المجالس الشجیه فی سیره ام البنین التقیه

ghaemiyeh.com

اشارة

‌عنوان و نام پديدآور:المجالس الشجیه فی سیره ام البنین التقیه/مهدی تاج الدین

مشخصات نشر:بی جا - بی نا

مشخصات ظاهری:ص 320

وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی

يادداشت:عربی

موضوع: حضرت ام البنین

اشارة

المجالس الشجیه فی سیره ام البنین التقیه

مهدی تاج الدین

المقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

وَالحمد للّه رب العامين والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمَّد وآله الطَّاهرين، واللَّعنة الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدّين.

وبعد: فإنّ الكتابة عن حياة أهل البيت عليهم السلام ومن يرتبط بهم، ودراسة شخصيّاتهم، وبيان فضائلهم من أعظم مصاديق إحياء شعائر اللّه تعالى، ومن أبرز مصاديق قوله تعالى: وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ‌1 فهم مثال نور اللّه قد ضمتهم بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‌2 فيجب الإشادة بفضل ذواتهم ومقاماتهم.

وفي طليعة هذه الذوات، والّتي ارتبطت بأهل البيت عليهم السلام هي السيّدة الفاضلة أمّ البنين عليها السلام، فاطمة بنت حزام أمّ الشُّهداء الأربعة، والّتي خلد التّاريخ ذكرها إذ تقصد في المهمّات لكونها باب من ابواب الحوائج إلى اللّه تعالى.

وقد ذابت هذه المخدّرة المكرّمة في ولائها لأهل البيت عليهم السلام وتمسّكت بهداهم، واقتدت بآثارهم حتّى صارت من أولياء اللّه المقرّبين عنده وعندهم، فارتفعت إلى أعلى عليّين من خلال سبيل الكمال الذي رسمه اللّه لها ولجميع خلقه، فكانت أمّ البنين عليها السلام من السّابقين في هذا الميدان حتّى صارت ذا جاه عريض عند أهل البيت عليهم السلام وعند بارئهم.

وبالرغم من أ نّها كانت ولا زالت من أبواب اللّه، وأ نّها كانت ولا زالت من أبرز أعلام نساء التاريخ، إلّاأنّ التّاريخ لم يعطها حقّها - كما هو شأنه مع الأبرار - فإنّك لا تكاد تعثر في المصادر عن شيء فيه تفصيل عن حياة هذه الكريمة. عن تاريخ... طفولتها... شبابها... كم هو عمرها يوم دخلت بيت أمير المؤمنين عليه السلام... تفاصيل حياتها مع زوجها ومع أبناء رسول اللّه صلى الله عليه و آله.

فإنّها لا شك كانت زوجة مثاليّة رغم أ نّها لم تكن معصومة كالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ولا ريب أ نّها كانت من أبرز مصاديق «عمّال اللّه في الأرض» وفق روايات أهل البيت عليهم السلام وأدبيّاتهم الخاصَّة بالحياة الزَّوجيَّة... فكيف عاشت مع أمير المؤمنين عليه السلام! وهكذا تفاصيل حياتها مع أبنائها - كأمّ - ربَّت أفضل نموذج يمكن أن يقدّمه القرآن والعترة الطّاهرة من الذرية الصَّالحة....

وكيف عاشت بعد أمير المؤمنين عليه السلام وبعد واقعة الطّف؟!

تغافل المؤرّخون والرّواة عن متابعة تفاصيل حياة امرأة تعدّ لوحدها «أمّة» و «مدرسة» متكاملة للأجيال، وخاضوا في جزئيات حياة حفنة من السفلة والأوغاد... ولعلّ من جملة الأسباب الكامنة وراء ذلك.

أ نّها كانت زوجة أمير المؤمنين عليه السلام، وما حمل التّاريخ من الضغائن ضدّ هذا البيت المبارك ومحو آثارهم، والإنقلاب الّذي حصل عليهم بعد شهادة رسول اللّه صلى الله عليه و آله، وقتلهم بضعته الصديقة فاطمة عليها السلام بعد كسر ضلعها، واسقاط جنينها، وحرق دارها، حتى لحقت بأبيها صلى الله عليه و آله، وغصبهم لخلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام بلا فصل بعد النبي صلى الله عليه و آله.

فإنّ أمّ البنين عليها السلام عاشت في ظلّ هكذا بيت ظُلم من قبل بعض الصحابة، ومن ثمّ عاشت في بيت ضمّ الحسن والحسين وزينب عليهم السلام، الّذي قال عنهم النبي صلى الله عليه و آله: «ستنزل عليكم المصائب كقطع اللّيل المظلم فعليكم بالصبر» وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وكأني بكم وقد خرجت عليكم الفتن من ههنا وههنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة»(1)

البحار: 17/32 و 292/42.

.

فلهذه الأسباب قد تغافل المؤرِّخون عن هذه السيِّدة الجليلة، وغيرها من اتباع أهل البيت عليهم السلام فقد كانت أم البنين عليها السلام، من المخدّرات المستورات فهي الفتاة المهذَّبة في بيت أبيها، وهي الزَّوجة المطيعة في بيت بعلها، هي الخادمة العطوفة لأبناء فاطمة عليها السلام، هي الأمّ المربّية النّاجحة لأولادها، هي الحنان والإخلاص والإيثار والأخلاق كلّها،


1) (1)

هي الحياء والعفاف والحجاب والوفاء والثّبات والمعاني التربويَّة جميعها. وأرجوا من اللّه تعالى أن يتقبَّل هذا الجهد بأحسن القبول وأن يوفّقني لخدمة أهل البيت عليهم السلام ولنشر معالمهم وآثارهم ببركة هذه السيِّدة الجليلة، وأن تنظر إليّ نظرة حبّ وولاء.

وقد كتبتُ هذه المحاضرات وقدّمتها للطّبع قربة إلى اللّه تعالى لتكون ذخيرة لآخرتي إن شاء اللّه تعالى، واستجابةً لطلب بعض المؤمنين عسى أن يتفضل اللّه عليَّ بالقبول بفضله وكرمه إنّه واسع كريم.

هذا.. وقد جرت العادة أن يُهدي المؤلّف كتابه إلى أحد شخصيَّات العصر وعظماء الزمن، وإنّني لا أعلم أحداً أفضل وأعظم من سيّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه الشريف وإلى أمّه فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها، فإليك يا بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبضعته الطّاهرة، وإليك يا بقيَّة اللّه في أرضه وحجَّته على خلقه.

يا خاتم الأوصياء، أيّها المنتقم لدم جدّك سيّد الشهداء، ويا فاطمة الزهراء عليها السلام، إليكما أهدي هذه الصفحات المتعلّقة بأمّ البنين عليها السلام فاطمة بنت حزام، باب الحوائج إلى اللّه فتقبّلوا منّي هذه البضاعة المزجاة وتصدّقوا علينا إنّ اللّه يجزي المتصدّقين.

مهدي تاج الدين

11 / ذي القعدة / 1431 هجري

قم المقدّسة

زيارة السيّدة أمّ البنين عليها السلام

هذه الزيارة مأخوذة من زيارة أبي الفضل العبّاس عليه السلام

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أَشهَدُ أَن لا إلهَ إلّااللّه وَحدَهُ لا شَرِيك لَهُ، وَأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّدَاً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللّه، السَّلامُ عَلَيكَ يَا أَمِيرَ الُمؤمِنين، السَّلامُ عَلَيكِ يَا فَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِين، السَّلامُ عَلَى الحَسَنِ وَالحُسَينِ سَيِّدي شَبَابِ أَهلِ الجَنَّة، السَّلامُ عَلَيكِ يَا زَوجَةَ وَصِيِّ رَسَولِ اللّه، السَّلامُ عَلَيكِ يَا عَزِيزَةَ الزَّهرَاءِ عَلَيهَا السَّلام، السَّلامُ عَلَيكِ يَا أُمَّ البُدُورِ السَّوَاطِع فَاطِمَةَ بِنت حزَام الكلابيّة المُكنّاة ب (أُمِّ البَنِين) وَرَحمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ.

أُشهِدُ اللّهَ وَرَسُولَهُ أَنَّك جَاهَدتِ في سَبِيلِ اللّهِ، إِذ ضَحّيتِ بِأَولَادِك دُونَ الحُسَين ابنِ بِنتِ رَسُولِ اللّه، وَعَبَدتِ اللّهَ مُخلِصَةً لَهُ الدِّين بِوِلائِكِ لِلأَئِمَّةِ المَعصُومِين، وَصَبَرتِ عَلَى تِلك الرَزيَّةِ العَظِيمَةِ، وَاحتَسَبتِ ذَلِك عِندَ اللّهِ رَبِّ العَالَمين، وَآزَرتِ الإمَامَ عَلىَّ بن أبي

طالِبِ عليه السلام في المِحَنِ وَالشَّدَائِدِ وَالمَصَائِب، وَكُنتِ في قِمَّةِ الطَّاعَةِ وَالوَفَاء، وَأنَّك أَحسَنتِ الكَفَالَةَ، وَأَدَّيتِ الأَمَانَةَ الكُبرى في حِفظِ وَديعَتَي الزَّهرَاء البَتُول عليها السلام، السِبطينِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ عليهما السلام، وَبَالَغتِ وَآثَرتِ وَرَعَيتِ حُجَجَ اللّهِ المَيَامِينَ وَسَعَيتِ في خِدمَةِ أَبنَاء رَسُولِ رَبِّ العَالَمين، عَارِفَةً بِحَقِّهِم، مُؤقِنَةً بِصِدقِهِم، مُشفِقَةً عَلَيهِم، مُؤثِرَةً هَوَاهُم وَحُبُّهُم عَلَى أَولَادك السُّعَدَاء.

فَسَلامُ اللّهِ عَلَيكِ كُلّمَا دَجَنَ الَّليلُ وَأَضَاءَ النَّهَارُ، فَصِرتِ قدوَةً لِلمُؤمِنَاتِ الصَّالِحَاتِ لأَنَّك كَرِيمَةُ الخَلائِق تَقيَّةً زَكِيَّةً، فَرَضِيَ اللّهُ عَنكِ وَأَرضَاكِ، وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَنزِلَك وَمَأواك، وَلَقَد أَعطَاكِ اللّهُ مِنَ الكَرَامَاتِ البَاهِرَاتِ حَتَّى أَصبَحتِ بِطَاعَتكِ لسيِّدِ الأَوصِيَاء وَبِحُبّكِ لِسَيِّدَة النِّسَاء الزَّهرَاءِ عليها السلام، وَفِدَائك بِأَولادكِ الأَربَعَة لِسَيِّدِ الشُّهَدَاءِ عليه السلام، بَابَاً لِلحَوَائِج، فَإنَّ لَك عِندَ اللهِ شَأنَاً وَجَاهَاً مَحمُودَاً.

وَالسَّلامُ عَلَى أَولادِك الشُّهَدَاء العَبَّاسِ عليه السلام قَمَرُ بَنِي هَاشِم بَاب الحَوَائِج، وَعَبد اللّه، وَعُثمَان وَجَعفَر عليهم السلام الَّذِينَ استُشهِدُوا في نُصرَةِ الحُسَينِ عليه السلام بِكَربَلاء، فَجَزَاكِ اللّهُ وَأجزَاهُم أَفضَلَ الجَزاءِ في جَنّاتِ النَعيم، اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ عَدَدَ الخَلائِقِ الّتي حَصرُهَا لا يُحتَسَبُ أو يُعَدُّ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا يَا كَريم.

«وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرِين»

تقريظ‌

كتاب (مجالس عن حياة أم البنين عليها السلام) للعلّامة الخطيب الشيخ مهدي تاج الدين أيَّدَه اللّه، والنظم لشاعر أهلِ البيت الشيخ سلطان علي الصّابري الحائري غفر اللّه لهما.

لِتاجِ الدِّينِ فِي طولِ السِّنِينِ صُراخٌ فِي (المَجالِس) وَالأَنِينِ

فَتُعْقَدُ عَنْ أسَى فَقْدٍ وَوَجْدٍ لِمَنْ تُدْعى سِماً أُمُّ البَنِينِ

وَتِلْكَ لَمْ تَكُنْ إلّاكَ سِفْرٌ ثَمِيْنٌ ذا فَأكْرِمْ بالثمِينِ

تَرَشَّحَ مِنْ أنامِلِ خَيْرِ شَهْمٍ لِذِكْرى فآطِمٍ أُمٍّ حَنِينٍ

فَأَرِّخْ سِفْرَ تاجِ الدِّيْنِ (وَابْكِ غُموماً مَجْلِسَ أُمِّ الْبَنِينِ

28 + 1087 + 133 + 184

1431 الهجري(1)

لشاعر أهل البيت الشيخ سلطان الحائري الصابري (حفظه اللّه).


1) (1)

المجلس الأول: حول نسب أم البنين عليها السلام وولادتها

في مولد أم البنين عليها السلام

فاطمة أم البنين الأربعة خير بنات عامر ابن صعصعة

زوج أمير المؤمنين المرتضى ومن به نالت من اللّه الرضى

والدة العباس خير من وفى للمرتضى وولده والمصطفى

حازت من الفضائل الكثيرة ما قصرت عنه ذوو البصيرة

تفرعت من أغصن الكرامة والتحقت بمنبع الإمامة

آباؤها أشرف سادات العرب وزوجها من خرق السبع الحجب

سيدة من سادة النساء حبيبة للبضعة الزهراء

وقد رآها قبل يوم المولد والدها في النوم درّاً في اليد

وجاءه البشير في المنام يخبر عن كريمة الكرام

يوصي بهذي الدرّة الثمينة توضع في كفِّ يدٍ أمينة

واستقبل الأحباب تلك الدرّة بالبُشرِ والأفراح والمسرّة

ترعرعت في أحضن الأشراف بالعلم والأدب والأعراف

قد غرقت من العلوم السالفة فأصبحت من العلوم عارفة

حتى إذا ما بلغت في العمر مبالغ النسا بذاك العصر

واشتهرت بالعلم والعفاف سلالة الأكارم الأشراف

اختارها سيد خلق الباري بعد النبي المصطفى المختار

قرينةً له بهذا الكون فمن يكون مثلها في الصون

فبارك اللّه لك من زوجة أدخلتِ في قلب الرسولِ البهجة

خدَمتِ أولاد الرسول المصطفى وكنت للوصي خير من وفى

علّمتِ أولادك حبّ الزهرا فكان في غدٍ إليهم ذخراً

هنأك اللّه بهذي الرتبة وما حباك اللّه من محبة

وقد أقمنا لك هذا المحفلا في ليلة الميلاد حتى نحصلا

شفاعةً من فاطم الزهراء تنفع في السرّاء والضرّاء

فيا حبيبة البتول الزهرا ألا اذكريني عند هذي الحورا

فأنني في حاجةٍ إليها يوم اللّقى فالملتجا إليها

يا ربنا صلّ على البتول والمصطفى والدها الرسول

وبعلها والحسنين النجبا والتسعة الغرِّ الكرامِ نسبا(1)

لشاعر أهل البيت عليهم السلام إبراهيم عبد اللّه الدبوس.



1) (1)

قصيدة أُخرى

اشارة

أمُّ البنين عليها اللهُ قد سَدلا جلباب فضلٍ به جبريلُ قد نَزلا

تجلببتْ فاطِمٌ جلبابَ خالِقِها لمّا استقرّت ببيتِ آلُهُ فُضِلا

عاشت مكرَّمةً في بيت حيدرَةٍ كما يعيشُ الذي للخلد قد وَصَلا

أضحت تربّي بني الزهراءِ تخدِمُهُم كالأمِّ صارّت لهم أنعِمْ بها مثَلا

واستأثرتْ اسمَها أكرِمْ بما نطقت (أم البنين أنا لا أرتضي بدلا)

اسمي يُهيجُ عليهم حُزنَ أُمِّهِمُ إن قيل فاطِمُ قال الدَّمعُ حَيَّ على

فلا أحبُّ بأنْ تبكي لهم مقلٌ ولا أحبُّ لهذا الحزنِ أن يَصِلا

أمُّ البنينِ أنا والكلُّ يعرفُني في كُنيتي نبأً بالغيبِ مُتَّصلا

أمُّ البنينِ أنا واللّهُ أيّدني بأنجُمٍ نورُها تاللّه ما أفلا

علّمتهم حبَّ أهلِ البيتِ في صِغَرٍ فاستعصموا بالوِلا و القَصدُ قد حَصُلا

قد قدّموا النفسَ في مرضاةِ خالقهم فالبذلُ شيمتهم، أعظم بما بذلا

واسترخصواالروحَ في‌إنقاذِ سيّدهم أعني الحسينَ ولكن بالظما قتلا

يا ليتني قد طواني الموتُ قبلهمُ ولا سمعت بناعي الطفّ قد دخلا

إلى المدينة ينعى وهو منتحباً يا أهل يثرب عنكم عزّكم رحلا(1)

للشاعر عقيل اللواتي.



1) (1)

قال اللّه الحكيم في محكم كتاب الكريم

بسم اللّه الرحمن الرحيم

يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ‌1 .

(صدق اللّه العلي العظيم)

من هي أم البنين عليها السلام

للإجابة عن هذا السؤال نقول هي: فاطمة بنت حزام بنت خالد بن ربيعة بن عامر بن كلاب بن عامر بن صعصعة(1)الكلابية العامريّة زوجة وصي رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأُم العباس واخوته عليهم السلام شهداء كربلا.

أُمها: ثمامة(2)وقيل ليلى(3)بنت السهيل بن عامر بن مالك بن أبي براء عامر بن ملاعب الأسنّة ولُقّب أبو براء وهو جدُّ أم البنين عليه السلام بملاعب الأسنة لشجاعته في الحروب حتى قال لبيد بن ربيعة فيه وفي أجداد أُم البنين ملك الحيرة:


1) (2) تنقيح المقال للمامقاني: 70/3 باب الكنى، عمدة الطالب: 256، أعلام النساء المؤمنات‌لمحمد حسون.

2) (3) مقاتل الطالبين: 82، ابصار العين: 25، أدب الطف: 72/1.

3) (4) عمدة الطالب: 356، أعلام النساء للأعلمي.

نحن بني أم البنين الأربعة الضاربون الهام وسط المجمعة

والمطعمون الجفنة المدعدعة ونحن خير عامر بن صعصعة

ولبيد بن ربيعة هو عم أم البنين عليها السلام وأخو حزام وقد أرسله أبو براء لاعب الأسنة إلى النبي صلى الله عليه و آله مع هديّة لشفائه حيث صار به مرض الاستسقاء(1)

وهو الذي يشرب الماء كثيراً ولا يرتوي.

فلم يقبلها النبي صلى الله عليه و آله لأنّه لم يقبل هدية مشرك، ثم أخذ النبي صلى الله عليه و آله جثوة (التراب المجتمع) من الأرض فتفل عليها، وقال للُبَيد دفها بماء (اخلطها) ثم اسقها إياه، فاخذها متعجبا يرى انه قد استُهزء به فشربها أبو براء فاُطلق وشوفي من مرضه(2).

وأما لُبيد بن ربيعة وهو الشاعر المعروف عمّ أم البنين عليها السلام فقد مدحه النبي صلى الله عليه و آله لبيت شعرٍ قالها في حق اللّه تعالى قال صلى الله عليه و آله: «اصدق كلمة قالتها العرب كلمة لُبَيد» وهي:

ألا كُلُ شيءٍ ما سوى اللّهِ باطلُ وكلُ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ‌(3)

وكان يعد من فحول الشعراء منذ أسلَمَ وقال: ما كنتُ لأقول شعراً وقد علمني اللّه تعالى سورة البقرة وآل عمران.


1) (1)

2) (2) أُم البنين رمز التضحية والفداء: 21، أدب الطف: 72/1.

3) (3) مصباح الشريعة: 60.

بشائر ولادتها عليها السلام

يروى أن حزام بن خالد بن ربيعة كان في سفر له مع جماعة من بني كلاب، وبينما هو نائم في ليلة من الليالي، فرأى نفسه كأنه جالس في أرض خصبة، وقد انعزل في ناحية عن جماعته وبيده دُرَّة يقلّبها وهو متعجب من حسنها ورونقها.

وإذا به يرى رجلاً فارساً قد أقبل إليه من صدر البرية، على فرس له فلما وصل إليه سلَّم عليه فرد حزام السلام عليه ثم قال له الفارس بكم تبيع هذه الدُرّة؟ وقد رآها في يده فقال له حزام: إني لم أعرف قيمتها حتى أقول لك ولكن بكم تشتريها؟

فقال له الفارس: وأنا كذلك لا أعرف ولكن اقترح عليك ان تهديها إلى من هو جدير بأن يُهدى إليه وحقيق بأن يُتحف بها، وأنا اضمن لك بشيء هو أغلى من الدراهم والدنانير، فقال له حزام: وما هو ذلك الشيء الأغلى من الدراهم والدنانير؟

قال أضمن لك الحظوة عنده والزلفى لديه والشرف والسؤدد أبد الآبدين، فقال حزام: أتضمن لي بذلك؟

قال الفارس وبكل صلابة: نعم أضمن لك ذلك.

فقال حزام: وتكون أنت الواسطة والكفيل أيضاً في ذلك!!

قال الفارس: وأكون أنا الواسطة أعطني إياها فأعطاه حزام إياها وفوّضه في أمرها. فلمّا انتبه حزام من نومه قص رؤياه على جماعته ومن كان معه من قومه، وطلب تأويلها.

فقال له أحدهم: إن صدقت رؤياك فإنك ترزق بنتاً ويخطبها منك أحد العظماء وتنال عنده بسببها القربى والشرف والسؤدد.

فلما رجع حزام من سفره، وكانت زوجته ثمامة بنت سهيل حاملاً بفاطمة أم البنين عليها السلام وصادق عند قدوم زوجها من سفره كانت قد وضعت بها فبشروه بذلك فتهلل وجهه فرحاً بذلك.

وقال في نفسه قد صدقت الرؤيا، فقيل له ما نسميها؟ فقال لهم سموها: (فاطمة) وكنوها: (أم البنين).

ثمّ نشأت الوليدة نشأة صالحة في أحضان أمّها ثمامة، وعلى يدي أبيها حزام، وتأدّبت في بيت الوالدين بآداب العرب، وأخلاق الصّالحين الأبرار، وشِيم النبلاء الأحرار، حتّى بلغت مبلغاً لائقاً تأهّلت به للزواج، وتمكّنت من إدارة الشؤون البيتيّة والعائليّة، وذلك بعد أن إرتفعت إلى مستوى عال من الأدب والكمال، بحيث إستطاعت عبره لأن تكون زوجة لأشرف خلق اللّه تعالى بعد الرسول صلى الله عليه و آله وأُمّاً لذريّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله(1)

أُم البنين سيرتها وكراماتها: 45، الخصائص العباسية للكلباسي: 26.

.

1) (1)

تاريخ ولادتها عليها السلام

مما يؤسف له أن التاريخ قد تنكر لهذه المرأة العظيمة، ففي الوقت الذي يحصي لنا صغائر الأمور وتوافهها من مجالس اللهو والطرب في دولة بني أمية وبني العباس، حتى لون قلادة ذلك القرد، وشسع نعل تلك المومسة، ومُواء قطٍّ في ذلك البلاط، وغير ذلك مما لا يُذكر حياءً أو ليس أهلاً أن يذكر.

نجد حياة هذه المرأة الجليلة مطموسة مغمورة، فأين أيام هذه المرأة المعجزة التي تكللت بالقيم والمثل العليا، أين مواقفها الكريمة؟ أين مواعظها؟ أين علمها؟ أين بطولاتها؟ أين جهادها؟ أين صبرها؟ أين أيامها التي قضتها في بيت الإمامة؟ أين إحياؤها الليل بالعبادة والمناجاة؟ وأين... وأين؟.

يصل الأمر إلى أن لا نجد في صفحات التاريخ ما يثبت حتى يوم ولادتها.

إنه لأمر مؤلم حقاً، ولكن لئن طمس الظالمون ذكرها عقاباً وتحاملاً عليها لولائها لأهل بيت العصمة عليهم السلام الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و يطهرهم تطهيرا، فقد قيض اللّه لها من يذوب في حبها، وولائها والذود عنها، والبحث عن مناقبها وفضائلها تحت كل حجر ومدر.

ومهما يكن من أمر فإنه يمكننا أن نعرف زمان ولادة أم البنين عليها السلام

بلحاظ زمان ولادة ولدها الأكبر قمر العشيرة أبي الفضل العباس بن علي عليه السلام، فقد كانت ولادته على ما أثبتها المؤرخون في السنة السادسة والعشرين من الهجرة النبوية.

وكان عمره الشريف يوم شهادته في كربلا (34) سنة كما عن أعلام الورى للطبرسي وهو المشهور، وإن ذكر بعضهم أن عمره يوم عاشوراء كان (38)(1)

السيّدة أُم البنين سيرتها وكراماتها (للشيخ أشرف الزهيري الجعفري): 47 عن نساء حول أهل البيت: 116.

سنة مع العلم أن تاريخ واقعة الطف سنة (61 ه).

كذلك بالاعتماد على ما يظهر من كلام عقيل بن أبي طالب لأخيه أميرالمؤمنين عليه السلام: «أين أنت من فاطمة بنت حزام»، وكذلك عقيب قول الإمام لأخيه عقيل «ابغني امرأة ولدتها الفحول من العرب» حيث يظهر أنها كانت في سن النضج الجنسي وبلوغ الرشد الذي يجعلها صالحة لأن تكون زوجة لأمير المؤمنين عليه السلام أو غيره، فلو كانت دون الخامسة عشرة من عمرها مثلاً فإنه يبعد أن يذكرها (عقيل) وهو العالم في الأنساب والأعراف من غيره بمن هي أصلح لتكون زوجة لأخيه عليه السلام من حيث العمر والكفاءة كما لا يمكن أن يكون زواجها من أمير المؤمنين عليه السلام بعد السنة السادسة والعشرين من الهجرة النبوية على كل الاحتمالات لأن ولادة ولدها العباس عليه السلام كانت سنة (26 ه) على القول المشهور وسنة


1) (1)

(23 ه) بناء على القول الثاني وهو أن عمره عليه السلام يوم شهادته (38) سنة.

كما أن نضوج الفتاة الجنسي وبلوغها سن الرشد يختلف من زمان إلى آخر وطبيعة المجتمع والبيئة التي تعيش فيهما الفتاة لهما الأثر في نضوجها الجنسي وبلوغها سن الرشد، وبحسب الدراسة لطبيعة مجتمع وأسرة وبيئة السيّدة أم البنين عليها السلام وموقعها الاجتماعي الذي يجعل من المستبعد أن تظل إلى سن الثالثة أو الرابعة والعشرين بلا زواج من حيث هي، وإلى سن الخامسة والعشرين بلا زواج من حيث عمر ولدها العباس يوم شهادته (34) سنة.

نُرجّح على نحو التقريب أن يكون عمرها يوم زواجها بعلي عليه السلام كان بين (17-21) سنة وحسب العادة أن يكون الولد البكر بعد الزواج بحدود السنة الواحدة ما لم تكن هناك عوارض فيكون عمرها يوم ولادة ولدها العباس عليه السلام بين (18-22) سنة وبلحاظ ما ذكرنا من زمان ولادة العباس عليه السلام سنة (26 ه) وأن عمره (34) سنة يوم شهادته سنة (61 ه) نستنتج أن ولادتها عليها السلام تقع بين (5-9 ه) تقريباً نعم هناك من يقول: بأن عمر السيّدة أم البنين يوم كربلاء أي في زمان واقعة الطف كان قرابة خمس وخمسين سنة(1)

أُم‌البنين سيرتها وكرامتها: 48 للشيخ أشرف‌الزهيري عن نساء حول أهل‌البيت عليهم السلام: 116.

على أكثر التقارير وبهذا القول يكون زمان ولادتها في السنة السادسة من الهجرة الشريفة.

1) (1)

كما ذكر السيّد محمد الأشيقر في كتابه (العباس رجل العقيدة والجهاد) قائلاً:

لقد ولدت فاطمة أم البنين عام (5 ه) في أصح الأقوال أي أنها تصغر بسنة واحدة عن عمر الإمام الحسين عليه السلام لكنه لم يشر إلى مصدر قوله هذا، وهل له مستند أم لا، وإن كان يظهر العدم خصوصاً مع تعبيره بكلمة (في حدود). والأمر سهل.

منزلتها وشأنها عليها السلام

تربت السيّدة أم البنين في أسرة عريقة شريفة من أجلّ الأسر منزلة وأعلاها شرفاً وأجمعها للمآثر الكريمة والخصال الحميدة التي تفتخر بها سادات العرب، كالجود والكرم والشجاعة والفصاحة والحمية والإباء، ومكارم الأخلاق ومحامد الخصال من العفة والطهارة والنبل والكرم وأمثالها، ونشأت على الإيمان والزهد والتقوى، فكانت تقية متورعة، عفيفة النفس، لينة الجانب فبوركت لها تلك النشأة وهنيئاً لها تلك التربية.

يقول الشهيد الأول الفقيه الورع محمد بن مكي العاملي صاحب (اللمعة الدمشقية):

«كانت أم‌البنين من‌النساء الفاضلات، العارفات بحق أهل البيت عليهم السلام

مخلصة في ولائهم، ممحضه في مودتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحل الرفيع».

وقال سيد محسن الأمين في أعيان الشيعة أنها «شاعرة فصيحة وهي من بيت عريق في العروبه والشجاعة»(1)

أعيان الشيعة: 389/8.

.

ويقول النقدي في كتابه زينب الكبرى عند ذكره لأم البنين «كانت من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت عليهم السلام كما كانت فصيحه بليغة، لسنة ورعة ذات تقى وزهد وعبادة، ولإكبارها وجلالتها زارتها زينب الكبرى بعد منصرفها من واقعة الطف»(2).

أولادها الأربعة عليهم السلام

اتفقت الكلمة في المراجع والمصادر على أنّ أولاد أمير المؤمنين عليه السلام من السيّدة الجليلة أمّ البنين أربعة كلّهم ذكور، وقالوا كما في سر السلسلة العلويّة (: 88) أ نه عليه السلام لم يعقّب من فهرية بعد فاطمة (الزهراء عليها السلام) إلّامنها، فقد رزقت السيّدة أم البنين عليها السلام أربعة أولاد ذكوراً استشهدوا جميعاً في معركة الطف الدامية ذوداً عن الدين بين يدي أخيهم سيد الشهداء أبي عبداللّه الحسين عليه السلام وهم:


1) (1)

2) (2) زينب الكبرى: 88.

1 - العباس بن علي عليه السلام:

ويعرف ب (العباس الأكبر) لأن لأمير المؤمنين عليه السلام ولداً آخر باسم العباس الأصغر وأمه الصهباء التغلبية كما في عمدة الطالب وقد استشهد يوم العاشر من المحرم وأما العباس الأكبر عليه السلام فهو أول مولود للسيّدة أم البنين عليها السلام، كانت ولادته يوم الجمعة الرابع من شعبان في السنة السادسة والعشرين للهجرة.

فكان عندها أعز من الحياة، وكانت تخاف عليه، وتخشى من أعين الحساد أن تصيبه وكانت باللّه وتقول هذه الأبيات:

أعيذهُ بالواحدِ من عينِ كلِ حاسدٍ

قائمهِم والقاعدِ مسلمهِم والجاحدِ

صادرِهم والواردِ مولدهِم والوالدِ

سماه أبوه (عباساً) وهو من أسماء الأسد ويعني الأسد الضاري لما قد أحاط به علماً من غامض القضاء ولشجاعته وصولته في الحروب قال الشاعر:

عبست وجوهُ القومِ خوفَ الموتِ والعباسُ فيهم ضاحك متبسمُ

قلبَ اليمينَ عن الشمالِ وغاصَ في الأوساطِ يَحصدُ للرؤوسِ ويَحطِمُ

وكنيته المشهورة «أبوالفضل» وألقابه كثيرة منها قمر بني هاشم، وبطل العلقمي، وباب الحوائج، وساقي العطاشى.

ولقد عُرف بشدة تواضعه لأخيه الإمام الحسين عليه السلام فكان يمرّغ خديه ورأسه بين يدي أخيه الإمام الحسين عليه السلام وكان إذا خاطبه لا يقول يا أخي بل يقول: «يا سيدي يابن رسول اللّه».

ولقد سطر أبوالفضل العباس أروع الدروس في المواساة لأخيه الإمام الحسين عليه السلام، منها امتناعه عن شرب الماء وأخوه الحسين عطشان، رغم شدة عطشه، ووصوله إلى الماء، وتحسس برده بيده، حتى سقط صريعاً بجنب المشرعة.

فأكبَ منحنياً عليه ودمعُهُ صَبَغَ البسيطَ كأنما هو عندَمُ

قد رامَ يلثُمَه فلم يَرَ موضعاً لم يُدمِه عضُّ السلاحِ فيلثَمُ

نادى وقد ملأ البوادي صيحةً صُمُّ الصخورِ لهولها تَتَألمُ

أَأُخيَّ يُهنيك النعيم ولم أخلْ ترضى بأن أُرزى وأنت مُنعَّمُ

أَأُخيَّ مَن يحمي بنات محمد ان صرن يستنصرن من لا يرحمُ


2 - عبداللّه بن علي عليه السلام:

ويكنى بأبي محمد وهو ثاني مولود للسيّدة أم البنين عليها السلام، عاش مع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ست سنين وكان عمره يوم الطف كما ذكر المؤرخون

خمساً وعشرين سنة أي بينه وبين أخيه العباس قرابة تسع سنين، ولعبد اللّه هذا موقف بطولي خالد يوم الطف فلقد تقدم للقتال وهو يقول:

أنا ابن ذي النجدة والإفضال ذاك عليُ الخير في الأفعالِ

سيفُ رسولِ اللّه ذو الفصالِ في كلِ يومٍ ظاهرِ الأهوالِ


فشدّ عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فضربه بالسيف على رأسه، فسقط شهيداً، وفي زيارة الناحية المنسوبة لإمامنا الحجة عجل اللّه تعالى فرجه الشريف بيان لهذا الموقف البطولي:

«السلام على عبد اللّه ابن أمير المؤمنين مبلي البلاء، والمنادي بالولاء، في عرصة كربلاء، والمضروب مقبلاً ومدبراً».

ويتضح من قول الإمام عجل اللّه تعالى فرجه الشريف (مبلي البلاء) تلك الشجاعة العظيمة والتضحية الكبيرة والبسالة الحيدرية التي قدّمها، كما يتضح من قول الإمام عجل اللّه تعالى فرجه الشريف «المضروب مقبلاً ومدبراً» إحاطة العساكر به وتعاونهم على قتله لما تعسّر أن يقاتلوه من جهة واحدة.

3 - عثمان بن علي او عبد الرحمن بن علي عليه السلام:

وهو ثالث مولود للسيّدة أم البنين عليها السلام، ولد بعد أخيه عبداللّه بسنتين، وفي مقاتل الطالبيين بأربع سنين وعمره يوم‌الطف ثلاث وعشرون سنة، وفي مقاتل الطالبيين واحد وعشرون سنة.

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة (243/9) أن اسمه عبد الرحمن وليس عثمان، وعلى فرض أن هذا اسمه فلما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من انه قال [على فرض صحة الرواية]: «إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون»(1)

مقاتل الطالبيين: 83 عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إنما سميته عثمان باسم أخي عثمان بن مظعون.

.

وله موقف بطولي خالد يوم الطف حيث تقدم إلى الميدان وهو يرتجز ويقول:

إني أنا عثمانُ ذو المفاخرِ شيخي عليٌّ ذو الفعال الطاهرِ

أخي حسينٌ خيرةُ الأخاير وسيدُ الكبارِ والأصاغِرِ

بعد الرسول والوصي الناصر

فرماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم وقع في جبينه فأضعفه حتى سقط عن فرسه إلى الأرض، فجاءه رجل من بني أبان بن دارم فاحتز رأسه الشريف.

4 - جعفر بن علي عليه السلام:

ويكنى بابي عبداللّه، وهو المولود الرابع للسيّدة أم البنين عليها السلام وآخر أولادها ولد بعد أخيه عبدالرحمن أو عثمان بنحو سنتين وكان يوم الطف ابن إحدى وعشرين سنة على الأكثر وفي مقاتل الطالبيين ابن تسع عشرة سنة.


1) (1)

وبطولته العظيمة يوم الطف تتجلى من خلال زيارة إمامنا الحجة عجل اللّه تعالى فرجه الشريف له:

«السلام على جعفر ابن أمير المؤمنين الصابر بنفسه محتسباً، والنائي عن الأوطان مغترباً، المستسلم للقتال، المستقدم للنزال، المكثور بالرجال».

ويوم تقدم إلى معسكر الأعداء أخذ يرتجز ويقول:

إني أنا جعفرُ ذو المعالي ابنُ علي الخير ذي النزالِ

حسبي بعمي شرفاً وخالي أحمي حُسيناً ذا النِدى المِفضالِ

فرماه خولي بن يزيد الاصبحي وقيل هاني بن ثبيت الحضرمي فأصاب شقيقته أو عينه فقتله.

سمّاه أبوه باسم جعفر بن أبي طالب المعروف (بالطيار):

وهكذا حفظ الأولاد الأبطال يقدمهم أخوهم قمر العشيرة وصية أبيهم أمير المؤمنين عليه السلام، وأمهم المبجلة الصابرة أم البنين عليها السلام، في أخيهم الإمام الحسين عليه السلام، فكانوا كما وصفهم أهل البصائر (أمراء العساكر وخطباء المنابر).

نفوسٌ أبتْ إلّاتِراث أبيهم فهم بين موتورٍ لذاك وواترِ

لقد ألفتْ أرواحهم حومةَ الوغى كما أنستْ أقدامهُم بالمنابر


فوارسٌ من عليا قريش تسلموا من المجد صعباً ظهره ليس يُركَبُ

أتوا في‌العُلا ماليس يدري‌فأغربت معاني الثنافي مجدهم حيث غربوا(1)

أُم البنين سيرتها وكرامتها (للشيخ أشرف الزهيري الجعفري): 73-81.


مدائح في ولادتها وأولادها عليهم السلام

بُورِك حقّاً مولدُ أمِّ البنين فاطمةَ الملجأ للمؤمنين

في الشدة لشخصها نوول وشأنُها يٌحيّرُ العقولُ

وما عساي وعسا غيريَ أنْ يَذكُرَ ما لها بِسِرٍّ وعَلَنْ

مِن الوفاء لذو النبوه ومن بنيها الغُرِّ في الفتوّه

مرفوعةَ الراس أمام الزهرا بصبرها هناك تُعطَى الاجرا


ناهيك عن مولدِ الفحل العباسْ شبلِ عليِّ المجدِ صاحبِ الباسْ

هو الفتى نجلُ الفتى هو القمرْ يطيب مهما ذِكرُهُ العاطِرُ مرْ

سَرَّ أباهُ والحُسينَ والحسَنْ رمزُ البطولاتِ على مَرِّ الزمَنْ

وابتهجت أُمّهُ امُّ البنينْ ازكى تهانينا لهم اجمعين

موقِفهُ في الطف مثلَ الشّمسِ حيثُ فدا إمامَه بالنّفسِ

نَفديه ما اكرَمهُ على اللهْ بابَ الحوائجِ غدا وذا جاه


1) (1)

ربَّنا باركه لنا بالهَنا مُحققاً للمؤمنينَ المُنى

مِسك الختامِ وبكلِّ الأوقاتِ الصلواتُ وبأعلَى الأصوات(1)

لشاعر أهل البيت والخطيب الحجة الشيخ محمد محسن النجفي الفاضلي حفظه اللّه تعالى.


هو بابُ الحسينِ ما خاب يوماً وافد جاء لائذاً في حماه

انه بابُ حطّةٍ ليس بخشى كل هولٍ مستمسك في عراه

قف به داعيا وفيه توسل فيه المرء يستجاب دعاه


أباالفضلِ انتَ البابُ للسبطِ مثلَ ما ابوك عليٌّ كان باباً لأحمَدا



1) (1)

المجلس الثاني: حول زواج أم البنين عليها السلام

اشارة

أُمُّ البنينِ زوجُ مولانا علي ناهيكُمو عن ذلك الفضلِ الجلي

أمُّ أبِ الفضل فَتى الطفِّ القَمَرْ كذا اشقّاه الثلاثَةُ الغُرَرْ

بها إلى اللَّهِ توسّل كي تنلْ كلَّ الذي ترجو وتحظى بالأملْ

تلك التي مثّلَتِ المودّة في آل طه في الرَّخا والشدّة

مَن للَّه صبرُها بيوم أقبَلْ ناعي الحسينِ والدّموعَ أسبلْ

تسأَلُه كأنّها لم تَسمعِ نعيَ شهيدِ كربلا ولم تعِ

تقولُ أخبرنيَ عن إِمامي والطّرفُ منها بالدّموعِ هامي

أخبرها آهٍ بفقدِ الأربعه أبنائها وهو يُهلُّ أَدمُعه

قالت هُمُ الفداءُ للحسينِ روحِ نبيّنا ونور عيني

لا تُخفِ باللَّهِ عليك عنّي حقيقةَ الأمرِ أهجتَ حُزني

هل الحسينُ عائدٌ فانتظر فعندها قالَ بدَمعٍ مُنهَمِرْ

آجرَك اللَّهُ قضى بكربلا ظمآنَ مذبوحاً بهاتيك الفلا

ولا تسل عن حالِها مُذ سَمِعَت ذلك بالحُرقةِ نادت وبكت

يا أسفا عليك يابن المصطفى بعدَك مولايَ على الدّنيا العَفا

هيهاتَ أن أهنى بعيشٍ حتى أكونَ عاجلاً عِدادَ الموتى

فِعلاً قضت أيّامَها حتى قضت حُزناً ومن كَثرةِ ما فيها بكت


قال أمير المؤمنين عليه السلام لأخيه عقيل عليه السلام:

«ابغني امرأة [اخترلي امراة] وقد ولدتها الفحول من العرب لأتزوجها لتلد لي غلاما فارسا».

فقال عقيل: أين أنت عن فاطمة بنت حزام فانه ليس في العرب اشجع من ابائها ولا افرس(1)

أعيان الشيعة: 429/7 و 389/8، ابصار العين: 26، ناسخ التواريخ: 333/4.

.

زواجها من أمير المؤمنين عليه السلام

بعد أن توفيت ريحانة الرسول صلى الله عليه و آله وسيدة نساء العالمين البتول، شهيدة في سبيل اللّه ودفاعاً عن الولاية والامامة، وكان مصاب بضعة المصطفى قد هدّ ركنه عليه السلام وبعد أن تزوج امامة بنت زينب(2)بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله بعد وفاة فاطمة عليها السلام بتسع ليالي وكان ذلك بأمر ووصيّةٍ من الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام أن يتزوج بها للتولى شوؤن أولادها، وأن تكون لأولادها مثلها، ثم بعد ذلك تزوج أم البنين عليها السلام ومن هنا - دعى أمير المؤمنين عليه السلام أخاه عقيلاً عليه السلام - وكان نسابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم وقال له:

«انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب، من ذوي البيوت


1) (1)

2) (2) منتخب التواريخ (للحاج ملا هاشم): 127 عن المجلسي في البحار: 42-92.

والنسب والحسب والشجاعة؛ لكي أصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً، ينصر ولدي هذا، وأشار إلى الإمام الحسين عليه السلام يواسيه في طف كربلاء» (1)

انظر: بطل العلقمي (للمظفر): 97/1-98، تنقيح المقال (للمامقاني): 128/2.

.

وذلك مراد أمير المؤمنين عليه السلام من البناء على إمرأة ولدتها الفحولة من العرب، فإن الآباء لابد وأن تعرق في البنين ذاتياتها وأوصافها. فإذا كان المولود ذكراً بانت فيه هذه الخصال الكريمة، وإن كانت أنثى بانت في أولادها. وإلى هذا أشار صاحب الشريعة الحقة بقوله: «الخال أحد الضجيعين فتخيروا لنطفكم».

وقد ظهرت في أبي الفضل شجاعتان:

1 - الهاشمية: التي هي الأربى والأرقى من ناحية أبيه سيد الوصيين وأمير المؤمنين عليه السلام، الذي كان حاملا لواء الإسلام وكان النصر على يديه في جميع حروب رسول اللّه صلى الله عليه و آله.

2 - العامرية: من ناحية أمه أم البنين(2).

وعلى هذا رضى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الخيار وبعث أخاه عقيلاً ليخطب له أم البنين عليها السلام من أبيها.


1) (1)

2) (2) أُم البنين عليها السلام (للسالكي): 29 عن العباس (للمقرم): 127.

مهمة عقيل عليه السلام

كان عقيل عليه السلام أخو الإمام علي عليه السلام نسابة معروفاً، وله في علم الأنساب باع طويل.

وكان - يومها - للشاعر والقصاص والنسابة وصاحب السيف والكاهن والعراف موقع خاص؛ لندرتهم وشدّة الحاجة لتخصصاتهم، وكان الناس يرجعون إليهم وينفذون قولهم، ويكنون لهم احتراماً خاصاً، وهم قليلون معدودون في الغالب، فمثلاً اشتهر أمير المؤمنين عليه السلام بضربات سيفه وعلمه، واشتهر امرؤ القيس بشعره وقصائده، واشتهر عقيل عليه السلام بخبرته وحفظه في الأنساب ومعرفته بالعرب وأيامها وقبائلها.

لذا دعاه أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم وقال له:

«اختر لي إمرأة ولدتها الفحول من العرب، من ذوي البيوت والحسب والنسب؛ لتلد لي غلاماً فارساً رشيداً».

فقلّب عقيل قبائل العرب ظهراً لبطن، وفكر وقدّراً، وفحص ونقّر، وجاس ديار أنساب العرب ودرس أخلاقهم وطباعهم حتى اختار له «فاطمة عليها السلام»، والتي سميت فيما بعد بأم البنين عليها السلام، فعرضها على الإمام أمير المؤمنين ذكراً صفاتها وخصال أهلها وقبيلتها، فأمره الامام عليه السلام أن يخطبها من أهلها.

لماذا التشاور مع عقيل؟

وهنا سؤال يفرض نفسه ليقول: أليس الإمام أمير المؤمنين عليه السلام باب مدينة علم الرسول صلى الله عليه و آله والعارف بأهل زمانه، بل والأعرف بهم من كلّ أحد؟ فكيف يسأل في أمر الزواج من مثل أخيه عقيل؟

والجواب: صحيح أنّه عليه السلام أعلم الناس بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالأمور، وأعرف الناس بأنساب الناس، ولكنّه عليه السلام فعل ذلك لأمور لا تخلو عن حكمة ولعلّ من أهمّها ما يلي:

1 - أنّه عليه السلام أراد أن يعلّمنا بذلك كيف نبني أمورنا - صغيرها وكبيرها، وإجتماعيّها وشخصيّها، إقتصاديّها وسياسيّها - على التحاور والتشاور، ونسير فيها على علم ومعرفة، ونشارك الناس في عقولهم وتجاربهم، فنتجنّب بذلك مفاسد الأنانيّة والإستبداد بالرأي، وما يتبعها من مساوئ ومهالك، وخاصّة في مثل أمر الزّواج، الّذي هو أهمّ لبنة في تكوين الأسرة، وإنجاب الذريّة والأولاد، وبناء المجتمع الصالح.

2 - لعلّه أراد عليه السلام بذلك التجاهر والإعلان عن هذه السنّة المباركة التي سنّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهي سنّة الزّواج، حيث ورد الأمر بإعلانها والإشهاد عليها.

3 - لعلّه كان المرسوم في ذلك الزّمان، والمعتاد في تلك الأيّام، وهو:

استنابة الآخرين في أمر الزّواج، وعدم الإقدام من الزوج شخصيّاً عليه.

4 - لعلّه عليه السلام أراد بذلك تعليم الأمّة إرجاع الأمور إلى الخبراء من أهل الفن، وبيان أهميّة التخصّص ومكانة المتخصّصين في المجتمع الإسلامي، ففي كلّ أمرٍ يرى الإسلام الرجوع فيه إلى أهل فنّه وخبرته، ففي أمر الزّواج إلى العارف بالأنساب، وفي العمران إلى المهندس العالم بالعمارة، وفي التجارة إلى الخبير في أمرها، وفي الدين إلى المرجع الديني، وفي الحكومة والقيادة إلى من اختاره اللّه حاكماً وقائداً من الأئمّة الطاهرين عليهم السلام زمن حضورهم، وشورى المراجع الفقهاء زمن غيبتهم عليهم السلام وهكذا.

5 - لعلّه أراد عليه السلام بذلك إظهار شخصيّة عقيل، وإثبات تخصّصه في مجال الأنساب، حتّى يكون مَن يمدحه عقيل في نسبه - من أمثال حزام وأمّ البنين - مرفوع الرأس بين الناس ومعتمداً، ومن يذمّه عقيل في نسبه - من أمثال معاوية وهند - سنداً لخزيهم في الناس ومستنداً.

6 - لعلّه عليه السلام أراد بذلك الإخبار عن قضيّة كربلاء، والإشارة إلى فاجعة عاشوراء: من شهادة الإمام الحسين عليه السلام ومظلوميّة أبي الفضل العباس عليه السلام، وجناية بني أميّة في حقّ أهل بيت نبيّهم، وقتل ذريّته، وسبي حريمه، حتّى لا يدع مجالاً لأحد أن يدّعي بعد ذلك عدم علم الإمام الحسين عليه السلام بشهادته من نهضته الإصلاحيّة، وأنّه خرج يطلب الحكومة والسلطان - والعياذ باللّه - وليؤكّد للنّاس أنّه عليه السلام إنّما يخرج ليُحيي بشهادته الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وينقذ بذلك الإسلام، والأمّة الإسلاميّة.

تاريخ الزواج المبارك

لم ينصّ أحد من المؤرخين - فيما أعلم - على تاريخ هذا الزّواج المبارك الميمون.

فما يمكن أن يعوّل عليه هو أنّ عليّاً عليه السلام تزوّج أمامة بنت زينب بعد شهادة الصدّيقة فاطمة عليها السلام بلا فصل، ولكنّها لم تلد له ولداً كما يظهر من بعض الكتب(1)

أُم البنين (للسالكي): 69 عن بدر الدين نصيري في كتابه «ابو الفضل پرچمدار كربلا» بالفارسية، الفصل الثاني: 24؛ إلّاأنّ علماء الأنساب وأرباب المقاتل ذكروا لها ولداً من علي عليه السلام باسم محمد الأوسط الذي استشهد في كربلاء. راجع: الرّسالة الأسدية (للعبيدلي)، مناقب ابن شهر آشوب: 305/3، منتهى الآمال 187:1.

، فعزم عليه السلام على الزّواج المجدّد وذلك بعد خمس عشرة سنة مضت من شهادة الصدّيقة عليها السلام.

وهذا أمر معقول وله شاهد صدق من بعض أرباب المقاتل المعوّل عليهم بلا تأمّل ولا ريب، كما سنشير إليه الآن.

إن قلت: من أين تقول هذا مع اعترافك بأنّهم لم يصرّحوا على تاريخ الزّواج تصريحاً بيّناً؟

قلت: يظهر هذا من الشيخ صدرالدين القزويني في كتابه رياض القدس بالفارسية، فإنّه قال ما هذه ترجمته: إنّ أم البنين عليها السلام ولدت العباس بعد سنة؛ يعني من زواجها(2).


1) (1)

2) (2) رياض القدس: 67/2 صدر الدين الواعظ القزويني ابن الشيخ العلّامة محمد حسن

ولمّا كانت ولادة العباس عليه السلام في الرّابع من شعبان سنة ست وعشرين كما هو المشهور فيمكن الحدس بتاريخ زواج أمّه أم البنين رحمها اللّه تعالى في سنة خمس وعشرين للهجرة وفي الرّابع والعشرين من شهر رجب واللّه العالم.

في عمر العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام:

قلنا إنّه ولد في الرابع من شعبان سنة ست وعشرين وأنّه المشهور الآن. ومعلوم أنه استشهد بالطفّ في سنة إحدى وستّين فكان عمره المبارك خمساً وثلاثين سنة وقيل: أربعاً وثلاثين سنة(1).

عمره يوم شهادة الحسن المجتبى عليه السلام:

ويوم شهادة السبط الأكبر كان العباس ابن أربع وعشرين سنة.

قال المقرّم: وأمّا يوم شهادة أخيه الإمام المجتبى فكان له أربع وعشرون سنة، وقد ذكر صاحب كتاب «قمر بني هاشم»:

أنّه لمّا رأى جنازة سيد شباب أهل الجنة «الحسن عليه السلام» ترمى بالسّهام عظم عليه الأمر ولم يطق صبراً دون أن جرّد سيفه وأراد البطش بأصحاب البغلة لولا كراهيّة السّبط الشهيد الحرب عملاً بوصيّة أخيه...


1) (1) راجع ابصار العين (للسماوي): 26، ثمرات الأعواد (للخطيب علي بن الحسين الهاشمي النجفي): 159/1، مطبعة العلمية في النجف الأشرف، سنة 1365 ه.

فصبر أبو الفضل(1)

أُم البنين عليها السلام (للسالكي): 70 عن العباس (للمقرّم): 156 عن قمر بني هاشم: 84، راجع ابصار العين: 26.

.

نعم هناك قول بأن العباس كان حاضراً في حرب صفّين مع أبيه، كان في الرّابع عشر من عمره(2).

أو في الخامسة عشر(3).

أو في السّابع عشر من عمره(4).

يقول السالكي(5): إن الأكثرين على أنّه مضت من عمر العباس بن علي أربع عشرة سنة حين اشترك مع أبيه في صفّين، وأنه ولد في سنة ست وعشرين بعد سنة من زواج أمّه وأبيه، واستشهد في أوائل السنة الواحدة والستّين من الهجرة النبويّة على هاجرها آلاف التحيّة والصلاة وعلى آله عليهم السلام، وأنّ عمره كان حين الشّهادة أربعاً وثلاثين سنة.

إلّاأنّ الأقوال المذكورة لا توافق بينها بوجه ولا تآلف: فإن ابتداء


1) (1)

2) (2) كما نقله الشيخ علي الفلسفي في «مجموعه انوار علمى معصومين عليهم السلام»: 219/1 عن عدّة كتب؛ كروضة الشهداء، ومعالي السبطين، وزندگانى قمر بنى هاشم لعماد زاده، وپرچمدار كربلا (للمظفري). وقال في ثمرات الأعواد مكتبة العلمية في النجف: 158: قال بعض المؤرخين: حضر العباس بعض حروب أبيه كالجمل وصفين والنهروان ولم يقاتل. أُم البنين (للسالكي): 71.

3) (3) كما في الخصائص العباسية (للكلباسي): 137.

4) (4) الخصائص العباسية: 137، العباس (للمقرم): 154.

5) (5) أُم البنين (لمحمد علي السالكي): 72.

حرب صفّين كان في سنة ستّ وثلاثين، فلو كان عمره في تلك الحرب أربع عشرة سنة.

فلابد أن تكون ولادته عام اثنين وعشرين للهجرة ولو فرضنا عمره فيها (15) فولادته تكون في عام تسعة عشر.

ولو اعتبرنا عمره فيها (17) فولادته تكون في عام تسعة عشر. ومن جانب آخر لو اعتبرنا ولادته في (26) فكان في تلك الحرب ابن العاشرة.

ولو قبلنا قول الخوارزمي وأنّه كان في صفّين قد بلغ مبلغ الرّجال بحيث لبس عليّ عليه السلام لباسه فلابدّ أنه كان في الخامسة عشر أو في السابعة عشر من العمر!

وكلّ تلك الفروض تؤثّر في تحديد مقدار عمره.

عقيل يخطبها لعلي عليه السلام

مضى عقيل بن أبي طالب عليه السلام في مهمته بأمر أخيه أمير المؤمنين عليه السلام حتى ورد بيت حزام بن خالد ضيفاً على فراش كرامته، وكان خارج المدينة...

فقال له عقيل: «جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ وفي خبر آخر جئتك بشرف الدنيا والآخرة».

فقال حزام: وما هو يابن عم رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟

قال: «جئتك خاطباً».

قال: من لمن؟

قال عقيل عليه السلام:«أخطب ابنتك الحرة فاطمة إلى أخي أمير المؤمنين عليه السلام علي ابن أبي طالب عليه السلام وقد أحب مصاهرتك لعلو نسبك وشرفك».

فلما سمع حزام هشّ وبشّ ثم قال: بخ بخ بهذا النسب الشريف والحسب المنيف، لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع بمصاهرة ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبطل الإسلام وقاسم الجنة والنار ولا ينال هذا إلّاذو حظ عظيم.

ولكن - يا عقيل - أنت جدّ عليم ببيت سيدي ومولاي، إنه مهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وأنّ مثل أمير المؤمنين عليه السلام ينبغي أن تكون له امرأة ذات معرفة عن علم، وآداب في ثقافة، وعقل مع أخلاق حسنة، حتى تكون صالحة لشأنه العالي ومقامه السامي، وإنّ ابنتنا من أهل القرى والبادية، وأهل البادية غير أهل المدينة، ولعلها غير صالحة لأمير المؤمنين عليه السلام.

فقال عقيل عليه السلام: «يا حزام أنّ أخي يعلم بكلّ ما قلته، وأنّه يرغب في التزويج بها». وفي خبر آخر قال له: «يريد أن يرزق منها أولاداً أبطال ينصرون ولده الحسين عليه السلام في طف كربلاء».

فقال حزام: إذاً تمهّل حتى أسأل عنها أمها - ثمامة بنت سهل - هل تصلح لأمير المؤمنين عليه السلام أم لا؟ فانّ النساء أعلم ببناتهن من الرجال في الأخلاق والآداب(1)

أُم البنين (علي رباني خلخالي): 30.

.

1) (1)

الرؤية الصادقة العجيبة

قام حزام من محلّه وجاء ليسأل زوجته بهذا العز والفخر فلما قرب من المنزل وإذا هو يرى فاطمة جالسة بين يدي أمها، وهي تمشط رأسها وشعرها وفاطمة عليها السلام تقول لأمها: «يا أماه إنّي رأيت في منامي رؤيا البارحة رؤيا عجيبة، أحب أن اقصها عليك يا أماه».

فقالت لها أمها: خير رأيت - يا بنية - قصيها عليَّ:

فوقف حزام في مكانه بحيث يسمع الصوت ولا يراه أحد.

نعم هذه أم البنين الصادقة المؤمنة حيث جلست من نومها تتأمّل في نجوم السماء، ذهبت بفكرها العميق ما رأته في منامها، قامت وغسلت وجهها وهي تحمد اللّه تعالى حتى جاءت تخاطب أمها:

السلام عليك يا امي الغاليه؛

الأُم: وعليك السلام ابنتي العزيز كيف أصبحت يا حبيبتي؟

قالت: أماه أصبحت برؤيا عجيبة!!

الأُم: خير رأيتي إن شاء اللّه في تلك الرؤيا.

فقالت فاطمة عليها السلام لأمها: إني رأيت فيما يرى النائم، كأني جالسة في روضة ذات أشجار مثمرة وأنهار جارية، وكانت السماء صاحية، والقمر مشرقاً، والنجوم ساطعة، وأنا أفكر في عظمة خلق اللّه، من سماء مرفوعة بغير عمد، وقمر منير، وكواكب زاهرة.

فبينما كنت في هذا التفكير ونحوه، وإذا أرى كأنّ القمر قد انقض من كبد السماء ووقع في حجري، وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار، فعجبت من ذلك، وإذا بثلاثة نجوم زواهر قد وقعوا أيضاً في حجري، وقد أغشى نورهم بصري، فتحيرت في أمري مما رأيت، وإذا بهاتف قد هتف بي، أسمع منه الصوت ولا أرى الشخص، وهو يقول:

بُشراك فاطمةٌ بالسادةِ الغُرَرِ ثلاثةٍ أنجمٍ والزاهرِ القمرِ

أبوهُم سيدٌ في الخلقِ قاطبةً بعد الرسولِ كذا قد جاء في الخبرِ


فلما سمعت ذلك يا أُماه ذهلتُ وانتبهت فزعة مرعوبة، هذه رؤياي يا أماه فما تأويلها؟!

فقالت لها أمها: يا بنية؛ إن صدقت رؤياك، فإنك تتزوجين برجل جليل القدر، رفيع الشأن، عظيم المنزلة عند اللّه، مطاع في عشيرته، وترزقين منه أربعة أولاد، يكون أولهم وجهه كأنّه القمر، وثلاثة كالنجوم الزواهر.

[وعن بعضهم أنها قالت لأُمها وهي تقص رؤياها: «يا أُماه فرحت فرحاً عظيما ثم بعد حين لم أجد القمر ولا الكواكب فاشتد حزني وتضاعفت حسرتي».

وهذا لم يُفسر لها حتى مرت الأيام والليالي فكشفت لها عن تفسير

ما بقى من رؤياها فالحزن والحسرة في المنام هو لأنها عليها السلام سوف تفقد أولادها نعم تحقق حلمها وإذا بها ثكلى بأولادها تردد بقلب مفجوع:

كانت بنون لي ادعى بهم واليوم أصبحت ولا من بنين]


حزام يستشير ثمامة

فلما سمع حزام قصة رؤيا ابنته تهلل وجهه وأقبل عليهما وهو مبتسم ويقول لزوجته: لقد صدقت رؤياها قالت كيف ذلك قال:

هذا عقيل بن أبي طالب جاء يخطب ابنتك للإمام أمير المؤمنين فلّال الكتائب، ومظهر العجائب، فارس المشارق والمغارب، أسد اللّه الغالب علي بن أبي طالب عليه السلام وقد استمهلته حتى أسألك عن ابنتك؛ وأستشيرك في ذلك هل تجدين فيها كفاءة بأن تكون زوجة لأمير المؤمنين عليه السلام؟

واعلمي أن بيته بيت الوحي والنبوة، والعلم والآداب الحكمة، فان تجديها أهلاً لأن تكون خادمة في هذا البيت وإلّا فلا.

فقال زوجته ذات القلب المفعم بالولاء للامامة:

يا حزام إنّي - واللّه - ربيتها وأحسنت تربيتها، ان ابنتنا وبحمد اللّه عاقلة نبيه، واديبة، لقد رايت فيها الكفاءة منذ صغرها، واحسست منها التفوق والنبوغ من أيامها الأولى، فأدّبتها بآداب العرب، وربيتها تربية

الصالحين وأعددتها إعداداً تاهّلت عبره لأن تكون زوجة صالحة، وأُماً عطوفاً وربيبه بيت مدبرة ومديرة، فارجوا اللّه أن تكون عند حسن ظننا، وان تبيض بسيرتها الحسنة عند الأمام أمير المؤمنين عليه السلام وجوهنا.

عندها تهلل وجه حزام، وأقبل على ابنته يسألها عن رايها، ويستعلم موافقتها ورضاها بالزواج من الإمام علي عليه السلام، ثم عرض عليها أمر الزواج يترقب رأيها، وينتظر جوابها، لكن ما كان جواب البنت اللبيبة عن رضاها بهذا الزواج المبارك إلّاسكوتها، فإن السكوت علامة الرضا، عندها غادر الأب البيت مسرعا واتجه نحو المضيف ليلتقي بعقيل الذي تركه يترقب جوابه حتى يبشره بالموافقة والقبول.

فأقبل حزام على ابنته يهنئها ويشركها في فرحته:

يهنيك فاطمة بالفارس البطل نعم القرين أمير المؤمنين

من للأنام إمام حجة وولي للمؤمنين أمير والغدير جلي

وعندها ذهب حزام إلى عقيل وهو مستبشر.

فقال له عقيل: ما وراءك؟

قال: «كل الخير إن شاء اللّه قد رضينا بأن تكون ابنتنا خادمة لأمير المؤمنين عليه السلام».

فقال عقيل: «لا تقل خادمة بل زوجة».

مهرها عليها السلام ومَهر السنّة

فلمّا دخل حزام المضيف تلقّاه عقيل متسائلاً وهو يقول: «ما ورائك يا أبا المحل؟».

فأجابه حزام: «يا ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله! كلّ الخير إن شاء اللّه تعالى، لقد رضينا بأن تكون ابنتنا خادمة متواضعة في بيت النبوّة والإمامة، إن قبلها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بذلك؟».

فقال له عقيل: «يا أبا المحل لا تقل خادمة متواضعة ولكن قل:

زوجة وفيّة، وقرينة كريمة»، ثمّ واصل عقيل كلامه وقال: «لابدّ للمرأة من صداق فهل لكم اقتراح فيه؟».

قال حزام: «لا، وإنّما نفوّض ذلك يا ابن عمّ الرسول صلى الله عليه و آله إليك».

فقال عقيل وهو يشكره على ذلك: «إعلم يا أبا المحل! إنّ أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله لا يتجاوزون في صداق بناتهم ونسائهم ما سنّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله من الصداق لبناته ونسائه وهو: خمسمائة درهم».

فقال له حزام: «ونحن أيضاً لا ينبغي لنا أن نتجاوز ما سنّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله من المهر والصداق، رضينا وسلّمنا».

ثمّ نهض حزام لإبلاغ الأمر إلى عياله، وذلك بعد أن استأذن من عقيل واسترخصه، فتوجّه نحو البيت، فلمّا دخله إلتفت إلى زوجته ثمامه وابنته فاطمة، وقال لهما بكلّ بهجة وسرور: البشارة البشارة، لقد رضي

عقيل بن أبي طالب ابنتنا فاطمة لأخيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على مهر السنّة، وهو خمسمائة درهم، فإنّه الصداق الّذي سنّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله لأزواجه وبناته(1)

الخصائص العباسية (لآية اللّه الحاج محمد إبراهيم الكلباسي): 33.

.

من مثلها عليها السلام ولها زوج كعلي عليه السلام

لمّا سمعت أم البنين عليها السلام أنها خُطبت لأمير المؤمنين غمرها السرور وطار قلبها بالفرح، وتناثر عرق الحياء على محياها كاللؤلؤ على صفيحة النور، واختارت السكوت فلم تحرك لسانها، وجنانها يتدفق بالكلمات تعبيراً عن فرحتها بهذا الزواج السعيد...

أجل؛ كيف لا تفرح ولا تغمرها السعادة؟! وهي ترى الحياء في عيني علي عليه السلام، وسلطان الإسلام في يديه، والاستقامة والعدالة في خطواته، ونور الهداية المحمدية في قلبه؟!... وإنّ في هذه الزيجة المباركة فخراً عميماً، وشرفاً عظيماً، وسعادة لم تخيب، لها ولأهلها وعشيرتها جميعاً.

لقد أقسمت أم البنين عليها السلام أنها ستكون كالأم الرؤوف للحسنين عليهما السلام، فدخلت إلى بيت العصمة تحمل معها عالماً من المحبة والمودة والحنان.

وهكذا خطبها عقيل عليه السلام، ثم أجرى النكاح وكالة عن أخيه أميرالمؤمنين عليه السلام، فاستعدت أم البنين فاطمة بنت حزام للرحيل إلى بيت الإمام عليه السلام.


1) (1)

ولما دخل بها الإمام عليه السلام وجدها امرأة ذات عقل وإيمان وأدب، ورأى فيها ما أسرّه من الحسن والجمال والهيئة والكمال، حيث كانت أم البنين عليها السلام من النساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيت عليهم السلام، كما كانت فصيحة بليغة لسنة ورعة ذات زهد وتقى وعبادة.

وبلغ من عظمها ومعرفتها وتبصرها بمقام أهل البيت عليهم السلام أنها لما دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وكان الحسنان مريضين أخذت تلاطف القول معهما، وتلقي اليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب، وما برحت على ذلك تحسن السيرة معهما وتخضع لهما كالأم الحنون.

ولا بدع في ذلك فإنها ضجيعة شخص الايمان، قد استضاءت بأنواره وربت في روضة أزهاره، واستفادت من معارفه، وتأدبت بآدابه، وتخلقت بأخلاقه(1)

أُم البنين (علي رباني الخلخالي) عن العباس (للمقرم): 133.

.

أم البنين هي تلك المرأة التي كان يريدها أمير المؤمنين علي عليه السلام، امرأة وقور، تقعد في بيتها وتربي له رجالاً أشاوس، وفرسان أقوياء من أمثال أبي الفضل العباس عليه السلام الذي ضرب المثل الأعلى في الشجاعة والمواساة والاقدام والوفاء، وخاض لجج الموت، واقتحم غمرات الحروب، وجال بين صفوف الأعداء في ساحات الوغى منذ بدايات شبابه، وهو لا يهاب الموت، ولا يعبأ بوميض السيوف ورؤوس الحراب الخاطفة كالبرق... كان قلبه أشدّ من زبر الحديد أمام الأعداء.


1) (1)

حديث الزواج يصل إلى كربلاء

ورد في الخبر أنه قبل ان تبدأ المعركة في كربلاء بين الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وبين جيش عمر بن سعد عليه اللعنة جيش الكفر في كربلاء أتى زهير بن القين الى عبداللّه بن جعفر بن عقيل.

فقال له: «يا أخي ناولن هذه الراية».

فقال له عبد اللّه: «اَوَفيّ قصور عن حملها؟».

قال: «لا ولكن لي بها حاجه قال فدفعها إليه واخذها زهير واتى تجاه العباس عليه السلام».

وقال: «أُريد أنا أحدثك بحديث وعيته!».

فقال العباس عليه السلام: «حدث فقد حلا وقت الحديث».

فقال له: «اعلم يا أباالفضل ان أباك أمير المؤمنين عليه السلام لما أراد أن يتزوج بأمك أُم البنين، بعث أخيه عقيل عليه السلام وكان عارفاً بأنساب العرب».

فقال: «يا أخي أُريد منك أن تخطب لي امرأة من ذوي البيوت والحسب والنسب والشجاعة لكي أصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي هذا وأشار إلى الإمام الحسين عليه السلام ليواسيه في طف كربلاء وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر عن حلائل اخيك وعن اخواتك».

قال: «فارتعد العباس عليه السلام وتمطى في ركابه حتى قطعه».

وقال: «يا زهير تشجعني في مثل هذا اليوم واللّه لأرينك شيئاً ما رأيته قط»(1)

أسرار الشهادة (للدربندي): 234.

.

ولما رجع العباس عليه السلام من مكالمته مع شمر لعنه اللّه حيث عرض عليه الكتاب الذي فيه امان له ولاخوته استقبلته الحوراء زينب عليها السلام وقد سمعت كلامه مع الشمر عليه اللعنة.

فقالت له: «أخي أُريد أن أُحدثك بحديث».

قال: «حدثيني يا زينب لقد حلاوقت الحديث».

قالت: «اعلم يا ابن والدي لما ماتت أُمنا فاطمة عليها السلام قال أبي لأخيه عقيل عليه السلام - وقد مر الحديث عنه - فقد ادخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصّر يا أباالفضل فلما سمع العباس عليه السلام كلامها تمطى في ركاب سرجه حتى قطعهما».

وقال لها: «في مثل هذا اليوم تشجعيني وأنا ابن أمير المؤمنين عليه السلام(2)وكأنّ لسان حالهما وتحاورهما عليهما السلام في ليلة العاشر من المحرم».

زينب گصدت العباس والهم گصد وياها

وحين الشافها العباس تتعثر بممشاها

طلع من خيمته معضب والزينب تلگاها


1) (1)

2) (2) ثمرات الأعواد (للهاشمي): 104/1.

هله يا زينب يگلها

هله يا سلوتي گلها

وزينب لعد چافلها

صدت والگلب داوي وختنگت بعبرتها


زينب والگمر عباس تگله يبن حامي الجار

سمعت حسين‌أخوك يگول‌احنه ابهالمسه خطار

يخويه ولازمه گلبي وخاف من الصبح لو صار

انه مخدره تدري

وانت مكلف بخدري

عگبك ما ردت عمري

الحرمه عگب ولياها مو تسواش ضلتها


يسمع زينب العباس وعينه من الزعل حمره

يگلها بشاربي خدرچ يا زينب ودك صدره

يمخدرت حامي الجار وحگ ضلع امچ الزهره

لفني او رگابها دونچ

اخوچ وگرت عيونچ

لا لا ينخطف لونچ

يزينب والعساچر هاي باچر كون اشتتها

العساچر گال اشتتها صل وگام يطوه

وحين السمع حچي اخته هاج وهزته النخوه

وزينب نادته بهونك يا والي الحرم تگوه

هود يبن داحي الباب

تگله الدليل انعاب

حچي وياك الي وعتاب

يبو فاضل وسولفلك تگله وتجر ونتها


قال لها «حدثي يا اخيّ فقد حلى وقت الحديث»:

اسولفلك يبو فاضل عودك ليش راد امك

وعن طيبة نسب حره ابونه من نشد عمك

انت غايته منها والها لنايبه ضمك

ابونه المثل هذا اليوم

رادك ضخر يا جيدوم

هاي الخيل هاي الگوم

وهاذي كربلا وعودك وصيته هاي ساعتها


اغتاض وگال يا زينب شنهي الخيل وتهمچ

اخوچ وصارمي بيدي فنه اليكحم خيمچ

وحگ الحسن يا زينب وچبده وكسر ضلع أمچ

لخلي جموعها طشار

وخلي النايحة بكل دار

وخلي كربلا تذكرا

وخلي الناس جيلٍ جيل ما ينسون عملتها


وثلث تنعام أبو فاضل مثل ما گال سواها

فنه ذيچ الزلم والخيل تموج مروج خلاها

وزينب واجفه وتشوف وبعباس تتباها

ساعه وطاحت الراية

من اخوها على المسناية

طاح وضلت الثاية

طاح وصاح ابو فاضل يا زينب وهضمتها


طاح وصاح يا زينب يختي العذر للّه‌وليچ

لون ايدي تلوح السيف ما چان العده تلويچ

يزينب‌ها متي‌و عيني ويميني ويسرتي تفديچ

(1)

تگله يعباس منته الي جبتني وبيدك يخويه ركبتني

هسا رحت عني او عفتني عگبك بني اميّه ولتني


1) (1) سبائك السبّاك (للحاج معين السبّاك): 28/1.

فجيعة أُم البنين

(1)

آنه أم البنين او دهري ذنبي حقي لو صحت يحسين يبني

فقد الأربعة ايهون وحسين السباني


فقد الأربعة ما هدم بيتي لو بحسين ملزومه ثنيتي

واشلون اصبر اشلون وحسين السباني


فقد الأربعة نشف ادموعي واعله حسين متكسره اضلوعي

أوصدرحسين‌مسحون وحسين السباني


أو عن الأربعة لا تنشدوني أو بيهم يا خلق لا تفجعوني

أو فازوا خل يفوزون وحسين السباني


بس يسلم حسين امن المناية خل اتروح شباني ضحاية

أو عنهم لا تنشدون وحسين السباني


والحال الطفل ممرود حالي مسهر وآنه ساهرت الليالي

أو ما تغمضلي اعيون وحسين السباني


1) (1) للشيخ كاظم منظور الكربلائي.

المجلس الثالث: أحفاد أُم البنين عليها السلام

اشارة

سر بالمشاعر للحجاز ونادِ يا روضة الإيمان والأمجاد

يا دوحةً نبت الهدى بربوعها وبها بدا نور النبي الهادي

جئناك يا خير البطاح لنرتوي من عذب ذكر الآل والأسياد

ونرى بعين القلب من سير الألى فالقلب ناظره من الأشهاد

يا منبت الإسلام هيا أخبرني أجيالنا عن رفعةٍ وجهادِ

أبدته بنت حزام فاطم من بها وبذكرها السهل امتلا والوادي

دخلت لدار المرتضى تحنو على أولاده وتذوب في الأولادِ

أم البنين وحسبها من مفخرٍ ما أدخلته عليه من إسعادِ

ومن الثمار نما لها بين الملا نعم الليوث لوقفة ونجادِ

جادت بهم دون الحسين وقدمت أولادها بعزيمة وسدادِ

قتلوا جميعاً بالطفوف ولم تزل ترجو سلامة والد السجادِ

حتى إذا قالوا لها قتل الذي تسلين عنه أعولت بحداد

ولدي حسين فداك كل عشيرتي وفداك نفسي يا حبيب فؤادي

ولدي قُتلت وليت قبلك مقتلي يا مقرح الأجفان والأكباد

أحسين تذبح ظامياً في كربلا والرأس منك يشال بالأعواد

ولدي بأي مسوّغ يوم الجزا ألقى البتول إذا أتت وتنادي

ولدي أما كانت لديك عشيرة لتذب عنك وذاك للأعضاد

حتى أتتك بنو أمية مفرداً وتواردوك بشفرة الأحقاد

سأقول أربعة فديت لأجله وغمرته بمحبتي وودادي

لكنما شاء الإله لآله شرف الخلود ينال باستشهادِ(1)

القصيدة للخطيب البارع المرحوم الشيخ هادي الخفاجي الكربلائي رحمه الله.


أُم البنين اتنوح والعبرة جرية اعلى اللّي جرى بحسين بارض الغاضرية

ليل او نهار اتنوح لمصيبة العطشان تبكي وتلطم والدمع بالخد غدران

وتذكر مصايب كربلا وتزيد لحزان وتعزّي فيه المرتضى وخير البرية

تبكي وتواسي زينب والبنات الهاشمية وتعزي الزهره البتولة ابها الرزية


1) (1)

ولارض البقيع اتروح واتخط ليها وتنعى غريب الغاضريه وتنعي لبدورالبهية

واتقول آنا وعزوتي فدوة يمبرور يا ليت راحوا عزوتي أو رديت ليه

واتقول للنسوة اسمعوني يا مسلمين باللّه عليكم لا تسمّوني أم لبنين

أو تذكروني ابها الاسم بليوث لعرين كلهم فرد ساعة على الرمضى رمية

أو تذكر العباس البطل حامي الحمية أو تقول قالوا يا حبيبي والشفية

طبيت نهر العلقمي وما اشربت ميه تواسي اخوك احسين والحواري

او تذكر أبو فاضل وفعله بالاعادي أو تقول جاب الماي لطفالي واولادي

لولا القضا ما قطعوا منه الايادي ولا ركبوا زينب على الناقه سبيه

أو جازت الزهره ام البنين اعلى فعلها بيوم القيامه اتطالب الزهره ابطلها

وأول شكايه تشتكي للّه ابطلبها يآخذ بحقها للبطل راعي الحميه

أو منديل تخرج فاطمه الزهره الزچيه أو تكشف اجفوف البطل عباس

أو تقول يا رب السما وربّ البريه تآخذ ابحقي ابها المصيبه والرزيّة(1)

للشاعر إبراهيم عبد اللّه الدبوس.



1) (1)

سئل معاوية بن عمار من الإمام الصادق عليه السلام: كيف قسمت فدك بعد ما رجعت إليكم؟

فقال عليه السلام: لولد العباس عليه السلام ربع والباقي لنا(1)

كتاب العباس عليه السلام (للمقرم): 81.

.

أحفاد أم البنين والعلم والأدب والشجاعة والإمارة

لقد ازدان التاريخ بعدد كبير من أحفاد أم البنين من ولدها العباس عليه السلام، فقد جاء في كتب التاريخ والأنساب أنه خلّف من الأبناء عبيد اللّه والفضل والحسن ومحمد والقاسم وبنتاً واحدة(2)، وعقبه الباقي إلى اليوم من ولده عبيد اللّه المشهور، وبعضهم يقول من ابنه الحسن كابن قتيبة.

ومن ذلك اعتبارهم بمنزلة فاطمة الزهراء عليها السلام، فعن معاوية بن عمار قال: قلت للصادق عليه السلام: كيف قسمت فدك بعد ما رجعت اليكم قال: لولد العباس عليه السلام ربع والباقي لنا(3).

وأختصر في ذلك على بعض أحفادها عليها السلام بعد حديثي السابق عن أولادها الأربعة عليهم السلام وكون ولدها العباس أبا هؤلاء الأحفاد شخصية جمع العلم والأدب والشجاعة والفروسية فهذا أشهر من أن يعرف.


1) (1)

2) (2) كتاب زينب الكبرى (للنقدي): 12.

3) (3) كتاب العباس عليه السلام (للمقرم): 81.

كذلك كونه وزيراً للحسين الإمام الشرعي. وحاملاً للوائه الأعظم وأميراً على عسكره وما إلى ذلك.

لقد كان الحفيد الأول لأم البنين عليها السلام عبيد اللّه بن العباس عليه السلام ويلقب بالرئيس. وقد خلّف عدداً من الأولاد كان منهم ولده الحسن أكثر أعقاباً. ومن أعقابه الأشراف. ويقصد بهذا التعبير الرؤساء - ومنهم الأمراء وأهل الصيت الذائع وهم منتشرون في العراق واليمن والهند وطبرستان، والشام ومصر - وغيرها(1)

بطل العلقمي: 435/3.

.

ومع أن عبيد اللّه بن العباس أكبر اخوته سناً. فقد تلا تلك الشهرة أنّه كان أبوه العباس عليه السلام يكنى بولده الفضل الذي هو دون عبيد اللّه في السن.

فلعل ذلك يرجع إلى ملابسة فضيلة العباس وفضله بالاسم المذكور فكني ب (أبي الفضل)؛ فللملابسات دورها في الكنى. ومن ذلك مثلاً كنية الحسين عليه السلام بولده عبد اللّه الرضيع مع وجود غيره من الكبار.

ولعبيد اللّه بن العباس حفيد من ولده الحسن اسمه عبيد اللّه أيضاً ويعرف ب (الأمير)، ذلك لأنّه تولّى على إمارة الحرمين مكة والمدينة في بداية العصر العباسي، فقد جاء في تاريخ الطبرسي أنّ الرشيد ولّاه بعد ولاية صالح بن الرشيد(2).


1) (1)

2) (2) نفس المصدر.

ولعبيد اللّه الثاني هذا ولد اسمه الحمزة كان عالماً أديباً فصيحاً شاعراً شجاعاً. وكان يشبه جدّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. قال الداوودي في العمدة: زاده المأمون مائة ألف درهم في العطاء لذلك الشبه(1)

العمدة:؟؟؟ / 325 و 336/3.

.

وللحسن بن عبيد اللّه بن العباس عليه السلام ولد اسمه العباس أيضاً.

وللعباس الثاني هذا ولد اسمه عبد اللّه، ويعرف بالخطيب وكان هو وأولاده من الأعيان البارزين، وكان شاعراً مجيداً(2). وله ولد اسمه القاسم كان فقيهاً محدّثاً ذا وجاهة كبيرة، وكان قاضي الحرمين مكة والمدينة. كما كان من أصحاب الامام الحسن العسكري عليه السلام(3).

وللحمزة بن عبيد اللّه الثاني ولد اسمه محمد، عرف بالشهيد لأنّه قتل غيلة ظلماً وعدواناً أيام القرامطة. وكان عالماً سخياً شجاعاً فصيحاً جمع من الفضائل ما قلّ أن يجمع في غيره. كما أنّه كان من رجال الأعمال والعقار والضياع مثرياً محسناً وجيهاً محبوباً... الخ مع أنّه كان في غربة عن وطنه المدينة فقد كان في طبرية بالأردن وبها قتل مأسوفاً عليه. وعقبه يعرفون ب (بني الشهيد)(4).


1) (1)

2) (2) راجع كتاب العمدة لابن بطريق.

3) (3) راجع كتاب المناقب للسرور.

4) (4) كتاب بحر الأنساب (للعميدي): 66.

كما ولعبيد اللّه الأول بن العباس عليه السلام من ولده الحسن حفيد اسمه الحمزة أيضاً. والحمزة هذا جد والد الحمزة الغربي المكنى بأبي يعلى بن علي بن الحمزة بن الحسن بي عبيد اللّه بن العباس عليه السلام وهو ثقة جليل القدر(1)

راجع كتاب تحفة العالم للسيّد بحر العلوم.

وهو مؤلف عارف نبيل ومن مشايخ الإجازة ورواة الحديث فضلاً عما قاله عنه المؤرخون والنسابون وعلماء علم الرجال. فمثلاً جاء في رجال النجاشي قوله بعد ذكر نسبه الشريف المذكور أنه ثقة جليل القدر من أصحابنا - يقصد الإمامية - كثير الحديث. له كتاب: من روى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام من الرجال وهو كتاب حسن. وهو ما يسمى في اصطلاح عصرنا الحديث ب (البيلوغرافيا).

وله كتاب التوحيد وكتاب الزيارات والمناسك. وكتاب الرد على محمد بن جعفر الأسدي(2).

وقبره في الحلة قرب القرية المزيدية. ولصاحب كتاب مشاهد العترة الطاهرة السيّد كمونة رحمه الله تحقيق عن قبره في الموضع المشار إليه(3).

وللحمزة الغربي هذا كرامات باهرة حياً وميتاً. ولذلك ترى قبره الواقع في القرية المذكورة بين قبائل آل سلطان حافلاً بالزائرين يقصده


1) (1)

2) (2) الكتاب المذكور: 34/2.

3) (3) رجال النجاشي: 101.

ذوو الحاجات للتوسل إلى اللّه بمقامه عنده. عملاً بقوله تعالى وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ في أحد جوانب معانيه، كما هو معلوم، فتقضى حوائجهم وتحل ببركة قداسته مشاكلهم.

هذه نماذج من أحفاد أم البنين ممن احتلوا المراكز العليا في مختلف الميادين.

ندبتها للحسين عليه السلام يوم عاشوراء في المدينة

إذ كان أول ناع نعى الحسين وأوصل الخبر إلى المدينة في نفس الساعة التي قتل فيها الحسين عليه السلام هو جده رسول اللّه صلى الله عليه و آله، وندبة السيّدة أم البنين ونوحها على الحسين عليه السلام في ذلك اليوم يتجلى فيما رواه الشيخ الطوسي في الأمالي بسنده عن عمرو بن ثابت عن أبيه المقدام، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عالياً من بيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها، وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء فقلت: يا أم المؤمنين، ما لك تصرخين وتغوثين؟ فلم تجبني.

وأقبلت على النسوة الهاشميات وقالت: يا بنات عبد المطلب أسعدنني وابكين معي، فقد قُتل واللّه سيدكن وسيد شباب أهل الجنة.

قد واللّه قُتل سبط رسول اللّه وريحانته الحسين عليه السلام.

فقلت: يا أم المؤمنين، ومن أين علمت ذلك؟

قالت: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله في المنام الساعة مشعثاً، مغبراً مذعوراً، باكياً، فسألت عن شأنه فقال: قُتل ابني الحسين وأهل بيته(1)

أمالي الشيخ الطوسي: 322/1، تاريخ اليعقوبي: 245/2.

!!

«وكان صلى الله عليه و آله قد أعطاها شيئاً من تربة كربلاء جاء بها الأمين جبرئيل وقال: يا أم سلمة خذي هذه التربة وضعيها في قارورة وتعاهدي أمرها فإذا رأيتها قد انقلبت دماً عبيطاً فاعلمي أن ولدي الحسين قُتل، وقد فعلت أم سلمة ذلك وصارت تتعاهد تلك التربة حتى كان يوم العاشر من شهر محرم الحرام بعد الظهر بقليل، وكانت نائمة فرأت رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد أقبل إليها مشعثاً مغبراً باكياً، حاسر الرأس، حافي القدمين، يلطم بيديه وجهه ورأسه فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه. ما أصابك؟ قال: يا أم سلمة، أنائمة أنت وقد قُتل ولدي الحسين وحُزّ رأسه، فجلست أم سلمة من نومها فزعة وأسرعت إلى القارورة وإذا هي تفور دماً عبيطاً»(2).

فأخذت أم سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها وأخذت تصيح وا حسيناه، فتجيبها أم البنين بحرقة وأنين، يا ريحانة قلب البتول ويا قرة عين الرسول... فترتج المدينة بالبكاء، فكانت أول صرخة يدمى معها الفؤاد من بعد زينب، وأصبح ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسين عليه السلام


1) (1)

2) (2) مقتل الحسين لأبي مخنف.

فجاءت الركبان بخبره، وأنه قتل في ذلك اليوم(1)

المصدر السابق.

.

فالسيّدة أم البنين لم تر الرؤيا بل سمعت ذلك من أم سلمة وليس من رأى كمن سمع. ومع ذلك تولّت أم البنين الندبة والنياحة وصارت تردد بحرقة وأنين: «يا ريحانة قلب البتول، ويا قرة عين الرسول».

فكانت السيّدة (أم سلمة) أم المؤمنين والسيّدة (أم البنين) تعولان وتبكيان دماً ونساء بني هاشم يساعدنهما بالعويل والبكاء، ولم يمض شهر واحد من شهادة سيد الشهداء حتى ماتت السيّدة أم سلمة حزناً وكمداً عليه، وأما أم البنين التي عرفت الحسين عليه السلام عن قرب، وفدته بأغلى ما عندها، هل تقدر الآن أن تنسى مصيبته؟ وهل يمكن للأيام أن تنسيها رزيته؟ بالطبع لا.

فلقد كانت تقف على قارعة الطريق المؤدية إلى كربلاء فتسأل المسافرين والركبان القادمين من كربلاء. تسألهم عن تفاصيل الرزية، فهي إلى الآن ومع شدة بكائها على الحسين عليه السلام بعد لم تستطع استيعاب ما جرى، ولعل هول الرزية، وشدة العُلقة بينها وبين الحسين عليه السلام جعلاها كالتي لم تصدق ما سمعت، فهي لا تزال مذعورة، مذهولة، وحق لها ذلك فلقد أخذ الحسين بمجامع فؤادها فهي أمٌ وليست كأي أمّ، وهي ثاكل وليست كأي ثاكل.


1) (1)

وبقيت هكذا تحيي الليل والنهار بالبكاء والنحيب على ريحانة رسول اللّه صلى الله عليه و آله الحسين عليه السلام إلى أن عاد السبايا من أسر الذل إلى المدينة واستخبرت الحقيقة فاستعرت نيران قلبها، وتضاعفت أحزانها، وبقيت مُديمة لنوحها وبكائها وندبتها على من اسكنته قلبها، صاحب الشيب الخضيب والبدن السليب، والثغر المقروع بالقضيب، الإمام الغريب ذاك الذي هُتكت حريمه، وذبح في حجره فطيمه، ورُفع على رأس الرمح كريمه، المقطوع الوتين أبو عبد اللّه الحسين عليه السلام.

إيثارها الوحدة والوحشة ذوداً عن الحسين عليه السلام

ويتجلى هذا الموقف في إرسالها أولادها الأربعة مع أخيهم الحسين عليه السلام ووصيتها لهم بالذود عن أخيهم، وتذكيرها لهم بما كان أمير المؤمنين عليه السلام يقوله لولده محمد بن الحنفية: بأنك ابن علي، أما الحسن والحسين فهما ابنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فاعرف قدرهما. فكانت تقول لأولادها احفظوا قدر أخيكم واذكروا قول أبيكم، واجعلوا الحسين منكم مكان الرأس من الجسد ومكان العينين من الرأس فكانت وحشتها لفراق الحسين ووداعه ساعة خروجه من المدينة أشد من وحشتها ووداعها لأولادها الأربعة بما فيهم قمر العشيرة أبو الفضل العباس، وقد عزّ عليها خروج الحسين في ليلة ظلماء ممطرة شديدة البرودة.

لم يدر أين يريح بُدن ركابه فكأنما المأوى عليه محرم(1)

من قصيدة للسيّد جعفر الحلي مطلعها:

وجه الصباح عليَّ ليل مظلموربيع أيامي عليَّ محرم


فلم تتعلق الأم الحنون بفلذات أكبادها، ولم تظهر جزعاً من فراقها لهم بل كان كل جزعها ونوحها وحسرتها على الحسين عليه السلام.

فكانت حتى آخر لحظة توصي أولادها بالذب عن أخيهم الحسين حتى النفس الأخير من حياتهم ولم تستطع هذه الأم البطلة أن ترافقهم إلى كربلاء وأما عن سبب ذلك؟ فقد ذكر بعضهم أنها كانت مريضة، ومشغولة برعاية أولاد ابنها العباس عليه السلام إضافة إلى كبر سنها(2)فودعت أولادها بالآمال والأحزان، وقد علقت كل الآمال على تاج رأسها وبكر أولادها، وبغية بعلها منها، قمر العشيرة أبي الفضل العباس في أن يتولى قيادة أولادها، وتحفيزهم ودفعهم إذا ما تغيرت الأحوال لترفع رأسها بين يدي سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام. وقد حصل كل ذلك، فها هو التاريخ يحدثنا عن بطولاتهم يوم الطف كيف كانوا يقذفون بأنفسهم وسط الهول، وأخوهم العباس يهتف فيهم قائلاً: تقدموا حتى أراكم قد نصحتم للّه ولرسوله فيتقدمون إلى قلب الجيش المسعور بسيوفه العاوية


1) (1)

2) (2) أُم البنين للإمام الشيرازي.

ورماحه الباغية وكلما لمحوا خطراً يقترب من أخيهم الحسين عليه السلام تلقوه بأجسادهم حتى سقطوا جميعاً صرعى(1)

راجع بطل العلقمي: 125، وأُم البنين سيدة نساء العرب: 63.

.

فأكرم به من موقف، وأنى للزمان أن يجود لنا بمثل هذه المرأة الكريمة، صانعة المواقف العظيمة منجبة الأبطال والليوث إذا اشتد النزال؟

إيثارها الحسين عليه السلام على أولادها وسؤالها عنه

ويتجلى هذا الموقف حينما عاد السبايا من أسر الذل إلى المدينة.

قال الراوي: ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة، قال بشير بن حزلم، فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين عليه السلام فحط رحله، وضرب فسطاطه، وأنزل نساءه، وقال: يا بشير رحم اللّه أباك، لقد كان شاعراً. ألا تقدر على شيء منه، قال: قلت: بلى يا بن رسول اللّه. قال عليه السلام: ادخُل المدينة وانْعَ أبا عبد اللّه الحسين عليه السلام.

قال بشير بن حزلم: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه و آله رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مُضرَّجٌ والرأس منه على القناة يدارُ



1) (1)

فما بقيت في المدينة مخدَّرة ولا محجَّبة إلّابَرَزْنَ من خدورهن، يدعين بالويل والثبور، فلم أرَ باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه(1)

حياة الإمام الحسين: 423/2.

، فكان كأنه اليوم الذي مضى فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله فأقبلت نحوي جارية تنوح على الحسين عليه السلام وهي تقول: أيها الناعي جددت حزننا على أبي عبد اللّه، وخدشت منا قروحاً لم تندمل، فمن أنت رحمك اللّه فقلت: أنا بشير بن حزلم، وجهني مولاي علي بن الحسين عليه السلام وهو نازل بمكان كذا مع عيال أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام وبناته، وخرجت أم لقمان(2)بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين ومعها أخواتها أم هاني وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطف وتقول:

ماذا تقولون إن قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأممِ

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى ومنهم ضُرِّجوا بدمِ

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن‌تخلفوني‌بسوء في‌ذوي‌رحمي(3)



1) (1)

2) (2) واسمها: زينب.

3) (3) أعيان الشيعة: 622/1، كشف الغمة: 68/2.

استقبالها الحوراء زينب بصرخة (وا ولداه وا حسيناه)

يحدثنا التاريخ أنه بعد أن نعى بشير بن حزلم الحسين وخروج الناس بين باك وباكية، وناع وناعية، واستباقهم إلى الموضع الذي حط فيه الإمام زين العابدين عليه السلام رحله وخطبته في ذلك الجمع من الناس وقوله عليه السلام في ضمن ما قال: «إن اللّه وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد اللّه وعترته، وسُبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان، من فوق عامل السنان، وهذه الرزية لا مثلها رزية.

أيها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله، أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله، أم أيّ عين تحبس دمعها، وتضنّ عن انهمالها؟!

أيها الناس: أي قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنُّ إليه، أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يُصمّ؟

أيها الناس: أصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين عن الأمصار، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلّااختلاق، واللّه لو أن النبي صلى الله عليه و آله تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا فإنا للّه وإنا للّه وإنا اليه راجعون، من

مصيبة ماأعظمها وأوجعها، وأفجعها وأكظّها وأفظعها وأمرّها، وأفدحها فعند اللّه نحتسب فيما أصابنا، وما بلغ منا. إنه عزيز ذو انتقام» (1)

الأعيان: 618/1.

.

بعد ذلك دخل عليه السلام المدينة فرآها موحشة باكية ووجد ديار أهله خالية تنعى أهلها وتندب سكانها(2).

وحين وصلت الحوراء زينب عليها السلام دار أخيها الحسين لا تكاد تحملها رجلاها كانت شريكتها في المصيبة السيّدة أم البنين صرختها التي خلدها التاريخ قائلة: (وا ولداه وا حسيناه) وعانقت كل منهما الأخرى فضجت الدار ومن فيها بالبكاء والعويل.

فيالها من صرخة ستظل باقية خالدة مدى الأيام والعصور. إنها لم تقل: (وا ولداه وا عباساه) فلم تندب ولدها الذي ذابت في حاله أو أحداً من إخوته، بل ندبت حسيناً فيا له من موقف لا ينسى، وهكذا يصل الولاء الصادق بأهله.

وبعد أن كفكفت أم البنين دموعها تأملت في وجه الحوراء زينب واختنقت بعبرتها ثم قالت: سيدتي يا زينب! أراك وقد ضَعُفَ بدنك وأصفرَّ وجهك، وأسرع الشيب إلى رأسك؟ فأمسكت الحوراء زينب عن الكلام قليلاً ثم قالت: والكلمات تتقطع في حلقها:

«لا تلوميني فلقد شيبتني المصائب».


1) (1)

2) (2) المصدر السابق.

هذه دارهم تهيج شجوني كيف‌حبس الدموع‌بين الجفون؟!

ودّعوني وأودعوا السهم قلبي ليتني ما بقيت مُذْ وَدَّعوني!

أيها اللائمون كفُّوا ولكنْ بمصاب ابن فاطم ذَكِّروني

تلك ذكرى بها تهون الرزايا وهي من أمهات ريب المنون

تركت زينباً تنادي حسيناً يا بْنَ أمي ووالدي روّعوني

غيّرتني مصائب الطف حتى أنّ منْ يعرفوني لم يعرفوني


تأكدها من وفاء أولادها

من المواقف السامية التي ازدانت بها حياة السيّدة أم البنين، أنها وبعد أن عاد السبايا إلى المدينة جاءت إلى الحوراء زينب عليها السلام تقسم عليها بأغلظ الأيمان لتخبرها عما فعل أولادها يوم عاشوراء خصوصاً سيدهم وكبيرهم قمر بني هاشم العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام، وهل كانوا عند حسن ظن أمهم وأبيهم فيهم؟ وهل وفوا لإمامهم وسيدهم سيد شباب أهل الجنة، ولم يبخلوا عليه بشيء؟ وهل أدوا حق النصرة كما ينبغي؟ ورحت تكرر السؤال على الحوراء زينب عليها السلام كل ذلك بغية التأكد من وفاء أولادها لإمامهم ونصرته والذود عنه، وما أعجبه من موقف!

إنها بدل أن تسأل عن جراحات أولادها أو مصارعهم، كيف سقطوا ومَنْ قتلهم ومَنْ حز رؤوسهم ومَنْ مَثّل بهم وأية خيل رضت أجسادهم

إلى غير ذلك من الأسئلة التي تكشف مدى تعلقها بأولادها وحزنها لفراقهم، بدل كل ذلك تسأل عن وفائهم للحسين عليه السلام وعن ذودهم عنه، ومواساتهم له، مما يكشف عن عظيم إيمان ومسو معرفة، تميزت بهما هذه السيّدة الصابرة.

وجاءها الجواب من الصديقة زينب عليها السلام مبرداً لغليلها، ومنوناً لنحيبها، ذلك الجواب الذي هللت لسماعه، وشكرت اللّه تعالى لتحققه، فلقد بينت لها أنهم لم يكتفوا بالذود عن الحسين والقتال بين يديه والمواساة له بس سطروا أروع البطولات، وواسوا أخاهم وإمامهم الحسين حق المواساة خصوصاً بطل العلقمي وساقي العطاشى الذي تعجبت من بطولاته وصولاته ومواساته ملائكة السماء.

فلقد خاض الماء بجواده وملأ القربة ماءً وأحس ببرودة الماء ولم يذق من الماء قطرة واحدة مع شدة ظمئه وعطشه كل ذلك مواساة منه لأخيه الحسين عليه السلام الذي لم يشبهه أحد وقتئذ في ظمئه.

فاطمئني يا أم البنين وتخطي عرصات القيامة رافعة الرأس، مبيضة الوجه، فالزهراء بانتظارك، وفيتِ لها فلا بد أن تفي لك، فطوبى لك ولأبنائك ومحبيك.

ومن المواقف التي لا تنسى، بل لا يصلح أن تنسى لأم البنين عليها السلام إعلانها لمظلومية الحسين عليه السلام وذلك عبر إقامتها لمجالس العزاء، وطول بكائها عليه.

فقد ذكر المؤرخون أنها كانت تحمل حفيدها عبيد اللّه بن العباس وتخرج إلى البقيع كل يوم وتقيم النياحة على أولادها وتندبهم أشجى ندبة، وخروجها إلى البقيع حيث اجتماع الناس، من ناحية، وقربها من القبور مما يجعل النفوس المستمعة لندبتها أكثر تأثراً مما لو ناحت في مكان آخر من ناحية أخرى، كما أن نياحتها على أولادها لا تعني أنها نسيت الحسين عليه السلام بل إنَّ الحسين عليه السلام بالنسبة لها هو سيد أولادها والنوح كل النوح عليه ومن أجله. نعم. لا يمكن أن نُهمِّش مصيبتها في ولدها العباس قمر العشيرة وأخوته، فهي الأخرى مصيبة عظيمة، ورزية فادحة.

ولهذا نراها في بعض الأحيان رغم قوة إيمانها وصلابتها، وتضحيتها، ووعيها وإدراكها ورضاها بما قسمه اللّه لها نراها تستسلم للعاطفة فتخنقها العبرة على ولدها العباس وإخوته، فيفيض قلبها حزناً وتقول:

يا من رأى العباس كرّ على جماهير النُّقد

ووراه من أبناء حَيْ دَرَ كل ليثٍ ذي لبد

أنبئت أن ابني أُصيب برأسه مقطوع يد

ويلي على شبلي أما لَ برأسه ضرب العمد

لو كان سيفك في يَدَيْ ك لما دنا منه أحد


إنها تندب أولادها الأربعة وتتقطع ألماً عند تذكر أيامهم وذكرياتهم الجميلة. ولكن سرعان ما يشتد نحيبها ويعلو بكاؤها على سيد أولادها،

وإمامها، ومخدومها: الحسين عليه السلام فلا تقدر على أن تملك عبرتها عند تذكر أيامه، وتتصور مصيبته، وتهشيم أضلاعه وحمله (بدل الكفن) في قطعة من البواري، فتهون عندئذ محنتها في أولادها الأربعة وتجثو مصيبة الحسين عليه السلام وحدها على صدرها، وتأخذ بمجامع فؤادها، فلا تبصر إلّا الحسين، ولا ترى إلا الحسين، ولا تحس إلّابالحسين، ولا تتذكر إلّا مصيبة الحسين ولا تردد إلّاقول: يا حسين يا حسين يا حسين.

وهي إنما تقوم بذلك لتشتعل نار العداوة ضد بني أمية، فكانت هي والحوراء زينب عليهما السلام قد أخذتا على أنفسهما إكمال رسالة الحسين عليه السلام ونشر مظلوميته في ربوع الدنيا، فعليك مني سلام اللّه يا سلالة الأطياب، وإلى موقفك هذا فلتنحَنِ الرقاب، كلُّ الرقاب.

بالإضافة إلى ذلك هنالك مقدمات استيضاحية يمكن الإشارة من خلالها إلى الحجم الحقيقي للمصيبة التي بقيت تستجر الدموع والعبرات من مآقي ومن مشاعر صاحبة الحس المرهف سيدتنا (أم البنين)، إذ لابد من الدخول إلى أجواء الفاجعة من مدخل الخصوصيات التي توسمت بها، والظروف التي عاشتها قبل الواقعة، الأمرُ الذي يلزمنا كشفهُ من السيرة الموروثة لهذه المؤمنة الصالحة مع زوجها أمير المؤمنين عليه السلام ومع أهل البيت عليهم السلام بصورة عامة.

يقول العلّامة الشيخ عبد الحميد المهاجر: «فأم البنين استضاءت بنور العلم الذي استضاءت به من الإمام علي، وأخذت منه الأدب

والأريحية والوفاء، هذا بالإضافة إلى أصالتها وعمق إيمانها وأخلاقها، وناهيك بمن تكون زوجة لبطل الإسلام الخالد كيف لا تتأثر به، وتلتصق بروحه وأخلاقه ومبادئه.

ولذلك يوم رجع الناعي ينعى الحسين إلى المدينة كانت أم البنين في طليعة المستقبلين لبشر بن حزلم وكانت تحمل على كتفها طفلاً صغيراً لولدها أبي الفضل العباس كان قد تركه عندها لأسباب وظروف اقتضت ذلك»(1)

العباس بن علي بطل الحق والحرية للشيخ عبد الحميد المهاجر.

.

وذكر مؤرخو السيرة الحسينية، بأنّ أمّ البنين كانت في طليعة الذين خرجوا لاستقبال الناعي وهو ينادي صارخاً:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مُضرَّجٌ والرأس منه على القناة يدارُ


وَلَخّص هذه الحالة السيّد سلمان هادي آل طعمة قائلاً:

«ولما وقع بصرها على الناعي لم تسأله عن العباس، ولا عن أي واحد من أبنائها الذين قُتلوا مع أخيهم الحسين، وإنما سألته عن الحسين، هل هو حيّ أم لا؟

وعَلَت الدهشة وجه بشر بن حذلم عندما عرف أنَّ هذه المرأةَ هي فاطمة بنت حزام العامرية، وهي أم البنين بالذات، كيف لا تسأله عن أولادها؟


1) (1)

وظنَّها لوقع الصدمة حيث ذُهلت عن أبنائها، فراح يعددهم واحداً بعد الآخر، وفي كل واحد منهم كان يعزّيها يقول لها:

عظم اللّه لك الأجر بولدك جعفر.

فتقول: وهل سمعتني أسألك عن جعفر؟ أخبرني عن ولدي الحسين، إني أسألك عن الحسين.

ولم يلتفت بشر إلى هذا الموقف وراح يخبرها ببقية أولادها إلى أن وصل إلى العباس، فما كاد يخبرها بقوله: يا أم البنين عظم اللّه لك الأجر بولدك أبي الفضل العباس، حتى نظر إليها وقد اعتراها اضطراب شديد في تلك اللحظة التي سمعت فيها نبأ مصرع أبي الفضل العباس، حيث اهتز بدنها حتى سقط الطفل الصغير الذي كانت تحمله على كتفها(1)

أُم البنين (للسيّد سلمان آل طعمة): 20.

.

قصيدة ملا عطية بن علي بن عبد الرسول البحراني الجمري

باللّه استعدي للبواچي يم البنين ردوا يتاما وانذبح عباس واحسين

يم البنين انذبحوا كلهم على القاع واحسين ظل مجرد أو مكسور لظلاع


1) (1)

ومخدرة حيدر علي فرت بلا اقناع ويه الحرم والنار تسعر بالصياوين

يم البنين الأربعة انذبحوا ظمايا اوظلوا ثلثت أيام بالغبرا عرايا

اوليتك نظرتي اعلى النهر صاحب الرايه مفضوح راسه امقطعه اشماله وليمين

يم البنين الاربعه محد دفنهم دمهم غسلهم والترب صاير كفنهم

وامن الصبح زينب مشت للشام عنهم فوق الهزل مرت اوشافتهم مطاعين

يم البنين الأربعة تشهدلچ الناس ما صار بليوث الحرايب مثل عباس

خلاّ الأرض روس أوجثث وامطهمه داس روس‌الاعادي أو غلق‌الميدان صوبين

صاحت اولادي أو كل من بالعالم ايروح أو بالبيت بعد احسين ما تبقى لنا روح

يا بشر باللّه لا تقول احسين مذبوح ماشوف بالدنيا عوض عندي عن احسين

عباس واخوانه عليهم ذاب الفؤاد اعزاز عندي أو حزنهم بالقلب وقاد

واحسين فت قلبي أو نسيت افراق لولاد فدوه لبواسكنه اولادي يا مسلمين

يا ليت عندي امن الولد سبعين مولود بالمرجله كلها مثل عباس واتزود

تنذبح وابن المصطفى لدياره ايعود سالم ولا تنظام زينب والخواتين(1)

جمرات الوديعة: 95/1.


من أعظم الساعات التي مرت على زينب عليها السلام حتى كادت أن تموت في تلك الساعة: ساعة رجوعها إلى المدينة، ولقائها بأم البنين عليها السلام(2):

أم البنين استقبلت زينب اتنادي قولي يزينب وين خليتي اولادي

ايقولون ظل عباس مقطوع الأيادي والسهم صاب اعوينته والعمد بالراس

والجسد ضل فوق‌النهر بالخيل‌ينداس واضيعة احوالي عقب عباس واحسين

يم البنين الدهر برجالي رماني راحت اولادي ابكربلا او راحت ايامي


1) (1)

2) (2) الشيخ عبد الحميد الشيخ منصور المرهون.

يا ليت موتي من قبل عينك تراني أو اعظم اللّه اجرچ ابعباس واحسين


لطمية عتاب

عليچ أم البنين أعتب ويه حسين ما جيتي

مو أنتي ابدال أمه ليش وجنچ انسيتي

چان ايصيحلج يمه ويكلچ يا ضوه بيتي

لو شفتي حزن عنده حزنتي ابداله وبجيتي

وانتي شكثر يم عباس للمظلوم داريتي

أم وتعوف ابنها اشلون أشلون أقبلتي ورضيتي

ظل ابكربله وحده وانتي ابعيد ظلّيتي

چا جيتي مسحتي الدم چا لجروحه داويتي

وعن حر الشمس لحسين أبعباتج جان فيّيتي

وچان وياج جبتي الماي للعطشان روّيتي

ودفعتي‌الخيل عن صدره وكعدتي وياه وحجيتي

عندي سر أكلچ بيه لابد وصل ودريتي

بآخر نفس صاح حسين يمه وما تعنيتي

بآخر نفس صاح حسين يمه وليش ما جيتي(1)

لشاعر أهل البيت عليهم السلام جابر الشكرچي.


1) (1)

المجلس الرابع: حول أُم البنين وما جرى من المصائب على أهل البيت عليهم السلام

اشارة

أُمٌ على أشبالها أربعٍ جائت لبشرٍ وبهِ تَستَعين

وَتحمِلُ الطفلَ على كتفِها تسأل عنهم خَبَرَ القادِمين

ملهوفةً ممّا بها مِن أسىً ترى بذاك الجمع شَيئاً دَفين

فقالَ يا أم ارجعي للخِبا وابكي بنيك قُتلوا أجمعين

فما انثنت وما بكت أمُّهُمْ وخابَ منهُ ظنهُ باليقين

كأنها الطودُ وما زُلزلت وحق تُجري لهم دَمعُ عين

فقالَ يا أُمَّ البنينِ اعلَمي بأنّ عباساً قتيلاً طعين

قالت طَعنتَ القَلبَ منّي فقل النفس والدنيا وكل البنين

نمضي جميعاً كُلنا للفِنا نكونُ قرباناً فِدىً للحُسين(1)

القصيدة للسيّد محمد كاظم الكفائي قدس سره.



1) (1)

أم البنين وزينب

لفتها أم البنين اتقوم وتطيح وين أهلك يزينب راحوا اتصيح

وين ابدور غالب والمصابيح أو وين احسين الينه المشيم

تقلها والدمع يجري امن العيون قضوا يم البنين ابخطة الكون

هووا ما بين المطبر أو مطعون وبين البلعمد راسه تهشم

صاحت ارد انشدك يا ضوه العين عن عباس وولادي الميامين

اخافن قَصروا عن خدمة احسين أو عند امه ابخجل وجهي ايتوسم

لا يمي تقلها اشتقولين ثلث تنعام من اخوتي الطيبين

بذلوا كل جهدهم دون الحسين أو وقفوا سور ما دون المخيم

شقلك عن أبو فاضل واخبرچ واگر اعيونچ ابفعله وابشرچ

مثل حملات حيدر حمل شبلچ من هز رايته أو لاح المطهم

طلبنه الماي منه أو حمل واغضب واخذ جوده ابيمينه أو للنهر طب

وهو امن العطش منه الچبد عطب أبد بالورد قبل احسين ما هم

جزا حد الوفه أو غاية المجهود ويه احسين راعي العلم والجود

حته انقطعت من عنده لزنود أو ظهر احسين لفراقه تفصم(1)

للسيّد عبد الحسين الشرع.



1) (1)

من كلام لأم البنين عليها السلام لمّا نعى بشرٌ اليها أولادها الأربعة:

«لقد قطعتَ نياطَ قلبي يا بشرُ، أولادي ومَن اظلّت الخضراء كلهم فداء لأبي عبد اللّه الحسين عليه السلام»(1)

تنقيح المقال (للمامقاني): 7103.

.

ايمانها الراسخ في أهل البيت عليهم السلام

كانت أم البنين عليها السلام مؤمنة باللّه ورسوله من موالي الأئمة المعصومين أولهم زوجها أمير المؤمنين عليه السلام ويستفاد من قوة ايمانها وتشيعها وولائها ما قالت لبشر بن حذلم «أنا وَأولادي ومَن اظلته الخضراء كلهم فداء لابي عبداللّه الحسين عليه السلام».

فإن تعلقها بأهل البيت عليهم السلام ليس إلّالأمامتهم ومقامهم الرفيع عند اللّه تعالى حيث يهون على نفسها موت اولادها انْ سَلُمَ الإمام الحسين عليه السلام ولذلك قال السيّد المقرّم: «وكانت من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت، مخلصه في ولائهم ممحضه في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه والمحل الرفيع» وقد زارتها زينب الكبرى عليها السلام بعد وصولها المدينة، تغريها باولادها الأربعة كما كانت تزورها أيام العيد(2).

وكانت أم البنين عليها السلام عالمة فاضلة لأنها من أهل بيت الفضل والكمال والبسالة وشجاعة وهي زوجة باب علم النبي الذي ينحدر عنه العلم


1) (1)

2) (2) العباس (للمقرم): 72.

سيلاً ولا تحصى فضائله عداً، وهي مع ذلك كانت محشورة مع النساء الهاشميات المؤمنات، ومأنوسة مع أولاد زوجها البنين والبنات، فمن كل تلك الجوانب كانت تجني ثمار العلم.

وقال صاحب كنز المصائب: أنا العباس أخذ علما جمّاً في أوائل عمره عن أبيه وأُمه وأخوته(1)

أُم البنين (للسالكي): 76-77 عن معالي السبطين: 63/1 عن كنز المصائب للعلّامة محمد حسن القزويني، الخصائص العباسية: 74.

وقد وصفها صاحب العمدة بالعالمة(2).

ولذلك تحملت جميع المصائب التي مرت على زوجها أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الحسن والحسين وأولادها، ولا باس بالإشارة إلى جملة من تلك المصائب التي تحملها أم البنين في بيت أمير المؤمنين عليه السلام.

أم البنين عليها السلام ومصاب أمير المؤمنين عليه السلام

المكان، مساحة قليلة من أرض الكوفة في العراق. والزمان هو ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك سنة (40) من العام الهجري، وأما الحديث الذي هدّ أركان السماء واهتزت به الأرض، فقد قام أمير المؤمنين عليه السلام لصلاة الليل، ونظر إلى السماء نظرة الراحلين إليها وقال: «إنّا للّه وإنا إليه راجعون». ثم أضاف لأهل الدار، وتسمعه ابنته السيّدة زينب بكل وجودها وشعورها: «واللّه ما كَذَّبتُ ولا كُذِّبتُ وإنها الليلة التي وُعدتُ بها».


1) (1)

2) (2) أدب الطف: 73/1.

ولا أدري أين كانت زوجته أم البنين حين تمتم الإمام بهذه الكلمات؟

هل كانت واقفة عنده تسمع كيف يقرأ زوجها على نفسه المطمئنة آية الوداع؟ أم كانت جالسة على سجادتها تتهجد للّه في صلاة الليل وتدعو لزوجها بالخير والنجاح؟

لا أدري. فالتاريخ عجز عن نقل الكثير من الوقائع والحقائق، وهذا أحدها. ولكن الإمام علي عليه السلام قد أوصاها في ساعة من تلك الساعات الأخيرة: يا أم البنين إني أوصيك بولدي العباس، أن يواسي أخاه الحسين ولا يتخلى عنه في أيّة ساعة عند احتدام المعسكرين.

وتقدم الإمام علي عليه السلام نحو الباب وهو يترنّم بهذه الأبيات الشعرية ويخطو مودِّعاً كل الأحبة:

اُشدُدْ حيازيمَك للموتِ فإنَّ الموتَ لاقيكا

ولا تَجزعْ من الموتِ إذا حَلَّ بواديكا

كما اضحكك الدهرُ كذاك الدهرُ يُبكيكا


إنها ساعة ما أصعبها على أم البنين التي أنجبت لعلي أمير المؤمنين من بعد العباس شبّاناً ثلاثة (جعفر وعبداللّه عبد الرحمن أو عثمان) فقد كانت حزينة لفراق زوجها العزيز الكريم الحنون المظلوم العابد المجاهد العالم الشجاع الوليّ المقرّب إلى اللّه، وكيف لا تحزن وعليٌّ

كان أول المسلمين إسلاماً، وأقربهم إلى سيد المرسلين نفساً وإيثاراً، وأعلمهم بالقرين والدين المبين وضوحاً ويقيناً، وأكثرهم جهاداً في مقارعة المشركين والناكثين والمارقين والقاسطين جهاداً كبيراً.

ولقد حمل الإسلام في غربته وهجرته ودولته، وحمله في نكسته والفتن التي أحاطت بأمته، حملاً متألماً وحكيماً ومدبّراً وصابراً.

عليٌّ هذا يودّع الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وزوجاته عليهم السلام اللواتي وقفن إلى جانبه سنوات مظلوميته، وكانت لزوجته أم البنين عليها السلام مواقفها المتميزة في كل المراحل، وفي هذه المرحلة الأخيرة من سويعات الوداع أخذت تنظر إلى الإمام الحسن الزكي المجتبى عليه السلام مرة وهو الإمام القادم، وتلقي بنظرتها على الإمام الحسين عليه السلام أخرى وهو الثائر القائم.

وتمسح بيدها الدموع من خدّ السيّدة زينب عليها السلام الفتاة التي تنتظر دور الأسيرة المنتصرة، وتمرر كفّها على رأس أم كلثوم، وتمسح على رأس أطفالها وتلاحظ العباس كيف يوزّع نظراته إلى الجميع من حوله وإلى الموقف الغريب.

وتسترجع أم البنين ذاكرتها لتقرأ الأيام التي قضتها مع أمير المؤمنين عليه السلام ثم تقفز بفكرها إلى المستقبل وثقل المسؤولية من بعد إمام المسلمين.

ووقفت أم البنين وقفتها المعهودة وقالت بكل صدق: «لك الحمد يا رب، أنت الذي أعطيتني، وأنت الذي أخذت، لا... لا يكون لي إلّا

الوفاء والاستقامة على خط الولاء... لا أبداً أنا المرأة التي أرادها علي عليه السلام أن تكون ثابتة القدم، صابرة على الألم... طائعة للّه في الطريق الأقوم.

لك المُلك يا إلهي تفعل ما تشاء ولا يفعل ما يشاء غيرك. هذا علي وصيّك وأبو الأوصياء يودّعني ويودّع الأولاد راحلاً إليك، وأنت خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين».

خرج الإمام عليه السلام إلى‌المسجد لإقامة صلاة‌الصبح أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ .

وكانت أم البنين تصلي وقلبها مع اللّه إلّادقّاته، المقسَّمة بين اللّه وبين ولي اللّه المرابط في محراب العروج إلى اللّه.

وعلي عليه السلام هناك يصلّي وقلبه مع اللّه ودقّات قلبه أيضاً مع اللّه دون شك في ذلك ولا ريب. لأنه على كامل الاستعداد وفي سلامة من دينه الذي عاش لأجله وصانه حتى الفوز الأخير إلى خير المصير.

الأمر هكذا وإذا بضربة السيف المسموم من يد اللعين ابن ملجم الخارجي (بل الأموي) تفتق رأسه الشريف، ويقع أمير المؤمنين عليه السلام في المحراب مفلوق الرأس والجبين، وتسيل الدماء على وجهه وصدره.

وهو يطلق نداءه الخالد للبشرية «فُزتُ ورَبِ الكعبة»؛ «فُزتُ ورَبِ الكعبة» فزتُ واللّه فزت، فسوف لن أراكم أيها التعساء المتخاذلون ولن أراكم يا من ملئتم قلبي قيحاً، فلا أراني اللّه وجوهكم بعد هذا،

وسوف لن ترون أحسن مني أيها الجاهلون. فُزتُ واللّه، وقسماً برب الأرض والسماء، وقسماً بالكعبة بيت الشرفاء، قسماً بها يوم وُلِدتُ فيها كريماً وقُتِلتُ لكرامتها شهيداً.

كأني بأم البنين عليها السلام قامت من سجدادة صلاتها وخرجت إلى ساحة الدار ويديها على رأسها إذ سمعت دويّ السماء، نداء نداء نداء:

«تهدمتْ واللهِ أركانُ الهدى، قُتِلَ عليٌّ المرتضى، قَتَلَهُ أشقى الأشقياء».

فأسرعت أم البنين عليها السلام تحتضن اليتامى وتمسح على رؤوسهم وتمسح قطرات دموعهم وتوصيهم بالصبر، وكان العباس عليه السلام وهو ابن الخامسة عشرة آنذاك يبكي متجلّداً وقبضاته الغاضبة تأتمر من قلبه المؤمن بالقيادة العلوية تترقب الأوامر الحَسَنِيّة.

وأما الحسنان فقد هرعا إلى المسجد يبكيان بكاء الصامدين أبداً، وجلست السيّدة زينب عليها السلام عند الباب تنتظر بقية الواجبات، ومعها أُم كلثوم عليها السلام الصغيرة في سنها والكبيرة في شخصيتها، فلقد بدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع بين الحق والباطل، والفضيلة والرذيلة.

ولم تكن قد بكت أم البنين عليها السلام على أحد مثل بكائها على أمير المؤمنين علي عليه السلام ولم‌يكن بكاؤها من غير بصيرة كما هو بكاء بعض الباكين من شيعته، وفرق بين بكاء المعرفة بالحق وحق المعرفة، وبين بكاء مع الخلق منها.

وبقيت أم البنين عليها السلام حزينة على فقد زوجها حزناً واعياً، وأضحت صابرة على فراقه صبراً جميلاً.

ولم تتزوج بعده أحداً، بلم لم تفكّر في ذلك أبداً، فقد أوقفت نفسها لبيت علي عليه السلام وأبناء عليّ عليه السلام وأحفاد علي عليه السلام، ونذرت نفسها لترجمة رسالة علي عليه السلام حرفياً قدر الإمكان حتى توافيها المنية وهي أم‌البنين عليها السلام وتلتحق بركب الصالحين والصالحات وهي نفسها لن يغيّرها زمن الهزائم السياسية وفراعنة المسلمين!

أم البنين عليها السلام ما فتئت بعد الإمام علي عليه السلام تذكره وتبكي عليه وترعى ودائعه عندها، وهي تتذكر فضائل زوجها ومناقبه وما قاله الرسول صلى الله عليه و آله في منزلته وتذكّر الناس بها من حولها. وكلما تتذكر مثل قوله صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام:

«من أحبك يا علي كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة» (1)

ينابيع المودة (للقندوزي): 291/2، مطبعة اسوة، والصفحة: 251، مطبعة اسطنبول، والبحار: 79/72، عيون أخبار الرضا عليه السلام: 220.

.

كانت تزداد شوقاً إلى درجاتها في الجنة، أليست الجنة تحت أقدام الأمهات؟ فكيف إذا كانت في طليعتهن أم البنين عليها السلام.

وبعد سنوات الهزّات السياسية واستشهاد الإمام علي عليه السلام عادت القافلة العلوية من الكوفة إلى مدينة الرسول وليس فيها عليٌّ زوج البتول.

وكان أمير القافلة هذه المرّة هو الإمام الحسن بن علي عليه السلام وكان وزيره


1) (1)

أخوه الحسين بي علي عليه السلام وكان ف طليعة العماية والحرّاس قمر بني هاشم... إنه العباس وما أدراك ما العباس عليه السلام.

نعم... هكذا سنّة الحياة عند الصالحين والصالحات، يوم هنا ويوم هناك والساعات تزحف نحو النهايات والعاقبة للمتقين وهم الذين لا يهمهم شيء في الدنيا إلا ما رسمه لهم رسول رب العالمين، إذ قال محمد صلى الله عليه و آله:

«من أعطي أربع خصال في الدنيا فقد اعطي خير الدنيا والآخرة وفاز بحظّه منها: ورع بعصمة عن محارم اللّه، وحُسن خُلق يعيش به في الناس، وحلم يدفع به جهل الجاهل، وزوجة صالحة تعينه على أمر الدنيا والآخرة».

فما أسعدك يا علي عليه السلام وقد جمعت كل هذه الخصا... ما أسعد زوجتك أم البنين عليها السلام معك يا خير الرجال.

أم البنين عليها السلام عند جثمان الإمام الحسن عليه السلام

تلاحقت الأحداث السياسية والهزّات الاجتماعية والفكرية بعد الإمام علي عليه السلام وارتطمت مسيرة الأمة بصخور أموية ومؤامرات هدّامة وكان الإمام الحسن عليه السلام من بعد أبيه سيد المواقف الصعبة والمهام الثقيلة.

وعن أم البنين عليها السلام في هذه الحقبة الزمنية، يكفينا أن نعرف بأنها عاشت بهموم الإسلام وجرعت الآلام وهي ترى المظلومين من آل محمد وترى الظلاّم، إنفجر باكياً.

وأما في ليلة السابع عشر من شهر صفر سنة (49) الهجرية فقد جاءت باكية تنادي أولادها، يا عباس يا قمر بني هاشم، وأنت يا قرة عيني عبداللّه (المسمى باسم والد النبي) وأنت يا جعفر (المسمى باسم عمي جعفر الطيار)، وأنت يا عثمان (المسمى باسم الشهيد عثمان بن مظعون الصحابي الجليل صديق الإمام علي)، قوموا يا أحبتي...

انهضوا فهذا أخوكم وإمامكم وولي أمركم الحسن بن علي عليه السلام قتلوه مسموماً، اذهبوا إلى داره واعملوا ما يأمركم سيّدكم الإمام الحسين عليه السلام.

وحضروا جميعاً، وكان العزاء قائماً في بيت الإمام الحسن عليه السلام وهو في الزمن الأخير. وكان الإمام الحسين ينظر إلى أخيه ويبكي ويسأله عن قاتليه.

والامام الحسن يقول: إن يومك في كربلاء أكثر ألماً يا أخي...

فلا يومٌ كيومك يا أبا عبداللّه. آه... يا ويل للظالمين.

وفاضت روحه الكبيرة الشريفة الى بارئها وارتاح من الدنيا وغمها والعبّاس بين يديه يبكي على أخيه الامام الحسن عليه السلام.

حملوا الجنازة إلى ثرى جدّه الرسول محمد صلى الله عليه و آله، وفجأة أمطر الأوغاد جنازة سبط الرسول بوابل من السهام وأصابت بعضها جنازة الحسن المظلوم وبعضها أصابت المشيِّعين، آه... يا لها من مصيبة فوق المصائب. كم بلغت درجة الوحشية في الذين انسلخوا عن وصية الرسول، أين المودّة في القربى يا مسلمون؟!

فصاحت نساء الفضيلة وبنات الرسالة وكان الرعب يخيّم على قلوب الأطفال من هول الجريمة... لأول مرة في التاريخ، تُرمى جنازة مرفوعة على الأيدي بسهام مجنونة! يا لها من خساسة!

عند هذا الحدث الرهيب كان العباس - وهو الشاب في عمر الرابعة والعشرين - يرافق أخاه الحسين عليه السلام ويحرسه كتفاً بكتف وروحاً بروح، هنا لم يُطِق العباس صبراً... فأمسك مقبض سيفه ليهاجم الأوغاد، فأخذ الإمام الحسين عليه السلام بيده وقال: قد أوصاني أخي الحسن أن نتمالك إذا ما حدث مثل هذا تحت جنازته، وكأنهم كانوا يتوقعون حدوثه من أجلاف بني أمية، فصبر أبوالفضل بأبي هو وأمي على طاعته للقيادة!

وهذه لعمري من مواقف الأبطال أصحاب المبادئ والقيم والثورية الموجهة بأحكام الشريعة وطاعة القيادة الرسالية. فلا للعواطف المجرّدة عن العقل والحكمة، ولا للحماسيات المفرَّغة عن الأخلاق والإنسانية، ولا للسياسات الخالية من القيم الدينية. تلك هي نسخة طابقت أصلها حينما أغمد الإمام علي عليه السلام سيفه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله عملاً بالوصية المحمدية.

أم البنين تتكلم: آه... لقد رأيت الحدث، وكدت أصيح بولدي العباس أنِ اهجم دفاعاً عن الطيبين من أبناء علي وفاطمة، اقتل...

دمِّر... ولا تبقي لهم باقية، ولقد عرف ولدي ما هو الواجب عليه حينما مسك السيف ليهاجم، ولكن الوصية والطاعة كانتا هما الأوجب.

تقول لنا أم البنين: ليتكم يا أهل الغيرة والشهامة كنتم تشاهدون ذلك اليوم الحزين، كم كان أليماً على بني هاشم وشيعة آل محمد المستضعفين.

ونقول يا أم البنين: إننا نعيش اليوم زماناً مثل زمانك، وكما وصفه زوجك أمير المؤمنين عليه السلام: «صار الفسوق في الناس نسباً والعفاف عجباً»(1)

للشيخ أشرف الزهيري الجعفري: 135.

.

وداعها عليها السلام للإمام الحسين عليه السلام وأولادها

أم البنين تحكي لنا حال لسانها تقول: وحانت ساعة أخرى من أصعب ساعات حياتي أيها لناس. إنها الساعة التي توشك بالكارثة والمصيبة العظمى، نحن اليوم في أواخر عام (60) الهجري، وهذه قافلة الحسين سبط النبي تستعد لتحويل وجهة التاريخ وتأسيس انعطافة خالدة لمفاهيم الحرية والحركات التحررية. لا أدري كيف أودع الحسين في هذه الساعة، وكيف أفارق زينب وأم كلثوم، وكيف أنظر إلى قافلتهم وهي تخرج من مدينة جدهم إلى غير عودة، آه... وقد تعد بلا رجالها الأشاوس أو قد تعود وعلى الرماح رؤوس الأماجد.

إلهي... إني أرى في الأفق مصائب تلوح على آل محمد بلون الدم.

ها قد يأتي الحسين الآن ليقول: أمّاه... وداعاً. فماذا أقول أنا؟

إلهي كيف أنظر إلى وجهه، كيف أودّعه، كيف وبماذا... لا أدري!


1) (1)

إن الإمام الحسين عليه السلام قلبي الذي أطمئن به، ونبضي الذي أتحرك به، وحياتي التي أشعر بها الوجود، إنه معنى وجودي، إنه إمامي وسيدي وأمير مسيرتي. فكيف أجلس ليأتيني، أبداً، أنا أذهب إليه وإلى ابنتي زينب وأختها أم كلثوم، ولا أقول وداعاً يا أحبّتي، بل أقول يا ولدي العباس هذه وصية أبيك علي أمير المؤمنين... فجاهد دون الطيبين، ناضِل دون أخيك الحسين نصير المحرومين، ودافع عن أختك زينب وأم كلثوم، وقاتِل بكل ذرات وجودك حتى آخر رمق من حياتك...

وأما اللقاء يا ولدي فعند كوثر الزهراء. هي برأس الحسين وأنا بيديك المقطوعتين، والحَكم العَدل هو اللّه. وهنالك يخسر المبطلون لا محالة.

وجاءت أم البنين إلى قافلة المهاجرين للّه... للحق... للحرية.

ودنت إلى ولدها العباس وإخوته حوله يسمعون: أولادي الأعزاء..

وأنت يا ولدي أيها القمر الزاهر للنجباء... ولدي أيها البطل الشامخ..

ولدي أيها العباس الباسل... انطلقوا في ركب الحسين إلى الجنة. ولكن من أرض كربلاء الناعية. وبلّغوا سلامي لرسول اللّه محمد صلى الله عليه و آله، ولفاطمة أم الحسن والحسين عليهما السلام وحبيبتي زينب وأم كلثوم عليها السلام، بلّغوا سلامي لعليٍّ عليه السلام إمام المتقين وقائد المجاهدين، وقولوا له إن أم البنين عليها السلام قد وفيت بالعهد ورضيت بالقَدَر وسلّمت أفلاذ أكبادها للّه أولاً، وللّه آخراً، دون اضطراب في الإيمان واليقين. فهل أنت راضٍ من أم البنين عليها السلام؟

أجل وتقدمت أم البنين عليها السلام بهذه الرؤية العقائدية تودّع الإمام الحسين عليه السلام السبط أمير قافلة الثائرين، ومشت إلى خِدر زينب، ولا أدري ماذا أسرّت لها وماذا قالت؟ ومسحت على دموعها وهي تحتضن أم كلثوم وهمست في أذنها!

ثم عادت مرة ثانية إلى أولادها الأربع، العباس وعبداللّه وجعفر وعثمان، فوضعت أيدي الثلاثة في يد العباس أخيهم الأكبر، وأوصتهم بالإمام الحسين عليه السلام وأخته زينب وأم كلثوم وشباب بني هاشم والعيال جميعاً والأطفال عليهم السلام خاصة أن لا تعطّلوا جهداً في سبيلهم أبداً.

فنطق العباس هنا: أماه يا أم البنين، لا تقلقي فأنا الحسين والحسين أنا، أنا زينب وزينب أنا، نفسي لنفسهما الوقى، روحي لروحهما الفِدى، عزيزتي أمّاه لا تقلقي على نصرتي للطيبين، فأم كلثوم أختي وكل الأطفال أنا ساقيهم أنا كافلهم أنا أذبّ عنهم الأعداء.

لا تحزني أماه فموعدنا الجنة ولقاؤنا عند ملتقى الكوثر، عزيزتي أمّاه شكراً لك على ما بذلتِ من سَهَرٍ وتَعَبٍ لتربيتي وإعدادي وتهيئتي لمثل هذا اليوم، اجعليني أمّاه في دعائك وقولي لابني (فضل) إنّ أباك أبا الفضل كان يحبك، وطريق الحُبّ يمر من باب الحسين، فمن أحب حسيناً أحببته.

أمّاه... قولي للعالم واعلني للبشرية أن حب الحسين قد أجنّ الصادقين في صدقهم، والعباس في طليعتهم.

وداعاً يا أمّاه... لا تحملي هم إخوتي، إنهم رجال الحياة وسوف يغلبون الموت بحبّ الشهادة، ألسنا جميعاً من مدرسة أبينا علي أمير الأمناء وإمام الأتقياء؟! ومن مدرستك مدرسة الشجاعة والسخاء، مدرسة البطولة والفداء، مدرسة الإيمان والوفاء، مدرسة الإيثار والعطاء، مدرسة الغيرة والنقاء....

إذن يا أمّاه لا تخافي ولا تحزني ولا تقلقي ولا تبالي، لقد كنتِ لنا مدرسة كاملة وكنا لك خير تلاميذ وطلبة.

ودمعت عينها أم البنين عليها السلام. ومسح العباس عليه السلام على تلك القطرات الدرّية وقال: أمّاه... مِمّ بكاؤك؟ فإني لم أقل شيئاً إلا وأنت عارفة به!

أم البنين عليها السلام: مِن شموخك أبكي يا ولدي لقد ذكرتني بابيك أمير المؤمنين فانت الشبل من ذاك الأسد، ومِن... (سكتت ولم تستطع أن تُكمل كلامها من البكاء ساعد اللّه قلبها وهي تودع أولادها واولاد الزهراء عليها السلام).

ثم التفتت إلى بقية أولادها، تقول وأنت يا عبداللّه، يا جعفر، يا عثمان. لا تنسوا أنكم أولاد علي بن أبي طالب عليه السلام... أسد اللّه الغالب...

الذي ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلّااللّه، فلا تنسوا يا أحبتي أنكم أولاد الذي ضرب بين يدي رسول اللّه بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر باللّه طرفة عين.

لا تنسوا يا أعزتي أنكم أولاد الذي كان بين المجاهدين الأوائل أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة وقَرُبتِ الأعنّة طَحَن الرحا، ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز وكبشُ العراق، مكيٌّ مدني... من العرب سيّدها، ومن الوغى ليثها، ذاك أبو السبطين الحسن والحسين.

فلا تألوا جهداً يا أفلاذ كبدي، هاجروا وجاهدوا ولا تأخذكم في اللّه لومة لائم. هكذا كان أبوكم علي الذي طلّق الدنيا ثلاثاً فما كان يرى إلّا اللّه تعالى.

اذكروه يا أولادي، فقد كان يقول في مناجاته:

«إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك» كونوا مخلصين للّه وتقدموا إلى اللّه وحده، لا هروباً من النار ولا طمعاً في الجنة، بل حباً في اللّه ومودة لأولياء اللّه.

وتقدمت أم البنين إلى الإمام الحسين عليه السلام قائلة: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد اللّه، أستودعك اللّه يا نور عيني يا سيدي وإمامي، يا حسين.

«أجهشت بالبكاء وانقطعت عن الكلمات».

فقال لها الإمام الحسين عليه السلام: جزاك اللّه عنا خير الجزاء يا أمّاه، فقد كنتِ لنا أُمَّا بارة، وداعية مخلصة.

تقدمت خطوة أخرى وقالت على مقربة من سمع الإمام الحسين عليه السلام:

اذكرني يا ولدي عند أمّك الزهراء وبلّغها أجمل سلامي وتحياتي.

الإمام الحسين عليه السلام: لك ذلك، فإنه وَعدٌ أمين. وداعاً يا أم البنين، وداعاً... وداعاً...(1)

أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 139-145.

.

أم البنين عليها السلام تودع زينب وأم كلثوم والأطفال

أم البنين (وهي تنظر إلى السيّدة زينب وأختها أم كلثوم): وداعاً يا ابنتي العزيزة... في أمان اللّه أيتها العابدة المجاهدة. أنتِ عالمة غير معلمة فلا أوصيك بأخيك الحسين إلّاتذكرة وإن الذكرى تنفع المؤمنين.

السيّدة زينب عليها السلام: دعاؤك يا أمّاه، ولن أنساك، وهل تنسى البنت أمها الحنونة المخلصة المضحية؟ أبداً.

أم كلثوم (بكلمات محبوسة متقطعة): وداعاً أيتها الأم الصالحة.

وودّعت أم البنين أطفال الإمام الحسين عليه السلام وقبّلت أصغرهم سناً وهي السيّدة رقية وكان عمرها ثلاث سنين. ورفعت يدها لأختها سكينة تحية الوداع، وكانت تلك الدقائق تمر على قلبها مروراً عسيراً.

وهنا عادت إلى ولدها العبّاس، فقالت له كلمتها الأخيرة ويسمعها أبناؤه الآخرون: أطيعوا إمامكم الحسين وقاتلوا دونه أعداءه....


1) (1)

قاتلوا قتالاً حيدرياً، كرّاراً، بتّاراً، ذا الفقار يا بلا هوادة، ولا تهابوا الموت يا ليوثي البواسل.

ومشتِ القافلة ومشت خلفها عينا أم البنين حتى حجبتها الدموع، ومشت برجليها حتى غابت القافلة في بطن الصحراء وعمق التاريخ لتطلع بفجر جديد(1)

أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 145.

.

سؤالها من بشر عن الإمام الحسين عليه السلام

في مساحة بمقدار أرض كربلاء... انتهت معركة الدم والسيف في عصر يوم عاشوراء، وكان الانتصار كلّه هو للدم المتدفق في عروق الأجيال الثائرة وليخسأ الذين يقولون غير هذا.

ولقد خسر يزيد بن معاوية كل المعركة وعلى جميع الجبهات وإلى الأبد، فقد خسر حتى سلطته التي قتل الحسين لتثبيتها، وذلك بعد سنتين من الزمن المهلك فقط.

واستمر النصر الحسيني يتمدّد ويتمدّد نحو قلوب الملايين والملايين في مشارق الأرض ومغاربها، إنه الفتح المبين حقاً.

عجيب هذا الدم!

ولِمَ لا يكون عجيباً والنبي محمد صلى الله عليه و آله قال عنه: «إن لدم الحسين حرارة


1) (1)

في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً». فالفتح المحمدي لن يتوقف، والنصر الحسيني لن ينحسر. هذا هو الإسلام الحق الذي تديره يد الغيب في كل العصور، امتحاناً وابتلاءً وحكمة بالغة.

والآن نعود إلى أم البنين لنقرأ سطوراً من مواقفها الأخرى... ونحن على بوّابة المدينة المنورة مع ركب العائدين من كربلاء، فقد كانوا سبايا، وأيّة سبايا هذه؟ وللمرة الأولى في تاريخ الثورات تعود سباياها حاملة لواء النصر تُرى، وهل يوجد نصر أعظم من نصر المبادئ وفتح القلوب بلا حدود؟!

كتب المؤرخون عن هذا الفصل من نهضة الإمام الحسين عليه السلام: ولما وصل الإمام زين العابدين عليه السلام بالقرب من المدينة، نزل في الصحراء وضرب فسطاطه، وأنزل العلويات، وكان معه بِشر ابن حذلم، فقال له الإمام:

«يا بِشر، رحم اللّه أباك لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء منه؟».

فقال بِشر: بلى يابن رسول اللّه.

فقال الإمام عليه السلام: «فادخل المدينة وانعَ أبا عبداللّه...».

فانطلق بِشر إلى داخل المدينة، ولما انتهى إلى الجامع النبوي الشريف رفع صوته مشفوعاً بالبكاء:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها قُتِلَ الحسين فأدمعي مِدرار

الجسمُ منه بكربلاءَ مُضرّجٌ والراسُ منه على القناة يُدارُ


وكأنّي حال لسان أم البنين عليها السلام لما سمعت نداء بشر:

يا ناس باللّه دفرجوله خلو ينزل عن ذلوله

بَسايله واسمع گوله مِن التگو ذوله بذوله

بالكون يا هو الصيّتوله عباس بيض وجهي يوله

يا سايله يلي تنشدين انچان تردين الخبرزين

الچ اربعه راحو شهيدين ما بينهم عباس الحنين

لو تنجلب كل الارضين ويچتل مثل عباس سبعين

بس كون سالم راس الحسين ناداها ماجوره بالحسين

ضامي انذبح دامي الوردين صاحت وهملت دمعه العين

لانصب مناحه اعليه كل حين


بكائها عليها السلام وزينب عليها السلام على الإمام الحسين عليه السلام

وعن بعض الخطباء قال: لما رجعت عائلة الامام الحسين عليه السلام إلى المدينة قالت زينب عليها السلام: «لا أريد أحداً يدخل عليّ إلَّامن فقدت لها عزيزاً في كربلاء»، وجلست في منزلها وجعلت جاريتها على الباب، وإذا بالباب يطرق.

فقالت الجارية من على الباب؟ فإن سيدتي زينب لا تريد أحداً يدخل عليها إلاَّ من فقدت لها عزيزاً في كربلاء.

فقالت لها: «قولي لسيدتك زينب عليها السلام إني شريكتها في هذا العزاء، وأريد أن أدخل عليها وأساعدها فإني مثلها في المصاب».

فلما أخبرت الجارية زينب عليها السلام قالت: «سليها من هي التي تكون مثلي في المصاب»، ثم قالت: «إن صدق ظني فإنها أم البنين»، فرجعت الجارية.

وقالت لها: سيدتي تقول من أنت التي مثلها في المصاب؟

قالت: «أنا الثاكلة!! الفاجعة الكبرى».

قالت: أوضحي لي من تكونين؟

قالت: «أو ما عرفتيني أنا أم البنين».

قالت الجارية: لقد صدقت سيدتي في ظنها، وإنك واللّه كما تقولين أم المصيبة العظمى والفاجعة الكبرى.

صاحت صوت أيا فگد الأطياب واللّه اشموحشه يادور الأحباب

اهناك أو سمعن‌الصرخه على الباب أنا أم عباس اجيتچ لا تفترين


ثم فتحت لها الباب فلما دخلت استقبلتها زينب واعتنقتها وبكت وقالت: عظم اللّه لك الأجر في أولادك الأربعة، فأجابتها أم البنين وأنت عظم اللّه لك الأجر في الحسين عليه السلام(1)

حياة العباس (للسيّد عبد الرزاق المقرم) عن بعض الخطباء.

.

1) (1)

بچت زينب أو نادت تلگنها باللّه أوياي گومن ساعدنها

هاي أم البنين الراح منها صناديد اربعه أوبالحرب نفلين

بچت زينب أو صاحت آيحزني أولفتها أم البنين ابضلع محني

تصيح ابصوت آيحسين يبني هاي امصيبتك بچّت الدارين

اشلون أم البنين اصياح صاحت اهنا يحسين بيني روحي راحت

تلگنها الحرم عيت او ناحت زينب بالعزه كسرت الصوبين


سألتُ ربعَ الندى والدمع يَنْهلُ عن معشرٍ هاهنا عهدي بهم نزلوا

اين استقلِّوا عن الأوطان وانتقلوا بالأمس كانوا معي واليوم قدرحلوا

وخلفوا في سويد القلب نيرانا


لطمية عن أُم البنين عليها السلام

لا تدعونّي ويك أُم البنين تذكروني بليوث العرين


لا تنادوني بَعد أمَ البنين آنه وين او وُلدي الأربعه وين

راحوا بطف كربله فدوه لحسين او هله

آنه وين او وُلدي الأربعه وين


چَنّي صوت الحِزن يعله من گلب أم الضحايه

وهيه ام اربع اشبول الهُمّه انوار الهدايه

لا تنادوني بعد أم البنين آيالبرايه

آنه أذكر اولادي الگضوا واعلى العهد بالطف مضوا

لحسين او كل العز حِضوا او للوفه نشروا إلراية

عنّي ولدي الأربعة راحوا چتل صعب فرگاهم أبد ما ينحمل

أي وحق سيد المله فدوه لحسين او هله

آنه وين او وُلدي الأربعه وين


يوم گالت هالجليله الحيدره او حامي الحميه

طِلبتي منك يحيدر يا من الهادي وصيّة

لا تناديني إبإسمي فاطمه اليوم المنيه

لَن نِشد منها حيدره بالسبب وهيه مچدره

گالت يضي گلب الوره إنته عالم بالخفيه

لو تناديني يحيدر فاطمه يذكرون أيتامك أمهم والدِمه

يجرى الاُم العُله فدوه لحسين او هله

آنه وين او وُلدي الأربعه وين


گلها حيدر عظّم اجرچ ربچ او حي هالإراده

اسمچ امن اليوم صار ام البنين بكل سعادة

وهيه وُلدت أربع اشبول الحضوا امر الشهاده

ويّه أبو اليمه من سروا للغاضريه وانشروا

راية عزمهم وانصروا إلحسين ابكل سياده

عگب چتل أولادها گالت بَعد آنه مو ام البنين اسمي أبد

روحي ظلت معوله فدوه لحسين او هله

آنه وين او وُلدي الأربعه وين


گالوا الها انچتل ابنچ عون گالت ما يهمني

وانچتل جعفر او عبداللّه اصرخت لحسين ونّي

خبروها انچتل راعي العلم گالت زاد حزني

كل نيّتي سالم يظل شبل الوصي خير العمل

بحسين أي كل الأمل منّه بس ليخيب ظني

خلي ولدي اجسومهم متگطّعه او لا أشوف حسين ظامي‌ابمصرعه

او ينحب العالم إله فدوه لحسين او هله

آنه وين او وُلدي الأربعه وين


لچن حين اسمعت ظامي راح ابن زهره الزچيّه

صاحت امن الگلب صيحه او ونت ابونه شجيّه

طاح صيواني العالي اوبيتي طاح اعلى الوطيّه

ضحّيت ولدي ابكربله لاچن چنت متأمّله

حسين ابن عقد الوله يبگه وايخيّم عليّه

ريت ويه وُلدي آنه هم أروح اولا اظل‌مكسورة‌الخاطر ونوح

ويه هاي العايله فدوه لحسين او هله

آنه وين او وُلدي الأربعه وين


صاحت ابونّه الحزينه انطيت وُلدي اودمعي يجري

لبواليمه حسين ضنوة حيدره والباري يدري

او طاح عباس او چفيلي عالنهر وانهدم خدري

ضحيت ولدي الأربعه لبن الزچيه الشافعه

او عينتهم اعلى المشرعه آه من غدرات دهري

او صار عباس النفل باب الرجه للحوائج فاز من بيه التجه

او گلبي اصبح حاصله فدوه لحسين او هله

آنه وين او وُلدي الأربعه وين


المجلس الخامس: حول مقام المرأة في الإسلام ومنزلة أم البنين عليها السلام

اشارة

أمُّ البنينٍ وما أسمى مزاياك خَلَّدتِ بالصبرِ والإيمانِ ذكراك

أبناؤك الغُرُّ في يومِ الطفوفِ قَضَوا وضُمِّخوا في ثراها بالدَّمِ الزاكي

لمّا أتى بِشرُ ينعاهم ويَندُبُهم إليك لم تَنفجِر بالدمع عيناك

وقُلت قولَتِك العظمَى التي خَلُدت إلى القيامة باق عِطرُها الزاكي

أفدي بروحي وأبنائي الحسينَ إذا عاش الحسينُ قريرَ العين مَولاكِ‌(1)

القصيدة للشاعر الأديب الشيخ أحمد الدجيلي.



1) (1)

قال اللّه عليكم في محكم كتابه الكريم

«بسم اللّه الرحمن الرحيم»

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‌1 .

(صدق اللّه العلي العظيم)

المرأة والرجل في مضمار السباق

هل يمكن للمرأة أن تتفوق على الرجل في ميادين المعرفة والعمل والتقوى والجهاد وغير ذلك فتصل إلى ما يعجز الرجل عن الوصول إليه كما وصلت السيّدة الجليلة أم البنين عليها السلام؟

للإجابة على هذا التساؤل نحتاج في البدء أن نحرر أمرين هامين لهما مدخلية كبيرة في الإجابة.

الأمر الأول: تساوي الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية.

الأمر الثاني: بيان مقاييس التفاضل بين الرجل والمرأة وهل هي اختيارية أم قهرية. ولكي يتضح المطلب نشير إلى هذين الأمرين بشيء من الإيضاح:

هل إن الرجل والمرأة متساويان في القيمة الإنسانية بمعنى أن كلاًّ

منهما إنسان لا تمايز بينهما في هذا الجانب أم أن الرجل يتفوق في إنسانيته على المرأة؟

هناك ومنذ الجاهلية الأولى تصورات خاطئة تميز بين الرجل والمرأة وأنها إنما خلقت من أجل الرجل، ولولا الرجل لما خلقت المرأة؟

وبالتالي فهي أقل قيمة من الرجل، وأدنى مرتبة وفضلاً، ومادامت كذلك فلتبق طوع أمره، أصاب أم أخطأ، تعيش على هامشه تابعةً له في أهوائه، ليس لها من الأمر شيء.

لكن هذه التصورات سرعان ما بددها الإسلام، فجاء القرآن وفي العديد من الآيات المحكمات ليؤكد على وحدة النوع الإنساني بين الذكر والأنثى وأن منشأهما واحد وعبر نظام واحد، لا اختلاف فيه.

كما في قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‌1 .

وإن الهدف من خلق الإنسان ذكراً كان أم أنثى هو تحقيق العبودية للّه وحده كما في قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ‌2

وإن عداء الشيطان لهما مشترك فليس الشيطان عدوَّا للرجل فقط دون المرأة قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ‌3 .

وكذلك كل آية فيها ذكر كلمة (الناس) أو (الإنسان) لا تختص بالرجال بل تشمل النساء أيضاً.

وقد ورد أن أم المؤمنين أم سلمة رضي اللّه عنها سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول على المنبر: يا أيها الناس وكانت الجارية تمشطها، فقالت للجارية: استأخري عني (أي أمهليني حتى أسمع).

فقالت الجارية: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء فأجابتها أم سلمة:

إني من الناس(1)

السيّدة أُم البنين سيرتها وكراماتها (للشيخ أشرف الزهيري): 7-10، عن صحيح مسلم، كتاب الفضائل، حديث رقم 2295.

.

اشتراك الرجل والمرأة في الخطابات الإلهية

كما أنَّ الواضح من القرآن الكريم اشتراك الرجال والنساء في مختلف الخطابات التكليفية العبادية والمعاملاتية كأداء الصلاة والصيام والحج والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحرية البيع والشراء، والمساقاة والمزارعة والمضاربة وغير ذلك مما نطقت به الآيات الكريمة كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‌2 .


1) (1)

وقوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ‌1 .

وقوله تعالى: وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً2 .

وقوله تعالى: وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ3 .

وقد يتذرع البعض ببعض النصوص الدينية ليستدل بها على أفضلية الرجل ذاتاً على المرأة كقوله تعالى: الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ‌4 .

ولكن الآية المباركة لا تدل على الأمر المراد، ذلك لأنها تتحدث عن العلاقة الزوجية وأن الرجل مسؤول عن القيام بحقوق زوجته والإنفاق عليها ورعايتها وحمايتها كمسؤولية شرعية كلفه اللّه تعالى بها وهي مسألة (القوامة) وليس المراد من الآية أن كل رجل قوام على كل امرأة حتى لو كانت خارج نطاق الزوجية والأسرة.

ومسألة (قوامة) الرجل (الزوج) على المرأة (الزوجة) تأتي أهميتها

لضبط نظام الأسرة، لأنه لو لم يكن للأسرة مسؤول لاختل نظامها وهذا ما يحكم به العقلاء، وعوداً إلى الآية المباركة. فالقيّم، معناه الذي يقوم بأمر غيره والقوّأم والقيّام مبالغة منه، والمراد بما فضل اللّه بعضهم على بعض هو ما يفضل ويزيد فيه الرجال بحسب الطبع على النساء من شدة البأس والقوة والطاقة على الشدائد من الأعمال ونحوها فإن حياة النساء حياة أرادها اللّه أن تكون عاطفية مبنية على الرقة واللطافة بما يتناسب مع ماهو مطلوب منها من الحنو على الأطفال وأمثال ذلك، وبالحزم من جانب والعاطفة من جانب آخر يستقيم نظام الأسرة، وإلّا فما ظنك بأسرة تعيش بلا حنو ولا عاطفة بل حزم في حزم؟

فالنساء هنا يفضلن على الرجال بزيادة في درجة العاطفة والرجال هنا يفضلون على النساء بزيادة في درجة البأس والقوة فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الحمل والإرضاع وما أشبه مختصاً بالزوجة وأن تكون القوامة والإنفاق وإدارة شؤون الأسرة كل ذلك مختصاً بالرجل.

وهذه القوامة تكون أيضاً في حدود العلاقة الزوجية فقط وما زاد على ذلك فخارج عن دائرة القوامة فلا شأن للزوج بآراء زوجته وأفكارها ولا بتصرفاتها المالية أو مواقفها الإجتماعية وما أشبه.

يقول الشيخ مهدي شمس الدين رحمه الله: «والظاهر من الآية الكريمة أن المراد منها قوامية الرجال على النساء في الأسرة فقط وباعتبار

الزوجية فقط، بحيث لا منافاة بين كون الزوج قيّماً على المرأة باعتباره زوجاً، وتكون قيّمة عليه باعتبار آخر ككونها رئيسة لجمعية خيرية أو سياسية أو نقابية هو عضو فيها» (1)

السيّدة أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 13 عن أهلية المرأة لتولي السلطة.

.

معايير التفاضل بينهما

مما سبق تبين أن الرجل ليس بأفضل من المرأة باعتبار رجولته وأن المرأة ليست بأقل من الرجل باعتبار أنوثتها، بل هما متساويان في القيمة الإنسانية بينهما من جهة، نعم هناك قيم ومبادئ أرشدنا إليها الإسلام وجعلها معايير وموازين للتفاضل بين الناس فمن كان ملتزماً بها كان عند اللّه أكرم وأفضل. وهي أربعة معايير:

الأول - التقوى:

قال تعالى: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ‌2 .

وقال صلى الله عليه و آله: «لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى»(2)، فمن كان أتقى وأقرب إلى اللّه وأكثر التزاماً بأوامره واجتناباً لنواهيه فهو الأكرم عند اللّه سواء كان


1) (1)

2) (3) كنز العمال، حديث رقم 5565.

رجلاً أم امرأة، حراً أم عبداً، أحمر أم أسود، عربياً أم أعجمياً. وهذا المعيار هو أهم المعايير فبه تنفع المعايير الأخرى، وبدونه لا قيمة لها إلّا عند أهل الدنيا.

الثاني - العلم:

قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‌1 .

وقال تعالى: يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‌2 .

وقال الرسول صلى الله عليه و آله: «أكثر الناس قيمة أكثرهم علماً، وأقلّ الناس قمية أقلهم علماً»(1).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا شرف كالعلم»(2).

وقال عليه السلام: «ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك»(3).

وفي شعر منسوب له عليه السلام قال:

الناس من جهة التمثال أكفاءُ أبوهم آدم والأم حواء



1) (3) البحار: 164/1.

2) (4) النهج، الحكمة: 113.

3) (5) في ظلال نهج البلاغة (لمغنية): 92/4، الحكمة.

إلى أن يقول:

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلّاء

وقيمة المرء ما كان قد كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء

فقم بعلم ولا تطلب به بدلاً فالناس موتى وأهل العلم أحياء(1)

ديوان الإمام علي عليه السلام.


فمن كان أكثر علماً كان أكثر جدارة ونفعاً لنفسه ولغيره بل وأكثر طاعة للّه تعالى وخشوعاً له قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ2 ، ومن ثم يكون هذا المعيار مرتبطاً بالمعيار الأول.

الثالث - العمل كيفاً لا كماً:

وهذا المعيار مرتبط بالمعيار الأول أيضاً، ذلك لأن التقوى لا تتم إلّا بالعمل وإنما أفردنا (للعمل) نقطة خاصة وجعلناه معياراً لزيادة التوضيح ولدفع وهم، إذ ربما يظن البعض أن التقوى تعني الركون في صومعة العبادة والزهد، ولا ترتبط بدخول ساحة العمل.

وإلّا فالدين عمل كله، والآيات التي تشير إلى هذا المعيار كثيرة جداً.

منها قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً3 .


1) (1)

وقوله تعالى: إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً1 .

وقوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً2 ، إلى غير ذلك من الآيات.

فعمل الإنسان هو الذي يحدد موقعه عند الناس وعند اللّه، في الدنيا وفي الآخرة ومعلوم بالبداهة أن العمل الحسن يختلف عن العمل السيئ والعمل الأحسن يختلف عن العمل الحسن، لذلك أكد القرآن على (العمل الأحسن) فجاء: بصيغة التفضيل (أحسن) كما عبّر بالكيف لا بالكم في قوله: اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ذلك لأن المقام مقام تفاضل فمن كان (أحسن عملاً) كان الأفضل والأكرم عند اللّه تعالى.

الرابع - النّفع لعباد اللّه:

وهذا المعيار يرتبط أيضاً بالمعيار الثالث، وإنما افردنا له نقطة تأكيداً على أهميته، خصوصاً وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام الكثير من النصوص التي تؤكد على أهميته من قبيل ما قاله صلى الله عليه و آله حينما سئل:

من أحب الناس إلى اللّه تعالى؟ قال صلى الله عليه و آله: «أنفع الناس للناس»(1).


1) (3) السيّدة أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 17 عن سفينة البحار، مادة (نفع).

وعن الصادق عليه السلام قال: «خير الناس من انتفع به الناس»، فمن كان أكثر نفعاً للناس كان الأحب للّه تعالى والأكرم عنده سواء كان رجلاً أم امرأة.

ومن هذا المنطلق تكتشف حرص الإسلام على رعاية حقوق هذا الإنسان، وكرامته، وحرمة الإضرار به، أو هتك حرماته.

فهذه الأمور الأربعة (التقوى والعلم والعمل والنفع لعباد اللّه) التي جعلها الإسلام مقاييس ومعايير للتفاضل وإن جمعها عنوان التقوى دقيّاً يمكن لأي‌إنسان أن يتحصل عليها وتكون نسبة حصوله منها مرتبطة بمقدار جده واجتهاده وسعيه والتزامه وإرادته، فهي معايير كسبية يتحصل عليها الإنسان بالعمل، واختيارية يكون الإنسان مخيراً في الحصول عليها ليس مكرهاً مسلوب الإرادة.

كما أن مضمار السباق في ميدان هذه الأمور الثلاثة ليس خاصاً بالرجل فالمرأة معه في هذا المضمار ومن كان الأسبق كان الأفضل ويشير القرآن في جملة من الآيات إلى هذا الأمر.

يقول تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ‌1 .

فالمرأة كما الرجل فمن كان منهما أكثر جهاداً وصبراً وأكثر تقوى، وعلماً وأحسن عملاً كان هو الأكرم والأفضل عند اللّه ولذلك قد تصدرنا المجلس بهذه الآية المباركة: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‌1 .

فالمؤمن التقي العامل للصالحات سواء كان رجلاً أو امرأة يكون هو صاحب قصب السبق في هذا المضمار فالمؤثر هو التقوى والعمل الصالح وليس الذكورة أو الأنوثة.

أم البنين عليها السلام والحياة الزوجية الناجحة

لقد جسدت أم‌البنين صفات الزوجة المؤمنة والأم الصالحة والمديرة الناجحة، وحسب ما أرادت هي أن تسمّي نفسها: الخادمة المخلصة.

فكانت تقوم في بيت الإمام علي عليه السلام بما تقوم به المرأة التي تريد لزوجها كامل السعادة، وتريد لأبنائها وأبناء زوجها كل الخير والتقدّم، وتريد لحياتها كل ما في قضاء اللّه وقدره ورضاه.

لم تكن أم البنين تقدم راحتها على راحة زوجها وأبناء سيدتها فاطمة الزهراء، فكانت أول يوم دخلت المنزل وجدت الحسن والحسين مريضين فأخذت تسهر معهما وتقابلهما بالبشاشة ولطيف الكلام وتعاملهما كالأم الحنون.

ولم تكن تنام إلّابعد أن تطمئن قد هيّئت للحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ما يريح نومهم ويسعد أحلامهم.

ولم تكن تأكل إلّابعد أن تُشبِع أبناء علي وفاطمة من الطعام، وتنشر عليهم من كلمات الحنان، وتوزّع على الجميع في البيت ابتسامات الرضا والابتهاج بهم.

ولم تكن أم البنين تترك المنزل وحجره وساحته والمطبخ أيضاً إلّا إذا تأكدت من نظافته ورتابة محتوياته، وهي تعلم أن ذلك كله ليس واجباً، وإنما كانت تتطوع خيراً لنفسها، تدّخره ليوم الحاجة إلى الأجر الأخروي، ولأن بذلك تتكامل فصول التعاون في الأسرة.

ولم تكن أم البنين تؤخر صلاتها عن وقت الفضيلة، ولم تكن تنسى تلاوة القرآن والدعاء. ولم تكن تهمل الجيران إذا طرقوا باب دارها.

أم البنين هي الزوجة المثالية، هي أم بكل معاني الأمومة الموفقة، هي مديرة بكل معاني الإدارة الناجحة، هي خادمة بكل ما للخدمة من أجر وثواب وتواضع وإخلاص.

أم البنين ما كانت ترى لنفسها وجوداً من دون واجباتها الشرعية والأخلاقية والإنسانية. وما كانت تفكر في حقوقها كزوجة ولا كأم ولا كمديرة لبيت الزوج ولا كخادمة. بل ذابت وأذابت نفسها بكل فخر واعتزاز في أن تؤدي دوراً في رضا اللّه وسرور زوجها وأبنائه الحسن والحسين وبناتها زينب وأم كلثوم.

وإذا سألناها لماذا هكذا أنت في بيت زوجك؟

لعلها كانت تقول: أريد رضا اللّه، وشفاعة محمد رسول اللّه صلى الله عليه و آله، وأن أسمع الزهراء في يوم القيامة تقول لي: أحسنتِ يا أم البنين، ما قصرتِ مع أفلاذ أكبادي... بيّض اللّه وجهك!

هكذا كانت الزوجة التي اختارها الإمام علي عليه السلام في سياق عدة زوجات تزوجهن بعد زوجته الأولى فاطمة الزهراء عليها السلام التي غيبتها مظالم الحزب القرشي عن الحياة وهي لم تكمل الثامنة عشرة من شبابها....

هكذا كانت أم البنين... صديقة حميمة للزهراء عليها السلام... ومثالاً صادقاً للتفاني والحب والإخلاص ونكران الذات والعمل الدؤوب في سبيل اللّه.

عاشت في المدينة المنورة وانتقلت إلى الكوفة ثم عادت إلى المدينة، مسيرة كلها طاعة للزوج المطيع للّه، لا تهدر على زوجها ولا زوجها كان يظلمها ليستحق الهدرة!

صفات أم البنين، كانت هي الصفات التي تسعدها وتسعد زوجها علياً عليه السلام، وكانت تتمنى صفاتها لكل امرأة مسلمة في كل الأزمنة.

أم البنين عليها السلام وذكريات أليمة للزهراء عليها السلام مع أم كلثوم عليها السلام

كانت أم البنين هذه السيّدة الجليلة تحادث أيتام الزهراء وتجلس معهم لتشبعهم بحنانها وعطفها وحبها. وذات يوم لاحظت أم البنين على وجه الطفلة أم كلثوم شرود البال وهي تنظر إلى زاوية من البيت!

فقالت لها: فيم تفكرين يا ابنتي؟

أم كلثوم: نظرتْ ثم تأوّهتْ ثم هكذا نطقت بصوت الطفلة البريئة:

كانت أمي الزهراء تجلس هنا يا خالة، وتمشّط شعري وتقبلني وهي تقرأ لي من القرآن آيات بصوتها الخاشع، وتروي لأخت زينب أقوال جدنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، وتنشد لنا أشعار الإيمان والأمان وتزرع في قلوبنا روح الأمل بالخير والجنان....

آه... يا خالة، كانت أياماً حلوة....

أسألك يا خالة: لِمَ ماتت أمنا؟! إنها لم تكن كبيرة بالسن يا خالة!

أم البنين عليها السلام (وهي تمسح دموع عينيها بطرف كُمّها) وقد اختنقت الكلمة في حنجرتها، وحاولت أن تكلم الطفلة اليتيمة ولو ببعض كلمات متقطعات. ولكنها ضعفت عنها تماماً وانهارت بين يدي اليتيمة أم كلثوم.

وعادت أم كلثوم تسأل الخالة أم البنين: ليس مهماً خالتي أن تقولي شيئاً، فأنا أعرف كل شيء. إنهم ضربوا أمي وعصروها بين الباب والجدار (وأشارت الطفلة إلى المكان) وما رأينا ونحن مذعورين إلّانادت أمنا والباب يحترق والدخان يتصاعد: يا أسماء يا فضة هلمّوا فقد أسقطوا جنيني.

وأجهشت أم البنين بالبكاء شديداً، والطفلة أم كلثوم تخطب فيها وهي تنعى مصيبة أمها: إيه يا خالة، ما كنتِ معنا، فقد ذُعِرنا وما كِدنا

ندرك عمق الحدث والمصيبة وحجم الكارثة التي وقعت بعد وفاة أبيها جدنا محمد صلى الله عليه و آله ثم تمرضت وماتت خلال تسعين يوماً.

صدّقي يا خالة! ان امنا فاطمة ماتت حزينة مظلومة مضطهدة وساخطة على الذين ظلموها.

أم البنين عليها السلام - وبكاؤها ارتفع حدّه -: عزيزتي يكاد قلبي يتقطع وفؤادي يتمزق كلما أسمع مقطوعة من هذه الظلامات التي لو كانت واحدة منها تُصَبّ على امرأة أخرى غير أمك الطاهرة لابتلعتها من هذه الحياة قبل أوانها. إن أمك الزهراء يا حبيبتي كانت أسوة في الإيمان باللّه الحق، وقدوة في الصبر عليه، كاملة فيها دون أقلّ نقص. وستبقى أمك فاطمة الزهراء رمزاً خالداً للحق وعنواناً راشداً للصبر وليس للنساء بعدنا فحسب بل للرجال أيضاً، فلا تحسبي يا ابنتي أن اللّه يضيع أجر المحسنين، فأمك (فاطمة) الزهراء العظيمة قد اختارها اللّه سيدة المحسنين جميعاً والمحسنات.

أم كلثوم عليها السلام: كلامك هذا يا خالة يذكّرني، أننا لما كنا نجلس هناك (وأشارت إلى ساحة البيت) تقول وتقول أمّنا إن أخانا الجديد سوف نسميه محسناً، ولكنه مات يا خالة... قصدي أنهم قتلوه في بطن أمنا يا خالة! (وبكت أم كلثوم ولم تقل كلمة أخرى).

أم البنين عليها السلام، سيطرت عليها الدموع الساخنة فلم تستطع شيئاً من الكلام أيضاً ونظرت بصعوبة بالغة إلى الطفلة اليتيمة أم كلثوم وإذا بها

تبكي هي بدورها. فما كان منها إلا أن تمسح على رأسها وتحضنها، مرّت دقائق وهما هكذا حتى حضرت السيّدة زينب!

السيّدة زينب عليها السلام: ما بكما؟ خيراً يا خالة! حبيبتي أم كلثوم أخبريني عن الحدث؟ هل حصل ما يزعجكما يا أحبتي؟

أم كلثوم عليها السلام: لا يا سيدتي.. كنا نتذكر أمنا فاطمة الزهراء، ونتكلم ما أعظمها كانت، وما أسرع موتها يا أختاه، أليس هذا يحرق القلب يا زينب؟

السيّدة زينب عليها السلام: صحيح ما تقولين يا أختي ولكن للّه في الأمور حِكَماً ودروساً تمتد على مساحةِ الزمان كلّه. نحن قوم شرّفنا اللّه بكل الفضائل وطهّرنا من كل الرذائل، فلا نقول حين المصائب إلّاما علّمنا اللّه عز وجل: إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ هكذا أدّبنا جدنا محمد صلى الله عليه و آله.

عزيزتي يا أم كلثوم قومي حبيبتي وتوكّلي على اللّه ودعي الخالة أم البنين لا تحزن كثيراً في بيتنا، فإن لديها ما يكفيها من الأمور التي تحمّلت مسؤوليتها ونحن لها شاكرين.

أم البنين عليها السلام (وهي تقبّل أنامل السيّدة زينب عليها السلام): بأبي أنتم وأمي ومالي ونفسي أيها الأطهار من آل بيت محمد المختار... لي الفخر والاعتزاز أن أخدمكم طول بقائي معكم يا سادتي الأبرار. إن أم البنين عليها السلام تفديكم بكل إخلاص ما تملكه من كل غال ورخيص.

نعم أم البنين خدمتهم بكل وسعها بل قدمتهم حتى على أولادها ولذلك الزهراء عليها السلام ترد هذا الجميل الى أم البنين في يوم القيامة تطلب من اللّه تعالى ان يأخذ بحق مصاب ولدها ابوالفضل العباس.

وفاء الزهراء عليها السلام لأم البنين عليها السلام في يوم القيامة

وورد في الحديث(1)

الطريق إلى منبر الإمام الحسين عليه السلام (للشيخ الكاشي): 209/2.

:

أنّ الزهراء سلام اللّه عليها تخرج يوم القيامة وفاء لأم البنين عليها السلام التي ما سألت عن أولادها وانما سئلت عن الإمام الحسين عليه السلام، فتخرج يوم القيامة وتحت ردائها طبق في كفَّا أبي الفضل العبَّاس عليه السلام.

تأتي وهي حزينة تصيح: «إلهي خُذ بحقِّنا، وأنتقم ممَّن ظلمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا». فيأتي النِّداء من ربِّ العزَّة: «يا زهراء: ماذا تريدين»؟

فتقول: «يا ربّ شيعتي». فيقول اللّه عزَّ وجلَّ: «قد غفرتُ لهم».

فتقول عليها السلام: «يا رب شيعة وِلدي». فيقول اللّه عزَّ وجلَّ: «قد غفرتُ لهم». ثمَّ يقول اللّه: يا فاطمة «إنطلقي فمن اعتصم بك فهو معك».

فتسير ويقوم كلّ هؤلاء فيسيرون معها.

وفي رواية: تلتقط شيعتها كما يلتقط الطير الحب الرَّديء من الحبّ الجيِّد.

نعم الصدّيقة الطَّاهرة عليها السلام تتقدَّم للشفاعة ولكن بماذا تشفع؟


1) (1)

ورد في الخبر: أنَّها تخرج وتحت ردائها طبق فيه كفَّا أبي الفضل العباس عليه السلام المقطوعتين.

ثمَّ يأتي النِّداء: «ماذا تريدين؟ هل جئتِ تُطالبين بكسر رُباعيَّة أبيك محمَّد صلى الله عليه و آله؟» فتقول: «لا يا رب».

يا فاطمة: «هل جئتِ تُطالبين بكسرِ ضلعك وما جرى عليك من المصائب يوم الباب؟» فتقول: «لا يا رب».

يقول: «يا فاطمة: هل جئتِ تُطالبين بمظلومية بعلك علي أمير المؤمنين عليه السلام وبما جرى عليه من غصب حقِّه من الخلافة؟» فتقول:

«لا يا رب».

يقول: «هل جئتِ تطالبينَ بحقِّ ولدك الحسنِ المجتبى وبكبدِه المقطَّع؟».

فتقول: «لا يا رب».

فاطمة: «هل جئت تطالبين بمصائب ولدك الإمام الحسين عليه السلام؟».

فتقول: «لا يا رب». فهاهنا يتعجَّب الخلائق فيقول: «إذن بمَ جِئتِ تُطالبين يا فاطمة؟» فَتُخرج فاطمة الزَّهراء عليها السلام طبقاً فيه كفَّا أبي الفضل العبَّاس عليه السلام اليمين والشّمال، فتنادي فاطمة الزَّهراء: «إلهي ما ذنبُ هذين الكفَّين حتّى قُطِعا من الزَّند».

انظر إلى وفاء الزَّهراء عليها السلام لأمَّ البنين. لاشك أنَّ هذا الموقف من

الزَّهراء عليها السلام هو قمَّة الوفاء لأمّ البنين عليها السلام، الَّتي ما سألت عن أولادها الأربعة يوم أخبرها بشر بشهادتهم وإنَّما سألت عن أبي عبد اللّه عليه السلام.

ولذلك لمَّا أتى النّاعي بشر بن حزام المدينة وقف على باب مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وجعل ينادي:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها قُتِلَ الحسين فأدمعي مِدرار

الجسمُ منه بكربلاءَ مُضرّجٌ والراسُ منه على القناة يُدارُ


ضجَّ الناس بالبكاء والنَّحيب، يقول بشر: بينما أنا أخترق الأزقَّة والطُّرُقات، إذ استقبلتني امرأة طويلة القامة، على كتفها طفلٌ صغير سألتُ عنها، قيل لي: هذه أم البنين وعلى متنها طفلٌ للعبَّاس إسمُهُ الفضل، فقالت لي: «يا بشر هل عندك علمٌ بولدي الحسين؟» فقلتُ لها: يا أم البنين تسألين عن الحسين وعندك أربع شباب مع الحسين لا تسألين عنهم.

يا أم البنين عظَّم اللّه لك الأجر بولدك جعفر. قالت: «يا بشر هل سئلتك عن أولادي أخبرني عن ولدي الحسين».

قلتُ: يا أم البنين عظم اللّه لك الأجر بولدك عبداللّه وبولدك عبدالرحمن. قالت: «يا بشر أخبرني عن ولدي الحسين عليه السلام».

عند ذلك قلتُ لها: يا أم البنين عظَّم اللّه لك الأجر بولدك قمر العشيرة أبي الفضل العبَّاس. لمَّا سَمِعَت أم البنين وَضَعَت يدها على قلبها.

قالت: «يا بشر لقد قطَّعتَ نياط قلبي، أخبرتني بشهادة أربعة من أولادي، ولكن إعلم أنَّ أولادي وجميع من تحت الخضراء فداء لأبي عبد اللّه الحسين. أخبرني عن ولدي الحسين عليه السلام هل هو حيّ؟».

عند ذلك قلتُ لها: يا أم البنين عظَّم اللّه لك الأجر بأبي عبد اللّه الحسين عليه السلام، فقد خلَّفناه بأرض كربلاء جُثَّة بلا رأس.

يسايله يلي تنشدين انچان تردين الخبر زين

گعدي وهلّي دمعة العين الچ اربعة بالطف مطاعين


يگلِّلها عظَّم اللّه اجرچ ابجعفر وعون تِگله الكل فِده لحسين يرحون

يگللها عبد اللّه غده وياهم فرد كون تگلّه الفخر ريحانة المختار

يگللها انچتل عباس اشتگولين التوت واتگول گلي ابگرُّةِ العين

بچه‌ودگ على رأسه‌و صاح يحسين اهي يحسين صاحت يبني الصَّار


حَنَّت وصاحت يا هظيمه راح الحسين الچان خيمه

ابن فاطمه وراعي الحشيمه حزني على أمصابه لجيمه


باللّه استعدي للبواچي يم البنين ردوا يتامى وانذبح عباس وحسين

يم البنين الأربعة محد دفنهم دَمهم غسلهم والتُّرب صاير چفنهم

وأمنِ الصُّبُح زينب مِشت للشام عنهم فوگ الهزل مرت وشافتهم مطاعين

يا يم البنين الأربعة انذبحوا ظمايا وظلوا ثلاث تيام عالغبره عرايا

وريتچ نظرتي عالنَّهر صاحب الرايه مفضوخ رأسه امگطِّعه اشماله واليمين

يم البنين الأربعه تشهدلچ الناس ما صار بليوث العرايب مثل عباس

خلا الأرض روس وجثث ومطهمّه الراس روس الاعادي وغلق الميدان صوبين


عند ذلك صاحت: وا ولداه، وا حسيناه:

اتگلَّه اجاني الخبر حسين مذبوح ودَمَّه على التِّربان مسفوح

وجسمه على التربان مطروح ورأسه على رأس السمهري ايلوح

أنا لنوحن وگضِّي العُمُر بالنُّوح وأعمي اعيوني واتلِفِ الروح


أبوذيه:

على أولادي يزيد النوح يمهم او فرد ساعه الدهر يمهم

احب اگصد وجاور كون يمهم اجاورهم لمه اتجيني المنيّه


المجلس السادس: إيثار أم البنين عليها السلام على الدنيا وزينتها

اشارة

وإن أنسَ لا أنسى أمَّ البنين وقد فقدتْ وُلدها أجمَعا

تنوحُ عليهم بوادي البَقيع فيَذري (الطريدُ) لها الأدمُعا

ولم تَسْل من فقَدت واحداً فما حال من فقَدت أربعا

بيومٍ به ضاع عهد النبي وخانت (أميةُ) ما استودعا

غداةَ أبوالفضل لفّ الصفوف وفلّ الظُّبى والقنا الشُّرَّعا

فتىً ذكَّر القومَ مُذ راعهم أباه الفتى البطلَ الأورعا

إذا ركَعَ السيفُ في كفِّه هوتْ هامُهم سُجَّداً رُكَّعا

وحولَ الشريعةِ تحمي الفرات جموعٌ قضى البغىُ أن تجمعا

وآبَ ولم يُروَ مِن جرعةٍ وجرَّعه الحتفُ ما جَرَّعا

فخرَّ على صُفّة، العلقمي صَريعاً فأعظمْ به مَصرَعا(1)

القصيدة للشيخ محمد علي اليعقوبي عليه الرحمة عن ديوان الذخائر.



1) (1)

أم البنين عليها السلام في بيت مَن وصفته الزهراء بالزهد والعبادة في خطبة فدك قائلة:

«مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللَّهِ مُجْتَهِداً فِي أَمْرِ اللَّهِ، قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، سَيِّدَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مُشَمِّراً نَاصِحاً مُجِدّاً كَادِحاً، وَأَنْتُمْ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ وَادِعُونَ فَاكِهُونَ، آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِرَ وَ تَتَوَكَّفُونَ الأَخْبَارَ».

زهد أم البنين عليها السلام في بيت أمير المؤمنين عليه السلام

مما تميزت به أم البنين عليها السلام هو شدة ولائها لأهل البيت عليهم السلام فكانت تتمنى أن تخدمهم بأجفان عيونها، وتبذل في سبيلهم أعز ما عندها، حتى وهي لم تدخل رياض البيت العلوي، أما بعد دخولها البيت العلوي فقد حولت تلك الأماني إلى واقع أدهش العقول وحيّر الألباب، وبذلك ارتقت ذروة المجد، وكانت في الخالدات.

ومع أن التاريخ لم ينصف لنا هذه المرأة المعجزة الخالدة، ولم يكتب لنا شيئاً يستحق أن يذكر من تلك المواقف الشريفة التي أثبتت من خلالها شدة إيمانها وولائها لأهل بيت العصمة عليهم السلام وذوبانها في حبهم والذود عنهم، غير أننا نكتشف من خلال بعض المواقف التي وجدناها ضائعة في بطون الكتب.

وعلى هوامش التاريخ أن هناك المئات من أمثال هذه المواقف الكريمة، والعطر لا يُعرف بالوصف بل يتضوع فيدل على طيبه ورائحته، فمن طيب

هذه المواقف نستدل على وجود أمثالها خصوصاً في حياة ما تكللت ولا اتصفت ولا تميزت إلّابها.

ومن تلك المواقف هي ايثارها علياً عليه السلام على الدنيا وزينتها.

منذ اللحظات الأولى التي جاءها فيها عقيل يخطبها لأخيه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول لأبيها: جئتك بشرف الدنيا والآخرة أدركت جيداً أن زواجها من علي عليه السلام يعني طلاقها للدنيا، وطلاقها للراحة واستعدادها للبلاء، بل لشتى أنواع المصائب والمحن، لأنها امرأة واعية وناضجة وتعرف جيداً سيرة من جاء يطلب يدها للزواج منها، فحياته مع الزهراء عليها السلام، إيثاره وصبره، وعناؤه حتى أنه يبقى مع الزهراء عليها السلام أيامأ لا يجدان ما يقتاتان به غير خاف على أحد، ولم تكن ناسية لكلام الزهراء عليها السلام وهي تصف علياً في خطبتها (المعجزة) الخالدة:

«مكدوداً في ذات اللّه مجتهداً في أمر اللّه، قريباً من رسول اللّه، سيداً في أولياء اللّه مشمراً ناصحاً مجداً كادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار».

وفي كلامها لنساء المهاجرين والأنصار وهي تصف علياً عليه السلام.

«ولم يكن يحلى(1)

يحلى: يعني يصيب ويستفيد.

من الغنى بطائل(2)، ولا يحظى(3)من الدنيا بنائل

1) (1)

2) (2) البطائل: كثير الفائدة.

3) (3) يحظى: يظفر والنائل العطاء.

غير ري الناهل(1)

الناهل: العطشان.

، وشبعة الكافل(2)، ولبان لهم الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب» (3).

كما أنها تعرف مستوى بيت علي عليه السلام ذلك البيت المتواضع المصنوع من سعف النخل، ولم تكن في غفلة أو منأى عما حلّ به من المحن والمصائب خصوصاً بعد رحيل سيد الأنام الرسول صلى الله عليه و آله، فموافقتها للزواج من علي عليه السلام تعني أن ترضى بحياة الزهد والتقشف والهجران لمختلف مباهج الحياة الدنيا وزينتها، واستعدادها للعناء، واللأواء، ومصائب الأعداء، فهي ستكون زوجة لرجل أعداؤه ومناوئوه في كل حدب وصوب، قد أعدوا لكل حق باطلاً ولكل قائم مائلاً، ولكل ليل مصباحاً، ولكل باب مفتاحاً.

لكنها تدرك جيداً في نفس الوقت أن اقترانها بعلي عليه السلام يعني سعادتها الأبدية والفوز المحقق بدار الخلود، ذلك لأنها تخدم وتطيع وتتبع أوامر ومواعظ سيد الأوصياء، وإمام الأتقياء عليه السلام ومن يأخذ بيدها حتماً إذا ما أحسنت تبعّلها له وسارت على نهجه إلى جنات النعيم.

فالمرأة هنا أيّ امرأة تقف بين أمرين أحدهما مُرٌّ:


1) (1)

2) (2) الكافل هنا: المحتاج إلى الطعام.

3) (3) راجع أعلام النساء (لعمر كحالة): 123/4.

1 - بين رغبتها في الهدوء، والحياة الدنيوية الهانئة وابتعادها عن المشاكل والمتاعب خصوصاً فيما يرتبط بالمأكل والمشرب والملبس والمسكن والعشرة مع من تخالط من أبناء جنسها خصوصاً عندما تنظر إلى قريناتها يتنعمن بالمسكن الجميل، والفراش الوتير، والعيش الرغيد، والمال الكثير وهي لا تملك بل ربما تعرضت إلى السخرية والاستهزاء والتشهير والتعيير ذلك لأن قيم الحياة ومفاهيمها قد تبدلت فحولت من المعروف منكراً ومن المنكر معروفاً، ومن الحق باطلاً، ومن الباطل حقاً.

2 - وبين أن تفوز بشرف الاقتران بزوج ينقلها حتماً باتباعها له إلى سعادة الآخرة، وجنة عرضها السماوات والأرض، وهذا هو الامتحان الصعب، الذي تتعرض له المرأة على مر التاريخ وإن تغيرت صور هذا الامتحان وأشكاله.

ولهذا نجد أن زوجات الرسل والأئمة والأولياء الصالحين والعلماء يتعرضن إلى ضغوط نفسية واجتماعية ومعيشية مختلفة، فالبعض منهن تتجاوز هذه الضغوط وتتحداها وتنتصر عليها وهذا دليل وعي وإدراك وبعضهن تفشل أمام الامتحان، وهذا كاشف عن الجهل وقلة الوعي والخلود لهذه الدنيا الفانية.

ومن هنا نجد أن الرسول صلى الله عليه و آله يصارح زوجاته منذ بداية العلاقة بينه وبينهن بين السمو وإيثار الآخرة وبين الانحدار إلى دركات حب الدنيا

وعبادة اللذة والشهوة فيقول:«إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً * وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً»1 .

فمن الضغوط التي تتعرض لها زوجة النبي أو الإمام أو العالم ما يمارسه في حياته الشخصية من أرقى درجات الكمال الأخلاقي من الزهد والقناعة والإنفاق وكل ذلك ينعكس أولاً في بيته وحياته، ومع زوجاته إذ لا يعقل أن يكون آمراً للناس بتلك المثل ومخالفاً لها في منزله.

وهنا تتعرض الزوجة تلك للامتحان فإمّا أن تستجيب لنمط تلك الحياة طائعة وترتقي بنفسها إلى ذلك المستوى العالي لزوجها فتسعده وتسعد به، كما كان حال الصديقة خديجة بنت خويلد (سلام اللّه عليها) مع النبي صلى الله عليه و آله وإما أن تبقى حيث هي، فلا تحظى مع الرسول أو الإمام بغير المنام والمضاجعة وأحياناً بغير الطلاق والمفارقة.

لقد وجدنا من زوجات الأنبياء والأولياء من كانت كذلك... فقد ضرب اللّه سبحانه وتعالى في القرآن مثلاً للذين كفروا امرأتين من زوجات الأنبياء خانتا خط الأنبياء، وتركتا المسيرة الرسالية وأحبتا الدنيا، وركنتا إليها، فكانتا مثلاً لكل الذين كفروا:

«ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ»1 .

وهذا الامتحان الصعب تعرضت له السيّدة أم البنين عليها السلام فلم تُحَقِق نجاحاً وتجاوزاً للضغوط فحسب، بل حققت فوزاً ساحقاً، وعملاً بطولياً شامخاً، فكانت من قوم أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها، فغدوا في رياض الجنة يرتعون، ومن نمير الكرامة يشربون، فإيثارها علياً عليه السلام على الدنيا، وفرحها بالاقتران به هذا الموقف يثبت لنا حقيقة وعيها وعظيم ولائها لسادات الخلق الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

وفائها في بيت الزهراء عليها السلام

وكونها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وأنه لا يمكن أن يقاس بها من هذه الأمة بل ولا من كل الأمم أحد.

ويتجلى هذا الأمر في قولها للحسن والحسين عليهم السلام وزينب ليلة زفافها من علي «أنا ما جئت هنا لأحل محل أمكما فاطمة» ثم اختنقت بعبرتها وقالت: «أنا هنا خادمة لكم جئت لخدمتكم فهل تقبلون بهذا وإلّا فإني

راجعة إلى داري» (1)

السيّدة أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 67 عن العباس رجل العقيدة والجهاد: 34.

فرحّب بها الحسن والحسين وزينب عليهم السلام وقالوا لها: «أنت عزيزة كريمة وهذا بيتك».

تأمل: هذا الموقف يصدر من (ضرة) تجاه (ضرتها) وتجاه أبناء (ضرتها) مع أنه إنما سميت الزوجة الأخرى (ضرة) لأن من شأنها الإضرار بسابقتها، والسابقة بلا حقتها وإن كان الإضرار حراماً.

فانظر إلى أي درجة بلغت هذه المرأة العظيمة؟ إننا نجد في حياة زوجات سيد البشر الرسول صلى الله عليه و آله التغاير، والتنافس حتى في صغائر الأمور، فإذا ما أثنى الرسول صلى الله عليه و آله على واحدة من زوجاته تستحق الثناء، يلوح الغضب وتعترض الغيرة من زوجة أخرى وإن كانت المذكورة بالثناء ميتة، كما حصل للسيّدة خديجة أم المؤمنين عليها السلام واعتراض الرسول صلى الله عليه و آله عليه حيث قالت: «لا زلت تذكر عجوزاً قد أبدلك اللّه خيراً منها» فيقول الرسول صلى الله عليه و آله: «واللّه ما بُدّلت خيراً منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وأعطتني حين منعني الناس، وصدقتني حين كذبني الناس»(2).

أما أم البنين عليها السلام فقد بلغت من التقوى والإيمان والولاء لأهل البيت عليهم السلام حداً جعلها تؤثر ضرتها وأبناء ضرتها على نفسها التي بين


1) (1)

2) (2) السيّدة أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 67 عن سيرة ابن هشام، والسيرة الحلبية.

جنبيها ذلك لعلمها بأنهم سادات الأنام وأنه لا يدخل الجنة إلّامن عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلّامن أنكرهم وأنكروه.

ومعرفتهم تتطلب معرفة حقوقهم والإذعان إليهم وطاعتهم طاعة مطلقة ليست مقيدة بقيد ولا مشروطة بشرط لأنهم المعصومون الذين لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه.

تمريضها عليها السلام للحسنين عليهما السلام

كل امرأة وكل فتاة تنتظر (ليلة العمر) بفارغ الصبر لتنعم بسعادة الحياة الزوجية، وخدمة من يقوم بخدمتها، إذ ليس من المتعارف لا في السابق ولا في الحاضر أن تتحول ليلة الزفاف على نحو الاختيار إلى ليلة نكد وتعب وعناء ينغص عيش الحياة الزوجية، ويكدّر صفو متعتها.

ومن الصعب جداً بل ربما قارب المستحيل أن نجد امرأة في عز شبابها، وفي ليلة زفافها، تحوّل بمحض إرادتها أنسها، وهناء عيشها، في تلك الليلة إلى سهر في رعاية أبناء ضرتها، بل إننا نجد في عرفنا اليوم أنه لو تزوجت المرأة وعندها أولاد صغار من زوج سابق، فإن ليلة زفافها بل الثلاثة الأيام الأولى من زفافها لا يكون أولادها معها حتى لا ينغصوا عليها صفو سعادتها الزوجية، بل تأخذهم وترعاهم امرأة أخرى تقرب إليهم، فكيف يُترك معها أو ترضى هي بأن يبقى معها أولاد ضرتها؟

أما السيّدة أم البنين عليها السلام حين زُفت إلى أمير المؤمنين عليه السلام علمت بأن الحسن والحسين عليهما السلام مريضان، والكل وقتئذ حاضر ومستعد لرعايتهما وتمريضهما في تلك الليلة وما بعدها، إلّاأن أم البنين عليها السلام أبت وأصرت على أن تكون هي التي تمرضهما وترعاهما وهي (عروس) في ليلة زفافها، وقالت كلمتها التي خلدها التاريخ: «إني لن أشعر بفرحة الزواج إلّابعد شفاء أبنيّ الحسن والحسين عليهم السلام»(1)

العباس رجل العقيدة والجهاد: 34.

.

يقول السيّدالمقرّم في ذكر فضل أم‌البنين عليها السلام:«وبلغ من فضلها ومعرفتها وتبصرها بمقام أهل البيت عليهم السلام أنها لما أدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وكان الحسنان مريضين، أخذت تلاطفهما وتسهر معهما وتقابلهما بالبشاشة وتلقي عليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب، وما برحت تحسن السيرة معهما وتخضع لهما كالأم الحنون»(2).

وإذا ما وجدنا امرأة ما في أيام زواجها الأولى أو فيما بعدها تحنو على أبناء ضرتها فربما كان للتقرب لزوجها ولإثبات صفاء جوهرها كيما تنال بذلك رضا زوجها وتكسب حبه وودّه، بيد أن السيّدة أم البنين لم تفعل ذلك إلّامن منطلق الوعي والإدراك والعلم بأن محبة أهل البيت عليهم السلام وخدمتهم والتضحية من أجلهم واجب شرعي تقوم به كيما تنال رضا اللّه تعالى وعفوه.


1) (1)

2) (2) أُم البنين سيدة نساء العرب: 50، أدب الطف: 72/1.

ولهذا يقول الشيخ محمد رضا الحكيمي في (أعيان النساء): «ولم تخرج أم البنين إلى أحد قبل أمير المؤمنين عليه السلام ولا بعده وكانت من النساء العالمات الفاضلات، العارفات بحق أهل‌البيت، مخلصة في ولائهم»(1)

السيّدة أُم البنين (للزهيري): 69 عن أعيان النساء (للشيخ محمد رضا الحكيمي): 50.

.

حرصها على مشاعر أبناء الزهراء عليها السلام

نقل لنا التاريخ أن السيّدة أم البنين عليها السلام لما انتقلت إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام رأت شدة تعلق أبناء الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام بأمهم وفي نفس الوقت كان الإمام علي عليه السلام إذا ما أراد مخاطبة زوجته السيّدة أم البنين عليها السلام كان يخاطبها باسمها لا بكنيتها فكان يقول (يا فاطمة) فكانت تستأنس بسماعها اسمها (وهو خير الأسماء) من لسان بعلها الطاهر الصديق.

ولكن في نفس الوقت كانت ترقب ماذا يرتسم على وجوه أبناء الزهراء عليها السلام وهم يسمعون اسم (فاطمة) فيجدون المجيب امرأة أخرى غير أمهم! إنها مع شدة رعايتها لهم وشدة حرصها بهم وكونها لهم كالأم الحنون حتى لا يشعروا بفراغ أمهم الزهراء عليها السلام وغيابها.

إلّاأنها مع ذلك كانت تلحظ بعض التأثر وإن اختلفت نسبته يعلو وجه الحوراء زينب وأخويها الحسن والحسين عليهم السلام فلم تحتمل ذلك، لأنها


1) (1)

كانت لهم أماً حقيقية لا أماً شكلية فكان تأثرهم يمزق على نحو الحقيقة أحشاءها، ويدمي فؤادها فهل ترضى بأن تستأنس بسماع اسمها العذب من لسان زوجها البر التقي والصادق الوفي، ويكون ثمن ذلك ألم أبناء الزهراء عليها السلام بتذكرهم لفراق أمهم، أو إشعارهم بأن امرأة أخرى حلّت محل أمهم؟

لو كانت امرأة أخرى غير السيّدة أم البنين ربما كانت لا تعير هذا الأمر اهتماماً، بل تراه أمراً لا يستحق أن يُلتفت إليه.

إلّاأن السيّدة العفيفة البرة الوفية أم البنين عليها السلام لم تغفل عن هذا، ولم تستهن به بل جاءت إلى بعلها سيد الوصيين ووقفت بين يديه وقفة الأمَةِ المذنبة بين يدي سيدها وقالت: «يابن العم لي عندك حاجة».

فأجابها الزوج الكريم وهو يعرف مقام مَن تحدّثه: «ما حاجتك يا ابنة العم يا فاطمة؟».

قالت: «حاجتي أن لا تسميني فاطمة!!!».

وأدرك علي عليه السلام سر ذلك فسألها مبتسماً سؤال العارف وما تبسمه إلّا شهادة رضا بموقفها العظيم. ولماذا يا ابنة العم؟

قالت: أرى آثار الحزن والتأثر على وجه الحسن والحسين وزينب عند سماعهم اسم أمهم وهذا يؤلمني ويشق عليّ.

فقال عليه السلام: «يا ابنة العم وأي الأسماء أحب إليك؟».

فقالت عليها السلام: «سَمِّني ب (أم البنين)» وقد أطلق عليها هذه الكنية تفاؤلاً بالبنين بعد ولادتها على أصح الأقوال فاستجاب لها الإمام وبقي لا يناديها إلا بأم البنين وكان الناس لا يخاطبونها إلّابهذا الاسم إلى ما بعد واقعة الطف وإلى أن وصلها نبأ مصرع كل أبنائها.

خروجها عليه السلام الى البقيع للنياحة

فكانت تخرج الى البقيع كل يوم وتصنع قبوراً أربعة أو خمسة تكتب عليها أسماء أولادها، وتأن انين السقيم وتنوح على أولادها حتى أن مروان بن الحكم العدو اللدود لأهل البيت يبكي لبكائها وأنينها، وكان يجتمع الناس لسماع رثائها فيبكون لشجى ندبها، وإذا ناداها أحد باسم أم البنين، كانت تجيبهم بكل ألم وحرقة:

لا تدعوني ويك أم البنين تذكّريني بليوث العرين

كانت بنون لي أدعى بهم واليوم أصبحت ولا من بنين

أربعة مثل نسور الربى قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلاءهم فكلهم أمسى صريعاً طعين

يا ليت شعري أكما أخبروا بأن عباساً قطيع اليمين


وكأني بها تنادي بين القبور وا حسيناه، وا إماماه، وا عباساه، وا وِلداه.

[مجاريد]

يا لوالها اعليمن تنوحينتگول البچه والنوح لحسين

احنه أمهات أولاد حيينأو عن نوح ابنها فاطمه وين

الها العزه واحنه المعزينأنا الفاجده اثنين واثنين

محاريب خمسه امد كل حينعليهن ارش ابدمعة العين


[أبوذية]

على الأولاد زيدي النوح يمهمابفرد ساعه بالطبگ يمهم

احب اگصد وجاور كون يمهماجاور لما اتجيني المنية


يا ليت غائبنا يعود لأهله فتقول أهلا بالحبيب ومرحبا

يا غائبا عن أهله اتعود أم تبقى إلى يوم المعاد مغيبا


لطمية لأم البنين عليها السلام

(1)

يالحادي الخذت منّي شبابي ريّض بالظعن وأسمع عتابي

آنه الوادله انخاك روحي راحت اوياك

ريّض بالظعن وأسمع عتابي


1) (1) للسيّد سعيد الصافي.

خف الظعن هالصوت الينادي ارحم حالتي وريّض يحادي

من عندي خذت مهجة الهادي يلحادي وخذت اربعه اولادي

خليت الگلب يلحادي محتار المن ظلّتي اشظل عندي بالدار

صوتي ابحركه ناداك روحي راحت اوياك

ريّض بالظعن وأسمع عتابي


يلحادي الدهر ما أنصف ابيوم امحزّم بالحزن واگبالي ايحوم

انحسّب والگلب مچمن للهموم من عندك لون ما رجعت اعلوم

مابطّل يهالحادي ونيني لمّن طارش احبابي يجيني

وبلچن ترد اتناك روحي راحت اوياك

ريّض بالظعن وأسمع عتابي


هاي ام البنين اتودّع حسين ابحسره اموجّره وبدمعة العين

صاحب راشده يوليدي لا وين ملچوم الگلب من سطرة البين

خوفي امن الدهر يوليدي غدّار لگعد عالدرب وأنشد عالاخبار

وابگه يبني برجاك روحي راحت اوياك

ريّض بالظعن وأسمع عتابي

صاحت يا گمر هاشم يعبّاس يومك هذا يا صاحب النوماس

وبيوم الكلايف رفعة الراس من شفت الدرع والسيف والطاس

كبرت فرحتي ودلاّلي ارتاح ومن كثر الفرح يبني الگلب صاح

هذا حسين بحماك روحي راحت اوياك

ريّض بالظعن وأسمع عتابي


ذوله اخوتك يبني اوياك يرحون للزهره اريدنكم توافون

طول الدرب ويّه الظعن تبرون وينام الأخو وانتم تسهرون

وصّاني اخبركم ابوكم لو كلّفكم ابواجب اخوكم

ابشر صيحوا عيناك روحي راحت اوياك

ريّض بالظعن وأسمع عتابي


عبّاس الظعن انته چفيله وبيدك سلّمت يبني العقيله

غيبتكم لون صارت طويله دمع امكم فلا يبطل مسيله

يا با الفضل يا زهرة زماني انته الوفي الما تنسه حناني

يبني اتذكّر ارباك روحي راحت اوياك

ريّض بالظعن وأسمع عتابي

المجلس السابع: حول مجربات التوسل بأُم البنين عليها السلام

اشارة

سِرْ بالمشاعرِ للحجازِ ونادي يا روضةَ الإيمانِ والأمجاد

عن وجهة الإسلام هلا تُخبري أجيالنا عن رفعةِ وجهادِ

أيام بنت حَزامَ فاطمَ مَن بِها وبِذكرها السَّهل امتلى والوادي

دخلت لدار المرتضى تحنوا على أولاده وتذوب في الأولادِ

أم البنين وحسبها من مفخرٍ ما أدخلته عليه من إسعادِ

ومن الثِّمارِ غالَها بين الملا نعم الليوث لوقفةٍ ونجادِ

جادت بهم دون الحسين وقدّمت أولادها بعزيمةٍ وسَدادِ

حتى إذا قالوا لها قتل الذي عنه تذودي أعولت بحراد

ولدي قُتلت وليت قبلك مقتلي يا مقرح الأجفان والأكباد

أحسين تذبح ظامياً في كربلا والرأسُ منك يُشالُ بالميّادِ

ولدي أما كانت لديك عشيرةٌ لِتَذُبَّ عنك تلهُّفا بتفادي

حتى أتتك بنو أمية مفرداً وتواردوك بشفرةِ الأحقادِ

سأقول أربعةٌ فديتُ لأجلهِ وغمرتُهُ بمحبّتي وودادي

قال اللّه الحكيم في محكم كتابه الكريم:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم»

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»1 .

(صدق اللّه العلي العظيم)

حقيقة التوسل إلى اللّه وأوليائه

إن مسألة التوسل من أهم الضروريات العقائديه الينا لا يمكن للمؤمن من ان يتغاضى عنها ولا للمؤمنه ان تتهاون بها، وقد اشارت الآية المباركة إلى ذلك «وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» فان: توجه هذه الآية الخطاب إلى الأفراد المؤمنين، تتضمن تكاليف ثلاثة يؤدي الإلتزام بها وتطبيقها إلى نيل الفلاح، وهذه التكاليف هي:

1 - اتّباع الحيطة والتقوى، كما تقول الآية:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ...» .

2 - إختيار وسيلة للتقرب إلى اللّه سبحانه وتعالى، حيث تقول الآية:

«وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ...» .

3 - الجهاد في سبيل اللّه، إذ تقول الآية:«وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ...» .

وستكون نتيجة الإِلتزام بهذه التكاليف الإلهية وتطبيقها نيل الفلاح، بشرط تحقق الإِسلام والإِيمان فتقول الآية الكريمة في هذا المجال:

«لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» .

إنّ أهم موضوع سنتناوله بالبحث في هذه الآية، هو الدعوة الموجهة للإِنسان المؤمن لإِختيار طريقة تؤدي إلى اللّه سبحانه وتعالى.

فكلمة «الوسيلة» في الأصل بمعنى نشدان التقرب أو طلب الشيء الذي يؤدي إلى التقرب للغي عن ميل ورغبة، وعلى هذا الأساس فإن كلمة «الوسيلة» الواردة في هذه الآية لها معان كثيرة واسعة، فهي تشمل كل عمل أو شيء يؤدي إلى التقرب إلى اللّه سبحانه وتعالى.

وأهم الوسائل في هذا المجال هي الإِيمان باللّه وبنبيّه صلى الله عليه و آله والجهاد في سبيل اللّه، والعبادات كالصّلاة والزكاة والصوم، والحج إلى بيت اللّه الحرام، وصلة الرحم، والإِنفاق في سبيل اللّه سرّاً وعلانية، وكذلك الأعمال الصالحة ج كما يقول الإِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له وردت في «نهج البلاغة» منها:

«إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُينَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَاَلْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإِسْلاَمِ وَكَلِمَةُ الإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ‌(1)

الملة: شريعة الإسلام.

، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ

1) (1)

وَاجِبَةٌ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاِعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَيَرْحَضَانِ‌(1)

يرحضان: يطهران أو يغسلان.

الذَّنْبَ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ‌(2)فِي الْمَالِ وَمَنْسَأَةٌ‌(3)فِي الأَجَلِ وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَصَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ...» (4).

كما أن شفاعة الأنبياء والأئمّة والأولياء الصالحين تقرّب - أيضاً - إلى اللّه وفق ما نصّ عليه القرآن الكريم، وهي داخلة في المفهوم الواسع لكلمة «الوسيلة»؛ وكذلك إتّباع النّبي والإِمام والسير على نهجهما، كل ذلك يوجب التقرب إلى الساحة الإِلهية المقدسة.

وحتى عندما نقسم على اللّه بمقام الأنبياء والأئمّة والصالحين فإنّه يدلّ على حبّنا لهم والاهتمام بالدين الذي دعوا إليه، هذا القسم يعتبر - أيضاً - واحداً من المعاني الداخلة في المفهوم الواسع لكلمة «الوسيلة».

والذين خصصوا هذه الآية وقيدوها ببعض هذه المفاهيم لا يمتلكون في الحقيقة أي دليل على هذا التخصيص، لأن كلمة «الوسيلة» تنطلق في اللغة على كل شيء يؤدي إلى التقرب.


1) (1)

2) (2) مثراة: مكثرة.

3) (3) منساة: مطيلة.

4) (4) نهج البلاغة، الخطبة: 110.

والجدير بالذكر هنا هو أنّ المراد من التوسل لا يعني - أبداً طلب شيء من شخص النّبي أو الإمام، بل معناه يبادر الإنسان المؤمن - عن طريق الأعمال الصالحة والسير على نهج النّبي والإِمام بطلب الشفاعة منهم إلى اللّه، أو أن يقسم بجاههم وبدينهم (وهذا يعتبر نوعاً من الإحترام لمنزلتهم وهو نوع من العبادة) ويطلب من اللّه بذلك حاجته، وليس في هذ المعنى أيّ أثر للشرك، كما لا يخالف الآيات القرآنية الأخرى، ولا يخرج عن عموم الآية الأخيرة موضوع البحث «فتدبّر».

التوسل في القرآن الكريم

هناك آيات قرآنية أخرى تدل بوضوح على أنّ التوسل بمقام إنسان صالح عند اللّه، وطلب شيء من اللّه عن طريق التوسل بجاه هذا الإنسان عند اللّه، لا يعتبر أمراً محظوراً ولا ينافي التوحيد. كما تذهب إلى ذلك الوهابية البغيضة.

فنحن نقرأ في الآية (64) من سورة النساء قوله تعالى:«وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً» ؛ وكما نقرأ في سورة يوسف، إنّ أخوة يوسف طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم اللّه، فقبل يعقوب هذا الطلب ونفذه.

قال تعالى:«قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ * قالَ

سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .

وكذلك من سورة التوبة تشير إلى موضوع استغفار إبراهيم لأبيه كما قال تعالى:«وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ» .

ولابد أن نعلم ان استغفار إبراهيم والدعاء لأبيه لأنه كان يأمل منه الإيمان وأن يجذبه إلى التوحيد عن هذا الطريق وكان استغفاره هو «اللهم اهده وتجاوز عن ذنوبه السابقة» لكن لما ارتحل آزر من هذه الدنيا وهو مشرك ترك استغفاره لازر.

وعلى هذا فان المسلمين أيضاً يستطيعون ان يستغفروا لأصدقائهم وأقاربهم من المشركين ماداموا على قيد الحياة إذا كان هناك أمل لهدايتهم، إلّا أنهم إذا ماتوا وهم كفار فلا مجال للاستغفار بعد ذلك(1).

ومن الآيات الواردة والتي تحرّض على التوسل قوله تعالى:«أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً» .

وقد ورد هذا الموضوع في آيات قرآنية أخرى أيضاً.


1) (3) الأمثل: 238/6.

التوسّل في الروايات الإسلامية

إنّ الروايات العديدة التي وردت عن طرق الشيعة والسنة تفيد بوضوح أنّ التوسل بالمعنى الذي عرضناه لاريب فيه ولا شبهة فيه، بل أنّه يعد عملاً جيداً أيضاً، وهذه الرّوايات كثيرة وقد نقلتها كتب عديدة، ونحن نورد بعضاً منها مما ورد في مصادر جمهور السنّة على سبيل المثال لا الحصر.

1 - جاء في كتاب «وفاء الوفا» لمؤلّفه العالم السنّي المشهور «السمهودي» إن طلب العون والشفاعة من النبي صلى الله عليه و آله أو التوسل إلى اللّه بجاه النبي صلى الله عليه و آله وشخصه جائز قبل أن يولد ص وبعد ولادته ووفاته وفي عالم البرزخ وفي يوم القيامة.

ثم ينقل «السمهودي» في هذا المجال عن عمر بن الخطاب الرواية المعروفة التي تتحدث عن توسل آدم عليه السلام إلى اللّه بنبي الإسلام محمد صلى الله عليه و آله وذلك لعلم آدم بأنّ هذا النّبي سيأتي إلى الوجود في المستقبل، ولعلمه بالمنزلة العظيمة التي يحظى بها عند اللّه، فيقول آدم:

«ربّ إِنّي أسألك بحق محمّد لما غفرت لي» (1).

ثم ينقل «السمهودي» حديثاً آخر عن جماعة من رواة الحديث كالنسائي والترمذي، وهما عالمان مشهوران من أهل السنّة، كدليل على جواز التوسّل


1) (1)تفسير الأمثل: 689/3 عن وفاء الوفاء (للسمهودي): 1371/3 في كتاب «التوصل إلى حقيقة التوسل»: 215؛ نقل الحديث المذكور أعلاه كواحد من دلائل النبوة.

بالنّبي صلى الله عليه و آله في حياته وخلاصة هذا الحديث إنّ رجلاً بصيراً طلب من النّبي أن يدعو له بشفاء مريضه، فأمره النبي صلى الله عليه و آله بتلاوة هذا الدعاء:

«اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إِليك بنبيّك محمّد نبيّ الرّحمة يا محمّد إنّي توجهت بك إلى ربّي في حاجتي لتقضي لي، اللّهم شفعه فيّ» (1)

تفسير الأمثل عن كتاب وفاء الوفاء (للسمهودي): 1372.

.

وبعد هذا الحديث ينقل «السمهودي» حديثاً ثالثاً في جواز التوسل بالنّبي صلى الله عليه و آله بعد وفاته، فيذكر أن صاحب حاجة جاء في زمن عثمان إلى قبر النّبي صلى الله عليه و آله، فجلس بجوار القبر ودعا اللّه بهذا الدعاء:

«اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إِليك بنبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله نبيّ الرّحمة، يا محمّد إنّي أتوجه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي».

ثمّ يضيف «السمهودي» إنّه لم تمض فترة حتى فضيت حاجة الرجل(2).

2 - أمّا صاحب كتاب «التوصل إلى حقيقة التوسل» الذي يعارض بشدة موضوع التوسل فهو ينقل (26) حديثاً من كتب ومصادر مختلفة ينعكس منها جواز التوسل، ومع أ نّه سعى في أن يطعن بإسناد تلك الأحاديث، إلّاأنّ الواضح هو أنّه متى ما كانت الروايات كثيرة - في موضوع معين لدرجة التواتر - لا يبقى عند ذلك مجال للطعن، والتجريح في سند الحديث، والروايات التي وردت في المصادر الإسلامية بشأن التوسل قد تجاوزت حدّ التواتر لكثرتها.


1) (1)

2) (2) وفاء الوفاء: 1373.

ومن هذه الأحاديث التي رواها صاحب الكتاب المذكور، الحديث التالي: نقل «ابن حجر المالكي» صاحب كتاب «الصواعق» عن الإمام «الشافعي»، وهو أحد أئمّة السنّة الأربعة المشهورين، أنّه كان يتوسل إلى أهل بيت النّبي ويقول:

آل النبي ذريعتي وهم إليه وسيلتي

أرجو بهم أعطى غداً بيد اليمين صحيفتي(1)


وينقل صاحب كتاب «التوصل...» أيضاً عن (البهيقي) أن الجفاف أصاب المسلمين في أحد الأعوام من عهد الخليفة الثّاني، فذهب بلال ومعه عدد من الصحابة إلى قبر النبي صلى الله عليه و آله وقال: «يا رسول اللّه استسق لأمتك... فإنهم قد هلكوا...»(2).

ونقل أيضاً عن «ابن حجر» من كتاب «الخيارات الحسان» أن الإمام الشافعي كان أثناء وجوده في بغداد يزور أبا حنيفة ويتوسل إليه في حوائجه(3).

ومن صحيح «الدارمي» ينقل صاحب كتاب «التوصل...» أيضاً، أن بعض الصحابة في المدينة اشتكوا إلى عائشة ما يعانونه من الجفاف


1) (1)كتاب التوصل: 329.

2) (2) تفسير الأمثل: 690 عن كتاب التوصل: 253.

3) (3) كتاب التوصل: 331.

الشديد الذي أصاب البلدة في أحد الأعوام، فأشارت عليهم أن يفتحوا فجوة في سقف المسجد على قبر النّبي صلى الله عليه و آله حتى ينزل اللّه المطر ببركة قبر النبّي صلى الله عليه و آله ففعلوا ذلك ونزل مطر غزير!

ونقل «الآلوسي» في تفسيره الكثير من الأحاديث والروايات الشبيهة بالأحاديث المارة الذكر، ولكنّه بعد إجراء تحليل ونقاش طويل حولها حتى أنّه تشدد في نقدها اضطر إلى الإذعان بها، فذكر انّه بعد البحث الذي أجراه لا يرى مانعاً من التوسل إلى اللّه بمقام النّبي صلى الله عليه و آله سواء في حياته أو بعد وفاته، ثمّ أطال البحث في هذا المجال، وقال بأنّ التوسل إلى اللّه بمقام غر النّبي لا مانع فيه - أيضاً - شريطة أن يكون المتوسل به صاحب منزلة عند اللّه(1)

تفسير الأمثل: 690، روح المعاني: 4-114/6-115.

.

أما مصادر الشيعة فقد تناولت هذا الموضوع بشكل واضح، لا نرى معه أي حاجة إلى نقل الأحاديث الواردة بهذا الصدد.

ملاحظات ضرورية في التوسل

نرى من الضروري - هنا - الإشارة إلى عدّة أمور:

1 - لقد أسلفنا القول بأنّ التوسل ليس معناه طلب الحاجة من النّبي أو الإمام، بل المراد منه جعل النّبي أو الإمام شفيعاً إلى اللّه في قضاء


1) (1)

الحاجة، وهذا الأمر - في الحقيقة - توجه إلى اللّه، لأن احترام النّبي صلى الله عليه و آله إنّما هو من أجل أنّه رسول اللّه والسائر على هداه، والعجب هنا أن يدعي البعض أن هذا التوسل نوع من الشرك، في حين أنّ المعروف عن الشرك هو القول بوجود من يشارك اللّه سبحانه في صفاته وأعماله، والتوسل الذي تحدثنا عنه لا صلة له مطلقاً ولا تشابه مع الشرك.

2 - يصرّ البعض وجود الفرق بين حياة النّبي ص والأئمّة المعصومين عليهم السلام وبين وفاتهم، وكما رأيت فإن الكثير من الأحاديث السالفة كان يخص ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله، بالإضافة إلى ذلك فإن الفرد المسلم يعتقد بأن للنّبي والصالحين بعد وفاتهم حياة برزخية أوسع من الحياة الدنيا، وقد صرّح القرآن في هذا المجال بخصوص حياة الشهداء، حيث أكّد أنّهم ليسوا «أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ...»(1)

آل عمران: 169.

.

3 - وأصرّ آخرون على أنّ هناك فرقاً بين طلب الدعاء من النّبي صلى الله عليه و آله وبين القسم على اللّه بجاه النّبي، فهؤلاء يجيزون طلب الدعاء ولا يجيزون ما سواه، في حين لا يوجد بين هذين الأمرين أي فرق منطقي.

4 - يسعى البعض من كتاب وعلماء السنة وبالأخص «الوهابيون» منهم، وبعناد خاص، إلى الادعاء بضعف جميع الأحاديث الواردة في موضوع التوسل، أو تجاهلها بشتى الحجج الواهية.


1) (1)

وهؤلاء يبحثون هذا الموضوع بأسلوب خاص يظهر من خلاله لكل ناظر محايد أنهم اختاروا في البداية هذا الإعتقاد لأنفسهم، ثمّ يحاولون - بعد ذلك - فرضه على الرّوايات الإسلامية ويعمدون بشكل من الأشكال إلى إزاحة كل من يخالف معتقدهم هذا عن طريقهم، وهذا الأسلوب المشوب بالعصبية ومجافاة المنطق لا يقبل به أي باحث منصف مطلقاً.

5 - لقد بيّنا أنّ أحاديث التوسّل قد وصلت بكثرتها إلى حد التواتر، أي أ نّها لوفرتها تغني الباحث عن التحقيق في أسانيدها، إضافة إلى ذلك فإنّ من بين هذه الأحاديث الكثير من الروايات والأحاديث الصحيحة، فلا يبقى بذلك لمن يريد الإعتراض على بعض الأسانيد أي مجال.

6 - ويتبيّن ممّا قلناه سابقاً أن لا تناقض بين الروايات التي وردت في تفسير الآية الأخيرة تلك التي تقول بأن النّبي دعا الناس إلى أن يطلبوا له الوسيلة من اللّه، أو ما جاء عن الإمام علي عليه السلام في كتاب «الكافي» من أنّه قال: بأن (الوسيلة) هي أرفع وأسمى منزلة في الجنّة فلا ينافي ما ذكرناه نحن في تفسير الآية، لأن الوسيلة - كما أوضحنا - تشمل كل أنواع التقرب إلى اللّه، وإن تقرب النّبي صلى الله عليه و آله إلى اللّه، وكذلك ما قيل عن أرفع منزلة في الجنة، هما من مصاديق الوسيلة(1)

تفسير الأمثل: 692/3.

.

1) (1)

مجربات التوسل بأم البنين عليها السلام

نذكر هنا بعض الختومات والنذورات المجرّبة وآداب التوسل بهذه السيّدة المباركة وعن طريق بعض العارفين والعلماء الصالحين.

يقول المرجع الكبير السيّد محمود الشاهرودي المتوفى في (17 شعبان 1394 ه): «إني أصلّي على محمّد وآل محمّد مائة مرة وأهديها إلى أم البنين عليها السلام فتُقضى حاجتي».

ومن المجربات: قراءة سورة «يس» عشر مرات في أربعة أسابيع وهو كما يلي:

يقرؤها في ليلة الجمعة من الأسبوع الأول (ثلاث مرات).

وفي ليلة الجمعة من الأسبوع الثاني يقرأ (ثلاثاً).

وفي ليلة الجمعة من الأسبوع الثالث يقرأ (ثلاث مرات) أيضاً.

وفي ليلة الجمعة الأخيرة في الأسبوع الرابع يقرؤها (مرة واحدة) ويهديها لأم البنين عليها السلام نيابة عن أبي الفضل العباس عليه السلام فإنها ستُقضى حاجته إن كانت مشروعة إن شاء اللّه تعالى.

وينقل عن السيّد محمّد الروحاني (عليه الرحمة) أنه كان يتوسّل في المهمات والمشاكل المعضلة بأم البنين عليها السلام فتقضى وتنكشف، وحتى في عوارضه الخاصة حيث ذكر بأنه:

ابتلي ذات مرة بألم شديد في أحد أسنانه، وكان ألماً مُبرحاً لا يطاق،

فراجع طبيبه الخاص الدكتور الطريحي فلم يجده، فلما اشتد به الألم نذر اللّه إن نجّاه من هذا الألم أن يستأجر من يزور كربلاء نيابة عن أم البنين عليها السلام في ليلة الجمعة القادمة، فلم تمض لحظات حتى سكن الألم وكأن شيئاً لم يكن.

وفي عصر اليوم التالي عاد الألم مجدداً فقال السيّد: يبدو أن الطبيب قد حضر، فراجعه فوجده في مطبّه، فقلع سنّه بعد أن كان لابد من قلعه فارتاح من بلائه، كل ذلك السكون من بركة أم البنين عليها السلام.

إهداء زيارة عاشوراء واطعام الطعام لأم البنين عليها السلام

قال السيّد محمّد حسين زاه العقيد المتقاعد المعروف في مدينة (كرج) الإيرانية من ضواحي طهران العاصمة: كنت مشغولاً بالتدريس يوم الجمعة وقت العصر إذ دخل أحد التلاميذ ذاهلاً فاستأذن وقال:

إن أبي الآن يعالج الموت، وقد تركته في سكراته محتضراً ووجهته إلى القبلة وجئت لأعتذر إليك عن التأخير وأعود إليه.

فقلت له: اسمع مني سأروي لك حديثاً عن سيدتي فاطمة الزهراء عليها السلام فإنها قالت: سألت أبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله أي ساعة أفضل لاستجابة الدعاء؟ فقال صلى الله عليه و آله: عند الغروب يوم الجمعة.

فنحن ندعو ولكن الأفضل أن تنذر أيضاً نذراً قال: إني الآن في حالة من الاضطراب وتشتّت البال بحيث لا أدري ماذا أفعل وماذا أنذر، أرجو أن تنصحني وتعلمني وترشدني إلى ما أفعل؟

فقلت له: انذر الآن أن تقرأ زيارة عاشوراء (عشر مرات) وتهديها لأم البنين عليها السلام بقصد شفاء والدك.

فقال: أفعل، ورجع إلى البيت مسرعاً، فلما دخل البيت بلغ له العجب غايته، إذ رأى أباه واقفاً في ساحة الدار مشتغلاً بالضوء والاستعداد لصلاة المغرب، فسأل عن ذلك، فأخبروه أنه منذ نصف ساعة انقطعت عنه الحمى فجأة وأخذ يتماثل إلى الشفاء وبدأت أعراض الموت تزول منه حتى قام واقفاً على قدميه.

قال العقيد: وها هو ذا الأب حفظه اللّه يشتغل بالقرب منّا سالماً غانماً يواصل عمله.

وفي إطعام الطعام لأم البنين عليها السلام والذي يعتبر من المجرّبات. نقل السيّد صادقي الواعظ في قم المقدسة حيث قال:

كنت في طهران أرتقي المنبر وكان اليوم التاسع من المحرّم، وركبت سيارة للذهاب إلى قراءة المجلس، وكان الشارع مزدحماً لا تكاد السيارة تقطع الطريق إلّابشق الأنفس، وذلك لكثرة المواكب المنطلقة ذلك اليوم فتساءل السائق قائلاً: ماذا حدث؟ لماذا كل هذا الزحام؟ فقلت: ألستَ مسلماً؟ ألا تدري أن اليوم هو اليوم التاسع من المحرم، وهو يوم عزاء أهل البيت عليهم السلام ومصائبهم.

قال: كلا أنا مسيحي.

قلت: اليوم يوم العباس عليه السلام - عند بعضهم ينسبون التاسع للعباس عليه السلام -.

قال: نعم أنا أعرف أبا الفضل العباس جيداً، واستطرد قائلاً:

كنت عقيماً محروماً من نعمة الولد، وبعد زمان رزقت ولداً إلّاأنه ككان مشلولاً مقعداً، فصرفت كل ما عندي وبعت بيتي وأنفقتها في علاجه دون نتيجة.

وفي ذات ليل دخلتُ بيتي - وكنت مستأجراً أسكن مع صاحب الدار - فرأيت زوجتي تبكي فقلت لها: ماذا حدث؟

قالت: إن صاحبة الدار دعتني للحضور على سفرة أم البنين عليها السلام.

قلت: من هي أم البنين؟

فشرحت لي ما سمعته عنها ثمّ قالت: لقد أخذت ولدي وأجلسته على مائدة أم البنين فتعال نجلس هذا الطفل في حجرنا هذه الليلة ونتوسّل بأبي الفضل العباس معاً.

وبالفعل اتفقنا وفعلنا ذلك حتى أخذنا التعب، فتركنا الصبي لحاله واضطجعنا في الإيوان (البلكون)، وفي منتصف الليل رأيت - بهذه عيني - الطفل وقد قام معتمداً على رجليه وأخذ يركض، ففزعت وصرخت به: ماذا حدث؟

قال: من هذا السيّد الفارس الذي جاءني؟

هذه هي معجزة أبي الفضل العباس عليه السلام التي رأيتها بعيني فكيف لا أعرفه؟

وهناك طرق متعددة في ابتغاء الوسيلة بهذه السيّدة الجليلة كختم سورة الأنعام و (مائة مرة) سورة القدر وسورة الإخلاص وكل ذلك

يحتاج إلى تفصيل قد لا يناسب هذا المختصر، وقد أرشدنا نبي الرحمة صلى الله عليه و آله بقوله «إنما الأعمال بالنيات»(1)

السيّدة أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 182.

.

زينب عليها السلام عند احتظار أم البنين عليها السلام

هذه السيّدة الكريمة العالمة كانت تتمنى حضور أولادها عند نعشها كما هو شأن كل فقيد وكل أم ولكن أسفي على أم البنين عليها السلام حيث فارقت الحياة وتتمنى حضور العباس وأخوته عليهم السلام عند موتها حتى يقومون بتجهيزها وحمل نعشها ودفنها نعم فارقت الحياة وهي بعيدة عن قبور أولادها الأربعة.

ولكن ساعد اللّه قلب زينب عليها السلام وهي تنظر إلى أم البنين وهي تفارق الحياة فرمت بنفسها عليها وهي تنادي وا اماه وا فاطمتاه ولسان حالها:

بطّلت ونتها ومنها غمضت العين وزينب عليها تلطم الهامه بليدين

طاحت عليها بت‌علي وتلطم على‌الراس واتجاذب الحسرات واتصعّد بالأنفاس

وتقول رحتي اليوم عني يا أم عباس ذوب افوادچ يا حزينه فقد لبنين


1) (1)

فقدچ يا يمه هيج اعليه احزاني جدد عليه امصيبتي وفجعت أخواني

ياليت من قلبچ يَيمَّه الموت جاني بَسِّي يا يمه من الفجيعة او غِصّة البين


قلبي من الهم انصدع ومن المصايب فرفرت روحي وراعها فقد الحبايب

طول العمر دمعي على الأحباب ساكب من يوم فارقت أخوتي ما نشفت العين


فتحي اعيونچ يا حزينه جاوبيني مقدر على افراقچ يا يمه تعرفيني

كل يوم إنتي بالمصيبه اتساعديني انا على اخواني أحن وانتي إعلى لِبنين


وتالي خذتها للغسل بنت النجابه وتجري دموع العين عالخد بنسكابه

وتقول هالمنزل بعد ينغلق بابه مقدر اعاين منزلچ يا أم البنين


لطمية لأُم البنين عليها السلام

(1)

ويلادي النشامه اتعودون ابسلامه

بيكم آنه مفتخره وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه


آنه يا شبان أمكم يلربيتوا ابوسط جبدي

ابذلت كل حيلي وجهودي وابرباكم امل عندي

بيكم ارد اوفي الزچيه يل الولد كل هذا كصدي

يا ما ليالي ساهرت واتعاب برباكم شفت

من لبن طاهر رَضّعت وعمري صار الكم يولدي

كل ذيج الليالي مرسومه ابخيالي

هذا اليوم انتظره وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه


اوصيَّه وصاني ابوكم حيدره حامي الحميّه

وآنه كل عمري نذرته من أجل هاي الوصيّه

ذُخر كال الولد عندج والوفه بالغاضريه


1) (1) للسيّد سعد الذبحاوي.

ويلاي ولد الغانمه واربات حمّاي الحمه

لحسين مهجه فاطمه خلَّو وكفتكم سويّه

حيدر وصَّهب يكم وظل بالَه عليكم

صِحت وآنه مبتشره وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه


يلولد كل أم حنينه ثمره ترجه من سهرها

وانتو يا ثمرة دليلي اويا اصبي عيني ونظرها

آنه أُمكم يبعد امكم الرخصَّتْ الكم عمرها

يا ثُمر گلبي وطيبته يا عمد بيتي وهيبته

انتو الدليل ودكّته كربله عدكم خُبرها

انخاكم يولدي وافو اليوم عَهدي

لتخلوني بالحسره وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه


انته يا عباس يبني ساعِد حسين وعضيده

كفلت زينب وانته اخوها لا تخلّيها وحيده

اعليك يا عباس املها نفِّذ الها اشما تريده

انطاك أبو اليمه العَلَم وتكفلت امر الحرم

ويَّه اخوتك أهل الشيم تعنوا لدروب البعيده

تحرسون العقيله بهل السفره الطويله

عينوا زينب الكُبره وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه


المجلس الثامن: حول كرامات أُم البنين عليها السلام

اشارة

تَجرِي الدّموعُ على الخدودِ هِواميا وتَدعُو بدوراً حيث غابوا ضواريا

وتبكي حسينا حين راح بأهله وقد ظلّ بيت المجد ينعاه خاليا

بِهِ وَحدَها تبكي عليهم حزينةً وفي قلبها من نارِه من‌الوجدُ واريا

تَرى منزلَ الأحباب قد ظَلَّ مُقْفَراً وفيه غرابُ البينِ لا زالَ ناعيا

وظلت تقاسي‌الهَمَّ والحزنَ‌والأسى ومدمَعُها بالدَّمِّ في الخَدّ جاريا

إلى أن أتى ناعي الحسين ليثرِبٍ بقتلِ حسينِ السبطِ ظَلَّ مُنادِيا

أيا أهلَ يثربَ لا مُقام لكم بها فأن عماد الدين بالطف ثاويا

وَمِن حوله الشُّبان صَرعىً على الثرى كانهم الأقمار ظلوا أضاحيا

فمذ سعمت أم البنينِ بنعيهِ إليه أتت والدَّمعُ في الخَدِّ جاريا

تقولُ تَمَهَّلْ لي أيا بِشرُ ساعةً بنعيك هذا قد أذَبتَ فؤآديا

فقال ومَن أنتي ومن هو ترتجي فقالت حسينا غاب عني مَلاذِيا

فَبللَّهِ هل عاد الحسين لداره فقل لِيَ عن سبط الرسول عماديا

فقال لها عونُ قَضى ثم جعفرُ وعبداللهُ والعباسُ في النهر ثاويا

أيا بِشر أني ما سألتُك عنهُمُ عن السبط أخبرني فعنه سؤآليا

تحيَّرَ بِشرُ في جوابِ سؤآلِها ومَدمَعُهُ في الخد كالمُزن جاريا

فقال لها سبطُ الرسولِ قد قضى وقد قتلوهُ القومُ بالطفِّ ظامِيا

وقد ظَلَّ في حَرِّ الرمال معفَّرا كذاك ورأسُ السِّبطِ قد شِيل عاليا

فَمُذ سمعته شقَّت الجيبَ عاجِلاً وزادت بها الأحزانُ والدمعُ هامِيا

فقالت كَفى يا بِشر أحرقتَ مُهجتي وقلبي بنيرانِ المصيبةِ واريا


وين اليساعدني بالونين عله ابني الكضه مكطوع اليدين

والصابته النبله على العين بيني وبينه فرك البين

ضنوة علي ليث الميادين وخوته الكضوا فدوه للحسين

ياللي تنادوني ام البنين بطلوا ترا راحوا مطاعين

لبجي عليهم طول السنين شلون الصبر يا ناس ومنين(1)

لشاعر أهل البيت عليهم السلام ابراهيم غلوم لاري «أبو عباس».



1) (1)

ورد في الحديث القدسي عن اللّه تعالى:

«عبدي أطعني تكن مثْلي أو مَثَلي، أنا أقول للشيء كُن فيكونْ وأنتَ تقول للشيء كن فيكون»(1)

خلفيات كتاب مأساة الزهراء عليها السلام (للسيّد جعفر مرتضى): 352/2، بحار الأنوار (للعلّامة المجلسي): 164/10، مستند الشيعة (للنراقي): 6/1.

.

وأيضاً ورد في الحديث القدسي عن اللّه تعالى:

«ما يتقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وانه ليتقرب إليَّ بالنوافل حتى احِبُه، فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها»(2).

حقائق حول كرامات أهل البيت عليهم السلام

قد يتسائل البعض قائلاً: لماذا يؤكّد البعض على ذكر الكرامات وعنايات أهل البيت عليهم السلام ومَن يرتبط بهم؟ أوليس من الأفضل أن نركّز على سيرتهم ومكارمهم بدل الاعتماد على الكرامات التي لا تغني المكلّف معرفتها شيئاً؟

وهل من الصحيح أن نسلّط الأضواء على العنايات والكرامات والحال أنّ العالم اليوم بلغ ما بلغ من التطوّر والتقدّم؟

في جواب مثل هذه التساؤلات نقول: إنّ التأكيد على عنايات أهل


1) (1)

2) (2) البحار: 22/67، جامع أحاديث الشيعة (للسيّد البروجردي): 99/7، شرح أُصول الكافي: 88/1.

البيت عليهم السلام وكراماتهم له عدّة فوائد منها تقوية عقائد الناس بأهل البيت عليهم السلام وتوثيق علاقاتهم بهم خاصّة إذا كانت العنايات موثّقة وقريبة زماناً من الناس.

من جانب آخر كثير من المنحرفين ممّن كانوا لا يعتقدون بأهل البيت عليهم السلام أو ينكرون مقاماتهم الرفيعة اهتدوا وصاروا من الموالين الخلّص ببركة هذه العنايات، والشواهد على ذلك كثيرة سنشير إلى بعضها في طيّات البحث.

بالإضافة إلى ذلك ذِكرُ كرامات أهل البيت عليهم السلام ومَن يرتبط بهم، وعناياتهم نوع من بيان مقاماتهم ومناقبهم للموالين وهذا في حدّ نفسه مطلوب، فالموالي مهما بلغ من العلم والمعرفة يبقى محتاجاً إلى الاعتقاد بمقامات آل الرسول صلوات اللّه عليهم لأنّها تربّي النفوس وتهذّبها وتطمئن القلوب بصحّة العقيدة وأحقّانية المعتقد.

بالطبع التركيز على كرامات أهل البيت عليهم السلام لا ينافي التأكيد أيضاً على سيرتهم ومعارفهم وأما مسألة التقدم والتطور الذين يشهده العالم فهو الذي يدعو الى التركيز على العنايات لا التخلّي عنها لأن العالم اليوم غارق في أمواج الماديّة ومتناسي لمعظم القيم الدينية، ولذا فهو بحاجة الى مَن ينقذه من هذا الوضع المزري، ولا نبالغ إذا ما قلنا إن تعريف العالَم بكرامات وعنايات أهل البيت عليهم السلام له حصّة كبيرة في استنقاذ البشرية من الماديّة وربطها بعالم المثل والمعنويات(1)

العنايات الخالدة (للشيخ جاسم الأديب): 10.

.

1) (1)

شرائط نيل عناية أهل البيت عليهم السلام

هناك عدّة أُمور ينبغي توضيحها للقارئ الكريم حول كرامات أهل البيت عليهم السلام وهي:

لا شك أنّ في ثبوت العنايات والكرامات لأهل البيت عليهم السلام دلالة واضحة على علو مقامهم وعظمة شأنهم عند اللّه عزّ وجلّ، فإنّ الباري تعالى لا يخصّ بكراماته إلّاأصحاب المقامات الرفيعة والدرجات العالية وهذا لا ينكره إلّاجاهل أو مغرض ضالّ.

من جانب آخر في بعض الأحيان لا تكتمل شرائط العناية من قبل أهل البيت عليهم السلام أو يوجد مانع دون عنايتهم أو مصلحة في عدم شمول الفرد لعناياتهم هذا لا ينافي كرمهم أو لطفهم بالعباد.

ولذا ينبغي لنا أن نسعى دائماً في تحقيق الشرائط وتوفير الأجواء ثمّ نوكل الأمر إليهم.

أضف إلى ذلك أنّ شمول عناياتهم للبعض دون غيرهم لا يعني أنّ البقية غير مقبولين عندهم، فلربما كانت في البين مصلحة أو حكمة ما لا تقتضي منهم أن يشملوا الفرد بعنايتهم، بل إنّ الذين تشملهم عنايات أهل البيت عليهم السلام ليس من المحرز أنّهم لصرف قضاء حاجتهم وتوفيقهم بالعناية صاروا أفضل من غيرهم، فقد شاءت الأقدار أن تتحقّق فيهم شرائط العناية، ومن المعروف أنّ كرم أهل البيت عليهم السلام واسع يشمل حتّى الذين لا يعتقدون بهم.

وإنّ أهم مسألة في قضية عنايات أهل البيت عليهم السلام هي معرفة الضوابط العامّة لنيل لطفهم والتوفيق لجلب عنايتهم وهذه من المباحث المهمّة التي تحتاج إلى تدقيق وإمعان نظر لكثرة فائدتها وشدّة أهميّتها.

أمّا الضوابط فهي في الحقيقة غير واضحة، فإنّنا لا نعرف الملاكات الحتمية عندهم في عناياتهم ولا أتصوّر أنّ أحداً يدّعي معرفته الدقيقة بها، ومع ذلك فإنّ هناك بعض الضوابط المتصيّدة التي يمكن أن نعدها من الضوابط الظاهرية ومنها:

1 - الإخلاص لهم: كثيرة هي الأدلّة والشواهد الدالّة على عناية أهل البيت عليهم السلام للمخلصين لهم، فعلى مرّ التاريخ تجد أنّ المخلصين لأهل البيت عليهم السلام يحظون بتسديداتهم وعناياتهم الخاصّة.

2 - التوسل الشديد: كما أنّ الإلحاح في الدعاء مطلوب ومحبّذ كذلك التوسّل بأهل البيت عليهم السلام مطلوب وله دور كبير في التوفيق لنيل عناياتهم.

3 - تقديم الوجهاء إليهم: وهذا ملموس في سيرة المتشرّعة، فهم إذا توسّلوا بوجيه من الوجهاء يقدّمون بين يديهم وجيهاً عنده لينالوا حاجتهم، وكشاهد على ذلك تجد أنّ زوّار سيّد الشهداء عليه السلام يقدّمون بين يدي حاجاتهم باب الحوائج أبي الفضل العبّاس عليه السلام أو رضيعه المظلوم عبد اللّه الرضيع أو علي الأكبر أو يتيمة الشام السيّدة رقية عليها السلام.

4 - تهيأة المقتضيات للعناية: كأن يعقد المتوسّل بهم مجلساً باسمهم

ويدعو الموالين ويحيي ذكرهم فيتوسّلون بهم في قضاء حوائجهم، أو ينذر صاحب الحاجة نذراً لهم وما شابه.

5 - السعي لرفع الموانع: ففي كلّ حال ينبغي لمن يريد أن يحظى بعنايات أهل البيت عليهم السلام أن يرفع موانع الفوز بهذا التوفيق، وإذا كان لا يعرف ما هي الموانع يراجع العلماء وأهل الفضل ويشاورهم في مسألته ويحاول تشخيص المانع ليرفعه(1)

العنايات الخالدة (للشيخ جاسم الأديب): 16.

.

اعتراف المخالفين كرامات أهل البيت عليهم السلام

بلغت عناية أهل البيت عليهم السلام حدّاً من الاستفاضة بل والتواتر حتّى أنّ مخالفيهم أشادوا بها وتعرَضوا لها في مصنّفاتهم، وكما يقال: الفضل ما شهد به الأعداء.

بطبيعة الحال إنّنا لم نذكر أقوال المخالفين لنبرهن على عنايات أهل البيت عليهم السلام فإن مخالفتهم لا تغيّر في القضية شيء، وإنّما من باب بيان إقرار القوم بهذه المناقب نستعرض بعض أقوالهم ومنها:

1 - ابن بطوطة: تعرّض ابن بطوطة في رحلته إلى زيارته لمدينة النجف الأشرف، فقال: ثمّ رحلنا من القادسية فنزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب عليه السلام بالنجف وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من


1) (1)

أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً وأتقنها بناءً... وأهل هذه المدينة كلّهم رافضية. وهذه الروضة ظهرت بها كرامات لأنّ بها قبر علي عليه السلام.

فمنها أنّ في ليلة السابع والعشرين من رجب وتسمّى عندهم ليلة المحيا يؤتى إلى تلك الروضة بكلّ مقعد من العراقيين وخراسان وبلاد فارس والروم فيجتمع منهم الثلاثون والأربعون نحو ذلك، فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا فوق الضريح المقدّس والناس ينتظرون قيامهم وهم ما بين مصلّ وذاكر وتال ومشاهد للروضة.

فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك قام الجميع أصحّاء من غير سوء وهم يقولون: لا إله إلا اللّه محمّداً رسول اللّه علي ولي اللّه.

وهذا أمر يستفيض عندهم سمعته من الثقافات ولم أحضر تلك الليلة لكنّي رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال أحدهم من أرض الروم والثاني من أصبهان والثالث من خراسان وهم مقعدون فاستخبرتهم عن شأنهم فأخبروني أنّهم لم يدركوا ليلة المحيا وأنّهم منتظرون أوانها من عام آخر، وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد ويقيمون سوقاً عظيمة مدّة عشرة أيّام. وليس بهذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا وال إنّما يحكم عليهم نقيب الأشراف وأهلها تجّار يسافرون في الأقطار وهو أهل شجاعة وكرم ولا يضام جارهم صحبتهم في الأسفار فحمدت صحبتهم....

ومن الناس في بلاد العراق وغيرها من يصيبه المرض فينذر للروضة نذراً إذا برئ ومنهم من يمرض رأسه فيصنع رأساً من ذهب أو فضة

ويأتي به إلى الروضة فيجعله النقيب في الخزانة وكذلك اليد والرجل وغيرهما من الأعضاء وخزانة الروضة عظيمة فيها من الأموال ما لا يضبط لكثرته(1)

رحلة ابن بطوطة: 203-204.

.

2 - الشبراوي: عقد الشبراوي الشيخ عبد اللّه الشافعي المتوفّى (1172) في كتابه (الإتحاف بحبّ الأشراف) باباً في مشهد رأس الحسين عليه السلام وذكر فيه زيارته وشطراً من الكرامات له وإحياء يوم الثلاثاء بزيارته.

فقال: والبركات في هذا المشهد مشاهد مرئية، والنفحات العائدة على زائريه غير خفية، وهي بصحّة الدعوى ملية، والأعمال بالنية، ولأبي الخطّاب بن دحية في ذلك جزء لطيف مؤلف، واستفتي القاضي زكي الدين عبدالعظيم في ذلك، فقال: هذا مكان شريف وبركته ظاهرة والاعتقاد فيه خير والسلام.

وقال في ذكر الكرامات: منها أنّ رجلاً يقال له: شمس الدين القعويني كان ساكناً بالقرب من المشهد، وكان معلم الكسوة الشريفة حصل له ضرر في عينيه فكفّ بصره، وكان كلّ يوم إذا صلّى الصبح في مشهد الإمام الحسين يقف على باب الضريح الشريف.

ويقول: يا سيّدي أنا جارك قد كفّ بصري وأطلب من اللّه بواسطتك أن يردّ عليَّ ولو عيناً واحدة، فبينما هو نائم ذات ليلة إذ رأي جماعة


1) (1)

أتوا إلى المشهد الشريف، فسأل عنهم فقيل له: هذا النبي صلى الله عليه و آله والصحابة معه جاءوا لزيارة السيّد الحسين عليه السلام.

فدخل معهم ثمّ قال ما كان يقوله في اليقظة، فالتفت الحسين إلى جده صلى الله عليه و آله وذكر له ذلك على سبيل الشفاعة عنده في الرجل، فقال النبي صلى الله عليه و آله للإمام علي عليه السلام يا علي كحّله.

فقال: سمعاً وطاعة وأبرز في يده مكحلة ومردوداً وقال له: تقدّم حتّى أكحّلك تفقدّم فلوّث المرود ووضعه في عينه اليمنى فأحسّ بحرقان عظيم فصرخ صرخة عظيمة فاستيقظ منها وهو يجد حرارة الكحل في عينه، ففتحت عينه اليمنى فصار ينظر بها إلى أن مات.

وهذا الذي كان يطلبه فاصطنع هذه البسط التي تفرش في مشهد الإمام الحسين عليه السلام وكتب عليها وقفاً ولم تزل تفرش حتّى تولّى مصر الوزير المعظّم محمّد باشا الشريف من طرف حضرة مولانا السلطان محمّد خان نصره اللّه فجدّد بسطاً أخرى وهي التي تفرش إلى الآن(1)

الغدير: 187/5.

.

3 - قال محمّد بن طلحة الشافعي في الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد، الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهود له بالكرامات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً.


1) (1)

ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظماً، كان يجازي المسيء بإحسانه إليه ويقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يسمّى بالعبد الصالح، ويعرف بالعراق باب الحوائج إلى اللّه لنجح مطالب المتوسّلين إلى اللّه به، كرامته تحار منا العقول، وتقضي بأنّ له عند اللّه تعالى قدم صدق لا تزلّ ولا تزول(1)

العنايات الخالدة: 19 عن مطالب السؤول: 447.

.

أم البنين عليها السلام والكرامات الباهرة

المعجزة للنبي هي بذاتها الكرامة للولي، ومعاجز الأنبياء يقابلها كرامات الأولياء، وإذا كانت المعجزة في مدلولها ما يقع خلاف العادة، فإن الكرامة كذلك، وإذا فسّر البعض بأن المعجزة تحصل للنبي حالة التحدي من قبل المناوئين، فإن الكرامة تحصل للولي إظهاراً لعظم شأنه أمام الموالين المسلمين وقِبَل المعاندين الرافضين.

يكفي للمعجزة بياناً قيام الكتاب العزيز بتغطيتها عقائدياً، وللكرامة تبياناً ما نقله الوحي الأمين لبعض الأولياء، كآصف بن برخيا وصي سليمان بن داود، أو آسية بنت مزاحم زوجة فرعون، التي أراها اللّه تعالى قصرها في الجنة، أو أصحاب الكهف الذين جعلهم اللّه تعالى آية من آياته وذكرهم في سورة مفصّلة باسمهم، حتى بات هذا الأمر من بديهيات العقيدة الحقة.


1) (1)

وبالمناسبة ينقل ان المنتصر باللّه خرج لزيارة قبر سلمان الفارسي فقال: ان الشيعة تدعي ان علياً عليه السلام جاء الى سلمان الفارسي بليلة واحدة من المدينة الى المدائن ومعه الكفن والكافور فغسل سلماناً وكفنه وحنطه وصلى عليه ورجع بنفس الليلة.

فما هذا إلّاغلو من الشيعة فأنكر هذه القضية لعلي عليه السلام فأجابه السيّد ابن الاقساسي وكان حاضراً عنده بأبيات من الشعر وذكر فيها لا وجود للغلو في ذلك قائلاً:

انكرتَ ليلةَ إذ زار الوصي أرض المدائن لمَّا انْ لها طلبا

وَغَسّلَ الطُهَّر سلماناً وعادَ إلى عِراصِ يثربَ والاصباحُ ما وجبا

وقلتَ ذا من قولِ الغُلاة وما ذنبُ الغلاةِ إذا لم يُوردُوا كَذِبا

فآصفٌ قبلَ درِّ الطرفِ من سَباءٍ بعرشِ بلقيس وافى يخرج الحُجُبا

فانتَ في اصفٍ لم تغلوا فيه بلا في حيدرٍ أنا غالٍ إنّ ذا عجبا

انا كان احمد خيرَ المرسلين؟ فذا خيرُ الوصيين اوكلُ الحديث هبا(1)

الغدير (للسيّد محمود الأقساسي): 32/5.


فإذا كان القرآن تكفل التغطية، إذن فعلام نستبعدها موضوعياً أو فلسفياً، وهنا آثرت نقل بعض كرامات أم البنين عليها السلام التي يتحدث بها القاصي والداني.


1) (1)

وبكل بساطة لأن هذه المرأة الطاهرة ذابت في اللّه تعالى، وانقطعت إلى أحبائه، وكانت طاعتها فريدة، وانقطاعها على أتم الصدق، فأعطاها اللّه هذه الكرامة من منطلق (عبدي أطعني تكن مثلي، أنا أقول للشيء كن فيكون، وأنت تقول للشيء كن فيكون).

إذن فعلام نستبعد من والدة أبي الفضل العباس عليه السلام حصول الكرامات ووقوعها وهي في هذه المكانة الرفيعة والمقام العظيم عند اللّه تعالى.

مع العلم يمكن الادعاء بأن السيّدة أم البنين عليها السلام بذاتها المجرّدة تعتبر من أكبر المعاجز والكرامات، لأنها استطاعت أن تفوق الكثير من نساء الأنبياء والأوصياء من خلال الذوبان والتسليم لأهل البيت عليهم السلام.

وإلى تقريب هذا الإتجاه يمكننا أن نترك الإستدلال بالروايات الصحيحة أو الضعيفة، ونستبدلها بالواقع العملي من خلال التجارب الكثيرة المشاهدة في وقوع الكرامات(1)

السيّدة أُم البنين عليها السلام (للشيخ أشرف الزهيري): 190.

.

أهديتُ صلواتٌ لها عليها السلام فشفي ولدي

نقل حجة الإسلام السيّد جواد الموسوي الزنجاني إمام جمعة زنجان في الجمهورية الإسلامية في إيران قائلاً:

في يوم ما، كان أحد أولادي مريضاً، وعندما رجع من مدرسته، كانت حالته سيئة للغاية، بحيث كان وجهه قد تغير.


1) (1)

أخذته إلى الطبيب، وبعد إجراء الفحص الطبي، لم يوفّق الطبيب للتشخيص الحقيقي للمرض، فقال: إنه قد أصابه البرد، وكتب له الدواء ثمّ قال لنا: إذا اشتدت حالته، فما عليك إلّاأن تتصل بي في مستشفى سينا.

يقول السيّد: لما أخذت له الدواء، وتناول منه شيئاً في المساء، أخذت حالته تشتد سوءاً، فاتصلت بالطبيب ثمّ أخذته إلى المستشفى، وعندما أجريت عليه الفحوصات تبيّن أنه مصاب في تورّم بالمخ.

قررت لجنة الأطباء إبقاءه في المستشفى لاتخاذ الإجراءات المناسبة للعلاج.

مضى أسبوع كامل، وكانت حالته تشتد حتى غاب عنه الوعي بالمرة، وقالوا: إنه إذا شفي فإنه يصاب بالشلل.

وكنا في ليلة التاسع من المحرم، وكادت أجواء اليأس تخيّم علينا من شدة المحنة، وعندها توجهت إلى القبلة وصليت ركعتين، وبعدها أهديت مائة صلاة (اللَّهُمَّ صلِّ على محمّد وآل محمّد) إلى السيّدة أم البنين عليها السلام، وتوسلت بها وبولدها أبي الفضل العباس عليه السلام بأن يكونا وسيلتنا عند اللّه في شفاء ولدي.

في صباح اليوم الثاني اتصلوا بي من المستشفى وقالوا: إن ولدك بخير، وكأنه ما كان مريضاً.

وبالفعل رأينا الولد على أحسن حال من بركاتهما.

يقول السيّد: لقد رأت إحدى المؤمنات من جيراننا في المنام، أن أبا الفضل العباس عليه السلام يوقل لها: إن السيّد الموسوي أراد مني أن أكون وسيطاً في شفاء ولده وكنت كذلك، وأنا أريد منه الاهتمام بخدام الحسين في شهر محرم وخدمتهم.

يقول السيّد: ولهذا الأمر التزمت باستضافة خدّام الحسين عليه السلام إلى منزلنا سنوياً وبأن أذبح لهم الذبائح وأعد لهم الطعام في شهر محرم الحرام(1)

السيّدة أُم البنين عليها السلام (للشيخ أشرف الزهيري).

.

لماذا لم تهتم لزيارة والدتي؟

قال المرحوم الحاج عبد الرسول علي الصفار الذي كان رئيس غرفة تجارة بغداد: بأنه كان عام (1949 م) أو (1950 م) قد قصد حج البيت الحرام وزيارة الرسول الأكرم وأهل بيته الكرام (صلوات اللّه عليهم) يقول:

كان برفقتي السيّد هادي المكوطر من رؤساء عشائر آل الفرات، والشيخ عبد العباس آل فرعون رئيس عشائر آل فتلة. فتشرفنا بزيارة الرسول وأئمة البقيع والإقامة في الأرض الطيبة، المدينة المنورة.

في عصر يوم من الأيام قصدنا زيارة قبور أئمة البقيع عليهم السلام وبعدها زيارة قبور الأصحاب والمقربين، ولما وصلنا إلى قبر فاطمة بنت حزام (أم البنين) قلت للشيخ عبد العباس: هيا بنا نتبرك بزيارة أم البنين العظيمة(2).


1) (1)

2) (2) أُم البنين والكرامات الإلهية: 163.

فأجابني من دون اهتمام: هيا بنا، أتريدنا نحن الرجال أن نزور النساء؟!

تركنا وخرج من البقيع، وبقيت أنا والسيّد هادي المكوطر في الزيارة، وبعدها عدنا الى البيت، وكنت أنام مع عبد العباس في نفس المكان.

ولما استيقظت صباحاً لم أجد عبد العباس في فراشه انتظرته طويلاً فلم يظهر، قلقت عليه، سألت السيّد هادي فلم يعرف عنه شيئاً، وفي هذه الدوامة، دخل علينا عبدالعباس وهو في حالة من الحزن والبكاء.

سألناه: أين كنت، وماذا جرى في حالك؟

قال: اتركوني، ودعوني لأستريح قليلاً....

وبعد الاستراحة قال لنا: أتذكرون في الأمس لما رفضت زيارة أم البنين وخرجت من البقيع؟

قلنا: بلى.

قال: رأيت في عالم الرؤيا كأنني في روضة أبي الفضل العباس عليه السلام والناس يدخلون ويزورون القبر الشريف، وحينما عزمت الدخول مُنعتُ منه، وهناك تساءلت: لماذا لا أستطيع الدخول؟

أجابني خادم الروضة العباسية: إنّ هذا أمر مولاي وسيدي أبي الفضل العباس.

قلت: لماذا؟

قال: لا أدري.

وكلما حاولت الدخول كان الخادم يرفض دخولي للزيارة وتوسلت وبكيت وبدون جدوى، حتى تعبت لأنني أتوسل بدون فائدة. فسنحت لي فكرة أن أطلب من الخادم أن يذهب هو الى أبي الفضل العباس عليه السلام ويسأله عن السبب.

ذهب الخادم ورجع وهو يقول: يقول مولاي أبو الفضل العباس:

لماذا لم تهتم لزيارة والدتي؟

وأنا لن أرضى بزيارتي حتى تذهب لزيارة والدتي....

وها أنا ذا استيقظت مضطرباً من هذا المنام، وذهبت الى زيارة قبر أم البنين عليها السلام معتذراً عن عملي القبيح، ومتوسلاً مستغفراً، وها أنا رجعت الآن من زيارتها، اللهم ارزقنا في الدنيا زيارتها وفي الآخرة شفاعتها.

إنه سميع مجيب.

مخالفة الإقامة

يقول الشيخ عبد القادر الشيخ علي أبو المكارم: حدثني بعض الأصدقاء أنه كان لديهم عاملة منزل من أندونيسيا استقامت معهم مدة سنتين وأراد أن يجدد الإقامة لها، وبعد النظر إلى تاريخ الإقامة وجد أنها قد انتهت فخاف أشد الخوف وأصابه القلق والهم والغم على انتهاء الإقامة لأن في ذلك غرامة مالية، فتوجه للّه سبحانه وتعالى وسأله الفرج وعدم أخذ الغرامة وتوجه إلى أم البنين أم العباس وأخوته أن

يفرج اللّه عنه فإنها باب من أبواب اللّه، ونذر لها بقراءة الفاتحة وبعض سور القرآن الكريم إن لم تحسب عليه الغرامة. وبالفعل جُدِّدتْ الإقامة ولم يُحسب عليه أي غرامة مالية نظير تأخره عن التجديد(1)

كرامات أُم البنين: 54.

.

الإمام الصادق عليه السلام يقيم المأتم على جده الحسين عليه السلام

كان الخطيب القدير الحاج السيّد أحمد الحكيم يرتقي المنبر في الحسينية النجفية في قم المقدسة في شهر صفر الخير سنة (1419 ه) من قبل (هيئة أبو الفضل العباس عليه السلام) ولأن المجلس كان باسم أبي الفضل العباس فقد عرج الخطيب على باب الحوائج قمر بني هاشم في ليلة الجمعة الأخيرة من أيام المجلس.

وبعد أن أتم المجلس ونزل عن المنبر أصرَّ عليه بعض أصحاب الهيئة أن يستريح قليلاً، ويشرب الشاي قبل انصرافه.

فجلس يستريح ساعة، وإذا بشاب يتقدّم، وأخذ يناقش السيّد بلحن المعاند، ولهجة المشكك الجاحد.

فقال الشاب: قرأت مصيبة الكفين وكيف يمكن ذلك؟ إنّك كنت في العراق ونتذكر أين مشهد الجسد، وأين كان مشهد الكفين، فكيف جاء الحسين وقبلهما؟!


1) (1)

واستمر في سؤال آخر قبل أن يسمع الجواب: هل كانت ليلى حاضرة في الطف أو لا؟

فأجابه السيّد جواباً كافياً شافياً.

إلّاأن الشاب أخذ يسأل وكأنه لا يهمه الجواب: هل كانت أم البنين حاضرة في الطف أو لا؟

وهنا - يقول السيّد أحمد الحكيم -: فلت مني زمام أعصابي وقلت له مغضباً: هل أنت محام عن أعداء أهل البيت؟ أو أنك الناطق الرسمي باسم المشككين؟

فسكت وانفض المجلس، والكلّ يأكله الغضب.

قال السيّد أحمد الحكيم: وكان من بين الحاضرين شاب من خدام أهل البيت، والمتربين في مجالسهم، وتحت منابرهم، وكان يحبني ويحضر مجالسي، فجاءني وقال لي: لماذا ينثر هؤلاء بذور الشك في قلوب الناس؟!

المهم، ذهبنا كلّ إلى بيته، وفي يوم غد جاءني هذا الشاب - الآنف الذكر - المحبّ لأهل البيت عليهم السلام وقال:

إني ذهبت البارحة إلى البيت، وبعد أن أديت وردي، وتنفلت بنافلتي، وقضيت ما اعتدت عليه من أذكاري، استسلمت لسلطان النوم، فرأيت فيما يرى النائم:

كأن أهل قم قد خرجوا من بيوتهم الى الشارع، ولم يبق منهم أحد إلّا وقد انثال لا يدري إلى أين يأوي، وكنت أنا بينهم، ولا أدري لماذا انقلب وضع المدينة إلى هذه الحالة، وكأن الناس كلهم إلى عرصات القيامة يحشرون.

فسألت واحداً كان إلى جانبي يمشي: ماذا حدث لهذه المدينة وأهلها؟

فقال: لقد شرّف الإمام الصادق هذا البلد، وجاء إلى مدينة قم ليتفقد الحوزات.

فسألته: وأين يمكنني زيارة سيدي الصادق؟

فقال: لا أدري، وقد خرجنا جميعاً نقصد زيارة المولى.

وهنا رأيت فجأة كأنّ لوحة مكتوب عليها بخط واضح جلي، وبلون أخضر رائع:

إنّ الإمام الصادق يقيم المأتم على جدّه الحسين عليه السلام.

فرأيت نفسي كأني في ذلك المأتم، وكأنّ وجود الإمام الصادق عليه السلام فيه نور يبهر الأبصار، لا أرى منه إلا قطعة النور تلك، وكأنّ إلى يمينه المرجع آية اللّه السيّد حسين الطباطبائي البروجردي، وإلى يساره المرجع آية اللّه السيّد محسن الطباطبائي الحكيم.

فالتفت إلى الخطيب وإذا به السيّد احمد الحكيم بنفسه، وكان يتحدث عن شفاعة أهل البيت عليهم السلام وفي أثناء حديثه رأيت الإمام الصادق عليه السلام

قام قائماً (إني رأيت النور ينبسط ففهمت أن الإمام عليه السلام قد قام وقال مخاطباً الخطيب المذكور: «قل: ليس منا من شك فينا».

فلما ارتقى السيّد أحمد الحكيم المنبر في اليوم التالي نقل الرؤيا بحذافيرها فانفجر المجلس بالبكاء والعويل.

هكذا هو دأب خصوم أهل البيت عليهم السلام يتخذون شتى الأساليب في سبيل زعزعة عقائد الناس وتضعيف عرى الإيمان... هداهم اللّه.

تزوجتُ بفضلها عليها السلام

يقول الأخ عمار الدراجي وهو من مدينة العمارة في العراق:

وقفت ذات يوم لأداء حج البيت الحرام، وأنا في أول زيارة لأئمة البقيع عليهم السلام وبعد ذلك ذهبت إلى قبر السيّدة أُم البنين بجوارهم، وفي أثناء زيارتها ذكرت ولدها أبا الفضل العباس عليه السلام وبكيت لمصيبته، ومن ثمّ طلبت من سيدتي أم البنين عليها السلام تسهيل أمر الزواج لكي أعف نفسي بهذه السنة الكريمة من امرأة مؤمنة صالحة.

يقول: لمّا أخذت من زيارتها وطراً، رجعت إلى زيارة أئمة البقيع مرة أخرى، وإذا بي أرى مؤمناً كان يزورهم بصوت حزين فوقفت خلفه أزور، وبينا أنا واقف أزور وإذا بشخص يضرب على كتفي قائلاً:

يا حاج.. يا حاج تفضل، ثمّ قال لي: هذا عمك جاء من كندا، تفضل هذا إفطار، ولمّا أديت الإستجابة سألني: هل أنت متزوج؟

فقلت: لا.

قال: هذا مبلغ ألف وخمسمائة دولار لغرض زواجك، وهذا عمك جاء من كندا وعنده أموال قد أعدها لغرض التزويج فقط، وبعد محادثات معه ومع العم المؤمن استلمت المبالغ ولما رجعت من الحج رأيت امرأة مؤمنة وسهل اللّه عليّ أمر الزواج ببركة السيّدة أم البنين عليها السلام ورزقت منا ولدين محمد وعلي والحمد للّه.

حملتُ ببركة سفرتها

ونقل السيّد سلمان هادي طعمة عن كتاب (أم البنين رمز التضحية والفداء) للشيخ عبد الأمير الأنصاري هذه الكرامة قائلاً:

إن امرأة تدعى (وزيرة) خرجت من بيتها في مدينة الكوت العراقية وهي متجهة نحو بيت الحاجة أم عبد الأمير وقد أعدت مجلساً وعندما حضرت المجلس وتطرق القارئ في ختام نعيه الأول لمصيبة أم البنين خشع قلب (وزيرة) لبكائهن، وعندما انتهى القارئ من النعي الختامي دعا للمرضى بالشفاء، وبعدها فُرشت سفرة أم البنين، والنسوة يتبرّكن بما فيها، وهن حول سفرتها يلتمسن الشفاء وقضاء الحوائج. فأخذت (وزيرة) منها ويداها ترتعشان، ثمّ قامت وخرجت والدمع في عينيها إيماناً وخشوعاً، وعند المساء أكلت هي وزوجها من ذلك الزاد.

مرّ شهر أو أكثر ووجه (وزيرة) يميل إلى الاصفرار ودوار في الرأس

يصحبه زكام في الصدر، قليلة الاشتهاء إلى الطعام، راغبة عن زوجها متنفّرة منه، كثيرة النوم، تتضايق من الأماكن المزدحمة، تتثاقل من كل عمل يعطى لها، تحس بالتقيؤ.

قال لها زوجها: ما بك يا (وزيرة)؟ أمريضة أنت؟

قالت: لا أدري.

فأخذها إلى الطبيب وبعد أن فحصها الطبيب: قال: لا شيء، إنها من علامات الحمل، وللتأكد من ذلك نذهب غداً إلى مركز التحليل.

المدينة ذهبا إلى المستشفى لإجراء التحليل، وبعد انتظار، والفكر يعتصر الفؤاد، نادى الموظّف باسمهما نهضت وهي لا تقوى على حمل نفسها، فأسرع زوجها وقال: نعم، ما النتيجة؟

فنظر الموظف في ورقة التحليل وقال: مع إنها حامل.

فطار زوجها فرحاً، وهو يقول الشكر للّه، الحمد للّه، ثمّ ضم (وزيرة) بجوى قلبه، وهو يقول لا أكاد أصدق، وبدت على شفتيها ابتسامة الأمل، فتلتئم تلك الجراحات المعذّبة.

وعندما دخلا البيت سجدا للّه شكراً، وذيع الخبر وعمّت الفرحة والدهشة بحملها، وبقي نذر أم البنين مدفوناً في صدرها.

لقد أصبح الزمن عندها كمسير شيخ جاوز التسعين وهي ترتقب الجنين، ونصائح النسوة تملأ فكرها، فينمو الخوف في نفسها، وهي متحذرة من المصير.

وذات يوم وهي في شهرها الثالث والألم يعتصر بطنها ضارباً ظهرها فيدب الحزن فيها، والأهل يتسارعون بها إلى المستشفى، وزوجها يقبّل يد الطبيب متوسلاً إليه بحفظ الجنين، والطبيب يقول: هذا بأمر رب العالمين، إن أراد حفظه، وإن أراد أسقطه، وكما أنها لا تحتاج إلى دواء، بل الراحة وعدم الحركة، وتبقى هنا ثلاثة أيام.

عندما سمعت (وزيرة) كلام الطبيب استغاثت بحرقة وحنين بأم البنين عليها السلام، فخفّ عندها الألم، وعادت البسمة إلى شفاه الزوج والأهل والمحبين.

مرّت الأشهر ودخلت شهرها التاسع، وعند مطلع فصل الربيع، وقبل أذان السبح بسويعات أخذها الطلق. الأهل والجيران رافعين أيديهم بالدعاء لسلامتها وسلامة الطفلة وعندما اذن المؤذن وضعت وزيرة حملها وكانت أنثى ففرحوا وسموها فاطمة‌تيما بأم البنين عليها السلام إلّاأن أهل زوج وزيرة السنية قالوا عائشة وبعد النزاع سُمّيت بشرى وكفّرت وزيرة عن يمينها(1)

السيّدة أُم البنين عليها السلام: 203.

.

إنّ حصول أم البنين على هذا المقام الرفيع من الكرامات والعنايات الباهرة، لأنها صبرت على فراق أولادها ومصائبهم بالأخص مصيبة أبي الفضل العبّاس عليه السلام، ولا بأس أن نختم المجلس بذكر مصيبة ولدها قمر العشيرة أبي الفضل العبّاس عليه السلام، باب الحوائج إلى اللّه تعالى.


1) (1)

الإمام الحسين عليه السلام في اللحظات الأخيرة حاضر عند رأسه ينظر إلى أخيه العباس عليه السلام، مقطوع اليدين، والسهم نابت في عينه - ساعد اللّه قلب الإمام الحسين عليه السلام -.

الإمام الحسين عليه السلام عند مصرع أخيه العباس عليه السلام

لما جاء الامام الحسين عليه السلام الى مصرع أخيه العباس رآه على حالة يرثى لها فجعل ينادي وا أخاه واعباساه؛

نادى وقد ملأ البوادي صيحةً‌صُمّ الصُخور لهولها تتألّمُ

ااُخيّ مَن يحمي بناتَ محمدإن صرن يسترحمن من لا يرحمُ


فرآه مقطوع اليدين، مرضوض الجبين، السّهم نابت في العين، المخ سائل على الكتفين، نادى: الآن انكسر ظهري، الآن قلّت حيلتي، الآن شمت بي عدوّي.

يخويه انكسر ظهري ولگدر اگوم صرت مركز يخويه الكل الهموم

يخويه استوحدوني عگبك الگوم ولا واحد عليّه بعد ينغر


فوضع الحسين عليه السلام يديه تحت ظهره، أراد حمله إلى المخيّم، فقال العبّاس عليه السلام: «باللّه عليك إلّاما تركتني في مكاني»، فقال الإمام الحسين عليه السلام: لماذا يا أخي؟

فقال العباس عليه السلام لحالتين: الأولى: فقد نزل بي الموت الذي لابدّ منه:

والثّانية: إنّي أوعدت سكينة بالماء وإنّي مستح منها.

يخويه احسين خليني ابمچاني يگله ليش يا زهرة زماني

يگله واعدت سكنه تراني ابماي وأستحي منها او مگدر


وبينما الحسين عنده وإذا بالعبّاس قد شهق شهقة وفاضت روحه الدنيا.

قام الحسين منحني الظّهر يكفكف دموعه بكمه، وهو ينادي:

وا أخاه، وا عبّاساه.

وفي رواية أخرى: لمّا وصل الإمام الحسين عليه السلام إلى أخيه أبي الفضل عليه السلام نزل عنده، أخذ رأسه، تركه في حجره ثمّ جعل ينظر إلى يديه القطيعتين، ورأسه المفلوق بعمود من حديد، وجسده الّذي تناثر لحمه من ضرب السّيوف وطعن الرماح ورمي السّهام فجعل يبكي وينادي: وا أخاه.

فأحسّ العبّاس عليه السلام بحركة عند رأسه، فظنّ أنّ رجلاً من الأعداء يريد حزّ رأسه، فقال: «باللّه عليك أمهلني حتّى يأتي إليّ ابن والدي»، فقال الإمام الحسين عليه السلام: «أخي عبّاس أنا أخوك الحسين»، فرفع العبّاس عليه السلام رأسه ووضعه على التّراب، فأخذه الحسين عليه السلام ووضعه في حجره، ثمّ رفع العبّاس عليه السلام رأسه ووضعه على التّراب، فأخذه الحسين ووضعه في حجره، ثمّ رفع العبّاس رأسه ووضعه على التّراب، ثم أخذ الحسين رأس العبّاس ووضعه في حجره، وعاد العبّاس فرفعه ثالثة.

قال الإمام الحسين عليه السلام: اخي عباس لماذا تصنع هكذا؟ قال أخي يا نور عيني كيف لا أصنع هكذا؟ الآن جئتني وأخذت برأسي، ولكن بعد ساعة من يرفع رأسك عن التّراب؟ هذه مواساة العبّاس لأخيه الحسين، ولهذا أنت تقرأ في الزيارة: «نِعمَ الأخُ المواسي لأخيه».

عباسُ يا حامي الظعينة والحرم بحماك قد نامت سكينة في الخيم

صرخت ونادت يوم قد سقط العلم اليوم نامت أعينٌ بك لم تنم

وتسهّدت أخرى فعزّ منامُها


ولما رجع الإمام الحسين عليه السلام من مصرع أخيه العبّاس عليه السلام رجع وهو يكفكف دموعه بكمّه استقبلته الحوراء زينب، قالت: «أبا عبداللّه أراك رجعت وحيداً فريداً! أين ابنُ والدي؟ أين أخي ابوالفضل العبّاس؟»

قيل انه قال: «عظم اللّه لك الأجر بأخيك أبي الفضل» وقيل ما كلّمها بشيء، بل راح إلى خيمة العبّاس، فأسقط عمودها فارتفعت الأصوات بالبكاء والنّحيب.

ونادت زينب عليها السلام: وا أخاه واع باساه وأرادت أن تذهب إلى مصرع العباس، فوضع الحسين يده على صدرها وقال أخيّه زينب إلى أين تريدين؟ إرجعي إلى الخيمة ولا تشمتي بنا الأعداء فنادت وا أخاه واعبّاساه:

تگله انه رايحه العباس اجعده وركّب اچفوفه فوگ زنده

وگله الحرم صارت ابشدّه

أاُخيّ من لي إن ذهبت بمسعدِ عنّي يَذبُّ بصارمٍ ومهندِ

أاُخيّ من يرعى الفواطم في غد أاُخيّ من يحمي بنات محمد

إن صرن يسترحمن من لا يرحم


أرجعها الحسين إلى الخيمة ولم تخرج إلى كفيلها إلّاعندما جنّ عليها ليل الحادي عشر أقبلت إليه وهي تتعثّر بأذيالها في ذلك اللّيل الموحش حتّى وصلت إليه ورأته بتلك الحالة الفظيعة نادت:

أحمى الضايعات بعدك ضعنا في يد النائبات حسرى بوادي


تگله يعباس منته إلي جبتني او بيدك يخويه ركّبتني

هسا رحت عنّي او عفتني عگبك بني اميّه ولتني


أبيات في ايثار أم البنين عليها السلام

هذه فاطمة أم البنين أقبلت تنحب والقلب حزين


أقبلت والناس حشد جمع كلهم صمت لبشر سمع

فانبرت والدمع صب همع أيها الناعي كراما صرعوا

قل ففي قلبي ضرام وحنين هل لديك اليوم علم عن حسين


قال من هذي التي قد أعولت ودموع العين نهراً أرسلت

قيل ذي أم البنين أقبلت وهي بالفضل على الخلق علت

ولها أربعة مستبسلين كلهم غر كرام مخلصون


قال يا أم البنين استعبري واجزعي إن شئت لا تصبري

زوجة المدفون في أرض الغري فاعلمني إن تسألي عن جعفر

قد قضى طعنا بأيدي الظالمين فهو في الجنة بين الطيبين


وكذا عثمان للدين شهيد بات عبداللّه محزوز الوريد

وأخوه البطل الوتر العميد ذاك عباس وذو الرأي السديد

قد برت أهل الشقا منه اليدين ومضى في‌الطف مفضوخ الجبين


أيها الناعي كراما ما تقول هل عراك اليوم خلط وذهول

إنما أخبرني عن سبط الرسول ليت دون السبط أولادي تزول

لا يصل نحو إمام المؤمنين شوكة تؤذيه أو نظرة عين


قال يا سيدتي حم القضا وحسين بالطفوف قد قضى

قتلوا ظلما سليل المرتضى ظاميا سبط الرسول قد مضى

صرخت زوج أمير المؤمنين وتنادي يا إله العالمين


كل أولادي فداء لبني فاطم الطهر وأم الحسن

ليتني كنت بطف ليتني قد بذلت الروح قبل البدن

نصرة للدين والحق المبين وحسين الطهر نجل‌الطاهرين(1)

لشاعر أهل البيت عليهم السلام إبراهيم غلوم لاري.



1) (1)

المجلس التاسع: ول صبر أُم البنين عليها السلام

اشارة

مصيبةُ الطفِّ في عينيك ترتسمُ وفي فؤادِك نارُ الحُزْنِ تضطرمُ

أمَّ البنينَ رعاك اللهُ صابرةً لما أصابك وهو الحادثُ الضّخِمُ

أبناؤُك الغرُّ غيلوا بالطّفوفِ وما سألتِ هل قُتِلوا فيها وهل سَلِموا

كوكبٌ في سماءِ الخلدِ تَأتَلِقُ و في ثرى الطفِّ بالأسيافِ قدخُدِموا

كنتِ الوفاءَ وكانوا منك قد وَرِثوا أجلى معانيهِ فازدانتْ بك الشّيمُ

ومذ أتى بِشْرُ ينعاهمْ فما فَتِأت على شفاهِك خوفاً تعثرُ الكَلِمُ

هلا أصيبَ حسينٌ فالبنونَ فِدىً لابنِ الرسولِ فقد أودى بيَ الألمُ

ومذ علمتِ بقتلِ السّبطِ فاضَ دمٌ من مُقلَتَيك على الخدّينِ ينسَجِمُ

وصِحْتِ ويلاهُ فقدُ السبطِ أثكلني فيا عماديَ ظهريْ اليومَ مُنْفَصِمُ

بمن ألوذُ إذا ما الدهرُ أفجعني ومن سواك لدى الأهوالِ مُعتَصَمُ

قد كنتَ للدينِ غوثاً والهدى عَلَماً فاليومَ لاغوثَ‌يُرجى‌وانطوى العَلَمُ

بُنَيَّ حسينُ عليك القلبُ مُضطَرِبٌ والعينُ ساهدةً والرّوحُ مُحْتَدِمُ

بُنَيْ حسينُ فليتَ الموتَ عاجَلَني من قبلِ فَقدِك إنّ الصبرَ منعَدِمُ

فليتني متُّ قبلَ اليومِ لا هَطَلت وأنتَ ظامٍ على بَوْغائها الدَّيَمُ‌(1)

للأُستاذ الأديب عادل الكاظمي.



1) (1)

قال اللّه الحكيم في محكم كتابه الكريم:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم

«ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللّهِ باقٍ وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .

(صدق اللّه العلي العظيم)

أنواع الصبر

«الصبر» في اللّغة: حبس النفس من الفزع المكروه، والجزع عنه، وإنما يكون ذلك بمنع باطنه من الاضطراب، وأعضائه من الحركات الغير المعتادة.

[ أنواع الصبر]

وهو ثلاثة أنواع:

الأول: صبر العوام

وهو حبس النفس على وجه التجلّد، وإظهار الثبات في النائبات، ليكون حاله عند العقلاء وعامة الناس مرضية،«يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ»1 .

الثاني: صبر الزهاد والعباد وأهل التقوى وأرباب الحكم

لتوقّع ثواب الآخرة:«إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ»2 .

صبر العارفين

فإن بعضهم إلتذاذاً بالمكروه والمصائب لتصوّرهم انّ معبودهم خصّهم به من دون الناس وصاروا ملحوظين بشرف نظرته كما قال تعالى «اَلَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»1 فلهم البشرى من عند ربهم، وهذا النوع يختصّ باسم الرضا والتسلم إلى اللّه تعالى على كل الأحوال.

فهذه أقسام ثلاثة للصبر فأما النوع الأول: لا ثواب عليه لأنه لم يفعله للّه وانما فعله لأجل الناس بل هو في الحقيقة رياء محض فكلّما ورد في الرياء آتٍ فيه.

ولكن الجزع شرّ منه لأن النفوس البشريّة تميل الى التخلّق بأخلاق النظراء، والمعاشرين والخلطاء فيفشوا ويكتموا الجزع فيهم وأما الصبر عند الاطلاق يحمل على النوع الثاني من أقسام الصبر.

ثم إنّ اللّه تعالى وصف الصابرين بأوصاف وذكر في نيف وسبعين موضعاً وأضاف اللّه تعالى بأن أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له. حتى قال تعالى «إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» فما من قربة إلّاوأجرها بتقدير وحساب إلّاالصبر، ولأجل

كون الصوم من الصبر كان لا يتولى أجره إلّااللّه، كما ورد في الأثر قال تعالى الصوم لي وأنا الذي أجزي به(1)

مسكن الفؤاد (لزين الدين العاملي): 74 عن مسند زيد: 204، الكافي: 63/4 ج 6 من لا يحضره الفقيه: 75/2؛ 177/3، تهذيب الكلام: 420:152/4.

.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء الى الأرض.

ومن صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش.

ومن صبر على المعصية كتب اللّه له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش» (2).

الصبر عند فقد الولد

روي أنّ رجلاً من الأنصار كان يختلف إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله مع ابن له فقال له صلى الله عليه و آله ذات يوم: «يا فلان تحبّه؟».

قال: نعم يا رسول اللّه كحبك.


1) (1)

2) (2) مسكن الفؤاد: 84 عن الكافي: 75/2 ج 15، مجموعة ورام: 40/1، جامع الأخبار: 135، منتخب كنز العمال: 208/1.

ففقده النبي صلى الله عليه و آله فسأل عنه فقالوا يا رسول اللّه مات ابنه، فلما رآه قال صلى الله عليه و آله: «أما ترضى أن لا تأتي يوم القيامة باباً من أبواب الجنة إلّا جاء حتّى يفتحه لك؟».

فقال له رجلٌ هناك: له وحده أم لكلّنا؟

قال صلى الله عليه و آله: «بل لكلكم»(1)

مسكن الفؤاد: 27.

.

وقال صلى الله عليه و آله: «من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة».

فقالت أم أيمن: واثنين؟

فقال صلى الله عليه و آله:«من دفن‌اثنين وصبر عليهما واحتسبهما وجبت له الجنة».

فقال أم أيمن: وواحداً؟

فسكت وأمسك ثم قال: «يا أم أيمن من دفن واحداً فصبر عليه واحتسبه وجبت له الجنة»(2).

ماتا وأحياهما اللّه لصبر الأم

والحديث في عيون المجالس بزيادة غريبة في آخره، ولفظه:

عن معاوية بن قرّة قال: كان أبو طلحة يحبّ إبنه حبّاً شديداً، فمرض فخافت أم سليم على أبي طلحة الجزع حين قرب موت الولد، فبعثت زوجها إلى النّبي صلى الله عليه و آله.


1) (1)

2) (2) بحار الأنوار: 120/82.

فلمّا خرج أبو طلحة من داره توفّي الولد، فسجّته أم سليم بثوب.

وعزلته في ناحية من البيت، ثم تقدَّمت إلى أهل بيتها وقالت لهم:

لا تخبروا أبا طلحة بشيء.

ثم إنّها صنعَت طعاماً، ثم مست شيئاً من الطيب، فجاء أبو طلحة من عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال: ما فعل إبني؟

فقالت له: هدأت نفسه.

ثم قالت: هل لنا ما نأكل؟

فقامت، فقرّبت إليه الطعام، ثم تعرضت له، فوقع عليها.

فلمّا طمأن قالت له: يا أبا طلحة أتغضب من وديعة كانت عندنا، فرددناه إلى أهلها.

فقال: سبحان اللّه، لا اغضب.

فقالت: إبنك كان عندنا وديعة، فقبضه اللّه.

فقال أبو طلحة: فأنا أحقّ بالصبر منك.

ثم قام من مكانه، فاغتسل وصلّى ركعتين، ثم انطلق إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فأخبره بصنيعهما فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «فبارك اللّه لكما في وقعتكما».

ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «الحمد للّه الذي جعل من أمّتي مثل صابرة بني إسرائيل».

فقيل: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، ما كان من صبرها؟

قال: كانت في بني إسرائيل امرأة، وكان لها زوج، ولها منه غلامان، فأمرها بطعام ليدعوا الناس عليه، ففعلت، واجتمع الناس في داره.

فانطلق الغلامان يلعبان، فوقعا في بئر كان في الدار، فكرهت أن تنغّص على زوجها الضّيافة، فأدخلتهما البيت، وسجّتهما بثوب.

فلمَّا فرغوا دخل زوجها فقال: أين ابناي؟

قالت: هما في البيت. وإنها كانت قد تمسحت بشيء من الطيب، وتعرضت للرجل حتّى وقع عليها.

ثم قال: أين ابناي؟

قالت: هما في البيت. فناداهما أبوهما، فخرجا يسعيان.

فقالت المرأة: سبحان اللّه، واللّه لقد كانا ميّتين، ولكن اللّه تعالى أحياهما ثواباً لصبري(1)

مسكن الفؤاد (لزين الدين أحمد العاملي الجبعي): 125 عن السيرة الحلبية: 74/3.

.

أجر الصبر وما يحبطه من الجزع في الروايات

لا باس بالإشارة الى بعض الروايات والتي تبين مقام الصابرين وما يحبطه من اعمال الجزع عنها:

قال الإمام الصادق عليه السلام: «اتقوا اللّه واصبروا، فإنه من لم يصبر أهلكه الجزع وانما هلاكه في الجزع أنه إذا جزع لم يؤجر»(2).


1) (1)

2) (2) البحار: 58/95/71.

قال تعالى:«فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً»1 سُئل الإمام الباقر عليه السلام عن الصبر الجميل قال عليه السلام: «ذلك صبر، ليس فيه شكوى إلى الناس»(1).

قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «علامة الصبر في ثلاث: أولها أن لا يكسل والثانية أن لا يضجر والثالثة أن لا يشكوا من ربه تعالى، لأنه إذا كسل فقد ضيّع الحقِّ، وإذا ضجر لم يُؤدِّ الشكر، وإذا شكا من ربه عز وجل فقد عصاه»(2).

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «الصبر صبران: صبر على ما نكره، وصبر عما نُحب»(3).

قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى:«اِصْبِرُوا وَ صابِرُوا» قال عليه السلام:

«اصبروا على الفرائض وصابروا على المصائب» (4).

عن الصادق عليه السلام: «مَن ابتُلي من شيعتنا فصبر عليها كان له أجر ألف شهيد»(5).

عن النّبي صلى الله عليه و آله: «الشجاعة صبر ساعة»(6).


1) (2) ميزان الحكمة: 2070/5 عن الكافي: 23/93/2.

2) (3) ميزان الحكمة: 2070/5 عن علل الشرائع: 498/1.

3) (4) نهج البلاغة، الحكم: 55.

4) (5) الكافي: 3/81/2.

5) (6) ميزان الحكمة: 2066/5 عن التمحيص: 125/59.

6) (7) البحار: 70/11/78.

قال الصادق عليه السلام: «انا صُبَّرٌ وشيعتنا اصبر منا»، قال الرواي: قلت:

جعلت فداك، كيف صار شيعتكم أصبر منكم؟ قال: «لأنا نصبر على ما نعلم وشيعتُنا يصبرون على ما لا يعلمون»(1)

الكافي: 25/93/2.

.

وأما الجزع فإنه يحبط الأجر على المصيبة، فعن الصادق عليه السلام: «إنّ الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر»(2).

وعن جابر عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «أشد الجزع والصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر ومن أقام النواح فقد ترك الصبر، ومَن صبر واسترجع، وحمد اللّه تعالى فقد رضي بما صنع اللّه ووقع أجره على اللّه ومَن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم، وأحبط اللّه أجره»(3).

الولد لا يدخل الجنة إلّامع الأبوين

وعن النّبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «يقال للوِلدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة».

فيقولون: «يا ربّ حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا». قال: فيأبون.


1) (1)

2) (2) مسكن الفؤاد: 89 عن الكافي: 224/3، ح 4، وعن السكون عن أبي عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة احباط لأجره» مَن لا يحضره الفقيه: 416/4.

3) (3) أُصول الكافي: 222/3، ح 1.

فيقول اللّه - عزّ وجلّ -: «ما لي أراهم محبنطئين أي [المغضب المستبطي للشيء] ادخلو الجنة».

فيقولون: يا ربّ آباؤنا!

فيقول - تعالى -: «ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم».

وعن عبيد بن عمير الليثي قال: إذا كان يوم القيامة خرج ولدان المسلمين من الجنة بأيديهم الشراب، قال: فيقول الناس لهم: اسقونا اسقونا، فيقولون: أبوينا أبوينا.

قال: حتى أنّ السقط محبنطئاً بباب الجنة، فيقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «إذا كان يوم القيامة نودي في أطفال المؤمنين(1)

في نسخة: «المسلمين».

: أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم».

ثم ينادى فيهم: «أن امضوا إلى الجنة زمراً»، فيقولون: ربّنا، ووالدينا معنا؟

ثم ينادى فيهم ثانية: «أن امضوا إلى الجنة زمراً (افواجا)، فيقولون: ربّنا، ووالدينا؟».

ثم ينادى فيهم ثالثة: «أن امضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: ربّنا، ووالدينا؟


1) (1)

فيقول في الرابعة: ووالديكم معكم».

فيثب كلّ طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم، فيدخلون بهم الجنة، فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم - يومئذٍ - من أولادكم الذين في بيوتكم.

وعن أنس بن مالك: أنّ رجلاً كان يجيء بصبي معه إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله، وأنّه مات، فاحتبس والده عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فسأل عنه.

فقالوا: مات صبيّه الذي رأيته معه.

فقال صلى الله عليه و آله: «هلا آذنتموني، فقوموا إلى أخينا نعزّيه».

فلمّا دخل إذا الرجل حزين وبه كآبة، فعزّاه، فقال: يا رسول اللّه كنت أرجوه لكبر سنّي وضعفي.

فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «أما يسرّك أن يكون يوم القيامة بإزائك، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: يا ربّ، وأبواي، فلا يزال يشفع حتى يشفّعه اللّه - عزّ وجلّ - فيكم ويدخلكم الجنة جميعاً»(1)

مسكن الفؤاد في فقه الأحبة والأولاد لزين الدين العاملي: 52.

.

اشتهى موت ولده لرؤية رآها!

وعن محمد بن أبي خلف قال: كان لإبراهيم الحربي ابن له إحدى عشرة سنة قد حفظ القرآن، ولقّنه أبوه من الفقه والحديث شيئاً كثيراً، فمات فأتيته لأعزّيه.


1) (1)

فقال: كنت أشتهي موته.

فقلت له: يا أبا إسحاق، أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب، وقد حفظ القرآن، ولقّنته الحديث والفقه؟

قال: نعم، رأيت في النوم كأنّ القيامة قد قامت، وكأنّ صبياناً بأيديهم القلال، وفيها ماء يستقبلون الناس يسقونهم، وكان اليوم يوماً شديد الحر، فقلت أحدهم: اسقني من هذا الماء.

قال: فنظر إليّ، وقال: لست أنت أبي.

قلت: فأيّ شيء أنتم؟

قالوا: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا، وخلّفنا آباءنا، فنستقبلهم ونسقيهم، فلهذا تمنيت موته(1)

تاريخ بغداد: 35/6 عن مسكن الفؤاد: 68.

.

تزوّج رجاء أن يرزق ولداً فيموت!

وروى الغزالي في الإحياء: إنّ بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج برهة من دهره، فيأبى.

قال: فانتبه من نومه ذات يوم وقال: زوّجوني، فزوّجوه، فسئل عن ذلك، فقال: لعلّ اللّه أن يرزقني ولداً فيقبضه، فيكون لي مقدمة في الآخرة.


1) (1)

ثم قال: رأيت في المنام كأنّ القيامة قد قامت، وكأنّي في جملة الخلائق في الموقف، وبي من العطش ما كاد أن يقطع قلبي، وكذا الخلائق من شدّة العطش والكرب.

فبينما نحن كذلك، وإذا الولدان يتخلّلون الجمع، عليهم قناديل من نور، وبأيديهم أباريق من فضة، وأكواب من ذهب، يسقون الواحد بعد الواحد، يتخلّلون الجمع، ويجاوزون أكثر الناس.

فمددت يدي إلى أحدهم، فقلت: اسقني فقد أجهدني العطش.

فقال: ما لك فينا ولد، إنّما نسقي آباءنا.

فقلت: ومن أنتم؟

قالوا: نحن من مات من أطفال المسلمين(1)

ومن العجيب أنّ هذا الصالح! لم يمتثل بكلام سيد المرسلين ولم يلتفت إلى أمره صلى الله عليه و آله بالنكاح والتزويج، وحثّه على ذلك، ليشرب من حوض الكوثر، ومن ثم يسارع إلى الزواج لإحتمال أن يرزق ولداً، فيموت صغيراً، فيسقيه يوم القيامة، كلّ هذا لو صدقت رؤياه.

(2). وروى الصدوق - رحمه الله - بإسناده إلى عمر بن عبسة(3)السلمي قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: «أيّما رجل قدّم ثلاثة أولاد لم يبغلوا الحنث، أو امرأة قدّمت ثلاثة أولاد، فهم حجاب يسترونه من النار»(4).


1) (1)

2) (2) مسكن الفؤاد في فقد الأحبة والأولاد (لزين الدين العاملي): 69 عن إحياء علوم الدين (للغزالي): 27/2.

3) (3) في نسخة «عتبة».

4) (4) ثواب الأعمال: 233، ح 2.

وعن أبي ذر - رضى الله عنه - قال: ما من مسلمين يقدّما عليهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث (أي الاثم والذنب أي لم يبلغوا) إلّاأدخلهما اللّه الجنة بفضل رحمته(1)

ثواب الأعمال: 233، ح 3.

.

قال الخليل: بلغ الغلام الحنث أي جرى عليه القلم(2).

وبإسناده إلى علي بن ميسر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «ولد واحد يقدّمه الرجل أفضل من سبعين يخلفهم من بعده، كلّهم قد ركبوا الخيل، وقاتلوا في سبيل اللّه»(3).

وعنه عليه السلام: «ولد واحد يقدّمه الرجل أفضل من سبعين ولداً يبقون بعده يدركون القائم عليه السلام»(4).

وعن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جدّه، وكانت له صحبة، قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: «إنّ العبد إذا سبقت له عند(5)اللّه - تعالى - منزلة، ولم يبلغها بعمل، ابتلاه اللّه في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت إليه من اللّه - عزّ وجلّ -»(6).


1) (1)

2) (2) العين: 206/3.

3) (3) الفقيه: 122/1، ح 519، الكافي: 218/3، ح 1، مشكاة الأنوار: 23.

4) (4) ثواب الأعمال: 233، ح 4.

5) (5) في نسخة: «من».

6) (6) سنن أبي داود: 183/3 رقم 3090، مسند أحمد: 272/5.

وعن عبد الرحمن بن سمرة عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: «إنّي رأيت البارحة عجباً، فذكر حديثاً طويلاً، وفيه: رأيت رجلاً من أمّتي قد خفّ ميزانه، فجاء أفراطه، فثقّلوا ميزانه»(1)

كنز العمال: 927/15، تاريخ دمشق: 407/34، إمتاع الأسماع: 96/8، الجامع الصغير (للسيوطي): 406/1 رقم 2652.

.

الفرط، بفتح الفاء والراء: هو الذي لم يدرك من الأولاد الذكور والإناث، ويتقدّم وفاته عل أبويه أو أحدهما، يقال: فرط القوم إذا تقدّمهم، وأصله الذي يتقدّم الركب إلى الماء، ويهيء لهم أسبابه.

وعن سهل بن حنيف - رضى الله عنه -؟ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، حتى إنّ السقط ليظلّ محبنطئاً

[ ومحبنطئاً، بالهمز وتركه: هو المغضب المستبطيء للشيء على باب الجنة]، فيقال له: ادخل، يقول: حتى يدخل أبواي»(2).

مثل ما رواه الصدوق عن الصادق عليه السلام: «ولد واحد يقدّمه الرجل أفضل من سبعين ولد يبقون بعده يدركون القائم عليه السلام»(3).

ولشرح هذه الأحاديث وتقريبها للذهن والعبرة مثل ما لو قيل: إنّ رجلاً فقيراً معه ولد عليه خلقان الثياب، قد أسكنه في خربة مقفرة ذات


1) (1)

2) (2) الكافي: 334/5، ح 1، التوحيد (للصدوق): 395، ح 10، معاني الأخبار: 206، من لا يحضره الفقيه: 383/3، ح 4344، التهذيب للطوسي: 401/7، ح 1598، مكارم الأخلاق: 196.

3) (3) ثواب الأعمال: 233، ح 1.

آفات كثيرة، وفيها بيوت حيات وعقارب وسباع ضارية، وهو معه على خطر عظيم، فاطلع عليه رجل حكيم جليل، ذو ثروة وحشم(1)

في نسخة: «حشمة».

وخدم، وقصور عالية، ورتب سامية، فرقّ لهذا الرجل ولولده.

فأرسل إليه بعض غلمانه أن سيدي يقول لك: إنّي قد رحمتك ممّا بك في هذه الخربة، وهو خائف عليك وعلى ولدك من العاهات، وقد تفضّلت عليك بهذا القصر ينزل به ولدك، ويوكل به جارية عظيمة من كرائم جواريه تقوم بخدمته إلى أن تقضي أنت أغراضك التي في نفسك، ثم إذا قدمت وأردت الإقامة أنزلتك معه في القصر، بل في قصر أحسن من قصره.

فلو قال الرجل الفقير: أنا لا أرضى بذلك، ولا يفارقني ولدي في هذه الخربة، لا لعدم وثوقي بالرجل الباذل، ولا زهداً منّي في داره وقصره، ولا لأماني على ولدي في هذه الخربة، بل طبعي اقتضى ذلك، وما أريد أن أخالف طبعي.

أفما كنت - أيّها السامع - لوصف هذا الرجل تعدّه من أدنياء السفهاء، وأخساء الأغبياء.

فلا تقع(2)في خلق لا ترضاه لغيرك، فإنّ نفسك أعزّ(3)عليك من غيرك.


1) (1)

2) (2) في نسخة: «فإياك أن تقع».

3) (3) في نسخة: «أغرّ».

واعلم أنّ لسع الأفاعي، وأكل السباع، وغيرهما من آفات الدنيا لا نسبة لها إلى أقلّ محنة من محن الآخرة المكتسبة في الدنيا، بل لا نسبة لها إلى إعراض الخالق(1)

في نسخة: «الحقّ».

- سبحانه - وتوبيخه ساعة واحدة في عرصة القيامة، أو عرضة واحدة على النار مع الخروج منها بسرعة.

فما ظنّك بتوبيخ يكون ألف عام أو أضعافه، وبنفحة(2)من عذاب جهنم يبقى ألمها ألف عام، ولسعة من حيّاتها وعقاربها يبقى ألمها أربعين خريفاً؟

وأيّ نسبة لأعلى قصر في دار الدنيا إلى أدنى مسكن في الجنة؟

وأيّ مناسبة بين خلقان الثياب في الدنيا إلى فاخرها إلى أعلى ما في الدنيا بالإضافة إلى سندس الجنة وإستبرقها.

وهلّم جرّا ما فيها من النعيم المقيم.

بل لو تأمّلت بعين بصيرتك في هذا المثل الذي ذكرناه، وأجلت فيه رؤيتك، علمت أنّ ذلك الكريم الكبير (وهو اللّه تعالى)، بل جميع العقلاء، لا يرضون من ذلك الفقير بمجرّد تسليم ولده ورضاه بأخذه، بل لابدّ - في الحكمة - من حمده عليه وشكره، وإظهار الثناء عليه بما هو أهله، لأنّ ذلك هو مقتضى حقّ النعمة.


1) (1)

2) (2) في نسخة: «وبنفخه».

دعا اللّه فرزقه ولداً ثم دعا ليموت

وحكى الشيخ أبو عبد اللّه بن النعمان في كتاب «مصباح الظلام» عن بعض الثقيات: إنّ رجلاً أوصى بعض أصحابه ممَّن أراد أن يحجّ أن يقرء سلامه لرسول اللّه صلى الله عليه و آله، ويدفن رقعة مختومة أعطاها له عند رأسه الشريف، ففعل ذلك.

فلمّا رجع من حجّه أكرمه الرجل، وقال له: جزاك اللّه خيراً، لقد بلغت الرسالة.

فتعجّب المبلّغ من ذلك وقال: من أين علمت تبليغها قبل أن أحدّثك؟

فأنشأ يحدّثه، قال: كان لي أخ مات وترك ابناً صغيراً، فربّيته وأحسنت تربيته، ثم مات قبل أن يبلغ الحلم.

فلمّا كان ذات ليلة رأيت في المنام كأنّ القيامة قد قامت، والحشر قد وقع، والناس قد اشتدّ بهم العطش من شدّة الجهد، وبيد ابن أخي ماء، فالتمست أن يسقيني، فأبى، وقال: أبي أحقّ به منك، فعظم عليّ ذلك، فانتبهت فزعاً.

فلمّا أصبحت تصدّقت بجملة دنانير، وسألت اللّه أن يرزقني ولداً ذكراً، فرزقنيه، واتفق سفرك، فكتبت لك تلك الرقعة، ومضمونها التوسل بالنبي صلى الله عليه و آله إلى اللّه - عزّ وجلّ - في قبوله منّي رجاء أن أجده يوم الفزع الأكبر، فلم يلبث أن حمّ ومات، وكان ذلك يوم وصولك، فعلمت أنّك بلّغت الرسالة!!!

أم البنين عليها السلام وصبرها على فراق أولادها

إن عظمة أم البنين عليها السلام تظهر عند سماعها الكارثة ومع ذلك لم تعيأ بمصيبتها العُظمى على فراق أولادها الأربعة بل تسأل عن سلامة الإمام الحسين عليه السلام كأنه هو ابنُها دون هؤلاء وقال الشيخ المامقاني (عليه الرحمة):

يستفاد قوة إيمانها وتشيعها أنّ بشراً كلما نعى إليها بعد وروده المدينة أحداً من أولادها الأربعة قالت ما معناه:

أخبرني عن أبي عبد اللّه عليه السلام، فلما نعى إليها الأربعة قالت: «قد قطعت نياط قلبي، أولادي ومن تحت الخضراء كلّهم فداءً لأبي عبد اللّه الحسين، أخبرني عن الحسين عليه السلام».

وفي صدد إيمانها العميق وانقطاعها للمبدأ المتقوّم بالولاية وتطلعها الواعي وتألُّقِها الهادف، يحدّثنا الشيخ أيضاً:

إنّ علقتها بالحسين عليه السلام ليس إلّالإمامته عليه السلام وتهوينها على نفسها موت هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين عليه السلام يكشف عن مرتبة في الديانة الرفيعة(1)

تنقيح المقال: 70/3، القسم الثاني.

والصبر الجميل.

لقد بات من المسلّم به عند أتباع أهل البيت عليهم السلام إنّ هذا اللون من الإيمان والصبر يندر وجوده إلا عند الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ولكنها تربية علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه).


1) (1)

وقال صاحب رياض الأحزان: وأقامت أم البنين زوجة أمير المؤمنين عليه السلام العزاء على الحسين عليه السلام، واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبن الحسين عليه السلام وأهل بيته(1)

أدب الطف: 74/1.

.

وكان نتيجة الصبر والإيمان والمودة لأهل البيت عند هذه المؤمنة الجليلة، أن تبوّأت هذه المكانة السامية والمقام الرفيع في دنيا الكرامة والخلود. وصارت باب من أبواب اللّه وباب الحوائج إلى اللّه تعالى.

ما دعتها مروعة في حاجةٍ إلّا وتكشف حاجها


سؤالها عن وفاء أولادها

من المواقف السامية التي ازدانت بها حياة السيّدة أم البنين أنها وبعد أن عاد السبايا إلى المدينة جاءت إلى الحوراء زينب عليها السلام تقسم عليها بأغلظ الأيمان لتخبرها عما فعل أولادها يوم عاشوراء خصوصاً سيدهم وكبيرهم قمر بني هاشم العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام. وهل كانوا عند حسن ظن أمهم وأبيهم فيهم؟ وهل وفوا لإمامهم وسيدهم سيد شباب أهل الجنة، ولم يبخلوا عليه بشي؟ وهل أدوا حق النصرة كما ينبغي؟ وراحت تكرر السؤال على الحوراء زينب عليها السلام كل ذلك بغية التأكد من وفاء أولادها لإمامهم ونصرته والذود عنه، وما أعجبه من موقف!


1) (1)

إنها بدل أن تسأل عن جراحات أولادها أو عن مصارعهم، وكيف سقطوا ومن قتلهم ومن حز رؤوسهم ومّن مثّل بهم وأية خيل رضت أجسادهم، إلى غير ذلك من الأسئلة التي تكشف عن مدى تعلقها بأولادها وحزنها لفراقهم، بدل كل ذلك تسأل عن وفائهم للحسين عليه السلام وعن ذودهم عنه، ومواساتهم له، مما يكشف عن عظيم إيمان وسموّ معرفة، تميّزت به هذه السيّدة الصابرة.

وجاءها الجواب من الصديقة زينب عليها السلام مبرداً لغليلها، ومهوناً لنحيبها، ذلك الجواب الذي هلّلت لسماعه، وشكرت اللّه تعالى لتحققه، فلقد بينت لها أنهم لم يكتفوا بالذود عن الحسين والقتال بين يديه والمواساة له بل سطروا أروع البطولات، وواسوا أخاهم وإمامهم الحسين عليه السلام حق المواساة خصوصاً بطل العلقمي وساقي العطاشى الذي تعجب من بطولاته وصولاته ومواساته ملائكة السماء.

فلقد خاض الماء بجواده وملأ القربة ماءً وأحسّ ببرودة الماء ولم يذق من الماء قطرة واحدة مع شدة ضمئه وعطشه كل ذلك مواساة منه لأخيه الحسين عليه السلام الذي لم يشبهه أحد وقتئذٍ في ظمئه.

فاطمئني يا أم البنين وتخطّي عرصات القيامة رافعة الرأس، مبيضة الوجه، فالزهراء بانتظارك، وفيتِ لها فلابد أن تفي لك فطوبى لك ولأبنائك ومحبيك(1)

السيّدة أُم البنين (للشيخ أشرف الزهيري): 163.

.

1) (1)

إعلانها عليها السلام مظلومية الحسين عليه السلام على الملأ

ومن المواقف التي لا تنسى، بل لا يصح أن تنسى لأم البنين عليها السلام إعلانها لمظلومية الحسين عليه السلام وذلك عبر إقامتها لمجالس العزاء، وطول بكائها عليه.

فقد ذكر المؤرّخون أنها كانت تحمل حفيدها عبيداللّه بن العباس وتخرج إلى البقيع كل يوم وتقيم النياحة على أولادها وتندبهم أشجى ندبة، وخروجها إلى البقيع حيث اجتماع الناس، من ناحية، وقربها من القبور مما يجعل النفوس المستمعة لندبتها أكثر تأثراً مما لو ناحت في مكان آخر من ناحية أخرى.

كما أن نياحتها على أولادها لا تعني أنها نسيت الإمام الحسين عليه السلام بل الحسين عليه السلام بالنسبة لها هو سيد أولادها والنوح كل النوح عليه ومن أجله. نعم لا يمكن أن نهمّش مصيبتها في ولدها العباس قمر العشيرة وإخوته عليهم السلام، فهي الأخرى مصيبة عظيمة، ورزية فادحة.

فكانت تندب أولادها الأربعة أشجى ندبة وأحرَقها فيجتمع الناس فيسمعون بكاءها وندبتها، وكان مروانُ بن الحكم على خُبثهِ وعلى شدة عداوته لبني هاشم يجيء في مَن يجيء فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي، فمن قولها في رثاء ولدِها أبي الفضل العباس:

يا من رأى العباس كرّ على جماهير النقَد

ووَراهُ من أبناء حيدر كلِّ ليث ذي لبد

أُنبئتُ أنّ ابني اصيبَ برأسِه مقطوعَ يد

وَيلي على شِبلي أما لَ برأسِهِ ضربُ العَمد

لو كان سيفُ في يديه لمّا دنى منهُ أحد


وجماهير النقد نوع من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه، وزادت البيت حُسناً في البلاغة، أنّ العباس من أسماء الأسد، فكم لاح هذا الاستخدام العفوي جميلاً في صورة المطلع.

وقالت ترثى أولادها:

لا تَدعوني ويك أم البنين تذكّريني بليوث العرين

كانت بنونُ ليَ أدعى بهِم واليومَ أصبحتُ ولا من بنين

أربعةٌ مثل نسور الرُبى قد واصلوا الموت بِقطع الوتين

تنازعَ الخرصان أشلاءَهم فكلّهم أمسى صريعاً طعين

يا ليتَ شعري أكما أخبروا بأنّ عباساً قطيعُ اليمين


ولم تحضر أم البنين عليها السلام أرض كربلاء، ولم تشهد الفاجعة، إلّاأ نّها واست أهل البيت عليهم السلام وقدمت أولادها الأربع وكانت تسأل من زينب عليها السلام عن مواقف وجهاد أولادها هل انهم أدوا ما عليهم من التضحية دون الإمام الحسين عليه السلام ولسان حالها.

صاحت أرد أنشدچ يا ضوه العين عن عباس وولادي الميامين

اخافو گصروا عن نصرة احسين او عند امه ايخجل وجهي ايتوسم

لا يُمِّي تگللها اشتكولين ثلث تنعام من اخوتي الطيبين

بذلوا كل جهدهم دون الحسين او وگفو سور مادون المخيم

شگلچ عن ابوفاضل واخبرچ وگر اعيونچ ابفعله وبشرچ

مثل حملات حيدر حمل شبلچ من هز رايته او لاح المطهَّم


ولم تزل باكية عليهم حتى التحقت بالرفيق الأعلى، وكان النساء يُقمن العزاءَ في بيتها، ونقل المؤرخون أنَّ السيّدة الحوراء عليها السلام كانت تزورها في بيتها وتواسيها في مصيبتها، وإن كانت المصيبةُ واحدةً يشترك في تحمّلها الجميع وإذا دخلت عليها أم البنين عليها السلام تنادي زينب ولسان حالها:

بچت زينب او صاحت تلگنه باللّه وياي گومَن ساعدنه

هاي أم البنين الراح منه صناديد أربعه أو بالحرب نفلين


لطمية عن أم البنين والسجاد عليه السلام

يوم أن قد جاء بشر ينبري يندب السبط بصوت جهوري

بين قبرٍ لنبي أنور أحمد الخير ومثوى شبّر

عندها فاطمة أم البنينْ أقبلت تعثر والقلب حزينْ

وتنادي أين زينُ العابدينْ أين نسل الطيبات الطهّر

يا أبا الباقر يا نسلَ الهداة أين سبط المصطفى فلك النجاة

أين حامي الطيبات الطاهرات شبل من ألحِد في أرض الغري

قال يا أماه نوحي بالدما لقتيل مات يشكو من ظما

ذبحوه من قفاه إنما ذبحوا أحمد والشرعَ الثري

إيه يا أماه فابكي واندبي فلَكَم راح يناديهم أبي

أيها الناس ألست ابنَ النبي وأبي ساقي الورى من كوثر

آه قد رضوا بخيل صدرَهُ وبسيف البغي حزّوا نحرَهُ

وبجنب النهر شلّوا ظهرَهُ كم تتمنى الموت عند الأكبر

ليت عيناك رأتْ حال الرضيعْ عندما خرّ من السهم صريعْ

وبعمدٍ قطعوا النحرَ البديعْ ليت دون الطفل حزّوا منحري

هذه زينب يا أم البطلْ أقبلتْ من أسرها والجسمُ كلْ

وتنادي ليت وافاني الأجلْ قبل أن أسبى لوغدٍ مفتر

أمَّ عباس الذي في كربلا قد قضى يدفع أهوالَ البلا

عن نساءٍ كم غدت تشكو ولا من معين لحماها ينبري

أمَّ عباس الذي يوم الطفوفْ قد فدا الدين دماه والكفوفْ

لم يبال إذْ تولَّته السيوفْ وهو في الهيجا بهيّ المنظر

آه يا أمَّ البنين الأربعه في سبيل السبط وسط المعمعه

آثروا أن يُقتلوا طراً معه خصكم بالأجر ربّ المشعر

صرخَتْ ياليت أفناني الردى إنما نفسي وأولادي فدا

لحسين السبط مصباح الهدى وسفين الغوثِ وسط الأبحُرِ(1)

لشاعر أهل البيت إبراهيم غلوم لاري «أبو عباس».



1) (1)

المجلس العاشر: وفاة أم البنين عليها السلام وفلسفة الإبتلاء

اشارة

بَقِيَت تكابِدُ والفؤآد جريحُ أمُّ البنينَ ودمعُها مَسْفُوحُ

فقدت بنيها كالبدورِ بكربلا وعلى فراقِ ابنِ النبيِ تَصيحُ

تبكي على فقدِ الحسينِ وصحبهِ وتجاذب الحسرات وهي تنوحُ

تبكي ابن بنتِ المصطفى ومصابَه والقَلبُ مِن عُظُم المصاب جريحُ

وغدت تئنًّ على الفراش مريضةً والجفنُ من طُولِ البُكاءِ قَريحُ

نادتْ بزينبَ يا عزيزةَ حيدرٍ اِنّي مفادقكُم وروحي تروحُ

وتَمَدَّدَتْ للموتِ روحي فداً لها والجسمُ نِضوٌ فارقتهُ الروحُ

فهوتْ عليها بنتُ حيدرَ زينبُ والدمعُ فوقَ خُدودِها مَسفوحُ

أهوتْ عليها الطاهرات بعولةٍ كل على أمِ البنينِ تنوحُ

تبكي العقيلةُ والدموعُ سواكبٌ كالمُزنِ من فوقِ الخدود تسيحُ

وغَسَّلت الحوراءُ زينبُ جسمَها ولفّتها بالأكفان وهي تصيحُ

وشيلت على ذاك السرير وأقبلَت عليها النساء الطاهرات تنوحُ

وجاء علي السجاد مع آل هاشم وصَلّوا عليها والفؤاد جريحُ

وراحوا بذاك النعش أولاد غالب والدمع يجري عالخدود سفوحُ‌(1)

الحاج حسين محمد الخباز.


المقبولة العباسية

باسم رب الشهدا بحب مصباح الهدى

أحمد رب العالمين وعصمة المعتصمين

ثم أصلي عدَّ ما قطر السماوات هَمَا

على النبي الأمجد وآل بيت أحمد


يومان بعد الأربعين بعد زيارة الحسين

في عام ألف ومائة وبعدها ثلاثمائة

ثم ثلاثين سنة وسبعة مدونة

وفي طريق عودتي من نجف لبلدتي

وكنت في السيارة سرعتاها طيارة

بدأت في الكتابه وراجياً ثوابه

من العلي الأعلى سبحانه تعالى



1) (1)

وهذه القصيدة فكرتها جيدة

حروفها منيرة عن قمر العشيرة

ذاك الفتى العباس والبطل النبراس

أرجوا بها الشفاعة عند قيام الساعة

من بضعة الرسول فاطمة البتول


قالوا بأن المرتضى من هو للّه رضا

أفضى إلى أخيه السيّد النبيه

عقيل يا نجل أبي يا عالماً بالنسب

هل تعرفن أسرة كريمة وبرة

تعرف بالشجاعة مهابة مطاعة

وبنتهم شريفة نسيبة عفيفة

أصيب منها ولداً يكون عوناً سنداً

لسيد الشبان وحجة الرحمن

وثاني السبطين مهجتي الحسين

بيوم كربٍو بلا يبلي بلاء النبلا


قال عقيل أنعمن عيناً أخي أبا الحسن

أمضي‌إلى بني‌كلاب إلى حزامٍ المهاب

أخطب منه درة شريفة وحرة

صفاتها علية لفاطم سميَّةٌ

آباؤها شجعانُ وفي الوغى فرسانُ


فاقل حيدرٌ على ربِّ العُلى توكَّلا

فجاءهم عقيل الفاضل الجليل

قال سلاماً واصباً فقد أتيت خاطباً

إلى عليِّ منكم فاطمة يهنكيم

قال له حزام عليكم السلام

أهلا ومرحباً بكم حللتموا بحيكم

آل النبي المصطفى الأكرمين الشرفا

وتم بعد ذا الزوا وعم في‌الحي‌ابتهاج

حتى إذا ما دخلت بيت علي فرحت

فسلمت عليه وقبلت يديه


قالوا بكت سائلةً للمرتضى قائلة

والمقلتان تهمي هلاَّ تغيِّر اسمي!

ما أنا إلّاخادمة لأجل ولد فاطمة

هذا الذي قد طَلَبَتْ ومِن علِيٍّ سألت

فسُمِّيَتْ أمَّ البنينْ زوج أمير المؤمنين


منها أصاب أربعة مثل البدور طالعة

أولهم عباس في الفضل لا يقاس

وبعده عبداللّه مطيع أمر مولاه

عثمان ثم جعفر عزمهما كحيدر


في شهر شعبان ولد عباس ذلك الأسد

من بعد أربع مضت من‌الليالي‌وانقضت(1)

لشاعر أهل البيت إبراهيم غلوم لاري.



1) (1)

قال اللّه الحكيم في محكم كتابه الكريم:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

«اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»1.

(صدق اللّه العلي العظيم)

البلاء سنّة الحياة

إن من جملة قوانين اللّه تعالى على الأرض وسنّته في هذه الدنيا سنّة البلاء فهي تجري على جميع البشر ويحسّها كلّ إنسان ويتلمّسها كلّ عاقل.

بل الحياة قائمة على هذه السنّة والقانون، بل يبدو من جملة الآيات والروايات أنّه غاية الخلق، وإحدى أهدافه كقوله تعالى:

«إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»2 ، ذكر المفسّرون أن اللام في (لنبلوهم) لام الغاية: أي غاية وجود الزينة على الأرض هو للإمتحان والبلاء.

وهناك آية أخرى تبيّن أنّ علّة اختلاف الإسم والألسن واللغات هو الابتلاء كقوله تعالى:«وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ»3 .

أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «ولسنا للدّنيا خلقنا، ولا بالسّعي فيها امرنا، وإنّما وضعنا فيها لنبتلى بها»(1)

نهج البلاغة، كتابه لمعاوية.

.

وفي كلمة أخرى يبيّن الإمام أن البلاء من طبع الدّنيا وديدنها وسجاياها البارزة. قال عليه السلام: «دارٌ بالبلاء محفوفة، وبالغدر ومعروفة»(2).

لماذا الإختبار الإلهي؟

وبعد معرفة هذه الحقيقة يبرز سؤال مهمّ يدور في أذهاننا وهو: لماذا نُبتلى؟ بمعنى آخر: ما هي فلسفة الإبتلاء؟

لماذا نرى اناساً يتعذَّبون، وآخرون لا يتعذَّبون؟ اناس كثيري البلاء، وآخرين قليلي البلاء؟ فهل غابت عدالة اللّه، هذا ما نريد الإشارة إليه.

فنقول: في مجال الإختبار الإلهي تطرح بحوث كثيرة، وأوّل ما يتبادر للذهن في هذا المجال هو سبب هذا الإختبار. فنحن نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم، فهل أنّ اللّه سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الإختبار لعباده، وهو العالم بكلّ الخفايا والأسرار؟! وهل هناك شيء خفي عنه حتّى يظهر له بهذا الإمتحان؟!

والجواب أنّ مفهوم الإختبار الإلهي يختلف عن الإختبار البشري.


1) (1)

2) (2) نهج البلاغة، خطبة 226.

إختباراتنا البشريّة - هي كما ذكرت آنفاً - تستهدف رفع الإبهام والجهل والإختبار الإلهي قصده «التربية».

في أكثر من عشرين موضعاً تحدّث القرآن عن الإختبار الإلهي، باعتباره سنّة كونيّة لا تنقض من أجل تفجير الطاقات الكامنة، ونقلها من القوّة إلى الفعل وبالتالي فالإختبار الإلهي من أجل تربية العباد، فكما أن الفولاذ يتخلّص من شوائبه عند صهره في الفرن، كذلك الإنسان يخلص وينقى في خضمّ الحوادث ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الصعاب والتحدّيات.

الإختبار الإلهي يشبه عمل زارع خبير، ينثر البذور الصالحة في الأرض الصالحة كي تستفيد هذه البذور من مواهب الطبيعة وتبدأ بالنمو، ثمّ تصارع هذه البذرة كلّ المشاكل والصعاب بالتدريج، وتقاوم الحوادث المختلفة كالرّياح العاتية والبرد الشديد والحرّ اللافح، لتخرج بعد ذلك نبتة مزهرة أو شجرة مثمرة تستطيع أن تواصل حياتها أمام الصعاب.

ومن أجل تصعيد معنويات القوّات المسلّحة، يؤخذ الجنود إلى مناورات وحرب اصطناعيّة، يعانون فيها من مشاكل العطش والجوع والحرّ والبرد والظروف الصعبة والحواجز المنيعة.

وهذا هو سرُّ الإختبارات الإلهيّة(1)

تفسير الأمثل: 442/1.

.

1) (1)

الإختبار الإلهي عام

نظام الحياة في الكون نظام تكامل وتربية وكلّ الموجودات الحيّة تطوي مسية؟ تكاملها حتّى الأشجار تعبّر عن قابليّاتها الكامنة بالأثمار، من هنا لابدَّ أن نعلم أنّه ليس البلاء والإمتحان وليد هذا العصر أو ذاك، بل هو قديم بقدم الدّهر. ابتداءاً منذ أن خلق اللّه آدم وخلق الخلق، بل منذ عالم الذرّ، كما قال تعالى:«وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ»1 .

إذن الإختبار والإمتحان على الإنسان يوم كان في عالم الذرّ، وعرض عليهم الإيمان باللّه ورسوله وولاية أهل البيت عليهم السلام؛ فمن كانت طينته طيّبة قُبل، ومن كانت خبيثة رُفض، وإنّما الدنيا فرصة ثانية وساحة أخرى للإختبار منحها اللّه لعباده، ورحمه بهم لكي يؤمنوا ويعودوا إليه.

ثمّ تدرّج البلاء فاختبر إبليس بعد ما عَبَدَ اللّه سنين فأكرمه اللّه وجعله في صفوف الملائكة، ولكن امتحنه بالسّجود لآدم فأبي واستكبر فاستحقّ اللّعنة، لمّا خلق اللّه آدم قال:«فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ

رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ»1 .

ثمّ امتحن أبونا آدم:«وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ»2 .

ونوح عليه السلام ابتُلي بقومه، وسمّي نوح لكثرة نوحه ونياحته على قومه، حتّى شكا اللّه الغم، فأمره أن يأكل العنب الأسود فإنّه يذهب بالغم.

إبراهيم عليه السلام ابتُلي بذبح ولده، أيّوب عليه السلام بالمرض، ونبيّنا ابتُلي بقومه حتّى قال: «ما اوذي نبيٍّ مثل ما اوذيتُ»، وكذلك الأئمّة الأطهار.

ثمّ إنّ البلاء لم يكن مقتصراً على فئة من فئات خلق اللّه، بل إنّما هو شامل حتّى الجنّ، كما ابتلي إبليس وجميع البشر، رجال، نساء معصوم وغير معصوم، بل شمل حتّى الحيوانات منذ اللحظة الأُولى عند ولادتها، يولد الخطور والبلاء معها، فلمّا تنظر إلى انثى الغزال ما أن يقع وليدها الأرض تراه يعدو خلفها بعد لحظات ودقائق، ولمّا نسأل علماء الحيوان يقولون: لأنّه أحسّ بالخطر والخوف، حتّى الطيور، الإمام الصّادق عليه السلام يقول: «ما من طير يصاد إلّابتركه التّسبيح»(1).


1) (3) خصائص المفيد.

حتّى النّبات قد يتعرَّض للبلاء عندما يقطع الماء، أو ألاسماء والأملاح عنه فتراه يصفر ويموت.

موقف الناس من الإبتلاء

عادة النّاس يكرهون البلاء ويخشونه، ويتهرّبون من كلّ عمل ويحسّون فيه خطراً على مصالحهم، ويفرّون من كلّ شيء يحتمل فيه بلاء، أو يُشتمّ منه رائحته، وذلك لأنّ البشر بطبيعتهم يميلون إلى الراحة عوضاً عن التّعب، وذلك بعض النّاس إذا أصابهم خير ونعمة وسراء إعترفوا بكرم ربّهم وفضله، وإن أصابتهم ضرّاء وشدّة كفروا باللّه واتّهموا ربّهم كما قال تعالى:«فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَ أَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ»1 .

أمّا المؤمن فينظر إلى جميع الأمور بمنظار رضا اللّه وسخطه، فلو كان رضا اللّه من البلاء والمشقّة فضّله على الرّاحة والأنس، وهكذا العكس، فأبرز علامات المؤمن كثرة البلاء، فهو قرينه وديدنه الذي لا ينفك عنه بحال من الأحوال، بل يستفاد من الروايات أنّه:

لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يبتلى فيصبر عليه، لأنّ حقيقة الإيمان هو إنتصار قوى الخير ف داخله على قوى الشر، أي الوقوف بجانب العقل ضدّ الشهوة والهوى وهذا بحدّ ذاته، بلاء ومعاناة وأمر صعب محفوف بالمكاره.

قال الصّادق عليه السلام: «إنّ أهل الحقّ لم يزالوا منذ كانوا في شدّة، أمّا إنّ ذلك إلى مدّة قليلة وعافية طويلة»(1)

أُصول الكافي.

.

وهذا مصداق كلمة الإمام على أنّه ما ترك له الحقّ من صديق، فالإيمان إذاً يعني البلاء.

قال الصّادق عليه السلام: «المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلّاعُرض له أمرٌ يحزنه يُذكّر به».

وعنه عليه السلام: ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلّاوله جارٌ يؤذيه، ولو أنّ مؤمناً في جزيرة من جزائر البحر لابتعث اللّه له من يؤذيه(2).

إذن - البلاء يلزم المؤمن كلزوم اللّيل والنّهار، بل بعض الروايات كراهة انقطاعه عنه، بل فيه سخط اللّه عليها.

قال الصّادق عليه السلام: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: إنّي لأكره للرجل يعافى في الدنيا فلا يصيبه من المصائب.

عوامل النجاح في الإمتحان

هنا يتعرّض الإنسان لاستفهام آخر، وهو أنّه إذا كان القرار أن يتعرّض جميع أفراد البشر للامتحان الإلهي فما هو السبيل لإحراز النجاح والتوفيق في هذا الإمتحان؟ القرآن يعرض هذه السبل في القسم الأخير من آية:«وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ


1) (1)

2) (2) أُصول الكافي.

اَلْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصّابِرِينَ * اَلَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»1 وفي آياتٍ أخرى.

1 - أهمّ عامل للإنتصار أشارت إليه الآية بعبارة:«وَ بَشِّرِ الصّابِرِينَ» ، فالآية تبشّر بالنجاح أولئك الصابرين المقاومين، ومؤكّدة أنّ الصبر رمز الإنتصار.

2 - الإلتفات إلى أن نكبات الحياة ومشاكلها مهما كانت شديدة وقاسية فهي مؤقّتة وعابرة وهذا الإدراك يجعل كلّ المشاكل والصعاب عرضاً عابراً وسحابة صيف، وهذا المعنى تضمّنته عبارة:«إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» .

«كلمة الاسترجاع» هذه خلاصة كلّ دروس التوحيد، والإنقطاع إلى اللّه، والإعتماد على ذاته المقدّسة في كلّ شيء وفي كلّ زمان. وأولياء اللّه ينطلقون من هذا التعليم القرآني، فيسترجعون لدى المصائب كلي لا تهزمهم الشدائد، وكي يتجاوزوا مرحلة الإختبار بسلام في ظلّ الإيمان بمالكيّة اللّه والرجوع إليه.

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في تفسير الإسترجاع: «إنّ قولنا: إنّا للّه إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: إنّا إليه راجعون إقرارٌ على أنفسنا بالهُلك»(1).


1) (2) نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 99.

3 - الإستمداد من قوّة الإيمان والألطاف الإلهية عامل مهم آخر في اجتياز والإختيار دون اضطراب وقلق وفقدان للتوازن. فالسائرون على طريق اللّه يتقدمون بخطوات ثابتة وقلوب مطمئنّة لوضوح النهج والهدف لديهم. وترافقهم الهداية الإلهية في اختيار الطريق الصحيح، يقول سبحانه:«وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا»1 .

4 - التدقيق في تأريخ الأسلاف، وإمعان النظر في مواقفهم من الإختبارات الإلهيّة، عامل مؤثّر في إعداد الإنسان لإجتياز الإمتحان الإلهي بنجاح.

لو عرف الإنسان بأنّ ما اصيب به ليس حالة شاذّة، وإنّما هو قانون عام شامل لكلّ الأفراد والجماعات، لهان الخطب عليه، ولتفهم الحالة بوعي، ولاجتاز المرحلة بمقاومة وثبات. ولذلك يثبّت اللّه تعالى على قلب نبيّه والمؤمنين باستعراض تأريخ الماضين، وما واجهه الأنبياء، والفئات المؤمنة من محن ومصائب خلال مراحل دعوتهم، يقول سبحانه:«وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ»2 .

ويقول تعالى:«وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا»3 .

5 - الإلتفات إلى حقيقة علم‌اللّه سبحانه بكلّ مجريات الأمور، عامل آخر في التثبيت وزيادة المقاومة.

المتسابقون في ساحة اللعب يشعرون بالإرتياح حينما يعلمون أنّهم في معرض أنظار أصدقائهم من المتفرّجين، ويندفعون بقوّة أكثر في تحمّل الصعاب.

إذا كان تأثير وجود الأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية اللّه لما يجري على الإنسان وهو على ساحة الجهاد والمحنة؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لمواصلة طريق الجهاد وتحمّل مشاقّ المحنة!

حين واجه نوح عليه السلام أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، وجاءه نداء التثبيت الإلهي ليقول له:«وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا»1 .

وعبارة «بأعيننا» كان لها - دون شك - وقع عظيم في نفس هذا النبي الكريم، فاستقام وواصل عمله حتّى المرحلة النهائية دون الإلتفات إلى تقريع الأعداء واستهزائهم.

وبين أتباع مدرسة الأنبياء نماذج رائعة للصابرين المحتسبين، كلّ واحد منهم قدوة على ساحة الإمتحان الإلهي.

فقد روي أنّ أمّ عقيل كانت امرأة في البادية فنزل عليها ضيفان وكان ولدها عقيل مع الإبل، فاُخبرت بأنّه ازدحمت عليه الإبل فرمت به في

البئر فهلك. فقالت المرأة للنّاعي إنزل واقض ذِمام القوم ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرَّب إلى القوم الطّعام فجعلوا يأكلون ويتعجّبون من صبرها.

قال الرّاوي: فلمّا فرغنا خرجت إلينا وقالت: يا قوم هل فيكم من يحسن من كتاب اللّه شيئاً؟

فقلت: نعم.

قالت: فاقرأ علَيَّ آياتٍ أتعزّى بها عن ولدي.

فقرأتُ:«وَ بَشِّرِ الصّابِرِينَ * اَلَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ - إلى قوله - اَلْمُهْتَدُونَ» .

فقالت: السلام عليكم، ثمّ صفّت قدميها وصلّت ركعاتٍ ثمّ قالت:

اللّهم إنّي فعلت ما أمرتني فأنجزلي ما وعدتني. ولو بقي أحدٌ لأحدٍ - قال: فقلتُ في نفسي: لبقي ابني لحاجتي إليه - فقالت: لبقي محمد صلى الله عليه و آله لأُمّته، فَخَرَجَتْ‌(1)

تفسير الأمثل: 448/1.

.

الرضا بقضاء اللّه تعالى

عن عليّ بن الحسين عليه السلام قال: «الصّبر والرّضا عن اللّه رأس طاعة اللّه، ومن صبر ورضي عن اللّه فيما قضى عليه فيما أحبّ أو كَرِهَ


1) (1)

لم يقضِ اللهُ عزّ وجلّ له فيما أحبّ أو كره إلّاما هو خيرٌ له» (1)

دلّ بحسب المفهوم على أنّ من لم يصبر ولم يرض قد يقضي اللّه عليه ما هو شرّ له فلابدّ من القول بأنّ المفهوم غير معتبر. أو القول بأنّ ما قضاه شرٌّ له لفقده أجر الصبر والرضا أو في نظره بخلاف الصابر والراضي فإنّه خيرٌ في نظرهما وفي الواقع. قال المجلسي رحمه الله: المراد أنّ الصبر والرضا وقعا موقعهما لأنّ المقضى عليه لا محالة خيرٌ له، أُصول الكافي:؟؟؟ / 50.

.

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: قال اللّه عزّ وجلّ: «إنّ من عبادي المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلّابالغنى والسّعة والصّحة في البدن فأبلوهم بالغنى والسعة وصحة البدن فيُصلح عليهم أمر دينهم.

وإنّ من عبادي المؤمنين لعباداً لا يصلح أهم أمرُ دينهم إلّابالفاقة والمسكنة والسُّقم في أبدانِهم فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسُّقم فيُصلح أمر دينهم وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين.

وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رُقاده ولذيذ وساده فيتهجّد لي الليالي فتُتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنّعاس الليلة والليلتين نظراً منّي له وإبقاء عليه، فينام حتّى يُصبح فيقوم وهو ماقتٌ لنفسه زارئٌ عليها ولو أخلّي بينه وبين ما يُريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله.

فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه حتّى يظنّ أنّه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد منّي


1) (1)

عند ذلك وهو يظنّ أنّه يتقرب إليّ، فلا يتّكل العاملون على أعمالهم الّتي يعملونها لثوابي فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي.

كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنهَ عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنّعيم في جنّاتي ورفيع درجاتي العُلى في جواري ولكن فبرحمتي‌فليثقوا وبفضلي‌فليفرحوا وإلى حُسن‌الظنّ بي‌فليطمئنّوا فإنّ رحمتي عند ذلك تُداركهم، ومنّي يُبلّغهم رضواني، ومغفرتي تلبسهم عفوي، فإنّي أنا اللّه الرّحمن الرّحيم وبذلك تسمّيتُ» (1)

أُصول الكافي: 50/2.

.

وقال أبو عبد اللّه عليه السلام: قال اللّه عزّ وجلّ: «عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلّاجعلته خيراً له، فليرضَ بقضائي وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي أكتبه يا محمّد من الصدّيقين عندي».

وعن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إنّ فيما أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى موسى بن عمران عليه السلام: يا موسى بن عمران! ما خلقتُ خلقاً أحبُّ إليّ من عبدي المؤمن فإنّي إنّما أبتليه لما هو خيرٌ له واُعافيه لما هو خيرٌ وأزوي عنه ما هو شرٌّ له وأنا أعلم بما يصلحُ عليه عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصدّيقين عندي إذا عمل برضائي أطاع أمري».


1) (1)

وعن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «عجبتٌ للمرء المسلم لا يقضي اللّه عزّوجل له قضاءً إلّاكان خيراً له وإن قُرِضَ بالمقاريض كان خيراً له وإن مَلِك مشارقَ الأرضِ ومغاربها كان خيراً لهُ».

وعن أبي جعفر عليه السلام قال:«أحقُّ خلقِ اللّه أن يُسلّم لما قضى اللّه عزّوجلّ من عرف اللّه عزّ وجلّ‌(1)

أين من عرف اللّه حق معرفته فهذا حق أن يسلم ما قضاه اللّه عليه لأن التسليم له تابع‌للمعرفة وكلما كانت المعرفة أكمل كان التسليم أولى وأجدر.

، ومن رضى بالقضاء أتى عليه القضاءُ وعَظَّمَ أجرهُ، ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط اللّه أجرهُ».

أُسلّمُ لو جعلني اللّه جسراً إلى جهنم ثم أدخلني فيها

وقيل لبعض العارفين: نلت غاية الرضا عنه؟ فقال: أمّا الغاية فلا، ولكن مقام من‌الرضا قد نلته، لو جعلني اللّه جسراً على جهنم تعبر الخلائق عليّ إلى الجنة، ثم ملأ بي جهنم، لأحببت ذلك من حكمه، ورضيت به من قسمته(2).

وهذا كلام من علم أنّ الحبّ به استغرق همّه حتى منعه الإحساس بألم النار، واستيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه، لكنّه بعيد من الأحوال(3)الضعيفة في هذا الزمان، ولا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم حال الأقوياء، ويظنّ أنّ ما هو عاجز عنه يعجز عنه غيره من الأولياء(4).


1) (1)

2) (2) إحياء علوم الدين (للغزالي): 394/4.

3) (3) في نسخة: «عن الأخطار».

4) (4) إحياء علوم الدين (للغزالي): 394/4.

قال: نلت من كلّ مقام حالاً إلّاالرضا بالقضاء، فما لي منه إلّامشام الريح، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلّهم الجنة، وأدخلني النار كنت بذلك راضياً(1)

في الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين عليه السلام: 232: ولئن أدخلتني النار لأخبرن أهل النار بحبي لك.

وفي إقبال الأعمال (للسيّد ابن طاووس): 297/3: لئن أدخلتني النار أعلمت أهلها أ نّي أحبّك.

.

وروي أن يونس قال لجبرئيل عليه السلام: دلّني على أعبد أهل الأرض، فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره وسمعه وهو يقول: الهي متعتني بهما ما شئت وسلبتني ما شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا برّيا الوصول، وروي أن عيسى عليه السلام مرّ برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بالفالج.

فقال عيسى عليه السلام:«ياهذا وأي شيء من‌البلاء أراه معروفاً عنك؟» فقال:

يا روح اللّه أنا خير ممن لم يجعل اللّه في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته، فقال له: «صدقت هات يدك فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجهاً وأفضلهم هيئة قد ذهب اللّه عنه ما أن به فصحب عيسى وتعبد معه»(2).

ومن خبر عمران بن حصين - رضى الله عنه - استسقى بطنه، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة، لا يقوم ولا يقعد، وقد ثقب له في سريره موضع لقضاء الحاجة.

فدخل عليه أخوه العلا، فجعل يبكي لما يرى من حاله.

فقال: لم تبكي.


1) (1)

2) (2) إحياء علوم الدين: 349/4.

قال: لأني اراك على هذه الحالة العظيمة.

قال: لا تبك فإن ما أحبه اللّه أحبّه ثم قال: أحدّثك ولعلّ اللّه ينفعك به واكتم عليّ حتى أموت: ان الملائكة لتزورني فأنس بها وتسلم عليّ فاسمع تسليمها فاعلم بذلك ان هذا البلاء ليس عقوبة أو هو سبب لهذه النعمة فمن شاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضياً به(1)

مسكن الفؤاد: 163 عن إحياء علوم الدين: 349/4.

.

وروي عن بعضهم، وكان قاسى المرض ستين سنة، فلمّا اشتدّ عليه حاله دخل عليه بنوه فقالوا: أتريد أن تموت حتى تستريح مما أنت فيه؟

قال: لا. قالوا: فما تريد؟ قال: مالي إرادة، إنما أنا عبد، وللسيّد الإرادة في عبده، والحكم في أمره.

وقيل: اشتد المرض بفتح الموصلي، واصابه مع مرضه الفقر والجهد فقال: إلهي وسيدي ابتليتني بالمرض والفقر(2)فهذا فعالك بالأنبياء والمرسلين، فكيف لي وأن اؤدي شكر ما انعمت به عليّ.

وفاة أم البنين عليها السلام أو شهادتها ومحل قبرها

أمّا مدفنها، فلاشك أنّه بالبقيع، لأنّها لم تخرج إلى أيّ بلد آخر بعد مقتل الحسين عليه السلام، فمدفنها بالمدينة وطبعاً بالبقيع. هذا بالنّسبة إلى الاعتبار والمعهود، وهو المشهور الآن.


1) (1)

2) (2) مسكن الفؤاد عن احياء علوم الدين: 83/3، فضيلة الجوع.

وأمّا التّصريح بدفنها فيه، فيأتي الآن في ما ينقله السيّد مهدي السّويج من العلّامة قره باغي فانتظر.

وأمّا تاريخ وفاتها:

فنقل الأنصاري تحت هذا العنوان عن الخطيب مهدي السّويج أنه قال: سألت عدّة مرّات في أماكن متعدّدة عن تاريخ وفاة أم البنين عدداً من أهل الخبرة في ذلك (فلم أحصل على جواب شافٍ)، وذات يوم تناولت كتاباً... وكان قد علق في ذهني أنّ في الكتاب المذكور قصيدة في حديث الكساء، فناولته على حساب القصيدة... وإذا بخبر وفاة أم البنين يأتي في تعقيب صاحب الكتاب على القصيدة.

والكتاب المشار إليه خطّي على ورق ترمّه قديم، ويرجع تاريخ خطّه إلى عام (1312 ه) واسمه «كنز المطالب» للعلاّمة السيّد محمد باقر القره باغي الهمداني رحمه الله قال المصنّف رفع اللّه شأنه: وكان مدار حديث الكساء المبارك بيت فاطمة الزهراء عليها السلام.

وكانت وفاتها في الثّالث من جمادى الآخرة، وقد خلفتها في تربية الحسنين عليهم السلام أمامة بنت أختها، ثم فاطمة أم البنين الكلابيّة، وقد توفّيت بعد مقتل الحسين عليه السلام ودفنت بالبقيع بالقرب من فاطمة الزّهراء.

ففي «الإختيارات» عن الأعمش قال: دخلت على الإمام زين العابدين عليه السلام في الثّالث عشر من جمادى الآخرة وكان يوم جمعة،

فدخل الفضل بن العبّاس عليه السلام وهو باك حزين وهو يقول: لقد ماتت جدتي أمّ البنين(1)

أُم البنين رمز التضحية والفداء للأنصاري: 42-43 عن السويج في كتابه «أُم البنين سيدة نساء العرب»: 86.

.

يقول السالكي: ويظهر من هذا أنّ الممخبر الباكي هو الفضل مع أن الفضل مات صغيراً وأن أهل السّير يقولون: أنّ إرث العباس، أمّه، صار إلى عبيد اللّه بن العبّاس وأنّ نسله من فقط. فالصّحيح أنّه كان عبيد اللّه.

إلّاأن يقال: إنّ الفضل مات بعد هذا الخبر فبالنّتيجة انتقل الإرث إلى عبيد اللّه هم كانوا ينظرون إلى النّتيجة.

أعني أنّ إرث العبّاس وصل إلى أمّه وإلى أبنائه وإرث إخوة العبّاس وصل إلى أمّه ثم ماتت أمّه وورثها أبناء العبّاس ثم لم يبق من الأبناء إلّا عبيد اللّه، فورث هو كلّ المال فهو الوارث بعدهم.

ثم إنّه يفهم من كلمة «بعد مقتل الحسين عليه السلام» أنّ أم البنين ماتت بعد المقتل بلا فصل أعني في عام (61) من الهجرة كما أرّخ بعضهم تاريخ وفاتها بهذا التّاريخ.

إلّاأنه يأتي الآن نقل بأنّ وفاتها كانت في عام (64).

نقل الأنصاري أيضاً عن السّويج أنّه قال:

ثم عثرت بعد ذلك بمدّة على خبر آخر في هامش «وقايع الشّهور


1) (1)

والأيام» للبيرجندي، ونصّه ما يلي: وفيه - يقصد الثّالث عشر من جمادى الآخرة - توفّيت أم البنين الكلابيّة سنة (64 ه) عن الأعمش(1)

الأنصاري في كتابه: 43 عن السويج في كتابه: 86.

.

يقول السالكي: كتاب البيرجندي - المطبوع منه - موجود عندي وهو الآن مفتوح أمامي، وليس في هذا المطبوع شيء من ذلك. نعم يمكن أن نقول: إنّ أحداً من المطالعين للكتاب - ولا نعرفه - أخذ ذلك المذكور من مصدر آخر فكتبه بخطّه على حاشية الكتاب في نسخة كانت عنده، ورآه الخطيب السّويج وليس هذا في كلّ نسخ الكتاب، أو كتبه المؤلّف على حاشية الكتاب في إحدى طبعاته.

وهذا النّقل وما قبله متّحدان في اليوم والشّهر إلّاأنّ في الأوّل لم يذكر السّنه ولكنّا استظهرنا وفاتها في سنة (61)، وفي الثّاني ذكرها وهي سنة (64) واللّه العالم.

هل دُسَّ إليها السُّم

وقد استظهر آية اللّه العظمى السيّد محمد الشيرازي قدس سره في كتابه السيّدة أم البنين عليها السلام احتمال دس السم إليها كما احتمل ذلك للسيّدة زينب عليها السلام، قال قدس سره: «لا نعلم شيئاً عن سبب وفاة السيّدة أم البنين عليها السلام مع العلم بأنها كانت تفضح بني أميّة الذين قتلوا الإمام الحسين عليه السلام.


1) (1)

وقد أسس معاوية جُند العسل وقتل به مالك الأشتر رضوان اللّه عليه وكثير من الأبرياء بالسم... حتى صار عادة فيهم وفي العباسيين والعثمانيين من بعدهم فقد ورد في التاريخ إن هارون قتل السيّد الادريسي به وهكذا قتل المأمون السيّدة فاطمة المعصومة سلام اللّه عليها كما رأيتُه في أحد التواريخ.

بل أصبح ذلك مما تعارف واعتاد عليه الطغاة،... وقد شاهدنا في زماننا أمثال صدام وهدام يقتلون الناس بالسم!... كما قتل صدام المرحوم الخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي والسيّد محمد الحيدري وغيرهما من الخطباء والعلماء بقهوة مسمومة أو لبن مسموم أو حنطة مسمومة أو ماشابه ذلك» (1)

السيّدة أُم‌البنين عليها السلام للمرجع الديني المرحوم آية اللّه العظمى السيّد محمدالشيرازي قدس سره: 49.

.

وعلى كلام السيّد الشيرازي يحتمل انها دُسَّ السم لأنها كانت تؤلب الناس ببكائها في البقيع على أولادها ضد بني أميّة والبلاط الأموي كما حصل ذلك للسيّدة زينب عليها السلام وتجهيزها وابعادها إلى الشام وفارقت الحياة هناك.

وكما كان ذلك أيضاً للزهراء عليها السلام وبكائها على أبيها حتى كسروا ضلعها واسقطوا جنينها وقتلوها شهيدة عليها السلام فليس من المستبعد أن أم البنين عليها السلام والتي كان يجتمع الناس عليها في البقيع ويبكون لبكائها أن يدس الأعداء من بني أمية اليها السم عليها السلام.


1) (1)

اللحظات الأخيرة عند احتضارها عليها السلام

وبقيت أم البنين لابسة السواد معصبة الرأس ناحلة الجسم ظاهرة الحزن على ما جرى على الحسين عليه السلام، وتنعى أولادها وتتمنى حضور الزهراء عليها السلام في واقعة الطف ولسان الحال يقول:

وينچ يزهرا ما حضرت يوم الطف يوم استدارت حول ابنچ ذيچ الصفوف

ويا ليت لمن خرمرمى عينچ تشوف وجاه الشمر وعيونه إلى نسوته تدور


تسنم على صدره وكاس الذبح يسقيه كبه على الرمضى يزهرا وما حضرتيه

قالت حضرته لكن أنا شبيدي عليه وانساني مصاب الولد ضلعي المكسور


أين المعزين لفقد أم البنين عليها السلام ينادون واسيدتاه نعم تدهورت حالة أم البنين عليها السلام وبقيت على فراش علتها وكن بنات أمير المؤمنين عليه السلام يمرضنها إلى أن دنت منها المنية وهي تنظر يميناً شمالاً كأنها تريد أن توصي أولادها ولكن أين أولادها يا شيعة كلهم مجزرين بلا غسل ولا كفن في أرض كربلاء.

ولذلك عرق جبينها وسكن أنينها واستقبلت القبلة وأسبلت يديها ومدّت رجليها وغمضت عينيها ثم شهدت الشهادتين وهي تنادي وا حسينا وا حسينا إلى أن فارقت روحها الدنيا فرحم اللّه مَن قال وا فاطمتاه وا سيدتاه يا أم البنين فضجت أهل المدينة بالبكاء والنحيب وكل ينادي وا فاطماه وا سيدتاه.

مدت نظرها للي يمها من النساوين وقالت وداع اللّه وماتت أم البنين

دارت على أم البنين الحرم بالنوح وبالمغتسل مدوا جسمها مهجة الروح

وقامت تغسلها الحرم والدمع مسفوح والجسد يتقلب بأيادي الحور العين


وتقدم السجاد والباقر إليها والكرام من آل النبي صلوا عليها

ولمسجد الهادي الجنازة وصلوا بيها يعزون فيها الطاهرة خير النبيين


ولأرض البقيع حملوا نعش أم الأماجيد والنسا تتعاطى النعش من أيد لا أيد

والكل يجذب حسرته والدمع تبديد ومن الصوايح والبچا ارتجت الكونين


وللقبر لمن وصلوا تأخرت الرجال وشالت جنازتها الودايع من الشبال

وبالقبر حطوا أم البنين بدمع همال وقبل الدفن خرت تودعها النساوين


إلى أن قضت بالسم صبراً وماقضى كريمٌ لهم إلّابسم وصارم

وبين سميم قد سرى في عضامه من السم قتالٌ بغير قتال


لطمية عن أم البنين تحية

أم البنين تحيةً من ربك المتفضِّل

سقياً لقبرك واصباً زوج الإمام الأول

فلقد وفيتِ العهد لل سبط الشهيد المُبْجَل

وفديتِ أولاداً شدي دي البأس يوم القسطل

حتى غدا العباس شب لك غاية المتوسل

إن ضاقت الدنيا وأ لمك الزمان بمعضلِ

أفديه لما كرَّ وال أعداء حقدهُمُ جلي

لم يخش جمعهمُ وشت ت شملهم بالفيصل

وتملَّك الماء الذي منعوا ابن بنت المرسل

رغم الظما والحر ما ء فراتها لم ينهل

ما ذاق طعم الماء وا سى السبط فيما قد بُلي

أفديه لما خر من ظهر الجواد المُثقَل

والرأس منه مهشمٌ يا للمصاب المُهْوِل

قُطعت يداه وعينه ذهبت بسهمٍ مقبل

والسبط يبكي صنوَه فهو العلامة من علي

وكذاك إخوته فبي ن معفَّرٍ ومرمَّل

لهفي لزينبَ وهي تب كيهم بصوت معوِل

تنعى الحماة بكربلا وتصيح: لا عباس لي

يحمي حماي من العدا من شامت متهَلل

وبيثربٍ أم البني ن أتت لأكرم منزل

جاءت تواسي زينب ال كبرى بدمع مهمَل

تبكي الحسين بعولةٍ وتصيح: يا نعم الولي

تنعاه لا تنعى بني ها الأكرمين الكُمَّل

ولذاك يوم الحشر تأ تي فاطمٌ بتذلل

نحو الجليل بكفَّيِ ال عباس، نوديَ فاسألي

تُعطَي، تنادي رب بال كفين فاحكم بي ولي(1)

لشاعر أهل البيت إبراهيم غلوم لاري «أبو عباس».


1) (1)

المجلس الحادي عشر: مسك الختام عن الإمام الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام والزهراء فاطمة عليها السلام

اشارة

إمامَ العصرِ يا ابنَ الاكرمينا ومَهديَّ الخلايق أجمعينا

غيابُك هدَّ مِنّا كلَّ ركنٍ عماد الكون يا رُكناً ركينا

تواطئتِ العدا طُرّاً علينا بعَينِك يا مُنانا مامُنينا

فها هو دهرُنا مُرٌّ ويحلوا يقينا ان حللت وكنت فينا

إمام العصر عزّ عليك ماقد رُزيت به ونحن به رزينا

واعظمها رزايا الطف شجواً غداةَ السِّبطُ قد أمسى رَهينا

وفتيتهُ حوالَيه ضحاياً على وجهِ الصعيد مُجزَّرينا

ويا لهفي لِزينبَ يومَ عادت لِطيبةَ ابدتِ الصوتَ الحزينا

(مدينةَ جدِّنا لا تقبلينا فبالحسرات والأحزان جينا)

(خرجنا عنك بالاهلينِ جمعاً رجعنا لا رجال ولا بنينا)

وزين العابدينَ يقولُ للنا عِي انعَ السِّبطَ فَخرَ العالَمينا

فنفَّذَ أمرهُ فأتته ثكلاً تَبَيَّنَ أنَّها أمُّ البنينا(1)

للخطيب والأديب الشيخ محمد محسن الفاضلي‌النجفي حفظه اللّه تعالى.


1) (1)

قال اللّه الحكيم في محكم كتابه الكريم:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

«وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ»1 .

(صدق اللّه العلي العظيم)

وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «لو لم يبقى من الدنيا (الدهر) إلّايوم واحد لطوّل اللّه (عزّ وجل) ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلاً من أمتي ومن أهل بيتي يواطي إسمه إسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».

رأينا من المناسب أن نجعل مسك الختام لمجالس أُم البنين عليها السلام، الحديث عن خاتم الأوصياء المعصومين المهديين الإمام الثاني عشر الذي بشّر به رسول اللّه صلى الله عليه و آله وكل الأئمة الأطهار عليهم السلام، وعن أُمه الزهراء فاطمة عليها السلام بخطبتها الخالدة في المجلس الثاني عشر.

ونرجوا بذلك أن ننعم بنفحاتها الطاهرة ودعواتها العاطرة وأن نكون لهم جنوداً أوفياء بالأخص عند ظهور الإمام الحجة عليه السلام المبارك ان شاء اللّه تعالى، فنقول:

الحديث حول مسألة وموضوع الإمام المهدي عجل اللّه تعالى فرجه الشريف

هو حديث عن مسألة عقائديّة مهمّة ولذيذة في نفس الوقت، امّا كون مسألة الحديث حول الإمام عقائدية مهمّة فبإعتبار إنّها ترتبط بالإمامة وبالموجود الكامل لهذه الحياة لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها.

وفي حديث آخر: «بيُمنه رزق الورى وبوجوده ثبتت الأرض والسماء»، لأنّه ربّما يسئل: هل أنّ اللّه تعالى ترك البشريّة طيلة هذه الاماد الطويلة دون قائد وإمام؟ وهل أنّه أغفل البشريّة في هذه الأزمنة منذ الأئمة المعصومين إلى هذا اليوم؟

وثانياً هل انّ إختيار الإمام يرجع إلى البشر أو إلى اللّه تعالى؟ لأنّه من المتّفق عليه أن مسألة القانون الصّالح يجب أن تُحل عن طريق السّماء فإنّ الإنسان لا يتمكّن أن يشرع ويبتدع القانون الصالح لنفسه من دون أن يرجع إلى السماء وإلى اللّه تعالى.

وعليه تكون مسألة الحاكم والقائد الذي ينفذ قانون اللّه تعالى في الحياة لابدّ أيضاً أن يكون وأن يعيّن من قبل اللّه ومن السماء لا من النّاس، إذن مسألة الإمام المهدي عجل اللّه تعالى فرجه الشريف مسألة ترتبط بالإمامة من جهة، ولهذا في مهمّة.

الإمام المهدي عليه السلام والمستقبل السّعيد

ذكرنا مسألة الحديث عن حكومة الإمام المهدي عليه السلام من جهة أنها لذيذة، وذلك باعتبار أنها تتحدّث عن المستقبل المشرق والغد

السعيد للبشريّة، وأيّ منّا لا يحب أن يسمع عن غدة المشرق وعن مستقبله السّعيد.

ولذلك ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله رواية يرويها إبن حجز في الصّواعق المحرقة ومسند أحمد (ج 3، ص 37) عن سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

«ابشركم بالمهدي [وفي مصدر آخر اوله ابشروا بالمهدي رجل من قريش من عترتي](1)

منتخب كنز العمال: 29/6.

يبعث في امتي على اختلاف من الناس وزلزال فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحا».

فقال له رجل: ما صحاحا، فقال صلى الله عليه و آله: بالسّوية بين الناس، قال: ويملأ اللّه قلوب امة محمد صلى الله عليه و آله غنى ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً فينادي.

فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلّارجل فيقول ائتِ السدّان يعني الخازن لبيت مال المسلمين فقل له انّ المهدي يأمر:

ان تعطيني مالاً فيأتيه فيقول له: السادن إحث من المال حتى إذا جعله في حجره وابرزه ندم.

فيقول: كنت اشجع امة محمّد نفساً او عجز عني ما وسعهم قال:

فيردّه فلا يقبل منه. فيقال له: انا لا نأخذ شيئاً اعطيناه فيكون كذلك


1) (1)

سبع سنين او ثمان سنين او تسع ثم لا خير في العيش بعده». فالإنسان الذي يسمع هذه الأوصاف يهيم شوقاً للتطلع والبحث عن هذا الغد المشرق السّعيد واللذيذ.

ضرورة الإعتقاد بالمهدي عليه السلام

ان الإعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام يعتبر ضرورة عمليّة، لأن الإيمان بيوم مرتقب للدين يشكل ضرورة عقلائية عند الإنسان المتديّن، لأن أنبياء اللّه جاؤوا ودعوا إلى عبادة اللّه ودعوا إلى إقامة العدل الاجتماعي، لأن اللّه خلق الكون كلّه والبشر للعبادة، قال تعالى:«وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ»1 .

فكلّ الجهود التي بذلها الأنبياء، بل كلّ قوافل الشهداء وكلّ الدماء الّتي سفكت كانت في سبيل هدف واحد وهو أن يكون الإنسان صالحاً يعبد اللّه تعالى، ولذلك نجد أنّ ما حقّقه الأنبياء في الحياة لا يتناسب مع درجة الجهد التي بذلوها في هذا السّبيل، فكم من شهداء ذهبوا؟ كم من دماء اريقت، كم تحمّل الأنبياء من المصائب؟ ولكن ما تحقّق الشيء المطلوب كما يريده اللّه تعالى والأنبياء.

وعلى ذلك فالعقل يحكم في إطار الدين أنه لابدّ من يوم مرتقب

تتحقّق فيه حكمة اللّه تعالى من إرسال أنبيائه وإلّا إستلزم إرسال الأنبياء لغواً وخلق البشر عبثاً، فلابدّ من يوم تكلّل فيه جهود كلّ الأنبياء وعباد اللّه الصالحين وكلّ الّذين جاهدوا في سبيل اللّه لابد أن تُكلّل بالنصر والظفر، وإلّا فنصرة موقّتة للدين في بقعة من البقاع، هذا لا يشكل هدفاً لكلّ تلك الجهود الضّخمة.

فلابدّ من يوم ينتصر فيه الدّين، القرآن الكريم يدعم هذه الحقيقة العقلائية، قال تعالى:«وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ»1 ، وقال تعالى:«كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي»2 ،«وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»3 ، وقال تعالى:

«وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ»4 ، وقال تعالى:«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»5 .

فإنّ الآية تبشّر بأنّ الإسلام سوف يظهر على بقيّة الأديان والمذاهب والعقائد ومعنى الظهور باللّغة هو: الغلبة والإنتصار، البعض يحاول أن

يؤوّل الآية يقول: الظّهور هنا يعني الحجة والدليل، ولكن هذا خلاف انصراف الآية لأنه في آية أخرى يقول اللّه تعالى:«إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ»1 ، ومعنى «يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ»

يعني أن ينتصروا عليكم، فالظهور بمعنى الإنتصار المادي، لا بمعنى الإنتصار في الحجة والدّليل.

ثمّ انّ الآية بشّرت بأنّ الإسلام سينتصر في المستقبل على كافة العقائد والأديان لأنّ هذا الظهور والإنتصار على كل المذاهب لم يتحقّق لا على يد النّبي ولا بعد النّبي، لأن الظروف ما ساعدته على ذلك.

وعليه فلابدّ لهذا الوعد الإلهي من اللّه أن يتحقّق في المستقبل وترتفع راية الإسلام وشهادة أن لا إله إلّااللّه ومحمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله في كل مكان في العالم إن شاء اللّه تعالى.

هذا هو الوعد القرآني حيث قال:«لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» .

وهناك روايات ونصوص بلغت حدّ التواتر، تقول بأ، هناك رجلاً من أولاد علي وفاطمة عليهما السلام ومن ولد الحسين عليه السلام بالذات، إسمه محمّد المهدي عليه السلام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، فالبشارة القرآنية للإنتصار بالإسلام لا يتحقّق إلّاعلى يد المهدي عليه السلام.

حكومة المستضعفين العالمية

إن الآيات المتقدمة على آية «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ» لا تتحدث عن فترة خاصة أو معينة، ولا تختص ببني إسرائيل فحسب، بل توضح قانوناً كلياً لجميع العصور والقرون ولجميع الأمم والأقوام، فإن آية:«وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» .

فهي بشارةٌ في صدد انتصار الحق على الباطل والإيمان على الكفر.

وهي بشارةٌ لجميع الأحرار الذين يريدون العدالة وحكومة العدل وانطواء بساط الظلم والجور.

وحكومة بني إسرائيل وزوال حكومة الفراعنة ما هي إلّانموذج لتحقق هذه المشيئة الإلهية والمثل الأكمل هو حكومة نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله وأصحابه بعد ظهور الإسلام... حكومة الحفاة العفاة والمؤمنين المظلومين الذين كانوا موضع تحقير فراعنة زمانهم واستهزائهم ويرزخون تحت تأثير الضغوط «الظالمة» لأئمّة الكفر والشرك.

وكانت العاقبة أن اللّه فتح على أيدي هؤلاء المستضعفين أبواب قصور الأكاسرة والقياصرة، وأنزل أولئك من أسرّة الحكم القدرة وأرغم أنوفهم بالتراب.

والمثل الأكبر والأوسع هو ظهور حكومة الحق والعدالة على جميع وجه البسيطة - والكرة الأرضية - على يد «المهديّ» أرواحنا له الفداء.

فهذه الآيات هي من جملة الآيات التي تبشّر ج‌بجلاء بظهور مثل هذه الحكومة، ونقرأ عن أهل البيت عليهم السلام في تفسير هذه الآية أ نّها إشارة إلى هذا الظهور العظيم.

فقد ورد في نهج البلاغة عن علي عليه السلام قوله: «لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها، وتلا عقيب ذلك: «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ»(1)

نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 209.

.

وفي حديث آخر نقرأ عنه عليه السلام في تفسير الآية المتقدمة قوله: «هم آل محمّد صلى الله عليه و آله يبعث اللّه مهديّهم بعد جهدهم فيعزّهم ويذل عدوّهم».

ونقرأ في حديث آخر عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام قوله: «والذي بعث محمّداً بالحقّ بشيراً ونذيراً، إنّ الأبرياء منّا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإن عدونا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه» (أي سننتصر أخيراً وينهزم أعداؤنا وتعود حكومة العدل الحق لنا).

ومن الطبيعي أن حكومة المهدي عليه السلام العالميّة في آخر الأمر لا تمنع من وجود حكومات إسلامية في معايير محدودة قبلها من قبل المستضعفين ضد المستكبرين، ومتى ما تمّت الظروف والشروط لمثل هذه الحكومات الإسلامية فإنّ وعد اللّه المحتوم والمشيئة الإلهية سيتحققان في شأنها، ولابدّ أن يكون النصر حليفها بإذن اللّه.


1) (1)

فارق اعتقاد أهل العامة مع الشيعة في المهدي عليه السلام

بقيت هناك مسألة أخرى وهي: هناك فرق بين العامّة والشيعة في مسألة الإمام عليه السلام فإنّ العامّة يقولون: إنّ الإمام ليس موجوداً الآن وإنّما يظهر يوجد في المستقبل، بينما الشّيعة تعتقد بأنّ الإمام المهدي عليه السلام مولود سنة (255 هجري)، وهو الآن موجود يعيش بين ظهراننا لكنّه غائب عن أعيننا لحكمة ومصلحة من اللّه تعالى ولقصور عقولنا عن ادراكها وكما قال الشاعر:

العلم للرحمن جل جلاله وسواه في جهلاته يتغمغم

ما للتراب والعلوم وانما يسعى ليعلم انه لا يعلم


روي عن الإمام الصادق عليه السلام كما في اكمال الدين وفي علل الشرايع عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، قال سمعت الصادق عليه السلام يقول:

«إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدّ منها، يرتاب فيها كل مبطل فقلت:

ولِمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟

قال: وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج اللّه تعالى ذكره، انّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّابعد ظهوره، كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر من خرق السّفينة وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلّاوقت افتراقهما، يا ابن الفضل إنّ هذا الأمر من

أمر اللّه تعالى، وسرّ من سرّ اللّه، وغيب من غيب اللّه ومتى علمنا أنّه عزّ وجل حكيم صدّقنا بأنّ افعاله وأقواله كلها حكمة وإن كان وجهه غير منكشف لنا».

وقال الصادق عليه السلام: «يا ابن آدم لو أكل قلبك طائر لم يشبعه وبصرك لو وضع ليه خرت ابرة لغطاه تريد أن تعرف بها ملكوت السماوات والأرض»(1)

منتخب الأثر: 330.

.

وأمّا الدليل على ذلك هناك مجموعة من الأدلّة على ذلك منها قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله في حديث الثقلين: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض»(2).

وهذا الحديث متواتر بين المسلمين، ومعناه أنّ النبي صلى الله عليه و آله يقول: «انّ القرآن مع أحد من العترة موجودان إلى يوم القيامة لا يفترقان، وعليه لابدّ أن نعتقد بوجود المهدي عليه السلام حتّى يكون قريناً مع القرآن وإلّا لزم الإفتراق بينهما وهذا خلاف قول النبي صلى الله عليه و آله بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».


1) (1)

2) (2) اخرجه الحاكم في 148 من الجزء الثالث من المستدرك ثم قال: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه». وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفاً بصحته على شرط الشيخين وهناك مصادر أُخر على اختلاف المستدرك معترفاً بصحته على شرط الشيخين وهناك مصادر أُخر على اختلاف ألفاظ الحديث، راجع المراجعات: 19.

والدّليل الثاني على ذلك هو قول النبي صلى الله عليه و آله في حديث متواتر بين المسلمين: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(1)

عن الحميدي انه اخرج في الجمع بين الصحيحين وعن الحاكم أخرجه عن ابن عمر.

، فإنّ هذا الحديث يدلّ بأن لكلّ زمان إمام معيّن من قبل اللّه تعالى وأنّه قد بلغ إلى درجة من العرفان والإتصال مع اللّه تعالى بحيث أنّ الذي لم يعرفه يموت على الجاهليّة، وهذا لا يتحقّق إلّابوجود الإمام المهدي عليه السلام وأنّه حيّ يرزق.

والدّليل الثالث هو النّصوص المتواترة في صحيح مسلم وصحيح البخاري على ذلك منها:

صحيح مسلم - كتاب الأمارة في الباب المذكور - عن جابر ابن سمرّة قال: سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول: «لا يزال امر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً ثم تكلّم النبي صلى الله عليه و آله بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي ماذا قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ فقال: كلهم من قريش».

في مسند أحمد عن مسروق (ج 1، ص 398) قال: كنّا جلوساً عند ابن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن: هل سألتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله كم يملك هذا الأمة من خليفة، فقال ابن مسعود، ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم ولقد سألنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال: إثني عشر كعدد نقباء بني إسرائيل.


1) (1)

فهذه الأحاديث كلّها لا تنطبق إلّاعلى مذهب الشّيعة الإمامية الاثني عشرية فقط، لأنّه لا يوجد مذهب يعتقد باثني عشر خليفة غير الشيعة وان وجود الأئمة مستمر إلى آخر الدهر.

نعم السّيوطي أراد أن يثبت اثنا عشر خليفة غير أئمة الهدى عليهم السلام فقال: نحن أيضاً نعتقد بإثني عشر خليفة ثم يعدّدهم ويقول: أربعة منهم هم الخلفاء الراشدون الأربعة، ثمّ الخامس معاوية، ثمّ يختار مجموعة من العباسيين فيصيروا عشرة، ثم يقول: وامّا الحادي عشر فهو المهدي المنتظر، وأمّا الثاني عشر فلا أكاد أعرفه(1)

الأُصول العامة (للسيّد محمد تقي الحكيم)، ومنتخب الأثر: 51.

.

فوقفت عنده سفينة المساكين بالنّسبة للثاني عشر في حين أنّ النبي يقول: إثنى عشر خليفة متوالين إلى يوم القيامة، فهذه الأحاديث لا تنطبق إلّاعلى مذهب الإمامية الإثنى عشرية وكلهم من قريش ومن عترته، إذن لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من الصحابة لقلتهم عن اثنى عشر ولا يمكن أن نحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على الاثنى عشر ولظلمهم الفاحش إلّاعمر ابن عبد العزيز ولكونهم غير بني هاشم لأنّ النبي صلى الله عليه و آله قال كلهم من بني هاشم ولا يمكن أن نحمله أيضاً على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور ولقلة رعايتهم هذه الآية:«قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى»


1) (1)

فلابد أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الإثنى عشر من أهل بيته وعترته صلى الله عليه و آله، وكفى بذلك فخراً وإعجازاً لرسول اللّه صلى الله عليه و آله.

الدّليل الرابع هو إجماع الشيعة وبالإضافة إلى ذلك ذكر شيخ لطف اللّه الصّافي في كتابه منتخب الأثر ذكر سبعين عالماً من علماء السنّة كلّهم يعترفون بأنّ الأئمة الإثنى عشر من بعد النّبي، أوّلهم علي بن أبي طالب عليه السلام وآخرهم محمّد المهدي عليه السلام.

والدّليل الخامس: الدليل العقلي وهو نحن نعتقد بأن المهدي عليه السلام حين يظهر يأتي بالإسلام الواقعي لا الظّاهري، فإذا لم يكن الإمام عليه السلام مرتبطاً بالمعصومين وبالنبي فكيف يأتي بالإسلام الواقعي.

فلابدّ للشخص الّذي يأتي بالإسلام الواقعي يجي أن يكون من سلسلة مرتبطة بالنّبي صلى الله عليه و آله فليس من الممكن أن يكون هذا الشخص منفصلاً عن هذه السلسلة وغير مولود.

قصة الرمانة

وأيضاً من الأدلة على وجوده عليه السلام ان كثيراً من الذين ساعدهم التوفيق ففازوا بهذا الشرف العظيم وهو التشرف بلقاء الإمام عليه السلام - ممن وصلتنا أخبارهم - فمنهم محمد بن عيسى الدمستاني كما ورد في البحار (ج 52) انه كانت بلاد البحرين - ولا تزال آهِلَة بشيعة أهل البيت عليهم السلام -،

وفي القرن السابع الهجري كان والي البحرين من النّواصب والأعداء الألدّاء للشيعة، وكان وزيره أخبث منه، وأكثر بغضاً للشّيعة.

وفي يوم من الأيّام جاء الوزير للوالي برمّانة مكتوب عليها: (لا إله إلّا اللّه، محمد رسول اللّه، أبوبكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء رسول اللّه)، فنظر الوالي إلى الرمانة، فظنّ أنّ تلك الخطوط كتبت بقلم القدرة، وليس من صنع البشر.

فقال الوزير: هذه آية بينة، وحجة قوية على إبطال مذهب الرّافضة، - يقصد الشيعة -.

فاقترح الوزير أن يجمع علماء الشّيعة وشخصيّاتهم، ويريهم الرمانة فإن تخلّوا عن مذهب التشيّع واعتنقوا مذهب أهل السنّة، تركهم بحالهم، وإن أبوا إلّاالتمسّك بمذهبهم، خيّرهم بين ثلاثة امور:

الأول: أن يدفعوا الجزية، كما يدفعها غير المسلمين من اليهود والنصارى والمجوس.

الثاني: أن يأتوا بجواب لردّ وتفنيد الكتابة الموجودة على الرمانة.

الثالث: أن يقتل الوالي رجالهم، ويسبي نساءهم وأولادهم، ويأخذ أموالهم بالغنيمة؟

فأرسل الوالي إلى شخصيّات الشيعة وأحضرهم، وأراهم الرّمانة، وخيّرهم بين الأمور الثلاثة المذكورة، فطلبوا منه المهلة ثلاثة أيام.

فاجتمع رجالات الشّيعة وأهل الحلّ والعقد، يتذاكران فيما بينهم حول كيفيّة التخلّص من هذه المشكلة، وبعد مذاكرات طويلة اختاروا من صلحائهم عشرة رجلا، واختاروا من العشرة ثلاثة، وتقرّر أن يخرج في كلّ ليلة واحد من الثلاثة إلى الصّحراء ويستغيث بالإمام المهدي عليه السلام للتخلص من هذه المحنة.

فخرج أحدهم في اللّيلة الأولى، فلم يتشرف بلقاء الإمام ولم تنحل المشكلة، وهكذا حدث للثاني أيضاً، وفي اللّيلة الثالثة خرج الشيخ محمد بن عيسى الدمستاني(1)

دمستان: قرية في البحرين.

- وكان فاضلاً تقيّاً - فخرج إلى الصحراء حافياً حاسراً الرأس، وقضى ساعات من اللّيل بالبكاء والتوسل والإستغاثة بالإمام المهدي عليه السلام.

لكي ينقذهم من هذه الورطة والبلاء وفي السّاعات الأخيرة من اللّيل، حضر الإمام المهدي عليه السلام وخاطبه: يا محمّد بن عيسى مالي أراك على هذه الحالة؟ ولماذا خرجت إلى هذه البريّة(2)؟ فامتنع الرجل أن يذكر حاجته إلّاللإمام المهدي عليه السلام.

فقال له الإمام: أنا صاحب الأمر فاذكر حاجتك.

قال محمّد بن عيسى: إن كنت صاحب الأمر فأنت تعلم قصّتي، ولا حاجة إلى البيان والشّرح.


1) (1)

2) (2) البريّة: الصحراء.

فقال له الإمام: نعم، خرجت لما دَهَمكم من امر الرّمانة، وما كُتِبَ عليها.

فلمّا سمع محمّد بن عيسى ذلك! أقبل إلى الإمام وقع عل قدم الإمام ويده وهو يقبلهما، وقال: نعم يا مولاي، تعلم ما اصابنا، وأنت إمامنا وملاذنا، والقادر على كشفه عنّا.

فقال الإمام: إنّ الوزير - لعنه اللّه - في داره شجرة رمّان، فلمّا حملت تلك الشّجرة، صنع الوزير شيئاً (أي: قالباً) من الطين على شكل الرّمانة، وجعله نصفين، ونحت في داخله تلك الكلمات المذكورة، ثمّ جعل رمّانة من الشجرة في ذلك القالب، وشدّ القالب على الرّمانة، فلما نبتت الرّمانة وكبرت، دخل قشرها في تلك الكتابة المنحوتة.

فإذا مضيتم غداً إلى الوالي فقل له: جئتك بالجواب، ولكنّني لا ابديه إلّا في دار الوزير، فإذا مضيتم إلى داره، فانظر عم يمينك ترى غرفة، فقل للوالي: لا أجيبك إلّافي تلك الغرفة، وسيمتنع الوزير عن ذلك، ولكن عليك بالإلحاح، وحاول أن لا يدخل الوزير تلك الغرفة قبلك، بل ادخل معه.

فإذا دخلت الغرفة رأيت كوّة(1)

الكوّة: ثقب في الحاطة توضع فيها الأشياء، وربّما نفذ الهوا والضوء.

فيها كيس أبيض، فانهض إليه وخذه فترى فيه تلك الطّينة (القالب) الّتي عملها لهذه الحيلة، ثمّ ضعها أمام الوزير، ثمّ ضع الرّمانة فيها حتى ينكشف أنّ الرمّانة على حجم القالب.

1) (1)

ثمّ قال الإمام المهدي عليه السلام يا محمد بن عيسى: قل للوالي: إنّ لنا معجزة أخرى، وهي أنّ هذه الرمانة ليس فيها إلّاالرماد والدخان(1)

وذلك لعدم وصول الهواء وأشعة الشمس إليها، بسبب كونها في القلب.

فإن أردت صحة هذا الخبر فأمُر الوزير بكسرها، فإذا كسرها طار الرماد والدخان على وجهه ولحيته!

إنتهى اللقاء وغاب الإمام عليه السلام عنه، ورجع محمد بن عيسى وقد غمره الفرح والسّرور، وانصرف إلى الشيعة يبشّرهم بحلّ المشكلة.

وأصبح الصباح ومضوا إلى الوالي، ونفّذ محمّد بن عيسى كلّ ما أمره الإمام عليه السلام فسأله الوالي: من أخبرك بهذا؟

قال: إمام زماننا، وحجة اللّه علينا.

فقال: ومن إمامكم؟

فأخبره بالأئمة الاثنى عشر واحداً بعد واحد، حتّى انتهى إلى الإمام المهدي صاحب الزّمان عليه السلام.

فقال الوالي: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلّااللّه، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الخليفة بعده بلا فصل: أمير المؤمنين علي عليه السلام ثمّ أقرّ بالأئمة الطاهرين عليهم السلام وأمر بقتل الوزير، واعتذر إلى أهل البحرين(2).


1) (1)

2) (2) بحار الأنوار (للشيخ المجلسي): 178/52-180، والإمام المهدي عليه السلام من المهد إلى الظهور (لآية اللّه السيّد كاظم القزويني قدس سره): 305-309.

أيّها القارئ الكريم: هذه القصّة مشهورة عند المؤمنين وخاصّة عند أهل البحرين، وقبرُ محمّد بن عيسى في البحرين معروف يزوره الناس.

وإلى هنا نختم البحث عنه عليه السلام لأن الكلام عن الإمام المهدي عليه السلام لا يتمّ في مجلس ولا أكثر. فعلى كل حال ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام انّ من صفاته عليه السلام: «انّه قوم القائم وليس لأحد في عنقه عهد ولا ميثاق ولا بيعة»(1)

اثبات الهداة: 446/3.

، يعني ما بايع ظالماً ولم يبايع ظالم، فهذه الصّفة تشبه صفة جده أبي عبداللّه الحسين عليه السلام لأنّ الحسين عليه السلام هو الآخر لم يبايع ظالم كما قال لمحمّد بن الحنفيّة، واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية.

الإمام الحجة عليه السلام يحامي عن زوار الحسين عليه السلام

وهذه قِصَّة أخرى لآية اللّه السيِّد القزويني، يَذكُرها الشيخ النوري عن نجل السيِّد أنَّه سمع أباه يقول:

خرجتُ يوم الرابع عشر مِن شهر شعبان، مِن مدينة الحلَّة قاصِداً كربلاء لزيارة الإمام الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان(2)فلما وصلتُ


1) (1)

2) (2) زيارة الإمام الحسين عليه السلام من المستحبّات الشرعيّة المؤكّدة، وقد وردت في فضلها وثوابهاأحاديث كثيرة، وهي مستحبّة في كلِّ الأيام والساعات، إلّاأنّ الإستحباب يتأكد والثواب يتضاعف في بعض المناسبات، كيوم عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، وليالي القدر، وليالي الجمعة وغيرها.

إلى نهر الهندية (أي: طُويريج) وجدتُ الزوّار مُتجمهرين هناك، وقد وَصَلَهُم الخبر أنَّ عشيرة عُنيزة (عشيرة بَدَويّة) قد نزلت على طريق كربلاء لِسَلب الزُوّار ونَهب أموالهمّ!

فبينما الناس حيارى، وقد أمطَرَت السماء، توسَّلتُ إلى اللّه تعالى بالنبي وآله الأطهار، لإغاثة الزوّار ونجاتهم، فبينما أنا كذلك، وإذا بفارِس بيده رُمح طويل، وقف عندي وسلَّم، فردَدنا عليه السلام، فسمّاني باسمي وقال: ليأتِ الزُوّار، فإنَّ عشيرة عُنَيزة، قد رَحَلوا عن الطريق، وصار الطريق مأموناً.

فخرجتُ مع الزُوّار وهو يُرافقنا في الطريق ويمشي أمَنا، وكأنَّه الأسَد. وفي أثناء الطريق غاب عنّا فجأة وَبَغتةً، فقلت لمن معي: أبَقيَ شَك في أنّه صاحب الزمان؟! فقالوا: لا واللّه.

يقول السيِّد: إنَّني كنت أطيل النَظَر إليه، كأنِّي رأيتُه قبل هذا، فلما غاب عنّا تذكّرت أنَّه هو الشخص الذي زارَني في الحِلَّة.

أمّا عشيرة عُنَيزة فلم نَر أحداً منهم، ورأينا غُبرة شديدة مرتفعةٌ في البَر، فوصَلنا كربلاء خلال ساعة - وكانت المسافة ثلاث ساعات - فوجدنا الحُرّاس على باب البَلَد، فسألونا: مِن أين جئتم؟ وكيف وَصلتم؟ وأين صارت عشيرة عنيزة؟!

فقال أحدُ الفلاّحين - المتواجدين هناك -: بينما عشيرة عنيزة جلوس في

خيامهم، وإذا بفارس بيده رمح طويل، فصاح في عشيرة عنيزة وأنذَرهم بالدمار والهلاك، فألقى اللّه الخوف في قلوبهم، وتركوا المنطقة فوراً.

يقول السيِّد: فسألت ذلك الفَلاّحِ عن وَصف ذلك الفارس؟ فَوصَفَه لي، فإذا هو نفسُه الذي رأيتُه عند نهر الهنديَّة(1)

الإمام المهدي عليه السلام من المهد إلى الظهور (للسيّد كاظم القزويني): 325-327 عن جنّة المأوى (للشيخ النوري)، الحكاية السادسة والأربعون.

.

الإمام الحجة ومصائب كربلاء

رأى أحد المؤمنين الإمام المنتظر عليه السلام في الرؤيا فسأله عن قوله في زيارة الناحية: «فلئن أخرتني الدهور وعاقني عن نصرك المقدور، ولم أكن لمن حاربك محارباً، ولمن نصب لك العداوة منصباً فلأندبنك صباحاً ومساءاً ولأبكين لك بدل الدموع دما».

قال سيدي تبكي على أي مصيبة؟ على مصيبة الحسين عليه السلام؟

قال: «لو كان الحسين حاضراً لبكى»، سيدي أتبكي على مصيبة أبي الفضل العباس لأنه قطيع اليدين؟».

قال: «كلا، لو كان العباس حاضراً لبكى»، قال: سيدي أتبكي على مصيبة علي الأكبر؟

قال: «كلا، لو كان علي الأكبر حاضراً لبكى»، سيدي أتبكي على مصيبة القاسم؟


1) (1)

قال: «كلا، لو كان القاسم حاضراً لبكى»، إذن سيدي لأي‌مصيبة تبكي دما؟

قال: «أبكي لسبي عمتي زينب عليها السلام»(1)

زيارة الناحية ومجمع المصائب: 24.

.

راعي الثار ما يظهر علامه ينشر لليتانونه علامه

نسه بمتون عماته علامه ابضرب اسياط زجر وجور اميه

وغدت أسيرة خدرها ابنة فاطم لم تقلق غير أسيرها مصفودا

تخفي الشجا جلداً فان غلب الأسى ضعفت فابدت شجوها المكمودا

نادت فقطعت القلوب لشجوها لكنما انتظم البيان فريدا

انسان عيني يا حسين أخيّ يا املي وعقد جماني المنضودا

مالي دعوتك لا تجيب ولم تكن عوّدتني من قبل ذلك صدودا


أقول: سيدي يا حجة بن الحسن كأنك أيضاً تسمع نداء عمتك زينب فمتي النهوض وتأخذ ثارها وثأر جدك الحسين عليه السلام:

ماذا يُهيجك ان صبر ت لوقعة الطف الفضيعه

اترى تجيء فجيعة بامضّ من تلك الفجيعه

حيث الحسين على الثرى خيل العدى طحنت ضلوعه

ورضيعه بدم الوري د مخضّب فاطلب رضيعه



1) (1)

المجلس الثاني عشر: مسك الختام حول موضوع أرض فدك

اشارة

وأتت فاطم تطالب بالإر ثِ من المصطفى فما ورّثاها

//ليت شعري لِمَ خولفت سنن القرآن فيها واللّه قد أبداها

نُسخت آية المواريث فيها أم هُما بعدَ فرضِها بدّلاها

أم ترى آية المودة لم تأْ تِ بوُدّ الزهراء في قرباها

سل بإبطال قولهم سورة النم ل وسَل مريم التي قبل طاها

فهُما ينبئان عن إرث يحيى وسليمان من أراد انتباها

فدعت واشتكت إلى اللّه من ذا ك وفاضت بدمعها مُقلتاها

جَرّعاها من بعد والدِها الغي ظَ مراراً فبئسَ ما جرّعاها

بنت مَن أُمّ مَن حليلة مَن ويل لمن سنّ ظلمها وأذاها

شيّعت نعشها ملائكةُ الرحمن رفقاً بها وما شيّعاها

كان زُهداً في أجرِها أم عِناداً لأبيها النبيِّ فلَم يتبعاها

أم لأنَّ البتولَ أوصَت بِأن لا يَشهدا دفنها فما شهداها(1)

القصيدة لأحد أشراف مكة: قتادة بن إدريس بن مطاعن الحَسني.


آمر على عبده ضربني ومن ضربته للگاع ذبني

لا انكسر گلبه ولا رحمني ومن الناس ماواحد حشمني



1) (1)

قال أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه الذي كتبه إلى عثمانَ بن حنيف الأنصاري عامِلِه على البصرة متعرضاً فيها إلى مسألة فدك:

«... بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكُ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قُوْم آخَرِينَ. وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لأضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أُرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الأكْبَرِ»(1)

نهج البلاغة (للشيخ محمد عبده): 70/3.

.

ومسك الختام لمجالس أُم البنين عليها السلام بذكر الزهراء عليها السلام وخطبتها (خطبة فدك) الخالدة فنقول:

في هذه الرسالة المفصلة إلى عثمان بن حُنيف يتطرّق الإمام عليه السلام إلى مواضيع مختلِفةٍ، منها أنه يُعاتب عثمان بن حنيف على مشاركته في مائدة دسمة دُعي إليها الأغنياء ومُنع عنها الفقراء، كما أشار عليه السلام إلى ذلك بقوله:

«وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّك تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ».

فالإمام عليه السلام يؤنّبه على تلبيته لتلك الدعوة، وذلك لأنه سفير الإمام عليه السلام، وممثله وواليه وعليه أن ينتهج سيرة الإمام عليه السلام.


1) (1)

ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى مسألة أرض فدك بقوله: «بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَك...».

وحديثنا في هذا المجلس حول فدك وما يتعلق بها.

ما هي أرض فدك؟

عندما نراجع التاريخ نجد أن فدك كانت قرية زراعية تقع خارج المدينة.

وفي المصباح: فدك بلدة بينها وبين مدينة النبي صلى الله عليه و آله يومان وبينها وبين خيبر دون مرحلة وهي مما افآء اللّه على رسوله صلى الله عليه و آله. وقد صالح اليهود عليها رسول اللّه صلى الله عليه و آله بغير قتال فهي ممّا يعبّر عنها القرآن الكريم:

«فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ»1 . فالأراضي التي لم يُوجب عليها بخيل ولا ركاب أي لم يقاتل عليها المسلمون، تكون ملكاً طلقاً لرسول اللّه صلى الله عليه و آله لا يشترك بها أحد من المسلمين.

وفي معجم البلدان للحموي: هي مما أفاء اللّه على رسوله صلى الله عليه و آله في سنة سبع صُلحاً وذلك أن النبي صلى الله عليه و آله لمّا نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلّا ثلاثة، واشتدّ بهم الحصار ارسلوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله يسألونه أن ينزلهم على الجلاء(1).

فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه و آله أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم،


1) (2) الخروج من مكانهم.

فأجابهم إلى ذلك فهو مما لم يوجف عليه بِخيل ولا ركاب فصارت خالصة لرسول اللّه صلى الله عليه و آله. فصارت فدك ملكاً طلقاً لرسول اللّه صلى الله عليه و آله.

نعم دخل الخوف والرعب في قلوب اليهود فجاؤوا وقدموا هذه الأرض هدية للنبي صلى الله عليه و آله، ولكن تعال وانظر اليوم إلى حال المسلمين حيث تركوا ما أمرهم النبي صلى الله عليه و آله من اتّباع أهل بيته واتّبعوا فلاناً وفلاناً نجد اليهود الذين خافوا من رسول اللّه آنذاك نجدهم اليوم يتلاعبون بمصير الأمة ويسفكون دماءهم ويبتزّون أموالهم وذخائرهم ولا يتوانون عن الكيد بمقدرات المسلمين وبدمائهم وأموالهم وكل شيء.

المسلمين الذين كانوا في عز وقوة وفي غرّة القافلة اليوم أصبحوا في ضعف وصاروا في ذيل القافلة والسبب هو عدم العمل بما أمرهم النبي صلى الله عليه و آله حيث قال لهم:

«إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهلَ بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تَضلوا بعدي أبدا». حيث أنهم تركوا أهل البيت ذلو.

فعلى أي حال كانت فدك من مصاديق هذه الآية الكريمة:«وَ ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ * ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ»1 .

أرض فدك ملك للزهراء عليها السلام

فانطلاقاً من الحكم الشرعي السماوي الذي مرّ أصبحت أرض فدك ملكاً للرسول ص ثم وردت الروايات فيما ترويه الشيعة والسنة من انه لما نزلت آية:«فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» دعى النبي صلى الله عليه و آله ابنته فاطمة ومنحها فدكاً نحلة يعني هِبة.

روي عن أبي سعيد الخدري وغيره انه لمّا نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه و آله اعطى فاطمة فدكاً وسلّمه إليها وهو المروي عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام وهو المشهور بين جميع علماء الشيعة. وقد ذكر علماء السنة ذلك بطرق متعددة منها:

عن كنز العمال عن سعيد الخُدري قال: لمّا نزلت «فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ»، قال النبي صلى الله عليه و آله: «يا فاطمة لك فدك».

قال: رواه الحاكم في تاريخه وفي تفسير الدر المنثور للسيوطي(1)

تفسير الدر المنثور: 177/4.

في تفسير الآية قال: اقطع رسول اللّه فاطمة فدكاً.

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج لمّا نزلت الآية، دعى النبي صلى الله عليه و آله فاطمة فأعطاها فدكاً(2).


1) (1)

2) (2) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد (للعلّامة المرحوم السيّد محمد كاظم القزويني قدس سره): 277 بتصرف.

ثم إن النبي صلى الله عليه و آله أشهد على ذلك علياً والحسن والحسين أم أيمن.

وممّا لاشك فيه أن السيّدة فاطمة عليها السلام ليست من طلّاب الدنيا ولكن المسألة ترمز إلى أمر مهم، بالإضافة إلى أنه لون من الجزاء الماديّ والمقابلة لمواقف أمها خديجة لما بذلته في سبيل الإسلام وفي سبيل الرسالة الإسلامية.

وقد روى العلامة المجلسي عن كتاب الخرائج:

لمّا دخل رسول اللّه صلى الله عليه و آله المدينة وبعد استيلائه على فدك دخل على فاطمة عليها السلام فقال: «يا بنية إن اللّه قد أفاء على أبيك بفدك، واختصّه بها فهي له خاصة دون المسلمين، افعل بها ما أشاء وإنه قد كان لأمّك خديجة على أبيك مهر، وان أباك قد جعلها لك بذلك وأنحلها لك ولولدك بعدك».

قال: فدعا بأديم ودعا بعلي بن أبي طالب فقال: «اكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول اللّه» فشهد على ذلك علي بن أبي طالب ومولىً لرسول اللّه وأم ايمن.

ففدك منذ ذلك اليوم أصبحت بيد فاطمة عليها السلام وكان عُمّالها يشتغلون في فدك وقد كان لها واردات كثيرة جداً والبعض يقدرها ب (24) ألف دينار، وفي رواية أخرى بسبعين ألف دينار، ولعلّ هذا الاختلاف في واردها بسبب اختلاف السنين(1)

فاطمة الزهراء من‌المهد إلى‌اللحد (للعلّامة المرحوم السيّد محمدكاظم القزويني قدس سره)، بتصرف.

، كانت الصدّيقة فاطمة عليها السلام تصرفها على الفقراء والمساكين ولا يبقى له شيء.

1) (1)

تاريخ أرض فدك

لقد ذكرنا آنفاً أنه في السنة السابعة صالح اليهود النبي صلى الله عليه و آله على أرض فدك، وبعد نزول الآية صارت ملكاً للزهراء عليها السلام واستمرَّ ذلك إلى وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فلما توفي النبي صلى الله عليه و آله تلاقفت الأيدي هذه الأرض الزراعية واستولى أبو بكر على منصّة الحكم وبعد عشرة أيام بعث إلى فدك من اخرج وكيل فاطمة وعُمّالها.

وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته إلى عثمان بن حنيف حيث يقول: «فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قُوْم آخَرِينَ وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ»، يعني أن بعض الحكام بخلو بفدك علينا وأخذوها وغصبوها عنّا.

واستمر التلاعب والتلاقف لانه بعد بعد مضي أبي بكر أرجعت ثم في حكومة عثمان غُصبت وأعطيت لمروان بن الحكم ووُزّعت على الأمويين وفي خلافة الإمام رجعت إلى أهل البيت.

وهكذا استمرَّ الأمويُّون في غصبها، إلى أن جاء دور عمر بن عبد العزيز فأرجعها إلى أهل البيت عليهم السلام ثم من بعده غصبوها، إلى أن وصل الدور إلى المأمون العباسي فأرجعها إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى الهاشميين، وإلى هذا أشار دعبل الخزاعي فقال:

أصبح وجه الزمان قد ضحِكا بردّ مأمونَ هاشماً فدكا


وبعد المأمون أيضاً سلبوا فدك، إلى أيام المتوكل العباسي فكانت فدك في زمانه صغيرة فيها نخيلات وكان العلويّون يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة جداً حتى ذُكر أن عدّة علويات لم يملكن سوى ثوب واحد وكنّ يتبادلن لأداء فريضة الصلاة.

وكان لبعض العلويين إشرافاً موقتاً على فدك يأخذ من ثمار هذه المزرعة من الرطب والتمر ويقدّمه كهدية للحجاج، والحجاج جزاءً على هذه الهدية كانوا يقدمون بعض الأموال وبعض الهدايا للعلويّين.

فعرف المتول العباسي أن العلويين يعيشون على فدك فأرسل رجلاً يدعى عبد اللّه بن البازيار وأمره بأن يقطع هذه النخيل، وقد نفذ ما أمر من قطعها، ويقال ان عبداللّه بن البازيار لمّا رجع إلى البصرة شُلّ ثم مات، عليه لعنة اللّه.

وآخر توثيق للتاريخ عن فدك وتاريخها هي زمن المتوكل العباسي.

مطالبة حقها من السلطة الغاصبة

ما هو موقف الزهراء عليها السلام قُبال حقها وهو الحق الشرعي بنصّ القرآن الكريم كما مر؟ وماذا عملت تجاه السلطات الغاصبة؟

فمع غض النظر عن دوافع القوم في غصبهم فدك وله بحث في محلّه، فإن الزهراء عليها السلام اكتسحت الميدان ونزلت إلى الساحة وطالبت بحقها لأنه

من الطبيعي لصاحب الحق الشرعي أن يطالب بحقه بأي طريق ممكن ومشروع، فأول خطوة خطتها في مطالبتها بفدك طالبت بها من باب النحلة.

قال الحلبي: ان فاطمة أتت أبابكر بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقالت:

«إن فدكاً نحلة أبي، أعطانيها حال حياته». وأنكر عليها أبوبكر وقال:

اريد بذلك شهوداً فشهد لها علي، فطلب شاهداً آخر فشهدت لها ام أيمن فقال لها: أبرجُل وامرأة تستحقّينها(1)

السيرة للحلبي: 39/3.

؟

وذكر الطبرسي في الاحتجاج: فجاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر ثم قالت: «لِمَ تمنعني ميراثي من أبي رسول اللّه؟ وأخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله بأمر اللّه تعالى؟».

فقال: هاتي على ذلك بشهود، فجاءت أم أيمن فقالت: لا أشهد يا أبابكر حتى أحتج عليك بما قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنشدك باللّه ألست تعلم أن رسول اللّه قال: أم أيمن أمرأة من أهل الجنة؟

فقال: بلى.

قالت: فاشهد أن اللّه - عزّ وجلّ - أوحى إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله:«فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» فجعل فدك لها طعمة بأمر اللّه تعالى.

فجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك، فكتب لها كتاباً ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟


1) (1)

فقال: إن فاطمة ادّعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي، فكتبته لها.

فأخذ عمر الكتاب من فاطمة، فتفل فيه فمزّقه، فخرجت فاطمة عليها السلام تبكي.

وفي سيرة الحلبي(1)

السيرة للحبي: 391/3.

أن عمر أخذ الكتاب فشقّه.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام ان السيّدة فاطمة عليها السلام جاءت إلى أبي بكر - بأمر من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - وقالت له: «ادّعيت مجلس أبي وانك خليفته، وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك واستوهبتها منك لوجب عليك ردّها عليّ».

فقال: صدقت.

ودعا بكتاب فكتب فيه بارجاع فدك، فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك؟

قالت: «كتاب كتب لي أبوبكر بردّ فدك».

فقال: هلمّيه إليّ.

فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله... ثم لطمها، ثم أخذ الكتاب فخرقه(2).

فقالت: «بقرتَ كتابي بَقر اللّه بطنك»(3).


1) (1)

2) (2) الاختصاص (للشيخ المفيد)، الشافي (للسيّد المرتضى): 236، تلخيص الشافي (للطوسي): 48، وذكر ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: 268/1، والذهبي في ميزان الاعتدال: 139/1: إن عمر رفس فاطمة....

3) (3) وفاة الصديقة الزهراء (للمقرّم): 78.

حوار بين الإمام علي وأبي بكر

نعود إلى ذكره الطبرسي قال: فلما كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار فقال: يا أبابكر لِمَ منعت فاطمة ميراثها من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقد ملكته في حياة رسول اللّه؟

فقال أبوبكر: هذا فيء للمسلمين، فإن أقامت شهوداً أن رسول اللّه جعله لها، وإلّا فلا حقّ لها فيه!

فقال علي عليه السلام:«ياأبابكرتحكم بيننا بخلاف حكم‌اللّه في‌المسلمين؟».

قال: لا.

قال عليه السلام: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه فادّعيت أنا فيه من تسأل البينة؟».

قال: إياك أسأل.

قال عليه السلام: «فما بال فاطمة سألته البيّنة على ما في يديها، وقد ملكته في حياة رسول اللّه وبعده، ولم تسأل المسلمين البيّنة على ما ادّعوها شهوداً كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟».

فسكت أبوبكر فقال: يا علي دعنا من كلامك، فانّا لا نقوى على حجتك، فان أتيت بشهود عدول، وإلّا فهي فيء للمسلمين، لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه!

فقال علي عليه السلام: «يا أبابكر تقرأ كتاب اللّه؟».

قال: نعم.

قال: «أخبرني عن قول اللّه - عزّ وجلّ -:«إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»1 ، فيمن نزلت؟ فينا أو في غيرنا؟».

قال: بل فيكم!

قال: «فلو أن شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله بفاحشة ما كنت صانعاً بها؟».

قال: كنت اقيم عليها الحد كما اقيم على نساء المسلمين!

قال علي عليه السلام: «كنت إذن عند اللّه من الكافرين».

قال: ولِمَ؟

قال: «لأنك رددت شهادة اللّه بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها».

كما رددت حكم اللّه وحكم رسوله أن جعل لها فدك وزعمت أنها فيء للمسلمين وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «البينة على المدعي، واليمين على مَن ادُّعي عليه أو على مَن أنكر».

قال: فدمدم الناس، وانكر بعضهم بعضاً وقالوا: صدق - واللّه - علي عليه السلام.

ثم ما معنى مطالبة البيّنة والشهود من الزهراء عليها السلام؟

ترى هل يستطيع مسلم على جه الأرض منذ أن جاء الإسلام وإلى اليوم أن ينسب الكذب إلى فاطمة الزهراء والعياذ باللّه؟! وهل يمكن أن تطالب ما ليس بحقها؟

هل يستطيع مسلم ويتجرأ بذلك في حين ان رسول اللّه قال:

«فاطمة عليها السلام يرضى اللّه لرضاها ويغضب لغضبها؟» فمن العبث أن يطالبوا الزهراء عليها السلام بالبينة، ولكن الذي بيده القوّة ظلماً يصنع ما يشاء.

ذكر ابن أبي الحديد في شرحه قال: سألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم، قلت:

فلم لم يدفع إليها أبوبكر فدكاً وهي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلَّة دعابته قال: لو أعطاها اليوم فدكاً، بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وادعت لزوجها الخِلافة وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الإعتذار، والموافقة بشيء، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدّعي، كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنة وشهود.

لما رأت الصِدّيقة فاطمة عليها السلام أن القوم أبطلوا شهودها الذي شهدوا لها بالنحلة ولم تنجح مساعيها سراً، سلكت طريقاً آخر للمطالبة بفدك، فجاءت تطالب بحقها علناً وعن طريق الإرث وهي تعلم ان السلطة لا تخضع للدليل الواضح والبرهان القاطع.

فإذا لم تكن فدك نحلة وكذبتم الدعوى، فإن هناك مسألة أخرى وهي أنكم تقولون أن فدك كانت بيد الرسول صلى الله عليه و آله والرسول ليس بدعاً عن بقية البشر، الرسول يورث اقاربه وأنا وريثة الرسول، أنا بنت النبي صلى الله عليه و آله فجاءت بشكل علني وخطبت تلك الخطبة الخالدة التي هزت عرش أبي بكر.

وإليك خطبتها في المسجد.

روى عبد اللّه بن الحسن بإسناده عن آباءه، أنه لما أجمع أبوبكر على منع فاطمة فدك، وبلغها ذلك. لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها(1)

كناية عن شدة التستر.

، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه صلى الله عليه و آله، حتى دخلت على أبي بكر، وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها مُلاءة(2).

فجلست ثم أنّت أنّة أجهش القوم بالبكاء فارتجّ المجلس ثم أمهلت هُنيَّئةً حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم. افتتحت الكلام بحمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسول اللّه.

ثمّ قالت: «الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ أولاها.


1) (1)

2) (2) نيطت: علّقت والملاءة: الإزار والثوب.

جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِدْراك أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلائقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها.

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّااللهُ وَحْدَهُ لا شَريك لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها.

الْمُمْتَنِعُ مِنَ الإَبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ‌الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ.

ابْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْ‌ءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلّاتَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ.

ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ، ذَيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِياشَةً‌(1)

حاش حياشة أي جمع وساق.

لَهُم إلى جَنَّتِهِ.

وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَاهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الأْهاويل مَصُونَةٌ، وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالى بِمآيِلِ الأُمُور، وَإحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً مِنه بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ.


1) (1)

ابْتَعَثَهُ اللهُ إتْماماً لأمْرِهِ، وَعَزيمَةً على إمْضاءِ حُكْمِهِ، وَإنْفاذاً لِمَقادِير حَتْمِهِ، فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها. عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً للّه مَعَ عِرْفانِها.

فَأَنارَ اللهُ بِأبِيْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ظُلَمَها، وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها، وَجَلّى عَنِ الأَبْصارِ غُمَمَها، وَقَامَ في النّاسِ بِالهِدايَةِ، وأنقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ، وهَداهُمْ إلى الدّينِ القَويمِ، وَدَعاهُمْ إلى الطَّريقِ (السراط) المُستَقيمِ.

ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ، ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ، فمُحَمَّدٍ عَنْ (من) تَعَبُ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ، قَدْ حُفَّ بالمَلائِكَةِ الأبْرارِ، وَرِضْوانِ الرَّبَّ الغَفارِ، ومُجاوَرَةِ المَلِك الجَبّارِ، صلّى اللّه على أبي نبيَّهِ، وأَمينِهِ، وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَصَفِيِّهِ، والسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَتهُ وَبَرَكاتُهُ.

ثُمَّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت:

أَنْتُمْ عِبادَ اللّه نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ، وَزَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ للهِ فِيكُمْ، عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ. كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِدٌ إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ إسْماعُهُ.

بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَة، فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْك، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ.

وَالْجِهادَ عِزٌ لِلإْسْلامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصاصَ حِصْناً لِلدِّماءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْك السِّرْقَةِ إيجاباً لِلْعِفَّةِ، وَحَرَّمَ اللّه الشِّرْك إخلاصاً لَهُ بالرُّبُوبِيَّةِ.

فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَ أطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه إنَّما يَخْشَى اللّه مِنْ عِبادِهِ العُلِماءُ.

ثُمَّ قالت:

أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدواً (بِدءَاً)، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً.

«لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم»(1)

سورة التوبة: 128.

.

فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ‌(2)، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إلَيْهِ صلى الله عليه و آله(3)، فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ، صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ‌(4)، آخِذاً بِأكْظامِهِمْ‌(5)، داعِياً إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ، يَكْسِرُ الأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهامَ‌(6).

حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، حَتّى تَفَرَّى(7)اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدّينِ، وَخَرِسَتْ شَقاشِقُ‌(8)الشَّياطينِ، وَطاحَ وَشيظُ‌(9)النِّفاقِ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشِّقاقِ، وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الإْخْلاصِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْبيضِ الْخِماصِ‌(10)، الَّذين أَذهَبَ


1) (1)

2) (2) تعزوه، تنسبوه.

3) (3) المعزي إليه: المنسوب إليه.

4) (4) الثبج - بفتح الثاء والباء -: الكاهل، ووسط الشيء.

5) (5) الكظم - بفتح الكاف والظاء -: الفم أو الحلق أو مخرج النفس.

6) (6) نكته على هامته: إذا ألقاه على رأسه.

7) (7) تفرّى: انشقّ.

8) (8) شقاشق - جمع شقشقة - وهي شيء يشبه الرثة يخرج من فم البعير إذا هاج.

9) (9) الوشيظ: الأتباع والخدم.

10) (10) الخماص - جمع خميص -: وهو الجائع.

اللّهُ عَنهُمُ الرِّجسَ وَطَهَّرهَهُم تَطهيراً.

وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ‌(1)

المذقة - بضم الميم - شرة من اللبن الممزوج بالماء.

، وَنُهْزَةَ الطّامِعِ‌(2)، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ‌(3)، وَمَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ‌(4)، وَتَقْتاتُونَ القِدّ والْوَرَقَ‌(5)، أذِلَّةً خاسِئِينَ، تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأنْقَذَكُمُ اللهُ تَعالى بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله، بَعْدَ اللّتَيّا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ‌(6)، وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ.

كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ، أوْ نَجَمَ‌(7)قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ‌(8)فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ‌(9)، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ.

مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ،


1) (1)

2) (2) النهزة - بضم النون -: الفرصة.

3) (3) قبسة العجلان: الشعة من النار التي يأخذها الرجل العاجل.

4) (4) الطرق - بفتح الطاء وسكون الراء -: الماء الذي خوضته الإبل، وبوّلت فيه.

5) (5) تقتاتون: تجعلون قوتكم. القد - بكسر القاف -: قطعة جلد غير مدبوغ، ويحتمل أن يكون‌بمعنى القديد وهو اللحم المجفف في الشمس.

6) (6) مني - فعل ماضي مجهول -: ابتلي. والبهم - على وزن الغرف - جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يهتدى من أين يؤتى.

7) (7) نجم - فعل ماضي -: طلع. وقرن الشيطان: اتباعه.

8) (8) فغر: فتح. فاغرة فاها: أي فاتحة فمها.

9) (9) ينكفئ: يرجع، يطأ: يدوس، صماخها: أُذنها. بأخمصه: بباطن قدمه.

سِيِّدَاً في أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً، مُجِدّاً كادِحاً لا تأخذه فِي اللّه لَومَةَ لاَئِم.

وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ(1)

الدوائر: العواقب المذمومة وحوادث الأيام.

، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ(2)، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ‌(3)، وَتَفِرُّونَ مِنَ القِتالِ.

فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسكَةُ (حَسِيكَةُ) النِّفاقِ، وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين فَخَطَرَ فِي عَرَصاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ، هاتفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ. ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكَمْ غِضاباً، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ ابِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمْ غَيْرَ مَشرَبِكُمْ.

هذا وَالْعَهْدُ قَريبٌ، وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَالْجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ، وَالرِّسُولُ لَمّا يُقْبَرْ، ابْتِداراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، ألا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَانَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطةٌ بِالْكافِرِينَ.

فَهَيْهاتَ مِنْكُمْ، وَكَيْفَ بِكُمْ، وَأَنَى تُؤْفَكُونَ؟ وَكِتابُ اللّه بَيْنَ


1) (1)

2) (2) تتوكفون: تتوقعون بلوغ الأخبار.

3) (3) تنكصون: ترجعون وتتأخرون. والنزال: القتال.

أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظاهِرَةٌ، وَأَحْكامُهُ زاهِرَةٌ، وَأَعْلامُهُ باهِرَةٌ، وَزَواجِرُهُ لائِحَةٌ، وَأوامِرُهُ واضِحَةٌ، قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أرَغَبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ، بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ.

ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا إلّارَيْثَ أنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها، وَيَسْلَسَ قِيادُها ثُمَّ أَخّذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها، وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهِتافِ الشَّيْطانِ الْغَوِيِّ، وَاطْفاءِ أنْوارِ الدِّينِ الْجَلِيِّ، وَاهْمادِ سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَسْواً فِي ارْتِغاءٍ، وَتَمْشُونَ لأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فِي الْخَمَرِ وَالْضَّراءِ، وَنَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حَزِّ الْمُدى، وَوَخْزِ السِّنانِ فِي الحَشى.

إلى أن وصلت إلى موضوع الإرث فقالت:

وَأَنْتُمْ تزْعُمُونَ أنَّ لا إرْثَ لِي مِن أبي «أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ».

أفَلا تَعْلَمُونَ بَلى تَجَلّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضّاحِيَةِ أنِّى ابْنَتُهُ.

أَيُهَا الْمُسْلِمونَ أاُغْلَبُ عَلى إرثي!

يَا ابْنَ أبي قُحافَةَ! أفي كِتابِ اللّهِ أنْ تَرِثَ أباك، وِلا أرِثَ أبي؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيّاً(1)

فريّا: أمراً عظيماً أو منكراً قبيحاً.

، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ

1) (1)

وَراءَ ظُهُورِكُمْ، إذْ يَقُولُ: «وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ»(1)

سورة النمل: 16.

.

وَقالَ - فيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ زَكَرِيّا - إذْ قالَ: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»(2).

وَقَالَ: «وَاُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّه»(3).

وَقَالَ: «يُوصِكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ»(4).

وَقَالَ: «إنْ تَرَك خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ واْلأَقْرَبِينَ بِالْمعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ»(5).

وزَعَمْتُمْ أَن لا حِظوَةَ لِي؟ وَلا إرْثَ مِنْ أبي، أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ مِنْها أبِي؟ أمْ تَقُولونَ: إنَّ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثَانِ؟ - يعني إذا كان الأب مسلماً والابن كافراً فالكافر لا يرث المسلم فالزهراء قالت له: - أوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟ أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمّي؟

• فهنا الزهراء عليها السلام هددتهم قائلة: - فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً‌(6)،

1) (1)

2) (2) سورة مريم: 5-6.

3) (3) سورة الأنفال: 75.

4) (4) سورة النساء: 11.

5) (5) سورة البقرة: 180.

6) (6) ناقة مخطومة ومرحولة، الخطام - بكسر الخاء -: الزمام ومرحولة من الرحل وهو للناقة‌كالسرج للفرس.

تَلْقاك يَوْمَ حَشْرِك، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ، وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَعِنْدَ السّاعَةِ ما تَخْسِرُونَ، وَلا يَنْفَعُكُمْ إذْ تَنْدَمُونَ، وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ».

ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت:

«يا مَعشَرَ الْفِتْيَةِ (النقيبة)، وَأَعْضاءِ الْمِلَّةِ، وَحَضَنَةَ الإِسْلامِ‌(1)

حضنة: جمع حاضن بمعنى الحافظ.

، ما هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي، أما كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و آله أبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ سَرْعانَ ما أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذا إهالَةً، وَلَكُمْ طاقَةٌ بِما احاوِلُ وَقُوَّةٌ عَلى ما أَطْلُبُ وَاُزاوِلُ.

أَتَقُولُونَ ماتَ مُحَمَّدٌ، فَخَطْبٌ جَليلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْنُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَأَظْلَمَتِ الأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَكُسِفَتِ الشَّمس والقَمَر وانتَثَرت النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَأَكْدَتِ الآمالُ، وَخَشَعَتِ الْجِبالُ، وَاُضيعَ الْحَرِيمُ، وَاُزيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَماتِهِ.

فَتِلْك وَاللهِ النّازلَةُ الْكُبْرى، وَالْمُصيبَةُ الْعُظْمى، لا مِثْلُها نازِلَةٌ وَلا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ أعْلَنَ بِها كِتابُ اللهِ جَلَّ ثَناؤُهُ فِي أَفْنِيَتِكُمْ، وَفِي مُمْساكُمْ وَمُصْبَحِكَمْ هِتافاً وَصُراخاً وَتِلاوَةً وَألحاناً، وَلَقَبْلَهُ ما حَلَّ بِأنْبِياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضاءٌ حَتْمٌ.


1) (1)

«وَما مُحَمَّدٌ إلّارَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإنْ ماتَ أَو قُتِلَ انقلَبْتُمْ على أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرينَ».

أيْهاً بَنِي قَيْلَةَ!

أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُبْتَدأٍ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ.

وَأنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاحِ، مَعْرُفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ، وَالنُّجَبَةُ الَّتي انْتُجِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتيرَتْ لَنا أهلَ البَيت، قاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَناطَحْتُمُ الأمَمَ، وَكافَحْتُمً الْبُهَمَ، فَلا نَبْرَحُ أو تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ.

حَتَّى إذا دَارَتْ بِنا رَحَى الإْسْلامِ، وَدَرَّ حَلَبُ الأَيّامِ، وَخَضَعَتْ نُعَرَةُ الشِّرْك، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإْفْك، وَخَمَدَتْ نيرانُ الْكُفْرِ، وهَدَأتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدِّينِ؛ فَأَنّى جُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإْعْلانِ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإْقْدامِ، وَأشْرَكْتُمْ بَعْدَ الإْيمانِ.

«ألَّا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَداؤُكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْهُمْ فَاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».

أَلا قَدْ أرى أنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إلَى الْخَفْضِ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَرَكنتُم إلى الدَّعَةِ، وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضِّيقِ بِالسَّعَةِ، فَمَجَجْتُمْ ما وَعَيْتُمْ، وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ، «إنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأْرْضِ جَمِيعاً فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ».

ألا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ، وَالغَدْرَةِ التِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ، وَلكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَخَوَرُ الْقَنا، وَبَثَّةُ الصُّدُورِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ.

فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ الجَبارِ وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، فَاعْمَلُوا «إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ».

ماذا كان رد القوم على الصدّيقة عليها السلام؟!

وماذا كان جوابهم؟!

لقد وضعوا حديثاً ونسبوه إلى الرسول صلى الله عليه و آله أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً وإنما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة.

من روى هذا الحديث؟

عائشة ومالك بن اوس النضري البوال على عقبيه.

هنا تقبل شهادة عائشة ولا تقبل شهادة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله، تقبل شهادة مالك بن اوس ولا تقبل شهادة أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو نفس رسول اللّه وأعز الخلق عليه.

اقرأ ثم احكم، ان هذه الدعوى تتناقض مع القرآن الذي يصرح «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» وغيرها من الآيات التي مرّت.

في كتاب كشف الغمة: انه لما ولي عثمان قالت عائشة: اعطني ما كان يعطيني أبي وعمر.

فقال عثمان: لا اجد له موضعاً في الكتاب ولا في السنّة، ولكن كان أبو بكر وعمر يعطيانك من طيبة أنفسهما، وأنا لا أفعل.

فقالت: فاعطني ميراثي من النبي صلى الله عليه و آله.

قال: أليس جئت وشهدت أنتِ ومالك بن أوس النضري أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: لا نورّث؟ فأبطلتِ حق فاطمة، وجئت تطلبينه؟! إلى آخره(1)

فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد (للعلّامة المرحوم السيّد محمد كاظم القزويني قدس سره): 402 عن كشف الغمة: 478/1.

.

وإذا كان النبي صلى الله عليه و آله لا يورِّث لماذا تمنع عائشة من دفن الإمام الحسن في حجرة النبي حتى قال الشاعر الصقري البصري في حقها:


1) (1)

ويوم الحسن الهادي على بغلك اسرعتِ وبايعتِ ومانعتِ وخاصمتِ وقاتلتِ

وفي بيت رسولِ اللهِ بالظلمِ تحكمت هل الزوجة أولى بالمواريث من البنتِ

لك التسع من الثمن وبالكلِ تصرّفتِ تجمّلتِ تبغلتِ وان عشتِ تفيّلتِ


فجاءت إلى قبر النبي صلى الله عليه و آله فرمت بنفسها عن البغلة وقالت: واللّه لا يدفن الحسن هاهنا ابداً او تُجزّ هذه واومأت بيدها إلى شعرها.

فالزهراء عليها السلام فندت هذه الحجة الواهية من أبي بكر وبيّنت زيف الحديث المنسوب إلى أبيها قائلةً:

سُبْحانَ اللهِ! ما كانَ أبي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و آله عَنْ كِتابِ الله صادِقاً، وَلا لأَحْكامِهِ مُخالِفاً، بَلْ كانَ يَتَّبعُ أَثَرَهُ، وَيَقْفُو سُورَهُ.

أَفَتَجْمَعُونَ إلى الْغَدْرِ اْعتِلالاً عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَهذا بَعْدَ وَفاتِهِ شَبِيهٌ بِما بُغِيَ لَهُ مِنَ الْغَوائِلِ فِي حَياتِهِ هذا كِتابُ اللهِ حَكَماً عَدْلاً وَناطِقاً فَصْلاً يَقُولُ:

«يَرِثُني وَيَرِثُ مَنْ آلِ يَعْقوبَ»، فَبَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ فيما وَزَّعَ مِنَ الأَقْساطِ، وَشَرَّعَ مِنَ الفَرائضِ وَالميراثِ، وَأَباحَ مِنْ حَظَّ الذُّكْرانِ

وَالإِناثِ، ما أَزاحَ عِلَّةَ المُبْطِلينَ، وأَزالَ التَّظَنّي وَالشُّبُهاتِ في الغابِرينَ، «قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ»(1)

سورة يوسف: 18.

.

شكوى إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله

لقد اتمَّت السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام الحجة على الجميع وادّت ما عليها من الواجبات وسجلت آلامها في سجلّ التاريخ ثمّ توجهت إلى قبر أبيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله قائلة:

قد كان بعدك انباءٌ وهنبتةٌ لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ

انا فقدناك فقد الأرض وابلها واختل قومك فاشهدهم وقد نكبوا

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم لما مضيت وحالت دونك التّرب

تجهمتنا رجال واستخف بنا لما فقدت، وكل الإرث مغتصب


نعم عصبوا حقها ورجعت إلى الدار غاضبة ولكن استطاعت أن تنتصر عليهم على المدى الطويل ولذا استمرت على موقفها الرافض لم تتنازل قيد انملة.

ولذلك رفعت يدها إلى السماء وقالت عليها السلام: «اللّهم اشهد عَلَيهِم فإنَّهُم آذوني وَاغضبوني».


1) (1)

واستمرت على موقفها حتى اللحظات الأخيرة من حياتها، فمن جملة ما أوصت إلى أمير المؤمنين أنها قالت:

«أن لا يَشهَد أحَد جِنازِتي مِمَّن ظَلَمَني ومَنَعَني مِيراثي، وَلا يُصَلّوا عَلَيَّ وإذا قَضَيتَ نَحبي فَغَسِّلني وَحَنِّطني مِن فاضِلِ حُنُوطِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه و آله وَكَفِّني وَصَلِّ عَلَيَّ وَادفِنِّي بالَّيل.

إذا هَدَتِ الأَصواتُ وَنامَتِ الأبصارُ وَلا تَقطَعني مِن زيارَتِك لأنَّ لِي بِك أُنسَاً عظيماً» (1)

وفاة الصديقة (للشيخ عباس القمي رحمه الله)، ووفاة فاطمة (للبلادي رحمه الله).

.

وصايا فاطمة الزهراء عليها السلام

إذن: فالسيّدة فاطمة في أواخر ساعات الحياة، وقد حان لها أن تكاشف زوجها بما أضمرته في صدرها (طيلة هذه المدة) من الوصايا التي يجب تنفيذها ولو بأغلى الأثمان ولا يمكن التسامح فيها أبداً، لأنّ لها غاية الأهمية.

كأنّي بها وقد فرغت من أعمالها المنزلية وعادت إلى فراشها وقالت:

يا ابن عم! إنه قد نعيت إليّ نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلّاأنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي.

قال لها علي عليه السلام: اوصيني بما أحببت يا بنت رسول اللّه، فجلس عند رأسها، وأخرج من كان في البيت.


1) (1)

ثم قالت: يا ابن عم! ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني.

فقال علي عليه السلام: معاذ اللّه! أنتِ أعلم باللهِ وأبر وأتقى وأكرم، وأشدّ خوفا من اللّه من أن اوبّخك بمخالفتي. وقد عزَّ عليَّ مفارقتك وفقدك.

إلّا أنه أمر لابد منه. واللّه جددتِ عليَّ مصيبة رسول اللّه، وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنا للّه وإنا إليه راجعون. من مصيبة ما أفجعها وآلمها، وأمضّها وأحزنها. هذه مصيبة لا عزاء منها، ورزية لا خلف لها.

ثم بكيا جميعاً ساعة، وأخذ الإمام رأسه وضمّه إلى صدره ثم قال:

أوصيني بما شئت، فإنك تجدينني وفياً أمضي كلما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري.

فقالت: جزاك اللّه عني خير الجزاء. يا ابن عم! أوصيك أولاً أن تتزوج بعدي بابنة أختي امامة، فإنها تكون لولدي مثلي، فان الرجال لابدّ لهم من النساء.

ثم قالت: اُوصيك أن لايشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني، فإنهم عدوي وعدو رسول اللّه، ولا تترك أن يصلي عليَّ أحد منهم، ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذ هدأت العيون ونامت الابصار(1)

روضة الواعظين، بحار الأنوار: ج 43.

.

1) (1)

الوصية بصورة أخرى:

قالت: يابن العم! إذا قضيت نحبي فغسّلني ولا تكشف عني، فإني طاهرة مطهّرة، وحنّطني بفاضل حنوط أبي رسول اللّه.

وصلِّ عليَّ، وليصلِّ معك الأدنى فالأدنى من أهل بيتي، وادفني ليلاً لا نهاراً، وسرّاً لا جهاراً، وعفِّ موضع قبري، ولا تشهد جنازتي أحداً ممّن ظلمني.

يابن العمّ! أنا أعلم أنّك لا تقدر على عدم التزويج من بعدي فإن أنت تزوّجت امرأة اجعل لها يوماً وليلةً، واجعل لأولادي يوماً وليلةً.

يا أبا الحسن! ولا تصح في وجهيهما فيصبحا يتيمين غريبين منكسرين، فإنّهما بالأمس فقدا جدّهما واليوم يفقدان أُمّهما، فالويل لأمَّة تقتلهما وتُبغضهما.

اويلي وحين حضرتها المنيه حضر عدها الوصي بوكت الوصيه

تگله اگرب يبعد الروح ليّه گرب ليها او من عينه الدمع خر

يگلّلها دگليلي اشتهيسين مردتي چبدتي يم حسن وحسين

تگله ابوكت غسلي يبو الحسنين اريد الّي تشوفه اعليه تصبر

تراني طاهره ولو غسلتني اريدك لا تمس ضلعي او متني

أخاف يذوب گلبك لو جستني او خل ثوبي عليّ ليتوخر


ولما فارقت الحياة قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

واللّه لقد أخذتُ في امرها وغسّلتها في قميصها ولم اكشفه عنها، فواللّه لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة، ثم حنّطتها من فاضل حنوط رسول اللّه صلى الله عليه و آله وكفّنتُها، فلمّا هممت ان أعقِدَ الرداء ناديت: يا أم كلثوم، يا زينب، يا حسن، يا حسين، هلمّوا وتزوّدوا من أمكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة.

فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وهما يناديان: واحسرتاه لا تنطفي أبداً من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا فاطمة الزهراء، يا أمَّ الحسن يا أمَّ الحسين، إذا لقيت جدَّنا محمّداً المصطفى فاقرأيه منا السلام وقولي له: إنّا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إني اشهد اللّه أنها قد حنّت وأنّت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها مليّا، وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا ابا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا واللّه ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب إلى حبيبه.

گضت وامصابها ما مر شبيه بچو سبطينها او شبگو عليها

حنت آه شبگتهم بديها اوهتف بالعرش نحّيهم يبو حسين

يحيدر شيل سبطين الزچيّه شيل الحسن يا حيدر وخيّه

ارضها والسما حنّت سويّه الفگد بضعة‌الهادي اوينحب الدين

أيها الناس أي بنت نبي عن مواريث ابوها زواها؟

كيف يزوي عني تراثي عتيق بأحاديث من لدنه افتراها


وهذا شيء ذكرناه استعجالاً تيمناً وتبركاً بالسيّدة أُم البنين عليها السلام وان يكون الختام مسكاً بذكر الزهراء عليها السلام وولدها الإمام المهدي عليه السلام فعجل اللّه تعالى فرجه الشريف وسهل مخرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه والآخذين بثاره وممن يكر في رجعته ويملك في دولته وتقر عيوننا برؤيته.

«اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْك فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ، تُعِزُّ بِهَا الإِسْلامَ وَ أَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفَاقَ وَأَهْلَهُ، وَتَجْعَلُنَا فِيهَا مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى طَاعَتِك، وَالْقَادَةِ إِلَى سَبِيلِك، وَتَرْزُقُنَا بِهَا كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».

ونستغفر اللّه تعالى من الزيادة والنقصان والسهو والغلط والنسيان انه غفور منان واللّه عالم بعواقب الأمور ومصالح العباد والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

تم بعون اللّه تعالى

11 ذي القعدة / المحرم / 1431

قم المقدّسة

الفهرست

زيارة السيّدة أمّ البنين عليها السلام 9

تقريظ 11

المجلس الأول: حول نسب أم البنين عليها السلام وولادتها

(13-32)

في مولد أم البنين عليها السلام 13

قصيدة أُخرى 15

من هي أم البنين عليها السلام 16

بشائر ولادتها عليها السلام 18

تاريخ ولادتها عليها السلام 20

منزلتها وشأنها عليها السلام 23

أولادها الأربعة 24

مدائح في ولادتها وأولادها 30

المجلس الثاني: حول زواج أم البنين عليها السلام

(33-58)

زواجها من أمير المؤمنين عليه السلام 35

مهمة عقيل عليه السلام 37

لماذا التشاور مع عقيل؟ 38

تاريخ الزواج المبارك 40

عقيل يخطبها لعلي عليه السلام 43

الرؤية الصادقة العجيبة 45

حزام يستشير ثمامة 47

مهرها عليها السلام ومَهر السنّة 49

من مثلها عليها السلام ولها زوج كعلي عليه السلام 50

حديث الزواج يصل إلى كربلاء 52

فجيعة أُم البنين 57

المجلس الثالث: أحفاد أُم البنين عليها السلام

(59-84)

أحفاد أم البنين والعلم والأدب والشجاعة والإمارة 63

ندبتها للحسين عليه السلام يوم عاشوراء في المدينة 67

إيثارها الوحدة والوحشة ذوداً عن الحسين عليه السلام 70

إيثارها الحسين عليه السلام على أولادها وسؤالها عنه 72

استقبالها الحوراء زينب بصرخة (وا ولداه وا حسيناه) 74

تأكدها من وفاء أولادها 76

قصيدة ملا عطية بن علي بن عبد الرسول البحراني الجمري 81

لطمية عتاب 84

المجلس الرابع: حول أُم البنين وما جرى من المصائب على أهل البيت عليهم السلام

(85-110)

أم البنين وزينب 86

ايمانها الراسخ في أهل البيت عليهم السلام 87

أم البنين عليها السلام ومصاب أمير المؤمنين عليه السلام 88

أم البنين عليها السلام عند جثمان الإمام الحسن عليه السلام 94

وداعها عليها السلام للإمام الحسين عليه السلام وأولادها 97

أم البنين عليها السلام تودع زينب وأم كلثوم والأطفال 102

سؤالها من بشر عن الإمام الحسين عليه السلام 103

بكائها عليها السلام وزينب عليها السلام على الإمام الحسين عليه السلام 105

لطمية عن أُم البنين عليها السلام 107

المجلس الخامس: حول مقام المرأة في الإسلام ومنزلة أم البنين عليها السلام

(111-132)

المرأة والرجل في مضمار السباق 112

اشتراك الرجل والمرأة في الخطابات الإلهية 114

معايير التفاضل بينهما 117

أم البنين عليها السلام والحياة الزوجية الناجحة 122

أم البنين عليها السلام وذكريات أليمة للزهراء عليها السلام مع أم كلثوم عليها السلام 124

وفاء الزهراء عليها السلام لأم البنين عليها السلام في يوم القيامة 128

المجلس السادس: إيثار أم البنين عليها السلام على الدنيا وزينتها

(133-148)

زهد أم البنين عليها السلام في بيت أمير المؤمنين عليه السلام 134

وفائها في بيت الزهراء عليها السلام 139

تمريضها عليها السلام للحسنين عليهما السلام 141

حرصها على مشاعر أبناء الزهراء عليها السلام 143

خروجها عليه السلام الى البقيع للنياحة 145

لطمية لأم البنين عليها السلام 146

المجلس السابع: حول مجربات التوسل بأُم البنين عليها السلام

(149-170)

حقيقة التوسل إلى اللّه وأوليائه 150

التوسل في القرآن الكريم 153

التوسّل في الروايات الإسلامية 155

ملاحظات ضرورية في التوسل 158

مجربات التوسل بأم البنين عليها السلام 161

إهداء زيارة عاشوراء واطعام الطعام لأم البنين عليها السلام 162

زينب عليها السلام عند احتظار أم البنين عليها السلام 165

لطمية لأُم البنين عليها السلام 167

المجلس الثامن: حول كرامات أُم البنين عليها السلام

(171-200)

حقائق حول كرامات أهل البيت عليهم السلام 173

شرائط نيل عناية أهل البيت عليهم السلام 175

اعتراف المخالفين كرامات أهل البيت عليهم السلام 177

أم البنين عليها السلام والكرامات الباهرة 181

أهديتُ صلواتٌ لها عليها السلام فشفي ولدي 183

لماذا لم تهتم لزيارة والدتي؟ 185

مخالفة الإقامة 187

الإمام الصادق عليه السلام يقيم المأتم على جده الحسين عليه السلام 188

تزوجتُ بفضلها عليها السلام 191

حملتُ ببركة سفرتها 192

الإمام الحسين عليه السلام عند مصرع أخيه العباس عليه السلام 195

أبيات في ايثار أم البنين عليها السلام 199

المجلس التاسع: حول صبر أُم البنين عليها السلام

(201-228)

أنواع الصبر 203

صبر العارفين 204

الصبر عند فقد الولد 205

ماتا وأحياهما اللّه لصبر الأم 206

أجر الصبر وما يحبطه من الجزع في الروايات 208

الولد لا يدخل الجنة إلّامع الأبوين 210

اشتهى موت ولده لرؤية رآها! 212

تزوّج رجاء أن يرزق ولداً فيموت! 213

دعا اللّه فرزقه ولداً ثم دعا ليموت 219

أم البنين عليها السلام وصبرها على فراق أولادها 220

سؤالها عن وفاء أولادها 221

إعلانها عليها السلام مظلومية الحسين عليه السلام على الملأ 223

لطمية عن أم البنين والسجاد عليه السلام 226

المجلس العاشر: وفاة أم البنين عليها السلام وفلسفة الإبتلاء

(229-258)

المقبولة العباسية 230

البلاء سنّة الحياة 234

لماذا الإختبار الإلهي؟ 235

الإختبار الإلهي عام 237

موقف الناس من الإبتلاء 239

عوامل النجاح في الإمتحان 240

الرضا بقضاء اللّه تعالى 244

أُسلّمُ لو جعلني اللّه جسراً إلى جهنم ثم أدخلني فيها 247

وفاة أم البنين عليها السلام أو شهادتها ومحل قبرها 249

هل دُسَّ إليها السُّم 252

اللحظات الأخيرة عند احتضارها عليها السلام 254

لطمية عن أم البنين تحية 256

المجلس الحادي عشر: مسك الختام عن الإمام الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام

والزهراء فاطمة عليها السلام

(259-280)

الإمام المهدي عليه السلام والمستقبل السّعيد 261

ضرورة الإعتقاد بالمهدي عليه السلام 263

حكومة المستضعفين العالمية 266

فارق اعتقاد أهل العامة مع الشيعة في المهدي عليه السلام 268

قصة الرمانة 272

الإمام الحجة عليه السلام يحامي عن زوار الحسين عليه السلام 277

الإمام الحجة ومصائب كربلاء 279

المجلس الثاني عشر: مسك الختام حول موضوع أرض فدك

(281-314)

ما هي أرض فدك؟ 284

أرض فدك ملك للزهراء عليها السلام 286

تاريخ أرض فدك 288

مطالبة حقها من السلطة الغاصبة 289

حوار بين الإمام علي وأبي بكر 292

شكوى إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله 309

وصايا فاطمة الزهراء عليها السلام 310