ghaemiyeh.com
سرشناسه : خلیل بن احمد، 100-175 ق.
عنوان و نام پديدآور : المنظومة النحوية للخليل بن أحمد الفراهيدي/ دراسة و تحقیق الاستاذ الدکتور احمد عفیفی
مشخصات نشر : عمان : وزارة التراث القومی و الثقافة، المنتدیالادبی، 1420ق = 2000م = 1379.
مشخصات ظاهری : 233 صفحه
يادداشت : عربی.
یادداشت : کتابنامه :ص.226-230 ؛ همچنین به صورت زیرنویس.
موضوع : زبان عربی -- نحو -- متون قدیمی تا قرن 14
موضوع : Arabic language -- Syntax -- Early works to 20th century
شناسه افزوده : عفیفی، احمد
رده بندی کنگره : PJ6101/خ8م8 1379
رده بندی دیویی : 492/75
شماره کتابشناسی ملی : 3761798
توضیح : «المنظومه النحویه» اثر عربی خلیل بن احمد فراهیدی (۱۰۰- ۱۷۵ ق) است که به صورت نظم درباره مسائل نحو نوشته شده است.کتاب از دو بخش تشکیل شده است: بخش اول شامل مطالعه و بررسی زندگی خلیل، توثیق وی و مطالعهای پیرامون متن منظومه او توسط محقق کتاب میباشد.
بخش دوم، تحت عنوان تحقیق، شامل توصیفی پیرامون منظومه، نسخ خطی آن و عللی که منجر به انجام این منظومه گردید، شده و در ادامه نص منظومه ذکر گردیده است.
روش خلیل در این منظومه، روشی به دور از تفصیل و بیان فلسفهبافیهای نحوی است و برای عوام مردم که به دنبال علم نحو هستند، نوشته شده است.
متن کتاب، شامل ۲۹۳ بیت در علم نحو است که به صورت عروضی به نام «بحر کامل تام» بر وزن: متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن میباشد. این منظومه، بسیاری از ابواب نحو عربی را شامل و قلیلی از آن را ترک نموده است.
قسمت عمده کتاب به به توضیح اقدامات نویسنده، مقدمه و پاورقیهای محقق صرف شده است و مباحث نحوی که در این منظومه ذکر شده، شامل بررسی مصطلحات، عناوین، اعلام، مثالها و نمونههای تطبیق داده شده به همراه دلالت آنها، قضایای نحوی برای مناقشه و تحلیل کردن، ملاحظاتی درباره روش خلیل است.
در این منظومه، از مسائل اختلافی که بین نحویهاست دوری گزیده شده، همچنین به قواعد شاذ عربی استناد نشده و ذکری از آنها به میان نیامده است. به علاوه، به جزئیات، فرعیات و تقسیمات، اشارهای نشده و فقط به ذکر قواعد عامه و ذکر امثلهای برای آنها بسنده شده است.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ؛ خلق الانسان وعلمه البيان ، ونصلي ونسلم على رسول الله بلغ الرسالة وادى الأمانه وصدع بالحق المبين ، وبعد ...
إن الإحتفاء بذكرى أعلام عمان هدف نبيل تسعى السلطنة جادة إلى تحقيقه في ضوء حرصها على استثارة همة الباحثين لاجتلاء الصورة المشرقة لا مجادنا العمانية وحث شبابنا على القيام بدورهم الإيجابي الفاعل نحو دراسات جادة تلامس الجانب الإبداعي لتراثنا ؛ وهذا الهدف يجب وضعه في الحسبان في إطار التواصل بين الأصالة والمعاصرة ؛ ليكون تناولنا للتراث الحافز الملهم مستهدفا من قبل فئات المجتمع بكاملها وتنوع مشاربها العمرية والفكرية ؛ راجبن من خلال هذا المفهوم أن يكون هذا الإصدار حول منظومة الخليل بن أحمد الفراهيدي النحوية ؛ بدارسة وتحقيق الأستاذ الدكتور أحمد عفيفي استاذ النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة حاليا (1)اضاءة جديدة حول فكر هذا العالم العماني الذي تجاوز بعقله المجرد وفكره الرياضي النير اسوار الإقليمية ليتربع على دست العلوم اللغوية والصوتية بل هو على حد مفهوم علماء اللسانيات المعاصرين بمثابة الكمبيوتر لعصره ومؤسس البحث النظري والتطبيقي في جمع المادة اللغوية ، حيث استطاع بما توفر لديه من بنية ذهنية متكاملة أن يثري المكتبة العربية والاسلامية بأروع ما خلفته الحضارات الانسانية وهو بحق رائد البحث في الأصوات وفي بنية الكلمة والنحو والتأليف المعجمي ثم هو فوق كل هذا وذاك أول من وضع واستنبط بحور الشعر العربي ، ونكاد لانجانب الحقيقة إذا ما ذهبنا إلى القول بأن الخليل بن أحمد الفراهيدي ، فتح فكريّ للامة العربية والاسلامية التحمت عبره الجسوم إلى جانب الافئدة ؛ فتح ترك لهذه الأمة ميراثا ثقافيا هائلا ما زالت اشعاعاته النيرة حافلة بجوانب العطاء والإبداع.
وإنه لجميل أن يأتي هذا كله في اطار حرص وسعي وزارة التراث القومي والثقافة إلى تجديد الدماء في شرايين تراثنا العماني ليبقى - كما عهدناه - حيا معافى يحمل في أعطافه طاقة فكرية متجددة وألقا وقادا وقوة متمكنة قادرة على استيعاب قضايانا المعاصرة.
المنتدى الأدبي
1) نواة هذا الإصدار محاضرة ثقافية تحمل نفس العنوان والمبحث القاها الدكتور أحمد مصطفى عفيفي من كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس ، بمقر المنتدى الأدبي مساء يوم الثلاثاء 20 / 6 / 1995 م.
«من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن احمد»
سفيان الثوري
«اكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه وهو في خص لا يشعر به»
النضر بن شميل عن صاحبه كتاب [اعلام العرب]
«كان الخليل بن احمد الفراهيدي طبقة لا تدرك حتى قيل : ان بعض الملوك طلبه ليؤدب أولاده فأتاه الرسول وبين يديه كسر يابسة يأكلها فقال له : قل لمرسلك ما دام يلقى مثل هذه ، لا حاجة به إليك»
ابن عماد الحنباي
كان الخليل إماما في علم النحو ، وهو الذي استنبط علم العروض واخرجه إلى الوجود ، فحصر أقسامه في خمس دوائر.
الوفيات
«أكمل ما يكون الانسان عقلا وذهنا إذا بلغ أربعين سنة ، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمدا صلّى الله عليه وسلّم ، ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثا وستين سنة ، وهي السن التي قبض فيها رسول صلّى الله عليه وسلّم ، واصفى ما يكون ذهن الانسان في وقت السحر».
«لا يعلم الإنسان خطأ معلم حتى يجالس غيره»
«اني اغلق بابي عليّ فيما يجاوزه همي»
وقبلك داوى الطبيب المريض
فعاش المريض ومات الطبيب
فكن مستعدا لدار الفناء
فان الذي هو آت قريب
*
وما هي الا ليلة ثم يومها
وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى
ويدنين اشلاء الكرام إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره
ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
*
ابلغا عني المنجم أني
كافر بالذي قضته الكواكب
عالما أن ما يكون وماكا
ن قضاء من المهيمن واجب
إني نظمت قصيدة حبرتها
فيها كلام مونق وتادب
لذوي المروءة والعقول ولم أكن
الا الى امثالهم اتقرب
عربية لا عيب في ابياتها
مثل القناة أقيم فيها الأكعب
*
فاذا نطقت فلا تكن لحّانة
فيظل يسخر من كلامك معرب
النحو رفع في الكلام وبعضه
خفض وبعض في التكلم ينصب
*
النحو بحر ليس يدرك قعره
وعر السبيل عيونه لا تنضب
فاقصد إذا ما عمت في آذيه
فالقصد أبلغ في الأمور وأذرب
واستغن أنت ببعضه عن بعضه
ومن الذي علمت لا يتشذب
*
واستعجم الناس الذي من بعدهم
فكأنّ من طلب الفصاحة مذنب
عجزوا فقالوا لو أردنا مثل ما
قد قلت قلنا ، إذ تقول وتطلب
لكن رفضناه وننطق بالذي
نهوى وينطق مثله من نصحب
كالثعلب النازي إلى عنقوده
ليناله فصغى وأعيا الثعلب
فزرى عليهم وقال هذا حامض
ولحبّة منه ألذ واعذب
أو كالعجوز وقد اريق طبيخها
قالت لهم خبز وملح أطيب
حين تتجه الكتابة صوب الخليل بن أحمد عبقري العربية ورائد الدراسات اللغوية في ثقافتنا العربية قربا أو بعدا فإن قيمة سامقة تقدم للتراث اللغوي ، فالخليل مؤسسة متكاملة من المعارف أحكم أمرها من خلال اكتمال نظريته المعرفية فرضا واستعمالا ، فالعروض لديه بدا نظرية إيقاعية يخرج منها ويأتي إليها كل جهد شدا به المفكرون والدارسون حتى اليوم ، والمعجم العربي لديه هيكل لبناء لغوي حوى الشارد والوارد ، والواقعي والمتخيل ، فقد جاء بناء تجريديا واقعيا بإمكانه أن يحكم لغات الأمم لا العربية وحدها ، وإن كانت صلاحيته للعربية صلاحية ذوق وعرف واستعمال ، كذلك الأصوات تخرج من عبّ هذا الرجل في وضوح علمي يؤكد التجريب ويحكم الوصف بصدقه ودقته.
لم يقف باع الخليل عند هذه الحدود اللغوية التي أصبح رائدا ومؤسسا لها ، وإنما تجلت خطواته الراسخة في مسار النحو محكمة قواعد وأصولا) والقارئ لتراثنا النحويّ منذ أن تتلمذ على يديه سيبويه حتى الآن يدرك صدق ذلك.
عاش الخليل بعبقريته حيا في فكر تابعيه ومن خط خطّا في الدرس اللغويّ ، ومن ثم أضحت أفكاره مؤكدة ثابتة النسبة إليه دون غموض أو التواء ، بمعنى آخر أضحى الخليل محورا لكل حركة لغوية جاءت بعده إلى الحد الذي ما عاد في جعبة الدارسين ما هو خفي غامض بالنسبة إلى الخليل.
في ظل هذا الظهور يطلع علينا الدكتور أحمد عفيفي وهو لغوي أديب بهذا الكتاب للخليل بن احمد الفراهيدي موثقا إياه تحت عنوان (المنظومة النحوية للخليل بن أحمد الفراهيدي (1)» يثبت للباحث اللغويّ أن هناك أعمالا للخليل في طي المجهول بحاجة إلى بعث وإظهار. والمنظومة التي قدمها الدكتور أحمد تظهر جانبا تعليميا من جوانب الخليل ، وما أعجب أن يتحرك الخليل بين طاقتين :
1) اقتراح لجنة التحقيق بحذف كلمة (المنسوبة).
طاقة التنظير والكشف ، وهي طاقة خلاقة مبهرة
وطاقة التعليم وهي طاقة فتور في هز الفكر اللغوي ، وإضافتها في حق التعليم إضافة تربوية ، إذ من خلالها تصاغ القواعد النحوية والصرفية واضحة المصطلح والمثال في يسر دون فلسفة وتعقيد ، لخدمة المتعلم الناشئ.
في هذه المنظومة ومحاولة تعريفها يدرك الدكتور أحمد عفيفي - وهو باحث ذكى يعرف مسارب اللغة ودروبها ومنحنيات الطرق فيها ووعورة مسارها - أن القول بوجود منظومة نحوية للخليل سوف يثير كثيرا من الجدل ؛ ومن ثمّ يحشد نفسه وأدواته العلمية - وهي أدوات متمكنة يعرفها عنه المحيط اللغوي - مستنطقا بذكاء وقدرة ورود صدى لفكر المنظومة مع يسره لدى سيبويه وقطرب والأخفش والمدرستين الكوفية والبصرية وأعمال الخليل ذاته مؤكدا على ظاهرة المصطلح التي بان فيها أو عبرها اتفاق ما جاء في المنظومة في كثير مما هو وارد لدى كتب الخليل كالعين والجمل المنسوبين إليه ؛ وكتاب سيبويه ؛ ومؤكدا نسبة المنظومة مما نص عليه خلف الأحمر الذي نسب إليه ذكر أبيات من المنظومة ؛ ولأن هناك شكا في نسبة المنظومة إلى الخليل ، كثّف الدكتور أحمد عمله فأتى بدارسة ضافية واعية متمكنة لفكر الخليل ومنهجه ورؤيته. هذه الدراسة من الممكن أن تحسب عملا مستقلا علميا ناهضا بجوار درس المنظومة وتوثيقها.
أجادل أخي الدكتور أحمد كثيرا حول نسبة المنظومة للخليل كي أثير طاقة التحرك اللغوية فيه فيظهر الوقوف مع جانب الشك فيها للصمت الكامل بين ظهورها وظهور المنظومات النحوية لدى ابن معطي وابن مالك وعدم سيرورتها أثرا واضحا لدى مخالفيه وغربة عصر الخليل عن طرق المنظومات ، ولأن النسخ لم تصرح بالفراهيدي (لقبا) (1).
أجادل الدكتور أحمد كثيرا فيستنطق الحجر في براعة حين يتحدث عن مصطلحات الخليل في المنظومة مثبتا حقها في مؤلفات الخليل الأخرى وتلاميذه كما قلت.
ويستنطق القاعدة الواردة في المنظومة مدركا نسبتها إلى الخليل ، ويقف
1) (نسبا) وليس (لقبا) كما جاء (ن).
أمام الأعلام الواردة فيها مثبتا صلتها بصاحب المنظومة وإلفها لديه ، كما يستنطق روح المنظومة بما يسري في لغتها موافقا لحياة الخليل وشخصيته ، ولهذا فإن الجهد المقدّم شاق وكبير ، وطريقه وعر غير ميسور ، استطاع الدكتور أحمد عفيفي أن يجتاز كل ذلك بتناوله لقضايا لها أهميتها في حقل النحو العربي ، حملتها تلك المنظومة النحوية التي كتبت في القرن الثاني الهجري ، اجتازها بأدوات اللغويّ المتمكّن ، وقد ظهر من خلال هذا الجهد الكبير الشاق فكر الخليل واضحا من خلال تأصيله لمنظومة نحوية حاول الباحث المدقق الجاد نسبتها إلى الخليل واهداءها إلى تراثنا اللغوي كي يستفيد بها الدارس والمحقق معا ؛ ومن ثم فالتقدير لهذا المؤلف بيّن من خلال كثرة الأفكار وجرأة الحوار ووضوح الغاية والهدف والمؤلّف يعتبر إضافة جيدة وعميقة لحقل الدرس اللغوي العربي دونما شك أو احتمال.
أحمد كشك
أستاذ النحو والصرف والعروض
والوكيل السابق لكلية دار العلوم
جامعة القاهرة
في تاريخ التراث اللغوي العربي ظهرت منظومات نحوية كثيرة ، توالى تأليف تلك المنظومات منذ نشأة النحو العربي ، مصاحبا لتلك الفترة التي عاشها الخليل بن أحمد في القرن الثاني الهجري ، والتي بدأ فيها علم النحو يأخذ شكلا أشبه بالعلم المتكامل ، إلى أن نضج على يد عالم النحو الأكبر سيبويه تلميذ الخليل ، ولعل توالي تأليف هذه المنظومات منذ تلك الفترة قد استمر دون انقطاع ، بطيئا مرة ، متواليا مرة أخرى ، حنا التاريخ على بعض هذه المنظومات النحوية فظهرت واشتهرت بين الدارسين ، وأصبحت مضرب المثل في الإشارة إلى هذا النوع من التأليف مثل : ألفية ابن مالك وألفية السيوطي وألفية ابن معط ، وجار التاريخ على بعضها ، وتخلى عنه فظل حبيسا بين أحضان المخطوطات القديمة تحنو الأوراق على هذا البعض وتستأثر به ، وأصبح الإفلات من بين طيات هذه المخطوطات يحتاج إلى مغامر ينقب محاولا الكشف وتأصيل النسبة ، والتأكد من صدق المادة العلمية المنسوبة إلى صاحبها ، وقد تمثل هذا النوع من المنظومات التي لم تأخذ حظها من الظهور في منظومة الخليل بن أحمد ، والتي كتبت في القرن الثاني الهجري.
وهناك فترة زمنية مسكوت عنها تقترب من ثلاثة قرون أو أكثر ، وهي ما بين كتابة الخليل لمنظومته وظهور مجموعة من المنظومات (الألفيات النحوية) على يد ابن معط أو ابن مالك أو غيرهما. تلك الفترة لا ندرى - حتى هذه اللحظة - هل وجدت بها منظومات ثم فقدت ، أو وجدت بها منظومات ولكنها تجوهلت ؛ لأنها تهتم بالجانب التعليمي ، الذي يهتم عادة بعرض القضايا العامة ، دون الدخول في تفصيلات علمية ، نتناول الجزئيات الصغيرة الأكثر عمقا ، والخوض في مسائل الخلاف ، وربما وجدت في تلك الفترة منظومات صغيرة الحجم ، ولكنها لم تجد من يعيرها
اهتماما بسبب صغر حجمها ، بغض النظر عن قيمتها العلمية (1).
أما عن طريق الكشف عن هذه المنظومة فقد جاء ذلك ضمن اهتمامي بدراسة المنظومات النحوية وتاريخها ودورها في تعليم النحو العربي لطالبيه ، وعند ما انتقلت للعمل في جامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان اتيحت لي الفرصة للبحث والتنقيب في المكتبات العامة والخاصة للعثور على مخطوطات تحتوي على منظومة نحوية أو صرفية من بين آلاف المخطوطات في شتى العلوم ، بعضها عبارة عن «مجاميع» كبيرة تضم أكثر من عمل ، وأخرى مخطوطات تحتوى على عمل واحد ، وفي تلك الفترة كان هناك إعادة لفهرسة محتويات مكتبة المخطوطات التابعة لوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، هنا بدأت تظهر هذه المنظومة الصغيرة الحجم بين عشرات الأعمال في «مجموع» ، واحد وتظهر نسخها واحدة تلو الأخرى ، وانتقلت بالبحث في بعض المكتبات الخاصة ، والتنقيب في «المجاميع» من المخطوطات المختلفة إلى أن أصبح لديّ قناعة تامة بأن الأمر يستحق البحث والتوثيق والدراسة ، ومعرفة ما إذا كان هذا العمل حقا للخليل أم لا.
وإذا كان هذا الكشف جديدا بالنسبة لي قد جاء من قبيل المصادفة فإن بعض العلماء العمانيين كانوا على معرفة بهذه المنظومة ونسبتها إلى الخليل ابن احمد الفراهيدي بل ويمتلك بعضهم نسخا أو على الأقل نسخة منها ، كما نجد ذلك في بعض المكتبات الخاصة العمانية مثل مكتبة معالي السيد محمد بن احمد البوسعيدي ، ومكتبة الفاضل الشيخ سالم بن حمد الحارثي وغيرها ، ولم يتم تحقيقها نظرا لاهتمامهم بمجالات علمية أخرى غير النحو.
ومع كل الأدلة التي قدمتها لتوثيق نسبة هذه المنظومة للخليل من خلال ما يسمّى بالنقد الخارجي الذي يتصل بالبيانات الواردة عنها ونسخها والإشارة إليها في مصادر أخرى ، أو ما يسمى بالنقد الداخلي الذي يتصل بصحة المعلومات الواردة بها وعدم تعارضها مع ما قاله المؤلف نفسه في مصادر
1) موضوع «المنظومات النحوية تاريخها وأهميتها العلمية» محور لبحث ما زلت أجمع خيوطه وأعمل فيه ولم أنته منه بعد.
أخرى ، أو عدم مناقضة المعلومات بعضها بعضا .. الخ.
أقول : مع كل تلك الأدلة ومع قناعتى بكل ما قدمته فإنني أفتح الباب لمن يحب أن يضيف دليلا على صحة التوثيق أو يأتي بما يخالف ذلك فيقوّم رأيا لم يكن القصد منه إلا محاولة الوصول إلى اليقين فأنا أعلم أن جدلا كبيرا سوف يعلن عن نفسه ونقاشا حادا سوف يتجسد حول نسبة هذه المنظومة إلى الخليل بن أحمد.
ولكن يبقى أن يكون لهذه المنظومة السبق الزمني في تأليفها عن بقية المنظومات (الألفيات) التي ظهرت بعدها لابن معط وابن مالك والسيوطي حيث ذكرها خلف الأحمر المتوفى 185 ه أي بعد وفاة الخليل بعشر سنوات ، وذلك في كتابه «مقدمة في علم النحو».
إذا لا نستطيع أن نلغي أسبقيتها الزمنية عن غيرها من المنظومات النحوية الأخرى ، فليس لدينا منظومة سبقتها ، ولم يقل أحد بذلك ، ومن هنا فإن ذلك يعدّ ميزة ، حيث تكون هذه المنظومة أولى المنظومات النحوية في تاريخ النحو العربي ، نستطيع من خلالها التأريخ لكثير من المصطلحات النحوية التي امتلأ بها حقل النحو العربي وحملها التاريخ للمتأخرين الحريصين على معرفة الكثير عن نشأة النحو والتأريخ له ، كذلك يمكن لنا - من خلال هذه المنظومة - معرفة طبيعة التأليف النحوي وحقيقته في تلك الفترة المتقدمة نسبيا في تاريخ هذا العلم ، وربما أكدت هذه المنظومة نتيجة مؤداها أن المدرسة البصرية سابقة للمدرسة الكوفية ، ليس في تأصيل القواعد فقط ، بل في التأليف النحوى أيضا ، فهي تحتمل إذا ؛ ريادة النحو العربي ، ويكون للبصرة اليد الطولى والنصيب الأوفى في تأصيل هذا العلم وبناء منهج متكامل له.
ولو شكك أحد الباحثين في نسبتها إلى الخليل لدليل ارتآه ، فإنه لن يستطيع التشكيك في زمن كتابتها ، وفي هذه الحالة تستحق البحث والدراسة من هذه الزاوية المهمة التي تؤكد أسبقيتها ، وبالتالي تؤكد القدرة على الكشف عن بعض الغموض الذي اكتنف تاريخ النحو العربي ، فهذه المنظومة
تستحق الاهتمام والدراسة من جانب المهتمين بهذا العلم.
ويتضمن هذا البحث جزأين رئيسين :
أولا : الدراسة.
ثانيا : التحقيق.
أما الدراسة فتتضمن :
(أ) نبذة عن حياة الخليل وصورة له من خلال المنظومة.
(ب) توثيقها.
(ج) دراسة نص المنظومة.
أما التوثيق فيتضمن : وصفا عاما للمنظومة ونسخ المخطوطة التي عثر عليها ، وأسباب الاهتمام بأمر هذه المنظومة وتحقيق نسبتها إلى الخليل.
وأما القضايا النحوية فتشمل : دراسة المصطلحات - العناوين - الأعلام الواردة - الأمثلة والنماذج التطبيقية ودلالاتها - قضايا نحوية للمناقشة والتحليل ، ملاحظات حول منهج الخليل.
ثانيا - التحقيق ، ويشمل : المنهج المتبع في التحقيق - نص المنظومة محققا.
وأخيرا جاءت المصادر والمراجع التي شكلت هذا البحث بالاعتماد عليها.
وهذه الدراسة التي أقدمها بين يدي القارئ الكريم لا تغلق الباب أمام الباحثين لدراسة هذه المنظومة ونسبتها إلى الخليل ، بل لعلها تفتح الباب أمامهم للتحري وإعادة النظر فزوايا البحث متنوعة ، واختلاف الآراء ظاهرة صحية ما دام الهدف المنشود هو خدمة لغتنا الحبيبة .. لغة القرآن الكريم.
أحمد عفيفي
القاهرة - 1995 م
قليل من يعيشون في ذاكرة التاريخ بهذا الحضور القوي المتميز سلوكا راقيا وعلما مفيدا لمدة أربعة عشر قرنا مضت من عمر هذا الزمان.
وقليل من يتفق عليه الناس بهذا القدر الكبير من المديح وعبارات الثناء التي تدخل القلوب فتزداد حبا واحتراما له.
وقليل من أعطى بهذا السخاء فأبدع ، وأكتشف فأجاد واعتزل الناس وهم مشغولون به.
وقليل من اتصف بهذا التدين العميق والزهد المفيد وتلك السماحة العالية ، وهذه النفس النقية السامية والحكمة الواعية وهذا التأثير المستمر في أبناء العربية.
وقليل من أصبح ظاهرة يقف الناس حولها كل آن.
وقليل من كان له تلك النظرة الثاقبة ، ما نظر إلى علم إلا واكتشف فيه شيئا.
وقليل من كان أبيّا شامخا مع حاجته الواضحة.
ذلكم هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يعدّ على رأس هؤلاء جميعا مؤصل علم النحو العربي وواضع مصطلحاته ، وباسط مسائله ، ومسبّب علله ، ومفتق معانيه ، أستاذ أهل الذكاء والفطنة ، مكتشف علمي العروض والقافية ، الموسيقي ، الرياضي ، المعجمي ، المحدّث النحويّ اللغويّ.
شغل الخليل الناس بخلقه وعلمه وتراثه الذي كان ثمرة جهوده العلمية منذ ولادته عام مائه للهجرة وإلى وفاته عام خمسة وسبعين ومائة ، ثم شغل من بعده بعلمه الوفير واكتشافاته المفيدة وتاريخه المشرف ، وأخلاقه الحميدة ، لم أعرف أحدا نال كل هذا الحب والإعجاب والتقدير من كل من قابلهم في حياته من أساتذته أو تلاميذه أو المعاصرين له وكل من تحدثوا عنه
من مترجمين ودارسين لكتبه وعلمه من المعاصرين إلى حدّ يصل أحيانا إلى حيرة القارئ ودهشته مما يقال حبا وإعجابا بعلمه وسلوكه واحتفاء بحياته وتدينه وزهده.
ولنستمع إلى سفيان الثورى حينما يقول (1): «من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد».
وفي معجم الأدباء (2). يروى عن النضر بن شميل أنه قال : «كنا نمثّل بين ابن عون والخليل بن أحمد أيهما نقدم في الزهد والعبادة فلا ندرى أيهما نقدم» ، وكان يقول : «أكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه وهو في خصّ لا يشعر به».
وإذا كان النضر بن شميل تلميذه يعترف بقيمته العلمية الكبيرة وتدينه وزهده ، فإن أستاذه أبا أيوب السختياني لم يبتعد عن ذلك المديح للخليل حيث عرف أبو أيوب حق الطالب المجد وقدّر ذكاء الخليل «وإذا بالخليل يصبح أخص تلامذته وأقربهم إليه. ولا يمضى القليل من الزمن حتى يعلم الخليل من السنة والحديث أكثر مما يعرفه كل أصحاب الشيخ.
كان الخليل يسمع من شيخه مديحا كثيرا ويلقى منه محبّة خالصة ، ولكن ذلك كان يزيده تواضعا واحتراما ، كان شأن الخليل شأن معظم العلماء النابغين ، يصرفهم نبوغهم عن الاكتراث بالشهرة وعن الاحتفال الشديد بالنفس» (3).
لقد انقطع الخليل للعلم واتصل بالكثيرين من علماء العربية في مجالات مختلفة ، تتلمذ على أيديهم فكوّنوا ثقافته العربية الأصيلة ، فقد أخذ عن أبي عمرو بن العلاء (المتوفى عام 154 ه).
وعن عيسى بن عمر الثقفي (المتوفى عام 149 ه) «وروى الحديث والفقه والقراءات عن أيوب السختيانى وعاصم الأحول والعوام بن حوشب وعثمان بن حاضر عن ابن عباس وغالب القطان وغيرهم (4).
واستمر الخليل في طلب العلم من البوادى إلى أن أصبح على هذا القدر الكبير من المعرفة والتحصيل والتأليف ، فقد «كان رحمه الله من أذكياء التاريخ وعباقرة العلماء ، صنع للعربية كثيرا وآتاها من الفضل ما لم يؤتها أحد من العلماء ، ابتكر العروض ، وخرج به إلى الناس علما كاملا ، فضبط به الشعر العربي وحفظه من الاختلال ، وابتكر طريقة أحصى بها مفردات اللغة وميّز بها المهمل من المستعمل ثم دوّن على هداها معجم العين» (1)ولم يبخل الخليل بعلمه على تلاميذه فنهلوا وعلّوا من ينابيعه إلى أن أصبح له مجموعة من تلاميذه (2)الذين حملوا لواء العلم من بعده ، ومن هؤلاء تلميذه الوفيّ سيبويه شيخ النحاة في عصره (توفي 180 ه أو 183 ه) والنضر بن شميل (توفي 204 ه) وأبو مفيد مؤرج السدوسي (توفي 195 ه) ، وعلي بن نصر الجهضمي والأصعمي (توفي عام 217 ه) والليث بين المظفر وأبو محمد اليزيدي (توفي عام 202) ، لقد أثّر الخليل تأثيرا كبيرا في علوم العربية بتراثه المعرفي الذي تركه وبتلاميذه الذين اقتفوا نهجه العلمي فهو - كما يشير بعض الكتاب - باعث نهضة العرب ورافعهم إلى مدارج العلم.
يقول الدكتور هادي حسن حمودي (3): «حقا إن أعمال الخليل كانت (نهضة) بكل ما في كلمة النهضة من معان .. فهو الذي أنهض الأمة ، ونقلها من حال إلى حال وأخذ بيدها في مدارج العلم والعمل النافع .. فكوّن مجموعة من الطلاب الذين أصبحوا علماء رأسوا الأمصار في العلم والتفّ حولهم المريدون يأخذون عنهم ، ويتطورن إلى يوم الناس هذا وفي جميع البلدان العربية أو المهتمة بلغة العرب وتراثهم وهم ما أخذوا إلا غلالة من علم الخليل ابن أحمد الأزدي وما تطوروا إلا بنهجه الذي سنّه لهم».
وسواء ولد الخليل في عمان على شاطئ الخليج العربي كما يشير بعض المراجع (1)، أو ولد في البصرة ، كما تشير بعض المراجع الأخرى (2)
ويقول سعيد الصقلاوى في كتابه (شعراء عمانيون) ص 115 : «وأما مولده ونشأته فمسألة دار حولها خلاف كثير حيث قيل إنه ولد بعمان سنة 86 ه أو 96 ه أو 100 ه أو 101 ه في منطقة ودام من ساحل الباطنة ، وهاجر الى البصرة طلبا في العلم والاستزادة منه ، وهو في مراحل طفولته حيث كانت البصرة محطة العلم والأدب والفكر ، وهناك شبّ الخليل بن أحمد وتشربت عروقه وحواسه به حتى صار علما من الأعلام وحجة في الأقوام ، وسمي بالبصري ؛ لأن مذهبه النحوي كان بصريا.
أما الرواية الأخرى فتناقض سابقتها تماما حيث تقضي بأن الخليل ولد بالبصرة وبها نشأ وتلقى سائر العلوم ، وهو من أهلها ، ومن هنا جاءت تسميته بالبصري فهو بصري المولد والمنشأ.
وكلام سعيد الصقلاوى يطلعنا على تزاحم الروايات المختلفة حول ولادته وحتى لو تم الترجيح لرواية ما ، فإنه ظن يعوزه الدليل.
.فالمؤكد أنه أزدي يحمدي عربي أفاد العربية بعلمه ومنهجه الكشفي لخبايا النحو العربي ، والعروض وعلم المعاجم ، وربما لعلم الموسيقى أو علوم أخرى ضاع ما كتبه فيها ضمن ما ضاع من كتبه التي ذكرتها كتب التراجم ، وهي كثيرة لم يصلنا منها إلا القليل وضاع معظمها ، وجاء القليل من أفكاره عن طريق هذا القليل الذي خرج إلى النور وكذلك عن طرق تلاميذه الذين نقلوا جزءا من فكره ، كما فعل سيبويه في (الكتاب) ، وأعمال الخليل المنسوبة إليه كثيرة (3)نذكر منها : (العين) و (النغم) و (الايقاع) و (العروض) و (النقط
1) دائرة المعارف الإسلامية 8 / 436 وأعلام العرب في العلوم والفنون 69 ، اتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان 1 / 54.
2) الأعلام 2 / 314 ، كتاب الخليل بن أحمد لعبد الحفيظ أبو السعود ص 13. وفي معجم الأدباء 11 / 73 يشير ياقوت إلى أنه بصرى دون أن يتكلم عن ولادته ونشأته الأولى. كذلك في شذرات الذهب 1 / 277. غير أنّ ما ورد في «نور القبس» ص 56 ربما كان مرجحا أن الخليل من عمان وذلك لأنه نقل نصا عن الخليل يقول فيه : «قدمت من عمان ورأيي رأي الصفرية ، فجلست إلى أيوب بن أبي تميمة (السختياني) فسمعته يقول : إذا أردت أن تعلم علم أستاذك فجالس غيره فظننت انه يعنيني ، فلزمته ، ونفعنى الله به» ، وانظر (عبقري من البصرة) للدكتور مهدي المخزومى ص 25.
3) الأعلام 2 / 314 ، دائرة المعارف الإسلامية 8 / 436 ، مكانة الخليل في النحو العربي 31 - 35 ، الخليل بن أحمد ، عباس أبو السعود 151.
و (الشواهد) ، و (في العوامل) و (الجمل) ، و (فائت العين) ، و (المعمّى) ، و (جملة آلات العرب) ، و (في معنى الحروف) ، و (شرح صرف الخليل) و (التفاحة في النحو) كما أشار تقرير البعثة المصرية في اليمن (1)ومنه نسخة مخطوطة هناك.
وليس مقصدنا بالحديث الآن أن نقدم ترجمة لعالم العربية الخليل ، فهناك كتب كثيرة تناولت حياته بالتفصيل ، وهي حياة مليئة بالكفاح العلمي والجهاد في سبيله ، وهو أكبر من أن تضم سيرته وحياته كتاب واحد ، لهذا كان غرضنا أن نقدم هذا التمهيد الذي يكشف عن ملامح شخصيته ، وذلك لإمكانية المقارنة بين ما ورد عنه ، وما يمكن أن تقدمه النماذج التي مثّل بها في منظومته النحوية من ملامح حياته تدينا وزهدا وورعا وحكمة ، وما يمكن أن تقدمه تلك النماذج من ملامح اجتماعية لحياة الخليل.
1) الأعلام للزركلي (هامش) 2 / 314.
تشير كتب التراجم إلى أنّ الخليل كان زاهدا في الحياة فقيرا لا يأخذ العلم وسيلة للتكسب.
فابن عماد الحنبلي يصفه بأنه «كان من الزهد في طبقة لا تدرك حتى قيل إن بعض الملوك طلبه ليؤدب له أولاده فأتاه الرسول وبين يديه كسر يابسة يأكلها فقال له : «قل لمرسلك ما دام يلقى مثل هذه لا حاجة به إليك» (1)ولم يأت الملك.
ويقول صاحب كتاب أعلام العرب (2): «أنقطع الخليل إلى العبادة والزهد فاكتفى من العيش بالقليل حتى قال النضر بن شميل عنه : «أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه ، وهو في خص لا يشعر به».
وقد نقل ابن خلكان قول النضر بن شميل عن الخليل أنه لم يكن يقدر على فلسين ، وأن الخليل كان يقول : «إني لأغلق عليّ بابي فما يجاوزه همّي» (3).
وهذه الصورة نفسها من الوحدة والانقطاع عن الدنيا هي التي يصورها ياقوت الحموي (4)بل إن أحد المؤرخين (5)يصفه بأنه كان أشعث الرأس شاحب اللون ، قشف الهيئة متمزق الثياب متفلع (متشقق) القدمين كان يخرج من منزله فلا يشعر إلا وهو في الصحراء ولم يردها لشغله بالفكر.
وإذا كان الخليل زاهدا متقشفا عن متاع الدنيا الزائل لا يلقي لمباهجها بالا ولا يقيم لزخارفها وزنا ، يرفض أن ينغمس في ترك الدنيا ومساوئ نعيمها ، مؤمنا بزوال لذائذها وانقطاع أسبابها يرغب عنها خداعا زائفا ومتعة عاجلة عابرة وحطاما فانيا. أقول إذا كان الخليل بهذه الدرجة من الزهد فلا أظن أن يترك نفسه لتتمزق ثيابه وتتشقق قدماه
1) شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي الجزء الأول. ص 276.
2) عبد الصاحب عمران الدجيلي ، كتاب أعلام العرب في العلوم والفنون ، ص 69.
3) وفيات الأعيان لابن خلكان تحقيق إحسان عباس ، المجلد الثاني ص 245.
4) معجم الأدباء 11 / 72 - 75.
5) الشريشي في كتابه (شرح المقامات الحريرية) ص 213 ، وانظر النص في الأعلام للزركلي في ترجمة الخليل.
ويشحب لونه وتغبر رأسه ومن حوله تلاميذه ومحبوه الذين أشادوا بعلمه وعبقريته ونطقوا بشهادات تمجد خلقه وورعه وتقواه. وأعتقد أن كل ما في الأمر هو أن رجلا بهذا الورع والتقوى يمكن أن تنسج حوله الحكايات تدليلا على ذلك.
والحقيقة أننا عند ما نقرأ عن الخليل وأخباره وذكائه وعبقريته ، ونتأمل أشعاره الواردة في الكتب المختلفة ، ونماذجه التي مثّل بها في قصيدته النحوية فإننا نجد شخصا مقدما على الحياة متمتعا بلقاء الناس في حوارات علمية أو اجتماعية ؛ صاحب غزل رقيق وخيال خصب وذلك يتجلى في قوله :
ابصرتها فغضضت عنها ناظري
خوف القصاص وظل قلبي يرغب
ولعلنا فيما يلي نجد ما يفصح عن تلك الظاهرة الاجتماعية ، فهو ليس منعزلا عن المجتمع ، حابسا نفسه ، إذ تعلّم الفصاحة كان يقتضي منه في بداية حياته السفر والترحال والمشافهة والمقابلة والأخذ عن الأعراب في البادية ، وبعد ذلك عند ما صار معلما كان يلتقي بطلابه ومحبيّه من الناس ، وربما أدى اتزانه وعدم حب العبث واللهو والانخراط كثيرا في المسائل العلمية إلى القول والتأكيد على زهده الشديد ، يقول أحد المؤرخين : «وعكف على العلم يستخرج ويستنبط ويخترع فكان مضرب المثل في عزوفه عن الدنيا وعكوفه على العلم» (1).
ولعل تأكيد المؤرخين على زهده ورفضه للمال واكتفائه بالقليل كان من قبيل إيضاح أن الخليل ما كان يقف على أبواب الولاة طالبا ، أو يسعى لشهرة أو مال ولعل ما ورد في معجم الأدباء دليل على ذلك. يقول ياقوت الحموي (2)عن الخليل : «ووجه إليه سليمان بن علي والي الأهواز لتأديب ولده ، فأخرج الخليل لرسول سليمان خبزا يابسا وقال : ما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان ، فقال الرسول : فما أبلغه عنك؟ فقال :
أبلغ سليمان أني عنه في سعة
وفي غنى غير أنى لست ذا مال
سخّى (3)بنفسي أني لا أرى أحدا
يموت هزلا ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال نعرفه
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه
ولا يزيدك فيه حول (1)محتال
هذه نفس أبية زاهدة لا تطمع إلا فيما يسدّ الرمق من الحياة لا تجرى وراء الكثير الفاني. فالخليل يفعل ذلك لا يخاف أن يقطع سليمان راتبا كان له عنده. ولنكمل القصة مع صاحب كتاب إتحاف الأعيان (2)حين يقول : «وكان سليمان رتب له راتبا فقطعه عنه فقال :
إن الذي شق فمي ضامن
للرزق حتى يتوفاني
حرمتنى مالا قليلا فما
زادك في مالك حرماني
فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته فكتب إلى الخليل يعتذر وأضعف جائزته فقال الخليل:
وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت
منها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبن لخير زلّ عن يده
فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
فرجل مثل الخليل له راتب ، وتضاعفت جائزته أو راتبه لدى سليمان لا يمكن أن يكون بهذه الصورة العجيبة من التقشف وتشقق القدمين وشحوب الوجه وتمزق الثياب إلى حدّ تلك الصورة المريبة. وكل ما حدث أنه رجل صاحب كبرياء وكرامة أراد أن يحافظ عليها ، والصورة - كما قال أحد الباحثين - (3): «أن زهده وعفة نفسه وعزته واباءّه كل أولئك : حال بينه وبين الشهرة ، وقعد بصيته أن يطير حينذاك وبفضله أن ينشر ويذيع ، لأنه آثر أن يغلق عليه بابه فما تجاوزه همه عن أن يقف على باب أمير أو وال يستندي الأكف ويبذل من شممه وعزة نفسه ما يملأ جيبه بالنضار ، ويريق من ماء وجهه ما يرفع منزلته عند الناس ويخفضها عند الله ويصلح من دنياه بقدر ما يفسد من دينه»
هكذا صوّر المؤرخون الخليل وإن كنا نرى في أشعاره ما
يمكن - من خلالها - القول بأنه مع كل ذلك كان سعيدا بحياته يحياها مؤمنا بها تفيض مشاعره للحسن والجمال ، ولنقرأ ما يقوله الخليل سواء كان القول من خلال قصيدته النحوية أو أشعاره التي رويت عنه في كتب التراجم والتاريخ ، أو حتى أقواله المأثورة عنه ، لنرى الجانب الآخر من صورة الخليل بن أحمد الذي يقول في منظومته :
وتقول إنى قد مررت بطفلة
بيضاء تستلب النفوس وتخلب
أبصرتها فغضضت عنها ناظري
خوف القصاص وظلّ قلبي يرغب
ويقول :
وتقول إن رخمت زينب صادقا
يا زين إن البين فيه تشعّب
ويقول :
عهدي بكلثم أو سعاد وأختها
والحي في سعة ولما يشعبوا
رعبوبتين خريدتين كأنّ في
درعيهما الأترجّ حين يطيّب
لا تجر مصرا مفردا ما لم يكن
ألف ولام في البلاد يركّب
ولدى الرباب مقرّ كل ملاحة
تسبيك حاسرة وحين تجلبب
ويقول :
والتاء إن زادت فخفض نصبها
ما عن طريق الخفض عنها مهرب
فتقول إن بنات عمك خرّد
بيض الوجوه كأنهن الربرب
إن هذه الأبيات تدل على نفس تتمتع بالرضا وطمأنينة الحياة وهدوئها ، نفس امتزجت بالحياة وبالبشر ، ليست منعزلة أو منقطعة عن التواصل البشري ،
والملاحظ أيضا من خلال البحث في تراث الخليل وأقواله أن المأثور النثري عن الخليل يعطي هذا الانطباع.
فقد نقل صاحب إتحاف الأعيان (1)عن الخليل قوله : ثلاثة تنسينى المصائب : مرّ الليالى ؛ والمرأة الحسناء ومحادثات الرجال» بل وينقل لنا المؤلف نفسه شعرا للخليل يحمل رقة مشاعره قائلا (2): وللخليل ثلاثة أبيات على قافية واحدة يتفق لفظها ويختلف معناها وهي :
يا ويح قلبي من دواعي الهوى
إذ رحل الجيران عند الغروب
اتبعتهم طرفي وقد أزمعوا
ودمع عيني كفيض الغروب
بانوا وفيهم طفلة حرّة
تفترّ مثل أقاحي الغروب
والمتأمل لتلك الأبيات وللبيت رقم 209 من منظومة الخليل النحوية والذي يقول فيه :
وتقول إنى قد مررت بطفلة
بيضاء تستلب النفوس وتخلب
أقول : إن المتأمل يجد نوعا من الانسجام بين القولين ، فهو يقول «طفلة حرة» ، ثم يقول «مررت بطفلة بيضاء» فالطفلة جاءت رمزا للمتغزّل فيها في الاثنين ولعل ذلك التوافق يؤدي إلى القول : بأن ثبوت أحد النصين للخليل يثبت النص الآخر له أيضا.
إن النماذج والأمثلة النحوية الواردة في منظومة الخليل لتدل دلالة كبيرة على طبيعته التي يتحدث عنها المؤرخون ، فإننا لواجدون في قصيدته ما يجعلنا نوقن بالشق الأول حين يقول في المنظومة (البيت 199).
فتقول من يزر النبي محمدا
يكن النبي شفيعه يا موهب
كذلك عند ما تتحدث كتب التاريخ والسير والأخبار عن تقواه وعبادته وأدبه وتواضعه وجهاده فإنّ ذلك معناه أنه لم يعبأ بالحياة المادية ، وأنه اهتم بخدمة الدين والعلم : يقول الدكتور مهدي المخزومى (1): «وكان الخليل من أهل الدين الذين جاهدوا في سبيله ، وكان لجهاده في سبيل الدين ألوان. اصطبغ مرة بالسياسة ، واصطبغ مرة بالعلم ، ولما لم تسعفه الظروف السياسية في كفاحه السياسي انصرف إلى خدمة الدين عن طريق العلم ، وقد عكف على العلم عكوف المتصوفين ، وانصرف إلى طلبه تاركا الحياة المادية ، غير عابئ بجاه أو منصب واعتزل في خصه مغلقا عليه بابه».
على أية حال يبدو أن حياة الخليل كان لها شقان :
الشق الأول من حياته : كان الخليل فيه شابا يخرج في طلب العلم يلتقي بالناس ، ذا علاقات اجتماعية مختلفة ، وربما كتب بعض غزلياته في هذه المرحلة.
الشق الثاني من حياة الخليل : وهو مرحلة ما بعد ذلك ، وفيها كان الخليل زاهدا عاكفا على علمه مفكرا في وضع وابتكار ما ابتكره من علم العروض ومعجم العين وغير ذلك من إضافاته اللغوية الجديدة. (2)
لكن المؤكد أن الخليل في شقي حياته لم ينجذب إلى اللهو والعبث والمجون كما يفعل غيره شبابا وشيوخا ، لم تستهوه مجالس الطرب والأنس
والشراب فقد كان مشغولا بأمور أهم من هذا العبث الصبياني.
والمرحلة الثانية التي يتسم فيها الإنسان بالوقار والنضج والحلم هي مرحلة ما بعد الأربعين ، وهي تلك المرحلة التي يقول عنها الخليل في منظومته النحوية (البيت 184).
قطني وقدني من مجالسة الأولى
قد أتعبوا بدني الضعيف (1)
وأنصبوا
والخليل نفسه كان يقول (2): «أكمل ما يكون الإنسان عقلا وذهنا إذا بلغ أربعين سنة ، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمدا صلّى الله عليه وسلّم ، ثم يتغير وينقص إذ بلغ ثلاثا وستين سنة ، وهي السن التي قبض فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر».
هذه هي صورة الخليل العاقل الحليم الوقور الحكيم الذي كان يقول الحكمة في شعره ونثره ، بل حتى في تصرفاته كان حكما مع أصدقائه وأساتذته عند محاورته أو حتى سكوته ، وقد جاءت بعض النماذج في قصيدته النحوية دالة على ذلك. عنذما يقول في البيت 259 :
لا خير في رجل يعرض نفسه
للذم لا. لا خير فيمن يغضب
أو حينما يقول في البيت 288 :
............
كل امرئ إن عاش يوما ينكب
وفي البيت 238 :
وعلام تظلمنا وتبخس حقنا
والحق أحسن ما أتيت وأوجب
والملاحظ أن نماذج الحكمة عند الخليل لم تخرج عن تلك النماذج التي رويت عنه في كتب التراجم والمؤرخين ، فمن أشعاره التي رويت عنه قوله (1):
وقبلك داوى الطبيب المريض
فعاش المريض ومات الطبيب
فكن مستعدا لدار الفناء
فإن الذي هو آت قريب
وأيضا هو الذي يقول (2):
وما هي إلا ليلة ثم يومها
وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى
ويدنين أشلاء الكرام إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره
ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
وكل هذه أشعار تدل على حكمة وتعقل وفهم للحياة ، تدل على أن الخليل تمرس بالحياة ، كثيرا وخبرها قبل هذه العزلة التي فرضها على نفسه ، وعند لقائه ومحاوراته مع غيره لم يكن يجيب إلا بعد روّية ولم يكن يدعي أن ما أتى هو القول النهائي ، أو يتعرض لغيره من العلماء بسوء (3).
فقد حكى عنه صاحب إتحاف الأعيان قائلا : «قال النضر بن شميل : جاء رجل من أصحاب يونس إلى الخليل يسأله عن مسألة فأطرق الخليل يفكر وأطال حتى انصرف الرجل ، فعاتبناه فقال «ما كنتم قائلين فيها؟!» قلنا : كذا وكذا ، قال فإن قال كذا وكذا ، قلنا : نقول : كذا وكذا ، فلم يزل يغوص حتى انقطعنا وجلسنا نفكر ، فقال : إن المجيب يفكر قبل الجواب ، وقبيح أن يفكر بعده ، وقال ما أجيب بجواب حتى أعرف ما عليّ فيه من الاعتراضات
والمؤاخذات» (1)أي حكمة وأي عقل هذا الرجل الذكي الذي يقول! «لا يعرف الرجل معلمه حتى يجالس غيره» (2).
إنه حكيم في كلامه وأفعاله وحديثه ، كما أنه حكيم في صمته.
ولنتأمل ما يحكيه ابن العماد الحنبلي (3)عن الخليل عند ما يقول : «لما دخل الخليل البصرة لمناظرة أبي عمرو بن العلاء جلس إليه ولم يتكلم بشيء ، فسئل عن ذلك فقال : هو رئيس منذ خمسين سنة فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد». أي أدب هذا! وأي حكمة بالغة في صمته والتعليق عليه؟ لقد حق أن يقال عنه إنه كان إماما كبير القدر خيّرا متواضعا فيه زهد وتعطف (4).
أما نماذجه وتمثيله في منظومته النحوية فهي دالة دلالة يقينية على تقواه ونقائه وحبه للعبادة ونماذج ذلك كثيرة يستطيع أن يلمحها القارئ للمنظومة ويكفي أن نقرأ قوله في البيت 234 :
وتقول لا تدع الصلاة لوقتها
فيخيب سعيك ثم لا تستعتب
وفي البيتين 164 ، 165 يقول :
اخرج فاتهم وأنت بنادهم
فانظر فأي مؤذنيك يثوّب
فأجب ولا تدع الصلاة جماعة
إن الصلاة مع الجماعة أطيب
إن هذه الأبيات دالة على صفاته التي حكيت عنه وذكرت من ضمن صفاته الكثيرة ، فقد كان تقيّا ورعا زاهدا تهيمن عليه آداب العلماء الحقة فيما يقوله أو
يفعله (1)، يقول في البيتين 127 ، 128 :
والأمر بالنون الخفيفة فاعلمن
والنهي أصعب في الكلام وأعزب
لا تعصين الله واطلب عفوه
لا تشربن خمرا فبئس المشرب
ثم يقول في البيت 192 :
بعدا لجاحد ربه سحقا له
يوم القيامة في السعير يكبكب
وفي البيت 197 :
وتقول من يعمل ليوم معاده
يسعد به وهو الحظيّ المنجب
1) مكانة الخليل بن أحمد في النحو العربي د. جعفر نايف عبابنه ، ص 24. 25.
جاءت منظومة الخليل النحوية في 293 بيتا من النظم الذي اقترب من الشعر في لغته الرقيقة ، وصاغها الخليل على وزن عروضي يسمى «بحر الكامل التام» الصحيح العروض والضرب ، وتفعيلات هذا الوزن تأتي على الصورة التالية :
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
ضمت الكثير من أبواب النحو العربي وتركت القليل منها ، جاءت مقدمتها التي وصلت إلى 26 بيتا تمهيدا للقارئ وتوطئة نفسية له بدلا من الدخول إلى النحو مباشرة. يقول في أولها :
الحمد لله الحميد بمنّه
أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب
حمدا يكون مبلّغي رضوانه
وبه أصير إلى النجاة وأقرب
وعلى النبيّ محمد من ربه
صلواته وسلام ربّي الأطيب
إني نظمت قصيدة حبّرتها
فيها كلام مونق وتأدب
لذوي المروءة والعقول ولم أكن
إلّا إلى أمثالهم أتقربّ
عربية لا عيب في أبياتها
مثل القناة أقيم فيها الأكعب
تزهو بها الفصحاء عند نشيدها
عجبا ويطرق عندها المتأدب
إلى أن وصل إلى نهاية المقدمة وبداية الموضوع النحوي الأول قائلا :
فإذا نطقت فلا تكن لحّانة
فيظل يسخر من كلامك معرب
النحو رفع في الكلام وبعضه
خفض وبعض في التكلم ينصب
واستمر الخليل في معالجة كثير من الأبواب النحوية ، حتى وصل إلى نهاية المنظومة وأنهاها بقوله :
النحو بحر ليس يدرك قعره
وعر السبيل عيونه لا تنضب
فاقصد إذا ما عمت في آذيّه
فالقصد أبلغ في الأمور وأذرب
واستغن أنت ببعضه عن بعضه
وصن الذي علّمت لا يتشذّب
وبين المقدمة والنهاية عالج أمورا نحوية كثيرة بأسلوب يتسم بالسهولة والابتعاد عن التعقيد ، جاء متسقا مع سهولة عرض القضايا النحوية فكأنه يعيش معنا الآن بأسلوبه الذي يصل إلى متلقيه سريعا وابتعاده عن الجدل النحويّ.
هناك ملاحظة مهمة حول الأبيات الأخيرة حيث يوجه الخليل نصيحته إلى متعلمي النحو قائلا «إن النحو بحر عميق لا يدرك قاعه ، وعر المسالك ، عيونه تفيض بغزارة».
وهو هنا يشير إلى المسائل الخلافية في النحو والتعليلات ، وفلسفات النحو وتفريعات قضاياه ، إنه كالأمواج المتلاطمة في بحار عميقة لا قرار لها ، ومن هنا فإن على المتعلم أن يقتصد ، وأن يأخذ منه بحذر لأن الإفراط في معرفة أصوله وفروعه له نتائج وخيمة لمن لم يتسلح للدخول إليه.
أما الشادون من المتعلمين فعليهم أن يدخلوا إلى أبواب النحو برفق ، وهذا إرشاد صائب لمن شاء أن يتعلمه ، فبعضه يغني عن بعض ، لكن المفيد أن تحتفظ وتعي وتصون ما تعلمته فلا يستغنى عنه.
هناك وسائل كثيرة للوصول إلى حقيقة نسبة أي عمل إلى صاحبه ، من هذه الوسائل المهمة ما أطلق عليه علماء أصول التربية «النقد التاريخي» (1)أو «الأدلة التاريخية» (2)، ويقصد بها مجموع الحقائق والمعلومات التي تثبت صحة العمل المقصود بالدراسة ، والتحقق من صحة نسبته بحيث يمكن قبوله في نهاية الأمر والثقة به والغرض من هذا النقد التأكد من صدق المصدر وصحة المادة الموجودة في هذا المصدر والتي تكون موطن الدراسة ، ويكون الشك هو بداية الحكمة على حد تلك المقولة الشائعة (3)، وسنتخذ من هذا
1) مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والتربوية تأليف لويس كوهين ، لورانس مانيون ترجمة أ. د. كوثر حسين كوجك. أ. د. وليم تاوضروس عبيد مراجعة أ. د. سعد مرسي أحمد ، الطبعة الأولى 1990 ، صفحة 80.
2) مناهج البحث في التربية وعلم النفس تأليف أ. د. جابر عبد الحميد جابر وأ. د. أحمد خيرى كاظم ، القاهرة 1990 ، ص 120.
3) المصدر السابق نفسه.
المنهج النقدي معيارا لنا في البحث عن صحة نسبة هذه المنظومة إلى الخليل.
هذا المنهج النقدى الذي ينقسم إلى نوعين رئيسيين : أولهما يعرف بالنقد الخارجي ، وثانيهما يعرف بالنقد الداخلي.
يهدف هذا النقد إلى التحقق من صحة الوثائق من حيث انتسابها إلى صاحبها وإلى العصر الذي تنسب إليه (1)، ويهتم هذا النقد أيضا بتأكيد أصالة البيانات الواردة وخلوها من أيّ زيف ، لهذا يوجّه النقد الخارجيّ إلى الوثيقة وليس إلى ما تحتويه من مضمون ، ويركز على التحليل الشكليّ وليس على تفسيرها أو معناها بالنسبة للدراسة - موضع البحث (2).
وينقسم النقد الخارجي إلى نوعين :
(أ) نقد التصحيح. (ب) نقد المصدر.
أما عن نقد التصحيح فيتضمن النظر إلى الوثيقة المقصودة بالدراسة والنظر إلى نسخها ، أوجدت نسخة بخط المؤلف ، فتكون هي الأصل وتقوم الدراسة عليها؟ أم أنها مكتوبة بخط شخص آخر غير المؤلف وليس هناك إلا نسخة واحدة يمكن أن يكون بها أخطاء لجهل الناسخ فينبغي أن يصحح الباحث هذه الأخطاء بالإشارة إليها مستفيدا من خبرته. أم أن هذه الوثيقة لها أكثر من نسخة ، وفي هذه الحالة ينبغي أن يقوم الباحث بدراسة هذه النسخ لكي يتبين ما يرجح منها إلى أصل واحد ، ويمكنه التعرف على ذلك من احتواء هذه المخطوطات على الأخطاء نفسها في المواضع نفسها فيظهر الأصل أو المخطوطة التي نقل عنها ، وفي هذه الحالة تعدّ الأخيرة مخطوطة من الدرجة الأولى (3)بحيث يعتمد عليها.
ويتضمن مصدر الوثيقة ومؤلفاتها وزمانها فقد تكون هناك وثيقة عظيمة القيمة ولكنها تنسب إلى شخصية أخرى غير واضعها.
وسنحاول فيما يلي تطبيق هذا المنهج سواء ما اتصل بنقد التصحيح أم بنقد المصدر ، حيث استطعنا جمع عشر نسخ كلها بخطوط مختلفة ليس من بينها النسخة الأصلية ، كما أننا حريصون على إيضاح زمن كتابة هذه المنظومة ، حيث يمثل ذلك نقطة مهمة في توثيق نسبة النص إلى صاحبه وذلك من خلال بعض الإشارات الواردة عن هذه المنظومة.
وله أهمية كبيرة في دراستنا هذه ، حيث تتضمن هذه المرحلة تقييم المنظومة ومعلوماتها وبيان صدق المادة العلمية الموجودة بالوثيقة ، وعلى ذلك فإن الباحث يواجه مشكلات أصعب كثيرا مما يواجهه في مرحلة النقد الخارجي (1)حيث ينبغي دراسة دقيقة تبيّن هل تتعارض مع ما ورد عن المؤلف في مصادر أخرى ، ويتطلب هذا من الباحث أن يلمّ جيدا بلغة كاتب الوثيقة ولغة العصر الذي عاش فيه وكتب فيه الوثيقة (2)، ويعلي الأستاذ عبد السّلام هارون من قدر هذه الاعتبارات التاريخية قائلا (3): «وتعدّ الاعتبارات التاريخية من أقوى المقاييس في تصحيح نسبة الكتاب أو تزييفها» ولهذا كنّا حريصين على هذا المقياس فتوقفنا كثيرا أمام ذكر قطرب الذي توفي بعد الخليل حيث ذكره الخليل في منظومته ، وقارنا بين لغة الخليل في المنظومة وما ورد مرويّا عنه في غير ذلك من المراجع ، وقارنا بين ما نقل عن شخصيته وما ورد من معان في أمثلته التطبيقية.
وهذا «النقد الداخلي» - كما يطلق عليه علماء أصول التربية - هو الأكثر أهمية ، وهو ما يطلق عليه الاستاذ المحقق عبد السّلام هارون : (تحقيق متن الكتاب) الذي يقتضي من الباحث الأداء الصادق ، والأمانة والصبر.
يقول الاستاذ عبد السّلام هارون (1): «ليس تحقيق المتن تحسينا أو تصحيحا ، وإنما هو أمانة الأداء التي تقتضيها أمانة التاريخ ، فإن متن الكتاب حكم على المؤلف وحكم عل عصره وبيئته ، وهي اعتبارات تاريخية لها حرمتها كما أن ذلك الضرب من التصرف عدوان على حق المؤلف الذي له وحده حق التبديل والتغيير».
ومن هنا سنحاول قدر الإمكان مقارنة المعاني والنصوص والمصطلحات بما ورد على لسان الخليل دون تدخل إلا بتفسير أو تحليل ، وسنترك بعض العناوين التي جاءت في غير مكانها أو اندرج تحتها ما ليس لها ، مع الإشارة إلى ذلك ، والقارئ الكريم يستطيع متابعة ذلك وتكوين رأي فيما يقرؤه ، وإن صحح خطأ من الأخطاء فسوف تتم الإشارة إليه.
من المؤكد أن هذه المنظومة النحوية لم تأخذ حقها في الظهور ولم تشتهر على الساحة النحوية شهرة غيرها من المنظومات النحوية الأخرى التي جاءت بعدها في عصور تالية ، ولعل ذلك يثير بعض التساؤلات عن أسباب خفاء هذه المنظومة حتى هذا الوقت المتأخر في حقل الدراسات النحوية واللغوية. هل تخوّف الدارسون من فكرة نسبتها للخليل؟ وهو من هو في حقل الدراسات النحوية واللغوية؟ هل ظلّت طوال كل هذا الزمن مغمورة لا يعرف من أمرها شيء ؛ ولم تصل إليها أيدي الدارسين فظلت في خدرها لم يقترب منها أحد؟ هل عزف عنها الدارسون لأسباب فنية أخرى؟
لا شك أن التنقيب داخل المخطوطات المحفوظة في المكتبات الخاصة أو
1) تحقيق النصوص ونشرها 44.
العامة ، وعدم تمكّن عناوين هذه المخطوطات من خداع القارئ المثابر الذي يتوقع أن يجد عنوانا مخالفا للمضمون أو مضمونا مخالفا للعنوان ، أو يجد مجموعا به عدة مخطوطات وضع له عنوان لمخطوطة واحدة من هذا المجموع ، أقول : لا شك أن كل هذا يمكن أن يكشف النقاب عن الكثير من المفاجآت سلبا أو إيجابا لو كانت محاولات الكشف جادة تتسم بالصبر والدأب.
ولعل تلك المثابرة هي التي كشفت النقاب عن هذه المنظومة المنسوبة إلى الخليل. فقد وجدت عشر نسخ مخطوطة لها. كل هذه النسخ ضمن مجاميع مخطوطة ، سواء بالمكتبات الخاصة أو العامة ، وربما كان هذا مدخلا مهما للإجابة عن السؤال : لماذا لم تكتشف منظومة الخليل النحوية من قبل؟
فلقد كانت نسخ هذه المنظومة مطمورة ضمن مجاميع مخطوطة. هذه المجاميع احتوت في معظمها على نصوص مهمة ، بعضها أشعار للإمام علي بن أبي طالب والشافعيّ والبوصيريّ ، وبعضها نحويّ لقدامى النحاة وبعضها منظومات نحوية أو نصوص لغوية كمثلثات قطرب أو اللخمي .. الخ.
ومن الواضح الاهتمام بأمر المجاميع من قبل أصحابها ، والعناية بنسخها عن طريق نسّاخ متخصصين ، بل ومراجعتها أحيانا على نسخ أصلية أقدم للوصول إلى نص صحيح. والملاحظ أنني لم أجد نسخة واحدة في مخطوطة مستقلة من نص المنظومة ، على الرغم من الاهتمام بأمر الخليل بن أحمد وأعماله بشكل لافت للنظر ويبدو أن ذلك كان سببا قويا في عدم الكشف (1)عنها أو الاهتمام بأمرها حتى الآن ؛ وربما كان السبب استصغارا لحجمها (2)بالقياس للمنظومات النحوية الأخرى التي تصل إلى ألف بيت أو يزيد ، وربما كان السبب الشك في صحة نسبتها إلى الخليل بن أحمد ، إذ كيف تكون هذه المنظومة كتبت في القرن الثاني الهجريّ ، ولم تظهر للنور حتى الآن؟
كل هذا دار في خلدى وأنا بين الإقبال مرّة والإحجام مرّات على تحقيقها إلى أن عثرت على نصّ لخلف الأحمر (1)الذي كان معاصرا للخليل ، وكانت وفاته بعد وفاة الخليل بعشر سنوات تقريبا. هذا النص يشير إلى تلك المنظومة النحوية للخليل ، بل وينقل بيتين من تلك المنظومة مستشهدا بهما على قضية نحوية نراها في نصه الذي يقول فيه تحت عنوان «باب حروف النّسق».
يقول خلف الأحمر عن هذه الحروف في كتابه «مقدمة في النحو» (2)«فنسق بها ، فإذا أتيت برفع ثم نسقت بشيء من حروف التنسيق رددت على الأول» (أي عطفت على الأول) وكذلك إذا نصبت وخفضت ثم أتيت بحروف النسق رددت على الأول. وحروف النسق خمسة ، وتسمى حروف العطف.
وقد ذكرها الخليل بن أحمد في قصيدته في النحو ، وهي قول الشاعر :
فانسق وصل بالواو قولك كلّه
وبلا وثمّ وأو ، فليست تصعب
الفاء ناسقة كذلك عندنا
وسبيلها رحب المذاهب مشعب
وهذا البيتان يحملان رقمي 157 ، 158 من منظومة الخليل النحوية ، وإن كانت كلمة القافية في البيت الأول جاءت على أشكال متنوعة ، فمرة «تعقب» ويكون القصد منها أنّ (أو) ليست للتعقيب مثل ثم الواقعة
1) خلف الأحمر هو أبو محرز مولى بلال بن أبى بردة راوية علامة بالأدب ، شاعر من أهل البصرة كان أبواه موليين من فرغانة. أعتقهما بلال بن أبي موسى الأشعري. حمل عنه ديوانه أبو نواس وتوفي في حدود الثمانين ومائة (180 ه - 796 م). عالم بالأدب يسلك الأصمعي طريقه ويحذو حذوه. له ديوان شعر وكتاب (جبال العرب) و (مقدمة في النحو) (طبع). انظر في ترجمته ، الأعلام للزركلي ج 2 ص 310 ، وكتاب الوافي بالوفيات 3 / 353 - 355 ، 1404 ه - 1984 م دار النشر فرانز شتاير بقسبادن.
2) كتاب (مقدمة في النحو) لخلف الأحمر (180 ه) تحقيق : عز الدين التنوخي دمشق 1381 ه 1961 م ص 85. 86.
قبلها مباشرة ، ومرة جاء «تعصّب» وجاء التركيب «ولست تعصّب» ، أي لست متشددا عند استخدام حروف العطف هذه ، ومرة جاءت «ولست تغضّب» من الغضب .. إلخ.
وهذه كلها جاءت متغايرة باختلاف النسخ ، وكلها جاءت في شكل اختلافات يسيرة لا تمثل خللا في صلب القضية موطن الحديث ، وفي نهاية الأمر قد تأكد وجود البيتين في منظومة الخليل التي أشار إليها خلف الأحمر ، بل وجاء تحت عنوان «باب النسق» في قصيدة الخليل الذي قال تحت هذا الباب مباشرة :
وإذا نسقت اسما على اسم قبله
أعطيته إعراب ما هو معرب
وانسق وقل بالواو ....
والفاء ناسقة ....
فتقول حدثنا هشام وغيره
ما قال عوف أو حسين الكاتب
واستمر الخليل في التمثيل لحروف العطف رفعا ونصبا وجرا حتى البيت رقم 162 من المنظومة.
لعل تساؤلا يطرح نفسه بقوة أمامنا الآن ، هذا التساؤل مفاده هو كيف نعتمد على أقوال وأخبار خلف الأحمر ، وقد كثر اتهام المؤرخين له بالانتحال والوضع ونقل الأخبار غير الموثوق بصحتها؟ ألا يمكن أن يكون ذكر خلف الأحمر لهذه المنظومة النحوية ونسبتها للخليل على لسانه مثارا للشك في تلك النسبة؟ حيث يتهم في أخباره وأشعاره ونسبتها إلى أصحابها.
وللإجابة عن هذا أنه يمكن أن يكون لهذا السؤال وجاهته ومجاله لو أن الأمر كان متعلقا بأبيات أو بقصيدة لها غرض آخر ، مثل المدح أو الذم أو ذكر يوم من أيام العرب أو ذكر مثالب قبيلة ما أو إثبات صفات لبعض الأشخاص أو غير ذلك من الأشياء التي يمكن أن تكون مثارا للوضع والانتحال ، إن ثبت ذلك عن خلف الأحمر ، أما وإن الأمر متعلق بقصيدة
نحوية ليس الغرض منها اجتماعيا أو سياسيا أو مدحا أو ذما ، فإن أمر الشك لا مجال له هنا والسؤال المقابل الذي يطرح نفسه في وجه هذا الشك هو : لماذا يتخيل أحد أسبابا غير حقيقية لخلف الأحمر كانت عاملا على نسبة هذه القصيدة للخليل بن أحمد؟ وأي أسباب هذه ، تلك التي تجعل خلف الأحمر حريصا على نسبة هذه القصيدة للخليل غير الحقيقة في وجود هذه النسبة؟.
وإذا كان هنالك من يشك في رواية خلف الأحمر للأشعار فإن هناك أيضا من يثبت له الثقة والنزاهة. يقول صلاح الدين الصفديّ عن خلف (1)«كان راوية ثقة علّامة يسلك الأصمعيّ طريقه ويحذو حذوه حتى قيل : هو معلم الأصمعي ، وهو والأصمعيّ فتّقا المعاني وأوضحا المذاهب وبينّا المعالم» بل إن الزركلي ينقل قول معمّر ابن المثنى أن خلف الأحمر معلّم الأصمعي ومعلم أهل البصرة (2).
ولا شك أن كل هذه شهادات علمية جيدة في حق خلف. وإذا كان خلف قد انتحل الشعر على بعض العرب فربما كان ذلك في بداية حياته وكان يقلد القدماء ليحاكي ألفاظهم.
يقول الصفديّ : (3)«ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أنه كان يعمل القصيدة يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء وينحلها أعيان الشعراء».
والخليل بن أحمد كان معاصرا له فقد توفي خلف عام 180 ه - 976 م تقريبا - على حد تعبير الزركلي في الأعلام - (4). بالإضافة إلى أن
ألفاظ القصيدة لا تشابه ألفاظ القدماء فقد عبّرت عن الخليل خير تعبير وتساوقت مع أشعاره الأخرى في ألفاظها ومعانيها.
أما انتحال خلف للشعر الذي أشار إليه المؤرخون ، فربما قد تمّ لفترة محدودة في مقتبل حياته. أقلع عن ذلك وتنسّك وأعلن عن كل شيء انتحله ولنقرأ هذا النص المنقول عن أبي الطيب اللغوي حيث يقول (1): «كان خلف الأحمر يصنع الشعر وينسبه إلى العرب فلا يعرف ثم نسك وكان يختم القرآن كل يوم وليلة ، وبذل له بعض الملوك العظماء مالا على أن يتكلم في بيت شعر شكّوا فيه فأبى ذلك وقال : قد مضى لي فيه ما لا أحتاج أن أزيد عليه. وكان قد قرأ أهل الكوفة عليه أشعارهم فكانوا يقصدونه لما مات حمّاد الراوية ، فلما نسك خرج إلى أهل الكوفة يعرفهم الأشعار التي أدخلها في أشعار الناس».
إن تنسكه وختمه القرآن كل يوم وليلة ورفضه لعرض بعض الملوك وإصراره على إخبار الناس بما انتحله لتوبة صادقة ، وصارت بعد ذلك حياته أقرب إلى الثقة منه الى الانتحال ، لهذا يبقى ما ورد في كتابه «مقدمة في النحو» عن نسبة المنظومة النحوية الى الخليل بن أحمد يقينا حسبما ورد في الكتاب ، إذ لو كانت القصيدة ليست للخليل لكان أعلن ذلك للناس أو حذفها من كتابه ، لأنه كان يشير إلى المنحول المسموع فما بالنا بالمكتوب لديه ، ولا أظن أن كتابه قد اشتهر وخرج إلى الناس في حياته ، ولو كان ذلك قد تم لكان قد أعلن انتحال هذه المنظومة على الخليل ، إن الانتحال في رأيي لا يكون في نسبة قصيدة نحوية لصاحبها ولا أظن أن في الأمر شيئا آخر غير الحقيقة في هذه النسبة. (2)
ولعل فيما يلي - إضافة إلى قول خلف الأحمر - دليلا على صحة نسبة المنظومة للخليل.
أولا - وجود عشر نسخ من نص المنظومة المنسوبة للخليل ، بخطوط لنسّاخ مختلفين بعضها في دائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ؛ وفي بعض المكتبات الخاصة مثل نسخة مكتبة معالي السيد محمد بن احمد البوسعيدي ونسخة مكتبة الفاضل الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي بالمضيرب (1)(2).
ثانيا - نسبت القصيدة في النسخ السابقة إلى الخليل بن أحمد ، باستثناء النسخة (ب) التي لم يذكر ناسخها نسبتها إلى أحد ، والملاحظ أيضا أن قصيدة الخليل في النسخة (ب) لم تنسب الى غير الخليل فربما سقط من الناسخ ذكر مؤلفها نسيانا ، وعلى هذا يلاحظ أن أحدا من النساخ لم ينسبها إلى غير الخليل بن أحمد ولم يشك أحد من النسّاخ في تلك النسبة. وما ورد في نهاية النسخة (أ) من نص منظومة الخليل لا يعد من هذا حيث يقول.
تمّت قصيدة الخليل بن أحمد العروضي رحمة الله عليه وعلى جميع المسلمين والمسلمات آمين. وصلّى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليما. تمّ معروضا عليّ حسب الطاقة والإمكان والله اعلم بصحته».
فقد كان الناسخ أمينا مع نفسه وكان حريصا في مجموعه الذي ضمّ منظومة الخليل أن يقول تلك العبارة أو قريبا منها في كل مخطوطة يكتبها حتى تبرأ ذمته ، بل ذكر صراحة في مرة من المرات أن مخطوطه الذي نسخه عرض على نسخة من بعض النسخ» وهذا يظهر أمانته التي اقتضت منه تلك العبارة «والله أعلم بصحته» إذ لو كان يشك في تلك النسبة ما كان قد نسب المنظومة إلى الخليل بن أحمد صراحة في أولها ، والقصد أن الله أعلم بصحة النص المقدّم الذي نقل عنه.
ثالثا - لم أجد أحدا من النسّاخ أو من غير النسّاخ يشكك في صحة نسبة هذه المنظومة إلى الخليل بن أحمد إلا ما ورد على لسان الدكتور إبراهيم السامرائي عند ما كان يتكلم عن المصطلحات النحوية في كتابه «المدارس النحوية» ، وتوقف أمام مصطلح النسق. نجده يقول (1): «النسق من مصطلحات الخليل ، فقد جاء في «مقدمة في النحو» (2)أن للخليل قصيدة في النحو ، جاء فيها بيتان يتحدث فيهما عن النسق وحروفه مستعملا كلمة النسق ، وهما :
فانسق وصل بالواو قولك كلّه
وبلا وثمّ واو فليست تقعب (3)
الفاء ناسقة كذلك عندنا
وسلبها رحب المذاهب مشعب (4)
وإذا صحّت هذه الأبيات - ولا أراها تصح - فالذي يعنينا أن النسق قديم ، وقد التزم به الكوفيون كما استعمله البصريون ليفرقوا في (باب العطف) بين عطف البيان وعطف النسق».
ولست أدرى فيما إذا كان المقصود بصحة الأبيات عند السامرائي صحة دلالتها على القضية المستشهد لها؟ ام يكون المقصود منها ان نسبتها جاءت على سبيل حذف المضاف من كلام الدكتور السامرائي ، مع ملاحظة أنه كان من الأفضل ألا يترك هذا الأمر غامضا بحذف المضاف لما يترتب عليه من أحكام.
1) في كتابه «المدارس النحوية» أسطورة وواقع ، عمّان الطبعة الأولى 1987 م ص 135 ، 136.
2) يقصد كتاب خلف الأحمر.
3) نلاحظ كلمة القافية «تقعب» التي جاءت مخالفة لما جاء في كتاب خلف الأحمر وكل نسخ المخطوط.
4) وردت كلمة «وسلبها» بدلا من «وسبيلها» والأولى خطأ لأنها تؤدي إلى الإخلال بموسيقى البيت ، وهي أيضا مخالفة لما ورد في كتاب خلف وجميع نسخ المنظومة.
وبتأمل كلام الدكتور السامرائي نقول : لو كان المقصد بالكلام دلالته وصحته لكان هو المسؤول عن ذلك لأنه نقل الكلام خطأ من كتاب خلف الأحمر فأدى ذلك إلى الإخلال بموسيقى البيت الثاني ، وعدم انسجام المعنى في البيت الأول (تقعب). ولو كان القصد عدم صحة نسبة الأبيات إلى الخليل فلم يقدم لنا دليلا على شكّه فما أسهل أن ينفي الإنسان شيئا دون تعليل ، علاوة على أنه استشهد بالأبيات على قضية استخدام البصريين - ومنهم الخليل - لكلمة النسق قائلا : «استعمله البصريون ليفرقوا في باب العطف بين عطف البيان وعطف النسق» وفي هذا اعتراف له بأنها قصيدة الخليل ، وكأنّ كل همّه كان في إثبات وجود مصطلح (النسق) عند البصريين ، ويبدو أن الدكتور السامرائي لم يشأ أن يتعب نفسه في التأكد من استخدام الخليل لهذا المصطلح ، ولو توجّه إلى كتاب (الجمل) الذي حققه الدكتور فخر الدين قباوه ، والذي نسب إلى الخليل لكان قد وجد هذا المصطلح يتردد كثيرا على لسان الخليل ، وسوف نفرد لذلك حديثا خاصا عند كلامنا عن مصطلحات المنظومة.
رابعا - لعل تعليق الاستاذ «عز الدين التنوخى» الذي حقق كتاب خلف الأحمر «مقدمة في النحو» يحمل دلالة خاصة على ما نحن فيه ، فعندما أشار خلف الأحمر إلى حروف العطف قال : «وقد ذكرها الخليل بن أحمد في قصيدته في النحو ، وهي قول الشاعر قائلا .. إلخ» حينئذ يعلق عز الدين التنوخي على «قول الشاعر» (1): «وصواب التعبير أن يقال (وهي قوله لعودة التعبير على متقدم ولعله أراد أن يشير إلى أن الخليل كان شاعرا ، وكان بالفعل شاعرا والنحاة لا يذكرون أنّ له قصيدة في النحو ، وإن كانت كتب المصنفين
1) هامش ص 86 من كتاب مقدمة في النحو.
لا تذكر بأجمعها في إثبات مصنفاتهم ، فعلى هذا تكون هذه القصيدة - إن صحّت نسبتها - هي من جملة ما ضاع من كتب الخليل».
هذا النص - على قصره - يكشف عما يلي :
(أ) أن كتب المصنفين لا تذكر بأجمعها في إثبات مصنفاتهم وعلى هذا فلا غرابة أن يكون للخليل تلك القصيدة النحوية دون أن تنسب إليه.
(ب) ضياع جزء كبير من مؤلفات الخليل ، وهذا واضح أيضا من خلال كتب التراجم والسير ومعاجم المؤلفين ، وبهذا يمكن أن تكون تلك القصيدة النحوية قد طمرت حبيسة المجاميع اللغوية وغير اللغوية حتى كشف عنها الستار.
(ج) تكشف هذه القصيدة عن شاعرية الخليل بن أحمد العميقة بأمثلتها الغزلية ومعانيها الرقيقة وابتعادها عن الأسلوب الجاف الذي يحكم المنظومات النحوية غالبا مما يجعلنا نكاد نسميها «قصيدة» لا «منظومة» ولعل هذا ما جعلها مطمورة ضمن أعمال الخليل الشعرية دون اهتمام من النحاة بها حيث إنها دالة على شاعريته لا على كونه ناظما أو قائلا منظومة نحوية.
خامسا - من الأدلة الواردة التي تثبت صحة نسبة هذه القصيدة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي ما قاله صاحب كتاب «إتحاف الأعيان» (1)من أن للخليل عدة أشعار منها البيتان والثلاثة ومنها أكثر من ذلك ثم قال : «ومن نظمه قصيدة في النحو أولها :
الحمد لله الحميد بمنّه
أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب
حمدا يكون مبلغي رضوانه
وبه أصير إلى النجاة وأقرب
1) إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان تأليف الشيخ / سيف بن حمود البطاشي ، الطبعة الأولى 1413 ه - 1992 م ، الجزء الأول ، ص 63 ، 64 ، 65.
واستمر المؤلف في ذكر قصيدة الخليل حتى البيت رقم 26 الذي يقول فيه :
فإذا نطقت فلا تكن لحّانة
فيظل يسخر من كلامك معرب
ثم قال بعد هذا البيت مباشرة (1)عن قصيدة الخليل النحوية : «وهي أطول من هذا ، يقول في آخرها :
النحو بحر ليس يدرك قعره
وعر السبيل عيونه لا تنضب
فاستغن أنت ببعضه عن بعضه
وصن الذي علمت لا يتشعّب
واستمر في ذكر ما جاء عن الخليل من أشعار أخرى مثل قوله :
يا ويح قلبي من داعي الهوى
إذ رحل الجيران عند الغروب
اتبعتهم طرفي وقد أزمعوا
ودمع عيني كفيض الغروب
بانوا وفيهم طفلة حرّة
تفتّر مثل أقاحي الغروب
ولعل ذكر منظومة الخليل النحوية ضمن أشعاره في المؤلفات المختلفة دليل على ما سبق وقلناه من أن ذلك كان سببا في عدم ظهور وكشف هذه المنظومة الشعرية للخليل ، وأيضا فإن النص الوارد في كتاب (إتحاف الأعيان) دليل آخر على صحة نسبة هذه القصيدة إلى الخليل بن أحمد.
1) إتحاف الأعيان 1 / 64 ، 65.
لم يكن التأليف النحويّ في عصر الخليل وقبله قد استقر أو أصبح له أصول وقواعد ، فالأمر كان في حيّز البدايات التأليفية ، والبداية عادة تجربة خاضعة للفشل أو النجاح ، والخليل في منظومته كان حريصا كل الحرص على الجانب التعليمي للمتلقي ، فجاء ذلك على حساب القواعد النحوية غير المفصلة ، وحرم النحو العربي من تفصيلات كان في حاجة إليها ، ربما كان صنيع الخليل موافقا للشادين في النحو ، الحريصين على سلامة الجملة بمعرفة أقل القواعد وأيسرها دون التعمق في تفصيلات أو فلسفات نحوية أو ذكر تقسيمات نحوية للظواهر المختلفة ، أما الدارسون الذين يطلبون النحو مفصلا ومعللا فلا يجدون ذلك عند الخليل في منظومته ، ويبدو أن الخليل كان حريصا على أن يفرق في منظومته بين مستويين :
(1) المستوى الأول : مستوى عوام الناس الذين يريدون تعلّم النحو ، ولا حاجة لهم إلى تفصيلات ، أو الولوج في أعماق هذا البحر الخضم المتلاطم الأمواج ، وعلى هؤلاء الحذر والأقتصاد في تناول المادة النحوية ، وقد أظهر ذلك في الأبيات الثلاثة الأخيرة في المنظومة.
(2) المستوى الثاني : مستوى الدارس المتخصص ، وفي هذه الحالة لا بد من التعمق والبحث في المسائل الخلافية والعلل النحوية ، وعلى هؤلاء أن يلجوا الأعماق.
ويبدو واضحا أن المنظومة جاءت لخطاب المستوى الأول ؛ لهذا كانت سماتها تتفق وهؤلاء ، وفيما يلي نعرض لسمات التأليف النحوي عند الخليل في منظومته.
(1) جاءت المنظومة بعيدة عن المسائل الخلافية التي كانت مثار حوار
وجدل كبير بين النحويين ، ولم تعرض المنظومة رأيا مخالفا لرأي الخليل ، أو رأيا لغيره حتى ولو كان موافقا لرأيه إلا في حالة واحدة فقط عند ما ذكر (قطربا) وهذه الحالة موطن لحديث مستقل ، كذلك لم يعلل الخليل للقواعد الواردة ، مع اننا نعلم أنه كان مولعا بالعلل وذكرها والحديث عنها ، ويبدو أنه كان يدرك أن المنظومة التعليمية يجب أن تتخلى عن ذلك.
وما فعله أصحاب المنظومات النحوية فيما بعد جاء مخالفا لصنيع الخليل ، فقد كان مؤلفوها يذكرون الآراء الراجحة والمرجوحة ويعللون ويفسرون ، ويرجحون رأيا على رأي آخر مع تقديم الأسباب والمبررات.
(2) اهتم الخليل بالقاعدة النحوية والتمثيل لها ، لكنه لم يهتم بالشاذ الخارج عن القاعدة ، فلم يذكر شاذا أو يمثل لشيء منه إطلاقا ، وهذا النهج الذي اتبعه الخليل راعى فيه أن طالب النحو في بداية أمره ليس في حاجة إلى الشاذ الخارج عن القاعدة ، فالأفضل أن يقتصر الأمر على أصل القاعدة دون خروج عنها.
(3) لم يهتم الخليل بالجزئيات النحوية أو التفريعات والتقسيمات ، كذلك لم يهتم بتفصيل القاعدة نظريا ، وانصبّ اهتمامه على ذكر القاعدة العامة دون ذكر تفصيلاتها ، ثم التركيز بعد ذلك على التمثيل المفصّل ، وهذا النهج فيه بعض الصعوبة لطالب علم النحو إلا إذا استعان بمعلّم يفسّر ويوضح ما جاء من أمثلة تعطي كثيرا من تفريعات القاعدة ، لهذا لا بد من الاعتماد على معلّم ليضيء الملامح الخبيئة لجزئيات القاعدة النحوية.
وربما كان ذلك به بعض الصعوبة لمن ليست لديه أية معرفة بعلم النحو وقواعده.
(4) ترك الخليل أبوابا نحوية هي من صلب النحو العربي مثل باب الحال أنواع المعارف ، الاشتغال ، التنازع ، العدد وكناياته ، أسماء الأفعال ،
التمييز ، الإضافة ، مع أنه قد أشار إلى بعضها عرضا في بعض الأحيان مثل (التعريف والتنكير) ، أو مثّل لبعضها في سياقات أخرى مثل (الحال) لكنه لم يذكر قواعد تدل على تلك الأبواب ، وهناك بعض الأبواب ذكرت ضمنا متداخلة مع أبواب نحوية أخرى مثل : (الإعراب والبناء) ، (الإعراب الأصلي) والإعراب الفرعي بأشكاله المختلفة ، فهذه القواعد النحوية لم تذكر مفصلة ، ربما لأنها داخلة في كل الأبواب النحوية تقريبا ، وتكررت نماذحها في معظم الأبواب النحوية عند التمثيل.
(5) جاء أسلوب الخليل سهلا ميّسرا بعيدا عن الالتواء والتعقيد ، كما جاء واضحا فيما هدف إليه من القواعد العامة ، كما جاءت أمثلته معبّرة عن معان ودلالات مقصودة.
(6) كان الخليل بارعا عند ما صنع مقدمة لمنظومته ، استطاع من خلالها أن يمهّد نفسية المتلقي لقبول هذا العلم الذي يتسم - عند البعض - بالصعوبة كما ، ظهرت في المقدمة ثقة الخليل بنفسه عند ما قال :
إني نظمت قصيدة حبّرتها
فيها كلام مونق وتأدب
لذوي المروءة والعقول ولم أكن
إلا إلى أمثالهم أتقرّب
عربية لا عيب في أبياتها
مثل القناة أقيم فيها الأكعب
وقد ظهر في المقدمة أيضا ظرف الخليل وفكاهته ، كما ظهرت قدرته البارعة على الانتقال الهادئ السلس من المقدمة إلى الموضوع الأول عند ما قال :
فإذا نطقت فلا تكن لحّانة
فيظل يسخر من كلامك معرب
النحو رفع في الكلام وبعضه
خفض وبعض في التكلم ينصب
فقبل أن يذكر أولى قواعده طلب من المتلقي أن يكون حذرا عند النطق حتى لا يلحن فيثير سخرية الآخرين ، ثم انتقل بعد ذلك انتقالا مباشرا إلى الحديث عن القواعد النحوية ، وبدأها بداية طبيعة بمعرفة أحوال أواخر الكلم.
كذلك كان الخليل بارعا في ختام قصيدته عند ما قال في نهاية الحديث عن القواعد النحوية :
النحو بحر ليس يدرك قعره
وعر السبيل عيونه لا تنضب
فاقصد إذا ما عمت في آذيّه
فالقصد أبلغ في الأمور وأذرب
واستغن أنت ببعضه عن بعضه
وصن الذي علمت لا يتشذب
فالخليل يشير إلى أن النحو بحر عميق وطريقه وعر وعيونه فياضة فعلى من يقترب منه أن يكون حذرا ، وعلى متعلم النحو أن يقتصد في بداية أمره حتى لا تطيح به الأمواج العاتية ، ويجب أن يأخذ منه المتلقي القدر المناسب تدريجيا وهذه سمة المعلم الحقيقي أن يكون مرشدا لطلابه في كيفية تناول القواعد لا أن يقدمها له فقط.
لم يكن الخليل بن أحمد أول من تكلم في النحو وبسط آراءه في قضاياه واستخدم مصطلحاته الكثيرة ، فقد سبقه من تحدث في النحو وتكلم في مسائله ، وربما من وضع مؤلفا ضاع مع ما ضاع من التراث العربي ، بدءا من الإمام علي بن أبي طالب الذي أشيع عنه أنه وضع مقدمة في النحو أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي (1)- كما قيل - ثم بدأ في تأصيل النحو العربي ، وربما اشترك معه عبد الرحمن بن هرمز ونصر بن عاصم (2)وهم من تلاميذه ، ومرورا ببقية تلاميذ أبي الأسود مثل ابنه عطاء وميمون الأقرن وعنبسة الفيل ويحيى بن يعمر ، ثم جاء عبد الله بن اسحاق وطبقته من أمثال عيسى بن عمر الثقفي وأبي عمرو بن العلاء ، ثم جاء الخليل بن أحمد بعد كل هؤلاء فاهما واعيا كل ما قيل من قبله وكل ما طرح من قضايا النحو العربي.
جاء الخليل مع طبقته وتلاميذه من أمثال يونس بن حبيب والأصمعي وسيبويه والنضر بن شميل وأبي مفيد مؤرج بن عمرو السدوسي ، وعلي بن نضر بن علي الجهضمي ليخطو بالنحو خطوات واسعة متنامية إلى التطور وتأصيل مصطلحاته وتأسيس قضاياه والوصول به إلى مرحلة النضج والاكتمال.
وكان الخليل على رأس من قدّم لنحو العربية هذه الدفعة القوية بتعليلاته وآرائه ، وأيضا من جعل للنحو البصري ملامح خاصة ومنهجا محددا متضح المعالم ، وبالتالي شيوع المصطلحات النحوية الدقيقة التي ما زالت تستخدم حتى الآن على ألسنة المعلمين والدارسين ، لعل استخدامه المصطلحات من خلال المنظومة ومقولاته وشروحاته الشفوية لتلاميذه وأيضا من خلال كتابه «الجمل» ، هو الذي لفت نظر تلميذه
سيبويه إليها لتشيع في حقل النحو العربي من خلال «الكتاب» الذي كان للخليل دور كبير فيه.
وإذا كانت هذه المنظومة النحوية للخليل هي أول منظومة ؛ في النحو العربي ، بل هي أول عمل يأتي مخطوطا محفوظا دون تشويه فإن المصطلحات والقضايا الواردة به سيكون لها دور كبير في تأصيل النحو البصري وتجسيد المصطلح النحوي لدى البصريين ، وخاصة أن ما وصلنا من مخطوطات نحوية كتبت في القرن الثاني الهجري قليل يعدّ على أصابع اليد الواحدة ، منه تلك المنظومة النحوية وكتاب الجمل في النحو العربي ، وكتاب سيبويه مما يجعلنا نقول : إنه من خلال هذه الأعمال النحوية أولا ومما ورد مع بداية القرن الثالث الهجري من أعمال نحوية مثل «مقدمة في النحو» لخلف الأحمر وغير ذلك فإننا نستطيع التأريخ للمصطلح النحوي بشكل أكثر دقة مما سبق.
ولا أبالغ إذا قلت بعدم وجود تعارض في استخدام المصطلحات النحوية بين المنظومة النحوية وما ورد على لسان الخليل في كتابه «الجمل» وما ورد عند سيبويه في (الكتاب) على لسان الخليل ، ولعل هذا ما يجعلنا مطمئنين إلى نسبة هذه المنظومة إلى الخليل أيضا.
انطلاقا مما مضى نؤكد أن الباحث لا يستطيع رصدا دقيقا وتحديدا جادا لتاريخ المصطلحات النحوية نظرا لعدم تدوين النتاج النحوي كاملا ، وخاصة لدى طبقات النحويين الأوائل الذين تكلموا في قضايا النحو العربي ، وأيضا لعدم وضوح الرؤية من خلال الغموض والابهام أو الأقوال المتضاربة لدى بعض النحويين حول جزء من المصطلحات الواردة في ثنايا علم النحو. ولهذا سنحاول التعليق على المصطلحات الواردة في المنظومة مع المقارنة بتلك المصطلحات الواردة على لسان الخليل في بعض أعماله الأخرى مثل «الجمل في النحو العربي» ومعجم «العين» وما ورد عند سيبويه منقولا عن الخليل.
اعتبر النحاة مصطلح «النسق» من مصطلحات الكوفيين ونسب إلى الكوفة ، مع أن المصطلح ولد على يد الخليل واستخدمه في ثلاثة مصادر :
أولا : في المنظومة النحوية
عند ما قال (1):
156 وإذا نسقت اسما على اسم قبله
أعطيته إعراب ما هو معرب
157 فانسق وقل بالواو قولك كله
وبلا وثم وأو فليست تعقب
158 والفاء ناسقة كذلك عندنا
وسبيلها رحب المذاهب مشعب
فقد استخدم الخليل ثلاثة أشكال للكلمة وهي : نسقت - انسق - ناسقة ، بل إن العنوان الذي ورد بالمخطوطات قبل هذه الأبيات مباشرة هو : «باب النسق» وهو تعبير مباشر بالاصطلاح المصدري الذي شاع لدى الكوفيين فيما بعد ونسب إليهم. بالإضافة إلى استخدام الخليل للفعلين الماضي والأمر (نسقت - انسق) ولاسم الفاعل (ناسق) :
ثانيا : في معجم العين :
استخدم الخليل كلمة (النسق) في معجم العين (2)حينما قال : «النسق من كل شئ : ما كان على نظام واحد عام في الأشياء ، ونسقته نسقا ونسقته تنسيقا ، ونقول : انتسقت هذه الأشياء بعضها الى بعض ، أي تنسّقت» وهو بهذه الدلالة له علاقة قوية بمعنى النسق باعتباره مصطلحا نحويا.
ثالثا : في كتاب الخليل الموسوم ب «الجمل في النحو العربي» :
استخدم الخليل هذا المصطلح كثيرا في كتابه (الجمل) (3)وسأكتفي ببعض النماذج الواردة بين ثناياه تدليلا على وجوده. يقول الخليل (4): «وتقول : إن زيدا خارج ومحمد. نصبت زيدا بإنّ ، ورفعت «خارجا» لأنه خبره ،
ورفعت محمدا لأنه اسم جاء بعد خبر مرفوع ، وإن شئت نصبت محمدا ؛ لأنك نسقته بالواو على زيد».
ثم يورد الخليل عنوانا يحمل اسم المصطلح صراحة وهو : [واو العطف وإن شئت قلت واو النسق](1)ثم يقول تحت هذا العنوان : «وكل واو تعطف بها آخر الاسم على الأول أو آخر الفعل على الأول ، أو آخر الظرف على الأول ، فهي واو العطف. مثل قولك : كلمت زيدا ومحمدا ؛ ورأيت عمرا وبكرا. نصبت «زيدا» بإيقاع الفعل عليه ، ونصبت «محمدا» لأنك نسقته بالواو على زيد وهو مفعول به».
وفي موضع آخر (2)عند ما يتكلم الخليل عن أنواع (لا) يقول : «ولا للنّسق : قولك : رأيت محمدا لا خالدا ، ومررت بمحمد لا خالد وهذا محمد لا خالد».
وهناك مواضع أخرى ذكر فيها الخليل كلمة «النسق» وما اشتق منها ، وكلها تثبت استخدام الخليل للمصطلح وتحديده الدلالي له تحديدا دقيقا ، وكذلك تؤكد وضوح الرؤية لهذا المصطلح لدى الخليل الذي أخذ عنه النحاة البصريون والكوفيون هذه المصطلحات لتشيع في حقل النحو العربي.
يضاف إلى ما سبق أن خلف الأحمر نقل عن الخليل الأبيات التي تحمل كلمة «النسق» ونسبها صراحة إلى الخليل ، بل وأشار خلف الذي كان معاصرا للخليل وتوفي بعده بسنوات قليلة إلى المصطلح الوارد عند الخليل صراحة في قوله (3)تحت «باب حروف النسق» «فنسق بها ، فإذا أتيت برفع ثم نسقت بشئ من حروف التنسيق رددت على الأول ، وكذلك إذا نصبت وخفضت ثم أتيت بحروف النسق رددت على الاول. وحروف النسق خمسة ، تسمى حروف العطف ، وقد ذكرها الخليل بن أحمد في قصيدته
في النحو وهي :
فانسق وصل بالواو قولك كله ... إلخ» وكلام خلف الأحمر يدل - دلالة واضحة - على شيئين :
الأول : استخدام الخليل للمصطلح.
الثاني : شيوع المصطلح لدى البصريين.
بالإضافة إلى التصريح بأن هذه المنظومة إنما هي للخليل وليست لغيره.
نستطيع بناء على ما سبق - تأكيد أن مصطلح «النسق» بصري النشأة ، وربما كان الخليل هو أول من استخدمه ، فلم يثبت لدينا ورود هذا المصطلح قبل الخليل عند نحاة الطبقات التي سبقته ، وأن نحاة الكوفة قد أخذوا هذا المصطلح عن البصريين فشاع على ألسنتهم ، ولعل شيوع هذا المصطلح عند الكوفيين جعل الدكتور مهدي المخزومي يشير إلى أن مصطلح (النسق) من طائفة المصطلحات الكوفية الخالصة التي لم يعرفها البصريون ، فقد وضع هذا المصطلح ضمن الطائفة السابقة حسب تقسيم ثلاثي وضعه (1)لتصنيف المصطلحات النحوية ثم قال تحت مصطلح «النسق» (2): «وهو عبارة كوفية ، يقابلها عند البصريين : العطف بالحرف ، كالواو والفاء وثم وغيرهن والمصطلح الكوفي (النسق) فيما يبدو لي أدق من المصطلح البصري لاختصاره وغنائه عن التخصيص والتقييد».
والشئ الصحيح في كلام الدكتور مهدي المخزومي أن مصطلح «النسق» أدق من مصطلح العطف بالحرف لاختصاره وغنائه عن التخصيص والتقييد ، ولكن من غير الصحيح أن يقال أن المصطلح كوفي ، وذلك لاستخدام البصريين له بدءا من الخليل الذي كان سابقا للمدرسة الكوفية زمنا واستخداما له. وأعتقد أن الدكتور المخزومي لو وقع على ما وقعت عليه
مما قدمته قبل قليل لكان له رأي آخر فيما ذهب إليه.
وإذا كان بعض المحدثين قد شكوا في نسبة هذه المنظومة النحوية للخليل ابن أحمد إلا أنهم اعترفوا في نهاية الأمر بأن المصطلح بصري خليلي يقول (1)الدكتور ابراهيم السامرائي بعد أن قدّم شكوكه - وقد مرّ ذلك من قبل - في صحة نسبة هذه المنظومة للخليل : «وشاع أيضا أن «النسق» مصطلح كوفي ، والذى عرفناه أن النسق جاء في كلام الخليل ب «العين» وذكره سيبويه في [الكتاب]» ، وأضيف إلى كلامه ورود المصطلح في منظومة الخليل النحوية وفي كتابه «الجمل».
ولعل الأدلة السابقة ترد أيضا على أحد الباحثين المحدثين (2)عند ما أشار إلى أن نحاة الكوفة كانوا أجرأ النحاة الذين حاولوا مخالفة المصطلحات البصرية ، كما ورد عند الخليل وسيبويه ، فكأنهم رأوا أن اكتمال مذهبهم النحوي لا يتم إلا بإيجاد مصطلحات مقابلة لما وصلهم من مصطلحات البصريين وعدّ الباحث من ذلك استخدامهم لحروف النسق بدل العطف ثم قال : «على أن تلك المصطلحات الكوفية لم يعش منها إلا القليل نحو :
النعت والنسق والأدوات ، وما عدا ذلك فقد بقيت المصطلحات البصرية شائعة ذائعة ، وكتب لكثير من المصطلحات التي جاءت على لسان الخليل وتلميذه سيبويه أن تخلد وتبقى على مرّ الأيام نحو الاسم والفعل والحرف والفاعل .. إلخ» (3).
ويبدو أن ما شاع من المصطلحات على أنه مصطلح كوفي إنما هو بصريّ النشأة والنمو ، وقد انتقل إلى بيئة كوفية ، ولعل ما ورد عند الخليل من استخدامه (النسق) دليل على ذلك ، وأيضا لاستخدامه مصطلح (النعت)
الوارد ذكره في كلام الباحث على أنه كوفي إنما هو بصري أيضا وسيأتي ذكر ذلك بعد قليل.
لم يبق لنا إذن إلا الاعتراف في نهاية الأمر بأن مصطلح (النسق) مصطلح بصري ، وليس كوفيا على الإطلاق ، بل أخذه الكوفيون نقلا عن الخليل ، وشاع في استخدامهم ، فظنه البعض كوفيا ، وهو ليس كذلك.
جحد يجحد جحدا وجحودا أنكره مع علمه (1)وفي «العين» (2)الجحود ضد الإقرار كالانكار والمعرفة ، إذن ؛ الجحد والجحود بمعنى الإنكار ، وقد ورد هذا المصطلح بالمعنى نفسه عند الخليل في ذكره للمرة الأولى عند ما كان يتحدث عن حروف نصب الفعل المضارع فقال (3):
وانصب بها الأفعال كيما واجيا
وبكي وكيلا والحروف تشعّب
وبأن ولام الجحد واللام التي
هي مثل كيلا في الكلام وأرسب
فلام الجحد هي اللام الناصبة للمضارع بأن مضمرة وجوبا بعدها ، وهي التي تشيع على ألسنة المتعلمين اليوم ب (لام الجحود) كما في قوله تعالى (ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (4).
وفي موضوعين آخرين من منظومة الخليل ذكر الجحود بمعنى «النفي» حسبما شاع المعنى بعد ذلك عند الكوفيين. فعندما تكلم الخليل عن نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية وتحت عنوان «باب الجواب بالفاء» يقول الخليل موضحا هذا الأمر :
وإذا أتتك الفاء عند جوابها
فانصب جوابك والكفور مخيّب
عند الجحود وعند أمرك كلّه
ومن الكلام مترّس ومبوّب
فالفعل المضارع إذا وقع بعد الفاء جوابا فإنه ينصب إذا سبقه نفي أو أمر .. إلخ.
ولهذا جاء (الجحود) هنا بمعنى النفي كما في قوله تعالى : («لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) (1).
وفي المرة الثالثة تحت عنوان «باب التبرئة وهي لا تقع إلا على نكرة» يقول الخليل (2):
باب التبري النصب فاعرف حدّه
لا شك فيه مثل من يستصحب
وهو الجحود وما ابتدأت فإنه
لا ظلم من ربّ البريّة يرهب
ف- (لا) التي للتبرئة هي (لا) النافية للجنس ؛ الداخلة على نكرة هي (لا) التي للجحود ، ومثالها كما أورد الخليل (لا ظلم من رب البرية يرهب).
وورود هذا المصطلح لدى الخليل يؤكد أنه بصري أخذه الكوفيون من الخليل فشاع على ألسنتهم ، وبهذا فلا مجال لقول بعض المحدثين إن هذا المصطلح كوفي يعني النفي ، يقول الدكتور مهدي المخزومي (3)عن هذا المصطلح (الجحد) : «ويعني الكوفيون به ما يعنيه البصريون من كلمة النفي ، والنفي مصطلح بصري ، مقتبس من ألفاظ المتكلمين ، وكلامهم في الثبوت والثابت ، والنفي والمنفي ، وقد جاءت كلمة «الحجد» في كلام الفراء وثعلب كثيرا ، ولا أعلم أنهما استعملا كلمة «النفي».
وتعليقي على ذلك ، أنه ليس معنى أن المصطلح وارد في كلام الفرّاء وثعلب كثيرا أن يكون المصطلح كوفيّا ، فالفرّاء وثعلب تتلمذا على يد البصريين ، بل إن الفرّاء تتلمذ على كتاب سيبويه عاكفا عليه (4)، كما أن ليس عدم ورود النفي في كلامهما يفسر دليلا على ذلك ، فليس لدينا - بشكل مؤكد - كل تراثهما المخطوط حتى نتيقن من ذلك. إضافة إلى أن وجود هذا المصطلح المتكرر عند الخليل يؤكد عدم صحة أن المصطلح «كوفي» ، والذي أذهب إليه
أن الخليل استخدم مصطلح (الجحود أو الجحد) كما استخدم كلمة (النفي) ومع مرور الزمن شاع مصطلح (الجحود) للإنكار واستخدمه النحاة مع (لام الجحود) التي ينصب المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبا ، وشاع مصطلح (النفي) بمعناه الحقيقي ضد الإيجاب والثبوت فجاءت لا النافية وما النافية .. إلخ ، حيث كان يستخدم مصطلح (الجحد) بمعنى النفي.
إذن ؛ كان الجحد والجحود يتبادلان موقعي الإنكار والنفي لدى الخليل بالإضافة إلى استخدامه لمصطلح (النفي) - إلى أن استقرّ الأمر بعد ذلك على أن (الجحود) للانكار والنفي للإيجاب ، واختفى مصطلح (الجحد) رويدا رويدا.
ولو قارنا بين ما ورد عند الخليل في المنظومة منذ قليل وما ورد عنده في كتابه (الجمل) لكان ذلك دليلا على ما نحن بصدده حيث استخدم (الجحود) مع اللام الناصبة للمضارع حين قال (1): «ولام الجحود مثل قولك : (ما كان زيد ليفعل ذلك) ، (وما كنت لتخرج) ، قال الله جلّ اسمه (2): (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (3)عملها وهي مكسورة ، ومعنى الجحود إدخال حرف الجحد على الكلام ، وهو مثل قولك ما (كان زيد ليفعل). والمتأمل لقول الخليل «ومعنى الجحود إدخال حرف الجحد على الكلام) يدرك ؛ أن المقصود بحرف (الجحد) أي حرف النفي ، ويكون معنى الجحود هو الإنكار. وهذا ما فعله عند ما تكلم عن أنواع (لا) فقال (4): و (لا) الجحد نحو قال الله تعالى (5): (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى)). رفع (يبعث) ؛ لأنه فعل مستقبل ، وهو جحد. ومثله (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (1).
«يتخذ» رفع لأنه فعل مستقبل و «لا» في معنى الجحد».
هكذا يستخدم الخليل «الجحد» بمعنى النفي و (الجحود) بمعنى الانكار وهذا أيضا ما فعله في الكلام عن (ما) عند ما قال (2): «وما في موضع الجحد كقولك : ما زيد أخانا ، وما عمرو عندنا ، قال الله جل وعزّ (3): (ما هذا بَشَراً) ومثله : (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (4)(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (5)مع ملاحظة أن الكلام هنا عن (ما) النافية فهي (ما) الجحد واللام في (ليعذبهم) لام الجحود.
وربما كان الخليل في أول الأمر يستخدم الكلمتين (الجحد - الجحود) مترادفتين ثم أراد تخصيص كل معنى وتحديده ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم استقرار المصطلحات حتى عصر الخليل وسيبويه بل بعدهما أيضا ، كذلك يدل على أن الخليل قد استخدم (المصطلح) قبل الكوفيين.
إما إشارة الدكتور مهدى المخزومي السابقة إلى أن البصريين اقتبسوا مصطلح (النفي) من ألفاظ المتكلمين ، فهو كلام يحتاج إلى وقفة ليس مجال الحديث عنها الآن.
الغاية - كما جاء في العين -» (6)- «هي مدى كل شيء وقصاراه ، وقد استخدمها الخليل كمصطلح نحوي في منظومته موطن الدراسة تحت باب
بعنوان : «باب قبل وبعد إذا كانتا غاية» قائلا تحت هذا العنوان (1):
وتقول قبل وبعد كنا قادة
من قبل أن يأتي الأمير الأغلب
لما جعلت كليهما لك غاية
أوجبت رفعهما وصحّ المشعب
وإذا كان هذا المصطلح (الغاية) قد ورد عند الخليل فليس صحيحا ما ورد في كتاب المدارس النحوية (2)حيث يقول صاحبه : «وأول من استعمل «الغاية» الفرّاء في كلامه على الشاهد وهو قول الشاعر :
إذا أنا لم أو من عليك ولم يكن
لقاؤك إلا من وراء وراء
قال (يعني الفرّاء) : «ترفع - أي وراء وراء - إذا جعلته غاية ولم تذكر بعده الذي أضفته إليه ... ومثله قول الشاعر :
لعمرك ما أدرى وإني لأوجل
على أيّنا تعدو المنية أول
رفعت (أول) لأنه غاية ، ألا ترى أنها مستندة إلى شيء هي أوله» أ، ه.
وواضح من النص السابق أن الباحث يتكلم بيقين مطلق ، ولم يعنّ نفسه بالبحث في الكتب السابقة على الفرّاء ، حتى سيبويه لم يذهب إليه وأصدر هذا الحكم دون تريّث منه أو أناة. فالملاحظ أن هذا المصطلح ورد في مواضع ثلاثة قبل وروده عند الفرّاء ، ومع ذلك لم يعثر الباحث على موضع واحد حتى يحكم حكما صحيحا. هذه المواضع الثلاثة هي :
(1) ذكره الخليل في منظومته النحوية كما مرّ منذ قليل.
(2) ذكره الخليل في كتاب «الجمل في النحو العربي» في أكثر من موضع. (3)ذكر هذا المصطلح في كتاب سيبويه أكثر من مرّة ، وفي إحدى المرات جاء على لسان الخليل في «الكتاب».
أما ذكر مصطلح «الغاية» في كتاب «الجمل» للخليل فقد وجدت المصطلح مذكورا مرتين ، وربما كان أكثر من ذلك. يقول الخليل (3) :
«والخفض ب (حتى إذا كان على الغاية ؛ قولهم : (كلمت القوم حتى زيد) معناه : حتى بلغت إلى زيد ، ومع زيد ، وقال الله جلّ ذكره (1): (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ). معناه إلى مطلع الفجر».
وفي موضع آخر من كتاب «الجمل» يقول الخليل (2): «والرفع بالبنية مثل : حيث وقط ، لا يتغيران عن الرفع على كل حال ، وكذلك : (قبل وبعد) إذا كانا على الغاية.
وفي لغة بعضهم «حيث» بالفتح». وقد ورد عند سيبويه في الكتاب هذا المصطلح بدلالته السابقة ، بل ورد في موضع أشبه بالموضع السابق حين يقول سيبويه (3): «فأما ما كان غاية نحو : (قبل وبعد وحيث) ، فإنهم يحركّونه بالضمة ، وقد قال بعضهم (حيث) ، شبهوه (بأين)».
والمتأمل لكلام سيبويه يستطيع ملاحظة ما يلي :
أولا : ورود هذا المصطلح لديه عند ما قال «فأما ما كان غاية» كما ورد عند الخليل في الموضع نفسه.
ثانيا : وجود تشابه كبير في كيفية تقديم القاعدة النحوية إلى حد يمكن أن نقول معه : إن سيبويه لا بد أن يكون قد أخذ ذلك عن الخليل حتى في التركيب حين قال الخليل : (وفي لغة بعضهم «حيث» بالفتح) وعند سيبويه (وقد قال بعضهم حيث) أما (قط) الواردة لدى الخليل مع حيث ، فلم يتركها سيبويه لأنه بعد قليل من الكلام السابق وفي الصفحة نفسها قال (4): «وحرّكوا (قط وحسب) بالضمة لأنهما غايتان».
وأما قول سيبويه (5): «وقد قال بعضهم حيث شبهوه بأين» فكأنه مأخوذ من كلام الخليل حين قال في الموضع السابق نفسه (6)(الكلام عن حيث وقط) : «وإذا كان الحرف المتوسط منه ساكنا حرّك بالفتح ، لئلا يسكنا مثل :
(أين وكيف وليت وإنّ وحيث) وأشباه ذلك فاعرف موضعها».
ولعلنا لا نحتاج بعد ذلك إلى شيء يؤكد أن سيبويه قد أخذ عن الخليل هذه القاعدة ونقل عنه هذا المصطلح وإن لم يشر إلى ذلك.
وكلام سيبويه عن (قط) الوارد في قوله (1)«وكذلك قط وحسب (تضمان) إذا أردت ليس إلا ، وليس إلا إذ ، وذا بمنزلة (قط) إذا أردت الزمان ، لما كنّ غير متمكنات فعل بهن ذا ، وحرّكوا (قط وحسب) بالضمة لأنهما غايتان. فحسب للانتهاء ، وقط كقولك : مذ كنت» فإن القول السابق يتشابه مع ما ورد عند الخليل في منظومته حينما يقول عن (قط) (2):
فإذا أردت بها الزمان فرفعها
أهيأ وأتقن في الكلام وأصوب
لم يحمني قطّ ابن أميّ في الوغى
يوم الكريهة والفوارس تسلب
من حيث القاعدة ، وإن اختلف التمثيل والأداء بالنظم :
وقد نقل سيبويه على لسان الخليل نصا يذكر فيه الخليل مصطلح الغاية صراحة مع تكراره أربع مرات مع أن النص قصير جدا يقول سيبويه (3): «اعلم أن (حتى) تنصب على وجهين» :
فأحدهما : أن تجعل الدخول غاية لمسيرك ، وذلك قولك : (سرت حتى أدخلها) ، كأنك قلت : سرت إلى أن أدخلها ، فالناصب للفعل هنا هو الجار للإسم إذا كان غاية. فالفعل إذا كان غاية نصب ، والاسم إذا كان غاية جر. وهذا قول الخليل.
وسيبويه الناقل الأمين لفكر الخليل ومصطلحاته يثبت بذلك استخدام الخليل لمصطلح (الغاية) في (الكتاب).
وقد ذكر مصطلح (الغاية) لدى سيبويه في موضع آخر من الكتاب حينما
قال (1): وأما منذ فضمت لأنها للغاية» والغالب أن هذا الرأي للخليل أيضا.
ولم يبق قي نهاية الأمر إلا أن نؤكد أن الفرّاء مسبوق في استخدام هذا المصطلح بالخليل وسيبويه في مواضع كثيرة ، وأن الأولوية المطلقة التي ذكرها الباحث ليست صحيحة.
استخدم الخليل مصطلح (الخفض) في مواضع متعددة (2)خلال منظومته النحوية ، وكان المصطلح عنده واسع الأدلة فأحيانا يستخدمه مع الاسم المنون «ما يجرى».
ومرة مع الاسم غير المنون «ما لا يجري» ومرة يطلق المصطلح ويقصد كسر نون المثنى .. إلخ.
وكأنه كان يساوي بين مصطلحي الخفض والجر في استخدام واحد مترادفين ، وإذا كان الخليل قد استخدمه في المنظومة أكثر من أربع عشرة مرة ، إضافة إلى التنوع في الاستخدام ، فليس من حق النحاة المحدثين (3)أن يشيروا إلى «أن الكوفيين توسعوا في «الخفض» فاستعملوه في الكلمات المنونة وغير المنونة ، بعد أن كان الخليل لا يستعمله إلا في المنوّن» فهذا كلام يفتقد الدقة ، لأن سيبويه قد توسّع في استخدام المصطلح قبل استخدام الكوفيين له أصلا ، فاستخدمه مع المنوّن وغير المنوّن.
وفيما يلي بعض النصوص الواردة في المنظومة توضح صور استخدام الخليل لهذا المصطلح. يقول الخليل (4)عن المثنى :
رجلان أو أخوان فاعلم أنّه
كالخفض نصبهما معا يا حوشب
والنون في (الاثنين) خفض والتي
في الجمع تنصب تارة وتقلّب
ففي البيت الأول جاء النصب كالخفض في المثنى بالياء والنون ، والمثنى ليس منوّنا. وفي البيت الثاني جاء «الخفض» مقصودا به كسر نون المثنى ،
حيث جاء النصب مقصودا به فتح نون الجمع.
وفي موضع آخر يقول الخليل (1)في (باب ما يجري وما لا يجري) :
فامرر بأحمد إن رأيت وأحمد
دون المدينة قد تجلّى الغيهب
فنصبت أوله لمعرفتي به
وخفضت إذ نكّرته لا أرهب
وقصد الخليل هنا أن كلمة «أحمد» الأولى جاءت بالفتحة لقصد تعريفها وهي غير منونة للعلمية ووزن الفعل فجرّت وعلامتها الفتحة (2)، أما كلمة «أحمد» الثانية فقد جاءت مجرورة عطفا على الأولى ، وعلامتها الكسرة لأنها منوّنة ، والكلام هنا مخالف لما ذكره صاحب كتاب (مدرسة الكوفة) ، فالخليل ذكر «الخفض» وقصد به البناء على الكسر حينما قال (3)في باب «إذا أردت أمس بعينه» :
فإذا قصدت تريد أمس بعينه
فالخفض حليته الذي يستوجب
والمعروف عند النحاة أن بناء كلمة (أمس) على الكسر لا يكون إلا إذا قصد بها التعريف ، ودلالتها تنصبّ على اليوم الذي قبل يومنا مباشرة ، ففي هذه الحالة تبنى ، أما إذا قصد بها أي يوم مضى فإنها تعرب (4)فالخليل إذن كان يقصد بالخفض البناء.
ولا بد من الإشارة إلى أن الخليل لم يقتصر في ذكره لمصطلح الخفض فيما يروى عنه أو في نصوص جاءت على لسانه مثلما ورد في (المنظومة) - أوضحنا سابقا - ومثلما ورد في كتابه (الجمل) (5)بالإضافة إلى ورود هذا المصطلح في (معجم العين) (6)عند ما قال : «.... جاء قبل عبد الله ، وهو قبل زيد قادم ، وإذا ألقيت عليه (من) صار (قبل) في حدّ الأسماء نحو قولك : من قبل زيد فصارت (من) صفة ، وخفض قبل ب (من) ، فصار (قبل) منقادا ب (من) وتحوّل من وصفيته إلى الاسمية».
1) المنظومة البيتان 275 ، 276.
2) مع الوقوف بحذر أمام استخدام الخليل للنصب في قوله «فنصب أوله» لأن النصب كمصطلح نحوي له دلالته الخاصة البعيدة عن الجر.
3) المظومة البيت 252.
4) انظر القضية بالتفصيل في كتاب (التعريف والتنكير في النحو العربي) ص 175 إلى 183 لكاتب هذه السطور.
5) انظر على سبيل المثال صفحتى 172 ، 173 فقد ورد المصطلح أربع عشرة مرّة خلال هاتين الصفحتين فقط.
6) العين 5 / 166.
ف (من) للخفض صراحة على لسان الخليل في كل ما رجعنا إليه في منظومته النحوية وكتاب (الجمل) (ومعجم العين) وما روي عنه في كتب كثيرة ، لهذا - كما يقول أحد الباحثين المحدثين (1)- «فالوجه أن يقال إن الخليل أول من استعمل الخفض ، فقد أطلقه على ما وقع من أعجاز الكلم منوّنا نحو : زيد وخالد ، وكأنّ الكوفيين تابعوا الخليل في هذا المصطلح».
والذي لا شك فيه أن الخليل استخدم (الخفض) ، لكنه لم يستخدمه لاعجاز الكلم المنون فقط كما أشار الدكتور السامرائي فالخليل استخدم (الخفض) مع الأعجاز غير المنونة أيضا ، ولعل ما ذكره في منظومته (2)وفي كتاب الجمل في مواضع كثيرة ما يدل على هذا الرأي ، وعلى الرغم من أن الدكتور مهدي المخزومي ذكر هذا الرأي فإنه يؤمن بأن «مصطلح الخفض ليس من وضع الكوفيين ولا الجرّ من وضع البصريين ؛ وإنما هما مقتبسان من أوضاع الخليل ومصطلحاته إلا أن الكوفيين توسعوا في (الخفض) (3)..
إلخ» ، فكما أن الخليل استخدم مصطلح (الخفض) فإنه استخدم مصطلح (الجر) كثيرا في مواضع متعددة من الأقوال المنقولة عنه (4)، وفي منظومته النحوية يوجد «باب حروف الجر» (5)قال الخليل (6)بعده مباشرة :
وحروف خفض الجر عندي جمّة
فيها البيان لمن أتاني يطلب
ما بعدها خفض ورفع فعلها
ولقد تلوح كما تلوح الأشهب
ولعل قول الخليل (خفض الجر) من قبيل إضافة الشيء إلى مرادفه كما أشار النحاة إلى جواز ذلك ، فقد نقل عن كثير من النحويين منهم الأخفش
1) المدارس النحوية د. السامرائى 132 ، وقد أشار الدكتور ابراهيم السامرائي إلى أنه نقل هذا الرأي للخليل من كتاب الايضاح في علل النحو للزجاجي ص 93 بتحقيق الدكتور مازن المبارك طبعة القاهرة 1378 ه - 1959 م ، وقد بحثت عن هذا الرأي في الطبعة الخامسة ، وهي طبعة القاهرة 1406 ه - 1986 م ولم أعثر على هذا الرأي للخليل ، وهناك إشارة في الطبعة الخامسة إلى أن الطبعة الأولى كانت عام 1394 ه - 1974 م وليس التاريخ الذي ذكره الدكتور السامرائي ، ولعله نقل هذا الرأي من مصدر آخر لا من هذا المصدر وعلى أية حال فالخليل يستخدم الخفض في أعجاز الكلمات المنونة كما ذكر منذ قليل.
2) أبيات كثيرة من المنظومة منها البيت 252 الذي ذكر منذ قليل مع (أمس).
3) الجمل ص 172 - 189 نماذج كثيرة لذلك.
4) مدرسة الكوفة 311.
5) لا أدرى هل هذا العنوان من وضع الخليل أم من وضع نسّاخ المخطوطة؟
6) المنظومة البيتان 32 ، 33.
والفرّاء جواز إضافة الشيئ إلى مرادفه أو إلى نفسه وجعلوا من ذلك نحو (وَلَدارُ الْآخِرَةِ ، * حَقُّ الْيَقِينِ ، * حَبْلِ الْوَرِيدِ ، وَحَبَّ الْحَصِيدِ) وظاهرة كتاب (التسهيل وشرحه) الموافقة على الرأي السابق (1)وكأن الجميع استقوا من نبع الخليل ، واغترفوا من استخداماته وآرائه ومصطلحاته.
نستطيع أن نخرج من كل ذلك ؛ بأن الخليل قد استخدم مصطلح الخفض استخداما واسع الدلالة للمعرب والمبني على السواء ، كذلك استخدم مصطلح الجر للكلمات المعربة سواء كان آخرها منونا أو غير منوّن ، وسواء كان إعرابها بالحركات أو بالحروف ، ولم يستخدم الجر للأفعال ، وهذا عكس ما قاله الخوارزمي ونسبه إلى الخليل حين يقول (2): «والجر وهو وقع في أعجاز الأفعال المجزومة عند استقبال ألف الوصل نحو : (لم يذهب الرجل) ولا أظن أن ذلك صحيح من الخوارزمي ، فقد كان الخليل يسمّي ذلك كسرا.
قال سيبويه (3): وسألته (أي الخليل) - رحمه الله - عن الضاربي (أي لماذا لم تدخل نون الوقاية قبل الياء) فقال : هذا اسم ، ويدخله الجر ، وإنما قالوا في الفعل : (ضربني ويضربني) ، كراهية أن يدخلوا الكسرة في هذه الباء ، كما تدخل الأسماء ، فمنعوا هذا أن يدخله كما منع الجر. فإن قلت : قد تقول اضرب الرجل فتكسر ، فإنك لم تكسرها كسرا يكون للأسماء ، إنما يكون هذا لالتقاء الساكنين ، قال الشعراء (ليتي) إذا اضطروا ، كأنهم شبهوه بالاسم حين قالوا (الضاربي)».
فالخليل يقصد وجود كسرة على آخر الفعل وليس (الجر) كم قال الخوارزمي. فالفعل لا يجر ، والجر من خصائص الأسماء ، فالخليل كان ذا عقلية دقيقة ولا يفوته مثل هذه الأخطاء ، فمما ورد عنه أنه كان يفرق بين
1) حاشية الصبان 2 / 250 ، شرح الأشموني 2 / 250 ، النحو الوافي عباس حسن 3 / 51 فقد نقل عن صاحب المصباح المنير مادة (ظهر) (ظهر غنى) أي نفس الغنى ، (نسيم الصب) ا وهي نفس الصبا. قال الأخفش وحكاه الجوهري عن الفرّاء ، والعرب تضيف الشيء إلى نفسه.
2) مفاتيح العلوم للخوارزمي ص 30.
3) الكتاب 2 / 369 ، 370 وما بين الأقواس إضافة تفسيرية يقتضيها الموقف.
مصطلحي (الخفض والجر) كما حكاه الزجاجي عند ما قال (1): «إن الخليل سأل الأصمعي (تلميذه) أن يفرق بين مصطلحي (الخفض والجر).
وإذا كان الخليل حريصا مع تلاميذه على التفرقة بين مصطلحي (الخفض والجر) ، فمن باب أولى يكون حريصا على التفرقة بين الجر والكسر.
تكررت كلمة (الفعل) عند الخليل في منظومته النحوية كثيرا (2)كما وردت في كتاب سيبويه على لسان الخليل ، ولعل النص المقول عن سيبويه منذ قليل عند الكلام عن (الخفض) يثبت ذلك ، فقد نقل سيبويه عن الخليل قوله (3): «وإنما قالوا في الفعل : ضربني ويضربني كراهية أن يدخلوا الكسرة في هذه الباء كما تدخل الأسماء».
ولم يبعد ذلك عن استخدام الخليل لمصطلح الفعل في كتابه الجمل (4)حين قال في باب الجزم بالمجازاة : «وتقول : إن تزرني وتكرمني أزرك وأكرمك. وهذا الفعل الذي أدخلت عليه الواو يرفع وينصب ويجزم ، فمن جزم نسقه بالواو على الأول ، ومن نصب فعلى القطع من الكلام الأول ، ومن رفع فعلى الابتداء» (5).
وإذا كان الخليل قد استخدم مصطلح (الفعل) بهذه الرجابة فإننا نرفض قول أحد الباحثين المحدثين (6): «الفعل من مصطلحات الكوفيين فقد أطلقه الفرّاء على خبر المبتدأ مع دلالته المشهورة على الحدث» ولعل ذكر الخليل لمصطلح الفعل ، كما ورد في كتاب سيبويه ، وفي كتابه (الجمل) دليل على
1) مجالس العلماء 132.
2) الأبيات 70 ، 139 ، 140 ، 243 ، 247 ... إلخ.
3) الكتاب 2 / 369.
4) ص 195.
5) لعله يقصد العطف على جواب الشرط في (واكرمك) حيث تجوز الأوجه الثلاثة ، لأن العطف على فعل الشرط يجيز وجهين فقط هما الجزم والنصب ، وأما قوله : «من نصب فعلى القطع من الكلام الأول» فيحتاج إلى تفسير حيث يكون النصب على أن الواو للمعية لا القطع.
6) الدكتور ابراهيم السامرائي في المدارس النحوية ص 123.
أنه قد استخدمه ، بل ربما يكون أول من استخدمه ونقله عنه تلاميذه ، ثم نقل إلى مدرسة الكوفة عن طريق الفرّاء.
والخليل قد استخدم مصطلح الفعل في منظومته بالدلالة السابقة التي أشار إليها الفرّاء. ، وأيضا بدلالته الحديثة الزمنية ، ومثال الاستخدام الثاني قول الخليل عن نصب المضارع بحروف (كي ولن وأن) يقول ... إلخ (1):
وانصب بها الأفعال كيما واجبا
وبكي وكيلا والحروف تشعّب
وبأن ولام الجحد واللام التي
هي مثل كيلا في الكلام وأرسب
كيلا أقول ولن يسير محمد
حتى يسير إلى العدو الموكب
وأحيانا يطلق الخليل (الفعل) ويقصد به مطلق المصدر (مطلق الحدث) الكامن في الوصف المشتق الواقع صفة أو حالا يقول (2)
وإذا جمعت مذكرا ومؤنثا
فالفعل للذكران منهم يغلب
وتقول تلكم ظبية ونعامة
فيها وثور راتعين وقرهب
وفي الكتاب يستخدم الخليل (الفعل) بمعنى المصدر أيضا (3)، وفي منظومته النحوية الفعل بمعنى الخبر صراحة ، وذلك عند ما يقول (4)تحت باب (إذا قدمت الأسماء على الأخبار تقديم الفعل) بيتين ينصان على ذلك صراحة ، وكذلك تحت (باب حروف كان وأخواتها يقول الخليل) (5).
وحروف كان وليس فاعلم ترفع ال
أسما وتتبعها النعوت فتذهب
والنصب في أفعالها لا تجهلن
إن الجهول من الرجال مخيّب
وإذا كان الخليل قد استخدم (الفعل) بهاتين الدلالتين ، فليس الفرّاء سبّاقا إلى استخدام المصطلح كما ذكر الباحث ، حتى وإن توسّع في استخدام
المصطلح حيث ذكر (الفعل) وقصد به (المفعول الثاني) كما جاء في قوله تعليقا على الآية الكريمة التي تقول (1)(وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي) حيث قال الفرّاء (2): «إن شئت أوقعت (جعل) على هارون أخي) وجعلت الوزير (فعلا) له» ، أي مفعولا ثانيا مما أدى إلى قول الباحث نفسه (3): فأنت ترى أن (الفعل) قد أطلق على ثلاث مواد هي : الفعل والخبر والمفعول به الثاني ، وإذا أضفنا إليه المصدر الذي هو (الفعل) مصطلح اللغويين كان (الفعل) دالا على أربع مواد ، وليس هذا عنصر قوة في المصطلح» ولعل توسعة الخليل للمصطلح واستخدامه له بكل هذه الدلالات - مع اضطراب ذلك - يدل على أن الخليل قد سبق الكوفيين بشكل عام والفراء بشكل خاص في استخدامه لهذا المصطلح.
ذكر الخليل مصطلح (النعت) في منظومته أكثر من مرة (4)وقصد به الصفة ، وها هي ذي بعض النماذج الدالة على ذلك ، قال الخليل (5):
فالمبتدا رفع جميع كلّه
ونعوته ولذاك باب معجب
وقال (6):
الفاعلون من الخلائق كلهم
أسماؤهم مرفوعة لا تنصب
ونعوتهم وكناهم وحلاهم
والنصب للمفعول حقا أوجب
بل إنه ينص صراحة على أن النعوت تابعة في قوله (1):
وحروف كان وليس فاعلم ترفع ال
أسما وتتبعها النعوت فتذهب
ولم يقتصر استخدام الخليل لهذا المصطلح في المنظومة ، بل استخدمه في كتابه الجمل متكررا حيث قال (2): «والنصب من نعت النكرة تقدم على الاسم تقول : هذا ظريفا غلام ، وهذا واقفا رجل. قال الشاعر (3):
وتحت العوالي والقنا مستظلة
ظباء أعارتها العيون الجآذر
نصب (مستظلة) ؛ لأنه نعت (ظباء) تقدّم ... إلخ»
لم يتوقف ذكر الخليل لمصطلح النعت على (المنظومة) أو كتاب (الجمل) بل إنه ذكر في الكتاب مقصودا به (النعت) يقول الدكتور (جعفر نايف عبابنه) (4): «النعت ، ويعني به الصفة قال سيبويه : «وتقول يا أيها الرجل وزيد الرجلين الصالحين - ، من قبل أن رفعهما مختلف أي رفع الرجل وزيد وذلك أن زيدا على النداء ، والرجل نعت يعني صفة لأي» ولو كان بمنزلته أي لو كان زيد بمنزلة الرجل لقلت : يا زيد ذو الجمّة كما تقول : يا أيها الرجل ذو الجمة. وهو قليل» (الخليل).
فسيبويه يشير إلى قول الخليل : «الرجل نعت» ، وإذا كان ذكر ذلك صراحة واعترف الدكتور جعفر بذلك ، فإن المصطلح إذن يكون بصريا ، وقد
1) المنظومة البيت 62.
2) الجمل 75. 76 حيث تكرر في الصفحتين خمس مرات.
3) قائلة ذو الرمة ، وقد ورد في الكتاب لسيبويه منسوبا 2 / 122 ، 123 شرح المفصل 2 / 64 ، (عوالي القنا) صدورها ، (العوالي) جمع عالية وهي أعلى الهودج. (القنا) عيدان الهوادج (الظباء) جمع ظبية (الجآذر) جمع جؤذر ، وهو ولد البقرة الوحشية ، والمعنى أنه يصف نسوة سبين فصرن تحت عوالي الرماح وفي حوزتها.
4) مكانة الخليل في النحو العربي ص 163 وانظر الكتاب 2 / 195 وقد أضاف المحقق الأستاذ عبد السّلام عارون نصّا في الهامش للسيرافي يذكر فيع النعت صراحة ، وقد نقله الدكتور جعفر عبابنة على أنه تفسير لنص الخليل دون أن يشير إلى زنه نص السيرافي ، حتى الإشارة إلى الصفحة في كتاب سيبويه خطأ في طبعة بولاق الت استخدمتها.
ورد المصطلح أيضا على لسان سيبويه كثيرا (1). كما ذكره السيرفي وغيره من النحاة البصريين ، وإذا كان الأمر كذلك ، فليس من الصحيح أن يناقض الدكتور جعفر نفسه فيقول بعد خمس عشرة صفحة فقط ما يلي (2): «على أن تلك المصطلحات الكوفية لم يعش منها إلا القليل نحو : النعت والنسق والأدوات» فهل نسي الدكتور ما قاله قبل قليل؟ وهل تجاهل ما ورد عند سيبويه الذي كرّر المصطلح عشرات المرات ، بل ربما أكثر من ذلك في كتابه؟ إذا كنا نلتمس له العذر في نسبته لمصطلح (النسق) على أنه كوفي لخطأ شاع وعدم اطلاعه على كتاب (الجمل) للخليل أو عدم قراءته للمنظومة ، فكيف نلتمس له العذر فيما ذكره ثم نسيه أو غفل عنه بعد قليل؟
إذن ، فليس هذا المصطلح كوفيا كما قيل ، وربما كان الكوفيون أكثر استخداما للمصطلح لكن المصطلح بصري المولد والاستخدام ، والكوفيون تلاميذ في مدرسة البصرة أخذوه عنهم ، فليس كل مستخدم للشيء مبدعا له ، يقول الدكتور ابراهيم السامرائي (3): إن سيبويه قد استعمل (النعت) الذي التزم به الكوفيون ، والذي أراه أن (النعت) قد عرفه البصريون الأوائل فاقتبسه الكوفيون والتزموا به. وكما وجد النعت في كتاب سيبويه وجد كذلك في آثار البصريين عامة كالمبرد والزجاجي وابن السراج».
ومنطلقا من استخدام الخليل سيبويه ونحاة المدرسة البصرية على كثرتهم لهذا المصطلح ، وكذلك منطلقا من كلام الدكتور ابراهيم السامرائي نرفض كلام الدكتور مهدي المخزومي الذي تعاطف مع المدرسة الكوفية إلى درجة كبيرة حيث يقول (4): «النعت من اصطلاح الكوفيين ، وربما قاله بعض
البصريين أيضا ، ويقابله عند البصريين (الصفة) والوصف)».
وفي النهاية نؤكد على أن مصطلح (النعت) مصطلح بصري استخدمه نحاة البصرة كثيرا ، كما استخدمه نحاة الكوفة اقتباسا من البصريين وعلى رأسهم الخليل وسيبويه.
استخدم الخليل مصطلح (الصفة) في منظومته (1)، وقد جاء في كتاب سيبويه هذا المصطلح على لسان الخليل مقصودا به النعت.
يقول سيبويه (2): «واعلم أنه لا يجوز أن تصف النكرة والمعرفة ، كما لا يجوز وصف المختلفين ، وذلك قولك : هذه ناقة وفصيلها الراتعان فهذا محال» ؛ لأن (الراتعان) لا يكونان صفة للفصيل ولا للناقة ، ولا تستطيع أن تجعل بعضها نكرة وبعضها معرفة. وهذا قول الخليل - رحمه الله -».
فالكلمات : (تصف - وصف - صفة) مقصود النعت كما استخدم الصفة بمعنى التوكيد حيث يقول سيبويه (3): «وزعم الخليل - رحمه الله - أنه يستضعف أن يكون (كلهم) مبينا على اسم أو على غير اسم ، ولكنه يكون مبتدأ أو يكون كلهم صفة .. هكذا فيما زعم - الخليل رحمه الله - وذلك أن (كلّهم) إذا وقع موقعا يكون الاسم فيه مبنيا على غيره ، شبه بأجمعين وأنفسهم ونفسه ، فألحق بهذه الحروف».
وقد قال في موطن آخر (4): «وأما أجمعون فلا يكون في الكلام إلا صفة» وقد استخدم المصطلح أيضا في كتابه (الجمل) حين يقول (5): «والنصب من نداء النكرة الموصوفة قولهم : يا رجلا في الدار ، ويا غلاما ظريفا ، نصبت لأنك ناديت من لم تعرفه ، فوصفته بالظرف».
وإذا كان الخليل قد استخدم (الصفة) بمعنى النعت مرة ، وبمعنى التوكيد مرة ، فلا نستبعد أن يستخدمها بمعنى الخبر الواقع ظرفا عند ما يقول في منظومته (1):
فإذا تقدمت الصفات فرفعها
لا عندنا رجل يصيد مكلّب
وربما كان استخدام الخليل للصفة بهذا المعنى سببا في شيوعها عند الكوفيين فيما بعد وأطلق عليها (صفة تامة).
يقول أحد الباحثين (2): «ويريد بها الكوفيون ما كان من الظرف خبرا ومحلا للأسماء ، كقولك فيها زيد قائما ، فالصفة فيها خبر للمبتدأ (زيد) ومحل له (أي ظرف) وهي صفة تامة ؛ لأنها محل الأسم» ولم يبتعد الخليل كثيرا في استخدامه للمصطلح عن هذا المعنى في كتابه (الجمل) (3).
ويبدو أن مصطلح (الوصف) لم يكن قد استقر تماما على يد الخليل وسيبويه والكوفيين الذين نقلوه عن المدرسة البصرية ، فمرة يستخدم بمعنى (النعت) ، ومرة أخرى بمعنى (التوكيد) ، ومرة ثالثة بمعنى الظرف أو الجار والمجرور الواقعين خبرا ، ومرة رابعة بمعنى الصفة المشبهة (4)؛ وغير أن هناك محاولة جادة للتفرقة بين (الوصف) بمعنى (النعت) و (النعت) كمصطلح مرادف للصفة ، فقد ذكر (5)أن الخليل بن أحمد قال : «إن (النعت) لا يكون إلا في الصفات المحمودة ، وأن (الوصف) يكون في المحمود وفي غيره من الصفات» ، وبهذا يكون الوصف أعم من النعت حيث يقتصر (النعت) على المحمود ، ويعم (الوصف) المحمود وغيره.
1) البيتان 225 ، 261 وانظر معنى (مكلّب) في هامش البيت من المخطوطة.
2) المدارس النحوية 130 نقلا عن الأصول لابن السراج 1 / 247 بيروت.
3) الجمل 139 ، وقد أشار السيرافي إلى أن الكوفيين يطلقون عليه : (الظرف التام) انظر الكتاب 2 / 125 هامش من كلام السيرافي بتعليق الأستاذ عبد السّلام هارون.
4) الكتاب 1 / 193.
5) الصاحبي ص 88 أحمد بن فارس القاهرة 1328 ه - 1910 م.
استخدم الخليل في منظومته (الرفع) في حالة الإعراب في معظم حالات استخدامه له (1)، كذلك استخدمه في حالة واحدة مع البناء ، وهي حالة البناء مع المنادى حيث يقول (2):
فإذا دعوت من الأسامي مفردا
فارفع فهو لك إن رفعت مصوّب
وهذا ليس بعيدا عما ورد في كتاب سيبويه ، فقد كان يستخدم دائما الرفع في حالة الإعراب ، وقليلا جدا ما يستخدم المصطلح في حالة البناء كما ورد في موضع (النداء) الذي جاءت الإشارة إليه في بيت الخليل ، يقول سيبويه (3): «وزعم الخليل رحمه الله أنهم نصبوا المضاف نحو يا عبد الله ويا أخانا والنكرة حين قالوا : يا رجلا صالحا ، حين طال الكلام ، كما نصبوا : هو (قبلك وهو بعدك). ورفعوا المفرد ، كما رفعوا قبل وبعد وموضعهما واحد ، وذلك قولك : يا (زيد ويا عمرو) وتركوا التنوين في المفرد ، كما تركوه قي قبل» غير أنه كان يستخدم الضم في حالة البناء غالبا كما ورد في الكتاب (4)
(5 ، 6 ، 7 ، 8) انظر الجمل من ص 115 إلى ص 127.
.وفي كتاب (الجمل) للخليل. لا يختلف استخدامه للرفع في حالة الإعراب مع الفاعل (5) أو المبتدأ والخبر (6) أو اسم كان (7) وخبر إن (8) إلخ ، وفي موضع النداء (5)وقبل وبعد (6)أطلق عليهما (الرفع) كما تمّ ذلك من خلال أقوال سيبويه عنه ، أما في بقية ما رواه في كتاب (الجمل) فإنه يستخدم مصطلح (الرفع) في حالة الإعراب.
ويلاحظ أن الخليل كان متسقا مع نفسه فيما نقله عنه سيبويه وفيما ذكره في منظومته وفيما قاله في كتابه (الجمل).
استخدم الخليل مصطلح (الجر) في منظومته في حالة الإعراب (1)وكان يستخدم معه مصطلح (الخفض) كما ذكرنا سابقا ، غير أنه في حالات نادرة - ولعلها كانت الحالة الوحيدة - أستخدم الجر في حالة (البناء) ، ويظهر ذلك في محاورة سيبويه له عن صفة المنادى المفرد ، يقول سيبويه (2): «قلت :
ألست قد زعمت أن هذا المرفوع في موضع نصب ، فلم لا يكون كقوله : لقيته أمس الأحدث».
قال : من قبل أن كل اسم مفرد في النداء مرفوع أبدا ، وليس كل اسم في موضع أمس يكون مجرورا ، فلما اطّرد الرفع في كل مفرد في النداء ، صار عندهم بمنزلة ما يرتفع بالابتداء أو بالفعل ، فجعلوا وصفه إذا كان مفردا بمنزلته» ، غير أنه كان يستخدم الكسرة في حالة البناء غالبا (3)، ولا يبتعد هذا عما جاء عن الخليل في كتابه (الجمل في النحو العربي) (4).
استخدم الخليل (النصب) في حالة الإعراب في منظومته كثيرا (5)وكذلك في (الكتاب) كما نقله عنه سيبويه (6)عند ما قال : «وزعم الخليل - رحمه الله - أنّهم نصبوا المضاف (المنادى المضاف) نحو (يا عبد الله) ولم يبتعد ما أورده
1) المنظومة البيت 32.
2) الكتاب 2 / 183.
3) الكتاب 3 / 283 ، 284.
4) انظر في استخدامه لمصطلح الجر والخفض الجمل 172 ، 189.
5) المنظومة البيت 30 مع إعراب المثنى في حالة النصب الأبيات 42 ، 4 ، 46 ، 60 ، 63 ، 73 ، 74 ، 81 ، 83 ، 91 ، 92 ، 95 ، 106 ، 108 ، 145 ، 147 ، 168 ، 201 ، 219 ، 230 ، 241 ، 273 ، 290 ، واستخدم النصب ويقصد به الجر في الممنوع من الصرف في البيت 276.
6) الكتاب 2 / 182.
الخليل في كتابه (الجمل) (1)عما ورد في المنظومة أو الكتاب ، وقليلا جدا ما كان يستخدم الخليل (النصب) في حالة البناء ، فقد تمّ في المنظومة ونقله عنه سيبويه ، ففي المنظومة (2)عند ما يصف حركة نون المثنى ونون الجمع ، وصف نون الجمع بأنها في حالة (نصب) مع أن كسرتها كسرة بناء ، كذلك في كتاب سيبويه استخدم النصب ويقصد فتحة البناء وهذا قليل جدا (3)وكذلك في كتابه (الجمل) عند ما قال (4): «والنصب على البنية ، ما كان بناء بنته العرب ، مما لا يزول إلى غيره مثل : الفعل الماضي ومثل حروف إن وليت ولعل ، وسوف ، وأين وما أشبهه» ، وهذه حالة ذكر فيها النصب وقصد البناء يقابلها خمسون حالة ذكر فيها النصب في حالة الإعراب ، وهي كل حالات النصب الواردة في الجمل ، ومن ناحية أخرى فإن الخليل كان يستخدم الفتح في حالة البناء (5).
استخدم الخليل مصطلح (الجزم) في منظومته بمعنى الوقف أو السكون سواء أكان الفعل في حالة البناء أم كان في حالة الإعراب ، ففي حالة البناء يقول عن فعل التعجب (6):
لا تفصلن بين التعجب واسمه
فيعيبه يوما عليك معيّب
وتقول أظرف بالفتى أحسن به
أكرم بأحمد إنه لمهذّب
فجزمته لما أتيت بلفظه
بالأمر والمعنى لما يتعجّب
وفي حالة أخرى من حالات الإعراب يقول (1):
والجزم سهل بابه وحروفه
في النحو خمسة أحرف إذ تحسب
فتقول لم يرني أخوك ولم يزر
زيدا أخوه ولا بنوه ولا الأب
إذن ؛ كان الخليل يستخدم (الجزم) في حالة سكون الحرف الأخير من الكلمة سواء أكانت فعلا في حالة إعراب أم في حالة بناء أو حتى مع الحروف وقد جاء على لسان سيبويه نقلا عن الخليل ما يثبت ذلك حيث يقول (2):
«وسألت الخليل ... فقال ... لأن الفعل إذا كان مجزوما فحرّك لالتقاء الساكنين كسر. وذلك قولك : اضرب الرّجل واضرب ابنك»
والفعل المجزوم عند الخليل هو (اضرب) حيث سكّن آخره ، والمعروف عند النحويين الآن بأنه مبني لا مجزوم ، ولكنه استخدام الخليل!
وفي موضع آخر من الكتاب (3)يقول سيبويه : «وقال الخليل - رحمه الله - : «اللهم نداء ... فالميم في هذا الاسم حرفان أولهما مجزوم ، والهاء مرتفعة لأنه وقع عليها الإعراب» والميم الأولى المجزومة لدى الخليل هي حرف ساكن في غير الوقف.
لم يبتعد الخليل فيما ورد عنه في كتاب سيبويه عما قاله في منظومته النحوية ، وكذلك لم يبتعد في كتابه (الجمل في النحو العربي) عما جاء في (الكتاب) أو (المنظومة) ، فالجزم يمكن أن يكون بالوقف مثل قولهم : رأيت (زيد) ، وركبت (فرس) حيث لا يلزمون الكلمة حركة ، لأن الإعراب حادث وأصل الكلام السكون. هكذا يقول في الجمل (4)، والجزم يكون بالبنية مثل : من ، وما ولم وأشباهها لا يتغير إلى حركة (5).
إن مما لفت نظري في كتاب (الجمل) هذا النص الذي يقول فيه (1): «فاعلم أن علامات الجزم بالضم ، والوقف ، والفتحة ، وإسقاط النون والكسرة ، فالوقف مثل قولك : لم يخرج ، ولم يبرح وهو السكون ، والجزم بالضم : لم يدع ، ولم يغز ، والجزم بالكسر : لم يرم ، ولم يقض ، والجزم بالفتح : لم يلق ، ولم يرض ، وإسقاط النون : لم يخرجا ، ولم يخرجوا ، وربما تركت الواو والياء في موضع الجزم استخفافا. قال الله عزّ وجل (2)(وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) أثبت الواو ومحله الجزم لأنه مخاطبة الواحد فيما ذكر لي بعض أهل المعرفة قال الشاعر (3):
هجوت زبّان ثم جئت معتذرا
من هجو زبان لم تهجو ولم تدع
والملاحظ أن علامات الجزم لدى الخليل تعتمد على الشكل النطقي لآخر الفعل ، وكأنه كان يميل إلى أن يقدم لنا (نحوا وصفيا) يعتمد على وصف الواقع اللغوي ، وهو يمثل الآن اتجاها لبعض الدارسين.
ما لم يسم فاعله :
في منظومة الخليل باب يسمّى : ما لم يسمّ فاعله يقول فيه (4):
والفاعلون ولم يسمّوا حدّهم
رفع وبعد الرفع نصب يلحب
فتقول قد عزل الأمير وزوّجت
دعد وقد ضرب العشيّة شوزب
ومن الواضح أن الخليل يقصد نائب الفاعل مع الفعل المبني للمجهول وأمثلته دالة على ذلك : (عزل الأمير - زوجت دعد - ضرب شوزب) ، وقريب
1) الجمل 202 ، 23.
2) سورة الجن الآية 18.
3) قائل هذا البيت أبو عمرو بن العلاء فقد قيل ان اسمه (زبّان) وأنه قال هذا البيت للفرزدق ؛ انظر الإنصاف 1 / 24 شرح الأشموني 1 / 103 شرح المفصل 10 / 104 ، 105 شرح شواهد العيني 1 / 103. والمعروف ان أبا عمرو بن العلاء كان أستاذ الخليل ، وربما كان هو المقصود بقول الخليل «فيما ذكر بعض أهل المعرفة» أليس ذلك دليلا على أن هذه النصوص الواردة كلها للخليل؟!
4) البيتان 145 ، 146.
من هذا ما أورده الخليل في كتابه الجمل عند ما كان يتكلم عن وجوه الرفع قائلا (1): «وما لم يذكر فاعله : ضرب زيد وكسي عمرو».
وإذا ظهر لنا هذا الأمر واستبان فلنا أن نعترض على ما قاله صاحب المدارس النحوية (2)عند ما يقول تحت عنوان : ما لم يسمّ فاعله : «وهو من مصطلحات الكوفيين ، وهو عند البصريين جملة مواد هي المفعول الذي لم يتعده فعله ، ولم يتعد إليه فعل فاعل والمفعول الذي لا يذكر فاعله والفعل الذي بني للمفعول ولم يذكر من فعل به» (3).
والملاحظ أن صاحب المدارس النحوية ينفي في بداية الأمر أن يكون المصطلح بصريّا قائلا : (وهو من مصطلحات الكوفيين) ، ثم يذكر أن البصريين قد استخدموه مشيرا إلى ثلاثة مصادر منها استخدام المبرد (المفعول الذي لا يذكر فاعله) واستخدام ابن السراج (الفعل الذي بني للمفعول) والقصد هنا أن الفاعل محذوف سواء كان فاعل الفعل ، إو الفاعل في المفعول ، والمصطلح الذي أتى به (ما لم يسمّ فاعله) يمكن أن يؤدي الدلالتين السابقتين ، وهذا ما استخدمه الخليل (ما لم يذكر فاعله) مرة ، ومرة أخرى (ما لم يسمّ فاعله) والمبرد وابن السراج من أقطاب المدرسة البصرية ، أوفياء لمصطلحهم ، وسيبويه عند ما يقول (المفعول الذي لم يتعده فعله) (4)فإنما لم يبعد عن المعنى المراد ، ويبقى للخليل السبق في استخدام المصطلح بناء على ما ورد في (منظومته) وفي كتابه (الجمل).
هذه جملة مصطلحات توقفنا أمامها بالتفصيل نظرا لما أشيع عنها أنها كوفية ، مع أن البصريين - وعلى رأسهم الخليل - كانوا سباقين في استخدامها ، وهي ألفاظ شاعت ليس فقط عند الكوفيين ، بل ظلت شائعة حتى عصرنا الحاضر فالكثير منها يتردد كل يوم على ألسنة الدارسين ، هذا على
العكس من تلك المصطلحات الكوفية التي اندثرت ولم تتجاوز ألسنة الكوفيين مثل : المكنى والكناية (الضمير) ، نون العماد (نون الوقاية) ، حروف المثل (أسماء الاشارة) ، الدائم (المضارع) ، الاستيتاء (الإغراء) ، المصدر (المفعول المطلق) ، التفسير (المفعول به) ، المترجم (التمييز) ، الإيجاب (الاستثناء المفرّغ) ، الترجمة ، التبيين ، التكرير ، التفسير ، العبارة (كلها تعني البدل) ، التكرير (التوكيد). كل هذه المصطلحات استخدمت فقط على ألسنة الكوفيين ثم اندثرت ، فلم تعد تستخدم.
وإذا تتبعنا بقية المصطلحات الواردة في منظومة الخليل فإننا سنجدها الأكثر شيوعا واستخداما حتى يومنا هذا ، وذلك دليل على الحس اللغوي لدى الخليل - إن كان هو صاحبها - وإلا فلدى البصريين عامة ، وها هي ذي بقية المصطلحات الواردة في المنظومة قيد الدراسة :
الفاعل (الفاعلون) (1)المعرفة (المعارف) (2)النكرة - النكرات (3)المبتدأ (4)الخبر (الأخبار (5)الاسم (الاسماء - الأسامي) (6)الفعل (الأفعال) (7)المذكر (8)المؤنث (9)التعجب (10)المدح (امتدحت) (11)الذم (ذممت) (12).
حروف الرفع (1)حروف كان وليس (2)حروف إن (3)الإعراب تعرب (4)الرفع (ترفع - ارفع) (5)النصب - انصب - نصبت (6)الخفض (تخفض - اخفض) (7)الجزم (8)المجازاة (جازيت) (9)النداء (دعوت) (10)المفرد (11)الإضافة (أضفت) (12)الترخيم (13)الأمر (أمرت) النهي (نهيت) (14)الإضمار (أضمرت) (15)الإغراء (أغريت) (16)التحذير (17)التمني (18)الاستفهام مستفهما (19)التبرئة (التبرّي) (20)ما يجري وما لا يجري (21)
1) البيت 51.
2) البيت 62.
3) البيت 72.
4) الأبيات 43 ، 203 ، 273.
5) الأبيات 29 ، 33 ، 42 ، 43 ، 44 ، 46 ، 60 ، 63 ، 81 ، 83 ، 92 ، 96 ، 103 ، 129 .. إلخ.
6) الأبيات 30 ، 109 ، 111 ، 140 ، 147 ، 219 ، 230 ، 276 ، 241 ، 285 .. الخ.
7) الأبيات 30 ، 31 ، 32 ، 86 ، 121 ، 124 ، 135 ، 170 ، 185 ، 198 ، 206 ، 276 ، 252
8) البيتان 101 ، 116.
9) البيتان 194 ، 236.
10) عنوان للباب مع البيت 102.
11) ويقصد به ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف البيت 102 ، 111.
12) البيتان 106 ، 270.
13) البيتان 113 ، 115.
14) البيتان 127 ، 232 والعنوان.
15) ويقصد به استتار الضمير في مثل : أعطيت درهما البيت 150.
16) البيت 166 بالإضافة إلى العنوان.
17) البيت 168.
18) البيت 232.
19) البيت 232.
20) البيت 257 والعنوان قبله.
21) البيت 262 والعنوان قبله ، البيت 264.
ليس من المغالاة في الأمر إذا ما ذهبنا إلى أن الخليل بن أحمد يعدّ مؤسس المدرسة البصرية التي شاع أمرها ، وانتشرت مصطلحاتها إلى يومنا هذا ، بل وكانت مسائلها وقضاياها النحوية وآراء أساتذتها هي الأكثر شيوعا في حقل الدراسات النحوية واللغوية ، وعند ما نبحث عن مصادر الدراسة الكوفية بقضاياها النحوية ومصطلحاتها نجد أن الخليل بن أحمد كان مقصد كل من رغب من الكوفيين في تعلّم النحو من منابعه. وها هو ذا الكسائي رئيس مدرسة الكوفة يتعلم على يد الخليل بن أحمد.
يقول الدكتور مهدي المخزومي (1): «إذا أردنا أن نؤرخ لمدرسة الكوفة ، فينبغي أن نؤرخ للكسائي لأنه فيما نذهب إليه هو النحوي الأول الذي رسم للكوفيين رسوما يعملون عليها ، كما قال أبو الفرج (يقصد الأصفهاني) ؛ ولأنه عالم أهل الكوفة وإمامهم - كما قال السيوطي - وإذا كان لا بد من النص على المصدر الأول الذي استقى منه الكسائي علمه ، وفتح السبيل أمامه ليكون إماما في النحو ورئيسا لمدرسة ، فإننا نزعم أن الخليل بن أحمد هو ذلك المصدر الذي لقن الكسائي صناعة الإعراب ، وليس كثيرا على الخليل صاحب العقل المبتكر أن ينتمي إليه أعظم مدرستين للغة وقواعدها شهدها تاريخ العربية» ، ولهذا فقد جعل الباحث الخليل بن أحمد مبعث مدرستين اصطنعت كل واحدة منهما منهجا خاصا ، تولّى رئاسة الأولى سيبويه وتولى رئاسة الثانية علي بن حمزة الكسائي.
إذن ؛ كان الخليل واضع اصول النحو العربي بمدرستيه ، وكان نبعا فياضا استقى منه القاضي والداني إلى حدّ أن المدرستين البصرية والكوفية
1) مدرسة الكوفة 79.
انتميتا إليه ، فالكسائي وهو رأس المدرسة الكوفية يوافق الخليل في بعض آرائه مخالفا الكوفيين وكأن الكسائي ، وقد قرأ (الكتاب) وتأثر به فذهب في مسائل عدة مذهب الخليل بن أحمد» (1)ومثال ذلك موافقة الكسائي للخليل في تركيب (لن) الناصبة للمضارع من (لا) و (أن) كما أشار إلى ذلك الأشموني (2)والصبان (3)ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه الأشموني عند ما قال إن (نعم وبئس) فعلان غير متصرفين عند البصريين والكسائي بدليل ؛ فبها ونعمت واسمان عند الكوفيين (4)... إلخ.
يحكي بعض المؤرخين (5)أن الكسائي دخل على بعض أهل الفضل فتكلم فأخطأ فردّوا عليه خطأه ، فأخذ يتنقل بين حلقات الدرس حتى سمع عن استاذ العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي فشدّ إليه الرحال ليأخذ عنه العربية «واستغرب الجالسون إلى الخليل أن يقصد الكسائي إلى البصرة يطلب لغات الأعراب فيها ، وفي الكوفة بنو تميم وبنو أسد ، وعندهم الفصاحة ، ولكنه جلس إلى الخليل مبهورا بما سمع منه ، ولم يلتفت إلى هؤلاء بجواب ، ثم تقدم إلى الخليل يسأله عن مصادر علمه هذا ، فقال له الخليل بوادي الحجاز ونجد وتهامة ... إلخ.».
هذا هو الكسائي (إمام مدرسة الكوفة) يتتلمذ على يد الخليل بن أحمد ويتشرب علم الاعراب منه ومن بيئة البصرة ، ثم يأتي تلاميذ الكسائي ليأخذوا منه فيكون منبعهم بصريا خليليا ، وأبرز نحاة الكوفة ممن تتلمذوا على يد الكسائي هو الفرّاء ، وإن كان قد تأثر مباشرة بكتاب سيبويه قبل أن يتتلمذ على يد الكسائي ، فقد «عكف على كتاب سيبويه يقرؤه فيقف على مسائل
الخليل فيه وهي كثيرة تبلغ عدة مئين» (1).
وبالتالي فقد تأثر الفرّاء بآراء الخليل مباشرة من خلال قراءته لكتاب سيبويه الذي يحمل الكثير من آراء الخليل.
إذا كانت البصرة قد سبقت الكوفة إلى الدراسة اللغوية زمنا طويلا ، شهدت نحوا اصطلاحيا قبل أن تشهده الكوفة كما شهدت نحاة كان لهم أثر كبير في النهوض بهذه الدراسة (2)، وإذا كان الخليل نبعا ثريا للمدرستين فلا شك أن للخليل دوره الكبير في وضع كثير من المصطلحات ، حفظها عنه عالم العربية الكبير سيبويه ونقلها إلى التاريخ العربي من خلال (الكتاب).
صحيح أن المصطلحات النحوية لم تكن قد استقرّ معناها وتحدد بشكل نهائي إلا أن الفضل يرجع لمن ذكرها لأول مرّة ، وليس بين أيدينا مصدر يدل على أن وضع هذه المصطلحات النحوية غير المستقرة قبل الخليل. لهذا يكون الخليل المصدر الأول في وضع هذه المصطلحات من خلال ما نقله عنه تلميذه الوفيّ سيبويه في كتابه ، وما أثر عنه مكتوبا في منظومته وكذلك في كتابه «الجمل» بل هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك ، فها هو ذا باحث محدث (3)يذكر تلاميذ الخليل جميعهم ثم يقول : «وهل نكون مغالين إذا قلنا : إن الخليل أنشأ مدارس بعدد هؤلاء التلاميذ؟ كلا ، فهذا هو الحق لا مرية فيه ، لأن كل واحد منهم كوّن بمجهوده الشخصي مدرسة قوية الدعائم ، ظاهرة الأثر ، لها خصائصها ومميزاتها ، وطابعها الذي مهّد لها الانتشار والذيوع فيما بعد ، مما كان له أكبر الأثر في المناظرات بين البصرة والكوفة ، ولا جرم أن هذه المدارس - وليدة مدرسة الخليل - سهرت على تنمية العلم النافع ، وإذاعة المعارف ، وإنارة العقول وتحريرها من ربقة الجهالة ، ونير الذل ،
ودياجير الظلمة ، فكانت عاملا قويا من عوامل الرقيّ والتقدم ، والنهوض في الدولة الإسلامية إلى يومنا هذا».
نعم ، كل من يقترب من شخصية الخليل وفكره وعلمه يحسّ إحساسا قويا بعظمة الرجل وتأثيره في كل من حوله سلوكا وعلما ، بعقليته الناضجة الواعية الدقيقة الخلاقة المبدعة ، ورجل بمثل هذه العقلية ليس كثيرا عليه أن يكون مصدر علم النحو في البصرة والكوفة ، وكذلك لا يعجزه وضع مصطلحات هذا العلم ، فإذا كان قد اكتشف علمي العروض والقافية دون سابق تمهيد ، ألا يكون قادرا على وضع مصطلحات لعلم النحو؟!
من أين للكوفيين وضع مصطلحات تؤصل علم النحو ، مع أنهم لم يعرفوا النحو إلا بعد أن راج وانتشر في البصرة «أجل فلم تعرف الكوفة قبل عصر الخليل نحوا ولا صرفا ، ولم يكن بها أحد من النحاة ، وظلت البصرة مستأثرة بالعلماء دون غيرها ، ليس في النحو فحسب ، وإنما في كل فن ، إلى أن انتقل منها إلى الكوفة عبد الرحمن التميمي المتوفى سنة 164 ه وسكن الكوفة ، ونشر فيها علم النحو ، وبذر بذوره» (1).
في نهاية الأمر لا نستطيع إلا أن نعترف بأهمية مصطلحات الخليل التي وضعها هو وأخذها عنه تلاميذه ، فقد استفاد الخليل من علم من سبقوه دون أن يتركوا شيئا مكتوبا ولهذا يبقى للخليل أسبقية استخدام المصطلحات ووضعها على الصورة التي عرضناها.
1) (الخليل بن أحمد) عبد الحفيظ أبو السعود ص 28.
إن المتأمل لقصيدة الخليل النحوية يلاحظ كثرة الأعلام الواردة فيها ، هذه الأعلام تربو عن مائة وثلاثين علما ، وهذا ليس بمستغرب ، فمادام الأمر في نطاق النحو والتمثيل للقضايا النحوية المختلفة ، فإنّ الحاجة تكون ملحة في استخدام الأعلام التي لا يكون القصد من وجودها سوى التمثيل فقط ، دون أن يمثّل العلم شيئا من الدلالات الأخرى ؛ أي أنه لا يوجد ربط بين الحدث الحاصل من العلم والواقع كائنا أو يكون. إلا إذا قصد طرح وجهة نظر أو اعتراض أو رأي ما لواحد من النحاة أو الصرفيين ، فإن الامر يكون مختلفا في هذه الحالة ، إذ ليس الأمر في نطاق التمثيل بل تغيّر إلى مرحلة أخرى ، يكون المقصود علما بعينه وشخصا بعينه قال شيئا أو نقل رأيا ما. والمتتبع لأعلام الخليل يستطيع ملاحظة ما يلي :
أولا : وجود أعلام حديثة - أو هكذا تبدو - مثل عبد السّلام أو أعلام غريبة ليس هناك تعوّد على التمثيل بها مثل : عبد المهيمن ، مهلّب ، جندب ، حوشب ... الخ.
لكن الذي كان مثيرا بالنسبة لي هو العلم (عبد السّلام) بشكل خاص ، فالقارئ - منذ وقوع عينه على (عبد السّلام) - يوشك أن يذهب إلى القول بأن هذه القصيدة ليست للخليل لأن العلم (عبد السّلام) ليس قديما إلى هذه الدرجة ، هكذا كان إحساسي في بادئ الأمر.
أما الأعلام الأخرى التي تثير نوعا من الدهشة للتمثيل بها مثل : حوشب ، عبد المهيمن ... إلخ. فهي قديمة ، ولعل قدمها كان دليلا على كتابة هذه القصيدة في حياة الخليل ، بل وقد يكون قبل ذلك. وكان لا بد من العودة إلى كتب التراجم والتاريخ للتحقق حتى نرى هل وجد من سمّي (عبد السّلام) في عصر الخليل أو قبله؟ فإذا وجد من سمي بهذا الاسم في حياة الخليل أو
قبله زال الشك في تلك الرواية وإلا فإن الشك في نسبة تلك القصيدة ربما كان سيجبرنا على التوقف عن تحقيقها لعدم التأكد من نسبتها إلى الخليل.
وتوجهت إلى كتاب «الأعلام» كنموذج من كتب التراجم والسير فوجدت الزركلي (1)يترجم لعلم يسمّى : عبد السّلام بن حرب النهدي الملائي أبو بكر البصري ثم الكوفي من حفاظ الحديث ولد عام 91 ه ومات عام 187 ه.
والملاحظ أن عبد السّلام بن حرب النهدي ولد قبل ولادة الخليل بتسع سنوات وعاش معظم حياته في البصرة وتوفي بعد الخليل باثنتي عشرة سنة وربما كان صديقا للخليل ، فهو معاصر له ، وكان يعيش بمدينة البصرة نفسها.
وهناك علم آخر أشار إليه الزركلي (2)وهو : عبد السّلام بن هاشل اليشكري ، خرج في الجزيرة أيام المهدي ، واشتدت شوكته وكثر أتباعه ، وقاتله عدد من قوّاد المهدي فهزمهم ، مات سنة 162 هجرية 779 م.
والملاحظ أنه ولد ومات قبل موت الخليل - حسب الرأي القائل بأن وفاة الخليل كانت عام 175 ه بالإضافة إلى خروجه واشتداد شوكته ومحاربة المهدي له ، كل هذا يجعله علما بارزا في تلك الفترة ، ولا أظن الا أن الخليل كان قد سمع به كما سمع به أهل البصرة جميعهم.
وهناك عبد السّلام بن سعد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون (3)الذي كانت ولادته قبل موت الخليل بخمسة عشر عاما (عام 160 ه) إذن لم يكن هذا العلم غريبا على أسماع الناس في تلك الفترة ، أو سمي به بعد هذا التاريخ ، وما مضى دليل على أن هذا العلم متداول قبل مجئ الخليل إلى البصرة ، بل قبل ولادته ، وليس معنى استخدام الخليل لهذا العلم أنه يقصد واحدا من هؤلاء ، وإنما كان استخدامه على سبيل التمثيل فقط ، غير أن الاحساس بحداثة هذا العلم هو الذي جعلنا نتوقف أمامه هذا التوقف اليسير ، حتى ننفي حداثته أو الظن بأن استخدام هذا العلم وشهرته بدأ مع العصر المملوكي بالزاهد العالم : العز بن عبد السّلام - رحمه الله -.
ولعل الناظر في الأعلام السابقة التي أشرنا إلى غرابة التمثيل بها يجد أن هذه الأسماء وأشباهها قريبة من تراث الخليل الذي نسب إليه أو الذي حكي عنه.
وسأكتفي بالتعليق على ثلاثة من تلك الأعلام الواردة في منظومة الخليل.
ففي إحدى المخطوطات ورد على لسان العالم الشيخ أبو الحسن سليمان أبو عبد الله البحراني أثناء ترجمته للخليل ، ومن ضمن ما قاله : «ومن محاسن شعر الخليل قوله في الرد على المنجمين : (1)
أبلغا عني المنجم أني
كافر بالذي قضته الكواكب
عالما أن ما يكون وما كا
ن قضاء من المهيمن واجب
ولو أن هذه الأبيات صحيحة النسبة إلى الخليل - وما اعتقادنا بصحة نسبة هذين البيتين إلى الخليل بن احمد الفراهيدي واللذين يدلان دلالة واضحة على ارتباطه بالقرآن الكريم كان له ابلغ الاثر في استخدام تلك الاعلام الواردة في منظومته ، وبالتالي يأتي العلم «عبد المهيمن» في نطاق هذا السياق مثل (الله) و (عبد الله) و (عبد السّلام) .. إلخ. كما يدل ذلك أيضا على أن كثيرا مما ينسب إلى الخليل يكون في نسق واحد من استخدامه للألفاظ والمصطلحات أو حتى الأفكار ، فرجل مثل الخليل تقي ورع مؤمن زاهد لا يؤمن بأقوال المنجمين ، وهذا متفق مع طبيعة ما روي عن حياة الخليل.
أما (حوشب) الذي ورد ذكره أكثر من مرة في قصيدة الخليل (2)النحوية ، فليس المقصود منه إلا التمثيل ، وإن كانت كتب التراجم تشير إلى أن الخليل درس الحديث وفقه اللغة على أيوب السختياني وعاصم الأحول والعوام بن حوشب (3)كما روى الحديث عن عثمان بن حاضر عن ابن عباس وغالب
القطان (1)، وكذلك وجدت أعلام كثيرة في عصر الخليل وقبله ممن يحملون اسم (حوشب) ، ومن هؤلاء «حوشب بن طخمة» الألهاني الحميري الذي توفي عام 37 هجرية يقول عنه صاحب الأعلام (2)«تابعيّ يمانيّ ، كان رئيس بني ألهان في الجاهلية والإسلام ، أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم وآمن به ، ولم يره ، وقدم إلى الحجاز في أيام أبي بكر ، وكان أميرا على كردوس في وقعة اليرموك ، وسكن الشام فكان من أعيان أهلها وفرسانهم وشهد صفين مع معاوية فقتل فيها».
إذن لم يكن التمثيل بهذا العلم من الغرابة في شيء ، فحوشب هذا من أعيان الشام ، والعوام بن حوشب من رواة الحديث بل إنه ممن روى عنهم الخليل ، وبهذا كان الاسم قريبا من فكره إن لم يكن قريبا من قلبه أيضا وهو المتوقع مع العوام بن حوشب.
أما «مهلب» الوارد ثلاث مرات (3)في قصيدة الخليل فيبدو هذا العلم مرتبطا بتراث الخليل ارتباطا وثيقا. مع المهلب بن أبي صفرة وابنه سليمان والي الأهواز الذي قال عنه الخليل أبياته المعروفة التي أجمعت كل الكتب على نسبتها إليه (4)والتي كانت ردا على قطع راتبه المخصص له ، يقول :
أبلغ سليمان أنى عنه في سعة
وفي غنى غير أني لست ذا مال
إذن ؛ فالأمر متعلق براتبه الذي قطعه ، وهو إذن متعلق بحياة الخليل ، ومع ذلك يرفض الانتهازية - حسب دلالة الرواية المشهورة - وإذا أمعنّا النظر في مثال الخليل نجده متعلقا أيضا بشئ قريب من هذا يقول الخليل (5):
ومعارف الأسماء أسماء الورى
زيد وعمرو ذو الندى ومهلّب
هل ارتبطت كلمة (مهلّب) بالندى في شطر واحد ارتباطا عشوائيا؟ ربما وهو الأكثر ترجيحا بالنسبة لي ، مع أن الندى والكرم له علاقة براتب الخليل.
وربما كان من المثال الآخر للخليل ما يثير شبهة للربط بين المثال والواقع حيث يخاطب المهلب في قوله (1):
فإذا كنيت نصبت من كنيته
يابا المهلب قد أتاك مهلّب
أيمكن أن يكون المقصود بذلك الخطاب الواقعي؟ لا أظن ذلك إذ لو كان الأمر على سبيل الحقيقة لقال يا ابن المهلب ولم تشر نسخة واحدة من مخطوطات القصيدة العشر إلى وجود هذه القراءة ، ولعل ذلك يؤكد عدم الربط بين الأعلام الواردة والواقع ، حتى لو كانت تلك الأعلام لها دور في حياة الخليل فالوارد للتمثيل فقط.
ثانيا : ذكر الخليل (قطربا) (2)لا على سبيل التمثيل ، بل إنه تجاوز ذلك فذكر رأيا له ففي باب «التاء الأصلية وغير الأصلية» أي ما آخره ألف وتاء دالا على الجمع يشير الخليل إلى أنه إذا كانت التاء زائدة فإنها تنصب بالخفض (بالكسرة) وهو المعروف لدينا بجمع المؤنث مثل : عمات جمع عمّة ، أما إذا كانت التاء غير زائدة ، فإن نصبها يكون بالفتحة ، وقد عبّر الخليل عن الأول بقوله : فخفض نصبها في قوله (3):
والتاء إن زادت فخفض نصبها
ما عن طريق الخفض عنها مهرب
فتقول إن بنات عمّك خرّد
بيض الوجوه كأنهن الربرب
أما الثانية - وهي التاء غير الزائدة - فقد عبّر عنها بالنصب فقط مشيرا إلى أن «قطربا» - كذلك - ينصبها. يقول الخليل (4):
ودخلت أبيات الكرام فأكرموا
زورى وبشوا في الحديث وقرّبوا
وسمعت أصواتا فجئت مبادرا
والقوم قد شهروا السيوف وأجلبوا
فنصبت لما أن أتت أصلية
وكذاك ينصبها أخونا قطرب
ويمكن أن يكون الأمر لا إشكال فيه لو أنه ذكر «قطربا» في تمثيل لقاعدة ما ، أما وأن الأمر هو نسبة رأي إليه فإن الإشكال يقع من هذه الزاوية ، وهنا تثور في الذهن أسئلة كثيرة ، إذ كيف يذكر الخليل (قطربا) وهو - أي قطرب - لم يتتلمذ على يديه؟ بل إنه تتلمذ على يد أحد تلاميذ الخليل وهو سيبويه ، ألا يمكن أن يكون ذكر الخليل قطربا مدعاة لأن نشك في نسبة هذه القصيدة للخليل وأنها منحولة عليه؟ فلم تذكر كتب التراجم والسير والتاريخ أية علاقة بين الخليل وقطرب ، إضافة إلى ذلك أن الخليل مات قبل موت قطرب بإحدى وثلاثين سنة. هذا على شهرة تلك الرواية التي تذكر أن وفاة الخليل كانت عام 175 ه (1)، ووفاة قطرب كانت عام 206 ه (2)، فكيف يذكر الخليل «قطربا» - مع وجود هذا الفارق الزمني بينهما؟! - ويظل يقين نسبة القصيدة إلى الخليل قائما ، وهذا موطن التشكك الذي يهدم فكرة أن تكون هذه القصيدة من عمل الخليل.
ساورتني شكوك كثيرة ، وأنا في بادئ أمر تحقيق نسبة هذه القصيدة عند ما كنت أعيد قراءة هذا البيت وأسترجع تواريخ الوفاة بشكل خاص لكل من الخليل وقطرب وتلاميذ الخليل ، لكن تأمل هذه التواريخ جيدا والاطلاع على طبيعة الحياة في البصرة في ذلك الوقت ، بالإضافة إلى عوامل أخرى ، منها أمور نصية ، كل هذا هو الذي فك طلاسم المشكلة وأضاء الطريق ، بل وأضاف إليّ كثيرا من الراحة لتحقيق نسبة هذه القصيدة إلى الخليل ، ولنتتبع مراحل هذا التحقيق فيما يلي :
يشير صاحب كتاب الأعلام إلى أن وفاة قطرب كانت سنة 206 ه - 821 م (1)على الرأي الأشهر ، وكتب التراجم لم تشر إلى أنه تتلمذ على يد الخليل بن أحمد ، ولكنها تشير على يد سيبويه (2)، الذي تتلمذ على يد الخليل ، والخليل توفي عام 175 ه - كما أوردنا سلفا - وإذا كان الأمر كذلك فلا لقاء متخيلا بين الخليل وقطرب ، بل ليس هناك علاقة علمية مباشرة متخيلة أو مجسدة. والحقيقة أن المتأمل في حياة تلاميذ الخليل يمكن أن يستنبط أشياء مهمة تغيّر مجرى التخيل أو التصوّر الذي يطرأ على الذهن من أول وهلة.
إن كتب التراجم تشير إلى أن النضر بن شميل بن مالك بن عمرو التميمي النحوي البصري الثقة كان من تلاميذ الخليل (3)، بل إن بعض الكتب تشير إلى أنه كان من أصحاب الخليل (4)أما عن وفاته فيقول ابن خلكان عنه «وتوفي في سلخ ذي الحجة سنة أربع ومائتين ، وقيل في أولها ، وقيل سنة ثلاث ومائتين بمدينة مرو من بلاد خراسان» والنظر القريب والمقارنة يؤكدان ذلك التقارب الشديد بين وفاة قطرب (206 ه) ووفاة النضر بن شميل (204 ه) أي ليس بينها سوى عامين فقط.
لم تذكر كتب التراجم عن الأول أنه تتلمذ أو قابل الخليل ، والثاني ذكر عنه أنه تتلمذ على يد الخليل وكان صديقا له والسؤال الذي يواجهنا بشدة هو : (5)
1) الزركلى 7 / 95 وقطرب هو محمد بن المستنير بن أحمد أبو علي الشهير بقطرب ، نحوي عالم بالأدب واللغة من أهل البصرة من الموالي كان يرى رأي المعتزلة النظامية ، وهو أول من وضع المثلث في اللغة ، وفي وفيات الأعيان 4 / 312 أخذ الأدب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين ، وكان حريصا على الاشتغال والتعلم وكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلاميذ ، فقال له ما أنت إلا قطرب ليل فبقي عليه هذا اللقب ، قطرب : اسم دويبة لا تزال تدب ولا تفتر ، توفي سنة 206 ه.
2) وفيات الأعيان 4 / 312.
3) طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص 59 ، 60 الطبعة الثانية دار المعارف القاهرة 1432 ه - 1973 م تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وانظر نزهة الألبا ص 74.
4) وفيات الأعيان 5 / 379.
5) وفيات الأعيان 5 / 404.
هل يمكن أن يكون العامان فرقا زمنيا كبيرا إلى هذا الحد الذي يجعل النضر ابن شميل تلميذا للخليل وصديقا له ويجعل قطربا بعيدا عن الخليل ، فلا صداقة ولا ذكر ولا معرفة إطلاقا؟ أعتقد أن العامين ليس لهما هذا التأثير الكبير ، وإنما لا بد من وجود شيء ما جعل المؤرخين يقفون من قطرب موقفا سلبيا بصمتهم عن تلك العلاقة بين الخليل وقطرب ، وربما كان في قول ابن الأنباري ما يدل على صحة استنتاجنا.
يقول ابن الأنباري (1)عن قطرب : «وكان يذهب إلى مذهب المعتزلة ، ولما صنّف كتابه في التفسير أراد أن يقرأه في الجامع فخاف من العامة وإنكارهم عليه ؛ لأنه ذكر فيه مذهب المعتزلة ، فاستعان بجماعة من أصحاب السلطان ليتمكن من قراءته بالجامع (توفي سنة 206 ه في خلافة المأمون). ربما في هذا بعض الصحة.
وإذا كان النضر بن شميل قد توفي سنة 204 هجرية وكان من تلاميذ الخليل وأصحابه فإن الأمر يكون أكثر إثارة وغرابة عند ما نعلم أن الأصمعي تلميذ الخليل وصديقه أيضا قد توفي سنة 213 ه أو 217 ه ؛ أي بعد وفاة قطرب بسبع سنوات أو بإحدى عشرة سنة ، ومع ذلك كان من المقربين إلى الخليل.
يقول ابن الأنباري (2)عن وفاة الأصمعي : «قال أبو العباس توفي الأصمعي بالبصرة وأنا حاضر سنة ثلاث عشرة ومائتين ، ويقال توفي سنة سبع عشرة ومائتين ، في خلافة المأمون» وقيل إنه توفي سنة 210 ه (3).
فقطرب المتوفى سنة 206 هجرية لم يتتلمذ على يد الخليل مع دأبه وشغفه بالعلم عامة وبعلوم القرآن خاصة ، والأصمعي المتوفي سنة 217 أو حتى 210 ه على أقصى الآراء كان صديقا للخليل وتلميذا مقربا إليه. أليس في ذلك ما يشير إلى الريبة؟ أعتقد أن هناك إغفالا متعمدا وصمتا هادفا عن
الخوض في حياة قطرب ، وخاصة إذا تأملنا ما يلي :
(أ) امتلأت كتب التراجم والتاريخ عن سيبويه وأنه قد تتلمذ على يد الخليل وأنه كان أنجب تلاميذه على الإطلاق.
وعلى ما تذكره كتب التراجم توفي سيبويه عام 161 ه أو 177 ه (1)وقيل غير ذلك ... إلخ. أي كانت وفاته قبل الخليل (وهو مستبعد) أو بعد الخليل بزمن يسير (وهو الأقرب إلى المنطق) وذكرت الكتب أيضا أن قطربا كان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلاميذ (2)واستمرار قطرب في التبكير إلى سيبويه يحتاج إلى زمن ليس بالقليل حتى يشعر به سيبويه ويطلق عليه هذا اللقب ، وهذا يدل أيضا على حرص قطرب ، إذا أضفنا إلى ذلك وجود قطرب في بصرة الخليل حيث كان الخليل ملء العين والسمع فلنا أن نتخيل سعي قطرب للأخذ من علم الخليل وأن الخليل كان عالما به عارفا إياه ، وأن ذكر الخليل لقطرب ليس مستغربا.
(ب) والخليل نفسه ذكر سيبويه في نص من نصوصه التي نسبت إليه محققة ، فقد ورد في كتاب الجمل في النحو تصنيف الخليل بن أحمد الفراهيدي (3)في باب جمل الواوات عند ما كان الخليل يتكلم عن واو الإقحام وذكر قول الله تعالى (4)(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) وأن معناه : يصدون ، والواو فيه واو إقحام قال الخليل : «ومثله قول الله عزّ وجلّ : (5)(فَلَمَّا أَسْلَما ، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ
1) وفيات الأعيان 3 / 464.
2) وفيات الأعيان 4 / 312.
3) هذا الكتاب حققه الدكتور فخر الدين قباوه وقدّم الطبعة الثانية منه 1407 ه. 1987 م مؤسسة الرسالة بيروت انظر ص 288 وقد قرأت جزءا من هذا الكتاب مخطوطا أثناء زيارتي للمكتبة السليمانية باستانبول في تركيا ، ولكنه كان بعنوان «جملة الآلات الإعرابية في النحو» وهذا المخطوط قدمه الدكتور فخر الدين قباوة على أنه جزء من كتاب الجمل.
4) سورة الحج الآية 25.
5) سورة الصافات الآيات من 103 - 105 وانظر الجمل للخليل ص 288.
الرُّؤْيا) معناه : ناديناه والواو حشو على ما ذكر سيبويه النحوي» هكذا ذكر الخليل تلميذه سيبويه (1)ونسب رأيا له ولا ضير في أن يذكر الأستاذ تلميذه ، ولهذا فذكر الخليل لقطرب لا يدعو إلى الدهشة إذا تأكد لنا حرص قطرب على العلم والتبكير إليه وشغفه به ، فليس من المعقول أن يعيش بالبصرة في تلك الفترة ولا يقابل الخليل أو لا يأخذ منه شفاهة ولهذا نجد ابن خلكان يقول عن قطرب إنه «أخذ الأدب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين» (2)ترى من هم هؤلاء العلماء؟ لا ندري!!! وأيضا لا ندري لم سرّ هذا التجاهل لتلك العلاقة العلمية المنطقية؟ وإذا كان أبو محمد اليزيدي بن المغيرة العدوي قد توفي متزامنا مع قطرب كما يذكر ابن خلكان سنة 202 ه (3)ولكنه «أخذ عن الخليل من اللغة أمرا عظيما وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له» (4)، أقول إذا كان «اليزيدي» تتلمذ على يد الخليل وأخذ عنه من اللغة أمرا عظيما ، بل عاش معه فترة اكتشافه لعلم العروض ، وكانت وفاته متزامنة مع قطرب. أفلا يكون الأمر مثيرا إن تجاهلت كتب التراجم شأن تلك العلاقة المفترضة بين الخليل وقطرب؟!
(ج) من الملاحظ أن قطربا قد اهتم ببعض الموضوعات التي اهتم بها الخليل ، فتذكر كتب التراجم (5)أن له كتاب القوافي وكتاب العلل في النحو ، والخليل كان من أوائل النحاة الذين اهتموا باللغة إن لم يكن أولهم على الإطلاق. يقول أبو القاسم الزجاجي (6): «وذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد - رحمه الله - سئل عن العلل التي يعتلّ بها في النحو ،
1) وانظر رأي سيبويه في الكتاب 3 / 163 وقد علق سيبويه على الآية : وناديناه أن ... قائلا : كأنه قال جلّ وعزّ : ناديناه أنّك قد صدقت الرؤيا يا إبراهيم».
2) وفيات الأعيان 4 / 312.
3) السابق 7 / 189.
4) السابق 7 / 184.
5) الأعلام 7 / 95 وفيات الأعيان 4 / 312.
6) الإيضاح في علل النحو تحقيق الدكتور مازن المبارك انظر ص 65.
فقيل له : عن العرب أخذتها أم أخترعتها من نفسك؟ فقال : إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها ، وعرفت مواقع كلامها ، وقام في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها ، اعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست ، وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام وقد صحت عنده حكمة بانيها ...»
وعلق الزجاجي في نهاية نص الخليل قائلا : «وهذا كلام مستقيم وإنصاف من الخليل رحمة الله عليه».
وإذا كان - على ما يبدو ومن الخبر السابق - أن الخليل أول من تحدث عن العلة ، وقطرب أول من ألف عنها كتابا مستقلا. ألا يمكن أن يكون هذا تأثيرا مباشرا من أستاذه الخليل؟ ومثل هذا أيضا يقال عن علم القوافي الذي كان الخليل أول من تحدث عنه ، وكان قطرب من أوائل - إن لم يكن أول - من ألّف كتابا عنه. ألا يكون الأمر منطقيا عند ما نقول إنه تأثير من الخليل مباشر على قطرب؟
ونضيف إلى ما سبق أن كثرة مؤلفات قطرب إلى حد لافت للنظر يمكن أن تؤدي إلى التأكيد على وجود سرّ ما في تجاهل كتب التراجم لعرض حياة قطرب تفصيلا ، فقطرب «له من التصانيف كتاب معاني القرآن وكتاب الاشتقاق وكتاب القوافي وكتاب النوادر وكتاب الأزمنة وكتاب الفرق وكتاب الأصوات وكتاب الصفات وكتاب العلل في النحو وكتاب الأضداد وكتاب خلق الفرس ، وكتاب خلق الإنسان وكتاب غريب الحديث وكتاب الهمز ، وفعل وأفعل والردّ على الملحدين في تشابه القرآن وغير ذلك» (1).
ولعل فيما مضى أدلة على عدم الغرابة في أن يذكر الخليل قطربا وينسب رأيا ما له ، مما يؤدي - في نهاية الأمر - إلى القول بأن ذكر قطرب في
1) الأعلام 7 / 95 ، وفيات الأعيان 4 / 312.
المنظومة النحوية للخليل لا يمثل مشكلة ما في نسبتها إليه أو التشكك في تلك النسبة.
ثالثا : ملاحظة أخرى بالنسبة للأعلام الواردة في المنظومة النحوية للخليل وهي أن العلمين (زيدا وعمرا) أخذا نصيب الأسد بين الأعلام. فقد تكرر (زيد) سبع عشرة مرة و (عمرو) ثلاث عشرة مرة ، بل إن الخليل ذكر (زيدا) مرتين في البيت الواحد (1)، بل والغريب أن (زيدا) هو أول علم ورد عند ما احتاج الخليل للتمثيل (2)وأيضا جاء هو نفسه آخر علم وارد في المنظومة للتمثيل (3)ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد تكرر في آخر بيت للتمثيل.
ومن اللافت للنظر أن النحويين المتأخريين عن الخليل قد اكثروا من التمثيل بالعلمين (زيد وعمرو) حتى صار (زيد وعمرو) مضرب المثل عند غير المتخصصين من المثقفين أو أنصاف المثقفين ، أو حتى عند عوام الناس ، ترى هل كان كل ذلك بتأثير من استخدام الخليل لهذين العلمين باعتبار أن هذه المنظومة النحوية هي أول منظومة في النحو العربي؟ أو أن ذلك جاء عن طريق المصادفة.
فالمتأمل لكتاب سيبويه يجد أنه أكثر من التمثيل بزيد وعمرو أيضا ، وسيبويه كان التلميذ النابه للخليل. هل يمكن أن يكون ذلك دليلا على العلاقة الوطيدة بين الخليل وسيبويه؟ وإن ذلك تأثير مباشر من الخليل على سيبويه حتى في طريقة التمثيل!! وخاصة أننا نعلم مدى إفادة سيبويه من أستاذه الخليل. ربما كانت الإجابة بنعم ، ويعد ذلك دليلا آخر على صحة نسبة هذه المنظومة النحوية إلى الخليل.
أما بقية الأعلام التي مثّل بها الخليل فلم نتوقف أمامها ، فهي أعلام كثيرة ، منها ما هو شائع ومنها ما هو غير شائع ، وذلك كله في حيّز التمثيل.
فكلمة (أحمد) وهو اسم والد الخليل لم ترد إلا مرتين (1)و (عبد الله) تسع مرات و (محمد) خمس مرات. وهذه من الأعلام التي كانت بدأت تشيع في تلك الفترة ، أما (شوزب والنضير ومعمّر وقعنب وجندب والزبرقان وأشعب وعمران ... إلخ) فهي من الأسماء غير الشائعة اليوم ، وربما كانت شائعة في زمانها وبيئتها مما أدى إلى استخدام الخليل لها ، وكل ذلك لا يؤدي إلى شيء يستحق التوقف أمامه.
(2) رقم البيت / الوارد من الأعلام
28 زيد - عمرو
30 حوشب
34 عامر - سعيد - عمرو
36 عبد اللّه - محمد
37 الوليد
39 عامر - خالد - سالم
40 عبد اللّه - عمرو
43 عبد اللّه
47 عمرو
48 عبد اللّه - خالد - أبو المغيرة
49 زيد
50 محمد
52 عمرو
رقم البيت / الوارد من الأعلام
53 خالد
55 مصعب
57 عمرو
59 زيد
61 عبد المهيمن - معمّر
64 زيد
65 عمرو
74 معتب
75 عمرو
77 زيد - عمرو
79 معتب
80 محمد
91 قطرب
98 زيد
100 أحمد
104 زيد - داود - مالك - يزيد - زينب
105 بكر - عمّار - عمرو - وهب - حماد
106 جندب
108 المهلّب
110 زيد - الضحّاك
113 حارث ورخمت ( حار )
115 زينب
117 زيد
118 مقنب
122 زيد - تغلب
رقم البيت / الوارد من الأعلام
123 نصير - مرحب
131 محمد - يزيد
132 عبد اللّه - محمد
134 عبد اللّه
142 محمد
144 جابر
146 دعد - شوزب
148 نصير - زيد
151 النّضير
153 ابن مساور
159 هشام - عوف - حسين
160 زيد
161 عمّار - بكر - عبد السّلام
162 معبد - زرارة - الزبرقان
166 عامر - زيد
171 الوليد
173 عمرو
174 عبد اللّه
181 عبد اللّه
182 زيد - المغيرة
191 زيد
196 عبد اللّه
205 محمد - الوليد
211 أشعب
213 مروان
رقم البيت / الوارد من الأعلام
215 زيد - عمرو - مهلّب
224 حوشب
227 عمرو
236 قعنب
265 حسان - عامر - أبو عثمان
266 أبو عمران
267 عمران
268 عليّ
299 سنان
275 أحمد
278 هند - دعد - كلثم - سعاد - مخلب
279 كلثم - سعاد
يستطيع المتأمل لعناوين الخليل في هذه المنظومة التي وصلت إلى سبعة وأربعين عنوانا أن يلاحظ ما يلي :
أولا : قصر عناوين الخليل نسبيا ، وذلك إذا قيست بعناوين الكتب النحوية التي جاءت بعده مثل كتاب سيبويه الذي كان للخليل دور كبير فيه بآرائه المذكورة ، والخليل - في ذلك - متسق مع نفسه حيث كتب هذه المنظومة النحوية - في غالب الأمر - للشادين في حقل النحو ، ومن هنا لا بد من التيسير ، فوجدناه في عناوينه ، كما وجدناه في كفية تناول القضايا النّحوية التي طرحها ؛ حيث جاء كل ذلك سهلا وميسرا دون إسراف في الطول أو تعقيد في الأداء ، ويبدو أن هذه كانت هي سمة الخليل بشكل عام ، حيث اتسم كتاب (الجمل في النحو العربي) بهذه السمة أيضا ، ولم يبتعد الخليل في (العين) عن هذا التناول في الكلام عن معاني الكلمات ، فالملاحظ أنه كان يصل إليها من أقصر طريق ، وإن كنا لسنا على وجه اليقين من أن الخليل هو الذي وضع هذه العناوين إلا أن هذا الاتساق ، وهذا المنهج التسهيلي الذي اتسم بقرب التناول يرجح أن هذه العناوين من وضع الخليل لا من وضع غيره.
وهذه العناوين التي وصلت إلى سبعة وأربعين عنوانا ، جاء منها أربعة وثلاثون عنوانا ما بين كلمة واحدة أو اثنتين أو ثلاث بعد حذف كلمة باب ، وتسعة عناوين ، كلماتها من أربع إلى ست ، والباقي وهو عبارة عن أربعة عناوين وصلت كلماتها إلى سبع كلمات أو أكثر ، هذه العناوين الأربعة هي :
باب (أي) إذا ذهبت مذهب ما لم يسمّ فاعله
باب (أي) إذا ذهبت مذهب الفاعل والمفعول به
باب (الذي ومن) وما اتصلا بها وهي المعرفة
باب (إذا) قدّمت الأسماء على الأخبار تقديم الفعل
ومقارنة بعناوين سيبويه نجد أن الخليل كان مقتصدا إلى حد كبير ، وفيما يلي نموذجان من عناوين سيبويه :
يقول سيبويه : «هذا باب ما ينتصب فيه المصدر كان فيه الألف واللام أو لم يكن فيه على إضمار الفعل المتروك اظهاره ، لأنه يصير في الأخبار والاستفهام بدلا من اللفظ بالفعل ؛ كما كان (الحذر) بدلا من (احذر) في الأمر» ، وكان يمكن اختصار كل هذا بقوله : (مواضع حذف عامل المفعول المطلق) إلا أنه كان يميل إلى العناوين التفصيلية.
النموذج الثاني لعناوين سيبويه هو قوله (1)هذا باب ما جرى من الأسماء التي من الأفعال وما أشبهها من الصفات التي ليست بعمل ، وما أشبه ذلك مجرى الفعل إذا أظهرت بعده الأسماء أو أضمرتها»
وكان يمكن اختصار كل هذا بقوله : (باب الأسماء العاملة عمل الأفعال) ..
ويبدو أن سيبويه كان يحب هذه العناوين التي تفصل للقارئ المراد ، فكل عناوين (الكتاب) على هذا النمط إلا قليلا ، وهذا على العكس مما كان يفعله الخليل ، الذي جاءت عناوينه في المنظومة معبّرة ، حتى العناوين التي اتسمت بالطول - إلى حد ما - تعد قصيرة إذا قيست بعناوين سيبويه ، ومثال ذلك النماذج الأربعة المذكورة منذ قليل ومثال العناوين القصيرة لدى الخليل قوله :
باب رفع الاثنين - باب حرف الجر - باب الفاعل والمفعول - باب الترخيم - باب الجزم ... الخ.
ثانيا : مزج الخليل بين العناوين الكلية التي تضم بابا نحويا كاملا ، والعناوين الجزئية التي تغطي جانبا محدودا في باب نحوي كبير ، إلا أن السمة الغالبة لديه هي تلك العناوين الجزئية.
1) الكتاب 1 / 335.
فأمثلة العناوين الكلية : باب حروف كان وأخواتها ، باب حروف إن وأخواتها ، باب الترخيم ، باب الاستثناء ، باب المعرف ، باب النكرة ، باب ما يجري وما لا يجري (المنصرف وغير المنصرف).
وأمثلة العناوين الجزئية : باب التاء الأصلية وغير الأصلية (عمّات وأبيات) باب النداء المفرد ، باب النداء المضاف ، باب كم إذا كنت مستفهما بها. الخ.
ولم يكن الخليل يحبذ الاتيان بالعنوان الكلي ، ثم يأتي تحته بالعناوين الجزئية ، فالعنوان الكلي تندرج جميع جزئياته تحته ويأتي بالجزئي بعده لموضوع آخر.
ثالثا : غرابة بعض العناوين لديه
ترد عند الخليل بعض العناوين التي لا تعطي معناها ، ولا يفهم المقصود منها إلا إذا قرئت المادة النحوية المدرجة تحتها.
ومن أمثلة ذلك : باب ضاربين ، وهو يقصد الأسماء العاملة عمل الأفعال إن أضيفت وجرّ ما بعدها ، أو نونت ونصب ما بعدها ، حيث يقول الخليل تحت هذا العنوان.
فتقول ضارب خالد أو ضارب
زيدا ، وزيد خائف يترقب
إن أنت نونّت الكلام نصبته
فتصح منه فروعه والمنصب
رابعا : نجد أحيانا بعض العناوين المحيّرة ، التي يصعب الربط بينها وبين ما يندرج تحتها من قواعد ، ومثال ذلك عنوان أطلق عليه الخليل : (باب مررت) قال تحت هذا العنوان (1):
ومررت بالرجل المحدث جالسا
وبعبد سوء جالسا لا ينسب
وإذا جمعت مذكرا ومؤنثا
فالفعل للذكران منهم يغلب
ثم ذكر بيتين يشير فيهما إلى أن المعرفة تغلّب على النكرة ، وأتى بمثال دال على ذلك وقع حالا لصاحبه المتنوع بين التعريف والتنكير ولا أدري ما سرّ الربط بين تغليب المذكر على المؤنث ، وتغليب المعرفة على النكرة وباب مررت.
1) انظر الأبيات 242 إلى 2146.
وما انطبق على باب (مررت) ينطبق على باب أطلق عليه الخليل :
باب (كل شيء حسنت فيه التاء) ، ويقول فيه (1):
وتقول لا حول لنا ولا ناصر
للمرء إلا الواحد المترقب
فإذا تقدمت الصفات فرفعها
لا عندنا رجل يصيد مكلّب
ولا أدري ما سرّ العلاقة بين الشيء الذي حسنت فيه التاء وبين (لا) النافية المهملة أو العاملة عمل ليس وكذلك الصفات التي جاءت بمعنى الأخبار ، وقد سبق الكلام عليها عند الكلام عن مصطلحات الخليل.
وقد جاء عنوان : باب (النداء المضاف) غير مطابق لما بعده أيضا حيث تكلم تحت هذا العنوان عن العطف على النداء المفرد بالكلمات المقترنة بأل قائلا (2):
يا زيد والضحاك سيرا نحونا
فكلاهما عبل الذراع مجرّب
إن تفسيري لهذه الظاهرة هو أن هذه العناوين وضعت خطأ لهذه الأبيات حيث حدث سقط لبعض الأبيات وبعض العناوين ، فجاء هذا الاضطراب من النساخ ، وخاصة أنه ليس بين أيدينا النسخة الأصلية ، وربما نجد نسخة ، أخرى فيما بعد تستقيم بها العناوين مع القواعد المدرجة تحتها ، تكون أقدم تاريخا وأصح رواية ، وأكثر استقامة.
خامسا : يطلق الخليل - أحيانا - الباب على الكلمات التي تحتاج إلى معالجات خاصة ، وفي هذه الحالة يكون العنوان منسوبا إلى تلك الكلمات ، لا منسوبا إلى القضية النحوية التي يعالجها مثل باب (حسب) (قطك وقدك) باب (ويح وويل) في الدعاء ، باب (رب وكم) ، باب (مذ ومنذ) ، باب (كم إذا كنت مستفهما بها) ، باب (إذا أردت أمس بعينه).
وهذه الأبواب عبارة عن معالجات خاصة لبعض الكلمات لا تحتمل بابا نحويا مستقلا ، ولكن الخليل سمّاها أبوابا ، هذه الطريقة وجدت فيما بعد عند سيبويه في (الكتاب) وعند السيرافي في شرحه لكتاب سيبويه ، ويبدو أن ذلك كان من تأثير الخليل.
هذه مجموعة من القضايا النحوية التي تستحق التوقف أمامها لما لها من طبيعة خاصة في تناول الخليل لها ، إما من ناحية كيفية معالجة الخليل لها ، أو من ناحية وضعها تحت عنوان له طابع خاص أو كيفية تعامل الخليل مع قضايا النحو العربي دلاليا من خلال ظاهرة الاكتمال أو النقصان الدلالي - وسوف تأتي - أو ما يمكن أن يوحي به رأي الخليل في وجود تعارض بين رأيه الوارد في المنظومة ورأيه الوارد في كتاب سيبويه أو ما أشبه ذلك ، وهذه القضايا استحقت منا التوقف لسببين :
الأول : هذا التناول يكشف أمرها ويستجلي حقيقتها.
الثاني : ما يمكن أن يضيفه تناول هذه القضايا من وجود تشابه قوي بين آراء الخليل في المنظومة وآرائه الواردة في مصادر أخرى مثل : العين - الكتاب - الجمل - ولعل ذلك يكشف أيضا صحة نسبة هذه المنظومة إلى الخليل ، وفيما يلي نفرد لكل قضية حديثا مستقلا :
يقول الخليل في باب «إذا أردت أمس بعينه» (1):
فإذا قصدت تريد أمس بعينه
فالخفض حليته الذي يستوجب
يشير الخليل إلى بناء «أمس» إذا كانت للدلالة على يوم معين ، وهو اليوم الذي قبل يومنا مباشرة ، وبناؤها على الكسر (الخفض) ، وشرطها الثاني ألا تقترن بالألف واللام ، فإن اقترنت أعربت ، يقول الخليل :
فتقول كنت أسير أمس فعنّ لي
شخص فأقبلت الدموع تحلّب
وتقول إن دخلته لام قبلها
ألف مضى الأمس البعيد الأخيب
1) المنظومة البيت رقم 252 واقرأ بقية الأبيات حتى 256.
ولقد رأيت الأمس خيلك كالقطا
وعلى فوارسهن برد مذهب
فأمثلة الخليل (مضى الأمس) (بالرفع) ، (ورأيت الأمس) (بالنصب) تشير إلى إعرابها في هذه الحالة ، وما قاله الخليل كان عليه معظم النحاة (1).
ف (أمس) تبنى مع التعريف بدون أل ، إذا أريد بها اليوم الذي قبل يوم التكلم ، وتعرب إذا أريد بها التنكير ، ذلك البناء بشرط ألا تقترن بها (أل) أو تجمع أو تضاف أو تصغّر (2).
ويضيف الخليل شرطا آخر ورد في الكتاب وهو ألا يسمّى بها (3)ويظهر ذلك من النص التالي :
يقول سيبويه (4): «وسألته (أي الخليل) عن (أمس) اسم رجل؟ فقال مصروف ؛ لأن (أمس) ليس هنا على الحدّ (5)ولكنه لما كثر في كلامهم وكان من الظروف تركوه على حال واحدة ، كما فعلوا ذلك ب (أين) ، وكسروه كما كسروا (غاق) إذ كانت الحركة تدخله لغير إعراب ، كما أن حركة (غاق) لغير إعراب ، فإذا صار اسما لرجل انصرف ؛ لأنك قد نقلته إلى غير ذلك الموضع ، كما أنك إذا سمّيت ب (غاق) صرفته ومن الواضح الذي لا شك فيه أن كلام الخليل صريح في أن كسرة (أمس) إنما هي «حركة تدخله لغير إعراب».
وناقل الكلام عن الخليل سيبويه نفسه الذي قال في موضع آخر من الكتاب (6)«وزعم الخليل أن قولهم : لاه أبوك و (لقيته أمس) ، إنما هو على :
(لله أبوك) ، و (لقيته بالأمس) ، ولكنهم حذفوا الجار والألف واللام تخفيفا على اللسان». ويبدو أن سيبويه فهم من كلام أستاذه واحدا من المعنيين التاليين :
الأول : أن التعريف أو التعيين أو القصد إلى (أمس) بعينه إنما جاء من قبيل تضمن (أمس) معنى لام التعريف التي حذفت تخفيفا وذلك سبب بناء الكلمة.
الثاني : وهو معنى - أظنه مستبعدا - أن يكون سيبويه قد فهم من كلام الخليل أن حرف الجر جرّ الكلمة ، وعلى هذا تكون الكلمة معربة ، وسبب الحذف - كما قال الخليل - نقلا عن سيبويه (1)«أن المجرور داخل في الجار فصارا عندهم بمنزلة حرف واحد ، فمن ثمّ قبح ، ولكنهم قد يضمرونه ويحذفونه فيما كثر من كلامهم ، لأنهم إلى تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج».
وقد أدى فهم أحد المعنيين ، أو ربما كليهما أن يقول سيبويه (2)تعليقا على كلام الخليل «ولا يقوي قول الخليل في أمس ، لأنك : (تقول ذهب أمس بما فيه) ؛ أي أن كلمة (أمس) جاء بالبناء على الكسر وهي فاعل ، ولا يصح تقدير ذهب بالأمس لاختلال الدلالة ف (أمس) فاعل ولا يصح هذا التقدير مع الفاعل.
أما عن المعنى الأول فالقصد فيه بيان كيف جاء التعريف والتعيين في كلمة (أمس) هذا التعيين كان سببا في البناء ، ويبدو أن هذا رأي لبعض النحويين جاءوا بعد الخليل.
فالسيوطي ينقل عن ابن القواس في شرح الدرة قوله (3): «أمس مبنيّ لتضمنه معنى لام التعريف ، فإنه معرفة بدليل أمس الدابر وليس بعلم ولا مبهم ولا مضاف ولا مضمر ولا بلام ظاهرة فتعين تقديرها».
وقول صاحب البسيط (4): «ولو لا أنه معرفة بتقدير اللام لما وصف بالمعرفة ، لأنه ليس أحد المعارف ، وهذا مما وقعت معرفته قبل نكرته».
والخليل ربط ربطا قويا بين بناء (أمس) ودلالتها على معين ولم يشر إلى كيفية ذلك في المنظومة ، وإن كان واضحا أن القصد والتعريف هما سبب
البناء مشترطا عدم وجود (ال) ظاهرة في السياق ، هذا من خلال أبيات المنظومة وكذلك مما ورد عنه صراحة في كتاب الجمل حيث يقول (1)تحت عنوان «الخفض بالبنية» : «و (أمس) أيضا مخفوض في الفاعل والمفعول به تقول : (أتيته أمس) ، و (ذهب أمس بما فيه) ، و (كان أمس يوما مباركا) ، وإن أمس يوم مبارك). فإذا أدخلت عليه الألف واللام ، أو أضفته إلى شيء أو جعلته نكرة أجريته. تقول : (كان الأمس يوما مباركا) ، وإن الأمس الماضي يوم مبارك ، و (كان أمسكم يوما طيبا). قال الشاعر :
ولا يدرك الأمس القريب إذا مضى
بمرّ قطاميّ من الطير أجدلا (2)
القطامي : الصقر ، والأجدل الشديد.
وقال زهير :
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عمي
فأجراه».
من خلال القول السابق للخليل يظهر لنا الربط الواضح بين البناء والدلالة على معين والإعراب (الإجراء) على حد القول السابق للخليل : «فإن جعلته نكرة أجريته» ويشترط لبنائه أيضا عدم دخول (ال) عليه أو إضافته.
يبدو مما سبق التوافق واضحا بين رأي الخليل الوارد في المنظومة وفي كتابه الجمل ، وفي كتاب سيبويه (3)عند ما أشار إلى أن الحركة في (أمس) لغير الإعراب. من هنا فلا تناقض بين المواضع الثلاثة.
وعلى هذا يمكن القول : إذا كان اعتراض سيبويه على الخليل من ناحية أن معنى التعريف كامن في كلمة «أمس» بالبناء والدلالة على معين دون تقدير (ال) ؛ أقول : إذا كان القصد كذلك فإن سيبويه محق كل الحق ، ويكون اعتراضه جيدا وفي مكانه الصحيح ، لأن الارتباط بين الشكل والمعنى في كلمة (أمس) بالبناء ملموس ، بل ومؤكد ، فهي معرفة بالبناء على الكسر إذا
قصد بها يوم معين ، فإذا دلت على ماض غير محدد فإنها تنون وتتحول من البناء إلى الإعراب ، فالشكل ارتبط بالدلالة دون احتياج لتقدير (ال) مما جعل ابن يعيش يقول (1)عن (أمس) بالبناء : «إن (أمس) قد حضر وشوهد فحصلت معرفته بالمشاهدة وأغنى ذلك عن العلامة» أي عن تقدير (ال) ، ويكون رأي سيبويه معبرا بقوة عن هذه الحالة.
أما إذا كان المعنى الثاني هو المقصود ، وهو إعراب كلمة (أمس) بالجر فإن الأمر يحتاج إلى وقفة متأنية مع سيبويه ، ويتضح الأمر فيما يلي :
أولا : ما صرّح به الخليل أكثر من مرّة أن حركة (أمس) حركة دخلته لغير الإعراب (2)ويؤكد من أنه يقصد بغير الإعراب البناء ما رواه الأصمعي المتوفى سنة 216 هجرية من أنه سأل الخليل : لم خفض أمس؟ فقال الخليل (3): «بني ك (حذام وقطام) لأنه لم يتمكن تمكّن الأسماء» والبناء هنا ضد الإعراب.
ثانيا : إذا كان قصد سيبويه صحيحا واستقام فهمه للخليل على أنه يقصد إعراب (أمس) فإن ذلك لا يعني رأي الخليل ، لأن سيبويه نفسه نقل عن الخليل في آخر كلامه عبارة تقول : «سمعنا ذلك ممن يرويه عن العرب» (4)، بل إن سيبويه نفسه يقول في بداية الكلام عن هذا الموضع «وزعم الخليل» فيتوافق أول الكلام (زعما) مع آخره (سماعا) عن العرب ، ولعل ذلك إشارة إلى أن هذا القصد ليس من رأي الخليل.
ثالثا : ربما كان كلام الخليل عن موضع خاص ، انه يتحدث عن التشابه بين (لاه أبوك) و (لقيته أمس) قائلا : (5)«إنما هو على : (لله أبوك ولقيته
بالأمس) ، ولكنهم حذفوا الجار والألف واللام تخفيفا على اللسان ، وليس كل جار يضمر ، لأن المجرور داخل في الجار» فالمثال «لقيته بالأمس» مختلف عن المثال الذي أورده سيبويه وهو «ذهب أمس بما فيه».
والمثال الأخير يتوافق تماما ، بل وتتوافق آراء سيبويه والخليل حتى في الأمثلة فيما ورد في كتاب الجمل (1)ويبدو أن كلام الخليل ارتبط بموقف خاص مقارنة بالمثال (لاه أبوك) ولم يكن الكلام على سبيل العموم ، ولعل المثال التالي الذي ورد عند الخليل في كتاب الجمل يثبت ذلك. يقول الخليل ويقال (صمام) أيضا ، كما قال الشاعر (2):
غدرت يهود وأسلمت جيرانها
صمّا لما فعلت يهود صمام
ترك التنوين في (يهود) ونوى الألف واللام فيه ولو لا ذلك لنوّن».
وربما كان قصد الخليل من تحليل (لقيته أمس) على مثال (غدرت يهود) فليست الكسرة كسرة بناء ويكون المعنى على أن الأمس ليس معينا ، وتكون (ال) المقدرة للعهد ، و (الأمس) معناه اليوم الماضي المعهود بين المتخاطبين وليه يومنا أم لا ، وأيضا ليست الضمة في (يهود) ضمة بناء لأن الكلمة ليست مبينة ، ولهذا فمن رأيي أن يكون كلام الخليل مرتبطا بهذا الموقف الخاص ، ومما قاله الخليل يؤكد هذا الرأي قوله : وليس كل جار يضمر» (3).
رابعا : لعل عدم ثبات معنى المصطلحات النحوية هو الذي صنع هذا الموقف ، فربما كان استخدام الخليل للكلمات (الجار) (الجر) (المجرور) (4)مع كلمة (أمس) وغالبا ما يستخدم (الجر والمجرور) في حالة الإعراب - أقول ربما كان استخدام الخليل لهذه المصطلحات في الحديث عن كلمة (أمس) عاملا على فهم سيبويه على أن الخليل يقصد الإعراب ، فقد جاء في مجالس
العلماء (1)«أن الخليل سأل الأصمعي أن يفرّق بين مصطلحي الخفض والجر» فقد ظل التناوب بين المصطلحين للمعرب والمبني قائما لدى الخليل فيما ورد عنه ، ففي (الجمل) (2): قال «تفسير وجوه الخفض ، وهي تسعة : خفض بعن وأخوتها ، وخفض بالإضافة وخفض بالجوار ... إلخ» ثم قال (3)«فالجر بعن وأخوتها قولك عن محمد ولعبد الله ... إلخ» والملاحظ أن ذلك في حالة الإعراب ، وعند ما تكلم عن حالة بناء (أمس) على الكسر قال (4)«وأمس أيضا مخفوض في الفاعل والمفعول به. تقول : أتيته أمس» إذن لم يكن هناك تفريق بين الخفض والجر ، وإن كان هناك تفريق بين الإعراب والبناء غالبا لدى الخليل كما رأينا منذ قليل.
خامسا : فهم السيرافي للخليل على أنه يقصد في (أمس) البناء ؛ فعندما قال سيبويه (5): «وسألت الخليل عن قوله : (فداء لك) ، فقال : بمنزلة (أمس) ؛ لأنها كثرت في كلامهم ؛ والجرّ كان أخف عليهم من الرفع ، إذا أكثروا استعمالهم إياه وشبهوه بأمس ، ونوّن لأنه نكرة ، فمن كلامهم أن يشبهوا الشيء بالشيء ، وإن كان ليس مثله في جميع الأشياء». يعلق السيرافي على قول الخليل «بمنزلة أمس» قائلا (6)يعني أنه مبني. وإنما بني لأنه وضع موضع الأمر : كأنه قال : (ليفدك أبي وأمّي) فبناء كلمة «أمس» عند الخليل كان واضحا لدى السيرافي وهو ضد الإعراب.
لم يبق إذا في نهاية الأمر إلا أن نقول : لعل سيبويه كان يقصد المعنى الأول وهو تعريف (أمس) ودلالتها على معين عن طريق تقدير (ال) ولهذا اعترض عليه ، وفي اعتراضه وجاهة ومنطق ، ويبقى القول : بأنه لا تناقض بين الوارد عن الخليل في (الكتاب) أو (المنظومة) أو (الجمل) ، فاتسقت الأقوال دون تعارض أو مخالفة إلا في محاولة تفسير أو فهم ، دون أن يمسّ جوهر الموضوع أو يظهر نوع من التناقض فيما روي عنه.
يقول الخليل تحت باب (حتى) إذا كانت غاية (1):
وإذا أتت حتى وكانت غاية
فاخفض وإن كثروا عليك وألّبوا
فتقول قد خاصمت قومك كلهم
حتى أخيك لأن قومك أذنبوا
واستمر الخليل في التمثيل ليؤكد أن (حتى) لا تجر الاسم بعدها إلا إذا كان معناها للغاية ، فإذا لم يكن كذلك فقد يرفع ما بعدها على الابتداء أو الفاعل أو نائبه ، أو ينصب على المفعولية ، وذلك إذا جاء فعلها بعدها؟ هذا الفعل الذي لا يكذب في عمله رفعا أو نصبا أو على حدّ قول الخليل (2).
لما أتيت بفعلها من بعدها
أجريت بالفعل الذي لا يكذب
وهذا المعنى نفسه يؤكده الخليل في كتابه (الجمل) (3)عند ما يقول :
«والخفض بحتى إذا كان على الغاية قولهم : كلمت القوم حتى زيد معناه :
(حتى بلغت إلى زيد ومع زيد). وقال الله جل ذكره : (4)(سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ). معناه إلى مطلع الفجر.
و (حتى) فيه ثلاث لغات ، تقول : (أكلت السمكة حتى رأسها) و (حتى رأسها) ، (وحتى رأسها).
النصب : (حتى أكلت رأسها) [على أنها مفعول به].
والرفع : (حتى بقي رأسها) [فاعل].
والخفض : (حتى وصلت إلى رأسها) ، وأكلت السمكة مع رأسها [على الغاية] وإن شئت قلت : (رأسها) على الابتداء. قال الشاعر (5).
1) المنظومة البيت 135 وما بعده.
2) المنظومة البيت 139.
3) الجمل في النحو العربي 184.
4) سورة القدر الآية 6.
5) البيت نسب في الكتاب لابن مروان النحوي 1 / 97 وقد علق الأستاذ عبد السّلام هارون محقق الكتاب قائلا : والصواب : أنه مروان النحوي الكتاب 1 / 97 (هامش) وانظر معجم الأدباء 19 / 146 ، شرح المفصل 8 / 19 شرح الأشموني 3 / 97 شرح الشواهد للعيني 3 / 97 بغية الوعاة 290.
ألقى الحقيبة كي يخفف رحله
والزاد حتى نعله ألقاها
و: حتى نعله ألقاها [بالنصب]. النصب حتى ألقى نعله ، والرفع حتى ألقي نعله [نائب فاعل] ، وإن شئت رفعه بالابتداء».
والملاحظ أن هذا الكلام يتوافق مع ما جاء في منظومته وفي كتاب الجمل ، حتى في تمثيله عند ما قال : (أكلت السمكة حتى رأسها) في الجمل ، وفي المنظومة : (أكلت الحوت حتى رأسه) [وكلمة (رأسه) ضبطت بالرفع والنصب والجر] ولم يفترق المثال إلا في كلمة الحوت والخليل نفسه يقول عنها في معجم العين : (1).
«الحوت معروف ، والجميع الحيتان ، وهو السمك»
ألا يدل هذا الترابط بين مصادر الخليل الثلاثة [المنظومة - الجمل - العين] على اتساق في الكلام وأداء دلالي موحد. وربما ما ورد في (العين) قرينة على أن الكلام إنما هو للخليل نصا - بل قارئ (الكتاب) لسيبويه يكاد يجزم بأن الرأي الوارد فيه للخليل ؛ فسيبويه يعرض لكل الآراء التي مضت لدى الخليل ثم يقول (2): «وقد يحسن الجر في هذا كله ، وهو عربي. وذلك قولك : (لقيت القوم حتى عبد الله لقيته) ، فإنما جاء ب (لقيته) توكيدا بعد أن جعله غاية ، كما نقول : (مررت بزيد وعبد الله مررت به).
قال الشاعر ، وهو ابن مروان النحوي :
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله
والزاد حتى نعله ألقاها
والرفع جائز ، كما جاز في (الواو وثمّ) ، وذلك قولك : (لقيت القوم حتى عبد الله لقيته) ، جعلت (عبد الله) مبتدأ ، وجعلت لقيته مبنيا عليه ، كما جاز في الابتداء».
واللافت للنظر هنا هو ذلك البيت الوارد عند سيبويه في نصّه ، فقد ورد من قبل لدى الخليل ، ليس من زاوية التكرار فقط ، بل من زاوية أخرى وهي
معرفتنا بأن قائل هذا البيت ابن مروان النحوي إنما هو مروان بن سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة ، أحد أصحاب الخليل المتقدمين المبرزبن في النحو (1)، ولعل ذلك ينبئ عن أن الخليل قد أخذ هذا البيت عن صاحبه مروان مستشهدا به (2)ثم جاء سيبويه لينقل هذا الرأي كاملا عن الخليل مع البيت السابق المستشهد به ؛ وفي عبارة سيبويه ما يوحي بذلك عند ما يقول خلال العرض السابق : «يحسن الجر في هذا كله وهو عربي» وإذا دلّ هذا على شيء ، فإنما يدل على أن ما ورد عن الخليل في منظومته لا يتعارض مع ما ورد عنه في بقية المصادر ، ولعل ما ورد عند سيبويه قرينة قوية على أن هذا الرأي للخليل ، ربما لم يشر سيبويه قرينة قوية على أن هذا الرأي للخليل ، ربما لم يشر سيبويه صراحة إلى ذلك ، لكن أسلوبه الذي ألمحنا إليه سابقا ، بالإضافة إلى استخدامه لغة الحوار في هذا الموضع قائلا «فلو قلت» ، «فإن قلت» يدل على ما نحاول إثباته ونبحث عنه.
النداء المفرد المنعوت :
موضوع النداء لدى الخليل موضوع يستحق الدراسة ، حيث يظهر لنا أن بعض عناوين جزئياته جاءت في غير مكانها ، أو جاءت نماذج التمثيل عنده مخالفة للعنوان ؛ أو أن هناك شيئا ما يجب أن يلحظ لدى الخليل ، ومما استوقفني عنوان : (باب النداء المفرد المنعوت) الذي يقول الخليل تحته (3):
وإذا أتيت بمفرد ونعتّه
فانصب فذاك - إذا فعلت - الأصوب
يا راكبا فرسا ويا متوجها
للصيد دونك إن صيدك محصب
عند قراءتي لهذين البيتين ذهبت في أول الأمر إلى أن البيت الثاني وضع
خطأ تحت هذا العنوان حيث يعلم من له علاقة - ولو يسيرة - بالنحو أن المثال : (يا راكبا فرسا) نداء من النوع الشبيه بالمضاف ، وليس نداء المفرد ، لأنه قد تعلق به شيء من تمام معناه ، فحاولت استقصاء الأمر فوجدت ما هو أكثر غرابة من ذلك. فقد ورد في كتاب (الجمل) نص غريب يجب أن نتوقف أمامه بعد نقله كاملا يقول الخليل (1): والنصب من نداء النكرة الموصوفة قولهم : (يا رجلا في الدار) ، و (يا غلاما ظريفا) ، نصبت لأنك ناديت من لم تعرفه ، فوصفته بالظرف ، ونحوه ؛ قول الله تبارك وتعالى : في (يس) (2): (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) وقال الشاعر (3):
فيا راكبا إما عرضت فبلغن
تداماي من نجران ألا تلاقيا
وقال آخر (4):
يا ساريا بالليل لا تخش ضلّة
سعيد بن سلم ضوء كل بلاد
وقال آخر (5):
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة
فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق
فيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها
ويا حاطبا في غير حبلك تحطب (6)
فنصب (راكبا) و (ساريا) و (موقدا) و (دارا) لأنها نداء نكرة موصوفة.
ويبدو أننا هنا أمام مشكلة ، وهي مفهوم كلمة (مفرد) لدى الخليل وكذلك هل يرتبط بيتا المنظومة السابقان اللذان أشار في أولهما إلى كلمة (مفرد) ، ثم مثّل للثاني : (يا راكبا فرسا).
لو كان المقصود بالمفرد (العلم المفرد) لكان قصد الخليل أن المفرد المنعوت
مثل (يا زيد الطويل) رفعا ونصبا لكلمة الطويل وإن كان يميل إلى النصب كما تبين من عبارته في المنظومة :
[فانصب فذاك - إذا فعلت - الأصوب]
ويبدو من خلال الحوار بين الخليل وسيبويه أن ذلك هو المقصود قال سيبويه (1): «قلت : أرأيت قولهم : يا زيد الطويل - علام نصبوا الطويل؟ قال : نصب لأنه صفة لمنصوب. وقال : إن شئت كان نصبا على (أعني). فقلت : أرأيت الرفع على أي شيء هو إذا قال : يا زيد؟ قال هو صفة لمرفوع» وواضح أن النصب له تخريجان عند الخليل ، أما الرفع فله تخريج واحد ، ومن هنا ربما كان الأرجح (النصب).
وعلى هذا يكون البيت التالي من المنظومة ليس واقعا تحت هذا العنوان ، وإنما هو بيت منفصل يكون له عنوان : باب نداء النكرة الموصوفة مثلا.
وربما كان هناك معنى آخر لكلمة (مفرد) وهو غير المركب ، وتعني الكلمة الواحدة غير المركبة سواء كانت علما أو غيره ، ولعل في قول الخليل الآتي ما يدل على ذلك :
فإذا دعوت من الأسامي مفردا
فارفع فهو لك إن رفعت مصوّب
وهذه إشارة إلى أن من الأعلام ما هو مفرد وما هو غير مفرد (مركب) وكلمة (مفرد) يمكن أن تعطي هذه الدلالة من حيث تقسيماتها الواردة في النحو العربي ، حيث يكون (المفرد) هو ما ليس جملة ولا شبه جملة ، وكذلك (المفرد) هو ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف وهنا نضع رحالنا أمام ما ورد عند الخليل في تمثيله في المنظومة بقوله : (يا راكبا فرسا) : وما ورد في (الجمل) : (يا ساريّا بالليل) ، وقوله (أدارا بحزوى) ، وقوله (يا موقدا نارا) مما أطلق عليه النحويون فيما بعد : الشبيه بالمضاف ، وهو كما يعرفه ابن هشام (2)بأنه «ما اتصل به شيء من تمام معناه» وتندرج تحته كل
الأمثلة السابقة.
وقد قال سيبويه (1): «وقال الخليل - رحمه الله - : إذا أردت النكرة فوصفت أو لم تصف فهذه منصوبة ؛ لأن التنوين لحقها فطالت ، فجعلت بمنزلة المضاف لما طال نصب وردّ إلى الأصل كما فعل ذلك ب (قبل وبعد).
وزعموا أن بعض العرب يصرف (قبلا وبعدا) فيقول : (ابدأ بهذا قبلا) فكأنه جعله نكرة. فإنما جعل الخليل - رحمه الله - المنادى بمنزلة (قبل وبعد) ، وشبهه بهما مفردين [إذا كان مفردا] فإذا طال أو أضيف ؛ شبهه بهما مضافين إذا كان مضافا لأن المفرد في النداء في موضع نصب» وجعل الخليل - كما ذكر سيبويه - منه قول الشاعر :
أدارا بحزوى ...
وقول الشاعر :
فيا راكبا إما عرضت ...
وإذا انطبق على البيت الثاني إطلاق النكرة ، فإن البيت الأول يطلق عليه الشبيه بالمضاف ، أو على حدّ رأي الخليل - النكرة الموصوفة ، ويكون المقصود بكلمة (المفرد) الاسم النكرة غير المضاف الذي وصف. وتمثيل الخليل يتشابه تماما فيما رواه عنه سيبويه من قول الشاعر (أدارا بحزوى) مع هذا القول نفسه الذي ورد في (الجمل) ، وذلك أيضا متطابق مع ما ورد في المنظومة حيث جاء بالشبيه بالمضاف في مثالين قائلا :
يا راكبا فرسا ويا متوجها
للصيد دونك إن صيدك محصب
وعلى هذا ؛ لم يذكر الخليل ولا سيبويه ما يسمى بالشبيه بالمضاف بل وتبعهما المبرد (2)في عدم ذكر في الشواهد نفسها ، مما دل على الاطراد في عدم ذكر الشبيه بالمضاف واعتباره نكرة موصوفة [أدارا بحزوى - يا ساريا بالليل] أو غير موصوفة [يا راكبا فرسا]. ويبقى نص الخليل في منظومته غامضا في دلالته ، فلا ندري ما الذي يقصده بشكل محدد.
يقول الخليل تحت عنوان «باب النداء المضاف» (1)
فإذا أتت ألف ولام بعدها
وأردت فانصب ما تريد وتوجب
يا زيد والضحاك سيرا نحونا
فكلا كما عبل الذراع مجرّب
وفي هذا العنوان وما تلاه مشكلة أخرى ، فما الذي يعود على الضمير في قوله «بعدها». ربما يكون المقصود (لام بعد الألف) لتصبح (أل) التعريفية ، ويكون السؤال إذا ما المقصود بالبيت؟ ربما يقصد في هذه الحالة المنادى المضاف ، حيث يكون المضاف مقترنا ب (أل) ، وفي هذه الحالة يكون حكمه النصب وجوبا ، وإن كان هذا المعنى ضعيفا إذ المضاف غير المقترن ب (أل) يجب نصبه أيضا ، ويكون البيت الثاني لا علاقة له بالبيت الأول مع أنه يندرج تحت العنوان ويفترض أن يكون له علاقة به ، مع أن البيت الثاني له علاقة بالعنوان في كل الأحوال.
إذا فالمقصود هو العطف على المنادى المفرد باسم مقترن بالألف واللام ، وذلك ما ورد في المثال بالبيت الثاني في قول الخليل : (يا زيد والضحاك) ؛.
وعلى هذا يكون المقصود جواز عطف المقترن بال على المنادى بالنصب أو الرفع وإن كان الواجب حسب القياس الرفع ، فإذا كان الخليل تكلم عن النصب أولا قائلا : [وأردت فانصب ما تريد] فقد قال (وتوجب) ، أي توجب (يا زيد والضحاك) بالرفع حسب القياس».
وقد نقل سيبويه عن الخليل ما يفيد ذلك حين يقول في الكتاب (2): «وقال الخليل - رحمه الله - من قال (يا زيد والنضر) فنصب ، فإنما نصب لأن هذا كان من المواضع التي يردّ فيها الشيء إلى أصله ، فأما العرب فأكثر ما رأيناهم يقولون : (يا زيد والنضر) ، وقرأ الأعرج : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) (3)فرفع ، ويقولون : (يا عمرو والحارث).
وقال الخليل رحمه الله : هو القياس كأنه قال و (يا حارث) ، ولو حمل
(الحارث) على (يا) كان غير جائز البتة نصب أو رفع من قبل أنك لا تنادي اسما فيه الألف واللام بيا».
وإذا كان الخليل يشير إلى أن القياس الرفع ، فيكون واجبا لأن النصب - مع استخدام البعض له يكون على غير القياس ، والمبرد يشير إلى أن الخليل وسيبويه يختارون الرفع (1)، وتعليق السيرافي (2)الوارد على كلام الخليل السابق يصل بالكلام إلى حدّ ذكر الوجوب فإذا كان الاختيار النضر؟ (يا زيد والنضر) الرفع ، لأنه علم ، فإن الإختيار في مثل [يا زيد والرجل] النصب ، بل وجوب ذلك ، فالأخير ليس بعلم وهو اختيار أبي العباس.
وذكر الوجوب هنا في تلك القضية وارد لدى الخليل والسيرافي الذي قام بشرح كتاب سيبويه ، وعلّق على آراء الخليل.
وفي كتاب الجمل أورد الخليل الآية الكريمة السابقة مشيرا إلى قراءة من قرأ (والطير) على الرفع ، ومجازه (وليؤوّب الطير معك) (3).
إذا فنصّ المنظومة مستقيم غير متعارض فيما نقله عن سيبويه في (الكتاب) وفيما ورد في كتاب (الجمل) ، وإنما التعارض جاء بين العنوان وما اندرج تحته فقط حيث كان العنوان عن (النداء المضاف) والمندرج تحته (كان العطف على المنادى).
يشير الخليل إلى أن هذه الكلمات الأربعة. بمعنى واحد سواء ما جاء في باب (حسب وكفى) أو ما جاء في باب (قطك وقدك) يقول (4):
وتقول : (قطك وقدك ألفا درهم) فهما ك (حسبك في الكلام وأثقب)
والمعنى المشترك بينهما هو (يكفي). يقول الخليل (5): «وأما (حسب) (مجزوما) فمعناه كما تقول : (حسبك هذا) ، أي كفاك ، و (أحسبني ما
أعطاني) أي : كفاني» وفي موضع آخر من (العين) قال (1): «قط خفيفة ، هي بمنزلة حسب ، يقال (قطك هذا الشيء) أي (حسبكه) ، قال :
امتلأ الحوض وقال قطني
قد وقط لغتان في (حسب) لم يتمكنا في التصريف ، فإذا أضفتها إلى نفسك قويتا بالنون فقلت : قدني وقطني ، كما قوّوا (عنّي ومنّي ولدنّي) بنون أخرى.
قال أهل الكوفة : معنى (قطني) كفاني ، النون في موضع النصب مثل نون (كفاني) ، لأنك تقول : (قط عبد الله درهم).
وقال أهل البصرة : الصواب فيه الخفض على معنى : (حسب زيد) و (كفى زيد). وهذه النون عماد (2)ومنعهم أن يقولوا : (حسبتني) لأن الباء متحركة ، والطاء هناك ساكنة فكرهوا تغييرها عن الإسكان ، وجعلوا النون الثانية من لدنّي عمادا للياء» وقد مثل الخليل لذلك في منظومته بقوله
قطني وقدني من مجالسة الألى
أما قوله (3):
فإذا أتيت ب (قطّ) في تثقيلها
فاخفض وقاك الله ما تترهب
ويعني بهذا الخفض ما عناه بقوله في معجم العين (4): «وأما القطّ الذي في موضع : ما أعطيته الا عشرين درهما قطّ ؛ فإنه مجرور فرقا بين الزمان والعدد» ومثال الوارد في المنظومة دليل قاطع على هذا القصد الموجود في المثال السابق عند ما يقول (5):
لم يأتني إلا بخمسة أسهم
قطّ الغلام وقال يوشك يعقب
والذي يقارن بين المثالين :
(لم يأتني إلا بخمسة أسهم قطّ الغلام) ، [الوارد في المنظومة] والمثال الوارد في العين.
ما أعطيته إلا عشرين درهما قطّ
يدرك أن المقصود ب (قط) العدد لا الزمان ، وهذا على العكس من الواردة بمعنى الزمان الذي يقول عنها الخليل (1):
فإذا أردت بها الزمان فرفعها
أهيا وأتقن في الكلام وأصوب
ويتمثل ما ورد في المنظومة مع قول الخليل في العين (2):
«وأما (قطّ) [بالرفع] فإنه الأبد الماضي ، تقول : ما رأيته قطّ ، وهو رفع لأنه غاية (3)، مثل قولك : (قبل وبعد) ؛ ألا يدل هذا التشابه التام في معالجة هذين البابين في (المنظومة) وفي (العين) على أن ما ورد بالمنظومة إنما هو للخليل ، وأكبر الظن ألا يكون هذا التماثل الدقيق من قبيل المصادفة.
من المهم أن نقف أمام باب المجازاة ، لأن الخليل استخدمه بشكل عام ودلالة واسعة. حيث يقول (4):
فالقول إن جازيت يوما صاحبا
صلني أصلك وقيت ما تتهيب
إن تأتني وترد أذاي عامدا
ترجع وقرنك حين ترجع أعضب
واستمر الخليل في تمثيله لأدوات الشرط المختلفة ، لكن من الملاحظ أن الخليل مثّل للمجازاة في نوعيها :
النوع الأول : الجواب بعد الطلب [الأمر والنهي] في قوله : [صلني أصلك] حيث جزم المضارع في جواب الطلب لتوافر الشروط التي أشترطها النحاة وهي ، أن يكون الطلب سابقا للجواب ، وأن يكون الجواب مترتبا على الطلب ،
ولا يشترط مع المثال الوارد [الواقع في جواب الأمر] أن يكون الأمر محبوبا ، فهذا الشرط مع النهي فقط ومع ذلك فهو أمر محبوب.
النوع الثاني : الجواب الواقع بعد أداة الشرط ، وقد مثّل لذلك بأمثلة كثيرة منها : (إن تأتني وترد أذاي عامدا ترجع) ... ومنها أيضا : (من يأت عبد الله يطلب رفده يرجع).
ونلاحظ أيضا أن المثال الأول الذي مثل به الخليل كان للحرف (إن) فهو متقدم على غيره ، وهذا متسق تماما مع ما أورده سيبويه عن الخليل عند ما قال (1): «وزعم الخليل أنّ [إن] هي أم حروف الجزاء ، فسألته : لم قلت ذلك؟ فقال : من قبل أني أرى حروف الجزاء قد يتصرفن فيكنّ استفهاما ، ومنها ما يفارقه فلا يكون فيه الجزاء ؛ وهذه على حالة واحدة أبدا لا تفرق المجازاة» ، وللخليل حق في ذلك ف (إن) لا تخرج عن الجزاء أما بقية الحروف فيمكن أن تخرج إلى الاستفهام مثل «متى ، ما ، من» ومنها ما يفارق الجزاء الاستفهام مثل (ما) مثلا التي تكون موصولة أو زائدة .. إلخ ؛ وقناعة الخليل بذلك جعلته يأتي بها في أول الأدوات عند ما مثّل لأدوات الشرط.
وللخليل تفسير خاص لجزم الفعل المضارع في جواب الأمر كما في [صلني أصلك] أو في جواب النهي مثل : (لا تفعل يكن خيرا لك) أو في جواب الاستفهام مثل : (ألا تأتيني أحدثك؟ و، كذلك في جواب التمني مثل :
(ليته عندنا يحدثنا) ، وفي جواب العرض مثل : (ألا تنزل تصب خيرا).
وبعد أن أورد سيبويه الأمثلة السابقة وأمثلة أخرى أراد أن يفسر سبب هذا الجزم عنده وعند الخليل فقال (2): «وإنما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب (إن تأتني) ، بإن تأتني لأنهم جعلوه معلقا بالأول غير متستغن عنه إذا أرادوا الجزاء كما أنّ (إن تأتني) غير مستغنية عن (آتك).
وزعم الخليل : أن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إن) ، فلذلك انجزم الجواب لأنه إذا قال : (ائتني آتك) فإن معنى كلامه (إن يكن منك إتيان آتك) ، وإذا
قال : (أين بيتك أزرك) فكأنه قال : (إن أعلم مكان بيتك أزرك).
هكذا كان تفسير الخليل الذي وافقه سيبويه في تفسيره بناء على رأي أستاذه ؛ فالجزم بتقدير (إن) مع الأمر والنهي ؛ والاستفهام والعرض والتمني ولعل ذلك كان سببا من أسباب جعل (إن) أم الباب.
وفي كتاب (الجمل) (1)أشار الخليل إلى الجزم في جواب الطلب ، وجاء بالآيات والأمثلة الواردة في كتاب (سيبويه) ، وأشار أيضا إلى جواز الرفع في جواب ما مضى ، كما فعل في الكتاب تفصيلا غير أنه يفسرّ سبب الجزم ، فقد أشار إلى انجزام الأفعال الواقعة جوابا ، ويبدو أنه لم يكن في حاجة إلى تفسير ذلك حيث كان كتاب (الجمل) مجملا لحالات نحوية خاصة بالإعراب دون اللجوء إلى ذكر تعليلات فيه ، وربما كان حريصا على تبويبه وعدم الإغراق في ذكر تعليلات أو تفصيلات. ولعل ذلك هو المراد عند ما قال في المنظومة (2):
والرفع في (الإثنين) بالألف التي
بينتها لك في الكتاب مبوّب
يتناول الخليل هذا الدرس النحوي تحت عنوان : (باب التعجب) ، وهو المدح والذم قائلا (3):
فإذا ذممت أو امتدحت فنصبه
أولى ، وذلك - إن قطعت - تعجب
ما أزين العقل الصحيح لأهله
وأخوك منه ذو الجهالة يغضب
لا يمكن القول بأن العنوان وضع خطأ ، وذلك بسبب ذكره أن التعجب هو المدح والذم ، فالأبيات التي تندرج تحت هذا العنوان لا تعطي فرصة لهذا التخيّل ، والسؤال الذي يطرح نفسه أمامنا الآن هو : هل للمدح والذم علاقة بالتعجب؟ أو هل التعجب من شيء ما يمكن أن يعطي مدحا له أو ذما؟
لنذهب إلى بعض النحاة لنعرض رأيهم ثم نعود إلى الخليل مرة أخرى يقول الرضى (1)«واعلم أن التعجب انفعال يعرض للنفس عند الشعور بأمر يخفى سببه ، ولهذا قيل إذا ظهر السبب بطل العجب» هل يمكن أن يكون هذا الانفعال نوعا من المدح أو الذم حيث يكون الشعور رضا أو غضبا.
يقول ابن يعيش : (2)«اعلم أن التعجب معنى يحصل عند المتعجب عند مشاهدة ما يجهل سببه ، ويقل في العادة وجود مثله ، وذلك المعنى كالدهش والحيرة» هل يكون معنى الدهش والحيرة المشار إليهما نوعا من المدح أو الذم؟
يشير سيبويه إلى المثال الذي يقول : (ما أحسن عبد الله!) ثم يقول (3): «زعم الخليل أنه بمنزلة قولك : (شئ أحسن عبد الله) ، ودخله معنى التعجب. وهذا تمثيل ، ولم يتكلم به» هل يمكن الإحساس بالمدح في مثل هذا المثال ، ويكون الإحساس بالذم في مثل قولنا : (ما أسوأ هذا الطقس!) مثلا.
لعل ما أورده المبرد من هذا القبيل حينما يقول (4): «فإن قال قائل : أرأيت قولك : (ما أحسن زيدا!) ، أليس في التقدير والإعمال - لا في التعجب - بمنزلة قولك : (شئ حسّن زيدا) ، فكيف تقول هذا في قولك : (ما أعظم الله يا فتى!) وما أكبر الله!؟ قيل له : التقدير على ما وصفت لك. والمعنى : (شئ عظّم الله يا فتى) ، وذلك الشئ الناس الذين يصفونه بالعظمة ، كقولك : (كبّرت كبيرا) و (عظّمت عظيما) وما وصف الناس هذا إلّا نوع من المدح والتعظيم للمولى - عزّ وجل.
ولعل تفسير الخليل وتعليقه في كتاب (الجمل) على المثال نفسه الذي أورده في الكتاب يقربنا من تلك الدلالة. يقول الخليل (5): «قولهم : (ما أحسن زيدا!) ، (وما أكرم عمرا!) ، وهو في التّمثال بمنزلة الفاعل والمفعول به. كأنه قال : (شئ حسّن زيدا). وحدّ التعجب ما يجده الإنسان من نفسه عند خروج الشئ من عادته» ونحن نعلم أن خروج الشئ من عادته إنما يكون خروجا
إما إلى زيادة أو نقصان ، وهنا يكون مثارا للمدح أو الذم. وإن دل هذا المعنى لدى الخليل - إن كان ذلك مقصودا - على شئ ، فإنما يكون دالا على أن الخليل كان يربط النحو بالدلالة ، وهذا نهج جيّد.
وبعد أن ذكر الخليل نماذج كثيرة لها قال (1):
وتقول : فيها خيلنا وركابنا
من خلفنا أسد تزار وأذؤب
وتقول : فيها ذو العمامة جالس
والنصب أيضا إن نصبت تصوّب
وعليك عبد الله - فاعلم - مشفق
ما فيه إلا الرفع شئ يعرب
ما إن يكون النصب إلا بعد ما
تم الكلام وحين ينقص يرأب
والقضية المطروحة هنا بوقوع الحال من المبتدأ والدلالة في مثل : فيها ذو العمامة جالس [ويجوز جالسا] ، وفي مثل : عليك عبد الله مشفق [لا يجوز إلا الرفع] ، وقد تناول سيبويه هذه القضية تحت عنوان : «هذا باب ما ينتصب فيه الخبر) لأنه خبر معروف يرتفع على الابتداء ، قدّمته أو أخرته» (2)ومثل لذلك بقوله (3): «وذلك قولك : (فيها عبد الله قائما وعبد الله فيها قائما) ، فعبد الله ارتفع بالابتداء ؛ لأن الذي ذكرت قبله وبعده ليس به ، وإنما هو موضع له ، ولكنه يجرى مجرى الاسم المبني على ما قبله ، ألا ترى أنك لو قلت : (فيها عبد الله) حسن السكوت وكان كلاما مستقيما كما حسن واستغنى في قولك : (هذا عبد الله) ، وتقول : (عبد الله فيها) ؛ قولك كقولك : (عبد الله أخوك) ، كأنك قلت (عبد الله منطلق) ، فصار قولك فيها كقولك : (استقر عبد الله) ، ثم أردت أن تخبر على أية حال استقر فقلت : (قائما) ، ف (قائما حال مستقر فيها ، وإن شئت ألغيت (فيها) ، فقلت : (فيها عبد الله قائم).
ومثال الخليل يعطي الدلالة نفسها حين يقول : (فيها ذو العمامة جالس) ، [أو جالسا] حيث يجوز [فيها ذو العمامة] ، واستطرد سيبويه قائلا (1): ومثل قولك : (فيها عبد الله قائما) ، (هو لك خالصا) ، و (هو لك خالص) ..» ثم أكمل التمثيل بقوله : ومثل ذلك : (مررت برجل حسنة أمه كريما أبوها) ، زعم الخليل أنه أخبر عن الحسن أنه وجب لها في هذه الحالة ، وهو كقولك : (مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها) ، والأولى كقولك : (هو رجل صدق معروفا صدقه) ، وإن شئت قلت (معروف ذلك) ، و (معلوم ذلك) [بالرفع] على قولك (ذاك معروف وذاك معلوم) ؛ سمعته من الخليل».
والملاحظ أن سيبويه قد طرح هذا الجانب من القضية مع إيراد كل هذه النماذج والأمثلة ، ثم أنهى كلامه بأنه سمع ذلك من الخليل ، وهذا يوضح أن ذلك رأي الخليل نقله عنه تلميذه سيبويه الذي ذكر الخليل مرتين خلال هذه القضية بل إنه نسب له هذا الرأي في مواضع أخرى. فقد ذكر سيبويه هذين المثالين :
هذا أول فارس مقبلا.
هذا رجل منطلقا.
وعلق سيبويه قائلا (2): «وزعم الخليل أن هذا جائز ، ونصبه كنصبه في المعرفة ، جعله حالا ، ولم يجعله وصفا ، ومثل ذلك : (مررت برجل قائما) ، إذا جعلت المجرور به في حال القيام ، وقد يجوز على هذا : (فيها رجل قائما) ، وهذا قول الخليل - رحمه الله -».
وهذا الشق الأول من القضية طرحه سيبويه ونسبه إلى الخليل صراحة في أكثر من موضع ، وقد أسهبنا في النقل عن سيبويه لبيان رأي الخليل كاملا في هذا الجانب من القضية.
أما الشق الثاني من القضية ، فهو عدم جواز النصب في مثل : (عليك عبد الله مشفق) ، فلا يجوز نصب (مشفق) ؛ لأنه لا يجوز الاكتفاء بقولنا : (عليك عبد الله) ، وكلام الخليل يحسم الأمر عن طريق أسلوب القصر الوارد في قوله :
ما فيه إلا الرفع شيء يعرب
وقد أشار سيبويه إلى مثل ما قاله الخليل في قوله (1): «وأما بك مأخوذ زيد ، فإنه لا يكون إلا رفعا ، من قبل أن بك لا تكون مستقرا لرجل. ويدلك على ذلك نازل ؛ أنه لا يستغني عليه السكوت» ثم قال بعد قليل (2): «ومثل ذلك : (عليك نازل زيد) ، لأنك لو قلت : (عليك زيد) ، وأنت تريد النزول لم يكن كلاما». وهذا يتماثل مع عدم جواز عليك عبد الله وتريد الإشفاق ، ولهذا لا يجوز إلا الرفع.
ولو قرأنا ما جاء في كتاب (الجمل) لوجدناه مشابها تماما لما جاء في (الكتاب) حتى في بعض أمثلته ، يقول الخليل : (3):
«في الدار زيد واقف. وإن شئت (واقفا) ، الرفع على خبر الصفة ، والنصب على الاستغناء وتمام الكلام. ألا ترى أنك تقول : (في الدار زيد) ، وقد تم كلامك ، وإذا لم يتم كلامك فليس إلا الرفع : (بك زيد مأخوذ) ، (وإليك محمد قاصد) ألا ترى أنك قلت (بك زيد) لم يكن كلاما حتى تقول (مأخوذ).
وبالمقارنة بين ما ورد عند سيبويه نجد المثال نفسه : (بك زيد مأخوذ). هل يمكن أن يكون ما ورد لدى سيبويه من قبيل المصادفة ، أم أنه متأثر بأستاذه الخليل؟ على أية حال فقد نسب سيبويه الشق الأكبر من كلامه للخليل أيضا بدليل ما ورد في (الجمل) له.
لكن العجيب في الأمر أن الخليل قد أورد هذه القضية في المنظومة تحت عنوان «حروف الجر» وسيبويه أوردها تحت باب (ما ينتصب فيه الخبر) ،
وقد وردت في الجمل تحت عنوان «الرفع بخبر الصفة». ترى هل كان الخليل محقا لأن القاسم المشترك في كل الأمثلة الواردة هو الجار والمجرور الواقع خبرا في حالة اكتمال الدلالة به ، أو المتعلق بالخبر في حالة عدم الاكتمال الدلالي في مثل : بك زيد مأخوذ؟ ووجود الجار والمجرور (الصفة) ضروري في هذه الجمله ، لهذا جاء الخليل بهذه القضية تحت هذا الباب.
من خلال العرض السابق نرى الخليل يراعي الجانب الدلالي نقصا أو اكتمالا ، فالأعراب - كما يظهر - مبني على الجانب الدلالي ، والخليل لا يكتفي بإيراد الأمثلة الدالة في هذا الموطن فقط ، بل يشير صراحة إلى ذلك بقوله (1):
ما إن يكون النصب إلا بعد ما
تمّ الكلام وحين ينقص يرأب
ومن هنا فالاكتمال الدلالي لجملة : [فيها ذو العمامة] جعل كلمة (جالس) يجوز فيها الرفع على أنها هي الخبر أو النصب على أنها حال. حيث يمكن اعتبار : (فيها ذو العمامة) خبرا مقدما ومبتدأ مؤخرا ، لهذا يجوز النصب لأن الحال يكون بعد اكتمال المعنى (فضلة).
أما النقصان الدلالي في قوله : (عليك عبد الله) (برفع عبد) فقد أدى إلى وجوب رفع (مشفق) على أنها هي الخبر وعلى هذا يكون المعنى (عبد الله مشفق عليك) ؛ إذ لو لا وجود كلمة (مشفق) لم يكن هناك معنى مكتمل فلا يجوز النصب لعدم الاكتمال الدلالي.
وظاهرة الاكتمال أو النقصان الدلالي مجسدة في ثنايا النحو العربي في أبواب نحوية كثيرة ، فقد استخدمها الخليل - كما رأينا - في (باب التعجب) ثم في باب (حروف الجر) والقضايا المتعلقة به ، ثم في معنى الغاية الذي يتجسد في جملة (حتى وما يترتب عليها من إعراب ما بعد حتى إذا كانت للغاية) ،
1) المنظومة البيت 44.
ولعل هذا جمعيه يطرح الموضوع للدراسة بشكل أوسع في أبواب النحو العربي. إننا نقول : (عبد الله أخوك) حيث يعرب (عبد) على أنه مبتدأ و (أخو) خبر مع وجود المضاف إليه في كل عنصر منهما ، فإذا ما قلنا : (عبد الله أخوك قادم).
فتغير معنى الإعراب ، فتكون (قادم) هي الخبر ، أما (أخوك) فتصير بدلا أو عطف بيان ، ووجود كلمة (قادم) يجعل الجملة قبلها ناقصة وعدم وجودها في الجملة أصلا يجعل الجملة مكتملة ، ويكون الاعراب حسب السياق مع المعنى القائم في الجملة ، إذ لا يمكن إعراب (أخوك) خبرا مع وجود (قادم).
ولعل هذه الظاهرة تستحق الدراسة على مستوى النحو العربي لا على مستوى منظومة الخليل فحسب (1).
1) هذا الاستطراد ألجأنا إليه ما هو مجسد بالمنظومة من قضايا عامة تستحق الدراسة ، تتصل هذه القضايا بالمعنى في أوسع صوره.
هذه المنظومة النحوية التي وضعها الخليل في القرن الثاني الهجري ؛ لها من السمات والخصائص التي ينادى النحويون المحدثون بوجوب تجسيدها عند دراسة النحو لدى متعلميه في العصر الحديث ، ويبدو أن هذه المنظومة كان الهدف منها تعليميا خالصا ، لا عرضا لآراء أو تقديما لفلسفات نحوية أو قضايا خلافية ؛ لهذا ركزت هذه المنظومة بشكل لافت لنظر أي قارئ لها على الأمثلة والنماذج المتنوعة لاستخدام القواعد النحوية المختلفة ، فقد تنوعت الأمثلة للظاهرة الواحدة أو القاعدة الواحدة. ويبدو أن الخليل كان حريصا على وضع هذا النهج للاقتداء به مستقبلا ، وهذا يدل على طريقة صحيحة في الأداء ، ويدل أيضا على أنه كان معلما بارعا ، وربما نفسّر بهذا سرّ الإقبال على الخليل من تلاميذه عند تعليمه إياهم.
إذا لم يكن الخليل ليكتفى بمثال واحد للظاهرة كما كان يفعل المتأخرون ممن كتبوا منظومات نحوية كابن مالك والسيوطى ؛ ومن نماذج تكراره لأمثلته قوله (1)تحت عنوان [باب التاء الأصلية وغير الأصلية].
والتاء إن زادت فخفض نصبها
ما عن طريق الخفض عنها مهرب
فتقول : إن بنات عمك خردّ
بيض الوجوه كأنهن الربرب
وسمعت عمات الفتى يندبنه
كل امرئ لا بد يوما يندب
ودخلت أبيات الكرام فأكرموا
زورى وبشّوا في الحديث وقرّبوا
وسمعت أصواتا فجئت مبادرا
والقوم قد شهرو السيوف وأجلبوا
نلاحظ أنه أتى بمثالين للتاء الزائدة في حالة النصب وعلامته الكسرة (الخفض) وهما [إن بنات عمك - وسمعت عمّات الفتى] كما أتى بمثالين للتاء الأصلية وهما [دخلت أبيات الكرام - سمعت أصواتا] ، ولعلنا نلاحظ أنه في
1) الأبيات من 86 - 90.
البيت الأول ، تعلم عن التاء الزائدة فقط ؛ لهذا نلاحظ أنه قال بعد التمثيل للتاءين متحدثا عن التاء الأصلية :
فنصبت لما أن أتت أصلية
وكذاك ينصبها أخونا قطرب
وهناك ملاحظة تظهر في التمثيل عند الخليل في معظم نماذجه ، هذه الملاحظة هي أنه يستمر مع مثاله إلى أن يعطي معنى من المعاني ربما كان حكمة أو موقفا إيجابيا لشئ من الأشياء ، مع أنه لو اكتفى بموضع التمثيل فقط لكان المعنى ، لا نقص فيه ، ألّا أنه يفضل دائما الاستمرار مع المعنى إلى أن يكون شيئا ذا بال.
والأمثلة السابقة خير دليل على ذلك عند ما يمثل بقوله : [وسمعت عمات الفتى] كان من الممكن الاكتفاء بذلك لكنه جاء بالجملة الحالية (يندبنه) وكان من الممكن ايضا التوقف عند هذا الحد ، لكنه أكمل البيت بتلك الحكمة الواردة في الشطر الثاني والتي تدل على براعة شديدة في استدعاء المعنى المتوافق مع المعنى السابق فقال :
كل امرئ لا بد يوما يندب
وهذا ما حدث في البيت التالي عند ما مثّل بقوله : «ودخلت أبيات الكرام» كان من الممكن الاكتفاء بهذا القدر ، من التمثيل حيث أعطى المثال معنى مفيدا ؛ لكنه أكمل المثال بقوله : «فأكرموا زورى» بالعطف على ما قبله. وكان من الممكن أيضا أن يكتفى بهذا القدر إلا أنه آثر أن يوضح بشاشة هؤلاء القوم بالإضافة إلى كرمهم فقال : «وبشّوا في الحديث وقربّوا».
فالخليل لم يترك المعنى إلا بعد اكتماله تماما وبعد إعطاء صورة دقيقة لما يتحدث فيه. وهذه الطريقة جعلت أمثلته تأخذ حيزا أكبر من الأحكام النحوية من حيث الشكل العام للمنظومة ؛ وربما كان حرص الخليل على ذلك من منطق التركيز لا على القاعدة فحسب ، ولكن على المعنى أيضا. وما قدمناه في المثالين السابقين قليل من كثير ، فهذا هو النهج العام الذي اتبعه الخليل في هذه المنظومة التعليمية.
كان الخليل حريصا على أن يستوفي كل حالات الظاهرة التي يتكلم عنها تمثيلا وتطبيقا دون استيفائها بكلام نظري لا تطبيق فيه ، ونماذج ذلك كثيرة نأخذ منها ما ورد في باب (المبتدأ وخبره) عند ما قال (1):
وإذا ابتدأت القول باسم سالم
فارفعه والخبر الذي يستجلب
فالمبتدأ رفع جميع كله
ونعوته ولذاك باب معجب
ثم بدأ الخليل في التمثيل فجاء بنماذج كثيرة متنوعة لهذا المبتدأ الذي عبّر عنه بالاسم (السالم) الذي يعني - كما أظن - الاسم الصالح لأن يكون مبتدأ ويصحّ الإخبار عنه ، فلا يكون نكرة ناقصة مثلا ، كذلك أتى بنماذج متنوعة للخبر الذي استجلبه المبتدأ ، ولنتأمل نماذجه كما يلي :
[عمك قادم ومحمد]
المبتدأ اسم معرف بالإضافة ، الخبر اسم فاعل (مشتق) مع مراعاة أن الإعراب أصليّ في الحالتين ، وكذلك في كلمة (محمد) المعطوف.
[يزيد ذو ولد]
المبتدأ معرّف بالعلمية ، الخبر (ذو) ليس مشتقا ولكنه وصع موضع المشتق وأخذ معناه (صاحب) واكتملت شروطه فقد أضيف لغير الضمير ، مع ملاحظة أن الاعراب أصليّ في المبتدأ ؛ فرعيّ في الخبر ، مع أنه لم يقل ذلك ولم يشر إليه.
[عبد الله شيخ صالح] - [محمد حرّ]
المبتدأ علم جاء مركبا تركيبا إضافيا في المثال الأول ، وجاء مفردا في المثال الثاني ، والخبر صفة مشبهة في المثالين.
[الريح ساكنة] - [الشمس بازغة]
المبتدأ معرّف بالألف واللام ، والخبر مفرد.
[نحن أولو جلاد في الوغى] - [أنا ابن عبد الله]
المبتدأ ضمير والخبر مضاف ، جاء في (أولو) معربا إعرابا فرعيا ، وفي (ابن) جاء معربا إعرابا أصليا.
1) البيتان 129 ، 130 وانظر الأمثلة في الأبيات التالية لهذين البيتين.
فقد جاء الخليل بأمثلة متنوعة مراعيا الأشكال المتغايرة للمبتدأ والخبر دون أن يشير إلى تلك التفصيلات. وربما اعتمد في ذلك على المعلّم الذي يقوم بتوجيه الطلاب وإرشادهم ، فلم يكن الخليل إذا يشقق القواعد النحوية ويفصلها بقدر ما كان يعتمد على التمثيل المتنوع مع ذكر القاعدة العامة في أول الأمر ، وهكذا كان يفعل ذلك دائما ، ويستطيع المتأمل في أي باب أن يجد ذلك مجسدا في المنظومة.
وهذه النماذج والأمثلة الواردة تعطي صورة علمية واجتماعية للخليل حيث تظهر حكمته البالغة ، والحكمة في أقواله ، وتدينه العميق ولعل ما ورد من حكمة في منظومته يتشابه مع ما ورد من حكمة في أقواله الأخرى ولنقرأ نموذجا واحدا دالا على حكمته العميقة يقول الخليل (1):
لا خير في رجل يعرض نفسه
للذم لا .. لا خير فيمن يغضب
حكمة بالغة الأثر تدل على رجل تمرس بالحياة وخبرها جيدا ، أيضا تدل نماذجه على تقواه وإخلاصه وحبّه لدينه ، كما تدل على عمق إيمانه ، ولعل ما ذكر سابقا دال على ذلك. وسنكتفي هنا بنموذجين فقط حيث كثرت نماذجه الدالة على صدق إيمانه والتزامه بشريعة الله التزاما مطلقا.
يقول (2):
وتقول لا تدع الصلاة لوقتها
فيخيب سعيك ثم لا تستعتب
ويقول أيضا (3):
فأجب ولا تدع الصلاة جماعة
إن الصلاة مع الجماعة أطيب
وقد كثرت نماذجه الدالة على ذلك (4):
كذلك تدل نماذجه وتمثيله على أن الخليل كان محبّا للغزل في أقوال ، ويبدو أنه آمن بأن الأمثلة والنماذج لا بد أن تخرج عن مرحلة الجمود إلى
العقلي مرة ، أو التعامل معها بالقلب والمشاعر والأحاسيس مرة أخرى سواء كانت أمثلة غزلية ، وهي كثيرة ، أو أمثلة تدخل في حيز الأحكام الدينية كالدعوة إلى الحرص على الصلاة في وقتها ومع الجماعة ... الخ. وكأنه كان حريصا على أن يقدم تلك المعاني للإفادة منها دينيا أو اجتماعيا أو نفسيا عن طريق التسرية ، كل هذا مع الإفادة الأصلية ، وهي الإفادة النحوية.
نستطيع - من خلال هذه الدراسة - أن نخرج ببعض النتائج التي لاحظناها وتوقفنا أمامها وهي :
(1) هذه المنظومة كشف جديد لعمل من أعمال الخليل ، وهو من هو في حقل الدراسات اللغوية نحوا وصرفا وأصواتا وعروضا ، تلك الأعمال التي يجب الاستمرار في البحث والكشف عن بقية جوانبها من خلال كتبه المفقودة التي تشير إليها كتب التراجم.
(2) المنظومة منهج جاد لتعليم النحو بشكل أكثر يسرا على الطلاب حتى ولو احتاج الأمر إلى معلم يكشف عن خباياها ونظامها.
(3) من خلال دراسة المنظومة استطعنا تعديل بعض المفاهيم حول بعض المصطلحات النحوية التي نسبت خطأ إلى الكوفيين وشاعت تلك النسبة حتى اليوم ، إلى أن ظهر استخدام الخليل لها من خلال منظومته ، بل ومن خلال المقارنة بكتاب سيبويه وكتاب (الجمل) و (معجم العين).
(4) التأكيد على أن الخليل مؤسس المدرسة البصرية ومؤصل قضاياها النحوية والمؤثر الأول في النحو الكوفي ، لأن الكوفيين تتلمذوا على يديه إما مباشرة مثل الكسائى الذي وافق الخليل في كثير من آرائه أو من خلال كتاب سيبويه الذي يحمل فكر الخليل أيضا.
(5) الكشف عن صورة شخصية الخليل حكمة وتدينا وعن بعض جوانب حياته الاجتماعية ، وذلك من خلال النماذج والأمثلة التطبيقية الواردة في المنظومة.
من خلال البحث والتنقيب بين صفحات المخطوطات المختلفة وخاصة المجاميع منها استطعت العثور على عشر نسخ مخطوطة من منظومة الخليل ابن أحمد في النحو ، كتبت كلها بخطوط مخالفة ، من هذه النسخ ثماني نسخ كانت ضمن مجاميع ضمتها دائرة المخطوطات والوثائق التابعة لوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان هذه النسخ هي :
(1) نسخة رقم 2988 ورمز لها بالرمز (أ).
(2) نسخة رقم 3122 ورمز لها بالرمز (ب).
(3) نسخة رقم 3702 ورمز لها بالرمز (ج).
(4) نسخة رقم 3371 ورمز لها بالرمز (د).
(5) نسخة رقم 3245 ورمز لها بالرمز (ه).
(6) نسخة رقم 1974 ورمز لها بالرمز (و).
(7) نسخة رقم 2318 ورمز لها بالرمز (ز).
(8) نسخة رقم 3058 ورمز لها بالرمز (ح).
والنسختان الأخريان وجدتا في مكتبتين خاصتين ، هاتان النسختان هما :
(9) نسخة رقم 434 (نحو) بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي ورمز لها بالرمز (ط).
(10) نسخة رمز لها بالرمز (ي) وهي نسخة من مكتبة الفاضل / الشيخ سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي من ولاية المضيرب بسلطنة عمان.
وفيما يلي وصف دقيق لهذه النسخ ، وتحديد النسخة الأصل وأسباب ذلك :
1 - النسخة (أ):
تحمل هذه النسخة رقم 2988 بدائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث
القومي والثقافة بسلطنة عمان ، وهي عبارة عن 23 صفحة من القطع المتوسط [21* 15 سم] تحتوي الصفحة منها على خمسة عشر سطرا تقريبا ، فيما عدا الصفحة الأخيرة فقد احتوت على ثمانية أبيات ، كتبت بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر.
حالة المخطوط جيدة ، غير أن به رطوبة بعيدة عن صفحات المنظومة التي جاءت ضمن مجموع في مجلد واحد.
قبل منظومة الخليل هذه جاء نص منظومة (ملحة الإعراب) مع تفسير النص ، وبعد منظومة الخليل جاءت منظومة أخرى في النحو لأبي سالم بن كهلان بن نبهان وقد جاء في أولها :
تعلم هداك الله تعلم وعلّم
ودع كلّ ما يدعو إلى الجهل تسلم
تعلّم بنيّ النحو واعلم بأنّه
دليل ومصباح وسل عنه تعلم
وكل أخي علم ولو حمّ علمه
إلى النحو محتاج وما أنت بالعمي
وجاءت هذه المنظومة لأبي سالم نهاية للمجموع بعد منظومة الخليل ، ولم يسجّل الناسخ تاريخ النسخ ، ولم يعرف من هو على وجه التحديد.
بدأت هذه النسخة بقوله :
وقال الخليل بن أحمد العروضي في تسهيل النحو :
الحمد لله الحميد بمنّه
أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب
وفي نهاية المنظومة ، وبعد البيت الأخير كتب ما يلي :
تم قصيدة الخليل بن أحمد العروضي - رحمة الله عليه - وعلى جميع المسلمين والمسلمات. آمين. وصلّى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلّم تسليما.
تمّ معروضا على حسب الطاقة والإمكان والله أعلم بصحته».
وبعده مباشرة كتب :
وقال أبو اليمان :
الميم (م) المرجل قالوا تكسره
وجيمه مفتوحة إذ تذكره
ومرجل الحبّ بضدّ ذاكا
إعرابه قد قاله مولاكا
وبدأ الناسخ بعد ذلك في صفحة جديدة في قصيدة أبي سالم بن كهلان المشار إليها آنفا.
ومع أن هذه النسخة من المنظومة لا تحمل في طياتها تاريخ نسخها إلا أنني نظرت إليها على أنها النسخة الأصل عند المقارنة بين النسخ التي عثرت عليها ، وذلك للأسباب التالية :
(1) كان الناسخ حريصا على ضبطها صحيحا إلى حد كبير.
(2) جودة خطها ؛ وعدم التباس كلماتها أو غموض حروفها إلا في القليل النادر.
(3) من الواضح أن الناسخ كان أمينا مع نفسه ، فقد كان حريصا دائما في هذا المجموع الذي جاء كله بخط واحد ، أقول كان حريصا على مراجعة نسخته إما على النسخة التي نقل منها ؛ أو على نسخة أخرى ، وقد مرّ منذ قليل النص الوارد في نهاية المنظومة بعد نسخها ، وتقريبا هذا قوله دائما بعد كل مخطوطة ينسخها ، فقد قال بعد انتهائه من نسخ (ملحة الإعراب) ما نصّه تمت (ملحة الإعراب) بتفسيرها والحمد لله حق حمده وصلواته على خير خلقه محمد وآله وسلّم تسليما كثيرا ؛ عرض على نسخة من بعض النسخ ، - والله أعلم - بصحته وبالله التوفيق - .. الخ».
وإن دل هذا على شيء ؛ فإنما يدل على أن هناك نسخة أخرى أقدم وأصح من النسخة الأصل ، فإذا كانت النسخة الأصل أصح النسخ فيما بين أيدينا منها فإن النسخة التي نقل فيها ، أو التي تمت المقارنة من خلالها ، أكثر صحة مما بين أيدينا .. هذه النسخة لم نصل إليها بعد خلال بحثنا.
(4) من خلال كلامنا السابق يظهر لنا سبب جيد لاختيار هذه النسخة أصلا لبقية النسخ. فهي أصحّ النسخ كتابة حيث قلّت أخطاؤها ، فقد زادت نسبة الأخطاء في بقية النسخ وشوّهت الأبيات إما نحويا أو صرفيا أو عروضيا أو إملائيا ، وكان نص الأصل أشد وضوحا وأكثر استقامة من غيره في بقية النسخ.
وقد احتوى هذا المجموع - بالإضافة إلى شرح (ملحة الإعراب) وقصيدة
أبي سالم بن كهلان - على مثلثات قطرب ثم مثلثة العالم علي بن ناصر السورادي ، ثم مثلثات لأبي حبيب تمام بن عبد السّلام اللخمي ، ثم كتاب المقصور والممدود لابن دريد ، وأخيرا أرجوزة في الظاء والضاد.
والغريب في الأمر أن يحتوي هذا المجموع على تلك المخطوطات القيمة كلها ولا يذكر ناسخها اسمه أو تاريخ النسخ في أية نسخة منها ، ويبدو اهتمام ناسخها بالنصوص الجيدة لغويا ، ونحويا مما جعل لهذا المجموع قيمة كبرى بين المجاميع اللغوية المتوفرة في دائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان.
2 - النسخة (ب):
وهي النسخة التي تحمل رقم 3122 بدائرة المخطوطات والوثائق بسلطنة عمان ، وهي عبارة عن 23 صفحة من القطع المتوسط [22* 16 سم] ؛ كل صفحة تحتوي على (15 سطرا) تقريبا ، فيما عدا الصفحة الأخيرة التي تحتوي على ثلاثة أبيات ، يعقبها مباشرة مخطوط «نزهة الطرف في علم الصرف» ، وقد كتب المخطوط بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر.
وقد جاءت منظومة الخليل في هذه النسخة ضمن مجموع دون ذكر العنوان ، فقد ذكرت البسملة ثم بدأ مباشرة في النص ، وقد سبقت منظومة الخليل في هذا المجموع بكتاب «التقريب» في النحو ، ثم تلاها - كما سبق - كتاب «نزهة الطرف في علم الصرف» ، وقد ضم هذا المجموع أيضا نصوصا مهمة منها : قصيدة «البردة» للإمام البوصيري ، وقصائد للإمام الشافعي ، وقصائد للإمام علي بن أبي طالب ، وقصيدة الخزرجية مع شرحها علاوة على نص منظومة الخليل التي نقف أمامها الآن.
ومع أن حالة المخطوط جيدة من حيث الشكل العام إلا أنها تتسم بسمات ابعدتها عن كون اعتمادها أصلا ، هذه السمات هي :
(1) أن هذه النسخة غير منسوبة لأحد ، فقد ورد نصّها دون إشارة إلى مؤلفها.
(2) ينسى ناسخها بعض الأبيات ، ثم يسجّل بعضها على الهامش ويترك البعض الآخر دون كتابة ، فتظهر النسخة ناقصة.
(1)يكثر ترك بعض الكلمات وخاصة في بداية الأبيات ، ويكون مكانها بياضا لا كتابة فيه ، ربما شكّا في قراءتها أو صعوبة ، أو تمّ النقل عن نسخة هي كذلك .. الخ. (4) اتسمت هذه النسخة - وكذلك النسخة ج - بأن ناسخها يقلب دائما الياء في نهاية الكلمات إلى ألف مثل (الوغا ، الحما ، الورا) في (الوغى ، الحمى ، الورى) (2).
(5) في هذه النسخة تكتب الكلمات الواردة في نهاية البيت والتي تحمل واو الجماعة مثل (كذبوا ، قرّبوا ، أنصبوا) تكتب هذه الكلمات دون واو الجماعة ، وإن كان أحيانا يتداركها فيسجل الواو فوق الكلمة (3).
(6) ليس لدى ناسخ هذه النسخة علاقة بعلم العروض دليل ذلك :
(أ) الأخطاء التي يقع فيها تخلّ بوزن البيت موسيقيا ولا تعليق منه يوضح هذا الخلل الموسيقي ، وهذا دليل أيضا على عدم الوعي بهذه الأخطاء ، وأمثلة ذلك كثيرة واردة في الهوامش والتعليقات على أبيات المنظومة.
(ب) أحيانا كان الناسخ ينقل بعض الحروف أو الكلمات من الشطر الثاني إلى الشطر الأول أو العكس ، فيؤدي هذا إلى الخلل الموسيقي دون إشارة إلى ذلك (3).
كان كل ما مضى سببا في إبعاد هذه النسخة عن كونها أصلا لهذه المنظومة ، فالنص ليس مستقيما ، بل تضمن الأخطاء التي أوجبت التوقف أمامها بحذر.
والملاحظ أن هذه هي النسخة الوحيدة التي لم تنسب المنظومة فيها لا إلى الخليل ولا إلى غيره ، فقد جاء قبلها مباشرة كتاب التقريب في النحو الذي جاء في آخره «تم كتاب التقريب بعون الله وتوفيقه وصلّى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليما ، والحمد لله رب العالمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». ثم بدأ الصفحة التالية مباشرة بقوله : بسم الله الرحمن الرحيم ..
الحمد لله الحميد بمنّه
أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب
إلى آخر المنظومة.
ويبدو أنها نسخت عام 1117 ه على يد محمد بن سعيد بن راشد بن عمر العيسائي ، حيث جاء كتاب «نزهة الطرف في علم الصرف» تاليا لنص المنظومة ومشابها له في الخط والحبر والورق ، وقد ذكر الناسخ نصّا يشير إلى تاريخ النسخ بقوله في آخر المخطوطة :
تمّ الكتاب ضحى الزهراء عن كمل
بعون رب قديم قاهر أزل
سبحانه الواحد القهار ليس له
في خلقه من شريك ثمّ أو مثل
لأربع ثم خمس بعدهن مضت
من شهر شعبان ذي الأنوار يا أملي
لسبع عشرة عاما (1)قد خلت كملا
من قبلها مائة تمّت بلا جدل
من بعد ألف مضى يا صاح عن خبر
من هجرة المصطفى الهادي إلى السّبل
صلى عليه إلهي كلّما هدلت
حمائم الأيك بالأبكار والأصل
ثم قال :
«كتبه الفقير إلى الله تعالى محمد بن سعيد بن راشد بن عمر العيسائي بيده».
ولعل هذا التشابه الذي وجد بين المنظومة وكتاب «نزهة الطرف» في الخط والحبر والورق هو الذي جعلنا نقول إن تاريخ النسخ واحد في المخطوطين أو على الأقل متقارب تقاربا شديدا ، حيث ضمهما مجموع واحد وناسخ واحد على الأرجح.
ومع أن تاريخ النسخ قد عرف بالتقريب الا أننا لم نعتمد هذه النسخة أصلا وذلك للأسباب السابقة.
3 - النسخة (ج):
تحمل هذه النسخة رقم 3072 بدائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، وهي عبارة عن 23 صفحة من القطع المتوسط [22* 15 سم] كل صفحة تحتوي على 15 سطرا تقريبا ، غير أن الصفحة
1) والصحيح «لسبعة عشر عاما» غير أن ضرورة الشعر ألجأت الناسخ إلى ما قاله.
الأخيرة كان بها أربعة أبيات تنتهي بكلام الناسخ الذي يقول فيه : «تمت القصيدة بعون الله ومنّه وكرمه في يوم الاثنين الخامس من شهر رمضان المبارك الشريف من شهور سنة 1277 ه». وقد كتبت هذه المنظومة بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر.
جاءت هذه النسخة من المنظومة ضمن مجموع أيضا ، قبلها مباشرة مخطوط (التحفة القطانية) لمؤلفه عبد الله بن الشيخ أحمد القطان (1141 ه) بعده مباشرة قال الناسخ :
«هذه قصيدة الخليل بن أحمد العروضي في النحو ، بسم الله الرحمن الرحيم» ثم بدأ في أبيات المنظومة ، وانتهى بكلامه السابق الذي ذكر منذ قليل واتضح منه أن النسخ كان في عام 1277 ه.
ولم تعدّ هذه النسخة أصلا مع وجود تاريخ نسخها ، وذلك بسبب كثرة الأخطاء الواردة بها وخاصة الأخطاء النحوية (1)علاوة على الخلل الموسيقي لبعض الأبيات ، ولعلني لا أبالغ عند ما أميل إلى القول بأن الناسخ كان يغيّر برغبته أحيانا بعض الكلمات في الأبيات كتغيير (بانت) بدل (نأت) حيث استقام الوزن والمعنى في البيت وقد جاءت الكلمة في كل النسخ (نأت) وعنه فقط ؛ (بانت) (2)دون بقية النسخ ، ومما سهّل التغيير المحافظة على وزن البيت مع التغيير.
4 - النسخة (د):
وتحمل رقم 3371 بدائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، وهي عبارة عن 22 صفحة ، متوسط أسطر كل صفحة 15 سطرا ، جاءت صفحاتها من القطع المتوسط [23* 13 سم] ، كتبت بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر.
جاءت هذه النسخة من المنظومة ضمن مجموع حالته غير جيدة ، فقد جاء المخطوط متآكل الأطراف به رطوبة ، وفيه تمزيق لبعض صفحاته ، وخاصة
الأولى والأخيرة منه ، غير أن خطه جيد ، مضبوط في معظمه ، إلا أنه يوحي بالحداثة إلى حدّ ما.
وهذا المجموع يضمّ بعض الكتابات النحوية أولها : شرح لملحة الإعراب (1)، وبعد الانتهاء منه مباشرة كتب الناسخ بالخط الأحمر : قال الخليل بن أحمد» ثم كتب «البسملة» بالخط الأسود ثم بدأ في أول أبيات منظومة الخليل.
بعد الانتهاء من منظومة الخليل قال الناسخ : «تمت القصيدة بعون الله ومنّه وكرمه» ، ثم اعقب المنظومة برسالة في مخارج الحروف وبعض الكتابات في علم الصرف مثل : أحكام النون الساكنة ، ثم أنهى الناسخ هذا المجموع بكتاب يسمّى : «الفريدة المرجانية في عوامل النحو وبيان العربية» للشيخ العالم أحمد بن مانع بن سليمان بن مداد بن عدي بن ربيعة بن محمد بن راشد بن صلت بن ربيعة بن أبي غسّان.
ولم تعد هذه النسخة أصلا عند التحقيق ، بسبب التمزق في بعض صفحاتها وتآكل أطرافها وضياع أجزاء منها ، علاوة على حداثة الخط على ما يبدو ، وإن كان جيدا مضبوطا في معظمه إلا أنه يحمل بعض الأخطاء من حيث سقوط بعض الكلمات والتقديم والتأخير مما نأى بهذه النسخة عن أن تكون أصلا.
5 - النسخة (ه):
وتحمل رقم 3245 ضمن محتويات دائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، وهذه النسخة عبارة عن ثلاثين صفحة من القطع الصغير [15 * 15 سم] كل صفحة تحتوي على 12 سطرا تقريبا ، كتبت بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر.
1) شوّهت الصفحات الأولى بالتمزق ، فضاع عنوان «شرح ملحة الإعراب» وإن كان هذا ظاهرا من خلال نصوصها والمقارنة بملحة الإعراب الواردة بالنسخ الأخرى.
جاءت هذه النسخة ضمن مجموع ، حالة هذا المخطوط غير جيدة ، الصفحات متآكلة ومفككة ، الخط صعب القراءة لرداءته ، أوراقه تتكسر بين يدى القارئ ، لم يذكر اسم الناسخ أو سنة النسخ ، بآخر هذا المجموع ؛ وقف باسم الشيخ محمد بن عبد الله بن محمد المنجي يحتوي هذا المجموع - إضافة إلى قصيدة الخليل - على ما يلي :
(غاية التهذيب في النحو) لمؤلف لم يذكر اسمه ، ثم مختصر (ابن عباد) في النحو ، ثم جاءت منظومة الخليل والتي بدأها بقوله :
«قال الخليل بن أحمد» وأنهاها بقوله «تمّت القصيدة بعون الله وحسن توفيقه ، والصلاة والسّلام على خير خلقه محمدا (1)وآله الذين لم يغيّروا ولم يبدلوا. (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
ثم أعقب منظومة الخليل مجموعة فوائد عن الحرف بدأها «باسم الله ، الفصل الأول : في تعريف الحرف والمعنى بالحرف. حروف التهجّي. فلو قلنا ا ب ت ث إلى آخرها ، ومخارجها مختلفة وترتيبها عند الخليل أبي عبد الرحمن أحمد البصري ع ح خ غ حلقية ، ق ك لهويتان .. إلخ». ثم جاءت بعد هذه الفوائد رسالة في علم العروض أولها مقطوع من مكانه ؛ وآخرها الدوائر العروضية ، وربما ذكر تاريخ النسخ واسم الناسخ غير أن التمزق والتآكل قد أطاح بها.
6 - النسخة (و):
وهي النسخة التي تحمل رقم 1974 ضمن محتويات دائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، هذه النسخة عبارة عن 19 صفحة من الحجم المتوسط [22 * 16 سم] كل صفحة تحتوي على 19 سطرا تقريبا ما عدا الصفحة الأخيرة التي احتوت من المنظومة على ثلاثة أبيات فقط ، كتبت هذه النسخة بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر ، حالة
1) هكذا.
المخطوط غير جيدة ، به تآكل من أطراف الصفحات وأحيانا من الوسط.
جاءت هذه النسخة ضمن مجموع في أوله (المختصر في النحو) ، ثم كتاب نحوي مجهول العنوان والمؤلف ، ثم (ملحة الإعراب) التي جاءت بعدها منظومة الخليل بدأها بقوله «قال الخليل بن أحمد ، بسم الله الرحمن الرحيم» ثم جاء نص المنظومة ، وبالورقة الأولى من المنظومة تمزيق راح معه جزء من كلمة الخليل ، غير أن المتبقي من الكلمة يدل عليها ، بالإضافة إلى وجود بقية الاسم حيث تبقى (ل بن أحمد) فقد بقيت اللام من الخليل ، علاوة على بقية الاسم.
وفي آخر منظومة الخليل قال الناسخ [«تمت» بسم الله الرحمن الرحيم كتاب [الفريدة المرجانية] المشار إليه سابقا في بعض النسخ الأخرى.
وربما يكون تاريخ النسخ راجعا إلى عام 1082 ه وذلك لأن من ضمن مخطوطات هذا المجموع ما كتب في هذا التاريخ ، فقد جاءت (ملحة الإعراب) قبل (منظومة الخليل) ، وفي آخر (الملحة) قال الناسخ «تمّ كتاب (ملحة الإعراب) بعون الملك الوهاب ، وذلك يوم النصف من شهر الحج سنة اثنين وثمانين سنة وألف من الهجرة النبوية. تمامه بغرفة السيرة من قلعة الرستاق (1)، كتبه مدّاد بن محمد لنفسه».
وإذا كان هذا المجموع يضم (ملحة الإعراب) و (منظومة الخليل) بخط ناسخ واحد وحبر واحد ، فأنا أميل إلى القول بأن تاريخ النسخ متقارب إن لم يكن واحدا ، فإذا لم يكن تاريخ نسخ منظومة الخليل 1082 ه فإنه سيكون قريبا من ذلك ، حيث تمت كتابة معظم هذا المجموع في التاريخ نفسه ، ومن ذلك كتاب (المختصر في النحو) الذي احتواه هذا المجموع.
ولم تعدّ هذه النسخة أصلا بسبب التمزق والتآكل في بعض صفحاتها ، كذلك الضبط الخاطئ الذي تتسم به هذه النسخة ، بالإضافة إلى الأخطاء
1) اسم ولاية من ولايات سلطنة عمان ومن أهم الآثار فيها فلعتها المشهورة (قلعة الرستاق).
الإملائية الكثيرة ، والتردد في طريقة كتابة بعض كلمات المنظومة كما في كتابة الفعل (يقوم) الذي كتب في الموضع الواحد بالياء والتاء هكذا (يقوم) (1).
7 - النسخة (ز):
وتحمل هذه النسخة رقم 2318 من محتويات دائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، وهي عبارة عن 19 صفحة من القطع المتوسط [22* 17 سم] كل صفحة تحتوي على 18 سطرا تقريبا ، وحالة المخطوط جيدة ، غير أن به رطوبة في بعض أجزائه ، كتب بالمداد الأسود والأحمر على ورق أزرق يميل إلى الاخضرار ، مما يدل على حداثة الكتابة والورق.
تقع هذه النسخة ضمن مجموع يضم كتاب (المختصر في النحو) و (رسالة في علم الحروف) و (القصيدة المرجانية) ، و (كتاب التسهيل) في الفرائض و (ملحة الإعراب) ، وقد وقعت هذه النسخة من منظومة الخليل بعد ملحة الإعراب مباشرة حيث قال الناسخ : «قال الخليل بن أحمد بسم الله الرحمن الرحيم ...» ثم بدأ في سرد المنظومة ، وفي نهاية المنظومة قال ناسخها : «تمّت القصيدة بعون الله ومنّه وكرّمه في يوم الجمعة المزهر. وعشر (2)ليال خلون من شهر المحرم من شهور سنة : سبعة وعشرين سنة ومائتين (3)سنة وألف سنة من الهجرة النبوية المحمدية ، وهي ثلاثمائه بيت إلا ثمانية أبيات والله أعلم ، وكتبه الفقير لله عبده مسعود بن محمد بن عمر بن محمد خلف الصبري بيده» ثم قال بعدها مباشرة «بسم الله الرحمن الرحيم : مخارج الحروف سبعة عشر مخرجا ، فمن الحلق ثلاثة مخارج ... إلخ».
والملاحظ أن هذه هذه النسخة لم ترق لأن تكون أصلا وذلك لكثرة وجود ضبط خاطئ بها ، فالحين تكتب (حين) (4)وأسد تصبح (أسد) (5)وتختل موسيقى البيت ولا إشارة إلى ذلك ، كذلك يجرى التحريف وتحطم القاعدة
النحوية وكذلك موسيقى البيت. فيقول (لم تجرى) (1)وتغمض العين عن عمل (لم) وأصل البيت (لا تجر) بالنهي ، كذلك لوحظ على الناسخ عدم معرفته بعلم العروض ودليل ذلك :
(أ) التحريف الذي يصنعه الناسخ فيؤدي إلى الخلل الموسيقي مع وضوح كليهما (التحريف ، الخلل) ومثال ذلك ما صنعه عند ما قال في أحد أبيات المنظومة :
وفلم ولما يجزمان كلاهما
لم تلقا في غزوتينا مقتب (2)
والشطر الثاني به خلل في (تلقا) و (مقتب) والخلل الأول أدى إلى الإخلال بموسيقى البيت ، وصحة الشطر الثاني :
لم يلقنا في غزوتينا مقنب
وأمثلة ذلك كثيرة (3).
(ب) ما ظهر في ختام المنظومة عند تعليق الناسخ الذي ذكر منذ قليل ، عند ما قال : «تمت القصيدة بعون الله ... الخ» فقد كتب هذا التعليق على هيئة الشعر نظام الشطرين واضعا الفاصل الذي حرص عليه خلال المنظومة كلها بين الشطرين هكذا (:.) فأدى ذلك إلى القول بعدم دراية الناسخ بعلم العروض ، إذا أضفنا إلى ذلك المجموعة الكبيرة من الأخطاء الإملائية وجدنا عدم إمكانية التعامل مع هذه النسخة على أنها الأصل.
8 - النسخة (ح):
تحمل هذه النسخة رقم 3058 ضمن محتويات دائرة المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، هذه النسخة عبارة عن 53 صفحة من القطع الصغير [17* 10 سم] ، كتبت بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر.
جاءت هذه النسخة ضمن مجموع حالته جيدة ، ضمّ بعض الكتابات المتنوعة بين دفيته ، ففي أول المجموع قصيدة للمعتصم بالله عامر بن سليمان ابن محمد بن خلف بن عامر الريامي في المواريث ، ثم منظومة ملحة الإعراب ثم منظومة الخليل ، وأخيرا جاء الناسخ بأبيات ملغزة في نهر «بهلا» (1).
بعد انتهاء الناسخ من (ملحة الإعراب) ، كتب بعض الأبيات أنهاها بقوله :
«كلما يرضيك يا مولاي عندي ولديّا».
ثم كتب الناسخ باللون الأحمر ما نصه :
«وقال العالم العلّامة (2)الخليل بن أحمد (الخروصي) (3)في تسهيل النحو ومعانيه وما يشمل عليه.
الحمد لله الحميد بمنه ... إلخ».
ثم قال في نهاية القصيدة «ما اخترناه في علم النحو على ما وجدته مكتوبا بخط عامر بن سليمان محمد الريامي». وأعتقد أن النسخ التي نقل منها الناسخ وهي نسخة «عامر» صاحب قصيدة المواريث ، وأنه صاحب القصيدة ، وأنه نسخها هي وبقية المواد العلمية الموجودة في المجموع غير أن اللافت للنظر هذا الاسم الذي أورده الناسخ «الخليل بن أحمد الخروصي» في مقدمة هذه المنظومة عند ما قال : «وقال العالم العلامة الخليل بن أحمد الخروصي في تسهيل النحو ... إلخ».
والسؤال الذي طرح نفسه بإلحاح هو : هل المقصود هنا شخص آخر غير الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي اليحمدي العروضي المعجمي؟ أم أنه هو هو؟ وإذا كان هو هو فما معنى قول «الخروصي» والخليل بن أحمد ليس خروصيا؟
الحق أنني رجعت إلى أنساب الخروصيين وتاريخهم لأرى من منهم يحمل اسم «الخليل بن أحمد الخروصي» فلم أجد في الكتب التي رجعت إليها (1)
(*) كتاب شقائق النعمان هو من تأليف المرحوم محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي وقد صدر عن وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان في ثلاثة مجلدات ، وهو ليس من تأليف العلامة المرحوم الإمام نور الدين السالمي كما ذكر المحقق الفاضل (ن).
نحويا يحمل هذا الاسم ، علاوة على عدم وجود هذا الاسم بين كبار علمائهم ولهذا رجحت أن تكون كلمة (الخروصي) محرفة عن كلمة «العروضي» ، وأن المقصود «الخليل بن أحمد العروضي». ونستطيع أن نستند إلى أدلة كثيرة تثبت ذلك من أهمها :(1) هذا التشابه الشديد بين (العروضي) و (الخروصي) في النمط العام للكلمة ، مما أدى إلى هذا التحريف.
(2) جاءت كلمة «الخروصي» ونقطة الخاء يكاد يكون ممحوا غير ظاهر ، فنقطة الخاء تكاد تختفي ، وربما كانت أثرا من آثار الكتابة وليست نقطا ، إلى حدّ أنها سقطت عند تصويرها ، وربما يؤدي ذلك إلى القول بأنه نوع من التصحيف إضافة إلى التحريف في الشكل الكتابي للكلمة.
(3) أكاد أجزم بأنه تحريف ، يؤكد ذلك وجود نسختن (أ، ج) ؛ هاتان النسختان جاء في أولهما «قال الخليل بن أحمد العروضي» وربما يكون
1) هذه الكتب هي كتاب الانساب للعوتبي وكتاب إسعاف الأعيان بتاريخ أهل عمان للمرحوم الشيخ سالم السيابي وكتاب شقائق النعمان للشيخ نور الدين السالمي (*) وكتب أخرى.
ناسخ هذه النسخة التي حملت اسم «الخروصي» نقل من إحدى النسختين (أأو ج) أو من نسخة شبيهة بهما في مطلعهما وطريق التحريف أو التصحيف في مثل هذه المواقف سهل ، وخاصة وجود ذلك التشابه بين الكلمتين الذي يساعد على ذلك.
(4) إضافة إلى ذلك ما قلناه سابقا من عدم وجود الاسم بين الخروصيين ، وذلك يضاف إلى الأدلة التي تثبت أن المقصود بالخليل هنا الفراهيدي العروضي وليس شخصا آخر.
(5) تثبت الدراسة الفنية لهذه النسخة كثرة الأخطاء الواردة من إملائية أو أخطاء خاصة بكيفية ضبط الكلمات أو التحريف ، ويظهر كل ذلك وغيره من خلال التعليقات على أبيات المنظومة. وإذا كان الأمر كذلك فإن مثل هذا التحريف الواقع بين (الخروصي) و (العروضي) من السهل جدا حدوثه.
نسيتطيع أن نخرج من كل ذلك ونحن مطمئنون إلى أن كلمة «الخروصي» جاءت من قبيل التحريف وأنه ليس ثمة شخص آخر غير «الفراهيدي» هو المقصود هنا.
والدليل الأخير رقم (5) ربما كان سببا كافيا لعدم إعداد هذه النسخة أصلا للنسخ التي بين أيدينا.
9 - النسخة (ط):
وهي النسخة التي تحمل رقم 434 (نحو) بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بسلطنة عمان ، وهي عبارة عن 19 صفحة من القطع المتوسط (22* 16 سم) تحتوي كل صفحة على 18 سطرا تقريبا ، كتبت بخط النسخ بالمداد الأسود والأحمر ، ووضعت الصفحات داخل إطار من
الخطوط المنسقة ، وحمل كلّ عنوان إطارا خاصا به ، وقد وضعت للعناوين أرقام وصلت إلى 46 عنوانا.
وتقع هذه النسخة ضمن مجموع يضم بعض الكتابات في النحو بالإضافة إلى القصيدة المرجانية.
قال الناسخ في بداية المخطوط : «وقال الخليل بن أحمد قصيدة في النحو بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله الحميد بمنّه .. إلخ.
وفي نهاية القصيدة أشار إلى تمامها بقوله «تمت» ثم بدأ في القصيدة المرجانية مفتتحا إياها باسم الله.
ويبدو أن ناسخ هذا المجموع واحد لتوحّد الخط والمداد وهو «خلف بن محمد بن خنجر بن سعيد بن غفيلة في 16 جمادى الأولى 1143 هجرية نسخها للشيخ صالح بن سعيد بن أحمد بن صالح الشقصي».
وهذه النسخة على الرغم من جودة خط ناسخها والاهتمام الملحوظ بإخراجها في إطار يزينها ، وكذلك وجود تاريخ النسخ - الحديث - إلى حد ما - أقول على الرغم من كل ذلك إلا أنها لا تعد أصلا وذلك لأنها تحمل الكثير من الأخطاء التي وجدت في بقية النسخ من ب إلى ح سواء أكانت الأخطاء إملائية ، أم اتصلت بالضبط وعدم الاهتمام بالأبيات من الناحية العروضية ، وحدوث بعض السقط وتدارك بعضه أحيانا ، والأخطاء النحوية الكثيرة والتصحيف والتحريف. من هنا لم نعدّها أصلا.
10 - النسخة (ي):
وهي نسخة مصورة من ولاية المضيرب موجودة بمكتبة خاصة بالفاضل سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي.
وهي عبارة عن عشرين صفحة من القطع المتوسط [20* 13 سم] تحمل كل صفحة 17 سطرا تقريبا ، ولم أطلع على أصلها فلم يتح لي ذلك ، غير أن صفحاتها جاءت تحمل الأرقام من (57 إلى 77) مما يدل على أنها تقع أيضا
ضمن مجموع لا أعرف بقية محتواه على وجه التحديد لعدم إمكانية الاطلاع عليها.
والحق أن هذه النسخة قد جاءتني قبيل انتهائي من التحقيق ، وعند ما فحصتها وراجعتها ، وجدت أنها تحمل الأخطاء الواردة في النسخ السابقة والتصحيف والتحريف ، وكذلك لم تزد في عدد أبياتها عما ورد في بقية النسخ ، بل جاءت منقوصة كما سيظهر لنا من النص الوارد في آخرها عند ما قال ناسخها غير المعروف : «تمت القصيدة النحوية اللغوية وهي مائتي (1)وستة وثمانون بيتا بعون الله وحسن توفيقه ، والصلاة والسّلام على خير خلقه محمد وآله وسلّم».
وهذا يبين لنا أن ستة أبيات ساقطة من هذه النسخة أو خمسة أبيات إن اعتبرنا البيت رقم 261 مكررا مع البيت 225.
وقد نسبت هذه المنظومة النحوية للخليل بن أحمد صراحة في هذه النسخة عند ما قال ناسخها في بدايتها : «وقال الخليل بن أحمد قصيدة في النحو ... بسم الله الرحمن الرحيم ... الحمد لله الحميد ... إلخ».
وقد استعنت بها في بعض المواضع التي تحتاج إلى إبانة وإيضاح ، وكذلك في بعض المقارنات النصية التي تعضد موقفا ما ولأنها صورة وليست الأصل فلا أعرف على وجه التحديد هل كتبت العناوين باللون الأحمر أو باللون الأسود أو بأي لون؟.
1) هكذا كتبت والصحيح مائتان.
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة