غالبًا أجزاء) في المصاحف.
خلاصة
يدفع تمسّك الباحث نولدكه وتلاميذه بالكلمة موضوعًا للبحث وركيزة له في آنٍ إلى عدم الالتفات إلى معايير أُخر، كتلك التي تلعب عادةً دورًا مهمَّا في التعاطي مع الكتب المقدسة. وهكذا لا يعتبر نولدكه وأتباعه من العلماء القرآن كتابًا منزلًا، بل نصًّا وضعه النبي محمّد نتيجة إلهام، متفاعلا مع الأحداث والتطورات الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي واجهها خلال سنين بعثته.
والحق أنهم اعترفوا بنبوّة الرسول، واعتبروه نبيًّا حقًّا، لا شك في صدق الخبرة الدينيّة الخاصّة التي عاشها والتي يعبر عنها القرآن الكريم أحسن تعبير. وشدّدوا في أكثر من سياق في الكتاب، على أن النبي كان مستغرقًا تمامًا في الدعوة التي آمن بأن الله اصطفاه من أجل تبليغها، وأنه كان مغمورًا بالحماس الشديد من أجل هداية قومه إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، لكنهم فسّروا النبوة والرسالة تفسيرًا وضعيًّا، باعتبارها (ملكة إنسانيّة) وليس إلهيّة.
يتبنى نولدكه، في الجزء الأول، التقسيم المعهود للقرآن إلى مكّي ومدني. لكنه يوزّع السور المكية على فترات ثلاث، معتمدًا على صفات أسلوبية ومضمونية تجمع بين سور المجموعة الواحدة. فهو يصف سور الفترة المكية الأولى بأنها تتميّز عن سواها بقصرها، وبلغتها الشعريّة التسبيحيّة، وورود الكثير من الأقسام (جمع قسم) فيها، تهدف إلى تثبيت مضمون الرسالة وإقناع المشركين بها. ويميز سور الفترة المكية الثانية تحول في الأسلوب: إذ يغلب عليه طابع الوعظ والإنذار؛ وتظهر في هذه الفترة مقاطع طويلة، تسترجع أحداثًا وشخصيات من الكتاب المقدس، مبرزة إياها أمثلة على صدق الله في وعده ووعيده. أما سور الفترة الثالثة فلا تختلف كثيراً، من حيث الأسلوب، عن سور الفترة السابقة، لكنها تتميز بشدة لهجة الوعيد والتهديد الموجه ضد الكافرين. يبقى التحول الذي حدث في رسالة النبي محمّد بعد الهجرة إلى المدينة المنورة من دون تأثير واضح في السور التي نشأت هناك، فهذه تتصف بالتزامها المضموني بشؤون جماعة المؤمنين الناشئة، وبإعلانها الشرائع والتنظيمات لوضع أسس المجتمع الجديد.
ما يزال الترتيب الذي وضعه نولدكه للسور القرآنيّة معتمدًا في معظم الأوساط العلمية المتخصصة في الغرب، على الرغم من قيام باحثين آخرين، مثل الإنكليزي بل والفرنسي بلاشير، بمحاولات مماثلة، لا تتصف بالقدر نفسه من الرصانة والتحصين.
أمّا الجزء الثاني من الكتاب، فيعالج مسألة جمع القرآن الكريم، معتمدًا على الروايات المتوارثة، مقارناً بعضها ببعضها الآخر في دقة، ومستخلصًا منها النتائج.
وهو يناقش مسألة الجمع الأول الذي قام به زيد بن ثابت وسواه من المصاحف التي سبقت مصحف عثمان. ثم يتناول نشوء مصحف عثمان بدراسة مفصلة للروايات، عارضًا ترتيبه، ومعالجًا البسملة وفواتح السور. كذلك، يتطرق إلى ما يقال عن تحريف بعض المواضع، ثم يورد (سورة النورين) المنحولة، مناقشًا مضمونها.
ويعالج الجزء الأخير تاريخ نص القرآن، مناقشًا أهم خصائص الرسم في مصحف عثمان، ومقارنًا إياه بصيغ وقراءات غير عثمانية. ثم يتناول بالتفصيل أنظمة القراءة وأشهر القراء، ويعرض أم المصادر التي تعنى بهذا الموضوع. وينتهي الكتاب بعرض لأهم مخطوطات القرآن التي كانت معروفة لدى الباحثين آنذاك.
يتصف البحث بالجهد الدؤوب، والعميق، بحسب مقتضى المنهج النقدي التاريخي لكنه ينطوي على تجنيات كثيرة على الإسلام ونبيّه.
ويحمل الكتاب، ولا سيّما في جزئه الثاني، تقاطبًا لا بدّ هنا من الإشارة إليه. فهو يصف، على عادة أهل عصره، الأبحاث العلميّة التي أنتجها البحاثة الأوروبيّون بأنها أبحاث (مسيحيّة)، مقابلاً بينها وبين الأبحاث (المحمّديّة) أو (الإسلاميّة). وهو، إذ يذكر في صراحة تفوق الأبحاث الأوروبيّة من ناحية المنهجية، لا يفوته في الوقت نفسه أن ينوه إلى تميز البحاثة المسلمين العرب على سواهم في مجالات أثيرة لا يستطيع أقرانُهم في الغرب أن يجاورهم فيها.
ما الغرض من الكتاب؟
الغرض من الجهد العلمي الذي يضم هذا الكتاب ونتائجه الحط من قدر القرآن الكريم والنبي محمد. إنّه، محاولة علمية لاستكشاف مضامين فيلولوجيّة (لغويّة مقارنة) في الكتاب العزيز، بواسطة ربطها الوثيق بشخص النبي ودعوته. وهذا يقتضي معالجة نص القرآن كما وصلنا، مع طرح التساؤلات حول الظروف التاريخية التي أحاطت بنزوله وروايته عبر التاريخ لكن النتائج المستخلصة (إيديولوجيّة)، وأوروبيّة - مركزيّة معادية ومضادة للإسلام.
والبحث العلمي لا ينطلق إلّا مما يستطيع العقل البشري أن يدركه وأن يقبض عليه بمفاهيم. فما لا يُفهم، يمتنع القبض عليه بالأدوات العقلية. إنّه، إذًا، موضوع إيمان أو شعور. كذلك مسألة الوحي، الذي يأتي بشرًا (مصطفين) بكلام الله، تتعدى نطاق قدرة العقل البشري - فهي موضوع إيمان. أمّا العلم فيتعاطى مع ما يمكن القبض عليه بالفهم؛ لذا يحاول أن يفسر ظاهرة النبوة بطريقة قد لا تتفق ومعطيات الإيمان. وهذا ما وقع فيه المستشرقون في قراءة وكتابة تاريخ القرآن.
وقد سبق للفلاسفة المسلمين، على سبيل المثال، أن حاولوا فهم ظاهرة النبوة من خلال أنسنتها، فشرحوا نشوء النبوات بواسطة مفاهيم أرسطوطالية وأفلاطونية محدثة. هكذا يعالج واضعو هذا الكتاب القرآن الكريم من منظور علمي نصاً، يقرأ ويكتب، وقد بلغه النبي محمّد إلى أتباعه المؤمنين. الكلام الإلهي يتخذ حروف لغة بشرية، وينطق به بألفاظ بشرية: فهو جامع للبعدين الإلهي والبشري معًا. وإذا كان العالم يتعامل والقرآن الكريم وكأنه كتاب بشري فقط، فهذا يشكل نوعًا من الخلط ما بين الحكم المتيافيزيقي الديني ومقتضياته والحكم العقلي الوضعي ومقتضياته الذي لا يتعاطى إلّا مع ما يمكن للعقل أن يحيط به. أما كون القرآن ما الله کتاب الله الذي نزل حرفيًّا على النبي محمّد صلّی الله علیه و آله فهو موضوع إيمان.
على الرغم من تركيزه على أهمية التوافق بين النص والحدث التاريخي، لا يخفي نولدكه اقتناعه بأن الكثير من الأحداث التي جرت في أثناء رسالة النبي محمّد صلّي الله علیه و آله لم تعد ممكنة إعادة تركيبه في دقة، وبأننا لا نستطيع أن نعرف ماذا جرى في ذلك الحين فعلًا. التمسك بالتاريخ هو في هذه الحال، تمسك منهجي، يهدف، من خلال إقامة صلة سببيّة بين الحدث والنص. يمكن وصف هذه المنهجية بأنها محاولة مبدئية للعودة إلى ما قبل النص، إلى البدء، حين كان القرآن، بعدُ، في وضع المنطوق به، كلامًا حيًّا (معاشًا) يُتلى ويُعاد ويُحفظ، قبل أن يُدوّن ويصبح مصحفًا.
يتمسك نولدكه بالنص، كونه محسوسًا ملموسًا، ويعامله بصورة منطقية وضعية؛ لكنه يبدو، في الوقت نفسه، لا منطقيًّا متحسّسًا لما هو وراء النص، أي لما
يسميه اليوم مفكرون مسلمون حداثيّون، مثل محمّد أركون ونصر حامد أبو زيد، (الخطاب) الذي تولَّد منه القرآن. البحث عن بدايات الوحي محاولة أولى للتفتيش عن عناصر هذا (الخطاب) التفاعلي الذي تم في حياة الرسول وجماعة المسلمين الأولى. وإعادة وضع النصوص في سياقها التاريخي الحي سعيًا إلى استجلاء الخطاب الذي جاء بها؛ وهو خطاب مزدوج: فالوحي خطاب (عمودي) يجمع بين الموحي والموحى إليه؛ وهو، في الوقت نفسه، خطاب (أفقي) أيضًا، عندما يصير الوحي حقيقة في التاريخ، في تفاعل مع البيئة التي تمّ فيها. وهو خطاب تزامني- تطوري وهو الأمر الذي أهملته هذه الدراسة.
يبقى أن نذكر، أخيرًا، أنه خلال إحدى دورات معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت منذ سنوات، وبعد أن وُزعت نسخ من (تاريخ القرآن) في المعرض مجانًا، أصدرت المديرية العامة للأمن العام اللبناني، بناءً على طلب تلقّته من دار الفتوى في بيروت، قرارًا يمنع تداول الكتاب، وسحبه من المكتبات، باعتباره، كما جاء في طلب المرجعية الدينية (يثير النعرات الطائفيّة).
كما أن أحد المواقع الإلكترونيّة أورد خبرًا عن أن الأستاذ عمر لطفي العالم من طرابلس الغرب قد ترجم الكتاب إلى العربيّة، ويتوقع كاتب الخبر أن تكون ترجمة (العالم) أفضل من الترجمة المتداولة، وأدق، لعلم العالم الممتاز باللغة الألمانية، ولتمرسه بالترجمة عنها، إضافةً لمعرفته الممتازة بالعلوم الشرعية.
غير أن النتيجة - بالنسبة للمؤلف والمؤلفين واحدة وهي القراءة غير الموضوعية للقرآن والإسلام.
لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
تيودور نولدکه، تعدیل: فريدريش شفالي، ترجمة: د. جورج تامر بالتعاون مع فريق عمل الناشر: منشورات الجمل كولونيا - ألمانيا . الطبعة العربية : 2008 - اعتمادًا الطبعة الرابعة لا يبستغ.
سید مجید بور طباطبائي (1)
المقدمة
يعدّ إجناتس جولدزيهر المستشرق الهنغاري الشهير من المستشرقين اليهود، وكان له تأثيرٌ كبير في بثّ الشبهات وترويجها ضدّ الإسلام والرسول صلّی الله علیه و آله والقرآن والأحاديث في العالم. ولد في يونيو عام 1850 م ، وتوفي في 71 من عمره عام 1921م.
اعتمد في أبحاثه القرآنيّة على «تئودور نولدكه» في كتابه (تأريخ القرآن). وكانت بحوثه الأصليّة في علم الكلام والعقائد ودراسة الفِرق والدراسات القرآنّية، وقام برحلات علميّة إلى بعض الدول الإسلاميّة، ومنها سوريا ومصر، وتتلمذ على يد كبار المفكرين المسلمين وتعلّم اللغة العربيّة وتلقّف العلوم الدينيّة(2).
في هذه المقالة وبعد تبيين ميوله اليهوديّة، نتعرض إلى حياته العلميّة (يشتمل دراسة كتاب العقيدة والإسلام ومذاهب التفسير الإسلامي، والظاهريّة، والمذهب، والتأريخ ، وغيرها) وسندرس نماذج من أهدافه ومما كان يروم إليه. وسوف ندرس تعارضه مع رسول الله صلّی الله علیه و آله وشبهاته حول الوحي بإذن الله تعالى.
إجناتس جولدزيهر (1)
جاء في الترجمة اسمه على صيغة جولدسيهر أيضاً
، -المستشرق الشهير الهنغاري - ولد في 22 يونيو عام 1850 في مدينة «اشتلونيزبورغ» في هنغاريا في عائلة يهودية شهيرة وثرية(2).وفي 12 من عمره كتب مقالة في الصلاة والدعاء، أظهر بها نبوغه الذاتي. تتلمذ في «بودابست» على يد وامبري(3)وذهب إلى برلين في عام 1869 وتتلمذ على يد رودريجر (4)، وكتب رسالة دكتوراه حول تفسير عربي للتوراة يرجع إلى القرون الوسطى، باسم تنخوم أو شليعام 1870 وتحت إشراف فيلشر (5)(1801-1888) في لايبزيك وفي عام 1871 و بمساعدة بارون جوزف ألتوس دخل جامعة بودابست ودرّس فيها العبريّة والعربيّة.
نال مرتبة المعيد في جامعة بودابست عام 1872 ، ولكن لم يمضِ طويلًا حتّى أرسلته وزارة الثقافة الهنغاريّة في بعثة للمطالعة إلى الخارج، وبقي سنة منها في وین وایدن، وذهب بعدها إلى الشرق، من أيلول إلى نيسان عام 1873 بقي في القاهرة وسوريا وفلسطين، في المدة التي قضاها في القاهرة استطاع حضور بعض المجالس الدراسيّة للأزهر، وكان ذلك بالنسبة لرجل مثله يعدّ فضلًا كبيرًا وامتيازًا عظيمًا. فإنّ اهتمامه مذ دعي للتدريس في بودابست للمطالعة العربية عمومًا وبالإسلام خصوصًا كان يزداد يومًا بعد يوم، والتي أكسبته شهرة في وطنه. في عام 1871 انتخب عضواً تابعًا للأكاديميّة الهنغاريّة وبعدها عضواً ثابتاً فيها وفي عام 1907 انتخب مسؤولًا لأحد أقسامها، وفي عام 1894 بعد أن انتخب لتدريس اللغة السامية لم يغادر بلده ومدينته بودابست إلّا للمشاركة في المؤتمرات أو حين كان يدعى لإلقاء المحاضرات في الجامعات.
وعلى قول «بكر»، أنّه وبمساعدة أسنوك هور جرونية (1)كانا قد أسّسا علم دراسة الإسلام. الحرب العالميّة الأولى أخلّت حياته العلميّة، وبالرغم من أنّ دراسته كانت باللغة الألمانيّة وأنّه كان يألف الثقافة الألمانيّة إلّا أنه لم يستطع التّخلّي عن وحدة التّواصل الثقافي للأمم . وحتى بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى وعدم حصوله على المجلات العلميّة كان يشكو حرمانه من غذائه الروحي في مراسلاته مع زملائه والتي أشار إلى بعضها ماسينيون(2).
ولمدّة 30 عامًا كان الأمين العام لجمعيّة التجدّديّة اليهوديّة «بودابست»(3).
جولدزيهر وبسبب قراءة التوراة في شبابه كان من المشجعين لنظرية ولهاوزن (4)القائلة إنّ «عدم تجانس الأجزاء الأصلية للتورات» وبعدها مال إلى نظريّة مارنست رنان القائلة ب- «الثقافة والحضارة النازية هي أسمى من السامية».
وفي أواخر حياته خلُص إلى هذه النتيجة: «إن سلمنا بنظريتي ولهاوزن ورنان بخصوص أنّ «التوراة» هي مجرد أُسطورة، تبقى التوراة المقدسة أثرًا فنيًّا» (5)
إنّ روزن (Rose) واسنوك (nouck) بدراسة كتاب أساطير اليهودية توصلوا الى:
إن جولد زيهر قد أفرط في الإنحياز إلى اليهود. (ماسينيون، نفس المصدر)، ولهذا قد نقلت مكتبته الخاصة إلى فلسطين المحتلة.
ويكتب بابينكر بهذا الخصوص في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب دروس حول الإسلام:
A. S Yahuda the goldziher library in the jevish chronicle supplement.
مع الأسف إن المكتبة الفريدة لجولد زيهر ليست بمتناول القارئ الأوروبي، حيث قد نقلت إلى أورشليم.
في تاريخ 25 آورين 1924 الرقم 40 ص 4 إلى ما بعدها، وكذلك من قبل الكاتب نفسه.
Die bedeutung der golziherschen .
Bible athek أهمية مكتبة جولدزيهر في darjuge الناشر N. Buberالسنة الثامنة، برلين. 1924 ص 575 ال 592 (جولد زيهر 1400 ه-. ق ص 35)
.وصلتنا آثار مختلفة من هذا المستشرق (1)
«آثاره: وفيرة منوعة نفيسة عن الإسلام، وفقهه، والأدب العربي، اشهرها بالإنجليزية (ليزيج 1870) وآداب الجدل عند الشيعة، بالألمانية (ليزيج 1874) والأساطير عند اليهود (ليزيج 1876 ، ثم ترجمه إلى الإنجليزية 1877) والإسلام، بالألمانية وهو كتاب لم يضاها حتى الآن على ما فيه من هفوات في مقارنة التوحيد (بودابشت 1881 - هايدلبرج 1910 ثم نقله أرن إلى الفرنسية، بإشراف المؤلف بعنوان : العقيدة والشريعة في الإسلام، باريس 1920، ثم نقله إلى العربية الدكتور محمد يوسف موسى والأستاذ عبد العزيز عبد الحق، ودرس في الإسلام، في جزءين كبيرين (هاله 1885- 90) وبحث فلسفي في فقه اللغة، بالألمانية، في مجلدين (ليدن 1896) ونشر ديوان الخطيئة، بشرح السكرى متنا وترجمه وعلّق عليه (ليزيج 1893) ونقل إلى الألمانية كتاب توجيه النظر إلى علم الأثر لصديقه الشيخ طلهر الجزائري (1898) ونشر كتاب المعمرين للسجستاني (ليدن 1899) والعقائد والشرائع عند المرجئة (1899 والقدرية والمعتزلة 1896) و جزءً كبيرًا من كتاب المستظهرية في فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية للغزاي بمقدمة في 81 صفحة (ليدن 1906 ، ثم كتب عنه بالألمانية فصلًا في 112 صفحة) ومن بحوثه الممتعة: مقالة في كتاب اسرائيلي في أسماء الله الحسنى (ليزيج 1893) وتفسير بعض آيات الله السريانية التي وردت في القصيدة الجاجوقية (الدراسات الشرقية لنولدكه 1906) . ودواوين القبائل (انجلة الآسيوية البريطانية 1897) والخطيب عند العرب (الصحيفة الشرقية لفينا 6، 97) والتقية في الإسلام (ملحق المجلة الشرقية الألمانية 1906) وفي المجلة الشرقية الألمانية: ديوان الحطيئة، والكتابة في الجاهلية، وأمثال العرب والصحيفة الكاملة المنسوبة إلى زين العابدين، والشيعة، وكتاب الملل والنحل، وفتوى من الفتاوى، وابن ابي العقب (1897-1921) وله بالفرنسية: رسالة في السامري، وعجل الذهب (المجلة الإفريقية، ثم على حدة) ومنوعات يهودية عربية. (مجلة الراسات اليهودية 1906) والحدث في الإسلام ( الدراسات الاشورية (1909) ونبذة عن إيمان العرب (منوعات دينبرج 1909). وفي الإسلام: اخوان الصفا (1910) ومربع (1911) وفخر الدين الرازي (1912) ورسالة الحين ابن منصور الحلاج، نقد فيها كتاب الطواسين لماسنيون بأسلوب لم يسبق إليه (1913) والبخاري (1915-16) والمعتزلة والمترادفات العربية (1918) (1915-16) وأسماء العرب (1928) . وفي غيرها تكريم الأولياء في الإسلام (عالم الإسلام 1911-212) ودراسة عن النبي (انجلد الآسيوية البريطانية 1912) والإجماع (مجمع علوم الفلسفة والتآريخ 1916) وعيادة المريض (الدراسة الآشورية 1918 - 19) والبدعة (نشرة الدراسات العربية 1942)»
، بعض كتبه ومقالاته وجهت إليها الأنظار والانتقادات منها:إنه في هذا البحث قد ذهب إلى النهج نفسه الذي أشرنا إليه وبين مدى رقيّه وتكامله، ومن ثم تطرق إلى نشوب المباني الظاهرية إلى الأبحاث الكلامية بعد إن كانت في الأبحاث الفقهية، وتطبيقها على العقائد المذهبية على يد ابن حزم، وقد رسم مخططاً بيانياً لسيرة تكامل المذاهب الداخلة في هذه الحدود إلى أن تصل إلى زمن تيميه والمقريزي.
ما زاد من أهمية هذا الكتاب إن كثيرًا من مصادره كانت لم تطبع بعد؛ حيث كان يجب مرور خمسة أعوام ليطبع كتاب كبير في الأبحاث الإسلامية وخصوصاً الحديثة.
القسم الأول من هذا الكتاب قد نشر باسم «دراسة عن المحمدية» في عام 1889 وقد نشر القسم الثاني بعد سنة منها.
في القسم الأول حديث عن عبادة الأصنام والإسلام وهي قراءةٌ جديدةٌ عما هي عليه الحال المعاصريه من المستشرقين امثال ولهاوزن وآخرين غيره:
إن حمية العرب في عبادة الأصنام لم تقم ضد العرب وحسب، بل كانت ضد المسلمين الأعجميين أيضًا، جولدزيهر يدرس بمهارة الصراع بين حمية العرب عبدة الأصنام المتميزين بخصائص الرجولة والأرستقراطية والعنصرية العربية والتكبر على الآخرين وبين الروحية الإسلامية الديمقراطية القائمة على المساواة «لا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى»، وهذا النزاع الصعب أدى إلى تحطيم حمية الجاهلية العامة للأصنام والأرستقراطية العربية وانتصار الديمقرطية الإسلامية، ولكن لم يمض طويلًا لعودة النزاع نفسه، هذه المرة بين نفسية النازية والفارسية، بين الوحوش المنتصرين والمتمدنين المغلوبين، هذه المرة ايضًا كانت الركسة في العرب. وبقي انتصار العرب مقصورًا على اللغة والشعر والفقه شيئاً ما.
على نقي منزوي يعتقد أن القسم الثاني من الكتاب الذي تضمّن أبحاثاً حديثية هو الأكثر أهمية من القسم الأول، أنه يضيف: «أن القسم الثاني من الكتاب هو أكثر أهمية من القسم الأول وخصوصًا نصفه الأول حيث تضمّن أكبر تحقيق لدراسة الحديث والذي يعد مقدمة للأبحاث المتسلسلة التي جاءت بعده إلى يومنا هذا، جولدزيهر في هذا القسم كانت له نظرة دقيقة في ترسيم معالم التأريخ الحديث وتطوره، فلم يقيّم الحديث بعنوانه حقيقة بحتة، بل بعنوانه مرآة تعكس الحركات السياسية والمذهبية ومعنوية المجتمع الإسلامي، حيث كان الحديث سلاحاً تتخذه الفِرق المذهبية الإسلامية في صراعاتها المذهبية والتشكلات والنزاعات السياسية لتنتصر وتتفوق على بعضها معنوياً، ولذا فإنّ قيمة الحديث ليست في محتواه، بل في مفردات الحديث التي تترصد إليها الفرق لتلبي مآربها.
بكر في مقدمة لطبعة عام 1925 (دروس) يقول أن اكتشاف هذه القراءة والتي بانت الآن للجميع ما هي إلّا حصيلة عبقرية کلدزیر، ويرى دليلاً آخر لنبوغ جولدزيهر وهو في القسم الثاني عندما تحدث بخصوص تقديس «الأولياء» في الإسلام وماهية هذا التقديس ويبين الرابطة بين هذه العقيدة وعقيدة الوثنيين في الجاهلية، كما صنّف الأولياء جغرافياً وتحدث عن مختلف الأولياء
(المجلد الرابع لنشر موقوفه «د. كويه»). لقد اختار المترجم الإيراني لهذا الكتب اسم «درسهايي در بارۀ إسلام» أي: دروس حول الإسلام
3) هذا العنوان ترجمة لكتب مذاهب التفسير الإسلامي
4) جولدزيهر في كتابه هذا لم يُشر إلى مذهب الظاهرية فقط بل درس المذاهب الفقهية المختلفة في الإسلام وبيّن اختلاف مناهجهم مع الظاهرية كما تحدث عن وجوه التشابه والاختلاف بين هذه المذاهب وتعرض إلى السيرة التأريخية لمذهب«الظاهرية» ويستشهد في كتابه بمصادر لم تطبع ،بعد، ومن هذه الزاوية تتبين أهمية الموضوع حيث قال منزوي بهذا الخصوص: «إن أول تحقيق قيّم قام به كلديرن في دراسة الإسلام هو كتاب (الظاهرية مذهب وتأريخ) الذي طبع في عام 1884 ، على الرغم من أن عنوان هذا الكتاب يختص بمذهب الظاهرية؛ ولكنه في الحقيقة دراسة قيمة لتأريخ الفقه. كما درس فيه مذاهب قد انقرضت ولم يعد يذكر لها أتباع ولم يتحدث عنها أحد لفترة طويلة. إنّه هنا قد درس تأريخ الفقه وأصول المذاهب الفقهية وتحدث عن الإجماع والخلاف بين زعماء المذاهب ومدى الرابطة بين المذاهب الأربعة والظاهرية وعن وجوه الاختلاف وخلص إلى قراءة كلية لماهية الفقه.
1) هذا النص قد طبع في نشرة وقد عربها عبد الرحمن بدوى في نشرة كما أوردها في كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية.
جولدزيهر وقع في خطأ كبير لا يتوقع للمستشرقين الذين يفقهون اللغة العربية حيث انه يسعى في هذه المقالة أن يثبت أن أمة الشيعة ككبار علماء السنة خالفوا «المنطق اليوناني» ويستند إلى رواية عن الإمام الصادق علیه السّلام في أصول الكافي (ر.ك: الحسيني الطباطبائي 1375ه-.ش-1418ه-. ق، ص107)، بالإضافة إلى أنه طبع فصولًا من كتاب فضائح الباطنية أو المتظهرية من تأليف أبو حامد الغزالي عام 1916 كتب مقدمة لكتاب التوحيد من تأليف محمد ابن قومرت (الملقب بالمهدي) مؤسس دولة الموحدين في المغرب وكذلك كتب ملحقاً في كتاب المعمرين من تأليف أبو حاتم السجستاني وطبعه. وتوجد مقالات أخرى قد طبعت أهمها فى موسوعة الإسلام (ET)
1 - 2. المحاضرات حول الإسلام
جمع «جولدزیهر» هذه المحاضرات على شكل مجموعة كاملة، ونشرها في کتاب مستقل، تُرجم إلى الإنجليزية وطبع في أوروبا (1)، وكذلك نال الاهتمام في المشرق الإسلامي، فقد ترجمه ثلاثة من المصريين بعنوان «العقيدة والشريعة في الإسلام» وعلّقوا في حاشية بعض صفحاته وردوا رأيه فيه. هؤلاء الثلاثة هم: محمد يوسف موس،ى وعبد العزيز عبد الحق، وعلي حسين عبد القادر. كان نقدهم وبسب كونه مختصرًا لم يرضِ العالم المصري المعاصر، الأستاذ محمد الغزالي في كتابه تحت عنوان «دفاع عن الحقيقة والشريعة» ردًّا على جولدزيهر، وجاء في مقدمته: «في الحقيقة أن هذا الكتاب «قول جولد زيهر» هو أزرى ما كتب حول الإسلام ومن أبشع ما طعن بالإسلام وإن التعليقات التي جاءت في حاشية بعض صفحاته ما هي إلّا محاولات واهنة أمام التيار الجارف للتهم والظلم التي جاءت به»(2).
ومن ثم ترجم علي نقي منزوي الكتاب العقيدة والشريعة في الإسلام» من العربية إلى الفارسية بعنوان دروس» من الإسلام» حذف منها تعليق الأستاذ المصري وأضاف تعليقاته عليه.
1-1-2 . دراسة الكتاب ونقده:
ذكرنا أنّ جولد زيهر كان متتبّعًا جدًّا لكتب ورسالات المسلمين وأن آثاره حافلة بالاستشهاد بالمآخذ الإسلاميّة، ولكنّه للأسف لم يكن حسن النيّة في ذلك، وفي موارد لم يفهم التعابير العربية الواضحة ونسبها إلى معانٍ غير صحيحة ويليق بالبحث التطرق إلى نماذج من زلّاته.
يقول جولد زيهر بخصوص وعد الله لنبيه صلّی الله علیه و آله نصرته وأصحابه: «هنا نرى التيه
الأسطوري لتصور محمد من «الله»؛ لأن ذلك يتطلب لأن ينزل تعالى من مقامه السماوي الرفيع ليشارك وينصر نبيه في جهاده»(1).
ومن الممكن أن يتساءل بعضهم أنّ جولدزيهر من أي آية جاء بالتصور الأسطوري ؟ الجواب واضح أن جولدزيهر في نفس الصفحة من كتابه(2)يستشهد بهذه الآية: «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ»(3)، أمن الحقيقة أنّ دلالة هذه الآية أن الله ينزل من السماء ويشترك بالحرب؟
يبدو أنّ جولدزيهر حينما كان يقرأ هذه الآية، كان قد تأثّر بكتابه الديني «التوراة» وقد فسّر القرآن بالقراءة المستشرقة اليهودية؛ وذلك لأنّنا نقرأ في التوراة:
إن الله في النهار يتقدّم القوم بعمود من السحب ليدلهم الطريق وفي الليل كان يتقدّمهم بعمود من نار لينيرهم ليسيروا في الليل والنهار»(4)
«إنّ الله ألقى بنظرة من عمود النار والسحاب على معسكر المصريين وأفسد غراباتهم حتى قال المصريون: انهزموا فإنّ الله يقاتل مع بني اسرائيل وهو خصمنا»(5).
إنّ آراء جولد زيهر متأثّرةٌ بما تصف التوراة الله به، وإلّا فإنّ الله الذي يصفه القرآن لا يدرك كنهه أحد، نقرأ في القرآن: «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا«(6)، «أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحيط»(7)«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شي»(8). فبالقطع إذا تحدّث القرآن المجيد عن دفاع الله، فمن البديهي أن دفاعه تعالى لا يشبه دفاع الناس عن بعضهم،
وإنّما هو في زرع الثبات في قلوب المؤمنين: «أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين»(1)، وزرع الخوف والرعب في قلوب الكافرين: «سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الدِّينَ ر كَفَرُوا الرُّعْبَ»(2)، وأمثال تلك الطرق لنصرتهم لا أن ينزل من السماء ويشاركهم القتال! وفي الحقيقة أنّ الأنس الذهني للمستشرقين الهنغاريين ب- «التورات» جعلهم يحمّلون الآية هذا المعنى وأن ينسبوه للنبي محمد صلّي الله علیه و آله.
وفي نموذج آخر كان جولدزيهر على عقيدة أن النبي لم يعرّف الكتاب بأنه «أُسوة» للمؤمنين، ولكن علماء علم الكلام هم من وضع ذلك قائلًا: «علم الكلام هو من حقق ذلك بترسيم صورة اجتماع الفضائل في النبي، لا من كان مجرّد وسيلة لتلقي الوحي ونشره بين الناس. وبالرغم من أن النبي هو لم يرد ذلك فقد قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا»(3)، وهذا يعني أنّه مجرد من يهدي إلى الطريق لا أفضل أُسوة أو على الأقل أنه لا يكون أسوة إلّا في ظل ذكر الله والتعويل عليه تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ»(4).
كما نلاحظ، أن جولدزيهر في آخر المطاف نراه وقع في ضيق؛ إذ رأى أنّ صريح القرآن في نفس السورة التي يصف بها النبي صلّی الله علیه و آله بأنّه شاهدٌ ومبشرٌ ونذير وداعٍ إلى الله وأنّه السراج المنير وصفه بأنّه «أسوة حسنة»، ولكن جولدزيهر أنكر هذا الوصف القرآني، ولكي يتمسّك بمخرج من ذلك أضاف أنّ النّبي من رؤية القرآن يكن أُسوة إلّا في ظل ذكر الله والتعويل عليه، وذلك كلّه بسبب جهله باللغة العربية؛ وذلك أنّ القيد في الآية يخصّ الذين يجب عليهم أن يجعلوا النّبيّ أُسوة لهم ولا تخص النبي صلّی الله علیه و آله! وذلك من صيغة التي جاء بها الشرط في الآية المباركة (لمن كان يرجو الله) لا (إن كان يرجو الله)، فإنّ أصل الآية كما جاء في القرآن
الكريم «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا» (1)، فإن «لمن كان يرجو الله» بدل من «لكم» وكما أوردها الزمخشري في تفسيره الكشاف « لمن كان يرجو الله بدلًا من لكم كقوله: للذين استضعفوا لمن آمن منهم»(2).
ولنفرض صحة ما ذهب إليه جولدزيهر «إن النبي إن ذكر الله كثيرًا وعوّل عليه فيكون أُسوة حسنة»؛ أما كان الرسول صلّی الله علیه و آله معوّلًا على الله في كل أموره ألم يكن أكثر ذاكر لله تعالى؟! أو ليس من صريح القرآن «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم» (3)، وقال: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ» (4)وقال: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (5)كيف يسمح جولدزيهر لنفسه أن يتقول بهذه الأقاويل؟! وماذا كان يروم من إن القرآن لم يجعل النبي أُسوة للمؤمنين (6)
ايازي أيضًا في مقدمة كتاب النزعات التفسيرية بين المسلمين حين دراسة الكتاب المذكور يؤكد أن من دون دراسة كتاب محاضرات حول الإسلام (أو كما يزعم دروس حول الإسلام لا يمكننا الحكم على كتاب النزعات التفسيرية بين المسلمين
؟! .السيد محمد أيازي يقول في هذا الكتاب: «قبل أن نحكم على (مذاهب التفسير الإسلامي) والذي هو من آثاره المتقدمة، يجب أن نلقي نظرة وجيزة على كتاب «العقيدة والشريعة» لنعلم ما هو نهج المؤلف الكلي وما كان يرمي إليه من قبوله المحاضرات باريس وتنظيمها بشكل مكتوبات إلى مخاطبيه.
كما يبدو أنّ الأصول والأطر الفكريّة لتفسير القرآن لجولدزيهر مبنيّةٌ على أساس مثل هذه الدّراسات الإسلامية. فإن كان في كتاب «مذاهب التفسير» يبين آراءه من
1) سورة الأحزاب، الآية 21
2) الزمخشري بلا تاریخ، ج 3، ص 531، ذيل الآية 21 من سورة الاحزاب
3) سورة القلم، الآية 4
4) سورة آل عمران، الآية 31
5) سورة الأعراف، الآية 158
6) الحسيني الطباطبائي يكتب بخصوص آراء جولدزيهر: «كانت الفرضيات والنظريات تجول في ذهن جولدزيهر ولذا كان يبحث في المتون الإسلامية ليتشبث بنص ليثبت نظرياته ولذا تارة وقع في خطأ وتارة خطأ في فهمه للنص العربي وتحدث بكلام لا يناسب النص (الحسيني الطباطبائي، المرجع نفسه).
خلال الاستشهاد بآراء الآخرين، فإنه في هذا الكتاب يطرح آراءه بشفافية أكبر(1)
ففي المعمول عندما يريد المحققون تقديم بحث ما يجب في البداية الإلمام بالموضوع ومن ثم تأطير الأهداف والرؤى والنتائج ومن ثم نبدأ بالكتابة، أما في كتابات جولدزيهر فنرى من البعثرة والتناقض ما يوجب إن أحسنا الظنّ به أن نقول: إنه كان بصدد جمع معلومات متناثرة كي يتمكن من تحقير الإسلام، وأن يجعل من هذا الدين السماوي حركة صغيرة بدوية فانية، ولذا كان يقفز من هذا النص إلى ذاك ليجمع ما يخدم نظريته. ولذا نرى مع إنه يتخذ من أتفه الأحداث أو الأقوال مرمى لأهدافه، يغفل أمام وقائع تأريخية كبيرة من ذلك قوله أن ثلث القرآن نزل بمكة والحال نزول 82 من السور القرآنية من أصل 114 سورة أي ثلثي القرآن وكانت مدة رسالة النبي فيها 13 عاماً.
ولكي لا نبالغ نورد نصاً من نصوص الكاتب ليتبين كيف انه تجاهل الأهداف العظيمة الإسلامية في نبل الإنسانية وصناعة المجتمع والمثل الأخلاقية؛ وكيف تمكن من تحويل المجتمع البدوي إلى مجتمع متحضر:
«إذا كان في الدين الذي جاء به محمد من جديد، فهو الجانب السلبي للوحي الذي كان يرجى منه أن ينجي الناس من عباداتهم ومظاهرهم الاجتماعية وحياتهم القبلية والوحشية والقساوة والبربرية وعبادة الأصنام» (جولدزيهر 1357 ه- ش - 1400ه- ق، ص 201):
«نرى أن بعض الجذور المسيحية للقرآن المحرفة والتي وقعت في أيدي محمد هي من روايات نصارى الشرق المبتدعة، وقد أضيف إليها شيء من العرفانيات أحيانًا» (نفسه، ص21).
من منطلق عدم إلمامه الكامل بالإسلام، فإنه عدّ الدستورات الدينية مقتطفة من اليهود والنصارى، أو أنه تعلمها من رحلاته التجارية، وإن كان هناك جديد في دين محمد فهو الوقوف أمام الخرافات والقسوة والوحشية، ولا يذكر شيئاً عن التعليم حول العدل والإحسان وحرية العقيدة (النحل: 90 الرحمن 60 ؛ البقرة: 83 و 286) ودعوة الناس إلى العفو والإحسان إلى الوالدين والأدب (البقرة : 178؛ الإسراء 17؛ القصص : 77)؛ ليست بالإلزام إنها تعاليم الأديان السابقة، فإنّه رأى الدين سلبياً فقط؛ كما رأى أن الفرق بين القصص القرآنيّة والتي عند جاءت عند اليهود والنصارى (والحقيقة أن هذه القصص تختلف في الأناجيل نفسها عندهم)، عدّها حرفت في الإسلام أو هي من وضع النصارى القدماء (جولدزيهر 1383 ه- ش - 1426ه-. ق، ص 15 – 16)
.ما يرمي إليه جولدزيهر وأهدافه الخاصّة
لقد تتّبع جولدزيهر في هذا الكتاب أهدافه وأغراضه الخاصّة. ويمكن الإشارة إلى بعضها:
1- إنّ الإسلام ليس برسالة خالدة وإن الإسلام الفعلي(2)هو حصيلة جهود النبي وقراءات علماء المسلمين على طول التأريخ. وما يعرف الآن باسم الحضارة الإسلامية ما هو إلّا نوع من المعتقدات الإغريقيّة والأفكار والنظريات السياسية الإيرانيّة والآراء الفلسفية الهنديّة وأفلاطونيّة حديثة؛ وأنّه يقرّ أنّ الإسلام استطاع في كافة هذه الميادين من الاستيعاب، ويضم هذه الآراء بحيث إنّ عملية فصل
1) جولدزیهر، 1383 ه-.ش - 1426 ه-.ق، ص 13 و 14. ايازي يضيف: «إذا قلنا ان جولدزيهر لم يفقه شيئًا من التعاليم الإسلامية وكانت نظرياته مجرد معلومات متناثرة جمعها من هذا الكتاب وذاك وكان في انتقائه يتبع هدفًا خاصًا فلم نقل خلافًا.
2) جولدزيهر في أحد أقسام كتابه دروس الإسلام (ص 40) يُستنبط من كلامه إن رسالته عالمية لكل الناس على الرغم من أنّ القراءة التي يقدّمها عن الدين مخالفة لما أورده عن النبي صلّی الله علیه و آله
أجزاءه جذور هذه العناصر الغريبة عن بعضها تحتاج إلى عملية تحليل عميقة (1). مع كلّ هذا يحاول إثبات أن الإسلام هو حصيلة الماضي والمستقبل.
2- إنّ الذي جاء به محمد ليس هو مقتطفًا حافلًا بالمعلومات والعقائد المذهبيّة قد تلقّاها، وإنّما قد تأثّر باليهود والنصارى وغيرهم في احتكاكه معهم، ولكنّه لم يتعرّض إلى أنّ التعاليم الدينيّة التي كان يتلقّاها محمد هي عن طريق الوحي وإنّه وسيلة هذا الوحي (2).
3- إنّ الوحي من نظرته هي الخلجات الفكريّة النّابعة من المخزون الفكري للنبي عند رد فعله بالنسبة للظروف والضغوط الشديدة في عصره المحيط به. وكأنّما الإلهامات المذهبيّة والأحلام الهيجانيّة تضاف إلى هذه المجموعة وكان ذلك يدفعه إلى الذهاب إلى قريش وردعهم عمّا كان يضرهم.
4- إنّ دعوة النّبي في مكّة إلى التوبة والندامة والتواضع والتسليم ترجع إلى قصص ترجع إلى يوم البعث والسبب في هذا النهج للنبي هو نفي الشرك (3). إنّه يقول في مكان آخر: إنّ التصوير المخيف الذي جاء به محمد ليوم البعث، كان قد أخذه من الوحي أو من المذاهب قبله وإن ترسيمه إلى الدولة السماويّة المستقبليّة لم يكن فيه أي أمل.
إنّ محمّدًا كان فقط منذرًا ليوم الغضب والمؤاخذة. إنّه كان يرى السعادة للمنتجبين في الجنّة ولكنّه لم يفتح أي كوة أمل في عالم الدنيا(4).
هذا مجرّد القليل القليل مما أورده جولدزيهر في كتابه دروس من الإسلام، وهذا الكتاب مفعم بالتناقضات، ففي مكان يقول: إنّ تعاليمه تنبع من تعاليم اليهود والنصارى والعرب ومن جانب آخر يقول : إنّه تلقى معارفه من أصحابه بمكّة،
ويقول في مكان آخر هذه الإلهامات لا يتقبلها أي من العرب(1).
السيد محمّد آيازي في كتابه «اتجاهات التفسير بين المسلمين» يصرح بأنّ الذي تخلص إليه جولدزيهر عبارة عن:
1- إن تفسيره مادي.
2- قد حقّر شخصيّة النبي الأعظم صلّی الله علیه و آله.
3- عدّ الإسلام حقيرًا.
4- عدّ الإسلام بدويًّا.
21,2. التضاؤل أمام جولدزيهر
نحن كمسلمين لا نتوقّع من المستشرقين أمثال جولدزيهر وغيره أن يكونوا على عقيدة كعقيدتنا. وهذا أمرٌ بديهيٌّ؛ وذلك أنّ هؤلاء المستشرقين ينتمون إلى لغة وثقافة أخرى وشتان ما بين الثقافتين، ومن جهة أخرى نحن لسنا على علم بأهداف المستشرقين، وفي الوقت نفسه يجب على الباحثين المسلمين القابعين في البلاد الإسلامية والمشرفين على آثار المستشرقين أن لا يعتبروا أمثال آثار جولدزيهر بحوثًا علميّة قطعيّة؛ ولكن وللأسف نرى بعض المحقّقين سلّموا بمبادئ جولدزيهر وتخلوا عن أصولهم.
والمثال البارز لذلك الباحث علي -نقي منزوي - المترجم لكتاب دروس حول الإسلام إلى الفارسيّة؛ إذ كتب في مقدمة الكتاب: «جولد زيهر في كتابه هذا له نظرة تنير كل الزوايا الإسلام وقد رسم جوهرة الحياة الروحيّة الإسلاميّة من نظره. إنّه في القسم الأوّل من الأقسام الستة للكتاب كتب شرحًا للإسلام والنبي محمد، والدور المهم للضمير وصفاء القلب في الإسلام. وفي القسم الثاني من الكتاب تحقيقٌ مفصّلٌ في تكامل القوانين الإسلاميّة وقراءة كليّة للتاريخ الحديث وخصائص الفقه في
1) جولدزیهر، ص11
بداية نشوء المذاهب. والأهم من ذلك في الفصل الثالث من الكتاب الذي يختصّ بتكامل علم الكتاب توسّع في بحث الجبر والاختيار وأين وجه الاختلاف بين السنة والمعتزلة في مسائل العبادة والأخلاق. وهنا ينكر جولدزيهر على المعتزلة أنّهم دعاة الحريّة وبروحيّة منفتحة يدافع عن السنّة والتّسنّن المحافظ للعرب وقد أوردت في الحاشية هذا الرأي لجولدزيهر. ومن ثم يتعرّض إلى مذهبي الأشعريّة والماتريديّة وعلى عكس الآخرين نراه يتوسّع في الماتريديّة. في القسم الرابع من هذا الكتب يختص بدارسة الوعي والزهد عند المتصوّفة والبداية البسيطة للزهد، ومن ثم يتكامل مع امتزاجه مع الفكر الهندي واليوناني إلى القرن (7ق - 13م) حيث يبلغ وحدة الوجود.
القسمان الأخيران من هذا الكتاب يختصان بالفرق العريقة والخوارج والشيعة في الإسلام والفرق الجديدة مثل الوهابية والسيك و (أحمدي القادياني)، ثم يتحدّث عن المحاولات التي حدّثت بين السنة والشيعة. إنّ هذا الكتاب هو تصوير كامل تقريبًا عن الحياة الروحانيّة في الإسلام، وبعضها متناسب»(1).
ولا ننسى أنّ الكتاب ثلاثة وعشرون عامًا (بیست و سه سال - بالفارسية -) من تأليف علي دشتي بالحقيقة هو قراءة جديدة ومبسطة لكتاب دروس حول الإسلام(2).
2,2. مناهج التفسير بين المسلمين
لقد تم طبع هذا الكتاب ونشره في عام 1920 باللغة الألمانية، وقد تُرجم لأول مرة إلى اللغة العربية وبصورة كاملة على يد عبد الحليم النجّار، تحت عنوان مذاهب التفسير الإسلامي ونشر في مصر (3).
«جولد زيهر في هذا الكتاب قام بتحليل مختلف النظرات حول القرآن الكريم
بين المسلمين ونقدها ودراستها، ودرس كافة مكاتب التفسير، ويطرح رؤيته بخصوص الإسلام والنبي الاكرم ومدى تأثر القرآن باليهود. وفي بداية الكتاب وفي فصلين يبيّن أول مرحلة للتفسير، ومن ثم يبيّن أصول التفسير النقلي. القسم الثالث يتحدّث عن النهج التفسيري عند المعتزلة والذي بحثه المؤلف ودرسه تأريخيًّا وتحليليًّا بدقة، وقد درس نهجهم وسلوكهم الفكري .
أمّا القسم الرابع من الكتاب فيبحث فيه القراءة للتفسير الصوفي والتفسير الرمزي والتأويلي. القسم الخامس يتحدّث عن التفسير العقائدي أو الفِرقي يبيّن من خلاله المؤلف كيفيّة استخدام الفرق الدينيّة والكلاميّة الآيات القرآنيّة ليثبتوا حقانيّتهم؛ فقد حمّلوا الآيات بتكلف معانٍ تتناسب مع أهدافهم»(1)
(صادقي، 1379 ه- ش -1422ه-.ق)
.أيازي بتعليقه على هذا الكتاب يقول: إن هذا الكتاب على ما يحمله من إشكالات وتصورات كثيرة في تفسير القرآن غير أنّه كان له تأثير كبير في البحوث الإيجابيّة والسلبيّة التي تبعته .
في القرن الأخير أخذ علم التفسير التحقيقي بالسمو والرقي؛ لأن ما قبله قد بقي بمستوى التفسير الطبقاتي.
من الكتب التي دوّت في عالم الإسلام وخاصّة في عالم التّسنّن كتاب (التفسير والمفسرون) لمحمد حسين الذهبي؛ ولكنّه متأخّر بخمسين عام عن أثر جولدزيهر. وأما الكتب الأخرى، فهي بنفس المستوى أو أنّها جاءت بخصوص تفسير معيّن كتفسير الزمخشري (م 528) أو الفخر الرازي (م 606) والقرطبي (م 671) ، أو أنها
1) الترجمة العربية الأولى كانت في عام 1944م لعلي حسن عبد القادر ، ولكنها لم تشمل كل الكتاب.
لمذاهب تفسيريّة خاصة، مثل التفسير الأثري أو التفسير العقلي أو الاجتهادي أو التفسير الشيعي أو السني فهذه الآثار أيضًا كتبت بعده.
فإن نهجه، سواء على مستوى البرهنة أو التحقيق أو على مستوى نقده السلبي، كان له أثر بيّن في كتابات الآخرين ومن الضروري مطالعة كتبه(1).
الدكتور برويز رستكار (2)في مقالته «مستغربات مستشرق» يكتب حول هذا الكتاب: (هذا الكتاب حافل بالاستنتاج بآراء المستشرقين (3)وهو حقًّا تمكن من إنجاز مهمّة صعبة، وهي حصيلة اجتماع عناصر عدّة، فيجب أن يتّخذ أُسوة في نهجه وطريقة تتبّعه، فإنّه قام بهذا المستوى من التّحقيق بعيدًا عن العجلة والسفسطة، وأنّ بحثه يدور حول محاور إعداد المواد الأوّليّة أوّلًا، ومن ثمّ التَّطرّق إلى الجزئيات الصغيرة والمترامية الأطراف والكثيرة و (التفكيك بمهارة لا يعني بالضرورة التركيب بمهارة واستحصال الجزئيات من دون نقص)، ونظرته التأريخية للتفسير هي بعيدة عن ولوج مطبّات الملاحظات والمؤاخذات والمحذوفات والتي تسع المحيط لهذا العلم؛ إذ كان يتمتّع بنظرةٍ حرةٍ ومشرقة ومسيطرة بدلًا من نظرة المشادّة والشباك، والاستشهاد بالمنابع الأصلية القليلة الواسطة، وإنّ تتبّعه الشامل للنصوص والهوامش واستشهاده بنصوص كثيرة بيّن (4)اطّلاعه الجيد بقواعد اللغة العربية وآدابها(5)وتأريخ صدر الإسلام(6)وتأريخ نزول القرآن (7)وقد أيّده الآيازي (8)وعبد الحليم النجّار (9)- (10).
1) رستگار، ربيع 1383 ه- ش - 1426ه-. ق، ص 36
2) نفسه، بنقل من السيد حسن الإسلامي في كتاب مرآة التحقيق، ش 87، ص 25-36
3) جولدزیهر، 1383، ص17
4) الدكتور برويز رستگار من خرجي الحوزة العلمية والجامعة، فبالإضافة إلى مقالاته الداخلية الكثيرة طبعت عنه عدة كتب في الرجال وعلم القرآن، وأنه في الوقت الحاضر الأستاذ وعضو الهيئة العلمية في جامعة كاشان (إيران)
5) نفسه (الترجمة الألمانية إلى العربية)، في هوامش متعدّد لعدّة صفحات
6) للمثال، ر. ك: نفسه، ص97، س - 12 وص126، س3
7) للمثال، ر. ك: نفسه ص 14 ، السطر الأخير - ص 15 س وص128 س 7
8) للمثال، ر. ك: نفسه، ص 16 ، س 3-6 وص34 ، س 15 إلى ما بعدها
9) نفسه، في أماكن متعددة
10) نفسه (الترجمة العربية إلى الفارسية)، ص 16 ، الفقرة الأخيرة ص 17 إلى ما بعدها
إنّ هذا الكتاب يشتمل على ستة أقسام:
المرحلة الأولى للتفسير.
التفسير الروائي.
التفسير العقائدي .
التفسير فى ظل التصوف الإسلامي.
التفسير فى ظل الفِرق الدينيّة.
التفسير فى ظل الحضارة الإسلاميّة.
وإضافات المترجم العربي للكتاب والإضافات التغييريّة، واختلاف قراءة الصحابة أمثال ابن مسعود وابن كعب، وليثبت الكاتب ذلك استند تارة إلى قراءة ابن مسعود . وفي تتمّة الفصل يشير الكاتب إلى موارد من اختلاف القراءات وما يترتب عليها من اختلاف الفتاوى الفقهيّة والعقائديّة الناجمة من هذه الأمور، فهو يعتقد أنّ الذين قالوا بجواز المتعة استندوا إلى القراءة التي جاءت بعد جملة «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» (1)، جاءت عبارة «إلى أجل مسمّى» أو لإزالة شبهة إمكانيّة أن يحكم الله بغير الحق «أحكم»(2)جاءت بصيغة الأمر فغيّروها إلى صيغة المضارع في الآية مائة واثني عشر من سورة الأنبياء.
كان جولدزيهر في خلال متن الكتاب يبرز اختلاف المذاهب الدينيّة، ولهذا كان يبحث في حواشي الكتاب ليبيّن الفاصلة بين المذاهب ويخمد هذه الحركة
التي بدأ بها أشخاص مذ ذلك الزمان، أمثال سيد جمال الدين الأسد آبادي والشيخ محمد عبده (1).
1,2,2 . دراسة أقسام الكتاب المختلفة(2):
أ- المرحلة الأولى للتفسير
هذا الفصل يبيّن المؤلّف هدفه من تفسير القرآن والاختلاف المذهبي بين المسلمين ويرى أنّه مبنيّ على عقيدة أنّ المذاهب لِتُضفي وجهة إلهيّة وحقانيّة على منهجها لجأت إلى تفسير آيات القرآن بطريقةٍ ينتفعون بها. إنّه يعتقد أيضًا أنّ اضطراب النّصّ القرآنيّ وعدم ثباته وتعدّد القراءات هيّأت الأرضية لهذا التفسير، وبعدها وضّح أسباب تعدّد القراءات؛ إذ رأى أنّ عدم التنقيط وتحريك النّصّ القرآنيّ هو السبب في ذلك.
القسم الأخير من هذا الفصل، يتعرّض إلى موضوع القراءات وحصرها في سبعة قراءات حسب رواية «سبعة أحرف» وبجهد ابن شنبوذ، ومدى تأثير علم النحو والنحويين على هذه القراءات(3).
ب- التفسير الروائي
الكتاب في بداية هذا الفصل يشير إلى منع التفسير من قبل الخلفاء، وأنّه على اعتقاد أنّه استمر إلى أواخر القرن الثاني الهجري، ولتأكيد وقوف الصحابة أمام التفسير يستشهد الكتاب بأقوال بعض الصحابة، وباعتقاده أنّ شرح القصص القرآنية كان هو الجاري فقط عند الصحابة، وهو السبب في دخول الروايات الإسرائيلية إلى المنابع الإسلامية.
واحدة من العوامل التي قوّمت هذه الطريقة في التفسير هي الرواية التي
منعت التفسير بالرأي وباعتقاد المؤلف أنّ هذه الطريقة من التفسير تخصّ الآيات العقائدية؛ وذلك لأنّ المفاهيم التي يتلقّاها الإنسان لا يمكن أن يصل فيها إلى درجة القطع واليقين من دون إسنادها إلى النبي وأصحابه. إنّه يكتب في تتمّة كلامه: مع أنّ المسلمين كانوا يعتقدون النقل في التفسير ولكنه بدليل عدم دقّتهم في انتقائهم للروايات نجد هناك تعدّد الروايات في قصة تنقل من فرد واحد، وفي أدلته على هذا: قول السيوطي أنّه لينقل من الروايات كان يستأذن من رسول الله صلّی الله علیه و آله في أحلامه أو قول مجاهد: «عندما كان ابن عباس يفسر الآيات كنت أرى النور في وجهه».
ویری جولدزيهر على هذا الاعتقاد أن كثيرًا من الروايات المنسوبة إلى ابن عباس هي غير صحيحة؛ إذ إنّه لم يبلغ من العمر 10 إلى 13 عامًا عند وفاة النبي (صلّی الله علیه و آله)، وكذلك وجود روايات تشكّك بحكمته وعلمه؛ وأنّه في كثير من الموارد کان يرجع في التفسير إلى «أبا الجلد» والتوراة واليهود.
المؤلف في تتمّة الفصل يبيّن أنّه في الوقت الذي يعدّ ابن عباس أبًا للتفسير المأثور لا يستطيع جولدزيهر قبول رواياته وتفاسيره. وعلى العموم إنّه یری أنّ الروايات المبالغ بها، والتي وردت بحق ابن عباس، تبعث التردّد والشك في تفسيره، ومن ثم يتحدّث عن رواة التفسير ومدى تأثيرهم على التفاسير المتأخرة، والنتيجة التي يتخلّص إليها من تناقض الروايات هو أنّه ليس للمسلمين أي كتاب للتفسير الروائي وأن علماء المسلمين للتخلص من هذا المأزق قالوا بتعدد «وجوه» القراءات ونقلوا روايات بعنوان «القرآن ذو الوجوه».
والتفسير الآخر الذي تحدث عنه المؤلف هو تفسير الطبري، فقد أثنى عليه كثيرًا، ولكنّه يعتقد أنّ هذا الكتاب كان مفقودًا إلى القرن الأخير، وأنّ القسم الأعظم منه ليس بمتناول أيدينا. وعلى أيّة حال، فإنّه قام بتوصيف النهج والطريقة المتّبعة للتفسير في هذا الكتاب ومدى تحرّر المفسّر في ردّ الروايات والأقوال السّابقة له، وقد التفت المؤلف إلى مجالات القراءة واللغة الأدبيّة ونقد الروايات وبيان مسائل
العقيدة والتعصّب المذهبي والأبحاث الكلاميّة في هذا التفسير.
ج- التفسير العقائدي
التفسير العقائدي أو طريقة التفسير بالرأي:
إنّ المؤلّف في هذا الفصل على عقيدة أنّ هذا النهج في التفسير هو النقطة المقابلة للتفسير الروائي، لكنه في بدايته لم يكن كذلك، ويعتبر المعتزلة هم المؤسّسون لهذا النهج التفسيري. يقول المؤلف: إنّ المعتزلة بعد أن رفضوا قول الجبريّة أجبروا على طرح منهج تفسيريٍ ينسجم مع ذائقتهم.
وحسب عقيدة جولدزيهر، إنّ أسباب نشوء مذاهب التفسير لم تكن علميّة بحتة، ويرى أن الأسباب العقائديّة هي السبب الأساسي لنشوء النهج التفسيري، والشاهد على ذلك الصراعات الشديدة بين المسلمين بسبب اختلافهم في التفسير. ویری أنّ من أهم الأمور التي تخصّ هذا النهج في التفسير : موضوع التجسيم والتشبيه ورؤية الله «عز وجل» وكون القصص القرآنية حقيقيّة أو رمزيّة، فإنّه قد درس هذه الموارد بالتفصيل ونقل فيها أقوالًا كثيرة. وينسب فكر المعتزلة إلى مجاهد بن جبر.
في القسم الآخر من هذا الفصل، تعريف الآثار التفسيرية للمعتزلة والذين منهم الشريف المرتضى.
وقد خصّ قسمًا من هذا الفصل بعقائد المعتزلة، فهو يرى أنّ كافة التعاليم الإسلاميّة ما هي إلّا تركيب منتقى من العقائد اليهوديّة والمسيحيّة والإيرانيّة وغيره،ا وتبعًا لذلك فإنّ الفعاليّات الكلاميّة - العقديّة تعود لنصارى الشرق. ويرى في نشأة مكتب الإعتزال أنّه أول ظهور كلاميّ بهذا السبب، ومن ثم تعرّض إلى كيفيّة انتقال أفكار النّصارى إلى المسلمين. الطائفة الأخرى التي لفتت نظره في التفسير العقلي هم «الواقفة» ؛ إذ يرى أنّ «عبد الله بن حسين الأنصاري» الشخصيّة البارزة لهذه الطائفة، وقد وضح بعض أفكاره قائلًا: «إن القرآن هو قائل بالفرقة، ولذا
فإنّ القول بالقدر والجبر صحيح ومسند إلى القرآن. ولذا فقد عدّ الفريقين على الصواب؛ وذلك لأن الآية الواحدة لا تعطي معنيين متضادين».
هذه العقيدة التي لها نظرة متسامحة كانت قد طرحت من قبل في القرن 13 الميلادي بواسطة أبو الفضل الرازي.
د- التفسير في ظل التصوف الإسلامي
جولد زيهر يقول في أوّل موقف يتّخذه قبال المعتزلة «من الصعب جدًّا أن نجد لأفكار الصوفية جذرًا قرآنيًّا ومن الصعب إعطاؤهم الحق في تحميل أفكارهم على «القرآن»(1).
ومن ثم تعرّض إلى أصولهم العقديّة مثل «وحدة الوجود» وقد عدّد دلائلها. ووصف جولدزيهر في بداية الفصل أفكار الصوفيّة بأنّها غير قرآنيةٍ وغير إسلاميةٍ، ولم يقبل أنّ للنص القرآني ظاهرًا وباطنًا، ويعتبر أن لهذا النّوع من التفسير جذورًا أفلاطونية وفيلونيّة التي تستند إلى الرمز والتأويل، وليثبت هذا أشار إلى نموذج من تفاسير الصوفيَّة وهو تفسير آية النور.
المؤلف يعتبر أنّ بعض العقائد الصوفية المسندة إلى القرآن هي:
1- ابن عربي.
2- اخوان الصفا.
3- الغزالي.
4- الحلاج.
5- ابن رشد.
6- ابن سينا .
1) صادقي 1379 ه- ش - 1422 نقلاً من مذاهب التفسير الإسلامي، ص20
7- السهروردي
8 - السنائي.
في القسم الأعظم من هذا الفصل، يبيّن المؤلف بعض الشواهد التفسيريّة للمتصوفة وتناقضها مع بعضها ومع التفسير المأثور، كما أنّه يعتقد أنّ المتصوفة تعمّدوا تفسير الآيات خلاف ظاهرها، ومثال ذلك ينقل رواية عن ابن عباس في تفسيره للآية 12 من سورة الطلاق «إن فسّرتها رجمتموني قلتم كفر ابن عباس».
وكذلك ينقل رواية من أبي هريرة أنّه قال: «تعلمت من رسول صلّی الله علیه و آله ظرفين من العلم لقد نشرت أولها ولو نشرت ثانيها لضربوا عنقي»، والذي يجب ذكره في خاتمة هذا البحث أنّ جولدزيهر أورد حجمًا كبيرًا من هذه الأبحاث وتحليلها وهذا ما يتجاوز مساحة بحثنا ويستحق دراسات أخرى لمعالجتها.
ه- - التفسير عند الفِرق الدينيّة
لقد خصّ المؤلف هذا الفصل بتفاسير الشيعة ومن تبعهم، فهو يرى أهم خصائص مبادئ التفسير الشيعي في:
1 - المخالفة مع أهل السنة.
2 - تقديس أئمة أهل البيت: والاعتقاد بمقامهم الإلهي .
3 - الاعتقاد بالإمام صاحب الزمان وظهوره.
4 - الاعتقاد بأن القرآن يختلف عن المصحف العثماني.
5 - الاعتقاد بنقص القرآن الموجود.
6 - تأويل كثير من الآيات القرآنية لصالح أئمة أهل البيت.
یری جولدزيهر أنّ ظهور أول تفسير شيعيّ كان مع ظهور الخوارج وانطباق آيات من القرآن الكريم عليهم (مثل الآية 104 من سورة الكهف والآية 25 من سورة الرعد).
المرحلة الثانية من تفسير الشيعة بدأت بتطبيق الآيات القرآنيّة على الأمويّين ويشير إلى أمثلة من ذلك، مثل تفسير «الشجرة الملعونة» الآية 106 من سورة الإسراء(1)
وكتب كثيرة أخرى أمثال: دلائل النبوة للبيهقي ج6 ، ص 511؛ مختصر تأریخ دمشق، ج24، ص190؛ خصائص الكبرى، السيوطي ص 200؛ كنز العمال ج 11، ص 358، ح 31736
آيازي في ذيل هذه الأبحاث في ص256، للترجمة الفارسية: بعض أهل السنة يقبل أن آية «الشجرة الملعونة» هم بنو أمية؛ على الرغم من عدم قبولهم لتعميمها لكل بني أمية أمثال عثمان ومعاوية، كابن عطية في تفسير المحرر الوجيز (ج 3، ص468)، والآن يطرح هذا السؤال نفسه: إن كان كثير من المفسرين والمؤرخين الشيعة والسنة قد نقلوا هذه الراية والتأريخ واقف على مدى ظلم وانحراف بني أمية، فإن قوة السلطة لبني أمية وبكل سفك صارت بصدد تطهير وتقديس نفسها واستأجرت وضّاعة الأحاديث، فمن الطبيعي عدم قبول بعضها، أو قد يعدّوه صراعًا مذهبياً، فإن عبارة «شجرة الزقوم» فيها مغزى رمزي وكناية؛ وإلا توجد هناك أنواع الأشجار المرة الثمر، ولكن وصف القرآن لهذه الشجرة بأنها قبيحة وثمارها كرؤوس الشياطين (طلعها كأنه رؤوس الشياطين) الصافات 65 .
وذلك يدل على أن شجرة الزقوم والشجرة الملعونة في القرآن لها معنى رمزي
.إنّه يعتقد بوجود مؤيّدات لهذا النهج من التفسير في التفاسير الأولى لأهل السنة، ويشير إلى نماذج منها، وكان لهذا النهج من التفسير تأثير على نشوء بعض المسائل الفقهيّة الخاصة.
وممن اهتم جولدزيهر بنهجهم التفسيري هم الغلاة، الذين لم يميّزهم عن الشيعة؛ إذ عدّ نهجهم التفسيري تابعًا للمرحلة الأولى من التفسير الشيعي.
وتطرق أيضًا إلى مسألة مصحف علي علیه السّلام ونسب عقيدته الخاصة بهذا المجال إلى الشيعة. كما قال إن الشيعة الأوائل لم يعتقدوا بالمصحف العثماني (2)، وكانوا دائماً يعتبرونه في الجهة المقابلة من مصحف علي علیه السّلام، كما نسب التحريف إلى
1) حسب ما ينقله المفسرون ومنهم الطبري (ج 9، ص 141 ، ح 16930) المقصود من أن النبي في ليلة المعراج رأى في منامه أشخاصاً كالقردة تتسلق وتلعب على منبره بحيث أن النبي بعد تلك الواقعة حزن حزناً عميقاً ولم يضحك بعده طويلًا حتى رحيله (كأنه رای ما سيحصل بعده، ولذا جاء في الروايات مصداقًا لآية «الشجرة الملعونة» فهو وارد، وعن وجود أشخاص أو مجموعة تشكل عبثًا على الدين، وتسبب الظلم والجور على الناس، وأن هذه الرواية وأوصاف الشجرة الملعونة ليست في مصادر الشيعة فقط؛ بل جاءت عمدةً في مصادر أهل السنة؛ من ذلك: راجع الخطيب البغدادي، تأريخ الخطيب، ج 9، ص44، رقم 4627، ج7، ص280، النيشابوري، غرائب القرآن، ج 8، ص 361 و 362 ؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص183؛ ابن الاثير الجزري، أسد الغابة، ج 2، ص14.
2) ما هي الرابطة بين النظرة السياسية الشيعية بالنسبة للخليفة الثالث وصيانة القرآن، فالذي جاء به الخليفة الثالث هو توحيد المصاحف، وذلك بواسطة عدد من صحابة رسول الله، بحيث لا يصل أي سوء لسلامة القرآن وإتقانه؛ ويساعد ذلك على وحدة القراءة وانسجامها، وقد أيّده الامام علي علیه السّلام
الشيعة حيث قال : إن من معتقد الشيعة أن سورة الأحزاب لم تكن بأقلّ من سورة البقرة، وكانت سورة النور أكثر من مائة آية(1).
ومن ثم يذكر نماذج من آيات مختصة بالشيعة ولا توجد في المصحف العثماني، وقد زعم وجود سورة باسم «النورين» في 41 آية وكذلك سورة «الولاية» في سبعة آيات في كتاب نسبه إلى الشيعة الموجود في بيت في الهند باسم انكيبور. (2)
أول شخص أورد في بحثه القرآني أن «الشيعة قائلة بتحريف القرآن كان تؤدور نولدكه، وقد درسه بتفصيل في كتاب تأريخ القرآن (طبع كتابه في 1860م) وقد أخذ أكثر المستشرقة هذه الفكرة من آثاره
الكاتب يشير إلى أن الشيعة حاولوا أن يعرضوا مصحفًا غير المصحف العثماني، مشيراً الى مصحف ابن مسعود، فقد عدّه منها.
ويشير في تتمّة بحثه إلى أن الذي لفت نظره في مصحف علي هو طريقة ترتيبه، وقد أشار إلى بعض المصاحف التي يقال إنّها بخط علي علیه السّلام.
وقد تعرض إلى موضوع الحجيّة في التفاسير الشيعيّة، فإنّه يعتقد بأنّ الشيعة يُسقطون التفاسير غير المنسوبة إلى أحد الأئمة عن الاعتبار، كما أنّه ذكر اسم بعض التفاسير الشيعيّة واستند إلى بعضها حول الآيات التي استشهد بها.
1) ليس معلومًا ان الكاتب من أي منبع في وفرة منابع الشيعة استنبط ان القرآن النازل من قبل الله (عز وجل) أكبر بكثير من القرآن الفعلي الموجود؛ والحال إن إجماع علماء الشيعة على مصونية القرآن من التحريف والاعتقاد بهذا القرآن الموجود. وإن قال ذلك بعض المحدثة من الشيعة، أو بعض الروايات المحرفة الموجودة في المتون الشيعية تدل على تحريف القرآن، فكل هذا التأكيد من علماء الشيعة، والباحثين القرآنيين الشيعة الناقدة لهذه الروايات دالة على قبول والتداول اللفظي والعملي للقرآن، وفي باب توكيد هذا المجال كتب كثيرة أمثال الاعتقادات الإمامية للصدوق، أوائل المقالات للشيخ المفيد، ص54- 56، مجمع البيان للطبرسي، ج 1، ص 15 ، تبيان الطوسي، ج 1، ص 3، وتفسير آلاء الرحمن، ج 1، ص 25 ، وكتب كثيرة أخرى في المجال التخصصي بعد تحريف القرآن أمثال: صيانة القرآن من التحريف لمحمد هادي معرفت. التحقيق في نفي التحريف لسيد علي ميلاني، والبرهان في علم تحريف القرآن لمرتضى كشميري، وعشرات الكتب الأخرى التي يمكن مراجعتها، أما بخصوص دراسة كتاب أسطورة التحريف، ر. ك: مجلة الصحيفة المبينة الرقم الثاني لصيف 1374 ه- ش 1415ه-. ق لجامعة أراك الحرة، (جولدزیهر 1383 ه- ش - 1426ه-. ق ص 249 ، الهامش سيد علي محمد آيازي) 72 - هذه الكتب والسور مرفوضة البتة عند الشيعة، ولا ترى لمثل هذه العقيدة في علماء الشيعة القدماء والمعاصرين
2) إن مثل هذه الكتب والسور لا توجد البتة في عقائد الشيعة ولا عند علماء الشيعة لا السابقين ولا المعاصرين، وإن الاستناد إلى نشرية خارجة عن دائرة الثقافة الشيعية من فرد نكرة خارج عن أسس التحقيق، فإذا حضر أحد المحافل الدينية والعلمية والمساجد والمدارس الشيعية؛ يرى أن القرآن الذي هو بين يدي الشيعة ما هو إلا نفس القرآن عند المسلمين كافة وعدم قبولهم لأي قرآن آخر، وامّا القرآئين الموجدة في متاحف إيران والمراكز الشيعية التي ترجع إلى حقب زمنية بعيدة فهي نفس القرآئين المتفق عليها بين المسلمين، فليس بمعلوم أن المؤلف بأي هدف وبأي مستوى من الجهل ذكر هذا الخبر بكراة في كتابه!!
ويضيف على الرّغم من أنّ الشيعة قالوا بتحريف القرآن (1)؛ لكنّهم استندوا إلى المصحف العثماني في أبحاثهم ولم يختلفوا مع السنّة إلا في قراءة بعض الآيات.
الكاتب يرى خصائص أخرى في تفسير الشيعة ومنها استخدام المجاز والإشارة وتفسير متشابهات القرآن في ذم بعض الصحابة(2).
القسم الأخير من هذا الفصل خصّصه الكاتب بالمتشابهات في القرآن ونقد آراء بعض الشيعة تجاهها، وقد اتّهم هنا جميع الشيعة بالغلوّ في علي علیه السّلام، وفي آخر المطاف يشير إشارةً مختصرةً إلى الشيعة الفاطميّة وإخوان الصفا، وقد عدّ البابية أيضًا من الفِرق الشيعية(3)
وعلى أية حال فإنّ هذا النهج لم يكن بين محققي الشيعة، وأن بعض أصحاب الحديث وقعوا في هذا الفخ، والمؤلف نسب هذه المنقولات إلى الشعة ونسبها إلى كافي الشيعة (جولد زيهر، 1383 ه-. ق - 1426ه-. ق، ص 269 تعليقة السيد محمد علي آيازي)
.و- التفسير في ظل الحضارة الإسلامية
يطرح المؤلف في بداية الفصل هذا التساؤل هل يجتمع الإسلام مع الحضارة الجديدة؟
1) آيازي في تعليقته على كتاب جولد زيهر يقول: «هذا نهاية الجهل إن لم يكن مغرضًا، وسوء فهم من عقائد الشيعة ورؤيتهم أن يقول أن الشيعة بالإجماع على عقيدة أن المصحف العثماني غير كامل؛ وذلك مع إجماع الشيعة على المصحف الحالي وعدم تحريف المصحف العثماني أو زيادته أو نقصانه، والطريف أن المؤلف نفسه في الفقرة التي بعدها (ص 241) يقر أن الشيعة يعتبرون القرآن العثماني اساساً لعقائدهم
2) كما أشرنا، إنّ هذه العقيدة ليست لأكثرية علماء الشيعة؛ بل إنها من وضع محدثة قليلين قد وضعوا هذه النظرية والمؤلف بدلًا من أن يراجع المصادر المهمة والأساسية للشيعة؛ استند إلى روايات أهل السنة أو إلى مصادر نكرة وجعل منها سندًا لمبانيه النظرية، والطريف أنه كرر هذا التعبير أن هذا ملخص معتقد الشيعة على اجتماعهم بخصوص القرآن، وليس بمعلوم من أين جاء بهذه الخلاصة ومن أين عممها في الوقت الذي لم يذهب فيه إلى المصادر الشيعية الأساسية
3) هذا من أقبح ما نقل في التأويلات عن الآيات فإن أمثال مغيرة بن سعيد وأبو الخطاب وبحسب الروايات عن الإمام الصادق والإمام الرضاء علیه السّلام ؛ قد وضعوا أخبارًا كاذبة فيكتب أصحاب الامام الباقر (علیه السّلام) (رجال كشى ص 225) وعن طريق الغلو (میزان الاعتدال، ج 4، ص 162) أو نسبة أمور إلى المخالفين (نفسه، ص 160) صاروا بصدد تخريب الشيعة إلى حد أن الإمام كشف عن خيانتهم (رجال كشي، ص 225 ، الرقم 402)؛ وإن الإمام الرضا علیه السّلام بصراحة أكثر خاطب ابن محمود (صدوق، عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 304) وكان الهدف من ذلك الطعن بمن له محبة في قلوب الناس وأن يجعلوا الائمة منزوين؛ وكما جاء في الرواية عن ابن فرقد عن الامام الصادق علیه السّلام (بحراني، البرهان، ج 1، ص 48، عياشي، تفسير، ج 1، ص 97 ، ح 73) وكذلك في الرواية عن هشام ابن الحكم عن الإمام الصادق علیه السّلام ؛ حيث اعتقد بعضهم أن الصلاة والزكاة والحج وأمثال ذلك هم رجال تجب معرفتهم وولايتهم، وأن الأعمال الرذيلة هم أشخاص يجب الابتعاد عنهم؛ فقال الإمام علیه السّلام بهذا الخصوص: «ما كان الله ليخاطب قومه بما لا يعلمون» (المجلسي، بحار الانوار، ج 24، ص 300)
إنّه يعتقد أنّ هذا التساؤل هو السّؤال الأساسي لكثير من المسلمين، وقد أحبوا الإجابة على هذا التساؤل بكل إتقان، ولذا لم يكتفِ المحقّقون في أن يثبتوا عدم مخالفة الإسلام للتطور الحديث، بل حاولوا أن يثبتوا أنّ الإسلام هو المحفز والداعي إلى هذا التطور، ولذلك نشأت مذاهب جديدة في التفسير.
الكاتب يعتبر أمير علي وأحمد خان بهادر وميرزا أبو الفضل في الهند والسيد جمال الدين الأسد آبادي ومحمد عبده في مصر من الدعاة إلى هذا الرأي. ويطلق عليهم تسمية «المعتزلة الجدد»، ويرى أنّ من أهم ما تميّزوا به الانفتاح، فيقول: هذه الخصيصة جعلتهم ينظرون إلى المنابع الدينيّة بعين أخرى، بنحو أنّ أتباع المدرسة الهنديّة صاروا بصدد إلغاء حجيّة السنة والإجماع.
ومن جملة منجزاتهم طرح المواضيع الدينيّة الجديدة، وترجمة القرآن إلى الإنجليزية بحسب ترتیب نزوله
وقد أورد قسمًا مما اهتم به أصحاب النهج الجديد في مصر بهذا الترتيب: إنّ الدين الإسلامي هو دين عالمي موائم لكافة الأزمنة والأمكنة وموائم مع الحضارة الجديدة، عوامل سقوط وانحطاط المسلمين، وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة، ملاحظة العنصر الزمني في الأحكام الإسلاميّة، إن باب الاجتهاد مفتوح، المخالفة مع الحيل الشرعيّة، إنكار تقديس الأولياء والتدبر في الأبعاد العلمية للقرآن.
القسم الأعظم من هذا الفصل خصّصه المؤلف لدراسة نهج مدرسة محمد عبده ومدى تأثره بمذهب الوهابيّة، ويعتبر أنّ أهم المعالم المدرسة محمد عبده هي: «عدم جواز تقديم أو تأخير الآيات، الوئام الكامل بين القرآن والعلوم التجريبية وذكر أمثلة لهذا الوئام، دراسة النهج الأوروبي، ضرورة معرفة النظريات الجديدة، تقديم قراءة تفسيرية جديدة بخصوص الجن ، الطاعون، تعدد الزوجات، المساواة بين الرجل والمرأة».
2,2,2. دراسة الكتاب ونقده
يقول رستكار في توجيه الأخطاء التي وقع فيها جولدزيهر:
«مع كل هذا، فإنّ جولدزيهر وكتابه المصداق «الإنسان واحد» و «الإنسانيّة واحدة» يتخبط في نفس الأطر التي تحكم كل «الناس» و «الإنسانيّات»، ولهذا السبب لا يستبعد أن يكون فيه وفي آثاره - حتى وإن تصفحناها- نواقص وشيء من عدم النضج.
النواقص في كتاب جولدزيهر تتلخص في ثلاثة نقاط :
1- التناقضات.
2- الاستشهاد بروايات غير مسندة.
3- عدم رعاية أصول التحقيق.
التناقضات
أو يقول : إن الشيعة لا تقبل بهذا القرآن؛ ويثبت بعدها مباشرةً كيف ان الشيعة وضعوا كل همهم لإثبات عقائدهم الدينيّة السياسيّة من خلال القرآن، فما ندري عمّ كان يبحث في نهجه هذا؛ أيبغي فراق وتشتّت المسلمين في العقائد الإسلامية، أم تحقير الإسلام والمسلمين وزرع بذور النفاق والفرقة بينهم؟ هل أنّ فهمه لم يكن متسلسلًا؛ أم إنّه يهدف من نهجه إيجاد التردّد والزلل في القارئ؟ ويبقى هذا الاحتمال أنّه لم يفهم بعض الأمور، ولكن طريقته في البيان تبقى مدهشة.
كثيرون في الغرب نقدوا الإسلام والقرآن بصورةٍ شفافةٍ، ولكن موقفهم كان صريحًا وواضحًا. وكثير من المستشرقين كانوا بصدد التّعرّف على القرآن والتعريف به، ومع أنّهم ارتكبوا أخطاء في أبحاثم؛ ولكن جهودهم تبقى مشكورة ومهمة ويمكن الإفادة من بعض نقاطها الإيجابية، ولكن مؤلف هذا الكتاب كما يبدو كان يروم من خلال أخطائه أهدافاً غامضة يبغيها.
تطرّق المؤلف في بداية الفصل الخامس في عنوان «التفسير في ظل الفِرق الدينيّة» إلى التعريف بعقائد الشيعة وبيان موقفهم من القرآن؛ وقد استند إلى بعض كتب أهل السنة كمصدر أساسيٍّ، أمثال الملل والنحل للشهرستاني، والملل والنحل لابن حزم الأندلسي وكتب أخرى، والتي فيها قيل وقال كثير عن الشيعة.
الأغرب من ذلك كلّه استشهاده بروايات من أئمة الشيعة من هذه الكتب، ويقول بأنها عقيدة الإمام الباقر علیه السّلام أو الإمام الصادق علیه السّلام وإنّها عقيدة الشيعة. والحال أنّ نقل رواية واحدة من كتاب واحد ولو كان معتبرًا ليس دليلًا لننسب عقيدةً لإمام؛ وذلك لأن وجود رواية واحدة أو مجموعة من الروايات ليس دليلًا على صحّتها واعتمادها، وعلى فرض أنّ الخبر موثوق يجب أن تدرس دلالاته وتقاس مع الروايات الأخرى، هل إنّها مجملة أم مبيّنة، محكمة أم متشابهة، خاصة أم عامة، وأن تُقيّم من جهات أخرى، هذا فضلًا عن أن الخبر الواحد غير كافٍ لإثبات العقيدة.
كل هذه الموارد تصدق عندما يكون الخبر من المنابع المعتبرة، فكيف بغير المعتبرة والتي حتى لم يثبت نسبتها لمؤلفيها.
جولدزیهر اتبع هذا النهج ليعرف عقائد الشيعة؛ فإنّه ذهب إلى المصادر النادرة والمنكرة ليقول إن الشيعة ليس لهم عقيدة بالقرآن الفعلي، وأن كافة محاولاتهم في مجال تفسير الآيات القرآنيّة كانت لأهداف فِرقية ومذهبيّة.
إن كنّا بصدد التعريف لنهج جولدزيهر بجملة واحدة وخصوصًا في القسم الخامس من الكتاب، سنقول: إنّه جمع النصوص المتناثرة من هنا وهناك ليبيّن عقائد المسلمين، ولكنه لم يبلغ كنه المعرفة الدينيّة.
الطريف في نهج جولدزيهر أنّه تجاهل في بعض الموارد الأصول الأوّليّة لطرق التحقيق، فإنّ أحد أهم أصول التحقيق هو أنه عند دراسة عقائد أيّ فرقة يجب استحصال المنابع والمتون المعتبرة عند تلك الفِرقة لا أن نبحثها في مصادر مخالفيها؛ وكما رأينا لم يتبع جولد زيهر هذا الأصل، إذ إنّه لم يستند إلى الكتب المهمّة والأساسيّة في التفسير والكلام عند الشيعة، بل استند إلى كتاب الملل والنحل والموسوعات لأهل السنة، والتي في صحتها بحث مفصل، أيمكن القول إن المؤلف لم يكن على علم، ولكن أنّى لهذا الاعتذار لمثل هذا المحقق، هذا فضلًا عن أخطائه الواضحة فقد عدّ الإمام جعفر الصادق علیه السّلام الإمام الخامس (ص 261) أو في تفسير بيان السعادة للگنابادي (م 1327 ه-. ق) الذي تم تأليفه في القرن الرابع عشر وقدّمه المؤلف في عام (311 ه-.ق ) في (ص 208)، أو يعد مواضيع كتاب منحول ومنسوب مبنى عقائد الشيعة، وأنّه أيضًا قد نسب العقائد إلى غير أصحابها، أو أنّه ينسب عقيدة فرد من الشيعة على حساب كل المذهب.
مع كل هذا فإنّ مطالعة هذا الكتاب للتعرّف على نهج المستشرقين في البحث وأيضًا للتعرف على سيرة التفسير التحقيقي وأُسس التحقيق بخصوص الشيعة مفيد للغاية، ولا حاجة للتأكيد على وجود بعض الأبحاث المفيدة في هذا الكتاب؛ وإن تحدّثنا عن إشكالاته فهذا ليس بمعنى أنه عاٍر من الإيجابيات فذاك لكي لا نغفل عن جوانبه التخريبيّة وإشكالاته الواضحة.
الدكتور برويز رستكار بعد دراسة النص الألماني والعربي والفارسي ومقايستها مع بعضها استخلص الإشكالات في كتاب جولد زيهر كالآتي:
1- واحدة من أهم نقاط الضعف المنهجية في عالم البحث والتحقيق ترجع إلى التركيز الفائق عن الحد للمحقق على عامل من العوامل عندما يكون بصدد تفسير أسباب هذا الحدث أو ذاك؛ وهذا الضعف سيؤدّي في العمل على نشوء أسباب وعلل متعدّدة للحادثة الواحدة ومن ثم قصرها على علّة واحدة والتغافل عن العلل الأخرى، وهذا ما يسمى بالتبسيط، ففي هذا الكتاب لجولدزيهر وخصوصًا في القسم الأول منه كان ذلك بيّناً بحيث إن مترجم الكتاب من الألمانية إلى العربية قد أشكل عليه.
2- إنّ الحميّة العنصرية المذهبيّة لقوم اليهود وفي قالب نظريتهم القديمة ونظرتهم إلى أتباع باقي الأديان تؤدي قهرًا إلى نقد النصوص الدينيّة والمحاور المقدّسة وطردها وتضعيفها عند الآخرين.
وأمّا وصفه للنص القرآني بأنّه مضطربٌ وبهذه الصراحة؟! فهو متناقض بذاته ويتعارض مع ما أورده نفسه في كتابه؛ وذلك كله بسبب تلك الحميّة العنصريّة.
3- النزول بالتعاليم الإسلامية إلى حد حصرها بما جاء في الأديان السابقة وإنكار أي جديد فيه، أو فيما جاء به المسلمون، ومع الآسف نرى هذا النهج الطفولي والساذج يتبع لكثير ممن يحمل عنوان الباحث الإسلامي المعاصر «المنفتح» وبالخصوص الغربيون منهم، أولئك الذين يختفون خلف نقاب جميل ويتفوهون بما يشاؤون بأكاذيب تمتنع بذاتها.
4- قياس بعض ادّعاءات المسلمين لا التعاليم الإسلاميّة مع تعاليم الأديان السابقة والاستنتاج بأن الإسلام ليس بمجدّد (منّا وعلينا)!
5- النظرة إلى الإسلام من زاوية تفاسير أهل السنة ونرى تأثيرها في القسم الأول من الكتاب.
6- الإستناد إلى أكاذيب وادعاءات آيازي وعبد الحليم النجّار واعتمادها.
7- التناقض في الأقوال والاضطراب في النص.
8- استخدام التعابير المبهمة والمُخطئة أمثال: «أحد ثقاة القراءة» و «بعض العلماء» التي أدّت إلى اعتراض مترجم النص الألماني إلى العربية.
9- إنّه بنقله للأخبار غير الصحيحة قد أوقع نفسه والآخرين في زلات؛ بحيث أشكل عليه مترجم النص من الألمانية إلى العربية وقد عدّه «مدلسا».
المصادر والمراجع
1.الحسيني الطباطبائي، مصطفى (1375ه- . ش - 1418ه-.ق) نقد آثار المستشرقين؛ الحياة العلمية ونقد آثار عشرين من أشهرهم، طهران: مؤسسة النشر: جابش، الطبعة الأولى.
الكليني، أبو جعفر محمد ابن یعقوب بن اسحاق (المتوفى 328 ق) ، الأصول من الكافي، ج 2، تصحيح وتحقيق علي أكبر الغفاري، نهض بمشروعه : محمد الآخوندي، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الخامسة (الطبعة الثالثة: 1388 ق).
الخرمشاهي، بهاء الدين (1377 ه- ش - 1420ه-.ق)، رسالة القرآن والأبحاث القرآنية، ج 20، طهران: لدار الشر: دوستان - ناهيد، الطبعة الأولى.
رستکار، برویز (ربیع 1383 ه-. ش - 1426 ه-.ق)، مستغربات مستشرق، المجلة الفصلية للكتب الإسلامية، السنة الخامسة، ش 16، صص 35-52.
الزمخشري، جار الله (المتوفى 538 ق)، دار النشر (بيتا) ، الكشاف عن حقائق التنزيل، قم: من منشورات ادب الحوزة (افست من الطبعة البيروتية).
صادقي، تقي (1379 ه- . ش - 1422 ه-.ق)، نظرة المستشرقين إلى القرآن: دراسة تحليلية في الخلفية، المدققون: مهدي جابر مرادي، مريم قنبري والهام آذر، طهران: لنشر فرهنك كستر، الطبعة الأولى.
العقيقي، نجيب (1965) ، المستشرقون، ج3، القاهرة دار المعارف .
جولد زيهر، إجناتس (1357 ه- ش - 1400 ه- ق) دروس حول الإسلام (ترجمة العقيدة والشريعة في الإسلام) ترجمه علي نقي منزوي، طهران: (الطبعة الأُولى: بيروت، على احتمال قوي أنّ اسم الناشر ومحل الطبعة في الطبعة الثانية غير صحيح).
(1383 ه- . ش - 1426ه-.ق) مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمه: السيد ناصر الطباطبائي، مقدمته والحواشي: السيد محمد علي آيازي، طهران، لنشر ققنوس، الطبعة الأولى.
1.0 ماسينيون، لویی (بی تا)، مقدمة على فهرس الآثار لايجنز جولد زيهر، ترجمة حسن رضوي، مجلة كاوه، الرقم 69 (طبعة المانية، اصل المقالة نشرة في عام 1927 في صص 1-16 فهرس الآثار لاجناز جولد زيهر من تأليف «برنارد هلر» في باريس).
دراسة علميّة في نقد تحقيق المخطوطات
د. أحمد عطية(1)
المقدمة
بعد بيانٍ موجزٍ للخريطة المعرفيّة للمنجز التّأليفي ل- (آرثر جفري)، بعرض سریع لما كتبه في حقل الدّراسات القرآنيّة، وإيضاح الوجهة التي سلكها في تعامله التّراث العربيّ، فقد سلك سبيل الدّرس القرآنيّ بين التّأليف والتّحقيق. يتناول الباحث في هذه الدّراسة نقد الإجراءات التي اعتمدها المستشرقون في نشر النّصوص العربيّة المخطوطة، دون الدخول في سجالٍ فكريٍّ حول آراء مع المستشرق المحقّق للنصِّ، التي حاول أن يبثَّها من خلال معالجته للنصّ المخطوط. فبعد عرضه للإجراءات المعتمدة في علم التّحقيق التي ينبغي أن يلتزم بها المحقّق بشكلٍ عام، كاختيار نصٍّ ما للتحقيق، وجمع النُّسخِ الخطية للمخطوط المراد تحقيقه، ثمّ ترتيب منازل النُّسخِ لتحديد النسخة أو النُّسخ المعتمدة في عمليّة التحقيق، ثمّ المقابلة بين هذه النُّسخ الخطيّة، يليه تخريج النصِّ والتعليق عليه، كتخريج الترجمة للأعلام والمصطلحات الواردة في النصّ، ثمّ صنع الكشّافات الخادمة للنصّ، وملاحظة المقدّمات القبليّة الخادمة للنصّ مثل مقدّمة التحقيق، ودراسة النُّسخ الخطيّة، ودراسة مؤلّف المخطوط، وبيان منهج التحقيق. يتناول الاتجاهات العلميّة النقديّة للنصوص المحقّقة من قبل المحقّقين؛ ليشرع بعد ذلك بنقد منهج المستشرق آرثر ،جفري مركّزاً على إجراء جمع النسخ الخطيّة، والنسخ الخطيّة التي اعتمد عليها المستشرق؛ إذ يتبيّن أنّ ما ادّعاه نسخًا ثلاثًا هو في الحقيقة نسخة واحدة، ثمّ يعمد إلى نقد إجراء تخريج النصّ والتعليق عليه، والذي تبيّن أنّه قد وقع في الكثير من الهفوات في تحقيقه لكتاب المصاحف، لابن أبي داود السجستاني.
1) كبير الباحثين بمركز المخطوطات مكتبة الإسكندريّة
تقديم
المستشرق «آرثر جفري» استراليّ الجنسيّة، عُيّن أستاذا في الجامعة الأمريكيّة في بيروت، ثمّ أستاذًا في جامعة كولومبيا، ثمّ أستاذًا للغات الساميّة في مدرسة اللغات الشرقيّة بالقاهرة. دارت دراساته حول القرآن الكريم، له بين التّأليف والتّحقيق مؤلّفات عدّة، كان محورها الدّراسات القرآنيّة، وقد حقَّق «جفري» شهرةً كبرى في هذا المجال، حتّى غدا مرجعًا لكثير من الدّارسين الغربيين للقرآن الكريم.
وتنوّعت تلك المؤلّفات بين الدّراسات البحثيّة والكتب المؤلّفة، فمن دراساته البحثيّة دراسة عن مختصر شواذ القرآن، لابن خالويه، ونشرتها صحيفة الجمعيّة الشرقيّة الأمريكيّة عام 1936م، ثمّ أعاد نشرها في مجلّة الدراسات الإسلاميّة عام 1938م. ثمّ دراسة ثانية عن طريقة كتابة القرآن في سمرقند، ونشرها في المجلّة الآسيويّة سنة 1908، ثمّ أعاد نشرها في مجلّة الجمعيّة الشرقيّة الأمريكيّة سنة 1942 . ودراسة ثالثة عن أبي عبيدة والقرآن، ونشرها في الصحيفة الأمريكيّة الشرقيّة عام 1942 . ودراسة رابعة عن القرآن، وهي دراسة نشرها في مجلات علميّة عدّة، جاء أوّلها في مجلّة عالم الإسلام عام 1924، ثمّ في الصحيفة الأمريكيّة للغات والآداب سنة 1924، ثمّ في مجلّة الشرق الحديث عام 1932م. ولديه كذلك دراسة بحثيّة حول قراءة زيد بن علي، ونشرها في مجلّة الدراسات الشرقيّة عام 1904م، وأعاد نشرها عام 1937م في المجلّة نفسها. بالإضافة إلى دراسة أخرى جاءت تحت عنوان: نصوص من القرآن، ونشرها في مجلّة عالم الإسلام عام 1935م(1).
ومن المؤلّفات التي كتبها «آرثر جفري» ودارت حول حقل الدراسات القرآنيّة:
مقدّمتان في علوم القرآن؛ لابن عطيّة ومؤلّف مجهول، وقد نشرته مؤّسسة دي غويه سنة 1937م، ثمّ نشرته مكتبة الخانجي بالقاهرة عام 1954م.
كتاب المصاحف، لابن أبي داود السجستاني (قراءة وتعليق)، نُشر عدّة نشرات
1) انظر: العقيقي، نجيب: المستشرقون، الطبعة الثالثة، مصر ، دار المعارف (لات)، ج 1، ص 1013
لعلّ أقدمها طبعة المطبعة الرحمانية بمصر سنة 1936م.
مواد لدراسة تأريخ نصّ القرآن وقد نشرته ليدن سنة 1937م.
كتاب المفردات الأجنبيّة في القرآن، وقد تمَّ نشره عام 1938م.
كتاب القرآن ككتاب ديني، وقد صدر باللغة الإنجليزيّة، وقد ترجمه نبيل فيّاض إلى العربيّة، ولعلّه في طور الطباعة الآن عن دار أبكالو في ميونيخ بألمانيا.
هذه إشارة سريعة لما كتبه «آرثر جفري» في حقل الدراسات القرآنيّة، وهي إشارة مهمّة؛ لأنّها تقدّم ما يمكن أن نسمّيه بالخريطة المعرفيّة للمنجز التأليفي ل- (آرثر جفري)، وهو أمر جدير بالاهتمام؛ لأنّه يوضّح الوجهة التي سلكها الدكتور «جفري» في تعامله مع التراث العربي، فقد سلك سبيل الدرس القرآني بين التأليف والتحقيق، وواضح كذلك مدى اهتمامه باللفظة القرآنيّة من زاوية تاريخيّة اللفظة وكيفيّة قراءتها، والتي هي موضوع علم القراءات، وكذلك بالشاذّ أو الغريب، ولم يهتمّ بتناول اللفظة من زاوية علم التفسير مثلًا، أي إنَّ آرثر جفري اهتمّ في الدرس القرآني بتناول قضايا معيّنة تخدم فكرته التي من أجلها تعرّض لدراسة النصّ القرآني. والمنطلق الرئيس الذي انطلق منه جفري في دراسة هذه القضايا هو المساواة بين «النصّ القرآني» و «التوراة والإنجيل» من حيث كونه منجزا بشريًّا، لا صا الله نصَّا مقدّسًا نزل على النبي صلّی الله عليه وآله .
ومن بين هذا المنجز المعرفيّ الذي يمثِّل الدرس القرآني وجهته المعرفيّة يظهر تحقيقه وتعليقه على كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني (المتوفّى 316 هجرية)، وهو كتاب مهمّ في بابه؛ لأنَّه يعرض «لكتاب الله سبحانه من حيث جمعه بجميع مراحله، واختلاف مصاحف الأمصار، وما أُثر عن مصاحف بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وما نُقل عن بعض التابعين من قراءات، والحديث عن رسم القرآن ونقطه، وكتابته، وأخذ الأجرة عليها، وجملة وافرة من الأحكام المتعلّقة بالقرآن الكريم؛ كمسِّ المصحف على غير طهارة، وبيعه، وارتهانه،
والسفر به إلى أرض الكفر، وإمامة المصلّين من القرآن وغير ذلك»(1).
وهذا الكتاب هو موطن الرؤية النقديّة في هذه الدراسة، فقد حقَّق آرثر جفري كتاب المصاحف، وكتب له مقدّمة عن تاريخ القرآن أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الفكريّة، خاصّة في المشرق الإسلامي، ولكنّ قيمتها الحقيقيّة تنبع من أنّها حملت في داخلها ملخّص أفكار آرثر جفري عن الدرس القرآني. ومن المفترض أن يتَّخذ النقدُ الموجّه لأيّ نصٍّ تمّت معالجته معالجة علميّة من قِبل علم التحقيق اتجاهين:
الاتّجاه الأوّل: نقد الآراء الفكريّة للمحقّق في تحقيقه، أو في معالجته للنصّ المخطوط، وعادة ما تكون هذه الآراء ظاهرةً مثبتةً في مقدّمة التّحقيق، بحيث يعبّر عنها المحقّق مباشرة موضّحًا رأيه في تلك القضايا التي يعالجها المخطوط، وينصِّب من نفسه - في بعض الأحيان - خصمًا للمؤلّف، أو ينبري مدافعًا عنه وعن قضاياه التي ربّما تثير الجدل في قضيّة ما. والحقيقة أنَّه في هذا الطريق تقع بعض مقدّمات المستشرقين لأعمالهم التحقيقيّة التي عالجوا فيها بعض النصوص الخطيّة العربيّة، ومن هذا النوع تلك الدراسة التي قدَّم بها الدكتور آرثر جفري تحقيقه لمخطوط «كتاب المصاحف» لابن أبي داود السجستاني (المتوفّى 316 هجريّة)، فقد صدَّر تحقيقه للكتاب بمقدّمة بيّن فيها آراءه الفكريّة حول قضيّة تاريخ تطوّر القراءات القرآنيّة، وعرض فيها بعض نتائج أبحاث المستشرقين حيال هذه القضيّة(2).
وفي بعض الأحيان تكون هذه الآراء مستنبطة من المعالجة التحقيقيّة للنصّ المخطوط، وتظهر أكثر ما تظهر في هامش التحقيق حيث تعليقات المحقّق على النصّ وترجيحاته، وهو أمر يحتاج من الناقد لعمليّة التحقيق أن يكون متخصّصًا في المتن موطن الدراسة؛ ليفهم أوّلًا مقصد المحقّق من كلامه، ثمّ يتمكّن ثانيًا من الردّ عليه ونقد رأيه الفكري.
وهذا الاتّجاه في النّقد الذي يدور حول نقد الآراء الفكريّة للمحقّق اتجاهٌ عامّ، يشمل ما أنتجه المستشرقون من تحقيقات أو معالجات للنصّ المخطوط، وما أنتجه المحقّقون العرب من تحقيقات صدَّروها بمقدّمات طويلة بيّنوا فيها آراءهم الفكريّة؛ مثل ما صدَّر به الأستاذ محمود شاكر تحقيقه لكتاب «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني.
وقد تعرَّضتْ الآراء الفكريّة التي أثبتها المستشرقون في مقدّمات تحقيقاتهم لردود كثيرة، وأوضح مجالٍ تجلَّت فيه تلك الردود هي تلك المقدّمات التي كُتبت من قِبل المحقّقين العرب الذي أعادوا تحقيق المخطوط الذي نشره المستشرق من قبلُ، ومن أدقّ الأمثلة على ذلك تلك المقدّمة التي صدَّر بها محقّق النشرة الثانية من «كتاب المصاحف» لابن أبي داود السجستاني أثناء إعادة تحقيقه للكتاب؛ إذ تصدّى فيها لتلك الآراء الفكريّة التي أثبتها آرثر جفري في مقدّمة التحقيق الأوّل للكتاب(1).
هذا اتجاهٌ من اتجاهات النّقد الموجّهةِ لعمليّة التحقيق بوجه عامّ، والتي تتمّ من قِبل محقّق يعمل على معالجة النصّ المخطوط؛ ليحاول الوصول به إلى أقرب صورة أرادها مؤلّفه. وهذا الاتّجاه يتجلّى في أكثر صوره في تحقيقات المستشرقين لكتب التراث العربي، ثمّ تلك الردود والانتقادات التي صدَّر بها المحقّقون العرب إعادة نشراتهم لتلك النصوص المخطوطة مرّة أخرى.
الاتّجاه الثاني: نقد إجراءات التحقيق، والمقصود بها الآليّات المختلفة التي سلكها المحقّق في تحقيق النصّ المخطوط، وهي مهمّة للغاية، وينبغي أن يُلتفت إليها قبل التناول الفكري لأيّ عمل خاض فيه محقّقه في قضايا فكريّة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط العلميّة، سواء في مقدّمته لهذا العمل، أو من خلال التعليق على المتن في هامش التحقيق.
وقيمة الالتفات إلى هذه الإجراءات -إجراءات التحقيق- أنّها ربّما تقدّم لنا
1) انظر: السجستاني، ابن أبي داود: كتاب المصاحف، تحقيق: الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ، م.س، المقدمة
دليلًا وافيًا واقعيًّا على أنَّ النصّ الذي احتجّ به المستشرق في دراسته هذه غير صحيح، وعدم الصحّة قد يكون بسبب أنَّ المستشرق لم يفهم المقصد من علم التحقيق جيّدًا في تراثنا العربي، فحقّق الكتاب على نسخة ضعيفة متروكة من نسخ المخطوط، أو لم يستطع أن يحدّد منازل النُّسخ المختلفة، أو أخطأ في فهم المتن لجهله بالعربيّة، فجاء تعليقه على المتن بعيدًا تمامًا عن مقصد مؤلّفه، أو أخطأ في قراءة المتن، فضعف العلم بالعربيّة قد يدفع بعضهم إلى الانسحاب بالنصّ بعيدًا عن مقصد مؤلّفه.
كلّ هذه قضايا مهمّة تجعل مسألة نقد التحقيق من حيث كونه تحقيقًا من أخطر المسائل التي ينبغي أن نتعرّض لها عند الردّ على شبهات المستشرقين التي أثاروها في كتبهم المحققة التي تعدُّ جزءًا مهمًّا من تراثنا العربي.
إِنَّ نقد التحقيق ربّما يختصر الردّ لأقلّ درجاته، والذي يتمثّل في القول إنَّ النسخة التي احتجّ بها المحقّق غير صحيحة، وبالتالي فإنَّ مجمل كلامه وفهمه للنصّ مبنيٌ على وهم غير صحيح.
إنّها طريقةً مهمّةٌ ربّما نحاول في المستقبل -إن شاء الله تعالى- تطبيقها على أكثر من منجزٍ تحقيقيّ لبعض المستشرقين الذين تعرّضوا للتراث العربي المخطوط من زاوية علم التحقيق، وأثاروا من خلالها قضاياهم الفكريّة حول الإسلام وأهله، خاصّة فيما يتعلّق بالدرس القرآني.
على أيّة حال إنَّ الإشكاليّة الكبرى في نشرة «آرثر جفري» لكتاب المصاحف، لابن أبي داود السجستاني، والتي تتجلّى من خلالها الدراسة النقديّة تتّضح من زاويتين كبيرتين:
الزاوية الأولى: تلك المقدّمة التي صدَّر بها تحقيقه لكتاب المصاحف، والتي قصد من ورائها الحديث عن تاريخ القرآن.
الزاوية الثانية: عمله في تحقيق النصّ، وأوجه النقد التي وجِّهت إليه في ذلك.
وسوف نتناول فيما يلي - إن شاء الله -تعالى- دراسة هاتين الوجهتين النقديّتين بشيءٍ من التفصيل:
أوّلًا: مقدّمة آرثر جفري لكتاب المصاحف
يبدو من قراءة مقدّمة الطبعة العربية لكتاب المصاحف، والتي نُشرت عن مطبعة الرحمانية سنة 1936م أنّها مختصرةً من مقدّمة آرثر جفري التي كتبها بالإنجليزيّة تحت عنوان: (Matrerals For The History of The Text of the Quran ).
وهي تدور في مجملها حول قضيّة «تاريخ القرآن» ممثّلة في قضية اختلاف النصّ القرآني بين المصاحف المختلفة التي نشأت بعد عصر النبّوة، وتعالج هذه المقدّمة قضايا عدّة طرحها آرثر جفري بين ثناياها، وحاول التدليل عليها من هنا وهناك، منها قضيّة تطوّر قراءات القرآن، وهي القضيّة العمدة عنده في هذه المقدّمة، فقد دارت حولها بقيّة المسائل المعرفيّة التي أراد أن يبثّها فيها، قول جفري: «نتقدّم بهذا الكتاب للقرّاء على أمل أن يكون أساسًا لبحث جديد في تاريخ تطوّر قراءات القرآن»(1).
إنّ ما يقصده جفري بتطوّر القراءات ليس هو نفسه ما يتبادر إلى ذهن الباحث أو العالم المسلم من كونه ربّما يشير إلى ائتلاف وجوه القراءة المنقولة عن رسول الله في قراءات سبع أو عشر أو أربع عشرة على أيدي القرّاء الكبار؛ بل ما يقصده هو ما وقع من تطوّر في قراءات كتب اليهود والنصارى بسبب التحريف في النُّسخ على مرّ العصور، فهو يسمّي هذا التحريف والتغيير والتبديل تطوّرًا ، ثمّ يزعم أن في القرآن مثله، وأنّه ينبغي علينا إبرازه وبيانه(2).
وواضح من المقدّمة أنَّ لدى آرثر جفري إشكاليّة كبرى بنى عليها كلامه، وهي تتعلّق في التسوية بين النصّ القرآني وبين الكتب المقدّسة الأخرى، وخاصّة التوراة
والإنجيل اللذين تعرّضا لكثير من التحريف على يد المؤمنين بهما، وكان هذا التحريف دافعًا للباحثين في البحث عن الأصول الأولى، وبيان تطوّر هذه الأصول عبر الزمن. هذا ما يقصده «جفري» من دراسة تطوّر القراءات القرآنيّة.
إنَّ هذا الوهم الذي توهّمه جفري وبنى عليه افتراضاته، أوقعه في مأزق كبير حيال الفكر الإسلامي المعاصر له، وحيال موضوعيّة البحث في ذاتها، إذ تعرّضت مقالته هذه الموجات من الردّ عنيفة عكست مقدار تورّطه في الطعن على الإسلام وكتابه المقدّس القرآن الكريم.
لقد تجلَّت هذه التسوية - بين النصّ القرآني والكتب الأخرى- في هذا التساؤل الذي طرحه في المقدّمة، والذي صاغه في أسلوب تعجّبي قائلًا: ولا ندري على التحقيق لماذا كفُّوا عن هذا البحث في عصر له نزعة خاصّة في التنقيب عن تطوّر الكتب المقدّسة القديمة، وما حصل لها من التغيير والتحوير ونجاح بعض الكتّاب فيه»(1).
هذه هي القضيّة الأساسيّة في فكر «جفري»، وهي قضيّة أنَّ القرآن منجزٌ بشريٌّ كغيره من الكتب الأخرى، حصل له من التغيير والتحوير ما حصل لغيره، وأيّ محاولة للردّ على هذا المستشرق بعيدًا عن هذه القضيّة الأساسيّة لا قيمة لها؛ لأنَّ هذا مُنطلقه الذي بنى عليه فرضيّة دراسته.
لقد قام علماء الغرب - في رأيه- بأبحاث ودراسات قيِّمة حول التوراة والإنجيل، وهي ناتجة عن عثورهم على قطع قديمة من القرطاس والبردي تحفظ آيات وأسفار من هذه الكتب المقدّسة، والتي كشفت لهم مقدار التحريف الذي تعرّضت له نصوص هذه الكتب على يد أصحابها، الأمر الذي حدا بهم إلى دراسة عمليّة التطوّر التي تعرّضت لها نصوص التوراة والإنجيل، ولكن لا نجد شيئًا من هذه الأبحاث في القرآن، وهذا موطن من مواطن التعجب لدى آرثر جفري.
1) انظر: مقدّمه: كتاب المصاحف، طبعة مطبعة الرحمانيّة بمصر، ص3
ثمّ تثير المقدّمة قضيّة التعارض أو الصراع بين المتمسّكين بالنقل والمتمشّين مع العقل -على حدّ تعبيره - وينتصر جِفري لأصحاب العقل الذين أخضعوا تلك الكتب المقدّسة للدراسة والبحث اللذين أفضيا إلى القول بتحريفها، وهو ما أشعل الحرب بينهما وبين أهل النقل.
ثم يقدِّم جفري تصوّرًا لمنهج كلا الفريقين أهل النقل والقائلين بالعقل، «فأهل النقل اعتمدوا على آراء القدماء وعلى هذه التخيّلات التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، والتي نقلها العلماء من دور إلى دور، وإذا ما وجدوا بين هذه الآراء خلافًا اختاروا واحدًا منها، وقالوا إنّه ثقة وغير ضعيف وكاذب. وأمّا أهل التنقيب فطريقتهم في البحث أن يجمعوا الآراء والظنون والأوهام والتصوّرات بأجمعها؛ ليستنتجوا بالفحص والاكتشاف ما كان منها مطابقًا للمكان والزمان وظروف الأحوال معتبرين المتن دون الإسناد، يجتهدون في إقامة نصّ التوراة والإنجيل كما أُقيم نصّ قصائد هوميروس أو نصّ رسائل أرسطو الفيلسوف»(1).
إنَّ قراءة الصفحات الأولى من هذه المقدّمة تعكس منهج آرثر جفري في تعامله مع النصّ القرآني، فهو يراه من حيث اعتباره منجزاً بشريًا معرّضًا للتحريف والتحوير وقابل لإعادة بناء المتن مرّة أخرى، وتلكم نقطة جوهريّة في فكر آرثر جفري ينبغي أن توضع في الاعتبار عند الردّ عليه.
ولا يخفى ما في كلامه السابق عن أهل النقل من طعن في قضيّة «السند» الذي هو من خصائص هذه الأمّة المحمّدية، والتي رويت لنا به القراءات المتواترة والسنّة النبويّة المطهرة عن النبي صلّی الله علیه و آله»(2).
أمَّا قضيّة إعادة البناء هذه، أو إقامة النصّ مرّة أخرى من خلال ما عُثر عليه من مخطوطات فهذا وهمٌ؛ لأنَّ النصَّ المُعاد بناؤه لا بد أن يختلف عن المتن الأصلي ولو بدرجات طفيفة، «يقول البروفيسور لي مارتن ماكدونالد والبروفيسور ستانلي
بورتر، وهما من علماء التيّار المحافظ : «رغم أنّ معظم الناس يدركون جيّدًا أنّنا لا نملك الوثائق الأصلية للعهد الجديد (أو أيّ مخطوطات أصليّة للكتاب المقدّس بالمناسبة)، لكنّهم لا يفهمون ماذا يعني النقد الكتابي (Textual Criticism) وما هو الغرض منه. الهدف من النقد الكتابي أمرٌ من اليسير شرحه، لكن من العسير جدًّا تحقيقه. بعبارة سهلة هو عبارةٌ عن إعادة بناء نصّ أقرب ما يكون للنصّ الأصلي من خلال قلم الكاتب. فعند كل نقطة تكون فيها قراءة مختلفة (textual variant) أي: عندما تقدّم المخطوطات قراءات مختلفة تكون أحيانًا صغيرة جدًّا لدرجة الاختلاف في حرف واحد، وتكون أحيانًا كبيرة جدًّا تبلغ جملة كاملة أو فقرة كاملة (مثل يوحنا 7: 53 أو 8: 11 أو مرقص 16: 9)- يجب على الناقد الكتابي أن يحدّد أيّ قراءة هي الأقرب للأصل. ومن غير المحتمل أن يكون النصّ المُعاد بناؤه الناتج عن هذه العمليّة مطابقًا للأصل، بل إنّه من المؤكّد تقديره كذلك أنّ النصّ الأصلي لا يطابق أيَّا من النُّسخ الموجودة، فكلّ المخطوطات الباقية عبارةٌ عن أجيالٍ متواليةٍ من النُّسخ للنصِّ الأصليّ» (1).
ولا أريد أن أتوقّف أمام هذه النقطة كثيراً ؛ فقد تناولتها عدّة أقلام انبرى أصحابها للردّ على آرثر جفري، ولكن غاية ما أردت الإشارة إليه هو أنَّ هذه المقدّمة تُفصح بشكلٍ كامل عن منهج آرثر جفري في تناوله للدرس القرآني، لذلك ينبغي أن يأتي الردّ وفق منطلقاته الفكرية، وإلّا فلن يؤتي ثماره.
ثم يقدِّم آرثر جفري مثالاً على القائلين بالمنهج العقلي، وهو كتاب «تاريخ القرآن» للمستشرق الألماني (نولدكه) إذ يقول: «بدأ نولدكي الألماني باستعمال طريقة البحث هذه في نصّ القرآن الشريف في كتابه المشهور الجليل: تاريخ القرآن. نشر هذا الكتاب سنة 1860م وهو الآن أساس كلّ بحث في علوم القرآن في أوروبا»(2).
ثم تكلّم جفري على هذه المعركة العنيفة التي شنّها أهل النقل على نولدكه
عقب صدور كتابه تاريخ القرآن ويحدّد جفري أصحاب النقل في الشرق بالذات، وهو يعني بالطبع المسلمين، ولكنّه لم يصرّح بذلك كعادة المستشرقين في كتاباتهم، ثم يعود فيدافع عن نولدكه ومن نحا نحوه من الباحثين فيقول: «مع أنَّ إنصافهم وصدق نيّتهم وعدم محاباتهم ظاهر، تبيّن من كتبهم أنّهم لا يرمون إلّا الكشف عن الحقّ، وكان عيبهم الوحيد في أعين أهل النقل أنّهم يعتبرون المتن دون الإسناد، ويختارون من آراء القدماء ما يطابق ظروف الأحوال من أسانيد متواترة كانت أم ضعيفة، فكثيرا ما تناقض نتائج أبحاثهم بهذه الطريقة تعليم أهل النقل الذي قد عُرف بين العلماء من زمن بعيد»(1).
والردّ على جِفري في هذه النقطة بسيط جدًّا يتمثّل في ردِّ قوله بالتناقض الحادث بين دراسة المتن والقول بالسند والرواية عند أهل النقل، فدراسة السند والرواية عند أهل النقل من معضدات المتن، وأيّ دراسة صحيحة منصفة ستفضي بالتوافق بين الجانبين باعتبارهما المكوّن العام للبنيّة المعرفيّة للنصّ المدروس.
ثمّ أورد جِفري بعض نتائج أبحاثهم حول تاريخ القرآن الكريم، والتي تمثَّلت في أنّه لمَّا قبض النبي صلّی الله علیه و آله لم يكن في أيدي قومه ،كتاب، ثمّ قضيّة اختلاف مصاحف الصحابة، ثمّ ثالثًا إنَّ مصاحف بعض الصحابة أخذ مقامًا يعتدّ به في الأمصار. رابعًا: إنّ عمليّة الجمع على حرف واحد كانت على يد عثمان بن عفان. خامسًا: خلوّ مصحف عثمان من النقط والتشكيل.
هذه بعض النتائج التي أسفرت عنها الدراسات والأبحاث التي دارت من قبلِ أصحاب العقل- على حدّ تعبير جفري- حول الدرس القرآني، وهي نتائج ليست غريبة عن الفكر الإسلامي، فقد ناقشها ابن أبي داود السجستاني نفسه في كتابه «المصاحف» الذي صدَّره جفري بهذه المقدّمة، ولنأخذ مثالًا واحدًا يمكن أن نبيّن من خلاله آليّات الردّ على ما طرحه جفري في مقدّمته معتمدًا على فهمه لما
1) انظر: مقدّمة: كتاب المصاحف، طبعة: مطبعة الرحمانيّة بمصر، ص4
أورده ابن أبي داود السجستاني في كتابه: «المصاحف»، وهو قضيّة اختلاف مصاحف الصحابة، إذ يمكن الردّ على هذه القضيّة من خلال النقاط الآتية:
أوّلًا: لقد أجمع علماء التفسير والقراءات أنَّ الزيادات في مصاحف الصحابة لا تعدو كونها تفسيرًا للقرآن أو قراءة شاذّة أو خاصّة.
ثانيًا: لقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على مصحف عثمان حال حياته وبعد مماته ولم يتعصّبوا لمصاحفهم.
ثالثًا: هذه المصاحف مشكوك في صحّتها ونسبتها إلى الصحابة؛ لأنّ نصوصها لم تبلغنا بل بلغنا بعض الروايات عن ترتيب سورها وأوجه قراءتها.
ويكفي ما أورده صاحب كتاب «المباني» في هذا الباب، إذ يقول: «وإذ قد بيّنا الكلام في أنَّ القرآن تكلّم سبحانه به على هذا الترتيب الذي هو في أيدينا اليوم، لا على ترتيب النزول، وأوضحنا الحجج فيه من دلائل الأخبار والإجماع والمعقول... زعموا أنَّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أسقط من المصحف خمسمائة حرف. وقد بيّنا فيما قبل ما يكفينا القول فيه من اتفاق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على تأليفه ورضاهم بمصحفه. ولو كان كما قالوا لعارضه الحفّاظ الذين حفظوا جميع القرآن على عهد رسول الله صلّی الله علیه و آله »(1).
فلو كان أصحاب المصاحف من الصحابة يعتقدون أنّ ترتيبهم الأكمل والأصحّ، الخالفوا عثمان وأعلنوا ذلك للمسلمين، واستمسكوا بترتيب مصاحفهم، ولم يأخذوا بترتيب المصحف العثماني، لكنّ شيئًا من هذا لم ينقل إلينا، وإنّما الذي نُقل هو إجماعهم على مصحف عثمان رضي الله عنه دون مخاصمة في تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان.
1) انظر: مقدّمتان في علوم القرآن (مقدّمة كتاب المباني، ومقدّمة ابن عطيّة)، نشرة آرثر جفري، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص 78 ، 1954
ثانيًا: نقد تحقيق آرثر جفري لكتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني
هذا هو الاتّجاه الثاني من اتّجاهات النّقد الموجّهة لأيّ منجزٍ تحقيقيٍّ، وهو يتمثّل في نقد إجراءات التحقيق، أو نقد المنهج الذي اتَّبعه المستشرقون في إخراج المخطوط ونشره. وهو اتّجاه نقديّ يدور حول الآليّة المتّبعة من قبل المستشرق في عمليّة المعالجة التحقيقيّة للنصّ المخطوط، ويحاول هذا الاتّجاه أن يجيب على سؤال: هل استوفت المعالجة التحقيقيّة للمخطوط من قبل المستشرق إجراءات علم التحقيق؟!.
صحيح أنَّ هذه الإجراءات لم تكن معروفة بالشكل الذي هي عليه الآن في تلك البدايات الأولى التي أخذ فيها المستشرقون على عاتقهم الممارسات الأولى لعلم التحقيق في الدرس التراثي المعاصر، فقد كان للاستشراق سبق الممارسة لا سبق التأسيس، فإجراءات علم التحقيق بمفهومها الحديث معروفة في تراثنا العربي، ومنصوص على الكثير منها في تلك المؤلّفات التي دارت حول علم الحديث النبويّ ووضع مناهج لاختياره ونقده، كما عند القاضي عيّاض في «الإلماع في معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» (1)، وكما عند ابن الصلاح في كتابه «معرفة أنواع علوم الحديث» (2)المشهور بمقدّمة ابن الصلاح، وكما عند العلموي أيضًا في كتابه «المعيد في أدب المفيد والمستفيد»(3).
إنَّ كلَّ هذه المؤلّفات التي دارت حول علم الحديث وحاولت التأصيل لمنهج نقدي يعكس إسهامات العقليّة العربيّة في هذا الجانب، مثَّلت الجذور الأولى لعلم التحقيق في تراثنا العربي، لذلك يخطئ من ظنَّ أنَّ أسس علم التحقيق قد وُضعت على أيدي المستشرقين، وإنّما كان لهم فضل السبق من ناحية الممارسات الأولى في إخراج النصوص المخطوطة ونشرها.
1) انظر: القاضي عياض: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط1، القاهرة/ تونس، دار التراث/ الدار العتيقة، 1379 هجرية
2) انظر: ابن الصلاح ، کتاب معرفة أنواع علوم الحديث، تحقيق: عبد اللطيف الهميم، ماهر يوسف الفحل، ط1، بیروت، دار الكتب العلميّة، 1423 هجريّة
3) انظر: العلموي: المعيد في أدب المفيد والمستفيد، تحقيق: د. مروان العطيّة، الطبعة الأولى، مكتبة الثقافة الدينية، 1424 هجريّة
على أيّةِ حالِ إِنَّ الاتجاه الثاني يشمل نقد تلك الإجراءات التي اعتمدها المستشرقون في نشر النصوص العربيّة المخطوطة، وهو اتّجاه ينبثق من النصّ ذاته دون الدخول مع المستشرق المحقّق للنصّ في سجال فكريّ حول آرائه التي حاول أن يبثّها من خلال معالجته للنصّ المخطوط.
وتتمثّل إجراءات علم التحقيق التي ينبغي أن يلتزم بها المحقّق بشكلٍ عام فيما يلي:
أ. اختيار نصٍّ ما للتحقيق، ولهذا الاختيار شروط، يأتي على رأسها أن يكون المحقّق متخصّصًا في الفنّ الذي ينتمي إليه المخطوط، فلكل فنٍّ مصطلحاته، أو معجمه الاصطلاحي الذي لا يدركه إلا أهل التخصّص في هذا الفنّ، والإخلال بقضيّة التخصّص يؤثّر حتمًا على معالجة المتن وفهمه، وقد يؤدّي في النهاية إلى إنتاج نصٍّ مشوّهٍ يبتعد غاية البعد عن مراد مؤلّفه.
ب. جمع النُّسخِ الخطيّة للمخطوط المراد تحقيقه، وهذا الإجراء يتطلّب من المحقّق أن يكون على معرفة بدور وخزائن المخطوطات المختلفة، وأن يكون على علم ٍبفهارسها وكيفيّة البحث فيها لإمكانيّة الوصول إلى تلك النُّسخ المختلفة.
ج. ترتيب منازل النُّسخِ لتحديد النسخة أو النُّسخ المعتمدة في عمليّة التحقيق، ولهذا الترتيب آلّياته المعروفة.
د. المقابلة بين هذه النُّسخ الخطية التي وقف عليها المحقّق للنصّ الخطّي الواحد، وإثبات الفروق بينها في الهامش، والهدف من المقابلة الوصول بالنصّ إلى أقرب صورة أرادها مؤلّفه.
ه-. تخريج النصّ والتعليق عليه، والمقصود بمصطلح التخريج الترجمة للأعلام والمصطلحات الواردة في النصّ، وبيان ما غمض من النصّ من خلال التعليق عليه في الهامش.
و. صنع الكشّافات الخادمة للنصّ، والتي تساعد القارئ في الوصول إلى مبتغاه بشكل سهل وسريع.
ي. المقدّمات القبليّة الخادمة للنصّ، والتي تتمثّل في: مقدّمة التحقيق ودراسة النُّسخ الخطيّة، ودراسة مؤلّف المخطوط، وبيان منهج التحقيق.
هذه بشكل عامٍ ومختصر إجراءات علم التحقيق التي استقرّت عليها المؤلّفات التي أصَّلت لهذا العلم في الدرس التراثي المعاصر، ومدار عملنا في هذا البحث وتلك البحوث التالية له - إن شاء الله تعالى - هو نقد تلك الإجراءات وبيان مقدار إحاطة المستشرق بها في تناوله للنصّ العربيّ المخطوط، وهذا هو الطريق الثاني من طرق النقد الموجّه لأيّ نصٍّ من النصوص تمّ تحقيقه على أيدي مدرسة الاستشراق أو غيرها.
وهذا المنهج في النقد أراه - من وجهة نظري - مهمًّا من أوجه عدة:
أوّلًا: إنَّ معظم الذين تصدُّوا لنقد تحقيقات المستشرقين حول التراث العربي وقفوا عند الاتجاه الأول، ودخلوا في حرب فكريّة حاولوا من خلالها بيان مقاصد المستشرقين من وراء ما كتبوه، وكان أغلبه محاولة الطعن في الإسلام والنيل منه، وبالتالي غلبت عليهم قضيّة الردّ والدفاع، ولم يتعرّض أحّدهم إلى بيان الإخفاق أو النجاح في معالجة المستشرق للنصّ من ناحية إجراءات التحقيق. ففي النشرة الثانية التي نشرتها دار البشائر لكتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني لم يتعرّض المحقّق د. محب الدين واعظ لنقد إجراءات التحقيق التي قام بها محقّق النشرة الأولى للمخطوط د. آرثر جفري، إلّا في جانب حديثه عن قضيّة اعتماد جفري على نسخة واحدة في نشر المخطوط، ومقارنتها بنسخة تعدّ في منزلة الفرع عن نسخة الظاهريّة، وإنّما شملت مقدّمته الطويلة قضيّة الردّ والدفاع وتفنيد آراء المستشرق التي صدَّرها في مقدّمته.
ثانيًا: إنَّ الوقوف عند نقد الإجراءات ربّما يجعلنا نضع أيدينا من قريب على معارف المستشرقين تجاه علم معالجة النصّ (علم التحقيق)، وبالتالي نتمكّن من فهم ما قدّموه ونبيِّن مواطن النقص فيه.
ثالثًا: إنَّ الانطلاق في نقد النصّ من المعالجات المختلفة التي دارت حوله لتقديمه
للقارئ أمر من شأنه أن يُعلي أو يقلّل من شأن النصّ المُعالج، وبالتالي يمكننا من خلاله إصدار حكم على تلك النصوص التي تناولها المستشرقون بالمعالجة النقديّة دون الدخول في سجالات فكريّة من هنا أو هناك.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة تلك الردود والانتقادات التي سلكت طريق الردّ على الآراء الفكرية التي نادى بها المستشرق، وإنما قصدنا بيان آليّة أخرى من آليّات النقد الموجّه لمعالجات المدرسة الاستشراقيّة لنصوص التراث العربي المخطوط. غاية الأمر سنحاول فيما تبقّى من هذه الدراسة بيان مدى التزام «آرثر جفري» بإجراءات علم التحقيق في تحقيقه لكتاب المصاحف، لابن أبي داود السجستاني، وتتمثّل ملامح هذا المنهج النقدي الموجّه للإجراءات فيما يلي:
نقد إجراء جمع النسخ الخطيّة
أوّلًا: إنَّ المستشرق آرثر جفري لم يعبأ بقضيّة النُّسخ الخطية المختلفة للمخطوط، والتي يهدف المحقّق من خلالها الوصول بالنصّ إلى أقرب صورة أرادها مؤلّفه، وإنّما نشر المخطوط على نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (1)، وللمخطوط نسخة أخرى معروفة ذكرها محقّق النشرة الثانية، وهي موجودة في مكتبة تشستربتي، ولا أظنّها كانت صعبة المنال على هذا المستشرق ذائع الصيت وصاحب الأسفار.
ثانيًا: يذكر آرثر جفري أنّه وقف على نسختين خطيّتين لهذا المخطوط منقولتين من نسخة الظاهريّة، الأولى في دار الكتب المصريّة، والثانية في مكتبته، وهذا يعني أنَّ ثلاثتهم نسخة واحدة، ثم يعود فيقارن بين نسخة الظاهريّة ونسخة دار الكتب، وهو إجراء لا يصحّ تمامًا، فمن الصعب مقابلة الشيء على نفسه (2)، وهو أمر يشكّك في بعض معارف المستشرقين لأسس علم التحقيق، مما ينعكس على قضيّة التناول للنصّ المحقّق الذي أنتجه المستشرق.
والخطورة في هذه القضيّة - قضيّة المقابلة بين النُّسخ الخطيّة - أنّها تؤثّر مباشرة على المتن الذي يمثّل مخرجات عمليّة التحقيق، فالمقابلة بين النُّسخ الخطيّة ضابطة للمتن، وبدونها يخرج النصّ مشوّهاً لدرجة تبتعد به عن مراد مؤلّفه، والإشكاليّة الكبرى أنَّ المستشرقين ربّما بنوا بعض قضاياهم أو وجهات نظرهم على بعض هذه القراءات المضطربة للمخطوط.
نقد إجراء تخريج النصِّ والتعليق عليه
لم يخدم المستشرق آرثر جفري النصَّ العربي المخطوط بما يستحقّه من خدمة من ناحية قضيّة تخريج ما يحتاج إلى تخريج من النصّ، فمعظم الأحاديث الواردة في النصّ المخطوط لم يخرِّجها على مصادرها ومظانها، وإنّما تركها كما هي دون أدنى إشارة، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا داخل المتن المحقّق، فمن ذلك الحديث الذي أورده السجستاني تحت «باب الأمر بكتابة المصاحف» إذ يقول: حدّثنا عبد الله قال حدّثنا يحيى بن حكيم، قال حدّثني أبو الوليد حدّثني همام، وحدّثنا محمّد بن عبد الملك حدّثنا يزيد، قال أخبرنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي صلّی الله علیه و آله قال : « لا تكتبوا عنِّي شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عني شيئًا سوى القرآن فلیمحه»(1).
لم يُخرِّج آرثر جفري هذا الحديث، ولم يعلّق عليه، وإنما أجراه كغيره في سياق الكلام، وهذا خلل واضح في تحقيقات المستشرقين، وهو خلوّ تحقيقاتهم من أيّ خدمة للنصّ مشغلة التحقيق بما يقرّبه للقارئ أو المتلقّي.
والشيء الخطير أنَّ البعض من هذه الأحاديث يدخل في دائرة الأحاديث الضعيفة التي يصعب أن نقيم عليها دليلًا علميًّا حول قضيّةٍ كهذه التي يعالجها كتاب المصاحف، بل الأكثر من ذلك بنى عليها بعض آرائه الفكريّة في قضيّة تاريخ القرآن الكريم.
1) انظر: کتاب المصاحف، نشرة آثر جفري، م.س، ص 4
كذلك وقع المستشرقُ في أخطاءٍ عدّة في تعيينه بعض رجال الأثر، وقد ذكر هذه الأخطاء محقّق النشرة الثانية للمخطوط، والتي منها على سبيل المثال فقد وقع المستشرق في خطأ فادح في تعيين عمّ المؤلّف، فقال: هو يعقوب بن سفيان في عدّة مواطن، وسبب الخطأ أنّه نقل نصًّا بالتحريف، واعتمد على هذا التحريف في تعيين عمِّ المؤلّف، إذ نقل في سند الأثر (318) قول المؤلّف: حدثنا عمِّي ويعقوب بن سفيان، بحذف واو العطف، فظنَّ أنّ يعقوب هو عمّ المؤلف، والصواب أنَّ يعقوب شيخه، وكذا عمّ المؤلّف شيخه، وهو: محمّد بن الأشعث السجستاني(1).
كذلك حصل من محقّق النشرة الأولى الدكتور آرثر جفري بعض التحريف في إسناد بعض آثار الكتاب من ذلك ما ورد في الأثر رقم (316) قول المؤلّف: (والحسن بن أبي الربيع أنَّ عبد الرزاق) فقد ذكر المستشرق (ابن عبد الرزاق) وقريب من هذا ما ورد في الأثر رقم (414) حيث قال المؤلّف (نا محمّد نا شعبة) فحرَّف جفري وقال (محمّد بن شعبة)، والأثر رقم (424) قال المؤلّف: «محمّد عن سفيان) وذكر المستشرق «محمّد بن سفيان»(2).
دراسة خوارج النصّ
إنَّ المقصود بخوارج النصّ هي تلك العناصر الماديّة المحيطة بالمخطوط، والمنتشرة على صفحاته من سماعات ،وتملكّات، وقراءات، وأوقاف وإيجازات وغيرها.
وقيمة هذه العناصر الماديّة أنّها تصبّ مباشرة في خدمة المحقّق، فقد تُعلي من شأن نسخة على أخرى في قضيّة ترتيب منازل النُّسخ، حيث تتضمن بعض هذه الخوارج معلومات تأريخيّة عن نسخة ما سقط منها تاريخ النسخ، ولم يستطع المحقّق وضعها في منزلتها الحقيقيّة، ولم يستطع كذلك التعرّف على تاريخها من خلال دراسة الورق والخطّ الذي كتبت به، وقد تكون هذه النسخة من أهمّ النُّسخ التي يمكن الاعتماد عليها في إخراج النصّ.
ثمّ إنَّ هذه الخوارج النصيّة يمكنها أن تقدّم تصوّرًا مهمًّا عن رحلة المخطوط في الأقطار الإسلاميّة من خلال القراءات التي يحملها على أوراقه والتملكات والأوقاف، وهو أمر في غاية الأهميّة لرصد الحركة العلميّة في فترة من الفترات.
ثم إنَّ المستشرق آرثر جفري لم يذكر كلّ السماعات والقراءات التي انتشرت على مدار النسخة، ولم يدرسها دراسة تفصح عن قيمتها العلميّة التي يمكن من خلالها في بعض الأحيان الوصول إلى تاريخ النسخة الخطيّة التي تحوي هذه السماعات والقراءات... وغير ذلك من مفردات الدرس الكوديكولوجي.
يقول محقّق النشرة الثانية من كتاب المصاحف: «اعتمد المستشرق في نشر هذا الكتاب على النسخة الظاهريّة وقابلها مع نسخة دار الكتب المصريّة - مع كونها منسوخة من الظاهريّة- مدَّعيًا بأنّها نسخة ثانية، وطبع الكتاب بنقص الورقة الأولى، وذكر بعد المقدّمة شيئًا من ترجمة المؤلّف، وأورد بعض السماعات الموجودة في المخطوطة، تاركاً الكثير منها لجهله أهميتّها وفوائدها ونتائجها»(1).
المقدّمات القبلية للنصّ المحقّق
إنَّ المقصود بالمقدّمات القبلية هي تلك الدراسة القبليّة للتحقيق التي يصنعها المحقّق؛ ليدرس فيها قضايا عدة مهمة ترتبط بالنصّ موطن التحقيق، وتتمثّل هذه القضايا في دراسة المؤلّف دراسة تنبئ عن صحّة نسبة المخطوط إليه، ثم دراسة النسخ الخطيّة المختلفة التي سيعتمد عليها المحقّق في تحقيق النصّ، وهي دراسة وصفيّة تنقل للقارئ الجهد الذي قام به المحقّق في جمع النُّسخ الخطيّة، وهو أمر ينبئ بالثقة في النصّ الذي يمثّل المُخرج النهائي لعمليّة التحقيق، ثمّ بيان المنهج الذي اتّبعه المحقّق في إخراج النصّ.
هذه باختصار بعض المكوّنات العامّة التي تمثّل في مجموعها المكمّلات القبليّة للنصّ المحقّق، وهي دراسة مهمّة خاتمة للمتن المحقّق من زواياه المختلفة.
1) انظر: مقدّمة: كتاب المصاحف، نشرة محب الدين عبد السبحان ، واعظ، م.س، ص97
وبالتأمل في النشرة الأولى من كتاب المصاحف نجد أنَّ آرثر جفري طغى عليه في المقدّمة تقديم بعض آرائه الفكريّة عن موضوع الكتاب، وجاء ذلك على حساب دراسة النصّ من شتّى زواياه، وبيان منهج تناوله، وهو أمر يجعل الكتاب في نشرته الأولى عُرضة لكثير من النقد الذي يمكن أن يندرج تحت قولنا إنّ التحقيق برمّته جاء وسيلة لعرض آراء هذا المستشرق حول قضيّة «تاريخ القرآن» لخَّص معظمها في مقدّمته التي صدَّر بها التحقيق.
خاتمة
ما ذكرته هو بعض ملامح النقد الموجّهة لذلك المنجز الذي أنجزه المستشرق آرثر جفري، والمتمثّل في تحقيقه لكتاب المصاحف، لابن أبي داود السجستاني، وقد سلكتُ في بيانها مسلك نقد إجراءات التحقيق ومعالجة النص دون الدخول في سجالات فكريّة من هنا وهناك. ومع هذا يلاحظ أمور، وهي:
أنّ المستشرق آرثر جفري لم يعبأ بقضية النُّسخ الخطيّة المختلفة للمخطوط مع أنّه يوجد للمخطوط نسخة أخرى معروفة ذكرها محقّق النشرة الثانية، وهي موجودة في مكتبة تشستربتي، ولا أظنّها كانت صعبة المنال على هذا المستشرق صاحب الأسفار والذيع الصائت.
وقع آرثر جفري بإشكاليّة تؤدّي إلى التشكيك في جانب مهمّ من معارف المستشرقين لأسس علم التحقيق، مما ينعكس على قضيّة التناول للنصّ المحقّق الذي أنتجه المستشرق، فيذكر آرثر جفري أنّه وقف على نسختين خطيّتين لهذا المخطوط منقولتين من نسخة الظاهريّة، الأولى في دار الكتب المصريّة، والثانية فى مكتبته، وهذا يعني أنَّ ثلاثتهم نسخة واحدة، ثم يعود فيقارن بين نسخة الظاهريّة ونسخة دار الكتب، وهو إجراء لا يصحّ تمامًا، فمن الصعب مقابلة الشيء على نفسه.
لم يخدم المستشرق آرثر جفري النصّ العربي المخطوط بما يستحقّه من خدمة من ناحية قضيّة تخريج ما يحتاج إلى تخريج من النصّ، فمعظم الأحاديث الواردة
في النصّ المخطوط لم يخرِّجها على مصادرها ومظانها.
إنَّ المستشرق آرثر جفري لم يذكر كلّ السماعات والقراءات التي انتشرت على مدار النسخة، ولم يدرسها دراسة تفصح عن قيمتها العلميّة التي يمكن من خلالها في بعض الأحيان الوصول إلى تاريخ النسخة الخطيّة التي تحوي هذه السماعات والقراءات.
لقد طغى على آرثر جفري في النشرة الأولى من كتاب المصاحف تقديم بعض آرائه الفكريّة عن موضوع الكتاب، وجاء ذلك على حساب دراسة النصّ من شتّى زواياه وبيان منهج تناوله.
لائحة المصادر والمراجع
الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عيّاض، تحقيق السيد أحمد صقر ، دار التراث / الدار العتيقة، القاهرة/ تونس، الطبعة الأولى، 1379 هجرية.
فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهريّة : علوم القرآن - المصاحف، التجويد، القراءات، وضعه: صلاح محمّد الخيمي /286/2-287.
كتاب المصاحف، لابن أبي داود السجستاني، تحقيق الدكتور آرثر جفري، مطبعة الرحمانيّة بمصر ، الطبعة الأولى، 1355 ه-، 1936م.
كتاب المصاحف، لابن أبي داود السجستاني، تحقيق الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ، دار البشائر الإسلاميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1423 ه- ، 2002م.
کتاب معرفة أنواع علوم الحديث، لابن الصلاح، تحقيق عبد اللطيف الهميم، ماهر يوسف الفحل، دار الكتب العلمية، بيروت ،لبنان، ط 1، 1423 هجريّة.
المستشرقون، نجيب العقيقي، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة، الجزء الأوّل، ص 1013.
المعيد في أدب المفيد والمستفيد، للعلموي، تحقيق د. مروان العطيّة، مكتبة الثقافة الدينيّة، الطبعة الأولى، 1424 هجريّة.
مقدّمتان في علوم القرآن (مقدّمة كتاب المباني ومقدّمة ابن عطيّة)، نشرة آرثر جفري، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1954.
نقد مقدّمة آرثر جفري في كتاب المصاحف، د. هشام عزمي، ملتقى أهل التفسي،ر بتاريخ 2011/1/19.
د. الشيخ محمَّد علي الرضائي الأصفهاني(2)
السيِّد مهدي اعتصامي(3)
مقدّمة
يعتبر كتاب «القرآن: موسوعة»، المعروف ب- «موسوعة القرآن - أوليفر ليمن» العمل الثاني؛ من حيث الجهد والحجم وفريق العمل، الذي أعدّه المستشرقون حول القرآن الكريم، بعد موسوعة القرآن (ليدن). ويترأّس تحريره البروفيسور «أوليفر ليمن» (Oliver leaman)، وقد أُنجِزَ في العام 2005م، وطُبع في مجلَّد واحد. علمًا أنَّ إطلاق «موسوعة» على مثل هذا الكتاب هو من باب التسامح؛ ولا سيَّما أنَّ موضوعه القرآن الكريم؛ إذ إنَّ لتأليف الموسوعات القرآنيَّة خلفيَّات ومزايا خاصَّة(4).
وتهدف هذه الدراسة إلى: تقديم عرض وتوصيف لهذا الكتاب (الموسوعة)، وترجمة لمداخله، ونقد لآليَّة اختيارها وترتيبها.
1) الأصفهاني، محمَّد علي الرضائي؛ اعتصامي، السيِّد مهدي: "معرفی و بررسی دایره المعارف قرآن، اليور ليمن"، مجلَّة قرآن پژوهی خاورشناسان، ترجمة: علي فخر الإسلام، المجلَّد4، العدد7 ، خريف وشتاء 1388 ه-.ش، ص29-70
2) عضوّ الهيئة العلميَّة في جامعة المصطفى صلّی الله علیه و آله العالميّة في قم المقدَّسة
3) ماجستير المركز التخصُّصّي لتفسير القرآن وعلومه
4) للاطِّلاع على خلفيات ومزايا تأليف الموسوعات القرآنيَّة، انظر: الأصفهاني، محمَّد علي الرضائي: "بررسی دایره المعارف قرآن ليدن"، مجلَّة قرآن و مستشرقان، العدد1، ص 43-47
أوَّلًا: التعريف بالموسوعة
صورة
يقول أوليفر ليمن بصدد بيان دافعه في تأليف الموسوعة «القرآن [الكريم] مصدر إلهامٍ لأحد أكبر أديان العالم (الإسلام) والذي يربو عدد أتباعه على المليار، وهو يلعب دورًا محوريًّا في الإسلام، وقد كان موضع بحث و جدل شديدين منذ نزوله (قبل أربعة عشر قرنًا)، واختلف الباحثون فيه بين مسلمين ومعادين للإسلام ومحايدين؛ ما دعا إلى ظهور طيفٍ واسعٍ من الآراء».
يبيّن أوليفر ليمن أهداف الموسوعة بقوله:
أ. هدف الموسوعة استعراض الآراء ووجهات النظر والأساليب والاتَّجاهات المتنوّعة؛ لتعكس ردود الأفعال الشديدة التي أثارها هذا النصّ (القرآن) وخلقها طوال التاريخ.
ب. تمثِّل هذه الموسوعة وحيدة المجلَّد مصدرًا مهمًّا يوضع في تصرُّف الباحثين؛
الأمر الذي يدلل على تغطيته أبعاد النص القرآنيّ كافة. وما لقيه من ترحيب القرَّاء مؤشّرٌ على ذلك.
ج. فرض موضوع «الإسلام والقرآن» نفسه على أخبار اليوم، وصار موضوع بحثٍ وحواراتٍ عامَّة كثيرة، وأرضيَّة لعديدٍ من الآراء والنظريَّات، دون أن يكون لمن يخوضون فيه أيّ فهمٍ مسبقٍ أو خلفيَّةٍ علميَّةٍ متينةٍ حوله.
د. مساعدة القرّاء؛ من خلال لعب دور وسيلة دراسة وبحث في حقل الدراسات القرآنيّة؛ وذلك عبر الجهد الشامل المبذول فيها».
يقول مؤلّف الموسوعة في مقدّمتها:
«منذ سنوات خلت وأنا أفكّر بإنجاز عملٍ بحثيٍّ قرآنيٍّ يفيد كثيرًا من المتخصِّصين، مع السعي كي لا يكون مكثَّفًا جدًا؛ مثل بعض الأعمال الأخرى المبسُّطة. وتهدف الموسوعة إلى ملء الفراغ الذي يفصل بين الكتب العلميَّة التخصُّصيَّة والكتب المبسَّطة جدًّا. إنَّ إلقاء مجرد نظرة سريعة وأوَّليَّة يشير إلى أنَّنا لم نضع العمل العلميّ جانبًا؛ فأكثر الموضوعات جاءت مفصَّلة جدًا وعلميَّة وتناولت إلى حدٍّ كبير دقائق الموضوع وتفاصيله، وهناك مداخل قاربت مفاهيمها ونظريَّاتها بصورة موجزة وكلُّيَّة.
ليس هذا الكتاب معجمًا قرآنيَّا - بل سَعَيْنَا ألَّا يكون كذلك- بحيث يوضح كلّ مصطلح ورد ذكره في القرآن وإنّما اختير للبحث والدراسة مصطلحاتٌ تلعب دورًا رئيسًا في فهم القرآن، كما أدرجنا بعضًا آخر مماّ يلفت النظر والانتباه على الرغم من عدم محوريّته. وقد أردنا بذلك تقديم نمطٍ جديدٍ من أساليب المعاجم والقواميس للقرَّاء كي يزدادوا فائدةً منها، ويعلموا ما يهمُّهم منها.
تنوعَّت أديان كتَّاب هذه الموسوعة؛ فبعضهم مسلمون، وعدَّةٌ منهم غير مسلمين، فضلًا عن مجموعة أخرى لا يؤمنون بأيِّ دين، ولكنَّ دافع الفضول
للبحث حول القرآن يجمعهم جميعًا. ونتيجةً لهذه الخلفيَّات العقديَّة المختلفة للكتَّاب، ينبغي على القرّاء بدورهم أن يتوقَّعوا التعامل مع طيفٍ واسعٍ من الآراء والنظريَّات الكثيرة في هذه الموسوعة.
لم نسعَ على الإطلاق إلى طرح رأيٍ نهائيٍّ حول المسائل المطروحة، بل على العكس، فقد ضم المحرِّر تقارير متعارضة في الموسوعة؛ كي يُبيِّن للقارئ مختلف الآراء والتفاسير حول الموضوع. وتُغطّي الموسوعة- إلى حدٍّ كبير - آراءً واستظهاراتٍ وشروحًا وتفاسيرَ وقراءاتٍ للنصّ العربيّ في سبيل مزيدٍ من فهم القرآن.
تُمثَّل الموسوعة مجموعةً من مداخل القرآن، لا الإسلام. ولا ريب في أنَّ الفصل بين القرآن والإسلام عملٌ صعبٌ. طبعًا، قد يُمثَّل هذا العمل دراسة جيِّدة عن الإسلام، من خلال بعض الموضوعات التي ليست ذات صلة وثيقة بالقرآن، ولكنَّ القرّاء سيفهمون بدقَّة علاقتها غير المباشرة بالقرآن. هذا، وثمَّة معضلة تفسيريَّة تتمثَّل في أنَّ أحدًا لا يعلم مدى صلاحيَّته لاستخراج مواضيع من خارج القرآن واستخدامها في تفسير النصّ القرآنيّ، وسيتّضح للقارئ أنَّ هذا الموضوع قد خضع لدراساتٍ كثيرة من قِبَل مفسِّري القرآن، الذين قدَّموا آراءً مختلفة في هذا المجال حول الأدوات والوسائل التي يجب استخدامها وتجنُّبها في التفسير، وهو ما يشير إلى تنوُّع المدارس الفكريَّة والنزعات العقديَّة والمذهبيَّة في الإسلام. وحقيقةً، لطالما كان تحديد ما يجب استخدامه والابتعاد عنه في التفسير عويصًا ومشكلًا.
لم يُتعرّض في هذه الموسوعة إلى دراسة كثيرٍ من أبرز المفسِّرين والمفكِّرين، ولم يُجعل فيها مدخلٌ مستقلٌّ للمفاهيم القرآنيَّة كافّة؛ إذ ليس هدفنا تقديم كافَّة الأمور والمواضيع الخاصّة بالقرآن توضيحًا وبيانًا، بل سَعَيْنَا للاهتمام بأهمِّ المفاهيم والموضوعات والشخصيَّات والمفكّرين؛ بوصفهم ممثّلين لمختلف المدارس الفكريَّة والاتِّجاهات التفسيريَّة».
تتألّف الموسوعة من أقسام عدة؛ هي:
أ. المقدّمة (تعريف بالكتاب): استعراض الخلفيَّة التاريخيَّة للكتاب والهدف من وراء تأليفه، منهج التأليف والكتابة فيه، كيفيَّة الاستفادة من الموسوعة (هناك صفحتان تستعرضان أسلوب ترتيب المواضيع والآيات و....)، التعريف بالمصادر الرئيسة، علامات الاختصار وكيفيَّة العثور على المداخل.
ب. هيئة التحرير: استعراض أسماء ثمانية أعضاء من الزملاء الرئيسين لأوليفر ليمن في إعداد الكتاب، فضلًا عن اسم الجامعة التي كانت مقرَّ العمل، وفهرسٍ بأسماء الزملاء العاملين (ذكر أسماء 43 كاتبًا لمقالات الكتاب).
ج. فهرس بالمداخل على أساس الترتيب الهجائيّ: فهرسة المداخل مع أسماء الكتَّاب، دون ذكر رقم الصفحة. ورد في هذا الفهرس ذكر المداخل كافّة؛ سواء المرجعيّة أو غيرها.
د. نصّ المداخل ( A to Z): ويُعدُّ القسم الأصليّ من الكتاب، حيث يشغل حجم الكتاب الأساس (714 صفحة)، ويأتي على ذِكْر تفاصيل المداخل؛ حسب ترتيب الفهرس.
ه-. مسرد المصادر: في هذا القسم الذي يضمّ 11 صفحة، جرى عرض فهرسٍ جامعٍ نسبيًّا لأهم مصادر البحث حول القرآن أو فيه؛ من وجهة نظر الكتَّاب.
و. فهرس الإرجاعات القرآنيَّة: ويتضمّن دليلًا كاملًا عن الآيات كافَّة التي جرى الإرجاع إليها في النصّ.
ز. فهرس الأسماء: وفيه جمع الأسماء كافّة التي ورد ذِكْرها في الكتاب على شكل دليل .
ح. دليل موضوعيّ: وهو دليل مفصَّل عن الأعلام والأماكن وموضوعات الكتاب.
أوليفر ليمن (مواليد 1950م)، أستاذ الدراسات الفلسفيَّة في جامعة كنتاكي الأمريكيَّة، متخصّص في الفلسفة الإسلاميّة والفلسفة اليهوديَّة في القرون الوسطى. أكمل دراساته الجامعيَّة في جامعتي أكسفورد وكامبريدج، ونال درجة الدكتوراه عام 1979م.
عمل مدرِّسًا في جامعة كنتاكي منذ العام 2000م. تُرجمت أعماله في الفلسفتين الإسلاميَّة واليهوديَّة إلى لغاتٍ كثيرة؛ منها : الفارسية. وأبرز مؤلِّفاته في إيران: «تاريخ الفلسفة الإسلاميَّة»(1)الذي أشرف مع السيِّد حسين نصر على تحريره.
وقد خاطب «ليمن» في موسوعته القرآنيَّة هذه الأشخاص الذين لا معرفة مسبقة لديهم عن: الإسلام، القرآن، واللغة العربيّة.
شارك في تحرير هذه الموسوعة مجموعة من الباحثين؛ هم:
أ. أسما أفسر الدين ( Asma Afsaruddin )، من جامعة نوتردام في الولايات المتّحدة الأمريكيَّة
ب. ماسيمو كمبنيني ((Massimo Campanini ، من جامعة ميلانو في إيطاليا
ج. بهار داوري ( Bahar davary )، من جامعة سان دييغو في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة
د. نیفاد کهتران (Nevada Karan) ، من جامعة سيراييفو في البوسنة والهرسك
ه-. أرزينا لالاني (Arzina Lalani) ، من مؤسَّسة دراسات الإسماعيليَّة في لندن
و. تامارا سن (Tamara Sonn)، من معهد ويليام ومري في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة.
1) الكتاب من مجلَّدين، من نشر دار روتلدج في لندن عام 1996م، ومؤسَّسة فرهنگى آرائه في طهران عام 1375 ه-.ش
ز. برانون ویلر (Brannon Wheeler)، من أكاديميَّة القوَّة البحريَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة
ح. استیفان وايلد ( Stefan Wild )، من جامعة بون في ألمانيا.
تضمّ هيئة التحرير والكتّاب في موسوعة أوليفر ليمن 43 عضوًا من أساتذة جامعات 14 دولة حول العالم (جنوب إفريقيا، ألمانيا، الولايات المتَّحدة، إنكلترا، أستراليا، إيطاليا، بلجيكا، بنغلادش، البوسنة والهرسك ،تركيا، نيوزيلندا، السعوديَّة، كندا، لاتفيا).
من مجموع 468 مدخلًا في الموسوعة، هناك 113 مدخلًا إرجاعيًّا. وقد رُتِّبت جميعها وفق الترتيب الهجائيّ للأحرف الإنكليزيَّة.
بعض عناوين المداخل هي ترجمة إنكليزيّة لألفاظ قرآنيَّة أو إسلاميَّة أو غيرها، يتمّ إرجاعها إلى مدخل بكتابة إنكليزيّة. وأحيانًا يجري العمل عكس ذلك. ومنعًا للخلط بين الاثنين، وُضع ما يعادل تلك المداخل التي تأتي على شكل مصطلح، ضمن إشارة اقتباس ( « « ) ؛ فعلى سبيل المثال : المدخل 67 (كتاب، انظر: «کتاب»)؛ بمعنى أنَّ لفظة «كتاب» الأولى هي ترجمة (BOOK)، بينما لفظة «كتاب» الثانية الواقعة ضمن إشارة الاقتباس هي الكتابة العربيّة ل- (KITAB) العربيَّة التي اقتبسها المحرّر من القرآن العربيّ.
وهناك نظام إرجاعٍ كاملٍ نسبيًّا داخل النصوص يسيطر على المداخل. وهناك كثيرٌ من المداخل كُتبت باللغتين؛ لاختلاف كتابة الأسماء في العربيَّة والإنكليزيَّة؛ كي يسهل على القارئ العثور على المدخل أو المصطلح الذي يبحث عنه بأيٍّ من الطريقين التي يراها ملائماً له.
متوسِّط حجم أغلب المداخل حوالى صفحة واحدة وهناك حوالى 40 مدخلًا يتناول المواضيع الأكثر أهمِّيَّة وحساسيَّة؛ ما جعل حجمها أكثر من أربع صفحات. أمَّا أكبر المداخل فهو مدخل «آية» بثماني صفحات ونصف، بينما أصغر المداخل هو مدخل «عزرائيل» بثلاثة أسطر فحسب.
ويمكن تقسيم المداخل بشكل عامّ إلى مجموعات ثلاث:
أ. عاديَّة وقصيرة: يبلغ حجم مادَّتها صفحة واحدة أو أكثر من ذلك بقليل. وتقتصر على حدِّ استعراض كلِّيَّاتٍ في باب تعريف ذلك المصطلح أو الموضوع. طبعًا، بالمقارنة مع بعض المداخل الطويلة كان ينبغي لكثيرٍ منها أن يكون من ذلك الحجم والتناول، ولكنَّ رأي الكتاّب لم يستقرّ على ذلك من قبيل: «الخوئي، آية الله العظمى السيِّد أبو القاسم»، «زبانية»، «زهد». وأغلب مداخل الموسوعة تندرج تحت هذه المجموعة.
ب. مهمَّة نسبيًّا ومتوسِّطة الحجم: وتكون عادةً بحجم صفحتين أو أقلّ من ذلك، وتستعرض زوايا الموضوع بمزيدٍ من البيان والتأمُّل والتعمُّق. من تلك المداخل: «عائشة»، «قانونيّ»، «المسيحيَّة»، «التربية و القرآن»، «الغيب». ويفضّل تناول هذه المجموعة من المداخل بالدراسة والتحليل، من خلال دراسة مجموع المقالات ذات الصلة بها.
ج. ذات أهمِّيَّة كبرى وطويلة: على الرّغم من أنَّ الموسوعة من مجلَّد واحد، وتقوم على مراعاة الإيجاز والاختصار، يُلاحظ أنَّ هناك اهتمامًا خاصًّا بعددٍ من المواضيع؛ حيث تمَّ تناول مادَّتها بمزيدٍ من التفصيل، مقارنةً مع مقالات أخرى في الموسوعة. ليست مداخل هذه المجموعة جميعها طويلة، لكنَّ أهمِّيَّة كلّ منها تتَّضح في ضوء الموضوع الذي تتناوله أو نوع التقرير الذي يعدّه كاتبه عنه (نوع العنوان المنتخب) أو المادَّة المطروحة فيها، وإنْ بإيجاز. ويمكن الإشارة مثلًا إلى مدخل النسخ (3 صفحات) ، أو التي جرى إرجاعها إليه (3 صفحات) وأمثالهما.
وفي المحصّلة يمكن القول إنَّ المقالات التي تتجاوز 4 صفحات في الموسوعة
تندرج في هذه المجموعة؛ ما يستدعي الاهتمام بها وتقويمها ونقدها. وفي ما يأتي عدد من تلك المداخل : «الله» (7 صفحات)، «علي بن أبي طالب» (5 صفحات)، «الآخرة» (6 صفحات)، «الوقائع التاريخيَّة و القرآن» (4 صفحات)، «الإمام/ الإمامة» (5 صفحات)، «الإسلام» (4 صفحات)، «اللغة والقرآن» (15 صفحة)، «النسخ الخطَّيَّة والقرآن» (5 صفحات)، «محمَّد» (9 صفحات)، «عالم الطبيعة والقرآن» (5 صفحات)، «المصادر، المنشأ والتأثير على القرآن» (6 صفحات)، «الوحي» (4 صفحات)، «الصلاة» (8 صفحات)، «العلم والقرآن» (5 صفحات)، «الشيعة» (6 صفحات)، «السنّة» (7 صفحات)، «التفسير في صدر الإسلام» (7 صفحات)، «الترجمة والقرآن» (13 صفحة)، «الحرب والعنف» (7 صفحات)، «ولي/ وَلَيَ ولاية» (5 صفحات).
عادةً ما يعكس اختلاف حجم المقالات في موسوعة ما نوع الأهمِّيَّة التي يوليها الكتَّاب والمحرِّرون الموضوعاتها، وهو ما يظهر جليًّا لدى مطالعة مداخل الكتاب. على أنّ تلك النظرة لا تتحقَّق بوجهٍ دائم؛ إذ يكفي أن نلقي نظرةً فاحصةً على الكتاب لنكتشف غياب تناول بعض المواضيع على الرغم من أهمِّيَّتها الكبرى، أو بالحدِّ الأدنى قد جرى التطرُّق إليها بنسبةٍ بسيطةٍ جدًا، مع إدراج موضوعٍ لا أهمِّيَّة له، أو قليل الأهمِّيَّة، مدخلًا في الموسوعة.
هذا، وقد كتب رئيس التحرير بنفسه 99 مدخلًا، وظهر تخصُّصه الأصليّ في ما اختار من مداخل؛ إذ كانت أغلب مداخله ذات صبغة فلسفيَّة (من قبيل: التعطيل المصير و...) واهتمام يهوديّ. وكثيرٌ من أهمِّ المداخل وأطولها هي جزء من تلك المداخل نفسها، من قبيل: «أهل البيت»، «عرب / عربيّ» (7 صفحات)، «الاستدلال و القرآن» (11 صفحة)، «الفنّ و القرآن» (10 صفحات)، «الكتابة (رسم الخطّ) والقرآن» (5 صفحات)، «الموت» (9 صفحات)ّ «الحديث»، «عيسى» (5 صفحات)، «إعجاز القرآن» (4 صفحات)، «النفس» (5 صفحات)، «النهضة» (5 صفحات)، «عالم الطبيعة والقرآن» (5 صفحات)، «النبوَّة» (4 صفحات)، «الصلاة» (8 صفحات)، «التعطيل» (5 صفحات).
وبیان مداخل الموسوعة وترتيبها في ما يلي:
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
ثانيًا: نقد الموسوعة وتقويمها
تحتوي الموسوعة على مجموعة من نقاط القوّة والضعف على المستويات المضمونيّة والمنهجيّة والفنّيّة، نوردها في ما يلي:
أ. الاهتمام بالمذهب الشيعي وشخصيَّاته: من خلال ذِكْر المداخل الآتية: «الشيعة»، «غدير خمّ»، «الإمام / الإمامة»، «الخوئي، آية الله العظمى السيِّد أبو
القاسم»، «الرازي، فخر الدين»، «الشيخ المفيد»، «دراسة التقليد الشيعيّ»، «أولو الأمر»، «سبل التعرُّف على «ولي»، «ولي / وَلَيَ/ ولاية»، «أهل البيت»، «علي بن أبي طالب». طبعًا، نعني ممَّا ذكرنا نوعيَّة اختيار المداخل، لا تصديق محتوى المقالات؛ إذ لا ريب في أنَّها بحاجة إلى البحث في محلِّه.
ب. استعراض أغلب المداخل في قالب الألفاظ القرآنيَّة: لمّا كان هدف الموسوعة تقديم مزيدٍ من المعلومات التعريفيَّة لمن ليست لهم خلفيّة مسبقة عن الإسلام وكتابه، فقد جرى اختيار المداخل على أساس اللفظ القرآنيّ وترجمة معناه ضمن المقالة؛ كي يخلق لدى القارئ نوعًا من الألفة مع القرآن.
ج. بساطة اللغة وصغر حجم المداخل مقارنةً مع الأعمال المشابهة: من أهمِّ أصول اختيار مداخل الموسوعات الإيجاز والوضوح، وهو ما جرى الالتزام به جيّدًا في هذه الموسوعة؛ إذ تقتصر عناوين المداخل غالبًا على كلمة واحدة، ولم يتجاوز حجم أكثر المداخل الصفحة الواحدة أو أقلّ من ذلك أو أكثر. فضلًا عن السعي إلى إرجاع الحالات التكراريَّة والقابلة للإرجاع إلى مداخلها المناسبة.
عدم توضيح الأسلوب المتَّبع في اختيار الموضوعات: لم يقدِّم الكاتب توضيحًا حول المنهجيَّة المعتمدة لاختيار الموضوعات؛ ما جعل المعيار في ذلك غامضًا! إذ لو كان المعيار أهمَّيَّة موضوع البحث القرآنيّ، فلماذا قُدِّمَت مواضيع فرعيَّة وهامشيَّة قرآنيًّا على سواها؛ من قبيل: «الفرقة الأحمديَّة» أو «البهائيّة» مثلًا؟ مع أنَّه لا توجد أيّ إشارة إلى موضوع بأهمِّيَّة «مراتب الإيمان والكفر»! وإنْ كان المعيار مجرَّد وجود اللفظة الأصليَّة في النصّ، فلماذا لم يرد ذكرٌ لبعض الألفاظ بينما ورد ذكر أخرى؟ وهذا من قبيل كلمة «إيران»، التي تكرَّرت حوالى عشر مرَّات تقريبًا بين ثنايا الموسوعة، دون أن يُفرد لها مدخلًا أصلًا. بينما استعملت عبارة «شاه إيران» مرَّة واحدة، وأفرد لها مدخلًا مستقلًا.
ب. عنوان الكتاب: على الرغم من أنَّ هذا الكتاب يُعرَّف على أنّه موسوعة، لكنَّ نوع تسميته ب- ( the Quran an encyclopedia) لا يوحي بأنَّه موسوعة؛ كي يترجم
ب- «موسوعة القرآن»؛ إذ لم يأتِ العنوان على هيئة تركيب إضافيّ («موسوعة القرآن») الذي يعادل (Ecyclopaedia of the Quran) ،ترجمةً، وهذا العنوان الأخير هو عنوان موسوعة طُبِعَت في ليدن 2001-2005، ضمن ستّة مجلّدات. وكأنَّ أوليفر ليمن أراد التمييز بين الكتابين، فاختار لكتابه العنوان الأوّل. وما يمكن أن نستشِفّه من هدف المؤلّف هو أنّه يريد استعراض كلِّيَّاتِ من المفاهيم والمصطلحات القرآنيَّة بشكل موسوعيّ. إذًا، فالترجمة الحرفيَّة لعنوان الكتاب تصبح: «القرآن: موسوعة»، وكما ذكرنا أوَّلًا، فإنَّ المقصود منه تقديم خلاصةٍ عن القرآن على شكل موسوعة.
ج. الغموض في آليَّة اختيار المداخل : لم يُقدِّم رئيس التحرير أيّ توضيح كافٍ حول كيفيَّة اختيار المداخل؛ وهل أخذ على عاتقه وحده اختیارها جميعًا، أو أوكل الأمر إلى هيئة التحرير أو الكُتَّاب.
د. عدم الاستعانة بالكتّاب المتبحرين في الدراسات القرآنيَّة: يعدُّ حقل الدراسات والبحوث القرآنيَّة أحد أوسع ميادين الدراسات والبحوث عالميًّا؛ إذ عكف كثير من المفكّرين والباحثين والعلماء من مختلف الأديان والمذاهب على تقديم مختلف الآراء حول العلوم القرآنيَّة، التفسير، ...، دون أن نعثر على أيِّ أثر لهم في هذا الكتاب، بل على العكس من ذلك تمامًا، وبناءً على اعتراف أوليفر ليمن نفسه فى مقدِّمته، فقد تمّت الاستعانة ببعض الملحدين. وقد بيّن رئيس التحرير أنَّ الوجه المشترك لكتّاب المداخل يتمثَّل في اهتمامهم بالمواضيع القرآنيَّة؛ الأمر الذي يبدو غير كافٍ لموسوعة علميَّة. ومن اللافت - أيضًا - أنَّه لا يوجد أثر - نسبيًّا - حتّى للمستشرقين الغربيِّين المعروفين من الباحثين في القرآن. فضلًا عن أنَّه من بين جميع الباحثين القرآنيِّين المعاصرين والمسلمين، لم يكن اهتمام سوى بمحمَّد أركون؛ وذلك بتخصيص مدخل كامل باسمه؛ ما يكشف عن نوعٍ من النظرة الخاصَّة والأحاديَّة حيال القرآن في ضوء أفكار أركون، الذي يعتبر وفق العقليَّة العلميَّة السائدة في العالم الإسلاميّ شخصيَّةً متأثّرةً بأفكار المسستشرقين والغربيِّين (1).
ه-. غياب الوحدة المنهجيّة في إرجاع المداخل: تمَّ إرجاع عدد من المداخل المعنونة بمصطلحات قرآنيَّة إلى مداخل مترجمة للإنكليزيَّة؛ كمدخل «الوضوء» إلى
1) انظر: الأصفهاني، محمَّد علي الرضائي: (قرآن و چالش های معاصر- محمَّد أركون نقد ودراسة-)، مجلَّة دراسات المستشرقين القرآنيَّة، العدد 3
«الغسل والتنظيف» بالإنكليزيّة، بينما هناك كثير من المداخل التي أُرجعت من الإنكليزيّة إلى مصطلحها القرآنيّ؛ كالمدخل الأوَّل الذي أرجع فيه «Aaron» إلى مدخل «Harun»، أو مدخل Angel (ملاك) الذي أُرجع إلى مدخل «malak» . ويمكن أن يشير هذا الأمر إلى نوعٍ من النظرة الافتراضيَّة المسبقة للمفاهيم القرآنيَّة؛ إذ تعكس نوعًا من هيمنةٍ عقليّةٍ معيَّنة على مفهوم ما ، لم يُعمَل على إصلاحه وتعديله ليصار إلى تقديمه في ذلك المدخل.
و. غیاب نظامٍ جامعٍ ومانعٍ لاختيار المداخل: من النقاط الإيجابيّة للموسوعة جمعها كافَّة الكلمات الدلاليَّة المفتاحيّة وموضوعاتها ذات الصلة في كتاب واحد، ولكن دون أن يتَّضح السبب الذي دعا إلى وجود مداخل لا تربطها علاقة مباشرة بالمفاهيم القرآنيَّة؛ على الرغم من لزوم انتقاء مفاهيم ذات صلة وثيقة بالقرآن بصورة مكثَّفة في موسوعة من مجلَّد واحد؛ كالكتاب الذي بين أيدينا؛ فمثلًا، ما الداعي إلى تخصيص مدخل باسم أحد البهائيِّين المغمورين في أوساط المفكِّرين والباحثين المسلمين ك- «نورسي، سعيد»؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدخل «عبد الرؤوف، السنخيلي» الذي كان من المفكّرين الماليزيِّين؟ لو كان هذا الكتاب موسوعة لمفكّري العالم الإسلاميّ، لكان من المناسب إدراج هذا المدخل إلى جانب باقي المفكّرين والعلماء المسلمين. ولكنْ لطالما لم يجد كثيرٌ من العلماء -ولا سيّما كبار مفسّري المسلمين - مكانًا لهم في مداخل الموسوعةريال فليس من العلميَّة بمكان ذِكْر أفراد معيَّنين في هذه الحالة.
وهناك إشكالٌ آخر في هذا السياق؛ يتمثَّل في وجود مداخل لا يمكن تعريفها إلَّا بمداخل أخرى مقابلة لها، وهذا ما لم يحصل؛ فمثلًا كان ينبغي وجود مدخل باسم «الأرض» في مقابل مدخلٍ مثل: «السماء». وكذلك فإنَّ وجود مدخل «التين» يشير إلى وجود أهمِّيَّة ما حتَّى يتمّ ذكره في الموسوعة، فلماذا - والحال هذه -لم يذكر الزيتون، والنخل، والعدس، وعشرات الكلمات من أمثاله؟!
ز. غياب استعمال الإملاء العربيّ/ القرآنيّ للألفاظ: عندما تصبح كلمةٌ أو جملٌ معيَّنة في لغة ما أساسًا لبحث ما، ينبغي إدراج اللفظة عينها في البحث؛ لإغناء استيعاب القارئ بشكل أفضل؛ مثل مدخل Alaq» » الذي تقف احتمالات عدَّة
في مقابله : «علَك» (بفتح العين)، «علْك» (بسكون العين)، «علق» و...؛ أو مثل مدخل« «Ahqaf الذي ليس من الواضح بدقَّة هل يعني «أحكاف» أو «أحقاف» أو «أحقف». فلو كان قد أدرج إملاء اللفظة عربيًّا وقرآنيًا بين قوسين، أو تهجئتها بهما مكتوبةً، لما برزت تلك المشكلة.
ح. غياب الوحدة الأسلوبيَّة في اختيار المداخل : إن كان من المقرَّر ذكر المداخل على أساس المصطلحات القرآنيَّة، فلماذا كثر استخدام المعادل الإنكليزيّ لتلك الألفاظ؛ فمثلًا: ذكر مدخل «الصوم» بما يعادله بالإنكليزيَّة، بينما جيء بالمدخل الخاصّ بالصلاة بمصطلحها القرآنيّ «صلوة». والسؤال الأساس الذي يفرض نفسه في هذه الحالة: لماذا تخلَّى (أو تجاوز) الكاتب أو المحرِّر المعيار الأساس في اختيار المداخل على أساس المصطلح القرآنيّ، والذي يعتبر من نقاط قوَّة الموسوعة؟
ط. غياب كثير من أهم المفاهيم القرآنيَّة عن المداخل : تُطلق «الموسوعة» في كلّ موضوع على كلّ كتاب يستعرض كافَّة المفاهيم والمواضيع الجذريَّة والأساس لذلك الموضوع الكلّيّ. ولكن يبرز في هذا الكتاب غياب واضح لمواضيع بالغة الأهمِّيَّة؛ من قبيل: الإيمان، الشرك، العبادة، الجهاد، الهداية، النفاق، بني إسرائيل، وكثير من المصطلحات الأخرى بالغة الأهمِّيَّة في فهم القرآن، والتي غالبًا ما تكرَّرت في آياتٍ عديدة أيضًا، دون أن نجد مبرِّرًا لذلك، الأمر الذي يدعونا إلى التردُّد حيال اعتبار هذا الكتاب موسوعةً. وفي المقابل، ثمَّة ألفاظ ذكرت في عناوين مداخل الموسوعة، مع أَنَّه لم يرد ذكرها مرّة واحدة في القرآن فضلًا عن عدم وجود أيِّ صلة مباشرة بينها وبين المعاني القرآنيَّة؛ من قبيل «العنف» «نورسي، سعيد»، ...
ي. عدم الدقَّة في كتابة الألفاظ القرآنيَّة: في بعض المداخل روعيت الدقَّة في انتقاء ما يعادل في الإنكليزيّة التاء المربوطة في نهاية الكلمة العربيَّة؛ فمثلًا في مدخل «الصلاة» جِيء بحرف« T » معادلًا للتاء المربوطة لتصبح الكلمة «Salat»، بينما في مدخلي «طاعة » و « طهارة»، ليس واضحًا الأسلوب المتبَّع في انتقاء المعادل، وكذلك في المدخل 461 حيث ورد عنوان «Zaka» والمقصود به «الزكاة» قطعًا؛ إذ لم يرد ما يعادل التاء المربوطة فيه. وينطبق الأمر على التاء المفتوحة -أيضًا- باختیار حرف« T » معادلاً لها، كما في مدخل «تابوت» بكتابة Tabut» ». ويلاحظ
عدم مراعاة الدقَّة في اختيار ما يعادل حرف الألف في الكتابة الإنكليزيَّة وتمييزه عن حركة الفتح، مثل: «zalama» معادلًا ل- «ظَلَمَ» بفتح الأحرف الثلاثة؛ حيث صار الحرف «A» معادلًا لحركة الفتحة. أمَّا في مدخل مثل «Ad» جيء بحرف «A» معادلًا لحرف ألف بالعربيَّة من خلال وضع علامة «،» عُلويَّة للدلالة على ذلك لتصبح الكلمة الإنكليزيَّة معادِلةً ل- «عاد». في المقابل، هناك مداخل مثل Ahqaf» » حيث يجب أن يعادل الحرف « a» الثاني في الكلمة حرف الألف في كلمة «أحقاف»، ولم يرد أيّ توضيح؛ ما يجعل القارئ الإنكليزيّ يأخذ احتمالات عدَّة في قراءة الكلمة؛ مثل «أحقَف».
وردت كلمة «محمَّد» في المداخل كافَّة «Muhammad» بفتح الميم الثانية، لكن من غير المعلوم السبب الذي دعا إلى وروده بكسر الميم Muhammed» » في المدخل 227 بعد إرجاعه إلى المدخل 385 (محمَّد بن إدريس الشافعي).
ولمَّا كانت اللغة الإنكليزيَّة غريبةً بالكامل عن العربيَّة، فضلًا عن قلَّة إحاطة أغلب المستشرقين بلغة القرآن الكريم، كان من الأفضل كتابة الألفاظ كما هي عربيَّةً؛ منعًا لأيِّ سوء فهمٍ أو اشتباهٍ قد يعتري القارئ ؛ إذ إنَّ كثيرًا من حالات الفهم الخاطئة والمغالطات التي وقع فيها المستشرقون - عن حسن نيَّة - كانت نتيجة عدم إحاطتهم بلغة القرآن والكتب الإسلاميَّة.
ك. دراسة القرآن بأساليب دراسة العهدين: القرآن الكريم آخر الكتب السماويَّة الْمنزَلة، وهو يختلف جوهريّاً عن الكتاب المقدَّس في كثيرٍ من النواحي. لكنَّ المستشرقين والباحثين الغربيِّين في القرآن ما برحوا يصرُّون في كثيرٍ من كتاباتهم على دراسته بالأسلوب نفسه الذي يقاربون به الكتاب المقدَّس. وهذا ما يظهر جليًّا حتَّى في آليَّة اختيارهم للمداخل. ولعلَّ مدخل «القوننة» أبرز مثال على ذلك؛ إذ إنَّ «Canonization» أو «قوننة الكتاب المقدَّس » عبارة عن العمليَّة التي أدَّت إلى تقبُّل الكتاب المقدَّس ومشروعيَّته؛ بوصفه بنيةً كاملةً محدَّدةً للنصوص المقدَّسة. وإنَّ إسقاط تلك العمليَّة وتطبيقها على القرآن الكريم لن يفرز سوى نظرة خاطئة عن ذلك الكتاب السماويّ؛ ما يؤدِّي إلى فهم خاطئ له، الأمر الذي يجعلنا ندرك السبب الذي دعا المستشرقين إلى نسبة أمورٍ إلى القرآن؛ نتيجة تمسكهم
بمفاهيم خاصَّة بالكتب المقدَّسة الأخرى؛ من قبيل: بشريَّة النصّ المقدَّس، إمكانيَّة النقص والزيادة فيه، عدم أصالة الكتاب تاريخيَّا، وكثير من أمثالها؛ ممَّا صرّح به المستشرقون حول القرآن.
ل. إدخال الفرضيَّات المسبَقَة وغير العلميّة: على المقالة الموسوعيَّة أنْ تكون خالية من الفرضيّات غير العلميّة والاعتقادات العامِّيَّة. وهذا الأمر ينطبق على عناوين الموسوعة ومداخلها أيضًا. لكنَّنا نلاحظ أنَّ اختيار العناوين والمداخل يسلم من النقص في هذه الموسوعة، على الرغم من ادِّعاء رئيس تحريرها أنَّه لم يُورِد أيّ مدخلٍ أو مصطلحٍ تخصُّصيٍّ إلَّا في محلِّه؛ فعلى سبيل المثال: يقوم أحد أهمّ ادّعاءات المستشرقين وكثيرٌ من المرتكزات السياسيَّة الفكريَّة الغربيَّة على وصف الإسلام دينًا يدعو إلى العنف والحرب ،حتَّى صارت الكلمة اللاتينيَّة« «Islamophobia مصطلحًا شائع الاستعمال اليوم. هذا، مع العلم أنَّ المتعصِّبين من المستشرقين والغربيِّين يميلون - في هذا السياق - إلى استعمال كلماتٍ من قبيل: «violence»، «war» وغيرها لربطها بالإسلام؛ وهو ما نلاحظه -للأسف- في هذا الكتاب الذي خصَّص مداخل لمثل تلك العناوين. بينما الحقيقة تحكي خلاف ذلك؛ إذ وصف القرآن الكريم نفسُه الإسلامَ ورسولَه بالرحمةِ للعالمين، لا للمسلمين فحسب. وما يزيد الطين بلّةً في هذا الكتاب أنّ ثمّة مدخلًا بعنوان: «قتال»، مع أنَّ مصطلح «الجهاد» بمفهومه الإيجابيّ وذي الجذور القرآنيَّة لم يرد له أيُّ ذكرٍ فيه!
خاتمة
إنَّ كتاب «القرآن: موسوعة» إذ يستحقّ التقدير؛ باعتباره جهدًا جديدًا يحمل نقاطاً إيجابيَّة لاستعراض المفاهيم القرآنيَّة للمخاطب الذي يجهل كتاب المسلمين الوحيانيّ، لكنَّه لا يخلو من إشكالاتٍ ومآخِذَ؛ نتيجة غياب مهنيّة المحرّر وبعض الكُتَّاب وعدم حياديَّتهم في حقل القرآن والتفسير، وعدم الاستعانة بكبار الباحثين القرآنيِّين على مستوى العالم الإسلاميّ، وتدخُّل الأفكار المسبقة الشائعة لدى المستشرقين في الكتابة، الأمر الذي يفرض إخضاع مقالات هذا الكتاب للنقد والمراجعة الجديَّة.
قائمة المصادر والمراجع
1- الأصفهاني، محمّد علي الرضائي؛ اعتصامي، السيِّد مهدي: "معرفی و بررسی دایره المعارف قرآن، اليور ليمن"، مجلة قرآن پژوهی خاورشناسان، المجلَّد 4 ، العدد 7 ، خريف وشتاء 8831ه- ش .
2- الأصفهاني، محمَّد علي الرضائي : "بررسی دايره المعارف قرآن لیدن"، مجلة قرآن ومستشرقان، العدد1.
3- الكتاب من مجلَّدين، من نشر دار روتلدج في لندن عام 6991م، ومؤسَّسة فرهنگی آرايه في طهران عام 5731 ه-.ش.
4- الأصفهاني، محمَّد علي الرضائي: "قرآن و چالش های معاصر - محمَّد أركون، نقد ودراسة-"، مجلَّة دراسات المستشرقين القرآنيَّة، العدد 3.
أ.د. عامر عبد زيد الوائلي
نحاول في هذا البحث التطرق إلى المشروع الألماني المعاصر «موسوعة القرآن» أو« Corpus Corani » وهو اسمٌ لاتينيٌّ معناه «الجسم القرآني». وقد عُقدت ندوةً احتضنها مبنى «معهد الموسوعة الإسلاميّة» ناقشت جوانبَ مختلفةً من مشروع «کوربوس كورانيك» البحثي ، وكذلك مزايا وخصائص المخطوطات القرآنيّة القديمة، والقراءات القرآنيّة، والشواهد التاريخيّة المرتبطة بنزول القرآن وتأريخه(1).
وخلال مشاركته في هذه النّدوة قال مدير المشروع الألماني إنّ التأريخ بوساطة الكربون ال- 14 يعد أسلوبًا مبنيًّا على المعايير العلميّة والتجريبيّة، كما أكّد على أنّ هذا الأسلوب من شأنه أن يُسفر عن نتائجَ ثمينةٍ حول المخطوطات القرآنيّة، كما أنّ من شأنه أن يزيل الغموض حول تاريخها. وأضاف (ميشيل ماركس) أنّه قد تم خلال مشروع «كوربوس كورانيك» البحثي، تأريخ أكثر من 40 نسخةً خطيّةً بوساطة الكربون ال- 14 معظمها نسخُ قرآنيّةٌ، مبيّنًا أن لهذا المشروع أسلوبًا ريادياً وجديدًا في مجال البحوث القرآنيةّ في الغرب.
ومن جهةٍ أخرى، قال الباحث الإيراني «السيد علي آقاييف»: إنّ المشروع يركز على أربعة مجالاتٍ هي: (دراسة المخطوطات القرآنيّة، والمقارنة بين قراءات القرآن، والتعرف إلى الظروف التاريخيّة والدينيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة)
1) بن محمّد المختار، محمّد الأمين: مشروعٌ ألمانيٌّ للتوثيق القرآني تاريخ النشر : 26 Sep 2008، 09:54 . موقع ملتقى أهل التفسير
في عصر نزول القرآن، وكذلك الدراسة التاريخيّة والأدبيّة للنص القرآني(1)
http://www.nourjadeed.org/PostDetails.aspx?i42322-0819f104-d23111-e5000-9405-d3a2002ac
.لكن الأمر يبدو أكبَر من هذا التوصيف، فهذا المشروع، الذي ترعاه «أكاديميّة برلین- براندنبورغ للعلوم الإنسانيّة»، تم إطلاقه في عام 2007م، وتُشرف على المشروع الباحثة الألمانيّة الشهيرة «أنجيليكا نويفيرت» Angelika Neuwirt) ) (2)
Neuwirth, Angelika (2007). «Orientalism in Oriental Studies? Qur'anic Studies as a Case in Point».
Journal of Qur'anic Studies. 9 (21): 115-127
، وتستمر فعاليّات هذا المشروع بتعاون اثني عشر باحثًا ومحقِّقًا، ويُعمل على أن يكتمل المشروع في غضون ثمانية عشر عامًا. ومن المعلومات أيضا أنّ هذا المشروع يعمل فيه عددٌ من الباحثين في مجال العلوم الإسلاميّة، لكن ما هو معلَنٌ من أهداف المشروع البحثي أنّه يهدف إلى اكتشاف النصوص القرآنيّة التاريخيّة القديمة وجمعها لربط تلك النصوص بالسياق التاريخي والثقافي الذي نزلت فيه. وهو ما تجلّى في ما كتبه أو ما هو مصرَّحٌ به من أحاديث الباحثين المشرفين على المشروع، خاصّةً مديرة المشروع البروفيسور أنجيلكا نيوفيرث المتخصّصة في الدّراسات العربيّة والدراسات القرآنيّة بجامعة برلين الحرة، والباحث ميشيل ماركس المتخصّص في الدراسات العربيّة بجامعة برلين الحرة ومدير فريق البحث بالمشروع.ويبدو أنّ هذا المشروع ليس له طابعٌ فرديٌّ، بل هو مشروعُ مؤسّساتٍ كبيرةٍ ولها أهدافٌ استراتيجيّةٌ، ولعلّ هذا ما يمكن أن نفهمه من تصريحات مديرة المشروع؛
1) تاريخ المخطوطات القرآنيّة القديمة بالكربون ال- 14 ، الندوة أقيمت في طهران في معهد الموسوعة الإسلاميّة، حملت عنوان: «تاريخ المخطوطات القرآنيّة القديمة بالكربون ال- 14» حضره الباحث الألماني «ميشائيل ماركس»، والكربون ال- 14 هو نظيرٌ مشعٌ للكربون يوجد طبيعيًّا في المواد العضويّة، ويستخدم في تعيين عمر العيّنات القديمة والآثار التي قد يبلغ عمرها 10,000 عام أو أكثر.:
2) أنجيليكا نويفيرت (ولدت عام 1943) وهي أستاذةً في الدراسات القرآنية من جامعة فراي في برلين بألمانيا. درست الدراسات الإسلاميّة والدراسات السامية والفلسفة الكلاسيكية في جامعات برلين وطهران وغوتنغن والقدس وميونيخ. هي أيضا مديرة مشروع البحث كوربوس كورانيكوم. بين عامي 1994 و 1999 ، كانت مديرة المعهد الألماني للدراسات الشرقية في بيروت وإسطنبول. تعمل حاليًا كأستاذةٍ في جامعة فراي في برلين وكأستاذٍ زائرٍ في الجامعة الأردنية في عمان، وتركّز أبحاثها على القرآن وتفسيراته والأدب العربي الحديث في شرق البحر الأبيض المتوسط ، وخاصةً الشعر والنثر الفلسطينيّين المتعلقَيْن الصراع العربي الإسرائيلي. في عام 2011، تم تعيينها عضواً فخريًا في الأكاديميّة الأمريكيّة للفنون والعلوم، وفي عام 2012 تم منحها الدكتوراه الفخريّة من قسم الدراسات الدينيّة بجامعة ييل. في يونيو 2013 ، منحت مجلة «دويتشه أكاديمي فور سبراشي أوند ديكتونغ» جائزة سيغموند فرويد لأبحاثها حول القرآن. انظر:
إذْ أكّدت أنجيلكا نيوفيرث على أن هذا المشروع بدأ الإعداد له منذ سنواتٍ طويلةٍ، ولكن بدأ تنفيذه بالفعل في عام 2007م بتمويل 2 مليون يورو من أكاديميّة برلين- براندنبورج للعلوم والإنسانيّات في ألمانيا، والتي أنشئت عام 1700م وتُعَدُّ من أشهر الأكاديميّات العلميّة في ألمانيا وأوروبا، إذ تضم مجموعةً من أكبر الباحثين وتموّل بوساطة الحكومة الفيدراليّة في ولايتَيْ برلين وبراندنبرج. هذا المشروع رُصد له الملايين من عملة اليورو الأوروبيّة وهي تُعَدُّ من العملات الصعبة القويّة، ويُشرف عليه فريقان، يقوم الأول بخلق بنك للمعلومات (Data-Bank)، يُصب في قناته كل ما يتعلّق بالقرآن كدراسةٍ تشريحيّةٍ، أي المعلومات والمعلومات فقط، من تفاسير القرآن ونسخٍ قديمةٍ وجديدةٍ، وعلوم القرآن وأسباب النزول ومحكمه من التأويل، وناسخه من منسوخه وقراءاته العشر والمكي من المدني، في تحرٍّ دقيقٍ على الطريقة الألمانيّة المعهودة.. وفي بعض التوصيفات البحثيّة تبين أنّه، يهدف إلى الوفاء بمطلبين ملحّين في البحث القرآني:
أولهما: توثيق النّصّ القرآني من خلال مخطوطاته، ومن خلال نقله مشافهةً (القراءات)، فعلى خلاف النسخ المتداولة للقرآن في يومنا هذا، والتي تستند على طبعة الملك فؤاد القاهريّة في (1923 - 1924م) ، فإنّ المشروع المزمع القيام به يرمي إلى استقراءٍ شاملٍ لشهادات المخطوطات الأولى، وكذلك للقراءات القرآنيّة التي تم حفظها والتي وثّقها التراث الإسلامي. وبما أنّ نظام كتابة المخطوطات القرآنيّة القديمة يتيح - بسبب خلوّه من النقط والإعجام - تعدّدًا في الدلالة، فقد تم اختيار الفصل بين نتائج البحث في المخطوطات، ونتائج البحث الخاصة بالقراءات القرآنيّة. وعلى وفق ذلك فإن التوثيق النصي سوف يتّخذ شكل العرض المزدوج والمتوازي للطريقتين معًا.
وثانيهما: تقديمُ تفسيرٍ مستفيضٍ يضع القرآن في سياقات ظهوره التاريخي. وبالآتي يكون التفسير المروم، فإنّه أوّلًا سيدرس القرآن من منظورٍ تاريخيٍّ (دياكرونيٍّ) تعاقبيٍّ، أي باعتباره نصّاً نشأ بالتدريج عبر عقدين من الزمان، باحثاً عن التطورات الشكليّة والمضمونيّة والمفهوميّة، وكذلك ما طرأ على النصوص القرآنيّة الأولى من إعادة تأويلٍ أو تغييرٍ في الدلالة عبر إحالاتٍ أو إضافاتٍ لاحقةٍ.
أمّا ثانيًا، فإنّ هذا التفسير يعتمد على مقاربةٍ تنظر للسورة باعتبارها وحدةً، وأنّ السور المكيّة على الأقل - في اتفاقها الثابت مع الأنماط البنائيّة المعهودة وأشكال الخطاب المناسبة - هي وحداتٌ أدبيّةٌ.
ثالثًا: يعتمد التفسير كذلك على استقراءٍ واسعٍ للنصوص الموازية يهوديّةً كانت أم مسيحيّةً. ولكن هذا التفسير يتجاوز فيلولوجيا القرآن التقليديّة -التي قامت على مبدأ الكشف عن الأصول المباشرة، منطلقةً من رؤيةٍ معرفيّةٍ تؤمن بخضوع القرآن لتأثيرات النصوص الدينيّة السابقة عليه – ويرى: أن القرآن لم ينطبع سلبًا بالأشكال والمضامين السابقة عليه، بل انتقى منها أشياء، فعدّلها أو أعاد عرضها في ضوء الأفكار والأسئلة التي تتصل بالجماعة القرآنيّة، بل إنه لربما أقام معها جدلًا نقديًّا(1).
فهذا المشروع مرتبطٌ بالميراث الاستشراقي الألماني من خلال الرؤية، إلا أنّه يختلف عنها من حيث المنهج كونه يعتمد على أحدث النتاجات للعلوم الإنسانيّة والتأويل والتحليل؛ إلّا أنه من ناحيةٍ ثانيةٍ مشروعٌ يقوم على الأحكام والمخرجات الاستشراقيّة في تعاملها مع النص القرآنيّ كونه نصًّا بشريًّا أو كونه نصًّا مرتبطًا بمرجعيّاتٍ توراتيّةٍ أو مسيحيّةٍ، وهذا ما سوف نقف عنده في سياق بحثنا، إلّا أنّه يختلف عن الرؤية الاستشراقيّة في جملة مسائلَ وهي جزءٌ من التحوّلات التي أصابت الاستشراق بفعل النقود التي تعرض لها هذا الخطاب بفعل ارتباطه بالرؤية الاستعماريّة وخطابه الاستعلائي. هذه النقود دفعت الكثير من الدراسات الاستشراقيّة إلى تصنيف نفسها خارج الخطاب الاستشراقي، فهي تُقدِّم نفسها كبحوثٍ معاصرةٍ في العلوم الإنسانيّة وهي تختلف عن الاستشراق في نقاطٍ متنوعةٍ منها المنهج (2).
1) سامر رشواني، مشروع الموسوعة القرآنيّة الألمانيّة: عرضٌ وتعريفٌ
2) بعض سمات الاستشراق الكلاسيكي (كالميل إلى المادية، الفهم السطحي، أو المجانسة) استمرت بإمداد روايات الشرق المعاصر، لكنّ الكثير قد تغير؛ فاليوم يتكون الأنصار في معظمهم من مفكري المؤسسات البحثية، سياسيين، صحفيين، خبراء هوليوود، مبشرين مسيحيين، والبعض منهم في الأوساط الأكاديمية، وهم مشغولون بإنتاج معرفةٍ، لكن لديهم صورٌ مهيمنةً منها: وفي هذا الخيال الحالي للمستشرقين الجدد، الشرقيون المسلمون ليسوا فقط محاصرين في تقاليدَ قديمةٍ، وتاريخٍ متجمدٍ وتصرفٍ أو سلوكٍ غير عقلانيٍّ، بل هم بعيدون عن كونهم غريبين أو حميدين، إنهم خطرون، هم تهديد على القيم الثقافية، النزاهة (السلامة) الحضارية، والرفاهية المادية للغرب. انظر: آصف بيات، مقالات فى الاستشراق الجديد، https://www.noonpost.org
سوف نحاول دراسة هذا الموضوع في مقاربتنا البحثيّة هذه من خلال تأصيل المشروع الاستشراقي الألماني وعلاقته بالقرآن، ثم نبرز القراءات المعاصرة التي سبقت المشروع ثم التطرّق إلى أفكار مديرة المشروع «أنجيليكا نويفيرت»، لأنّ أفكارها تصبّ في جوهر المشروع.
المبحث الأوّل: الاستشراق الألماني والقرآن
نجد هذه العتبة ضروريّةً من أجل التطرق إلى بحثنا، فتاريخ الأفكار الألمانيّة قدّم توصيفاتٍ عميقةً عن القرآن، وهذه التوصيفات التي تُعرف بالاستشراق الألماني تمثل مستوى من البحث في التراث الاسلامي وخصوصًا القرآن.
وقد تنوّعت الآراء في هذا الجهد العلمي، فقد نظرت له النظريّة النقديّة لما بعد الكولونياليّة متمثلةً بإدوارد سعيد؛ إذ (اشتهر إدوارد سعيد بادعائه بأنّه لم يكن لألمانيا «اهتمامٌ قوميٌّ طويلٌ ومستديم بالشرق»، وبهذا فليس لها استشراقٌ من النّوع ذي الدوافع السياسّية. وقد ألغى بهذا القول ألمانيا والدراسات العلميّة الألمانيّة من استكشافه لرابطة السلطة والمعرفة التي منحت الشرعيّة والديمومة لمشروع الامبراطوريّة الاستعماريّة الأوروبيّة... يبدو أن تعريف سعيد للاستشراق لا يترك مجالًا لاستكشاف الحالة الألمانيّة، ما أدّى إلى بقائها غير مستكشفةٍ فضلًا عن عدم نيلها حظها من التنظير حتى وقتٍ قريبٍ) (1). هذا الكلام فيه واقعيّةً إذ لا وجود لاستشراقٍ كليٍّ جامعٍ لاختلافات المستشرقين في خانةٍ واحدةٍ، وفي هذه الحال، لا يصح القول بصوابيّة الاستشراق أو خطئه بشكلٍ مطلقٍ، خصوصًا إذا ما أُتفّق على أنّه قضيّةٌ إشكاليّةً بين المستشرقين أنفسهم؛ إذْ إنّ الحكم بالإعدام على رجالٍ كانوا علماء في عصورهم، وقد اشتغلوا بحسب مناهج البحث السائدة آنذاك، لا يخدم الحقيقة العلميّة(2).
وقد كان رضوان السيد، قد وقف موقفًا مختلفًا من جهود الألمان في هذا الحقل
ربما أهمّها تلك التي يُعلّق فيها على ترجمة كتاب «تاريخ القرآن» للمستشرق الألماني نولدكه (1)، وعدم جدواها لاندثار المنهجيّة الفيلولوجيّة في دراسة التاريخ. فضلًا عن الإشارة إلى أهميّة الاستشراق الألماني من حيث حفظ المخطوطات العربيّة (2)
فهو يؤكد أن الخطاب الاستشراقي تم تجاوزه على صعيد المنهج والرؤية وأنّه لم يَعُدْ يُشكّل حضوراً في الوعي الغربي عامةً والوعي الألماني، وهو يعتبر أيّ رؤيةٍ نقديّةٍ هي بمثابة وعي شقيِّيفصل بين الواقع والوعي، وهي حالة تهيمن على الخطابات العربي الاسلاميّة وقد ورثتها عن الخطاب القومي، انظر : محاضرته: :https://www.youtube.com/watch?v=NvViurCsYrs؛ انظر: رضوان السيد: المستشرقون الألمان، النشوء والتأثير والمصائر ،ط2، بيروت، دار المدار الاسلامي 2016 ، ص 14
. وهي رؤيةً تنسجم مع الأطروحات المعاصرة الغربيّة التي تؤكد زوال الخطاب الاستشراقي وأنّ الدراسات المعاصرة هي دراساتٌ علميّةٌ بعيدةٌ عن فقه اللغة والمنهج الفيلولوجي الذي لم يعد يستطيع أن يتوافق مع تطوّر المناهج العلميّة وخصوصًا فيما يتعلّق ب- (مجال التأويل واللسانيّات) وهي رؤيةٌ لا يمكن تقبُّلها بسهولةٍ لما لهذه الدراسات من أثرٍ في المناهج المعاصرة التي لم تُغادر الرؤية السابقة بحسب ما سيظهر لنا.على الرغم من تأكيد السيد على حالة العجز والنقص في الدّراسات العربيّة ونقد إدوارد سعيد والاتّجاهات العربية التي انتقدت الاستشراق، فهذه الدراسات بالمحصلة بقوله: «لم يشهد حقل الدراسات العربيّة الإسلاميّة مشاركاتٍ عربيّةً وإسلاميّةً جديدةً وكثيفةً في العقد الحالي واللاحق» (3).
لكن على الرغم من هذا القول، إلّا أننا نجد أنّ أثر الاستشراق حاضرٌ بقوّةٍ في أكثرَ من مكانٍ في الخطاب السياسي وتوظيفه الأحداث الأخيرة في توصيف الذات كدولةٍ ديمقراطيّةٍ والآخر كدولةٍ إرهابيّةٍ، «إنّ ميكانزمات الاستشراق التقليدي ما زالت كامنةً في العقل الباطني لأدعياء السلام بين أفرقاء ليست متحاربةً؛ لأنّ الحرب بنظرهم تشترط تكافؤًا أخلاقيًّا، أو على الأقل اعترافًا ولو مضمرًا بصدام المصالح بين طرفٍ وآخرَ ، لا أن تغدو محوريّة الغرب معيارًا لإنسانيّة الباقين، وكل
1) المستشرق الألماني نولدكه: تاريخ القرآن، ط1، بيروت، دار النشر جورج ألمز، 2004م
2) فارس، عمر: المستشرقون الألمان: حلقةٌ مفقودةٌ في نقد الاستشراق؟ موقع خبر، الأربعاء 28 كانون الأول 2016م.
3) رضوان السيد، المستشرقون الألمان، النشوء والتأثير والمصائر، م.س، ص 14؛ انظر: م.ن، تقييمه الدراسات العربيّة، ص 9-10 من مقدمة الكتاب
من يتطاول على مصالحه في الخارج أو أمنه في الداخل، هو عدوٌّ إرهابيٌّ للبشريّة جمعاء» (1). هذه الرؤية لم تأتِ من فراغٍ، بل هي انعكاسٌ لما يمتلكه الاستشراق من تأثيرٍ في العقل الغربي، أدّى بصُنّاع السياسة الغربيّة إلى الاعتماد على ما في جعبته لإعداد خططٍ عملانيّة منسجمة مع تصوّرات الاستشراق التي كان لها دورٌ في تشكّل الخلفيّة الأيديولوجيّة لسياسة الغرب الراهنة، فضلًا عن التوظيف الإعلامي الغربي للصور القابعة أصلًا في مخيلة الغرب عن العرب والإسلام، عبر تنميط أيديولوجيا اليوم باستشراق الأمس.
هذا من ناحيةٍ، لكن لو استعرضنا العلاقة العموديّة، أي لو بحثنا عن جدليّة العلاقة بين المعرفة والسلطة والتي أشار إليها إدوارد سعيد نجد أنّ علاقة الدولة الألمانية بالاستشراق متذبذبةٌ ما قبل الوحدة الألمانيّة والقيصريّة كان الاهتمام شبهَ معدومٌ، ومن ثُمَّ من خلال العلاقة الاستراتيجيّة بين الدولة القيصريّة والدولة العثمانيّة عشيّة الحرب العالميّة الأولى، ازدهر الاستشراق في الأكاديميّة الألمانيّة. وفي أثناء حكم الدولة النازيّة، عاد مبحث الاستشراق للظل . لكن من الضرورة الحديث عن الاستشراق الألماني وعلاقته بالإسلام وخصوصًا القرآن وطبيعة المنهج المتّبع الذي لا تكفي معه إشارة رضوان السيد (اندثار المنهجية الفيلولوجيّة ) فهذا الحكم متسرعٌ؛ لأنّ هذا المنهج ظهرت في ظله جملةٌ من التأويلات التي ستبقى حاضرةً في الاستشراق المعاصر أو الجديد على الرغم من إبدال المنهج بفقه اللغة إلى علم الدلالة إلى اللسانيات؛ إلّا أنّنا نجد أنّ الأحكام المتولّدة عن المنهج الفيلولوجي ما زالت حاضرةً في مشروع بحثنا في هذا المبحث. ولعلّ هذا يتطلب منّا تبيان المنهج الفيلولوجي وتحليل آثاره في الدراسات القرآنيّة الألمانيّة.
أوّلاً، المنهج الفيلولوجي الاستشراقي
إنّ البحث في طبيعة هذه المنهج وتعريفاته تُعد قضيّةً ضروريّةً من أجل فهم الاستشراق، لكون المنهج هو الطريق. فعن تاريخ المنهج هناك من يرى أن
1) نجدي، نديم، أثر الاستشراق في الفكر العربي المعاصر عند العرب، م.س، ص 26
«القرن الثامن عشر قد شهد ظهور الفيلولوجيا (philology) التي ترجمت خطأ عندنا إلى (فقه اللغة). وأهم ما تُعنى به (الفيلولوجيا) هو تحقيق النصوص وفك رموز النقوش وإعدادها للنشر العلمي. لذلك لم تتعدَّ هذه الدراسة حدود العمل التمهيدي اللازم لدراسة اللغة. لكن الأمر لم يخلُ من خلطٍ في المصطلحات؛ إذ استعمل مصطلح (الفيلولوجيا) مرادفًا لعلم اللغة أو اللسانيّات»(1).
فهذا النص يتطرق إلى جملة من النقاط عن تاريخ المنهج، فيربطها بحقبةٍ محدّدةٍ، وعن دخوله إلى الثقافة العربيّة إذ يؤكد على حدوث خطأٍ في الترجمة فيجعل الفيلولوجيا تقابل بالخطأ علم فقه اللغة (2). ثم يعرِّج على تعريف هذا العلم وكأنّه يريد تمييزه عن سواه، فيؤكّد على وظيفة هذا العلم بكونه متخصّصًا في تحقيق النصوص وفك رموز النقوش وإعدادها للنظر، وهذه الوظيفة أيضًا يذكرها مصدر تاريخ وعقائد الكتاب المقدس، فيرى أنّ «علم الفيلولوجيا علمٌ يهتم بثلاث نقاطٍ رئيسةٍ، هي: إعداد النصوص وطبعها، ونقد النصوص، والبحث عن مصادر النصوص»(3)، فالبحث عن المصادر ونقدها خاصٌّ مع هذا الكم الهائل من النصوص المدسوسة إذ يمكننا عند قراءة النص معرفة مخاطبنا الحقيقي، أمّا إعداد النصوص فهدفه هو أن يجعل في متناول القارئ نصّاً مطابقاً للنص الأصلي (4). وهناك تعريفاتٌ متنوّعةٌ ترى أنّه:
1- بمثابة العلم المختص بدراسة النصوص القديمة، ويشتمل على دراسة النصوص
1) قدور، أحمد محمّد: مبادئ اللسانيات، دار الفطر، دمشق
2) هذا الخطأ أشار إليه المستشرق الإيطالي (غويدي) أشار إلى الفرق بين فقه اللغة والفيلولوجيا بقوله : (إن كلمة الفيلولوجيا - تصعب ترجمتها إلى العربيّة، وهي لا تدل على مصطلح فقه اللغة فبينهما فروقٌ واختلافاتٌ). وعلى الرغم من هذا الفارق، إلا أنّ علم اللغة وعلم الفيلولوجيا مترابطان إذ لا يستغني علم اللغة عن الفيلولوجيا، لأن مصادر علم اللغة النصوص اللغويّة، كما لا يستطيع علم الفيلولوجيا الاستغناء عن منجزات علم اللغة، لأنّ هذا العلم هو الذي يقوم بدراسة النصوص وتحليلها، إذاً فالعلاقة بين العلمين علاقةٌ وثيقةً لذلك ما زالت بعض الجامعات الغربيّة تخلط بين علم اللغة والفيلولوجيا المقارنة كما هو الحال في جامعة لندن لذا يجب أن يكون هناك تفريقٌ بين مصطلح الفيلولوجيا وعلم اللغة وفقه اللغة. على الرغم من التميز الذي يرى أن الفيلولوجيا تهتم بدراسةٍ تشتمل - كما أشرنا سابقاً- على دراسة النقوش وإعداد النصوص للنشر، ودراسة المعطيات الثقافيّة العامة، ونحو ذلك
3) الكلام، يوسف: تاريخ وعقائد الكتاب المقدس ،ط1 ،دمشق ،دار صفحات للدراسات والنشر، ص 39-40
4) م. ن، ص 40 انظر : 2.p.cllom ، critique textuelle, op.cit.p
اللغويّة دراسةً تاريخيّةً مقارنةً، لفهمها والاستعانة بها في دراسة الفروع الأخرى التي يبحث فيها علم اللغة (وفي القرن التاسع عشر الميلادي لم يميز بين هذا المصطلح ومصطلح علم اللغة وذلك لارتباط البحث اللغوي بالنصوص القديمة أيضًا).
2- يقسم هذا المنهج على قسمين: الأول قسمٌ اختص بفك الرموز القديمة والاهتمام بالآثار، فيما يكون القسم الثاني قد اهتم بتحقيق النصوص والمخطوطات بغية نشرها، لكن الفيلولوجيا تهتم أيضًا بمعرفة الأدب ودراسة النصوص الإبداعيّة والمخطوطات دراسةً تحليليّةً نقديّةً.
3- وعلى أساس تلك التعريفات والتقسيمات تحدّد غاية العلم أو منهجه في كونه: دراسة النصوص، إعادة تشكيل أو تجديد اللغة المنقرضة أو الميتة، ولا سيّما بعد اكتشاف اللغة السنسكريتيّة، إذ اعتمدت الفيلولوجيا على القدم والمقارنة من أجل هذا التجديد.
إن هذا العلم أو المنهج يطرح «مشكلةً على مستوى التعريف، فاختلاف تعاريفه من اختلاف معرفته من حيث اختصاصاتهم العلميّة واختلاف نظرتهم إلى هذا العلم، فالمهتم بتاريخ الحضارة سيعطيه تعريفًا قريبًا من تخصصه، وكذلك اللغوي واللساني وغيرهم وهذه التعاريف تبدو مختلفةً وغيرَ متجانسةٍ حتى التناقض أحيانا فالجمع بينها ممكنٌ إذا ما نظرنا إليها في إطارٍ تكامليٍّ، إذ يعد بعضها خطوةً أوليّةً موصلة للآخر.
فإذا كان الهدف من الفيلولوجيا هو بناء التاريخ الحضاري للأمم، فلن يتحقّق إلّا باستثمار النصوص المكتوبة والوثائق القديمة باعتمادها وطبعها ونقد صحتها والبحث عن مصادرها. وهي عملياتٌ لن تتأتّى ما لم نستوعب عقليّة الشعوب التي حرّرتها ونتتبع تطوّرها الثقافي في مظاهرها اللغويّة، ونعيش معها بروح كُتّابها الأصليين»(1).
1) الكلام، یوسف، تاريخ وعقائد الكتاب المقدس، م.س، ص 39
أمّا الدراسات الجديدة في هذا المجال، فهي تحاول أن تميز نفسها عن المنهج الفيلولوجي وتعتقد بقصوره، وقد تم تجاوزه منهجيًّا ومعرفيّاً ولكنْ، علم اللغة وعلم الفيلولوجيا مترابطان، إذْ لا يستغني علم اللغة عن الفيلولوجيا، لأنها مصادرُ علم اللغة (النصوص اللغويّة)، كما لا يستطيع علم الفيلولوجيا الاستغناء عن منجزات علم اللغة، لأن هذا العلم هو الذي يقوم بدراسة النصوص وتحليلها، إذًا فالعلاقة بين العلمين علاقة ٌوثيقةٌ. وأصبحت هذه الدّراسات الشارحة والناقدة للنصوص القديمة تعرف باسم الفيلولوجيا. ونلاحظ أنّ مؤشراتٍ عدّةً تدخل هنا لارتباط اللغات القديمة بأسلوب المقارنة بين اللغات(1).
لقد كان هذا الظل الجديد بالمقارنة هو الطريق الخلفي الذي تسلّلت منه الفيلولوجيا إلى الدراسات الحديثة وإلى دراسات اللغات الحديثة فيما بعد. ثم توسّع اللغويون في مدلول الفيلولوجيا من دون أن يجرّدوه من ارتباطه باللغات والدّراسات القديمة، فأطلقوا هذا المصطلح على نوعين من أنواع النشاط والتحقيق العلمي هما: الأول، فك رموز الكتابات القديمة التي يعثر عليها الباحثون في حقل الآثار. والثاني، أطلق اللفظ كذلك على تحقيق الوثائق والمخطوطات القديمة بغية نشرها والانتفاع بها في النشاط العلمي، وفي الدراسات التاريخيّة والأثريّة. أما عبارة فقه اللغة فهي مصطلحٌ عربيٌّ خاصٌّ. وقد شهد استعماله بعض الغموض أيضًا في دلالته ونلحظ من معانيه:
أ- بدأ هذا الفرع في التراث العربي تحت اسم «اللغة»، فكان العلماء يفرقون بين يسمونه العربيّة وما يسمونه اللغة.
ب- والدراسات العربيّة الحديثة تطلقه على دراسة اللهجات العربيّة على نحو ما نرى في كتاب «اللهجات العربيّة» لإبراهيم أنيس الذي أكّد في دراسته قائلًا: «قد ظلت اللغة الأدبيّة موحدةً في البيئات العربيّة الجديدة زمنًا طويلًا لم يُصِبْها
1) انظر: كارل بروكلمان: فقه اللغات الساميّة، ترجمة، رمضان عبد التواب، القاهرة، 1977م، هنالك مقارنات بين اللغات الساميّة (ص 15 140)؛ انظر أيضا في هذا المجال: باقر، طه : مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة الجزء الثاني حضارة وادي النيل، ط2، بغداد، الشركة الجاريّة للطباعة والنشر، 1956م
إلا القليل من التغيير حين استقلت هذه البيئات بعضها عن بعض، ولكنها كانت دائما مفهومةً وفي متناول المثقفين من الناس الذين كانوا ولا يزالون القلة في تلك البيئات، كما ظلت الآثار الأدبيّة القديمة نموذجًا يُحتذى ويعتزّ بها، وتُقدِم على دراستها والعناية بها القلة من الناس في جميع عصورنا التاريخيّة» (1)، ومؤخرًا أصبح استعمال علم اللغة بدلًا من فقه اللغة على الدراسات اللغويّة الحديثة، بوصفها مرادفًا لما يُعرف بالألسنيّات(2).
وقد ارتبط هذا المنهج بشكلٍ واضحٍ بالدراسات الاستشراقيّة وبمركزيتها الغربيّة في نظرتها إلى التراث الشرقي ومنه التراث العربي الإسلامي؛ إذ نجد هذا يظهر بوضوحٍ في تحديد (أرنست رينان) مهمّة فقه اللغة في (أن يستشرف رؤية الواقع والطبيعة برؤيةٍ واضحةٍ)، وبذلك يتسنّى للمستشرق كما يقول إدوارد سعيد أن يجعل اللغة العربيّة «هي التي تنطق الشرق العربي، لا العكس» (3)لكن الواقع أن الفيلولوجيا مكّنت الاستشراق اصطناع الشرق لا رؤيته كما هو، «إنّه شرقٌ نتج تبعًا لمنطق ٍمفصلٍ، غير محكومٍ ببساطة الواقع التجريبي، بل بمجموعةٍ من الرغبات والمقموعات والإسقاطات» (4). وهذا المنهج ارتبط بالاستشراق، وهو «التخصّص الذي يتخذ من الفيلولوجيا والتاريخ أساسَيْن للعمل الأكاديمي في تصوير الحياة والثقافة في حضارة المشرق القديم، واستطرادًا حتى مشارف العصور الحديثة (5)». وهو قد اتّسم بأنّه يقدّم صياغةً استشراقيّةً تنطلق من تصوُّرٍ مركزيٍّ متفوقٍ للعقليّة الأوروبيّة (6). باعتماد مركزيّة التراث الغربي وإرجاع كلِّ منتجٍ شرقيٍّ إلى غربيٍّ وهو منهجٌ ّ وقد أثّر حتى في الباحثين العرب الذين اعتمدوه في النّظر إلى
1) أنيس، إبراهيم: في اللهجات العربيّة، بدون طبعة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، 2003م، ص24
2) انظر: حسان، تمام: الأصول، دراسةٌ إيبستمولوجيّةً لأصول الفكر اللغوي العربي ،ط1 ، الدار البيضاء، دار الثقافة، 1981م، ص 250
3) سليمان اليوسف، يوسف: «مقدمةٌ لفقهٍ لغويٍّ جديد»، مجلة المعرفة، عدد 23، أبريل 1981م، ص83
4) سعيد، إدوارد : الاستشراق، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربيّة، ص 43
5) رضوان السيد، المستشرقون الألمان، م.س، ص 153
6) مدكور، إبراهيم: «منطق أرسطو والنمو العربي» سلسلة اقرأ، عدد 337، سنة 1972م
تراثهم (1)، وهو يختلف عن علوم القرآن التي هي عبارةٌ «عن مجموعةٍ من المسائل يُبحث فيها عن أحوال القرآن الكريم من حيث نزوله وأدائه، وكتابته وجمعه وترتيبه من المصاحف وتفسير لفظه وبيان خصائصه وأغراضه»(2).
ثانيًا، الاستشراق الألماني والقرآن
في البحث عن المنهج الاستشراقي الألماني يؤكّد مؤرخو تاريخ الأفكار على أن «الاستشراق الألماني استقلّ كمبحثٍ أكاديميٍّ عن الفيلولوجيا واللاهوت (مع أنّه ظل يستخدم الفيلولوجيا كأداةٍ تحليليّةٍ، لكن هذا الاستقلال أخذ طابعًا وظيفيًّا فقط، أي استقل كحقلٍ دراسيٍّ، وليس هو بالضرورة معرفيًّا). وقد تميّز الاستشراق الألماني بجمع المخطوطات ونشرها وفهرستها، مع اهتمامٍ خاصٍّ بالجانب الفيلولوجي والصوفي والأدبي، وعنايته بوضع معاجم في اللغة العربيّة، ودراسته لجوانب الفكر العربي الإسلامي في القديم خاصّةً. إلا أنّ الألمان تميّزوا بالانشغال بالنص القرآني ما ميّز جهود الألمان عن باقي جهود المستشرقين الآخرين (3)، في هذه الحقبة استطاع الاستشراق الألماني الخروج من أسطورة أن الدين الإسلامي ليس إلا تحويرًا على الدين المسيحي واليهودي، لكنه دخل في دوامة أنّ الحضارة الإسلاميّة (لا الدين) مدينة للتراث الهيلليني، وأن الإبداع العلمي الإسلامي هو صناعةٌ إغريقيّةٌ استوردها المسلمون من دونِ إضافةٍ.
كما أشرنا سابقًا إلى هذا الحكم الذي ترك تأثيره حتى في الباحثين العرب. لكن من ناحية العلاقة بين الاستشراق والسلطة الداعمة نجد أنّه كان مختلفًا عما هو عليه الحال في الاستشراق الأميركي، فقد رصد المؤرخون أنّ في الحقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية وحتى الثمانينيات من القرن العشرين، أنّه انسحب
1) وتبعه في نفس الاتجاه مجموعةٌ من الدارسين العرب، أمثال أنيس فريحة في كتابه «نظرياتٌ في اللغة»، الذي يؤكد على الأصل السرياني للنحو العربي، وأحمد أمين «في ضحى الإسلام» الذي يثبت الأصل الهندي
2) الصالح، صبحي: مباحث من علوم القرآن ،ط 10 ، بيروت، دار العلم للملايين، 1977، ص 10
3) بدوي، عبد الرحمن: موسوعة المستشرقين، ط3، بيروت، دار العلم للملايين، 1993 ، ص 310؛ انظر: الوائلي، عامر عبد زيد: موسوعة الاستشراق، ط1، بيروت ابن النديم للنشر والتوزيع، 2012
تمامًا من التاريخ، وفقد اهتمامه بالحاضر (العلاقات الإسلاميّة الألمانيّة المعاصرة كمثالٍ). وفقدان الاهتمام هذا ينسحب على أهم المدارس الاستشراقيّة في أوروبا (ألمانيا، إنكلترا، فرنسا، إسبانيا). بينما انصرف الأميركيّون إلى ذلك في تلك الحقبة، تزامنًا مع طموحاتهم بأن يكونوا الدولة العظمى في مدّة الحرب الباردة. طبعًا، هذا التراجع بالاهتمام رافق ظهور أصواتٍ ناقدةٍ لعلاقة السلطة بالمعرفة والأكاديميّات (خصوصًا التجربة القوميّة وعلاقتها مع المؤسسة الأكاديميّة). وهنا يشير رضوان السيد إلى مرحلة استتباب «الدراسات الإسلاميّة» كمبحثٍ مستقلٍّ في ألمانيا، وإصدار مجلّاتٍ متخصّصةٍ عن الإسلام والمسلمين، والشرق بشكلٍ عامٍّ. ولهم جهودٌ يمكن إجمالها في الآتي:
الأمر الأول: نشر النصوص القديمة؛ حيث ظهرت النصوص العربيّة القديمة محقّقةً منذ القرن الثامن عشر الميلادي. والأمر الثاني، الذي تقدّم فيه المستشرقون الألمان هو فهرسة المخطوطات العربيّة الموجودة في مكتباتٍ ألمانيّةٍ، أو مكتبات العالم أو التنويه بها. أما الأمر الثالث الذي عُنِي به الاستشراق الألماني فهو الاهتمام بالمعاجم العربيّة. والأمر الرابع من مزايا الاستشراق الألماني هو المنهج العلمي الدقيق الذي يعد عند بعضهم مثالا نادرا يحتذى به(1).
لكن بالمقابل، فقد اتّسمت نظرتهم إلى القرآن في بشريّة القرآن، مُتَكَاً على نزول القرآن وتاريخه، وعلى «التناصّ» وتصيُّد التشابهات الظاهريّة بين مضامينَ قرآنيّةٍ وثقافة العرب وثقافة اليهود والنصارى في سبيل التأكيد على «البشريّة» أي ما يدخلنا في أنسنة الخطاب القرآني بحسب قول رضوان السيد، فهم يرون أن النص ليس مقدّساً بالحرف، وهذه نظرةٌ سائدةٌ لديهم. والبحث العمودي عن اهتمامات الألمان بالقرآن يجعلنا نقف عند:
1) المنجد، صلاح الدين: الاستشراق الألماني تراجمهم وما اسهموا به في الدراسات العربيّة ،ط1 ، بيروت، دار الكتاب الجديد، 1978م، ج1، ص8-12
التوراة، ودرس اللغات الشرقيّة في جوتنجين (1)، وبرع فلهاوزن بشكلٍ كبيرٍ في علم نقد النصوص الكتابيّة وخصوصًا نقد العهد القديم، حتى عدّه الكثير من الباحثين بمثابة الأب الروحي أو المؤسس الحقيقي لذلك العلم(2)، إذ مع ظهور فلهاوزن ومدرسته بدأ التوجه إلى منحًى جديدٍ في الدراسة التوراتيّة يربط بين النقد المصدري والنقد الأدبي، فقد حاول بمهارةٍ الربط بين التحليل الأدبي للمصادر وتطور التاريخ الديني لبني إسرائيل. بدأ فلهاوزن في تحديد مصادره بالحديث عن أعمالٍ أدبيّةٍ في إشارةٍ منه إلى المصادر التي تشكّلت منها أسفار التوراة الحاليّة (3). قطع فلهاوزن شوطاً كبيراً في دراسة التوراة، وجّه جهوده لدراسة عصر صدر التاريخ الإسلامي ومصادره المبكرة، وبحسب إشارة «رضوان السيد» فإنّه كان ينشد التعرف على أحد اللغات الساميّة الحيّة، وأيضًا التعرف على الاسلام الذي كان يُعدُّ بطابعه الاحتجاجي الأقربَ إلى البروتستانتيّة (4)، فكان من أهم المستشرقين الذين تعرّضوا بالبحث والدراسة لتلك الحقبة المهمّة، إذ قام بتأليف عددٍ كبيرٍ من الأبحاث والدراسات التي تناولت تلك الحقبة(5)، وتوفى يوليوس فلهاوزن في عام 1918م عن عمر يناهز الأربعة والسبعين عامًا.
ويبدو أنّه في قراءته للتوراة ونقده لها كان يُشكّل اتّجاهًا في نقد النص المقدس؛ إذ تمكّن من البرهنة على أنّ أيّ مصدر من المصادرٍ التي تألّفت منها التوراة يحمل السمات الأدبيّة الخاصة بكاتبه والعصر الذي عاش فيه وتأثر بأحداثه... ويوضح كيف استطاع اليهود وتحت قيادة عزرا إعادة ترتيب مجتمعهم المقدس(6). وبعد أن انتقل من دراسة العهد القديم إلى دراسة الإسلام بعد تأكّده من التربة التي
1) العقيقي، نجيب: المستشرقون، لا ط ،القاهرة، دار المعارف، 1964م، ص724
2) فريدمان، ريتشارد إليوت: من كتب التوراة، ترجمة: عمرو زكريا، لا ط، القاهرة، دار البيان للنشر والتوزيع، 2003م، ص24
3) حامد، شريف: نقد العهد القديم، مكتبة مدبولي، القاهرة ص 216 . انظر: Aulikki Nahkola.Op.Cit.p10
4) انظر: رضوان السيد، المحاضرة بحسب الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=NiursYrs
5) العقيقي، نجيب، المستشرقون، م.س، ص 725 ، ومؤلفاته : محمّد في مكة، أديان عرب الجاهليّة، تحقيق تاريخ الطبري، حيث قام بالتعريف بشخصيات الرواة وحللها وعدلها وجرحها، دستور المدينة أيام النبي، فتوح إيران، الدولة العربيّة وسقوطها من ظهور الإسلام حتى نهايّة الدولة الأمويّة. والخوارج والشيعة
6) شريف حامد، نقد العهد القديم، ص 225-226
نشأ عليها الإسلام وبإدراك التناقضات بين الديانة الساذجة التقليديّة أي الوثنيّة، وبين عناصر الدين الجديد(1).
1- يوهان جاکوب رايسكه (1716-1774م) يعدّ أبرز مستشرقٍ ألمانيٍّ أسس الدراسات العربيّة في ألمانيا، وهو أول مستشرقٍ ألمانيٍّ وقف حياته على دراسة العربيّة والحضارة الإسلاميّة، ورأى أن اللغة العربيّة يمكن أن تُدرس لذاتها(2).
2- تيودور نولدکه (1836-1931م) ظهرت عدد من الترجمات لمعاني القرآن إلى الألمانيّة تصل إلى حوالي اثنتين وأربعين ترجمةً. لعل آخرها هي ترجمة رودي باريت 1966م، وقد عدّت أحسن ترجمة للقرآن الكريم ولكن يبقى «تيودور نولدكه» يمتلك قدم السبق في ذلك، وذلك لأنّ حصيلة جهوده، في مجال دراسة النص القرآني، أصبحت عمدةً ومنطلقًا للدراسات القرآنيّة في أوروبا(3). وقد طبق على القرآن المنهج التاريخي فأعاد ترتيب القرآن زمنيًّا على غير نهج المصحف الشريف، فأصبح الترتيب الذي انتهجه نولدكه يشغل أذهان المستشرقين جميعًا، ويعلقون عليه أخطر النتائج في عالم الدراسات القرآنيّة(4). ولعل هذه القراءة مرتبطةٌ بالمشروع الذي نحن في صدد تحليله على الرغم من أنّه يبدو مختلفًا، إلّا أنه ما زال يردّد المنهجيّة نفسها التي رسخت في قراءة القرآن، فهي تحاول أن تبدأ أوّلًا من البحث في توثيق النص القرآني: (ملابسات نزوله، جمعه وتدوينه، قراءاته). إنّ النص القرآني الذي بين أيدينا اليوم هو في مجموعة مما خلّفه النبي محمّد صلّي الله علیه وآله، على أن في التفصيل تأمُّلًا ومراجعةً وتشكيكًا عند بعضهم. فقد دوّن استناداً على ما خلّفه كتَّاب النبي من مدوناتٍ، وعلى ما احتفظت به الذاكرة الجماعية للجماعة
1) المنجد، صلاح الدين، الاستشراق الألماني تراجمهم وما أسهموا به في الدراسات العربيّة، م.س، ص109
2) جحا، ميشال : الدراسات العربيّة والإسلاميّة في أوروبا، ط1، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1982م، ص190
3) راجع: الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنيّة، م.س؛ جحا ميشال الدراسات العربيّة والإسلاميّة في أوروبا، م.س؛ بلاشير: القرآن: نزوله، تدوينه وترجمته، ترجمة: رضا سعادة، لا ط، بیروت، دار الكتاب العربي؛ الصالح ،صبحي، مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملايين، نقرة، التهامي: القرآن والمستشرقون، مقال ضمن كتاب: مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة الإسلاميّة - الجزء الأول، تونس: المنظمة العربيّة للتربيّة والثقافة والعلوم، 1995م
4) الصالح ،صبحي، مباحث في علوم القرآن، م.س، ص 176
الإسلاميّة الأولى، لكنّ الصحابة اختلفوا وهكذا. ومن ناحيةٍ ثانيةٍ تطبيق المنهج التاريخي الذي يرجع الفكر الحديث إلى فكر سابقه واعتبار الحديث بالضرورة قد أخذ من القديم من هنا البحث عن مصادر للنص القرآني في مواريث البيئة العربيّة واليهوديّة والنصرانيّة والأمم التي اختلط العرب بها. وهو ما نجده مستمرًّا في القراءة التي نحن في صدد الخوض بها أيْ قراءة « موسوعة القرآن» والذي يختلف في غائيّته عما وجدناه عند «تيودور نولدكه». إذ الغاية تكمن في أنسنة النص وربطة بالجانب البشري. وهو ما لخصّه الدكتور التهامي في كون تلك الدراسات الاستشراقيّة تحاول التأكيد «على بشريّة المصدر القرآني، والتشكيك في الوثوق بصحّة النص القرآني من حيث الضبط مع ما تلاه النب،ي مستندين هنا على: جمع القرآن ونسخه - اختلاف القُرَّاء والقراءات (1). وهو أمرٌ لا ينكره الغربيون فهو جزءٌ من تراثهم الحداثي في نظرتهم كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهي رؤيةٌ تبقى وليدةً بُعْد إيديولوجي وآخرَ إبستمولوجيٍّ يقوم على مناهج الشك الفلسفيّة(2).
القراءات الألمانيّة التي سبقت مشروع موسوعة القرآن
في الحقبة السابقة لهذا المشروع ما عرف بوصفه القراءة النقديّة للقرآن التي تعد المرجعيّة التي تولدت عنها موسوعة القرآن اليوم، فهذه القراءة الموصوفة بكونها نقديّةً جاءت كردة فعلٍ على القراءة المصريّة التي ظهرت في عام 1924م وهي طبعةً للقرآن في القاهرة بحسب قراءة حفص؛ لأنّ برغشترسر (3)وجفري (4)
1) نقرة، التهامي، مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة الإسلاميّة، م.س، ج 1، ص 10، 21، 25، 31)
2) وقد تناولنا العلاقة بين العلم والفلسفة ومنهجها القائم على الشك وعنوان البحث: عَوْدَةُ الدِّينِ إلى الفضاءِ العموميّ في الغرب «مقاربةٌ في العلاقَةِ الجَدلية بينَ الدِّينِ والعِلم» مقدّم إلى مجلة اللاهوت الجديد. والجانب الإيديولوجي ممكن النظر في مبحث ثان لي بعنوان: «العنف الرمزي والمادي للكنيسة بحق العلماء وأثره في تطور العلمنة الشموليّة». منشورٌ: مجلة الاستغراب
3) كان برغشترس، أستاذًا في جامعة ميونخ، وتلميذ أوغست فيشر، المعروف بمساهمته في عمل نولدکه وشفالي بعنوان:« Geschichtedes Qorans » (تاريخ القرآن) وبإسهاماته المتنوعة في اللغويات الساميّة
4) آرثر جيفري (Arthur Jeffery) القس الميثودي، كان وقتذاك أستاذًا في الجامعة الأميركية في القاهرة، وانتقل لاحقًا إلى جامعة كولومبيا في نيويورك سنة 1938 ونشر فيما بعد الدراسة الأساسيّة حول تأصيل الألفاظ القرآنيّة وله أيضًا كتبٌ أخرى، فضلًا عن مقدمةٍ لكتاب المصاحف لأبي بكر عبد الله بن سليمان السجستاني. كان آرثر جيفري قسيسًا في الكنيسة الميثوديّة Methodist Church وكان لديه إخلاصٌ بالغٌ تجاه التبشير بالنصرانيّة وكان يحمل هم التنصير وسائر قضايا النصرانيّة، وكما يصفه جون باردو الكاتب بمجلة العالم الإسلامي كانت أستاذيته نصرانيّة المغزى، وكما قال فريدريك غرانت الكاتب بالمجلة نفسها إن الدين عنده لم يكن مجرد بحثٍ أكاديميٍّ محضٍ. وإن كانا ذكرا هذا الكلام في معرض المدح إلا أنه يلقي الكثير من الضوء على الخلفيّة الفكريّة التي تشكل قناعات جيفري وتوجه وتحرك أبحاثه، ويمكن في ظلّها فهم آرائه وكتاباته عن الإسلام والقرآن. انظر : 230 .The Muslim World, Volume 50 (1960), pp-247
كليهما كانا نشطين في وقتها أي أثناء عمليّة إنتاج نص القاهرة.
في الوقت الذي كان برغشتر سر وجيفري منشغليْن بدراسة أدب القراءات، ويصوران في أفلام المخطوطات القرآنيّة الباكرة مخططين لنشر طبعةٍ نقديةٍ للقرآن، وقد عرض برغشترس خلاصة لها في محاضرة له sixth DeutscherOrientalistentage» » فيينا (1930م) خطتهما بالتفصيل:
يفترض المحاضر أن يقوم بالتعاون مع آرثر جيفري بإنجاز لائحةٍ بملاحظاتٍ نقديّةٍ للنسخة المصريّة (القرآن).
سيفترض أنّ هذه النسخة بحروفٍ أجنبيّةٍ كل القراءات المختلفة الواردة في الآداب (خاصة في الكتابات عن القراءات وفي التفاسير القرآنيّة) ومخطوطات القرآن بالخط الكوفي، مع إهمال الاختلافات الصوتيّة البسيطة وستنقسم بحسب اختلافاتها في الحروف الساكنة عن النص العثماني والتشكيلات المحتملة لهذا النص، وتباينات هذه التشكيلات. من أجل نقدها ستوضع على حدة هذه التباينات عن النص القياسي الذي يستحق ملاحظةً خاصّةً أو المفضّلة منها. وستكمل المادة المجموعة بفهرسٍ وبنظرةٍ عامّةٍ موضوعيّةٍ وقواعديّةٍ(1).
يبدو أنّه في محاضرته هذه كان يخطط إلى جمع كل القراءات الواردة في التراث الإسلامي حول القراءات القرآنيّة ووضعها على نسخة يكتبها بخطّ أجنبيٍّ. وقد سعى إلى تقديم هذا المشروع المسمى ب- (القراءة النقديّة) إلى مجموعة من الخبراء في مجال الاستشراق منهم: (فيشر بومشترل وريتروكهلي) وقد صدّرت مجموعةٌ الباحثين بيانًا مشتركًا هو الآتي:
«يوم الاستشراق الألماني السادس لعام 1930م بفيينا يرحب بالخطّة المقترحة من
1) رينولدز، جبرئيل: سعيد القرآن في محيطه التاريخي، ط1، بيروت، منشورات الجمل 2012م، ص 23
قبل السيد برغشتر سر الهادفة إلى ملاحظاتٍ نقديّةٍ للقرآن، ويعد يوم الاستشراق الألماني على نحوٍ خاصٍّ أنّه من الضروري في سبيل هذه الغايّة إنجاز مجموعةٍ مصوّرةٍ للمخطوطات القرآنيّة القديمة» (1).
لكن مشروع الطبعة النقدية كان مقدَّرًا له أن يُلغى، بسبب سلسلة من الحوادث المشؤومة غير العاديّة التي تكاد لا تُصدَّق (2)، وتمّثّلت في موت برغشترسر، وقد خلفه تلميذه أوتو بريتزل في الكليّة في ميونخ وفي المشروع. وفي غضون سنواتٍ تمكّن بريتزل من أن يدفع المشروع إلى طورٍ قريبٍ من الاكتمال، كما يتّضح من تعليق جيفري «لسنواتٍ طويلةٍ استمر الكاتب المحاضر يجمع موادَّ لنصٍّ نقديٍّ للقرآن، وفي سنة 1926م اتّفق مع الأستاذ برغشتر سر أن يتعاون في المهمة الكبرى، وهي مهمّة جمع أرشيف مواد منها يمكن أن يُكتب ذاتَ يومٍ تاريخ تطوّر النصّ القرآني. من المأمول أن يكون بالإمكان نشر نصّ للقرآن - كخطوةٍ في تلك الخطة – مع نظامٍ نقديٍّ للحواشي يعطي مجموعة الكاتب من التباينات النصيّة التي جمعت من التفاسير، والمعاجم، وكتب القراءات، ومصادرَ مماثلةٍ في هذا الأثناء، بدأ الدكتور بریتزل، خلف برغشترسر في ميونخ، ينظم الأرشيف من أجل ال- «مجلس لدراسة القرآن» الذي أنشئ بوساطة الأكاديميّة الباباريّة بمبادرةٍ من برغشترسر، وقد حشّد الآن مجموعةً ضخمةً من المصور لمخطوطاتٍ كوفيّةٍ وأعمالِ قراءاتٍ باكرةٍ غيرِ منشورةٍ. لكن حين اقترب المشروع من الكمال ظهرت غيوم الحرب في أفق أوروبا وما إن نشبت الحرب العالميّة الثانية حتى دُعي بريتزل إلى الخدمة العسكريّة وعُلَّق المشروع، إلا أن بريتزل ذهب ولم يعد ففي 28 تشرين الثاني 1941م مات بريتزل في حادث تحطُّم طائرةٍ».
ويصف جيفري النهاية التي وصل إليها أرشيف القرآن في أثناء محاضرته في القدس 1946م: «قتل بريتزل خارج سيباستيول في أثناء الحرب الأخيرة، وكل الأرشيف الذي من ميونخ أتلف بالقصف والنار حتى أصبح من الضروري البدء
من الصفر في تلك المهمّة العملاقة»(1). وبعد موت جيفري 1959م مات المشروع. لكن يبدو أنّه كان مخدوعًا من قبل سبيالير الذي أخبره بأن المشروع تلف إلّا أن الحقيقة كانت غير ذلك؛ لأنّ الارشيف نجا من آثار الحرب، وإنّ سبينالير تولّى أمره وعهد به إلى تلميذه غونتير لولينغ الأستاذ في برلين الآن (2)، لكن يبدو أنّ مشروع موسوعة القرآن هو إحياءٌ لهذا المشروع.
المبحث الثاني: الدراسات القرآنيّة عند أنجليكا نويفيرت
تكثف هذا التأصيل بشكلٍ يتجاوز المنهج الاستشراقي إلى توظيف بُعْدٍ لسانيٍّ بنيويٍّ ينظر إلى النصّ القرآني بوصفه نصًا وليداً للحوار المعرفي الذي دار في المنطقة، لهذا تكثف مقولتها «القرآن نصُّ يشترك فيه الأوروبي غير المسلم والمسلم»، فهو أمران لهذا الحوار:
الأوّل، داخل الجماعة الإسلاميّة أي من خلال الحوار بين النبي صلّی الله علیه و آله والمؤمنين، فهذا الحوار أنتج النص الذي هو وليد الإشكاليّات والرهانات التي كانت تشغلهم في ذلك الوقت، والتي اتّسمت بالمشافهة عبر الحوار والكلام الذي كان يدور والذي تحول إلى نصٍّ محفوظ ثم دُوّن فيما بعد.
الثاني، في توصيفها وتحليلها تؤكّد على أنّ القرآن ليس فقط نصًّا إسلاميًّا، بل هو جزءٌ لا يتجزأ في رأيها من الثقافة القديمة المتأخرة والنقاش الذي كان محتدمًا بين تياراتها المختلفة. فالنص القرآني على وفق هذه الرؤية هو نتاجٌ لثقافة العصور المتأخرة. إنّه جزء من الوصيّة التي تركتها تلك الثقافة لأوروبا. وبلغة نويفيرت، إن من شأن هذه القراءة الجديدة أن «تفتح مجالًا جديداً أمام القارئ الغربي في علاقته بلاهوته وتاريخه الفكري وتجعله ينظر إلى القرآن كجزءٍ لا يتجزأ من تاريخ نصوصه الدينيّة. وفي هذا السياق ينتمي القرآن إلى التقليدين الإسلامي والغربي».
في الأمرين هي في جمعها بين تاريخيته داخل الجماعة الإسلامية الدائرة الأولى أما الدائرة الأكبر لهذا الحوار فهي الدائرة التي تشتمل على الأديان التوحيديّة التي سبقت ظهور الإسلام وكانت موجودةً في المنطقة وشكّلت النصوص الحافة بالقرآن. وفي الأمرين نجد أنها «تفهم القرآن بوصفه سيرورةً تواصليّةً، وبلغةٍ أخرى كجوابٍ عن أسئلة عصره. وهي تطمح إلى ردم الهوة القائمة بين البحث القرآني في الغرب ونظيره في الثقافة الإسلاميّة. وهو أمرٌ يتحقّق في رأيها عبر ممارسته لنوعٍ من النقد الذاتي داخل مبحث القرآن في الثقافة الغربيّة»(1).
وهي هنا تحاول إسقاط تصور العهدين القديم والجديد على القرآن الكريم على الرغم من الاختلاف بينهما، إلا أنها تَرُدُّ على هذا النقد بالقول: «إن القرآن بحسب السور المكيّة لا يريد تقديم جديدٍ، بل يمنح ما سبق تبليغه لغةً جديدةً»(2).
في حين أنّ معنى القرآن له دلالةٌ أخرى فهو في «الأصل في لفظة القرآن هو الجمع وكل شيٍ جمعته فقد قرأته، وسمي قرآنًا، لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد، والآيات بعضها إلى بعض» (3). والقرآن هو الكلام القائم بذات الله تعالى، وما نقل إلينا بين دفتي المصحف، نقلًا متواتراً(4).
يوصف منهجها ب- «النص الملتوي» أي إنها تنظر إلى النص بوصفه خطابًا شفويًّا يتم التواصل بين الجماعة عن طريق التلاوة أي الكلام لا الكتابة ولم يتحوّل إلى الكتابة، إلّا متأخرًا، وبالآتي نجد صاحبة هذا المنهج هي أنجليكا نويفيرت، وهي باحثةً ألمانيّةٌ تخصّصت بالقراءات الراديكاليّة المعاصِرة للقرآن بمنهجٍ يزعم المزَاوجة بين البنيويّة والإبستمولوجيا فعلت ذلك في دراستها الواسعة للسُّورَ المكيّة في أواخر السبعينيّات من القرن الماضي، كما أدّى هذا التوجُّه دوراً بارزاً في دراساتها
1) إن المتخصصيين الغربيين قد أثبتوا لتاريخ القرآن بوصفه كتابًا، تطورًا. انظر: فرانسوا ديروش: استعمالات القرآن بوصفه كتابًا مخطوطًا، ترجمة: سعيد البوسكلاوي، مجلة الباب، العدد 6، ص6
2) أنجليكا نويفيرت: القرآن جزءً من أوروبا؟، ترجمة: د. حامد فضل الله، د. عصام حداد، http://sudanile.com/index.php?option=com-
3) الطبرسي: مجمع البیان ،ط1 ، بیروت، دار العلوم للطباعة والنشر والتوزيع، 2005م، ج1، ص14
4) الغزالي: المستصفى، تحقيق: محمّد عبد السلام، لا ط، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1413 م، ج 1، ص 65
المستمرة حتى اليوم، وبخاصةٍ مقالاتها المبسوطة في (موسوعة القرآن) التي أُنجزت في النصف الثاني من التسعينيات(1).
وهذا القول تردّد في شروحات كثيرٍ من الباحثين العرب الذين من الممكن أن يتبنّوا هذا القول متخذين من لفظ القرآن بوصفه يشير إلى كونه قراءةً، وأصل هذا القول يعود إلى هذه الباحثة التي تريد من تحليلها هذا القول أن القراءة هي قراءةً وتوظيفٌ إلى معانٍ دينيّةٍ وردت من قبلُ في التقاليد السابقة من التراث المسيحي اليهودي وهو معنًى كان حاضرًا في الدراسات الاستشراقيّة، إلا أنّ الجديد هو أنها تريد التأكيد على أن التناصّات ليست سلبيّةً بل هي قراءةٌ تقويميّةً جدليّةً لما سبق من النصوص بما يتفق مع حاجات ورهانات الاسلام والتجربة التاريخيّة له، وبحسب استدراكها وتأويلها «لكنّ القصص الإنجيليّة لا يتم قصها لأجل ذاتها، ولكن لهدفٍ تأويليٍّ جديدٍ، وهو ما يفسِّر البناء الشذري لهذه القصص في القرآن» (2)، إلا أنّ هذه القراءة القرآنيّة للنصوص القديمة على الرغم من أصالتها وجِدتّها إلّا أنّها غائبةُ في التقويم الغربي وتعلّل سبب هذا: «إنها تعيد غياب إنجاز مقارنةٍ نسقيةٍ بين الكتب القديمة والقرآن على المستويين الأدبي والثيولوجي إلى غياب الاستعداد للنظر إلى القرآن نظرةً موضوعيّةً ومنحه القيمة التاريخيّة التي منحت للعهدين. وبلغة أخرى إلى استمرار الأحكام المسبقة التي ما زالت تنظر إليه كتحريف لتلك الكتب». فهذه الرؤية تتميز بوصفها تعتد بأصالة القرآن وكونه يحقق إضافةً الجدل اللاهوتي لا منعزلًا عنه بل يدخل في النسق نفسه.
وكأنّها تريد من قراءتها ردم هذه الفجوة في الدراسات الغربيّة حول الإسلام، لهذا جاءت دراساتها على تنوعها تحاول دراسة القرآن دراسةً نسقيّةً على المستويين الأدبي والثيولوجي. لكن تبقى غايتها لا شكل النص القرآني، ولكن سيرورة تشكله، أو تلك السابقة على تشكّله، وبلغةٍ أخرى التبليغ الشفوي للقرآن لا النصّ المدوّن. لأنّها ترى أن التدوين جعل القرآن يتحول إلى نصٍّ مونولوغيٍّ وهذا تجنٍّ على
الحضارة الإسلاميّة التي عرفت بانفتاحها على المعارف الإنسانيّة، هذا الانفتاح الذي ظهرت ثماره بما قدمت من حضارة إنسانيّةٍ في مجالات ٍمتنوعةٍ. وهذا يعكس ديناميكيّة الإسلام لا جموده ، وإن النص بقى موضوعًا قابلًا للبحث والتلقي والفهم المعمّق، إلا أنّ الباحثة تنطلق من رؤيةٍ لها مقاصدُ مختلفةٌ ترتبط بنسقٍ من القراءات الغربيّة حول النص، جعلتها لا ترى حضور النص في حياة المسلمين، لأنه بقى نصّاً مَعِيشًا حيًّا ومستمرًّا.
وهي تزعم أنّ القرآن نصٌّ شعائريٍّ مَتلوٌّ منذ البدايّة، ولذلك فهو يجمع بين التدوين الذي يفترض الانضباط، والشفويّة التي تُحيلُهُ إلى تقليد حيٍّ أو نصٍّ متلوٍّ، وصارت طريقتها الطموحة وذات النزعة الأدبية اتجاهًا واسعًا في أوساط الدارسين للقرآن، بل سادت رادیکالیتان تفکیکیتان منذ الثمانينيات وحتى اليوم: الراديكاليّة التي تعمدُ إلى تفكيك النصّ من الداخل، والراديكاليّة الأخرى التي تبحث عن أصولٍ عبريّةٍ أو سريانيّةٍ مركبةٍ للنصّ في استعادةٍ لفيلولوجيات القرن التاسع عشر الميلادي، والتي كاد نولدکه نفسه يتجاوزها في أواخر حياته(1). وعن التفاعل ما بين الأدب (عبر) التوراتي وبين القرآن مثار التساؤل من جديدٍ وقد تناولت أنجليكا نويفيرت هذا التطوّر البحثي في ثلاث كتب جديدة(2).
فهذه الرؤيّة وان كانت تنتقد القراءات الاستشراقيّة ومنها أطروحة كريستوف لوكسنبورغ في كتابه «القراءة الآراميّة للقرآن» (3)إلا أنها هى الأخرى ترفض التعامل مع النص بوصفه نصًّا مقدّسًا مفارقًا وتجد هذا يتعارض مع المعطى العلمي، إلا أن هذا التصور «ما زال يكرر الأطروحة الإلحاديّة التي كانت مهيمنةً في القرن التاسع عشر الأوروبي وروحه الوضعيّة، وبلغة أخرى إنه ينتمي إلى أدبيّات الإلحاد، وليس في الأمر ما يضير ولا ما ينقص من قيمته، شرط أن نقرأه ککتابٍ تأخر به الزمن
1) السيد، رضوان: جوانب من الدراسات القرآنيّة الحديثة والمعاصرة في الغرب، مجلة التسامح، العدد 17 سنة 2007م
2) Der karan Hand Kommentar mit ubersetzung ron Angelika Neuwur. Bd, 1 Poetische prophetue Fuhmekkanische suren, Verlag. 2011, p 600
3) Lusenberg chrusthof, dle syro-aramaus che Lesart des Koran Eih Beutray Zur Entschlussaung der Korans prache .Berlin, Verlattans schiler, 2004, p35
إنها رؤيةً تتناقض في تأكيدها على ترنسند نتالية (تعالي) النص القرآني مع النص نفسه الذي ما برح يؤكد على الأصل الواحد للأديان التوحيديّة الثلاثة ويدعو اليهود والنصارى، كأهل كتاب، إلى الاعتراف بالجينالوجيا المشتركة للأديان التي جاء القرآن مؤكدًا عليها. إنها ترى في فعل التدوين نوعًا من نسيان بعد اللقاء والتواصل، فالتدوين في تأكيده لترنسندنتاليّة القرآن يحوّله من نصٍّ حواريٍّ- تاريخيٍّ، من نص متعدّد الأصوات إلى مونولوغٍ إلهيٍّ(1).
تؤكد في محاضرة لها بالقول: «سوف ننتقل إلى المصطلحات اللاهوتية لترجمة الكتب المقدسة التي نحاول وضع سياقٍ تاريخيٍّ لها نجد هناك تحفظاتٍ إسلاميّةٍ ضد ترجمة القرآن بأساليب اليهوديّة والمسيحيّة المعاصرة سوف يثبت الخطاب القرآني ارتباطًا وثيقًا بالمناقشات التي تجري في التقليد. وفي نهاية المطاف، ستقتصر تقاليد الميل العتيقة المتأخرة على عينةٍ قصيرةٍ من القرآن الكريم كنصٍّ أدبيٍّ والتي تتحدث عن المطالبة القرآنية بإضفاء الاتساق على نفسها بذات الأسلوب الفريد من نوعه، يحافظ على إصداراته السابقة»(2)، في حين هناك دراساتٌ لكثيرٍ من الدراسات الإسلاميّة الحديثة والمعاصرة قد تناولت القرآن بالدرس من خلال القرآن نفسه من أجل معرفة مقاصده بالرجوع إلى القرآن نفسه واستنطاقه(3).
تقوم الدراسات الغربيّة عامّةً ومن ضمنها الدراسات الألمانيّة على جملة من بالأحرى جزءٌ من مشروع الحداثة الغربيّة وهيمنة الخطاب المادي السمات هي على الفلسفة والفكر الغربيّين، وقد تمظهر هذا في نقد الخطاب الديني وظهور منهجيّاتٍ غربيّةٍ في دراسة التوراة والإنجيل والحفريات في تاريخيّة كلِّ منهما، من ضمن صراع بين الكنيسة والدولة، يضاف إلى هذا أن الاستشراق كان له غاياتٌ سياسيّةً واقتصاديّةٌ في علاقته بالشرق عامةً والإسلام خاصة. وفي دراسة الإسلام لا بد أن يأتي القرآن في المقدمة، لهذا نجد أغلب الدراسات الغربيّة قد تناولت القرآن
بالدراسة وقد ركّزت على تعريف القرآن شكل ،القرآن السور القرآنيّة ومضمونه عناصر السور والكلمات، ومحتويات القرآن، الموضوعات وسياق نزولها، الإنسان في القرآن مثل الحريّة، القتال، أصول القرآن جمع القرآن، ترتيب السور والآيات، القراءات، التفسير ومناهجه، الترجمات» (1). لكن هذه الرؤيّة في تناول القرآن هي تختلف إلى حدٍّ كبيرٍ عما هو موجود ٌفي القراءات الإسلاميّة التراثيّة، فإن القراءة الغربيّة لها منطلقاتٌ ومناهجُ هي وليدةُ خطابٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ غربيٍّ، كما قلنا له أحكامٌ مسبقةٌ ضد أيِّ اهتمامٍ بالجوانب الميتافيزيقيّة، وهي وليدةٌ للنزعة الماديّة في أوروبا، وللعداء المستفحل في المجتمع العلمي الأوروبي مع الكنيسة والذي تمدّد صوب الإسلام(2).
وقد قَدمت توصيفات للقرآن من خلال حوارٍ لها تحدثت فيه عن سمات الخطاب القرآني وقد حصرتها في الآتي:
1- لا يوجد في القرآن فهمٌ خاصٌّ لمفهوم الشعب المختار كما لدى اليهود. الصوت القرآني يرفض اختيارًا كهذا، فبدلًا من بعضٍ مختارٍ يأتي جميع البشر. كما يتم رفض مفهوم اختيار الله للمسيحيّين، الذي حلَّ عند هؤلاء محل مفهوم اختیار الله لليهود. لا أحدَ مُختار بل هناك فقط أناسٌ يحتذون بالمُثُل العليا لا يمكنهم الاستناد على أيٍّ من امتيازات الاختيار (هذا يعني، لا يتم الاستناد كما لدى اليهود إلى إبراهيم أو كما لدى المسيحيين إلى المسيح). هذه الاستنادات لا تنفع أمام الله أبدًا، بل كلُّ إنسانٍ مسؤولٌ وحده عن أعماله وسوف يحاسبه الله عليها(3)، أي أن القرآن يعارض مفهوم شعب الله المختار أو بمعنى أصح ينتقد فكرة احتكار تاريخ النجاة والخلاص من قبل اليهود والمسيحيين .
2- ثم إنّها ترى أنَّ بإمكان كلّ إنسانٍ إقامة علاقةٍ فرديّةٍ بالله من دون أنْ يكون
1) فضل عباس ،قضايا قرآنيّةً في الموسوعة البريطانيّة، نقد مطاعنُ، وردُّ شبهاتٍ، دار الفتح، الأردن
2) ثمة كتاباتٌ عديدةٌ تناقش إثارات الاستشراق، وأحبذ الإحالة على كتابَيْ د. عبد الرحمن بدوي، «دفاعٌ عن القرآن ضد منتقديه» و «دفاعٌ عن محمّد ضد المنتقصين من قدره»
3) حوار مع «أجلي ثانويفيرت» : 99387=http://www.andcpm.ma/vb3/showthread.php?p
هناك جهةً وسيطةٌ، «نعم، يمكن قول هذا، مع أنَّ القرآن بحدِّ ذاته ومن وجهة نظرٍ معينةٍ هو جهةً وسيطة أيضًا- أي باعتباره وسيطاً يستطيع المرء من خلاله بلوغ هذه الحالة بسهولةٍ، فمن خلال أداء المؤمن لطقوس الفروض، وخصوصًا من خلال الصلاة، ومن خلال تلاوة القرآن، يملك المرء مدخلًا غير متاحٍ للآخرين. بيد أنَّ هذا المدخل شعائريٌّ - لفظيٌّ، ولا يقوم على امتيازٍ يرجع إلى شخصٍ أو إلى سلفٍ أو إلى شخصيّةِ مُخَلَّصٍ » (1)، وهي هنا تظهر الرؤية البروتستانيّة التي ترى أن النص يمكن أن يكون هو الصلة بين الله والبشر من دون وساطةٍ.
3- أما عن إمكانيّة الإحاطة لغير المسلم بالقرآن، ترى أن «هذه نقطة انطلاقٍ غيرُ مواتيةٍ أبدًا إنْ لم يكُن مطّلعًا على الكتب المقدّسة الأخرى. للأسف لم تعُد عمومًا لدى القارئ المعرفة التي كان يملكها من استمعوا إلى النبي . فهؤلاء كانوا مثقفين، وكانت لديهم درايَةٌ بمعارف الإنجيل ومعارف زمنهم الفلسفيّة التي لا نملكها اليوم، أمّا المسلم الذي يريد أن يطلع على القرآن فترى هذا يتحقق من خلال» (2)، ما يقرأه ببساطةٍ من تفاسير القرآن، فهي تشمل خبرات المجتمع المسلم بالقرآن، وهي مفيدةٌ على أيِّ حالٍ - حتّى وإنْ كانت نابعة من زمن ليس زمننا وكان ما يقرأه المرء فيها يدعو للحيرة أحيانًا». فهي تنظر إلى الأمر من زاويةٍ تاريخيّةٍ فلكلِّ زمانٍ معارفهُ وتحاول إسقاط هذا على الإسلام.
4- أما في النظرة إلى الآخر بين الإسلام والغرب فترى «أنهم يفعلون ذلك في الواقع، أكان ذلك في الشرق، إذ الوعي التقليدي الإسلامي بذاته ينطلق من أنَّ الإسلام يختلف منذ بداياته بشكلٍ جوهريٍّ عن الثقافة المحيطة، وأنَّه جاء بشيءٍ جديدٍ تمامًا إلى العالم، بينما قبله كان عصر الجاهليّة - حقبة لا تحظى بتقديرٍ كبيرٍ ولا ينبغي للمرء بالضرورة أن يحيط بها علمًا. وفي الغرب يُعتقد أنَّ الإسلام هو الآخر المختلف تمامًا، أي أنه أمرٌ لا ينتمي إلى الثقافة الأوروبيّة. إنها تحديداتٌ قديمةً جدًّا للغيريّة لا تصمد أمام الحقائق التاريخيّة، إلا أنها قد تحددت على
هذا النحو، بسبب تبدُّل النفوذ أو تغيُّر موازين القوى في مراحل سابقة». أي أنها ترى لكلِّ منهما تمركُزًا حول نفسه ونفيًا للآخر، بمعنى أن القراءات الاسلاميّة تتمركز حول الاسلام وتنفي الجاهليّة والغرب معًا، والأمر نفسه في الثقافة المسيحيّة فهي تنفي الاسلام، في حين تؤكد الباحثة على أنّ هناك صلاتٍ عميقةً بين الإسلام والجاهليّة وبين الإسلام والمسيحيّة، وهي تعتمد على جانب التناصِّ بين الثقافات الأخرى والنص سواءاً أكانت جاهليّةً أم غربيّةً مسيحيّةً.
5- وفي محل إجابتها عن سؤال يناقش الرأي القائل بأنَّ الإسلام في حاجةٍ مُلِحَةٍ للتنوير أو أنَّ العقل والعلم حتى يومنا هذا يقعان في موقعٍ مضادٍّ للإيمان يأتي جوابها: «الادعاء بأنَّ الإسلام يفتقر إلى التنوير ما هو إلا صيغةً نمطيَّةٌ قديمةٌ جدًّا. إِنَّ الفخر بالتنوير ( في الغرب)، مع أنه اليوم قد خبا بعض الشيء، يدفع بشكلٍ متكرِّرٍ إلى نَسْب تقدم كبير للثقافة الغربيّة وأقل للإسلام. على الرغم من عدم وجود حركة عَلمَنة شاملة في التاريخ الإسلامي، إلا أنَّ وجود الجانبين الروحي والدنيوي في الإسلام بعضهما إلى جانب بعضٍ هو سبب ذلك. كما أنَّ اختلال موازين القوى السائد اليوم بين الشرق والغرب لم يكن دائماً بهذه الجسامة على الإطلاق، إذ كانت حضارة العلوم الإسلاميّة لمدّةٍ طويلةٍ جدًّا متفوّقةً على نظيرتها الغربيّة أو عمومًا على نظيراتها غير الإسلاميّة، ولم يكن هذا بسبب تقدّمها على غيرها على صعيد الوسائط فقط. صُنِع الورق في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن الهجري على سبيل المثال. وهذا بدوره وفّر إمكانيّة نشر كمٍّ هائلٍ من النصوص، الأمر الذي لم يكُن في ذلك الوقت قائمًا في الغرب قَطّ. وبالتأكيد كان عدد النصوص العربيّة يفوق عدد المخطوطات التي كانت متداولة في الغرب بأكثرَ من مائةِ مرّةً، إذ كان الغرب حتى القرن الخامس عشر الميلادي يعتمد في الكتابة على الورق الذي كان باهظ الثمن ويصعب الحصول عليه».
6- عن سؤال ما هي صورة المرأة والإنسان في القرآن ؟ يأتي جوابها أنّ «القرآن بطبيعة الحال ليس مرجعًا للسلوك الاجتماعي تنطلق اليوم أوساطٌ واسعةً من إمكانيّة العلوم على كل معايير الإسلام في القرآن. بيد أنَّ هذا لم يكُن هدف القرآن.
لقد توجّه القرآن باعتباره إبلاغاً إلى الذين كانوا يعتمدون على معايير أخرى، وكانوا على استعداد لوضع هذه المعايير موضع الشك والتساؤل. يُقدّم القرآن أطروحاتٍ حول معاييرَ مختلفةٍ...»
يبدو أنها تُفصّل بين القرآن والتأويلات الإسلامية اللاحقة فهي ترى أنّ «الكتابات التشريعيّة في الفترات اللاحقة لا تعكس ما هو موجود في القرآن. يتّضح هذا على وجه الخصوص في صورة المرأة، التي تختلف تمامًا في الكتابات التشريعيّة الإسلاميّة عما هي في القرآن- بحسب تأويلها طبعا وتؤكد على ذلك - إذ شكَّل القرآن هنا بالذات تقدُّمًا ثوريًّا، إذ ساوى المرأة أمام الله بالرجل، الأمر الذي لم يكُن له نظيرٌ في ذلك الوقت. فمحاسبة كلا الجنسين يوم القيامة مثلاً ستكون بالطريقة نفسها. ربما يبدو هذا الأمر من منظور يومنا الراهن عاديًّا، ولكن الأمر لم يكُن كذلك آنذاك. كانت المساواة بين المرأة والرجل في ذلك الوقت غيرَ واردةٍ بتاتًا بعدُ- وكانت لا تزال هناك نقاشاتٌ حتى عمّا إذا كانت المرأة تملك روحًا أصلاً. جرى الحكم على المرأة بشكلٍ متضاربٍ جدًّا وكانت منزلتها الحقوقيّة في كثير من المجتمعات سيئةً للغاية قبل الإسلام. كما وضع القرآن المرأة في أمورٍ دنيويّةٍ مهمّةٍ على المستوى نفسه مع الرجل، إذ تملك حقوقًا وتستطيع حتى أن ترِث، أي أنها ليست بأيِّ حال من الأحوال فاقدة الاستقلاليّة ولا الوصايّة على نفسها». فهي تُقارب القرآن مقاربةً تاريخيّةً، فهو من جهةٍ متقدّمٌ على الديانات السابقة ومن جهةٍ ثانيةٍ يختلف عن التأويلات الإسلاميّة اللاحقة(1).
ملاحظات
أوّلًا - المقاربة التاريخيّة في قراءة النص المقدس عند نويفيرت
نجد أنّ مقاربة نويفيرت في دراسة التراث الإسلامي وخصوصًا القرآن تنطلق من قواعَد حداثةٍ وخصوصًا المتن التاريخي الذي تمثله التاريخيّة التي لها قواعدها في النظر إلى التاريخ وخصوصًا الديني، فهذه المدرسة تتجاوز التاريخ بوصفه علمًا
1) المرجع نفسه والصفحة نفسها
يبحث في الوقائع والحوادث الماضية إلى رؤية فلسفية وإحالةٍ في التفسير، إلى تقديم تفسيرٍ مرتهنٍ إلى خطابها الأيديولوجي، لأنّها تبقى مذهبًا فكريَّا له مسبقاته الإيديولوجيّة في التحليل والتشخيص والنقد؛ فهي تقدم تفسيرًا وليدًا في فضاء الحداثة يرى أن تفسير الأحداث المرتبطة بإنسان مرتهنٍ إلى الشروط التأريخيّة، وبالآتي يتم استبعاد ما هو خارج هذه الشروط كالغيب مثلًا، لأنها ترى أن التاريخ يكفي نفسه بنفسه وبالآتي فهو مستغنٍ عن أيِّ مبدأٍ آخر خارج هذه القاعدة، لأن التاريخانيّة ليست مجرّد منهجٍ بل هي مذهبٌ يرى أنّ كلّ حقيقةٍ مرتهنةٌ إلى الشروط التاريخيّة؛ وهذا التفسير يعتمد على فهم السياق التاريخي للواقعة وعدم اقتطاع الحدث من المنظومةٍ التي ينتمي إليها إلى منظومةٍ أخرى وإدراج الوقائع والأحداث في رؤيةٍ شاملةٍ تفسّر ولا تفرض. انطلاقًا من هذه القاعدة يتم إنكار الغيب، لأنّه خارج السياق التاريخي للواقعة. من ضمن هذه الرؤية كان يقع فهم نويفيرت لبعض المفاهيم الإسلاميّة وعلى منهجها التاريخي النقدي وخصوصًا على فهمها «للظاهرة الدينيّة» وخصوصًا القرآن الكريم، فهذا المنهج ظهر في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين وانتشرا في مجال التأويل الديني، فهو يهدف إلى ربط النصوص الدينيّة بسياقها التاريخي وهو يُعد من أهم المناهج المعتمدة حتى يومنا هذا في التأويل الديني المسيحي. وهي منهجيّةٌ تاريخيّةٌ لأنها ترى أنّ لكلٍ نصٍّ كيفما كان تاريخًا. «فلا وجود لحقيقةٍ دينيّةٍ (خالصةٍ)، خارجَ التاريخ، وإنما يجري التعبير عن التجربة الدينيّة ويجري نقلها إلى الآخرين ضمن سياقٍ تاريخيٍّ مخصوصٍ»(1)، وهي نقديّة لأنّها تقول بوجود معاييَر عاّمةٍ للبحث العلمي في تاريخ تكوّن النصوص، وهي تمثَّل قطيعةً مع طريقة التعامل مع النص الديني في القرون الوسطى. وبالآتي فإنّ القطيعة في الفكر ظهرت نتائجها في الاستشراق الكلاسيكي وهو يفسر القرآن في إطار التوالد من البيئة الثقافيّة آنذاك فإنما ينطلق من نزوعه المادي ونفيه للبعد الإلهي لخصوص القرآن. ومع التحولات الفكريّة جاءت التاريخانيّة الجديدة، فهي تشترك مع القديمة في جانبٍ مهمٍّ ألا
1) ألياده، مرتشيا :البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، ترجمة: سعود المولی ،ط1 ،بیروت مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2007م، ص 57
وهو أن الأدب يُعَدُّ جزءًا من السياق التاريخي العام للمجتمع.
إلّا أن الاختلاف يكمن في موقف الأخيرة بأن الخطاب ما هو إلا وسيلةً لقوّةٍ تتبناه جماعةً تتمتع بأهدافٍ ومصالح َمشتركةٍ وتمثَّل نسيجًا اجتماعيًّا وثقافيًّا متميّزًا داخل المجتمع الإنساني في لحظةٍ تاريخيّةٍ محدّدةٍ. وهذه القوة الاجتماعيّة هي التي منحت الخطاب قوته وتماسكه. ولعل هذا ما سوف نجده عند النظر إلى مقاربة نويفيرت للمجتمع الإسلامي في زمن النبي صلّی الله علیه و آله، لأن التاريخانيّة الجديدة كما تجلّت في فهم ميشيل فوكو وتوصيفه للخطاب بوصفه المرجعيّة المعرفيّة الرئيسة التي تقوم بتنظيم جميع الممارسات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة وترتيبها لمجتمعٍ معينٍ داخل حقبةٍ تاريخيّةٍ محدّدةٍ. لكنه أكّد على أن الأمر ليس مرتبطاً بوجود حقيقةٍ موضوعيّةٍ، بل الأمر يرتبط بالخطاب نفسه وما يتمتع به داخل الفضاء الاجتماعي والثقافي(1). وبالآتي تغدو كلُّ حقبةٍ في تاريخ الثقافة الإنسانيّة منتجةً لمنظومتها القيميّة والمعياريّة والمفاهيميّة الخاصة، التي تحدِّد الممارسات والفعاليات داخل ذلك المجتمع. ويتم على أساس ذلك الخطاب تقویم ما هو مقبولٌ اجتماعيًّا وما هو غيرُ مقبولٍ داخل تلك الحقبة الاجتماعيّة التاريخيّة (2)؛ لكن هذا التأويل يبقى داخل الأرضيّة نفسها التي نسجتها حقبة الحداثة وما بعدها باعتمادها على الرؤية العدميّة، فهي تهدف إلى الإمساك بأصله وتتعامل مع النصوص المقدسة شأن تعاملها مع أيّ نصٍّ آخرَ. وبلغةٍ أخرى إنها تنزع القداسة عن النصوص الدينية كما فعلت المسيحية واليهوديّة (3).
من النقود لهذه التاريخيّة قول مرتشيا ألياده: «كان هذا الجوُّ جوًّا صارت فيه الكليشية الرائجة( (Fashionable تحمل اسم التاريخ لا الطبيعة. كما أنّ
1) أنظر في هذا المجال: مشيل فوكو: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة: سعيد بنكراد، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2006م؛ انظر: اويير دريفوس - بول رابینوف: مشيل فوكو مسيرةٌ فلسفيّةً، ترجمة: جورج أبي صالح، لا ط، بيروت، مركز الانماء القومي، ص 58 ، وهو يرى الآن «أن المرض العقلي تكوّن من كلّ ما قيل في مجموعة كافة الملفوظات التي كانت تسمه وتفصله وتصفه وتفسرهُ وتروي تطوراته وتبين مختلف ترابطاته وتحكم عليه وعند الاقتضاء، تعطيه الكلام بأن تنطق هي باسمه بخطاباتٍ لا بد وأن تُعدَّ خطاباته»
2) العلوي، السيد جعفر: الاستشراق والعبور إلى التاريخانيّة، م- البصائر ، العدد (42) ، السنة 19 - 1429ه-/ 2008م
3) مرتشيا ألياده، البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، م.س، ص 120-133
اكتشاف أن التاريخ أمرٌ لا مفرّ منه، وأنّ الإنسان كان دائمًا كائنًا تاريخيًّا، ليس بحد ذاته تجربةً سلبيّةً أو مجديةً. فهذا الأمر البديهي سرعان ما أتاح المجال أمام سلسلةٍ من الأيديوجيات والفلسفات النسبيّة والتاريخانيّة»(1). كانت تلك هي المرجعيّة التاريخانيّة النقديّة التي كانت حاضرةً في قراءة القرآن عند نويفيرت فهي « تمارس نوعًا من «هيرمينوطيقا الأصل» إذا صح هذا التعبير، وهي تُغفل على الرغم من تاريخيّتها حركة التاريخ وحركيّة النص، لأن النص المقدس لا يُختزل في أصلٍ ثقافيٍّ وتاريخيٍّ معيّنٍ، بل هو نصٌّ متحولٌ ومتحركٌ باستمرار، وليس له تاريخُ نشوءٍ، لأنه لا يتوقف عن إنتاج المعنى بل عن تجاوز نفسه باستمرارٍ أو عن إنتاج نفسه»(2). إلا أن التفسير يحاول البقاء من ضمن حدود ممكناته التاريخيّة التي هي وليدة فضاءٍ معرفيٍّ وضعيٍّ ينفي ما هو خارج حدود التجربة والتاريخ وهو مرتبطٌ بموقفٍ إلحاديٍّ. على الرغم من أنّ التاريخيّة الجديدة تؤكد على انفتاح النص من خلال تأكيدها على أن النصّ الأدبي ليس كياناً جماليًّا مستقلًّا عن الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة. والأمر الآخر هو أن «معنى النص» ليس ثابتًا بل يتغير بتغيُّر ظروف التلقي. لكن كيف نفهم النص من دون فهم الفضاء المتداول للنص فالقرآن مرتبطٌ بالفضاء الإسلامي، إلا أن القراءة الاستشراقيّة على الرغم من تأكيدها على القراءات المتنوِّعة للقرآن في الإسلام إلا أنها ترفض التاريخ الإسلامي وتنتقد حقبة التدوين وتكتفي بالمرجعيّات الاستشراقيّة على الرغم من الأخطاء التي سقطت بها تلك المرجعيّات كالفيلولوجي التاريخاني ثيودور نودلكه في كتابه «تاريخ القرآن»، ومقالة ألفورد ولش «القرآن» في الموسوعة الإسلاميّة، ومقدمة بال وواط للقرآن، وكتاب آرثر جفري «القرآن ككتابٍ مقدسٍ»، التي عرضنا لها في الصفحات السابقة وكيف تم استثمار القراءة التاريخيّة التي قدمت في دراسة التوراة والإنجيل ومحاولة تطبيقها على القرآن الذي تم تحديده من ضمن أفقٍ تاريخيٍّ وثقافيٍّ محدّدٍ وعزله عن أفقه الاسلامي. على الرغم من كل هذا تحاول
التأكيد على الاستنارة بالإسلام عبر تصريح أنجليكا نوينفيرت الذي ذكرت فيه أن «إدّعاءَ افتقار الإسلام إلى التنوير كليشيهٌ غربيٌّ قديمٌ»(1).
أي إنّها تحاول تقديم قراءةٍ علمانيّةٍ للإسلام كما جاءت في تأويلاتها ومشروعها «موسوعة القرآن»، وهو الهدف نفسه الذي عبّر عنه هابرماس ضمن كتاب «قوة الدين في المجال العام»، والذي طالب فيه المتدينين بترجمة الإمكانات الدلاليّة القادمة من التقاليد الدينيّة إلى لغةٍ علمانيّةٍ وإلى لغةٍ متاحةٍ للجميع(2).
القراءة القائمة على أنسنة النص
1- التناصّات مع التراث التوراتي والإنجيلي
التناصّ: مفهومٌ معاصرٌ يخلف مفهوم التأثير الذي كان قائماً على المنهج الاستشراقي القائل أنّ القديم أصلٌ والحديث متأثرٌ به فالفلسفة الإسلاميّة على وفق هذا المنهج هي أثرٌ يونانيٌ بحروفٍ عربيّةٍ، وهكذا مع النص القرآني الكريم، قيل أنه متأثرٌ بالتوراة والإنجيل والتناصّ على وفق المنهج المعاصر إذ يُعرَّف مفهومُ التناص (Intertextuality) بأنّه وجودُ تشابهٍ بين نصٍّ وآخرَ أو بين عدّةِ نصوصٍ، وهو مصطلحٌ صاغته جوليا كريستيفا 1941 للإشارة إلى العلاقات المتبادلة بين نصٍّ معيّنٍ ونصوصٍ أخرى، وهي لا تعني تأثيرَ نصٍّ في آخرَ أو تتّبع المصادر التي استقى منها نصٌّ تضميناته من نصوصٍ سابقةٍ، بل تعني تفاَعل أنظمةٍ أسلوبيّةٍ. وتشمل العلاقات التناصيّة إعادة الترتيب، والإيماء أو التلميح المتعلق بالموضوع أو البنية والتحويل والمحاكاة».
لهذا قالت أنجليكا بالمصادر المتعدّدة للقرآن، وهي مقولةٌ استشراقيةٌ تهدف إلى تفكيك أسس الإسلام، لإظهار «أن التكوين الإسلامي ما كان أكثر قليلًا مثلًا من
1) رشید بوطيب، حدود القراءات العلمية للقرآن... الباحثة الألمانية أنجيليكا نويفيرت مثالًا! موقع القنطرة
2) يورغن هابرماس وآخرون: قوة الدين في المجال العام، ترجمة: فلاح رحيم، ط1، بيروت، دار تنوير للطباعة والنشر، 2013م. ص (59 - 60) ، وأيضًا طلب الجانبُ الآخر من المواطنين بموجب أخلاق المواطنة نفسها عبئًا تكميليًا ألّا يستنكروا المساهمات الدينيّة في الرأي السياسي...
هرطقةٍ مسيحيةٍ، أو فرعٍ يهوديٍّ منحرفٍ بإيحاءاتٍ عربيّةٍ، أو أيِّ شيءٍ آخَر، ولكن على أيِّ حالٍ نظرتهم نظرةٌ بائسةٌ»(1).
وهذه النظرة التي نجدها تقوم على توظيف مفهوم التناصّ بوضوحٍ في مقولات أنجليكا نويفيرت التي لا تعترف بالمصدر الإلهي للقرآن، وتنبني نظريتها التأويليّة للقرآن على بشريّة القرآن وسائر الكتب المقدسة. بالتأكيد، إن هذا التأويل غيرُ منزهٍ عن الإحكام المسبقة والمضمون الإيديولوجي، فالتاريخيّة تؤكّد هذا: «بأن مؤلف النص ليس كائنًا مستقلًّا موضوعيًّا مفرغًا من الدافعيّة الإيديولوجيا». فهذه الموضوعيّة تبدو خاضعةً إلى غاياتٍ متنوعةٍ وأرضيّةٍ معرفيّةٍ وتصوّراتٍ إيديولوجيّةٍ، جعلت التاريخيّة تعتبر كلَّ النصوص سواءً ولا تعطي صفة التفوّق للنصوص الأدبيّة الإبداعيّة، فكتابات المحامين والصحف اليوميّة والأطبّاء والأدب الشعبي كلها تشكّل جزءًا من سياقٍ تاريخيٍّ واحدٍ خاضعٍ لسلطة الخطاب الاجتماعي والسياسي والديني نفسه. على وفق هذه الرؤيّة لا تغدو هناك سمةً تميز النصّ المقدّس عن غيره من النصوص وهذا يظهر واضحًا في أنسنة النص وجعله يبدو نصًّا بشريًّا محكومًا بسياقٍ ثقافيٍّ لا يمكن أن يُتعالى عليه ما يجعل منه وثيقةً تاريخيّةً مثلما تفعل بعض مدارس تاريخ الأدب، إذ إن السياق لا يؤثر فقط في طبيعة المضمون، وإنّما يحدّد بشكلٍ حاسمٍ البنية الشكليّة للنص الأدبي، ونمط التشكُّل اللغوي والدلالي، وآليّات القراءة والتأويل.
أصل هذه الرؤية نجدها في ما يدّعي المستشرقون من أن النبي صلّی الله علیه و آله تأثّر بالبيئة والوسط الثقافي الذي كان يعيش فيه، وأنّ هذه البيئة قد تركت بصماتها في القرآن المنسوب للنبي، وزعم بعضهم أن القرآن ما هو إلا اقتباساتٌ من التوراة والإنجيل، ومنهم من زعم تضمُّن القرآن للأساطير الوثنيّة، وتضيف أنجليكا إلى من سبقها من المستشرقين كنودلكه - الذي تُمثل هي امتدادًا له- قولها أن النص القرآني نصٌّ حواريٌّ تواصليٌّ بين «نبيٍّ قائلٍ كريزمائيٍّ والمتلقي جمهوره المؤمن»، وليس نصًّا أحادي الصوت كما يرى نودلكه أي صوت محمّد فقط، بل حوى أصواتًا متعددة عبَّرت
1) «حوار كارلوس سيغوفيا»، قصة نوح علیه السّلام في القرآن دلالة على النبوة، ترجمة: عبدالرحمن أبو المجد، شبكة الألوكة، تاريخ الإضافة /101/12/17 ميلادي - 1437/3/5 هجري
عن الجماعة والتاريخ والثقافات المختلفة في ذلك العصر.
إلا أنّ الفرق بين تلك الكتب والقرآن نجده لدى المستشرق «موريس بوكاي» الذي انتهى في كتابه (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم) إلا أن التوراة هي عبارةٌ عن أعمالٍ أدبيّةٍ كُتبت على أمد مدةٍّ زمنيّةٍ تقارب تسعة قرونٍ بأيدي كُتَّاب متعدّدين ما أدى لتغير مضامينها، وتشبيهها بفسيفساء تفتقد الانسجام، وأما الأناجيل الأربعة فهي برأيه كتابات أشخاصٍ لم يعاصروا المسيح، ولم يشاهدوا أفعاله، وكتب بعضها بعد زمن طويل من وفاة المسيح، فظهرت في تلك الكتابات تناقضاتٌ بحسب ميول كلِّ كاتبٍ، بخلاف الوحي القرآني الذي نزل على أمد عشرين عامًا وتم تسجيله وكتابته في أثناء حياة الرسول صلّی الله علیه و آله، وتم تدقيقه من قبل عثمان رضي الله عنه ما يجعل للقرآن أصالةً بين الكتب السماويّة الأخرى(1).
2- أنسنة النص أو بشريّته
إنّ الاختلافات بين القرآن والكريم والنصوص المتبقيّة التي أشار إليها موريس بوكاي، لا يعترف بها المستشرقون الذين يقولون ببشريّة النص القرآني، فنفي المصدر الإلهي للقرآن ونسبته للرسول صلّی الله علیه و آله مقولةٌ استشراقيّةٌ شهيرةٌ، نجدها واضحةً لدى كلٍّ من القس آرثر جيفري وكذا نولدكه شيخ المستشرقين الألمان الذي تصفه المستشرقة أنجليكا وينفيرت ب- «حجر كنيستنا»، والذي يرى أن النص القرآني وضعه وطوَّره محمّد صلّی الله علیه و آله، وهذا ما قالت به أنجليكا وينفيرت زاعمةً أن القرآن الكريم مثله مثل العهدين (التوراة والإنجيل) «كلامٌ نبويّ».
3- التعامل مع النص المقدّس من خلال التحليل الأدبي
هذه الرؤية التي تنتمي إلى النقطة الثانية نفسها أي أنسنة النّصّ، وهي مقولةٌ ارتبطت بعصر النهضة وتوسّعت مع الحداثة والمناهج التاريخانيّة التي تعتمد على القراءة الأدبيّة، التي تعمد إلى التسوية بين النص القرآني والنص الأدبي.
1) موريس بوكاي: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة: حسن خالد ،ط3، بیروت، المكتب الإسلامي، 1990م
هذه الرؤية ليست بجديدةِ عهدٍ بالفكر العربي، فقد قدّمها طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» موظِّفًا فيها المنهج التاريخي، وقال بها من بعده الشيخ أمين الخولي وتلميذه محمّد أحمد خلف الله وآخرون.
فالتحليل الأدبي يتناول جوانب التناصات مع الأسطورة بالرجوع إلى «نورثروب فراي» الذي يعلّمنا أنّ البُنى الميثيّة الأسطوريّة تستمر بإعطاء شكل الاستعارات والبلاغة لأنواعٍ متأخرةٍ من البُنى «نجد هذا واضحًا في معالجة ويفيرت باصطلاحها «إزاحة الأسطرة بامتيازٍ» وهي مقولةٌ تحيلنا إلى معنى أنّ الحداثة جاءت بوصفها خطابًا فلسفيًا محطّمًا «الأصنام» وهو الذي تسرّب إلى التاريخ بغاية أن ينحت تدريجيًّا هذه الظاهرة التي أجمع المفكّرون على تسميتها ب- «إزالة الصبغة السحريّة عن العالم»(1).
فهذا المنهج في التحليل للنص المقدس يستبعد الإعجاز الغيبي للقرآن ويجعله مجرد صدىً للكتب المقدّسة والأساطير الوثنيّة، فما الجديد الذي جاء به القرآن؟ وما قيمة تصحيح القرآن للعقائد الباطلة المبنيّة على رواياتٍ باطلةٍ للإنجيل، وما جاء به من حقائقَ مخالفةٍ للكتب الأخرى.
فهذا الجهد الاستشراقي في النظر إلى القرآن يكشف المسكوت عنه المستشرق بلانشو بقوله: «في بحثٍ كهذا ليس مهمّاً أن نستخدم قواميس اللغة الساميّة وغير الساميّة فحسب، إنما من المهم أيضًا أن نعترف بالتراث الشعائري والأدبي المشترك والذي بدا لنا أن القرآن يستحضره في الصلوات والترانيم والقصص».
4- محاربة ونفي مفهوم التدوين والتاريخ الإسلامي المدوّن
إنّها ترفض مرحلة ما بعد التدوين وتعدها ثابتةً جامدةً، أي إنها تعتمد على الجانب العمودي في التحليل أي ما هو شفاهيّ يقوم على التلاوة، وتهمل ما هو أفقيٌّ ثابتُأيْ مكتوبٌ، وهذا كلامٌ غيرُ موضوعيٍّ ويتعارض مع الخطاب العلمي وتعامله مع المدون، لأنّه وثيقةٌ مغلقةٌ وهذا كلامٌ راديكاليٌّ، فكل التاريخ المدوّن هو
1) داریوش شایغان: ما الثورة الدينيّة، ترجمة: محمّد الرحموني، دار الفكر الجديد النجف الأشرف، ص17
عبارةً عن حوارٍ وقراءةٍ مستمرةٍ للقرآن وتوظيف لمناهجَ متنوّعةٍ في هذا السبيل.
وجهة النظر هذه هي التي دافع عنها واط (Watt) وبيل (Bell)، فقد دعا كلُّ منهما منذ 1970م إلى «ترك تفسيرات المعلقين المسلمين المتأخرين جانباً، باعتبار أنها تعرضت لتأثير التطور التيولوجي بعد موت النبي، والعمل على فهم كل مقطعٍ بالمعنى الذي عرضته بالنسبة إلى مستمعيها الأوائل (1). لكنّ الحجة في نفي عصر . التدوين هي أن القرآن تحوّل بعد وفاة النبي صلي الله علیه و آله إلى (نصٍّ مونولوغيٍّ) كما تكتب نويفيرت. وهذا الكلام يُقصي منتجًا حضاريًّا كبيرًا له أثره العميق في حياة المسلمين»، ومع ذلك فإن تأكيد نويفيرت وتحليلها للبعد الحواري للنص القرآني يؤكّد بما لا يدعو إلى الشك أننا أمام كتابٍ مفتوحٍ وحركيٍّ وأنّ الحوار هو لغة وبنيةُ القرآن»(2).
في الوقت الذي عزلت النص عن محيطة التداولي بنفيها عصر التدوين، نجدها تربط النص بالتراث الغربي المسيحي اليهودي وهذا ما جاء في إجابتها عن السؤال : ما هي النصيحة التي تقدمينها لشخصٍ لم يطّلع حتى الآن على الدين الإسلامي ويود الانشغال بالقرآن للمرة الأولى ؟ إذْ قالت: «هذه نقطة انطلاق غيرُ مواتيةٍ أبدًا إن لم يكن مطّلعًا على الكتب المقدّسة الأخرى، للأسف لم تعد عمومًا لدى القارئ المعرفة التي كان يملكها من استمعوا إلى النبي، فهؤلاء كانوا مثقفين، وكانت لديهم دراية بمعارف الإنجيل ومعارف زمنهم الفلسفيّة التي لا نملكها اليوم».
5- إحياء الأرشيف الضائع (القراءة النقديّة للنص)
إذا تطرّقنا إلى القراءة النقديّة للقرآن نجد في موسوعة القرآن وفي تصريحات المشرفة ومؤلفاتها وحواراتها. نجد أنّه على المستوى العملي تتبنى أنجليكا مشروع «الأرشيف الضائع» الذي يحاول اكتشاف النسخ الأخرى للقرآن، بحثًا عن أدلّةِ تثبت أن القرآن نصٌّ يعود إلى أصلٍ غيرِ إلهيٍّ أو أصلٍ غيرِ مفارقٍ وقابلٍ للتغيير، وذلك لإعطاء القرآن القيمة التاريخيّة التي أعطيت للتوراة.
الخاتمة
-في وقتٍ كان رضوان السيد صاحب موقفٍ مختلفٍ من جهود الألمان في هذا الحقل، وخصوصًا في إشارته إلى جهودهم في حفظ المخطوطات العربيّة، إلا أنّه بالنتيجة كان يرى أنّها لم تعد مؤثرةً بفعل اندثار المنهجيّة الفيلولوجيّة في دراسة التاريخ..
نجد أن أثر الاستشراق حاضرٌ بقوّةٍ في أكثرَ من مكان في الخطاب السياسي وتوظيفه للأحداث الأخيرة في توصيف الذات كدولةٍ ديمقراطيّةٍ والآخر كدولةٍ إرهابيّةٍ؛ لأن ميكانزمات الاستشراق التقليدية ما زالت كامنةٌ في العقل الباطني الغربي.
هذا من ناحية الكل لو استعرضنا العلاقة العموديّة، أي لو بحثنا عن جدليّة العلاقة بين المعرفة والسلطة نجد أنّ علاقة الدولة الألمانيّة بالاستشراق متذبذبةٌ، ما قبل الوحدة الألمانيّة والقيصريّة كان الاهتمام شبهَ معدومٍ. ومن ثَمَّ من خلال العلاقة الاستراتيجيِة بين الدولة القيصريّة والدولة العثمانيّة عشيّة الحرب العالميّة الأولى، ازدهر الاستشراق في الأكاديميا الألمانيّة. وأثناء حكم الدولة النازيّة، عاد مبحث الاستشراق للظل
وأهم ما تُعنى به (الفيلولوجيا) هو تحقيق النصوص وفك رموز النقوش وإعدادها للنشر العلمي . لذلك لم تتعد هذه الدراسة حدود العمل التمهيدي اللازم لدراسة اللغة. لكن الأمر لم يخل من خلط في المصطلحات، إذ أُستُعمل مصطلح (الفيلولوجيا) مرادفًا لعلم اللغة أو اللسانيات.
هذا العلم أو المنهج يطرح «مشكلةً على مستوى التعريف، فاختلاف تعاريفه ناشئ ٌمن اختلاف معرفتهلدى الباحثين من حيث اختصاصاتهم العلميّة واختلاف نظرتهم إلى هذا العلم، فالمهتم بتاريخ الحضارة سيعطيه تعريفَا قريبًا من تخصصه
وكذلك اللغوي واللساني وغيرهم. وهذه التعاريف تبدو مختلفةً وغيرَ متجانسة حتى التناقض أحياناً، فالجمع بينها ممكنٌ إذا ما نظرنا إليها في إطارٍ تكامليٍّ، إذ يُعَدَّ بعضَها خطوةً أوليةً موصِلةً للآخر.
-الواقع أن الفيولوجيا مكّنت الاستشراق من اصطناع الشرق لا رؤيته كما هو أنه شرقٌ نتج تبعًا لمنطقٍ مفصلٍ، ليس محكومًا ببساطة الواقع التجريبي، بل بمجموعةٍ من الرغبات والمقموعات والإسقاطات.
في البحث عن المنهج الاستشراقي الألماني، أكّد مؤرّخو تاريخ الأفكار على استقلال الاستشراق الألماني كمبحثٍ أكاديميٍّ عن الفيلولوجيا واللاهوت مع أنه ظلّ يستعمل الفيلولوجيا كأداةٍ تحليليّةٍ، لكن هذا الاستقلال أخذ طابعًا وظيفيًّا فقط. أي استقلَّ كحقلٍ دراسيٍّ، لا بالضرورة معرفيًّا. إلا أن الألمان تميزوا بالانشغال بالنص القرآني ما ميّز جهود المستشرقين الألمان عن باقي جهود المستشرقين الآخرين.
تقويم الدراسات الغربيّة عامّةً والألمانيّة من ضمنها هوأنها كانت قد اتّسمت بجملةٍ من السمات هي بالأحرى جزءٌ من مشروع الحداثة الغربيّة وهيمنة الخطاب المادي على الفلسفة والفكر الغربيين وقد تمظهر هذا في نقد الخطاب الديني وظهور منهجيّاتٍ غربيّةٍ في دراسة التوراة والإنجيل والحفريات في تاريخيّة كلٍّ منهما.
لكن هذه الرؤية فى تناول القرآن مختلفةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ عما هو موجودٌ في القراءات الإسلامية التراثيّة، فالقراءة الغربيّة لها منطلقاتٌ ومناهجٌ مختلفةٌ تماماً، لأنها وليدةُ خطابٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ غربيٍّ، كما قلنا، له أحكامه المسبقة من أيّ اهتمام اتجاه الجوانب الميتافيزيقيّة، وهي وليدةٌ للنزعة الماديّة في أوروبا، وللعداء
المستفحل في المجتمع العلمي الأوروبي مع الكنيسة والذي تمدد صوب الإسلام.
تكثّف هذا التأصيل بشكلٍ يتجاوز المنهج الاستشراقي إلى توظيف بُعدٍ لسانيٍّ بنيويٍّ ينظر إلى النصّ القرآني بوصفه نصَّا وليداً للحوار المعرفي الذي دار في المنطقة لهذا تكثفت مقولتها. «القرآن نص يشترك فيه الأوروبي غير المسلم والمسلم»، فهنالك مجالان لهذا الحوار: الأول، داخل الجماعة الإسلاميّة أي من خلال الحوار بين النبي صلّي الله علیه و آله، والمؤمنين ، فهذا الحوار أنتج النص الذي هو وليد الإشكالات والرهانات التي كانت تشغلهم في ذلك الوقت والتي اتّسمت بالشفويّة عبر الحوار والكلام الذي كان يدور في أرجائه، والذي تحوّل إلى نصٍّ محفوظٍ ثم دُوِّن فيما بعد. والثاني في توصيفها وتحليلها إذ تؤكد على أن القرآن ليس فقط نصًّا إسلاميَّا، بل هو جزءٌ لا يتجزأ في رأيها من الثقافة القديمة المتأخرة والنقاش الذي كان محتدمًا بين تياراتها المختلفة. فالنص القرآني على وفق هذه الرؤية هو نتاجٌ لثقافة العصور المتأخرة، كما أدّى هذا التوجُّه دورًا بارزًا في دراساتها المستمرة حتى اليوم، وبخاصةٍ مقالاتها المبسوطة في (موسوعة القرآن) التي أُنجزت في النصف الثاني من التسعينيّات.
وكانت قراءتها تريد أن تردم هذه الفجوة في الدراسات الغربيّة حول الإسلام لهذا جاءت دراساتها على تنوعها تحاول دراسة القرآن دراسةً نسقيّةً على المستويين الأدبي والثيولوجي. لكن تبقى غايتها ليس شكل النص القرآني، ولكن سيرورة تشكُّله، أو تلك السابقة على تشكله، وبلغةٍ أخرى التبليغ الشفوي للقرآن لا النصّ المدوّن.
فهذه الرؤية ترفض التعامل مع النص بوصفه نصًّا مقدّسًا مفارقًا وتجد هذا يتعارض مع المعطى العلمي، وهذا التصوّر ما زال يكرّر الأطروحة الإلحاديّة التي كانت مهيمنةً في القرن التاسع عشر الأوروبي وروحه الوضعيّة، بموقفه السلبي من التدوين. وهنا يحق لكل مهتمٍّ أن يتساءل: هل ألغى فعل التدوين الحوار الإسلامي مع الثقافات الأخرى؟
-المنهج التاريخي - النقدي، الذي تعتمده نويفيرت في دراستها للقرآن، يعود إلى القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين، وانتشر في مجال التأويل الديني، ويهدف إلى ربط النصوص الدينيّة بسياقها التاريخي.
ألياده، مرتشيا: البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، ترجمة: سعود المولى، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2007م.
أنيس، إبراهيم: في اللهجات العربيّة، بدون طبعة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، 2003م.
اوپیر دریفوس- بول رابینوف: مشيل فوكو مسيرةٌ فلسفيّةً، ترجمة: جورج أبي صالح، لا ط، بيروت، مركز الانماء القومي.
باقر، طه: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة الجزء الثاني حضارة وادي النيل، ط2 ،بغداد، الشركة التجاريّة للطباعة والنشر، 1956م.
بدوي، عبد الرحمن: موسوعة المستشرقين ،ط 3، بيروت، دار العلم للملايين، 1993.
بلاشير :القرآن نزوله تدوینه ،و ترجمته ترجمة رضا سعادة لا ط، بيروت، دار الكتاب العربي.
جحا میشال: الدراسات العربيّة والإسلاميّة في أوروبا، ط1، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1982م.
جينيفر جينكنز: الاستشراق الألماني: مدخل، ترجمة: غسان نامق، موقع النور نشر في 2010/7/2.
حامد، شریف: نقد العهد القديم، مكتبة مدبولي، القاهرة.
حسان، تمام: الأصول، دراسةٌ إيبستمولوجيّةٌ لأصول الفكر اللغوي العربي، ط1، الدار البيضاء، دار الثقافة، 1981م.
داریوششایغان: ما الثورة الدينيّة، ترجمة: محمّد الرحموني، دار الفكر الجديد النجف الأشرف.
رضوان السيد: المستشرقون الألمان، النشوء والتأثير والمصائر ، ط2، بیروت، دار المدار الاسلامي، 2016.
رينولدز، جبرئيل : سعيد القرآن في محيطه التاريخي، ط1، بيروت، منشورات الجمل، 2012م.
سامي، زبيدة: أنثروبولوجيات الإسلام (مناقشةٌ ونقدٌ لأفكار إرنستغيلنر)، لا ط، بيروت، دار الساقي، 1997م.
سعيد، إدوارد: الاستشراق، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربيّة.
سليمان اليوسف، يوسف: «مقدمةٌ لفقهٍ لغويٍّ جديد»، مجلة المعرفة، عدد 23T أبريل 1981م.
السيد، رضوان: جوانب من الدراسات القرآنيّة الحديثة والمعاصرة في الغرب، مجلة التسامح، العدد 17، سنة 2007م.
الصالح، صبحي: مباحث من علوم القرآن، ط10 ، بيروت، دار العلم للملايين، 1977.
الصالح ،صبحي، مباحث في علوم القرآن، لا ط، بيروت، دار العلم للملايين.
الطبرسي: مجمع البیان ،ط1 ،بیروت، دار العلوم للطباعة والنشر والتوزيع، 2005 م ج1.
العقيقي، نجيب: المستشرقون، لا ط، القاهرة، دار المعارف، 1964م.
العلوي، السيد جعفر: الاستشراق والعبور إلى التاريخانيّة م - البصائر، العدد (42) ، السنة 19 - 1429ه- / 2008م.
الغزالي: المستصفى، تحقيق: محمّد عبد السلام، لا ط، بیروت، دار الكتب العلميّة، 1413م، ج 1.
فارس، عمر: المستشرقون الألمان: حلقةً مفقودةٌ في نقد الاستشراق؟ موقع خبر، الأربعاء 28 كانون الأول 2016م.
فرانسوا دیروش: استعمالات القرآن بوصفه كتابًا مخطوطًا، ترجمة: سعيد البوسكلاوي، مجلة الباب، العدد 6.
فريدمان، ريتشارد إليوت: من كتب التوراة، ترجمة: عمرو زكريا، لا ط، القاهرة دار البيان للنشر والتوزيع، 2003م.
قدور ، أحمد محمّد: مبادئ اللسانيات، دار الفطر، دمشق .
کارل بروكلمان: فقه اللغات الساميّة، ترجمة، رمضان عبد التواب، القاهرة، 1977م.
الكلام، يوسف: تاريخ وعقائد الكتاب المقدس، ط1، دمشق، دار صفحات للدراسات والنشر.
مدكور، إبراهيم: «منطق أرسطو والنمو العربي»، سلسلة اقرأ، عدد 337، سنة 1972م.
المستشرق الألماني نولدكه: تاريخ القرآن، ط1، بيروت، دار النشر جورج ألمز، 2004م.
مشيل فوكو: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة: سعيد بنكراد، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2006م.
المنجد، صلاح الدين: الاستشراق الألماني تراجمهم وما اسهموا به في الدراسات العربيّة، ط1، بيروت، دار الكتاب الجديد، 1978م، ج1.
مهدي عزيز، القرآن مقارباتٌ جديدةٌ، ترجمة عبد العزيز بومسهولي، مجلة الباب العدد 6
نجدي، نديم: أثر الاستشراق في الفكر العربي المعاصر عند العرب، ط1، بيروت، دار الفارابي، 2005.
نقرة، التهامي: القرآن والمستشرقون، مقال ضمن کتاب: مناهج المستشرقين في الدراسات العربيةّ الإسلاميّة - الجزء الأول، تونس: المنظمة العربيّة للتربيّة والثقافة والعلوم، 1995م.
الوائلي، عامر عبد زيد: موسوعة الاستشراق ،ط1، بيروت، ابن النديم للنشر والتوزيع، 2012
لائحة المصادر بالأجنبيّة
1- Der karan Hand Kommentar mit ubersetzung ron Angelika Neuwur. Bd, 1 Poetische prophetue Fuhmekkanische suren, Verlag. 2011.
2- Lusenberg chrusthof, dle syro-aramaus che Lesart des Koran Eih Beutray Zur Entschlussaung der Korans prache .Berlin, Verlattans schiler, 2004.
3- Neuwirth, Angelika (2007). «Orientalism in Oriental Studies? Qur'anic Studies as a Case in Point». Journal of Qur'anic Studies. 921.
4- The Muslim World, Volume 50 1960.
هذا الكتاب
يتناول هذا الجزء من الكتاب (القرآن والمستشرقون) في سلسلة من البحوث التخصصيّة ما أثاره المستشرقون من إشكاليات وشبهات في قضايا ترجمة القرآن وما رافقها من إشكاليات، إضافة إلى دفع الكثير من الإشكاليات والشبهات التي أثارها المستشرقون اليهود حول مصداقية القرآن وغيره.
وقراءات تقويمية ونقدية لنماذج من إشكاليات بعض أعلام المستشرقين حول القرآن والدراسات القرآنية بالمناقشة والتحليل والنقد للمرتكزات والمباني التي حاول المستشرقون تأسيسها والبناء عليها في هذا المجال.
المَركَز الاسلَامي للدِراسَات الاستَراتيْجِية
http://www.iicss.iq
islamic.css@gmail.com