ghaemiyeh.com
نام كتاب: رسالة في الوصايا
موضوع: فقه استدلالى
نويسنده: دزفولى، مرتضى بن محمد امين انصارى
ناشر: كنگره جهانى بزرگداشت شيخ اعظم انصارى
تاريخ وفات مؤلف: 1281 ه ق
زبان: عربى
قطع: وزيرى
تعداد جلد: 1
تاريخ نشر: 1415 ه ق نوبت
چاپ: اول
مكان چاپ: قم- ايران
محقق/ مصحح: گروه پژوهش در كنگره ملاحظات: به اسم" تراث الشيخ الأعظم 21" چاپ شده است
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السّلام على خير خلقه محمّدٍ و آله الطيبين الطاهرين.
لم تكن الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني رضوان اللّٰه عليه حدثا سياسيّا تتحدّد آثاره التغييريّة بحدود الأوضاع السياسيّة إقليميّة أو عالميّة، بل كانت و بفعل التغييرات الجذريّة التي أعقبتها في القيم و البنى الحضاريّة التي شيّد عليها صرح الحياة الإنسانيّة في عصرها الجديد حدثا حضاريّا إنسانيّا شاملا حمل إلى الإنسان المعاصر رسالة الحياة الحرّة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام على مدى التاريخ و فتح أمام تطلّعات الإنسان الحاضر افقا باسما بالنور و الحياة، و الخير و العطاء.
و كان من أولي نتائج هذا التحوّل الحضاري الثورة الثقافيّة الشاملة التي شهدها مهد الثورة الإسلاميّة إيران و التي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام ميادين الثقافة و العلوم بشتّى فروعها، و جعلت من إيران، و من قم المقدّسة بوجه خاصّ عاصمة للفكر الإسلامي و قلبا نابضا بثقافة القرآن و علوم الإسلام
و لقد كانت تعاليم الإمام الراحل رضوان اللّٰه تعالى عليه و وصاياه و كذا توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة و وليّ أمر المسلمين آية اللّٰه الخامنئي المصدر الأوّل الذي تستلهم الثورة الثقافيّة منه دستورها و منهجها، و لقد كانت الثقافة الإسلاميّة بالذات على رأس اهتمامات الإمام الراحل رضوان اللّٰه عليه و قد أولاها سماحة آية اللّٰه الخامنئي حفظه اللّٰه تعالى رعايته الخاصّة، فكان من نتائج ذاك التوجيه و هذه الرّعاية ظهور آفاق جديدة من التطوّر في مناهج الدراسات الإسلاميّة بل و مضامينها، و انبثاق مشاريع و طروح تغييريّة تتّجه إلى تنمية و تطوير العلوم الإسلاميّة و مناهجها بما يناسب مرحلة الثورة الإسلاميّة و حاجات الإنسان الحاضر و تطلّعاته.
و بما أنّ العلوم الإسلاميّة حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الإسلاميّ في مجال فهم القرآن الكريم و السنّة الشريفة فقد كان من أهمّ ما تتطلّبه عمليّة التطوير العلمي في الدراسات الإسلاميّة تسليط الأضواء على حصائل آراء العباقرة و النوابغ الأوّلين الذين تصدّروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة الإسلاميّة، و القيام بمحاولة جادّة و جديدة لعرض آرائهم و أفكارهم على طاولة البحث العلمي و النقد الموضوعي، و دعوة أصحاب الرأي و الفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة و شاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم و الدراسات الإسلاميّة و روّاد الفكر الإسلاميّ و عباقرته.
و بما أنّ الإمام المجدّد الشيخ الأعظم الأنصاري قدّس اللّٰه نفسه يعتبر الرائد الأوّل للتجديد العلمي في العصر الأخير في مجالي الفقه و الأصول- و هما من أهمّ فروع الدراسات الإسلاميّة- فقد اضطلعت الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري- بتوجيه من سماحة قائد الثورة الإسلاميّة
آية اللّٰه الخامنئي و رعايته- بمشروع إحياء الذكرى المائويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري قدّس سرّه و ليتمّ من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري الفكريّة في شتّى أبعادها و على الخصوص إبداعات هذه المدرسة و إنتاجاتها المتميّزة التي جعلت منها المدرسة الأمّ لما تلتها من مدارس فكريّة كمدرسة الميرزا الشيرازي و الآخوند الخراساني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من زعماء المدارس الفكريّة الحديثة على صعيد الفقه الإسلامي و أصوله و تمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامّة أن تقوم لجنة مختصّة من فضلاء الحوزة العلميّة بقم المقدّسة بهمّة إحياء تراث الشيخ الأنصاري و تحقيق تركته العلميّة و إخراجها بالاسلوب العلمي اللّائق و عرضها لروّاد الفكر الإسلاميّ و المكتبة الإسلاميّة بالطريقة التي تسهّل للباحثين الاطّلاع على فكر الشيخ الأنصاري و نتاجه العلمي العظيم و الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر اللّٰه سبحانه و تعالى على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظلّ قائد الثورة الإسلاميّة و يحفظه للإسلام ناصرا و للمسلمين رائدا و قائدا و أن يتقبّل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء تراث الشيخ الأعظم الأنصاري و أن يمنّ عليهم بأضعاف من الأجر و الثواب.
أمين عام مؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري محسن العراقي
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم الحمد للّٰه المتفرّد بوحدانيّته، و الصلاة و السلام على من بعثه برسالاته و على أهل بيته، أوصيائه و خلفائه.
و بعد:
فمن منن اللّٰه تعالى علينا أن وفّقنا لإصدار حلقة اخرى من تراث الشيخ الأعظم قدّس سرّه، و هي تشتمل على ثلاث رسائل: الوصايا، و منجّزات المريض، و الإرث.
و المواضيع الثلاثة مواضيع جديرة بالاهتمام من الناحية الفقهية و الحقوقية.
أمّا رسالة الوصايا، فقد كتبها الشيخ قدّس سرّه بصورة شرح مزجي لكتاب شرائع الإسلام، لكنّها- مع الأسف- لم تكن تامة، بل نرى في البحث انقطاعا في عدّة مواضع، و لا ندري هل أنّها كانت في الأصل كذلك، أو كانت كاملة و لكن حصل النقص بسبب الضياع؟!
و مهما يكن، فقد أكملنا الناقص منه بمتن الشرائع ليمكن معرفة مقدار النقص، و تحصل المعرفة الإجمالية بالموضوع.
و أمّا رسالة منجّزات المريض، فقد كتبها قدّس سرّه بصورة مستقلة، و لكن واجهتنا مشكلة- أثناء التحقيق- و هي: أنّ الذي جمع ما كتبه الشيخ- و كانت أوراقا مبعثرة غير مرتّبة- جعل قسم منجزات المريض بعد الوصايا، و قد تابعه من استنسخ على تلك النسخة من دون إشارة إلى نقطة مهمة، و هي:
أن آخر عبارة في آخر صفحة من بحث المنجزات هي عبارة «و الإنصاف، أنّ المسألة محلّ إشكال، ممّا ذكر، و من عموم أدلة الإرث و الوصية، و عدم نهوض ما ذكر مخصّصا لها، بل أدلّة الدين أيضا، بناء على أنّ اللازم من إخراج ما نحن فيه من الأصل ..»
و جاء في وسط رسالة الوصايا- بحث الموصى به (ص 69 من هذه الطبعة)- بعد عبارة «.. بل ربما أوّل بما يرجع إلى المشهور» بياض بمقدار صفحتين، و جاء بعدهما في أوّل صفحة جديدة عبارة: «مزاحمته مع الدين إلّا أنّ بعض أهل هذا القول ادّعى الإجماع على تقديم الواجبات البدنية على الماليّة و عدم مزاحمتها لها» ثمّ استمر في البحث عن الموصى به.
و بعد التدقيق رأينا أن عبارة: «مزاحمته مع الدين إلّا .. (هي تتمة لقوله: «من الأصل»، و على هذا تكون العبارة التي جاءت في الوصايا تتمة لآخر عبارة وردت في منجزات المريض، و لذلك نحتمل أن تكون رسالة منجزات المريض قد كتبها الشيخ ضمن الوصايا، و لكن أخّرها المجمّع للأوراق، و مع ذلك فإنّنا حافظنا على الصورة الموجودة في المخطوطة و المطبوعات، مع الإشارة إلى ما توصّلنا إليه. و من العجيب أنّه جاء بعد كلمة «الأصل» في النسخ المطبوعة عبارة: «مزاحمته لهما»، و لا ندري من
أين جاءت هذه العبارة؟
و أمّا رسالة الإرث، فقد كتبها بصورة مستقلة و مختصرة أيضا، و لم يتعرّض فيها إلّا إلى بعض الموضوع.
و مما ينبغي الإشارة إليه: أنه قدّس سرّه تعرّض لبعض المسائل أكثر من مرّة، و لكن اختلفت كيفية دراسته للمسألة بحسب كيفية طرحه و رؤيته لها، كما حدث في المسألة السابعة و الثامنة و التاسعة، فهذه المسائل تبحث حول موضوع واحد و هو: «الدين المستوعب لتركة الميت»، و لكن لم تكن كيفية بحثه حولها على نسق واحد.
و كان الاعتماد في التحقيق على النسخ التالية:
أوّلا- مصوّرة النسخة الأصلية:
كان أكثر اعتماد المحققين على مصوّرة النسخة الأصلية التي كتبها الشيخ قدّس سرّه، و الموجودة في مكتبة الإمام الرضا عليه السّلام في مشهد، ضمن مجموعة برقم (11127) باسم الوصايا، و قد تفضّلت بها المكتبة مشكورة.
و رمز لهذه النسخة ب «ق».
ثانيا- نسخة من المكاسب:
و هي نسخة مطبوعة بالطبعة الحجرية عام (1305).
و رمز لها ب «ع».
ثالثا- نسخة اخرى من المكاسب:
و هي نسخة ثانية من المكاسب مطبوعة بالطبعة الحجرية أيضا في أصفهان عام (1325).
و رمز لهذه النسخة ب «ص».
و الظاهر أنّ هاتين الطبعتين من المكاسب مصحّحتان، و هما مشتملتان على عدّة رسائل للشيخ الأنصاري قدّس سرّه غير كتاب المكاسب، منها:
الوصايا، و منجزات المريض، و الإرث.
و ينبغي أن نشير إلى أننا سمّينا الكتاب ب «الوصايا و المواريث» لاندراج منجّزات المريض في الوصايا.
و استفيد في رسالة الإرث من نسخة ثالثة من المكاسب، و هي المعروفة بطبعة الشهيدي المتداولة، و المطبوعة عام (1375)، و رمز لها ب «ش».
و ختاما، نشكر كل من كان له دور في إحياء هذا الأثر، و نخصّ بالذكر صاحب الفضيلة سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيد عبد الصاحب الموسوي الذي قام بمراجعة قسم الوصايا و منجّزات المريض بعد تحقيقهما، و سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ مرتضى الواعظي الذي حقّق رسالة «الوصايا»، و سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد الحسون الذي حقّق رسالة «منجّزات المريض»، و سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد رضا الأنصاري الذي حقّق رسالة «الإرث»، و حجة الإسلام السيد هادي عظيمي الذي قام بتنظيم الفهارس الفنّية.
و نسأل اللّٰه تعالى لنا و لهم مزيد التوفيق لخدمة مذهب أهل البيت عليهم السّلام، إنه قريب مجيب.
مسئول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري
الوصايا و المواريث
الفصل الأوّل في الوصيّة
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين
الوصايا: جمع وصيّة، و هي: اسم مصدر من أوصاه و وصّاه توصية، أي: عهد إليه، كما في القاموس (1).
و هو أولى مما في جملة من كتب الفقه من أخذها من وصى يصي، بمعنى «وصل»، لوصل الموصي تصرّفه بعد الموت بتصرّفه قبل الموت (2)لأنّ الألفاظ المستعملة من هذه المادّة في الكتاب (3)و السنّة (4)و كتب الفقهاء كلّها
من باب الإفعال و التفعيل، لا الثلاثي المجرّد، اللّٰهم إلّا أن يريدوا أنّ أصل هذه اللّفظة مأخوذة من وصى يصي، حتّى أنّ الإيصاء و التوصية بمعنى العهد مأخوذ من ذلك، لا أنّ (1)الوصية المذكورة في الاستعمالات مصدر وصى يصي، فلا خلاف في المعنى، و لعلّ هذا هو المتعيّن.
و نظيره: أنّهم يفسّرون الطهارة- في كتاب الطهارة- بفعل المكلّف، أعني استعمال الطهور، أو نفس الوضوء و الغسل و التيمّم، و مع ذلك يذكرون:
أنّ الطهارة من «طهر»، و ليس مرادهم أنّ الطهارة المفسّرة بفعل المكلّف مصدر ل «طهر»، لأنّ المصدر منه حدث قائم بالجسم الطاهر أو بالشخص المتطهّر.
و الغرض من ذلك كلّه: أنّ الوصيّة في الكتاب و السنّة و ألسنة الفقهاء بمعنى العهد إلى الغير، إلّا أنّ هذا المعنى قد يتعلّق بتمليك شخص شيئا من ماله، و قد يرجع إلى تسليط في التصرّف، و قد يتعلّق بفعل آخر: كفّك ملك بتحرير أو وقف، و قد يرجع إلى أمر يتعلّق بنفس الموصي كأمر تجهيزه و دفنه، و قد يتعلّق بغير ذلك.
ففي رواية الجعفري (2)، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام «قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: من لم يحسن وصيّته عند موته كان نقصا في مروّته و عقله، قيل: يا رسول اللّٰه و كيف يوصي الميّت؟ قال: إذا حضرته الوفاة و اجتمع الناس إليه، قال: اللّٰهم فاطر السماوات و الأرض، عالم الغيب
و الشهادة، الرحمن الرحيم، [اللّٰهم] (1)إنّي أعهد إليك في دار الدنيا أنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت، وحدك لا شريك لك، و أشهد أنّ محمدا عبدك و رسولك، و أنّ الجنّة حقّ، و النار حقّ، و البعث حقّ، و الحساب حقّ، و القبر (2)حقّ، و الميزان حقّ، و أنّ الدّين كما وصفت، و أنّ الإسلام كما شرعت، و أنّ القول كما حدّثت، و أنّ القرآن كما أنزلت، و أنّك أنت اللّٰه الحقّ المبين، جزى اللّٰه محمّدا عنّا خير الجزاء، و حيّا اللّٰه محمّدا و آل محمّد عنّا بالسلام.
اللّٰهم يا عدّتي عند كربتي، و يا صاحبي عند شدّتي، و يا وليّ نعمتي، إلهي و إله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا، فإنّك إن تكلني إلى نفسي طرفة عين كنت أقرب من الشّر و أبعد من الخير. و آنس في القبر وحشتي، و اجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا، ثمّ يوصي بحاجته.
و تصديق هذه الوصيّة في القرآن في السورة التي ذكر فيها مريم قوله تعالى (لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً)، فهذا عهد الميّت.
و الوصيّة حقّ على كلّ مسلم و مسلمة، و حقّ عليه أن يحفظ هذه الوصيّة و يعلمها.
و قال أمير المؤمنين عليه السّلام: علّمنيها رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: علّمنيها جبرئيل عليه السّلام» (3)
ثمّ إنّ الوصيّة بالمعنى المذكور أعني العهد إلى الغير- تحتاج بحكم العقل في تحقّقها إلى الموصي، و الموصى إليه، و الموصى به.
و أمّا مثل: فلان حرّ بعد وفاتي، أو لزيد كذا بعد وفاتي، فالموصى إليه عامّ لكلّ من له دخل بهذا المطلب من الورثة و غيرهم، ممّن له شأنيّة ترتيب آثار العتق و الملك، لكنّه مقطوع النظر من جهة عدم تعلّق الغرض به.
ثمّ الموصى به قد يكون تمليك شخص مالا، و يقال له: الموصى له، فالموصى له ليس من أركان مطلق الوصية، و إنّما هي (4)من أركان فرد خاص منها (و هي) التي عرّفها جماعة بأنّها (تمليك عين أو منفعة بعد الوفاة) و لا يخفى عدم كونها جامعة لأفراد الوصية المبحوث عنها عند الفقهاء؛ لخروج أفراد كثيرة، بل و لا مانعة؛ لدخول التمليك بالعوض بعد الوفاة، و لذا زاد في التذكرة قيد التبرّع (5)، فيخرج مثل: هذا لزيد بعد وفاتي بكذا.
و يشكل أنّه إن أريد عدم صدق الوصية فممنوع، و إن أريد بطلانها فلا دليل عليه إلّا بطلان المعاوضة المعلّقة، فإن تمّ إجماعا، و إلّا ففيه تأمّل.
و دعوى انصراف إطلاق الوصيّة في الكتاب و السنة إلى التبرّع، مشكلة أيضا.
و كيف كان، فلا إشكال و لا خلاف في كون الوصيّة عقدا في الجملة بين الموصي و الموصى إليه، حيث يتعلّق الغرض بخصوص الموصى إليه، لا مثل: أعطوا زيدا كذا، و بينه و بين الموصى له حيث يكون هناك موصى له، و قد تجتمع الجهتان و قد تفترقان، إنّما الإشكال في كونها عقدا على الإطلاق كما يظهر من جماعة (1).
و الّذي يقتضيه النظر- بعد عدم قيام إجماع و لا غيره على كونها عقدا على الإطلاق- أنّ الوصيّة من حيث معناها اللغوي و العرفي ليست عقدا، إلّا أنّه حيث ثبت من الدليل توقّف حصول متعلّقها على القبول، و عدم كفاية الإيجاب فيه، كالتمليك المعلوم من الشرع عدم حصول أثره بدون رضى المملّك- بالفتح- و كالتولية المعلوم كونها كذلك، فلا بدّ من التزام كونها هناك عقدا، إلّا أن يكون دليل التوقّف على الرضى أعمّ من كونه ناقلا أو كاشفا، فلا يثبت بذلك كونها عقدا، إلّا أن يقال: إنّ الأصل يقتضي كونه ناقلا فيثبت كونه عقدا.
و أمّا إذا كان متعلّقها ممّا لم يثبت توقّفه على رضى غير الموصي فليست (2)هناك عقدا.
و لا ينافي هذا الاختلاف في الموارد اتحاد معنى الوصية في جميع الموارد؛ لكونه ناشئا عن اختلاف متعلّق الوصيّة لا نفسها، فهي نظير
الوقف. لكن الحكم بذلك يتوقّف على وجود عموم يدلّ على نفاذ وصيّة الموصي بقول مطلق، و إلّا فالأصل فيما شكّ في توقّفه على الرضى الوقف، فيكون حينئذ عقدا، كما لو ثبت بالدليل توقّف حصول متعلّق الوصية على الرضى.
(و) ممّا ذكرنا من أصالة كون القبول عند ثبوت الحاجة إليه ناقلا، يظهر أنّ الوصيّة بالمعنى الذي ذكره المصنّف: عقد (يفتقر إلى إيجاب و قبول)، لا مطلق الوصيّة، كما مرّ إجماله و سيجيء تفصيله، و ظاهر قوله قدّس سرّه: (فالإيجاب: كلّ لفظ دلّ على ذلك القصد (1)) أنّ المعتبر في إيجاب الوصيّة هو اللّفظ مع التمكّن منه كما هو المشهور، بل إجماعا كما في ظاهر الغنية (2)، حيث ادّعى الإجماع على كونها عقدا- الظاهر في اعتبار اللّفظ-
فلا يكفي الإشارة مع القدرة على النطق، و لا الكتابة، و لا يترتّب عليهما أثر، خلافا لبعض متأخّري المتأخّرين كسيّدي الرياض (3)و المناهل (4)، و احتمله في التذكرة (5)، و ربّما ينسب إلى النافع (6)للإطلاقات (7)المؤيّدة بما دلّ على أنّه:
1) في «ص» و «ع»: العقد.
2) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.
3) الرياض 2: 45.
4) مصابيح الفقه (مخطوط)، و فيه: «اختلاف الأصحاب في توقف الإيجاب على اللفظ مع القدرة عليه على قولين، الأول: أنّه لا يتوقف عليه ..الثاني: أنّه يتوقف عليه .. إلى أن قال: و القول الأوّل عندي أقوى».
5) التذكرة 2: 452.
6) المختصر النافع: 163، و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 9: 379.
7) الوسائل 13: 351، الباب الأوّل من أبواب أحكام الوصايا.
لا يبيت المرء إلّا و وصيّته تحت رأسه (1)، و لا يخلو عن قوّة لو لا الشهرة العظيمة و ظهور عدم الخلاف، و ربّما قيل (2): بأنّهما تفيدان مؤدّى اللفظ، و أنّهما بمنزلة المعاطاة في العقود اللازمة.
و فيه: أنّ المعاطاة في البيع عند المشهور- على ما تقدّم في أوّل البيع- لا يفيد إلّا إباحة التصرّف دون الملك، و كذلك في الهبة، و لا معنى للإباحة هنا، و لا خلاف في عدم تحقّقها. و لذا التزم بعض المعاصرين- المدّعي لكون الإيجاب الفعلي من قبيل المعاطاة- عدم الثمرة هنا بينها و بين عقد الوصية (3)، و هو أضعف من التزام الإباحة؛ إذ لا معنى حينئذٍ لحكمهم بافتقار الوصيّة إلى الإيجاب و القبول، و حمله على أنّ المفتقر إليهما عقدها لا مؤدّاها كما ترى؛ إذ لا داعي- مع فرض حصول تأثيرها بغير العقد- إلى الالتزام بكون الوصيّة عقدا حتّى يفتقر إليهما.
و الحاصل: أنّه لا إشكال في كون الوصية عند المشهور من العقود التي لا يؤثّر غير اللفظ فيها أثرا؛ لعدم حصول التملّك به عندهم، و عدم معنى للإباحة هنا و عدم قائل بها. نعم، ذكروا كفاية الفعل في قسمين من العقود:
أحدهما: العقود المملّكة التي يعقل فيها الإباحة، كالبيع و القرض و الهبة، و ثمرة الفعل ثمرة المعاطاة في البيع.
و الثاني: العقود المفيدة للإذن، كالوكالة و الوديعة و العارية إذا أنشأها بالإشارة و الكتابة.
و الظاهر أنّهم توسّعوا في هذه العقود، فجوّزوا الفعل في إيجابها، لا (1)أنّ الفعل فيها من قبيل المعاطاة في العقود، و الوصيّة خارجة من القسمين.
هذا، مع أنّ حكم المعاطاة لا يجري فيما يجري من العقود اللازمة و الجائزة إلّا مع القبض من الطرفين أو أحدهما، و هذا المعنى لا يجري في الوصية، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا فرق- فيما ذكره المشهور (2)من عدم جواز الوصيّة بالكتابة- بين أن يعمل الورثة ببعضه، و بين أن لا يعملوا بشيء منه، خلافا للمحكيّ عن نهاية الشيخ (3)، فألزم الورثة بالمكتوب إذا عملوا ببعضه؛ لرواية قاصرة السند (4).
ثمّ إنّ الألفاظ الدّالّة على الإيجاب كثيرة:
منها: ما هو صريح في ذلك (كقوله: أعطوا فلانا بعد وفاتي، أو لفلان كذا بعد وفاتي، أو أوصيت له) كذا، و كلّ هذه (5)صريحة في الإيجاب كما في التذكرة (6)، و لا إشكال في الأخيرة، و كذا في الثانية؛ بناء على ما ذكره
المصنّف من أنّ الوصيّة هي التمليك (1).
كما لا إشكال في الأولى إذا جعلناها بمعنى العهد إلى غيره، إنّما الإشكال في الجمع بينهما في الصراحة، فإنّ الثانية غير صريحة في العهد، كما أنّ الاولى غير صريحة في التمليك، فكلّ منهما يدلّ بالالتزام العرفي على ما يدلّ الآخر عليه بالمطابقة، و لعلّ المراد بالصراحة ما يتّضح دلالته على التمليك و لو التزاما.
(و ينتقل بها) أي بالوصيّة المنشأة بالإيجاب (الملك) الموصى به ( [إلى الموصى له] (2)بموت الموصي) الذي علّق عليه التمليك، فلا يعقل تنجّزه قبله، (و قبول الموصى له) الذي هو مجرّد الرضى، بإيجاب الوصيّة نظير القبول في الهبة، و لا يتضمّن إنشاء آخر كما في المعاوضات، و لذا جعل سبب الانتقال في ظاهر العبارة هو الإيجاب، و جعل القبول- الذي هو جزء العقد الناقل- مساوقا للموت الذي هو شرط.
و على هذا، فظاهر العبارة كون القبول شرطا، فجعله- كصريح بعض العبارات- كون القبول جزء السبب الناقل (3)، في غير محلّه، إلّا أن يستظهر ذلك من جعل الوصيّة من العقود، و حينئذ فيكون كسائر ما صرّح فيه بكون الوصيّة عقدا، و هو و إن كان ظاهرا، بل صريحا فيما ذكر، إلّا أنّ تعبير من قال بكون القبول كاشفا بذلك يكشف عن كون المراد بالعقد ما يتوقّف على القبول، لا ما يتركّب منه و من الإيجاب.
و كيف كان، فالاحتمالات في القبول أربعة:
أحدها: كونه شرطا، و لم يعلم القائل به، و إن ذكرنا (1)أنّه ظاهر عبارة المصنّف قدّس سرّه (2).
الثاني: كونه جزءا ناقلا، و هو المنسوب إلى المصنّف هنا (3)و جماعة (4)الثالث: كونه كاشفا، و هو المنسوب إلى الأكثر (5)تارة، و إلى المشهور (6)اخرى، لكنّه مخالف لظاهر إطلاق الأكثر، بل الكلّ (7)لكونه عقدا.
الرابع: كونه شرط اللزوم، فعليه يملك الموصى له ملكا متزلزلا، نظير العقد الجائز بالذات و بالخيار، و هو الذي قوّاه في موضع من المبسوط (8)- تمسّكا بإطلاق تقديم الوصيّة على الإرث من غير تقييد بالقبول- إلّا أنّه ضعّفه في موضع آخر (9).
و المطابق لأصالة عدم الانتقال هو الأوّل من هذه الثلاثة.
و المطابق لما يظهر من أدلّة نفوذ الوصيّة و حرمة تبديلها- من كون
1) في «ص» و «ع»: كان ذكرنا.
2) راجع الصفحة السابقة.
3) نسبه في المسالك 1: 306 إليه.
4) استظهره السيد العاملي في مفتاح الكرامة 9: 369 من عبارات: السرائر و الشرائع و التحرير و الإرشاد و التبصرة و التلخيص و المختلف و الروض و جامع المقاصد.
5) المسالك 1: 306، و قال: هذا القول مختار الأكثر.
6) انظر الجواهر 28: 251.
7) كجامع المقاصد 10: 10، و المسالك 1: 306، و غيرهما.
8) المبسوط 4: 34.
9) المبسوط 4: 28.
الإيجاب علّة تامّة في الملك، إلّا أنّ الإجماع قام على كونه بعد ردّ الموصى له ملكا للوارث- هو القول الثالث، فالقول بالكشف مخالف للأصل و الإطلاقات، فإن تمّ ما ذكروا له من الدليل، و إلّا فيؤخذ بالثاني إن تمّت الإطلاقات، و إلّا فلا مناص عن القول الأوّل و هو المعتمد؛
لأنّ حاصل ما اعتمدوه في الكشف أمور:
ما ذكره جماعة- منهم الوحيد البهبهاني على ما حكى عنه سيّد الرياض-: أنّ مقتضى الإيجاب هو انتقال الملك عقيب الموت بلا فصل، و القبول إنّما وقع على هذا الإيجاب (1)لا إيجاب آخر، و وقوعه على بعض الأزمنة المتأخّرة بديهيّ الفساد.
و فيه: أنّ الكلام في السبب الشرعيّ الذي يترتّب عليه الملك، و لا يعقل انفصاله و انفكاكه عنه بتقدّم أو تأخّر، فإن ثبت أنّه الإيجاب المجرّد- على ما يتراءى من ظواهر إطلاق نفوذ الوصيّة و حرمة تبديلها- فهو دليل آخر سيجيء، و لا يحتاج معه إلى ما ذكر دليلا آخر من أنّ القبول متعلّق بمدلول الإيجاب الذي هو الملك عقيب الموت (2).
و إن لم يثبت ذلك كان مقتضى أدلّة وجوب الوفاء بالعقود ترتّب الأثر من حين صدق العقد و إن كان مدلول العقد سابقا على ذلك، و لذا لم يكن القبول في سائر العقود كاشفا عن الملك من حين الإيجاب، مع أنّه دالّ على الرضى بالإيجاب السابق.
و منشأ توهّم الفرق يحتمل كون التمليك في الوصية مؤقّتا بالموت،
فمقتضى الرضى بالتمليك الموقّت حصول الملك في وقته المجعول، كما لو وقّته بزمان خاصّ.
و يدفعه: أنّ المفروض عدم ثبوت استقلال الإيجاب بالأثر من دون الرضى، و دعوى استقلال الإيجاب بالتأثير لو تمّت رجعت إلى القول الثالث كما سيأتي.
و بالجملة، فتخيّل الفرق في القبول بين هذا العقد و بين غيره- بكون الإيجاب هنا معلّقا أو موقّتا، و في غيره منجّزا- في غير محلّه، و قد ذكرنا في إجازة عقد الفضولي (1)- في ردّ الاستدلال على الكشف، بأنّ الإجازة هي الرضى بالعقد السابق المقتضي للتمليك من حينه- ما يوضح ما ذكرنا هنا.
الثاني: ما استدلّ به غير واحد (2)من ظواهر إطلاقات انتقال المال إلى الموصى له بمجرّد الموت من دون توقّف على أمر آخر،
و هي و إن لم تتضمن اشتراط القبول، إلّا أنّه خرج منها صورة عدم القبول.
و الظاهر بناء هذا الاستدلال على الفراغ عن ضعف القول الثالث، و إلّا فالمتيقن خروجه منها صورة الردّ، لا مطلق عدم القبول.
و يرد عليه- بعد ظهور كون تلك الأدلّة مسوقة لبيان حكم الوصيّة بعد الفراغ عن إحراز ما يعتبر فيها من شرائط الموصي و الموصى له و الموصى به-: أنّ مقتضى الجمع بين تلك الإطلاقات و أدلّة اعتبار القبول بتقييدها بها، هو القول بأضعف الوجهين في الكشف، و هو لزوم الوصيّة المتعقّبة بالقبول
المستلزم لترتيب أحكام تملّك الموصى له، إذا علم تحقّق هذا القيد فيما بعد.
أمّا على القول بالكشف الحكمي و النقل الحقيقي، فاللّازم تقييد لزومه بما بعد القبول، و دعوى قيام الدليل الخارجي على حكم الكشف بعد تحقّق هذا الجزء الأخير للعلّة التامّة، و المفروض انتفاؤه في المقام، فافهم فإنّه لا يخلو عن دقّة.
توضيح المطلب على وجه يظهر منه حال القبول في سائر العقود و في هذا العقد، و حال الإجازة في عقد (1)الفضولي: أنّ ظاهر أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)بل وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (3)و «البيّعان بالخيار» (4)و نحوهما، ممّا لا يدلّ على اللّزوم أو يدلّ على عدمه، هو كون العقد علّة تامّة لتحقّق مدلوله شرعا.
و حينئذ فيتوقّف تحقّق مدلوله شرعا على أمرين:
أحدهما: تحقّق موضوع العقد.
و الثاني: الحكم من الشارع بوجوب العمل بمدلوله، فإن انتفى الأوّل كما في الإيجاب المجرّد عن القبول، أو الثاني، كما إذا كان العقد الموجود غير محكوم بوجوب الوفاء، أو مطلق السببيّة بأن فرض تحقّق العقد قبل تشريع سببيّته، أو وجد من الفضولي، فلا بدّ أن ينظر بعد وجود القبول المحقّق للسبب في الأوّل، و بعد حكم الشارع المحقّق للسبب في الثاني من
النظر (1)إلى مدلول ذلك العقد، فإن دلّ على إنشاء ملكيّة مقيّدة بزمان، و فرضنا صحّة ذلك التقييد في ذلك العقد، وجب العمل على طبق مدلوله حتّى لو كان ذلك الزمان متقدّما على زمان تحقّق العقديّة أو زمان الحكم بالسببيّة؛ لأنّ هذا مقتضى الوفاء بالعقد، فيترتّب الآثار من ذلك الزمان، و ليس هذا من الكشف، كما لا يخفى.
أمّا إذا كان الملكيّة المنشأة غير مقيّدة بزمان، بل كان الزمان زمان الإنشاء، كان ترتّب الآثار من زمان تحقق السبب و الحكم بسببيّته.
فظهر من ذلك أنّ القبول الراجع إلى الإيجاب السابق للتمليك المطلق، و الإجازة اللاحقة للعقد السابق المفيد للتمليك، لا يوجبان إلّا ترتّب الآثار من حينهما، لا من زمان متعلّقهما.
و أمّا الوصيّة فلمّا كانت عقدا متضمّنا لتراضي الموصي و الموصى له على التملّك من حين الموت دون التملّك المطلق، كان الوفاء به بعد القبول عبارة عن ترتّب آثار ملك الموصى له من حين الموت مع كون الملك قبل القبول ملكا (2)واقعيّا لغيره، و هذا معنى الكشف الحكمي الذي هو أقوى الوجهين في إجازة العقد الفضولي. هذه خلاصة الاستدلال على الكشف.
و يرد عليه: منع كون القبول المتراخي عن الموت راجعا إلى التملّك بمجرّد الموت و إن سلّم أنّه مؤدّى الإيجاب، و أنّ ظاهر القبول تعلّقه بنفس مؤدّى الإيجاب؛ لأنّ الملك بعد الموت قبل القبول كان لغير الموصى له في الواقع، و لا يعقل رضى الموصي بصيرورته ملكا في ذلك الوقت للموصى له،
لاستحالته عقلا.
و هذا نظير منفعة العين المستأجرة، و بضع المتمتّع بها فيما بين الإيجاب و القبول؛ فإنّها مقابلة بجزء من العوض في الإيجاب، مع وقوع قبول المعاوضة على ما عداها، لأنّها تبقى على ملك المؤجر (1).
و بالجملة، فالقدر الممكن تعلّق القبول به، هو ملك القابل من حين قبوله، و لذا كان حكم الشارع بعد الإجازة بترتّب أحكام الملك قبلها و بعد العقد، مع كون الملك في هذا الزمان للمالك أمرا تعبديّا يعبّر عنه بالكشف الحكميّ، و مثل هذا التعبّد غير موجود في العرف حتّى يتعلّق رضى القابل بتملّك ما كان ملكا لغيره، بمعنى ترتّب أحكام الملك عليه تعبّدا عرفيّا قد أمضاه الشارع بحكم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2).
الثالث (3): عموم ما دلّ على وجوب نفوذ الوصيّة و حرمة تبديل الوصيّة (4)التي هي فعل الموصي و إيجابه،
خرج منها: ما إذا لم يقبل الموصى له و لو بعد حين، و بقي الباقي. و هذا الاستدلال مبنيّ على الفراغ عن إبطال القول الأخير، و إلّا فمقتضى تلك العمومات وجوب الإنفاذ و حرمة التبديل، خرج منها ما إذا ردّ الموصى له.
و يرد عليه- بعد إمكان دعوى أنّها مسوقة لبيان حكم الوصيّة بعد الفراغ عن إحراز ما يعتبر في صحّتها من شرائط الموصي، و الموصى به، و له-:
أنّ الدليل القائم على اعتبار القبول، إمّا الإجماع على كونه عقدا، و إمّا عدم النظير لدخول المال قهرا في ملك الغير بالتمليك الاختياري. و الأوّل- بعد الفحص عن مدرك المجمعين- كالثاني، ليس مفاده إلّا كون القبول معتبرا في الانتقال لا كاشفا، و لازمة: عدم تمليك الموصى له قبل القبول.
الرابع (1): أنّه لو لم ينقل من حين الموت- مع فرض القبول المتأخّر- إلى الموصى له، لكان: إمّا باقيا على ملك الميّت، و إمّا منتقلا إلى الوارث؛
إذ كونه لغيرهما مفروغ العدم. لا سبيل إلى الأوّل؛ لأنّ الميّت لا مال له، إمّا عقلا؛ لأنّ الملك نسبته بين المال و الشخص الحيّ، و إمّا لأنّ ظاهر العرف و الشرع أنّ الميّت يترك ماله لغيره، فلو كان قابلا للملك لم يصدق الترك.
و دعوى: كونه في حكم مال الميّت بعد حاجة المال إلى وجود مالك حيّ، لا تجدي.
و أمّا كونه للوارث- فمع منافاته لظهور أدلّة الإرث في تأخّره عن الوصيّة- يدفعه: أنّ ظاهر أدلّة الوصيّة تلقّي الملك من الموصي لا من الوارث، مع أنّ خروجه عن ملك الوارث من دون اختياره عديم النظير.
هذا، و لكنّ الإنصاف ضعف هذا الدليل في نظرنا؛ لإمكان التزام كونه في حكم مال الميّت، و يكفي في عدم امتناعه ذهاب جماعة (2)إليه في حكم تركة الميت المديون، و التزام كونه في ملك الوارث مع خروجه عنه بالقبول.
و ثبوت الإرث بعد الوصيّة كثبوته بعد الدّين لا يراد به إلّا استقراره،
و لذا لم يقل أحد بثبوت ما قابل الدين للغرماء.
و بالجملة، فهذا الدليل في محل التأمّل، بل النظر، بل المنع.
و العمدة في هذا القول: الوجه الثاني، فإن تمّ الإطلاقات بعد تقييدها بالقدر المتيقّن- و هو الوصيّة المقبولة في أحد الأزمنة الثلاثة- فهو (و) إلّا فمقتضى الأصل أن (لا ينتقل بالموت منفردا عن القبول) لا منجّزا و لا مراعى (على الأظهر) عند المصنّف، و جماعة منهم العلّامة في التحرير (1).
(و) اعلم أنّ إيجاب الوصيّة لمّا كان إنشاء معلّقا على الموت، فيكون زمان تنجّز التملّك التقديري المنشأ ما بعد الموت، فعلى هذا (لو قبل قبل الوفاة جاز) عند الأكثر كما في المسالك (2)، لحصول المطابقة بين الإيجاب و القبول، لرجوع القبول إلى الملك التقديريّ المنشأ بالإيجاب، و قيل بعدم الجواز (3)، و ظاهر الروضة (4)أنّه المشهور، لأنّ الإيجاب في الوصيّة ليس مجرّد إنشاء التمليك التعليقي الذي هو مدلول لفظ الموصي، و لذا لو ردّ الموصى له بعد هذا الإنشاء لم يؤثّر في بطلانه على ما هو حكم باقي العقود، بل هو هذا المنشأ بعد وجود المعلّق عليه، و لذا لو ردّ حينئذ بطل الإيجاب.
و الحاصل: أنّ [مقتضى] (5)عدم تأثير الرد في إنشاء الموصي بضميمة قاعدة أنّ الرد يؤثّر في إبطال الإيجاب: أنّ مجرّد قول الموصي الذي مدلوله
الإنشاء التعليقي ليس إيجابا.
و دعوى: أنّ التزام كون الإيجاب هو المعنى المنجّز بعد الموت دون القول الدالّ على الإنشاء التعليقي، ليس بأولى من التزام عدم تأثير الرد في هذا المقام في إبطال الإيجاب، بل لأنّ الأوّل مخالف لمقتضى قاعدة العقود من كون الإيجاب هو الإنشاء المدلول عليه باللّفظ- و هو الإنشاء التعليقي دون المعنى الحاصل منه عند الموت، و هو التمليك المنجّز- مدفوعة: بأنّ الالتزام الأوّل ليس مخالفا لقاعدة العقود؛ لأنّ الأمر الحاصل بعد الموت هو نفس المنشأ بالقول الأوّل، إلّا أنّه يغاير مدلول اللّفظ بالاعتبار؛ فإنّ التملّك على تقدير الموت المدلول [عليه] (1)بالإنشاء هو الّذي يتنجّز عند الموت.
هذا، و لكنّ الإنصاف أنّ قاعدة العقود تقتضي كون الإيجاب هو نفس مدلول اللفظ، و هو الأمر المنجّز في مرتبة نفسه أعني التمليك على تقدير لا نفس التمليك، و لذا ذكروا أنّ التّعليق في العقود ممنوع؛ إذ على ما ذكر لا تعليق في العقد رأسا، و يلزم تقدّم القبول على الإيجاب في العقود التعليقيّة.
و يؤيّد ذلك: ما دلّ على أنّ إجازة الوارث مؤثّرة حال الحياة، فلا يجوز له الردّ بعد الموت (2)إذ لو لا تمام الإيجاب حال الحياة لم ينفع إجازة الوارث حينئذ.
هذا كلّه مضافا إلى إطلاقات وجوب إنفاذ الوصيّة و حرمة تبديلها (3)، الشامل لصورة قبولها حال الحياة (و) إن كان وقوعه (بعد الوفاة آكد)
من حيث وقوعه بعد تنجّز التمليك المعلّق في الإنشاء.
(و إن تأخّر القبول عن الوفاة) فإنّ له ذلك (ما لم يردّ) بعد الوفاة، (فإن ردّ في حياة الموصي جاز أن يقبل) بعد ذلك في حياة الموصي أو (بعد وفاته) و لو بمدّة (إذ لا حكم لذلك الرد) السابق.
(فإن ردّ بعد الموت) فإن كان (قبل القبول بطلت) الوصيّة إجماعا فلا ينفع القبول، (و كذا لو ردّ بعد القبض و قبل القبول) إذ القبض لا يغني عنه.
(و لو ردّ بعد الموت و القبول و قبل القبض، قيل) و القائل الشيخ في المبسوط (1)، و المحكي عن الجامع (2): أنّها (تبطل)، لاعتبار القبض في أصل الملك كما فهمه بعض (3)من كلام الشيخ، أو في لزومه كما يظهر من صدر عبارة المبسوط و إن مثّل لها أخيرا بالقبض في الوقف الذي اختار فيه كغيره اشتراط القبض في صحّته.
و كيف كان، فلا دليل على اعتباره في شيء من الأمرين ليقيّد إطلاق أدلّة وجوب إنفاذ الوصيّة و حرمة تبديلها، (و) لذا (قيل) و القائل المعظم (4)-: إنّها (لا تبطل، و هو أشبه) بالقواعد، (أمّا لو قبل و قبض ثمّ ردّ لم تبطل، إجماعا) و إن ذكروا أنّ الوصيّة من العقود الجائزة، و مقتضاه جواز الفسخ؛ (لتحقّق الملك و) ثبت (استقراره) بالأصل و العمومات
المتقدّمة.
(و لو ردّ بعضا و قبل بعضا، صحّ فيما قبله) لصدق الوصيّة و القبول في العقد بالنسبة إلى المقبول، و لذا لو تبعّض المبيع في البيع جاز للمشتري البقاء على ما أوقعه من العقد و الوفاء به و إن لم يجب؛ لأجل الخيار. و لو لم يصدق العقد و الوفاء به مع تبعّض الصفقة، أو مع فوات وصف الصحّة، أو غيرها المشروط في العقد أو الملحوظ للمتعاقدين، كان المعنى: الحكم بالبطلان؛ إذ لا عقد و لا وفاء حينئذ، فيكشف ذلك عن عدم فوات أصل المطابقة بين الإيجاب و القبول.
نعم، المطابقة التامّة- بحيث يتحد متعلّق الإيجاب و القبول حتّى في الصفات الغير المقوّمة لمورد العقد- معتبرة في غير الوصيّة.
(و إذا (1)مات) الموصى له (قبل القبول، قام وارثه مقامه (2)) على المشهور، سواء كان موته قبل موت الموصي أم بعده على المشهور بين القدماء و المتأخّرين،
[و مستندهم وجوه](3)
:الأوّل: أنّ (4)الموصى له، بوجود سبب الملك- و هو الإيجاب- صار قابلا لأن يتملّك،
أي يوصى بالملك، و هذه القابليّة حقّ له فيورّث؛ لعموم:
«ما تركه الميّت من حقّ فلوارثه» (5).
و قد يناقش [فيه] (1)تارة: بمنع كون حقّ القبول حقّا؛ إذ ليس كلّ ما للإنسان أن يفعله يعدّ حقّا عرفا، كما لا يخفى.
و اخرى: بمنع كونه ممّا يترك حتّى يكون للوارث؛ إذ ربّ حقّ متقوّم بالشخص و لا يتعدّاه إلى غيره، و لعلّ حقّ القبول من هذا القبيل، بل الظاهر ذلك؛ بناء على أنّ الإيجاب تمليك الموصى له (2)و القبول تملّك الوارث، فلا يتطابقان.
و بعبارة أخرى: تملّك الوارث إن كان بتمليك الموصى له، فالمفروض عدم تملّكه فكيف يملّك، و إن كان بتمليك الموصي فلم يحصل منه إيجاب يوجب تمليكه.
و يمكن دفع الأوّل: بأنّه يكفي في ثبوت الحقّ حصول سبب الملك للمورّث، بحيث لا يتوقّف الملك إلّا على شرط يحصل من قبله و هو الرضى به، و به يحصل الفرق بينه و بين القبول في سائر العقود، فإنّه جزء السبب فيها، و هنا شرط التأثير من الإيجاب على تقدير الموت على ما يقتضيه عمومات الوصيّة، التي هي لغة و عرفا مجرّد الإيجاب.
و دفع الثاني: بأنّه يكفي في صدق الترك كونه حقّا محصّلا للمال، فإنّ الحقوق الماليّة كلّها كنفس الأموال يصدق عليها أنّ الميّت تركها (3).
1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».
2) في «ق»: الوصيّ.
3) في النسخ زيادة ما يلي: «و بعبارة أخرى: تملّك الوارث إن كان من الموصى له فهو غير مالك، و إن كان من الموصي فلم يوجب إلّا ملك الموصى له، لا وارثه.و يمكن دفع الأوّل: بأنّه يكفي في ثبوت الحقّ للمورّث تحقّق سبب الملك للمورّث بحيث لا يتوقّف حصول المسبّب إلّا على شرط هي رضى من له الحقّ، و به يفرّق بينه و بين القبول في سائر العقود الذي هو جزء السبب فيها، و القبول هنا شرط و السبب المؤثّر هو مجرّد الإيجاب، لأنّه الظاهر من عمومات نفاذ الوصيّة التي هي لغة و عرفا مجرّد الإيجاب.و دفع الثاني: بأنّ الحقوق المالية المحصّلة للمال كنفس الأموال يصدق عليها أنّ الميّت تركها».و هذه الزيادة- كما ترى- متحدة مع ما قبلها و الظاهر أن سبب إعادة الشيخ قدّس سرّه الكتابة هو تشويش العبارة بسبب إصابة الماء لها، كما يظهر من النسخة.هذا، و جاء في هامش «ع» ما يلي: «هذه السطور الأربعة متحدة في المفاد مع سابقتها فلعلها زائدة أو تبديل لفظ بلفظ آخر، فتدبّر».
و أمّا استظهار تقوّم هذا الحقّ بالمورّث من حيث إنّ الإيجاب تمليك الموصى له فقبول الوارث- أعني: الرضى بتملّك نفسه- لا ينطبق على ذلك الإيجاب، فيدفعه: أنّه لمّا كان معنى الإرث قيام الوارث مقام الميّت في كونه محلّا لتملّك الأموال و استحقاق الحقوق، فكأنّه حصل سبب التملّك لنفس الوارث، و أنّ الإنشاء وقع له، فيقع القبول منطبقا على الإيجاب.
الثاني: ما ذكره جمال الدّين في حاشية الروضة (1): من العمومات الدالّة على وجوب إنفاذ الوصيّة، خرج منه ما إذا لم يتعقّبها قبول من الموصى له و لا من الوارث،
و لا دليل على خروج صورة قبول الوارث.
و هذا الاستدلال حسن لو قلنا بالكشف و أنّ الشرط تعقّب الرضى، و أنّ القبول و لو من الوارث يحصل بمضمون الوصيّة، و هو تملّك الموصى له.
و أمّا على النقل على ما استوجهه المستدلّ، فمع قبول الوارث لا يحصل النقل بالوصيّة التي هي تملّك الموصى له، فتملّك الوارث الوصيّة من الموصي
1) حاشية الروضة: 381.
يحتاج إلى دليل آخر غير أدلّة إنفاذ الوصيّة المقتضية لتملّك الموصى له أوّلا و بالذّات، فافهم.
و روايته لقضايا أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه- عن أبي جعفر صلوات اللّٰه عليه «قال: قضى أمير المؤمنين صلوات اللّٰه و سلامه عليه في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب، فتوفّي الذي أوصى له قبل الموصي، قال: الوصيّة لوارث الذي أوصى له و قال: من أوصى لأحد- شاهدا كان أو غائبا- فتوفّي الموصى له قبل الموصي، فالوصيّة لوارث الّذي أوصى له، إلّا أن يرجع في وصيّته قبل موته» (1).
و يؤيّدها: رواية المثنّى، قال: «سألته عن رجل اوصي له بوصيّة، فمات قبل أن يقبضها و لم يترك عقبا، قال: اطلب له وارثا أو مولى فادفعها إليه، قلت: فإن لم أعرف له وليّا؟ قال: اجتهد على أن تقدر له على وليّ، فإن لم تقدر له على وليّ و علم اللّٰه منك الجهد فتصدّق بها» (2)بناء على عمومه لصورة الموت قبل القبول، و الأمر بطلب الوارث لأجل كون القبول حقّا للوارث.
و نحوه في الإطلاق: رواية محمّد بن عمر (3)الساباطي عن أبي جعفر
1) الوسائل 13: 409، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأوّل، مع اختلاف يسير.
2) تفسير العياشي 1: 77، الحديث 171، و الوسائل 13: 409، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2، مع اختلاف في التعبير.
3) في النسخ المتوفرة لدينا: عمّار، و في المصادر: عمر، و هو الصحيح. انظر: الكافي 7: 13، الحديث 2، و الفقيه 4: 210، الحديث 5488، و التهذيب 9: 231، الحديث 904، و الاستبصار 4: 138، الحديث 516، و جامع الرواة 2: 163، و معجم رجال الحديث 17: 71، الرقم:11449.
عليه السّلام- يعني الثاني- قال: «سألته عن رجل أوصى إليّ و أمرني أن اعطي عمّا له في كلّ سنة شيئا، فمات العمّ، قال: أعطه ورثته» (1).
و ربّما يعارض بصحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام، قال: «سألته عن رجل أوصى لرجل، فمات الموصى له قبل الموصي، فقال:
ليس بشيء» (2)، و نحوها صحيحة منصور بن حازم (3).
و ترجّحهما على الروايات السابقة من حيث السند؛ بناء على التأمّل في سند الرواية الاولى، و في انجبار ضعفه بالشهرة، و في دلالة غيرها.
و يمنع أيضا ما تقدّم من دلالة العمومات، و كون القبول حقّا مغايرا للقبول في سائر العقود، فيقال ببطلان الوصيّة بموت الموصى له قبل القبول مطلقا.
و ربّما يفصّل بين ما إذا تعلّق غرض الموصي بخصوص الموصى له فيبطل، و بين ما إذا أطلق، فينتقل إلى الوارث بعد قبوله.
و توضيحه: أنّ الوصيّة و إن كانت متعلّقة دائما بخصوص الموصى له بحسب عبارة الوصيّة، إلّا أنّه قد يكون غرضه مباشرة تملّكه له، بحيث يكون عدم الرضى بتملّكه ابتداء مركوزا في ذهنه، [بحيث] (4)يعلم أنّه لو
اطلع على موت الموصى له لرجع. [و بين كون (1)غرضه دخوله في جملة أملاكه، يعامل معه معاملتها من دون تعلّق الغرض بوجه خاص من المعاملات، فعلى الأوّل يبطل؛ لقصر الوصيّة على جهة خاصة، بخلاف الثاني، فتدبّر] (2).
و هل العبرة في صورة موت الموصى له قبل الموصي بورثة الموصى له حين موته مطلقا و إن قلنا بعدم صحّة القبول منهم في حياة الموصي؛ لأنّ الموروث منه تأهّل القبول و هو موجود حينئذ، نظير الشبكة المنصوبة للصيد، فإنّه لا عبرة بزمان وقوع الصيد فيها؟ أو يبنى ذلك على جواز القبول في حياة الموصي؛ إذ مع عدم جواز ذلك يمنع ثبوت حقّ لهم أو تأهّل، و إنّما يحدث هذا الحقّ بعد موت الموصي، نظير الوقف المنقطع الآخر الذي ينتقل بعد انقراض الموقوف عليه إلى ورثة الواقف حين الانقراض؟
أو العبرة بورثته حين موت الموصي؛ لأنّهم حينئذ يملكون إن ملّكوا، و دعوى كفاية مجرّد تحقّق سبب ذلك قبل هذا و إن لم يتحقّق شرطه ممنوعة؛ لمنع تأثير الإيجاب المعلّق و إحداثه حقّا في حياة الموصي؟
وجوه مترتّبة في القوّة.
ثمّ لا إشكال في هذه الصورة في أنّ الورثة يتلقّون الملك من الموصي، و إنّما يرثون من الموصى له حقّ القبول.
أمّا لو مات الموصى له بعد الموصي، فإن قلنا بأنّ القبول ناقل، فلا إشكال في حصول الملك لهم عند القبول لا قبله، و إن قلنا بأنّه كاشف،
فالّذي صرّح به الأكثر كالشيخ (1)و العلّامة (2)و الشهيدين (3)و المحقّق الثاني (4)و غيرهم أنّه يحكم بدخوله في ملك الموصى له المفروض حياته عند موت الموصي، و هو الذي يقتضيه أدلّتهم الثلاثة المذكورة سابقا لهذا القول على اختلافها في الكشف الحقيقيّ و الحكميّ، كما لا يخفى على من راجعها بأدنى تأمّل.
و احتمل في المسالك دخوله- على هذا القول- في ملك الوارث ابتداء (5)، و حكاه جمال الدّين قدّس سرّه في حاشية الروضة بلفظ: القيل، ثم ضعّفه (6)، و استقربه سيّد مشايخنا في المناهل (7)، و جزم به في الجواهر، بل أنكر قدّس سرّه دخوله في ملك الورثة بعد موت الموصى له قبل قبولهم (8)، و لا أعلم لهذا القول وجها يعتدّ به، فتدبّر.
فرع
ثمّ إنّ المصنّف قدّس سرّه فرّع على ما اختاره في أصل مسألة القبول من كونه ناقلا لا كاشفا أنّه: (لو أوصى بجارية و حملها لزوجها) أو غيره، ( [و هي حامل منه] (1)فمات) الموصى له بعد الموصي (قبل القبول، كان القبول للوارث، فإذا قبل) انتقل المال إليه من حينه على مذهب المصنّف، و (ملك الوارث الولد) ملكا مستقرّا (إن كان ممّن يصحّ له تملّكه، و لا ينعتق على الموصى له؛ لأنّه) لم يملكه حال حياته لعدم قبوله، و (لا يملك بعد الوفاة) بقبول وارثه القائم مقامه (و) لذا (لا يرث أباه؛ لأنّه رقّ) حين موت أبيه، (إلّا أن يكون ممّن ينعتق على الوارث) بأن يكون من محارمه، (و يكونوا) الورثة- (جماعة) لم يقسّموا الميراث (فيرث؛ لعتقه قبل القسمة) من جميع التركة، عدا حقّ القبول الذي لا يجوز
1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص» و الشرائع.
اشتراكه معهم فيه، و لذا لا يرث من امّه شيئا، فتنعتق عليه، فإنّه لو ورث منها لم يكن إلّا من جهة إرث حقّ القبول، و إلّا فليست هي من تركة أبيه؛ لأنّ أدلّة الإرث مثل قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «ما ترك الميّت من حقّ فلوارثه» (1)إنّما يختص بالحقوق الّتي يكون الوارث وارثا لا من جهة استحقاقها؛ إذ يستحيل تأخّر الموضوع- أعني العنوان الموجب لاستحقاق الإرث- عن استحقاقه، فإذا فرض دخوله في الأحرار الوارثين بسبب حقّ القبول امتنع إرثه لشيء من هذا الحقّ، و أمّا اشتراء الرقيق من تركة أبيه ليعتق و يرث، فهو تعبّد من الشارع.
و بما ذكرنا يندفع ما ربّما يتوهّم من أنّه لو ورث من التركة لورث من حقّ القبول، و المفروض أنّه لم يقبل، فلا ينعتق و لا يرث؛ لأنّ المعتبر قبول جميع الورثة.
و ربّما يعلّل عدم اعتبار قبوله بأنّ المعتبر هنا قبول من هو وارث من حال موت الموصى له، لا من تجدّد إرثه.
و فيه: أنّ من تجدّد إرثه إذا فرض استحقاقه لجميع تركة الميّت كما هو مقتضى الحكم بمشاركته لغيره إذا ارتفع مانع إرثه قبل القسمة، فلا فرق بينه و بين الوارث حال الموت، و لذا لو فرض للميّت وصيّة اخرى قبلها الورثة حين الموت، صار هذا الولد مشاركا معهم في اعتبار قبوله، أو اختص القبول به إذا كان حاجبا لهم.
فالتحقيق في الجواب: منع اعتبار قبوله و إن فرض عدم تجدّد إرثه.
هذا كلّه على القول بالنقل، و أمّا على الكشف فمقتضى ما عرفت من
1) المغني، لابن قدامة، 6: 24، و فيه: «من ترك حقه فلورثته».
صريح الأكثر، و مقتضى أدلّة الكشف، [هو] (1)كشف قبول الورثة عن كون الجارية أمّ ولد للموصى له، و انعتاق ولده و إرثه من الموصى له- لفرض حريّته حين موته- جميع تركته عدا حقّ القبول و إن كان وارثا حين الموت و لم يتجدّد له عنوان الإرث، لما عرفت من أنّ استحقاق حقّ القبول إذا كان سببا للإرث امتنع أن يكون موروثا.
غاية الأمر لزوم تبعّض الإرث، بأن يرث المحجوب- كالأخ مثلا- بعض حقوق الميّت، و يرث الحاجب- كالولد- بعضها الآخر.
و بما ذكرنا يندفع ما ذكره الشيخ في المبسوط في التفريع على الكشف من أنّه ينعتق الولد في المسألة المذكورة، لكن لا يرث شيئا من مال والده، قال: لأنّ صحّة الوصيّة يتوقّف على قبول جميع الورثة؛ إذ لو أراد بعض الورثة أن يقبل جميع ما اوصي لأبيه، لم يكن له، فلو جعلنا هذا الولد وارثا لم تصحّ الوصيّة به إلّا بقبوله، و القبول منه لا يصحّ قبل حريّته، فكان ذلك يؤدّي إلى إبطال حريّته و حريّة امّه و إبطال الوصيّة، فأسقطنا الإرث حتّى تصحّ الحرّيّة له و لها (2).
و حاصل ما ذكرنا: منع الملازمة بين جعله وارثا و بين توقّف صحّة الوصيّة على قبوله؛ لأنّه يرث عدا حقّ القبول، فإنّه يرثه غيره و لو كان أبعد؛ لكون الولد كالمعدوم بالنسبة إلى هذا الحقّ، فالمانع العقليّ لا يمنع إلّا إرث حقّ القبول، فيقتصر عليه. مع أنّك [قد] (3)عرفت أنّ المانع ليس
ما ذكر من المانع العقليّ، و هو لزوم عدم إرثه من إرثه، بل اختصاص أدلّة الإرث بغير الحقّ المحقّق لعنوان الوارثيّة و إن كان هذا أيضا مانعا عقليّا.
ثمّ إنّ العلّامة (1)و غيره (2)قدّس اللّٰه أسرارهم أجابوا عمّا ذكره الشيخ بما حاصله: إنّ المعتبر قبول من هو وارث لو لا القبول، و لا يستقيم دعوى هذا التقييد إلّا بما ذكرنا، و إلّا فما ذكروه من تنظيره بالإقرار ليس إلّا في مجرّد التقييد بكونه وارثا لو لا الإقرار، و إلّا فالتقييد في الإقرار من باب تقييد الحكم الظاهريّ، و هو ما يقتضيه الظاهر قبل الإقرار من كون المقرّ وارثا، أو مالكا، أو ذا يد، أو بريء الذمّة، أو نحو ذلك؛ لعدم الدليل الاجتهادي على خلافه.
و إخبار المقرّ عن وراثة الغير، أو استحقاقه، أو الاشتغال بحقّه- بعد اعتباره بحكم دليل الإقرار- بمنزلة البيّنة الحاكمة على تلك الظواهر، فهذا التقييد من أدلّة تلك الظواهر، و ليس تقييد وراثة حقّ القبول لمن هو وارث لو لا القبول من هذا القبيل، بل هو تقييد واقعيّ، فلا بدّ له من إثبات أنّ مستند أدلّة وراثة الوارث مختصّة بغير هذا الحقّ، و لا طريق إلى إثباته إلّا ما ذكرنا.
ثمّ إنّه يمكن أن يكون نظر الشّيخ قدّس سرّه إلى أنّ هذا الحقّ و باقي التركة متساوية بالنسبة إلى الدخول تحت عموم: «ما ترك الميّت فلوارثه» (3)فلا وجه لإثبات موضوع الوراثة لمن لا يرث حال القبول، فيجعل وارثا،
فيثبت له المال بهذا العموم.
و بعبارة [أخرى] (1): ثبوت الحكم لبعض أفراد العامّ لا يثبت فرديّة شيء لذلك العامّ ليثبت له حكمه، فلا معنى للتفكيك بين هذا الحقّ و غيره في مقام الحكم باستحقاق من هو وارث حين القبول، فمن يرث هذا الحقّ يرث الباقي.
و فيه: [إنّا] (2)لا نجد استحالة عقليّة بأن يكون الوارث حين القبول يستحقّ شيئا يخرج به عن وراثة ما عدا هذا الحقّ، و المسألة محلّ تأمّل.
ثمّ إنّ الشيخ- مع حكمه بعدم إرث الولد شيئا- حكم بحرّية أمّه التي صارت بالقبول الكاشف أمّ ولد (3)، و يشكل بأنّ الولد إذا لم يرث شيئا فمن أين تنعتق امّه بعد موت أبيه، و للشارح في المسالك (4)في تحرير مسألة إرث هذا الولد كلام لا يخلو عن تأمّل.
و لا تجوز (و لا تصحّ الوصيّة) من أحد، مسلما كان أو كافرا، (في) ما يكون (معصية) في شرع الإسلام؛ لأنّ أدلّة وجوب إنفاذ الوصيّة و حرمة تبديلها لا تزاحم أدلّة المعاصي، نظير أدلّة وجوب الإيفاء بالوعد و العهد و مرجوحيّة خلفهما.
نعم، قد يشكل الأمر في بعض الموارد، من حيث احتمال كون الوصيّة مغيّرة [لموضوع] (5)المعصية، كما إذا أوصى إلى أحد بمباشرة غسله أو الصلاة
عليه، فمنعه الوليّ، فإنّه يحتمل أن يكون أدلّة عدم مشروعيّة الغسل و الصلاة بدون إذن الوليّ مقيّدة بصورة عدم وصيّة الميّت؛ لأنّ ولاية الولي شرّعت لكونه أشدّ اهتماما بمصالح الميّت من غيره، فلا ينتفي لأجله ما أمر به الميّت، و لذا ذهب بعض (1)إلى سقوط إذن الولي هنا، إلّا أنّ المحكيّ عن الأكثر خلافه (2).
و أمّا عدم صحّة الوصيّة بالمعصية- بعد فرض كونها معصية و لو بعد الوصيّة- فلأنّ المستفاد من الأدلّة كون الصحّة تابعة لحرمة التبديل، مثل قوله عليه السّلام: «لو أمرني أن أضعه في يهودي لوضعته، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» (3).
فإنّ قوله: «لو أمرني .. إلخ» كناية عن عموم وجوب فعل كلّ ما أوصى، مستدلّا عليه بالآية، حيث (4)إنّ الدليل لا بدّ أن يكون مساويا للمطلب أو شاملا له و لغيره، و حينئذ فتخرج الوصيّة بالمعصية، و تدلّ على أنّ الصحّة لا تجامع جواز التبديل، بل وجوبه الثابت؛ لفرض بقاء العصيان بعد الوصيّة.
و على ما ذكر (فلو أوصى [بمال] (5)للكنائس أو البيع) من حيث
1) هو ابن الجنيد رحمه اللّٰه، كما في المختلف: 120.
2) المختلف: 120، و قال في المدارك (4: 161): «فلا يجوز له التقدم إلّا بإذن الوليّ، و به قطع العلّامة في المختلف و أسنده إلى الأصحاب و احتجّ عليه بآية اولي الأرحام».
3) الوسائل 13: 417، الباب 35 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 6، مع اختلاف في بعض الكلمات، و الآية من سورة البقرة: 181.
4) في «ق»: و حيث.
5) لم ترد في «ق»، و وردت في «ع» و «ص» و الشرائع.
هذين العنوانين، (أو كتابة ما يسمّى الآن) حقيقة عند اليهود و مسامحة عندنا (توراة أو إنجيلا، أو في مساعدة ظالم) على ظلمه، أو على كونه ظالما كتقوية أعوانه، (بطلت الوصيّة) من رأس فيردّ إلى الورثة.
و لعلّه المراد بتغيير الوصيّة و ردّها إلى المعروف في المرسلة: «إنّ اللّٰه تبارك و تعالى أطلق للموصى إليه أن يغيّر الوصيّة إذا لم تكن بالمعروف و كان فيها حيف، و يردّها إلى المعروف، لقوله تعالى فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» (1).
و رواية محمّد بن سوقة، قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّٰه عزّ و جلّ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ قال: نسختها الآية الّتي بعدها فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً .. الآية» (2)، لا أنّ المراد بالتغيير صرف الوصيّة المذكورة إلى وجوه البرّ، كما عن النهاية (3).
(و الوصيّة) مطلقا- سواء التمليكيّة الّتي هي (عقد) و غيرها المختلف في كونها عقدا- (جائز من طرف الموصي) لأنّ الإنسان أحقّ بماله (ما دام حيّا) و يدلّ عليه- بعد الأصل و قبل الإجماع-: الأخبار المستفيضة، بل المتواترة في جواز ردّها و تغييرها و الرجوع عنها، و الزيادة فيها و النقيصة (4)(سواء كانت) الوصيّة (بمال أو ولاية) على ولده.
(و يتحقّق الرجوع بالتصريح) بإنشائه، أو بقول يدلّ عليه و إن لم ينشئه، (أو (1)بفعل ما ينافي) مقتضاه مقتضى (الوصيّة) لأنّه إذا فرض جواز ذلك الفعل- و المفروض منافاته للوصيّة- فقد أبطلها.
(فلو) أكل أو (باع ما أوصى به، [أو أوصى ببيعه] (2)أو وهبه و أقبضه، أو رهنه) مع الإقباض (كان رجوعا) لفوات متعلّق الوصيّة عقلا في الأوّل، و شرعا في ما عداه، حتّى الرهن؛ لأنّ حدوث حقّ المرتهن و تسلّطه على بيعه مبطل لاستحقاق الموصى له إيّاه بمجرّد الموت.
و لو ظهر البيع أو الرهن فاسدا أو لم يقبض الموهوب أو المرهون، أو رجع عن الوصيّة، أو عرّضه لأحد هذه الأمور، فالمشهور على الظاهر كونه رجوعا، لأنّ إرادته مستلزمة لإرادة عدم الوصيّة الّتي هي ضدّه، فإنّ الشيء لمّا توقّف على عدم ضدّه كانت إرادته- تكليفيّة كانت أو تكوينيّة- مستلزمة لإرادة مقدّمته، و هي عدم الضدّ، فكأنّه صرّح بإرادة عدم الوصيّة، و ليس الفرق إلّا الإجمال و التفصيل في الإرادة.
و هذا مرجع ما استدلّ به في التذكرة على ثبوت الرجوع بالإيصاء ببيع الموصى به- بعد نسبته إلى جمهور العلماء- بأنّ وصيّته هذه تنافي الوصيّة الاولى (3)، و هذا جار في نظائر الوصيّة من مقدّمات الأفعال المبطلة للوصيّة الاولى.
و دعوى عدم جريان ذلك في صورة الغفلة عن الإيصاء، بحيث يعلم
أنّه لو كان ملتفتا لم يقع منه ضد الوصيّة، مدفوعة بأنّ لا ملازمة بين الالتفات إلى الوصيّة، و ترك ذلك الفعل إلّا لفرض كون الغرض الداعي إلى الوصيّة غالبا على الغرض الداعي إلى ذلك الفعل.
و من المعلوم أنّ غلبة الغرض المغفول عنه لا يوجب عدم حدوث إرادة الفعل و كراهة الوصيّة، فإنّ الإنسان ربّما يريد الفعل غفلة عن مصالح ضدّه، إلّا أن يفرّق بين سبق الإرادة إلى الشّيء ثمّ إرادة ضدّه غفلة عن الإرادة السابقة- كما في ما نحن فيه- و بين حدوث إرادة الشّيء غفلة عن مصلحة ضدّه، الّتي لو التفت إليها لأراد الضّد، بأنّ الإرادة السابقة مركوزة في ذهنه في الأوّل و إن أراد ضدّه غفلة، بخلاف الثّاني، إذ لم يحصل إرادة، و لا عبرة بالمصلحة الداعية إليها على تقدير الالتفات.
و لذا صرّح بعضهم بأنّه لو نوى الصوم ثمّ اعتقد فساده، فنوى الأكل لم يفسد الصوم و إن قلنا بأنّ نيّة الإفطار مفسدة (1)، و كذا لو نوى قطع الصلاة لاعتقاد فسادها، فإنّ ذلك لا ينافي استمرار النيّة في الصوم و الصلاة، و لا يخلو عن قوّة.
و كيف كان، فالحكم في صورة الغفلة عن الوصيّة محلّ إشكال.
و قد استدلّ في التذكرة على كون الهبة قبل القبض رجوعا بظهور قصد صرف الوصيّة عن الموصى له، و على كون العرض على البيع و نحوه رجوعا بأنّه يدلّ على اختياره للرجوع بعرضه على البيع (2).
و مرجع هذا الاستدلال إلى أنّ ظاهر حال الموصي عدم الغفلة عن
الوصيّة، فالتعريض لما ينافيها قصد للرجوع عنها، فلو علم غفلة الموصي فلا يحكم بالرجوع.
و في التذكرة أيضا: لو سئل عن الوصيّة فأنكرها، كان رجوعا على إشكال، ينشأ: من أنّه عقد، فلا يبطل بجحده كما في غيره من العقود، و من دلالته على أنّه لا يريد إيصاله إلى الموصى له، و قال الشافعي: يكون رجوعا كما لو أنكر الوكالة (1)، انتهى.
(و كذا) يحصل الرجوع في الموصى به (لو تصرّف فيه) الموصي أو غيره، (تصرّفا أخرجه عن مسمّاه) الذي علم تعلّق الوصيّة عليه؛ لأنّ ظاهر الوصيّة تنجّز الموصى به عند الموت، (كما إذا أوصى بطعام فطحنه) طاحن، (أو بدقيق فعجنه أو خبزه) هو أو غيره.
و وجهه- مع أنّ التمليك في غير الوصيّة من العقود لا يدور مدار العنوان الموجود عند حدوثه-: أنّ التمليك فيها معلّق على الموت، فلا بدّ من تحقّق العنوان [عند تنجّزه] (2).
[ (و كذا لو أوصى بزيت، فخلطه بما هو أجود منه، أو بطعام فمزجه بغيره حتى لا يتميز.
أما لو أوصى بخبز فدقّه فتيتا، لم يكن رجوعا)] (3).
الفصل الثاني (1)في الموصي و يعتبر فيه: كمال العقل، و الحرّيّة.
فلا تصح: وصيّة المجنون، و لا الصبي ما لم يبلغ عشرا. فإن بلغها فوصيته جائزة في وجوه المعروف، لأقاربه و غيرهم على الأشهر، إذا كان بصيرا.
و قيل: تصح و إن بلغ ثمان و الرواية به شاذة.
و لو جرح الموصي نفسه، بما فيه هلاكها، ثم أوصى، لم تقبل وصيته.
و لو أوصى ثم قتل نفسه قبلت.
و لا تصح الوصيّة بالولاية على الأطفال، إلّا من الأب، أو الجد للأب
1) لم نقف على شرح هذا الفصل في النسخة الأصلية، و قد أشار مرتب الأوراق إلى ذلك في هامش «ق»، و إنّما أوردنا هذا الفصل من الشرائع (2: 244- 245) تتميما للفائدة.
خاصة.
و لا ولاية للأمّ، و لا تصح منها الوصية عليهم. و لو أوصت لهم بمال، و نصبت وصيا، صح تصرفه في ثلث تركتها، و في إخراج ما عليها من الحقوق، و لم تمض على الأولاد).
[الفصل الثالث] (1)(في الموصى به) (و فيه أطراف) ( [الأوّل] (2): في متعلّق الوصيّة) التي عرّفها في أوّل الباب
(و هو إمّا عين و إمّا منفعة، و يعتبر فيهما (3)الملك) أي المملوكيّة؛ إذ لا يعقل التمليك بدونها. نعم، لا دليل على انحصار الوصيّة في التمليك؛ لأنّ الوصيّة بتخصيص شخص ببعض ما يخصّ الموصي لا مانع منها.
و يمكن أن يراد بالتمليك و الملك: مجرّد التخصيص و الاختصاص و إن انتفى الملك اصطلاحا، و حينئذ (فلا تصحّ) الوصيّة (بالخمر) على جهة التمليك، و أمّا تخصيصه بما يختصّ به من الخمر المتّخذ للتخليل فجائز، و كذا بالعذرة المتّخذة لتسميد الزرع.
(و [لا] (1)الخنزير، و [لا] (2)كلب الهراش) الّذي لا ينتفع به، بل (و) جميع (ما لا نفع فيه) إذ لا اختصاص للموصي بها حتّى يخصّصها بالموصى [له] (3)، بل مباح له الانتفاع بها في المنافع الغير المعتدّ بها ما دامت في يده.
(و يتقدّر) في العين و المنفعة المملوكتين أن يكون (كلّ واحد منهما بقدر الثلث (4)) بالإجماع و النص (5). و أمّا ما كان من قبيل الخمر المتخذ للتخليل، و الكلب المنتفع به مع عدم كونه مقوّما، فأقوى الوجوه فيها فرضه مقوّما و ملاحظته مع باقي المال، كما اختاره في الإيضاح (6)، و في القواعد:
أنّه للموصى له و إن كثر و قلّ المال؛ لأنّ قليل المال خير منه (7).
و أرادا الوجوه: أنّه يعطى ثلث الموصى به؛ لأنّه لمّا لم يمكن مقايسته إلى المال، فلا بدّ من ملاحظة الثلث بالنسبة إلى نفسه.
(و لو أوصى بالمال الزائد (8)) عن الثلث دفعة أو بالتدريج، (بطلت) الوصيّة (في) القدر (الزائد (9))، بلا خلاف- إلّا من ظاهر
1) في «ق»: «و أمّا»، و ما أثبتناه من «ع» و الشرائع.
2) لم ترد في «ق»، و في الشرائع: و لا الكلب.
3) لم ترد في «ق».
4) في الشرائع: بقدر ثلث التركة فما دون.
5) الوسائل 13: 365، الباب 11 من أبواب أحكام الوصايا.
6) إيضاح الفوائد 2: 505- 506.
7) القواعد 1: 296.
8) في الشرائع: و لو بما زاد.
9) في الشرائع: بطلت في الزائد خاصة إلّا أن يجيز الوارث.
الصدوق (1)- للأخبار المستفيضة، مثل قوله عليه السّلام: «إنّ اللّٰه تصدّق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم» (2)، فإنّ ظاهره نفي الزائد، و أنّ الثلث صدقة على الميّت من اللّٰه، و إلّا فالأصل أنّ ما ترك الميّت لوارثه.
و مثل: ما أرسل في محكيّ الهداية عن الصادق عليه السّلام: «ليس للميّت من ماله إلّا الثلث، فإذا أوصى بأكثر من الثلث ردّ إلى الثّلث» (3)و مثل: ما ذكر فيه «الثلث» جوابا للسؤال عمّا للميّت عند موته (4).
و مثل: مكاتبة الرازي، قال: «كتبت إلى أبي الحسن عليه السّلام: الرجل يموت فيوصي بماله كلّه في أبواب البرّ و بأكثر من الثلث، هل يجوز ذلك له؟
و كيف يصنع الوصيّ؟ فكتب عليه السلام: تجاز وصيّته ما لم تتعدّ الثلث» (5).
و رواية حمران عن أبي جعفر عليه السلام: «في رجل أوصى عند موته و قال: أعتق فلانا و فلانا حتّى ذكر خمسة، فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان المماليك [الخمسة] (6)الّذين أمر بعتقهم، قال: ينظر إلى الّذين سمّاهم و بدأ بعتقهم فيقوّمون، و ينظر في ثلثه فيعتق منه أوّل شيء ذكر، ثمّ الثّاني، ثمّ الثالث، ثمّ الرابع، ثمّ الخامس، فإن عجز الثلث كان ذلك في الّذي سمّي أخيرا؛ لأنّه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلم يجز له ذلك» (7).
1) المراد منه الصدوق الأول، و حكى عنه في المختلف: 510.
2) مستدرك الوسائل 14: 96، الحديث 3.
3) الهداية (الجوامع الفقهية): 63.
4) الوسائل 13: 363، الباب 10 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 8.
5) الوسائل 13: 365، الباب 11 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 5.
6) من «ص» و المصدر.
7) الوسائل 13: 457، الباب 66 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأوّل، مع اختلاف يسير.
و ظاهر الرواية- كإطلاق البطلان في عبائر جماعة (1)- بطلان الوصيّة بالزائد رأسا، إلّا أنّ النص (2)و الإجماع دلّ على صحّتها مع إجازة الوارث.
نعم، يحكى عن الصدوق ما استظهر منه لزوم الوصيّة في ما زاد على الثلث من غير توقّف على إجازة الورثة، قال: و إن أوصى بالثلث فهي الغاية في الوصيّة، فإن أوصى بماله كلّه فهو أعلم بما فعل، ثمّ قال: و يلزم الوصي إنفاذ الوصيّة بما أوصى (3)انتهى، و بعينها العبارة المحكية عن الفقه الرضوي (4).
و يدلّ عليه: ظاهر موثّقة عمّار، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الرّوح، فإن أوصى به كلّه فهو جائز» (5)، و ظاهر تفريع الجواز على كونه أحقّ بماله إرادة اللزوم و عدم تسلّط الوارث، لكن القول به شاذّ، بل ربّما أوّل بما يرجع إلى المشهور (6).
( [و لو كانوا جماعة فأجاز بعضهم، نفذت الإجازة في قدر حصته من الزيادة.
و إجازة الوارث تعتبر بعد الوفاة، و هل تصح قبل الوفاة؟ فيه روايتان،
1) لم نقف على من أطلق البطلان، بل قيدوا البطلان بصورة عدم إجازة الورثة. نعم، ربما يظهر ذلك من الوسيلة: 377 و الكافي في الفقه: 235.
2) الوسائل 13: 364، الباب 11 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأوّل.
3) المراد منه الصدوق الأوّل، و حكى عنه العلّامة في المختلف: 510.
4) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: 298.
5) الوسائل 13: 370، الباب 11 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 19.
6) في نسخة «ق»، بياض بمقدار صفحتين و نصف.
أشهرهما أنّه يلزم الوارث.
و إذا وقعت بعد الوفاة، كان ذلك إجازة لفعل الموصي، و ليس بابتداء هبة، فلا تفتقر صحتها إلى قبض.
و يجب العمل بما رسمه الموصي إذا لم يكن منافيا للمشروع.
و يعتبر الثلث وقت الوفاة، لا وقت الوصاية، فلو أوصى بشيء و كان موسرا في حال الوصيّة ثم افتقر عند الوفاة، لم يكن بإيساره اعتبار و كذلك لو كان في حال الوصيّة فقيرا، ثم أيسر وقت الوفاة، كان الاعتبار بحال إيساره.
و لو أوصى ثم قتله قاتل أو جرحه، كانت وصيته ماضية من ثلث تركته و ديته و أرش جراحته.
و لو أوصى إلى إنسان بالمضاربة بتركته أو بعضها، على أن الربح بينه و بين ورثته نصفان صحّ. و ربما يشترط كونه قدر الثلث فأقلّ، و الأول مروي] (1).
و لو (2)أوصى بواجب) يعني بما هو واجب الإتيان عن الميّت بعد موته؛ لأنّه الذي يخرج من المال، لا ما وجب عليه فعله حال الحياة، إذ لو أوصى بأداء ذلك الواجب بأن قال: صلّوا عنّي، أو أدّوا صلواتي، لم يكن من الأصل و لا من الثلث، بل وجب على الوصيّ فعله بنفسه أو من ماله.
1) ما بين المعقوفتين من الشرائع، و لم نقف على شرح للمؤلّف له.
2) جاء في نسخة «ق» قبل «و لو» .. إلخ ما يلي:«مزاحمته مع الدين إلّا أنّ بعض أهل هذا القول ادّعى الإجماع على تقديم الواجبات البدنية على المالية، و عدم مزاحمتها لها»، و الظاهر أن هذه العبارة تتعلق بآخر رسالة منجزات المريض بعد قوله: «ما نحن فيه من الأصل»، فراجع الصفحة:
و لو قال: صلّوا من مالي فهو يخرج من المال، لكن أوصى بغير واجب؛ لأنّ الصلاة عن الميّت بماله غير واجب لو لا الوصيّة. و من ذلك يعلم أنّ تعميم الواجب الموصى به في عبارات الأصحاب و معاقد إجماعاتهم على تقديمه على غيره للواجب البدني خطأ جدّا، و أنّ المراد من قول المصنّف قدّس سره: (و غيره) يشمل ما وجب فعله عليه حال حياته؛ لأنّ الموصى به فعله عنه بماله، و هو أمر غير واجب. (فإن (1)وسع الثلث) لما أوصى به (عمل بالجميع) سواء قيّد الكلّ أو البعض بالثلث أو الأصل أو أطلق، و كذلك إن قصر الثلث و أجاز الورثة.
(و إن قصر و لم يجز الورثة)، فإن أطلق و لم يقيّد الواجب بخصوصه أو مع غيره بالثلث (بدئ بالواجب من الأصل، و كان الباقي من الثلث (2)).
و إن قيّده بخصوصه، أو مع تمام غيره، أو بعضها (3)بالثلث، فمقتضى القاعدة تقسيط الثلث على ما قيّده به؛ لأنّ الكلّ مشترك في الوصيّة الّتي هي سبب الإخراج من الثلث.
ثمّ إن وفى حصّة الواجب به، و إلّا أكمل من الأصل كما يخرج كلّه منه لو لم يوص؛ لتعلّقه بأصل التركة قبل الإرث، و هذا أحد الوجهين المذكورين في المبسوط (4)، فتصير المسألة حينئذ من المسائل الدوريّة؛ لأنّ معرفة الثلث موقوفة على معرفة ما يخرج من الأصل للتكميل، و هي موقوفة على معرفة
الثلث، ليعلم ما يحتاج إليه سهم الحجّ من التكميل، و طريق استخراجه بالجبر و المقابلة.
فلو فرضنا المال ثلاثمائة و اجرة الحجّ مائة، فينقص من المال شيء فيصير ثلاثمائة إلّا شيئا، و ثلثه و هو مائة إلّا ثلث الشيء يقسّم على الحجّ و العتق و الصدقة أثلاثا، فيصير للحج ثلث المائة- و هي ثلاث و ثلاثون و ثلث و تسع الشيء- فإذا أضفنا إليه الشيء صار ثلاثة و ثلاثين و ثلثا و ثمانية أتساع الشيء، فالشيء الّذي ينقص قبل إخراج الثلث من الثلاثمائة- و هو الّذي يصير ثلاثا و ثلاثين و ثلثا و ثمانية أتساعه- تمام اجرة الحج المفروض أنّه خمسة و سبعون.
ثمّ ذكر أنّ روايات أصحابنا تدلّ على أنّه يقدّم الواجب من الثلث، فإن بقي منه يصرف في الباقي (1)، و عليه كلّ من تأخّر عنه؛ لقضيّة الامرأة الموصية بثلثها في الحج و العتق و الصدقة، المرويّة عن معاوية بن عمّار بطرق متعدّدة، و فيها: «ابدأ بالحجّ فإنّه فريضة من اللّٰه، و ما بقي فضعه في النوافل» (2)، ردّا على من أفتى في القضيّة المذكورة بوجوب تقسيط المال على الكلّ و إن فاتت الفريضة؛ بناء على ما عن أبي حنيفة من: أنّ الحج كالتبرّع يخرج من الثّلث مع الوصية، و بدونها لا يخرج أصلا (3).
ثمّ إنّه لا فرق بين أن يكون- في ما عدا الواجب الماليّ من الوصايا- واجب بدنيّ، و بين أن لا يكون، على المشهور من كون اجرة الواجب البدنيّ
كالتبرّع من الثلث، بل صريح الكفاية أنّه مذهب الأصحاب، حيث قال بعد ذكر الوصيّة بالواجب المالي و البدني و التبرّع: و لو حصر الجميع في الثلث بدئ بالواجب الماليّ و إن زاد على الثلث عند الأصحاب (1)، و هو لازم كل من قال بقول المشهور، كما صرّح به المحقّق الثّاني (2)،
إلّا أنّه صرّح في المسالك بتقديم الواجب البدني على المتبرّع بها (3)، و تبعه بعض من تأخّر (4)، بل في الرياض: عدم وجدان الخلاف فيه إلّا من صاحب الكفاية (5).
و لعلّ هذه الدعوى من جهة إطلاقات معاقد الإجماع على حكمهم بتقديم الواجب على غيره عند التزاحم، بل صرّح بعضهم بالاستدلال بقول صاحب التنقيح: «لا خلاف في أنّه لو أوصى بواجب كحجّ، أو زكاة، أو دين، إنّه يقدّم على المتبرّع بها» (6)، و لا يخفى أنّ مرادهم خصوص المالي، و إلّا لوجب أن ينسب إليهم القول بخروجه من الأصل عند الوصيّة بدونها.
هذا مع أنّ كلام المحقّق الثاني صريح في نفي الفرق عند القائل بكون الواجب البدنيّ من الثّلث بين سلامته من مزاحمة المتبرّع بها، و بين مزاحمته به.
و بالجملة، فلا إشكال في كون هذا القول خلاف المشهور، بل الظاهر تفرّد صاحب المسالك به، و إن كان عجيبا مع التفاته قدّس سرّه إلى كلام المحقّق
الثاني، كما هو عادته في غير موضع.
نعم، يمكن الاستدلال عليه بأنّه أهمّ، و بالتعليل في الرواية السابقة (1)بكون الحج فريضة، و أنّ ما بقي من الفريضة يجعل في النوافل.
و يمكن التفصّي عن الأهميّة بأنّها اعتبار عقليّ لا يصلح لأن يرفع به اليد عمّا يقتضيه القاعدة الشرعيّة من كون نسبة الوصيّة الّتي هي السبب في الإخراج من الثلث إلى الواجب البدنيّ و غيره على السواء، إذ المفروض أنّه لا سبب لخروجه من المال سوى الوصيّة، بل لا وجه لمزاحمة غيره به عند تأخّر الوصيّة به عن الوصيّة لغيره؛ لأنّ مقتضى القاعدة- كما سيجيء- تقديم الأوّل فالأوّل.
و عن الرواية: أنّ ظاهر التعليل غير منطبق على مذهب الخاصّة، من كون الحجّ مخرجا من أصل المال إذ حينئذ لا تزاحم باقي الوصايا حتّى يقدّم، بل يخرج ما يخصّه من الثلث فيكمل مع نقصه من الأصل كما تقدّم، فتقديمه و إدخال النقص من أجله على المتبرّع بها موافق لمذهب العامّة من إخراج الواجب المالي كالحجّ من الثلث.
نعم، يمكن أن يقال: إنّ ابتناءه على مذهب العامّة إذا كان صحيحا تمّ المطلوب، و هو أنّه إذا اجتمع أمور كلّها تخرج من الثلث قدّم الواجب منها.
و دعوى أنّ الابتناء غلط أيضا كأصل المبنى- استدلّ به الإمام عليه السّلام إقناعا بما يوجب سكوتهم، و لذا سكتوا لمّا سمعوا هذا التعليل- مخالف للظاهر، فإنّ ظاهر كلام الإمام عليه السلام كون ما يصدر منه مطابقا للواقع، فإذا حصل الإسكات بابتناء حكم صحيح على مبنى فاسد لهم، فلا داعي إلى جعل
1) تقدمت في الصفحة: 71
الابتناء أيضا فاسدا، ذكره مغالطة عليهم، فافهم.
(و لو كان الكلّ غير واجب) ماليّ، أو غير واجب أصلا- على ما ذكره الشارح (1)(بدئ بالأوّل فالأوّل حتّى يستوفي الثلث)، فإذا استوفاه ألغيت الوصيّة؛ لأنّ المقدّم قد استحقّ من الثلث نصيبه استحقاقا شأنيّا يتنجّز بالموت، كما يكشف عنه تعليل الحكم في مسألة الوصايا المرتّبة بإعتاق عبيد بمضي الوصيّة فيهم حتّى يبلغ الثلث بقوله عليه السلام: «لأنّه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك» (2)، إذ ليس المراد بنفي الملك عنه بعد إيصائه بالثلث إلّا تعلّق حقّ الموصى له به و تملّكه ملكا شأنيّا.
و حاصله أنّ الوصيّة بعد تجاوز الثلث تقع لاغية من دون إجازة الورثة، فيندفع بذلك ما ربّما يتوهّم من أنّ السبب الناقص في جميع الوصايا و إن ترتّبت، إلّا أنّ الجزء الأخير من العلّة التامة للجميع- و هو موت الموصي- يحصل دفعة، فلا وجه لترجيح المقدّم، كما لو تقدّم أحد العقدين على مورد واحد على الآخر إلّا أنّ الجزء الأخير من قبول العقدين وقع في آن واحد.
و محصّل دفع التوهّم أنّ المتقدّم هو السبب التام للملكيّة عند الموت، كما أشار إليه، بل نصّ عليه في التعليل بقوله: «أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك»، لا السبب الناقص للملكية المطلقة، و هو الموجود في مثال العقدين، فافهم.
ثمّ المراد بالأوّل: المتقدّم ذكرا بالوصيّة به، بحيث يكون الوصيّة به قبل الوصيّة بغيره، فمثل قوله: فلان و فلان و فلان لكلّ منهم كذا، أو: فلان و فلان و فلان يعتقون بعد موتي، ليس من الوصيّة المترتّبة، بل الحكم فيه توزيع النقص على الجميع، لأنّ الكلّ بمنزلة وصيّة واحدة.
و ليس ما نحن فيه من قبيل تعدّد الأسباب التامّة على مسبّب واحد حتّى يقال: إنّ مقتضى القاعدة- بعد عدم جريان القرعة- طرحهما، مع أنّه يمكن دعوى أنّ الجمع بينهما بإعمال كلّ منهما في بعض المسبّب أولى من الطرح، نظير المعرّفات كالبيّنتين المتعارضتين في التقويم، و كالأدلّة الشرعيّة.
نعم، لو فرض صدور وصيّة من الموصي بشيء خاصّ لزيد، و قارنها وصيّة اخرى من وكيله بذلك الشيء لشخص آخر، كان من باب تزاحم السببين، و جرى فيه الكلام في أنّ مقتضى القاعدة طرحهما أو التنصيف، و لعلّ الأوّل هو الأقوى.
(و لو أوصى لشخص بثلث) مشاع من ماله، (و لآخر بربع) منه كذلك، (و لآخر بسدس) فإن أجاز الورثة فلا إشكال، (و) إن (لم يجز الورثة اعطي الأوّل) لسلامته عن المزاحم، (و بطلت الوصيّة لمن عداه).
قيل: و كذا لو أوصى للأوّل بجميع المال، و للآخر بثلثه، و للآخر بنصفه (1). و فيه تأمّل، فإنّ الظّاهر أنّه رجوع، فيعطى الأوّل- مع إجازة الورثة للجميع- السدس، و الثّاني الثلث، و الثالث النصف.
و بالجملة لا منافاة بين إلغاء الوصية من جهة عدم إمضاء الورثة، و بين دلالتها على الرجوع عن الوصيّة الأولى.
1) المسالك 1: 314.
(و لو أوصى بثلثه لواحد، و بثلثه لآخر، كان ذلك رجوعا عن الأوّل (1)) إجماعا كما عن الخلاف (2)للتعارض.
و الفرق بين إضافة الثلث إلى نفسه في الوقتين و إطلاقه، عدم التنافي بينهما مع الإطلاق، و لذا لو أوصى بثلث من عين ماله ثمّ باع ثلثا منها، لم يكن البيع رجوعا. و سيأتي بعض الكلام في ذلك إن شاء اللّٰه تعالى (3).
(و لو اشتبه الأوّل) من الوصيّتين (أخرج بالقرعة) بلا خلاف ظاهر؛ لعموم أدلّة القرعة (4). و لو اشتبه وجود أوّل بأن احتمل التقارن فظاهر جماعة (5)القرعة أيضا، و قد يتوهّم العمل بالتقارن؛ لأصالة عدم وجود كلّ منهما قبل الآخر.
و فيه- مع أنّ ذلك لا يثبت التقارن-: أنّ الأصل عدم وجود كلّ منهما عند وجود الآخر، إلّا أن يقال بتساقط هذين الأصلين؛ لعدم إمكان الجمع بينهما، و عدم العلم الإجمالي بتحقّق مقتضى أحدهما، فيرجع إلى الأصلين السابقين الغير المتعارضين، فافهم.
(و لو أوصى بعتق مماليكه) فالظاهر منه في عرفنا بل اللّغة
1) في الشرائع: عن الأول إلى الثاني.
2) الخلاف: كتاب الوصايا، المسألة: 28.
3) في «ص» و «ع» زيادة: هذا كلّه مع عدم الاشتباه.
4) الوسائل 18: 187، الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.
5) منهم المحقّق السبزواري في الكفاية 147، و فيه: «و لو اشتبه الترتيب و عدمه فظاهرهم إطلاق التقديم بالقرعة». و صاحب الجواهر في الجواهر 28: 210، و فيه:«كما أنّه يرجع إليها أيضا لو اشتبه الحال في وجود الأوّل و عدمه».
الاختصاص بمن كان مملوكا له بتمامه (1). و لو فرض الإيصاء به على وجه يعرف، أو [كانت] (2)قرينة تدلّ على دخول المملوك له كلّه أو بعضه، (دخل في ذلك من يملكه منفردا، و من يملك بعضه و) لكن (أعتق نصيبه حسب) لعدم الدليل على السراية الموجبة لتقويمه على الميّت أو الورثة.
أمّا على الميّت؛ فلأنّه حين تملّكه للتركة لم يحصل منه إعتاق، و لو حصل منه- كما في المريض إذا أعتق- قوّم عليه، و في زمان حصول الانعتاق ليس للميّت مال فينتفي اليسار المعتبر في السراية و التقويم.
و أمّا على الورثة؛ فلأنّه لا وجه له إلّا تخيّل كون الوصيّة بعتق البعض المستلزم شرعا لانعتاق الكلّ بمنزلة إيجاد سبب إتلاف المال على الشركاء و إن حصل التلف بعد الموت، فإنّ ذلك سبب للتغريم من أصل المال، كما لو فعل ما أوجب الجناية بعد الموت.
و يندفع بأنّ كون الفعل الصادر سببا للإتلاف فرع استلزام إعتاق البعض للسراية كيف انعتق (3)، و هو أوّل الدعوى؛ لما ذكرنا من [أنّ من شرط] (4)السراية ما كان المعتق حين الإعتاق موسرا، و هو مفقود في المقام.
و التحقيق: أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ إعتاق بعض العبد أصالة، أو نيابة كما في الوكيل يوجب السراية، و الوصيّ نائب عن الميّت، و أدلّة السراية لا فرق [فيها] (5)بين شمولها للوصي و الوكيل في ترتّب آثار الأفعال
الصادرة منهما بسبب الوكالة و الوصاية، ألا ترى أنّ قوله عليه السلام: «الولاء لمن أعتق» (1)يشمل اتفاقا ما أعتق وصاية كما لو أعتق وكالة.
و اليسار المعتبر في السراية معتبر عند حصول السبب، بحيث لا يبقى بعد معه (2)أمر اختياريّ لفاعل السبب يتوقّف الفعل عليه، إذ المفروض صدق الإعتاق على فعل الموصي المتعقّب لحصول مباشرة الصيغة من الموصي، و إلّا لم يكن للميّت ولاء، و اليسار موجود حينئذ.
و دعوى اعتبار اليسار في زمان حدوث عنوان الإعتاق على ذلك الفعل المتحقّق سابقا من الموصي- و هو ما بعد زمان الصيغة- ممنوعة.
ثمّ لمّا كان الإتلاف الحاصل بإنشاء الوصيّة مضمونا في الثلث، لم يكن وجه لكونه كالدين عليه ليخرج من الأصل، فالإيصاء بالشيء كما أنّه يوجب إخراج مقدّماته من الثلث كذلك إخراج لوازمه الشرعيّة، بل كأنّه أوصى بعتق الكلّ، و إلّا لم يكن خروج حصّة الشريك في العتق المنجّز في مرض الموت من الثلث، بل كان كسائر إتلافاته من الأصل.
(و) من هنا (قيل) و القائل الشيخ [في نهايته (3)] (4): (يقوّم عليه حصّة شريكه إن احتمل ثلثه ذلك، و إلّا أعتق منهم ما يحتمله الثلث (5)، و به
رواية) رواها (1)المشايخ الثلاثة رضوان اللّٰه عليهم عن البزنطي- الّذي لا يروي إلّا عن ثقة- عن أحمد بن زياد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: «سألته عن رجل تحضره الوفاة و له مماليك لخاصّة نفسه، و له مماليك في شركة رجل آخر، فيوصي في وصيّته: مماليكي أحرار، ما حال مماليكه الّذين في الشركة؟
فكتب عليه السلام: يقوّمون عليه إن كان ماله يحتمل فهم أحرار» (2).
و هي و إن كان (فيها ضعف) من حيث السند عند المشهور بأحمد بن زياد، إلّا أنّه لا يقدح على طريقتنا في أخبار الآحاد، و حملها على العتق المنجّز في مرض الموت مناف لقوله: «يوصي في وصيته». و بالجملة فهذا القول لا يخلو عن قوّة.
(و لو أوصى بشيء واحد لاثنين، و هو يزيد عن الثلث، و لم يجز الورثة، كان لهما ما يحتمله الثلث. و لو جعل لكلّ واحد منهما شيئا) منه و لو مساويا لشريكه (بدئ بعطيّة الأوّل، و كان النقص على الثاني منهما) كما هو واضح.
(و لو أوصى بنصف ماله [مثلا] (3)، فأجاز الورثة) باعتقاد القلّة، ثمّ تبيّن كثرته، فالظاهر عدم النفوذ إلّا في معتقدهم؛ لأنّه المجاز حقيقة، إذ لا يتعلّق القصد غالبا بالرضى بالنصف من حيث إنّه مفهوم النصف في أيّ مصداق كان، فطيب النفس- المنوط به حلّ الأموال و الحقوق- غير حاصل
في ما زاد عن معتقدهم.
و على هذا فلو جهل معتقدهم عند الإجازة (ثمّ) ادّعوا و (قالوا:
ظنّنا أنّه قليل)، فإن علمنا بظهور اللفظ في الرضى بمفهوم النصف بالغا ما بلغ، لم يسمع دعواهم.
و إن (1)قلنا بعدم ظهور في اللّفظ؛ لما عرفت من أنّ القصد لا يتعلّق غالبا بإجازة مفهوم النصف، بل يلاحظ في اعتقاده مقدار من المال و لو على سبيل التعميم للزائد كائنا ما كان، أو قلنا بالظهور و لذا يحمل عليه الإقرارات و العقود، فتأمّل، لكن قلنا إنّ هذه الدعوى حيث تتعذّر فيها إقامة البيّنة و أمكن صدق المدّعي في الواقع كثيرا، كان في عدم قبول قوله و الاكتفاء في سقوط دعواه بالحلف خصوصا إذا قلنا بأنّه على نفي العلم؛ لأنّه في فعل الغير ضرر عظيم منفي، كما يسمع قول المدعي في مثل ذلك؛ لأجل ذلك على ما يظهر من تلويحات النصوص و تصريحات الفتاوى، (قضي عليهم بذلك، و احلفوا على نفي الزائد (2)) عمّا ظنّوه.
هذا مع أنّ الأصل عدم علمهم بالزائد و زعمهم النقص، اعتمادا على أصالة عدم الزيادة، و عدم تعلّق الإجازة بالزائد على ما ظنّوه.
لكنّ الإنصاف أنّ هذه الأصول غير نافعة على فرض تسليم الظهور اللّفظي (3)في مفهوم النصف كائنا ما كان، (و) لعلّه لذا قال المصنّف قدّس سرّه
أوّلا: (فيه تردّد) ثمّ رجح المشهور بقوله: (الأقوى القبول) (1)إمّا لمنع الظهور، أو لمسيس الحاجة إلى قبول دعوى خلافه للضرر، كما سمعت في دعوى كون الإقرار بالثمن لإقامة رسم القبالة و غيرها.
ثمّ إنّ للموصى له نصف المظنون و ثلث باقي التركة الّذي لم يعلم به الورثة و لم يجيزوه، فلو كان المال الواقعي ثلاثمائة و المظنون مائة، اعطي خمسين نصف المائة، و ثلث المائتين ستين و سبعة إلّا ثلث، و المجموع مائة و سبعة عشر إلّا ثلث.
و إن شئت قلت: ثلث المجموع و سدس المظنون.
و إليه يؤول ما في الروضة من [أنّه] (2)يعطى الموصى له بعد حلف الورثة ثلث المجموع و ما ادّعوا ظنّه من الزائد (3)، يعني يعطى مع ثلث المجموع ما ادّعوا ظنّه من الزائد على الثلث، و هو سبعة عشر إلّا ثلث، فإنّ هذا هو الزائد عن ثلث مال الميّت، أعني المائة، هذا كلّه في ما لو أوصى بالمشاع.
(أمّا لو أوصى بعبد أو دار) مثلا (فأجازوا ثمّ ادعوا أنّهم ظنّوا أنّه بقدر الثلث أو أزيد بشيء يسير، لم يلتفت إلى دعواهم؛ لأنّ الإجازة هنا تضمّنت معلوما) [لا مجهولا كالنصف و الثلث] (4)فتقييد الإجازة بكون الموصى به بقدر [الثلث أو أزيد منه بشيء] (5)يسير من المال مخالف لظاهر
اللفظ، بل لا يكاد يمكن إرادته، بأن يراد من اللفظ إجازة العبد من حيث إنّه بمقدار كذا من المال على أن يكون الحيثيّة تقييديّة، بخلاف إرادة مقدار محدود من نصف المال باعتبار أنّه مصداقه في هذا المقام، فلا يقدّم المجيز على الرضى بما فوقه، فإنّه غير مخالف للظاهر في خصوص مسألة الإجازة، و إن كان ظاهرا في غيره من مقامات الأقارير و النذور و العقود، كما يظهر من حكم العرف بأنّ الإجازة لا تتعلّق بمفهوم النصف إلّا بعد ملاحظة تخصيص في المال أو تعميم فيه، بأن يجيزه و لو بلغ ما بلغ.
و الإنصاف: أنّه لا ينبغي الإشكال في الحكم الثاني، و أمّا الحكم الأوّل فقد عرفت الإشكال [فيه] (1).
و دعوى عدم الفرق بين المشاع و المعيّن، لعلّها مخالفة لشهادة العرف.
نعم، يشكل الحكم الثاني في ما لو علم أنّ المجيز بنى على ظنّ قلّة قيمة العبد، لما عرفت من بعد كون ذلك حيثيّة تقييديّة، بل هو من قبيل الدّواعي الّتي لا يقدح تخلّفها في ثبوت الحكم؛ لعدم كونه من قبيل قيود الموضوع، كما لا يخفى.
(و لو (2)أوصى بثلث ماله- مثلا- مشاعا) عمل بحقيقة اللّفظ، و (كان للموصى له من كلّ شيء ثلثه).
(و إن أوصى بشيء معيّن و كان بقدر الثلث فقد ملكه الموصى له [بالموت] (3)) لأنّ للميّت مقدار الثلث من ماله، لا خصوص الثلث المشاع
بالإجماع نصّا (1)و فتوى، (و) حينئذ (لا اعتراض فيه للورثة) لعموم حرمة التبديل (2)، خرج ما لو أوصى بما يزيد على الثلث.
نعم، يعتبر في استقرار ملك الموصى له أن يكون ضعف الموصى به في يد الورثة بحيث يتسلّط كلّ على مقدار سهمه، (و) حينئذ (لو كان له مال غائب) خارج عن سلطنة الورثة (أخذ) و تملّك الموصى له (من تلك العين ما يحتمله الثلث من المال الحاضر. و يقف الباقي حتّى يحصل من الغائب) ضعفه (لأنّ الغائب معرّض للتلف) و لا يمكّن منه الورثة أيضا؛ لكونه ملكا متزلزلا للموصى له.
و ربّما قيل- لأجل منع الورثة عن الباقي-: يمنع الموصى له عمّا يحتمل الثلث؛ لعدم تسلّط الوارث على ضعفه، و احتمال تلف باقي الموصى به المحجور على الورثة مع تلف المال الغائب، فيلزم الرجوع إلى الموصى له بثلثي ما أخذ، إلّا أن يفرّق بين قصور المال من حيث الملكيّة، و بين كونه تامّ الماليّة مجهول المالك، و يدّعى أنّ تلف الثلثين من الورثة على تقدير تلف المال لتعيّنه لهم، فهو مال متزلزل مردّد في الواقع بين كونه للموصى له و تلفه عليه، و كونه للورثة و تلفه عليهم، و عدم استلزام كون الشيء لهم كون تلفه عليهم في المال الغائب إنّما هو من جهة كونه قاصرا من حيث الماليّة، فلا وجه لاحتسابه عليهم، و إلّا لزم الجنف المنهي عنه على الورثة و الضرر عليهم، و هذا المعنى مفقود في ثلثي الموصى به، فتأمّل.
ثمّ إنّ ظاهر إطلاق الفتاوى عدم الفرق بين كون مال الغائب مع غيبته
مقابلا في الماليّة لثلثي الموصى به- بحيث يبذل في مقابله نقدا ضعف الموصى به لكونه أضعافه- و عدمه.
و يمكن تنزيل كلماتهم على غير هذه الصورة؛ لأنّ دليل الحكم لا يفي بالعموم، إلّا أن يقال: مجرّد بذل المال الحاضر في مقابل الغائب لا ينفي قصور المال عن الماليّة المطلقة، و لا يخرجه من كونه رأسا في معرض التلف. نعم، لو أخذ عوضه و صار في اليد استقرّ ملك الموصى به.
[ثمّ إنّه قد يشكل الأمر في تعيين معنى حضور ضعف الموصى به من المال] (1)، هل المراد قبضه بالمعنى الرافع للضمان في باب البيع؟ أو يكفي التسلّط على قبضه لعدم المانع، و إن توقّف على إعمال مقدّمات، أو مضيّ زمان يحتمل التلف في أثنائه؟ أو يكفي التسلّط عليه و التقلّب (2)فيه على غيبته بمعاوضته و التوكيل في التصرّف فيه و إحضاره؟
و المعتبر في العوض المبذول عند معاوضته: كونه مقابلا له من غير ملاحظة كونه غائبا في معرض التلف، و أمّا بذل ما يقابله مع هذه الملاحظة فهو الّذي ذكرنا أوّلا عدم الاكتفاء به، و أنّه لا يجعل الغائب مالا حاضرا و لو بمقدار ما يبذل بإزائه.
و يترتّب على ما ذكرنا: أنّ الدين الثابت في ذمّة الغريم الموسر مؤجّلا، المحتمل لإعساره أو موته- على وجه لا يحصل منه شيء مع تمكّن الوارث من بيعه عليه نقدا، أو مصالحة (3)مع غيره، و من استيفائه من غير الجنس
ببذل الغريم و رضاه- يعدّ حاضرا على الثاني دون الأوّل، و لا يبعد كونه المناط في المسألة، فلو كان مال الميّت في يد وكيل باذل للورثة، لكن الأخذ و التسليم متوقّف (1)على مقدّمات و مضيّ زمان، كفى ذلك، و المسألة محلّ تأمّل في الجملة.
1) كذا، و الصحيح: متوقّفان.
(فرع) (لو أوصى بثلث عبده) مثلا معتقدا لتملّك جميعه (فخرج ثلثاه مستحقّا) للغير، (انصرفت الوصيّة إلى الثلث الباقي) و لم يكن اعتقاد ملك الجميع موجبا لتقييد الموصى به بالوصف المعتقد- و هو ثلث ما يملكه- و كان باعتقاده، حتّى ينحصر الوصيّة في ثلث الثلث، و ليست الوصيّة المذكورة وصيّة للورثة بثلثيه حتّى يقال: يقسّط المستحقّ عليها، بل استحقاق الورثة من حيث استحقاق ما يبقى بعد الوصيّة.
نعم، يمكن أن يكون المانع شيئا آخر، و هو أنّ الثلث اسم للكسر المشاع، فإذا أضيف إلى الملك، فقيل: ثلث الدار، فليس في مقابله إلّا الثلثان الآخران، و أمّا تعيّنه لمالك أو باعتبار خصوصيّة أخرى، فهو ملغى فيه، و هو مشاع من هذه الجهات، بمعنى اشتراكه مع الثلثين من هذه الجهات، و إلّا لخرج عن فرض الإشاعة.
فإذا فرض ثلث المال لزيد، و ثلثه لعمرو، و ثلثه لبكر، فإذا أطلق ثلث المال، فالمراد ثلث مشاع في هذه الخصوصيّات، موزّعة على الكلّ بحسب
الإفراز، بحيث لو بيع فضولا ثلث مطلق من ذلك المال فأجاز الكلّ، خرج عن ملك كلّ واحد ثلثه، فأخذ ثلث الثمن، أو ادّعى أحد ثلث هذا الشيء، فلا يقال: إنّ دعواك على أيّ واحد من هذه الأشخاص؟ أو أخبر البيّنة، أو صادق بأنّ ثلثه لفلان، لم يكن توزيعه على الكلّ لأجل عدم المرجّح، بل بحكم اللّفظ.
و ليس المراد بالمطلق: أحد هذه الأفراد كالنكرة؛ لأنّها مشاعة، و هذا مشاع في الأجزاء، و إلّا لم يصحّ بيعه كالنكرة و الكلّي.
و كلّ فرد يطلق عليه الثلث فمعناه أنّه بمقدار ذلك الكسر المشاع، لا أنّه فرد منه كالنكرة، فالثلث المشاع من حيث إشاعته ليس نكرة و لا جنسا، فحينئذ الوصيّة بالثلث المشاع من العبد نظير بيع الثلث المشاع و هبته إذا فرضنا أنّه لا يستحقّ إلّا ثلثا، في أنّه لا يختص بحسب اللّفظ بثلثه؛ لأنّه مصداق له كما يتوهّم، بل المبيع و الموصى به و الموهوب مشاع في ما له في الواقع و ما ليس له، فيمضي في حصّته ممّا يخصّه عند التوزيع؛ لما عرفت من أنّ كلّ خصوصية يضاف إليه الثلث إذا أطلق الثلث يكون مشاعا في ذلك المضاف و في مقابله.
و من هنا لم يعلّل أحد- ممّن تعرّض لمسألة ما لو باع مستحق النصف نصفا مشاعا- الحكم بانصرافه إلى نصفه المختصّ بكون المبيع مطبقا على ما يستحقّه، عدا بعض المعاصرين (1)، و إنّما ذكر بعضهم كجامع المقاصد ما محصّله: أنّ مقتضى اللفظ الإشاعة في نصيبه و نصيب غيره- كما في الإقرار- إلّا أنّ القرينة قائمة في البيع على أنّ الإنسان لا يبيع غالبا مال
1) انظر الجواهر 22: 310.
غيره، بخلاف الإقرار (1).
و عبارة فخر الدين في الإيضاح (2)- في تلك المسألة- و إن أوهم غير ذلك، إلّا أنّ محصّله يرجع إلى ما ذكره في جامع المقاصد فراجع.
هذا، و لكنّك خبير بأنّ ما ذكرنا من المانع المقتضي لشياع الثلث الموصى به في ثلثه و ثلثي شريكه، إنّما هو إذا فرض علم الموصي باستحقاق الغير، حتّى يمكن إرجاع الموصى به إلى المشاع، و حينئذ فلا بدّ من دعوى انصراف إطلاق الثلث إلى ما يخصّ به دون الشائع في حصّته و حصّة غيره، كما في مسألة بيع مالك النصف.
و أمّا إذا لم يعلم بذلك، و اعتقد الموصي استحقاقه للجميع، فالموصى به- و هو الثلث المشاع- منطبق على ما يبقى له بعد ظهور استحقاق الغير، إذ لم يكن لهذا الثلث المملوك للموصي خصوصيّة من حيث المالك يمتاز بها عن ثلثي الغير، حتّى يكون الثلث الموصى به مشاعا فيه و في الثلثين، فإنّ الموصى به ثلث مشاع في جميع العبد، و هذا الباقي أيضا ثلث مشاع في جميع العبد، و لم يكن الموصى به مشاعا في هذا الباقي و غيره، ليتغاير هذا الباقي من حيث الإشاعة.
و هذا كما لو باع معتقدا استحقاق الكلّ نصفا مشاعا، ثمّ تبيّن استحقاق النصف للغير، فإنّه لا ينبغي أن يحتمل هنا كون المبيع ربعا منه و ربعا من شريكه، و لذا علّل الحكم في التذكرة: بأنّ الثلث الباقي كلّه موصى
به (1)، و في جامع المقاصد: بأنّه يصدق على الباقي أنّه ثلث عبده (2).
هذا، و لكن تعبير المصنّف قدّس سرّه عن الحكم بلفظ: الانصراف، الظاهر في كون ذلك خلاف مقتضى اللّفظ، ثمّ العدول عن تعليل ذلك ببقاء مصداق الوصيّة- كما عرفت من التذكرة- إلى قوله: «تحصيلا لإمكان العمل بالوصيّة) أي: محافظة على إرادة معنى يمكن معه العمل بالوصيّة، ربّما يشعر بكون مقتضى ظاهر اللفظ الإشاعة، إلّا أنّه ينبغي حمل الموصى به على ثلث من أثلاث العبد، نظير الفرد من الكلّي، و لا إشكال في وجوب دفع الباقي.
و نحوه ما حكاه في التذكرة عن بعض العامّة بقوله: قال بعض الشافعيّة: إنّ في المسألة طريقين:
أحدهما (3): أنّ فيها قولين، أظهرهما أنّ له الثلث الباقي، لأنّ المقصود إرفاق الموصى له، فإذا أوصى بما احتمله الثلث أمكن رعاية غرضه فيها، انتهى.
و معناه: أنّ غرض الموصي وصول ثلث من العبد إلى الموصى له، و هو معنى إرادة ثلث من أثلاث العبد.
ثمّ قال: الثاني- و يحكى عن أبي حنيفة و مالك-: أنّ له الثلث من الباقي، لأنّ الوصية بالثلث الشائع في الكلّ، فإذا خرج الثلثان بالاستحقاق للغير بقيت الوصيّة في الثلث من الباقي، و هو تسع الكلّ.
الطريق الثاني: القطع بأنّ له الثلث من الباقي، و حمل الأوّل على ما إذا لم يتلفّظ بلفظ الثلث، كما لو أوصى بعشرة من ثلاثين شاة، أو على ما إذا أوصى بأحد أثلاث العبد المعيّن، أو على ما إذا أوصى بثلث معيّن من الدار فاستحقّ باقيها، أو على ما إذا اشترى ثلثها من زيد و ثلثيها من عمرو فأوصى بما اشتراه من زيد و خرج ما اشتراه من عمرو مستحقّا، فإنّ في هذه الصور يكون للموصى له تمام الثلث الباقي (1). انتهى ملخّصا.
(و لو أوصى بما يقع اسمه على المحلّل و المحرّم، انصرف إلى المحلّل) بلا خلاف ظاهر (كما إذا أوصى بعود من عيدانه (2)) إلّا أنّ تعليله في جملة من الكتب بما ذكره المصنّف من كونه (تحصينا لقصد المسلم عن المحرّم) لا يخلو عن شيء، إن لم يرجع إلى دعوى غلبة إرادة هذا الفرد من لفظ الكلّي؛ لأنّ مجرّد تحصين المسلم عن قصد المحرّم لا يصير قرينة مبيّنة للّفظ المجمل. غاية الأمر وجوب الحكم بأنّه لم يوص بالمحرّم، و التحصين يحصل بهذا.
و أمّا أنّه أوصى بمحلّل، فلا دليل عليه، كما لو تردّد كلام المسلم بين كونه قذفا للمخاطب، أو إقرارا له، أو تسليما عليه، فإنّ وجوب التحصين لا يوجب الحكم بكون الكلام إقرارا للمخاطب ليطالبه بالمقرّ به، أو تسليما فيجب عليه ردّ سلامه، إلّا أن يقال: إنّ أصالة حمل أمر المسلم على الصحيح مرجعه إلى ظاهر حال المسلم، فهو من قبيل الأمارة الاجتهادية المعتبرة، الصالحة لبيان المجمل، لا الأصول العمليّة.
نعم، لا يعارض الظواهر اللفظيّة، فلو كان ظاهر اللفظ هو المحرّم لم يصرف عنه بهذه القاعدة.
قال في التذكرة: إذا أوصى بما يقع اسمه على المحلّل و المحرّم، و لم ينصّ على أحدهما بل أطلق، صرف إلى المحلّل، ميلا إلى صحيح الوصيّة؛ لأنّ الموصي يقصد حيازة الثواب، و الظاهر أنّه يقصد ما تصحّ الوصيّة به، و لأنّ الظاهر من حال المسلم صحّة تصرّفاته، فيحمل مطلقه عليها عملا بالظاهر، و عدولا عن غيره، و صونا لكلام العاقل عن اللّغو، و له عن التصرّف الفاسد و المنهي عنه شرعا (1)انتهى.
و في قوله: لم ينصّ على أحد [هما] (2)دلالة على أنّه إذا نصّ على المحرّم، بأن صرّح بعود اللهو مثلا، بطلت الوصيّة، و لا يصرف عن ظاهره إلى المحلّل من جهة فعل المسلم كما ذكرنا.
لكن يمكن الفرق بين الظهور الوضعي، و الظهور الانصرافي- الموجود في المطلقات أو المشتركات- من جهة غلبة الاستعمال، فيلغى هذا الظهور إذا وقع اللفظ في مقام لا يقتضي حال المسلم إرادة ذلك المعنى، بل يكون الغالب في هذه المقامات إرادة غيره.
و بعبارة أخرى: غلبة استعمال هذا اللفظ في المحرّم معارضة بغلبة إرادة المحلّل في مقام التمليك- قال في التذكرة- في ما لو قال: أعطوه عودا من مالي- و فرضنا أنّ لفظ العود ينصرف إلى عود اللّهو- أنّه يشترى له عود لهو إن أمكن الانتفاع به منفعة مباحة و لو برضاضه، و بالجملة يشترى
له ما لو كان موجودا في ماله لنفذت الوصيّة فيه. و لو لم يفرض له منفعة مباحة مطلقا، احتمل صرفه إلى المجاز كعود البناء و القسيّ (1)، و البطلان على بعد (2)انتهى.
و كيف كان، (فلو لم يكن له) في الفرض المذكور في البين (إلّا عود اللّهو) فإن فرض عدم إمكان الانتفاع به و لا برضاضه (3)منفعة محلّلة بطل الوصية إجماعا؛ لعدم إمكان العمل به شرعا.
و إن أمكن (قيل: تبطل) أيضا؛ لأنّه بالعنوان الموصى به غير قابل للتمليك، و لذا يبطل بيعه، و بغير هذا العنوان غير موصى به. (و قيل:
تصحّ) لعمومات الوصيّة.
و لزوم كون الموصى به ملكا ممنوع، بل يكفي قابليته لصيرورته ملكا و لو بالتغيير و الكسر، كالخمر المتخذ للتخليل، و الجرو القابل للتعليم، بل هو ملك بالفعل من حيث مادّته، و لذا لو أحرق ضمن قيمة الرّضاض.
و بطلان بيعه بشرط الكسر ممنوع، مع ما علم من أوسعيّة دائرة الوصيّة من البيع.
و بالجملة، فالجواز مع قصد الرّضاض بالوصيّة قويّ، وفاقا لجماعة (4).
بل يمكن إخراج هذا الفرد عن محلّ الكلام، بل الكلام فيما لو لم يقصد المحرّم
و لا المحلّل؛ لإمكان العمل بالوصيّة حينئذ فيجب، بل يظهر من العلّامة أنّ الصحّة في هذه الصورة إجماعيّة.
قال في التذكرة: الأعيان المحرّمة إن لم يفرض لها منفعة محترمة بطلت الوصيّة إجماعا، كما لو أوصى بمال في إعانة ظالم على ظلمه، أو فاسق على فسقه. و إن فرض لها منفعة محلّلة، أمّا مع بقاء عينها على صفاتها الموجودة حال الوصيّة، أو بعد زوال صفاتها، صحّت الوصيّة إجماعا؛ لعدم انحصار المنفعة في المحرّم، و الأصل حمل تصرّفات المسلم على الصحّة (1)انتهى.
و يلوح من عبارته أنّ وجه الصحّة حمل الوصيّة على قصد الموصي المنفعة المحلّلة، كما لو صرّح به.
و يظهر من بعضهم هنا قول ثالث، و هو أنّه لو أمكن تغييره إلى المحلّل مع بقاء الاسم، صحّت الوصيّة (2)(و تزال عنه الصفة المحرّمة) (أمّا لو لم يكن فيه منفعة) مع بقاء الاسم (إلّا المنفعة (3)المحرّمة بطلت الوصيّة) و إن جاز الانتفاع برضاضها بعد الكسر؛ لعدم إمكان العمل بالوصيّة، و المفروض أنّه لم يقصد الرّضاض، و إعطاؤه بعد الرض ليس عملا بالوصيّة، و لذا لو رضّه الموصي في حياته كان ذلك رجوعا إجماعا؛ لزوال الاسم.
(و تصحّ الوصيّة بالكلاب المملوكة ككلب الصّيد و الماشية و الحائط
و الزّرع) إجماعا كما في التذكرة (1)، و الجرو القابل للتعليم و إن لم نقل بالملك، إذ يكفي في صحّة الوصيّة حقّ الاختصاص.
قال في التذكرة: و تصحّ الوصيّة بما يحلّ الانتفاع به من النجاسات كالكلب المعلّم، و الزيت النّجس؛ لاشتعاله تحت السّماء، و الزبل النجس؛ للاشتعال و التسميد به، و جلد الميتة إن سوّغنا الانتفاع به، و الخمر المحترمة؛ لثبوت الاختصاص فيها، و انتقالها من يد إلى يد بالإرث و غيره، و شحم الميتة؛ لتدهين السفن إن سوّغنا الانتفاع [به] (2).
ثمّ لو أوصى بأحد هذه التي لا تملك، فإن لم يكن له سواه اعتبر ثلثه، و إن كان له مال سواه، فأقوى الوجوه: أنّه يفرض له قيمة بحسب رغبات العرف- لو لم يكن منع شرعي- و فيه وجوه أخر.
الطرف الثاني (1)في الوصية المبهمة من أوصى بجزء من ماله، فيه روايتان، أشهرهما العشر، و في رواية سبع الثلث. و لو كان بسهم، كان ثمنا. و لو كان بشيء، كان سدسا.
و لو أوصى بوجوه، فنسي الوصي وجها، جعله في وجوه البرّ، و قيل:
يرجع ميراثا.
و لو أوصى بسيف معين و هو في جفن، دخل الجفن و الحلية في الوصيّة. و كذا لو أوصى بصندوق و فيه ثياب، أو سفينة و فيها متاع، أو جراب و فيه قماش، فإن الوعاء و ما فيه داخل في الوصية، و فيه قول آخر بعيد.
و لو أوصى بإخراج بعض ولده من تركته، لم يصحّ. و هل يلغو اللفظ؟
فيه تردد بين البطلان، و بين إجرائه مجرى من أوصى بجميع ماله لمن عدا الولد، فتمضى في الثلث، و يكون للمخرج نصيبه من الباقي، بموجب
1) لم نقف على شرح من المؤلّف قدّس سرّه لهذا الطرف، و أخذناه من الشرائع 2: 248.
الفريضة، و الوجه الأوّل، و فيه رواية بوجه آخر مهجورة.
و إذا أوصى بلفظ مجمل لم يفسره الشرع، رجع في تفسيره إلى الوارث كقوله: أعطوه حظا من مالي أو قسطا أو نصيبا أو قليلا أو يسيرا أو جليلا أو جزيلا. و لو قال: أعطوه كثيرا، قيل: يعطى ثمانين درهما كما في النذر، و قيل: يختص هذا التفسير بالنذر اقتصارا على موضع النقل.
و الوصية بما دون الثلث أفضل، حتى أنّها بالربع أفضل من الثلث، و بالخمس أفضل من الربع.
تفريع إذا عين الموصى له شيئا، و ادّعى [أنّ] (1)الموصي قصده من هذه الألفاظ، و أنكر الوارث، كان القول قول الوارث مع يمينه، إن ادعى عليه العلم و إلّا فلا يمين.
1) من شرائع الإسلام المطبوع في حاشية المسالك 1: 318، و انظر الجواهر 28: 332.
[الطرف الثالث (1)في أحكام الوصيّة إذا أوصى بوصية، ثم أوصى بأخرى مضادة للأولى، عمل بالأخيرة.
و لو أوصى بحمل، فجاءت به لأقل من ستة أشهر، صحت الوصية به.
و لو كانت لعشرة أشهر من حين الوصية، لم تصح. و ان جاءت لمدة بين الستة و العشرة، و كانت خالية من مولى و زوج، حكم به للموصى له.
و إن كان لها زوج أو مولى، لم يحكم به للموصى له، لاحتمال توهّم الحمل في حال الوصية و تجدده بعدها.
و لو قال: إن كان في بطن هذه ذكر فله درهمان، و إن كان أنثى فلها درهم. فإن خرج ذكر و أنثى، كان لهما ثلاثة دراهم.
أما لو قال: إن كان الذي في بطنها ذكر فكذا، و إن كان أنثى فكذا، فخرج ذكر و أنثى لم يكن لهما شيء.
1) لم نقف على شرح من المؤلّف قدّس سرّه لأوائل هذا الطرف أيضا.
و تصح الوصية بالحمل و بما تحمله المملوكة و الشجرة. كما تصح الوصية بسكنى الدار مدة مستقبلة]. (1)
(و لو أوصى بخدمة عبد، أو ثمرة بستان، أو سكنى دار، أو غير ذلك) (2)من فروع الأعيان، منافع كانت أو أعيانا (على التأبيد، أو مدّة معيّنة) صحّ من غير خلاف؛ لما تقدّم من صحّة الوصيّة بكلّ ما يقبل الانتقال إلى الغير من أموال الموصي أو ما يتعلّق بها، فيكفي في صحّة الوصيّة التسلّط على الموصى به عينا و بدلا، فلا يقدح عدم كون المنافع أموالا حقيقيّة، و لذا لا يؤجر المفلّس، و لا يحصل الاستطاعة من القدرة على إجارة الملك على ما قيل.
و الحاصل، أنّ مرجع هذه إلى الوصيّة باستيفاء هذا النماء من العين، فلو حصل بسبب هذا الاستحقاق نقص في العين بحسب القيمة احتسب من الثلث، و لو فرض صيرورتها بذلك غير مقوّمة احتسب تمام قيمتها من الثلث.
و يشكل فيما لو فات على الوارث معظم الانتفاع، كالخدمة المؤبّدة مع صلوحه للانتفاع في بعض الجهات، كالعتق فإنّه بمنزلة الحيلولة الموجبة لتمام القيمة، و لذا قيل بتقويم المنفعة و العين كليهما على الموصى له (3)، نظيره ما لو باع المريض بثمن مؤجّل، فإنّه نصّ في التذكرة على أنّ للورثة أن يفسخوا البيع في ثلثي المبيع و إن باعه المريض بأزيد من ثمن المثل؛ لأنّ
تفويت يدهم على الثمن كتفويت أصله عليهم (1).
و يؤيّده: رواية واردة في الوصيّة بإسكان شخص داره مدّة عمره، حيث صرّح فيها بتقويم الدار على الورثة من الثلث (2).
و هنا قول ثالث: و هو تقويم المنفعة على الموصى له و عدم تقويم العين عليه و لا على الوارث (3)، أمّا عليه؛ فلعدم انتقاله إليه و إن كان سببا لفوات يد الوارث عنها، و أمّا الوارث فلفوات يده و تحقق الحيلولة.
مثال المسألة: ما لو أوصى له بخدمة عبد مؤبّدة، و قيل: إنّ قيمة العبد بدون سلب المنفعة منه مائة، و قيمته مسلوب المنفعة عشرة، فالعشرة محسوبة على الوارث على الأوّل، و على الموصى له مضافة إلى التسعين على القول الثاني، و غير محسوبة على أحد على القول الثالث.
و لو أوصى بمنفعة العين مدّة، ففيه احتمال آخر- و هو تقويم نفس المنفعة بأجرة المثل و إخراجها من الثلث- عن بعض الشافعيّة، و نسب في جامع المقاصد خلافه إلى الأصحاب (4)، لكنّه يظهر من كلام الشيخ (5)، بل ربّما يوهمه كلام من عبّر مثل الماتن قدّس سرّه: (قوّمت المنفعة، فإن احتمله الثلث و إلّا أخرج ما يحتمله (6)).
و ضعّفه جماعة من العامة و الخاصّة بأنّ المنفعة ليست من التركة، و إنّما
المتروك عين ينتفع بها، و الوصيّة بالمنفعة تصرّف في تلك العين، فيحسب على الموصي ما ينقص من تلك العين، و هي صفة الانتفاع في المدّة المعيّنة، فيقوّم هذا الوصف (1).
و مراد من عبّر بعبارة المصنّف قدّس سرّه- كما صرّح به في الإرشاد (2)-:
تقويم المنفعة قائمة بالعين، فيراد بها الوصف. و يشهد لذلك جمع المصنّف قدّس سرّه بهذه العبارة بين حكم المنفعة المؤبّدة و الموقّتة، مع أنّ تقويم المنفعة لا يستقيم في المؤبدة إلّا قائمة بالعين، بمعنى تقويم العين منتفعا بها و مسلوبة المنفعة.
ثمّ إنّ كيفيّة إخراج التفاوت من الثلث: أن يعطى الموصى له ثلث المنفعة الموصى بها، فله في المؤبّدة- إذا لم يخلّف غير تلك العين- ثلث المنفعة المؤبّدة، و في الموقتة عشر سنين، ثلثها في عشر سنين.
و يحتمل أن يعطى من منفعة العشر سنين مقدارا يكون التفاوت بين وجودها في العين و سلبها ثلث تفاوت وجود الكلّ و عدمه، فإذا قيل: إنّ تفاوت وجود الانتفاع ثلاث سنين و عدمه ثلث تفاوت وجود الانتفاع الدائم أو عشر سنين، أعطيه، و لعلّ الأوّل أوضح.
و يظهر من الحلّي في السرائر إعطاؤه من المنفعة بقيمة أجرة المثل ما يتحمّله الثلث، فيلاحظ ثلث الميّت، و يعطى من المنفعة مدّة يكون اجرة العين في تلك، ثلث (3)التركة (4).
و هو في محلّه؛ لأنّ الموصي إنّما يحسب عليه ما فات على الورثة، و هو قيمة التفاوت، لا ما يحصل من ذلك بعد صيرورته للموصى له، فإنّ الموصى له إنّما يصير مالكا للمنفعة المقوّمة بأجرة المثل بسبب سلطنته على العين في المدّة بمقتضى الوصيّة، لا لأنّ هذا المال المقوّم بأجرة المثل من التركة فات على الورثة فيحسب من الثلث.
و بعبارة أخرى: المحسوب من الثلث فيه ما فات من التركة على الورثة، لا قيمة ما تملّكه الموصى له بسبب الوصيّة، فافهم.
ثمّ إنّ حكم اللّبن و الثمرة من الأعيان المعدومة حكم المنفعة في الاحتمالات المتقدّمة، و ربّما توهم عبارة القواعد تقويم نفس اللبن خاصّة (1)، لكن مراده من قوله «خاصّة» عدم تقويم العين هنا على الموصى له كما قيل ذلك في المنفعة؛ لبقاء العين منتفعا بها، و عدم خروجها عن الماليّة لأجل الوصيّة باللبن دائما، كما صرّح به في العبارة، و يتّضح اندفاع هذا التوهم بالتأمّل فيما يفهم من عبارة القواعد فضلا عمّا صرّح به، فافهم.
ثمّ إنّه لا يجوز للموصى له وطء الجارية الموصى له بمنافعها كالجارية المستأجرة؛ لأنّ الاستمتاع منفعة لا يبيحها إلّا ملك العين، أو العقد بقسميه، أو التحليل على وجه خاص، و لو جعلنا التحليل من ملك اليمين، فالمراد به تملّك الانتفاع الخاصّ، و هو الاستمتاع بوجه خاص، و لذا لا يصحّ بلفظ التمليك فضلا عن الإجارة و الإعارة.
و ليس للوارث أيضا وطؤها، لتعلّق حقّ الغير به، و وطؤها تعريض
1) القواعد 1: 302.
للحمل المعرّض للتلف و العجز عن القيام بحقّ الموصى له، كذا قيل (1)، و فيه نظر لو لم يكن إجماع.
أمّا ما عدا الوطء من النظر و اللمس، فالظاهر جوازها للوارث بخلاف الموصى له.
ثمّ لو وطئت هذه الجارية، فإن كان الواطئ أجنبيّا، فلا إشكال في لزوم العقر (2)، إنّما الكلام في مستحقّه، فإنّ فيه وجهين:
من أنّ الوطء ليس حقّا للموصى له، فلا يملك بدله، فهو لمالك العين و إن لم يستحقّ منافعها فهو بمنزلة نفس الجارية لو كانت حرّة، فإنّ بدل وطئها لها، لا لمن يستحقّ منافعها.
و من أنّ الموصى له و إن لم يستحقّ الاستمتاع بها، إلّا أنّ العقر ليس بدلا حقيقيّا عن الاستمتاع؛ لأنّ منفعة البضع لا يعامل معها معاملة الأموال، فليست مالا و لا حقّا ماليّا، و لذا لا يصالح عنه، و لا يسقط، و لا يستحقّ بعقد غير العقود المنصوصة.
و ما جعله الشارع من المال بإزاء الوطء ليس عوضا حقيقيّا عنه حتّى يستحيل دخوله في ملك من لم يستحقّ المعوّض، فهو بمنزلة منفعة جديدة حصلت للموصى بها، و كذا حكم الصداق لو زوّجاها، و ليس لأحدهما الاستقلال بتزويجها كالمرهونة.
ثمّ إن أتت بولد من الوارث، فلا إشكال في حرّيته، و في استحقاق
الموصى له قيمته و عدمه وجهان.
و إن أتت بولد من الموصى له، فقد ذكروا أنّه أيضا حرّ؛ لأنّه ولد شبهة؛ لزعم الواطئ الاستحقاق. و لو علم الحرمة فالظاهر أنّه زنا و الولد رقّ، و في استحقاق الوارث القيمة عليه الوجهان، و كذا الوجهان في الولد من الأجنبيّ.
و يستحقّ الوارث القصاص.
و لو قتل خطأ احتمل استحقاق الوارث تمام الدية؛ لانتهاء مدّة الوصيّة بموت الموصى به، و يحتمل تقسيط الدية على الرقبة المسلوبة، و على التفاوت الحاصل بين ذي المنفعة و مسلوبها، و يحتمل أن يشترى بقيمته جارية تكون بدلا عن المقتول.
و لو جني عليها (1)،
فإن لم يؤثّر في نقص منفعتها فالظاهر أنّ الدية للوارث، و إلّا يقسّط على الرقبة و المنافع، و يحتمل اختصاص [الوارث] (2)به.
و قال في التذكرة: لو وهب الموصى له بالخدمة و المنافع، العبد منافعه و خدمته و أسقطهما، كان للورثة الانتفاع به؛ لأنّ ما يوهب للعبد لسيده (3)انتهى.
(و) كيف كان، فالمشهور أنّه (إذا أوصى بخدمة عبد مدّة معيّنة فنفقته على الوارث)، لا يعان على نفقته (لأنّها تابعة للملك).
و منه يظهر وجه الحكم فيما لو أوصى بخدمته ما دام العمر، إلّا أنّه يحتمل هنا أن يكون عليهما بنسبة المنفعة و العين، و إلّا لزم الضرر، و يحتمل ضعيفا كونه على الموصى له.
(و للموصى له التصرّف في المنفعة) نظير الأجير الخاصّ المملوك منافعه (و للورثة التصرّف في الرّقبة ببيع و عتق) من غير فرق بين الموصى بمنفعته مؤبّدا (و غيره).
و يحتمل منع البيع في المؤبّد؛ لأنّه بيع مسلوب المنفعة.
و فيه: أنّه يجوز الانتفاع به في العتق، نعم، لو فرض عدم صلاحيّته للعتق أشكل الحكم.
(و) إذا بيع أو أعتق، فلا إشكال في أنّه (لا يبطل حقّ الموصى له بذلك)؛ لعدم المبطل.
(و إذا (1)أوصى له بقوس، انصرف) إطلاقه (إلى) واحد من (قوس النشاب) و هو العجمي، (و) قوس (النبل) و هو العربي، (و الحسبان) و هو على ما قيل قوس يكون سهامه صغارا تجمع في قصبته ثمّ يرمى بها فتفرّق بين الناس، فلا تمرّ بشيء إلّا عقرته لشدّتها.
و أمّا قوس البندق و نحوه، فلا يفهم (إلّا مع قرينة) صارفة عن تلك الثلاثة (تدلّ على غيرها) فيتّبع مفاد القرينة.
(و كلّ لفظ وقع على أشياء) باعتبار جامع وضع له مع كون وقوعه (وقوعا متساويا) بأن يكون متواطئا لا مشكّكا (فللورثة الخيار في تعيين ما شاءوا) من أفراده؛ لأنّ أعيان أموال الميّت بأجمعها حقّ الوارث،
1) في الشرائع: و لو.
إلّا مصداق الوصيّة حتّى لا يلزم تبديلها، و حتّى يصدق كون الإرث بعد إيفاء الوصيّة، و هو يحصل بما يختاره الورثة، إذ لو كان للموصى له الامتناع من أخذ مختارهم، لكان له سلطنة أخرى على تعيين الموصى به غير التسلّط على أصله، و ما نحن فيه أشبه شيء ببيع الكلّي من صبرة معيّنة، بل ببيع الكلّي في الذمّة أيضا.
و ممّا ذكرنا [ظهر] أنّ الحكم لا يختصّ بما إذا أمر الموصي بإعطاء الكلّي، حتّى يقال: إنّ الامتثال يحصل بكلّ فرد، بل الكلام في استحقاق الموصى [له] للتّعيين، و إلّا فالحكم في المقام وضعيّ و إن عبّر عنه الموصي بالطلب. نعم، لو نصّ الموصي على أنّ له ما اختار من الأفراد المملوكة، كان الخيار للموصى له.
هذا كلّه لو كان وقوعه على الأشياء باعتبار جامع موضوع له، أمّا لو كان باعتبار وضع اللّفظ لكلّ من تلك الأشياء، فإن علم إرادة المسمّى من اللّفظ على طريق عموم الاشتراك فهو كالوضع للقدر المشترك، و إلّا فالحكم فيه القرعة. و لعلّ مستند المشهور في الحكم بتخيير الوارث، هو دعوى ظهور المشترك في كلام الموصي إذا لم ينصب قرينة في إرادة المسمّى، فإن تمّت و إلّا فالأقوى فيه القرعة، لتملّك الموصى له شيئا معيّنا في الواقع، فاختيار الوارث لا يؤثّر في موافقة الموصى به واقعا.
و دعوى كونه كالتكليف بالمشترك اللفظي- بناء على جريان أصالة البراءة و التخيير بين المحتملات- قياس فرع بأصل ممنوع مع وجود الفارق، كما لا يخفى، و أصالة عدم استحقاق غير ما يختاره الوارث لا يثمر في
وجوب إنفاذ الوصيّة على وجهها، و إلّا لعورضت بأصالة عدم استحقاق ما يختاره.
و اعلم أنّ قول المصنّف قدّس سرّه: (فلو قال (1)أعطوه قوسي، و لم يكن له إلّا (2)قوس واحدة، انصرفت [الوصية] (3)إليها، من أيّ الأجناس كانت) غير (4)متفرّع على شيء ممّا تقدّم. نعم، يتفرّع عليه ما ذكره من قوله: (و لو أوصى برأس من مماليكه، كان الخيار في التعيين إلى الورثة) و لا يتوهّم هنا ثبوت حقّ للمماليك، (فيجوز أن يعطوا صغيرا أو كبيرا، صحيحا أو معيبا) ذكرا أو أنثى أو خنثى.
(و) كما يترتّب على الوصيّة بالكلّي تخيير الوارث، كذلك يترتّب عليه أنّه (لو هلك مماليكه بعد الموت (5)إلّا واحدا تعيّن) ذلك الواحد (للعطيّة) لإمكان العمل بالوصيّة فتجب، (فإن ماتوا) أجمع (بطلت الوصيّة) و لو كان الموت تدريجيا، لم يبعد كون موت الأخير في ملك الموصى له، فيجب عليه تجهيزه.
و في التذكرة: لو مات واحد منهم بعد موت الموصي و قبول الموصى له فللوارث تعيينه فيه، حتّى يجب تجهيزه و أخذ قيمته إن قتل (6).
(و إن قتلوا) على وجه يوجب القيمة (لم تبطل) الوصيّة، بل ينتقل إلى البدل (فللورثة (1)أن يعيّنوا له من شاءوا، أو يدفعوا قيمته إن صارت إليهم) و إلّا فيرجع إلى الجاني، و في المقتول أخيرا ما ذكر في الموت، و لو قتلوا في حياة الموصي فأظهر الوجهين: بطلان الوصيّة، و احتمال تعلّقها بالقيمة ليس له وجه ظاهر.
(و) اعلم أنّه لا إشكال في أنّه (تثبت الوصيّة) مطلقا (بشاهدين مسلمين عدلين) كما هو الأصل في كلّ حق إلّا ما خرج بالدليل، هذا مع تمكّن الموصي من إشهاد العدلين،
(و) أمّا (مع الضرورة) (2)بمجرّد (عدم (3)) التمكّن من إشهاد (عدول المسلمين) عند إرادة الوصيّة و إن لم تجب، (تقبل شهادة) عدول خصوص أهل الكتاب من (أهل الذمّة) في الأموال (خاصّة).
و الأصل في المسألة- قبل الإجماع- نصّ الكتاب شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ فَيُقْسِمٰانِ .. الآية (4).
و قوله «أَوْ آخَرٰانِ» عطف على «اثنان» بعد ملاحظة الاتّصاف بالعدالة، فيدلّ على اعتبارها في الآخرين.
و لو نوقش في كون العطف بعد الملاحظة، كفى في اعتبار العدالة- بعد الأصل- بعض الروايات (1).
و مقتضى إطلاق الآية- كبعض الروايات-: عدم الانحصار في أهل الذمّة، إلّا أنّ الإطلاق في الآية ينصرف إلى الغالب في زمان صدور الآية، من عدم اختلاط المسلمين في صدر الإسلام إلّا بأهل الكتاب من الكفّار.
نعم، في بعض الروايات إلحاق المجوس مشروطا بعدم التمكّن من الذّمي، معلّلا بقوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (2)، لكنّ المشهور خلافه؛ لأنّ إطلاق الذمي- في كلامهم- ينصرف إلى خصوص أهل الكتاب، و إن كان المجوس أهل ذمّة أيضا، و لو سلّم الإطلاق كان أيضا مخالفا للرواية المشترطة بعدم أهل الكتاب (3).
(و يقبل (4)في الوصية بالمال، شهادة واحد مع اليمين، أو شاهد و امرأتين.
و يقبل شهادة الواحدة في ربع ما شهدت به، و شهادة اثنتين في النصف، و ثلاث في ثلاثة الأرباع، و شهادة الأربع في الجميع.
و لا تثبت الوصية بالولاية إلّا بشاهدين، و لا تقبل شهادة النساء في ذلك. و هل تقبل شهادة شاهد مع اليمين؟ فيه تردد، أظهره المنع.
و لو أشهد إنسان عبدين له على حمل أمته، أنّه منه، ثم مات فأعتقا
1) الوسائل 13: 392، الباب 20 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 7، و فيه: رجلين ذميّين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما.
2) الوسائل 11: 98 الباب، 49 من أبواب جهاد العدو، الحديث 9.
3) الوسائل 13: 391، الباب 20 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 6.
4) من هنا إلى آخر الفصل، من الشرائع، و لم نقف على شرح له من المؤلف قدّس سرّه.
و شهدا بذلك، قبلت شهادتهما و لا يسترقهما المولود، و قيل: يكره، و هو أشبه.
و لا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، و لا ما يجرّ به نفعا أو يستفيد منه ولاية. و لو كان وصيا في إخراج مال معيّن، فشهد للميت بما يخرج به ذلك المال من الثلث، لم يقبل.
مسائل أربع الأولى: إذا أوصى بعتق عبيده و ليس له سواهم، أعتق ثلثهم بالقرعة، و لو رتّبهم أعتق الأوّل فالأوّل حتى يستوفي الثلث، و تبطل الوصية فيمن بقي. و لو أوصى بعتق عدد مخصوص من عبيده، استخرج ذلك العدد بالقرعة، و قيل: يجوز للورثة أن يتخيّروا بقدر ذلك العدد و القرعة على الاستحباب، و هو حسن.
الثانية: لو أعتق مملوكه عند الوفاة، منجّزا و ليس له سواه، قيل: أعتق كلّه، و قيل: ينعتق ثلثه، و يسعى للورثة في باقي قيمته، و هو أشهر، و لو أعتق ثلثه يسعى في باقية، و لو كان له مال غيره، أعتق الباقي من ثلث تركته.
الثالثة: لو أوصى بعتق رقبة مؤمنة وجب، فإن لم يجد، أعتق من لا يعرف بنصب. و لو ظنّها مؤمنة فأعتقها، ثم بانت بخلاف ذلك أجزأت عن الموصي.
الرابعة: لو أوصى بعتق رقبة بثمن معيّن، فلم يجد به لم يجب شراؤها، و توقّع وجودها بما عيّن له. و لو وجدها بأقلّ، اشتراها و أعتقها و دفع إليها ما بقي).
الفصل الرابع (1)في الموصى له و يشترط فيه الوجود، فلو كان معدوما لم تصحّ الوصية له، كما لو أوصى لميّت، أو لمن ظن وجوده، فبان ميّتا عند الوصية، و كذا لو أوصى لما تحمله المرأة، أو لمن يوجد من أولاد فلان.
و تصح الوصية للأجنبي و الوارث، و تصح الوصية للذمّي، و لو كان أجنبيا، و قيل: لا يجوز مطلقا، و منهم من خصّ الجواز بذوي الأرحام و الأوّل أشبه. و في الوصية للحربي تردد، أظهره المنع.
و لا تصح الوصية: لمملوك الأجنبي، و لا لمدبّرة الأجنبي، و لا لأمّ ولده، و لا لمكاتبه المشروط أو الذي لم يؤدّ من مكاتبته شيئا و لو أجازه مولاه، و تصح لعبد الموصي و لمدبّره، و مكاتبه، و أمّ ولده.
و يعتبر ما يوصي به لمملوكه، بعد خروجه من الثلث، فإن كان بقدر
1) لم نقف على شرح المؤلّف قدّس سرّه لهذا الفصل بأكمله.
قيمته أعتق، و كان الموصى به للورثة. و إن كانت قيمته أقلّ، اعطي الفاضل.
و إن كانت أكثر، سعى للورثة فيما بقي، ما لم تبلغ قيمته ضعف ما اوصي له به، فإن بلغت ذلك، بطلت الوصية، و قيل: تصح، و يسعى في الباقي كيف كان، و هو حسن.
و إذا أوصى بعتق مملوكه و عليه دين، فإن كانت قيمة العبد بقدر الدين مرّتين، أعتق المملوك و يسعى في خمسة أسداس قيمته. و إن كانت قيمته أقلّ، بطلت الوصية بعتقه، و الوجه أن الدين يقدّم على الوصية فيبدأ به، و يعتق منه الثلث ممّا فضل عن الدين. أما لو نجّز عتقه عند موته، كان الأمر كما ذكرنا أولا، عملا برواية عبد الرحمن عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام.
و لو أوصى لمكاتب غيره المطلق، و قد أدّى بعض مكاتبته، كان له من الوصية بقدر ما أدّاه.
و لو أوصى الإنسان لأمّ ولده، صحت الوصية من الثلث، و هل تعتق من الوصية أو من نصيب ولدها؟ قيل: تعتق من نصيب ولدها، و تكون لها الوصية. و قيل: بل تعتق من الوصية، لأنّه لا ميراث إلّا بعد الوصية.
و إطلاق الوصية يقتضي التسوية، فإذا أوصى لأولاده، و هم ذكور و إناث، فهم فيه سواء، و كذا لأخواله و خالاته، أو لأعمامه و عمّاته، و كذا لو أوصى لأخواله و أعمامه، كانوا سواء على الأصح، و فيه رواية مهجورة.
أما لو نص على التفضيل اتبع.
و إذا أوصى لذوي قرابته، كان للمعروفين بنسبه، مصيرا إلى العرف.
و قيل: كان لمن يتقرّب إليه، إلى آخر أب و أمّ له في الإسلام، و هو غير مستند إلى شاهد.
و لو أوصى لقومه، قيل: هو لأهل لغته. و لو قال لأهل بيته دخل فيهم
الأولاد و الآباء و الأجداد. و لو قال لعشيرته، كان لأقرب الناس إليه في نسبه.
و لو قال لجيرانه، قيل: كان لمن يلي داره إلى أربعين ذراعا من كل جانب، و فيه قول آخر مستبعد.
و تصح الوصية للحمل الموجود، و تستقرّ بانفصاله حيّا. و لو وضعته ميتا بطلت الوصية، و لو وقع حيا ثم مات، كانت الوصية لورثته.
و إذا أوصى المسلم للفقراء، كان لفقراء ملّته، و لو كان كافرا انصرف إلى فقراء نحلته.
و إذا (1)أوصى لإنسان، فمات قبل الموصي، قيل: بطلت الوصية، و قيل: إن رجع الموصي بطلت الوصية، سواء رجع قبل موت الموصى له أو بعده، و إن لم يرجع، كانت الوصية لورثة الموصى له، و هو أشهر الروايتين.
و لو لم يخلّف الموصى له أحدا، رجعت إلى ورثة الموصي. و لو قال: أعطوا فلانا كذا و لم يبيّن الوجه، وجب صرفه إليه يصنع به ما شاء.
و لو أوصى في سبيل اللّٰه، صرف إلى ما فيه أجر، و قيل: يختصّ بالغزاة، و الأوّل أشبه.
و تستحبّ الوصية لذوي القرابة وارثا كان أو غيره. و إذا أوصى للأقرب، نزّل على مراتب الإرث، و لا يعطى الأبعد مع وجود الأقرب.
1) في بعض النسخ: و لو.
الفصل الخامس في الأوصياء (و يعتبر في الوصي العقل و الإسلام، و هل يعتبر) في الوصي (العدالة؟ قيل: نعم) و هو المشهور، بل عن الغنية: الإجماع (1)(لأنّ) التّسليط على مال في زمان لا وليّ عليه يتوقّف على كون المسلّط عليه أمينا، و (الفاسق لا أمانة له) للعلّة المنصوصة في الآية (2)، الموجبة للتثبّت، فإنّ ما أوجب عدم الاعتماد على خبره هو الموجب لعدم الاعتماد على جميع أموره، و هو التعرّض للندامة الحاصلة من الاعتماد عليه.
ثمّ متعلّق الوصيّة إن كان مال الورثة الصغار أو الكبار، كان تولية
الفاسق عليه جنفا، و تعريض الورثة للتضرّر، و إن كان ثلث الموصي، فإن أوصى به لجهة عامّة كالفقراء، كانت الوصيّة تولية لغير الأمين على حقوق الغير.
و دعوى أنّ الموصي إنّما جعله حقّا للغير على هذا الوجه الخاصّ، و هو أن يكون النّظر فيه لذلك الشخص، مدفوعة بمنع كون القيد مقوّما للوصيّة، و إلّا لزم على تقدير موت الوصيّ، أو عجزه، أو ظهور خيانته انتفاء الوصيّة، و ليس كذلك إجماعا، فتولية الفاسق على مال الفقراء- فيما نحن فيه- مطلب آخر لم يمضه الشارع، لمخالفته للمشروع.
و عموم مثل قوله عليه السلام: «جائز للميّت ما أوصى على ما أوصى به إن شاء اللّٰه» (1)- لو سلّم عدم اختصاصه بالقيود المقوّمة للوصيّة الراجعة إلى أنحاء الوصيّة نظير قوله عليه السلام: «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» (2)في عدم الدلالة على جواز تولية الفاسق، فلا يشمل جعل الوصي- معارض بعموم التعليل في آية التثبّت، و الظاهر حكومته عليه، و لذا لم يجز للحاكم أن يولّي الفاسق في الأمور الحسبيّة، و لم يجز للأب استئمان الفاسق على مال ولده الصغير.
و بالجملة، عموم التعليل مانع عن تولية الفاسق على أمر، إلّا الأمور الّتي لا يجب شرعا ملاحظة المصلحة أو عدم المفسدة فيها، كتوكيل الفاسق في ماله، و إيداعه إيّاه، فإنّ المقصود ليس استصلاح المال، و لذا جاز هبته
للفاسق (1).
هذا مع أنّ إبقاء الوصيّة على ما أوصى و عدم تبدّلها يحصل بالتزام ضمّ أمين إلى الوصيّ المذكور؛ ليكون ناظرا عليه، كما يظهر من العلّامة في التحرير في مسألة الإيصاء إلى الخائن (2).
هذا، (و) ممّا ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على ما (قيل) من أنّه (لا) يعتبر العدالة (لأنّ المسلم محلّ للأمانة كما في الوكالة و الاستيداع) (3)و قد عرفت أنّ مبنى هذين الأمرين ليس على ملاحظة المصلحة، بل و لا عدم المفسدة، و لذا لا اختصاص لهما بالمسلم فضلا عن العادل، و تولية الغير على حقّ الغير يعتبر فيه ملاحظة عدم المفسدة لا أقلّ من ذلك.
(و) ظهر أيضا ضعف قولهم (لأنّها ولاية تابعة لاختيار الموصي فيتحقّق بتعيينه) فقد عرفت أنّه ليس للموصي تعريض مال الوارث للتلف، و كذا تولية الفاسق على ما جعله للفقراء، التي يرجع إلى عدم تعلّق غرضه بوصوله إليهم.
و دعوى أنّه قد يثق بإيصاله إليهم، خروج عن المتنازع، إذ النزاع في الفاسق مع قطع النظر عن صفة زائدة توجب الظنّ بفعله.
نعم، قد يشكل فيما لا حقّ للغير فيه، و إنّما الحقّ للميّت، مثل ما إذا جعله وصيّا في صرف ثلثه فيما يرجع إلى الميّت من النيابة في العبادات، فإنّه لا دليل في المقام على وجوب مراعاة المصلحة أو عدم المفسدة.
اللّٰهم إلّا ان يدّعى أنّ المال المذكور يصير بالوصيّة محبوسا على المصرف المذكور، و لا تسلّط للميّت عليه، فيجب صرفه في المصرف المذكور، فلا يجوز أن يتولّى ذلك من لا وثوق بفعله، و تولية الميّت له يكون تولية على المال في زمان لا سلطنة له عليه، و أدلّة نفوذ وصيّته تدلّ على تسلّطه على ماله، فإذا جعل ماله محبوسا في مصرف كان هو كغيره في عدم جواز تفويض ذلك إلى من لا وثوق بفعله، و ذلك نظير الوقف، فإنّه و إن كان الواقف مسلّطا على وقفه بأيّ وجه كان، إلّا أنّه بعد فرض وقفه على وجه من الوجوه (1)ليس له أن يولّي أمره الفاسق.
و دعوى: أنّ التولية ليست بعد الوقف و الوصيّة و إنّما هي في ضمنهما، مدفوعة: بما عرفت من أنّ التولية ليست (2)من القيود اللّاحقة لنفس الوقف و الوصيّة، و إنّما هي (3)جعل مستقلّ في ضمنهما يشبه الشروط في ضمن العقود، بل أولى بالاستقلال، و لذا لا يبطل أصل الوقف و الوصيّة بتولية الفاسق- بناء على اشتراط العدالة- و إنّما يلغو التولية.
لكنّ الإنصاف أنّ المسألة لا تصفو عن الإشكال، فإنّ التولية في الوقف ترجع إلى التولية على مال الغير و هو الموقوف عليه، بخلاف ما نحن فيه، فدعوى: وجوب مراعاة المصلحة، أو عدم المفسدة عليه فيما لا يرجع إلّا إلى نفسه من مصارف الثلث، محلّ نظر، فكان القول بالتفصيل في المسألة بين ما يتعلّق بحقّ الغير- و لو كان صيرورته حقّا بنفس الوصيّة كالوصيّة
للفقراء- فيعتبر فيه العدالة، و بين ما لا يتعلّق بحقّ غير الميّت فلا يعتبر، لا يخلو عن قوّة.
و أولى منه: ما لا يتعلّق بمال أصلا، كالوصيّة بمباشرة بعض الأمور المتعلّقة بتجهيزه، و نحو ذلك، و هذا التفصيل حكي عن المهذّب نسبته إلى بعض (1)، لكنّه مبنيّ على تسليم اشتراط العدالة في متولّي الوقف- الّذي مبناه على وجوب مراعاة المصلحة فيما يصير بنفس الوقف و الوصيّة حقّا للغير- و هو و إن كان مشهورا، بل حكي عن بعض الاتّفاق عليه (2)، لكن ما ذكرنا في وجهه من عدم الفرق بين تولية نفس الواقف و الموصي في ضمن الوقف و الوصيّة، و بين تولية غيره من الحاكم، أو عدول المؤمنين- في وجوب مراعاة المصلحة فيه- يمكن الاستشكال فيه: بأنّ المسلّم وجوب مراعاة المصلحة فيما صار بالوقف أو الوصيّة حقّا للغير.
و أمّا وجوب إيقاع الوقف و الوصيّة على وجه لا يهمل فيهما حقّ الموقوف عليه و الموصى له، فلا دليل عليه، و لذا اتفقوا على الظاهر المصرّح به على جواز جعل النظر في الوقف لنفسه و إن كان فاسقا، بل صرّح في التحرير: بأنّه لو جعل النظر إلى الأرشد عمل به، و [إن] (3)كان الأرشد فاسقا، فالأقرب عدم ضمّ عدل إليه (4)، بل صرّح في التذكرة- في مطلق المتولّي-: لو اشترط التولية لغيره بظنّ العدالة اشترطت، ثمّ قال: و لو علم
فسقه و شرطها له فالأقرب اتباع شرطه (1)انتهى.
فاشتراط العدالة فيما لا يتعلّق بحقّ الورثة محلّ تأمّل.
ثمّ إنّها على تقدير اعتبارها ليست على حدّ سائر الشروط شرطا واقعيّا في وصاية الوصي، و إن لم يعلم به الموصي، بل هي شرط علمي لصحّة الإيصاء، فلو أوصى إلى من لا يعلم عدالته لم يصحّ الإيصاء و إن كان عدلا في نفس الأمر.
و لو أوصى إلى من ظاهره العدالة و كان فاسقا في نفس الأمر، صحّت وصايته و نفذ عمله على طبق [الوصاية] (2)، و ليس ضامنا كالأجنبيّ، فلو تبيّن فسقه حين العمل، و لكن ثبت مطابقة عمله للوصيّة بشهادة عدلين لم يضمن.
و لو أوصى إلى فاسق جازما بأنّه يقوم بما أوصى به، واثقا بكون تصرّفاته على طبق المصلحة صحّ.
و بالجملة، فاشتراطها هنا نظير اشتراطها في الاستنابة للعبادات اللازمة، فالشرط في الحقيقة هو وثوق الموصي شرعا بسبب العدالة، أو حقيقة من جهة القطع بعدم المخالفة، و كون اشتراطها على هذا الوجه هو الذي يقتضي استدلالهم بأنّ الوصيّة إلى الفاسق ركون إليه في أفعاله منهيّ عنه بالآية (3)، و أنّها أمانة، و الفاسق غير مؤتمن؛ لوجوب التبيّن في خبره.
و قد صرّح بما ذكرناه جماعة كجامع المقاصد (1)، و صاحب المسالك (2)، و غير واحد ممّن تأخّر عنهما (3)، و نسب إلى التذكرة و لم أجده فيها (4)، نعم، يظهر من بعض كلماته في التحرير، قال: لو أوصى إلى الخائن فالأقرب بطلان الوصيّة، و كان كمن لا وصيّ له، و لو قيل بجوازه و ضمّ أمين إليه إن أمكن الحفظ، و إلّا فلا، كان وجها (5)انتهى.
فإنّ ظاهره أنّه لو طابق عمله الواقع و لو تبيّن ذلك فيما بعد، أو علم من أوّل الأمر عدم خيانته، صحّ ذلك.
و قال في المقنعة- بعد اشتراط العدالة في الوصيّ-: و لا بأس بالوصيّة إلى المرأة إذا كانت عاقلة مأمونة (6)انتهى.
فاستغنى عن ذكر العدالة بما هو المقصود منها.
و الظاهر أنّ ما ذكرنا متّفق عليه بينهم على ما يظهر من استدلالاتهم، و استغراب بعض المعاصرين (7)ذلك من صاحب الرياض (8)بمنافاته لظاهر كلّ من ذكر هذا الشرط في سياق سائر الشروط، كالعقل و نحوه، الظاهر في
1) جامع المقاصد 11: 275.
2) المسالك 1: 326.
3) منهم: الجواهر 28: 395 و الكفاية: 150 و الحدائق 22: 560، إلّا أنّه قال:و بالجملة فإن المسألة عارية من النص، و الاحتياط فيه مطلوب.
4) بل ما في التذكرة (2: 511) صريح في اشتراطه العدالة في الوصيّ.
5) التحرير 1: 303.
6) المقنعة: 668.
7) الجواهر 28: 397.
8) الرياض 2: 54.
انعدام المشروط بانعدام الشرط، استغراب لما اتفقوا عليه ظاهرا، لشهادة كلماتهم التي يستفاد منها بأدنى تأمّل: إنّ العدالة إنّما اعتبرت طريقا شرعيّا إلى الواقع، فإذا أحرز الواقع لم يقدح انتفاؤها.
ثمّ إنّ الوثوق المذكور شرط لتحقّق ولاية الوصيّ، فكما أنّه لو أوصى إلى فاسق كان لغوا غير مؤثّر، فلو أوصى إلى من يعتقد عدالته، فاعتقده الغير فاسقا، لم يكن له ترتيب أحكام الوصيّ عليه؛ لأنّ تصرّفاته غير مأمونة، و فساد وصايته في الواقع، و لا يكفي وثوق الموصي فقط، فإنّه إنّما اعتبر (1)ليوثق بتصرّفاته.
نعم، لو كان مجهول الحال عند الغير أمكن الحكم بجواز المعاملة معه؛ لأصالة صحّة وصايته، و نظير ذلك قيّم الحاكم الذي نصبه باعتقاد العدالة مع فسقه واقعا.
ثمّ إنّ مقتضى اشتراط العدالة في كلام الجماعة: عدم كفاية عدم ظهور الفسق، خصوصا بعد ملاحظة تعليل المنع في الفاسق بوجوب التبيّن في خبره الثابت في مجهول الحال، للإجماع على لحوق المجهول بالفاسق في عدم الاعتناء بأفعاله، و لأنّ ظاهر أدلّة اعتبار العدالة في موارد اعتبارها هو اعتبار وجود ما يوجب الوثوق بفعل الشخص و قوله، و عدم الاعتناء بالفاسق ليس لفسقه، بل لعدم الأمن، و عدم الرادع الموجب للوثوق به، و إلّا فالفسق بنفسه ليس أمارة للخيانة و مخالفة الحقّ، و هذا المعنى لا يتفاوت فيه الفاسق و المجهول.
فتحقّق من ذلك: أنّ الوثوق المحرز لملكة العدالة شرط ينتفي
1) و في «ص» و «ع»: اعتبرت.
المشروط بانتفائه المتحقّق في المجهول الحال، و لا يحتاج فيه إلى نفي الملكة بأصالة عدمها- كما في غيرها من الشروط المشكوكة- لأنّ الشرط هو الوثوق الشرعي المتحقّق بالملكة، و هو معلوم الانتفاء في المجهول، لا أنّ نفس الملكة شرط، و الأصل عدمها عند الشك، و لذا لم يكن طرح خبر مجهول (1)الحال متوقّفا على أصالة عدم الملكة، و ليس الفسق مانعا هنا، بل و لا في المقامات التي اعتبر فيها العدالة، لأجل الوثوق.
نعم، إلّا على مذهب [من] (2)يجعل الإسلام و عدم ظهور الفسق دليلا على العدالة، و الكلام بعد الإغماض عن هذا القول و الفراغ عن بطلانه، بل القائل بهذا القول لا ينكر اشتراط العدالة و لا يوجب الفسق مانعا، إلّا أنّه يدّعي أصالة العدالة في المسلم المجهول الحال.
و كيف كان، فالظاهر أنّ المسألة- هنا و في نظيره من المقامات- لا ينبغي أن [يكون] (3)محلّا للخلاف و الإشكال. [نعم، حكى صاحب المسالك هنا القول بكفاية عدم ظهور الفسق] (4)، حيث ذكر- في ردّ استدلال المشترطين للعدالة، بأنّ الفاسق ليس أهلا للاستئمان-: إنّه لا يلزم من عدم أهلية الفاسق للاستئمان في قبول الخبر، اشتراط العدالة هنا؛ لوجود الواسطة بينهما، و هو المستور و المجهول الحال، فإنّه لا يصحّ رميه بالفسق، بل يعزّر واصفه به، فلا يدخل في المدلول- إلى أن قال-: و بالجملة لا ريب في اشتراط عدم ظهور فسقه، أمّا اشتراط ظهور عدالته ففيه بحث.
ثمّ قال: و أمّا ما احتجّ به على اعتبار ظهور العدالة، بأنّ الفسق لمّا كان مانعا فلا بدّ من العلم بانتفائه، و ذلك هو اشتراط العدالة، فواضح المنع؛ لأنّ المانع لا يشترط العلم بعدمه في التأثير، بل عدم العلم بوجوده [كاف] (1)، كما هو الشأن في كلّ مانع (2)انتهى كلامه رفع مقامه.
أقول: ليت شعري ما الذي دلّ على اشتراط عدم ظهور الفسق غير عدم كون الفاسق محلّا للاستئمان، و ما الّذي دلّ على عدم استئمان الفاسق غير ما دلّ على وجوب التبيّن في خبره، الذي هو بعينه جار في المجهول، و لذا لم يقل أحد بهذا التفصيل في غير هذا المقام ممّا اشترط فيه العدالة، و الظاهر أنّ القول به في المقام خرق للإجماع المركّب.
و أمّا ما ذكره أخيرا من حكاية الاحتجاج و المنع، فالتحقيق فيه: أنّ المانع و غيره من أجزاء العلّة سواء في وجوب العلم بعدمه، إلّا أنّ المانع [و الشرط إن كانا وجوديّين، كان الأصل عند الشك فيهما العدم، فينتفي المشروط و يثبت الممنوع؛ لأنّ الأصل بمنزلة العلم] (3)، و لذا لو فرض الشرط عدميّا و المانع عدميّا، كان الأصل عند الشك فيهما العدم، فيثبت المشروط و ينتفي الممنوع، عكس الأوّل.
ثمّ على تقدير عدم اشتراط العدالة (لو أوصى إلى عدل) من حيث كونه كذلك (ففسق بعد موت الموصي) بما يرفع الاعتماد عليه إن كان الداعي
الاعتماد عليه و الاطمئنان بفعله، أو مطلقا إن كان الداعي وصف العدالة (أمكن القول ببطلان الوصيّة) لأنّ الداعي بمنزلة مناط الحكم و الوصف العنواني، فكأنّه رضي به ما دام عدلا.
و يحتمل عدم البطلان؛ لمنع كون مرجع الداعي إلى الوصف العنواني.
و أولى بعدم البطلان ما لو علم كون الداعي غير العدالة، أو كان الفسق بما لا يرفع الوثاقة الداعية إلى الوصيّة إليه، أو جهل الحال، فإنّ في هذه الصور لا يعرف وجه للحكم بزوال وصايته- و إن ادّعي الإجماع في المسألة على وجه يشمل هذه الصور- إلّا أنّ الأقوى ما اختاره الحلّي قدّس سرّه (1)من بقاء الوصاية تمسّكا بالاستصحاب (2).
(لأن (3)الوثوق ربما كان باعتبار صلاحه، فلم يتحقق عند زواله، فحينئذ يعزله الحاكم و يستنيب مكانه.
و لا يجوز الوصية إلى المملوك إلّا بإذن مولاه.
و لا تصحّ الوصية إلى الصبي منفردا، و تصح منضما إلى البالغ، لكن لا يتصرّف إلّا بعد بلوغه.
و لو أوصى إلى اثنين أحدهما صغير، تصرّف الكبير منفردا حتى يبلغ الصغير، و عند بلوغه لا يجوز للبالغ التفرّد. و لو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل، كان للعاقل الانفراد بالوصية و لم يداخله الحاكم؛ لأن للميت وصيا.
و لو تصرف البالغ ثم بلغ الصبي لم يكن له نقض شيء مما أبرمه، إلّا أن يكون مخالفا لمقتضى الوصية.
و لا يجوز الوصية إلى الكافر، و لو كان رحما. نعم، يجوز أن يوصي إليه مثله.
و تجوز الوصية إلى المرأة، إذا جمعت الشرائط.
و لو أوصى إلى اثنين، فإن أطلق أو شرط اجتماعهما لم يجز لأحدهما أن ينفرد عن صاحبه بشيء من التصرف. و لو تشاحّا لم يمض ما ينفرد به كل واحد منهما عن صاحبه، إلّا ما لا بدّ منه، مثل كسوة اليتيم و مأكوله و للحاكم جبرهما على الاجتماع، فإن تعاسرا. جاز له الاستبدال بهما، و لو أرادا قسمة المال بينهما لم يجز، و لو مرض أحدهما أو عجز ضمّ إليه الحاكم من يقوّيه، أما لو مات أو فسق لم يضمّ الحاكم إلى الآخر، و جاز له الانفراد، لأنّه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي، و فيه تردد.
و لو شرط لهما الاجتماع و الانفراد كان تصرف كل واحد منهما ماضيا و لو انفرد، و يجوز أن يقتسما المال و يتصرف كل واحد منهما فيما يصيبه، كما يجوز انفراده قبل القسمة.
و للموصى إليه أن يرد الوصية، ما دام الموصي حيا، بشرط أن يبلغه الرد، و لو مات قبل الرد أو بعده و لم يبلغه لم يكن للرد أثر، و كانت الوصية لازمة للموصي.
و لو ظهر من الوصي عجز ضمّ إليه مساعد، و إن ظهر منه خيانة وجب على الحاكم عزله و يقيم مقامه أمينا.
و الوصي أمين لا يضمن ما يتلف، إلّا عن مخالفته لشرط الوصية أو تفريط.
و لو كان للوصي دين على الميت جاز أن يستوفي ممّا في يده من غير إذن حاكم إذا لم يكن له حجة، و قيل: يجوز مطلقا، و في شرائه لنفسه من نفسه تردد، أشبهه الجواز إذا أخذ بالقيمة العدل.
و إذا أذن الموصي للوصيّ أن يوصي جاز إجماعا. و إن لم يأذن له، لكن لم يمنعه، فهل له أن يوصي؟ فيه خلاف، أظهره المنع، و يكون النظر بعده إلى الحاكم، و كذا لو مات إنسان و لا وصي له، كان للحاكم النظر في تركته، و لو لم يكن هناك حاكم جاز أن يتولّاه من المؤمنين من يوثق به، و في هذا تردد.
و لو أوصى بالنظر في مال ولده إلى أجنبي و له أب لم يصح، و كانت الولاية إلى جد اليتيم دون الوصي، و قيل: يصح ذلك في قدر الثلث ممّا ترك، و في أداء الحقوق.
و إذا أوصى بالنظر في شيء معين اختصت ولايته به، و لا يجوز له التصرف في غيره، و جرى مجرى الوكيل في الاقتصار على ما يوكل فيه.
مسائل ثلاث:
الاولى: الصفات المراعاة في الوصي تعتبر حال الوصية، و قيل: حين الوفاة. فلو أوصي إلى صبي فبلغ ثم مات الوصي صحت الوصية، و كذا الكلام في الحرية و العقل، و الأوّل أشبه.
الثانية: تصح الوصية على كل من للموصى عليه ولاية شرعية، كالولد و إن نزلوا، بشرط الصغر. فلو أوصى على أولاده الكبار و العقلاء، أو على أبيه أو على أقاربه لم تمض الوصية عليهم. و لو أوصى بالنظر في المال الذي تركه لهم لم يصح له التصرف لا في ثلثه، و لا في إخراج الحقوق عن الموصي
كالديون و الصدقات.
الثالثة: يجوز لمن يتولّى أموال اليتيم أن يأخذ أجرة المثل عن نظره في ماله، و قيل: يأخذ قدر كفايته، و قيل: أقلّ الأمرين، و الأوّل أظهر).
الفصل السادس في اللواحق و فيه قسمان:
القسم الأوّل و فيه مسائل:
الأولى: إذا أوصى لأجنبي بمثل نصيب ابنه، و ليس له إلّا واحد، فقد شرك بينهما في تركته، فللموصى له النصف، فإن لم يجز الوارث فله الثلث.
و لو كان له ابنان، كانت الوصية بالثلث. و لو كان له ثلاثة، كان له الربع.
و الضابط: أنّه يضاف إلى الوارث، و يجعل كأحدهم إن كانوا متساوين. و إن اختلفت سهامهم جعل مثل أضعفهم سهما، إلّا أن يقول مثل أعظمهم، فيعمل بمقتضى وصيته.
فلو قال له: مثل نصيب بنتي، فعندنا يكون له النصف إذا لم يكن وارث سواها، و يردّ إلى الثلث إذا لم تجز.
و لو كان له بنتان كان له الثلث، لأن المال عندنا للبنتين دون العصبة، فيكون الموصى له كثالثة.
و لو كان له ثلاث أخوات من أمّ، و إخوة ثلاثة من أب، فأوصى لأجنبي بمثل نصيب أحد ورثته كان كواحدة من الأخوات، فيكون له سهم من عشرة،
و للأخوات ثلاثة، و للإخوة ستة.
و لو كان له زوجة و بنت و قال: مثل نصيب بنتي، فأجاز الورثة كان له سبعة أسهم، و للبنت مثلها، و للزوجة سهمان. و لو قيل: لها سهم واحد من خمسة عشر كان أولى.
و لو كان له أربع زوجات و بنت، فأوصى بمثل نصيب إحداهنّ كانت الفريضة من اثنين و ثلاثين، فيكون للزوجات الثمن أربعة بينهنّ بالسوية، و له سهم كواحدة، و يبقى سبعة و عشرون للبنت. و لو قيل: من ثلاثة و ثلاثين كان أشبه.
الثانية: لو أوصى لأجنبي بنصيب ولده، قيل: تبطل الوصية؛ لأنّها وصية بمستحقه، و قيل: تصح، فيكون كما لو أوصى بمثل نصيبه، و هو أشبه.
و لو كان له ابن قاتل، فأوصى بمثل نصيبه، قيل: صحت الوصية، و قيل:
لا تصحّ؛ لأنّه لا نصيب له، و هو أشبه.
الثالثة: إذا أوصى بضعف نصيب ولده، كان له مثلاه. و لو قال: ضعفاه كان له أربعة، و قيل: ثلاثة، و هو أشبه أخذا بالمتيقّن، و كذا لو قال: ضعف ضعف نصيبه.
الرابعة: إذا أوصى بثلثه للفقراء و له أموال متفرقة جاز صرف كل ما في بلد إلى فقرائه، و لو صرف الجميع في فقراء بلد الموصي جاز أيضا. و يدفع إلى الموجودين في البلد، فلا يجب تتبّع من غاب. و هل يجب أن يعطى ثلاثة فصاعدا؟ قيل: نعم، و هو الأشبه، عملا بمقتضى اللفظ، و كذا لو قال: أعتقوا رقابا، وجب أن يعتق ثلاثة فما زاد، إلّا أن يقصر ثلث مال الموصي.
الخامسة: إذا أوصى لإنسان بعبد معين، و لآخر بتمام الثلث، ثم حدث في العبد عيب قبل تسليمه إلى الموصى له كان للموصى له الآخر تكملة
الثلث، بعد وضع قيمة العبد صحيحا، لأنّه قصد عطية التكملة و العبد صحيح.
و كذا لو مات العبد قبل موت الموصي بطلت الوصية، و اعطي الآخر ما زاد عن قيمة العبد الصحيح، و لو كانت قيمة العبد بقدر الثلث، بطلت الوصية للآخر.
السادسة: إذا أوصى له بأبيه، فقبل الوصية و هو مريض، عتق عليه من أصل المال إجماعا منّا؛ لأنّه إنما يعتبر من الثلث ما يخرجه عن ملكه، و هنا لم يخرجه، بل بالقبول ملكه، و انعتق عليه تبعا لملكه.
السابعة: إذا أوصى له بدار، فانهدمت و صارت براحا، ثم مات الموصي، بطلت الوصية؛ لأنّها خرجت عن اسم الدار، و فيه تردد.
الثامنة: إذا قال: أعطوا زيدا و الفقراء كذا، كان لزيد النصف من الوصية. و قيل: الربع، و الأوّل أشبه.
القسم الثاني في تصرفات المريض (1)
و هي نوعان: مؤجّلة، و منجّزة
فالمؤجّلة: حكمها حكم الوصية إجماعا و قد سلفت، و كذا تصرفات الصحيح إذا قرنت بما بعد الموت.
و المنجّزة:
أمّا منجزات المريض إذا كانت تبرّعا، كالمحاباة في المعاوضات، و الهبة و العتق و الوقف، فقد قيل: إنها من أصل المال، و قيل: من الثلث، و اتفق القائلان: على أنه لو بريء لزمت من جهته و جهة الوارث أيضا، و الخلاف فيما لو مات في ذلك المرض، و لا بدّ من الإشارة إلى المرض الذي معه يتحقق وقوف التصرّف على الثلث، فنقول: كل مرض لا يؤمن معه من الموت غالبا فهو مخوف، كحمّى الدّق، و السل، و قذف الدم و الأورام السودائية و الدموية،
1) قد كتب الشيخ الأعظم قدّس سرّه رسالة مستقلّة في منجزات المريض و قد حققناها ضمن مؤلفاته قدّس سرّه.
و الإسهال المنتن، و الذي يمازجه دهنية، أو براز أسود يغلي على الأرض، و ما شاكله.
و أما الأمراض التي الغالب فيها السلامة فحكمها حكم الصحة، كحمّى يوم، و كالصداع عن مادة أو غير مادة، و الدمل، و الرمد، و السلاق، و كذا ما يحتمل الأمرين كحمى العفن و الزحير و الأورام البلغميّة.
و لو قيل: بتعلق الحكم بالمرض الذي يتفق به الموت، سواء كان مخوفا في العادة أو لم يكن، لكان حسنا. أما وقت المراماة في الحرب و الطلق للمرأة و تزاحم الأمواج في البحر، فلا أرى الحكم يتعلّق بهما، لتجرّدها عن إطلاق اسم المرض.
و هاهنا مسائل:
الأولى: إذا وهب و حابى، فإن وسعهما الثلث فلا كلام، و إن قصر بدئ بالأوّل فالأوّل حتى يستوفى الثلث، و كان النقص على الأخير.
الثانية: إذا جمع بين عطية منجّزة و مؤخّرة قدّمت المنجزّة، فإن اتسع الثلث للباقي، و إلّا صح فيما يحتمله الثلث، و بطل فيما قصر عنه.
الثالثة: إذا باع كرّا من طعام قيمته ستة دنانير و ليس له سواه، بكرّ رديء قيمته ثلاثة دنانير، فالمحاباة هنا بنصف تركته، فيمضي في قدر الثلث.
فلو رددنا السدس على الورثة لكان رباء. و الوجه في تصحيحه: أن يردّ على الورثة ثلث كرهم، و يردّ على المشتري ثلث كره، فيبقى مع الورثة ثلثا كر، قيمتهما ديناران، و مع المشتري ثلثا كر قيمتهما أربعة، فيفضل معه ديناران و هي قدر الثلث من ستة.
الرابعة: لو باع عبدا قيمته مائتان بمائة و بريء لزم العقد. و إن مات
و لم يجز الورثة صح البيع في النصف في مقابلة ما دفع، و هي ثلاثة أسهم من ستة، و في السدسين بالمحاباة، و هي سهمان، هما الثلث من ستة، فيكون ذلك خمسة أسداس العبد، و بطل في الزائد و هو سدس، فيرجع على الورثة.
و المشتري بالخيار إن شاء فسخ؛ لتبعّض الصفقة، و إن شاء أجاز. و لو بذل العوض عن السدس، كان الورثة بالخيار، بين الامتناع و الإجابة؛ لأنّ حقهم منحصر في العين.
الخامسة: إذا أعتقها في مرض الموت و تزوّج و دخل بها صح العقد و العتق، و ورثته إن أخرجت من الثلث. و إن لم تخرج فعلى ما مر من الخلاف في المنجزات.
السادسة: لو أعتق أمته و قيمتها ثلث تركته، ثم أصدقها الثلث الآخر، و دخل ثم مات، فالنكاح صحيح و بطل المسمّى؛ لأنّه زائد على الثلث و ترثه.
و في ثبوت مهر المثل تردد، و على القول الآخر يصح الجميع.