الممتع فی التصریف

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : ابن عصفور، علی‌بن مؤمن، 597 - 670 ق.

عنوان و نام پديدآور : الممتع فی‌التصریف/ علی بن مؤمن النحوی الحضرمی الاشبیلی المعروف بابن‌عصفور (597 - 669 ھ.)؛ تحقیق احمد عزوعنایه، علی محمد مصطفی.

مشخصات نشر : بیروت : دار إحیاء التراث العربی؛ 1432ه = 2011م = 1389

مشخصات ظاهری : 380 صفحه

يادداشت : عربی.

موضوع : زبان عربی -- صرف

شناسه افزوده : عنایه، احمد عزو

شناسه افزوده : مصطفی، علی‌محمد

توضیح : «الممتع فی التصریف»، اثر علی بن مؤمن نحوی حضرمی اشبیلی، معروف به ابن عصفور ( 597- 669 ق)، با تحقیق شیخ احمد عزو عنایه و علی‌محمد مصطفی، اثری است در تصریف که در آن به بحث درباره حروف زاید، ساختمان افعال و اسماء، ابدال، قلب و ادغام، به روش استدلالی پرداخته شده است.نویسنده در ابتدا، به نحوه تشخیص و تمییز حروف زاید از اصلی پرداخته و سپس، حروف ابدال را مطرح و بعد از آن، به سایر مباحث صرفی می پردازد.

در باب اول از قسم اول، به تبیین و تمییز حروف زاید از حروف اصلی و ادله‌ای که می‌توان با آن‌ها به شناخت حروف اصلی و زاید نایل آمد، پرداخته شده است.بررسی و بحث پیرامون ابنیه اسماء و افعال و معانی مختلف آن‌ها و ذکر مواردی که در آن‌ها حروف زاید بیشتر به چشم می‌خورد، از جمله مباحث مطرح‌شده در این باب می‌باشد.

قسم دوم، به ذکر حروف ابدال اختصاص یافته است. حروف ابدال، حروفی هستند که در موارد خاصی، بدون آنکه ادغام شوند، به حرف دیگری تبدیل شوند که نویسنده آن‌ها را در عبارت «اجد طویت منهلا» خلاصه نموده است.

اشارة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مقدمة المحقق

الحمد لله الذي علم القرآن ، وخلق الإنسان ، وعلمه البيان.

وأصلي وأسلم على أفصح الخلق لسانا ، وأبلغهم بيانا ، وعلى آله وصحبه الطيبين ، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.

وبعد :

فإن من خصائص اللغة العربية التي عدها العلماء لها ما تمتاز به من اتساع الأبنية ، وكثرة الصيغ التي تستوعب المعاني التي يمكن أن تجيش بها نفس إنسان في وقت من الأوقات ، ولما كان التصريف هو سبيل الوصول إلى تلك الصيغ فقد قالوا : «أما التصريف فإن من فاته علمه فاته المعظم» (1).

ويعلل ابن فارس لتلك المقولة بأمثلة كثيرة تكشف عن فائدة التصريف في التمييز بين المعاني التي تتحول بتصريف صيغها من الضد إلى الضد : «يقال : القاسط للجائر ، والمقسط للعادل ، فتحول المعنى بالتصريف من الجور إلى العدل ...» (2).

وثمة قصة وقعت لعمرو بن عبيد المعتزلي مع أبي عمرو بن العلاء تكشف عن التفات علماء اللغة القدامى لخطورة أمر الصّيغ ، والخلط بين بعضها ، وعدم التفريق الدقيق بين دلالاتها ، فقد أشارت المصادر إلى وفود أبن عثمان عمرو بن عبيد المعتزلي على أبي عمرو بن العلاء يسأله قائلا : يا أبا عمرو ؛ أيخلف الله وعده؟ قال أبو عمرو : لا ، قال عمرو : أفرأيت من وعده الله على عمل عقابا ، أيخلف الله وعده؟ فقال أبو عمرو : من


1) انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي 1 / 297 ، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي 4 / 477.

2) انظر المزهر في علوم اللغة والأدب للسيوطي 1 / 260.

العجمة أتيت أبا عثمان ، إن الوعد غير الوعيد ... (1).

فعمرو بن عبيد هنا - إن صحت الرواية - قد أخطأ في التفريق بين الصيغتين ، فالوعد مصدر (وعد) ، أما الوعيد فهو مصدر (أوعد) ، فالصيغة الأولى صيغة مصدر ثلاثي ، والثانية صيغة مصدر رباعي ، والخلط بين الصيغتين ومصدريهما قد أدى إلى الانتقال من الضد إلى الضد ، وهذا المعنى الضدي هو ما يستفاد من المعنى الصيغى للكلمة.

وفي اللغة نظائر كثيرة تنقل الصيغة فيها الكلمة من الضد إلى الضد ، كما في «قسط» و «أقسط» ، و «حنث» و «تحنث» ، و «أثم» و «تأثم» ... إلخ ، مع اختلاف أنواع الصيغ الممثل بها.

ويذكر السيوطي كذلك كلاما عن أبى حيان يدلنا على مدى الدور الذى تلعبه تلك الصيغ في التعبير عن المعاني التي لا تكاد تتناهى ، والتي لو لا الصيغ لضاقت اللغة عنها.

يقول أبو حيان : «وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى ، فخصوا كل تركيب بنوع منها ؛ ليفيدوا بالتراكيب والهيآت أنواعا كثيرة ، ولو اقتصروا على تغاير المواد ، حتى لا يدلوا على معنى الإكرام والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضرب ، لمنافاتها لهما ، لضاق الأمر جدا ، ولا حتاجوا إلى ألوف حروف لا يجدونها ، بل فرقوا بين «معتق» و «معتق» بحركة واحدة حصل بها تمييز بين ضدين» (2).

وهذا كله يدلنا على خطورة أمر الصياغة والتصريف ؛ إذ إن الخطأ فيها يحول المعنى من الضد إلى الضد.

إن التصريف يثرى اللغة بما يتيحه لموادها من المعاني الوظيفية الكثيرة ، التي تعبر عن المعنى محمولا على هيئة اللفظ دون إرهاق المنشئ بالبحث عن مواد جديدة لأداء تلك المعاني ، ومن ثم فهي تحقق في الوقت نفسه غاية عزيزة من أهم غايات البلاغة ، وهى الإيجاز.

فإذا نظرنا على سبيل المثال إلى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) [الملك : 19] نجد أن لفظتي : (صافَّاتٍ) - و (يَقْبِضْنَ) يمكن أن يعبر عن الحدث فيهما ، وهو أصل


1) انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 12 / 174 ، وتاريخ دمشق لابن عساكر 67 / 112 ، والمنتظم لابن الجوزي 8 / 61 ، والمصباح المنير للفيومي ، مادة (وعد).

2) انظر المزهر في علوم اللغة والأدب للسيوطي 1 / 275 - 276.

المعنى بأكثر من طريقة ، ولذا اختير التعبير باسم الفاعل في اللفظة الثانية ، وكان يمكن التعبير عنها بغير اسم الفاعل كالفعل المضارع (يصفقن) ، وفى اللفظة الثانية كان يمكن التعبير عنها بغير الفعل المضارع ، كأن يعبر عنها باسم الفاعل كسابقتها مثلا.

ولكن الآية قد اختارت اسم الفاعل للتعبير عن الحدث في اللفظة الأولى ، واختارت الفعل المضارع للتعبير عن الحدث في اللفظة الثانية ، وما ذلك إلا رعاية للمعنى الفني الدقيق الذي أرادت الآية أن ترمز إليه وتدل عليه.

قال الزمخشرى : «فإن قلت : لم قيل : (ويقبضن) ، ولم يقل : (قابضات)؟.

قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجئ بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكن منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح» (1).

فكأن الآية قد رمزت بذلك - فضلا عن إثبات حدثي الصف والقبض - إلى أن الصف هو غالب فعل الطير في جو السماء ، وأن القبض يكون عارضا ، وهذا المعنى وإن لم يكن مقصودا بالأصالة من الكلام ، فإن اختيار الآية لهاتين الصيغتين قد شمل هاتين الدلالتين دون أن يزيد في لفظ الكلام ، بل عبر عن المعنى بهيئة اللفظ نفسه وليس بلفظ آخر ، ولو خولفت تلك الصياغة وأريد التعبير عن تلك المعاني ، لقيل : (يصففن غالبا وأحيانا قابضات) ، وفيه من الركاكة والتطويل ما فيه ، فضلا عن أن المعنى المراد إضافته ليس مقصودا من الكلام بالأصالة ، وإنما هو متمم لبيان القدرة وتمام الحكمة ، فكان تضمينه في هيئة الكلمة وبنيتها أولى من الإتيان بلفظ جديد يخصه.

والمقصد هنا بيان قيمة الصياغة والتصريف في التعبير عن المعاني الفنية الدقيقة في أوجز عبارة ، عن طريق الإفادة من المعاني الوظيفية التي يمكن الحصول عليها من تصاريف المادة الواحدة.

لذا كانت عناية اللغويين بهذا العلم الشريف الذى لا تقف قيمته عند صون اللسان عن الخطأ في المفردات ، ومراعاة قانون اللغة في الكتابة كما ذكروا ، وإنما تتخطى ذلك


1) انظر الكشاف للزمخشري 4 / 585.

إلى تحقيق أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة ، والإعانة على فهم الخطاب المعجز الذي لا يتأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد.

ولهذا كله كان العمل في هذا المجال من خلال التأليف أو التحقيق أمرا لا بد منه ولا محيد عنه ، ومن الكتب المعول عليها في الصرف كتاب «الممتع في التصريف» لابن عصفور الذي أكرمني الله عز وجل بخدمته ، وتجديد إظهاره للمكتبة العربية بعد نفاذ نسخه منها.

ولا يسعني في نهاية العمل إلا أن أتضرع إلى الباري جلّ وعلا أن يجعل عملي هذا وسائر أعمالي خالصة لوجهه الكريم ، وأن يجعلها في ميزان حسناتي وحسنات والديّ ، وكل من كان له فضل عليّ كبر أم صغر.

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسّلام على خير خلقه في البدء والختام.

وكتبه : الشيخ أحمد عزو عناية وعلي محمد مصطفى

دمشق/ كفر بطنا

24/ شعبان / 1431 ه

5/ آب / 2010 م

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ترجمة ابن عصفور

هو علي بن مؤمن بن محمد بن علي العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي ، حامل لواء العربية بالأندلس في عصره (1).

ولد سنة (597 ه 1200 م).

أخذ عن الأستاذ أبي الحسن الدباج ، ثم عن الأستاذ أبي علي الشلوبين ، وتصدى للاشتغال مدة ، ولازم الشلوبين عشر سنين إلى أن ختم عليه كتاب سيبويه ، وكان أصبر الناس على المطالعة لا يمل ذلك ، وأقرأ بإشبيلية ، وشريش ، ومالقة ، ولورقة ، ومرسية.

قال ابن الزبير : لم يكن عنده ما يؤخذ عنه سوى العربية ، ولا تأهل لغير ذلك.

قال : وكان يخدم الأمير أبا عبد الله محمد بن أبي بكر الهنتاتي.

توفي سنة (669 ه 1271 م).

من تصانيفه :

1 - الممتع في التصريف.

2 - المفتاح.

3 - الهلال.

4 - الأزهار.

5 - إنارة الدياجي.


1) انظر ترجمته في فوات الوفيات للكتبي 2 / 158 (365) ، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة للفيروزآبادي ص 160 (251) ، وبغية الوعاة للسيوطي 2 / 210 (1810) ، وكشف الظنون لحاجي خليفة في عدّة مواضع من كتابه ، وأسماء الكتب لعبد اللطيف زادة ص 289 ، وشذرات الذهب لابن العماد 5 / 330 ، وديوان الإسلام للغزي ص 67 ، وأبجد العلوم للقنوجي 3 / 35.

6 - مختصر الغرة.

7 - مختصر المحتسب لابن باشاذ النحوي.

8 - السالف والعذار.

9 - شرح الجمل للزجاجي.

10 - المقرب في النحو.

11 - البديع في شرح المقدمة الجزولية.

12 - شرح ديوان المتنبي.

13 - سرقات الشعراء.

14 - شرح الأشعار الستة ، وهو شرح دوواين الشعراء الستة.

15 - شرح المقرب.

17 - شرح الحماسة.

18 - إيضاح المشكل.

19 - السلك والعنوان ومرام اللؤلؤ والعقبان.

20 - شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي.

21 - شرح كتاب سيبويه.

22 - الضرائر.

23 - المقنع.

24 - منظومة في النحو.

من شعره :

لما تدنست بالتخليط في كبري

وصرت مغرى برشف الراح واللعس

رأيت أن خضاب الشيب أستر لي

إن البياض قليل الحمل للدنس

رثاه القاضي ناصر الدين بن المنير بقوله :

أسند النحو إلينا الدؤلي

عن أمير المؤمنين البطل

بدأ النحو علي وكذا

قل بحق ختم النحو علي

بسم الله الرّحمن الرّحيم

صلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وسلّم

الحمد لله الذي لم يستفتح بأفضل من اسمه كلام ، ولم يستنجح بأجمل من صنعه مرام ، جاعل الحمد مفتح قرآنه ، وآخر دعوى أهل جنانه. أحمده سبحانه ، على أن جعلنا خير أمّة ، وأنطقنا بلسان أهل الجنّة ؛ حمدا يؤنس وحشيّ النّعم من الزّوال ، ويحرسها من التغيّر والانتقال. والصلاة على خير من افتتحت بذكره الدعوات ، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات ، محمد نبيّ الله وخيرته من خلقه ، وحجّته في أرضه ، الصّادع بالرّسالة ، والمبالغ في الدّلالة ، وعلى آله الطّيّبين الأخيار ، الطاهرين الأبرار ، الذين أذهب عنهم الأرجاس ، وطهّرهم من الأدناس ، وجعل مودّتهم أجرا له على الناس.

وبعد :

فإنّي لمّا رأيت النحويّين قد هابوا لغموضه ، علم التّصريف. فتركوا التّأليف فيه والتّصنيف ، إلّا القليل منهم فإنّهم قد وضعوا فيه ما لا يبرد غليلا ، ولا يحصّل لطالبه مأمولا ، لاختلال ترتيبه ، وتداخل تبويبه ، وضعت في ذلك كتابا رفعت فيه من علم التصريف شرائعه ، وملّكته عاصيه وطائعه ، وذلّلته للفهم بحسن التّرتيب ، وكثرة التّهذيب لألفاظه والتّقريب ، حتّى صار معناه إلى القلب أسرع من لفظه إلى السّمع. فلمّا أتيت به عليّ القدح ، ممتنعا عن القدح ، مشبها للرّوض في وشي ألوانه ، وتعمّم أفنانه ، وإشراق أنواره ، وابتهاج أنجاده وأغواره ، والعقد في التئام وصوله ، وانتظام فصوله ، سمّيته ب- : «الممتع» ، ليكون اسمه وفق معناه ، ومترجما عن فحواه ، ووسمته باسم من إن ذكرت العلوم فهو مالك عنانها ، وفارس ميدانها ، أو ذكرت السّماحة فهو تاريخها وعنوانها ، وحدقتها وإنسانها ، أو عدّ المجد الموروث والمكتسب فناهيك به شرفا سابقا ، وبأوائله فخرا في فلك المجد سامقا ، الذي بذل جدّه في نصر هذه الدعوة النبويّة ، ولم يأل جهده في عضد هذه الدولة المتوكليّة ، أدام الله للمسلمين بركتها ، فريد دهره ، ووحيد عصره ، أبو بكر بن الشيخ الأكرم ، العالم العلم ، بي الأصبغ بن صاحب الرّدّ ، أدام الله علاءهم ، وأنار بنجوم السعد سماءهم.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

المقدمة

اشارة

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وسلّم تسليما

ذكر شرف علم التصريف وبيان مرتبته في علم العربية

التصريف أشرف شطري العربية ، وأغمضهما :

فالذي يبيّن شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية ، من نحويّ ولغويّ ، إليه أيّما حاجة ؛ لأنه ميزان العربيّة ؛ ألا ترى أنه قد يؤخذ جزء كبير من اللغة بالقياس ، ولا يوصل إلى ذلك إلّا من طريق التصريف ، نحو قولهم «كلّ اسم في أوّله ميم زائدة مما يعمل به وينقل فهو مكسور الأوّل ، نحو : مطرقة ومروحة ، إلّا ما استثني من ذلك» ، فهذا لا يعرفه إلّا من يعلم أنّ الميم زائدة ، ولا يعلم ذلك إلّا من جهة التصريف ، ونحو قولهم «إنّ المصدر من الماضي ، إذا كان على وزن «أفعل» ، يكون «مفعلا» بضمّ الميم وفتح العين ، نحو : «أدخلته مدخلا» ، ألا ترى أنك لو أردت المصدر من «أكرمته» ، على هذا الحدّ ، لقلت «مكرما» قياسا ، ولم تحتج فيه إلى السّماع ، إذا علمت أنّ «أكرم» : «أفعل» ، ألا ترى أنّ ذلك كلّه لا يعرف إلّا بالتصريف ، وأشباه ذلك كثير.

وممّا يبيّن شرفه أيضا أنّه لا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلّا به ؛ ألا ترى أنّ جماعة من المتكلّمين امتنعوا من وصف الله سبحانه ب- «حنّان» ؛ لأنه من الحنين ، و «الحنّة» (1)من صفات البشر الخاصّة بهم ، تعالى الله عن ذلك ، وكذلك امتنعوا أيضا من وصفه ب- «سخيّ» ؛ لأنّ أصله من الأرض «السّخاويّة» وهي الرّخوة ، بل وصفوه ب- «جواد» ؛ لأنه أوسع في معنى العطاء ، وأدخل في صفة العلاء ، وامتنعوا أيضا من وصفه ب- «الدّاري» - وإن كان من العلم - لأنّ أصله من «الدّريّة» ، وهي شيء يضعه الصائد لضرب من الحيلة والخديعة ، فكأنّ ما


1) الحنة : رقة القلب. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حنن).

يقدّمه الذي يريد أن يتوصّل إلى علم شيء ، من الأدلّة ، بمنزلة الدّريّة التي يتوصّل بها إلى ختل الصيد وخدعه ، فأمّا قول بعضهم :

لا همّ ، لا أدري ، وأنت الدّاري (1)

فغير معرّج عليه ، ولا مأخوذ به ، ووجهه أنه أجراه مجرى «عالم» ، ولم يلتفت إلى أصله. ومن لا بصر له بالاشتقاق يجوّز استعمال هذه الصفات في حقّ الله تعالى.

والذي يدلّ على غموضه كثرة ما يوجد من السّقطات فيه لجلّة العلماء ؛ ألا ترى ما يحكى عن أبي عبيد ، من أنه قال في «مندوحة» من قولك : «مالي عنه مندوحة» أي متّسع : إنها مشتقّة من «انداح» ، وذلك فاسد لأنّ «انداح» : «انفعل» ونونه زائدة ، و «مندوحة» : «مفعولة» ونونه أصليّة ؛ إذ لو كانت زائدة لكانت «منفعلة» ، وهو بناء لم يثبت في كلامهم ، فهو على هذا ، مشتق من «النّدح» ، وهو جانب الجبل وطرفه ، وهو إلى السّعة.

ونحو من ذلك ما يحكى عن أبي العباس ثعلب ، من أنه جعل «أسكفّة الباب» (2)من «استكفّ» أي : اجتمع ، وذلك فاسد ؛ لأنّ «استكفّ» : «استفعل» وسينه زائدة ، و «أسكفّة» : «أفعلّة» وسينه أصلية ؛ إذ لو كانت زائدة لكان وزنه «أسفعلة» ، وذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم.

وكذلك أيضا حكي عنه أنه قال في «تنّور» : إنّ وزنه «تفعول» من النّار. وذلك باطل ؛ إذ لو كان كذلك لكان تنوورا ، والصواب أنه «فعّول» من تركيب تاء ونون وراء ، نحو تنر ، وإن لم ينطق به.

وقد حكي عن غيرهما ، من رؤساء النحويّين واللغويّين ، من السّقطات نحو ممّا ذكرنا ، إلّا أني قصدت إلى الاختصار ، وفي هذا القدر الذي أوردناه كفاية.

وقد كان ينبغي أن يقدّم علم التصريف على غيره ، من علوم العربيّة ، إذ هو معرفة ذوات الكلم ، في أنفسها ، من غير تركيب ، ومعرفة الشيء في نفسه ، قبل أن يتركّب ، ينبغي أن تكون مقدّمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب ، إلّا أنه أخّر ، للطفه ودقّته ، فجعل ما قدّم عليه من ذكر العوامل توطئة له ، حتى لا يصل إليه الطالب ، إلّا وهو قد تدرّب ، وارتاض للقياس.


1) الرجز للعجاج في لسان العرب ، لابن منظور مادة (لهم) ، والفرق للعسكري ص 99.

2) أسكفة الباب : هي خشبته التي يوطأ عليها. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (سكف).

[تقسيم التصريف]

والتصريف ينقسم قسمين : أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة ، لضروب من المعاني ، نحو : ضرب ، وضرّب ، وتضرّب ، وتضارب ، واضطرب ، فالكلمة التي هي مركّبة من ضاد وراء وباء ، نحو «ضرب» ، قد بنيت منها هذه الأبنية المختلفة ، لمعان مختلفة ، ومن هذا النحو اختلاف صيغة الاسم ، للمعاني التي تعتوره ، من التصغير ، والتكسير ، نحو «زييد» ، و «زيود» ، وهذا النحو من التصريف جرت عادة النحويين أن يذكروه مع ما ليس بتصريف ، فلذلك لم نضمّنه هذا الكتاب ، إلّا أنّ أكثره مبنيّ على معرفة الزائد من الأصليّ ، فينبغي أن تبيّن حروف الزيادة ، والأشياء التي يتوصّل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها.

والآخر من قسمي التصريف : تغيير الكلمة عن أصلها ، من غير أن يكون ذلك التغيير دالا على معنى ، طارئ على الكلمة ، نحو تغييرهم «قول» إلى «قال» ألا ترى أنهم لم يفعلوا ذلك ، ليجعلوه دليلا على معنى خلاف المعنى الذي كان يعطيه «قول» ، الذي هو الأصل ، لو استعمل ، وهذا التغيير منحصر في : النقص ك- «عدة» ونحوه ، والقلب ك- «قال» و «باع» ونحوهما ، والإبدال ك- : «اتّعد» و «اتّزن» ونحوهما ، والنقل كنقل عين «شاك» و «لاث» إلى محلّ اللّام ، وكنقل حركة العين إلى الفاء في نحو : «قلت» و «بعت» ، على ما يبيّن بعد.

والفرق بين الإبدال والقلب أنّ القلب تصيير الشيء على نقيض ما كان عليه ، من غير إزالة ولا تنحية ، والبدل وضع الشيء مكان غيره ، على تقدير إزالة الأوّل وتنحيته ، فلذلك جعلنا مثل «قال» و «باع» قلبا ؛ لأنّ حروف العلّة يقارب بعضها بعضا ؛ لأنها من جنس واحد ، فسهل تقدير انقلاب بعضها إلى بعض ؛ وجعلنا مثل «اتّعد» ونحوه إبدالا ، لتباين حروف الصحّة من حروف العلّة ، وكذلك جعلنا قولهم «أمواء» في «أمواه» من قبيل البدل ، لتباين حروف الصّحّة بعضها من بعض. فنقول على هذا في «اتّعد» وأمثاله : إنه كان في الأصل «اوتعد» فحذفت الواو وأبدل منها التاء ، لا إنّ الواو انقلبت تاء ، وأمّا «قام» وأمثاله فيقدّر أنه كان في الأصل «قوم» ، ثم استحالت الواو ألفا ، لا أنها حذفت وجعل مكانها الألف.

وينبغي أن نبيّن في هذا القسم الآخر حروف البدل والقلب ، والأماكن التي تبدل فيها وتقلب ، والحروف التي تحذف ، وأين يجوز نقل الحركة إلى الحرف ، وأين لا يجوز ذلك. فإذا بيّنّا جميع ما ذكرناه ، في هذين القسمين ، فقد أتينا على جملة التصريف.

باب تمييز ما يدخله التصريف مما لا يدخله

اعلم أنّ التصريف لا يدخل في أربعة أشياء ، وهي : الأسماء الأعجميّة التي عجمتها شخصيّة ، ك- «إسماعيل» ونحوه ؛ لأنها نقلت من لغة قوم ليس حكمها كحكم هذه اللغة ، والأصوات ك- «غاق» ونحوه ؛ لأنها حكاية ما يصوّت به ، وليس لها أصل معلوم ، والحروف ، وما شبّه بها من الأسماء المتوغّلة في البناء ، نحو «من» و «ما» ؛ لأنها - لافتقارها - بمنزلة جزء من الكلمة التي تدخل عليها ، فكما أنّ جزء الكلمة ، الذي هو حرف الهجاء ، لا يدخله تصريف فكذلك ما هو بمنزلته.

وقد جاء بعض الكلمات المبنيّة مشتقّا ، نحو «قطّ» ؛ لأنها من «قططت» أي : قطعت ، لأنّ قولك «ما فعلته قطّ» معناه : فيما انقطع من عمري ، وكذلك «ذا» و «ذي» و «الذي» ونحو ذلك ، مما يدخله التحقير ، ويستعمل استعمال المتصرّف ، وليس ذلك بالكثير ، وكلما كان الاسم من شبه الحرف أقرب كان من التصريف أبعد.

وممّا يدلّك على أنّ الحرف لا يدخله تصريف ، وجود «ما» و «لا» ونحوهما من الحروف ؛ ألا ترى أنّ الألف لا تكون فيهما منقلبة ، كالألف التي في «عصا» و «رحى» ؛ لأنها لو كان أصلها واوا أو ياء لظهرتا لسكونهما ، كما ظهرتا في نحو «كي» و «أي» و «لو» ، فلو كان أصل ألف «ما» واوا لقلت «مو» ك- «لو» ، ولو كان ياء لقلت «مي» ك- «كي» ؛ لأنّ حرف العلّة إنما كان يقلب لو كان متحرّكا ، وقبله مفتوح.

فإن قيل : فهلّا قدّرت الألف في «ما» وأشباهها ، منقلبة من حرف علّة متحرّك؟

فالجواب : أنّ ذلك لا يمكن تقديره ؛ لأنّ «ما» حرف مبنيّ ، والحروف لا تبنى إلّا على السكون ، ولا يحرّك آخرها إلّا عند التقاء الساكنين نحو «ثمّ» ، أو إذا كان على حرف واحد نحو واو العطف وفائه ، وليس شيء من ذلك في «ما» ، ولا يمكن أن تكون الألف في «ما» وأمثالها زائدة ؛ لأنه إنما تعرف الزيادة من غيرها ، بالاشتقاق والتصريف وسائر الأدلّة التي تذكر بعد ، إن شاء الله ، ولا يوجد شيء من ذلك في الحرف.

وما عدا ما ذكر ، من الأسماء العربيّة ، والأفعال ، يدخله التصريف.

ذكر القسم الأول من التصريف

اشارة

باب تبيين الحروف الزوائد

والأدلّة التي يتوصّل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها

وإنّما بدأنا بهذا القسم ؛ لأنه يبنى عليه معرفة التصغير والتكسير اللذين جرت عادة النحويّين بذكرهما ، قبل الخوض في علم التصريف - ومعرفة كثير من الأسماء ، التي لا تنصرف أيضا ، نحو الأسماء التي امتنع صرفها ؛ لكونها على وزن الفعل الغالب أو المختصّ ، أو لزيادة الألف والنون في آخرها ؛ إذ لا يوصل إلى معرفة الزيادة والوزن إلّا من علم التصريف.

أمّا الأدلّة ، التي يعرف بها الزائد من الأصليّ ، فهي الاشتقاق ، والتصريف ، والكثرة واللّزوم ، ولزوم حرف الزيادة البناء ، وكون الزيادة لمعنى ، والنظير ، والخروج عن النظير ، والدخول في أوسع البابين عند لزوم الخروج عن النظير.

أمّا الاشتقاق منها فينقسم إلى قسمين : اشتقاق أصغر ، واشتقاق أكبر.

فالاشتقاق الأكبر هو عقد تقاليب الكلمة كلّها على معنى واحد ، نحو ما ذهب إليه أبو الفتح بن جنّي من عقد تقاليب «القول» السّتّة على معنى الخفّة ، ولم يقل به أحد من النحويّين إلّا أبا الفتح ، وحكى هو عن أبي عليّ ، أنه كان يأنس به في بعض الأماكن ، والصحيح أنّ هذا النحو ، من الاشتقاق ، غير مأخوذ به ، لعدم اطّراده ، ولما يلحق فيه من التكلّف لمن رامه ، وقد صرّح صاحب هذا المذهب - وهو أبو الفتح بن جنّي - بعدم اطّراد هذا القسم ، من الاشتقاق ، فقال «على أنّ هذا ، وإن لم يطرّد ، وينقد في كل أصل ، فالعذر فيه على كلّ حال ، أبين منه في الأصل الواحد ، من غير تقليب لشيء من حروفه ، فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد ، من أنّ تنظمه قضيّة الاشتقاق ، كان فيما تقلبّت أصوله - عينه وفاؤه ولامه - أسهل ، والمعذرة فيه أوضح». انتهى.

بل قد كان أبو بكر وغيره ، ممن هو في طبقته ، قد استسرفوا أبا إسحاق ، رحمه الله ، فيما تجشّمه من قوة حشده ، وضمّه ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله ، وإن كان جميع ذلك راجعا إلى تركيب واحد ، ورأوا أنه لا ينبغي أن يضمّ ، من ذلك ، إلّا ما كان الجمع بينه وبين أصله واضحا جدّا ، فإن لم يكن وجه رجوع اللفظ إلى غيره بيّنا - بل التكلّف فيه باد - وجب أن يدّعى أنهما أصلان ، وليس أحدهما مأخوذا من الآخر ، نحو الجمع بين «حمار» و «حمرة» ، بأن يدّعى أن أصل هذا الاسم أن يقع على الوحشية منها ، وأكثرها حمر ، ثم شبّهت الأهليّة بها ، فوقع عليها الاسم ، فإذا كان الأمر عندهم على ما ذكرت لك ، مع اتّفاق اللّفظين في تركيب واحد ، فما ظنّك بهما ، إذا تغايرا في التركيب؟

والاشتقاق الأصغر حدّه أكثر النحويّين بأنه «إنشاء فرع من أصل يدلّ عليه» ، نحو «أحمر» فإنه منشأ من «الحمرة» ، وهي أصل له وفيه دلالة عليها ، وهذا الحدّ ليس بعام للاشتقاق الأصغر ؛ لأنه قد يقال «هذا اللّفظ مشتقّ من هذا» من غير أن يكون أحدهما منشأ من الآخر ، وذلك إذا كان تركيب الكلمتين واحدا ، ومعنياهما متقاربين ، وذلك نحو ما ذهب إليه أبو عليّ في «أولق» ، في أحد الوجهين ، من أنه مأخوذ من : ولق يلق ، إذا أسرع ، وذلك لأنّ «الأولق» : الجنون ، وهي مما يوصف بالسرعة ، فلمّا كانت حروف «أولق» ، إذا جعلته «أفعل» ، و «ولق» واحدة ، ومعنياهما متقاربين ؛ لأنّ الجنون ليست السرعة في الحقيقة ، بل يقرب معناها من معنى السرعة ، جعل «الأولق» مشتقا من «ولق» ، لا بمعنى أنّ «الأولق» مأخوذ من «ولق» ، بل يريد أنّ «الأولق» حروفه الأصول الواو واللّام والقاف ، كما أنّ «ولق» كذلك ، ويستدلّ على ذلك بأنّ العرب جعلت هذه الأحرف دالّة على السرعة ، و «الأولق» قريب في المعنى من السرعة ، فحروفه الأصول الواو واللّام والقاف ، وهمزته زائدة ، فيجعل سبب اتفاق «الأولق» و «ولق» في اللفظ تقاربهما في المعنى ؛ لأنّ هذا الاتفاق بين اللفظين وقع بالعرض ، كاتّفاق «الأسود» و «الأبيض» في لفظ «الجون» ، إذ لا جامع ، من طريق المعنى ، بين «الجون» الذي يراد به الأبيض و «الجون» الذي يراد به الأسود.

فإن قيل : فكيف يجوز أن تقول «هذا اللفظ مشتقّ من هذا اللفظ» ، وأحدهما ليس بمأخوذ من الآخر ، وقولك «مشتق» يعطي أخذ أحدهما من صاحبه؟

فالجواب : أنّ هذا على طريق المجاز ، كأنهما - لاتّحاد لفظيهما وتقارب معنيهما - قد أخذ أحدهما من الآخر ، كما تقول في الشّخصين المتشابهين : هذا أخو هذا ، تشبيها لهما بالأخوين.

ولمّا خفي هذا الوجه ، من الاشتقاق ، على بعضهم ردّ قول من زعم أنّ اسم «الله» تعالى مشتقّ من «الوله» أو من غير ذلك ؛ لأنّ «الله» هذا اللفظ قديم - لأنّ أسماء الله تعالى قديمة - و «الوله» لفظ محدث ، والمشتقّ منه قبل المشتقّ ، فيلزم على هذا أن يكون المحدث قبل القديم ، وذلك خلف (1)، ولو علم أنه قد يقال «هذا اللفظ مشتقّ من هذا» وإن لم يكن مأخوذا منه - كما قدّمنا - لم ينكر ذلك.

والحدّ الجامع لهذا الضّرب ، من الاشتقاق - أعني الأصغر - هو «عقد تصاريف تركيب ، من تراكيب الكلمة ، على معنى واحد ، أو معنيين متقاربين». وذلك نحو ردّك «ضاربا» و «ضرّابا» و «ضروبا» و «مضرابا» وأمثال ذلك إلى معنى واحد ، وهو : الضّرب ، إلّا أنّ أكثر الاشتقاق ، ومعظمه ، داخل تحت ما حدّه النحويّون به ، من أنه «إنشاء فرع من أصل يدلّ عليه».

وأمّا «المشتقّ» فيقال للفرع ، الذي صيغ من الأصل ؛ لأنك تطلب معنى الأصل ، في الفرع ، فكأنّك تشتقّ الفرع ، لتخرج منه الأصل ، وكأنّ الأصل مدفون فيه ، و «المشتقّ منه» هو الأصل.

فإن قيل : فكيف يصحّ أن يقال في الفرع إنه مشتقّ من الأصل - أي مأخوذ منه - والأصل لا ينفصل منه الفرع؟

فالجواب : أنّ ذاك يصحّ ، على جهة الاستعارة والمجاز ، وذلك أنه لمّا كان لفظ الفرع مبنيّا من حروف الأصل ، وكان معنى الأصل موجودا فيه ، صار لذلك كأنه جزء من الأصل ، وإن كان الأصل لم ينقص منه شيء.

فإن قيل : إذا كانت البنيتان متّحدّتين في الأصول والمعنى ، فبأيّ شيء يعلم الأصل من الفرع؟

فالجواب : أنّ الأصل يستخرج بشيئين : باعتبار دوره في اللفظ والمعنى ، وبأنه ليس هنالك ما هو به أولى ، والوجوه التي يكون بسببها أولى تسعة :

أوّلها : أن يطرّد معنيان ، أحدهما أمكن من الآخر ، لكثرة ما يشتقّ منه ، كالمصدر ، وذلك كالسّفاء ، فإنه مأخوذ من السّفى.


1) الخلف : الرديء الفاسد. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (خلف).

والثاني : بأن يكون أحد المطّردين أشرف من الآخر ، فإنّ الاشتقاق من الأشرف أولى ، عند بعضهم ، ك- «مالك» قيل : إنه من معنى القدرة ، وقيل : إنه من معنى الشّدّ والرّبط ، والثاني قول ابن السّرّاج ، والأول قول أبي بكر أحمد بن عليّ ، ابن الإخشيذ. فسئل : لم جعلته من معنى القدرة ، دون معنى الشّدّ والربط؟ فقال : لأنّ الله تعالى اشتقّ اسمه منه ، في صفات ، فقيل : مالك وملك ومليك.

والثالث : كون أحد المطّردين أبين وأظهر ، فيكون الأخذ منه لذلك أولى ، لأنّ الأظهر طريق إلى الأغمض ، والأبين طريق إلى الأخفى ، ك- «الإقبال» و «القبل».

والرابع : كون أحدهما أخصّ من الآخر ، فالأخصّ أولى من الأعمّ ، الذي هو له ولغيره ، ك- «الفضل» و «الفضيلة» ، لو قال قائل : أصله «الزيادة» ، وقال آخر : أصله «المدحة» ، كان قول صاحب الزيادة أولى : لأنّ معنى المدحة ، في أشياء كثيرة ، هي أعمّ من الزيادة ؛ ألا ترى أنّ معنى المدحة ، في العلم والقدرة والنعمة والنّصفة ، وفيما لا يحصى كثرة من الأفعال الحسنة.

والخامس : أن يكون أحدهما أحسن تصرّفا ، فتجد ردّه إليه سهلا قريبا ، وبيّنا واضحا ، كباب «المعارضة» و «الاعتراض» و «التعريض» و «العارض» و «العرض» ، وردّه كلّه إلى معنى «العرض» ، وهو الظهور ، من قولك «عرض عرضا» إذا ظهر ، أولى من ردّه إلى العرض : الناحية من نواحي الشيء ، وإن كان أبو إسحاق قد ردّه إلى الناحية ، لمّا رآها تطرّد في الباب كلّه ، ولم يراع باب الأحسن في المطرّدين.

والسادس : كون أحدهما أقرب من الآخر ، فيكون الأقرب أولى من الأبعد ، وذلك أنّ الأبعد يرجع الفرع إليه ، بكثرة وسائط ، والأقرب ، يرجع إليه ، بقلّة وسائط ، وكذلك ردّك إلى الأصل الواحد قد يكون من طرق مختلفة ، أحدها أقرب من الآخر ، فيكون الردّ بالطريق الأقرب أولى ، كردّك «العقار» إلى «العقر» ، من جهة أنها تعقر الفهم ، فإنه أحسن من ردّها إليه ، من جهة أنّ الشارب لها يسكر ، فيفسد ويعقر ، فالأول أقرب.

والسابع : أن يكون أحدهما أليق ، وأشدّ ملاءمة ، وذلك ك- : «الهداية» هي أليق ب- «الدّلالة» ، منها بمعنى «التقدّم» ، من قولك «هوادي الوحش» لمتقدّماتها.

والثامن : أن يكون أحدهما مطلقا والآخر مضمّنا ، وذلك ك- : «القرب» و «المقاربة». فالقرب أولى من المقاربة ؛ لأنّ مضمّنة ، والقرب مطلق.

والتاسع : أن يكون أحدهما جوهرا والآخر عرضا ، فيكون الردّ إلى الجوهر أولى من

الردّ إلى العرض ، إذ كان الجوهر أسبق إلى النفس في التقديم ، كقولهم : «استحجر الطين» مأخوذ من الحجر ، و «استنوق الجمل» و «استتيست الشاة» و «ترجّلت المرأة».

فهذه جملة الوجوه التي يكون بسببها أولى.

وينبغي أن تعلم أنّ قولنا : «هذا اللفظ أولى بأن يكون أصلا من هذا الآخر» في جميع ما تقدم إنما نعني بذلك إذا استويا ، في كلّ شيء ، إلّا في تلك الرتبة التي فضّل بها ، فأمّا إذا عرضت عوارض ، توجب تغليب غيره عليه. فالحكم للأغلب.

واعلم أنّ الاشتقاق لا يدخل في سبعة أشياء ، وهي الأربعة التي ذكرنا لا يدخلها تصريف ، وثلاثة من غيرها ، وهي : الأسماء النادرة ك- : «طوبالة» (1)، فإنها لندورها لا يحفظ لها ما ترجع إليه ، واللغات المتداخلة ، نحو «الجون» للأسود والأبيض ، للتناقض الذي بينهما ، لا يمكن ردّ أحدهما إلى الآخر ، والأسماء الخماسيّة ، لامتناع تصرّف الأفعال منها ، فليس لها من أجل ذلك مصادر.

وأصل الاشتقاق وجلّه [5 أ] إنما يكون من المصادر ، وأصدق ما يكون : في الأفعال المزيدة ؛ لأنها ترجع بقرب إلى غير المزيدة ، وفي الصفات كلّها ؛ لأنها جارية على الأفعال ، أو في حكم الجارية ، وفي أسماء الزمان والمكان ، المأخوذة من لفظ الفعل ، فإنها جارية عليه أيضا ، وفي الأسماء الأعلام ؛ لأنها منقولة في الأكثر ، وقد تكون مشتقّة قبل النقل ، فتبقى على ذلك بعد النقل.

وأصعب الاشتقاق وأدقّه في أسماء الأجناس ؛ لأنها أسماء أول أوقعت على مسمّياتها ، من غير أن تكون منقولة من شيء ، فإن وجد منها ما يمكن اشتقاقه حمل على أنه مشتقّ ، إلّا أنّ ذلك قليل فيها جدّا ، بل الأكثر فيها أن تكون غير مشتقّة ، نحو : «تراب» و «حجر» و «ماء» ، وغير ذلك من أسماء الأجناس.

فممّا يمكن أن يكون منها مشتقّا «غراب» ، فإنه يمكن أن يكون مأخوذا من الاغتراب ؛ فإنّ العرب تتشاءم به ، وتزعم أنه دالّ على الفراق ، وكذلك «جرادة» ، يمكن أن تكون مشتقّة من الجرد ؛ لأنّ الجرد واقع منها كثيرا ، وقد روي أنّ النابغة نظر ، فإذا على ثوبه جرادة ، فقال «جرادة تجرد ، وذات ألوان» ، فتطيّر ورجع عن حاجته.


1) الطوبالة : النعجة ، ولا يقال : للكبش : طوبال ، انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (طبل).

فأما قول أبي حيّة النّميريّ :

وقالوا : حمام ، قلت حمّ لقاؤها

وعاد لنا حلو الشّباب ، ربيح (1)

وقول جران العود :

فأمّا العقاب فهي ، منها ، عقوبة

وأمّا الغراب فالغريب ، المطوّح (2)

وينتهي الطلب في أشعار العرب لابن ميمون ص 112.

والتذكرة الحمدونية 8 / 15 ، والحماسة البصرية 2 / 98.

وقول سوّار بن المضرّب :

فكان البان أن بانت سليمى

وفي الغرب اغتراب ، غير داني (3)

وقول الشّنفرى :

فقال : غراب لاغتراب من النّوى

وبالبان بين ، من حبيب ، تعاشره (4)

وقول الآخر :

دعا صرد يوما ، على غصن شوحط

فطار ، بذات البين ، منّي غرابها

فقلت أتصريد ، وشحط ، وغربة

فهذا ، لعمري ، نأيها ، واغترابها (5)

فليس باشتقاق صحيح ، بل أخذ «حمّ» من «الحمام» على جهة التفاؤل ، و «البينونة» من «البان» و «الاغتراب» من «الغرب» و «التّصريد» و «الشّحط» من «الصّرد» و «الشّوحط» ، و «العقوبة» من «العقاب» ، على جهة التطيّر ، وإلا فهذه المعاني ليست بموجودة في هذه الأشياء ، كما أنّ «الاغتراب» موجود في «غراب» ، و «الحرد» في «جرادة».

ومما يبيّن لك أنّ العرب قد توقع على الشيء لفظ غيره ، إذا كان بينهما مناسبة ، من


1) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة ، في منتهى الطلب في أشعار العرب لابن ميمون ، ص 40 ، وخذامة الأدب للبغدادي 1 / 21.

2) البيت من البحر الوافر ، وهو بلا نسبة في الأصمعيات ص 243. والعقد الفريد لابن عبد ربه ، 5 / 376 ، والآمالي في لغة العرب للقالي 1 / 285 ، ومجمع الأمثال للميداني 1 / 384.

3) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في الحيوان للجاحظ ، 3 / 4430 ، والمستصرف للأبشية 2 / 366.

4) البيتان من الطويل ، وهو بلا نسبة في الحيوان 3 / 437 ، والمعاني الكبير لابن قتيبة ص 63.

5) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في تاج العروس للزيدي 10 / 512 ، مادة وحبر ، وفي المعاني الكبير لابن قتيبة ص 71 ، وأخبار القضاة 3 / 116 ، ومحاضرات الأدباء 1 / 716 ، ومجمع الأمثال للميداني 1 / 362.

طريق ما وإن لم يتّحد المعنى ، كما ذكرنا في مسألة «أولق» قول بعض الفصحاء :

شهدت بأنّ التّمر بالزّبد طيّب

وأنّ الحبارى خالة الكروان (1)

فجعل الحبارى خالة الكروان ، لمّا كان اللون ، وعمود الصورة ، فيهما واحدا ، - ورأى ذلك قرابة ، وإن كان الحبارى أعظم بدنا من الكروان ، ومنه قول عمرو بن معد يكرب :

وكلّ أخ مفارقه أخوه

لعمر أبيك ، إلّا الفرقدان (2)

فجعل الفرقدين أخوين ، تشبيها لهما بالأخوين ، لتلازمهما ، ومنه قول أبي النجم :

فظلّ يوفي الأكم ابن خالها (3)

فجعل الوحشيّ ابن خال الأكم ، لملازمته لها ، وقال عليه السّلام ، «نعم العمّة لكم النّخلة» (4)، فجعلها عمّة للناس ، حين كان بينها وبينهم تشابه ، من وجوه.

وإنما بسطت القول في الاشتقاق ، لغموضه ، وكثرة المنفعة به في علمه ، لما فيه من الاختصار ، والتقريب ، والفهم ، والحفظ ، أما الاختصار فلأنه يجتزأ فيه بجزء من الكلمة ، ولو لا مكانها لاحتيج إلى كلام كثير ؛ ألا ترى كيف تدلّ بالتاء من «تفعل» على معنى المخاطبة والاستقبال ، وبالياء في «يفعل» على الغيبة والاستقبال ، ولو جعل لكلّ معنى لفظ يبيّن به لانتشر الكلام ، ولما فيه من الاختصار عدّ من أكبر آلات البيان ، وأما الفهم فلما فيه من المناسبة ، والاقتضاء بالمشاكلة ، وأما الحفظ فسببه ما ذكرناه من الاختصار ، قال أبو بكر : من الفائدة في الاشتقاق أنه ربما سمع العالم الكلمة ، لا يعرفها من جهة صيغتها ، فيطلب لها مخرجا منه ، فكثيرا ما يظفر ، وعلى هذا أكثر العلماء في تفسير الأشعار ، وكلام العرب ، في الأمثال والأخبار.

وأما التّصريف فتغيير صيغة الكلمة ، إلى صيغة أخرى ، نحو بنائك من «ضرب» مثل «جعفر» فتقول : «ضربب» ، ومثل «قمطر» فتقول «ضربّ» ، ومثل «درهم» فتقول «ضربب» ، ونحو


1) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في المعاني الكبير لابن قتيبة ، ص 64 ، ومجمع الأمثال للسيداني 1 / 384.

2) البيت من البحر الوافر ، وهو لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص 178 ، وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي ص 13 ، وكتاب سيبويه 2 / 334 ، والأمثال لابن سلام س 30 ، والبيان والتبيان للجاحظ ص 128 ، والمقتضب للمبرد 4 / 409 ، والعقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 55.

3) الرجز ، وهو بلا نسبة في المخصص لابن سيد 135 / 201 ، والبيان والتبيين للجاحظ ص 128.

4) أخرجه أبو يعلى في مسنده 1 / 353 «455» ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5 / 39 : رواه أبو يعلى وفيه مسرور بن سعيد ، وهو ضعيف.

تغيير التصغير والتكسير ، وأشباه ذلك ، ممّا تصرّف فيه الكلمة على وجوه كثيرة ، وهو شبه الاشتقاق ، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ الاشتقاق مختصّ بما فعلت العرب من ذلك ، والتصريف عامّ لما فعلته العرب ، ولما نحدثه نحن بالقياس ، فكلّ اشتقاق تصريف وليس كلّ تصريف اشتقاقا ، ومما يدلّ ، على أنّ الاشتقاق تصريف ، قول رؤبة ، يصف امرأة بكثرة الخصومة :

تشتقّ ، في الباطل ، منها ، الممتذق (1)

والممتذق : المخلوط ، في لسان العرب لابن منظور ، مادة (مزق).

فإن قيل : ما نحدثه لا دليل فيه على معرفة زائد من أصليّ ، وإنما الدليل فيما فعلت العرب من ذلك ، والذي فعلته العرب من ذلك قد زعمت أنه يسمّى اشتقاقا ، فلأيّ شيء عددت ، فيما يعرف به الزائد من الأصليّ ، الاشتقاق والتصريف ، وهلّا اكتفيت بأحدهما عن الآخر؟

فالجواب : أنه إذا كان الاستدلال ، على الزيادة أو الأصالة ، بردّ الفرع إلى أصله ، سمّي ذلك اشتقاقا ، وإذا كان الاستدلال ، عليهما بالفرع ، سمّي ذلك تصريفا ، فمثال الاستدلال ، بردّ الفرع إلى الأصل ، استدلالنا على زيادة همزة «أحمر» مثلا ، بأنه مأخوذ من «الحمرة» ، فالحمرة هي الأصل الذي أخذ منه أحمر ، فهذا وأمثاله يسمّى اشتقاقا ؛ لأنّ المستدلّ على زيادة همزته ، وهو «أحمر» ، مأخوذ من «الحمرة» ، ومثال الاستدلال ، على الزيادة بالفرع ، استدلالنا على زيادة ياء «أيصر» (2)، بقولهم في جمعه «إضار» ، بحذف الياء وإثبات الهمزة ، ف- : «إصار» فرع عن «أيصر» ؛ لأنه جمعه ، فهذا وأمثاله يسمّى تصريفا ؛ لأنّ المستدلّ على زيادة يائه ، وهو «أيصر» ، ليس بمشتقّ من «إصار» ، بل «إصار» تصريف من تصاريفه ، الدالّة على زيادة يائه.

واعلم أنه لا يدخل التصريف ، ولا الاشتقاق ، في الأصول المختلفة ، نحو «لأآل» (3)و «لؤلؤ» ، لا ينبغي أن يقال إنّ أحدهما من الآخر ، لأنّ «لأآلا» من تركيب «لءل» ؛ و «لؤلؤا» من تركيب «لءلء» ، ف- : «لأآل» ثلاثيّ الأصول ، و «لؤلؤ» رباعيّ.

وأما الكثرة فأن يكون الحرف ، في موضع ما ، قد كثر وجوده زائدا ، فيما عرف له


1) الرجز للرؤبة وهو بلا نسب في أساس البلاغة للزمخشري مادة (شقق).

2) الأمصار : والأيصر ، حبل قصير يشد به في أسفل الخباء إلى الوتد ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (أصر).

3) اللأآل : بائع اللؤلؤ ، انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (لألأ).

اشتقاق أو تصريف ، ويقلّ وجوده أصليّا فيه ، فينبغي أن يجعل زائدا ، فيما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف ، حملا على الأكثر ، وذلك نحو الهمزة ، إذا وقعت أولا وبعدها ثلاثة أحرف ، فإنها زائدة فيما عرف اشتقاقه ، نحو «أصفر» و «أحمر» ، إلّا ألفاظا يسيرة فإنّ الهمزة فيها أصليّة ، وهي : «أرطى» (1)في لغة من يقول «أديم مأروط» ، و «أيطل» (2)؛ لأنهم يقولون في معناه «إطل» ، و «أيصر» و «اولق» و «إمّعة» على ما نبيّن بعد ، فإذا جاءت الهمزة ، فيما لا اشتقاق له ولا تصريف ، نحو «أفكل» (3)، وجب حملها على الزيادة ، وألّا يلتفت إلى «أرطى» وأخواته ، لقلّتها ، وكثرة مثل «أحمر».

وأما للّزوم فأن يكون الحرف ، في موضع ما ، قد لزم الزيادة في كلّ ما عرف له اشتقاق أو تصريف ، فإذا جاء ذلك الحرف في ذلك الموضع - فيما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف - جعل زائدا ، حملا على ما ثبتت زيادته ، بالتصريف أو الاشتقاق ، وذلك نحو النون ، إذا وقعت ثالثة ساكنة وبعدها حرفان - ولم تكن مدغمة فيما بعدها نحو «عجنّس» (4)- فإنها أبدا زائدة ، فيما عرف له اشتقاق أو تصريف ، نحو «جحنفل» (5)فإنه من «الجحفلة» ، و «حبنطى» (6)؛ لأنك تقول «حبط بطنه» ، و «دلنظى» وهو الشديد الدفع تقول «دلظه بمنكبه» إذا دفعه. وكذلك وجدت في كلّ ما عرف اشتقاقه ، فإذا جاءت في مثل «عبنقس» (7)، مما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف ، حمل على ما عرف اشتقاقه أو تصريفه ، فجعلت نونه زائدة.

وأما لزوم حرف الزيادة البناء فنحو «حنطأو» (8)، و «كنشأو» (9)، و «سندأو» (10)، وزنها «فنعلو» ، والنون زائدة ؛ إذ لو كانت أصلية لجاء في موضعها حرف من الحروف التي لا تحتمل الزيادة ، نحو : «سردأو» مثلا ، فعدم مثل ذلك من كلامهم ، ولزوم هذا البناء حرف من حروف الزيادة دليل على أن ذلك الحرف زائد.


1) الأرطى : ضرب من الشجر يدبغ به ، انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (أرط).

2) الأبطل : الخاصرة ، انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (أطل).

3) الأفكل : الرعدة ، انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (أفكل).

4) عجنس : العجنس : الحعل الضخم ، لسان العرب ، مادة (عجنس).

5) الجحنفل : الغليظ الشفة ، لسان العرب ، مادة (جحفل).

6) الحبنطى : الممتلئ غيظا ، لسان العرب ، مادة (حبط).

7) العبنقس : السيئ الخلق ، لسان العرب ، مادة (عبقس).

8) الحنطأو : الوافر اللحية ، لسان العرب ، مادة (حنطأ).

9) الكنثأو : الوافر اللحية ، انظر تاج العروس للزبيدي مادة (كرفأ).

10) السند أو : الحديد الشديد ، لسان العرب ، مادة (سندأ).

وأما كون الزيادة لمعنى فنحو حروف المضارعة ، وياء التصغير ، وأمثال ذلك ، فإنه بمجرّد وجود الحرف ، يعطي معنى ، ينبغي أن يجعل زائدا ؛ لأنّه لم يوجد قطّ حرف أصليّ ، في الكلمة ، يعطي معنى ، على أنّ هذا الدليل قد يمكن أن يستغنى عنه بالاشتقاق والتصريف ؛ إذ ما من كلمة ، فيها حرف معنى إلّا ولها اشتقاق أو تصريف ، يعلم به حروفها الأصول من غيرها. لكن مع ذلك قد يعلم كون الحرف زائدا بكونه لمعنى ، من غير نظر إلى اشتقاقه وتصريفه ، فلذلك أوردناه في الأدلّة الموصلة إلى معرفة الزيادة من غيرها.

وأما النظير فأن يكون في اللفظ حرف ، لا يمكن حمله إلّا على أنه زائد ، ثم يسمع في ذلك اللفظ لغة أخرى ، يحتمل ذلك الحرف فيها أن يحمل على الأصالة ، وعلى الزيادة ، فيقضى عليه بالزيادة ، لثبوت زيادته في اللغة الأخرى ، التي هي نظيرة هذه ، وذلك نحو «تتفل» (1)، فإنّ فيه لغتين : فتح التاء الأولى وضمّ الفاء ، وضمّها مع الفاء ، فمن فتح التاء فلا يمكن أن تكون عنده إلّا زائدة ؛ إذ لو كانت أصليّة لكان وزن الكلمة «فعللا» ، بضم اللام الأولى ، ولم يرد مثل ذلك في كلامهم ، ومن ضمّ التاء أمكن أن تكون عنده أصليّة ؛ لأنّه قد وجد في كلامهم مثل «فعلل» ، بضمّ الفاء واللام ، نحو «برثن» ، إلّا أنه لا يقضى عليها إلّا بالزيادة ، لثبوت زيادتها في لغة من فتح التاء.

وأما الخروج عن النظير فأن يكون الحرف إن قدّر زائدا كان للكلمة التي يكون فيها نظير ، وإن قدّر أصلا لم يكن لها نظير ، أو بالعكس ، فإنه إذ ذاك ، ينبغي أن يحمل على ما لا يؤدّي إلى خروجها عن النظير ، وذلك نحو «غزويت» (2)، فإنّا إن جعلنا تاءه أصليّة كان وزنه «فعويلا» ، وليس في كلام العرب «فعويل» ، فيكون «غزويت» مثله. وإن جعلناها زائدة كان وزنه «فعليتا» ، وهو موجود في كلامهم ، نحو «عفريت». فقضينا ، من أجل ذلك ، على زيادة التاء.

وأما الدخول في أوسع البابين ، عند لزوم الخروج عن النظير ، فأن يكون في اللفظ حرف واحد ، من حروف الزيادة ، إن جعلته زائدا أو أصليّا خرجت إلى بناء ، لم يثبت في كلامهم فينبغي أن يحمل ما جاء من هذا على أنّ ذلك الحرف فيه زائد ؛ لأنّ أبنية الأصول قليلة ، وأبنية المزيد كثيرة منتشرة ، فحمله على الباب الأوسع أولى ، وذلك نحو «كنهبل» (3)؛ ألا ترى أنك إن جعلت نونه أصليّة كان وزنه «فعلّلا» ، وليس ذلك من أبنية


1) التتفل : ولد الثعلب ، لسان العرب ، مادة (تفل).

2) الغزويت : بالعين والغين ، القصير ، والداهية ، (لسان العرب) مادة (عزا).

3) الكنهبل : شجر عظام وقال ابن دريد : هو القصير. تاج العروس للزبيدي ، مادة (كهبل).

كلامهم. وإن جعلتها زائدة كان وزنه «فنعللا» ، ولم يتقرّر أيضا ذلك في أبنية كلامهم ، بدليل قاطع من اشتقاق أو تصريف ، لكن حمله على أنه «فنعلل» أولى ، لما ذكرنا.

فهذه جملة الأدلّة الموصلة إلى معرفة الزائد من الأصليّ ، ولمّا كان النظير ، والخروج عنه ، لا يعلمان إلّا بعد معرفة أبنية الأسماء والأفعال ، وضعت من أجل ذلك بابين ، حصرت في أحدهما أبنية الأسماء ، وفي الآخر أبنية الأفعال.


باب أبنية الأسماء

اشارة

أبنية الأسماء الأصول أقلّ ما تكون ثلاثة ، وأكثر ما تكون خمسة ، ولا يوجد اسم متمكّن ، على أقلّ من ثلاثة أحرف ، إلّا أن يكون منقوصا ، نحو «يد» و «دم» وبابهما.

[الثلاثي المجرد]

فأمّا الثلاثيّ من الأصول ، فيتصوّر فيه اثنا عشر بناء ، وذلك أنه يتصوّر في الفاء أن تكون مفتوحة ، ومضمومة ، ومكسورة ، ويتصوّر ، مع تحريكها بالفتح ، في العين أربعة أوجه : أن تكون مفتوحة ، ومضمومة ، ومكسورة ، وساكنة ، وكذلك مع تحريكها بالضمّ ، والكسر ، إلّا أنه أهمل منها بناءان ، وهما «فعل» و «فعل» لكراهية الخروج من ضمّ إلى كسر ، أو من كسر إلى ضمّ ، فأما «دئل» ، و «رئم» ، فلا حجّة فيهما ، لاحتمال أن يكونا منقولين من «دئل» و «رئم» ، اللذين هما فعلان مبنيّان للمفعول ، إلى الأسماء ؛ لأنه يقال : دأل ، ورئم ، فإذا بنيا للمفعول قيل دئل ورئم ، وقد ينقل الفعل إلى الاسم ، في حال التنكير ؛ ألا ترى أنهم قالوا «الينجلب» للخرز الذي يجلب الإنسان به إلى أمر ، فيكون «دئل» و «رئم» من هذا القبيل ، فلم يبق للثلاثي ، من الأصول ، إلّا عشرة أبنية.

فعل : ويكون في الاسم والصّفة ، فالاسم نحو : صقر وفهد ، والصّفة نحو : ضخم وصعب.

وفعل ويكون فيهما ، فالاسم نحو برد وقرط ، والصفة نحو : مرّ وحلو وعبر.

وفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : عكم وجذع ، والصفة نحو : نقض ونضو.

وفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : جمل وجبل ، والصفة نحو : حدث وبطل.

وفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : كتف وكبد ، والصفة نحو : حذر ووجع.

وفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : رجل وسبع ، والصفة نحو : حدث (1)وخلط (2).


1) الحدث : الحسن الحديث ، لسان العرب ، مادة (حدث).

2) الخلط : المخالط للأمور والعارف بها ، لسان العرب ، مادة (خلط).

وفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : صرد (1)ونغر (2)، والصفة نحو : حطم ولبد (3).

وفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : طنب وعنق ، والصفة نحو : جنب وأحد.

وفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : ضلع وعوض ، والصفة عدى وزيم ، ولم يجىء غيرهما ، قال الشاعر :

إذا كنت في قوم ، عدى ، لست منهم

فكل ما علفت ، من خبيث ، وطيّب (4)

وقالوا : منزل زيم. قال :

باتت ثلاث ليال ، ثمّ واحدة

بذي المجاز ، تراعي منزلا ، زيما (5)

أي : متفرق الأهل.

فأما «سوى» ، من قوله تعالى : (مَكاناً سُوىً) [طه : 58] ، فهو اسم في الأصل للشيء المستوي ، وصف به ، بدليل أنه لو كان صفة أصليّة لتمكّن في الوصفيّة ، فكان يذكّر مع المذكّر ، ويؤنّث مع المؤنّث ، إذ حقّ الصّفة أن تطابق الموصوف ، ومما يدلّك على أنها إذا لم تطابق موصوفها جرت مجرى الأسماء جمعهم «ربعه» : «ربعات» بفتح العين ، كجفنات. والصفة المحضة لا يكون فيها إلّا إسكان العين ، وأنت لا تقول إلّا : «بقعة سوى» ، فدلّ ذلك على أنه ليس بصفة في الأصل.

وكذلك قوله عزّ وجل : (دِيناً قِيَماً) [الأنعام : 161] لا حجّة فيه ؛ لأنه مصدر في الأصل ، مقصور من «قيام» ، ولو لا ذلك لكان «قوما» ؛ لأنه من ذوات الواو ، ولا تقلب الواو ياء ، إذا كانت متحرّكة عينا في مفرد لانكسار ما قبلها ، إلّا بشرط أن يكون بعدها ألف ، وتكون في مصدر لفعل اعتلّت عينه ، نحو «قام قياما» و «عاذ عياذا» ، فدلّ انقلاب الواو ياء ، في «قيم» ،


1) الصرد : ضرب من الغربان. لسان العرب لابن منظور ، مادة (صرد).

2) النغر : البلبل. لسان العرب لابن منظور ، مادة (نغر).

3) اللبد : المقيم لا يبرح منزله ، والكثير. المعجم الوسيط للزيات ورفاقه 2 / 812.

4) البيت من البحر الطويل وهو لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان في الزاهر في معاني كلمات الناس للأنباري 1 / 216 ، ولخالد بن فضلة ، في البيان والتبيين للجاحظ ص 506 ، وتهذيب اللغة للأزهري 3 / 71 ، بلا نسبة ، ومجمع الأمثال للميداني 1 / 60 ، وديوان المتنبي 2 / 35 ، وبلا نسبة في لسان العرب لابن منظور ، مادة (عدا).

5) البيت من البسيط وهو للنابغة في ديوانه ص 77 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (زيم) ، وأدب الكاتب ص 475.

على أنه مصدر في الأصل وصف به ، كما وصف ب- «عدل» و «زور» ، وهما مصدران في الأصل.

وكذلك قولهم «سبي طيبة» (1)، و «ماء روى» ، و «ماء صرى» (2). لا حجّة في شيء من ذلك على إثبات «فعل» في الصفات ؛ لأنّ جميع ذلك لا يطابق موصوفه : أما «طيبة» فإنه مؤنّث اللفظ ، وهو تابع لمذكّر ، وأما «روى ، وصرى» فيوصف بهما الجميع والمفرد على صورة واحدة ، فيقال : مياه صرى ، ومياه روى ، وقد تقدّم أنّ الصفة إذا كانت كذلك كانت محكوما لها بحكم الأسماء.

وفعل : ولم يجىء منه إلّا «إبل» خاصّة ، فيما زعم سيبويه وحكى غيره «أتان إبد» للوحشيّة ، فأما «إطل» فلا حجّة فيه ؛ لأن المشهور فيه «إطل» بسكون الطاء ، ف- «إطل» يمكن أن يكون مما أتبعت الطاء فيه الهمزة للضرورة ؛ لأنه لا يحفظ إلّا في الشعر ، نحو قوله :

له إطلا ظبي وساقا نعامة

... البيت (3)

وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

البيت من البحر الطويل ، وهو لامرئ القيس في الكنز اللغوي لابن السكيت ص 14 ، والفرق للعسكري ص 79 ، وبلا نسبة في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي ص 86 ، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 84.

في رواية من رواه كذلك وكذلك «حبرة» (4)، الأفصح والمشهور فيها إنما هو «حبرة» ، و «حبرة» ضعيف ، وكذلك «بلزه» لا حجّة فيه ؛ لأنّ الأشهر فيه «بلزّ» (5)بالتشديد ، فيمكن أن يكون «بلز» مخفّفا منه.

[الرباعي المجرد]

وأما الرّباعيّ ، من الأصول ، فله ستّة أبنية :

فعلل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «جعفر» و «عنبر» ، والصفة نحو «شجعم» (6)و «سلهب» (7).


1) الطيبة : الحل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (طيب).

2) الصرى : الذي طال استنقاعه فتغير ، لسان العرب لابن منظور (صرى).

3) صدر بيت ، عجزه :

4) الحبرة : صفرة الأسنان ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حبر).

5) البلز : الضخمة أو الخفيفة ، القاموس المحيط للفيروزالآبادي 1 / 647.

6) الشجعم : الضخم الطويل ، المحيط في اللغة 3 / 298.

7) السلهب : الطويل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سلهب).

وفعلل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «زبرج» و «زئبر» ، والصفة نحو «زهلق» (1)و «عنفص» (2).

وفعلل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «فلفل» و «برثن» ، والصفة نحو «جرشع» (3)و «كندر» (4).

وفعلل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «درهم» و «قلعم» (5)، والصفة نحو «هجرع» (6)و «هبلع» (7).

وفعلّ : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «فطحل» (8)، والصفة نحو «هزبر».

وعلى فعلل : ولم يجىء منه إلّا «طحربة» (9).

أما «جخدب» (10)، و «برقع» ، و «جؤذر» ، فلا حجّة فيها ؛ لأنه يقال «جخدب» و «برقع» و «جؤذر» بالضمّ ، فيمكن أن يكون الفتح تخفيفا فإنما يكون ثبت «فعلل» بأن يوجد ، لا يجوز معه «فعلل» بالضمّ ، فإن لم يوجد الفتح ، إلّا مع الضمّ ، دليل على أنه ليس ببناء أصليّ ، وأيضا فإنّ «جؤذرا» أعجميّ ، فلا حجّة فيه.

وأما الفتكرين بضمّ الفاء - على ما حكاه يعقوب - فلا حجّة فيه على إثبات «فعلّ» ، نحو «جعفر» ، «فتكر» ، ثم جمع ، إلّا أن يحفظ بالواو والنون في الرفع ، والياء والنون في النصب والجرّ ، فيقال : الفتكرون والفتكرين. والمسموع من هذا إنّما هو بالياء ، فيمكن أن يكون «فتكرين» اسما مفردا ، ك- «قذعميل» (11).


1) الزهلق : السريع الخفيف ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (زهلق).

2) العنفص : السيئ الخلق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عفص).

3) الجرشع : العظيم من الإبل والخيل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (جرشع).

4) الكندر : الغليظ القصير الشديد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (كندر).

5) قلعم : اسم علم ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (قلعم).

6) الهجرع : الأحمق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (هجرع).

7) الهبلع : الواسع الحنجور ، العظيم الفم ، الصحاح للجوهري ، مادة (هبلع).

8) الفطحل : اسم زمن قديم ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (فطحل).

9) الطحربة : القطعة من خرقة ، وفيها لغات كثيرة ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (طحرب).

10) الجخدب : الضخم الغليظ ، لسان العرب (بان منظور ، مادة (جخدب).

11) القذعميل : الشيخ الكبير ، لسان العرب ، مادة (قذعمل).

وكذلك «علبط» (1)، و «هدبد» (2)، و «عكمس» (3)، و «عجلط» (4)، و «عكلط» (5)، و «دودم» (6)، ليس في شيء من ذلك دليل على إثبات «فعلل» في الرباعيّ. يدلّ على ذلك أنه لا يحفظ شيء من ذلك ، إلّا والألف قد جاء فيه ، نحو «علابط» و «هدابد» و «عكامس» و «دوادم» و «عجالط» و «عكالط» ، فدلّ ذلك على أنها مخفّفة بحذف الألف ، إذ لو لم تكن كذلك لجاءت بغير ألف البتّة.

وكذلك «عرتن» (7)، ليس فيه دليل على إثبات «فعلل» في الرباعيّ ؛ لأنه لم يجىء منه إلّا هذا ، وقد قالوا في معناه «عرنتن» ، فيمكن أن يكون هذا مخفّفا منه ، كما خفّفوا الألف في «علابط» ونحوه ؛ لأنّ النون لزمت زيادتها ، في مثل هذا الموضع - أعني : ثالثة ساكنة - كما لزمت زيادة الألف ، فأجروها مجراها لذلك.

وكذلك «جندل» ، و «ذلذل» (8)، ليس فيه دليل على إثبات «فعلل» في أبنية الرباعيّ ؛ لأنهم قد قالوا «جنادل» و «ذلاذل» في معناهما ، فهما مخفّفان منهما ، ومما يؤيّد ذلك أنه لا يتوالى في كلامهم أربعة أحرف بالتحريك ، ولذلك سكّن آخر الفعل في «ضربت» ؛ لأنّ ضمير الفاعل تنزّل من الفعل منزلة جزء من الكلمة ، فكرهوا لذلك توالي أربعة أحرف بالتحريك ، فإذا كان ممتنعا ، فيما هو كالكلمة الواحدة ، فامتناعه فيما هو كلمة واحدة أحرى.

وأما «فعلل» فحكي منه «زئبر» و «ضئبل» (9)، وذلك شاذّ لا يلتفت إليه ، لقلّة استعماله.

والسبب ، في أن كانت أبنية الثلاثيّ أكثر من أبنية الرباعيّ ، أنّ الثلاثيّ أخفّ ، لكونه أقلّ أصول الأسماء المتمكّنة ، فتصرّفوا فيه ، لخفّته ، أكثر من تصرّفهم في الرباعيّ ، ولذلك


1) العلبط : الغليظ في اللبن ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (علبط).

2) الهدبد : اللبن الخاثر جدا ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (هدبد).

3) العكمس : الإبل الكثيرة ، الصحاح للجوهري ، مادة (عكمس).

4) العجلط : اللبن الخاثر الطيب الثخين ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عجلط).

5) العكلط : اللبن الخاثر الثخين ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عكلط).

6) الدودم : شيء شبه الدم يخرج من شجر السمر ، لسان العرب ، مادة (ددم).

7) العرتن : الشجر يدبغ به ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عرتن).

8) الذلذل : أسافل القميص الطويل إذا خلق وناس ، الصحاح للجوهري مادة (ذلذل).

9) الضئبل : الداهية تاج العروس للزبيدي ، مادة (ضأبل).

أيضا كانت أبنية الرّباعيّ أكثر من أبنية الخماسيّ ؛ لأنّ الرباعيّ ، على كل حال ، أقلّ حروفا من الخماسيّ ، فكان أخفّ منه ، فتصرّفوا فيه ، لذلك ، أكثر من تصرّفهم في الخماسيّ.

[الخماسي المجرد]

وأمّا الخماسيّ فله أربعة أبنية ، متّفق عليها :

فعلّل : ويكون في الاسم والصّفة ، فالاسم نحو «سفرجل» و «فرزدق» ، والصفة «شمردل» (1)و «همرجل» (2).

وفعلّل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «خزعبلة» (3)، والصفة نحو «قذعملة» (4).

وفعللل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «جحمرش» (5)و «قهبلس» (6).

وفعللّ : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قرطعب» (7)، والصفة نحو «جردحل» (8).

وزاد بعض النحويين في أبنية الخماسيّ «فعّلل» نحو «صنّبر» ، والصحيح أنه لم يجىء في أبنية كلامهم إلّا في الشعر ، نحو قوله :

بجفان ، تعتري نادينا

من سديف ، حين هاج الصّنّبر (9)

وهذا يجوز أن يكون لمّا سكّن الراء للوقف كسر ، لالتقاء الساكنين ، نحو قولهم : «ضربته» و «قتلته».

وزاد بعضهم أيضا «فعلللا» نحو «هندلع» (10)، ولم يحفظ منه غيره ، وهذا عندي إنما


1) الشمردل : الطويل ، الصحاح للجوهري ، مادة (شمردل).

2) الهمرجل : الجواد السريع ، لسان العرب ، مادة (همرجل).

3) الخزعبل : الفكاهة والمزاح والخزعبيل : الباطل ، لسان العرب : مادة (خزعبل).

4) القذعمل : الناقة الشديدة ، الصحاح للجوهري ، مادة (قذعمل).

5) الجحمرش : العجوز الكبير ، الصحاح للجوهري ، مادة (جحمرش).

6) القهبلس : الأبيض الذي تعلوه كدرة ، لسان العرب (لابن منظور ، مادة (قهبلس).

7) القرطعب : القطعة من الخرقة ، الصحاح للجوهري ، مادة (قرطعب).

8) الجردحل : الضخم من الإبل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (جردحل).

9) البيت من بحر الرمل ، لطرفة بن العبد في ديوان ص 29 ، والعين. للفراهيدي ، مادة (صنبر) ، وبلا نسبة في خزانة الأدب للبغدادي 8 / 192.

10) الهندلع : بقلة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (هدلع).

ينبغي أن يحمل على أنه «فنعلل» ، والنون زائدة ، ويحكم عليها بالزيادة - وإن لم تكن في موضع زيادتها - لأنه لم يتقرّر «فعللل» في أبنية الخماسيّ ، فيحكم ، من أجل ذلك ، على النون بالزيادة.

فإن قيل : ولم يثبت أيضا في مزيد الرباعي «فنعلل»؟

قيل له : هو على كلّ حال ليس له نظير ، فدخوله في الباب الأوسع أولى ، وهو المزيد ؛ لأنّ أبنية المزيد أكثر ، من أبنية المجرّد من الزيادة.

[الثلاثي المزيد]

وأما الثلاثي المزيد فقد تلحقه زيادة واحدة ، وقد تلحقه زيادتان ، وقد تلحقه ثلاث ، وقد تلحقه أربع فيصير على سبعة أحرف ، وهو أقصى ما ينتهي إليه المزيد.

[المزيد فيه حرف واحد]

فأما الذي تلحقه زيادة واحدة فلا يخلو من أن تلحقه قبل الفاء ، أو بعد الفاء ، أو بعد العين ، أو بعد اللام ، فإذا لحقته قبل الفاء يكون :

على أفعل : ويكون في الاسم والصفة ، فالاسم نحو «أفكل» (1)و «أيدع» (2)، والصفة نحو «أبيض» و «أسود».

وعلى إفعل : ولم يجىء إلّا اسما نحو «إثمد» (3)و «إصبع».

وعلى أفعل : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «أبلم» (4).

فأما قولهم «شحم أمهج» أي : رقيق ، فيمكن أن يكون محذوفا من «أمهوج» ك- «أسكوب» ؛ لأنه قد سمع ذلك فيه ؛ ووجد بخط أبي عليّ ، عن الفرّاء : «لبن أمهوج» ، فيكون «أمهج» مقصورا منه للضرورة ، إذ لم يسمع إلّا في الشعر ؛ أنشد أبو زيد :


1) الأفكل : الرعوة ، الصحاح للجوهري ، مادة (فكل).

2) الأيدع : الزعفران ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (أيدع).

3) الإثمد : حجر يكتحل به ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ثمد).

4) الأبلم : خوص المقل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (بلم).

يطعمها اللّحم ، وشحما أمهجا (1)

وأيضا فإنّ «الأمهج» اسم لدم القلب ، فيمكن أن يكون قولهم «شحم أمهج» مما وصف فيه بالاسم الجامد ، لما فيه من معنى الصفاء والرقّة ، كما يوصف بالأسماء الضامنة لمعنى الأوصاف. ونحو من ذلك ما أنشده أبو عثمان من قول الراجز :

مئبرة العرقوب إشفى المرفق (2)

فوصف ب- «إشفى» وهو اسم ، لما فيه من معنى الحدّة. وقول الآخر :

فلو لا الله ، والمهر المفدّى ،

لأبت ، وأنت غربال الإهاب (3)

كأنه قال : مخرّق الإهاب.

وعلى إفعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «إصبع» و «إبرم» (4). فأما قوله :

إن تك ذا بزّ (5)فإنّ بزّي

سابغة (6)، فوق وأى (7)،

إوزّ (8)

فيمكن أن يكون «فعلّا» ، والهمزة فيه أصليّة ، وذلك قليل ، ويمكن أن يكون «إوزّ» اسما وصف به ، لما فيه من معنى الشدّة.

وعلى أفعل : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «أصبع».

وعلى أفعل : ولا يكون في الأسماء والصفات ، إلّا أن يكسّر عليه الواحد للجمع ، فالاسم نحو «أكلب» ، والصفة نحو «أعبد».


1) الرجز بلا نسبة في الخصائص لابن جني ، 3 / 194 ، والأصول في النحو 3 / 38.

2) الرجز ، بلا نسبة في الخصائص لابن جني 2 / 221 ، والمخصص لابن سيده 1 / 88 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (طفم) ، والمحكم المحيط الأعظم لابن سيده ، مادة (طفم).

3) البيت من البحر الوافر ، وهو المنذر بن حسان في المقاصد النحوية للعيني 3 / 140 ، ولفترة الكلبي في محاضرات الأدباء للأصبهاني 2 / 201 ، وبلا نسبة في لسان العرب لابن منظور ، مادة (قيد) وتاج العروس للزبيدي ، مادة (قيد) ، والمخصص لابن سيده 4 / 424.

4) إبرم : اسم موضع.

5) البز : السلاح.

6) السابغة : الدرع الطويلة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سبغ).

7) الوأى : الفرس السريع ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (وأي).

8) الرجز : بلا نسبة في لسان العرب لابن منظور ، مادة (أوز) والأوز : القصير الغليظ ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (الأوز).

فأما «أذرح» (1)و «أسنمة» (2)فعلمان ، فلا يثبت بهما بناء ؛ لأنّ العلم أكثر ما يجيء منقولا ، بل من الناس من أنكر أن يجيء مرتجلا ، فإذا كان العلم كما وصف احتملا أن يكونا منقولين من الفعل ، فيكون «أذرح» فعلا ، في الأصل ، ثم سمّي به ، وكذلك «أسنمة» ، كأنه «أسنم» في الأصل ثم سمّي به.

فإن قلت : لو كان منقولا من الفعل لما دخلت عليه تاء التأنيث ؛ لأنّ التاء لا تدخل على الفعل المضارع؟

فالجواب : أنه لمّا انتقل من الفعليّة إلى الاسميّة ساغ دخول تاء التأنيث عليه ، والدليل على ذلك قولهم «الينجلبة» في اسم الخرزة ؛ لأنها يجلب بها الغائب ، وهي فعل في الأصل ؛ لأنها على وزن الفعل المختصّ ، لكن لمّا انتقلت إلى الاسميّة ساغ دخول التاء عليها.

وحكى الزّبيديّ «أصبع» و «أنملة» ، فإن ثبت النقل بهما لم يكن في ذلك استدراك على سيبويه ؛ لأنه قد حكي فيه «أصبع» و «أنملة» ، بضم الهمزة ، فيمكن أن يكون الفتح تخفيفا ، كما قالوا في «برقع» : «برقع» بالتخفيف.

وزعم الزّبيديّ أنّ أبا بكر بن الأنباريّ حكى «إصبعا» ، بكسر الهمزة وضمّ الباء ، على وزن «إفعل» ، لكن أكثر أهل اللغة على أنها ليست من كلام الفصحاء ، قال الفرّاء : لا يلتفت إلى ما رواه البصريّون ، من قولهم «إصبع» ، فإنّا بحثنا عنها ، فلم نجدها.

وعلى تفعل : ويكون فيهما قليلا ، فالاسم «تتفل» (3)و «تقدمة» (4). والصّفة «تحلبة» (5).

وعلى تفعل : ولم يجىء إلّا اسما - وهو قليل ، قالوا «تحلىء» - إلّا أن تلحقه التّاء ، فلا يكون إلّا صفّة ، وهو قليل ، نحو «تحلبة».

وعلى تفعلة : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، قالوا «تتفلة» (6).


1) أذرح : اسم موضع.

2) أسنمة : اسم موضع.

3) التتفل : ولد الثعلب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (تفل).

4) تقدمة : أول تقدمة الخيل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (قدم).

5) التحلبة : الناقة تحلب قبل أن تحمل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حلب).

6) التتفلة : الأنثى الصغيرة عن الثعالب ، المخصص لابن سيده ، مادة (تفل).

وعلى تفعلة : ولم يجىء أيضا إلّا صفة ، نحو «تحلبة» ، وحكى الكسائيّ أنّ «تتفلا» لغة في «التتفل» ، ولا يحفظ غيره اسما.

وعلى تفعلة : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «تردية» (1)و «تهنئة».

وعلى تفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «تدرأ» (2)و «ترتب» ، والصفة نحو «تحلبة» و «ترتب» (3)، قال بعضهم : «أمر ترتب» (4)، فجعله وصفا.

وعلى تفعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «تنضب» (5)و «تتفل».

وعلى مفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «محلب» و «مقتل» ، والصفة نحو «مثنى» و «مولى» و «مقنع».

وعلى مفعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «منخر». وقد يجوز أن يكون منخر مما أتبع ، والأصل فيه «منخر» بفتح الميم ، وقد أجاز الوجهين سيبويه.

فأما «منتن» و «مغيرة» فكسرت الميم منهما ، إتباعا لما بعدها. والأصل «منتن» و «مغيرة» ؛ لأنهما اسما فاعل من أنتن وأغار.

وعلى مفعل ، ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «منخل» و «مسعط».

وعلى مفعل : صفة ، نحو «مكرم» و «معط» ، ولم يجىء اسما إلّا قولهم «مؤق» ، بخلاف في ذلك ، سيبيّن بعد ، إن شاء الله.

وعلى مفعل : ويكون في الأسماء ، نحو «مسجد» و «مجلس» ، وهو في الصفة قليل ، نحو «رجل منكب».

وعلى مفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «منبر» و «مرفق» ، والصفة نحو «مدعس» و «مطعن».

وعلى مفعل : ولم يجىء إلّا اسما ، والهاء لازمة له ، نحو «مزرعة» و «مشرقة» و «مقبرة» ، ولا يستعمل بغير هاء إلّا أن يجمع ، بحذف الهاء ، نحو قوله :


1) التردية : إلباس الثياب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ردي).

2) التدرأ : الدرء : الدفع ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (درأ).

3) الترتب : الأبد : لثباته وطول بقائه : لسان العرب ، مادة (رتب).

4) الترتب : الثابت الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (رتب).

5) التنضب : ضرب من الشجر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (نضب).

بثين ، الزمي «لا» إنّ «لا» إن لزمته

على كثرة الواشين ، أيّ معون (1)

فجمع «معونة» بحذف التاء. وقول الآخر :

ليوم روع ، أو فعال مكرم (2)

فجمع «مكرمة» بحذف التاء ، وكذلك «مألك» ، من قول الشاعر :

أبلغ النّعمان ، عنّي ، مألكا

أنّه قد طال حبسي ، وانتظاري (3)

هو جمع «مألكة» أيضا ، وزعم السّيرافيّ أنّ ذلك مما رخّم ضرورة ، وأنه يريد «معونة» و «مكرمة» ، والوجه ما ذكرناه أوّلا ؛ لأنه إذا أمكن ألّا يحمل على الضرورة كان أولى.

وعلى مفعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «مصحف» و «مخدع» (4)و «موسى» ، ولم يكثر هذا في كلامهم اسما ، وهو في الوصف كثير نحو : «مكرم» و «مدخل».

وعلى يفعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «اليرمع» (5)و «اليلمق» (6).

فأما قولهم «جمل يعمل» (7)، و «ناقة يعملة» ، و «رجل يلمع» (8)، فمن قبيل ما وصف فيه بالاسم ، ولذلك لم يمتنع الصرف ، ولو كان صفة في الأصل لوجب منع صرفه ، لوزن الفعل ، والوصف.


1) البيت من البحر الطويل : وهو لجميل بثينة في ديوانه ص 208 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (ألك) ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (ألك) ، والخصائص لابن جني 3 / 212 ، والمخصص لابن سيده مادة (ألك).

2) الرجز ، لأبي الأخزر في شرح شواهد الشافية ص 68 ، وبلا نسبة في أدب الكاتب لابن قتيبة ص 476 ، وجمهرة اللغة ، لابن دريد ، مادة (موي) ، والخصائص لابن جني 3 / 212 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (كرم).

3) البيت من بحر الرمل ، لعدي بن زيد بن حماد في ديوانه ص 93 ، والشعر والشعراء لابن قتيبة ص 41 ، وأنساب الأشراف للنداري 4 / 198 ، وجمهرة اللغة ، مادة (كلم) ، والأغاني للأصبهاني 2 / 104 ، ومقاييس اللغة 1 / 133.

4) المخدع : بيت يكون داخل البيت الكبير ، يحرز فيه الشيء ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (خدع).

5) اليرمع : الخذردف ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (رمع).

6) اليلمق : القباء المحشو : الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (يلمق).

7) اليعمل : النجيب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عمل).

8) اليلمع : الكذاب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (لمع).

وعلى نفعل : نحو «نرجس» ، ولا يحفظ غيره ، وهو أعجميّ ، فيما نظنّ.

فأما «نفرج» (1)ف- : «فعلل» وليست النون زائدة ، وسيقام الدليل على ذلك بعد ، إن شاء الله.

وإذا لحقته بعد الفاء يكون :

على فاعل : ويكون في الاسم والصفة ، فالاسم نحو «كاهل» و «غارب» ، والصفة نحو : «ضارب» و «قاتل».

وعلى فاعل : ولم يجىء إلّا اسما نحو «خاتم» و «طابق» (2)، فأما «كابل» (3)فأعجميّ.

وعلى فيعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «غيلم» (4)وزينب ، والصفة نحو «ضيعم» و «صيرف» ، ولم يجىء منه في في المعتلّ إلّا لفظ واحد شاذّ ، وهو «العيّن» ، قال :

ما بال عينك كالشّعيب العيّن (5)

وعلى فيعل : ولا يكون إلّا في المعتلّ ، نحو «سيّد» ، وفيه خلاف ، وسيبيّن بعد ، إن شاء الله ، ولم يجىء منه في الصحيح إلّا «بيئس» (6)، وكأنّ الذي سهّل ذلك فيه شبه الهمزة بحروف العلّة.

وعلى فوعل : ويكون أيضا فيهما. فالاسم نحو «عوسج» (7)و «كوكب» ، والصفة نحو :

«حومل» (8)و «هوزب» (9).

وعلى فأعل : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو : «شأمل» (10).


1) النفرج : الجبان ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (ن ف- ر ج).

2) الطابق : ظرف من حديد أو نحاس ، يطبخ به ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (طبق).

3) كابل : اسم موضع في أفغانستان.

4) الفيلم : الضفدع. لسان العرب لابن منظور ، مادة (غلم).

5) الرجز ، للدؤبة في لسان العرب لابن منظور ، مادة (عين) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة لابن دريد ، مادة (بشع).

6) البيئس : الشديد ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (بأس).

7) العوسج : شجر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عسج).

8) الحومل : السيل الصافي ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حمل).

9) الهوزب : البعير القوي ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (هزب).

10) الشأمل : ريح الشمال ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (شمل).

وعلى فنعل : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو : «جندب».

وأما قولهم : «لحية كنثأة» (1)فيمكن أن تكون نونه أصليّة ، إذا ليست في موضع زيادتها. وتكون من معنى «كثّأت (2)لحيته» ، وإن كانت أصولهما مختلفة ، فتكون «كنثأة» من «كثّأت» ك- «سبط» من «سبطر» ، والذي حمل على ذلك أنه لا يحفظ «فنعل» صفة.

وعلى فنعل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو : «عنبس» (3)و «عنسل» (4).

وعلى فنعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «قنبر» (5)و «عنظب» (6)و «عنصل» (7).

وعلى فيعل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو : «حيفس» (8)و «صيهم» (9).

وعلى فعّل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : «سلّم» ، والصفة نحو «زمّل» (10).

وعلى فعّل : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «قعنّب» ، والصفة نحو : «دنّم» (11).

وعلى «فعّل» : ويكون فيهما ، فالصفة «حلّزة» (12)، ولم يجىء غيره ، والاسم نحو : «حمّص» و «جلّق» (13).

وعلى فعّل : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو : «تبّع» (14).

وإذا لحقته بعد العين كان :


1) الكنثأة : الطويلة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (كثأ).

2) كثأت : طالت ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (كثأ).

3) العنبس : من صفات الأسد ، وهو العبوس ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عنبس).

4) العنسل : الناقة السريعة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عنسل).

5) القنبر : طائر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (قنبر).

6) العنظب : ذكر الجراد ، لسان العرب ، مادة (عنظب).

7) العنصل : البصل البري ، لسان العرب ، مادة (عنصل).

8) الحيفس : الغليظ الضخم ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (حفس).

9) الصيهم : القصير ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (صهم).

10) الزمل : الضعيف الرذل ، لسان العرب ، مادة (زمل).

11) الدنم : القصير : الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (دنم).

12) الحلزة : البخيل والسيئ الخلق ، لسان العرب ، مادة (حلز).

13) جلق : دمشق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (جلق).

14) التبع : الظل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (تبع).

على فعال : ويكون في الأسماء والصفات ، فالاسم نحو : «قذال» و «غزال» ، والصفة نحو : «جماد» و «جبان».

وعلى فعال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حمار» ، والصفة نحو : «كناز» (1)و «ضناك» (2).

وعلى فعال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : «غلام» و «غراب» ، والصفة نحو «شجاع» و «طوال».

وعلى فعيل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : «بعير» و «قضيب» ، والصفة نحو : «سعيد» و «شديد» و «شهيد».

وعلى فعيل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «عثير» (3)، والصفة نحو : «طريم» (4).

وعلى فعيل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «عليب» (5).

فأمّا «ضهيد» (6)و «عتيد» (7)فهما - فيما زعم أبو الفتح - مصنوعان ، فلا يلتفت إليهما ، فيجعلا دليلا على إثبات فعيل.

وعلى فعول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «جرول» و «جدول» (8)، والصفة نحو «جهور» و «حشور».

وعلى فعول : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «خروع» و «عتود» (9).

وعلى فعول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «عمود» ، والصفة نحو : «صدوق».

وعلى فعول ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «أتّيّ» و «سدوس» (10). وهو قليل في


1) الكناز : الضخمة المكتنزة اللحم ، لسان العرب ، مادة (كنز).

2) الضناك : المكتنزة اللحم ، لسان العرب ، مادة (ضنك).

3) العثير : التراب ، لسان العرب ، مادة (عثر).

4) الطريم : الطويل من الناس ، لسان العرب ، مادة (طرم).

5) عليب : اسم موضع.

6) الضهيد : الطب الشديد ، لسان العرب ، مادة (ضهد).

7) عتيد : اسم موضع.

8) الجدول : الحجارة ، لسان العرب ، مادة (جدول).

9) عتود : اسم موضع.

10) الأتي : السيل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (أتي).

الكلام ، إلّا أن يكون مصدرا ، أو يكسّر عليه الاسم للجمع ، فيكثر ، نحو : «القعود» و «الفلوس».

وعلى فعال : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «شمأل» (1).

فأمّا «ضنأك» (2)ف- «فنعل» ك- «عنظب» (3)وليس ب- : «فعأل» ، وإن كان في معنى «ضناك» ؛ لأنّ «فعألا» لم يثبت في الأسماء ، وقد يكون اللفظان في معنى واحد ، والأصول مختلفة ، نحو «سبط» و «سبطر» ، فحمله على هذا أولى من إثبات بناء لم يستقرّ في كلامهم.

وعلى فعنل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو : «عرند» (4).

وعلى فعنلة : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «جرنبة».

وعلى فعلّة : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، قالوا : «تئفّة» (5).

وعلى فعلّة : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو : «تلنّة» (6).

وعلى فعلّة : وهو قليل ، نحو : «درجّة» (7).

وعلى فعلّ : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو : «شربّة» (8)و «معدّ» ، والصفة نحو : «هبيّ» (9).

وعلى فعلّ : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : «جبنّ» (10)، والصفة نحو : «قمدّ» (11)و «عتلّ».


1) الشمأل : ريح الشمال ، لسان العرب ، مادة (شمأل).

2) الضنأك : الناقة العظيمة ، لسان العرب ، مادة (ضنك).

3) العنظب : ذكر الجراد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عنظب).

4) العرند : الصلب الشديد ، لسان العرب ، مادة (عرند).

5) التئفة : الحين والأوان ، لسان العرب ، مادة (تأف).

6) التلنة : الحاجة ، لسان العرب ، مادة (تلن).

7) الدرجة : المرقاة التي يتوصل منها إلى سطح البيت ، لسان العرب ، (درج).

8) شربة : اسم موضع.

9) الهبي : الصبي الصغير ، لسان العرب ، مادة (هبا).

10) الجبن : الجبن الذي يؤكل ، تاج العروس ، ماد (جبن).

11) القمد : الشديد الغليظ ، لسان العرب ، مادة (قمد).

وعلى فعلّ : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «فلزّ» (1)و «حبرّ» (2)، والصفة نحو «طمرّ».

وعلى فعلّ : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : «جدبّ» (3)و «مجنّ» ، والصفة نحو : «خدبّ» (4)و «هجفّ» (5).

فأما قولهم : «قدر وئيّة» (6)ف- : «فعلّة» ، وليس ب- : «فعيلة» ؛ لأنّ ذلك بناء غير موجود.

وعلى فعلل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو : «شربب» (7)، والصفة نحو : «قعدد» (8)و «دخلل» (9).

وعلى فعلل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو : «قردد» (10)و «مهدد» (11).

وعلى فعلل : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، قالوا : «رماد رمدد» (12).

وعلى فعلل : ويكون فيهما. فالاسم «عندد» (13)، والصفة «قعدد» و «دخلل».

فأمّا قولهم «رماد رمدد» فينبغي أن يكون مما فتح تخفيفا ؛ لأنهم قالوا «رمدد» فيكون ك- «برقع» ؛ لأنّ الأصل «برقع» بضمّ القاف ، لكنه فتح تخفيفا ، وقد تقدّم ذلك. وإنما لم يثبت بهذا «فعلل» ؛ لأنه لا يحفظ إلّا فيما سمع فيه «فعلل» بالكسر ، ولو كان بناء أصل لجاء حيث لم يجىء معه «فعلل» ، وهو مع ذلك قليل.

وإذا لحقت بعد اللام يكون :


1) الفلز : النحاس الأبيض ، لسان العرب ، مادة (فلز).

2) الحبر : صفرة الأسنان ، لسان العرب ، مادة (حبر).

3) الجدب : القحط ، لسان العرب ، مادة (جدب).

4) الخدب : الضخم الطويل ، لسان العرب ، مادة (خدب).

5) الهجف : الجافي الثقيل ، لسان العرب ، مادة (هجف).

6) الوئية : الواسعة ، لسان العرب ، مادة (وأي).

7) شربب : اسم واد.

8) العقدد : الجبان اللئيم ، لسان العرب ، مادة (قعد).

9) دخلل : دخلل الشيء : داخله ، لسان العرب ، مادة (دخل).

10) القردد : الوجه ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (قرد).

11) مهدد : من أسماء النساء.

12) الرمدد : الكثير الدقيق جدا ، لسان العرب ، مادة (رمد).

13) العندد : الحيلة ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (عند).

على فعلى : نحو «علقى» (1)ولم يجىء صفة إلّا بالهاء ، نحو «ناقة حلباة ركباة».

وعلى فعلى : نحو «معزى». ولم يجىء صفة إلّا بالهاء ، نحو «امرأة سعلاة» (2)و «رجل عزهاة» (3).

فأمّا قولهم «رجل كيصى» (4)فهو اسم وصف به ، وليس بجار على فعله ، ولا يلزمه أن يستعمل تابعا ، فيكون ذلك دليلا على أنه ليس بصفة ، في الأصل ، ومما يدلّ ، على أنه ليس بصفة في الأصل ، استعمالهم له جاريا على المؤنث بغير هاء ، فيقولون «امرأة كيصى» ، وقد تقدّم أنّ الصفة إذا كانت غير مطابقة للموصوف حكم لها بحكم الأسماء.

وعلى فعلى : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «سلمى» و «علقى» (5)، والصفة نحو «سكرى» و «عطشى».

وعلى فعلى : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «بهمى» (6)، والصفة نحو «حبلى».

وعلى فعلى : ولم يجىء إلّا اسما ، وتلزمه التاء نحو «بهماة».

وعلى فعلى : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «دقرى» (7)، والصفة نحو «جمزى» (8)و «بشكى» (9)، وبعض العرب يقول «قلهي» (10)بالياء ، وكأنه وافق من قال «أفعي» في الوقف.

وعلى فعلى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «أربى» (11)و «أدمى» (12).

وعلى فعلى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «ذفرى» (13)و «ذكرى».


1) العلقى : ضرب من الشجر ، لسان العرب ، مادة (علق).

2) السعلاة : أنثى الغيلان ، لسان العرب ، مادة (سعل).

3) العزهاة : العازف عن اللهو والنساء ، لسان العرب ، مادة (عزه).

4) الكيصى : الذي ينزل وحده ويأكل وحده ولا يهمه غير نفسه ، لسان العرب ، مادة (كيص).

5) العلقى : ضرب من الشجر ، لسان العرب ، مادة (علق).

6) البهمى : ضرب من النبات ، لسان العرب ، مادة (بهم).

7) دقرى : اسم روضة.

8) الجمزى : السريع من الحمير ، لسان العرب ، مادة (جمزى).

9) البشكى : السريعة ، لسان العرب ، مادة (بشكى).

10) قلهى : اسم موضع.

11) أربى : اسم للداهية ، لسان العرب ، مادة (أربى).

12) أدمى : اسم موضع.

13) الذفرى : عظم ناتئ خلف الأذن ، لسان العرب ، مادة (ذفر).

وعلى فعلن : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، وذلك نحو «فرسن» (1).

وعلى فعلن : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «رعشن» (2)و «ضيفن» (3).

وعلى فعلن : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو «عرضنة» (4)، والصفة نحو قولهم «رجل خلفنة» (5).

وعلى فعلم : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «زرقم» (6). والصفة نحو «ستهم» (7).

وعلى فعلم : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «دلقم» (8)و «دقعم» (9).

وعلى فعلم : نحو «شدقم» (10)و «جدعم» ، ولم يجىء إلّا صفة.

وعلى فعلأ : ولم يجىء منه إلّا «ضهيأ» (11). وهو اسم وصفة.

وعلى فعلية : والهاء لازمة له ، ويكون فيهما ، فالاسم نحو هبرية (12). والصفة نحو «زبنية» (13).

وعلى فعلتة : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «سنبتة» (14).

وعلى فعلوة : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «ترقوة» و «عرقوه» (15).


1) الفرسن : مقدم خف البعير ، لسان العرب ، مادة (فرسن).

2) الرعشن : المرتعش ، لسان العرب ، مادة (رعش).

3) الضيفن : الذي يجيء مع الضيف متطفلا ، لسان العرب ، مادة (ضيف).

4) العرضنة : الاعتراض في السير من النشاط ، لسان العرب مادة (عرض).

5) الخلفنة : الذي في خلقه خلاف ، لسان العرب ، مادة (خلف).

6) الزرقم : الحية ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (زرقم).

7) الستهم : الكبير العجوز ، لسان العرب ، مادة (ستهم).

8) الدلقم : الناقة التي تكسرت أسنانها من الكبر ، لسان العرب ، مادة (دلقم).

9) الدقعم : الدقعاء ، وهي الأرض التي لا نبات بها ، لسان العرب ، مادة (دقع).

10) الشدقم : الواسع الشوق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (شدق).

11) الضهيأ : شجر ، والمرأة التي لا لبن لها ، لسان العرب ، مادة (ضهأ).

12) الهبرية : ما طار من الريش ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (هبر).

13) الزبنية : المتمرد ، لسان العرب ، مادة (زبن).

14) السنبتة : الدهر والحقبة ، جمهرة اللغة لابن دريد ، 4 / 194 ، مادة (السنبتة).

15) العرقوة : الخشبة المعروفة على الدلو ، لسان العرب ، مادة (عرق).

وعلى فعلوة : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «عنصوة» (1)و «جنذوة» (2).

وعلى فعلوة : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل لا تفارقه الهاء ، نحو «جندوة».

فأما «ترقوءة» فظاهرها أنها «فعلؤة» ، إذا قد ثبت في «ترقوة» أنّ الأصول إنما هي التاء والراء والقاف ، لكن قد يتخرّج على أن يكون أصله «ترقوة» (3)بالواو ، فقدّرت ضمّة القاف على الواو ؛ لأنّ الحركة في التقدير بعد الحرف ، فهمزت الواو ، كما تهمز إذا انضمّت ، ونظير ذلك قوله :

أحبّ المؤقدين إليّ موسى

وجعدة ، إذ أضاءهما الوقود (4)

فهمز واو «موقد» ؛ لأنه قدّر ضمّة الميم على الواو.

وأما «مؤق» فظاهره أنه «فعل» ، إلّا أنّ ذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم ، فإن أمكن صرفه إلى ما وجد من كلامهم كان أولى ، فأمّا أبو الفتح فزعم أنه «فعليّ» في الأصل ، ثم خفّف ، كما قالوا : «تسمع (5)بالمعدي خير من أن تراه» فخفّفوا ، والأصل «المعيديّ» ، وتكون الياءان للنسب على حدّهما في «كرسيّ». ويكون هذا مما رفض أصله ؛ لأنه لم يسمع مثقّلا قطّ.

وهذا الذي ذهب إليه أبو الفتح ضعيف ، عندي ؛ لأنّ «كرسيّا» و «بختيّا» (6)بنيا على ياءي النّسب ، ولم يستعملا دونهما ، فلا يقال «كرس» ولا «بخت» ، فلذلك كسّر الاسم عليهما ، فقالوا «كراسيّ» و «بخاتيّ» ، وأما «مؤق» فإنه يستعمل دون ياء ، وكل ما تلحقه ياءا النسب ، ولا تلزمانه ، ولا يكسّر عليهما ؛ ألا تراهما يقولون «أخمريّ» و «حمر» و «فارسيّ» و «فرس» ، فلو كان «مؤق» على ما زعم أبو الفتح لم يقل في تكسيره «مآق» ، بل «أمآق» ، ك- «قفل» و «أقفال» ، فإذا بطل هذا فينبغي أن يكون وزنه «مفعلا» ، فيلحق بفصل ما لحقته زيادة واحدة من أوّله من الثلاثيّ ، وقد تقدّم ذكره هنالك.


1) العنصوة : القطعة من الإبل ، لسان العرب ، مادة (عنص).

2) الجنذوة : الشعبة من الجبل ، وتكون بالخاء والحاء ، لسان العرب ، مادة (خنذ).

3) الترقوة : مقدم الحلق حيث يترقى النفس ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ترق).

4) البيت من البحر الوافر ، وهو لجرير في ديوانه ص 288 ، والخصائص لابن جني 2 / 175 ، وشرح شواهد الشافية لابن الحاجب ص 429 ، والمحتسب 1 / 47 ، وشرح شواهد المغني 2 / 962.

5) من أمثال العرب.

6) البختي : واحد البخاتي ، وهي الإبل الخراسانية ، لسان العرب ، مادة (بخت).

فإن قلت : فقد ثبتت أصالة الميم ، بدليل قولهم «مأق» في معناه؟.

فالجواب : أنه يكون مما اتّفق معناه ، وتقارب لفظه ، ك- «سبط» و «سبطر».

وكذلك «مأق» عند أبي الفتح هو «مأقيّ» في الأصل ، ثم خفّف ، والياءان للنسب ، وهو عندي باطل ، بدليل قولهم «مآق» ، فكسّر الاسم على الياء ، فالذي يجب أن يحمل عليه عندي ما ذهب إليه الفرّاء ، من أنه «مفعل» مما لامه ياء ، وشذوا فيه ، لأنّ «المفعل» من المعتلّ اللام مفتوح العين ، ونظيره في الشذوذ «مأوي الإبل» والفصيح «مأوى» ، قال الله تعالى (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) (41) [النازعات : 41] ، وتكون الميم زائدة ، كما تكون في «مؤق» ، ويكون «مأق» و «مأق» من باب «سبط وسبطر» كما قدّمنا.

[المزيد فيه حرفان]

وأما الذي تلحقه زيادتان فلا يخلو أن تجتمعا فيه ، أو تفترقا ، فإن افترقنا فلا بدّ من أن تفصل بينهما الفاء ، أو العين ، أو اللام ، أو الفاء والعين ، أو العين واللام ، أو الفاء والعين واللام.

فإذا فصلت بينهما الفاء كان :

على أفاعل : وبكون فيهما ، فالاسم نحو «أدابر» و «أحامر» (1)، وهو في الصفة قليل ، قالوا : «رجل أباتر» (2)، ولا يعلم صفة إلّا هذا.

وأما «نخورش» (3)ف- «فعللل» ك- «جحمرش» ، والواو أصليّة في بنات الخمسة. وهذا أولى من ادّعاء بناء لم يستقرّ في كلامهم.

وعلى أفاعل : ولا يكون في الكلام إلّا إذا كسّر عليه الواحد للجمع ، نحو «أجادل» (4)و «أفاكل» (5).

وعلى أفنعل : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو «ألنجج» (6)، والصفة نحو «ألندد» (7).


1) أحامر : اسم موضع.

2) الأباتر : الذي يقطع رحمه : لسان العرب ، مادة (بتر).

3) النخورش : الجرو إذا كبر خرس ، لسان العرب ، مادة (خرش).

4) الأجادل : جمع أجدل ، وهو الصقر ، لسان الغرب ، مادة (خوت).

5) الأفاكل : جمع أفكل ، وهو الرعوة ، لسان العرب ، مادة (فكل).

6) الألنجج : عود البخور ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه 2 / 816.

7) الألندد : الألدّ ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (لدد).

وعلى يفعّل : وهو اسم نحو «يرنّأ» (1).

وعلى يفعّل بفتح الياء : وهو اسم ، قالوا : «يرنّأ».

وعلى يفنعل : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو «يلنجج» (2)، والصفة نحو «يلندد» (3).

وعلى مفاعل : ولا يكون في الكلام إلّا إذا كسّر عليه الواحد للجمع ، فالاسم «منابر» ، والصفة نحو «مداعس».

وعلى يفاعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «اليرامع» (4)و «اليحامد».

فأما «جمل يعمل» (5)و «جمال يعامل» فإنه من قبيل الوصف بالاسم ، بدليل انصرافه كما تقدّم ، وبدليل ولايته العوامل ، كما تقدم كثيرا ، قال الشاعر :

يا زيد زيد اليعملات الذّبّل

نطاول اللّيل عليك ، فانزل (6)

وعلى تفاعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «التّناضب» (7)و «التّتافل» ، وقد يجيء صفة بالقياس ؛ لأنهم قد قالوا «تحلبة» (8)، فإذا كسّرته على القياس قلت «تحالب».

فأمّا قولهم «ترامز» (9)فإنه «فعالل» ك- «علابط» (10)، ولا ينبغي أن يجعل «تفاعلا» من الرمز ؛ لأنّ ذلك بناء لم يثبت ، ولا له اشتقاق يشهد بذلك.

وأمّا «تماضر» فهو اسم علم ، فيمكن أن يكون منقولا من الفعل المضارع ، ويمكن أن تكون التاء فيه أصليّة ، فيكون وزنه «فعاللا» ، ويكون امتناعه من الصرف ، في قوله :


1) اليرنأ : الحثاء ، لسان العرب ، مادة (يرنأ).

2) اليلنجج : عود البخور ، لسان العرب ، مادة (لجج).

3) اليلندد : الألدّ ، لسان العرب ، مادة (لدد).

4) اليرامع : جمع يرمع وهو الخذروف ، لسان العرب ، مادة (رمع).

5) اليعمل : النجيب المطبوع على العمل ، لسان العرب ، مادة (عمل).

6) الرجز لعبد الله بن رواحة في أمالي ابن سمعون ، 2 / 257 ، وفرحة الأديب ص 29 ، ولجرير في أساس البلاغة للزمخشري ص 436 ، ولبغيض بن جرير في القرط الكامل.

7) التناضب : جمع تنضب ، وهو شجر ، لسان العرب ، مادة (نضب).

8) التحلبة : الشاة علب قبل أن تحمل ، لسان العرب ، مادة (حلب).

9) الترامز : القوي الشديد ، لسان العرب ، مادة (ترمز).

10) العلابط : الضخم ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (علبط).

حيّوا تماضر ، واربعوا ، صحبي

وقفوا ، فإنّ وقوفكم حسبي (1)

للتأنيث والتعريف.

وعلى تفعّل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «تنوّط» (2)، ويكثر في المصادر.

وعلى تفعّل : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «تبشّر» (3).

وعلى تفعّل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «تهبّط» (4).

فأما «تنوّط» في اسم الطائر فيمكن أن يكون منقولا من الفعل ، وكأنه في الأصل «تنوّط» فعل مبني للمفعول.

وإذا فصلت بينهما العين كان :

على فاعول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «ناموس» ، والصفة نحو «حاطوم» و «جاروف».

وعلى فيعول : ويكون فيهما أيضا ، فالاسم نحو «قيصوم» (5)و «خيشوم» ، والصفة نحو «عيثوم» (6)و «قيثوم».

وعلى فوعال : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «طومار» (7)و «سولاف» (8).

وعلى فاعال : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «ساباط» (9)، وهو قليل.

وعلى فوعال : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «توراب» (10).


1) البيت من البحر الكامل ، لدريد بن الصمة ، في الأمالي في لغة العرب 2 / 163 ، والأغاني للأصبهاني 15 / 72 ، والخصائص لابن جني 3 / 197 ، وديوان الحماسة 2 / 278 ، وفي ديوانه ص 34.

2) التنوط : اسم طائر.

3) التبشر : اسم طائر.

4) التهبط : اسم طائر.

5) القيصوم : نبات ، لسان العرب ، مادة (قصم).

6) العيثوم : الضخم الشديد ، لسان العرب ، مادة (عثم).

7) الطومار : الصحيفة ، لسان العرب ، مادة (طمر).

8) سولاف : اسم قرية.

9) ساباط : سقيفة بين حائطين ، لسان العرب ، مادة (سبط).

10) التوراب : التراب ، لسان العرب ، مادة (ترب).

وعلى فيعال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «شيطان» ، والصفة نحو «بيطار» و «غيداق» (1).

وعلى فيعال : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «ديماس» (2).

وعلى فنعال : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «قنعاس» (3).

وعلى فوعلل ، ولم يجىء إلّا صفة نحو «كوألل» (4)، وهو قليل.

وعلى فعّال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «كلّاء» (5)و «قذّاف» (6)، والصفة نحو «شرّاب» و «لبّاس».

وعلى فعّال : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «خطّاف» و «كلّاب» ، والصفة نحو «حسّان» و «عوّار».

وعلى فعّال : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «حنّاء» و «قثّاء» ، فأما قولهم «رجل دنّابة» (7)فهو من الوصف بالاسم ، إذ لم يطابق موصوفه.

وعلى فعّول : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «سبّوح» ، و «قدّوس».

وعلى فعّول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «سفّود» و «كلّوب» (8)، والصفة نحو «سبّوح» وقدّوس».

وعلى فعّول : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «عجّول» (9)و «سنّور» (10)، والصفة نحو «خنّوص» (11)و «سرّوط» (12).


1) الغيداق : الكريم الجواد ، لسان العرب ، مادة (غدق).

2) ديماس : بلدة قريبة من دمشق ، والديماس الحمام والسرب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (دمس).

3) القنعاس : الناقة الطويلة العظيمة ، لسان العرب ، مادة (قنعس).

4) الكوألل : القصير مع غلظ ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (كأل).

5) الكلاء : مرفأ السفن ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (كلأ).

6) القذّاف : المنجنيق ، لسان العرب ، مادة (قذف).

7) الدنابة : القصير الغليظ ، لسان العرب ، مادة (دنب).

8) الكلوب : المهماز ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (كلب).

9) العجول : قعر يعجن بسويق ، فيتعجل أكله ، لسان العرب ، مادة (عجل).

10) السنور : الهر ، لسان العرب ، مادة (سنر).

11) الخنوص : ولد الخنزير ، لسان العرب ، مادة (خنص).

12) السروط : الذي يبتلع كل شيء ، لسان العرب ، مادة (سرط).

وعلى فعّيل : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «سكّين» و «بطّيخ» ، والصفة نحو «شرّيب» و «فسّيق».

وعلى فعّيل : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «مرّيق» (1)و «كوكب درّيء» (2).

وعلى فعّيل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «علّيق» (3)و «قبيط» (4)، والصفة نحو «زمّيل» (5)و «سكّيت».

فأما قولهم «حندورة» للحدقة فهو من باب «قرطعب» ، والواو أصل في بنات الأربعة ، من غير المضاعف ، وإن كان ذلك قليلا ، وهذا أولى من جعلها زائدة ، من معنى قولهم «حددة» ، فيكون وزن الكلمة «فنعولة» ، فإنّ ذلك بناء ، لم يستقرّ في كلامهم ، وكذلك «جنديرة» : «فعليل» ك- «قنديل» ، وليست ب- «فنعيلة» من لفظ «حدرة» ، لما في ذلك من إثبات بناء ، لم يوجد.

وأما قولهم «عنظوب» (6)فيمكن أن يكون «فنعولا» ، غير بناء أصليّ ، بل الواو إشباع ، لأنّ سيبويه حكى «عنظبا» ، فيمكن أن يكون «عنظوب» إشباعا منه.

وأما قولهم «رجل ويمّة» و «يلمّة» فخارج على الحكاية ، أي : يقال له من دهائه : ويلمّه ، ثم ألحقوا الهاء للمبالغة ك- : «داهية».

وإذا فصلت بينهما اللام كان :

على فعنلى : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قرنبى» (7)و «علندى» (8)، والصفة نحو «حبنطى» (9)و «سبندى» (10).


1) المريق : المصبوغ بالعصفر ، لسان العرب ، مادة (مرق).

2) الدريء : المتوقد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (درأ).

3) العليق : نبات ، لسان العرب ، مادة (علق).

4) القبيط : الناطف وهو نوع من الحلواء ، تاج العروس ، مادة (نطف).

5) الزميل : الرذل الضعيف الجبان ، لسان العرب ، مادة (زمل).

6) العنظوب : ذكر الجراد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عنظب).

7) القرنبى : دويبة شبه الخنفساء ، لسان العرب ، مادة (قرنب).

8) العلندى : شجر ، لسان العرب ، مادة (علند).

9) الحبنطى : القصير الغليظ ، لسان العرب ، مادة (حبطأ).

10) السبندى : الطويل ، لسان العرب ، مادة (سبد).

وعلى فعنلى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «بلنصى» (1).

وعلى فعنلى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «جلندى» (2).

وعلى فعيلى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «قصيرى» (3).

وعلى فعيلأ : نحو «حفيسأ» (4).

وعلى فعالى : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حبارى» (5)و «سمانى» (6)، ولا يكون صفة إلّا أن يكسّر عليه الاسم للجمع ، نحو «عجالى» و «سكارى».

فأما قولهم «جمل علادى» (7)فيمكن أن يكون جمع «علندى» على غير قياس ، ووصف به المفرد - وإن كان جمعا - تعظيما ، كما قالوا للضبع «حضاجر» (8).

وعلى فعولى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «عشورى».

وعلى فعالى : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «صحارى» و «ذفارى» (9)، والصفة نحو «حبالى» و «كسالى» ، وقد يجوز أن تجيء على أصلها ، فتقول : «ذفار» و «صحار» ، في الاسم دون الصفة.

وعلى فعالن : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «فراسن» (10)، والصفة نحو «رعاشن» (11)و «علاجن» (12).

فأما «عدولى» اسم واد بالبحرين فليس ب- «فعولى» ، وكذلك «القهوباة» (13)، حكاهما


1) البلنصى : طائر.

2) الجلندى : اسم ملك عمان على زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم.

3) القصيرى : ضرب من الأفاعي ، لسان العرب ، مادة (قصر).

4) الحفيسأ : الضخم ، لسان العرب ، مادة (حفس).

5) الحبارى : طائر.

6) السمانى : طائر.

7) العلادى : الشديد من الإبل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (علد).

8) الجضاجر : وهو العظيم البطن ، لسان العرب ، مادة (حضجر).

9) الذفارى : جمع ذفرى ، عظم ناتئ خلف الأذن ، لسان العرب ، مادة (ذفر).

10) الفراسن : طرف خف البصير ، لسان العرب ، مادة (فرسن).

11) الرعاشن : جمع رعشن ، وهو الجبان ، لسان العرب ، مادة (رعشى).

12) العلاجن : جمع علجن ، الناقة الكناز اللحم ، العين للفراهيدي 1 / 339.

13) القهوباة : نصل له شعب ثلاث ، لسان العرب ، مادة (قهب).

أبو عبيدة ، إنما هما «فعولل» ك- «فدوكس» (1)، وحرف العلّة أصل في بنات الأربعة ، نحو «ورنتل» (2)؛ لأنك إن لم تفعل ذلك ، وجعلت الألف زائدة ، أدّى إلى بناء غير موجود ، ويكون منع صرفه ، للتأنيث ، والتعريف.

فأما «حبوى» في اسم المكان فيمكن أن يكون جملة ، من فعل وفاعل في الأصل ، فسمّي بها.

وأما «تنوفى» (3)من قول الشاعر :

كأنّ دثارا حلّقت ، بلبونه

عقاب تنوفى ، لا عقاب القواعل (4)

فالمحفوظ «تنوف» بغير ألف ، فيمكن أن تكون الألف إشباعا. وهذا أولى من جعلها من نفس الكلمة ، لأنه لم يثبت من كلامهم «فعولى».

وكذلك قولهم : «رجل حبنطأ» (5)، ليس فيه دليل على إثبات «فعنلأ» لاحتمال أن تكون الهمزة بدلا من ألف «حبنطى» ، كما قالوا في «أفعى» وبابه «أفعأ» في الوقف ، ثم أجري الوصل مجرى الوقف.

وعلى فعلّى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «عرضّى» (6).

وعلى فعلّى : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «دفقّى» (7).

وعلى فعلّى : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «زمكّى» (8)و «عبدّى» (9)، والوصف نحو «كمرّى» (10).


1) الفدوكس : الأسد ، لسان العرب ، مادة (فدكس).

2) الورنتل : الداهية ، القاموس للفيروز آبادي ، مادة (ورنتل).

3) تنوفى : اسم موضع.

4) البيت من البحر الطويل ، وهو لامرئ القيس ، في أنساب الأشارف للبذري ، 3 / 500 ، وجمهرة اللغة لابن دريد ، مادة (علم) ، والخصائص لابن جني 3 / 191 ، والمخصص لابن سيده 2 / 336.

5) الحبنطأ : القصير الغليظ ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حبطأ).

6) العرضى : من الأعراض ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عرض).

7) الدفقى : مشية فيها تدفق وإسراع ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (دفق).

8) الزمكى : منبت ذنب الطائر ، لسان العرب ، مادة (زمك).

9) العبدى : العبيد وهو اسم جمع ، لسان العرب ، مادة (عبد).

10) الكمرى : القصير ، لسان العرب ، مادة (كمر).

وعلى فعلّى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو ، «حذرّى» (1)و «بذرّى» (2).

وعلى فعالية ، والتاء لازمة له : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «الهبارية» (3)و «الصّراحية» (4)، والصفة نحو «العفارية» (5)و «القراسية» (6).

وعلى فعالية ، والتاء لازمة له أيضا : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «كراهية» و «رفاهية» ، والصفة نحو «عباقية» (7)و «حزابية» (8).

فأما قولهم : «حزاب» فيمكن أن يكون جمع «حزابية» ، ويكون من الجمع الذي بينه وبين واحده حذف الهاء ، نحو «شجرة وشجر» ، ووصف به المفرد تعظيما له ، كما قالوا : «ضبع حضاجر» ، وإنما تلزم الهاء المفرد.

وعلى فعنلوة : ولم يجىء إلّا اسما ، والهاء لازمة له ، نحو «قلنسوة».

وعلى فعنلية ، والهاء لازمة له أيضا : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «قلنسية».

وإذا فصلت بينهما الفاء والعين يكون :

على إفعال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «إعطاء» و «إعصار» ، والصفة «إسكاف» ولم يجىء غيره.

وعلى أفعال : ولا يكون فيهما ، إلّا إذا كسّر عليه الواحد للجمع ، فالاسم نحو «أجمال» ، والصفة نحو «أبطال».

وعلى أفعول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «أسلوب» و «أخدود» ، والصفة نحو «أملود» (9)و «أسكوب» (10).


1) الحذرى : الباطل ، لسان العرب ، مادة (حذر).

2) البذرى : الباطل ، لسان العرب ، مادة (بذر).

3) الهبارية : ما طار من الريش ، لسان العرب ، مادة (هبر).

4) الصراحية : الخمر الخالصة ، لسان العرب ، مادة (صرح).

5) العفارية : الشديد ، لسان العرب ، مادة (عفر).

6) القراسية : الضخم الشديد ، لسان العرب ، مادة (قرس).

7) العباقية : المكان الداهية ، لسان العرب ، مادة (عبق).

8) الحزابية : الغليظ أو الجلد ، لسان العرب ، مادة (حزب).

9) الأملود : الأملد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ملد).

10) الأسكوب : المسكوب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سكب).

وعلى إفعيل : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «إخريط» (1)و «إكليل» ، والصفة نحو «إصليت» (2)و «إخليج» (3).

وعلى إفعول : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «إدرون» (4)، والصفة نحو «الإسحوف» (5)و «الإزمول» (6).

وعلى مفعال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «منقار» و «مصباح» ، والصفة نحو «مفساد» و «مصلاح».

وعلى مفعيل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «منديل» و «مشريق» (7)، والصفة نحو «مسكين» و «محضير» (8).

وأما «منديل» و «مسكين» بفتح الميم ف- «مفعيل» ، إلّا أنه إنما رواهما اللّحيانيّ في نوادره ، قال أبو الفتح : وكان إذا ذكرته لأبي علي قال : كناسة ، وكان أبو بكر بن دريد يزعم أنّ كتاب اللّحيانيّ لا تصله به رواية.

وعلى مفعول : نحو «مضروب» ، ولم يجىء إلّا صفة.

وعلى مفعول : وهو غريب شاذّ ، نحو «مغرود» (9)و «معلوق» (10).

وعلى تفعيل : ولم يجىء إلّا اسما نحو «تثبيت» و «تمتين».

وعلى تفعول : ولم يجىء إلّا اسما نحو «تذنوب» (11)و «تعضوض» (12).


1) الإخريط : السريع من الجياد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (خرط).

2) الإصليت : الشجاع الماضي في الحوائج ، لسان العرب ، مادة (صلت).

3) الإخليج : السريع من الجياد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (خلج).

4) الإدرون : المعلف ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه الدال ، 1 / 282.

5) الإسحوف : يقال ناقة إسحوف الأحاليد وهي كثيرة اللبن يسمع لصوت شخبها سحفة ، لسان العرب ، مادة (سحف).

6) الإزمول : المصوت من الوعل وغيرها ، لسان العرب ، مادة (زمل).

7) المشريق : موضع القعود في الشمس شتاء ، لسان العرب ، مادة (شرق).

8) المحضير : الشديد الركض ، لسان العرب ، مادة (حضر).

9) المغرود : ضرب من الكمأة ، لسان العرب ، مادة (غرد).

10) المعلوق : المعلاق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (علق).

11) التذنوب : البسر بدأ فيه الإرطاب من قبل ذنبه ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ذنب).

12) التعضوض : تمر أسود شديد الحلاوة ، لسان العرب ، مادة (عضض).

وعلى تفعول : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «تؤثور» (1).

وعلى تفعال : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «تمثال» و «تجفاف». وقد حكي صفة بالهاء ، حكى الكسائيّ «رجل تلقامة» و «تلعابة» و «تقوالة» ، وحكى أبو زيد : «رجل تبذارة» (2)و «ترعاية» (3)، وذلك قليل ، وقد يمكن أن يكون من قبيل ما وصف به ، وهو اسم في الأصل ، نحو قولهم «نسوة أربع». وهما يبيّن ذلك جريانه على المذكّر ، وفيه تاء التأنيث ، إذ حقّ الصّفة أن تكون مطابقة للموصوف. وكذلك أيضا حكى الكسائيّ «ناقة تضراب» (4)وينبغي أن يحمل على أنه اسم وصف به ، لعدم مطابقته للموصوف ، إذ لفظه لفظ المذكر ، وهو صفة لمؤنث ، وقد تقدّم الدليل على أنّ الصفة إذا لم تطابق موصوفها كان محكوما لها بحكم الأسماء.

وعلى تفعال ولم يجىء إلّا مصدرا ، نحو «التّسال» و «التّرداد».

وأما «نفراج» (5)ف- : «فعلال» ك- «سرداح» (6)، وليس ب- «نفعال» ، وسيبيّن بعد.

وعلى يفعول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «يربوع» و «يعقوب» ، والصفة نحو «يحموم» (7)و «يخضور» (8).

وعلى يفعيل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «يقطين» (9)و «يعضيد» (10).

فأما قولهم «يسروع» (11)فضمّ الياء إتباع لضمّة الراء.

وعلى تفعلّة ، وتلزمه الهاء : وهو قليل في الكلام. قالوا «ترعيّة» (12)وقد كسر بعضهم التاء ، فقال «ترعيّة» إتباعا.


1) التؤثور : حديدة يسعى بها باطن خف البعير ، تاج العروس للزبيدي مادة (أثر).

2) التبذارة : الذي يبذر ماله ويفسده ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (بذر).

3) الترعاية : الذي يجيد رعاية الإبل ، معجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (رعى).

4) التضراب : التي ضربها الفحل ، لسان العرب ، مادة (ضرب).

5) النفراج : الجبان ، تاج العروس ، مادة (نفرج).

6) السرداح : الناقة الطويلة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سردح).

7) اليحموم : الأسود ، لسان العرب ، مادة (حمم).

8) اليخضور : الأخضر ، لسان العرب ، مادة (خضر).

9) اليقطين : القرع المستدير ، لسان العرب ، مادة (قطن).

10) اليعضيد : بقلة تشبه الهندباء ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عضد).

11) اليسروع : دود حمر الرؤوس بيض الأجساد ، لسان العرب ، مادة (سرع).

12) الترعية : الذي يجيد رعاية الإبل ، معجم الوسيط لزيات ورفاقه ، مادة (رعس).

وعلى أفعلّ : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «أترجّ» (1).

وعلى إفعلّ : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «إزفلّة» (2)، والصفة نحو «إرزبّ» (3).

وعلى مفعلّ : وهو قليل ، قالوا : «مرعزّ» (4).

وعلى مفعلّ : ولم يجىء منه إلّا «مكورّ» (5).

وأما قولهم : «حجر يهيرّ» فيمكن أن يكون أصله «يهير» (6)خفيفا ، وعلى وزن يفعل ك- «يرمع» ، ثم شدّد ، على حدّ قولهم في «جعفر» جعفر ، وهذا أولى من إثبات بناء لم يوجد في كلامهم وهو «يفعلّ».

وكذلك قولهم «هو إكبرّة قومه» (7)، ليس فيه دليل على إثبات «إفعلّة» ؛ لأنّ الناس قد حكوا «هو إكبرة قومه» بالتخفيف ، فيمكن أن يكون مشدّدا منه ، نحو قوله :

ببازل ، وجناء ، أو عيهلّ (8)

يريد : أو عيهل ، خفيفا ، فشدّد وأجرى الوصل مجرى الوقف ، وقد يجرى الوصل مجرى الوقف في الكلام ... وبابه الشعر ، ومنه قوله تعالى : (كِتابِيَهْ (19) إِنِّي) [الحاقة : 19 - 20] بإثبات هاء السكت في الوصل ، لا سيما والأشهر «إكبرة».

وإذا فصلت بينهما العين واللام كان :

على فيعلى : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «خيزلى» (9).


1) الأترج : ثمر يشبه الليمون ، لسان العرب ، مادة (ترج).

2) الإزفلة : الخفة ، لسان العرب ، مادة (زفل).

3) الإرزب : القصير ، لسان العرب ، مادة (رزب).

4) المرعز : الزغب الذي تحت شعر العنز ، لسان العرب ، مادة (رعز).

5) المكور : العظيم روثة الأنف ، لسان العرب ، مادة (كور).

6) اليهير : الصلب ، لسان العرب ، مادة (يرر).

7) إكبرة قومه : أكبرهم وأقعدهم في النسب ، لسان العرب ، مادة (كبر).

8) الرجز ، لمنظور بن مرقد ، في خزانة الأدب للبغدادي 6 / 135 ، وبلا نسبة في كتاب سيبويه 4 / 170 ، وسر صناعة الأعراب لابن جني 1 / 161 ، والخصائص لابن جني 20 / 359 ، ومقاييس اللغة لابن فارس مادة (عهل). والبازل : المسنة الغليظة ، والوجناء : الغليظة ، والعهل : السريعة.

9) الخيزلى : مشية فيها تثاقل ، لسان العرب ، مادة (خزل).

وعلى فوعلى : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «خوزلى» (1).

وعلى فنعلو : ولم يجىء أيضا إلّا صفة ، نحو «حنطأو» (2)و «سندأو» (3)، وكذلك ما حكي من قولهم : «عنزهوة» (4)، فهو «فنعلوة» ، فهو ك- «حنطأو».

وعلى فعّلى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو «سمّهى» (5).

وإذا فصلت بينهما الفاء والعين واللام كان :

على أفعلى : نحو «أجفلى» (6)، ولا يحفظ غيره.

وعلى إفعلى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «إيجلى» (7).

وإذا اجتمعت فيه الزيادتان فلا يخلو أن تجتمعا فيه قبل الفاء ، أو بعد الفاء ، أو بعد العين ، أو بعد اللام :

فإن اجتمعتا فيه قبل الفاء كان :

على إنفعل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «إنقحل» (8).

وإن اجتمعتا فيه بعد الفاء كان :

على فواعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حوائط» و «جوائز» ، والصفة نحو «حواسر» و «ضوارب».

وعلى فواعل ويكون فيهما ، فالاسم نحو «صواعق» (9)و «عوارض» (10)، والصفة نحو «دواسر» (11).


1) الخوزلى : مشية فيها تثاقل ، معجم الوسيط لزيات ورفاقه ، مادة (خزل).

2) الحنطأو : العظيم البطن ، لسان العرب ، مادة (حنطا).

3) السندأو : الخفيف ، لسان العرب ، مادة (سندأ).

4) العنزهوة : العازف عن اللهو والنساء ، تهذيب اللغة للأزهري ، مادة (عزه).

5) السمّهى : الجري إلى غير أمر معروف ، لسان العرب ، مادة (سمه).

6) الأجفلى : الدعوة العامة إلى الطعام ، لسان العرب ، مادة (جفل).

7) إيجلى : اسم موضع.

8) الإنقحل : المخلق من الكبر والهرم ، لسان العرب ، مادة (قحل).

9) صواعق : اسم موضع.

10) عوارض : اسم موضع.

11) الدواسر : الشديد الضخم ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (دسر).

وعلى فياعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «غيالم» (1)و «غياطل» (2). والصفة نحو «عيالم» (3)و «صياقل».

وعلى فناعل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «جنادب» و «خنافس» ، والصفة نحو «عنابس» (4)و «عناسل» (5).

وأما «كنادر» (6)ف- «فعالل» ك- «عذافر» ، فيكون موافقا ل- «كدرّ» في المعنى ، مخالفا له في الأصول ، ك- «سبط» و «سبطر». وهذا أولى من إثبات «فناعل» ؛ لأنه لم يستقرّ في كلامهم.

وعلى فعوعل ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «عثوثل» (7)و «غدودن» (8).

وعلى فعيعل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «خفيفد» (9).

وعلى فعنعل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «عقنقل» (10)و «عصنصر» (11).

وعلى فعاعل نحو «سلالم» و «فرارج» (12)، ولا يستنكر أن يكون هذا في الصفة ؛ لأنّ فيها مثل «زرّق» (13)و «حوّل» (14).

وعلى فعلعل : ولم يجىء إلّا اسما نحو «ذرحرح» (15)و «جلعلع» (16).


1) الغيالم : جمع غيلم ، وهو الضفدع ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (غلم).

2) الغياطل : جمع غيطل ، وهو السنور ، لسان العرب ، مادة (غطل).

3) العيالم : جمع عيلم ، وهو التارّ الناعم ، لسان العرب ، مادة (علم).

4) العنابس : جمع عنبس ، صفة الأسد ، عن العبوس ، لسان العرب ، مادة (عبس).

5) العناسل : جمع عنسل ، وهي الناقة الصلبة السريعة ، لسان العرب ، مادة (عنسل).

6) الكنادر : الغليظ القصير مع شدة ، لسان العرب ، مادة (كندر).

7) العثوثل : القدم المسترخي ، لسان العرب ، مادة (عثل).

8) الغدودن : الناعم ، لسان العرب ، مادة (غدن).

9) الخفيفد : الخفيف من الظلمان ، لسان العرب ، مادة (خفر).

10) العقنقل : السيف ، لسان العرب ، مادة (عقل).

11) عصنصر : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (عصر).

12) الفرارج : جمع فروج ، لسان العرب ، مادة (فرج).

13) الزرق : الحديد النظر ، لسان العرب ، مادة (زرق).

14) الحول : شديد الاحتيال للأمور ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (حول).

15) الذرحرح : السم ، لسان العرب ، مادة (ذرح).

16) الجلعلع : الضب ، لسان العرب ، مادة (جلع).

وعلى فعلعل : ويكون فيهما. فالاسم نحو «حبربر» (1)و «حورور» (2)، والصفة نحو «صمحمح» (3)و «دمكمك» (4).

وعلى فعلعل : نحو «كذبذب» (5)، ولا يعرف غيره.

وعلى فعلعل : قالوا عند الزّلزلة : «إزلزل» ، وهو «فعلعل» من لفظ «الأزل» (6)، ولا يجعل «إفعلل» من لفظ «الزّلزلة» ؛ لأنّ الزيادة لا تلحق بنات الأربعة من أوّلها ، إلّا الأسماء الجارية على أفعالها.

فأما «عياهم» (7)فحكاية صاحب العين ، فلا يلتفت إليه.

وإذا اجتمعتا فيه بعد العين كان :

على فعوال : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «عصواد» (8).

وعلى فعوال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «عصواد» ، و «قرواش» (9)، والصفة «جلواخ» (10)و «درواس» (11).

فأما «سرواع» اسم المكان ، قال الشاعر :

عفا سرف من أهله ، فسراوع

فوادي قديد ، فالتّلال الدّوافع (12)

فظاهره أنه «فعاول» ، وذلك شيء ، لا يحفظ في أبنية كلامهم فينبغي أن يكون عندي


1) الحبربر : فرخ الحبارى ، لسان العرب ، مادة (حبر).

2) الحورور : الحور الرجوع عن الشيء وإلى الشيء ، حار إلى الشيء ، لسان العرب ، مادة (حور).

3) الصمحمح : الشديد المجتمع الألواح ، لسان العرب ، مادة (صمح).

4) الدمكمك : الشديد القويّ ، لسان العرب ، مادة (دمك).

5) الكذبذب : كثير الكذب ، لسان العرب ، مادة (كذب).

6) الأزل : الشدة ، لسان العرب ، مادة (أزل).

7) العياهم : الجمل السريع ، لسان العرب ، مادة (عهم).

8) العصواد : الجلبة والاختلاط ، لسان العرب ، مادة (عصد).

9) القرواش : اسم علم ، لسان العرب ، مادة (قرش).

10) الجلواخ : الوادي الواسع الضخم الممتلئ العميق ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (جلخ).

11) الدرواس : الجمل الذلول غليظ العنق ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (درس).

12) البيت من البحر الطويل ، لابن ذريح ، في تاج العروس للزبيدي ، مادة (سرع) ، ومجالس ثعلب ص 51 ، ومعجم البلدان 3 / 204.

«فعاللا» ، وتكون الواو أصلا في بنات الأربعة ، فيكون نظير «ورنتل» (1)، ولا تجعل الواو زائدة ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى إثبات بناء ، لا نظير له.

وعلى فعالّة : نحو «الزّعارّة» (2)و «الحمارّة» (3)ولم يجىء صفة.

وعلى فعيال : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «جريال» (4)و «كرياس» (5).

وعلى فعيول : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو «كديون» (6)و «ذهيوط» (7)، والصفة نحو «عذيوط» (8).

وعلى فعنال ، ولم يجىء منه إلّا صفة ، نحو «فرناس» (9).

وعلى فعانل : ولم يجىء إلّا «فرانس» (10).

وأما «فرنوس» (11)ف- «فعلول» ، وهو اسم ، ولا يكون مشتقّا من «الفرس» ؛ لأنّ «فعنولا» ليس من أبنية كلامهم.

وعلى فعاول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «جداول» ، والصفة نحو «قساور» (12)و «حشاور» (13).

وعلى فعايل ، غير مهموز : ولا يجىء إلّا اسما ، نحو «عثاير» (14)و «حثايل» (15)، إلّا


1) الورنتل : الداهية ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (رونتل).

2) الزعارة : شراسة الخلق ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (زعر).

3) الحمارة : شدة الحمر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حمر).

4) الجريال : صبغ أحمر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (جرل).

5) الكرياس : الكنيف المشرف المعلق بقناة من الأرض ، الصحاح للجوهري ، مادة (كرس).

6) الكديون : دقاق التراب عليه درديّ الزيت ، تجلى به الدروع ، الصحاح للجوهري مادة (كدن).

7) ذهيوط : اسم موضع ، العين للفراهيدي ، مادة (ذهط).

8) العديوط : الذي يحدث عند الجماع ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (عذط).

9) الفرناس : الشديد الشجاع ، العباب الزاخر للصاغاني ، مادة (فرس).

10) وكذلك الفرانس : الأسد.

11) الفرنوس : من أسماء الأسد.

12) القساورة : جمع قسورة ، وهو الشجاع وقسورة : الأسد ، لسان العرب ، مادة (قسر).

13) الحشاورة : جمع حثورة ، وهي المرأة البطينة ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (حشر).

14) العثاير : جمع عثير ، وهو التراب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عثر).

15) الحثايل : جمع حثيل ، وهو شجر جبلي ، لسان العرب ، مادة (حثل).

أنه قد يجيء صفة بالقياس ؛ لأنّ «طريما» (1)صفة ، وقياس جمعه «طرايم».

وعلى فعائل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «غرائز» (2)و «رسائل» ، والصفة نحو «طرائف» و «صحائح».

فأما «ذرنوح» (3)ف- : «فعلول» ، وليست النون زائدة ، فيكون في معنى «ذرّوح» ومخالفا له في الأصول ، ك- «سبط» و «سبطر». وهذا أولى من إثبات بناء لم يوجد ، وهو «فعنول».

وعلى فعائل : وهو قليل ، فالاسم نحو «جرائض» (4)، والصفة نحو «حطائط» (5).

وعلى فعليل : ولم يحك منه إلّا «الحبليل» (6)، ولا أتحقّق ثباته من كلامهم.

وعلى فعامل : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «دلامص» (7).

فأما «قشيب» ف- : «فعيل» مثل «طريم» و «حذيم» (8)، ثم شدّد على حدّ «جعفر» (9)، وهذا أولى من إثبات «فعيلّ» ، وهو بناء غير موجود. وكذلك «قسينّ» و «عظيمّ» ، وقد يشدّد الآخر في الوصل ، وبابه الشّعر نحو قوله :

محض النّجار طيّب العنصرّ (10)

وعلى فعنلل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «ضفندد» (11)و «عفنجج» (12).


1) الطريم : الطويل من الناس ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (طرم).

2) غرائز : جمع غرازة ، وهي الحوالق.

3) الذرنوح : دويبة ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، فصل الذال ، 1 / 278.

4) الجرائض : الأسد ، ومن الإبل الشديد العظيم ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، 1 / 114.

5) الحطائط : والحطاطة : الجارية الصغيرة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حطط).

6) الحبليل : دويبة القاموس المحيط للفيروزي آبادي ، 1 / 1269.

7) الدلامص : البرّاق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (دلص).

8) حذيم : موضع بنجد.

9) القسين : الشيخ القديم ، لسان العرب ، مادة (قس).

10) الرجز ، بلا نسبة ، في الفائق للزمخشري ، مادة (مذقر) والخصائص لابن جني 3 / 211 ، وخزانة الأدب للبغدادي 2 / 83.

11) الضفندد : الأحمق مع ثقل وكثرة لحم ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ضفد).

12) العفنجج : الجافي الخلق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عفج).

وعلى فعالل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قرادد» (1)، والصفة نحو «رعابب» (2)و «قعادد» (3).

وعلى فعيلل : وهو قليل ، ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حفيلل» (4)، والصفة نحو «خفيدد» (5).

وعلى فعولل وفعولل ، نحو «حبونن» (6)و «حبونن» ، وهما اسمان قليلان.

وعلى فعول : فالصفة نحو «عثولّ» (7)و «علودّ» (8)، وقد جاء اسما نحو «عسودّ» (9)، وهو قليل.

وعلى فعلال : ولم يجىء إلّا اسما ، وقليل ، نحو «قرطاط» (10)و «فسطاط».

وعلى فعلال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «جلباب» و «قرطاط» (11)، والصفة نحو «شملال» (12)و «طملال» (13).

وعلى فعليل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حلتيت» (14)و «خنذيذ» (15)، والصفة نحو «صهميم» (16)و «صنديد».


1) القرادد : جمع قردد ، وهو الوجه ، لسان العرب ، مادة (قرد).

2) الرعابب : جمع رعبب ، وهو الفروق من كل شيء ، في اللسان والمعاجم : الترعابة : الفروقة من كل شيء.

3) العقادد : جمع قعدد ، وهو الخامل القاعد عن المكارم ، لسان العرب ، مادة (قعد).

4) الحفيلل : شجر ، لسان العرب ، مادة (حفل).

5) الخفيدد : السريع ، لسان العرب ، مادة (خفد).

6) حنونن : اسم علم.

7) العثول : القدم المسترخي ، لسان العرب ، مادة (عثل).

8) العلود : غليظ الرقبة ، المخصص لابن سيده ، 1 / 190.

9) العسود : الحية ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عسد).

10) القرطاط : البرذعة ، لسان العرب ، مادة (قراطط).

11) القرطاط : البرذعة ، لسان العرب ، مادة (قراطط).

12) الشملال : السريع الخفيف من الإبل ، لسان العرب ، مادة (شمل).

13) الطملال : الذئب الأطلسي الخفي ، المخصص لابن سيده 5 / 11.

14) الحلتيت : نبات ، لسان العرب ، مادة (حلت).

15) الخنذيذ : رأس الجبل المشرف ، لسان العرب ، مادة (خنذ).

16) الصهميم : السيد الشريف من الناس ، لسان العرب ، مادة (صهم).

وعلى فعلول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «طخرور» (1)و «هذلول» (2)، والصفة نحو «بهلول» (3)و «حلكوك» (4).

وعلى فعلول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «بلصوص» (5)و «بعكوك» (6)، والصفة نحو «حلكوك».

وعلى فعليل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حمصيص» (7)، والصفة نحو «صمكيك» (8).

وعلى فعيّل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «هبيّغ» (9)و «هبيّخ» (10).

وعلى فعوّل : ولم يجىء أيضا إلّا صفة ، نحو «عطوّد» (11)، و «كروّس» (12).

فأما «زونّك» (13)ف- «فعلّل» ك- «عدبّس» (14)، والواو أصل في بنات الأربعة ، مثلها في «ورنتل» ، وهذا أولى من إثبات بناء لم يستقرّ في كلامهم ، وهو «فعنّل».

وإذا اجتمعتا فيه بعد اللام كان :

على فعلاء : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «طرفاء» (15)و «حلفاء» (16)، والصفة نحو «خضراء» و «سوداء».


1) الطخرور : اللطخ من السحاب القليل ، لسان العرب ، مادة (طخر).

2) هذلول : اسم علم ، لسان العرب ، مادة (هذل).

3) البهلول : السيد الجامع لكل خير ، لسان العرب ، مادة (بهل).

4) الحلكوك : الشديد السواد ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حلك).

5) البلصوص : طائر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (بلص).

6) البعكوك : شدة الحر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (بعك).

7) الحمصيص : بقلة رملية ، لسان العرب ، مادة (حمص).

8) الصمكيك : الغليظ الجافي ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (صمكك).

9) الهبيغ : المرأة الفاجرة لا ترد يد لامس ، المعجم الوسيط للزيات ، 2 / 970.

10) الهبيخ : الأحمق المسترخي ، لسان العرب ، مادة (هبخ).

11) العطود : الشديد الشاق من كل شيء ، لسان العرب ، مادة (عطد).

12) الكروس : الضخم من كل شيء ، لسان العرب ، مادة (كرس).

13) الزونك : اللحيم القصير ، الحيّاك في مشيه ، لسان العرب ، مادة (زنك).

14) العدبس : الشديد الموثق الخلق ، لسان العرب مادة (عدبس).

15) الطرفاء : شجر ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، فصل الطاء 1 / 1074.

16) الحلفاء : نبت يكثر في المغرب والأندلس ، لسان العرب ، مادة (حلف).

وعلى فعلاء : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «قوباء» (1).

وعلى فعلاء : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «علباء» (2)و «خرشاء» (3).

وعلى فعلاء : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قوباء» و «رحضاء» (4). والصفة نحو «عشراء» و «نفساء» ، وهو كثير ، إذا كسّر عليه الواحد للجمع.

وعلى فعلاء : ولم يجىء إلّا اسما نحو «قرماء» (5)و «جنفاء» (6).

وعلى فعلاء : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «سيراء» (7)و «خيلاء».

وعلى فعلان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «سعدان» (8)و «ضمران» (9)، والصفة نحو «ريّان» و «عطشان» و «شبعان».

وعلى فعلان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «دكّان» و «عثمان» ، وهو كثير ، إذا كسّر عليه الواحد للجمع ، نحو «جربان» (10)، والصفة نحو «عريان» و «خصمان».

وعلى فعلان : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «ضبعان» (11)و «سرحان» ، وهو كثير ، إذا كسّر عليه الواحد للجمع ، نحو «غلمان».

فأما قولهم : «رجل عليان» (12)فمن الوصف بالأسماء ؛ لأنها ليست بصفة مطابقة للموصوف ؛ لأنهم قد قالوا : «ناقة عليان» ، فوصفوا به الناقة ، ولم يدخلوا التاء ، ومذهبنا أنّ الصّفة إذا كانت كذلك حكم لها بحكم الأسماء.


1) القوباء : داء معروف بالخزاز.

2) العلباء : عصب عنق البعير ، لسان العرب لابن منظور. مادة (علب).

3) الخرشاء : سلخ جلد الحية ، لسان العرب ، مادة (خرش).

4) الرحضاء : عرق الجمى ، لسان العرب ، مادة (رحض).

5) قرماء : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (قرم).

6) جنفاء : موضع في ديار بني فرّارة ، لسان العرب ، مادة (جنف).

7) السيراء : نبت ، لسان العرب ، مادة (سير).

8) السعدان : نبت له ثمر مستدير مشوك الوجه ، لسان العرب ، مادة (سعد).

9) الضمران : نبت ، لسان العرب ، مادة (ضمر).

10) الجربان : جمع جريب ، وهو مقدار معلوم من الأرض والطعام ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (جرب).

11) الضبعان : ذكر الضبع ، الاشتقاق لابن دريد ، مادة (ضبع).

12) العليان : الطويل من الجسم الضخم ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (علا).

وعلى فعلان ويكون فيهما ، فالاسم نحو «كروان» و «ورشان» (1)، والصفة نحو «فطوان» (2)و «زفيان» (3).

وعلى فعلان : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «ظربان» (4)و «قطران».

وعلى فعلان : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «سبعان» (5).

وعلى فعلان : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «سلطان».

وعلى فعلنى : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «عفرنى» (6).

وعلى فعلنى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل نحو ، «عرضنى» (7).

فأما «الهرنوى» اسم نبت فإنه «فعللى» ك- : «القهقرى» ، والواو أصل في بنات الأربعة ، مثلها في «ورنتل» شذوذا ، وهو أولى من جعلها زائدة ، فتكون الكلمة «فعلوى» ؛ لأنّ ذلك بناء لم يثبت في كلامهم ، وأصالة الواو في بنات الأربعة قد وجدت في المضعّف باطّراد ، وفي غير المضعّف قليلا ، فجعل الواو أصلا أولى ، لذلك.

وأما «زيتون» ف- «فيعول» ك- «قيصوم» (8)، وليست النون زائدة ، بدليل قولهم «الزّيت» ؛ لأنهم قد قالوا «أرض زتنة» أي : فيها زيتون ، فنون «زيتون» على هذا أصليّة ، وأيضا فإنه لو جعلت النون زائدة لكان وزن الكلمة «فعلونا» ، وذلك بناء لم يستقرّ في كلامهم.

وعلى فعلوت : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «رغبوت» (9)و «رهبوت» (10)، والصفة نحو «رجل خلبوت» (11)و «ناقة تربوت» (12).


1) الورشان : طائر شبه الحمام ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ورش).

2) القطوان : الذي يقارب في خطوه مع النشاط ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (قطا).

3) الزفيان : الناقة السريعة ، لسان العرب ، مادة (زفى).

4) الظربان : دويبّة شبه الكلب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (ظرب).

5) سبعان : اسم موضع معروف في ديار قيس ، لسان العرب ، مادة (سبع).

6) العفرنى : الخبيث المنكر الداهي ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (عفر).

7) العرضنى : المشي فيه بقي من نشاطه ، الصحاح للجوهري ، مادة (عرضن).

8) القيصوم : نبت من نبات البادية ، لسان العرب ، مادة (قصم).

9) الرغبوت : الرغبة : الضراعة والمسألة ، لسان العرب ، مادة (رغب).

10) الرهبوت : الرهبة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (رهب).

11) الخلبوت : الخداع الكذاب ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (خلب).

12) التربوت : الذلول ، مقاييس اللغة لابن فارس ، مادة (ترب).

وعلى فعلوت : نحو «خلبوت» و «حيّوت» (1).

وعلى فعليت : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «عفريت» و «غزويت» (2).

وعلى فعلين : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «غسلين» (3).

وأما «حوريت» (4)و «صوليت» فيمكن أن يكون الأصل فيهما «حوريت» و «صوليت» ، على وزن «فعليت» ك- : «عفريت» ، ثم فتحت الفاء تخفيفا ، كما قالوا في «برقع» : «برقع» ، على أنّ أبا عليّ أقلّ الحفل ب- : «حوريت» ، إذ كان ليس من لغة ابني نزار.

وعلى فعلنية ، والهاء لازمة له : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «بلهنية» (5).

وعلى فعلوّة : ولم يجىء منه إلّا «جبروّة» (6).

وكذلك قولهم «سمعنّة نظرنّة» و «سمعنّة نظرنّة» (7)، النون زائدة في آخرهما ، على حدّ زيادتها في قول الراجز :

قطننّة ، من أكبر القطننّ (8)

وكذلك «خلفناة» (9): «فعلناة» ، إلّا أنه ليس ببناء أصليّ ؛ لأنهم قد قالوا : «خلفنة» فيمكن أن يكون هذا مشبعا منه ، وهو أولى من إثبات بناء ، لم يستقرّ.

[المزيد فيه ثلاثة أحرف]

وأما الذي تلحقه ثلاث زوائد فلا يخلو أن تجتمع فيه ، أو تفترق ، أو تجتمع منها اثنتان خاصة :


1) الحيوت : ذكر الحيات ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (حيي).

2) الغزويت : القصير.

3) الغسلين : ما يسيل من جلود أهل النار ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (غسل).

4) حوريت : اسم موضع ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حور).

5) البلهنية : الرخاء وسعة العيش ، لسان العرب ، مادة (بله).

6) الجبروة : التجبر والتكبر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (جبر).

7) السمعنة النظرنة : جيدة السمع والنظر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سمع) (نظر).

8) الرجز ، لجندل في لسان العرب لابن منظور ، مادة (جدب) ، والمخصص لابن سيده 1 / 384 ، وبلا نسبة في لسان العرب مادة (قطن). والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده ، مادة (فدح).

9) الخلفناة : الذي في خلقه خلاف ، لسان العرب ، مادة (خلف).

فإن افترقت كان على :

إفعيلى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «إهجيرى» (1)و «إجريّا» (2). ولا يحفظ غيرهما.

وعلى تفاعيل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «التّماثيل» و «تجافيف» (3).

وعلى يفاعيل : ولا يكون فيهما إلّا إذا كسّر الواحد عليه للجمع. فالاسم نحو «يرابيع» و «يعاقيب» ، والصفة نحو «يخاضير» (4).

وعلى مفاعيل : ولا يكون فيهما إلّا إذا كسّر عليه الواحد للجمع. فالاسم نحو «مفاتيح» و «مخاريق» ، والصفة نحو «مكاسيب» و «مكاريم».

وعلى أفاعيل : ولا يكون أيضا إلّا إذا كسّر عليه الواحد للجمع. نحو «أساليب».

فأما «ألنجوج» و «يلنجوج» (5)فلا دليل فيهما على إثبات «أفنعول» ولا «يفنعول» ، لأنه قد نقل أنهما أعجميّان.

وعلى فاعولى : ولم يجىء منه إلّا «بادولى» (6).

وأمّا قولهم «مهوأنّ» (7)فزعم السّيرافيّ أنه على وزن «مطمأنّ» ، وهذا باطل ؛ لأنه ليس بجار على فعل ، إذ لا يحفظ «اهوأنّ» ، لكنه إن ثبت كان على وزن «مفوعلّ» ، وما ردّ به ابن جنّي مذهب السيرافي ، من كون الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة غير المضعّف ، لا يلزم ، إذ قد جاءت أصلا في «ورنتل» وليس بمضعّف.

فإن قيل : إنّ أصالتها في غير المضعّف لا ترتكب إلّا لموجب.

قيل : الموجب هنا أنه ليس من أبنية كلامهم «مفوعلّ».

لكنّ الذي منع من ذلك ما ذكرناه وهو بناء قليل ، لم يحفظ منه إلّا هذا.


1) الإهجيري : الدأب والعادة ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (هجر).

2) الإجريا : الخلق والطبيعة.

3) التجافيف : جمع تجفاف ، وهو آلة الحرب يتقى بها ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (جفف).

4) اليخاضير : جمع يخضور ، وهو الأخضر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (خضر).

5) الألنجوج واليلنجوج : عود الطيب ، لسان العرب ، مادة (لجج).

6) بادولى : اسم موضع.

7) المهوأن : ما أطمان من الأرض ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (هأن).

وعلى فعيلى : ولم يجىء إلّا اسما في المصادر ، نحو «هجّيرى» (1)و «قتّيتى» (2)، فأما «الفخّيراء» (3)و «الخصّيصاء» (4)فهما بناءان ممدودان منه ، وإن كان مدّ المقصور شاذّا عندنا ، لا ينقاس في الضرائر ولا غيرها.

وعلى فعّالى ، ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «شقّارى» (5)و «حوّارى» (6)و «خضّارى» (7).

وعلى فعّيلى : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «خلّيطى» (8)و «بقّيرى» (9).

وعلى مفعلّى : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «مرعزّى» (10).

وعلى مفعلّى : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «مكورّى» (11).

وعلى مفعلّى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «مرعزّى». فأما قولهم «رجل مرقدّى» (12)فمن قبيل الوصف بالأسماء ، لأنها غير مطابقة لموصوفها ؛ ألا ترى أنها جارية على مذكّر ، وهي مؤنّثة بالألف. وقد تقدّم الدليل على أنّ الصفة إذا كانت كذلك جرت مجرى الأسماء ، فلا يثبت بها «مفعلّى» في الصفات.

وعلى يفعلّى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «يهيرّى» (13).

وعلى تفعّال : نحو «تحمّال». ولم يجىء إلّا اسما. فأما قولهم : «رجل تلقّامة (14)


1) الهجيري : الدأب والعادة ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (هجر).

2) القتيت : النعيمة ، لسان العرب ، مادة (قتت).

3) الفخيرا : ، الفخر ، لسان العرب ، مادة (فخر).

4) الخصيصاء : الخصوصية ، لسان العرب ، مادة (خصص).

5) الشقارى : نبات.

6) الحوارى : لباب الدقيق ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (حور).

7) الخضارى : نبات ، لسان العرب ، مادة (خضر).

8) الخليطى : الاختلاط ، لسان العرب ، مادة (خلط).

9) البقيرى : لعبة ، تكون كومة تراب حولها خطوط ، الصحاح للجوهري ، مادة (بقر).

10) المرعزى : اللين من الصوف ، لسان العرب ، مادة (رعز).

11) المكورى : الفاحش المكثار ، لسان العرب ، مادة (كور).

12) الموقدى : الذاهب على وجهه ، لسان العرب ، مادة (رقد).

13) اليهيرى : الباطل ، لسان العرب ، مادة (هير).

14) التلقامة : عظيم اللقم ، المحكم لابن سيده ، مادة (لقم).

وتلعّابة» (1)فمن قبيل الوصف بالمصدر ، لأنّ «تلقّاما» و «تلعّابا» مصدران فوصف بهما ، ودخلت التاء للمبالغة. وكذلك «رجل تلقّاعة» (2)و «تكلّامة» (3).


وإن اجتمعت فلا يخلو أن تجتمع فيه بعد العين ، أو بعد الفاء. أو بعد اللام :

فإن اجتمعت فيه بعد الفاء كان :

على فعّلعل : نحو «كذّبذب» (4).

وإن اجتمعت فيه بعد العين كان :

على فعاويل : ولا يكون إلّا صفة نحو «قراويح» و «جلاويخ» (5). وقد يجيء اسما بالقياس ، لأنّ «عصوادا» (6)اسم ، وقياس تكسيره «عصاويد».

وعلى فعاييل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «كراييس» (7).

وعلى فعاليل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «الظّنابيب» و «الفساطيط» ، والصفة نحو «الشّماليل» (8)و «البهاليل» (9).

وعلى فعنلال : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو فرنداد (10).


وإن اجتمعت فيه بعد اللام كان :


1) التلعابة : كثير المزاح والمداعبة ، الصحاح للجوهري ، مادة (لعب).

2) التلقاعة : كثير الكلام ، لسان العرب ، مادة (لقع).

3) التكلامة : فصيح الكلام جيده ، القاموس للفيروز آبادي ، (كلم).

4) الكذبذب : كثير الكذب جدا.

5) الجلاويخ : جمع جلوخ ، وهو الوادي الواسع الضخم الممتلئ العميق ، المحيط في اللغة لابن عباد ، مادة (جلخ).

6) العصواد : الجلبة والاختلاط ، القاموس للفيروز آبادي ، مادة (عصد).

7) الكراييس : جمع كرياس ، وهو الكنيف المشوف على سطح بقناة إلى الأرض ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (كرس).

8) الشماليل : جمع شمليل ، وهو السريعة الخفيفة ، تهذيب اللغة للأزهري ، مادة (شمل).

9) البهاليل : جمع بهلول : وهو السيد الجامع لكل خير ، المعجم الوسيط للزيات ، مادة (بهل).

10) الفرنداد : شجر لسان العرب ، مادة (فرند).

على فعلوان : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «عنفوان» و «عنظوان» (1).

وعلى فعللان : نحو «ترجمان» ، فأما «ترجمان» ففتحت التاء تخفيفا ؛ لأنه ليس في كلامهم «فعللان».

وعلى فعليان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «صلّيان» (2)و «بلّيان» (3). والصفة نحو «عنظيان» (4)و «خرّيان» (5).

وعلى فعلايا : نحو «برحايا» (6). ولم يجىء غيره.

وعلى فعليّا : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «مرحيّا» (7)و «برديّا». وهو قليل.

وعلى فعلياء : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو «كبرياء» و «سيمياء» ، والصفة نحو «جربياء» (8).

وعلى فعلوتى : نحو «رهبوتى» (9)و «رغبوتى» (10). ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل.

وإن اجتمع منها ثنتان كان :

على إفعلان ، ويكون فيهما قليلا ، فالاسم نحو «إسحمان» (11).

والصفة نحو : «ليلة إضحيانة» (12).

وعلى أفعلان ، ويكون فيهما ، فالاسم نحو : «أفعوان» و «أرجوان» ، والصفة نحو «أسحلان» (13)و «ألعبان» (14).


1) العنظوان : نبت من الحوض ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (عنظ).

2) الصليان : شجر من الطريفة ينبت صعدا ، لسان العرب ، مادة (صلل).

3) البليان : البعد ، لسان العرب ، مادة (بلا).

4) العنظيان : الفاحش الجافي ، لسان العرب ، مادة (عنظ).

5) الخريان : الجبان ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (خرّ).

6) برحايا : اسم موضع.

7) المرحيا : كلمة تقال للرامي إذا أصاب ، جمهرة اللغة لابن دريد ، مادة (مرح).

8) الجربياء : الرجل الضعيف ، القاموس للفيروز آبادي ، مادة (جرب).

9) الرهبوتى : الرهبة ، لسان العرب ، عادة (رهب).

10) الرغبوتى : الرغبة ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (رغب).

11) إسحمان : جبل ، لسان العرب ، مادة (سحم).

12) الإضحيانة : التي لا غيم فيها ، والمعتمرة ، المحكم لابن سيده ، مادة (ضحي).

13) الأسحلان : الطويل ، لسان العرب ، مادة (سحل).

14) الألعبان : كثير اللعب ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (لعب).

وعلى أفعلان ، ولم ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، قالوا «عجين (1)أنبخان» ، وقالوا «أرونان» (2).

وعلى تفعلاء ، قالوا «هو يمشي التّركضاء» (3)، ولم يسمع غيره.

وعلى أفعلاء وأفعلاء : نحو «أربعاء» و «أربعاء» ، ولم يعلم غيرهما ، إلّا أن يكسّر عليه الواحد للجمع ، فإنه قد يجىء على «أفعلاء» كثيرا ، نحو «أصدقاء» و «أرمداء» جمع «رماد» ، وحكى أبو زيد «أرمداء كثيرة».

وعلى إفعلاء نحو : «إرمداء».

فأما «أربعاء» فظاهر أنه «أفعلاء» ، وقد يمكن عندي أن يكون «فعللاء» ك- «عقرباء» (4). ولا تجعل الهمزة زائدة ، وإن كانت في موضع ، تكثر فيه زيادتها ، لئلّا يكون في ذلك إثبات بناء لم يوجد ، وكذلك «أربعاء» ك- «قرفصاء» (5).

وعلى فنعلاء وفنعلاء : نحو «خنفساء» و «خنفساء».

وأما «جلنداء» (6)من قول الشاعر :

وجلنداء ، في عمان ، مقيما

ثم قيسا في حضر موت المنيف (7)

فلا يثبت به «فعنلاء» ، لأنه قد حكي مقصورا ، فيمكن أن يكون مدّه ضرورة ، ويكون من الضرائر التي لا تنقاس.

وعلى فاعلاء : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «قاصعاء» (8)و «نافقاء» (9).


1) الأنبخان : العجين المسترخي أو الفاسد ، العباب للصاغاني ، (رخف).

2) الأرونان : اليوم الصعب الشديد ، لسان العرب ، مادة (رون).

3) التركضاء : مشية فيها ترفل وتبختر ، لسان العرب ، مادة (ركض).

4) العقرباء : أنثى العقارب ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، (عقرب).

5) القرفصاء : جلسة الأعراب ، لسان العرب ، مادة (قرفص).

6) جلنداء : اسم علم : وهو جلنداء بن السبكير الأزل ، لسان العرب ، مادة (جلند).

7) البيت من البحر الخفيف ، وهو للأعشى في ديوانه ص 126 ، في جمهرة اللغة (ابن دريد ، مادة (ب ض غ) والمستقضي في أمثال العرب للزمخشري.

8) القاصعاء : فم جحر الضب ، لسان العرب ، مادة (قصع).

9) النافقاء : إحدى جحرة الضب ، يكتمها ويظهر غيرها ، لسان العرب (نفق).

وعلى فعالاء : نحو «ثلاثاء» و «براكاء» (1)، وقد جاء وصفا قالوا : «رجل عياياء (2)طباقاء» (3).

وعلى فعالاء : نحو «قصاصاء» (4)، حكاه ابن دريد ، ولا يحفظ غيره.

وعلى فعلولى : نحو «فوضوضى» (5)ولم يجىء غيره.

وعلى فوعلاء : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «حوصلاء» (6).

وعلى مفعلاء : وهو قليل ، نحو «مرعزاء» (7).

وعلى فعولاء : نحو «عشوراء» (8).

وعلى فعولاء : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «دبوقاء» (9)و «بروكاء» (10).

وعلى فعيلاء : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «عجيساء» (11)و «قريثاء» (12).

وأما «الدّيكساء» (13)و «الدّيكساء» ف- «فعللاء» و «فعللاء» ، ك- «طرمساء» (14)و «حرملاء» (15)، والياء أصل في بنات الأربعة ، كما هي في «يستعور» (16)أصلا ، وهو خماسيّ ، ولم تجعل الياء فيهما زائدة ، فيكون وزنهما «فيعلاء» و «فيعلاء» ؛ لأنهما بناءان لم يستقرّا في كلامهم.


1) البراكاء : ساحة الحرب ، لسان العرب ، مادة (برك).

2) العياياء : العنين تعييه مباضعة النساء ، لسان العرب ، مادة (عيا).

3) الطباقاء : الثقيل يطبق على المرأة بصدره ، أو الذي لا ينكح ، لسان العرب ، (طبق).

4) القصاصاء : القصاص ، لسان العرب ، مادة (قصص).

5) فوضوضى : إذا كانوا مختلطين بتصرف كل منهما فيما للآخر ، لسان العرب ، مادة (فضض).

6) الحوصلاء : حوصلة الطير ، لسان العرب ، مادة (حصل).

7) المرعزاء : الزغب الذي تحت شعر العنز ، مختار الصحاح للرازي ، (رعز).

8) عشوراء : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (عشر).

9) الدبوقاء : الدابوق ، وهو حمل شجر في جوف كالفراء ، لسان العرب ، مادة (دبق).

10) البروكاء : ساحة الحرب ، لسان العرب ، مادة (برك).

11) العجيساء : اسم مشية بطيئة ، لسان العرب ، مادة (عجس).

12) القريثاء : ضرب من النخل ، لسان العرب ، مادة (قرث).

13) الديكساء : القطعة العظيمة من النعم ، لسان العرب ، مادة (دكس).

14) الطرمساء : الظلمة ، لسان العرب ، مادة (طرمس).

15) حرملاء : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (حرمل).

16) اليستعور : شجر ، لسان العرب ، مادة (يستعر).

وكذلك «نفرجاء» (1): «فعللاء» ، وليس ب- «نفعلاء» على ما يبيّن بعد ، إن شاء الله.

وعلى فعّلان : وهو قليل ، فالاسم نحو «قمّحان» (2)، والصفة «قمّدان» ، ولا يعرف في الصفة غيره.

وعلى فعلّان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حومّان». والصفة «غمدّان» و «جلبّان» (3).

فأما قولهم : «هم في كوّفان» (4)فليس فيه دليل على إثبات «فعّلان» ، لاحتمال أن يكون «فوعلان» ك- «حوفزان» (5).

وعلى فعلّان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «عرفّان» (6)و «فركّان» (7)، والصفة نحو «رجل كلمّانيّ» (8).

وعلى فعلّان : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، نحو «تئفّان».

وعلى فعلعال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حلبلاب» ، والصفة نحو «سرطراط» (9).

فأما «عفرّين» (10)فهو جمع في الأصل ، ل- : «عفرّ» على وزن «طمرّ» ، وسمّي بالجمع ، وجعل الإعراب في النون وهذا أولى من أن يكون اسما مفردا في الأصل على وزن «فعلّين» ؛ لأنه بناء لم يستقرّ في المفردات ، وكذلك «كفرّين» (11).

وأما «زيزفون» من قوله أميّة بن عائذ :


1) النفرجاء : الجبان الضعيف ، المحيط لابن عباد ، مادة (فرج).

2) القمحان : الذريدة تعلو الخمرة ، لسان العرب ، مادة (قمح).

3) الجلبان : الصخاب ذو الجلبة ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (جلب).

4) الكوفان : الفر والمنعة ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (كوف).

5) الحوفزان : لقب الحارث بن شريك ، لسان العرب ، مادة (حفر).

6) العرفان : جندب ضخم كالجرادة له عرق ، لسان العرب ، مادة (عرق).

7) فركان : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (فرك).

8) الكلماني : فصيح الكلام ، الصحاح للجوهري ، مادة (كلم).

9) السرطراط : سريع البلع ، لسان العرب ، مادة (سرط).

10) عفرين : اسم موضع ، الخصائص 3 / 199 ، والمزهر 2 / 27.

11) الكفرين : الداهي ، لسان العرب ، مادة (كفر).

مطاريح بالوعث ، مرّ الحشو

ر هاجرن رمّاحة زيزفونا (1)

فظاهره أنه «فيفعول» من «الزّفن» (2). وعلى ذلك حملة أبو سعيد السّيرافيّ ، والصحيح ما ذهب إليه أبو الفتح ، من أنه «فيعلول» على وزن «خيسفوج» (3). فيكون قريبا من لفظ «الزّفن» ، وليست أصوله كأصوله ، فيكون ك- «سبط» و «سبطر» ، وهذا أولى ، لأنه قد ثبت من كلامهم «فيعلول» ، ولم يثبت فيه «فيفعول» ويكون من باب «ددن» وإن كان قليلا ، ومثله «ديدبون» (4).

وعلى إفعالّ : نحو «إسحارّ» (5). ولا يحفظ غيره.

وعلى أفعالّ : نحو «أسحارّ».

وعلى فعاعيل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «سلاليم» و «بلاليط» (6)، والصفة «عواوير» (7)و «جبابير».

وعلى فعاعيل : ولم يجىء إلّا صفة ، قالوا : «ماء سخاخين». ولا يعلم غيره.

وعلى فعفعيل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «مرمريس» (8). وقد قالوا فيه «مرمريت».

وعلى فعالين : ولم يجىء إلّا اسما ، «سراحين» (9)و «فرازين» (10)، ولا يكون إلّا جمعا.

فأمّا قولهم : «أتيتك كراهين أن تغضب» فيمكن أن يكون جمع «كرهان» ك- «غفران» ،


1) البيت من البحر المتقارب ، وهو لأمية بن أبي عائذ في شرح أشعار الهذليين ص 519 ، والخصائص لابن جني 3 / 215 ، ولسان العرب ، مادة (حثر). والمحكم المحيط الأعظم لابن سيده ، مادة (حشر).

2) الزفن : الدفع ، لسان العرب ، مادة (زفن).

3) الخيسفوج : نبت ، لسان العرب ، مادة (خسفج).

4) الديدبون : اللهو واللعب ، لسان العرب ، مادة (دبن).

5) الإسحار : بقلة حارة.

6) البلاليط : الأرضون المستوية ، لسان العرب ، مادة (بلط).

7) العواوير : جمع عوّار ، وهو الضعيف الجبان السريع الفرار ، لسان العرب مادة (عور).

8) المرمريس : الداهية الشديد ، المحيط لابن عباد ، مادة (مرسى).

9) السراحين : جمع سرحان ، وهو الذئب ، لسان العرب ، مادة (سرح).

10) الفرازين : جمع فرزان ، وهي الملكة في لعبة الشطرنج.

وإن لم ينطق به. ونظيره من الجموع التي لم ينطق لها بواحد «عباديد» (1)و «شماطيط» (2).

وعلى فعالان : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «سلامان» (3)و «حماطان» (4)وهو قليل.

وعلى فيعلان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «ضيمران» (5)و «أيهقان» (6)والصفة نحو «كيذبان» و «هينمان» (7).

وعلى فيعلان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قيقبان» (8)و «سيسبان» (9)، والصفة نحو «هيّبان» (10)و «تيّحان» (11).

وأما «طيلسان» فقد أنكره الأصمعيّ ، وعمل الأخفش والمازنيّ عليه المسائل ، بالرواية الضعيفة.

وعلى فوعلان : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «حوتنان» (12)و «حوفزان» (13).

وعلى مفعلان : ولم يجىء إلّا صفة نحو «مكرمان» و «ملأمان».

وأما «مسحلان» (14)ف- «فعللان» ك- «عقربان» ، وليست الميم زائدة ، وإن كانت في محلّ زيادتها ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى أن يكون وزن الكلمة «مفعلان» ، وذلك بناء لم يستقرّ في كلامهم. فالأولى ما ذكرنا.


1) العباديد : الفرق المتفرقة من الناس وغيرهم ، لسان العرب ، مادة (عبد).

2) الشماطيط : الفرق المتفرقة من الناس وغيرهم ، لسان العرب ، مادة (شمط).

3) سلامان : اسم علم.

4) حماطان : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (حمط).

5) الضميران : ضرب من الشجر.

6) الأيهقان : نبت ، هو الجرجير البري ، لسان العرب ، مادة (أهق).

7) الهينمان : الكلام الخفي ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (هنم).

8) القيقبان : خشب تصنع منه السروج ، الأصول في النحو 3 / 14.

9) السيسبان : شجر ، لسان العرب ، مادة (سبسب).

10) الهيبان : الجبان كثير الفرق ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (هيب).

11) التيحان : المتعرض لكل مكرمة ، أو أمر شديد ، تاج العروس ، مادة (تيح).

12) حوتنان : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (حتن).

13) الحوفزان : لقب الحارث بن شريك ، لسان العرب ، مادة (حفز).

14) مسحلان : اسم موضع ، المزهر 2 / 25.

وأما قولهم : «حمامة ذات صوقرير» (1)ف- «فعلليل» ك- «عرطليل» (2)، والواو أصل في بنات الأربعة ، وهذا أولى من جعلها زائدة ، فتكون الكلمة على وزن «فوعليل» ؛ لأنّ في ذلك إثبات بناء لم يوجد في كلامهم.

وعلى تفعلوت : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «ترنموت» (3).

وعلى فواعيل : ولم يجىء إلّا اسما كواحده ، نحو «خواتيم» (4)و «سوابيط» (5).

وعلى فياعيل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «دياميس» (6)و «دياميم» (7). والصفة نحو «صياريف» (8)و «بياطير» (9).

وعلى فعاليت : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو : «عفاريت» ، وقد يجيء اسما بالقياس ، نحو «ملاكيت» في جمع «ملكوت».

وعلى فعاليّ : ويكون فيهما فالاسم نحو «بخاتيّ» (10)و «قماريّ» (11)و «دباسيّ» (12)، والصفة نحو «دراريّ» (13)و «حواليّ» (14).

وعلى فنعليل : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «خنفقيق» (15).

فأما قولهم «رجل مقتوين» (16)فإنه جمع «مقتويّ» على حذف ياءي النسب ، والأصل


1) الصوقرير : صوت الطائر ، لسان العرب ، مادة (صقر).

2) العرطليل : الطويل ، لسان العرب ، مادة (عرطل).

3) الترنموت : الترفع ، لسان العرب ، مادة (رنم).

4) الخواتيم : جمع خاتام ، وهو الخاتم ، لسان العرب ، مادة (ختم).

5) السوابيط : جمع ساباط : وهو سقيفة بين حائطين أو دارين ، لسان العرب ، مادة (سبط).

6) الدياميس : جمع ديماس ، وهو القبر ، لسان العرب ، مادة (دمس).

7) الدياميم : جمع ديموم ، وهي الفلاة الواسعة ، يدوم السير فيها لبعدها ، لسان العرب ، مادة (دمم).

8) الصياريف : جمع صيرف ، الصراف ، الصحاح للجوهري ، مادة (صرف).

9) البياطير : جمع بيطار ، المعجم الوسيط ، للزيات ورفاقه ، مادة (بيطر).

10) البخاتي : الإبل الخراسانية ، لسان العرب ، مادة (بخت).

11) القماري : جمع قمري ، وهو ضرب من الحمام ، لسان العرب ، مادة (قمر).

12) الدباسي : جمع دبسي ، وهو طائر ، لسان العرب ، مادة (هدل).

13) الدراري : جمع دري ، وهو الكوكب المضيء ، لسان العرب ، مادة (درأ).

14) الحوالي : المحتال الشديد الاحتيال ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (حول).

15) الخنفقيق : السريعة الجريئة من النساء ، لسان العرب ، مادة (خفق).

16) المقتوين : الذي يخدم الناس بطعام بطنه ، لسان العرب ، مادة (قتا).

«مقتويّون» ، فحذفت ياءا النسب كما حذفتا من «الأعجمين» (1)و «الأشعرين» (2)و «الأشقرين» (3)، ووصف المفرد بالجمع تعظيما ، كما قالوا «ضبع حضاجر» (4)و «ثوب أكياش» (5)، وجعل الإعراب في النون ، على حدّ قولهم «عفرّين» (6)، وقد تفعل العرب ذلك بالجمع من غير أن تسمّي به ، وعلى ذلك قوله :

ولقد ولدت بنين صدق ، سادة

ولأنت ، بعد الله ، كنت السّيدا (7)

فجعل الإعراب في نون «بنين» ، وحذف التنوين من النون للإضافة.

[المزيد فيه أربعة أحرف]

وأما الذي تلحقه أربع زوائد فإنه يكون :

على افعيلال : ولم يجىء إلّا مصدرا ، نحو «اشهيباب» و «احميرار».

وعلى فاعولاء : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «عاشوراء».

وعلى فعلعلان : ولم يجىء منه إلّا «كذبذبان» ، حكاها الثّقات.

وعلى مفعولاء : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «معيوراء» (8)، والصفة نحو «معلوجاء» (9)و «مشيوخاء» (10).

وعلى أفعلاوى : نحو «أربعاوى» (11).


1) الأعجمون : جمع أعجمي.

2) الأشعرون : جمع أشعري.

3) الأشقرون : جمع أشقري.

4) الحضاجر : جمع حضجر ، وهو العظيم البطن ، لسان العرب ، مادة (حضجر).

5) الثوب الأكياش ، الرديء ، أو الذي أعيد غزله ، القاموس المحيط للفيروز آبادي مادة (كأش).

6) عفرن : اسم موضع ، لسان العرب ، ماد (عفرن).

7) البيت من البحر الكامل ، وهو للفرزدق ، في خزانة الأدب للبغدادي 8 / 60 ، وأنساب الأشراف للبلوري 4 / 229.

8) المعيوراء : اسم جمع للعير.

9) المعلوجاء : اسم جمع للعلج.

10) المشيوخاء : اسم جمع للشيخ.

11) الأربعاوى : ضرب من الجلوس ، أي متربعا ، لسان العرب ، مادة (ربع).

وعلى فعّيلاء : نحو «دخّيلائك» (1)، ولم يجىء غيره.

وأما قولهم «هم» في «معكوكاء وبعكوكاء» ف- «مفعولاء» لا «فعلولاء» ، والباء في «بعكوكاء» بدل من الميم ، على لغة بني مازن. فإنهم يبدلون من الميم باء ، وإذا كانت أولا.

وأما «ينابعات» (2)فإنما «يفاعل» ك- «يرامع» (3)، ثم جمع بالألف والتاء وسمّي به ، وليس ببناء مفرد على وزن «يفاعلات» ، فإنّ ذلك بناء لم يثبت من كلامهم.

[الرباعي المزيد]

وأما الرّباعيّ المزيد فقد تلحقه زيادة ، وقد تلحقه زيادتان ، وقد تلحقه ثلاث ، فيصير على سبعة أحرف ، وهو أقصى ما ينتهي إليه المزيد.

[المزيد فيه حرف واحد]

فأما الزيادة الواحدة فلا تلحق بنات الأربعة فصاعدا من أولها ، إلّا أسماء الفاعلين والمفعولين الجارية على أفعالها.

فإذا لحقت الزيادة اسم الفاعل ، من الفعل الرباعيّ ، كان على مفعلل : نحو «مدحرج».

وإذا لحقت اسم المفعول منه كان على مفعلل : نحو «مدحرج».

وتلحق الزيادة ، فيما عدا ذلك من الرباعي ، بعد الفاء ، وبعد العين ، وبعد اللام الأولى ، وبعد اللام الأخيرة.

فإذا لحقت الزيادة بعد الفاء يكون :

على فنعلّ : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو «خنبعثة» ، والصفة نحو «قنفخر» (4).

وعلى فنعلل : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «كنهبل» (5).

وعلى فوعلل : نحو «دودمس» (6).


1) الدخيلاء : النية والمذاهب ، لسان العرب ، مادة (دخل).

2) ينابعات : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (نبع).

3) اليرامع : جمع يرمع : وهي حجارة رخوة ، الصحاح للجوهري ، مادة (رمع).

4) القنفخر : الضخم الفارغ ، لسان العرب ، مادة (قفخر).

5) الكنهبل : شجر عظام ، لسان العرب ، مادة (كهبل).

6) الدودمس : حيث خبيثة ، لسان العرب ، مادة (دودمس).

فأما «هيدكر» (1)فهو مقصور من «هيدكور» ، وليس ببناء أصليّ ، فوزنه على هذا «فيعلول» ك- «خيسفوج» (2).

وكذلك «خنضرف» (3)هو مثل «جحمرش» (4)، وليس «فنعللا» ؛ لأن ذلك بناء غير موجود ، فيكون من معنى «خضرف» ، وليس موافقا له في الأصول.

وكذلك «عجوز شنهبرة» هو ك- «سفرجلة» ، وليس ب- «فنعللة» ؛ لأنّ ذلك بناء غير موجود ، فيكون أيضا من معنى «شهبرة» (5)، ولا تكون الأصول متّفقة ، بل هما في ذلك ك- «سبط» و «سبطر».

وعلى فعّلّ : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «شمّخر» (6).

وعلى فعّل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «علّكد» (7).

وإذا لحقته بعد العين كان :

على فعالل : ويكون فيهما ، فالاسم «جخادب» (8)والصفة نحو «عذافر» (9).

وعلى فعالل : ويكون أيضا فيهما ، فالاسم نحو «حبارج» (10). والصفة نحو «قراشب» (11).

وعلى فعيلل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «سميدع» (12).


1) الهيدكر : المرأة العظيمة اللحم ، المحكم لابن سيده ، مادة (هدكر).

2) الخيسفوج : نبت ، لسان العرب ، مادة (خسفج).

3) الخنضرف : المرأة الضخمة اللحيمة كبيرة الثديين ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (خضف).

4) الجحمرش : العجوز الكبيرة ، المزهر للسيوطي 2 / 29.

5) الشهبرة : العجوز الكبيرة ، المزهر للسيوطي ، 2 / 29.

6) الشمخر : الطامح النظر المتكبر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (شمخر).

7) العلكد : الغليظ الشديد العنق والظهر ، لسان العرب ، مادة (علكد).

8) الجخادب : ضرب من الجنادب ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (جخدب).

9) العذافر : الشديد الصلب من الإبل ، لسان العرب ، مادة (عذفر).

10) الحبارج : جمع حبرج ، وهو ذكر الحبارى ، لسان العرب ، مادة (حبرج).

11) القراشب : جمع قرشب : وهو الضخم الطويل من الرجال ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (قرشب).

12) السميدع : السيد الموطأ الأكناف ، لسان العرب ، مادة (سمدع).

وعلى فعولل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «فدوكس» (1). والصفة نحو «سرومط» (2).

وعلى فعنلل : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل نحو «قرنفل».

وعلى فعنلل : وهو قليل في الاسم نحو «جحنفل» (3)، كثير في الصفة نحو «حزنبل» (4).

وعلى فعلّل : ويكون فيهما ، فالاسم «شفلّح» (5)، والصفة «عدبّس» (6).

وعلى فعلّل : وهو قليل نحو «الصّعرّر» (7)، ولم يجىء إلّا اسما.

وأما «دحندح» (8)فصوتان مركبّان ، وأصلهما «دح دح» (9)، وليس ب- «فعنلل» ؛ لأنّ ذلك لم يثبت في أبينة كلامهم.

وإذا لحقته بعد اللام الأولى يكون :

على فعليل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قنديل» ، والصفة نحو «شنظير» (10).

وعلى فعليل : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «غرنيق» (11).

وعلى فعلول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «زنبور» ، والصفة نحو «شنحوط» (12).


1) الفدوكس : الأسد ، وفدوكس : حي من تغلب ، لسان العرب ، مادة (فدكس).

2) السرومط : الطويل الجميل ، لسان العرب ، مادة (سرمط).

3) الجحنفل : الضخم الشفة ، لسان العرب ، مادة (جحفل).

4) الحزنبل : القصير الموثق الخلق ، لسان العرب ، مادة (حزبل).

5) الشفلح : شجر ، لسان العرب ، مادة (شفلح).

6) العدبس : الشديد الموثق الخلق من الإبل ، لسان العرب ، مادة (عدبس).

7) الصعرر : الصمغ الطويل ، لسان العرب ، مادة (صعر).

8) الدحندح : لعبة الصبيان ، الخصائص لابن جني 3 / 198 ، والمزهر 2 / 30.

9) دح دح : تقال للمقر إذا تكلم بمعنى السكت فقد أقررت ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (دح).

10) الشنظير : السيئ الخلق الفحاش ، لسان العرب ، مادة (تنظر).

11) الغرنيق : الشاب الأبيض الناعم الحسن الشعر الجميل ، وهو طائر معروف لسان العرب ، مادة (غرنق).

12) الشنحوط : الطويل ، كتاب سيبويه 1 / 405.

وأما «زرنوق» (1)و «برعوم» (2)و «برشوم» (3)و «صندوق» و «صفوق» (4)، فإنها مخفّفة من الضمّ ؛ لأنه قد سمع في جميعها ضمّ الأوّل ، إلا «صععوقا» فإنه لم يسمع فيه ضمّ ، وقد قيل : إنه أعجميّ.

وعلى فعلول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «فردوس» و «برذون» (5)، والصفة نحو علطوس (6).

وعلى فعلول : نحو «فلطوس» (7)، ولم يجىء غيره.

وعلى فعلول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قربوس» ، والصفة نحو «قرقوس» (8)و «حلكوك» (9).

وعلى فعلول : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «كنهور» (10).

وعلى فعلال : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «قرطاس» (11).

وعلى فعلال : ولا يكون إلّا في المضعّف الذي الحرفان الأخيران منه بمنزلة الأوّلين ، فالاسم نحو «زلزال» ، والصفة نحو «صلصال» (12)، إلّا حرف واحد شذّ من غير المضاعف ، حكاه الفرّاء وهو «ناقة بها خزعال» (13).

فأما قول أوس :


1) الزرنوق : النهر الطويل ، في اللسان ، الصغير ، لسان العرب ، مادة (زرنق).

2) البرعوم : كم ثمر الشجر ، لسان العرب ، مادة (برعم).

3) البرشوم : ضرب من التمر ، لسان العرب ، مادة (برشم).

4) صعفوق : قوم في اليمن ، المزهر للسيوطي 2 / 31.

5) البرذون : واحد البراذين ، وهي غير العراب من الخيل ، لسان العرب ، مادة (البرذن).

6) العلطوس : المرأة الحسناء ، لسان العرب ، مادة (علطس).

7) الفلطوس : الكمرة العريضة ، لسان العرب ، مادة (فلطس).

8) القرقوس : القاع الصلب الأملس الواسع ، لسان العرب ، مادة (قرقس).

9) الحلكوك : الشديد السواد ، لسان العرب ، مادة (حلك).

10) الكنهور : السحاب المتراكم الثخين ، لسان العرب ، مادة (كنهر).

11) القرطاس : الصحيفة ، لسان العرب ، مادة (قرطس).

12) الصلصال : الطين اليابس ، لسان العرب ، مادة (صلل).

13) الخزعال : داء ، والخزعال : يقال ناقة بها خزعال ظلع ، هكذا في المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (خزعل) وكذلك في اللسان.

ولنعم مأوى المستضيف إذا دعا

والخيل خارجة ، من القسطال (1)

فإنما أراد «القسطل» ، فاحتاج ، فأشبع الفتحة.

وعلى فعلال : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «قنطار» ، والصفة نحو «سرداح» (2)، ولم يجىء مضعّفا إلّا مصدرا ، ك- «الزّلزال» و «القلقال».

فأما «الدّئداء» (3)ف- «فعلاء» ك- : «علباء» (4)، فيكون في معنى «الدّيداء» ، ومخالفا له في الأصول ؛ لأنّ «الدّيداء» : «فعلال» ، فيكون نحو «سبط» و «سبطر» ، وهذا أولى من إثبات «فعلال» مضعّفا غير مصدر. لأنه لم يستقرّ من كلامهم.

وعلى فعلّل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «سبهلل» (5).

وعلى فعللّ : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «عربدّ» (6)، والصفة نحو «قرشبّ» (7).

وعلى فعللّ : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «طرطبّ» (8).

وعلى فعللّ : ولم يجىء منه إلّا صفة نحو «عربدّ».

وإذا لحقته بعد اللام الأخيرة يكون :

على فعلّى : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «حبركى» (9).

وعلى فعلّى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «سبطرى» (10).


1) البيت من البحر الكامل ، وهو لأوس بن حجر في ديوانه ص 64 ، واللسان لابن منظور ، مادة (قسطل) ، وديوان المتنبي 1 / 126.

2) السرداح : الناقة الطويلة ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سردح).

3) الدئداء : الليلة الشديدة الظلمة ، لاختفاء القمر ، لسان العرب ، مادة (دأدأ).

4) العلباء : عصب عنق البعير ، لسان العرب ، مادة (علب).

5) السبهلل : الفارغ ، يقال جاء فلان سبهللا أي : بلا شيء ، لا سلاح ولا عصا ، لسان العرب ، مادة (سبهل).

6) العربد : ذكر الأفاعي ، لسان العرب ، مادة (عربد).

7) القرشب : الضخم الطويل من الرجال ، لسان العرب ، مادة (قرشب).

8) الطرطب : الثوب الضخم المسترخي الطويل ، لسان العرب ، مادة (طرطب).

9) الحبركى : الرجل الغليظ ، طويل الظهر لسان العرب (حبرك).

10) السبطرى : مشية التبختر ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سبطرى).

وعلى فعللى : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «جحجبى» (1).

وعلى فعللى : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «هربذى» (2).

وعلى فعللى : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «هندبى» (3).

وعلى فعلّية : ولم يجىء إلّا اسما ، وتلزمه الهاء ، نحو «سلحفية».

وأمّا «سلحفاة» فليس فيه دليل على إثبات «فعلّاة» ، بل هو «فعلّية» في الأصل ، ثم قلبوا الكسرة فتحة ، والياء ألفا ، وهي لغة فاشية في طيّىء ، يقولون في رضي : «رضى» ، وفي بقي : «بقى».

وعلى فعلّوة : ولم يجىء إلّا اسما ، والهاء لازمة له ، نحو «قمحدوة» (4).

المزيد فيه حرفان

وأما الزيادتان فقد تكونان مفترقتين ، أو معجمتين ، فإذا كانتا مفترقتين يكون :

على فعوللى : ولم يجىء إلّا اسما نحو «حبوكرى» (5).

وعلى فيعلول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «خيتعور» ، والصفة نحو «عيطموس».

وعلى فنعليل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «منجنيق» ، والصفة نحو «عنتريس».

وعلى فعاليل : ولا يكون فيهما ، إلّا إذا كسّر عليه الواحد للجمع فالاسم نحو «قناديل» ، والصفة نحو «غرانيق» (6).

وعلى فعاليل : وهو قليل ، ولم يجيء إلّا اسما ، نحو «كنابيل» (7).


1) الجحجبى : حي من الأنصار ، لسان العرب ، مادة (جحجب).

2) الهربذي : مشية فيها اختيال ، لسان العرب ، مادة (هربذ).

3) الهندبى : بقلة من أحرار البقول ، المحيط في اللغة لابن عباد باب الهاء والدال.

4) القمحودة : الهنة الناشزة فوق القفا بين الذؤابة والقفا ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (قمحد).

5) الحبوكرى : المعركة بعد انقضاء الحرب ، لسان العرب ، مادة (حبكر).

6) الغرانيق : جمع غرنيق ، وهو الشاب الأبيض الناعم حسن الشعر الجميل ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (غرنق).

7) كنابيل : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (كنبل).

وعلى فعاللى : وهو قليل ، ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «جخادبي» (1).

وعلى فعنلال ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «جعنبار» (2).

وعلى فعلّال : ويكون فيهما. فالاسم نحو «الجنبّار» (3)، والصفة نحو «الطّرمّاح» (4).

وعلى فعنليل : نحو «شمنصير» (5)، ولم يجىء غيره ، ولا أتحقّق أنّه عربيّ.

فأما «شفنترى» اسم رجل ف- : «فعلّلى» ك- : «قبعثرى» (6)، وليست النون زائدة ، وإن كانت في محلّ زيادتها ؛ لأنّ جعلها زائدة يؤدّي إلى إثبات بناء لم يوجد ، لأنه يكون وزنها إذ ذاك «فعنللى» ، وهو بناء لم يثبت في كلامهم ، ويحتمل أن يكون وزنه «فعنللى» وإن كان بناء لم يستقرّ في غير هذا الموضع ؛ لأنك إن جعلت النون أصليّة أخرجتها عمّا استقرّ فيها ؛ ألا ترى أنّ النون إذا كانت ساكنة ثالثة ، وبعدها حرفان ولم تك مدغمة ، لم تلف إلّا زائدة ، فيما عرف اشتقاقه أو تصريفه ، فلذلك كان القولان فيها سائغين عندي.

وأما «قرنفول» فإنه لم يجىء إلّا في الشّعر ، نحو قوله :

خود ، أناة ، كالمهاة ، عطبول

كأنّ في أنيابها قرنفول (7)

فيمكن أن تكون الواو إشباعا ، مثلها في قوله :

وأنّني حيثما يثني الهوى بصري

من حيثما سلكوا أدنو فأنظور (8)

يريد «فأنظر».


1) أبو جخادب : ضرب من الجنادب ، لسان العرب ، مادة (جخدب).

2) الجعنبار : القصير الغليظ ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (جعبر).

3) الجنبار : فرخ الحبارى ، لسان العرب ، مادة (جنبر).

4) الطرماح : المرتفع العالي ، لسان العرب ، مادة (طرمح).

5) شمنصير : اسم جبل ، لسان العرب ، مادة (شمصر).

6) القبعثرى : الجمل الضخم العظيم ، لسان العرب ، مادة (قبعثر).

7) الرجز ، بلا نسبة ، في لسان العرب ، مادة (قرنفل) ، وتاج العروس ، مادة (قرنفل). وتهذيب اللغة البغدادي 9 / 310 ، والعين للفراهيدي ، مادة (قرنفل) ، والخود : الفتاة الحسنة الخلق والعطبول : الحسنة القامة.

8) البيت من البحر البسيط ، وهو لابن هرمة في ملحق ديوانه ص 239 ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 45 ، وتهذيب اللغة للأزهري 10 / 204 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 26 ، والخصائص لابن جني ، 2 / 316 ، وسر الفصاحة 1 / 81.

وأما «الماطرون» (1)فزعم أبو الحسن أنّ نونه أصليّة ، وأنّ وزن الكلمة عنده «فاعلول» ، واستدلّ على ذلك بجرّ النون ، قال الشاعر :

طال همّي (2)، وبتّ

كالمحزون

واعترتني الهموم ، بالماطرون

ووجه استدلاله بكسر النون ، على أنها أصل ، هو أنها لو جعلت زائدة لكانت الكلمة جمعا في الأصل سمّي به ؛ لأنّ المفردات لا يوجد في آخرها واو ونون زائدين. والجمع إذا سمّي به فله في التسمية طريقان : أحدهما أن تحكي فيه طريقته وقت أن كان جمعا ، فيكون في الرفع بالواو ، وفي النصب والخفض بالياء ، والطريقة الأخرى أن تجعل الإعراب في النون ، وتقلب الواو ياء على كل حال ، فتقول : هذا زيدين ، ورأيت زيدينا ، ومررت بزيدين ، فلمّا لم يجىء «الماطرون» على وجه من هذين الوجهين قضي عليه بأنه مفرد ، فوجب عليه جعل النون أصليّة.

وهذا لا دليل له فيه ، لأنّ أبا سعيد وغيره من النحويّين حكوا في التسمية وجهين ، غير هذين : أحدهما جعل الإعراب في النون ، وإبقاء الواو على كل حال. فيقولون : هذا ياسمون ، ورأيت ياسمونا ، ومررت بياسمون ، فيكون «الماطرون» جمعا سمّي به ، على هذا الوجه. والوجه ، الآخر أن تكون النون مفتوحة في كلّ حال ، وقبلها الواو ، فيقال هذا ياسمون البرّ ، ورأيت ياسمون البرّ ، ومررت بياسمون البرّ ، وقد جاء ذلك في «الماطرون». وعليه قوله :

ولها بالماطرون ، إذا

أكل النّمل الذي جمعا (3)

وهذا مما يدلّ على أنه جمع ، محكيّة فيه حالة الرفع ، إذ لو كان مفردا لأثّر فيه العامل ، إذ لا موجب لبنائه ، على أنّ أبا سعيد السيرافيّ قال : أظنّها فارسيّة ، فإذا كانت كذلك فلا حجّة فيها.


1) الماطرون : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (مطر).

2) البيت من البحر الخفيف ، وهو لأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص 68 ، وخزانة الأدب للبغدادي 7 / 314 ، ولسان العرب مادة (خصر). ولعبد الرحمن بن حسان في ديوانه ص 59 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 1 / 53.

3) البيت من المديد ، وهو لأبي وهيد الجمحي ، وينسب ليزيد بن معاوية ، في أنساب الأشراف للبلاذري 2 / 177 ، وجمهرة اللغة ، مادة (خلف) ، وتهذيب اللغة للأزهري 13 / 232 وأمالي ابن سمعون 1 / 163 ، والخصائص لابن جني 3 / 216.

والقول في «الماجشون» (1)كالقول في «الماطرون» ، وكذلك «سقلاطون» (2)و «أطربون» (3)وما كان نحو ذلك.

وأما «خرنباش» (4)من قول الشاعر :

أتتنا رياح الغور من نحو أرضها

بريح خرنباش الصّرائم والحقل (5)

فيمكن أن يكون في الأصل «خرنبشا» ، ثم أشبعت فتحته.

وإذا كانتا مجتمعتين يكون :

على فعلويل : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «قندويل» (6)و «هندويل» (7).

وعلى فعلليل : ولم يجىء إلّا صفة ، نحو «عرطليل» (8).

وعلى فعللوت : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «عنكبوت».

وعلى فعللول : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «منجنون» (9)، والصفة نحو «حندقوق» (10).

وعلى فعلان : وهو قليل فيهما ، فالاسم نحو «زعفران» ، والصفة نحو «شعشعان» (11).


1) الماجشون : ثياب مصبغة ، الخصائص لابن جني 3 / 217.

2) السقلاطون : ضرب من الثياب ، لسان العرب ، مادة (سقلطن).

3) الأطربون : السيد الرئيس عند الروم ، لسان العرب ، مادة (أطربن).

4) الخرنباش : نبات من رياحين البرطيب الرائحة ، لسان العرب ، مادة (خربش).

5) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في الخصائص لابن جني 3 / 217 ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (خربش).

6) القندويل : العظيم الهامة ، لسان العرب ، مادة (قندل).

7) الهندويل : الضخم ، لسان العرب ، مادة (هندل).

8) العرطليل : الطويل ، لسان العرب ، مادة (عرطل).

9) المنجنون : الدولاب التي يستقى عليها ، لسان العرب ، مادة (منجنون).

10) الحندقوق : الرجل الطويل المضطرب ، لسان العرب ، مادة (حندق).

11) الشعشعان : الطويل الحسن الطول ، لسان العرب ، مادة (شعع).

وعلى فعللان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «عقربان» (1). والصفة نحو «عردمان» (2).

وعلى فعللان : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «حندمان» (3)، والصفة نحو «حدرجان» (4).

وعلى فعللاء : ولم يجىء إلّا اسما نحو «برنساء» (5).

وعلى فعللاء : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «قرفصاء» (6).

وعلى فعللاء : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «طرمساء» (7).

وعلى فعللاء : ولم يجىء إلّا اسما نحو «هندباء» (8).

وأما «شفصلّى» فإن ثبت كان فيه دليل على إثبات «فعللّى» من كلامهم.

وعلى فعلّيل : نحو : «القشعريرة» و «السّمهجيج» (9). ولم يجىء غيرهما.

[المزيد فيه ثلاثة أحرف]

وإذا لحقته ثلاث زوائد كان :

على فعيللان : نحو «عريقصان» (10)، ولم يجىء إلّا اسما.

وأما «هزنبران» (11)و «عفزّران» (12)فإنهما تثنية «هزنبر» ك- «جحنفل» (13)، و «عفزّر»


1) العقربان : دويبة تدخل الأذن ، لسان العرب ، مادة (عقرب).

2) العردمان : الغليظ الشديد الرقبة ، لسان العرب ، مادة (عردم).

3) الحندمان : الجماعة أو القبيلة ، لسان العرب ، مادة (حندم).

4) الحدرجان : القصير ، لسان العرب ، مادة (حدرج).

5) البرنساء : ابن آدم ، والناس ، لسان العرب ، مادة (برنس).

6) القرفصاء : ضرب من الجلوس ، لسان العرب ، مادة (قرفص).

7) ليلة طرمساء : الشديدة الظلمة ، لسان العرب ، مادة (طرمس).

8) الهندباء : بقلة من أحرار البقول ، لسان العرب ، مادة (هندب).

9) السمهجيج : ما حقن من ألبان الإبل في سقاء غير ضار ، لسان العرب لابن منظور ، مادة (سمهج).

10) العريقصان : نبات ، لسان العرب ، مادة (عرقص).

11) الهزنبران : الرجل الحديد السيء الخلق ، لسان العرب ، مادة (هزبر).

12) عفزران : اسم رجل ، لسان العرب ، مادة (عفزر).

13) الجحنفل : الغليظ الشفتين ، لسان العرب ، مادة (جحفل).

ك «عدبّس» (1). ثم سمّي بهما ، وهذا أولى من إثبات بناء على وزن «فعنلان» أو «فعلّلان» ، ولم يثبت من كلامهم.

وعلى فعوللان : وهو قليل ، نحو «عبوثران» (2).

وعلى فعلالاء : ولم يجىء إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «برناساء» (3).

وعلى فعاللاء : ولم يجىء أيضا إلّا اسما ، وهو قليل ، نحو «جخادباء» (4).

وأما «مفيئنّ» (5)ف- «مفعللّ» والياء أصل في بنات الأربعة ، ولا يكون «مفيعلّا» ، لأنه ليس من أبنية كلامهم.

وأما «السّلنطيط» (6)فزعم أبو سعيد أنه جاء في الشعر ، والمتوهّم أنه ليس من كلامهم ، فإذا كذلك فلا يثبت به «فعنليل».

وأما «عقربّان» (7)فيمكن أن يكون أصله «عقربان» خفيفا ك- «ثعلبان» (8)، ثم ضعّفت الباء ، كما تضعف أواخر الأسماء ؛ لأنها آخر ؛ لأنّ الألف والنون تجريان مجرى تاء التأنيث ، ولذلك إنما يصغّر من الاسم ، الذي يكونان فيه ، الصدر كما أنه لا يصغّر من الاسم الذي فيه تاء التأنيث إلّا صدره.

فإن قيل : إنما تفعل ذلك العرب في الوقف؟.

قيل : يكون هذا من إجراء الوصل مجرى الوقف.

[الخماسي المزيد]

وأما الخماسيّ فلا تلحقه إلّا زيادة واحدة ، فيصير على ستّة أحرف ، ويكون :


1) العدبس : الشديد الموثق الخلق من الإبل ، لسان العرب ، مادة (عدبس).

2) العبوثران : نبات طيب الريح ، المحيط في اللغة لابن عباد ، باب العين والتاء 1 / 148.

3) البرناساء : الناس ، لسان العرب ، مادة (برنس).

4) الجخادباء : ضرب من الجنادب ، لسان العرب ، مادة (جخدب).

5) المفيئن : المنتصب ، الخصائص لابن جني 3 / 196.

6) السلنطيط : القاهر ، من السلاطة ، المحيط في اللغة لابن عباد (سلط).

7) العقربان : دويبة تدخل الأذن ، لسان العرب ، مادة (عقرب).

8) الثعلبان : ذكر الثعالب ، لسان العرب ، مادة (ثعلب).

على فعلليل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «خندريس» (1)، والصفة نحو «دردبيس» (2).

وعلى فعللول : ولم يجىء إلّا اسما ، نحو «يستعور» (3).

وعلى فعللول : ولم يجىء إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «قرطبوس» (4).

وعلى فعلّلى : ولم يجىء أيضا إلّا صفة ، وهو قليل ، نحو «قبعثرى (5)».

وعلى فعلّيل : ويكون فيهما ، فالاسم نحو «خزعبيل». والصفة نحو «قذعميل» (6).

وأما «سمرطول» (7)من قوله :

على سمرطول ، نياف ، شعشع (8)

فلا يثبت به «فعلّول» ، لأنه لم يسمع قطّ في نثر ، وإنما سمع في الشعر ، وهم مما يحرّفون في الشعر ، إذا اضطروا إلى ذلك. قال :

بسبحل الدّفّين ، عيسجور (9)

وإنما هو «سبحل» بمنزلة «قمطر» ، فكذلك «سمرطول» يمكن أن يكون محرّفا من «سمرطول» ، ك- «عضرفوط» (10).


1) الخندريس : الخمر ، لسان العرب ، مادة (خندرس).

2) الدردبيس : الشيخ الهرم ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (دردبس).

3) اليستعور : شجر ، لسان العرب ، مادة (يستعر).

4) القرطبوس : الناقة العظيمة الشديدة ، لسان العرب ، مادة (قرطبس).

5) القبعثرى : الجمل الضخم العظيم ، لسان العرب ، مادة (قبعثرى).

6) القذعميل : الشيخ الكبير ، لسان العرب ، مادة (قذعمل).

7) السمرطول : الطويل المضطرب ، لسان العرب ، مادة (سمرطل).

8) الرجز ، بلا نسبة في الخصائص 2 / 207 ، ولسان العرب ، مادة (سمرطل). وتاج العروس ، مادة (سمرطل) ، والمحكم المحيط الأعظم لابن سيده ، مادة (س م ا ط ل) والنياق : الطويل في ارتفاع ، والشعشع : طويل العنق ، يصف جملا.

9) الرجز ، للزفيان في ديوانه ص 94 ، وللعجاج في الخصائص لابن جني 2 / 339 ، والمحكم والمحيط الأعظم ، مادة (ضخم) ، وتاج العروس مادة (س ب- ح ل).

10) العضرفوط : ذكر العظاء وهي دويبة بيضاء ناعمة ، لسان العرب (عضرفط).

فأما «درداقس» (1)فلا يتحقّق كونها من كلام العرب ، قال الأصمعيّ : أظنّها روميّة ، فلا ينبغي أن يثبت بها «فعلالل». وكذلك «خزرانق» (2)أصله فارسيّ فلا حجّة فيه.

وأما «قرعبلانة» (3)فلم تسمع إلّا من كتاب العين ، فلا ينبغي أن يلتفت إليها.


1) الدرداقس : عظم القفا ، لسان العرب ، مادة (دردقس).

2) الخزرانق : ضرب من ثياب الديباج ، لسان العرب ، مادة (خزرنق).

3) القرعبلانة : دويبة عريضة ، لسان العرب ، مادة (قرعبل).

باب أبنية الأفعال

اشارة

الأفعال تنقسم قسمين : ثلاثيّ ، ورباعيّ. وكلاهما ينقسم قسمين : مزيد ، وغير مزيد.

[الماضي الثلاثي]

فأما الثلاثيّ غير المزيد فله ثلاثة أبنية :

فعل : ك- «ضرب».

وفعل : ك- «علم».

وفعل : ك- «ظرف».

وأما الثلاثيّ المزيد فينقسم ثلاثة أقسام : قسم جاء على وزن الرباعيّ وهو ملحق به ، وقسم جاء على وزن الرباعيّ وليس بملحق به ، وقسم لم يجىء على وزنه.

فالملحق ما جاء :

على فيعل : نحو «بيطر» (1).

وعلى فعلل : نحو «جلبب» (2)و «شملل» (3).

وعلى فوعل : نحو «حوقل» (4).

وعلى فعول : نحو «جهور» (5).


1) بيطر : عالج الدواب ، لسان العرب ، مادة (بطر).

2) جلبب : ألبس الجلباب : الصحاح في اللغة ، مادة (جلبب).

3) شملل النخل : أخذ شماليلها ، لسان العرب ، مادة (شمل).

4) حوقل : كبر وعجز عن الجماع ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (حوقل).

5) جهور : رفع صوته ، الصحاح للجوهري ، مادة (جهر).

وعلى فعنل : نحو «قلنسس» (1)، وهو قليل.

وعلى يفعل : نحو «يرنأ لحيته» (2).

وعلى فعلى : نحو «قلسى» (3).

وهذه الأمثلة ملحقة ب- «فعلل» من الرباعيّ ، نحو «قرطس» (4). ويجيء :

على تفعلى : نحو «تقلسى» (5)و «تجعبى» (6).

وعلى تفعلت : نحو «تعفرت».

وعلى تفعنل : نحو «تقلنس».

وعلى تفعلل : نحو «نجلبب».

وعلى تفيعل : نحو «تشيطن».

وعلى تفوعل : نحو «تجورب».

وعلى تفعول : نحو «ترهوك» (7).

وعلى تفاعل : نحو «تغافل».

وعلى تفعّل : نحو «تكرّم».

وعلى تمفعل : نحو «تمسكن».

وهذه الأمثلة ملحقة ب- «تفعلل» من الرباعيّ ، نحو «تدحرج».

وعلى افعنلل : نحو «اقعنسس» (8).


1) قلنس : قلنس الشيء غطاه وستره ، لسان العرب ، مادة (قلنس).

2) يرنأ لحيته : صبغها باليرناء ، وهي الحناء ، لسان العرب ، مادة (رنأ).

3) قلسى : ألبس القلنسوة ، لسان العرب ، مادة (قلس).

4) قرطس : أصاب القرطاس ، الصحاح للجوهري ، مادة (قرطس).

5) تقلسى : لبس القلنسوة ، لسان العرب ، مادة (قلس).

6) تجعبى الجيش : ازدحم ، لسان العرب ، مادة (جعب).

7) ترهوك في المشي : كان كأنه يموج فيه ، لسان العرب ، مادة (رهك).

8) اقعنسس : رجع وتأخر ، الصحاح في اللغة للجوهري ، مادة (قعس).

وعلى افعنلى : نحو «اسلنقى» (1).

وهذان المثالان ملحقان ببناء «افعنلل» من الرباعيّ ، نحو «احرنجم» (2).

والذي يعلم به أنّ هذه الأمثلة ملحقة ، ببناء ما ذكرناه ، مجيء مصادرها على حسب مصادر ما ألحقت به ، فتقول : «جلببة» و «شمللة» و «بيطرة» و «جهورة» و «قلنسة» و «قلساة» ، كما تقول : «قرطسة».

وتفول : «تجلببا» و «تشسطنا» و «تجوربا» و «تزهوكا» و «تمسكنا» و «تغافلا» و «تكرّما» ، كما تقول : «تدحرجا».

وتقول : «اسلنقاء» و «اقعنساسا» ، كما تقول : «احرنجاما».

وغير الملحق ما جاء :

على أفعل : نحو «أكرم».

وعلى فاعل : نحو «ضارب».

وعلى فعّل : نحو «ضرّب».

فهذه الأمثلة على وزن «دحرج» ، وليست ملحقة به ، بدليل أنك لا تقول «ضاربة» ولا «ضرّبة» ولا «أكرمة» ، كما تقول «دحرجة».

والذي لم يجىء على وزن الفعل ما كان :

على انفعل : نحو «انطلق».

أو افتعل : نحو «اقتدر».

أو استفعل : نحو «استخرج».

أو افعلّ : نحو «احمرّ».

أو افعالّ : نحو «احمارّ».

أو افعوّل : نحو «اعلوّط» (3).


1) اسلنقى : نام على ظهره ، لسان العرب ، مادة (سلق).

2) أحرنجم القوم : ازدحموا ، لسان العرب ، مادة (حرجم).

3) اعلوّطت البعير : تعلقت بعنقه وعلوقه ، المحيط لابن عباد ، مادة (علط).

أو افعوعل : نحو «اغدودن» (1).

فهذه الأمثلة من مزيد الثلاثيّ ، وليس لها نظير في الرباعيّ.

فأما «هرقت» و «هرحت» فأصلهما «أرقت» و «أرحت» ، والهاء بدل من الهمزة. وأصله : أرقت وأرحت. وكذلك «أهرقت» أصله «أرقت» والهاء زائدة. وكذلك «أهرحت». وكذلك «أسطاع» فأصله «أطاع» والسين زائدة. فلا يثبت بشيء من ذلك وزن للفعل ، على خلاف ما ذكر ، لأنّ هذه أشياء شذّت ، ولم تطّرد في بابها.

وأمّا «افعولل» نحو «اعثوجج (2)البعير» ، و «افونعل» نحو «احونصل (3)الطائر» ، و «افعيّل» نحو «اهبيّخ (4)الرّجل» ، فلم يذكرها أحد إلّا صاحب العين ، فلا يلتفت إليها.

وأمّا ما حكاه بعض اللغويين ، من قولهم «سنبل الزّرع (5)وأسبل» ، و «دنقع الرّجل» إذا افتقر فكأنه لصق بالدّقعاء ، وما حكاه أبو عبيد من قولهم «كنثأت لحيته (6)وكثّأت» ، فلا حجّة في شيء من ذلك ، على إثبات «فنعل» ، بل تكون النون أصليّة ، وهي على وزن «فعلل» ك- «دحرج» ، ويكون «سنبل» من «أسبل» ك- «سبط» من «سبطر» ، وكذلك «دنقع» من الدّقعاء ، و «كنثأ» من «كثّأ».

وكذلك قولهم «طشيأ رأيه» و «رهيأ» إذا خلّط ، لا حجّة فيه على إثبات «فعيل» ، بل يحتمل أمرين : أحدهما أن تكون الياء أصلا في بنات الأربعة ، كما كانت ذي «يستعور» (7)لئلّا يؤدّي إلى إثبات بناء لم يستقرّ في كلامهم ، وهو «فعيل» ، والآخر أن يكون أصله «رهيا» و «طشيا» ، على وزن «فعلى» ك- «قلسى» ، ثم أبدلت الهمزة من الألف.

وأما «اكوهدّ (8)الفرخ» و «اكوألّ الرّجل» (9)فوزنهما «افعللّ» نحو «اقشعرّ» ، والواو


1) اغدودن النبت : إذا اخضر ، واغدودن الشعر : إذا طال ، لسان العرب ، مادة (غدن).

2) اعثوجج : أسرع ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (عثج).

3) احونصل : ثنى عنقه وأخرج حوصلته ، لسان العرب ، (حصل).

4) اهبيخ : مشى مشية فيها تبختر وتهاد ، لسان العرب ، مادة (هبخ).

5) سنبل وأسبل : أخرج سنبله ، لسان العرب ، مادة (سنبل).

6) كنثأت وكثأت : طالت وغرز شعرها ، لسان العرب ، مادة (كثأ).

7) اليستعور : شجر ، لسان العرب ، مادة (يستعر).

8) اكوهد الفرخ : ارتعد إلى أمه لتزقه ، لسان العرب ، مادة (كهد).

9) اكوأل : كان قصيرا في غلظ وشدة ، لسان العرب ، مادة (كأل).

أصل في بنات الأربعة ، كما كانت أصلا في «ورنتل» (1)؛ لأنّ «افوعلّ» بناء لم يستقرّ في كلامهم.

المضارع الثلاثي

وأما المضارعات فالمقيس منها أن يجيء مضارع «فعل» أبدا على «يفعل» بضمّ العين كالماضي ، نحو «ظرف يظرف» و «شرف تشرف» ، ومضارع «فعل» على «يفعل» بفتح العين ، نحو : «شرب يشرب» و «حذر يحذر».

و «فعل» لا يخلو أن يكون للمغالبة ، أو لا يكون ، فإن كان للمغالبة فإنّ مضارعه أبدا على «يفعل» بضمّ العين. نحو «ضاربني فضربته أضربه» ، و «كابرني فكبرته أكبره» ، و «فاضلني ففضلته أفضله» ، هذا ما لم يكن معتلّ العين أو اللام بالياء ، أو معتلّ الفاء بالواو ، فإن كان كذلك لزم المضارع «يفعل» بكسر العين ، نحو قولك «راماني فرميته أرميه» ، و «سايرني فسرته أسيره» أي : غلبته في السّير ، و «واعدني فوعدته أعده» ، وزعم الكسائيّ أنه يجيء على «أفعل» بفتح العين ، إذا كان عينه حرف حلق ، نحو «فاخرني ففخرته أفخره».

فإن لم يكن للمغالبة فلا يخلو أن يكون معتلّ الفاء بالواو ، أو معتلّ العين أو اللّام بالياء أو بالواو ، أو مضعّفا ، أو غير ذلك.

فإن كان معتلّ الفاء بالواو فإنّ مضارعه أبدا على «يفعل» بكسر العين ، نحو «وعد يعد» و «وزن يزن» ، وتحذف الواو ، لوقوعها بين ياء وكسرة في «يعد» ، ثم تحمل في «أعد» و «نمد» و «تعد» عليه ، لما يبيّن في التصريف ، إن شاء الله.

فإن كان معتلّ العين أو اللّام بالواو كان المضارع أبدا على «يفعل» بضمّ العين ، نحو «غزا يغزو» «وقال يقول».

وإن كان معتلّ العين أو اللّام بالياء ، فإنّ المضارع منه أبدا على «يفعل» بكسر العين ، نحو «رمى يرمي» و «باع يبيع».

وإن كان مضعّفا فلا يخلو أن يكون متعدّيا أو غير متعدّ ، فإن كان غير متعدّ فإنّ مضارعه أبدا يجيء على «يفعل» بكسر العين ، نحو «فرّ يفرّ» و «شذّ الشيء يشذّ» ، وإن كان متعدّيا فإن مضارعه أبدا يجيء على «يفعل» ، بضمّ العين ، نحو «ردّه يردّه» و «شدّه يشدّه».


1) الورنتل : الداهية والأمر العظيم ، القاموس المحيط للفيروز آبادي ، فصل الواو 1 / 1379.

فإن كان غير ذلك فلا يخلو أن تكون لامه أو عينه حرف حلق ، أو لا يكون ، فإن كان كذلك فإنّ مضارعه أبدا على «يفعل» بفتح العين ، نحو قرع يقرع و «فغر يفغر» و «زأر يزأر» ، وإن لم يكن كذلك فإنّ مضارعه أبدا يجيء على «يفعل» و «يفعل» ، بكسر العين وضمها ، نحو «ضرب يضرب» و «قتل يقتل» و «جلس يجلس» و «قعد يقعد» ، وقد يجتمعان في الفعل الواحد ، نحو «عكف يعكف ويعكف» ، وهما جائزان ، سمعا للكلمة ، أو لم يسمع إلّا أحدهما.

وأما المزيد على ذلك فإنك إذا أردت المضارع فلا يخلو أن تكون في أوّله همزة وصل ، أو تاء زائدة ، أو لا يكون كذلك.

فإن كان كذلك فإنّ المضارع منه بمنزلة الماضي ، إلّا أنّك تزيد حرف المضارعة مفتوحا ، وتكسر ما قبل الآخر ، فيما أوّله همزة وصل ، وتزيد حرف المضارعة مفتوحا لا غير ، فيما أوّله التاء ، فتقول «انطلق ينطلق» و «استخرج يستخرج» و «تغافل يتغافل» و «تشجّع يتشجّع».

وإن كان غير ذلك فعلت فيه ما فعلت فيما في أوّله همزة وصل ، إلّا أنك تضمّ حرف المضارعة ، فتقول «سلقى يسلقي» و «جلبب يجلبب» و «أكرم يكرم» و «ضرّب يضرّب» و «ضارب يضارب».

وشذّ من «فعل» شيء ، فجاء مضارعه على «يفعل» بكسر العين ، نحو «نعم ينعم» و «حسب يحسب» و «ومق يمق» و «ورث يرث» و «ولي يلي» و «ورع يرع» و «وعم (1)يعم» و «وغم (2)يغم». و «وحر يحر» (3)و «وغر (4)صدره يغر» و «وثق يثق» و «وفق يفق» و «وري الزّند يري» و «وطىء يطأ» و «وسع يسع».

والدليل على أنّ «يطأ ويسع» ، في الأصل ، إنما هو «يوطىء ويوسع» - ثم فتحت العين ، لكون اللّام حرف حلق - حذف الواو منهما ، ولم يعتدّ بالفتحة ، لكونها عارضة ، ولو كان أصليّة لم تحذف الواو ، كما لم تحذف من «يوجل» (5)و «يوحل».


1) وعم : قال الجوهري : وعم الدار : قال لها عمي صباحا : لسان العرب ، مادة (وعم).

2) وغم : حقد ، لسان العرب ، مادة (وغم).

3) وحر صدره : لسان العرب ، مادة (وحر) والصحاح للجوهري (وحر).

4) وغر صدره : امتلأ غيظا ، لسان العرب ، مادة (وغر).

5) يوحل : يقع في الوحل ، لسان العرب ، مادة (وحل).

وشذّ منه أيضا شيء ، فجاء على «يفعل» بضمّ العين ، وهو «نعم ينعم» و «فضل يفضل» و «حضر يحضر» و «متّ تموت» في لغة من يكسر الميم و «دمت تدوم».

وشذّ أيضا ، من «فعل» الذي فاؤه واو ، لفظة واحدة ، فجاء مضارعها على «يفعل» بضمّ العين ، وهي «وجد يجد» ، وأصله «يوجد» ، فحذفت الواو لكون الضمّ هنا شاذّا ، والأصل الكسر ، فحذفت الواو كما حذفت مع الكسرة ، وعلى ذلك قوله :

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة

تدع الصّوادي لا يجدن غليلا (1)

وشذّ أيضا شيء من «فعل» المعتلّ اللّام ، فجاء مضارعه على «يفعل» بفتح العين ، وهو «قلى يقلى» (2)و «عسى يعسى» و «جبى يجبى» (3)و «أبى يأبى».

وشذّ أيضا من «فعل» الصحيح اللّام شيء ، فجاء مضارعه على «يفعل» بفتح العين ، وهو «قنط يقنط» و «ركن يركن».

وشذّ أيضا من «فعل» المضاعف المعتدّي شيء ، فجاء مضارعه على «يفعل» بكسر العين ، وهو «هرّ الكأس يهرّها» (4)و «علّه يعلّه» (5)و «حبّ الشيء يحبّه».

[الرباعي]

وأما الرباعيّ فغير المزيد منه يجيء على فعلل : نحو «قرطس» ، والمزيد يجيء على افعنلل : نحو «احرنجم» (6)، وعلى افعللّ : نحو «اطمأنّ» ، وعلى تفعلل : نحو «تدحرج».

ومضارع «فعلل» : يفعلل ، بضمّ حرف المضارعة ، وكسر ما قبل الآخر ، ومضارع «افعنلل» : يفعنلل ، بفتح حرف المضارعة ، وكسر ما قبل الآخر ، وكذلك «افعللّ» مضارعه : يفعللّ ، بفتح حرف المضارعة ؛ وكسر ما قبل الآخر ، و «تفعلل» مضارعه : يتفعلل ، بفتح حرف المضارعة وما قبل الآخر.


1) البيت من البحر الكامل ، وهو لجرير في المحكم والمحيط الأعظم ، مادة (نقع) ، ومن قول لبيد في لسان العرب ، مادة (وجد) ، ولجرير في لسان العرب ، مادة (نقع) ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (نقع).

2) قلاه : أبغضه وكرهه غاية الكره ، المزهر للسيوطي : 2 / 39.

3) جبى : جمع وحصل ، لسان العرب ، مادة (جبى).

4) هرّ الكأس : كرهها ، المزهر للسيوطي 2 / 40.

5) علّه : سقاه السقية الثانية بعد النهل ، لسان العرب ، مادة (علل).

6) احرنجم القوم : ازدحموا ، لسان العرب ، مادة (حرجم).

ذكر معاني أبنية الأفعال

مجرّدة من الزيادة وغير مجرّدة وتبيين المتعدّي منها وغير المتعدّي.

فَعَل وفَعِل : يجيئان متعدّيين وغير متعدّيين ، فالمعتدّي منهما «ضرب» و «علم» ، وغير المتعدّي «قعد» و «أشر» (1).

فَعُل : ولا يتعدّى البتّة ، نحو «ظرف» و «شرف».

فَعلَلَ : ولا يكون إلّا متعدّيا ، نحو «جلببه» (2)و «شملله» (3)، إلّا أن يكون رباعيّا ، فإنه يكون متعدّيا وغير متعدّ ، فالمتعدّي نحو «دحرجته» و «صعررته» ، وغير المتعدّي نحو «قرقر» (4).

فَيعَل وفَوعَل وفَعولَ وفَعلَى : تكون متعدّية وغير متعدّية ، فالمتعدّي منها «بيطر الدّابّة» و «صومع (5)الثّريد» و «دهور المتاع» (6)و «قلسى الرّجل» (7)، وغير المتعدّي «بيقر» (8)و «حوقل» (9)و «هرول» و «عنظى» (10)و «حنظى» (11)و «خنذى» (12).

فَعنَلَ : يكون متعدّيا ، نحو «قلنس».


1) أشر : مرح وبطر : لسان العرب ، مادة (أشر).

2) جلببه : ألبسه الجلباب ، لسان العرب ، مادة (جلبب).

3) شملل النخل : أخذ منه شماليله ، لسان العرب ، مادة (شملل).

4) قرقر البعير : إذا صفا صوته ورجّع ، الصحاح للجوهري ، مادة (قرقر).

5) صومع الثريد : المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (صومع).

6) دهور المتاع : جمعه وقذفه في مهواة ، لسان العرب ، مادة (دهر).

7) قلسى الرجل : ألبسه القلنسوة ، لسان العرب ، مادة (قلس).

8) بيقر : هلك ، لسان العرب ، مادة (بقر).

9) حوقل : كبر وعجز عن الجماع ، لسان العرب ، مادة (حقل).

10) عنظى : إذ تكلم بالقبيح ، المحيط في اللغة لابن عباد ، مادة (عنظ).

11) خنظى : صار بذيئا فاحشا ، الصحاح للجوهري مادة (حنظ).

12) خنذى : صار خليعا ماجنا ، تاج العروس ، مادة (خنذ).

يَفعَلَ : ولا يكون إلّا متعدّيا ، نحو «يرنأ لحيته» (1).

تَفَعلَلَ وتَفَيعَلَ وتَفَعلَى وتَفعنَلَ وتَفَوعَلَ وتَمَفعَلَ وتَفَعوَلَ : أكثر ما تجيء غير متعدّية ، لأنها مطاوعة للفعل الذي دخلت عليه التاء في الغالب. نحو «دحرجته فتدحرج» و «مدرعته (2)فتمدرع». وكذلك باقيها. فكان الغالب عليها - لذلك - عدم التعدّي ، حتى تكون ك- «انفعل».

تَفَعلَتَ : ولا يكون متعدّيا ، نحو «تعفرت».

تَفاعَلَ : تكون متعدّية وغير متعدّية. فالمتعدّية نحو «تقاضيته» «تنازعنا الحديث» و «تجاوزنا المكان» ، وغير المتعدّية : «تغافل» و «تعاقل» ، وإنما يجوز أن تقول «تفاعلته» ، وتعدّية إلى مفعول ، إذا لم يكن المفعول فاعلا ، نحو «تقاضيت الدّين» ، ولها ثلاثة معان :

أحدها : أن تكون للاثنين فصاعدا ، «تشاتما» و «تقاتلا».

والثاني : الرّوم (3)، كقولك : «تقاربت من الشيء» و «تراءيت لزيد» أي : رمت القرب ، ورمت أن يراني.

والثالث : الإبهام ، وهو أن يريك أنه في حال ليس فيها ، كقولك «تغافلت» و «تعاميت» و «تناعست» و «تجاهلت» ، أي : أظهرت ذلك ، وإن لم أكن في الحقيقة موصوفا بذلك ، قال :

إذا تخازرت ، وما بي من خزر (4)

أي : أظهرت ذلك ، وقوله : «وما بي من خزر» يدلّ على ما قلناه ، من الإيهام.

تَفَعَّلَ : تكون متعدّية وغير متعدّية ، فالمتعدّية نحو «تلقّفته» ، قال تعالى : (تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) [الأعراف : 117]. و «تخبّطه الشّيطان» ، قال تعالى : (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) [البقرة : 275] ، وغير المتعدّية نحو «تحوّب» (5)و «تأثّم» (6)، ولها ثمانية معان :


1) يرنأ لحيته : صبغها بالحناء ، لسان العرب ، مادة (رنأ).

2) مدرعته : ألبسته المدرعة ، لسان العرب ، مادة (درع).

3) الرّوم : القصد والطلب.

4) الرجز : لعمرو بن العاص رضي الله عنه ، في الأمالي لابن سمعون 1 / 76 ، وجمهرة الأمثال للعسكري نسبه إلى طفيل ص 210 ، وفي أساس البلاغة للزمخشري ، نسبه للعجاج ، ولسان العرب نسبه لأرطأة بن سهية ، مادة (خزر).

5) تحوب : ألقى الحوب عن نفسه أي إذا تعبد ، لسان العرب (حوب).

6) تأثم : ألقى الأثم عن نفسه بالعبادة ، لسان العرب ، مادة (حوب).

أحدها : أن تكون مطاوعة ل- : «فعّل» ، كقولك «كسّرته فتكسّر» و «قطّعته فتقطّع». والمطاوعة : أن تريد من الشيء أمرا ما ، فتبلغه.

والثاني : الحرص على الإضافة ، فإذا أراد الرجل أن يدخل نفسه في الشجعان والحلماء قيل «تشجّع» و «تحلّم» ، قال حاتم الطائيّ :

تحلّم عن الأدنين ، واستبق ودّهم

ولن تستطيع الودّ ، حتّى تحلّما (1)

ومنه «تقيّس» (2)و «تنزّر» (3)و «تعرّب» (4).

والثالث : أخذ جزء بعد جزء نحو ، «تنقّصته» و «تجرّعته» و «تحسّيته» أي : أخذت منه الشيء بعد الشيء.

والرابع : الختل ، كقولك «تغفّله» أي : أراد أن يختله عن أمر يعوقه عنه ، و «تملّقه» نحو ذلك ؛ لأنه إنما يديره عن شيء.

والخامس : التوقّع ، كقولك : «تخوّفه» ؛ لأنّ مع التخوّف توقّع الخوف ، وأما «خافه» فلا توقّع معه.

والسادس : الطلب ، ك- : «استفعل» : نحو : «تنجّز حوائجه واستجزها».

والسابع : التكثير ، كقولك : «تعطّينا» (5).

والثامن : الترك ، كقولك : «تحوّب» و «تأثّم» أي : ترك الإثم والحوب.

افعَنلَلَ وافعَنلَى : أما «افعنلل» فلا يكون متعدّيا ، نحو «اقعنسس» (6)و «احرنجم» (7).

وأما «افعنلَيتُ» فزعم أبو الفتح أنه يكون متعدّيا ، وغير متعدّ. فغير المتعدّي نحو


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لحاتم الطائي ، في كتاب سيبويه 4 / 71 ، يتيمة الدهر للثعالبي 4 / 437 ، والمخصص لابن سيده 1 / 251 ، ومحاضرات الأدباء 1 / 276 ، وديوان المتنبي 3 / 484.

2) تقيس : انتسب إلى قيس ، لسان العرب ، مادة (قيس).

3) نزر : انتسب إلى نزار ، لسان العرب ، مادة (نزر).

4) تعرب : انتسب إلى العرب ، أو تكلم بلغة العرب ، لسان العرب ، مادة (عرب).

5) تعطينا : تنازعنا ، وفيه معنى التكثير ، المحكم لابن سيده ، (عطا).

6) اقعنسس : رجع وتأخر ، الصحاح للجوهري ، مادة (قعنس).

7) احرنجم القوم : ازدحموا ، لسان العرب ، مادة (حرجم).

«احرنبى (1)الديك» ، والمتعدّي نحو «اغرندى» (2)، و «اسرندى» (3)، قال الراجز :

قد جعل النّعاس يغرنديني

أدفعه عنّي ويسرنديني (4)

وزعم سيبويه أنه لا يتعدّى ، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه ، إذ لم يسمع متعدّيا إلّا في هذا الرجز ، وغالب الظنّ فيه أنه مصنوع ، قال أبو بكر الزّبيديّ : أحسب البيتين مصنوعين.

أفعَلَ : يكون متعدّيا ، وغير متعد ، فالمتعدّي ك- «أكرم» وغير المتعدّي ك- «أخطأ» ، ولها أحد عشر معنى : الجعل والهجوم والضّياء ، ونفي الغريرة ، والتّسمية ، والدّعاء ، والتعريض ، وبمعنى «ثار صاحب كذا» ، والاستحقاق ، والوجود ، والوصول.

فالجعل على ثلاثة أوجه : أحدها : أن تجعله يفعل ، كقولك «أخرجته» و «أدخلته» أي : جعلته خارجا وداخلا ، والثاني : أن تجعله على صفة ، كقولك «أطردته» : جعلته طريدا ، والثالث : أن تجعله صاحب شيء ، نحو «أقبرته» : جعلت له قبرا.

والهجوم : كقولك «أطلعت عليهم» أي : هجمت عليهم ، وأمّا «طلعت عليهم» ف- «بدوت».

والضّياء : كقولك «أشرقت الشّمس» : أضاءت ، فأمّا «شرقت» ف- «طلعت».

ونفي الغريزة : كقولك «أسرع» و «أبطأ» ، كأنك قلت : «عجل» و «احتبس» ، فأمّا «عجل» و «بطوء» فكأنه عريزة.

والتّسمية : كقولك «أكفرته» و «أخطأته» أي سمّيته كافرا ومخطئا.

والدّعاء : كقولك «أسقيته» : دعوت له بالسّقيا. قال ذو الرّمة :

وأسقيه ، حتّى كاد ممّا أبثّه

تكلّمني أحجاره ، وملاعبه (5)


1) احرنبى الديك : انتفش ريشه وتهيأ للقتال ، لسان العرب ، مادة (حرب).

2) اغرنداه : اعتلاه ، لسان العرب ، مادة (غرند).

3) اسرنداه : اعتلاه ، لسان العرب ، مادة (سرند).

4) الرجز : بلا نسبة في لسان العرب ، مادة (سرند) ، والخصائص لابن جني 2 / 258 ، وتهذيب اللغة للأزهري 8 / 200 ، والمعجم الوسيط للزيات ورفاقه 5 / 148 ، مادة (سرند).

5) البيت من البحر الطويل ، وهو لذي الرمة في كتاب سيبويه 4 / 59 ، وطبقات الفحول الشعراء 2 / 557 ، وتهذيب اللغة 10 / 164 ، والأغاني 18 / 23.

أي : أدعو له بالسّقيا.

والتّعريض : كقولك «أقتلته» أي : عرّضته للقتل.

وبمعنى صار صاحب كذا : كقولك «أجدب المكان» أي : صار ذا جدب.

والاستحقاق : كقولك «أقطع النّخل» و «أحصد الزّرع» ، أي : استحقّا أن يفعل بهما ذلك. ومن ذلك «أحمدته» وجدته مستحقّا للحمد و «ألام الرّجل» : استحقّ أن يلام.

والوجود : كقولك «أبصره» : دلّه على وجود المبصر.

والوصول : كقولك «أغفلته» أي : وصلت غفلتي إليه.

فاعل وتكون متعدّية ، نحو «ضاربت» و «شاتمت» ، وقد تكون غير متعدّية ، نحو «سافر» ، وأكثر ما تجيء من اثنين ، نحو «ضاربت» و «قاتلت» ، وقد تكون من واحد ، نحو «سافر» و «عاقبت اللّصّ» و «طارق (1)النّعل».

فَعَّلَ : ويكون متعدّيا وغير متعدّ. فالمتعدّي نحو «كسّرته» و «قطّعته». وغير المتعدّي نحو «سبّح» و «هلّل» ، ولها ثمانية معان :

أحدهما أن تكون للنّقل ، فتصيّر الفاعل مفعولا ، كقولك «فرح وفرّحته» و «غرم وغرّمته» و «فزع وفزّعته».

والثاني التكثير : كقولك «فتّحته» و «كسّرته» و «قطّعته» و «حرّكته».

والثالث الجعل على صفة : كقولك «فطّرته فأفطر».

والرابع التّسمية : كقولك «خطّأته» و «فسّقته» ، أي : سمّيته مخطئا وفاسقا.

والخامس الدعاء للشيء أو عليه : كقولك «سقّيته» : قلت له سقاك الله. و «جدّعته» و «عقّرته» أي : دعوت عليه بالجدع والعقر.

والسادس القيام على الشيء : كقولك «مرّضته» أي : قمت عليه.

والسابع الإزالة : كقولك «قذّيت عينه» أي : أزالت عنها القذى.

والثامن أن يراد بها رميته بذلك : كقولك «شجّعته» و «جبّنته» أي : رميته بالشجاعة والجبن.


1) طارق النعل : صيرها طاقا فوق طاق ، لسان العرب ، مادة (طرق).

انفَعَلَ : ولا يكون متعدّيا أبدا ، وإنما يجيء في كلام العرب للمطاوعة ، وقد تقدّم تفسير المطاوعة ، والمطاوعة فيها تكون بوجهين. إمّا بأن تريد من الشيء أمرا ما ، فتبلغه بأن يفعل ما تريده ، إن كان ممّا يصحّ منه الفعل ، وإمّا بأن يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصحّ منه الفعل ، وإن كان لا يصحّ الفعل منه ، فأمّا ما يطاوع ، بأن يفعل فعلا تريده منه ، فنحو قولك «أطلقته فانطلق» و «صرفته فانصرف» ؛ ألا ترى أنه هو الذي فعل الانطلاق والانصراف بنفسه ، عند إرادتك إياهما منه ، أو بعثك إيّاه عليهما ، وأمّا ما تبلغ منه مرادك ، بأن يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصحّ منه الفعل ، فنحو قولك «قطعت الحبل فانقطع» و «كسرت الحبّ فانكسر» ؛ ألا ترى أنّ الحبل والحبّ لا يصحّ منهما الفعل ؛ لأنه لا قدرة لهما ، فإنما أردت ذلك منهما ، فبلغته بما أحدثته أنت فيهما ، لا أنهما توليّا الفعل ؛ لأنّ الفعل لا يصحّ من مثلهما ، ومن قلك قوله : لا خطوتي تتعاطى غير موضعها ولا يدي في حميت السّمن تندخل ، هو مطاوع «أدخلته» ، وهو من باب «انقطع الحبل» ؛ لأنّ اليد لا تكون فاعلة ، إنما هي آلة يفعل بها.

واعلم أنّ «انفعل» إنما أصله من الثلاثيّ ، ثم تلحقه الزّيادتان من أوّله ، نحو «قطعته فانقطع» و «سرحته فانسرح» ، ولا يكاد يكون «فعل» منه إلّا متعدّيا حتى تمكن المطاوعة والانفعال ؛ ألا ترى أنّ «قطعته» و «كسرته» متعدّيان ، قال أبو عليّ : وقد جاء «فعل» منه غير متعدّ ، قال الشاعر :

وكم منزل ، لولاي : طحت كما هوى

بأجرامه من قلّة النّيق منهوي (1)

وإنما هو مطاوع «هوى» إذا سقط ، وهو غير متعدّ ، كما ترى.

وجاء في هذه القصيدة «منغوي». قال أبو عليّ : إنما بنى من «غوى» و «هوى» منفعلا ، بضرورة الشعر.

ويجوز عندي أن يكون «منغو» و «منهو» مطاوعين ل- «أغويته» و «أهويته» ، فيكون مثل «أدخلته فاندخل» و «أطلقته فانطلق». ولا يكونان ، على هذا ، شاذّين.

افتَعَلَ : تكون متعدّية ، وغير متعدّية. فالمتعدّية نحو «اكتسب» و «اقتلع». وغير المتعدّية نحو «افتقر» و «استقى». ولها ستّة معان :

أحدهما : المطاوعة ، فتكون إذ ذاك بمعنى «انفعل» وذلك قليل فيها ، نحو «شويته


1) البيت من البحر الطويل ، ليزيد بن الحكم ، في كتاب سيبويه 2 / 374 ، والعقد الفريد 2 / 295 ، والأمالي في لغة العرب 1 / 68 ، والأغاني 12 / 344 ، والخصائص لابن جني 2 / 259.

فاستوى» و «غممته فاغتمّ». والأفصح «انشوى» و «انغمّ». وحكمها أيضا ألّا تبنى إلّا مما كان «فعل» منه متعدّيا. وقد يجيء من غير المتعدّي ، وذلك قليل فيها ، قال الراجز :

حتى إذا اشتال سهيل ، في السّحر

كشعلة القابس ، ترمي بالشّرر (1)

فهذا من «شال يشول» ، وهو غير متعدّ ، بدلالة قول الراجز :

يشول بالمحجن ، كالمحروق (2)

ولو كان متعدّيا لقال : «يشول المحجن».

والثاني : أن يكون بمعنى «تفاعل» ، كقولك : «اجتوروا» و «اعتونوا» أي : تجاوروا وتعاونوا.

والثالث : أن يكون بمعنى الاتّخاذ ، كقولك : «اشتوى القوم» أي : اتّخذوا شواء. فأمّا «شويت» فكقولك «أنضجت». وكذلك «اختبزوا» و «اطّبخوا» و «اذّبحوا» أي : اتّخذوا خبزا ، وطبيخا ، وذبيحة. فأمّا «ذبح» فكقولك «قتل».

والرابع : التّصرّف والاجتهاد ، كقولك : «اكتسب» أي : تصرّف واجتهد ، فأما «كسب» ف- : أصاب مالا.

والخامس : أن تكون بمعنى «نفعّل» : كقولك : «ادّخل» و «ادّلج» ، تريد : تدخلّ وتدلّج (3).

والسادس : الخطفة ، كقولك : «انتزع» و «استلب» أخذه بسرعة. فأما «نزع» فهو تحويلك إياه ، وكذلك «قلع واقتلع» و «جذب واجتذب».

استَفعَلَ : تكون متعدّية ، وغير متعدّية ، فالمتعدّية نحو «استحسنت الشيء». وغير المتعدّية نحو «استقدم» و «استأخر» ، وتكون مبنيّة من فعل متعدّ ، فالمبنيّة من متعدّ نحو «استعصم» و «استعلم» ، هما مبنيّان من «عصم» و «علم». والمبنيّة من غير المتعدّي نحو «استحسن» و «استقبح» هما مبنيان من «حسن» و «قبح». ولها خمسة معان :


1) الرجز ، بلا نسبة في تهذيب اللغة 3 / 39 ، واللسان والتاج ، مادة (شول). واشتال : ارتفع ، والقابس ، طالب القبس.

2) الرجز ، بلا نسبة في اللسان ، والحكم المحيط الأعظم ، مادة (حرق). وتهذيب اللغة 4 / 30.

3) تدلج : تدخل ، لسان العرب ، مادة (دلج).

أحدهما الإصابة : كقولك «استجدته» أي : أصبته جيّدا. و «استكرمته» و «استعظمته» : أصبته كريما ، وعظيما.

والثاني الطلب : كقولك «استعطيت العطيّة» و «استعتبته» أي : طلبت له العتبى ، و «استفهمته» أي طلبت منه أن يفهمني.

والثالث التحوّل من حال إلى حال : نحو «استنوق الجمل» و «استتيست الشّاة».

والرابع بمعنى «تفعّل» كقولك «تعظّم واستعظم» و «تكبّر واستكبر».

والخامس بمعنى «فعل» : كقولك «مر واستمرّ» و «قرّ واستقرّ».

افعالَّ : ولا يكون متعدّيا. وأكثر ما صيغ للألوان ، نحو قولك «اشهابّ» و «اسوادّ» و «ابياضّ» و «ادهامّ». وقد قالوا «املاسّ» و «اضرابّ» ، وليسا من اللون.

افعَلَّ : هو مقصور من «افعالّ» ، لطول الكلمة. ومعناها كمعناها ، بدليل أنه ليس شيء من «افعلّ» إلّا يقال فيه «افعالّ». إلّا أنه قد تقلّ إحدى اللغتين في شيء ، وتكثر الأخرى ؛ ألا ترى أنّ طرح الألف من «احمرّ» و «اصفرّ» و «ابيضّ» و «اسودّ» أكثر ، وإثباتها في «اشهالّ» و «ادهامّ» و «اكهابّ» (1)أكثر. وقد قالوا «ارقدّ (2)في العدو» و «ارعوى» و «اقتوى» (3)، وكلّه «افعلّ» ، ولم يسمع منهم في شيء من ذلك «افعالّ» ، إلّا أنه يجوز بالقياس ، وهو أيضا لا يتعدّى ، كما لا يتعدّى أصله الذي قصر منه.

افعَوَّلَ : يكون متعدّيا ، وغير متعدّ. فالمتعدّي نحو «اعلوّط (4)المهر». وغير المتعدّي نحو «اخروّط (5)السّفر» و «اجلوّذ» (6).

افعَوعَلَ : يكون متعدّيا وغير متعدّ. فالمتعدّي نحو «احلوليت الشيء». قال الشاعر :


1) اكهابّ : صار لونه الكهبة ، وهي غبرة مشربة سوادا ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (كهب).

2) ارقدّ : أسرع السير ، لسان العرب ، مادة (رقد).

3) اقتوى : خدم بطعام بطنه ، لسان العرب ، مادة (قتا).

4) اعلوط المهر : تعلق بعنقه وركبه ، لسان العرب ، مادة (علط).

5) اخروط السفر : طال ، لسان العرب ، مادة (خرط).

6) اجلوذ السفر : طال ، لسان العرب ، مادة (جلذ).

فلمّا أتى عامان ، بعد انفصاله

عن الضّرع ، واحلولى دماثا يرودها (1)

وروى ابن مقسم عن ثعلب :

لو كنت تعطي ، حين تسأل ، سامحت

لك النّفس ، واحلولاك كلّ خليل (2)

وكذلك «اعروريت (3)الفرس». وغير المتعدّي نحو «اغدودن» (4)النّبت. ومعناه - على كلّ حال - المبالغة ، نحو «خشن واخشوشن» و «أعشب واعشوشب».

افعَلَلَّ : لا يكون متعدّيا أبدا ، نحو «اطمأنّ و «اقشعرّ».



1) البيت من البحر الطويل ، لحميد بن ثور الهلالي في ديوانه ص 73 ، وكتاب سيبويه 4 / 77 ، والتاج ، مادة (حلو) وأدب الكتاب ص 362 ، والصحاح واللسان ، مادة (حلو).

2) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في الأمالي ، 2 / 170 ، وتهذيب اللغة 5 / 153 ، ومجمع الأمثال 1 / 356 ، واللسان ، مادة (سمح).

3) اعرورى : ركبه عريا ، لسان العرب ، مادة (عرا).

4) اغدودة : النبت إذا اخضر حتى يضرب إلى السواد ، واغدورق الشعر ، طال ، لسان العرب ، مادة (غدن).

حروف الزيادة

اشارة

حروف الزيادة

وأمّا حروف الزيادة فعشرة ، ويجمعها قولك «أمان وتسهيل».

فإن قيل : ولم يمّيت حروف الزيادة ، وهي قد تكون أصولا؟.

فالجواب : أنّ المراد بذلك أنها الحروف التي لا تكون الزيادة إلّا منها ؛ ألا ترى أنه متى وجد حرف في كلمة زائدا لا بدّ أن يكون أحد هذه الحروف.

فإن قيل : فهلّا زدتم في حروف الزيادة كاف الخطاب ، التي في «تلك» و «ذاك» ونحوهما ، والشين اللاحقة للكاف التي هي ضمير المؤنث في الوقف ، نحو «أعطيتكش» و «أكرمتكش»؟.

فالجواب : أنه لا يتكلّم في هذا الموضع ، من حروف الزيادة ، إلّا فيما جعلته العرب كالجزء من الكلمة ، نحو همزة «أحمر» وتاء «تنضب» وأشباه ذلك ؛ ألا ترى أنهما من كمال الاسم ، كالدال من «زيد» ، لأنّ هذا الضرب هو الذي يحتاج إلى إقامة الدليل على زيادته ، لمشاكلته الأصل في كونه من كمال البناء. فأمّا ما لم تجعله كالجزء مما زيد معه فزيادته بيّنة ، لا يحتاج إلى إقامة دليل عليها.

فإن قيل : فإنّ الكاف قد تزاد على أنها من نفس الكلمة؟.

فيقال «هنديّ وهندكيّ» في معنى واحد ، وهو المنسوب إلى الهند ، قال الشاعر :

ومقرونة ، دهم وكمت ، كأنّها

طماطم ، يوفون الوفاز هنادك (1)

أي : منسوبون إلى الهند؟.

فالجواب : أن «هنديّا» و «هندكيّا» من باب «سبط وسبطر» ، أعني مما تقارب فيه اللفظ ، والأصل مختلف ، لأنه لم يثبت زيادة الكاف ، في موضع غير هذا ، فيحمل هذا عليه.


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لكثير عزة في ديوانه ص 347 ، وسر صناعة الأعراب لابن جني 1 / 281 ، ولسان العرب (هند).

فإن قيل : فإذا كان الأمر على ما ذكرت فلم أوردوا في حروف الزيادة اللّام الرائدة ، في مثل «ذلك» ، والتاء الزائدة للتأنيث ، في مثل «قائمة» ، وهما ليسا كالجزء مما زيدا فيه ؛ ألا ترى أن «قائما» اسم كامل دون التاء ، وكذلك «ذلك» اسم كامل دون اللّام ، لأنك تقول «ذاك»؟.

فالجواب : عن ذلك شيئان :

أحدهما : أنّ التاء الزائدة قد تكون ، في موضع ، من نفس الكلمة نحو «عفريت» ، وكذلك اللّام في نحو «عبدل». و «زيدل».

فإن قيل : فإنّ اللام في «عبدل» ليست من كمال الاسم ، لأنك تقول «عبد» ، وكذلك «زيدل» لأنك تقول «زيد»؟.

فالجواب : أنّ الذي يقول «عبدلا» و «زيدلا» ليس «عبد» و «زيد» عنده باسمين كاملين ، بل هما بعض اسم ، بدليل جعلهما حرفي إعراب كالدال من «زيد». فلمّا كانا من نفس الحرف في بعض المواضيع ذكرا مع حروف الزيادة.

والآخر : أنّ تاء التأنيث في مثل «قائمة» واللّام في مثل «ذلك» بمنزلة ما هو من نفس الحرف. أمّا تاء التأنيث فلأنها قد صارت حرف إعراب. وأيضا فإنك لو أسقطتها لاختلّت دلالة الاسم ، لأنه كان يعطي التأنيث ، فإذا سقطت منه لم يبق ما يدلّ على التأنيث ، وصار مدلول الاسم شيئا آخر. وقد تلزم في بعض المواضع نحو «رفاهية». و «كراهية» ، و «طواعية» ، لا يجوز حذفها في شيء من ذلك. وأمّا اللّام فإنها إذا زيدت في اسم المشار صار اسم الإشارة يقع على البعيد ، فإذا أسقطتها منه اختلّت دلالته التي كانت له مع اللّام ، وصار يعطي القريب ، نحو «ذا».

فإن قيل : فلم أوردوا فيها الهاء ، وهي لا تزاد إلّا لبيان الحركة ، فلم تتنزّل منزلة الجزء مما زيدت فيه؟.

فالجواب : أنّ المبرّد قد أخرجها لذلك من حروف الزيادة ، وسنبيّن كونها من حروف الزيادة في فصل الهاء ، إن شاء الله تعالى.

فتبيّن أنّ حروف الزيادة ، التي يجب أن تورد هنا ، إنما هي العشرة المتقدّمة الذّكر ، وما عدا ذلك ، من الحروف ، لا يزاد إلّا في التصعيف. فإنّ كلّ حرف يضعّف فإنّ أحد المضعّفين زائد ، ما لم تقم الدّلالة على أصالتهما. وذلك بأن يؤدي جعل أحدهما زائدا

إلى بقاء الكلمة على أقلّ من ثلاثة أحرف ، نحو «ردّ» ، إذ لا بدّ من فاء وعين ولام. وسنفرد لذلك بابا ، عقب الفراغ من حروف الزيادة ، وسنبيّن فيه أيّ الحرفين هو الزائد. فإن في ذلك خلافا.

ولا يزاد حرف من هذه الحروف إلّا :

للإلحاق : نحو واو «كوثر».

أو لمعنى : نحو حروف المضارعة.

أو للإمكان : نحو همزة الوصل ، فإنهما زيدت ليتوصّل بها إلى النطق بالساكن ، ونحو الهاء المزيدة ، فيما كان من الأفعال على حرف واحد ، في الوقف ، نحو «فه» و «عه». فإنه لا يمكن النّطق بحرف واحد ، إذ لا أقلّ من حرف يبتدأ به ، وحرف يوقف عليه.

أو لبيان الحركة ، في نحو : (سُلْطانِيَهْ) [الحاقة : 29].

أو للمدّ : نحو «كتاب» و «عجوز» و «قضيب». وإنما زيدت هذه الحروف ، ليزول معها قلق اللسان بالحركات المجتمعة ، أو ليزول معها اجتماع الأمثال في نحو «شديد». ومما يدلّ على أنهم قد يزيدون الحرف ، للفصل بين المثلين ، قولهم في جمع قردد «قراديد» في فصيح الكلام. ولا تفعل العرب ذلك فيما ليس في آخره مثلان ، إلّا في الضرورة ، نحو قوله :

تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة

نفي الدّراهم تنقاد الصيّاريف (1)

أو للعوض : نحو تاء التأنيث في «زنادقة» فإنها عوض من ياء «زناديق».

أو لتكثير الكلمة : نحو ألف : «قبعثرى» (2)ونون «كنهبل» (3)، لأنه لا يمكن فيها الإلحاق ، إذ ليس لهما من الأصول نظير يلحقان به. وإذا أمكن أن تجعل الزيادة لفائدة كان أولى من حملها على التكثير ، إذ لا فائدة في ذلك. فلذلك جعلنا الحرف الزائد في كلمة لها نظير ، قد قابل الحرف الزائد منها حرف أصليّ من ذلك النظير ، للإلحاق ، إلّا أن يمنع من ذلك مانع.


1) البيت من البحر البسيط ، وهو للفرزدق ، في التشبيهات لابن أبي عون ص 15 ، وديوان المتنبي 2 / 240 ، ولسان العرب ، مادة (صرف).

2) القبعثرى : الجمل الضخم العظيم ، لسان العرب ، مادة (قبعثر).

3) الكنهبل : نوع من الأشجار العظيمة ، الصحاح للجوهري ، مادة (كهبل).

وقد تقدّم ما يعلم به أنّ الحرف ملحق في الأفعال ، عند ذكر الأفعال. وأما في الأسماء فإذا كان المزيد منها في مقابلة حرف أصليّ ، من بناء آخر على وفق البناء الذي فيه الحرف الزائد ، قضيت عليه بأنه للإلحاق ، إلّا أن يكون ذلك الحرف ألفا غير آخر ، أو ياء أو واوا حركة ما قبلهما من جنسهما ، نحو «قضيب» و «عجوز» ، أو ميما أو همزة في أوّل كلمة.

أمّا الألف فإنها لم يلحق بها حشو الكلمة ، لأنها لو جعلت للإلحاق لم تكن إلّا منقلبة ، كما أنّ ألف الأصل لا تكون إلّا منقلبة. فإذا قدّرتها منقلبة لم يخل من أن يكون الحرف الذي انقلبت عنه ساكنا أو متحرّكا فلا يتصوّر أن يكون ساكنا ، إذ لا موجب لإعلاله. ولا يتصوّر أن يكون متحركا ، لأنه يؤدّي إلى تغيّر الملحق عن بناء ما ألحق به ، وذلك لا يجوز. ولذلك احتملوا نقل اجتماع المثلين في «قردد» ولم يدغموا ، لئلّا يتغيّر عن بناء ما ألحق به ، وهو «جعفر» ، فلا يحصل الغرض الذي قصد به ، من تصيير الملحق على وفق الملحق به في الحركات والسّكنات وعدد الحروف. وأمّا إذا كانت طرفا فيتصور الإلحاق بها ، لأنها إذ ذاك تقدّر منقلبة عن حرف متحرّك. ولا يكون ذلك تغييرا لبناء الملحق عن أن يكون على مثال ما ألحق به ، لأنّ حركة الآخر ليست من البناء.

وأمّا الياء المكسور ما قبلها والواو المضموم ما قبلها فأجريا في منع الإلحاق بهما مجرى الألف ، لشبههما بها في الاعتلال والمدّ.

وأمّا الهمزة والميم أوّلا فلم يلحق بهما ، لأنّ العرب قد عزمت على زيادتهما أوّلا ، إذا كان بعدهما ثلاثة أحرف أصول ، إلّا فيما شذّ ، على ما يبيّن في موضعه. فلمّا عزموا على ألّا يكونا أصلين لم يستعملوهما في ذينك الموضعين للإلحاق ، لأنّ في ذلك تقريبا لهما من الأصول ، وتنزيلا لهما منزلتها ، فيكون ذلك نقضا لما اعتزموه من زيادتهما. ومما يبيّن لك أنهما ليسا للإلحاق وجود «أشدّ» و «مفرّ» في كلامهم ، والأصل «أشدد» و «مفرر». فلو كانا للإلحاق لم يدغما كما لم يدغم مثل «قردد».

فإن قال قائل : ولأيّ شيء خصّوا هذه الأحرف العشرة بالزيادة ، من بين حروف المعجم؟.

فالجواب : أنّ أمّهات هذه الزوائد ، والذي هو زائد منها بحقّ الأصالة ، الواو والياء والألف ، لكثرة دورها في الكلام واستعمالها ؛ ألا ترى أنه لا تخلو كلمة منها أو من بعضها ، أعني الحركات : الضّمّة والكسرة والفتحة ، لأنّ الضّمة بعض الواو ، والكسرة

بعض الياء ، والفتحة بعض الألف. ولمّا كانت أمّهات الزوائد لذلك كانت أكثر الحروف زيادة ، على ما يبيّن بعد ، إن شاء الله.

وأمّا الهمزة والتاء والميم والنون فزيدت لشبهها بحروف العلّة :

أمّا الهمزة فشبهها بحروف العلّة من جهة كثرة تغييرها ، بالتسهيل ، والحذف ، والبدل.

وأمّا التّاء فأشبهت الواو من جهة تقارب مخرجيهما ، ولذلك أبدلت منها في مثل «تراث» و «تكأة» ، لأنهما من «ورثت» و «توكّأت».

وأمّا الميم فمضارعة للواو أيضا ، من جهة تقاربهما في المخرج ، ومضارعة لحروف العلّة كلّها ، من جهة الغنّة التي فيها ، الشبيهة باللّين الذي في حروف العلّة ، لأنّ الغنّة فضل صوت في الحرف ، كما أنّ اللّين كذلك.

وأما النون فأشبهت أيضا حروف العلة ، من جهة الفتّة التي فيها.

ولمّا كانت هذه الحروف قريبة الشبه من حروف العلّة كانت تليها في كثرة الزيادة ، على ما يبيّن بعد ، إن شاء الله تعالى.

وأمّا السين واللّام والهاء : فإنها زيدت لشبهها بالحروف المشبّهة بحروف العلّة :

أمّا اللّام : فمشبهة للنّون ، من حيث تسطيل في مخرجها ، حتى تلحق بمخرج النون ، على ما يبيّن في الإدغام.

وأمّا السين : فإنها تشبه التاء ، لهمسها وتقارب مخرجيهما.

وأمّا الهاء : فمشبهة للهمزة من جهة تقارب مخرجيهما ، لأنهما من حروف الحلق.

ولمّا كانت هذه الحروف لم تشبه حروف العلّة ، بل أشبهت المشبّة بها ، لم تجىء مزيدة إلّا في ألفاظ محفوظة ، وأماكن مخصوصة لا تتعدّاها. فهي أقلّ الحروف زيادة لذلك.


ذكر الأماكن التي تزاد فيها هذه الحروف

باب اللّام

أما اللّام فإنها تزاد في «ذلك» و «تلك» بفتح التاء وكسرها و «تالك» و «أولالك» و «هنالك». والدليل ، على زيادتها في هذه الأشياء. قولهم في معناها «ذاك» و «تيك» و «أولاك» و «هناك».

وتزاد أيضا في «عبدل» وفي «زيدل» وفي «فحجل» (1). فالدليل على زيادتها في «زيدل» أنّ معناه «زيد» ، وكذلك أيضا «عبدل» دليل زيادة لامه كونه في معنى «عبد».

وزعم أبو الحسن أنّ معنى «عبدل» : عبد الله. فعلى هذا تحتمل هذه اللّام أن تكون زائدة على «عبد» من «عبد الله». ويحتمل أن تكون هذه اللّام من «الله» فيكون «عبدل» على هذا اسما مركّبا من «عبد» و «الله» ، كما فعلوا ذلك في «عبد الدار» و «عبد قيس» ، فقالوا : «عبدريّ» ، و «عبقسيّ». فلا تكون اللّام على هذا زائدة ، بل هي بعض اسم. إذ لو جعلناها زائدة لوجب أن تكون الراء من «عبدريّ» ، والقاف من «عبقسيّ» ، زائدتين ، والراء والقاف ليسا من حروف الزيادة. وأمّا «فحجل» فالدليل على زيادة لامه أنه في معنى «الأفحج».

وحكى عليّ بن سليمان ، عن أبي العباس المبرّد ، أنه كان يقول : «العثول» : الطويل اللحية ، وهو مأخوذ من قولهم : ضبعان أعثى ، وضبع عثواء ، إذ كانا كثيري الشّعر. وكذلك يقال للرجل والمرأة. فاللّام من «عثول» زائدة كما أنها في «فحجل» كذلك.

فأمّا «فيشلة» (2)و «هيقل» (3)و «طيسل» (4)فيمكن أن تجعل اللّام فيها وائدة ، لأنه يقال «فيشة» في معنى «فيشلة» ، و «هيق» في معنى «هيقل» ، و «طيس» في معنى «طيسل». ويمكن


1) الفحجل : الذي في رجليه اعوجاج ، لسان العرب ، مادة (فحج).

2) الفيشلة : رأس الذكر ، لسان العرب ، مادة (فشل).

3) الهيقل : الظليم ، وهو ذكر النعام ، لسان العرب ، مادة (هيق).

4) الطيسل : الكثير من كل شيء ، لسان العرب ، مادة (طسل).

أيضا أن تجعل اللّام أصليّة والياء زائدة ، لأنّ زيادة الياء أوسع من زيادة اللّام ، فتكون هذه الألفاظ متقاربة وأصولها مختلفة ، نحو «ضيّاط وضيطار» و «سبط وسبطر» ؛ ألا ترى أنّ الراء لا تزاد ، وأنّ «ضيّاطا (1)وضيطارا» (2)، و «سبطا وسبطرا» : متقاربة ، وأصولها مختلفة.

ولا يحمل «زيدل» إلّا على زيادة اللّام ، لأنّ استعمال «زيد» أكثر من استعمال «زيدل». فدلّ ذلك على أنّ «زيدا» هو الأصل ، وأن اللّام زائدة.

وكذلك «فحجل» و «عبدل» اللّام فيهما زائدة ، ولا يجعلان من ذوات الأربعة ، ويجعل «عبد» و «أفحج» من ذوات الثلاثة ، فيكون من باب «ضيّاط وضيطار» ، لأنّ «عبدا» و «أفحج» هما الأصلان ، لكثرة استعمالهما ، وقلّة «عبدل» و «فحجل».

فأمّا «فيشة» و «فيشلة» و «هيق» و «هيقل» و «طيس» و «طيسل» فكلّ واحد من هذه الألفاظ قد كثر استعماله ، فلذلك ساغ كلّ واحد منهما أصلا بنفسه.

وزعم محمد بن حبيب أنّ اللّام من «عنسل» (3)زائدة ، لأنه في معنى «عنس». والصحيح ما ذهب إليه سيبويه ، من أنّ لامه أصليّة ، وأنه مشتقّ من «العسلان» وهو عدو الذئب ، والنون زائدة ، لأنّ زيادة النون أسهل من زيادة اللّام ، واشتقاقه واضح لا تكلّف فيه.

وأما «ازلغبّ (4)الفرخ». أي : «زغّب» فلامه أصليّة ، لأن «ازلغبّ» في معنى «زغّب» كثير الاستعمال ، فينبغي أن يجعل أصلا بنفسه ، ولا تجعل اللّام زائدة ، لقلّة زيادة اللّام. وبالجملة فإنّ «ازلغبّ» فعل ، ولا تحفظ زائدة في فعل.

فهذه جملة الألفاظ التي زيدت اللّام فيها.


1) الضياط : الرجل الغليظ ، الصحاح للجوهري ، مادة (ضيط).

2) الضيطار : الرجل الضخم الذي لا غناء عنده ، اللسان والصحاح (ضطر).

3) العنسل : الناقة السريعة ، لسان العرب ، مادة (عسل).

4) ازلغب : شوك ريشه ، قبل أن يسود ، لسان العرب ، مادة (زلغب).

باب الهاء

وأمّا الهاء فتزاد لبيان الحركة ، في نحو «فه» و «ارمه». وزعم أبو العبّاس أنها لا تزاد في غير ذلك. ولذلك لم يجعلها من الحروف الزوائد كما تقدّم. والصحيح أنها تزاد في غير ذلك. إلّا أنّ ذلك قليل جدّا. فالذي زيدت فيه ، من غير ذلك : «أمّهة» و «هجرع» و «هركولة» و «هبلع» و «أهراق» و «أهراح الماشية».

أمّا «أمّهة» ففيها خلاف. فمنهم من جعل الهاء فيه زائدة ، ومنهم من جعلها أصليّة. فالذي يجعلها زائدة يستدلّ ، على ذلك ، بأنها في معنى «الأمّ». قال :

*أمّهتي خندف ، والياس (1)

أنا الذي أعان فعلي حسبي ،

الرجز ، لقصي بن كلاب وفي أنساب الأشراف 1 / 20 ، وجمهرة اللغة ، مادة (لهواي) والأمالي 2 / 305 ، وتهذيب اللغة 6 / 251.

أبي*

أي : أمي إلّا أنّ الفرق بين «أمّهة» أو «مّ» أنّ «أمّهة» إنما تقع ، في الغالب ، على من يعقل. وقد تستعمل فيما لا يعقل ، وذلك قليل جدّا ، نحو قوله :

قوّال معروف ، وفعّاله

عقّار مثنى ، أمّهات الرّباع (2)

و «أمّ» يقع ، في الغالب ، على ما لا يعقل. وقد يقع على العاقل ، نحو قوله :

لقد ولد الأخيطل أمّ سوء

على باب استها صلب ، وشام (3)

وممّا يدلّ أيضا ، على زيادة الهاء في «أمّهة» ، قولهم «أمّ بيّنة الأمومة» بغير هاء. ولو كانت أصليّة لثبتت في المصدر.


1) عجز بيت ، صدره :

2) البيت من البحر السريع ، للسفاح بن بكير في خزانة الأدب للبغدادي 6 / 97 ، وشرح اختيار المفصل ص 1363 ، ولسان العرب ، مادة (أمم) ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 565 ، والمقتضب 3 / 170.

3) البيت من البحر الوافر ، لجرير في ديوانه ص 283 ، وشرح التصريح 1 / 279 ، وشرح المفصل 5 / 92 ، ولسان العرب ، مادة (صلب) والخصائص لابن جني 2 / 414 ، والمقتضب 2 / 148.

والذي يجعلها أصليّة يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب العين ، من قولهم «تأمّهت أمّا». ف- «تأمّهت» : تفعّلت بمنزلة «تنبّهت» ، مع أنّ زيادة الهاء قليلة جدّا ، فمهما أمكن جعلها أصليّة كان ذلك أولى فيها.

والصحيح أنها زائدة ، لأنّ «الأمومة» حكاها أئمة اللغة. وأمّا «تأمّهت» فانفرد بها صاحب العين. وكثيرا ما يأتي ، في كتاب العين ، مما لا ينبغي أن يؤخذ به ، لكثرة اضطرابه وخلله.

وأمّا «هجرع» و «هبلع» و «هركولة» فزعم أبو الحسن أنّ الهاء فيها زائدة ، واستدلّ على زيادتها بالاشتقاق. فأمّا «هجرع» فهو الطويل ، فكأنه مأخوذ من «الجرع» وهو المكان السهل المنقاد. وأمّا «الهبلع» فالأكول ، ففيه معنى البلع. وأمّا «الهركولة» فهي التي تركل في مشيتها. فالهاء فيها زائدة. وبعض العرب يقول «هرّكلة» و «هركلة». وينبغي أن تجعل الهاء فيها أصليّة.

والصحيح أنّ الهاء في «هبلع» زائدة ، لوضوح اشتقاقه من البلع.

وأمّا «هجرع» فوجه الجمع بينه وبين «الجرع» ليس له ذلك الوضوح الذي ل- «هبلع». فينبغي أن تجعل الهاء أصليّة ، وألّا تجعل من لفظ «الجرع». على أنّ أحمد بن يحيى قد حكى «هذا أهجر من هذا» ، أي : أطول منه. فيحتمل أن يكون من لفظ «هجرع» ، وحذفت لامه. ويكون في قولهم «أهجر من كذا» دلالة على أصالة الهاء.

وأمّا «الهركولة» فقد حكى أبو عبيدة أنها الضّخمة الأوراك. فعلى هذا تكون الهاء أصليّة ، إذ لا اشتقاق يقضي بزيادة الهاء ، لأنه - على هذا - ليس مأخوذا من «ركل». فإذا ثبت أنّ الهاء في «هركولة» أصليّة ، عند من يجعله واقعا على الضخمة الأوراك ، فكذلك ينبغي أن يجعل ، إذا وقع على المرأة التي تركل في مشيتها ، وألا يجعل ذلك مشتقّا من «ركل» ، بل اسم للمرأة التي تركل في مشيتها ، إذ قد ثبتت أصالتها في موضع.

وكذلك «هلقم» ، من قول الراجز :

هلقم (1)، يأكل أطراف النّجد

ينبغي أن تكون الهاء فيه زائدة ، لأنه من «اللّقم». إلّا أنه لا ينبغي أن يجعل مستدركا


1) الرجز ، بلا نسبة في لسان العرب ، مادة (هلقم).

على سيبويه ، لأنه لا يحفظ في نثر. وأمّا «هبلع» فينبغي أن يجعل من الفوائت.

وأمّا «أهراق» و «أهراح الماشية» فإن الهاء فيهما زائدة ، لأنهما في معنى «أراق» و «أراح».

فإن قيل : إنما ينبغي أن يجعل هذا من البدل ، لأنّ قياس قول سيبويه في «أسطاع» : إنّ السين عوض من ذهاب حركة العين ، أن يكون الأمر في «أهراق» و «أهراح» كذلك؟.

فالجواب : أنه ينبغي أن يجعل ذلك في باب البدل من وجه ، وفي باب الزيادة من وجه. وسنبيّن ذلك في فصل السين ، إن شاء الله تعالى.


باب السين

وأمّا السين فتزاد في «استفعل» وما تصرّف منه ، من مضارع ، واسم فاعل ، واسم مفعول ، ومصدر. وتزاد أيضا في الوقف ، لتبين كسرة الكاف من المؤنّث ، في لغة بعض العرب ، نحو «مررت بكس» و «أكرمتكس». وزيادتها في هذين المكانين بيّنة ، لا يحتاج إلى إقامة دليل عليها. أمّا في الوقف فلكونها لم تجعل كالجزء مما دخلت عليه ، فبانت لذلك زيادتها. وأمّا في «استفعل» فلكونه أبدا مبنيّا من فعل ثلاثيّ ، فبانت لذلك زيادتها ، لوضوح ردّها إلى الثلاثيّ غير المزيد.

وأمّا «استخذ فلان» ، من قول العرب «استخذ فلان أرضا» ، ففي ذلك قولان :

أحدهما : أنه يجوز أن يكون في الأصل «اتّخذ» وزنه «افتعل» من قوله تعالى : (لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) [الكهف : 77] ، ثم أبدلوا السين من التاء الأولى التي هي فاء [الكلمة] ، كما أبدلوا التاء من السين في «ستّ» ، لأنّ أصلها «سدس» بدليل قولهم «أسداس». فلمّا أبدلوا التاء من السين ، فقالوا «سدت» ، أدغموا الدال في التاء. وإنما جاز ذلك ، لأنّ السين والتاء مهموسان ، فجاز إبدال كلّ واحد منهما من الآخر ، بسبب ذلك.

والآخر : أن يكون أصله «استتخذ» على وزن «استفعل» من «تخذ» أيضا ، فحذفت التاء الثانية التي هي فاء الفعل ، استثقالا للمثلين ، كما حذفوا التاء الأولى من «اتّقى» ، كراهية لاجتماع المثلين أيضا ، فقالوا «تقى يتقي». قال الشاعر :

تقوه ، أيّها الفتيان ، إنّي

رأيت الله قد غلب الجدودا (1)

يريد : اتّقوه. فعلى هذا تكون السين زائدة. وعلى الأول تكون بدلا من أصل.

والصحيح من هذين القولين عندي الثاني ، لأنه قد ثبت حذف إحدى التائين لاجتماع المثلين في «تقى» ، وباطّراد إذا كان المحذوفة زائدة في مثل «تذكّر» و «تفكّر» تريد «تتذكّر»


1) البيت من البحر الوافر ، وهو لخداش بن زهير ، في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 198 ، ونوادر أبي زيد ص 7 ، والمقاصد النحوية 2 / 371.

و «تتفكّر». ولم يثبت إبدال السين من التاء ، بل ثبت عكسه. والبدل في مثل هذا ليس بقياس ، فيقال به حيث لم يسمع. فلذلك كان الوجه الثاني أحسن الوجهين عندي ، لأنّ فيه الحمل على ما سمع مثله.

وأمّت «أسطاع» فالسين عند سيبويه فيه عوض من ذهاب حركة العين منها. وذلك أنّ أصله «أطوع» ، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء فصار «أطوع» ، ثم قلبت الواو ألفا ، لتحرّكها في الأصل وانفتاح ما قبلها في اللفظ. ثم زيدت السين عوضا من ذهاب الحركة من العين وهي الواو - بجعلها على الفاء. وقد تعقّب المبرّد ذلك على سيبويه ، فقال : إنما يعوّض من الشيء إذا فقد وذهب. فأمّا إذا كان موجودا في اللفظ فلا. وحركة العين التي كانت في الواو موجودة في الطاء.

والذي ذهب إليه سيبويه صحيح ، وذلك أنّ العين لمّا سكنت توهّنت لسكونها ، وتهيّأت للحذف عند سكون اللّام ، وذلك في نحو «لم يطع» و «أطع» و «أطعت». ففي هذا كلّه قد حذفت العين ، لالتقاء الساكنين. ولو كانت العين متحرّكة لم تحذف ، بل كنت تقول «لم يطوع» و «أطوع» و «أطوعت». فزيدت السين لتكون عوضا من العين متى حذفت. وأمّا قبل حذف العين فليست بعوض ، بل هي زائدة. فلذلك ينبغي أن يجعل «أسطاع» من قبيل ما زيدت فيه السين ، بالنظر إليه قبل الحذف. ومن جعل «أسطاع» من قبيل ما السين فيه عوض فبالنظر إلى الحذف.

وكذلك الأمر في «أهراق» و «أهراح» أعني : من أنه يسوغ أن توردا في العوض ، بالنظر إليهما بعد الحذف ، وفي الزيادة بالنظر إليهما قبل الحذف.

فإن قيل : فإن سيبويه قد جعل السين عوضا من ذهاب حركة العين ، لا كما ذهبت إليه من أنها عوض متى ذهبت العين؟.

فالجواب : عن ذلك شيئان :

أحدهما : أنه يمكن أن يكون أراد بقوله «من ذهاب حركة» أي : زادوا من أجل ذهاب حركة العين. لأنّ زيادة السين - لتكون معدّة للعوضيّة - إنما كان من أجل ذهاب حركة العين ، لأنّ ذهاب حركة العين هو الذي أوجب حذف العين ، عند سكون اللّام.

والآخر : أن يكون جعل السين عوضا من ذهاب حركة العين ، وإن كانت إنما هي عوض من العين ، في بعض المواضع ، لأنّ السبب في حذف العين إنما هو ذهاب الحركة. فأقام السبب مقام المسبّب. وإقامة السبب مقام المسبّب كثير جدا.

وقال الفرّاء : شبّهوا «أسطعت» ب- «أفعلت». فهذا يدل من كلامه على أنّ أصله «استطعت». فلمّا حذفت التاء بقي على وزن «افعلت» ، ففتحت الهمزة وقطعت. وهذا الذي ذهب إليه غير مرضيّ ، لأنه لو كان بقاؤه على وزن «افعلت» بعد حذف التاء يوجب قطع همزته لما قالوا «اسطاع» بكسر الهمزة وجعلها للوصل. واطّراد ذلك عندهم ، وكثرته ، يدلّ على فساد مذهبه.

فإن قيل : ما ذهب إليه سيبويه ، من زيادة السين لتكون معدّة للعوض ، لم يثبت ، فينبغي أن يحمل «أسطاع» على ما ذهب إليه الفرّاء؟.

قيل : قد ثبت أنّ العرب تزيد غير السين لذلك في «أهراق» و «أهراح» ، فيحمل «اسطاع» على ذلك. وأما قطع همزة الوصل ، لأنّ اللفظ قد صار على وزن ما همزته همزة قطع ، فلم يستقرّ في موضع من المواضع.


باب الهمزة

الهمزة لا يخلو أن تقع أوّلا ، أو غير أوّل. فإن وقعت غير أوّل قضي عليها بالأصالة ، ولا يحكم عليها بالزيادة إلّا أن يقوم على ذلك دليل. وذلك أنّ الهمزة إذا وقعت غير أوّل ، فيما عرف له اشتقاق أو تصريف ، وجدت أصليّة ، ولم توجد زائدة ، إلّا في ألفاظ يسيرة. وهي :

«شمأل» (1)و «شأمل» بدليل قولهم «شملت الريح». ولو كانت الهمزة أصليّة لقالوا «شأملت» و «شمألت».

و «جرائض» (2)، لأنهم قالوا في معناه «جرواض».

و «حطائط» ، لأنه الصغير ، المحطوط عن قدره المعتاد.

و «قدائم» ، لأنه في معنى : قديم.

و «النّئدلان» ، لأنهم يقولون في معناه : «النّيدلان». قال :

نفرجة (3)الهمّ ، قليل

ما النّيل

يلقى عليه النّيدلان باللّيل

والنّيدلان هو الذي يسمّى الكابوس.

و «ضهيأ» ، لأنهم يقولون في معناه «ضهياء». وحروف «ضهياء» الأصول إنما هي الضاد والهاء والياء ، فكذلك «ضهيأ» المقصور. وأيضا فإنّ «الضهيأ» : المرأة التي لا تحيض ، وقيل : التي لا ثدي لها. فهو - على هذا - مشتق من «ضاهيت» أي : شابهت. قال تعالى : (يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) [التوبة : 30]. فالهمزة - على هذا - زائدة.

وزعم الزّجّاج أنه يجوز أن تكون همزة «ضهيأ» أيضا أصليّة ، وياؤه زائدة ، ويكون


1) الشمأل والشأمل : ريح الشمال.

2) الجرائض : الجمل الضخم.

3) الرجز ، لحريث بن زيد الخيل في شرح شواهد الإيضاح ص 623 ، وبلا نسبة من رصف المباني ص 331 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 111 ، ولسان العرب ، (فرج) ، وانفرجه : الجبان الضعيف.

مشتقّا من «ضاهأت» أي : شابهت ، لأنه يقال «ضاهيت» و «ضاهأت». وهو أولى به ، لأنّ أصالة الهمزة غير أوّل أكثر من زيادتها. فيكون «ضهياء» الممدود عنده من «ضاهيت» أي : شابهت. و «ضهيأ» المقصور من ضاهأت.

وهذا الذي ذهب إليه حسن من طريق الاشتقاق ، إلّا إنه يبقى في ذلك إثبات بناء لم يستقرّ في كلامهم. وذلك أنّ الهمزة إذا جعلت أصليّة والياء زائدة كان وزن الكلمة «فعيلا» ، وذلك بناء غير موجود في كلامهم ، إلّا أن يكون مكسور الفاء ، نحو «طريم» (1)و «حذيم» (2).

فإن قلت : وكذلك أيضا جعل الهمزة زائدة يؤدّي إلى بناء غير موجود ، وهو «فعلأ» ؛ ألا ترى أنه لم يجيء منه إلّا «ضهيأ» المختلف فيه ، والمختلف فيه لا يجعل حجّة. فإذا كان جعلها زائدة أو أصلا يؤدّي إلى بناء غير موجود ، فالأصالة أولى ، لأنها أكثر؟

فالجواب : أنّ «فعلأ» و «فعيلا» - وإن كانا بناءين معدومين - ينبغي أن يحمل منهما على «فعلأ» ، لأنّ «فعيلا» يظهر منهم اجتنابه ؛ ألا ترى أنه إذا جاء في كلامهم كسروا أوّله نحو «حذيم» و «طريم». ولم يظهر منهم ذلك في «فعلأ» ، لأنهم لم يجتنبوا «فعلأ» كما فعلوا ذلك ب- «فعيل». فثبت إذا أنّ الذي ينبغي أن يدعى فيه أنه «فعلأ» ، ويكون من الأبنية التي جاءت في كلامهم مفردة ، لا ثاني لها. وأيضا فإنّ الاستدلال على زيادة همزة «ضهيأ» ب- «ضهياء» الممدودة ، أو ما في معناها ، أولى من الاستدلال بشيء آخر خلافها ، وهو «ضاهأت». فلذلك كان هذا المذهب باطلا.

فهذه جملة ما جاءت فيه الهمزة زائدة غير أوّل.

فأمّا «العالم» و «الخاتم» و «تأبل» (3)وأمثالها فالهمزة فيها بدل من الألف ، ولم تزد فيها الهمزة ابتداء ، فينبغي أن تذكر في باب البدل.

فلمّا قلّت زيادة الهمزة ، غير أوّل ، وجب القضاء على ما لم يعرف أصله. ممّا الهمزة فيه غير أوّل ، بالأصالة ، نحو «السّأسم» (4)و «اطمأنّ» و «برائل» (5)، وأمثال ذلك.


1) الطريم : الطويل ، لسان العرب ، مادة (طرم).

2) خذيم ، والخديم : الحاذق ، اللسان ، مادة (حذم).

3) التأبل : الفحا ، كالكمون والكزبرة ونحو ذلك ، لسان العرب ، مادة (قزح) و (تبل).

4) السأسم : شجرة يقال لها الشّيز ، لسان العرب ، مادة (سأسم).

5) البرائل : عفرة الديك والحبارى ، وهو الريش الذي مستدير في عنقه ، لسان العرب ، مادة (برأل).

فإن وقعت أولا فلا يخلو أن يكون بعدها حرفان ، أو أزيد. فإن كان بعدها حرفان خاصّة كانت أصلا ، إذ لا بدّ من الفاء والعين واللام. وذلك نحو «أخذ» و «أكل» و «أمر».

وإن كان بعدها أزيد من حرفين فلا يخلو أن يكون بعدها أربعة أحرف ، مقطوع بأصالتها فصاعدا ، أو اثنان ، مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، أو محتمل للزيادة والأصالة.

فإن كان بعدها أربعة أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدا كانت أصلا. وذلك نحو «إصطبل» و «إبريسم» (1)و «إبراهيم» و «إسماعيل» ؛ ألا ترى أنّ الصاد والطاء والباء من «إصطبل» مقطوع بأصالتها ، لأنها ليست من حروف الزيادة. وكذلك اللّام ، لأنّ المواضع التي تزاد فيها محصورة كما تقدّم. وليس «إصطبل» منها. وكذلك الباء والراء والسين والميم من «إبريسم» ، والباء والراء والهاء والميم من «إبراهيم» ، والسين والميم والعين واللّام من «إسماعيل». جميع ذلك أصل ، مقطوع بأصالته.

وإنما قطع بأصالة الهمزة في مثل هذا ، لأنّ بنات الأربعة فصاعدا لا تلحقها الزيادة من أوّلها أصلا ، إلّا الأفعال نحو «تدحرج» ، والأسماء الجارية عليها نحو «مدحرج». فلمّا كانت هذه الأسماء وأمثالها ليست من قبيل الأسماء الجارية على الأفعال قطع بأنّ الهمزة في أوّلها أصل.

وإن كان بعدها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها قطع بأنها زائدة. وذلك نحو «أفكل» (2)همزته زائدة. وإنما قضينا عليها بالزيادة لأنّ كلّ ما عرف اشتقاقه من ذلك فالهمزة فيه زائدة ، نحو «أحمر» و «أصفر» و «أخضر» ، وأمثال ذلك ؛ ألا ترى أنها مشتقّة من «الحمرة» و «الصّفرة» و «الخضرة». فلمّا كانت كذلك فيما عرف اشتقاقه حمل ما جهل اشتقاقه على ما علم ، فقضي بزيادة الهمزة فيه.

وإن كان بعدها حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، كانت الهمزة أصلا ، إذ لا بدّ من الفاء والعين واللّام ، كما تقدّم ، وذلك نحو «آخذ» و «آمر» ؛ ألا ترى أنّ الألف مقطوع بزيادتها ، وأنّ الخاء والذال من «آخذ» ، والميم والراء من «آمر» ، مقطوع بأصالتها ، فلذلك كانت الهمزة أصلا فيهما ، وفي أمثالهما.


1) الإبريسم : أحسن الحرير ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، باب الهمزة 1 / 2.

2) الأفكل : الرعدة ، لسان العرب ، مادة (أفكل).

فإن كان بعدها حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما محتمل للأصالة والزيادة ، قضي على الهمزة بالزيادة ، وعلى ما عداها مما يحتمل الأصالة والزيادة بأنه أصليّ. وذلك نحو «أبين» (1)، والألف من «إشفى» (2)و «أفعى». فإنك - وإن لم يكن معك اشتقاق ولا تصريف - تقضي بزيادة الهمزة ، وأصالة ما عداها. وذلك أنّ «إشفى» و «أبين» و «أفعى» وأمثال ذلك ، الهمزة في جميع ذلك زائدة ، والياء من «أبين» والألف من «إشفى» و «أفعى» أصلان.

وإنما قضي بزيادة الهمزة ، في مثل هذا ، لأنّ جميع ما ورد من ذلك ، ممّا له اشتقاق ، الهمزة فيه زائدة ، وما عداها أصل ، نحو قوله «أغوى منه» و «أضوأ منه» و «أيدع» (3)، لأنّ «أغوى» من الغيّ ، و «أضوأ» من الضّوء ، ويقولون «يدّعته».

وكذلك جميع ما عرف له اشتقاق ، من هذا النوع ، همزته زائدة ، وما عداها أصليّ ، إلّا ألفاظا قليلة شذّت من هذا النوع ، وهي «أولق» (4)و «إمّعة» و «أيصر» (5)و «أرطى» (6)و «أيطل». فلذلك حملنا ما ليس له اشتقاق ، نحو «أفعى» و «إشفى» و «أبين» ، على الأكثر ، فقضينا بزيادة الهمزة.

فإن قيل : فما الدليل على أصالة الهمزة ، في هذه الألفاظ الخمسة؟.

فالجواب : أنّ الذي يدل على أصالة الهمزة في «أيصر» أنهم يقولون في جمعه «إصار» ، بإثبات الهمزة وخذف الياء ، فدلّ على أصالة الهمزة وزيادة الياء. ولا يمكن أن تجعل هذه الهمزة بدلا من ياء ، فيكون أصله «يصار» ، ثم أبدلت الهمزة من الياء ، لأنّ الياء لا تبدل همزة في أوّل الكلام.

والذي يدلّ على أصالة الهمزة في «إمّعة» أنك لو جعلتها زائدة لكان وزنها «إفعلة» و «إفعلة» لا يكون صفة أصلا ، إنما يكون اسما غير صفة نحو «إشفى» و «إنفحة» (7). فدلّ


1) أبين : اسم رجل من حمير.

2) الإشفى : المخرز ، لسان العرب ، مادة (أشف).

3) الأيدع : صبغ أحمر : وقيل : هو الزعفران ، الصحاح للجوهري ، واللسان ، مادة (يدع).

4) الأولق : الجنون ، لسان العرب ، مادة (ألق).

5) الأيصر : الحشيش ، الصحاح للجوهري ، مادة (أصر).

6) الأرطى : شجر ينبت بالرمل رائحته طيبة ، لسان العرب ، مادة (أرط).

7) الأنفحة : شيء يخرج من بطن الجدي الرضيع أصفر ، يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ، لسان العرب ، مادة (نفح).

ذلك على أنّ همزتها أصليّة ، ويكون وزنها «فعّلة» ، لأنّ «فعّلة» في الصفات موجود نحو «رجل دنّبة» (1). وأيضا فإنك لو جعلت همزة «إمّعة» زائدة لكانت إحدى الميمين منه فاء ، والأخرى عين ، فيكون من باب «ددن» (2)، وهو قليل جدّا ، أعني أن تكون الفاء والعين من جنس واحد. فلمّا كان جعل الهمزة زائدة يؤدّي إلى الدخول في هذا الباب القليل ، وإلى إثبات مثال في الصفات لم يستقرّ فيها ، قضي بأصالة الهمزة.

وأمّا «أرطى» فالدليل على أصالة الهمزة قولهم «أديم مأروط» أي : مدبوغ بالأرطى. فإثبات الهمزة في «مأروط» ، وحذف الألف ، دليل على أصالة الهمزة وزيادة الألف. وحكى أبو عمر الجرميّ «أديم مرطيّ». فالهمزة - على هذا - زائدة ، والألف أصل.

وأما «أولق» فالذي يدلّ على أصالة الهمزة فيه ، وزيادة الواو ، قولهم «ألق الرّجل» إذا أصابه الأولق. فقولهم «ألق» بإثبات الهمزة ، وحذف الواو ، دليل على أصالة الهمزة وزياد الواو.

فإن قيل : فلعلّ هذه الهمزة بدل من الواو ، والأصل «ولق» ، نحو قولهم في «وعد الرّجل» «أعد»؟.

فالجواب : أنه كان من قبيل «أعد» لقالوا «ولق» كما يقولون «وعد». فالتزامهم الهمزة في «ألق» دليل على أنها أصل. وأيضا فإنهم قالوا «رجل مألوق» ، ولو كانت الهمزة زائدة لقالوا «مولوق» بالواو. ولا يتصوّر أن تقدّر الهمزة في «مألوق» بدلا من الواو ، لأنّ مثل هذه الواو لا تقلب همزة. وسيبيّن ذلك في البدل.

وزعم الفارسيّ أنّ «أولقا» يحتمل ضربين من الوزن : أحدهما : ما قدّمناه من أنه «فوعل» وهمزته أصل ، من «تألّق البرق». والآخر : أنه «أفعل» وهمزته زائدة ، من «ولق» إذا أسرع ، لأنّ «الأولق» : الجنون ، وهي توصف بالسرعة.

فإن قيل : فكيف أجاز ذلك ، مع قولهم «ألق» و «مألوق»؟.

فالجواب : أنه يجعل الهمزة منهما بدلا من الواو ، والأصل «ولق» و «مولوق». ويجعل هذا من قبيل البدل اللّازم ، فتكون الواو من «ولق» لمّا أبدلت همزة لانضمامها أجريت هذه الهمزة مجرى الأصليّة ، فقالوا «مألوق». فيكون ذلك نظير قولهم «عيد»


1) الدنبة : القصير ، الصحاح للجوهري ، مادة (دنب).

2) الددن : اللهو واللعب ، لسان العرب ، مادة (ددن).

و «أعياد» ؛ ألا ترى أنّ «عيدا» من «عاد يعود» ، وأنّ الأصل فيه «عود» ، فقلبت الواو ياء ، لسكونها ، وانكسار ما قبلها ، فقيل «عيد». وكان ينبغي ، إذا جمعنا ، أن نقول في جمعه «أعواد» بالواو ، لزوال الموجب لقلب الواو ياء ، كما قالوا في جمع «ريح» «أرواح» بالواو ، لزوال موجب قلبها ياء في «ريح» ، وهو سكونها وانكسار ما قبلها. قال :

تلفّه الأرواح ، والسّميّ (1)

إلّا أنهم لمّا أبدلوا الواو ياء في «عيد» أجروا هذه الياء مجرى الأصليّة.

إلّا أنّ هذا النوع من البدل - أعني اللّازم - قليل ، وأصالة الهمزة أيضا ، إذا وقعت أولا في مثل هذا ، قليل ، فتكافأ الأمران عنده ، فلذلك أجاز الوجهين.

والصحيح أنّ «الأولق» همزته أصليّة ، ولا ينبغي أن يحمل على باب «عيد وأعياد» لأنّ مثل هذا الباب قد سمع فيه الأصل ، فتقول «عيد وأعواد». ولم يقولوا «ولق» ولا مولوق ، في موضع من المواضع. فلذلك وجب حمل «أولق» على أن همزته أصليّة.

ويجوز أيضا في «أولق» أن يكون «فوعلا» ، عند من يجعله مشتقا من «ولق». ويكون أصله «وولقا» ، فأبدلت الواو الواحدة همزة ، ولزم على قياس كلّ واوين يجتمعان في أوّل الكلمة. إلّا أنّ الأولى ، عند من يجعله مشتقا من «ولق» ، أن تكون الهمزة زائدة ، ويكون وزنه «أفعل» ، لأنّ «أفعل» أكثر من «فوعل». وأيضا فإن الهمزة ينبغي أن يوقف فيها مع الظاهر ، ولا يدّعى أنها مبدلة من الواو.

وأمّا «أيطل» فالذي يدلّ على أصالة همزته ، وزيادة يائه ، قولهم في معناه : «إطل». فيحذفون الياء ويثبتون الهمزة. ولو كانت الهمزة هي الزائدة لقيل «يطل» بالياء ، ولا يمكن أن يدّعى أنّ الهمزة بدل من الياء ، لما ذكرناه ، من أنّ الياء لا تبدل همزة أولا.



1) الرجز ، لرؤبة في لسان العرب ، مادة (سما) والعجاج في ديوانه ص 69 ، واللسان والصحاح والتاج ، مادة (سمو) ، والسمي : جمع سماء.

باب الميم

الميم لا تخلو أن تقع أوّلا ، أو غير أوّل. فإن وقعت غير أول قضي عليها بالأصالة. وذلك أنها إذا وقعت غير أوّل ، فيما يعرف له اشتقاق ، وجدت أصليّة. نحو «شأمل» و «كريم» وأمثالهما ، مما لا يحصى كثرة ؛ ألا ترى أنّ «شأملا» ميمه أصليّة. بدليل قولهم «شملت الريح» ، وأنّ «كريما» كذلك ، لأنه من «الكرم». ولم توجد زائدة إلّا في أماكن محصورة ، تحفظ ، ولا يقاس عليها. وهي :

«دلامص» و «دمالص» بمعنى برّاق. قال الأعشى :

إذا جرّدت ، يوما ، حسبت خميصة

عليها ، وجريال النّضير ، الدّلامصا (1)

أي : البرّاق. وقد تحذف الألف منهما تخفيفا ، كما تحذف من «علابط» (2)، فيقال «دلمص» و «دملص». والدليل على زيادة الميم فيهما أنهما مشتقان من «الدّليص» وهو البريق.

و «قمارص» ، لأنه يقال «لبن قمارص» بمعنى : قارص.

و «ستهم» (3)و «زرقم» (4)و «فسحم» (5)، لأنها من الزّرقة والأسته والفسحة.

و «ضرزم» و «دردم» (6)و «دلقم» و «دقعم» و «حلكم» و «خضرم» ، لأنّ «دردما» من «الأدرد» ، وهو الذي تكسّرت أسنانه. و «الحلكم» : الشديد السواد. فهو من «الحلكة» وهي السواد. و «الدّقعم» : التراب. فهو من «الدّقعاء». و «الدّلقم» : الناقة التي تكسّرت أسنانها


1) البيت من البحر الطويل ، وهو للأعشى في ديوانه ص 199 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 429 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (نظر) ، والمنصف 3 / 25.

2) العلابط : اللبن الخاثر الغليظ المتلبد ، لسان العرب ، مادة (علبط).

3) الستهم : العظيم الأست ، لسان العرب ، مادة (ستن).

4) الزرقم : الشديد الزرقة ، لسان العرب ، مادة (زرق).

5) الفسحم : الواسع الصدر ، لسان العرب ، مادة (فسحم).

6) الدردم : الناقة المسنة ، لسان العرب ، مادة (درد).

فاندلق لسانها ولعابها. ولذلك قالوا «سيف دلوق» إذا كان لا يثبت في غمده. و «الضّرزم» بمعنى «الضّرزّ» وهو الشديد البخيل. و «خضرم» : البحر ، سميّ بذلك لخضرته.

و «خدلم» (1)و «شدقم» و «شجعم» ، لأنّ «خدلما» بمعنى «خدلة». قال :

ليست برسحاء ، ولكن ستهم

ولا بكرواء ، ولكن خدلم (2)

و «الشّدقم» بمنزلة الأشدق ، وهو العظيم الشّدق. و «الشّجعم» لتأكيدهم به «الشّجاع» ، في مثل قوله :

*الأفعوان ، والشّجاع ، الشّجعما (3)

قد سالم الحيات منه القدما ،

الرجز ، للعجاج في ملحق ديوانه ، 2 / 333 ، ولعبد بني عبس في خزانة الأدب للبغدادي 11 / 411 ، ولأبي حناء ، في خزانة الأدب للبغدادي 10 / 240.

*

فهو من لفظه ، وفي معناه.

وزيدت أيضا في المضمرات ، في «أنّما» و «أنتم» ، و «قمتما» و «قمتم» ، و «ضربكما» و «ضربكم» ، و «هما» و «هم» ، علامة على تجاوز الواحد ، ثم لحقت بعد ذلك الألف علامة على التثنية ، والواو علامة على الجميع. والدليل على زيادتها في ذلك أنه قد تقرّر أنّ ما قبل الميم اسم ، إذا لم ترد التثنية ولا الجمع.

وزيدت ، من الأفعال ، في «تمسكن» و «تمدرع» (4)و «تمندل» (5)و «تمنطق» (6)و «تمسلم» و «تمولى علينا» و «مرحبك (7)الله ومسهلك». وقد حكي «مخرق» و «تمخرق» ، وضعّفهما ابن كيسان ، والصحيح أنهما لم يثبتا من كلام العرب. والدليل على زيادتها في الأفعال أنّ «تمسكن» من لفظ «المسكين» ، والميم في «مسكين» زائدة. وكذلك «تمدرع» من لفظ


1) الخدلم : غليظة الساق مستديرتها ، والممتلئة الأعضاء ، لسان العرب مادة (خدل).

2) الرجز ، بلا نسبة في المنصف 3 / 25 ، والصحاح واللسان والتاج (كرا) و (خدل) ، والرسحاء ، قليلة لحم الألية والفخذين ، والكرواء : دقيقة الساقين والذراعين.

3) عجز بيت ، صدره :

4) تمدرع : لبس المدرعة ، لسان العرب ، مادة (درع).

5) تمندل : تمسح بالمنديل.

6) تمنطق : شد على وسطه النطاق أو المنطقة ، لسان العرب ، مادة (تبل) والمعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (نطق) النون 2 / 931.

7) مرحبك الله : ومسهلك ، كلمة ترحيب ، لسان العرب ، مادة (رحب).

«المدرعة» ، والميم في «المدرعة» أيضا زائدة. وأيضا فإنّ أكثر كلام العرب «تسكّن» و «تدرّع». و «تمندل» من «المنديل» ، والميم في «المنديل» زائدة. و «تمنطق» من «النّطاق». و «تمسلم» أي : صار يدعى مسلمة بعد أن كان يدعى بخلاف ذلك. فهو من لفظ «مسلمة» ، والميم في «مسلمة» زائدة. وكذلك «تمولى علينا» أي : تعاظم علينا. فهو من لفظ «المولى» ، والميم في «المولى» زائدة. و «مرحبك الله ومسهلك» من «الرّحب» و «السّهل».

وزعم بعض النحويين أنّ الميم في «هرماس» و «ضبارم» و «حلقوم» و «بلعوم» و «سرطم» و «صلقم» و «دخشم» و «جلهمة» زائدة ، لأنّ «هرماسا» من أسماء الأسد ، وهو يوصف بأنه هرّاس ، لأنه يهرس في فريسته. و «ضبارم» : الأسد الوثيق ، فهو من «الضّبر» وهو شدّة الخلق. و «الحلقوم» من الحلق. و «البلعوم» : مجرى الطعام في الحلق ، فهو راجع لمعنى البلع. و «السّرطم» : الواسع السريع الابتلاع ، فهو من «السّرط» وهو الابتلاع. و «الصّلقم» : الشديد الصّراخ ، فهو من «الصّلق» ، لأنّ «الصّلق» : الصياح. و «دخشم» و «جلهمة» : اسمان علمان. فأمّا «دخشم» فمشتق من «دخش يدخش» إذا امتلأ لحما. وأما «جلهمة» فمن «جلهة» الوادي وهو ما استقبلك منه.

وينبغي عندي أن تجعل الميم في هذا كلّه أصليّة. وذلك لأنّ زيادة الميم غير أوّل قليلة ، فلا ينبغي أن يذهب إليها ، إلّا أن يقود إلى ذلك دليل قاطع. وليست هذه الألفاظ كذلك.

أمّا «هرماس» فهو من أسماء الأسد ، وليس بصفة مشتقّة من «الهرس». فلعلّه اسم مرتجل ، وليس مشتقّا من شيء ، إذ قد يوجد من الأسماء ما هو بهذه الصفة. أعني : ليس بمشتق من شيء.

وكذلك الأمر في «دخشم» و «جلهمة» ، لأنهما اسمان علمان ، والأعلام قد يكون فيها المرتجل ، وإن كان أكثرها ليس كذلك.

وأمّا «ضبارم» فقد يكون بمعنى : جريء. يقال : رجل ضبارم ، أي : جريء على الأعداء. فلعلّ الأسد الوثيق وصف ب- «ضبارم» ، لجرأته ، فلا يكون على هذا مشتقّا من «الضّبر» ، لأن الضبر لا يكون بمعنى الجرأة.

وأمّا «الحلقوم» فليس أيضا بصفة مشتقّة من لفظ «الحلق» ، فيلزم أن تكون الميم زائدة. بل هو اسم ، فيمكن أن يكون بمعنى الحلق ، وتكون ذاته مخالفة لذات «حلق» ، فيكون من باب «سبط وسبطر» ، لا سيما وقد قالوا «حلقمه حلقمة» إذا قطع حلقومه ، فأثبتوا الميم في تصريفه.

وكذلك «البلعوم» أعني أنه ليس بصفة مشتقّة من «البلع» ، بل هو اسم - كما ذكرنا - لمجرى الطعام في الحلق. فلعله اسم له ، لا من حيث لحظ فيه معنى «البلع» ؛ ألا ترى أنّ البياض الذي في طرف فم الحمار يسمّى «بلعوما» ، وإن لم يكن رجوعه إلى معنى «البلع». فكذلك ينبغي ألّا يجعل بالنظر إلى مجرى الطعام في الحلق.

وأمّا «الصّلقم» فيمكن أن يكون غير مشتقّ من «الصّلق» ، لأنهم يقولون «جمل صلقم» أي : ضخم. فلعلّ الشّديد الصياح قيل له «صلقم» ، لضخامة صوته ، لا لأجل الصراخ نفسه. إذ قد وقع هذا اللفظ على ما ليس براجع لمعنى «الصّلق» ، وهو الضخم من الإبل.

وأمّا «السّرطم» فإنه يحتمل - وإن كان واقعا على الواسع الحلق ، السريع الابتلاع - ألّا يكون مشتقا من «السّرط» بمعنى البلع ، لأنهم قد يوقعون «السّرطم» على القول اللّين ، فيكون الرجل الواسع الحلق وصف ب- «سرطم» ، لسهولة الابتلاع في حلقه ولينه عليه ، لا لنفس «السّرط» الذي هو الابتلاع ، كما أنّ «السّرطم» إذا عني به القول اللّيّن ليس براجع لمعنى «السّرط».

فإذا أمكن في هذه الألفاظ حملها على ما ذكرت لك كان أولى من جعل الميم زائدة غير أوّل ، لقلّة ما جاء من ذلك.

وزعم أبو الحسن ، وأبو عثمان المازنيّ ، أنّ «دلامصا» (1)من ذوات الأربعة ، وأنّ معناه كمعنى «دليص» (2)، وليس بمشتقّ منه ، فجعلاه من باب «سبط وسبطر». والذي حملهما على أن يقولا ذلك في «دلامص» ، ولم يقولاه في «زرقم» و «ستهم» وأشباههما ، قلّة مجيء الميم زائدة حشوا ، بل إذا جاءت زائدة غير أوّل فإنما تزاد طرفا. وكذلك ينبغي أن يكون «قمارص» (3)عندهما.

وبالجملة ليس «دلامص» مع «دليص» ك- «سبطر» مع «سبط» ، لأنّ الذي قاد إلى ادّعاء أنّ «سبطا» و «سبطرا» أصلان مختلفان أنّ الراء لا تحفظ زائدة في موضع. وأمّا الميم فقد جاءت زائدة ، طرفا غير أول ، فيما ذكرنا ، وحشوا في «تمسكن» وأخواته ، وأوّلا فيما لا يحصى كثرة. فإذا دلّ اشتقاق على زيادتها فينبغي أن تجعل زائدة ، إذ باب «سبط وسبطر» قليل جدّا ، لا ينبغي أن يرتكب ، إلّا إذا دعت إلى ذلك ضرورة.


1) الدلامص : البرّاق : لسان العرب ، مادة (دلمص) و (دملص).

2) الدليص : الدرع البراق اللينة ، لسان العرب ، مادة (دلص).

3) القمارص : القارص ، لسان العرب ، مادة (قرص).

وإن وقعت أولا فإنهما بمنزلة الهمزة. فلا يخلو أن يكون بعدها حرفان ، أو أكثر.

فإن كان بعدها حرفان قضي على الميم بالأصالة ، إذ لا بد للكلمة من فاء وعين ولام ، لأنّ ذلك أقلّ أصول الأسماء المتمكّنة والأفعال. وذلك نحو «ملك» و «مسح» وأمثالهما.

وإن كان بعدها أكثر لا يخلو أن يقع بعدها أربعة أحرف مقطوع بأصالتها ، أو ثلاثة مقطوع بأصالتها ، أو اثنان مقطوع بأصالتها ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، أو محتمل للأصالة والزيادة.

فإن كان بعدها أربعة أحرف مقطوعا بأصالتها قضي على الميم بالأصالة ، إلّا في الأفعال والأسماء الجارية عليها. وإنما كان الوجه ذلك ، لأنّ الزيادة لا تلحق بنات الأربعة من أوّلها ، إلّا في النوعين المذكورين. وأمّا بنات الخمسة فلا يلحقها من أوّلها زيادة أصلا ، لأنها لا تكون فعلا ، وذلك نحو «مرزنجوش» (1)، ينبغي أن تكون الميم فيه أصليّة ، وكذلك كلّ ما جاء من هذا النحو.

وإن كان بعدها ثلاثة أحرف مقطوعا بأصالتها قضي عليها بالزيادة ، لأنّ كلّ ما جاء من ذلك ، مما يعرف له اشتقاق ، توجد الميم فيه زائدة ، نحو «ملهى» و «مضرب» وأمثال ذلك ، ممّا لا يحصى كثرة. ولم يجىء أصليّة إلّا في «مغرود» (2)و «مغفور» (3)و «مراجل» (4).

فالدليل على أصالتها في «مراجل» ثباتها في تصريفه ، فقالوا «المرجل». قال :

بشية ، كشية الممرجل (5)

وكذلك «مغفور» ، لأنّ الميم قد ثبتت في تصريفه ، فقالوا «ذهبوا يتمغفرون» أي : يجمعون المغفور ، وهو ضرب من الكمأة.


1) المرزنجوش : نبت يداوى به ، الصحاح للجوهري ، مادة (عتر).

2) المغرود : ضرب من الكمأة ، لسان العرب ، مادة (غرد).

3) المغفور : صمغ شبيه بالناطف ، لسان العرب ، مادة (غفر).

4) المراجل : ضرب من بدو اليمن ، لسان العرب ، مادة (مرجل).

5) الرجز ، للعجاج في ديوانه 1 / 221 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 337 ، والكتاب 41 / 311 ، والممرجل : ضرب من ثياب الوشي.

وأمّا «مغرود» فيدلّ على أصالة ميمه أنه ليس من كلامهم «مفعول» ، وفيه «فعلول».

فإذا جاء ما لا يعرف اشتقاقه بزيادة الميم فيه ، حملا على الأكثر مما عرف له اشتقاق نحو «مأسل» (1)ينبغي أن يقضي بزيادة الميم فيه وفي أمثاله ، وإن لم يعرف له اشتقاق.

وإن كان بعدها حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، قضيت على الميم بالأصالة ، إذ لا أقلّ من ثلاثة أحرف أصول ، كما تقدّم. وذلك نحو «مالك» و «ماسح» وأمثال ذلك ؛ ألا ترى أنّ الألف مقطوع بزيادتها. وإذا كان كذلك وجب أن تكون الميم أصليّة.

وإن كان بعدها حرفان مقطوعا بأصالتهما ، وما عداهما محتمل الأصالة والزيادة ، قضي على الميم بالزيادة ، لأنّ كل ما عرف له اشتقاق من ذلك وجدت الميم فيه زائدة ، ولم توجد أصليّة ، إلّا في ألفاظ مخفوظة. وهي «معزى» و «مأجج» (2)و «مهدد» (3)و «معدّ» و «منجنيق» و «منجنون» (4). فلمّا كانت زائدة في الأكثر ، مما عرف له اشتقاق ، حمل ما لم يعرف له اشتقاق ، من ذلك ، على ما عرف اشتقاقه. وذلك نحو «مذرى» (5)و «المذروين».

فإن قيل : وما الدليل على أصالة الميم في ستّة الألفاظ المذكورة؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على أصالة الميم في «معزى» أنهم يقولون «معز» ، فيحذفون الألف. ولو كانت الميم فيه زائدة لقالوا «عزي».

فإن قيل : إنّ «المعزى» أعجميّ ، وقد تقدّم أنّ الأعجميّ لا يدخله تصريف؟.

فالجواب : أنّ ما كان من الأعجميّة نكر فإنه قد يدخله التّصريف ، لأنه محكوم له بحكم العربيّ ، بدلالة أنّ هذا النوع من العجمة لا يمنع الصّرف بخلاف العجة الشخصيّة. وسبب ذلك أنها أسماء نكرات - والنكرات هي الأول - وإنما تمكّنت بدخول الألف واللّام عليها ، كما تدخل على الأسماء العربية. ويدلّ على أنهم قد أجروها مجرى العربيّ أنهم قد اشتقّوا منها ، كما يشتقّون من العربيّ. قال رؤبة :


1) مأسل : اسم موضع ، لسان العرب ، مادة (أسل).

2) مأجج : اسم موضع ، التاج للزبيدي ، مادة (مذحج).

3) مهدد : اسم امرأة ، لسان العرب ، مادة (مهد).

4) المنجنون : الدولاب ، لسان العرب ، مادة (منجنون).

5) المذرى : جانب الألية ، القاموس للفيروز آبادي ، مادة (فصل الذال) 1 / 1657.

هل ينجينّي حلف سختيت

أو فضّة ، أو ذهب كبريت (1)؟

فقال «سختيت» من «السّخت» وهو الشديد ، وهو أعجميّ.

والذي يدلّ على أصالة الميم في معدّ أنهم يقولون «تمعدد الرّجل» إذا تكلّم بكلام معدّ ، وقيل : إذا كان على خلق معدّ. والميم في «تمعدد» أصليّة ، لأنّ «تمفعل» قليل ، نحو ما ذكرنا من قولهم «تمسكن» و «تمدرع» ، والأحسن «تسكّن» و «تدرّع». و «معدّ» هذا - أعني اسم القبيلة - منقول من «معدّ» الذي يراد به موضع رجل الرّاكب ، لأنّ الأعلام إذا علم لها أصل في النكرات فينبغي أن تجعل منقولة منه. وإذا ثبت النّقل تبيّن أنّ الميم في «معد» هذا - أعني اسم القبيلة - أصليّة ، لأنّ الميم في «معدّ» الذي هو موضع رجل الرّاكب أصليّة أيضا ، لأنّ موضع رجل الراكب فيه شدّة وصلابة ، وقد قالوا «معد» في معنى : اشتدّ. فالميم فيه أصل ، لذلك قال :

وخاربين ، خربا فمعدا

لا يحسبان الله إلا رقدا (2)

فإن قيل : جعلك الميم أيضا أصليّة في أوّل الكلام ، وبعدها ثلاثة أحرف. قليل ، و «تمفعل» قليل ، فهلا اعتدل الأمر عندك فيهما ، فأجزت في «معدّ» الوجهين ، أعني زيادة الميم وأصالتها؟.

فالجواب : أنه لمّا كان جعلها أصلا وجعلها زائدة يؤدّيان إلى قليل كانت الأصالة ، وما يعضده الاشتقاق ، أولى.

والذي يدلّ على أصالة الميم في «مأجج» و «مهدد» أنّ الميم لو كانت زائدة لوجب الإدغام ، فتقول «مهدّ» و «مأجّ» ، كما تقول «مقرّ» و «مكرّ» و «مفرّ» و «مردّ». فدلّ ذلك على أنّ الميم أصل ، وأنهما ملحقان ب- «جعفر» نحو «قردد» (3)ولذلك لم يدغم.

فإن قلت : أجعل الميم زائدة فيهما ، ويكون فكّ الإدغام شاذّا ، فيكون من باب


1) الرجز ، لرؤبة في ديوانه ص 27 ، ولسان العرب ، مادة (كبرت) ، وتهذيب اللغة للأزهري ، 7 / 161 ، وتاج العروس ، مادة (سخت). وكتاب العين للفراهيدي 4 / 194.

2) الرجز بلا نسبة في تهذيب اللغة للأزهري 2 / 154 ، وتاج العروس واللسان ، مادة (ضرب).

3) القردد : الأرض المستوية ، وهو من الأضداد ، لسان العرب ، مادة (قرد).

«لححت (1)عينه» و «ألل السّقاء» (2)و «ضبب (3)البلد» ، إذ جعل الميم أصليّة أيضا ، في أوّل وبعدها ثلاثة أحرف ، قليل؟.

فالجواب : ما تقدّم في «معدّ» ، من أنه لمّا كانت الأصالة والزيادة تفضيان إلى قليل كانت الأصالة أولى.

فإن قيل : فهلّا جعلتم الميم أصليّة في «محبب» (4)، بدليل فكّ الإدغام ، كما فعلتم ذلك في «مهدد»؟.

فالجواب : أنه لمّا كان جعل الميم فيها أصليّة يؤدّي إلى الحمل على القليل ، وجعلها زائدة يؤدّي أيضا إلى ذلك ، كانت الأولى الزيادة هنا ، لأنّ الميم إذا كانت زائدة كانت الكلمة من تركيب «ح ب- ب» وهو موجود ، وإذا كانت الميم أصليّة كانت الكلمة من تركيب «م ح ب» وهو غير موجود. فكان الحمل على الموجود أولى.

والذي يدلّ ، على أنّ الميم في «منجنيق» أصليّة ، أنه قد استقرّ زيادة النون الأولى ، بدليل قولهم «مجانيق» بحذفها. ولو كانت أصليّة لقلت «مناجيق». فإذا ثبت زيادة النون ثبتت بذلك أصالة الميم ، إذ لو كانت زائدة ، والنون بعدها زائدة ، لأدّى ذلك إلى اجتماع زيادتين في أوّل كلمة ، وذلك لا يوجد إلّا في الأفعال نحو «استفعل» ، أو في الأسماء الجارية عليها ، نحو «انطلق» و «منطلق». و «منجنيق» ليس باسم جار على الفعل. فإذا ثبتت أصالة الميم وزيادة النون الأولى وجب أن يقضى على النون الثانية بالأصالة ، لأنك لو جعلتها زائدة لكان وزن الكلمة «فنعنيلا» ، وذلك بناء غير موجود. وإذا جعلتها أصليّة كان وزن الكلمة «فنعليلا» نحو «عنتريس» (5). وأيضا فإنها ليست في موضع لزمت فيه زيادتها ، ولا كثرت ، فتجعل زائدة.

فإن قيل : فهلّا استدللتم على زيادة الميم ، بما حكاه أبو عثمان عن التّوّزي ، عن أبي عبيدة ، من أنه سأل أعرابيّا عن حروب ، كانت بينهم ، فقال : «كانت بيننا حروب عون ،


1) لحجت : لصقت ، لسان العرب ، مادة (لحح).

2) ألل السقاء : تغيرت رائحته ، الصحاح للجوهري ، مادة (ألل).

3) ضبب البلد : كثرت ضبابه ، لسان العرب ، مادة (ضبب).

4) محبب : اسم رجل ، المنصف 1 / 141.

5) العنتريس : الناقة الغليظة الصلبة الوثيقة الشديدة الكثيرة اللحم الجواد الجريئة ، وقد يوصف به الفرس ، تاج العروس ، مادة (عترس).

تفقأ فيها العيون. مرّة نجنق ، ومرّة نرشق». فقوله «نجنق» دليل على أنّ الميم زائدة ، إذ لو كانت أصليّة لوجب أن يقول «نمجنق». وحكى الفرّاء : «جنقوهم بالمجانيق»؟.

فالجواب : أنّ الكلمة أعجميّة ، والعرب قد تخلّط في اشتقاقها من الأعجمية ، لأنها ليست من كلامهم ؛ ألا ترى أنّ قول الراجز :

هل تعرف الدار لأمّ الخزرج

منها ، فظلت اليوم كالمزرّج (1)

أراد : سكران كالذي يشرب الزّرجون. وكان القياس أن يقول «كالمزرجن» ، لأنّ نون «زرجون» أصليّة. لكنه حذف النون ، لأنّ الكلمة أعجميّة ، والعرب قد تخلّط في اشتقاقها من الأعجميّ ، كما تقدّم.

فإن قيل : فهلّا قلتم إنّ قولهم في الجمع «مجانيق» بحذف النون من قبيل ما خلّط فيه؟.

فالجواب : أنّ قولهم «مجانيق» يؤدّي إلى أن يكون وزن الكلمة «فنعليلا» كما تقدّم ، وهو من أبينية كلامهم. وقولهم «نجنق» و «جنقوهم» يؤدّي إلى كون الميم والنون زائدتين ، فيكون وزن الكلمة «منفعيلا» ، والزيادتان لا تلحقان الأسماء من أوّلها ، إلّا أن تكون جارية على الأفعال ، كما تقدّم.

والذي يدلّ على أصالة الميم في «منجنون» أنه لا يخلو أن تقدّر الميم والنون زائدتين ، أو أصليّتين ، أو إحداهما زائدة والأخرى أصليّة. فجعلهما زائدتين فاسد ، لما تبيّن من أنه لا يلحق الكلمة زيادتان من أوّلها إلّا الأفعال والأسماء الجارية عليها ، و «منجنون» ليس من قبيل الأسماء الجارية على الأفعال. وجعل إحداهما زائدة والأخرى أصليّة فاسد ، لأنك إن قدّرت أنّ الميم هي الزائدة كان وزن الكلمة «مفعلولا» ، وذلك بناء غير موجود في كلامهم. وإن قدّرت أنّ النون هي الزائدة كان فاسدا ، بدليل قولهم «مناجين» في الجمع ، بإثبات النون الأولى. فدلّ ذلك على أنهما أصلان ، ويكون وزن الكلمة «فعللولا» ، فيكون نحو «حندقوق» (2).



1) الرجز ، بلا نسبة في الخصائص لابن جني ، والمنصف 1 / 148 ، واللسان (زرج).

2) الحندقوق : بقلة ، والرجل الطويل المضطرب ، لسان العرب ، مادة (حندق).

باب النون

النون تنقسم قسمين : قسم يقضى عليه بالزيادة ، وقسم يقضى عليه بالأصالة ، ولا يقضى عليه بالزيادة إلّا بدليل.

فالقسم الذي يقضى عليه بالزّيادة : النون التي هي حرف المضارعة ، نحو «نقوم» و «نخرج». والنون في «انفعل» وما تصرّف منه ، نحو «انطلق» و «منطلق». ونون التثنية ، وجمع السلامة ، ومن المذكّر ، نحو «الزّيدين» و «الزّيدين». والنون التي هي علامة الرفع في الفعل : نحو «يفعلان» و «تفعلون». والنون اللّاحقة الفعل للتأكيد ، شديدة كانت أو خفيفة ، نحو «هل تقومنّ» و «هل تقومن». ونون الوقاية اللّاحقة مع ياء المتكلم ، نحو «ضربني». ونون التنوين في نحو «رجل». والنون اللّاحقة آخر جمع التكسير ، فيما كان على وزن «فعلان» و «فعلان» ، نحو «قضبان» و «غربان» ، لأنه لا يتصوّر جعلها أصليّة ، إذ ليس في أبنية الجموع ما هو على وزن «فعلال» بضم الفاء ، ولا بكسرها. فجميع هذا لا تكون النون فيه إلّا زائدة ، ولا يحتاج على ذلك إلى إقامة دليل ، لوضوح كونها زائدة فيه.

وأمّا النون الواقعة آخر الكلمة ، بعد ألف زائدة ، فإنه يقضى عليها بالزيادة ، فيما لم يعرف له اشتقاق ولا تصريف ، لكثرة تبيّنها زائدة فيما عرف اشتقاقه أو تصريفه ، فيحمل ما لا يعرف على الأكثر. وذلك بشرطين :

أحدهما : أن يكون ما قبل الألف أكثر من حرفين أصليّين. إذ لو كان قبلها حرفان خاصة لوجب القضاء بأصالة النون ، إذ لا بدّ من الفاء والعين واللّام ، وذلك نحو «سنان» و «عنان» و «بنان» و «قران». وأمثال ذلك النون فيه أصليّة.

والآخر : ألّا تكون الكلمة من باب «جنجان» ، فإنه ينبغي أن تجعل النون فيه أصليّة. إذ لو كانت نونه زائدة لكانت الكلمة ثلاثيّة ، ويكون فاؤها جيما ولامها جيما ، فيكون من باب «سلس وقلق» ، أعني مما فاؤه ولامه من جنس واحد ، وذلك قليل جدّا. وإن جعلت النون أصليّة كانت من باب الرّباعيّ المضعّف ، نحو «صلصلت» و «قلقلت» ، وذلك باب واسع.

ومن الناس من اشترط أيضا ألّا يكون ما قبل الألف مضاعفا ، فيما قبل الألف فيه

ثلاثة أحرف ، نحو «مرّان» (1)و «رمّان» ، لاحتمال أن تكون النون زائدة ، وأن تكون أصليّة وأحد المضعّفين زائد ، ويتساوى الأمران عنده ، لكثرة زيادة الألف والنون في الآخر ، وكثرة زيادة أحد المضعّفين.

والصحيح أنه ينبغي أن تجعل الألف والنون زائدتين ، بدليل السماع ، والقياس.

أمّا القياس فإنّ النون ختصّت زيادتها في هذا الموضع ، أو ثالثة ساكنة ، على ما يبيّن بعد. وأحد المضعّفين زائد حيث كان. وما اختصّت زيادته بموضع كان أولى بأن يجعل زائدا مما لم يختصّ ؛ ألا ترى أنّ الهمزة في «أفعى» قضينا عليها بالزيادة وعلى الألف بالأصالة ، لأنّ الألف كثرت زيادتها في أماكن كثيرة ، والهمزة لم تكثر زيادتها إلّا أولا خاصّة ، فكان المختصّ يشرك غير المختصّ ، بكثرة زيادته في ذلك الموضع ، ويزيد عليه بقوّة الاختصاص.

وأمّا السّماع فقوله عليه السّلام ، للقوم الذين قالوا له «نحن بنو غيّان» ، فقال لهم ، عليه السّلام : «بل أنتم بنو رشدان». ألا تراه ، عليه السّلام ، كيف تكرّه لهم هذا الاسم ، لأنه جعله من الغيّ ، ولم يأخذه من الغين ، وهي السحاب ، فقد دلّ هذا على إنه إذا جاء مضاعف ، في آخره ألف ونون مثل «رمّان» ، أنه ينبغي أن يقضى عليه بزيادة الألف والنون ، إلّا أن يقوم دليل على أنّ النون أصليّة ، نحو «مرّان» فإن الخليل ذهب إلى أنّ نونه أصليّة ، لأنه مشتقّ من «المرانة» التي هي اللّين.

ومنهم من شرط ألّا يكون ما قبل الألف مضاعفا ، مما قبل الألف منه ثلاثة أحرف ، وألّا يكون مع ذلك مضموم الأوّل ، اسما لبنات ، نحو «رمّان» لأن مثل هذا عنده ينبغي أن تكون نونه أصليّة ، ويكون وزنه «فعّالا» ، لأنه قد كثر في أسماء النّبات «فعّال» ، نحو «حمّاض» و «عنّاب» و «قثّاء». فحمله على ما كثر فيه.

وهذا فاسد ، لأنّ زيادة الألف والنون في الآخر أكثر من مجيء اسم النبات على «فعّال» ؛ ألا ترى أنّ ما جاء من الأسماء ، أعني أسماء النبات ، على غير وزن «فعّال» لا ينضبط كثرة ، وإن كان «فعّال» قد كثر واطّرد.

وذهب السيرافيّ إلى أنّ النون إذا أتت في الآخر ، بعد ألف زائدة ، فإنه لا يخلو أن يكون جعلها أصليّة يؤدّي إلى بناء غير موجود ، أو إلى بناء موجود. فإن أدّى إلى بناء غير


1) المران : شجر الرماح ، لسان العرب ، مادة (مرن).

موجود قضي عليها بالزيادة ، نحو «كروان» و «زعفران» ؛ ألا ترى أنّ النون فيهما لو كانت أصليّة لكان وزن «كروان» : «فعلالا» ، ووزن «زعفران» : «فعللالا» ، وهما بناءان غير موجودين. وإن أدّى ذلك إلى بناء موجود قضي عليها بالأصالة ، نحو «دهقان» (1)و «شيطان» ، لأنّ نون «دهقان» إذا جعلت أصليّة كان وزنه «فعلالا» ، ونون «شيطان» إذا كانت أصليّة كان وزنه «فيعالا». وهما بناءان موجودان ، نحو «شملال» (2)و «بيطار».

وهذا الذي ذهب إليه ، من أصالة النون فيما يؤدي جعل النون فيه أصليّة إلى بناء موجود - باطل ، لأنه جعل دليله على ذلك كون سيبويه قد جعل النون أصليّة في «دهقان» و «شيطان». ولم يفعل ذلك سيبويه ، لما ذكر من أنّ جعل النون فيهما أصليّة يؤدّي إلى بناء موجود. بل لقولهم «تدهقن» و «تشيطن» ، لأنه ليس في كلامهم «تفعلن». فدلّ ذلك على أصالة النون. فأمّا «تدهّق» و «تشيّط» فليس في قوّة «تدهقن» و «تشيطن» ، لأنّ أبا عليّ قد دفعهما من طريق الرواية.

فإذا جاءت النون بعد ألف زائدة ، فيما لا تعرف له اشتقاقا ، بالشرطين المذكورين ، فاقض بالزيادة حملا على الأكثر. وكذلك تفعل إذا احتملت الكلمة اشتقاقين ، تكون في أحدهما أصليّة ، وفي الآخر زائدة. فينبغي أن تحمله على الذي تكون فيه زائدة ، حملا على الأكثر ، نحو «دكّان» ، فإنه يحتمل أن يكون مشتقّا من «دكنته أدكنه دكنا» إذا نضدت بعضه فوق بعض ، فتكون نونه أصليّة. ويحتمل أن يكون مشتقّا من قولهم «أكمة دكّاء» إذا كانت منبسطة ، و «ناقة دكّاء» إذا كان سنامها مفترشا في ظهرها ، فتكون نونه زائدة. لكنّ الذي ينبغي أن يحمل عليه هذا الاشتقاق الآخر ، لما ذكرناه من الحمل على الأكثر.

وأمّا النون إذا وقعت ثالثة ساكنة ، غير مدغمة ، في كلمة على خمسة أحرف ، نحو «جحنفل» و «عبنقس» (3)وأمثال ذلك ، فإنه ينبغي أن تقضي عليها بالزيادة ، وإن لم تعرف للكلمة اشتقاقا ولا تصريفا ، لأنّ كلّ ما عرف له اشتقاق أو تصريف ، من ذلك ، وجدت النون فيه زائدة ، فيحمل ما لم يعرف اشتقاقه على ما عرف اشتقاقه. فما عرف اشتقاقه فوجدت النون فيه زائدة «جحنفل» و «جرنفش» (4)، لأنّ «الجحنفل» : الكثير ، و «الجحفل» ،


1) الدهقان : القوي على التصرف مع شدة وخبرة ، لسان العرب (دهقن).

2) الشملال : السريعة الخفيفة ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه باب الشين 1 / 495.

3) العبنقس : السيء الخلق ، لسان العرب ، مادة (عبقس).

4) الجرنفش : الرجل العظيم ، لسان العرب ، مادة (جرنفش).

الجيش الكثير. فهما بمعنى واحد. و «الجحنفل» أيضا : العظيم الجحفلة (1)، فهو من لفظ الجحفلة ، فنونه زائدة. وقالوا «جرافش» في «جرنفش». ومثل ذلك كثير ، إلّا أني لم أكثر من ذلك ، لما فيه من التّطويل. فلمّا كان الأمر ، فيما له اشتقاق أو تصريف ، على ذلك حمل ما ليس له اشتقاق ولا تصريف نحو «عبنقس» ، على ذلك ، فقضي على النون بالزيادة.

وزعم ابن جنّي أنه إن جاء مثل «خزنزن» أو «عصنصن» فإنه تجعل نونه محتملة ، فلا يقضى عليها بالأصالة ولا بالزيادة ، إلّا بدليل. وإنما احتمل هذا النحو أن تكون النون فيه أصلية وزائدة ، لأنك إذا جعلت النون أصلية كان من باب «صمحمح» (2)و «دمكمك» (3)، وإن كانت زائدة كان من باب «عقنقل» (4). وباب «صمحمح» أكثر وأوسع. فإزاء كون النون ساكنة ثالثة كون باب «صمحمح» أوسع من باب «عقنقل».

وهذا الذي ذهب إليه عندي فاسد. بل ينبغي أن يقضى عليها بالزيادة ، لأنّ زيادة النون ثالثة ساكنة لازمة فيما عرف له اشتقاق ، فلا ينبغي أن يجعل بإزائه كون باب «صمحمح» أوسع من باب «عقنقل» ، لأنّ دليل اللزوم أقوى من دليل الكثرة.

وإنما لزمت زيادتها إذا كانت على ما ذكر ، لشبهها بحرف المدّ واللين ، إذا وقع في هذا الموضع. فكما أنّ حرف المدّ واللين إذا وقع في اسم على خمسة أحرف ثالثا مثل «جرافس» كان زائدا ، فكذلك ما كان بمنزلته. ولذلك حذفوا نون «عرنقصان» (5)تخفيفا ، فقالوا «عرقصان». كما حذفوا الألف من «علابط» (6)و «هدابد» (7)وأمثالهما ، حين قالوا «علبط» و «هدبد». ووجه الشبه بينهما أنّ في النون غنّة في الخياشيم ، كما أنّ في حروف المدّ واللين مدّا ، والغنّة والمدّ كلّ واحد منهما فضل صوت في الحرف. ولذلك إذا جاءت النون ثالثة ساكنة ، فيما هو على خمسة أحرف ، إلّا أنها مدغمة نحو «عجنّس» (8)لم تكن إلّا أصلية لأنها إذ ذاك تشبّث بالحركة ، والنون إذا تحرّكت كانت من الفم وضعفت الغنّة فيها. ولذلك لم تزد ثالثة ساكنة قبل حرف الحلق ، لأنها إذ ذاك تكون من الفم وتضعف فيها الغنّة ، فلا


1) الجحفلة : مشفر البعير ، لسان العرب ، مادة (جحفل).

2) الصمحمح : الغليظ القصير ، الصحاح للجوهري ، مادة (صمح).

3) الدمكمك : القوي الشديد ، لسان العرب ، مادة (دمك).

4) العقنقل : الكثيب العظيم متداخل الرمل ، الصحاح للجوهري مادة (عقنقل).

5) العرنقصان : نبات ، لسان العرب ، مادة (عرقص).

6) العلابط : الضخم الغليظ ، لسان العرب ، مادة (علبط).

7) الهدابد : اللبن الخاثر ، لسان العرب ، مادة (هدبد).

8) العجنس : الجمل الضخم الصلب الشديد ، لسان العرب ، مادة (عجنس).

تشبه حرف العلّة. ولو ورد في الكلام مثل «جحنعل» مثلا لجعلت النون فيه أصليّة كما جعلت في «عجنّس» كذلك ، لمفارقتها إذ ذاك الغنّة التي أشبهت بها حرف العلّة.

فهذه جملة الأماكن التي يقضى على النون فيها بالزيادة. وما عدا ذلك قضي عليه بالأصالة ، ولا يقضى عليه بالزيادة إلّا بدليل :

فمما زيدت فيه النون أولا لقيام الدليل على زيادتها «نرجس» وزنه «نفعل». وإنما لم تكن نونه أصليّة لأنه ليس في كلامهم «فعلل».

فإن قيل : وكذلك ليس في كلامهم «نفعل»؟.

فالجواب : أنه قد تقدّم أنّ الحرف إذا كان جعله زائدا يؤدّي إلى بناء غير موجود ، وكذلك جعله أصليّا ، قضي عليه بالزيادة ، للدخول في الباب الأوسع ، لأنّ أبنية المزيد أكثر من أبنية الأصول.

وزعم ابن جنّي : أنّ النون في «نبراس» (1)زائدة ووزنه «نفعال» ، وجعله مشتقّا من «البرس» وهو القطن ، لأنّ الفتيل يتّخذ في الغالب من القطن. وذلك اشتقاق ضعيف جدّا. بل لقائل أن يقول : الغالب في الفتيل ألّا يكون من القطن. وكذلك قولهم «نفرجة القلب» وزنه عنده «نفعلة» ، لأنّ «النّفرجة» : الجبان الذي ليست له جلادة ولا حزم. واستدلّ على ذلك بقول العرب «رجل أفرج وفرج» إذا كان لا يكتم سرّا ، فجعل «نفرجة القلب» مشتقّا منه ، لأنّ إفشاء السّرّ من قلّة الحزم. وهذا الاشتقاق أيضا ضعيف ، لأنّ إفشاء السّرّ ليس بقلّة حزم ، بل هو بعض صفات القليل الحزم. وأيضا فإنّ «الأفرج» و «الفرج» لا يراد بهما الجبان كما يراد ب- «نفرجة القلب». فدلّ ذلك على ضعف هذا الاشتقاق. فينبغي أن تجعل النون فيها أصليّة.

وزيدت ثانية في «قنعاس» (2)و «قنفخر» (3)و «عبنبس» (4)و «عنسل» (5)و «عنتريس» (6)


1) النبراس : المصباح ، لسان العرب ، مادة (برس).

2) القنعاس : الجمل الضخم العظيم ، لسان العرب ، مادة (قنعس).

3) القنفخر : الفائق في نوعه ، لسان العرب ، مادة (قفخر).

4) العبنبس : الأسد ، لسان العرب ، مادة (عنبس).

5) العنسل : الناقة السريعة القوية ، لسان العرب ، مادة (عنسل).

6) العنتريس : الناقة الغليظة الصلبة الوثيقة الشديدة الكثيرة اللحم الجواد الجريئة ، وقد يوصف به الفرس ، تاج العروس ، مادة (عترس).

و «خنفقيق» (1)و «كنهبل» (2)و «جندب» بضمّ الدال وفتحها و «عنصر» و «تنبر» و «كنثأو» (3)و «حنطأو» (4)و «سندأو» (5)و «قندأو» (6).

فأمّا «قنعاس» فنونه زائدة ، لأنه من القعس. و «قنفخر» ؛ لأنه يقال في معناه «قفا خريّ». و «عنبس» من العبوس. و «عنسل» من العسلان. و «عنتريس» من العترسة وهي الشّدّة. و «الخنفقيق» من الخفق.

وأمّا «كنهبل» فنونه زائدة ، لأنها لو جعلت أصليّة لكان وزن الكلمة «فعلّلا» ، وهو بناء غير موجود في كلامهم.

وأمّا «جندب» و «عنصر» و «قنبر» فيدلّ على زيادة النون فيها أنك لو جعلتها أصليّة لكان وزن الكلمة «فعللا» ، وهو بناء غير موجود في كلامهم. فأمّا «جؤذر» (7)فأعجميّ. و «برقع» و «جخدب» (8)مخفّفان من «برقع» و «جخدب» بالضمّ. وأيضا فإنّ هذه النون قد لزمت هذا البناء ، وهي حرف زيادة ، فدلّ ذلك على زيادتها ، إذ لو كانت أصلا لجاز أن يقع موقعها غيرها من الأصول. وأيضا فإنّ ما جاء من هذا النحو ، وعلم له تصريف ، وجدت النون فيه زائدة نحو قنبر ، لأنهم يقولون في معناه «قبّر» ، فيحذفون النون ، فيحمل ، ما جهل تصريفه على ما علم. وأمّا «جندب» بكسر الجيم و «جندب» بضم الجيم والدال فنونه زائدة ، لأنه في معنى «جندب» المضموم الجيم. فينبغي أن تكون نونه زائدة كما هي في المضموم الجيم.

وأمّا «كنثأو» وأخواته فنونه زائدة ، بدليل أنّ هذه الأسماء فيها ثلاثة أحرف من حروف الزيادة : النون والهمزة والواو. فقضي على الهمزة بالأصالة ، لقلّة زيادتها غير أوّل. وقضي على الواو بالزيادة ، لملازمتها المثال.


1) الخمنفقيق : المرأة الجرئية السريعة ، المحكم لابن سيده ، مادة (خفق).

2) الكنهبل : شجر ، لسان العرب ، مادة (كهبل).

3) الكنثأو : الوافر اللحية ، لسان العرب ، مادة (كنثأ).

4) الحنطأو : العظيم البطن القصير ، لسان العرب ، مادة (حنطأ).

5) السندأو : الجريء الشديد ، وقيل : الخفيف ، تاج العروس للزبيدي ، مادة (سدأ).

6) القندأو : الغليظ القصير ، المحيط في اللغة لابن عباد ، مادة (قند).

7) الجؤذر : ولد البقرة الوحشية ، لسان العرب ، مادة (جذر).

8) الجخدب : ضرب من الجنادب ، لسان العرب مادة (جخدب).

فإن قيل : فإن الهمزة أيضا قد لازمت المثال؟.

فالجواب : أنه لا يمكن أيضا القضاء بزيادتها مع زيادة النون ، لئلّا يؤدّي إلى بقاء الاسم على أقلّ من ثلاثة أحرف ، إذ الواو زائدة. فلمّا تعذّرت زيادتهما معا قضي بزيادة النون ، لأنّ زيادة النون غير أوّل أكثر من زيادة الهمزة.

فإن قيل : فهلّا جعلت الواو أصليّة وقضيت على النون والهمزة بالزيادة؟.

فالجواب : أنّ القضاء على الواو بالزيادة أولى من القضاء على الهمزة والنون بذلك ، لأنّ زيادة الواو أكثر من زيادة النون والهمزة غير أوّل.

ومما يدلّ على زيادة النون في هذه الأسماء أنّه قد تقرّر في «كنثأو» زيادة النون بالاشتقاق ، لأنهم قد قالوا «كثّأت لحيته» إذا كانت كنثأوا ، فحذفوا النون. قال الشاعر :

وأنت امرؤ ، قد كثّأت لك لحية

كأنك منها قاعد في جوالق (1)

فينبغي أن يحمل ما لم يعلم له اشتقاق ، من هذه الأسماء ، على ما علم له ذلك.

وأمّا «خنزير» فنونه أصليّة. وليس في قوله :

لا تفخرنّ ، فإنّ الله أنزلكم

يا خزر تغلب ، دار الذّلّ والهون (2)

دليل على أنّ النون زائدة ، لأنّ «خزرا» ليس بجمع خنزير ، بل هو جمع أخزر. لأنّ كلّ خنزير عندهم أخرز ، خلافا لأحمد بن يحيى ، فإنه يجعل «خزرا» جمع خنزير. وذلك فاسد. لأنه ليس قياس خنزير أن يجمع على خزر. فمهما أمكن أن يحمل على المطّرد كان أولى.

وزيدت ثالثة غير ساكنة في نحو «فرناس» و «ذرنوح» (3). أمّا «ذرنوح» فإنهم يقولون في معناه «ذرّوح» فيحذفون النون. وأمّا «فرناس» الأسد فإنه مشتقّ من «فرس يفرس» ، لأنّ الافتراس من صفة الأسد.

وزيدت رابعة في «رعشن» (4)و «علجن» و «ضيفن» و «خلفنة» و «عرضنة» (5). فأمّا


1) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (كثأ).

2) البيت من البسيط ، وهو لجرير في ديوانه ص 237 ، وأساس البلاغة ، وتاج العروس ، مادة (خزر).

3) الذرنوح : دويبة ، المحكم لابن سيده ، مادة (ح ذ ر).

4) الرعشن : الجبان الندي يرتعش ، لسان العرب ، مادة (رعش).

5) العرضنة : الذي يتعرض الناس بالباطل ، لسان العرب ، مادة (عرض).

«رعشن» فمن الارتعاش. و «علجن» من العلج ، وهو الغليظ ، لأنّ «العلجن» : الناقة الغليظة. و «رجل خلفنة» و «ذو خلفنة» أي : في أخلاقه خلاف. و «عرضنة» من التعرّض.

وأمّا «ضيفن» ففيه خلاف : مهم من جعل نونه زائدة ، لأنه الذي يجيء مع الضيف. فهو راجع إلى معنى الضيف. ومنهم من ذهب إلى أنّ نونه أصليّة - وهو أبو زيد - وحكى من كلامهم «ضفن الرّجل يضفن» إذا جاء ضيفا مع الضيف. ف- : «ضيفن» على هذا المذهب «فيعل». وهذا الذي ذهب إليه أبو زيد أقوى. ويقويّه أيضا أنّ باب النون ألّا تكون في مثل هذا إلّا أصليّة. وأيضا فإنّ نونه إذا كانت زائدة كان وزنه «فعلنا» ، و «فيعل» أكثر من فعلن.


باب التاء

التاء تنقسم قسمين : قسم يحكم عليه بالأصالة ، ولا يحكم عليه بالزّيادة إلّا بدليل ، وقسم يحكم عليه بالزّيادة أبدا ، ولا يكون أصلا.

فالقسم الذي يحكم عليه بالزيادة :

التاء التي في أوائل أفعال المطاوعة ، نحو قولك «كسّرته فتكسّر» و «قطّعته فتقطّع» و «دحرجته فتدحرح».

والتاء في أول «تفاعل» ، نحو «تغافل» و «تجاهل» ، وما تصرّف من ذلك.

والتاء التي هي من حروف المضارعة ، نحو «تقوم» و «تخرج».

والتاء التي في «افتعل» و «استفعل» وما تصرّف منهما.

والتاء التي للخطاب في نحو «أنت» و «أنت» و «أنتما» و «أنتم» و «انتنّ».

وتاء التأنيث نحو «قامت» و «خرجت» ، و «قائمة» و «حارجة» ، و «ربّت» و «تمّت» و «لات».

ومع «الآن» ، في نحو قوله :

نوّلّي قبل نأي دار ، جمانا

وصلينا ، كما زعمت ، تلانا (1)

أراد : الآن. وحكى أبو زيد أنه سمع من يقول «حسبك تلان» يريد : حسبك الآن. فزاد التاء.

ومع «الحين» ، في أحد القولين ، في نحو قوله :

العاطفون تحين ما من عاطف

والمسبغون ندى ، إذا ما أنعموا (2)


1) البيت من البحر الخفيف ، وهو لجميل بثينة في ديوانه ص 196 ، ولسان العرب ، مادة (تلن) وبلا نسبة في الإنصاف ، ص 110.

2) البيت من البحر الكامل ، وهو لأبي وجزة السعدي في الأزهية ص 264 ، والإنصاف 1 / 108 ، وخزانة الأدب للبغدادي 4 / 175 ، ولسان العرب ، مادة (ليت) والصحاح واللسان والتاج مادة (حين).

جميع هذا يحكم على التاء فيه بالزيادة ، ولا يحتاج في ذلك إلى دليل ، لوضوح كونها زائدة فيه.

وأمّا القسم الذي يحكم عليه بالأصالة ، ولا يكون زائدا إلّا بدليل ، فما عدا ذلك. وإنما قضينا على التاء بالأصالة ، فيما عدا ذلك ، لكثرة تبيّن أصالة التاء فيما يعرف له اشتقاق أو تصريف ، نحو «توءم» - فإنّ تاءه أصليّة ، لأنك تقول في الجمع : تؤام. و «تؤام» : «فعال» فتاؤه أصل - وأمثال ذلك. ويقلّ وجودها زائدة فيما عرف له اشتقاق أو تصريف. فلمّا كان كذلك حمل ما جهل أصله على الكثير ، فقضي على تائه بالأصالة.

فمما جاءت فيه التاء زائدة أولا «تألب» و «ترتب» (1)و «تدرأ» (2)و «تجفاف» (3)و «تعضوض» (4)و «تمثال» و «تبيان» و «تلقاء» و «تضراب» (5)و «تهواء (6)من الليل» و «تمساح» للكذّاب و «تمراد» لبيت الحمام و «رجل تقوالة».

فالدليل ، على زيادتها في «تألب» اسم الحمار ، أنه مأخوذ من قولك : ألب الحمار أتنه يألبها ، إذا طردها. وكذلك «ترتب» : «تفعل» من الشيء الرّاتب. و «تدرأ» من درأت ، أي : دفعت. وأيضا فإنه لا يمكن جعل التاء في «ترتب» و «تدرأ» أصلا ، لأنه ليس في كلامهم «فعلل».

وكذلك «تتفل» (7)تاؤه زائدة ، لأنها لو كانت أصليّة لكان وزن الكلمة «فعللا» ، وذلك بناء غير موجود في كلامهم. ومن قال «تتفل» بضمّ التاء فهي عنده أيضا زائدة ، لثبوت زيادتها في لغة من فتح التاء.

وكذلك «تجفاف» و «تعضوض» و «تبيان» و «تلقاء» و «تمساح» و «تقوالة» و «ناقة تضراب» ، وهي مشتقّة من : الجفوف والعضّ والبيان واللّقاء والمسح والضّراب والقول. و «تمراد» (8)؛ لأنه من «مارد» أي : طويل. ومنه قصر مارد. و «تهواء من الليل» من قولهم


1) الترتب : الشيء الراتب الثابت ، لسان العرب ، مادة (ترتب).

2) التدرأ : الدرء والدفع ، لسان العرب ، مادة (درأ).

3) التجفاف : ما جلل الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح ، لسان العرب ، مادة (جفف).

4) التعضوض : تمر أسود ، لسان العرب ، مادة (عضض).

5) التضراب : الناقة الذي ضربها الفحل ، لسان العرب ، مادة (ضرب).

6) التهواء : القطعة ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، الهاء 2 / 1001.

7) التتفل : ولد الثعلب ، لسان العرب ، مادة (تفل).

8) التمراد : بيت الحمام ، لسان العرب ، مادة (مرد).

«مرّ هوّيّ (1)من الليل». وكذلك التاء في «تنبال» زائدة ، لأنّ «التّنبال» هو القصير ، و «النّبل» هم القصار ، فيكون «التّنبال» منه. وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل اللغة.

وزيدت آخرا في «سنبتة» ، بدليل قولهم «مرّت عليه سنبة من الدهر» بمعنى «سنبتة» أي : قطعة. فيحذفون التاء. وفي «رغبوت» و «رهبوت» و «طاغوت» و «رحموت» و «ملكوت» و «جبروت» ، لأنها بمعنى الرغبة والرهبة والرحمة والملك والتجبّر والطّغيان. وقد قالوا : «رغبوتى» و «رهبوتى» و «رحموتى» ، والتاء فيها أيضا زائدة.

فأمّا «الثّلبوت» (2)، من قول لبيد :

بأحزّة الثّلبوت يربأ فوقها

قفر المراقب خوفها آرامها (3)

فالتاء فيه أصل. وأجاز ابن جنّي أن تكون التاء زائدة ، حملا على «جبروت» وأخواته. قال : وليس ذلك بالقوّي. والصحيح أنه لا يسوغ جعل التاء فيه زائدة ، لقلة ما زيدت فيه التاء ، مما هو على وزنه ، إذ لا يحفظ منه إلّا ستّة الألفاظ المذكورة.

وكذلك هي في «عنكبوت» زائدة. واستدلّ على ذلك سيبويه ، بقولهم في جمعه «عناكب». ووجه الدليل من ذلك أنهم كسّروا «عنكبوتا» من غير استكراه. أعني : من غير أن يكلّفوا ذلك. ولو كانت التاء أصليّة لكان من بنات الخمسة. وهم لا يكسّرون بنات الخمسة إلّا استكراه. فدلّ ذلك على أنه ليس من بنات الخمسة ، وأنّ تاء زائدة. وأيضا فإنهم يقولون في معناه «العنكباء» ، وذلك قاطع بزيادة التاء.

وفي «عفريت» و «غزويت» (4). أمّا «غزويت» فالدليل على زيادة تائه أنك لا تخلو من أن تجعل التاء والواو أصليّتين ، أو تجعل التاء أصليّة والواو زائدة أو العكس. فجعلهما أصليّتين يؤدّي إلى كون الواو أصلا ، في بنات الأربعة من غير المضعّفات. وذلك فاسد. وجعل الواو زائدة والتاء أصليّة يؤدّي إلى بناء غير موجود ، وهو «فعويل». فلم يبق إلّا أن تكون تاؤه زائدة وواوه أصليّة. وأمّا «عفريت» فتاؤه زائدة ، بدليل قولهم في معناه «عفرية».


1) الهوي : القطعة من الليل ، جمهرة اللغة لابن دريد ، مادة (وه ي).

2) الثلبوت : اسم واد بين طيء وذبيان ، لسان العرب ، مادة (ثلب).

3) البيت من البحر الكامل ، وهو للبيد في ديوانه ص 305 ، وفي اللسان والتاج ، مادة (ثلب) ، ومجمل اللغة 2 / 10 ، والمخصص 10 / 87 وبلا نسبة في تهذيب اللغة للأزهري 6 / 565 ، الأحزة : جمع حزيز ، وهو ما ارتفع من الأرض وغلظ ، والآرام : الإعلام ، يصف حمار وحش مع أتنه.

4) الغزويت : الداهية ، المنصف 1 / 169 ، وفي التاج للزبيدي ، موضع مر له الإيماء ، مادة (غزو).

وزيدت أيضا في أوّل الكلمة وآخرها في «ترنموت» ، ووزنه «تفعلوت» ، وهو : صوت ترنّم القوس عند الإنباض. قال الراجز :

*تجاوب القوس بترنموتها (1)

تستخرج الحبة من تايوتها ،

الرجز ، بلا نسبة في سر صناعة للإعراب لابن جني 1 / 158 ، واللسان والتاج ، مادة (رنم) ، والمنصف 1 / 139.

*

أي : بترنّمها.


1) صدر بيت ، عجزه :

باب الألف

الألف لا تكون أبدا أصلا. بل تكون زائدة ، أو منقلبة عن ياء ، أو واو. فمثال الزائدة ألف «ضارب» ؛ لأنه من الضّرب. ومثال المنقلبة عن الياء ألف «رمى» ؛ لأنه من الرّمي. ومثال المنقلبة عن الواو ألف «غزا» ؛ لأنه من الغزو. إلّا فيما لا يدخله التصريف ، نحو الحروف ، والأسماء المتوغلة في البناء ، فإنه ينبغي أن يقضى على الألف فيه بأنها أصليّة. إذ لا دليل على جعلها زائدة ، ولا يعلم لها أصل في الياء ، ولا في الواو ، فيقضى على الألف بأنها منقلبة عن ذلك الأصل. ومما يبيّن ذلك وجود «ما» و «لا» وأمثالهما ، في كلامهم. وقد تقدّم تبيين ذلك.

والألف لا تخلو أن يكون معها حرفان أو أزيد. فإن كان معها حرفان قضيت عليها بأنها منقلبة من أصل ، إذ لا بدّ من الفاء والعين واللّام ، نحو «رمى» و «غزا».

وإن كان معها أزيد فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف ، مقطوع بأصالتها ، فصاعدا ، أو حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، أو محتمل أن يكون أصلا ، وأن يكون زائدا.

فإن كان معها حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، كانت الألف منقلبة عن أصل ، إذ لا بدّ من ثلاثة أحرف أصول ، كما تقدّم ، وذلك نحو «أرطى» (1)في لغة من يقول «أديم مرطيّ» ؛ ألا ترى أنّ قوله «مرطيّ» يقضي بزيادة الهمزة ، وإذا ثبتت زيادتها ثبت كون الألف منقلبة عن أصل.

وإن كان ما عداهما محتملا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن يكون ميما ، أو همزة في أوّل الكلمة ، أو نونا ثالثة ساكنة فيما هو على خمسة أحرف ، أو غير ذلك من الزوائد.

فإن كان ميما أو همزة أولا أو نونا ثالثة ساكنة قضيت على الألف بأنها منقلبة من أصل ، وعلى الميم أو الهمزة أو النون بالزيادة. وذلك نحو «أفعى» و «موسى» ، ونحو


1) الأرطى : شجر ينبت بالرمل ، رائحته طيبة ، لسان العرب ، مادة (أرط).

«عقنقى» إن ورد في كلامهم ، إلّا أن يقوم دليل على أصالتها وزيادة الألف ، وذلك قليل ، لا يحفظ منه إلّا «أرطى» ، في لغة من قال «أديم مأروط».

فإن قيل : فلأيّ شيء قضيتم بزيادة الميم والهمزة والنون. وقضيتم على الألف أنها منقلبة عن أصل؟.

فالجواب : أنّ الذي حمل على ذلك أشياء :

منها أنّ ما عرف له اشتقاق ، من ذلك ، وجد الأمر فيه على ما ذكرنا ، من زيادة الميم والهمزة والنون ، نحو «أعمى» و «أعشى» و «ملهى» و «مغزى».

ومنها أنّ الميم والهمزة والنون قد سبقت فقضي عليها بالزيادة لسبقها إلى موضع الزيادة. فلمّا قضي عليها بالزيادة وجب القضاء على الألف بانقلابها عن أصل.

ومنها أنّ الميم والهمزة والنون قد ساوت الألف ، في كثرة الزيادة ، وفضلتها بقوة الاختصاص ؛ ألا ترى أنّ الميم والهمزة قد كثرت زيادتهما أوّلا ، كما كثرت زيادة الألف ، واختصّتا بالزيادة أوّلا ، وليست الألف كذلك. وأنّ النون كثرت زيادتها. ثالثة ساكنة ، فيما هو على خمسة أحرف ، وبعد الألف الزائدة قبل آخر الكلمة ، بالشرطين المتقدّمين في فصل النون ، واختصّت بالزيادة في هذين الموضعين ، وليست الألف كذلك.

وإن كان غير ذلك من الزوائد قضيت على الألف بالزيادة ، وعلى ما عداها بالأصالة - إلّا ما شذّ - نحو «عزّى» (1)، إلّا أن يقوم دليل على أنّ الألف منقلبة عن أصل ، وذلك نحو «قطوطى» (2)و «شجوجى» (3)و «ذلولى» (4). الألف في جمع ذلك أصل.

وذلك أنّ الألف لو جعلت زائدة لم تخل الواو من أن تكون أصلا ، أو زائدة. فلو جعلتها زائدة لكان وزنها «فعولى» ، وذلك بناء غير موجود. ولو جعلت الواو أصليّة لم تخل من أن تجعل المضعّفين أصلين ، أو أحدهما أصلا والآخر زائدا. فلو جعلتهما أصلين لم يجز ، لأنّ ذلك يؤدّي إلى جعل الواو أصلا ، في بنات الأربعة ، وذلك لا يجوز إلّا في


1) العزى : اسم صنم ، مختار الصحاح للرازي ، مادة (عزز).

2) القطوطى : المتبختر ، المخصص لابن سيده 1 / 309.

3) الشجوجى : المفرط في الطول ، لسان العرب ، مادة (شجا).

4) الذلولى : المسرع المستخفي ، الصحاح للجوهري ، مادة (ذلي).

باب «ضوضيت» (1)و «قوقيت» (2)، على ما يبيّن بعد ، إن شاء الله. ولو جعلت أحدهما أصلا والآخر زائدا لكان وزنها «فعلعى» ، وذلك بناء غير موجود في كلامهم ، فثبت أنّ الألف بدل من أصل.

وإذا ثبت ذلك احتملت هذه الأسماء أن تكون الواو فيها زائدة ، من غير لفط اللّام ، وأن تكون من لفظ اللّام. فإن كانت من غير لفظ اللّام كان وزن هذه الأسماء «فعوعلا» نحو «عثوثل» (3)و «غدودن» (4)وإن كانت من لفظ اللّام كان وزنها «فعلعلا» نحو «صمحمح» (5)و «دمكمك» (6). وحملها على أن تكون من باب «صمحمح» أولى ، لأنه أوسع من باب «عثوثل». وهو الظاهر من كلام سيبويه ، أعني أنها تحتمل ضربين من الوزن ، وباب «صمحمح» أولى بها.

وأمّا من زعم أنّ «قطوطى» و «ذلولى» لا يكون وزنهما إلّا «فعوعل» ، واستدلّ على ذلك بأنّ «اقطوطى» و «اذلولى» وزنهما «افعوعل» ، وزعم أنّ سيبويه لو حفظ «اقطوطى» (7)لم يجز في «قطوطى» إلّا أن يكون «فعوعلا» فلا يلتفت إليه ، إذ ليس «قطوطى» باسم جار على «اقطوطى» ، فيلزم أن تكون الواو الزائدة فيه من غير لفظ اللّام ، كما هي في «اقطوطى». بل لا يلزم من كونهم قد اشتقّوا «اقطوطى» من لفظ «قطوطى» أكثر من أن تكون أصولهما واحدة ، وذلك موجود فيهما. لأنّ «قطوطى» إذا كان وزنه «فعلعلا» كانت إحدى العينين وإحدى اللّامين زائدتين ، فتكون حروفه الأصول : القاف والطاء والواو. وكذلك «اقطوطى» الواو وإحدى الطائين زائدتان ، وحروفه الأصول : القاف والطاء والواو التي انقلبت ألفا. والدليل على أنّ حروفه الأصول ما ذكرنا قولهم «قطوان» في معناه.

وإن كان مع الألف ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدا قضي على الألف أنها زائدة ، إلّا في مضاعف بنات الأربعة فابنّ الألف يقضى عليها بالأصالة ، لأنّ الألف لا تكون أصلا في بنات الأربعة - كما ذكرنا - إلّا منقلبة عن ياء أو واو ، والياء والواو لا


1) ضوضيت : الضوضاء والجلبة ، لسان العرب ، مادة (ضوا).

2) قوقيت : من قوقت الدجاجة إذا صاحت ، لسان العرب ، مادة (قوا).

3) العثوثل : الشيخ الثقيل ، وفي اللسان : العثوثل : الكثير اللحم الرخو مادة (عثل).

4) الغدودن : المسترخي وفي المعجم الوسيط : الشاب الناعم ، مادة (غدن).

5) الصمحمح : الشديد القوي ، الصحاح للجوهري ، مادة (صمح).

6) الرمكمك : الشديد ، الصحاح للجوهري ، مادة (رمك).

7) اقطوطى : إذا أبطأ في المشيء ، شرح شافية ابن الحاجب 1 / 253.

يكونان أصلين في بنات الخمسة ، إلّا فيما شذّ ممّا يبيّن في بابه ، ولا في بنات الأربعة ، إلّا في المضاعف نحو «قوقى» (1)و «ضوضى» (2).

فإن قيل : وما الدليل على أنّ الألف ليست زائدة في «ضوضى» و «قوقى»؟.

فالجواب : أنّ جعل الألف زائدة يؤدّي إلى الدخول في باب «سلس» و «قلق» ، وذلك قليل. وأيضا فإنهم قد قالوا «ضوضاء» و «غوغاء» (3)ك- «قلقال» و «صلصال». ولا نحفظ في بنات الثلاثة اسما على «فعلاء» نحو «سلقاء» و «ضرباء» منوّنا. فدلّ مجيء «ضوضاء» و «غوغاء» على أنّ «ضوضى» و «قوقى» من بنات الأربعة ك- «صلصل» و «قلقل».



1) قوقت الدجاجة : صاحت ، لسان العرب ، مادة (قوا).

2) ضوضى : من الضوضاء والجلبة ، لسان العرب ، مادة (ضوا).

3) الغوغاء : من غوغيت ، الصوت والجلبة ، لسان العرب ، مادة (غوغ).

باب الياء

الياء أيضا لا تخلو من أن يكون معها حرفان أو أزيد. فإن كان معها حرفان كانت أصلا ، إذ لا أقلّ من ثلاثة أحرف ، نحو «ظبي» و «رمي». وإن كان معها أزيد من حرفين فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها ، فصاعدا ، أو حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، أو محتمل أن يكون أصلا ، وأن يكون زائدا.

فإن كان معها حرفان مقطوع بأصالتهما وما عداهما مقطوع بزيادته ، فالياء أصل ، إذ لا أقلّ من ثلاثة أحرف أصول ، نحو «ياسر» و «يافع» من اليسر ، ومن يفعة.

وإن كان ما عداهما محتملا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن تكون الميم أوّلا ، أو الهمزة ، أو غير ذلك من الحروف الزوائد. فإن كان الميم أو الهمزة قضيت على الياء بالأصالة ، وعلى الميم والهمزة بالزيادة ، كما فعلت بهما إذا اجتمعا مع الألف. والسبب في ذلك ما قدّمناه في فصل الألف. وذلك نحو «أيدع» و «ميراث». ولا يحكم على الهمزة ولا على الميم بالأصالة ، ويحكم على الياء بالزيادة ، إلّا أن يقوم دليل على ذلك نحو «أيصر» (1). وقد تقدّم الدليل على أصالة همزته في فصل الهمزة.

وإن كان غير ذلك من الزوائد قضيت على الياء بالزيادة ، وعلى ما عداها بالأصالة ، نحو «يرمع» (2)، إلّا أن يقوم دليل على خلاف ذلك ، نحو «ضهيأ» و «يأجج» (3).

وإن كان معها ثلاثة أحرف فصاعدا مقطوعا بأصالتها قضي عليها بالزيادة ، لأنّ الياء لا تكون أصلا في بنات الخمسة ، ولا في بنات الأربعة ، إلّا أن يشذّ من ذلك شيء فلا يقاس عليه ، أو في مضاعف بنات الأربعة ، نحو «حيحى» (4).


1) الأيصر : الحشيش ، الصحاح للجوهري ، مادة (أصر).

2) اليرمع : حصى بيض تلمع ، لسان العرب ، مادة (رمع).

3) يأجج : اسم موضع التاج للزبيدي ، مادة (يأج).

4) حيحيت بالغنم : صوّت ، وهو أصل حاحيت.

والدليل ، على أنّ الياء في «حيحى» أصليّة ، أنك لو جعلتها زائدة لكان «حيحى» من باب «ددن» ، وذلك قليل جدّا. فجعلنا الياء أصليّة ، إذ قد قام الدليل على أنّ الواو والياء يكونان أصلين ، في مضاعفات بنات الأربعة ، نحو «ضوضيت» و «قوقى».

والذي شذّ من غير المضاعف ، فجاءت الياء فيه أصليّة ، نحو «يستعور» (1). وذلك أنّ السين والتاء أصلان ، إذ ليست السين في موضع زيادتها ، ولم يقم دليل على زيادة التاء. فلو جعلنا الياء زائدة لأدّى ذلك إلى شيئين : أحدهما : أن يكون وزن الكلمة «يفعلول» ، وذلك بناء غير موجود. والآخر لحاق بنات الأربعة الزيادة من أوّلها ، في غير الأسماء الجارية على الأفعال ، وذلك غير موجود في كلامهم. فلمّا كان جعلها زائدة يؤدّي إلى ما ذكر جعلناها أصلا.

فإن قيل : فإنّ في جعلها أصلا أيضا خروجا عما استقرّ في الياء ، من كونها لا تكون أصلا في بنات الأربعة فصاعدا إلّا في باب «ضوضيت»؟.

فالجواب : أنه لمّا كان جعلها زائدة يؤدّي إلى الخروج عما استقرّ ، من أن الزيادة لا تلحق بنات الأربعة فصاعدا من أوّلها ، وجعلها أصليّة يؤدّي أيضا إلى الخروج عما استقرّ للياء ، من أنها لا تكون أصلا في بنات الأربعة إلّا في باب «ضوضيت» ، كان الذي يؤدّي إلى الأصالة أولى. وأيضا فإنّ الياء قد تكون أصلا في مضاعف بنات الأربعة ، ولا تلحق بنات الأربعة فصاعدا الزيادة من أوّلها ، في موضع من المواضع. وأيضا فجعلها أصلا يؤدّي إلى بناء موجود ، وهو «فعللول» نحو «عضرفوط» (2)، وجعلها زائدة يؤدّي إلى بناء غير موجود ، وهو «يفعلول».

وزعم أبو الحسن أيضا أنّ الياء في «شيراز» (3)أصل ، وهي بدل من واو ، بدليل قولهم في الجمع «شواريز».

فإن قيل : وما الذي حمله على جعلها أصليّة؟.

فالجواب : أنّ الذي حمله على ذلك أنه إن جعل الواو ، التي الياء بدل منها ، أصلا


1) اليستعور : شجر ، لسان العرب ، مادة (يستعر).

2) العضرفوط : ذكر العظاء ، دويبة ، الصحاح للجوهري ، مادة (عضرفط).

3) الشيراز : اللبن الرائب المستخرج ماؤه ، تاج العروس ، مادة (شرز).

أدّى ذلك إلى بناء موجود ، وهو «فعلال» نحو «سرداح» (1). وإن جعلها زائدة أدّى ذلك إلى بناء غير موجود ، وهو «فوعال». فحملها على ما يؤدّي إلى بناء موجود.

فإن قيل : وفي جعلها أصليّة خروج أيضا عن المعهود فيها؟.

فالجواب : أنه لمّا كان الوجهان كلاهما يفضيان إلى الخروج عن المعهود كان ما يفضي إلى الأصالة أولى ، لأنه مهما قدر على أن يجعل الحرف أصلا لم يجعل زائدا. وأيضا فإنه لم يثبت زيادة الواو في أول أحوالها ساكنة بعد كسرة ، فلذلك كان الأولى عنده أن تكون أصليّة.



1) السرداح : الناقة الكريمة ، لسان العرب ، مادة (سردح).

باب الواو

الواو أيضا لا يخلو أن يكون معها حرفان ، وأزيد. فإن كان معها حرفان كانت أصلا ، إذ لا بدّ من ثلاثة أحرف. وإن كان معها أزيد فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها ، فصاعدا - أي : أزيد - أو حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، أو محتمل للأصالة والزيادة.

فإن كان معها حرفان مقطوع بأصالتهما ، وما عداهما مقطوع بزيادته ، كانت الواو أصلا ، إذ لا بدّ من ثلاثة أحرف ، نحو «واقد» و «واعد».

وإن كان عداهما محتملا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن يكون الميم ، أو الهمزة أوّلا ، أو غير ذلك من حروف الزيادة. فإن كان الميم أو الهمزة قضيت عليها بالزيادة ، وعلى الواو بالأصالة ، لما ذكرناه في فصل الألف ، وإن لم يعلم الاشتقاق نحو «الأوتكى» وهو ضرب من التمر. إلّا أن يقوم دليل على أصالة الهمزة ، من اشتقاق أو تصريف ، أو غير ذلك ، ك- «أولق» ، فيجعل الواو إذ ذاك زائدة.

وإن كان غير ذلك من حروف الزيادة قضيت على الواو بالزيادة ، وعلى ذلك الغير بالأصالة. إلّا أن يقوم دليل على أصالة الواو ، نحو «غزويت» (1)، فإنّ واوه أصليّة وتاؤه زائدة ، لما ذكر في فصل التاء.

وإن كان معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدا قضيت على الواو بالزيادة ، لأنّ الواو لا تكون أصلا في بنات الخمسة ، ولا في بنات الأربعة إلّا في المضعّف ، نحو «قوقيت» و «ضوضيت» ، فإنّ الواو فيه أصل. وقد تقدّم الدليل على ذلك ، بقول العرب «ضوضاء» و «غوغاء» في فصل الألف. ولا تجعل أصليّة ، فيما عدا باب «ضوضيت» ، إلّا أن يقوم على ذلك دليل ، فيكون شاذّا نحو «ورنتل» (2)، فإنّ الواو فيه أصليّة ، ووزن الكلمة «فعنلل». ولا تجعل زائدة ، لأنّ الواو لا تزاد أوّلا أصلا.


1) الغزويت : الداهية ، المنصف 1 / 169 ، وفي التاج للزبيدي. موضع.

2) الورنتل : الداهية والأمر العظيم ، تاج العروس ، مادة (ورنتل).

فإن قيل : وفي جعلها أيضا أصلا خروج عمّا استقرّ لها ، من أنها لا تكون أصلا ، إلّا في باب «ضوضيت»؟.

فالجواب : أنه قد تقدّم أنه متى كان في الكلمة وجهان شاذّان ، أحدهما يؤدّي إلى أصالة الحرف ، والآخر يؤدّي إلى زيادته ، كانت الأصالة أولى. وأيضا فإن الواو قد جاءت أصلا في ضرب من بنات الأربعة ، وهو المضاعف ، ولم تزد أوّلا في موضع من المواضع. وأيضا فإنّ جعلها زائدة يؤدّي إلى بناء غير موجود ، وهو «وفنعل». وجعلها أصليّة يؤدّي إلى بناء موجود ، وهو «فعنلل» نحو «جحنفل» (1).

فإن قال قائل : إنكم استدللتم على أن «ضوضيت» وبابه من بنات الأربعة ، بقولهم «ضوضاء» و «غوغاء» ؛ لأنه لم يوجد مثل «فعلاء» في كلامهم ، ولا دليل في ذلك ، لاحتمال أن تكون الواو زائدة ، ويكون وزن الكلمة «فوعالا» ك- «توارب» (2)؟.

فالجواب : أنه لو كان «فوعالا» لكان من باب «ددن» ، أعني مما فاؤه وعينه من جنس واحد ، وذلك قليل جدّا ، وباب «ضوضاء» و «غوغاء» و «ضوضيت» و «غوغيت» كثير ، ولا يتصوّر حمل ما جاء كثيرا على باب لم يجىء منه إلّا اليسير. وأيضا فإنّ «فوعالا» ك- «توارب» قليل جدّا. وإذا كانت الواو أصلا كان وزن الكلمة «فعلالا» ك- «صلصال» و «قلقال» ، وذلك بناء موجود في المضعّف كثيرا. فحمله على ذلك أولى.



1) الجحنفل : العظيم الشفة ، المزهر للسيوطي 1 / 205.

2) التوارب : التراب ، الكتاب لسيبويه لابن قنبر 1 / 397.

باب ما يزاد من الحروف في التضعيف

اعلم أنّ التضعيف لا يخلو أن يكون من باب إدغام المتقاربين ، أو من باب إدغام المثلين. فإن كان من باب إدغام المتقاربين فلا يلزم أن يكون أحد الحرفين زائدا. بل قد يمكن أن يكون زائدا ، وأن يكون أصلا. وإذا كان الإدغام من جنس إدغام المثلين كان أحد المثلين زائدا ، إلّا أن يقوم دليل على أصالتهما ، على ما يبيّن.

فإن قيل : فيم يمتاز إدغام المتقاربين من إدغام المثلين؟.

فالجواب : عن ذلك أن نقول : إذا وجد حرف مضعّف فينبغي أن يجعل من إدغام المثلين ، ولا تجعله من إدغام المتقاربين إلّا أن يقوم على ذلك دليل ، لأنه لا يجوز أن يدغم الحرف في مقاربه من كلمة واحدة ، لئلّا يلتبس بأنه من إدغام المثلين ؛ ألا ترى أنك لا تقول في أنملة (1): «أمّلة» ، لأنّ ذلك ملبس ، فلا يدرى هل هو في الأصل «أنملة» أو «أمملة». فإن كان في الكلمة بعد الإدغام ما يدلّ على أنه من إدغام المتقاربين جاز الإدغام ، وذلك نحو قولك «امّحى الكتاب» ، أصله «انمحى» ، بدليل أنه لا يمكن أن يكون من باب إدغام المثلين. إذ لو كان كذلك لكان «افّعل» ، و «افّعل» ليس من أبنية كلامهم. فلمّا لم يمكن حمله على أنّ الإدغام فيه من قبيل إدغام المثلين تبيّن أنه في الأصل «انمحى» لأنّ في كلامهم «انفعل».

فأمّا «همّرش» (2)فينبغي أن يحمل على أنّ إدغامه من قبيل إدغام المثلين ، ويكون وزن الكلمة «فعّللا» ، فتكون ملحقة ب- «جحمرش» (3)، لما ذكرناه من أنّ الأصل في كلّ إدغام ، يكون في كلمة واحدة ، أن يحمل على أنه من قبيل إدغام المثلين ، إلّا أن يمنع من


1) الأنملة : المفصل الأعلى من الأصبع ، لسان العرب ، مادة (نمل).

2) الهمرش : العجوز الكبيرة المسنة ، لسان العرب ، مادة (همرش).

3) الجحمرش : العجوز الكبيرة ، لسان العرب ، مادة (جحمرش).

ذلك مانع. فإذا صغّرت «همّرشا» على هذا القول ، أو كسّرته ، قلت «هميرش» و «همارش» ، فتحذف إحدى الميمين ، لأنها زائدة.

وأمّا أبو الحسن فزعم أنّ «همّرشا» حروفه كلّها أصول ، وأنّ الأصل «هنمرش» بمنزلة «جحمرش» ، ثن أدغمت النون في الميم. وجاز الإدغام عنده لعدم اللّبس ، وذلك أنّ البنية - أعني «فعلللا» - لم توجد في موضع من المواضع ، قد لحقتها زوائد للإلحاق. فيعلم بذلك أنّ «همّرشا» في الأصل «هنمرش». إذ لو لم يحمل على ذلك ، وجعل من إدغام المثلين ، لكان أحد المثلين زائدا فيكون ذلك كسرا لما ثبت في هذه البنية واستقرّ ، من أنها لا تلحقها الزوائد للإلحاق. فتقول - على هذا - في تصغير «همّرش» وتكسيره : «هنيمر» و «هنامر» ، فتردّ النون إلى أصلها ، لمّا زال الإدغام ، وتحذف الآخر ، لأنّ حروف الكلمة كلّها أصول.

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنه مبنيّ على أنّ هذه البنية لم تلحقها زيادة للإلحاق ، في موضع. وقد وجد هذا الذي أنكر ، قالوا «جرو نخورش» أي : إذا كبرخرش ؛ لا ترى أنّ الواو زائدة ، وأنّ الاسم ملحق ب- «جحمرش». فإذا تقرّر أنّ هذه البنية قد لحقتها الزوائد للإلحاق وجب القضاء على إدغام «همّرش» ، بأنه من قبيل إدغام المثلين.

فإذا كان الإدغام من جنس إدغام المتقاربين فالذي ينبغي أن يحكم به على الحرفين المتقاربين الأصالة ، إلّا أن يقوم دليل من الأدلة المتقدمة على الزيادة.

وإذا كان الإدغام من جنس إدغام المثلين فلا يخلو من أن يكون اللفظ من ذوات الثلاثة ، أو من ذوات الأربعة ، أو من ذوات الخمسة.

فإن كان من ذوات الثلاثة قضي على المثلين بالأصالة ، إذ لا بد من الفاء والعين واللام ، نحو «ردّ» و «فرّ».

وإن كان من ذوات الأربعة فإنه لا يخلو أن يكون المضعّف بين الفاء واللّام نحو «ضرّب» ، أو في الطرف بعد العين نحو «قردد» ، أو غير ذلك. فإن كان المضاعف على ما ذكرنا كان أحد المثلين زائدا. وذلك أنّ كلّ ما له اشتقاق من ذلك يوجد أحد المثلين منه زائدا ، نحو «ضرّب» ، فإنه من الضّرب ، و «قعدد» (1)فإنه من القعود. فحمل ما ليس له اشتقاق نحو «سلّم» و «قنّب» على أنّ أحد المثلين منه زائد.


1) القعدد : القاعد عن الحرب والمكارم ، لسان العرب ، مادة (قعد).

وإن لم يكن المضعّف على ما ذكر كان كلّ واحد منهما أصلا ، وذلك نحو «صلصل» (1)و «فرفخ» و «قربق» (2)و «ديدبون» (3)و «شعلّع» (4)، والذي أوجب ذلك أنه لم يثبت زيادة أحد المثلين في مثل ما ذكر ، باشتقاق أو تصريف ، في موضع من المواضع ، فيحمل ما ليس فيه اشتقاق على الزيادة. بل الواجب أن يعتقد في المثلين الأصالة ، إذ الزيادة لا تعتقد إلّا بدليل. وأيضا فإنك لو جعلت أحد المثلين في جميع ذلك زائدا لكان وزن «فرفخ» : «فعفلا» ، ووزن «قربق» : «فعلفا» ، ووزن «ديدبون» : «فيفعولا» ، ووزن «شعلّع» : «فعلّعا» ، وهي أبنية لم تثبت في كلامهم. وإذا جعلت المثلين أصلين كان وزن «فرفخ» : «فعللا» ، ووزن «قربق» : «فعللا» ، ووزن «ديدبون» : «فيعلولا» ، ووزن «شعلّع» : «فعلّلا» ، وهي أبنية موجودة في كلامهم. وما يؤدّي إلى مثال موجود أولى.

وأمّا «صلصل» وبابه فلو جعلت كلّ واحد من المثلين زائدا لأدّى ذلك إلى بقاء الكلمة على أقلّ من ثلاثة أحرف ، ولو جعلت إحدى الصادين أو اللّامين من «صلصل» زائدة ، لا مجموعهما ، لم يجز ذلك ، لأنه إن جعل إحدى الصادين زائدة لم يخل من أن تكون الأولى ، أو الثانية. فإن كانت الزائدة الأولى كان وزن الكلمة «عفعلا» ، وذلك بناء غير موجود. وأيضا فإنّ الكلمة تكون إذ ذاك من باب «سلس» و «قلق» ، أعني مما لامه وفاؤه من جنس واحد ، وذلك قليل. وإن كانت الثانية كان وزن الكلمة «فعفلا» ، وذلك بناء غير موجود. وأيضا فإنّ الكلمة إذ ذاك تكون من باب ما ضوعفت فيه الفاء ، نحو «مرمريس» (5)، لأنّ وزنه «فعفعيل» ، وذلك قليل جدّا ، لا يحفظ منه إلّا «مرمريس» و «مرمريت» بمعناه.

وإن جعلت اللّام زائدة لم تخل من أن تكون الأولى ، أو الثانية. فإن كانت الأولى كان وزن الكلمة «فلعلا» ، وذلك بناء غير موجود. وأيضا فإنّ الكلمة تكون إذ ذاك من باب «ددن» ، أعني مما فاؤه وعينه من جنس واحد. وابن كانت الثانية كان وزن «فعلعا» ، وذلك بناء غير موجود ، وأيضا فإنه يكون من باب «سلس» و «قلق» ، لأنّ فاء الكلمة إذ ذاك ولامها الصاد ، وقد تقدّم أنه بناء قليل.


1) الصلصل : ناحية الفرس ، الصحاح للجوهري ، مادة (صلصل).

2) القربق : الحانوت ، لسان العرب ، مادة (قربق).

3) الديدبون : اللهو واللعب ، لسان العرب ، مادة (ددن).

4) الشعلع : الطويل ، لسان العرب ، مادة (شعع ، شعلع).

5) المرمريس : الداهية الشديدة ، الصحاح للجوهري ، مادة (مرس).

فلمّا ثبت أنك كيفما فعلت في جعل أحد الحرفين زائدا يؤدّي إلى بناء معلوم ، ودخول في باب قليل ، وكان باب قليل ، وكان باب «صلصل» كثيرا ، جعلت حروفه كلّها أصولا ، وجعل صنفا برأسه ، ولم يدخل في باب من الأبواب المذكورة.

وإن كان من ذوات الخمسة فلا يخلو من أن يكون المضعّف منه حرفا واحدا ، أو أزيد. فإن كان المضعّف منه حرفا واحدا فلا يخلو أن يفصل بينهما أصلا ، أو لا يفصل. فإن فصل بينهما أصل كان كلّ واحد من المثلين أصلا نحو «دردبيس» (1)و «شفشليق» (2)؛ ألا ترى أنّ الراء والفاء قد فصلتا بين المثلين ، وليستا من حروف الزيادة. وإنما جعل المثلان أصلين في مثل هذا ، لأنه لم يثبت زيادة أحد المثلين في مثل ذلك ، في موضع من المواضع ، باشتقاق ولا تصريف ، فحمل ما ليس له اشتقاق ولا تصريف على ذلك. وأيضا فإنك لو جعلت أحد المثلين زائدا لكان وزن «شفشليق» : «فعفليل» ، وذلك بناء غير موجود.

وإن لم يفصل بينهما أصل ، بل زائد ، أو لم يقع بينهما فاصل ، كان أحد المثلين زائدا ، وذلك نحو «شمّخر» (3)و «خنفقيق» (4)، إحدى القافين وإحدى الميمين زائدتان ، وذلك أنّ كلّ ما علم له من ذلك اشتقاق ، أو تصريف ، وجد أحد المضعّفين منه زائدا ؛ ألا ترى أنّ «اشمخرّ» يدلّ على أنّ إحدى الميمين من «شمّخر» زائدة. فحمل ما ليس له اشتقاق على ذلك.

وإن كان المضعّف أزيد كان كلّ واحد من المثلين زائدا ، نحو «صمحمح» (5)و «دمكمك» (6)، إحدى الميمين وإحدى الحاءين ، أو الكافين ، زائدتان ، بدليل أنّ ما له اشتقاق أو تصريف من ذلك وجد كلّ واحد من المثلين فيه زائدا ، فحمل ما ليس له اشتقاق على ذلك ، نحو «مرمريس» فإنه من المراسة ، فإحدى الميمين وإحدى الراءين زائدتان.

فإن قيل : فأيّ الحرفين هو الزائد؟.


1) الدردبيس : الداهية ، لسان العرب ، مادة (دردبس).

2) الشفشليق : العجوز المسترخي لحمها ، لسان العرب (شفشلق).

3) الشمخر : الطامح البعيد النظر ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (شمخر).

4) الخنفقيق : الداهية ، والخنفقيقة من النساء الجريئة ، لسان العرب ، مادة (خنفق).

5) الصمحمح : الشديد القوي ، الصحاح للجوهري ، مادة (صمح).

6) الدمكمك : الشديد ، الصحاح للجوهري ، مادة (دمك).

فالجواب : أنّ في ذلك خلافا :

فمذهب الخليل أنّ الزائد الأوّل ، فاللّام الأولى من «سلّم» هي الزائد ، وكذلك الزاي الأولى من «بلزّ» (1). وحجّته أنّ الأوّل قد وقع موقعا تكثر فيه أمّهات الزوائد ، وهي الياء والألف والواو ؛ ألا ترى أنّ حروف العلّة الثلاثة قد تقع ثانية زائدة نحو «حومل» (2)و «صيقل» و «كاهل». فإذا قضينا بزيادة اللّام الأولى من «سلّم» كانت واقعة موقع هذه الزوائد وساكنة مثلها. وكذلك أيضا قد تقع هذه الحروف ثالثة نحو «كتاب» و «عجوز» و «قضيب». فإذا جعلنا الزاي الأولى من «بلزّ» زائدة كانت واقعة موقع هذه الزوائد وساكنة مثلها.

ومذهب يونس أنّ الثاني هو الزائد. واستدلّ على ذلك أيضا بأنه إذا كان الأمر على ما ذكر وقعت الزيادة موقعا تكثر فيه أمّهات الزوائد ؛ ألا ترى أنّ الياء والواو قد تقعان زائدتين متحرّكتين ثالثتين ، نحو «جهور» (3)و «عثير» (4). فإذا جعلنا اللّام الثانية من «سلّم» هي الزائدة كانت واقعة موقع الياء من «عثير» والواو من «جهور» ومتحرّكة مثلهما. وكذلك أيضا تكثر زيادتهما رابعتين متحرّكتين نحو «كنهور» (5)و «عفرية» (6). فإذا جعلنا الزاي الثانية من «بلزّ» زائدة كانت واقعة موقع الواو من «كنهور» والياء من «عفرية» ومتحرّكة مثلهما.

قال سيبويه : وكلا القولين صحيح ومذهب.

وهذا القدر الذي احتجّ به الخليل ويونس لا حجّة لهما فيه ، لأنه ليس فيه أكثر من التأنيس بالإتيان بالنظير ، وليس فيه دليل قاطع.

وزعم الفارسيّ أنّ الصحيح ما ذهب إليه يونس ، من زيادة الثاني من المثلين. واستدلّ على ذلك بوجود «اسحنكك» (7)و «اقعنسس» (8)وأشباههما في كلامهم. وذلك أنّ النون في «افعنلل» من الرباعيّ لم توجد قطّ إلّا بين أصلين ، «احرنجم» (9). فينبغي أن يكون


1) البلز : الضخمة ، لسان العرب ، مادة (بلز).

2) حومل : اسم موضع.

3) الجهور : الجريء الماضي المقدم ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (جهر).

4) العثير : التراب ، لسان العرب ، مادة (عثر).

5) الكنهور : العظيم المتراكب من السحاب ، الصحاح للجوهري ، (كنهر).

6) العفرية : الداهي الخبيث الشرير ، لسان العرب ، مادة (عفر).

7) اسحنكك الليل : اشتدت ظلمته ، لسان العرب ، مادة (سحك).

8) اقعنسس : تأخر ورجع إلى الخلف ، لسان العرب ، مادة (قعس).

9) احرنجم القوم : اجتمعوا ، لسان العرب ، مادة (حرجم).

ما ألحق به من الثلاثيّ بين أصلين ، لئلا يخالف الملحق ما ألحق به. ولا يمكن جعل النون في «اسحنكك» و «اقعنسس» وأشباههما بين أصلين ، إلّا بأن يكون الأوّل من المثلين هو الأصل ، والثاني هو الزائد. وإذا ثبت في هذا الموضع أنّ الزائد من المثلين هو الثاني حملت سائر المواضع عليه.

وهذا الذي استدلّ به لا حجّة فيه ، لأنه لا يلزم أن يوافق الملحق ما ألحق به في أكثر من موافقته له في الحركات والسّكنات وعدد الحروف ؛ ألا ترى أنّ النّون في «افعنلل» من الرباعيّ بعدها حرفان أصلان ، وليس بعدها فيما ألحق به من الثلاثيّ إلّا حرفان ، أحدهما أصليّ ، والآخر زائد. فكما خالف الملحق الملحق به ، في هذا القدر ، فكذلك يجوز أن يخالفه في كون النون في الملحق به واقعة بين أصلين ، وفي الملحق به واقعة بين أصلين ، وفي الملحق واقعة بين أصل وزائد.

والصحيح عندي ما ذهب إليه الخليل ، من أنّ الزائد منهما هو الأوّل ، بدليلين :

أحدهما : أنهم لمّا صغّروا «صمحمح» قالوا «صميمح» ، فحذفوا الحاء الأولى. ولو كانت الأولى هي الأصليّة والثانية هي الزائدة لوجب حذف الثانية ، لأنه لا يحذف في التصغير الأصل ، ويبقى الزائد.

فإن قال قائل : فلعلّ الذي منع من حذف الحاء الأخيرة ، وإن كانت هي الزائدة ، ما ذكره الزّجّاج ، من أنك لو فعلت ذلك لقلت «صميحم» ، ويكون تقديره من الفعل «فعيلع» ، وذلك بناء موجود؟.

فالجواب : أنّ هذا القدر ليس بمسوّغ حذف الأصليّ وترك الزائد ، لأنّ البناء الذي يؤدّي إليه التّصغير عارض لا يعتدّ به ، بدليل أنك تقول في تصغير «افتقار» : «فتيقير» ، فتحذف همزة الوصل ، وتصير كأنك صغّرت «فتقارا» ، و «فتعال» ليس من أبنية كلامهم. فكذلك كان ينبغي أن يقال «صميحم» ، وإن أدّى إلى بناء غير موجود.

والآخر أنّ العين إذا تضعّفت ، وفصل بينهما حرف ، فإنّ ذلك الفاصل أبدا لا يكون إلّا زائدا نحو «عثوثل» (1)و «عقنقل» (2)؛ ألا ترى أنّ الواو والنون الفاصلتين بين العينين زائدتان. فإذا ثبت ذلك تبيّن أنّ الزائد من الحاءين في «صمحمح» هي الأولى ، لأنها


1) العثوثل : الشيخ الثقيل ، وفي اللسان : الكثير اللحم الرخو ، مادة (عثل).

2) العقنقل : الكثيب العظيم من الرمل ، الصحاح للجوهري ، مادة (عقنقل).

فاصلة بين العينين ، فلا يتصوّر أن تكون أصلا ، لئلّا يكون في ذلك كسر لما استقرّ في كلامهم ، من أنه لا يجوز الفصل بين العينين إلّا بحرف زائد. وإذا ثبت أنّ الزائد من المثلين ، في هذين الموضعين ، هو الأول حملت سائر المواضع عليهما.

وإذا قد فرغنا من تبيين الحروف الزوائد ، والأدلّة الموصلة إلى معرفة الزائد من الأصليّ ، فينبغي أن أضع عقب ذلك بابا أبيّن فيه كيفيّة وزان الأسماء والأفعال ، والخلاف الذي بين النحويّين في ذلك.


باب التمثيل

اعلم أنّك إذا أردت أن تبيّن وزن الكلمة من الفعل عمدت إلى الكلمة ، فجعلت في مقابلة الأصول منها الفاء والعيم واللّام ؛ فتجعل الفاء في مقابلة الأصل الأول ، والعين في مقابلة الثاني ، واللّام في مقابلة الثالث. فإن فنيت الفاء والعين واللّام ولم تفن الأصول كرّرت اللّام في الوزن ، على حسب ما بقي لك من الأصول. حتى تفنى.

وأمّا الزوائد فلا يخلو أن تكون مكرّرة من لفظ الأصل ، أو لا تكون. فإن لم تكن مكرّرة من لفظ أبقيتها في المثال على لفظها ، ولم تجعل في مقابلتها شيئا. وإن كانت مكرّرة من لفظ الأصل وزنتها بالحرف الذي تزن به الأصل الذي تكرّرت منه.

فعلى هذا إذا قيل لك : ما وزن «زيد» من الفعل؟.

قلت : «فعل» ، لأنّ حروفه كلها أصول ، وهي ثلاثة. فتجعل في مقابلتها الفاء والعين واللّام.

فإن قيل لك : ما وزن «جعفر» من الفعل؟.

قلت : «فعلل» ، لأنّ حروفه كلّها أصول أيضا. فجعلت في مقابلتها الفاء والعين واللّام ، فبقي حرف من الأصول ، فكرّرت اللّام كما تقدّم.

فإن قيل لك : ما وزن «أحمد»؟.

قلت : «أفعل» ، لأنّ «أحمد» همزته زائدة ، فأبقيتها في الوزن بلفظها ، وسائر حروفه كلّها أصول ، فجعلت في مقابلتها الفاء والعين واللّام.

فإن قيل لك : ما وزن «عقنقل» (1)؟.

قلت : «فعنعل» ، لأنّ حرفين من حروفه زائدان - وهما النون وإحدى القافين - وسائر حروفه أصليّة ، فجعلت في مقابلة الأصول الفاء والعين واللّام ، وبقيت النون في المثال


1) العقنقل : الكثيب العظيم من الرمل ، الصحاح للجوهري ، مادة (عقنقل).

بلفظها ، لأنها زائدة ، وجعلت في مقابلة القاف الزائدة العين ، ولم تزنها بلفظها ، لأنها تكرّرت من لفظ العين ، فكرّرتها في المثال من لفظ العين ، حتى يوافق المثال الممثّل.

فإن قيل : وما الفائدة في وزن الكلمة بالفعل؟.

فالجواب : أنّ المراد بذلك الإعلام بمعرفة الزائد من الأصليّ ، على طريق الاختصار ؛ ألا ترى أنك إذا وزنت «أحمد» ب- «أفعل» غني ذلك عن قولك : الهمزة من «أحمد» زائدة ، وسائر حروفه أصول. وكان أخصر منه.

فإن قيل : فلم كنوا عن الأصول بالفاء والعين واللام؟.

فالجواب : أنّ الذي حملهم على ذلك أنّ حروف ال «الفعل» أصول ، فجعلوها لذلك في مقابلة الأصول.

فإن قيل : فهلّا كنوا عن الأصول بغير ذلك من الألفاظ التي حروفها أصول ، ك- «ضرب» مثلا ؛ ألا ترى أنّ الضاد والراء والباء أصول؟.

فالجواب : أنهم لمّا أرادوا أن يكنوا عن الأصول كنوا بما من عادة العرب أن تكني به ، وهو «الفعل» ؛ ألا ترى أنّ القائل يقول لك : هل ضربت زيدا؟ فتقول : فعلت. وتكني بقولك «فعلت» عن الضرب.

وزعم أهل الكوفة أنّ نهاية الأصول ثلاثة ، فجعلوا الراء من «جعفر» زائدة ، والجيم واللّام من «سفرجل» زائدتين. وجعلوا وزن «جعفر» من الفعل «فعللا» ، ووزن «سفرجل» : «فعلّلا» كما فعلناه نحن. وأمّا الكسائيّ منهم فجعل الزيادة من «جعفر» وأشباهه ما قبل الآخر. وكان الذي حملهم على أن رأوا المثال يلزم ذلك فيه ؛ ألا ترى أنّ إحدى اللّامين من «فعلل» زائدة. وكذلك «فعلّل» اللّامان من هذه الثلاثة زائدتان. هكذا قياس كل مضعّف. أعني أن يحكم على أحد المثلين ، أو الأمثال ، بالأصالة ، وعلى ما عداه بالزيادة. فلمّا رأى ذلك لازما في المثال قضى على الممثّل بمثل ما يلزم في المثال.

وذلك فاسد من وجهين :

أحدهما : أنه لا يحكم بزيادة حرف إلّا بدليل ، من الأدلّة المتقدّمة الذكر ، أعني الاشتقاق والتصريف وأخواتهما. ولا شيء من ذلك موجود في «جعفر» ، ولا «سفرجل». فالقضاء بالزيادة فيهما تحكّم محض.

والآخر : أنّ قياس المثال أن يبقى الزائد فيه بلفظه ، إذا لم يكن من لفظ الأصل.

فكان ينبغي أن يجعل وزن «جعفر» من الفعل - على هذا - : «فعلر» ، عند من يجعل الآخر زائدا ، و «فعفل» عند من يجعل الزائد ما قبل الآخر ، وأن يجعل وزن «سفرجل» : «فعلجل» [أو «فعرجل»].

ومن أهل الكوفة من ذهب إلى ما ذكرناه من أنّ الأصول ثلاثة ، إلّا أنه وزن ما عدا الأصول بلفظه ، فجعل وزن «جعفر» : «فعلر» ، و «سفرجل» : «فعلجل».

ومنهم من قضى بزيادة ما عدا الثلاثة ، إلّا أنه لا يزن. فإن قيل له : ما وزن «جعفر» و «فرزدق»؟ قال : لا أدري!.

وكلّ ذلك باطل ، لما ذكرناه ، من أنه لا ينبغي أن يقضى على حرف بزيادة ، إلّا بدليل. فالصحيح في النظر ، والجاري في تمثيل الكلمة بالفعل ، ما ذهب إليه أهل البصرة.

نجز القسم الأول.


ذكر القسم الثاني من التصريف : الإبدال

اشارة

[حروف الإبدال]

اشارة

فمن ذلك حروف البدل لغير إدغام ، وهي الحروف التي يجعلها قولك «أجد طويت منهلا». فهذه الحروف تبدل من غير إدغام ، على ما يبيّن بعد ، إن شاء الله. فإن كان البدل لأجل إدغام لم يكن مختصّا بهذه الحروف ، بل جائز في كلّ حرف يدغم في مقاربه أن يبدل حرفا من جنس مقاربه الذي يدغم فيه ، على ما يبيّن في الإدغام ، إن شاء الله.

[إبدال الهمزة]

اشارة

فأمّا الهمزة فأبدلت من خمسة أحرف. وهي الألف ، والياء ، والواو ، والهاء ، والعين.


[باب إبدال الهمزة من الألف]

فأبدلت من الألف على غير قياس ، إذا كان بعدها ساكن ، فرارا من اجتماع الساكنين. نحو ما حكي عن أيوب السّختيانيّ ، من أنّه قرأ (وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة : 7].

فهمز الألف ، وحرّكها بالفتح ، لأنّ الفتح أخفّ الحركات. ونحو ما حكى أبو زيد في كتاب الهمز من قولهم «شأبّة» و «دأبّة». وأنشدت الكافّة :

يا عجبا ، لقد رأيت عجبا

حمار قبّان ، يسوق أرنبا

خاطمها زأمّها ، أن تذهبا (1)

أراد «زامّها» فأبدل ، وحكى المبرّد عن المازنيّ ، عن أبي زيد ، قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) (39) [الرحمن : 39] ، فظننت أنه قد لحن ، حتى سمعت العرب تقول «دأبّة» و «شأبّة» ، ومن ذلك قول الشاعر :

وبعد انتهاض الشّيب ، من كلّ جانب

على لمّتي ، حتّى اشعألّ بهيمها (2)

يريد «اشعالّ» من قوله تعالى : (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) [مريم : 4]. وقال دكين :

راكدة مخلاته ، ومحلبه

وجلّه ، حتى أبيأضّ ملببه (3)

يريد «ابياضّ». قال كثّير :

وللأرض : أمّا سودها فتجلّلت

بياضا ، وأمّا بيضها فادهأمّت (4)


1) الرجز ، بلا نسبة في الخصائص لابن جني 3 / 148 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 73 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 248 ، ولسان العرب ، مادة (قبب).

2) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 73 ، وشرح المفصل 9 / 130 ، ولسان العرب ، مادة (شعل) ، والمقرب 2 / 161.

3) الرجز ، لدكين في الخصائص لابن جني 3 / 148 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 74 ، وسمط اللآلي ص 587 ، والمحتسب 1 / 320 ، وبلا نسبة في لسان العرب ، مادة (جنن).

4) البيت من البحر الطويل ، وهو لكثير عزة في ديوانه ص 323 ، والدرر 6 / 287 ، وسر صناعة الإعراب ص 74 ، وشرح المفصل 10 / 12 ، والمحتسب 1 / 47.

يريد «فادهامّت».

وقد كاد يتسع هذا عندهم ، إلّا أنه مع ذلك لم يكثر كثرة توجب القياس. قال أبو العباس : قلت لأبي عثمان : أتقيس هذا النحو؟ قال «لا ، ولا أقبله». بل ينقاس ذلك عندي ، في ضرورة الشعر. ومن هذا القبيل جعل ابن جنّي قول الراجز :

من أيّ يوميّ من الموت أفر

أيوم لم يقدر أم يوم قدر (1)؟

وذلك أنّ الأصل «أيوم لم يقدر أم يوم» ، فأبدلت الهمزة ألفا ، وإن كان قبلها ساكن ، على حدّ قولهم في المرأة «المراة» ، و «متأر» «متار». قال :

إذا اجتمعوا عليّ ، وأشقذوني

فصرت كأنّني فرأ ، متار (2)

وذلك بأن ألقوا حركة الهمزة على الساكن ، ولم يحذفوا الهمزة ، بل جاءت ساكنة بعد الفتحة ، فأبدلت ألفا ، كما فعل ذلك ب- : «كاس» ، فصار «يقدرام» ، فاجتمعت الألف مع الميم الساكنة ، فأبدلت همزة مفتوحة فرارا من اجتماع الساكنين. وقد تقدّم في «الضرائر» أنه ممّا حذف منه النون الخفيفة ، نحو قول الآخر :

اضرب عنك الهموم ، طارقها

ضربك بالسّوط قونس الفرس (3)

وأبدلت أيضا من الألف ، وإن لم يكن بعدها ساكن. وذلك قليل جدّا لا يقاس ، لقلّته ، في الكلام ، ولا في الضرورة. فقد روي أنّ العجاج يهمز «العالم» و «الخاتم». قال :

*يا دار سلمى ، يا اسلمي ، ثمّ اسلمي (4)

ثم قال :


1) الرجز ، للإمام علي بن أبي طالب ، في ديوانه ص 79 ، وحماسة البختري ص 37 ، وللحارث بن منذر الجرمي في شرح شواهد المغني 2 / 674 ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 3 / 94 ، ولسان العرب ، مادة (قدر).

2) البيت من البحر الوافر ، وهو لعامر بن كثير المحاربي في لسان العرب مادة (قدر) ، وبلا نسبة في الخصائص 2 / 176 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 78.

3) البيت من البحر المنسرح ، وهو لطرفة بن العبد في ملحق ديوانه ص 155 ، وخزانة الأدب للبغدادي 11 / 450 ، والدرر 5 / 174 ، ولسان العرب ، مادة (قنس) ، ونوادر أبي زيد ص 13.

4) الرجز ، للعجاج في ديوانه 1 / 442 ، والأشباه والنظائر 2 / 145 ، والإنصاف 1 / 102 ، وجمهرة اللغة لابن دريد ص 204 ، والخصائص لابن جني 2 / 196 ، ولسان العرب ، مادة (سمم) ، ولرؤبة في ملحق ديوانه ص 183 ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 2 / 279 ، ولسان العرب ، مادة (علم).

فخندف هامة هذا العألم (1)

وحكي عن بعضهم «تأبلت القدر» إذا جعلت فيها التّابل.

وتكون الهمزة ساكنة ، إلّا أن تكون الألف في النّيّة متحرّكة فإنّ الهمزة إذ ذاك متحرّكة بالحركة التي للألف في الأصل. فمن ذلك ما حكاه بعضهم من قولهم «قوقأت الدّجاجة» و «حلّأت السّويق» و «رثأت المرأة زوجها» و «لبّأ الرّجل بالحجّ». ومنه قول ابن كثوة :

ولّى نعام بني صفوان زوزأة

لمّا رأى أسدا في الغاب قد وثبا (2)

ومنه ما أنشده الفرّاء ، من قول الآخر :

يا دارميّ ، بدكاديك البرق

صبرا ، فقد هيّجت شوق المشتئق (3)

وحكى أيضا من كلامهم «رجل مئل» من المال. والأصل في ذلك : «قوقى» و «حلّى» و «رثى» و «لبّى» و «الزّوزاة» و «المشتاق» و «رجل مال» (4).

وأبدلت من الألف باطّراد في الوقف. نحو قولك في الوقف على «حبلى» و «موسى» و «رأيت رجلا» : «حبلأ» و «موسأ» و «رأيت رجلأ». وقد تقدّم ذلك في باب الوقف.

وأبدلت أيضا باطّراد من الألف الزائدة ، إذا وقعت بعد ألف الجمع ، في نحو «رسائل» في جمع «رسالة» ، هروبا من التقاء الساكنين : ألف الجمع وألف «رسالة» فقلبت همزة ، لأنّ الألف لا تقبل الحركة ، والهمزة قريبة المخرج من الألف ؛ لأنهما معا من حروف الحلق. وحرّكت الهمزة بالكسر ، على أصل التقاء الساكنين. ولا يجوز في هذا وأمثاله إلّا البدل.

ومن هذا القبيل إبدالها من الياء والواو ، إذا وقعتا طرفا بعد ألف زائدة ، نحو «كساء»


1) الرجز ، للحجاج في ديوانه 1 / 442 ، ورصف المباني ص 56 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 90 ، وشرح المفصل 10 / 12 ، ولسان العرب ، مادة (بيت) ، و (علم) وبلا نسبة في رصف المباني ص 447 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 205.

2) البيت من البحر البسيط ، لابن كثوة ، في الخصائص لابن جني 3 / 145 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 91 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (زوي).

3) الرجز ، لرؤبة في شرح شواهد الشافية ص 175 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 3 / 145 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني ص 91 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 250 ، ولسان العرب ، مادة (دكك).

4) رجل مال : أي كثير المال ، لسان العرب ، مادة (صوت).

و «رداء» ، وذلك أنّ الأصل «كساو» و «رداي» ، فتحرّكت الواو والياء ، وقبلهما فتحة ، وليس بينهما وبينها حاجز إلّا الألف ، وهي حاجز غير حصين ، لسكونها وزيادتها ، والياء والواو في محلّ التغيير - أعني طرفا - فقلبتا ألفا. فاجتمع ساكنان : الألف المبدلة من الياء أو الواو ، مع الألف الزائدة ، فقلبت همزة. ولم تردّ إلى أصلها من الواو والياء ، لئلّا يرجع إلى ما فرّ منه.

فإن كان بعد الياء أو الواو تاء التأنيث ، أو زيادة التثنية ، فلا يخلو أن تكون الكلمة قد بنيت على التاء أو الزيادتين ، أو لا تبنى. فإن بنيت عليها بقيت الياء والواو على أصلهما ، ولم يغيّرا ، نحو «رماية» و «شقاوة» و «عقلته بثنايين» (1). وإن لم تبن عليها ، وجعلت كأنها ليست في الكلمة ، قلبت نحو «عظاءة» (2)و «صلاءة» (3)و «كساءان» و «رداءان».

وقد يفعل ذلك بالياء والواو ، وإن كانتا بعد ألف غير زائدة ، نحو قولهم في «آية» و «ثاية» (4)و «طاية» (5)في النسب : «آئيّ» و «ثائيّ» و «طائيّ» ، تشبيها للألف غير الزائدة بالألف الزائدة.

ومن هذا القبيل أيضا ، عندي ، إبدالهم الهمزة من الياء والواو ، إذا وقعتا عينين في اسم الفاعل ، بعد ألف زائدة ، بشرط أن يكون الفعل الذي أخذ منه اسم الفاعل قد اعتلّت عينه ، نحو «قائم» و «بائع». الأصل فيهما «قاوم» و «بايع» ، فتحرّكت الواو والياء ، وقبلهما فتحة ، وليس بينها وبينهما حاجز إلّا الألف الزائدة - وهي كما تقدّم حاجز غير حصين - وقد كانت الياء والواو قد اعتلتّا في الفعل في «قام» و «باع» ، فاعتلتّا في اسم الفاعل حملا على الفعل ، فقلبتا ألفا ، فاجتمع ساكنان ، فأبدل من الثانية همزة ، وحرّكت هروبا من التقاء الساكنين. وكانت حركتها الكسر على أصل التقاء الساكنين.

وزعم المبرّد أنّ ألف «فاعل» أدخلت قبل الألف المنقلبة ، في «قال» و «باع» وأمثالهما ، فالتقى ألفان ، وهما لا يكونان إلّا ساكنين ، فلزم الحذف - لالتقاء الساكنين - أو


1) عقلت البعير بثنايين : عقلت يديه بحبل أو بطرفي حبل ، لسان العرب مادة (ثنى).

2) العظاءة : دويبة ، الحرذون ، لسان العرب ، مادة (حرذن).

3) الصلاءة : مدق الطيب ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه باب الصاد 1 / 523.

4) الثأية : مأوى الغنم والبقر ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (ثال).

5) الطاية : مربد التمر ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (طوي).

التحريك. فلو حذفت لالتبس الكلام ، وذهب البناء ، وصار الاسم على لفظ الفعل ، فتحرّكت العين ؛ لأنّ أصلها الحركة. والألف إذا تحرّكت صارت همزة.

فإن صحّ حرف العلّة في الفعل صحّ في اسم الفاعل ، نحو «عاور» المأخوذ من «عور» ، على ما يحكم في باب القلب.

فالهمزة في هذا الفصل ، والذي قبله - وإن كانت مبدلة من الياء والواو - من جنس ما أبدلت فيه الهمزة من الألف ، لأنهما لا تبدل منهما همزة إلّا بعد قلبهما ألفا ، كما تقدّم ، ولا يجوز اللفظ بالأصل في «قائم» و «بائع» وبابهما ، لا تقول «قاوم» ولا «بايع».

ومن قبيل ما أبدلت الهمزة فيه من الألف باطّراد إبدالهم الهمزة من ألف التأنيث في نحو «صحراء» و «حمراء» وأشباههما. الهمزة في جميع هذا مبدلة من ألف التأنيث.

فإن قال قائل : وما الدليل على ذلك؟.

فالجواب : أن تقول : الدليل على ذلك أنّ الهمزة لا تخلو من أن تكون للتأنيث بنفسها ، أو بدلا من ألف التأنيث. فباطل أن تكون بنفسها للتأنيث ، لأمرين :

أحدهما : أنّ الألف قد استقرّت للتأنيث في «حبلى» وأشباهه ، والهمزة لم تستقرّ له ، إذ قد يمكن أن تجعل بدلا من ألف. وإذا أمكن حمل الشيء على ما استقرّ وثبت كان أولى من أن يدّعى أنه خلاف الثابت والمستقرّ.

والآخر : أنهم قالوا في جمع «صحراء» : «صحاريّ» ، وفي «بطحاء» : «بطاحيّ». قال الوليد بن يزيد :

لقد أغدو ، على أشق

ر ، يغتال الصّحاريّا (1)

وقال غيره :

إذا جاشت حوالبه ترامت

ومدّته البطاحيّ ، الرّغاب (2)

ولو لم تكن هذه الهمزة مبدلة من ألف التأنيث لوجب ، في لغة من يحقّق ، أن يقال


1) البيت من البحر الهزج ، وهو للوليد بن يزيد في ديوانه ص 74 ، وخزانة الأدب للبغدادي 7 / 424 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 86 ، وشرح شواهد الشافية ص 95 ، وشرح المفصل 5 / 58.

2) البيت من البحر الوافر ، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب للبغدادي 7 / 426 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 86 ، وشرح المفصل لابن يعيش 5 / 58.

«بطاحيء» و «صحاريء» ، كما قالوا «قرّاء (1)وقراريء». لكن لمّا كانت مبدلة ، لأجل الألف التي قبلها ، وجب رجوعها إلى أصلها لزوال موجب القلب في الجمع ، وهو الألف التي قبلها ، فصار «صحاري ا» ، فوقعت الياء الساكنة قبل الألف التي للتأنيث ، فقلبت الألف ياء لوقوع الياء والكسرة قبلها. ثم أدغمت الياء في الياء.

فإن قال قائل : إنما يدلّ قولهم «صحاريّ» على أنّ الهمزة مبدلة من غيرها ، إذ لو لم تكن بدلا لقالوا «صحاريء» ، فأمّا أنها مبدلة من الألف فليس على ذلك دليل ، إذ لعلّها بدل من ياء أو واو؟.

فالجواب : أنه إذا ثبت أنها بدل فينبغي أن تجعل بدلا من ألف ، لأن الألف قد ثبتت للتأنيث ، كما ذكرنا ، في «حبلى» وأمثاله ، ولم تثبت الياء ولا الواو للتأنيث ، في موضع من المواضع.

فهذا جمع ما أبدلت فيه الهمزة من الألف ، مقيسا فيه ، وغير مقيس.



1) القراء : الناسك المتفقه القارئ ، لسان العرب ، مادة (قرأ).

باب إبدال الهمزة من الواو

الواو لا يخلو من أن تكون ساكنة ، أو متحركة. فإن كانت متحركة فلا يخلو من أن تكون أوّلا ، أو غير أوّل. فإن كانت أوّلا فلا يخلو أن تكون وحدها ، أو ينضاف إليها واو أخرى. فإن انضاف إليها أخرى أبدلت الأولى همزة ، هروبا من ثقل الواوين. وذلك نحو قولهم في جمع «واصل» : «أواصل». أصله «وواصل» فقلبت الواو همزة. وكذلك «أول» أصله «وول» ، لأنه «فعل» من لفظ «أوّل» و «أوّل» فاؤه وعينه واو. فقلبت الواو الأولى همزة. ولا يجوز في هذا وأمثاله إلّا الهمز.

فإن كانت وحدها فلا يخلو من أن تكون مضمومة ، أو مكسورة ، أو مفتوحة. فإن كانت مكسورة أو مضمومة جاز أن تبدل منها همزة ، فتقول في «وعد» : «أعد» ، وفي «وقّتت» : أقّتت ، وفي «وسادة» : «إسادة» ، وفي «وعاء» : «إعاد». وقد قريئ (ثم استخرجها من إعاأ أخيه) [يوسف : 76]. وكذلك تفعل بكلّ واو تقع أوّلا ، مكسورة ، أو مضمومة.

وإنما فعلت ذلك ، لثقل الضمّة والكسرة في الواو. وذلك أنّ الضمة بمنزلة الواو ، والكسرة بمنزلة الياء. فإذا كانت الواو مضمومة فكأنه قد اجتمع لك واوان. وإذا كانت مكسورة فكأنه قد اجتمع لك ياء وواو. فكما أنّ اجتماع الواوين ، والياء والواو ، مستثقل فكذلك اجتماع الواو والضمّة ، والواو والكسرة.

وزعم المازنيّ أنه لا يجوز همزة الواو المكسورة بقياس ، بل يتّبع في ذلك السماع. وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، قياسا وسماعا.

أمّا القياس فلما ذكرنا من أنّ الواو المكسورة بمنزلة الياء والواو ، فكما يكرهون اجتماع الياء والواو ، حتى يقلبون الواو إلى الياء - تقدّمت أو تأخّرت - فيقولون «طويت طيّا» والأصل «طويا» ، ويقولون «سيّد» والأصل «سيود» ، فكذلك ينبغي أن يكون النّطق بالواو المكسورة مستثقلا.

فإن قال قائل : هلّا قسّم «وشاحا» وأخواته على «ويح» و «ويس» وأمثالهما ، فكما أنّ

الواو والياء إذا اجتمعتا في أوّل الكلمة لم يوجب ذلك قلب الواو همزة فكذلك الواو مكسورة؟.

فالجواب : أنّ الواو المكسورة إنما تشبه الواو الساكنة إذا جاءت بعدها ياء نحو «طيّ» ، وذلك أنّ الحركة في النيّة بعد الحرف. وسيقام الدليل على ذلك في موضعه. فالكسرة إذا من «وشاح» في النيّة بعد الواو ، وهي بمنزلة الياء ، وتبقى الواو ساكنة. فكما أنه إذا كانت الواو قبل الياء ، وكانت ساكنة ، يجب إعلالها نحو «طيّ» فكذلك يجب إعلال ما أشبهها. نحو «وشاح».

فإن قيل : فهلّا أعّلت بقلبها ياء ، كما فعل بها في «طيّ»؟.

فالجواب : أنهم لم يفعلوا ذلك ، لأنّ المقصود بالإعلال التخفيف ، والكسرة في الياء ثقيلة ، فأعلّت بإبدال الهمزة منها.

وأمّا السماع فلأنهم قد قالوا «إسادة» و «إشاح» و «إعاء» و «إفادة». وكثر ذلك كثرة ، توجب القياس في كل واو مكسورة ، وقعت أوّلا.

وإن كانت مفتوحة لم تهمز ، إلّا حيث سمع ، لأنّ الفتحة بمنزلة الألف. فكما لا تستثقل الألف والواو ، في نحو «عاود» وأمثاله ، فكذلك لا تستثقل الواو المفتوحة. والذي سمع من ذلك «أجم» في «وجم» ، و «امرأة أناة» وأصله «وناة» من الونيّ وهو الفتور ، و «أحد» في «وحد» ، و «أسماء» في «وسماء».

فإن وقعت غير أول فلا يخلو من أن تكون مكسورة ، أو مفتوحة ، أو مضمومة. فإن كانت مضمومة جاز إبدالها همزة ، بشرط أن تكون الضمة لازمة ، وألّا يمكن تخفيفها بالإسكان. قالوا في جمع «نار» : «أنؤر» ، و «دار» : «أدؤر» ، و «ثوب» : «أثؤب» ، قال :

لكلّ حال ، قد لبست أثؤبا (1)

وإنما قلبت همزة لما ذكرنا من استثقال الضمّة في الواو ، مع أنه لا يمكن تخفيفها بالإسكان ، لئلّا يؤدّي ذلك إلى التقاء الساكنين. ولو أمكن ذلك لم تبدل همزة ، نحو قولهم «سور» في جمع «سوار».

فإن كان الضمّة غير لازمة لم تبدل الواو همزة ، لا تقول هذا «غزء» تريد هذا «غزو» ،


1) الرجز ، لمعروف بن عبد الرحمن في شرح أبيات سيبويه 2 / 390 ، ولسان العرب ، مادة (ثوب).

ولا تقول «لؤ استطعنا» تريد «لو استطعنا» ، لأنّ الضمة في «غزو» إعراب ، وفي واو «لو» لالتقاء الساكنين ، وحركة الإعراب وحركة التقاء الساكنين عارضتان ، فلا يعتدّ بهما.

وزعم ابن جنّي أنه لا يجوز قلب الواو المضمومة همزة ، إذا كانت زائدة ، وإن اجتمع الشرطان ؛ فلا يقال «الترهؤك» في مصدر «ترهوك». والسبب في ذلك عنده أنها إذا كانت أصلية فإنّ تصريف الكلمة ، أو اشتقاقها ، يدل على أنّ الهمزة مبدلة من واو ، ولا يتصوّر ذلك فيها إذا كانت زائدة ، فلو أبدلت لأدّى ذلك إلى الإلباس ، في بعض المواضع ، فلم يدر : أزيدت ابتداء ، أم زيدت الواو أوّلا ثم أبدلت الهمزة منها. فلمّا كان إبدال الزائدة يؤدّي إلى الإلباس ، في بعض المواضع ، رفض إبدالها. وممّا يقوّي هذا المذهب أنها لا تحفظ من واو زائدة مبدلة.

وإن كانت مفتوحة لم يجز قلبها أصلا ، لأنّ قلبها في أوّل الكلمة - كما ذكرنا - لا يقاس ، فإذا كانت لا تهمز في أوّل الكلمة إلّا حيث سمع - مع أنّ أوّل الكلمة طرف ، فالتغيير إليه أسرع من التغيير إلى الحشو - فالأحرى ألّا تنقلب حشوا. فلا تقول في «عاود» : «عاءد» ، ولا في «ضوارب» : «ضآرب» ، ولا يحفظ من كلامهم شيء من ذلك.

فإن كان مكسورة ، أو واقعة موقع حرف مكسور ، فلا يخلو أن تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، أو لا تقع. فإن وقعت بعدها فلا يخلو أن يكون قبل الألف ياء أو واو ، أو لا يكون. فإن كان قبلها واو أو ياء لزم قلب الواو همزة ، إن كانت تلي الطرف. فتقول في جمع «أوّل» : «أوائل» ، وفي جمع «سيّد» : «سيائد». والأصل «أواول» و «سياود» ، فقلبت الواو همزة ، لاستثقال الواوين والألف ، أو الياء والواو والألف ، وبناء الجمع الذي لا نظير له في الآحاد.

هذا مذهب جمهور النحويين ، إلّا أبا الحسن الأخفش ، فإنه كان لا يهمز من ذلك إلّا ما كانت الألف منه بين واوين ، ويجعل ذلك نظيرا للواوين ، إذا اجتمعا في أوّل الكلمة. فكما أنك تهمز الأولى منهما ، للعلة التي تقدّم ذكرها ، فكذلك تهمز الواو الآخرة في «أوائل» وأمثاله. ولا يرى مثل ذلك ، إذا اجتمعت ياءان أو واو وياء. ويقول : لأنه إذا التقى الياءان أو الياء والواو أوّلا ، نحو «يين» اسم موضع ، و «ويل» و «يوم» ، لم يلزم الهمز. فكذلك لا يهمز عنده مثل «سيائق» (1)و «سيائد».


1) السيائق : جمع سيقة ، وهو ما سيق عن النهب وطرد ، المعجم الوسيط للزيات ورفاقه ، مادة (سيق).

ما لم تصحّ الواو في المفرد ، في موضع ينبغي أن تعتّل فيه ، أو تكون الواو في نيّة ألّا تلي الطرف ، فإنها تصحّ إذ ذاك ، ولا يجوز أن تبدل منها الهمزة. فتقول في جمع «ضيون» (1): «ضياون» ، ولا تقلب الواو همزة ، لصحّة الواو في «ضيون» ، إذ قد كان ينبغي أن يكون «ضيّنا» ، وتقول في جمع «عوّار» (2)، إذا قصرته للضرورة : «عواور» ، لأنّ الأصل فيه «عواوير» ، فلا تكون الواو تلي الطرف ، في التقدير. قال :

وكحّل العينين ، بالعواور (3)

فلم تهمز ، لأنّ الأصل «العواوير».

وإن كانت الواو لا تلي الطرف لم تهمز أصلا نحو «عواوير» في جمع «عوّار» ، و «طواويس» في جمع «طاووس» ، لأنها قد قويت ببعدها عن محلّ التغيير ، وهو الطّرف. إلّا أن تكون في نيّة أن تلي الطرّف ، فإنه يلزم همزها. وذلك نحو «أوائيل» في جمع «أوّل» ، إذا اضطررت إلى زيادة هذه الياء قبل الآخر في الشعر ، لأنّ هذه الياء زيدت للضّرورة ، فلم يعتدّ بها.

فإن لم يكن قبل الألف واو ، ولا ياء ، فلا يخلو من أن تكون الواو في المفر. زائدة للمدّ ، أو لا تكون فإن كانت زائدة للمدّ قلبت همزة ، نحو «حلوبة» (4)و «حلائب». وسبب ذلك أنها اجتمعت ساكنة مع ألف الجمع ، ولا أصل لها في الحركة فتحرّك ، فأبدلت همزة ، لأنّ الهمزة تقبل الحركة.

وإن لم تكن زائدة للمدّ لم تقلب همزة أصلا ، إلّا حيث سمع شاذّا. والذي سمع من ذلك «أقائيم» في جمع «أقوام» ، وأصله «أقاويم» ، فأبدل من الواو المكسورة همزة ، وإن كانت غير أوّل ، تشبيها لها بالواو المكسورة ، إذا وقعت أوّلا.

وأمّا «مصائب» في جمع «مصيبة» فكان القياس فيها «مصاوب» ، على ما يبيّن في باب القلب. فإمّا أن يكونوا همزوا الواو المكسورة غير أوّل شذوذا ، فتكون مثل «أقائيم» في جمع «أقوام» ، وهو مذهب الزّجّاج. وإمّا أن يكونوا غلطوا فشبّهوا ياء «مصيبة» ، وإن كانت


1) الضيون : السنور الذكر ، لسان العرب ، مادة (ضون).

2) العوار : القذى أو الرمد ، للصحاح للجوهري ، مادة (عور).

3) الرجز ، للعجاج ، في الخصائص لابن جني 3 / 326 ، وللجندل بن المثنى في شرح أبيات سيبويه 2 / 429 ، وشرح التصريح 2 / 329 ، والمقاصد النحوية 4 / 571.

4) الحلوبة : ذات الحليب من الأنعام ، لسان العرب ، مادة (حلب).

عينا ، بالياء الزائدة في نحو «صحيفة» ، فقالوا «مصائب» كما قالوا «صحائف» ، وهو مذهب سيبويه. والأوّل أقيس عندي ، لأنّه قد ثبت له نظير ، وهو «أقائيم».

فإن لم تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، أو وقعت بعدها في غير الأماكن المذكورة ، لم تهمز أصلا ، بلا خلاف في شيء من ذلك. إلّا أن تقع بعد ألف زائدة ، في اسم مفرد يوافق الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، في الحركات وعدد الحروف ، وقد تقدّم الألف ياء أو واو ، فإنّ في ذلك خلافا. فمذهب سيبويه إجراء ذلك مجرى الجمع ، لقربه منه ، فتبدل الواو همزة. ومذهب الزجّاج أنه لا يجوز إبدالها ، لأنّ الاسم مفرد ، وإنما ثبت إبدالها في المجموع. فتقول في «فواعل» من «القوّة» ، على مذهب سيبويه : «قواء». وعلى مذهب الزجّاج : «قواو». وهذا النوع لم يرد به سماع ، لكنّ القياس يقتضي ما ذهب إليه سيبويه. أعني من أنه إذا قوي الشبه بين شيئين حكم لكلّ واحد منهما بحكم الآخر.

فأمّا «قائم» وأمثاله فمن قبيل ما أبدلت فيه الهمزة من الألف ، وقد تقدّم ذلك في فصل إبدال الهمزة من الألف.

فإن كانت الواو ساكنة لم تهمز إلّا في ضرورة ، بشرط أن يكون ما قبلها حرفا مضموما ، فتقدّر الضمّة على الواو ، فتهمز كما تهمز الواو المضمومة. فتقول في الشعر في مثل «موعد» : «مؤعد». قال :

أحبّ المؤقدين إليّ مؤسى

وجعدة ، إذ أضاءهما الوقود (1)


1) البيت من البحر الوافر ، وهو لجرير في ديوانه ص 288 ، والخصائص لابن جني 2 / 175 ، والمحتسب 1 / 47 ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 79.

باب إبدال الهمزة من الياء

الياء تبدل همزة باطّراد ، إذا وقعت بعد الألف التي في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، في مذهب سيبويه ، بشرط أن تكون قد زيدت في المفرد للمدّ ، نحو «صحيفة وصحائف» و «كتيبة وكتائب».

فإن لم تكن الياء زيدت في المفرد للمدّ لم تهمز ، إلّا بشرط أن تكون تلي الطرف لفظا أو نيّة ، وبشرط أن يكون ألف الجمع يلي واوا أو ياء. فتقول في جمع «عيّل» (1): «عيائل» ، فتهمز لثقل البناء ، مع ثقل اجتماع حروف العلّة وهي الياءان والألف ، مع قرب الياء من محلّ التغيير ، وهو الطرف. وكذلك لو اضطررت ، فقلت في جمعه «عيائيل» ، فزدت ياء ، لهمزت ، لأنّ الياء في النّيّة تلي للطرف ، ولا يعتدّ بالياء المزيدة ، لأنها عارضة في الجمع ، إنما أتي بها للضرورة. فإذا زالت من محلّ الضرورة حذفت الياء. قال الشاعر :

فيها عيائيل أسود ، ونمر (2)

فهمز.

وكذلك لو بنيت «فوعلا» من البيع لقلت «بيّع». أصله «بويع» ، فقلبت الواو ياء لأجل الإدغام. فإذا جمعته قلت «بوائع» ، فتهمز الياء لما ذكرنا ، من ثقل البناء ، وثقل اجتماع حروف العلّة وهي الياء والواو والألف ، مع القرب من محل التغيير ، وهو الطرف. وكذلك لو اضطرت فزدت ياء قبل الآخر ، فقلت «بوائيع» ، لهمزت لأنّ الياء عارضة كما تقدّم.

ولو جمعت مثل «بيّاع» لقلت «بياييع» ، ولم تهمز. وإن قدّرت «بيّاعا» : فوعالا قلت «بواييع» ، ولم تهمز أيضا ، لبعد الياء من الطرف لفظا ونيّة.


1) العيل : واحد العيال ، وهي الأولاد الذين يعال بهم ، الصحاح للجوهري ، مادة (عيل).

2) الرجز ، لحكيم بن معية في شرح أبيات سيبويه 2 / 239 ، ولسان العرب ، مادة (نمر) وبلا نسبة في أوضح المسالك 4 / 316.

وزعم أبو الحسن الأخفش أنه لا يجوز قلب الواو همزة ، إلّا إذا اكتنف الجمع واوان ، نحو «أوّل وأوائل». فأمّا إن اكتنفها ياءان ، أو واو وياء ، فلا يجوز عنده قلب حرف العلّة الذي بعد الألف. بل يقول في جمع «فوعل» من البيع : «بوايع» ، وفي جمع «بيّن» : «بياين» ، وفي جمع «سيّد» المتقدّم في فصل الواو : «سياود». وحجّته على ذلك أنّ الواوين أثقل من الياءين ، ومن الواو والياء ، والقلب لم يسمع إلّا في الواوين ، نحو قولهم في جمع «أوّل» : «أوائل» ، فلا يقاس عليه ما ليس من رتبته ، من الثقل.

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، بدليل ما حكاه المازنيّ عن الأصمعيّ ، من قولهم في جمع «عيّل» : «عيائل» بالهمزة ، ولم تكتنف ألف الجمع واوان. فدل ذلك على أنّ العرب استثقلت في هذا وأمثاله اكتناف ألف الجمع حرفا علّة.

فإن قال قائل : فلعل قولهم في جمع «عيّل» : «عيائل» شاذّ ، لذلك لم يسمع من ذلك إلّا هذه اللفظة ، فلا ينبغي أن يقاس عليه؟.

فالجواب : أنه ، وإن لم يسمع منه إلّا هذه اللفظة ، لا ينبغي أن يعتقد فيه الشذوذ ، لأنه لم يرد له نظير غير مهموز ، فيجعل الهمز في هذا شذوذا. بل جميع ما أتى من هذا النوع من هذا اللفظ ، وهو مهموز ، فكان جميع ما أتى من هذا الباب مهموزا ، إذ هذا اللفظ هو جميع ما أتى ، من هذا الباب. وقد جعل أبو الحسن مثل هذا أصلا ، يقاس عليه. وذلك أنه قال في النسب إلى «فعولة» : «فعليّ» ، نحو «ركبيّ» في النسب إلى «ركوبة» ، قياسا على قولهم ، في النسب إلى «شنوءة» «شنئيّ». ثم أورد اعتراضا على نفسه ، فقال : فإن قال قائل : فإن قولهم «شنئيّ» شاذّ ، فلا ينبغي أن يقاس عليه ، إذ لم يجىء غيره؟.

فالجواب : أنه جميع ما أتى ، من هذا النوع. فجعله ، لمّا لم يأت غيره مخالفا له ولا موافقا ، أصلا يقاس عليه.

فهذا جميع ما تبدل فيه الياء همزة ، باطّراد. فأمّا مثل «بائع» و «رداء» فإنّ الهمزة فيهما وأمثالهما بدل من ألف ، وإن كان الأصل «بايع» و «رداي» ، كما تقدّم.

وأبدلت منها ، من غير اطّراد ، في «أدي» وأصله «يدي» ، فردّ اللّام ، ثم أبدلت الياء همزة. حكي من كلامهم «قطع الله أديه». وقالوا «في أسنانه ألل» وأصله «يلل» (1)، فأبدلوا


1) اليلل : قصر الأسنان والتزاقها وإقبالها إلى داخل الفم ، لسان العرب ، مادة (يلل).

الياء همزة. وقالوا «رئبال» وأصله «ريبال» (1)، فأبدلت الياء همزة. وكذلك قالوا «الشّئمة» يريدون «الشّيمة» ، ومعناها الخليقة ، فأبدلوا أيضا الياء همزة.

وإنما جعلنا الهمزة في «ألل» و «رئبال» و «الشئمة» بدلا من الياء ، ولم تجعل أصلا بنفسها ، لأنّ الأكثر في كلامهم «يلل» و «ريبال» و «شيمة» بالياء ، واستعمال هذه الأسماء بالهمزة قليل. فدلّ ذلك على أنّ الهمزة بدل ، وأن الياء هي الأصل.

فهذا أيضا جميع ما جاءت فيه الهمزة بدلا من الياء ، على غير اطّراد.



1) الريبال : الأسد ، لسان العرب ، مادة (ربل).

باب إبدال الهمزة من الهاء

أبدلت الهمزة من الهاء في «ماء» ، وأصله «موه» ، فقلبت الواو ألفا ، والهاء همزة. والدليل على ذلك قولهم في الجمع «أمواه». وقد أبدلت الهاء أيضا همزة في جمع «ماء» ، فقالوا «أمواء». قال :

وبلدة ، قالصة أمواؤها

تستنّ ، في رأد الضّحى ، أفياؤها (1)

وإنما جعلت الهاء هي الأصل ، لأنّ أكثر تصريف الكلمة عليها. قالوا «أمواه» و «مياه» و «ماهت (2)الرّكيّة» ، إلى غير من تصاريفها.

وأبدلت أيضا منها في «آل». أصله «أهل» ، فأبدلت الهاء همزة ، فقيل «أأل» ، ثم أبدلت الهمزة ألفا ، فقيل «آل».

فإن قيل : فهلّا جعلت الألف بدلا من الهاء أولا؟.

فالجواب : أنه لم يثبت إبدال الألف من الهاء ، في غير هذا الموضع ، فيحمل هذا عليه. وقد ثبت إبدال الهمزة من الهاء في «ماء» ، فلذلك حمل «آل» على أنّ الأصل فيه «أهل» ، فأبدلت الهاء همزة.

فإن قيل : وما الذي يدلّ على أنّ الأصل «أهل» ، وهلّا جعلت الألف منقلبة عن واو؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على ذلك قولهم في التصغير «أهيل». ولو كانت الألف منقلبة عن واو لقيل في تصغيره «أويل». وممّا يؤيد أنّ الأصل «أهل» أنهم إذا أضافوا إلى المضمر قالوا «أهلك» و «أهله» ، لأنّ المضمر يردّ الأشياء إلى أصولها. ولا يقال «آلك» و «آله» إلّا قليلا جدّا ، نحو قوله :


1) الرجز ، بلا نسبة في الاشتقاق ص 316 ، وجمهرة اللغة لابن دريد ، مادة (مأوي) ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 100.

2) ماهت : ظهر ماؤها وكثر ، الصحاح للجوهري ، مادة (موه).

وانصر ، على دين الصّلي

ب ، وعابديه ، اليوم ، آلك (1)

وقول الآخر :

أنا الرّجل الحامي حقيقة والدي

وآلي ، كما تحمي حقيقة آلكا (2)

ونحو قول الكنانيّ «رجل من آلك وليس منك».

وممّا يدلّ ، على أنّ الألف في «آل» بدل من الهمزة المبدلة من الهاء ، أنّ العرب تجعل اللفظ ، فيه بدل من بدل ، مختصّا بشيء بعينه ؛ ألا ترى أنّ تاء القسم لمّا كانت بدلا من الواو المبدلة من باء القسم لم تدخل إلّا على اسم «الله» ، تعالى ، ولم تدخل على غيره من الأسماء الظاهرة ، ولا دخلت أيضا على مضمر. وكذلك «أسنت الرّجل» لمّا كانت التاء فيه بدلا من الياء المبدلة من الواو ، لأنّ «أسنت» من لفظ «السّنة» ، ولام «سنة» واو ، بدليل قولهم في جمعها «سنوات» ، جعلوها مختصّة بالدخول في السنة الجدبة ، وقد كان «أسنى» قبل ذلك عامّة ، فيقال «أسنى الرجل» إذا دخل في السنة ، جدبة أو غير جدبة. فكذلك «آل» لمّا لم يضف إلّا إلى الشريف ، فيقال «آل الله» و «آل السلطان» ، بخلاف «الأهل» الذي يضاف إلى الشريف وغيره ، دلّ ذلك على أنّ الألف فيه بدل من الهمزة المبدلة من الهاء ، كما تقدّم. وإنما خصّت العرب ما فيه بدل من بدل بشيء ، لأنه فرع فرع ، والفروع لا يتصرّف فيها تصرّف الأصل ، فكيف فرع الفرع.

وأبدلت أيضا من الهاء «هل» ، فقالوا «أل فعلت كذا» يريدون «هل فعلت كذا». حكى ذلك قطرب. عن أبي عبيدة. والأصل «هل» ، لأنه الأكثر.

وأبدلت أيضا من الهاء في «هذا» ، فقالوا «آذا». قال :

فقال فريق : آأذا إذ نحوتهم

نعم ، وفريق : لا يمن الله ما (3)

ندري


1) البيت من مجزوء البحر الكامل ، وهو لعبد المطلب بن هاشم في الأشباه والنظائر 2 / 207 ، والدرر 5 / 31 ، وشرح الأشموني 1 / 5.

2) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في غذاء الألباب شرح منظومة الآدب 1 / 20.

3) البيت من البحر الطويل ، وهو لنصيب في ديوانه ص 94 ، والأزهية ص 21 ، وتخليص الشواهد ص 219 ، والدرر 4 / 216 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 288 ، وشرح شواهد المغني 1 / 299 ، ولسان العرب ، مادة (يمن).

أراد «أهذا» فقلب الهاء همزة ، ثم فصل بين الهمزتين بألف.

فأمّا قولهم «تدرأ» و «تدره» للدّافع عن قومه فليس أحد الحرفين فيهما بدلا من الآخر ، بل هما أصلان ، بدليل مجيء تصاريف الكلمة عليهما. فقالوا «درأه» و «درهه» و «مدرأ» و «مدره».


باب إبدال الهمزة من العين

لم يجىء من ذلك إلّا قولهم «أباب» ، في قولهم «عباب». والأصل العين لأنّ «عبابا» أكثر استعمالا من «أباب». قال :

أباب بحر ، ضاحك ، زهوق (1)


1) الرجز ، بلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني ص 106 ، وشرح الأشموني 3 / 836 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 207 ، ولسان العرب ، مادة (أبب) والمقرب 2 / 164.

باب الجيم

وأمّا الجيم فأبدلت من الياء ، لا غير ، مشدّدة ومخفّفة. فيبدلون من الياء المشدّدة جيما مشدّدة ، ومن الياء المخفّفة جيما مخفّفة.

فمن البدل من الياء المشدّدة ما أنشده الأصمعيّ عن خلف ، قال : أنشدني رجل من أهل البادية :

خالي ، عويف ، وأبو علجّ

المطعمان اللّحم ، فالعشجّ

وبالغداة ، فلق البرنجّ (1)

يريد : «وأبو عليّ» و «بالعشيّ» و «فلق البّرنيّ». ومنه أيضا ما حكاه أبو عمرو بن العلاء ، من أنه لقي أعرابيّا فقال له «ممّن أنت»؟ فقال : «فقيمجّ». فقال له «من أيّهم»؟ فقال «مرّجّ». يريد «فقيميّ» و «مرّيّ». وهو مطّرد في الياء المشدّدة. قال يعقوب : «وبعض العرب إذا شدّد الياء صيّرها جيما. وأنشد الأعرابيّ :

كأنّ في أذنابهنّ الشّوّل

من عبس الصّيف ، قرون الأجّل (2)

يريد : الأيّل».

ومن إبدال الجيم من الياء المخفّفة ما أنشده أبو عمرو بن العلاء ، لهميان بن قحافة ، من قوله :

يطير عنها الوبر ، الصّهابجا (3)


1) الرجز ، بلا نسبة في أوضح المسالك لابن هشام 4 / 372 ، وجمهرة اللغة لابن دريد ص 42 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 175 ، وشرح الأشموني 3 / 821 ، وفلق البرني ، ضرب من التمر ، لسان العرب ، مادة (برن).

2) الرجز ، لأبي النجم في سمط اللآلي ص 712 ، والطرائف الأدبية ص 63 ، ولسان العرب ، مادة (عبس) ، والمحتسب 1 / 76.

3) الرجز ، لهيمان بن قحافة السعدي في أمالي القالي 2 / 77 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 176 ، وسمط اللآلي ص 712 ، ولسان العرب ، مادة (صهب).

يريد «الصّهابي» من الصّبهة. وأصله «الصّهابيّ» ، فحذف إحدى الياءين. ومن ذلك ما أنشده الفرّاء ، من قول الشاعر :

لا همّ ، إن كنت قبلت حجّتج

فلا يزال شاحج يأتيك بج

أقمر ، نهّات ، ينزّي وفرتج (1)

يريد : «حجّتي» و «يأتيك بي» و «ينزّي وفرتي». ومن ذلك أيضا قوله :

حتّى إذا ما أمسجت ، وأمسجا (2)

يريد «أمسيت وأمسيا» ، فأبدل من الياء جيما ، ولم يبدلها ألفا.

وهو غير مطرّد في الياء الخفيفة ، بل يوقف في ذلك عند السماع.



1) الرجز ، لرجل من اليمانيين في الدرر 3 / 40 ، وبلا نسبة في الدرر 6 / 229 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 177 ، وشرح الأشموني 2 / 449 ، ولسان العرب ، مادة (دلق).

2) الرجز ، للعجاج في ملحق ديوانه 2 / 278 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 627 ، وشرح شواهد الشافية ص 486 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 177 ، ولسان العرب ، مادة (الجيم) والمحتسب 1 / 74.

باب الدال

وأمّا الدال فأبدلت من التاء والذال. فأبدلت من تاء «افتعل» باطّراد ، إذا كانت الفاء زايا. فتقول في «افتعل» من «الزّين» : «ازدان» ، ومن «الزّلفى» : «ازدلف» ، ومن «الزّجر» : «ازدجر» ، ومن «الزّيارة» : «ازدار». والأصل «ازتان» و «ازتجر» و «ازتلف» و «ازتار» ، فرفضوا الأصل ، وأبدلوا من التاء دالا.

والسبب في ذلك أنّ الزاي مهجورة والتاء مهموسة ، والتاء شديدة والزاي رخوة ، فتباعد ما بين الزاي والتاء ، فقرّبوا أحد الحرفين من الآخر ، ليقرب النطق بهما ، فأبدلوا الدال من التاء ، لأنها أخت التاء في المخرج والشّدّة ، وأخت الزاي في الجهر.

وكذلك تبدل فيما تصرّف من «افتعل». فتقول «مزدلف» و «مزدجر» و «مزدان» و «مزدار» ، و «ازدجار» و «ازديان» و «ازديار» و «ازدلاف». ومن كلام ذي الرّمّة ، في بعض أخباره : «هل عندك من ناقة فلتزدار عليها ميّا».

وكذلك أيضا تبدل منها ، إذا كانت الفاء دالا ، إلّا أنّ ذلك من قبيل البدل الذي يكون للإدغام. فتقول في «افتعل» من «الدّين» : «ادّان».

وقد قلبت تاء «افتعل» دالا ، بغير اطّراد ، مع الجيم في «اجتمعوا» و «اجتزّ» ، فقالوا «اجدمعوا» و «اجدزّ». والأكثر التاء. قال :

فقلت لصاحبي : لا تحبسنّا

بنزع أصوله ، واجدزّ شيحا (1)

يريد «واجتزّ». ولا يقاس ذلك ، فلا يقال في «اجترأ» : «اجدرأ» ، ولا في «اجترح» : «اجدرح».


1) البيت من البحر الوافر ، وهو لمضرس بن ربعي في شرح شواهد الشافية ص 481 ، وله أو ليزيد بن الطثرية في لسان العرب ، مادة (جزز) ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني ص 187 ، وشرح الأشموني 3 / 874.

وأبدلت أيضا من تاء «افتعل» إذا كانت الفاء ذالا ، من غير إدغام. فقالوا «اذدكر» و «مذدكر» ، حكى ذلك أبو عمرو. وقال أبو حكاك :

تنحي على الشّوك جرازا مقضبا

والهرم تذريه اذدراء عجبا (1)

يريد «اذتراء» ، وهو «افتعال» من «ذراه يذريه». فأمّا «ادّكر» فإبدال إدغام ، فلا يذكر هنا.

وأبدلت من التاء في غير «افتعل» ، بغير اطّراد في «تولج» ، فقالوا «دولج» ، فأبدلوا الدال من التاء المبدلة من الواو. لأنّ الأصل «وولج» ، لأنه من الولوج. ولا تجعل الدال بدلا من الواو ، لأنه قد ثبت إبدال من التاء في «افتعل» ، كما تقدّم ، ولم يثبت إبدالها من الواو ، في موضع من المواضع.

فهذا جميع ما أبدلت فيه الدال من التاء.

وأبدلت من الذال في «ذكر» جمع «ذكرة» ، فقالوا «دكر». قال ابن مقبل :

يا ليت لي سلوة ، تشفى النفوس بها

من بعض ما يعتري قلبي ، من الدّكر (2)

بالدال. كذا رواه أبو عليّ. وكان الذي سهّل ذلك قلبهم لها في «ادّكر» و «مدّكر» ، فألف فيها القلب ، فقلبها دالا ، وإن كان موجب القلب قد زال ، وهو الإدغام.



1) الرجز ، لأبي حكاك في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 187 ، وشرح المفصل 10 / 49 ، والمقرب 2 / 166 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة لابن دريد ص 523 ، وشرح الأشموني 3 / 874 ، وشرح المفصل 10 / 150 ، ولسان العرب ، (ذكر).

2) البيت من البسيط ، وهو لتميم بن مقبل في ديوانه ص 81 ، والخصائص لابن جني 1 / 351 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 188 ، والمنصف 3 / 140.

باب الطاء

وأمّا الطاء فأبدلت من التاء ، لا غير. أبدلت باطّراد البتّة ، ولا يجوز غير ذلك ، من تاء «افتعل» إذا كانت الفاء صادا ، أو ضادا ، أو طاء ، أو ظاء. فتقول في «افتعل» من الصّبر : «اصطبر» ، ومن الضّرب : «اضطرب» ، ومن الظّهر «اظطهر» ، ومن الطّرد : «اطّرد». فتدغم ، لأنك لمّا أبدلت التاء طاء اجتمع لك مثلان ، الأوّل منهما ساكن ، فأدغمت. ولم تبدل التاء لأجل الإدغام ، بل للتباعد ، بل للتباعد الذي بين الطاء والتاء ، كما فعلت ذلك مع الضاد والظاء والصاد ؛ ألا ترى أنك أبدلت من التاء طاء ولم تدغم ، لمّا لم يجتمع لك مثلان.

والتباعد الذي بين التاء وبين هذه الحروف أنّ التاء منفتحة منسفلة ، وهذه الحروف مطبقة مستعلية. فأبدلوا من التاء أختها في المخرج ، وأخت هذه الحروف في الاستعلاء والإطباق ، وهي الطاء.

وأبدلت ، بغير اطّراد ، من تاء الضمير بعد الطاء والصاد. فقالوا «فحصط» و «خبطّ» ، يريدون «فحصت» و «خبطت». والأكثر التاء. والعلّة في الإبدال كالعلّة في «افتعل» ، من التباعد الذي ذكرنا بين التاء وبين الصاد والطاء. فقرّبوا ليسهل النّطق. ومن ذلك قوله :

وفي كلّ حيّ قد خبطّ بنعمة

فحقّ لشأس ، من نداك ، ذنوب (1)

رواه أبو عليّ ، عن أبي بكر ، عن أبي العباس : «خبطّ» ، على إبدال الطاء من التاء.



1) البيت من البحر الطويل ، وهو لعلقمة الفحل في ديوانه ص 48 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 400 ، وشرح المفصل 5 / 48 ، ولسان العرب ، مادة (جنب) و (شأس) ومجالس ثعلب ص 97.

باب الواو

وأمّا الواو فأبدلت من ثلاثة أحرف ، وهي الهمزة والألف والياء. إلّا أنّ يذكر هنا إبدالها من الهمزة ، لأنّ إبدالها من الياء والألف يذكر في باب القلب.

فتبدل من الهمزة ، باطّراد ، إذا كانت مفتوحة وقبلها حرف مضموم. نحو «جؤن» (1)و «سؤلة» (2)، تقول في تخفيفهما «جون» و «سولة». ولا يلزم ذلك.

وتبدل أيضا ، باطّراد ، إذا كانت ساكنة وقبلها ضمّة ، ولا يلزم ذلك أيضا. نحو «بؤس» و «نؤي» (3)، نقول فيهما إذا أردت التخفيف «بوس» و «نوي».

وتبدل أيضا ، باطّراد ، إذا كانت قبل الألف في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، بشرط أن يكتنف ألف الجمع همزتان ، نحو «ذوائب» في جمع «ذؤابة». أصله «ذآئب» ، فأبدلت الهمزة واوا ، هروبا من ثقل البناء ، مع ثقل اجتماع الهمزتين والألف ، لأنّ الألف قريبة من الهمزة ، لأنها من الحلق ، كما أنّ الهمزة كذلك. فكأنه قد اجتمع في الكلمة ثلاث همزات ، فالتزموا لذلك إبدال الهمزة واوا.

وأبدلت أيضا ، باطّراد على اللزوم ، إذا كانت للتأنيث ، في ثلاثة مواضع : التثنية ، والجمع بالألف والتاء ، والنسب. نحو «صحراوين» و «صحراوات» و «صحراويّ».

وباطّراد ، من غير لزوم ، في الهمزة المبدلة من أصل ، أو من حرف زائد ملحق بالأصل ، إذا كانت طرفا بعد ألف زائدة ، نحو «كساء» و «رداء» و «علباء» (4)و «درحاء» ، حيث قلبت همزة التأنيث ، نحو «علباوين» و «كساوين» و «رداوين» و «درحاوين» و «علباوي» و «كساويّ» و «رداويّ» و «درحاوات» في جمع «درحاءة».


1) الجؤن : جمع جؤنة وهي سلة مستديرة مغشاة جلدا ، يجعل فيها الطيب والثياب ، لسان العرب ، مادة (جأن).

2) السؤلة : كثير السؤال ، الكتاب 2 / 314.

3) النؤي : الحفير حول الخيمة ليمنع عنها ماء المطر ويبعده ، لسان العرب ، مادة (نأى).

4) العلباء : عصب عنق البعير ، لسان العرب ، مادة (علب).

ومن الهمزة الأصليّة إذا وقعت طرفا بعد ألف زائدة ، وذلك قليل ، حيث قلبت همزة التأنيث أيضا ، نحو «قرّاء» (1)؛ لأنه من «قرأ». فإنه قد حكي «قرّاويّ» ، وفي التثنية «قرّاوان».

وأبدلت ، من غير اطّراد ، في «واخيت» ، أصله «آخيت» ، فأبدلت الهمزة واوا. ولا يمكن أن يدّعى أنّ الواو في «واخيت» أصل ، وليست ببدل من الهمزة ، لأنّ اللّام من «واخيت» واو ، لأنه من «الأخوّة». وإنما قلبت ياء في «واخيت» ، لوقوعها رابعة ، كما قلبت في «غازيت» ، على ما يبيّن في بابه. فإذا تبيّن أنّ اللّام واو لم يمكن أن تكون الفاء واوا ، لأنه لم يجىء في كلامهم مثل «وعوت».

وتبدل أيضا واوا ، على غير اللزوم ، إذا وقعت بعد الواو الزائدة للمدّ ، فتقول في «مقروء» : «مقروّ».

وتبدل أيضا ، إذا وقعت بعد الواو ، وإن لم تكن زائدة للمدّ ، فتقول في «سوءة» : «سوّة». إلّا أنّ ذلك قليل جدّا.

فهذا جميع ما أبدلت فيه الهمزة واوا ، إذا لم تنضمّ إليها همزة أخرى. فإن انضمّ إليها همزة أخرى فلا يخلو أن تكون الثانية ساكنة أو متحرّكة. فإن كانت ساكنة فإنه يلزم إبدالها واوا ، إذا كانت الهمزة الأولى مضمومة. فتقول في «أفعل» من «أتى» : «أوتي». وأصله «أؤتي» ، إلّا أنه رفض الأصل ، هروبا من اجتماع الهمزتين ، فلزم البدل.

فإذا كانت الثانية متحرّكة فإنها تبدل واوا ، إذا كانت متحرّكة بالضمّ ، أو بالفتح. فتقول في مثل «أبلم» (2)من «أممت» : «أومّ». أصله «أؤمم» ، فنقلت ضمّة الميم إلى الهمزة ، وأدغمت فقلت «أومّ» ولزم ذلك ، وتقول في «أفعل» من «أممت» : «أومّ». وأصله «أأمم» ، ثم نقلت فتحة الميم إلى الهمزة ، وأدغمت فقلت «أأمّ». ثم أبدلت الهمزة واوا ، فقلت «أومّ». كما أنهم لمّا اضطرّوا إلى ذلك ، في جمع «آدم» ، قالوا «أوادم» ، فأبدلوا الهمزة واوا.

وسواء كان من قبل هذه الهمزة المفتوحة مفتوحا ، أو مضموما ، في التزام إبدالها واوا. فمثال انضمام ما قبلها «أواتي» في مضارع «آتى» : «فاعل» من الإتيان. أصله


1) القراء : الناسك المتفقة القارئ ، لسان العرب ، مادة (قرأ).

2) الأبلم : خوص المقل ، لسان العرب ، مادة (بلم).

«أؤاتي» ، ثم التزموا البدل ، هروبا من اجتماع الهمزتين. ثم حملوا «يواتي» و «نواتي» و «تواتي» و «موات» ، على «أواتي» ، في التزام البدل.

وزعم المازنيّ أنّ الهمزة إذا كانت مفتوحة ، وقبلها فتحة ، أنها تبدل ياء. فقال في أفعل من «أممت» : «أيمّ» ، كما تبدل إذا كانت مكسورة ، نحو «أيمّة» جمع إمام ، لأنّ الفتحة أخت الكسرة ، فالأقيس أن يكون حكم الهمزة المفتوحة كحكم المكسورة في الإبدال ، لا كالمضمومة في إبدالها واوا. ورأى أنه لا حجّة في «أوادم» ، لأنهم لمّا قالوا في المفرد «آدم» صار بمنزلة «تابل» ، فأجروا الألف المبدلة مجرى الزائدة. فكما قالوا «توابل» (1)فكذلك قالوا «أوادم». فالواو عنده بدل من الألف ، لا من الهمزة.

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنّ الألف المبدلة لو كانت تجري مجرى الألف الزائدة لجاز أن يجمع بينها وبين الساكن المشدّد ، فكنت تقول في جمع «إمام» : «آمّة». فيكون أصله «أأممة» ، فتبدل الهمزة ألفا فيصير «آممة» ، ثم تدغم الميم في الميم فتسكن الأولى ، لأجل الإدغام ، فتقول «آمّة» ، وتجمع بين الألف والساكن المشدّد ، كما جاز ذلك في «دابّة». فقول العرب «أيمّة» ، ونقلهم الحركة إلى ما قبل ، دليل على أنها لم تجر مجرى الألف الزائدة. فكذلك أيضا «آدم» ، لا ينبغي أن تجرى هذه الألف مجرى الألف الزائدة. فينبغي أن يعتقد أنها تردّ إلى أصلها من الهمزة ، إذا جمعت ، لزوال موجب إبدالها ألفا ، وهو سكونها وانفتاح ما قبلها. فإذا ردّت إلى أصلها قالوا «أآدم» ، فاستثقلوا الهمزتين ، فأبدلوا الثانية واوا. فإذا تبيّن أنهم أبدلوا من الهمزة المفتوحة واوا في «أوادم» وجب أن يقال في «أفعل» من «أممت» : «أومّ». وهو مذهب الأخفش.

وهذا أيضا جميع ما أبدلت فيه الهمزة واوا ، إذا التقت مع همزة أخرى.



1) التوابل ، الأبزار : أي البزر ، الصحاح للجوهري ، مادة (بزر).

باب الياء

وأمّا الياء فتبدل من ثمانية عشر حرفا. وهي : الألف ، والواو ، والسين ، والباء ، والراء ، والنون ، واللّام ، والصاد ، والضاد ، والميم ، والدال ، والعين ، والكاف ، والتاء ، والثاء ، والجيم ، والهاء ، والهمزة. إلّا أنه لا يذكر هنا إبدالها من الألف والواو ، لأنّ ذلك من باب القلب.

فأبدلت من السين ، من غير لزوم ، في «سادس» و «خامس». فقالوا «سادي» و «خامي». قال الشاعر :

إذا ما عدّ أربعة ، فسال

فزوجك خامس ، وحموك سادي (1)

أي «سادس». وقال الآخر :

مضى ثلاث سنين ، منذ حلّ بها

وعام حلّت ، وهذا التابع الخامي (2)

أي «الخامس».

وأبدلت من الباء ، على غير لزوم ، في جمع «ثعلب» ، و «أرنب» ، في الضرورة. أنشد سيبويه :

لها أشارير من لحم ، تتمّره

من الثّعالي ، ووخز من أرانيها (3)


1) البيت من البحر الوافر ، وهو لامرئ القيس في ملحق ديوانه ص 459 ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 741 ، وشرح الأشموني 3 / 879 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 213.

2) البيت من البحر البسيط ، وهو للحادرة وقطبة بن أوس في لسان العرب ، مادة (خمس) وبلا نسبة في الدرر 6 / 225 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 742 ، والمقرب 1 / 315.

3) البيت من البحر البسيط ، وهو لأبي كاهل النمر بن تولب اليشكري ، في الدرر 3 / 47 ، والمقاصد النحوية 4 / 583 ، ولسان العرب ، مادة (رنب) ، وبلا نسبة في الأمالي لابن الحاجب ص 327 ، وجمهرة اللغة ص 395 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 742.

أراد «الثعالب» و «أرانب» فلم يمكنه أن يسكن الباء فأبدل منها ياء.

وأبدلت أيضا من الباء ، على اللزوم ، في «ديباج». وأصله «دبّاج» ، فأبدلوا الباء الساكنة ياء ، هروبا من اجتماع المثلين. والدليل على ذلك قولهم في الجمع «دبابيج». فردّوا الباء ، لمّا فرّقت الألف بين المثلين.

وأبدلت أيضا من الباء الثانية ، هروبا من التضعيف ، في «لا وربّك» ، فقالوا «لا وربيك». حكى ذلك أحمد بن يحيى.

وأبدلت من الراء ، على اللزوم ، في «قيراط» و «شيراز» (1). والأصل «قرّاط» و «شرّاز» ، فأبدلوا الياء من الراء الأولى هروبا من التضعيف ، والدليل على أنّ الأصل «قرّاط» و «شرّاز» قولهم «قراريط» و «شراريز» ، فردّ والراء ، لمّا فصلت الألف بين المثلين.

وأبدلت أيضا في «تسرّيت» وأصله «تسرّرت» ، لأنه «تفعّلت» من «السّرّيّة». و «السّرّيّة» : «فعليّة» من السرور ، لأنّ صاحبها يسرّ بها ، أو من السّرّ ، لأنّ صاحبها يسرّ أمرها عن حرّته وربّة منزلة. ومن جعل «سرّيّة» «فعّيلة» من سراة الشيء - وهو أعلاه - كانت اللّام من «تسرّيت» واوا أبدلت ياء ، لوقوعها خامسة ، لأنّ «السّراة» من الواو بدليل قولهم في جمعه «سروات». قال :

وأصبح مبيضّ الصّقيع كأنّه

على سروات البيت ، قطن (2)،

مندّف

والذي ينبغي أن يحمل عليه «سرّيّة» أنه «فعليّة» من السّرّ ، أو من السّرور. فقد دفع أبو الحسن. اشتقاقها من سراة الشيء - وهو أعلاها - بأن قال : إنّ الموضع الذي تؤتى منه المرأة ليس أعرها وسراتها. وهذا الدفع صحيح ، واشتقاقه من السّرّ أو السرور واضح. فلذلك كان أولى.

فهذا جميع ما أبدلت فيه الياء من الراء.

وأبدلت من النون ، على اللزوم ، في «دينار». أصله «دنّار» ، فأبدلت الياء من النون الأولى ، هروبا من ثقل التضعيف ، بدليل قولهم «دنانير» في الجميع ، و «دنينير» في التحقير.


1) الشيراز : اللبن الرائب المستخرج ماؤه ، المصباح المنير للرافعي ، مادة (شرز).

2) البيت من البحر الطويل ، وهو للفرزدق في ديوانه 2 / 28 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 756 ، وجمهرة أشعار العرب ، ص 883.

وأبدلت أيضا من نون «إنسان» الأولى ، على غير اللزوم ، فقالوا «إيسان». قال عامر بن جؤين :

فيا ليتني ، من بعد ما لاف أهلها ،

هلكت ، ولم أسمع بها صوت إيسان (1)

وقالوا في الجميع «أياسين» بالياء. والأصل النون ، لأنّ «إنسانا» و «أناسيّ» بالنون أكثر منه بالياء.

وأبدلت أيضا ، على اللزوم ، من نون «ظربان» ونون «إنسان» التي بعد الألف ، في الجمع ، فقالوا «أناسيّ» و «ظرابيّ». فعاملوا النون معاملة همزة التأنيث ، لشبهها بها. فكما يبدلون من همزة التأنيث ياء ، فيقولون في «صحراء» : «صحاريّ» ، فكذلك فعلوا بنون «إنسان» و «ظربان» ، في الجمع.

وأبدلت أيضا من النون في «تظنّيت» ، لأنه «تفعّلت» من الظّنّ. فأصله «تظنّنت» ، فأبدلت النون ياء ، هروبا من اجتماع الأمثال.

وأبدلت أيضا على اللزوم ، من النون في «تسنّى» بمعنى : تغيّر. ومن ذلك قوله تعالى : (لَمْ يَتَسَنَّهْ) [البقرة : 259] ، فحذفت الألف المبدلة من الياء للجزم. والأصل «يتسنّن» فأبدلت النون ياء ، هروبا أيضا من اجتماع الأمثال. والدليل على ذلك قوله تعالى : (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الحجر : 26] أي : متغيّر. فقوله تعالى : (مَسْنُونٍ) يدلّ على أنّ «يتسنّ» في الأصل من المضعّف ك- «مسنون» ، وليس من قبيل المعتلّ.

فهذا جميع ما أبدلت فيه الياء من النون.

وأبدلت من اللّام في «أمليت الكتاب». إنما أصله «أمللت» ، فأبدلت اللّام الأخيرة ياء ، هروبا من التضعيف. وقد جاء القرآن باللغتين جميعا. قال تعالى : (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الفرقان : 5]. وقال عزّ وجلّ : (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ) [البقرة : 282]. وإنما جعلنا اللّام هي الأصل ، لأنّ «أمللت» أكثر من «أمليت».

وأبدلت من الصاد على غير اللزوم في «قصّيت أظفاري» بمعنى «قصّصت». فأبدلوا من الصاد الأخيرة ياء ، هروبا من اجتماع الأمثال ، حكى ذلك اللّحيانيّ.


1) البيت من الطويل ، وهو لعامر بن جرير الطائي في لسان العرب ، مادة (أنس) ولعامر بن جؤين في المقرب 2 / 171.

وأبدلت من الضاد ، في قول العجّاج :

تقضّي البازي ، إذا البازي كسر (1)

إنما هو «تفعّل» من الانقضاض. وأصله «تقضّض» ، فأبدلت الضاد الأخيرة ياء. وقالوا أيضا «تقضّيت» من الفضّة ، وهو مثل «تقضّيت».

وأبدلت من الميم في «يأتمي» على غير اللزوم في الشعر ، قال :

تزور امرءا ، أمّا الإله فيتّقي

وأمّا بفعل الصّالحين فيأتمي (2)

أصله «يأتمّ» ، فأبدل من الميم الثانية ياء ، هروبا من التضعيف.

وأبدلت أيضا في «تكمّوا» ، لأنه «تفعّلوا» من «كممت الشيء» إذا سترته. فأصله «تكمّموا» ، فأبدلوا من الميم الأخيرة ياء فقالوا «تكمّيوا» ، فاستثقلت الضمّة في الياء ، فحذفت ، فبقيت الياء ساكنة ، فحذفت لالتقائها مع واو الضمير الساكنة ، فصار «تكمّوا». قال الراجز :

بل لو شهدت النّاس ، إذ تكمّوا

بقدر ، حمّ لهم ، وحمّوا (3)

وأبدلت أيضا من الميم الأولى في «أمّا» ، فقالوا «أيما» هروبا من التضعيف. وقد روي بيت ابن أبي ربيعة :

رأت رجلا ، أيما إذا الشّمس عارضت

فيضحى ، وأيما بالعشيّ فيخصر (4)

وأبدلت أيضا من الميم الأولى في «ديماس» ، هروبا من التضعيف.

وأصله «دمّاس» ، بدليل قولهم في الجمع «دماميس».

وأبدلت من الدّال ، في قوله تعالى : (إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً) [الأنفال : 35] ،


1) الرجز ، للعجاج في ديوانه 1 / 42 ، وأدب الكاتب ص 487 وشرح المفصل 10 / 25 ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 2 / 90 ، وشرح الأشموني 3 / 879 ، والمقرب 2 / 171.

2) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 2 / 760 ، وشرح الأشموني 3 / 879 ، وشرح المفصل 10 / 24 ، ولسان العرب ، مادة (أمم).

3) الرجز ، العجاج في ديوانه ص 63 ، وبلا نسبة في الأمالي في لغة العرب 1 / 21.

4) البيت من البحر الطويل ، وهو لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 94 ، والأزهية ص 148 ، والأغاني للأصبهاني 1 / 81 ، وخزانة الأدب للبغدادي 5 / 315 ، والدرر 5 / 108 ، والمحتسب 1 / 284 ، ومغني اللبيب لابن هشام 1 / 55.

و «التصدية» : التصفيق والصوت. و «فعلت» منه : صددت أصدّ. ومنه قوله تعالى : (إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) [الزخرف : 57] : أي : يعجّون ويضجّون. فأصله «تصددة» ، فحوّلت إحدى الدالين ياء ، هروبا من اجتماع المثلين. وليس قول من قال إنّ الياء غير مبدلة من دال ، وجعله من «الصّدى» الذي هو الصوت ، بشيء ، وإن كان أبو جعفر الرستميّ قد ذهب إليه ، لأنّ الصّدى لم يستعمل منه فعل. فحمله على أنه من هذا الفعل المستعمل أولى.

وأبدلت من العين ، فيما أنشده سيبويه ، من قوله :

ومنهل ليس له حوازق

ولضفادي جمّه نقانق (1)

يريد «ولضفادع» ، فكره أن يسكّن العين في موضع الحركة ، فأبدل منها ما يكون ساكنا في حال الجرّ ، وهو الياء.

وأبدلت أيضا من العين ، في «تلعّيت» من اللّعاعة «تلعية». والأصل «تلعّعت تلععة» ، فأبدلت العين الأخيرة ياء ، هروبا من اجتماع الأمثال.

فإن قال قائل : فلعلّ «تلعّيت» : «تفعليت» والياء زائدة ، مثلها في «تجعبيت» ، فلا تكون إذ ذاك بدلا؟.

فالجواب : أنّ التاء إنما دخلت على «لعّيت» ، و «لعّيت» : «فعّلت» ، بدليل قولهم «تلعية» ، إذ لا يجيء المصدر على تفعلة إلّا إذا كان الفعل على وزن «فعّل». فإذا تبيّن أنّ التاء دخلت على «فعّلت» ثبت أنّ «تلعّيت» : «تفعّلت» ، وأنّ الياء بدل من العين.

وأبدلت من الكاف ، فيما حكاه أبو زيد ، من قولهم «مكّوك» و «مكاكيّ». وأصله «مكاكيك» ، فأبدلت الياء من الكاف الأخيرة ، هروبا أيضا من ثقل التضعيف.

وأبدلت من التاء ، أنشد بعضهم :

قامت بها ، تنشد كلّ منشد

فايتصلت بمثل ضوء الفرقد (2)

يريد «فاتّصلت» ، فأبدل من التاء الأولى ياء ، كراهية التّشديد.


1) الرجز ، لخلف الأحمر في الدرر 6 / 227 ، وبلا نسبة في خزانة الأدب للبغدادي 4 / 438 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 762 ، وشرح الأشموني 3 / 880 ، والكتاب 2 / 273 ، والمقتضب للمبرد 1 / 247.

2) الرجز ، بلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 764 ، وشرح المفصل 10 / 24 ، ولسان العرب ، مادة (وصل) والمقرب 2 / 173.

وأبدلت من الثاء في «ثالث» ، فقالوا «الثالي». قال الراجز :

يفديك ، يا زرع ، أبي وخالي

قد مرّ يومان ، وهذا الثّالي

وأنت ، بالهجران ، لا تبالي (1)

أراد «وهذا الثالث».

وأبدلت من الجيم في جمع «ديجوج» ، فقالوا «الدّياجي». وأصله «دياجيج» ، فأبدلت الجيم الأخيرة ياء ، وحذفت الياء فيها تخفيفا.

وأبدلت من الهاء في «دهديت الحجر» أي : دحرجته. وأصله «دهدهته» ؛ ألا تراهم قالوا «دهدوهة الجعل» لما يدحرجه. قال أبو النّجم :

كأنّ صوت جرعها المستعجل

جندلة ، دهديتها بجندل (2)

وقالوا في «صهصهت بالرّجل» إذا قلت له «صه صه» : «صهصهيت» ، فأبدلوا من الهاء ياء.

وأبدلت من الهمزة باطّراد ، إذا كانت ساكنة وقبلها كسرة. فتقول في «ذئب» و «بئر» و «مئرة» (3): «ذيب» و «بير» و «ميرة». ولا يلزم ذلك ، إلّا أن يكون الحرف المكسور الذي قبل الهمزة الساكنة همزة أخرى ، نحو «إيمان» و «إيتاء» في مصدر «آمن» و «آتى». وأصلهما «إئمان» و «إئتاء».

وأبدلت من الهمزة المفتوحة المكسور ما قبلها ، نحو «مير» و «أريد أن أقريك» ، على غير لزوم. وقد مضى السبب في ذلك في باب تخفيف الهمز.

وكذلك أيضا تبدل من الهمزة المضمومة المكسور ما قبلها ، عند الأخفش ، نحو «هو يقريك» في «يقرئك» ، على غير لزوم أصلا. وقد تقدّم الدليل على بطلان هذا المذهب ، في باب تخفيف الهمز أيضا.


1) الرجز ، بلا نسبة في الدرر 6 / 224 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني ص 764 ، وشرح الأشموني 3 / 880 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 213.

2) الرجز ، لأبي النجم ، في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 233 ، والطرائف الأدبية ص 65 ، وبلا نسبة في شرح المفصل 10 / 206.

3) المئرة : العداوة ، لسان العرب ، مادة (مأر).

وتبدل منها أيضا إذا وقعت بعد ياء «فعيل» ونحوه ، ممّا زيدت فيه لمدّ وبعد ياء التحقير ، على غير لزوم. فيقولون في خطيئة : «خطيّة» ، وفي «نسيء» : «نسيّ» ، وفي تحقير «أفؤس» : «أفيّس».

وإذا التقت همزتان ، وكانت الثانية متحرّكة بالكسر ، قلبت الثانية ياء على اللزوم ، نحو قولهم «أيمّة» في جمع «إمام» أصله «أأممة» ، ثم أدغمت فقلت «أئمّة» ، ثم أبدلت من الهمزة المكسورة ياء.

وتبدل أيضا من الهمزة الواقعة طرفا بعد ألف زائدة ، في التثنية ، في لغة لبعض بني فزارة. فيقولون في تثنية «كساء» و «رداء» : «كسايان» و «ردايان». حكى ذلك أبو زيد عنهم.

وأبدلت ، بغير اطّراد في «قرأت» و «بدأت» و «توضّأت» ، فقالوا قريت و «توضّيت» و «بديت». وعلى «بديت» جاء قول زهير :

جريء ، متى يظلم يعاقب بظلمه

سريعا ، وإلّا يبد بالظّلم يظلم (1)

فحذف الألف المنقلبة عن الياء المبدلة من الهمزة ، للجزم في «يبدى».

وقالوا في «واجىء» (2): «واج» ، فأبدل الهمزة ياء ، وأجراها مجرى الياء الأصليّة. الدليل على ذلك أنه جعلها وصلا لحركة الجيم ، في قوله :

وكنت أذلّ من وتد بقاع

يشجّج رأسه ، بالفهر (3)،

واجي

وأجراها مجرى الياء الأصليّة ، في قوله قبل :

ولولاهم لكنت كحوت بحر

هوى ، في مظلم الغمرات ، داجي

ولو كانت الهمزة منويّة عنده لم يجز أن تكون الياء وصلا كما لا يجوز ذلك في الهمزة. ونحو من ذلك قول ابن هرمة :


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 24 ، وخزانة الأدب للبغدادي 3 / 17 ، والدرر 1 / 165 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 739 ، وشرح شواهد الألفية ص 10.

2) الواجئ : الضارب ، اللسان ، مادة (وجأ).

3) البيت من البحر الوافر ، وهو لعبد الرحمن بن حسان في ديوانه ص 18 ، والخصائص لابن جني 3 / 152 ، والدرر 4 / 178 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 306 ، وشرح شواهد الشافية ص 341 ، وشرح المفصل 9 / 114 ، والكتاب 3 / 555 ، ولسان العرب ، مادة (وج).

إنّ السّباع لتهدى في مرابضها

والناس ليس بهاد شرّهم أبدا (1)

فأبدل الهمزة من «هادىء» ياء ضرورة. وجميع هذا لا يقاس عليه إلا في ضرورة شعر.

وأبدلت أيضا من الهمزة في «أعصر» اسم رجل ، فقالوا «يعصر». قال أبو عليّ : إنما سمّي «أعصرا» لقوله :

أبنيّ إنّ أباك شيّب رأسه

كرّ اللّيالي ، واختلاف الأعصر (2)



1) البيت من البحر البسيط ، وهو لابن هرمة في ديوانه ص 97 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 740 ، ولسان العرب ، مادة (هدأ).

2) البيت من البحر الكامل ، وهو لباهلة بن أعصر ، في اللسان والتاج ، مادة (عصر) ، ولمنبه بن سعد بن قيس عيلان في أساس البلاغة ، مادة (عصر).

باب التاء

وأمّا التاء فأبدلت من ستّة أحرف ، وهي : الواو ، والياء ، والسين ، والصاد ، والطاء ، والدال.

فأبدلت من الواو ، على غير اطّراد ، في «تجاه» وهو «فعال» من «الوجه» ، و «تراث» : «فعال» من «ورث» ، و «تقيّة» : «فعيلة» من «وقيت» ، و «التّقوى : فعلى»» منه ، و «تلقاة» : «فعلة» منه ، و «توراة» عندنا «فوعلة» من «وري الزنديري» وأصله «ووراة» فأبدلوا الواو الأولى تاء ، لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لأبدلوا منها همزة هروبا من اجتماع الواوين في أوّل الكلمة. وكذلك «تولج» (1): «فوعل» من «الولوج» أصله «وولج». وهو عند البغداديين «تفعل» ، والتاء زائدة. وحملها على «فوعل» أولى ، لقلّة «تفعل» في الكلام وكثرة «فوعل». وكذلك «توراة».

وكذلك «تخمة» لأنها من الوخامة ، و «تكأة» لأنها من «توكّأت» ، و «تكلان» لأنه من «توكّلت». و «تيقور» (2): «فيعول» من الوقار ، أصله «ويقور». ومن أبيات الكتاب :

فإن يكن امسى البلى تيقوري (3)

يريد «وقاري». ورجل «تكلة» من «وكل يكل».

وقالوا : «أتلجة» أي : أولجه. وكذلك ما تصرّف منه ، نحو «متلج». و «أتكأه» وما تصرّف منه ؛ لأنه من «توكّأت» أيضا.

وأبدلت من واو القسم في نحو «تالله» ، لأنّ الأصل الباء - بدليل أنك إذا جررت


1) التولج : كناس الوحش ، اللسان ، مادة (ولج).

2) التيقور : الوقار ، لسان العرب ، مادة (وقر).

3) الرجز ، للعجاج في ديوانه 1 / 320 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 423 ، والكتاب 4 / 332 ، والمصنف 1 / 227.

المضمر أتيت بالباء فقلت «به» و «بك» ، لأنّ المضمرات تردّ الأشياء إلى أصولها - ثم أبدلت الواو من الباء ، ثم أبدلت التاء من الواو.

فإن قال قائل : ولعلها أبدلت من الباء؟.

فالجواب : أنّ إبدال التاء من الواو قد ثبت ، ولم يثبت إبدالها من الباء ، فكان الحمل على ماله نظير أولى وأيضا فإنّ العرب لمّا لم تجرّ بها إلّا اسم الله تعالى دلّ ذلك على أنها بدل من بدل ، لأنّ العرب تخصّ البدل من البدل بشيء بعينه ، وقد تقدّم تبيين ذلك.

وكذلك «التّليد» و «التّلاد» من «ولد». و «تترى» : «فعلى» من «المواترة» وأصلها «وترى». و «أخت» لأنه من «الأخوّة». و «بنت» لأنه من «البنوّة». و «هنت» لقولهم في الجمع «هنوات». و «كلتا» لأنه لا يتصوّر أن تكون أصلا لحذفها في «كلا» ، ولا زائدة للتأنيث لسكون ما قبلها ، وهو حرف صحيح ، ولكونها حشوا ، ولا زائدة لغير تأنيث ، لأنّ التاء لا تزاد حشوا. فلم يبق إلّا أن تكون ممّا انقلبت عنه ألف «كلا» ، وهو الواو ، لأنّ الألف إذا جهل أصلها حملت على الواو ، لأنه الأكثر. وأيضا فإنّ إبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء.

وأبدلت ، باطّراد ، من الواو في «افتعل» وما تصرّف منه ، إذا كانت فاؤه واوا ، نحو «اتعّد» و «اتّزن» و «اتّلج» ، فهو «متّعد» و «متّزن» و «متّلج» ، و «يتّعد» و «يتّزن» و «يتّلج» ، و «اتّعاد» و «اتّزان» و «اتّلاج». قال :

فإن تتّعدني أتّعدك مواعدا

وسوف أزيد الباقيات القوارصا (1)

وقال طرفة :

فإنّ القوافي يتّلجن موالجا

تضايق عنها أن تولّجها الإبر (2)


1) البيت من الطويل ، وهو للأعشى في ديوانه ص 201 ، وخزانة الأدب للبغدادي 1 / 184 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 147 ، وشرح التصريح 2 / 390 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 4 / 396.

2) البيت من الطويل ، وهو لطرفة بن العبد في ديوانه ص 47 ، والخصائص لابن جني 1 / 14 ، وسر صناعة الإعراب ص 147 ، وشرح التصريح 2 / 390.

وقال سحيم :

وما دمية ، من دمى ميسنا

ن معجبة نظرا واتّصافا (1)

والسبب في قلب الواو في ذلك تاء أنهم لو لم يفعلوا ذلك لوجب أن يقلبوها ياء ، إذا انكسر ما قبلها ، فيقولوا «ايتعد» و «ايتزن» و «ايتلج» ، وإذا انضمّ ما قبلها ردت للواو فيقولون «موتعد» و «موتزن» و «موتلج» ، وإذا انفتح ما قبلها قلبت ألفا فيقولون «ياتعد» و «يا تزن» و «يا تلج». فأبدلوا منها التاء ، لأنها حرف جلد لا يتغيّر لما قبله ، وهي مع ذلك قريبة المخرج من الواو ، لأنها من أصول الثنايا ، والواو من الشفة. ومن العرب من يجريها على القلب ولا يبدلها تاء.

فهذا جميع ما أبدلت فيه الواو تاء.

وأبدلت من الياء ، على قياس ، في «افتعل» ، إذا كانت فاؤه ياء ، وفيما تصرّف منه. فقالوا في «افتعل» ، من «اليسر» : «اتّسر» ، ومن «اليبس» : «اتّبس». والعلّة في ذلك ما ذكرناه في الواو ، من عدم استقرار الفاء على صورة واحدة ، لأنك تقلبها واوا ، إذا انضمّ ما قبلها نحو «موتسر» و «موتبس» ، وألفا متى انفتح ما قبلها في نحو «ياتسس» و «ياتبس». فأبدلوها تاء لذلك ، وأجروها مجرى الواو. ومن العرب من لا يبدلها تاء ، بل يجريها على القلب.

فإن قال قائل : فلأيّ شيء قلبت الياء في مثل «ياتسر» إذا انفتح ما قبلها؟.

فالجواب : أنه لمّا وجب في حرف العلّة أن يكون على حسب ما قبله إذا انكسر أو انضمّ ، فتقول «ايتبس» و «موتبس» ، حملوا الفتح على الكسر والضمّ ، فجعلوا حرف العلّة إذا كان ما قبله مفتوحا ألفا. فيكون موافقا للحركة التي تقدّمته ، كما كان ذلك في حين انكسار ما قبله وانضمامه. ولهذه العلّة بنفسها قلبت الواو ألفا في مثل «يا تعد» من «الوعد» أعني أنه حمل الفتح على الكسر والضمّ في مثل «ايتعد» و «موتعد».

وأبدلت من الياء على غير اطّراد في قولهم «ثنتان». ويدلّ على أنها من الياء أنها من «ثنيت» ، لأنّ «الاثنين» قد «ثني» أحدهما إلى صاحبه. وأصله «ثني» ، يدلّ على ذلك جمعهم إيّاه على «أثناء» بمنزلة أبناء وآخاء. فنقلوه من «فعل» ، كما فعلوا ذلك في «بنت».


1) البيت من المتقارب ، وهو لسحيم عبد بني الحسحاس في ديوانه ص 543 والخصائص 1 / 282 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 147 ، ولسان العرب ، مادة (ميس).

وأبدلوا من الياء في «كيت وكيت» و «ذيت وذيت» ، وأصلهما «كيّة وكيّة» و «ذيّة وذيّة». ثم إنهم حذفوا التاء وأبدلوا من الياء - التي هي لام - تاء.

وأبدلت من السين على غير اطّراد في «ستّ» في العدد. وأصله «سدس» ، بدليل قولهم في الجمع «أسداس» ، وفي التصغير «سديسة». وسيذكر السبب في ذلك في الإدغام.

وقد أبدلوها أيضا من السين في «النّاس» و «أكياس» ، أنشد أحمد بن يحيى :

يا قاتل الله بني السّعلاة

عمرو بن يربوع ، شرار النّات (1)

غير أعفّاء ، ولا أكيات*

وإنما أبدلت من السين لموافقتها إياها في الهمس ، والزيادة ، وتجاور المخرج.

وأبدلت أيضا منها في «طسّ» فقالوا «طست». وإنما جعلت التاء في «طست» بدلا من السين ، ولم تجعل أصلا ، لأنّ «طسّا» أكثر استعمالا من «طست».

وأبدلت من الصّاد في «لصت ولصوت» ، والأصل «لصّ ولصوص» ، لأنهما أكثر استعمالا بالصاد من التاء.

وأبدلت من الطاء في «فستاط» ، والأصل «فسطاط» ، بدليل قولهم «فساطيط» ولا يقولون «فساتيط». وفي «أستاع يستيع» والأصل «أسطاع يسطيع».

وأبدلت من الدّال في قولهم «ناقة تربوت» ، والأصل «دربوت» أي : مذلّة ، لأنه من الدّربة.



1) الرجز ، لعلياء بن أرقم في لسان العرب ، مادة (نوت) ، ونوادر أبي زيد ص 104 ، وبلا نسبة في الإنصاف 1 / 119 ، وجمهرة اللغة ص 843 ، والخصائص 2 / 53 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 155 ، وسمط اللآلي ص 703.

باب الميم

وأمّا الميم فأبدلت من أربعة أحرف وهي : الواو ، والنون ، والياء ، واللّام.

فأبدلت من الواو في قولهم «فم» ، والأصل «فوه» ، فحذفت الهاء تخفيفا ، فلمّا صار الاسم على حرفين ، الثاني منهما حرف لين ، كرهوا حذفه للتنوين ، فيجحفوا به ، فأبدلوا من الواو ميما لقرب الميم من الواو. وقد تشدّد الميم في ضرورة الشعر ، نحو قوله :

يا ليتها قد خرجت من فمّه

حتّى يعود البحر في أسطمّه (1)

روي بفتح الفاء من «فمّه» وضمها ، والدليل على أنّ الأصل فيه «فوه» قولهم «أفواه» و «فوهاء» و «أفوه» و «مفوّه».

وأبدلت باطّراد من النون الساكنة عند الباء في نحو «عمبر» و «شمباء» (2). وذلك لأنّ النون أخت الميم وقد أدغمت في الميم ، فأرادوا إعلالها أيضا مع الباء كما أعلّوها مع الميم بالإدغام. وسنبيّن ذلك بأكثر من هذا ، في الإدغام ، إن شاء الله تعالى.

وقد أبدلت من نون «البنان» فقالوا «البنام». قال :

يا هال ذات المنطق التّمتام

وكفّك ، المخضّب البنام (3)

يريد «البنان».

وأبدلت أيضا من الباء في قولهم «بنات بخر» و «بنات مخر». وهنّ سحائب يأتين قبل الصّيف ، بيض منتصبات في السّماء. قال طرفة :


1) الرجز ، للعجاج في ملحق ديوانه 2 / 327 ، وخزانة الأدب 4 / 493 ، والدرر 1 / 109 ، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 92 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 415 ، وشرح المفصل 10 / 33.

2) الشمباء : العذبة الفم ، لسان العرب ، مادة (شنب).

3) الرجز ، لرؤبة في ملحق ديوانه ص 183 ، وسر صناعة الإعراب ص 422 ، وديوان المتنبي 3 / 216 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 4 / 401 ، وشرح الأشموني 3 / 860.

كبنات المخر ، يمأذن كما

أنبت الصّيف عساليج الخضر (1)

وإنما جعلت الباء الأصل ، لأنّ «البخر» مشتقّ من البخار ، لأنّ السحاب إنما ينشأ عن بخار البحر.

وأبدلت أيضا من الباء فيما حكاه أبو عمرو الشيبانيّ ، من قولهم «ما زال راتما على كذا» و «راتبا» أي : مقيما ، من الرّتبة.

وأبدلت أيضا من الباء ، في قولهم «رأيته من كثب» و «من كثم» أي : من قرب. ثم قالوا «قد أكثب» هذا الأمر أي قرب ، ولم يقولوا «أكثم». فدلّ على أنّ الباء هي الأصل.

وأبدلت أيضا من الباء ، في «نغب» جمع «نغبة» (2)، فقالوا «نغم». قال الشاعر :

فبادرت شربها عجلى مثابرة

حتّى استقت دون محنى جيدها نغما (3)

وأبدلت من النون فيما حكاه يعقوب عن الأحمر من قولهم «طانه الله على الخير» و «طامه» أي : جبله وهو يطينه ولا يقال «يطيمه». فدلّ ذلك على أنّ النون هي الأصل. وأنشد :

لقد كان حرّا يستحي أن تضمّه

ألا تلك نفس طين منها حياؤها (4)

وأبدلت من لام التعريف ، ومنه قوله عليه السّلام : «ليس من امبرّ امصيام في امسفر».



1) البيت من الرمل ، وهو لطرفة في ديوانه ص 53 ، واللسان والتاج ، مادة (خضر).

2) النغبة : الجرعة من الماء ، الصحاح للجوهري ، مادة (نغب).

3) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1 / 426 ، وشرح الأشموني 3 / 883 ، وشرح المفصل 10 / 33 ، ولسان العرب ، مادة (نغب).

4) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 3 / 217 ولسان العرب ، مادة (طين).

باب النون

وأمّا النّون فأبدلت من اللّام في «لعل» ، فقالوا «لعن». قال أبو النجم :

اغد ، لعنّا في الرّهات نرسله (1)

وإنما جعل الأصل «لعلّ» لأنه أكثر استعمالا.

وأبدلت من الهمزة ، في النسب إلى «صنعاء» و «بهراء» ، فقالوا : «صنعانيّ» و «بهرانيّ».

وزعم بعض النحويين أنّ النون في «فعلان» الذي مؤنثه «فعلى» بدل من الهمزة. واستدلّوا على ذلك بأنهما قد تشابها - أعني : فعلان وفعلاء - في العدد والتوافق في الحركات والسّكنات والزيادتين في الآخر ، وأنّ المذكّر في البابين بخلاف المؤنث ، وأنّك تقول في جمع «سكران» : «سكارى» ، كما تقول في جمع «صحراء» : «صحارى».

والصحيح أنها ليست ببدل ، إذ لم يدع إلى الخروج عن الظاهر داع ، لأنه لا يلزم من توافقهما في الوزن ، ومخالفة المذكر للمؤنث أن يشتبها في أن يكون كلّ واحد منهما مؤنثا بالهمزة ، وأمّا جمعهم «فعلان» على «فعالى» فللشبه الذي بينه وبين «فعلاء» فيما ذكر ، لا أنه في الأصل «فعلاء». وأيضا فإنّ النون لا تبدل من الهمزة إلّا شذوذا ، نحو «بهرانيّ» و «صنعانيّ» ، لا يحفظ غيرهما.



1) الرجز ، لأبي النجم في الدرر 2 / 166 ، وسر صناعة الإعراب ص 433 ، وسط اللآلي ص 328 ، وشرح المفصل 8 / 79.

باب الهاء

وأمّا الهاء فأبدلت من خمسة أحرف ، وهي : الهمزة ، والألف والياء ، والواو ، والتاء.

فأبدلت من الهمزة ، في «إيّاك» ، فقالوا «هيّاك». أنشد أبو الحسن :

فهيّاك والأمر الذي إن توسّعت

موارده ضاقت عليك مصادره (1)

ويقال أيضا «أيّاك» و «هيّاك» بالفتح.

وطيّىء تبدل همزة «إن» الشرطيّة هاء ، فتقول «هن فعلت فعلت» ، تريد «إن».

وأبدلت أيضا من الهمزة في «إنّ» مع اللّام ، على اللزوم فقالوا «لهنّك». قال الشاعر :

ألا يا سنا برق ، على قلل الحمى

لهنّك من برق عليّ كريم (2)

وقرأ بعضهم : (طه (1) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) [طه : 1 - 2]. وقالوا : أراد «طأ الأرض بقدميك جميعا» ، لأنّ النبيّ ، عليه السّلام ، كان يرفع إحدى رجليه في صلاته.

وقالوا «أيا» و «هيا» في النداء. والهاء بدل من الهمزة ، لأنّ «أيا» أكثر من «هيا». قال :

وانصرفت ، وهي حصان مغضبه

ورفعت ، بصوتها : هيا أبه (3)

يريد «أيا أبه».


1) البيت من الطويل ، وهو لمضرس بن ربعي ، في شرح شواهد الشافية ص 476 ، ولطفيل الغنوي أو لمضرس في ديوان الطفيل ص 103 ، وبلا نسبة في الإنصاف 1 / 215 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 552.

2) البيت من الطويل ، وهو لمحمد بن مسلمة في لسان العرب ، مادة (لهن) ، ولرجل من بني نمير في خزانة الأدب 10 / 338 ، وأمالي الزجاجي ص 250.

3) الرجز ، للأغلب العجلي في ديوانه ص 148 ، وله أو لامرأة من بني سعد «العجفاء» في فصل المقال ص 218 ، وللعجفاء ، في مجمع الأمثال 2 / 134 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 176.

وقالوا «هما والله لقد كان كذا» يريدون : أما والله لقد كان كذا.

وأبدلت أيضا من الهمزة ، في «أثرت التّراب» و «أرحت الماشية» و «أرقت الماء» و «أردت الشّيء» وفيما يتصرّف منها. فقالوا «هثرت» و «هرحت» و «هرقت» و «هردت» ، و «أهثير» و «أهريق» و «أهريد» ، و «مهثير» و «مهريح» و «مهريق» و «مهريد».

وتبدل أيضا من همزة الاستفهام ، فيقولون «هزيد منطلق» ، يريدون «أزيد منطلق». وأنشد الفرّاء :

وأتى صواحبها فقلن : هذا الذي

منح المودّة غيرنا ، وجفانا (1)؟

يريد «إذا الذي».

وأبدلت من الألف في «هنا» ، في الوقف ، فقالوا «هنه» ، قال الراجز :

قد وردت من أمكنه

من هاهنا ومن هنه (2)

وأبدلت من الياء في «هذي» ، فقالوا «هذه» في الوقف. وقد تبدل أيضا منها في الوصل. والدليل على أنّ الياء هي الأصل قولهم في تحقير «ذا» : «ذيّا» وفي تحقير «ذي» : «تيّا». و «ذي» إنما هو تأنيث «ذا» ، فكما لا تجد الهاء في المذكّر أصلا فكذلك المؤنث.

وأبدلت أيضا من الياء في تصغير «هنة» : «هنيهة». والأصل «هنيوة» - لقولهم في الجمع «هنوات» - ثم «هنيّة» لأجل الإدغام ، ثم أبدلوا من الياء الثانية هاء ، فقالوا «هنيهة».

وأبدلت من الواو في «هناه» ، والأصل «هناو» ، فأبدلت الواو هاء. وهو من لفظ «هن». ولا تجعل الهاء التي بعد الألف أصلا ، لأنه لا يحفظ تركيب «هنه». وأيضا فإنه لو كان كذلك لكان من باب «سلس» و «قلق» ، وذلك قليل. وذهب أبو زيد إلى أنّ الهاء إنما لحقت في الوقف ، لخفاء الألف ، كما لحقت في الندبة في «زايداه» ، ثم شبّهت بالهاء الأصليّة ، فحرّكت. فيكون ذلك نظير قوله :

يا مرحباه ، بحمار ناجيه

إذا أتى قرّبته ، للسّانيه (3)


1) البيت من الكامل ، وهو لجميل بثينة في ديوانه ص 196 ، ولسان العرب ، مادة (ذا) ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 153.

2) الرجز ، بلا نسبة في لسان العرب وتاج العروس ، مادة (هنا).

3) الرجز ، بلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 380 ، وخزانة الأدب 2 / 388 ، والخصائص 2 / 358 ، والدرر 6 / 248 ، ورصف المباني ص 400 ، وشرح المفصل والمنصف 3 / 142 ، وتاج العروس ، (سني).

فيكون ذلك من باب إجراء الوصل مجرى الوقف ، المختصّ بالضّرائر. ويكون ، على القول الأول ، قد أبدلت فيه الواو هاء ، وذلك أيضا شاذّ لا يحفظ له نظير.

والوجه عندي أنها زائدة للوقف ؛ لأنّ ذلك قد سمع له نظير في الشعر ، كما ذكرت لك. وأيضا فإنّ ابن كيسان ، رحمه الله ، قد حكى في «المختار» له أنّ العرب تقول «يا هناه» بفتح الهاء الواقعة بعد الألف ، وكسرها وضمّها ، فمن كسرها فلأنها هاء السّكت ، فهي في الأصل ساكنة ، فالتقت مع الألف ، فحرّكت بالكسر ، على أصل التقاء الساكنين. ومن حرّكها بالفتح فإنه أتبع حركتها حركة ما قبلها. ومن ضمّ فإنه أجراها مجرى خرف من الأصل ، فضمّها كما يضمّ آخر المنادى. ولو كانت الهاء بدلا من الواو لم يكن للكسر والفتح وجه ، ولوجب الضمّ كسائر المناديات.

وأبدلت من تاء التأنيث في الاسم ، في حال الإفراد في الوقف ، نحو «طلحة» و «فاطمه». وحكى قطرب عن طيّىء أنهم يفعلون ذلك بالتاء من جمع المؤنث السالم ، فيقولون : «كيف الإخوة والخواه ، وكيف البنون والبناه»؟


باب اللّام

وأمّا اللّام فأبدلت من الضّاد في «اضطجع». قال الراجز :

لمّا رأى أن لا دعه ، ولا شبع

مال إلى أرطاة حقف ، فالطجع (1)

يريد «فاضطجع».

وأبدلوا اللّام من النون ، في «أصيلان» تصغير «أصلان» ، فقالوا «أصيلانا» و «أصيلالا».



1) الرجز ، لمنظور بن حبّة الأسدي في شرح التصريح 2 / 367 ، والمقاصد النحوية 4 / 584 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 340 ، وأوضح المسالك 4 / 584 ، والخصائص 1 / 63 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 321 ، وشرح الأشموني.

باب الألف

وأمّا الألف فأبدلت من أربعة أحرف ، وهي : الهمزة ، والياء ، والواو ، والنون الخفيفة. إلّا أنّ الذي يذكر هنا إبدالها من الهمزة والنون ، لأنّ إبدالها من الياء والواو من باب القلب.

فأبدلت من الهمزة ، باطّراد ، إذا كانت ساكنة وقبلها فتحة. نحو «رأس» و «كأس» ، تقول فيهما إذا خفّفتهما : «كاس» و «راس». إلّا أنه إذا كان الحرف المفتوح الذي تليه الهمزة الساكنة همزة التزم قلب الهمزة الساكنة ألفا ، نحو «آدم» وآمن ، أصلهما «أأدم» و «أأمن» ، إلّا أنه لا ينطق بالأصل ، استثقالا للهمزتين في كلمة واحدة.

وأبدلت ، على غير قياس ، من الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها. وإنما يحفظ حفظا. نحو قوله :

إذا ملا بطنه ألبانها حلبا

باتت تغنيه وضرى ذات أجراس (1)

يريد «ملأ» فأبدل من الهمنزة ألفا. ومن أبيات الكتاب :

راحت بمسلمة البغال عشيّة

فارعي ، فزارة ، لا هناك المرتع (2)

يريد «لا هنأك» فأبدل الهمزة ألفا. ومن أبيات الكتاب أيضا :

سالت هذيل رسول الله فاحشة

ضلّت هذيل بما قالت ، ولم تصب (3)

يريد «سألت» ، فأبدل.

وأبدلت أيضا من الهمزة المفتوحة الساكن ما قبلها ، إذا كان الساكن ممّا يمكن نقل


1) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 2 / 666 ، ولسان العرب ، مادة (وضر).

2) البيت من الكامل ، وهو للفرزدق في ديوانه 1 / 408 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 294 ، وشرح شواهد الشافية ص 335 ، وشرح المفصل 9 / 111 ، والكتاب ، مادة (هنا).

3) البيت من البسيط ، وهو لحسان بن ثابت رضي الله عنه في ملحق ديوانه ص 373 ، وشرح المفصل 9 / 114 ، والكتاب 3 / 468 ، والمقتضب للمبرد 1 / 167.

الحركة إليه ، نحو «المراة» في «المرأة» ، و «الكماة» في «الكمأة». وذلك أنهم نقلوا الفتحة إلى الساكن قبلها ، ولم يحذفوا الهمزة ، بل أبقوها ساكنة ، فجاءت ساكنة بعد فتحة ، فقلبت ألفا.

وأبدلت من النون الخفيفة ، في ثلاثة مواضع :

أحدها : في الوقف على المنصوب المنوّن غير المقصور ، نحو «رأيت زيدا» و «أكرمت عمرا». وقد بيّن في الوقف لم كان ذلك ، وأنهم قصدوا بذلك التّفرقة بين النون الزائدة على الاسم بعد كماله ، والنون التي هي من كمال الاسم.

فإن كان الاسم مقصورا فإنك تقف عليه بالألف نحو «عصا» و «رحى». لكن اختلفوا في الألف.

فمنهم من ذهب إلى أنها بدل من التنوين ، في الرفع والنصب والخفض ، وهو مذهب المازنيّ. وحجّته أنّ الذي منع أن يبدل من التنوين في الرفع والخفض إنما هو الاستثقال ، لأنه إنما ينبغي أن تبدل من التنوين حرفا من جنس الحركة التي قبله ، فلو أبدلت في الرفع لقلت «زيدو» ، وفي الخفض لقلت «زيدي» ، والياء والواو ثقيلتان. وأمّا في النصب فتبدل ، لأنّ الذي قبل التنوين فتحة ، فابذا أبدلت فإنما تبدل الألف وهي خفيفة ، نحو «رأيت زيدا». فلمّا كان ما قبل التنوين في المنقوص فتحة في جميع الأحوال ساوى الرفع والخفض النصب ، فوجب الوقف عنده في الأحوال الثلاثة بالألف.

وهذا الذي ذهب إليه باطل ، إذ لو كان الأمر على ما زعم لم تقع الألف من المقصور قافية ، لأنّ مجيء الألف المبدلة من التنوين قافية لا يجوز.

ومنهم من ذهب إلى أنّ الألف هي الأصل ، والمبدلة من التنوين محذوفة في جميع الأحوال ، وهو الكسائيّ. وحجّته أنّ حذف الألف الزائدة أولى من حذف الأصليّة.

وذلك باطل ، لأنّ الزيادة لمعنى ، فإبقاؤها أولى من إبقاء الأصل. وممّا يدلّ على ذلك أنهم إذا وصلوا قالوا «هذه عصا معوجّة» ، فحذفوا الألف الأصليّة ، وأبقوا التنوين. فكذلك يجب في الوقف أن يكون المحذوف الألف الأصليّة ، ويكون الثابت ما هو عوض من التنوين.

ومنهم من ذهب إلى أنّ الألف في حال الرفع والخفض هي الألف الأصليّة ، والتنوين محذوف ، وفي النصب هي الألف المبدلة من التنوين ، والألف الأصليّة محذوفة ،

قياسا للمعتلّ على الصحيح. وهو مذهب سيبويه ، وهو الصحيح. ومما يؤيّد ذلك كون المنقوص يمال في حال الرفع والخفض ، ولا يمال في حال النصب ، ومجيء الألف قافية في الرفع والخفض ، ولا تكون قافية في حال النصب إلّا قليلا جدّا ، على لغة من قال «رأيت زيد». قال العجاج :

خالط ، من سلمى ، خياشيم وفا (1)

والثاني : الوقف على النون الخفيفة ، اللّاحقة للأفعال المضارعة للتأكيد ، نحو «هل تضربن». فإنك إذا وقفت عليه قلت «هل تضربا». والسبب في ذلك أيضا ما ذكرناه في التنوين ، من قصد التفرقة بين النون التي هي من نفس الكلمة ، والنون التي تلحق الكلمة بعد كمالها. نحو قوله :

فإيّاك والميتات ، لا تقربنّها

ولا تعبد الشّيطان ، والله فاعبدا (2)

يريد «فاعبدن».

والثالث : الوقف على نون «إذن». تقول «أزورك إذا» تريد : إذن. وإنما جاز ذلك في «إذن» ، وإن كانت النون من نفس الكلمة ، لمضارعتها نون الصّرف ونون التأكيد في السكون ، وانفتاح ما قبلها ، وكونها قد جاءت بعد حرفين ، وهما أقلّ ما يكون عليه الاسم المتمكّن نحو «يد» و «دم». وليست كذلك في «أن» و «لن» و «عن» ، لمجيئها بعد حرف واحد ، فلم تشبه لذلك التنوين.

فهذه جملة النونات التي أبدلت منها الألف.



1) الرجز ، للعجاج في ديوانه 2 / 225 ، وخزانة الأدب 3 / 442 ، والدرر 1 / 113 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 204 ، والمقتضب 1 / 240.

2) البيت من الطويل ، وهو للأعشى في ديوانه ص 187 ، والأزهية ص 275 ، وتذكرة النحاة ص 72 ، والدرر 5 / 149 وسر صناعة الإعراب 2 / 678 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 244.

[ما لم يذكره سيبويه من حروف الإبدال]

وزاد بعض النّحويّين في حروف البدل : السين ، والصاد ، والزاي ، والعين ، والكاف ، والفاء ، والشين.

فأمّا السين فأبدلت من الشين في «الشّده» و «مشدوه» ، فقال «السّده» و «مسدوه». فأمّا قول نصيب :

فلو كنت وردا لونه لعسقتني

ولكنّ ربّي سانني بسواديا (1)

فلم يبدل السين من الشين في «عشقتني» ولا في «شانني» ، بل كان له لثغ في الشين ، فكان يتعذّر عليه النّطق بها ، حتّى يجعلها سينا.

وأمّا الصاد فتبدل من السين إذا كان بعدها قاف ، أو خاء ، أو طاء ، أو غين. فتقول في «سقر» و «سراط» و «سخر» و «أسبغ» : «صقر» و «صراط» و «صخر» و «أصبغ». والسبب في ذلك أنّ القاف والطاء والخاء والغين حروف استعلاء ، والسين حرف منسفل ، فكرهوا الخروج من تسفّل إلى تصعّد ، فأبدلوا من السين صادا ، ليتجانس الحرفان.

وأمّا الشين فأبدلت من كاف المؤنث في نحو «ضربتك» ، فقالوا «ضربتش». ومنه قوله :

فعيناش عيناها جيدش جيدها

خلا أنّ عظم السّاق منش دقيق (2)

وأبدلت من الجيم في «مدمج» فقالوا «مدمش». وذلك في الشعر ضرورة ، قال :

إذ ذاك ، إذ حبل الوصال مدمش (3)


1) البيت من الطويل ، وهو لسحيم عبد بني الحسحاس في ديوانه ص 26 ، ولسان العرب ، وتاج العروس ، مادة (عسق).

2) البيت من الطويل ، وهو للمجنون في ديوانه ص 163 ، وخزانة الأدب 11 / 464 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 206 ، ولسان العرب مادة (روع).

3) الرجز ، بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1 / 205 ، وشرح الأشموني 3 / 878 ، ولسان العرب ، مادة (دمج).

يريد : مدمج.

وقالوا «جعشوش» و «جعسوس» أي : صغير ذليل. والأصل السين ، بدليل قولهم في الجمع «جعاسيس». فلا يأتون بالشين.

وأمّا الزاي فأبدلت من الصاد ، إذا كان بعدها قاف أو دال. فقالوا في «مصدق» و «مصدوقة» : «مزدق» و «مزدوقة». وإنما تفعل ذلك كلب. قال :

يزيد ، زاد الله في خيراته ،

حامي نزار ، عند مزدوقاته (1)

وقال الآخر :

ودع ذا الهوى قبل القلى ، ترك ذي الهوى

متين القوى ، خير من الصّرم (2)،

مزدرا

وأمّا العين فأبدلت من همزة «أنّ» فقالوا «عن». قال الشاعر :

أعن توسّمت من خرقاء منزلة

ماء الصّبابة من عينيك مسجوم (3)؟

يريد «أأن توسّعت». وقال آخر :

أعن تغنّت على ساق مطوّفة

ورقاء ، تدعو هديلا فوق (4)

أعواد؟

يريد «أأن تغنّت»

وقد أبدلت من همزة «أنّ» ، فقالوا «يعجبني عنّ عبد الله قائم» يريدون «أنّ عبد الله قائم». وأبدلت من الهمزة في «مؤتلي» ، فقالوا «معتلي». قال الشاعر :

فنحن منعنا يوم حرس ، نساءكم

غداة دعانا عامر ، غير معتلي (5)

يريد «غير مؤتلي».


1) الرجز ، بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1 / 196 ، ولسان العرب ، مادة (صدق) ، والمقرب 2 / 181.

2) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1 / 312 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 196 ، وهو بلا نسبة في شرح المفصل 10 / 52 ، ولسان العرب ، مادة (صدر).

3) البيت من البسيط ، وهو لذي الرمة في ديوانه 1 / 369 ، والجنى الداني ص 250 ، وخزانة الأدب 2 / 341 ، والخصائص 2 / 11 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 722.

4) البيت من البسيط ، وهو لإبراهيم بن هرمة في ديوانه ص 105 ، وخزانة الأدب 6 / 390 ، والخصائص 2 / 6 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 230 ، ومجالس ثعلب ص 101.

5) البيت من الطويل ، وهو لطفيل الغنوي في ديوانه ص 66 ، وأمالي القالي 2 / 79 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 235 ، والمقرب 2 / 183.

وأبدلت الفاء من الثاء في «ثمّ» و «جدث». فقالوا «قام زيد فمّ عمرو» ، والأصل الثاء ، لأنّ «ثمّ» أكثر استعمالا من «فمّ». وقالوا «جدف» في «جدث» ، والأصل الثاء ، لقولهم في الجمع «أجداث» ولم يقولوا «أجداف».

وأبدلت الكاف من تاء ضمير المخاطب في «فعلت» فقالوا : «فعلك». وأنشد سحيم قصيدة ، فقال «أحسنك والله» ، يريد «أحسنت والله». وأنشد أبو الحسن لبعضهم :

يا بن الزّبير ، طالما عصيكا

وطالما عنّيتنا ، إليكا

لنضربن ، بسيفنا ، قفيكا (1)

والسبب في أن لم يذكر سيبويه ، رحمه الله ، هذه الحروف السبعة في حروف البدل أنها تنقسم قسمين :

قسم : الإبدال فيه مراد به تقريب الحرف من غيره ، فبابه أن يذكر في البدل الذي يكون بسبب الإدغام ، لأنه يشبهه. وهو إبدال الصاد من السين ، إذا كان بعدها طاء أو خاء أو غين أو قاف ، وقد تقدّم تبيين ذلك.

وقسم : الإبدال فيه قليل جدّا ، أو في لغة بعض العرب ، فلم يعتبره. وهو ما بقي من سبعة الأحرف. فأمّا الكاف والسين والشين والفاء فإبدالها قليل جدّا. وأمّا العين فإبدالها من الهمزة قليل ، ولا يفعل ذلك إلّا بنو تميم وكذلك إبدال الزاي من الصاد إنما تفعله كلب.


تمّ - بعون الله - الجزء الأول من الممتع

ويليه الجزء الثاني ، وأوله : القلب والحذف والنقل


1) الرجز ، لرجل من حمير ، في خزانة الأدب 4 / 428 ، وشرح شواهد الشافية ص 425 ، ولسان العرب ، مادة (تا) ، والمقاصد النحوية 4 / 591 ، ونوادر أبي زيد ص 105.

باب القلب والحذف والنقل

اشارة

وإنما أفردت لذلك بابا واحدا ، لأنّ جميع ذلك إنما يتصوّر باطّراد في حروف العلّة. فإن جاء شيء من الحذف أو القلب ، في غير حروف العلّة ، أو في حروف العلّة في خلاف ما يتضمنّه هذا الباب ، فيحفظ ولا يقاس عليه. وسيذكر من ذلك شيء ، عند الفراغ من هذا الباب.

فحروف العلّة هي الواو والياء والألف. وهذه الحروف تكون أصولا وزوائد ، فليقدّم الآن الكلام على الأصول.

وقد بيّن ، فيما تقدّم ، أنّ الألف لا تكون أصلا بنفسها ، بل تكون منقلبة عن ياء أو واو. فعلى هذا لا يخلو أن تقع الياء والواو فاترين أو عينين ، أو لامين.

[المعتل الفاء]

فإن وقعت الواو فاء فلا يخلو من أن تقع فاء في فعل على وزن «فعل» ، أو «فعل» ، أو «فعل» ، أو لا تقع.

فإن وقعت فاء في فعل على وزن «فعل» فإنها تحذف في المضارع. فتقول في مضارع «وعد» : «يعد» ، وفي مضارع «وزن» : «يزن». وإنّما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، وهما ثقيلتان. فلمّا انضاف ذلك إلى ثقل الواو وجب الحذف. وحذفوا مع الهمزة والنون والتاء ، فقالوا «تعد» و «أعد» و «نعد» ، حملا على الياء ، كما أنهم قالوا «أكرم» وأصله «أؤكرم» فحذفوا الهمزة الثانية استثقالا لاجتماع الهمزتين ، ثم حملوا «يكرم» و «تكرم» و «نكرم» على «أكرم».

فإن قيل : فلأيّ شيء حذفت الواو في «يضع» مضارع «وضع» ولم تقع بين ياء وكسرة؟.

فالجواب : أنها في الأصل وقعت بين ياء وكسرة ، لأنّ الأصل «يوضع». لكن فتحت

العين لأجل حرف الحلق ، ولو لا ذلك لم يجىء مضارع «فعل» على «يفعل» بفتح العين. فلمّا كان الفتح عارضا لم يعتدّ به ، وحذفت الواو رعيا للأصل.

فإن قيل : لو كان وقوع الواو بين ياء وكسرة يوجب حذف الواو لوجب حذفها في «يوعد» مضارع «أوعد»؟.

فالجواب : أنّ الأصل في «يوعد» : «يؤوعد». فالواو إنما وقعت في التقدير بين همزة وكسرة ، فثبتت لذلك ، ولم يلتفت إلى ما اللفظ الآن عليه ، كما لم يلتفت إلى اللفظ في «يضع».

فإن قيل : فلأيّ شيء التزموا في مضارع «فعل» الذي فاؤه واو «يفعل» بكسر العين ، وقد كان نظيره من الصحيح يجوز فيه «يفعل» و «يفعل» ، بضمّ العين وكسرها؟.

فالجواب : أنهم التزموا «يفعل» لأنه يؤدّي إلى حذف الواو ، فيخفّ اللفظ.

فإن قيل : لو ضمّوا العين في «يفعل» ، فقالوا «يوعد» ، لوجب حذف الواو لوقوعها بين ياء وضمّة ، وهما ثقيلان ؛ ألا ترى أنهم لمّا شذّوا من ذلك في حرف واحد ، فجاؤوا به على «يفعل» ، حذفوا الواو ، فقالوا «وجد يجد» ، قال الشاعر :

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة

تدع الصّوادي لا يجدن غليلا (1)

فالجواب : أنّ وقوع الواو بين ياء وضمّة لا يوجب الحذف ، بدليل قولهم في مضارع «وطوؤ» و «وضوؤ» : «يوطؤ» و «يوضؤ» ، فلا يحذفون. فأما حذفهم في «يجد» فلأنّ «يجد» شاذّ ، فالضمّ فيه عارض ، فحذفت فيه الواو ، كما حذفت في «يضع».

فإن قال قائل : فلعلّ الواو في «يجد» حذفت للثقل ، ولم تحذف في «يوضؤ» و «يوطؤ» مضارع «وطؤ» و «وضؤ» لأنهم التزموا في مضارع «فعل» طريقة واحدة ، ألا ترى أنه إنما يجيء على «يفعل» بضمّ العين خاصّة ، فكرهوا الحذف لئلّا يتغيّر المضارع عن أصله ، كما التزم الضمّ في غير المضارع لذلك؟.

فالجواب : أنّ الحذف ليس بمغيّر لمضارع «فعل» عن أصله ، ألا ترى أنك إذا خففّت «يوضؤ» ، ثم أدخلت الجازم ، حذفت الواو للجزم في أحد الوجهين على حدّ قوله :


1) البيت من البحر الكامل ، وهو لجرير في المقاصد النحوية للعيني 4 / 591 ، وللبيد بن ربيعة في شرح شافية ابن الحاجب للأستراباذي 1 / 32 ، وللبيد أو جرير في لسان العرب لابن منظور ، مادة (وجد).

جريء متى يظلم يعاقب بظلمه

سريعا وإلّا يبد بالظّلم يظلم (1)

فخفّف همزة «يبدأ» ، ثم جراها مجرى حروف العلّة ، فحذفها للجازم. فكما أنّ هذا القدر غير متعدّ به فكذلك حذف الواو في مثل «يوضؤ» و «يوطؤ» لا يكون تغييرا.

فدلّ ذلك على أنّ الواو لا تستثقل بين الياء والضمّة ، وأنها إنما حذفت في «يجد» لما ذكرناه.

وإنما لم يكن نقل الواو بين الياء والضمّة كثقلها بين الياء والكسرة ، لأن الكسرة والياء منافرتان للواو - ولذلك إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وصيّر اللفظ بهما واحدا - فإذا وقعت الواو بينهما كانت واقعة بين شيئين ينافرانها ، وإذا وقعت بين ياء وضمّة كانت واقعة بين مجانس ومنافر. فلذلك كان وقوعها بين ياء وضمّة أخفّ من وقوعها بين ياء وكسرة.

فإذا رددت الفعل إلى ما لم يسمّ فاعله لم تحذف الواو ، فقلت «يوعد».

فإن قيل : ولم لم تحذف الواو ، وأنتم تزعمون أنّ الفعل المبنيّ للمفعول مغيّر من فعل الفاعل ، ولذلك لم تدغم العرب الواو في الياء في «بويع» و «سوير» وأمثالهما ، لأنّ الأصل «بايع» و «ساير» ، فكذلك كان ينبغي أن يقال «يعد» و «يزن» ، لأنّ الأصل «يعد» و «يزن»؟.

فالجواب : أنّ كلّ فعل مضارع ثلاثيّ مبنيّ للمفعول يأتي أبدا على وزن «يفعل» ، بضمّ حرف المضارعة وفتح العين ، ولا ينكسر ذلك في شيء منه ، فأشبه مضارع «فعل» في أنه يلزم فيه طريقة واحدة ؛ ألا ترى أنّ مضارع «فعل» إنما يأتي أبدا على «يفعل» ، بفتح حرف المضارعة وضمّ العين. فحمل عليه لذلك. وأيضا فإن العرب قد تعدّ بالعارض ، ولا تلفت إلى الأصل ، فيكون قول العرب «يوعد» من قبيل الاعتداد بالعارض ، فلذلك لم يحمل على فعل الفاعل. ويكون «سوير» من قبيل ترك الاعتداد بالعارض ، فلذلك حمل على «ساير». فلم تحذف الواو منه كما لم تحذف من مضارع «فعل».

ويأتي مصدر «فعل» الذي فاؤه واو أبدا على وزن «فعلة» ، أو «فعل» في الغالب ، نحو «وعد» و «وعدة» و «وزن» و «وزنة». وقد يأتي على خلاف هذين البناءين ، مما يرد يرد عليه الصحيح ، نحو «ورد الماء ورودا».


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 24 ، وخزانة الأدب للبغدادي 3 / 17 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 739 ، وشرح شواهد الشافية ص 10.

فأما «فعل» فلم تحذف الواو منه لخفّة الفتحة. وأما «فعلة» فحذفت الواو منه لثقل الكسرة في الواو ، مع أنه مصدر لفعل قد حذفت منه الواو ، فقالوا في «وعدة» : «عدة» فألقوا كسرة الواو على ما بعدها ، وحذفوها.

فإن قيل : وهلّا حذفوا الواو بكسرتها؟.

فالجواب : أنهم لو فعلوا ذلك لاحتاجوا إلى تكلّف وصل ، لأنّ ما بعد الواو ساكن. ولزمت التاء لأنها جعلت كالعوض من الواو.

فإن ولأيّ شيء التزم في المصدر هذان البناءان ، وقد كان الصحيح يجيء على ذلك من الأبنية؟.

فالجواب : أنهم التزموهما لخفّتهما ، ألا ترى أنّ «فعلا» على ثلاثة أحرف ، وهو أخفّ أبنية الأسماء الثلاثيّة ، وأكثرها وجودا. وأما «فعلة» ؛ فلأنه يؤدّي إلى حذف الواو ، وهو حرف مستثقل ، كما أنهم التزموا في المضارع «يفعل» بكسر العين ، لأنه يؤدّي إلى التخفيف. ولو جاء على غير ذلك ، من الأوزان التي يجيء عليها مصدر الفعل الثلاثيّ الصحيح ، لم يكن في خفة ذلك.

وإن وقعت الواو فاء في فعل على وزن «فعل» بكسر العين فإنّ مضارعه يجيء على قياسه من الصحيح ، وهو «يفعل» ، ولا تحذف الواو لأنها لم تقع بين ياء وكسرة ، نحو «وجل يوجل».

فإن قيل : فلأيّ شيء لم يجيئوا بمضارعه على «يفعل» بكسر العين ، فيكون ذلك سببا للتخفيف بحذف الواو؟.

فالجواب : أنهم لو فعلوا ذلك لخرجوا عن قياس مضارع «فعل» ؛ ألا ترى أنه لا يجيء على «يفعل» إلّا شاذّا ، نحو «حسب يحسب». وليس كذلك «فعل» ، لأنّ «يفعل» مقيس فيه.

ومن العرب من يقلب هذه الواو طلبا للتخفيف ، فيقول «ياجل» و «ياحل» (1). وأيضا فإنه أراد أن يغيّر الواو في مضارع «فعل» ، كما غيّرها في مضارع «فعل» ، فأبدل منها أخفّ حروف العلّة ، وهو الألف.


1) ياحل : مضارع وحل. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حلل).

ومنهم من يبدل الواو ياء ، فيقول : «ييجل» ، و «ييحل». وذلك أنه قد اجتمع له واو وياء ، وإحداهما ساكنة ، فأشبه «يوجل» وبابه لذلك «طيّا» مصدر «طويت». فكما قلب الواو ياء في «طيّ» ، وأصله «طوي» ، فكذلك فعل في «يوجل». ثم حمل «تفعل» و «نفعل» و «أفعل» على «يفعل».

ومنهم من أراد أن يجعل قلب الواو لموجب على كلّ حال ، فاستعمل لغة من يكسر حرف المضارعة من «فعل» فيقول «تعلم» ، فقال «تيجل» و «نيجل» «وإيجل» ، و «ييجل» ، فكسر حرف المضارعة إذا كان ياء استثقالا للفتحة في الياء ، فجاءت الواو بعد كسرة فقلبت ياء.

فإن قيل : فإنهم لا يقولون «يعلم» ، فيكسروا حرف المضارعة ، إذا كان ياء ، استثقالا للكسرة في الياء؟.

فالجواب : أنهم احتملوا هذا القدر من الثقل ، لأنه يؤدّي إلى التخفيف بقلب الواو ياء.

إلّا أن يكون مضاعفا فإنه لا تغيّر الواو فيه ، نحو «وددت أودّ» ، ولا تقول «آدّ» ولا «أيدّ» ولا «إيد» لقوّة الواو بالحركة.

وقد شذّت ألفاظ ، فجاء المضارع منها على «يفعل» ، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. وهي «ورث يرث» و «وري الزّند يري» و «وفق يفق» و «وغم يغم» (1)و «ومق يمق» و «وثق يثق» و «وحر صدره يحر» و «وغر يغر» (2)و «وعم يعم» و «وسع يسع» و «وطىء يطأ».

فإن قيل : وما الدليل على أنّ «يسع» و «يطأ» : «يفعل» بكسر العين ، وهلا وقف فيهما مع الظاهر وهو «يفعل» لأن العين مفتوحة ، وأيضا فإن مضارع «فعل» : «يفعل» ، فما الذي دعا إلى جعل «يسع» و «يطأ» شاذّين؟.

فالجواب : أنّ الذي حمل على ذلك إنما هو حذف الواو ، إذ لو كانا «يفعل» لكانا «يوطأ» و «يوسع». فدلّ حذف الواو على أنهما في الأصل «يوطىء» و «يوسع» ، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، ثم فتحت العين لأجل حرف الحلق ، ولم يعتدّ بالفتح ؛ لأنه عارض.


1) الغم : الكرب. انظر اللسان ، مادة (غمم).

2) وغر صدره : امتلأ غيظا ، والوغر : العداوة. انظر اللسان ، مادة (وغر).

وإنما كان الشاذّ من «فعل يفعل» فيما فاؤه واو أكثر من الشاذّ منه في الصحيح ، لأنّه شذوذ يؤدّي إلى تخفيف اللفظ بالحذف.

وزعم الفرّاء أنّ موجب الحذف إنما هو التّعدّي نحو «يعد» و «يزن» ، وموجب الإثبات إنما هو عدم التعدّي نحو «يوجل» و «يوحل».

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنه خارج عن القياس ، ألا ترى أنّ الحذف إنما القياس فيه أن يكون لأجل الثقل. وأيضا فإنهم قالوا : «وأل» زيد مما كان يحذره يئل و «وبل المطر يبل» و «قدت النّار تقد» و «وحر صدره يحر» و «وغر يغر». فحذفوا الواو في جميع ذلك ، وإن كان غير متعدّ ، لمّا وقعت بين ياء وكسرة.

وإن وقعت الواو فاء في فعل على وزن «فعل» فإن مضارعه لا تحذف منه الواو. نحو «يوضؤ» و «يوطؤ» ، لما ذكرنا من أنّ الواو بين الياء ، والضّمّة أخفّ منها بين الياء والكسرة.

وما عدا ذلك ، مما تقع الواو فيه فاء ، من اسم أو فعل على ثلاثة أحرف أو أزيد ، فإنها لا تقلب ولا تحذف ، إلّا أن تقع :

ساكنة بعد كسرة ، فإنها تقلب ياء ، نحو «ميزان» و «ميعاد». الأصل فيهما «موزان» و «موعاد» ، لأنهما من الوزن والوعد ، فقلبت الواو ياء لسكونها ، وانكسار ما قبلها.

أو ساكنة بعد فتحة في مضارع «افتعل» ، فإنها تقلب ألفا نحو «يا تعد». أصله «يوتعد» ، لأنه من الوعد ، فقلبت الواو ألفا ؛ لأنها تقلب ياء بعد الكسرة في «ايتعد» ، وتثبت بعد الضّمة في «موتعد». فلمّا كانت بعد الكسرة والضمّة على حسبهما كانت بعد الفتحة على حسبها ، فقلبت ألفا بالحمل.

وأما الياء إذا وقعت فاء فلا تقلب ، إلّا أن تقع ساكنة بعد ضمّة فإنها تقلب واوا ، نحو «موقن» ، أصله «ميقن» ، لأنه من اليقين ، فقلبت واوا لسكونها وانضمام ما قبلها أو تقع ساكنة بعد فتحة في مضارع «افتعل» نحو «ياتئس» من اليأس «ييتئس» ، فقلبت الياء ألفا ، للعلّة التي قلبت الواو في «ياتعد» ألفا. أعني : الحمل على «ايتأس» و «موتئس».

ولا تحذف أصلا إلّا في لفظتين شذّتا وهما «يبس» و «يئس» في مضارع «يبس» و «يئس». وأصلهما «ييبس» و «ييئس» ، فحذفت الياء لوقوعها بين ياء وكسرة ، كما حذفت الواو من «يعد» ، تشبيها بها في أنهما حرفا علّة ، وقد وقعا بين ياء وكسرة وإنما لم تحذف الياء باطّراد ، إذا وقعت بين ياء وكسرة ؛ لأنها أخفّ من الواو.

وكذلك جاء المصدر على قياسه من الصحيح ، فجاء على «فعل» نحو «ينع» ، وعلى «فعال» نحو «يعار» ، وعلى «فعول» نحو «ينوع».

[المعتل العين]

فإن وقعت الواو والياء عينين فلا يخلو من أن يكونا عينين ، في كلمة على ثلاثة أحرف ، أو على أزيد. فإن كانت الكلمة على ثلاثة أحرف فلا يخلو أن تكون اسما أو فعلا. فإن كانت الكلمة فعلا فإن الفعل لا يخلو من أن يكون مبنيّا للفاعل ، أو مبنيّا للمفعول.

فإن كان مبنيّا للفاعل فإن الفعل من ذوات الواو يكون على «فعل» و «فعل» و «فعل» ، بضمّ العين وفتحها وكسرها. ف- «فعل» : «قام» ، و «فعل» : «طال» ، و «فعل» : خاف. ومن ذوات الياء على «فعل» و «فعل» ، بفتح العين وكسرها. ولا يجوز الضمّ استثقالا له في الياء. ف- «فعل» «باع» ، و «فعل» : «كاد».

فإن قيل : فلأيّ شيء اعتلّت هذه الأفعال ، وهلّا بقيت على أصولها ، فكنت تقول «قوم» و «طول» و «خوف» و «بيع» و «كيد»؟.

فالجواب : أن «فعل» و «فعل» قلبت فيهما الواو والياء استثقالا للضّمّة في الواو ، والكسرة في الواو والياء ، فقلبت الواو والياء إلى أخفّ حروف العلّة وهو الألف ، ولتكون العينات من جنس حركة الفاء وتابعة لها. وأما «فعل» فقلبت الواو والياء فيها ألفا لاستثقال حرف العلّة ، مع استثقال اجتماع المثلين ، أعني : فتحة الفاء وفتحة العين. فقالوا في «قوم» و «بيع» : «قام» و «باع» فقلبوا الواو والياء ألفا لخفّة الألف ، ولتكون العين حرفا من جنس حركة الفاء.

هذا حكم هذه الأفعال ، إذا أسندت إلى ضمير غيبة ، نحو «زيد قام» و «عمرو باع» ، أو إلى ظاهر نحو «قام زيد» و «باع عمرو الطعام». إلّا فعلين شذّت العرب فيهما ، وهما «كاد» و «زال» ، فأعلّوهما بنقل حركة الكسرة من العين إلى الفاء ، فقالوا «كيد» و «ما زيل».

قال :

وكيد ضباع القفّ يأكلن جثّتي

وكيد خراش يوم ذلك ييتم (1)


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لأبي خراش الهذلي في حماسة البحتري ص 49 ، وشرح شواهد الإيضاح لأبي علي الفارسي ص 628 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (كيد).

فأجروهما على ما يجريان عليه ، إذا أسند الفعل إلى ضمير المتكلّم أو المخاطب. وسنبيّن حكم هذه الأفعال ، إذا أسندت إلى ضمير المتكلّم أو المخاطب.

فإن أسند الفعل إلى ضمير متكلّم أو مخاطب فإنه لا يخلو أن يكون على «فعل» أو «فعل» و «فعل» ، فإن كان على «فعل» أو «فعل» بضمّ العين وكسرها ، فإنك تنقل حركة العين إلى الفاء قبلها ، وتحذف العين لالتقاء الساكنين ، أعني : حرف العلّة مع ما بعده. فتقول «خفت» و «كدت» و «طلت» ، فتكسر الفاء من «فعل» ، وتضمّ الفاء من «فعل».

فإن قيل : فلأي شيء ، لمّا حذفوا العين ، نقلوا حركتها إلى الفاء؟.

فالجواب : أنهم لمّا اضطرّوا إلى الحذف كان الأسهل عندهم ألّا يحذفوا الحرف بحركته ، وأن يبقوا الحركة التي كانت في العين ، فنقلوها إلى الفاء لذلك ، وأيضا فإنهم أرادوا أن يفرّقوا بين حذف عين الفعل المتصرف ، وغير المتصرّف. فلما كانوا لا ينقلون في غير المتصرّف ، فيقولون «لست» في «ليس» ، نقلوا في المتصرّف.

فإن قيل : ليست عين «ليس» متحرّكة ، فلم يكن فيها ما ينقل؟.

فالجواب : أنّ أصلها «ليس» نحو «صيد» ثم خفّفت ، والتزم فيها التخفيف لثقل الكسرة في الياء.

فإن قيل : وما الدليل على ذلك؟.

فالجواب : أنه قد ثبتت أنها فعل ، والأفعال الثلاثيّة لا تخلو من أن تكون على وزن «فعل» أو «فعل» أو «فعل» ، فلا بدّ لها من أن تكون على وزن من هذه الأوزان ، وباطل أن تكون مفتوحة العين في الأصل ، لأنّ الفتحة لا تخفّف. وباطل أن تكون مضمومة العين ، لأنّ «فعل» ممّا عينه ياء لم يوجد ، فلم يبق إلّا أن تكون في الأصل مكسورة العين.

فإن كان الفعل على «فعل» فإنه لا يخلو أن يكون من ذوات الياء أو من ذوات الواو. فإن كان من ذوات الواو حوّلته إلى «فعل» ، بضمّ العين ، ثم نقلت حركة العين إلى الفاء. فتقول «قلت» و «قلت». وإن كان من ذوات الياء حوّلته إلى «فعل» ، بكسر العين ، ثم نقلت حركة العين ، إلى الفاء. فتقول «بعت» و «بعت».

فإن قيل : ولأيّ شيء حوّلت «فعل» إلى «فعل» في ذوات الواو ، وإلى «فعل» في ذوات الياء؟.

فالجواب : أنه لو نقلنا الفتحة من العين إلى التاء ، ولم نحوّلها كسرة ولا ضمّة ، لم

يدر : هل الفتحة التي في الفاء هي الفتحة الأصليّة التي كانت قبل النقل أو فتحة العين ، بخلاف «فعل» و «فعل» ، لأنه إذا انضمّت الفاء أو انكسرت ، بعد أن كانت مفتوحة ، علم أنّ الحركة التي في الفعل حركة العين نقلت. فلذلك حوّلت الفتحة إلى غيرها ليعلم أنّ الحركة التي في الفاء هي حركة العين وحوّلت حركة العين في ذوات الواو إلى الضمة وفي ذوات الياء إلى الكسرة ليحصل بذلك الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء ، لأن الضّمة تدلّ على الواو لأنها منها ، والكسرة تدلّ على الياء لأنها أيضا منها.

فإن قيل : فما الدليل على أنّ «قال» : «فعل» في الأصل ، ثم نقل إلى «فعل» وهلّا ادّعي أنه «فعل» في الأصل؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على أنه ليس ب- «فعل» في الأصل : تعدّيه نحو «قلته» ، و «فعل» لا يتعدّى ، ومجيء اسم الفاعل منه على «فاعل» نحو «قائل» ، واسم الفاعل من «فعل» إنما هو «فعيل» نحو «ظريف» ، ولا يجيء على «فاعل» إلّا شاذّا نحو «حمض فهو حامض». فأما «قام» وأمثاله ، ممّا هو غير متعدّ ، فالذي يدلّ على أنه «فعل» بفتح العين مجيء اسم الفاعل منه على «فاعل» نحو «قائم».

فإن قيل : وما الدّليل على أنّ «باع» : «فعل» في الأصل ، وهلّا ادّعيتم أنه «فعل» بكسر العين في الأصل ، ولم تدّعوا أنّ هذه الكسرة في «بعت» أبدلت من الفتحة؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على ذلك أنّ المضارع «يفعل» نحو «يبيع» ، و «يفعل» لا يكون مضارع «فعل» إلّا شاذّا.

وأمّا «خاف» و «كاد» فالذي يدلّ على أنهما «فعل» مجيء مضارعهما على «يفعل» بفتح العين ، نحو «يكاد» و «يخاف».

وأمّا «طال» فالذي يدلّ على أنه «فعل» في الأصل مجيء اسم الفاعل منه على «فعيل» ، فتقول «طويل».

فأمّا مضارع «فعل» المضمومة العين فعلى «يفعل» بضمّ العين ، على قياس نظيرها من الصحيح. لم يشذّ من ذلك شيء.

وأمّا «فعل» المكسورة العين فيجيء مضارعها أبدا على «يفعل» بفتح العين ، نحو «كدت تكاد» و «زلت تزال». ولم يشذّ من ذلك شيء إلّا لفظتان ، وهما «متّ تموت» و «دمت تدوم» فجاء مضارعهما على «يفعل» بضمّ العين. على أنه يمكن أن يكون هذا من تداخل اللّغات. وذلك أنهم قد قالوا «متّ» و «دمت» ك- «عدت» ، فيكون «تدوم» و «تموت»

مضارعين ل- «دمت» و «متّ». ومن قال «متّ» بالكسر و «دمت» لم يستعمل لهما مضارعا ، بل اجتزأ بمضارع «متّ» و «دمت» عنه.

وأمّا «فعل» من ذوات الياء فمضارعها أبدا على «يفعل» بكسر العين ، نحو «باع يبيع». ولم يشذّ من ذلك شيء.

وأمّا «فعل» من ذوات الواو فمضارعها أبدا على «يفعل» بضمّ العين ، نحو «قال يقول». ولم يشذّ من ذلك شيء إلّا لفظتان ، وهما «طاح يطيح» و «تاه يتيه» ، في لغة من قال «ما أطوحه» وما «أتوهه». ولا يمكن أن يكونا - على هذا - «فعل» بكسر العين ، لأنّ «فعل يفعل» شاذّ من الصحيح والمعتلّ ، و «فعل يفعل» وإن كان شاذّا فيما عينه واو فليس بشاذّ في الصحيح. فحملهما على ما يكون مقيسا في حال أولى.

فأمّا من قال «ما أتيهه» فقوله «يتيه» على القياس. والدليل أيضا على أنّ «تاه» قد يكون من ذوات الياء قولهم «وقع في التّوه والتّيه». فقولهم «في التّيه» دليل على أنه من ذوات الياء بقاء مع الظاهر. وكذلك أيضا «تيّه» يدلّ على أنّ «تاه» من ذوات الياء.

فإن قيل : فلعل «تيّه» : «فيعل» ، وهي من ذوات الواو ، والأصل «تيوه» فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء؟.

فالجواب : أنّ «فعّل» أكثر من «فيعل» ، فيجب أن يحمل «تيّه» على «فعّل» لذلك.

وأيضا فإنّ «تيّه» للتكثير ، فينبغي أن يكون على «فعّل» ، لأنّ «فعّل» من الأبنية التي وضعتها العرب للتكثير ، نحو «قطّع» و «كسّر». وأيضا فإنهم يقولون فيه إذا ردّوه لما لم يسمّ فاعله «تيّه». ولو كان «فيعل» لقالوا «تويه» إن كان من ذوات الياء ، و «تووه» إن كان من ذوات الواو ك- «بوطر». ولم يجز الإدغام كما لم يدغم مثل «سوير» ، لأنّ الواو مدّة. وسيبيّن ذلك في بابه ، إن شاء الله تعالى.

فإن قيل : فلأيّ شيء قالوا في مضارع «فعل» من ذوات الواو : «يفعل» ، ومن ذوات الياء : «يفعل» ، وقد كان «فعل» من الصحيح يجوز في مضارعه «يفعل» و «يفعل» ، نحو «يضرب» و «يقتل»؟.

فالجواب : عن ذلك شيئان :

أحدهما : أنه لمّا حوّل «فعل» من ذوات الواو إلى «فعل» جاء مضارعه كمضارع «فعل» ، فالتزموا فيه «يفعل» بضمّ العين. وأمّا «فعل» من ذوات الياء فلمّا حوّل إلى «فعل» أشبه «فعل» من ذوات الواو ، في أنّ بناءهما في الأصل «فعل» مفتوح العين ، وأنّ كلّ

واحد منهما حوّلت حركة عينه الأصلية إلى حركة من جنس العين. فكما التزموا في مضارع «فعل» من ذوات الواو أن تكون حركة العين من جنسها ، كذلك التزموا في مضارع «فعل» من ذوات الياء أن تكون حركة العين من جنسها.

فإن قيل : فهلّا لمّا حوّلوا «فعل» من ذوات الياء إلى «فعل» جعلوا مضارعه «يفعل» بفتح العين ، كمضارع «فعل» ، ثم حملوا «فعل» من ذوات الواو على «فعل» من ذوات الياء؟.

فالجواب : أنّ «فعل» المكسور العين قد شذّوا في مضارعه ، فجاء على «يفعل» نحو «حسب يحسب» و «نعم ينعم» ، وعلى «يفعل» بضمّ العين نحو «فضل يفضل». فإذا فعلوا ذلك فيما عينه مكسورة في الأصل بالأحرى أن يجيء ذلك فيما عينه في الأصل مفتوحة. وأمّا «فعل» فلم يشذّوا في شيء من مضارعه ، فلذلك لمّا حوّلت «فعل» إليها التزموا في المضارع «يفعل» بضم العين. وأيضا فإنهم إذا جعلوا مضارع «فعل» من ذوات الواو «يفعل» بضمّ العين لم يخرجوه عمّا كان يجوز فيه قبل نقله إلى «فعل» ، لأنّ «يفعل» مضارع «فعل» في فصيح الكلام. بل يكون قد التزم فيه أحد البناءين اللذين كانا له في نظيره من الصحيح. ولو جعلت مضارع «فعل» ممّا عينه ياء على «يفعل» بفتح العين لكنت قد جعلت مضارعه بعد النقل خارجا عن قياس ما كان عليه قبل النقل.

والآخر : أنهم أرادوا التفرقة بين ذوات الواو وذوات الياء ، فالتزموا في ذوات الواو «يفعل» بضم العين ، لأنّ الضمّة من جنس الواو ، وفي «فعل» من ذوات الياء «يفعل» بكسر العين لأنّ الكسرة من جنس الياء.

وهذا الوجه الآخر أولى ، لأنهم قد فعلوا مثل ذلك في المعتل اللام : التزموا في «فعل» من ذوات الواو «يفعل» بضمّ العين نحو «يغزو» ، وفي مضارع «فعل» من ذوات الياء «يفعل» بكسر العين نحو «يرمي» ، تفرقة بين الياء والواو. وسنبيّن ذلك بعد ، إن شاء الله.

فإن قيل : فهلّا فرّقوا في مضارع «فعل» المكسورة العين ، بين ذوات الياء والواو ، فالتزموا في مضارع ذوات الواو «يفعل» بضمّ العين ، وفي مضارع «فعل» من ذوات الياء «يفعل» بكسر العين ، كما فعلوا في «فعل»؟.

فالجواب : أنهم لو فعلوا ذلك لأخرجوا مضارع «فعل» المكسور العين عن قياسه ، لأنّ المضارع منه إنّما يأتي على «يفعل» بفتح العين. وليس كذلك «فعل» ، بل مضارعه يأتي على «يفعل» و «يفعل». فالتزمنا في ذات الواحد أحد الجائزين ، وهو يفعل المضموم العين ، وفي ذوات الياء أيضا أحد الجائزين ، وهو «يفعل» المكسور العين.

فإن قيل : فإنّ الأصل «يقوم» و «يصول» و «يبيع» و «يكيد» و «يخوف». فحرفا العلّة - وهما الواو والياء - قد أسكن ما قبلهما ، وإذا أسكن ما قبل حرف العلّة صحّ نحو «ظبي» و «غزو». وهذا في المعتلّ اللّام ، فالأحرى أن يكون ذلك في المعتلّ العين ، لأنّ العين أقوى من اللّام وأقرب إلى أن تصحّ؟.

فالجواب : أنهم أعلّوا المضارع حملا على الماضي ، فلم يمكنهم أن يعلّوا بقلب حرف العلّة ألفا ، مع إبقاء سكون ما قبل حرف العلّة ، فأعلوا بالنقل ، فنقلوا حركة العين إلى الفاء ، كما نقلوها في إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم والمخاطب. فلمّا نقلوا في «يقول» و «يطول» صارا «يقول» و «يطول». ولمّا نقلوا في «يبيع» صار «يبيع». ولمّا نقلوا في «يكيد» و «يخوف» صارا «يكيد» و «يخوف». ثم قلبوا الواو والياء ألفا ، لتحرّكهما في الأصل قبل النقل ، وانفتاح ما قبلهما في اللفظ. ولم يعتدّوا بالسكون ، لأنه عارض بسبب النقل ، والعارض الغالب فيه ألّا يعتدّ به.

وكذلك «قم» و «بع» أصلهما «اقوم» و «ابيع» ، ثم نقلت حركة العين إلى ما قبلهما فتحرّك فذهبت همزة الوصل ، لأنها إنما أتي بها لأجل الساكن ، فزالت لزواله. ثمّ سكّنوا الآخر ، وحذفوا حرف العلّة لالتقاء الساكنين.

ويحكى أنّ أبا عمر الجرميّ ، رحمه الله ، دخل بغداد ، وكان بعض كبار الكوفيين يغشاه ويكثر عليه المسائل - ويقال هو الفرّاء - وهو يجيبه. فقال له بعض أصحابه : إنّ هذا الرجل قد ألحّ عليك بكثرة المسائل فلم لا تسأله؟ فلمّا جاءه قال له : يا أبا فلان ، ما الأصل في «قم»؟ فقال له : «اقوم». فقال له : فما الذي عملوا به؟ فقال : استثقلوا الضّمّة على الواو ، فأسكنوها. فقال له : أخطأت لأنّ القاف قبلها ساكنة! فلم يعد إليه الرجل بعدها.

فأمّا اسم الفاعل من «فعل» ف- «فاعل» نحو «قائم» و «بائع». وقد ذكرنا من أيّ شيء أبدلت الهمزة ، في باب البدل.

وأما من «فعل» المضمومة العين فعلى قياس الصحيح. فتقول «طويل» كما تقول «ظريف».

وأما من «فعل» ، إن جاء على «فاعل» ، فإنك تبدل الهمزة من العين نحو «خائف» ، وقد ذكر في البدل ، وإن جاء على «فعل» فإن حرف العلّة ينقلب ألفا لتحرّكه وانفتاح ما قبله - كما فعل بالفعل - نحو «خاف» و «مال» ، اسما فاعل من «خاف الرجل» ، و «مال» إذا كثر ماله. جاء على «فعل» على حدّ قولهم : حذر يحذر فهو «حذر» في الصحيح.

فإن كان الفعل مبنيّا للمفعول صيّرته على «فعل» ، فتضمّ فاءه وتكسر عينه ، فتقول «قول» و «بيع». فتستثقل الكسرة في الياء والواو :

فمنهم من يحذفها فيسكن الواو فتصير «قول» ، ويسكن الياء ، فتصير ساكنة بعد ضمّة فتقلب واوا ، فيقول «بوع». وجعلت العين في هذا الوجه تابعة لحركة الفاء ، كما كانت في فعل الفاعل.

ومنهم من ينقل الكسرة من العين إلى الفاء ، فيقول «بيع». وأمّا «قول» فينقل الكسرة من العين إلى الفاء فتصير الواو ساكنة بعد كسرة فتنقلب ياء ، فيقول «قيل».

وإنما جاز نقل حركة العين إلى الفاء ، في فعل المفعول ، من غير أن يسند إلى ضمير المتكلّم أو المخاطب ، ولم يجز ذلك في فعل الفاعل إلّا في «كاد» و «زال» كما تقدّم - تشبيها للكسرة التي في عين «فعل» بالكسرة التي في عين «فعل» من ذوات الياء إذا حوّلت ، من جهة أنّ كلّ واحدة من الكسرتين أصلها الفتح. ولأنّ في نقل حركة العين إلى الفاء تخفيفا بقلب ياء ، والياء أخفّ من الواو ، فتصير ذوات الواو والياء بلفظ واحد. وفي نقل حركة العين إلى الفاء في فعل الفاعل تثقيل ، لأنك تقول «كيد» و «زيل» ، و «كاد» و «زال» أخفّ ، لأنّ الألف أخفّ من الياء. ولذلك كان النقل في «فعل» أحسن من حذف الكسرة من العين ، لأنّ ذلك يؤدّي إلى قلب الياء واوا ، فتقول «بوع» ، فتخرج الأخفّ إلى الأثقل.

ومن العرب من إذا نقل الكسرة من العين إلى الفاء أشمّ الفاء الضمّة. دليلا على أنّ الفاء مضمومة في الأصل. وذلك بأن تضمّ شفتيك ثم تنطق بالفعل ، ولا تلفظ بشيء من الضمّة. ولو لفظت بشيء من الضّمة لكان روما لا إشماما. قال الزّجاجيّ : وذلك لا يضبط إلا بالمشافهة إشارة إلى أنه لا يسمع «بل يرى». وأمّا بعض النّحويّين وكافّة القرّاء فإنهم يجعلون الكسرة بين الضمّة والكسرة. والذي عليه المحقّقون من النحويّين ما ذكرت لك. ولذلك سمّوه إشماما.

هذا ما لم تسند الفعل إلى ضمير المتكلّم أو المخاطب. فإن أسندته إليهما فإنّ الذي يخلص الضمّ ، فيقول «بوع» و «كول (1)زيد الطعام» ، يقول : «بعت» و «كلت الطعام» ، فيخلص الضمّ أيضا. والذي يقول «بيع» و «كيل» فيشمّ يقول : «بعت» و «كلت» فيشمّ. والذي


1) كول : أعطي الطعام بالكيل. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (كيل).

يقول «بيع» و «كيل» فيخلص الكسر يقول «بعت» و «كلت» فيشمّ ، تفرقة بين فعل الفاعل وفعل المفعول ، ومنهم من يخلص الكسر - وذلك قليل - ويتّكل في التّفرقة على القرائن ، وما يتّصل بالفعل ، من قبل أو بعد.

فإذا بنيت منه لمضارع ضممت أوّله وفتحت ما قبل آخره ، فقلت «يقول» و «يبيع». ثم تعلّه حملا على الماضي - كما كان ذلك في مضارع فعل الفاعل - فتنقل فتحة العين إلى الفاء ، فيصير «يقول» و «يبيع». فتقلب الواو والياء ألفا ، لانفتاح ما قبلهما ، ولتحرّكهما في الأصل. لأنّ السكون عارض بسبب النقل ، والأحسن في العارض ألّا يعتدّ به ، فيقال «يقال» و «يباع».

وأمّا اسم المفعول فإنّه يأتي على وزن «مفعول» على قياس الصحيح ، نحو «مبيوع» و «مقوول». فيعلّ حملا على فعله ، فتنقل حركة العين إلى الساكن قبل ، فيصير «مقوول» و «مبيوع» فيجتمع ساكنان : واو «مفعول» والعين ، فتحذف واو «مفعول» ، فيقال «مقول» في ذوات الواو. وأمّا «مبيوع» فإنه إذا حذفت واو «مفعول» قلبت الضمّة التي قبل العين كسرة ، لتصحّ الياء ، فتقول «مبيع». هذا مذهب الخليل وسيبويه.

وأما أبو الحسن فإنه ينقل الحركة من العين إلى الفاء ، في ذوات الواو ، فيلتقي له ساكنان ، فيحذف العين فيقول «مقول». وفي ذوات الياء نحو «مبيوع» ينقل الضمّة من الياء إلى ما قبلها ، ثم يقلب الضمّة كسرة لتصحّ الياء فيلتقي ساكنان - الياء وواو «مفعول» - فتحذف الياء ، فتجيء الواو ساكنة بعد كسرة ، فتقلب الواو ياء ، فيقول «مبيع».

فمما يحتجّ به للخليل أنّ الساكنين إذا اجتمعا في كلمة حرّك الثاني منهما ، دون الأول. فكما يوصل إلى إزالة التقائهما بتحريك الثاني منهما ، كذلك يوصل إلى إزالة التقائهما بحذف الثاني منهما. وأيضا فإنّ حذف الزائد أسهل من حذف الأصل ، فلذلك كان حذف واو «مفعول» أسهل من حذف العين. وأيضا فإنهم قد قالوا «مشيب» في «مشوب» ، و «غار منيل» (1)في «منول» ، و «أرض مميت عليها» في «مموت» ، و «مريح» (2)في «مروح». فقلبوا الواو ياء شذوذا ، فدلّ ذلك على أنّ الواو المبقاة هي العين ، وأن المحذوفة واو «مفعول» ، لأنهم قد قلبوا الواو التي هي عين ياء ، فقالوا «حير» في «خور». أنشد أبو زيد :


1) المنيل : الذي ينال فيه. انظر المصباح المنير للفيومي ، مادة (نال).

2) يقال : غصن مريح ، أي : أصابته الريح فحركته. انظر تاج العروس للزبيد ، مادة (روح).

عيناء حوراء ، من العين الحير (1)

ولا يحفظ قلب واو «مفعول» ياء ، إلّا أن يدغم نحو «مرميّ». وأيضا فإن واو «مفعول» أقرب إلى الطّرف فحذفها أسهل.

وأما أبو الحسن فيستدلّ على أنّ المحذوف هو العين بأنها لغير معنى ، وواو «مفعول» حرف معنى يدلّ على المفعوليّة. فحذف ما لا معنى له أسهل ، كما أنّه لمّا اجتمعت التاءان في «تذكّرون» ونحوه حذفت الثانية ، ولم تحذف الأولى ، حيث كانت لمعنى.

وللخليل أن يفرق بينهما ، فيقول : إنّ التّاء الأولى في «تذكّرون» وأمثاله حرف منفرد ، فلو حذفت لم يبق ما يدلّ على المعنى الذي كانت التاء تعطيه ، وأنت إذا حذفت واو «مفعول» أبقيت الميم تدلّ على معنى المفعوليّة.

فإن قال : إنّ الزّيادة التي لمعنى إذا كانت معها زيادة أخرى فإنهما يجريان مجرى الزّيادة الواحدة ، ألا ترى أنّ المعنى يقع بمجموعهما. فإذا وقع بمجموعهما لم يجز أن تحذف واحدة منهما ، كما لم يجز أن تحذف الزيادة الواحدة ؛ ألا ترى أنّ الزيادتين إذا لحقتا لمعنى فحذفت الأخرى ، نحو زيادتي «سكران» إذا رخّمته اسم رجل ، وكذلك الزيادتان في «مفعول» لو حذفت واحدة منهما للزمك حذف الأخرى! فللخليل أن يقول : لا تجري الزيّاتان مجرى الزيادة الواحدة. بل يجوز حذف إحداهما وإبقاء الأخرى ، لتدلّ على الأخرى المحذوفة ، ألا ترى أنهم قالوا «اسطاع يسطيع» ، فحذفوا إحدى الزيادتين وهي التاء ، وأبقوا السين ، وهما جميعا زيد المعنى ، كما أنّ الميم والواو في «مفعول» كذلك فأمّا «سكران» وبابه فإنما حذفتا فيه معا ، لوقوعهما طرفا غير مفترقتين. فكان الحذف أغلب عليهما ، إذ كان الطرف موضعا تحذف فيه الأصول في الترخيم والتكسير. فالزّيادتان في «مفعول» أشبه بالزّيادتين في «اسطاع» من زيادتي «سكران» ، لكونهما حشوا في «مفعول» كما أنهما في «اسطاع» كذلك.

فإن قيل : فقد وجدناهم حذفوا الأصل وأبقوا الزيادة ، لمّا كانت لمعنى ، فقالوا «تقى» في «اتّقى» ، فحذفوا التاء الأصليّة وأبقوا تاء «افتعل»؟.


1) الشعر من الرجز ، وهو بلا نسبة في أدب الكاتب لابن قتيبة ص 600 ، وشرح المفصل لابن يعيش 4 / 114 ، والمنصف لابن جني 1 / 288 ، والمخصص لابن سيده 1 / 199 ، ونوادر أبي زيد ص 236 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (جور).

فالجواب : أنّ الذي حمل على ذلك كون الزيادة منفردة.

وممّا يدلّ على صحّة مذهب سيبويه والخليل ، وفساد مذهب الأخفش. أنّك إذا نقلت الضمّة من العين إلى الفاء ، في «مفعول» من ذوات الياء ، اجتمع لك ساكنان : واو «مفعول» والياء ، فتحذف واو «مفعول» فتجيء الياء ساكنة بعد ضمّة ، قريبة من الطرف ، فتقلب الضمّة كسرة ، على مذهب سيبويه في الياء الساكنة بعد الضمّة إذا كانت تلي الطرف ، فإنه تقلب الضمّة كسرة ، مفردا كان الاسم أو جمعا ، نحو «بيض» جمع أبيض ؛ أصله «بيض» نحو «حمر» ، ثم قلبت الضمّة كسرة. وكذلك لو بنيت من البياض اسما على «فعل» لقلت «بيض». فالأصل في «مبيع» على أصله : «مبيوع» ثم «مبيوع» ثم «مبيع» ثم «مبيع».

وأما أبو الحسن الأخفش فيلزمه ، على مذهبه ، أن يقول «مبوع». وذلك أنّ الأصل «مبيوع». فإذا نقلت الضمّة اجتمع له ساكنان فيحذف الياء ، فيلزمه أن يقول «مبوع». فإن قال : لا أحذف إلّا بعد قلب الضمّة كسرة؟.

فالجواب : أن يقال له : لم تقلب الضمّة كسرة ، وأنت تزعم أنّ الياء إذا جاءت ساكنة بعد ضمّة في مفرد فإنّ الياء هي التي تقلب واوا ، بشرط القرب من الطرف. فأمّا مع البعد فلا يجوز قلب الضمّة كسرة ، في مذهب أحد من النحويّين.

فإنّ قلت : فإنّما قلبت الضمة كسرة لتصحّ الياء ، لأنّي لو لم أفعل ذلك ، فقلت «مبوع» ، لالتبست ذوات الياء بذوات الواو؟.

فالجواب : أنّ هذا القدر لو كان لازما لوجب أن تقول «ميقن» في «موقن» ، لئلّا يلتبس بذوات الواو. فكما أنّ العرب لم تفعل ذلك في «موقن» ، فكذلك لا تفعله في مبيع وأمثاله.

وثمرة الخلاف بين سيبويه وأبي الحسن تظهر في تخفيف «مسوء» وأمثاله. قال أبو الفتح في «القدّ» (1)له : سألني أبو عليّ عن تخفيف «مسوء». فقلت : أما على قول أبي الحسن فأقول «رأيت مسوّا» ، لأنها عنده واو «مفعول» وأما على مذهب سيبويه فأقول «رأيت مسوا» بتحريك الواو ، لأنها عنده العين. فقال لي أبو عليّ : كذلك هو ، اللهمّ إلّا أن تقول إنهم حملوا الماضي على المضارع ، وإذا كانت العرب قد حملت المضارع في الإعلال على الماضي ، مع أن الأكثر على أنّ المضارع أولى. فالأحرى أن يحمل الماضي على المضارع في ثبات الواو.


1) هذا اسم كتاب لابن جني ، ويسمى أيضا : ذا القد. انظر خزانة الأدب للبغدادي 4 / 122.

ويجوز الإتمام في «مفعول» من ذوات الياء ، وهي لغة بني تميم. قال :

وكأنّها تفّاحة ، مطيوبة (1)

وقال : علقمة :

حتى تذكّر بيضات ، وهيّجه

يوم رذاذ ، عليه الرّيح ، مغيوم (2)

والإعلال أفصح.

ولا يجوز الإتمام في ذوات الواو إلّا فيما سمع والذي سمع من ذلك «مسك مدووف» ، قال الراجز :

والمسك في عنبره المدووف (3)

والأشهر «مدوف». وقالوا «رجل معوود» و «فرس مقوود» و «ثوب مصوون» و «قول مقوول» وإنما لم يجز الإتمام في «مفعول» من ذوات الواو ، إلّا فيما شذّ ، لأن الواو أثقل من الياء.

وخالف المبرّد كافّة النحويّين ، فأجاز الإتمام في ذوات الواو قياسا على ما ورد منه ، وقال : ليس بأثقل من «سرث سوورا» و «غارت عينه غوورا» ، لأنّ في «سوور» و «غوور» واوين وضمّتين ، وليس في «معوود» مع الواوين إلّا ضمّة واحدة.

وهذا الذي ذهب إليه باطل ، لأنّ ما ورد من الإتمام في ذوات الواو من القلّة بحيث لا تقاس عليه. وأما احتجاجه : ب- «سوور» و «غوور» فباطل ، لأنّ مثل «سوور» شاذّ ، ولو لم يسمع لما قيل. وأيضا فإنّ الضّرورة دعت إلى ذلك في مثل «سوور» ، لأنهم لو أعلّوا فأسكنوا الواو الأولى ، وبعدها واو ساكنة ، لوجب حذف إحداهما ، فيصير لفظ «فعول» و «فعل» واحدا ، فيقع اللبس ، وكذلك أيضا لو أعلّوا الواو في مثل «قوول» فقلبوها ألفا


1) الشعر من الرجز ، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك لابن هشام 4 / 404 ، والمنصف لابن جني 1 / 286 ، وأمالي ابن الشجري 1 / 210 ، والمقاصد النحوية للعيني 4 / 574 ، ولسان العرب لابن منظور ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (طيب).

2) البيت من البحر البسيط ، وهو لعلقمة بن عبدة في ديوانه ص 59 ، وخزانة الأدب للبغدادي 11 / 295 ، والخصائص لابن جني 1 / 261 ، وشرح المفصل لابن يعيش 10 / 78 ، والمقتضب للمبرد 1 / 101 ، والمنصف لابن جني 1 / 286.

3) الشعر من الرجز ، وهو بلا نسبة في الخصائص لابن جني 1 / 261 ، والمنصف لابن جني 1 / 285 ، وشرح المفصل لابن يعيش 10 / 80 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (دوف).

لالتقى ساكنان الألف والواو ، فيجب حذف أحد الساكنين ، فيصير «فعول» و «فعل» في اللفظ واحدا. فيقع اللّبس ، لأن المصدر قد يأتي على «فعل» ك- «ظلم» ، وكذلك الصفة قد تأتي على «فعل» ك- «ضخم». ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال «مفعول» ، لأنّ اسم المفعول لا يأتي أبدا من الفعل الثلاثي إلّا على وزن مفعول ، فإذا أعللته علم أنه مغيّر من ذلك.

فإن وقعت الواو والياء عينين ، في اسم ثلاثة أحرف ، فإنه لا يخلو من أن يكون على وزن من أوزان الأفعال أو لا يكون. فإن كان على وزن من أوزان الأفعال أعلّ الفعل ، فقلبت الواو والياء ألفا نحو «باب» و «دار» و «ساق». فإنها في الأصل «بوب» و «درر» و «سوق» ، على وزن «فعل» ، فاستثقل حرف العلّة واجتماع المثلين - أعني الفتحتين - فقلب حرف العلّة ألفا ، كما فعل ب- «قال» و «باع». وكذلك «رجل خاف» و «مال» و «كبش طاف». الأصل فيها «خوف» و «مول» و «صوف». فاستثقلت الكسرة في حرف العلّة ، فقلب حرف العلّة ألفا ، كما فعلوا في الفعل نحو «خاف» و «هاب». وكذلك لو أردت بناء اسم على «فعل» من البيع ، أو القول ، لقلت «باع» و «قال» ، على قياس «خاف» و «صاف». وكذلك لو جاء من المعتلّ العين شيء على وزن «فعل» ، بضمّ العين ، لوجب قلب حرف العلّة ألفا ، كما وجب ذلك في «فعل» و «فعل» بفتح العين وكسرها ، وإن لم يحفظ شيء من ذلك في كلامهم.

فإن قيل : وما الدليل على أنّ «بابا» و «دارا» و «ساقا» وأمثالها على «فعل» بفتح العين ، في الأصل ، ولعلّها مضمومة في الأصل أو مكسورة؟.

فالجواب : أنه لا بدّ من ادّعاء أنّ العين متحرّكة في الأصل ، لأنّ الألف لا تكون أبدا أصلا ، إلّا منقلبة عن ياء أو واو ، ولا يمكن أن يدّعى قلب الألف في «باب» و «دار» و «ساق» إلّا عن حرف علّة متحرّك ، إذ لو كان ساكنا في الأصل لصحّ كما صحّ «قول» و «بين». فإذا ثبت أنه متحرّك في الأصل فأولى ما يدّعى من الحركات الفتحة ، لأنها أخفّها ، ولأنّ «فعلا» الفتوح العين أكثر من «فعل» و «فعل» ، بضمّ العين وكسرها.

وأما «خاف» و «مال» و «صاف» فالذي يدلّ على أنّها «فعل» ، في الأصل ، أنها أسماء فاعلين ، من «فعل» نحو «خاف يخاف» و «صاف يصاف» و «مال يمال» ، فمجيء المضارع على «يفعل» دليل على أنّ الماضي على «فعل». واسم الفاعل من «فعل» يأتي على «فعل» بكسر العين ، نحو «فرق فهو فرق» و «حذر فهو حذر». ولا يأتي على «فعل» ولا «فعل» بضمّ العين أو فتحها.

ولا تصحّ العين في شيء ، مما جاء على وزن الفعل ، إلّا فيما كان مصدرا لفعل لا يعتلّ ، نحو «العور» و «الصّيد» ، لأنهما مصدران ل- : «عور» و «صيد» فصحّا كما صحّ فعلهما. أو ما جاء شاذّا نحو «القود» و «الحركة» و «روع» و «حول» فإنّ العين صحّت فيها ، وكان القياس إعلاها كما تقدّم. وفي ذلك منبهة على ما ادّعينا من أنّ الأصل في «باب» : «بوب» ، وفي «مال» : «مول» ، وأمثالهما.

فإن قال قائل : لأيّ شيء لم تجر هذه الأسماء ، التي هي على وزن الفعل ، على أصلها فتصحّ ، ليكون فرقا بينها وبين الفعل ، كما فعلوا ذلك فيما لحقته الزوائد ، فقالوا «هو أطول منه» فصحّحوا ، فرقا بينه وبين «أطال» على ما تبيّن.؟.

فالجواب : أنّ ما لحقته زيادة من الأسماء تبلغ به زنة الأفعال لا ينصرف ، فلو أعللته لالتبس بالفعل ، لأنه لا يدخله خفض ولا توين كما أنّ الفعل كذلك ، وما كان على ثلاثة أحرف فالتنوين والخفض يفصلان بينه وبين الفعل ، فأمن اللبس.

فإن لم يكن على وزن فعل من الأفعال فإنه لا يعتلّ ، ولا يغيّر عن بنائه الأصليّ ، بل يجري مجرى الصحيح نحو «سولة» (1)و «عيبة» (2)و «حول» (3)و «صير» (4)، وكذلك إذا بنيت من القول أو البيع مثل «إبل» قلت «قول» و «بيع». إلّا أن يكون الاسم على : «فعل» بضمّ العين والفاء من الواو ، أو «فعل» من الياء بضمّ الفاء وإسكان العين ، أو «فعل» من الواو بكسر الفاء وفتح العين ، جمعا لاسم قد اعتلّت عينه فقلبت الواو فيه ألفا وياء ، أو «فعل» من الواو بإسكان العين وكسر الفاء.

فإن كان على «فعل» من الواو فإنه يخالف الصحيح ، في التزام إسكان عينه. فتقول في جمع «نوار» : «نور» ، و «عوان» : «عون» ، و «سوار» : «سور» ، بالإسكان ليس إلّا. وليس كذلك الصحيح ، بل يجوز فيه التحريك والإسكان نحو «رسل ورسل». وذلك أنه لمّا انضاف إلى ثقل الضمّة ثقل الواو لم يجز إلّا السكون ، لأنّه كلّما كثر الثقل كان أدعى للتخفيف. ولا يجوز تحريك العين من «فعل» المعتلّ العين ، إلّا في ضرورة ، نحو ، قوله :


1) رجل سولة : كثير السؤال. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (سول).

2) العينبة : الكثير العيب للناس. انظر الصحاح للجوهري مادة (عيب).

3) الحول : الحذق. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حول).

4) الصّيرة : حظيرة من خشب وحجارة تبنى للغنم والبقر. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (صير).

عن مبرقات بالبرين وتب

دو في الأكفّ اللّامعات سور (1)

وقول الآخر :

أغرّ الثّنايا ، أحمّ اللّثا

ت ، تمنحه سوك الإسحل (2)

وليس الأمر كذلك في «فعل» الذي عينه ياء. بل يجوز فيه التحريك والتسكين ، نحو «عيان (3)وعين» وقالوا «بيوض (4)وبيض». فإذا سكّنت الياء كان حكمه حكم «فعل» بسكون العين ، ممّا عينه ياء ، وسيبيّن حكمه.

فإن قيل : ولأيّ شيء لم يفرّوا من الواو المضمومة في مثل «سوك» إلى الهمزة ، كما قالوا «أدؤر» و «أنؤر» في جمع «دار» و «نار»؟.

فالجواب : أنه لا يبدل من الواو المضمومة همزة ، إلّا حيث لا يمكن تخفيفها بالإسكان نحو «أدور» ، لأنك لو سكّنت الواو لالتقى ساكنان. وليس كذلك «سور» و «عون». وقد يجوز أن تبدل الواو همزة ، وإن أمكن التسكين ، فقد حكي «جواد وجؤد وجود» بالهمزة وبإسكان الواو.

فإن كان على «فعل» وعينه ياء فلا يخلو من أن يكون مفردا أو جمعا.

فإن كان جمعا قلبت الضمّة كسرة ، لتصحّ الياء نحو : «أبيض وبيض» أصله «بيض» ك- : «حمر» فقلبت الضّمّة كسرة. وذلك أنّ الياء لمّا كانت تلي الطّرف عوملت معاملة الطرف. فكما أنّ الياء إذا كانت طرفا وقبلها ضمّة تقلب الضّمّة كسرة نحو «أظب» في جمع ظبي ، أصله «أظبي» نحو «أفلس». فكذلك إذا كانت تلي الطرف ، لا خلاف بين النحويين في ذلك.


1) البيت من البحر الكامل ، وهو لعدي بن زيد في ديوانه ص 127 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 425 ، وشرح شواهد الشافية ص 121 ، وشرح المفصل لابن يعيش 5 / 44 ، والكتاب لسيبويه 4 / 359 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (سوك) ، وللعجاج في المقتضب للمبرد 1 / 113 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب للأستراباذي 2 / 127.

2) البيت من البحر المتقارب ، وهو لعبد الرحمن بن حسان في ديوانه ص 48 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (سوك) ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 3 / 679 ، وشرح المفصل لابن يعيش 10 / 84 ، والمقتضب للمبرد 1 / 113.

3) العيان - بالتخفيف - حديدة تكون في متاع الفدان. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (عين).

4) الدجاجة البيوض : هي التي تكثر البيض. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (بيض).

وإن كان مفردا فحكمه عند سيبويه والخليل كحكم الجمع. فإذا بنيت من البياض اسما على «فعل» قلت «بيض». ف- : «ديك» ، على مذهب سيبويه ، يحتمل أن يكون «فعلا» و «فعلا». وأبو الحسن يقلب الياء واوا ، ويقرّ الضّمّة ، فيقول «بوض». ولا يكون «ديك» عنده إلّا «فعل». وحجّته أنّ قلب الضمّة كسرة قد استقرّ في الجمع ، نحو «بيض» في جمع أبيض ، ولم يستقرّ في المفرد ، والقياس يقتضي التفرقة ، لأنّ الجمع أثقل من الواحد ، فهو أدعى للتخفيف. فلذلك قلبت الضّمّة كسرة في الجمع ، لتصحّ الياء ، ولم تقلب الياء واوا ، لأن الياء أخفّ من الواو. وأما المفرد فلكونه أخفّ من الجمع يحتمل فيه الواو.

والصحيح ما ذهب إليه سيبويه ، بدليل ما ذكرناه في «مبيع» وأمثاله ، من أنه لمّا اجتمع ساكنان وحذفت الواو - على مذهب سيبويه - جاءت الياء ساكنة ، وقبلها ضمّة ، تلي الطّرف فقلبت الضّمّة كسرة لتصحّ الياء. وقد تقدّم الدليل على صحّة ذلك. فكذلك في «فعل» من الياء ، ينبغي أن تقلب الضّمّة كسرة ، لتصحّ الياء. فأما قوله :

وكنت إذا جاري دعا لمضوفة

أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري (1)

فقلب الياء من «مضوفة» واوا ، وأقرّ الضّمّة مع كون الياء تلي الطّرف ، لأنّ الأصل «مضيفة» لأنه من «ضاف يضيف» ، ثم نقلت الضّمّة إلى الساكن قبلها ، فصار «مضيفة» فجاءت الياء ساكنة بعد ضمّة ، ثم قلبت الياء واوا - فشاذّ لا يعرّج عليه. بل ينبغي أن يعوّل على باب «مبيع» و «مكيل» لأنّه مطرّد. وكذلك ما حكاه الأصمعيّ ، من أنهم يقولون للريح الحارّة «هيف» و «هوف» ، فلا حجّة فيه لأبي الحسن ، في قوله في «فعل» من البيع : «بوع» ، فيقلب الياء واوا ويقرّ الضمّة ، لاحتمال أن يكونا لغتين ، فيكون «هيف» من ذوات الياء ، و «هوف» من ذوات الواو. نحو «التّيه» و «التّوه». ويحتمل أن يكون «الهيف» و «الهوف» معا من ذوات الواو ، فيكون أصل «هيف» : «هيوف» مثل «ميّت» ، ثم أدغمت الياء في الواو فقلبت الواو ياء فصار «هيّف» وحذفت ، فقالوا «هيف» كما قالوا «ميت».

وإن كان على «فعل» من الواو ، بكسر الفاء وفتح العين ، جمعا لما قلبت الواو ياء أو ألفا ، فإنّ الواو تنقلب فيه ياء لانكسار ما قبلها ، مع أنهم أرادوا أن تعتلّ في الجمع كما


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لأبي جندب الهذلي في شرح أشعار الهذليين لأبي سعيد السكري 1 / 588 ، والمعاني الكبير لابن قتيبة ص 700 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (جور ، ضيف ، كون) ، وبلا نسبة في إصلاح المنطق لابن السكيت ص 241.

اعتلّت في المفرد. وذلك نحو «قامة وقيم» و «ديمة وديم» و «قيمة وقيم». والأصل «قوم» و «دوم» ، لأنهما من «قام يقوم» و «دام يدوم».

فإن كانت الواو لم تعتلّ في المفرد لم تعتلّ في الجمع ، نحو «زوج وزوجة» و «عود وعودة» ، إلّا لفظة واحدة شذّت وهي «ثور وثيرة». فذهب أبو بكر إلى أنّ الذي أوجب قلب الواو ياء أنّ الأصل «ثيارة» ك- : «حجارة» و «ذكارة» ، فقلبت الواو ياء لأجل الألف التي بعدها. كما قلبت في «سياط» جمع سوط ، على ما يبيّن بعد. فلمّا قصره منه بقيت الياء ، تنبيها على أنّه مقصور من «ثيارة» ، كما صحّ «عور» حملا على «اعورّ».

وذهب المبرّد إلى أنهم أرادوا أن يفرّقوا بين جمع «ثور» الذي هو الحيوان ، و «الثّور» الذي يراد به القطعة من الأقط (1)، فقالوا في الحيوان «ثيرة» ، وفي الأقط «ثورة». كما قالوا «نشيان للخبر» (2)وأصله «نشوان» ، فرقا بينه وبين «نشوان» بمعنى سكران.

ومنهم من ذهب إلى أنّ الأصل «ثورة» بالإسكان ، فقلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة ، ثم حرّك بالفتح ، وأبقي الياء لأنّ الأصل الإسكان.

ومنهم من علّل ذلك بأنهم قد قالوا «ثيرة» و «ثيران» فقلبوا الواو ياء ، فأحبّوا أن يجروا جمعه كلّه على الياء ، فقالوا «ثيرة» كما قالوا «ثيرة» و «ثيران» ، كما حملوا «أعد» و «تعد» و «نعد» على «يعد».

وكلّ ذلك توجيه شذوذ.

وكذلك لو كان «فعل» من ذوات الواو مفردا لم تقلب واوه ياء ، نحو «طول» (3).

فإن الاسم على «فعل» من الواو ، بكسر الفاء وإسكان العين ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، نحو «قيل». أصله «قول» لأنه من القول.

فإن وقعت الواو أو الياء عينا في فعل ، على أزيد من ثلاثة أحرف ، فإنه لا يخلو أن يكون ما قبل حرف العلّة ساكنا ، أو متحرّكا.


1) الأقط : شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (أقط).

2) النشيان للخبر : الذي يتخبّر أول وروده. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (نشا).

3) الطّول : الحبل الطويل جدّا ، وقيل : حبل طويل تشدّ به قائمة الدابة ، ويمسك صاحبه بطرفها ويرسلها ترعى. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (طول).

فإن كان متحرّكا - وذلك في «انفعل» و «افتعل» نحو «انقاد» و «اقتاد» و «اختار» - فإنك تعامل ما بعد الساكن معاملة فعل ، على ثلاثة أحرف. وذلك أنّ الأصل «انقود» و «اقتود» و «اختير» ، فعاملت «قاد» من «انقاد» ، و «تاد» من «اقتاد» ، و «تار» من «اختار» ، معاملة «قال» و «باع» ، فأعللت كما أعللتهما.

ولا يصحّ شيء من ذلك ، إلّا أن يكون في معنى ما لا يعتلّ ، نحو «اجتوروا» و «اهتوشوا» و «اعتونوا» ، لأنها في معنى «تجاوروا» و «تعاونوا» و «تهاوشوا» ؛ ألا ترى أنّ الفعل فيه ليس فعل واحد. فبابه أن يكون على وزن «تفاعل». وكذلك جميع ما يأتي على معنى «تفاعل» لا يعلّ شيء منه كما لم يعلّ «عور» و «صيد» لأنهما في معنى «اعورّ» و «اصيدّ».

إلّا أنك إذا أسندتهما إلى ضمير متكلّم أو مخاطب لم تحوّل الفتحة التي في العين - إذا كانت واوا - ضمّة ، أو ياء - كسرة ، كما فعلت ذلك في «قلت» و «بعت». بل تقول «انقدت» و «اخترت» ، فتسكّن آخر الفعل للضمير ، وما قبله ساكن فتحدفه لالتقاء الساكنين من غير تحويل. وإنما لم تحوّل لأنك لو حوّلت في ذوات الواو حركة العين ضمّة لنقلت «انفعلت» و «افتعلت» إلى «انفعل» و «افتعل» ، وهما بناءان غير موجودين ، وكذلك لو حوّلت في ذوات الياء حركة العين كسرة لنقلتهما إلى «انفعل» و «افتعل» ، وهما بناءان غير موجودين. فلمّا كان النقل يؤدّي إلى بناء غير موجود لم يجز. وليس كذلك «فعل» ، لأنّه إذا حوّل إلى «فعل». بضمّ العين ، أو فعل بكسرها ، كان محوّلا إلى بناء موجود.

وإذا بنيته للمفعول عاملت ما بعد الساكن معاملة الفعل على ثلاثة أحرف. فمن قال في «قال» و «باع» : «قيل» و «بيع» ، قال «انقيد» و «اختير» و «اقتيد». ومن أشار إلى الضمّة هنالك فأشمّ أشمّ هنا. ومن قال «قول» و «بوع» قال : «انقود» و «اختور» و «اقتود».

وكذلك إذا أسندته إلى ضمير المفعول المتكلّم أو المخاطب قلت «اخترت» على لغة من قال «اختور». ومن أشمّ فقال «اختير» قال «اخترت» فأشمّ. ومن ترك الإشمام فقال «اختير» ترك الإشمام فقال «اخترت» ، لأنه لا يدخله لبس كالذي يدخل «بعت». والعمل في إعلال ذلك كلّه كالعمل في إعلال «قيل» و «بيع» ، وقد تقدّم.

وكذلك المستقبل - مبنيّا كان للفاعل أو المفعول - واسم الفاعل والمفعول ، يجري ما بعد الساكن في جميع ذلك مجرى الفعل على ثلاثة أحرف. فتقول «ينقاد» و «ينقاد» و «يقتاد» و «يقتاد» ، و «مقتاد» و «منقاد». فتجري «قاد» و «تاد» في جميع ذلك مجرى «قال» و «باع».

وإن كان ما قبل حرف العلّة ساكنا فلا يخلو أن يكون الساكن حرف علّة ، أو حرفا صحيحا ، فإن كان حرف علّة فإن العين لا تعتلّ أصلا. وذلك نحو «فاعلت» و «تفاعلت» و «فعّلت» و «فيعلت» ، جميع ذلك لا تعتلّ فيه العين. وذلك نحو «سايرت» و «تساير» و «عاونت» و «تعاون» و «قوّمته» و «ميّزته». وإنما لم تعتلّ العين لأنّ ما قبلها ساكن. فلو أسكنتها لالتقى ساكنان فيجب الحذف ، فيصير لفظ «فاعل» ك- «فعل» ، نحو «ساير» لو قلبت الياء ألفا ثم حذفتها لالتقاء الساكنين لقلت «سار». وكذلك «فعّل» و «فيعل» لو أعللت العين ، فقلبتها ألفا ثم حذفتها. أو الساكن قبلها لصار اللفظ بهما كاللفظ ب- «فعل» أو ب- «فعل». فكنت تقول في «ميّز» و «قوّم» ، لو حذفت الساكن الأوّل بعد إعلان العين : «ماز» و «قام». ولو حذفت العين لقلت «ميز» و «قوم». فلمّا كان الإعلال يؤدّي إلى الحذف والإلباس لم تعلّ شيئا من ذلك. إلّا أنك تقلب الواو ياء في «فيعل» مما عينه واو - لاجتماع الياء والواو ، وسبق الياء بالسكون - فتقول في «فيعل» من «القول» : «قيّل».

وكذلك تصحّ في المضارع ، وفي الفعل المبنيّ للمفعول ، واسم الفاعل والمفعول ، كما صحّت في الفعل الماضي المبنيّ للفاعل ، فتقول في الماضي المبنيّ للمفعول «سوير» و «عوون» ، و «تسوير» و «تعوون» ، و «قوّم» و «ميّز». وفي «فيعل» من القول : «قوزل» فتقلب ياء «فيعل» واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، كما فعلت ذلك في «بوطر». ولا تدغم الواو من «سوير» و «عوون» و «تسوير» و «تعوون» ، لأنها بدل من الألف في «ساير» و «تساير» و «عاون». فكما لا تدغم الألف في الياء أو الواو فكذلك ما هو بدل منها. وكذلك أيضا لا تدغم الواو من «قوول» في الواو التي بعدها ، لأنها لمّا صارت مدّة أشبهت الواو المنقلبة من الألف في «سوير» وأمثاله ، فلم تدغم كما لم تدغم واو «سوير» فيما بعدها. وكذلك حكم كلّ حرف قد كان لغير المدّ ثمّ صار في بعض المواضع مدّة ، لا يدغم لشبهه بالألف في «فاعل» من حيث هو للمدّ ، ولا يلزم كما لم تلزم الألف. فإن كان حرف المدّ لازما أدغم نحو «مغزوّ» أدغمت واو «مفعول» في الواو التي بعدها ، لمّا كانت لازمة ، لكونها في لفظ لا يتصرّف.

وتقول في المضارع واسم الفاعل والمفعول : «يساير» و «يساير» ، و «يعاون» و «يعاون» ، و «يتساير» و «يتساير» ، و «يتعاون» و «يتعاون» ، و «يقوّم» و «يقوّم» ، و «يميّز» و «تميّز» ، و «مساير» و «مساير» و «معاون» و «معاون» و «متساير» و «متساير» و «متعاون» و «متعاون عليه» و «مقوّم» و «مقوّم» و «مميّز» و «مميّز». فلا تعتلّ العين في شيء من ذلك.

وتقول في المضارع من «فيعل» واسم الفاعل واسم المفعول : «يقيّل» و «يقيّل»

و «مقيّل». فتذغم ياء «فيعل» في الواو فتقلبها ياء. ولا تعلّ العين بأكثر من قلبها ياء ، كما كان ذلك في الماضي المبنيّ للفاعل.

وإن كان الساكن حرفا صحيحا فلا يخلو أن يكون الفعل على وزن «افعلّ» أو «افعالّ» ، أو على غير ذلك من الأوزان.

فإن كان على غير ذلك من الأوزان - وذلك «أفعل» و «استفعل» - فإنك تنقل الفتحة من حرف العلّة إلى الساكن قبله ، وتقلب حرف العلّة ألفا. وذلك نحو «أقام» و «استقام» و «أبان» و «استبان». الأصل «أقوم» و «استقوم» و «أبين» و «استبين». فنقلت الفتحة من حرف العلّة إلى الساكن قبله ، فصار «أقوم» و «استقوم» و «أبين» و «استبين». فانفتح ما قبل الواو والياء في اللفظ ، وهما متحرّكان في الأصل ، والسكون عارض ، فقلبت حرف العلّة ألفا ، لانفتاح ما قبله في اللفظ ، وتحرّكه في الأصل.

فإن قيل : ولأيّ شيء أعلّ حرف العلّة وما قبله ساكن؟.

فالجواب : أنه حمل عليه قبل لحاق الزّيادة له ، لأنّ الزّيادة في «أقام» و «استقام» لحقت «قام». وكذلك ما كان نحوهما.

وكذلك أيضا تفعل بالمضارع ، فتقول «يقيم» و «يقام» ، و «يستقيم» و «يستقام». والأصل «يقوم» و «يقوم» ، و «يستقوم» و «يستقوم». فنقلت حركة حرف العلّة إلى الساكن قبله ، حملا على مضارع الثلاثيّ غير المزيد نحو «يقوم» و «يخاف».

فإن جاءت الواو ساكنة بعد كسرة قلبت ياء ، نحو «يقيم» و «يستقيم». وإن جاءت الياء ساكنة بعد كسرة ثبتت نحو «يبين» و «يستبين».

وإن جاءت الياء أو الواو بعد فتحة قلبت ألفا ، لانفتاح ما قبلها في اللفظ ، وتحرّكها في الأصل ، نحو «يقام» و «يستقام» ، و «يبان» و «يستبان».

وكذلك اسم الفاعل واسم المفعول ، تعلّهما حملا على الفعل. وذلك نحو «مستبين» و «مستبان» ، و «مستقيم» و «مستقام» ، و «مقيم» و «مقام» ، و «مبين» و «مبان». الأصل «مستقوم» و «مستقوم» ، و «مستبين» و «مستبين» ، و «مقوم» و «مقوم» ، و «مبين» و «مبين». فعملت بهما ما عملت بالمضارع.

ولا يصحّ شيء من ذلك ، إلّا أن يكون فعل تعجّب ، نحو «ما أقولة» و «ما أطوله» ، و «أقول به» و «أطول به». فإنه يصحّ لشبهه ب- «أفعل» التي للمفاضلة ، نحو «هو أقول منه»

و «أطول» ووجه الشبّه بينهما أنهما لا يبنيان إلّا من شيء واحد ، وأنّ فعل التعجّب فيه تفضيل للمتعجّب منه على غيره ، كما أنّ «أفعل» يقتضي التفضيل وأنّ فعل التعجّب لا مصدر له ولا يتصرّف ، فصار بمنزلة الاسم لذلك.

وما عدا فعل التعجّب لا يصحّ إلّا فيما شذّ. والذي شذّ من ذلك «استنوق الجمل» و «استصوبت رأيه» - حكاهما ابن مقسم عن ثعلب - و «استتيست الشّاة» ، و «استروح» ، و «استحوذ». ولا يحفظ في شيء من ذلك المجيء على الأصل. وشذّ من «أفعل» : «أطيب» و «أجود» ، و «أغيلت» المرأة ، و «أطولت» قال :

صددت ، فأطولت الصّدود ، وقلّما

وصال ، على طول الصّدود ، يدوم (1)

وقد سمع «أطال» و «أجاد» و «أطاب». وأمّا «أغيل» فلا يحفظ فيه كافّة النحويّين إلّا التصحيح ، إلّا أبا زيد الأنصاريّ فإنه حكى «أغيلت المرأة» وأغالت بالتصحيح والإعلال. وجميع هذه الشواذّ منبهة على ما ادّعيناه ، من أنّ أصل «أقام» : «أقوم» ، و «استقام» : «استقوم».

وإن كان على وزن «افعلّ» أو نحو «ابيضّ» و «ابياضّ» ، و «اعورّ» و «اعوارّ» ، فإنّ العين تصحّ ولا تعتلّ. وإنما لم تعتلّ ، لأنك لو أعللت «ابيضّ» و «اعورّ» لقلت «باضّ» و «عارّ» ، فيلتبس ب- «فاعل». وذلك أنك كنت تنقل الفتحة من الياء والواو إلى الساكن قبلهما ، وتحذف ألف الوصل لزوال الساكن ، وتقلب الواو والياء ألفا ، لتحرّكهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما في اللفظ. وكذلك لو أعللت «ابياضّ» و «اعوارّ» للزمك أن تقول «باضّ» و «عارّ» ، فيلتبس ب- «فاعل». وذلك أنك إذا فعلت بهما ما فعلت ب- «افعلّ» التقى ساكنان : ألف «افعالّ» والألف المبدلة ، فتحذف إحداهما ، فيصير اللفظ «باضّ» و «عارّ». ومما يوجب أيضا تصحيح «افعلّ» و «افعالّ» أن المزيد إنّما اعتلّ بالحمل على غير المزيد ، وغير المزيد مما هو في معنى «افعلّ» و «افعالّ» لا يعتلّ نحو «عور» و «صيد». فليس ل- «افعلّ» و «افعال» ما يحملان عليه في الإعلال.

فإن كان الاسم على أزيد من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون موافقا للفعل في وزنه ، أو لا يكون. فإن كان موافقا للفعل في وزنه ، وأعني بذلك أن يكون عدد حروفه


1) البيت من البحر الطويل ، وهو للمرار الفقعسي في ديوانه ص 48 ، والأزهية في علم الحروف للهروي ص 91 ، وخزانة الأدب للبغدادي 10 / 226 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 1 / 105 ، وشرح شواهد المغني للسيوطي 2 / 717.

موافقا لعدد حروف الفعل ، وحركاته كحركاته وسكناته كسكناته ، فلا يخلو من أن يكون موافقا للفعل في جنس الزيادة ، أو تكون زيادته مخالفة لزيادة الفعل. فإن كان موافقا للفعل في جنس الزيادة فلا يخلو من أن يكون إعلاله إعلال الفعل مصيّرا له على لفظ الفعل ، أو لا يكون.

فإن لم يكن مصيّرا له على لفظه أعللته لأمن اللّبس ، وذلك نحو أن تبني من «القول» اسما على «يفعل» بضمّ الياء والعين فإنك تقول «يقول». وكذلك إن بنيته من «البيع» قلت «يبيع». والأصل «يبيع» ، فقلت الضمّة من الياء إلى الباء فصارت الياء ساكنة بعد ضمّة ، فقلبت الضمة كسرة لتصحّ الياء ، كما فعلوا في «بيض» و «مبيع» في مذهب سيبويه في أعلالهما. هذا مذهب جماعة النحويين ... لكونه ليس مبنيّا على فعل والصحيح ما ذهب إليه الجماعة من أنك تعلّ ، لموافقته «يفعل» في الوزن ، وإن لم يكن مبنيّا على الفعل ، وسيقام الدليل على صحّة ذلك ، فيما زيادته مخالفة لزيادة الفعل.

وإن كان الإعلال مصيّرا له على لفظ الفعل لم يعلّ ، لئلّا يلتبس الاسم بالفعل. وذلك نحو قولك «هذا أطول منك» ؛ ألا ترى أنك لو أعللت فقلت «أطال» لالتبس بلفظ الفعل. وكذلك لو بنيت مثل «يفعل» و «تفعل» ، من القول والبيع ، لقلت «يقول» و «يبيع». و «تقول» و «تبيع». وكذلك أيضا لو ألحقت التاء لم تعتدّ بها ، وصحّحت الاسم ، فكنت تقول «يقولة» و «يبيعة» ، و «تقولة» و «تبيعة». وكذلك حكم ما هو على وزن الفعل ، وزيادته كزيادة الفعل. قال الشاعر :

جاؤوا بتدويرة ، يضىء وجوهنا

دسم السّليط ، على فتيل ذبال (1)

فأما «يزيد» اسم رجل فإنما اعتلّ من قبل أنه كان فعلا لزمه الإعلال ، ثم نقل من الفعل فسمّي به. فهو في المعتلّ نظير «يشكر» في الصحيح. وكذلك «تزيد» بالتاء. قال أبو ذؤيب :

يعثرن في حدّ الظّبات كأنّما

كسيت برود بني تزيد الأذرع (2)


1) البيت من البحر الكامل ، وهو لابن مقبل في ديوانه ص 257 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 449 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (دور) ، وبلا نسبة في الكتابة لسيبويه 4 / 352.

2) البيت من البحر الكامل ، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1 / 25 ، وخزانة الأدب للبغدادي 1 / 274 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 134 ، وشرح اختيارات المفضل للخطيب التبريزي ص 1708 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (زيد).

وإن كان مخالفا له في جنس الزيادة فإنه يعلّ إعلال الفعل الذي يكون على وقفه في الحركات وعدد الحروف ، لأنه قد أمن التباسه بالفعل. فتقول في «مفعل» من القول والقيام : «مقال» و «مقام». والأصل «مقول» و «مقوم» ، فأعللتهما كما أعللت «يخاف». وكذلك «مفعلة» من البيع تقول فيها «مبيعة». فتنقل الكسرة من حرف العلّة إلى الساكن قبله ، كما فعلت ذلك في نظيره من الفعل وهو «يبيع» ، وكذلك تقول في «مفعلة» من البيع ، على مذهب سيبويه ، لأنك إذا نقلت الضّمّة من الياء إلى الساكن قبلها جاءت الياء ساكنة بعد ضمّة قريبة من الطرف فعلى مذهب سيبويه تقلب الضّمّة كسرة لتصح الياء. وعلى مذهب الأخفش تقلب الياء واوا لأنه مفرد ، ولا تقلب الضّمّة عنده كسرة لتصحّ الياء إلّا في الجمع. فتقول على مذهبه «مبوعة». وتقول في «مفعلة» من القول «مقولة» ، فتعلّها كما تعلّ «يقول».

وكذلك تفعل بما خالفت زيادته زيادة الفعل ، أو كان فيه ما يقوم مقام الانفراد بالزيادة ، نحو بنائك من القول والبيع مثل «تحلىء». إلّا «مفعلا» فإنك لا تعلّه وذلك نحو «مفول» و «متيح». وذلك لأنه مقصور من «مفعال». فلم يعلّ كما لا يعلّ «مفعال» نحو «مفوال» ، كما لم يعلّ «عور» لأنه في معنى «اعورّ». ومما يبيّن أنّ «مفعلا» يمكن أن يكون مقصورا من «مفعال» كونهما في معنى واحد من المبالغة ، تقول «رجل مطعن» و «مطعان» إذا وصفته بكثرة الطعن ، وكونهما قد يتعاقبان على معنى واحد نحو «مفتح» و «مفتاح».

وقد شذّت ألفاظ فجاءت مصححة ، وبابها أن تعتلّ ، وهي «مزيد» و «مريم» و «مكوزة» و «مقودة». وحكى أبو زيد «وقع الصّيد في مصيدتنا» و «شراب مبولة» و «هي مطيبة» للنفس. وقرأ بعض القرّاء (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ) [البقرة : 103].

وذهب أبو العباس إلى أنّ نحو «مقام» و «مباع» إنما اعتلّ لأنه مصدر للفعل ، أو اسم مكان ، لا لأنه على وزن الفعل. وجعل «مزيد» و «مريم» و «مكوزة» على القياس ، لأنها ليس لها أفعال فتحمل في الإعلال عليها ، إنما هي أسماء أعلام.

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنه إن زعم أنه لا يعلّ إلا أسماء المصادر ، وأسماء الأزمنة والأمكنة ، فقد أعلّت العرب «معيشة» وهو اسم ما يعش به ، وليس باسم مصدر ، ولا زمان ، ولا مكان. وكذلك «المثوبة» وهو اسم ما يثاب به من خير أو شرّ. وإن زعم أنّ الذي يعلّ ما هو جار على الفعل - أعني مشتقّا منه بقياس مطرّد - فباطل ، لأنهم قد أعلّوا مثل «معيشة» ، وليس «مفعمة» مما عينه ياء مما يقال باطّراد. وإن زعم أنّ الذي يعلّ ما هو بالجملة مأخوذ من الفعل فهذه الأسماء ، وإن كانت أعلاما ، فإنها منقولة في الأصل

مما أخذ من الفعل. ف- «مزيد» في الأصل مصدر قد شذّ في تصحيحه ، وحينئذ سمّي به ، وكذلك «مريم» و «مكوزة». هذا هو المذهب الصحيح في الأعلام ، أعني : أنها كلّها منقولة ، سواء علم لها أصل نقلت منه أو لم يعلم ، لأنّ الأسماء الأعلام كلّها يحفظ لها في النكرات أصول نقلت منها ، وما لا يحفظ له أصل منها يحمل على الأكثر ، فيقضى بأنّ له أصلا وإن لم يحفظ. قال أبو عليّ ومما يبيّن أنّ الإعلال قد يكون في الاسم. بمجرّد كونه على وزن الفعل ، إعلالهم نحو «باب» و «دار» ، ولا مناسبة بينه وبين الفعل كثر من الوزن. فإذا تبيّن أنّ الوزن موجب للإعلال وجب أن يحمل «مزيد» وأخواته على الشذوذ ، لكونها لم تعتلّ ، وهي على وزن الفعل.

وإن كان الاسم على غير وزن الفعل لا يخلو من أن يكون جاريا على الفعل ، أو لا يكون. ونعني بالجاري : ما يكون للفعل من الأسماء باطّراد. فإن كان جاريا أعلّ بالحمل على الفعل. وذلك نحو «إفعال» مصدر «أفعل» ، و «استفعال» مصدر «استفعل». فإنك تنقل الفتحة من العين إلى الفاء الساكنة قبل ، ثم تقلب حرف العلّة ، لتحرّكه في الأصل وانفتاح ما قبله في اللفظ ، فيلتقي ألفان : الألف المبدلة من حرف العلّة والألف الزائدة قبل الآخر ، فتحذف الواحدة لالتقاء الساكنين. فمذهب الخليل وسيبويه أنّ المحذوفة الزائدة ، ومذهب الأخفش أنّ المحذوفة الأصليّة. وقد تقدّم أيّ المذهبين أحسن في مسألة «مفعول» ممّا عينه حرف علّة ، إذ الأمر فيهما واحد. فإذا حذفت عوّض منها تاء التأنيث ، إذ كانت التاء مما يعوّض من المحذوف نحو «زنادقة» ، وكانت أيضا مما لا يمتنع منها المصادر إذا أردت المرّة الواحدة نحو «ضربة» لفظه لفظ الضرب وزيادته كزيادة الفعل. وذلك نحو «إقامة» مصدر «أقام» ، و «استقامة» مصدر «استقام». وكذلك «انفعال» مصدر «انفعل» المعتلّ العين ، إن كان من ذوات الواو قلبت الواو ياء. وذلك نحو «انقياد» مصدر «انقاد». أصله «انقواد» ، فجعلت «قواد» من «انقواد» بمنزلة «قيام» فقلبت الواو ياء كما فعلت ذلك في «قيام». وسيبيّن لم قلبت الواو ياء في «قيام» وأمثاله.

فإن كانت هذه المصادر لفعل لم تعتلّ عينه صحّت كما يصحّ فعلها وذلك نحو «استحواذ» و «إغيال» مصدر «استحوذ» و «أغيلت».

وإن كان غير جار فلا يخلو من أن يسكن ما قبل حرف العلّة ، أو ما بعده ، أو ما قبله وما بعده ، أو يتحرّك ما قبله وما بعده.

فإن تحرّك ما قبله وما بعده فلا يخلو من أن تكون العين ياء ساكنة وقبلها ضمّة ، أو

واوا ساكنة وقبلها كسرة ، أو لا تكون. فإن لم تكن كذلك صحّت ، وذلك نحو «صورى» (1)و «حيدان» (2)و «ميلان» (3). وذلك أنّ ألف التأنيث لمّا لحقت «صور» ، والألف والنون لمّا لحقتا «حيد» و «ميل» ، وهي من خواصّ الأسماء ، أزالت الشّبه الذي بين هذه الأسماء في الوزن وبين الفعل ، فلم تعتلّ ، إلّا ألفاظ شذّت تحفظ ، ولا يقاس عليها. وهي «داران» (4)و «هامان» (5)، و «حادان» (6)، وذلك أنهم شبّهوا في هذه الأسماء الألف والنون بتاء التأنيث. فكما أنّ تاء التأنيث لا تمنع الإعلال في مثل «دارة» و «لابة» و «قارة» فكذلك الألف والنون. ووجه الشّبه بينهما أنك تحذفهما في الترخيم كما تحذف التاء. وكذلك أيضا تحقّر الاسم ولا تعتدّ بالألف والنون كما تفعل بالاسم الذي فيه تاء التأنيث.

فإن قيل : وما الدليل على أنّ «داران» و «هامان» و «حادان» : «فعلان». وهلّا جعلتها «فاعالا» نحو «ساباط»؟.

فالجواب : أنّ حمله على «فعلان» أولى ، لكثرته وقلّة «فاعال». وأيضا منع صرفها يدلّ على أنها «فعلان».

فإن كانت الواو ساكنة بعد كسرة فإنها تقلب ياء نحو «ثيران» جمع ثور. أصله «ثوران» فقلبت الواو ياء. وإن كانت الياء ساكنة بعد ضمّة فإنها تقلب واوا ، وإن كانت بعيدة من الطرف نحو «عوطط» (7)أصله «عيطط» ، لأنهم يقولون «عاط يعيط» و «عيّطته» ، فقلبت الياء واوا. إلّا «فعلى» مما عينه ياء فإنه لا يخلو أن يكون اسما أو صفة. فإن كان اسما قلبت الياء واوا نحو «طوبى» و «كوهى» (8)على القياس ، لأنها بعيدة من الطرف. وإن كانت صفة قلبت الضمة كسرة لتصحّ الياء ، قالوا «قسمة ضيزى» (9)وأصله «ضيزى» ، على وزن فعلى بضمّ الفاء. والدليل على ذلك أنه لا يحفظ في الصفات «فعلى» بكسر الفاء ، بل


1) صورى : اسم موضع. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (صور).

2) الحيدان : مصدر حاد عن الشيء : إذا مال عنه وعدل. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حيد).

3) الميلان : مصدر مال. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (ميل).

4) داران : اسم علم. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (دور).

5) هامان : اسم علم. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (بأج).

6) حادان : اسم علم. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حيد).

7) العوطط : الناقة التي لم تحمل سنين من غير علة. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (عوط).

8) الكوهى : اسم طائر. انظر إعراب ما ينصرف وما لا ينصرف ص 26.

9) الضيزى : الجائرة. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (ضيز).

بضمّها نحو «حبلى». وإنما قلبت الضمّة كسرة ، لأنهم لم يعتدّوا بألف التأنيث ، فجرت لذلك مجرى القريبة من الطرف ، واعتدّوا بها في الاسم كما اعتدّوا بها في «صورى» و «حيدى» ، فلم ينقلب حرف العلّة ألفا. وكان الذي سنّ ذلك فيهما كون الصفة أثقل من الاسم ، إذ الصفة من العلل المواضع للصرف ، فهي أدعى للتخفيف ، والياء أخفّ من الواو ، فقلبت الضمة كسرة لتصحّ الياء.

فإن سكن ما قبله ، أو ما بعده ، أو ما قبله وما بعده ، صحّ إلّا ما يستثنى بعد ، وذلك نحو «خوان» (1)، و «صوان» (2)، و «قوام» ، و «حوّل» (3)و «مقوال» ، و «مشوار» (4)، و «التّجوال» و «أقوال» و «أدواء». وكذلك «أهوناء» إنما صحّ لسكون ما قبله ، لا لأنّ زيادته كزيادة الفعل ، لأنّ ألف التأنيث أزالت عنه الالتباس الذي كان يكون فيه بالفعل ، لو أعلّ قبل لحاقها. وإنما صحّت العين في مثل هذه الأسماء ، لأنها لو قلبت ألفا لالتقى ساكنان ، فتحذف الألف ، فكان ذلك تغييرا كثيرا ، وكان مؤدّيا في بعض المواضع إلى الإلباس ؛ ألا ترى أنّك لو أعللت «قوولا» فقلبت واوه ألفا ثم حذفتها لصار اللفظ «قولا» على وزن «فعل» ، ولم يعلم هل هو «فعول» في الأصل. وأيضا فإنه ليس لها ما يوجب إعلالها ، إذ ليست على وزن الفعل ولا جارية عليه.

وقد أعلّ من هذا الفصل أشياء لأسباب أوجبت ذلك فيها ، وأنا أذكرها لك ، إن شاء الله.

فمن ذلك «فعال» إذا كان مصدرا لفعل معتلّ العين بالواو ، أو جمعا لمفرد عينه واو ، وقد سكنت الواو في مفرده ، أو اعتلّت بقلبها ألفا ، فإنك تقلب الواو ياء. وذلك نحو «قام قياما» و «سوط وسياط» و «دار وديار». والأصل «قوام» و «سواط» و «دوار».

فقلبت الواو في «قوام» ياء ، لانكسار ما قبلها ، مع الحمل على الفعل في الاعتلال ، مع أنّ الواو بعدها ألف وهي قريبة الشّبه من الياء. فلمّا اجتمعت هذه الأسباب خفّف اللفظ بقلب الواو ياء ، ولو نقص شيء من هذه الأسباب لم تقلب الواو ألفا ؛ ألا ترى أنّ «لواذا» صحّت واوه لحصّتها في «لاوذ» ، و «حول» صحّت واوه لكونها ليس بعدها ألف ، و «القوام» صحّت واوه لأنها ليس قبلها كسرة.


1) الخوان : المائدة التي يؤكل عليها ، فارسي معرّب. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (خون).

2) الصّوان : الوعاء الذي يصان فيه. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (صون).

3) الحوّل : المحتال شديد الاحتيال. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (حول).

4) المشوار : الموضع الذي تعسّل فيه النحل. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (شور).

وقلبت الواو في «سياط» و «ديار» لانكسار ما قبلها ، وكون الألف بعدها وهي تشبه الياء ، وكون الواو قد توهّنت في مفرد «سياط» بالسكون ، وفي مفرد «ديار» بقلبها ألفا ، وكون الكلمة جمعا والجمع ثقيل. ولو نقص شيء من هذه الأسباب لم تقلب الواو ياء ؛ ألا ترى أنّ «زوجة» صحّت واوه لأنها ليس بعدها ألف ، و «طوال» صحّت واوه لأنها متحرّكة في المفرد ، و «جوارب» جمع جورب صحّت واوه لأنها ليس قبلها كسرة. وزاد أبو الفتح في الشروط ألّا تكون العين في المفرد مضعّفة ، فإن كانت مضاعفة لم تنقلب الواو في الجمع ياء نحو «رواء» في جمع «ريّان». وإنّما صحّت لاعتلال اللّام بانقلابها همزة. فكرهوا إعلالها ، لما يلزم عن ذلك من توالي إعلالين. ويجوز عندي أن يكون «رواء» جمع «رويّ» لا جمع «ريّان» ، فتكون صحّة الواو في الجمع لما ذكرناه ، ولتحركها في المفرد.

وقد قلبت الواو في جمع «طويل» ، فقالوا «طيال» ، وذلك في الشعر ولا يقاس عليه. قال الشاعر :

تبيّن لي أنّ القماءة ذلّة

وأنّ أشدّاء الرّجال طيالها (1)

ومن ذلك «فعّل» إذا كان جمعا ، ولم يكن معتلّ اللّام ، فإنه يجوز قلب الواو الأخيرة ياء ، ثم تقلب الواو الأولى ياء ، وتدغم الياء في الياء حملا للعين على اللّام. وذلك نحو «صائم وصيّم وصوّم» و «جائع وجيّع وجوّع». قال الشاعر :

ومغرّض تغلي المراجل تحته

عجّلت طبخته ، لرهط جيّع (2)

يريد «جوّعا». والوجه ألّا تقلب. وذلك أنك كنت تقول في جمع عات : «عتيّ». فتقلب في الجمع لا غير. للعلة التي تذكر في موضعها. فلمّا كانت قريبة من الطرف شبّهت باللّام. ولك أيضا أن تقلب الضّمّة كسرة ، إذا قلبت الواو ياء ، فتقول «صيّم» ، كما فعلت ذلك في عصيّ. ولا يلزم ذلك كما لزم في «عصيّ» لبعد العين من الطّرف. فإن كان مفردا لم يجز القلب. وذلك نحو قولك «رجل حوّل». وإنما لم يجز القلب ، لأنّ الوجه فيما اعتلّت لامه فكانت واوا أن تثبت في المفرد ، نحو قولك «عتا يعتو عتوا». قال تعالى :


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لأنيف بن زبان في الحماسة البصرية 1 / 35 ، وشرح المفصل لابن يعيش 5 / 45 ، وشرح شواهد الشافية ص 385 ، ولأثال بن عبدة بن الطيب في خزانة الأدب للبغدادي 9 / 488 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك لابن هشام 4 / 886 ، وشرح الأشموني 3 / 844.

2) البيت من البحر الكامل ، وهو للحادرة في ديوانه ص 58 ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 3 / 219 ، وشرح الأشموني 3 / 870 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (جوع).

(وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً) [الفرقان : 21]. وإذا كان الوجه في اللّام أن تثبت لم يجز في العين إلّا الثبات ، لأنّ العين أقوى من اللّام. وكذلك أيضا لا يجوز قلب الواو الواقعة عنها في الجمع ، إذا كانت اللّام معتلّة ، كراهية توالي الإعلال من جهة واحدة. وذلك نحو «شاو وشوىّ».

فأمّا «فعّال» نحو «صوّام» فلا تقلب الواو فيه ياء ، لبعدها من الطرف. وقد جاء حرفان شاذّان ، وهما : قولهم «فلان في صيّابة قومه» ، يريدون «صوّابة» ، أي : صميمهم وخالصهم. وهو من «صاب يصوب» إذا نزل. كأنّ عرقه فيهم قد شاع وتمكّن. وقولهم : «نيّام» بمعنى «نوّام» جمع نائم. أنشد ابن الأعرابيّ :

ألا طرقتنا ميّة بنت منذر

فما أرّق النّيام إلّا سلامها (1)

ومن ذلك «فيعل» نحو «سيّد» و «ميّت» و «ليّن». فإنه إن كان من ذوات الياء أدغمت الياء في الياء من غير تغيير. وإن كان من ذوات الواو قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. فمن ذوات الياء «ليّن» ، ومن ذوات الواو «سيّد» و «ميّت». وإن شئت حذفت الياء المتحرّكة تخفيفا ، فقلت «سيد» و «ميت» و «لين» ، لاستثقال ياءين وكسرة. والفارسيّ لا يرى التخفيف في ذوات الياء قياسا ، فلا تقول في «بيّن» : «بين». قياسا على «لين» ، ويقيس ذلك في ذوات الواو. وحجّته أنّ ذوات الواو قد كانت الواو فيها قد قلبت ياء فخفّفت بحذف أحدى الياءين منها ، لأن التغيير يأنس بالتغيير ؛ ألا ترى أنهم يقولون في النسب إلى «فعيل» «فعيليّ» فلا يحذفون الياء ، ويقولون في النسب إلى «فعيلة» : «فعليّ» فيحذفون الياء ، لحذفهم التاء.

وزعم البغداديون أنّ «سيّدا» و «ميّتا» وأمثالهما في الأصل على وزن «فيعل» بفتح العين ، والأصل «سيّد» و «ميّت» ، ثم غيّر على غير قياس ، كما قالوا في النّسب إلى «بصرة» «بصريّ» فكسروا الباء والذي حملهم على ذلك أنه لم يوجد «فيعل» في الصحيح مكسور العين ، بل يكون مفتوحها نحو «صيرف» و «صيقل».

وهذا الذي ذهبوا إليه فاسد ، لأنه لا ينبغي أن يحمل على الشذوذ ما أمكن. وأيضا فإنه لو كان كتغيير «بصريّ» لم يطرّد. فاطّراده في مثل «سيّد» و «ميّت» و «ليّن» و «هيّن» و «بيّن» دليل على بطلان ما ذهبوا إليه فأمّا مجيئه على «فيعل» مع أنّ الصحيح لم يجىء


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لذي الرمة في ديوانه ص 1003 ، وخزانة الأدب للبغدادي 3 / 419 ، وشرح شواهد الشافية ص 381 ، وشرح المفصل لابن يعيش 10 / 93 ، والمنصف لابن جني 2 / 5 ، ولأبي النجم الكلابي في شرح التصريح للشيخ خالد الأزهري 2 / 383.

على ذلك فليس بموجب لادّعاء أنه في الأصل مفتوح العين ، لأنّ المعتلّ قد ينفرد ، في كلامهم ، ببناء لا يوجد في الصحيح. وذلك نحو «قرية» قالوا في جمعه «قرى» ، ولا يجمع «فعل» من الصحيح على «فعل» بضمّ الفاء أصلا. وكذلك «قاض» و «غاز» قالوا في جمعهما «قضاة» و «غزاة» ، فجمعوهما على «قعلة» بضم الفاء ، ولا يجمع الصحيح اللام إلّا بفتح الفاء ، نحو «ظالم وظلمة» و «كافر وكفرة».

فإن قيل : إنّ «قضاة» على ما ذهب إليه الفرّاء من أنها «قضّى» في الأصل نحو «ضارب وضرّب» ، ثم أبدلوا من أحد المضعّفين ألفا فقالوا «قضاا» ، فالتقى ألفان : الألف التي هي لام ، والألف المبدلة من أحد المضعّفين ، فحذفوا إحداهما ، ثم أبدلوا منها التاء؟.

فالجواب : أن يقال : إنّ إبدال الألف من أحد المضعفين ليس بقياس واطراد «قضاة» و «غزاة» و «رماة» يدلّ على بطلان ما ذهب إليه ، إذ لو كان كما ذهب إليه لم يطرّد.

وذهب الفرّاء إلى أنّ الأصل في «سيّد» : «سويد» على وزن «فعيل» ، ثم قلب فأدغم.

وكذلك ما كان نحوه. وجمله على ذلك عدم «فيعل» بكسر العين في الصحيح.

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، ، لأنّ القلب ليس بقياس ، وأيضا فإنه لم يجىء على الأصل في موضع. ولو كان الأمر كما ذكر لسمع «سويد» و «مويت». وأيضا فإن «فعيلا» لا يحفظ ممّا عينه ياء ، ولامه حرف صحّة ؛ ليس في كلام العرب مثل «كييل» ، فإذا حمل «بيّنا» و «ليّنا» على أنّ الأصل فيهما «ليين» و «بيين» فقد ادّعى شيئا لا يحفظ في كلام العرب مثله. وقد بيّنّا أنّ المعتلّ ينفرد بالبناء لا يكون للصحيح ، فينبغي أن يبقى في «سيّد» وبابه على الظاهر من أنه «فيعل». وأيضا فإنّ الفرّاء والبغداديين إنما راموا أن يجعلوا المعتلّ على قياس الصحيح ، ولا يفرد المعتلّ بما لا يكون في الصحيح ، ثم حملوه على ما لم يثبت في الصحيح ؛ ألا ترى أنّ «فيعلا» في الصحيح لا تكسر عينه ، وكذلك عين «فعيل» في الصحيح لا تقلب. فدلّ ذلك على فساد مذهبهم.

ومن ذلك «فيعلولة» ، فإنه إن كان من ذوات الياء أدغمت الياء في الياء ، ثم حذفت الياء المتحركة ، استثقالا للياءين مع طول البناء. وإن كان من ذوات الواو قلبت الواو ياء ، ثم أدغمت الياء في الياء ، ثم حذفت الياء المتحرّكة. وإنما التزم في «فيعلولة» الحذف. لأنه قد بلغ الغاية في العدد إلّا حرفا واحدا ؛ ألا ترى أنه على ستّة أحرف ، وغاية الأسماء أن تنتهي بالزيادة إلى سبعة أحرف. فلمّا كان الحذف في «فيعل» جائزا لم يكن في هذا الذي قد زاد ثقلا ، بالطول ، إلّا الحذف. وذلك نحو «كيّنونة» و «قيّدودة».

فإن قيل : وما الذي يدلّ على أنّ «كينونة» (1)و «قيدودة» (2)، وأمثالهما في الأصل «فيعلولة»؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على ذلك شيئان : أحدهما : أنهما من ذوات الواو ، فلو لا أنّ الأصل ذلك لقيل «قودودة» و «كونونة» ، إذ لا موجب لقلب الواو ياء. والآخر أنّه ليس في كلام العرب «فعلولة» ، على ما تقدّم في الأبنية.

فإن قيل : فإنهما مصدران ، وليس في المصادر ما هو على وزن «فيعلولة»؟.

فالجواب : أنّ «فيعلولة» قد ثبت في غير المصادر ، نحو «خيسفوجة» (3)، ولم يثبت «فعلولة» في موضع من المواضع. فحمله على ما ثبت في بعض المواضع أحسن ، إن أمكن. وإلّا فقد يجيء المعتلّ على بناء لا يكون للصحيح ، كما قدّمنا.

وزعم الفرّاء أنهما في الأصل «كونونة» و «قودودة» بضمّ الفاء ، وكذلك «صيرورة» و «طار طيرورة» ، ثم قلبت الضّمّة فتحة في «صيرورة» و «طيرورة» لتصحّ الياء. ثم حملت ذوات الواو على ذوات الياء ، ففتحوا الفاء وقلبوا الواو ياء ، لأنّ مجيء المصدر على «فعلولة» أكثر ما يكون في ذوات الياء ، نحو «صيرورة» و «سيرورة» و «طيرورة» و «بينونة».

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، من جهات :

منها : أنّ ادّعاء قلب الضمّة فتحة لتصحّ الياء مخالف لكلام العرب. بل الذي اطّرد في كلامهم أنه إذا جاءت الياء ساكنة بعد ضمّة قلبت واوا ، نحو قولهم «موقن» و «عوطط» (4)وهما من اليقين والتّعيّط.

ومنها : أنّ الضّمّة إذا قلبت لتصحّ الياء فإنما تقلب كسرة ، كما فعلوا في «بيض» ، لا فتحة.

فإن قيل : لم يقلبوها كسرة ، استثقالا للخروج من كسر إلى ضمّ؟.

فالجواب : أنّ الكسر إذا كان عارضا فلا يكرهون الخروج منه إلى ضمّ ، نحو «بيوت» و «شيوخ».


1) الكينونة : مصدر كان يكون. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (كون).

2) القيدودة : مصدر قاد يقود. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (قود).

3) الخيسفوجة : رجل السفينة. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (خسفج).

4) العوطط : الناقة التي لم تحمل سنين من غير علة. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (عوط).

ومنها : أنّ حمله ذوات الواو على ذوات الياء ليس بقياس مطرّد. أعني أنه إذا كثر أمر ما في ذوات الياء ، ثم جاء منه في ذوات الواو شيء ، لم يوجب ذلك حمل ذوات الواو على الياء ، وإن فعل ذلك فشذوذا ؛ ألا ترى أنّ كثرة «فعالة» ، في المصادر من ذوات الياء نحو «السّقاية» و «الرّماية» و «النّكاية» ، وقلّتها من ذوات الواو ، لم تخرج «جباوة» عن الشذوذ.

ومنها : أنّ ما ادّعاه ، من أنّ «فعلولة» في ذوات الواو قد كثر ، غير مسلّم. بل هذا الوزن في المصادر قليل في ذوات الياء والواو. وما جاء في ذوات الواو كالمعادل لما جاء منه في ذوات الياء.

ومما يدلّ على صحّة مذهب سيبويه ما حكي من مجيء «كيّنونة» على الأصل. أنشد المبرّد :

قد فارقت قرينها القرينه

وشحطت ، عن دارها ، الظّعينه (1)

يا ليت أنّا ضمّنا سفينه

حتّى يعود الوصل كيّنونه

وما عدا هذه المستثنيات ممّا سكن ما قبله ، أو ما بعده ، أو ما قبله وما بعده ، فلا يعلّ أصلا بأكثر من أن تقلب الواو فيه ياء ، إذا اجتمعت مع الياء وقد تقدّم أحدهما بالسكون. فإذا قلبت الواو ياء أدغمت الياء في الياء. وذلك نحو «فيعول» من القيام ، تقول فيه «قيّوم». وكذلك «فيعال» نحو «قيّام». الأصل فيهما «قيووم» و «قيوام» ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء.

وكذلك تفعل في كلّ عين ، تكون واوا فتجتمع مع ياء ، ويسبق أحدهما بالسكون ، إلّا أن يشذّ من ذلك شيء نحو «ضيون» (2)، أو يكون أحدهما مدّة فإنك لا تدغم. فلو بنيت مثل «فوعل» من القول لقلت «قوول» ولم تدغم لأنّ الواو مدّة ، وقد تقدّم السبب في ذلك في الفعل.

فإن جمعت اسما معتلّ العين على وزن «مفاعل» أو «مفاعيل» فإنك تبقي العين على أصلها ، من ياء أو واو ، ولا تعلّ. إلّا أن تقع في الجمع حسب ما كانت عليه في المفرد


1) البيتان من الرجز ، وهما بلا نسبة في الأشباه والنظائر للسيوطي 5 / 205 ، والإنصاف للأنباري ص 797 ، وشرح شواهد الشافية ص 392 ، والمنصف لابن جني 2 / 15 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (كون).

2) الضّيون : السّنّور. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (ضون).

معتلّة ، نحو قولك في «قائم» : «قوائم» ، فتقلب العين همزة كما قلبت في «قائم» ، لأنها بعد ألف زائدة في الجمع كما كانت في المفرد. أو يكتنف ألف الجمع واوان أو ياءان أو واو وياء. بشرط القرب من الطّرف. وقد تقدّم إحكام ذلك في البدل ، وذلك نحو قولك في جمع «فعّل» من القول نحو «قوّل» : «قوائل» ، وفي جمع «فيعل» نحو «قيّل» : «قيائل» ، وفي جمع «فعّل» من البيع : «بيائع».

فإن لم تقع في الجمع على حسب ما اعتلّت عليه في المفرد ، ولا اكتنف ألف الجمع حرفا علّة ، فإنك تبقي العين على أصلها من واو أو ياء. فتقول في جمع «مقول» : «مقاول» ، وفي جمع «مقام» : «مقاوم» ، وفي جمع «معيشة» : «معايش» إلّا لفظة واحدة شذّت فيها العرب ، وهي «مصيبة» ، قالوا في جمعها : «مصائب» فهمزوا العين ، وكان ينبغي أن يقال في جمعها «مصاوب» ، لأنها من ذوات الواو. ووجه إبدالهم من العين همزة أنهم شبّهوا الياء في «مصيبة» لسكونها وانكسار ما قبلها ، بالياء الزائدة في مثل «صحيفة». فكما قالوا في «صحيفة» : «صحائف» ، فكذلك قالوا في «مصيبة» : «مصائب». هذا مذهب سيبويه ومذهب الزجّاج أنهم قالوا «مصاوب» ، ثم أبدلوا من الواو المكسورة همزة تشبيها لها ، حشوا ، بها في أوّل الكلام. وقد تقدّم في البدل ترجيح مذهب الزّجّاج على مذهب سيبويه.

هذا حكم العين المعتلّة إذا كانت اللّام حرفا صحيحا ليس الهمزة. فإن كانت اللّام همزة فلا تخلو الفاء ، إذ ذاك ، من أن تكون همزة أو لا تكون.

فإن كانت همزة فإنه لا يجيء منه شيء في الأفعال ، لأنّ حروفه كلّها تعتلّ ؛ ألا ترى أنّ الألف من حروف العلّة ، وكذلك الهمزتان فكما لا تكون حروف الفعل كلّها معتلّة فكذلك لا تكون عينه حرف علّة وفاؤه ولامه همزتان. وإنما يجيء في الأسماء ؛ قالوا «آء» وهو شجر. ونظيره من الأسماء في اعتلال جميع حروف «واو».

وإن لم تكن الفاء همزة فحكمه حكم ما لامه غير همزة ، إلّا فيما أستثنيه لك :

من ذلك اسم الفاعل في نحو «جاء» ، فإنه يخالف اسم الفاعل من «قام» وأمثاله ، في أنك إذا أبدلت من العين همزة ، كما فعلت ذلك في «قائم» وأمثاله ، اجتمع لك همزتان - الهمزة التي هي لام والهمزة المبدلة من العين - فتبدل من الهمزة الثانية ياء ، لانكسار ما قبلها. هذا مذهب سيبويه. ومذهب الخليل أنهم قلبوا اللّام في موضع العين ، فلم تلتق همزتان.

فإن قيل : وما الذي حمل الخليل على ادعاء القلب؟.

فالجواب : أنّ الذي حمله على ذلك كثرة العمل الذي في مذهب سيبويه ؛ ألا ترى أنّ «جائيا» في مذهب سيبويه أصله «جايىء» ثم «جائىء» ثم «جائيء» ثم «جاء» ، وفي مذهب الخليل أصله «جايىء» ، فقلب فصار «جائيء» ثم «جاء». فمذهب سيبويه فيه زياد عمل على مذهب الخليل. فلذلك تكلّف القلب ، إذ كانوا يقلبون فيما لا يؤدّي فيه عدم القلب إلى اجتماع همزتين ، نحو قولهم «شاك» و «لاث» والأصل فيهما «شائك» و «لائث».

وكلا المذهبين عند سيبويه حسن. ورجّح الفارسيّ مذهب الخليل على المذهب الأوّل ، بأنه يلزم في مذهب سيبويه توالي إعلالين على الكلمة من جهة واحدة ، وهما قلب العين همزة ، وقلب الهمزة التي هي لام ياء. وتوالي إعلالين على الكلمة ، من جهة واحدة ، لا يوجد في كلام العرب إلّا نادرا في ضرورة الشعر ، نحو قوله :

وإنّي لأستحيي وفي الحقّ مستحى

إذا جاء باغي العرف أن أتنكّرا (1)

أصل «مستحى» : «مستحيي» فتحركت الياء الأخيرة ، وما قبلها مفتوح ، فقلبت ألفا فصار «مستحيا». ثم أعلّوا الياء التي هي عين بنقل حركتها إلى الساكن قبلها ، وقلبها ألفا ، فالتقى ساكنان فحذف أحدهما. ولا يلزم في مذهب الخليل إلّا القلب ، والقلب أكثر ، في كلام العرب من توالي الإعلالين على الكلمة ، حتى إنّ يعقوب قد وضع كتابا في «القلب والإبدال».

وهذا الترجيح حسن ، إلّا أنّ السماع يشهد للمذهب الأوّل. وذلك أنّ من العرب من يقول : «شاك» و «لاث» ، فيحذف العين من «شائك» و «لائث». ومنهم من يقول «شاك» و «لاث» ، كما تقدّم ، فيقلب. والذي من لغته القلب ليس من لغته الحذف. وكلهم يقول «شائك» و «لائث». فلمّا وجدنا العرب كلّها تقول «جاء» ، ولا تحذف ، علمنا أنه في لغة الحاذفين على أصله ، إذ ليس من لغتهم القلب ، ومن لغتهم البقاء على الأصل. وأمّا في لغة القالبين في «شاك» و «لاث» فيحتمل أن يكون مقلوبا ، ويحتمل أن يكون باقيا على أصله. فقد حصل إذا ما ذهب إليه سيبويه سماعا. وما ذهب إليه الخليل ليس له من السماع ما يقطع به ، فهو محتمل.


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لابن مقبل في تهذيب اللغة للأزهري ، ولسان العرب لابن منظور ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (سمح) ، ومنتهى الطلب لابن ميمون ص 31 ، وبلا نسبة في التمام لابن جني ص 15.

ومن ذلك الجمع ، فإنه يوافق جمع ما لامه غير همزة ، في جميع ما ذكر. فتقول في جمع «جاء» : «جواء» ، كما تقول في جمع «قائم» : «قوائم». والأصل «جوائيء» فقلبت الهمزة الثانية ياء لاجتماع الهمزتين. وعلى مذهب الخليل «جواييء» فقلبت الهمزة. وتقول في جمع «مجيئ» : «مجايئ» ، كما تقول في جمع «مبيع» : «مبايع» ، إلّا أن يؤدّي الجمع إلى وقوع همزة عارضة بعد ألف الجمع - أعني لم تكن في حال الإفراد - فإنك إذا قلبت الهمزة الثانية ياء فإنك تحوّل كسرة الهمزة التي هي عين فتحة ، فتجيء الياء متحركة وما قبلها مفتوح ، فتقلب ألفا. فتجيء الهمزة متوسّطة بين ألفين ، والهمزة قريبة الشّبه من الألف ، فتجيء الكلمة كأنها اجتمع فيها ثلاثة أمثال ، فتقلب الهمزة ياء فرارا من اجتماع الأمثال. وذلك نحو «فعّل» من المجيء نحو «جيّأ» فإنك تقول في جمعه «جيايا». والأصل «جيايىء» ، فاكتنف ألف الجمع ياءان ، فقلبت الثانية همزة فقالوا «جيائىء» ، فقلبت الهمزة الثانية ياء لاجتماع الهمزتين وانكسار ما قبل الثانية فقالوا «جيائي» ، ثم حوّلوه إلى «جياءي» ، فتحرّكت الياء وما قبلها مفتوح فقلبت ألفا ، فصار «جياءى» - وكان هذا التحويل لازما إذا كانوا قد يحوّلون في مثل «صحارى» مع أنه أخفّ من «جياءى» ، لأنه لم تعرض فيه همزة كما عرضت في «جياءى». وإنما لزم تحويله ، لمّا عرضت فيه الهمزة ، لأنّ عروضها تغيير ، والتغيير يأنس بالتغيير - ثم قلبت الهمزة ياء فصار «جيابا». وإنما لزم الهمزة ياء لمّا وقعت بين ألفين ، لأنّ مخرج الهمزة يقرب من مخرج الألف ، فكان كالتقاء ثلاث ألفات. وكذلك تفعل بكلّ ما تعرض فيه الهمزة من الجمع. فأما قوله :

*سماء الإله فوق سبع سمائيا (1)

له ما رأت عين البصيرة وفوقه

وهو لأمية بن الصلت في ديوانه ص 70 ، وخزانة الأدب للبغدادي 1 / 244 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 304 ، والكتاب لسيبويه 3 / 315 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (سما).

*

فإنه ردّه إلى أصله ، لمّا اضطرّ ، كما تردّ جميع الأشياء إلى أصلها ، عند الضرورة.

ومن ذلك «أشياء». فمذهب سيبويه والخليل أنّها «لفعاء» مقلوبة من «فعلاء» ، والأصل «شيئاء» من لفظ «شيء» ، وهو اسم جمع ك- : «قصباء» (2)و «طرفاء» (3)، ومذهب الكسائيّ أنها «أفعلاء» جمع «شيء». ومذهب الفرّاء والأخفش أنها «أفعلاء» والأصل


1) عجز بيت من البحر الطويل ، وصدره :

2) القصباء : واحدتها : قصبة ، وهي كل نبات ذي أنابيب. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (قصب).

3) الطرفاء : شجر. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (طرف).

«أشيئاء» ، فحذفت الهمزة التي هي لام وانفتحت الياء لأجل الألف. ويخالف الفراء أبا الحسن في «شىء» الذي هو مفرد «أشياء». فمذهب أبي الحسن أنه «فعل» ك- «بيت» ، ومذهب الفرّاء أنه مخفّف من «فيعل» ، والأصل «شيّىء» فخفّف «ميّت» و «هيّن» ، فقالوا «ميت» و «هين».

فالذي يردّ به على الكسائيّ أنه لو كان «أفعالا» لكان مصروفا «شيء» : «شيّىء» وذلك لم ينطق به في موضع من المواضع. ولو كان «شيء» ك- «ميت» و «هين» لجاء على أصله ، في موضع من المواضع.

فثبت إذا أنّ الأحسن مذهب الخليل. إذ ليس فيه أكثر من القلب ، والقلب كثير في كلامهم.

ومن ذلك «أشاوى» في معنى «شياء». حكي من كلامهم «إنّ لك عندي لأشاوى».

وفيها خلاف أيضا :

فمذهب المازنيّ أنها جمع «أشياء». وكان الأصل أن يقال «أشايا» ، فأبدلت الياء واوا شذوذا ، كما قالوا «جبيت الخراج جباوة». ففيها - على هذا - شذوذان : قلب اللّام إلى أوّل الكلمة ، وقلب الياء واوا.

ومذهب سيبويه أنها جمع «إشاوة» وإن لم ينطق بها. وتكون «إشاوة» المتوهّمة كأنها في الأصل «شياءة» فقلبت اللّام إلى أول الكلمة ، وأخّرت العين إلى موضع اللام ، وأبدلت الياء واوا. فلمّا جمعوا فعلوا به ما يفعل ب- : «علاوة» (1)- وسيذكر ذلك في المعتلّ اللّام - فقالوا «أشاوى» كما قالوا «علاوى». ورأى سيبويه أنّ هذا أولى ، ليكون الشّذوذ في المتوهّم - وهو المفرد الذي لم ينطق به - ثم يجيء الجمع على قياس المفرد : وإذا جعلنا «أشاوى» جمع «أشياء» كان الشّذوذ في الملفوظ به. وأيضا فإنّ أبا الحسن الأخفش حكى أنّ العرب التزمت فيه الفتح ، فلم يقولوا «أشاو» ك- «صحار» ، فدلّ ذلك على أنه ليس جمع «أشياء» بل جمع «إشاوة» ولذلك التزم فيه الفتح كما التزم في جمع «إداوة» و «هراوة» وأمثالهما.

وذهب بعض النحويّين إلى أنّ «أشاوى» غير مقلوب ، وأنّ الواو غير مبدلة من ياء. وجعله من تركيب «أش و» ، وقد جاء ذلك في قول الشاعر :


1) العلاوة : أعلى الرأس ، وقيل : أعلى العنق ، وقيل : رأس الإنسان ما دام في عنقه. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (علا).

وحبّذا حين تمسي الرّيح باردة

وادي أشيّ وفتيان به هضم (1)

ف «أشيّ» في الأصل «أشيو» لأنّ اللّام الغالب عليها إذا كانت حرف علّة أن تكون واوا. فتكون على هذا موافقة ل- «أشياء» في المعنى ، ومخالفة لها في الأصل. فيكون ذلك من باب «لؤلؤ ولأآل» و «سبط وسبطر». وذلك قليل جدّا.

ومن ذلك «سواية» ، أعني أنه شذّ عن القياس ، بحذف الهمزة منه التي هي لام. والأصل «سوائية». وقد تقدّم.

ومن ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم «غفر الله مسائيتك» جمع «مساءة». والأصل «مساوئتك» فقلب فصار «مسائوئك». فجاءت الواو طرفا بعد كسرة فقلبت ياء ، وألحقت التاء التي تلحق لتأنيث الجمع ، فصار «مسائيتك».

فهذه المستثنيات لا يقاس على شيء منها.

[المعتل اللام]

فأما المعتلّ اللّام فلا يخلو أن يكون اسما أو فعلا. فإن كان فعلا فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف ، أو على أزيد. فإن كان على ثلاثة أحرف فإنه يكون على «فعل» و «فعل» و «فعل» بفتح العين وضمّها وكسرها :

أما المفتوحة العين والمكسورتها فإنها تكون في ذوات الواو والياء. فمثال «فعل» من الياء «رمى» ، ومن الواو «غزا». ومثال «فعل» من الواو «شقي» ، ومثاله من الياء «عمي».

وأما المضمومة العين فلا توجد إلّا في الواو نحو «سرو». ولا توجد في الياء إلّا في التعجّب نحو «لقضو الرّجل» (2)، أصله «لقضي» ، فقلبت الياء واوا ، لانضمام ما قبلها ، لأنّ الياء وقبلها الضمّة بمنزلة الياء والواو. فكما أنّ اجتماع الياء والواو ثقيل فكذلك الياء إذا كان قبلها ضمّة ، لا سيّما والياء في محل التغيير. وهو الطّرف. فلم يكن بدّ من قلب الياء حرفا من جنس الضمة وهو الواو ، أو قلب الضمّة كسرة لتصحّ الياء ، ، فلم يمكن قلب الضمّة كسرة كراهية أن يلتبس «فعل» ب- «فعل». فقلبت الياء واوا.


1) البيت من البحر البسيط ، وهو للمرار بن منقذ في جمهرة اللغة لابن دريد ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (أشي).

2) يقال : لقضو الرجل ، إذا بالغت في الخبر عنه بجودة القضاء. انظر المنصف لابن جني 1 / 307.

فإن قيل : ولأيّ شيء امتنع بناء «فعل» من ذوات الياء؟.

فالجواب : أنّ الذي منع من ذلك أنهم لو فعلوا ذلك لأدّى إلى الخروج من الخفيف إلى الثقيل ، لأنه يلزم فيه كما ذكرنا - قلب الياء واوا ، والياء أخفّ من الواو ، مع أنه يلزم أن يكون المضارع على «يفعل». فكنت تقول «رمو يرمو» ، فيجتمع لك في الماضي والمضارع ضمّة وواو ، وذلك ثقيل. وليس كذلك ذوات الواو ، لأنه لا يلزم فيها أكثر من ثقل الواو والضمّة نحو «سرو يسرو» ، إذ ليس يلزم فيها خروج من خفيف إلى ثقيل وإنما ساغ ذلك في فعل التعجب ، لأنه لا مضارع له ، فقلّ فيه الثقل لذلك. وأيضا فإنه يشبه الأسماء ، ولذلك صحّحوا الفعل في نحو «ما أطوله» ، تشبيها له ب- «أطول منه». فكذلك أيضا قلبوا الياء في مثل «رمو» ، إذا أرادوا التعجّب ، واوا تشبيها له ب- «فعلة» ، ممّا لامه ياء ، إذا بنيت على التأنيث ، نحو «رموة» من الرمي.

فإن قيل : وكيف شبّهت الياء المتطرّفة في الفعل بالياء غير المتطرّفة في الاسم ، بل كان يجب أن تشبّه بالياء المتطرّفة ، فكما أنّ الياء المضموم ما قبلها ، إذا كانت في آخر الاسم ، تقلب الضمّة كسرة نحو «أظب» جمع ظبي ، فكذلك كان يجب فيما أشبهه من الفعل؟.

فالجواب : أنّ الذي منع من قلب الياء المضموم ما قبلها واوا في آخر الاسم أنّ الواو المضموم ما قبلها في آخر الاسم مستثقلة ، وهي مع ذلك معرّضة لأن تليها ياء النسب وياء الإضافة ، نحو «أدلويّ» و «أدلوي» لو ثبتت الواو. والفعل ليس بمعرّض لذلك ، فلم يستثقل أن يكون آخره واوا مضموما ما قبلها ، كما استثقل ذلك في الاسم. فلذلك شبّه «رمو» في التعجّب ب- «فعلة» من الرّمي نحو «رموة» ، لأن الواو إذ ذاك لا تليها ياء الإضافة كما أنّ الفعل كذلك.

فإن كان الفعل على «فعل» بضمّ العين فإنّ لامه تصحّ نحو «سرو» ، إذ لا موجب للإعلال فيه ، لأنّ الضمة مع الواو بمنزلة واوين. فكما تصحّ الواوان في مثل «عدّو» فكذلك تصحّ الواو المضموم ما قبلها في آخر الفعل ، إلّا أن يكون من ذوات الياء ، فإنه يصنع به ما ذكرنا من قلب الياء واوا ، لما تقدّم من ثقل الياء وقبلها الضمة ، نحو «لقضو الرّجل». فإن خففّت العين فقلت «لقضو الرّجل» أبقيت الواو على أصلها ، لأنّ التسكين عارض. وأيضا فإنّ الفعل إذا لزم فيه الإعلال في بعض المواضع حملت سائر المواضع على ذلك ، وإن لم يكن فيها موجب ، نحو «أعزيت» قلبت فيه الواو ياء حملا على «يغزي» ، وإن لم يكن في «أغزيت» ما في «يغزي» من انكسار ما قبل الواو المتطرّفة.

فكذلك قلبت الياء في «لقضو» واوا حملا على «لقضو» ، وإن لم يكن في لغة المخفّف ما قبل الياء مضموما.

فإن كان الفعل على «فعل» بكسر العين فلا يخلو من أن يكون من ذوات الياء ، أو من ذوات الواو :

فإن كان من ذوات الياء بقي على أصله ولم يعتلّ ، نحو «غنيت» من الغنية ، كما لم يعتلّ ما في آخره واو قبلها ضمّة. بل إذا صحّت الواو في مثل «سرو» فالأحرى أن تصحّ الياء في مثل «غني». لأنّ الياء وقبلها الكسرة أخفّ من الواو وقبلها الضمّة.

وإن كان من ذوات الواو قلبت الواو ياء ، نحو «شقي» و «رضي» ، لأن الواو وقبلها الكسرة بمنزلة الياء والواو ، لأنّ الكسرة بعض الياء. فكما أنّ الياء والواو إذا اجتمعتا في مثل «سيد» و «ميّت» قلبت الواو ياء ، والأصل «سيود» و «ميوت» ، فكذلك يفعل بالكسرة مع الواو. فإن سكّنت العين قلت «شقي» و «رضي» ولم تردّ الواو ، لأنّ الإسكان عارض. وأيضا فإنك تحمل التخفيف على التحريك ، كما فعلت ذلك في «لقضو» للعلّة التي ذكرنا.

وإن كان الفعل على وزن «فعل» بفتح العين فإنك تقلب حرف العلصة ألفا - ياء كان أو واوا. نحو «غزا» و «رمى» من الغزو والرمي. والسبب في ذلك اجتماع ثقل المثلين ، أعني فتحة العين واللّام ، مع ثقل الياء أو الواو ، فقلبت الياء والواو ألفين لخفّة الألف ، ولأنها لا تتحرّك فيزول اجتماع المثلين ، ولأنّه ليس للياء والواو يقلبان إليه ، أقرب من الألف ، لاجتماعهما معها في أنّ الجميع حروف علّة ولين. وأيضا فإنه لمّا قلبت الواو إذا كان قبلها كسرة حرفا من جنس الحركة التي قبلها ، وهو الياء في نحو «رضي» ، والياء المضموم ما قبلها حرفا أيضا من جنس الحركة التي قبلها ، وهو الواو في نحو «لقضو» ، كذلك قلبت الياء والواو ، إذا انفتح ما قبلهما ، حرفا من جنس الحركة التي قبلهما ، وهو الألف.

فإن بني شيء ، من هذه الأوزان الثلاثة ، للمفعول صيّر الفعل على وزن «فعل» بضمّ أوّله وكسر ثانيه. فإن كان من ذوات الياء لم يعتلّ ، كما لم يعتلّ «فعل» ، نحو «عني بزيد» و «رمي السّهم». وإن كان من ذوات الواو قلبت الواو ياء ، لانكسار ما قبلها ، نحو «شقي به» و «غزي العدوّ» ، كما قلبت في «فعل» نحو «شقي». فإن خفّفت العين بقيت الياء ولم ترجع الواو نحو «غزي» ، كما لم ترجع في «رضي» إذا خفّفت. والدليل ، على أنّ الفعل بعد التخفيف يبقى على حكمه قبل التخفيف ، قوله :

تهزأ منّي أخت آل طيسله

قالت : أراه دالفا ، قددني له (1)

يريد «قد دني له» وهو من «دنوت» ، فأسكن النون ، وأقرّ الياء بحالها.

فإن اتّصل بشيء من هذه الأفعال علامة تأنيث فإنه يبقى على ما كان عليه ، إن كان لامه في اللفظ ياء أو واوا ، نحو «سرو» و «رضي» و «غزي» ، نحو «سروت المرأة» و «رضيت هند» و «غزيت الأعداء». وإن كان لامه ألفا حذفت لالتقاء الساكنين ، نحو «رمت هند» وإن تحرّكت التاء لالتقاء الساكنين لم ترجع الألف ، لأنّ التحريك عارض ، نحو «رمت المرأة» و «الهندان رمتا».

ومن العرب من يعتدّ بالحركة في «رمتا» ، وإن كانت عارضة ، لشدّة اتّصال الضمير بما قبله حتّى كأنه بعضه ، فيردّ الألف فيقول «رماتا». وذلك ضرورة ، لا يجيء إلّا في الشعر. وعليه قوله :

لها متنتان ، خظاتا ، كما

أكبّ ، على ساعديه ، النّمر (2)

أراد «خظتا». وقد يجوز أن يكون تثنية «خظاة» (3)، كأنه قال «خظاتان» ، ولكنه حذف النون ضرورة ، فيكون كقوله :

ومتنان ، خظاتان

كزحلوق ، من الهضب (4)

ومن حذف نون الاثنين ضرورة قوله :

هما خطّتا : إمّا إسار ومنّة

وإمّا دم ، والقتل بالحرّ أجدر (5)


1) البيت من الرجز ، وهو لصخير بن عمير في الأصمعيات ص 234 ، ولأعرابيّ في أمالي القالي 2 / 284 ، وسمط اللآلي للبكري ص 930 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة لابن دريد ، مادة (سطل).

2) البيت من البحر المتقارب ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 164 ، والأشباه والنظائر للسيوطي 5 / 46 ، وخزانة الأدب للبغدادي 7 / 500 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 484 ، وشرح اختيارات المفضل للخطيب التبريزي 2 / 923.

3) خظاة : من قولهم : خظا بظا ، أي : كثير اللحم مكتنزها. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (خظا).

4) البيت من البحر المتقارب ، وهو لأبي داود الإيادي في المعاني الكبير لابن قتيبة ص 34 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 484 ، والحماسة البصرية 2 / 327 ، وبلا نسبة في لسان العرب لابن منظور ، مادة (خظا).

5) البيت من البحر الطويل ، وهو لتأبط شرا في ديوانه ص 89 ، وجواهر الأدب للإربلي ص 154 ، وخزانة الأدب للبغدادي 7 / 499 ، وشرح التصريح للشيخ خالد الأزهري 2 / 58 ، والمقاصد النحوية للعيني 3 / 486 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (خطا).

أراد «هما خطّتان». ومما يعزى إلى كلام البهائم قول الحجلة للقطا : «قطا قطا ، بيضك ثنتا ، ويضي مائتا» أي «ثنتان ومائتان». وقول الآخر :

لنا أعنز لبن ثلاث ، فبعضها

لأولادها ثنتا ، وما بيننا عنز (1)

والأوّل أولى ، لأنّ له نظائر كثيرة من الاعتداد بالعارض ، في الكلام وحذف نون الاثنين للضرورة قليل جدّا.

فإن أسند شيء من هذه الأفعال إلى ضمير رفع فلا يخلو أن يكون المسند ما في آخره ألف ، أو ما في آخره ياء ، أو واو :

فإن كان ما في آخره ألف فإنه إن أسند إلى ضمير غائب مفرد بقي على ما كان عليه قبل الإسناد ، نحو «زيد غزا» و «عمرو ورمى». وإن أسند إلى ضمير غائبين ردّت الألف إلى أصلها ، نحو «غزوا» و «رميا» ، ولم تحذف لالتقاء الساكنين ، لئلا يلتبس فعل الاثنين بفعل الواحد. وإن أسند إلى ضمير غائبين حذفت لالتقاء الساكنين وعدم اللّبس ، نحو «غزوا» و «رموا». وإن أسند إلى ضمير غائبات ردّت الألف إلى أصلها ، ولم تعتلّ ، نحو «غزون» و «رمين» ، لأنّ ما قبل نون جماعة المؤنّث ساكن أبدا ، وحرف العلّة إذا سكن وانفتح ما قبله لم يعتلّ إلّا في «يوجل» خاصّة. وإن أسند إلى ضمير متكلّم أو مخاطب ، كائنا ما كان ، رددت الألف إلى أصلها من الياء أو الواو ، نحو «رميت» و «غزوت» ، و «رميتما» و «غزوتما» ، و «رميتم» و «غزوتم» ، و «رميتن» و «غزوتنّ» ، و «رمينا» و «غزونا» ، لأنّ ما قبل ضمير المتكلم أو المخاطب أبدا ساكن أيضا.

وإن كان ما في آخره ياء أو واو ، فإنه إن أسند إلى ضمير غائب أو مخاطب أو متكلّم بقي على حاله لا يتغيّر ، نحو «رضي» و «سرو» ، و «رضيا» و «سروا» ، و «رضين» و «سرون» ، و «رضيت» و «سبروت» ، و «رضيتما» و «سروتما» و «رضيتم» و «سروتم». و «رضيتن» و «سروتنّ» ، و «رضينا» و «سرونا». إذ لا موجب لتغييرها عن حالها ، إلّا أن يكون الضمير ضمير جماعة مذكّرين غائبين ، فإنك تحذف الواو والياء ، وتضمّ ما قبل واو الجمع ، نحو «رضوا» و «سروا». وسبب ذلك أنّ الواو يتحرّك ما قبلها أبدا بالضمّ نحو «ضربوا» فلو قلت «رضيوا» و «سرووا» لاستثقلت الضمّة في الياء والواو ، لتحرّك ما قبلهما ، فيجب حذفها


1) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب للبغدادي 7 / 589 ، والخصائص لابن جني 2 / 430 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 487 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 80 ، وشرح شواهد الشافية ص 159.

فيجتمع ساكنان : واو الضمير والياء والواو اللتان قبلها. فتحذف ما قبل واو الضمير ، لأنّ حذف الحرف أسهل من حذف الاسم ، فتقول «سروا». وتضمّ بعد الحذف ما قبل الواو في مثل «رضي» فتقول «رضوا» لتسلم واو الضمير ، لأنك لو أبقيت الكسرة لانقلبت واو الضمير ياء ، لسكونها وانكسار ما قبلها ، فكنت تقول «رضي» ، فيلتبس الجمع بالمفرد.

هذا ما لم يكن ما قبل الياء والواو ساكنا ، فإن كان ما قبلهما ساكنا نحو «رضي» و «سرو» فإنّ الياء والواو يجريان مجرى الحرف الصحيح ، فلا يحذفان أصلا ، نحو «رضيوا» و «سرووا». ولا تردّ الياء إلى أصلها من الواو في «رضيوا» كما لم تردّ في المفرد.

وأما حكم المضارع من هذه الأفعال فإن الماضي ، إن كان على «فعل» أتى مضارعه أبدا على «يفعل» ، كما كان ذلك في الصحيح ، فتقول «يسرو». وإن كان على «فعل» فإنه يأتي مضارعه على «يفعل» ، فتحرّك حرف العلّة ، وما قبله مفتوح ، فينقلب ألفا نحو «يرضى» ، على قياس الصحيح. فإن كان على «فعل» فإنّ مضارعه ، إن كان من ذوات الياء ، على «يفعل» بكسر العين نحو «يرمي» ، وإن كان من ذوات الواو ، على «يفعل» نحو «يغزو».

فإن قيل : فلأيّ شيء لم يجىء مضارع «فعل» على قياس الصحيح ، كما جاء ذلك في «فعل» و «فعل» ، فيكون تارة على «يفعل» ، وتارة على «يفعل» ، بالضمّ والكسر ، في ذوات الياء وذوات الواو؟.

فالجواب : أنهم لو فعلوا ذلك لالتبست ذوات الياء بذوات الواو ؛ ألا ترى أنّ مضارع «غزا» ، لو جاء على «يفعل» لكان «يغزي» ، فيصير ك- «يرمي». وكذلك مضارع «رمى» ، لو جاء على «يفعل» لقلت «يرمو» ك- «يدعو». فالتزموا في مضارع ذوات الواو «يفعل» ، وفي مضارع ذوات الياء «يفعل» ، لئلّا تخلتط ذوات الياء بذوات الواو.

فإن قيل : فهلّا فعلوا ذلك في مضارع «فعل» و «فعل». أعني يلتزمون «يفعل» في ذوات الواو ، و «يفعل» في ذوات الياء ، خوف الالتباس؟.

فالجواب : أنهم لو فعلوا ذلك لأخرجوا مضارعهما عن قياس نظائرهما من الصحيح ، لأنّ «يفعل» من «فعل» المضموم العين في الصحيح إنما يأتي مضموم العين ، و «يفعل» من «فعل» المكسور العين إنما يأتي على «يفعل» بفتح العين ، إلّا ما شذّ نحو «حسب يحسب» وليس كذلك «فعل» ، بل يأتي على «يفعل» و «يفعل» بضمّ العين وكسرها. فإذا التزموا في ذوات الياء «يفعل» ، وفي ذوات الواو «يفعل» ، لم يخرجوا عن قياس المضارع ، بل أتوا

بأحد الجائزين. وأيضا فإنّ المعتلّ اللّام أجري مجرى المعتلّ العين. فكما أنّ «فعل» المعتلّ العين يلتزم في ذوات الواو منه «يفعل» بضمّ العين ، وفي ذوات الياء «يفعل» بكسرها ، فكذلك المعتلّ اللّام. إلّا ما شذّ من ذلك فجاء على «يفعل» بفتح العين نحو «أبى يأبى» ، أو ما كان عينه حرف حلق نحو «نأى ينأى» ، فإن المضارع يأتي أبدا على «يفعل» بفتح العين ، كما كان ذلك في الصحيح. ووجه مجيء مضارع «أبى» على «يفعل» تشبيه الألف بالهمزة ، لقربها منها في المخرج. فكما أنّ ما لامه حرف حلق من «فعل» يأتي مضارعه على «يفعل» ، نحو «يقرأ» فكذلك ما لامه ألف.

وما كان من ذلك لما لم يسمّ فاعله فإن مضارعه أبدا يأتي على «يفعل» ، بفتح العين وضمّ أول الفعل ، نحو «يرضى» و «يغزى» على قياس الصحيح ، ثم يقلب حرف العلّة ألفا ، لتحرّكه وانفتاح ما قبله.

وحكمه أبدا إذا أسند إلى الألف التي هي ضمير المثنّى ، أو الواو التي هي ضمير جماعة المذكّرين ، أو النون التي هي ضمير جماعة المؤنّثات ، حكم الماضي المعتلّ اللّام إذا أسند إلى شيء من ذلك ، وقد تقدّم ، إلّا أنّك إذا قلبت الألف في الماضي رددتها إلى أصلها من ياء أو واو نحو «غزوا» و «رميا» ، وإذا قلبت الألف في المضارع رددتها أيضا إلى أصلها ، من ياء أو واو ، نحو «يخشى» تقول : «يخشيان» ، وفي «يبأى» من البأو (1): «يبأوان». إلّا أن تكون الواو قد قلبت ياء في الماضي ، فإنّ المضارع يجري على قياس الماضي فتردّ الألف إلى الياء فتقول في «يرضى» : «يرضيان» ، وفي «يشقى» : «يشقيان» : كما قالوا «رضي» و «شقي» ، فحملوا المضارع على الماضي في الإعلال ، وإن لم يكن في المضارع كسرة قبل الواو توجب قلبها ياء ، كما كان ذلك في الماضي. وإذا حملوا اسم الفاعل والمفعول على الفعل في الإعلال ، في نحو «قائل» و «بائع» و «مقول» و «مبيع» ، فحمل الفعل أولى. إلّا لفظة واحدة شذّت فقلبت الألف فيها ياء وأصلها الواو ، ولم تقلب في الماضي ياء ، وهي «شأى يشأى» من «الشّأو» ، فإنهم قالوا «يشأيان» ، وكان القياس «يشأوان». لكنّهم شذّوا فيه فقلبوا الألف ياء لغير موجب. وعلّل ذلك أبو الحسن بأن قال : لمّا كان «شأى» : «فعل» ، وجاء مضارعه على «يفعل» نحو «يشأى» ، و «يفعل» إنما هو مضارع «فعل» المكسور العين ، عاملوه معاملة مضارع «فعل» من ذوات الواو نحو «رضي يرضى». فكما قالوا «يرضيان» قالوا «يشأيان».


1) البأو : الكبر والفخر. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (بأي).

وهذا الذي علّل به أبو الحسن باطل ، لأنّ «شأى» عينه حرف حلق ، وما عينه حرف حلق فإنّ قياس مضارعه أن يجيء على «يفعل» بفتح العين ، نحو «جأر يجأر». ولو كان هذا القدر يوجب قلب الألف ياء لوجب أن تثبت الواو في مثل «يطأ» و «يسع» ، كما يفعل ذلك في مضارع «فعل» الذي فاؤه واو ، نحو «وجل يوجل» ، فكما لم يرع هنا شبهه ب- «فعل» فكذلك ينبغي أن يفعل في «يشأى».

وكأنّ أبا الحسن أخذ هذا التعليل من سيبويه ، حيث علّل كسر أوّل «تئبى» - وإن كان الماضي على «فعل» ، وإنما يكسر أوّل المضارع من «فعل» بكون المضارع جاء على «يفعل» ، فلمّا جاء مضارعه كمضارع «فعل» المكسور العين كسر أوّل المضارع ، كما يكسر أوّل المضارع من «فعل» وليس ما ذهب إليه أبو الحسن مثل ما ذكر سيبويه لأنّ «أبى» ليس لامه حرف حلق ، فكان قياس مضارعه أن يجيء على «يفعل» بكسر العين ، فجاء مضارعه مفتوح العين كمضارع «فعل». فتوهّم ماضي «يأبى» على «فعل» توهّم صحيح.

وما كان من هذه الأفعال المضارعة في آخره واو أو ياء فإنه يكون في موضع الرفع ساكن الآخر نحو «يغزو» و «يرمي». فتحذف الضمّة لاستثقالها في الياء والواو ؛ لأنها مع الواو بمنزلة واوين ، ومع الياء بمنزلة ياء وواو. وذلك ثقيل.

ويكون في موضع الجزم محذوف الآخر ، نحو «لم يرم» و «لم يغز» وإنما حذفت الياء والواو في الجزم ، لئلّا يكون لفظ المرفوع كلفظ المجزوم لو أبقيت الياء والواو. وأيضا فإن الياء والواو لمّا عاقبتا الضّمّة فلم تظهر معهما ، أجريتا مجرى الضّمّة ، فحذفتا للجزم كما تحذف الضّمّة.

ويكون في موضع النّصب مفتوح الآخر ، نحو «لن يغزو» و «لن يرمي» ، لأنّ الفتحة خفيفة. وقد تسكن الياء والواو في موضع النصب ضرورة ، تشبيها لها بالضّمّة ، أو للياء والواو بالألف فتقول «لن يغزو» و «لن يرمي». ومن ذلك قوله :

وأن يعرين إن كسي الجواري

فتنبو العين عن كرم عجاف (1)

يريد «فتنبو العين». وقول الأخطل :


1) البيت من البحر الوافر ، وهو لعمران بن حطان في الأغاني للأصبهاني 18 / 49 ، ولأبي خالد الفناني في شرح شواهد المغني للسيوطي 2 / 886 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (كرم) ، ولسعيد الشيباني في لسان العرب لابن منظور ، مادة (كسا).

إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها

رفعن وأنزلن القطين المولّدا (1)

كما أنهما قد تثبت فيهما الضّمّة ، ولا تحذف في الجزم آخر المعتلّ وتجريه مجرى الصحيح ، وذلك في الضرورة أيضا ، نحو «يغزو» و «يرمي» وعلى ذلك قوله :

ألم يأتيك ، والأنباء تنمي

بما لاقت لبون بني زياد (2)

وقول الآخر :

هجوت زبّان ، ثم جئت معتذرا

من هجو زبّان ، لم تهجو ، ولم تدع (3)

فكأنما قبل دخول الجازم عليهما كانا «يأتيك» و «تهجو» ، فدخل الجازم فحذف الحركة. ومنهم من حمل «ألم يأتيك» و «لم تهجو» على حذف الضمّة المقدّرة. وما قدّمناه أولى ، لئلا يؤدّي ذلك إلى كون المجزوم والمرفوع على صورة واحدة.

وما كان منها في آخره ألف فإنه يكون في موضع الرفع والنصب ساكن الآخر ، لتعذّر الحركة في الألف ، وفي موضع الجزم محذوف الألف ، لمعاقبتها الحركة. فكما أنّ الجازم يحذف الحركة فكذلك ما عاقبها.

وزعم بعض النحويّين أن العرب قد تثبت الألف في الجزم ضرورة ، فتحذف الحركة المقدّرة ، وتجريها في الإثبات مجرى الياء والواو ، وإن لم يكن تحريكها كتحريكهما ، واستدلّ على ذلك بما أنشده أبو زيد من قوله :

إذا العجوز غضبت فطلق

ولا ترضّاها ، ولا تملّق (4)


1) البيت من البحر الطويل ، وهو للأخطل في ديوانه ص 86 ، وخزانة الأدب للبغدادي 5 / 348 ، والخصائص لابن جني 2 / 342 ، والمحتسب لابن جني 1 / 126.

2) البيت من البحر الوافر ، وهو لقيس بن زهير في الأغاني للأصبهاني 17 / 131 ، وخزانة الأدب للبغدادي 8 / 359 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 1 / 340 ، وشرح شواهد الشافية ص 408 ، وشرح شواهد المغني للسيوطي ص 328.

3) البيت من البحر البسيط ، وهو بلا نسبة في الإنصاف للأنباري 1 / 24 ، وخزانة الأدب للبغدادي 8 / 359 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 630 ، وشرح التصريح للشيخ خالد الأزهري 1 / 87 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 184.

4) البيت من الرجز ، وهو لرؤبة في ملحق ديوانه ص 179 ، وخزانة الأدب للبغدادي 8 / 359 ، والمقاصد النحوية للعيني 1 / 236 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر للسيوطي 2 / 129 ، والإنصاف للأنباري ص 26 ، والخصائص لابن جني 1 / 307 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني ص 78.

وبقراءة حمزة لا تخف دركا ولا تخشى [طه : 77] ، بجزم «تخف» وإثبات الألف في «تخشى» ؛ ألا ترى أنّ «تخشى» معطوف على «لا تخف» وهو مجزوم ، وكذلك أيضا «ترضّاها» في موضع جزم ب- «لا» ؛ ألا ترى أنه قد عطف عليه «ولا تملّق» وهو مجزوم.

ولا حجّة عندي في شيء من ذلك ؛ أما قوله تعالى : (وَلا تَخْشى) فيحتمل أن يكون خبرا مقطوعا ، كأنه قال : وأنت لا تخشى ، امتثالا لنهينا لك. وكذلك «ولا ترضّاها» يحتمل أن يكون جملة خبريّة ، في موضع الحال ، كأنه قال : فطلّق وأنت لا ترضّاها ، ويكون «ولا تملّق» نهيا معطوفا على جملة الأمر التي هي «فطلّق».

فإن كان الفعل على أزيد من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الفعل مبنيّا للفاعل ، أو للمفعول.

فإن كان مبنيّا للفاعل فإنّ حرف العلّة ينقلب ألفا ، لتحرّكه وانفتاح ما قبله ، إن كان ياء نحو «استرمى» و «رامى» و «ولّى». وإن كان حرف العلّة واوا قلب ياء ، ثم قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، نحو «أغزاه» و «استدعاه» و «استدناه». أصلها «أغزو» و «استدعو» و «استدنو». ثم قلبت الواو ياء فصار «أغزي» و «استدني». ثم قلبت الياء ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، كما كان ذلك فيما كان على ثلاثة أحرف ، إذا انفتح ما قبل حرف العلّة.

فإن قيل : ولأيّ شيء قلبت الواو في الفعل ياء ، إذا وقعت طرفا ، رابعة فصاعدا ، وليس معها ما يوجب قلبها ياء؟.

فالجواب : أنها في ذلك محمولة على المضارع ، نحو «يغزي» و «يستدني» و «يستدعي». وقلبت في المضارع ياء لانكسار ما قبلها ، كما قلبت في مثل «شقي» و «رضي».

فإن قيل : فلأيّ شيء انقلبت الواو ياء في مثل «تفاعل» و «تفعّل» ، نحو «ترجّى» و «تغازى» ، وليس لها ما يوجب قلبها في الماضي ولا في المضارع ؛ ألا ترى أنّ ما قبل الآخر في المضارع مفتوح ، كما أنّ الماضي كذلك ، نحو «يتغازى» و «يترجّى»؟.

فالجواب : أنّ التاء في «ترجّى» و «تغازى» وأمثالهما إنما دخلت على «رجّى» و «غازى» ، وقد كان وجب قلب الواو ياء في «غازى» و «رجّى» ، حملا على «يرجّي» و «يعازي». فلمّا دخلت التاء بقي على ما كان عليه.

فإن رددت شيئا من ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله ضممت الأوّل وكسرت ما قبل الآخر ، وصارت الألف ، التي كانت في الآخر ، ياء نحو «أغزي» و «استرمي» و «استدعي» و «استدني» ، من ذوات الواو كان الفعل أو من ذوات الياء. وإنما قلبت الواو ياء إما بالحمل على فعل الفاعل ، أو لأجل انكسار ما قبلها كما قلبت في مثل «شقي».

وأما المستقبل فيجيء أبدا على قياس نظيره من الصحيح ، فإن كان ما قبل حرف العلّة فتحة قلب ألفا ، نحو «يتغازى» و «يترجّى» ، و «يغزى» و «يستدعى» و «يسترمى». وإن كان ما قبله كسرة ثبت إن كان ياء نحو «أسترمي» ، وإن كان واوا قلبت ياء نحو «يغزي» و «يستدعي» و «يستدني».

ويكون حكم ما في آخره ألف ، من الماضي أو المضارع المزيد ، في الإسناد إلى الضمير المرفوع ، أو اتصال تاء التأنيث بالماضي ، كحكم غير المزيد في القلب والحذف والإثبات وحكم ما في آخره ياء ، قبلها كسرة ، كحكم الماضي غير المزيد في الإثبات والحذف. إلّا أنك إذا قلبت الألف لم تردّها في المزيد إلى أصلها ، بل تردّها إلى الياء ، من ذوات الياء كان الفعل أو من ذوات الواو ، نحو «أغزينا» و «استدنينا» و «استدعينا» ، للعلّة التي ذكرنا من الحمل على المضارع.

وإن كان المعتلّ اسما فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزيد. وكيفما كان فإنه لا يخلو من أن يكون ما قبل حرف العلّة - ياء كان أو واوا - ساكنا أو متحرّكا. فإن كان ساكنا فلا يخلو أن يكون الساكن حرف علّة ، أو حرفا صحيحا.

فإن كان الساكن حرفا صحيحا جرت الياء والواو مجرى حرف الصّحّة ولم تتغيّر نحو «غزو» و «ظبي».

إلّا أن يكون الاسم على وزن «فعلى» مما لامه ياء ، وذلك قولهم «شروى» و «تقوى» و «فتوى». فإنّ العرب تبدل من الياء واوا في الاسم ، والصفة تترك على حالها نحو «خزيا» و «صديا» و «ريّا».

وإنما فعلوا ذلك تفرقة بين الاسم والصفة. وقلبوا الياء واوا في الاسم دون الصفة ، لأنّ الاسم أخفّ من الصفة ، لأنّ الصفة تشبه الفعل ، والواو أثقل من الياء ، فلما عزموا على إبدال الياء واوا جعلوا ذلك في الاسم لخفته ، فكان عندهم ، من أجل ذلك ، أحمل للثقل.

وكأنّ العرب جعلت قلب الياء واوا في هذا عوضا من غلبة الياء على الواو ؛ ألا ترى

أنّ انقلاب الواو إلى الياء أكثر من انقلاب الياء إلى الواو ، وإلّا فليس ذلك بقياس ، أعني : قلب الأخفّ ، وهو الياء ، إلى الأثقل وهو الواو. ولو لا ما ورد السماع به لم يقل. لكنّ الذي لحظت العرب من ذلك والله أعلم - ما ذكرنا. وإنما خصّوا بها الفعل المعتلّ اللام دون المعتلّ العين أو الفاء ، لأنها أقبل للتغيير ، لتأخّرها وضعفها.

و «الشّروى» من شريت ، و «التّقوى» من «وقيت» ، و «الفتوى» من ذوات الياء بدليل قولهم «الفتيا» بالياء. ولا تحمل «الفتيا» على «القصيا» ، أعني مما قلبت فيه الواو ياء ، لأنه لا نعلم لها أصلا في الواو. ومع هذا فإنّ «الفتيا» تقوية لنفس المستفتي ، فهو من معنى «الفتى» و «الفتاء».

أو يكون الاسم على وزن «فعلى» وتكون لامه واوا ، فإنّ العرب تبدل من الواو ياء في الاسم ، وذلك نحو «العليا» و «الدّنيا» و «القصيا». الأصل فيها «الدّنوى» و «العلوى» و «القصوى» فقلبت الواو ياء ، والدليل على ذلك أنّ «الدّنيا» من الدنوّ ، و «العليا» من «علوت» ، وأنهم قد قالوا في «القصيا» : «القصوى» فأظهروا الواو.

فإن قال قائل : فإنّ «القصيا» و «العليا» و «الدّنيا» صفات؟.

فالجواب : أنها قد استعملت استعمال الأسماء في ولايتها العوامل وترك إجرائها تابعة. فلذلك قلبت فيها الواو ياء.

فإن كانت صفة بقيت على لفظها ولم تقلب الواو ياء ، نحو «خذ الحلوى وأعطه المرّى».

وقد شذّ من «فعلى» الاسم شيء ، فلم تقلب فيه الواو ياء. وذلك «القصوى» و «حزوى» اسم موضع. وكأنّ «القصوى» (1)- والله أعلم - إنما صحّت فيه الواو تنبيها على أنه في الأصل صفة.

وإنما قلبت الواو ياء في الاسم دون الصفة ، فرقا بين الاسم والصفة. وكان التغيير هنا في الاسم دون الصفة ، كما كان التغيير في «فعلى» من الياء في الاسم دون الصفة ، ليكون قلب الواو هنا ياء كالعوض من قلب الياء هنالك واوا. وهذا أحسن. أعني قلب الواو إلى الياء ، لأنّ في ذلك تخفيفا للثقل ، لأنّ الياء أخفّ من الواو. وهو مع ذلك على غير قياس ، لأنه قلب لغير موجب ، ولو لا ورود السّماع بذلك ما قيل.


1) القصوى : طرف الوادي. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (قصا).

فأما «فعلى» من الياء - اسما كانت أو صفة - فإنها لا تغيّر عما تكون عليه ، لأنهم إذا كانوا يفرّون فيها من الواو إلى الياء ، فإذا وجدوا الياء فينبغي ألّا يجاوزوها ، كما أنّ «فعلى» من الواو لا تغيّر عما تكون عليه - اسما أو صفة - لكونهم يفرّون فيها من الياء إلى الواو ، فإذا وجدوا الواو فينبغي ألّا يعدل عنها.

وأما «فعلى فينبغي أن يبقى على الأصل ولا يغيّر ، من الياء كان أو من الواو ، لأنّ التغيير في «فعلى»» و «فعلى» على غير قياس ، ولو لا السماع لما قيل به ، ولم يرد سماع بتغيير في «فعلى» فينبغي أن يبقى على الأصل. وأيضا فإنّ التغيير إنما وقع في هذا الباب فرقا بين الاسم والصفة ، و «فعلى» لا يكون صفة. فلا ينبغي أن يغيّر ، لأنه لا يحصل بتغييره فرق بين شيئين.

وإن كان الساكن حرف علّة فلا يخلو أن يكون ياء أو واوا أو ألفا. فإن كان ألفا فإنّ الياء والواو يقلبان بعدها همزة ، إذا وقعتا طرفا نحو «كساء» و «سقاء» ، لأنهما من «كسوت» و «سقيت». وإنما فعل ذلك بهما لوقوعهما في محلّ التغيير ، وهو الآخر ، مع أنّ ما قبلهما مفتوح ، وليس بين الفتحة وبينهما إلّا حرف ساكن زائد من جنس الفتحة ، فكأنه لم يقع بينهما وبين الفتحة حاجز. فكما أنّ الياء والواو يقلبان إلى الألف ، إذا انفتح ما قبلهما وكانا في الطرف ، فكذلك قلبا في هذا الموضع. فلمّا قلبت الياء والواو ألفا التقى ساكنان ، الألف المبدلة والألف الزائدة قبلها ، فقلبت الثانية همزة لالتقاء الساكنين ، إذ لا بدّ من التحريك ، وتحريك الألف لا يمكن ، فقلبت إلى أقرب الحروف لها ، مما يقبل الحركة ، وهو الهمزة.

وكذلك تفعل أيضا ، إذا دخل على الكلمة تاء التأنيث ، أو علامة التثنية ، أو ياء النسب ، نحو «كساءة» و «سقاءة» ، و «كساءان» و «سقاءان» ، و «كسائيّ» و «سقائي». إلّا أنه يجوز مع علامة التثنية وياءي النسب أن تبدل من الهمزة واوا ، فتقول «كساوان» و «كساويّ» ، على ما تقدّم في النسب.

إلّا أن يبنى الاسم على التاء ، أو علامة التثنية ، فإنّ حرف العلّة لا يبدل إذ ذاك منه هموة ، نحو «علاوة» و «نهاية» و «إداوة» (1)؛ ألا ترى أنّ الكلمة هنا مبنيّة على التاء ، وأنه لا يجوز أن تحذف هذه التاء ، فتقول «علاء» و «نهاء» و «إداء». وكذلك قول العرب «عقلته بثنايين» كأنه تثنية «ثناء» وإن لم ينطق به ، بل الواحد في هذا لم يسمع إلّا مثنّى.


1) الإداوة : إناء صغير من جلد يتخذ للماء. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (أدا).

فأما قوله :

إذا ما المرء ضمّ ، ولم يكلّم

ولم يك سمعه إلّا دعايا (1)

وسائر أبيات هذه القصيدة فضرووة ، ولو يسمع مثله في غير هذا الموضع. ووجهه أنه أجرى ألف الإطلاق مجرى تاء التأنيث التي بنيت عليها الكلمة. فكما لم تقلب الواو ولا الياء في مثل «إداوة» و «نهاية» همزة فكذلك لم تقلب في «دعايا» وأخواته.

فإن كان الساكن ياء أو واوا أدغمت فيما بعده. فإن كان الساكن مخالفا للّام ، أعني : بأن يكون أحدهما واوا والآخر ياء ، قلبت الواو ياء تقدّمت أو تأخرت ، وأدغمت الياء في الياء نحو «بغيّ» و «سريّ». أصلهما «بغوي» و «سريو» ، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، ثم قلبت الضمّة التي في العين من «بغي» كسرة ، لتصحّ الياء. والدليل على أنّ «بغيّا» : «فعول» كونه للمؤنث بغير تاء. قال الله تعالى : (وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم : 28] ، ولو كان «بغيّ» : «فعيل» لكان بالتاء ك- «ظريفة».

فإن كان الساكن موافقا للّام أدغمت من غير قلب ، وذلك نحو «عدوّ» و «وليّ». وقد حكي القلب في الواو ، وهو قليل ، قالوا «أرض مسنيّة» من «يسنوها المطر» ، وقالوا «معديّ» من «عدوت». قال :

وقد علمت عرسي ملكية أنّني

أنا اللّيث ، معديّا عليه ، وعاديا (2)

وإنما جاز القلب ، على قلّته ، لكون الواو متطرّفة لم يفصل بينها وبين الضمّة إلّا حاجز غير حصين ، وهو الواو الساكنة الزائدة الخفيّة بالإدغام. فكما قلبت الواو ياء إذا تطرّفت وقبلها الضمّة. وتقلب الضمّة التي قبلها كسرة ، فكذلك تقلب هنا.

وزعم الفرّاء أنه إنما جاز في «مسنيّة» و «معديّ» لأنهما مبنيّان على «سني» و «عدي» فكما قلبت الواو ياء في الفعل فكذلك فيما بني عليه. وهذا باطل ، لأنهم قد فعلوا ذلك في غير اسم المفعول فقالوا «عتا عتيّا». قال الله تعالى : (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم : 8] والمصدر ليس مبنيّا على فعل المفعول فدلّ ذلك على أنّ العلّة فيه ما ذكرنا.


1) البيت من البحر الوافر ، وهو للمستوغر بن ربيعة في حماسة البحتري ص 203 ، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 34 ، وللأعصر بن سعد بن قيس بن غيلان في لسان العرب لابن منظور ، مادة (حمى).

2) البيت من البحر الطويل ، وهو لعبد يغوث بن وقاص الحارثي في خزانة الأدب للبغدادي 2 / 101 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 691 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 433 ، وشرح اختيارات المفضل للخطيب التبريزي ص 771 ، وشرح التصريح للشيخ خالد الأزهري 2 / 382 ، والكتاب لسيبويه 4 / 385.

إلّا في «فعول» جمعا فإنه يلزم قلب الواو الثانية ياء ، ثم تقلب الواو الأولى ياء لإدغامها في الياء ، ثم تقلب الضمّة كسرة لتصحّ الياء ، وذلك «عصيّ» و «دليّ». والسبب في ذلك ثقل الجمعيّة ، مع شبهه ب- «أجر» و «أدل» كما تقدّم. ومن العرب من يكسر حركة الفاء إتباعا لحركة العين ، فيقول «عصيّ». وضمّها أفصح وأكثر وقد شذّ من ذلك جمعان ، فجاءا على الأصل ، وهما «نحوّ» و «فتوّ» جمع «فتى» و «نحو» حكي عن بعض العرب أنه قال : «إنكم لتنظرون في نحوّ كثيرة». وقال الشاعر :

في فتوّ أنا رابئهم

من كلال غزوة ، ماتوا (1)

فإن كان ما قبل حرف العلّة حركة فلا يخلو أن تكون الحركة فتحة ، أو ضمّة ، أو كيرة.

فإن كانت فتحة قلبت حرف العلّة ألفا ، لتحرّكه وانفتاح ما قبله ، كما فعلت ذلك في الفعل ، تطرّف حرف العلّة نحو «عصا» و «رحى» و «فتى» ، أو لم يتطرّف نحو «قطاة». إلّا أن يؤدّي الإعلال إلى الإلباس فإنك تصحّح. وذلك نحو «قطوان» و «نزوان» ، فإنك تصحّح الواو ، لأنك لو أعللتها فقلبتها ألفا لالتقى ساكنان - الألف المبدلة من حرف العلّة ، والألف التي من «فعلان» - فيجب حذف أحدهما لالتقاء الساكنين ، فتقول «نزان» و «قصام» ، فيلتبس «فعلان» ب- «فعال». ومثل ذلك «رحيان» و «عصوان». صحّحت ، لأنك لو أعللت لحذفت لالتقاء الساكنين ، فكان يلتبس تثنية المقصور بتثنية المنقوص ، فيصير «رحان» و «عصان» ، ك- «يدين» و «دمين».

فإن كانت الحركة كسرة قلبت الواو ياء ، تطرّفت نحو «غاز» و «داع» من الغزو والدّعوة ، أو لم تتطرّف نحو «محنية» من «حنا يحنو» ، للعلّة التي ذكرت في الفعل. بل إذا كانوا قد قلبوا الواو في المعتلّ العين نحو «ثيرة» و «سياط» ، مع أنّ العين أقوى من اللّام ، فالأحرى أن يقلبوها إذا كانت لاما فأما قولهم «مقاتوة» (2)فشاذّ.

وإن كان حرف العلّة ياء لم يغيّر نحو «رام» و «قاض» و «معصية» ومحمية. إلّا أنّ الياء المكسور ما قبلها إذا كانت حرف إعراب فإنه لا يظهر الإعراب فيها إلا في النصب نحو


1) البيت من البحر المديد ، وهو لجذيمة الأبرش في خزانة الأدب للبغدادي 11 / 404 ، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 38 ، والمقاصد النحوية للعيني 3 / 344 ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني ص 588.

2) المقاتوة : الخدّام ، واحدها : مقتويّ ، انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (قتو).

«رأيت قاضيا وغازيا». وأما في حال الرفع والخفض فيكون الإعراب مقدّرا فيها ، استثقالا للرفع والخفض في الياء ، فتسكن الياء لذلك. فإن لقيها ساكن حذفت ، وإن لم يلقها ساكن ثبتت. وذلك نحو «هذا قاض» و «مررت بقاض» حذفت الياء ، لمّا اجتمعت ساكنة مع التنوين ، و «هذا القاضي» و «مررت بالقاضي» أثبتت الياء ، لمّا لم يلها ساكن تحذف من أجله.

هذا إن كان الاسم منصرفا. فإن كان الاسم الذي في آخره ياء قبلها كسرة غير منصرف فإن الفتحة تظهر في الياء في حال النصب لخفتها ، نحو «رأيت جواري وأعيمي». وأما في حال الرفع والخفض فإنّ العرب تستثقل الرفع والخفض فيها ، مع ثقل الاسم الذي لا ينصرف ، فتحذف الياء بحركتها ، فينقص البناء ، فيدخل التنوين ، فيصير التنوين عوضا من الياء المحذوفة ، فتقول «هذه جوار» و «مررت بجوار» ، و «هذا أعيم» و «مررت بأعيم». هذا مذهب سيبويه. ومذهب أبي إسحاق أنّ المحذوف أوّلا إنما هو الحركة في الرفع والخفض استثقالا ، فلمّا حذفت الحركة عوّض منها التنوين ، فالتقى ساكنان - الياء والتنوين - فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.

والصحيح ما ذهب إليه سيبويه ، لأن تعويض الحرف من الحرف أكثر في كلامهم من تعويض الحرف من الحركة. وأيضا فإنه كان يجب أن يعوّض التنوين من الحركة التي قد حذفت في الفعل نحو «يقضي» و «يرمي».

فإن قيل : إنما منع من ذلك أنّ التنوين لا يدخل الفعل!؟.

قيل له : وكذلك التنوين لا يدخل الأسماء التي لا تنصرف وأيضا فإنه كان يجب أن يعوّض من الحركة المحذوفة التنوين في مثل «حبلى». بل كان يجب أن يكون العوض في «حبلى» ألزم ، لأنه لا تظهر الحركة في «حبلى» في حال ، وقد تظهر في «جوار» و «أعيم» وأمثالهما في حال النصب. فأن لم يفعلوا ذلك دليل على فساد مذهب أبي إسحاق.

ومما يدلّ على أنّ التنوين في «جوار» و «غواش» وأمثالهما عوض من الحرف المحذوف أنهم لا يحذفون في مثل «الجواري» و «الأعيمي» و «جواريك» و «أعيميك» ، لأنهم لو حذفوا لم يكن لهم سبيل إلى العوض ، لأنّ التنوين لا يمكن اجتماعه مع الإضافة ، ولا مع الألف واللّام. وهم قد عزموا على ألّا يحذفوا إلّا بشرط العوض ، فامتنع الحذف لذلك.

وقد تجري العرب الاسم الذي في آخره ياء مكسور ما قبلها مجرى الصحيح الآخر ،

في الأحوال كلّها ، فتظهر الإعراب. وذلك في ضرورة الشعر ، نحو قوله :

فيوما يوافين الهوى غير ماضي

ويوما ترى منهنّ غولا تغوّل (1)

فجرّ الياء من «ماضي». وقال الآخر :

تراه ، وقد فات الرّماة ، كأنّه

أمام الكلاب مصغي الخدّ أصلم (2)

فرفع الياء من «مصغي». وقال الآخر :

خريع دوادي ، في ملعب

تأزّر طورا ، وترخي الإزارا (3)

ففتح «دوادي» في موضع الخفض. وكذلك قول الآخر :

قد عجبت منّي ومن يعيليا

لمّا رأتني خلقا ، مقلوليا (4)

ففتح الياء من «يعيلي» في موضع الخفض.

وكذلك أيضا قد يجرون المنصوب من ذلك مجرى المرفوع والمخفوض ، فيسكنون في الشعر ، نحو قوله :

وكسوت عار لحمه ، فتركته

جذلان ، يسحب ذيله ، ورداءه (5)

يريد «عاريا لحمه».

ويجوز في لغة طيّىء أن تحوّل الكسرة التي قبل الياء فتحة ، فتنقلب الياء ألفا لتحرّكها


1) البيت من البحر الطويل ، وهو لجرير في ديوانه ص 140 ، وخزانة الأدب للبغدادي 8 / 358 ، والخصائص لابن جني 3 / 159 ، وشرح الأشموني 1 / 44 ، وشرح المفصل لابن يعيش 10 / 101 ، والكتاب لسيبويه 3 / 314 ، والمقاصد النحوية للعيني 1 / 227 ، والمقتضب للمبرد 1 / 144 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (غول).

2) البيت من البحر الطويل ، وهو لأبي خراش الهذلي في شرح أشعار الهذليين للسكري 3 / 1219 ، والمعاني الكبير لابن قتيبة ص 730 ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 1 / 258 ، والمنصف لابن جني 2 / 86.

3) البيت من البحر المتقارب ، وهو للكميت بن زيد في ديوانه 1 / 190 ، والمقتضب للمبرد 1 / 144 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (دوا) وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 1 / 334 ، والمنصف لابن جني 2 / 68.

4) البيت من الرجز ، وهو للفرزدق في شرح التصريح للشيخ خالد الأزهري 2 / 228 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك لابن هشام 4 / 139 ، والخصائص لابن جني 1 / 6 ، وشرح الأشموني 2 / 541 ، والكتاب لسيبويه 3 / 315 ، والمقتضب للمبرد 1 / 142 ، والمنصف لابن جني 2 / 68 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (علا).

5) البيت من البحر الكامل ، وهو بلا نسبة في همع الهوامع للسيوطي 1 / 53.

وانفتاح ما قبلها ، فيقال في باقية وناصية : «باقاة» و «ناصاة». وأما غيرهم من العرب فلا يجيز ذلك إلّا فيما كان من الجموع على مثال «مفاعل» نحو قولك في «معاي» جمع «معيية» : «معايا» ، وفي «مدار» جمع «مدرى» : «مدارى». وإنما لم يجيزوا ذلك إلّا فيما ذكرنا ، لثقل الكسرة قبل الياء وثقل البناء مع أمنهم اللبس إذا خففوا بقلب الكسرة فتحة والياء ألفا ، لأنه لا يكون شيء من ألا ترى أنّ الفعل لا يكون قبل آخره حرف مد ولين زائدا. وكذلك أيضا لو لم تقع طرفا لم تقلب ياء ، لامتناع بناء فعل إذ ذاك مما تكون فيه ، نحو «أفعوان» و «أرجوان».

انتهى حكم الاسم والفعل الذي أحد أصوله حرف علّة.

[ما اعتل منه أكثر من أصل واحد]

فإن كان المعتلّ منه أكثر من أصل واحد فإنه لا يخلو من أن يكون معتلّ الفاء والعين صحيح اللّام ، أو معتلّ اللّام والعين صحيح الفاء ، أو معتلّ الفاء واللّام صحيح العين ، أو معتلّ الجميع.

[ما اعتلت جميع أصوله]

فأما اعتلال الجميع فلم يوجد منه إلّا كلمة واحدة ، وهي «واو». وفيما انقلبت عنه هذه الألف خلاف :

فمنهم من ذهب إلى أنها منقلبة عن الواو ، لأن ما عرف أصله من المعتلّ العين أكثر ما تكون الألف فيه منقلبة عن الواو. فحمل المجهول الأصل على الأكثر.

ومنهم من ذهب إلى أنها منقلبة عن ياء. وإلى هذا القول كان يذهب أبو عليّ ، ويعتمد في ذلك على أنه لا ينبغي أن تكون حروف الكلمة كلّها من موضع واحد ، إذ ذلك مفقود في الصحيح. فأما «ببّة» فقليل جدّا. وهو أيضا مما يجري مجرى حكاية الصوت. وكذلك «ددد» لأنه مستعمل في ضرب من اللعب ، فهو حكاية صوت عندهم. وإذا كانت الألف منقلبة عن ياء كان مما فاؤه ولامه من جنس واحد ، وقد جاء ذلك في الصحيح قليلا نحو «سلس» و «قلق» ، فحمله على ما جاء مثله في الصحيح أولى. وله أيضا أن يستدلّ ، بأن يقول : قد جاءت الياء فاء ولاما في قولهم «يديت إليه يدا» والياء أخت الواو ، فينبغي أن تحمل عليها في ذلك.

والصحيح عندي الأوّل. وذلك أنه إذا جعلت فيه الألف منقلبة عن ياء اجتمع فيه حمل الألف على الأقلّ فيها - من كونها منقلبة عن ياء - مع حمل الكلمة على باب «وعوت» - أعني مما لامه وفاؤه واو ، وذلك معدوم في كلامهم - ومع حمل الكلمة على باب «حيوت» ، أعني أن يكون عينها ياء ولامها واوا ، وذلك أيضا لم يجىء في كلامهم. وإذا جعلت الألف منقلبة عن الواو كان حملا على الأكثر فيها ، ويكون في ذلك دخول في باب واحد معدوم ، وهو كون أصول الكلمة كلّها واوت.

[المعتل الفاء واللام]

فأما اعتلال الفاء واللام وصحّة العين فالذي يتصوّر في ذلك أن تكون الفاء واللّام واوين ، أو ياءين ، أو واوا وياء : وإمّا أن تكون الفاء الواو واللّام الياء أو العكس فأمّا كون الفاء واللّام واوين فلم يجىء من ذلك شيء. وأما كونهما ياءين فلم يجىء من ذلك إلّا «يتديت إليه يدا». وأما كون الفاء واوا واللام ياء فكثير في كلامهم نحو «وقيت» و «وشيت» و «وليت». وأما عكسه فلم يجىء. وجميع ما جاء من المعتلّ اللام والفاء فيحمل أوله على باب «وعد» وآخره على باب «رمى» في جميع أحكامهما.

[المعتل الفاء والعين]

وأما اعتلال الفاء والعين فإنه لا يخلو من أن يكون حرف العلّة واوين ، أو ياءين ، أو الفاء واوا والعين ياء أو العكس. فأما كون الفاء والعين واوين فلم يجىء منه فعل ، لما يلزم فيه من الاعتلال ، ولم يجىء منه اسم إلّا «أوّل». وسبب قلّته أنّ باب «سلس» أكثر من باب «ددن». فإذا لم يجىء في كلامهم مثل «وعوت» فالأحرى ألّا يجيء مثل «أوّل» ، لأنّ «وعوت» مثل «سلس» ، و «أول» مثل «ددن».

فإن قال قائل : إنما يكون ما ادّعيته في «أوّل» صحيحا ، من أنّ فاءه وعينه واوان ، إذا كان وزنها «أفعل». فما تنكر أن يكون وزنها «فعّل» ، فتكون الواو عينا مضعّفة؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على أنها «أفعل» لزوم «من» لها. فتقول «لقيته أوّل من أمس» كما تقول «زيد أفضل من عمرو» مع منع الصرف.

فإن قيل : وما تنكر أن يكون «أفعل» من «وألت» أو من «ألت» كما ذهب إليه الفرّاء ، فيما حكاه ثعلب عنه ، والأصل «أوأل» إن كان من «وألت» ، أو «أأول» إن كان من «ألت» ، ثم أبدل من الهمزة واو وأدغمت الواو في الواو؟.

فالجواب : أنه لو كان في الأصل «أو أل» لجاز أن يجيء على أصله ، في موضع من المواضع ، ولم نسمعهم نطقوا به هكذا.

فإن قلت : فلعلّة التزم التخفيف فيه ، كما فعل في «النبيّ» و «البريّة»؟.

قيل : ذلك قليل ، مع أنّ قياس تخفيف «أوأل» : «أول» بإلقاء حركة الهمزة على الواو ، وحذف الهمزة.

فإن قيل : فلعلّهم خفّفوه على قياس «شيّ» و «ضوّ»؟.

فالجواب : أنّ ذلك أيضا لا يقاس ، وإنما القياس «شي» و «ضو». وأيضا فإنّا إنما قلنا إنّ «النبيّ» و «البريّة» مما ألزم التخفيف البتة لقيام الدليل على ذلك ، لكونهما من «النبأ» ومن «برأ الله الخلق» ، ولم يقم دليل على أنّ «أوّل» من «وأل» فتزعم أنه أللزم التخفيف.

فإن قيل : الذي يدلّ على أنّ العين من «أوّل» همزة قراءة من قرأ (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى) [النجم : 50] ، فتكون همزة العين دالّة على أنّ الأصل الهمزة؟.

قيل : القراءة شاذّة ، وإذا ثبت بها رواية فقياسها أن تحمل على قول الشاعر :

أحبّ المؤقدين إليّ موسى

وجعدة ، إذ أصاءهما الوقود (1)

وذلك أنه أبدل الواو الساكنة المضموم ما قبلها همزة ، لأنّ الحركة في النيّة بعد الحرف ، فكأنّ الضمة في الواو. فثبت أنه لا يمكن أن يكون من «وألت».

ولا يمكن أيضا أن يكون من «ألت» ، لأنه لو كان منه لكان «أأول». فأما أن تبدل الهمزة ، أو الألف المنقلبة عن الهمزة ، واوا فغير معروف. والقول الأول كأنه أشبه. فأما همز «أوائل» فقد ذكرت العلّة فيه ، فلا حجّة فيه.

ولم يستعملوا منه فعلا ، لأنه لو كان الفعل على وزن «فعل» بفتح العين لوجب ، من حيث عينه واو ، أن يكون مضارعه «يفعل» بضمّ العين ك- «قال يقول». وكون فائه واوا يلزم مجيئه على «يفعل» بكسر العين ، حتى تحذف الواو ك- «يعد». فلمّا كان ذلك يؤدّي إلى التدافع رفض ، مع ما فيه من ثقل الواوين. ولو كان على وزن «فعل» بضمّ العين لكان


1) البيت من البحر الوافر ، وهو لجرير في ديوانه ص 288 ، والأشباه والنظائر للسيوطي 2 / 12 ، والخصائص لابن جني 2 / 175 ، وشرح شواهد الشافية ص 429 ، والمحتسب لابن جني 1 / 47 ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 79 ، وشرح شافية ابن الحاجب 1 / 206.

المضارع بضمّ العين. فكنت تقول «وال يوول» فيؤدّي ذلك إلى اجتماع واوين وضمّة ، مع ياء المضارعة أيضا في حال الغيبة. فرفض ذلك لثقله ، فلمّا امتنع «فعل» و «فعل» رفض أيضا «فعل» بالحمل عليهما.

وأما كون الفاء والعين ياءين فلم يجىء منه فعل أصلا ، لما يلزم في ذلك من توالي الإعلال. ولم يجىء منه اسم إلّا «يين» اسم موضع.

وأما كون الفاء واوا والعين ياء نحو «ويل» و «ويح» و «ويب» و «ويس» ، أو بالعكس نحو «يوم» ، فإنّ ذلك قليل جدّا ، ولم يجىء منه فعل أصلا ، لأنّ ذلك يؤدّي إلى ما يستثقل من توالي الإعلال. وذلك أنك لو بنيت من «ويل» فعلا على وزن «فعل» مفتوح العين لكان المضارع على وزن «يفعل» بكسر العين ، فيجب حذف الواو كما تحذف في باب «وعد يعد» ويجب إعلال العين كما تعلّ في باب «يبيع». ولا يتصوّر بناؤه على «فعل» مضموم العين ، لأنّ «فعل» لا يجيء فيما عينه ياء. فلمّا تعذّر «فعل» و «فعل» رفض «فعل» بالحمل عليهما.

وكذلك أيضا «يوم» لو بني منه فعل على «فعل» أو «فعل» بفتح العين أو ضمّها لكان المضارع على «يفعل» ، فكنت تقول «ييوم» فتجتمع ياءان ، في إحداهما ضمّة ، وواو وذلك ثقيل. فلمّا تعذّر «فعل» رفض أيضا «فعل» بالحمل عليهما.

فأما ما أنشدوا من قوله :

فما وال ، ولا واح

ولا واس أبو هند (1)

فمصنوع ، صنعه النحويّون. وأنشدوا آخر ، وهو قوله :

تويّل ، إذ ملات يدي وكفّي

وكانت لا تعلّل ، بالقليل (2)

وهذا كأنه أشبه ، لأنه جاء على «فعّل» فأمن فيه الحذف والقلب. فأما قول رؤبة :

عولة ثكلى ، ولولت بعد المأق (3)


1) البيت من الهزج ، وهو بلا نسبة في شرح التصريح للشيخ خالد الأزهري 1 / 330 ، والمنصف لابن جني 2 / 198.

2) البيت من البحر الوافر ، وهو بلا نسبة في المنصف لابن جني 2 / 198 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (ويل).

3) الشعر من الرجز ، وهو لرؤبة في ديوانه ص 107 ، ولسان العرب لابن منظور ، وتاج العروس للزبيدي ، وأساس البلاغة للزمخشري ، مادة (تأق - مأق).

فمعنى «ولولت» : دعت بالويل. وليس من لفظ الويل ، بل قريب منه ك- «لأآل» من «لؤلؤ». ولو كان منه لكان «ويللت» لأنه «فعللت».

المعتل العين واللام

وأما إذا كانت العين واللّام معتلّتين ، فإنه لا يخلو من أن يكونا واوين ، أو ياءين ، أو يكون العين واوا واللّام ياء ، أو العكس.

فأما أن يكون العين ياء واللّام واوا نحو «حيوت» فلا يحفظ في كلامهم في اسم ولا فعل. فأما «الحيوان» و «حيوة» فشاذّان ، والأصل فيهما «حييان» و «حيّة» ، فأبدلوا من إحدى الياءين واوا. وزعم المازنيّ أنّ هذا مما جاءت عينه ياء ولامه واو ، وأنه اسم لم يستعمل منه فعل ، كما قالوا «فاظ الميت يفيظ فيظا وفوظا» ، فاستعملوا الفعل مما عينه ياء ، ولم يستعملوه مما عينه واو.

وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنه قد ثبت إبدابهم الياء واوا شذوذوا ، ولم يثبت من كلامهم ما عينه ياء ولامه واو ، وأيضا فإنّ «الحيوان» من الحياة. ومعنى الحياة موجود في «الحيا» المطر ؛ ألا ترى أنه يحيي الأرض والنبات كما قال تعالى : (وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) [ق : 11]. وهذا كثير في القرآن والشعر.

وهم يقولون في تثنيته «حييان» بالياء لا غير. فثبت بذلك أنّ الواو في «حيوان» بدل من ياء ، وأنّ ما ذهب إليه المازنيّ فاسد.

وأما ما عينه واو ولامه ياء فكثير نحو «شويت» و «طويت». وحكم اللّام فيه حكمها في باب «رميت» في جميع الأحكام. وأما العين فصحيحة ، ولا يجوز إعلالها ، إلّا أن يؤدّي تصريف إلى وقوع واو ساكنة قبل الياء فإنّ الواو تقلب ياء ، وتدغم الياء في الياء ، نحو «شويت شيّا» و «طويت طيّا».

إلّا أن يكون اسما على وزن «فعلى» فإن الياء تقلب فيه واوا. فمن ذلك «العوّى» اسم النجم ، هو في الأصل «عويا» ، فقلبت الياء واوا كما فعل ذلك بالمعتلّ واللام خاصّة نحو «شروى» - وقد تقدّم السبب في ذلك - ثم أدغمت الواو في الواو. واشتقاقها من «عويت يده» أي : لويتها ، لأنها كواكب ملتوية.

فإن قيل : فهلّا كانت «العوّى» : «فعّلا» من «عويت» ، فلا يكون على ذلك مما قلبت فيه الياء واوا؟.

فالجواب : أنّ الذي منع من ذلك أنه ليس من أبنية كلامهم «فعّل». فأما «شلّم» (1)و «بذّر» (2)و «بقّم (3)فأعجميات».

وقد مدّ بعضهم فقال «العوّاء» وهو قليل ، ويحتمل ذلك ضربين من الوزن.

أحدهما : أن يكون «فعلاء» والأصل «عوياء» ، فقلبت الياء واوا وأدغمت الواو في الواو. وإنما قلبوا الياء واوا في «فعلاء» الممدودة ، وليس قياسها ذلك ، لأن الأصل والأكثر فيه القصر. وكأنهم لمّا مدّوه من قصر أبقوا الواو فيه المنقلبة عن الياء ، تنبيها على أنّ المدّ فيه عارض ، كما صحّ «عور» لأنه في معنى «اعورّ». ويكون قلبهم الياء واوا فيه شذوذا كما قالوا «عوى الكلب عوّة» ، والأصل «عوية» فقلبت الياء واوا. حكى ذلك ابن مقسم عن ثعلب.

والآخر : أن يكون «فعّالا» ، وكأنه في الأصل «عوّاي» ، ثم قلبت الياء همزة لتطرّفها ووقوعها بعد ألف زائدة ، فصار «عوّاء». وكأنه ذهب به إلى معنى المنزل ولذلك ذكّر ، وذهب ب- «عوّى» المقصورة إلى معنى المنزلة ولذلك أنّثت.

وأما ريّا التي يراد بها الرائحة ، من قوله :

إذا التفتت نحوي تضوّع ريحها

نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل (4)

فصفة من معنى «رويت». وكان الأصل فيه «رائحة ريّا» أي : ممتلئة طيبا. ولو كانت اسما لكانت «روّى» ، لأنّ أصلها «رويا» ، فكنت تبدل الياء واوا كما فعلت ذلك في «عوّى» ، ثم تدغم الواو في الواو. فلمّا لم يقولوا ذلك علمنا أنها صفة أصلها «رويا» فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.

فإن قيل : فهلّا ادّعي أنّ «ريّا» اسم وأنها في الأصل «رييا» ، فيكون من باب ما عينه ولامه ياء ، ثم قلبت اللّام واوا فصار «ريوى» ، ثم اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء؟.


1) شلّم : اسم بيت المقدس. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (شلم).

2) بذّر : ماء معروف بمكة. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (بذر).

3) البقّم : صبغ معروف. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (بقم).

4) البيت من البحر الطويل ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 15 ، وخزانة الأدب للبغدادي 3 / 160 ، ورصف المباني للمالقي ص 312 ، والمنصف لابن جني 3 / 20 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (قرنفل) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر للسيوطي 1 / 343 ، ومغني اللبيب لابن هشام 2 / 617.

فالجواب : أنّ الذي منع من ذلك أنه لا يحفظ من كلامهم تركيب «ري ي» ، ومن كلامهم تركيب «روي» نحو «رويت» ؛ ألا ترى أنّ قوله :

...

... ريّا المخلخل (1)

إذا قلت هاتي ناوليني تمايلت

عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل

وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 15 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (هضم) ، والعين للفراهيدي ، مادة (نيل).

معناه : ممتلئة المخلخل. فهو من معنى «رويت».

والسبب في أن اعتلّت اللّام في هذا الباب وصحّت العين أنك لو أعللتهما جميعا لأدّى ذلك إلى الإعلال بعد الإعلال والحذف ؛ ألا ترى أنك لو قلبت الواو من «طوّيت» ألفا - والياء ألف - لتوالى الإعلال. ثم يلتقي الألفان وهما ساكنان ، فيؤدي ذلك إلى الحذف. فلمّا لم يكن إعلالهما معا أعللت إحداهما وكانت الأولى بالإعلال اللّام لأنها طرف. وأيضا فإنك لو أعللت العين وصحّحت اللّام لكنت تقول «شاي يشيّ» و «طاي يطيّ» ، فتقلب الواو التي هي عين ياء وتدغمها في الياء ، وتدخل اللّام الضمّة لأنها تجري مجرى الصحيح. فكان يلزم في ذلك تغيير وتبديل كثير. فرفض لذلك.

وقد شذّ من ذلك شيء ، فأعلّت عينه وصحّحت لامه. وجاء ذلك في الاسم لقوّته وتمكّنه ، وذلك نحو «طاية» (2)و «ثاية» (3)لأنهما من «طويت» و «ثويت».

وأما ما عينه ولامه واوان فإنّ العين منه تجري مجرى الحرف الصحيح أبدا. وأما اللّام فتجري مجرى اللّام في باب «غزوت» في جميع ما ذكر ، مزيدا كان الاسم أو الفعل أو غير مزيد. إلّا أنّ الفعل إذا كان على ثلاثة أحرف لم يبن إلّا على «فعل» بكسر العين بخلاف باب «غزوت». والسبب في ذلك أنك لو بنيت الفعل على «فعل» أو «فعل» بضمّ العين أو فتحها لكنت تقول «قووت» و «قووت» فتجمع بين واوين إذا رددت الفعل إذا نفسك. وكذلك المضارع لكنت تقول فيه «يقوو» فتجمع أيضا بين واوين. فلمّا تعذّرا عدل


1) بعض عجز بيت من البحر الطويل ، والبيت بتمامه :

2) الطاية : الصخرة العظيمة في رملة أو أرض لا حجارة بها ، وقيل : السطح الذي ينام عليه. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (طيا).

3) قال ابن منظور في لسان العرب ، مادة (ثوا) : الثّوّة والثّاية والثّويّة : علامة للراعي إذا رجع إلى الغنم ليلا يهتدي بها ... وثاية الغنم والإبل : مأواها وهي عازبة ، أو مأواها حول البيوت.

إلى «فعل» ، لأنّ الواو تنقلب ياء لتطرّفها ووقوع الكسرة قبلها نحو «قوي» ويجيء المضارع على «يفعل» نحو «يقوى» فيخفّ اللفظ.

فأما الاسم فلا يلزم «فعل» بكسر العين ؛ بل قد تكون العين مفتوحة ، فلا يلزم قلب اللّام ياء نحو «التّوى» وهو الهلاك ، وهو مصدر «توي يتوى» ك- «قوي يقوى». وهو من مضعّف الواو ، يدلّك على ذلك قولهم «التّوّ» للمفرد ، والمعنى واحد لأنّ الهلاك أكثر ما يكون مع الوحدة والانفراد. هكذا قال أبو عليّ. وإنما لم يستنكر مجيء الاسم على «فعل» - وإن كان يلزم في التثنية اجتماع الواوين نحو «تووين» كما يلزم في الفعل إذا رددته إلى نفسك - لأن الفعل أثقل ، فاستخفّ في الاسم - لخفّته - ما لم يستخفّ في الفعل لثقله. وأيضا فإن الفعل يتصرّف فيلزم فيه الثقل في مضارعه ، وإذا رددت الفعل إلى نفسك. ولا يلزم في الاسم إلّا في حال التثنية.

وصحّت العين في نحو «قوي» للعلّة التي تقدّمت ، في نحو «طويت» و «شويت».

وأما عينه ولامه ياءان فإنّ العين منه تجري مجرى حرف صحيح ، للعلّة التي تقدّمت أيضا في باب «طويت». وأما الياء التي هي لام فتجري مجرى الياء فيما عينه صحيحة ، نحو «رمى» في جميع الأحكام ، سواء كان الاسم أو الفعل مزيدا ، أو غير مزيد. إلّا ما يعرض في هذا الباب من الإدغام ، بسبب اجتماع المثلين ، على ما يبيّن :

وذلك أنّ المثلين إذا اجتمعا في هذا النوع فلا يخلو من أن يكون الثاني ساكنا ، أو متحرّكا. فإن كان ساكنا لم يجز الإدغام ، لأنه لا يجوز الإدغام في ساكن ، لما يذكر في باب الإدغام. وذلك نحو «حييت» و «أحييت» وأشباه ذلك.

وإن كان الثاني متحرّكا فلا يخلو من أن يكون ما قبله مفتوحا ، أو غير مفتوح.

فإن كان مفتوحا قلبت الياء الثانية ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، وزال الإدغام لاختلاف الحرفين ، نحو «أحيا» «واستحيا».

فإن كان ما قبله غير مفتوح فلا تخلو الياء الثانية من أن تكون حركتها إعرابا أو بناء. فإن كانت الحركة إعرابا لم تدغم ، لأنّ الإعراب عارض ، يزول في حال الرفع والخفض ، فيسكن الحرف ، فلا يمكن الإدغام فيه ، فيحمل النصب في امتناع الإدغام على الرفع والخفض. وذلك نحو «لن يحيي» و «رأيت محييا». فلا تدغم كما لا تدغم في «هو يحيي» ، ولا في «هو محييك».

وإن كانت الحركة بناء فلا يخلو من أن تكون متطرّفة ، أو غير متطرّفة ، فإن كانت متطرّفة جاز الإظهار والإدغام نحو «أحيي وأحيّ» و «حيي وحيّ» و «حيي وحيّ» ، ومن قال «بيع» قال «حيّ» ، وهو الأكثر لأنه أخفّ. وقد قرأ بعض القرّاء (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال : 42] وبعضهم (وَيَحْيى مَنْ حَيَ) بالإدغام. فمن أدغم فلأنّ الحركة لازمة ، ومن أظهر فلأنّ هذه الياء من «حيي» هي الياء الساكنة في «يحيا» التي قلبت ألفا. وكذلك الياء في «أحيي» هي الياء في «يحيا» التي قلبت ألفا. فلمّا كانت هذه الياء في موضع قد تسكن لم يعتدّ بحركتها. ومن قال «حيّ» و «عيّ» أجراهما مجرى «ردّ» ، فكما تقول «ردّوا» كذلك تقول «حيّوا» و «عيّوا». قال :

عيّوا بأمرهم كما

عيّيت ببيضتها الحمامه (1)

ومن قال «حيي» أجراه مجرى «رضي» ، فكما تقول «رضوا» تقول «حيوا». قال :

وكنّا حسبناهم فوارس كهمس

حيوا ، بعد ما ماتوا ، من الدّهر أعصرا (2)

فإن لم تكن متطرّفة فلا يخلو أن يكون بعدها علامتا التثنية ، أو علامتا الجمع ، أو تاء التأنيث. فإن كان بعدها علامتا التثنية أو علامتا الجمع لم يجز إلّا الإظهار ، وذلك نحو «محييان» و «حييان» و «محييات». والسبب في ذلك أنّ زيادتي الجمع إنما دخلت على الإفراد ، فلما كان المفرد لو لم يلحقه شيء لا يجوز فيه الإدغام ، لأنّ الحركة إعراب ، حملت التثنية والجمع عليه.

فإن كان بعدها تاء التأنيث فلا يخلو أن تلحق التاء لفظ المفرد ، أو بناء الجمع. فإن لحقت بناء الجمع ، نحو «حياء وأحيية» و «عييّ وأعيية» ، جاز الإظهار والإدغام نحو «أحيّة» و «أعيّة». فمن أدغم فلأنّ الحركة بناء ، ولم تدخل على بناء قد امتنع فيه الإدغام قبل لحاقها. ومن أظهر فلأنّ هذه الياء هي التي تسكن في «يعيا» و «يحيا». والإدغام في «أعيّة»


1) البيت من مجزوء الكامل ، وهو لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 138 ، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص 68 ، والحيوان للجاحظ 3 / 189 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 430 ، وشرح شواهد الإيضاح للفارسي ص 633 ، وشرح المفصل لابن يعيش 10 / 115 ، وعيون الأخبار لابن قتيبة 2 / 85 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (حيا - عيا) ، ولابن مفرع الحميري في ملحق ديوانه ص 244 ، ولسلامة بن جندل في ملحق ديوانه ص 246.

2) البيت من البحر الطويل ، وهو لمودود بن العنبري في شرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 334 ، ولأبي حزابة الوليد بن حنيفة في شرح شواهد الإيضاح للفارسي ص 634 ، وشرح شواهد الشافية ص 362 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (حيا).

أقوى منه في «أحيّة» ، لأنّ الياء في «أعيية» تلزمها الحركة في الجمع والمفرد نحو «عييّ». وأما «أحيية» فالحركة تلزم في الجمع. وأما في المفرد فلا تثبت الياء ، بل تقول «حياء» ، فتنقلب الياء همزة ، لتطرّفها بعد ألف زائدة.

فإن لحقت المفرد فلا يخلو من أن تكون عوضا من محذوف ، أو غير عوض. فإن لم تكن عوضا لم يجز إلّا الإظهار ، نحو «محيية» و «معيية». والعلّة في ذلك كالعلّة في «محييات» و «محيين» ، من أنّ العلامة دخلت على بناء لا يجوز فيها الإدغام ، وهو «محي» و «معي».

فإن كانت التاء عوضا فإنه لا يجوز إلّا الإدغام نحو «تحيّة» مصدر «حيّا» الأصل «تحيييا» فحذفت ياء «تفعيل» ، وعوّضت التاء منها على حدّ «تكرمة» فصار «تحيية» ، فصارت هذه التاء ، لأجل العوضيّة ، كأنها جزء من الكلمة فلزمت ، فصارت الحركة لازمة لذلك ، فلزم الإدغام.

وزعم المازنيّ أنه يجوز الإظهار. واستدلّ على ذلك بجواز الإظهار في «أحيية» ، مع أنّ الهاء من «أحيية» لازمة ل- «أفعلة» ، لأنها لم تدخل على «أحي» كما أنها في «تحيّة» كذلك ، إذ لم تدخل على «تحيّ». وهذا الذي ذهب إليه ضعيف ، لأنّ الفرق بين «تحيّة» و «أحيية» بيّن. وذلك أنّ التاء من «تحيّة» صارت عوضا من حرف من نفس الكلمة ، فصارت كأنها حرف من نفس الكلمة لذلك. وأيضا فإنّ «أحيية» جمع ، والجمع فرع على الواحد ، والفروع قد لا تلحظ وقد تلحظ. وأما «تحيّة» فمصدر. والمصدر أصل. فينبغي أن يلحظ في نفسه.

وإذا أظهرت الياءين ولم تدغم ، كان الإدغام جائزا مع الإظهار أو لم يكن ، فإنّ إخفاء الحركة من الياء الأولى أفصح من الإظهار ، لأنه وسيطة بين الإظهار والإدغام ، فكان أعدل لذلك.

والإخفاء ، فيما حركة الياء الأولى منه كسرة ، أحسن من الإخفاء فيما حركتها منه فتحة. فالإخفاء في «محيييين» أحسن من الإخفاء في «محيين» ، لأنّ الكسرة في الياء أثقل من الفتحة ، فتكون الداعية إلى التخفيف مع الكسرة أشدّ.

وقد شذّ أليفاظ في هذا الفصل ، فاعتلّت فيها العين. منها «آية» و «راية» و «ثاية» و «غاية» و «طاية». وكان حقّها أن يعتلّ منها اللّام ويصحّ العين. والذي سهّل ذلك كون هذه الألفاظ أسماء ، فلا تتصرّف فيلزم فيها من الإعلال والتغيير ما يلزم في الفعل.

وفي «آية» ثلاثة أقوال للنحويين :

فمذهب الخليل ما ذكرناه ، من اعتلال العين وصحّة اللّام ، شذوذا.

ومذهب الفرّاء أنّ وزنها «فعلة» وأنّ الأصل «أيّة» ، فاستقلوا اجتماع ياءين ، فأبدلوا من الساكنة ألفا تخفيفا. قال : وإذا كانوا يفعلون ذلك بالياء الساكنة وحدها ، في نحو «عيب وعاب» و «ذيم ودام» ، فالأحرى أن يفعلوا ذلك إذا انضاف إليها ياء أخرى. وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنّ فيه إعلال العين ، مع أنّ العين معتلّة كما في مذهب الخليل ، مع أنّ إبدال الياء الساكنة ألفا ليس بمستمرّ ، وأما «العاب والعيب» و «الذام والذّيم» فهما مما جاء على «فعل» تارة ، وعلى «فعل» أخرى.

ومذهب الكسائيّ أنّ وزنها «فاعلة» ، والأصل «آيية» ، فحذفت استثقالا لاجتماع الياءين ، إذ حذفوها وحدها «بالة» وقد تقدّم. وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنّ فيه أيضا ما في مذهب الخليل من إعلال العين ، لأن الحذف إعلال ، مع أنّ حذف الياء التي هي عين ليس بمطرّد ، مع أنه ادّعى أصلا لم يلفظ به ، ولا مانع يمنع لو كان ذلك.

فتبيّن أنّ الأولى ما ذهب إليه الخليل. وهذه المذاهب إنما تجري في «آية» ، لأنها من ذوات الياء ، بدليل قوله :

قف ، بالدّيار ، وقوف زائر

وتأيّ ، إنّك غير صاغر (1)

فمعنى «تأيّ» : انظر آياتها. فلو كانت عينها واوا لقال «وتأوّ» كما تقول «تلوّ» و «تسوّ».

وكذلك «غاية» في أحد القولين ، لأنّ أبا زيد حكى «غيّيت الغاية وأغييتها». فهذه دلالة قاطعة على أنها من الياء. فعلى هذا تجري فيها المذاهب الثلاثة التي في «آية».

وشذّ من ذلك في الفعل «استحى» ، وكان القياس «استحيا» ، لكن شذّوا فيه ، فأجروه مجرى «استبان» ، فنقلوا حركة الياء التي هي عين إلى الساكن قبلها ، وقلبوا الياء ألفا ، فصار «استحى».

فأما المازنيّ فيزعم أن الألف حذفت تخفيفا ، كما حذفت من «علبط» و «هدبد».


1) البيت من مجزوء الكامل ، وهو للكميت في ديوانه ص 223 ، وإصلاح المنطق لابن السكيت ص 304 ، والمنصف لابن جني 2 / 142 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (أيا).

وأما الخليل فيزعم أنه لما اعتلّت العين سكّنت ، وسكّنت اللّام أيضا كذلك بعدها بالإعلال ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين.

فإن قيل : فلأيّ شيء لم يردّوا المحذوف في المضارع ، فيقولوا «يستحيّ» ، ويرفعوا الياء التي هي لام ، ويدغموا فيها العين؟.

فالجواب : أنّ الذي منع من ذلك أنهم لو فعلوه لرفعوا ما لا يرتفع مثله في كلامهم ، لأنّ الأفعال المضارعة إذا كان آخرها معتلّا لم يدخلها الرفع في شيء من الكلام. [فأما قول الشاعر :

وكأنّها ، بين النّساء ، سبيكة

تمشي بسدّة بيتها فتعيّ (1)

فبيت شاذّ ، وقد طعن على قائله.

وردّ المازنيّ مذهب الخليل ، بقول العرب في التثنية «استحيا». قال : فلو كان الحذف لالتقاء الساكنين لوجب الردّ هنا ، لأنّ اللّام قد تحرّكت لأجل التثنية ، فكانوا يقولون «استحايا». فلمّا لم يقولوا ذلك دلّ على أنّ الحذف تخفيف.

ولقائل أن يقول : لمّا حذف عين «استحى» أشبه «افتعل» ، فصرّف كتصريف ما أشبهه. ومذهب المازنيّ أقوى.

وجمع ما يجري على «استحى» مثله في اعتلال عينه ، من اسم فاعل ، واسم مفعول ، ومضارع نحو «استحى يستحي فهو مستح ومستحى منه». قال الشاعر :

وإني لأستحيي ، وفي الحقّ مستحى

إذا جاء باغي العرف ، أن أتنكّرا (2)

ولم يستعملوا الفعل معتلّ العين إلّا بالزيادة ، فلا يقال «حاي» ، ولا «يحيّ». فأما قول الشاعر :

وكأنّها ، بين النّساء ، سبيكة

تمشي ، بسدّة بيتها ، فتعيّ

فبيت شاذّ ، وقد طعن على قائله.


1) البيت من البحر الكامل ، وهو بلا نسبة في شرح الأشموني 3 / 893 ، والمحتسب لابن جني 2 / 269 ، والمنصف لابن جني 2 / 206 ، وهمع الهوامع للسيوطي 1 / 53 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (عيا).

2) البيت من البحر الطويل ، وهو لابن مقبل في ديوانه ص 136 ، ولسان العرب لابن منظور ، وتهذيب اللغة للأزهري ، وأساس البلاغة للزمخشري ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (سمح).

وأما اللّام فتجري في اعتلالها مجرى لام «رمى» ، فلا تصحّ إلّا أن تضعّفها ، فإنك إذ ذاك تصحّح الأولى منهما ، وتعلّ الثانية منهما ، لأنّ نسبتها إذ ذاك من الثانية نسبة العين من اللّام في «شوى» وأمثاله. فلو بنيت من «الرمي» مثل «احمرّ» لقلت «ارميا». والأصل «ارميي» ، فصحّت اللّام الأولى ، وقلبت الثانية ألفا. وتقول في المضارع «يرميي» ، فتصحّ اللّام الأولى كما تصحّ العين في «يحيي».

وتقول في مثل «احمارّ» من «الحوّة» : «احواوى الفرس» و «احواوت الشّاة». ترجع الواو إلى أصلها ، لأنه لا مانع من ذلك. واحتملت الواوان ، لوقوعهما منفصلتين. فإن بنيت مثل «احمررت» قلت : «احوويت». واحتملت الواوان - وإن كانتا متصلتين - لأنهما في تقدير الانفصال ، لأنّ كلّ «افعلّ» مقصورة من «افعالّ».

وتقول في اسم الفاعل في «احواوى» : «محواو» ، ومن «احووى» : «محوو».

ومصدر «احواوى» «احويواء» من غير إدغام ، لأنّ الياء مدّة منقلبة عن ألف «احواوى». هكذا حكى أهل اللغة عن العرب. وزعم المبرد أنك تقول «احويّاء» من قبل أنّ المصدر اسم. فبناؤه على حالة واحدة ، فلا تكون الألف عارضة. والسماع يبطل ما قال.

ومصدر «احووى» : «احوواء». ومن قال في مصدر «اقتتل» : «قتّالا» قال في مصدر «احووى» : «حوّاء». هذا قول أبي الحسن. وغيره يقول : «حيّاء» فيقلب الواو الساكنة ياء ، لانكسار ما قبلها ، ثم تقلب الثانية ياء ، وتدغم الياء في الياء.

والصحيح قول أبي الحسين ، لأنّ الواو بالإدغام قد زال عنها المدّ ، فصارت بمنزلة الحروف الصحيحة ولذلك وقع «وليّ» في القافية مع «ظبي». و «أدل» كان كذلك لو لم تقو الكسرة على قلبها. ويقوّي ذلك قولهم «قرون ليّ» فلم يقلبوا من الضمة كسرة لمّا أمنوا قلب الياء واوا للإدغام كما قلبوها في أدل.

فإن قلت : إنّ القلب في «حيّاء» محمول على قول من قال «ليّ» بكسر اللام؟.

فالجواب : أن ذلك بعيد ؛ ألا ترى أنك لا تجد كلمة من الواو المدغمة قلبتها الكسرة إلى الياء ، لزوال المدّ عنها بالإدغام.

الرباعي المعتل

فإن كان أصول المعتلّ على أزيد من ثلاثة فإنّ نهاية ما يوجد عليه أربعة أحرف ، بشرط أن يكون مضعّفا ، أعني : تكون لامه الأولى من جنس فائه ، ولامه الثانية من جنس عينه ، كما جاءت لام «رددت» من جنس علينه. فهو في الأربعة نظير «رددت» في الثلاثة.

وذلك نحو «قوقيت» (1)و «ضوضيت» (2)في بنات الواو ، و «حاحيت» و «عاعيت» و «هاهيت» (3)في بنات الياء. والأصل «ضوضوت» و «قوقوت» - فأبدلوا الواو الأخيرة ياء ، لوقوعها طرفا رابعة ، للعلّة التي ذكرنا في «أغزيت» - و «حيحيت» و «عيعيت» و «هيهيت» فأبدلوا من الياء ألفا. كراهية اجتماع الأمثال.

فإن قيل : وما الذي يدلّ على أنّ «قوقيت» : «فعللت» ، ولعلها «فعليت» أو «فوعلت». وكذلك أيضا «حاحيت» ما الذي يدلّ على أنه «فعللت» ولعله «فاعلت»؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على أنّ «قوقيت» : «فعللت» أنه لو كان «فوعلت» لكان من باب «ددن». ولو كان «فعليت» لكان من باب «سلس وقلق». وهما بابان قليلان ، و «قوقيت» وأمثاله كثير. فدلّ ذلك على أنه ليس ب- «فوعلت» ، ولا ب- «فعليت».

وأما «حاحيت» وأمثالها فالذي يدلّ على أنها «فعللت» لا «فاعلت» المصدر ؛ ألا تراهم قالوا «الحيحاء» و «العيعاء» ، فيجيء بمنزلة «السّرهاف» (4). ولو كان «فاعل» لكان مصدره «فعالا» نحو «قاتل قتالا».

فإن قيل : وقد يجيء «الفعال» مصدرا ل- «فاعل» ، قالوا «قاتله قيتالا»؟.

فالجواب : أنّ ذلك قليل ، فلا ينبغي أن يحمل عليه «الحيحاء» و «العيعاء».

والذي يدلّ أيضا على أنّ «حاحيت» و «عاعيت» : «فعللت» قولهم «الحاحاة» و «العاعاة» بمنزلة «الدّحرجة» و «القلقلة» و «الزّلزلة». ولو كانتا «فاعلت» لما جاز ذلك ؛ ألا ترى أنه لا يقال «قاتل قاتلة» ولا «ضارب ضاربة».

وأيضا فإنّ جعل الألف زائدة يؤدّي إلى دخولهما في الباب القليل - أعني باب «ددن» - وهو كون الفاء والعين من جنس واحد.

فإن قيل : وما الذي يدلّ على أنّ الألف منقلبة عن الياء فيهما؟.

فالجواب : أنّ الذي يدلّ على ذلك أنه لم يجىء قطّ على أصله. فلو كان من ذوات الواو لجاء على أصله ، ك- «قوقيت».


1) قوقت الدجاجة : إذا صوّتت عند البيض ، أي : صاحت. انظر العين للفراهيدي ، مادة (قوي).

2) الضّأضاء : صوت الناس. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (ضوا).

3) هذه الأصوات الثلاثة ينادى بها للغنم.

4) السرهاف : من قولك : سرهفت الرجل : إذا أحسنت غذاءه. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (سرهف).

فإن قيل : ولأيّ شيء لم تبدل من الواو ألف ، في مثل «قوقيت»؟.

فالجواب : أنهم فرّقوا بذلك بين ذوات الياء وذوات الواو ، وكان إبدال الألف من الياء أولى ، لقرب الألف من الياء ، ولما في إظهار الياء من اجتماع الأمثال. وممّا يدلّ على أنهم يبدلون كراهية اجتماع الأمثال «دهديت» (1)، وأصله «دهدهت». فأبدلت الهاء ياء.

وزعم المازنيّ أنّ الألف منقلبة عن واو ، وحجّته أنّ الألف لمّا لم ينطق لها بأصل ، لا من ياء ولا من واو ، حملها على ما نطق له بأصل ، وهو «قوقيت».

والأوّل أقيس وأحسن ، لأنّ فيه محسّنا لقلب الياء ألفا. وليس في مذهب المازنيّ ما يحسّن القلب.

وجاء من ذلك في الأسماء «غوغاء» ، فيمن صرف فقال «غوغاء» ، أو من ألحق التاء فقال «غوغاءة». والأصل «غوغاو» و «غوغاوة» فقلبت الواو همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة.

فإن قيل : ولعلّ الهمزة منقلبة عن حرف علّة ملحق بالأصل؟.

فالجواب : أنّ حمل الكلمة على ذلك يؤدّي إلى كون الكلمة من باب «سلس وقلق» وذلك قليل جدّا ، فحملت على الباب الأوسع. وأيضا فإنّ العرب لم تلحق من بنات الثلاثة ببنات الأربعة شيئا على وزن «فعلاء» ، لم يوجد من كلامها مثل «حمراى» منوّنا.

فإن قيل : ولعلّ الواو زائدة ، ووزن الكلمة «فوعال» نحو «توراب»؟.

فالجواب : أنّ هذا البناء قليل ، فلا ينبغي أن يحمل عليه. وأيضا فإنه يؤدّي إلى الدخول في باب «ددن» ، وهو أقلّ من باب «سلس».

فأما من منع الصرف فالهمزة عنده زائدة ، والكلمة من باب «سلس».

وكذلك «الصّيصية» (2)و «الدّوداة» (3)و «الشّوشاة» (4). فأما «الصّيصية» فمن مضعّف الياء. وأما «الدّوداة» و «الشّوشاة» فمن مضعّف الواو. ولا ينبغي أن يدّعى في «صيصية»


1) دهديت الحجر : دحرجته. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (دهده).

2) الصيصية : الحصن ، وكل شيء امتنع به وتحصّن. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (صيص).

3) الدوداة : الأرجوحة التي يلعب بها الصبيان. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (دود).

4) الشوشاء : الناقة الخفيفة ، والمرأة تعاب بذلك. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (شوش).

أنها في الأصل «صوصية» ، فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها ، لأنه خروج عن الظاهر بغير دليل. وأيضا فإنها لو كانت من ذوات الواو لقالوا في الجمع «صواصّ» ، لتحرّك الواو وزوال الكسرة. فلمّا قالوا «صياص» علمنا أنها من ذوات الياء. قال تعالى : (مِنْ صَياصِيهِمْ) [الأحزاب : 26]. ولا تجعل الياء الثانية زائدة ويكون وزن الكلمة «فعلية» نحو «عفرية» (1)، لأنّ في ذلك دخولا في باب «قلق» وهو قليل. وكذلك «الدّوداة» و «الشّوشاة» ، لو جعلت الواو فيهما زائدة لكانا من باب «ددن» ، وهو قليل ، ولو كانت الألف زائدة لكانا من باب «سلس». وهو قليل أيضا.

فأما «الفيفاء» (2)فالألف والهمزة زائدتان ، لأنهم قد يحذفونهما ، فيقولون «الفيف». وكذلك «القيقاء» (3)و «الزّيزاء» (4)، بمنزلة «علباء» (5)، ولا يكونان من باب المضعّف ، لأنهما ليسا بمصدرين ، و «فعلال» لا يوجد إلّا في المصادر.

وحكم اللام المعتلّة ، في جميع الأحوال ، حكمها في مزيد الثلاثيّ. وحكم العين حكمها في الثلاثيّ.

ولم تجىء الواو أصلا في بنات الأربعة غير المضعّف إلّا في «ورنتل» (6)- وهو شاذّ - وفي أسماء قليلة ، قد نبّهنا عليها في الأبنية. وكذلك الياء لم تجيء أصلا فيما زادت أصوله على ثلاثة أحرف إلّا في «يستعور» (7)، وفي ألفاظ قليلة ، نبّهنا أيضا عليها في الأبنية. وقد تقدّم الكلام فيها.



1) العفرية : الداهية. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (عفر).

2) الفيفاء : الصحراء الملساء. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (فيف).

3) قال ابن منظور في لسان العرب ، مادة (قيصر). القيقاء : مكان ظاهر غليظ كثير الحجارة ، وهي مستوية بالأرض وفيها نشوز وارتفاع مع النشوز ، نثرت فيها الأحجار نثرا لا تكاد تمشي فيها ، وما تحت الحجارة المنثورة حجارة غاصّ بعضها ببعض لا تقدر أن تحفرها.

4) الزيراء : ما غلظ من الأرض. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (زور).

5) العلباء : عصب في العنق يأخذ إلى الكاهل. انظر النهاية لابن الأثير ، مادة (علب).

6) الورنتل : الداهية والأمر العظيم. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (ورل).

7) اليستعور : شجر تصنع منه المساويك ، ومساويكه أشد إنقاء للثغر وتبييضا للأسنان. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (يستعر).

باب أحكام حروف العلّة الزوائد

اشارة

وهي ثلاثة الياء والواو والألف.

باب الياء

أما الياء منها فلا تخلو من أن تكون ساكنة ، أو متحرّكة. فإن كانت ساكنة فلا يخلو من أن تقع بعد ساكن ، أو متحرّك. فإن وقعت بعد ساكن فإن كان الساكن حرف علّة حذف ، فتقول في «مصطفى» : «مصطفين» في النصب والخفض. إلّا أن تكون الياء علامة تثنية فإنك تحرّك الساكن الذي قبلها وتقلبه ياء إن كان ألفا ، فتقول «مصطفيين» في النصب والخفض ، أو تكون الألف ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، فإنك تبدل الياء همزة وتحرّك بالكسر لالتقاء الساكنين ، نحو «صحائف». وقد تقدّم ذكر السبب في ذلك باب البدل. فإن كان حرفا صحيحا كسرته وثبتت الياء ، نحو قوله في التذكر : قدي ، والإنكار : أزيدنيه.

وإن وقعت بعد متحرك فلا يخلو من أن تكون بعد حرف مفتوح ، أو حرف مكسور ، أو حرف مضموم.

فإن كانت بعد حرف مفتوح نحو «بيطر» لم تعتلّ ، إلّا أن ينضاف إليها ثلاث ياءات فإنه يجوز حذفها استثقالا ، وذلك نحو «أميّة» إذا نسبت إليه فإن من العرب من يقول «أمويّ» فيحذف ياء «أميّة» الزائدة ، فيكون كأنه قد نسب إلى «أمى» ك- «هدى» فيقول «أمويّ» ك- «هدويّ».

وإن كانت بعد حرف مكسور فهي على حالها أيضا نحو «قضيب».

وإن كانت بعد حرف مضموم قلبت واوا ، نحو «بيطر» إذا بنيته للمفعول فإنك تقول «بوطر».

وإن كانت متحرّكة فلا يخلو من أن تكون أوّلا ، أو بعد حرف. فإن كانت أوّلا لم

تغيّر عن حالها التي تكون عليها في الأصل نحو «يركب». إلّا في «يفعل» مضارع «فعل» المكسور العين الذي فاؤه ولو. فإنه يجوز كسرها ، وذلك نحو «ييجل» في بعض اللغات.

وإن كانت بعد حرف فلا يخلو من أن تكون طرفا ، أو غير طرف. فإن كانت طرفا فلا يخلو من أن يكون ما قبلها ساكنا. أو متحرّكا. فإن كان ما قبلها ساكنا فإنه لا يكون إلّا الألف الزائدة ، أو الياء الأولى من يائي النسب ، أو ما جرى مجراهما ، نحو «قرشيّ» و «كرسيّ». ولا يحفظ غير ذلك. وتقلب بعد الألف همزة ، وذلك نحو «درحاء» أصله «درحاي» ، بدليل قولهم في معناه «درحاية» ولكنها قلبت همزة لما ذكر في باب البدل. وتصحّ بعد الياء.

وإن كان ما قبلها متحرّكا فإنه لا يخلو أن تكون الحركة فتحة ، أو ضمّة ، أو كسرة. فإن كانت كسرة لم تغيّر نحو «عفرية» ، لأنّ تاء التأنيث لا يعتدّ بها. وإن كانت ضمّة قلبت الضمّة كسرة ، وثبتت الياء. نحو «تقلس» مصدر «تقلسى». أصله «تقلسي» فقلبت الضمّة كسرة. وإن كانت فتحة قلبت ألفا ، نحو «علقى» (1)و «قلسى» (2). والأصل «علقي» و «قلسي» ، بدليل قولك «علقيان» و «قلسيت» ، لكن لمّا تحرّكت الياء وقلبها فتحة قلبت ألفا. ما لم يمنع من ذلك الألف التي هي علامة الاثنين ، أو ضميرهما ، نحو «قلسيا» و «علقيان» ، فإنها تثبت ولا تقلب ، لئلّا يؤدّي ذلك إلى اجتماع ساكنين - الألف المبدلة من الياء والألف التي بعدها - فيلزم الحذف فتقول : «قلسى» فيلتبس بفعل الواحد ، و «علقان» فيلتبس بتثنية غير المقصور ، إذ قد يتوهّم أنه تثنية «علق» مثلا.

وإن كانت غير طرف فلا يخلو من أن تكون بين ساكنين ، أو بين متحرّكتين ، أو بين متحرّك وساكن. فإن كانت بين ساكنين لم تغيّر نحو «قشيبّ» و «كرابيس». أو بين متحرّكين نحو «قيّوم» ثبتت ، ولم تغيّر بأكثر من إدغامها فيما بعدها ، كما فعل في «قيّوم». أصله «قيووم» ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء.

وإن كانت بين متحرّك وساكن ثبتت ولم تغيّر ، نحو «حذيم» (3)و «حيفس» (4)، ما لم يكن الساكن ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، وتكون الياء ساكنة في المفرد ، فإنها


1) العلقى : شجر تدوم خضرته في القيظ. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (علق).

2) القلسى : القلنسوة. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (قلس).

3) الحذيم : الحاذق بالشيء. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حذم).

4) الحيفس : الرجل القصير الغليظ. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (حفس).

تقلب همزة نحو «صحائف» جمع صحيفة ، أو تكون بعد الألف وقد تقدّمها ياء أخرى أو واو ، بشرط القرب من الطرف ، نحو «بيّن» و «قيّم» اسم رجل ، على وزن «فعيل» نحو «حذيم» تقول في تكسيرهما : «بيائن» و «قيائم». وقد تقدّم ذكر السبب في ذلك في باب البدل. ما لم يؤدّ ذلك إلى وقوع الهمزة بين ألفين. فإن أدّى إلى ذلك أبدلت من الهمزة ياء ، هربا من اجتماع ألفين مع ما يقاربهما ، وهو الهمزة ، فكأنه قد اجتمع في الكلمة ثلاث ألفات. وإنما أبدلت منها لياء لأنها أخفّ من الواو. وذلك نحو «مطيّة ومطايا» أصله «مطائو» ثم قلبت لتطرّفها وانكسار ما قبلها فصار «مطائي» ، ثم قلبت الكسرة فتحة تخفيفا فصار «مطاءي» ، ثم قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصار «مطاءى» ، ثم أبدلت الهمزة ياء لما قدّمنا.

وكذلك تفعل بالهمزة المبدلة من الألف ، إذا أدّى ذلك فيها إلى وقوع الهمزة بين ألفين نحو «صلاءة (1)وصلايا». ما لم تكن الواو من المفرد واوا ملفوظا بها فإنّ الهمزة إذ ذاك تبدل واوا ، لتكون الواو ظاهرة في الجمع كما كانت في المفرد ، نحو «علاوة (2)وعلاوى» و «إداوة (3)وأداوى».

وقد يبدلون الهمزة واوا ، وإن لم تكن ظاهرة في المفرد ، إذا كانت اللّام واوا في الأصل ، نحو «مطيّة ومطاوى» و «شهيّة وشهاوى». على أنه قد يجوز أن تكون «شهاوى» جمع «شهوى» استغني به عن جمع «شهيّة» ، لكونهما في معنى واحد. قال :

فهي شهاوى وهو شهوانيّ (4)


1) الصلاءة : مدقّ الطيب : انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (صلا).

2) العلاوة : أعلى الرأس ، وقيل : أعلى العنق ، وقيل رأس الإنسان ما دام في عنقه. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (علا).

3) الإداوة : إناء صغير من جلد يتخذ للماء. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (أدا).

4) الشعر من الرجز ، وهو للعجاج في ديوانه ص 70 ، والمنصف لابن جني 3 / 67.

باب الواو

أما الواو فلا يخلو أيضا من أن تكون ساكنة ، أو متحرّكة. فإن كانت ساكنة فلا يكون ما قبلها أبدا إلّا متحرّكا - ولا يكون ساكنا إلّا أن يكون الساكن ألفا ، فإنك تحذفها فتقول في «مصطفى» : «مصطفون». ما لم تكن الألف للجمع الذي لا نظير له في الآحاد فإنها تقلب همزة ، نحو «عجائز» - ولا تخلو الحركة من أن تكون فتحة ، أو ضمّة ، أو كسرة.

فإن كانت فتحة تثبت الواو ولم تغيّر ، نحو «حوقل». إلّا أن تدغم في ياء فإنها تقلب ياء ، نحو قولك : «مصطفيّ».

وإن كانت ضمّة ثبتت أيضا ولم تغيّر ، نحو «طومار» (1). إلّا أن تدغم في ياء مبدلة من واو ، أو غير مبدلة ، فإنها تقلب ياء نحو «بيّاع» «فوعال» من البيع. وإن كان قبلها ضمّة قلبت ياء ، والضمّة التي قبلها كسرة ، نحو : «مرميّ» و «عصىّ». وقد تقدّم ذكر ذلك.

وإن كانت كسرة فإنها تقلب ياء نحو «بهاليل». ما لم تكن الواو صغير جماعة أو علامة جمع ، فإنك تبدل الكسرة ضمّة كي تصحّ الواو ، فلا يتغيّر الضمير ولا العلامة ، نحو قولك «هؤلاء قاضون» و «هؤلاء يقضون». الأصل «قاضيون» و «يقضيون». فاستثقلت الضمة في الياء فحذفت ، فالتقى ساكنان - الواو والياء - فحذفت الياء ، وبقيت الواو ساكنة بعد كسرة ، فحولت الكسرة ضمّة لتصحّ الواو. وما لم تكن مدغمة فيما بعدها ، فإنها إذا كانت كذلك ثبتت ولا تغيّر لتشبّثها بالحركة نحو «اعلوّاط» مصدر «اعلوّط» ؛ ألا ترى أنّ الواو التي بعد الكسرة زائدة ساكنة ، ولم تنقلب ياء. وقد جاء من ذلك شيء مقلوبا ، إلّا أنه يحفظ ولا يقاس عليه ، نحو «ديوان» أصله «دوّان» بدليل قولهم في الجمع «دواوين» والواو الأولى من «دوّان» ساكنة زائدة ، لأنه قد تقدّم الدليل على أنّ الأول من المضعّفين زائد.

وإن كانت متحرّكة فلا يخلو من أن تكون طرفا أو غير طرف. فإن كانت طرفا فلا


1) الطومار : الصحيفة. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (طمر).

تخلو أن يكون ما قبلها ساكنا أو متحرّكا ، فإن كان ساكنا ثبتت ولم تغيّر نحو «حنطأو» (1). وإن كان متحرّكا فلا يخلو أن تكون الحركة فتحة أو كسرة أو ضمّة. فإن كانت فتحة ثبتت نحو الواو المبدلة من ألف «حبلى» إذا وقفت فقلت «حبلو». وإن كانت كسرة قلبت ياء نحو «قليسية» في تصغير «قلنسوة» على أحد الوجهين ، وتاء التأنيث هنا غير معتدّ بها. وإن كانت ضمّة قلبت الواو ياء والضمة كسرة ، نحو قولك «يا قمحدي» في ترخيم «قمحدوة» على لغة من لا ينوي ردّ المحذوف. إلا أن تكون الكلمة مبنيّة على تاء التأنيث فإنّ الواو لا تغيّر نحو «قلنسوة». ولو لم تبن الكلمة على التاء هنا ، ولم يعتدّ بها ، لقيل «قلنسية». أو تكون الواو علامة جماعة ، أو ضميرها ، فإنها تثبت ولا تغيّر ، محافظة على الواو لأنها لمعنى ، نحو قولك «زيدون» و «يضربون».

وإن كانت الواو غير طرف فلا يخلو من أن تكون بين ساكنين ، أو بين متحرّك وساكن. فإن كانت بين ساكنين ثبتت ولم تغيّر ، نحو «عثولّ» (2)، إلّا أن يدغم فيها ياء فإنها تقلب ياء نحو «بيّاع» على وزن «فعوال» من البيع. وإن كانت بين ساكن ومتحرّك ثبتت أيضا. ولم تغيّر ، نحو «جهور». إلّا أن تكون مضمومة نحو «تجهور» فإنه يجوز همزها في أحد الوجهين. أو تدغم فيها الياء فإنه يلزم قلبها ياء نحو «فعول» من البيع تقول فيه «بيّع» والأصل «بيوع». أو تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد - وقد كانت ساكنة في المفرد للمدّ - فإنه يلزم قلبها همزة نحو «عجائز». أو تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد أيضا ، وقد تقدّم الألف ياء أو واو ، فإنه يلزم قلبها همزة نحو «سوائد» و «بيائع» جمع «سوّد» و «بيّع» ، على وزن «فعول» من السّودد والبيع.

ما لم تصحّ في المفرد في موضع يجب إعلالها فيه ، أو لم تكن قريبة من الطرف ، فإنه لا يجوز همزها ، نحو «ضياون» جمع «ضيون» (3)، و «بياويع» جمع «بيّاع» على وزن «فعوال». وقد تقدّم ذكر ذلك في البدل.



1) الحنطأو : العظيم البطن. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حنطأ).

2) العثول : الكثير اللحم المسترخي. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (عثل).

3) الضيون : ذكر السّنّور. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (ضون).

باب الألف

وأما الألف فإنها أبدا ساكنة ، ولا يخلو أن تجتمع مع ساكن غيرها ، أو لا تجتمع. فإن اجتمعت مع ساكن حذفت نحو «حبلى القوم». إلّا أن يكون الساكن ألف التثنية فإنها تقلب ياء ولا تحذف. فتقول في تثنية «حبلى» : «حبليان». ولا يجوز أن تقول «حملان» لئلّا يتوهّم أنه تثنية «حبل» ، خلافا لأهل الكوفة فإنهم يجيزون حذفها فيما زاد على أربعة أحرف ، نحو «جمادى» فيقولون في تثنيته «جمادان» والصحيح عندنا أنه لا يجوز إلّا «جماديان» ، وبه ورد السماع. قال :

شهري ربيع وجماديينه (1)

وقد حذفت في لفظتين شذّتا وهما «ضبغطرى» (2)و «قبعثرى» (3)قالوا في تثنيتهما : «ضبغطران» و «قبعثران».

أو يكون الساكن الياء الأولى من يائي النسب ، فإنها تقلب معها واوا ، فيما هو على أربعة أحرف ، ولم تتوال فيه الحركات ، ويجوز فيه الحذف ، فيقال في النسب إلى «حبلى» : «حبليّ» و «حبلويّ». وأما ما زاد على أربعة أحرف فلا يجوز فيه إلّا الحذف.

أو يكون الساكن ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد فإنها تقلب همزة ولا تحذف نحو «رسائل» في جمع «رسالة». وقد تقدّم ذكر السبب في ذلك في باب البدل. وقد تقلب الهمزة ياء ، إذا وقعت بين ألفين ، للعلّة التي تقدّم ذكرها في فصل الياء.

وإن لم تجتمع مع ساكن فلا يخلو من أن تكون الحركة التي قبلها فتحة أو ضمّة أو كسرة. فإن كانت فتحة ثبتت ولم تغيّر نحو «رسالة». إلّا أنه يجوز فيها إذا كانت طرفا في


1) الشعر من الرجز ، وهو لامرأة من فقعس في خزانة الأدب للبغدادي 7 / 456 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 489 ، وشرح المفصل لابن يعيش 4 / 142 ، وبلا نسبة في الإنصاف للأنباري ص 755.

2) الضبغطرى : الرجل الشديد والطويل والأحمق ، وكلمة يفزّع بها الصبيان. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (ضبغطر).

3) القبعثرى : الضخم العظيم ، انظر النهاية لابن الأثير ، مادة (قبعثر).

الوقف أن تبدل ياء أو واوا أو همزة. فتقول «حبلأ» و «حبلو» و «حبلي». إلّا ما جاء من ذلك شاذّا ، قد حذفت فيه الألف واجتزئ بالفتحة عنها ، فإنه يحفظ ولا يقاس عليه ، نحو «علبط» (1)و «عكمس (2)» وأمثال ذلك ، أو في ضرورة شعر نحو قوله :

ألا لا بارك الله في سهيل

إذا ما الله بارك في الرّجال (3)

فحذف الألف من «الله» لإقامة الوزن.

وإن كانت ضمّة قلبت واوا نحو «ضارب» ، إذا بنيته للمفعول فإنك تقول فيه «ضورب».

وإن كانت كسرة قلبت ياء ، نحو «شماليل» في جمع «شملال» (4).



1) العلبط : اللبن الخاثر الغليظ جدّا ، انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (علبط).

2) يقال : ليل عكمس ، إذا اشتد ظلامه. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (عكمس).

3) البيت من البحر الوافر ، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب للبغدادي 10 / 341 ، والخصائص لابن جني 3 / 135 ، ورصف المباني للمالقي ص 270 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 721 ، والمحتسب لابن جني 1 / 181 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (أله).

4) الشملال : الناقة السريعة. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (شمل).

باب القلب والحذف على غير قياس

اشارة

القلب والحذف ، في غير حروف العلّة ، أو في حروف العلّة في خلاف ما تضمنّه الباب المتقدّم ، مما يحفظ ولا يقاس عليه.

[القلب على غير قياس]

فالمقلوب على قسمين :

قسم قلب للضرورة نحو قولهم «شواعي» في «شوائع» في الشعر ، قال :

وكأنّ أولاها كعاب مقامر

ضربت على شزن ، فهنّ شواعي (1)

يريد : «شوائع» أي : متفرّقات. ونحو قول الآخر :

مروان مروان أخو اليوم اليمي (2)

يريد : «اليوم» أي : الشديد ، لأنه مشتقّ من «اليوم» ، لكنه قلب.

وقسم قلب توسّعا ، من غير ضرورة تدعو إليه ، لكنه لم يطرّد عليه فيقاس ، وذلك نحو قولهم «لاث» و «شاك» ، والأصل «شائك» و «لائث» ، لأنّ «لائثا» من «لاث يلوث» ، و «شائك» مأخوذ من «شوكة السلاح». ونحو قولهم «قسيّ» في جمع «قوس». وقياس جمعها «قؤوس» ، نحو قولهم «فوج» و «فؤوج». ونحو قولهم «رعملي لقد كان كذا» يريدون : «لعمري».


1) البيت من البحر الكامل ، وهو للأجدع بن مالك في لسان العرب ، مادة (شيع ، شزن ، شعا) ، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص 49 ، والمعاني الكبير لابن قتيبة ص 54 ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 743 ، والمقتضب للمبرد 1 / 140 ، والمنصف لابن جني 2 / 57.

2) الرجز لأبي الأخرز الحماني في شرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 427 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (كرم ، يوم) ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 1 / 64 ، وشرح شافية ابن الحاجب 1 / 169 ، والكتاب لسيبويه 4 / 380 ، والمنصف لابن جني 2 / 12.

ولا يمكننا استيعاب ما جاء من ذلك هنا ، لسعته. حتى إنّ يعقوب قد أفرد كتابا في «القلب والإبدال».

فإن قيل : إذا كان ، من السّعة والكثرة ، بحيث يتعذّر ضبطه فينبغي أن يكون مقيسا؟.

فالجواب : أنه ، مع كثرته ، من أبواب مختلفة ، لم يجىء منه في باب ما شيء يصلح أن يقاس عليه ، بل لفظ أو لفظان أو نحو ذلك.

فإن قال قائل : إذا جاءت الكلمة في موضع على نظم ما ، ثم جاءت في موضع آخر على نظم آخر ، فبم يعلم أنّ أحد النظمين أصل والآخر مقلوب منه. بل لقائل أن يقول : لعلهما أصلان وليس أحد النظمين مقلوبا من صاحبه؟.

فالجواب : أنّ الذي يعلم به ذلك أربعة أشياء :

أحدها : أن يكون أحد النظمين أكثر استعمالا من الآخر ، فيكون الأكثر استعمالا هو الأصل ، والآخر مقلوبا منه ، نحو «لعمري» و «رعملي». فإنّ «لعمري» أكثر استعمالا. فلذلك ادّعينا أنه الأصل.

والثاني : أن يكون أكثر التصريف على النظم الواحد ، ويكون النظم الآخر أقلّ تصرّفا ، فيعلم أنّ الأصل هو الأكثر تصرّفا ، والآخر مقلوب منه. وذلك نحو «شوائع» فإنه أكثر تصرّفا من «شواعي» ، لأنه يقال «شاع يشيع فهو شائع» ، ولا يقال «شعى يشعى فهو شاع». فلذلك كان «شوائع» الأصل.

والثالث : أن يكون أحد النظمين لا يوجد إلّا مع حروف زائد تكون في الكلمة ، والآخر يوجد للكلمة مجرّدا من الزوائد. فإن سيبويه جعل الأصل النظم الذي يكون للكلمة عند تجرّدها من الزوائد ، وجعل الآخر مغيّرا منه ، لأنّ دخول الكلمة الزوائد تغيير لها ، كما أنّ القلب تغيير ، والتغيير يأنس بالتغيير. وذلك نحو «اطمأنّ وطأمن» فالأصل عند سيبويه أن تكون الهمزة قبل الميم ، و «اطمأنّ» مقلوبا منه لما ذكرنا. وخالف الجرميّ في ذلك ، فزعم أنّ الأصل «اطمأنّ» بتقديم الميم على الهمزة. وهو الصحيح عندي لأنّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه. فقالوا «اطمأنّ ويطمئنّ ومطمئنّ» كما قالوا «طأمن يطأمن فهو مطأمن» ، وقالوا «طمأنينة» ، ولم يقولوا «طوء منينة».

والرابع : أن يكون في أحد النظمين ما يشهد له أنه مقلوب من الآخر ، نحو «أيس» و «يئس». الأصل عندنا «يئس» ، و «أيس» مقلوب منه ، إذ لو لم يكن مقلوبا لوجب إعلاله ،

وأن يقال «آس». فقولهم «أيس» دليل على أنه مقلوب من «يئس» ، ولذلك لم يعلّ كما لم يعلّ «يئس». ولا ينبغي أن يجعل «أيس» أصلا ويجعل تصحيحه شاذّا ، لأنّ القلب أوسع من تصحيح المعتلّ وأكثر.

فهذه جملة الأشياء التي يتوصّل بها إلى معرفة القلب ، فأما إذا كان للكلمة نظمان ، وقد تصرّف كلّ واحد منهما على حد تصرّف الآخر ، ولم يكن أحدهما مجرّدا من الزوائد والآخر مقترنا بها ، ولم يكن في أحد النظمين ما يشهد له بأنه مقلوب من الآخر ، فإنّ كلّ واحد منهما أصل بنفسه. وذلك «جذب» و «جبذ» ، لأنه يقال «يجذب» و «يجبذ» ، و «جاذب» و «جابذ» ، و «مجذوب». و «مجبوذ». و «جذب» و «جبذ».

[الحذف على غير قياس]

اشارة

والحذف على غير قياس يكون في : الهمزة ، والألف ، والواو ، والياء ، والهاء ، والنون ، والباء ، والحاء ، والخاء ، والفاء ، والطاء.

حذف الهمزة

حذفت الهمزة من قولنا «الله». أصله في أحد قولي سيبويه «إله» ، فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال ، وصارت الألف واللّام عوضا منها.

وحذفت من «أناس» فقالوا «ناس».

وحذفت من «خذ» و «كل» و «مر». والأصل «اؤخذ ، اؤكل ، اؤمر» ، لأنها من الأخذ والأكل والأمر. فلمّا حذفت الهمزة استغني عن همزة الوصل ، لزوال الهمزة الساكنة.

وحذفت من «سل». والأصل «اسأل» ، لأنه من السؤال.

وحذفت من «أب» فقالوا «يابا فلان». قال أبو الأسود الدؤليّ :

يا با المغيرة ربّ أمر معضل

فرّجته بالمكر منّي والدّها (1)

وحكى أبو زيد : «لا بالك» يريدون : «لا أبا لك».


1) البيت من البحر الكامل ، وهو لأبي الأسود الدؤلي في ملحق ديوانه ص 378 ، وبلا نسبة في خزانة الأدب للبغدادي 10 / 341 ، ورصف المباني للمالقي ص 44.

وحذفت أيضا من مضارع «رأيت» فقالوا «يرى» و «ترى» فألزموها التخفيف. وربما أجروها على الأصل عند الضرورة ، قال سراقة الهذّلي :

أرى عينيّ ما لم ترأياه

كلانا عالم بالتّرّهات (1)

وحكى أبو زيد «سؤته سواية» والأصل «سوائية» ك- «رفاهية» فحذفت الهمزة.

وحذفت أيضا من «براء» والأصل «برآء».

وحذفت أيضا من «أشياء» على مذهب الأخفش والفرّاء ، لأنّ أصلها عندهما «أشيئاء». وقد تقدّم إبطال مذهبيهما.

حذف الألف

حذفت الألف في «أم والله لأفعلنّ» يريدون «أما والله». وربما حذفت في الوقف تخفيفا. قال لبيد :

وقبيل من لكيز حاضر

رهط مرجوم ورهط ابن المعل (2)

يريد : ابن المعلّى. وقال أبو عثمان المازنيّ ، في قول الله تبارك وتعالى (يا أَبَتِ) [يوسف : 4] : يريد : يا أبتاه. وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابيّ وغيرهما :

فلست بمدرك ما فات منّي

بلهف ولا بليت ولا لوانّي (3)

أراد «بلهفا» ثم حذفت الألف.

وحذف الألف على الجملة قليل.


1) البيت من البحر الوافر ، وهو لسراقة البارقي في الأشباه والنظائر للسيوطي 2 / 16 ، والأغاني للأصبهاني 9 / 13 ، وأمالي الزجاجي ص 87 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني ص 77 ، وشرح شواهد الشافية ص 322 ، والمحتسب لابن جني 1 / 128 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (رأى).

2) البيت من بحر الرمل ، وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 199 ، والأشباه والنظائر للسيوطي 1 / 272 ، والخصائص لابن جني 2 / 293 ، وشرح شواهد الإيضاح للفارسي ص 320 ، والكتاب لسيبويه 4 / 188 ، والمقاصد النحوية للعيني 4 / 548 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (رجم).

3) البيت من البحر الوافر ، وهو بلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 521 ، والخصائص لابن جني 3 / 135 ، والإنصاف للأنباري 1 / 390 ، ولسان العرب لابن منظور ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة (لهف).

حذف الواو

حذفت الواو لاما في أشياء صالحة : فحذفت في «غد» والأصل «غدو». قال الراجز - فاستعمله على الأصل - :

لا تقلواها وادلواها دلوا

إنّ مع اليوم أخاه غدوا (1)

وقالوا «حم» وأصله «حمو» بدليل قولك «حموك» فحذفت الواو. وحذفت أيضا من «أب» و «أخ» لأنهما من الواو ، لقولهم «أبوان» و «أخوان». وحذفت من «هن» وهو من الواو ، لقولهم «هنوات». وحذفت من «ابن» لأنه من «البنوّة» وحذفت من «اسم» لأنه من «السموّ» عندنا. وحذفت في «كرة» لقولهم «كروت بالكرة». وحذفت من «قلة» وهو أيضا من الواو ، «قلوت بالقلة». وحذفت من «ثبة» اسم الجماعة من الناس وغيرهم ، ومن «ظبة» طرف السيف ، وهما من الواو حملا على الأكثر بذلك وصّى أبو الحسن الأخفش. وكذلك «برة» (2)و «كفة» (3).

حذف الياء

حذفت الياء من «يد» وأصله «يدي» لقولك «يديت» إلى فلان يدا أي : أهديت إليه معروفا. ومن ذلك «مائة» أصلها «مئية» فحذفت الياء. يدلّ على ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم «أخذت مأيا» يريدون «مائة». وهذه دلالة قاطعة. وحذفت من «دم» والأصل «دمي» لقولهم «دميان». قال الشاعر :

فلو أنّا ، على حجر ، ذبحنا

جرى الدميان ، بالخبر اليقين (4)

ومنهم من يقول «دموان» ، وهو قليل ، وهو ، على هذه اللغة ، من باب ما حذف منه الواو. وقال بعضهم «دمان».


1) الشعر من الرجز ، وهو بلا نسبة في تخليص الشواهد ص 180 ، وخزانة الأدب للبغدادي 7 / 479 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 215 ، وشرح شذور الذهب لابن هشام ص 575 ، والمقتضب للمبرد 2 / 238 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (لا).

2) البرة : حلقة تجعل في لحم أنف البعير. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (برى).

3) الكفة : حبل الصياد ، انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (كفف).

4) البيت من البحر الوافر ، وهو للمثقب العبدي في ملحق ديوانه ص 283 ، والأزهية للهروي ص 141 وو المقاصد النحوية للعيني 1 / 192 ، وخزانة الأدب للبغدادي 1 / 267 ، وشرح شواهد الشافية ص 112 ، وبلا نسبة في الإنصاف للأنباري 1 / 357.

حذف الهاء

حذفت الهاء من «شفة» وأصلها «شفهة». لذلك قيل في التحقير : «شفيهة» ، وفي التكسير : «شفاه» ، وفي الفعل : «شافهت فلانا» ، وفي المصدر : «المشافهة». وحذفت من «عضة» في إحدى اللغتين وأصلها «عضهة» ، لقولهم «جمل عاضة» إذا أكل العضة. ومن قال :

هذا طريق ، يأزم المآزما

وعضوات ، تقطع اللهازما (1)

فأصلها عنده «عضوة». وقالوا «فم» وأصله «فوه». وقد تقدّم ذكره. ومن ذلك «شاة» وأصلها «شوهة» فحذفت الهاء ، لقولهم في تحقيرها «شويهة» ، وفي تكسيرها «شياه» وبدليل ما حكاه أبو زيد من قولهم «شوّهت شاة» أي : اصطدتها.

حذف النون

حذفت النون من «مذ» بدليل قولهم في اللغة الأخرى «منذ». وقالوا «دد» وأصله على قول «ددن». وقالوا «فل» وأصله «فلان».

حذف الباء

حذفت من «ربّ» فقالوا «رب» في معناها. قال الشاعر :

أزهير إن يشب القذال فإنّه

رب هيضل لجب لففت بهيضل (2)

حذف الحاء

حذفت من «حر». وأصله «حرح» بدليل قولهم في تحقيره «حريح» ، وفي تكسيره «أحراح». قال الراجز :


1) الشعر من الرجز ، وهو لأبي مهدية في لسان العرب لابن منظور ، مادة (أزم) ، وبلا نسبة في جواهر الأدب للإربلي ص 96 ، وخزانة الأدب للبغدادي 6 / 442 ، والخصائص لابن جني 1 / 172 ، وشرح المفصل لابن يعيش 5 / 38.

2) البيت من البحر الكامل ، وهو لأبي كبير الهذلي في الأزهية الهروي ص 265 ، وخزانة الأدب للبغدادي 9 / 535 ، وشرح أشعار الهذليين للسكري 3 / 1070 ، والمقاصد النحوية للعيني 3 / 54 ، والمحتسب لابن جني 2 / 343 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (هضل).

إنّي أقود ، ممراحا

ذا قبّة ، مملوءة أحراحا (1)

حذف الخاء

حذفت الخاء من «بخ». والأصل «بخّ» ، قال الشاعر :

بين الأشجّ وبين قيس باذخ

بخبخ ، لوالده ، وللمولود (2)

ويدلّ على أنّ أصله الثقيل قول العجّاج :

في حسب بخّ ، وعزّ أقعسا (3)

حذف الفاء

قالوا في التضجّر «أف» خفيفا. وأصله التشديد ، لأنهم يقولون في معناها «أفّ» بالتشديد. وحذفت من «سوف» فقالوا «سو أفعل» روى ذلك أحمد بن يحيى عن البغداديين.

حذف الغاء

حذفت الطاء في «قط» ، لأنه من «قططت» أي قطعت ، لأنّ معنى قولك «ما فعلته قط» أي فيما انقطع من عمري.

فهذه جملة كافية من المحذوف على غير قياس.



1) الشعر من الرجز ، وهو للفرزدق في الحيوان للجاحظ 2 / 280 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب لابن جني 1 / 182 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (حرح).

2) البيت من البحر الكامل ، وهو لأعشى حمدان في شرح المفصل لابن يعيش 4 / 78 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (بذح).

3) الشعر من الرجز ، وهو للعجاج في ديوانه 1 / 203 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 260 ، والكتاب لسيبويه 3 / 452 ، وبلا نسبة في شرح المفصل لابن يعيش 4 / 78 ، والمقتضب للمبرد 1 / 234.

باب الإدغام

اشارة

الإدغام هو رفعك اللسان بالحرفين رفعة واحدة ووضعك إيّاه بهما موضعا واحدا. وهو لا يكون إلا في المثلين أو المتقاربين.

والسبب في ذلك أنّ النطق بالمثلين ثقيل ، لأنك تحتاج فيهما إلى إعمال العضو الذي يخرج منه الحرف المضعّف مرّتين ، فيكثر العمل على العضو الواحد. وإذا كان الحرفان غيرين لم يكن الأمر كذلك ، لأنّ الذي يعمل في أحدهما لا يعمل في الآخر. وأيضا فإنّ الحرفين إذا كانا مثلين فإنّ اللسان يرجع في النطق بالحرف الثاني إلى موضعه الأول ، فلا يتسرّح اللسان بالنطق كما يتسرّح في الغيرين ، بل يكون في ذلك شبيها بمشي المقيّد. فلمّا كان فيه من الثقل ما ذكرت لك رفع اللسان بهما رفعة واحدة ، ليقلّ العمل ، ويخفّ النطق بهما على اللسان.

وأما المتقاربان فلتقاربهما أجريا مجرى المثلين ، لأنّ فيهما بعض الثقل ؛ ألا ترى أنك تعمل العضو وما يليه كما كنت في المثلين تعمل العضو الواحد مرّتين. فكأنّ العمل باق في العضو لم ينتقل. وأيضا فإنك تردّ اللسان إلى ما يقرب من مخرج الحرف الأوّل ، فيكون في ذلك عقلة للسّان ، وعدم تسريح له في وقت النطق بهما. فلمّا كان فيهما من الثقل هذا القدر فعل بهما ما فعل بالمثلين ، من رفع اللسان بالحرفين رفعة واحدة ، ليخفّ النطق بهما.

فهذا الباب إذا ينقسم قسمين : إدغام المثلين ، وإدغام المتقاربين.


ذكر إدغام المثلين

اعلم أنّ كلّ مثلين قد يدغمان إلّا الألفين والهمزتين. أما الألف فلم يمكن الإدغام فيها ، لأنه لا يدغم إلّا في متحرّك ، والألف لا تتحرّك. وأما الهمزة فثقيلة جدّا ، ولذلك يخفّفها أهل التخفيف منفردة. فإذا انضم إليها غيرها ازداد الثقل. فألزمت إحداهما البدل ، على حسب ما ذكر في باب تسهيل الهمز ، فيزول اجتماع المثلين فلا يدغم إلّا أن تكونا عينين نحو «سأل» و «رأآس» فإنك تدغم ولا تبدل ، لما ذكرناه من أنك لو أبدلت إحداهما لاختلفت العيان ، والعينان أبدا في كلام العرب لا يكونان إلّا مثلين. وقد يجوز الإدغام في الهمزتين على ما حكي عن ابن أبي إسحاق ، وناس معه ، من أنهم كانوا يحقّقون الهمزتين ، إذا كانتا في كلمتين نحو «قرأ أبوك» لأنه يجتمع لهم مثلان. وقد تكلّمت العرب بذلك وهو رديء.

فعلى هذا إذا اجتمع لك مثلان ، وكان المثلان مما يمكن الإدغام فيهما ، فلا يخلو من أن يكون الثاني منهما متحرّكا أو ساكنا. فإن كان الثاني متحركا فلا يخلو من أن يجتمعا في كلمة واحدة أو في كلمتين. فإن اجتمعا في كلمة واحدة فلا يخلو من أن يكونا حرفي علّة أو حرفين صحيحين ، فإن كانا حرفي علّة فقد تقدم حكمهما في باب القلب. وإن كان حرفين صحيحين فلا يخلو من أن يجتمعا في اسم أو في فعل.

فإن اجتمعا في فعل فالإدغام ليس إلّا. فإن كان الأول من المثلين ساكنا أدغمته في الثاني ، من غير تغيير ، نحو «ضرّب» و «قطّع». وإن كان الأول منهما متحركا فإما أن يكون أولا في الكلمة أو غير أول. فإن كان غير أول سكّنته بحذف الحركة منه - إن كان ما قبله متحرّكا أو ساكنا هو حرف مدّ ولين أو بنقلها إلى ما قبله ، إن كان ساكنا غير حرف مدّ ولين. وحينئذ تدغم ، نحو «ردّ» و «احمرّ» و «استقرّ» و «احمارّ». الأول من المثلين في الأصل متحرّك ؛ ألا ترى أنك إذا رددت الفعل إلى نفسك تقول «رددت» و «شممت» و «لببت» و «استقررت» و «احمررت» و «احماررت» ، فتحرّك لمّا زال الإدغام. وإنما سكّنته لأنّ النيّة بالحركة أن تكون بعد الحرف ، فتجيء فاصلة بين المثلين ، ولا يمكن الإدغام في المثلين مع الفصل.

هذا ما لم تكن الكلمة ملحقة ، ويكون الإدغام مغيّرا لها ، ومانعا من أن تكون على

مثل ما ألحقت به. فإنك حينئذ لا تدغم ، نحو «جلبب» و «اسحنكك» ، لأنهما ملحقان ب- «قرطس» و «احرنجم». فلو أدغمت ، فقلت «جلبّ» و «اسحنكّ» ، لكنت قد حرّكت ما في مقابلته من بناء الملحق به ساكن ، وسكّنت ما في مقابلته متحرّك ؛ ألا ترى أنك كنت تحرّك العين من «جلبب» وهي في مقابلة الراء من «قرطس» ، وتسكّن الباء الأولى وهي في مقابلة طاء «قرطس» ، وتحرّك النون من «اسحنكك» وهي في مقابلة نون «احرنجم» ، وتسكّن الكاف الأولى منها وهي في مقابلة الجيم من «احرنجم».

أو يكن أحد المثلين في أوّل الكلمة أو تاء «افتعل». فإن كان أحد المثلين في أوّل الكلمة فإنه لا يخلو من أن يكون الثاني إذ ذاك زائدا ، أو غير زائد. فإن كان زائدا لم تدغم نحو «تتذكّر» ، لأنك إذا استثقلت اجتماع المثلين حذفت الثاني فقلت «تذكّر» ، لأنه زائد وليس في حذفه لبس. وإن كان الثاني أصليّا فإن شئت أدغمت. وذلك بتسكين الأوّل ، وتحتاج إذ ذاك إلى الإتيان بهمزة الوصل ، إذ لا يبتدأ بساكن. وإن شئت أظهرت. وذلك نحو «تتابع» و «اتّابع».

فإن قيل : ولأيّ شيء لم تحذف إحدى التاءين كما فعلت ذلك في «تذكّر»؟.

فالجواب : أنّ التاء هنا أصل ، فلا يسهل حذفها. وأيضا فإنّ حذفها يؤدّي إلى الالتباس ؛ ألا ترى أنك لو قلت «تابع» لم يدر أهو «فاعل» في الأصل أو «تفاعل».

فإن قال قائل : فلأيّ شيء لم يدغم في «تتذكّر» وأمثاله؟.

فالجواب : أنّ الذي منع من ذلك شيئان :

أحدهما : أنّ الفعل ثقيل ، فإذا أمكن تخفيفه كان أولى وقد أمكن تخفيفه بحذف أحد المثلين ، فكان ذلك أولى من الإدغام الذي يؤدّي إلى جلب زيادة.

والآخر : أنك لو أدغمت لاحتجت إلى الإتيان بهمزة الوصل ، وهمزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع لاسم الفاعل أصلا. كما لا تدخل على اسم الفاعل. وليس كذلك «تتابع» لأنه ماض ، والماضي قد تكون في أوّله همزة الوصل ، نحو «انطلق» و «استخرج» و «احمرّ».

فإن قال قائل : فلأيّ شيء لم يلزم «تتابع» الإدغام و «تتذكّر» الحذف ، ويرفض اجتماع المثلين كما رفض ذلك في ردّ؟.

فالجواب : أنّ التاء في مثل «تفاعل» و «تفعّل» لا تلزم لأنها دخلت على «فاعل»

و «فعّل» ؛ ألا ترى أنّ الأصل في «تتابع» : «تابع». وفي «تذكّر» : «ذكّر». فلمّا لم يلزم صار اجتماع المثلين غير لازم. وما لا يلزم ، وإن كان ثقيلا ، قد يحتمل لعدم لزومه ؛ ألا ترى أنّ «جيلا» لم يعلّ لأنّ الأصل «جيئل» ، والتخفيف المؤدّي إلى النقل عارض فلذلك لم يلحظ ومن أدغم في «اتّابع» وحذف في «تذكّر» اعتدّ باجتماع المثلين ، وإن كان ذلك غير لازم ، لأن العرب قد تعتدّ بغير اللّازم ؛ ألا ترى أنّ الذي قال «لحمر جاءني» فحذف همزة الوصل اعتدّ بالحركة التي في اللّام ، وإن كان التخفيف عارضا والأصل «الأحمر».

وإن كان أحد المثلين تاء «افتعل» نحو «اقتتل» فإنه يجوز فيه الإظهار والإدغام أما الإظهار فلأنه يشبه اجتماع المثلين من كلمتين ، في أنه لا يلزم تاء «افتعل» أن يكون ما بعدها مثلها كما لا يلزم ذلك في الكلمتين ، لأنك تقول «اكتسب» فلا يجتمع لك مثلان. وإنما يجتمع المثلان في «افتعل» إذا بنيت من كلمة عينها تاء نحو «اقتتل» و «افتتح». فكما لا تدغم إذا كان ما قبل الأول من المثلين المنفصلين ساكنا صحيحا فكذلك لا تدغم في «افتعل».

وأما الإدغام فلأنّ المثلين ، على كلّ حال ، في كلمة واحدة. فتدغم كما تدغم في الكلمة الواحدة.

فإن أظهرت جاز لك في الأول من المثلين البيان ، والإخفاء لأنه وسيطة بين الإظهار والإدغام. وإذا أدغمت جاز لك ثلاثة أوجه : أحدها أن تنقل الفتحة إلى فاء «افتعل» ، فتحرّك الفاء وتسقط ألف الوصل ثم تدغم ، فتقول هقتّل بفتح القاف. والثاني أن تحذف الفتحة من تاء «افتعل» فتلتقي ساكنة مع فاء الكلمة ، فتحرّك الفاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين ، فتذهب همزة الوصل لتحرّك الساكن ، ثم تدغم فتقول «قتّلوا» بكسر القاف وفتح التاء. والثالث - وهو أقلّها - أن تكسر التاء في هذه اللغة الثانية اتّباعا للكسرة التي قبلها ، فتقول «قتّلوا» بكسر القاف والتاء. وقد حكي عنهم «فتّحوا» في «افتتحوا».

فإن قال قائل : فلأيّ شيء لمّا تحرّكت فاء الكلمة ذهبت همزة الوصل ، وهلّا جاز فيها الأمران من : الحذف لأجل تحريك الساكن ، والإثبات ، رعيا للأصل لأنّ الحركة عارضة كما قالوا «الحمر» تارة ، و «لحمر» بإذهاب الهمزة أخرى؟.

فالجواب : أنّ الذي سهّل إنبات الهمزة في مثل «الحمر» أنها مفتوحة فأشبهت همزة القطع ، لأنّ همزة الوصل بابها أن تكون مكسورة أو مضمومة إن تعذّر كسرها.

فمن فتح التاء والقاف قال في المضارع «يقتّل» بفتح القاف وكسر التاء ، لأنّ الأصل

«يقتتل» فنقل الفتحة في المضارع كما نقلها في الماضي. ويقول في اسم الفاعل : «مقتّل» بفتح القاف وكسر التاء ، وفي اسم المفعول : «مقتّل» بفتحهما ، لأنّ الأصل «مقتتل» و «مقتتل» : فنقلت الفتحة إلى الساكن قبلها كما نقلت في الفعل.

ومن قال «قتّل» بكسر القاف وفتح التاء قال في المضارع «يقتّل» بكسر القاف والتاء ، لأنّ الأصل «يقتتل» فسكّن التاء الأولى وكسر القاف لالتقاء الساكنين ، كما فعل ذلك في الماضي. ومنهم من يكسر حرف المضارعة اتّباعا للقاف ، أو على لغة من يقول في مضارع «افتعل» : «يفتعل» فيكسر حرف المضارعة. ومنه قول أبي النجم :

تدافع الشّيب ، ولم تقتّل (1)

ويقول في اسم الفاعل «مقتّل» بكسر القاف والتاء. والأصل «مقتتل» فكسر القاف ، بعد تسكين التاء الأولى ، لالتقاء الساكنين. ومنهم من يستثقل الخروج من ضمّ إلى كسر ، فيضمّ القاف اتّباعا للميم فيقول «مقتّل» ، ولا يستثقل الخروج من ضمّة القاف إلى كسرة التاء ، لأنّ بينهما حاجزا وهو التاء الساكنة. ويقول في اسم المفعول : «مقتّل» بكسر القاف وفتح التاء ، لأنّ الأصل «مقتتل» ، فسكّن التاء الأولى وحرّك القاف بالكسر ، على أصل التقاء الساكنين. ومنهم أيضا من يستثقل الخروج من ضمّ إلى كسر فيضمّ القاف اتّباعا للميم ، فيقول «مقتّل» بضمّ القاف وفتح التاء.

ومن قال «قتّل» بكسر القاف والتاء فإنّ قياس المضارع منه واسم الفاعل واحد ، وإنما يخالفه في اسم المفعول. فتقول في المضارع «يقتّل» بكسر القاف والتاء ، لأن الأصل «يقتتل» فتسكّن التاء الأولى وتحرّك القاف بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ولا تحتاج إلى إتباع حركة ما بعد القاف القاف لأنها مكسورة مثلها. وإن شئت أيضا كسرت حرف المضارعة إتباعا ، أو على لغة من يكسر حرف المضارعة من «افتعل» ، فتقول «يقتّل» بكسر القاف والتاء التي بعدها وحرف المضارعة. وتقول في اسم الفاعل «مقتّل» بكسر القاف والتاء. والأصل «مقتتل» فسكّنت التاء الأولى وكسرت القاف لالتقاء الساكنين ثم أدغمت. ولم تحتج إلى إتباع التاء ، لأنّ حركتها من جنس حركة القاف. وإن شئت ضممت القاف اتّباعا لحركة الميم ، كراهية الخروج من ضمّ إلى كسرة ، فتقول «مقتّل». وتقول في اسم المفعول «مقتّل» كما تقول في اسم الفاعل. لأنّ الأصل «مقتتل» ، فسكّنت التاء الأولى وكسرت القاف لالتقاء الساكنين وأدغمت ، ثم كسرت التاء الثانية اتّباعا لحركة القاف. فلا


1) الشعر من الرجز ، وهو لأبي النجم في الطرائف الأدبية ص 66 ، والمنصف لابن جني 2 / 225.

يقع فرق بين اسم الفاعل ، على هذه اللغة ، واسم المفعول إلّا بالقرائن. فيكون نظير «مختار» في أنه يحتمل أن يكون اسم فاعل واسم مفعول ، حتى يتبيّن بقرينة تقترن به. ومن استثقل الخروج من ضمّ إلى كسر ، من غير حاجز ، ضمّ القاف تفقال «مقتّل».

وقياس المصدر في اللغات الثلاث «قتّالا» بفتح التاء وكسر القاف ، والأصل ، «اقتتال». فمن فتح القاف نقل كسرة التاء إليها. ومن كسرها سكّن التاء الأولى وكسر القاف. لالتقاء الساكنين. ومن كسر التاء اتّباعا للقاف فقال «قتّل» ينبغي له أن يقول في المصدر «قتّيلا» ، فيكسر التاء اتّباعا للقاف ، فتنقلب الألف لانكسار ما قبلها.

وإن اجتمعا في اسم فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزيد. فإن كان على ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الأول ساكنا أو متحرّكا. فإن كان ساكنا فالإدغام ليس إلّا نحو «ردّ» و «ودّ» وأمثالهما. إلّا أن يضطّر شاعر فيفكّ ويحرّك الأول ، نحو قوله :

ثم استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم

ماء بشرقيّ سلمى فيد أوركك (1)

يريد : ركّا.

وإن كان متحرّكا فلا يخلو من أن يكون على وزن من أوزان الفعل. أو لا يكون.

فإن لم يكن على وزن من أوزانها فلا يدغم نحو «سرر» و «درر» ، لأنّ الأسماء بابها ألّا تعتلّ ، لخفّتها بكثرة دورها في الكلام ، وأخفّها ما كان على ثلاثة أحرف ، لأنّه أقلّ أصول الكلمة عددا. ولهذه الخفّة لم يعلّ مثل «ثورة» و «بيع» و «صير» وأشباه ذلك. فلو بنيت من «ردّ» مثل «إبل» صحّته ؛ تقول فيه «ردد».

فإن كان على وزن من أوزان الأفعال فلا يخلو من أن يكون على «فعل» أو «فعل». فإن كان على وزن «فعل» لم تدغم لخفّة البناء نحو «طلل» و «شرر». فإن كان على وزن «فعل» أو فعل أدغمت لشبه الفعل في البناء مع ثقل البناء. فتقول في «فعل» و «فعل» من رددت : «ردّ».

والدليل على أنّ «فعلا» يدغم قولهم «طبّ» و «صبّ». والأصل «طبب» و «صبب» ، لأنّ الفعل منهما على وزن «فعل». تقول «صببت» و «طببت» واسم الفاعل من «فعل» ، إذا كان على ثلاثة أحرف ، إنما يكون على وزن «فعل» نحو «حذر» و «أشر».


1) البيت من البحر البسيط وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 167 ، والعقد الفريد لابن عبد ربه 5 / 355 ، والمنصف لابن جني 2 / 309 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (فيد ، ركك) ، وبلا نسبة في المقتضب للمبرد 1 / 200.

والدليل على أنّ «فعلا» أيضا يدغم أنه لم يجىء مظهرا في موضع من كلامهم ؛ لا يحفظ من كلامهم مثل «ردد». فإما أن تقول إنّ «فعلا» لم يأت في المضعّف ، وإما أن تقول إنه موجود في المضعّف إلّا أنه لزمه الإدغام. فالأولى أن يدّعى أنه يلزمه الإدغام ، لأنّ المعتلّ والمضعّف الغالب فيهما أن يجيء فيهما من الأوزان ما يجيء في الصحيح. وأيضا فإنّ «فعلا» مثل «فعل» في أنه على بناء الفعل الثقيل ، وقد قام الدليل على أنهم يدغمون «فعلا» لقولهم «صبّ» و «طبّ» ، فكذلك «فعل».

وزعم أبو الحسن بن كيسان أنّ ما كان على وزن «فعل» أو «فعل» لا يدغم. واستدلّ على ذلك بأن لو أدغمت لأدّى ذلك إلى الإلباس ، لأنه لا يعلم هو في الأصل متحرّك العين أو ساكنه. وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، لأنه إذا أدّى القياس إلى ضرب ما من الإعلال استعمل ، ولم يلتفت إلى التباس إحدى البنيتين بالأخرى ؛ ألا ترى أنّ العرب قد قالت «مختار» في اسم الفاعل واسم المفعول ، ولم يلتفت إلى اللّبس. وأيضا فإنه قد قام الدليل على أنّ «صبّا» و «طبّا» : «فعل» في الأصل ، وقد أدغم. فدلّ ذلك على فساد مذهبه.

فإن كان الاسم على أزيد من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الذي زاد به على ثلاثة أحرف : تاء التأنيث ، أو علامتي التثنية ، أو جمع السلامة ، أو يائي النسب ، أو الألف والنون الزائدتين ، أو ألفي التأنيث ، أو غير ذلك. فإن كان شيئا مما ذكر أجري مجراه قبل لحاقة إياه. فتقول «شررة» و «شرران» و «طللان» و «ملليّ» ، فلا تدغم كما لا تدغم في «شرر» و «طلل» و «ملل». وقالوا «الدّججان» من الدّجيج فلم يدغموا. أنشد القاليّ.

تدعو بذاك الدّججان الدّارجا (1)

ولو بنيت «فعلان» من «رددت» لقلت «ردّان» فأدغمت. ولو بنيت «فعلاء» من «ردّ» لقلت «ردداء» فلم تدغم ، الأتراهم قالوا : خششاء فلم يدغموا ، لأنه لا يدغم «فعل» نحو «غرر».

فإن كان الذي زاد به على ثلاثة غير ذلك أدغمت ، كان الاسم على وزن من أوزان الفعل أو لم يكن ، وسواء كان الأول ساكنا أو متحرّكا إلّا أنك تسكن المتحرّك ، لما ذكرنا في الفعل ، بنقل حركته لما قبله إن كان ساكنا غير حرف مدّ ولين ، أو بحذفها إن كان ما قبله متحرّكا ، أو حرف مدّ ولين. نحو «خدبّ» و «مكرّ» و «فارّ» و «ضارّ».


1) الشعر من الرجز ، وهو لهميان بن قحافة في سمط اللآلي ص 960 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (سمهج) ، وبلا نسبة في لسان العرب لابن منظور ، مادة (دجج).

فأما «خدبّ» فالأوّل من المثلين ساكن في الأصل. والأصل في «مكر» و «مستقرّ» : «مكرر» و «مستقرر» ، فنقلت الحركة إلى ما قبله لأنه ساكن غير حرف مدّ ولين. والأصل في «فارّ» و «ضارّ» : «فارر» ، و «ضارر» فسكّنت ولم تنقل الحركة لأنّ الساكن حرف مدّ ولين. ولو بنيت مثل «فعلان» من «رددت» لقلت «ردّان» فأدغمت ولم تنقل الحركة إلى ما قبلها ، لأنه متحرّك.

هذا ما لم يمنع من الإدغام أن يكون الإدغام مؤدّيا إلى تغيير بناء الملحق عمّا ألحق به ، نحو «قردد» فإنه ملحق ب- «جعفر» ، ولو أدغمت فقلت «قردّ» لحرّكت الراء وهي في مقابلة العين من «جعفر» ، وسكّنت الدال الأولى وهي في مقابلة الفاء من «جعفر». فكنت تضع متحرّكا في مقابلة ساكن ، وساكنا في مقابلة متحرّك.

أو يكون أحد المثلين التاء من اسم جار على «افتعل» فإنه لا يلزم فيه الإدغام ، بل يجوز في الاسم من الأوجه ما تقدّم ذكره.

أو يكون أيضا أحد المثلين من اسم جار على «تفاعل» نحو «تتابع» ، فإنه لا يلزم أيضا فيه الإدغام ، بل يجوز فيه الفكّ والإدغام كما جاز في فعله. فتقول «متابع ومتّابع» و «تتابعا واتّابعا» كما يجوز «تتابع واتّابع».

أو يشذّ شيء ، فيحفظ ولا يقاس عليه ، نحو «محجب» و «تهلل». أو تدعو إلى ذلك ضرورة ، نحو قوله :

الحمد لله العليّ ، الأجلل (1)

وقوله :

تشكو الوجى ، من أظلل ، وأظل (2)

فإن التقيا في كلمتين فلا يخلو من أن يكونا معتلّين أو صحيحين. فإن كانا صحيحين فلا يخلو من أن يكون الأول منهما ساكنا أو متحرّكا. فإن كان ساكنا فالإدغام ليس إلّا


1) الشعر من الرجز ، وهو لأبي النجم في خزانة الأدب 2 / 390 ، وشرح شواهد المغني للسيوطي 1 / 449 ، والمقاصد النحوية للعيني 4 / 595 ، وبلا نسبة في الخصائص لابن جني 3 / 87 ، وشرح الأشموني 3 / 805 ، والمقتضب للمبرد 1 / 142 ، والمنصف لابن جني 2 / 649 ، وهمع الهوامع للسيوطي 2 / 157.

2) الشعر من الرجز ، وهو للعجاج في ديوانه 1 / 236 ، والخصائص لابن جني 3 / 87 ، والكتاب لسيبويه 2 / 310 ، وكتاب الصناعتين للعسكري ص 150 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (ظلل ، ملل) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر للسيوطي 1 / 51 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 244 ، والكتاب لسيبويه 3 / 535 ، والمقتضب للمبرد 1 / 252 ، والمنصف لابن جني 1 / 339 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (كفح).

نحو «اضرب بكرا» ، لأنه لا فاصل بين المثلين ، فهو أثقل من أن لو فصلت بينهما حركة وأيضا فإنّ الإدغام لا يؤدّي إلى تغيير شيء.

وإن كان الأوّل متحرّكا فإنه لا يخلو من أن يكون ما قبله ساكنا أو متحرّكا. فإن كان ما قبله متحرّكا جاز الإدغام والإظهار ، وإذا أدغمت فلا بدّ من حذف الحركة ، لما ذكرناه قبل. وكلاهما حسن ، والبيان لغة أهل الحجاز.

وإنما لم يلتزم الإدغام هنا ، لأنّ الأوّل من المثلين لا يلزم أن يكون ما بعده من جنسه ، ويلزم ذلك في الكلمة الواحدة ، فكأنّ اجتماع المثلين فيهما عارض ، فلذلك اعتدّ به مرّة ، ولم يعتدّ به أخرى. وذلك نحو «جعل لّك» و «يد دّاود» و «خاتم مّوسى». وأقوى ما يكون الإدغام وأحسنه إذا أدّى الإظهار إلى اجتماع خمسة أحرف بالتحريك فأكثر ، نحو «جعل لّك» و «فعل لّبيد» ، لثقل توالي الحركات. وكلّما كان توالي الحركات أكثر كان الإدغام أحسن.

وإن كان ما قبله ساكنا - أعني ما قبل الأوّل من المثلين - فلا يخلو من أن يكون الساكن حرف علّة أو لا يكون. فإن كان الساكن حرف علّة حذفت الحركة من المثلين وأدغمته في الثاني ، وإن شئت أظهرت. وذلك نحو «دار رّاشد» و «ثوب بّكر» و «جيب بّشير» و «يظلمونني».

وإنما جاز الجمع بين ساكنين لما في الساكن الأول من اللّين ، ولما في الحرف المشدّد من التشبّث بالحلاكة ، ولأنّ التقاء الساكنين فيها غير لازم إذ قد يزول بالإظهار. والبيان هنا أحسن من البيان في مثل «جعل لك» ، لسكون ما قبله ، فلم يتوال فيه من الحركات ما توالى في «جعل لك». وأيضا فإنّ الإدغام يؤدّي إلى اجتماع ساكنين.

فإن كان الساكن حرفا صحيحا لم يجز الإدغام ، نحو «اسم موسى» و «ابن نوح». وإنما لم يجز الإدغام فيه لأنّ الإدغام في الكلمتين أضعف منه في الكلمة الواحدة ؛ ألا ترى أنه يلزم في الكلمة الواحدة ولا يلزم في الكلمتين. فلمّا كان أضعف لم يقو على أن يغيّر له الحرف الساكن بالتحريك. إذ لو أدغمت لم يكن بدّ من تحريك سين «اسم» وباء «ابن». ولكنك تخفى إن شئت ، وتحقّق إن شئت. والمخفى بزنة المحقّق. إلّا أنك تختلس الحركة اختلاسا.

فأما قول بعضهم في القراءة «نعمّا» فحرّك ، فلم يحرّك العين للإدغام ، بل جاء على لغة من يقول «نعم» فيحرّك العين ، وهي لغة هذيل.

فإن كانا معتلّين فإنه لا يخلو من أن يكون الأوّل منهما ساكنا ، أو متحرّكا. فإن كان ساكنا فلا يخلو من أن يكون حرف لين ، أو حرف مدّ ولين. فإن كان حرف لين أدغمت ، إذ لا مانع من الإدغام ، نحو «اخشي يّاسرا» و «اخشوا واقدا». وإن كان حرف مدّ ولين لم تدغم ، نحو «يغزو واقد» و «اضربي ياسرا» لئلّا يذهب المدّ بالإدغام ، مع ضعف الإدغام في الكلمتين - فأما مثل «مغزوّ» فاحتملوا فيه ذهاب المدّ لقوّة الإدغام - وأيضا فإنه يشبه «قوول» ، في أنّ الأول حرف مدّ ولين ، ولا يلزم المثلان فيهما كما لا يلزمان في قوول إذ يزول المثلان في «قوول» إذا أسندته إلى الفاعل ، كما يزول المثلان في «يغزو واقد» ، إذا لم تأت بعد «يغزو» بكلمة أولها واو ، نحو «يغزو راشد».

وإن كان الأول متحرّكا فلا يخلو من أن يكون ما قبله ساكنا ، أو متحرّكا.

فإن كان ما قبله متحرّكا جاز الإدغام والإظهار ، على حسب ما ذكر في مثله من الصحيح ، نحو «ولي يزيد» و «لقضو واقد».

وإن كان ما قبله ساكنا فلا يخلو من أن يكون حرف علّة ، أو حرفا صحيحا :

فإن كان حرفا صحيحا لم تدغم. كما فعلت في مثله من الصحيح ، نحو «ظبي ياسر» و «غزو واقد».

وإن كان حرف علّة فلا يخلو من أن يكون مدغما ، أو غير مدغم :

فإن كان غير مدغم جاز الإظهار والإدغام ، كما جاز في نظيره من الصحيح ، نحو «واو واقد» و «آي ياء سين».

وإن كان مدغما لم يجز الإدغام ، لأنّ المدّ الذي كان فيه قد زال بالإدغام ، فصار بمنزلة الساكن الصحيح. فكما لا تدغم إذا كان الساكن صحيحا فكذلك لا تدغم إذا كان معتلا. وذلك نحو «وليّ يزيد» و «عدوّ واقد».

والدليل على أنّ المدّ قد زال بالإدغام وقوع «ليّ» و «قوّ» في القوافي مع «ظبي» و «غزو». ولو كانت غير مدغمة لم يجز ذلك ، كما لا يجوز وقوع «عين» في قافية مع «جون». فدلّ ذلك على أنّ الإدغام يصيّرها بمنزلة الحرف الصحيح.

فإن كان الثاني ساكنا فلا يخلو من أن يجتمعا في كلمتين ، أو في كلمة واحدة. فإن اجتمعا في كلمتين لم يجز الإدغام أصلا نحو «اضرب ابن زيد» ، لأنّ سكون الحرف الثاني من المثلين إذ ذاك لا تصل إليه الحركة ، فلا يتصوّر فيه الإدغام ، بل يكونان مفكوكين.

وقد شذّ العرب في «علماء بنو فلان» فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، فاجتمعت اللّامان : لام «على» مع لام التعريف. واستثقل ذلك ، مع أنه قد كثر استعمالهم له في الكلام ، وما كثر استعماله فهو أدعى للتخفيف مما ليس كذلك ، فحذفت لام «على» تخفيفا ، لمّا تعذّر التخفيف بالإدغام.

وإن اجتمعا في كلمة واحدة فلا يخلو الثاني من أن يكون حرف علّة ، أو حرفا صحيحا. فإن كان حرف علّة فقد تقدّم حكمه في باب القلب ، فأغنى ذلك من إعادته.

وإن كان حرفا صحيحا فلا يخلو من أن يكون تصل إليه الحركة في حال ، أو لا تصل :

فإن وصلت إليه الحركة فإنّ أهل الحجاز لا يدغمون ، لأنّ الإدغام يودّي إلى التقاء الساكنين ، لأنك لا تدغم الأول في الثاني حتى تسكّنه ، لئلّا تكون الحركة فاصلة بين المثلين كما تقدّم ، والثاني ساكن فيجتمع ساكنان. فلمّا كان الإدغام يؤدّي إلى ذلك رفضوه. وذلك نحو «أن تردد أردد» و «لا تضارر» و «اشدد».

فإن قلت : فهلّا حرّكوا الثاني من الساكنين إذا التقيا ، ثم أدغموا الأول فيه!

فالجواب : أنّ حركة التقاء الساكنين عارضة فلم يعتدّ بها كما لم يعتدّ بها في نحو : (قُمِ اللَّيْلَ) [المزمل : 2] ؛ ألا ترى أنهم لا يردّون الواو المحذوفة من «قم» لالتقاء الساكنين ، وإن كانت الميم قد تحرّكت ، لأنّ الحركة عارضة.

وأما غيرهم من العرب فيدغم ويعتدّ بالعارض ، لأنّ العرب قد تعتدّ بالعارض في بعض الأماكن. وأيضا فإنه حمل ما سكونه جزم على المعرب بالحركة ، لأنه معرب مثله. فكما أنّ المعرب بالحركة تدغمه نحو «يفرّ» فكذلك المعرب بالسكون. وحمل ما سكونه بناء على ما سكونه جزم لأنه يشبهه ؛ ألا ترى أنّ العرب قد تحذف له آخر الفعل في المعتلّ كما تحذفه للجزم ، فتقول «اغز» كما تقول «لم يغز». وأيضا فإنك قد تحرّك لالتقاء الساكنين فتقول «اردد القوم». فصار بذلك يشبه المعرب بتعاقب الحركة والسكون على آخره ، كما أنّ المعرب كذلك في نحو «يضرب» ولم «يضرب». فلمّا أشبه المعرب في ذلك حمل في الإدغام عليه.

والذين من لغتهم الإدغام يختلفون في تحريك الثاني :

فمنهم من يحرّكه أبدا بحركة ما قبله إتباعا فيقول «ردّ» و «فرّ» و «عضّ» ، ما لم تتّصل

به الهاء والألف التي للمؤنث فإنه يفتح على كلّ حال نحو «ردّها» و «عضّها» و «فرّها» (1)، أو الهاء التي هي للمذكّر فإنه يضمّه نحو «ردّه» و «فرّه» و «عضّه». وذلك لأنّ الهاء خفيّة فكأنك قلت «ردّا» أو «ردّوا». فكما أنك تفتح مع الألف وتضمّ مع الواو فكذلك تفعل هنا. لأنّ الهاء خفيّة أو لم تجيء بعد الفعل بكلمة أولها ساكن فإنه يكسر أبدا نحو «رد ابنك» و «ردّ القوم». وذلك لأنك قد كنت تحرّك الآخر قبل الإدغام بالكسر على أصل التقاء الساكنين نحو «اردد القوم». فلمّا أدغمت في هذا الموضع حرّكت بالحركة التي كانت له قبل الإدغام ، كما أنهم لمّا حرّكوا «مذ» لالتقاء الساكنين فقالوا «مذ اليوم» ضمّوا لأنّ الأصل فيه منذ ، فلمّا حرّكوا أتوا بالحركة التي كانت له في الأصل.

ومنهم من يفتح على كلّ حال. إلّا إذا كان بعده ساكن. وذلك لأنه آثر التخفيف واعتدّ بالهاء في مثل «ردّه» ولم يلتفت إلى خفائها ، إلّا إذا كان بعده ساكن لأنه آثر حركة الأصل على التخفيف.

ومنهم من يفتح على كلّ حال - كان بعده ساكن أو لم يكن - وذلك لأنه آثر التخفيف في جميع الأحوال.

ومنهم من يكسر ذلك أجمع على كلّ حال. وهؤلاء حرّكوا بالحركة التي هي لالتقاء الساكنين في الأصل.

هذا ما لم يتّصل بشيء من ذلك ألف أو واو أو ياء ، فإنّ الحركة إذ ذاك تكون من جنس الحرف المتّصل به ، لا خلاف بينهم في شيء من ذلك. نحو «ردّا» و «ردّي» و «ردّوا».

فأما «هلمّ» فللتركيب الذي دخلها التزمت العرب فيها التخفيف لذلك ، فحرّكوها بالفتح على كلّ حال ، إلّا مع الألف والواو والياء نحو «هلمّا» وهلمّوا و «هلمّي».

وإن لم تصل الحركة إلى الساكن الثاني فإنّ العرب ، الحجازيين وغيرهم ، لا يدغمون ذلك نحو «رددت» وكذلك «ارددن» ، لأنّ سكون الدال هنا لا يشبه سكون الجزم ، ولا سكون الأمر والنهي ، وإن كان «ارددن» أمرا لأنها إنما سكّنت من أجل النون كما سكّنت من أجل التاء في «رددت».

والسبب في أن لم يدغم مثل هذا كما أدغم «ردّ» أن السكون في «اردد» - وإن كان


1) فرّ الدابة : كشف عن أسنانها لينظر ما سنّها. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (فرر).

بناء - أشبه المعرب من الوجهين المتقدّمين فحمل عليه في الإدغام. وليس بين سكون الدال في «رددت» وأمثاله وبين المعرب شبه ، فلم يكن له ما يحمل عليه.

إلّا ناسا من بكر بن وائل فإنهم يدغمون في مثل هذا ، فيقولون «ردّت» و «ردّن». كأنهم قدّروا الإدغام قبل دخول النون والتاء. فلمّا دخلتا أبقوا اللفظ على ما كان عليه قبل دخولهما.

فإن كان الثاني من المثلين ساكنا فالإظهار. ولا يجوز الإدغام لأنّ ذلك يؤدّي إلى اجتماع الساكنين. وقد شذّ العرب في شيء من ذلك ، فحذفوا أحد المثلين تخفيفا ، لمّا تعذّر التخفيف بالإدغام. والذي يحفظ من ذلك : «أحست» و «ظلت» و «مست». وسبب ذلك أنّه لمّا كره اجتماع المثلين فيها حذف الأول منها تشبيها بالمعتلّ العين. وذلك أنك قد كنت تدغم قبل الإسناد للضمير فتقول «أحسّ» و «مسّ» و «ظلّ». والإدغام ضرب من الاعتلال ؛ ألا ترى أنك تغيّر العين من أجل الإدغام بالإسكان ، كما تغيّرها إذا كانت حرف علّة. فكما تحذف العين إذا كانت حرف علّة ، في نحو «قمت» و «خفت» و «بعت» ، كذلك حذفت في هذه الألفاظ تشبيها بذلك.

وممّا يبيّن ذلك أنّ العرب قد راعت هذا القدر من الشبه ، لأنهم يقولون «مست» بكسر الميم ، فينقلون حركة السين المحذوفة إلى ما قبلها كما يفعلون ذلك في «خفت» ؛ ألا ترى أنّ الأصل «خوفت» ، فنقلوا حركة الواو إلى الخاء ، وحذفوها لالتقاء الساكنين ، على حسب ما أحكم في بابه.

وأما «ظلت» و «مست» في لغة من فتح الميم فحذفوا ، ولم ينقلوا فيهما الحركة ، تشبيها لهما ب- «لست» ، لمّا كان لا يستعمل لهما مضاره إذا حذفا كما لا يستعمل ل- «ليس» مضارع ، ولأنّ المشبّه بالشيء لا يقوى قوّة ما يشبّه به.

وأما «علماء بنو فلان» فأصله «على الماء» فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، فاجتمع اللّامان - لام «على» مع لام التعريف فاستثقل ذلك ، مع أنّ ذلك قد كثر استعمالهم له في الكلام. وما يكثر استعماله فهو أدعى للتخفيف مما ليس كذلك ، فحذفت لام «على» تخفيفا لمّا تعذّر التخفيف بالإدغام.

فهذا وجه هذه الأسماء التي شذّت.


ذكر إدغام المتقاربين

اعلم أنّ التقارب الذي يقع الإدغام بسببه قد يكون في المخرج خاصّة ، أو في الصّفة ، أو في مجموعهما. فلا بدّ إذا ، قبل الخوض في هذا الفصل ، من ذكر مقدّمة في مخارج الحروف وصفاتها.

فحروف المعجم الأصول تسعة وعشرون ، أوّلها الألف وآخرها الياء ، على المشهور من ترتيب حروف المعجم. لا خلاف في ذلك بين أحد من العلماء ، إلا أبا العباس المبرّد فإنها عنده ثمانية وعشرون ، أولها الباء وآخرها الياء ، ويخرج الهمزة من حروف المعجم ، ويستدلّ على ذلك بأنها لا تثبت على صورة واحدة. فكأنها عنده من قبيل الضبط ، إذ لو كانت حرفا من حروف المعجم لكان لها شكل واحد ، لا تنتقل عنه ، كسائر حروف المعجم.

وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس فاسد. لأنّ الهمزة لو لم تكن حرفا لكانا «أخذ» و «أكل» وأمثالهما على حرفين خاصّة ، لأنّ الهمزة ليست عنده حرفا. وذلك باطل ، لأنه أقلّ أصول الكلمة ثلاثة أحرف : فاء وعين ولام.

فأما عدم استقرار صورتها على حال واحدة فسبب ذلك أنها كتبت على حسب تسهيلها. ولو لا ذلك لكانت على صورة واحدة وهي الألف. ومما يدلّ على ذلك أنّ الموضع الذي لا تسهّل فيه تكتب فيه ألفا ، بأيّ حركة تحرّكت ، وذلك إذا كانت أوّلا ، نحو «أحمد» و «أيلم» و «إثمد».

ومما يبيّن أيضا أنها حرف أنّ واضع أسماء حروف المعجم وضمها ، على أن يكون في أول الاسم لفظ الحرف المسمّى بذلك الاسم ، نحو «جيم» و «دال» و «ياء» وأمثال ذلك. ف- «الألف» اسم للهمزة ، لوجود الهمزة في أوله. فأما الألف التي هي مدّة فلم يتمكّن ذلك في اسمها ، لأنها ساكنة ولا يبتدأ بساكن ، فسمّيت ألفا باسم أقرب الحروف إليها في المخرج ، وهو الهمزة.

ومما يبيّن أيضا أنها حرف ، وليست من قبيل الضبط ، أنّ الضبط لا يتصوّر النطق به

إلّا في حرف ، والهمزة يتصوّر النطق بها وحدها كسائر الحروف. فدلّ ذلك على أنها حرف.

وقد تبلغ الحروف خمسة وثلاثين حرفا بفروع حسنة تلحقها ، يؤخذ بها في القرآن وفصيح الكلام. وهي : النون الخفيفة - وهي النون الساكنة إذا كان بعدها حرف من الحروف التي تخفى معه - والهمزة المخفّفة ، وألف التفخيم ، وألف الإمالة ، والشين التي كالجيم نحو «أجدق» في «أشدق» ، والصاد التي كالزاي في نحو «مصدر». وسيبيّن بعد ، إن شاء الله تعالى.

وقد تبلغ ثلاثة وأربعين حرفا بفروع غير مستحسنة ، ولا مأخوذ بها في القرآن ولا في الشعر. ولا تكاد توجد إلّا في لغة ضعيفة مرذولة. وهي :

الكاف التي كالجيم : وقد أخبر أبو بكر بن دريد أنها لغة في اليمن ، يقولون في «كمل» : «جمل». وهي كثيرة في عوامّ أهل بغداد.

والجيم التي كالكاف : وهي بمنزلة ذلك ، فيقولون في «رجل» «ركل» ، فيقرّبونها من الكاف.

والجيم التي كالشين : نحو «اشتمعوا» و «أشدر» ، يريدون «اجتمعوا» و «أجدر».

والطاء التي كالتاء : نحو «تال» تريد «طال». وهي تسمع من عجم أهل المشرق كثيرا ، لأنّ الطاء في أصل لغتهم معدومة. فإذا احتاجوا إلى النطق بها ضعف نطقهم بها.

والضاد الضعيفة : يقولون في «اثردله» : «اضردله». يقرّبون الثاء من الضاد. وكأنّ ذلك في لغة قوم ليس في أصل حروفهم الضاد ، فإذا تكلّفوها ضعف نطقهم بها لذلك.

والصاد التي كالسين : نحو «سائر» في «صائر». قرّبت منها ، لأنّ الصاد والسين من مخرج واحد.

والباء التي كالفاء : وهي كثيرة في لغة الفرس وغيرهم من العجم. وهي على لفظين : أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من لفظ الفاء ، والآخر بالعكس نحو «بلح» و «برطيل».

والظاء التي كالثاء : يقولون في «ظالم» : «ثالم».

وكأنّ الذين تكلّموا بهذه الحروف المسترذلة خالطوا العجم ، فأخذوا من لغتهم.


تبيين مخارج حروف العربية الأصول

اشارة

وهي ستة عشر مخرجا :

فللحق منها ثلاثة :

فأقصاها مخرجا : الهمزة والألف والهاء هكذا هي هذه الثلاثة عند سيبويه. وزعم أبو الحسن أنّ الهمزة أوّلا ، وأنّ الهاء والألف بعدها ، وليست واحدة عنده أسبق من الأخرى. ويدلّ على فساد مذهبه ، وصحّة ما ذهب إليه سيبويه ، أنه متى احتيج إلى تحريك الألف اعتمد بها على أقرب الحروف إليها ، فقلبت همزة نحو «رسالة ورسائل». فلو كانت الهاء معها من مخرج واحد لقلبت هاء ، لأنها إذ ذاك أقرب إليها من الهمزة.

ومن وسط الحلق مخرج : العين والحاء.

وأدنى مخارج الحلق إلى اللسان مخرج : الغين والخاء.

ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج : القاف.

ومن أسفل من موضع القاف من اللسان قليلا ، ومما يليه من الحنك الأعلى ، مخرج : الكاف.

ومن وسط اللسان ، بينه وبين وسط الحنك الأعلى ، مخرج : الجيم والشين والياء.

ومن بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج : الضاد. إلّا أنك إن شئت تكلّفتها من الجانب الأيمن ، وإن شئت من الأيسر.

ومن أوّل حافة اللسان ، من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ، ما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى ، مما فويق الضاحك والناب والرّباعية والثنيّة مخرج : اللّام.

ومن طرف اللسان ، بينه وبين ما فويق الثنايا ، مخرج : النون.

ومن مخرج النون ، غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا ، لانحرافه إلى اللّام ، مخرج : الراء.

ومن بين طرف اللسان وأصول الثنايا مخرج : الطاء والدال والتاء.

ومن بين طرف اللسان وفويق الثنايا مخرج : الصاد والزاي والسين.

ومن بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج : الظاء والثاء والذال.

ومن باطن الشفة وأطراف الثنايا العلى مخرج : الفاء.

ومن بين الشفتين مخرج : الباء والميم والواو.

ومن الخياشيم مخرج : النون الخفيفة.


ذكر تقسيمها بالنظر إلى صفاتها

فمن ذلك انقسامها إلى مجهور ومهموس : فالمهموسة عشرة أحرف يجمعها «ستشحثك خصفه» وباقي الحرف مجهورة.

والمجهور حرف أشبع الاعتماد عليه في موضعه ، فمنع النّفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد. غير أنّ الميم والنون ، من جملة المجهورة ، قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم ، فتصير فيهما غنّة.

والمهموس : حرف أضعف الاعتماد عليه في موضعه ، حتى جرى معه النّفس. واعتبار ذلك بأن تكرّر الحرف نحو «سسس ، كككك» فتجد النّفس يجري مع الحرف. ولو رمت في المجهور لما أمكنك.

وتنقسم أيضا إلى شديد ، ورخو ، وبين الشّدّة والرّخاوة. فالشديد ثمانية أحرف يجمعها «أجدك قطبت». والتي بين الشديدة والرّخوة أيضا ثمانية أحرف يجمعها «لم يرو عنّا». وباقي الحروف رخو.

والشديد : حرف يمتنع الصوت أن يجري فيه لانحصار الصوت ؛ ألا ترى أنك لو قلت «الحقّ» و «الشطّ». ثم رمت مدّ الصوت في القاف والطاء لكان ممتنعا.

والرّخو : هو الذي يجري فيه الصوت من غير ترديد ، لتجافي اللسان عن موضع الحرف ؛ ألا ترى أنك تقول «المسّ» و «الرّشّ» و «الشّحّ» ونحو ذلك ، فتجد الصوت جاريا مع السين والشين والحاء.

والذي بين الشديدة والرّخوة : هو الذي لا يجري الصوت في موضعه عند الوقف ، ولكن يعرض له أعراض توجب خروج الصوت ، باتّصاله بغير مواضعها :

فأما العين فإنك قد تصل إلى الترديد فيها كما تصل إلى ذلك في الرّخوة ، لشبهها بالحاء كأنّ صوتها ينسلّ عند الوقف إلى الحاء ، فليس لصوتها الانحصار التامّ ، ولا جري الرّخو.

وأما اللّام فإنّ الصوت قد يمتدّ فيها لأنّ ناحيتي مستدقّ اللسان تتجافيان ، فيخرج الصوت منهما ، وليس يخرج الصوت من موضع اللّام ، لأنّ طرف اللسان لا يتجافى فليس للصوت جري تامّ. وبيان ذلك أنك لو شددت جانبي موضع اللّام لانحصر الصوت ، ولم يجر البتّة.

وأما النون والميم فيجري معهما الصوت في الأنف لأنّ الغنّة صوت ، ولا يجري في الفم لأنّ اللسان لازم لموضع الحرف من الفم.

وأما الراء فللتكرار الذي فيها قد يتجافى اللسان بعض تجاف ، فيجري معه الصوت إذ ذاك.

وأما الياء والواو فلأنّ مخرجهما اتّسع لهواء الصوت ، فجرى لذلك الصوت بعض جري. وأما الألف فلأنّ مخرجها اتّسع لهواء الصوت أشدّ من اتّساع مخرج الياء والواو ، لأنك تضمّ شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قبل الحنك ، وليس في الألف شيء من ذلك. فهذه الأحرف الثلاثة لها أصوات في غير موضعها من الفم. فصارت بذلك مشبهة للرّخوة ، وهي تشبه الشديدة للزومها مواضعها ، وليس للصوت جري في مواضعها كالرّخوة.

وتنقسم أيضا إلى مطبق ومنفتح. فالمطبقة أربعة أحرف : الطاء والظاء والصاد والضاد. وباقي الحروف منفتح. والإطباق أن ترفع ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقا له. ولو لا الإطباق لصارت الطاء دالا والصاد سينا والظاء ذالا - لأن الفارق بينها إنما هو الإطباق - ولخرجت الضاد من الكلام ، لأنه ليس من موضعها حرف غيرها ، فترجع الضاد إليه إذا زال الإطباق. والانفتاح ضدّ ذلك.

وتنقسم الحروف أيضا إلى مستعل ومنخفض. فالمستعلية سبعة : الأربعة المطبقة ، وثلاثة من غيرها وهي الخاء والغين والقاف. والمنخفض ما عذا ذلك. والاستعلاء أن يتصعّد اللسان إلى الحنك الأعلى ، انطبق اللسان أو لم ينطبق. والانخفاض ضدّ ذلك.

وتنقسم إلى مكرّر وغير مكرّر. فالمكرّر : الراء. وما عداها غير مكرّر. وأعني بالتكرار : أنك إذا وقفت عليها رأيت طرف اللسان يتعثّر فيها. ولذلك احتسبت في الإمالة بحرفين على ما ذكر في باب الإمالة.

وتنقسم أيضا إلى متقلقل ، ومشرب ، وما ليس فيه قلقلة ولا إشراب.

فالمتقلقلة : القاف والجيم والطاء والدال والباء. وذلك أنها تضغط عن مواضعها ، وتحفز في الوقف ، فلا تستطيع الوقف عليها إلّا بصوت. نحو «الحق» و «اخرج» و «اهبط» و «اذهب» و «امدد».

والمشربة : الزاي والظاء والذال والضاد والراء. والمشرب : حرف يخرج معه عند الوقف عليه نحو النفخ ، إلّا أنه لم يضغط ضغط المقلقل.

ومن المشرب ما لا يخرج بعده شيء من ذلك نحو الهمزة ، والعين ، والغين ، واللّام ، والنون ، والميم.

وجميع الحروف التي تسمع معها في الوقف صوتا ، متى أدرجتها ووصلتها زال ذلك الصوت ، لأنّ أخذك في صوت آخر وحرف سوى الأوّل عن إتباع الحرف الأول صوتا ، نحو «خذه» و «اخفضه» و «احفظه».

وتنقسم إلى مهتوت وغير مهتوت. فالمهتوت الهاء ، وذلك لما فيها من الضعف والخفاء. وما عداها فليس بمهتوت.

وتنقسم أيضا إلى ذلقيّة وغير ذلقيّة. فالذلقيّة ستّة ، وهي اللّام والراء والنون والفاء والباء والميم. وما عداها فهو المصمت. وسمّيت ذلقيّة لأنها يعتمد عليها بذلق اللسان ، وهو صدره وطرفه. وفي الحروف الذلقيّة سرّ طريف ينتفع به في اللغة. وذلك أنك متى رأيت اسما رباعيّا أو خماسيّا غير ذي زوائد فلا بدّ فيه من حرف منها أو حرفين أو ثلاثة ، نحو «جعفر» و «قعضب» (1)و «سلهب» (2)و «فرزدق» و «سفرجل» و «قرطعب» (3). فمتى وجدت كلمة رباعيّة أو خماسيّة معرّاة من حروف الذّلاقة فاقض بأنه دخيل في كلام العرب وليس منه. ولذلك سمّي ما عدا هذه الحروف مصمتا أي : صمت عن أن تبنى منه كلمة رباعيّة أو خماسيّة. وربما جاء بعض ذوات الأربعة معرّى من حروف الذلاقة ، وذلك قليل جدّا ، نحو «العسجد» و «العسطوس» (4)و «الدّهدقة» (5)«الزّهزقة» (6).


1) القعضب : الضخم الشديد الجريء. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (قعضب).

2) السلهب : الفرس الطويل على وجه الأرض. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (سلهب).

3) القرطعب : قطعة من خرقة. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (قرطعب).

4) العسطوس : شجرة لينة الأغصان. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (عسط).

5) دهدق اللحم : قطعه وكسر عظامهع ، انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (دهدق).

6) الزهزقة : شدة الضحك. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (زهزق).

وتنقسم أيضا إلى مستطيل وما ليس كذلك. فالمستطيل الضاد لأنها استطالت في مخرجها على حسب ما ذكر في المخارج. وغير المستطيل ما عداها.

وتنقسم أيضا إلى منحرف وغير منحرف. فالمنحرف اللّام ، وما عداها ليس بمنحرف.

وتنقسم أيضا إلى أغنّ وغير أغنّ. فالأغنّ الميم والنون ، والغنّة : صوت في الخياشيم. وما عدا ذلك فليس بأغنّ.

وإنما ذكرت صفات الحروف لأنّ إدغام المتقاربين يبنى عليها أو على أكثرها ، على ما يبيّن بعد ، إن شاء الله عزّ وجلّ. وإذ قد فرغنا من المقدّمة فينبغي أن نرجع إلى تبيين حكم إدغام المتقاربات في المخارج أو في الصفات.


ذكر أحكام حروف الحلق في الإدغام

قد تقدّم أنّ للحلق ثلاثة مخارج : فمن أقصاه الألف والهمزة والهاء ، ومن وسطه العين والحاء ، ومن أدنى مخارج الحلق إلى اللسان مخرج الغين والخاء.

أما الألف والهمزة فلا يدغمان في شيء ، ولا يدغم فيهما شيء. والسبب في ذلك أنّ إدغام المتقاربين محمول على إدغام المثلين. فلما امتنع فيهما إدغام المثلين - كما ذكرنا في فصل إدغام المثلين - امتنع فيهما إدغام المتقاربين.

وأما الهاء فليس لها من مخرجها ما يدغم فيها أو تدغم فيه ، لأنها من مخرج الألف والهمزة ، فلم يبق ما تدغم فيه إلّا ما هو من المخرج الذي يلي مخرجها.

فإذا اجتمعت مع الحاء فلا يخلو أن تتقدّم الحاء أو تتقدّمها الحاء. فإن تقدّمت على الحاء جاز الإدغام والبيان نحو «اجبه حاتما». إن شئت لم تدغم ، وإن شئت قلبت الهاء حاء وأدغمت الحاء في الحاء فقلت «اجبحّاتما» ، لأنهما متقاربان ليس بينهما شيء ، إلّا أنّ الحاء من وسط الحلق ، وهما مهموسان. وإنما قلبت الأوّل إلى جنس الثاني ولم تقلب الثاني إلى جنس الأوّل. لأنّ الذي ينبغي أن يغيّر بالقلب الأوّل كما غيّر بالإسكان ؛ ألا ترى أنّ الذي يسكن لأجل الإدغام إنما هو الأول. فإن قلب الثاني إلى جنس الأوّل في موضع ما فلعلّة ، وسيبيّن ما جاء من ذلك في موضعه. والبيان وترك الإدغام أحسن لاختلاف المخرجين ، ولأنّ حروف الحلق ليست بأصل للإدغام لقلّتها ، والتصرّف بابه أن يكون فيما يكثر.

وإن تقدّمتها الحاء نحو «امدح هلالا» فالبيان ، ولا يجوز الإدغام. والعلّة في ذلك أنّ المخرجين ، كما تقدّم ، قد اختلفا مع أنّ الإدغام في حروف الحلق ليس بأصل. وأيضا فإنك لو أدغمت لوجب أن تقلب الأوّل إلى الثاني على أصل الإدغام ، فكنت تقلب الحاء هاء ، وذلك لا يجوز لأنّ الهاء أدخل في الحلق من الحاء ، ولا يقلب الأخرج إلى الفم إلى جنس الأدخل في الحلق. والسبب في ذلك أنّ حروف الفم أخفّ من حروف الحلق ، ولذلك يقلّ اجتماع الأمثال في حروف الحلق. وما قرب من حروف الحلق إلى الفم كان

أخفّ من الذي هو أدخل منه في الحلق. فكرهوا لذلك تحويل الأخرج إلى جنس الأدخل ، لأنّ في ذلك تثقيلا ، فإن أردت الإدغام قلبت الهاء حاء. وأدغمت ، فقلت «امد حّلالا» وجاز قلب الثاني لمّا تعذّر قلب الأوّل ، وليكون الإدغام فيما هو أقرب إلى حروف الفم التي هي أصل للإدغام. والإدغام في مثل هذا أقلّ من الإدغام في مثل «اجبه حاتما» لأنّ الباب - كما تقدّم - أن يحوّل الأوّل إلى الثاني.

فإن اجتمعت مع العين فالبيان - تقدّمت العين أو تأخّرت - ولا يجوز الإدغام إلّا أن تقلب العين والهاء حاء ، ثم تدغم الحاء في الحاء. وذلك نحو قولك «اجبحّتبة» و «اقطحّاذا» و «ذهب محّم» تريد «اجبه عتبة» و «اقطع هذا» و «ذهب معهم». وهي كثيرة في كلام بني تميم. وإنما لم تدغم إلّا بتحويل الحرفين ، لأنك لو قلبت العين إلى الهاء كنت قد قلبت الأخرج إلى جنس الأدخل. وقد تقدّم ذلك. ولو قلبت الهاء إلى العين لاجتمع لك عينان ، وذلك ثقيل ، لأنّ العين قريبة من الهمزة ، فكما أنّ اجتماع الهمزتين ثقيل فكذلك اجتماع العينين. وأيضا فإنها بعيدة من الهاء ، لأنها ليست من مخرجها ، وتباينها في الصفة ، لأنّ العين مجهورة والهاء مهموسة ، والعين بين الشدّة والرّخاوة والهاء رخوة. فكرهوا أن يقلبوا واحدة منهما إلى الأخرى ، للتباعد الذي بينهما. فلذلك أبدلوا منهما الحاء ، لأنّ الحاء من مخرج العين ، وتقارب الهاء في الهمس والرّخاوة.

وأما العين إذا اجتمعت مع الحاء فلا يخلو أن تتقدّم أو تتقدّم الحاء. فإن تقدّمت كنت بالخيار : إن شئت أدغمت فقلبت العين حاء ، وإن شئت لم تدغم نحو «اقطع حبّلا». وحسّن الإدغام هنا كونهما من مخرج واحد.

وإن تقدّمت الحاء بيّنت ولم تدغمها في العين ، لأنّ العين أدخل في الحلق. ولا يقلب الأخرج إلى الأدخل لما تقدّم. وأيضا فإن اجتماع العينين ثقيل كما تقدّم فإن أردت الإدغام قلبت العين حاء ، وأدغمت الحاء في الحاء ، لأنه قد تقدّم أنّ الثاني قد يقلب إذا تعذّر قلب الأوّل.

وأما الغين مع الخاء فإنه يجوز فيهما البيان والإدغام ، وكلاهما حسن ، لأنهما من مخرج واحد. وإذا أدغمت قلبت الأوّل منهما إلى الثاني ، كائنا ما كان ، نحو «اسلخ غنّمك» و «ادمغ خلّفا». وإنما جاز قلب الخاء غينا ، وإن كانت أخرج إلى الفم منها ، لأنّ الغين والخاء لقرب مخرجهما من الفم أجريا مجرى حروف الفم ، وحروف الفم يجوز فيها قلب الأخرج إلى الأدخل.

ومما يبيّن أنهما يجريان مجرى حروف الفم أنّ العرب قد تخفي معهما النون ، كما تفعل بها مع حروف الفم ، على ما يبيّن بعد.

ولهذه العلّة بنفسها لم يجز إدغام واحد من الحاء والعين والهاء في الغين والخاء ، أعني لكونهما قد أجريا مجرى حروف الفم. فكما أنّ حروف الحلق لا تدغم في حروف الفم ، فكذلك لا تدغم الهاء والحاء ولا العين.

هذا مذهب سيبويه. وحكى المبرّد أن من النحويين من أجاز إدغام العين والحاء في الغين والخاء. نحو قولك «امد غالبا» و «امد خّلقا» و «اسمغّالبا» و «اسمخّلفا». تريد : امدح غالبا ، وامدح خلفا ، واسمع غالبا ، واسمع خلفا. وزعم أنّ ذلك مستقيم في اللغة ، معروف ، جائز في القياس ، لأنّ الخاء والغين أدنى حروف الحلق إلى الفم. فإذا كانت الهاء تدغم في الحاء والهاء من المخرج الأوّل من الحلق ، والحاء من الثاني ، وليست حروف الحلق بأصل للإدغام ، فالمخرج الثالث أولى أن يدغم فيما كان بعده ، لأنّ ما بعده متصل بحروف الفم ، التي هي أصل للإدغام ؛ ألا ترى أنهم أدغموا الباء في الفاء ، والباء من الشفة محضة ، والفاء من الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى ، فقالوا «اذهفّي ذلك» و «اضر فرّجا» ، لقرب الفاء من حروف الفم. وسيبويه يأبى ذلك ، لما ذكر من أنّ العرب كما لا تدغم ...


ذكر حكم حروف الفم في الإدغام

فأولها مما يلي حروف الحلق - كما تقدّم - القاف والكاف. وكلّ واحد منهما يدغم في صاحبه فتقول «الحق كّلدة» و «انهك قّطنا» ترفع اللسان بهما رفعة واحدة. والبيان والإدغام في «الحق كّلدة» حسنان. والبيان في «انهك قّطنا» أحسن من الإدغام ، لقرب القاف والكاف من حروف الحلق ، وحروف الحلق - كما تقدّم - لا يجوز إدغام الأخرج منها في الأدخل. فلذلك ضعف إدغام الكاف ، التي هي الأخرج ، في القاف التي هي أدخل ، كما سبّه أقرب حروف الحلق إلى اللسان ، وهما الغين والخاء ، بحروف اللسان ، فأخفيت النون الساكنة عندهما كما تقدّم.

ولا يجوز إدغام كلّ واحد من القاف والكاف في غيرهما ، ولا غيرهما فيهما.

ثم الجيم والشين والياء :

أما الجيم فإنها تدغم في الشين خاصّة كقولك «ابعج شبّثا». ويجوز البيان ، وكلاهما حسن. وإنما جاز إدغامها فيها لكونهما من حروف وسط اللسان.

ولم يجز إدغامها في الياء ، وإن كانت من مخرجها ، لأن الياء حرف علّة ، وحروف العلة بائنة من جمع الحروف ، بأنها لا يمدّ صوت إلّا بها ، ولأنّ الحركات بعضها. ولذا كانت منفردة بأحكام لا توجد لغيرها ، ألا ترى أنك تقول «عمرو» و «بكر» و «نصر» وما أشبه ذلك في القوافي ، فيعادل الحروف بعضها بعضا ، ولو وقعت ياء أو واو بحذاء حرف من هذه الحروف نحو «جور» و «خير» لم يجز. وكذلك تكون القافية مثل «سعيد» و «قعود» ، ولو وقع مكان الياء والواو غيرهما لم يصلح وتحذف لالتقاء الساكنين في الموضع الذي يحرّك فيه غيرها نحو «يغزو القوم» و «يرمي الرجل» و «مثنى القوم». فصارت لذلك قسما برأسه. فلذلك لم تدغم في غيرها ، ولا أدغم غيرها فيها ، ما عدا النون فإنها أدغمت فيها ، لعلّة تذكر في موضعها.

ولا يدغم في الجيم من مخرجها شيء : أما الشين فلم تدغم فيها لأنّ فيها تفشّيا فكرهوا إذهابه بالإدغام ، وأيضا فإنّ الشين بتفشّيها لحقت بمخرج الطاء والدال ، فبعدت عن

الجيم. وأما الياء فلم تدغم لما تقدّم ، من ذكر العلّة المانعة من إدغام الياء والواو في حروف الصحّة.

ويدغم فيها من غير مخرجها ستّة أحرف ، وهي : الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء ، نحو «لم يربط جملا» و «قد جّعلّ» و «وجبت جّنوبها» و «احفظ جّابرا» وانبذ جّعفرا و «ابعث جامعا». وإنما جاز إدغام هذه الأحرف في الجيم ، وإن لم تكن من مخرجها ، لأنها أخت الشين وهي معها من مخرج واحد. فكما أنّ هذه الأحرف تدغم في الشين فكذلك أدغمت في أختها ، وهي الجيم ، حملا عليها. والبيان في جميع ذلك أحسن للبعد الذي بينها وبينهنّ. وإذا أدغمت الطاء والظاء في الجيم فالأحسن أن تبقى الإطباق الذي فيهما ، لئلّا تخلّ بهما وتضعفهما ، بزوال الإطباق منهما. وقد يجوز أن تذهب الإطباق جملة.

وأما الشين فإنها لا تدغم في شيء. وسبب ذلك أنها متفشّية ، كما تقدّم ، والإدغام في مقاربها يذهبه ، فيكون ذلك إخلالا بها.

وتدغم فيها الجيم - وقد تقدّم ذكر ذلك - والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء واللّام. أما إدغام الجيم فيها فلكونهما من مخرج واحد. وأما إدغام سائر الحروف فيها فلأنها استطالت بالتفشّي الذي فيها ، حتى اتصلت بمخرجها ، فجرت لذلك مجرى ما هو من مخرج واحد. والبيان عربيّ جيّد ، لبعد ما بينها وبينهنّ.

وأما الياء فلا تدغم في حرف صحيح أصلا ، وقد تقدّم سبب ذلك. وتدغم في الواو ، لأنها شابهتها في اللّين والاعتلال ، إلّا أنّ الواو هي التي تقلب لجنس الياء ، تقدّمت أو تأخّرت ، لأنّ القصد بالإدغام التخفيف ، والياء أخفّ من الواو ، فقلبوا الواو ياء على كلّ حال - وأيضا فإنّ الواو من الشّفة ، والياء من حروف الفم ، وأصل الإدغام أن يكون في حروف الفم - نحو «سيّد» و «ميّت». الأصل فيهما «سيوّد» و «ميوت» ، و «طيّ» و «ليّ» الأصل فيهما «طوي» و «لوي».

ولا يدغم فيها حرف صحيح أصلا ، إلّا النون نحو «من يّوقن». والسبب في أن أدغمت النون وحدها ، من بين سائر الحروف الصحاح ، في الياء ، أنّ النون غنّاء فأشبهت بالغنّة التي فيها الياء ، لأنّ الفنّة فضل صوت في الحرف ، كما أنّ الليّن فضل صوت في حروف العلّة. وأيضا فإن النون قريبة في المخرج من الواو التي هي أخت الياء. ويدغم فيها الواو لتشاركهما في الاعتلال والليّن ، كما تقدّم. وذلك نحو «طويت طيّا» و «لويت ليّا».

ثم الضاد ، ولا تدغم في شيء من مقارباتها. وسبب ذلك أنّ فيها استطالة وإطباقا واستعلاء ، وليس في مقارباتها ما يشركها في ذلك كلّه. فلو أدغمت لأدّى ذلك إلى الإخلال بها ، لذهاب هذا الفضل الذي فيها.

فأما إدغام بعضهم لها في الطاء بقوله «مطّجع» يريد «مضطجعا» فقليل جدّا ، ولا ينبغي أن يقاس. والذي شجّعه على ذلك أشياء ، منها : موافقة الضاد للطاء في الإطباق الذي فيها والاستعلاء ، وقربها منها في المخرج ، ووقوعها معها في الكلمة الواحدة أكثر من وقوعها في الانفصال ، لأنّ الضاد التي تكون آخر كلمة لا يلزمها أن يكون أول الكلمة التي تليها طاء ، ولا يكثر فيها بخلاف «مضطجع». فلمّا اجتمعت هذه الأسباب أدغموا ، واغتفروا لها ذهاب الاستطالة التي في الضاد.

وتدغم فيها الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء واللّام. وذلك نحو «هل ضلّ زيد» و «ابعث ضرمة» - قال سيبويه : «وسمعنا من يوثق بعربيّته قال :

ثار ، فضجّت ضّجّة ركائبه (1)

فأدغم التاء في الضاد» - و «اضبط ضرمة» و «احفظ ضّرمة» و «خذ صّرمة» و «قد ضّعف». أما اللّام فأدغمت فيها ، لقربها منها في المخرج. وأما سائر الحروف فإنّ الضاد ، فالاستطالة التي فيها ، لحقت مخرج الطاء والدال والتاء ، لأنها اتصلت بمخرج اللّام ، وتطأطأت عن اللّام حتى خالطت أصول ما اللّام فوقه ، إلّا أنها لم تقع من التثنيّة موقع الطاء لانحرافها ، لأنك تضع لسانك للطاء بين الثّنيّتين. وقربت بسبب ذلك من الظاء والذال والثاء ، لأنهنّ من حروف طرف اللسان والثنايا ، كالطاء وأختيها. والبيان عربيّ جيّد ، لتباعد ما بينها وبينهنّ.

ثم اللّام والنون والراء :

أما اللّام فإنها تدغم في ثلاثة عشر حرفا ، وهي : التاء والثاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والنون. وإنما أدغمت في هذه الحروف لموافقتها لها. وذلك أنّ اللّام من طرف اللسان ، وهذه الحروف : أحد عشر حرفا منها حروف طرف اللسان ، وحرفان منها - وهما الضاد والسين - يخالطان طرف اللسان.


1) الشعر من الرجز ، وهو للقتابي في شرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 417 ، وبلا نسبة في الكتاب لسيبويه 4 / 465.

وذلك أنّ الضاد لاستطالتها اتّصلت بمخرج اللّام ، وكذلك الشين بالتفشّي الذي فيها لحقت أيضا مخرجها.

فإن كانت اللّام للتعريف التزم الإدغام ، ولم يجز البيان. والسبب في ذلك أنه انضاف إلى ما ذكرناه من الموافقة كثرة لام المعرفة في الكلام ؛ ألا ترى أنّ كلّ نكرة أردت تعريفها أدخلت عليها اللّام التي للتعريف إلّا القليل منها. وكثرة دور اللفظ في الكلام تستدعي التخفيف. وأيضا فإنّ لام المعرفة قد تنزّلت منزلة الجزء مما تدخل عليه ، وعاقبها التنوين. واجتماع المتقاربين فيما هو كالكلمة الواحدة أثقل من اجتماعهما فيما ليس كذلك. فلمّا كان فيها ثلاث موجبات للتخفيف - وهي : ثقل اجتماع المتقاربات ، وكثرة التكلّم بها ، وأنها مع ما بعدها كالكلمة الواحدة - التزم فيها الإدغام.

وإن كانت لغير تعريف أدغمت لأجل المقاربة ، وجاز البيان لأنها لم يكثر استعمالها ككثرة لام التعريف ، ولا هي مع ما بعدها بمنزلة كلمة واحدة كما أنّ لام التعريف كذلك. والإدغام إذا كانت اللّام ساكنة أحسن منه إذا كانت متحرّكة نحو «جعل رّاشد». وإدغامها في بعض هذه الحروف أحسن منها في بعض :

فإدغامها في الراء نحو «هل «رّأيت» أحسن من إدغامها في سائرها ، لأنها أقرب الحروف إليها ، وأشبهها بها ، حتى إنّ بعض من يصعب عليه إخراج الراء يجعلها لاما.

وإدغامها في الطاء والتاء والدال والصاد والسين والزاي يلي في الجودة إدغامها في الراء. لأنها أقرب الحروف إليها بعد الراء.

وإدغامها في الثاء - نحو : (هل قّوّب) وقد قرأ به أبو عمرو - والذال والظاء يلي ذلك ، لأنّ هذه الثلاثة من أطراف الثنايا ، وقد قاربن مخرج ما يجوز إدغام اللام فيه وهو الفاء.

وإدغامها في الضاد والشين يلي ذلك ، لأنهما ليسا من حروف طرف اللسان كاللّام. وإنّما اتصلتا بحروف طرف اللسان ، بالاستطالة التي في الضاد ، والتفشيّ الذي في الشين ، كما قدّمنا. ومن إدغامها في الشين قول طريف بن تميم :

تقول إذا استهلكت مالا للذّة

فكيهة : هشّيء بكفّيك لائق (1)؟


1) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب لابن منظور ، مادة (لها).

يريد : هل شيء.

وإدغامها في النون دون ذلك كلّه ، والبيان أحسن منه. وإنما قبح إدغامها في النون ، وإن كانت أقرب إلى اللّام من غيرها من الحروف التي تقدّم ذكرها ، لأنه قد امتنع أن يدغم في النون من الحروف التي أدغمت هي فيها إلّا اللّام. فكأنهم استوحشوا الإدغام فيها وأرادوا أن يجروا اللّام مجرى أخواتها من الحروف التي يجوز إدغام النون فيها. فكما أنه لا يجوز إدغام شيء منها في النون كذلك ضعف إدغام اللّام فيها.

ولا يدغم فيها إلّا النون على ما يبيّن في فصل النون.

وأما النون فلها خمسة مواضع : موضع تظهر فيه ، وموضع تدغم فيه ، وموضع تخفى فيه ، وموضع تقلب فيه ميما ، وموضع تظهر فيه وتخفى :

فالموضع الذي تظهر فيه خاصّة إذا كان بعدها هاء أو همزة أو حاء أو عين ، نحو «منها» و «ينأى» و «منحار» و «منعب».

والموضع الذي تظهر فيه وتخفى إذا وقعت بعدها الغين أو الخاء ، نحو «منغلّ» و «منخل».

والموضع الذي تدغم فيه إذا كان بعدها حرف من حروف «ويرمل».

والموضع الذي تقلب فيه إذا كان بعدها باء.

والموضع الذي تخفى فيه إذا كان بعدها حرف من سائر حروف الفم الخمسة عشر.

فأدغمت في خمسة الأحرف المتقدّمة الذكر لمقاربتها لها : أما مقاربتها للرّاء واللّام ففي المخرج. وأما مقاربتها للميم ففي الغنّة ، ليس حرف من الحروف له غنّة إلّا النون والميم. ولذلك تسمع النون كالميم ، ويقعان في القوافي المكفأة فلا يكون ذلك عيبا ، نحو قوله :

ما تنقم الحرب العوان منّي

بازل عامين ، حديث سنّي (1)

لمثل هذا ولدتني أمّي

وأما مقاربتها للياء والواو فلأنّ في النون غنّة تشبه اللين في الياء والواو ، لأنّ الغنّة


1) الشعر من الرجز ، وهو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في ديوانه ص 192 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (نقم).

فضل صوت في الحرف كما أنّ اللّين كذلك. وهي من حروف الزيادة كما أنّ الياء والواو كذلك ، وتزاد في موضع زيادتهما تقول «عنسل» و «جحنفل» و «رعشن» كما تقول «كوثر» و «صيقل» و «جدول» و «عثير» و «ترقوة» و «عفرية». وأيضا فإنها قد أدغمت فيما قارب الواو في المخرج ، وهو الميم ، وفيما هو على طريق الياء وهو الراء ؛ ألا ترى أنّ الألثغ بالراء يجعلها ياء. فأدغمت النون في الياء والواو كما أدغمت في الميم والراء. فلمّا قاربت النون هذه الحروف الخمسة أدغمت فيها.

ولا يجوز البيان إن كانت النون ساكنة. فإن كانت متحرّكة جاز ، لفصل الحركة بين المتقاربين ، لأنّ النيّة بالحركة أن تكون بعد الحرف ، وذلك نحو «ختن مّوسى».

وإذا أدغمت في الراء واللّام والواو والياء كان إدغامها بغنّة ، وبغير غنّة. أما إدغامها بغير غنّة فعلى أصل الإدغام ، لأنك إذا أدغمتها صار اللفظ بها من جنس ما تدغم فيه. فإذا كان ما بعدها غير أغنّ ذهبت الغنّة ، لكونها تصير مثله. ومن أبقى الغنّة فلأنها فصل صوت ، فكره إبطالها. فحافظ عليها بأن أدغم ، وأبقى بعضا من النون وهو الغنّة. وإبقاؤها عندي أجود ، لما في ذلك من البيان للأصل والمحافظة على الغنّة.

وإذا أدغمت في الميم قلبت إلى جنسه ، ولم يبق لها أثر ، ولست بمحتاج إلى غنّة النون ، لأنّ الميم فيها غنّة ، فإذا قلبتها ميما محضة لم تبطل الغنّة.

وزعم سيبويه أنها مع ما تدغم فيه مخرجها من الفم ، لا من الخياشيم ، لأنها لو كانت تدغم في حروف الفم ، وهي من الخياشيم ، لتفاوت ما بينها ، ولا يدغم الأبعد في الأبعد. ووافقه المبرّد في جميع ذلك ، إلّا الميم لأنها من الشفة ، فلو كانت النون المدغمة فيها من الفم لبعدت من الميم. قال : ولكن مخرجها مع الميم من الخياشيم ، لأنّ الميم تخرج من الشفة ، وتصير إلى الخياشيم للغنّة التي فيها ، فأدغمت فيها النون لتلك المجاورة.

ومذهب سيبويه عندي أولى ، لأنّ النون التي في الفم تصير أيضا إلى الخياشيم ، للغنّة التي فيها ، كما كان ذلك في الميم.

وقلبت مع الباء ميما ، ولم تدغم فيها ، لأنّ الباء لا تقارب النون في المخرج كما قاربتها الرّاء واللّام ، ولا فيما يشبه الغنّة وهو اللّين ، ولا في الغنّة كما قاربتها الميم. فلمّا تعذّر إدغامها في الباء قلبت معها ميما ، لأنّ الباء من مخرج الميم فعوملت معاملتها ، فلمّا قلبت النون مع الميم ميما قلبت ميما أيضا مع الباء. وأمن الالتباس ، لأنه ليس في الكلام ميم ساكنة قبل باء.

وأظهرت مع الهمزة والهاء والعين والحاء ، لبعد ما بينها وبينهنّ ، فلم تغيّر النون بإدغام ، ولا بشبهه الذي هو الإخفاء. وأيضا فإنّ حروف الحلق أشدّ علاجا ، وأصعب إخراجا ، وأحوج إلى تمكين آلة الصوت من غيرها. فإخراجها لذلك يحتاج إلى اعتمادات تكون في اللسان ، والنون الساكنة الخفيّة مخرجها من الخيشوم ، فلا علاج في إخراجها ولا اعتماد. فإذا كانت قبل حروف الحلق تعذّر النّطق بحروف الحلق ، لأنّ النون تستدعي ترك الاعتماد ، وحروف الحلق تطلب الاعتماد. فإذا بيّنت النون قبلها أمكن إخراجها ، لأنّ النون البيّنة مخرجها من اللسان ، فهي أيضا تطلب الاعتماد كسائر حروف اللسان.

وأما جواز خفائها وإظهارها مع الخاء والغين فلأنهما من أقرب حروف الحلق إلى الفم. فمن أجراهما مجرى ما تقدّمهما من حروف الحلق أظهر النون معهما. ومن أجراهما مجرى ما يليهما من حروف الفم - وهو القاف والكاف - أخفى النون معهما كما يخفيها مع القاف والكاف.

وأما إخفاؤها مع الخمسة عشر حرفا من حروف الفم الباقية فلأنها اشتركت معها في كونها من حروف الفم. وأيضا فإنها - وإن كانت من حروف اللسان - فبالغنّة التي فيها ، التي خالطت الخياشيم ، اتّصلت بجميع حروف الفم. فلمّا أشبهتها فيما ذكرنا ، وكانت قد أدغمت في بعض حروف الفم ، غيّروها بالإخفاء معها كما غيّروها بالإدغام والقلب مع حروف «ويرمل» من حروف الفم ، لأنّ الإخفاء شبيه بالإدغام ، ولم يغيّروها بالإدغام ، لأنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يقاربها من حروف الفم في المخرج - كاللّام والراء - وفي الصفة - كالميم والياء والواو - وبين ما ليس كذلك. فجعلوا التغيير الأكثر للأقرب ، والتغيير الأقلّ للأبعد.

ولم يسمع من كلامهم تسكين النون المتحرّكة ، إذا جاءت قبل الحروف التي تخفى معها ، كما تسكّن مع الحروف التي تدغم معها. فلم يقولوا «ختن سليمان» كما قالوا «ختن مّوسى». لكن إن جاء ذلك لم يستنكر ، لأنّ الإخفاء نوع من الإدغام.

ولا يدغم في النون شيء إلّا اللّام. وقد تقدّم ذلك في فصل اللّام.

وأما الراء فلا تدغم في شيء ، لأن فيها تكريرا ؛ ألا ترى أنك إذا نطقت بها تكرّرت في النطق. فلو أدغمتها فيما يقرب منها - وهو اللّام والنون - لأذهب الإدغام ذلك الفضل الذي فيها من التكرير ، لأنها تصير من جنس ما تدغم فيه ، وما تدغم فيه ليس فيه تكرير. فلمّا كان الإدغام يفضي إلى انتهاكها بإذهاب ما فيها من التكرار لم يجز. وقد روي إدغامها في اللّام ، وسأذكر وجه ذلك في إدغام القرآن إن شاء الله تعالى.

ولا يدغم فيها إلّا اللّام والنون ، وقد تقدّم ذكر ذلك في فصليهما.

ثم الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء. كلّ واحد منهنّ يدغم في الخمسة الباقية ، وتدغم الخمسة الباقية فيه.

وتدغم أيضا هذه الستّة في الضاد والجيم والشين والصاد والزاي والسين. ولم يحفظ سيبويه إدغامها في الجيم. ولا يدغم فيهنّ من غيرهنّ إلّا اللّام. وسواء كان الأوّل منهما متحرّكا أو ساكنا ، إلّا أنّ الإدغام إذا كان الأوّل منهما ساكنا أحسن منه إذا كان الأوّل متحرّكا ، لأنه يلزم فيه تغييران : أحدهما تغيير الإدغام ، والآخر تغيير بإسكان الأوّل.

وإنما جاز إدغامها فيما ذكر لتقاربها في المخرج بعضها من بعض ، ولمقاربتها حروف الصفير في المخرج أيضا كما بيّن في مخارج الحروف.

وأما الضاد والشين فإنهما - وإن لم تقاربهما في المخرج - فإنّ التقارب بينهما وبينها من حيث لحقت الضاد ، باستطالتها ، والشين ، بتفشّيها ، مخرجها. والضاد أشبه بها من الشين ، لأن الضاد قد أشبهتها من وجه آخر ، وهو أنها مطبقة كما أنّ الطاء والظاء كذلك.

وأما إدغامها في الجيم فحملا على الشين ، لأنهما من مخرج واحد.

والإدغام في جميع ما ذكر أحسن من البيان. والسبب في ذلك أنّ أصل الإدغام لحروف طرف اللسان والفم ، بدليل أنّ حروف الحلق يدغم منها الأدخل في الأخرج ، لأنه يقرب بذلك من حروف الفم. ولا يدغم الأخرج في الأدخل ، لأنه يبعد بذلك من حروف الفم ، ويتمكّن في الحلق.

وإنما كان الإدغام في حروف الفم وطرف اللسان أولى لكثرتها ، وما كثر استدعى التخفيف. وأكثر حروف الفم من طرف اللسان ، لأنّ حروف الفم تسعة عشر. منها اثنا عشر حرفا من طرف اللسان. فلذلك حسن الإدغام في هذه الحروف.

والبيان في بعضها أحسن منه في بعض ، وذلك مبنيّ على القرب بين الحرفين. فما كان أقرب إلى ما بعده كان إدغامه أحسن. وذلك أن الإدغام كان بسبب التقارب ، فإذا قوي التقارب قوي الإدغام. وإذا ضعف ضعف الإدغام :

فتبيين هذه الستة الأحرف إذا وقعت قبل الجيم أحسن من بيانها إذا وقعت قبل الشين ، لأنّ إدغامها في الجيم بالحمل على إدغامها في الشين بل لم يحفظ سيبويه إدغامها في الجيم كما تقدّم.

وتبيينها إذا وقعت قبل الشين أحسن من تبيينها إذا وقعت قبل الضاد ، لأنّ الشين أبعد منها من الضاد ، لأنّ الشين أشبهتها من جهة واحدة ، وهو اتصالها بمخرجها بالتفشّي الذي فيها - كما تقدّم - والضاد أشبهتها من وجهين ، وهما : اتصالها بها بسبب الاستطالة ، وشبهها بالطاء والظاء بسبب الإطباق كما ذكر.

وتبيينها قبل الضاد أحسن من تبيينها قبل الصاد والسين والزاي ، لأنّ الضاد أبعد منها لأنها لا تقاربها في لمخرج ، وحروف الصفير تقاربها في المخرج.

وتبيينها قبل حروف الصفير أحسن من تبيين بعضها قبل بعض ، لأنّ بعضها أقرب إلى بعض في المخرج من حروف الصفير إليها.

وتبيين الطاء والدال والتاء ، إذا وقعت قبل الظاء والثاء والذال ، أو وقعت الظاء والثاء والذال قبلها ، أحسن من تبيين الطاء والدال والتاء إذا وقع بعضها قبل بعض ، والظاء والثاء والذال إذا وقع بعضها قبل بعض. لأنّ الظاء وأختيها بعضها أقرب إلى بعض منها إلى الطاء وأختيها ، وكذلك الطاء وأختاها بعضها أقرب إلى بعض منها إلى الظاء وأختيها.

وتبيين الظاء وأختيها إذا وقع بعض منها قبل بعض أحسن من تبيين الطاء وأختيها إذا وقع بعضها منها قبل بعض ، لأنّ في الظاء وأختيها رخاوة فاللسان يتجافى عنهنّ ؛ ألا ترى أنّك إذا وقفت عليهنّ رأيت طرف اللسان خارجا عن أطراف الثنايا ، فكأنها خرجت عن حروف الفم إذا قاربت الشفتين. والطاء وأختاها ليست كذلك ؛ ألا ترى أنّ الأسنان العليا منطبقة على الأسنان السفلى ، واللسان من وراء ذلك فلم يتجاوز الفم. والإدغام - كما تقدّم - أصله أن يكون في حروف الفم.

وإذا أدغمت التاء والدال والثاء والذال في شيء ، مما تقدّم أنهنّ يدغمن فيه ، قلبت إلى جنسه. قال :

ثار فضجّت ضجّة ركائبه (1)

فقلب التاء ضادا. وقال ابن مقبل :


1) الشعر من الرجز ، وهو للقتابي في شرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 417 ، وبلا نسبة في الكتاب لسيبويه 4 / 465.

وكأنّما اغتبقت صبّير غمامة

بعرا ، تصفّقه الرّياح ، زلالا (1)

فقلب التاء صادا.

وإذا أدغمت الطاء والظاء في مطبق ، مثل أن يدغما في الصاد والضاد ، أو يدغم أحدهما في الآخر ، قلب المدغم إلى جنس ما يدغم فيه.

وإذا أدغما في غير مطبق ، مثل أن يدغما في الدال والتاء ، فالأفصح ألّا يقلبا إلى جنس ما يدغمان فيه بالجملة ، بل يبقى الإطباق ، وبعض العرب يذهب الإطباق.

وإذهاب الإطباق منهما ، مع ما كان من غير المطبقات أشبه بهما ، أحسن من إذهابه مع ما لم يكن كذلك. فإذهاب الإطباق من الطاء مع الدال ، لأنهما قد اجتمعا في الشّدّة ، أحسن من إذهابه مع التاء لأنها مهموسة ، وإذهاب الإطباق من الظاء مع الزاي ، لأنهما مجهوران ، أحسن من إذهابه مع الثاء لأنها مهموسة. وتمثيل الإدغام في ذلك بيّن لا يحتاج إليه.

ولا يدغم في الحروف المذكورة من غيرها إلّا اللّام. وقد تبيّن ذلك في فصل اللّام.

ثم الصاد والسين والزاي : كلّ واحدة منهن تدغم في الأخرى ، لتقاربهنّ في المخرج ، واجتماعهنّ في الصّفير ، فإذا قلبت الأوّل منهما إلى جنس الثاني قلبته إلى مقاربه في المخرج وصفيريّ مثله. فلم يكن في الإدغام إخلال به. وسواء كان الأول متحرّكا أو ساكنا ، إلّا أنّ الإدغام إذا كان الأول ساكنا أحسن منه إذا كان الأوّل متحرّكا ، لأنه يلزم فيه تغييران : أحدهما تغيير الحرف بقلبه إلى جنس ما يدغم فيه ، والآخر تغييره بالإسكان. وإذا كان الأول ساكنا لا يلزم فيه إلّا تغيير واحد ، وهو قلب الأول حرفا من جنس ما يدغم فيه. والإدغام أحسن فيهنّ من الإظهار لأنهنّ من حروف طرف اللسان والفم ، والإدغام - كما تقدّم - أصله أن يكون في حروف الفم وطرف اللسان. وذلك نحو قولك «احبس صّابرا» و «حبس صّابر» و «احبس زّيدا» و «حبس زّيد» و «أوجز صّابرا» و «أوجز صّابر» و «أوجز سّلمة» و «أوجز سّلمة» و «افحص زّردة» و «فحص زّدرة» و «افحص سّالما» و «فحص سالم».

وإذا أدغمت الصاد في الزاي أو في السين قلبتها حرفا من جنس ما أدغمتها فيه ،


1) البيت من البحر الكامل ، وهو لتميم بن مقبل في ديوانه ص 260 ، والكتاب لسيبويه 4 / 463 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (صفق).

فتقلبها مع السين سينا ، ومع الزاي زايا ، إلّا أنك تبقي الإطباق الذي في الصاد محافظة عليه. وقد يجوز ترك الإطباق ، حملا على الأصل في الإدغام ، من أن يقلب الحرف إلى جنس ما يدغم فيه البتّة وإذهاب الإطباق منها مع السين أحسن من إذهابه مع الزاي ، لأنّ السين تشاركها في الهمس ، ولا تخالفها الصاد بأكثر من الإطباق.

وإذا أدغمتهما في الصاد قلبتهما صادين البتّة لأنه ليس في ذلك إخلال بهما. وكذلك إذا أدغمت السين في الزاي ، والزاي في السين ، قلبت كلّ واحدة منهما إلى جنس ما يدغم فيه البتّة ، لأنه ليس في ذلك إخلال.

ولا يدغم شيء من هذه الصفيريّات في شيء مما يقاربها من الحروف ، لأنّ في ذلك إخلالا بها ، لأنها لو أدغمت لقلبت إلى جنس ما تدغم فيه فيذهب الصفير ، وهو فضل صوت في الحرف.

ويدغم فيها من غيرها اللّام - وقد تقدّم ذلك في فصل اللّام - والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء ، وقد تقدّم ذلك في فصل الطاء وأخواتها.

ثم الفاء : ولا تدغم في مقاربها ، لأنّ فيها تفشّيا ، فلو أدغمتها لذهب ذلك التفشّي. ويدغم فيها مما يقاربها الباء ، فتقول «اذهب فيّ ذلك» ، لأنه ليس في ذلك إخلال بالباء ، بل تقوية بقلبها حرفا متفشّيا.

فأما الميم والواو ، وإن كانتا تقاربان الفاء في المخرج لأنهما من الشّفتين كالفاء ، فلم تدغما في الفاء ، لأنّ الميم فيها غنّة والواو فيها لين ، والغنّة واللّين فضل صوت في الحرف ، فلو أدغمتهما فيها لقلبتهما فاء ، فتذهب الغنّة واللّين فيكون ذلك إخلالا بهما.

ثم الباء : وهي تدغم في الفاء والميم ، لقربهما منها في المخرج. وذلك نحو «اذهب فيّ ذلك» و «اصحب مّطرا». ولا يدغم فيها شيء ، وسبب ذلك أنّ الذي يقاربها في المخرج إنما هو الفاء والميم والواو : فأما الفاء فلم تدغم فيها للعلّة التي تقدّم ذكرها في فصل الفاء. وأما الميم والواو فلم تدغما في الباء. للعلّة التي منعت من إدغامهما في الفاء. وأيضا فإنّ النون الساكنة تقلب قبل الباء ميما ، فإذا كانوا يفرّون من النون الساكنة إلى الميم قبل الباء فالأحرى أن يقرّها إذا وجدوها.

ثم الميم : ولا تدغم في شيء مما يقاربها ، لأنها إنما يقاربها في المخرج الفاء والباء والواو ، وقد تقدّم ذكر السبب المانع من إدغام الميم في هذه الأحرف الثلاثة. ولا يدغم فيها إلّا النون - وقد تقدّم ذلك في فصل النون وأخواتها - والياء ، وقد تقدّم ذلك في فصل الياء وأخواتها.

ثم الواو وهي لا تدغم إلّا في الياء ، لاجتماعها معها في الإعلال واللين. ولا تدغم في شيء مما يقاربها ، لأنها حرف علّة ولمقارب لها حروف صحّة - وهي الميم والباء والفاء - وقد تقدّم أنّ حروف العلّة لا تدغم في حروف الصحّة. وإعطاء السبب في ذلك. ولا يدغم فيها من غيرها إلّا النون ، وقد تقدّم ذلك في فصل النون وأخواتها.


واعلم أنّ الإدغام في المتقاربين إنما يجوز إذا كانا من كلمتين. لأنه لا يلتبس إذ ذاك بإدغام المثلين ، لأن الإدغام فيما هو من كلمتين لا يلزم ، بل يجوز الإظهار فيكون في ذلك بيان للأصل. فإن اجتمع المتقاربان في كلمة واحدة لم يجز الإدغام ، لما في ذلك من اللّبس بإدغام المثلين ، لأنّ الإدغام في الكلمة الواحدة لازم. فإذا أدغمت لم يبق ما يستدلّ به على الأصل ؛ ألا ترى أنك لو أدغمت النون من «أنملة» في الميم فقلت «أمّلة» لم يدر : هل الأصل «أنملة» أو «أمملة»؟

ولأجل اللّبس ، الذي في إدغام المتقاربين من كلمة واحدة ، بيّنت العرب النون الساكنة ، إذا وقعت قبل الميم أو الواو أو الياء في كلمة ، نحو «زنم» و «أنملة» و «قنواء» و «كنية». ولم تخفها كما تفعل بها مع سائر حروف الفم ، لأنّ الإخفاء يقرّبها من الإدغام ، فخافوا أن يلتبس الإخفاء بالإدغام ، فقلبوا لذلك.

ولذلك أيضا لم يوجد في كلامهم نون ساكنة قبل راء أو لام نحو «عنل» و «قنر» ، في كلمة واحدة ، لأنك إن بيّنت ثقل لقرب النون من الراء واللّام ، وإن أدغمت التبس بإدغام المثلين.

إلّا أن يجتمع المتقاربان في «افتعل» أو «تفاعل» أو «تفعّل» ، نحو «اختصم» و «تطيّر» و «تطاير» ، فإنه يجوز الإدغام فيها. والسبب في ذلك ما ذكرناه في إدغام المثلين ، من أنّ التاء من هذه الأبنية الثلاثة تنزّلت مما بعدها منزلة المنفصل ، لأنه لا يلزم أن يكون بعدها مثلها. وكذلك أيضا لا يلزم أن يكون بعدها مقاربها كما لا يلزم ذلك في الكلمتين. فلمّا أشبه اجتماع المتقاربين فيها اجتماعهما في الكلمتين لم يلزم الإدغام كما لا يلزم ذلك في الكلمتين ، فأمن التباس إدغام المتقاربين في هذه الأبنية بإدغام المثلين ، لأنّ الإظهار يبيّن الأصل ، كما كان ذلك في الكلمتين.

فإذا أردت الإدغام قلبت أحد المتقاربين إلى جنس الآخر - على حسب ما أحكم في الفصول المتقدّمة - ثم أدغمت. فتقول في «تطيّر» و «تدارأ» إذا أردت الإدغام : «اطّيّر»

و «ادّارأ» ، فتقلب التاء حرفا من جنس ما بعدها وتسكّنه بسبب الإدغام. ثم تدغم وتجتلب همزة الوصل ، إذ لا يمكن الابتداء بالساكن. وتقول في «اختصم» إذا أردت الإدغام : «خصّم» ، فتقلب التاء صادا وتسكّنها بنقل حركتها إلى ما قبلها ثم تدغم. هذا في لغة من قال «قتّل» بفتح القاف والتاء. ومن قال «قتّل» بفتح التاء وكسر القاف قال «خصّم» بكسر الخاء وفتح الصاد. ومن قال «قتّل» بكسرهما قال «خصّم» بكسر الخاء والصاد. والعلّة في ذلك كالعلّة في «قتّل» وأمثاله.

وحكم اسم الفاعل والمفعول والمصدر والمضارع أن يكون مثله من «قتّل» وأمثاله ، وقد تقدّم ، إذ ليس بين إدغام التاء من هذه الأمثلة فيما بعدها ، إذا كان مماثلا لها ، وبين إدغامها فيه إذا كان مقاربا لها فرق أكثر من أنك تقلب التاء إلى جنس ما يقاربها ، ولا تحتاج إلى ذلك إذا أدغمتها في مثلها.

فإن قال قائل : فهلّا أجريت التاء من «استفعل» مجرى التاء من «افتعل» فأدغموها فيما يقاربها ، كما فعلوا بتاء «افتعل» ، لأنها لا يلزمها أن يكون بعدها ما يماثلها ولا ما يقاربها ، كما لا يلزم ذلك بتاء «افتعل»؟.

فالجواب : أنّ الذي منع من ذلك أنهم لو أدغموا لاحتاجوا إلى تحريك السين كما احتاجوا إلى تحريك فاء «افتعل». فكرهوا أن يحّكوا حرفا لم تدخله الحركة في موضع ، لأنّ السين لا تزاد في الفعل إلّا ساكنة. وأما فاء «افتعل» فإنهما قد كانت متحرّكة قبل لحاق الفعل الزيادة ، فلم تكره الحركة فيها لذلك ؛ ألا ترى أنّ الخاء من «اختصم» متحرّكة في «خصم».

ولأجل تعذّر الإدغام شذّ بعضهم ، فحذف التاء من «يستطيع» لمّا استثقل اجتماع المتقاربين ، فقال : «يستطيع».

وكذلك أيضا يجوز الإدغام في المتقاربين وإن كانا في كلمة واحدة ، إذا كان بناء الكلمة مبيّنا أنّ الإدغام لا يمكن أن يكون من قبيل إدغام المثلين. وذلك نحو «انفعل» من «المحو» فإنك تقول فيه «امّحى» ، لأنه لا يمكن أن يكون من قبيل إدغام المثلين ، لأنه ليس في الكلام «افّعل» ، فعلم أنه «انمحى» في الأصل.

فهذا جميع ما يجوز فيه إدغام المتقاربين ، مما هو في كلمة واحدة ، إلّا ما شذّ من خلاف ذلك ، فيحفظ ولا يقاس عليه. فمن ذلك «ستّ» و «ودّ» و «عدّان».

أما «ستّ» فأصلها «سدس» بدليل قولهم في الجمع «أسداس». فأبدلوا من السين

تاء ، لأنّ السين مضعّفة وليس بينهما حاجز إلّا الدال ، وهي ليست بحاجز قويّ لسكونها. وأيضا فإنّ مخرجها من أقرب المخارج إلى مخرج السين ، فكأنه قد اجتمع فيه ثلاث سينات. وكرهوا إدغام الدال في السين ، لأنهم لو فعلوا ذلك لقالوا «سسّ» فيزداد اللفظ سينا. فأبدلوا من السين حرفا يقرب منها ومن الدال ، وهو التاء ، لأنّ التاء تقارب الدال في المخرج والسين في الهمس ، فقالوا «سدت». فكرهوا أيضا اجتماع الدال ساكنة مع التاء ، لما بينهما من التقارب حتى كأنهما مثلان ، مع أنّ الكلمة قد كثر استعمالها ، فهي مستدعية للتخفيف من أجل ذلك. فأدغموا الدال في التاء ، ليخفّ اللفظ ، فقالوا «ستّ».

وأما «ودّ» و «عدّان» فأصلهما «وتد» و «عتدان» جمع عتود. فاستثقلوا في «عتدان» اجتماع التاء الساكنة مع الدال ، للتقارب الذي بينهما حتى كأنهما مثلان ، وليس بينهما حاجز كما تقدّم. وكذلك أيضا «وتد» لمّا سكنت التاء في لغة بني تميم - كما يقولون في «فخذ» : فخذ - اجتمعت التاء ساكنة مع الدال ، فاستثقلوا ذلك كما استثقلوا في «عتدان» البيان حين أدغموا فقالوا «عدّان». والبيان فيه جائز. ولو كانت متحرّكة لم تدغم ، لأن الحركة في النيّة بعد الحرف ، فتجيء فاصلة بينهما.

ومما يبيّن استثقالهم التاء ساكنة قبل الدال اجتنابهم «وتدا» و «وطدا» في مصدر «وتد» و «وطد» ، وعدولهم عن ذلك إلى «تدة» و «طدة» ، ك- «عدة».

فإن كان الثاني من المتقاربين ساكنا بيّنا ولم يجز الإدغام. وقد شذّت العرب في شيء من ذلك ، فحذفوا أحد المتقاربين ، لمّا تعذّر التخفيف بالإدغام ، لأنه يؤدّي إلى اجتماع ساكنين ، لأنه لا يدغم الأول في الثاني حتى يسكن كما تقدّم. فقالوا «بلحارث» و «بلعنبر» و «بلهجيم» في «بني الحارث» و «بني العنبر» و «بني الهجيم». وكذلك يفعلون في كلّ قبيلة ظهر فيها لام المعرفة نحو «بلهجيم» و «بلقين» في «بني الهجيم» و «بني القين» - فإن لم تظهر فيها لام المعرفة لم يحذفوا ، نحو «بني النّجّار» و «بني النّمر» و «بني التّيم» لئلّا يجتمع عليه علّتان : الإدغام والحذف - وذلك أنه لمّا حذفت الياء من «بني» لالتقائها ساكنة مع لام التعريف اجتمعت النون مع اللّام ، وهما متقاربان ، فكره اجتماعهما لما في ذلك من الثقل ، مع أنه قد كثر استعمالهم لذلك ، وكثرة الاستعمال مدعاة للتخفيف ، فخفّفوا بالحذف ، إذ لا يمكن التخفيف بالإدغام.


باب [ما أدغمته القرّاء على غير قياس]

هذا باب يذكر فيه ما أدغمته القرّاء ، مما ذكر أنه لا يجوز إدغامه فمن ذلك قراءة أبي عمرو الرعب بما بإدغام باء «الرّعب» في الباء التي بعدها ، مع أنّ قبل الباء حرفا ساكنا صحيحا ، وقد تقدّم أنه لا يجوز عند البصريين. وحملوا قراءة أبي عمرو على الإخفاء ، وقد تقدّم أنّ الإخفاء يسمّى إدغاما.

ومن ذلك قراءته : (مَرْيَمَ بُهْتاناً) [النساء : 156] ، و (بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام : 53] ، و (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) [النحل : 70] ، وأمثال ذلك بإدغام الميم في الباء ، وقد تقدم أن الميم من الحروف التي لا تدغم في مقاربها ، وينبغي أن تحمل ذلك على الإخفاء ، وعلى ذلك يتأوله أبو بكر بن مجاهد رحمه الله ، وينبغي أن يكون الإدغام في ذلك محفوظا عن أبي عمرو ، ويحكى عن البصريين أن أبا عمرو كان يختلس الحركة في ذلك ، فيرى من يسمعه - ممن لا يضبط سمعه - أنه أسكن الحرف الأول وإن كان لم يسكّن.

ومن ذلك إدغام الكسائيّ وحده الفاء من (نَخْسِفْ بِهِمُ) [سبأ : 9] في الباء وقد تقدّم أنها من الحروف التي لا تدغم في مقاربها ، ولا يحفظ ذلك من كلامهم. وهو مع ذلك ضعيف في القياس ، لما فيه من إذهاب التفشّي الذي في الفاء.

ومن ذلك ما روي عن ابن كثير من إدغام التاء التي في أول الفعل المستقبل في تاء بعدها في أحرف كثيرة ، منها ما فيه قبلها متحرّك ، ومنها ما فيه قبلها ساكن من حروف المدّ واللين ومن غيرها. فأما ما قبله متحرك فنحو قوله : (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ) [الأنعام : 153] و (هِيَ تَلْقَفُ) [الأعراف : 117]. وأما ما كان قبله ساكن من حروف المدّ واللّين فقوله تعالى : (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) [البقرة : 267] و (وَلا تَفَرَّقُوا) [آل عمران : 103] و (وَلا تَنازَعُوا) [الأنفال : 46]. وأما ما كان قبله ساكن من غير حروف المدّ واللّين فقوله تعالى : (فَإِنْ تَوَلَّوْا) [آل عمران : 32] ، و (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) [النور : 5].

وقد تقدّم أنّ سيبويه لا يجيز إسكان هذه التاء في «تتكلّمون» ونحوه ، لأنها إذا سكّنت احتيج لها ألف وصل ، وألف الوصل لا تلحق الفعل المضارع ، فإذا اتّصلت بما قبلها جاز ، لأنه لا يحتاج إلى همزة وصل. إلّا أنّ مثل (فَإِنْ تَوَلَّوْا) و (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) لا يجوز عند البصريين ، على حال ، لما في ذلك من الجمع بين الساكنين وليس الساكن الأول حرف مدّ ولين.

ومن ذلك قراءة أبي عمرو والحرث ذلك [الأنعام : 14] بإدغام الثاء في الذال وما قبلها ساكن صحيح. ولكن يتخرّج على مثل ما تقدّم من الإخفاء.

ومن ذلك ما روى اليزيديّ عن أبي عمرو من إدغام الجيم في التاء في مثل (ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ) [المعارج : 3 - 4] ، وسيبويه لم يذكر إدغامها إلّا في الشين خاصّة. فينبغي أن يحمل ذلك على إخفاء الحركة أيضا.

ومن ذلك إدغام أبي عمرو الحاء في العين من قوله تعالى : (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) [آل عمران : 185] في إحدى الروايتين. وذلك أنّ اليزيديّ روى عنه أنه لم يكن يدغم الحاء ا في العين إلّا في قوله تعالى : (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ،) وروى عنه أنه قال : من العرب من يدغم الحاء في العين كقوله تعالى : (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ.) قال : وكان أبو عمرو لا يرى ذلك. والصحيح أنّ إدغام الحاء في العين لم يثبت. وإن جاء من ذلك ما يوهم أنه إدغام فإنما يحمل على الإخفاء.

ومن ذلك قراءة أبي عمرو : ولا تنقضوا الأيمن بعد توكيدها [النحل : 91] بإدغام الدال في التاء. فينبغي أن يحمل ذلك أيضا على الإخفاء.

وعلى ذلك أيضا ينبغي أن تحمل قراءته (مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) [فصلت : 50] و (مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ) [الروم : 54] و (الْمَهْدِ صَبِيًّا) [مريم : 29] ، على أنه أخفى حركة الدال في جميع ذلك ، ولم يدغم.

ومثل ذلك أيضا قراءته (شَهْرُ رَمَضانَ) [البقرة : 158] و (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) [الأعراف : 77] و (ذِكْرُ رَحْمَتِ) [مريم : 2] و (الْبَحْرَ رَهْواً) [الدخان : 24] ، أخفى حركة الراء الأولى في جميع ذلك ، ولم يدغم.

ومن ذلك ما روي عن يعقوب الحضرميّ من إدغام الراء في اللّام. وكذلك أيضا روى أبو بكر بن مجاهد عن أبي عمرو أنه كان يدغم الراء في اللّام ، متحرّكة كانت الراء أو ساكنة ، نحو (فَاغْفِرْ لَنا) [آل عمران : 147] ، و (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [التوبة : 80] و (يَغْفِرْ لَكُمْ)

[الأحقاف : 31]. فإن سكن ما قبل الراء أدغمها في اللّام في موضع الرفع والخفض نحو : (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ) [الإنسان : 1]. ولا يدغم إذا كانت الراء مفتوحة كقوله : (مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ) [يوسف : 21] ، و (الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ) [النمل : 44] وأمثال ذلك وفصله بين الراء المفتوحة وغيرها إذا سكن ما قبلها دليل على أنّ ذلك ليس بإدغام ، وإنما هو روم لا إدغام ، والرّوم لا يتصوّر في المفتوح. وهذا مخالف لما ذكره سيبويه من أنّ الراء لا تدغم في مقاربها لما فيها من التكرار ، وهو القياس ، ولم يحفظ سيبويه الإدغام في ذلك. وروى أبو بكر بن مجاهد عن أحمد بن يحيى عن أصحابه عن الفرّاء أنه قال : كان أبو عمرو يروي عن العرب إدغام الراء في اللّام. وقد أجازه الكسائيّ أيضا ، وله وجية من القياس ، وهو أنّ الراء إذا أدغمت في اللّام صارت لاما ، ولفظ اللّام أسهل من الراء لعدم التكرار فيها ، وإذا لم تدغم الراء كان في ذلك ثقل ، لأنّ الراء فيها تكرار فكأنها راءان ، واللّام قريبة من الراء ، فتصير كأنك قد أتيت بثلاثة أحرف من جنس واحد.

ومن ذلك قراءة أبي عمرو : الشمس سراجا [نوح : 16] ، بإدغام السين في السين ، و (لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ) [النحل : 62] ، بإدغام الضاد في الشين ، و (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة : 133] ، بإدغام النون في اللّام ، و (مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) [هود : 66] ، و (فَهِيَ يَوْمَئِذٍ) [الحاقة : 16] ، بإدغام الياء في الياء. جميع ذلك ينبغي أن يحمل على الإخفاء ، لما في الإدغام من الجمع بين ساكنين ، وليس الأول حرف مدّ ولين. وأيضا فإنّ الضاد لا تدغم في الشين.

وأما (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) [مريم : 4] ، بإدغام السين في الشين فإنّ الرواية عن أبي عمرو اختلفت في ذلك : فمنهم من روى أنه أدغم ، ومنهم من روى أنه منع. والذي عليه البصريّون أنّ إدغام السين في الشين لا يجوز. وأيضا فإنّ الإدغام يؤدّي إلى الجمع بين ساكنين ، وليس الأول حرف مدّ ولين.

ومن ذلك ما روي عنه من أنه قرأ (إِلهَهُ هَواهُ) [الفرقان : 43] وأمثاله بإدغام الهاء في الهاء ، وبين الهائين فاصل وهو الواو التي هي صلة الضمير ، فحذف الصّلة وأدغم. وإدغام هذا مخالف للقياس ، لأنّ هذه الواو إنما تحذف في الوقف. وأما في الوصل فتثبت. وأنت إذا أدغمت في حال وصل فينبغي ألّا تحذفها. وإذا لم تحذفها لم يمكن الإدغام. لكن وجه ذلك أمران :

أحدهما تشبيه الإدغام بالوقف ، في أنّ الابدغام يوجب التسكين للأول كما أنّ الوقف يوجب له ذلك. فحذف الواو في الإدغام على حدّ حذفها في الوقف ، فساغ الإدغام.

والآخر أن كون حذف الواو في الوصل كما حذفها الشاعر في قوله - أنشده الفراء - :

أنا ابن كلاب وابن أوس فمن يكن

قناعه مغطيا فإنّي لمجتلي (1)

فلمّا حذف الواو أدغم. والأول أحسن لأنّ حذف الواو وصلا في مثل هذا ضرورة.



1) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في الأنصاف للأنباري 2 / 518 ، ولسان العرب لابن منظور ، مادة (غطي).

باب ما قيس من الصحيح على صحيح معتل

اشارة

وما قيس من المعتل على نظيره من الصحيح

هذا الباب نبيّن فيه كيفيّة بنائك من الكلمة مثل نظائرها. فإذا قيل لك «ابن من كذا مثل كذا» فإنما معناه : فكّ صيغة هذه الكلمة ، وصغ من حروفها الأمثلة التي قد سئلت أن تبني مثلها ، بأن تضع الأصل في مقابلة الأصل ، والزائد في مقابلة الزائد إن كان في الكلمة التي تبني مثلها زوائد ، والمتحرّك في مقابلة المتحرّك. والساكن في مقابلة الساكن ، وتجعل حركات المبنيّ على حسب حركات المبنيّ مثله الذي صيغ عليه من ضمّ أو فتح أو كسر ، على ما يبيّن بعد ، إن شاء الله تعالى.

وللنحويين في هذا الباب ثلاثة مذاهب : منهم من ذهب إلى أنه لا يجوز شيء من ذلك ، وأنّ ما يصنع من ذلك فإنما القصد به أن يبيّن أنه ، لو كان من كلام العرب ، كيف كان يكون حكمه. ومنهم من ذهب إلى أنّ ذلك جائز على كلّ حال. ومنهم من فصّل ، فقال : إن كانت العرب قد فعلت مثل ما فعلته من البناء ، وكثر ذلك في كلامها واطّرد ، جاز لك ذلك ، وإلّا لم يجز.

فالذي منع من ذلك جملة حجّته أنّ في ذلك ارتجالا للّغة ؛ ألا ترى أنه ، إذا بنى من «الضّرب» مثل «جعفر» ، فقال «ضربب» ، قد أحدث لفظا ليس من كلام العرب.

والذي يجيز ذلك حجّته أنّ العرب قد أدخلت في كلامها الألفاظ الأعجميّة كثيرا ، ولم تمتنع من شيء من ذلك. وسواء كان بناء اللفظ الأعجميّ مثل بناء من أبنية كلامهم ، أو لم يكن نحو «إبراهيم» و «مرزنجوش» وأشباه ذلك. فقاس على ذلك إدخال الأبنية المصنوعة في كلامهم ، وإن لم تكن منه.

وذلك باطل : لأنّ العرب إذا أدخلت اللفظ العجميّ في كلامها لم يرجع بذلك عربيّا ، بل تكون قد تكلّمت بلغة غيرها. وإذا تكلّمنا نحن بهذه الألفاظ المصنوعة كان تكلّمنا بما لا يرجع إلى لغة من اللغات.

والذي فصّل حجّته أنّ العرب إذا فعلت مثل ذلك باطّراد كان هذا الذي صنعناه نحن لاحقا به ، ومحكوما له بأنه عربيّ ، لأنه على قياس كلام العرب. فإن لم تفعل العرب مثله ، أو فعلته بغير اطّراد ، لم يجز لأنه ليس له ما يقاس عليه. فإذا بنينا من «الضرب» مثل «جعفر» فقلنا «ضربب» كان «ضربب» عربيّا. وجاز لنا التكلّم به في النظم والنثر ، لأنّ العرب قد ألحقت الثلاثي بالرباعيّ بالتضعيف كثيرا ، نحو «قردد» (1)، و «مهدد» (2)، و «محبب» (3)و «عندد» (4)، و «رمدد» (5)وأمثال ذلك. إذ لا فرق بين قياس الألفاظ على الألفاظ وبين قياس الأحكام على الأحكام ؛ ألا ترى أنك تقول «طاب الخشكنان» (6)، فترفعه إذا كان فاعلا ، وإن لم تسمع العرب رفعته ، بل لم نسمع العرب تكلّمت به أصلا. لكن لمّا رفعت نظائره من الفاعلين قسته عليه فرفعته. فكما لا شكّ في جواز ذلك فكذلك لا ينبغي أن يشكّ في بناء مثل «جعفر» من «الضّرب» أو غيره ، مما له في كلامهم نظير باطّراد.

وينبغي أن تعلم أنه لا يجوز إلّا أن تكون الأصول من حروف الكلمة ، التي يبنى منها مثل غيرها ، مساوية لأصول المبنيّ مثله ، أو أقلّ. وأما أن تكون أكثر فلا. فيجوز أن تبني من «سفرجل» مثل «عضرفوط» (7)، فتقول «سفرجول». لأنّ الأصول منهما متّفقة ؛ ألا ترى أنّ كلّ واحد منهما أصوله خمسة ، وتقول في مثل «جعفر» من «الضّرب» : «ضربب» ، لأنّ أصول الضرب أقلّ من أصول «جعفر». ولا يجوز أن تبني من «سفرجل» مثل «عنكبوت» ، لأنّ الأصول من «عنكبوت» أربعة ومن «سفرجل» خمسة ، فأنت إذا بنيت منه مثل «عنكبوت» احتجت إلى حذف حرف من الأصل ، فلا يصل إلى أن يكون مثله إلّا بحذف حرف ، وحذف حرف من الأصل لا يجوز بقياس. وأيضا فإنه ، وإن كان محذوفا ، منويّ مراد. وإذا كان كذلك كان بالضرورة أكثر أصولا من الذي يبنى عليه ، فلا يحصل التوافق.

وينبغي أن تعلم أنه لا يجوز أن يدخل البناء إلّا فيما يدخله الاشتقاق والتصريف.


1) القردد : ما أشرف من الأرض وغلظ. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (قرد).

2) مهدد : اسم امرأة. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (مهد).

3) محبب : اسم علم. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (حبب).

4) يقال : مالي عنه عندد ، أي : مالي عنه بدّ. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (علند ، عندد).

5) الرمدد : الرماد الكثير الدقيق جدّا. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (رمد).

6) الخشكنان : نوع من الطعام. انظر المغرب للمطرزي ، مادة (خشك).

7) العضرفوط : ذكر العظاء. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (عضرفط).

فإن بنيت مما لا يدخله اشتقاق ولا تصريف ، مثل أن تبني من الهمزة مثلا مثل «سفرجل» أو غير ذلك ، فإنما ذلك على طريق أن ، لو جاء ، كيف يكون حكمه ، لا لأن تلحقه بكلام العرب ؛ لأنّ العرب لا تتصرّف في مثل الهمزة.

فينبغي أن تجعل مسائل هذا الباب على قسمين :

قسم يبنى ممّا يجوز التصرّف فيه.

وقسم يبنى ممّا لا يجوز ذلك فيه.

فالذي يبنى ممّا يجوز التصرّف فيه لا يخلو من أن يبنى ممّا أصوله كلّها صحاح ، أو ممّا هو معتلّ اللّام خاصّة ، أو العين خاصّة ، أو الفاء خاصّة ، أو العين واللّام ، أو الفاء واللّام ، أو من مهموز ، أو مضعّف. فأما ما أصوله كلّها معتلّة فلم يجىء منه إلّا «واو» خاصّة. وما اعتلّت عينه وفاؤه لم يجىء منه فعل ، بل جاء في أسماء قليلة نحو «ويل» و «يوم» و «أول». فلمّا لم تتصرّف فيها العرب ، لذلك ، لم يحسن لنا أن نبني منها ، ونتصرّف فيها. وأما المعتلّ الفاء واللّام فلم يكثر منه إلّا ما فاؤه واو ولامه ياء ، نحو «وقيت» ، فإذا بني من مثل هذا شيء جاز ، لتصرّف العرب فيه.


مسائل من الصحيح

فإذا قيل لك : ابن من «الضّرب» مثل «درهم» قلت : «ضربب». فتجعل الأصل في مقابلة الأصل ، فإذا فنيت أصول «الضرب» كرّرت اللّام. وكذلك إن قيل لك : ابن منه مثل «فلفل» قلت «ضربب». ومثال «فطحل» (1): «ضربّ» فتدغم الباء الأولى في الثانية لسكونها. ولا تدغم في شيء ممّا تقدّم ، لأنك لو أدغمت لاحتجت إلى تسكين الأوّل فيتغيّر البناء عمّا ألحق به. وهذا مقيس ، لأنه قد كثر وجوده في كلامهم.

فإذا قيل لك : ابن من «الضّرب» مثل «جعفر» بالياء أو بالواو ، قلت : «ضيرب» و «ضورب». ولا يجوز إلحاق مثل هذا بكلام العرب ، لقلّة مثل «صيرف» و «كوثر» في كلامهم ، وإنما تبني من ذلك ما تبنيه لتري حكمه كان يكون ، لو جاء.

وكذلك لو قيل لك : ابن من «الضّرب» مثل «سفرجل» قلت : «ضربّب» ، على نحو ما ذكرت لك إلّا أنّ هذا لا يجوز إلحاقه بكلام العرب ، لأنه لم يجىء في كلامهم نظيره ، أعني : خماسيا لا ماته الثلاثة من جنس واحد ، وإنما بنيته لتبيّن وجه الصّيغة فيه.

وينبغي أن تعلم أنه لا يتعذّر بناء شيء من الصحيح ، إلّا أن يؤدّي ذلك إلى وقوع نون ساكنة قبل راء أو لام ، فإنّ ذلك لا يجوز ، نحو بنائك من «الضّرب» أو «الجلوس» مثل «عنسل» (2)، فإنه يجب أن تقوّل «جنلس» أو «ضنرب». وذلك ليس من كلامهم ، أعني : وقوع النون ساكنة قبل الراء أو اللّام ، في كلمة واحدة. والسبب في أن لم يوجد في كلامهم أنّه إذا وجد لم يخل من أن يدغم أو لا يدغم. فالإدغام يفضي إلى اللّبس ، بأن يكون من قبيل إدغام المثلين والفكّ يفضي إلى الاستثقال : لأنّ النون كثيرة الشّبه بالراء واللّام ، فيصعب إظهارها.

أو يؤدّي إلى وقوع النون الثالثة الساكنة الزائدة التي بعدها حرفان مدغمة من نون تليها ، أو مقرونة بحرف حلق من بعدها. والسبب في ذلك أنّ النون إذا كانت على ما


1) الفطحل : الضخم الممتلئ الجسم. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة (فطحل).

2) العنسل : الناقة السريعة. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (عنسل).

وصفنا كانت زائدة أبدا. والعلّة في أن كانت زائدة أنها وقعت موقع حروف العلّة الثلاثة الزوائد ، نحو واو «فدوكس» ، وياء «سميدع» وألف «عذافر». وأشبهتها في أنها زائدة كما أنّ هذه الحروف كذلك. وفيها غنّة كما أنّ هذه الأحرف فيها لين ، والغنّة واللين فضل صوت في الحرف ، كما تقدّم. ولذلك تبدل النون ألفا في نحو «رأيت زيدا» في الوقف ، وياء وواوا إذا أدغمت فيهما نحو (مَنْ يُؤْمِنُ) [التوبة : 99] ، (مِنْ والٍ) [الرعد : 11]. فلمّا كانت من جملة ما أشبهت النون به حروف العلّة الغنّة لم يجز أن يقع بعدها حرف حلق ، لأنها تبيّن عند حروف الحلق فتصير من الفم وتذهب الغنّة ، ولا أن تكون مدغمة في نون بعدها ، لأنها تقلب إذ ذاك إلى جنس النون المتحرّكة التي أدغمت فيها. والنون المتحرّكة من الفم ، فتذهب الغنّة ، ولذلك ما جعلت النون من «عجنّس» (1)و «هجنّع» (2)كباء «عدبّس» (3)، ولم تجعل منهما كنون «جحنفل» (4).

مسائل من المعتلّ اللام

إذا قيل لك : ابن من «الرّمي» مثل «اغدودن» قلت : «ارمومى» ، فتجعل الأصل في مقابلة الأصل : فتكون الراء في مقابلة الغين ، والميم التي تليها في مقابلة الدال ، والواو زائدة في مقابلة الواو من «اغدودن» ، ثم تكرّر الميم كما كرّرت في «اغدودن» الدال التي هي في مقابلتها ، ثم تأتي بعد ذلك بالياء وتقلبها ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

وإذا قيل لك : ابن من «الرّمي» مثل «حمصيصة» قلت : «رمويّة». والأصل «رميية» ، فأدغمت الياء الثانية في الياء التي بعدها. فصار «رمييّة» فاجتمع ثلاث ياءات ما قبل الأولى متحرّك ، فقلبت واوا استثقالا ، كما فعلت ذلك في النسب إلى «رحى» حين قلت «رحويّ».

فإذا قيل لك : ابن من «الرّمي» مثل «عنكبوت» قلت : «رميوت». تكرّر اللّام فتقول «رمييوت» ، ثم تقلب الياء الثانية ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، ثم تحذف الألف لالتقائها ساكنة مع الواو ، وتدع الياء الباقية على فتحها ، فتصير بمنزلة «مصطفون».

فإذا قيل لك : ابن من «الرّمي» مثل «بهلول» قلت : «رمييّ». والأصل «رميوي» ،


1) العجنس : الجمل الشديد الضخم. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (عجنس).

2) الهجنع : الطويل الضخم. انظر الصحاح للجوهري ، مادة (هجنع).

3) العدبس : الضخم الطويل الشديد الخلق. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (عدبس).

4) الجحنفل : الغليظ الشفة. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (جحفل).

فقلبت الواو ياء لوقوع الياء بعدها وهي ساكنة ، وأبدلت الضّمة قبلها كسرة لتصحّ الياء ، ثم أدغمت الياء في الياء. ولا يستثقل هنا اجتماع ثلاث ياءات كما استثقل في مثل «حمصيصة» من «الرّمي» ، لسكون ما قبل الياء الأولى.

وتقول في «مفعلة» من «الرّمي» : «مرموة» إن بنيتها على التأنيث ، وإن بنيتها على التذكير قلت «مرمية». وذلك أنّ الأصل «مرمية» ، فوقعت الياء بعد ضمّة غير متطرّفة لأجل التاء ، فقلبت واوا استثقالا لها بعد الضّمّة ، كما قالوا «لقضو» فأبدلوا الياء واوا. هذا إذا اعتددت بالتاء. فإن لم تعتدّ بها ، وجعلت التاء كأنها لحقت البناء بعد كمال المذكّر ، قلبت الضّمّة كسرة - لأنّ الياء إذا وقعت طرفا ، وقبلها ضمّة ، قلبت الضمة كسرة - ثم ألحقت بعد ذلك التاء.

وتقول في مثل «قمحدوة» (1)من «الرّمي» : «رميّوة» إن بنيت الكلمة على التأنيث. وإن بنيتها على التذكير قلت : «رميّتة». وذلك أنّ الأصل «رمييوة» ، فصحّت ، فصحّت الواو كما صحّت في «قمحدوة» لأنها غير متطرّفة ، وأدغمت الياء في الياء. فإن قدّرت التاء لحقت بعد استعمال اللفظ بغير تاء ، كأنه قبل لحاق التاء «رميّو» ، قلبت الواو ياء لتطرّفها ، والضمّة قبلها كسرة ، كما فعل ذلك ب- «أدل» ، ثم ألحقت التاء بعد ذلك فصار «رميّية». ولا تحذف هنا إحدى الياءات ، لأنهم إنما يفعلون ذلك إذا كانت الأولى زائدة.

وتقول في مثل «اطمأننت» من «رميت» : «ارميّيت» و «ارميّا». والأصل «ارميّي» فتقلب المتطرّفة ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. ولم تنقل الحركة من الياء المتوسّطة إلى الساكن قبلها ، ثم تدغم إحدى الياءين في الأخرى ، فتقول «ارمييّ» ، على قياس «اطمأنّ» ، لأنّ الياء المتوسطة لمّا سكن ما قبلها لم تعلّ بنقل حركتها ، كما لم تعلّ في «ابيضّ».

وتقول في مثل «اغدودن» من «الغزو» : «اغزوزيت» و «اغزوزى». والأصل «اغزوزوت» فقلبت الواو ياء كما قلبت في «أغزيت» و «غازيت» ، أعني : حملا على المضارع في القلب ، الذي هو «يغزوزي» ، كما قلبت في «أغزيت» و «غازيت» حملا على «يغزي» و «يغازي».

وتقول في مثل «عنكبوت» من «الغزو» : «غزووت». والأصل «غزووت». فقلبت الواو المتوسّطة ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، قثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع الواو.


1) القمحدوة : فأس الرأس المشرفة على النقرة. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (قمحد).

وكانت المحذوفة الألف ، ولم تكن واو «فعللوت» ، لأنّ الواو زيدت مع التاء ، فلم يجز أن تحذف إحداهما وتبقى الأخرى ؛ ألا ترى أنّ كلّ زيادتين زيدتا معا فإنهما تحذفان معا ، في الترخيم ، والتصغير.

وتقول في مثل «قربوس» من «الغزو» : «غزويّ». والأصل «غزووه» ، فاجتمعت ثلاث واوات في اطرف مع الضمّة ، فاستثقل ذلك - بل إذا كانوا يستثقلون الواوين في الطرف في مثل «عتا عتيّا» فالأحرى أن يستثقلوا - فقلبت الواو الأخيرة ياء لأنها أولى بالإعلال ، ثم قلبت المتوسطة ياء لسكونها وبعدها الياء وقلبت الضمّة قلبها كسرة لتصحّ الياء ، ثم أدغمت الياء في الياء.

وتقول في مثل «بهلول» من «الغزو» : «غزويّ» والأصل «غزووو» ، فاستثقلت الواوات كما استثقلت في المسألة التي قبلها ، فقلبت المتطرّفة منها ياء ، ثم قلبت الواو المتوسطة ياء لسكونها وبعدها الياء ، وقلبت الضمّة قبلها كسرة لتصحّ الياء ، ثم أدغمت الياء في الياء.

وتقول في مثل «قمحدوة» من «الغزو» : «غزوّية». والأصل «غزووة» ، فاجتمع ثلاث واوات ، الوسطى مضمومة ، فقلبت المتطرّفة ياء - كما فعلت أيضا في المسألتين المتقدّمتين قبلها - ثم قلبت الضمّة التي في الواو التي قبلها كسرة لتصحّ الياء ، ثم أدغمت الواو الأولى في الواو الثانية.

وتقول في مثل «ترقوة» من «الغزو» : «غزوية» ، سواء بنيت على التذكير أو التأنيث وأصل هذه المسألة «غزووة» ، فاجتمع واوان في الطرف وضمّة ، فصارت ذلك كثلاث واوات ، فقلبت المتطرّفة ياء ، والضمّة قبلها كسرة لتصحّ الياء ، فصار «غزوية». وإنما استوى البناء على التذكير والتأنيث ، لوجود الاستثقال في الحالتين.


مسائل من المعتلّ العين

تقول في مثل «افعوعل» من «البيع» : «ابييّع». والأصل «ابيويع» ، فقلبت الواو المتوسطة بين الياءين ياء ، لسكونها ووقوع الباء بعدها ، وأدغمت في الياء.

وإذا بنيته للمفعول قلت «ابيويع» على الأصل. وإنما لم تدغم ، لأنّ الواو مدّة تشبه الألف ، لأنها في فعل متصرّف. فكما لا تدغم الألف في الياء التي بعدها في نحو «بايع» فكذلك ما أشبهتها.

وتقول في مثل «افعوعل» من «القول» : «اقووّل». هذا مذهب سيبويه. وأما أبو الحسن فيقول «اقويّل» ، لأنه يستثقل ثلاث واواوات. وإلى ذلك ذهب أبو بكر ، واحتجّ بأنهم إذا كانوا يستقلون الواوين والضّمّة في مثل «مصوغ» ، فلا يكمّلون البناء إلّا فيما شذّ ، فالأحرى فيما اجتمع فيه ثلاث واوات.

وهذا الذي احتجّ به لا يلزم ، لأنّ «مصوغا» وأمثاله إنما استثقل فيه الواوان والضّمّة ، لجريانه على الفعل المعتلّ. وإلّا فإنهم يتمّون في مثل «قوول» في فصيح الكلام ، لأنه غير جار على معتلّ.

فإن قيل : فإنكم تقولون في «عرقوة» من «الغزو» «غزوية» - كما تقدّم - استثقالا للواوين والضّمّة ، مع أنه ليس بجار على معتلّ؟.

فالجواب : أنّ الطّرف يستثقل فيه ما لا يستثقل في الوسط ، لأنه محلّ التغيير ؛ ألا ترى أنهم يقلبون مثل «عصيّ» ، ولا يلزم ذلك في مثل «صوّم».

فإن قيل : فأين وجدتم ثلاث واوات محتملة في كلام العرب؟.

فالجواب : أنه لا يعلم من كلامهم ما اجتمع فيه ثلاث واوات حشوا ، لا مصحّحا ولا معلّا ، فيحمل هذا عليه ، والتصحيح هو الأصل فالتزم هذا. مع أنّ ما يقرب منه موجود في كلامهم وهو مثل «قوول» ؛ ألا ترى أنّ فيه واوين وضمّة ، والضمّة بمنزلة الواو ، ولم يغيّر شيء من ذلك.

وأما ما ذهب إليه ابن جنّي من أنه لقائل أن يفرق بين «غزويّة» و «اقووّل» بأن يقول :

قد يستثقل في الاسم فيعلّ ما يصحّ في الفعل ، واستدلاله بصحّة «يغزو» وأمثاله واعتلال «أدل» وأمثاله ، ففي نهاية الفساد ؛ لأنّ الفعل أثقل من الاسم ، بلا خلاف ، وأكثر إعلالا ، فكيف يصحّ فيه ما يعتلّ في لاسم الذي هو أخفّ. وأما صحّة «يغزو» وإعلال «أدل» فلأمر عرض ، قد بيّن في موضعه.

فالصحيح عندي ما ذهب إليه سيبويه.

فإن بنيته للمفعول قلت «اقووول» على القولين جميعا ، فلا تدغم ولا تستثقل اجتماع الواوات ، لأنّ الواو المتوسطة مدّة محكوم لها بالألف. فكأنّه ليس في الكلمة إلّا واوان بينهما ألف. وقد حكي عن الأخفش أنه قلب الأخيرة ياء فقال «اقوويل». والأوّل أشهر عنه ، وهو الصحيح.

وتقول في مثل «فعللوت» من «البيع» و «القول» : «بيععوت» و «قوللوت». وفي الجمع : «بياعع» و «قوالل». وإن عوّضت قلت : «بياعيع» و «قواليل». ولا تدغم شيء من ذلك ، لئلّا يبطل الإلحاق ، لأنّ «بيععوت» و «قوللوت» ملحقان ب- «عنكبوت» ، و «بياعع» و «قوالل» ملحقان ب- «عناكب».


مسائل من المعتل الفاء

تقول في مثل «فعلول» من «الوعد» : «وعدود» ، وإن شئت «أعدود» فتهمز الواو لانضامها.

وتقول في مثل «طومار» (1)منه : «أوعاد». ولا يجوز غير ذلك ، لاجتماع واوين في أول الكلمة.

وتقول في مثل «إخريط» (2)من «الوعد» : «إيعيد» ، والأصل «إوعيد» ، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، كما فعل ذلك ب- «ميعاد».

وتقول في مثل «بهلول» من «اليمن» : «يمنون» ، ولا تهمز كما همزت الواو ، لأنّ الضّمّة في الواو أثقل منها في الياء.

وتقول في مثل «أفعول» منه : «أفعول» منه : «أومون». والأصل «أيمون» ، فقلبت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها.



1) الطومار : الصحيفة : انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (طمر).

2) الإخريط : نبات له قرون كقرون اللوبياء ، ورقه أصغر من ورق الريحان. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (خرط).

مسائل من المعتلّ العين مع اللام

تقول في «فيعول» من «حييت» : «حيويّ». والأصل «حييوي» ، فقلبت الواو ياء لسكونها وبعدها الياء ، ثم قلبت الضمّة التي قبلها كسرة لتصحّ الياء ، ثم أدغمت الياء في الياء ، فصار كالنسب إلى «حيّة» ، فكره اجتماع أربع ياءات ففعل به ما فعل ب- «حيّة» ، ففتحت الياء الأولى الساكنة ، وقلبت الياء التي بعدها ألفا ، ثم قلبت الألف واوا. ومن احتمل أربع ياءات في النسب إلى «حيّة» احتملها هنا فقال «حيّيّ».

وتقول في «فيعل» من «حييت» : «حيّا». والأصل «حييي» ، فأدغمت الياء الأولى في الثانية ، وقلبت الياء المتطرّفة ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. وكان ينبغي أن يبنى هذا على «فيعل» بكسر العين ، لأنه معتل العين ، ولم يجىء «فيعل» من المعتلّ العين إلّا بالكسر ، إلّا لفظة واحدة وهي «العيّن» ، فبنيت هذا على قياس «العيّن».

وتقول في «فيعل» المكسور العين منها «حيّ». والأصل «حيّي» ، فكرهوا اجتماع ثلاث ياءات في الطرف ، الأولى زائدة ، فحذفوا كما قالوا في تصغير «أحوى» : «أحيّ». ومن لم يحذف في «أحيّ» إلّا في الرفع والخفض وأثبت الياء في النصب فعل ذلك هنا ، فقال «هذا حيّ» و «مررت بحيّ» و «رأيت حيّيا».

وتقول في «فعلان» من «حييت» : «حيوان». والأصل «حييان» ، فتقلب الياء التي هي لام واوا ، لانضمام ما قبلها.

فإن قيل : فإنّ الضمّة لا توجب قلب الياء المتحرّكة واوا ؛ ألا تراهم قالوا «عيية» فأثبتوا الياء؟.

فالجواب : أنّ الياء التي هي عين إذا كانت متحرّكة مضموما ما قبلها لا تقلب لقوّة العين أما اللّام إذا كانت ياء على هذه الصورة فإنها تقلب ؛ ألا تراهم قالوا «لقضو الرجل» ، والأصل «لقضي» ، فأبدلوا الياء واوا.

ومن سكّن الضمّة تخفيفا قال : «حيوان» فأبقى الواو ، ولم يردّ الكلمة إلى أصلها من الياء. ولم يدغم ، لأنّ التخفيف عارض والأصل الحركة.

وتقول في «فعلان» من «حييت» : «حييان». ولم تدغم لأنه لا يخلو أن تعتدّ بالألف والنون ، أو لا تعتدّ. فإن اعتددت لم تدغم لخروج البناء بهما عن شبه الفعل. وإن لم تعتدّ لم تدغم أيضا كما كان لا يدغم لو ذهبت الألف والنون.

وزعم ابن جنّي أن الإدغام هو الوجه ، قياسا على «فعلان» من «رددت». ولا حجّة فيه لأنّ «ردّان» إذا لم يعتدّ فيه بالألف والنون جاز الإدغام بخلاف «حييان» ، فبني الإدغام على ترك الاعتداد.

فإن سكّنت تخفيفا أدغمت فقلت «حيّان» وذلك أنّ المثلين إذا التقيا ، وكان الأوّل منهما ساكنا ، لزم إدغام الأول في الثاني ، كانت الكلمة على وزن الفعل أو لم تكن ، وكان المثالان حرفي علّة أو لم يكونا.

وتقول في «فيعلان» منه : «حيّان». والأصل «حيييان» ، فحذفت المتطرّفة لاستثقال ثلاث ياءات في الطرف ، لأن الألف والنون لا يعتدّ بهما ، كما لا يعتدّ بتاء التأنيث. فكما أنك لو بنيت مثل «فيعلة» من «حييت» لقلت «حيّة» فتحذف ، فكذلك هذا.

وتقول في «فيعل» من «القوّة» : «قيّا». والأصل «قيوو» ، فقلبت الواو ياء لسكون الياء قبلها ، وأدغمت الياء في الياء ، وقلبت الواو المتطرّفة ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. وبنيت «فيعل» من المعتلّ العين على حدّ «العيّن» ، وإن كان ذلك قبيحا.

وتقول في «فيعل» منها : «قيّ». والأصل «قيوو» ، فقلبت الواو الأولى ياء ، لسكون الياء قبلها ، وأدغمت الياء في الياء ، وقلبت الواو المتطرّفة ياء لانكسار ما قبلها ، فاجتمع ثلاث ياءات. فحذفت المتطرّفة استثقالا. ومن لم يحذف في تصغير «أحوى» إلّا في حال الرفع والخفض خاصّة فكذلك هنا.

ونقول في «فعلان» منها «قووان». وإن شئت أسكنت الواو الأولى تخفيفا وأدغمت ، فقلت «قوّال» هذا مذهب سيبويه.

وقال أبو العباس : ينبغي لمن لا يدغم أن يدغم أن يقول «قويان» ، فيقلب الواو الثانية ياء ، والضّمّة التي قبلها كسرة ، لئلّا تجتمع واوان في إحداهما ضمة والأخرى متحرّكة. قال : وهذا قول أبي عمر وجميع أهل العلم.

وقال أبو الفتح : الوجه عندي إدغامه ، ليسلم من ظهور الواوين مضمومة إحداهما ، لأنه إذا قال «قويان» التبس ب- «فعلان». فمن هنا قوي الإدغام. ثم اعترض نفسه بأن قال :

فإن قيل : إذا أدغم لم يعلم أ«فعلان» هو أم «فعلان» مكسور العين! قيل : هذا محال ، لأنك لو أردت بناء «فعلان» لقلبت الواو الأخيرة ياء ، لانكسار ما قبلها ، فيختلف الحرفان ، فتقول «قويان» فلا تدغم.

والصحيح ما ذهب إليه سيبويه. أما ما ذهب إليه ابن جنّي ، من أنّ قلب الضمّة كسرة ، والواو ياء ، يؤدّي إلى الإلباس فالإلباس غير محفول به ؛ ألا ترى أنّ كلامهم يجيء فيه البناء المحتمل لوزنين كثيرا ، ك- «مختار» فإنه متردّد بين «مفتعل» ومفتعل ، وك «ديك» على مذهبنا فإنه متردّد بين «فعل» و «فعل» ، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. وأيضا فإنه إذا أدغم لم يدر هل البناء «فعلان» في الأصل ، أو «فعلان» بسكون العين.

وأما ما ذهب إليه أبو العباس من أنّ اجتماع واوين ، الأولى منهما مضمومة والثانية متحرّكة ، لا يجوز لثقله ، فباطل لأنه قد وجد في كلامهم نظيره ؛ ألا ترى أنك إذا نسبت إلى «صوى» (1)بعد التسمية به قلت «صوويّ». لا خلاف في ذلك ، مع أنه قد اجتمع لك واوان الثانية متحرّكة وقبل الأولى ضمّة ، والحركة بعد الحرف في التقدير فكأنها في الواو ، فكذلك «قووان».

فهذا الذي ذهب إليه سيبويه هو الصحيح ، لأنّ مثل «قووان» لم يجىء في كلامهم مصحّحا ولا معلّلا. فإذا بنيته فالقياس أن تحمله على أشبه الأشياء به ، وأشبه الأشياء به «صوويّ».

وتقول في «فعلان» منها : قوان. صحّت العين كما صحّت في «جولان» ، وصحّت اللّام كما صحّت في «نزوان».

وتقول في «مفعول» منها : «مكان مقويّ فيه». والأصل «مقووو» ، فقلبت الواو المتطرّفة ياء ، لاستثقال اجتماع ثلاث واوات وضمّة في الطرف ، ثم قلبت الواو التي قبلها ياء لسكونها وبعدها الياء. وقلبت الضمّة قبلها كسرة لتصحّ الياء ، ثم أدغمت الياء في الياء. ومن قال «مغزوّ» ولم يقلب لم يجز هنا إلّا القلب ، لأنه أثقل.

وتقول في «فعلول» من «طويت» : «طوويّ». والأصل «طويوي» ، فقلبت الواوان ياءين لسكونهما وبعدهما الياء ، وقلبت الضّمّة التي كانت قبل الواو الأخيرة كسرة ، لتصحّ الياء - ولم تقلب الضّمّة التي قبل الأولى ، لبعدها عن الطّرف ؛ ألا ترى أنهم يقولون «عصيّ» ،


1) الصوى : الأعلام من الحجارة انظر الصحاح للجوهري ، مادة (صوى).

فيقلبون ضمّة الصاد كسرة ، لأنها عين فهي تلي اللّام ، فقربت بذلك من الطرف ، ويقولون «ليّ» في جمع «ألوى» ، فلا يقلبون الضّمّة التي في اللّام كسرة ، لأنها في فاء الكلمة فبعدت من الطرف - ثم أدغمت الياء في الياء فصار «طيّيّ» فاجتمع أربع ياءات ، ففعل به ما فعل ب- «أميّيّ» حتى قلت «أمويّ» ، من تحريك الياء الساكنة الأولى ، فلمّا حرّكت عادت إلى أصلها وهو الواو ، لأنها إنما كانت قلبت لأجل الإدغام فلمّا زال الإدغام رجعت ، وقلبت الياء التي بعدها ألفا ، ثم قلبت واوا على قياس النسب.


مسائل من المعتل الفاء بالواو واللام بالياء

تقول في مثل «فعلول» من «وقيت» : «وقييّ» و «أقييّ» إن شئت. وذلك أنّ الأصل «وقيوي» ، فقلبت الواو ياء لسكونها والياء بعدها ، ثم قلبت الضمّة التي قبلها كسرة لتصحّ الياء ثم أدغمت الياء في الياء فصار «وقييّ». فجاءت الواو المضمومة في أوّل الكلمة ، فكنت في همزها بالخيار.

وتقول في مثل «إخريط» من «وقيت» : «إيقيّ». والأصل «أوقيني» ، فأدغمت الياء في الياء ، وقلبت الواو الأولى ياء ، لسكونها وانكسار ما قبلها.

وتقول في مثل «طومار» من «وقيت» : «أوقاء». والأصل «ووقاي» ، فقلبت الواو الأولى همزة على اللزوم ، لاجتماعها مع الواو «فوعال» في أوّل الكلمة ، وقلبت الياء همزة لوقوعها متطرّفة بعد ألف زائدة.


مسائل من المعتل الفاء بالياء والعين بالواو

لو بنيت من «اليوم» : أفعل لقلت : «أيّم». والأصل «أيوم» قلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء. هذا قول النحويين أجمعين إلّا الخليل فإنه يقول «أووم» ك- «سوير» لأنّ حرف المدّ ... وإن كان منقلبا عن أصل مجرى حرف ... (1)



1) في هذين الموضعين خرم من المخطوط لم أهتد إليه.

مسائل من المهموز

لو بنيت من «قرأ» مثل «دحرجت» لقلت : «قرأيت». والأصل «قرأأت» ، فلزم الثانية البدل لئلّا تجتمع همزتان في كلمة. وكانت الثانية أحقّ بالتغيير ، لأنها طرف.

وتقول في مثل «قمطر» من «قرأت» : «قرأي». والأصل «قرأأ» فأبدلت الثانية ياء - فإن قيل : هلّا أدغمت فقلت «قرأ» ، ورفعت لسانك بالهمزتين رفعة واحدة ، كما فعلت العرب في «سآل» و «رآس»؟.

فالجواب : أنّ الهمزتين ثقيلتان ، فمهما أدّى قياس إلى اجتماعهما في كلمة واحدة فلا بدّ من إبدال إحداهما ؛ إلّا أن يمنع من ذلك مانع ، إذ قد كانوا يستثقلونها وحدها ، فلمّا لم يكن مانع من إبدال إحدى الهمزتين ياء أبدلت. وكذلك كان قياس «سآل» و «رآس» ، لو لا ما منع من إبدالها ، وهو كون عيني الكلمة لا يختلفان أبدا نحو «ضرّب» و «قتّل» ، واللّامان قد يكونان مختلفين نحو «هدملة» (1)و «سبطر» - وكان إبدال الأخيرة أولى ، لأنها متطرّفة ، كما تقدّم.

وتقول في مثل «اغدودن» من «وأيت» : «ايئوءى». والأصل «اوءوءي» فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. فإن خفّفت الهمزة الثانية قلت «ايئوى» ، ألقيت حركتها على الساكن قبلها وحذفت الهمزة. وإن خفّفت الأولى وتركت الثانية قلت «أوءى» ، ألقيت حركة الهمزة التي في العين مع الفاء ، وكانت واوا في الأصل ، فرجعت إلى أصلها ، وحذفت ألف الوصل لمّا تحرك ما بعدها ، فلمّا رجعت واوا وبعدها الواو الزائدة لزم همز الأولى لئلّا تجتمع واوان في أول الكلمة. فإن خفّفتهما جميعا قلت «أوى» ، لأنه لمّا صار بتخفيف الأولى «أوءى» ألقيت حركة الهمزة الثانية على الواو قبلها وحذفتها.

وقد أجاز أبو عليّ ، إذا سهّلت الهمزة الأولى وأبقيت الثانية ، أن تقول «ووءى» ، وإذا سهّلتهما معا أن تقول «ووى». ولا تقلب الواو همزة لأنّ نيّة الهمز فاصلة بين الواوين.


1) الهدملة : الرملة المستوية. انظر تاج العروس للزبيدي ، مادة (هدمل).

فجعل ترك الهمز هنا نظير تصحيح الواو في «رويا» وأمثالها ، فلم تقلب وإن كانت ساكنة وبعدها الياء.

وتقول فيها من «أويت» : «ايووّى». والأصل «ائوووي» فقلبت الهمزة الثانية ياء لانكسار ما قبلها ، وأدغمت الواو الساكنة في الواو المتحرّكة ، وقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. ولم تدغم الياء في الواو ، لأنّ همزة الوصل إذا زالت رجعت الياء إلى أصلها من الهمز نحو «قام فأووّى» ، فصارت نيّة الهمزة مانعة من القلب. ومن رأى التغيير في «اقووّل» رآه هنا فقال «ايويّا».

وتقول في مثل «إوزّة» من «وأيت» : «إيئاة». لأنّ «إوزّة» : «أفعلة» بدليل قولهم «وزّ». والأصل «إوءية» ، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، وقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

وتقول في مثل «إجرد» (1)من «وأيت» : «إي». والأصل «إوئي» ، ثم أبدلت الواو لسكونها وانكسار ما قبلها.



1) الإجرد : بقل له حبّ. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (جرد).

مسائل من المضعّف

تقول في مثل «اغدودن» من رددت : «اردودّ». والأصل «اردودد» ، فنقلت حركة الدال الأولى إلى الساكن قبلها وأدغمت. ولم يمتنع الإدغام لأنه ليس بملحق ؛ ليس في كلامهم مثل «احروجم» ، فيكون هذا ملحقا به.

وتقول فيه من «وددت» : «ايدودّ». والأصل «اوددد» ، فقلبت الواو الأولى ياء بسكونها وانكسار ما قبلها. ثم فعلت به ما فعلت ب- «اردودّ».

وتقول في مضارع «ايدودّ» : «يودودّ». فتردّ الواو ، لزوال الكسرة قبلها.

وتقول في المصدر : «ايد يدادا». فتقلب الواو الأولى ياء ، لانكسار الهمزة قبلها ، وتقلب واو «افعوعل» ياء ، لانكسار الدال تقبلها.


ذكر المسائل المبنية مما لا يجوز التصرّف فيه

تقول في مثل «أترجّة» (1)، إذا بنيته من الهمزة : «أءوءة». والأصل «أوأؤأة» ، فاجتمعت خمس همزات ، فقلبت الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، فحجزت بين الأولى والثالثة ، وقلبت الرابعة أيضا واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، فحجزت بين الثالثة والخامسة. فإن خفّفت الهمزة الثالثة قلت «أووءة» ، ألقيت حركتها على الساكن قبلها وحذفتها.

فإن قيل : فهلّا أبدلت الهمزتين واوين ، وأدغمت الواوين اللتين قبلهما فيهما كما تقول في «مقروءة» : «مقروّة» ، فكنت تقول فيها «أوّوّة»؟.

فالجواب : أنّ الواو في «مقروءة» إنما زيدت للمدّ ، وليست منقلبة عن حرف أصليّ ولا غير أصليّ ، فلا يمكن تحريكها لئلّا تخرج من المدّ الذي جيء بها من أجله ، والواوان في «أوءوءة» لم تزادا للمدّ ، بل هما بدل من حرفين أصليّين وهما الهمزتان ، فاحتملتا الحركة لذلك ، ولم تجريا مجرى ما زيد للمدّ ، كما تحرّكت الواو في «هذا أومّ منك» ، ولم تقل «هذا آمّ منك» فتجري مجرى ألف «فاعل» ، بل حملت الحركة لأنها بدل من حرف أصليّ.

وتقول في مثل «محمرّ» من الواو : «موّو». وأصله «موووو» ، فأدغمت الواو الأولى في الثانية ، وقلبت الرابعة ياء لتطرّفها وانكسار ما قبلها فصار «موّويا».

فإن قال قائل : فهلّا قلبت الواو الثالثة ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؟.

فالجواب : أنّ الذي منع من ذلك ما تقدّم ذكره في التصريف ، من أنّ حرف العلّة إذا كان لاما ثم ضعف فإنّ اللّام الأولى تجري مجرى العين ، والثانية مجرى اللّام ، فكما أنّ العين إذا كانت معتلّة ، واللّام كذلك ، جرت العين مجرى الحرف الصحيح فلم تعتلّ فكذلك اللّام الأولى. ومن كره اجتماع ثلاث واوات أبدل الواو الثالثة ياء ، لأنها أقرب


1) الأترجة : ثمر شجرة معروف. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (ترج).

إلى الطرف ، فسهل تغييرها لذلك أكثر من تغيير غيرها ، فيقول «موّي». ولا تقلب الياء أيضا ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، للعلّة التي تقدّم ذكرها في الواو.

وتقول في مثل «جالينوس» من «أيّوب» : «آويبوب». فأظهرت العين لأنها في القياس واو ، لأنّ «أيّوب» إذا حمل على كلام العرب أشبه ال «عيّوق» فمثاله على هذا «فيعول» ، وهمزته أصل من «آب يؤوب». فلذلك لمّا بنيت منه مثل «جالينوس» أظهرت الواو ، لزوال موجب قلبها ياء ، وهو إدغام ياء «فيعول» الساكنة فيها.

قال أبو عليّ : ويجوز أن تكون العين ياء ساكنة كأنه من «أيب» ، وإن لم تكن في كلام العرب كلمة من همزة وياء وباء ، لأنه لا ينكر أن تأتي في كلام العجم لفظة ، ليس مثلها في اللغة العربية. فإذا بنيت مثل «جالينوس» ، على هذا ، قلت : «آييبوب».

فهذه جملة من المسائل يتدرّب بها المتعلّم ، وله فيها غنية وكفاية.

كمل كتاب التصريف ، والحمد لله حقّ حمده ، وصلّى الله على محمّد نبيّه وعبده ، وعلى عباده الذين اصطفى.


فهرس المحتويات

مقدمة المحقق.................................................................. 5

ترجمة ابن عصفور............................................................... 9

المقدمة...................................................................... 13

[تقسيم التصريف]......................................................... 15

باب تمييز ما يدخله التصريف مما لا يدخله........................................ 16

ذكر القسم الأول من التصريف

باب تبيين الحروف الزوائد والأدلّة التي يتوصّل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها........... 19

باب أبنية الأسماء............................................................. 30

[الثلاثي المجرد]............................................................. 30

[الرباعي المجرد]............................................................ 32

[الخماسي المجرد]........................................................... 35

[الثلاثي المزيد]............................................................ 36

[المزيد فيه حرف واحد]..................................................... 36

[المزيد فيه حرفان].......................................................... 49

[المزيد فيه ثلاثة أحرف]..................................................... 69

[المزيد فيه أربعة أحرف]..................................................... 80

[الرباعي المزيد]............................................................ 81

[المزيد فيه حرف واحد]..................................................... 81

المزيد فيه حرفان............................................................ 86

[المزيد فيه ثلاثة أحرف]..................................................... 90

[الخماسي المزيد]........................................................... 91

باب أبنية الأفعال............................................................. 94

[الماضي الثلاثي]........................................................... 94

المضارع الثلاثي............................................................ 98

[الرباعي]............................................................... 100

ذكر معاني أبنية الأفعال...................................................... 101

حروف الزيادة

حروف الزيادة.............................................................. 113

ذكر الأماكن التي تزاد فيها هذه الحروف......................................... 118

باب اللّام.................................................................. 118

باب الهاء.................................................................. 120

باب السين................................................................. 123

باب الهمزة................................................................. 126

باب الميم.................................................................. 132

باب النون.................................................................. 141

باب التاء.................................................................. 149

باب الألف................................................................ 153

باب الياء.................................................................. 157

باب الواو.................................................................. 160

باب ما يزاد من الحروف في التضعيف........................................... 162

باب التمثيل................................................................ 169

ذكر القسم الثاني

من التصريف الإبدال

[حروف الإبدال]........................................................... 175

[إبدال الهمزة]............................................................ 175

[باب إبدال الهمزة من الألف]................................................. 176

باب إبدال الهمزة من الواو.................................................... 182

باب إبدال الهمزة من الياء.................................................... 187

باب إبدال الهمزة من الهاء.................................................... 190

باب إبدال الهمزة من العين.................................................... 193

باب الجيم................................................................. 194

باب الدال................................................................. 196

باب الطاء................................................................. 198

باب الواو.................................................................. 199

باب الياء.................................................................. 202

باب التاء.................................................................. 210

باب الميم.................................................................. 214

باب النون.................................................................. 216

باب الهاء.................................................................. 217

باب اللّام.................................................................. 220

باب الألف................................................................ 221

[ما لم يذكره سيبويه من حروف الإبدال]........................................ 224

باب القلب والحذف والنقل................................................... 227

[المعتل الفاء]............................................................ 227

[المعتل العين]............................................................ 233

[المعتل اللام]............................................................ 267

[ما اعتل منه أكثر من أصل واحد].......................................... 284

[ما اعتلت جميع أصوله]................................................... 284

[المعتل الفاء واللام]....................................................... 285

[المعتل الفاء والعين]....................................................... 285

المعتل العين واللام......................................................... 288

الرباعي المعتل............................................................ 296

باب أحكام حروف العلّة الزوائد............................................... 300

باب الياء............................................................... 300

باب الواو.................................................................. 303

باب الألف................................................................ 305

باب القلب والحذف على غير قياس............................................ 307

[القلب على غير قياس]................................................... 307

[الحذف على غير قياس].................................................. 309

حذف الهمزة............................................................. 309

حذف الألف............................................................ 310

حذف الواو............................................................. 311

حذف الياء.............................................................. 311

حذف الهاء.............................................................. 312

حذف النون............................................................. 312

حذف الباء.............................................................. 312

حذف الحاء............................................................. 312

حذف الخاء............................................................. 313

حذف الفاء............................................................. 313

حذف الغاء............................................................. 313

باب الإدغام................................................................ 314

ذكر إدغام المثلين............................................................ 315

ذكر إدغام المتقاربين......................................................... 327

تبيين مخارج حروف العربية الأصول............................................. 329

ذكر تقسيمها بالنظر إلى صفاتها............................................... 331

ذكر أحكام حروف الحلق في الإدغام........................................... 335

ذكر حكم حروف الفم في الإدغام............................................. 338

باب [ما أدغمة الفراء على غير قياس].......................................... 352

باب ما قيس من الصحيح على صحيح معتل وما قيس من المعتل على نظيره من الصحيح 356

مسائل من الصحيح......................................................... 359

مسائل من المعتلّ اللام..................................................... 360

مسائل من المعتلّ العين....................................................... 363

مسائل من المعتل الفاء....................................................... 365

مسائل من المعتلّ العين مع اللام............................................... 366

مسائل من المعتل الفاء بالواو واللام بالياء........................................ 370

مسائل من المعتل الفاء بالياء والعين بالواو....................................... 371

مسائل من المهموز........................................................... 372

مسائل من المضعّف.......................................................... 374

ذكر المسائل المبنية مما لا يجوز التصرّف فيه....................................... 375

فهرس المحتويات 377