حاشیه الوافی

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:بهبهاني، محمدباقربن‌محمداكمل، ۱۱۱۸؟ - ۱۲۰۵؟ ق. محشي.

عنوان قراردادي:الوافي. حاشيه.

عنوان و نام پديدآور:حاشيه‌الوافي/وحيد البهبهاني ؛ تحقيق و نشر موسسه‌العالمه المجدد الوحيد البهبهاني.

مشخصات نشر:قم: موسسه العلامه المجدد الوحيد البهبهاني، ۱۳۸۴، = ۱۴۲۶

مشخصات ظاهري:[۶۱۶] ص.

شابك::964-94603-2-2

يادداشت:كتاب حاضر، حاشيه اي است بر كتاب " الوافي" اثر فيض كاشاني.

يادداشت:كتابنامه: ص. [۵۸۷] - ۶۰۴؛ همچنين به صورت زيرنويس.

موضوع:محمدبن‌شاه‌مرتضي، ۱۰۰۶-۱۰۹۱ق. الوافي -- نقد و تفسير.

موضوع:احاديث شيعه -- قرن ۱۱ق.

شناسه افزوده:محمدبن‌شاه‌مرتضي، ۱۰۰۶-۱۰۹۱ق. الوافي. حاشيه.

شناسه افزوده:موسسه علامه مجدد وحيد بهبهاني.

رده بندي كنگره:BP۱۳۵/ف۹و۲۰۳۲ ۱۳۸۴

رده بندي ديويي:۲۹۷/۲۱۲

شماره كتابشناسي ملي:۱۰۵۶۴۱۹

اشارة

[مقدمات التحقيق]

المقدّمة [للسيد محمد اليثربي]

اشارة

المقدّمة (1)[للسيد محمد اليثربي]

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

بعد أن كان الفقه هو عبارة عن مجموعة معيّنة من القوانين التي تنظّم الأعمال الفرديّة، و الأحوال الشخصيّة، و الروابط الاجتماعيّة للفرد، مع ربّه و مع عباده و مجتمعه، له في مذهب الإماميّة طوال تاريخه تلاطم و تصادم مقابل التيارات الحاكمة و الأهواء المتشتّتة .. و يكفي لإثبات ذلك تصفّح الرسائل العلميّة، و المجاميع الفقهيّة المدوّنة خلال هذه الفترات الزمنيّة.

و ما يعرف- في يومنا هذا- باسم «الفقه الإمامي» أو «فقه الإماميّة» ما هو إلّا حصيلة مدرسة الاعتدال، و بلورة لما تمحّض من أفكارها، و عصارة لما جمع من لباب آرائها.

و قد كانت- هذه المدرسة- بعيدة كلّ البعد عن التحجّر و الجمود و القوقعة التي جاءتها من جهة، و كذا كانت حريصة على التعبّد بالنصوص الشرعيّة، و المبادئ الأصيلة؛ مبتعدة عن الخروج من كلّ المسلّمات العلميّة الثابتة و المقرّرة؛


1) و هي بعينها مقدّمة كتاب «مصابيح الظلام» نوردها لمزيد الفائدة.

بمعنى عدم مسّ القواعد الأصيلة، و السنن الثابتة الإلهيّة، بل و كلّ ما يشين تلك الاصول المسلّمة و المقدّسة في ان واحد.

إنّ الطريقة الحاكمة- في يومنا هذا- على المجاميع العلميّة و الحوزات الدينيّة ما هي إلّا حصيلة مساعي ثلّة طاهرة قامت مجتهدة و مثابرة لمحو كلا الانحرافين المزبورين، حتّى أصبحت كلتا المدرستين- الإفراطيّة و التفريطيّة- في يومنا هذا بديهيّة البطلان، و واضحة الزيف و التجوّف.

و لإلقاء الضوء على ما لأبناء كلا المدرستين من الانحراف و الابتعاد عن الجادّة و الصراط المستقيم، حفاظا على حاقّ الشريعة و جوهرها، و ما عبّرنا عنه اليوم ب: مدرسة الاعتدال، أقول: لكي يتضح ما نريد القول به .. حريّ بنا أن نشير إلى لمحة مجملة عن كلا الخطّين، و نذكر دراسة مبسّطة لكلتا المدرستين كي يبرز منهما عظمة ما وصلت إليه مدرسة الاعتدال المزبورة في سيرها العلميّ و العمليّ معا.

فنقول: أمّا الأخباريّون؛ و هم الممثّلون لمدرسة التحجّر و الجمود (1)، التي بدأت ظاهرا في أوائل القرن الحادي عشر ببروز مدرسة جديدة لاستنباط أحكام الشرعيّة- لو صحّ لنا أن نعبّر عنها بذلك- و ذلك على يد شخص اسمه: ميرزا محمّد أمين الأسترآبادي رحمه اللّه، الذي يعدّ باني اسس هذه الطريقة، و مؤسّس مبانيها، و الذي أبعد الشريعة السمحاء- إنصافا- بفعله هذا عن جوهر مبانيها، و حاقّ حقيقتها بما أسّسه من طرق، هي أشبه بما جاءتنا به مدرسة الرأى و القياس عند العامّة من ضحالة و سطحيّة.


1) لا نجد ثمّة ضرورة لبيان الفارق بين هؤلاء و مكتب الاصوليّين، بعد ما أسهبنا الحديث- إلى حدّ ما- عنهما في مقدمة كتابنا «الرسائل الاصوليّة»، (راجع! الرسائل الاصوليّة: 18- 32 (المقدمة).

و ما كان هذا إلّا نتيجة عدم استيعاب ما قرّره السلف الصالح من قواعد فقهيّة و مباني اصوليّة للفقه لم يهضمها هؤلاء- كما هي- ممّا سبّب خروجهم عن كثير ممّا هو مسلّم علميّا و ثابت استدلاليّا اليوم.

و لكي نعطي صورة مجملة عمّا ذهب إليه القوم نذكّر نزرا يسيرا من مهمّ آرائهم التي دانوها و قالوا بها.

منها: إنكارهم حجّية ظواهر القرآن الكريم! مستدلّين على ذلك ب:

أ: انحصار فهم القرآن بأهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السّلام، استنادا إلى بعض الروايات، منها «ما يعرف القرآن إلّا من خوطب به» (1).

ب: الروايات الناهية عن التفسير بالرأي (2).

ج: كثرة التخصيصات و التقييدات الواردة على العمومات و المطلقات القرآنيّة ممّا يهد من حجّية عمومات و مطلقات القرآن و يقلّل من أهميّة الأخذ بها.

د: إطلاق الأدلّة القائمة على عدم جواز الأخذ بالظنّ يشمل الظواهر القرآنيّة من غير فرق بينها و بين غيرها.

و منها: عدم اعتبار العقل في فعليّة الأحكام الشرعيّة، حيث ذهب المحدّث الأسترآبادي في «الفوائد المدنيّة» (3)إلى أنّ مناط تعلّق التكاليف كلّها السماع من الشرع، و منهم من أفرط فذهب إلى إنكار لزوم امتثال الأوامر الشرعيّة التي قامت عليها الأدلّة العقليّة الثابتة.

و منها: ردّهم للإجماع بجميع أقسامه، حتّى رفضوا جميع التوجيهات المسلّمة عند الاصوليّين.


1) مستدرك الوسائل: 17/ 335 الحديث 21515.

2) بحار الأنوار: 89/ 107- 112،

3) الفوائد المدنيّة: 29 و 30.

و منها: الاقتصار في الحجّية على خصوص السنن الواردة الخاصّة دون غيرها من الطرق المقرّرة و المعتبرة شرعا، و هم في هذا قد سلكوا طريقة التسامح و التساهل في النقل، لاكتفائهم بصرف نسبة القول لأحد المعصومين عليهم السّلام في القبول، بل عدّوه بذلك قطعي الصدور!. و لذا انكروا فائدة علم الرجال و ثمرته و تبعا لذلك علم دراية الحديث بالمعنى المصطلح .. إلى غير ذلك من أقوالهم و آرائهم الضعيفة.

و لعلّ من هذا و غيره يتضح مقدار الظلامة التي حلّت بالأدلّة الثلاثة الباقية من المبادئ الاستدلاليّة الأربعة .. أعني الكتاب، و الإجماع، و العقل. و الاقتصار على الحديث بما فسّروه لنا ..

فالقران؛ الذي هو العدل الأكبر و الثقل الأعظم للشريعة يجرّد من دلالته و يفرّط و يقلّل من حجّيته؛ و هو الحجّة الكبرى؟!. و هذا أمر غريب جدّا، إذ إنّهم يحسبون فهمه منحصرا فيهم لقولهم عليهم السّلام: «إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (1)و حصر فهمه فيهم عليهم السّلام كاف لإسقاط الكتاب عن الحجّية، مع أنّه من المسلّم كونه ناظرا إلى فهم خصوص متشابهات القرآن و مجملاته و ناسخه و منسوخه ..

و غير ذلك.

و أيضا أنّ القول بهذا يلزم منه إنكار ما للقرآن من فصاحة و بلاغة و إعجاز .. و غير ذلك.

ألا ترى أنّ الأخذ بهذا التعميم ما هو إلّا إنكار للسنّة القطعيّة، التي منها قوله عليه السّلام: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن» (2)،


1) وسائل الشيعة: 27/ 185 الحديث 33556.

2) وسائل الشيعة: 6/ 171 الحديث 7657.

و قوله عليه السّلام: «فما وافق كتاب اللّه فخذوه» (1)..؟!

و الأهمّ من هذا و الأدهى أنّه يلزم منه طرح حديث الثقلين المتواتر لفظا فضلا عن معناه و مؤداه. و القول بلغويّة نزول الوحي و إنزال الكتب، و بعث الأنبياء و الرسل؟!.

و بعد كلّ هذا؛ يتّضح أنّه لا يصحّ أن يقال: إنّ الأخذ بالظهورات و المحكمات في النصوص القرآنيّة تفسير بالرأى؟! إذ لو صحّ ذلك لم يبق لنا نصّ- بل و لا ظهور- لكلّ ألفاظ التحاور المتداولة بيننا و بين الآخرين.

و ليس معنى هذا إنكار أهمّيّة التخصيصات و التقييدات الواردة على العمومات و الإطلاقات القرآنيّة .. فإنّ ذلك أمر مسلّم برهانا و وجدانا. و لكن هذا لا يمنع و لا ينافي الرجوع إليهما بعد ملاحظة الروايات الواردة فيهما؛ إذ أنّ حجّية الظهورات ثابتة على كلّ حال.

و يكفي في النقض عليهم تشبّثهم بالآيات و الأدلّة الناهية عن العمل بالظنّ مع فرض كونه ظاهرا قرآنيا، و المفروض فيها ألا حجّية لها على مختارهم.

و عدا هذا فهي مردودة بوجوه:

1- إنّ سياق أمثال هذه الأخبار مرتبط بالنهي عن اتّباع الظنّ و الوهم في الامور الاعتقاديّة، و لا ربط له بالفروع العمليّة.

2- عدم قول أعلام الطائفة و عمدها بحجّية مطلق الظنّ، بل إنّهم قد صرّحوا بعدم حجّية الظنّ الغير المعتبر، و ذهبوا إلى الاقتصار في الحجّية على ما قام الدليل عليه خاصّة لا مطلقا.

3- تضافر الروايات المعتبرة على حجّية الظواهر القرآنيّة، بل كادت أن


1) وسائل الشيعة: 27/ 109 و 110 الحديث 33343.

تكون متواترة لفظا فضلا عن كونها كذلك معنى.

و بالجملة؛ لا نجد ثمّة عاقلا فضلا عن عالم متفقّه عدا الفقيه .. ينكر دلالة أمثال قوله سبحانه و تعالى وصفا للقرآن: تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ (1)و كونه: نُوراً و هُدىً و تِبْيٰاناً، و هو الذي لا يغادر صغيرة و لا كبيرة و لا رطبا و لا يابسا إلّا كان فيه، بل كلّ ما يحتاجه البشر، طبعا بالاستضاءة بنور الولاية و العترة الطاهرة عليهم السّلام المكمّلة للثقل الأكبر.

و إذا لم تكن دلالة أمثال هذا واضحة لما بقي لنا دليل و لا دلالة.

كما لا يفيد إنكار حجّية المدركات العقليّة التي عدّت في الشريعة الحجّة الباطنيّة: «و إنّ للّه على الناس حجّتين ..» (2)، «و إنّما يداقّ اللّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما اتاهم من العقول في الدنيا» (3).. و أمثال ذلك.

هذا من جهة؛ و من جهة اخرى نحن لا نريد بما قلناه إثبات قطعيّة صدور تمام الروايات الواردة عن طريق أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السّلام، بمعنى حجّية كلّ منقول، كما ذهب إليه الأسترآبادي في قولته المشهورة: أحاديثنا كلّها قطعيّة الصدور عن المعصوم عليهم السّلام، فلا نحتاج إلى ملاحظة سندها؛ .. (4)إذ فيه أوجه للمناقشة لا نودّ الخوض فيها، و الإسهاب في بيانها فعلا، و يكفينا منها ما قاله شيخنا المعظّم الوحيد- طاب ثراه- في رسالته «الاجتهاد و الأخبار» (5).

ثمّ إنّ من المسلّم عند أعلام الطائفة كثرة وجود الأحاديث الموضوعة،


1) النحل (16): 89.

2) الكافي: 1/ 16.

3) وسائل الشيعة: 1/ 40 الحديث 64.

4) الفوائد المدنيّة: 181.

5) الرسائل الاصوليّة (الاجتهاد و الأخبار): 142- 156.

و الأخبار الضعيفة، و الرواة المتّهمون؛ سواء ما كان منها في الأسانيد الروائيّة أو المجاميع الحديثيّة .. و هذا ممّا يحدو بنا إلى الأخذ بالقواعد الرجاليّة، بل منه يعلم ضرورة مراجعة علم الرجال كي تميّز به الأخبار، و تصحّح به الأسانيد الروائيّة، و يعرف به الغث من السمين، و الصحيح من السقيم، بل و يظهر من هذا سخف إنكار القوم لضرورة الحاجة إلى علم الرجال، فتدبّر!

و قد تمحّض من مجمل ما أسلفناه من الحديث عن الأخباريّين حصول طريقة جديدة في كيفيّة استنباط الأحكام الشرعيّة كان وليدها الطبيعي هو:

مكتب الاعتدال؛ بحلّته الجديدة المتمثّلة بما ذهب إليه شيخنا المجدّد- طاب رمسه- و تلامذته رحمهم اللّه؛ إذ يلزم- ممّا سلف من طريقة الأخباريّين في الاستنباط- ما كانوا يرونه من عدم ضرورة الغور في المسائل الاصوليّة، و المبانى الاجتهاديّة .. بل كلّ يعمل بمقدار ما يفهمه و يظهر له من ظواهر الأحاديث و الأخبار. و من البديهي أنّ سلوك مثل هذا النوع من التفكّر سيخلق لنا فاجعة لا يمكن سدّها، و ثلمة لا يمكن جبرها في اسس المباني الشرعيّة و أحكامها، بل يوجب تزلزلا في أساس الدين القويم، حيث لو ابيح لكلّ أحد أن يخوض المنابع الأوّليّة للاصول الدينيّة، أو يستخرج بنفسه ما يحتاج إليه من الأحكام الشرعيّة بدون أن يكون له صلاحية واقعيّة .. أو إحاطة دينيّة .. لكانت تلك مصيبة ليس وراءها فاجعة.

و سيظهر لنا في موضوع واحد عشرات بل مئات الأحكام المختلفة المتضادة، بل المتناقضة النابعة من اختلاف المدارك و المدركات، و تعدّد الفهم و الانتزاعات.

و هذا في حدّ نفسه نقض لغرض الشارع المقدّس من تقنين القوانين، كما يعدّ مخالفا لاسس التقنينيّة الاجتماعيّة و نظامها.

و حيث لم يبق لهذا المذهب في يومنا الحاضر ذاك الرصيد العلميّ الكافي أو

من يتبنّاه و يدافع عنه من أهل المعرفة و الاطّلاع .. لذا نكتفي بما ذكرناه و نطوي الحديث عنهم في هذه العجالة. و يكون موقفنا منهم مجرد سرد تاريخ للفقه لا مناقشة أقوال و مباني رصينة أكل الدهر عليها و شرب، و قد أغنانا السلف الصالح عناء الدفاع و الرد و النقض و الإبرام.

المتحرّرون:

اشارة

و هم جمع لا يقلّ خطرهم عن سابقيهم إن لم يزد عليهم، فإنّهم كانوا و لا يزالون يهدمون حصون الشريعة و واقعها .. و قد اشتدّ و عظم اليوم خطرهم بعد أن جاءوا بعناوين جديدة برّاقة، و شعارات زائفة .. و هم قد خرجوا من هذه الامور التي تشدّقوا بها و زمّروا لها بدعاوي حسبوها فريدة تحت إطار دور الزمان و المكان في الأحكام!

و كان ذلك ذريعة لبعض في الخروج عن اطر القواعد المقبولة و المسلّمة إلى تغيير الأحكام القطعيّة، و المسائل الأساسيّة، و قد سرت المناقشة في الترديد و التشكيك في الطرق المحدّثة و المسلّمة في الاستنباط بحجّة ملاحظة مقتضيات الزمان و المكان.

و مع أنّا لا ننكر ما لهذين الأصلين من الأثر و دور مهمّ- في الجملة- في طريقة الاستنباط و الاستظهار في الأحكام الشرعيّة، إلّا أنّه لا يمكن القول بأنّ أحكام الشريعة المقدّسة على نحو الإطلاق و بما هي هي امور قابلة للتغيير و التبديل، و أنّها تتبدّل و تتغيّر بتوارد الأيّام و تعاقب الزمان، فيصبح الواجب محرّما، و ينقلب المحرّم إلى واجب، إذ إنّ قبول مثل هذا إنكار- بنحو اخر- لفلسفة تشريع الدين من المشرّع الخالق الإلهي الحكيم. و من جهة اخرى؛ ما هو إلّا إنكار لخاتميّة الرسالة المحمّديّة صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و لكون «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة

و حرامه حرام إلى يوم القيامة» (1).

فإنّ تمام ما تمتاز به الشرائع السماويّة عن القوانين البشريّة الوضعيّة هو هذا التفاوت الجوهريّ الماهويّ في أنّ القوانين الشرعيّة وليدة مقنّن حكيم عالم محيط ممثّل الكمال المطلق، بل مبدأ الكمالات .. بخلاف غيرها.

و من الواضح أنّ ما يترشح عن مبدأ الكمال لا يمكن أن يكون ناقصا، لمنافات ذلك لكماله و حكمته مع إحاطته بكلّ ما في متعلق أحكامه و موضوعاته، و ما تشريع الأديان إلّا لسدّ كلّ ما يفتقر إليه المكلّف في مقام العمل، و جميع ما يحتاج إليه ليومه و غده مؤطّر بإطار هذه القوانين الشرعيّة.

و من البيّن أنّ التغيير و التبديل- لو صحّ الإطلاق- يكون كاشفا عن نقصان و قصور المقنّن- و العياذ باللّه- في أحكامه، بل حاك عن جهله و عدم إحاطته، لما يلزم أنّ المشرّع بعد صدور حكمه و إجراء قانونه قد أدرك عدم تطابق ذلك الحكم مع متطلّبات الإنسان و احتياجاته. و كأنّه بتقنينه القانون الجديد يحاول سدّ النقص الحاصل الذي جاءه في ما قرّره في قانونه السالف .. و فساد هذا من الوضوح بمكان، إذ لا يتلائم مع أساس التشريع و مقرّراته.

نعم، وقوع مثل هذا طبيعى جدّا في القوانين الوضعيّة، و التشريعات البشريّة التي تكون تابعة إلى تكامل ذلك القانون و المجتمع و رقيّه، إذ عند ما يشعر المجتمع بأنّ القانون الحاكم غير واف بما يحتاجه، و لا يحلّ مشاكله الفرديّة أو الاجتماعيّة .. يبادر لرفع النقصان و تكميله بوضع قانون جديد ينسخ ما سلفه أو يسدّ نقيصته، و يرفع قصوره ..

و عليه؛ فلا يتصور للزمان و المكان دور بشكل مطلق بهذا المعنى في مسير


1) بصائر الدرجات: 148 الحديث 7.

التشريع الإلهيّ الخارج عن قيد الزمان و المكان، و المتحرّر من ملابساتهما، لما نعتقده و ندين به من كمال الشارع و حكمته، و عدم نقصان الشريعة و كمالها.

نعم، نقرّ وجود دور للزمان و المكان في رفع بعض الاحتياجات الوليدة من متطلّبات الزمن قد أحدثتها الحاجة، و أولدتها الأيّام، و هي تتفاوت عمّا كانت عليه سابقا لوجود حوادث محدثة تقتضي أحكاما جديدة لم تكن من ذي قبل، و لذا تفتقر إلى تعيين الحكم من طرف الشارع و الأخذ بنظره فيها.

إلّا أنّ هذا التلوّن و التصادم ليس بمعنى أنّ ما يحتاجه البشر من الامور الثابتة الأوّليّة و الفطريّة التي لها أحكامها الثابتة و المنصوصة أن تتبدّل بتبدّل المكان أو أن تتغيّر بتوارد الأزمان، إذ لا أثر لذا و لا ذا، بل لا تتغيّر و لا تتبدّل بحال ..

بخلاف غيرها.

إذ أنّ هذه الامور الفطريّة- في حدّ نفسها- غير قابلة للتبدّل و التغيير، و الإنسان في مسيرته الدنيويّة- و على مدّ التاريخ- لا بدّ له منها، إذ أنّ من الطبيعى عدم إمكان قبول التغيير لمثل هذه الأحكام النابعة لتأمين الاحتياجات الفطريّة.

نعم؛ هناك احتياجات ثانويّة- و هي في واقعها موصلة مكمّلة للحوائج الأوّليّة- يمكن أن تتغيّر في نفسها، و من الواضح أنّ الأحكام الواردة في مثل هذه الموارد قابلة للتغيير و التبدّل تبعا.

و عليه، فإنّا نظنّ أنّه قد أصبح واضحا- بهذه الوجيزة المجملة- أنّ جذور أكثر المنازعات و المباحث- إثباتا و نفيا- في تأثير الزمان و المكان و عدمه في الأحكام الشرعيّة- الفرعيّة و الأصليّة- ما هو إلّا نزاع لفظي بحت.

بل إنّ هذا العنوان- الذي تشدّق به البعض- لم يكن شيئا جديدا أبدا، بحيث لم يلتفت إليه الماضون، أو عجز عنه الفقهاء السابقون، أو يعدّ مشكلة عويصة

لم يدركها المتقدّمون، كما حسبها البعض؛ إذ مثل هذه التحوّلات و التغييرات في الامور الممكنة و اليوميّة طبيعيّة دارجة، و مسألة واضحة بديهيّة، و بها تتغيّر الأحكام الشرعيّة الفرعيّة لا الأوّليّة الفطريّة. إذ كثيرا ما يكون الفقهاء في معرض أمثال هذه الامور التي أقرّوها و أعطوها الأحكام الكافية الدقيقة مستندين فيها إلى ما لهم من إحاطة بالقواعد الفقهيّة المقرّرة الثابتة عندهم، و لعلّ من هذا ما سنوافيك به ممّا يعبّرون عنه ب: المسائل المستحدثة.

و لا نعرف متفقّها- فضلا عن فقيه- يسمح لنفسه أن يغيّر الأحكام الأوّليّة مع فرض بقاء موضوعاتها و مباديها الأساسيّة، إذ ذاك تشريع لا يستسيغه من له أدنى إحاطة بالفقه، و لا يجيزه من له تقوى عمليّة في مقام الحكم.

و نرى من المناسب التعرّض لبعض تلك القواعد التي أشرنا لها:

فمنها: تبدّل الموضوع؛ إذ ذهب علماء الاصول إلى أنّ وضع الأحكام الشرعيّة و جعلها من قبيل القضايا الحقيقيّة لا الخارجيّة .. أي إنّ المقنّن عند ما قنّن و أقرّ الحكم لاحظ طبيعة الموضوع و وضع بإزائه قانونا له، و كلّ فرد كان مصداقا لذلك الكلّي الطبيعي؛ يكون محكوما بذلك الحكم المحفوظ موضوعه، فيستحيل في مقام الجعل و التقنين أن يجعل الشارع المقدّس حكمين لمعنون و موضوع واحد.

و لو صادفنا نادرا مثل هذه الموارد في مصادر الأحكام لعدّ ذلك من باب تعارض الأدلّة التي يلتجأ فيها غالبا إلى المعالجة و التصحيح بواسطة الأدلّة العلاجيّة المقرّرة عندهم.

أمّا لو كان الموضوع بنحو القضايا الخارجيّة فلا يستحيل تقنين أحكام متضادة أو متناقضة على عنوان واحد باعتبارات مختلفة.

و لتقريب الموضوع نومي إلى بعض الأمثلة، حيث عند ما نجد حكم الشارع

المقدّس بأنّ الخمر حرام، أو لحم الغنم حلال .. فإنّ مراده هو: طبيعة المائع الخمري أو طبيعة لحم الغنم .. و ما دام هذان العنوانان الكلّيان منطبقان على كل مصداق تترتّب عليه نفس الأحكام بلا فرق، و لا يمكن مع حفظ هذا العنوان ترتيب حكم اخر عليه مناقض للحكم الأوّل، بخلاف ما لو قال: إنّ غنم البلد الفلاني حلال ..

فإنّ هذه قضيّة خارجيّة، و إن قلنا بحرمة أغنام بلدة اخرى، فهو غير ناف للحكم الأوّل، نعم في مثل هذه القضيّة الحقيقيّة لو تبدّل العنوان- بأن صار المائع الخمري مثلا بعد ذهاب ثلثيه خلًّا- ارتفع حكمه الأوّلي لتبدّل الموضوع، و لا ريب أنّ هناك عوامل عديدة في تبدّل التكليف بالنسبة إلى الموضوعات المختلفة، نذكر بعضا منها:

أ: العرف؛

قد علم ممّا سلف بيانه أنّ التكاليف التي خاطب بها الشارع المقدّس الناس أراد بها عموم المكلّفين و عامّة الناس، و أوكل تشخيص الموضوعات إليهم إلّا في المواضيع المستنبطة، فلو تغيّر موضوع حكم في نظر العرف؛ بأن شهد العرف مثلا- أنّ هذا العنوان لا ينطبق اليوم على هذا المصداق، فلا يشمله حكمه المذكور طبعا، كما لا يكون حكم الشارع المقدّس ناظرا إليه؛ فمثلا حكم حرمة التعامل بالدم عند قدماء فقهائنا- رضوان اللّه عليهم- معلّلا بكونه نجسا، و النجس مسلوب المنفعة العقلائيّة. و ما كان كذلك لا يجوز التعامل عليه بلا كلام و لذا حكموا بما حكموا. أمّا اليوم؛ فإنّ العرف لا يرى ذلك، بل عنده إنّ الدم له منفعة و فائدة- بل جملة فوائد- قطعا، و حيث إنّ الموضوع قد تبدّل هنا حتما في نظر العرف، فلا وجه لترتّب حكم الحرمة عليه جزما.

و مثال اخر: بيع الثلج؛ حيث إنّ بيعه في غالب نقاط العالم أمر متعارف معقول، و متاع يدفع بإزائه ثمن و عرض، كما و تترتّب عليه منفعة و فائدة، و لكن

مثل هذا التعامل في القطبين غير معقول و لا فائدة فيه، بل لا وجه للتعامل عليه، و لذا يحكم عليه بعدم الجواز.

و نظير هذا التعامل على الماء القليل عند النهر العريض .. و أمثال ذلك.

فيعلم من هذا أنّ الزمان و كذا المكان لهما دور مهمّ في نتيجة بعض الأحكام.

و أنت ترى إنّ هذا ليس بشي‌ء جديد، و لا موضوع بكر، بل كان دوما مورد بحث و نقاش في الموسوعات الفقهيّة لأعلامنا و فقهائنا رحمهم اللّه.

ب: قاعدة التزاحم؛

و مدلولها ما لو كان ثمّة تزاحم و تمانع في مقام الامتثال لحكمين بالنسبة إلى موضوعين غير مرتبطين مع البعض، فبحكم القواعد العقليّة في تقديم الأهمّ على المهمّ، و ترك المهمّ بالنسبة إلى الموضوع الأهمّ يصبح ذاك فعليا، و من الطبيعى إنّ الزمان و المكان في أمثال هذه الموارد لهما دور مهمّ في تعيين الوظيفة الشرعيّة.

و غالبا ما يمثّل لمثل هذه الموارد بإنقاذ الغريق الواجب شرعا الملازم للاجتياز بالأراضي المغصوبة المحرّمة قطعا، حيث هما موضوعان مستقلّان لا ربط لأحدهما بالآخر، و مع اجتماعهما في مورد خاصّ يتوقّف الإتيان بأحدهما على الأخذ بالآخر .. أي هما موضوعان كلّ واحد منهما له حكمه الخاصّ، و هو يضادّ الآخر، و قد اجتمعا و كانا سبب حرج للمكلّف و إشكال في مقام الأداء و التنفيذ؛ فالعقل يحكم هنا بإلزام المكلّف بالإتيان بالأهمّ منهما و العمل به. و لذا يرى العقل لزوم حفظ الإنسان و نجاته و إنقاذ الغريق .. و هو يقدّمه على حرمة الدخول في ملك الغير و التصرّف فيه.

و هذه القاعدة تحلّ لنا كثيرا من المشاكل المعاصرة، مثل علاج المريض بواسطة لمس الأجنبي أو الأجنبيّة مع فرض الانحصار، أو تشريح جنازة الميّت مع

فرض عدم وجود جنازة اخرى لغير المسلم .. و غير ذلك. و هي كثيرة جدّا، إذ بعد تشخيصنا للأهمّ و المهمّ يسهل الحكم عند ذاك.

ج: القواعد الثانويّة؛

نظير قاعدة لا ضرر، و قاعدة لا حرج- على فرض تعدّدهما- و هما من الامور التي يمكن أن يكون لهما دور مهمّ في تشخيص ما للمكلّف من حكم بمقتضى الزمان و المكان على ما هناك من اختلاف في كيفيّة جمع هذه القواعد مع الأدلّة الأوّليّة للأحكام الشرعيّة. فإنّ النتيجة- على كلّ حال- هي تقديم مفادّ هذه القواعد، و هي تشمل سعة المعاملات و العبادات على حدّ سواء. مثلا لو ألزمنا الشارع المقدّس بحكم دليل وجوب الصلاة أو الصيام على تحصيل الطهارة المائيّة أو صيام شهر رمضان .. فإنّ ذاك يصحّ فيما لو لم يلزم من الإتيان به ضررا على المكلّف. أمّا لو لزم من أيّ حكم من هذه الأحكام ضررا عليه لزم رفعه قطعا.

و بالجملة؛ مفادّ هذه القاعدة نفي كلّ قانون في الشرع يلزم من جعله و تقنينه أو متعلقه ضررا أو حرجا على المكلّفين. و حيث كان لفظ «الضرر» كسائر الألفاظ الموضوعة للمفاهيم الواقعيّة، و المخاطب فيها هو شخص المكلّف الذي يتضرّر من ناحية الحكم، فعليه كلّ مكلّف لو كان في شرائط خاصّة- زمانيّة أو مكانيّة- و اقتضى كلّ واحد من هذه ورود ضرر عليه، كان ذلك الحكم مرفوعا.

و عليه، فهذا الطريق- كسالفه- يمكن أن يحلّ لنا كثيرا من المشاكل المهمّة.

و منها: كشف ملاكات الأحكام؛

حيث أنّ علماء الإماميّة و المعتزلة- المعبّر عنهم ب: العدليّة- خلافا للأشاعرة ذهبوا إلى أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للملاكات و المناطات الواقعيّة و نفس الأمريّة، و لا يمكن للشارع المقدّس أن يقرّ حكما لموضوع بدون ملاك واقعيّ له، لما

يلزم من قبول هذا الأمر من إنكار لحقائق الأشياء، و تسليم التغيّر في الحقيقة الثابتة، مع أنّ الواقع الخارجي للأشياء يمكن أن يكون معرضا للحوادث الزمانيّة و المكانيّة و يتغيّر بخلاف حقيقة الأشياء و ماهيّتها.

مثلا السرقة و التصرّف في مال الغير بدون رضاه مذموم و قبيح على أيّ حال، و في كلّ زمان و مكان. و لذا كان القبيح الذاتيّ محكوما بالحكم الشرعيّ التحريميّ. فلو وصل المجتهد بالطرق المقرّرة إلى الحكم الواقعيّ للشارع المقدّس كان مصيبا، و لو اشتبه كان مخطئا؛ لأنّ حقيقة الحكم الإلهيّ لا تتغيّر بحسب فتواه ..

كي يقال: إنّ المجتهد مصيب على كلّ حال، و إنّ فتواه و حكمه حكم القانون الإلهيّ.

و كلّ ما أفتى به هو- و إن كان قبيحا- كان حسنا، و كذا العكس. فالمجتهد عند الإماميّة مستنبط و كاشف لا مشرّع و مقنّن، و هو يمكن أن يصل إلى واقع حكم اللّه تعالى و قد يخطئ، كلّ ذاك خلافا لما ذهب إليه الأشاعرة من القول بكون المجتهد على كلّ حال مصيبا .. أي إنّ حكمه هو الحكم الواقعيّ للشارع.

هذا من جهة، و من جهة اخرى ذهبوا إلى أنّ الحسن ما حسّنه الشارع و القبيح ما قبّحه، ففي الواقع قد جوّزوا أن يكون الموضوع الواحد له عدّة أحكام في ان واحد بحسب تعدّد الفتوى عليه، و كلّها صحيحة و مصابة! و هذا ما يخالف بداهة العقل و ما أقرّته الشرائع السماويّة.

هذا مع أنّ ثبوت الشرائع الإلهيّة أساسا موقوف على قبول الحسن و القبح الواقعيّ الذاتيّ للأشياء، و إلّا فإذا كان ثبوت الشريعة مستندا إلى الطرق الشرعيّة فما هو البرهان على وجوب قبول ذلك الطريق فلا بدّ أن يكون ذلك الطريق منتهيا إلى مستند عقليّ حذرا من التسلسل إلى غير النهاية.

و على كلّ؛ فيلزم قبول أنّ أساس جعل الشرائع الإلهيّة و الأحكام الشرعيّة

تابع للملاكات الواقعيّة.

مضافا لذلك أنّ ما قرّرناه قد تضافرت عليه الأحاديث و جاء فيها بألسنة متعدّدة، نظير ما نقله الشيخ الصدوق رحمه اللّه في «علل الشرائع» عن محمد بن سنان إنّ أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام كتب إليه- بما في هذا الكتاب جواب كتابه إليه يسأله عنه-: «جاءني كتابك تذكر أنّ بعض أهل القبلة يزعم أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يحلّ شيئا و لم يحرّمه لعلّة أكثر من التعبّد لعباده بذلك، قد ضلّ من قال ذلك ضلالا بعيدا و خسر خسرانا مبينا .. إلى أن قال: إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ اللّه تبارك و تعالى ففيه صلاح العباد و بقاؤهم، و لهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها، و وجدنا المحرّم من الأشياء لا حاجة بالعباد إليه، و وجدناه مفسدا داعيا إلى الفناء و الهلاك ..» (1).

و بعد أن ثبت أنّ الأحكام الشرعيّة لها مناطاتها الخاصّة و ملاكاتها الواقعيّة، و كذا ظهر بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة و من تبعهم، فلنسأل: هل يمكن لشخص أن يدّعي أنّه يمكنه إدراك ملاكات و مناطات الأحكام الشرعيّة؟! حيث لا شكّ أنّ كلّما ذكر الشارع المقدّس حكما معلّلا بذكر دليله و فلسفته، صحّ تعميم الحكم إلى الموارد الاخرى المشتملة للمناط له، إذ مع لحاظ وجود المناط في موضوع اخر لزم سراية الحكم إليه. نظير قولهم: «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر» فكلّما جاءت هذه العلّة في موضوع اخر غير الخمر ترتّب عليه حكم حرمة الشرب، لاستحالة انفكاك الأحكام عن ملاكاتها الواقعيّة، مثل ما جاء في رواية عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه سئل عن قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «غيّروا الشيب و لا تشبّهوا باليهود»، فقال عليه السّلام: «إنّما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك و الدين قلّ، و أمّا الآن و قد اتّسع نطاقه


1) علل الشرائع: 592 الحديث 43.

و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار» (1).

حيث نصّ عليه السّلام أنّ علّة وجوب أو استحباب الخضاب في عصر الضعف و قلّة المسلمين، أمّا اليوم- حيث زاد عددهم و قلّ عدوّهم!- و لا معارضة لهم مع الكفّار، فلا دليل على لزوم هذا العمل.

فأمكن- من هذا- للحوادث الطارئة على المكان و الزمان أن يكون لها دور في تعيين الحكم و تأثيره و التأثّر به.

و هذه أحد الطرق النافعة في يومنا هذا لحلّ جملة من المشاكل و المسائل المستحدثة.

و الظاهر عدم الفرق في كون هذا الحكم مربوطا بالامور العباديّة، أو الأعمّ منها و من المعاملات، و كذا الأحكام الشخصيّة أو الحكوميّة.

و الوحيد رحمه اللّه في مبحث «حجّية القياس المنصوص العلّة» صرّح، و قال: بأنّ القياس المنصوص العلّة حجّة مطلقا لفهم العرف و كون البناء في الأخبار على محاورات العرف و تفاهمهم. و قال بعض المحقّقين بحجّية ما هو بمنزلته مثل الحكم بعدم الاعتناء بحال كثير الشكّ في الوضوء و غيره من الواجبات، بسبب ما ورد عنهم عليهم السّلام في حكم كثير الشكّ في الصلاة: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد» (2)، هذا و أمثال ذلك. و الحقّ أنّه حجّة إذا كان بحيث يفهمه أهل العرف، أو يكون المناط منقّحا (3).

حيث يستفاد من هذا بوضوح أنّ إحراز مناط حكم في موضوع قابل للسراية إلى موضوع اخر، سواء كان الموضوع عباديّا أم غيره، و لإحراز كشف


1) وسائل الشيعة: 2/ 87 الحديث 1565.

2) وسائل الشيعة: 8/ 228 الحديث 10496.

3) الفوائد الحائريّة: 451 و 452 (الفائدة 23).

المناط لا ريب في كون العوامل الزمانيّة و المكانيّة دخيلة فيه. و إحراز المناط المنصوص و تعميمه و تسريته أمر متّفق عليه، و لكنّ البحث في أنّه في موضوع لم ينصّ الشارع فيه على ملاك أو مناط، بل جعل الحكم بما أنّه شارع و مقنّن فقط، ففي مثل هذا هل يمكن ادّعاء مناط يكون ذاك موجبا لسريان الحكم إلى سائر الموارد أم لا؟ أو يدّعى إنّ ذلك المناط المنصوص لا ينطبق اليوم لما حكم الشارع به، و عليه فلا حكم له و يكون بذلك منتفيا أم لا؟

الحقّ فيه أنّ العقول البشريّة عاجزة بل قاصرة عن الإحاطة بتمام مناطات الأحكام، و لا تجد من يدّعي جزما أو يقطع في مورد أنّ ملاك الحكم الفلاني- سواء أ كان إيجابيّا أو تحريميّا، بل حتّى الاستحبابي و الكراهتي- هو بنفس الفلسفة و العلّة التي أدركتها أنا دون غيرها. إذ في تلك الحال كما يحتمل فيها أنّ ملاك الحكم فيه هو ذاك كذا قد يكون هناك احتمال اخر قد غفل عنه .. و عليه فلا يمكن الجزم بذلك، و لا يكون كلّ ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل، و ما لم يحكم لا يعدّ حكما شرعيا ..!

بل معنى هذه العبارة المعروفة: «كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل» هو أنّ الأحكام الشرعيّة بشكل بحيث أنّ لها أسرار و رموز لو بيّنات تلك الأسرار للعقل لأقرّ العقل ضرورة تلك الأحكام.

و هذا التوجيه ليس إنكارا لقاعدة الملازمة، حيث هي ناظرة إلى الكشف القطعيّ و اليقينيّ الذي هو مقبول عقول جميع العقلاء، و لا يتردّد فيه العاقل البتّة.

نعم، في مثل هذه الموارد تعدّ قاعدة الملازمة مقبولة بلا كلام.

و هو مجرد فرض؛ حيث إنّ طريق الكشف عن الواقع و الوصول إليه مسدود، و ما ورد في ذلك قليل، بل نادر.

و عليه؛ فما كان من الاستدلال مبنيّ على هذه القاعدة كان مردودا جزما

و مرفوضا حتما.

ثمّ إنّ التأمل في هذه الرواية الصحيحة المرويّة في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم- بإسناده- عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثا؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعا؟

قال: «عشرون»، قلت: سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله و نقول:

الذي جاء به الشيطان، فقال: «مه يا أبان! هكذا حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّ المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان! إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين» (1)كاف في المقام، حيث إنّها صريحة في أنّ الإمام الصادق عليه السّلام قد صرّح في ذيلها أنّ تحليل المسائل الشرعيّة و تعليلها بهذا الشكل يوجب إبطال الشريعة و محقها، و الطريف أنّ صدر الرواية ناظر إلى بيان أمر طالما تشدّق به بعض المعاصرين في توحيد دية الرجل و المرأة! و نقل عنه- استدلالات لإثبات دعواه- معتبرا بأدلّة مدّعاة لإثبات تشريعاته، كقوله بقضاء إطلاق أدلّة الدية و عدم الدليل على التقييد ..! و هذا غريب، إذ يكفيه للتقييد هذه الرواية الصحيحة الصريحة، فضلا عن ثلاثة عشر رواية اخرى أكثرها تامّة السند مدرجة في نفس هذا الباب.

و أيضا: حكي عنه دعواه أنّ هذا الحكم- أعني عدم التساوي- ظلم! وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ (2)! و هو شي‌ء مضحك حقّا، إذ لو جرت عمومات القرآنيّة و اصبحت مستندا لمثل هذه الأحكام الشرعيّة لكان الأولى به أن يستدلّ ب: (حسبنا


1) الكافي: 7/ 299 و 300 الحديث 6.

2) آل عمران (3): 182.

كتاب اللّه)، مضافا إلى أنّه لو عدّ مثل هذا الحكم ظلما لكان قوله سبحانه و تعالى:

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1)في باب الميراث ظلما أكبر. و ما العمل في هذا الحال عند ما يتعارض عمومان في الكتاب؟!

و نضيف هنا أيضا بأنّ نفي الظلم في كلامه سبحانه و تعالى ليس بمعنى التساوي، حيث إنّ مقابل الظلم؛ العدل، و هو- على ما هو المعروف و تلقّاه الأصحاب بالقبول-: إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، و من الواضح أنّ الدية من الحقوق المجعولة، و الجاعل بحسب المصلحة المخفيّة علينا قد جعل و قرّر حقّ المرأة بهذا الشكل، و لا يعدّ مثل هذا مصداقا للظلم قطعا؟! و لا يصحّ إنكار الروايات المستفيضة فيه بصرف توهّم معارضتها مع عموم الكتاب، إذ لا يوجب مثل ذاك أن يكون موردا للإعراض و الإسقاط كما لا يخفى.

و بعد كلّ هذا، هل ياترى أنّ أخذ الدية دوما يعدّ ظلما للمرأة كي يقال: لما ذا يأخذ الرجل تمام الدية و المرأة نصف ما قرّر له ..؟! حيث قد يكون عكس ذلك؛ بأن تكون الدية المنتهية إلى القتل لورثة جميعهم رجال و المقتول امرأة، أو كلّهم نساء و المقتول رجل. عند ذاك تكون الدية كلّها للنساء ..

و لا ريب أنّ أمثال هذه الدعاوي تسبّب الانحراف و الخروج عن اصول الشريعة، و أنّ صرف الحوادث الزمانيّة أو الخوف من طعن المخالفين لا يوجب تغيّر حكم اللّه سبحانه، أو إسقاط أحد طرق الاجتهاد المهمّة عندنا، أو أن تؤثّر في اسس طريقة استنباط الأحكام الشرعيّة ..!

و منها: التحوّل في طرق الاجتهاد؛ حيث أنّ مقتضيات الزمان أو المكان تلزمنا أن نجدّد النظر في المبادي الأوّليّة القطعيّة لاستنباط الأحكام، و نحدّد حجّية


1) النساء (4): 11.

القرآن الكريم، و السنّة الشريفة، و دليلي العقل و الإجماع و اعتبارها بزمان خاصّ و نتعبّد بذلك، و نتذرّع لذلك بكون السنّة المحمّديّة صلّى اللّه عليه و آله و سلم شريعة سهلة و سمحاء، و كلّما واجه الحكم- بحجّة المكان أو الزمان- ما لا يوافقه، و لم يكن فيه من المرونة الكافية، و السهولة المطلوبة أوجب منّا الطعن في منبع الحكم و منشأه! و أن نجعل بدلا من ذلك حكما يوافقها على أساس ما يرتضيه أو يقتضيه الزمان أو المكان و يوافقان عليه.

فهل ياترى هذا هو المعنى المراد من تأثير الزمان و المكان في أحكام الإسلام؟! أو يكون المراد منها تأثير الحوادث الزمانيّة و المكانيّة و كذا الموضوعات المحدثة و المتجدّدة في أنّ الفقيه يستخرج الحكم الشرعي بما لديه من معايير علميّة و فنّيّة مع مقتضيات جديدة يواجه بها الموضوعات، و مع معرفته بتبدّل الموضوع و تغييره، أو كشف المناط و الملاك المنصوص على لسان الشارع، أو بتنقيح المناط القطعي مستندا فيه إلى العمومات و المطلقات و مستعينا بها و مطبقا لها على المصاديق، و إلّا للزم الهرج و المرج العلميّ في غير هذه الصورة، مع ما في ذاك من خروج قطعي عن القواعد المقرّرة .. و ما مستند هؤلاء إلّا مجموعة من الأدلّة الخطابيّة .. إن صحّ التعبير عنها ب: الأدلّة. مع أنّ الاجتهاد- الذي هو بمعنى السعي المنظّم- له قواعده المقرّرة، و اسلوبه الخاصّ لأخذ النتيجة. و هذا أمر مسلّم و مقبول عند علماء جميع الفنون العلميّة.

و من هؤلاء من استدل بمثل هذه السفاسف بالنسبة لجواز تأخير بلوغ البنت إلى ثلاثة عشر سنة، بذريعة أن يقال: كيف يسوغ لو سرقت هذه البنت المسكينة في سنة التاسع أن تقطع يدها؟! أو إنّها تصوم طوال يوم صائف ذو أربعة عشر ساعة من الحرّ القارص؟! أو إنّها تبكّر إلى صلاة الصبح مع طفولتها؟! أو .. إلى آخره.

و يمكن الجواب عن أمثال هذه التوهمات المضحكة باستدلالات اخر

خطابيّة متشابهة لها بالاستفادة من كلمة «بلوغ»، بأن يقال: بأنّ هذه البنت- بل نوع جنس المرأة- لها قابليّة توجّه الخطابات الإلهيّة في هذا السنّ المبكر، و هذا نوع امتياز للمرأة و منزلة لها لم يحظ بها الرجل، لا أنّه نوع كلفة و ثقل عليها .. و إلّا لما كلّفها سبحانه و تعالى بذلك. فلما ذا لا نركز على هذه القابليّة الإلهيّة، و نسلبها هذه العناية الربانيّة بذريعة هذه السفسطات و التوهمات الخياليّة التي عدّوها أدلّة لجواز تأخير رشدها و بلوغها ..؟!

و من الواضح أنّ أمثال هذه البراهين الخطابيّة لا يمكن الأخذ بها أو تكون بدليّة عن البراهين العقليّة .. لا في الفقه فقط، بل في سائر العلوم. نعم، قد تنفع لإقناع بعض العوام و السذج، كما أنّ من البديهي أنّ مثل هذا يعدّ خروجا عن الطرق الفنّيّة و الأساليب العلميّة المتداولة عند الأعلام، و لا قيمة علميّة لها تذكر، و لا داعية ثمّة للعلماء للأخذ بها.

فتحصّل أنّ هذه الامور الحديثة لا توجب أيّ توسعة و لا تضييق في منابع أدلّة الأحكام الأوّليّة، كما أنّها لا يمكنها أن تؤثّر أو أن تغيّر في متون الأدلّة الشرعيّة الأوّليّة، بمعنى أنّ الآية الفلانيّة، أو الرواية التالية كانت تفسّر سابقا .. بكذا، أو تأوّل .. بكذا إلّا أنّ مدلولها اليوم أصبح بواسطة مرور الزمان قد تبدّل .. حيث إنّ لسان الأدلّة مشخّص في قالب لغة معيّنة ذا معان معلومة، و قواعد أدبيّة خاصّة، و هي لا تقبل أيّ تبدّل و لا تغيير و لا أثر لمرور الزمان و المكان عليها بحال.

و كيف يمكن أن يقال مثل هذا مع أنّ لازمه هو قبول أنّ اللفظة الفلانيّة كان معناها سابقا كذا، أو صيغة الأمر و النهي في الجمل الكلاميّة كانت تدل على مفهوم في يوم ما خاصّ، أمّا الآن فبمرور الزمان و المكان أصبحت أمثال هذه المفردات و كذا التركيبات قد تغيّرت و تبدّلت و صار لها معاني جديدة ..! و ذاك في مثل لغة العرب التي لها قواعدها الأدبيّة الفنيّة الدسمة الخاصّة، بحيث إنّها لكلّ حرف من

الحروف المستعملة، أو لكلّ مورد من موارد وقوع التراكيب الكلاميّة مدلول خاصّ كما هو ذو معان و مفاهيم خاصّة قد قرّرت و ثبتت عندهم لا يمكن أن تختلف أو تتخلّف بمرور الأيّام أو تغيير الأمكنة.

نعم، نحن نقرّ أنّ مرور الزمان و التطوّر العلميّ الحادث أوجب وضوح فهم كثير من الامور التي كانت غامضة يوما ما أو كانت مبهمة، من الآيات القرآنيّة، أو المتون الروائيّة، و كلّما تكاملت العلوم الجديدة برزت لنا أسرار أكثر و أكبر عن مفاهيم كنّا قد غفلنا عنها من ذي قبل، و لعل هذا سرّ كلام المعصوم عليه السّلام حيث قال:

«إنّ للقرآن ظهرا و بطنا، و لبطنه بطنا .. إلى سبعة أبطن» (1).

و عليه فيمكن القول بإمكان انطباق العمومات و الإطلاقات المزبورة الواردة في متون الأدلّة على المصاديق الحديثة في حالة إمكان انطباق و إحراز ذلك منها، و لا نحصر أنفسنا بعصر النصّ بما فيه من مصاديق خارجيّة معيّنة.

فمثلا بالتمسّك ب: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)، يمكن تصحيح و إمضاء عقود جديدة عقلائيّة كالتأمين مثلا، و بالاستناد إلى حَرَّمَ الرِّبٰا (3)يمكن الحكم بصور جديدة مستنبطة للقروض الربويّة مثلا، إذ أنّ الالتزام بحصر المعاملات المتعارفة بما كان في عصر الصدور، و بما كان يوم ذاك من أعيان خارجيّة .. يلزم منه عدم جواز التعامل على الأمتعة الجديدة .. و هذا ما لا يقرّ أحد، و لا يقول به ذو مسكة.

ثمّ لنرجع إلى ما كنّا عليه، و هو أنّه لا يمكن القول بحال من قبول أيّ تغيير أو تبديل في متون الأدلّة .. لا التضييق فيها و لا التوسعة. حيث إنّ قبول مثل هذا المعنى مساوق للالتزام بالنقص في الشريعة الخاتمة، و القول بعدم إشباع الوحي


1) عوالي اللآلي: 4/ 107 الحديث 159.

2) المائدة (5): 1.

3) البقرة (2): 275.

الإلهي، و كلمات أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السّلام في تأمين مفتقرات البشر و حاجاته ممّا يلجئنا إلى الرجوع إلى البدع و التشريع و إدخال ما ليس من الدين في الدين.

و من البديهي إنّ منابع الأحكام عندنا- و خاصّة في فقه الإماميّة- لا تحوجنا و لا تفقرنا لمثل هذا بحال، إذ ليست هى قاصرة أو ناقصة، و لا أعلام فقهائنا رحمهم اللّه أظهروا العجز أو الاستئصال في الوصول إلى الأحكام الإلهيّة، بل هم في غنى عن كلّ ذاك باستنادهم إلى منابع الوحي، و أخذهم باطر القواعد العلميّة المسلّمة، و القوانين الفنّيّة المقبولة لحلّ ما يطرأ لهم من معضلات علميّة و مشكلات اجتماعيّة.

و كلّما أحسّ أحدهم بأحد الخطرين- أعني التحجّر و الجمود، أو التحرّر و التجدّد- بحيث يخرجه عن القواعد العلميّة ممّا يوجب تحديد الفقه و القواعد الإلهيّة، كانت ليد السماء و العناية الربانيّة في أن تبعث في كلّ فترة فقيها دقيقا عالما متعمّقا لمواجهة أمثال أحد هذين الخطرين أو هما معا، و لعلّ من عمد من كان كذلك شيخنا المصنّف استاد الكلّ في الكلّ العلّامة المجدّد الوحيد- حقّا- الشيخ محمد باقر البهبهاني- طاب رمسه- الذي استحقّ- و بكلّ كفاءة و جدارة- مصطلح: المجدّد.

الوحيد و مواجهته للانحراف في مسيرة الاستنباط الفقهي

اشارة

إنّ هذا الاسم العظيم- كان و لا يزال- يذكر مقرونا- و بكلّ إجلال- بما له من مساعي مباركة و جهود جبّارة قام بها قبال الجمود الفكري لطائفة الأخباريّة.

و هذا التفكّر المحظور الذي هيمن على الحوزات العلميّة الشيعيّة طوال قرن من الزمن تلاشى و انمحى ببزوغ نجم هذا الرجل العظيم في سماء الفقاهة و التفكّر و الإيمان. و كان للتصلّب العلميّ و العمليّ للمرحوم الوحيد- طاب رمسه- و إرادته

الجبّارة أكبر الأثر في تبيين مفاسد القوم و زيفهم من جهة، و ضلال هذا الطريق و ضعفه من جهة اخرى، ممّا أوجب- و بمرور الزمان- اضمحلاله و افوله يوما بعد يوم.

فكان ذاك الفقيد الفقيه الفذّ بما حواه من خزائن علميّة وافرة، و ما كان له من توفيق في موقفه- و بكلّ شهامة و قدرة علميّة و عمليّة- في ميادين التطاحن مع المدارس الانحرافيّة، بتشييده و إحيائه تلك المدرسة الفقهيّة الإماميّة التي تمتاز في قبال سائر المدارس بخصوصيّة التعقل و التفكّر، فكان ذاك انجرّ جميع المدارس المخالفة إلى الاضمحلال بل الزوال و الفناء تدريجا، بعد أن جدّد بناء مدرسة الاعتدال، و استحقّ بذلك- و بكلّ جدارة- لقب: مجدّد المذهب (1).

و بعد، فقد حلّل- طاب مضجعه- و نقد بتأليفه القيّمة الثمينة بعد أن حكّم لنا المباني الصحيحة و الأصليّة للاستنباط، وقف أمام كلّ الانحرافات و الإبداعات الضالّة و المضلّة، كما أنّه من جهة اخرى قد اهتمّ بشرح المتون الأوّليّة، و تحشية الاصول الفقهيّة التي أبقتها لنا الأيّام من مصنّفات الأعلام.

و الملفت للنظر حقّا أنّه في الوقت الذي قد اشتهر بمواقفه الجادة و الحادة أمام المدّ الأخباري، و كان جديرا بها و موفّقا فيها، إذ قدّم بذلك خدمة للطائفة لا تنكر .. و خدم بذلك المدرسة الفقهيّة الإماميّة في هذا الطريق.

هذا مع مباشرته- طاب رمسه- للتدريس طوال سنوات مديدة، و تربيته لجمع كبير من فحول الأعلام، و مباشرته تأليف كثير من المصنّفات التي لا زالت إلى يومنا هذا محطّ نظر الأعلام، و لم تبلها لنا الأيّام.


1) سنذكر في ترجمته- طاب رمسه- أدوار هذا التطوّر العلميّ الذي سايره- قدس سره- طوال مسيرة العلميّة.

و من هذا القبيل سفره الجليل «الفوائد الحائريّة»، و كذا مجموعة «الرسائل الاصوليّة» و «الرسائل الفقهيّة» و «مصابيح الظلام» و كتابنا الحاضر «حاشية الوافي» .. و غيرها. و كلّ منها نادر في بابه فريد في نوعه .. إلّا أنّ هذا الرجل العظيم كما كان له موقفه المعروف أمام التحجّر و الجمود و السذاجة العلميّة و الفكريّة، كذا كان له الحدّية و القاطعيّة مع كلّ من أبدع بالقول بالخروج إلى التحرّر عمّا كان عليه السلف الصالح من سنن و اصول.

و قد قاوم أمام كلّ من يتجرّأ على مخالفة الموازين العلميّة الثابتة، و لذا فهو قد حكم على كلا الطريقين بالانحراف و الخروج عن الجادة، بل كان له موقفه الخاصّ أمام الطريق الأخير الذي يظهر من بعض كلمات المتأخّرين و المعاصرين له، و قد حاكم آراءهم و أظهر مختاره عليهم ضمن ما جاد به من حواش على مصنّفاتهم، و ما بيّنه من نقاط ضعف في أنظارهم.

و من نماذجه الواضحة حاشيته على «مجمع الفائدة و البرهان»، و كذا حاشيته على «مدارك الأحكام» و على كتاب «الذخيرة» .. و غيرها.

و عليه؛ فقد اعيد مجد الحوزات العلميّة من حين بزوغ نجم هذا العظيم و ظهوره، إذ كان هو منشأ لتربية ثلّة طاهرة من أبناء مكتب الاعتدال كانوا و لا زالوا إلى يومنا هذا قد حافظوا لنا ذاك الطريق بجهودهم، و ما أسّسوه لنا من قواعدهم و اصولهم .. و كذا من ساير بسيرته.

و لذا فقد كان هناك خطران يهدّدان هذه المسيرة المباركة:

الأوّل: طريقة الأخباريين:

إنكار هم ضرورة الاجتهاد و لزوم الفحص في الأدلّة للوصول إلى حكم شرعي، بمعنى إنكارهم طريقة المجتهدين، إذ هذا النظر- و مع الأسف- قد تبنّاه

تدريجا جمع من أعلام الطائفة عدّ منهم الفيض الكاشاني رحمه اللّه، و كان لشيخنا الوحيد طاب رمسه- عند ما أحسّ بجدّية خطر هذا الطريق أن وقف أمامه- و بكلّ حول و قوّة- و ذلك بتأليفه القيّمة سواء ما كان منها على نحو الكتاب المفصّل، أو الرسالة المستقلّة .. أو غير ذلك للردّ و قمع هذا النوع من التفكّر المنحرف و الطريقة الشاذة.

و من نماذجه المتداولة المعروفة كتابه «الفوائد الحائريّة» القديمة و الجديدة.

و كذا مجموعة «الرسائل الاصوليّة» .. و غيرهما.

و يلمس أهل الفنّ و النظر خلال هاتيك المصنّفات استدلالات و براهين قويمة أصبحت اليوم عند المجتهدين بديهيّة و ضروريّة واضحة، و ما هذه البداهة و الضرورة اليوم إلّا نتيجة ما أبطله ذلك البطل من التفكّر الأخباري و ما كان لمساعيه و جهوده الجبّارة في تفتيت ذاك النوع من التحجّر، و لم يمنعه في هذا الطريق شي‌ء و قد بلغ من التوفيق ما لم يبلغه إلّا النادرين، إذ لم يبق من بعده من يحمل هذا الفكر الانحرافي من له شأن يذكر.

بل قد نجد الكلّ يتبرّأ من بعد ذاك عن مثل هذا التفكّر، أو يقذف الآخرين به. و حيث أحسّ- طاب رمسه- أنّ تصدّي جمع من عيون الطائفة، و بتبعهم من أصحاب التأليف للأخذ ببعض أفكار الأخباريّين، و عدّ مثل هذا خطر كبير على سلامة طريقة الاجتهاد و التفقّه .. لذا بادر للتحشية و الشرح و نقد مؤلّفاتهم و مصنّفاتهم.

الثانى: الخروج عن طريقة المجتهدين و ما تعارفوا عليه:

و غير خفيّ لما في هذه من الخطرات و الآفات الكثيرة التي أشرنا لبعضها سالفا، و المواجهة مع هذا الانحراف ممّا أخذه الوحيد رحمه اللّه على عهدته، و قاومه بشدّة في كتاباته، و أشار إليه في حواشيه التي أثبتها على المتون و مؤلّفات سالكي هذه الطريقة، بالنقد لهذا الطريق المحظور، و ذلك بألسنة متعدّدة، مع التنبيه على ما فيه

من الاشتباهات الكثيرة، و جذور الخطاء و الانحراف، و كذا التذكير بالنتائج المضرّة لأمثال هذه المسالك المنحرفة.

و من هؤلاء الأعلام المرحوم المحقّق المقدّس الأردبيلى رحمه اللّه صاحب كتاب «مجمع الفائدة و البرهان»، حيث حشّى شيخنا الوحيد رحمه اللّه على قسم المعاملات من كتابه ذاك بحواشي نقديّة، قد كان جارحا في بعضها، و نبّه على ما اشتبه به- طاب ثراه- و ما في كلماته من خطرات و اشتباهات، و لوازم غير صحيحة.

فمثلا؛ نجد في مبحث خيار الشرط- و إنّه هل يسقط الخيار مع تصرّف المشتري أم لا؟- قال المرحوم الأردبيلي في مقام القول بعدم سقوط خيار الشرط بصرف التصرّف- ما نصّه: هذا كلّه مع عدم الدليل أصلا على ما رأيناه على سقوط خيار الشرط بالتصرّف، مع ثبوته بالدليل اليقيني من الكتاب و السنّة و الإجماع .. (1)

و علّق المرحوم الوحيد البهبهانيّ رحمه اللّه فقال- بعد أن نقل الرواية الواردة و قال إنّ جميع الأصحاب فهم سقوط الخيار منها-: عدم اطّلاعه على الدليل لا يقتضي عدمه، فإنّه رحمه اللّه في غالب المواضع يناقش و يقول كذلك، فلو صحّ مناقشاته لم يبق للشرع و الفقه أثر أصلا، و لم يوجد حكم شرعي إلّا في غاية الندرة، و أين هذا من الدين و الشريعة؟! (2)

و كذا ما ذكره في باب مستثنيات حرمة أكل مال الغير؛ حيث حشّى كلام المحقّق الأردبيلي عند أخذه برواية صحيحة و إعراضه عن فتوى المشهور- المستند كلامهم إلى روايات صحاح أكثر- و عضّد كلامه بدليل العقل. فقال الوحيد رحمه اللّه هنا


1) مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 414.

2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 263.

في مقام معاضدة المشهور و الدفاع عنه، و لزوم الأخذ به- ما نصّه: .. كلّما يزيد قوّة ما ذكره و يشتدّ يصير منشئا لقوّة المعارض و فتاوي الفقهاء، لأنّهم الخبيرون الماهرون، يظهر أنّه ظهر عليهم قوّة مستند فتواهم إلى الحدّ الذي عدلوا عن حكم العقل و النقل المذكور و اتفقوا على خلافه، لوثوق تامّ خال عن التزلزل بالمرّة، حتّى أنّهم ما أمروا بالاحتياط أصلا، مع كونهم بحيث يحتاطون غالبا، بل و كليّا في مقام الخطر و الضرر. (1)

ثم عقّب بعد ذلك بسطور في إثبات حجّية أسانيد الروايات التي هي مستند المشهور، فقال: و مع جميع ما ذكر انجبرت بالشهرة بين الأصحاب، و الخبر المنجبر و إن كان ضعيفا، كما هو الحقّ المحقّق في محله. و المسلّم عند الفقهاء القدماء و المتأخّرين إلّا نادرا من متأخّرى المتأخّرين، لشبهة ضعيفة .. إلى أن قال: فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون في موت الفقه، ألا ترى أنّ الشارح لا تكاد توجد مسألة فقهيّة خالية عن الاضطراب عنده!!. (2)

و أنت ترى أنّ هذا الفقيه المتعمّق يرى أنّ الفهم الإجماعي للأصحاب أو ما هو مشهور عند هؤلاء هو بحكم القاعدة، و لو أراد الفقيه أن يقف و يقاوم أمام كلّ ما ذهب إليه فقهاء السلف من الأدلّة لما بقي من الفقه- بل من الشرع- شي‌ء أبدا، خاصّة مع وجود روايات بيّنة و واضحة الدلالة أمامه، و مع هذا فقد أعرضوا عنها و طرحوها، فيفيد أنّ إعراض المشهور عنده مهمّ جدّا، و عدم الاعتناء به و الفتوى بما أعرض عنه المشهور يوجب موت الفقه، و يعتقد أنّ سالك مثل هذا المسلك- في النهاية- سيصل إلى وادي المخالفة مع القواعد العلميّة، و حتّى البديهيّات الفقهيّة ..


1) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 723.

2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 725.

بشكل قد يلتجئ إلى إنكار حجّية الظواهر، أو الإغماض عن القواعد المعمولة في المرجّحات، أو أن يتمسّك- مع وجود نصّ خاصّ- بالاصول العمليّة! أو أن يستنجد بالعقل في قبال النصّ .. و غير ذلك.

و حريّ هنا ملاحظة بعض الموارد؛ حيث إنّ المحقّق الأردبيلي رحمه اللّه قد صرّح في ذيل صحيحة أبي عبيدة الدالّة على جواز شراء الصدقات و الخراجات بقوله: و لا يدلّ على جواز شراء الزكاة بعينها صريحا، نعم ظاهرها ذلك و لكن لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته للعقل و النقل (1).

و صرّح المرحوم الوحيد رحمه اللّه- ابتداء و معلّقا- بقوله: الظهور يكفي للاستدلال و لا يشترط الصراحة، و مداره- حينئذ- على الاستدلال بالظواهر .. (2)، و كأنّه يريد أن يقول إنّ مثل هذه الطريقة مع النظر إلى الأدلّة ينتهي إلى إنكار حجّية الظهورات، مع أنّ مدار المستدل هو الأخذ بالظواهر، بل قد يوجب الغافلة عن نصوصيّة الدليل، حيث قال- بعد هذا-: مع أنّ الظهور إنّما هو في صدر الحديث، و أمّا وسطه و ذيله فهما صريحان في غاية الصراحة .. (3)

ثمّ حقّق و بحث في ادّعاء التنافي بين هذه الرواية مع الأدلّة العقليّة و النقليّة، و ذهب إلى أنّ المدّعي لم يشر إلى الدليل النقلي المنافي في المقام، لذا لم يكن قابلا للقبول، و العقل هنا لا يستطيع أن يكون له الحكم مع وجود النصّ الخاصّ.

أمّا ما يرجع إلى غمض العين عن قواعد باب التعادل و الترجيح، فنرى في موارد من كتاب مجمع الفائدة- حسب تتبّعنا- هناك روايات موثّقة قدّمت على الصحيحة، أو حسنة رجّحت على الصحيحة، مع أنّ مقتضى القاعدة في باب


1) مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 102.

2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 40.

3) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 40.

التعارض هو تقديم ذو المزيّة و الأرجح على غيره .. كما هو واضح (1).

و من أمثال هذه الانحرافات الكثيرة ما يجده من يلاحظ حاشية الوحيد رحمه اللّه النقديّة، إذ يجد شواهد كثيرة لها، و لذا ترى شيخنا البهبهاني رحمه اللّه- مع كلّ ما كان يكنّه من احترام و تقديس للمقدّس الأردبيلي رحمه اللّه، كما صرّح بذلك في مقدّمته على الحاشية- ينصّ على أنّ علّة تحشيته لهذا الكتاب هي: رأيته قد كبا جواده في بعض الميادين فأخذ يعترض على علمائنا الأساطين ...! (2).

و كأنّ غرضه من تدارك الأدلّة و التنبيه على غفلاته و شطحاته هو صون طلّاب العلم و من يأتى في المستقبل من بعده من سلوك أمثال هذه المسالك، و الأخذ بمثل هذه الطرق.

و هو- طاب رمسه- قد بادر خلال مسيرته العلميّة إلى كتابة حاشية نقديّة اخرى على كتاب «مدارك الأحكام»- الذي يعدّ مؤلفه أحد خرّيجى مكتب المقدّس الأردبيلي- و قام رحمه اللّه بنقد هذا الطريق و المسلك مع التنبيه إلى ما فيه من الزلّات و الاشتباهات.

فصاحب المدارك قدّس سرّه في مقام الاستنباط لا يرى غير الكتاب و السنّة الصحيحة المسلّمة في كلّ مسيرته العلميّة، و هذا المسلك قد تجلّى بشكل أصبح مشكلة جديدة في الفقه يتنافى مع ما كان عليه الفقه السابق و يختلف عنه. و لذا بادر المرحوم الوحيد رحمه اللّه في مقام ردّه و بيان خطره لهذه الطريقة فأعلن- طاب ثراه- بقوله: و لا شكّ في فساد المناقشة لاقتضائها سدّ باب إثبات الفقه بالمرّة، إذ لا شبهة بأنّ عشر معشار الفقه لم يرد فيه حديث صحيح، و القدر الذي ورد فيه الصحيح لا


1) لاحظ! مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 110 و 302- 305.

2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 3.

يخلو ذلك الصحيح من اختلالات كثيرة بحسب السند و بحسب المتن و بحسب الدلالة، و من جهة التعارض بينه و بين الصحيح الآخر، أو القرآن، أو الإجماع .. أو غيرهما- كما أشرنا إليه في الفوائد و ظهر لك من التأمل فيها، و في الملحقات أيضا إلى هنا- و بدون العلاج كيف يجوز الاحتجاج به؟! و كذا إذا لم يكن العلاج حجّة و كون العلاج هو الخبر الصحيح، أو مختصا به بديهي البطلان (1)،

و قال- طاب ثراه- في موضع اخر: إذ عمل الشيعة بأخبار غير العدول أضعاف عملهم بأخبار العدول ... و بناء الفقهاء في الأعصار و الأمصار كان كذلك إلى زمان صاحب المدارك (2).

و من الأفكار التي كان يحملها بعض الأعلام التي كان يحسّ بخطرها شيخنا الوحيد رحمه اللّه هو ما جاء في مصنّفات المرحوم الفيض الكاشاني قدّس سرّه، حيث كان يعتقد المصنّف إنّ الفقه قد تأثّر بأفكار الأخباريّين من جهة، و من جهة اخرى تبعيّته إلى ما ذهب إليه الشهيد الثاني رحمه اللّه و صاحب المدارك رحمه اللّه من مبان، و هذا ما يظهر من مقدمة كتابه «مفاتيح الشرائع»، إذ إنّه بعد أن ادّعى أنّه مورد عنايته سبحانه، و قد حصل على الطريق الواقعي للاستنباط؛ و إنّه يحمل أفكار الماضين من علماء السلف! ممّا سوّغ له أن يتهجّم على الآخرين من الأعلام و قد اتّهمهم بقوله: و من لا يعرف الهرّ من البرّ، و هم الذين يأتون البيوت من ظهورها، فيدخل فيه من غير معرفة، بل على التخمين، أو الاقتفاء لآراء الماضين مع اختلافهم الشديد، و اعتراف أكثرهم بعدم جواز تقليد الميّت، و ألا قول للميّتين، و إن لم يأتوا في هذا بشي‌ء مبين، فهو في ريب من أمره و عوج، و في صدره من ذلك حرج، ألّا يقبل منه


1) الفوائد الحائريّة: 488 (الفائدة 31).

2) الفوائد الحائريّة: 142 و 143 (الفائدة 10).

صلاة و لا زكاة و لا صيام و لا حجّ، إذ العامل على غير بصيرة كالسائر على غير المنهج، لا يزداده كثرة السير إلّا بعدا ...

.. إلى أن وفّقني اللّه سبحانه لاستنباط مفاتيح جملة من تلك الأبواب، من مآخذها المتينة و اصولها المحكمة، و هي محكمات كلام اللّه عزّ و جلّ، و كلام رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و كلام أهل البيت عليهم السّلام، من غير تقليد لغيرهم و إن كان من الفحول، و لا اعتماد على ما يسمّى إجماعا و ليس بالمصطلح عليه في الاصول الراجع إلى كلام المعصوم من آل الرسول، و لا متابعة للشهرة من غير دليل، و لا بناء على اصول مبتدعة ليس إليها من الشرع سبيل، و لا جمود على الألفاظ بيد قصيرة، و لا عمل بقياسات عامية من غير بصيرة، بل بنور من اللّه سبحانه و هدى و رحمة، و له الحمد على هذه النعمة (1).

كلّ هذا طعنا منه بعلماء الطائفة و أكابر الفقه و أساطينه باتّهامهم بالعمل بالقياس و الاصول المبتدعة! و في قبال ذلك إنّه قد أدرك- و من تابعه، بالأنوار الإلهيّة- حاقّ الحقائق العلميّة!

و قد كرّر الوحيد رحمه اللّه ردّ هذه الأفكار المتطرفة في أكثر من موطن من كتابه، نظير قوله- طاب ثراه- في الشرح المذكور: إذ بعد التنبيه التام، و المبالغة في إظهار ما هو أظهر من الشمس، و إتمام الحجّة، تراهم ينكرون الإجماع مطلقا كما كانوا ينكرون، و يقولون بانحصار مدرك الشرع في الآية و الخبر كما كانوا يقولون، بل و يزيدون في اللجاج، و ينسبون جميع الفقهاء إلى سوء الفهم و الاعوجاج، بل و إلى الحكم بغير ما أنزل اللّه و القياس، و الهلاك و إهلاك الناس، و البدعة، و متابعة العامّة، أو مخالفة طريقة الشيعة، و غير ما ذكر من الامور الشنيعة (2).


1) مفاتيح الشرائع: 1/ 4 و 5.

2) مصابيح الظلام: 1/ 54.

ثمّ استدل على القسم الثاني ممّا ادّعاه من كون الفيض رحمه اللّه مقلّدا لصاحب المدارك و المسالك، حيث ذكر في شرحه لجملة الماتن عند قوله: «أو ذكره و يوثق به». قال:

أقول: الظاهر أنّ مراده منه صاحب «المدارك» و «المسالك»، فإنّه اعتمد عليهما نهاية الاعتماد، إلى أن قلّدهما أشدّ تقليد إلّا ما شذّ و ندر، بل في الحقيقة كتابه هذا ليس إلّا «المدارك» و «المسالك» اختصرهما، و كان الأولى أن يسمّيه مختصر المدارك و المسالك.

نعم، ربّما زاد فيه بعض الامور، مضافا إلى ما ندر من المخالفة، و إلّا ففي الحقيقة هو مقلّدهما و إن قال- فيما سبق-: من غير تقليد الغير و إن كان من الفحول.

و ما ذكرنا من التقليد الشديد غير خفيّ على من له أدنى اطّلاع و تفطّن، فإنّا وجدنا في الكتابين اشتباهات كثيرة واضحة غاية الوضوح، مثل كونه ربّما نقل فيهما الحديث بنحو، و ليس كذلك قطعا، و كذلك كلام الفقهاء، و كذلك دليل المسألة.

و ربّما ذكر فيهما حديث دليلا للحكم موردا للاعتراض، و ليس دليله ذلك بلا شبهة، بل دليله حديث اخر بلا شبهة و ريبة.

و ربّما اقتصر فيهما على نقل الخلاف من بعض، مع أنّ المخالف أزيد.

و ربّما اقتصر على نقل بعض الخلافات في مسألة مع أنّها أزيد، بل ربّما كانت أزيد بمراتب شتّى.

و ربّما لم ينقل فيهما كثير من المسائل الخلافيّة، و المصنّف في جميع ما ذكر على طبق كتابيهما ...

.. و أيضا ربّما ذكرا فيهما في مسألة: إنّا لم نجد نصّا فيها. و المصنّف تبعهما، مع أنّ النصوص موجودة في الكتب المشهورة، بل ربّما كان في الكتب الأربعة، بل ربّما

كان في مقام ذكر تلك المسألة، بل ربّما كان في غير المقام نصوص كثيرة في كتب غير المشهورة، أو المشهورة، أو الأربعة، أو هي أيضا مشهورة.

و أيضا ربّما اقتصرا على ذكر بعض الأدلّة، و المصنّف تبعهما، و ربّما قالا: لم نجد دليلا، و المصنّف تبعهما، مع أنّ الدليل موجود قطعا، بل و ربّما يكون واضحا، بل و ربّما يكون في الكتب مذكورا.

و أيضا ربّما اقتصرا على نقل الإجماع عن بعض، و ربّما لم ينقلا الإجماع، مع أنّ الناقل موجود، بل ربّما يكون متعدّدا.

و أيضا ربّما ادّعيا الإجماع أو نقلا، و ظهر أنّه ليس كذلك يقينا، و ربّما كان الأمر بالعكس .. إلى غير ذلك من الاشتباهات، مثل ما وقع في فهم الحديث، أو الجمع أو الطرح أو الترجيح، أو غير ذلك، مثل الحكم بصحّة حديث ليس بصحيح و بالعكس، و مثل الاصول و القواعد الفقهيّة و الاصوليّة و غيرها، و المصنّف تبعهما.

و نحن نبّهنا على الاشتباهات المذكورة و غيرها في حاشيتنا على «المدارك»، و «الذخيرة»، و شرح الإرشاد للمقدّس الأردبيلي، و «الوافي»، و كذا قليلا من الحواشي التي كتبناها على المفاتيح- هذا الكتاب- و «الكفاية» و «المسالك» و غيرها (1).

و مع كلّ هذا، فإنّ الشارح رحمه اللّه كان يحسّ مدى خطر هذه الأفكار و ما تجرّه على الطائفة من ويلات، و كان يعتقد بأنّ هذا المقدار من الحواشي غير كاف لرفع هذا الخطر الجسيم، و لذا بادر رحمه اللّه إلى شرح بعض الكتب، مثل «مفاتيح الشرائع» و قد صرّح في أكثر من مورد فيه إنّه طرح كثيرا من المطالب لم يتعرّض لها و لم ينقدها،


1) مصابيح الظلام: 1/ 66- 68.

كما في بحث انفعال ماء القليل، حيث قال: و لمّا رأينا المقام من مزالّ الأقدام من المحقّقين الأعلام في أمثال زماننا، و كاد أن يرسخ في قلوب الخاصّ و العامّ، لا جرم بسطنا الكلام كما بسطنا في نظائره، و إن كان ما ذكرته قليلا بالنسبة إلى ما أحب أن أذكره لكن تركته خوفا من الملال و السأم (1).

المؤلف و خصوصيات كتابه

اشارة

و هي كثيرة، جدّا نشير إلى بعض منها:

الاولى: تشقيق الفروع الفقهيّة و الاستدلال عليها؛

إنّ هذا الأثر النادر- مع قلّة ما كان عند مؤلّفه و في متناول يده من منابع و مصادر- يعدّ بحقّ عمل عظيم جدّا، و العجب أنّه مع افتقاره إلى كثير من المصادر كيف استطاع أن يبقي منه هذا الأثر العظيم، فها هو في شرح المفاتيح يقول: و ليس عندي «الخلاف» .. (2)، مع أنّ من البيّن إنّ كتاب «الخلاف» يعدّ من أمّهات مصادرنا، و مع هذا لم يكن عنده، فكيف استطاع إتمام عمل بمثل هذه العظمة؟!.

و كان سعيه- طاب ثراه- في كتابه هذا؛ الإبداع- قدر الإمكان- في غالب المباحث الضروريّة و طرح ما لا ضرورة فيه و لا أهميّة له، و تكميل المباحث الفقهيّة بدرج الفروع اللازمة فيه، فنحن نرى في مبحث الفقير و المسكين أيّهما أسوأ حالا يقول: نقل هذا الاختلاف يوجب بسطا لا طائل تحته، من أراد الاطّلاع فعليه بمطالعة «الذخيرة» أو غيره (3).

و قبال ذلك في مبحث الشكّ في النوافل نجده يطرح ثمان و عشرون فرعا


1) مصابيح الظلام: 5/ 288 و 289.

2) مصابيح الظلام: 10/ 66 و 67.

3) مصابيح الظلام: 10/ 381.

ضروريّا و مهما (1)، لا تجد واحدة من هذه الفروع في أيّ موسوعة فقهيّة اخرى.

الثانية: تحكيم الأدلّة و تنوّعها؛

و هذا ما يظهر من مقارنة هذا السفر الجليل بما سلفه من مصنّفات الأصحاب، إذ يظهر منه مدى ابتكاره و خلاقيّته بما برز من الشارح- طاب ثراه- من نكات و ملاحظات خلال شرحه، ممّا يكشف عن مقدار إحاطته على كتب السلف و مبانيهم مع استحكام الأدلّة و إثباتها على كلّ دعوى ادّعاه، و كل ما أورده فيه مع تنوّع فيها، مثلا في مبحث انفعال الماء القليل استدلّ بروايات كثيرة، ثمّ خلّص إلى القول بقوله: قد عرفت تواتر الأخبار، و قد أشرنا إلى بعضها، و قد زاد على المائة و المائتين، فما ظنّك بصورة ضمّ ما لم يشر؟ (2).

ثم إنّ سرد الأدلّة المنقولة في كلامه في الأبواب المختلفة المربوطة بهذا البحث مع ما هناك من إجماعات مدّعاة عليه- يوجب تقوية المدعى.

و الشاهد على ذلك قوله ردّا على أدلّة ابن أبي عقيل و من تابعه، خاصّة نقضه على ادّعائه العجيب في أنّه: تواتر عن الصادق عليه السّلام «أنّ الماء لا ينجّسه شي‌ء إلّا ما غيّر لونه، أو طعمه، أو رائحته»، حيث قال: مع أنّ هذا المضمون لم يرو عنه عليه السّلام بعنوان الآحاد أحد من مشايخنا المحدّثين الضابطين لأحاديثهم عليهم السّلام المقبولة و المردودة، كما هو دأب المحدّثين، و كذلك الفقهاء المتمسّكون بأخبارهم عليهم السّلام من القدماء و المتأخّرين جميعا في مقام الاستناد، أو التوجيه، أو الطعن في كتاب من كتبهم، أو مقام من مقامات ذكر مثل هذا الحديث.

و لذلك ما رووا في ذلك المقام إلّا خصوص ما رواه العامّة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم


1) مصابيح الظلام: 9/ 305- 358.

2) مصابيح الظلام: 5/ 285.

بالمضمون المذكور (1)في مقام الاحتجاج أو الردّ أو التأويل (2).

إلّا أنّ العلماء قبل الشارح كأنّهم قبلوا ادّعاء التواتر و نقلوا التواتر بشكل أفرده ضمنا و ردّوا من جهة اخرى و نجد هناك روايات اخر رفضها الوحيد رحمه اللّه من جهات اخر، إمّا لشذوذها، أو موافقتها للعامّة، أو عدم موافقتها مع الروايات المعتبرة أو غير ذلك (3).

الثالثة: تبعيّة الدليل على أيّ حال؛

حيث قد يتصوّر البعض أنّ الشارح قد ألزم نفسه بالدفاع عن الشهرة المنقولة و الإجماعات الواردة، إلّا أنّه قد ثبت أنّه مخالف للإجماع في ما لو كان هناك اتّفاق من الفقهاء، و لم يكن يتلائم مع روح الشريعة. مثلا في بحث مستحقّ الزكاة (الغارمون) قال: إذ الفقهاء متّفقون في أنّ المدين يجب عليه أداء ديونه بكلّ ما يملك، سوى قوت يومه و ليلته، و لباسه، و الدار، و الخادم، و نحوهما، لأنّ لازم ذلك أن يعطي مئونة سنته سوى قوت يومه. لكن معلوم أنّه تعالى لا يرضى أن يذلّ المؤمن نفسه و يجعلها فقيرة، فلذا جعل له هذا السهم، فهو فقير واقعا، و هو المرعيّ في المقام، كما هو ظاهر (4).

حيث يظهر منه أنّه يفتي بما يعتقده و يراه موافقا للشريعة على ما وصل إليه نظره، و لو كان ذلك مخالفا لما أجمع و اتّفق عليه الفقهاء- رضوان اللّه عليهم- على مدّ السير الفقهي للمسألة.


1) السنن الكبرى للبيهقي: 1/ 259.

2) مصابيح الظلام: 5/ 264 و 265.

3) مصابيح الظلام: 5/ 271- 276.

4) مصابيح الظلام: 10/ 448.

تحليل المؤلف لخروج بعض الأصحاب عن مدلول بعض الأدلّة

اشارة

و كي نعرف و يتّضح لنا فلسفة ما ذهب إليه المحشّي في عمله الكبير، و نعلم سبب أمثال هذه الانحرافات عنده مع ما تفرّد به من المباني أو اهتمّ بها، نسرّدها و نشير إليها ضمن بعض النقاط:

أ: عدم الدقّة في موارد حرمة التعدّي عن النصّ و وجوبه؛

هناك خلط عندهم بين أصلين مهمّين لم يفرق بينهما غالبا، و هما عدم جواز التعدّي عن النصّ و وجوب التعدّي عنه؛ إذ لم يفرق بين التعدّي الواجب و الحرام، و من الواضح وجود موارد كثيرة في الفقه قد تجاوز مدلول النصّ و تعدّي عنه حتّى ذهب جمع من الأخباريّين و نزر من الاصوليّين إلى عدّ مثل ذاك نوعا من القياس، و لذا ردّوه.

مع أنّا نجد أنّ هناك موارد يلزم فيها التعدي، و في بعض الموارد يحرم، و المرحوم الوحيد- طاب ثراه- في مقام بيان موارد التعدي الواجب و الحرام يقول:

و عدم الفرق بين المقامين أعظم خطرا على المجتهد، فلو كان أحد لم يفرق، و لم يعرف ما به الفرق يخرّب في الدين تخريبات كثيرة من أوّل الفقه إلى آخره .. كما وجدنا غير واحد من العلماء أنّهم يفعلون كذلك (1).

و قال في شرح مقدّمة المفاتيح- في مقام ردّه لاتّهام عمل أعلام الطائفة بالقياس- ما نصّه: و غالب المواضع التي طعنوا بالقياس وجدنا- بعنوان اليقين- أنّه ليس بقياس أصلا، لاطّلاعنا على دليل التعدّي، و جزمنا بأنّ الطاعن إمّا قاصر، أو غافل، أو معاند (2).


1) الفوائد الحائريّة: 293.

2) مصابيح الظلام: 1/ 34.

ثمّ ذكر موارد وجوب التعدّي فيها كي لا يقع في محذور القياس (1).

و تعرّض بعد ذاك إلى طرق التعدّي الواجب و الموارد التي لا يقع فيها الباحث في القياس.

ب: عدم المعرفة التامّة بعلم الرجال؛

حيث إنّ صاحب الحدائق رحمه اللّه ادّعى- و لأوّل مرّة بعد اثني عشر قرن- إنّ الجمع بين الفاطميّتين حرام، تمسّكا برواية جاءت في «علل الشرائع»، و ذكر في مقام تصحيحها، فقال: و أمّا عند المتأخرين فطريق «العلل» صحيح البتّة (2)إلّا أنّ المحشّي في جوابه قال: و أمّا حكمه بصحة طريق الصدوق على طريقة المتأخرين، فليس إلّا من جهة عدم اطّلاعه على طريقتهم، و عدم اطّلاعه على شرائط صحّته، و عدم اطّلاعه على علم الرجال؛ لأنّ الصحيح عندهم ليس إلّا ما رواه ثقة عن ثقه .. و هكذا عن المعصوم عليه السّلام، و محمّد بن علي ماجيلويه غير مذكور في الرجال إلّا مهملا (3).

و لذا نجده في موارد كثيرة استطاع إلى التنبّه إلى ما فيها من الانحرافات و الاشتباهات لتسلّطه و إحاطته بالرجال، و تنبّه إلى نكاته و دقائقه فاستطاع أن يوضّح و يصحّح ما وقع فيه البعض لا عن قصد من الاشتباهات و الانحرافات.

ج: عدم التسلّط التام على اللغة؛

حيث قال المحشّي- طاب رمسه- في بحث التيمم: «الصعيد» جعلوه مطلق وجه الأرض .. ثمّ ردّه بكونهم جاهلين باللغة. ثمّ ردّ صاحب المدارك مستندا


1) مصابيح الظلام: 1/ 36- 39.

2) الحدائق الناضرة: 23/ 551.

3) الرسائل الفقهيّة: 189.

ببعض أقوال اللغويّين المعتبرين، و مستعينا بالروايات، و أثبت أنّ الصعيد هو التراب لا مطلق وجه الأرض (1).

د: عدم الالتفات إلى مواطن الأمارات و مجاري الاصول؛

حيث لا يخفى على أهل الفنّ أنّ مع وجود الأمارات لا مجرى لأصل البراءة مثلا. إلّا أنّا نجد بعض الأعاظم غفل عن هذا المهمّ و استدلّ بأصالة البراءة في مواطن متعدّدة، مثل صاحب الذخيرة في بحث فطرة عائلته الغائبة.

و قد استغرب الشارح لمثل هذا الاستدلال، و قال: و أعجب منه أنّه قال:

و قد عورض هذا الأصل بأصالة براءة الذمّة (2)، إذ الأصل براءة الذمّة فيما لم يقم عليه دليل شرعي، و أصل البقاء من أقوى الحجج الشرعيّة و على ذلك؛ المدار في الفقه و الفتاوى، و عمل المسلمين في الأعصار و الأمصار. مع أنّ الأصل براءة ذمّة العيال أيضا و عنده، بل و غيره أيضا أنّه إذا لم تجب على المعيل تجب على العيال في بعض الوجوه. مع أنّ كون الأصل براءة الذمّة في وجوب النفقة باطل جزما، و وجوب الفطرة تابع له، كما عرفت (3).

ه: الغافلة عن عدم إمكان إجراء الأصل في ماهيّة العبادات؛

حيث تمسّك البعض في ماهيّة العبادات بأصالة البراءة مع أنّها ليست موردا لها، و المحشّي أشار لمثل هذا الاشتباه في بحث صلاة الجمعة مثلا، حيث قال:

و أعجب من جميع ما ذكر أنّهم ربّما يتمسّكون بأصالة عدم الاشتراط لتتميم استدلالاتهم. و فيه؛ أنّ الأصل دليل برأسه لا مدخليّة له في الاستدلالات بالآية


1) لاحظ! مصابيح الظلام: 4/ 297- 311، الحاشية على مدارك الأحكام: 2/ 98- 116.

2) ذخيرة المعاد: 474.

3) مصابيح الظلام: 10/ 574.

و الروايات. مع أنّ الأصل لا يجري في ماهيّة العبادات، كما هو المحقّق و المسلّم (1).

و أيضا، ذكر هذا المعنى في «الفوائد الحائريّة» بشكل مبسوط هناك (2).

و: عدم غور البعض في الأدب العربي و مباديه الأوّليّة؛

حيث نجد أنّ صاحب الذخيرة رحمه اللّه في رواية: «في خمس من الإبل شاة» (3)ذهب إلى عدم إمكان حمل (في) على الظرفيّة. و الشارح رحمه اللّه عند شرحه لذلك أثبت في تحقيق أدبيّ رائع: أنّ (في) هنا بمعني الظرفيّة .. ثمّ ردّ الماتن و علّل اشتباهه بعدم إحاطته بالأدب العربي (4).

ز: عدم التوجه إلى العرف؛

حيث إنّ المحشّي رحمه اللّه عند نقده لقول المحقّق قدّس سرّه الذي قال: (السوم شرط الوجوب ... فإنّه لا يقال للمعلوفة: سائمة في حال علفها) (5). قال: ما ذكر من عدم صدق السائمة عليها حال علفها .. ففيه أنّ الظاهر عدم الخروج عن كونها عرفا بذلك، كما لا يخرج الكلام عن العربيّة باشتماله على ما هو أعجميّ، و بالجملة المعتبر هو التسمية عرفا و ما يتبادر عندهم (6).

و لذا تجده قد عقد بابا في كتابه «الفوائد الحائريّة» على أنّ الأئمّة عليهم السّلام كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة (7)، و من هنا جعل العرف مفتاحا لفهم


1) مصابيح الظلام: 1/ 398.

2) لاحظ! الفوائد الحائريّة: 477- 485 (الفائدة 30).

3) وسائل الشيعة: 9/ 108 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام.

4) لاحظ! مصابيح الظلام: 10/ 367- 370.

5) المعتبر: 2/ 507.

6) مصابيح الظلام: 10/ 49 و 50.

7) الفوائد الحائريّة: 463- 466.

كثير من الروايات. و ذهب أخيرا إلى أنّ صاحب المدارك حيث لم يلتفت لمثل هذه الموارد ترك طريقة الفقهاء في بحث الحيض و الاستحاضة، و سلك طريقا معوجا في فهم الروايات، و تابعه- غفلة- جمع من الفقهاء قدّس سرّهم.

ح: عدم الدقّة في نقل الأقوال؛

إذ نجد في الكتب الفقهيّة أقوالا نسبت إلى السلف الصالح رحمهم اللّه لو رجعنا بدقّة- إلى كلماتهم و اصولهم المدوّنة، لوجدنا أنّ هذه النسبة غير صحيحة، بل قد تكون معكوسة، و هذه من الأعمال المهمّة التي قام بها المحشّي عند تصحيحه لاشتباهات المصنّف و الآخرين، حيث صرّح بأنّه: قد ذهب المصنّف رحمه اللّه أيضا في مفاتيحه إنّ جمعا أفتوا أنّ الفطرة يمكن إعطاءها للمستضعف غير الشيعي (1).. إلّا أنّ المرحوم الوحيد- طاب رمسه- مع ردّه لهذا الادّعاء صرّح بعدم من قال بذلك عن فقهاء الشيعة، نعم أفتوا بذلك إذا لم يكن شيعيّا (2)!

ط: عدم الالتفات إلى دور الزمن في واقع النصّ؛

حيث إنّ الشارح رحمه اللّه يعتقد أنّ عدم الاعتناء بالزمان يوجب أنّ الفقيه لا يمكنه الوصول إلى الاستنباط الصحيح، لذا فهو مع أخذه بنظر الاعتبار لهذا المهمّ و ملاحظة زمن الأئمة عليهم السّلام و تاريخ النصّ، وجّه كثيرا من الروايات و أماط عنها الإبهام، و صرّح بجواز إعطاء الفطرة للفقير غير الشيعي، متمسّكا برواية جاءت في عصر السجاد عليه السّلام، ثمّ عقّب ذلك بقوله: و الحقّ أن يقال: إنّ زمان علي بن الحسين عليه السّلام ما كان يوجد المؤمن العارف إلّا نادرا نهاية الندرة لو قلنا بوجوده ..

و لذا كان عليه السّلام يعطي فطرته الضعفاء (3).


1) مفاتيح الشرائع: 1/ 221 (المفتاح 249).

2) مصابيح الظلام: 10/ 636.

3) مصابيح الظلام: 10/ 640.

ى: عدم الالتفات إلى دور المكان في بيان الحكم؛

و قد اعتنى رحمه اللّه و اهتمّ بهذه النكتة المهمّة في استنباطاته و أحكامه. لذا نجد في بحث التيمّم قرينة لإثبات أنّ المراد من «الصعيد» هو التراب، فيقول: مع أنّ معظم الأرض و أغلب أجزائها- في مكان السؤال في بلد الراوي- هو التراب، بل لعلّه لا يوجد فيها من الأرض سوى التراب إلّا شاذّا نادرا، و المطلق ينصرف إلى الفرد الغالب، كما هو ظاهر (1).

و كذا في مقام إثبات عدم مانعيّة ملاقات الحائض و النفساء مع الأئمّة عليهم السّلام، استدلّ بأنّ بيوتهم عليهم السّلام ما كانت خالية من النساء و الجواري لهم و لخدمهم و مماليكهم و غيرهم (2).

ك: الاتكال إلى الأدلّة و الغافلة عن الشخصيّات؛

إذ نجد أنّ بعضهم نسبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه بقي إلى صبح يوم الصيام عمدا على الجنابة و لم يبادر إلى رفع الحدث و الغسل ..! إلّا أنّ المحشّي رحمه اللّه مع التفاته إلى عظمة شخصيّته صلّى اللّه عليه و آله و سلم و مقام الرسالة و العصمة فيه، و ما له من خصائص كوجوب صلاة الليل عليه؛ نفى هذا الادّعاء، و قال: مع أنّ صلاة الليل كانت واجبة عليه بالإجماع و صلاة الليل ما كان يتركها (3).

ل: عدم الدقّة في استعمال الاصطلاحات؛

إذ كلّ علم- كما تعرف- له اصطلاحاته الخاصّة، و لا يستثنى علم الفقه من هذا، نظير عناوين: الوجوب، و الحرمة .. و أمثال ذلك. حيث تستعمل في معاني


1) مصابيح الظلام: 4/ 303.

2) مصابيح الظلام: 4/ 15.

3) مصابيح الظلام: 4/ 27.

خاصّة لها، و قد ذهب جمع من الأعلام و واجهوا الأدلّة، بما ارتكز في ذهنهم من المعاني المصطلحة، و هذا بنفسه يوجب الاشتباه في مقام الاستنباط، إلّا أنّ الشارح رحمه اللّه مع أخذه بما ذهب إليه الشيخ الطوسي قدّس سرّه من قوله: (إنّ الوجوب عندنا ضربين .. ضرب على تركه عقاب، و ضرب على تركه اللوم و العتاب)، أوضح لنا أنّه لا يمكن في مواطن حمل بعض الألفاظ المستعملة إلّا على معانيها اللغويّة، إلّا إذا كانت هناك قرينة على خلاف ذلك. إذ أنّ لسان الشارع هو لسان العرف و اللغة لا الاصطلاح (1).

م: إثبات الحكم بالأدلّة الضعيفة؛

حيث نجد في كلمات بعض الأعلام أنّهم أثبتوا حكما ما برواية ضعيفة غير مجبورة بعمل الأصحاب و أفتوا على ضوئها، كما نقله الشارح رحمه اللّه في إثبات كراهة قراءة القرآن للجنب و الحائض أكثر من سبع أو سبعين آية (2)، حيث بعد أن ذكر مستند القول بالجواز و استفاد من الروايات المجوّزة و عبّر عنها بأنّها صحيحة السند، و جعل فتوى المشهور دليلا اخر على الجواز: جعل هذه الفتوى موافقة مع العمومات و الاصول. إلّا أنّ الروايات الناظرة إلى الكراهة عبّر عنها بكونها مضمرة، أو مضطربة المتن. ثمّ صرّح أنّ تأييد هذا الحكم- أعني الكراهة- برواية عامية غير نافع، حيث إنّها بحكم «خذ ما خالف العامّة» (3)مؤيّدة للحكم بالجواز لا الكراهة، ثمّ قال: إنّ صرف كون الحكم غير إلزامي لا يسوّغ عدم الاهتمام به عند جمع الأدلّة، حيث إنّ الحكم الشرعي حكم و إن كان استحبابيّا أو كراهيّا.


1) مصابيح الظلام: 2/ 93 و 94.

2) مصابيح الظلام: 4/ 22 و 23.

3) مستدرك الوسائل: 17/ 303 الحديث 21413.

فكان فتح هذا الباب عنده- أعني الاستناد إلى الأدلّة الضعيفة- يهدّد اتقان الكيان الفقهي و ثباته.

ن: عدم الاعتناء بالإجماعات و خلق إجماعات جديدة مدّعاة؛

حيث إنّ هناك جمع- كصاحب المدارك- في موارد عديدة لم يعتن بالإجماع بل لم يعتبره، إلّا أنّ ما فعله المرحوم الفيض قدّس سرّه في المفاتيح، هو أنّه كلّ ما واجه الإجماع خبرا- و لو كان ضعيفا- عبّر عنه بالإجماع، أما لو لم يجد خبرا مطابقا له قال: قالوا إنّه إجماع ..! مع أنّ الإجماع لو لم يكن معتبرا فإنّ صرف ضمّ الخبر الضعيف إليه لا يوجب صيرورته معتبرا، فلا يجعله معتبرا.

و في بعض الموارد هناك رواية إلّا أنّها لم تصل بيده يكرّر تعبيره السالف:

(قالوا: إنّه إجماع)، و الشارح عند نقده لكلامه هذا قال: ثمّ اعلم! أنّ المصنّف إذا رأى مع إجماع العلماء خبرا- و لو كان ضعيفا- يحكم بأنّه إجماع، و إن لم ير معه خبرا يقول: قالوا: إنّه إجماع. و إن وجد عوض الخبر ظنيّا اخر، بل ظنيّا متعدّدا، كما اتّفق منه في تحريم الزنا بذات البعل و ذات العدّة الرجعيّة، فإنّه نقل موضع الخبر قياسين بطريق أولى. مع أنّ الاستقراء أيضا يعضدهما فإنّ حالهما بحسب الشرع واحد غالبا، و يعضده أيضا أنّهم نقلوا النصّ على أنّ ذات العدّة الرجعيّة بحكم ذات البعل (1).

س: عدم التوجه للقواعد المسلّمة؛

حيث ذهب البعض في مبحث البلل في باب مستحبات الغسل إلى نقل روايتين من كتاب «من لا يحضره الفقيه» و قد أشار إلى ما أفتى به الصدوق رحمه اللّه، و ذكر قول صاحب المدارك في ذيله، قال: هو جيّد لو صحّ السند. ثم قال: أقول:


1) مصابيح الظلام: 1/ 64.

على تقدير الصحّة أيضا مشكل، للمخالفة للقاعدة الشرعيّة الثابتة من الأدلّة الكثيرة الموافقة لطريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار، و لمخالفتها للأخبار الصحيحة و المعتبرة الكثيرة التي أفتى الفقهاء بها (1).

و كأنّه في مقام تأسيس أصل أنّه لو كانت الرواية صحيحة السند إلّا أنّها مخالفة مع القواعد المسلّمة و القطعيّة للشريعة لا يمكن الاستناد عليها و بها فحينئذ يلزم إمّا تأويلها و توجيهها، أو طرحها و ردّها.

و على هذا الأساس ذكر في «الفوائد الحائريّة» أنّ هناك بحث قد عنون تحت قولهم: (تعارض الأدلّة و النصوص)، و هم يستندون إلى هذه الرواية و نظائرها من قوله عليه السّلام: «اعرضوا الحديث على سائر أحكامنا، فإن وجدتموه يشبهها فخذوا به، و إلّا فلا»، و بذلك أثبت أنّ حكم وجوب الطرح و عدم جواز الأخذ ليس مختصّا بالروايات المخالفة للنصوص الصريحة القرآنيّة، و القواعد القطعيّة الشرعيّة، بل الروايات التي هي مخالفة للإجماع- و حتّى الشهرة بين الأصحاب- ساقطة عن الاعتبار (2).

بسبب عدم الالتفات إلى هذا الأصل المهمّ جرّ جمع من الفقهاء رحمهم اللّه إلى التفردات الفقهيّة و الاستنباطات المغلوطة.

و يستنتج من هذه الفائدة أنّه حتّى الروايات في باب الاعتقادات و القضايا التاريخيّة لو تغايرت مع الاصول المسلّمة الاعتقاديّة للطائفة الحقّة الإماميّة لا يمكن الاستناد إليها، بل و لا يصح نقلها على أنّها رواية، إذ أنّ ذاك يوجب تضعيف المباني الاعتقاديّة .. أعاذنا اللّه تعالى من الزلل.


1) مصابيح الظلام: 4/ 155.

2) الفوائد الحائريّة: 319- 322 (الفائدة 33).

ع- عدم الاعتناء بالشهرة؛

حيث إنّ إطلاق التعبير بالشهرة يمكن حمله على الشهرة الروائيّة، أو العمليّة، أو الفتوائيّة. و مراد الشارح من الاهتمام بالشهرة هما الأخيران منها خاصّة، حيث إنّ نقل الرواية الضعيفة في المجاميع الحديثيّة العديدة لا يوجب الاطمئنان بصدورها، إذ أنّ حجّية الرواية تابعة لقواعدها المقرّرة الخاصّة بها، أمّا إذا كانت الرواية ضعيفة و عمل بها المشهور، ثمّ عارضتها رواية صحيحة، فنظر الشارح- كما صرّح في «الفوائد الحائريّة»- هو تقديم الرواية المعمولة بها، و هذا ما تجده قد عمل به في غالب كتبه الفقهيّة.

قال- طاب ثراه-: و ممّا ذكر ظهر- أيضا- أنّه إذا وقع التعارض بين الضعيف المنجبر بالشهرة و الصحيح الغير المنجبر، يكون الضعيف مقدّما عليه، كما هو طريقة القدماء و أكثر المتأخرين، كما لا يخفى على المطّلع (1).

و مع التأمّل في كلمات الوحيد رحمه اللّه نجد أنّ دعوى الشهرة لا حجّية لها في نفسها، فكيف يحتجّ بها و يكون ما لا حجّية له حجّة بها .. مدفوعة، خصوصا إنّ الرواية الصحيحة قد أعرض عنها و لا اطمئنان لنا في حجّيتها، و إتقان الخبر أو عدم وجود قرينة مانعة من الظهور- بعد إعراض المشهور عنها- سيّما و إنّ المسألة من المسائل المبتلى بها، و كانت بمرئى و منظر من فقهائنا الأعاظم قدّس سرّهم.

و عليه، فإعراض القوم عن هذه الرواية و عملهم بالرواية الضعيفة و افتاؤهم على ضوئها كاف في وهنها، مثل عدم الاكتفاء بجميع الأغسال عن الوضوء عدا الجنابة .. و غير ذلك.

فتحصّل ممّا سلف أنّ مقام الفقاهة مقام و منصب خطير، و قد نصّ


1) الفوائد الحائريّة: 491.

الشارح رحمه اللّه في الفائدة الاولى من «الفوائد الحائريّة» إلى ذلك (1)، و تعرّض مفصلا لخطورة هذا المقام و عظمته، و أدرج جملة من الآيات و الروايات المهدّدة الكثيرة الواردة في الفقه، من قبيل قوله سبحانه و تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ (2)و قوله عزّ اسمه: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ (3)و قوله عليه السّلام:

«من حكم بدر همين بغير ما أنزل اللّه عزّ و جل فقد كفر» (4)، و قوله عليه السّلام: «إنّ المفتي ضامن قال أ و لم يقل» (5)، و ما ورد مكررا إنّه «.. هلك .. و أهلك» (6)، و «إنّ المفتي على شفير السعير» (7)، و «إنّ أجرأكم على الفتيا أجرأكم على اللّه تعالى» (8)..

و أمثال ذلك- و ما أكثرها- يستنتج أنّ الفقه كلّا مبنيّ على الظنون، و الظنّ مقارب للشكّ، و يجرّ الإنسان بأدنى غفلة إلى وادي الوهم.

و لذا اعتصم الفقهاء في مقام الإفتاء بالاحتياط مهما أمكن، و عليه فليس لمن له أدنى قدر من التقوى و العلم أن يفتخر بدعوى تركه الاحتياط، و يقول: إنّا تركنا مئات الاحتياطات في الرسائل العمليّة ..! حيث إنّه لا شكّ أنّ ضرر عدم الاحتياط و تركه عند سلوك هذه الجادة أخطر من ترك الاحتياط في عالم الطبّ، لكونه هذا أعظم خطرا، لما يلزم من كون الطبيب القاصر غير المحتاط عدوّ النفوس


1) الفوائد الحائريّة: 91- 94.

2) المائدة (5): 44.

3) الحاقة (69): 44.

4) وسائل الشيعة: 27/ 23 الحديث 33141.

5) وسائل الشيعة: 29/ 220 الباب 7 من أبواب آداب القاضي.

6) وسائل الشيعة: 27/ 45 الحديث 33173، بحار الأنوار: 2/ 119- 121.

7) رجال الخاقاني: 28.

8) رجال الخاقاني: 28.

و الأرواح، و الفقيه القاصر غير المحتاط عدوّ الدين و الإيمان و اعتقادات الناس ..

عصمنا اللّه و إيّاكم من مضلّات الفتن، و من الزلّات و الهفوات .. و هو نعم المولى و نعم النصير .. و اخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

عيد الغدير الأغرّ 1423 ه، ق

المير السيّد محمّد اليثربي الكاشاني

قم المقدّسة

[مقدمة مؤسسة البهبهاني]

لمحة من حياة العلّامة الوحيد البهبهاني رحمه اللّه

اشارة

لمحة من حياة العلّامة الوحيد البهبهاني رحمه اللّه (1)

مؤلّفنا العظيم، استاد الكلّ، العلّامة المجدّد الآقا محمّد باقر بن محمّد أكمل ولد سنة 1117 في أصفهان، كما نقل حفيده العالم آقا أحمد (2).

نسبه:

ينتهي نسب شيخنا المعظّم- كما نقله سيّد الأعيان، و شيخنا الطهراني في «الكرام البررة»- بثلاث عشرة واسطة من طرف أبيه إلى الشيخ الأعظم محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد قدّس سرّه (3)، و من جهة أمّه بثلاث وسائط إلى المحدّث الكبير و العالم الربّاني المجلسي الأوّل، و من هنا نراه قد عبّر في تاليفه عن المجلسي الأوّل ب (الجدّ)، و عن المجلسي الثاني ب (الخال)، كما و أنّ في ضمن حلقاته السببيّة نجد جمعا من الفطاحل و الأوتاد أمثال العالم الصالح العلّامة ملّا صالح المازندراني قدّس سرّه.


1) هذه الترجمة مقتبسة من مقدّمة كتاب «الرسائل الاصوليّة».

2) مرآة الأحوال: 1/ 130.

3) أعيان الشيعة: 3/ 136، الكرام البررة: 1/ 100.

و على هذا، فمترجمنا ولد و ترعرع و شبّ و شاب و انحدر من أبرز و أعرق البيوتات العلميّة في الطائفة الإماميّة.

أبوه:

العالم الفاضل، الكامل الماهر، المحقّق المدقّق الباذل، بل الأعلم الأفضل الأكمل استاذ الأساتيد، و شيخ مشايخ الفقهاء الآقا محمّد أكمل بن محمّد صالح .. كذا عبّر مصنّفنا الوحيد رحمه اللّه عن أبيه في إجازته المختصرة التي منحها للسيد بحر العلوم، و هي تعدّ- بحقّ- خير ما يستشهد به لإثبات و تثبيت مراتب والده قدّس سرّه العلميّة و العمليّة.

صباه:

مرّت مراحل صباه و باكورة شبابه في أصفهان- كما حكاه في «مرآة الأحوال»- في أحضان والده العظيم و رعايته حيث سعى له بتعليمه مبادئ العربيّة و الأوّليّات الدراسيّة و العلوم العقليّة و النقليّة.

ثمّ بعد أن حرم من والده العظيم و اكتسحت أصفهان موجة من الاضطرابات التي ألجأت شيخنا إلى الهجرة إلى النجف الأشرف، و تهيّأت له الأسباب هناك لتحصيل و تكميل ما تعلّمه من العلوم العقليّة و النقليّة عند العالمين العالمين السيّد محمّد الطباطبائي البروجردي- جدّ السيّد بحر العلوم- و السيّد صدر الدين القمّي المشهور ب: (الهمداني) شارح كتاب «وافية الاصول» (1).

أساتذته:

كلّ من تعرض إلى حياة شيخنا الأعظم ذكر- بالاتّفاق- في عداد أساتذته


1) مرآة الأحوال: 1/ 130.

المولى محمّد أكمل و السيّد محمّد الطباطبائي، و السيّد صدر الدين القمّي، إلّا أنّا نجده- طاب ثراه- قد أشار في إجازته التي منحها للسيّد بحر العلوم و الاخرى التي شرّف بها ملّا محمد باقر الأسترآبادي إلى جمع اخر من مشايخه، الذين عبّر عنهم بتعابير مختلفة و الفاظ مادحة مثل قوله قدّس سرّه:

استاذنا و من هو في العلوم العقليّة و النقليّة استنادنا، العالم الكامل الفاضل، المحقّق المدقّق، الأواحد المؤيّد، الحاج الشيخ محمّد بن الحاج محمّد زمان القاساني قدّس سرّه.

شيخنا العالم الفاضل الجليل، الفقيه المتفقّه النبيل، الآميرزا إبراهيم القاضي.

شيخ الإسلام و معاذ المسلمين، الأمير محمّد حسين بن العلّامة الأمير محمّد صالح الأصبهاني.

السيّد الحسيب، ذي المناقب و المفاخر، الآميرزا محمّد باقر بن السيّد المحقّق الآميرزا علاء الدين گلستانه، شارح «نهج البلاغة».

و أضاف قوله: عن الأخ الأفخم، و الاستاذ الأعظم، سمي خاتم الأولياء، السيّد محمّد مهدي، عن الوالد المسدّد و الحبر المؤيّد ...

مشايخ إجازاته:

الذي يظهر من مجموع من أجازهم الوحيد رحمه اللّه ممّا وصل بأيدينا؛ أنّ مشايخه في الإجازة من أساتذته و غيرهم هم كالآتي:

الفقيه المتفقّه النبيل الآميرزا إبراهيم القاضي.

الآميرزا محمّد باقر بن السيّد المحقّق الآميرزا علاء الدين گلستانه (شارح نهج البلاغة).

الشيخ محمّد بن الحاج محمّد زمان القاساني.

الأمير محمّد حسين بن العلّامة الأمير محمّد صالح الأصبهاني.

و على رأسهم والده المعظّم- طاب ثراه- كما قد سلف.

الذين أجازهم:

لقد منح شيخنا الوحيد- طاب ثراه- جمعا من الأعلام ممّن استجازه فأجازه، و التي بأيدينا منهم:

إجازة للشيخ أبي علي الحائري.

إجازة للسيّد علي بن محمّد علي الطباطبائي.

إجازة لحسين خان.

إجازة لسعيد بن محمّد يوسف القراجه‌داغي النجفي.

إجازة لعليّ بن كاظم التبريزي.

إجازة لمحمّد بن يوسف بن عماد مير فتّاح الحسني الحسيني.

إجازة للسيّد محمّد مهدي بحر العلوم.

عصره:

تمتاز الفترة الزمنيّة التي عاصرها شيخنا المصنّف- طاب ثراه- بكونها مليئة بالحوادث المرّة المؤلمة، فنجد التهاجم الروسي و التركي و الأفغاني على بلاد إيران و حاكميّة محمود أفغان سنة 1135 ه، و استئصال الشيعة و محاولة إبادتهم بواسطة تهاجم أبناء العامّة عليهم آنذاك، و بعدها سلطنة نادرشاه و تحميل معاهدة دشت مغان لتضعيف المذهب الشيعي.

و من جانب اخر رواج المذهب الأخباري مع تموّج الهجرة و التعصّب و الانزواء من أعلام علماء الشيعة و مفكّريهم.

و من جهة اخرى رشد و انتشار التصوّف و اللادينيّة باسم الدين.

هذا و غيره من الزوابع التي ينتظر من فقيدنا الوحيد- طاب ثراه- أن يقف أمامها كي يحيي شريعة سيّد الرسل صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و من ثمّ أن يوجد الحلّ المناسب لها مع ما تمليه عليه وظيفته الشرعيّة من الطرق العلاجيّة لأمثال هذه الحوادث.

و كانت أوّل قدم رفعها في هذا السبيل- كما يحدّثنا بذلك في «مرآة الأحوال»- أنّه غادر مسقط رأسه، بعد أن فقد عماده و والده المعظّم؛ كي يترك آنذاك المحيط المشوب بالفتن و الاضطرابات، و ليستغلّ هجرته كي يعطي المجتمع الشيعي جملة من مؤلّفاته و رسائله في باب الإمامة و غيره، و ليربّي ثلّة طاهرة من الأعلام يبثّهم في بلاد الإسلام؛ كي يحافظوا المعتقدات الشيعيّة، و يسعوا في حماية مبادئ الدين القويم.

و عند ما يجد مترجمنا- طاب ثراه- الأرضيّة المساعدة للعودة إلى بلده إيران يتوجّه إلى بلدة بهبهان- التي كانت تعدّ آنذاك معقلا مهمّا للأخباريين- و يلبث هناك ثلاثين سنة يسبغ فيها رعايته و عنايته العلميّة، و يدفع خلالها الخطر الكبير المتوجّه إلى العالم الشيعي- أعني تفريغ المذهب من القدرة العقليّة و التفكّر- و من ثمّ حكّ تهمة الجمود و التحجّر اللتين و سمت بهما الطائفة- و يا للأسف!- و بعد ذاك يهاجر مجدّدنا مجدّدا إلى كربلاء كي يرعى و يحنو على حوزتها العلميّة؛ ليبدأ جهادا جديدا و بشكل اخر.

و لم يغافل شيخنا- طاب ثراه- طوال ذلك عن خطر رسوخ فكرة التصوّف و استغلال وساطة بعض جهّال الطائفة من قبل هذه الفرقة، ممّا حدى به إلى إرسال ولده الأرشد العالم المجتهد الآقا محمّد علي لإطفاء هذه الغائلة التي تمركزت- آنذاك- في كرمانشاه و حواليها، فكان ذلك الشبل جديرا- و بكلّ كفاءة- بالقيام بهذه المهمّة الصعبة، و لا غرابة؛ إذ تربّى في ذلك الحضن الطاهر، و رعي من ذلك

الأب الكبير (1).

نزوله بلدة بهبهان:

الذي يظهر ممّا أفاده في كتاب «مرآة الأحوال» أنّ شيخنا- طاب ثراه- بعد أن هاجر من أصفهان إلى النجف الأشرف، و تزوّد من معين تلك الحوزة الطاهرة علما و عملا، و استفاد من محضر أساتذة الفنّ آنذاك، و صاهر استاذه السيّد محمّد الطباطبائي على ابنته، كرّ راجعا إلى بهبهان- كما قلنا- و لبث هناك ما يزيد على ثلاثين سنة، و من هنا اكتسب لقب: البهبهاني و اشتهر به.

و يمكن القول؛ أنّ مبدأ ذياع صيته العلميّ و مقامه الفقهي إلى الأطراف و الأكناف كان خلال توقّفه في هذه البلدة التي أقام فيها، بالإضافة إلى دوره التربوي في إرشاد العوام و تربية الطلّاب، مع مساعيه الحثيثة و الجادّة في التأليف و التصنيف، إلّا أنّ روحه العالية و صدره الموّاج بالعلوم و الفنون لم يسمحا له بالبقاء أكثر من ذلك في تلك البلدة، لذا كرّ راجعا إلى بلدة كربلاء المقدّسة (2).

هجرته إلى كربلاء:
اشارة

يحدّثنا المرحوم العلّامة المامقاني في رجاله «تنقيح المقال» عن المصنّف، فيقول: و قطن مدّة بهبهان؛ فلمّا استكمل على يد والده انتقل إلى العراق فورد النجف الأشرف، و حضر مجلس بحث مدرّس ذلك الوقت فلم يجده كاملا، فانتقل إلى كربلاء المشرّفة- و هي يومئذ مجمع الأخباريّين، و رئيسهم يومئذ الشيخ يوسف صاحب «الحدائق»- فحضر بحثه أيّاما، ثمّ وقف يوما في


1) سنرجع للحديث عنه و ما قام به من خدمات و مساعي جميلة في هذا الباب في مقدّماتنا لكتبه إن شاء اللّه تعالى.

2) مرآة الأحوال: 1/ 130 و 131.

الصحن الشريف و نادى بأعلى صوته: أنا حجّة اللّه عليكم، فاجتمعوا عليه و قالوا: ما تريد؟ فقال: اريد أنّ الشيخ يوسف يمكّنني من منبره و يأمر تلامذته أن يحضروا تحت منبري ...، فأخبروا الشيخ يوسف بذلك، و حيث أنّه يومئذ كان عادلا عن مذهب الأخباريّة خائفا من إظهار ذلك من جهّالهم طابت نفسه بالإجابة ... (1).

يعدّ هذا مبدأ تحوّل عظيم في تأريخ التشيّع؛ إذ اتّفق الجلّ- إن لم نقل الكلّ- على أنّه لو لا هذه الحركة المباركة و الهجرة العلميّة لكان اليوم مسير الفقه الشيعي و تأريخ الاجتهاد و الاستنباط بشكل اخر.

كما و قد نقل لنا تلميذ المترجم المولى الحائري في كتابه «منتهى المقال» عن هذه الهجرة فيقول: و كلّما يخطر بخاطره الشريف الارتحال منها إلى بعض البلدان تغيّر الدهر و تنكّد الزمان، فرأى الإمام عليه السّلام في المنام يقول له: (لا أرضى لك أن تخرج من بلدي)، فجزم العزم على الإقامة بذلك النادي، و قد كانت بلدان العراق- سيّما المشهدين الشريفين- مملوءة قبل قدومه من معاشر الأخباريّين، بل و من جاهليهم و القاصرين، حتّى أنّ الرجل منهم كان إذا أراد حمل كتاب من كتب فقهائنا رضي اللّه عنهم حمله مع منديل، و قد أخلى اللّه البلاد منهم ببركة قدومه و اهتدى المتحيّرة في الأحكام بأنوار علومه.

و بالجملة؛ كلّ من عاصره من المجتهدين، فإنّما أخذ من فوائده و استفاد من فرائده ... (2).

نعم، تعدّ هذه الهجرة المباركة- بحقّ- منشأ لخدمات كبيرة و آثار عظيمة في العالم الإسلامي.


1) تنقيح المقال: 2/ 85.

2) منتهى المقال: 293.

أياديه في كربلاء:

لعلّ أكبر خدمة و أنفس موقف يمكن أن يختصّ به وحيدنا الوحيد رحمه اللّه في كربلاء هو تطهيره الفقه الشيعي و السير الاجتهادي من براثن التحجّر و الجمود، و إنقاذ المذهب من الانحراف و الاعوجاج الفكري الذي أولده بعض الأخباريين (1).

و لا يمكن أن تعدّ هذه العطيّة الإلهيّة و المنحة الربّانيّة- أعني وجود شيخنا الوحيد- منحصرة بأيّام حياته- طاب ثراه-؛ إذ أنّ دوره العظيم- باعتراف جميع المورّخين و أصحاب السير- قد استغلّ من قبل كلّ من عاصره و لحق به على مدّ التاريخ متنعّما بما بسطه على موائده العلميّة من علوم عقليّة و نقليّة.

قال في «نجوم السماء»- ما ترجمته: ... هو من أعاظم مشايخ علماء الدين المبين، و كبار الفقهاء و المحدّثين، تنتهي سلسلة أسانيد أكثر العلماء ممّن جاء من بعده- و إلى الآن- به، بل سلسلة تتلمذ جميع المشاهير إليه، و لذا لقّب ب:

استاذ الكلّ في الكلّ (2).

و بالإضافة إلى ذلك فقد وفّق شيخنا المترجم إلى تربية باقة من خيرة المجتهدين، كلّ واحد منهم يعدّ آية و نجما يتلألأ في افق تأريخ الفقاهة و يفيض في ساحته، كما و قد وفّق إلى تأليف رسائل و كتب يعدّ جلّها- إن لم نقل كلّها- من خير ما كتب في ذلك الفنّ في تلك البرهة، و سنأتي بعدّها و تعدادها قريبا.

ما قيل فيه:

لعلّنا لا نغالي لو قلنا: إنّه قلّ بين علماء و أعاظم الشيعة من وفّق لأن تتّفق


1) من المستحسن راجع! الرسائل الاصوليّة: 215- 229؛ للاطّلاع على آثار هذا النوع من التفكّر.

2) نجوم السماء: 303.

عليه أنظار معاصريه في جميع أبعاده العلميّة و العمليّة، نظير شيخنا المؤلّف- طاب رمسه-، و توفيقاته الوافرة في ترويج الدين الحنيف و تحكيم مباني الشرع المنيف لا تعدّ و لا تحصى، و لنذكر لك نزرا يسيرا ممّا قيل فيه:

أ: قال العلّامة المحقّق الشيخ عبد النبي القزويني قدّس سرّه- الذي كان ممّن عاصر المصنّف رحمه اللّه- ما نصّه: آقا محمّد باقر بن أكمل الدين محمّد الأصبهاني البهبهاني الحائري، فقيه العصر، فريد الدهر، وحيد الزمان، صدر فضلاء الزمان، صاحب الفكر العميق و الذهن الدقيق، صرف عمره في اقتناء العلوم و اكتساب المعارف و الدقائق و تكميل النفس بالعلم بالحقائق، فحباه اللّه باستعداده علوما لم يسبقه أحد فيها من المتقدّمين و لا يلحقه أحد من المتأخّرين إلّا بالأخذ منه، و رزقه من العلوم ما لا عين رأت و لا اذن سمعت؛ لدقّتها و رقّتها و وقوعها موقعها، فصار اليوم إماما في العلم، و ركنا للدين، و شمسا لإزالة ظلم الجهالة، و بدرا لإزاحة دياجير البطالة، فاستنارت الطلبة بعلومه، و استضاء الطالبون بفهومه، و استطارت فتاواه كشعاع الشمس في الإشراق، مدّ اللّه ظلاله على العالمين، و أمدّهم بجود وجوده إلى يوم الدين.

و من زهده في الدنيا أنّه- دام ظلّه- اختار السدد السنيّة و الأعتاب العليّة، فجعل مجاورتها له أقرّ من رقدة الوسنان، و أثلج من شربة الظمئان، و أذهب للجوع من رغفة الجوعان، فصيّر ترابها ذرورا لباصرته، و ماءها المملّح الزعاق أحلى من السكّر لذائقته، و همهمة الزوّار مقوّية لسامعته، و رمالها و جنادلها مفرشا ليّنا للامسته، و رياح أعراق الزائرين غالية لشامّته.

مع أنّه لو أراد عراق العجم و خراسان، و شيراز و اصبهان، لحملوه إليهم بأجفان العيون، و جعلوه إماما يركنون إليه و إليه يوفضون، يصرفون له

نقودهم و جواهرهم ... و يجعلون أنفسهم فداء له ظاهرهم و باطنهم (1).

ب: و يحدّثنا تلميذه صاحب كتاب «منتهى المقال» في كتابه عنه بقوله:

استادنا العالم العلّامة، و شيخنا الفاضل الفهّامة، دام علاه، و مدّ في بقاه، علّامة الزمان، و نادرة الدوران، عالم عرّيف، و فاضل غطريف، ثقة و أيّ ثقة، ركن الطائفة و عمادها، و أورع نسّاكها و عبّادها. مؤسّس ملّة سيّد البشر في رأس المائة الثانية عشر، باقر العلم و نحريره، و الشاهد عليه تحقيقه و تحبيره.

جمع فنون الفضل فانعقدت عليه الخناصر، و حوى صنوف العلم فانقاد له المعاصر، و الحريّ ألا يمدحه مثلي و يصف؛ فلعمري تفنى في نعته القراطيس و الصحف؛ لأنّه المولى الذي لم يكتحل عين الزمان له بنظير، كما يشهد له من شهد فضائله، و لا ينبّئك مثل خبير (2).

ج: و قد وصفه تلميذه السيّد محمّد مهدي بحر العلوم في بعض إجازاته بقوله: شيخنا العالم العامل العلّامة، و استاذنا الحبر الفاضل الفهّامة، المحقّق النحرير، و الفقيه العديم النظير، بقيّة العلماء، و نادرة الفضلاء، مجدّد ما اندرس من طريقة الفقهاء، و معيد ما انمحى من آثار القدماء، البحر الزاخر، و الإمام الباهر، الشيخ محمّد باقر ابن الشيخ الأجلّ الأكمل و المولى الأعظم الأبجل المولى محمّد أكمل أعزّه اللّه تعالى برحمته الكاملة و ألطافه السابغة الشاملة (3).

د: و يقول عنه تلميذه الشيخ أسد اللّه الكاظمي الدزفولي: الاستاذ الأعظم، شيخنا العظيم الشأن، الساطع البرهان، كشّاف قواعد الإسلام، حلّال معاقد


1) تتميم أمل الآمل: 74 و 75.

2) لاحظ! روضات الجنّات: 2/ 94.

3) لاحظ! أعيان الشيعة: 9/ 182.

الأحكام، مهذّب قوانين الشريعة ببدائع أفكاره الباهرة، مقرّب أفانين الملّة المنيعة بفرائد أنظاره الزاهرة، مبيّن طوائف العلوم الدينيّة بعوالي تحقيقاته الرائقة، مزيّن صحائف رسوم الشريعة بلآلئ تدقيقاته الفائقة، فريد الخلائق، واحد الآفاق في محاسن الفضائل و مكارم الأخلاق، مبيد شبهات اولي الزيغ و اللجاج و الشقاق على الإطلاق، بمقاليد تبيانه الفاتحة للأغلاق، الخالية عن الإغلاق، الفائز بالسباق، الفائت عن اللحاق، شيخي و استاذي في مبادئ تحصيلي، و شيخ مشايخي، المحقّق الثالث و العلّامة الثاني، الزاهد العابد، الأتقى الأورع، العالم العلم الربّاني، مولانا آقا محمّد باقر بن محمّد أكمل الأصفهاني الحائري، الشهير بالبهبهاني قدّس اللّه نفسه الزكيّة، و أحلّه في الفردوس في المنازل العليّة (1).

ه: قال الفاضل الدربندي: و لا يخفى عليك أنّ العلّامة مجدّد رسوم المذهب على رأس المائة الثانية عشر، و كان أتقى الناس في زمانه، و في هذه الأزمنة، و أورعهم و أزهدهم، و بالجملة؛ كان في الحقيقة عالما عاملا بعلمه، متأسّيا مقتديا بالأئمّة الهداة صلوات اللّه عليهم. فلأجل خلوص نيّته و صفاء عزيمته و صل كلّ من تلمّذ عنده مرتبة الاجتهاد، و صاروا أعلاما في الدين (2).

و: و جاء في «طرائف المقال»: ... و بالجملة؛ جلالة الشيخ الوحيد واضحة على كلّ أحد، و يكفي في تبحّره و فضله في أغلب العلوم تأليفه و تلميذه؛ إذ الأوّل مصدر التأليف لكلّ من تأخّر، و الثاني منتشر في البلاد و صار كلّ من تلاميذه من أساطين العلماء و جهابذة الفضلاء ... (3).


1) مقابس الأنوار: 18.

2) لاحظ! معارف الرجال: 1/ 121.

3) طرائف المقال: 2/ 385.

ز: و صرّح في «روضات الجنّات» بقوله: مروّج رأس المائة الثالثة عشرة من الهجرة المقدّسة المطهّرة، كما أنّ سميّه المتقدّم (1)كان مروّجا على رأس المائة قبلها، و قد بقي إلى الثامنة من الثالثة كما قد بقي الأوّل إلى العاشرة من الثانية، و كذلك ارتفعت بميامن تأييداته المتينة أغبرة آراء الأخباريّة المندرجة في أهواء الجاهليّة الاخرى من ذلك البين، كما انطمست آثار البدع الالوفية المنتشرة من جماعة الملاحدة و الغلاة و الصوفيّة ببركات انتصار المتقدّم منهما لأخبار المصطفين عليهم السّلام، و قد سمّي كلاهما أيضا باية اللّه تعالى من غاية الكرامة غبّ ما سمّي بهذه المنقبة إمامنا العلّامة (2).

ح: و قصّ علينا في «قصص العلماء» فقال:- ما ترجمته-: الآقا محمّد باقر بن ملّا محمّد أكمل البهبهانيّ، علّامة الدهر و نادرة الزمان، فاضل بلا ثاني، مشيّد الاصول و الفروع و المباني، عالم صمداني، و عليم ربّاني، سائر مسالك الألفاظ و المعاني، مقتدى الأقاصي و الأعالي و الأداني، صاحب الكرامات الباهرة، و المؤسّس في الاصول و الفروع و الرجال، محطّ رحال الرجال، الوحيد الفريد في التحقيق و التدقيق و التفريع و الاستدلال (3).

ثمّ قال- بعد أن عرّف لنا جمعا من تلامذة العلّامة الوحيد و تبحّرهم في بعض الفنون، ما ترجمته-: ... يمكن أن يستكشف ممّا ذكرنا مجملا: أنّ نفس (الآقا) كان ذا فنون عديدة، له يد في كلّ واحد منها، ممّا سبّب أن يكون تلامذته مظهرا لواحد أو اكثر من تلك الفنون، و كان (الآقا) في تأسيسه للقواعد الكليّة


1) إشارة إلى العلّامة محمّد باقر المجلسي، صاحب «بحار الأنوار».

2) روضات الجنّات: 2/ 94.

3) قصص العلماء: 198.

وحيدا، و في كثرة إجراء الأدلّة في المسائل حتّى تصبح المسألة بديهيّة فريدا، و في تفريعه الفروع و إحاطته الفقهيّة بطلا صنديدا (1).

ط: قال العلّامة الوحيد و الرجالي الكبير المولى علي بن عبد اللّه العلياري التبريزي بعد قوله:

و البهبهاني معلّم البشر مجدّد المذهب في الثاني عشر

محمّد باقر بن محمّد أكمل؛ كان هذا العالم الربّاني، و العلم العامل الصمداني، و القمر الطالع الشعشعاني، مروّج المذهب و الدين، و معلّم الفقهاء المجتهدين، أصفهاني الأصل، ثمّ الفارسي البهبهاني قدّس اللّه نفسه و طيّب رمسه، روّج في رأس العالم الثاني عشر بناء على ما روى الفاضل النيسابوري .. (2).

ي: و قال العلّامة النوري صاحب «المستدرك»: أوّلهم و أجلّهم و أكملهم:

الاستاذ الأكبر مروّج الدين في رأس المائة الثالثة عشر المولى محمّد باقر الأصبهاني البهبهاني الحائري، قال الشيخ عبد النبي القزويني في «تتميم أمل الآمل» بعد الترجمة: (فقيه العصر إلى يوم الدين- إلى أن قال: و بالجملة؛ و لا يصل إليه مكنتنا و قدرتنا) انتهى.

قلت: و ما ذكره من العجز عن شرح فضله هو الكلام الفصل اللائق بحاله، و الميرزا محمّد الأخباري المقتول- مع ما هو عليه من العداوة و البغضاء لجنابه- ذكره في رجاله بكلام تكاد ترجف منه السماوات و تهتزّ منه الأرض؛ عدّه في الفائدة الحادية عشر من الباب الرابع عشر من كتابه المعروف ب «دوائر


1) قصص العلماء: 202.

2) بهجة الآمال في شرح زبدة المقال: 6/ 572.

العلوم» من الذين رأوا القائم الحجّة عجّل اللّه تعالى فرجه (1).

ل: قال الشيخ آغابزرك الطهراني صاحب «الذريعة» في جملة ما قال:

و على أيّ؛ فإنّ المترجم لمّا ورد كربلاء المشرّفة قام بأعباء الخلافة، و نهض بتكاليف الزعامة و الإمامة، و نشر العلم بها، و اشتهر تحقيقه و تدقيقه، و بانت للملإ مكانته السامية، و علمه الكثير، فانتهت إليه زعامة الشيعة و رئاسة المذهب الإمامي في سائر الأقطار، و خضع له جميع علماء عصره، و شهدوا له بالتفوّق و العظمة و الجلالة، و لذا اعتبر مجدّدا للمذهب على رأس هذه المائة، و قد ثنّيت له الوسادة زمنا، استطاع خلاله أن يعمل و يفيد، و قد كانت في أيّامه للأخباريّة صولة، و كانت لجهّالهم جولة، و فلتات و جسارات و تظاهرات اشير إلى بعضها في «منتهى المقال» و غيره. فوقف المترجم آنذاك موقفا جليلا كسر به شوكتهم، فهو الوحيد من شيوخ الشيعة الأعاظم الناهضين بنشر العلم و المعارف، و له في التأريخ صحيفة بيضاء يقف عليها المتتبّع في غضون كتب السير و معاجم الرجال. و الحقّ؛ أنّا و إن أطنبنا في ذكره و أشدنا به، فلا شكّ أنّا غير واصفيه على حقيقته، و قد أحسن و أنصف الشيخ عبد النبيّ القزويني في «تتميم الأمل» حيث اعترف بالعجز عن توصيفه و تعريفه، فكيف يوصف، و بأيّ مدح يمدح من خرج من معهد درسه جمع من أعلام الدين، و عباقرة الامّة، و شيوخ الطائفة، و نواميس الملّة، كالمولى مهدي النراقي، و الميرزا أبي القاسم القمّي، و الميرزا مهدي الشهرستاني، و السيّد محسن الأعرجي، و الشيخ أبي علي الحائري، و الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، و السيّد مهدي بحر العلوم، و الشيخ أسد اللّه الدزفولي، و السيّد أحمد الطالقاني النجفي، و السيّد


1) مستدرك الوسائل (خاتمة): 20/ 47 و 48.

محمّد باقر حجّة الإسلام الأصفهاني، و غيرهم من مشيّدي دعائم الدين، و مقوّمي أركان المذهب أعلى اللّه درجاتهم جميعا (1).

إلى غير ذلك من كلمات جهابذة التأليف و التصنيف، و أعلام الطائفة الحقّة في حقّه ممّا يعجزنا حصرهم و عددهم ... و لنكتفي بما سطرناه.

اهتمام معاصريه و تلامذته و من تأخّر عنه بنظريّاته رحمه اللّه:

لقد سلف أن ذكرنا كلام المرحوم الشيخ عبد النبي القزويني في حقّ المؤلّف؛ حيث قال: فحباه اللّه باستعداده علوما لم يسبقه أحد فيها من المتقدّمين و لا يلحقه أحد من المتأخّرين إلّا بالأخذ منه (2).

و قال أبو علي في رجاله: جمع فنون الفضل، فانعقدت عليه الخناصر، و حوى صنوف العلم فانقاد له المعاصر ... و نبّه على فوائد و تحقيقات لم يتفطّن بها المتقدّمون، و لم يعثر عليها المتأخّرون (3).

و يقول شيخنا الطهراني: و خضع له جميع علماء عصره، و شهدوا له بالتفوّق و العظمة و الجلالة (4).

و صرّح في «طرائف المقال»: .. إذ الأوّل [أي تاليفه] مصدر التأليف لكلّ من تأخّر، و الثاني [أي تلاميذه] منتشر في البلاد، و صار كلّ من تلاميذه من أساطين العلماء، و جهابذة الفضلاء، قد سلّط كلّ في أحد علومه، و أعلى منهم المولى الفريد بحر العلوم؛ فإنّه قد خاض في الجميع، و لذا سمّى بهذا اللقب


1) الكرام البررة: 1/ 171 و 172.

2) تتميم أمل الآمل: 74.

3) لاحظ! روضات الجنّات: 2/ 14 و 16.

4) الكرام البررة: 1/ 171 و 172.

قدّس اللّه أرواحهم الشريفة (1).

.. و غيرهم في غيرها، و لا يسعنا عدّها و تعدادها أيضا.

و لقد أطلق جمع من أعلامنا- رضوان اللّه عليهم- على شيخنا المترجم رحمه اللّه لفظ (المجدّد) (2)، منهم:

الشيخ أبو علي الحائري رحمه اللّه في «منتهى المقال» (3).

صاحب كتاب «نخبة المقال» في ارجوزته الرجاليّة (4).

العلّامة الدربندي- طاب ثراه- (5).


1) طرائف المقال: 2/ 385.

2) قال في معجم الرموز و الإشارات: 317،- موضّحا معنى اصطلاح المجدّد- ما نصّه: الفائدة الثالثة: لفظ «المجدّد» مصطلح محدث، و لعلّ وجه التسمية فيه مجملا ما ورد من طريق العامّة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بألفاظ مختلفة- من أنّه: إنّ للّه في كلّ عصر حجّة قائمة يردّ كيد الخائنين، و إنّ على رأس كلّ مائة مجدّدا للدين، أو: إنّ اللّه يرسل على كلّ مائة سنة رجلا يحيى الدين و يجدّد المذهب ....و قد ذهب شيخنا النوري في ظهر المجلّد الأوّل من المستدرك إلى أنّ هذا الحديث لم يصل لنا عن طريق الخاصّة ... و مع كلّ هذا فقد تلقي بالقبول، و قد عيّن كلّ من السنّة و الشيعة رجلا على كلّ مائة سنة، بل قد عيّنت كلّ فرقة منهم أو طائفة رجلا، فهم عيّنوا علماء المذاهب الأربعة و كذا جمهور المحدّثين أو القرّاء أو الوعّاظ ... و غيرهم عيّنوا منفردين أشخاصا منهم. و ناقشوا في تعيين سواهم!!و قد قيل إنّه اتّفق علماء الإسلام بأنّ المجدّد على رأس المائة الثانية هو الإمام محمّد بن علي عليهما السّلام، و على القرن الثالث الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليهما السّلام، و المجدّد للقرن الرابع ثقة الإسلام الكليني .. إلى آخره. و على هذا قالوا: إنّ المجدّد للقرن الرابع عشر الميرزا محمّد حسن الشيرازي المتوفّى سنة 1312 ه. و المراد برأس المائة هو تمامها، فيكون من [ال] مروّجين تلك المائة، و يلزم كون المجدّد حيّا على رأس تلك المائة و وفاته بعد دخول المائة البعديّة و دركه لها.

3) لاحظ! روضات الجنّات: 2/ 94.

4) لاحظ! أعيان الشيعة: 9/ 182.

5) معارف الرجال: 1/ 121.

السيّد الخوانساري، في «روضاته» (1).

العلّامة العلياري، في «رجاله» (2).

العلّامة المامقاني، في «تنقيحه» (3).

المحدّث القمّي، في «فوائده» (4).

العلّامة الطهراني، في «الكرام البررة» (5).

و غيرهم في غيرها.

فضائله الأخلاقيّة و ملكاته النفسيّة:

إنّ من حظي بلقيا شيخنا المصنّف- طاب رمسه- انبهر بما امتاز به من سلوكيّة رائعة، و خلوص تام، و طهارة بيّنة، نلمسها ممّا كتبوه عنه، فهاك العلّامة الدربندي إذ يقول: كان أتقى الناس في زمانه و في هذه الأزمنة، و أورعهم و أزهدهم. و بالجملة؛ كان في الحقيقة عالما عاملا بعلمه، متأسّيا مقتديا بالأئمّة الهداة صلوات اللّه عليهم، فلأجل خلوص نيّته و صفاء عزيمته، و صل كلّ من تلمّذ عنده مرتبة الاجتهاد، و صاروا أعلاما في الدين (6).

و مع كلّ ما امتاز به من عظمة و غور علمي و فكري، نجده أمام النصّ و أئمة الهدى- سلام اللّه عليهم- ذليلا خاضعا، كما قال في «معارف الرجال»: كان يراعي في أواخر عمره ما كانت عادته عليه من زيارة قبر الحسين عليه السّلام، و إحراز


1) روضات الجنّات: 2/ 94.

2) بهجة الآمال في شرح زبدة المقال: 6/ 572.

3) تنقيح المقال: 2/ 85.

4) الفوائد الرضوية: 404.

5) الكرام البررة: 1/ 172.

6) لاحظ! معارف الرجال: 1/ 121.

غاية الآداب، و نهاية الخضوع و الخشوع، حتّى أنّه كان يسقط على وجهه في مخلع النعال، و تقبيل الأرض الطاهرة، و يسقط في أبواب الحرم الحسيني الشريف على وجهه و يقبّلها و يدخل الحرم، و كان أيضا يراعي تلك الآداب و يفعل هذه الأفعال عند زيارة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام (1).

و ينقل نظير هذه الواقعة التنكابني في «قصص العلماء» من خضوعه و خشوعه عند حريم أهل البيت عليهم السّلام.

و من الطريف أنّه مع كلّ تذلّله و خضوعه بين يدي ربّه و أوليائه، نراه أبيّ النفس أمام أصحاب القدرة و السلطان، غنيّا عنهم.

يقول عنه في «الفوائد الرضوية»- ما ترجمته-: ... أهدى له- طاب ثراه- حاكم الوقت- آغا محمّد خان قاجار- قرانا نفيسا بخطّ الميرزا النيريزي، مرصّعا بالياقوت و الألماس و الزبرجد و غيرها من الأحجار الكريمة، فما كان من شيخنا إلّا أن صدّ رسل السلطان و أنّبهم على ترصيعهم و تذهيبهم للقرآن الكريم، و أمر ببيع هذه الجواهر و الأحجار الكريمة و توزيع ثمنها بين الطلّاب و المساكين (2).

و كان- طاب ثراه- يجلّ نفسه عن موائد السلاطين و لا يعتني بصولتهم الظاهريّة، مع ما تراه خاضعا في ساحة أئمّة الهدى عليهم السّلام. ليس هذا فحسب، بل يعدّ سرّ توفيقه و علّة ترقّيه من جهة تجليله و تبجيله للعلماء؛ يقول في «روضات الجنّات»: إنّه كتب في الجواب- لما سئل عن سرّ وصوله إلى هذه المرتبة العالية-:

لا أعلم من نفسي شيئا أستحقّ به ذلك، إلّا أنّي لم أكن أحسب نفسي شيئا أبدا، و لا أجعلها في عداد الموجودين، و لم ال جهدا في تعظيم العلماء، و المحمدة على أسمائهم،


1) معارف الرجال: 1/ 121- 123.

2) لاحظ! الفوائد الرضويّة: 406، باختصار.

و لم أترك الاشتغال بتحصيل العلم مهما استطعت، و قدّمته على كلّ مرحلة دائما (1).

كان بحقّ نزيها منزّها من جميع التعلّقات الظاهريّة و الزخارف الدنيويّة، يقول في «مرآة الأحوال»- ما ترجمته-: لم يصرف همّته العالية طوال عمره الشريف لجمع الزخارف الدنيويّة التي كان يسعى أقلّ تلامذته على تحصيلها، بل لم يكن أصلا عارفا بأنواع المسكوكات المختلفة من دراهم و دنانير و الفرق بينها، بل استولى عليه الابتعاد عن أصحاب المقامات الدنيويّة، و أبعد نفسه الشريفة عن معاشرة اولئك مبدّلا إيّاهم بمصاحبة الفقراء و المساكين؛ حيث كان يلتذّ بذلك (2).

و نقل في «قصص العلماء»- ما ترجمته-: إنّ في سنة من السنين خاطت له زوجته جبّة في أيّام الشتاء فلبسها- طاب ثراه-، و لمّا حان وقت المغرب ذهب إلى المسجد، فبادر أحد الأراذل إلى تعرية رأسه و مشى حافيا إلى الشيخ رحمه اللّه و عرض له حاله و عريته و برودة الهواء، و طلب منه أن يفكّر له بتغطية رأسه، فسأله الشيخ رحمه اللّه: هل معك سكّين؟ فأجاب: نعم، فأخذ السكّين منه و قصّ أحد كمّيه و أعطاه إيّاه، و قال: خذ هذا الكمّ وضعه على رأسك هذه الليلة كي أجد لك حلّا غدا، و عند عودته إلى البيت رأت زوجته أنّ جبّته بدون الكمّ، فتأثّرت منه؛ حيث أنّها قضت مدّة طويلة لتهيئة هذه الجبّة فأنقصها بقطع كمّها (3).

و لعلّ نتيجة هذا النوع من الورع و التقوى و التنزّه عن المادّيات كان له الأثر في تقويته الروحيّة و تعاليه في الكمالات المعنويّة، بل أنّ الميرزا محمّد الأخباري


1) روضات الجنّات: 2/ 98.

2) مرآة الأحوال: 1/ 129.

3) قصص العلماء: 202.

عدّه في كتابه «دوائر العلوم» في عداد من حظي بلقيا إمام العصر و الزمان أرواحنا فداه.

و قال آخرون عنه- بالإضافة إلى ما مرّ-: إنّه كان مطّلعا على ما في ضمائر الآخرين.

نقل لنا في «قصص العلماء» عن العالم الثقة السيّد عبد الكريم بن السيّد زين العابدين اللاهيجي- ما ترجمته- أنّه قال: كان أبي يقول: كنّا حين تحصيلنا للعلوم الدينيّة في العتبات المقدّسة في أواخر زمان المرحوم البهبهاني؛ و كان (الآقا) بسبب شيخوخته و كبر سنّه قد استعفى من التدريس لما كان ينتابه من الفتور و الضعف، فكان تلامذته يدرسون و كان (للاقا) مجلس درس يدرّس فيه «شرح اللمعة» في السطوح، و كنّا عدّة أشخاص نتشرّف؛ تيمّنا و تبرّكا بحضور درسه، و صادف أن احتلمت في المنام يوما ممّا سبّب أن تفوتني صلاة الصبح، فحلّ وقت درس (الآقا)، فقلت في نفسي: أبادر بحضور الدرس كي لا يفوتني، ثمّ أذهب للاغتسال في الحمّام، فحضرت مجلس الدرس قبل أن يشرّفه شيخنا الاستاذ، و بعد أن حلّ فيه نظر ببشر و ابتهاج إلى أطراف المجلس، و فجأة ظهرت عليه آثار الهمّ و الغمّ و تغيّر وجهه الشريف ثمّ قال: اليوم قد عطّل الدرس اذهبوا إلى بيوتكم، فقام التلاميذ واحدا واحدا و غادروا مجلس الدرس، و عند ما أردت القيام قال لي (الآقا): اجلس، فجلست، و حيث فرغ المجلس قال لي: إنّ تحت البساط الذي أنت جالس عليه مقدارا من المال خذه و اذهب و اغتسل و لا تحضر بعد هذا في أمثال هذه المجالس و أنت مجنب ...،

فأخذت المال متعجّبا و ذهبت إلى الحمّام مبادرا ... و اغتسلت (1).


1) قصص العلماء: 201.

و من الواضح؛ أنّ أمثال هذه التوفيقات لا تتأتّى لكلّ فرد هيّنا، و لا تحصل لأحد جزافا؛ إذ هو يقول- كما سلف- (.. لا أحسب نفسي شيئا أبدا ..)، و الذي يثبت هذه الدعوى تركه لمنصب التدريس و الإفتاء في أواخر عمره و إيكاله إلى تلامذته بل مباشرته لتدريس السطوح من دون أنفة و كبر ... كي لا يحرم منصب الاشتغال.

و المعروف؛ أنّه كان يتقبّل أحيانا الاجرة على العبادات كالصلاة و الصوم، و يؤدّيها و يدفع الاجرة إلى بعض تلامذته؛ ليدفع عنهم العسرة و يفرّغهم للدراسة و التسلّح بسلاح العلم للدفاع عن حياض الدين.

معاصروه:

لا بأس بالتعرّض إلى جمع من مفاخر أعلامنا الذين عاصروا المرحوم الوحيد، نذكر بعض المشاهير منهم:

الآقا محمّد باقر الهزار جريبي المازندراني (المتوفّى: 1205).

الشيخ عبد النبي القزويني (المتوفّى: 1208).

السيّد جعفر السبزواري، (المتوفّى: 1218).

الآقا السيّد حسين القزويني (المتوفّى: 1218).

الشيخ محمّد مهدي الفتوني (المتوفّى: 1183).

الشيخ يوسف البحراني، صاحب «الحدائق الناضرة» (المتوفّى: 1186).

الآقا السيّد حسين الخوانساري، (المتوفّى: 1191).

الشيخ محمّد تقي الدورقي النجفي (المتوفّى: 1186).

مير عبد الباقي الخاتون‌آبادي الأصفهاني (المتوفّى: 1193).

الميرزا محمّد باقر الشيرازي.

.. و غيرهم طاب رمسهم و قدّس الله روحهم.

تلامذته:

تربّى في مدرسة هذا الرجل العظيم مفاخر قلّ نظيرهم في العصور المتأخّرة، يعدّ كلّ واحد منهم نجما لا معا في سماء العلم و الفكر، يمثّل جانبا من ذاك البحر الموّاج الذي كان يتمتّع به الاستاد؛ حيث ترى أحدهم فقيها فطحلا، و ذاك اصوليّا فحلا، أو رجاليّا فردا، منهم:

السيّد محمّد شفيع الشوشتري (المتوفّى: 1206).

السيّد أحمد الطالقاني النجفي (المتوفّى: 1208).

المولى مهدي النراقي (المتوفّى: 1209).

السيّد محمّد مهدي بحر العلوم (المتوفّى: 1212).

السيّد علي الطباطبائي (المتوفّى: 1213).

الشيخ أبو علي الحائري (المتوفّى: 1215).

السيّد أحمد العطّار البغدادي (المتوفّى: 1215).

الشيخ عبد الصمد الهمداني الشهيد (المتوفّى: 1216).

الآقا محمّد علي- الولد الأكبر للوحيد رحمه اللّه- الذي عبّر عنه أبوه بقوله: (محمّد علي) نا شيخ البهائي عصرنا (المتوفّى: 1216).

المولى محمّد كاظم الهزار جريبي، الشهيد في حملة الوهّابيّين على كربلاء (المتوفّى: 1216).

الميرزا محمّد مهدي الشهرستاني (المتوفّى: 1216).

الميرزا مهدي بن هداية اللّه بن طاهر الخراساني (الشهيد) (المتوفّى:

1218).

السيّد ميرزا محمّد تقي القاضي الطباطبائي (المتوفّى: 1222).

السيّد جواد العاملي (المتوفّى: 1226).

الميرزا أبو القاسم القمّي (المتوفّى: 1227).

الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى: 1227).

السيّد محسن الأعرجي الكاظمي (المتوفّى: 1227).

مير محمّد حسين بن المير عبد الباقي خاتون‌آبادي (المتوفّى: 1233).

الشيخ أسد اللّه التستري الدزفولي الكاظمي (المتوفّى: 1234).

السيّد دلدار علي نصيرآبادي الهندي (المتوفّى: 1235).

الآقا عبد الحسين- الولد الثاني للوحيد رحمه اللّه- (المتوفّى: 1240).

السيّد ميرزا يوسف التبريزي (المتوفّى: 1242).

المولى أحمد النراقي (المتوفّى: 1245).

السيّد محمّد حسن الزنوزي الخوئي (المتوفّى: 1246).

شمس الدين بن جمال الدين البهبهاني (المتوفّى: 1247).

الشيخ محمّد تقي الأصفهاني (المتوفّى: 1248).

السيّد محمّد القصير الخراساني (المتوفّى: 1255).

الحاج محمّد إبراهيم الكلباسي الأصفهاني (المتوفّى: 1261).

السيّد صدر الدين العاملي (المتوفّى: 1263).

السيّد محمّد باقر الرشتي (المتوفّى: 1263).

تآليفه القيّمة:

تضاهي مؤلّفاته- طاب ثراه- اثنتين و تسعين، ما بين رسائل مختصرة و كتب مفصّلة، ندرجها مجملا معجميا، و هي:

آية النفر [رسالة ...].

إثبات التحسين و التقبيح العقليّين [رسالة ...].

الاجتهاد و الأخبار الاجتهاد و التقليد [رسالة ...].

اجتماع الأمر و النهي [رسالة ...].

الإجماع [رسالة ...].

أجوبة المسائل المتفرّقة [رسالة ...].

أحكام الحيض [رسالة ...].

استحباب صلاة الجمعة [رسالة ...].

الاستصحاب [رسالة ...].

اصول الإسلام و الإيمان و حكم الناصب ... [رسالة ...].

اصول الدين (فارسي) [رسالة ...].

أخبار الآحاد [رسالة ...].

أصالة البراءة [رسالة ...].

أصالة عدم الصحّة في المعاملات [رسالة ...].

أصالة الصحّة و الفساد في المعاملات [رسالة ...].

أصالة طهارة الأشياء [رسالة ...].

الإفادة الإجماليّة العبادات المكروهة [رسالة ...].

الإمامة مفصّل (فارسي).

تحريم الغناء [رسالة ...].

التحفة الحسينيّة (عربي) [رسالة عمليّة ...].

التحفة الحسينيّة (فارسي) [رسالة عمليّة ...].

تعليقة على رجال الميرزا محمّد الأسترآبادي (الوسيط).

تعليقة على منهج المقال.

تعليقة على نقد الرجال للتفريشي.

التقريرات في الفقه.

التقيّة [رسالة ...].

توجيه تسمية أولاد الائمّة باسم الجائرين.

الجبر و الاختيار [رسالة ...].

الجمع بين الأخبار [رسالة ...].

حاشية الوجيزة.

الحاشية على الحاشية الخفريّة على شرح التجريد.

الحاشية على الذخيرة.

الحاشية على الكافي.

الحاشية على تهذيب الأحكام.

الحاشية على حاشية الشيرواني.

الحاشية على ديباجة مفاتيح الشرائع الردّ على مقدّمات مفاتيح الشرائع.

الحاشية على شرح الشرائع.

الحاشية على شرح القواعد.

الحاشية على قوانين الاصول.

الحاشية على كفاية المقتصد.

الحاشية على مجمع الفائدة و البرهان.

الحاشية على مدارك الأحكام.

الحاشية على مسالك الأفهام.

الحاشية على مقدّمة المعالم.

الحاشية على منتهى المقال.

الحاشية على الوافي.

حجيّة الأدلّة الأربعة [رسالة ...].

حجيّة الشهرة [رسالة ...].

حجيّة الظنّ [رسالة ...].

حجيّة ظواهر الكتاب [رسالة ...].

حجيّة المفهوم بالأولويّة [رسالة ...].

الحقيقة الشرعيّة [رسالة ...].

الحكم الشرعي [رسالة ...].

حكم عبادة الجاهل [رسالة ...].

حكم العصير التمري و الزبيبي [رسالة ...].

حكم متعة الصغيرة [رسالة ...].

الحواشي على العالم.

خطاب المشافهة [رسالة ...].

الخمس و الزكاة (فارسي) [رسالة ...].

الدماء المعفوّة [رسالة ...].

الردّ على الأشاعرة و نفي الرؤية [رسالة ...].

الردّ على شبهات الأخباريّين [رسالة ...].

رؤية الهلال [رسالة ...].

شرح الفوائد الرجاليّة.

شرح حديث «بم يعرف الناجي» [رسالة ...].

صحّة الجمع بين الفاطميّتين [رسالة ...].

الصحيح و الأعمّ [رسالة ...].

صلاة الجمعة؛ استحبابها و نفي الوجوب العيني عنها 1 [رسالة ...].

صلاة الجمعة 2 [رسالة ...].

صلاة الجمعة 3 [رسالة ...].

صيغ العقود [رسالة ...].

الطهارة و الصلاة (فارسي) [رسالة ...].

عدم توقيفيّة الموضوعات.

عدم جواز تقليد الميّت [رسالة ...].

الفوائد الاصوليّة [رسالة ...].

الفوائد الحائريّة الجديدة.

الفوائد الحائريّة القديمة.

الفوائد الرجاليّة [رسالة ...].

الفوائد الفقهيّة [رسالة ...].

قاعدة الطهارة [رسالة ...].

القرض بشرط المعاملة المحاباتيّة حيل الربا [رسالة ...].

القياس إبطال القياس [رسالة ...].

الكرّ و مقداره [رسالة ...].

كفر النواصب و الخوارج [رسالة ...].

المتاجر [رسالة ...].

المزار [رسالة ...].

مصابيح الظلام شرح مفاتيح الشرائع.

مناسك الحجّ (فارسي).

المناهج في الفقه.

النسخ [رسالة ...].

النقد و الانتخاب و النقض و الإبرام.

النكاح [رسالة ...].

وفاته:

يحدّثنا حفيد العلّامة الوحيد رحمه اللّه الآقا أحمد الكرمانشاهي عن تأريخ وفاة جدّه في «مرآة الأحوال»، فيقول- ما ترجمته-: و عند ما بلغ عمره الشريف التسعين، في يوم التاسع و العشرين من شهر شوّال سنة ألف و مائتين و خمس من الهجرة النبويّة، حلّقت روحه الطاهرة إلى الجوار الربوبي، و تشرّف بالدفن على أعتاب أقدام شهداء الطفّ، اللهمّ احشره و إيّانا معهم بمحمّد و آله صلوات اللّه عليهم أجمعين، و بسبب الإصلاحات و التعمير الذي حدث في الروضة الحسينيّة المباركة تشرّف بأن اتّفق دخول قبره الشريف داخل حرم سيّد الشهداء عليه السّلام، و نصبت على جدار الرواق صخرة علامة لمرقده الشريف. قال الوالد الماجد- طاب ثراه- (1)في تأريخ وفاته- طاب رمسه-: (رفتى ز دنيا باقر علم) (2).


1) المقصود به ولد الوحيد المرحوم الآقا محمد علي.

2) يعني: رحلت من الدنيا يا باقر العلم (1205)، انظر! مرآة الأحوال: 1/ 132.

و يقول العلّامة المامقاني في «تنقيح المقال»: .. و قد عمّر و جاوز التسعين، و استولى عليه الضعف أخيرا، و ترك البحث و أمر بحر العلوم بالانتقال إلى النجف الأشرف و الاشتغال بالتدريس فيه، و أمر صهره- صاحب «الرياض»- بالتدريس في كربلاء المشرّفة.

و توفّي في كربلاء المشرّفة سنة ثمان و مائتين بعد الألف.

و قيل: سنة ستّ عشرة بعد الألف و مائتين، و دفن في الرواق الشرقي المطهّر قريبا ممّا يلي أرجل الشهداء رضوان اللّه عليهم أجمعين ... (1).

و الذي يظهر من مجموع العبارتين المذكورتين قريبا أنّ الأقوال في وفاته- طاب رمسه- أربعة:

الأوّل: سنة 1205، كما نقلناه عن كتاب «مرآة الأحوال».

الثاني: سنة 1208،

الثالث: سنة 1216، نقله المرحوم المامقاني قولا.

القول الرابع: سنة 1206، كما حدّثنا به المرحوم المحدّث القمّي في «الفوائد الرضويّة»؛ حيث قال: قال صاحب «التكملة»: لقد رأيت بخطّ السيّد صدر الدين العاملي و السيّد محمّد باقر الرشتي- و كان كلاهما تلميذا الوحيد البهبهاني رحمه اللّه أنّ وفاة ذلك العظيم 1206 لا مائتين و ثمان كما نقله العلّامة النوري رحمه اللّه (2).

و أصحّ الأقوال- في نظرنا- ما ذكره حفيده في «مرآة الأحوال»، و هي سنة 1205؛ لما قيل: من أنّ أهل الدار أدرى بما في الدار.


1) تنقيح المقال: 2/ 85.

2) الفوائد الرضويّة: 405.

و على كلّ حال؛ فقد أجاب الوحيد رحمه اللّه دعوة ربّه في كربلاء ... فكان أن أقرح جفون أوليائه، و أجرى دموع أحبّائه، فرثاه جمع من تلامذته و أعزّائه، منهم ما حكاه صاحب «الأعيان»:

جفون لا تجفّ من الدموع و لم تعلق بها سنة الهجوع لرزء شبّ في الأحشاء نارا توقّد بين أحناء الضلوع يكلّفني الخليّ له عزاء و ما أنا للعزا بالمستطيع قضى من كان للإسلام سورا فهدّم جانب السور المنيع و شيخ الكلّ مرجعهم جميعا إليه في الاصول و في الفروع خلت منه ربوع العلم حتّى بكته عين هاتيك الربوع بكاء كلّ تلميذ و حبر من العلماء ذي شرف رفيع بكوا استاذهم طرّا، فأرّخ و قل: (قد فات استاد الجميع) (1)

(1205)


1) أعيان الشيعة: 9/ 182.

ترجمة الفيض الكاشاني قدّس سرّه

اشارة

ترجمة الفيض الكاشاني قدّس سرّه (1)

هو المحدّث الخبير و العلّامة الكبير، المحقّق الفاضل، و العارف الكامل، الفقيه الجليل، المفسّر، و الفيلسوف، الأديب، الشاعر، السالك، المتفنّن في العلوم الإسلاميّة، العلّامة محمد بن مرتضى المعروف بالمولى محسن، و المشهور بالفيض الكاشانى، و هو من كبار العلماء، و اكابر الحكماء و اعيان المحدّثين و الفقهاء في القرن الحادي عشر الهجري.

ولادته و نشأته و وفاته:

ولد الفيض الكاشاني في رابع عشر شهر صفر سنة 1007 ه، و توفّي في الثاني و العشرين من ربيع الآخر سنة 1091 ه على ما ذكره ولده علم الهدى (2).

نشأ و ترعرع المحقّق الفيض في مدينة قم المقدسة. و انتقل إلى شيراز للدراسة على السيد الأجلّ ماجد البحراني، و قرأ هناك على الآخوند المولى صدر الدين الشيرازي الحكيم و الفيلسوف الكبير، و استطاع بما يتمتّع به من مؤهّلات كبيرة


1) على ما اخترنا من مقدّمة كتاب «نوادر الأخبار».

2) راجع «مجموعة المواليد و الوفيات» المخطوطة، في مكتبة السيد المرعشى.

و ذكاء وافر أن يصبح من خيرة تلامذة الحكيم، و أن يصبح صهرا له بعد حين.

و بعد فترة ترك شيراز إلى كاشان (1)و هناك أصبح مرجعا للناس إلى أن ودّع الحياة و التحق بالرفيق الأعلى في مدينة كاشان، و قبره الآن مزار معروف (2).

مكانته العلميّة:

يعدّ الفيض الكاشاني من نوادر الدهر، و مشاهير علماء الشيعة، فله في جميع العلوم العقليّة و النقليّة مؤلّفات مفيدة و تصانيف ثمينة، و له في الموضوعات الدينيّة المختلفة آراء و نظريّات كما أنّ له في بعض المسائل الفقهيّة مواقف خاصّة يختلف فيها مع غيره من الفقهاء.

كان من المتكلّمين، و الفلاسفة المشّائيين، و كان ذا حظّ وافر في العلوم الأخلاقيّة، و معرفة النفس. كما أنّه كان شاعرا أديبا أنشد أشعارا رائعة و لطيفة، و ما تركه من الآداب العرفانية، الغزل الرائع ممّا يأنس به أرباب الذوق الفنّيّ الرقيق.

يقول العلّامة الطباطبائى رحمه اللّه عن شخصية المحدّث الكاشاني البارعة: كان الفيض الكاشاني شخصيّة جامعة للعلوم قلّ نظيرها في العالم الإسلامي في جامعيّته، و الملاحظ أنّه قد تناول كلّ علم من العلوم بصورة مستقلّة، و لم يخلط علما بآخر. ففي تفسير الصافي و الأصفى و المصفّى سلك المنهج الروائي في التفسير فقط، فلم يدخل في الأبحاث الفلسفيّة و العرفانيّة، و الشهوديّة. و من راجع كتابه «الوافي» في الأخبار رأى أنّه كان أخباريّا محضا و كأنّه لم يقرأ الفلسفة أبدا. و في الكتب و المؤلّفات العرفانيّة سلك نفس هذا المسلك أيضا و لم يتجاوزه، و لم يحد عن الموضوع قطّ (3).


1) لؤلؤة البحرين: 132.

2) مستدرك الوسائل (الخاتمة): 2/ 235، تاريخ كاشان: 500.

3) مهر تابان: 26.

و لقد اتّخذ في تفسير القرآن الكريم منهاجا خاصّا، ففسّر القرآن وفق اسلوب أهل الحديث. بينما ألّف كتاب «الوافى» من بين كتبه القيّمة المذكورة التي يهتمّ بها العلماء حسب طريقة قدماء المحدّثين، فهو يشتمل على دورة كاملة في اصول الدين و المذهب و فروعهما. و من بين المؤلّفات المهمّة التي لفتت أنظار العلماء و أصحاب الرأى كتابه «المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء» و يشتمل على دورة كاملة للأخلاق و العقائد الإسلامية. و يعتبر هذا المؤلّف القيّم من الكنوز الشيعيّة الفكريّة، فالمحقّق الفيض مضافا إلى مناهضة أبي حامد الغزالي في بعض عقائده و ارائه جعل من كتاب (الإحياء) كتابا يمكن الاطمئنان إليه بعد أن هذّبه و رتّبه و حذف منه و أضاف إليه.

عقائده و آراؤه:

كان المحقّق الكاشاني يبدي آراءه و عقائده بمنتهى الحريّة و ينظر إلى جماعة ممن عاصروه بعين الازدراء، و يهاجم عقائدهم، ممّا أثار حفيظة معاصريه بشدّة.

فقد كان له رأي خاصّ في مسألة «الغناء» حيث جوّزه، مخالفا غيره من الفقهاء، و له في هذا المجال بيان خاصّ في الأحاديث المتعلّقة في كتابه «الوافي» فراجع.

و لقد اتّهمه مخالفوه بكونه ذا عقائد صوفيّة، و حمل في بعض مؤلّفاته على المجتهدين و طعن فيهم. يقول المحقّق القمي: إنّ ظنّي في نسبة التصوّف الباطل إليه رحمه اللّه أنّها فرية بلا مرية، و الباعث عليها اقتداره بأهل هذه الطريقة في الموالاة مع الغلاة و الملحدين و إظهار البراءة من أجلّائنا المجتهدين، و عدم اعتنائه بالمخالفة لإجماع المسلمين و الإنكار لبعض ضروريات هذا الدين المبين و إلّا فبين ما يقوله و يقولونه مع قطع النظر عن هذا القدر المشترك بون بعيد

و إنكاره على أطوار هذه الطائفة في حدود ذواتها إنكار بليغ شديد (1).

و ممّن خالف العلّامة الفيض، الملّا محمد طاهر القمي، فقد كان ينتقد الفيض على بعض عقائده و كان يسئ الظن فيه، و لا يحترم فضله، و كماله و علمه و أدبه، لكنّه أقلع في أواخر حياته عن هذا السلوك، و ترك هذا الموقف من الفيض، و سافر إلى كاشان و استرضى الفيض و اعتذر منه (2). و يقال أيضا أنّ بعض من اعتقد في حقّه الباطل رجع عنه بعد وفاته، لمّا راه في المنام على هيئة حسنة، يأمره بالرجوع إلى بعض ما كتبه في أواخر عمره، و هو في مكان كذا و كذا، فلمّا استيقظ و طلبه وجده كما نسبه، و كان فيه تبرئة نفسه من جميع ما نسب إليه من أقوال الضّلال، و اللّه العالم بسرائر الأحوال (3). هذا و ينسب إلى العلّامة المجلسي قدّس سرّه بأنّه كان لا يرى بالرجل بأسا من غاية ملائمة مشربه مع طريقة والده المولى محمّد تقي قدّس سرّه، و قد عدّه في أواخر «البحار» من جملة مشايخ إجازاته الكبار (4).

و بالتالي يمكن تلخيص أفكار الفيض في عدّة نقاط كلّية، هي أساس كل ارائه و عقائده:

1- كان الفيض- مثل كثير من العلماء- يخالف الاصوليّين، و يعتبر نفسه أخباريّا، و يبالغ فيه إلى درجة أنّه تعرّض لتهجّم بعض العلماء و الفقهاء عليه مثل الشيخ أحمد الأحسائي الذي كان يعدّ الفيض أخباريّا صرفا.

2- كانت آراؤه في الفلسفة و الكلام توافق عقائد استاذه الملا صدر الدين الشيرازي و لهذا يمكن عدّ الفيض أحد الفلاسفة الكبار و أحد رجال الرأي


1) الفوائد الرضوية: 637.

2) روضات الجنات: 6/ 81.

3) روضات الجنات: 6/ 82.

4) بحار الأنوار: 102/ 81.

الإسلاميين المبرّزين في هذا المجال.

3- على أثر اتّباعه لآراء المولى صدر الدين الشيرازي و تأثّره بالفلسفة الإشراقيّة، فقد بذل الفيض جهدا كبيرا في مجال العرفان و في سلوك مراتب التصوّف، و لكنه مع ذلك كان يراعي اصول الدين و موازين الشريعة، و لا يغافل عن القيام بالواجبات الدينيّة و كان يوصي دائما بالزهد و التقوى و عدم التعلّق بالدنيا الفانية و الأخذ بالامور الموجبة للفلاح في العالم الآخر. و لهذا يمكن عدّ الفيض من الزهّاد و الأتقياء المخلصين.

تقريظه:

اتّفاق العلماء من الأصحاب على فضله و تقدّمه و براعته في العلوم يغنينا عن سرد جمل الثناء عليه و تسطير الكلم في إطرائه.

قال عنه المحدّث المتبحّر الشيخ الحرّ العاملي: محمّد بن المرتضى المدعوّ بمحسن الكاشاني كان فاضلا، عالما، ماهرا، حكيما، متكلّما، محدّثا، فقيها، محقّقا، شاعرا، أديبا، حسن التصنيف من المعاصرين (1).

و قال الشيخ يوسف البحراني: المحدّث القاشاني كان فاضلا، محدّثا، أخباريا صلبا (2).

و أثنى عليه صاحب الروضات بقوله: أمره في الفضل و الفهم و النبالة في الفروع و الاصول و الإحاطة بمراتب المعقول و المنقول و كثرة التأليف و التصنيف مع جودة التعبير و الترصيف أشهر من أن يخفي في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد (3).


1) أمل الآمل: 2/ 305 الرقم 925.

2) لؤلؤة البحرين: 133.

3) روضات الجنات: 6/ 79.

و قال الرجالي الكبير محمّد بن علي الأردبيلي: محسن بن المرتضى، العلّامة المحقّق المدقّق جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة فاضل كامل، أديب متبحّر في جميع العلوم (1).

و يقول المحدّث القمّي: كان المحدّث الكاشاني من أرباب العلم و الفهم و المعرفة و المكاشفة و من العرفاء الشامخين و العلماء المحدّثين تفرّق الناس فرقا في مدحه و القدح فيه و التعصّب له أو عليه، و ذلك دليل على وفور فضله و تقدّمه على أقرانه، و الكامل من عدّت سقطاته و السعيد من حسبت هفواته (2).

و قال العلّامة الأميني في «الغدير» في ترجمة علم الهدى ابن المؤلف: هو ابن المحقّق الفيض علم الفقه، و راية الحديث، و منار الفلسفة، و معدن العرفان، و طود الأخلاق، و عباب العلوم و المعارف، هو ابن ذلك الفذّ الذي قلّما أنتج شكل الدهر بمثيله، و عقمت الأيّام عن أن تأتي بمشبهه (3).

و قال فيه الميرزا محمّد عليّ المدرّس: عالم عامل ربّاني، فاضل كامل صمداني، عارف سبحاني، كان من أجلّاء علماء الاماميّة في القرن الحادي عشر الهجري في عهد الشاه عباس الثاني، فقيها محدّثا، و مفسّرا محقّقا مدقّقا، و حكيما متكلّما متألّها، و أديبا شاعرا ماهرا، جامعا للعلوم العقليّة و النقليّة، لا يجاري في فهم الأخبار و تأمّل معانيها، متفرّدا في تطبيق اصول الظواهر مع البواطن، و الجمع بين اصول الشريعة و الطريقة (4).


1) جامع الرواة: 2/ 42.

2) الفوائد الرضويّة: 641.

3) الغدير: 11/ 362.

4) ريحانة الأدب: 4/ 369.

مشايخه:

1- الملّا خليل القزويني المتوفّى عام (1089) ه. كان من خصاله البارزة أنّه اختلف مع الفيض في مسألة، و أصرّ في اثبات حقّانيّة عقيدته و موقفه كثيرا، و لكن عاد بعد مدّة فصدّق الفيض، فسافر من قزوين إلى كاشان على القدم، و لمّا صار عند منزل الفيض، نادى بأعلى صوته: يا محسن قد أتاك المسي‌ء. فعرف الفيض صوته، فخرج إليه و جامله و رحّب به، و طلب منه أن ينزل عنده و لو لغرض الاستراحة بعض الوقت، لكنّ القزويني- لكي لا يشوب نيته الخالصة بشي‌ء- لم يقبل دعوة الفيض، و عاد من فوره إلى قزوين (1).

2- الشيخ البهائي محمد بن الحسين بن عبد الصمد العاملي، المتوفّى (1030) ه.

3- المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي القمي، المتوفّى (1089) ه.

4- الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، المتوفّى (1030) ه.

5- المولى محمد صالح بن احمد السروي المازندراني، المتوفّى (1081) ه.

6- السيد ماجد بن السيد هاشم الحسيني البحراني، المتوفّى (1028) ه.

7- الحكيم المتألّه الفاضل محمد بن إبراهيم الشيرازي الشهير بمولى صدرا، المتوفّى (1050) ه.

8- أبوه العلامة رضي الدين الشاه مرتضى الأوّل بن الشاه محمود، المتوفّى (1009) ه.

9- السيد مير محمد باقر الداماد، المتوفّى (1041) ه.

الراوون عنه:

1- القاضي سعيد القميّ. المتوفّى (1103) ه.


1) الفوائد الرضويّة: 173.

2- العلامة المجلسي- محمد باقر بن محمد تقي- صاحب بحار الأنوار. المتوفّى (1111) ه.

3- السيد نعمة اللّه الجزائري الشوشتري. المتوفّى (1112) ه.

4- ولده الزكيّ المعروف بعلم الهدى. المتوفّى (1115) ه.

آثاره:

تعتبر مؤلّفات الفيض كنزا أغنى مكتبة العلوم الإسلاميّة إلى حدّ ملفت للنّظر، و يقول المحدّث الجزائري و صاحب قصص العلماء: إنّ مؤلّفات المترجم بلغت ما يقارب مائتى مؤلّف، و لكن ما هو مذكور في كتب الرجال و تراجم العلماء لا يتجاوز المائة و الثلاثين.

و قد أحصاها التنكابني في قصص العلماء مائة و سبعين (1)و أحصاها المحقّق القمّي في الفوائد الرضويّة ما يقارب مائة كتاب، (2)و أحصاها العلّامة المدرّسي التبريزي في موسوعة «ريحانة الأدب» أكثر من مائتي كتاب.

و أما المترجم له نفسه (أي المحدّث الكاشاني) فقد أحصاها في «فهرست المؤلّفات» الذي أعدّه بنفسه و ذكر مؤلّفاته في التفسير و الحديث و الفقه و الاصول و العرفان، و الأخلاق و علم الكلام و نظائرها بما يقارب المائة كتاب (3)، فعلى الباحث الرجوع إلى كتب التراجم.


1) قصص العلماء: 324.

2) الفوائد الرضوية: 635.

3) لاحظ! فهرس المخطوطات، مكتبة السيد المرعشي 5/ 62 الرقم 1401.

بين يدي الكتاب:

اشارة

كتابنا الحاضر هو حاشية كتبها علّامتنا المجدّد الوحيد البهبهانيّ رحمه اللّه على كتاب «الوافي» للفيض الكاشاني- طاب رمسه-، و قد حقّقتها مؤسّستنا التي تتشرّف بالانتساب إلى العلّامة المجدّد رحمه اللّه، و التي تتبنّى تحقيق و نشر تراثه و إحياء آثاره مع من ينتسب إليه من ذريّته.

و خلال إحصائنا لهذا الكتاب من نسخ خطيّة أو قطع منسوخة و منشورة في مكتبات العالم، لم تحصل لنا إلّا نسخة واحدة منه و هي موجودة في مكتبة الوزيري في يزد، و ذلك بعد البحث و التفتيش في أكثر من (250) مكتبة عامّة و خاصّة، سواء في داخل إيران أو خارجها، إمّا مشاهدة أو اعتمادا على ما أوردته الفهارس.

و هذه النسخة المخطوطة المنحصرة كثيرة الأغلاط جدّا، كتبت بخطوط مختلفة و لم يعلم كتّابها و تاريخ كتابتها.

منهجنا في التحقيق:

اعتمدنا في تحقيق هذه الحاشية- كما هي خطّة المؤسّسة- على العمل الجماعي، و الإخوة الأفاضل و المحقّقون الكرام الذين بذلوا جهودا مباركة في

مراحل التحقيق لهذا السفر الثمين- حيث كان العمل بشكل جماعي، حسب ما هو مقرّر في نظام المؤسّسة- فإنّهم بحسب ترتيب الحروف الأبجديّة حجج الإسلام:

الشيخ محمّد جعفر أحمدي، الشيخ يوسف تقي‌زاده، السيّد حسن اللطيفي و الشيخ محمّد النجفي الدارابي (الداراب‌كلائي).

أمّا مهمّة الإشراف النهائي على تحقيق هذه الحاشية و الغور في زواياه و إبداء الملاحظات النهائيّة و تنظيم الهوامش، فكانت على عاتق سماحة حجّة الإسلام الشيخ محمّد النجفي الدارابي (الداراب‌كلائي). فللّه تعالى درّهم و للّه عزّ شأنه جزيل أجرهم؛ حيث بذلوا ما وسعهم و لم يألوا جهدا في هذا الشأن، و نرجوا من الباري عزّ و جلّ أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، و أن يتقبّله بقبوله الحسن، و أن ينفع القائمين به يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.

مذعنين سلفا بوجود نواقص و زلّات لأجل واحدة النسخة و أغلاط كثيرة، املين- و بكلّ تقدير- أن يسعفونا أبناء الفضيلة العلماء الأعلام بإرشاداتهم و ملاحظاتهم، شاكرين لهم و للإخوة المحقّقين- من منتسبين أو مرشدين- ما قدّموه لإخراج هذه الحاشية بهذه الحلّة القشيبة، فشكر الباري سبحانه تلك المجاهدات الشاقّة و المساعي الجميلة و الجهود الجهيدة، فجزاهم اللّه خير جزاء المحسنين، و اخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

ربيع المولود 1426 ه، ق مؤسّسة العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني رحمه اللّه قم المقدّسة

نموذج من صورة النسخة الخطّيّة لحاشية الوافي

«الصفحة الاولى من النسخة الخطيّة»

«الصفحة الأخيرة من النسخة الخطيّة»

حاشية الوافي

العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني قدّس سرّه 1117- 1205 ه. ق

تحقيق و نشر مؤسّسة العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني قدّس سرّه

كتاب الحجّة

اشارة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [نحمدك اللّهم على نعمك و آلائك المتكاثرة، و نصلّي و نسلّم على سادة أهل الدنيا و الآخرة، محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عترته الطاهرة].

باب الاضطرار إلى الحجّة

[في تحقّق الفتنة بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم]

قوله: و حاصل معنى اخر الحديث، و اللّه أعلم ثمّ قائله، إنّ الفتنة في هذه السورة فتنتان (1).. إلى آخره.

ظاهر الحديث على ما أفهم،- و اللّه يعلم- أنّ قوله تعالى: وَ اتَّقُوا الآية، خطاب شفاهي، و الأمر للحاضرين من أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم باتّقائهم فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (2)، و ظاهر أنّ هذه الفتنة أشدّ و أدهى؛ لوقوعها بالنسبة إلى خصوص الظالمين بسبب ظلمهم، و هي الارتداد بعد


1) الوافي: 2/ 48 ذيل الحديث 486.

2) الأنفال (8): 25.

موت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، كما أشار إليه تعالى في قوله: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ (1)الآية؛ فإنّه إشارة واضحة على أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إن مات ينقلبون على أعقابهم، و يرتدّون، و هم الجماعة الظالمون الذين وردت هذه الآية في شأنهم و توبيخا لهم.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى أنّ هذه الفتنة الخاصّة التي تظهر من مفهوم الآية و اشير إليها في الآية الثانية هي إنكارهم لليلة القدر، و أنّها تذهب بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و أنّهم لو لم ينكروا هذه و لم يقولوا بالذهاب لم يقعوا في الفتنة الكبرى و الداهية العظمى.

و ما ذكرناه قريب ممّا ذكره المؤلّف، إلّا أنه ألصق و أظهر من حيث إنّه أخصّ، فتأمّل!

[المراد من النذير في الآية]

قوله: «من البعثة»، أي من جهة بعثته صلّى اللّه عليه و آله و سلم أصحابه إلى أقطار الأرض (2).. إلى آخره.

لا شكّ في أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يبعث حال حياته إلى جميع أقطار الأرض، بل بعث إلى قليل منها، و ربّما لم يسمعوا البعيث أصلا، بل ربّما سمعوا دعوته و لم يسمعوا البعث، و مع ذلك ليس المراد من النذير في الآية (3)مثل ذلك الصحابي، و إلّا لكان جميع أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعده يصلح لأن يكون بعيثه؛ لأنّهم الرواة و حملة الأحكام، بل روايتهم و حملهم للأحكام أزيد من ذلك الصحابي بمراتب شتّى، فيكون ما فهمه الراوي عين الصواب، و تخطئته ينافي غرضه.

و أيضا؛ كيف نبّه بقوله عليه السّلام: «أ رأيت .. إلى آخره» على خطئه، مع أنّه عين


1) آل عمران (3): 144.

2) الوافي: 2/ 52 ذيل الحديث 488.

3) فاطر (35): 24.

ما كان ينكره، ما زاد عليه شي‌ء، و أيضا قوله عليه السّلام: «فكذلك لم يمت .. إلى آخره» (1)، كيف يكون متفرّعا على ما ذكر؟ إذ مقتضاه أنّ من ثبت كونه بعيثا ثبت كونه نذيرا لا أزيد من ذلك، مع أنّه علّل بحكاية تضييع من في الأصلاب (2).

و الظاهر من قوله عليه السّلام: «فهل كان نذير» (3).. إلى آخره، أنّه هل كان نذير سوى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أقطار الأرض حال حياته من جهة بعثته إلى جميع الأقطار؟

لأنّه كان من المتواترات عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه مبعوث إلى جميع الأقطار، و السائل صدّق المعصوم عليه السّلام بأنّه لم يكن حال حياته نذير للجميع سواه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

و قوله عليه السّلام: «أ رأيت» .. إلى آخره، ابتداء تحقيق منه، و مراده عليه السّلام: أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا بعث رجلا إلى أمّته أ ليس ذلك البعيث نذيره؟ كما أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حال بعثته من اللّه تعالى و من جهة بعثته منه نذير فصدّقه الراوي.

ثمّ فرّع على جميع ما ذكره، و صدّقه الراوي و اعترف به بقوله عليه السّلام: «فكذلك لم يمت» .. إلى آخره، يعني: كما أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حال حياته كان نذيرا للجميع، مع أنّه لم يتحقّق فعليّة إنذاره بالنسبة إلى كلّ واحد واحد من أهل الأقطار حال حياته فكذلك لم يمت إلّا و له بعيث نذير، و إن لم يتحقّق فعليّة إنذاره بالنسبة إلى الجميع، لأن وجوده، و كونه معتدّا للإنذار يكفي و إن منع عن الفعليّة مانع، و صرّح بذلك في اخر الحديث.

قوله: و إنّما يأتيهم في ليالي القدر، فيلزم ألا يعلم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك الباقي، «الأمر و اليسر» يعني خصوص الأمر و سهولته (4).. إلى آخره.


1) الكافي: 1/ 249 الحديث 6.

2) الكافي: 1/ 249 الحديث 6.

3) الكافي: 1/ 249 الحديث 6.

4) الوافي: 2/ 58 و 59 ذيل الحديث 489.

يمكن أن يكون حصول أمثال ذلك لهم لئلّا يشبّه علمهم علم الفقهاء و المجتهدين من أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أمّته، حيث كانوا متحمّلين للقواعد الكليّة و العمومات الصادرة عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و يفرّعون عليها الجزئيّات، و علمهم حصل من الأدلّة التفصيليّة من الكتاب و سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الأئمّة عليهم السّلام، و الإجماع الكاشف عنه.

و أيضا سيجي‌ء فيما بعد أنّ الأئمة عليهم السّلام يزدادون كلّ ليلة الجمعة [علما] (1)، و أنّهم عليهم السّلام ربّما كانوا مطّلعين على ما لم يطّلع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم حال حياته من جهة تحقّق البداء، و أنّه بعد ما يطّلعون يعرضون أوّلا على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، ثمّ على الإمام الذي مات إلى أن يصل إلى الإمام الحيّ عليه السّلام حتّى لا يتحقّق المفضوليّة، بل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيضا ربّما كان غير مطّلع على ما وقع فيه البداء، و كذا كلّ إمام.

و أيضا سيجي‌ء أنّهم عليهم السّلام إذا شاءوا أن يعلموا علّموا (2)، و غير ذلك ممّا دلّ على عدم علمهم أوّلا، و حصول علمهم ثانيا، فلا مانع من أن يكون النازل في ليلة القدر أمثال ما أشرنا إليه، لكنّ الراوي ما كان متحمّلا لإظهار ذلك بعنوان واضح، أو مطلقا، أو لأجل التقيّة، أو لاتّقاء ما أظهروا، فتأمّل!

في أنّ الكفّار مكلّفون بفروع الدين

قوله: و في هذا الحديث دلالة على أنّ الكفّار ليسوا مكلّفين بشرائع- الإسلام


1) الوافي: 3/ 585 الباب 81 من أبواب خصائص الحجج و فضائلهم عليهم السّلام، الكافي: 1/ 253 الباب أنّ الأئمة عليهم السّلام يزدادون في ليلة الجمعة.

2) الوافي: 3/ 590 الباب 83 من أبواب خصائص الحجج و فضائلهم عليهم السّلام، الكافي: 1/ 258 الباب أنّ الأئمة عليهم السّلام إذا شاءوا أن يعلموا علّموا.

كما هو الحقّ، خلافا لما اشتهر بين متأخري أصحابنا (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ المسلمين بأجمعهم يقولون بأنّ الكفّار مكلّفون باصول الدين و فروعه، سوى ما نقل عن أبي حنيفة بأنّهم غير مكلّفين بفروعه (2)زعما منه أنّه تكليف ما لا يطاق لأنّها غير مقبولة منهم، فكيف يكلّفون بما لا يقبل منهم؟

هذا مبنيّ على اشتباهه بين مقدّمة الواجب المطلق و الواجب المشروط، إذ معرفة اصول الدين من قبيل الأوّل لا الثاني، فما نسبه إلى المتأخّرين [فهو منسوب] إلى الكلّ سوى أبي حنيفة خاصّة- كما لا يخفى على المطّلع و المتتبّع- و مع ذلك خالف في فروع الدين، و الإمامة من اصول الدين على ما يوجبه الأدلّة العقليّة و النقليّة، و متّفق عليه بين علماء الشيعة، و خالفهم في ذلك العامّة، على أنّ الأخبار الواردة في هذا الكتاب و غيرها- أيضا- متواترة في أنّ معرفتهم عليهم السّلام واجبة على جميع المكلّفين، بل و على جميع المخلوقين (3)، و أنّه لا يعذر أحد في جهالتهم (4)، و أنّ الجميع و الكلّ محتاجون إلى الرسل (5)، و أنّ اللّه تعالى في عالم الذرّ أخذ الميثاق من الكلّ بأن يعترفوا و يقرّوا بإمامتهم و ولايتهم، كما أخذ الميثاق بالإقرار بربوبيّته تعالى من دون تفاوت (6)، و أنّهم صلوات اللّه عليهم حجج على الناس أجمعين، بل و على أهل السماوات أيضا فضلا عن أهل الأرضين (7)إلى غير ذلك من أمثال ما


1) الوافي: 2/ 82 ذيل الحديث 523.

2) نقل عنه في نهج الحق و كشف الصدق: 383 و 384، لاحظ! بدائع الصنائع: 2/ 69.

3) الوافي: 2/ 80 الباب 6، الكافي: 1/ 180 باب معرفة الإمام، بحار الأنوار: 23/ 76 الباب 4.

4) الكافي: 1/ 186 الحديث 3، 187 الحديث 11.

5) علل الشرائع: 120 الحديث 3، بحار الأنوار: 11/ 29 الحديث 20، 37 الحديث 35.

6) تفسير القمي: 1/ 247.

7) بحار الأنوار: 27/ 262 الحديث 5، 281 الحديث 40.

ذكرنا مثل: فرض طاعتهم (1)، و وجوب مودّتهم (2)إلى غير ذلك ممّا ستعرف في هذا الكتاب فضلا عن غيره، فالسند قطعيّ و الدلالة في غاية الوضوح، بل كلّما يتعاضد بعضها ببعض يصير الدلالة قطعيّة، مضافا إلى إجماع الشيعة؛ بل المسلمين أيضا.

و أنّ في الكتب الكلاميّة مذكور أنّ الشيعة يقولون في نصب الإمام: لطف واجب من اللّه تعالى، و أنّه يجب معرفته، و أنّ العقل حاكم بذلك بعنوان العلم و اليقين فجعل من اصول دينهم كمعرفة اللّه تعالى و معرفة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم من دون فرق بين أصناف المكلّفين على جميع الكفّار و المسلمين (3).

و أمّا فروع الدين فأكثرها ورد الخطاب بعنوان العموم أو يظهر العموم بملاحظة العلّة، و أمّا الباقي فثبت عمومه بما ثبت [به] عموم التكليف على جميع المسلمين بملاحظة تنقيح مناط، [أ] و إجماع بسيط أو مركّب، أو حكم العقل ..

إلى غير ذلك.

بل ورد في القرآن و الأخبار ذمّ الكفّار في أفعالهم و تروكهم في فروع الدين صريحا، بل و لعنهم (4)و أمثال ذلك، بل ورد ذلك كثيرا، مضافا إلى أنّهم لو لم يكونوا مكلّفين في الفروع لزم ألا يكون مانع شرعي في قتلهم المسلمين و أسرهم إيّاهم، و الفسق و الفجور بنسائهم و لواط أبنائهم، و تخريب ديارهم، و قطعهم الطريق، و سرقتهم الأموال و أمثال ذلك من الشرّ و الضرر و الفتنة، و ألا يجب عليهم ردّ ما استقرضوا، و عوض ما أبلغوا، و الوفاء بعهدهم مع المسلمين، و مطلق


1) الكافي: 1/ 184- 190.

2) بحار الأنوار: 23/ 110 الحديث 17 و 18.

3) لاحظ! كشف المراد: 388، شرح المقاصد: 5/ 240، شرح المواقف: 8/ 348.

4) النساء (4): 47، الأحزاب (33): 64، فصّلت (41): 6 و 7، المدثّر (74): 42- 46، الكافي: 2/ 412 الحديث 1، بحار الأنوار: 5/ 318 الحديث 2.

الوفاء بشرائط الذمّة و غير ذلك؛ و أحد ليس كذلك فضلا عن الجميع.

و مع جميع ذلك؛ دلالة الحديث على ما ذكره محلّ تأمّل؛ لاحتمال أن يكون المراد أنّ الإمام لا يمكن معرفته إلّا بعد معرفة اللّه تعالى و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم، لأنّ الإمام نائب رسول اللّه تعالى فمعرفته مترتّبة على معرفة اللّه تعالى و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و متأخّرة عنهما، و موقوفة عليهما فكيف يجب معرفته بدون معرفتهما؟!

[و] يشهد على ذلك قوله: «فكيف يجب عليه ... إلى آخره» (1)، لأنّه دليل و تعليل و لا يناسب ما فهمه المؤلّف، لأنّ التعليل و الدليل لا معنى له في مقام الحكم بعدم وجوب المعرفة على الكافّة و إن أمكن حصولها منه، لأنّ معرفة اللّه تعالى و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالنسبة إلى معرفة الإمام مقدّمة الواجب المشروط، بل لا خفاء على من له أدنى تأمّل أنّهما مقدّمة الواجب المطلق بالنسبة إلى معرفة الإمام عليه السّلام، و أنّ المراد ما ذكرنا و لذا استدلّ و علّل.

و هذا نظير ما ورد منهم عليه السّلام في وجوب معرفة الإمام عليه السّلام المتأخّر و المتقدّم جميعا أنّه كيف يعرف المتأخّر و هو جاهل بالمتقدّم؟ و تقدّم هذا الحديث فلاحظ (2).

و ممّا يدلّ على أنّهم مكلّفون بالفروع الحديث المتواتر «أنّ الإسلام يجبّ ما قبله» (3)فتدبّر؛ و أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم مبعوث على كافّة البشر و غير ذلك، ممّا لا تحصى.

و أنّ القلم مرفوع عن الصبيّ حتّى يحتلم، و المجنون حتّى يفيق (4)و أمثال هذا، مضافا إلى الآيات الصريحة في ذمّ الكافر في ترك الصلاة و الإطعام و غيرها (5)


1) الكافي: 1/ 180 الحديث 3.

2) راجع! الصفحة: 107 من هذا الكتاب.

3) عوالي اللآلي: 2/ 54 الحديث 145، بحار الأنوار: 6/ 23 الحديث 24، 21/ 114 الحديث 8.

4) الخصال: 1/ 93 الحديث 40، 175 الحديث 233، وسائل الشيعة: 1/ 45 الحديث 81.

5) المدثّر (74): 42- 46.

و الفساد فى الأرض (1)، و الحكم بغير ما أنزل اللّه (2)، و الكذب (3)و تعليل الأحبار و الرهبان الأخبار في الحلال و الحرام و سائر الأحكام (4)و أمثال [ذلك]، و في الأخبار أكثر (5)، حتّى ورد: أنّ اللّه يرفع عن هذه الامّة كثيرا ممّا لم يرفعه عن الامم السابقة (6)فما ظنّك بما يرفع؟ فتأمّل جدّا!

و أيضا شرائط الذمّة، و أخذ الذمّة عن أهل الذمّة، و كيفيّة السلوك معهم تنادي بكونهم مكلّفين بها.

و بالجملة؛ البراهين القاطعة على كون الكفّار- بجميع شرائع الدين- كالمسلمين في غاية الكثرة و نهاية الوضوح، فكيف يعارضها الخبر الواحد الظنّي [ال] مستبعد، و الظنّي مساو للظنّي دلالة، و الظنّي يجب [فيه] علاج التعارض، بل كلّ واحد من الظنون المذكورة، و الاختلالات كثيرة، كما حقّقناه في محلّه (7).

فإذا كان مثل هذا الخبر يعارض اليقينيّات و يقاومها و يغلب عليها التي [هي] دين و شرع و ملّة؛ يصير اللّه تعالى جسما ذا صورة، ظالما بل ظلّاما شغله الظلم بحيث لا يحصى في كلّ زمان .. إلى غير ذلك من المفاسد، تعالى [اللّه] عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا، فتدبّر!

و ممّا يشهد عليه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذمّ جماعة بأفعال خبيثة معروفة (8)،


1) البقرة (2): 205.

2) المائدة (5): 47.

3) آل عمران (3): 78.

4) التوبة (9): 34.

5) لاحظ! بحار الأنوار: 69/ 89- 103.

6) لاحظ! تفسير الصافي: 1/ 311.

7) الرسائل الاصوليّة: 17/ 23.

8) بحار الأنوار: 19/ 346 و 347 و 351.

و مدح جماعة بأفعال حسنة (1)إلى غير ذلك ممّا صنع بالكفّار و المشركين و المنافقين.

هذا كلّه مضافا إلى طريقة سلوك الأئمّة عليهم السّلام و الفقهاء و المسلمين في الأعصار و الأمصار، فتدبّر!

في ردّ الشبهة الموردة على طريقة المجتهدين

قوله: و في قوله عليه السّلام: « [أن] تقولوا إذا قلنا، و أن تصمتوا إذا صمتنا» دلالة واضحة على نفي الاجتهاد و القول بالرأي (2).

فيه دلالة واضحة على بطلان التحقيقات الصادرة من المؤلّف في كتبه حتّى ما ذكره في بيانات هذا الكتاب أيضا، ممّا لم يقل به أحد من الأئمّة عليهم السّلام، فإنّ الذي قالوه ليس تحقيق المؤلّف، بل هو عين حديثهم، و تحقيقاته لا منشأ لها إلّا نفس رأيه و مجرّد ظنّه، بل ربّما كان محض توهّم منه، و تخريب الدين.

و أمّا الاجتهاد فتعريفه على ما عرّفه الفقهاء منّا في كتبهم هو: استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الحكم الشرعي من دليله (3)، و ربّما قيّد بعضهم الدليل بالظنّي (4)بناء على انسداد باب العلم و اليقين في [ال] معرفة الفقهيّة، لأنّ المدار غالبا على أخبار الآحاد و هي ظنيّة سندا و متنا و دلالة و علاجا للتعارض الحاصل بينها، أو بينها و بين غيرها من الأدلّة.

و أمّا القرآن فقطعيّ [المتن و ظنّي] الدلالة، و أمّا الخبر المتواتر فلو كان


1) بحار الأنوار: 22/ 74 الحديث 33، 68/ 354.

2) الوافي: 3/ 615 ذيل الحديث 1191، لاحظ! الكافي: 1/ 265 الحديث 1.

3) لاحظ! معارج الاصول: 179، الوافية في اصول الفقه: 243 مع اختلاف يسير.

4) لاحظ! نهاية الاصول: 306، معالم الدين في الاصول: 238، الوافية في اصول الفقه: 243، رسائل المحقّق الكركي: 3/ 175.

[فقطعي] المتن و ظنّي الدلالة، و أمّا الإجماع المنقول بخبر الواحد فظنّي أيضا، و كذا الاصول و الإجماع القطعي لا يكاد في شخص حكم بدون الحاجة إلى ضمّ أحد الأدلّة الظنّية، مثلا: الإجماع واقع على وجوب الركوع للصلاة، و أمّا حدّه و واجباته و مصحّحاته و مبطلاته فمن الأدلّة الظنّية.

و الاستفراغ في معرفة الحكم من الدليل الظنّي يتوقّف على مراعاة جميع ما له دخل في معرفة الحكم منه، و في الوثوق به و رفع الاختلالات و هو الذي يعبّرون عنه بشرائط الاجتهاد (1)و برهنوا على مدخليّة كلّ واحد واحد في موضعه، و لو لم يعرف أحد أحدا منها لوقع في الخطأ في الفهم و لم يصل أمره إلى حدّ ما قال اللّه تعالى: لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (2)و أمثاله ممّا هو العذر الثابت من الشرع على سبيل اليقين في اعتماد الفقيه على فهمه و حكمه من تلك الأدلّة.

و أين هذا ممّا ذكره من أنّ عدم القبول من الأئمّة عليهم السّلام يدلّ على بطلانه؟ مع أنّ مدار المؤلّف على الاجتهاد لا غير، بل ربّما كان اجتهاده اجتهادات عجيبة غريبة يعرفها من له من الفقه نصيب، فتأمّل جدّا و لا تغافل!

قوله: و يستفاد من فحوى قوله: فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهيا حرام، [و] أنّ القليل منه ليس بحرام (3).. إلى آخره.

يمكن أن تكون الإضافة بيانيّة و إضافة الصفة إلى موصوفها و هي أيضا متعارفة، فتأمّل جدّا!


1) لاحظ! ذكرى الشيعة: 1/ 42.

2) البقرة (2): 286.

3) الوافي: 3/ 617 ذيل الحديث 1195.

كتاب الطهارة

اشارة

[أبواب أحكام المياه]

باب طهارة الماء و طهوريّته و أنّه لا ينجس إلّا إذا تغيّر بالنجاسة

قوله: محمّد و غيره عن محمّد بن أحمد عن اللؤلؤي بإسناده قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (1).

المصنّف وافق ابن أبي عقيل (2)و خالف المتقدّمين و المتأخّرين من فقهائنا، و ابن أبي عقيل خالف الإجماعات المتعدّدة و الأخبار المتواترة المتعدّدة الواردة في أبواب الفقه [و] وافق العامّة؛ لأنّ المذهب المشهور من العامّة في زمان الصادقين عليهما السّلام كان عدم الانفعال مطلقا.

صرّح العلّامة في «التذكرة» بأنّ مالكا، و أبا هريرة، و الحسن البصري، و الأوزاعي، و الثوري، و ابن أبي ليلى، و عكرمة، و سعيد بن المسيّب، و جابر بن زيد، و داود بن المنذر، و حذيفة، و ابن عبّاس كانوا يقولون بعدم الانفعال


1) الوافي: 6/ 15 الحديث 3657، لاحظ! الكافي: 3/ 1 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 134 الحديث 326.

2) تذكرة الفقهاء: 1/ 22، المعتبر: 1/ 48.

مطلقا (1)فيظهر منه أنّ مذهب علي عليه السّلام و أهل البيت عليهم السّلام كان الانفعال.

و معلوم أيضا أنّ مذهب هؤلاء كان مشهورا و معروفا في زمان الصادقين عليهما السّلام فالتقيّة منهم، و أمّا الشافعي و أحمد كانا يقولان بالقلّتين، و أبو حنيفة بالكرّ الذي ليس كرّ الشيعة قطعا (2)، و مذاهب هؤلاء اشتهرت بعد الصادقين عليهما السّلام قطعا.

و الداعي لابن أبي عقيل توهّمه تواتر الأخبار عن الصادق عليه السّلام، «أنّ الماء لا ينجّسه شي‌ء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (3)، و لم ينقل هذا الخبر أحد ممّن تقدّم عليه، أو تأخّر عنه، أو عاصره في موضع من المواضع بعنوان الآحاد، و لا بعنوان واحد ضعيف، أو مرسل أو مجهول، فضلا عن التواتر، بل بعض الفقهاء مع بذل جهده لم يأت إلّا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بطريق مجهول من العامّة (4)، و الباقون مع بذل جهدهم لم يشيروا إليه أصلا، فعلى هذا لو كان حديث يدلّ على أصل عدم الانفعال فهو محمول على التقيّة و القرائن على التقيّة موجودة أيضا، كما ستعرف فتأمّل جدّا!

قوله: بيان: إنّما لا يطهّر لأنّه إن غلب على النجاسة حتّى استهلكت فيه طهّرها و لم ينجّس حتّى يحتاج إلى التطهير، و إن غلبت عليه النجاسة حتّى استهلك فيها (5).. إلى آخره.

لا يخفى ما في هذا البيان من الامور الفاسدة التي لا خفاء في فسادها، و مع ذلك يدّعيها ادّعاء يقين و عيان كأنّها من غاية الظهور و الوضوح لا يحتاج إلى


1) تذكرة الفقهاء: 1/ 22. لاحظ! المغني لابن قدامة: 1/ 31، المجموع للنووي: 1/ 113، نيل الأوطار: 1/ 29.

2) المغني لابن قدامة: 1/ 32، المجموع للنووي: 1/ 113.

3) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 177.

4) لاحظ! حبل المتين: 106، مدارك الأحكام: 1/ 57.

5) الوافي: 6/ 18 ذيل الحديث 3663.

برهان، و لا يخفى على من له أدنى تأمّل أنّ الأمر بالعكس لأنّ قوله: (إن غلب على النجاسة) (1).. إلى آخره يدلّ على انحصار الأمر في الاستهلاك إمّا باستهلاك النجاسة في الماء، أو استهلاك الماء في النجاسة، و هذا بديهيّ الفساد، لأنّ ملاقاة النجاسة، و التغيّر بالنجاسة أمران لا دخل لهما في الاستهلاك أصلا، أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فلأنّ الماء المتغيّر لا شكّ في كونه ماء حقيقة داخلا في أفراد الماء المطلق، غير داخل في المائعات الاخر و المياه المضافة، كما أنّ الماء الآجن المتغيّر من قبل نفسه كذلك، و بمجرّد تغيّر صفة لا يخرج الشي‌ء عن حقيقته كما هو الحال في جميع الأجسام.

مع أنّ النجاسة و الطهارة حكمان شرعيّان لا دخل لهما في الاستهلاك و عدمه، فربّما لا يخرج الشي‌ء عن حقيقته و يصير نجسا، كما هو الحال في الأجسام المتنجّسة يقينا، و ربّما يخرج عن حقيقته و لا يصير نجسا، بل و ربّما يصير بذلك طاهرا كما أنّ الكلب يصير ملحا، و العذرة دودا، و الميتة ترابا و غير ذلك.

و ممّا ينادي بأنّ التغيّر ليس استهلاكا؛ الفرق بين التغيّر بالملاقاة و التغيّر بالمجاورة، فإنّه بالأوّل يصير نجسا دون الثاني، مع عدم تفاوت بالتغيّر من النجس.

و ممّا ينادي أيضا أنّ الماء لا ينجس بكلّ تغيّر يكون، بل بخصوص اللون أو الطعم أو الريح، فلو تغيّر بالحرارة و البرودة و الثقل و الخفّة و الغلظة و الرقّة و أمثال ذلك فلا ينجس إجماعا، مع أنّ هذه الصفات ربّما كان تغيّرها أدخل في الاستهلاك من أدنى تغيّر يحصل في أحد الصفات الثلاث.

ثمّ نقول: ربّما تكون عين النجاسة موجودة في الماء الطاهر إجماعا كالكرّ الذي فيه العذرة التي لم تغيّر صفة الماء أو غيرها.


1) الوافي: 6/ 19 ذيل الحديث 3663.

و قوله: و لم يقبل التطهير (1).. إلى آخره.

أيضا فيه ما فيه؛ لأنّ استهلاك النجاسة ليست منحصرة في الماء إذ يجوز تحقّقها بالأجسام الطاهرة، و تصفيق الرياح، و المكث مدّة، فإنّ نفس الماء لا ينفعل من النجاسة فلا يتوقّف زوال استهلاكه على الماء.

و قوله: يدلّ على ما قلناه (2).. إلى آخره.

فيه أنّه لا دلالة فيها على ما قاله بوجه لا مطابقة و لا تضمّنا و لا التزاما، بل يدلّ على خلافه، إذ يدلّ على أنّ المتغيّر ماء جزما، و أنّه بسبب تغيّره بأحد الأوصاف الخاصّة ينجس شرعا لا مطلق التغيّر.

مع أنّ ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليس إلّا رواية واحدة رواها العامّة في كتبهم، و الخاصّة صرّحوا بأنّها من روايات العامّة و لم يروها أحد من الخاصّة (3)، مضافا إلى أنّ أخبار الخاصّة متواترة بالمعنى في أنّ الماء القليل ينفعل بالملاقاة، صرّح بكونها متواترة غير واحد من المحقّقين منهم: صاحب المعالم فيه (4)، و جدّي العلّامة المجلسي (5).

مع أنّا أشرنا إلى بعض مواضع ورود تلك الأخبار في حاشيتنا على المدارك (6)، يظهر منه كونها متواترة، و المصنّف شتّت تلك الأخبار بحيث يعسر على من أراد الاطّلاع العثور عليها، بل و على أكثرها، بل و على كثير منها، مع أنّ تلك


1) الوافي: 6/ 18 ذيل الحديث 3664.

2) الوافي: 6/ 18 ذيل الحديث 3664.

3) مدارك الأحكام: 1/ 57، حبل المتين: 106، الحدائق الناضرة: 1/ 180.

4) معالم الدين في الفقه: 1/ 126.

5) روضة المتّقين: 1/ 54.

6) الحاشية على مدارك الأحكام: 1/ 60.

الأخبار منها صحاح و غير الصحيح منجبر بعمل الأصحاب، مع أنّ كثيرا منها وقع الإجماع على العمل بها، مثل ما ورد في ولوغ الكلب (1)، و ما ورد في الإنائين المشتبهين (2)، و ما ورد في تحديد الكرّ بالأرطال (3)، مع أنّه مخالف لمذهب جميع العامّة، مثل: ما ورد في الولوغ.

مع أنّ الشيخ صرّح في «الاستبصار» و غيره بإجماع الشيعة على انفعال أقلّ [من] الكرّ بالملاقاة (4)، و هو الظاهر من فتاويهم، و الصدوق رحمه اللّه في أماليه عدّ من جملة ما صرّح بأنّه من دين الإماميّة أنّ الماء ينجّسه ما له نفس سائلة دون ما لا نفس له سائلة (5).

و ابن إدريس ادّعى الإجماع على نجاسة غسالة الحمّام (6)، و غير ذلك من الإجماعات المتفرّعة على انفعال الماء بالملاقاة.

مع أنّ المحقّقين [منهم] من ادّعى إجماع الشيعة على انفعال القليل (7)، و ابن أبي عقيل خالف إجماعهم (8)و هو كذلك، كما لا يخفى على المتأمّل المنصف، فإنّ من تأخّر عنه و من تقدّم عليه، و من عاصره ممّن يشافه المعصوم عليه السّلام، و كان يصل إلى خدمته مكرّرا، كلّهم اتّفقوا على الانفعال، و ابن أبي عقيل ما لاقى المعصوم عليه السّلام، بل


1) وسائل الشيعة: 1/ 225- 227 الباب 1 من أبواب الأسئار.

2) وسائل الشيعة: 1/ 151 الحديث 376.

3) وسائل الشيعة: 1/ 167 الباب 11 من أبواب الماء المطلق.

4) الاستبصار: 1/ 12، ذيل الحديث 6، الخلاف: 1/ 192.

5) أمالي الصدوق: 514 مع اختلاف يسير.

6) السرائر: 1/ 90 و 91.

7) مختلف الشيعة: 1/ 176، التنقيح الرائع: 1/ 39، مدارك الأحكام: 1/ 138، لاحظ! مفتاح الكرامة: 1/ 304- 306.

8) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 176.

و توهّم في الروايات حيث قال بعدم الانفعال، لأنّه ادّعى تواتر مضمون الحديث الذي نقله المصنّف عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم (1)، و عن الصادق عليه السّلام بطريق الخاصّة (2)، مع أنّه لم يروه كذلك أحد من الخاصّة أصلا، و لا من المتأخّرين كما لا يخفى، فكيف يخفى المتواتر عمّن عاصر ابن أبي عقيل، و من تقدّم عليه، و من تأخّر عنه إلى أن لم يشر أحد منهم بطريق الآحاد، فضلا عن التواتر؟!

هذا كلّه؛ مضافا إلى ما أشرنا إليه من الإجماعات المتفرّعة على الانفعال، مضافا إلى ما ستعرف ممّا نقول في الأخبار الآتية، فكيف يبقى للمجتهد طريق إلى التأمّل في الحكم بالانفعال سيّما و أن يقول ما قاله المصنّف؟!

و أمّا نسبة أصحابنا إلى الزعم (3): ففيه أنّه كيف تنسب فقهاء الشيعة و المؤسّسين لمذهبهم في الفروع و الاصول الماهرين، الأئمة في العلوم من المعقول و المنقول، مروّجي دين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم في كلّ مائة، متكفّلي أيتام الأئمّة عليهم السّلام بعد الاستتار و الغيبة، الذين عليهم المدار في الأخبار، و نقلها و ضبطها و البناء بها على فقههم في جميع الأعصار و الأمصار، فكيف تنسبهم إلى الزعم، و تستخفّ بهم هذا النوع من الاستخفاف؟ و أين أدب المتأدّب؟!! ما أسوأ به!!

و أمّا ما ذكره من أنّه: (لو انفعل لما جاز إزالة الخبث بالقليل) (4)لا يخفى فساده أيضا، بل و نهاية شناعته كما ذكره سابقا، و لم يدّع أحد من الشيعة أنّ القليل ينفعل مطلقا، بل الإجماع واقع منهم على عدم الانفعال كذلك.

و أمّا الأخبار فلم يرد خبر يدلّ بمنطوقه على الانفعال على سبيل العموم، نعم


1) الوافي: 6/ 18 ذيل الحديث 3664.

2) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 177.

3) الوافي: 6/ 19.

4) الوافي: 6/ 19.

إن كان عموم فمن المفهوم، مع أنّ نفس المفهوم عند المصنّف لا يصلح لأن يصير معارضا للمنطوق (1)فضلا عن عمومه، و سيّما إذا وقع الإجماع على جواز التطهير بالقليل، فإذا كان جواز التطهير مستلزما لعدم الانفعال- كما زعمه- فكيف يجوز أن يقاومه عموم المفهوم؟

مع أنّ عموم المنطوق قابل للتخصيص، بل خصّص كثيرا إلى أن قيل: (ما من عامّ إلّا و قد خصّ) بل بناء الفقه من أوّله إلى آخره على ذلك، فكيف لا يجوز تخصيص عموم المفهوم الذي هو أضعف من عموم المنطوق؟

بل المصنّف لا يقول بعموم المفهوم- على ما أظنّ- موافقا لما اختاره صاحب المدارك، و مشاركوه (2)، و إذا لم ينفعل في صورة خاصّة لا يلزم من ذلك عدم الانفعال مطلقا.

ألا ترى! أنّ الرضاع يحرّم في صورة مخصوصة و لا يحرّم في صورة مخصوصة، بل بناء الفقه من أوّله إلى آخره على ذلك.

و قوله: و الفرق بين وروده على النجاسة و ورودها عليه (3).. إلى آخره.

غلط أيضا، إذ لم يرد نصّ يدلّ على انفعال القليل بوروده على النجاسة، و عموم المفهوم عرفت حاله إلّا أن يقول: كما لا تدلّ المنطوقات على الانفعال بوروده على النجاسة كذا لا يدلّ على انفعاله في صورة غسل النجاسة مطلقا، سواء ورد على النجاسة أو وردت عليه، لكن هذا لا ينفعه، بل ضرره عليه أزيد، و مع ذلك المذاق حينئذ مختلف، فتأمّل!


1) الوافي: 6/ 20.

2) مدارك الأحكام: 1/ 39.

3) الوافي: 6/ 19 ذيل الحديث 3664.

و قوله: (و أمّا ما تكلّفه بعضهم) إلى قوله: (فمن أبعد التكلّفات) (1).

فيه أيضا ما فيه؛ فإنّ النجاسة و تطهيرها حكمان شرعيّان تعبّديان لا طريق للعقل إليهما أصلا كيف يصير الدم و المني نجسا؟! مع أن يكون الإنسان منهما و يشقّ عليه التحرّز عنهما، و كذا بول الصبيّ، و يكون القي‌ء طاهرا .. إلى غير ذلك، و كيف يطهر المقعد من مدر أو خرقة مع بقاء الأثر و الأجزاء العالقة التي لا تزول إلّا بالماء و لا يطهر من ماء الورد، و الخلّ الحار و أمثالهما؟

و بالجملة؛ ما استبعده لا يدلّ عليه العقل كما عرفت، و لا النقل؛ إذ لا إجماع عليه، و لم يدلّ نصّ، و لا قاعدة من القواعد الشرعيّة عليه، بل لا تأمّل.

و ما ذكره من قوله: إلّا أنّ هذا محاكمة (2)إلى آخره.

فيه أنّ هذا قول الشيخ و من وافقه من القائلين بنجاسة الغسالة الاولى دون الثانية (3)، و من أراد التحقيق كاملا فعليه بملاحظة الحاشية التي كتبناها على المدارك (4)، و [ما] أكثر فيها من التشنيعات الظاهرة على المصنّف، فليلاحظ!

و ما ذكره من أنّه: (لم ينقل واقعة) (5).

فيه أنّ الطهارة لها أحكام متعدّدة و شرائط فمن أين عرفت؟ و لم نجد فرقا بين الماء و المياه المضافة و الأجسام فيما ذكره من عدم السؤال عن كيفيّة الحفظ عن النجاسات .. إلى اخر ما ذكره، بل النقل و السؤال في الماء ورد كثيرا أكثر ممّا ورد في المياه المضافة و الأجسام، كما لا يخفى على من له أدنى تفطّن.


1) الوافي: 6/ 19 ذيل الحديث 3664.

2) الوافي: 6/ 19 ذيل الحديث 3664.

3) الخلاف: 1/ 179، الروضة البهيّة: 1/ 64 و 65.

4) الحاشية على مدارك الأحكام: 1/ 63- 81.

5) الوافي: 6/ 20 ذيل الحديث 3664.

مع أنّ الأصل الطهارة في كلّ شي‌ء سيّما الماء إلى أن يحصل اليقين بنجاسته، و لذا يحكم بطهارة إناء المشركين و أمثال ذلك مثل: الكافور و السكّر و أمثالهما ممّا كان في عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و من بعده معمولا به، مع أنّه في زمانه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن إسلام في البلاد التي وجد فيها، بل و ربّما لم يوجد أهل الكتاب أيضا.

و ما ذكره من أنّ ما يستدلّون به على اشتراط (1).. إلى آخره.

فيه أنّ استدلالهم على انفعال القليل بالمنطوقات أزيد منه، و يجزم يقينا أنّه رأى ذلك، و يعلم أنّ الافتراء حرام، فاللّه أعلم بمقصوده، على أن المحقّقين نقلوا الإجماع على حجيّة المفهوم في المقام (2)، فهذا أيضا إجماع خالفه، كالإجماعات السابقة، فهذه المفهومات أقوى من منطوقاته بمراتب، كما ستعرف حال منطوقاته، مضافا إلى ما عرفت.

و بالجملة؛ المرجّحات التي اجتمعت في هذه المسألة لم تجتمع في مسألة من مسائل الفقه، فمن كان بناؤه على الفقاهة و الترجيحات في الفقه فكيف يتيسّر له التأمّل هاهنا؟

و ما ذكره من أنّ [اشتراط] الكرّ مثار الوسواس (3).

ففيه؛ أنّ المدار في الأعصار و الأمصار على مراعاته من دون تأمّل لأحد فيها حتّى المصنّف، فإنّه في النخبة رغب في عدم التعدّي عنها (4)، و في هذا الكتاب سيذكر أنّ ماء الوضوء لا بدّ أن يكون له مزيد اختصاص، و يتنزّه عن القليل الملاقي للنجاسة (5)، و لم يجد الوسواس إلّا من أهله، فالتكليف مثار الوسواس بل الحدّ الذي


1) الوافي: 6/ 20 ذيل الحديث 3664.

2) لم نعثر عليه.

3) الوافي: 6/ 19 ذيل الحديث 3664.

4) النخبة: 86.

5) الوافي: 6/ 22 ذيل الحديث 3670.

سيذكره للكرّ (1)هو مثاره البتّة، و لا يكاد ينفكّ عنه، بل هو حرج في الدين و تكليف بما لا يطاق بالنسبة إلى عامّة العاملين مضافا إلى بداهة فساده من وجوه ستعرفها.

قوله: فلا يحصل التطهير أصلا (2).. إلى آخره.

غلط إذ- مضافا إلى عدم دليل على ذلك- حجر الاستنجاء من الغائط ينجس و يطهر، و سنشير إليه مفصّلا، و الأرض [تطهّر] باطن القدم أيضا كذلك كما ستعرف.

فهذا مصادرة، بل مكابرة؛ لما سيذكر في باب الاستنجاء، فإنّ الحجر يلاقي موضع الغائط و مخرج النجو (3)و يطهر، فلاحظ جميع ما سنذكره هناك و تأمّل جدّا!

قوله: المفيد عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد، عن الحسين و التميمي عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام مثله (4).

لا يخفى أنّ هذه متّحدة مع السابقة كما أخذه المصنّف و اعترف به، فالسند مرسل على الظاهر أو مضطرب فلا يقاوم الأخبار الصحيحة من حيث السند، بل و من حيث الدلالة أيضا، فإنّ الماء مفرد محلّى باللام و لا عموم فيه بحسب الوضع كما حقّق، و العموم الاستنباطي ليس فيه تلك القوّة فكيف يقاوم هذا الحديث مثل صحيحة البقباق في ولوغ الكلب في الماء في الإناء: أنّه رجس نجس اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّلا ثمّ بالماء (5)و غيرها (6)كما ستعرف.

مع ما فيها من التأكيدات، و كون التعفير لأجل النجاسة يقينا و إجماعا،


1) الوافي: 6/ 37 ذيل الحديث 3703، 315 ذيل الحديث 4171.

2) الوافي: 6/ 19 ذيل الحديث 3664.

3) النجو: ما يخرج من البطن من ريح و غائط، (لسان العرب: 15/ 306).

4) الوافي: 6/ 20 الحديث 3666، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 216 الحديث 625، وسائل الشيعة: 1/ 137 الحديث 336.

5) تهذيب الأحكام: 1/ 225 الحديث 646، وسائل الشيعة: 1/ 226 الحديث 574.

6) وسائل الشيعة: 1/ 225- 227 الباب 1 من أبواب الأسئار.

و كون المضمون طريقة الشيعة و موافقا لغيرها من الأخبار الصحيحة و غير الصحيحة المعمول بها عند الفقهاء، بل المتواتر- كما عرفت- و موافقا لطريقة الشيعة و إجماعهم في مقامات متعدّدة كما أشرت في الحاشية.

مع أنّ هذه الرواية غايتها أنّها عامّ، و العامّ كثر استعماله في الخاصّ إلى أن اشتهر و تلقّى بالقبول (ما من عامّ إلّا و قد خصّ) و المدار و البناء على ذلك من أوّل الفقه إلى آخره، سيّما و أن يكون الخاصّ [ب] تلك المرتبة من القوّة، و العامّ بتلك المرتبة من الضعف، و من مضعّفاته أنّ المصنّف سيذكر في كتاب المطاعم و المشارب أنّ الميتة لا تنجّس الأشياء (1)فكيف يستدلّ بهذه الرواية على عدم الانفعال؟

فإن قلت: لو [لم] تنجّس الميتة لكان في صورة التغيّر أيضا لا يضرّ الاستعمال.

[قلت]: مرادي الردّ على المصنّف بحسب عقيدته في ذلك الكتاب، و في هذا الكتاب من حمله أخبار المنع عن الوضوء على الكراهة، أو أنّ ماء الوضوء لا بدّ أن يكون له مزيد نظافة.

و من مضعّفات هذه الرواية أنّها تحتاج إلى العنايات مثل ما ذكره في البيان، إذ لا شكّ في كونه عناية، بل عنايات، مضافا إلى أنّ جثّة الميتة المنتنة لا يلزم أن تكون نجسة، و الحمل على خصوص النجسة ليس بأولى من الحمل على الكرّ و ما فوقه، فتأمّل!

قوله: علي، عن العبيدي، عن يونس، عن عبد اللّه بن سنان قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام- و أنا جالس- عن غدير أتوه و فيه جيفة فقال: «إذا كان الماء قاهرا و لا يوجد فيه الريح فتوضّأ» (2).


1) الوافي: 19/ 98 ذيل الحديث 19002.

2) الوافي: 6/ 21 الحديث 3667، لاحظ! الكافي: 3/ 4 الحديث 4، وسائل الشيعة: 1/ 141 الحديث 346.

الغالب في الغدير و الظاهر منه كونه أكثر من الكرّ يشير إليه أيضا ملاحظة الأخبار، و كذا الظاهر من الماء الذي يمرّ به سيّما و أن يكون فيه دابّة ميتة مع أنّ الجيفة لغة جثّة الميت و الجثّة لغة لشخص الإنسان و كون مائه قابلا لأن يكون غالبا على نتنها، فتأمّل!

على أنّ الخاصّ مقدّم سيّما مثل هذه الخواصّ على مثل هذه العمومات كما عرفت.

قوله: قال: سألته عن الرجل يمرّ بالماء و فيه دابّة ميتة قد أنتنت؟ قال: «إن كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضّأ و لا تشرب» (1).

الدابّة بحسب اللغة و العرف صار اسما لذات القوائم الأربع و الفرس، بل أسفل من المعنى الأوّل و هو ما يدبّ (2)، فلا دلالة فيه على انفعال القليل، لتبادر الكثير منه، كما لا يخفى.

قوله: علي، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن ابن مسكان، عن محمّد بن المسير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان؟ قال:

«يضع يده و يتوضّأ ثمّ يغتسل هذا ممّا قال اللّه تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (3)» (4).

لا يخفى أنّ لفظ القذر ليس حقيقة في النجس لا لغة و لا عرفا، و لذا لا يتبادر


1) الوافي: 6/ 21 الحديث 3669، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 216 الحديث 624، وسائل الشيعة: 1/ 139 الحديث 341.

2) لسان العرب: 1/ 369.

3) الحج (22): 77.

4) الوافي: 6/ 21 الحديث 3670، لاحظ! الكافي: 3/ 4 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 152 الحديث 379.

منه إلّا المعنى اللغوي في استعمالنا الآن، فزمان المعصوم عليه السّلام أولى بذلك، و لا في اصطلاح المتشرّعة، و كذا الكلام في القليل بالقياس إلى خصوص أقلّ الكرّ، نعم؛ الفقهاء بمعونة القرينة يستعملونه فيه.

و أمّا الوضوء فلا شبهة في كونه حقيقة في الوضوء الاصطلاحي في كلام الصادقين عليهما السّلام و من بعدهما، كما حقّقه المحقّقون، و نقلوا الاتّفاق، فالظاهر أنّ الخبر مورده التقيّة، و عليه يحمل قوله [تعالى]: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1).

و ما ذكره من قوله: (لأنّ الماء) .. إلى آخره (2)ليس بشي‌ء، لأنّ أولويّة الاجتناب لا حرج فيها، لأنّ الحرج ظاهر في الممنوعات، ألا ترى! أنّ المستحبّات من الكثرة بحيث لا يفي بعشر معشارها أوقات المكلّف كما لا يخفى على من لاحظ مصباح الشيخ و غيره من كتب الأدعية مضافا إلى الكتب الفقهيّة و غيرها، و مع ذلك لا يمكن لعاقل أن يقول: هذا القدر حرج أو يقول: إنّ كلّها ليست مستحبّة، بل القدر الذي ليس بحرج أو تكليف ما لا يطاق، على أنّ أولويّة ترك الاستعمال لو كانت بحيث يصحّ استعمال لفظ بالقياس إليها فكيف يرخّص المعصوم عليه السّلام الاستعمال بلا مضايقة أصلا و لا حزازة مطلقا في رواية حريز (3)و ما ماثلها و ينفى في بعض الأخبار البأس عنه مطلقا (4).

انظر أيّها العاقل أنّه في مقام الاستدلال يا بني على أنّ المراد من القذر النجس، و القليل أقلّ من الكرّ، مع أنّ المرادين ليسا معناهما قطعا، و في الوضوء يا بني على أنّ


1) الحج (22): 78.

2) الوافي: 6/ 22 ذيل الحديث 3670.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 216 الحديث 625، وسائل الشيعة: 1/ 137 الحديث 336.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 38 الحديث 104، وسائل الشيعة: 1/ 163 الحديث 406.

المراد منه الغسل و ليس ذلك معناه قطعا، ثمّ يا بني على أنّ نفي الحرج من التوجيه و التأويل يصعب أن يرتكب ما ذكره فكيف في مقام الاستدلال؟

هذا مضافا إلى أنّ السند أيضا لا يقاوم ما دلّ على الانفعال، و كذا الحال في الأمارات الخارجة، مع أنّه من المسلّمات أنّ المطلق يحمل على المقيّد، و العامّ على الخاصّ، و هو الحقّ المحقّق في محلّه، سيّما التقيّة، فتأمّل!

قوله: النقيع محبس الماء و ما اجتمع في البئر منه يشمل القليل و الكثير، يقال: نقع الماء إذا ثبت و اجتمع (1).

في استدلاله بهذه الأحاديث ما عرفت، مضافا إلى أنّ لفظ النقيع مشترك بين البئر الممتلئ من الماء و الماء المجتمع من أرض لا يقف فيها الماء (2)، فمع الاشتراك كيف يستدلّ، و على كون المراد الثاني فالمتبادر منه أزيد من الكرّ أو يقاربه أقلّا، لأنّه الماء المجتمع في الغدير.

و ما ذكره؛ تفسير النقع لا النقيع (3)، فتأمّل!

و ترك استفصاله عليه السّلام لعلّه بناء على عدم إمكان استعلام البلوغ كرّا في الغدير إلّا من الماهرين في الهندسة، و الأصل في الماء الطهارة حتّى تعلم النجاسة فتأمّل!

على أنّ الذي يظهر من القاموس أنّ النقيع اسم للبئر الكثير الماء فقط (4)، و كذا يظهر من الكنز (5)، و لم يظهر من اللغة خلاف في ذلك فلاحظ!

قوله: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحياض يبال فيها؟ قال: «لا بأس إذ غلب


1) الوافي: 6/ 22 ذيل الحديث 3671.

2) لاحظ! لسان العرب: 8/ 359.

3) لاحظ! الصحاح: 3/ 1292.

4) لاحظ! القاموس المحيط: 3/ 93.

5) كنز اللغة: باب النون مع اختلاف يسير.

لون الماء لون البول» (1).

الظاهر أنّها التي كانت بين مكّة و المدينة، و يؤيّده قوله: «يبال فيها»، فتأمّل جدّا!

قوله: بيان: زاد في العلل في اخر هذا الحديث فقال: «أو تدري لم صار لا بأس به؟» (2).

لا يخفى أنّ الماء المتغيّر بالنجاسة في الغالب يكون الماء أكثر من النجاسة بمراتب، سيّما التغيّر بالرائحة، فلعلّ لخصوصيّة المورد مدخليّة في العليّة فلا يعمّ.

قوله: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أ ينجّس ذلك ثوبه؟ قال: «لا» (3).

مضمون هذه الأخبار لا نزاع فيه، فلا فائدة في الاستدلال به.

قوله: ابن محبوب، عن العلوي، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فاصاب إناءه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: «إن لم يكن شي‌ء يستبين في الماء فلا بأس، و إن كان شيئا بيّنا فلا تتوضّأ منه» (4).

هذا الخبر يدلّ على انفعال الماء القليل لأنّ النهي حقيقة في الحرمة و لم يثبت


1) الوافي: 6/ 23 الحديث 3674، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 415 الحديث 1311، وسائل الشيعة: 1/ 139 الحديث 342.

2) الوافي: 6/ 24 ذيل الحديث 3675، لاحظ! علل الشرائع: 1/ 287 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 222 الحديث 566.

3) الوافي: 6/ 24 الحديث 3676، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 86 الحديث 228، وسائل الشيعة: 1/ 223 الحديث 569.

4) الوافي: 6/ 25 الحديث 3680، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 412 الحديث 1299، وسائل الشيعة: 1/ 150 الحديث 375.

مانع من طرف صدره، لأنّه سأل عن أنّ الدم أصاب إناءه و لم يسأل عن أنّه أصاب مائه، و استشكل له من جهة احتمال إصابة الماء فأجاب عليه السّلام بأنّه إن لم يستبن له شي‌ء في الماء فلا بأس، لعدم حصول اليقين المعتبر كما عرفت.

مع أنّه لا يدلّ على عدم الانفعال من العذرة، و ولوغ الكلب و غيرهما لعدم ثبوت عدم جواز القول بالفصل لوجود القائل و هو الشيخ (1).

قوله: و الوجه في النهي ما أشرنا إليه من أنّ ماء الوضوء و الغسل لا بدّ له من مزيد اختصاص كما يأتي بيانه (2).

الأخبار الظاهرة في عدم الانفعال مذكور فيها الوضوء و الغسل أيضا، كما أنّ الأخبار الدالّة على الانفعال مذكور فيها الشرب أيضا و غيره، فلا وجه لما ذكره أصلا.

قوله: و لا يعلم على التحقيق (3).

لا يخفى أنّ الظاهر منه ذلك، و قد عرفت اشتراط حصول اليقين بالنجاسة، مع أنّ الاستدلال به موقوف على القول بنجاسة اليهودي، و المصنّف لا يقول به (4).

قوله: قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يضع الكوز الذي يغرف به من الحبّ في مكان قذر، ثمّ يدخله الحبّ قال: «يصبّ من الماء ثلاث أكفّ، ثمّ يدلّك الكوز» (5).

قد عرفت أنّ القذر ليس معناه النجس.


1) الاستبصار: 1/ 23 ذيل الحديث 75.

2) الوافي: 6/ 26 ذيل الحديث 3681.

3) الوافي: 6/ 26 ذيل الحديث 3682.

4) لاحظ! مفاتيح الشرائع: 1/ 70 و 71.

5) الوافي: 6/ 26 الحديث 3683، لاحظ! الكافي: 3/ 12 الحديث 6، وسائل الشيعة: 1/ 164 الحديث 407.

قوله: من الخابية ثلاث أكفّ و يدلّك به الكوز (1).. إلى آخره.

فعلى هذا يدلّ على انفعال القليل، و على الاحتمال الثاني لا ضرر، لأنّ القذر ليس معناه النجس، بل الظاهر إرادة اللغوي دون الشرعي، لأنّ الشرعي كان المتعارف المعبّر عنه بلفظ النجس كما هو الحال في أمثال هذه الأزمان، و المحقّقون متّفقون على اتّحاد حال زمان الصادقين عليهما السّلام و من بعدهما مع حال زمان المتشرّعة.

قوله: و ذلك لأنّ جانب الجيفة قلّما يخلو عن الانفعال (2).. إلى آخره.

فيكون الظاهر أنّ الماء أكثر من الكرّ حيث يكون جانب منه نجسا و جانب اخر على خلافه، و يبعد أن يكون القليل كذلك.

قوله: إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أتى الماء فأتاه أهل البادية، فقالوا: يا رسول اللّه! إنّ حياضنا هذه تردها السباع و الكلاب و البهائم، فقال لهم: لها ما أخذت أفواهها و لكم سائر ذلك (3).

لعلّ المراد الحياض الواقعة بين الحرمين و أمثالها ممّا هو أكثر من الكرّ غالبا بقرينة قوله: (تردها السباع .. إلى آخره) بصيغة المضارع المفيدة للاستمرار التجدّدي، هذا مع ضعف السند، و الأوفقيّة للتقيّة، و كون الراوي قاضيا للعامّة (4)، و كون الخاصّ مقدّما إلى غير ذلك ممّا مرّ.

قوله: الحسين، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

سألته عن الوضوء ممّا ولغ فيه الكلب و السنّور، أو شرب منه جمل، أو دابّة أو غير


1) الوافي: 6/ 27 ذيل الحديث 3683.

2) الوافي: 6/ 27 ذيل الحديث 3685.

3) الوافي: 6/ 28 الحديث 3687، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 8 الحديث 10، وسائل الشيعة: 1/ 161 الحديث 400.

4) أي إسماعيل بن مسلم بن زياد السكوني، لاحظ! منهج المقال: 55.

ذلك أ يتوضّأ منه أو يغتسل؟ قال: «نعم إلّا أن يجد غيره فيتنزّه عنه» (1)..

هذا أيضا لا يقاوم- بحسب السند و لا بحسب الدلالة، و لا بحسب المرجّحات الخارجيّة- الأخبار الدالّة على الانفعال سيّما صحيحة البقباق (2)و غيرها، خصوصا ما سيجي‌ء في باب أسئار الحيوانات، أمّا السند فضعيف، و أمّا الدلالة فإنّ كلمة (ما) و إن أفادت العموم إلّا أنّه (ما من عامّ إلّا و قد خصّ)، و أمّا المرجّحات ففي غاية الكثرة، منها الشهرة العظيمة، و الإجماعات المنقولة المتعدّدة في بحث بيان قدر الكرّ، و تطهير الإناء من ولوغ الكلب، و التجنّب عن الإنائين المشتبهين و غير ذلك ممّا ستعرف.

و أمّا موافقة العامّة فقد عرفت و ستعرف أيضا، و أمّا كثرة المعارض، فوصل إلى حدّ التواتر، صرّح بذلك صاحب المعالم و جدّي العلّامة المجلسي قدّس سرّهما (3)، بل و بعض الفقهاء ادّعى تواتر «إذا بلغ الماء قدر كرّ» (4)الحديث (5)، فتأمّل!

قوله: عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّا نسافر فربّما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فتكون فيه العذرة و يبول فيه الصبيّ، و تبول فيه الدابّة و تروث فقال: «إن عرض في قلبك شي‌ء فقل هكذا (6).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ الظاهر منها كونه أكثر من الكرّ سيّما بملاحظة أنّ العذرة و غيرها


1) الوافي: 6/ 28 الحديث 3688، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 226 الحديث 649، وسائل الشيعة: 1/ 228 الحديث 584.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 225 الحديث 646، وسائل الشيعة: 1/ 226 الحديث 574.

3) معالم الدين في الفقه: 1/ 126، روضة المتقين: 1/ 53 و 54.

4) وسائل الشيعة: 1/ 158 الباب 9 من أبواب الماء المطلق.

5) لم نعثر عليه في مظانّه.

6) الوافي: 6/ 28 الحديث 3689، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 417 الحديث 1316، وسائل الشيعة: 1/ 163 الحديث 404.

تكون فيه و لم يتغيّر، و خصوصا بملاحظة الاستمرار التجدّدي في الأفعال المذكورة مع عدم المقاومة من حيث السند و غيره كما مرّ.

قوله: سأل عمّار الساباطي أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يجد في إنائه فأرة و قد توضّأ من ذلك الإناء مرارا و اغتسل منه (1).. إلى آخره.

هذا يدلّ دلالة واضحة على انفعال القليل، و أنّ الحكم بالانفعال لا يمكن إلّا بعد اليقين بوقوع النجاسة.

قوله: لأنّ مع انسلاخ الفأرة يبعد ألا يكون قد انفعل الماء منها (2).

لا يخفى فساده لأنّه عليه السّلام قال: «لعلّه وقع تلك الساعة التي رآها» فلا بعد في عدم التغيّر حينئذ لو لم نقل ببعده، مع أنّ كلّ ماء [طاهر] حتّى تستيقن نجاسته، فالاستبعاد كيف يكفي؟ مع أنّه عليه السّلام لم يقل إن كان رآها و هي منسلخة قبل الغسل فتأمّل جدّا! مع أنّه ربّما كان بعض وضوئه و غسله قبل السلخ فتدبّر!

[باب قدر الماء الذي لا يتغيّر بما يعتاد وروده من النجاسات]

قوله: باب قدر الماء الذي لا يتغيّر بما يعتاد وروده من النجاسات (3).

كيف يدّعي الاعتياد؟ مع أنّه لم يذكر الاستعمال، و مقدار ذلك زمان معيّن مع نهاية شدّة الاختلاف و التفاوت من جهتها، مع أنّا لم نجد بيتين يكون استعمال الماء لتطهير النجاسة فيهما على حدّ واحد، بل لم نجد شخصين متساويين في الاستعمال فضلا عن بيتين، و كذا الحال [في] ملاقاة النجاسة للماء، فكيف يدّعي عادة فيها؟


1) الوافي: 6/ 29 الحديث 3690، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 14 الحديث 26، وسائل الشيعة: 1/ 142 الحديث 350.

2) الوافي: 6/ 29 ذيل الحديث 3690.

3) الوافي: 6/ 31.

فالعادة تقتضي عدم الاعتياد أصلا، لا في عدد استعمال الماء للتطهير، و لا في قدر النجاسة و لا في صفة النجاسة و كيفيّتها التي بها يحصل التغيّر، و لا في مقدار الماء، و لا في كيفيّة الماء حال الاستعمال، إذ ربّما كان صافيا، و ربّما كان كدرا، و ربّما كان متغيّرا، إمّا من الاستعمال قبل هذا في تطهير الأشياء من الكثافات و الوسخ و غيرها من الامور الطاهرة، و المتنجّسة، و المتغيّر من المتغيّر ليس بنجس على ما هو المشهور، و الظاهر من الأدلّة، و إمّا من طول المكث و إمّا من المجاورة و إمّا من وقوع الاجسام الطاهرة، و إمّا من كيفيّة من كيفيّات الأرض و الظرف الذي هو فيه.

و بالجملة؛ أسباب التفاوت و عدم الاستواء في غاية الكثرة، منها حرارة الهواء و برودته، و قرب الاستعمال للاستعمال و بعده، و ملاقاة الشمس و عدمها إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على الفطن.

و من تلك الأسباب أنّه كثيرا ما يستعمل الماء من الإبريق و نحوه ممّا يخرج منه الماء للاستعمال.

و منها؛ أنّه كثيرا ما يستعمل في الأواني الصغار، بل لا يكاد يستعمل في مثل الكرّ من الراكد.

و منها؛ كيفيّة الإزالة إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على المتفطّن.

مع أنّ الأخبار التي يستدلّ بها لا تدلّ على ما ذكره بوجه من الوجوه، بل يدلّ على حكم الملاقاة للنجاسة، و أنّ عدم النجاسة بالملاقاة يحتاج إلى كون الماء مقدارا معيّنا كما فهم المتقدّمون و المتأخّرون ممّن له من الفهم نصيب، و سنشير إلى وجه الدلالة، فالأخبار الواردة في هذا الباب (1)ظاهرة في انفعال القليل بالملاقاة كما لا يخفى.


1) الوافي: 6/ 31 الباب 2.

قوله: ابن عيسى، عن البزنطي، عن صفوان الجمّال قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحياض التي بين مكّة و المدينة تردها السباع و تلغ فيها الكلاب (1)..

إلى آخره.

كيف يستدلّ بهذه الرواية على ما ذكره في عنوان الباب مع أنّها في غاية الظهور في أنّ المراد غير صورة التغيّر، لأنّ ورود السباع، و ولوغ الكلاب، و غسل الجنب لا مدخليّة لها في التغيّر بسبب النجاسة، مضافا إلى أنّ الراوي لم يشر أصلا إلى حكاية التغيّر و شكّه فيه و المعصوم عليه السّلام أيضا ما أشار إلى حكم التغيّر حال الشكّ بل السؤال ليس إلّا عن حال مجرّد ورود السباع و غيرها، و الجواب أيضا جوابه، مع أنّ التغيّر أمر حسّي لا يسأل عن مثله مثل المعصوم عليه السّلام، و إذا شكّ في التغيّر فالأصل طهارة الماء حتّى يستيقن التغيّر.

قوله: و إنّما سأل عن ذلك ليعلم نسبة الماء إلى تلك النجاسات المذكورة حتّى يتبيّن انفعاله (2).. إلى آخره.

لا يخفى أنّه لم يعلم بعد أنّ النجاسة و مقدارها بأىّ قدر حتّى يحتاج المعصوم عليه السّلام إلى استعلام قدر الماء ليعلم النسبة، بل قد عرفت أنّه لا يمكن عادة أن يكون لها قدر معيّن، بل العادة تقتضي عدم التعيّن، مع أنّك قد عرفت أنّ الأشياء التي ذكرها لا دخل لها في التغيّر أصلا.

قوله: ربّما يشتبه التغيّر مع أنّ الماء قد يتغيّر (3).. إلى آخره.

معنى الاشتباه ليس إلّا أنّ السائل لا يدري أنّه تحقّق التغيّر أم لا؟ و التغيّر


1) الوافي: 6/ 31 الحديث 3691، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 417 الحديث 1317، وسائل الشيعة: 1/ 162 الحديث 402.

2) الوافي: 6/ 31 ذيل الحديث 3691.

3) الوافي: 6/ 32 ذيل الحديث 3691.

حقيقة في الحسّي، و للسائل كان حاسّة، إذ صفوان ما كان أعمى فإذا لم يدر لم يتحقّق له التغيّر فليس بمتغيّر البتّة.

هذا؛ مع أنّ الأصل الطهارة حتّى يستيقن التغيّر، و البناء على أنّه كان متغيّرا لكن لا يدري أنّ تغيّره لما ذا؟ فليس هذا إلّا ما ذكره بقوله: (مع أنّ الماء) (1).. إلى آخره فكيف جعله علاوة، مع أنّه إذا لم يدر أنّ تغيّره لما ذا فالأصل الطهارة حتّى يستيقن.

مع أنّك قد عرفت أنّ ما سأل عنه ليس منشأ للتغيّر أصلا، و على فرض أن يكون منشأ فإنّما هو بعد مقدار معيّن منها، و الراوي لم يظهر أصلا أنّ الماء كان متغيّرا فضلا أن يكون سأل عن شكّه الحاصل عن مقدارها، بل لم يسأل إلّا عن حال الملاقاة.

مع أنّه معروف من الخارج أنّ المسلمين كان بينهم نزاع في الانفعال بالملاقاة إذا لم يكن كرّا، فهو أيضا قرينة على أنّ السؤال كان عنه، و الجواب جوابه و لم يعهد عن أحد من المسلمين في عصر و لا مصر كون الكرّ لأجل الشكّ في التغيّر، أو كانوا يسألون عن حال الشكّ فيه، أو كانوا يشكّون فيه فضلا عن أزيد.

قوله: لأنّ الناس قد يستنجون في المياه (2).. إلى آخره.

لا شكّ في أنّ ما ذكره لم يكن في ثبوت القريب في ذلك الزمان فضلا عن اتّفاقهم على ذلك، بل لم يوجد في زمان من الأزمنة في طائفة فضلا عن كونه عادة الناس.


1) الوافي: 6/ 32 ذيل الحديث 3691.

2) الوافي: 6/ 32 ذيل الحديث 3691.

قوله: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الماء تبول فيه الدوابّ، و تلغ فيه الكلاب (1).. إلى آخره.

هذه الرواية أيضا مثل ما سبق (2)في عدم الدلالة و غيره ممّا ذكر.

قوله: أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا كان الماء قدر قلّتين لم ينجّسه شي‌ء و القلّتان: جرّتان (3).

لعلّ هذه الرواية ذكرت للخزّاز، أو رواها عنه عليه السّلام بمكّة، فلذا ذكر ستّمائة رطل (4)لا من رطل العراق [لأنّه] نصف رطل مكّة (5)، و الظاهر من الأخبار أنّ هذه السؤالات عن حال الحياض التي بين مكّة و المدينة، و اللّه يعلم.

قوله: الأربعة، عن زرارة و النيسابوريان، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شي‌ء تفسخ فيه أ و لم يتفسّخ فيه إلّا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء» (6).

هذه الرواية في غاية الظهور في أنّ اعتبار الأكثريّة من الراوية لأجل عدم الانفعال بالملاقاة لا عدم التغيّر بما اعتاد وروده عليه من النجاسة كما قال في عنوان الباب (7)إذ لو كان لأجل التغيّر يصير المعنى: إذا كان أكثر لم يتغيّر أصلا بوقوع أيّ


1) الوافي: 6/ 32 الحديث 3692، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 39 الحديث 107، وسائل الشيعة: 1/ 158 الحديث 391.

2) راجع! الصفحة: 135 من هذا الكتاب.

3) الوافي: 6/ 33 الحديث 3695، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 6 الحديث 3، وسائل الشيعة: 1/ 166 الحديث 415.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 414 الحديث 1308، وسائل الشيعة: 1/ 168 الحديث 418.

5) مجمع البحرين: 5/ 384.

6) الوافي: 6/ 34 الحديث 3697، لاحظ! الكافي: 3/ 2 الحديث 3، وسائل الشيعة: 1/ 140 الحديث 344.

7) الوافي: 6/ 31.

شي‌ء من النجاسة فيه إلّا أن يتغيّر.

و لا يخفى فساده من وجوه شتّى كما لا يخفى، و أشرنا إلى كثير منها، و الرواية تدلّ على انفعال الأقلّ من راوية، و مقدار الراوية بالملاقاة، و الأصحاب حملوا الأكثر على مقدار الكرّ (1)و إن كان تعبدا إلّا أنّ الجمع بين الأخبار لا يمكن إلّا بارتكاب التعدّد [و] ظاهرها يضرّ ابن أبي عقيل أيضا فيحتاج إلى ارتكاب التعدّد أيضا.

و لعلّ الرواية وردت مورد التقيّة لأنّ قوله: الراوية موافق لرأي الشافعي (2)فتأمّل! مع أنّ الظاهر أنّها من تتمّة الرواية الآتية.

قوله: ابن محبوب، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن حديد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قلت له: راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ، أو صعوة ميتة، قال: «إذا تفسّخ فيها فلا تشرب منها، و لا تتوضّأ و صبّها» (3).. إلى آخره.

هذه الرواية مع ضعف السند و تضمّنها لما لم يقل به أحد من الشيعة- من أنّ الماء ينجس بمجرّد تفسّخ الميتة فيه إلّا أن يكون أكثر من راوية فلا ينجس حينئذ تفسّخ أ و لم يتفسّخ إلّا أن يتغيّر بالريح، فإنّه ينجس حينئذ، و إنّه بمجرّد الملاقاة لا ينجس إذا كان مثل قدر ما في الجرّة و القربة و حبّ الماء و أشباه ذلك- ليس فيها دلالة على ما ذكره في العنوان (4)أصلا كما عرفت، و عرفت أنّها تدلّ على خلافه، بل


1) تهذيب الأحكام: 1/ 412 ذيل الحديث 1298، منتقى الجمان: 1/ 52.

2) الامّ: 1/ 4، المجموع للنووي: 14/ 112.

3) الوافي: 6/ 34 الحديث 3698، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 412 الحديث 1298، وسائل الشيعة: 1/ 139 الحديث 343.

4) الوافي: 6/ 31.

و صريحة فيه، و مع ذلك حملها على و هم الراوي و كذبه أو التقيّة، أو طرحها متعيّن، و عرفت أنّ المصنّف لا يقول بأنّ الميتة تنجّس فتدبّر!

[بيان مقدار الكر]

قوله: لم يقع الاختلاف الشديد في تقديره (1).. إلى آخره.

فيه إنّ هذا يناقض ما ذكره في العنوان من أنّ ورود النجاسات في الماء له قدر عادة يتغيّر الماء، و إن كان فاسدا بما ذكرناه من المفاسد، و مع ذلك هو في غاية الفساد الواضح، إذ لو لم يكن أمرا مضبوطا و حدّا محدودا كيف يقول المعصوم عليه السّلام في جواب الراوي المتحيّر الشاكّ: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء» (2)؟ لأنّ قدر الكرّ أيضا ليس أمرا مضبوطا واحدا محدودا، و كيف يصحّ الحوالة إليه؟ فإنّ شكّ الراوي السائل و اشتباهه- على ما زعمه- ليس إلّا من جهة أنّ هذا القدر من الماء هل تغيّر من هذا القدر من النجاسة أم لا؟ فالجواب بأنّ هذا القدر من الماء إن كان يتغيّر من هذا القدر من النجاسة فهذا الماء متغيّر، و إلّا فليس بمتغيّر [لا] يتفوّه [به] طفل.

اللهمّ إلّا أن يحمل على الاستهزاء و السخريّة و المزاح، و فيه ما فيه.

مع أنّه أيضا خلاف مطلوبه، مع أنّه على ما ذكره لا يكون للكرّ حدّ محدود أصلا و رأسا، بل هو أمر إضافي، و شي‌ء مقايسي، فالمثقال من الماء أيضا كرّ و أقلّ من المثقال و هكذا يتزايد إلى أن يبلغ البحر أو النهر العظيم، بل الشطّ فأيّ معنى للتحديد بثلاثة أشبار، أو بثلاثة و نصف، أو بستّمائة، أو ألف و مأتين من الرطل؟

مع أنّ إجماع فقهائنا وقع على أنّ الكرّ هو هذا القدر، و الخلاف وقع في الأشبار على


1) الوافي: 6/ 36 ذيل الحديث 3701.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 39 الحديث 107، وسائل الشيعة: 1/ 158 الحديث 391.

قولين فقط (1).

نعم؛ وقع خلاف نادر من ابن الجنيد [و] هو ما بلغ مكسّره مائة شبر أو قلّتين (2)و هما أيضا حدّان محدودان، و نادر اخر و هو أنّ ما ورد في الرواية كرّ (3)و هذا أيضا [حدّ] لا أنّه لا حدّ له أصلا.

و بالجملة؛ ما ذكره- مع ما فيه من المفاسد البديهيّة- مخالف لبديهيّ الدين، مضافا إلى الأخبار المستفيضة (4)أيضا، مضافا إلى بديهيّ العقل، لكونه جمعا بين نقيضين، و أنّ الطفل لا يقول به فضلا عمّن له عقل، فضلا عن الحكيم.

مع أنّ الكرّ اسم لمكيال معروف عند العرب، فلا وجه لجعله اسما لما ذكره من الأمر الإضافي، و المكيال بحسب الوجدان شكله مستدير له طول، و لذا في غالب أخبار المساحة لم يذكر إلّا بعد العمق و السعة خاصّة، مثل: رواية الحسن بن صالح بن حيّ [الثورى] (5)و ما وافق مضمونها، بل هو هو بعينه، مثل: رواية أبي بصير (6).

و روايته الصحيحة (7)و الثانية بشكل المكعب و هي الضعيفة بابن سنان (8)و هما متوافقان جدّا، بل التفاوت في التكسير ليس إلّا شبر تخمينا، و التفاوت بينهما و بين روايتي أبي بصير، و ابن حيّ أيضا قليل، و لعلّ هذا القليل اعتبر احتياطا، لأنّ


1) لاحظ! الروضة البهيّة: 1/ 33 و 34.

2) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 183.

3) مراده الاكتفاء في رفع النجاسة بكل ما روى، لاحظ! مدارك الأحكام: 1/ 52.

4) لاحظ! وسائل الشيعة: 1/ 164- 168 الباب 10 و 11 من أبواب الماء المطلق.

5) الكافي: 3/ 2 الحديث 4، وسائل الشيعة: 1/ 160 الحديث 398.

6) الكافي: 3/ 3 الحديث 5، وسائل الشيعة: 1/ 166 الحديث 413.

7) أي رواية الوافي، الوافي: 6/ 35 الحديث 3700، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 41 الحديث 114، وسائل الشيعة: 1/ 164 الحديث 408.

8) الكافي: 3/ 3 الحديث 7، وسائل الشيعة: 1/ 159 الحديث 397.

الأشبار متفاوتة من مستوى الخلقة أيضا عادة، و كذا كيفيّة المساحة، و المياه خفّة و ثقلا، و الوزن هو الأصل المضبوط، مع أنّ الشيخ حمل رواية ابن حيّ على التقيّة (1).

و الكيل ربّما يضبط بالوزن كالصاع بالأرطال و أوزانها الستّمائة على رطل مكّة و هو ضعف العراقي فالاختلاف في حدّ أقلّ من الاختلافات الواقعة في جلّ المسائل الفقهيّة و لم يصر ذلك سببا لعدم الانضباط، و أمّا الجرّة و ما ماثلها فليس حدّ الكرّ مع أنّه لم يعمل به أحد كما عرفت.

[باب ماء البئر و أنّه لا ينجس إلّا إذا تغيّر بالنجاسة]

قوله: ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن الرضا عليه السّلام قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلّا أن يتغيّر» (2).

هذه الصحيحة ظاهرة في انفعال القليل من جهة التعليل المذكور، و يؤيّده إضافة الماء إلى البئر فتدبّر!

قوله: أحمد عن السرّاد، عن ابن رئاب، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس به» (3).

عدم البأس من جهة عدم حصول اليقين بوصول الحبل الماء، إذ لا بدّ في الحكم بنجاسة الماء من حصول العلم و اليقين بها، و لا يكفى فيه الظنّ و إن كان


1) تهذيب الأحكام: 1/ 408 ذيل الحديث 1282.

2) الوافي: 6/ 39 الحديث 3706، لاحظ! الكافي: 3/ 5 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 140 الحديث 345.

3) الوافي: 6/ 40 الحديث 3710، لاحظ! الكافي: 3/ 6 الحديث 10، وسائل الشيعة: 1/ 170 الحديث 423.

متاخما للعلم، بل و من العلماء من لم يكتف بالعلم العادي للحكم بطهارة إناء المشركين و الثوب- الذي لبسه- الذي ورد في الأحكام، و طهارة الثوب الذي يحكيه المجوس و مثلهم، و ظنّ المجتهد إنّما يعتبر في نفس الأحكام و الألفاظ التي يثبت بها الأحكام و الترجيحات و أمثالها ممّا يتوقّف عليه ثبوت نفس الحكم لا ثبوت كون الفرد داخلا في أيّ موضع يكون حكمه معلوما من الشرع، مع أنّ ما نحن فيه ليس من الظنون الاجتهاديّة، بل من ظنون المكلّفين التي جميع المكلّفين فيها على السواء، المجتهدين و العامّيين.

مع أنّه يحتمل أن يكون الماء إشارة إلى ماء البئر كما يظهر من رواية الحسين بن زرارة (1)و الذي يحتمل في النظر كون الواقعة فيها، و في رواية أبيه (2)واحدة و السؤال أيضا كذلك و هو الظاهر من طريقة المؤلّف، مع أنّه و إن كان مرجوحا إلّا أنّه في مقام الجمع، هذا الخبر مع ما دلّ على الانفعال ليس ببعيد للزوم ارتكاب بعيد، و هذا قريب ممّا يرتكب فيما دلّ على الانفعال، بل لا يكاد يقبل التأويل أصلا، بل الظاهر أنّه كذلك، مع أنّ نجاسة شعر الخنزير محلّ خلاف (3)، و يظهر من أخبار متعدّدة طهارته مثل: ما ورد في كتاب التجارة و البيع (4)، و الجواب عنها هو الجواب عن هذه الرواية، فتأمّل جدّا!

قوله: ابن محبوب، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن النهدي، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء؟


1) الكافي: 6/ 258 الحديث 3، وسائل الشيعة: 1/ 171 الحديث 424.

2) مرّ آنفا.

3) مسائل الناصريات: 100 المسألة 19، مختلف الشيعة: 1/ 472.

4) وسائل الشيعة: 17/ 227 و 228 الباب 58 من أبواب ما يكتسب به، لاحظ! مشارق الشموس: 325.

قال: «لا بأس» (1).

لعلّ السؤال عن حال الانتفاع بجلده و جوازه، و الجواب جوابه و إلّا فنجس العين إذا كان رطبا ينجّس كلّ ما لاقاه مثل يد من أمسك الدلو و الموضع الذي ينصبّ فيه الماء و غير ذلك.

و بالجملة؛ السؤال ليس إلّا عن حال جعل جلده دلوا، و لم يسأل عن حال مائه فعدم البأس بالنسبة إلى اليد و غيرها، كما أشرنا، فتأمّل!

قوله: قال: كنت مع أبي عبد اللّه عليه السّلام في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركيّ له فخرج عليه قطعة عذرة يابسة فأكفأ رأسه و توضّأ بالباقي (2).

السند في غاية الضعف، و الدلالة أيضا مشكلة لما ظهر لك من أنّ المصنّف أيضا [قائل] بأنّ ماء الوضوء لا بدّ أن يكون له مزيد اختصاص (3)، و أمّا الأخبار فقد ظهر لك و سيظهر لك من أنّهم عليهم السّلام ما كانوا يرضون بالوضوء بل و الشرب أيضا، و كانوا يأمرون بالتنزّه و صبّ الما، و غسل الظرف و العدول إلى التيمّم و أمثال ذلك و اللّه تعالى قال: أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (4)و ورد في الأخبار أشدّ من ذلك بمراتب.

هذا؛ مضافا إلى ما عرفت من قوّة المعارض سندا و دلالة و غير ذلك، ممّا مرّ، سيّما الحاشية التي كتبناها في أوّل الكتاب، فلعلّ العذرة كانت على الدلو، و الإكفاء


1) الوافي: 6/ 40 الحديث 3712، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 413 الحديث 1301، وسائل الشيعة: 1/ 175 الحديث 437.

2) الوافي: 6/ 43 الحديث 3723، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 416 الحديث 1313، وسائل الشيعة: 1/ 154 الحديث 386.

3) انظر! الوافي: 6/ 22 ذيل الحديث 3670.

4) البقرة (2): 44.

لأجل طرحها أو اشتبه على الراوي فتوهّم، أو أطلق عليه لفظ العذرة مجازا، أو كان افتراء من الرواة، أو توهّما منهم، و مع جميع ذلك لا يدلّ على عدم انفعال القليل مطلقا كما قلناه في رواية الجرّة و القربة (1)، بل على عدم انفعال قدر خاصّ إلّا بضميمة عدم قائل بالفصل، و القائل موجود، نعم يضرّ أنّ المشهور في تعيين قدر الكرّ لا الانفعال و لا ضرر في ذلك أيضا كما ذكرناه.

[باب ماء المطر و أنّه لا ينجس إلّا إذا تغيّر بالنجاسة]

قوله: الثلاثة، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في ميزابين سالا أحدهما بول و الآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضرّه ذلك (2).

عدم الضرر لعلّه من جهة الخلط و الاشتباه و عدم معلوميّة وصول البول و إلّا فنجس العين لا يطهّر بمجرّد ملاقاة الماء إلّا مع الاستهلاك و هو أيضا محتمل على بعد.

قوله: «أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام في طين المطر أنّه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيّام إلّا أن يعلم أنّه قد نجّسه شي‌ء بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيّام فاغسله و إن كان الطريق نظيفا فلا تغسله» (3).

محمول على الاستحباب للإجماع و لقوله عليه السّلام: «كلّ شي‌ء نظيف حتّى تعلم


1) راجع! الصفحة: 138 من هذا الكتاب.

2) الوافي: 6/ 45 الحديث 3724، لاحظ! الكافي: 3/ 12 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 145 الحديث 361.

3) الوافي: 6/ 46 الحديث 3727، لاحظ! الكافي: 3/ 13 الحديث 4، وسائل الشيعة: 3/ 522 الحديث 4351.

أنّه قذر» (1)و للاستصحاب و للخبر الآتي و غير ذلك مع ضعف السند.

قوله: عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن البيت يبال على ظهره و يغتسل من الجنابة ثمّ يصيبه المطر أ يؤخذ من مائه فيتوضّأ به للصلاة؟ فقال:

«إذا جرى فلا بأس به» (2).

في هذا الخبر شرط الجريان كما قال به بعض (3)، و في المرسلة السابقة (4)اكتفي بمجرّد الرؤية كما قال به بعض (5)، و يمكن الحمل على الرؤية الكاملة و هو أولى من حمل الثانية؛ للاستصحاب و قوّة الدلالة.

[باب ماء الحمّام و أنّه لا ينجس إلّا إذا تغيّر بالنجاسة]

قوله: الحسين، عن صفوان، عن منصور بن حازم، عن بكر بن حبيب، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «ماء الحمّام لا بأس به إذا كان له مادّة» (6).

هذه أيضا تدلّ على انفعال القليل لاشتراط المادّة و التقييد بالحمّام، بل كلّ أخبار هذا الباب يدلّ على الانفعال إلّا خبر واحد، و يدلّ أيضا على أنّ الجاري أيضا مثل الحمّام لا ينفعل القليل و لا الكثير منه مع الاتّصال بالمادّة.


1) تهذيب الأحكام: 1/ 284 الحديث 832، وسائل الشيعة: 3/ 467 الحديث 4195.

2) الوافي: 6/ 47 الحديث 3728، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 7 الحديث 6، وسائل الشيعة: 1/ 145 الحديث 359.

3) مجمع الفائدة و البرهان: 1/ 256.

4) الوافي: 6/ 46 الحديث 3726، لاحظ! الكافي: 3/ 13 الحديث 3، وسائل الشيعة: 1/ 146 الحديث 362.

5) لاحظ! مشارق الشموس: 212.

6) الوافي: 6/ 49 الحديث 3732، لاحظ! الكافي: 3/ 14 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 149 الحديث 370.

قوله: و إطلاق المادّة يشمل ما إذا لم يكن كرّا (1).

بعيد لأنّ الإطلاق ينصرف إلى الأفراد المتعارفة كما هو المسلّم و المحقّق، و تحقّق مادّة أقلّ من الكرّ يكذّبه الوجدان و المشاهدة بالعيان، و لا شكّ في أنّ الأزمنة السابقة أيضا كانت كذلك، مضافا إلى أصالة عدم التغيّر، فمع ضعف السند و الدلالة لا يمكن الخروج عن مقتضى الأدلّة و القاعدة الثابتة.

قوله: «سأل عليّ بن جعفر أخاه موسى عليه السّلام عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمّام، قال: «إذا علم أنّه نصراني اغتسل بغير ماء الحمّام إلّا أن يغتسل واحده على الحوض فيغسله ثمّ يغتسل» (2).

فيه دلالة واضحة على نجاسة النصراني و انفعال الماء القليل، لأنّه محمول على صورة الانقطاع عن المادّة بل ظاهر فيه، و الخبر الآتي (3)على ضعفه محمول على عدم معلوميّة الانقطاع، أو عدم معلوميّة اليهود أو النصراني، و عدم معروفيّتهم بعنوان اليقين، بل إن كان فبالمظنّة، بناء على أنّ الحمّام كان يدخله اليهودي و النصراني و الحدّ على سبيل التعارف من دون منع مانع و هذا هو الأظهر، أو بناء على كلا الأمرين معا، لأنّ الماء طاهر حتّى تيقّن نجاسته، و لا يحصل اليقين بمباشرة خصوص اليهودي و النصراني الماء القليل في خصوص حال الانقطاع العلمي [و] حصول اليقين كذلك خلاف العادة بلا تأمّل.

قوله: يعني أنّ مائهم جار على أبدانهم فلا بأس (4).. إلى آخره.


1) الوافي: 6/ 49 ذيل الحديث 3732.

2) الوافي: 6/ 50 الحديث 3734، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 233 الحديث 640، وسائل الشيعة: 3/ 421 الحديث 4048.

3) الوافي: 6/ 50 الحديث 3735، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 378 الحديث 1171، وسائل الشيعة: 1/ 149 الحديث 372.

4) الوافي: 6/ 51 ذيل الحديث 3736.

بعيد، بل الظاهر جريان الماء من المادّة و الحوض، و في أمثال هذه الأخبار إشعار بانفعال القليل، بل دلالة.

قوله: و ذلك لأنّه كلّما يغرف منه يجري إليه مكانه من مادّته (1).

ليس كذلك، بل الظاهر أنّ حكمه بحسب الشرع حكم الجاري كما فهم الأصحاب، بل لا معنى لما ذكره كما لا يخفى.

قوله: «إلّا أن يكون فيه جنب» (2).. إلى آخره.

لعلّ فيه إشعارا بخروج غسالة الجنب عن الطهوريّة، كما كان مشهورا بين القدماء.

[باب ما يستحبّ التنزّه عنه في رفع الحدث و الشرب و ما لا بأس به]

قوله: ما يستحبّ التنزّه عنه في رفع الحدث (3).. إلى آخره.

كثير من أخبار هذا الباب يدلّ على انفعال القليل بالملاقاة.

قوله: و ذلك لما عرفت أنّ الماء الذي يرفع به الحدث لا بدّ له من مزيد اختصاص (4).. إلى آخره.

المستفاد من الأخبار التي في غاية الكثرة عدم التفاوت بين الوضوء و الشرب، و غسل الثياب و الغسل كما مرّ في الأبواب الماضية و سيجي‌ء.

نعم؛ ربّما يظهر من بعض الأخبار استحباب مزيد اختصاص في الجملة،


1) الوافي: 6/ 52 ذيل الحديث 3738.

2) الوافي: 6/ 54 الحديث 3744، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 379 الحديث 1175، وسائل الشيعة: 1/ 149 الحديث 371.

3) الوافي: 6/ 55.

4) الوافي: 6/ 55 ذيل الحديث 3744.

و ظاهر هذا الخبر (1)- كصريح بعض الأخبار- عدم اختصاص التطهير و النزح للوضوء و الغسل؛ و لا يظهر من أخبار اخر أيضا، فالأجود التعميم في الحكم كما عليه الفقهاء جميعا القائلون بالانفعال، و القائلون بعدمه المستحبّون للنزح و الموجبون له.

قوله: و ممّا يدلّ على ذلك إطلاق الدلاء في كثير من الأخبار (2)كهذا الخبر، فإنّه في قوّة أن يقال: انزح مقدار ما تزول به النفرة و يطيب معه الماء (3).

و لا يخفى فساده، فإنّ نفرة الطبع لا خصوصيّة لها بالنجس الشرعي، و لا دوران لها مع كلّ نجس، و لا مدخليّة لها بخصوصيّات مقادير النزح لخصوص الحالة بنجاسته و كذا لا معيار عند الطبع في إزالة نفرته بمقدار خاصّ من النزح حتّى يجعل المعصوم عليه السّلام الحوالة في النزح على ذلك المعيار و المقدار، بل لا شكّ في كون الأمر بالنزح حكما شرعيّا مرجعه إليه كسائر الأحكام الشرعيّة.

قوله: عن العيص، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن سؤر الحائض قال:

«توضّأ منه و توضّأ من سؤر الجنب» (4).. إلى آخره.

الظاهر سقوط كلمة لا، و أنّه كما في الكافي (5)، و لا يخفى أنّ الخبرين واحد قطع صدره في الثاني.

قوله: عن أبي هلال قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «المرأة الطامث اشرب من


1) الكافي: 3/ 5 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 176 الحديث 442.

2) وسائل الشيعة: 1/ 179 الباب 15 من أبواب الماء المطلق.

3) الوافي: 6/ 56 ذيل الحديث 3744.

4) الوافي: 6/ 57 الحديث 3749، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 222 الحديث 633، وسائل الشيعة: 1/ 234 الحديث 600.

5) الكافي: 3/ 10 الحديث 2.

فضل شرابها و لا احبّ أن تتوضّأ منه» (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ الأخبار متّفقة في كراهة الطهارة بسؤر الحائض مطلقا (2)كما هو أحد القولين في المسألة (3)، و التقييد بما إذا كانت متّهمة باعتبار رواية ابن يقطين (4)بعيد، لأنّ الأصل في المسلم عدم الشبهة، و صحّة الأفعال فكيف يحمل الإطلاقات الكثيرة على الفرض النادر؟ مع أنّ الفضل يكون هو السؤر محلّ تأمّل.

بل في «المدارك» رواها هكذا «في الرجل يتوضّأ بفضل وضوء الحائض» (5)الحديث، على أنه كون المراد السؤر، أو أنّ المراد من السؤر ما باشره جسم حيوان كما عرّفه بعض الفقهاء (6)، و يظهر من رواية العيص (7)، [و] يمكن الحمل على تفاوت مراتب الاستحباب، فتأمّل!

قوله: عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن سؤر اليهودي و النصراني فقال: «لا» (8).

يدلّ على نجاسة اليهودي و النصراني، و انفعال الماء القليل.

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «أنّه كره [سؤر ولد الزنا و] سؤر اليهودي


1) الوافي: 6/ 58 الحديث 3752، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 222 الحديث 637، وسائل الشيعة: 1/ 238 الحديث 613.

2) وسائل الشيعة: 1/ 236 الباب 8 من أبواب الأسئار.

3) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 232.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 221 الحديث 632، وسائل الشيعة: 1/ 237 الحديث 610.

5) مدارك الأحكام: 1/ 135.

6) مسالك الأفهام: 1/ 23.

7) الكافي: 3/ 10 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 234 الحديث 600.

8) الوافي: 6/ 58 الحديث 3753، لاحظ! الكافي: 3/ 11 الحديث 5، وسائل الشيعة: 1/ 229 الحديث 586.

و النصراني، و المشرك و كلّ ما خالف الإسلام، و كان أشدّ عنده سؤر الناصب» (1).

الكراهة بالمعنى اللغوي، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيها، بل كلام القدماء أيضا لم يظهر النقل عندهم، و الأخبار تشير أيضا إلى عدم النقل (2)مع أنّ المراد هاهنا الأعمّ، أو النجاسة جزما بقرينة المشرك و الناصب للإجماع (3)و الأخبار على نجاستهما (4).

قوله: سأل عليّ بن جعفر أخاه موسى عليه السّلام عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: «لا، إلّا أن تضطرّ إليه» (5).

لعلّ المراد من الاضطرار حالة التقيّة و الابتلاء، أو أنّ المراد الماء الكثير، أو بناء على طهارة اليهودي و النصراني كما يقول المصنّف (6)، لكنّ الظاهر و المشهور عندنا النجاسة (7)فيكون الكلام فيه هو الكلام في الأخبار الكثيرة الظاهرة في طهارتهم (8)و ستعرف، مضافا إلى ضعف السند و المخالفة للمتواتر و الاجماعات و غير ذلك ممّا مرّ.


1) الوافي: 6/ 58 الحديث 3754، لاحظ! الكافي: 3/ 11 الحديث 6، وسائل الشيعة: 1/ 229 الحديث 587.

2) وسائل الشيعة: 18/ 151 الحديث 21361، مستدرك الوسائل: 1/ 378 الحديث 911، 2/ 188 الحديث 1767 و 1768، 14/ 278 الحديث 16710.

3) روض الجنان: 163، الحدائق الناضرة: 5/ 162.

4) وسائل الشيعة: 1/ 229 و 230 الباب 3 من أبواب الأسئار، 3/ 419- 422، الباب 14 من أبواب النجاسات.

5) الوافي: 6/ 58 الحديث 3755، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 223 الحديث 640، وسائل الشيعة: 3/ 421 الحديث 4048.

6) مفاتيح الشرائع: 1/ 71.

7) تذكرة الفقهاء: 1/ 67.

8) وسائل الشيعة: 1/ 229 الحديث 586- 588.

قوله: حمله في التهذيبين على ما إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ قدر الكرّ من الماء إذا بال فيه انسان يتغيّر قدر منه عادة، لأنّ البول صفاته متغايرة لصفة الماء، فلا شكّ في أنّ الماء بدخول بول الإنسان الظاهر في مجموع القدر الذي يبول عادة فيه يتغيّر مقدار معتدّ به منه فنقص الباقي عن الكرّ فتنجّس الجميع البتّة.

و أمّا بول الحمار و البغل، و مع القول بنجاستهما يكون الأمر [كذلك]، و على القول بكراهتهما فإمّا محمول على الاتّقاء كما ستعرف، أو النهي على مجرّد الترك أي القدر المشترك بين الحرمة و الكراهة، أو يكون كلمة (أو) بمعنى الواو، و لعلّه المناسب في المقام فتأمّل، و الجواب عن بول الإنسان و سكت عن بول غيره تقيّة.

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «الماء الذي تسخّنه الشمس لا توضّئوا به، و لا تغتسلوا به، و لا تعجنوا به فإنّه يورث البرص» (2).

هذا يدلّ على الكراهة، أعمّ من أن يكون في الأواني المنطبعة أو لا، قليلا أو لا، قصد التسخين بها أو لا، و لا يعارضه الرواية الآتية (3)لأنّ إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه، و الرواية الآتية في غاية الظهور في الكراهة، بل صريحة فيها، سواء كان قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «لا تعودي» بتخفيف الواو أو تشديده.

قوله: عن أبي الحسن عليه السّلام قال: دخل رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم على عائشة و قد


1) الوافي: 6/ 59 ذيل الحديث 3756، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 40 ذيل الحديث 110، الاستبصار: 1/ 8 ذيل الحديث 8.

2) الوافي: 6/ 59 الحديث 3757، الكافي: 3/ 15 الحديث 5، تهذيب الأحكام: 1/ 39 الحديث 1177، وسائل الشيعة 1/ 207 الحديث 531.

3) الوافي: 6/ 60 الحديث 3758، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 366 الحديث 1113، وسائل الشيعة: 1/ 207 الحديث 530.

وضعت قمقمتها في الشمس فقال: «يا حميراء! ما هذا؟ قالت؟: اغسل رأسي و جسدي، قال: لا تعودى فإنّه يورث البرص» (1)

«لا تعودي» بتخفيف الواو أو تشديدها من العود أو الاعتياد، و على التقديرين يكون الحديث دالّا على عدم حرمة الاستعمال، بل كراهته كما لا يخفى.

قوله: و إنّما يهريق الإنائين لأنّ مع وجود الماء الطاهر لا يجوز التيمّم (2).. إلى آخره.

إذا كان مع وجود الطاهر لا يجوز التيمّم و يكون عندك أنّه طاهر فيجب الوضوء منه و يحرم إهراقه، فكيف يجب إهراقه لأن يتيمّم بالتراب؟ و إن كان مع طهارته لا يجوز الوضوء منه فلا حاجة إلى الإهراق، مع أنّ قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً (3)مطلق، و كذا الأخبار (4)مضافا إلى ما ستعرف، و بالجملة أمثال ما ذكره لا يخرج من فم عاقل.

قوله: و يجوز أن يحمل على المتغيّرين اللذين يكون سبب التغيّر في أحدهما القذر و في الآخر غيره (5).

هذا أيضا فاسد لما عرفت من عدم الإشارة إلى حكاية التغيّر أصلا، بل التصريح بأنّ السؤال من نفس وقوع القذر في أحدهما.

و يدلّ عليه أيضا صدر الرواية و هو قوله عليه السّلام: «وجد فيها خنفساء» (6)..


1) الوافي: 6/ 60 الحديث 3758، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 366 الحديث 1113، وسائل الشيعة: 1/ 207 الحديث 530.

2) الوافي: 6/ 61 ذيل الحديث 3760.

3) النساء (4): 43، المائدة (5): 6.

4) وسائل الشيعة: 3/ 341 الباب 1، 343 الباب 3، 366 الباب 14 من أبواب التيمم.

5) الوافي: 6/ 61 ذيل الحديث 3760.

6) لاحظ! الوافي: 6/ 60 الحديث 3760.

إلى آخره.

و يدلّ أيضا عدم استفصال من المعصوم عليه السّلام في الجواب أصلا، مضافا إلى أنّ الفرض الذي ذكر يبعد تحقّقه غاية البعد، بل لعلّه مجرّد فرض عقلي، و حمل الأخبار على خصوص الفروض البعيدة في غاية البعد، بل و مجرّد فرض العقل، فيه ما فيه.

هذا مضافا إلى أنّ القدماء الذين هم الشهود و قريبو العهد فهموا الحديث على ما هو الظاهر منه، و بنوا عليه الاختلافات في أنّ وجوب الصبّ لأيّ شي‌ء؟

و غير ذلك، و كذا المتأخّرون اتّفقوا في الفهم و اختلفوا فيما ذكر (1)، فأفهام الكلّ توافقت و تراكمت، و يظهر أنّ الحكم عندهم من المسلّمات و لا تأمّل لأحد منهم فيه، بل و يظهر أنّ المسلمين أيضا اتّفقوا في ذلك إلّا قليل منهم (2)، و إن اردت توضيح الحال فانظر إلى «الذخيرة» و «المدارك» و أمثالهما (3).

و أمّا ما ذكره أوّلا من الحمل على الاستحباب فيهما (4)لا يجوز أن يتفوّه به عاقل، لأنّ العدول إلى التيمّم مع التمكّن من الماء فاسد بالضرورة من الدين، و الظاهر من الأخبار المتواترة (5)بعد القرآن (6)، بل أوجبوا عليهم السّلام شراء الماء بالقيمة الغالية أضعافا مضاعفة (7)، و حرّموا عليهم السّلام السفر إلى البلاد التي ربّما يحتاج فيها إلى التيمّم و إن كان لطلب الرزق الواجب، و قالوا عليهم السّلام: لا تسافروا إلى الأرض التي


1) المعتبر: 1/ 103 و 104، مختلف الشيعة: 1/ 248 و 249.

2) المغني لابن قدامة: 1/ 49 المجموع للنووي: 1/ 180.

3) ذخيرة المعاد: 138، مدارك الأحكام: 1/ 107، تذكرة الفقهاء: 1/ 89.

4) الوافي: 6/ 61 ذيل الحديث 3760.

5) وسائل الشيعة: 3/ 366 الباب 14 من أبواب التيمم.

6) المائدة (5): 6.

7) وسائل الشيعة: 3/ 389 و 390 الباب 26 من أبواب التيمم.

موبق فيها دينك (1).

قوله: لا يصلح لرفع الحدث حالة الاختيار دون المشكوك فيه (2).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ الأخبار التي استدلّ بها على عدم انفعال القليل بالملاقاة مقتضاها الصلاحيّة لذلك من دون مضايقة، و مع عدم بأس أصلا و رأسا، و أمر بالوضوء من دون شائبة تنزّه من جهة الملاقاة فإن كانت باقية على حالها فالأمر كما ذكرت، و إلّا فلا وجه للاستدلال بها و الاستناد إليها في حكمه بعدم الانفعال، و ارتكاب المفاسد التي عرفت من الحواشي السابقة.

مع أنّ عدم الصلاحيّة للوضوء مع طهارته خلاف الآية و الأخبار و الإجماع، بل و ضروريّ الدين إن أراد الحرمة، و إن اراد الكراهة فأشدّ و أشدّ بالقياس إلى الإهراق و التيمّم كما هو ظاهر.

قوله: المحرّج- بتشديد الراء و فتحها- المضيّق إنّما منع من التوضّؤ فيها (3)..

إلى آخره.

لا يخفى أنّ التوضّؤ فيها غير التوضّؤ منها، و لعلّ الظاهر الاستنجاء و أمثاله، و على تقدير كون المراد الوضوء منها فالأظهر أنّ المنع لأجل حرمة المؤمن.

قوله: عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجرّة تسع مائة رطل يقع فيها أوقية من دم أشرب منه و أتوضّأ؟ قال: «لا» (4).

فيه دلالة على انفعال القليل و لا يلزم تغيّر كلّ الماء.


1) وسائل الشيعة: 3/ 355 الحديث 3854 مع اختلاف.

2) الوافي: 6/ 61 ذيل الحديث 3760.

3) الوافي: 6/ 63 ذيل الحديث 3765.

4) الوافي: 6/ 63 الحديث 3766، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 418 الحديث 1320، وسائل الشيعة: 1/ 153 الحديث 382.

قوله: عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و اشباههما تطأ العذرة ثمّ تدخل في الماء أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: «لا إلّا أن يكون الماء كثيرا قدر كرّ من ماء» (1).. إلى آخره.

هذا مع صحّة السند واضح الدلالة على انفعال أقلّ الكرّ من ملاقات النجاسة.

قوله: عن أبي بصير عنهم عليهم السّلام قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس إلّا أن يكون أصابها قذر بول، أو جنابة، فإذا أدخلت يدك في الإناء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق الماء» (2).

هذا الخبر و أمثاله من الأخبار الكثيرة غاية الكثرة الآتية بعد ذلك واضحة الدلالة على انفعال القليل.

قوله: عن البزنطي قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام (3)عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة؟ قال: «يكفئ الإناء» (4).

هذا مع غاية صحّة السند و علوّه في غاية المبالغة في انفعال القليل كما لا يخفى على الفطن.

قوله: عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أغتسل في مغتسل يبال فيه، و يغتسل من الجنابة فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض؟ فقال: «لا بأس» (5).


1) الوافي: 6/ 63 الحديث 3767، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 419 الحديث 1326، وسائل الشيعة: 1/ 155 الحديث 387.

2) الوافي: 6/ 64 الحديث 3769، لاحظ! الكافي: 3/ 11 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 152 الحديث 378.

3) في النسخة: أبا عبد اللّه، و الصحيح ما أثبتناه.

4) الوافي: 6/ 65 الحديث 3771، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 39 الحديث 105، وسائل الشيعة: 1/ 153 الحديث 381.

5) الوافي: 6/ 68 الحديث 3781، لاحظ! الكافي: 3/ 14 الحديث 8، وسائل الشيعة: 1/ 213 الحديث 545.

لأنّه محلّ توهّم النجاسة لا حصولها على سبيل اليقين، مع أنّ المتنجّس عند المؤلّف غير منجّس، و إن كان هذا فاسدا لما ستعرف.

قوله: عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «لا بأس بأن يتوضّأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه، و أمّا الماء الذي يتوضّأ الرجل به فيغسل به وجهه و يده في شي‌ء نظيف فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضّأ به» (1).

قوله عليه السّلام: «و أشباهه» إمّا على الرفع عطفا على قوله «أن يتوضّأ» فيظهر منه منع الغسل من الأحداث و غيرها أيضا، و إمّا على الجرّ بناء على جواز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ، و إمّا على النصب، و على التقديرين يظهر أنّ المستعمل في رفع الحدث الأكبر مطلقا ممنوع منه كما أفتى به المفيد و غيره (2)، و يؤيّدهما قوله عليه السّلام: «و أمّا الماء الذي» .. إلى آخره، فتأمّل!

و المنع على سبيل الكراهة على ما هو المشهور عند المتأخّرين (3)، لضعف السند و حصول المؤيّدات من الأخبار التي مرّت (4)، و على سبيل الحرمة عند كثير من القدماء (5)لأنّ رواية ابن هلال عن ابن [محبوب] (6)معتبرة عندهم مع مؤيّدات من الأخبار التي مرّت (7)، و الاحتياط البتّة.


1) الوافي: 6/ 68 الحديث 3782، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 221 الحديث 630، وسائل الشيعة: 1/ 215 الحديث 551.

2) المقنعة: 64، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 74.

3) إيضاح الفوائد: 1/ 18 و 19، جامع المقاصد: 1/ 127، مدارك الأحكام: 1/ 127.

4) وسائل الشيعة: 1/ 211- 214 الحديث 539- 550.

5) المبسوط: 1/ 11، السرائر: 1/ 61.

6) مرت آنفا.

7) راجع! الصفحة: 136- 138 و 147 و 148 من هذا الكتاب.

[باب أسئار الحيوانات و التوضّؤ بها و الشرب منها]

قوله: «باب أسئار الحيوانات و التوضّؤ بها و الشرب منها» (1).

كثير من أخبار هذا الباب يدلّ على انفعال القليل بالملاقاة.

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سئل عن ماء يشرب منه الحمامة؟ فقال:

«كلّ ما أكل لحمه يتوضّأ من سؤره و يشرب» (2).. إلى آخره.

هذا الخبر يدلّ على (3)أنّ زوال عين النجاسة في الحيوان مطهّر له، أو سبب لعدم تأثيره النجاسة.

قوله: عن حريز، عن البقباق قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن فضل الهرّة، و الشاة، و البقرة، و الإبل، و الحمار، و الخيل، و البغال، و الوحش، و السباع فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه؟ فقال: «لا بأس به» (4).. إلى آخره.

هذه الرواية مع صحّة السند نصّ في انفعال القليل، و كون التعفير بتطهير الإناء من ولوغ الكلب من ضروريّات مذهب الشيعة، أو إجماعاته بلا شبهة، و المستند هذه الصحيحة، و القدماء و المتأخّرون فرّعوا عليها تفريعات كثيرة (5)، و من ذلك أيضا ظهر اتّفاقهم جميعا على العمل بها بعنوان الوجوب، و كذا اتّفقوا في النقل على سبيل الاعتماد بذكر قوله عليه السّلام مرّتين و عدم ذكره كما ستعرف.


1) الوافي: 6/ 71.

2) الوافي: 6/ 71 الحديث 3786، لاحظ! الكافي: 3/ 9 الحديث 5، وسائل الشيعة: 1/ 230 الحديث 590.

3) في النسخة: مع، و الصحيح ما أثبتناه.

4) الوافي: 6/ 73 الحديث 3793، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 225 الحديث 646، وسائل الشيعة: 1/ 226 الحديث 574.

5) المبسوط: 1/ 14، المهذّب: 1/ 28 و 29، تذكرة الفقهاء: 1/ 83- 88.

و قوله: حتّى انتهيت إلى الكلب فقال: «رجس نجس لا تتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء ..» (1).

الأصحاب نقلوا قيد مرّتين في كتب الاستدلال بعد قوله عليه السّلام: «ثمّ بالماء» (2)و في «الفقه الرضوي» أيضا موجود هذا القيد (3)على ما هو ببالي، و الأصحاب أطبقوا على الغسل مرّتين بالماء، و نقلوا الإجماع عليه (4)أيضا، و في «العوالي» أيضا نقل هذا الحديث بزيادة قوله: «مرّتين» (5)، و أيضا ورد في غسل الإناء عن سائر النجاسات أنّه يغتسل ثلاث مرّات (6).

و معلوم أنّ المعصوم عليه السّلام في هذا المقام في مقام إظهار نهاية غلظة نجاسة ولوغ الكلب و شدّتها، فكيف يكتفى فيه بغسل واحد أو مرّتين؟

و أيضا في الأخبار الكثيرة أنّ غسل النجاسة مرّتان (7)، فلعلّ المراد من قوله عليه السّلام: «ثمّ بالماء» هو المعهود في غسل النجاسات نبّه على ذلك بعد الغسل بالتراب بكونه مرّة، و عدم التعرّض لذكر المرّة في غسل الماء بالمرّة، مع أنّه لو كان المراد فيه أيضا المرّة، لكان أولى بالتقييد، فتأمّل!

[باب الماء القليل المشتبه و رفع الحدث به]

قوله: كما ينزح من البئر التي وقع فيها شي‌ء من النجاسات دلاء لتطيب


1) الوافي: 6/ 73 الحديث 3793.

2) الخلاف: 1/ 176 المسألة 130، المعتبر: 1/ 458.

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 93.

4) الخلاف: 1/ 176، الانتصار: 9.

5) عوالي اللآلي: 2/ 212 الحديث 143.

6) وسائل الشيعة: 3/ 496 الحديث 4276.

7) وسائل الشيعة: 3/ 395- 397، الباب 1 و 2 من أبواب النجاسات.

و يطيب به القلب (1).. إلى آخره.

قد ورد الأمر بالنضح للنجاسة المتوهّمة المحتملة في مواضع متعدّدة كما سيجي‌ء، فالظاهر أنّ الأمر به في المقام، من هذا القبيل، لأنّ حول الماء محلّ توهّم النجاسة و احتمالها فإذا توضّأ المتوضئ يقطر من وضوئه قطرات فتقع في الماء و ترجع إليه، فأمر بالنضح لحصول الطيبة كما أمروا في نظائرها من المواضع الكثيرة (2)و لذا أمروا بالنضح من الجهات الثلاث دون الخلف لعدم وقوع القطرة و رجوعها من طرف الخلف، فهذا الحديث أيضا يشير إلى انفعال القليل فإنّه عليه السّلام قال: «و فيه قلّة»، فتأمّل!

قوله: بل صحّة الغسل مع قلّته (3).. إلى آخره.

فيه ما فيه؛ لأنّه مخالف للقرآن (4)و الأخبار المتواترة (5)، و إجماع المسلمين، بل و ضروري الدين فالإشكال بمكانه.

قوله: [فإن هو] اغتسل [رجع غسله في الماء] (6).. إلى آخره.

الأظهر نضح الأرض لما ذكرنا، و في رواية الكاهلي (7)، و نضح الخلف هنا لأنّ الماء حال الغسل ينضح من طرف الخلف أيضا و يرجع إلى الماء.

قوله: [عن] ابن بزيع؛ قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء


1) الوافي: 6/ 77 ذيل الحديث 3804.

2) وسائل الشيعة: 1/ 216- 218، الباب 10 من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

3) الوافي: 6/ 79 ذيل الحديث 3806.

4) المائدة (5): 6.

5) وسائل الشيعة: 3/ 386 الباب 24 من أبواب التيمّم.

6) الوافي: 6/ 80 الحديث 3807، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 417 الحديث 1318، وسائل الشيعة: 1/ 217 الحديث 554.

7) الوافي: 6/ 77 الحديث 3804، وسائل الشيعة: 1/ 218 الحديث 555.

السماء أو يستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب ما حدّه الذي لا يجوز؟ فكتب عليه السّلام «لا تتوضّأ من مثل هذا إلّا من ضرورة إليه» (1).

الغدير الذي يجتمع فيه الماء على سبيل التدريج و الاستمرار التجدّدي، و كذا يستقى فيه من بئر، الغالب فيه كونه أكثر من الكرّ، و لذا كانوا يستنجون فيه نفسه، و يغتسل الجنب كذلك، و ليس من عموم لغوي، و الإطلاق ينصرف إلى ما هو الغالب، و على تقدير العموم فالخاصّ مقدّم، سيّما إنّه أقوى بمراتب شتّى من جميع الجهات كما عرفت سابقا، مع أنّ غسالة الاستنجاء طاهرة إجماعا (2)و اغتسال الجنب ليس بمنجّس للماء، و كون جسده متلوّثا بالمنيّ ليس بطاهر، و الأصل عدمه، و الراوي لهذه لم يسأل عن حاله؛ إذ لو كان متلوّثا لكان أحرى بالتصريح حال السؤال من نفس اغتسال الجنب، و لذا اتّفق الأصحاب على نزح سبع دلاء فيه (3).

مع أنّ الوارد في الأخبار اغتسال- بل و نزول- الجنب في البئر مع أنّهم يقولون بنزح الجميع للمني، و مع جميع ذلك يمكن حمل الضرورة على التقيّة كما عرفت سابقا فتأمّل فيه، مع [أنّ] جواب المكاتيب كثيرا ما يقع فيه أمثال هذه الاختلالات كما صرّح به جدّي المجلسي رحمه اللّه و صرّح بعلّته أيضا (4).

[باب مقادير ما ينزح من البئر إذا وقع فيها ما أفسدها لتطيب]

قوله: عليّ بن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن بول الصبيّ


1) الوافي: 6/ 80 و 81 الحديث 3808، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 418 الحديث 1319، وسائل الشيعة: 1/ 163 الحديث 405.

2) ذكرى الشيعة: 1/ 82، جامع المقاصد: 1/ 129، ذخيرة المعاد: 143.

3) المقنعة: 67، مختلف الشيعة: 1/ 219.

4) روضة المتّقين: 1/ 84.

الفطيم يقع في البئر فقال: «دلو واحد» قلت: بول الرجل قال: «ينزح منها أربعون دلوا» (1).

قالوا: بالدلو الواحد في الرضيع لما في «الفقه الرضوي» (2)كما هو ببالي، و للجمع بين هذا الخبر و ما دلّ على السبع في الصبي (3)، فتأمّل!

قوله: عن الفطحيّة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام- في حديث طويل- قال: و سئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير؟ قال: «ينزف كلّها» ثمّ قال: فإن غلب عليها الماء فلينزف يوما إلى الليل، ثمّ يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون، يوما إلى اللّيل و قد طهرت» (4).. إلى آخره.

قيل: إنّ كلمة (ثمّ) هنا بفتح الثاء، و قيل: إنّها زائدة فإنّ الرواية عن عمّار، ربّما يكون قوله أمثالها، و قيل: إنّ كلمة (قال) بعد ثمّ مقدّرة، و ربّما كانت في بعض النسخ موجودة. (5)

قوله: تختلف باختلاف الآبار كبرا و صغرا (6).

كون الاختلاف باختلاف الآبار و غيرها بعيد جدّا، و البناء على تفاوت مراتب الاستحباب لا يحتاج إلى ما ارتكبه من التقييد.

قوله: بيان: قوله «إلى يمين» بدل من قوله: «إلى القبلة» يعني يجري إلى يمين


1) الوافي: 6/ 92 الحديث 3841، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 243 الحديث 700، وسائل الشيعة: 1/ 181 الحديث 451.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 95.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 243 الحديث 701، وسائل الشيعة: 1/ 181 الحديث 450.

4) الوافي: 6/ 93 الحديث 3847، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 284 الحديث 832، وسائل الشيعة: 1/ 196 الحديث 509.

5) لاحظ! مشارق الشموس: 240، جواهر الكلام: 1/ 215.

6) الوافي: 6/ 94 ذيل الحديث 3847.

القبلة من دبرها مائلا (1).

يمكن أن يقال: إنّ الماء لمّا كان ميله إلى المركز، و المركز سمت الجنوب، لأنّ الأرض واقعة في البحر (2)و ثلثاها في الماء و ثلثها خارج، و هي مدوّرة كرويّة فرأس قبة الأرض و وسطها بمسامت القطب الشمالي، فالماء الذي فوق الأرض أو في أعماقها يميل إلى الجنوب بالطبع فحين ميله إلى الجنوب يجري إلى الجنوب و إلى القبلة التي هي يمين الجنوب و هي قبلة العراق، و إنّما لم يذكر نفس الجنوب، بل ذكر موضعه القبلة لأنّها المعروفة عند عامّة الناس لا نفس الجنوب، و ليس بينهما فرق معتدّ به، و لذا اختار القبلة و اكتفى بها إلى اخر الحديث، لكن نبّه عليه السّلام على أنّ القبلة في الواقع و حقيقته يمين الجنوب فمراده- صلوات اللّه عليه- أنّ الماء بحسب ميله الطبيعي يميل إلى سمت الجنوب أعمّ من أن يكون إلى نفس القبلة- التي هي بسمت يمينه بشي‌ء قليل غاية القلّة حتّى صارت كأنّها الجنوب- و إلى يسار القبلة، فحينئذ يكون مبدؤه و منشؤه يمين القبلة و إلى يمين القبلة فحينئذ يكون المبدأ و المنشأ يسار القبلة.

و الحاصل أنّ تباعد البالوعة عن البئر لئلّا يجري الماء منها إليها، و هي إن كانت طرف القبلة و البئر خلف القبلة- أي خلف الإنسان المتوجّه إلى القبلة- فلا يجرى الماء من القبلة إلى دبرها، أي من الجنوب إلى الشمال، و لكن إذا كان بالعكس و البالوعة عن يمين القبلة و البئر عن يسارها أو بالعكس يجرى من كلّ منهما الماء إلى الآخر لأنّ الماء [لا] يجري إلى فوق صاحبه و أمّا إلى الأسفل أو إلى المساوي فيجري فاعتبر التباعد من هذه الجهة.


1) الوافي: 6/ 97 ذيل الحديث 3850.

2) في النسخة: الأرض و الصحيح ما أثبتناه.

قوله: عن زرارة و محمّد و أبي بصير قالوا: قلنا له: بئر يتوضّأ منها يجري البول قريبا منها أ ينجّسها؟ قال: فقال: «إن كانت البئر في أعلى الوادي، و الوادي يجري فيه البول من تحتها و كان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجّس ذلك شي‌ء» (1).

لا يخفى أنّ الظاهر أنّ السؤال وقع في مكّة المشرّفة كما لا يخفى، و هذه الرواية أقوى أدلّة القائل بانفعال البئر بالملاقاة، و يمكن حملها على صورة تغيّر الماء كلّه أو بعضه عادة بدخول البول من طول الزمان و المدّة.

[باب آداب التخلّي]

[حرمة استقبال القبلة و استدبارها]

قوله: «طمّح ببوله» أي رماه في الهواء (2).

لعلّه المرتفع الزائد مثل السطح و ما قاربه أو شابهه.

قوله: بيان: يعني بالمنتاب المباح الذي يعتوره المارّة (3).. إلى آخره.

أو الماء الذي يقسّم على سبيل النوبة كلّ نوبة بشخص أو أشخاص كما هو المتعارف في البلاد التي ماؤها مشاع، و في غاية الاحتياج إليه، و شدّة المنفعة له، و كثرة القيامة له.

قوله: عن عليّ عليه السّلام قال: «قال لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم: إذا دخلت المخرج فلا تستقبل


1) الوافي: 6/ 97 الحديث 3851، لاحظ! الكافي: 3/ 7 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 197 الحديث 510.

2) الوافي: 6/ 106 ذيل الحديث 3857.

3) الوافي: 6/ 108 ذيل الحديث 3863.

القبلة و لا تستدبرها، و لكن شرّقوا أو غرّبوا» (1).

يمكن أن يكون البناء على توسعة سمت القبلة إلى ربع الدار فيصير المشرق و المغرب أيضا كذلك، و يمكن البناء على أنّه واجب اخر أو مستحبّ كما قيل (2)بهما.

قوله: كون الكنيف مستقبل القبلة لا يستلزم جواز الاستقبال لإمكان الانحراف (3).

لعلّ المنزل لم يكن ملكه عليه السّلام، بل كان نازلا فيه من منازل خراسان، يشير إليه التعبير بلفظ المنزل، و الحمل من وهم محمّد، و إلّا فبعيد غاية البعد أن يكون عليه السّلام يا بني الكنيف مستقبل القبلة فيه الخدم و الحشم و بعيد أيضا أن يكونوا يجلسون مستقبل القبلة، إذ كيف كانوا يأمرون بالبرّ و ينسون أنفسهم حاشاهم عليهم السّلام عن ذلك.

قوله: يقول: من بال حذاء القبلة ثمّ ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة و تعظيما لها، لم يقم من مقعده ذلك حتّى يغفر اللّه له (4).

يظهر من هذا أنّ علّة المنع عن الاستقبال هو التعظيم مضافا إلى ظهوره في نفسه فلا بدّ من الاحتراز عن استقبال خصوص الفرج أيضا.

[المناقشة في كلام صاحب الوافي]

قوله: علي عن ابيه عن ابن المغيرة، عن أبي الحسن عليه السّلام قال: قلت له:


1) الوافي: 6/ 108 الحديث 3865، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 25 الحديث 64، وسائل الشيعة: 1/ 302 الحديث 794.

2) لاحظ! مدارك الأحكام: 1/ 160، ذخيرة المعاد: 16.

3) الوافي: 6/ 109 ذيل الحديث 3869.

4) الوافي: 6/ 109 الحديث 3870، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 352 الحديث 1043، وسائل الشيعة: 1/ 303 الحديث 796.

للاستنجاء حدّ؟ قال: «لا، حتّى ينقى ما ثمّة، [قلت]: فإنّه ينقى ما ثمّة و يبقي الريح [قال: الريح] لا ينظر إليها» (1).

يرد على المصنّف أنّ أمثال هذا الحديث يدلّ على عدم انفعال الحجر و المدر و أمثالها بملاقاة النجاسة، لأنّها لو انفعلت بملاقاتها لزم عدم تطهّر موضع بها أصلا، و هو باطل إجماعا، لأنّها تطهّره إجماعا و نصّا بل و نصوصا (2)إمّا بمجرّد النقاء كما هو رأي بعض، و منهم المصنّف في كتاب فتواه (3)أو النقاء الحاصل بمسح الحجر الثالث، أو قبل الحجر الثالث إلّا أنّه لا بدّ من الثلاث كما هو رأي آخرين (4).

وجه الدلالة أنّ الحجر- مثلا- ما لم يلاق المحلّ فلا يطهّر، و إذا لاقاه نجس، و من المحال أن يكون النجس مطهّرا على طريقة ما مرّ منه في عدم انفعال الماء القليل، فما هو جوابه هنا فهو جوابنا بعينه.

مضافا إلى الشنائع الكثيرة الواردة على استدلاله:

منها؛ أنّه قاس الملاقاة حال التطهير بالملاقاة حال عدم التطهير، مع ما بينهما من الفارق الواضح، و لذا أهل السنّة- مع شغلهم بالقياس- ما عملوا بهذا و ما استدلّوا و قالوا بالفرق، و المصنّف دائما شغله الطعن على الفقهاء بأنّهم كثيرا ما يقيسون، قاس هنا هذا القياس الشنيع مع ما فيه من الشنائع التي لا تحصى عند من أمعن النظر، و كان عالما بمدارك الأحكام كما هي هي.

و منها؛ أنّه سدّ لباب تخصيص العام، و الاستثناء، و النسخ، و تقييد المطلق.


1) الوافي: 6/ 124 الحديث 3910، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 28 الحديث 75، وسائل الشيعة: 1/ 322 الحديث 849.

2) وسائل الشيعة: 1/ 348 و 349 الحديث 922- 925.

3) مفاتيح الشرائع: 1/ 42 (المفتاح 44).

4) المعتبر: 1/ 129، إرشاد الأذهان: 1/ 221، رسائل المحقق الكركي: 3/ 216.

و منها؛ أنّه سدّ لباب التعبّديات الشرعيّة، أو أنّ الطهارة و النجاسة ليس فيهما شي‌ء من التعبّد أصلا، مع أنّه فاسد بالبديهة، بل هما مجرّد التعبّد لا طريق لدرك العقل أصلا.

و منها؛ التمسّك بالدليل الذي لا يدلّ إلّا على القدر الذي هو محلّ وفاق الجميع على ما هو عين نزاع العلماء، بل المعظم على خلافه، بل الإجماع عليه، بل الإجماعات مثل: الإجماع على اشتراط التعفير في ولوغ الكلب في ماء الإناء، و الإجماع على إهراق الإنائين المشتبهين الذين وقع في أحدهما نجاسة حيث وقع النصّ و الإجماع على مجرّد الوقوع .. إلى غير ذلك من الإجماعات التي أشرنا إلى تفسير كثير منها في حاشيتنا على «المدارك» (1).

و منها؛ الاستدلال من الجزئي على قاعدة كليّة، و دعوى ثبوتها شرعا.

و منها؛ ألا يصير الشي‌ء الرطب بالماء قابلا للانفعال.

و منها؛ تطهير محلّ البول أيضا بالحجر و مثله، لعدم تعقّل فرق.

و منها؛ تطهير سائر النجاسات عن سائر المواضع.

و منها؛ التطهير بماء الورد و الخلّ لعدم تعقّل فرق، بل هما أولى من الماء عند العقل .. إلى غير ذلك، فتأمّل جدّا!

و يلزمه أيضا وجوب إدخال مثل البول في الماء القليل الذي لا يفي للطهارة من الحدث و الخبث إلى قدر لا يخرجه عن الإطلاق عرفا و لا يتغيّر الماء، بل إلى حدّ لا يتغيّر الماء باللون أو الطعم أو الريح، فلو كان البول مسلوب الصفات لا يضرّ أيّ قدر يكون ما لم يتحقّق الاستهلاك و كذا إن كان فيه الصفات الاخر غير الثلاث.


1) الحاشية على مدارك الأحكام: 1/ 65 و 66.

و مرّ بعض شنائعه في باب طهارة الماء، و بعض اخر في باب قدر الماء الذي لا يتغيّر، و ذكرنا شنائع كثيرة في حاشيتنا على «المدارك» (1)فليلاحظ! و ذكرنا اعتراضات اخر في الأبواب الماضية و الآتية فلاحظ!

فإن قلت: القائل بأنّه لا بدّ من الاحجار الثلاثة، لعلّه يقول بأنّ الطهارة تحصل بمسح الحجر اليابس على الموضع إذا كان يابسا.

قلت: كذلك، بل هو قائل بأنّ النقاء إذا حصل بالحجر الثالث يطهّر الموضع جزما مع أنّ الغالب عدم حصول النقاء بأقلّ من الثلاثة و مسلّم ذلك عندهم.

و من الشنائع أيضا أنّه مع وجدان الماء المضاف و عدم وفاء القليل للطهارة مخيّر أن يبول في الماء أو يتمّه بالمضاف على حسب ما ذكرناه، بل مع وجود الماء أيضا له أن يبول في الماء و يتطهّر به على حسب ما ذكرنا، بل له أن يشرب منه، بل الشرب أولى، و كذا له أن يدخله في المداد الذي يكتب [به] القرآن، و يتطهّر به المصاحف و الضرائح المقدّسة.

و من الشنائع أنّه لم خصّص استدلاله بصورة يطهّر الثوب؟ فإنّ ماء الاستنجاء أيضا يرد ما ذكره عليه، مع أنّه لم يجعله أحد من العقلاء محالا، بل الشيخ قال بعدم الانفعال ممّا لا يدركه الطرف من الدم (2)و السيّد بعدم الانفعال بالورود على النجاسة (3)، و لم يطعن هو و لا غيره عليها بارتكاب المحال، و أيضا لم يطعن أحد على المشهور بارتكاب المحال في قولهم بانفعال القليل دون الكثير.

و بالجملة؛ جميع المسلمين عقلاء، و مع ذلك لم يعدّوا انفعال الماء في صورة دون صورة من المحالات.


1) الحاشية على مدارك الأحكام: 1/ 73- 83.

2) الاستبصار: 1/ 23 ذيل الحديث 57، المبسوط: 1/ 7.

3) مسائل الناصريات: 72 و 73 المسألة 3.

و أيضا مع وجود الماء؛ له أن يتطهّر بماء تمضمض به مشرك، أو مجوس من شربه المسكر و الدم و أكله الخنزير إذا مسحه مرقه، و كذا يتطهّر بما يخرج من حلق الخنزير، أو الكلب من الماء، و كذا ما يخرج من شعرهما إذا خرجا من الماء و لو بأن يعصر شعرهما حتّى يخرج و ما يرسب فيه، و مع ذلك يده تصير نجسة و يتطهّر و لو بذلك الماء المعصور، و سيجي‌ء في باب ما يطهّر بغير الماء و ما لا يحتاج إلى التطهير نجاسة الماء الذي يخرج من شعر الخنزير (1)فلاحظ!

و أشنع من ذلك أن يأخذ هذا الماء المعصور و الخارج من حلق الخنزير أو بطنه ثمّ يبول و هو إلى قدر لا يخرج عن اسم الماء أو يأمر كافرا أن يبول فيه كذلك ثمّ يشرب أو يتوضّأ مع وجود الماء و وفوره، بل و أن يطرح فيه عذرة الكلب و الخنزير و يأخذ بعضا منه من شعر الخنزير و غيره ممّا ذكر، و الكافر و جميع النجاسات ما لم يتغيّر، و يكون هذا الماء و الخالص الصافي على السواء.

قوله: عن علي بن الحسين، قال: قلت له: ما تقول في الفصّ يتّخذ من حجارة زمزم؟ قال: «لا بأس به، و لكن إذا أراد الاستنجاء نزعه» (2).

لعلّ الأصوب هو زمزم: إذ لا وجه لنزع خصوص زمرّد دون غيره من اليواقيت، فتأمّل!

قوله: عن جميل، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا انقطعت درّة البول فصبّ الماء» (3).


1) الوافي: 6/ 226 الحديث 4164 لاحظ! الكافي: 3/ 39 الحديث 5، وسائل الشيعة: 3/ 458 الحديث 4167.

2) الوافي: 6/ 125 الحديث 3914، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 355 الحديث 1059، وسائل الشيعة: 1/ 359 الحديث 953.

3) الوافي: 6/ 126 الحديث 3918، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 356 الحديث 1065، وسائل الشيعة: 1/ 349 الحديث 926.

يمكن أن يكون المراد في هذه الأخبار نفي ما كان يفعله العامّة من زيادة المكث و المشي (1)و غير ذلك لأجل إخراج البقيّة، أو كان مزاجهم قويّا لا يخرج منهم رطوبة بعد البول.

قوله: إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لبعض نسائه: «مري نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء و يبالغن؛ فإنّه مطهرة للحواشي و مذهبة للبواسير» (2).

فظهر من هذا الخبر أنّ الأحجار و الكرسف لا يطهّران المقعد مثل ما يطهّر الماء، مضافا إلى ظهور ذلك بالوجدان بأنّه و إن بولغ في المسح إلّا أنّه بعد ما يغسل بالماء بعد هذا المسح يوجد لزوجة ما و أجزاء لطيفة عالقة يزيلها الماء، و مع ذلك يكون المسح مطهّرا من غير حاجة إلى الماء بالنصوص (3)و الإجماع (4).

و من هذا يظهر حقّية ما ذكره الفقهاء من أنّ الواجب في المسح هو إزالة العين دون الأثر (5)بخلاف الماء، و لا شبهة في ذلك، لأنّه إذا اختار المكلّف الغسل لا يجوز أن يكتفي حتّى يزول اللزوجة و الأجزاء العالقة بالمرّة و يتحقّق النقاء، و ظهر أنّ مرادهم بالأثر هو ما ذكرنا.

و في «المصباح» صرّح بأنّ الاستنجاء بالماء مأخوذ من قولهم: استنجيت الشجر إذا قطعته من اصله، و أنّ الاستنجاء بالحجر و المدر مأخوذ من قولهم:

استنجيت النخلة إذا التقطت رطبها، لأنّ المسح لا يقطع النجاسة، بل يبقى


1) مغني المحتاج: 1/ 42، شرح فتح القدير: 1/ 213.

2) الوافي: 6/ 128 الحديث 3922، لاحظ! الكافي: 3/ 18 الحديث 12، وسائل الشيعة: 1/ 316 الحديث 831.

3) وسائل الشيعة: 1/ 315- 317 الباب 9، 348 و 349 الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة.

4) غنية النزوع: 36، المعتبر: 1/ 128 و 129، مدارك الأحكام: 1/ 167.

5) التنقيح الرائع: 1/ 72، مجمع الفائدة و البرهان: 1/ 90 و 91، مدارك الأحكام: 1/ 170.

أثرها (1)انتهى.

[باب الاستنجاء]

[عدم معذورية الجاهل بالحكم]

قوله: و كان الناس يستنجون بالأحجار فأكل رجل من الأنصار طعاما فلان بطنه فاستنجى بالماء فأنزل اللّه تبارك و تعالى فيه: إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (2)(3).. إلى آخره.

استدلّ بهذا الخبر على معذوريّة الجاهل بنفس الحكم، و أنّ بمجرّد الإصابة للحقّ يكفي و لا يحتاج إلى المعرفة (4)، و لا يخفى فساد الاستدلال لأنّه- مع كونه مخالفا للأخبار التي تكاد تبلغ التواتر من أنّه لا بدّ من المعرفة و البصيرة بأحكام الدين، و فرض طلب العلم على كلّ مسلم (5)و غير ذلك- لو تمّ لاقتضى حليّة البدعة في الدين، و تغيير الشريعة و مخالفة طريقة الشرع، بل و حسن جميع ذلك، و لم يقل بذلك أحد ممّن له من الفهم نصيب، فظهر أنّ ذلك قضيّة في واقعة؛ أخبر بها اللّه تعالى و أمضاها كما أجزى الوصية بالدفن مواجها إلى الكعبة من حيث إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان عندها (6)، و لا شكّ في أنّه لا يجوز لنا الآن، بل و من زمان


1) المصباح المنير: 2/ 595.

2) البقرة (2): 222.

3) الوافي: 6/ 129 الحديث 3925، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 20 الحديث 59، وسائل الشيعة: 1/ 354 الحديث 942.

4) لم نعثر عليه في مظانّه.

5) وسائل الشيعة: 27/ 20- 31 الباب 4 من أبواب صفات القاضي.

6) وسائل الشيعة: 3/ 230 و 231 الحديث 3485 و 3486.

الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى يوم القيامة أن يفعل أمثال ما ذكر بأن يغيّر طريقة الشرع و يبدّلها و يحدث في الدين و يبدع البدعة إلّا أن يقال: استحسن عقله ذلك، و تبع عقله- و لذا مدحه اللّه تعالى و أمضاه في الشرع و أدخله في الدين- و هو أيضا مشكل، مع أنّه لا ينفع المستدلّ أصلا و اللّه يعلم.

قوله: عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن الاستنجاء بالعظم أو البعر أو العود؟ قال: «أمّا العظم و الروث فطعام الجنّ و ذلك ممّا اشترطوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال: لا يصلح بشي‌ء من ذلك» (1).

هذا يدلّ على طهارة الروث كما هو المشهور عند الأصحاب (2)، فلعلّ البول أيضا كذلك لعدم القول بالفصل، فتأمّل!

قوله: «لا يجوز الاستنجاء بالروث و العظم لأنّ وفد الجانّ جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقالوا: يا رسول اللّه! متّعنا فاعطاهم الروث و العظم، فلذلك لا ينبغي أن يستنجي بهما» (3).

الظاهر من الخبرين حصول الطهارة بهما كما عليه بعض الأصحاب (4)و أنّ المنع إنّما هو للمعاهدة المذكورة، فلو كانا لا يطهّران لكان المناسب ذكر عدم التطهير، فتأمّل!

قوله: عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: «كان الحسين بن


1) الوافي: 6/ 130 الحديث 3928، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 354 الحديث 1053، وسائل الشيعة: 1/ 357 الحديث 947.

2) مسائل الناصريات: 86- 88، السرائر: 1/ 178، معالم الدين في الفقه: 2/ 447.

3) الوافي: 6/ 130 الحديث 3929، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 20 الحديث 58، وسائل الشيعة: 1/ 358 الحديث 950.

4) منتهى المطلب: 1/ 280، تذكرة الفقهاء: 1/ 128.

علي عليهما السّلام يتمسّح من الغائط بالكرسف و لا يغسل» (1).

لعلّه عليه السّلام حين الاستنجاء ما كان يغسل إلّا أنّه عند الوضوء كان يغسل، و ربّما يشير بعض الأخبار إلى ذلك على ما هو ببالي.

قوله: و تنشّف ما بطن بغيره يعني في البول لموضع الضرورة (2).

أو لأنّه لا يجب غسل البواطن.

قوله: «و ليتوضّأ لما يستقبل من الصلاة» (3).. إلى آخره.

هذا ظاهر في كون الوضوء واجبا لغيره.

قوله: و ما في رواياتهم من الخلل و القصور (4).. إلى آخره.

بعيد باعتبار لفظ الإعادة، مضافا إلى أنّ الوضوء كان في زمان الصادقين عليهما السّلام و من بعدهما حقيقة في المعنى الاصطلاحي البتّة كما لا يخفى، و هو مسلّم عند الفقهاء جميعا، فتأمّل!

[باب التطهير من البول إذا أصاب الجسد أو الثوب]

قوله: [الحسين بن] أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن البول يصيب الجسد؟ قال: «صبّ عليه الماء مرّتين» و سألته عن الصبيّ يبول على الثوب قال:


1) الوافي: 6/ 131 الحديث 3931، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 354 الحديث 1055، وسائل الشيعة: 1/ 358 الحديث 949.

2) الوافي: 6/ 132 ذيل الحديث 3933.

3) الوافي: 6/ 133 الحديث 3938، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 45 الحديث 127، وسائل الشيعة: 1/ 317 الحديث 835.

4) الوافي: 6/ 134 ذيل الحديث 3938.

«يصبّ عليه الماء قليلا، ثمّ يعصره» (1).

لعلّ الأمر بالعصر من حيث كون الصبّ بقليل من الماء بناء على لزوم إخراج عين النجاسة، و أنّه لو كان الصبّ بكثير منه يخرج فلا يحتاج إلى العصر، و على احتمال عدم وجوب الإخراج- و إن كان في غاية البعد بسبب كون البول نجسا فلا معنى لإبقائه في الثوب و الصلاة معه- يكون العصر محمولا على الاستحباب أو لأجل يبس الثوب إرشادا، و اللّه يعلم.

قوله: يكفي في [تعدّد] صبّ الماء على الجسد تعدّد وروده على المحلّ كلّه و لا يشترط فيه تخلّل الانقطاع (2).. إلى آخره.

لمّا كان الجسد جسما صيقليّا و البول ماء، كفى الصبّ في تحقّق الغسل، و لذا لا يكفي الصبّ في الثوب إلّا أن يكون بول الرضيع، و ما حقّقه المصنّف هنا لم نجد له منشأ أصلا، و لا فرق بحسب الظاهر بين الثوب و الجسد في حكاية التعدّد، و الصبّ واجب مرّتين و إن لم يكن عين البول باقية بالنصّ (3)و الفتوى (4)، و كذلك الثوب.

و أمّا حكاية التغيّر في الغسلة الاولى ففي غاية الغرابة، و المخالفة للوجدان سيّما بالنسبة إلى كلّ جسد أصابه بول، و ذهب العين بالهواء و الريح و غيرهما، بل الثوب أيضا، و كذا الكلام في قوله: (و بالثانية) (5).. إلى آخره.

و قوله: (غسالتها طاهرة) (6)أيضا غريب من جهة التعليل الذي علّل، إذ لا


1) الوافي: 6/ 137 الحديث 3944، الكافي: 3/ 55 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 395 الحديث 3962، 397 الحديث 3967.

2) الوافي: 6/ 137 ذيل الحديث 3944.

3) وسائل الشيعة: 3/ 395- 397 الباب 1 و 2 من أبواب النجاسات.

4) المعتبر: 1/ 435، معالم الدين في الفقه: 2/ 640، مدارك الأحكام: 2/ 336.

5) الوافي: 6/ 137 ذيل الحديث 3944.

6) الوافي: 6/ 137 ذيل الحديث 3944.

فرق بين الماء المتغيّر بالنجاسة و بين البول في كونهما نجسين البتّة، فتأمّل جدّا!

و كذا قوله: (و إنّما يكتفى) (1).. إلى آخره عجيب، إذ لم نجد زيادة ألزمه سيّما بالنسبة إلى كلّ بول صبيّ و كلّ بول غير صبيّ، سيّما إذا كان الشرط كونه رضيعا، إذ لم نجد الفرق في حكاية الرقّة بين من فطم و بين من لم يفطم، مع أنّ كون الرقّة منشأ لعدم تغيّر الماء و الغسالة أيضا عجيب، لأنّ التغيّر إنّما هو من اللون و الطعم و الرائحة لا الرقّة و الثخونة.

و أعجب من الكلّ؛ الفرق بين البول إذا كان على رأس الحشفة و بينه إذا كان في موضع، و إن كان قريبا من رأسها أو متّصلا بها في أنّ الأوّل لا يغيّر الماء دون الثاني، و في حكاية الكفاية من تلك الجهة، و كذا حكاية التراكم، و الدلك و وجوب التعدّد حينئذ، و أنّه ما لم يتعدّد لم يزل العين، أو أنّه بالأوّل يتغيّر فتدبّر!

ثمّ لا يخفى [أنّ الظاهر] من صيغة الأمر الوجوب لنفسه، و إجماع جميع العلماء في أمثال المقام على كون الغسل غير واجب لنفسه، بل واجبا لغيره (2)مثل الصلاة و الطواف أو الأكل و الشرب، بل أجمعوا على أنّ وجوبه للغير ليس وجوبا شرعيّا، بل وجوبه وجوب شرطي (3)و لذا يجوز أن يغسل غير صاحب الثوب و صاحب الجسد سواء كان بالنيابة أو بغير الإذن، أو غصبا أو غسل بغير اختياره غصبا، أو في حال النوم، أو وقع هو في الماء، أو ثوبه أو مطر السماء عليه، أو يكون الماء مغصوبا، أو غير ذلك فإنّ الثوب و الجسد في جميع الصور يطهران و يصحّ الصلاة معهما، و ليس مكلّفا بالمباشرة و لا النيابة، و لا غير ذلك بخلاف غسل الأعضاء في الوضوء- مثلا- فإنّه يجب عليه أن يباشر بنفسه بلا تأمّل.


1) الوافي: 6/ 137 ذيل الحديث 3944.

2) الخلاف: 1/ 162 المسألة 220.

3) الخلاف: 1/ 160 المسألة 217، روض الجنان: 165، ذخيرة المعاد: 156.

و المراد من الصبّ هنا الغسل بالإجماع و الأخبار (1)، و قرينة التعليل بكونه (ماء) فإنّ الفرق بينهما أخذ قيد الإزالة في الغسل دون الصبّ، و على القول بوجوب إخراج بول الصبيّ يشكل الفرق، إلّا أن يقال- بعيدا-: الفرك مثلا و الدلك في إزالة الغسل فيما يرسب فيه النجاسة، فتأمّل جدّا! أو عدم وجوب إخراج الغسالة في بول الصبيّ، و اللّه يعلم.

قوله: عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «يجزي من البول أن يغسله بمثله» (2).

الظاهر أنّ المراد المماثلة في الميعان لا المقدار، و لذا قال: «يجزي من البول»، و لم يقل ما بقي على الحشفة.

قوله: الخمسة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن بول الصبيّ قال: «تصبّ عليه الماء و إن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا، و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء» (3).

هذه الرواية دليل علي بن بابويه حيث [قال] بمساواة الصبيّ و الصبيّة في الحكم بوجوب غسل بولهما بعد الأكل و الاكتفاء بالصبّ قبله (4)، و المشهور يقولون بالاكتفاء به قبل الأكل في بول الصبي خاصّة و يجعلون المشار إليه في قوله عليه السّلام:

«شرع سواء» هو الحكم الأخير خاصّة، و لعلّ مستندهم ما روي في «كشف الغمّة»


1) وسائل الشيعة: 3/ 395 و 396 الباب 1 من أبواب النجاسات.

2) الوافي: 6/ 138 الحديث 3948، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 35 الحديث 94، وسائل الشيعة: 1/ 344 الحديث 913.

3) الوافي: 6/ 141 الحديث 3955، لاحظ! الكافي: 3/ 56 الحديث 6، وسائل الشيعة: 3/ 397 الحديث 3968.

4) نقل عنه في المعتبر: 1/ 437.

إنّ الحسين عليه السّلام جاء فبال على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم (1)- بل «في الفقه الرضوي» تصريح بذلك (2)، و هو أيضا مستند الفقهاء- فدعا بماء فصبّه عليه، ثمّ قال: «يجري على بول الغلام و يغسل بول الجارية».

و ما رواه السكوني [في] لبن الجارية (3)، ما أفتوا بالنجاسة إلّا شاذّ منهم (4)، و ربّما أفتوا بالكراهة و استحباب الغسل (5)للإجماع و طريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار، و أنّه لو كان نجسا لزم الحرج، و اشتهر حكمه اشتهار الشمس لعموم البلوى و شدّة الحاجة مع أنّ الأمر صار بالعكس.

قوله: «و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب» (6).. إلى آخره.

المفتي بمضمونها شاذّ من الأصحاب (7)، و مرّ الكلام في ذلك في الحاشية السابقة.

قوله: الوجه في ذلك أمران: أحدهما إنّ بالمسح بالحائط و التراب زال العين و لم يبق من البول شي‌ء فما يلاقيه برطوبة (8).. إلى آخره.

الوجه الأوّل غلط لما ستعرف، و الثاني له وجه لما سيجي‌ء في باب التطهير من المني و غير ذلك مثل: عرق الجنب؛ من أنّ النجاسة لا تحصل باليقين الواقع.


1) لم نعثر عليه في كشف الغمّة، نقل عنه في جواهر الكلام: 6/ 161.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 95.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 250 الحديث 718، وسائل الشيعة: 3/ 398 الحديث 3970.

4) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 460.

5) مختلف الشيعة: 1/ 460، ذخيرة المعاد: 156.

6) الوافي: 6/ 142 الحديث 3958، من لا يحضره الفقيه: 1/ 40 الحديث 157، وسائل الشيعة: 3/ 398 الحديث 3970.

7) مختلف الشيعة: 1/ 459.

8) الوافي: 6/ 145 ذيل الحديث 3966.

و لعلّ سؤاله من أنّ اليد إذا [كان] بعضها نجسا ثمّ تعرق لعلّ النجاسة تسري إلى الجميع بواسطة العرق كما هو رأي العامّة (1)، لأنّهم يقولون بالسراية، و الخاصة ينكرونها كما حقّق في محلّه.

و الجواب مبنيّ على عدم السراية و الطهارة كما هو الحال، [في] الثوب الذي أصابه المني و أصابه المطر حتّى يبتلّ على الرجل و غير ذلك، كما سيجي‌ء، و يمكن أن يكون المراد عدم البأس من الصلاة و غيرها حال عدم الماء.

[استحباب الاستبراء من البول]

قوله: عن محمّد قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: رجل بال و لم يكن معه ماء، فقال: «يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، و ينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شي‌ء فليس من البول، و لكنّه من الحبائل» (2).

لعلّ المراد من أصل الذكر هو المدوّر المتّصل بالذكر الممتد إلى المقعدة، و المراد من طرفه رأسه بقرينة ما سيجي‌ء في رواية ابن عمرو (3)، و أخبارهم عليهم السّلام يفسّر بعضها بعضا.

مع أنّه ظاهر أنّ الغرض إخراج ما عسى أن يبقى في الممرّ؛ البول، و الموضع الذي يبقى فيه غالبا و يخرج بالقيام و الحركة هو ما بين المقعدة و الانثيين، و إلّا ففي نفس الذكر قلّما يبقى أو يبقى أقلّ، فتأمّل!

قوله: عن عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الرجل يبول، ثمّ يستنجي، ثمّ يجد بعد ذلك بللا، قال: «إذا بال فخرط ما بين المقعدة و الانثيين


1) مغني المحتاج: 1/ 189، المجموع للنووي: 2/ 595.

2) الوافي: 6/ 147 الحديث 3970، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 36 الحديث 1063، وسائل الشيعة: 1/ 320 الحديث 841.

3) وسائل الشيعة: 1/ 282 الحديث 745.

ثلاث مرّات و غمز ما بينهما، ثمّ استنجى فإن سال حتّى يبلغ السوق فلا يبالي» (1).

لعلّ ضمير بينهما راجع إلى الانثيين و يراد من كلمة ما نفس الإحليل و الذكر ثم [لم] يصرّح باسمه للقباحة، فيكون المراد أنّه يغمز الذكر بعد ذلك حتّى لا يخرج بعد الغسل من البول شي‌ء أصلا، و لو لم يغمز لكان يخرج إليه، فإن عدم الخرط كان أولى من الخرط، لأنّ الخرط لاخراج بقيّة البول، و لو لم يغمز الذكر لكان البول مجتمعا في الذكر و يخرج بسرعة بعد الغسل البتّة، مع أنّ التأكيد خلاف الأصل.

قوله: و هذا كما ذكر العجز في حديث محمّد السابق في الاستبراء، و على هذا لا يحتاج إلى تكلّف (2).. إلى آخره.

إن كان استنجاؤه بالأحجار من جهة عدم التمكّن من الماء و بعد الاستبراء فالجواب ب «لا بأس» لا يدلّ على الطهارة، إذ عدم البأس في هذه الحالة ممّا لا تأمّل فيه لأحد من الفقهاء، لأنّ الحال حال اضطرار لأنّه ملوّث جسده، أمّا الذكر فظاهر و أمّا غيره من الفخذين فبحسب العادة، إذ خروج القدر [الذي] يفسد السراويل لا ينفكّ عادة مساورته، مع أنّه لم يذكر أنّ هذا كان على سبيل الاضطرار و بذل الجهد في الاستبراء، و المعصوم عليه السّلام ما استفصل في الجواب أصلا، فظاهر أنّ الخبر محمول على التقيّة بلا تأمّل، و البناء على أنّ المراد خلاف الظاهر- لما دلّ من الخارج- يخرج الخبر عن الحجيّة كما هو ظاهر، [و] على تقدير تماميّة الدلالة فالسند ضعيف، و على فرض الصحّة فهو شاذّ، و الشاذّ ليس بحجّة بالأخبار و الإجماع و الاعتبار، و على تسليم الكلّ لا يعارض و لا يقاوم ما دلّ على المنجسيّة من الأخبار الصحاح و المعتبرة الكثيرة غاية الكثرة الموافقة لإجماع الشيعة بل الضرورة.


1) الوافي: 6/ 147 الحديث 3972، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 20 الحديث 50، وسائل الشيعة: 1/ 282 الحديث 745.

2) الوافي: 6/ 150 ذيل الحديث 3976.

[أحكام النجاسات]

[حكم تعدّي النجاسة من المتنجس]

[قوله]: و هذان الأمران أعني عدم الحكم بالنجاسة إلّا بعد التيقّن، و عدم تعدّي النجاسة من المتنجّس (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ الحكم بعدم تعدّي النجاسة من المتنجّس خلاف إجماع المسلمين، بل و ضروري الدين [و أنّه] مأخوذ في أذهان العوام و الأطفال و النساء فضلا عن غيرهم، و لذا لو بال أحد في ظرف لا يكتفون بنشف البول لأكل المائعات و شربها فيه إلى غير ذلك من الأحكام الضروريّة عندهم، و مع ذلك تدلّ عليه الأخبار المتواترة كما لا يخفى على المتتبّع المتأمّل المتفطّن.

منها؛ صحيحة العيص بن القاسم المتقدّمة (2).

و منها؛ ما مرّ في باب أسئار الحيوان و الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب (3).

و منها؛ ما ورد من الأمر بغسل الإناء من ولوغ الخنزير (4)و موت الفأرة (5)، و الخمر (6)و النبيذ (7)و غير ذلك من النجاسات (8)لأنّ الظاهر منها تعيين التطهير في الغسل و انحصاره فيه و التطهير ليس إلّا لجهة الأكل و الشرب بالضرورة، لأنّ


1) الوافي: 6/ 150 ذيل الحديث 3976.

2) وسائل الشيعة: 1/ 350 الحديث 927، لاحظ! الوافي: 6/ 146 الحديث 3968.

3) راجع! الصفحة: 158 من هذا الكتاب.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 261 الحديث 760، وسائل الشيعة: 1/ 225 الحديث 572.

5) تهذيب الأحكام: 1/ 284 الحديث 832، وسائل الشيعة: 3/ 496 الحديث 4276.

6) وسائل الشيعة: 25/ 368 و 369 الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة.

7) تهذيب الأحكام: 9/ 116 الحديث 502، وسائل الشيعة: 25/ 368 الحديث 32143.

8) وسائل الشيعة: 3/ 496 و 497 الباب 53 من أبواب النجاسات.

الظروف لا تصلّى و لا تفعل عبادة شرطها الطهارة بالبديهة، فإذا كان المتنجّس لا ينجّس لم يكن حاجة إلى التطهير، بل مجرّد زوال العين يكون كافيا، فالأمر بالغسل يكون لغوا محضا صدر عن الحكيم تعالى عن ذلك سيّما و أن يأمر عليه السّلام ثلاث مرّات و سبع مرّات، و مع التعفير.

و أيضا ورد المنع عن الأكل في انية أهل الذمّة و المجوس (1)من غير تقييد وجود نجس العين بعينه فيها، بل و ظهور عدمه فيها.

و أيضا الأمر بإراقة الماء الذي أدخل اليد فيه و هي نجسة (2)من دون تقييده بوجود عين النجس فيها، و هذه الأخبار أيضا كثيرة.

و أيضا ورد الحكم ببطلان الوضوء الذي أصاب كفّ المتوضّئ نقطة بول و مسحه بخرقة و نشفه ثم نسي أن يغسله و يمسح بدهن [فيمسح به] وجهه و رأسه (3)من غير استفصال أنّه هل غسل كفّه من النوم أو البول أو الغائط أو غير ذلك ثمّ ادخل يده الإناء أم لا؟ و هل تمضمض و استنشق أم لا؟ فإنّ اليد في الصورتين تصير طاهرة.

مع أنّ الماء القليل عنده لا ينفعل بالملاقاة فتحقّق الغسلة الاولى بغسل الوجه، و الثانية بغسل اليد، بل مجرّد أخذ الماء لغسل اليد فلا وجه في الحكم ببطلان الوضوء.

و بالجملة؛ من تتبّع أمثال ما ذكرناه يظهر له حقّيّة ما اتّفق عليه المسلمون، و من ذلك موثّقة عمّار (4)الآتية في بحث تطهير الشمس فإنّها صريحة في أنّ


1) وسائل الشيعة: 3/ 419- 422 الباب 14 من أبواب النجاسات.

2) وسائل الشيعة: 1/ 150- 156 الباب 8 من أبواب الماء المطلق.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 426 الحديث 1355، وسائل الشيعة: 3/ 479 الحديث 4228.

4) تهذيب الأحكام: 2/ 372 الحديث 1548، وسائل الشيعة: 3/ 452 الحديث 4149.

المتنجّس ينجّس.

و ممّا يدلّ- أيضا- ورود النهي عنهم عليهم السّلام عن جعل ظرف الخمر ظرف الخلّ، أو ظرف الماء حتّى يغسل بالماء (1)فلو لم يكن المتنجّس منجّسا لما حصروا في الغسل بالماء، بل كان زوال العين كافيا بأيّ طور يزول، بل ربّما كان الزوال ببعض الأنحاء أبلغ و أيسر.

و يدلّ عليه- أيضا- الصحاح الواردة في أنّ اليد تدخل في إناء الماء إذا كانت طاهرة و إلّا فلا تدخل، و لو أدخلت يصبّ ذلك الماء و مرّت (2).

و يدلّ عليه- أيضا- الصحاح الواردة في السطح الذي أصابه البول أنّ المطر إذا جرى عليه فلا بأس (3)، و أنّه يصلّى عليه إذا جفّفته الشمس، و أنّه طاهر حينئذ (4)، و مرّ بعضها في مبحث المياه (5)و سيجي‌ء بعضها في مطهّريّة الشمس، و توجيه المصنّف معنى الطهارة فيها.

و يدلّ عليه- أيضا- موثّقة ابن بكير السابقة في المقام (6)، لأنّها تنادي بأنّ الذكر إذا مسح يصير حاله حال اليابس النجس [و] طهارته حال الملاقاة باليبوسة خاصّة، و الملاقاة بالرطوبة يوجب التنجّس.

و يدل عليه- أيضا- صحيحة مؤمن الطاق الآتية في مطهّريّة الأرض (7).


1) وسائل الشيعة: 25/ 368 الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة.

2) وسائل الشيعة: 1/ 150 الباب 8 من أبواب الماء المطلق.

3) وسائل الشيعة: 1/ 144 الباب 6 من أبواب الماء المطلق.

4) وسائل الشيعة: 3/ 451 الباب 29 من أبواب النجاسات.

5) راجع! الصفحة: 144 و 145 من هذا الكتاب.

6) تهذيب الأحكام: 1/ 149 الحديث 141، وسائل الشيعة: 1/ 351 الحديث 930.

7) الكافي: 3/ 38 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 457 الحديث 4165.

و يدلّ عليه ما ورد في الاحتراز عن سؤر المتّهمين بالنجاسة (1)، بل سيجي‌ء عن المصنّف [أنّ] ما دلّ على نجاسة اليهودي و النصراني و المجوسي محمول على الأمر بغسل ما باشروه برطوبة من جهة تنجّسهم بالبول و الخمر و الخنزير و غير ذلك.

و بالجملة؛ تتبّع تضاعيف الأخبار يكشف عن تواترها في الدلالة على ما ذكرنا فلاحظ!

بل هذا الخبر أيضا يدلّ، إذ لو كان المتنجّس لا ينجّس لما كان الأمر يشتدّ على الراوي، و لا كان عليه السّلام يقول بعد التمسّح: «امسح ذكرك بريقك، فإن وجدت شيئا» (2).. إلى آخره، بل كان يأمره بالاستبراء- كما كان طريقتهم عليهم السّلام في غير واحد من المواضع، بل لا شبهة على المنصف أنّ الراوي كان يستبرأ بعد البول البتّة كما هي الطريقة المقرّرة المتداولة عند المسلمين- سيّما إذا لم يكن ماء و مطهّر، و خصوصا إذا لم يكن المتنجّس منجّسا، إذ العلاج منحصر حينئذ في أمر سهل لازم الحصول في أيّ تقدير، أو مستحبّ الحصول على أيّ حال، بل الاهتمام حينئذ في غاية الشدّة، و مع ذلك فلا وجه بعد ذلك إلى تعليم الحيلة لعدم الحاجة إليها في دفع المحنة و الشدّة كما قال الراوي.

مع أنّه إن كان الراوي لم يستبرئ فمتى قام أو تحرّك يخرج الرطوبة من الذكر بحكم العادة- فينجس البدن و الثوب على أيّ تقدير فيلزم الاكتفاء بمسح الذكر بالريق تقريرا للراوي، مع أنّه إن كان مجرّد قول «هذا من ذاك» كافيا لكان في صورة الغسل أيضا كافيا، لأنّه أيضا رطوبة، و خصوصا أنّ المسح بالريق، فلم يحكم المعصوم عليه السّلام بإعادة الوضوء و غسل الرطوبة إن لم يستبرأ مطلقا و عدمهما إن


1) الكافي: 3/ 10 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 234 الحديث 600.

2) الكافي: 3/ 20 الحديث 4، وسائل الشيعة: 1/ 284 الحديث 750.

استبرء مطلقا، كما أفتى به المصنّف (1)و غيره من الفقهاء (2).

[الردّ على ما ذكره صاحب الوافي من الطعن على الفقهاء]

قوله: فينتقم اللّه منهم بابتلائهم بالوسواس و اتّباعهم للخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنّة و الناس .. (3)إلى آخره.

ما أسوأ أدبه بالنسبة إلى الفقهاء العظام المتديّنين العارفين الماهرين الذين هم متكفّلو أيتام الأئمّة عليهم السّلام و مروّجو دين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في كلّ قرن و مائة، و بشرعهم و فقههم اهتدى العالمون من زمان غيبة إمامهم إلى الآن، و هم الذين ورد فيهم:

«أنّهم حجج اللّه على الناس بعد الأئمّة» (4)و غير ذلك ممّا لا يمكن إحصاؤه من الفضائل العظيمة.

و منها؛ «الرادّ عليهم كالرادّ علينا، و الرادّ علينا كالرادّ على اللّه» (5)إلى غير ذلك.

و مع ذلك ما أدري لم أنكر المصنّف نجاسة النجاسات بالمرّة؟ و ظنّ أنّه لم يرد في كثير منها حديث مثل أرواث ما لا يؤكل لحمه و غيرها، و ما ورد فيها فإنّما ورد لفظ «اغسل الثوب منه» (6)- مثلا- و هذا لا يقتضي غسل البدن فضلا عن غيره من الأجسام، و مع ذلك لم يرد غسل الثوب لأجل الصلاة أو مثلها و الأمر حقيقة في الوجوب لنفسه فلا ربط له بالنجاسة.


1) لاحظ! مفاتيح الشرائع: 1/ 43.

2) المعتبر: 1/ 135.

3) الوافي: 6/ 150 ذيل الحديث 3976.

4) كمال الدين: 484 الحديث 4، بحار الأنوار: 2/ 90 الحديث 13، 53/ 181.

5) بحار الأنوار: 2/ 221.

6) وسائل الشيعة: 3/ 405 الحديث 3988 و 3989.

و على فرض أن يكون المراد الوجوب للغير فلا يدلّ على النجاسة، فإنّ وجوب غسل أعضاء الوضوء أو الغسل للصلاة لا يقتضي نجاستها، مع أنّ غسل فضلات ما لا يؤكل لحمه واجب للصلاة جزما، و إن كانت طاهرة، كما سيجي‌ء في باب لباس المصلّي.

و على تقدير تسليم دلالته على النجاسة فربّما كان نجسا بالنسبة إلى الصلاة خاصّه، و من أين ثبت كونه بالنسبة إلى الأكل و الشرب، و أكل ما يلاقيه رطبا و غير ذلك أيضا يكون نجسا واجب الغسل؟

و بالجملة إن كان المصنّف لا يعتمد على إجماع الفقهاء و طريقة الشيعة في هذه الأعصار فاللازم عليه إنكار نجاسة البول و الغائط و المني و غيرها لما عرفت، و إن كان يعتمد على الإجماع فلا فرق في كلام المجمعين بين وجوب غسل الملاقي، و وجوب غسل ملاقي الملاقي.

لا يقال: ورد في الكلّ أنّه نجس.

قلت: ورد في الحديد أيضا أنّه نجس (1)، و مع ذلك لفظ النجس في لغة العرب بمعنى القذر و إن كان في اصطلاح المتشرّعة بمعنى اخر فموقوف على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، و مع ذلك لم يثبت من حديث أنّ النجاسة الشرعيّة ما هي؟ و أمّا المتشرّعة، فلا شبهة في أنّ نجاسة ما يلاقي الملاقي مأخوذة في نجاستهم الاصطلاحيّة كما لا يخفى.

مع أنّ ما دلّ على أنّ الكلب نجس دلّ على نجاسة الماء القليل الذي ولغ فيه، و المصنّف لا يقول بها، و مع ذلك ورد الأمر بصبّ ذلك الماء القليل و وجوب غسل ذلك الظرف بالتراب و الماء جميعا فنجس العين هنا ليس إلّا الكلب و لسانه الذي هو


1) وسائل الشيعة: 3/ 530 الحديث 4374 و 4375.

معه لم يلاق الإناء أصلا، و ليس لسانه في الإناء حتّى يكون غسل الإناء إزالة نجس العين منه كما زعمه المصنّف، مع أنّ المعصوم عليه السّلام أمر بغسل الإناء (1).

و الظاهر كون الواجب هو الغسل لا التخيير بينه و بين التمسّح و غيره كما زعمه.

مع أنّه كيف يرضى مسلم أن يكون الإناء المملوء من البول أو الدم الرطب، أو العذرة الرطبة و أمثال ذلك يصبّ البول و غيره منه و يمسحه بخرقة- مثلا- إلى أن يزول عينها، ثمّ يصبّ فيه الماء لوضوئه أو شربه أو غير ذلك من الاستعمالات من دون أن يغسل ذلك الإناء أصلا و رأسا، سيّما بعد ملاحظة الأخبار الكثيرة الواردة في وجوب غسله بالوجوب العيني لا التخييري.

و معلوم أنّ الغسل كذلك ليس إلّا للاستعمال و إلّا فالإناء لا يصلّى و النجس أيضا لا يصلّى فيه، و على فرض أن يصلّى فيه أو معه و هو نجس لا يكون فيه مانع أصلا عند المصنّف و غيره لأنّ ما يجب طهارته للصلاة هو الجسد و الثوب الذي يتمّ الصلاة فيه لا مطلقا كما سيجي‌ء.

و ممّا ذكر ظهر أنّ تمسّح الإناء [أ] و غيره- بل جمعا- بحيث لا يبقى فيه من العين شي‌ء يكون مطهّرا للإناء عند المصنّف، و اللازم عليه القول به، لأنّ النجاسة الشرعيّة لا معنى لها إلّا وجوب الاجتناب بوجه من الوجوه، و [معنى] الطهارة الشرعيّة عدم وجوب الاجتناب أصلا.

و قد عرفت أنّ الإناء المذكور بعد التمسّح أو غيره لا يجب الاجتناب منه أصلا و رأسا، و هو معنى الطهارة الشرعيّة كما لا يخفى.


1) تهذيب الأحكام: 1/ 225 الحديث 644 و 646، وسائل الشيعة: 1/ 225 و 226 الحديث 573 و 574.

[باب ما إذا شكّ في إصابة البول أو نسى غسله أو تعمّد الترك]

قوله: معنى هذا الحديث غير واضح، و ربّما يوجّه بتكلّفات لا فائدة في إيرادها، و يشبه أن يكون قد وقع فيه غلط من النسّاخ (1).. إلى آخره.

يمكن أن يجعل الباء سببيّة و الظرف متعلّقا بقوله: «يعيد الصلاة» أو قوله:

«حقيق» أو المراد أنّه يجب إعادة الصلاة ما كان في وقتها، و كذا ما خرج وقتها بسبب ذلك الوضوء بعينه أي من غير مدخليّة نجاسة ثوبه التي وقعت من التمسّح، و كذا بدنه لأنّ حكمه حكم الثوب، و لذا في بحث النجاسات لا يذكر غالبا سوى الثوب و إن كان المقام في غاية الخصوصيّة لذكر البدن و كان الأصل في الاعتبار هو الثوب و البدن متفرّع عليه [و] حكمه حكمه.

و المراد أنّ إشكالك من جهة الثوب في الوضوء- أي الحدث و الخبث- فعليك إعادة الجميع من جهة الحدث لا الخبث فلا إعادة عليك بالنحو الذي ذكر من قبل أنّ ثوبك نجس، فإنّ الثوب لا يعاد منه إلّا ما كان في وقت.

و قوله عليه السّلام: «فلا إعادة عليك» ابتداء كلام و تفريع [على] ما تقدّم، و يمكن أن [يكون] المراد من جهة ذلك الوضوء بعينه بناء على أنّ الظاهر أنّ الراوي تفطّن بالحال في قرب من الزمان كما هو الغالب عادة، و أنّه بعد ما تفطّن طهّر مواضع النجاسة و غيّر ثوبه، و إشكاله من الصلوات التي صلّاها كذلك.

و يمكن أن يكون المراد «بذلك الوضوء» ما كان بهذا النحو من الوضوء فيكون الإشارة إلى نوعه و ضربه و قسمه يعني ما كان بهذا النحو من الوضوء يجب إعادته في الوقت و خارجه دون غيره من الوضوء، و أمّا من جهة نجاسة الثوب فيعاد ما كان في الوقت خاصّة.


1) الوافي: 6/ 154 ذيل الحديث 3980.

و يمكن أن يكون قوله عليه السّلام: (من قبل) ظرفا محذوف الاضافة أي من قبل أن يتحقّق و يجزم به فيكون مرتبطا بما تقدّم، أي ما توهّمت ليس بشي‌ء إلّا أن يحصل لك اليقين فقبله لا إعادة أصلا و بعده يعيد في الوقت و خارجه ما كان بذلك الوضوء بعينه، كما ذكرنا، أو ما كان بذلك الوضوء الذي يحصل اليقين بأنّ موضعه نجس لا ما توهّم كون موضعه نجسا.

و قوله عليه السّلام: «أنّ الرجل» .. إلى آخره، على هذا ابتداء كلام و تحقيق في الفرق بين الثوب و الجسد أي الخبث و الحدث، أو الثوب النجس و الجسد النجس في الوضوء و أمثاله، فإنّ الثاني يوجب بطلان الطهارة من الحدث فيوجب الإعادة في الوقت و الخارج معا، فتأمّل و اللّه يعلم.

قوله: عليّ بن يقطين، عن أبي الحسن موسى عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتّى يتوضّأ وضوء الصلاة، قال: «يغسل ذكره و لا يعيد وضوئه» (1).

في الظنّ أنّ هذه الرواية و الرواية السابقة [متّحدتان] لاتّحاد الراوي و المرويّ عنه و الحكاية و المسألة و المتن إلّا الكلام، فالظاهر صحّة هذا و أنّ إتيان الاولى و هم من النسّاخ أو من أحد الرواة عن عليّ بن يقطين، و يشهد أيضا ملاحظة الأخبار الأخيرة لكثرتها غاية الكثرة و الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا لو لم نقل إنّها إجماع.

قوله: عن عمار بن موسى قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «لو أنّ رجلا نسي أن يستنجي من الغائط حتّى يصلّي لم يعد الصلاة» (2).


1) الوافي: 6/ 155 الحديث 3985، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 48 الحديث 138، وسائل الشيعة: 1/ 294 الحديث 771.

2) الوافي: 6/ 158 الحديث 3995، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 201 الحديث 789، وسائل الشيعة: 1/ 318 الحديث 837.

الكلام فيها هو الكلام في رواية عليّ بن يقطين، و قد مرّ فلاحظ، بل مرّ عن عمرو بن أبي نصر روايتان عن الصادق عليه السّلام في هذا الحكم و المسألة، و المعصوم عليه السّلام قال: «لا يعيد وضوئه و يعيد الصلاة» (1)، ففي الظنّ أنّ المراد هنا أيضا عدم إعادة الوضوء إلّا أنّه وقع قصور ما في العبارة و التأويل.

قوله: و في التهذيبين حمل هذين الخبرين على ما إذا لم يستنج بالماء و إن كان قد استنجى بالأحجار (2).. إلى آخره.

ربّما يظهر من صحيحة زرارة الماضية في باب الاستنجاء كون الاستنجاء شائعا في ذلك الزمان إطلاقه على الاستنجاء بالماء حيث قال: «يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار» (3).

و ربّما يظهر من الأخبار أنّهم في ذلك الزمان من جهة عدم تيسّر الماء في كلّ وقت كانوا يبولون و يتغوّطون [و] أنّهم كانوا يستنجون بالأحجار و ما ماثلها إلى وقت الوضوء للصلاة فكانوا يستنجون بالماء ذلك الوقت فليلاحظ و ليتأمّل (4).

قوله: سبيل الاحتياط واضح (5).. إلى آخره.

سيّما مع ما عرفت و كثرة الأخبار و شهرة الفتوى إلى حدّ لعلّه إجماع حتّى أنّ الشيخ و أمثاله اضطرّوا في حمل هذه الأخبار و اضطرّوا إلى أن يكون غاية البعد، و خصوصا بعد ملاحظة ما سيجي‌ء في صلاة الناسي للنجاسة.


1) وسائل الشيعة: 1/ 294 و 295 الحديث 773 و 775.

2) الوافي: 6/ 159 ذيل الحديث 3996.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 49 الحديث 144، وسائل الشيعة: 1/ 315 الحديث 829.

4) لاحظ! وسائل الشيعة: 1/ 317 الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة.

5) الوافي: 6/ 159 ذيل الحديث 3996.

[باب التطهير من المني]

قوله: و الظاهر أنّه سقط لفظة «لا» في لا يعيد من قلم النسّاخ (1).

و يمكن أن يكون الاستفهام إنكاريّا.

قوله: عن العلاء، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يصيب ثوبه الشي‌ء فينجّسه فينسى أن يغسله فيصلّي فيه، ثمّ يذكر أنّه لم يكن غسله أ يعيد الصلاة؟ فقال: «لا يعيد قد مضت صلاته و كتبت له» (2).

هذا الحديث معارض لأخبار لا تكاد تخفى، منها في هذا الباب، و منها في الباب السابق، و منها في باب التطهير من الدم (3)و غير ذلك من الأبواب جملتها صحاح و معتبرة، و قليل منها إن كان ضعيفا فالضعف منجبر بموافقته لها و بفتوى القدماء و المتأخّرين إلّا من شذّ (4)، و للإجماع المنقول (5)، و لذا نسبه إلى الشذوذ (6)، و هو كذلك كما لا يخفى، و كيف كان لا يقاوم، و ممّا يؤيّدها و يضعّفه إطلاقات الغسل و غيرها.

[باب عرق الجنب و الحائض و إصابتهما برطوبة]

قوله: عن الشحّام قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجنب يعرق في ثوبه أو


1) الوافي: 6/ 164 ذيل الحديث 4009.

2) الوافي: 6/ 165 الحديث 4011، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 360 الحديث 1492، وسائل الشيعة: 3/ 480 الحديث 4230.

3) وسائل الشيعة: 3/ 429 الباب 20 من أبواب النجاسات.

4) لاحظ! مدارك الأحكام: 2/ 348.

5) لاحظ! السرائر: 1/ 183.

6) لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 360 ذيل الحديث 1492.

يغتسل فيعانق امرأته و يضاجعها و هي حائض أو جنب فيصيب جسده من عرقها، قال: «هذا كلّه ليس بشي‌ء» (1).

هذا الخبر و أمثاله يدلّ على أنّ فضلات الإنسان ليست داخلة في فضلات ما لا يؤكل لحمه من الحيوان التي منع عن الصلاة فيها، بل ربّما يدلّ أيضا على عدم السراية في النجاسة كما هو مذهب الشيعة.

قوله: قال في الفقيه: و من عرق في ثوبه و هو جنب فليتنشّف فيه إذا اغتسل، و إن كانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة فيه، و إن كانت من حرام فحرام الصلاة فيه (2).. إلى آخره.

ما ذكره، في الفقيه عبارة الفقه الرضوي بعينها (3)، و عدّ الصدوق في أماليه هذا الحكم من جملة دين الإماميّة الذي يجب عليهم الإقرار به (4)، و رواية إدريس بن زياد (5)، و الفقه الرضوي منجبران بعمل الأصحاب و الأخبار المانعة عن غسالة الحمّام (6)بسبب أنّه يغتسل فيه من حرام.

مع أنّ الفقه الرضوي كان في غاية الاعتبار عند الصدوق و المفيد، بل و غيرهما أيضا، لأنّ كثيرا من فتاويهم منه، بل عين عبارته، و روايته مرويّة في الكتب المعتمدة المصنّفة في [فقه] الإماميّة، فتأمّل!


1) الوافي: 6/ 169 الحديث 4018، لاحظ! الكافي: 3/ 52 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 267 الحديث 2121.

2) الوافي: 6/ 170 ذيل الحديث 4019، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 40 ذيل الحديث 153.

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 84.

4) أمالي الصدوق: 516.

5) وسائل الشيعة: 3/ 447 الحديث 4134.

6) وسائل الشيعة: 1/ 219 الحديث 557 و 558.

قوله: [عن إسحاق بن] عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الحائض تصلّي في ثوبها ما لم يصبه دم» (1).

هذه الأخبار ظاهرة في وجوب إزالة دم الحيض مطلقا قليلا و كثيرا كما أفتى به الأصحاب (2)، و سيجي‌ء في الباب الآتي ما مرّ.

[باب المذي و أخويه]

قوله: [عن الحسين بن] أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المذي يصيب الثوب؟ قال: «لا بأس به» فلمّا رددنا عليه قال: «ينضحه بالماء» (3).

يمكن الحمل على التقيّة، لما سيجي‌ء في باب الأحداث التي توجب الوضوء.

[باب التطهير من الدم]

قوله: «و إن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك» (4).. إلى آخره.

على تقدير شمول هذه الأخبار لدماء ما لا يؤكل لحمه تكون دالّة على استثناء الدم من فضلاته في عدم جواز الصلاة فيها.

قوله: عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يرى بثوبه الدم


1) الوافي: 6/ 173 الحديث 4030، لاحظ! الكافي: 3/ 109 الحديث 2، وسائل الشيعة: 3/ 449 الحديث 4140.

2) المقنعة: 69، المبسوط: 1/ 35، المراسم: 55، السرائر: 1/ 176، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 77، المعتبر: 1/ 428.

3) الوافي: 6/ 178 الحديث 4046، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 253 الحديث 733، وسائل الشيعة: 3/ 426 الحديث 4062.

4) الوافي: 6/ 181 الحديث 4050، لاحظ! الكافي: 3/ 59 الحديث 3، وسائل الشيعة: 3/ 431 الحديث 4076.

فنسي أن يغسله حتّى يصلّي؟ قال: «يعيد صلاته» (1).. إلى آخره.

أخبار هذا الباب تدلّ على وجوب إعادة الصلاة إذا وقعت في الثوب النجس نسيانا.

قوله: عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «في الدم يكون في الثوب إن كان أقلّ من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة» (2).. إلى آخره.

إنّما لم يتوجّه إلى مقدار نفس الدرهم لندرة تحقّقه في الثوب غاية الندرة، بل لعلّه لا يكاد يتحقّق بحيث لا يزيد فيه أصلا، و لا ينقص كذلك، سيّما و قدر الدرهم بحسب السعة أيضا ممّا لا يكاد ينضبط بحيث لا يزيد و لا ينقص أصلا و عدم انضباط نفس الدرهم.

فلعلّ المشهور عند القدماء أنّه الوافي وزن ثمان حبّات، بل الظاهر عدم الخلاف بينهم، بل و بين المتأخّرين أيضا في ذلك، و الدليل عبارة الفقه الرضوي (3)، و أنّ هذا الحكم صدر عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و الأئمّة عليهم السّلام حكموا به على وفق حكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و كان في زمانه صلّى اللّه عليه و آله و سلم هذا الدرهم مسكوكا، فلا وجه لما ذكره بعض المتأخّرين من أنّه ستّة دوانيق لما ذكره بعض اللغويين أنّه في زمان عبد الملك بن مروان صار الدرهم هكذا (4)، و اللّه يعلم.

و ممّا ذكر ظهر أنّه لا وجه في أنّ قدر نفس الدرهم هل يجب إزالته أم لا؟

بحسب اختلاف الأخبار، و ما ورد في بعض الأخبار من اعتبار قدر الدرهم أو


1) الوافي: 6/ 182 الحديث 4053، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 254 الحديث 738، وسائل الشيعة: 3/ 480 الحديث 4232.

2) الوافي: 6/ 182 الحديث 4054، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 255 الحديث 739، وسائل الشيعة: 3/ 430 الحديث 4072.

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 95.

4) لاحظ! مدارك الأحكام: 2/ 315.

ذكره (1)لا يدلّ على الحقيقة بخصوصه، بل المتحقّق غالبا أزيد منه أو أنقص إلّا أنّه المعيار و المعتبر، فتأمّل جدّا!

قوله: عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أو أبي جعفر عليه السّلام قال: «لا تعاد الصلاة من دم لم تبصره إلّا دم الحيض، فإنّ قليله و كثيره في الثوب إن راه و إن لم يره سواء» (2).

و مرّ في باب عرق الجنب و الحائض أخبار ظاهرة في وجوب الإزالة مطلقا، قليل الدم يكون أم كثير (3)، و ورد في الفقه الرضوي أيضا الحكم بوجوب غسل قليله و كثيره (4)، و الأصحاب أيضا حكموا، و ألحق به الاستحاضة لما سيجي‌ء في مبحث الاستحاضة من وجوب غسل الخرقة إذا أصابها دمها مطلقا، و كذا تغيير القطنة، و ادّعي الإجماع على ذلك (5).

و ألحق النفاس لما يظهر من بعض أنّ حكمه حكم الحيض، و الأصحاب أيضا أفتوا كذلك إلّا في امور استثنوها.

و ألحق بها دم نجس العين لأنّ الذهن لا ينصرف إليه من الإطلاقات، سيّما بعد أنّه بملاقاة الكلب ينجس نجاسة لا عفو فيها، و الإجماع واقع على عدم العفو لو ينجس بمثل هذه النجاسة.

قوله: و رواه العبيدي، عن محمّد بن أحمد و زاد فيه: و سألته امرأة أنّ بثوبي


1) وسائل الشيعة: 3/ 430 الحديث 4071، 431 الحديث 4076.

2) الوافي: 6/ 183 الحديث 4056، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 257 الحديث 745، وسائل الشيعة: 3/ 432 الحديث 4079.

3) راجع! الصفحة: 191 من هذا الكتاب.

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 95.

5) السرائر: 1/ 176.

دم الحيض و غسلته و لم يذهب أثره فقال: «اصبغيه بمشق» (1).

فيه إشارة إلى أنّ الصبغ بمشق لإزالته و إمحائه كما قيل: إنّ فيه تأثيرا في الإزالة، و يؤيّده تعيين كون الصبغ بمشق لا بشي‌ء اخر أحمر، و ربّما احتمل بعض [أنّ] الغرض خلط اللون باللون لإذهاب الأثر (2)كما يشعر به الخبر الآتي (3)، و اللّه يعلم.

قوله: «و لا يعيد صلاته إلّا أن يكون مقدار الدرهم» (4).. إلى آخره.

الضمير في «يكون» راجع إلى نقط الدم فيصير المعنى؛ إلّا أن يكون نقط الدم مقدار الدرهم حال الاجتماع أي على تقدير الاجتماع فيكون ظاهر [ا في] وجوب الغسل على تقدير كونه حال الاجتماع قدر الدرهم فما فوق- كما هو مذهب جمع- و هو الأوفق بالإطلاقات في الدم الذي يجب غسله، و قدر الدرهم الوارد في الأخبار و العمومات الدالّة على وجوب طهارة الثوب للصلاة مثل قوله تعالى:

وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (5)فبان الظنّ [ال] حاصل من تتبّع تضاعيف أحكام النجاسات أنّه لا فرق بين المجتمع و المتفرّق في الشي‌ء النجس.

هذا مع صحّة السند و ظهور الدلالة فلا يعارضها رواية جميل المتقدّمة (6)على تقدير ظهورها في خلاف ذلك، لأنّ هذه مع كونها أقوى سندا تكون أظهر دلالة


1) الوافي: 6/ 183 الحديث 4057، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 257 الحديث 746، وسائل الشيعة: 3/ 440 الحديث 4104.

2) ملاذ الأخيار: 2/ 360.

3) الوافي: 6/ 184 الحديث 4058، لاحظ! وسائل الشيعة: 3/ 439 الحديث 4101.

4) الوافي: 6/ 184 الحديث 4060، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 255 الحديث 740، وسائل الشيعة: 3/ 429 الحديث 4071.

5) المدّثّر (74): 5.

6) الوافي: 6/ 183 الحديث 4055، لاحظ! وسائل الشيعة: 3/ 430 الحديث 4074.

أيضا مع الموافقة لجميع ما ذكر إلّا أن يقال: إنّها معارضة لما دلّ على عدم وجوب الإعادة حالة النسيان و سيجي‌ء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: حمله في «التهذيب» على ما إذا كان أقلّ من الدرهم (1).

حمله على أنّ الأصل الطهارة حتّى تستيقن النجاسة أولى، بل هو ليس بحمل يشهد عليه تنكير لفظ الدم، فتأمّل!

قوله: لا يخفى أنّ المتبادر من هذا الخبر أنّ الموضع يطهر بمجرّد إزالة الدم عنه من غير ماء (2).

فعلى هذا يكون من الأخبار الشاذّة المخالفة لفتاوى الأصحاب و عملهم و عمل الشيعة، و مخالفة لما يظهر من كثير من الأخبار من أنّ موضع الدم يغسل، و لعدم القول بالفصل، و الخبر الشاذّ ليس بحجّة نصّا و إجماعا، مع أنّ الخبر الواحد ليس بعلميّ فيحتاج حجيّته و جواز التمسّك به إلى دليل علمي، لأنّ العمل بغير العلم لا يجوز بالآيات و الأخبار و الإجماع، و ظنّ المجتهد يرجع إلى العلم، لأنّ عليه دليل علمي، فالاستناد إنّما يكون على العلم، و ليس فيما نحن فيه دليل علمي و لا ظنيّ أيضا.

مع أنّه قبل تنظيف الحجّام يكون الموضع نجسا قطعا، و يظهر من هذه الرواية أيضا، و ورد عنهم عليهم السّلام: «لا ينقض اليقين إلّا بيقين مثله» (3)مع أنّ الاستصحاب حجّة كما حقّق في محلّه و كتبنا رسالة في حجّيته (4)و اللّه يعلم.

و ورد عنهم عليهم السّلام: «إذا ورد عليكم حديث فاعرضوه على سائر أحكامنا


1) الوافي: 6/ 185 ذيل الحديث 4062.

2) الوافي: 6/ 187 ذيل الحديث 4066.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 8 الحديث 11، وسائل الشيعة: 1/ 245 الحديث 631، نقل بالمضمون.

4) الرسائل الاصوليّة: 421.

فإن كان لا يشبهها فاطرحوه» (1)مع أنّ نظافة الموضع بحيث يزول عنه الدم بالمرّة ممّا لا يمكن و لا يتحقّق عادة، و الدم نجس بالإجماع و الأخبار، فتأمّل!

و يمكن تأويل الخبر بأنّه لا يجب غسل [ه] ما دامت الجراحة [موجودة]، بل يمكن أن يكون المراد حين الفراغ من الحجامة بقرينة قوله: «لا وضوء فيها» (2)، فتأمل!

قوله: غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، عن أبيه، عن عليّ عليهم السّلام قال:

«لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق» (3).

الأصل في الخبرين غياث، بل الظاهر أنّ الثلاثة (4)منه [و هو] بتري فلعلّه محمول على التقيّة، أو أنّ المراد من الغسل هو الإزالة لا التطهير أيضا، لأنّ الغسل لغة هو الإزالة لا غير، و الطهارة الشرعيّة إنّما تفهم من الإجماعات و ليست مدلول لفظ العرب، و هنا لا إجماع فيه، بل القائل شاذّ منّا (5)و الكلّ على خلافه و لو كان يطهّر واقعا لاشتهر اشتهار الشمس لعموم البلوى، و كثرة الدواعي، مع أنّ الأمر بالعكس صار عدم التطهير باشتهار الشمس.

و قيل: البصاق يزيل الدم و لونه من الثوب، و لذا ورد لا يغسل به سوى الدم.

قوله: عليّ، عن البرقي، عن أبيه- رفعه- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال:

«دمك أنظف من دم غيرك إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، و إن


1) وسائل الشيعة: 27/ 121 الحديث 33373، 123 الحديث 33381، نقل بالمعنى.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 349 الحديث 1031، وسائل الشيعة: 3/ 499 الحديث 4282 مع اختلاف يسير.

3) الوافي: 6/ 187 الحديث 4067، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 425 الحديث 1350، وسائل الشيعة: 1/ 205 الحديث 525.

4) وسائل الشيعة: 1/ 205 الحديث 524- 526.

5) راجع! مختلف الشيعة: 1/ 493.

كان دم غيرك قليلا و كثيرا فاغسله» (1).

هذه الرواية مع ضعفها معارضة لأخبار كثيرة غاية الكثرة صحيحة و معتبرة و مقبولة عند الأصحاب و المفتى بها عندهم، فلا شبهة في كونها من الشواذّ فلا تكون حجّة إلّا أن تأوّل بالاستحباب و لا بأس به، فتأمّل!

[باب التطهير من فضلات الحيوانات]

قوله: في «التهذيب» حمل غسل أبوال الدوابّ الثلاثة على الاستحباب، و يأتي ما يؤيّده، و في رواية القاسم بدل قوله: «فأمّا الشاة»؛ «و ينضح بول البعير و الشاة» (2).

و مرّ أيضا، فإنّ رواية زرارة (3)ظاهرة في الكراهة على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة، لأنّ الحرام و ما يجب اجتنابه لا يعبّر عنه [ب] مثل هذه العبارة، و أمّا على ثبوتها فصريحة فيها، و منها يظهر وجه الجمع بين الأخبار المتعارضة.

هذا مع أنّ طريقتهم أنّ مجرّد المعارض يكفي للحمل على الكراهة، مع أنّ الأخبار الثلاثة منجبرة بعمل الأصحاب، و الشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعا، بل لا يوجد مخالف سوى ابن الجنيد (4)الذي طريقته طريقة العامّة في كثير من المسائل، و الشيخ نسب إليه المخالفة في «النهاية» (5)، و معلوم أنّه رجع عنها لأنّ


1) الوافي: 6/ 188 الحديث 4070، لاحظ! الكافي: 3/ 59 الحديث 7، وسائل الشيعة: 3/ 432 الحديث 4080.

2) الوافي: 6/ 196 ذيل الحديث 4089.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 264 الحديث 772، وسائل الشيعة: 3/ 408 الحديث 4000.

4) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 457.

5) نسب إليه في مدارك الأحكام: 2/ 301 لاحظ! النهاية للشيخ الطوسي: 51.

تأليفه «المبسوط» (1)بعد «النهاية».

مع أنّ الروايات الدالّة على الطهارة مخالفة لمذهب العامّة، و المعارض محمول على التقيّة لأنّ مذهبهم على ما وجد نجاسة أبوال الدوابّ الثلاثة (2)كنجاسة الصغيرة، فلاحظ!

مع [أنّ] ما دلّ على الطهارة أسناده معتبر من وجه اخر فإنّ القاسم بن عروة قويّ كما حقّق في محلّه (3)، مع أنّ «الكافي» نقل [عنه] في كتابه (4)، و قال في أوّله ما قال (5)، و أبو الأغرّ ممّن يروي عنه صفوان و ابن أبي عمير، و هما ممّن قال الشيخ في «العدّة»: إنّهما لا يرويان إلّا عن الثقات (6). و [عليّ] بن الحكم قد حكم المحقّق بكون حديثه [مطابقا للأصل و كونه أرجح] (7).

و رواية أبي الأغرّ رواها في «الفقيه» (8)أيضا، مع أنّه قال في أوّله ما قال (9)، مع أنّه لم يرد المعارض فيه أصلا.

و ممّا يؤيّد [ه] حسنة ابن سنان (10)لأنّ الروث طاهر على ما يظهر من غير واحد من الأخبار، مضافا إلى أصالة طهارة الأشياء و أصالة البراءة عن التكليف،


1) المبسوط: 1/ 36.

2) المحلّى بالآثار: 1/ 169، المجموع للنووي: 2/ 548.

3) تعليقات على منهج المقال: 263.

4) الكافي: 3/ 58 الحديث 10.

5) الكافي: 1/ 8.

6) عدّة الاصول: 1/ 154.

7) المعتبر: 1/ 414.

8) من لا يحضره الفقيه: 1/ 41 الحديث 164.

9) من لا يحضره الفقيه: 1/ 3.

10) الكافي: 3/ 57 الحديث 3، وسائل الشيعة: 3/ 405 الحديث 3988.

و أصالة استصحاب الحالة السابقة.

قوله: عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «كلّ شي‌ء [يطير] فلا بأس [ببوله] و خرئه» (1).

وقع التعارض بين هذه و بين رواية ابن سنان المتقدّمة تعارض العمومين من وجه فيصحّ تخصيص كلّ واحدة منهما بالاخرى لو لم يكن مرجّح، و المشهور رجّحوا رواية ابن سنان؛ لما سيجي‌ء في باب المطاعم و المشارب من النصّ على أنّ ذرق الخطّاف طاهر لأنّه يؤكل و يحلّ أكله؛ و رجّحها وجوه:

الأوّل: صحّة السند؛ فإنّ أبا بصير مشترك (2)، و ابن سنان في غاية الوثاقة و العظم و الجلالة (3).

الثاني: انّها مستند العمل، و ترجيحها بحيث لا يتحقّق مخالف إلّا قليل نادر.

الثالث: انّها مستند جميع الفقهاء في نجاسة أبوال ما لا يؤكل و أرواثه، و لا مستند لهم في هذا التعميم سواها.

الرابع: يعضدها أخبار كثيرة صحاح أو كالصحاح؛ مثل رواية زرارة (4)المذكورة في أوّل الباب، و الموثّق كالصحيح عن ابن بكير، عن زرارة: «كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه حرام، حتّى البول و الروث» (5)، و سيجي‌ء في كتاب الصلاة، و هي ما أجمع علماؤنا على العمل بها (6)، بل شعار الشيعة، كما أنّ


1) الوافي: 6/ 198 الحديث 4097، لاحظ! الكافي: 3/ 58 الحديث 9، وسائل الشيعة: 3/ 412 الحديث 4015.

2) رجال الكشّي: 1/ 396 و 397، جامع الرواة: 2/ 369.

3) رجال النجاشي: 214، جامع الرواة: 1/ 487.

4) الكافي: 3/ 57 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 407 الحديث 3997.

5) الكافي: 3/ 397 الحديث 1، وسائل الشيعة: 4/ 345 الحديث 5344.

6) الخلاف: 1/ 177 المسألة 256، مدارك الأحكام: 3/ 161 و 164.

خلافها شعار العامّة (1)، فكيف ينفي (2)المعصوم عليه السّلام جميع أفراد البأس عن بول ما لا يؤكل لحمه و خرئه من الطيور، مع أنّه خلاف إجماع علمائنا، و خلاف شعار مذهبنا!

و معلوم أنّ معظم الامور في المقام هو جواز الصلاة، بل جميع ما ورد ممّا تضمّن الغسل فالمراد لأجل الصلاة، و جميع ما ورد ممّا تضمّن عدم وجوب الغسل فهو أيضا بالنسبة إلى الصلاة، كما عرفت ممّا ذكرناه في باب تطهير البول.

و معلوم من المذهب، و موثّقة عمّار: «كلّ ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (3)، و غير ذلك من الروايات.

و الخامس: خروج الخشّاف من هذه الرواية؛ لإجماع علمائنا على نجاسة بوله، على ما نقله العلّامة (4)، و ربّما يظهر من كلام الشيخ أيضا (5)، فلا يضرّ مخالفة معروف النسب (6)على فرض تحقّقها، سيّما و أن يكون نادرا.

و ستجي‌ء الرواية الدالّة على النجاسة، و حمل الشيخ معارضها على الشذوذ و التقيّة (7)، و منه يظهر تأييد تام لرواية ابن سنان، و وهن في هذه الرواية لو كان المراد منها العموم، أو بملاحظة ما ذكرنا، و [ممّا] يترجّح أنّ جميع ما هو مثل الخشّاف يكون داخلا في رواية ابن سنان، و خارجا من هذه.

السادس: رواية فارس (8)، و قد عمل بها المفيد و غيره من القدماء (9)،


1) المغني لابن قدامة: 1/ 44 و 46 و 53.

2) في الأصل: (يبقى)، و الصحيح ما أثبتناه.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 266 الحديث 781، وسائل الشيعة: 3/ 409 الحديث 4005.

4) مختلف الشيعة: 1/ 457.

5) المبسوط: 1/ 39.

6) لاحظ! معالم الدين في الفقه: 2/ 443- 445.

7) تهذيب الأحكام: 1/ 266 ذيل الحديث 778.

8) تهذيب الأحكام: 1/ 266 الحديث 782، وسائل الشيعة: 3/ 412 الحديث 4017.

9) المقنعة: 71، النهاية للشيخ الطوسي: 51.

و رجّح بعض المتأخّرين هذه الرواية، لمطابقتها لمقتضى الأصل، و لأنّ قوله عليه السّلام:

«كلّ شي‌ء يطير» أظهر تناولا لما لا يؤكل لحمه من الطير من رواية ابن سنان (1).

و لا يخلو من نظر؛ لأنّ الأصل لا يعارض الدليل، و المرجّحات الاجتهاديّة و الخبريّة دليل، و الرواية باشتراكها لا تكون حجّة عنده، فكيف تكون مقاومة لما هو الحجّة، سيّما مع ما فيه من المرجّحات و ما في المشترك من الموهنات؟ فأظهر التناول كيف ينفع؟! فتأمّل جدّا!

قوله: عن غياث، عن جعفر، عن أبيه عليهما السّلام قال: «لا بأس بدم البراغيث، و البق، و بول الخشاشيف» (2).

حملها الشيخ على الشذوذ و التقيّة (3)، و يعضد الأوّل نقل العلّامة الإجماع على النجاسة (4)، و ما مرّ في الحاشية السابقة، و الثاني كون الراوي من العامّة، و كيفيّة روايته، و ما ذكرنا [ه] في الحاشية السابقة من كون شعار الشيعة عدم جواز الصلاة في كلّ شي‌ء ممّا لا يؤكل لحمه، و الرواية الواردة فيه، و كون خلافه شعار العامّة.

[باب التطهير من مسّ الحيوانات]

قوله: عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: « [إذا] مسّ


1) ذخيرة المعاد: 145.

2) الوافي: 6/ 199 الحديث 4101، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 266 الحديث 778، وسائل الشيعة: 3/ 413 الحديث 4019.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 266 ذيل الحديث 778.

4) مختلف الشيعة: 1/ 457.

ثوبك الكلب، فإن [كان] يابسا فانضحه، و إن كان رطبا فاغسله» (1).

ظاهر الروايات وجوب النضح- كما قال بعض (2)- و المشهور استحبابه؛ لما ورد منهم عليهم السّلام: «إنّ كلّ يابس ذكيّ» (3)الظاهر في عدم وجوب شي‌ء من الغسل و النضح، و يؤيّده نقل الإجماع على عدم تعدّي النجاسة في حال اليبوسة (4)، و أنّ النضح قابل للدرجات زيادة و نقصا، و أنّه في بعض الأخبار قالوا عليهم السّلام:

«أصبب» (5)مكان «انضح»، و في بعضها التوضّي (6)و الغسل (7)، فتأمّل جدّا!

و يؤيّده أيضا الشهرة العظيمة، بل و طريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار، و مع ذلك الأحوط عدم الترك.

قوله: عن البقباق أنّ أبا عبد اللّه عليه السّلام قال في الكلب: «إنّه رجس نجس؛ لا تتوضّأ بفضله، و أصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة، ثمّ بالماء» (8).

اتّفق فقهاؤنا- المتقدّمون منهم و المتأخّرون- على عدم كفاية الغسل الواحد بالماء، و المشهور المرّتين بعد التراب، و نقل عليه الإجماع (9)، و وقع التصريح بذلك


1) الوافي: 6/ 201 الحديث 4105، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 260 الحديث 756، وسائل الشيعة: 3/ 441 الحديث 4109.

2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 77.

3) وسائل الشيعة: 1/ 351 الحديث 930.

4) مختلف الشيعة: 1/ 494.

5) تهذيب الأحكام: 1/ 261 الحديث 759، وسائل الشيعة: 3/ 441 الحديث 4108.

6) تهذيب الأحكام: 1/ 23 الحديث 60، وسائل الشيعة: 1/ 275 الحديث 723.

7) الكافي: 3/ 60 الحديث 2، وسائل الشيعة: 1/ 275 الحديث 722.

8) الوافي: 6/ 203 الحديث 4110، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 225 الحديث 646، وسائل الشيعة: 3/ 415 الحديث 4026.

9) الخلاف: 1/ 175 المسألة 130.

في «الفقه الرضوي» (1).

و ربّما يحصل العلم بالإجماع من اتّفاق الجميع سوى ابن الجنيد، فإنّه حكم بوجوب غسل السبع (2)، لرواية عمّار الواردة في الغسل للخمر (3)أيضا، و يمكن حملها على الاستحباب بعد التعفير، فتأمّل!

و الصحيحة- مع كونها من قبيل القطعيّات أو منها- واضحة الدلالة على انفعال الماء القليل، بحيث لا تقبل التأويل أصلا.

قوله: عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن رجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر ذلك و هو في صلاته كيف يصنع؟ قال: «إن كان دخل في صلاته فليمض، و إن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله» (4).

استثناء من الحكمين المتقدّمين جمعا حتّى توافق الأخبار و فتاوى الأخيار.

قوله: قال: و سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: «يغسل سبع مرّات» (5).

هذه- مع كونها مفتى بها- صريحة في انفعال القليل بالملاقاة.

قوله: سألته عن الفأرة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ العذرة، ثمّ تطأ


1) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 93.

2) نقل عنه في المعتبر: 1/ 458.

3) تهذيب الأحكام: 9/ 116 الحديث 502، وسائل الشيعة: 25/ 377 الحديث 32169.

4) الوافي: 6/ 203 الحديث 4111، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 261 الحديث 760، وسائل الشيعة: 3/ 417 الحديث 4036.

5) الوافي: 6/ 203 الحديث 4112، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 261 الحديث 760، وسائل الشيعة: 1/ 225 الحديث 572.

الثوب أ يغسل [الثوب]؟ قال: «إن كان استبان من أثره شي‌ء فاغسله، و إلّا فلا بأس» (1).

لأنّ الأصل الطهارة حتّى تستيقن النجاسة، فمتى لم تستيقن [فلا تغسله].

قوله: عن إبراهيم بن ميمون، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يقع طرف ثوبه على جسد الميّت؟ قال: «إن كان غسّل فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و إن كان لم يغسّل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميّت» (2).

ليس في هذه الأخبار دلالة على تنجيس الميّت أو الميتة مع اليبوسة كما توهّم؛ لأنّ المعصوم عليه السّلام قال: «اغسل الثوب الذي أصاب من الميّت» و ظاهر أنّ المراد منه مثل الرطوبات، و لم يقل: اغسل ثوبك إذا أصاب الميّت.

قوله: [عن إسماعيل الجعفي] عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سالته عن مسّ عظم الميّت؟ قال: «إذا جاز سنة فليس به بأس» (3).

لأنّه لا يكون فيه دسومة أصلا بعد السنة عادة.

قوله: أحمد، عن الخراساني، قال: قلت للرضا عليه السّلام: الخيّاط و القصّار يكون يهوديّا أو نصرانيّا، و أنت تعلم أنّه يبول و لا يتوضّأ ما تقول في عمله؟ قال: «لا بأس» (4).

لعدم حصول اليقين بمباشرته رطبا، كما سيجي‌ء، أو للتقيّة، كما سيجي‌ء أيضا.


1) الوافي: 6/ 203 الحديث 4113، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 424 الحديث 1347، وسائل الشيعة: 3/ 467 الحديث 4194 مع اختلاف يسير.

2) الوافي: 6/ 208 الحديث 4123، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 276 الحديث 811، وسائل الشيعة: 3/ 461 الحديث 4178.

3) الوافي: 6/ 208 الحديث 4126، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 277 الحديث 814، وسائل الشيعة: 3/ 294 الحديث 3690.

4) الوافي: 6/ 209 الحديث 4128، لاحظ! تهذيب الأحكام: 6/ 385 الحديث 1142.

[حكم أهل الكتاب]

قوله: أحمد، عن الخراساني، قال: قلت للرضا عليه السّلام: الجارية النصرانيّة تخدمك و أنت تعلم أنّها نصرانيّة لا تتوضّأ و لا تغتسل من جنابة، قال: «لا بأس، تغسل يديها» (1).

هذا على سبيل الفرض، كما هو المتعارف في السؤال و في المحاورات، و إلّا فمن المعلوم أنّه لم تكن عنده عليه السّلام جارية نصرانيّة تخدمه في خراسان، كما هو ظاهر من الأخبار و التواريخ، و ظاهر أنّ هذا السؤال كان في خراسان، كما لا يخفى على العاقل.

و أيضا أنّهم عليهم السّلام شدّدوا المنع عن مساورتهم، و أمروا بالتجنّب، فإن كان بناء على نجاستهم- كما هو المشهور، بل هو إجماعي (2)و إن خرج معلوم النسب (3)- لأنّه من شعار الشيعة، و بأنّه مخاصمتهم مع العامّة في الأعصار السابقة، و ادّعى الإجماع غير واحد من فقهائنا، و العامّة يعرفون هذا و ينسبونهم إلى ذلك فلا يضرّ خروج شاذّ معلوم النسب، و الأخبار في غاية [الظهور] في النجاسة (4)، فيظهر غاية الظهور- كون الطهارة بناء على التقيّة.

و بالجملة، إن كان أوامرهم عليهم السّلام بالتجنّب بناء على النجاسة- كما هو الأظهر و الأقوى- فلا معنى لما قاله، اللّهمّ إلّا أن تكون على التقيّة.

و إن كان بناء على الكراهة و التغليظ فيها- كما هو رأي الشاذّ- فلا معنى لأن يأمروا الناس بالبرّ و ينسون أنفسهم، و يكونوا يقولون ما لا يفعلون، إلى غير ذلك


1) الوافي: 6/ 210 الحديث 4129، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 399 الحديث 1245، وسائل الشيعة: 3/ 422 الحديث 4050.

2) مسائل الناصريات: 84 المسألة 10، المعتبر: 1/ 439 و 440، نهاية الإحكام: 1/ 273.

3) لاحظ! ذخيرة المعاد: 150.

4) وسائل الشيعة: 3/ 419 الباب 14 من أبواب النجاسات.

ممّا هو أشدّ ممّا ذكر في أمر الغير بالرشد و الصلاح و العمل بغيره، و ورد شدّة ذمّ من لا يكون قوله موافقا لفعله، حاشاهم عليهم السّلام عن ذلك.

قوله: بأنّ الاجتناب عنهم إنّما هو لتلوّثهم بالخمر و لحم الخنزير و البول و نحوها، كما يأتي في الباب الآتي، و في أبواب [ما يحلّ من المطاعم و ما لا يحلّ] من كتاب المطاعم و المشارب ان شاء اللّه (1).

لا يخفى أنّه دلّ أخبار معتبرة من الصحاح و الحسان و غيرهما على نجاستهم، مثل صحيحة ابن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن انية أهل الذمّة، قال: «لا تأكلوا في انيتهم، و لا من طعامهم الذي يطبخون» (2).

و في الحسن، عن سعيد الأعرج أنّه سأل الصادق عليه السّلام عن سؤر اليهودي [و النصرانى، فقال: لا] (3)فإنّ النهي حقيقة في الحرمة، و الحرمة مطلقا تدلّ على النجاسة الذاتيّة؛ إذ لو كانوا طاهرين بالذات فلا يجوز الحكم بنجاستهم و وجوب التنزّه عنهم؛ إذ كلّ شي‌ء يكون طاهرا [ف] طهارته يقينيّة شرعا حتّى يحصل اليقين بنجاسته، و لذا يكون من لا يتوقّى عن النجاسة- مطلقا أصلا- طاهرا شرعا، كأطفال المسلمين، و مجانينهم، و من لا يبالي بالنجاسات، و من اعتقد عدم النجاسة في الماء القليل الملاقي للنجاسة، أو الخمر و المسكرات، أو أهل الذمّة، أو بول الرضيع أو غير ذلك، أو اعتقد طهارة الأشياء النجسة بالمضاف، أو طهارة مخرج البول بمثل الأحجار، و المني بالفرك و الميتة بالدباغة، و غير ذلك مثل الدم بالبصاق، و المنجّسات بالطبخ، و بهبوب الريح و غير ذلك.


1) الوافي: 6/ 211 ذيل الحديث 4134.

2) الكافي: 6/ 244 الحديث 5، وسائل الشيعة: 3/ 419 الحديث 4040.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 223 الحديث 638، وسائل الشيعة: 3/ 421 الحديث 4047.

و ممّا يدلّ أيضا على نجاستهم الذاتيّة ما مرّ في باب الحمّام (1)، فلاحظ! و يدلّ أيضا أخبار اخر متفرّقة في الأبواب؛

منها: ما رواه أبو بصير عن الباقر عليه السّلام: «أنّ مصافحة اليهودي و النصراني من وراء الثياب، فإن فعل بيده فاغسل يدك» (2).

و رواية هارون بن خارجة أنّه قال للصادق عليه السّلام: إنّي اخالط المجوس فاكل من طعامهم، فقال: «لا» (3).

و ورد في غيره من الأخبار النهي عن مصافحتهم (4)، إلى غير ذلك من الأخبار.

و منها: ما رواه المؤلّف في هذا الباب (5).

و ممّا يدلّ على النجاسة الذاتيّة- بدلالة واضحة- ما رواه في الصحيح عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ (6)فقال: «العدس، و الحمص، و غير ذلك» (7).

و عن سماعة، عنه عليه السّلام عن طعام أهل الكتاب، و ما يحلّ منه؟ قال:

«الحبوب» (8)، و ورد في غير واحد من الأخبار (9)هذا المضمون و حصر الحلّ في


1) راجع! الصفحة: 146 من هذا الكتاب.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 262 الحديث 764، وسائل الشيعة: 3/ 420 الحديث 4044، نقل بالمضمون.

3) الكافي: 6/ 264 الحديث 8، وسائل الشيعة: 3/ 420 الحديث 4046.

4) وسائل الشيعة: 3/ 419 الحديث 4042، 420 الحديث 4043 و 4045، 421 الحديث 4049.

5) الوافي: 6/ 211- 213 الحديث 4135- 4139.

6) المائدة (5): 5.

7) تهذيب الأحكام: 9/ 88 الحديث 374، وسائل الشيعة: 24/ 205 الحديث 30350.

8) الكافي: 6/ 263 الحديث 1، وسائل الشيعة: 24/ 203 الحديث 30346.

9) وسائل الشيعة: 24/ 203 الباب 51 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

الحبوب و مثلها دليل واضح على نجاستهم الذاتيّة إذ العرضيّة لا تصير منشأ لحرمة مطعوماتهم سوى مثل الحبوب.

هذا كلّه؛ مضافا إلى إجماعات متعدّدة نقلها الأعاظم من فقهائنا الماهرين الثقات الخبيرين القريبين للعهد؛ و هم: المرتضى (1)، و الشيخ (2)، و ابن زهرة (3)، و العلّامة (4).

بل غير خفيّ أنّ الحكم بطهارتهم الذاتيّة من شعار العامّة (5)، و اتّفقوا في الأعصار و الأمصار و الحكم بالنجاسة إنّما هو من خواص الخاصة، بل شعارهم في الأعصار و الأمصار، و إن خالف منهم كما خالف في حرمة القياس (6)، و أنّ ذلك لا ينافي كون الشي‌ء الذي يخالفه من ضروريّات مذهب الشيعة.

و بالجملة؛ كون الأمرين شعار الطرفين معروف عند الطرفين بلا شكّ و مين، فتعيّن حمل المعارض على التقيّة بالإجماع، و حكم العقل، و الأخبار المتواترة في أنّ ما وافق العامّة من الأخبار ليس برشد و غلط و يجب تركه (7)، بخلاف ما خالفهم.

بل لم ينقل من أحد القول بطهارتهم سوى ابن الجنيد؛ بسبب أنّه قال:

(الاجتناب ممّا صنعه أهل الذمّة في أوانيهم، و كذا ما صنع مستحلّ الميتة في انيته أحوط) (8)، و هذا في غاية الظهور أنّ أواني أهل الذمّة لا يحكم بنجاستها حتّى


1) مسائل الناصريات: 84 المسألة 10.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 223 ذيل الحديث 637.

3) غنية النزوع: 44.

4) منتهى المطلب: 3/ 222.

5) المغني لابن قدامة: 1/ 135.

6) لاحظ! مدارك الأحكام: 2/ 295.

7) وسائل الشيعة: 27/ 106 الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

8) نقل عنه في معالم الدين في الفقه: 2/ 524.

يستيقن نجاستها، و هذا متّفق عليه بين الأصحاب، فأيّ دلالة فيه على قوله بطهارتهم، و قد صرّح الأصحاب بطهارة أواني الكفّار و المشركين و أمثالها (1).

و نسب إلى ابن [أبي] عقيل القول بطهارتهم؛ لأنّه حكم بطهارة سؤرهم (2)، و فيه أنّه قائل بعدم انفعال الماء القليل، و لهذا خصّص الطهارة بسؤرهم، فهذا على قوله بنجاستهم، لتخصيصه بالسؤر.

و أعجب من هذا نسبة القول بالطهارة إلى الشيخ في «النهاية»، و كلامه فيه صريح في نجاستهم (3)، فلاحظ!

قوله: في جواز الشرب من كوز شرب منه اليهودي، و التطهير من مسّهم ممّا لا ينبغي تركه (4).

ليس كذلك، بل شرب منه على أنّه يهودي، و هو ظاهر في الظنّ بذلك، كما مرّ (5).

[باب التطهير من الخمر]

قوله: [هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفقّاع؟ فقال: «لا تشربه فإنّه خمر مجهول]، فإذا أصاب ثوبك فاغسله» (6).

يدلّ على أنّ وجوب غسل النجاسة للغير، لا للنفس.


1) المعتبر: 1/ 462، كفاية الأحكام: 14، مدارك الأحكام: 2/ 384.

2) حبل المتين: 99، مدارك الأحكام: 2/ 295.

3) النهاية للشيخ الطوسي: 589.

4) الوافي: 6/ 211 ذيل الحديث 4134.

5) راجع! الصفحة: 130 من هذا الكتاب.

6) الوافي: 6/ 216 الحديث 4144، لاحظ! الكافي: 3/ 407 الحديث 15، وسائل الشيعة: 3/ 469 الحديث 4201.

قوله: عن زكريّا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم [كثير] و مرق كثير، قال: «يهراق [المرق] أو تطعمه أهل الذمّة أو الكلب، [و اللحم] اغسله و كله»، قلت: فإنّه قطر فيه دم؛ قال: «الدم تأكله النار إن شاء اللّه تعالى»، قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم! قال:

فقال: «فسد» (1).. إلى آخره.

يمكن حمله على الدم المتخلّف في الذبيحة؛ فإنّ الغالب أنّه يقطر في القدر، و المنع من العجين المذكور لعدم تحقّق الاستحالة في الدم المذكور، لأنّه في القدر يستحيل دون الخبز؛ فتأمّل!

مع أنّ الحديث ضعيف لا يجوز التعويل عليه، و إن كان يصحّ الاحتجاج به و بأمثاله لنجاسة الخمر و المسكر؛ لانجبار السند بعمل الأصحاب و الشهرة، و لا يضرّ عدم بقاء بعض الخبر على ظاهره و احتياجه إلى التأويل أو الطرح؛ لما حقّق في محلّه، مع أنّ المدار على ذلك.

قوله: [قلت: و الفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شي‌ء من ذلك؟ قال:

فقال: «أكره أن اكله] إذا قطر في شي‌ء من طعامي» (2).

لم يثبت كون الكراهة بالمعنى المصطلح في كلامه، سيّما بملاحظة القرينة في المقام، بل يظهر منها أنّ المراد عدم تجويز الأكل.

قوله: و قال: قدح أو إناء يشرب فيه الخمر؟ قال: «تغسله ثلاث مرّات»، سئل: يجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال: «لا يجزيه حتّى يدلكه بيده و يغسله


1) الوافي: 6/ 218 الحديث 4146، لاحظ! الكافي: 6/ 422 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 470 الحديث 4204.

2) الوافي: 6/ 218 الحديث 4146، لاحظ! الكافي: 6/ 422 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 470 الحديث 4204.

ثلاث مرّات» (1).

هذا في غاية الظهور في الدلالة على النجاسة؛ لأنّه عليه السّلام حصر عدم البأس في صورة الغسل فقط، و مع ذلك حكم بعدم الطهارة حتّى يدلكه و يغسله ثلاث مرّات، و الموثّقة حجّة كما حقّق في محلّه، مضافا إلى الانجبار بالشهرة و غيرها.

و يدلّ على أنّ المتنجّس منجّس، و على تحقّق الطهارة بالغسل بالماء القليل، و تحقّقها بالغسل به ثلاثا.

قوله: «إنّ أصل النبيذ حلال، و إنّ أصل الخمر حرام» (2).

الأظهر أنّه محمول على التقيّة، أو على النبيذ الحلال، و يحتمل أن يكون و هما.

قوله: و سئل أبو جعفر و أبو عبد اللّه عليهما السّلام، فقيل لهما: إنّا نشتري ثيابا يصيبها الخمر و ودك الخنزير (3).. إلى آخره.

هذا الخبر غير حجّة، و غير معمول به إجماعا؛ لمكان ودك الخنزير.

قوله: عن الحسن بن أبي سارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّا نخالط اليهود و النصارى و المجوس، و ندخل عليهم و هم يأكلون و يشربون فيمرّ ساقيهم فيصيب ثيابي الخمر، فقال: «لا بأس به» (4).. إلى آخره.


1) الوافي: 6/ 218 الحديث 4147، لاحظ! الكافي: 6/ 427 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 494 الحديث 4272.

2) الوافي: 6/ 220 الحديث 4151، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 279 الحديث 821، وسائل الشيعة: 3/ 471 الحديث 4205.

3) الوافي: 6/ 220 الحديث 4152، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 160 الحديث 752، وسائل الشيعة: 3/ 472 الحديث 4209.

4) الوافي: 6/ 221 الحديث 4155، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 280 الحديث 824، وسائل الشيعة: 3/ 471 الحديث 4208.

لا شبهة في الحمل على التقيّة؛ لأنّ أهل الذمّة نجس العين- كما عرفت (1)- فكيف يقول: «لا بأس» مطلقا؟! و لأنّ الظاهر منها تمكين أهل الذمّة من الشرب جهارا، و عدم منعهم منه، و عدم المنع من المخالطة معهم في هذه الحالة، و أنّه لا ضرر أصلا في المجالسة معهم حينئذ، و لا حاجة إلى هجرانهم.

و لا خفاء في أنّه ليس كذلك، و أنّ ذلك من سلوك العامّة معهم و بناء حكّامهم عليه، مضافا إلى ما مرّ و سيجي‌ء.

و لعلّ هذه الرواية متّحدة مع رواية ابن [أبي] سارة المتقدّمة (2)، بقرينة اتّحاد الراوي و الحكاية، إلّا تفاوت ما حصل من جهة النقل بالمعنى، فيحصل الوهن فيها أيضا، فتأمّل جدّا!

قوله: [إن قيل: إنّ أكثر العامّة قائلون بنجاسة الخمر و لم يذهب إلى طهارتها إلّا شرذمة نادرة لا يعبأ بهم و لا بقولهم] فكيف يتّقى في إظهار طهارتها؟ اجيب بأنّ التقيّة لا تنحصر في القول [بما يوافق علماءهم] (3).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ المعتبر في الحمل على التقيّة المذهب الذي كان في ذلك الزمان يتّقون عنه، و كان المناسب تقيّتهم عليهم السّلام عنه، و فقهاؤنا أخبرونا بأنّهم عليهم السّلام اتّقوا في الأخبار الدالّة على الطهارة (4)، و هم أعرف؛ لقرب العهد و شدّة الاطّلاع، و لذا يكون المدار في الحمل على التقيّة و معرفة العدالة و الأعدليّة و الشهرة و الشذوذ، و أمثال ذلك على قولهم- رضوان اللّه عليهم-.


1) راجع! الصفحة: 206 من هذا الكتاب.

2) وسائل الشيعة: 3/ 471 الحديث 4206.

3) الوافي: 6/ 222 ذيل الحديث 4156.

4) لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 279- 282، حبل المتين: 103، كشف اللثام: 1/ 394.

مع أنّ الأخبار الدالّة على النجاسة أكثرها متضمّن للنبيذ المسكر و الفقاع (1)أيضا، فلا يمكن الحمل على التقيّة، لأنّ العامّة يقولون بطهارتهما و حلّيتهما (2)، و يظهر ذلك أيضا من الأخبار، فظهر أنّها مخالفة لمذهبهم، و ورد أنّ الرشد في خلافهم (3)، و أمرونا بالأخذ به، و هذه هي الطريقة المعهودة من القدماء و المتأخّرين من علماء الشيعة.

و يدلّ أيضا على ما ذكرنا أنّ كثيرا من فقهائنا نقلوا الإجماع على النجاسة (4)، مع أنّ الامراء و السلاطين في زمانهم- و هو يقرب من ثلاثمائة سنة- كانوا مولعين بشرب الخمر، و لو كانوا عليهم السّلام قائلين بالطهارة لكان مقتضى العادة و توفّر الدواعي يشتهر منهم عليهم السّلام اشتهار الشمس، مع أنّ الأمر صار بالعكس؛ لأنّ القدماء ادّعوا الإجماع و المتأخّرين اتّفقوا كلّ الاتّفاق.

قوله: و الأمر بالغسل منها في الأخبار يحتمل الاستحباب (5).. إلى آخره.

قد عرفت فساد هذا الاحتمال، مضافا إلى أنّ الأخبار على النجاسة قويّة غاية القوّة، كما لا يخفى على المتأمّل.

مع أنّ القول بحرمة الصلاة في البيت الذي فيه خمر، و صحّتها و حليّتها في الثوب الذي فيه الخمر (6)في غاية الغرابة، و لا يناسب ما ذكره المؤلّف من أنّ الحكم بالنجاسة كان متنفّرا، فتأمّل جدّا!


1) وسائل الشيعة: 3/ 468 الباب 38 من أبواب النجاسات.

2) بدائع الصنائع: 5/ 116 و 117، المجموع للنووي: 2/ 563 و 564.

3) وسائل الشيعة: 27/ 106 الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

4) مسائل الناصريات: 95 المسألة 16، غنية النزوع: 41، تذكرة الفقهاء: 1/ 64.

5) الوافي: 6/ 222 ذيل الحديث 4156.

6) من لا يحضره الفقيه: 4/ 41 ذيل الحديث 132.

مع أنّ التنفّر إنّما يتأتّى بالنسبة إلى من له ميل إليها، و أعاظم أصحابنا كيف يجوّز العاقل أن يكون لهم ميل إليها، بحيث لا يحصل زجرهم و منعهم إلّا بالتنفير، و لا يزجرهم التخويفات الشديدة الأكيدة الهائلة البالغة، و الحدّ و التعزير، و جهات النهي عن المنكر، و يتوقّف زجرهم على القول بأنّها نجس المخالف للحقّ؟!

مع أنّه لو كان مثل هؤلاء الأعاظم الأجلّة يتوقّف ردعهم عن مثل الخمر بأمثال هذه التنفّرات، لكان غيرهم أولى بالتنفّرات، ثمّ أولى بمراتب شتّى، فاقتضى ذلك سدّ باب إظهار الطهارة؛ لأنّه مناف للغرض و المصلحة.

مع أنّ إظهار النجاسة ربّما يؤدّي إلى العدول إلى التيمّم مع التمكّن من الوضوء و الغسل، أو إلى ترك الصلاة رأسا مع التمكّن، أو إلى الصلاة عاريا، أو موميا بغير ركوع و سجود، أو غير ذلك، مع التمكّن من الصلاة صحيحة، أو تضييع يتيم أو مجنون أو وقف.

إلى غير ذلك من المفاسد [و] شنائع ما ذكره من التنفير لا يحصى و يظهر لك، بل مضافا إلى ما ذكرناه في هذا الباب و الباب السابق و غيرهما.

قوله: [إلّا أنّ التنجيس أيضا ليس نصّا في المعنى العرفي] و إن كان أبلغ في التنفير من غيره (1).

لا شكّ في دلالتها على النجاسة، و غاية المبالغة فيها كما لا يخفى على من تأمّل الرواية، مع أنّ مثل ما ذكر لو لم يدلّ على النجاسة لم يثبت نجاسة شي‌ء من خبر، بل الوارد في الأخبار ليس إلّا الأمر بالغسل، أو قول: إنّه نجس.

و في النجاسات التي استدلّ بالأخبار عليها لم يكن إلّا أحد الأمرين، و في المقام اجتمع الأمران، و لم تكن مسألة فقهيّة إلّا و قد تعارض فيها الأخبار و الأدلّة،


1) الوافي: 6/ 223 ذيل الحديث 4156.

فلو كان مجرّد هذا يكون دليلا على الحمل على الكراهة ليفسد الفقه بالمرّة.

مع أنّه خلاف نصّ المعصوم عليه السّلام حين سئلوا أنّ أحدهما يأمر بالأخذ و الآخر ينهى عن الأخذ، لم يأمر عليه السّلام بالحمل على الكراهة، بل أمروا بالرجوع إلى المرجّحات، من مخالفة العامّة، و ما إليه حكّامهم أميل، و ما اشتهر بين الأصحاب، و الكلّ هنا متحقّق كما لا يخفى.

[باب ما يطهر بغير الماء و ما لا يحتاج إلى التطهير]

[مطهّريّة الأرض]

قوله: عن مؤمن الطاق، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: قال في الرجل يطأ في الموضع الذي ليس بنظيف، ثم يطأ بعده مكانا نظيفا، قال: «لا بأس، إذا كان خمسة عشر ذراعا، أو نحو ذلك» (1).

الأصحاب لم يقيّدوا الأرض بكونها طاهرة، و لا كونها يابسة. نعم، قيل: ظاهر كلام ابن الجنيد التقييد (2)، و ظهر منه أنّ غيره لم يظهر منه ذلك أصلا.

وجه الإطلاق: إطلاق الأرض، و وجه التقييد: استبعاد كون النجس يطهر، و ليس بشي‌ء؛ لأنّ الماء عندهم إذا كان قليلا بمجرّد الملاقاة ينفعل، و مع ذلك يطهر الموضع النجس إجماعا، و كذا حجر الاستنجاء، و أيضا الاستبعاد ليس بدليل شرعي، و الأصل عدم التقييد.

نعم، يمكن أن يستشهد لابن الجنيد بهذه الصحيحة و رواية المعلّى الآتية.


1) الوافي: 6/ 225 الحديث 4159، لاحظ! الكافي: 3/ 38 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 457 الحديث 4165.

2) مدارك الأحكام: 2/ 374.

قوله: عن معلّى بن خنيس، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق (1).. إلى آخره.

هذا الحديث يدلّ على انفعال الماء القليل بالملاقاة.

قوله: عن ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الشاذكونة يصيبها الاحتلام، أ يصلّى عليها؟ فقال: «لا» (2).

المراد غير وضع الجبهة؛ للإجماع و الأخبار على كون المسجد أرضا، أو ينبت منها، و لا يكون مأكولا و لا ملبوسا.

[مطهّريّة الشمس]

قوله: فزعموا أنّ الشمس تطهّر الأرض و البواري (3).

الزعم من المصنّف لا من الأصحاب، و كذا الاشتباه إنّما اشتبه عليه لا عليهم؛ فإنّ الأخبار الآتية واضحة الدلالة على تطهير الشمس، لا غبار على دلالتها أصلا.

و نقل الشيخ إجماع الأصحاب- يعني قدمائهم، و من عاصر الشيخ- على تطهير الشمس (4)، فلا عبرة بما احتمله شاذّ من المتأخّرين عن الشيخ بأنّها مطهّرة إلّا أنّه تطهير حكمي يعني يجوز السجدة عليه (5).


1) الوافي: 6/ 226 الحديث 4164، لاحظ! الكافي: 3/ 39 الحديث 5، وسائل الشيعة: 3/ 458 الحديث 4167.

2) الوافي: 6/ 230 الحديث 4176، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 369 الحديث 1536، وسائل الشيعة: 3/ 455 الحديث 4158.

3) الوافي: 6/ 231 ذيل الحديث 4176.

4) الخلاف: 1/ 219 المسألة 186.

5) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 482.

و كيف كان: الشهرة العظيمة، بل الإجماع المنقول- الذي هو حجّة كما حقّق في محلّه- و الأخبار الكثيرة الواضحة الدلالة تكتفي في المسألة الفقهيّة، بل و أدون من ذلك يكفي، فلا وجه لنسبة الفقهاء الخبيرين المطّلعين، القدماء و المتأخّرين جميعا، و المؤسّسين لمذهب الشيعة، و المروّجين له، الشاهدين على حقيقة الحال- و الشاهد يرى ما لا يراه الغائب- الذين عليهم المدار في الفقه و الدين في الأعصار و الأمصار، المتكفّلين لأيتام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الحجج عليهم السّلام، و الحافظين لشرعهم؛ لا وجه لنسبتهم إلى الزعم و الاشتباه من دون جهة أصلا سوى الزعم و الاشتباه، و العصمة من اللّه.

قوله: [عن زرارة] و حديد بن حكيم الأزدي، قالا: قلنا لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

السطح يصيبه البول أو يبال عليه، أ يصلّى في ذلك الموضع؟ فقال: «إن كان يصيبه الشمس و الريح، و كان جافّا فلا بأس به، إلّا أن يكون يتخذ مبالا» (1).

و مراده عليه السّلام أنّ التجفيف ليس بشرط أن يكون بخصوص الشمس من غير إعانة الريح؛ إذ إعانته لا تضرّ، و الأصحاب ما أجمعوا على خلاف ذلك، بل يقولون و لا ينكرون.

قوله: فإنّهم مجمعون [على عدم تطهّرها بتجفيف الريح] (2).. إلى آخره.

نسب إلى الشيخ في موضع من «الخلاف» القول بمطهريّة الريح أيضا (3).

قوله: هذا الحديث نصّ فيما قلنا من عدم تطهير الشمس للأرض (4).

كونه نصّا محلّ نظر؛ لأنّ قوله: (يصيبه البول) فعل مضارع يفيد الاستمرار


1) الوافي: 6/ 231 الحديث 4177، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 376 الحديث 1567، وسائل الشيعة: 3/ 451 الحديث 4147.

2) الوافي: 6/ 231 ذيل الحديث 4177.

3) نسب إليه في مختلف الشيعة: 1/ 218، لاحظ! الخلاف: 1/ 218 المسألة 186.

4) الوافي: 6/ 231 ذيل الحديث 4178.

التجدّدي، فالظاهر أنّهما صارا مبالا تراكم فيه الأبوال، و سيجي‌ء ما يدلّ على حكم مثله من المبال؛ فإنّ الغالب في مثله عدم تجفّف الشمس كلّ بول يتحقّق فيه، بل اليقين حاصل في ذلك، و لذا سأل و قال: (هل يطهر من غير ماء؟) و جعل قوله:

(من غير ماء) قيدا لقوله: (هل تطهّره الشمس؟)، و أتى بلفظ «الماء» بعنوان التنكير لا المعرفة، و المعصوم عليه السّلام أيضا قال في الجواب: «كيف يطهر من غير ماء؟» و جعل قوله: (من غير ماء) قيدا و ضميمة لقوله: «يطهر».

و هذا السؤال و الجواب ينادي بأعلى صوته بأنّ المراد: هل تطهّر الشمس الموضع المبال الذي يتحقّق الجفاف من غير الشمس أيضا بالنسبة إلى بعض الأبوال، و تراكم أجزاء البول، و حصل اليبس و الجفاف سابقا على الشمس بمقتضى العادة؟

فبمجرّد إشراق الشمس على مثل هذا الموضع هل يطهر أم لا بدّ من ماء يرطّبه و يرطّب أجزاءه و يجفّفها الشمس و يزيل رطوباته و تنشّفها؟! فاجاب عليه السّلام: إنّ مثل هذا الموضع كيف يطهّره الشمس من دون ضمّ ماء؟!

على أنّه على تقدير أن يكون مثل هذا الموضع لا يطهّر [ب] الشمس، لا يلزم أن يكون الشمس غير مطهّرة أصلا، فلا يظهر من هذا الحديث ما يعارض الأحاديث الدالّة على تطهيرها، و الإجماع، فكيف و أن يكون يغلب على الجميع و يوجب تأويلها؟! مع أنّ بعضا منها لا يقبل التأويل، و بعضا منها [يقبل] تأويلا بعيدا.

و يعضد تلك الأخبار و الإجماع الأوفقيّة بالملّة السمحة السهلة، و كون [ه] مدار المسلمين في الأعصار و الأمصار في الزروع و الأبنية كما لا يخفى.

مع أنّ [ه] حمل هذا الخبر على التقيّة، حمله الخبير الماهر المطّلع (1)، و يناسبه


1) وسائل الشيعة: 3/ 453 ذيل الحديث 4152.

كون ابن بزيع من وزراء الخليفة، فيناسبه الاتّقاء.

مع أنّ المضمر لا يعارض المصرّح باسم الإمام عليه السّلام، فضلا عن مصرّحات كثيرة، و العاميّة لا تعارض المتعدّد، سيّما و أن يكون كثيرا، و المشتهر بين الأصحاب لا يعارضه الشاذّ، و المتأيّد بالمؤيّدات لا يعارضه غير المتأيّد، و الواضح الدلالة لا يعارضه خفي الدلالة، على فرض عدم الظهور فيما ذكرنا.

فإذا كان كلّ واحد واحد كذلك، فما ظنّك إذا اجتمع الجميع؟! و اللّه يعلم.

و إنّما قلنا: لا يظهر من هذا الحديث ما يعارض ما دلّ على التطهير؛ لأنّ المعنى: هل تطهّر الشمس مطلقا من دون ماء أصلا في حال من الأحوال؟

فأجاب عليه السّلام: كيف يطهّر كذلك؟! مع أنّه ربّما جفّ البول غير الشمس، و ربّما يكون النجاسة لا تزول إلّا بالغسل، فيكون المراد من قوله: «ماء» أعم ممّا ذكرنا أوّلا، و من الغسل المطهّر، و من الإزالة للعين.

و هذا الاحتمال و الاحتمال [الأوّل] مؤدّى عين ألفاظ الحديث، و المعنى الحقيقي لعباراته.

و احتمل أيضا أن يكون المراد من قوله خصوص الغسل المطهّر، بالتقريب الذي ذكر، و هو أيضا مثل الاحتمالين، إلّا أنّه أبعد منهما.

و احتمل أيضا أن يكون المراد من لفظ «ماء» معنى رطوبة؛ أي: هل يطهّر الشمس يابسا من غير رطوبة في النجاسة أو ما يصبّ عليها؟ فيكون الرطوبة أعمّ مما في البول و نحوه، و من الماء الذي يصبّ للتطهير.

و إطلاق الماء على الرطوبة شائع ذائع؛ منها ما مرّ في غسل البول من قوله عليه السّلام: «فإنّما هو ماء» (1)، و ما مرّ في الاستنجاء من قوله: «يجزي أن يغسل


1) وسائل الشيعة: 3/ 395 الحديث 3962.

البول بمثله» (1).. إلى غير ذلك، و القرينة على ذلك أنّ الرطوبة شرط في تطهير الشمس مطلقا، لا الماء الحقيقي.

فظهر من جميع ما ذكر أنّ هذه الصحيحة أيضا تدلّ على مطهّريّة الشمس، لا على عدم مطهّريّتها كما توهّم من عدم التأمّل.

قوله: [الشمس هل تطهّر الأرض؟ قال: «إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثمّ يبس الموضع] فالصلاة على الموضع جائزة، و إن أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر» (2).. إلى آخره.

هذا ظاهر في تطهير الشمس من جهة ما قال عليه السّلام: «و أعلم الموضع حتّى تغسله» كما قال أوّلا، و لم يشر إلى الغسل أصلا في صورة تطهير الشمس، مع أنّه لو كان في هذه الصورة أيضا نجسا لكان أولى بالأمر بالغسل، ثمّ أولى بمراتب كما لا يخفى.

مع أنّ سؤاله كان عن التطهير، و الإمام عليه السّلام في مقام الجواب عن ذلك، فكما أنّه في الصورة الاولى اكتفى بقوله: «لا يصلّى [عليه] و أعلم الموضع» اكتفى في الثانية بجواز الصلاة، و عدم الأمر بالغسل، و كما أنّ الأوّل دليل النجاسة يكون الثاني دليل الطهارة، كما يفهمه العرف، و لذا اتّفق أفهام المعظم عليه.

مع أنّ تعبير الراوي في الاولى «لا تصيبه الشمس»، و في الثانية بقوله:

«هل تطهّر الشمس؟» يشهد على كون تطهير الشمس من المشهورات عندهم، و أنّ سؤاله عن هذا الأمر المشهور، و المعصوم عليه السّلام ما قال: لا يطهّر، و قال: «صلّ عليه» مطلقا، من غير تقييد عدم وضع موضع الجبهة، بل ظاهر «صلّ عليه» وضع


1) وسائل الشيعة: 1/ 344 الحديث 913.

2) الوافي: 6/ 232 الحديث 4179، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 372 الحديث 1548، وسائل الشيعة: 3/ 452 الحديث 4149.

الجبهة و غيرها.

و مع جميع ذلك شرط كون اليبس بالشمس؛ إذ مفهوم الشرط حجّة و مسلّم الحجيّة حتّى عند المصنّف، و أيضا ظاهره اشتهار كون الشمس من المطهّرات [و] يظهر من الأخبار اشتراط طهارة موضع السجدة حتّى من هذه الرواية أيضا، و هو واضح، و نقل الإجماع عليها (1)، و الإجماع المنقول حجّة، بل شنّع المسلمون على أبي حنيفة في قوله بعدم اشتراط طاهريّته (2)، و لذا قال في الأوّل: «لا تصيبه الشمس»، و في الثاني «يطهّر الشمس»، فتدبّر!

قوله: « [و إن كانت رجلك رطبة، أو جبهتك رطبة أو غير ذلك] منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلّ على ذلك الموضع» (3).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ بعض النسخ غير الشمس- بالمعجمة و الراء- و في ذيل الحديث احتمالات متعدّدة؛ بعضها ظاهر في تطهير الشمس، و بعضها مشعر بعدم تطهيرها، فلم يثبت ما يخالف ما ظهر من أوّل الحديث [و] من أراد بسط الكلام، فعليه بمطالعة حاشيتنا على المدارك (4)، و في اخر الخبر أيضا ما يشير إلى مطهّريّة الشمس، فتدبّر.

قوله: و على هذا فهو نصّ (5).

بعد ما اعترف من وجوب طهارة قدر ما يسجد عليه، يكون الحديث نصّا


1) مدارك الأحكام: 3/ 225.

2) بدائع الصنائع: 1/ 82، شرح فتح القدير: 1/ 191.

3) الوافي: 6/ 232 الحديث 4179، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 372 الحديث 1548، وسائل الشيعة: 3/ 452 الحديث 4149.

4) الحاشية على مدارك الأحكام: 2/ 258.

5) الوافي: 6/ 232 ذيل الحديث 4180.

في تطهير الشمس، كما فهمه أرباب الفهم السليم من أنّ المراد وضع الجبهة.

مع أنّه لو لم يكن كذلك لم يكن فرق- بالبديهة- بين تحقّق الشمس و غيرها، و الرواية صريحة في الفرق، لا يمكن توجيهها فيه.

قوله: فيما قلناه (1).. إلى آخره.

ليس كذلك؛ لاحتمال رجوع الظرف- يعني قوله: «حتّى ييبس» إلى قوله:

«لا تصلّ»- على طريقة عباراته السابقة، فتأمّل!

قوله: كأنّ الطهارة في الخبرين بمعناها اللغوي- أعني عدم سراية القذر- كقوله عليه السّلام: «كلّ يابس زكيّ»؛ ليوافقا الأخبار السابقة (2).

لا يخفى فساده؛ لأنّ المعنى اللغوي أمر يعرفه النساء، فضلا عن الرجال، فضلا عن مثل زرارة، فضلا عن كسب المال ليسافر إلى المدينة [و] يسأل عن الباقر عليه السّلام، خصوصا في هذا المقام؛ إذ لا ربط بحصول النظافة اللغويّة بالنسبة إلى النجس بالنجاسة الشرعيّة، و لا ربط أيضا لحكاية الصلاة و كونها في ذلك المكان، و كذا لا ربط لاشتراط التجفيف بالشمس و مفهوم الشرط و حجّة شرعيّة، و كذا لا ربط لكون الجزاء لذلك الشرط خصوص الصلاة عليه و مثله أيضا، و كذا لا وجه للتعليل بقوله: «فهو طاهر»، سيّما بعد البناء على كون المراد المعنى اللغوي.

مع أنّ المحقّقين اتّفقوا على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في زمان الباقر عليه السّلام و من بعده (3)، و الدليل قائم على ذلك، و يظهر ذلك من تتبّع تضاعيف الأحاديث.

و ممّا يدلّ على أنّ المراد الطهارة الشرعيّة- مضافا إلى ما ذكر- الإذن في الصلاة عليه على الإطلاق، من دون اشتراط يبوسة الأعضاء و الثياب و الموضع،


1) الوافي: 6/ 232 ذيل الحديث 4180.

2) الوافي: 6/ 234 ذيل الحديث 4186.

3) الوافية في اصول الفقه: 60 و 61، لاحظ! الحدائق الناضرة: 1/ 118- 120.

و كذا من دون استثناء موضع الجبهة، بل لا يخفى أنّ الغرض وضع الجبهة، و كون الصلاة على الموضع [ظاهر] في وضعها عليه.

على أنّ حمل سؤال زرارة على كونه من جهة خصوص الكراهة لا أنّه من جهة جواز الصلاة [و] عدم المنع من جهة النجاسة، فاسد قطعا.

و ممّا يشهد؛ اشتهار كون الشمس من المطهّرات بين المسلمين؛ [و] يظهر ذلك من التأمّل في الأخبار، و يحصل القطع من الخارج، حتّى أنّه ورد عنهم عليهم السّلام:

«لا يعصى اللّه في بيت إلّا أضحاه الشمس حتّى يطهر» (1).

و في «الفقه الرضوي»: «و ما وقعت عليه الشمس من الأماكن- التي أصابها شي‌ء من النجاسة، مثل البول و غيره- طهّرتها، و أمّا الثياب فلا تطهر إلّا بالغسل» (2)، و هذا أيضا منجبر بعمل القدماء و المتأخّرين.

و يشهد أيضا الأخبار الواردة عن علي بن جعفر (3)بحملها على التجفيف بالشمس؛ للإجماع، و أمّا روايته في الدار التي لا يصيبها الشمس (4)، ففيه أنّه فرق بين الصلاة فيها و الصلاة على الموضع، فتأمّل جدّا!

قوله: لعلّ المراد بالشي‌ء غير القذر، و أمّا ما مرّ من أنّه لا يغسل بالبصاق غير الدم، فمحمول على القذر، كما مرّ (5).

لا حاجة إلى هذا التوجيه؛ لأنّ الظاهر أنّ الماء هنا بمعناه الحقيقي، إلّا أنّه يصبّ (6)على الموضع من فيه.


1) وسائل الشيعة: 15/ 306 الحديث 20589 نقل بالمضمون.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 303، مستدرك الوسائل: 2/ 574 الحديث 2763.

3) وسائل الشيعة: 3/ 451 الحديث 4148، 453 الحديث 4153 و 4154.

4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 158 الحديث 736، وسائل الشيعة: 3/ 453 الحديث 4153.

5) الوافي: 6/ 236 ذيل الحديث 4194.

6) في الأصل: (يصيب)، و الصحيح ما أثبتناه.

و منشأ سؤال الراوي أنّه ربّما كان في الفم يدخله لعاب الفم فيضرّ، فأجاب عليه السّلام بأنّه لا يضرّ؛ لأنّ مجرّد دخول شي‌ء منه لا يخرجه عن الإطلاق.

[أبواب الوضوء]

[بحث في معنى الآية]

قوله: [و الصعيد هو التراب، و قيل: بل وجه الأرض .. و يؤيّد الأوّل قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في معرض التسهيل و التخفيف] و بيان امتنان اللّه سبحانه عليه، و على هذه الامّة المرحومة في إحدى الروايتين (1).. إلى آخره.

هي أظهرهما و أشهرهما، بل السيّد المرتضى- مع عدم عمله بأخبار الآحاد- احتجّ بهذه الرواية (2)كما احتجّ بها المؤلّف، فيظهر منه أنّها قطعيّة عنده، مع أنّ سقط الرواية أظهر في النظر من ازديادها.

و يدلّ أيضا ما دلّ على اشتراط العلوق من الآية و الحديث الصحيح و غيرهما، و كذا الأخبار الصحيحة المتضمّنة لقولهم عليهم السّلام: «إنّ اللّه جعل التراب طهورا، كما جعل الماء طهورا» (3)كما ستجي‌ء، و غيرها من الأخبار، كما ستجي‌ء.

و لا يعارض ما ورد من لفظ الأرض في غير واحد من الأخبار (4)لأنّ


1) الوافي: 6/ 246.

2) مسائل الناصريات: 153 و 154.

3) وسائل الشيعة: 1/ 133 الحديث 322.

4) وسائل الشيعة: 3/ 349 الحديث 3838- 3841.

إطلاق لفظ الكلّي على الفرد حقيقة متعارفة، سيّما إذا كان الفرد أغلب الأفراد و شائعها، فتأمّل جدّا!

[باب الأحداث التي توجب الوضوء]

قوله: عن ابن عمّار، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إنّ الشيطان ينفخ في دبر الإنسان حتّى يخيّل [إليه] أنّه قد خرج منه ريح، و لا ينقض الوضوء إلّا ريح يسمعها، أو يجد ريحها» (1).

لا يخفى أنّ مقتضى الأخبار الصحيحة و المعتبرة (2)ناقضيّة مطلق الريح الخارج بعد حصول العلم، و كذا فتوى فقهائنا رحمهم اللّه (3).

و الظاهر أنّ مضمون هذا الحديث إنّما هو بالنسبة إلى أهل الوسواس، لا سائر الناس، كما يشير إليه صدره، و كذا الحال في الأخبار الآتية.

و يمكن أن يكون المراد [ما] من شأنه أن يسمع أو يوجد، أو أنّ الوصفين وردا مورد الغالب في مقام العلم و اليقين.

قوله: «و إن كان في صلاته قطع الصلاة» (4).. إلى آخره.

يدلّ على أنّ خروج الحدث في أثناء الصلاة مبطل للصلاة مطلقا، كما هو المشهور.


1) الوافي: 6/ 248 الحديث 4202، لاحظ! الكافي: 3/ 36 الحديث 3، وسائل الشيعة: 1/ 246 الحديث 633.

2) وسائل الشيعة: 1/ 248 الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

3) المعتبر: 1/ 105، تذكرة الفقهاء: 1/ 99، مدارك الأحكام: 1/ 142.

4) الوافي: 6/ 249 الحديث 4606، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 206 الحديث 597، وسائل الشيعة: 1/ 259 الحديث 672.

قوله: و سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرعاف و الحجامة [و القي‌ء]؟ قال: «لا ينقض هذا شيئا من الوضوء، و لكن ينقض الصلاة» (1).

يدلّ على أنّ الفعل الكثير مبطل للصلاة.

[معنى وجوب الوضوء]

قوله: عن البجلي، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الخفقة و الخفقتين؟ فقال:

«ما أدري ما الخفقة و الخفقتان؛ إنّ اللّه تعالى يقول: بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (2)إنّ عليّا عليه السّلام كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا، فقد وجب عليه الوضوء (3).

استدلّ بأمثال هذا الخبر على وجوب الوضوء لنفسه؛ لأنّ الظاهر وجوبه بمجرّد تحقّق الحدث، و عند حصوله.

و فيه نظر؛ لأنّ الذي يظهر أنّه يجب عقيب كلّ حدث حدث فورا إن قلنا بأنّ الفاء هنا تفيد الفوريّة، أو موسّعا إن قلنا بعدم إفادتها.

و كيف كان، [لم يقل] أحد من المسلمين بذلك، بل الذي نقل عن قائل مجهول أنّه يجب بالحدث إحدى الطهارات الثلاث وجوبا موسّعا لا يتضيّق إلّا بتضيّق وقت المشروط به، أو ظنّ الوفاة (4)، و أنّه إذا ظهر عقيب كلّ حدث حدث يتطهّر بقصد الوجوب، و إلّا فليس عليه عقاب سوى الطهارة التي يتركها عند ظنّ الوفاة، و التمكن منها بالحدث الأصغر يجب عليه الوضوء مع التمكّن، و بالأكبر


1) الوافي: 6/ 253 الحديث 4217، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 328 الحديث 1346، وسائل الشيعة: 1/ 262 الحديث 680.

2) القيامة (75): 14.

3) الوافي: 6/ 253 الحديث 4219، لاحظ! الكافي: 3/ 37 الحديث 15، وسائل الشيعة: 1/ 254 الحديث 659.

4) لاحظ! مدارك الأحكام: 1/ 10.

الغسل، و عند عدم التمكّن منها التيمّم؛ كلّ واحد منها بالنحو الذي ذكر.

و هذا مغاير لما يظهر من الروايات من أنّ عقيب كلّ حدث يجب وضوء بوجوب مستقلّ؛ يكون على تركه العقاب (1)، فيجتمع على المكلّف واجبات لا تحصى، على ترك كلّ واحد منها عقاب.

على أنّ ما نسب إلى القائل فاسد في نفسه، فكيف يكون ظاهرا من الأخبار؟ و ذلك لأنّه يلزم منه تحقّق واجبات لا تحصى، [ف] لا يجوز ترك كلّ واحد واحد منها، و لا يكون على ترك واحد منها عقاب أصلا.

فإنّه إن قال بأنّه بالحدث الصادر حين البلوغ يجب وضوء واحد بوجوب موسّع إلى اخر العمر، فيكفي وضوء واحد من أوّل العمر إلى آخره، فكيف يكون و ضوؤه عقيب كلّ حدث واجبا حتّى ينوي الوجوب؟!

و إن قال: عقيب كلّ حدث حدث يكون وضوء وضوء، كلّ واحد منه واجب على حدة، كيف يجوز ترك الكلّ إلّا ما هو عند ظن الفوت؟! و كيف [يكون] كلّ واحد واحد منه واجبا من واجبات لا تحصى ليس على تركها عقاب أصلا؛ لجواز تركها مطلقا؟!

أمّا تضيّقه بتضيّق وقت العبادة المشروطة، فلا يقتضي أن يكون على ترك الوضوء عقاب؛ لأنّ الظاهر من كلامه أنّ وجوب الوضوء للصلاة- مثلا- وجوب شرطي.

و قصارى ما يكون: أنّ وجوبه لها وجوبا لغيره، و قد حقّق في محلّه (2)أنّ الواجب لغيره ليس على ترك نفسه عقاب، بل العقاب على ترك المشروط به.


1) وسائل الشيعة: 1/ 245 الباب 1، 248 الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

2) لاحظ! الفوائد الحائريّة: 401 (الفائدة 11)، الحاشية على مدارك الأحكام: 1/ 11.

و ضروري أنّه لا معنى لأن يكون وجوبه لنفسه يتضيّق بتضيّق وقت مشروطه؛ لأنّ معنى الوجوب أنّه مع قطع النظر عن المشروط هو واجب، من دون مدخليّة شي‌ء في وجوبه، بحيث يكون وجوبه من جهة وجوبه، و هو ظاهر.

و معنى تضيّقه بتضيّق وقت العبادة أنّه لأجل تلك العبادة لا بدّ أن يفعل و لا يؤخّر، و هذا بعينه معنى الوجوب الشرطي، أو الوجوب للغير، فيجتمع على رأي القائل في الوضوء- مثلا- وجوبان؛ وجوب لنفسه و وجوب شرطي، أو الوجوب [ل] لغير، كما صرّح المحقّقون بذلك.

فظهر أنّه ليس على ترك الوضوات التي لا تحصى عقاب أصلا سوى الذي ظنّ موته بعد بلا فصل و لا مهلة، سوى مقدار زمان الوضوء؛ لأنّ تضيّقه بمظنّة الموت لا يكون إلّا كما ذكرنا؛ لأنّه إن ظنّ موته بعد ذلك بزمان أزيد منه يكون وجوبه موسّعا لا مضيّقا؛ لجواز تأخّره حينئذ لظنيّة البقاء.

و غير خفيّ أنّ حصول ظنّ الموت بعد الوضوء بلا فصل عرفي ممّا لا يكاد يتحقّق، و على تقدير التحقّق على غاية الندرة، فالتمكّن من الوضوء ممّا لا يكاد يتحقّق من جهة المرض و غيره، و الموسّع إن ترك و أخّر لظنّ البقاء و وقع الموت فجأة لا يكون على تركه العقاب، كما حقّق.

و لأجل هذا قال هذا القائل: لا يتضيّق إلّا بتضيّق العبادة، أو ظنّ الموت؛ إذ غير خفيّ أنّ بناؤه على ما ذكرنا من أنّ الترك مع السعة ليس عليه عقاب.

فظهر أنّ هذه الواجبات التي لا تحصى لا يكون على واحد منها، و لا على ترك جميعها عقاب أصلا.

فان قلت: لعلّه يقول بتداخل الواجبات، و في الوضوء الأخير يكون العقاب على تركه على الفرض النادر، و هذا القدر يكفي للحكم بوجوب كلّ واحد؛ لخروجه عن حدّ المستحبّ.

قلت: الواجبات المتداخلة يكون كلّ واحد واحد منها واجبا، إلّا أنّها تتداخل، و معنى الواجب أنّه لا يجوز تركه، و يكون على تركه العقاب في الجملة، و قد عرفت أنّه يجوز ترك كلّ واحد واحد، و ليس على ترك واحد عقاب؛ إذ جميع تلك الوضوات تترك مع ظنّ البقاء وسعة الوقت، فلا يجوز أن يكون على تركها العقاب، إلّا الوضوء الأخير الذي حصل الظنّ بالفوت بعده بلا فصل، و يمكن من فعله حينئذ، و قد عرفت أنّه لا يكاد يتحقّق عادة.

و لئن سلّمنا تحقّقه فالواجب هو لا غيره، فكيف قلت بتداخل الواجبات؟

بل هذا تداخل المستحبّات التي لا تحصى مع واجب شاذّ نادر.

مع أنّ وجوب ذلك النادر إنّما يتحقّق بعد دليل على اعتبار هذا الظنّ و كونه المناط للحكم بالوجوب، و غير خفيّ أنّه لا إشارة في الأخبار إلى ذلك، بل هو أجنبي بالنسبة إليها.

و مع ذلك يظهر من أخبار كثيرة كون وجوب الوضوء لغيره، و كذا الآية، مثل إِذٰا قُمْتُمْ الآية (1)، و الأخبار مثل: «إذا دخل الوقت وجب الطهور» (2)و قوله عليه السّلام: «فليتوضّأ لما يستقبل» (3)، و قوله عليه السّلام: «و ليتوضّأ و ليعد الصلاة» (4)..

إلى غير ذلك، و كذا الإجماعات التي نقلها جماعة في أنّ وجوبه للغير فقط (5).

و يظهر من الصدوق في أماليه أنّ هذا مذهب الإماميّة (6)، و يظهر علينا أيضا،


1) المائدة (5): 6.

2) تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة: 1/ 372 الحديث 981.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 45 الحديث 127، وسائل الشيعة: 1/ 317 الحديث 835 مع اختلاف يسير.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 45 الحديث 127، وسائل الشيعة: 1/ 317 الحديث 835 مع اختلاف يسير.

5) لاحظ! نهاية الإحكام: 1/ 19، الرسائل التسع (المسائل العزيّة): 99 و 100.

6) أمالي الصدوق: 514.

إذ الشيعة، بل المسلمون في الأعصار و الأمصار ما كانوا يلتزمون [به] عند الموت، و لا كانوا يلزمون، مع أنهم كانوا يلتزمون بالآداب و المستحبّات حال الوفاة و الاحتضار.

و ممّا ذكر ظهر الكلام في الغسل و التيمّم أيضا، بل التيمّم وجوبه للغير [بلا] خفاء.

بل نقول: الذي نفهم من أمثال هذه الأخبار أيضا كون وجوب الوضوء للغير، كما هو الحال في الأمر بغسل الثياب و الجسد و غيرهما من النجاسات، بل في زماننا في محاوراتنا و مخاطبتنا لا نفهم من وجوب الوضوء، أو الغسل، أو التيمّم إلّا كونها لأجل الصلاة، بل الذين يرجّحون الوجوب النفسي أيضا في محاوراتهم لا يفهمون سوى الوجوب للغير، و لا يبنون إلّا عليه، و ذلك لأنّ شرطيتها لأجل الصلاة، [و] لمّا صارت من ضروريّات الدين صارت حاضرة في الأذهان، فعند الإطلاق ينصرف الذهن إليها، فتأمّل!

قوله: حملهما [و أمثالهما] في التهذيبين على ما إذا لم يغلب على العقل (1)..

إلى آخره.

الحمل على التقيّة محتمل، لو لم نقل أنّه أظهر.

قوله: حمله في التهذيبين على أنّه لا وضوء عليه (2).. إلى آخره.

و الحمل على الاتّقاء ممكن، بل هو الأظهر، فتدبّر!

قوله: و الأولى أن يحمل على الاستحباب، و تأكّده فيما كان من شهوة، و قد مضت الأخبار المستفيضة في باب المذي و أخويه (3).. إلى آخره.


1) الوافي: 6/ 256 ذيل الحديث 4230.

2) الوافي: 6/ 258 ذيل الحديث 4234.

3) الوافي: 6/ 266 ذيل الحديث 4260.

الحمل على الاستحباب بعيد، بملاحظة الأخبار التي مضت في باب المذي و التي مضت، و ستجي‌ء في هذا الباب، بل الحمل على التقيّة و الاتقاء، متعيّن.

و يؤيّده أنّ عليّ بن يقطين كان وزير الخليفة، و كذا يعقوب من تبعه، فيناسبهما الكفّ، سيّما و الأخبار عن الكاظم عليه السّلام و التقيّة في زمانه كانت شديدة، و أيضا العامّة يقولون بناقضيّته مطلقا، أو إذا خرج بشهوة (1)، و الخاصّة يقولون بعدم الناقضيّة إلّا من شذّ منهم (2).

و الأخبار الدالّة على ذلك كثيرة موافقة للاستصحاب، و الأخبار الدالّة على الحصر الموافقة لمذهب الشيعة الرادّة على العامّة، إلى غير ذلك، فلا مجال في الحمل على التقيّة كما ذكرنا.

[باب صفة الوضوء]

قوله: عن زرارة، قال: حكى لنا أبو جعفر عليه السّلام وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فدعا بقدح (3).. إلى آخره.

في أمثال هذه الأخبار شهادة واضحة على زرارة و نظرائه من فقهاء أصحاب الأئمّة عليهم السّلام [أنّهم] ما كانوا يفهمون من القرآن العزيز بيان الوضوء، و ما كانوا يبنون على أنّ ما ثبت من ظاهره و مطلقه يكفي و حجّة، و ما لم يثبت فالأصل عدمه كما هو الحال عند بعض المتأخّرين.


1) المغني لابن قدامة: 1/ 112، المجموع للنووي: 2/ 6 و 145.

2) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 261.

3) الوافي: 6/ 273 الحديث 4278، لاحظ! الكافي: 3/ 24 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 390 الحديث 1025.

و الحقّ أنّه ليس بيانا بالنحو المذكور، بل بيان بعض منه على ما اقتضاه المقام، و أنّ البيان يبيّن جميع أجزاء المبيّن و صفاته و أحواله، و الآية (1)ليست كذلك قطعا؛ و لأنّ الآية نزلت في اخر زمان بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قرب موته، و الوضوء فرض في أوّل بعثته (2)، فكلّ أمّته كانوا مكلّفين به، اتين به لأجل الصلاة و غيره.

و على هذا يكون البيان- بعنوان الكليّة- مقتصرا على فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الأئمّة عليهم السّلام، فيلزم من ذلك، الاقتصار على ما فعلوه في مقام البيان، إلّا أن يثبت استحباب شي‌ء، أو كونه بحسب الاتّفاق، و العبادة توقيفيّة؛ موقوفة على ثبوت كيفيّتها من الشرع، و وفاقا لما هو مقتضى الدليل الظاهر.

فيلزم من ذلك كون البدء بالأعلى واجبا، و كذا المسح ببقيّة البلل؛ إذ يظهر الأمران من هذه الأخبار، على ما عرفت، و سيجي‌ء في باب بدء الصلاة و عللها حديث كالصحيح، بل و صحيح يدلّ على وجوب كون المسح ببقيّة البلل (3).

قوله: الأربعة و النيسابوريّان (4).. إلى آخره.

في هذه الصحيحة شهادة على انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة.

قوله: و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين؛ فليس له أن يدع شيئا من يديه إلى المرفقين إلّا غسله؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ


1) المائدة (5): 6.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 1/ 399 الحديث 1043، 400 الحديث 1044.

3) الوافي: 7/ 57 الحديث 5472، لاحظ! الكافي: 3/ 482 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 390 الحديث 1024.

4) الوافي: 6/ 274 الحديث 4281، لاحظ! الكافي: 3/ 25 الحديث 4، وسائل الشيعة: 1/ 387 الحديث 1021.

ثمّ قال: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1)(2).. إلى آخره.

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «ما بين» بدل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «شي‌ء» كما يظهر بالتأمّل، فيدلّ على وجوب الاستيعاب الطولي، سيّما بملاحظة أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مقام إظهار كفاية قدر قليل و مسمّاه، و مع ذلك شرط أنّ ذلك القدر القليل يكون ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع، أي نفس «ما بين»، إلّا أنّه فيما بين كما هو ظاهر من البدليّة، و يظهر الاستيعاب أيضا.

و في الصحيحة الآتية في باب بدء الصلاة و عللها «ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يديك من الماء و رجليك إلى كعبيك» (3)و الظاهر المتبادر منه رءوس الأصابع و هو الذي كان متعارفا.

مع أنّ الفقهاء نقلوا الإجماع على الاستيعاب (4)، و الآية أيضا تؤيّده، و كذا ما ورد «أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام [مسح ..] و لم يستبطن الشراكين» (5)إذ لو لم يكن الاستيعاب واجبا لما كان لذكر ذلك فائدة و لفقه الوضوء ممّا يعمّ به البلوى غاية العموم، و يكثر الحاجة إليه غاية الكثرة، فلو كان الاستيعاب غير واجب لشاع و ذاع إلى ألا يبقى تأمّل، لا أن يصير الأمر بالعكس، لما عرفت من نقل الإجماع.


1) المائدة (5): 6.

2) الوافي: 6/ 276 الحديث 4284، لاحظ! الكافي: 3/ 25 الحديث 5، وسائل الشيعة:1/ 388 الحديث 1022.

3) الوافي: 7/ 60 الحديث 5472، لاحظ! الكافي: 3/ 485 الحديث 1، وسائل الشيعة:1/ 390 الحديث 1024 مع اختلاف يسير.

4) الانتصار: 27 و 28، منتهى المطلب: 2/ 69، التنقيح الرائع: 1/ 83.

5) من لا يحضره الفقيه: 1/ 27 الحديث 86، وسائل الشيعة: 1/ 460 الحديث 1217 مع اختلاف يسير.

مضافا إلى أنّ ذلك هو الطريقة المشتهرة في الأعصار و الأمصار، و العبادات توقيفيّة، فتأمّل!

و صحيحة البزنطي (1)الآتية أيضا تؤيّد.

[في معنى الكعب]

قوله: و إنّما لا يدخل أصابعه تحته لعدم وجوب استيعاب ظهر القدم بالمسح، و إن كان أولى كما يأتي، و هذا الخبر صريح في أنّ الكعب هو المفصل، كما أشرنا إليه في بيان الآية (2).. إلى آخره.

دعوى الصراحة فاسدة؛ لأنّ قوله «يعني المفصل» من الراوي لا المعصوم عليه السّلام، و مع ذلك إنّما فهمه من إشارته عليه السّلام و ليس بين المفصل و رأس عظم الساق فاصلة أصلا و رأسا، بل المفصل ليس إلّا موصل رأس العظم بالقدم، فكيف يمكن الإشارة إلى الموصل دون رأس العظم و منتهى رأسه؟! إذ منتهى رأسه و نفس [الموصل] مكانهما واحد، و ليس مكان أحدهما مغايرا لمكان الآخر، سيّما بحيث يصيران مميّزين في الإشارة.

و يفهم أنّ الإشارة كانت إلى أحدهما دون الآخر، و رأس العظم ليس كعبا وفاقا، مع أنّ الظاهر أنّ كلمة «دون» هنا بمعنى غير.

و كذا الكلام في قوله عليه السّلام: «هذا من عظم الساق، و الكعب أسفل من ذلك» (3)فلعلّ مراد الراوي من المفصل المفصل الشرعي عندنا، و هو الذي يقطع اصل الساق منه.

و محمّد بن الحسن- الذي هو من العامّة، و شريكنا في كون الكعب هو قبّتا


1) الكافي: 3/ 30 الحديث 6، وسائل الشيعة: 1/ 417 الحديث 1085.

2) الوافي: 6/ 277 ذيل الحديث 4284.

3) الكافي: 3/ 25 الحديث 5، وسائل الشيعة: 1/ 388 الحديث 1022.

القدم- صرّح بأنّه المفصل الذي يحسب معقد الشراك في وسط القدم (1).

و زرارة فقيه من الفقهاء، فلا مانع من أن يريد من المفصل- هو المفصل عندنا- أنّه مفصل شرعا، مع أنّه يحتمل أن يكون متوهّما؛ لما قد عرفت من عدم إمكان الحمل على المفصل المعهود.

مع أنّ قوله: «هاهنا» يمكن أن يكون إشارة إلى الموضع الذي يكون الكعب فيه أو عنده؛ لأنّه سأل: «أين الكعبان؟» فيكون المراد من المفصل أيضا الموضع الذي يكون الكعب عنده.

و الكعب ابتداؤه من وسط القدم، و انتهاؤه إلى المفصل أو قريبا منه.

و ممّا يدلّ على أنّ المفصل ليس بكعب؛ الأخبار الآتية، و أنّه غير معروف عند اللغويين كونه كعبا، و اعترف العلّامة به (2).

نعم، في «القاموس»: إنّ كلّ مفصل كعب (3)، لكن هذا مع كونه خلاف المعروف منهم- كما لا يخفى على من لاحظ كتب الشيعة و أهل السنّة- لا دلالة له على كون الكعب هو خصوص المفصل المعهود؛ إذ يحتمل كونه المفصل الشرعي، بل الظاهر ذلك.

فعلى هذا لا يكون إشكال في الحديث أصلا و رأسا.

و نقل المرتضى (4)، و الشيخ (5)، و الطبرسي (6)، و ابن زهرة (7)، بل العلّامة


1) شرح فتح القدير: 1/ 17، أحكام القرآن للجصّاص: 2/ 347.

2) لم نعثر عليه في مظانّه.

3) القاموس المحيط: 1/ 129.

4) الانتصار: 28.

5) الخلاف: 1/ 93 المسألة 40.

6) مجمع البيان: 2/ 42 (الجزء 6).

7) غنية النزوع: 56.

أيضا في «المنتهى» الإجماع على كون الكعب قبّتا القدمين (1)، و أسند ذلك ابن الأثير و غيره من العامّة إلى الشيعة (2)، و الرواية التي سيذكرها في باب عدد غسلات الوضوء كالصريح في ذلك (3).

قال ابن الجمهور في «الغوالي» عند ذكر هذا الحديث: و هذا يدلّ على أنّ الكعب هو مفصل القدم الذي عند وسطه في قبّة القدم (4)، انتهى.

و سيجي‌ء في باب قطع رجل السارق أخبار تدلّ على ما ذكرناه دلالة في غاية الوضوح، و ملاحظة كلمات الفقهاء في ذلك الباب ترفع الاشتباه بالمرّة.

مع أنّه وقع النزاع العظيم بين العامّة و الخاصّة في الكعب، و المعروف من النزاع إنّما هو قبّتا القدمين و النابتين عن يمين القدم و شماله، مع أنّه لو كان المفصل؛ لم يكن لهذا النزاع العظيم وجه أصلا؛ لما عرفت.

و ممّا يؤكّد ما ذكرنا، أنّ الشيخ، بل و غيره من الفقهاء الماهرين يستدلّون بهذا الخبر على كون الكعب هو قبّة القدم (5)من دون تعرّض لتوجيه و تقريب، فلولا ما ذكرناه كان اللازم أن يجعلوا هذا الخبر معارضا و يؤوّلونه أو يطرحونه، لا أن يجعلوه الحجّة على قبّة القدم، فتدبّر!

و يظهر من الصدوق في «الفقيه» أنّ الكعب هو قبّتا القدمين (6)، و أنّ ذلك ممّا لا تأمّل فيه؛ حيث حكم في باب الوضوء بأنّ المسح إلى الكعبين من دون إشارة أصلا


1) منتهى المطلب: 2/ 71.

2) النهاية لابن الأثير: 4/ 178، التفسير الكبير للفخر الرازي: 11/ 165.

3) الوافي: 6/ 317 باب عدد الغسلات في الوضوء.

4) عوالي اللآلي: 2/ 196 ذيل الحديث 94.

5) الخلاف: 1/ 92 المسألة 40، المعتبر: 1/ 151، تذكرة الفقهاء: 1/ 170.

6) من لا يحضره الفقيه: 1/ 28 ذيل الحديث 88.

إلى كون الكعب ما ذا؟ و في كتاب الحدود حكم بأنّ القطع من الكعب (1)من غير إشارة إليه أيضا أصلا.

مع أنّ الحديث المتضمّن لذلك ذكره، بل هو قبّة القدم كما يقوله الفقهاء، فلاحظ و تأمّل!

[حدّ الوجه]

قوله: « [الوجه الذي أمر اللّه بغسله ... ما دارت السبّابة و] الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، و ما جرت عليه الإصبعان» (2)..

إلى آخره.

هذا نصّ في كون ابتداء دوران مجموع الإصبعين من القصاص، و انتهاؤه إلى الذقن، كما فهم الفقهاء لا ابتداء دوران راس أحد الإصبعين من القصاص و انتهاؤه إلى الذقن، و ابتداء دوران الإصبع الآخر من الذقن و انتهاؤه إلى القصاص عكس الاولى.

مع أنّ الدائرة لا ابتداء لها، و لا انتهاء، و لا يلزم فرضه لها، فقوله: «من القصاص .. إلى آخره يكون لغوا على ذلك مستدركا، بل يكون بالفرض كما سيذكر، مع أنّ الدائرة إذا فرض لها ابتداء فالانتهاء ليس إلّا إلى موضع الابتداء، لا موضع اخر.

و اعلم أنّ لفظ (دائرة) مأخوذ من الدور؛ إمّا يذكر غير متعلّق بمفعول، مثل قولك: دار زيد، و هذا يحتمل أن يكون معناه: تحرّك حركة دوراء، و تحرّك حول


1) من لا يحضره الفقيه: 4/ 46 و 49.

2) الوافي: 6/ 277 الحديث 4286، لاحظ! الكافي: 3/ 27 الحديث 1، وسائل الشيعة:1/ 403 الحديث 1048.

شي‌ء؛ أو يذكر متعلّقا بمفعول، مثل: دار الأسواق أو البيوت أو البيت، أو الدار و أمثال ذلك، و هذا لا يناسب شكل الدائرة بلا شبهة؛ إذ البيت لعلّه بشكل مربّع أو مثلّث أو غيرهما.

و غير خفيّ أنّه في هذا الحديث ذكر متعلّقا بمفعول، غاية ما في الباب أنّه عدّى ب «على» من جهة تضمين معنى الجريان، إذ لو لاه لم يتعدّ ب «على» كما لا يخفى، و لذا قال عليه السّلام: «و ما جرت»؛ فإنّه عطف تفسير كما لا يخفى.

و قوله عليه السّلام: «مستديرا» إمّا حال عن الوجه- كما هو الأظهر- فيكون المعنى:

حال كون الوجه مستديرا، احتراز عن غير المستدير، و هو الذي يكون عرضه أقلّ من طوله أقليّة واضحة، بحيث يقال في العرف: غير مستوي الخلقة، و المستوي منه [ما] تعارف عندهم أنّهم يعبّرون عنه بالمستدير، و هو الذي عرضه موافق لطوله و يناسبه فيكون طوله و عرضه متساويان في كون القطر و البعد مقدار ما انتهى إليه رأس الإبهام و الوسطى، كما صرّح به المصنّف موافقا لشيخنا البهائي رحمه اللّه (1).

و بالجملة؛ الاستدارة إشارة إلى استواء الخلقة، كما هو المتعارف الشائع في العرف، فيكون غير المستدير غير مستوي الخلقة، فما جرى الإصبعان فيه يزيد عن الوجه أو ينقص عنه؛ لأنّ فرضه الرجوع إلى المستوي.

و على تقدير كونه حالا من الإصبعين- فمع بعده- يصير المعنى: أنّ الإصبعين حال جريانهما في غسل الوجه في الوضوء، كلّ شي‌ء جريا عليه حينئذ يكون داخلا في حدّ الوجه الذي أمر اللّه تعالى بغسله.

[و] على فرض كونه صفة الجريان المقدّر- مع كون الأصل عدم التقدير، و كونه أبعد من الوجه- فقد عرفت عدم انحصار معنى الاستدارة في تحصيل شكل


1) حبل المتين: 13 و 14.

الدائرة- لو لم نقل بكونه أبعد- سيّما أنّه ذكر لأجل لفظ «دارت» المتعلّق بالمفعول، و قد ظهر لك حاله، فتأمّل جدّا بأنّ المناسب للفصل و التمييز هو التحقّق واقعا، لا مجرّد الفرض.

مع أنّ الظاهر من قول «حال كونه مستديرا» تحقّق الاستدارة في حال، كما أنّ هذا هو الظاهر من قوله: «عليه الإصبعان».

و المحقّق واقعا هو المستدير العرفي، ليس إلّا، مع أنّه أراد إخراج ما زاد عن الدائرة في المستوي الخلقة.

مع أنّ الحال الفرضي أيضا يدور مع العامل من الابتداء إلى الانتهاء في مثل المقام، و قد عرفت استحالة وجوده؛ إذ المعنى أنّ فرض حال الاستدارة يكون ابتداء جريان الإصبعين من قصاص الشعر في كلّ جزء إلى انتهاء الذقن، و قد ظهر لك استحالته.

و بالجملة؛ لا فرق بين الحال المحقّق و الحال المقدّر في الاستحالة، و عدم تأتّي الإرادة.

و جعل المعنى ما دارت عليه الإصبعان من القصاص إلى الذقن، من دون فرض [ال] مستدير؛ ثمّ حصول الفرض بعد الانتهاء و التماميّة ينافيه تحقّق الجريان من مجموع الإصبعين و تمامهما من القصاص إلى الذقن؛ لأنّ الحاصل منه المربع و [هو] القريب قطعا، لا المستدير، إلّا أن يقال: المراد من الإصبعين خصوص رأسهما لا غير؛ لأنّه المحصّل الدائرة و الباقي لا يناسبها؛ لأنّ المراد الدائرة التي يكون بعدها ما بين القصاص إلى الذقن، لكن لا يخفى ما فيه من التعسّف، و الخروج عن الظواهر، و مع ذلك لآب عن إرادة الاستدارة العرفيّة، لا خصوص هيئة الدائرة، فتأمّل جدّا!

قوله: و قد ذهب فهم هذا المعنى عن متأخّري أصحابنا، سوى شيخنا المحقّق

بهاء الدين محمّد العاملي- طاب ثراه- فإنّ اللّه تعالى أعطاه حقّ فهمه كما أعطاه فهم معنى الكعب (1).

و في «الفقيه»: (ما دارت [عليه] الوسطى و الإبهام) (2)بدون ذكر السبّابة، و هو أوضح، و الصدغ هو المنخفض بين أعلى الاذن و طرف الحاجب (3).

قد عرفت الخطأ في فهم المفصل من الكعب، مضافا إلى أنّ شيخنا البهائي لم يجعل المفصل كعبا، بل جعل العظم المستدير الذي لا يعرفه إلّا أهل التشريح، و لا يعرف موضعه إلّا هؤلاء، و إذا خرج من الرجل يلعب به الصبيان، و جعل المأخذ منه كعب القمار، و فيما ذكره من البعد ما لا يخفى [على] من له أدنى تأمّل.

و من أراد تفصيل مبعداته، فعليه بملاحظة «الذخيرة» لمولانا محمّد باقر الخراساني (4)، و غيره، و ليس المقام مقام التفصيل.

و أمّا فهمه الدائرة في الوجه، فهو أيضا بعيد؛ لأنّه من قواعد أهل الهيئة؛ و من ماثلهم، و أمّا العرف فيفهمون من لفظ: دار، يدور، و استدار، يستدير: شكل الدائرة؛ يقال: دارت المكان، و استدارت البلد، و دارت في الموضع، و أمثال ذلك من غير فهم الدائرة أصلا، بل الدائرة من صفات أهل الهيئة و الشكل، و فيها دوران و دور، و ليس كلّ دور، أو دوران، أو ما يشتقّ منهما ما يعود إليه شكل الدائرة.

مع أنّه لو كان دورا فيه يستلزم ذلك تحقّق الدائرة من الوسطى على حدة، دون الإبهام على حدة؛ لأنّه عليه السّلام قال: «دارت [عليه] الوسطى و الإبهام» و ظاهر أنّ الواو هنا ليست بمعنى مع، مع أنّه مجاز جزما، فهو خلاف الأصل، و واو العطف


1) حبل المتين: 13 و 14 و 18.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 28 الحديث 88، وسائل الشيعة: 1/ 403 الحديث 1048.

3) الوافي: 6/ 278 ذيل الحديث 4287.

4) ذخيرة المعاد: 26.

تقتضي تكرير العامل، بل هو: دارت الوسطى، و دارت الإبهام، حذفت الثانية اختصارا، اكتفاء بحرف العطف.

و لا شكّ في أنّه لو كان المراد تحقّق الدائرة، فإنّما هو بمجموع الإصبعين، لا بكلّ واحد.

و أيضا قوله عليه السّلام: «من قصاص»، و قوله عليه السّلام: «إلى الذقن» ظرفان متعلّقان ب «دارت»، و القطع حاصل بأنّ هذا يمنع ما ذكر رحمه اللّه؛ لأنّ المعنى أنّه يحصل الدائرة من ابتداء القصاص إلى انتهاء الذقن، و هو فاسد قطعا.

و أيضا الدائرة التي ذكرها أمر فرضي تقديري، و هو خلاف قوله عليه السّلام: «ما دارت عليه» .. إلى آخره كما لا يخفى على من له أدنى تأمّل.

و أيضا قوله عليه السّلام: «مستديرا» فيه ضمير مفرد، حيث قال: «مستديرا»، و لم يقل: مستديرين، و قد عرفت أنّ الدائرة لو كانت تحصل من مجموع الإصبعين، لا من كلّ واحدة على حدة، و مع ذلك هو بعنوان الفرض و التقدير، و هو خلاف ظاهر قوله عليه السّلام: «مستديرا»، كما أنّه خلاف قوله عليه السّلام: «و ما جرت عليه الإصبعان» بلا تأمّل، كما أنّه كان خلاف ظاهر قوله عليه السّلام: «ما دارت» .. إلى آخره كما عرفت.

و ممّا ذكرنا ظهر الوجه في عدم فهم أحد من الفقهاء من هذا الحديث ما ذكره شيخنا البهائي (1).

و ممّا يدلّ على فساد فهمه؛ الأخبار الاخر، مثل رواية إسماعيل بن مهران (2)، و ما ورد في كيفيّة المسح في التيمّم، مع أنّه بعض غسل الوجه، كما سيجي‌ء في


1) حبل المتين: 13 و 14.

2) الكافي: 3/ 28 الحديث 4، وسائل الشيعة: 1/ 404 الحديث 1049.

صحيحة زرارة.

إلى غير ذلك ممّا يدلّ بظاهره على ذلك، فلاحظ الأخبار الواردة في كيفيّة مسح الوجه في التيمّم يظهر لك (1).

و يؤيّده رواية زرارة المذكورة (2)في أوّل هذا الباب و أمثالها، و ملاحظة اللغة في معنى الدور و الاستدارة، و معنى الوجه، و كذا العرف؛ لأنّ الوجه عندهم أكثر ممّا ذكره رحمه اللّه، و الأدلّة القطعيّة قائمة على حجيّة العرف و اللغة في موضوعات الأحكام، و أنّ اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم يخاطبنا بلساننا، و لا نزاع في ذلك.

و كون كلمة (من) في هذا الحديث بيانيّة يأباه كون القصاص بيانا لما (دارت) قطعا، بل هو ابتداؤه، كما أنّ طرف الذقن انتهاؤه، و لذا ذكر ب «إلى» الدالّة على الانتهاء قطعا، فتأمّل!

و الحاصل؛ أنّ معنى الحديث: إنّ الوجه الشرعي هو ما دارت عليه الإصبعان من القصاص إلى الذقن، من الوجه المستدير، و مستديرا حال من الوجه المتّصل به، و لذا كرّر لفظه.

و لمّا لم يكن نزاع في الوجه بحسب الطول من جهة أنّ الرأس غير داخل في الوجه يقينا، و الوجه منته إليه، و كذا الحال في الذقن عرّف المعصوم عليه السّلام عرض [الوجه]، و هو ما حواه الإصبعان من الوجه المستدير، و لا شكّ في أنّ الوجه في العرف مستدير و طويل، و ليس المراد الاستدارة باصطلاح الهيئة.

قوله: [يشترط علوق التراب بالكفّ] و أنّه لا يجوز التيمّم بالحجر الغير المغبّر (3).


1) وسائل الشيعة: 3/ 358 الباب 11 من أبواب التيمّم.

2) راجع! الصفحة: 232 من هذا الكتاب.

3) الوافي: 6/ 283 ذيل الحديث 4298.

بل هذا من مرجّحات كون المراد من الصعيد التراب، كما عليه جماعة من اللغويين (1)، و يظهر من غير واحد من الأخبار (2)، فلاحظ و تأمّل! و مرّ الكلام في أوّل الباب.

قوله: عن البزنطي، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم، قلت: جعلت فداك، لو أنّ رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا» (3).. إلى آخره.

الرواية كالصريحة في أنّ الكعب قبّة القدم؛ لأنّ الغاية غير داخلة، كما حقّق في محلّه (4)، و هو الظاهر المتبادر، و مع ذلك لا تأمّل في ظهورها في كون الكعب في ظاهر القدم، و المفصل ليس في ظاهر القدم، بل هو موصل القدم بالساق من دون خصوصيّة له بالظاهر، بل من جميع أطراف القدم يكون المفصل و الموصل، و لا وجه لنسبته إلى خصوص الظاهر أصلا، مع أنّه لا فرق بينه و بين كعب العامّة في الظهريّة و عدمها.

مع أنّه إذا وصل المسح إلى المفصل، وصل إلى كعب العامّة بعد ملاحظة الاستيعاب العرضي الوارد في هذه الرواية صريحا.

قوله: و يقول: «الأمر في مسح الرجلين موسّع؛ من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا» (5).. إلى آخره.


1) مجمع البحرين: 3/ 86، القاموس المحيط: 1/ 318، المصباح المنير: 340.

2) وسائل الشيعة: 3/ 353 الباب 9 من أبواب التيمم.

3) الوافي: 6/ 284 الحديث 4300، لاحظ! الكافي: 3/ 30 الحديث 6، وسائل الشيعة:1/ 417 الحديث 1085.

4) الفوائد الحائريّة: 357 (الفائدة 3)

5) الوافي: 6/ 285 الحديث 4301، لاحظ! الكافي: 3/ 43 الحديث 7، وسائل الشيعة:1/ 407 الحديث 1056.

في ذلك شهادة على أنّ مسح الرأس ليس كذلك، بل غسل الوجه و اليدين أيضا، كما هو المشهور، و مرّ الكلام.

قوله: و بناء هذا الحديث على عدم وجوب استيعاب ظهر القدم بالمسح (1)..

إلى آخره.

ليس كذلك، بل نقل إجماع الشيعة على الاستيعاب الطولي (2)، و ظهر من رواية زرارة السابقة عند التأمّل، ففي هذه الأخبار دلالة على أنّ الكعب هو قبّة القدم، و استثناء العلّامة الشراك، و جعله المسح عليه (3)مخالف لظواهر الآية (4)و الأخبار من كون المسح على الرجل (5)، و كذا الأخبار الواردة في الطعن على من يمسح على الخفّ و كونه أشدّ من غسل الرجل (6).

قوله: ثمّ مسح رأسه و قدميه، ثمّ وضع يده على ظهر القدم، ثمّ قال:

« [هذا] هو الكعب» (7).. إلى آخره.

هذا الحديث من جملة الأخبار الدالّة على كون الكعب قبّتى القدمين، حيث قال عليه السّلام: «وضع يده على ظهر [القدم]»؛ فإنّ الظاهر كون الكعب في ظهر القدم، لا أنّه منتهى القدم و ابتداء الساق، فما ذكره من أنّ «هذا الحديث» (8).. إلى آخره


1) الوافي: 6/ 286 ذيل الحديث 4306.

2) منتهى المطلب: 2/ 69.

3) منتهى المطلب: 2/ 77.

4) المائدة (5): 6.

5) وسائل الشيعة: 1/ 418 الباب 25 من أبواب الوضوء.

6) وسائل الشيعة: 1/ 457 الباب 38 من أبواب الوضوء.

7) الوافي: 6/ 287 الحديث 4309، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 75 الحديث 190، وسائل الشيعة: 1/ 391 الحديث 1028.

8) الوافي: 6/ 287 ذيل الحديث 4309.

عجيب؛ فانّ المفصل موصل رأس الظنبوب (1)بالقدم من كلّ طرف، من غير خصوصيّة له بظهر القدم.

و مع ذلك قد عرفت أنّ موصل الشي‌ء؛ و الشي‌ء ليسا متميّزين بحيث يكون الإشارة إلى أحدهما مغايرا للإشارة إلى الآخر مغايرة يعتدّ بها.

و مع ذلك كيف [تكون] معركة عظيمة بين العلماء، بل المناسب حينئذ أن يكون النزاع في استيعاب القدم و عدمه، لا تعيين الكعب.

و أيضا ليس مجموع ظهر القدم كعبا قطعا، نعم، شي‌ء منه الكعب لا المفصل؛ فإنّه ليس شيئا من الظهر، مع أنّ الظاهر المتبادر كون الشي‌ء في أواسط القدم لا أواخره.

قوله: [عن زرارة] و بكير، عن أبي جعفر عليه السّلام، أنّه قال في المسح: «تمسح على النعلين، و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشي‌ء من رأسك، أو بشي‌ء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك» (2).

المسح على النعلين لا يستلزم أن يكون المسح فوق الشراك، و على تقدير تسليم الظهور في ذلك لا يستلزم كون المسح على الشراك الذي على الكعب و هو معقده، بل الشراك [هو] الذي يكون ما بين الأصابع إلى الكعب، فيكون ظاهرا في عدم الاستيعاب عرضا، و يؤيّده قوله عليه السّلام: «إذا مسحت بشي‌ء» (3).. إلى آخره، فتأمّل!


1) الظنبوب: حرف الساق اليابس من قدم، و قيل: هو ظاهر السابق، و قيل: هو عظمه، (لسان العرب: 1/ 572).

2) الوافي: 6/ 288 الحديث 4211، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 90 الحديث 237، وسائل الشيعة: 1/ 414 الحديث 1076.

3) مرّ آنفا.

بل لو كان المراد الشراك الذي على الكعب- [و] معه لا يصير منه غالبا إلّا بمعقد الشراك- لكان دالّا على كون الكعب هو القبّة؛ [و] لما دلّ على كون المسح على بشرة الرجل و الاستيعاب الطولي، مع أنّه مسلّم عند العامّة، و غير [هم] يدّعون على ذلك إجماع الشيعة.

قوله: لعلّ المراد بالناصية ما يجاورها من الرأس (1).. إلى آخره.

الناصية كثيرا ما تستعمل في الشعر من الرأس الواقع بين النزعتين، و ابتداؤه من قصاص شعر الرأس، فلا حاجة إلى التأويل، فتأمّل!

قوله: «ثمّ صببت عليه كفّا، فغسل به وجهه» (2).. إلى آخره.

لعلّ الماء كان في قربة أو مثلها، و لذا فعل عليه السّلام كذا.

قوله: و جوابه ما يأتي (3).. إلى آخره.

لعلّ مراده ما يأتي في باب ترتيب الوضوء من تجويز المسح بالماء الجديد، و سيجي‌ء أنّه فاسد جزما، فلاحظ!

قوله: ربّما يوجّه ذلك بأنّ إيماءه عليه السّلام برأسه نهي (4).. إلى آخره.

هذا توجيه وجيه، مع أنّ العامّة كان منهم من يقول بالمسح و [منهم] من لا يقول به، كأن يرضى بأن يسمّى الغسل في الرجل مسحا، كما لا يخفى على من لاحظ كلا [م] فقهائهم و مفسّريهم (5).


1) الوافي: 6/ 289 ذيل الحديث 4315.

2) الوافي: 6/ 290 الحديث 4316، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 58 الحديث 162، وسائل الشيعة: 1/ 391 الحديث 1027.

3) الوافي: 6/ 291 ذيل الحديث 4319.

4) الوافي: 6/ 291 ذيل الحديث 4319.

5) المجموع للنووي: 1/ 418، المحلّى بالآثار: 1/ 301، أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 576.

[باب غسل الرجلين]

قوله: عن محمّد بن مروان، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إنّه يأتي على الرجل ستّون و سبعون سنة ما قبل اللّه منه صلاة، قلت: و كيف ذلك؟! قال: لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه» (1).

الظاهر من أخبار الباب و غيرها- و النزاع العظيم من أهل السنّة و الشيعة- أنّ بين الغسل و المسح تباينا، لا العموم من وجه كما قيل (2)، لكن يرد الإشكال [و هو] أنّ الظاهر من الأخبار أيضا أنّه لا يشترط أن يكون المسح بحيث لم يتحقّق فيه جريان أصلا حتّى أقلّ الجريان أيضا، و هو الذي يحصل به المسمّى عرفا، و الأئمّة عليهم السّلام ما أمروا بتجفيف ماء الغسل لأجل المسح فقط.

و يمكن الدفع بأنّ ضروري مذهب الشيعة، و الظاهر من الأخبار المتواترة بعد الآية لمّا كان المسح على الرجل- كما أنّ شعار العامّة الغسل و المسح على الخفّ- كان المخاطبون بالمسح يفهمون أنّ اللازم هو المسح خاصّة، و أنّه مباين للغسل- كما هو الظاهر ممّا ذكر- و كانوا يفعلون ما كان في العرف مسحا، فإن وقع جريان ما، لكان غير مضرّ عرفا، لأنّه شاهد على ذلك، كما نرى الآن لا تأمّل لهم في أنّ ذلك مسح خاصّة، لا غسل أيضا، و لا يرضون بإطلاق الغسل عليه أبدا، كما أنّ أهل السنّة في مقام المسح على الرأس و الرجلين كذلك، مع أنّ جريان الماء منهم أزيد بمراتب؛ لأنّهم يمسحون بماء جديد من غير نفض و تجفيف أصلا.

و أمّا الجريان الزائد بحيث يستحقّ لإطلاق اسم الغسل عليه عرفا على سبيل


1) الوافي: 6/ 295 الحديث 4324، لاحظ! الكافي: 3/ 31 الحديث 9، وسائل الشيعة: 1/ 418 الحديث 1089.

2) ذخيرة المعاد: 30.

الإطلاق، فلا نسلّم ظهور صحّته من الأخبار، بل الظاهر خلافه.

و يمكن أن يقال أيضا أنّ المقصود إذا كان [من] المسح هو إمرار اليد بأقلّ ما كان من رطوبة يكفي فالجريان الواقع على سبيل الاتّفاق و غير مقصود اعتباره في الوضوء و كونه من الوضوء و داخلا فيه لا يضرّ، كما أنّ غسل الوجه و اليدين يقع فيهما المسح باليدين، و هو إمرارهما عليهما؛ للاستعانة، و إجراء لجميع الأجزاء، و مع ذلك ليس هذا المسح جزءا من الوضوء و داخلا فيه، بل هو مقدّمة لإجراء الماء و تحقّق الغسل بالنسبة إلى جميع الأجزاء؛ إذ المأمور به بالنسبة إلى الوجه و اليدين ليس إلّا الغسل خاصّة، و هو إجراء الماء من عضو إلى عضو اخر، و الغسل هو جريان الماء كذلك، فلو وقع بدون إمرار اليد لصحّ و كفى قطعا، فتأمّل!

قوله: قال: « [لو أنّك توضّأت فجعلت مسح الرجلين غسلا] ثمّ أضمرت أنّ ذلك هو المفترض» (1).. إلى آخره.

يدلّ هذا، و الخبر السابق (2)أيضا على أنّ جاهل الحكم ليس بمعذور، كما عليه فقهاؤنا، إلّا من شذّ من المتأخّرين (3)لشبهة حصلت له، و الأدلّة على عدم المعذوريّة كثيرة واضحة بيّنّاها في «الفوائد الحائريّة» (4)و ملحقاتها.

قوله: [إذا أراد به التنظيف] كما يدلّ عليه الخبر السابق (5).

بل يدلّ عليه نفس هذا الخبر أيضا حيث قال: «الوضوء بالمسح» و ظاهره


1) الوافي: 6/ 295 الحديث 4326، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 65 الحديث 186، وسائل الشيعة: 1/ 420 الحديث 1099.

2) وسائل الشيعة: 1/ 418 الحديث 1089.

3) لاحظ! مجمع الفائدة و البرهان: 2/ 54 و 55 و 80.

4) الفوائد الحائريّة: 415 (الفائدة 14).

5) الوافي: 6/ 296 ذيل الحديث 4329.

الحصر، كما لا يخفى، و مع هذا لم يكتف بهذا، بل قال: «و لا يجب فيه إلّا ذلك» (1)حيث صرّح بالحصر، ففيه الدلالة من وجوه ثلاثة؛ الظاهر، و الصريح، و التكرار المفيد للتأكيد.

قوله: و قد اشتهر أنّهم كانوا يبولون (2).. إلى آخره.

و لذا يقولون: أعرابي بائل على عقبيه، و ورد هذا في بعض أخبارنا أيضا، كما هو ببالي- في حكاية شهادة أعرابي أنّه سمع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: «نحن معاشر [الأنبياء] لا نورث ما تركناه صدقة» في حكاية غصب فدك (3).

[باب مقدار ماء الوضوء]

قوله: بل يكفي أدنى ما يحصل به الجريان، و لو باستعانة اليد (4).

وجّه- كغيره من الفقهاء- أمثال هذه الأخبار على المبالغة في قلّة الجريان حتّى يتحقّق الغسل، و لا يكفي مجرّد المسح مثل باقي الرأس و الرجلين؛ إذ من [ال] ضروريّات أنّ الوجه و اليدين لا بدّ من غسلهما، و لا يكفي مسحهما، و ليسا مثل الرأس عند كلّ المسلمين، و الرجلين عند الشيعة.

و هو ظاهر غاية الظهور من القرآن، بل هو من محكماته بلا تأمّل، و كذا ظاهر الأخبار المتواترة، فما احتمل بعض المتأخّرين من جواز إبقائها على ظاهرها فاسد قطعا و غفلة منه يقينا.


1) وسائل الشيعة: 1/ 421 الحديث 1100.

2) الوافي: 6/ 298 ذيل الحديث 4332.

3) الاحتجاج للطبرسي: 1/ 90- 95، بحار الأنوار: 29/ 127 الحديث 27.

4) الوافي: 6/ 309 ذيل الحديث 4353.

قوله: عن الغنوي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما بلّت يمينك (1).

لا شكّ في أنّ الاستنجاء لا بدّ فيه من زوال عين النجاسة، بل هو من ضروريّات الدين [و] ظاهر من الأخبار.

فالمراد من الاستنجاء ما ذكره المؤلّف رحمه اللّه (2)إذ قد أشرنا إلى أنّ المتعارف كان في ذلك أنّهم من جهة [عدم] التمكّن من الماء في كلّ وقت كانوا يبولون و يتغوّطون، و عدم تيسّره على السهولة كانوا يستنجون بالأحجار و أمثالها إلى وقت الوضوء للصلاة، فكانوا حينئذ يستنجون ثمّ يتوضّئون، و لذا قال بعض الأصحاب:

إنّ ماء الاستنجاء من جملة المدّ في الوضوء (3)، كماء الغسلة الثانية حين شنّع بعض العامّة بأنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: «الوضوء بمدّ» (4)فأين ينصرف المدّ عندكم (5)؟

فتأمّل!

قوله: [الثلج إذا بلّ رأسه و جسده أفضل]، فإن لم يقدر على أن يغتسل به (6).. إلى آخره.

يدلّ على أنّ المراد من الأفضليّة ليس معناها الظاهر؛ فإنّ الواجب [أن] يقال: إنّه أفضل من غيره، فلا إشكال في الحديث.


1) الوافي: 6/ 311 الحديث 4360، لاحظ! الكافي: 3/ 22 الحديث 6، وسائل الشيعة:2/ 241 الحديث 2047.

2) الوافي: 6/ 123 ذيل الحديث 3905.

3) ذكرى الشيعة: 2/ 188.

4) سنن ابن ماجة: 1/ 99 الباب 1 مع اختلاف يسير.

5) لم نعثر عليه في مظانّه.

6) الوافي: 6/ 312 الحديث 4364، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 192 الحديث 554، وسائل الشيعة: 3/ 357 الحديث 3859.

قوله: قال الصادق عليه السّلام: «من تعدّى في وضوئه كان كناقصه» (1).

الظاهر منه أنّ من زاد في وضوئه كان وضوؤه باطلا، كما قال بعض فيما ورد من أنّ «من زاد عليه لم يؤجر» (2)، لا بدّ من توجيهه حتّى يوافق هذه؛ لأنّ [ها] موافقة للقاعدة من أنّ الامتثال هو موافقة الفعل لما أمر به (3)، إلّا أن يقال: القدر الموافق أتى به، و الزائد عنه أمر خارج ليس فقده شرطا للصحّة، غاية الأمر أنّ الزائد يكون معه، و لا بدّ فيه من تأمّل، هذا بشرط أن يكون المسح ببقيّة البلل.

[باب عدد الغسلات في الوضوء]

قوله: [و وصف الكعب في ظهر القدم] لا ينافي كونها المفصل؛ لأنّه في ظهرها و منتهاها (4).. إلى آخره.

لا شبهة في أنّه ينافيه؛ لأنّ كلمة «في» للظرفيّة بلا تأمّل و الظرف محيط بالمظروف بلا شبهة، و المفصل خارج عن القدم بلا تأمّل، لأنّه موصل القدم بالساق، فليس جزءا من القدم، كما أنّه ليس جزءا من الساق، و مع ذلك نسبته إلى القدم و الساق على السواء.

و مع ذلك لا خصوصيّة له بالظهر أصلا؛ لأنّ نسبة المفصل إلى الظهر و إلى الجانبين، بل و إلى الخلف على السواء، فكيف يكون ردّا على العامّة، لو لم يكن شاهدا لهم، كما عرفت؟! فلا تغافل!


1) الوافي: 6/ 313 الحديث 4365، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 25 الحديث 79، وسائل الشيعة: 1/ 438 الحديث 1153.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 80 الحديث 210، وسائل الشيعة: 1/ 436 الحديث 1145.

3) لاحظ! الحدائق الناضرة: 2/ 320 و 321.

4) الوافي: 6/ 317 ذيل الحديث 4372.

قوله: عن عبد الكريم، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الوضوء؟ فقال: «ما كان وضوء عليّ عليه السّلام إلّا مرّة مرّة» (1).

هذا الخبر- على تقدير الحجيّة- يؤيّد رواية عمرو بن أبي المقدام (2)، و يضعّف المرسلة المتضمّنة لحصر وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المرّة (3).

[و] وجه ما ذكرنا أنّ الراوي سأل عن الوضوء، فأجاب عليه السّلام بأنّ «وضوء عليّ عليه السّلام ما كان إلّا مرّة» فلو كان وضوء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيضا كان كذلك لكان أولى بالذكر، كما لا يخفى.

مع أنّه لا وجه في الاقتصار على ذكر عليّ عليه السّلام، بل ربّما كان فيه إشعار بأنّ وضوء عليّ عليه السّلام [و] الأئمّة عليهم السّلام مثل الحسن و الحسين عليهما السّلام ما كان محصورا في المرّة، فتأمّل!

قوله: قال الصادق عليه السّلام: «و اللّه! ما كان وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلّا مرّة مرّة و توضّأ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مرّة مرّة، فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به» (4).

هذا ردّ على العامّة حيث رووا «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم توضّأ مرّة مرّة، قال:

هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به، ثمّ توضّأ مرّتين مرّتين، و قال: يكفي وضوء من أعطاه اللّه أجره مرّتين، ثمّ توضّأ ثلاثا، و قال: هذا وضوئي و وضوء الأنبياء قبلي» (5).


1) الوافي: 6/ 318 الحديث 4374، لاحظ! الكافي: 3/ 27 الحديث 9، وسائل الشيعة: 1/ 437 الحديث 1147.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 25 الحديث 80، وسائل الشيعة: 1/ 439 الحديث 1156.

3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 25 الحديث 76، وسائل الشيعة: 1/ 438 الحديث 1150 و 1151.

4) الوافي: 6/ 318 الحديث 4375، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 25 الحديث 76، وسائل الشيعة: 1/ 438 الحديث 1150 و 1151.

5) سنن ابن ماجة: 1/ 145 الحديث 420، السنن الكبرى للبيهقي: 1/ 80.

و العلّامة رحمه اللّه نقل هذه الرواية في «التذكرة»، و حمل الثلاث على كونه من خواصّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و استدلّ بما في الرواية من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «هذا وضوئي» .. إلى آخره (1).

و من هذا يظهر أنّ المراد من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة» أنّه أقلّ الإجزاء، و أنّه لا بدّ منه، و لا أقلّ منه.

و حكى لنا وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في هذه الرواية؛ إشارة إلى أنّ الرسول كان يقتصر على الفرائض غالبا، كما يظهر من غيرها من الأخبار، و دلالة على استحباب الغسلة الثانية، و يظهر منها وجه الجمع بين ما دلّ على استحبابها، و أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم وضوؤه كان مرّة.

قوله: عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «من لم يستيقن أنّ الواحدة من الوضوء تجزيه، لم يؤجر على الثنتين» (2).

هذه الرواية ظاهرة في استحباب الغسلة الثانية، بالنسبة إلى من تيقّن أنّ الواحدة أقلّ الفريضة، و أنّها تكفي.

قوله: قال في «الكافي» بعد نقل حديث وضوء عليّ عليه السّلام (3).. إلى آخره.

هذا الحديث [و] ما يؤدّي مؤدّاه- مع ضعف السند، و قلّة العدد، و مخالفة الشهرة و الإجماعات، و معارضة الأخبار الكثيرة غاية الكثرة، الواضحة الدلالة و الظاهرة مع صحّة سند بعضها- ضعيف الدلالة أيضا؛ إذ اختيار عليّ عليه السّلام مرّة كيف يعارض قولهم عليهم السّلام: «توضّئوا مثنى مثنى» (4)، «و أنّ الغسلة الثانية زادها


1) تذكرة الفقهاء: 1/ 199.

2) الوافي: 6/ 320 الحديث 4385، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 81 الحديث 213، وسائل الشيعة: 1/ 436 الحديث 1144.

3) الوافي: 6/ 320 ذيل الحديث 4385.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 80 الحديث 208 و 209، وسائل الشيعة: 1/ 441 الحديث 1168، 442 الحديث 1169 مع اختلاف يسير.

الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم لكذا» (1)، أو «أنّه إسباغ» (2)، إلى غير ذلك؟!

لأنّ اختياره عليه السّلام لعلّه يختصّ به، فكيف يقاوم أمرهم عليهم السّلام لنا بالتكرار؟ لأنّ الفعل لا يعارض القول أصلا، فضلا عن أن يقاومه، سيّما مع اعتضاد القول بمقوّيات، و وهن الفعل بموهنات.

هذا على تقدير القول بحجيّة غير الصحيح، و إلّا فالأمر ظاهر، فتدبّر!

و أيضا الاتّفاق واقع [على] أنّ الفعل لا يعارض القول و لا يقاومه، و وجهه ظاهر.

قوله: و أنّ الذي جاء عنهم عليهم السّلام أنّه قال: «الوضوء مرّتان إن هو لم يقنعه مرّة و استزاده، فقال: مرّتان، ثمّ قال: و من زاد على المرّتين لم يؤجر» و هو أقصى غاية الحدّ في الوضوء الذي من تجاوزه أثم، و لم يكن له وضوء، و كان كمن صلّى الظهر خمس ركعات، و قال: و لو لم يطلق عليه السّلام في المرّتين لكان سبيلهما [سبيل] الثلاث (3).

هذه العبارة صريحة في كون الثانية أيضا جزءا للوضوء، كعبارة الصدوق (4)و البزنطي (5)، و كذا كون الثالثة بدعة صريح في ذلك، و هو إجماعي صرّح جميع الفقهاء به، فيلزم كون الثانية مستحبّة مطلقا، كما هو المشهور (6)، أو لمن لم يقنعه المرّة، كما يقول «الكافي» (7).


1) وسائل الشيعة: 1/ 439 الحديث 1155 و 1156.

2) وسائل الشيعة: 1/ 439 و 440 الحديث 1160 و 1163.

3) الوافي: 6/ 320 ذيل الحديث 4385.

4) أمالي الصدوق: 514.

5) نقل عنه في مستطرفات السرائر: 25 ذيل الحديث 2.

6) المقنع: 11، الخلاف: 1/ 13 المسألة 38، المعتبر: 1/ 158، مختلف الشيعة: 1/ 285.

7) الكافي: 3/ 27 ذيل الحديث 9.

فإن كان مراده ما سيذكره عن ابن أبي عقيل و غيره، فهو حقّ فلا يكون حينئذ مخالفا للمشهور؛ لأنّهم يقولون به بالنسبة إلينا، و لم يتعرّضوا لحال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عليّ عليه السّلام، و غيرهما من الأئمّة عليهم السّلام.

و إن كان مراده غيره، فلا وجه له ظاهرا، و كذا الكلام بالنسبة إلى كلام الصدوق و البزنطي، فتأمّل!

و نقل المرتضى رحمه اللّه (1)، و ابن زهرة (2)، و ابن إدريس (3)الإجماع على استحباب الغسلة الثانية، و لا يمكن حمل كلامهم على كون الثاني خارجا عن الوضوء، و على هذا لا يتأتّى المسح ببقيّة البلل، و على ذلك لا خصوصيّة للثاني بالجواز دون الثالث فما زاد و إن كان جائزا، و إلّا فالجمع؛ لأنّ المقتضي و المانع بالنسبة إلى حدّ سواء، من دون تفاوت أصلا.

قوله: أقول: [لا] يساعد هذا ما في [روايات] «الفقيه» من الإسباغ، و الترغيب في المرّتين (4).. إلى آخره.

و قال الصدوق في أماليه عند وصف دين الإماميّة: و الوضوء مرّة مرّة، و من توضّأ مرّتين فهو جائز إلّا أنّه لا يؤجر عليه (5)، انتهى.

فعلى هذا يلزمه القول باستحباب المرّتين؛ إذ المرّة الثانية لا شكّ في كونها فعلا من أفعال العبادة، فلا بدّ من أن يكون راجحا؛ إذ العبادة الجائزة لا معنى لها


1) الانتصار: 28.

2) غنية النزوع: 61.

3) السرائر: 1/ 100.

4) الوافي: 6/ 320 ذيل الحديث 4385.

5) أمالي الصدوق: 514.

قطعا، فضلا من أن تكون مرجوحة، كما هو مختار الكليني (1)و الصدوق (2)[و] البزنطي (3).

و أيضا الغسلة الثانية فعل اختياري لا يكون بغير نيّة جزما؛ فإمّا أن يكون بقصد الإطاعة و القربة، فهو فرع الرجحان جزما، أو اشتهاء النفس، و هو فاسد؛ لأنّ العبادة لا تكون إلّا بنيّة القربة إجماعا، و لقوله تعالى: وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ (4)و غيره من الأدلّة.

و منها: أنّ الوضوء حدّ من حدود اللّه تعالى؛ ليعلم من يطيعه ممّن يعصيه، و القول [بأنّ] ثانيتهما خارجة عن الوضوء و ليست جزءا منه لم يقل به أحد من فقهائنا و المحدّثين- حتّى الكليني و من شاركه- بل خلاف ضروري الدين و خلاف مدلول الأخبار من الطرفين، و مع ذلك لا خصوصيّة له بالمرّتين؛ إذ يجوز في نفسه مطلقا، سواء كان مرّتين أو ثلاثا، أو أزيد إلى ما لا حدّ له.

و أمّا بملاحظة أنّه يلزم تجديد ماء المسح و عدم كونه ببلّة الوضوء، فممنوع مطلقا؛ سواء كان المرّتين، أو أزيد، كما ذكر.

و كلام الصدوق في «الفقيه» أيضا موافق لهذا؛ حيث قال: الوضوء مرّة مرّة، و من توضّأ مرّتين لم يؤجر، و من توضّأ ثلاثا فقد أبدع (5)، فإنّه رحمه اللّه جعل الثالثة بدعة، موافقا لسائر الفقهاء، و لم يجعل الثانية بدعة.

و اعترضوا عليه بأنّ الثانية إن كانت مشروعة فلا معنى لعدم الأجر، و إن


1) الكافي: 3/ 27 ذيل الحديث 9.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 26 ذيل الحديث 83.

3) نقل عنه في مستطرفات السرائر: 25 ذيل الحديث 2.

4) البيّنة (98): 4.

5) من لا يحضره الفقيه: 1/ 26 ذيل الحديث 80 نقل بالمعنى.

كانت بدعة كالثالثة فما وجه التخصيص؟! و أيضا إذا لم تكن داخلة في الوضوء فالمسح بمائها لم يكن مسحا بماء الوضوء، فيكون الوضوء باطلا، و سوف يأتي [الكلام] عن ذلك.

قوله: فيصير معنى حديث مؤمن الطاق أنّ الفرض في الوضوء إنّما هو غسلة واحدة (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ ما ذكره- مع مخالفته لأقوال جميع الفقهاء و المحدّثين- أزيد تكلّفا، بل كثير من الأخبار ورد بلفظ الغسلة الثانية، مثل ما رواه الكشّي في ترجمة داود بن [زربي] عن الصادق عليه السّلام: «ما أوجبه اللّه فواحدة، و أضاف إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم [واحدة] لضعف الناس، و من توضّأ ثلاثا [ثلاثا] فلا صلاة له [إلى أن قال]: يا داود! توضّأ مثنى مثنى، و لا تزدنّ عليه» (2).

و في «كشف الغمّة»: إنّ الكاظم عليه السّلام كتب إلى عليّ بن يقطين: «توضّأ ثلاثا ثلاثا، ثمّ توضّأ كما أمر اللّه؛ اغسل وجهك واحدة فريضة، و اخرى إسباغا» (3)، و فيه أيضا عنه: «اغسل وجهك مرّة فريضة، و اخرى إسباغا» (4).

و فيما كتب القائم- عجّل اللّه تعالى فرجه- إلى العريضي من أولاد الصادق عليه السّلام: «الوضوء كما أمر اللّه غسل الوجه و اليدين، و مسح الرأس و الرجلين واحد و اثنان إسباغ الوضوء، و إن زاد على الاثنين أثم» (5)[و] في ما كتب إلى المأمون «واحدة فريضة، و الثاني استحباب، و إن زاد على الاثنين أثم» (6).


1) الوافي: 6/ 322 ذيل الحديث 4385.

2) رجال الكشّي: 2/ 600 الرقم 564.

3) كشف الغمّة: 2/ 226 نقل بالمعنى.

4) كشف الغمّة: 2/ 227.

5) لم نعثر عليه في مظانّه.

6) عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 2/ 130، وسائل الشيعة: 1/ 440 الحديث 1162.

و قال ابن أبي عقيل: السنّة إتيان الماء على الأعضاء مرّتين؛ الفرض من ذلك مرّة، و الاثنين سنّة؛ لئلّا يكون المتوضّي قد قصّر في المرّة، فيكون يأتي على تقصيره، فإن تعدّى المرّتين لا يؤجر على ذلك، و بذلك جاء التوقيف عنهم عليهم السّلام (1)، و بمضمون فتواه صرّح ابن الجنيد (2)و المفيد (3).

فظهر ممّا ذكرنا أنّ فريضة اللّه كانت من أوّل الأمر واحدة، ثمّ أضاف إلى تلك الواحدة واحدة اخرى؛ لضعف الناس و لإسباغهم، و أنّ من توضّأ ثلاثا ثلاثا لا أجر له، و يكون بدعة، و أنّه الذي يكون مستحبّا عند العامّة، و يحرم عند الخاصّة؛ لورود ذلك عن الأئمّة عليهم السّلام (4).

و اين هذا من الغرفة؟! مع أنّ الذي يظهر من رواية [ابن] بكير (5)أنّ الغرفة تجزي إذا بولغ، و الثنتان لا يحتاجان إلى المبالغة، و أنّهما أيضا في درجة الإجزاء، لا استحباب فيهما أصلا، فتدبّر!

و كون الوضوء بمدّ أيضا يؤيّد استحباب الغسلتين، و ممّا ذكرناه عن الكشّي (6)، و ابن أبي عقيل (7)يظهر وجه الجمع بين الأخبار، فتدبّر!

و ما نقلناه عن الصدوق، و نقل المصنّف و غيره عنه، و عن الكليني و البزنطي، يعيّن كون الغسلة الثانية مستحبّة (8)بلا تأمّل، كما عرفت.


1) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 285 مع اختلاف يسير.

2) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 285.

3) المقنعة: 48 و 49.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 81 الحديث 212، وسائل الشيعة: 1/ 436 الحديث 1143.

5) تهذيب الأحكام: 1/ 81 الحديث 213، وسائل الشيعة: 1/ 436 الحديث 1144.

6) راجع! الصفحة: 258 من هذا الكتاب.

7) مرّ آنفا.

8) راجع! الصفحة: 256 و 257 من هذا الكتاب.

[باب الوضوء بغير الماء]

قوله: أقول: هذا الاستدلال غير صحيح؛ إذ لا منافاة بين الحديثين؛ فإنّ ماء الورد ماء استخرج من الورد (1).

لا شبهة في المنافاة؛ لأنّ الماء حقيقة في المطلق مجاز في المضاف، و الأصل في الإطلاق الحمل على الحقيقة بالأدلّة اليقينيّة المذكورة في موضعها، و هو إجماعي من جميع المسلمين و غيرهم أيضا، و المدار من الكلّ في الفقه و غيره، حتّى المؤلّف أيضا مداره عليه.

فإن قلت: كما يجوز الجمع- كما فعله الشيخ (2)- يجوز أيضا [أن] يحمل الماء على ما يشمل المضاف.

قلت: ما ذكرت إنّما هو بعد تكافؤ السند و الدلالة، و ليس كذلك؛ لأنّ ما دلّ على الماء موافق للقرآن و غيره من الأخبار، و معمول به عند المسلمين إلّا من شذّ، بل المدار في الأعصار و الأمصار على الانحصار في الماء، و أنّ المتبادر من الغسل الوارد في القرآن و الأخبار ما هو بالماء؛ لأنّه الفرد الشائع، و الإطلاق ينصرف إليه، و الموافق للأخبار و الاعتبار المسلّم الثابت أنّ الراجح حجّة و المرجوح ليس [بحجّة] سيّما و أن يكون المرجوح ضعيفا أيضا.

و ورد في أخبار لا تحصى أنّ ما يخالف القرآن ليس بحجّة، و يضرب بالحائط، و أمثال ذلك، و كذا ما خالف الشهرة، و الأمر بترك الشاذّ، و بترك ما لم يوافق أخبارهم الاخر (3).


1) الوافي: 6/ 325 ذيل الحديث 4387.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 219 ذيل الحديث 627.

3) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

نعم يوجّه المرجوح حتّى يلائم الراجح الذي هو الحجّة و يقال: إنّه أولى من الطرح بالمرّة.

و هذه هي الطريقة المعروفة من القدماء و المتأخّرين، مع أنّه حمل ماء الورد على الماء الذي طرح فيه الورد، أو صبّ فيه شي‌ء بحيث لا يخرج عن الإطلاق، أو المراد الورد- بكسر الواو- و هو المنتاب (1)الذي ورد في الأخبار أنّ المانع منه ملعون (2).

و لعلّ المراد الوضوء منه بغير إذن صاحب النوبة؛ لأنّ الناس شركاء في الماء، و النار، و الكلأ، بأنّ لهم حقّا كما أنّ لهم حقّ الشرب، فتأمّل جدّا!

[باب سنن الوضوء و آدابه]

قوله: و أمّا ما اخترعه متأخروا أصحابنا من وجوب التذكّر بصفات العمل من وجوبه أو استحبابه (3).. إلى آخره.

ما أعظم الرواية في نسبة الاختراع- الذي هو البدعة- إلى ارباب القوى القدسيّة، و الكمالات النفسيّة، مروّجي مذهب الشيعة، و مجدّدي دين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و متكفّلي أيتام الأئمّة عليهم السّلام، الذين بهم نجى من نجى، و اهتدى من اهتدى!!

فإن أراد أنّ دليلهم ليس بتامّ، فكلّ العالم أهل بدعة، بل هو رئيسهم، و إن أراد أنّهم لا دليل لهم، ففرية بلا مريّة، كيف و المتكلّمون في كتبهم الكلاميّة استدلّوا على ذلك بلا شبهة؟ و في الأخبار في مقامات متعدّدة إشارات منبّهة، مثل ما ورد في


1) لاحظ! مجمع البحرين: 2/ 177.

2) الكافي: 2/ 292 الحديث 12، المقنع: 8، بحار الأنوار: 69/ 112 الحديث 11.

3) الوافي: 6/ 329 و 330 ذيل الحديث 4397.

الصلاة: «إذا دخلت فيها على أنّها نافلة فهي نافلة، و إن دخلت على أنّها فريضة فهي فريضة، و أنّها على ما افتتحت عليه، و لما قمت فيها» (1)فلاحظ، و لاحظ غيرها.

مع أنّ قولهم عليهم السّلام: «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (2)، و لا يظهر ثمرته إلّا في النيّة؛ لأنّ الرجحان للطهور كان قبل الوقت أيضا بلا تأمّل؛ للإجماع، و الأخبار على أنّه مستحبّ لنفسه، و بعد دخول الوقت لا عقاب على تركه، و لا مؤاخذة من جهته، على ما هو المتعارف.

و الأخبار واردة على الفروض المتعارفة؛ لأنّ النادرة [هي] التي مجرّد تجويز العقل، و لعلّها لم يوجد فرد منها في الخارج، بل لو وجد نادرا لا تحمل الأخبار عليها، بل لا يدخل في المطلقات، كما هو مسلّم و مبيّن، فكيف أن تكون المطلقات منحصرة فيها؟! فإنّه المقطوع بفساده.

و بالجملة؛ حاله قبل الدخول و بعده واحد من دون تفاوت أصلا، حتّى بالنسبة إلى الفروض النادرة أيضا؛ إذ يصير قبل الوقت أيضا واجبا، بل و هو ليس بنادر.

و أيضا ورد: «إنّما لكلّ امرئ ما نوى» (3)، [و] هذا حديث مقبول، منجبر بالشهرة و غيرها، و «إنّما» كلمة حصر، و «ما» كلمة عموم، و المراد الامور المتعارفة تنوى، و يتفاوت الفعل بها.

و أيضا امتثال الأمر واجب بالعقل و النقل، مثل: أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا


1) لاحظ! وسائل الشيعة: 6/ 6 الباب 2 من أبواب النيّة.

2) تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة: 1/ 372 الحديث 981.

3) عوالي اللآلي: 2/ 11 الحديث 20، وسائل الشيعة: 1/ 49 الحديث 92 مع اختلاف يسير.

الرَّسُولَ (1)و غيره من الأخبار الكثيرة (2).

و الامتثال هو الإتيان بما أمر به بالنحو الذي أمر به، و لأجل أنّه أمر به، فلو لم يأت به لهذه الجهة، بل لجهة اخرى لم يعدّ مطيعا ممتثلا بالبديهة، و كذا إن لم ينو الذي أمر به، مثلا؛ في الصبح لو صلّى ركعتين من غير تعيين أنّهما الفريضة أو النافلة، لم يعدّ ممتثلا لواحدة منهما؛ إذ عرفت أنّ الامتثال هو الإتيان بنفس ما أمر به، فلا يمكن أن يقال: إنّ الركعتين نفس الفريضة؛ لقابليّتهما للنافلة أيضا على التعيين؛ إذ الكلام في النافلة، فإذا لم يكن لإحداهما تعيين، فكيف يتعيّن لها؟

و كذا الحال في الوضوء إذا اجتمع الفريضة مع النافلة بعنوان الاحتمال عند المكلّف، فلو لم يحتمل إلّا إحداهما خاصّة، فالتعيين [ه] و قصد الوجوب أو الندب؛ لأنّ التعيين عنده يكون لواحد منهما إذا لم يجوّز اجتماعهما، و أمّا مع التجويز، فلا بدّ من التعيين حتّى يعدّ ممتثلا، فإن عيّن الفريضة- مثلا- و في الواقع ليست بفريضة، يشكل احتسابها مكانها؛ لعدم تحقّق امتثالها، لأنّ الامتثال؛ الإتيان بشخصها و نفسها، كما عرفت، لا الإتيان بما هو مثلها بالهيئة الظاهرة.

قوله: « [و ها أنا ذا أتوضّأ للصلاة] و هي العبادة» (3).. إلى آخره.

فيه شهادة واضحة على كون الوضوء مطلوبا لغيره، فيدلّ على كونه واجبا لغيره، و كذا في الخبر الآتي.

قوله: [قد مضى ...] أخبار في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، و أنّ ترك ذلك جائز (4).. إلى آخره.


1) النساء (4): 59.

2) البرهان في تفسير القرآن: 1/ 389- 391.

3) الوافي: 6/ 330 الحديث 4398، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 365 الحديث 1107، وسائل الشيعة: 1/ 476 الحديث 1266.

4) الوافي: 6/ 332 ذيل الحديث 4403.

بعض الأخبار مطلق، مثل الروايتين السابقتين، و بعضها في خصوص الإناء، فيحتمل حمل المطلق على المقيّد لا من جهة التعارض، بل من أنّ المطلق محمول على الفرد الشائع، و كان الشائع الماء القليل، و يحتمل الإبقاء على حاله؛ لعدم التعارض، و المسامحة في أدلّة السنن.

قوله: [عن] أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إذا توضّأ الرجل، فليصفق وجهه بالماء؛ فإنّه إن كان ناعسا فزع و استيقظ، و إن كان البرد فزع و لم يجد البرد» (1).

الإطلاق لا ينافي استحباب صورة خاصّة؛ فإنّ الظاهر من الوضوات البيانيّة، عدم الضرب، بل الإسدال.

مع أنّ السكوني صرّح الشيخ بأنّ الشيعة أجمعوا على العمل بروايته (2)، و صرّح بتوثيقه، و الظاهر أنّه غير عامّي؛ لأنّه في جميع مسائل الفقه روى قانون الشيعة، إلّا نادرا، كغيره من الرواة، بل هو أكثر رواية، و رواياته مقبولة عند الأصحاب، و من جهة كونه قاضيا كان يناسبه التقيّة فصار منشأ لتوهّم كونه من العامّة.

و أمّا المعارض، فيمكن حمله على ما إذا كان ناعسا أو بردانا، كما يظهر من التعليل.

قوله: عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام، قال: «فرض اللّه على النساء في الوضوء أن يبتدئن بباطن أذرعهنّ، و في الرجال بظاهر الذراع» (3).


1) الوافي: 6/ 333 الحديث 4407، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 357 الحديث 1071، وسائل الشيعة: 1/ 434 الحديث 1138.

2) عدّة الاصول: 1/ 149.

3) الوافي: 6/ 334 الحديث 4409، لاحظ! الكافي: 3/ 28 الحديث 6، وسائل الشيعة: 1/ 466 الحديث 1238.

حمله على الاستحباب؛ للإجماع (1)، و لما يظهر من تضاعيف الأخبار الواردة في بيان الوضوء و ذكر واجباته و أجزائه، و لضعف السند، فلا يفي عندهم لإثبات [واجبات] الوضوء، فينزّل على الاستحباب؛ للتسامح في أدلّة السنن، و لوقوع الشبهة، و الخروج عنها مهما أمكن مستحبّ عندهم.

و يمكن أن يكون المراد من الفرض معناه اللغوي، أي الذي قدّر اللّه في خلقة النساء أن يبدأن في الغسل بغسل باطن الذراع، و الرجل بالعكس.

كما يشهد على ذلك حكاية امتحان سليمان النبي عليه السّلام ببعث غلمان و جواري مشبّهات بعضها ببعض، و طلب إظهار الذكور من الاناث، و تميّزهم منهنّ، فأمرهم سليمان بالوضوء، فمن ابتدأ في الغسل بظاهر الذراع حكم بأنّه ذكر، و من ابتدأ بباطنه حكم بأنّه انثى (2)، و الحكاية مشهورة.

و يشير هذا إلى أولويّة ابتداء كلّ واحد منهما كذلك؛ لأنّه تعالى يحبّ الرفق و السهولة، فتأمّل!

قوله: قال في التهذيبين: يعني ليسا من السنّة التي لا يجوز تركها، فأمّا أن يكون بدعة فلا (3).

لعلّ المراد [أنّ] بعض أجزائه [فرض]، و هو الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه بلفظ الأمر (4)، و بعض منه ليس بفرض، مثل الترتيب بين اليدين، و الموالاة، و غير ذلك.

فالمضمضة و الاستنشاق ليسا من فرضه و لا سنّته؛ إذ يظهر من الأخبار أنّ


1) المعتبر: 1/ 167، تذكرة الفقهاء: 1/ 202.

2) قصص الأنبياء: 317، بحار الأنوار: 14/ 121.

3) الوافي: 6/ 339 ذيل الحديث 4419.

4) إشارة إلى آية الوضوء في سورة المائدة (5): 6.

ما ظهر وجوبه من القرآن كانوا يسمّونه فرضا، و ما ظهر وجوبه من السنّة كانوا يسمّونه سنّة.

و يحتمل أن تكون السنّة بمعنى الاستحباب، و يكون المراد أنّهما خارجان عن واجبات الوضوء و مستحبّاته، بل مستحبّان خارجان يفعلان قبله كالسواك، و الأذان و الإقامة للصلاة، و الأوّل أظهر بملاحظة الأخبار و الفتاوى، و قوله عليه السّلام:

«إنّما عليك أن تغسل ما ظهر» (1)كما لا يخفى على من تدبّر.

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «من توضّأ فتمندل كانت له حسنة، و إن توضّأ و لم يتمندل حتّى يجفّ [وضوؤه كانت]، له ثلاثون حسنة» (2).

هذه الرواية تدلّ على أولويّة ترك التمندل، و المشهور أفتوا بالكراهة (3)، و لعلّها من أجل التشبّه بأهل السنّة، أو أنّ المراد بها هو ترك الأفضل، و الأخبار الاخر (4)لا تعارضها؛ لأنّ مقتضاها عدم البأس، فتأمّل!

قوله: عن الهاشمي، قال: «رأيت أبا عبد اللّه عليه السّلام توضّأ للصلاة، ثمّ مسح وجهه بأسفل قميصه» (5).. إلى آخره.

لعلّ حكمها غير حكم التمندل، فتأمّل!


1) تهذيب الأحكام: 1/ 78 الحديث 202، وسائل الشيعة: 1/ 431 الحديث 1129.

2) الوافي: 6/ 340 الحديث 4422، لاحظ! الكافي: 3/ 70 الحديث 4، وسائل الشيعة: 1/ 474 الحديث 1258.

3) المعتبر: 1/ 170، تذكرة الفقهاء: 1/ 202، الدروس الشرعيّة: 1/ 93.

4) وسائل الشيعة: 1/ 473 الحديث 1254، 474 الحديث 1255، 475 الحديث 1259.

5) الوافي: 6/ 340 الحديث 4425، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 357 الحديث 1069، وسائل الشيعة: 1/ 474 الحديث 1256.

[باب ترتيب الوضوء و موالاته و الشكّ و النسيان فيه]

قوله: إنّما ينصرف إذا لم يكن به بلّة، كما دلّ عليه الأخبار الاخر (1).. إلى آخره.

فيه ما فيه؛ لأنّ المراد من [ه]؛ الانصراف عن الصلاة، فالحصر باطل؛ لأنّ الطهارة شرط للصلاة بالنصوص و الإجماع، و لا يحصل إلّا بتمامها؛ إذ بعض الطهارة ليس بطهارة، و ما دلّ على المسح بالماء الجديد موافق للتقيّة قطعا، و الحقّ مع ما دلّ على عدم الجواز بلا شبهة.

منه؛ ما مرّ في باب صفة الوضوء (2).

و منه؛ ما يذكر هنا، مثل: رواية زرارة عن الصادق عليه السّلام، حيث شرط بأنّه «إن كان في لحيته بلل [بقدر ما يمسح رأسه و رجليه] فليفعل» (3)، و مفهوم الشرط حجّة عند المصنّف (4)أيضا، و حقّق في محلّه (5).

و منه؛ رواية مالك بن أعين (6)، و هي صريحة؛ لأنّه عليه السّلام حكم بأنّه إن لم يكن في لحيته بلل بقدر يمسح به فليعد الوضوء، كما هو ظاهر، و إن كان بعد لم يجفّ وضوؤه [فليأخذ منه و ليمسح رأسه].

و منه؛ رواية خلف بن حمّاد (7).


1) الوافي: 6/ 349 ذيل الحديث 4440.

2) راجع! الصفحة: 232 من هذا الكتاب.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 89 الحديث 235، وسائل الشيعة: 1/ 408 الحديث 1059.

4) الفوائد الحائريّة: 183 الفائدة (17).

5) مفاتيح الشرائع: 1/ 52.

6) تهذيب الأحكام: 2/ 201 الحديث 788، وسائل الشيعة: 1/ 409 الحديث 1063.

7) تهذيب الأحكام: 1/ 59 الحديث 165، وسائل الشيعة: 1/ 407 الحديث 1057.

و منه؛ رواية أبي بصير (1).

و منه؛ ما رواه [الصدوق رحمه اللّه] مرسلا عن الصادق عليه السّلام (2)، و هي صريحة؛ حيث أمر فيها بالمسح من بلّة اللحية.

و منه؛ ما سيجي‌ء في كتاب الصلاة، في باب بدء الصلاة و عللها (3)من الحديث الصحيح المتضمّن لأمره تعالى بالمسح بفضل ما بقي في يده صلّى اللّه عليه و آله و سلم (4).

و منه؛ الحديث المشهور المذكور في «كشف الغمّة» و غيره، في مقام ذكر معجزة الكاظم من أمره عليه السّلام علي بن يقطين بالمسح من نداوة وضوئه بعد ما أمره بالتقيّة و التوضّؤ بمثل العامّة؛ و قال: «زال ما كنّا نخافه عليك»، و أمره بالوضوء بطريق الحقّ (5).

و منه؛ الرواية المذكورة فيه و غيره، و أنّه أجاب السائل عن كيفيّة الوضوء بأنّه يمسح ببقيّة نداوة الوضوء (6)، بل صار الآن من شعار الشيعة.

و أمّا ما ذكره من دلالة بعض الأخبار، فإن كان مراده ما مرّ في باب صفة الوضوء، فهو محمول على التقيّة قطعا؛ لأنّه مخالف لمذهب جميع الشيعة.

و إن كان مراده رواية ابن سنان الضعيفة المذكورة هنا- فمع الضعف و المخالفة لجميع ما ذكر، و لما دلّ على أنّ الشك بعد الانصراف من الوضوء لا عبرة [به]


1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 36 الحديث 135، وسائل الشيعة: 1/ 410 الحديث 1065.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 36 الحديث 134، وسائل الشيعة: 1/ 409 الحديث 1064.

3) الوافي: 7/ 57.

4) الكافي: 3/ 482 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 390 الحديث 1024.

5) كشف الغمّة: 2/ 226 و 227، الإرشاد: 2/ 227، بحار الأنوار: 48/ 136 الحديث 11، وسائل الشيعة: 1/ 444 الحديث 1173.

6) كشف الغمّة: 2/ 227، الخرائج و الجرائح: 1/ 335 و 336، وسائل الشيعة: 1/ 444 الحديث 1173.

جزما و هو المفتى به عند جميع فقهائنا- فلعلّه محمول على الاستحباب، [و] مع التأمّل فيه أيضا يظهر كونها على طريقة العامّة، كما عرفت، فتأمّل جدّا!

قوله: عن محمّد، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة، قال: «يمضي على صلاته، و لا يعيد» (1).

يحتمل أن يكون المراد إذا تذكّر الوضوء تذكّرا، كما هو مضمون روايته الآتية (2)، بقرينة اتّحاد الراوي، و المرويّ عنه، و الحكاية، فلعلّ الروايتين واحدة، حصل التفاوت من النقل بالمعنى.

فيحتمل أن يكون المراد الشكّ في أفعال الوضوء، و ما سيذكره.

و يحتمل البقاء على ظاهره، و تعدّد الروايتين، و يكون المراد أنّه حين الصلاة كان معتقدا أنّه توضّأ، و أنّ صلاته على وضوء، ثمّ عرضه الشكّ، فلا يضرّ؛ لأنّه في أثناء الصلاة أذكر منه بعد فراغه منها.

قوله: يعني ذكرت أنّك فعلته تذكّرا ما، و لو بالاحتمال البعيد، فإن استيقنت أنّك لم تفعله فأعد (3).

هذا مشكل بالقياس إلى ما ثبت من الأخبار و كلام الفقهاء، بل الأولى أن يقال: أنّه بخاطره أنّه فعل، بمعنى أنّه في خاطره بناؤه على فعله، و لم يحضر صورته بباله، بأنّه كيف فعل؟ و متى فعل؟ يعني التفصيل ليس بباله، فلا يضرّ ذلك، و لا يوجب الإعادة؛ لأنّ المدار عند المكلّفين على الأوّل، و تحصيل الأخير و اعتباره يوجب الحرج، و بناء الوسواسيّين في الغالب [على] الثاني و منه يتولّد


1) الوافي: 6/ 353 الحديث 4454، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 101 الحديث 264، وسائل الشيعة: 1/ 470 الحديث 1247.

2) وسائل الشيعة: 1/ 471 الحديث 1248.

3) الوافي: 6/ 354 ذيل الحديث 4456.

وسواسهم، فلاحظ!

[باب وضوء من بأعضائه آفة]

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام [أنّه سئل] عن الرجل يكون به القرحة في ذراعه، [أ] و نحو ذلك من موضع الوضوء، فيعصبها بالخرقة و يتوضّأ، و يمسح عليها إذا توضّأ، فقال: «إن كان يؤذيه الماء، فليمسح على الخرقة، و إن كان لا يؤذيه الماء، فلينزع الخرقة ثمّ ليغسلها»، قال: [و] سألته عن الجرح، كيف أصنع به في غسله؟

قال: « [اغسل] ما حوله» (1).

بحسب الظاهر [هذا] أعمّ من أن تكون العصابة سابقة على إرادة الوضوء أو مستحدثة حال إرادة الوضوء لأجل الوضوء، و المعصوم عليه السّلام أيضا ما استفصل في الجواب، فيظهر من هذا عدم الفرق بينهما، مضافا إلى ظهور عدم الفرق عند الاعتبار؛ إذ مستبعد جدّا أن تكون السابقة يصحّ المسح عليها، و اللاحقة- حال الوضوء- لا يصحّ المسح؛ إذ الظاهر أنّ الغرض استيعاب أعضاء الوضوء بالمسح، و إمرار اليد.

فيشمل الحديث ما ذكره بعض الفقهاء من أنّه لو لم يكن خرقة على القروح مثلا، أو كانت لكنّها نجسة يوضع خرقة طاهرة حال الوضوء (2).

و يعضده غيره من الأخبار؛ مثل قوله عليه السّلام: «فليمسح على جبائره» (3)،


1) الوافي: 6/ 360 الحديث 4464، لاحظ! الكافي: 3/ 33 الحديث 3، وسائل الشيعة: 1/ 463 الحديث 1228.

2) مدارك الأحكام: 1/ 237.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 363 الحديث 1100، وسائل الشيعة: 1/ 465 الحديث 1234.

و قوله عليه السّلام: «يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه» (1).

و يعضده أيضا ما مرّ في جواز المسح على الخفّين للبرد أو التقيّة (2).

مع أنّه ادّعي عدم الخلاف من الفقهاء في هذا المعنى أي وجوب وضع الخرقة عليها (3)و لعلّ الأولى و الأحوط اختيار ذلك قبل حال فعل الوضوء، و إن كان الأصل الوضوء؛ إذ لا غبار عليه حينئذ، و إن لم يتّفق ذلك أ و لم يتيسّر، توضع حين الوضوء.

و يحتمل العدول إلى التيمّم، بناء على عدم العبرة بهذه الخرقة الحادثة؛ لأنّ الظاهر من الأخبار؛ الخرقة السابقة، و فيه تأمّل ظهر وجهه، و الأحوط الجمع.

و اعلم! أنّ الخرقة الحادثة لا بدّ من أن تعصّب و تشدّ، لا أن توضع على الموضع و يمسح عليها و ترمى و لا تشدّ، بل الخرقة السابقة أيضا لا بدّ أن تكون مشدودة، حتّى تكون بمنزلة بشرة العضو أو شعره في مسح الرأس، مع احتمال جواز الرمي و الطرح في حال الصلاة كما هو الحال في المسح على الخفّين للبرد، و اللّه يعلم.

قوله: فينبغي حمله على الاستحباب (4).

لا يخلو عن إشكال، بل مشكل جزما؛ لأنّ الظاهر لا يقاوم التصريح بالوجوب الوارد في أخبار كثيرة (5)، و اتّفق الأصحاب على العمل بها، و نقل الإجماع صريحا (6)، و هو حجّة؛ لعموم ما دلّ على حجّيّة خبر الواحد، لو قلنا أنّه اجماع منقول بخبر الواحد، و إلّا فالظاهر أنّه إجماع محقّق.


1) تهذيب الأحكام: 1/ 363 الحديث 1097، وسائل الشيعة: 1/ 464 الحديث 1231.

2) الوافي: 6/ 305 الحديث 4344، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 362 الحديث 1092، وسائل الشيعة: 1/ 458 الحديث 1211.

3) مدارك الأحكام: 1/ 237.

4) الوافي: 6/ 360 ذيل الحديث 4464.

5) وسائل الشيعة: 1/ 463 الباب 39 من أبواب الوضوء.

6) المعتبر: 1/ 161، منتهى المطلب: 2/ 128.

و مع ذلك؛ هذا أوفق بالعمومات و الأخبار الدالّة على أنّ «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (1)، و ما هو بمضمونه.

و لعلّ المقام في الخبرين المعارضين كان مقام التعرّض لذكر الغسل خاصّة، و لا ينافي ثبوت المسح على الخرقة، كما اعترف به، مع أنّ العبادات توقيفيّة، و شغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة، كما حقّق في محلّه (2).

قوله: يعني ما بقي من العضو الذي قطع منه (3).

بعيد، و الظاهر منها غسل موضع القطع؛ لأنّ الظاهر أنّ روايتي رفاعة (4)واحدة، إلّا أنّه حصل تغيّر ما من جهة النقل بالمعنى.

و لعلّ الرواية وردت تقيّة؛ لأنّ غسل موضع القطع مذهب الشافعي (5)، و يدلّ عليه أيضا رواية محمّد، عن الباقر عليه السّلام، حيث أمر بغسل الرجل (6).

و أمّا عند أصحابنا فإنّه يجب غسل ما بقي من اليد، و يمسح ما بقي من الرجل من موضع غسله، و موضع ما يجب مسحه (7).

و استدلّوا عليه بالاستصحاب، و بقول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا به ما استطعتم» (8)، و قول علي عليه السّلام: «الميسور لا يسقط بالمعسور» (9)،


1) عوالي اللآلي: 4/ 58 الحديث 207.

2) الفوائد الحائريّة: 391 (الفائدة 9)، 415 (الفائدة 14).

3) الوافي: 6/ 362 ذيل الحديث 4470.

4) وسائل الشيعة: 1/ 479 و 480 الحديث 1271 و 1274.

5) الامّ: 1/ 26.

6) الكافي: 3/ 29 الحديث 7، وسائل الشيعة: 1/ 480 الحديث 1273.

7) شرائع الإسلام: 1/ 21 و 22، مدارك الأحكام: 1/ 205 و 206.

8) عوالي اللآلي: 4/ 58 الحديث 206 مع اختلاف يسير.

9) عوالي اللآلي: 4/ 58 الحديث 205 مع اختلاف يسير.

و قوله عليه السّلام: «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (1)، و الروايات معتبرة عند الأصحاب، يستدلّون بها في مواضع لا تحصى.

قوله: قال: سألته عن رجل قطعت يده من المرفق، كيف يتوضّأ؟ قال:

«يغسل ما بقي من عضده» (2).

عمل بها بعض الأصحاب (3)، و هو أحوط بلا تأمّل.

[باب فضيلة الوضوء و ثوابه و علّته]

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: افتتاح الصلاة الوضوء، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسلم» (4).

هذه الرواية واضحة الدلالة في وجوب التسلم، و أنّه المحلّل للصلاة، كما أنّ التكبير هو المحرّم لها، و الوضوء هو المبيح لها، و أنّه لا يحلّ للرجل منافيات الصلاة إلّا بالتسليم.

و الرواية في غاية الشهرة بين الأصحاب، حتّى أنّ الجماعة الذين لا يقولون بحجّيّة خبر الواحد عملوا بها و احتجّوا بها (5).

قوله: عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «الطهر على الطهر


1) عوالي اللآلي: 4/ 58 الحديث 207.

2) الوافي: 6/ 363 الحديث 4473، لاحظ! الكافي: 3/ 29 الحديث 9، وسائل الشيعة:1/ 479 الحديث 1272.

3) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 287.

4) الوافي: 6/ 365 الحديث 4475، لاحظ! الكافي: 3/ 69 الحديث 2، وسائل الشيعة:1/ 366 الحديث 963.

5) لاحظ! مسائل الناصريات: 211 المسألة 82.

عشر حسنات» (1).

أمثال هذه الرواية تدلّ على أنّ التجديد في الطهارة مستحبّ مطلقا.


1) الوافي: 6/ 366 الحديث 4481، لاحظ! الكافي: 3/ 72 الحديث 10، وسائل الشيعة:1/ 376 الحديث 992.

[أبواب الغسل]

[باب أنواع الغسل]

قوله: سماعة [قال]: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن غسل الجمعة؟ فقال:

«واجب في السفر و الحضر، إلّا أنّه رخّص للنساء في السفر و قلّة الماء، و قال: غسل الجنابة واجب، و غسل الحائض إذا طهرت واجب، و غسل المستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم الكرسف، فعليها الغسل لكلّ صلاتين، و للفجر غسل، و إن لم يجز الدم الكرسف، فعليها ..» (1).. إلى آخره.

هذه الرواية واضحة الدلالة في وجود المتوسّطة، و أنّه عليها غسل واحد كلّ يوم و الوضوء لكلّ صلاة، و لم يتعرّض لذكر القليلة لأنّه عليه السّلام في [مقام] بيان ما يوجب الغسل، و لم يذكر وقت الغسل الواحد؛ لأنّه لم يكن في بيان أمثاله.

و يمكن أن يكون الألف و اللام في «الغسل» للعهد- أي المذكور الآن- و هو غسل الفجر المذكور، و متّصلا به، و الأقربيّة من القرائن المسلّمة و المرجّحات الواضحة.


1) الوافي: 6/ 377 الحديث 4489، لاحظ! الكافي: 3/ 40 الحديث 2، وسائل الشيعة: 3/ 303 الحديث 3710.

و يؤيّده أيضا تعليق ذلك الغسل الواحد ب «كلّ»، فربّما يظهر أنّه غسل اليوم، فمقتضى ذلك كونه في أوّله، كما هو الحال في الأغسال الواردة لليوم، فتأمّل!

و أيضا إجماع الشيعة واقع على أنّه إن كان فللفجر (1)لا لغيره بالبديهة.

قوله: عن ابن يقطين، عن أخيه، عن أبيه، قال: سألت [أبا] الحسن عليه السّلام عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر؟ قال: سنّة، و ليس بفريضة» (2).

الظاهر من هاتين الروايتين (3)كون السنّة بمعنى الاستحباب حيث أخذ في مقابل الواجب و الفريضة، مع أنّه ليس في القرآن ما يشير إلى غسل الجمعة أصلا، بل القطع حاصل.

و يؤيّده أيضا الجمع مع غسل العيد.

و يؤيّده أيضا الأخبار الاخر (4)، و الشهرة التي كادت أن تكون إجماعا، لو لم نقل أنّه [ا] إجماع، بل الظاهر كونها إجماعا، لأنّ غسل الجمعة لو [كان] واجبا لاشتهر وجوبه عند القدماء لا أقلّ، و لكانوا يلتزمون بفعله و يلزمون الغير، و صار ذلك [موجبا] لاشتهار وجوبه اشتهار الشمس؛ لعموم البلوى، و شدّة الحاجة، مع أنّ الأمر صار بالعكس فتوى و عملا من المسلمين في الأعصار و الأمصار.

قوله: عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «الغسل في سبعة عشر موطنا؛ منها الفرض ثلاثة، فقلت: جعلت فداك، ما الفرض منها؟ قال غسل الجنابة، و غسل من غسّل ميّتا، و الغسل للإحرام» (5).


1) الخلاف: 1/ 249 و 250 المسألة 221.

2) الوافي: 6/ 379 الحديث 4490، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 112 الحديث 295، وسائل الشيعة: 3/ 314 الحديث 3736.

3) لاحظ! الوافي: 6/ 379 الحديث 4490 و 4491.

4) وسائل الشيعة: 3/ 314 الحديث 3737- 3739.

5) الوافي: 6/ 383 الحديث 4501، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 105 الحديث 271، وسائل الشيعة: 2/ 174 الحديث 1855.

هذه أيضا واضحة الدلالة على عدم وجوب غسل الجمعة و العيدين.

قوله: هل اغتسل أمير المؤمنين عليه السّلام حين غسّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟ (1).

فيها إشعار بأنّ غسل مسّ الميّت لأجل رفع حدث المسّ، و أنّه حدث، بل هذا هو الظاهر، و إلّا لم يكن لقوله عليه السّلام: «النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم طاهر» معنى.

قوله: «و لكن أمير المؤمنين عليه السّلام فعل، و جرت به السنّة»، يعني في الأوصياء عليهم السّلام (2).

هذا هو الظاهر منه، كما لا يخفى، و هذا أيضا قرينة اخرى على دلالة هذين الخبرين على كون المسّ حدثا، و غسله طهورا للحدث.

و بالجملة؛ القرائن كثيرة:

منها؛ أنّ الراوي [إن] لم يرد في سؤاله [الحدث] عمّا سأل من أنّ عليّا عليه السّلام هل اغتسل أم لا؟ فالجواب بأنّ «رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم طاهر مطهّر» لغو مستدرك لا طائل تحته أصلا لو لم يكن المسّ حدثا، و غسله طهوره و مزيله، بل يكون مخلّا و هزلا لأنّ أموات الناس إذا صاروا مطهّرين لم يجب غسل بمسّهم قطعا، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن أسوأ حالا منهم قطعا.

فيكون هذا دليلا واضحا على أنّ مراده عليه السّلام من الكلام عدم وجوب الغسل على أمير المؤمنين عليه السّلام، كما أنّه لم يجب الغسل على من مسّ مطهّرا من الناس، لكن مع ذلك اغتسل عليه السّلام.

فذكر قوله عليه السّلام: «لكن ... إلى آخره» دليل اخر على ما ذكرنا؛ فانّ


1) الوافي: 6/ 385 الحديث 4508، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 107 الحديث 281، وسائل الشيعة: 3/ 291 الحديث 3677.

2) الوافي: 6/ 385 الحديث 4508 و ذيله.

الاستدراك بقوله عليه السّلام: «لكن أمير المؤمنين عليه السّلام اغتسل» صريح في عدم الوجوب عليه بالمسّ، حتّى يصح أن يكون استدراكا؛ فإنّ الفعل استدراك لعدم شي‌ء [عليه]، كما لا يخفى، و مع ذلك قال: «اغتسل»، و لم يقل: كان الغسل واجبا عليه كسائر مسّ الأموات، و أيضا لو كان غسل المسّ من مجرّد التعبّد لا لزوال حدثيّة المسّ كان اللازم عليه ترك ذكر قوله عليه السّلام: «النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم طاهر مطهّر»، و الاقتصار على قول: نعم.

بل كان المناسب الإنكار على الراوي في احتمال عدم اغتسال أمير المؤمنين عليه السّلام من مسّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ربّما كان مطهّرا مثل سائر المطهّرين من الأموات، بأن ينكر عليه بأنّ الغسل ليس إلّا لمجرّد التعبّد فلا فرق بين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و غيره في وجوب الغسل على من مسّ.

بل من المقطوع به أنّه على هذا يصير قوله: «النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم طاهر مطهّر» هذرا و هذيانا؛ لعدم الرابطة أصلا بل [ال] رابطة العدم كما ذكرنا.

فبعد اعتبار ما ذكره الفقهاء من كون مسّ أموات الناس حدثا و الغسل لزواله، يصير الخبران في غاية الاستقامة و الانتظام و الجودة، كما لا يخفى على من له أدنى فطنة، فتفطّن!

[باب الحثّ على غسل الجمعة و وقته]

قوله: « [و أتمّ وضوء الفريضة بغسل يوم الجمعة ما كان في ذلك] من سهو أو تقصير أو نسيان» (1).


1) الوافي: 6/ 390 الحديث 4517، لاحظ! الكافي: 3/ 42 الحديث 4، وسائل الشيعة: 3/ 313 الحديث 3734.

فيه دلالة على المذهب المشهور من أنّ غسل الجمعة سنّة، و أنّ الوضوء للصلاة يوم الجمعة لازم على المحدث بالأصغر و لا يجزئ الغسل عن الوضوء.

قوله: [عن] حماد الأنصاري (1).. إلى آخره.

في هذه الرواية أيضا شهادة على استحباب غسل الجمعة.

قوله: عن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن غسل يوم الجمعة، فقال: «سنّة في السفر و الحضر إلّا أن يخاف المسافر على نفسه القرّ» (2).

لا يخفى ظهورها في كون غسل الجمعة مستحبّا؛ لأنّ الظاهر أنّ سؤاله كان عن الوجوب و الاستحباب، لا عن الثواب من ظاهر الكتاب أو السنّة، مضافا إلى أنّه لا إشارة في الكتاب إليه أصلا، فكيف يخفى على مثل زرارة.

قوله: عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة، قال: «يغتسل ما بينه و بين الليل، فإن فاته اغتسل يوم السبت» (3).

ربّما يظهر من «الفقه الرضوي» (4)أو غيره- على ما هو ببالي- القضاء في عرض الاسبوع لو لم يقض في السبت، و الظاهر أنّ القضاء في يوم السبت خاصّة، لا ليلته كما قيل (5).


1) الوافي: 6/ 390 الحديث 4519، لاحظ! الكافي: 3/ 42 الحديث 5، وسائل الشيعة: 3/ 318 الحديث 3751.

2) الوافي: 6/ 393 الحديث 4528، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 112 الحديث 296، وسائل الشيعة: 3/ 314 الحديث 3737.

3) الوافي: 6/ 394 الحديث 4533، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 113 الحديث 301، وسائل الشيعة: 3/ 321 الحديث 3760.

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 129، مستدرك الوسائل: 2/ 507 الحديث 2578.

5) لاحظ! بحار الأنوار: 78/ 126.

قوله: قال الصادق عليه السّلام في علّة غسل يوم الجمعة (1).. إلى آخره.

فيها أيضا إشارة على استحباب هذا الغسل.

[باب حدّ الجنابة]

قوله: عن محمّد بن إسماعيل، قال: «سألت الرضا عليه السّلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هي غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم» (2).

لا يخفى أنّ المراد الالتقاء على النحو المعهود؛ لأنّ الإطلاق ينصرف إليه، و للإجماع، و للظاهر من هذا الخبر.

[باب احتلام المرأة و إمنائها]

قوله: و الأولى أن يحمل ما ورد في إثبات الغسل لهنّ في احتلامهنّ على الاستحباب، على أنّ ماءهنّ قلما يخرج من فروجهنّ، و إنّما يستقرّ في أرحامهنّ، و على هذا فيمكن أن يحمل سقوط الغسل عنهنّ (3).. إلى آخره.

الروايات الدالّة على وجوب الغسل تدلّ على وجوب الغسل واقعا كالرجل؛ لأنّ الراوي ما كان يدري أنّ عليها الغسل، و لذا سأل المعصوم عليه السّلام، و ما كان سؤاله


1) الوافي: 6/ 395 الحديث 4536، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 61 الحديث 229، وسائل الشيعة: 3/ 315 الحديث 3742.

2) الوافي: 6/ 398 الحديث 4541، لاحظ! الكافي: 3/ 46 الحديث 2، وسائل الشيعة: 2/ 183 الحديث 1876.

3) الوافي: 6/ 410 ذيل الحديث 4575.

لأن يغتسل هو- بالبديهة-، بل كان لأن تغتسل هي أم لا؟ فإذا كان عالما لما احتاج في سؤال الراوي عن حالها، و مع [ه] حكم المعصوم عليه السّلام مطلقا بأنّ عليها الغسل مثل [الرجل].

و الحمل على الاستحباب أيضا غلط؛ لأنّه فرع التكافؤ و عدم مخالفة الإجماع، و لا يخفى أنّ المتعارضين غير متكافئين؛ لأنّ ما دلّ على الوجوب أكثر، و أصحّ، و أشهر، و أوفق للعمومات، و الاستقراء في أنّ غالب المواضع اشتراكهما في التكاليف، و مع ذلك هي مفتى بها بخلاف [الأخبار] المعارض [ة]؛ فإنّه لم يفت بها أصلا، فتكون من الشاذّة التي أمرونا بتركها، و يعضده دليل العقل أيضا، و العلّة التي ذكروها من أنّ الجمع عليه لا ريب فيه، و أيضا مخالف لطريقة المسلمين، سيّما الشيعة في الأعصار و الأمصار، مع أنّ غسلها ممّا يعم به البلوى و تكثر لديه الحاجة.

فلو كانت ساقطة (1)لاشتهر اشتهار الشمس، لا أن يصير الأمر على خلاف ذلك بحسب الفتوى و العمل، فعلى هذا كيف قول الذي هو الحجّة شرعا لأجل وجود ما ليس بحجّة شرعا؛ لأنّ الحجّة ليست إلّا ما هو أقوى في نظره [م] ما هو أبعد، و ما عند [ه] ليس حكم اللّه بحسب ما ظهر لديه، و أنّه يبعد أن يكون حكم اللّه، فالمعيّن العمل بما هو حجّة إن أمكن، و إلّا طرح، فلا إشكال.

[باب إتيان الدبر]

قوله: أقول: لا تنافي بين الخبرين الأخيرين (2)لجواز أن يكون وجوب الغسل فيه مختصّا بالرجل، و إنّما التنافي بين ثانيهما و بين مرفوع البرقي المتقدّم


1) كذا، و الظاهر الصحيح: فلو كان ساقطا.

2) وسائل الشيعة: 2/ 200 الحديث 1921 و 1923.

عليهما (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ التنافي متحقّق؛ لأنّ الغسل الذي يكون في الإتيان في المأتي هو الغسل على الطرفين، و الظاهر من الرواية أنّ كلّ واحد من الاثنين حكمهما واحد و حالهما، و لهذا يكون فيه الغسل.

مع أنّ الراوي لم يسأل عن خصوص حال الرجل، بل سأل عن حكم فعل الرجل، و لا يلزم أن يكون الحكم مختصّا بغسل الرجل، و المعصوم عليه السّلام أطلق في الجواب أنّ في الفعل الغسل، يعني حال هذا المأتي حال المأتي الذي تعرف حاله و لا تسأل عنه لظهوره عليك.

و مع ذلك لم يستفصل أنّ سؤالك هل يختصّ بغسل الرجل أم مطلق الغسل؟

و من هذا فهم الأصحاب العموم، و جعلوها حجّة لهم و منافيا للروايتين مع أنّ السند إلى ابن أبي عمير صحيح؛ فهو ممّن أجمعت العصابة و ممّن يقبل مراسيله، و مراسيله في حكم المسانيد- كما ذكره أهل الرجال (2)، و علّلوه بما علّلوا فيه- و ممّن لا يروي إلّا عن الثقة و إن أرسل، كما قاله الشيخ في «العدّة» (3).

مع أنّها في المقام منجبرة بالشهرة التي كادت تكون إجماعا؛ لأنّ الشيخ رجع عن رأيه و قال بوجوب الغسل عليها أيضا (4)و المرتضى ادّعى الإجماع (5)، و الإجماع المنقول حجّة؛ لعموم ما دلّ على حجيّة الخبر الواحد.

و يعضده أيضا ما ورد من أنّه «إذا أدخله، فقد وجب الغسل» (6)، و ما سننقل


1) الوافي: 6/ 412 ذيل الحديث 4579.

2) رجال الكشّي: 2/ 830، جامع الرواة: 2/ 51.

3) عدّة الاصول: 1/ 154.

4) المبسوط: 1/ 270، 4/ 243 ..

5) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 328.

6) الكافي: 3/ 46 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 182 الحديث 1875.

عن عليّ عليه السّلام، و ما يظهر من بعض الأخبار أنّ الإتيان في الفرج موجب للغسل (1)، و لا تأمّل في أنّ الدبر [فرج]، كما يظهر من الأخبار (2)و إطلاق العرف و اللغة (3)، فلاحظ، و تأمّل!

[باب خروج البلل بعد الغسل]

قوله: و روي في حديث اخر: «إن كان قد رأى بللا و لم يكن بال فليتوضّأ، و لا يغتسل، إنّما ذلك من الحبائل» (4).

هذا الخبر مجهول، مخالف لجميع الأخبار المنجبرة بالفتاوى، و غير المنجبرة.

قوله: أقول: و به يجمع بين الأخبار الماضية و الآتية (5).

إلّا أنّ الأخبار الدالّة على الوجوب أكثر و أصحّ و أشهر و مفتى بها عند الأصحاب، و نقل ابن إدريس على الوجوب الإجماع (6)، فيكون المعارض من الشواذّ التي لا عمل عليها.

و كيف كان، لا مكافأة و لا مقاومة أصلا، فيتعيّن العمل بالاولى و التوجيه في الثانية إن أمكن، و إلّا فالطرح، و اللّه يعلم.


1) وسائل الشيعة: 2/ 182 الباب 6 من أبواب الجنابة.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 186 الباب 6، 200 الباب 12 من أبواب الجنابة.

3) لاحظ! لسان العرب: 2/ 342.

4) الوافي: 6/ 415 الحديث 4588، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 47 الحديث 187، وسائل الشيعة: 2/ 250 الحديث 2076.

5) الوافي: 6/ 415 ذيل الحديث 4588.

6) السرائر: 1/ 108.

[باب أحكام الجنب]

قوله: [لأنّهم عليهم السّلام أجلّ من أن يكسلوا] في شي‌ء من عبادة ربّهم [جلّ و عزّ] (1).

و ربّما كان المراد من الكسالة نفس التأخير؛ تشبّها بالليل.

[باب حدّ مسّ الميّت]

قوله: عن حريز، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «من غسّل ميّتا فليغتسل، قلت: فإن مسّه ما دام حارّا؟ قال: فلا غسل عليه، و إذا برد ثمّ مسّه فليغتسل، قلت: فمن أدخله القبر؟ قال: لا غسل عليه؛ إنّما يمسّ الثياب» (2).

المعروف من كلام الأصحاب أنّ مسّ الميّت حدث، و غسله طهارة عنه، مبيحة للصلاة و الطواف و غيرهما كسائر الأغسال الواجبة، و قال في «المدارك»: لم أقف على ما يقتضي ذلك، و يمكن أن يكون واجبا لنفسه، مثل غسل الجمعة و الإحرام، عند من أوجبهما (3)انتهى.

أقول: الأحداث و الأخباث كلّها وردت في الأخبار، مثل غسل المسّ يعني الأمر به- بمجرّد صدور المسّ، و كون الظاهر منه أنّه يجب لنفسه مع أنّا نعلم يقينا أنّها تجب للصلاة أو الطواف و غيرهما، أو للأكل من الظرف، أو الشرب منه في الأمر بغسل الظروف و أمثاله، إلى غير ذلك، مع أنّه يعلم عدم الوجوب لنفسه.


1) الوافي: 6/ 423 ذيل الحديث 4615.

2) الوافي: 6/ 427 الحديث 4626، لاحظ! الكافي: 3/ 160 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 292 الحديث 3684.

3) مدارك الأحكام: 1/ 16.

مع أنّه لم يرد ما يدلّ على الوجوب للغير في كثير من الأخبار، مثل «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» و غيره (1)، بل أثبتنا مشروحا في رسالتنا في «الإجماع» (2)و غيره؛ مثل «شرح المفاتيح» و غيره (3)، عدم ثبوت نجاسة نجس من الأنجاس [في] خبر من الأخبار؛ إذ غاية ما يرد فيه الأمر بغسله عن ثوب أو غيره.

و معناه الحقيقي العرفي أو اللغوي أيضا ليس [إلّا] إزالته عنه بماء أو مائع اخر كيف كان، و أين هذا من النجاسة الشرعيّة و أحكامها الكثيرة المتلازمة مثل حرمة الأكل و الشرب، و أكل ملاقيه و شربه، و ملاقي ملاقيه، و هكذا، و حرمة إدخال المساجد؛ على وجه التأثير و السراية فيها، أو مطلقا، و كذلك الضرائح و القرآن و المصاحف و الخبز، إلى غير ذلك ممّا لا تحصى كثرة؟!

و بعضها و إن ورد الوجوب لمثل الصلاة، لكن لم يرد عدم الوجوب لنفسه، مع أنّا نفهم كذلك، و إن ورد، لكنّه [ليس] مستجمعا لشرائط الصحّة بالعمل على رأي صاحب «المدارك»، بل و مطلقا.

و على فرض الاستجماع يكون ظنيّا قطعا، و نحن نقطع بالوجوب للغير بالمرّة أو في الجملة، و الظنيّ كيف يصير مستندا للقطع؟

سلّمنا، لكن نقطع مع قطع النظر و من دون توقّف على ملاحظة أنّه موجود أم لا، و أنّه صحيح أم لا، و دلالته واضحة أم لا، و أنّه مقاوم لما دلّ على الوجوب لنفسه أم لا، و أنّه غالب عليه أم لا، كيف لا يخفى؟!

فإذا كان مثل بول الإنسان، و غائطه لا يثبت من حديث كونه نجسا شرعا، و عدم كون وجوب غسله لنفسه، بل يكون وجوبه لمثل الصلاة و الطواف و غيرهما


1) وسائل الشيعة: 3/ 404 الباب 8 من أبواب النجاسات.

2) الرسائل الاصولية: 255- 260.

3) مصابيح الظلام (شرح المفاتيح): 4/ 415- 418، الفوائد الحائريّة: 291- 293.

ممّا ذكر في كلام الفقهاء، بل و بعض الأحداث أيضا ربّما لا يمكن إثبات الوجوب لجميع ما ذكر، و هو مسلّم عند صاحب «المدارك» و موافقيه ممّن ناقش في ثبوت كون غسل المسّ واجبا لمثل الصلاة (1)، و أنّ المدار فتاوى الفقهاء و المسلّم عندهم، فكيف يناقشون في خصوص هذا الغسل من بين جميع ما ذكر، مع أنّ الفقهاء اتفقت كلماتهم في هذا الغسل في أنّه مثل غسل الجنابة و غيره يجب للصلاة و الطواف و غيرهما؟!

و المناقشة [فيه] كالمناقشة في غيره ممّا هو مسلّم عندهم، و لم يناقشوا فيه أصلا.

مع أنّ عبارة «الفقه الرضوي» صريحة في كون هذا الغسل مثل غسل الجنابة، يجب للصلاة، و شرط لصحّتها، و أنّه إن صلّى المكلّف نسيانا قبل هذا الغسل يجب عليه إعادتها بعد الغسل (2).

و عبارته [م] صريحة أيضا في أنّ كلّ غسل يكون قبله وضوء يكون ذلك الوضوء شرطا لصحّة الصلاة، فلو صلّاها ناسيا قبل ذلك الوضوء يجب عليه إعادة تلك الصلاة، و إن وقعت بعد الغسل، مع أنّ هذا الغسل طهارة عندهم بلا شبهة، و المسّ حدث بلا تأمّل منهم، و صرّح بذلك جمع منهم، كما أنّ الباقين أيضا عباراتهم كالصريحة.

فعلى هذا يكون الغسل وجوبه بعد دخول الصلاة لا قبله؛ لقولهم عليهم السّلام: «إذا دخل الوقت وجب الطهور» (3)بل ما دلّ على كون الطهارات بأجمعها واجبة لغيرها


1) مدارك الأحكام: 1/ 16، ذخيرة المعاد: 5.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 175، مستدرك الوسائل: 2/ 494 الحديث 2548 و 2549.

3) تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة: 1/ 372 الحديث 981.

كما عليه المشهور- منحصر في مثل هذا الحديث، و هو شامل لجميع الطهارات من دون تفاوت.

فمن قال بالوجوب للغير، كيف عليه التأمّل في البعض من الطهارات و الصلوات؟ و تكون الصلاة مشروطة به أيضا؛ للأخبار الكثيرة الدالّة على اشتراط الصلاة بالطهور (1)، و للاية؛ و هو قوله تعالى: لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (2)و لغير ذلك.

و سيجي‌ء في باب أنّ كلّ غسل يجزئ عن الوضوء تمام التحقيق، فلاحظ!

و مرّ في باب أنواع الغسل ما دلّ على كون المسّ حدثا، و الغسل منه طهورا له (3)، فلاحظ!

قوله: [عن] أبي جعفر عليه السّلام، قال: «مسّ الميّت عند موته، و بعد غسله، و القبلة ليس به بأس» (4).

لعلّ الظاهر من هذه الأخبار أنّ [من] مسّ الميّت قبل تماميّة غسله يكون عليه غسل المسّ، و إن كان مسّه لموضع الذي غسّل، و لا ريب في أنّه أحوط، و أمّا الوجوب فلعلّه لا يخلو من مناقشة بملاحظة ما ورد في غسل الجنابة أنّ «ما جرى عليه الماء فقد طهر» (5)و ما ورد من أنّ «غسل المسّ مثل غسل الجنابة» (6)و ملاحظة أنّ المفهوم في هذه الأخبار لعلّه مفهوم الوصف؛ مثل مفهوم قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم


1) وسائل الشيعة: 1/ 367 الباب 2 من أبواب الوضوء.

2) الواقعة (56): 79.

3) راجع! الصفحة: 284 من هذا الكتاب.

4) الوافي: 6/ 430 الحديث 4639، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 430 الحديث 1370، وسائل الشيعة: 3/ 295 الحديث 3691.

5) الكافي: 3/ 43 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 229 الحديث 2013.

6) تهذيب الأحكام: 1/ 447 الحديث 1446، وسائل الشيعة: 3/ 301 الحديث 3707.

«الغنم السائمة فيه الزكاة» (1)، و ظاهرهم الاتّفاق على كونه مفهوم الصفة، و المشهور أنّه ليس بحجّة.

فإن قلت: الاستدلال هنا بعموم المنطوق و إطلاقه، كما ذكره في «المدارك» (2)، و هو أنّ عدم البأس بعد تماميّة الغسل أعمّ من أن يكون غير شارع في الغسل أصلا أم لا.

قلت: هذا فرع انحصار عدم البأس في صورة تماميّة الغسل؛ فإنّ عدم البأس فيها لا تأمّل فيه أصلا، و إنّما التأمّل في الانحصار، و هو إنّما يكون بدليل، و ليس سوى المفهوم*.

قيل: فرق بين ما ذكر و بين قولهم: «تملّك الغنم المعلوفة لا يوجب الزكاة» مع أنّه من المسلّمات أنّ الإطلاق ينصرف إلى ما هو الغالب من الأفراد و الفروض، ألا ترى إلى ما مرّ في باب صفة الوضوء من قوله عليه السّلام: «حدّ الوجه الذي أمر اللّه بغسله» (3).. إلى آخره في غاية الظهور و الصراحة في كون الوجه المأمور بغسله ما بين قصاص شعر الرأس إلى الذقن طولا، و ما جرى عليه الإصبعان عرضا، و مع ذلك جعلوا ذلك حدّ وجه خصوص مستوي الخلقة، و الغالب من الناس دون الأنزع، و الأغمّ، و من قصر [ت] أصابعه أو طال [ت] عن المتعارف الغالب، و كذلك الحال في تعريف المني و الحيض، و غير ذلك.


1) تهذيب الأحكام: 1/ 224 الحديث 643، عوالي اللآلي: 1/ 399 الحديث 50 مع اختلاف يسير.

2) مدارك الأحكام: 2/ 278 و 279.

3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 28 الحديث 88، وسائل الشيعة: 1/ 403 الحديث 1048.

فلو كان مفهوم القيد احترازيّا، يمكن الإيراد بما ذكر و مطالبة الفرق، مع أنّ الأغمّ و الأنزع كثيرون، إلّا أنّهم ليسوا من الأفراد الشائعة، و فروضها.

و بيّنّا أيضا إذا غسّل الميّت تماما، ثمّ انكشف بقاء رأس إبرة غير مغسول، و مع ذلك وقع المسّ بالنسبة [إلى] ما جرى عليه الماء و غسّل، كيف يجعلونه من الفروض الشائعة، و الأنزع و الأغمّ و غيرهما جميعا من الفروض الغير الشائعة؟! فتأمّل!

بل من رأى المني في ثوبه مع عدم وجدان شهوة و دفق ليس من النادرة التي أندر ممّا قلنا، و كذلك الحيض و الاستحاضة و نحوهما.

و مع جميع ما ذكر يكون الحكم بعدم الوجوب في غاية الإشكال أيضا، بل ربّما تكون البراءة اليقينيّة في الصلاة و نحوها موقوفة على الغسل، فتأمّل!

[باب حدّ الحيض]

قوله: عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «أدنى الطهر عشرة أيّام، و ذلك أنّ المرأة أوّل ما تحيض ربّما كانت كثيرة الدم، فيكون حيضها عشرة أيّام فلا تزال كلّما كبرت نقصت، حتّى ترجع إلى ثلاثة أيّام، فإذا رجعت إلى ثلاثة أيّام ارتفع حيضها، و لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام» (1)..

إلى آخره.

قد توهّم التنافي بين هذه الرواية و الروايات السابقة من أنّ الظاهر منها كون أقلّ الحيض ثلاثة أيّام متوالية، و هذه على جواز التفرقة في الأقلّ، و هذا التوهّم


1) الوافي: 6/ 436 الحديث 4653، لاحظ! الكافي: 3/ 76 الحديث 5، وسائل الشيعة: 2/ 294 الحديث 2169.

فاسد؛ إذ لا يظهر من هذه الرواية أنّ الدم المتفرّق من جملة أقلّ الحيض؛ إذ الإجماع واقع على [أنّ] أقلّ الطهر عشرة مطلقا (1)سواء كان بين أيّام دم الحيض أم لا، فالنقاء المتخلّل بين الدم الكائن لحيض واحد حيض قطعا.

و الشيخ- القائل بمضمون هذه الرواية- قائل كذلك (2)، و لم يوجد قائل بكون هذا النقاء غير حيض، و يدلّ على ذلك ذيل الرواية، و هو قوله عليه السّلام: «و إذا حاضت المرأة، و كان حيضها» .. إلى اخر الرواية، فإنّه صريح في أنّ النقاء المتخلّل [حيض]، فيظهر منه أنّ ما تقدّم، و هو رؤية ثلاثة أو أربعة في ضمن العشرة أيضا كذلك.

فعلى هذا لا يمكن أن يكون الدم المتفرّق أقلّ الحيض مطلقا، و هو واضح.

نعم، وقع النزاع في أنّه هل يشترط في تحقّق الحيض أن ترى الدم ثلاثة أيّام متوالية لا أقلّ منها- أم يكفي لتحقّقه كون الثلاثة في ضمن العشرة؟

المشهور قالوا بالأوّل (3)، و الشيخ- في بعض كتبه (4)- و بعض اخر (5)قال [وا] بالثاني، و استدلّ بعض الفقهاء للمشهور بالروايات السابقة؛ بأنّ المتبادر منها التوالي (6)، و قد ظهر عليك فساد هذا الاستدلال، و أنّه لا يمكن أن يكون أقلّ الحيض سوى ثلاثة متوالية، و أنّ بعد التفرقة لا يمكن أن يكون أقلّ الحيض؛ إذ معنى الأقلّ أنّه لا يكون حيض أقلّ منه، و قد عرفت أنّ أقل الحيض أن ترى الدم ثلاثة


1) الخلاف: 1/ 238 المسألة 204، المعتبر: 1/ 216، مختلف الشيعة: 1/ 355.

2) الخلاف: 1/ 235 المسألة 201.

3) مختلف الشيعة: 1/ 354، تذكرة الفقهاء: 1/ 257، الروضة البهيّة: 1/ 99.

4) النهاية للشيخ الطوسي: 26.

5) المهذّب لابن البراج: 1/ 34.

6) مدارك الأحكام: 1/ 320، ذخيرة المعاد: 63.

أيّام متوالية.

فالخصم قائل بانحصار الأقلّ في ثلاثة أيّام متوالية من الدم، و محال عنده أيضا أن يكون المتفرّق أقلّ الحيض، فكيف يحتجّ عليه بدعوى التبادر، مع أنّه قائل بلزوم التوالي و استحالة غيره؟

و استدلّ أيضا لهم بعموم ما دلّ على وجوب الصلاة و الصوم (1)- مثلا- و فيه أنّه يعارضه عموم ما دلّ على أنّ الحائض لا يجوز لها أن تصلّي و تصوم، و النزاع إنّما هو في أنّ مثل هذه المرأة داخلة في العموم الأوّل أو الثاني؟ و ليس التخصيص نسخا حتّى يقال: ثبت دخولها في العموم الأوّل و لم يثبت خروجها عنه و دخولها في الثاني؛ إذ من أوّل الأمر لم يظهر دخولها في الأوّل أو الثاني.

فإن قلت: دخولها في المكلّف معلوم، و في الحائض مشكوك فيه.

قلت: إن أردت مطلق المكلّف؛ فلا شكّ فيه؛ فإنّ الحائض مكلّفة بتكليفات، و إن أردت المكلّف بالصلاة؛ فغير معلوم، و إن أردت العمومات؛ فقد عرفت حالها.

مستند المشهور: عبارة «الفقه الرضوي»، و هي قوله عليه السّلام: «و إن رأت يوما أو يومين فليس بحيض ما لم تر ثلاثة أيّام متواليات» (2)و مثل هذا الخبر إذا انجبر بعمل الأصحاب يكون حجّة، إن لم نقل بأنّ «الفقه الرضوي» حجّة بنفسه، و إلّا فلا حاجة إلى الانجبار. نعم، [في] قوّته و ترجّحه على مرسلة يونس (3)تأمّل!

سند هذه الرواية معتبر؛ فإنّ إبراهيم بن هاشم حسن كالصحيح دائر مدار في من لم يستثنوه القميّون عمّا روى عن يونس، بل استثنوا محمّد بن عيسى خاصّة (4)،


1) مدارك الأحكام: 1/ 320، ذخيرة المعاد: 63.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 192، مستدرك الوسائل: 2/ 12 الحديث 1268.

3) وسائل الشيعة: 2/ 294 الحديث 2169.

4) رجال النجاشي: 333 الرقم 896، جامع الرواة: 2/ 166.

مع أنّه ثقة، فيدلّ على أنّه معتبر القول و الرواية عن يونس عندهم قطعا، فربّما يدلّ هذا على كونه ثقة كما لا يخفى على المطّلع بأحوال القمّيين.

و أمّا إرسال يونس، فغير مضرّ؛ لأنّه ممّن أجمعت العصابة (1).

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في المرأة ترى الدم (2).. إلى آخره.

هذه تدلّ على جواز الاستظهار إلى العشرة، كما هو رأي الشيخ (3).

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «سألته عن المرأة تحيض، ثمّ يمضي وقت طهرها و هي ترى الدم؟ قال: فقال: تستظهر بيوم إن كان حيضها دون العشرة أيّام، فإن استمرّ الدم فهي مستحاضة، و إن انقطع الدم اغتسلت و صلّت» (4).

ربّما كان فيه [ا] دلالة على ما ذكره الفقهاء من أنّه إذا تجاوز الدم عن العادة، و انقطع إلى العاشر أو قبله فالجميع حيض، و إذا تجاوز فالزائد عن العادة استحاضة، لأنّ المستفاد منها أنّ استمرار الدم علامة كونه استحاضة، و انقطاعه علامة عدمها.

و سيجي‌ء من المصنّف في باب حيض المبتدأة أنّ معنى (استحاضت):

استمرار خروج الدم بعد أيّام العادة.

فإن كان المراد من الاستمرار و الانقطاع المذكورين ما قاله الفقهاء ثبت المطلوب منها من غير احتياج إلى ضمّ عدم القول بالفصل، و إلّا فنضمّه، كما هو المعتاد في إثبات الأحكام الشرعيّة من الأخبار، مثل نجاسة شي‌ء بمجرّد الأمر


1) رجال الكشّي: 2/ 830 الرقم 1050.

2) الوافي: 6/ 439 و 440 الحديث 4661، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 172 الحديث 493، وسائل الشيعة: 2/ 303 الحديث 2197.

3) النهاية للشيخ الطوسي: 24.

4) الوافي: 6/ 440 الحديث 4662، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 172 الحديث 494، وسائل الشيعة: 2/ 301 الحديث 2190.

بالغسل الذي مدلوله معنى لغوي لا ربط له بالحكم الشرعي، فضلا عن أحكام كثيرة متلازمة، كما هو المقصود من النجاسة الشرعيّة. بل لم يرد حديث أصلا في أنّ النجاسة الشرعيّة ما هي؟

و جعل المراد من قوله عليه السّلام: «فإن استمرّ» .. إلى آخره إن تجاوز عن يوم استظهارها، و قوله عليه السّلام «إن انقطع» .. إلى آخره عدم التجاوز عنه، فاسد؛ للقطع بأنّ الاستحاضة ليس شرطها خصوص التجاوز المذكور، و عدمها ليس شرط الانقطاع المذكور؛ لأنّهما خلاف الإجماع و الأخبار المتواترة، بل خلاف الضرورة، و من الضروريّات؛ المتجاوز عن العشرة استحاضة مطلقا.

مع أنّ حمل قوله عليه السّلام: «استمرّ» على خصوص التجاوز المذكور، و مجرّد ذلك التجاوز من اعتبار دوام الاستمرار أصلا، بعيد جدّا؛ لكون المتبادر من الاستمرار هو الدوام، كما هو ظاهر.

مع أنّ السائل لم يقل: دخل وقت طهرها و هي ترى الدم، بل قال: «يمضي»، و المضي يتضمّن الانقضاء و التماميّة، و لا أقلّ ممّا يقاربهما، و المعصوم عليه السّلام لم يزد في الجواب على قوله: «تستظهر بيوم» ثمّ رتّب عليه قوله عليه السّلام: «فإن استمرّ» ..

إلى آخره.

و هذا في غاية الظهور في إرادة المتجاوز عن العشرة، سيّما بعد ملاحظة أنّه عليه السّلام في مقام الجواب فصّل و قال: «إن كان حيضها دون العشرة»، فالمناسب بيان حكم الشقّ الآخر أيضا، لا تركه بالمرّة، على ما قلناه من أنّ المراد من الاستمرار التجاوز عن العشرة، على ما قاله الفقهاء، [و] يظهر من المصنّف و غيره حكمه صريحا.

و ممّا ذكر ظهر أنّ قوله عليه السّلام: «و إن انقطع» .. إلى آخره في مقابل قوله عليه السّلام:

«فإن استمرّ» .. إلى آخره، فيكون في غاية الظهور فيما قاله الفقهاء، فتأمّل جدّا!

قوله: و يحتمل تفسيره بما يوافق سابقه (1).. إلى آخره.

لا يحتمل؛ لأنّه يظهر من الأخبار أنّ الدم- و إن لم يكن بصفة الحيض- يستظهر، فلا خفاء فيما ذكرنا بعد التأمّل.

[باب ما يتميّز به الحيض من دم العذرة و القرحة]

قوله: و على هذا يشكل العمل بهذا الحكم، و إن كان الاعتماد على «الكافي» (2)أكثر (3).

في «الفقه الرضوي» (4)أيضا، كما نقله الصدوق (5)، و نسخ «التهذيب» (6)التي عند [ي] تكاد تكون متّفقة في ذلك، و الشيخ في كتب فتاويه أفتى كذلك (7)، و هذا دليل على أنّ نسخة «التهذيب» كانت كذلك، و الفقهاء- رضوان اللّه عليهم- أفتوا كذلك (8)، و المعروف عند النساء أيضا كذلك.

و لهذا نسب المحقّق ما في «الكافي» إلى الوهم من النسّاخ (9)، و احتمال كون القرحة في الأيسر غير مضرّ؛ لأنّ ما أمكن أن يكون حيضا، فهو حيض عند الفقهاء، و ربّما يظهر ذلك من الأخبار أيضا.


1) الوافي: 6/ 442 ذيل الحديث 4669.

2) لاحظ! الكافى: 3/ 94 الحديث 3.

3) الوافي: 6/ 450 ذيل الحديث 4681.

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 193، مستدرك الوسائل: 2/ 14 الحديث 1274.

5) المقنع: 52.

6) لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 385 الحديث 1185.

7) النهاية للشيخ الطوسي: 24، المبسوط: 1/ 43.

8) مختلف الشيعة: 1/ 355، جامع المقاصد: 1/ 282، مدارك الأحكام: 1/ 316.

9) المعتبر: 1/ 199.

و المراد بالإمكان ما يكون بعد العجز عن استعلام الحال من الأمارات، فتأمّل!

[باب حيض المبتدأة و من اختلفت عليها الأيّام أو اختلطت]

قوله: قال: «أقراؤها مثل أقراء نسائها» (1).. إلى آخره.

ظاهر هذه الرواية تخيير المرأة في جعل مقدار حيضها، كما هو رأي السيّد المرتضى رحمه اللّه (2).

قوله: عن أبي الحسن عليه السّلام، قال: «سألته عن المستحاضة» (3).. إلى آخره.

هذه أيضا ظاهرة في مذهب السيّد من تخيير المرأة في قدر الحيض.

قوله: عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة ترى الدم خمسة أيّام (4).. إلى آخره.

هذه الرواية تدلّ على أنّ الاستحاضة المتوسّطة لا يغتسل لها ثلاثة أغسال كما هو المشهور؛ لأنّه عليه السّلام شرط في الأغسال الثلاثة كون الدم صبيبا و التوضّؤ للصفرة، بناء على أنّ الغالب كون الأصفر قليلا، و لأجل القلّة يصير أصفر، و أنّه إن كان كثيرا صبيبا لا يصير أصفر، بل من جهة الكثرة يشتدّ لونه و يصير أحمر، و عدم


1) الوافي: 6/ 451 الحديث 4682، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 380 الحديث 1181، وسائل الشيعة: 2/ 288 الحديث 2158.

2) نقل عنه في المعتبر: 1/ 207.

3) الوافي: 6/ 453 الحديث 4686، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 156 الحديث 449، وسائل الشيعة: 2/ 291 الحديث 2160.

4) الوافي: 6/ 453 الحديث 4687، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 380 الحديث 1180، وسائل الشيعة: 2/ 286 الحديث 2154.

التعرّض لذكر المتوسّطة من جهة ندرته، كما ستعرف.

قوله: «و إن سال مثل المثعب»، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «هذا تفسير حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و [هو] موافق له» (1).. إلى آخره.

ربّما يكون المستفاد منها أنّ الكثيرة من المستحاضة تصلّي كلّ صلاة بوضوء، و ليس كذلك، فالأولى أن يجعل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «لكلّ صلاة» متعلّقا بقوله: «تغتسل و تتوضّأ» معا، و يقال: إنّ المقام مقام الإجمال، أو يحمل على التقيّة.

قوله: «فإذا جهلت الأيّام و عددها احتاجت إلى النظر» (2).. إلى آخره.

هذا نصّ في ترجيح العادة على التمييز، كما هو المشهور و الأظهر، سواء أمكن أن يكون المجموع حيضا واحدا أم لا، و سواء اتّصل التمييز بالعادة أم انفصل، تخلّل بينهما أقلّ الطهر أم لا؛ إذ مدلوله أنّ قدر العادة حيض فقط، و التمييز حينئذ ليس بحيض أصلا، و إن كان مستجمعا لجميع شرائط الحيض.

و الحديث في غاية الاعتبار؛ لأنّ العبيدي ثقة على المشهور و الأظهر (3)، و يونس ثقة جليل (4)ممّن أجمعت العصابة (5)، مع أنّه قال عن غير واحد- و الظاهر أنّهم مشايخه- مع أنّه يبعد غاية البعد ألا يكون واحد منهم من مشايخه، مع أنّ ظاهر العبارة أنّه ثابت عنده، و مع هذا عمل الأصحاب به.


1) الوافي: 6/ 456 الحديث 4692، لاحظ! الكافي: 3/ 85 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 281 الحديث 2145.

2) الوافي: 6/ 457 الحديث 4692، لاحظ! الكافي: 3/ 86 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 276 الحديث 2135.

3) رجال النجاشي: 333 الرقم 896، جامع الرواة: 2/ 166.

4) جامع الرواة: 2/ 356.

5) رجال الكشّي: 2/ 830 الرقم 1050.

قوله: «و إنّما تعرفها بالدم ما كان من قليل الأيّام و كثيره، [قال:] و أمّا السنّة الثالثة ففي التي ليس لها أيّام متقدّمة، و لم تر الدم قطّ» (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ المشهور أنّ مثلها ترجع إلى أقراء نسائها، و مع الاختلاف تفعل ما ذكر في هذا الحديث على سبيل التخيير؛ و مستندهم مضمرة سماعة المرفوعة، المذكورة في أوّل الباب.

و لعلّ عدم الذكر لبعد اتّفاق نسائها في القرء، و إطلاق الأخبار محمول على المتعارف الشائع.

و أيضا المعروف منهم أنّ الرجوع إلى أقراء نسائها، و بعد الفقد إلى هذه الرواية أو غيرها.

و أيضا إنّما هو بعد فقد التمييز، و مع التمييز يتعيّن الرجوع إليه، كما مرّ في المضطربة، كما أنّ المضطربة أيضا بعد فقد التمييز ترجع إلى الروايات.

و لعلّ ذلك يظهر من التأمّل في اخر هذه الرواية، بل لا تأمّل في ظهور اخرها في ذلك، مضافا إلى قوله عليه السّلام: «فجميع حالات المستحاضة» .. إلى آخره (2)، و قوله عليه السّلام: «و بيّن فيها كلّ مشكل حتّى لم يدع لأحد» (3).. إلى آخره.

[باب الحبلى ترى الدم]

قوله: «فإن كان الدم فيما بينهما و بين المغرب لا يسيل من خلف


1) الوافي: 6/ 457 الحديث 4692، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 381 الحديث 1183، وسائل الشيعة: 2/ 276 الحديث 2135، 288 الحديث 2159.

2) الكافي: 3/ 83 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 281 الحديث 2145، 288 الحديث 2159.

3) الكافي: 3/ 83 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 281 الحديث 2145، 288 الحديث 2159.

الكرسف، فلتتوضّأ و لتصلّ عند وقت كلّ صلاة، ما لم تطرح الكرسف عنها» (1)..

إلى آخره.

هذا يدلّ على أنّ المتوسّطة لا تغتسل للمغرب و العشاء، حيث قال عليه السّلام: «إن كان لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضّأ، و لتصلّ»*.

و المراد من «كلّ صلاة» كلّ واحدة من المغرب و العشاء، بقرينة السياق، و كذا يظهر من قوله: «فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم» وجود المتوسطة، سواء قلنا بأنّ المراد من الغسل الغسل الواحد أو الأغسال الثلاثة.

أمّا الثاني فظاهر؛ لأنّه شرط له السيلان، و المشروط عدم عند عدم شرطه.

و أمّا الأوّل، فإن قلنا بأنّ المراد الغسل للمغرب و العشاء- كما هو ظاهر السياق- فظاهر أيضا؛ لأنّه عليه السّلام شرط السيلان، و إن قلنا أنّه غسل الفجر، ففي غاية الوضوح، فيكون المراد أنّ هذا السيلان دون السيلان الذي يكون [في] الكرسف، فتدبّر!

و كذا قوله عليه السّلام: «و إن كان الدم إذا أمسكت» .. إلى آخره يدلّ على أنّ الشرط في الأغسال الثلاثة كون الدم يسيل من خلف الكرسف، و المشروط عدم عند عدم شرطه، فيدلّ على أنّ المتوسّطة لا تغتسل ثلاثة أغسال.

قوله: و الصواب أن يحمل الأوّل على ما يوافق سائر الأخبار، و الأخير على التقيّة؛ لعدم قبوله التأويل الذي يوافقها به، و لكون راويه عاميّا» (2).


1) الوافي: 6/ 464 الحديث 4693، لاحظ! الكافي: 3/ 95 الحديث 1، وسائل الشيعة:2/ 374 الحديث 2396.

2) الوافي: 6/ 468 ذيل الحديث 4707.

الحمل على التقيّة ربّما لا يخلو عن الإشكال؛ لأنّ الأخبار المعارضة لها ربّما تتضمّن أنّ الحيض يصير يومين، و هذا موافق لمذهب العامّة (1).

و أيضا الذي يظهر من كتاب النكاح و الطلاق أنّ الحامل لا ترى الدم، و لذا يا بنى على أنّ المراد ما تحيضه الواحدة يظهر أنّها ليست بحاملة، و لذا أمروا بالاستبراء لبراءة الرحم، و كذا بناء العدّة (2)، فتأمّل!

إلّا أنّ الأخبار المعارضة لها كثيرة و سندها معتبر (3)، و العلم عند اللّه.

و السكوني ليس عاميّا، كيف و ليس في باب من أبواب الفقه إلّا و أنّه روي عنه ما يوافق مذهب الخاصّة؟! بل ربّما يرجّح الأصحاب حديثه على الحديث الصحيح، و تمام الكلام في الرجال في تعليقتنا على رجال الكبير للميرزا (4)، فلاحظ!

و مرّ في باب حدّ الحيض عن الصادق عليه السّلام: «ما جاز الشهر فهو ريبة» (5)، فلاحظ و تأمّل!

[باب الاستحاضة]

قوله: عن ابن عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «المستحاضة تنظر أيّامها، فلا تصلّي فيها، و لا يقربها بعلها» (6).. إلى آخره.


1) بدائع الصنائع: 1/ 40.

2) مختلف الشيعة: 7/ 530- 532.

3) لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 329 الباب 30 من أبواب الحيض.

4) تعليقات على منهج المقال: 55.

5) الوافي: 6/ 433 الحديث 4644، لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 292 الحديث 2163.

6) الوافي: 6/ 469 الحديث 4708، لاحظ! الكافي: 3/ 88 الحديث 2، وسائل الشيعة:2/ 371 الحديث 2390.

ظاهرة في عدم تحقّق المتوسّطة، و يمكن أن يقال: قوله عليه السّلام «و تحتشي» و كذا «و تضمّ فخذيها في المسجد و سائر جسدها خارج»، و كذا «لا تحيا» (1)، و كذا «دخلت المسجد» في الشقّ الثاني في كلّ واحد منها ربّما قرينة على إرادة الكثرة، مضافا إلى أخبار كثيرة، و شهرة عظيمة، و أصالة البراءة عن التكاليف الزائدة.

و عدم التعرّض لذكر المتوسّطة لا يضرّ؛ لأنّ غالب الأخبار فيها قصور من هذه الجهة، و المقامات كانت متفاوتة، و سيذكر في باب النفاس جهة له، مع أنّه إذا ثقب الدم الكرسف يجوز غالبا، و لا يقتصر على مجرّد الثقب إلّا نادرا، و الأخبار ربّما كانت واردة مورد الغالب، بل هذا هو الغالب، فتأمّل جدّا!

مع أنّه يمكن أن يكون الأولى لها أن تغتسل مع الثقب ثلاثة أغسال كما أنّه ربّما كان الأولى أن تغتسل ثلاثة لمطلق الاستحاضة كما ستعرف، فتأمّل!

قوله: «و هذه يأتيها بعلها إلّا في أيّام حيضها» (2).

الظاهر منه أنّ غير القليلة يتوقّف جماعها على الغسل؛ للإجماع على الحليّة بعد الغسل، و موثّقة الآتية صريحة في الأمرين (3)، و كصحيحة الفضيل و زرارة الآتية أيضا تدلّ على التوقّف (4)، و صحيحة عبد الرحمن المذكورة في طواف الحجّ أيضا تدلّ (5)، و غيرها.

و استدلّ على عدم التوقّف بصحيحة ابن سنان، و صحيحة صفوان الآتيتين (6)، و فيه تأمّل!


1) في الأصل: (يحشّي)، و في التهذيب: (تحنّي)، و ما أثبتناه من الكافي.

2) الوافي: 6/ 469، الحديث 4708، لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 371 الحديث 2390.

3) الوافي: 6/ 471 الحديث 4710، لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 374 الحديث 2395.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 401 الحديث 1253، وسائل الشيعة: 2/ 376 الحديث 2401.

5) تهذيب الأحكام: 5/ 400 الحديث 1390، وسائل الشيعة: 2/ 375 الحديث 2397.

6) الكافي: 3/ 90 الحديث 5 و 6، وسائل الشيعة: 2/ 372 الحديث 2392 و 2393.

أمّا صحيحة ابن سنان، فلأنّ قوله عليه السّلام: «يأتيها» الضمير راجع إلى التي قال: «تغتسل» .. إلى آخره مع أنّ صلاة الظهرين كما هي مرتّبة في الذكر و الحكم قطعا، و كذا صلاة العشاءين، و كذا صلاة الصبح مع الترتيب الذكري، و كلمة الفاء الدالّة عليه، و كونهما مرتّبين عليه جزما في الواقع، فلا مانع من أن يكون الجماع أيضا كذلك بحكم السياق، سيّما مع قوله عليه السّلام بعده بلا فاصل: «و لم تفعله امرأة قطّ» ..

إلى آخره.

و ممّا ذكر ظهر الكلام في صحيحة صفوان؛ فإنّ استدخال القطنة مرتّب على الغسل في الذكر و واقعا، كما يظهر من أكثر الأخبار، و كون الغسل قبله عادة؛ لأنّ إدخالها بدون الاستثفار لا يكون كما يظهر من الأخبار، و من العادة، و مع الاستثفار لا يتحقّق الغسل عادة، و الجمع بين صلاتين مرتّبة على الغسل و الاستدخال. فلا مانع من أن يكون إتيانها أيضا كذلك بحكم السياق.

سلّمنا، لكن الدلالة في غاية الضعف بالقياس إلى ما ذكرنا من الأخبار، فتأمّل!

قوله: عن سماعة قال: قال عليه السّلام: «المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف» (1)..

إلى آخره.

هذه دالّة على وجود المتوسّطة؛ و التعرّض لذكر القليلة بقوله: «إن كان صفرة» .. إلى آخره بناء على أنّ الغالب أنّ القلّة توجب ضعف اللون، كما أشار إليه قول المصنّف فيما تقدّم.

قوله: [و إن أراد] زوجها أن يأتيها، فحين تغتسل (2).. إلى آخره.


1) الوافي: 6/ 471 الحديث 4710، لاحظ! الكافي: 3/ 89 الحديث 4، وسائل الشيعة: 2/ 374 الحديث 2395.

2) الوافي: 6/ 471 الحديث 4710، لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 374 الحديث 2395.

يدلّ على توقّف جماعها على الغسل، و أنّ القليلة لا يتوقّف جماعها على الوضوء.

قوله: [عن] عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «سمعته يقول:

المرأة [المستحاضة] التي لا تطهر، قال: تغتسل عند صلاة الظهر» (1). الحديث.

في قوله: «التي لا تطهر» ربّما تكون إشارة إلى كونها من المستحاضة الكثيرة؛ لأنّها التي لا تطهر في الغالب، و يستمرّ دمها؛ لأنّ الكثيرة غالبا منشأ الاستمرار و مظنّته.

و يؤيّده عدم التعرّض لذكر القليلة، و كون المستحاضة قسما واحدا، فتأمّل!

مع أنّ الظاهر من الأخبار و المستفاد من كتب اللغة أنّ لفظ (المستحاضة) على سبيل الإطلاق ينصرف إلى الأفراد الكاملة، و يكون مخصوصا بالسائل من الدم.

و من هذا ورد في كثير من الأخبار أنّ المستحاضة تجمع بين كلّ صلاتين بغسل (2)، مع أنّ ذلك مخالف للإجماع و الأخبار، أو ما أشرنا إليه.

و لو لم يكن كذلك فلا شكّ في كون المقام مقام الإجمال، و لا يحسن الاستدلال على نفي خصوص المتوسّطة، فتأمّل جدّا!

قوله: «تستدخل قطنة بعد قطنة» (3).. إلى آخره.

فيها دلالة على وجوب تغيير القطنة، كما صرّح به الفقهاء (4)، و كذا في رواية


1) الوافي: 6/ 472 الحديث 4712، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 401 الحديث 1254، وسائل الشيعة: 2/ 372 الحديث 2393.

2) وسائل الشيعة: 2/ 371 الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

3) الوافي: 6/ 472 الحديث 4713، لاحظ! الكافي: 3/ 90 الحديث 6، وسائل الشيعة:2/ 372 الحديث 2392.

4) المقنعة: 56، المبسوط: 1/ 67، تذكرة الفقهاء: 1/ 283.

الجعفي الآتية (1)، مع [أنّ] وجوب غسل ظاهر الفرج و ما يظهر منه عند القعود على القدمين يقتضي ذلك، بل ربّما لا يتأتّى الغسل بغير ذلك؛ لما في الفرج من الرطوبة، و ظاهر الفرج من رطوبة الغسل، فتأمّل!

و يدلّ على وجوبه صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن الصادق عليه السّلام التي رواها الشيخ في كتاب الحج (2).

قوله: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته عن الطامث تقعد بعدد أيّامها كيف تصنع؟ قال: «تستظهر بيوم أو يومين، ثمّ هي مستحاضة فلتغتسل و تستوثق من نفسها و تصلّي كلّ صلاة بوضوء ما لم يثقب الدم، فإذا نفذ اغتسلت و صلّت» (3).

هذه من الروايات التي تدلّ على بطلان مذهب ابن أبي عقيل (4)، و تدلّ على أنّ الاستيثاق للوضوء قبل الوضوء، كما يظهر من كلام الأصحاب أيضا، و وجهه معاقبة الصلاة للوضوء مهما أمكن حتّى لا يصير الحدث الواقع بعد الوضوء.

و الظاهر أنّ المتوسّطة أيضا كذلك، و أمّا الكثيرة فالمستفاد من الأخبار أنّه بعد الغسل و وجهه أيضا ظاهر لأنّ الغسل لا يتحقّق إلّا بغسل الفرج، و هذا لا يتيسّر غالبا بعد الاستيثاق إذ إرخاء الخرقة لغسل ما تحته يوجب تبلّل الخرقة، فلا يناسب المستحاضة، بل و غيرها أيضا، لأنّه يضرّ، و مع ذلك بالإرخاء يخرج الدم فيحتاج إلى غسل كامل.


1) تهذيب الأحكام: 1/ 171 الحديث 488، وسائل الشيعة: 2/ 375 الحديث 2399.

2) تهذيب الأحكام: 5/ 400 الحديث 1390، وسائل الشيعة: 2/ 375 الحديث 2397.

3) الوافي: 6/ 472 الحديث 4714، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 169 الحديث 483، وسائل الشيعة: 2/ 375 الحديث 2398.

4) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 372.

ثمّ الغسل لا يتأتّى ذلك تحت الخرقة و فوق القطنة النجسة، بل و ربّما كانت الخرقة تنجّست، و لم نجد أحدا قال بخلاف ذلك.

قوله: «و تجمع بين الظهر و العصر بغسل» (1).. إلى آخره.

ظاهرها اشتراط حليّة الوطء بالاغتسال، كما هو أحد الأقوال.

قوله: عن يونس بن يعقوب، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: امرأة رأت الدم في حيضها حتّى جاوز وقتها» (2).. إلى آخره.

هذه- مع اعتبار سندها- ظاهرة في وجود المتوسّطة؛ لأنّه عليه السّلام شرط في الاغتسال وقت كلّ صلاة بكون الدم دما صبيبا، و المشروط عدم عند عدم شرطه.

[باب حدّ النفاس]

قوله: «فإن انقطع عنها الدم، و إلّا فهي مستحاضة» (3).. إلى آخره.

الظاهر أنّ الغسل الواحد عند الاستحاضة المتوسّطة، لا النفاس كما توهّم؛ لأنّ النفاس مذكور سابقا، و واحد قطعا، فلا يناسبه تنكير اللفظ و القيد بالواحدة، بل كان المناسب أن يقول: صلّت بذلك الغسل مع أنّ الغسل انتقض بالحدث قطعا، فلا وجه لأن يقول: صلّت بذلك الغسل، مع أنّها لا تصلّي بذلك الغسل.

مع أنّه عليه السّلام صرّح أوّلا بأن تغتسل للنفاس، و تفعل كذا و كذا، و بعد ذلك ردّد


1) الوافي: 6/ 473 الحديث 4716، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 401 الحديث 1253، وسائل الشيعة: 2/ 376 الحديث 2401.

2) الوافي: 6/ 474 الحديث 4718، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 402 الحديث 1259، وسائل الشيعة: 2/ 376 الحديث 2400.

3) الوافي: 6/ 477 الحديث 4722، لاحظ! الكافي: 3/ 99 الحديث 4، وسائل الشيعة:2/ 373 الحديث 2394.

الأمر بأنّه إن جاز تغتسل ثلاثة أغسال، و إن لم يجز تصلّي بغسل، لا يكون ثلاثة، بل يكون واحدا.

فبعد ما نكّر الغسل بنحو كان ظاهرا في الواحدة أكّده بالواحدة، و جعل القسمين مرتّبين على ما ذكره أوّلا أنّها تغتسل للنفاس، ثمّ بعد الاغتسال تفعل كذا إن كان كذا، و تفعل كذا إن كان كذا، فالقسمان كلاهما مذكوران بكلمة «فاء» الدالّة على التعقيب، فيكون كلاهما عقيب غسل النفاس، و بعده من الاحتشاء و الاستثفار.

مع أنّه على ما توهّم لا حاجة إلى ذكر قوله: «بغسل واحد» أصلا؛ فالحديث ظاهر في وجود المتوسّطة، كما هو المشهور، و عدم التعرّض لذكر الوضوات مشترك الورود.

و جوابه أنّ المقام مقام إجمال في ذلك يقينا، و على أيّ تقدير فتدبّر!

قوله: ثمّ رأت الدم بعد ذلك، قال: «تدع الصلاة» (1).. إلى آخره.

فيه دلالة على اشتراط تخلّل أقلّ الطهر بين الحيض و النفاس، مضافا إلى أخبار كثيرة (2)دالّة على أنّها مستحاضة بعد انقضاء نفاسها مطلقا، فتأمّل!

قوله: عن يونس، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر ممّا كانت ترى» (3).. إلى آخره.

هذه أيضا- مع صحّة سندها؛ لأنّ يونس ثقة على الأظهر (4)أو كانت


1) الوافي: 6/ 478 الحديث 4726، لاحظ! الكافي: 3/ 100 الحديث 1، وسائل الشيعة 2/ 393 الحديث 2443.

2) وسائل الشيعة: 2/ 382 الباب 3 من أبواب النفاس.

3) الوافي: 6/ 479 الحديث 4728، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 175 الحديث 502، وسائل الشيعة: 2/ 383 الحديث 2414.

4) تعليقات على منهج المقال: 380، جامع الرواة: 2/ 360.

كالصحيحة على المشهور- تدلّ على وجود المتوسّطة، حيث اشترط في الأغسال [ال] ثلاثة كون الدم صبيبا، و المشروط عدم عند عدم شرطه.

و عدم التعرّض للمتوسّطة لعلّه لندرة تحقّقها؛ لأنّ الدم إذا ثقب الكرسف يجوز عنه غالبا، و لعلّه لم يتعرّض لذكرها في بعض لهذه الجهة.

قوله: و زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام: «إنّ أسماء بنت عميس نفست بمحمّد بن أبي بكر، فأمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم- حين ارادت الإحرام من ذي الحليفة- أن تغتسل و تحتشي بالكرسف و تهلّ بالحجّ» (1).. إلى آخره.

هذه الروايات دالّة على أنّ النفساء مطلقا تتلبّس بثمانية عشر، لا أنّ المبتدأة خاصّة تفعل كذلك، و إن رأت العادة ترجع إلى عادتها، كما اختاره في «المختلف» (2)، و وافقه غيره؛ لأنّ الظاهر أنّ أسماء ليست مبتدأة، و لأنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم ترك الاستفصال، و كذا الأئمّة عليهم السّلام في نقل حكاية أسماء، و لما مرّ في المرفوعة من «أنّ أسماء لو سألت قبل ذلك لأمرها أن تغتسل» (3)الحديث.

[و] يظهر أنّ المانع عن الأمر بالرجوع إلى العادة أو العشرة عدم سؤالها إلى ذلك الحين.

فلو كانت مبتدأة و أمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم إيّاها لأجل كونها مبتدأة لكان يقول ذلك، لا ما ذكره صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

قوله: «و تعمل كما تعمل المستحاضة، و هو صحيح، إلّا أنّ إطلاقه القول بأنّ


1) الوافي: 6/ 480 الحديث 4730، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 179 الحديث 514، وسائل الشيعة: 2/ 388 الحديث 2430.

2) مختلف الشيعة: 1/ 378 و 379.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 178 الحديث 512، وسائل الشيعة: 2/ 384 الحديث 2418.

العشرة من النفاس» (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ مراد الشيخ أنّ النفاس لا يزيد عن عشرة، ردّا على القائل بالثمانية عشر، و لم يقل أنّ كلّ نفاس عشرة، فكيف و هو باطل قطعا و إجماعا؟ و لم يرد فيه حديث أصلا فضلا عن كونها أحاديث معتمدة.

مع أنّ الأصحاب اتّفقوا على أنّ ذات العادة في الحيض إذا جاوز دمها عادتها و انقطع على العاشر، يكون الكلّ [حيضا]، و هو مقتضى الدليل كما ذكرنا في «حاشية المدارك» (2).

مع أنّ النفاس عندهم حيض احبس لغذاء الولد، كما يظهر من الأخبار (3)و الاعتبار، فتأمّل!

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في المرأة يصيبها الطلق أيّاما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما، قال: «تصلّي ما لم تلد» (4).. إلى آخره.

صريحة في عدم كون الدم في أيّام الطلق نفاسا، كما عليه الأصحاب، و ظاهرة في كون الخارج مع الولادة نفاسا، كما هو المشهور؛ لأنّ إيجاب الصلاة عليها مع الولادة مستبعد جدّا، و غلبة الوجع متفرّعة على حالة وجوب الصلاة عليها فيها، كما هو ظاهر.

مع أنّ الشرط في القضاء كون الفوت لأجل الغلبة، و هي مغايرة لحين التولّد، فتأمّل!


1) الوافي: 6/ 483 ذيل الحديث 4740.

2) حاشية مدارك الأحكام: 1/ 371 و 372.

3) وسائل الشيعة: 2/ 333 الحديث 2289 و 2290.

4) الوافي: 6/ 484 الحديث 4742، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 403 الحديث 1261، وسائل الشيعة: 2/ 391 الحديث 2440.

[باب صفة الغسل و آدابه]

قوله: عن زرارة، قال: «قلت: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: إن لم يكن أصاب كفّه شي‌ء غمسها في الماء، ثمّ بدأ بفرجه و أنقاه بثلاثة غرف، ثمّ صبّ على رأسه ثلاثة أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين [و على منكبه الأيسر مرّتين] فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» (1).

لا يخفى أنّ الظاهر المتبادر من هذه الرواية أنّ كيفيّة غسل الجنابة كونه يصبّ، ثمّ صبّ و صبّ، فيكون أجزاؤها ثلاث، لا أنّه مركّب من جزءين صبّ ثمّ صبّ.

و المستفاد منها كون الجزءين الأخيرين عقيب الجزء الأوّل، و أنّهما متشاركان في ذلك، و معلوم عدم إمكان تحقّقهما في زمان واحد؛ فإمّا أن يكون المراد أنّ المكلّف مخيّر في جعل أيّهما عقيب الجزء الأوّل بلا فصل، و الآخر بفصل بأنّه بعد الصبّ على الرأس إمّا يصبّ على المنكب الأيمن بلا فصل، أو على الأيسر بلا فصل، أو أنّه بعد الجزء الأوّل يصبّ على المنكب الأيمن [و] لا سبيل إلى الأوّل لعدم قائل به؛ لأنّه من يقول بعدم الترتيب بين الجسد يقول بأنّ للغسل مرّتين لا ثلاث، و أنّه لا يجب الصبّ على الأيمن و لا الأيسر، بل لو صبّ على وسط الظهر أو البطن يكفي.

و أيضا ظاهر العبارة أنّ المكلّف بعد الصبّ على الرأس يصبّ على الأيمن في مقام اختيار الفعل، فيلزم من ذلك أن يكون الصبّ على الأيسر بعده.

و الحاصل؛ أنّ المتبادر من جهة الترتيب الذكري في مثل مقام الترتيب المقام الفعلي فتعيّن الثاني، فتأمّل جدّا!

قوله: يستفاد من هذا الحديث أنّ من سها عن عبادة لا ينبغي لغيره


1) الوافي: 6/ 503 الحديث 4794، لاحظ! الكافي: 3/ 43 الحديث 3، وسائل الشيعة:2/ 229 الحديث 2014.

تنبّهه عليه (1).

مشكل؛ لأنّه مبنيّ على أنّ المعصوم عليه السّلام [يجوز له السهو]، و هو خلاف ما عليه معظم المحقّقين و الفقهاء من الشيعة، و قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ (2)و غير ذلك.

مضافا إلى ما ورد منهم عليهم السّلام: «إنّ ما خالف القرآن فاضربوه على عرض الحائط» (3)و «هو زخرف» (4)و «إنّا لا نقول ما يخالف القرآن» (5)إلى غير ذلك، تمنع عن تجويز السهو الذي هو من الشيطان، و الاسهاء الذي هو من اللّه عليهم عليهم السّلام.

مع أنّ الأوّل وفاقي، و قوله تعالى: إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ أي الشيطان عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ (6)و غير ذلك، مانع قطعا.

و أمّا الثاني؛ فمع قطع النظر عمّا ذكر ظاهر؛ لأنّه تعالى لا يوقع المعصوم عليه السّلام إلى الخطأ- و لو فرضنا تجويزه- إلّا لغرض و غير خفيّ أنّ المقام ليس فيه غرض يقتضي إيقاع المعصوم عليه السّلام إلى الخطأ.

مع أنّ فعل المعصوم عليه السّلام حجّة كقوله، على ما حقّق في محلّه (7)، و مسلّم، فيتطرّق تجويز الخطأ إلى قوله عليه السّلام أيضا من دون تفاوت، فيلزم خروج المعصوم عليه السّلام عن العصمة، و قوله و فعله عن الحجيّة العياذ باللّه منها، فما يجاب عن طرف القول يجاب عن طرف الفعل و بالعكس.


1) الوافي: 6/ 507 ذيل الحديث 4704.

2) يونس (10): 35.

3) التبيان: 1/ 5.

4) الكافي: 1/ 69 الحديث 3، وسائل الشيعة: 27/ 111 الحديث 33347.

5) الكافي: 1/ 69 الحديث 5، وسائل الشيعة 27/ 111 الحديث 33348.

6) النحل (16): 100.

7) الفوائد الحائريّة: 315 (الفائدة 32).

فالصواب أن يقال: مراد المعصوم عليه السّلام: ما كان عليك لو سكتّ؟ لأنّي كنت أفعل، فشرع في الفعل، مع أنّ التنبيه و التعريف في أمثال المقام من جملة الإعانة في البرّ، و داخل في العمومات الدالّة عليها.

منها: ما دلّ على الأمر بالمعروف، من الآية (1)و الأخبار (2)، و لا شبهة أنّ غسل الجنابة من المعروف، سيّما بملاحظة ما ورد من أنّه «ما جرى عليه الماء فقد طهر» (3)، و أنّه «لا يجوز إبقاء شعرة منها بغير غسل» (4)و غير ذلك.

مع أنّه لو تأمّل أحد في كون غسل الجنابة معروفا يلزمه التأمّل في سائر العبادات و جميع المعاملات، و لو تأمّل في كون جزء المعروف معروفا يلزمه التأمّل في جميع أجزاء العبادات و المعاملات، مع أنّه كيف يمكن التأمّل في كون جزء المعروف معروفا؟! و اللّه يعلم.

إلّا أن يكون المراد تخصيص القرآن و الأخبار المتواترة بهذا الخبر، و فيه أنّه خلاف مقتضى الأدلّة؛ لأنّ القرآن قطعي المتن، و سيّما إذا وافقه الأخبار المتواترة.

و هذا الخبر- مع ما عرفت من مخالفته للأدلّة القطعيّة العقليّة و النقليّة- لو كان المراد ما ذكره، كيف يكافئ المتن القطعي، سيّما مع اعتضاده بالقطعيّات الاخر، و الأخبار المتواترة في أنّ ما لم يوافق القرآن فاضربوه على الحائط و أمثاله (5)؟!

و من جوّز تخصيص القرآن بخبر الواحد فإنّما يجوّز بالخبر القطعي الدلالة، لا ظنّيتها حتّى يقاوم قطعيّة متن القرآن.


1) آل عمران (3): 104.

2) وسائل الشيعة: 16/ 117 الباب 1 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.

3) الكافي: 3/ 43 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 229 الحديث 2013.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 135 الحديث 373، وسائل الشيعة: 2/ 175 الحديث 1856، نقل بالمعنى.

5) التبيان: 1/ 5.

و أيضا الشاذّ عندهم ليس حجّة، فضلا عن أن يخصّص القرآن به، و عرفت أنّ المعروف بين الشيعة عدم تجويز الخطأ و السهو.

مع أنّ كلّ واحد واحد من رواة هذا الخبر أولى بالسهو من المعصوم عليه السّلام، فتدبّر!

و سيجي‌ء تمام الكلام في باب السهو في أعداد الركعات، فلاحظ!

قوله: «إنّما يجنب الظاهر» (1).

يدلّ على أنّه لا مانع من مباشرة خطّ القرآن و [اسم] الجلالة في الدراهم و أمثال ذلك باللسان و أمثاله.

[باب وجوب تقديم الرأس في الغسل و سقوط الموالاة فيه]

قوله: و الذوق السليم يحكم بأولويّة تقديم الأعلى فالأعلى (2).. إلى آخره.

لا شكّ في أنّه لا طريق للعقل إلى أمثال هذه الأحكام، و أمّا حكم الشرع، فإنّما يستفاد من الأدلّة الشرعيّة، و ليس في المقام ما يدلّ إلّا لفظ هذه الأخبار، و لا دلالة له على ما ذكره بوجه؛ لا مطابقة، و لا تضمّنا، و لا التزاما، فكيف يقول:

الذوق السليم ... إلى قوله: في كلّ عضو عضو.

و الاستحباب هنا يكون شرعيّا، فيتوقّف على الثبوت، مع أنّه لو تمّ لزم ذلك في غسل الرأس أيضا، و كذا غسل الوجه و مسحه في الوضوء و التيمّم، و كذا سائر أفعالهما، و فيه ما فيه.


1) الوافي: 6/ 512 الحديث 4817، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 131 الحديث 360، وسائل الشيعة: 2/ 226 الحديث 2004.

2) الوافي: 6/ 517 ذيل الحديث 4831.

قوله: في صبّ [الماء] بالمنكب الأيمن، و ليس ذلك إلّا التيامن المستحبّ في كلّ شي‌ء (1).

لا يخفى أنّ الظاهر منها- في المقام- الترتيب، كما عرفت، و أنّ الترتيب في الغسل لا مجرّد الصبّ؛ لأنّ الظاهر من السياق اتّحاد حال الرأس بالقياس إلى الجسد مع حال اليمين بالقياس إلى اليسار، و هو عليه السّلام قال: «ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين، و على منكبه الأيسر مرّتين» (2).

و لا شكّ في أنّ المراد من صبّ الماء على رأسه ثلاث أكفّ غسله بتمامه، لا مجرّد صب الماء، و إن وقع الغسل بعد الصبّ على المنكبين.

و يدلّ على الترتيب بين اليمين و اليسار أيضا الأخبار الكثيرة الواردة في كيفيّة غسل الميّت (3)، و أنّه يظهر من غير واحد من الأخبار أنّ كيفيّة غسل الميّت، و غسل الجنابة واحدة (4)، و أنّ غسل الميّت في الحقيقة هو غسل الجنابة، يغسّل الميّت لخروج المني الذي خلق [منه]، و أنّه إذا كان الميّت جنبا يغتسل غسلا واحدا لموته و لجنابته، فلاحظ الأخبار (5)و تأمّل في دلالتها.

و ورد أيضا أنّ غسل الحيض بكيفية غسل الجنابة (6)، و كذا غير غسل الحيض، مع عدم قائل بالفصل، فتأمّل!

و مثل صحيحة زرارة السابقة، ما رواه زرارة أيضا في الموثّق- كالصحيح


1) الوافي: 6/ 517 ذيل الحديث 4831.

2) الوافي: 6/ 503 الحديث 4794، لاحظ! الكافي: 3/ 43 الحديث 3، وسائل الشيعة: 2/ 229 الحديث 2014.

3) وسائل الشيعة: 2/ 479 الباب 2 من أبواب غسل الميّت.

4) وسائل الشيعة: 2/ 486 الباب 3 من أبواب غسل الميّت.

5) وسائل الشيعة: 2/ 539 الباب 31 من أبواب غسل الميّت.

6) وسائل الشيعة: 2/ 315 الباب 23 من أبواب الحيض.

عن الباقر عليه السّلام في باب الآتي (1)، و كذا رواية عمّار (2)، كما سنشير إليه، فلاحظ!

[باب إجزاء الارتماس و إصابة المطر و الثلج عن الغسل و قدر ماء الغسل]

قوله: عن [عمّار] الساباطي سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة تغتسل و قد امتشطت بقرامل (3).. إلى آخره.

هذه الرواية ظاهرة في الترتيب بين اليمين و اليسار؛ لأنّه عليه السّلام [قال]:

«حفنتان على اليمنى و حفنتان على اليسرى»؛ إذ لولاه لكان يقول: حفنتان على المنكبين، و حفنتان على النصف الباقي، أو يقول: أربع حفنات على جسدها، و إن كان «ثمّ تمرّ يدها» ظاهر في عدم الترتيب، لكن لا يخفى أنّه محمول على أنّ المراد بالنسبة إلى الرأس و اليمنى و اليسرى، كلّ واحد منهما على حدة؛ إذ لا شكّ في الترتيب بين الرأس و الجسد، و أنّ من قال بالترتيب بين اليمين و اليسار، قال بالترتيب بين جميع اليمين و جميع اليسار، فتأمّل جدّا!

و مثل هذه الرواية موثّقة زرارة المتقدّمة (4)، بل هي أظهر؛ لأنّ الأمر حقيقة في الوجوب، و العطف في قوّة تكرير العامل، بل لاختصار الكلام حذف لفظ «افض» في المعطوف اكتفاء بحرف العطف، و الأمر بثلاث أكفّ؛ لأنّ أقلّ منها لا يكفي- عادة- لتحقّق الغسل، فتأمّل جدّا!


1) وسائل الشيعة: 2/ 241 الحديث 2048.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 55 الحديث 208، وسائل الشيعة: 2/ 257 الحديث 2097.

3) الوافي: 6/ 526 الحديث 4852، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 55 الحديث 208، وسائل الشيعة: 2/ 257 الحديث 2097.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 137 الحديث 384، وسائل الشيعة: 2/ 241 الحديث 2048.

[باب أنّ الغسل يجزي عن الوضوء]

قوله: عن محمّد، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «الغسل يجزي عن الوضوء، و أيّ وضوء أطهر من الغسل» (1).

المشهور عند الفقهاء أنّ غسل الجنابة فقط يجزي عن الوضوء للصلاة (2)لما يظهر من ظاهر الآية (3)أنّ المكلّف بالصلاة يتوضّأ لفعلها، إلّا أن يكون جنبا فيطهّر، أي يغتسل، كما فسّر.

و هو ظاهر أيضا من الخطاب بالوضوء بالنسبة إلى كلّ مكلّف، و كلمة «إذا» تفيد العموم عرفا في أمثال المقام.

و يؤيّده التعرّض لذكر الجنب خاصّة، و جعله مقابلا للأوّل، و لا يضرّ ما ورد من أنّ المراد: إذا قمتم من النوم (4)للتقريب الذي ذكر، مضافا إلى عدم القول بالفصل، فتأمّل!

و مرسلة ابن أبي عمير المرويّة في «الكافي» و «التهذيب» (5)، و موافقة الصدوق لها في فتواه و في «الفقيه» (6)، و في أماليه جعله من دين الإماميّة (7)، و أظهر


1) الوافي: 6/ 527 الحديث 4854، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 139 الحديث 390، وسائل الشيعة: 2/ 244 الحديث 2055.

2) مختلف الشيعة: 1/ 339، روض الجنان: 47، ذخيرة المعاد: 48.

3) المائدة (5): 6.

4) لاحظ! وسائل الشيعة: 1/ 253 الحديث 657، مستدرك الوسائل: 1/ 230 الحديث 443، 231 الحديث 445 و 446.

5) الكافي: 3/ 45 الحديث 13، تهذيب الأحكام: 1/ 139 الحديث 391، لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 248 الحديث 2072.

6) الهداية: 92، من لا يحضره الفقيه: 1/ 46 ذيل الحديث 177.

7) أمالي الصدوق: 515.

في كتابيه هذين: إلّا أنّ سائر الأغسال- من حيث أنّها من سنّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا الفرض الثابت من القرآن- لا تجزي عن الوضوء الذي هو فرض ثابت من القرآن، و هذا بعينه مذكور في «الفقه الرضوي» (1).

فظهر من كلامه إجماع الإماميّة على ذلك، بل أنّه مذهبهم الذي يجب على الشيعة الإقرار به، و لم يخالف بعده سوى السيّد المرتضى؛ (2).

و سنذكر ما في هذه المرسلة من موجبات العمل، و عدم التأمّل، مضافا إلى ما ذكره الصدوق. و الإجماع المنقول حجّة، لما دلّ على حجيّته، و الصدوق صدوق، و «الفقه الرضوي» مصرّح بذلك، و هو أيضا معتبر، كما حقّقناه (3)، و سيّما إذا انجبر بالشهرة، و الإجماع المذكور، و ظاهر الآية و الأخبار، و سيّما الرواية المرسلة.

و يدلّ على قولهم الاستصحاب أيضا؛ لأنّ بعد الحدث الأصغر وجب الوضوء بمقتضى الأخبار بعد الإجماع، و لم يثبت سقوطه بالغسل، فيكون الحكم في جميع الصور كذلك؛ لعدم القول بالفصل.

و يؤيّدهم إطلاقات الأوامر بالوضوء عقيب الأحداث الشاملة للحدث الأكبر أيضا، فتأمّل!

فما في الأخبار الضعيفة ممّا هو ظاهر في مذهب السيّد؛ لا يقاوم ما ذكر؛ لأنّ الخبر الضعيف ليس بحجّة ما لم ينجبر، كما حقّق في محلّه (4)، و لم يوجد هنا جابر، لا من جهة الشهرة و لا غيرها، بل الأمر بالعكس؛ فإنّ ظاهر الكتاب و الشهرة، بل الإجماع و غير ذلك رادّ للخبر، و مانع عن العمل به، مع أنّه ضعيف الدلالة أيضا


1) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 82، مستدرك الوسائل: 1/ 476 الحديث 1201.

2) رسائل الشريف المرتضى: 3/ 24.

3) لاحظ! الحاشية على مدارك الأحكام: 2/ 71.

4) لاحظ! الفوائد الحائريّة: 487 (الفائدة 31).

كما ستعرف.

و أمّا صحيحة ابن مسلم هذه، فضعيفة الدلالة؛ لأنّ المفرد المحلّى باللام لا يفيد العموم لغة، و أمّا عرفا، فيفيد إن لم يكن مرجّح في أفراده، و يتحقّق الترجيح بلا مرجّح، إن لم يحمل على العموم، و أمّا إن كان فلا؛ لأنّ الغالب في الإطلاقات التوجّه إلى حال الرجال، أو يعمّ الرجال و النساء، لا خصوص النساء، و مع ذلك الإطلاق ينصرف إلى الفرد الكامل الذي هو الفريضة، كما اعترف به صاحب «المدارك»، و غيره (1).

فينصرف الإطلاق إلى غسل الجنابة، الذي هو الفرد الكامل الغالب؛ أمّا الغالب فقد عرفت، و أمّا الكامل، فإنّه الغسل الفرض اللازم على جميع المكلّفين.

و لهذا نرى أنّا في أمثال زماننا متى ما ذكرنا الغسل على سبيل الإطلاق ينصرف ذهننا إلى الجنابة، و أمّا غيرها فيحصل الشكّ في الإرادة.

على أنّه إن كان مراده العموم يصير المعنى: أنّ كلّ غسل يكون يجزي عن كلّ وضوء، فيلزم من ذلك أنّ الوضوء من الحدث الأصغر لا يكون واجبا على سبيل التعيين، بل على سبيل التخيير بينه و بين الغسل، و يكون الغسل أفضل فردي الواجب التخييري و أقواها، و أنّ ما في الأخبار الكثيرة من الوضوات المستحبّة للامور المعهودة- مثل طلب الحوائج (2)، و زيارة القبور (3)، و غير ذلك ممّا لا يحصى- يكون الأمر فيها على التخيير بين الوضوء الضعيف المرجوح، و الغسل القوي الراجح، و في مثل قولهم عليهم السّلام: «الوضوء على الوضوء نور على نور» (4)- أي تجديد


1) حبل المتين: 12، مدارك الأحكام: 1/ 207.

2) وسائل الشيعة: 1/ 374 الحديث 987 و 988.

3) لم نعثر على مستنده لاحظ! ذكرى الشيعة: 1/ 193، بحار الأنوار: 77/ 313، الحدائق الناضرة: 2/ 145.

4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 26 الحديث 82، وسائل الشيعة: 1/ 377 الحديث 977.

الوضوء- يكون الأمر كما ذكر، و فيه ما فيه.

[و] يضعّف عمومه مخالفة ظاهر الكتاب، و الأخبار المتواترة في أنّ ما خالف الكتاب و لم يوافق لكتاب اللّه مردود، و كذا مخالفة الشهرة بين الأصحاب، و الأخبار الدالّة على الأمر بالأخذ بما اشتهر بينهم و ترك الشاذ (1)، و فيها من التعليل العقلي، و كذا مخالفة الإجماع المنقول و أدلّة حجيّته، و مخالفة الاستصحاب، و غير ذلك.

فلو كان المراد فيها العموم تصير شاذّة مخالفة لجميع ما ذكر، فكيف يكون مقاوما لجميع ما ذكر، بل و يكون راجحا عليه؟! على أنّه على تقدير العموم يصير التعارض مع الآية من باب العموم من وجه، لا المطلق، على أنّ تخصيص الكتاب بخبر الواحد عند من يجوّزه إنّما يجوز بخبر يقيني الدلالة، حتّى يقاوم هذا اليقين يقين الآية كما صرّح به (2)، و لا أقلّ من كون الدلالة نصّا، و لا أقل من كونها قويّة، و أين هذا ممّا نحن فيه؟! فتدبّر!

و من مضعّفات الدلالة أنّ المعصوم عليه السّلام قال: «يجزي الغسل عن الوضوء»، و لم يقل: لا يحتاج الصلاة إلى الوضوء، فلعلّ الإجزاء بالقياس إلى الطهارة عن الحدث الأكبر و تحقّق نفس الغسل، سيّما على القول بوجوبه لنفسه، فتأمّل جدّا!

قوله: «الغسل يجزي عن الوضوء و أيّ وضوء أطهر من الغسل» (3).

هذا الحديث و أمثاله الظاهر منها كون كلّ غسل يجزي عن الوضوء طهورا، فيظهر منها كون مسّ الميّت حدثا؛ إذ لا معنى للطهارة إلّا ارتفاع المانع عن الصلاة مثلا، سواء كان المانع الحدث على قول، أو هو و الجنب على قول اخر.


1) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

2) معالم الدين في الاصول: 141، الوافية في اصول الفقه: 144.

3) الوافي: 6/ 527 الحديث 4854، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 139 الحديث 390، وسائل الشيعة: 2/ 244 الحديث 2055.

و يظهر ما ذكر من جميع الأخبار أيضا، فالمسّ حدث بالاتّفاق، و بأنّه لو لم يكن حدثا لم يجب إيجاد الطهور بعده و من جهته، و بسبب تحقّقه بعنوان اللزوم و الدوام، مع أنّ الأطهريّة تعلّقت بنفس الغسل، و المتبادر الظاهر كونه أطهر من الوضوء بالفعل، لا بالقوّة، كما أنّ المتبادر من كون الوضوء طهورا كونه رافعا للحدث بالفعل.

اللّهمّ إلّا أن يخصّص الغسل فيها بغسل الجنابة فمع أنّه بعيد يلزم منه وجوب الوضوء قبل غسل المسّ أيضا، و ورد عنهم عليهم السّلام: «إيّاك أن تحدث وضوءا [أبدا] حتّى تستيقن أنّك [قد] أحدثت» (1).

و أيضا لو كان طهورا كان داخلا في قوله عليه السّلام: «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (2)، فيكون قبل الوقت غير واجب، و أيضا يكون حاله حال سائر الطهارات بالقياس إلى قوله عليه السّلام: «لا صلاة إلّا بطهور» (3).

و ممّا يشير إلى كونه طهورا قوله عليه السّلام: «مفتاح الصلاة [الطهور]» (4)، و قوله عليه السّلام: «الفرض في الصلاة: الوقت، و الطهور، و القبلة» (5)الحديث، و قوله عليه السّلام:

«الصلاة ثلاث أثلاث: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (6)، و غير ذلك ممّا دلّ على اشتراط الصلاة بالطهور.

لكن مثل ما دلّ [عليه] ما روي عنهم عليهم السّلام أنّهم قالوا: «رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم طاهر


1) الكافي: 3/ 33 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 247 الحديث 637.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 22 الحديث 67، وسائل الشيعة: 1/ 372 الحديث 981.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 49 الحديث 144، وسائل الشيعة: 1/ 365 الحديث 960.

4) عوالي اللآلي: 1/ 416 الحديث 91، سنن أبي داود: 1/ 16 الحديث 61.

5) تهذيب الأحكام: 2/ 241 الحديث 955، وسائل الشيعة: 1/ 366 الحديث 962.

6) الكافي: 3/ 273 الحديث 8، وسائل الشيعة: 1/ 366 الحديث 967.

مطهّر» حين سئلوا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام هل اغتسل حين غسّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم (1)؟

و يدلّ أيضا ما دلّ على كون الطهور مطلقا واجبا لغيره؛ مثل قوله عليه السّلام: «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (2).

و يؤيّده أيضا أنّ الظاهر عدم الخلاف في كون المسّ حدثا، و إن وقع الخلاف في توقّف مثل مسّ كتابة القرآن على الغسل منه.

و يؤيّده أيضا أنّ الأوامر الواردة في الأخبار في الوضوء و الغسل و التيمّم بحدوث أسبابها، و الغسل للثوب و الجسد و الظروف بحدوث الأخباث.

فالمراد منها الوجوب للغير كما حقّق في محلّه، بل و كونها ظاهرة فيه عند الإطلاق لعلّه مذكور في محلّه فلاحظها، و تأمّل!

و يدلّ على وجوب الغسل قبل الإتيان بالصلاة و غيرها من العبادات بعد المسّ أنّ العبادات توقيفيّة، موقوفة على الثبوت من الشرع، فإذا أوقعناها بغير الغسل لم نعلم كونها عبادة، بل الأصل عدم كونها عبادة، و لأنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة؛ لقولهم عليهم السّلام: «لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله» (3)، و أمثال ذلك.

هذا على القول بأنّ ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة، أو على القول بعدم ثبوت كونها أسام للأعم، فتدبّر!

قوله: « [لا وضوء للصلاة] في غسل يوم الجمعة، و لا غيره» (4).


1) تهذيب الأحكام: 1/ 107 الحديث 281، 469 الحديث 1541، وسائل الشيعة: 3/ 291 الحديث 3677.

2) تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة: 1/ 372 الحديث 981.

3) تهذيب الأحكام: 1/ 8 الحديث 11، وسائل الشيعة: 1/ 245 الحديث 631.

4) الوافي: 6/ 528 الحديث 4857، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 141 الحديث 397، وسائل الشيعة: 2/ 244 الحديث 2056.

تعارض ما تقدّم في باب غسل الجمعة من أنّ الأمر بغسل الجمعة «لأنّه تعالى أتمّ وضوء الفريضة به ما كان في ذلك من سهو أو تقصير أو نسيان» (1)، و ما سيجي‌ء في رواية علي بن يقطين (2).

قوله: عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «كلّ غسل قبله وضوء، إلّا غسل الجنابة» (3).

هذه الرواية صحيحة إلى ابن أبي عمير، و هو ممّن لا يرسل إلّا عن ثقة، و مراسيله مقبولة عند علماء الرجال، و فقهاء الأصحاب، إلّا ممّن شذّ من متأخّريهم؛ لشبهة فاسدة ذكرت في محلّها، و أيضا هو ممّن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه (4)، و أيضا صرّح الشيخ في «العدّة» بأنّه ممّن لا يروي إلّا عن الثقة (5).

و مع جميع ما ذكرت انجبرت روايته بهذه الشهرة العظيمة بين الأصحاب، و موافقته [ا] لظاهر الآية، بل الإجماع- كما عرفت- و الأخبار الكثيرة (6).

و أمّا الدلالة، فظاهرة في وجوب الوضوء، و لذا فهم المشهور كذلك. وجه الظهور أنّ الظاهر منها أنّ المقرّر الشرعي في كلّ غسل أنّه قبله وضوء، و أنّه لو لم يكن الوضوء [واجبا] لم يكن على النهج المقرّر، و هذا في الجنابة إجماعي (7)، و في


1) تهذيب الأحكام: 3/ 9 الحديث 29، وسائل الشيعة: 3/ 313 الحديث 3734.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 141 الحديث 401، وسائل الشيعة: 2/ 248 الحديث 2072.

3) الوافي: 6/ 529 الحديث 4863، لاحظ! الكافي: 3/ 45 الحديث 13، وسائل الشيعة:2/ 248 الحديث 2072.

4) رجال الكشّي: 2/ 830 الرقم 1050.

5) عدّة الاصول: 1/ 154.

6) وسائل الشيعة: 2/ 246 الباب 34 من أبواب الجنابة.

7) السرائر: 1/ 112، مختلف الشيعة: 1/ 339، مدارك الأحكام: 1/ 357.

غيرها المشهور أنّ غسله لا يجزي عن الوضوء للصلاة (1).

و السيّد؛ على أنّ غيرها مثلها (2)استنادا إلى الأخبار المعارضة، و المشهور حملوا بعضها على أنّ المراد غسل الجنابة؛ لأنّه الشائع الغالب من الأفراد، فلا بعد في حمل المطلق عليه، و طرحوا بعضها؛ لضعف السند، مضافا إلى عدم مقاومته للمرسلة؛ لما عرفت.

و يمكن الحمل على أنّه لا يحتاج إلى وضوء قبل الغسل أو بعده حتّى يتحقّق الغسل، بل الغسل متحقّق من دون توقّف عليه، و إن كان يتوقّف استباحة الصلاة على وضوء لا سيّما على القول بأنّ الغسل واجب لنفسه (3).

[باب علّة غسل الجنابة و ثوابه]

قوله: « [و الغائط يخرج من فضلة الطعام الذي يأكله الإنسان] فعليه في ذلك الوضوء» (4).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ وجوب الوضوء إنّما هو للصلاة و غيرها، لا لنفسه على ما عليه علماؤنا،- كما هو الظاهر-، إلّا ما شذّ منهم، كما يشير إليه عبارة الذكرى (5).

فيظهر من هذه الرواية، و الرواية الآتية (6)أنّ الغسل أيضا وجوبه من قبيل


1) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 339، مدارك الأحكام: 1/ 358.

2) نقل عنه في المعتبر: 1/ 196.

3) مختلف الشيعة: 1/ 321.

4) الوافي: 6/ 537 الحديث 4880، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 43 الحديث 170، وسائل الشيعة: 2/ 179 الحديث 1867.

5) ذكرى الشيعة: 1/ 194.

6) الوافي: 6/ 538 الحديث 4881، لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 178 الحديث 1866.

وجوب الوضوء؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فرّق بين وجوبهما بما فرّق، فيظهر أنّهما من عالم واحد، و من نوع واحد، إلّا أنّ الفرق بما ذكر.

فلو كان الوضوء واجبا للغير خاصّة، و الغسل واجبا لنفسه من جهة مجرّد صدور الحدث لم يكن بينهما مناسبة و مشابهة، حتّى يحتاج التفريق بينهما بما فرّق في الروايتين، فتأمّل جدّا!

[أبواب التيمّم]

[باب ما يوجب التيمّم]

قوله: [عن محمّد بن حمران و] جميل بن درّاج، قالا: «قلنا لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

إمام قوم أصابته جنابة في السفر، و ليس معه ماء يكفيه للغسل، أ يتوضّأ بعضهم» (1).. إلى آخره.

يظهر من هذه الأخبار أنّ التيمّم بدل من الغسل مطلقا، و أنّه مع المكنة من ماء الوضوء يتيمّم مطلقا؛ سواء أحدث أصغر بعد التيمّم الأوّل و تيمّم بعده، أم يكون تيمّمه الأوّل كما هو المشهور، بل كاد أن يكون إجماعا، و خالف في ذلك السيّد؛ فحكم بالوضوء بعد التيمّم الأوّل و وقوع الأصغر (2)، و إن لم يتمكّن من الوضوء يتيمّم بدلا منه.

و الظاهر منه و من غيره أنّ التيمّم بدل من الغسل مطلقا؛ لأنّهم عليهم السّلام ما نبّهوا على تعيّن التيمّم و جعل ما بقي بدلا من الوضوء، بل الظاهر كون جميع التيمّمات على


1) الوافي: 6/ 543 الحديث 4883، لاحظ! الكافي: 3/ 66 الحديث 3، وسائل الشيعة: 3/ 386 الحديث 3941.

2) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 452.

نحو واحد.

و صحيحة محمّد الآتية أظهر دلالة (1)، و تأتي الأخبار [التي] كثير منها تدلّ أيضا بالتقريب الذي ذكر.

هذا مضافا إلى الاستصحاب، و ثبوت بقاء الحدث الأكبر، و عدم رفعه بالإجماع المنقول بخبر الواحد، و الأخبار الدالّة على أنّ حدث الجنابة إنّما هو من خروج المني، أو التقاء الختانين (2)، فتدبّر!

قوله: علي، عن أبيه رفعه، قال: قال: «إن أجنب نفسه فعليه أن يغتسل على ما كان منه، و إن احتلم تيمّم» (3).

هذان الخبران (4)- مع شدّة ضعفهما- فيهما ما ستعرف ممّا يمنع [العمل] بهما البتّة، و يمكن حملهما على أنّ من أجنب نفسه عمدا و يكون مجدورا يكون حاله حالة الأصحاء، فلا يضرّه الغسل؛ لأنّ المجدور الذي يضرّه الغسل- بحسب العادة و الغالب- لا يتأتّى منه الجماع و لا يشتهيه، بحيث يكون شبقا إلى أن يقع منه هذا الفعل، مع خوف الضرر بنفسه الفعل، و ما يغسل منه.

فيظهر أنّ المرتكب شبق شديد، و مثل هذا لا يضرّه الغسل عادة، بخلاف من يحتلم.

و الخبر الأوّل و إن لم يذكر فيه أنّه مجدور، إلّا أنّه في الظنّ اتّحاد الخبرين، مع


1) الوافي: 6/ 547 الحديث 4889، وسائل الشيعة: 3/ 387 الحديث 3943.

2) الوافي: 6/ 397 باب حدّ الجنابة، وسائل الشيعة: 2/ 182 الباب 6، 186 الباب 7 من أبواب الجنابة.

3) الوافي: 6/ 552 الحديث 4911، لاحظ! الكافي: 3/ 67 الحديث 2، وسائل الشيعة: 3/ 373 الحديث 3902.

4) أي هذا الخبر، و خبر علي بن أحمد (لاحظ! الوافي: 6/ 552 الحديث 4912، وسائل الشيعة: 3/ 373 الحديث 3901).

أنّ الاحتمال في مقام التوجيه كاف، فتأمّل!

قوله: ثمّ صبّوا عليّ الماء فغسّلوني (1).

لا يخفى ما في الخبرين (2)فإنّ المعصوم عليه السّلام منزّه عن الاحتلام و عن أن يجامع في هذه الحالة، سيّما الحالة التي لا يمكنه غسل جسده، بل أمر الغلمان أن يغسّلوا جسده.

مضافا إلى ما ستعرف من الامور المانعة عن العمل بهذه الأخبار، مع أنّه لم يعمل بها أحد من الفقهاء؛ لعدم القيد بتعمّد الجنابة، و ظهور عدمه، فتأمّل!

قوله: [و قال بعض مشايخنا: الأولى] حمل هذه الأخبار على البرد القليل و المشقّة اليسيرة؛ فإنّ العقل قاض بوجوب دفع الضرر المظنون الذي لا يسهل تحمّله عادة (3).. إلى آخره.

و خبر «لا ضرر و لا ضرار» (4)، و القطع الحاصل من تتبّع تضاعيف أحكام الفقه المسلّمة التي تدلّ عليها الأدلّة الشرعيّة، و كذا الأخبار الواردة في مبحث التيمّم.

و ورد منهم عليهم السّلام أنّه «إذا ورد عليكم حديث، فاعرضوه على سائر أحكامنا، فإن وجدتموه لا يشبهها و لا يوافقها فاطرحوه» (5).


1) الوافي: 6/ 552 الحديث 4914، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 198 الحديث 575، وسائل الشيعة: 3/ 373 الحديث 3903.

2) أي هذا الخبر و خبر محمّد بن مسلم (لاحظ! الوافي: 6/ 553 الحديث 4915، وسائل الشيعة: 3/ 374 الحديث 3904).

3) الوافي: 6/ 554 ذيل الحديث 4915.

4) عوالي اللآلي: 2/ 74 الحديث 195، مسند أحمد: 1/ 515 الحديث 2862.

5) تفسير العيّاشي: 1/ 20 الحديث 7، وسائل الشيعة: 27/ 123 الحديث 33381 مع اختلاف يسير.

و أيضا ورد في أخبار لا تحصى أنّه «إذا ورد عليكم حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فما لم تجدوه موافقا له فهو زخرف» (1)، أو «اضربوه على الحائط» (2)، و أمثال ذلك.

و أيضا ورد منهم عليهم السّلام أنّه «يعرض الحديث على سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فإن لم يوافقه فاطرحوه» (3).

و قد عرفت خبر «لا ضرر» المتّفق عليه عند العامّة و الخاصّة كونه من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و كذا حديث «بعثت على الملّة الحنفيّة السهلة» (4)و أمثالها من الأحاديث المعلومة الصدور عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، أو المتّفق عليه [ا] كونها صادرة عنه.

مع موافقتها لظاهر القرآن؛ مثل يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (5)و وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (6)و وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (7).

و غير ذلك؛ مثل وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً الآية (8)، و غيرها.

و يؤيّد ما ذكرنا الصحاح الدالّة على كون التراب بمنزلة الماء (9)، و غير ذلك.


1) الكافي: 1/ 69 الحديث 3 و 4، وسائل الشيعة: 27/ 110 الحديث 33345، 111 الحديث 33347.

2) التبيان: 1/ 5.

3) الاحتجاج للطبرسي: 2/ 447، بحار الأنوار: 2/ 225 الحديث 2 مع اختلاف يسير.

4) عوالي اللآلي: 1/ 381 الحديث 3.

5) البقرة (2): 185.

6) الحجّ (22): 78.

7) البقرة (2): 195.

8) النساء (4): 43، المائدة (5): 6.

9) وسائل الشيعة: 3/ 385 الباب 23 من أبواب التيمّم.

هذا مع كون الجماع مباحا بالإجماع.

هذا مع معارضة هذه للأخبار (1)الدالّة على إصابته جنابة [و] لا يغتسل، بل [صحّة] سند البعض و اعتبار سند بعض اخر و انجبار [بعض اخر] بعمل الأصحاب، بل و عمل المسلمين في الأعصار.

و هذه الأخبار فيها امور مضعّفة لها، مع قطع النظر عمّا ذكر.

قوله: ثمّ حملهما على من أجنب نفسه متعمّدا؛ إذ لا وجه للإعادة بدون ذلك (2).

الحمل بعيد، مع أنّه لا شاهد له، و لا قاعدة، و لا إشارة، و التعمّد مع حلّيّة الجماع ليس بتقصير، مع أنّ المقصّر يعاقب بالنار.

فالحمل على الاستحباب له وجه، سيّما مع التسامح في أدلّته، فتأمّل!

[باب أحكام التيمّم و المتيمّم]

قوله: و سنح [أمر] من أمطار السماء، و نحوه (3).. إلى آخره.

في صدر الحديث- على ما مرّ بالطريق السابق أيضا- شهادة على ذلك و إشعار به، كما لا يخفى على المنصف.

مضافا إلى معارضته للإجماعات المنقولة (4)و الأخبار الدالّة على بطلان الصلاة بالحدث في أثنائها (5).


1) وسائل الشيعة: 3/ 346 الباب 5 من أبواب التيمّم.

2) الوافي: 6/ 554 ذيل الحديث 4918.

3) الوافي: 6/ 563 ذيل الحديث 4934.

4) تذكرة الفقهاء: 3/ 271، مجمع الفائدة و البرهان: 3/ 48، مدارك الأحكام: 3/ 455.

5) وسائل الشيعة: 7/ 233 الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة.

قوله: عن العيص قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يأتي الماء و هو جنب، و قد صلّى، قال: «يغتسل و لا يعيد الصلاة» (1).

[في] هذا الخبر شهادة على أنّ التيمّم لا يرفع الحدث كما هو المشهور (2)، حيث أطلق لفظ الجنب على من صلّى بالتيمّم، و المعصوم عليه السّلام قرّره عليه، و سيجي‌ء في باب صفة إمام الجماعة ما هو أظهر دلالة.

و روي في «العوالي» عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال لمن صلّى بالتيمّم: «أ تصلّي بالناس و أنت جنب؟» فسمّاه جنبا بعد التيمّم (3).

و سيجي‌ء في اخر هذا الباب أيضا ما دلّ، فتأمّل!

قوله: عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «قلت له: رجل أمّ قوما و هو جنب و قد تيمّم، و هم على طهور، قال: لا بأس» (4).. إلى آخره.

هذا و أمثاله يدلّ على أنّ التيمّم لا يرفع الحدث، بل يحصل الإباحة، كما هو المفتى به في المشهور بين الفقهاء (5)فيلزم الجنب التيمّم لإباحة صلاته، و إن تيمّم ثمّ أحدث حدثا أصغر، فلا يجوز له الوضوء، سيّما و أن يدخل به في الصلاة و تحصل الإباحة في دخول الصلاة به، فتأمّل جدّا!!


1) الوافي: 6/ 565 الحديث 4939، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 197 الحديث 569، وسائل الشيعة: 3/ 370 الحديث 3896.

2) المعتبر: 1/ 394، جامع المقاصد: 1/ 514، مدارك الأحكام: 2/ 252 و 253.

3) عوالي اللآلي: 2/ 209 الحديث 132.

4) الوافي: 6/ 571 الحديث 4960، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 404 الحديث 1265، وسائل الشيعة: 8/ 327 الحديث 10805.

5) منتهى المطلب: 3/ 146، روض الجنان: 132، مدارك الأحكام: 2/ 252 و 253.

[باب صفة التيمّم]

قوله: أي لم يعد مسح جبينيه و لا كفّيه (1).. إلى آخره.

أي لم يكرّر في المسح، كما يكرّر في غسل الوجه و اليدين في الوضوء، فيدلّ على عدم التكرار في المسح، كما أفتى به الأصحاب (2).

قوله: [فالصواب في الجمع بين الأخبار] حمل المرّتين على الاستحباب، و الاكتفاء في الوجوب بالمرّة من غير فرق [بين الطهارتين] (3).. إلى آخره.

و يمنع [الحمل] على الاستحباب أنّ السؤال وقع عن الكيفيّة، فالجواب عن الكيفيّة بضربتين خاصّة- كما في بعض الأخبار- أو بهما و بالمسح على الجبهة و اليدين- كما في بعضها- كيف يجوز أن يقال بأنّ الكلّ داخل فيها سوى إحدى الضربتين؛ بأن يكون المراد من الضربتين أنّ إحداهما داخلة في [الوجوب و] الاخرى خارجة [عنه]؟!

و كذا الحال في البعض الآخر؛ إذ الجواب بأمر خارج عن الكيفيّة فاسد، سيّما أن يكون بعبارة واحدة بجعل بعضها واجبة و بعضها [مستحبّة]، مضافا إلى أنّ المستحبّ كثير.

قوله: و في الثالث حكم اخر (4).. إلى آخره.

و الظاهر أنّه عليه السّلام في مقام المجادلة مع العامّة، بأنّه يلزمهم أن يجعلوا التيمّم من حيث موضع القطع عندهم، لا أن يجعلوه من الذراع؛ إذ لو كان مراده تعالى ذلك لقال: إلى المرافق، كما قال في الوضوء، و لم يكتف بالإطلاق، كما اكتفى في السرقة.


1) الوافي: 6/ 580 ذيل الحديث 4976.

2) لاحظ! منتقى الجمان: 1/ 351، كشف اللثام: 2/ 476، جواهر الكلام: 5/ 215.

3) الوافي: 6/ 583 ذيل الحديث 4984.

4) الوافي: 6/ 584 ذيل الحديث 4987.

[أبواب قضاء التفث و التزيّن]

[باب حلق الرأس و جزّ شعره و فرقه إذا ترك]

قوله: أظهر معنيي الحلق هنا حلق العانة، كما يشعر به تمام الكلام [و يحتمل حلق الرأس أيضا] (1).. إلى آخره.

يؤيّده أنّ الأصحاب أفتوا بحلق الرأس يوم الجمعة، مع أنّ تجويز كون الصادق عليه السّلام كان يحلق عانته فيه ما فيه.


1) الوافي: 6/ 648 ذيل الحديث 5155.

كتاب الصلاة

اشارة

[أبواب فضل الصلاة و فرضها]

[باب الفرض في الصلاة]

قوله: عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الفرض في الصلاة؟ فقال:

«الوقت، و الطهور، و القبلة، و التوجّه، و الركوع، و السجود، و الدعاء، قلت: ما سوى ذلك؟ فقال: سنّة في فريضة» (1).

أخبار هذا الباب تدلّ على وجوب الطهور في الصلاة، و توقّفها عليه، كما اتّفق عليه أفهام الفقهاء و فتاواهم (2).

[باب حدّ المسير الذي يقصّر فيه الصلاة]

قوله: «لمّا نزل [عليه] جبرئيل [ب] التقصير، قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم: في كم ذاك؟ فقال: في بريد» (3).


1) الوافي: 7/ 41 الحديث 5435، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 241 الحديث 955، وسائل الشيعة: 4/ 109 الحديث 4642.

2) تذكرة الفقهاء: 1/ 8، روض الجنان: 14، مدارك الأحكام: 1/ 5- 8، ذخيرة المعاد: 2.

3) الوافي: 7/ 124 الحديث 5597، لاحظ! الكافي: 3/ 432 الحديث 3، وسائل الشيعة:8/ 460 و 461 الحديث 11169.

هذا في غاية الظهور في أنّ التقصير واجب في بريد، لا التخيير، بملاحظة ما سيجي‌ء من أنّ التقصير الوارد في القرآن عزيمة لا رخصة، بل الأخبار الآتية أيضا ظاهرة في ذلك.

قوله: « [و إن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ] فليتمّوا الصلاة أقاموا أو انصرفوا، [فإذا مضوا] فليقصّروا» (1).

هذا بظاهره يدلّ على عدم اعتبار بلوغ حدّ الترخّص بعد ما مضوا، بل يقصّرون من الحين، و سيجي‌ء الكلام في ذلك.

و في «العلل» بعد قوله عليه السّلام: «فليقصّروا»، ثمّ قال عليه السّلام: «و هل تدري كيف صارت هكذا»؟ قلت: لا [أدري]، قال: «لأنّ التقصير في بريدين، و لا يكون في أقلّ من ذلك، فلمّا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا [قد ساروا] سفر التقصير، و إن كانوا قد ساروا أقلّ من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة»، قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون [فيه] أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال: «بلى إنّما قصّروا في ذلك [الموضع] لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم، و أنّ السير سيجد بهم في السفر، فلمّا جاءت العلّة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا» (2).

و فيها فوائد كثيرة لا يخفى على المتأمّل.

قوله: لعلّ القادسيّة كانت أربعة فراسخ فصاعدا (3).


1) الوافي: 7/ 126 الحديث 5600، لاحظ! الكافي: 3/ 433 الحديث 5، وسائل الشيعة:8/ 466 الحديث 11185.

2) علل الشرائع: 2/ 367 الحديث 1.

3) الوافي: 7/ 127 ذيل الحديث 5602.

القادسيّة على خمسة فراسخ من الكوفة، على ما ذكر بعض أهل اللغة (1).

قوله: «فإنّي قد رأيت القادسيّة، فقلت له: كم أدنى ما تقصّر فيه الصلاة؟

قال: جرت السنّة ببياض يوم» (2).. إلى آخره.

هذا في غاية الظهور في أنّ ذهاب الأربعة لا يكفي، بل لا بدّ من ذهاب ثمانية فراسخ، و أنّ ضمّ الإياب غير نافع، إلّا أن يقال: لا يكفي لوجوب القصر لا لجوازه، و أمره بالإتمام أمر في مقام توهّم الحظر، و يشير إليه أنّ الراوي لا يريد القصر و الإفطار في شهر رمضان، و لذا ما كان يخرج و إن كان يضرّه العود، فقال عليه السّلام: اخرج و صم، لأيّ شي‌ء تدخل الضرر أو عدم النفع على نفسك، مع أنّه لا مضايقة في الصوم، و إتمام الصلاة.

[و] في الخبر السابق أمر بالقصر للخروج إلى القادسيّة، و هو أيضا في مقام رفع توهّم الحظر، و لذا أفتى أكثر القدماء بالتخيير بين القصر و الإتمام في الأربعة (3)، مع عدم قصد الرجوع ليومه، أو مع قصده، إلّا أنّه لم يتحقّق من جهة مانع، أو بداء له، [و] السفر الأربعة مع قصد الرجوع ليومه نادر، سيّما أن يتحقّق الرجوع، فيصير أندر فلا يجوز حمل المطلقات على مثله.

و أمّا إذا صلّى قصرا بسبب قصد الرجوع ليومه، ثمّ حصل مانع أو بداء، فهل تصحّ تلك الصلاة أم لا؟ فهو كلام اخر و إن كان الأظهر عدم لزوم الإعادة، و مع ذلك هو أيضا فرض نادر.


1) مجمع البحرين: 4/ 95.

2) الوافي: 7/ 132 الحديث 5620، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 222 الحديث 649، وسائل الشيعة: 8/ 455 الحديث 11153، 492 الحديث 11259.

3) الهداية: 142، المقنعة: 349، المراسم: 75.

و تدلّ على التخيير حينئذ عبارة «الفقه الرضوي» (1)التي ستذكر، و الإجماع الذي سننقله عن الصدوق (2)، و ينادي ذلك بأنّ هذا التخيير كان مشهورا بين الشيعة بنحو كانوا يعدّونه من العقائد (3).

و يدلّ عليه أيضا صحيحة عمران بن محمّد الآتية (4).

و لذا اختار المصنّف التخيير فيما إذا قطع الثمانية بإحدى القواطع، بحيث صار السفر أربع فراسخ فقط.

لكن يتوجّه عليه؛ الأخبار الدالّة على المنع من القصر- فيما هو أقلّ من ثمانية، و عدم جوازه إذا كانت المسافة أربعة فقط- في غاية الكثرة.

مضافا إلى أنّ حمل ما دلّ على التخيير- سوى صحيحة عمران- على ما ذكره فاسد، أمّا إجماع الشيعة المنقول، و عبارة «الفقه الرضوي» ففي غاية الوضوح، و أمّا ما دلّ على حكم القادسيّة، فهو أيضا ظاهر بأدنى تأمّل.

و ممّا ذكر ظهر فساد الجمع الذي ذكره هنا، سيّما مع كونه مخالفا لما سيجي‌ء من اختياره التخيير في مثله.

مضافا إلى أنّ حمل الحديث على الحكم الفاسد و هو إتمام الصلاة و الصوم في الضيعة من حيث أنّها ضيعة، فيه ما فيه؛ أو الضيعة التي تكون وطنه، و فيه أيضا ما فيه؛ لبعد إرادة ذلك غاية البعد، بل فساده؛ لأنّه- على هذا- لم يكن له داع على عدم الخروج، فتأمّل! و لأنّه يمكنه الصيام و إن كان بينه و بين الضيعة مسافة، فتأمّل!

و ممّا يمكن أن يستدلّ للأكثر أنّ بعض الأخبار دلّ على وجوب القصر، فيما لم


1) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 161.

2) أمالي الصدوق: 514.

3) أمالي الصدوق: 514.

4) تهذيب الأحكام: 3/ 210 الحديث 509، وسائل الشيعة: 8/ 496 الحديث 11269.

يرد الرجوع ليومه، كأخبار عرفات (1)، و بعضها يدلّ على وجوب الإتمام، مثل موثّقة عمّار الآتية (2).

قوله: و استدلّ في «التهذيب» على اشتراط الرجوع من يومه بخبر محمّد (3).. إلى آخره.

ما ذكرناه إنّما هو صريح عبارة «الفقه الرضوي»، و مدار الصدوق و المفيد على الفتوى بمضمونه، بل في الغالب فتواهم بنقل عين عبارته، على وجه يحصل القطع بأنّه مأخوذ منه، و أمّا الشيخ فربّما لا يتفطّن بالمستند حين تأليفه، فيأتي من قبل نفسه، ما يجعله من الكتب الأربعة، كما فعله في نجاسة عرق الجنب [من] الحرام، و وجوب الجمعة على التخيير عند فقد الإمام و نائبه، و غير ذلك، بل ربّما يصرّح بأنّ المستند ما كان الذي ذكره في كتابه الحديث (4)، بل الذي ذكره في غيره.

و غير خفي أنّ رواية محمّد (5)فيها إشعار بما ذكره.

و عبارة «الفقه الرضوي» هكذا: «التقصير واجب في ثمانية فراسخ، و إن كان سفرك بريدا، و أردت أن ترجع من يومك قصّر؛ لأنّ ذهابك و مجيئك بريدان، [- إلى أن قال-: «و إن سافرت إلى موضع مقدار أربعة فراسخ] و لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار؛ إن شئت أتممت، و إن شئت قصّرت» (6)الحديث.


1) وسائل الشيعة: 8/ 463 الحديث 11176، 464 الحديث 11180، 467 الحديث 11187.

2) تهذيب الأحكام: 4/ 225 الحديث 661، وسائل الشيعة: 8/ 469 الحديث 11192.

3) الوافي: 7/ 134 ذيل الحديث 5621.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 271 ذيل الحديث 799، 4/ 226 ذيل الحديث 664، الخلاف:1/ 227 المسألة 42.

5) تهذيب الأحكام: 4/ 224 الحديث 658، وسائل الشيعة: 8/ 459 الحديث 11165.

6) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 159 و 161 مع اختلاف.

و الصدوق في أماليه جعل ما ذكر من دين الإماميّة (1)، و عدّه منه، فلاحظ! و في «الهداية» أفتى أيضا هكذا (2)، و المفيد (3)، و الشيخ في كتب فتاواه (4).

قوله: و الأمر بإعادة الصلاة ينافيه ما في الخبر الآتي، و إن وافقه خبر أبي ولّاد الذي يأتي في أواخر الباب، و يمكن حمله على الاستحباب (5).. إلى آخره.

يمكن الحمل على فراسخ أهل خراسان، بأنّ الفرسخ منهم فرسخان شرعيّان، و الراوي من أهل مرو، فلعلّه ذكر له بالنسبة إلى أهل بلاده، أو أنّ الراوي نقل بالمعنى مناسبا لفرسخهم، فتأمّل!

قوله: عن الفطحيّة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «سألته عن الرجل يخرج في حاجة، فيسير خمسة فراسخ أو ستّة، فيأتي قرية فينزل فيها» (6).. إلى آخره.

ظاهرها أنّ مسيرة خمسة أو ستّة فراسخ لا تكفي، و إن كان مع الإياب في غير هذا اليوم، و حملها على ما إذا لم يرد الرجوع أصلا، أو يريد، إلّا أنّه بعد إقامة عشرة منويّة بعيد جدّا، فيمكن للمشهور أن يجعلوا هذه الرواية أمارة اخرى على إرادة الرجوع ليومه في الأخبار الدالّة على اعتبار الإياب مع الذهاب.

و ما ذكره [في] «التهذيبين» (7)بعيد؛ إذ لم يستفصل عليه السّلام أنّه إلى خمسة أو ستّة كان بنيّة أو بغير [نيّة] منه، بل الظاهر كونه بنيّة، إلّا أنّ سيره لم يصر ثمانية، و لذا


1) أمالي الصدوق: 514.

2) الهداية: 142.

3) المقنعة: 349.

4) المبسوط: 1/ 141، النهاية للشيخ الطوسي: 122.

5) الوافي: 7/ 135 و 136 ذيل الحديث 5622.

6) الوافي: 7/ 137 الحديث 5625، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 225 الحديث 661، وسائل الشيعة: 8/ 469 الحديث 11192.

7) تهذيب الأحكام: 4/ 225 ذيل الحديث 661، الاستبصار: 1/ 226 ذيل الحديث 805.

قال عليه السّلام: «لا يكون هذا الرجل- الذي سألت عن حكمه- مسافرا حتّى يسير من منزله ثمانية».

و أيضا لو كان كما ذكره لكان يقول: لا يكون مسافرا حتّى يكون ذلك السير من قصده و بنيّته؛ إذ عرفت أنّ قصد أربعة يكفي للقصر تخييرا أو حتما، فكيف إذا كان ستّة؟ و أيضا المسافر من غير نيّة إذا بلغ ثمانية يقصّر حتّى يرجع إلى منزله، بحكم الخبر (1)الذي استدلّ عليه لما قال، فكيف يقول: ليتمّ بعد اثني عشر ميلا؟

فتأمّل جدّا!

قوله: عن الفطحيّة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يخرج في حاجة و هو لا يريد السفر، فيمضي في ذلك (2).. إلى آخره.

ربّما يظهر من هذه الرواية أنّ بعد بلوغ حدّ المسافة يقصّر من غير اعتبار حدّ الترخّص بعد البلوغ، و ابتداء القصر من حين البلوغ، لكنّ الإشكال في أنّه بعد ما سافر سفر القصر أصلا، بل إلى الحين كان سفر التمام.

إلّا أن يقال: ظاهر أنّ قليلا من اخر الثمانية كان طيّه بالقصد، فمنتهى السفر كان سفرا و بالقصد، و المسافر مسافر بالقصد حينئذ، و الرجوع مقصود جزما، فيقصّر إلى أن يصل بيته، فتأمّل!

[باب أنّه متى يشرع المسافر في التقصير أو يعود إلى التمام]

[بيان حدّ الترخّص]

قوله: كما زعمه أكثر أصحابنا، فأشكل عليهم التوفيق بينه و بين عدم سماع


1) تهذيب الأحكام: 4/ 226 الحديث 663، وسائل الشيعة: 8/ 469 الحديث 11191.

2) الوافي: 7/ 138 الحديث 5627، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 226 الحديث 663، وسائل الشيعة: 8/ 469 الحديث 11191.

الأذان، كما في الخبر الآتي لتفاوت ما بين الأمرين (1).. إلى آخره.

لعلّ منشأ فهمهم أنّ المعصوم عليه السّلام في صدد بيان تعريف حدّ الترخّص للمسافر، حتّى يشرع في التقصير و الإفطار، و تواريه من البيوت إنّما يعرفه أهل البيوت لا هو، و معرفة أهل البيوت لا تنفعه؛ إذ لا ينفعه إلّا ما يعرفه هو.

و التواري من باب التفاعل [و] يكون التفاعل من الطرفين و إن جعل أحدهما فاعلا و الآخر مفعولا، كما هو الحال في باب المفاعلة أيضا، و في الحديث جعل الطرف الآخر نفس البيوت- كما فهمه أصحابنا- لا ناظر البيوت- كما فهمه المصنّف- فيحتاج إلى تقدير في الكلام، و الأصل عدمه.

و المعتبر في السفر الغيبة عن الوطن و المنزل، لا عن الناظر، فلذا اعتبر الشارع تواري المسافر من نفس البيوت، فإذا توارى عن البيوت تكون البيوت متوارية أيضا بحكم التفاعل، فيجعل تواري البيوت حدّ ترخّصه.

و التعبير ب «تواريه عن البيوت» إظهارا لسرّ الحكم، و الحكمة في اختيار خصوص هذا الحدّ؛ الترخّص، و هو أنّ هذا القصر لا يكون إلّا للمسافر، و المسافر هو الذي لا يكون حاضرا في وطنه و بيته، بل يكون غائبا عنه بعنوان الضرب في الأرض، فمتى لم يخف علي [ه] البيوت لم يكن غائبا عنها، بل هو يعدّ من الحاضرين، بخلاف ما إذا خفي عنها؛ فإنّه حينئذ غاب عنها و الغائب لا يكون حاضرا.

و المسافر في مقابل الحاضر فإذا خفي عنه البيوت عرف أنّه خفي عنها، و إن كان يمكن أن يعرف خفاؤه من أهل البيوت بأن لا يرى أحدا منهم، لكن من أين يعرف أنّ هناك أحد منهم لكن لا يراهم إلّا بنوع من التخمين، و الاعتماد عليه خلاف الأصل و الظاهر من الحديث.


1) الوافي: 7/ 142 ذيل الحديث 5632.

و مع ذلك العبرة إنّما تكون بالبيت، لا بأهل البيت؛ لأنّ الحاضر من هو في بيته و غير غائب عنه، لا عن أهل بيته؛ إذ ربّما كانوا معه في السفر، و ينبّه على ذلك ما سيجي‌ء في الأخبار من أنّ الأعراب يتمّون؛ لأنّ بيوتهم و منازلهم معهم.

و ممّا ذكر ظهر أنّ حدّ الترخّص إنّما يعتبر للخروج من المنزل لا مطلقا، مثل أن يكون الهائم (1)قصد المسافة في أثناء السفر، و العاصي رجع عن عصيانه في الأثناء، فإنّهم يقصّرون بمجرّد القصد و الرجوع، كما دلّ عليه الأخبار (2)و ينبّه على ذلك ما سيجي‌ء من أنّ البدوي يتمّ لأنّ بيوته معه (3).

و أمّا ناوي الإقامة و المتردد إلى ثلاثين، فيمكن أن يكون حكمها حكم المتوطّن؛ لعموم المنزلة الوارد في الأخبار (4).

قوله: عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «سألته عن التقصير، قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع الأذان فأتمّ» (5).. إلى آخره.

و في «محاسن البرقي» بإسناده عن حمّاد عنه عليه السّلام، قال: «إذا سمع المسافر الأذان أتمّ» (6).

قوله: الجمع بين هذه الأخبار، و خبر ابن سنان بالتخيير ممكن (7).

هذا التخيير ممّا لم يقل به أحد من المتقدّمين و المتأخّرين من فقهائنا الماهرين


1) الهائم: مأخوذ من هام يهيم أي: خرج على وجهه لا يدري أين يتوجّه فهو «هائم» إن سلك طريقا مسلوكا (المصباح المنير: 645).

2) وسائل الشيعة: 8/ 468 الباب 4 من أبواب صلاة المسافر.

3) وسائل الشيعة: 8/ 484 الباب 11 من أبواب صلاة المسافر.

4) وسائل الشيعة: 8/ 501 الباب 15 من أبواب صلاة المسافر.

5) الوافي: 7/ 142 الحديث 5633، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 230 الحديث 675، وسائل الشيعة: 8/ 472 الحديث 11196.

6) المحاسن: 2/ 120 الحديث 1330، بحار الأنوار: 86/ 26 الحديث 7.

7) الوافي: 7/ 143 ذيل الحديث 5636.

الخبيرين المطّلعين، النقّادين للأخبار، القريبين لعهد الشارع، و مع ذلك مخالف لظاهر جميع الأخبار؛ لأنّ الظاهر من كلّ واحد واحد منها التعيين، و مخالف أيضا للعمومات الدالّة على وجوب الصلاة تماما، و الدالّة على وجوبها قصرا؛ إذ كلّ منها يقتضي التعيّن فيصير مرجوحا في النظر، و مجرّد الاحتمال و تساويه لا يجوّز الفتوى و الحكم، فضلا عن أن يكون مرجوحا.

فتعيّن القول إمّا بالقصر مطلقا كما عليه علي بن بابويه (1)، أو الإتمام مطلقا كما عليه معظم الفقهاء و جلّهم (2)، أو الإتمام في الخروج و القصر في الدخول إلى أن يدخل بيته كما عليه بعضهم (3).

و الأوّل خلاف صريح الأخبار [ال] كثيرة من اعتبار حدّ الترخّص (4)، و كذا ظاهر القرآن من اشتراط القصر بالضرب في الأرض (5)و وقوعه كونه بعده، و معلوم أنّ من هو في باب بيته أو عليه لا يصدق أنّه ضرب في الأرض.

و أيضا الأخبار متواترة في كون القصر للمسافر، و الإتمام للحاضر (6)، و لا شبهة في أنّ من هو في باب بيته قاعد لا يقال في العرف أنّه الآن مسافر، سيّما في الرجوع، بل المستفاد من الأخبار أنّ القصر يكون في السفر، و معلوم أنّه الآن ليس في السفر، بل هو حاضر، و المتمّم في السفر كالمقصّر في الحضر.

و أيضا عند رجوعه يصدق عليه أنّه قدم من سفره، و قدم بلده، و يظهر أنّ من قدم من سفره أو قدم بلده يتمّ.


1) نقل عنه في مختلف الشيعة: 3/ 110 و 111.

2) النهاية للشيخ الطوسي: 123، المعتبر: 2/ 473، مدارك الأحكام: 4/ 457.

3) لاحظ! مختلف الشيعة: 3/ 110 و 111.

4) وسائل الشيعة: 8/ 470 الباب 6 من أبواب صلاة المسافر.

5) النساء (4): 101.

6) وسائل الشيعة: 8/ 517 الباب 22 من أبواب صلاة المسافر.

و من ذلك ظهر حال الثالث، و أنّ خير الامور أوسطها، مضافا إلى أنّ الثالث مخالف لصحيحة ابن سنان المعمول بها عند المعظم، و المشتهرة بين الأصحاب، الموافقة للكتاب، و ظواهر المتواترة و غيرها.

و لا يعارضها ما دلّ على القصر؛ إلى أن يدخل بيته؛ لما عرفت من مضعّفاته و مقوّياتها، مضافا إلى ما سنذكر في رواية محمّد و ما ماثلها من عدم الفرق بين الدخول و الخروج، و أنّ من يجب عليه التمام و لم يصلّ إلى أن سافر و بالعكس، بل المعتبر بالنسبة إليه حال الأداء لا الوجوب، فلاحظ و تأمّل!

و أيضا يمكن حمل هذه الأخبار على أنّ المراد بمن دخل بيته، من دخل حدّ الترخّص في أنّ الشارع جعل قبل حدّ الترخّص داخلا في البيت، و لذا ورد في غير واحد من الأخبار أنّ من خرج من بيته أو من بلده يجب عليه القصر (1)و معلوم أنّ المراد الوصول إلى حدّ الترخّص، بل الآن متعارف، إنّا نقول: من خرج من بيته يجب عليه القصر، و من دخله يجب عليه التمام، و لا نريد إلّا بوصول حدّ الترخّص، فتأمّل!

و سيجي‌ء في اخر الباب الآتي روايتان تدلّان على المذهب المشهور، و مضمونهما أنّ أهل مكّة إذا زاروا البيت يجب عليهم التمام (2)، و إن كان مضى في الباب الماضي روايتان تتضمّنان أنّ أهل مكّة إذا زاروا البيت و رجعوا منازلهم يجب عليهم التمام (3)، فيمكن حملهما على أنّ قوله: «و رجعوا إلى منازلهم»، و قوله:

«و دخلوا منازلهم» عطف تفسيري لقوله عليه السّلام: «زاروا البيت»، فتأمّل!


1) وسائل الشيعة: 8/ 472 الحديث 11198، 473 2 لحديث 11202 و 11203.

2) وسائل الشيعة: 8/ 464 الحديث 11178، 472 الحديث 11199.

3) الكافي: 4/ 518 الحديث 1 و 2، وسائل الشيعة: 8/ 465 الحديث 11183، 474 الحديث 11204.

[و] كيف كان، العمل على المشهور، فتأمّل!

قوله: عن محمّد قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يدخل من سفره، و قد دخل وقت الصلاة، قال: «يصلّي ركعتين، فإن خرج إلى سفر و قد دخل وقت [الصلاة] فليصلّ أربعا» (1).

هذه الأخبار ظاهرة في مذهب علي بن بابويه، من اتّحاد حال الدخول و الخروج في عدم اعتبار حدّ الترخّص، و بعد ثبوت اعتباره في الخروج قطعا- كما عليه غيره من الفقهاء، و يظهر من أخبار كثيرة- تكون ظاهرة في المذهب المشهور من مساواة الدخول و الخروج في اعتباره، كما يدلّ عليه صحيحة ابن سنان (2).

و ردّ على ما اختاره بعض منهم في الفرق بين الدخول و الخروج في اعتبار [ه] في الثاني دون الأوّل؛ لأنّه لو كان كذلك لكان اللازم التنبيه بالفرق في المقام، فتأمّل!

قوله: و هذه الرواية أشهر، و أظهر في العمل، يعني رواية إسماعيل (3).

مضافا إلى العمومات المتواترة في أنّ المسافر يقصر و الحاضر يتمّ (4)، و متأيّدة بالإجماع، فتدبّر!

[باب عزم الإقامة في السفر و التردّد فيها]

قوله: فيمن أقام بمكّة أو المدينة خمسا؛ فإنّه يستحبّ له الإتمام، كما يأتي (5)..


1) الوافي: 7/ 145 الحديث 5642، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 13 الحديث 28، وسائل الشيعة: 8/ 513 الحديث 11316.

2) تهذيب الأحكام: 4/ 230 الحديث 675، وسائل الشيعة: 8/ 472 الحديث 11196.

3) الوافي: 7/ 148 ذيل الحديث 5651.

4) وسائل الشيعة: 8/ 517 الباب 22 من أبواب صلاة المسافر.

5) الوافي: 7/ 150 ذيل الحديث 5653.

إلى آخره.

و يمكن قوله عليه السّلام: «خمسا» تقيّة؛ لأنّ الشافعي قال بالأربعة من غير احتساب يومي الدخول و الخروج، فترجع الخمسة بالتلفيق (1).

قوله: «و لا يتمّ في أقل من عشرة إلّا بمكّة و المدينة» (2).. إلى آخره.

المشهور، أنّ مكّة و المدينة يستحبّ فيهما [الإتمام] مع عدم قصد الإقامة (3)، و هذه الرواية ظاهرة [في] القصر ما لم ينو إقامة خمسة أيّام، فظاهرها يضرّ المشهور، إلّا أن يقال: بعد نيّة إقامة الخمسة يجب الإتمام، لكنّهم لا يفتون كذلك.

فلعلّ هذا الحكم منهم عليهم السّلام للاتّقاء؛ لأنّ الشيعة كانوا يقصّرون في مكّة و المدينة، و هذا مخالف للتقيّة، فأمرهم بالإتمام من أجل الخوف من العامّة، كما سيجي‌ء صريحا، و هاهنا قالوا: «إن أقام خمسا فليتمّ»؛ لأنّهم كانوا يقيمون فيها مقدار خمسة أيّام عادة إن لم ينووا الإقامة، و سيجي‌ء في صحيحة ابن وهب ما ينبغي أن يلاحظ (4).

قوله: [عن] أبي ولّاد الحنّاط، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّي كنت نويت حين دخلت المدينة أن اقيم [بها] عشرة أيّام (5).. إلى آخره.

هذا الحديث يدلّ على مذهب الصدوق من وجوب القصر في المواطن


1) الأم: 1/ 186، المجموع للنووي: 4/ 364.

2) الوافي: 7/ 151 الحديث 5660، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 220 الحديث 594، وسائل الشيعة: 8/ 502 الحديث 11290.

3) مختلف الشيعة: 3/ 131، مجمع الفائدة و البرهان: 3/ 422، الحدائق الناضرة: 11/ 438.

4) الوافي: 7/ 152 الحديث 5662، لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 502 الحديث 11290.

5) الوافي: 7/ 153 الحديث 5664، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 280 الحديث 1271، وسائل الشيعة: 8/ 508 الحديث 11305.

الأربعة (1)، و كذا صحيحة زرارة الآتية (2)في هذا الباب.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ الظاهر من الخروج في قوله عليه السّلام: «حتّى تخرج» السفر المتوقّع الحصول، و هو السفر إلى بيته أو بلد اخر، بقرينة قوله عليه السّلام «حتّى»، فإنّها إنّما تستعمل في مثل ما ذكرنا.

و لو كان المراد مجرّد الخروج اللغوي، لكان يقول عليه السّلام: إلّا أن يخرج، كما لا يخفى على الفطن، مع التأمّل في الثاني أيضا في مثل المقام بقرينة قوله: «فقد بدا لي بعد ألا أقيم بها»؛ إذ ظاهر أنّ المراد منه أسافر منها، فيكون الظاهر من قوله عليه السّلام:

«فليس لك أن تقصر حتّى تخرج» حتّى تسافر السفر الذي ذكرت.

و أيضا المراد من إقامته عشرا، قطعه حركة سفره بهذا المقدار لأن يتمّ الصلاة، قال: «ثمّ بدا لي» في هذا القطع بعد ما عزمت على القطع، و ظاهر أنّ مراده أنّه بدا له في قطعه حركة سفره، أي ألا يقطع بتلك الحركة، و يرفع اليد عن ذلك القطع، و يا بنى على عدم القطع، و عدم القطع عنه هو البناء على حركة سفره على ما كانت.

فظهر أنّ المراد من قوله: «لا اقيم بها» أسافر منها، كما قلنا، و منه يظهر أنّ المراد من الخروج هو ما ذكرناه، و أنّ الخروج هو إحداث حركة سفره التي قطعها قبل البداء.

فالمراد من الخروج هو إحداث السفر، بالقرينة التي عرفت.

و أيضا ظهر من بعض الأخبار أنّ حكم المقيم عشرا بعنوان العزم، حكم من هو في بلده و وطنه، كما أفتى به الفقهاء (3)، و معلوم أنّ من كان في وطنه لا يقصر حتّى


1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 283 ذيل الحديث 1284، الخصال: 252 ذيل الحديث 123.

2) لاحظ! الوافي: 7/ 154 الحديث 5666، وسائل الشيعة: 8/ 501 الحديث 11284.

3) المعتبر: 2/ 469، مدارك الأحكام: 4/ 441.

يسافر سفر القطع، لا أنّه بمجرّد الخروج اللغوي يقصر، و تمام التحقيق في حاشيتنا على «المدارك» (1).

و ممّا دلّ على ما أفتى الفقهاء به من أنّ ناوي الإقامة بمنزلة المتوطّن؛ ما ورد من أنّ من نوى الإقامة فهو بمنزلة أهل مكّة (2)، فإنّ عموم المنزلة يقتضي مساواة حكمهما.

و أيضا الأصل التمام، و القصر مشروط بسفر مشروط بشروط تحقّقها في ناوي الإقامة محلّ تأمّل.

و المتبادر من المسافة المشترطة أن يكون يقع القصر في مجموعها، فلاحظ الأخبار، و تأمّل!

قوله: و أبو الحسن عليه السّلام يومئذ بمكّة فأتيته فقصصت عليه القصّة، فقال:

«ارجع إلى التقصير» (3).

يمكن حملها على أنّه المقام من غير تعيين كونه عشرة أيّام أو أقلّ أو أزيد، كما هو مدلول عبارة الراوي السائل، أو يكون مراده من المقام مقام خمسة أيّام؛ لما ستسمع من أنّ المقام خمسة أيّام في مكّة يوجب التمام، على ما ورد في روايتي محمّد بن مسلم السابقتين (4)، مع أنّ إقامة خمسة أيام مذهب الشافعي و غيره من العامّة (5)، فربّما كان مشهورا معروفا عنده.


1) الحاشية على مدارك الأحكام: 3/ 415.

2) وسائل الشيعة: 8/ 501 الحديث 11284 و 11285.

3) الوافي: 7/ 153 الحديث 5665، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 283 الحديث 1286، وسائل الشيعة: 8/ 509 الحديث 11306.

4) وسائل الشيعة: 8/ 501 الحديث 11286، 502 الحديث 11290.

5) الأم: 1/ 186، المجموع للنووي: 4/ 364، بداية المجتهد: 1/ 173.

و بالجملة؛ لم يقل: مقام عشرة أيّام، حتّى يتحقّق الإشكال، و الأصل عدم زيادة ما زاد عن ألفاظ الحديث، [و] على تقدير الزيادة لا يتعيّن كونها عشرة؛ لأنّ تبادر ذلك الآن عندنا لا يقتضي التبادر في ذلك الزمان عند كلّ شخص، بل هو باطل كما عرفت.

أو يكون المراد من قوله: «فأتممت الصلاة» فأكون أتممت الصلاة، أي لأن يتمّ الصلاة.

أو أنّه بعد ما قصّ عليه عليه السّلام قصّته و ما جاء به من الخبر من المنزل ظهر أنّه لم يكن ناوي الإقامة حقيقة؛ لما ظهر من قصّته و حكايته.

و كيف كان، هذه الرواية أيضا ظاهرة في مذهب الصدوق من وجوب القصر في الحرمين، إلّا أن يقصد الإقامة (1).

[باب من يخرج إلى ضيعته أو يمرّ بها أو ينزل على بعض أهله]

اشارة

قوله: هذا الحديث مشكل؛ لتضمّنه التقصير في خمسة فراسخ؛ إذ الإياب هنا غير معتبر؛ لأنّه سفران، إلّا أن يحمل على ما يأتي في اخر الباب (2).

فيه تأمّل؛ لأنّ الظاهر منها سفر واحد. نعم، إذا كانت الضيعة بيته و وطنه، بحيث يصدق عليه، كونه فيها أنّه حاضر و غير مسافر يمكن أن يقال في الفرق: أنّهما سفران، و مجرّد وجوب الإتمام أو جوازه لا يجعل السفر متعدّدا، [و] الظاهر أنّ الإشكال في الإتمام في الضيعة.

و يمكن الحمل على التقيّة- أعني الاتّقاء- كما سنشير، أو خصوص التقيّة، فتأمّل!


1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 283 ذيل الحديث 1284، الخصال: 252 ذيل الحديث 123.

2) الوافي: 7/ 159 ذيل الحديث 5674.

قوله: [سأل] عليّ بن يقطين أبا الحسن الأوّل عليه السّلام عن الدار تكون للرجل بمصر، أو الضيعة، فيمرّ بها، قال: «إن كان ممّا قد سكنه أتمّ فيه الصلاة، و إن كان ممّا لم يسكنه فليقصّر» (1).

إنّ السكنى من حيث هو سكنى غير معتبر إجماعا، بل لا بدّ من كونه بعنوان الاستيطان، فالمراد أن جعله وطنه أو اتّخذ وطنه و أمثالها، و لا شكّ [في] عدم دلالة ذلك على الاكتفاء باستيطان ستّة أشهر في الملك خاصّة، أو معنى جعله و اتّخاذه وطنا البناء على كون جميع عمره فيه.

فالمتبادر جعله وطنه مدّة عمره، لا أنّه بدا له في ذلك و جعل وطنه [مدّة] عمره إلّا أنّه أقام فيه ستّة أشهر لا أقلّ، فإنّه يتمّ حينئذ؛ إذ شمول الحديث لما ذكر بعيد؛ لما عرفت من المتبادر.

و على فرض الشمول، فهو من الفروض النادرة [التي] لا يحمل الحديث عليها.

سلّمنا، لكن لا يقاوم ما دلّ على الاستمرار التجدّدي- سيّما مع كثرته و ندرة هذا- و مخالف للاصول و العمومات، و موافقة تلك الأخبار الكثيرة، فتدبّر!

[اعتبار الاستيطان في المنزل]

قوله: عن البقباق، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن المسافر ينزل على بعض أهله يوما و ليلة أو ثلاثا؟ قال: «ما احبّ أن يقصّر الصلاة» (2).


1) الوافي: 7/ 160 الحديث 5679، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 212 الحديث 518، وسائل الشيعة: 8/ 494 الحديث 11264.

2) الوافي: 7/ 161 الحديث 5684، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 233 الحديث 608، وسائل الشيعة: 8/ 510 الحديث 11309.

يمكن أن يقال: هذه الرواية متّحدة مع الرواية السابقة عن البقباق (1)، بل في الظنّ أنّها كذلك، إلّا أنّه في أحد الطرفين وقع تفاوت من جهة النقل بالمعنى، كما هو الحال في كثير من المتعارضات.

فيمكن أن يكون قوله عليه السّلام: «ما احبّ» معناه الذي احبّه، و حذف مثل هذا العائد شائع، و يكون قوله عليه السّلام: «أن يقصّر» خبرا، و يكون «أن» مصدريّة، فيكون المعنى: قصر الصلاة هو الذي احبّه.

أو يكون استفهاما إنكاريّا، أو يكون فعل التعجّب، و لمّا كان يؤدّي ذلك إلى بعد، نقله بالمعنى، و قال عليه السّلام: «يقصّر الصلاة» فتأمّل!

و إذا كان [خبر] البقباق وجه [ا] للتخيير لكان [ينبغي أن] يقول: «لا»، بأنّ الصادق عليه السّلام أمر بالتقصير [و نهى عنه]، و لذا ورد أنّه عليه السّلام [قال] «ما أحبّ أن يقصّر».

و كذا الحال إذا كان روى الروايتين جميعا عن المعصوم عليه السّلام، فتأمّل جدّا!

قوله: عن ابن بزيع، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام، قال: سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟، فقال: «لا بأس، ما لم ينو مقام عشرة أيّام، إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه» (2).. إلى آخره.

و هذا صريح في أنّ الملك لا يكفي للإتمام، بل لا بدّ من منزل يستوطنه، و هذا أيضا- مثل الأخبار السابقة- يدلّ على عدم اعتبار الضيعة في الإتمام، بل لا بدّ من الاستيطان.

و لمّا كان الاستيطان لا يتحقّق إلّا في المنزل صرّح باشتراط المنزل لتحقّق


1) الوافي: 7/ 161 الحديث 5683، لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 510 الحديث 11307.

2) الوافي: 7/ 162 الحديث 5686، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 288 الحديث 1310، وسائل الشيعة: 8/ 500 الحديث 11282.

الاستيطان دفعا لتوهّم كون الاستقرار و الإقامة في موضع توطّنا، و إن لم يكن له فيه منزل و مسكن توطّن فيه، و لا بدّ له على كون المنزل ملكا له، كما عليه بعض الفقهاء (1)لأنّ الضيعة ظاهرة في الملكيّة، و كون المنزل في الضيعة ظاهر في كونه من جملتها، فيصير المعنى: إلّا أن يكون من جملة الضيعة المذكورة منزل له، كما لا يدلّ على كون الضيعة شرطا، كذا لا يدلّ على كون المنزل الذي من جملتها ملكا له.

بل لمّا كان السؤال عن الضيعة- التي هي ملك- أنّها توجب التمام أم لا، و أجاب المعصوم عليه السّلام بأنّها لا توجب الاشتراط أن يكون فيها منزل له، دلّ على أنّ اعتبار المنزل ليس من جهة كونه ملكا، بل من جهة كونه منزلا يستوطنه.

قوله: و إن أردت التوفيق التامّ بين جميع أخبار هذا الباب، فاحملها- في غير الصورتين- على التخيير بين القصر و الإتمام؛ ليندفع به الإشكال الذي أشرنا إليه في حديث عمران بن محمّد، و يتوافق خبرا البقباق المتعارضان صريحا. و يؤيّده قوله عليه السّلام: «ما احبّ أن يقصّر الصلاة» في الأخير منهما، و العلم عند اللّه (2).

لا يخفى أنّ المستفاد من الآية (3)و الأخبار المتواترة (4)و إجماع المسلمين (5)أنّ القصر شرطه أن يكون المكلّف مسافرا، إلّا في موضع الخوف؛ لأنّه ربّما جوّز فيه القصر.

و لا شكّ أنّ المسافر إنّما هو الرجل الذي لا يكون حاضرا، بل الذي يخرج من بيته و يضرب في الأرض، بل السفر أيضا لا يكفي إلّا أن تكون مسافته ثمانية


1) تذكرة الفقهاء: 4/ 391، روض الجنان: 386، لاحظ! الحدائق الناضرة: 11/ 373.

2) الوافي: 7/ 163 ذيل الحديث 5686.

3) النساء (4): 101.

4) وسائل الشيعة: 8/ 468 الباب 4 من أبواب صلاة المسافر.

5) المعتبر: 2/ 465، تذكرة الفقهاء: 4/ 368، مدارك الاحكام: 4/ 428.

فراسخ بالنحو المقرّر الوفاقي، و الخلافي، و هو أيضا لا يكفي إلّا أن يكون ناويا لتلك المسافة بعنوان العزم، و عدم تردّد أصلا، و هو أيضا لا يكفي حتّى يخرج من البلد و يصل إلى حدّ الترخّص، إلى غير ذلك من الشرائط المعلومة، و أنّه لو اخلّ شرط من تلك الشرائط يتعيّن الإتمام؛ فالإتمام هو الأصل وفاقا.

و معلوم أيضا من الأدلّة المتواترة أنّ القصر لا يجوز إلّا بتحقّق شرائط أصلها، و عمدتها المسافرة، بل في الباب الآتي أنّ من جملة تلك الشرائط أن لا يكون السفر عمله و صنيعته، و ألا يكون منزله معه، و يجي‌ء أيضا في باب علّة التقصير أنّ العلّة فيه هو السفر و الضرب في الأرض.

فبعد هذه كيف يبقى مجال [للقول] في أنّ من لم يكن مسافرا- بل يكون حاضرا- و هو في وطنه و بيته لغة و عرفا قطعا لم يتحقّق منه حركة أصلا فضلا عن المسافرة المشروطة [بالشرائط] الكثيرة، و لم يخرج إلى حدّ الترخّص مطلقا، و بيته و منزله معه، بل هو في منزله مستقرّ كمنزله و وطنه يكون عليه القصر ما لم ينو إقامة عشرة أو يمضي ثلاثون يوما متردّدا، سيّما إذا خرج عن حدّ الترخّص ثمّ رجع إلى بيته؟!

و غير خفي أنّ الناس في زمان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى الآن أعلاهم ليس لهم بيت ملكا يسكن فيه، بل و لا غير البيت من الأملاك، فكيف يجوّز أحد أنّ مثله دائم السفر، و عادم الحضر، و فاقد البيت و المنزل الذي معه أبدا و مطلقا؟

و كيف يجوّز أحد أنّ غير المسافر- الّذي هو في بيته حاضر، و لعلّه لم يسافر مدّة عمره و ما فارق بيته و منزله قطّ- يكون الواجب عليه القصر دون التمام؟!

فظهر ممّا ذكرنا فساد ما قال بعض الفقهاء من أنّ الملك شرط في الوطن (1)، بل من تأمّل أبواب القصر و الإتمام و أحكامهما في الصلاة علم أنّ غالب الأخبار


1) تذكرة الفقهاء: 4/ 391، مختلف الشيعة: 3/ 143.

الواردة فيها تنادي بفساد ذلك.

و أمّا أخبار هذا الباب، فمنها ما تدلّ على الإتمام في الملك (1)- كما هو رأي بعض، على ما سمعت (2)- و لا تدلّ على أنّ الملكيّة شرط، و قوله: «و إذا كنت في غير أرضك فقصّر» (3)لا يدلّ على الاشتراط؛ لأنّ الراوي سأل عن حال من خرج من بيته، و سافر جزما، و تحقّقت شرائط السفر الذي يقصّر فيه، أنّه إذا اتّفق أن يكون في عرض مسافة أرضه و ملكه الذي ملكه، هل حاله حال غير أرضه أم لا؟

فأجيب بأنّه ليس حاله حاله، بل الرواية مشيرة إلى عدم الاشتراط؛ فإنّ وطن الرجل غير أرضه، فتأمّل!

مع أنّ هذه الأخبار معارضة بما دلّ على عدم جواز الإتمام في الملك إلّا بعد الاستيطان (4)، فإمّا أن تكون مقيّدة بالاستيطان، أو تكون مبنيّة على الاتّقاء من العامّة، و لذا أمروا بالإتمام في ضياع بني العمّ (5)، و هذا أقرب.

و التخيير لا وجه له، و لم يقل به أحد و لا اشير إلى كونه وجه جمع أصلا، بل هو أمر غريب بالنسبة إلى الأخبار و كلام الفقهاء جميعا.

و أمّا رواية البقباق (6)، فلا إشارة فيها إلى الملك أصلا، بل الظاهر منها كون المنزل و البيت بيت بعض أهله، فإن وجب مراعاة الفتاوى فسد ما احتمله من التخيير البتّة، و إلّا فلا وجه للحمل على خلاف ظاهره أصلا؛ لجواز أن يكون


1) وسائل الشيعة: 8/ 492- 494 الحديث 11257 و 11260 و 11264.

2) راجع! الصفحة: 351 من هذا الكتاب.

3) وسائل الشيعة: 8/ 492 الحديث 11257.

4) تهذيب الأحكام: 3/ 212 الحديث 515- 520، وسائل الشيعة: 8/ 492 الحديث 11256، 493 الحديث 11262، 494 الحديث 11264.

5) تهذيب الأحكام: 3/ 211 الحديث 511.

6) تهذيب الأحكام: 3/ 217 الحديث 535، وسائل الشيعة: 8/ 510 الحديث 11307.

التخيير في النزول على بعض الأهل، كما صرّح بالإتمام في ضياع بني العمّ (1).

فمع مراعاة الفتاوى يكون الحمل على الاتّقاء متعيّنا، كما في ضياع بني العمّ، و لا يخفى على المتأمّل في أحاديث مبحث القصر قرب هذا الحمل.

و أمّا صحيحة ابن بزيع (2)، و ما ماثلها، فلا دلالة فيها على الاشتراط؛ لأنّ المنزل أعمّ من الملك لغة و عرفا، مع أنّه سأل: الرجل هل يقصّر في ضيعته؟ قال:

«لا بأس، ما لم يكن فيها وطن له» و لم يقل: لا يقصّر ما لم يكن ملك له يستوطنه، و هذا ظاهر.

و أمّا إضافة الضيعة إلى صاحبها، فلا إشارة فيها إلى اشتراط الملك بوجه من الوجوه؛ و إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه.

و أمّا رواية الفطحيّة (3)، ففيها أنّها تنادي بعدم اعتبار الاستيطان المخالفة للأدلّة القطعيّة التي أشرنا إليها، فحملها على الاتّقاء متعيّن، كما أشرنا.

و يشهد لهذا الحمل- فيها، و في جميع ما دلّ على الإتمام في الملك- أنّ مذهب مالك من العامّة: إن مرّ بقرية فيها أهله أو ماله أتمّ، إذا أراد أن يقيم فيها يوما أو ليلة (4)، فاعتبر مطلق المال، و مذهبه هو المذهب المشهور و المتداول في زمان صدور هذه الأخبار.

و قال خالي العلّامة المجلسي: إنّه قول جماعة من العامّة، و نقل عن شرح السنّة، عن ابن عبّاس [و هو أحد قولي] الشافعي (5).


1) تهذيب الأحكام: 3/ 211 الحديث 511، وسائل الشيعة: 8/ 510 الحديث 11308.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 288 الحديث 1310، وسائل الشيعة: 8/ 494 الحديث 11266.

3) تهذيب الأحكام: 3/ 211 الحديث 512، وسائل الشيعة: 8/ 493 الحديث 11260.

4) المغني لابن قدامة: 2/ 66.

5) بحار الأنوار: 86/ 37، لاحظ! شرح السنة للبغوي: 2/ 539.

و غير خفيّ على من أمعن النظر فيها أنّ المعصومين عليهم السّلام أمروا بالإتمام لأجل الملكيّة، و من جهة الملكيّة، لا التوطّن، و أنّ الأخبار المعارضة إنّما يكون نظرها ردّ هذا المذهب و منع هذا الأمر، و أنّ السائلين إنّما كانوا يسألون عن هذا المعنى، و كانوا عليهم السّلام يجيبونهم عن هذا المعنى.

على أنّه تقييدها بالاستيطان لأجل الجمع- مع أنّه جمع- في غاية البعد؛ لأنّ النخلة لا تستوطن و لا يمكن استيطانها، و لا ينفع استيطان ما تحتها ممّا هو ملك الغير؛ لأنّه ليس استيطان النخلة.

نقول: غاية ما يظهر منها اعتبار الملك بحصول الوطن الشرعي- أعني ما يجوز الإتمام فيه- و إن لم يكن حين الإتمام متوطّنا فيه، بل الشارع جعله وطنا له، لا أنّ الوطن منحصر فيه، فلا يدلّ على اشتراط الملكيّة أصلا و رأسا.

على [أنّه] إن يظهر منها اشتراط الملكيّة فلا بدّ من حملها و توجيهها و القول بأنّ روايات عمّار مشوّشة مضطربة غالبا؛ لما عرفت.

قال السيّد السند الاستاذ (1): من تأمّل الأخبار وجد أنّ الإتمام دائر مع التوطّن، من غير مدخليّة للملكيّة، و حمل استيطان الستّة على حصول الوطن العرفي غالبا به، إذا لم يكن الوطن الدائمي الذي جميع الأوقات هو فيه، و يكون منشأ للاشتباه في كونه أيضا من جملة الوطن الذي حكم الشارع بالإتمام فيه.

فالظاهر أنّه إذا توطّن في موضع كلّ سنة ستّة أشهر هو أيضا وطنه، و أقلّ ما يتحقّق به الوطن غالبا هو هذا.

و بالجملة؛ الأخبار الدالّة على اعتبار الملكيّة في غاية الظهور في عدم اشتراط الإقامة عشرة أيّام، و لا اشتراط للتوطّن، مع أنّ ناوي الإقامة؛ عليه التمام مطلقا، من غير مدخليّة الملك، و كذا من كان في وطنه؛ لأنّه غير مسافر، و القصر لا يجب


1) هو السيّد صدر الدين محمّد بن السيّد باقر الرضوي القمّي صاحب شرح الوافية.

إلّا بشرط السفر، و كون المكلّف غير حاضر، و كونه في غير وطنه، فمع أحد الضدّين يكون الملك لغوا، لا طائل تحته.

فلا حاجة لما ذكره الشيخ في «التهذيبين» للجمع بين الأخبار بتقيّد ما دلّ على اعتبار الملك بمن نيّته إقامة العشرة، أو كون الملك وطنه (1)، مع ما عرفت من أنّ ناوي الإقامة و المتوطّن؛ عليهما [التمام] و ان لم يكونا في ملكهم، و لا مدخليّة للملك أصلا.

فعلى هذا يجب علينا ترك العمل بهذه الأخبار من وجوه متعدّدة:

الأوّل: مخالفتها لما عليه الشيعة؛ حيث قالوا عليهم السّلام: «خذ ما اشتهر بين الأصحاب، و دع الشاذّ النادر» (2).

الثاني: موافقتها لمذهب العامّة، و قد ورد في الأخبار المتواترة وجوب ترك العمل بمثلها (3).

الثالث: مخالفتها لظاهر القرآن (4)من القصر على المسافر مطلقا و إن كان في ملكه.

الرابع: مخالفتها للعمومات الدالّة على وجوب القصر على المسافر (5).

الخامس: معارضتها للأخبار الدالّة على أنّ المعتبر هو التوطّن لا الملك، مع كونها معمولة بها عند الشيعة، و مخالفة للتقيّة، و موافقة للقرآن و الأخبار المتواترة، و هذه الأخبار واضحة الدلالة في عدم اعتبار الملك مع الوطن.


1) تهذيب الأحكام: 3/ 211 و 212 ذيل الحديث 512 و 514، الاستبصار: 1/ 229 و 230 ذيل الحديث 814 و 816.

2) عوالي اللآلي: 3/ 129 الحديث 12، مستدرك الوسائل: 17/ 303 الحديث 21413.

3) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

4) النساء (4): 101.

5) وسائل الشيعة: 8/ 517 الباب 22 من أبواب صلاة المسافر.

و ربّما توهّم بعضهم في رواية ابن بزيع أنّها تدلّ على اشتراط الملكيّة، كما تدلّ على اشتراط التوطّن؛ حيث قال المعصوم عليه السّلام: «إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه» (1)إذ المتبادر من المنزل و كونه له؛ أن يكون ملكا له.

و التوهّم فاسد؛ لأنّ ابن بزيع سأل عن رجل يقصّر في ضيعته و ملكه، فأجاب عليه السّلام: بأنّه «لا بأس به»، إنّما قال عليه السّلام: «لا بأس به»، لأنّ ابن بزيع في نظره أنّ ذلك غير جائز و حرام، و المعروف عند [ه] لا يجوز القصر، لكن من جهة عدم اليقين في ذلك سأل عن حاله، فأجاب عليه السّلام بأنّه «لا بأس به» يعني لا منع و لا حرمة فيه كما يتخيّل من نظائره، ثمّ أظهر عليه السّلام بأنّ المنع إنّما هو في خصوص قصد الإقامة، أو يكون له منزل يستوطنه.

و هذا أيضا مثل الأخبار السابقة صريح في أنّ الملك لا عبرة به أصلا، بل لا بدّ مع كونه ملكا- من كون منزل له يستوطنه، و لم يقل: يشترط الملكيّة، بل قال:

بشرط المنزل مع كون الضيعة ملكا.

فهذا ينادي بأنّ الملكيّة ليست بشرط، إنّما هي فرض فرضها الراوي، و المعصوم عليه السّلام لم يشترط هذا الفرض، بل اشترط مع وجود هذا الفرض أمرا اخر، و هو المنزل له، و غير مأخوذ في المنزل كونه ملكا، و ليس اللام في «له» للملك؛ لأنّ الظاهر أنّ المنزل من جملة الضيعة، و الضيعة ملك.

فالمعنى: إلّا أن يكون له في ملكه، و من جملة ملكه [ال] منزل، فإذا كان الكلّ ملكا، فاللام للاختصاص، و على فرض كونه للملك لا يفيد الاشتراط؛ لأنّ الراوي فرض الملكيّة، فالمراد: إلّا أن يكون في جملة ما فرضت منزل، فعلى تقدير أن يكون هذا المنزل ملكا له لا يفيد اشتراط ملكيّته- [كما هي] مفروض الراوي- بل يفيد


1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 288 الحديث 1310، وسائل الشيعة: 8/ 494 الحديث 11266.

اشتراط منزليّته.

و بالجملة؛ لا شكّ في أنّ المعصوم عليه السّلام اشترط المنزليّة، لا أنّه اشترط الملكيّة، و هذا واضح بحمد اللّه، مع أنّ المعصوم عليه السّلام اشترط للإتمام نيّة الإقامة و الاستيطان، و كلّ منهما مستقلّ في علّية الإتمام، غير شرط الملك، كما عرفت.

[باب من كان السفر عمله أو منزله معه]

قوله: عن الجعفري، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «الأعراب لا يقصّرون، و ذلك أنّ منازلهم معهم» (1).

و في محاسنه عن أبيه، عن سليمان الجعفري، عمّن ذكره، عن الصادق عليه السّلام، قال: «كلّ من سافر فعليه القصر و الإفطار غير الملّاح، فإنّه في بيته، و هو يتردّد حيث شاء» (2).

[باب من كان سفره باطلا]

قوله: قال في «الفقيه»: و لو أنّ مسافرا ممّن يجب عليه التقصير مال من طريقه [إلى] صيد لوجب عليه التمام؛ لطلب الصيد (3).. إلى آخره.

ففيه دلالة على عدم اشتراط حدّ الترخّص للقصر في مثل هذه الصورة، و على عدم اشتراط قصد المسافة فيما بقي، بل يكفي كون المجموع مسافة، كما اختاره


1) الوافي: 7/ 167 الحديث 5692، لاحظ! الكافي: 3/ 437 الحديث 5، وسائل الشيعة: 8/ 486 الحديث 11238.

2) المحاسن للبرقي: 2/ 121 الحديث 1333.

3) الوافي: 7/ 177 ذيل الحديث 5716، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 288 ذيل الحديث 1314.

بعض (1)، لكن الدلالة و السند ضعيفان.

[باب إتمام الصلاة في الحرم الأربعة]

قوله: عن إبراهيم بن شيبة قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السّلام أسأله عن إتمام الصلاة في الحرمين، فكتب إليّ: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يحبّ إكثار الصلاة في الحرمين، فأكثر فيهما و أتمّ» (2).

لا يخفى أنّ الأئمّة عليهم السّلام أمرونا بمراعاة قواعد في الأخبار المتعارضة، و أوجبوا علينا التمسّك بها، و المدار في الفقه على ذلك، و أنّ قاعدة واحدة تكفي، فضلا عن الجميع.

و القواعد:

أوّلها: موافقة كتاب اللّه تعالى، و قد عرفت أنّ مقتضاه وجوب القصر مطلقا، بعد تفسير أهل البيت عليهم السّلام، و لا شكّ في أنّ جواز الإتمام مخالف له، فوجب علينا ضربه على الحائط، و عدم اعتباره أصلا بمقتضى الأخبار المتواترة (3).

و ثانيها: العرض على سائر أحاديثهم عليهم السّلام فإن وافقها يؤخذ به، و لا شكّ في أنّ سائر أحاديثهم وجوب القصر مطلقا على المسافر، و بالغوا في ذلك.

و ثالثها: موافقة الشهرة بين الأصحاب؛ إذ يظهر من صحيحة علي بن


1) لاحظ! المعتبر: 2/ 472.

2) الوافي: 7/ 181 الحديث 5721، لاحظ! الكافي: 4/ 524 الحديث 1، وسائل الشيعة: 8/ 529 الحديث 11360.

3) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334، 109 الحديث 33343، 111 الحديث 33347.

مهزيار (1)، و غيرها أنّ القصر كان هو المشهور بين أصحاب الراوي و المعصوم عليه السّلام، و العبرة بهذه الشهرة، لا شهرة المتأخّرين عنهم، إلّا أن تكون شهرتهم- كما سبق- عن شهرة أصحاب الراوي التي لم يرد النصّ إلّا باعتبارها خاصّة.

و في «كامل الزيارة» عن سعد بن عبد اللّه أنّه سأل أيّوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه الأماكن الأربعة، فقال: أقصر، و صفوان يقصّر، و ابن أبي عمير و جميع أصحابنا يقصّرون (2)، و الأئمّة عليهم السّلام أمروا بالأخذ بالشهرة بين الأصحاب الذين ذكرت.

و رابعها: العلّة التي ذكروا في وجوب القصر تشمل المقام، و كذا قولهم عليهم السّلام:

«إنّ اللّه تصدّق، و هل يرضى أحد أن تردّ عليه صدقته؟» (3)، و غير ذلك.

و خامسها: ما سيجي‌ء من الأخبار الصريحة في أنّ تجويز الإتمام كان اتّقاء على الشيعة، و إلّا فهذه الأماكن مثل سائرها.

و سادسها: الموافقة لما لا يمكن توجيهه، مثل صحيحة أبي ولّاد (4).

و سابعها: الموافقة [ل] قول العامّة، حيث أمروا عليهم السّلام بترك ما وافق قولهم (5)، و أنّه خطأ، و لا شكّ في أنّ قولهم عدم وجوب القصر، و وجوب القصر مخالف لقولهم [ف] يصير رشدا واجب الاتّباع.

فما قيل من أنّ جواز التمام في خصوص الأماكن الأربعة ليس موافقا لرأي العامّة- بل الموافق مطلق الجواز- فاسد قطعا؛ لأنّ وجوب القصر في هذه الأماكن


1) تهذيب الأحكام: 5/ 428 الحديث 1487، وسائل الشيعة: 8/ 525 الحديث 11346.

2) كامل الزيارات: 249 الحديث 654.

3) وسائل الشيعة: 1/ 174 و 175 الحديث 13144 و 13145 مع اختلاف.

4) تهذيب الأحكام: 3/ 298 الحديث 909، وسائل الشيعة: 8/ 469 الحديث 11193.

5) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

مخالف لقول العامّة بالبديهة، فالرشد فيه جزما، فيجب اتّباعه جزما.

و شي‌ء من المقدّمات المذكورة لا يمكن التأمّل فيه جزما، و هذا القدر يكفينا.

و أمّا أنّ ما ورد من إباحة التمام في هذه الأماكن (1)، فهل هو موافق للعامّة أو مخالف؟ فكلام اخر، فنقول ما دلّ على أنّ المكلّف إن شاء أتمّ و إن شاء قصّر (2)، فهو عين مذهب العامّة يقينا؛ لأنّ إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه، ففي كلّ موضع موضع يقولون: إن شاء أتمّ.

و هل هذا إلّا تفريع الجزئي على الكلّي، و الفرع على القاعدة، بل جميع ما نحمله على التقيّة- و مسلّم ذلك الحمل عندهم،- فمن هذا القبيل.

ألا ترى أنّ ما ورد من أنّ الصلاة تقصّر في ثلاث برد و مسيرة يومين (3)نحمله على التقيّة؟

و لا يمكن أن يقال: العامّة يقولون بذلك في الصلاة و الصوم جميعا، لا خصوص الصلاة، فلا يمكن الحمل على التقيّة، و كذا ما لو ورد من جواز المسح على الخفّين في الحضر أو السفر نحمله على التقيّة جزما.

و لا يمكن أن يقال: هم يقولون في السفر و الحضر، و المدار في الحمل على التقيّة على ذلك.

و أيضا الموافقة للعامّة و الأوفقيّة لهم مغاير لكون الشي‌ء هو هو بعينه، ألا ترى إلى رواية مسمع و ما فيها من قوله عليه السّلام: «كان أبي يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما» (4)لا يصلح أن يقال: هذا لا يوافق التخيير في الأربعة، كيف و قد أتى


1) وسائل الشيعة: 8/ 524 الحديث 11343.

2) وسائل الشيعة: 8/ 526 الحديث 11352.

3) وسائل الشيعة: 8/ 453 و 454 الحديث 11147 و 11148.

4) تهذيب الأحكام: 5/ 426 الحديث 1478، وسائل الشيعة: 8/ 524 الحديث 11344.

به دليلا له، و كذا الحال في غيرها من الروايات المختصّة بالحرمين، كما أتوا برواية حسين الدالّة على الثلاثة (1).

فإن قلت: ما تقول في الأخبار الدالّة على أنّ الإتمام في أربع مواطن؛ فإنّها في غاية الظهور في الاختصاص؟

قلت: كلّما في الأخبار الدالّة على التخيير و أفضليّة الإتمام هو قول أهل السنّة، و أمّا ما ذكرت من الأخبار، فلم يظهر بعد المراد منها؛ إذ يمكن أن يكون المراد منها ما ذكره الصدوق من قصد الإقامة و الإتمام (2)، كما يشير إليه لفظ المذخور؛ فإنّ الذخيرة لا تناسب إلّا ذلك، لا أن يكون المراد في هذه الأماكن يختار الإتمام و إكثار الصلاة و يذخره لنفسه، فيكون اختيار الإتمام لأجل الإذخار مخصوصا بهذه الأماكن، لا نفس التخيير؛ فإنّ الاذخار و المذخور به لا يناسب التخيير أصلا و رأسا.

فإن بنيت على أنّ اختياره الإتمام من جهة أنّ له التخيير، فتصير هذه الأخبار موافقة لقول العامّة البتّة، و الرشد في خلافهم.

و بالجملة؛ هذه الأخبار، [و] صحيحة ابن مهزيار و أمثالها، ستعرف الكلام فيها.

فإن قلت: ما تقول في [ما] ورد من أنّ الإتمام من سرّ آل محمّد عليهم السّلام [و] مخزون علم اللّه (3).

قلت: لا دلالة فيها على التخيير، و أنّ الإتمام على أيّ وجه من سرّ اللّه، و الذي أظهروا عليهم السّلام لنا من جهة الاتّقاء، فلعلّ هذا هو السرّ، بل هو الظاهر، فلاحظ


1) الكافي: 4/ 586 الحديث 4، وسائل الشيعة: 8/ 530 الحديث 11364.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 283 ذيل الحديث 1284.

3) تهذيب الأحكام: 5/ 430 الحديث 1494، وسائل الشيعة: 8/ 524 الحديث 11343.

ما قالوا ممّا ستعرف، على أنّه على تقدير أن يكون المراد هو الإتمام بعنوان اختياره على القصر، و أنّه فرع التخيير، فيصير أفضليّة اختيار الإتمام و محبّة ذلك، و المبالغة و الاهتمام من جهة فضل الصلاة في هذه الأماكن، أو محبّة إكثار الصلاة فيها سرّ آل محمّد عليهم السّلام و مخزون علم [اللّه].

فتصير هذه الأخبار أيضا مثل تلك الأخبار.

على أنّا نقول: مرادنا من التقيّة هو الاتّقاء يعني كانوا عليهم السّلام، يأمرون الشيعة بالإتمام في هذه الأماكن من جهة وجود العامّة فيها [و] ندرة خلوّها عنهم، إذ الحسين عليه السّلام كان أهل السنة يزورونه و يجتمعون عند مرقده، كما هو الحال الآن.

هذا مع أنّ هذه الأخبار لا تخلو من ضعف في السند، أو قصور في الدلالة، أو ظهور علاج التعارض.

قوله: فقلت: فأيّ شي‌ء تعني بالحرمين؟ فقال: «مكّة و المدينة» (1).

لا يخفى أنّ قوله عليه السّلام: «علمت [يرحمك اللّه] فضل الصلاة في الحرمين» في مقام التعليل للأمر بالإتمام فالعلّة منصوصة و هي حجّة، فيلزم أن يكون كلّ موضع في صلواته فضل أن يتمّ الصلاة فيه، و هذا فاسد قطعا.

و أيضا القصر واجب عندنا جزما، و الواجب كيف يرفع اليد عنه من جهة فضله، مع أنّ كثيرا من مواضع الفضل ليس فيه تمام أصلا، بل أكثر، لا سيّما لا إتمام فيه، بل كاد أن يكون كلّها، و كذا كلّ مواضع الإتمام أو جلّها ليس فيه فضل.

و أيضا الفرض الإلهي كيف يناسبه أن يقول عليه السّلام: «أنا احبّ لك أن تكثر الصلاة، فمن هذا احبّ أن تتمّ» و لو حملت على أنّ المراد الإتمام بعد الإقامة، تندفع


1) الوافي: 7/ 182 الحديث 5728، لاحظ! تهذيب الأحكام: 5/ 428 الحديث 1487، وسائل الشيعة: 8/ 525 الحديث 11346.

الحزازات، و يقال أنّها مبنيّة على طريقة أهل السنّة؛ لأنّهم عليهم السّلام كانوا يخافون من وقوع توقيعهم بيد أعدائهم، و لذا في غالب [ال] توقيعات يكون تقيّة، أو اضطرابا، أو حزازة، و صرّح بذلك جدّي؛ (1).

و كون القصر و الإتمام على التخيير و فضيلة الصلاة تصير منشأ لاختيار الإتمام و إكثار الصلاة فيه، و لذا قال عليه السّلام: «احبّ» أي احبّ أن يختار الإتمام، و الإكثار من الصلاة، فتكون واردة على سبيل التقيّة و الموافقة لمذهب العامّة.

و مثل ما ذكرنا، الكلام في رواية إبراهيم بن شيبة، و غيرها من الأخبار المتضمّنة بقولهم عليهم السّلام: احبّ لك أن تفعل كذا (2).

قوله: عن أبي شبل، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أزور [قبر] الحسين عليه السّلام قال: «نعم زر الطيّب و أتمّ الصلاة فيه، قلت: فإنّ بعض أصحابنا يرون التقصير، قال: إنما يفعل ذلك الضعفة» (3).

قيل: المراد من الضعفة؛ الضعفاء في الدين، و فيه ما فيه؛ لما عرفت من أنّ أعاظم فقهاء الشيعة الذين ورد في جلالتهم ما لا يفيه الدفاتر كانوا متّفقين على رأي التقصير، بل هم عليهم السّلام أمروا أعاظمهم ليقصّروا، مثل محمّد بن إسماعيل بن بزيع، و معاوية بن وهب و غيرهما من أعاظم الشيعة.

و قيل: المراد من يضعف عن أربع ركعات، و فيه أيضا ما فيه؛ لما عرفت من أنّ كلّ الشيعة كانوا يفعلون، و لأنّ قوله «يرون» لا يلائمه، مع أنّ الظاهر من


1) روضة المتقين: 2/ 156، 3/ 406، 7/ 208.

2) وسائل الشيعة: 8/ 525 الحديث 11346، 527 الحديث 11355، 529 الحديث 11360 و 11361.

3) الوافي: 7/ 185 الحديث 5733، لاحظ! الكافي: 4/ 587 الحديث 6، وسائل الشيعة: 8/ 527 الحديث 11354.

قوله عليه السّلام: «يفعل» الإخبار عن فعلهم، لا أنّ [ه] حكم من يضعف الإتمام، مع أنّه تفصيل غريب لم يقل به أحدنا.

و الظاهر أنّ المراد من الضعفة الذين استضعفوا في الأرض، يعني الأئمّة عليهم السّلام و شيعتهم، أو لا يستطيع إقامة عشرة أيّام.

فيكون هذا الخبر- أيضا- حجّة من لا يجوّز الإتمام إلّا بعد قصد إقامة العشرة، فيكون إشارة إلى أنّ أمرهم عليهم السّلام بالإتمام إنّما هو بعد قصد الإقامة [و بدونه] لا بدّ فيه القصر.

قوله: إنّما استتروا عليهم السّلام ذلك من الناس؛ لأنّ تخصيص بعض البلاد بالإتمام دون بعض ليس معهودا بين الناس، بل كان خلاف رأيهم (1).. إلى آخره.

الفعل غير القول و الفتوى، [و] تخصيص بعضها به دون بعض عين مذهب أهل السنّة و القول بالتخيير؛ فإنّ المخيّر ربّما يتمّ و ربّما يقصّر، سيّما إذا كان إتمامه في الحرمين؛ لفضلهما و حثّ كثرة الصلاة فيهما.

فما ذكره في غاية البعد، بل شي‌ء لا يرضى به المتأمّل، لأنّ الناس ما كانوا يدورون معهم بحيث يلاحظون أنّهم كانوا يقصّرون في غير مكّة و يتمّون فيها من دون قصد إقامة، و ما كانوا يقصدون الإقامة في غيرها حتّى يتحقّق خلاف التقيّة، بل المناسب للتقيّة الإتمام بلا شكّ، و عدم القصر بلا تأمّل؛ فإنّ مذهبهم التخيير و أفضليّة الإتمام في أيّ مكان و مقام، إلّا أنّ غالب اختيارهم الإتمام، و كان القصر شعار الشيعة.

فلعلّ المراد أنّا نتمّ في حال الخفية أيضا، فيكون الأمر بالإتمام لأجل الناس.

و يمكن أن يكون أيضا تورية، و يكون مرادهم استترنا أنفسنا من الناس كي


1) الوافي: 7/ 186 ذيل الحديث 5737.

يتلائم الأخبار، فتأمّل!

و يمكن أن يكون المراد الاستفهام الإنكاري، أي ألا كنت أنا و من مضى من آبائي أتممنا الصلاة و استترنا بهذا من الناس ليكون تصديق هشام؟!

و هذا هو المناسب؛ لأنّ هشاما كان من الثقات الأجلّة؛ ما كان يكذب، و مع ذلك ما كانوا عليهم السّلام يكذّبون أمثال هؤلاء الأعاظم بمثل هذا التكذيب، كما لا يخفى على المطّلع.

و مع ذلك سيجي‌ء أنّهم عليهم السّلام صرّحوا بأنّ الإتمام الذي قلنا إنّما هو من خوف الناس، فكيف يقول هنا: ليس كذلك؟!

و بالجملة؛ لا شبهة في أنّ أمرهم بالإتمام لأجل الاتّقاء على الشيعة، كما سيجي‌ء تصريحهم عليهم السّلام بذلك، مضافا إلى ظهور ذلك من الخارج أيضا بحيث لا خفاء أصلا.

ففي هذا الحديث أيضا ربّما لا يرى المصلحة بأن يقول مرّ الحق، و تكون المصلحة [في] أمر البجلي أيضا بالإتمام لئلّا يجترئ على ترك التقيّة من أجمعهم في فعل مرّ الحق، و لذا رؤي عليه السّلام بأن قال ما قال، و لا يخفى على الفطن أنّه تورية منه عليه السّلام.

و ممّا يشير إلى ذلك أنّ هذا البجلي هو الذي قال له الصادق عليه السّلام: «أتمّ الصلاة في الحرمين و إن لم تصلّ إلّا صلاة» (1)، فظهر أنّه من جملة من كان يصلّي ركعتين و يأخذ نعاله ليخرج، و الناس يستقبلونه، فكيف يتأتّى له عليه السّلام أن يظهر له ما أظهر لمعاوية بن وهب و هشام؟!

و ينبّه على ذلك أيضا أنّ العلم حاصل لنا بأنّهم حينما كانوا في مكّة كانوا ناوين الإقامة، و لو لم يحصل العلم بذلك فالظنّ لا أقلّ منه.


1) تهذيب الأحكام: 5/ 426 الحديث 1481، وسائل الشيعة: 8/ 525 الحديث 11347.

قوله: عن [ابن] وهب، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن التقصير في الحرمين و التمام، قال: «لا تتمّ حتّى تجمع على مقام عشرة أيّام» (1).. إلى آخره.

و في «العلل» في الصحيح عن معاوية بن وهب، قال: [إنّك] قلت لهم أتمّوا بالمدينة بخمس، فقال: «إنّ أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم، فلذلك قلته» (2)مع أنّا نرى بالوجدان و العيان الخوف من العامّة [في] هذه الأماكن و التقيّة.

و لعلّ المراد من قوله عليه السّلام: «بخمس» لقصد إقامة خمس، كما مرّ في صحيحة محمّد بن مسلم (3)، و لعلّ [ه] يذكر من أنّ المراد منه إقامة خمسة أيّام.

فيظهر من هذا أنّ حكمهم بالإتمام بقصد إقامة خمس تقيّة و اتّقاء لأمر الحقّ، كما يظهر من رواية ابن مسلم الماضية في أيّام عزم الإقامة (4).

و يحتمل أن يكون المراد: إنّك قلت ذلك بخمس أنفس، أو المراد في الصلوات الخمس، و اللّه يعلم.

قوله: [و يحتمل ... وجها اخر] و هو أنّ من حصل بالحرمين ينبغي له أن يعزم على مقام عشرة أيّام و يتمّ الصلاة فيهما (5).. إلى آخره.

لعلّ مراد الشيخ (6)أنّ التوالي في العشرة ليس بشرط في هذين الموضعين؛ لأنّ المتبادر من العشرة هي المتوالية.


1) الوافي: 7/ 188 الحديث 5742، لاحظ! تهذيب الأحكام: 5/ 428 الحديث 1485، وسائل الشيعة: 8/ 534 الحديث 11376.

2) علل الشرائع: 2/ 454 الحديث 10، وسائل الشيعة: 8/ 531 الحديث 11369.

3) تهذيب الأحكام: 3/ 219 الحديث 548، وسائل الشيعة: 8/ 501 الحديث 11286.

4) تهذيب الأحكام: 3/ 220 الحديث 549، وسائل الشيعة: 8/ 502 الحديث 11290.

5) الوافي: 7/ 189 ذيل الحديث 5745.

6) تهذيب الأحكام: 5/ 427 ذيل الحديث 1483.

و في «المدارك»: و هل يشترط التوالي في العشرة، بحيث لا يخرج بينها إلى محلّ الترخّص أم لا؟ (1)فلاحظ!

قوله: عن ابن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل قدم مكّة، فأقام على إحرامه، قال: «فليقصّر الصلاة ما دام محرما» (2).

هذه الرواية أيضا دليل الصدوق (3)، و المراد من قوله عليه السّلام: «ما دام محرما» أنّه لا ينوي الإقامة؛ لأنّه يريد الذهاب إلى عرفات.


1) مدارك الأحكام: 4/ 460.

2) الوافي: 7/ 190 الحديث 5747، لاحظ! تهذيب الأحكام: 5/ 474 الحديث 1668، وسائل الشيعة: 8/ 525 الحديث 11345.

3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 283 ذيل الحديث 1284.

[أبواب مواقيت الصلاة]

[باب أنّ علامة تمام استتار القرص ذهاب الحمرة من المشرق]

قوله: [و إن كفى استتار القرص] في تحقّق الوقت (1).. إلى آخره.

لكن ربّما يظهر من بعض الأخبار الآتية أنّ ما ورد من الاكتفاء بمجرّد سقوط [القرص] ورد بعنوان التقيّة (2).

[باب تأخير المغرب عن استتار القرص للاحتياط]

قوله: عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال لي: «مسّوا بالمغرب قليلا؛ فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا» (3).

لعلّ المراد أنّ أرض الكوفة، من حيث كونها خالية عن الجبال و التلال و استوائها، إذا غاب قرص الشمس يتحقّق بمجرّد ذلك غيبوبتها، بخلاف أرض


1) الوافي: 7/ 267، ذيل الحديث 5880.

2) الوافي: 7/ 270 الحديث 5884، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 259 الحديث 1032، وسائل الشيعة: 4/ 177 الحديث 4841.

3) الوافي: 7/ 269 الحديث 5882، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 258 الحديث 1030، وسائل الشيعة: 4/ 176 الحديث 4839.

الحجاز خصوصا مكّة و المدينة، فإنّ الشمس إذا غابت فيها لا يتحقّق بمجرّد ذلك غيبوبة الشمس [لأنّ فيها] الجبال و التلال، و أمثال ذلك.

فلا يقال- عرفا-: غابت الشمس بالمرّة، بل يقال: غابت عن نظرنا، عند ما يكون على وجه الأرض و الموضع المنخفض، [و] إذا صعد [نا] بالمرتفع نرى الشمس بأعيننا، و نحن في أرضنا، فلو كان المرتفع في الكوفة لكان يظهر عليهم أيضا أنّ الشمس لم تغب عنهم بالمرّة.

[و] لعلّ مراعاة هذا المعنى أولى و أحوط على ما يظهر من بعض الأخبار (1)، أو متعيّن، كما يقول المشهور (2)، [و] يحملون المعارض على التقيّة أو الاتّقاء، كما يشير إليه رواية جارود (3)و الشهرة بين الأصحاب، و الأوّل أظهر، بحسب مدلول الأخبار.


1) تهذيب الأحكام: 2/ 259 الحديث 1031، وسائل الشيعة: 4/ 176 الحديث 4840.

2) لاحظ! تذكرة الفقهاء: 2/ 310.

3) تهذيب الأحكام: 2/ 259 الحديث 1032، وسائل الشيعة: 4/ 177 الحديث 4841.

[أبواب لباس المصلّي و مكانه و القبلة و النداء]

[باب الصلاة في جلد الميتة و ما لا يعلم ذكاته]

قوله: سئل الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ لموسى عليه السّلام: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (1)قال: «كانتا من جلد حمار ميّت» (2).

ورد عنهم عليهم السّلام تكذيب هذا (3)، و أنّ نبي اللّه تعالى أعظم شأنا من أن يصلّي أو يلبس جلد ميّت، و أنّ هذا من أكاذيب العامّة، فلعلّ هذا ورد مورد التقيّة إن كان صحيحا.

قوله: [فهي مرخّص فيها] في ستر الرجلين بها (4).. إلى آخره.

لعلّ عدم البأس في النعل و الخفّ لعدم كونهما ممّا يتمّ الصلاة، و نجاست [هما] ممّا لا مانع منه للصلاة بالإجماع (5)و الأخبار (6).


1) طه (20): 12.

2) الوافي: 7/ 417 الحديث 6233، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 160 الحديث 751، وسائل الشيعة: 4/ 343 الحديث 5342.

3) كمال الدين و تمام النعمة: 2/ 460.

4) الوافي: 7/ 418 ذيل الحديث 6237.

5) لاحظ! تذكرة الفقهاء: 2/ 481 المسألة 127.

6) وسائل الشيعة: 3/ 455 الباب 31 من أبواب النجاسات.

[باب صلاة كلّ من الرجل و المرأة بحذاء الآخر أو قريبا منه]

[مكان المصلّي]

قوله: و الصواب أن يحمل على الرخصة، و ما تقدّم على الكراهة (1).. إلى آخره.

في الظنّ أنّ هذه الرواية (2)متّحدة مع رواية جميل الآتية عن «الفقيه» (3)، و الحكم بالتصحيف فيها حكم بالتصحيف في هذه أيضا.

[باب ما يستتر به المصلّي]

قوله: باب ما يستتر به المصلّي ممّن يمرّ بين يديه (4).

مقتضى ما ذكره أنّ الاستتار لأجل خصوص مرور المارّ، و ليس كذلك؛ إذ مرّ في باب ما لا ينبغي الصلاة [عنده و ما لا بأس به] رواية علي بن جعفر الصريحة في الاستتار لوقوف الحمار قدّامه (5)، و في هذا الباب أكثر رواياته مطلقة، و ليس بينها و بين المقيّد تعارض حتّى يحمل المطلقة عليه، سيّما مع ورود ما هو صريح في التعميم.


1) الوافي: 7/ 479 ذيل الحديث 6398.

2) وسائل الشيعة: 5/ 125 الحديث 6105.

3) الوافي: 7/ 479 الحديث 6399، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 159 الحديث 749، وسائل الشيعة: 5/ 122 الحديث 6096.

4) الوافي: 7/ 481.

5) الوافي: 7/ 462، الحديث 6352، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 164 الحديث 775، وسائل الشيعة: 5/ 132 الحديث 6127.

[باب أدب المساجد و توقيرها و توقير القبلة]

قوله: عن أبي الصحاري، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له: رجل اشترى دارا فبقيت عرصة، فبناها بيت غلّة أ يوقفه على المسجد؟ قال: «إنّ المجوس أوقفوا على بيت النار» (1).

يعني أنّ المجوس على رداءة دينهم، و فساد اعتقادهم، و عدم الاعتناء التامّ منهم بالنسبة إليه تعالى يوقفون على بيت النار، فما لكم تسألون عن جواز الوقف على المساجد؟ مع أنّكم تدرون أنّ الوقف أمر جائز و على حسب ما يوقف أهل الوقف!

[و] كيف كان، فلا حاجة إلى ما ذكره المؤلّف (2)، و لا وجه، فتأمّل!

و الصدوق نقل الرواية هكذا: «سئل عن الوقوف على المساجد فقال: لا يجوز؛ فإنّ المجوس» (3).. إلى آخره، و لعلّه نقل بالمعنى على مقتضى فهمه.

و على تقدير أن تكون الرواية كما نقله، فما قاله المؤلّف متعيّن، فتأمّل!

[باب معرفة القبلة و قبلة المتحيّر]

قوله: في هذا الاعتراض من المخالفين دلالة واضحة على عدم جواز الاجتهاد عند الإماميّة (4).. إلى آخره.

لعلّ في هذا الكلام منه تعريض بالنسبة إلى المجتهدين من فقهائنا- رضوان اللّه


1) الوافي: 7/ 507 الحديث 6463، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 4/ 185 الحديث 648، وسائل الشيعة: 5/ 292 الحديث 6579.

2) الوافي: 7/ 508 ذيل الحديث 6464.

3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 154 الحديث 720، وسائل الشيعة: 5/ 291 الحديث 6578.

4) الوافي: 7/ 550 ذيل الحديث 6569.

عليهم- أنّهم تبعوا العامّة في اختيارهم الاجتهاد.

و فيه؛ أنّ الاجتهاد الذي كان من خواصّ العامّة هو: العمل بالرأي و الاستحسان و الظنون التي لم تستند إلى دليل شرعي، أمّا الاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع في تحصيل الحكم من دليل ظنّي مستند إلى دليل شرعي- كما هو طريقة فقهائنا المجتهدين- فلا؛ لأنّ العبرة إنّما يكون بذلك الشرعي.

مع أنّه لا شبهة في انسداد باب العلم بتفاصيل الأحكام الفقهيّة، و كون الطريق منحصرا في الظنّ المذكور، مع أنّ البناء في معرفة القبلة ليس إلّا على الظنون بالقياس إلى غير الحاضرين للمسجد الحرام، أو الحرم سوى [من حضر] عند معصوم عليه السّلام، أو استند إلى قوله عليه السّلام أو فعله، و لا يكاد يتحقّق مثلهم، فلم يقول: [إذا] أطبقت السماء، كنّا و أنتم سواء (1)؟

ففيه شهادة على أنّه ليس المراد من الاجتهاد العمل مطلقا، بل بما ذكرنا.

[باب صفة الأذان و الإقامة]

قوله: و لكن ليس ذلك في أصل الأذان، قال: و إنّما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض (2).. إلى آخره.

لا شبهة في عدم كونه من أجزاء الأذان، كما أنّ الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليست جزءا منه، و إن كانت عند ذكره صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لأجله، و على فرض ورودها في خبر لا يجعلها جزءا، بل يجعلها من ذكر محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فأيّ مانع من أن يكون ما


1) وسائل الشيعة: 4/ 311 الحديث 5239.

2) الوافي: 7/ 579 ذيل الحديث 6627، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 189 ذيل الحديث 897.

ورد في بعض رواياتهم من هذا القبيل بأن يكون ذكر «أشهد أنّ عليّا وليّ اللّه» مستحبّا، مرغوبا فيه، مندوبا إليه عند ذكر «محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم»؟!

و ببالي أنّه ورد حديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذلك، رواه في «الاحتجاج» (1)بل يظهر ذلك من العمومات أيضا.

و الشيخ ذكر في نهايته- ما هذا لفظه-: فأمّا ما روي في شواذّ من الأخبار من قوله «أشهد أنّ عليّا وليّ اللّه»، و «آل محمّد خير البريّة» فممّا لا يعمل عليه في أذان و لا إقامة، فمن عمل به كان مخطئا (2)، انتهى.

فلعمري اعترف بورود أخبار متعدّدة بذلك، فلو كانت تذكر لكان البناء و العمل على ما ذكرنا للمسامحة في أدلّة السنن.

مع أنّه؛ حمل ما ورد من ذكر «قد قامت الصلاة» مرّتين في أثناء الصلاة فيمن نسي الإقامة و ذكر في الركعة الثانية- على الاستحباب.

و كذا ما ورد من الأمر بالوضوء مع غسل الجنابة .. إلى غير ذلك من أمثال ما ذكر، بل و أشدّ منه.

فأيّ مانع من حمل تلك الشواذّ أيضا على الاستحباب، بل لو ذكر هو أو الصدوق خبرا منها لكان البناء الآن على ما ذكر البتّة من جهة التسامح المذكور.

بل كان عند الأخباريّين قطعي الصدور عن المعصوم عليه السّلام، كما هو حالهم و طريقتهم في الأخبار التي ذكرها المشايخ و طعنوا عليها بعدم الحجيّة، بل بعدم الصدور عن المعصوم عليه السّلام.

على أنّه على تقدير تسليم عدم الاستحباب، فأيّ مانع من ذكره لا بنيّة كونه


1) الاحتجاج: 2/ 507.

2) النهاية للشيخ الطوسي: 69.

جزء الأذان، و لا بنيّة كونه مستحبّا، بل بمجرّد التيمّن و التبرّك؟

قصارى ما يتخيّل كونه مكروها؛ لما قاله بعض الفقهاء من كراهة الكلام في أثناء الأذان (1)، لكن لم نجد عليه حديثا، بل ظاهر الأخبار عدم البأس منه (2).

و من هذا ظهر أنّه لو ذكره ذاكر لا من جهة التبرّك لم يكن فيه ضرر، بل لعلّه لم يكن فيه كراهة أيضا.

و من هذا جوّز الشيخ في «المبسوط»: «أشهد أنّ عليّا وليّ اللّه»، و ذكر «محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و آله خير البريّة» (3)، و أمثالها في الأذان.

فكيف يكون أمثال ما ذكر بأدون حالا من الكلام اللغو؟!

فإذا لم يكن مانع منه في أثناء الأذان، فكيف يكون أمثال ما ذكر ممنوعا عنها فيه؟! و اللّه يعلم.

[باب شرائط الأذان و الإقامة و آدابهما]

قوله: عن سليمان بن صالح، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «لا يقيم أحدكم الإقامة و هو ماش، و لا راكب، و لا مضطجع، إلّا أن يكون مريضا، و ليتمكّن في الإقامة كما يتمكّن في الصلاة، فإنّه إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة» (4).

سيجي‌ء في تكبيرة الافتتاح تسميتها بالافتتاح في أخبار لا تحصى (5)، فيدلّ


1) لاحظ! الروضة البهيّة: 1/ 249.

2) وسائل الشيعة: 5/ 393 الباب 10 من أبواب الأذان و الإقامة.

3) المبسوط: 1/ 99، لاحظ! سلسلة الينابيع الفقهية (المبسوط): 27/ 388.

4) الوافي: 7/ 594 الحديث 6667، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 56 الحديث 197، وسائل الشيعة: 5/ 404 الحديث 6933.

5) الوافي: 8/ 640- 641 الحديث 6767- 6774، وسائل الشيعة: 6/ 9 الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام و الافتتاح.

هذا على أنّ الدخول في الصلاة بتلك التكبيرة، و كذا يدلّ عليه ما دلّ على جواز [ال] تكلّم بعد الإقامة (1)، و غير ذلك، مع أنّه أيضا إجماعي، و تسميتها ب «تكبيرة الإحرام» كما ورد في بعض الأخبار (2)دليل على أنّ ما يحرم في الصلاة إنّما يحرم بالدخول في تلك التكبيرة، لا بالدخول بالإقامة، فتدبّر!


1) وسائل الشيعة: 5/ 395 الحديث 6901 و 6902.

2) وسائل الشيعة: 6/ 11 الحديث 7214.

[أبواب صفة الصلاة و أذكارها و تعقيبها و آدابها و عللها]

[باب القيام إلى الصلاة و الافتتاح بالتكبير]

قوله: باب القيام إلى الصلاة و الافتتاح بالتكبير (1).. إلى آخره.

تسمية هذه التكبيرة بتكبيرة الافتتاح- كما ورد في الأخبار (2)- دليل على أنّ الدخول في الصلاة بهذه التكبيرة، لا بالإقامة كما مرّ «أنّ من دخل في الإقامة، فقد دخل في الصلاة» (3)، و «أنّ الإقامة من الصلاة» (4)فجميع ما ذكر هناك مجازات، كما هو إجماعي أيضا.

و تسميتها ب: «تكبيرة الإحرام» دليل على حرمة محرّمات الصلاة في هذه التكبيرة، لا بالدخول في الإقامة، كما ورد في بعض الأخبار (5).


1) الوافي: 8/ 635.

2) وسائل الشيعة: 6/ 9 الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام و الافتتاح.

3) وسائل الشيعة: 5/ 393- 395 الحديث 6893 و 6895 و 6897.

4) وسائل الشيعة: 5/ 396 الحديث 6904.

5) مستدرك الوسائل: 4/ 137 الحديث 4322 و 4323.

[باب قراءة البسملة و الجهر بها]

قوله: عن محمّد بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: أنّهما سألا [ه] عمّن يقرأ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب، قال: «نعم إن شاء سرّا، و إن شاء جهرا، فقالا: أ فيقرؤها مع السورة الاخرى؟ فقال: لا» (1).

ظاهرها التقيّة و الاتّقاء؛ لأنّه عليه السّلام لم يستفصل أنّ هذا في الجهريّة، أو الإخفاتيّة و مع هذا لا تأمّل للفقهاء في كون الجهر في غاية المطلوبيّة و نهاية تأكّد استحبابه، بل و ظاهر الصدوق في أماليه كون وجوب الجهر بها حينئذ من دين الإماميّة الذي لا بدّ من الإقرار به (2).

و ظهر من الأخبار و غيرها كونه شعار أهل البيت عليهم السّلام، و شعار شيعتهم (3)، و أنّه من علامة المؤمن (4)، و في الخطبة الطويلة التي شكا أمير المؤمنين عليه السّلام من أصحابه لأنّه عليه السّلام لو أمرهم بالجهر بها إذن لتفرّقوا عنه، في جملة امور كثيرة شكا من أصحابه فيها، بما ذكر من العبادة، و كلّها واجبات و محرّمات، إلى غير ذلك ممّا ورد في الجهر بها (5).

فمع جميع ذلك، كيف يبادر المعصوم عليه السّلام بإظهار التخيير المطلق الخالي عن الرجحان من سؤال الراوي؟! فتأمّل جدّا فيها، استدلّ بها بعض على عدم وجوبه (6)، و فيه ما فيه.


1) الوافي: 8/ 650 الحديث 6797، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 68 الحديث 249، وسائل الشيعة: 6/ 61 الحديث 7349.

2) أمالي الصدوق: 511.

3) وسائل الشيعة: 6/ 74 الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة.

4) تهذيب الأحكام: 6/ 52 الحديث 122، وسائل الشيعة: 14/ 478 الحديث 19643.

5) الكافي: 8/ 58- 63، بحار الأنوار: 34/ 172- 174.

6) لاحظ! مفاتيح الشرائع: 1/ 135 المفتاح 157.

[باب تكرير السورة و تبعيضها]

قوله: و لا يخفى ما في [هذا] الاستدلال، و يأتي في الباب الآتي أيضا ما يدلّ على جواز التبعيض، و ما يدلّ على كراهته (1).

لا تأمّل في كون المراد تعليم الجواز في كلّ الأحوال، أو في الجملة، و غير خفي أنّ الفعل لا عموم فيه، فمفاده هو في الجملة بالنسبة [إلى الأحوال]، فلا يدلّ على أزيد من الجواز حال التقيّة بلا شبهة.

بل مبادرته عليه السّلام بإظهار العلّة تنادي بأنّه كان خلاف طريقتهم عليهم السّلام، بل خلاف طريقة الشيعة أيضا؛ لأنّ ما وافقهما لا يبادر فيه بإظهار العلّة.

و فيه إشارة أيضا إلى أنّ ما فعله ليس بغير علّة، بل معلّل، ألا ترى أنّه عليه السّلام هل تعلّل بأنّي لم قرأت الحمد، أ و لم ركعت، و هكذا إلى غيرهما ممّا هو في ماهيّة الصلاة، فأظهر عليه السّلام أنّه ليس إلّا معلّلا، و ليس من قبيل سائر الأفعال.

و عدم إظهاره عليه السّلام كون ما يعلم هو الجواز مطلقا أو في الجملة التي هي مفاد نفس الفعل يشير إلى كون المقام مقاما لا يناسبه الإظهار، و الشيعة كانوا لمّا يرون أمثال هذا يتفطّنون، و يبنون على أنّه من جراب النورة، و لذا فهموا كذلك، و أجمعوا على عدم جواز البعض، إلّا شاذّ منهم (2).

بل ادّعى جماعة منهم الإجماع على وجوب سورة كاملة؛ ادّعاه الصدوق في أماليه (3)، و المرتضى في «الانتصار» (4)، و الشيخ في «المبسوط» (5)، و شعار الشيعة


1) الوافي: 8/ 677 ذيل الحديث 6851.

2) نقل عن ابن الجنيد في المعتبر: 2/ 173.

3) أمالي الصدوق: 512.

4) الانتصار: 44.

5) المبسوط: 1/ 107.

في الأعصار و الأمصار، كما أنّ التبعيض صار شعار العامّة (1)كذلك.

و ورود [أخبار] اخر دالّ [ة] على جواز التبعيض (2)، لا ينافي ذلك.

مع أنّ ما دلّ على وجوب السورة يكون بحدّ التواتر أثبته المصنّف في أبواب كثيرة، فلاحظ مجموع أبواب كتاب الصلاة من أوّلها إلى اخرها تجد، فمن أراد الاطّلاع عليها، فعليه بشرحنا على «المفاتيح» (3)، أو حاشيتنا على «المدارك» (4)أو «الذخيرة» (5).

[باب الركوع و الذكر فيه و بعده]

قوله: عن مسمع، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات، أو قدرهنّ مترسّلا، و ليس له و لا كرامة أن يقول:

سبح سبح سبح» (6).

الظاهر أنّه بضمّ السين، و سكون الباء، و المراد أنّهم من غاية الاستعجال و الاندماج لا يظهرون من سبحان اللّه إلّا سبح، أو مبالغة في اندماجهم كأنّهم لا يظهرون منها إلّا سبح، و هو الأظهر.


1) المجموع للنووي: 3/ 381، المغني لابن قدامة: 1/ 292 و 293.

2) وسائل الشيعة: 6/ 44 و 45 الحديث 7298- 7300.

3) مصابيح الظلام: 7/ 281.

4) الحاشية على مدارك الأحكام: 3/ 32.

5) مخطوط.

6) الوافي: 8/ 706 الحديث 6917، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 77 الحديث 286، وسائل الشيعة: 6/ 302 الحديث 8027.

[باب ما يسجد عليه و ما يكره]

قوله: و يستفاد من هذا الحديث جواز السجود على الثوب دون المسح في بعض الأحوال (1).. إلى آخره.

لا دلالة فيه؛ لأنّ الراوي قال: ليس تحت الرجل حصير أو بارية أو غيرهما ممّا يصحّ السجود عليه، حتّى لا يسجد على كمّ قميصه، بل يسجد عليها، بل ليس تحته إلّا ما لا يصح السجود عليه، فهل يجوز حينئذ أن يسجد على كمّه أو لا يجوز؟

بل لا بدّ من السجود على ما تحته الذي ليس ملبوسه، فأجاب عليه السّلام بأنّه لا بأس بأن يسجد في الصورة التي سئلت على كمّ قميصه (2).

و لعلّه من جهة أنّه إذا لم يتأتّ ما يصحّ السجود عليه لم يكن فرق بين الملبوس و غيره، لا أنّه لا بدّ أن يسجد على ملبوسه، كما توهّمه المصنّف.

قوله: الطبري كأنّه كان من القطن، أو الكتّان، كما يظهر من «الاستبصار» (3).

لكنّ الظاهر أنّه الحصير الطبري كما صرّح به العلّامة المجلسي في شرحه على «الفقيه» (4)، و كذلك مولانا مراد التفريشي في شرحه (5)عليه أيضا.

[باب فضل التعقيب و أدناه]

قوله: أ ليس اللّه بكلّ مكان (6).. إلى آخره.


1) الوافي: 8/ 741 ذيل الحديث 7009.

2) الاستبصار: 1/ 333 الحديث 1250، وسائل الشيعة: 5/ 350 الحديث 6762.

3) الوافي: 8/ 743 ذيل الحديث 7018، لاحظ! الاستبصار: 1/ 331 الحديث 1243.

4) روضة المتّقين: 2/ 177.

5) مخطوط.

6) الوافي: 8/ 785 الحديث 7125، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 213 الحديث 955،وسائل الشيعة: 6/ 487 الحديث 8509.

ظاهر هذا الخبر و أمثاله كون التسليم داخلا في الصلاة.

[باب ما يقال بعد كلّ صلاة]

قوله: عن المفضّل بن عمر (1).. إلى آخره.

رواه الصدوق في كتابه «العلل» أيضا (2).

قوله: ثمّ ذكر سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم (3).

ففيه شهادة على ورود هذه الأخبار مورد التقيّة.

[باب السهو في تكبيرة الافتتاح و القيام]

قوله: و ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام إنّه قال في الرجل يصلّي فلم يفتتح بالتكبير هل يجزيه تكبيرة الركوع؟ قال: «لا» (4).. إلى آخره.

و في صحيحة زرارة التي رواها الصدوق في «الفقيه» في باب القبلة «ثمّ استقبل القبلة .. إلى قوله عليه السّلام: فقم منتصبا؛ فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له، و اخشع ببصر [ك للّه]» (5)الحديث.


1) الوافي: 8/ 791 ذيل الحديث 7141، لاحظ! وسائل الشيعة: 6/ 470 الحديث 8468.

2) علل الشرائع: 360 الباب 78.

3) الوافي: 8/ 865 الحديث 7263، لاحظ! وسائل الشيعة: 7/ 237 الحديث 9211.

4) الوافي: 8/ 913 الحديث 7379، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 143 الحديث 562، وسائل الشيعة: 6/ 16 الحديث 7230.

5) من لا يحضره الفقيه: 1/ 180 الحديث 856، وسائل الشيعة: 4/ 312 الحديث 5243.

[باب الشكّ في أجزاء الصلاة]

قوله: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (1).

يدلّ على عدم الخروج عن المحلّ و الدخول في غيره بالهويّ و النهوض، بل إنّما تؤمي إلى خروجهما عن الأفعال التي تعلّقت بها الطلب الشرعي، و كونهما مطلوبين من باب المقدّمة، و إن طلبهما الشارع، و أنّ الدخول في المقدّمة غير كاف، فتأمّل!

قوله: في حديث البصري بالإتيان بالسجود، المبتني على بقاء محلّه، و حكم في الثاني (2).. إلى آخره.

لا يخفى ما فيه؛ فإنّ رفع الرأس من السجود مثل رفعه من الركوع في كونهما من متعلّقهما، و عدم خروجهما عن محلّهما في حكم الشكّ و إن استتمّ قائما في الأوّل، و جالسا في الثاني، و إن كانا خارجين عن الانحناء و الوضع، و لذا لو شكّ- و لمّا يدخل في الهويّ- وجب الإتيان بالركوع نصّا (3)و إجماعا (4)، و لو كان فعلا اخر لزم المضيّ بمجرّد الدخول فيه، فضلا عن آخره.

فما الفائدة في ارتكاب العناية بالتزام كون النهوض في ذلك الخبر لا عن جلوس، و اتّفق بين الرفع و الجلوس، أو بين الجلوس و الانتصاب مع أنّه لا يدري أنّ هذا الانتصاب [من الركوع أولا]، و لعلّ هذا هو السبب في اعتبار الشكّ فيه


1) الوافي: 8/ 949 الحديث 7466، تهذيب الأحكام: 2/ 153 الحديث 602، وسائل الشيعة: 6/ 317 الحديث 8071، مع اختلاف في السند.

2) الوافي: 8/ 951 ذيل الحديث 7473.

3) وسائل الشيعة: 6/ 315 و 316 الحديث 8064 و 8065.

4) لاحظ! غنية النزوع: 113.

[و] في الجلوس و رفع الرأس من السجود- و إن كانوا خارج [ين] منه [و] من الركوع- إلّا أن يحمل على أنّه مطمئنّ على بنائه على أنّه من الركوع، و لا يدري صحّة بنائه أم لا، و يقال: إنّ هذا القدر كاف لتحقّق الدخول في الغير، فيحمل حكاية السجود على أنّه غير مطمئنّ أصلا؛ لأنّ رفع الرأس من السجود متعدّد، فلا يدري من الأوّل هو أم من الثاني.

و يمكن أن يقال: إنّ الفرق أنّ الهويّ إلى السجود- مع الاعتضاد بأنّه هو البتّة متعقّب عن الركوع، فلا اعتبار للشكّ ترجيحا للظاهر على الأصل، كما ورد نظيره في الشكّ في التكبيرة البتّة.

أمّا الرفع من السجود، فلا يتحقّق ظهور يكون أقوى من الأصل؛ لحكاية التعدّد، فتأمّل!

و على هذا لو شكّ حين الهويّ أنّه هويّ إلى الركوع أو السجود؛ يجب الركوع ثمّ الرفع، و الهويّ إلى السجود، فتأمّل!

[باب السهو في أعداد الركعات]

قوله: بيان: تعجّب السائل من سهوه صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع كونه معصوما عن الخطأ، فأجابه بأنّه كان في ذلك مصلحة للامّة بأن يفقهوا بمثل هذه الامور (1).. إلى آخره.

قد مضى في باب كيفيّة الغسل ما يظهر منه الجواب و بيان تجويز الإسهاء بما يكفي للعاقل الفطن الذي قلبه خالص عن المنافيات لظهور الحقّ عليه، فلاحظ و تأمّل (2)!


1) الوافي: 8/ 955 ذيل الحديث 7478.

2) راجع! الصفحة: 308- 311 من هذا الكتاب.

و نزيد هنا، و نقول: لم تتحقّق الفقاهة بإسهاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، بل بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم بلا شبهة سها أ و لم يسه ظهر من كلامه عليه السّلام ما يعرف به علاج السهو شرعا.

فلا حاجة إلى إيقاع المعصوم- الذي هو أفضل الرسل، و أقرب العباد، الذي تنام عينه و لا ينام قلبه، الغريق في محبّة ربّه و عبادته و خدمته، و مع ذلك الربّ تعالى [جعل] فعله صلّى اللّه عليه و آله و سلم حجّة على خلقه كقوله، بالوفاق و الآيات القرآنيّة و الأخبار (1)، مثل: وَ اتَّبِعُوهُ (2)و لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ (3)و أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ (4)الآية .. إلى غير ذلك- إلى الخطأ الذي هو خلاف الحقّ، و لا يهدي إلى الحقّ إلّا أن يهديه ذو الشمالين، فذو الشمالين أحقّ أن يتّبع من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، بل هو حجّة على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم؛ حيث هداه إلى الحقّ، و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم اهتدي به، فهو صلّى اللّه عليه و آله و سلم رعيّة ذي الشمالين و تابع له و مأموم له، و ذو الشمالين إمامه و هاد له، و لو لاه لكان ضالّا، بل كان ضالّا قبل هدى اللّه البتّة، و كذا باقي من صلّى خلفه حتّى ذي الشمالين.

و أيضا؛ كان لذي الشمالين عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم نعمة و منّة، و هو أفضل من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم في هذا، و اتّفقوا على الخطأ و الضلال أو أجمعوا هداهم اللّه بذي الشمالين [في] المقام؛ لأنّ المعلّم الهادي أفضل من المتعلّم المهتدي، و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلم ضالّا جاء إلى ذي الشمالين [فهداه]، إلى غير ذلك من الشنائع الظاهرة، التي أشرنا إليها سابقا (5)، و سنشير إلى بعض اخر.


1) لاحظ! الكافي: 1/ 185 باب فرض طاعة الأئمة عليهم السّلام.

2) الأعراف (7): 158.

3) البقرة (2): 143.

4) يونس (10): 35.

5) راجع! الصفحة: 308- 311 من هذا الكتاب.

مع أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: «علي مع الحقّ، و الحقّ معه» (1)و «لن يفارق الحقّ أبدا» (2)و أمثال ذلك، و لا شكّ في أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن أنقص من علي عليه السّلام، بل كان أفضل في فضائل كثيرة، بل لعلّه عليه السّلام كان من جملة المأمومين المقتدين بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم؛ لأنّه عليه السّلام كان ملازما له، فصلاته كانت خلفه.

و بالجملة؛ ما أشرنا إليه إنّما هو إشارة، و العاقل يكفيه الإشارة.

و أمّا ما ذكره من أنّهم يعلّمون أنّ البشر لا ينفكّ عن السهو (3).. إلى آخره، ففيه أنّ [في] الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان من لوازم البشريّة، و منافيات الربوبيّة ما لا تحصى و لا تخفى، فأيّ حاجة إلى هذه المنقصة، مع ما فيها من المفاسد المترتّبة عليها.

مع أنّه يتأتّى لخصمكم أن يقول: اللّه أوقع أنبياءه في الفسوق و الفجور- العياذ باللّه- لعين ما ذكرتم، فما [هو] جوابكم لهم، فهو جوابكم لنا.

و ما ذكره من قوله: لأنّ جميع الأحوال المشتركة (4).. إلى آخره، فيه ما فيه؛ إذ يقع على غيره السهو من الشيطان، و الترك من العصيان، و كذا الزيادة و التغيير، و كذا جميع ذلك من جهة الجهل، و غير ذلك، و من جملة ذلك نقص الخلقة، كالتمتام (5)، و الفأفاء (6)، و أمثالهما.


1) المناقب لابن شهراشوب: 3/ 62، تاريخ دمشق لابن عساكر (ترجمة الإمام علي عليه السّلام): 3/ 120 الحديث 1162.

2) فرائد السمطين: 1/ 177 الحديث 140، إحقاق الحق: 5/ 632 و 638، 16/ 384- 397.

3) الوافي: 8/ 955 ذيل الحديث 7478.

4) الوافي: 8/ 956 ذيل الحديث 7478، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 234 ذيل الحديث 1031.

5) التمتام: ردّة إلى التام و الميم، أو سبقت كلمته إلى حنكه الأعلى، و عن أبي زيد التمتام الذي يعجل في الكلام و لا يفهمك، (أقرب الموارد: 1/ 80).

6) الفأفاء: اكثر الفاء و تردّد فيها في كلامه، و قال المطرزي: الفأفاء الذي لا يقدر على إخراج الكلمة من لسانه إلّا بجهد مبتدئ في أوّل إخراجها بشبه الفاء ثمّ يؤدّي بعد بالجهد حروف الكلمة على الصحّة، (اقرب الموارد: 2/ 898).

مع أنّك عرفت أنّ فعله صلّى اللّه عليه و آله و سلم حجّة كقوله، فالمانع في القول موجود في فعله بالبديهة، سيّما صلاته، حيث قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» (1)فالمأمومون أوجب اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليهم فعل الخطأ، و أنّ ما هم بالخطإ و أغراهم إليه.

فإن قلت: نقول بأنّه لا مانع من ذلك.

قلت: فلم تقول بأنّه مانع بالنسبة إلى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم؛ فإنّ خصمكم أيضا يجوّز على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم الخطأ في القول أيضا و يجوّز عليه الاجتهاد، بل نقول: فأيّ جواب لكم تجيبونه، مع تجويزكم عدم المانع بالنسبة إلى الفعل الذي هو حجّة أيضا كقوله.

و بالجملة، تبليغ أحكام اللّه تعالى غير منحصر في القول، [بل] بفعله و تقريره صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيضا، و فعله صلّى اللّه عليه و آله و سلم حجّة و إن كان في مقام عبادة ربّه؛ لما عرفت من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «صلّوا كما رأيتموني اصلّي»، و للإجماع من الشيعة، و لأنّه لا معنى لكون فعله الذي لم يكن مشتركا بينه و بين الخلق حجّة على الخلق، و ما كان مشتركا لم يكن حجّة عليهم.

و بالجملة؛ لا شبهة في فساد ما ذكره من التقييد.

فإن قلت: الفرق بين قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و فعله ورود هذه الروايات، و إن كان فعله أيضا حجّة.

[قلت]: فيلزمكم تجويز الخطأ في القول أيضا؛ لاشتراكه مع الفعل في تحقّق التبليغ، و يلزمكم القول بعدم عصمته في القول أيضا؛ إذ ما دلّ على عصمته في القول برهان عقلي يقيني شامل للفعل أيضا، و البرهان اليقيني لا يقبل التخصيص قطعا؛ لأنّ التخصيص هو استعمال لفظ العام في الخاصّ، أو إخراج الخاصّ عن العام قبل الحكم، و لا شكّ في كون ذلك من خواصّ الظواهر و الظنون.


1) عوالي اللآلي: 1/ 197 الحديث 8.

مع أنّ ما أجبتم به في طرف الفعل يهدم بنيان ذلك البرهان من الأصل و الأساس، إلّا أن تقولوا بعدم العصمة في القول أيضا و تخرجوا عمّا هو طريقة الشيعة و مذهبهم، و فيه ما فيه، و لذا ما جوّز الصدوق عدم العصمة في تبليغ الأحكام.

و مع ذلك نقول: ما ذكرتم من الروايات مخالف للقرآن، و ما يخالفه يجب طرحه عقلا و نقلا (1)كما أشرنا، و مع ذلك مخالف للعقل، كما هو ظاهر و أشرنا، و مثله يجب طرحه عقلا و نقلا و إجماعا، و النقل هو الأخبار المتواترة الدالّة على أنّ العقل حجّة مطلقا (2).

و مع ذلك مخالف [ل] ما ثبت من الأخبار يقينا، كما عرفت الإشارة [إليها].

و مع ذلك يخالف الأخبار الدالّة على كونه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سائر الأئمة عليهم السّلام معصومين مطلقا قبل ما نحن فيه.

و مع ذلك يخالف ما سيجي‌ء من أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يسجد سجدتي السهو، فإنّ هذه الأخبار صريحة في أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سجد سجدتي السهو (3)، مع أنّ الظاهر أنّ المراد أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما سها حتّى يحتاج إلى سجدتي السهو.

و لا يخفى أنّ أمثال ما ذكرنا من الأخبار موافقة لرأي الشيعة و مخالفة لطريقة العامّة، و ما ذكرت من الروايات بالعكس، و ورد في الأخبار المتواترة الأمر بأخذ ما خالف العامّة و «إنّ الرشد في خلافهم» (4)و أنّهم «ما هم من الحنفيّة في شي‌ء» (5)إلى غير ذلك.


1) وسائل الشيعة: 27/ 109 الحديث 33343، 110 و 111 الحديث 33344- 33349.

2) بحار الأنوار: 1/ 81- 96.

3) صحيح مسلم: 1/ 336 و 337 الحديث 93- 99.

4) وسائل الشيعة: 27/ 107 الحديث 33334، 116 الحديث 33356 و 33357، 118 الحديث 33362 و 33363 و 33364.

5) وسائل الشيعة: 27/ 119 الحديث 33365.

و يعضده العقل أيضا و المشاهدة.

و ممّا يمنع العمل بما ذكرتم من الروايات أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان أعداؤه من اليهود و النصارى و المشركين في غاية الكثرة، و كانوا يتمنّون صدور زلّة و حطّ [و] منقصة من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، سواء كانت الزلّة بحسب الواقع أو بحسب مشتهى أنفسهم، بحيث يتيسّر لهم جعلها زلّة و منقصة عند العوامّ تنفيرا لهم عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و تعييرا له صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لامّته، مع ذلك لم يذكر أحد منهم ذلك عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

مع أنّ أرباب العقل [يعلمون] أنّ ذلك منقصة بالنسبة إليه و موجب لحطّ مرتبته عن مرتبة الرسالة؛ لأنّه يوجب خطائه في تبليغ حكم اللّه تعالى على حسب ما أشرنا.

على أنّه كان يمكنهم مثل ذلك منقصة له، و وسيلة لحطّ رتبته و نقص منزلته في نظر الناس، و إن لم يكن بحسب الواقع خطأ و منقصة؛ إذ قد عرفت أنّه عند أرباب العقول منقصة فضلا عن غيرهم.

مع أنّهم كانوا في مقام الامتحان يسألون الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الخفيّات، فإذا وجدوه مطّلعا عليها أذعنوا بكونه رسولا، فكيف إذا وجدوه غفل عن حال نفسه، و جهل في أمر فعله.

على أنّه في نظر الناس أنّ النسيان من تسلّط الشيطان، لا من جهة الرحمن، فهو أعظم الوسائل لأعداء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حطّه و منقصته؛ لأنّ تسلّط الشيطان من أعظم منافيات الرسالة، و موجبات الحطّ و المنقصة، و مع ذلك لم يجعل أحد منهم ذلك وسيلة و تشنيعا.

و القول في جوابهم أنّ هذا النسيان ليس من النسيانات المتعارفة، كيف ينفع، و كيف يسكنهم، مع أنّه في نفسه منقصة عند الناس، موجب لنفرتهم عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، بحيث لا ينفعهم دعوى كونه من اللّه تعالى، سيّما و كون الدعوى من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم

بنفسه!

مع أنّك عرفت عن كونه من اللّه أيضا لا ينفع، بل كثير من الامور التي تقول بوجوب براءة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنها أقلّ منقصة من هذا.

مع أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يقل للناس أنّ هذا نسيان من اللّه، و لم يذكره أحد من الرواة منه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و لم يعهد منه، و لم يعرف.

و بالجملة؛ ما ذكرنا حال أعدائه و حال سائر الناس، و أمّا حال المخلصين له صلّى اللّه عليه و آله و سلم فغير خفيّ أنّهم ذكروا و ضبطوا جميع حركاته و سكناته و أفعاله، سيّما ما يكون متضمّنا لأحكام اللّه تعالى، مظهرا لها، و لم ينقل أحد منهم هذه الواقعة عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، سوى ما نسبوه إلى رجل مجهول النسب، مجهول الشخص، مع أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان إمام قوم كثيرين، فكيف لم ينقل عن أحد منهم ذلك؟ حتّى أنّهم ذكروا أنّ أبا بكر و عمر شهدا عند الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صدّقا ذا الشمالين، فقبل منهما (1)!

و أعجب من هذا أنّهم [قالوا]: إنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: «كلّ ذلك لم يكن»، حينما سئل: أقصرت الصلاة أم نسيت (2)؟

و معلوم أنّ هذا كذب صريح، و هو صلّى اللّه عليه و آله و سلم منزّه عنه قطعا، بل شنائع ما ذكره العامّة من الرواية في غاية الكثرة، [و] ليس المقام مقام تعرّض الكلّ.

و من جملتها أنّ الرجل الذي نقلوا أنّه الراوي مات في زمان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل أن تصير الصلاة أربع ركعات، على ما صرّح به المفيد أو المرتضى في الرسالة في الردّ على الصدوق (3)، من أراد الاطّلاع فليلاحظ تلك الرسالة؛ فإنّه يظهر منها غاية الظهور من وجوه- كون الرواية من المخترعات التي لا أصل لها.


1) مجمع الزوائد: 2/ 150.

2) صحيح مسلم: 1/ 337 الحديث 97، السنن الكبرى للبيهقي: 2/ 335.

3) لم نعثر عليه في مظانّه.

و ما ورد في أخبارنا، فإنّما هو تقيّة منهم عليهم السّلام؛ فإنّ العامّة في غاية الشدّة و المبالغة في وقوع هذه الحكاية، فلو وقع من أحد من الشيعة تأمّل فيها لكانوا يقتلونه، و يلزم منه المفاسد، فلو صحّ تشديدهم عليهم السّلام في الإنكار على منكرها، فلا شكّ في أنّه لضرب من المصلحة.

و الحاصل؛ أنّ المقام لا يشبع من الكلام، [و] يحتاج إلى تأليف رسالة مبسوطة، لكن أظنّ أنّ العاقل يكفيه ما ذكرناه.

قوله: فقلت: لكنّي لا اعيد (1).. إلى آخره.

لعلّ المراد منه التفهيم بعنوان الإشارة؛ لأنّ القول و التكلّم بعد معلوميّة النقيصة تكلّم عمدا، فتبطل الصلاة به بالإجماع و الأخبار (2).

قوله: [حمل بعض الأخبار ...] و بعضها على النوافل (3).. إلى آخره.

الأظهر حمل أحد المتعارضين على التقيّة؛ للاختلاف العظيم بين العراقيّين من العامّة و الحجازيّين منهم، و لعلّ هذه الأخبار محمولة على التقيّة؛ لاشتهار خلافها بين الشيعة.

[باب سهو المسافر في التقصير أو جهله به]

قوله: عن العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل صلّى و هو مسافر فأتمّ الصلاة، قال: «إن كان في وقت فليعد، و إن كان الوقت قد مضى فلا» (4).


1) الوافي: 8/ 958 الحديث 7485، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 228 الحديث 1011، وسائل الشيعة: 8/ 199 الحديث 10416.

2) وسائل الشيعة: 7/ 281 الباب 25 من أبواب قواطع الصلاة.

3) الوافي: 8/ 962 ذيل الحديث 7495.

4) الوافي: 8/ 967 الحديث 7508، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 225 الحديث 569، وسائل الشيعة: 8/ 505 الحديث 11297.

هذا شامل لصورتي السهو و الجهل، فالعمد بطريق أولى، بالقياس إلى الإعادة، لا عدم القضاء.

فهذا دليل صالح في أنّ الجاهل يعيد في الوقت، لكن صحيحة زرارة و ابن مسلم (1)أقوى منها بحسب الدلالة و فتوى المعظم، و أنّ رواية الباقر عليه السّلام (2)أبعد من التقيّة، و أوفق للحقّ عقلا و نقلا، كما حقّق في محلّه (3).

مع أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار تقييد هذه الصحيحة بها، و البناء على الاستحباب مسامحة في أدلّة السنن.

و «اليوم» في رواية أبي بصير (4)المراد منه النهار، بقرينة هذه الصحيحة، و أنّ الإعادة ربّما كان ظاهرا، في المعنى الاصطلاحي المقابل للقضاء.

قوله: قد بيّنا أنّ المغرب لا تقصير فيه، فمن قصّر كان عليه الإعادة (5).

يعني أنّ العمومات متواترة في كون المغرب ثلاث ركعات، و مقتضاه عدم إجزاء الركعتين منها، خصوصا بعد ملاحظة الإجماع (6)و الأخبار الدالّة على عدم القصر في المغرب مطلقة (7)، فلا [يكفي] هذا الخبر لتخصيصها، بل الإجماع لا يتخصّص، فتأمّل!


1) تهذيب الأحكام: 3/ 226 الحديث 571، وسائل الشيعة: 8/ 506 الحديث 11300.

2) أي صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم.

3) لاحظ! مصابيح الظلام: 3/ 62.

4) تهذيب الأحكام: 3/ 169 الحديث 373، وسائل الشيعة: 8/ 506 الحديث 11298.

5) الوافي: 8/ 969 ذيل الحديث 7513.

6) لاحظ! منتهى المطلب: 6/ 369.

7) وسائل الشيعة: 4/ 82 الحديث 4570، 83 الحديث 4571، 8/ 505 الحديث 11296، 520 الحديث 11337.

[باب الشكّ في الغداة و المغرب و في الركعتين الأوّلتين من الرباعيّة]

قوله: [و هذه الأخبار حملها ... بعد الطعن فيها بأنّها] أقلّ ممّا ينافيها (1)..

إلى آخره.

يشير إلى ذلك ما في بعض الأخبار: «يتمّ بركعة» (2)، و كذا رواية عنبسة، حيث قال: «يا بني [صلاته] على ركعة واحدة، يقرأ فيها» (3).. إلى آخره و يشير أيضا أنّ الحسين راوي رواية «يتمّ بركعة» روى الإعادة في الشكّ في الفجر و الجمعة (4).

[باب الشكّ فيما زاد على الركعتين]

قوله: و لا يدخل الشكّ في اليقين (5).. إلى آخره.

أقول: الظاهر من قوله: «و قد أحرز الثنتين و الثلاث» أنّه لم يقع من المصلّي شكّ أصلا من ابتداء الثنتين إلى انتهائه، و كذلك الثلاث، و كانت نفسه مطمئنّة على كونهما اثنتين في السؤال الأوّل، ثمّ عرضه الشكّ في أنّ تشهّده- مثلا- هل هو الأوّل أم الثاني في الرباعيّة، فشكّ حينئذ في كون اليقين الماضي هل هو ثنتان أو أربع.

و ورد أنّ المصلّي حين فعله فعلا أذكر لهذا الفعل منه بعده (6)أي بعد الفراغ


1) الوافي: 8/ 976 ذيل الحديث 7535.

2) وسائل الشيعة: 8/ 192 الحديث 10396 و 10397.

3) تهذيب الأحكام: 2/ 353 الحديث 1463، وسائل الشيعة: 8/ 193 الحديث 10398.

4) وسائل الشيعة: 8/ 195 الحديث 10405.

5) الوافي: 8/ 979 الحديث 7540، لاحظ! الكافي: 3/ 351 الحديث 3، وسائل الشيعة: 8/ 216 الحديث 10462.

6) وسائل الشيعة: 1/ 471 الحديث 1249.

و الدخول في الغير، مثل التشهّد أو غيره.

مع أنّ الاطمئنان السابق يستصحب شرعا نصوصا و اعتبارا، و من الجهات المذكورة يحصل ظنّ بالأقلّ، فلأجل هذا يا بني عليه لا [على] ما هو مذهب العامّة من البناء على الأقلّ في الشكّ المساوي طرفاه (1).

و يشهد بما ذكرنا قوله عليه السّلام: «و لا تنقض اليقين بالشك» .. إلى آخره من كلّ واحد واحد من فقراته لا ما ذكره المؤلّف من العنايات الشديدة البعيدة الموجبة لطرح الحديث، و حمله على التقيّة.

مع أنّ الراوي روى بعينه الرواية الآتية (2)فلا تغافل!

قوله: «و لا يدخل الشكّ» .. (3)إلى آخره.

و يحتمل أن يكون المراد من «لا يدخل الشكّ» .. إلى آخره أنّه لا يجعل الأوّلتين أيضا [مشكوكتين]، و هذا هو المراد من قوله عليه السّلام: «و لا يخلط أحدهما بالآخر»، فتأمّل جدّا!

قوله: «في اليقين؛ يعني لا يعتدّ بالرابعة المشكوك فيها» (4).. إلى آخره.

الظاهر أنّ المراد من اليقين؛ اليقين بشغل الذمّة و وجوب الإتيان بالمأمور به على وجهه و على النحو الذي امر به، و المراد من الشكّ مجرّد البناء على الأقلّ- الذي هو رأي العامّة قاطبة- لاحتمال الزيادة حينئذ و تساوي احتمال النقيصة و التماميّة،


1) المغني لابن قدامة: 1/ 375 المسألة 896، المجموع للنووي: 4/ 106 و 107.

2) الوافي: 8/ 980 الحديث 7541، لاحظ! الكافي: 3/ 350 الحديث 3، وسائل الشيعة: 8/ 214 الحديث 10457.

3) الوافي: 8/ 979 الحديث 7540، لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 216 و 217 الحديث 10462.

4) الوافي: 8/ 980 ذيل الحديث 7540.

و هو بعينه معنى الشكّ فلا بدّ من الإتمام و السلام، مراعاة لاحتمال التمام، و لا بدّ أيضا من البناء على الأقلّ بعد السلام و الإتيان بما بقي، كما هو رأي الشيعة، و المستفاد من أخبارهم، منها الصحيح السابق، و الصحيح الآتي مع اتّحاد الراوي و المسئول و المسئول عنه، مضافا إلى ما يظهر من هذا الصحيح من قوله عليه السّلام: «و هو قائم بفاتحة الكتاب»؛ إذ البناء على الأقلّ يوجب الإتيان بما بقي، على ما هو ضروري الدين، فلا حاجة إلى قوله عليه السّلام: «و هو قائم»، بل و قوله عليه السّلام: «يركع» .. إلى آخره.

مع أنّ تعيين فاتحة الكتاب ينادي بالفصل، و كونها ركعتي الاحتياط؛ لأنّ التخيير بينها و بين التسبيح من ضروريّات مذهب الشيعة، بل مرّ عن زرارة في رواياته عن الأئمّة عليهم السّلام تعيين التسبيح (1).

مع أنّ الثلاث ليست بمتيقّن؛ لاحتمال الأربعة، و اليقين لا يجمع مع احتمال الغير، مع أنّ استئناف الصلاة ليس نقضا للثلاث بالشك في الرابعة، بل لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه.

مع أنّ أحد [ا] من المسلمين لم يقل بالإعادة حتّى يمنع عنها، مع كون زرارة فقيها قبل تشيّعه.

و قوله عليه السّلام: «لا يدخل» .. إلى آخره لعلّ معناه: لا تدخل ركعة الاحتياط في أصل الصلاة- أي ما هو متعيّن منها- كما يفعله العامّة، فتأمّل جدّا!

قوله: يعني بالإتيان بركعة اخرى (2).. إلى آخره.

لا يخفى ما فيه من العناية و التعسّف، سيّما و من المسلّمات أنّ المعرّف باللام إذا


1) الوافي: 8/ 775 الحديث 7100 و 7102، لاحظ! وسائل الشيعة: 6/ 109 الحديث 7471، 122 الحديث 7509.

2) الوافي: 8/ 980 ذيل الحديث 7540.

ذكر مرّتين يكون الآخر عين الأوّل، و لذا يقولون: عسر واحد في يسرين (1)، في قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (2).

قوله: [عن الحسين بن] أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إن استوى وهمه في الثلاث و الأربع سلّم و صلّى ركعتين و أربع سجدات بفاتحة الكتاب، و هو جالس يقصّر في التشهّد» (3).

لا يخفى أنّ الظاهر من الأخبار كفاية مجرّد الوهم من دون اشتراط قوّة فيه، فلم يبق تردّد حينئذ، مع أنّه خلاف فتوى الكلّ.

و يحتمل سقوط شي‌ء بعد قوله عليه السّلام «شي‌ء» (4)لأنّ السؤال إنّما وقع عن الشكّ، فلا وجه للجواب عن الظنّ و الاقتصار فيه، و اقتضاء مطابقة الجواب للسؤال أنّ الشكّ يوجب البناء على الأكثر، ثمّ صلاة الاحتياط، و إن كان الشكّ يوهمه أنّه في الثالثة، إلّا أنّه في قلبه من الرابعة شي‌ء يقاوم وهمه، و يصير به شاكّا، فتأمّل!

و لعلّ المراد من التسليم بينه و بين نفسه عدم الإجهار حرمة للصلاة باحتمال البعض، و كون الاحتياط تتمّة، و يكون ذلك مستحبّا.

و يمكن أنّ ذلك لأجل التقيّة؛ لأنّ العامّة يبنون على الأقلّ، فتأمّل!

قوله: روى سهل بن اليسع- فيما إذا تلبّس عليه الأعداد كلّها- عن


1) تفسير الصافي: 5/ 344، الكشّاف: 4/ 771.

2) الانشراح (94): 5 و 6.

3) الوافي: 8/ 984 الحديث 7548، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 185 الحديث 736، وسائل الشيعة: 8/ 218 الحديث 10465.

4) تهذيب الأحكام: 2/ 185 الحديث 735، وسائل الشيعة: 8/ 218 الحديث 10466.

الرضا عليه السّلام أنّه قال: «يا بني على يقينه» (1).. إلى آخره.

يوهم كلامه ذلك، و إلّا فالقرينة في كلامه موجودة أنّه لا يريد هذا؛ لعدم الفائدة في ركعة قائما و ركعتين جالسا بلا شبهة، و لأنّ الظاهر أنّه إشارة إلى رواية البجلي، عن أبي إبراهيم عليه السّلام (2)، و رواية سهل بن اليسع إلى ما رواه الشيخ عنه عن الرضا عليه السّلام (3)في الشكّ بين الثنتين و الثلاث.

و إن كانت الروايتان غير ما ذكرنا فظاهر عبارته حكم كثير الشكّ؛ لأنّه قال: روى سهل بن اليسع في ذلك عن الرضا عليه السّلام (4)، و أشار بذلك إلى ما رواه مقدّما عليه، و هو رواية علي بن أبي حمزة (5)التي سيذكرها المصنّف في باب من لا يعتدّ بشكّه، و سيجي‌ء أنّ المراد منها كثير الشكّ.

[باب سائر مواضع سجدتي السهو و صفتهما]

قوله: «و من ترك سجدة فقد نقص» (6).

و هو من كلام الشيخ.


1) الوافي: 8/ 986 الحديث 7556، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 230 الحديث 1023، وسائل الشيعة: 8/ 223 الحديث 10480.

2) تهذيب الأحكام: 2/ 344 الحديث 1427، وسائل الشيعة: 8/ 213 الحديث 10455.

3) تهذيب الأحكام: 2/ 193 الحديث 761، وسائل الشيعة: 8/ 213 الحديث 10456.

4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 230 الحديث 1023، وسائل الشيعة: 8/ 223 الحديث 10480.

5) من لا يحضره الفقيه: 1/ 230 الحديث 1022، وسائل الشيعة: 8/ 228 الحديث 10498.

6) الوافي: 8/ 992 الحديث 7574، لاحظ! الاستبصار: 1/ 361 الحديث 1367، وسائل الشيعة: 8/ 251 الحديث 10563.

[باب من لا يعتدّ بشكّه و علاج السهو و الشكّ]

قوله: [فإن كان ممّا لا بدّ فيه] من أن يفعل فعلا تخيّر (1).. إلى آخره.

بعيد، بل الظاهر البناء على وقوع المشكوك فيه؛ إن كان الشكّ في النقيصة [و] على المصحّح، إن كان في الزيادة، كما ذكره الفقهاء (2)، و قوله عليه السّلام:

«فليمض» (3)صريح فيما ذكرنا، فتأمّل!

[باب من فاتته صلاة و دخل عليه وقت اخرى]

قوله: [فيكون] قد ترك [صلاة فريضة] (4).. إلى آخره.

و في هذا الخبر لا يمكن الحمل على [صورة ضيق وقت العشاء]؛ لأنّه يصير مخالفا لضروريّ الدين؛ لأنّه يلزم قضاء صلاة عمدا على المشهور، بل المجمع [عليه]، و على تقدير القول باشتراك الوقت [من] أوّله إلى آخره- لو صحّ أنّ الصدوق قائل به (5)- فمقتضاه تعيين المغرب، فالحمل على الشذوذ متعيّن.

إلّا أن يقال: إنّها واردة على القول بانتهاء وقت المغرب بدخول وقت العشاء، فتكون هذه أيضا محمولة على التقيّة.

قوله: التوفيق بينه و بين ما مضى [بالتخيير ممكن] (6).. إلى آخره.


1) الوافي: 8/ 997 ذيل الحديث 7585.

2) لاحظ! الروضة البهيّة: 1/ 339، مدارك الأحكام: 4/ 271.

3) الكافي: 3/ 358 الحديث 2، وسائل الشيعة: 8/ 228 الحديث 10496.

4) الوافي: 8/ 1015 الحديث 7629، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 352 الحديث 1462، وسائل الشيعة: 8/ 257 الحديث 10578.

5) نقل عنه في مختلف الشيعة: 2/ 6.

6) الوافي: 8/ 1016 ذيل الحديث 7629.

لا يخفى أنّه متضمّن لذكر المغرب أيضا، فإن كان الوقت متّسعا فلا وجه لتقديم العشاء؛ لأنّه مخالف للإجماع (1)و للأخبار الكثيرة (2)المعمول بها عند المتقدّمين و المتأخّرين، و إلّا فلا وجه لقوله عليه السّلام: «فإنّه لا يأمن» (3).. إلى آخره.

إلّا أن يؤوّل هذا القول، و يوجّه و يحمل على وقت الضيق، إلّا أنّ الرواية مبنيّة على القول بأنّ وقت المغرب بغيبوبة حمرة الشفق و الربع من الليل، و دخول العشاء بذهاب الحمرة و غيره، فلا يكون حجّة؛ لما دلّ على بطلان القول (4)، و يكون محمولا على التقيّة.

قوله: عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب، و العشاء الآخرة» (5).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ المراد من العشاء الآخرة في رواية جميل (6)وقت الضيق لها بقرينته، أو المختصّ بها على حسب ما مرّ.


1) لاحظ! الخلاف: 1/ 273 المسألة 14.

2) وسائل الشيعة: 4/ 125 الباب 4 من أبواب المواقيت.

3) تهذيب الأحكام: 2/ 352 الحديث 1462، وسائل الشيعة: 8/ 257 الحديث 10578.

4) وسائل الشيعة: 4/ 172 الباب 16، 183 الباب 17 من أبواب المواقيت.

5) الوافي: 8/ 1016 الحديث 7630، لاحظ! تهذيب الأحكام: 2/ 270 الحديث 1076، وسائل الشيعة: 4/ 288 الحديث 5182.

6) وسائل الشيعة: 8/ 257 الحديث 10578.

[أبواب فضل صلاة الجمعة و الجماعة و شرائطهما و آدابهما]

[صلاة الجمعة]

[باب عمل يوم الجمعة و ليلته و التهيّؤ فيه للصلاة]

قوله: و قد مضت الأخبار الواردة في الغسل يوم الجمعة، و التطيّب، و أخذ الشارب، و تقليم الأظفار (1).. إلى آخره.

و ورد في بعض الأخبار أنّ الصادق عليه السّلام، كان يحلق كلّ يوم جمعة (2)، و قد مرّ.

[باب وقت صلاة الجمعة و عصرها]

قوله: لعلّ المراد بالظلّ الأوّل، ما قبل الزوال (3).

ليس كذلك، بل المراد الفي‌ء الزائد إلى قدر الشراك؛ لأنّ قوله عليه السّلام: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصلّي [الجمعة] حين تزول الشمس قدر شراك» (4)ظاهر في أنّ


1) الوافي: 8/ 1096، ذيل الحديث 7803.

2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 71 الحديث 286، وسائل الشيعة: 2/ 107 الحديث 1629.

3) الوافي: 8/ 1110 ذيل الحديث 7839.

4) تهذيب الأحكام: 3/ 12 الحديث 42، وسائل الشيعة: 7/ 316 الحديث 9452.

المراد أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان شروعه في الصلاة ذلك الحين، لأنّ الصلاة اسم مركّب أوّله تكبيرة الافتتاح، فظاهره أنّ تكبيرة الافتتاح كانت تفعل ذلك الحين.

و قوله عليه السّلام: «زالت الشمس» ما دلّ، فظهر أنّ طلب نزوله كان ذلك الحين لأجل أن يشرع في الصلاة، كما يظهر من العبارة.

مضافا إلى الظهور من الخارج أنّ النزول من المنبر بعد الفراغ من الخطبتين، و الشروع في الصلاة بعد النزول، و أنّه لا يفرّق بين الخطبة و الصلاة، إلّا بمقدار النزول و الشروع.

مع أنّه عليه السّلام قال: «الخطبة صلاة حتّى ينزل الإمام»، و معلوم أنّه لا يفرّق بين أجزاء الصلاة، سيّما و أن يكون التفريق بمقدار ابتداء النزول إلى انتهاء الفي‌ء قدر شراك، فإذا كان شروعه في الصلاة بعد ما يمضي قدر شراك من الفي‌ء، و يكون [ال] شروع بعد نزوله، و نزوله بعد فراغه من الخطبة من [دون] أن يصير بين ذلك تفريقا و فاصلة أصلا، على ما دلّ عليه الرواية، و ظهر من الخارج، سيّما الفاصلة الزائدة الطويلة، فظهر أنّ خطبته كانت بعد الزوال.

فتعيّن كون المراد من الظلّ الأوّل: الفي‌ء الحاصل بعد زوال الشمس إلى أن يصير قدر شراك، و الظلّ الثاني: هو ما بعد ذلك.

و ممّا يؤيّد ذلك ذكر قوله عليه السّلام: «فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» في هذا المقام، و لو كان المراد ما ذكره المصنّف لكان المناسب التعليل بخلاف ذلك، كما لا يخفى.

مع أنّ قوله عليه السّلام: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصلّي» يفيد الدوام، و أنّ ذلك كان عادته، فلو كان ذلك عادته صلّى اللّه عليه و آله و سلم لاشتهر اشتهار الشمس، سيّما و الجمعة كانت ممّا يعمّ به البلوى و يكثر إلى ذكرها الحاجة، و مع ذلك يفعل صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمشهد عظيم من الناس جهارا على رءوس الأشهاد.

مع أنّ الأئمّة عليهم السّلام أطبقوا على خلاف ذلك، إلّا من شذّ، و الأخبار أيضا في

غاية الكثرة في خلافه (1)، لو لم نقل بتواترها، و القرآن العظيم أيضا ينادي بخلاف ذلك (2).

و في الأخبار المتواترة «إنّ ما خالف القرآن زخرف» (3)و «فاضربوه على عرض الحائط» (4)إلى غير ذلك ممّا ذكر، و كذلك الحال في الخبر الشاذّ و المخالف للسنّة و الأخبار المتكاثرة (5)، و غير ذلك، و اللّه يعلم.

[باب وجوب صلاة الجمعة و شرائطها]

قوله: عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: «الجمعة واجبة على من [إن] صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّما يصلّى العصر في وقت الظهر في سائر الأيّام، كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم رجعوا إلى رحالهم قبل الليل، و ذلك سنّة إلى يوم القيامة» (6).

هذه الرواية و نظائرها واضحة الدلالة في بطلان مذهب القائلين بوجوب الجمعة عينا في زمان الغيبة، لأنّهم يقولون: لا يشترط فيها سوى الشرائط الوفاقيّة؛ كون إمامها إمام الجماعة، و أقلّ الواجب من الخطبتين، من دون اشتراط الإمام عليه السّلام أو من نصبه.


1) وسائل الشيعة: 7/ 315 الباب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

2) الإسراء (17): 78.

3) وسائل الشيعة: 27/ 110 و 111 الحديث 33345 و 33347.

4) لاحظ! التبيان في تفسير القرآن: 1/ 5.

5) وسائل الشيعة: 27/ 106 الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

6) الوافي: 8/ 1120 الحديث 7861، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 240 الحديث 642، وسائل الشيعة: 7/ 307 الحديث 9427.

[و] وجه دلالتها أنّها صريحة في أنّ من صلّى الغداة في أهله، و يدرك الجمعة إن سعى إليها يجب عليه السعي إليها، و ظاهرها الوجوب العيني.

و معلوم أنّ وجوب هذا السعي عامّ يشمل كلّ من أدرك الجمعة، لأنّ (من) من أدوات العموم لغة، فيشمل من يكون عند الإمام القابل للجماعة، و إتيان أقلّ الخطبة و عدد يجب بهم انعقاد الجمعة.

و الحاصل [أنّ العامّ] يشمل أهل كلّ موضع يمكن فيه عقد الجمعة على رأيهم، و العامّ حجّة، فكيف يجب عليهم عينا أن يحضروا الجمعة من فرسخين أو ما دون؟

و معنى الوجوب العيني أنّهم إن تركوا السعي إليها يدخلون النار.

و لا وجه لهذا على رأي هؤلاء؛ إذ يجوز لهم أن يفعلوا عندهم، و لا يسعون إلى درك ما هي على فرسخين أو ما دون، بل تكليفهم بالحضور حينئذ لغو، بل غير مشروع؛ لأنّه تكليف بما لم يكلّف به الشارع.

مع أنّ تضييع أوقات العمر، و صرف مجموع النهار فيما لا يعني، لا يرضى به الشارع.

و تقييد هذه الأخبار و تخصيصها بصورة فقد من هو أهل للجماعة مع العدد خلاف الأصل و الظاهر، بل ربّما يأبى، و الأصل الحمل على الحقيقة و الظاهر إجماعا، و الأدلّة عليه يقينيّة متعدّدة عند الطبع السليم و القاعدة الشرعيّة؛ لأنّ حمل المطلق و العامّ على خصوص غير الأفراد الشائعة باطل.

على أنّه ظاهر أنّ أطراف المدينة إلى الفرسخين كانوا يصلّون الفريضة جماعة، و كان عندهم إمام الجماعة، و الجماعة لم تكن مقصورة، فلم أوجب الشرع الحضور عند الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم من كلّ طرف إلى فرسخين؟

مع ما عرفت من فساد الإيجاب، لو كان يتأتّى من أهل الأطراف الجمعة على طريقة الجماعة و تحقّق العدد، و لا شكّ ما تحقّق به العدد أيضا كثير؛ إذ لم يكن هذا من

خصائص النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالإجماع، و لقوله عليه السّلام: «و ذلك سنّة إلى يوم القيامة» (1).

فإن قلت: هذا العامّ مخصّص بما إذا وجد المنصوب في أهل الأطراف.

قلت: خرج ما خرج بالإجماع، و بقي الباقي، و العامّ المخصّص حجّة في الباقي، مع أنّ مدار هؤلاء على ذلك سيّما في المقام؛ لأنّهم يقولون: ما دلّ على وجوب الجمعة العامّ، خرج عنه خاصّات كثيرة بسبب فقد الشرائط كلّ خاصّ بالنسبة إلى شرط من الشروط المسلّمة، و كثرة التخصيصات يوجب زيادة الوهن.

هذا بعد تسليم عموماتهم؛ إذ ربّما كان المقصود في أكثر أدلّتهم بيان نفس وجوب الجمعة، لا الشرائط و القيود و الأفراد أيضا، لأنّهم- صلوات اللّه عليهم- لم [يتعرّضوا] في شي‌ء منها إلى الشرائط و القيود أصلا.

و أمّا ما في الأخبار، فلم يتوجّهوا إلى جميع الشرائط، فظهر أنّ المقام كان مقتضى ذكر خصوص ما ذكر.

مع أنّ التخصيص غير ظاهر؛ إذ لعلّهم ما كانوا ينصبون شخصا في أقلّ من فرسخين، بل لا تأمّل في أنّ متعارف [زمان] الرسول إلى الآن ما كان نصب حاكمين في أقلّ من فرسخين، بل و في أزيد من ذلك كثير، كما هو المشاهد من طريقة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و غيره و ظهر ذلك من هذه الرواية و غيرها، و صلاة الجمعة كانت منصب الحاكم.

و أيضا دلالتها على أنّ بعد الفرسخين لا [تجب] الجمعة أصلا، [و] تدلّ على مذهب المشهور بالنحو الذي قرّر، و يضرّ المصنّف و موافقيه بذلك النحو.

على أنّا نقول: على فرض تحقّق منصوبين في فرسخين يجب على من كان المنصوب نصب لهم أن يشهدوا جمعته أو جمعة منصوب الإمام عليه السّلام، أيّ منصوب يكون، و لا تأبى الروايات عن ذلك؛ إذ مقتضاها وجوب حضور الجمعة المتحقّقة،


1) وسائل الشيعة: 7/ 307 الحديث 9427.

على قانون الشرع أيّ جمعة تكون، و وجوب حضور إحداها عيني، و التخيير إنّما هو اختيار المكلّف أحد أفراد الواجب العيني، مثل اختيار عتق رقبة المملوك الرومي أو الزنجي في قولهم عليهم السّلام: «أعتق رقبة»؛ إذ كلّ تكليف من الشرع إنّما وقع بالكلي لا الجزئي الحقيقي، و الامتثال في كلّ تكليف يتحقّق بفعل فرده.

فظاهر الأخبار (1)وجوب حضور الجمعة المتحقّقة شرعا، وجوبا عينيّا، سواء تحقّق عدد أمكنهم في الجمعة جماعة بخطبة من دون نصب من الإمام، أم لا.

و أمّا على رأي المصنّف و موافقيه، مع إمكان الجمعة كذلك لا يكون وجوب السعي إلى الجمعة المتحقّقة إلّا تخييريّا، و العيني منحصر في صورة عدم الإمكان، و هذه الأخبار حجّة عليهم لا لهم كما فعلوه.

قوله: و إنّما يكون في الأمصار غالبا، أطلق أوّلا الحكم بالأربع ركعات (2)..

إلى آخره.

فيه ما فيه؛ لأنّ الإتيان بأقلّ الواجب من الخطبة يقدر عليه كلّ من هو إمام الجماعة و عادل عارف بالصلاة و الجماعة، بل من المحالات العاديّة أن يكون كذلك و لا يمكنه أن يقول: الحمد للّه، الذي يقوله في الصلاة بكرّات و مرّات، و كذا الشهادتين، و الصلاة على محمّد و آله، و كذا قراءة (قل هو اللّه) أو سورة اخرى، لم يبق إلّا قول: اتّقوا اللّه، فكيف [يمكنه] الجميع و يفعله مكرّرا كثيرا و لا يمكنه خصوص قول: اتّقوا اللّه، و لا ما يفيد فائدته.

مع أنّه يمكنه هذا الخصوص جزما؛ لأنّ القدرة على الإنشاء ليست شرطا عند القائلين بالوجوب العيني في زمان الغيبة.

مع أنّ المصنّف قلّما يقوله- في اشتراط الإمام أو من نصبه، مع وفور


1) وسائل الشيعة: 7/ 295 الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

2) الوافي: 8/ 1122 ذيل الحديث 7865.

الإجماعات المنقولة، و كثرة الأخبار الدالّة [على] ما مرّ و سيجي‌ء، و هذه الرواية و الرواية السابقة إلى غير ذلك- بقوله في هذا الشرط الذي ذكره.

مع أنّه لا يسقط عنه الجمعة، إلّا أن يعلم عن عجزه عن قول: اتّقوا اللّه، فإذا علّم ذلك علم قول: «اتّقوا اللّه» جزما، فإذا علمه قدر على أن يقوله بالضرورة.

على أنّ الرواة كيف [ما] استفصلوا عن أنّ الخطبة أيّ قدر شرط [فيها حتّى] يعرفوا العاجز عنه؛ لأنّه مقول بالتشكيك جزما.

قوله: عن ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوم في قرية ليس لهم من يجمّع بهم، أ يصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال: «نعم، إذا لم يخافوا» (1).

الصحيحة واضحة الدلالة على عدم وجوب الجمعة عند عدم من يجمّع بهم، و إن كان إماما للجماعة عادلا، على ما أفتى به الفقهاء، و أجمعوا عليه (2).

قوله: في الخمسة و السبعة (3).. إلى آخره.

قال بعض المحقّقين: قوله: «فإذا اجتمع سبعة» (4).. إلى آخره من كلام الصدوق (5).

قوله: و أمّا أصحابه عليه السّلام فكانوا متمكّنين منها في بعض الأحيان، فلذا حثّهم عليها (6).


1) الوافي: 8/ 1122 الحديث 7867، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 15 الحديث 55، وسائل الشيعة: 7/ 327 الحديث 9491.

2) لاحظ! غنية النزوع: 90، المعتبر: 2/ 279، منتهى المطلب: 5/ 334.

3) الوافي: 8/ 1124 ذيل الحديث 7872.

4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 267 الحديث 1218، وسائل الشيعة: 7/ 304 الحديث 9415.

5) لاحظ! مفتاح الكرامة: 8/ 243 و 244.

6) الوافي: 8/ 1126 ذيل الحديث 7875.

ففيه دلالة واضحة على كون هذه الجمعة مستحبّة، كما فهمه الفقهاء الخبيرون، الشاهدون، المطّلعون على كلّ أحاديثهم و الأدلّة، و منها: قوله عليه السّلام: «أحبّ للرجل منكم ألّا يخرج من الدنيا إلّا و يتمتّع، و لو مرّة، و يصلّي الجمعة جماعة، و لو مرّة» رواها الصدوق؛ في «المجالس» و أماليه (1)بطريق صحيح، و الشيخ؛ أيضا في «مصباح المتهجّد» (2)قائلا بأنّه دليل لنا على استحباب الجمعة في زمان الغيبة و أمثاله .. إلى غير ذلك من الأخبار الواضحة الدلالة منها ما مرّ، و سيجي‌ء.

و وضوح دلالة هذا الخبر من لفظ «حثّنا» ظاهر في الاستحباب، لأنّ الواجب يلزم على فعله و يشدّد على تركه مع [أنّ] زرارة- مع غاية جلالته، و عدالته، و فقاهته، و رئاسته على أصحابه المسمّين بالزراريّة (3)- و غيرهم، إلى غير ذلك ممّا ورد عنه عليه السّلام مثل: «أنّه لو لا هؤلاء لاندرست [آثار] النبوّة» (4)، و غير ذلك ممّا هو أعلى منه- كما لا يخفى على المطّلع- كيف يروي مرويا [ت] متعدّدة [على] كون الجمعة أشدّ الفرائض (5)، و أنّه متى اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم (6)، و غير ذلك ممّا عرفت و ستعرف، و مع ذلك كان يترك الجمعة حتّى حثّه و حثّ من ينو على فعلها بالنحو الذي اعترف به.

فلو كان تركهم من جهة التقيّة لكان يكفيهم أن يقول لهم: لا تقيّة.

فأيّ حاجة إلى الترغيب؛ فإنّهم كانوا يعلمون أنّ الجمعة من أشدّ الفرائض،


1) لم نعثر عليه في أمالي الصدوق، لكن نقل عنه في الوافي: 8/ 1115.

2) مصباح المتهجّد: 364، وسائل الشيعة: 21/ 14 الحديث 26394.

3) الملل و النحل: 1/ 166.

4) رجال الكشّي: 1/ 398 الرقم 286.

5) وسائل الشيعة: 7/ 297 و 298 الحديث 9389 و 9393.

6) وسائل الشيعة: 7/ 304 الحديث 9415.

مع أنّهم- صلوات اللّه عليهم أجمعين- كانوا يقولون في التقيّة أنّ صاحبها يقصّر (1)، و الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (2)و أمثال ذلك.

مع أنّهم- صلوات اللّه عليهم أجمعين- دائما كانوا يشكون أنّ الشيعة يتركون التقيّة (3)، فكيف في المقام صار الأمر بالعكس؟ فلا بدّ أن يكون المعصوم عليه السّلام يسأل عنهم عن سبب الترك، فإن قالوا: التقيّة، كان يقول لهم: هذه الصورة افعلوا، و هذا أشدّ من الترغيب، بل الترغيب لغو بحت على ما اعتقده المصنّف.

بل غير خفيّ أنّهم كانوا يتركونها من جهة أنّهم كانوا يعلمون أنّها منصب المعصوم عليه السّلام يفعلها بنفسه أو بنائبه.

و لمّا لم يكن عندهم نائبه فهموا من زيادة الحثّ الوجوب، و هو مقصور في أن يفعلوها مع المعصوم عليه السّلام؛ لعدم النائب، فلذا قال: «حتّى ظننت» (4).. إلى آخره و أجاب عليه السّلام بما أجاب يعني أنّ الحثّ بعد بمكانه؛ لأنّي لا اريد إلّا أن يفعلوها جماعة بقدر تمكّنهم منها، لا وجوبا.

و بالجملة؛ مستند الكلام دلالة هذه الرواية- كسائر الروايات- في استحبابها؛ لأنّ [ها] كصلاة العيدين، و ستعرف حالها، و أبسط [نا] الكلام في شرحنا على «المفاتيح» (5)، و حاشيتنا على «المدارك» (6)، و «رسالتنا في الجمعة» (7).

قوله: [ثمّ] لا يخفى دلالة هذه الأخبار المستفيضة على وجوب صلاة الجمعة


1) وسائل الشيعة: 16/ 221 الباب 28 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.

2) القيامة (75): 14.

3) بحار الأنوار: 2/ 73 الحديث 36- 48، 212- 213 الباب 27.

4) وسائل الشيعة: 7/ 309 الحديث 9833.

5) مصابيح الظلام: 1/ 322- 417.

6) الحاشية على مدارك الأحكام: 3/ 140- 147.

7) مخطوط

على كلّ مسلم، عدا من استثنى من غير شرط (1).. إلى آخره.

أقول: المصنّف جعل القدرة على إملاء الخطبة من غير تتعتع، و هذا الشرط لا يعتبره أحد من الفقهاء المتقدّمين، و لا المتأخّرين، بل جعلوا الشرط هو كونه منصوبا.

نعم، بعض متأخّرى المتأخّرين جعل الشرط مجرّد القدرة على أقلّ الواجب في الخطبة؛ و هو القول: الحمد للّه، و الشهادتين، و الصلاة على محمّد و آله، و قول:

اتّقوا اللّه.

و إمام الجماعة يتأتّى منه القدر المذكور بالبديهة؛ لأنّه يصدر منه في صلواته كرارا و مرارا لا يحصى، سوى لفظ اتّق اللّه أو ما ماثله، فإذا كان عارفا بفقه الصلاة، و جميع أحكامها، و جميع ما ينافى العدالة التي هي شرط الجماعة، و غير ذلك ممّا هو في إمام الجماعة موجود مطلقا أو غالبا كيف يكون عاجزا عن قول مثل: اتّقوا اللّه، فقط؟! و ضمّ خصوص هذا كيف يوجب التتعتع الذي اعتبره هو و لم يعتبره أحد من الفقهاء؟ مضافا [إلى] ما عرفته من المفاسد الاخر في الحواشي السابقة.

قوله: في انعقاد الجمعة بالاتّفاق (2).

الصدوق في كتابه «الهداية» أو «الأركان» قال باشتراط السبعة المذكورة (3)، فكيف يدّعي الاتّفاق؟! و ظاهر [ه] في «الفقيه» أيضا ذلك (4)، بلا شبهة كما لا يخفى على المطّلع.


1) الوافي: 8/ 1127 ذيل الحديث 7878.

2) الوافي: 8/ 1130 ذيل الحديث 7881.

3) الهداية: 146.

4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 267.

[باب قنوت صلاة الجمعة]

قوله: قال في الفقيه: تفرّد بهذه الرواية حريز عن زرارة، يعني رواية القنوتين (1).. إلى آخره.

في كتابه «الخصال» روى بطريق صحيح في غاية الصحّة عن زرارة، عن الباقر عليه السّلام، قال: «إنّما فرض اللّه عزّ و جلّ من الجمعة إلى الجمعة .. إلى أن قال عليه السّلام:

و القراءة فيها جهار، و الغسل فيها واجب، و على الإمام فيها قنوتان؛ قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع، و في الثانية بعده» (2).

[صلاة الجماعة]

[باب الرجل يدرك الإمام في أثناء الصلاة أو بعد انقضاء الاولى]

قوله: و أن تكون من كلام الصدوق طاب ثراه (3).. إلى آخره.

الظاهر أنّها من كلام الصدوق.

[باب ضمان الإمام و سهو المأموم و الإمام]

قوله: و الصواب أن يحمل على الرخصة (4).. إلى آخره.

هذا أيضا بعيد، لعدم مقاومة هذه الرواية تلك الروايات من حيث السند،


1) الوافي: 8/ 1143 ذيل الحديث 7918.

2) الخصال: 422 الحديث 21.

3) الوافي: 8/ 1230 ذيل الحديث 8122.

4) الوافي: 8/ 1255 ذيل الحديث 8190.

و من حيث العدد، و من حيث الدلالة؛ لأنّ المستفاد منها المنع عن العود لا الرخصة في تركه.

و لعلّها محمولة على التقيّة، لكون الراوي بتريّا- على ما قيل- (1).

[باب النوادر]

قوله: عن سليم الفرّاء، قال: سألته عن الرجل يكون مؤذّن قوم و إمامهم يكون في طريق مكّة و غير ذلك، فيصلّي بهم العصر في وقتها، فيدخل الرجل الذي لا يعرف فيرى أنّها الاولى أ فيجزيه أنّها العصر؟ قال: «لا» (2).

السؤال عن الإجزاء للمخالف بعيد [لأنّه] يتشرّع بشرع العامّة و أيضا عبادتهم عند الشيعة فاسدة؛ لعدم الشرط الذي هو الإيمان.

فالظاهر أنّ المراد لا يعرف كونها العصر و صلّى الظهر معهم باعتقاد أنّها الظهر، فانكشف أنّها كانت العصر، أ يجزيه أنّه [ا] العصر؟ يعني تحسب مكان العصر، و كون هذه صلاة عصره؟ فقال: «لا» إمّا لأنّ العصر بعد الظهر، و لا يمكن أن يصير قبلها، إن كان لم يصلّ الظهر، و إمّا لأنّها مستحبّة فلا تحسب مكان الفريضة إن كان صلّى الظهر قبل هذه الصلاة، فيكون هذه مفاده، فتأمّل!


1) لاحظ! جامع الرواة: 1/ 658.

2) الوافي: 8/ 1277 الحديث 8239، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 49 الحديث 171، وسائل الشيعة: 8/ 399 الحديث 11007.

[أبواب بقيّة الصلوات المفروضات و المسنونات]

[باب شرائط صلاة العيدين و فرضها]

قوله: جميل بن درّاج، عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: «صلاة العيدين فريضة، و صلاة الكسوف فريضة» (1).

و سيجي‌ء في باب التحزّن يوم العيد (2)ما يظهر منه أنّ [ها] منصب الإمام المعصوم عليه السّلام مضافا إلى موثّقة سماعة الآتية (3)، و يظهر منهما أنّ المراد من الإمام ليس إمام الجماعة، بل إمام العيدين أعمّ من أن يكون إمام العصر عليه السّلام أو نائبه أيضا، و هو المنصوب الخاصّ من قبله عليه السّلام.

فلا مانع من تنكير الإمام؛ لأنّ إمام العيد لا يجب أن يكون واحدا [بل] يتعدّد؛ إذ لو قال: لا صلاة إلّا مع الإمام أو منصوب من قبله يجوز و يصحّ جزما، فكذا قوله عليه السّلام: «مع إمام» و لذا في بعض «مع الإمام» (4)، فتأمّل!


1) الوافي: 9/ 1286 الحديث 8244، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 320 الحديث 1457، وسائل الشيعة: 7/ 419 الحديث 9739.

2) الوافي: 9/ 1338 باب التحزّن يوم العيدين.

3) الوافي: 9/ 1288 الحديث 8248، لاحظ! وسائل الشيعة: 7/ 421 الحديث 9747.

4) تهذيب الأحكام: 3/ 128 الحديث 273، وسائل الشيعة: 7/ 421 الحديث 9745.

و ممّا يشهد، دعوى الإجماع على اشتراط الإمام أو من نصبه (1)، كما ادّعوا في الجمعة (2).

قوله: عن سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له: متى يذبح؟ قال:

«إذا انصرف الإمام، قلت: فإذا كنت في أرض ليس فيها إمام، فاصلّي بهم جماعة؟ فقال: إذا استقبلت الشمس، و قال: لا بأس أن تصلّي وحدك، و لا صلاة إلّا مع إمام» (3).

لا يخفى أنّ هذا الإمام ليس العادل الذي يجوز أن يصلّي خلفه جماعة، بل هو المنصوب لصلاة العيد، و هو شخص واحد.

و الأظهر- بحسب اللفظ- أنّه سأل في السؤال: أنّا متى نذبح في الأرض التي ليس فيها إمام، فمن هذه الجهة أنا اصلّي بهم؟ فقال: عليه السّلام: «إذا طلعت الشمس استقبلت» و قوله عليه السّلام: «لا بأس أن تصلّي وحدك» إيماء منه عليه السّلام إلى البأس في صلاته بهم جماعة، لأنّ صلاة العيد من جهة [أنّها] منصب الإمام [أ] و منصوبه لا تكون إلّا بإمام- أي إمام الأصل أو منصوب منه- فكيف نصلّي بهم؟ و ما صلّى واحده فليس بصلاة العيد حقيقة؛ لأنّ لصلاة العيد- حقيقة- شرائط؛ منها: العدد، و منها: الإمام، و غير ذلك.

و أقرب- بحسب المعنى- أن يكون قوله «فاصلّي بهم» استفهاما، و سؤالا عن صحّة صلاته بهم أم لا، لأن يذبح بعد انصرافهم عن الصلاة، فقال: «إذا استقبلت الشمس» يعني ذبحك في الأرض أن يكون وقت استقبال الشمس، و أمّا


1) لاحظ! منتهى المطلب: 6/ 27- 29.

2) لاحظ! الخلاف: 1/ 626 المسألة 397، ذكرى الشيعة: 4/ 100، جامع المقاصد: 2/ 371.

3) الوافي: 9/ 1289 الحديث 8252، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 287 الحديث 861، وسائل الشيعة: 7/ 422 الحديث 9748 مع اختلاف يسير.

صلاتك بهم فلا، بل لا بأس أن تصلّي وحدك.

و الحاصل؛ أنّ السؤال لمّا كان متضمّنا لسؤالين؛ أحدهما أنّه هل يصلّي بهم حينئذ؟ و ثانيهما أنّه: يصير وقت الذبح حينئذ بعد صلاتي بهم و انصرافي من الصلاة بهم؟ و هذا السؤال مذكور ضمنا، فأجاب عن المذكور صريحا بعدم الجواز، و وجود البأس؛ لقوله عليه السّلام: «لا بأس أن تصلّي وحدك»؛ لأنّه لا صلاة إلّا بإمام، و أجاب عن المذكور الضمني أنّ وقت الذبح حينئذ إذا استقبلت الشمس.

و كيف كان، ليس تقريرا له و تعيينا لوقتها؛ لأنّ وقتها طلوع الشمس بلا شهبة، و مع ذلك لم يكن سؤال منه عن وقتها أصلا، بل كان يعرف وقتها بلا شبهة، و لذا لم يقل المعصوم عليه السّلام: وقتها متى في السؤال الأوّل، و لم يسأل هو أيضا فأبنى على أنّه يرى الإمام عليه السّلام ينصرف فيها أيضا.

[و] يدلّ على أنّه كان يعرف الوقت، مضافا إلى معروفيّته من الخارج بلا شبهة، و لذا سأل عن صلاته بهم، و لم يسأل عن وقت صلاته بهم.

قوله: يعني أنّ السنّة توحيد الصلاة (1).. إلى آخره.

كونه معناه محلّ تأمّل، بل الأظهر أنّ الناس التمسوا منه عليه السّلام ألا يصلّي العيد بالناس هو عليه السّلام بنفسه، بل يخلّف رجلا موضع نفسه المقدّسة يصلّي ذلك الرجل بالناس، فقال عليه السّلام: «لا اخالف السنّة» يعني أنّ السنّة أنّ الموضع الذي يكون الإمام عليه السّلام حاضرا يكون هو بنفسه يصلّي بالناس، و اللّه يعلم.

نعم، في «محاسن البرقي»: عن رفاعة، عن الصادق عليه السّلام: «إنّ الناس قالوا لعليّ عليه السّلام ألا تخلّف رجلا يصلّي بضعفاء الناس [في العيدين]؟ فقال: لا اخالف السنّة» (2).


1) الوافي: 9/ 1293 ذيل الحديث 8264.

2) المحاسن: 1/ 349 و 350 الحديث 734.

و في الذكرى: مذهب الشيخ في «الخلاف» (1)و صاحب «المعتبر» (2)أنّ الإمام لا يجوز له أن يخلّف من يصلّي بضعفة الناس، ثمّ نقل صحيحة ابن مسلم (3)(4).

و في كتاب عاصم بن حميد: عن ابن مسلم، عن الصادق عليه السّلام: «إنّ الناس قالوا لعليّ عليه السّلام ألا تخلّف رجلا يصلّي بضعفة الناس في العيدين في المسجد؟ قال:

أكره أن أستنّ سنّة لم يسنّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم» (5).

[باب آداب العيدين]

قوله: «حتّى ينصرف الإمام» (6).

هذا الإمام ليس مجرّد العادل، كما لا يخفى على المتأمّل.

[باب تأخير الصلاة إلى الغد إذا صحّت رؤية الهلال بعد الزوال]

قوله: «أمر الإمام بالإفطار في ذلك اليوم» (7).. إلى آخره.

لا شبهة أنّ الإمام ليس العادل الذي يجوز أن يصلّي خلفه، بل هو حاكم الشرع بلا شبهة.


1) الخلاف: 1/ 666 المسألة 440.

2) المعتبر: 2/ 327.

3) تهذيب الأحكام: 3/ 137 الحديث 302، وسائل الشيعة: 7/ 451 الحديث 9838.

4) ذكرى الشيعة: 4/ 168 المسألة 11.

5) لاحظ! بحار الأنوار: 87/ 373 الحديث 26.

6) الوافي: 9/ 1301 الحديث 8288، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 113 الحديث 483، وسائل الشيعة: 7/ 444 الحديث 9818.

7) الوافي: 9/ 1307 الحديث 8300، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 109 الحديث 467، وسائل الشيعة: 10/ 275 الحديث 13406.

قوله: [عن محمّد بن] أحمد رفعه، قال: «إذا أصبح الناس صياما، و لم يروا الهلال، و جاء قوم عدول يشهدون على الرؤية، فليفطروا و ليخرجوا من الغد أوّل النهار إلى عيدهم» (1)، الحديث مرسلا مقطوعا (2).. إلى آخره.

ظاهر الكليني و الصدوق [الإفتاء] بمضمون هذه الروايات، و أفتى به ابن الجنيد (3)، لكن المشهور أنّ [ه] إذا ثبت الرؤية من الغد بعد الزوال يفطرون، و فاتت الصلاة.

و ظاهر «المنتهى» اتّفاق الأصحاب عليه (4)، و ربّما يظهر من كلام خالي العلّامة أنّ هذه الروايات موافقة لمذهب جمع من العامّة؛ حيث قال: اختلفوا، فبعضهم ذهبوا إلى أنّه يأتي بها في الغد قضاء، و بعضهم أداء، و بعضهم نفوها مطلقا (5)، فتأمّل!

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «تقول في دعاء العيدين بين كلّ تكبيرتين:

اللّه ربّي أبدا، و الإسلام ديني أبدا، و محمّد نبيّي أبدا» (6).. إلى آخره.

يظهر من هذا الخبر، و الأخبار الآتية أنّ القنوت أيضا في الاولى خمسة، و في الثانية أربعة، كما أفتى به الفقهاء (7)، مضافا إلى «الفقه الرضوي»؛ حيث قال عليه السّلام فيه: «و تكبّر في الركعة الاولى بسبع تكبيرات، و في الثانية خمس تكبيرات،


1) الكافي: 4/ 169 الحديث 2، وسائل الشيعة: 10/ 276 الحديث 13407.

2) الوافي: 9/ 1308 ذيل الحديث 8302، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 110 الحديث 468.

3) مختلف الشيعة: 2/ 265.

4) لاحظ! منتهى المطلب: 6/ 37 و 38.

5) بحار الأنوار: 87/ 358 ذيل الحديث 8.

6) الوافي: 9/ 1318 الحديث 8324، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 286 الحديث 856، وسائل الشيعة: 7/ 469 الحديث 9883.

7) لاحظ! شرائع الإسلام: 1/ 100، مختلف الشيعة: 2/ 255، مدارك الأحكام: 4/ 102 و 103.

[تقنت] بين كلّ تكبيرتين» (1).

فيكون المراد في الأخبار السابقة من كلمة «بين» معنى مع، أو بعد، و ذلك لأنّه لمّا كان في شرف البينونة أطلق عليه لفظ البين، فتأمّل!

قوله: «و ليس ذلك إلّا في هذه الصلاة، قلت: فما أدركت مع الإمام من الفريضة» (2).. إلى آخره.

لعلّ المراد أنّه بعد ما صار صلاتك مقلوبة، فما أدركت فهو أوّل صلاتك المقلوبة، و ما قضيت فهو اخرها، و ليس الحال فيها حال سائر الفرائض؛ إذ لا تصير مقلوبة بفوت بعضها مع الإمام، بل تجعل ما أدركت مع اخر صلاة الإمام أوّل صلاتك، و تصلّي اخر صلاتك فرادى، و تصير ائتمام المقام، فيصير الفائت مع الإمام قضاء، فائتا عن محلّه، و يتدارك بعد محلّه، فيلزم المقلوبيّة.

و يحتمل أن يكون المراد من الفريضة الفرائض اليوميّة؛ لأنّ الإطلاق ينصرف إليها، و يعبّر عنها بلفظ الفريضة على الإطلاق.

[باب التحزّن يوم العيدين و أنّ الناس لا يوفّقون لهما]

قوله: عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: قال: «يا عبد اللّه ما من عيد للمسلمين أضحى و لا فطر إلّا و هو يجدّد لآل محمّد عليهم السّلام فيه حزن، قلت: و لم ذاك؟ قال: لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم» (3).


1) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 131 و 132.

2) الوافي: 9/ 1323 الحديث 8333، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 136 الحديث 301، وسائل الشيعة: 7/ 425 الحديث 9758.

3) الوافي: 9/ 1337 الحديث 8337، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 324 الحديث 1484، وسائل الشيعة: 7/ 475 الحديث 9898.

هذه ظاهرة فيما اتّفق عليه الفقهاء من أنّ صلاة العيد منصب الإمام المعصوم عليه السّلام، يفعلها بنفسه أو بنائبه (1)، و فعل النائب فعل المنوب عنه، و منصبه.

[باب فرض صلاة الكسوف و كلّ أمر مخوف و تسكين الزلزلة]

قوله: عن الخزّاز، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس، و نخشى فوات الفريضة فقال: «اقطعوها و صلّوا الفريضة، و عودوا إلى صلاتكم» (2).

المتبادر و الظاهر من هذه الفريضة هي المغرب، لا العصر؛ لعدم تعارف ترك العصر إلى ما قبل مغيب الشمس، سيّما عند الشيعة، كما يظهر من أخبار المواقيت.

و المطلق ينصرف إلى الفروض المتعارفة و الأفراد الشائعة، مع أنّه ترك الاستفصال في مقام السؤال، فلا جرم يكون الفرد المتعارف مرادا جزما، و داخلا في المراد قطعا.

مع أنّ الظاهر من قوله عليه السّلام: «اقطعوها» أنّ مراد السائل أنّه دخلنا في صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس و نخشى من إتمامها؛ إذ بعد التأخير إلى ما قبل المغيب كيف يدخل عاقل في صلاة الكسوف مع خوف فوت الفريضة؟! مع هذه الشدّة في الضيق، و عدمها في الكسوف، على ما هو الغالب.

مع أنّ تقديم الفريضة حينئذ إجماعي (3)منصوص (4)، فتأمّل!


1) لاحظ! منتهى المطلب: 6/ 27- 29، ذكرى الشيعة: 4/ 100 و 158، جامع المقاصد: 2/ 371 و 453.

2) الوافي: 9/ 1368 الحديث 8387، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 293 الحديث 888، وسائل الشيعة: 7/ 490 الحديث 9936.

3) لاحظ! ذكرى الشيعة: 4/ 221، مدارك الأحكام: 4/ 145.

4) وسائل الشيعة: 7/ 490 الباب 5 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات.

فإذا عرفت أنّ المراد هو المغرب، نقول: بعد دخول المكلّف في الكسوف و الإتيان بشي‌ء منها- كما عرفت- يظهر أنّ المراد من فوت الفريضة فوتها عن أوّل وقتها.

فيظهر منها تقديم الفريضة على الكسوف في أوّل الوقت، كما صرّح به في صحيحة ابن مسلم (1)، و ذهب إليه الصدوق (2)، و الشيخ (3)، و ابن البرّاج (4).

[قوله]: عن حريز، عن محمّد، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك ربّما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة، فإن صلّينا الكسوف خشينا أن تفوتنا الفريضة، فقال: إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك و اقض فريضتك، ثمّ عد فيها، قلت: فإذا كان الكسوف اخر الليل، فصلّينا صلاة الكسوف فاتتنا صلاة الليل فبأيّتهما نبدأ، فقال: صلّ صلاة الكسوف و اقض صلاة الليل حين تصبح» (5).

الظاهر ابتلاؤهم بالكسوف بعد ما صلّوا المغرب، و قبل أن يصلّوا العشاء و هذا هو الظاهر من العبارة، مضافا إلى ترك الاستفصال.

مع أنّهم لو كانوا لم يصلّوا المغرب جميعا كيف كانوا يتّفقون على تقديم الكسوف ثمّ الاستشكال المذكور؟ بل كان المناسب حينئذ أن يسألوا و يقولوا: بعد ما صلّينا المغرب حتّى دخلنا في الكسوف، و يصرّحون بأنّ الذي نخاف فوته هو


1) الكافي: 3/ 464 الحديث 5، وسائل الشيعة: 7/ 490 الحديث 9934.

2) المقنع: 143.

3) النهاية للشيخ الطوسي: 137.

4) المهذّب: 1/ 125.

5) الوافي: 9/ 1369 الحديث 8390، لاحظ! تهذيب الأحكام: 3/ 155 الحديث 332، وسائل الشيعة: 7/ 490 الحديث 9935.

المغرب؛ لأنّا بعد لم نصلّها؛ فإنّه الأهمّ في الإشكال و الأعظم في الاستشكال.

فظهر من هذه الرواية أيضا تقديم العشاء على الكسوف مع خوف فوتها عن أوّل وقتها ممتدّ جزما، أو مقدار صلاة الكسوف الحاصل في مدّ الوقت، ليس بحيث يمتدّ إلى نصف الليل، فلا معنى لخوف الفوت.

فيحمل على ما حملنا عليه رواية الخزّاز، جمعا بين الأخبار، و لعدم القائل بالفصل، فتأمّل!

كتاب الزكاة و الخمس و المبرّات

اشارة

[أبواب زكاة المال]

[باب العلّة في وضع الزكاة و قدرها]

قوله: عن الوشّاء، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام: قال: «قيل لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

لأيّ شي‌ء جعل اللّه الزكاة خمسة و عشرين» (1).. إلى آخره.

أمثال هذا الخبر ظاهرة في تعلّق الزكاة بالعين.

قوله: «في امور كثيرة في أداء الزكاة و الصدقات، و صلة الأرحام، و اصطناع المعروف» (2).

هذه الأخبار- مع غاية كثرتها، بل و بلوغها [حدّ] التواتر، كما ستعرف في أبواب هذا الكتاب و غيره- دالّة على كون الزكاة حقّ الفقراء، و مالهم.

و لا ينافي ذلك كون مصرفها ثمانية؛ لأنّ العاملين عليها يخدمون الفقراء و يحصّلون حقّهم و يعملون لهم.

و أمّا المؤلّفة؛ فلأنّ تأليفهم لتأسيس نظام الدين، و لا ينتظم أمر الفقراء إلّا به،


1) الوافي: 10/ 48 الحديث 9128، لاحظ! الكافي: 3/ 507 الحديث 1، وسائل الشيعة:9/ 146 الحديث 11712.

2) الوافي: 10/ 50 الحديث 9133، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 4 الحديث 7، وسائل الشيعة: 9/ 12 الحديث 11393.

بل ربّما لا يوجدون إلّا به، لما صرّح الصادق عليه السّلام في صحيحة بريد العجلي الآتية في باب مصرف الزكاة من أنّه «لو منع الإمام عليه السّلام غير العارف لم يوجد موضع للزكاة» (1)، و مراده عليه السّلام بغير العارف خصوص المؤلّفة، كما يظهر من كلامه غاية الظهور، كما ستعرف.

و أمّا الغارمون؛ فقد ادّعى الأصحاب الإجماع على حاجته إلى الزكاة لقضاء دينه؛ لعدم تمكّنه من القضاء من غيرها (2)، و لعلّه الظاهر من إطلاق لفظ الغارم، و لعلّها الظاهر من الخبر (3)أيضا.

و لو لم نقل بالظهور، فعدم ظهور العموم ظاهر، على ما حقّق في محلّه، و الإجماعات أيضا تعضده.

و لو أغمضنا عن الجميع فلا شكّ في عدم مقاومة الإطلاق للمقيّد؛ لأنّ المطلق لا يعارض المقيّد، فضلا عن أن يقاومه، بل يغلب عليه، مع أنّ الأصل عدم الاستحقاق حتّى يثبت شرعا.

مع أنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة كما حقّق و سلّم.

و كذلك الحال في الرقاب؛ لتقييد الأصحاب بعجز المكاتب من أداء مال الكتابة (4)، فصار فقيرا، من هذه الجهة؛ لأنّ الفقير هو المحتاج، فهو و الغارمون داخلون في الفقراء من الجهتين.


1) لم نعثر على رواية بهذا المضمون من العجلي، نعم ورد في رواية زرارة و محمّد بن مسلم: «يا زرارة! لو كان يعطى من يعرف دون من لا يعرف لم يوجد لها موضع»، (لاحظ! الوافي: 10/ 163 الحديث 9352، وسائل الشيعة: 9/ 209 الحديث 11856).

2) لاحظ! المبسوط: 1/ 251، غنية النزوع: 124، تذكرة الفقهاء: 5/ 258.

3) الكافي: 5/ 93 الحديث 5، وسائل الشيعة: 18/ 336 الحديث 23769.

4) لاحظ! المعتبر: 2/ 574، مدارك الأحكام: 5/ 216.

و لا ينحصر الفقراء فيمن لا يملك مئونة سنة له و لعياله؛ لما ستعرف من أنّ من له رأس مال للتجارة فيفيه لمئونة سنة له و لعياله إلّا أنّه متّجر به، و لا يفيه محصوله لمجموع مئونته، بل يبقى قليل لا يفيه، فإنّه فقير جزما، كما أنّ من له مستغلّات عظيمة لا يفي غلّتها للمجموع يكون فقيرا أيضا قطعا.

فالغريم الذي يجب عليه أداء دينه جزما، و لو بإعطاء مئونة سنة، بل و مئونة أزيد من يومه- كما صرّح به الأصحاب (1)- فعلى هذا يكون فقيرا قطعا، و لا يجب عليه أن يعطي مئونته إذا وجد له زكاة يقضي بها ما يجب عليه جزما.

و كذا الحال في المكاتب؛ فإنّه اشترى نفسه من مولاه، و أوقع العقد عليه فلم يتمكّن من الوفاء لعقده المئونة به، فصار محتاجا فقيرا لغة و عرفا، سيّما مع اشتراط الإيمان فيه، كما عليه الأصحاب (2).

و كذلك الحال في العبد المؤمن بحسب وجوب دفع الضرر و الضرورة عنه شرعا، فيكون فقيرا محتاجا في دفع هذا الضرر عنه و «لا ضرر و لا ضرار» (3)شرعا.

و أمّا الذي يشترى و يعتق عند عدم المؤمن المحتاج فالظاهر أنّه ليس بفقير؛ لأنّ مئونته جميعا على مولاه جزما، فهو غنيّ غير فقير، جوّز الشارع أن يشترى من مال الفقير، و يعتق، و يكون ولاؤه للفقير؛ لأنّه اشتري بماله، كما صرّح به المعصوم عليه السّلام (4).

فظهر منه صريحا أنّ الزكاة مال الفقراء، و أنّه لذلك يكون ميراثه للفقراء عند


1) لاحظ! نهاية الإحكام: 2/ 391، مدارك الأحكام: 5/ 223.

2) لاحظ! شرائع الإسلام: 1/ 163، مدارك الأحكام: 5/ 237.

3) عوالي اللآلي: 1/ 220 الحديث 93، وسائل الشيعة: 25/ 400 الحديث 32217.

4) الكافي: 3/ 557 الحديث 3، وسائل الشيعة: 9/ 292 و 293 الحديث 12050 و 12051.

انعدام ورثته.

و ليس كذلك الحال في المكاتب و العبد تحت الشدّة؛ لأنّهما بأنفسهما داخلان في الفقراء- على حسب ما عرفت- فمن هذه الجهة يكون ولاؤهما لأنفسهما؛ لأنّ الزكاة مال الفقراء، و هما فقيران، فيكونان اشتريا من مال أنفسهما بخلاف الأخير؛ فإنّه غير فقير اشتري من مال الفقير.

لأنّ مملوك الغير من حيث كون جميع مئونته على الغير يكون [غير فقير]، كالزوجة و الأولاد و الوالدين؛ فإنّهم لا يجوز لهم أن يأخذوا الزكاة متى رفع مئونتهم من يجب عليه الرفع، كما قال الأصحاب مجمعين عليه (1).

و أمّا ابن السبيل؛ فهو أيضا الآن فقير، و هو ظاهر.

و أمّا سبيل اللّه؛ فإن جعلنا [ه مختصّا] بالجهاد، فحاله حال المؤلّفة في كونه مصلحة الفقير، و إذا أدخلنا الحجّ، فلأنّ الظاهر أنّ شغل الفقير أن يحجّ بمال الزكاة.

و في «تفسير علي بن إبراهيم» أنّه بعد ما فسّره بالجهاد، قال: «أو قوم من المسلمين ليس عندهم ما يحجّون» (2).

و أمّا إذا عمّمنا فلأنّ انتظام الدين مصلحة للفقير على ما عرفت في المؤلّفة، مع أنّه إذا وجد الفقراء المؤمنون المحتاجون، فهم أعظم سبل اللّه و أحبّها، بل يقدّم كما حقّق في محلّه، و إن لم يوجدوا فجميع سبل اللّه خير يصرف ما لهم فيعود النفع إليهم أيضا على حسب ما ظهر ممّا قلنا في عتق الرقبة.

فعلى هذا لا مانع من عود نفع إليهم ليصرف ما لهم فيه، و إن وجد أيضا، مع أنّه كثيرا ما يصرف فيمن هو فقير أو له فقر و حاجة في الذي يدخل الفقراء في


1) لاحظ! منتهى المطلب: 1/ 523، مدارك الأحكام: 5/ 245، ذخيرة المعاد: 458.

2) تفسير القمّي: 1/ 299.

الانتفاع أيضا.

على أنّه لو وجد- على سبيل الندرة- في هذا السهم بخصوصه منفعة لغير الفقراء أيضا، فلا يضرّ هذه الأخبار المتواترة؛ لأنّ النادر كالمعدوم، خرج ما خرج بالدليل و بقي الباقي، بل لا يكاد يبقى قاعدة كلّية في الفقه إلّا و يتخصّص بنادر أو قليل، و لذا اشتهر أنّه ما من عام إلّا و قد خصّ و تلقّي بالقبول، و لا يخرج العام من عمومه.

و يعضد هذه العمومات؛ العمومات الواردة في أنّه لا تحلّ الصدقة لغنيّ (1)لكون النكرة في سياق النفي مفيدا للعموم اللغوي.

و لا يضرّه ما قاله جمع من الأصحاب أنّه لا يشترط الفقر في الغارم الذي يتديّن لإصلاح ذات البين (2)لأنّ المتبادر أنّه لا يحلّ أن يأخذها الغنيّ لنفسه بأنّ يستملك و يصرف في مئونته أو مئونة عياله، لا أن يأخذ للمسلمين بأن يصرفها لهم، و قد عرفت أنّ انتظام أمر الفقير موقوف على دفع الفسقة و المفسدة، مضافا إلى ما عرفت من أنّ خروج النادر غير مضرّ، فتأمّل!

[باب زكاة الذهب و الفضّة]

قوله: عن علي بن عقبة، و عدّة من أصحابنا، عن أبي جعفر، و أبي عبد اللّه عليه السّلام، قالا: «ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شي‌ء» (3)..

إلى آخره.


1) وسائل الشيعة: 9/ 231- 234 الحديث 11907 و 11909 و 11912 و 11913 و 11915.

2) لاحظ! المبسوط: 1/ 255، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 129، منتهى المطلب: 1/ 521.

3) الوافي: 10/ 65 الحديث 9160، لاحظ! الكافي: 3/ 515 الحديث 3، وسائل الشيعة: 9/ 138 الحديث 11689.

هذه الأخبار ظاهرة في تعلّق الزكاة بالعين.

قوله: و على هذا فالاحتمال جار في الخبر الثاني (1).

و يؤيّده أنّ إسحاق بن عمّار كان صيرفيّا (2)، و تجارة الصيرفي في الذهب و الفضّة، و يؤيّده- أيضا- عدوله في الجواب عن كلمة «على» [إلى] كلمة «في»، لكن يبعد هذا الاحتمال في الخبر الثاني، فتأمّل جدّا!

[باب زكاة الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب]

قوله: عن سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن أقلّ ما تجب فيه الزكاة من البرّ، و الشعير، و التمر و الزبيب (3).. إلى آخره.

أخبار هذا الباب أيضا ظاهرة في تعلّق الزكاة بالعين.

قوله: و [هل] على العنب زكاة، [أ] و إنّما تجب عليه إذا صيّره زبيبا؟ (4)..

إلى آخره.

هذا الحديث نصّ في وجوب الزكاة في العنب، كما عليه المشهور (5)، بل كاد أن يكون وفاقيّا.

قوله: روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: «لا تخرصوهما و لا تأتوا منهما بشي‌ء» (6).. إلى آخره.


1) الوافي: 10/ 71 ذيل الحديث 9175.

2) لاحظ! جامع الرواة: 1/ 82.

3) الوافي: 10/ 79 الحديث 9194، لاحظ! الكافي: 3/ 514 الحديث 5، وسائل الشيعة:9/ 175 الحديث 11772.

4) الوافي: 10/ 79 الحديث 9194، لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 175 الحديث 11772.

5) لاحظ! مختلف الشيعة: 3/ 185، جامع المقاصد: 3/ 12، مدارك الأحكام: 5/ 137 و 138.

6) الوافي: 10/ 80 ذيل الحديث 9195.

هذا أيضا ظاهر في كون الزكاة على الرطب و البسر أيضا، كما عليه المعظم (1)لأنّ الخرص قبل صيرورة التمر تمرا يابسا، كما هو المتعارف، بل بعد اليبس لا يكاد يتحقّق فيه الخرص، لأنّه وقت الجذاذ و القطع، فتأمّل!

[باب زكاة الإبل و البقر و الغنم]

قوله: عن البجلي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «في خمس قلائص شاة» (2)..

إلى آخره.

هذه الأخبار في هذا الباب أيضا ظاهرة في تعلّق الزكاة بالعين.

[باب مصرف الزكاة]

قوله: [عن] زرارة، و محمّد أنّهما قالا لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أ رأيت قول اللّه [تعالى]: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ (3).. أ كلّ هؤلاء (4)إلى آخره.

السبب لهذا السؤال حصول اليقين لهما بعد [م] جواز إعطاء الزكاة لغير العارف، حتّى أنّهما رويا عنهم عليهم السّلام أنّ المخالف المستبصر يجب عليه إعادة الزكاة في


1) لاحظ! مختلف الشيعة: 3/ 185، جامع المقاصد: 3/ 12، مدارك الأحكام: 5/ 137 و 138.

2) الوافي: 10/ 89 الحديث 9215، لاحظ! الكافي: 3/ 532 الحديث 2، وسائل الشيعة: 9/ 110 الحديث 11642.

3) التوبة (9): 60.

4) الوافي: 10/ 163 الحديث 9352، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 2 الحديث 4، وسائل الشيعة 9/ 209 الحديث 11856.

جميع ما مضى من عمره حال ضلالته، من جهة كونها حقّ العارف خاصّة (1).

مع أنّهما كانا مطّلعين على سلوك علي و الحسن عليهما السّلام، بل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فإنّهم كانوا يجمعون الزكوات الكثيرة بحيث لا يكاد يحصى، سيّما علي و الحسن عليهما السّلام حال خلافتهما، مع أنّهم كانوا يعطون لغير العارفين، بل [ال] منافقين أيضا، و أحسنهم إيمانا كان الأنصار، مع أنّه صدر منهم ما صدر في غنائم حرب الحنين (2)، و صدر ما صدر بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلذا سألا في هذا الحديث ما سألا، و أجاب عليه السّلام بما أجاب، و لم يجبهما بنعم، و لا بلا، فظهر بلا نهيهما؛ و لأنّ نعم ينافي ما علم منه يقينا من العدم مطلقا، حتّى إن لم يوجد عارف أصلا.

و أمّا الجواب كان ينافي طريقة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و غيره، فأجاب عليه السّلام بما لا ينافي شيئا منهما، بل يؤكّدهما و يصحّحهما بأنّ الإمام عليه السّلام يعطي من يقرّ له، و أمّا أنت و جميع أصحابك [تعطون] للمثل إن قلنا بأنّه لا يعطى غير العارف، فأجابا بأنّا ندري أنّه كان يعطي جميع هؤلاء، لكن إشكالنا [في] أنّه يعطي و إن لم يعرفوا أم لا؟

و عدولك عن جوابنا يشير إلى أنّ هاهنا أمرا اخر تريد رفع إشكالنا فيه؛ إذ من كلماتكم يظهر عدم الجواز مطلقا و بالمرّة حتّى شربة ماء، و هدّدتم و شدّدتم بما شدّدتم، فكيف يجتمع؟ و لا يمكن جمع ما قلتم مع فعل الإمامين عليهما السّلام و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بل هم أولى بالمراعاة في أمثال ذلك، فأجاب عليه السّلام بما أجاب، و لم يقل: نعم، و لا لا، كما فعل أوّلا، و قال: لو أقتصر فيمن يعرف لم يوجد لها موضع.

و بديهي أنّ القصر لا يقتضي ذلك، بل يقتضي عدم [العلم] بالموضع فيمن لا يعرف خاصّة، فعلم أنّ مراده عليه السّلام أنّ الزكاة موضعها المؤمنون غالبا كما عرفتم من كلماتنا.


1) الكافي: 3/ 545 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 216 الحديث 11871.

2) لاحظ! الكافي: 2/ 411 الحديث 2، بحار الأنوار: 21/ 177 الحديث 11.

و معلوم أنّ المؤمنين لا يوجدون إلّا بهداية الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و من بعده من الإمام عليه السّلام أيضا بالبديهة، كما لا يخفى على المطّلع.

فمن جهة الاقتصار قال الإمام عليه السّلام، و معلوم أنّ هداية الإمام عليه السّلام يتوقّف على ترغيبه و ترهيبه و سلطنته و انتظام أمره، و هذه الامور لا يتأتّى عادة، إلّا بإعطاء غير العارف؛ لأنّ الناس بأجمعهم من أوّل الأمر لم يكونوا عارفين أصلا.

فإذا رأوا من الإمام عليه السّلام ما رأوا كيف يؤمنون؟ بل و كيف يتركون الإمام عليه السّلام ينتظم أمره؟! بل يسعون في عدمه، و يفسدون و لا ينتظم أمره حينئذ، كما وجد و شوهد من زمان آدم عليه السّلام إلى الآن؛ فإنّ النفوس أمّارة بالسوء.

و أمّا صاحب النفس المطمئنّة، و مثله فقليل ما هم، بل و أقلّ من الكبريت الأحمر، و أقلّ، كما هو معلوم عقلا و نقلا من الآيات (1)و الأخبار (2)، فالإمام عليه السّلام من هذه الجهة يعطي حتّى يتحقّق المستحقّون الذي هم المؤمنون.

و لهذا صرّح به بعد ذلك بأنّه «لا تكون فريضة فرضها اللّه تعالى لا يوجد لها أهل» (3).. إلى اخر ما قال، ثمّ شرع في كشف النقاب في تحقيق ما أجاب به أوّلا و ثانيا، و هو أنّ من لا يعرف من الأصناف من الفقراء، و المساكين، و العاملين، و غيرهم لا يجب على الإمام أن يعطيه من سهم الفقراء و المساكين و نحوهما ممّن صرّحنا باشتراط الإيمان و عدم جواز الإعطاء من دون الشرط المذكور جزما.

و لهذا صار الشرط المذكور مطلقا إجماعيّا عند الشيعة (4)لو لم نقل بكونه ضروريّا متواترا من أخبارهم (5)، بل يعطى الفقير غير العارف تأليفا لقلبه،


1) البقرة (2): 243، الأعراف (7): 17، سبأ (34): 13.

2) بحار الأنوار: 64/ 157 الباب 8.

3) من لا يحضره الفقيه: 2/ 2 الحديث 4، وسائل الشيعة 9/ 209 الحديث 11856.

4) لاحظ! مدارك الأحكام: 5/ 237.

5) وسائل الشيعة: 9/ 214 الباب 2، 227 الباب 7 من أبواب المستحقّين للزكاة.

و إصلاحا لحالهم كيما يعرفوا كما سيجي‌ء في «تفسير علي بن إبراهيم»، مضافا إلى سدّ باب الفتنة، و تحصيل النظام للإمام عليه السّلام و الإسلام، و يقوى به على المشركين و نحوهم.

و كذا الحال في باقي الأصناف، و المجوّز [في] ذلك [ل] لإمام كون المؤلّفة قلوبهم عامّا، بل في الرقاب أيضا.

و باقي الأصناف مخصوص بالعارفين كما صرّح به، و لذا [كان] بالنسبة إليه واضحا، مع ما قال بأنّهم لا يجوز لهم أن يعطوا غير العارف على حسب ما تواتر منهم عليهم السّلام، و أجمع شيعتهم عليه.

فوضح أنّ إعطاء الإمام غير العارف من الأصناف ليس إلّا من جهة لزوم البسط و عموم سهم المؤلّفة، و لأنّ الشيعة في مثل زمان زرارة لا يمكنهم الإعطاء كذلك من سهم المؤلّفة؛ لأنّ هذا السهم ساقط عنهم، كما عليه غير واحد من الفقهاء (1)، أو من جهة أنّ الإعطاء من هذا السهم لعلّه مخصوص بالإمام كما يشير إليه رواية علي بن إبراهيم (2).

مع أنّ الأصحاب عرّفوا المؤلّفة بأنّهم الكفّار الذين يستمالون للجهاد (3)مع أنّه عليه السّلام علّل إعطاء الإمام عليه السّلام بأنّهم ليقرّوا له بالطاعة (4)، و هذا لا يتمشّى في غيره، فتدبّر.

و ممّا ذكرنا لم يرض الأصحاب بإعطاء غير العارف في صورة عدم العارف


1) لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 3 ذيل الحديث 4، النهاية للشيخ الطوسي: 185، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 128.

2) تفسير القمّي: 1/ 299، وسائل الشيعة: 9/ 212 الحديث 11862.

3) لاحظ! المبسوط: 1/ 249، شرائع الإسلام: 1/ 161، البيان: 312.

4) الكافي: 3/ 496 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 209 الحديث 11856.

أيضا كما لا يخفى، و توجّهوا إلى خصوص حال رواية يعقوب بن شعيب (1)الآتية في الباب، و حكموا بشذوذها و ضعفها و طرحوا (2)، و لم يتأمّل أحد منهم في حال هذه الرواية أصلا و رأسا، فكيف قال المصنّف ما قال فيها (3)؟!

قوله: ما يسعهم (4).. إلى آخره.

هذا ظاهر في تعلّق الزكاة بالعين.

قوله: «و عنده ما يجب فيه الزكاة أن يأخذ [الزكاة]» (5).

هذه الصحيحة مستند المشهور من اعتبار مئونة السنة للغناء و عدمها للفقير، و يدلّ على ذلك أيضا ما رواه في «العلل» في الصحيح عن علي بن إسماعيل الدغشي، عن أبي الحسن عليه السّلام: «سألته عن السائل [و] عنده قوت يوم، أ يحلّ له أن يسأل؟ و إن اعطي شيئا من قبل أن يسأل أ يحلّ له أن يقبله؟ قال: يأخذه و عنده قوت شهر و ما يكفيه لسنة من الزكاة، لأنّها إنّما هي من سنة إلى سنة» (6).

و يدلّ عليه أيضا ما رواه المفيد في «المقنعة» و هي صريحة؛ حيث روى عن يونس بن عمّار أنّه سمع الصادق عليه السّلام يقول: «تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، و تجب الفطرة على من عنده قوت السنة» (7).


1) الوافي: 10/ 188 الحديث 9405، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 46 الحديث 121، وسائل الشيعة: 9/ 223 الحديث 11886.

2) لاحظ! المعتبر: 2/ 580، منتهى المطلب: 1/ 523 (ط، ق)، الحدائق الناضرة: 12/ 206.

3) الوافي: 10/ 164، لاحظ! مصابيح الظلام: 10/ 474.

4) الوافي: 10/ 163 الحديث 9352، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 2 الحديث 4، وسائل الشيعة: 9/ 209 الحديث 11856.

5) الوافي: 10/ 167 الحديث 9356، لاحظ! الكافي: 3/ 560 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 231 الحديث 11905.

6) علل الشرائع: 2/ 371 الحديث 1 الباب 97، وسائل الشيعة: 9/ 233 الحديث 11911.

7) المقنعة: 248، وسائل الشيعة: 9/ 234 الحديث 11914.

[قوله]: «و من وسّعه ذلك من عياله و يأخذ البقيّة من الزكاة و يتصرّف بها لا ينفقها» (1).

هذه الصحيحة تدلّ على أنّ من لم يف لمئونته ما حصل له من مستغلّاته أو كسبه أو تجارته لا يجوز له أن يأخذ له أزيد من السنة، و ليس مثل الفقير في جواز أخذه القدر الذي يفيه و أزيد، كما أفتى به بعض الأصحاب (2)، و وافقه الشهيد في «البيان» (3).

فإن قلت: إثبات أخذ البقيّة لا ينافي جواز أخذ الأزيد؛ لأنّ المفهوم مفهوم الوصف، و ليس بحجة على المشهور. نعم، حجّة عند الشيخ (4)و بعض من وافقه (5).

قلت: الدلالة واضحة، لأنّه لو جاز له أخذ غيرها أيضا لاختار المعصوم عليه السّلام في الجواب الشقّ الثاني من احتمال سؤال الراوي؛ إذ لم يسأل إلّا عن حال هذا الشقّ في أنّه يكبّ على الثلاث مائة أو أربع مائة فينفقها، و بعده يأخذ الزكاة أو يأخذ الآن الزكاة مع مالكيّته للقدر المذكور.

و ما اختار الشقّ الثاني بأن يقول في الجواب: يأخذ الزكاة خوفا من أن يتوهّم متوهّم، بل أجاب باختيار شقّ ثالث، و هو جواز أخذ البقيّة فقط، لا مطلق الأخذ الذي هو كان مطلوب السائل.

بل ربّما لم يكن نظر السائل إلى الإطلاق الذي يرجع إلى العموم، و مع ذلك لم


1) الوافي: 10/ 171 الحديث 9363، لاحظ! الكافي: 3/ 561 الحديث 6، وسائل الشيعة: 9/ 238 الحديث 11923.

2) لاحظ! تذكرة الفقهاء: 5/ 241 المسألة 164، مدارك الأحكام: 5/ 197 و 198.

3) البيان: 311.

4) عدة الاصول: 1/ 59 و 411.

5) ذكرى الشيعة: 1/ 53.

يجب المعصوم عليه السّلام مطابقا لسؤاله، مع غاية الاختصار، و نهاية وضوح الدلالة، بل اختار الثالث و أطال في الكلام، و لا شبهة في أنّ جوابه هذا في قوّة أن يقال، لا الاحتمال [الأوّل] و لا الثاني الذي هو جواز أخذ الزكاة، بل الذي يجوز له هو أخذ البقيّة بالتطويل و التوضيح [الذي] ارتكبه في تعريف البقيّة المختار.

و هذا واضح سيّما بعد معلوميّة أنّ مفهوم الوصف فيه الإشعار الذي بأدنى مؤيّد يصير حجّة، كما هو طريقة الفقهاء.

هذا مضافا إلى أنّه لو كان مثل الفقير يجوز له الأخذ مطلقا؛ فلم أمر عليه السّلام بأنّه ينظر إلى فضلها، و يقوت بها نفسه و عياله من سعة؟ بل لا بدّ حينئذ من رفعه يده من الأمرين المزبورين، كي لا يتوهّم متوهّم أنّه لا يجوز له إلّا أخذ البقيّة.

لا يقال: القائل بأخذ البقيّة لا يقول بوجوب هذا النظر و يقوت نفسه [ب] الخصوص من كسبه.

قلت: الأوامر الإرشاديّة لمعرفة البقيّة بالنسبة إليه، و ليس المعنى أنّه أوّلا يتقوّت هو و من وسعه، و بعد ذلك يتقوّت من لم يسعه من خصوص الزكاة؛ لأنّه عليه السّلام قال في اخر الخبر: «و يأخذ هو البقيّة من الزكاة لأجل التصرّف في الإنفاق» فالمعنى أنّه يلاحظ القدر الذي [يسعه]، و بعض عياله، فيعلم أنّ القدر الذي يحتاجه لأجل الإنفاق على الكلّ يأخذه من الزكاة، فيتقوّتون بالمجموع مشاعا، كما هو العادة [في] إنفاق المعيل على عياله، و هذا هو الظاهر منه، كما لا يخفى على الفطن.

مع أنّه على تقدير أن تقول هذا توجيه، فهو توجيه على أيّ حال، و لا يلزم توجيه باقي الخبر، بلا شبهة.

مع أنّ مفهوم الوصف إذا وقع جوابا لسؤال سائل يكون حجّة بلا شبهة، و وفاقي؛ فإنّ السائل إذا سأل: هل في الغنم زكاة أم لا؟ فأجاب بأنّ «في السائمة زكاة» فحينئذ لا شكّ في كون المراد في غيره لا، و على هذا [يكون] المدار في الفقه،

و يتأكّد دلالتها بأخبار اخر، و امور ستعرفها.

على أنّ قوله عليه السّلام: «لا» (1)في جواب سؤال معاوية بن وهب صريح في أنّه لا يأخذ الزكاة، و لا يكبّ، و قوله عليه السّلام: «بل» تصريح منه بالجواب عنهما، و اختيار الثالث، كما عرفت.

قوله: و له عيال فإن أقبل عليها أكلها عياله، و لم يكتفوا بربحها (2)..

إلى آخره.

هذه الرواية أيضا كالصريحة، و دالّة على ما دلّ عليه صحيحة ابن وهب السابقة (3)، مضافا إلى أنّ أخذ الزائد عن المئونة لخصوص من لم يسعه، لا أن يحصل له الغنى مع عدم تعيّنه أصلا لا معنى له، بل و هو محال، كما لا يخفى.

و قريب من الروايتين بعض الروايات الاخر (4)في الدلالة، فلاحظ و تأمّل!

و يعضدهما ما ورد منهم عليهم السّلام: «إنّ الزكاة وضعت قوتا للفقراء» (5)، و قولهم عليهم السّلام أيضا: «إنّه جعل في أموال الأغنياء ما يكتفون [به]، و لو علم أنّه لم يكفهم لزادهم» (6)، و إنّه جعل [اللّه عزّ و جلّ الزكاة] من كلّ ألف خمسة و عشرين [درهما]؛ «لأنّ من كلّ ألف غني خمسة و عشرين [مسكينا]» (7)إلى غير ذلك من


1) وسائل الشيعة: 9/ 238 الحديث 11923.

2) الوافي: 10/ 174 الحديث 9371، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 51 الحديث 130، وسائل الشيعة: 9/ 239 الحديث 11926.

3) الكافي: 3/ 562 الحديث 12، وسائل الشيعة: 9/ 231 الحديث 11907.

4) وسائل الشيعة: 9/ 231 الباب 8، 238 الباب 12 من أبواب المستحقين للزكاة.

5) من لا يحضره الفقيه: 2/ 2 الحديث 2، وسائل الشيعة: 9/ 10 الحديث 11390.

6) من لا يحضره الفقيه: 2/ 2 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 10 الحديث 11389.

7) من لا يحضره الفقيه: 2/ 5 الحديث 9.

أمثال ما ذكره، و قولهم عليهم السّلام: «لا يحلّ الزكاة لمحترف» (1)خرج ما خرج بالوفاق، و بقي الباقي.

و يعضدهما أيضا أنّهم كيف يأمرون بإعطاء الآلاف [و] الالوف لمن عنده مستغلّات عظيمة، أو رأس مال عظيم؛ فإنّ الأحد من بعد الأحد لا يخلو حالهم عن رفع اليد من التجارة و المستغلّ بالمرّة، أو يزيدون عليها مشغولين بالكسب و الغلّة.

و ورد منهم عليهم السّلام مذمّة كلّ واحد منهما مذمّة شديدة (2)، سيّما الثاني، الذي هو الحرص على تراكم الدنيا و الاشتغال بها و إفناء العمر الذي هو لجمع الآخرة فيها، مع أنّهما ضرّتان بلا شبهة.

و مع جميع ذلك هذا أشدّ ظلما على الفقراء و المساكين من العبد الذي يشتريه و يعتق، كما سيجي‌ء أمثال ذلك.

قوله: عن الوليد بن صبيح، قال: قال لي شهاب بن عبد ربّه: اقرأ أبا عبد اللّه عليه السّلام عنّي السلام و أعلمه أنّه يصيا بني فزع في منامي (3).. إلى آخره.

ظاهر هذه الرواية أنّ شهابا كان تسامح في مراعاة الفقر و غيره ممّا هو سبب لاستحقاق الزكاة، فكان [جاهلا] لا بالحكم، إلّا [أنّه] كان جاهلا بالموضوع على ما ورد في صحيحة عبد الرحمن الحجّاج (4)من كون الجاهل [بالحكم] أعذر من الجاهل بالموضوع؛ لأنّه بعد العلم بالحكم مطلوب منه أن يجتهد في معرفة الموضوع


1) الكافي: 3/ 560 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 231 الحديث 11905.

2) وسائل الشيعة: 17/ 13 الباب 2 من أبواب مقدّمات التجارة، 16/ 19 الباب 64 من أبواب جهاد النفس.

3) الوافي: 10/ 191 الحديث 9413، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 52 الحديث 136، وسائل الشيعة: 9/ 217 الحديث 11873.

4) تهذيب الأحكام: 7/ 306 الحديث 1274، وسائل الشيعة: 20/ 451 الحديث 26068.

و ليس تقصير شهاب من أنّه كان يعطي زكاته لغير المؤمن؛ لأنّه مع بعده- من حيث كون شهاب من الثقات الأجلّة- كيف يخفى عليه هذا الأمر الظاهر- غاية الظهور- بين الشيعة في زمان الصادق عليه السّلام؟! مع أنّه قال: الصبيان، فضلا عن الرجال يعرفون.

و كيف كان يخفى على جميعهم عدم جواز الإعطاء لغير الشيعة، مع أنّه يظهر من بعض الأخبار أنّه كان يعطي أمناء الشيعة حتّى يعطونها الفقراء؟ (1).

مع أنّه لو كان السبب هو هذا كان اللازم على المعصوم عليه السّلام تعليمه عدم جوازه، لأنّه لم يسأل إلّا عن سبب الفزع، و المعصوم صرّح بأنّ السبب عدم وضع الزكاة في موضعها، فكان اللازم عليه أن يعلّمه حينئذ علاج فزعه في النوم و علاج وضع زكاته في موضعها؛ لأنّه لم يكن عارفا بالعلاج، و سأل عن العلاج.

فكيف يكون في مقام الجواب و المعالجة و كيف يكتفي بما ذكره؛ لأنّ الجاهل بالحكم لا طريق له إلى معرفته أصلا بغير الإعلام منهم عليهم السّلام؟ مع أنّه عليه السّلام يعلّم أصحابه الأحكام، سيّما ما ذكر.

فظهر غاية الظهور أنّ مسامحته كان في الموضوع، و كان عالما بالحكم، و لذا اكتفى بما ذكره.

فربّما [يظهر] حقيّة قول من قال بأنّ الخطأ في إعطاء الفقير غير معذور مطلقا، كما قال به جماعة (2)، أو غير معذور مع [عدم] الاجتهاد، كما قال به آخرون (3)، و تكون هذه الصحيحة موافقة لصحيحة ابن أبي عمير، عن الحسين،


1) وسائل الشيعة: 9/ 281 الحديث 12022.

2) لاحظ! المقنعة: 259، الكافي في الفقه: 173، الحدائق الناضرة: 12/ 170.

3) المعتبر: 2/ 569، منتهى المطلب: 1/ 527 (ط، ق)، مجمع الفائدة و البرهان: 4/ 195.

عمّن ذكره (1)، و قد مرّت في الباب السابق، و أنّه معلوم من الآية (2)و الأخبار المتواترة (3)أنّ الزكاة حقّ المؤمن الفقير، و معلوم أنّ المركّب ينتفي بانتفاء الأجزاء، و لذا لم يقل المعصوم عليه السّلام في الجواب أزيد من أنّه لا يضعها في غير موضعها من غير إشارة إلى تعيين أصلا.

[باب أنّ الزكاة لا تحلّ لبني هاشم إلّا ممّن هو منهم، أو عند الضرورة]

قوله: عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إنّ اناسا من بني هاشم أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، و قالوا:

يكون لنا هذا السهم الذي جعله اللّه للعاملين عليها، فنحن أولى به» (4).. إلى آخره.

هذه الأخبار و أمثالها ظاهرة في كون من حرم عليه الزكاة من هو من أولاد بني هاشم من قبل الأب، لا الامّ فقط.

[باب قسمة الزكاة و غيرها]

قوله: عن الفطحيّة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سئل كم [يعطى] الرجل من الزكاة؟ قال: «قال أبو جعفر عليه السّلام: إذا أعطيت فأغنه» (5).


1) تهذيب الأحكام: 4/ 102 الحديث 289، وسائل الشيعة: 9/ 215 الحديث 11869.

2) التوبة (9): 60.

3) وسائل الشيعة: 9/ 214 الباب 2، 227 الباب 7 من أبواب المستحقين للزكاة.

4) الوافي: 10/ 193 الحديث 9418، لاحظ! الكافي: 4/ 58 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 268 الحديث 11992.

5) الوافي: 10/ 206 الحديث 9446، لاحظ! الكافي: 3/ 548 الحديث 3، وسائل الشيعة:9/ 259 الحديث 11973.

[ب] أمثال هذه الأخبار استدلّ المجوّزون لإعطاء الكاسب و صاحب المستغلّ و رأس المال في التجارة، إذا لم يف محصولهم لمئونة سنتهم، ما يفيهم و يزيد عنه، كما هو حال الفقير، و لا دلالة فيها إلّا من جهة ترك الاستفصال.

و فيه أنّهم تركوا الاستفصال في كيفيّة الإعطاء أنّه هل هو دفعة أو دفعات؟

و على الثاني هل حصل لهم مئونة السنة؟ و بعده يعطى أيضا أم لا؟

فإن قلت: لعلّ المتبادر لمّا كان هو الدفعة لم يستفصلوا.

قلنا: فلعلّ المتبادر [لمّا كان] هو الفقير لم يستفصلوا، و ليس هذا أبعد من الأوّل، سيّما و أن يستدلّ به، بل لعلّه أقوى بملاحظة قولهم عليهم السّلام أغنهم، إذ معناه اجعلهم غنيّين، فلازم ذلك ألا يكونوا أغنياء.

و الظاهر منه لعلّه الفقراء؛ لأنّهم في مقابل الأغنياء، و لعلّ الظاهر منه أنّهم الذين قال اللّه [تعالى]: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ (1)و كذا الأخبار المتواترة في علّة الزكاة و مستحقّها (2)، فهؤلاء المستدلّون صرّحوا بانحصار مصرف الزكاة في الثمانية، و عرّفوا الصنف الذين هم الفقراء بالمعنى الأعمّ من المساكين، فإنّهم الذين لا يملكون مئونة سنتهم، ثمّ ألحقوا بهم من له مستغلّ، و لو كان عظيما، أو رأس مال كذلك لا يفي محصولهم كمال مئونة سنتهم، و إن كانوا محتاجين إلى شي‌ء قليل غاية القلّة للتتمّة من جهة الإجماع و الأخبار.

حتّى أنّ في «المدارك» (3)توهّم التدافع بين كلامهم- و قد عرفت عدمه- لكن يلزم من ذلك أن يكون المطلقات في الأخبار شاملة لهم، ألا ترى أنّهم يعرّفون الماء


1) التوبة (9): 60.

2) علل الشرائع: 2/ 368 باب علّة الزكاة، وسائل الشيعة: 9/ 9 الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

3) مدارك الأحكام: 5/ 193 و 194.

الجاري بما عرّفوا [و] قالوا: و يلحق به ماء الحمّام من جهة الأخبار أنّ ماء الحمّام مثل الجاري يطهّر بعضه بعضا، و غير ذلك.

و لا يلزم من هذا أنّه لو سأل راو في الرواية عن الجاري و لم يستفصل في جوابهم شمول الجواب لماء الحمّام و مثله أيضا، و لو كان مثل هذا الاستدلال لهم حقّا لزم التدافع، كما قال في «المدارك».

و بالجملة؛ فرق بين الفتاوى و مدلول الأخبار، و من هذا يعرّفون العقود بما عرّفوا في كتبهم، و لا يجعلون اللفظ الوارد في الأخبار مثل البيع و نحوه.

مع أنّ مثل الذي ذكرناه ليس بفقير مطلقا بالنسبة إلى القدر الذي يحصل له و غير محتاج جزما، كما أنّهم في الأخبار التي سئلوا عن حال الغنيّ ما استفصلوا، و لم يقولوا بضرره، فكذلك المقام، فلاحظ و تأمّل!

سلّمنا، لكن كونه أظهر شمولا من الأوّل من أين؟

سلّمنا ما يكون ظهور تامّ يكفي في مقام الاستدلال، لعلّه محلّ مناقشة.

سلّمنا، لكن كونه أظهر من دلالة صحيحة ابن وهب السابقة (1)و غيرها من الأخبار من أين؟ بل لا شكّ في [أنّها] أظهر هنا- كما عرفت- كمال الوضوح.

قوله: عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال: «نعم، قلت: مائتين؟ قال: نعم، قلت: ثلاث مائة؟

قال: نعم، قلت: أربع مائة؟ قال: نعم، قلت: خمس مائة؟ قال: نعم حتّى تغنيه» (2).

يظهر من الصدوق في كتابه «العلل» أنّه لا يعطى الفاجر إلّا بقدر، و يعطى


1) وسائل الشيعة: 9/ 238 الحديث 11923.

2) الوافي: 10/ 206 الحديث 9450، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 63 الحديث 172، وسائل الشيعة: 9/ 260 الحديث 11976.

المؤمن عشرة آلاف، و روى ما يدلّ عليه، و على العلّة فيه، و هي أنّ المؤمن ينفقه في طاعة اللّه و الفاجر ينفقه في معصيته (1).

[باب نقل الزكاة و ضمانها]

قوله: «إذا وجد لها موضعا، فلم يدفعها إليه، فهو لها ضامن» (2)..

إلى آخره.

ظاهر هذه الرواية المنع من النقل عند وجدان الموضع؛ لأنّه عليه السّلام جعل المزكّي مثل الوصي، و معلوم أنّه بعد وجدان ربّه يكون عاصيا أيضا إذا طلبه.

قوله: [يخرج زكاته] من بلد إلى بلد اخر (3).. إلى آخره.

هذا يشعر بالبعث لأجل وجدان الشيعة.

[باب من يمتنع من أخذ الزكاة]

قوله: عن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ [من] الزكاة، فاعطيه من الزكاة و لا اسمّي له أنّها من الزكاة؟

قال: «أعطه و لا تسمّ له، و لا تذلّ المؤمن» (4).


1) علل الشرائع: 372 الحديث 1 الباب 98، وسائل الشيعة: 9/ 249 الحديث 11948.

2) الوافي: 10/ 213 الحديث 9466، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 15 الحديث 46، وسائل الشيعة: 9/ 285 الحديث 12033.

3) الوافي: 10/ 216 الحديث 9475، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 46 الحديث 122، وسائل الشيعة: 9/ 283 الحديث 12029.

4) الوافي: 10/ 218 الحديث 9478، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 8 الحديث 25، وسائل الشيعة: 9/ 314 الحديث 12107.

هذا الرجل يستحيي عن إظهار كونه زكاة و التصريح به، و يكتفى بالإعطاء ساكتا عن التصريح المذكور، و إن كان الظاهر عنده كونه زكاة، لعدم [تعارف] الهديّة بالنقدين من الشخص الذي ليس شغله ذلك، و ليس من الأسخياء المتموّلين، من قبيل حاتم أو ال برمك، أو أضعف منهما، بل و ربّما كان ممسكا، كما هو الغالب في المزكّين، و سيّما أن يبعث به إلى الفقير المحتاج، و خصوصا إذا لم يعهد الهديّة منه إليه، سيّما بالنحو المذكور.

و لمّا كان الاستحياء أمرا مطلوبا شرعا و المؤمن عزيز، قال عليه السّلام ما قال، و أفتى بذلك الأصحاب (1).

و أمّا ما ورد في صحيحة محمّد الآتية (2)من المنع و التشديد، فمحمول على أنّ الأخذ يستنكف من الأخذ بظنّ كونه زكاة و احتماله أيضا، إلّا أن يقال له: هذا ليس بزكاة فيأخذ حينئذ بالشرط المذكور، و هو عدم كونه زكاة.

فالمعصوم عليه السّلام منع من ذلك لما فيه من المفاسد، و هي كون ما ذكر كذبا، و الكذب حرام من أشدّ المحرّمات حتّى أنّه ورد «إنّ شيعتنا لا يكذبون» (3)، و أيضا ربّما يكون غشّا و تدليسا، و هو أيضا حرام.

مع الإشكال في صحّة كونه زكاة؛ لأنّ الأخذ لا يأخذ إلّا بشرط ألا يكون زكاة، و المعطي أقدم على ذلك و قبل شرطه، و به أعطاه قبولا لشرطه، مصدّقا له.

و مع ذلك ربّما يتلافى هذا الإحسان، و يتدارك بإهداء عوضه، كما هو الغالب


1) لاحظ! شرائع الإسلام: 1/ 160، تذكرة الفقهاء: 5/ 287 المسألة 203، الروضة البهيّة: 2/ 57.

2) الوافي: 10/ 218 الحديث 9479، لاحظ! الكافي: 3/ 564 الحديث 4، وسائل الشيعة: 9/ 315 الحديث 12108.

3) بحار الأنوار: 65/ 195 الحديث 48، 69/ 263 الحديث 47 مع اختلاف.

في أمثال هؤلاء، فكيف يأكله؟

و مع ذلك إن كان يستحيي عن الزكاة، فتقديم التصريح يكفي له، و إن كان لا يريد أن يأخذ من الخلق شيئا سوى اللّه تعالى، فكيف يأخذ بالتصريح بأنّه ليس بزكاة، و يستنكف عن فريضة اللّه لمثله؟! و ليس يرفع حاجته إلّا الأخذ إمّا من الناس بمنّة شديدة، أو من اللّه تعالى بفريضة منه لمثله مقدّرة.

و ربّما كان جاهلا بهذا المعنى أو غافلا، فلا تغافل كذلك، و اللّه يعلم.

[أبواب الخمس و سائر ما يصرف إلى الإمام عليه السّلام]

[باب غناء الإمام عن أموال الناس و ما له فيها]

قوله: عن ابن بكير، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «إنّي لآخذ من أحدكم الدرهم، و إنّي لمن أكثر أهل المدينة مالا، ما اريد بذلك إلّا أن تطهّروا» (1).

هذا يدلّ على وجوب إعطاء الخمس، و إلّا لا يصيرون مطهّرين، و أنّ الخمس [يكون] داخلا في قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً (2)بحسب الظاهر.

قوله: «نحن و اللّه الذين عنى اللّه بذي القربى الذين قرنهم اللّه بنفسه» (3)..

إلى آخره.

هذا ظاهر في الاختصاص فيمن انتسب إليهم من طرف الأب، لا الامّ فقط، فتأمّل!


1) الوافي: 10/ 279 الحديث 9581، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 23 الحديث 86، وسائل الشيعة: 9/ 483 الحديث 12542.

2) التوبة (9): 103.

3) الوافي: 10/ 281 الحديث 9587، لاحظ! الكافي: 1/ 539 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 511 الحديث 12603.

[باب جملة الغنائم و الفوائد و مصارفها]

اشارة

قوله: [فجعل لهم خاصّة من عنده ما يغنيهم به] عن أن يصيّرهم في موضع الذلّ و المسكنة (1).. إلى آخره.

هذا ظاهر في وجوب إعطاء الخمس، و أنّه لم يصر حلالا على حسب ما يظهر من بعض الأخبار (2).

قوله: [الذكر منهم] و الانثى، ليس فيهم [من أهل بيوتات قريش] (3)..

إلى آخره.

يدلّ هذا و نحوه على اختصاص الخمس ببني هاشم.

[اعتبار الانتساب إلى هاشم بالأب]

قوله: [و للإمام صفو المال] أن يأخذ من هذه الأموال صفوها؛ الجارية الفارهة، و الدابّة الفارهة، و الثوب، و المتاع (4).. إلى آخره.

و يؤيّده ما ورد في بعض الأخبار «أنّ المرأة وعاء لولد الرجل» (5)، لكن العمدة أنّ الإطلاق ينصرف إلى أولاد الذكور، لا أولاد الإناث كثيرا ما، فإن كان هاشميّا من قبل الأب، أمويّا من قبل الامّ، لا يكون متبادرا من إطلاق لفظ بني اميّة، و كذا العكس لا يتبادر من إطلاق لفظ بني هاشم من كان من بني اميّة [من قبل الأب]- مثلا- و كذلك الحسني لا يشمل الحسيني، و بالعكس، مع أنّهما من


1) الوافي: 10/ 294 الحديث 9599، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 128 الحديث 366، وسائل الشيعة: 9/ 488 الحديث 12554.

2) وسائل الشيعة: 9/ 543 الباب 4 من أبواب الأنفال.

3) الوافي: 10/ 294 الحديث 9599، لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 488 الحديث 12554.

4) الوافي: 10/ 295 الحديث 9599، لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 488 الحديث 12554.

5) تهذيب الأحكام: 7/ 477 الحديث 1917، وسائل الشيعة: 20/ 443 الحديث 26046.

حيث الامّ يكونان بالعكس غالبا، و كذلك الإفرنجي لا يتبادر من [ه] القائم عليه السّلام، و العجمي و الفارسي لا يتبادر منه علي بن الحسين عليهما السّلام، و قس على ذلك سائر القبائل، مثل بني تميم، و بني طيّ، و بني عديّ و غير ذلك، و إنكار ذلك مكابرة بيّنة.

و إن قلنا: إنّ أولاد الإناث أيضا أولاد حقيقة، كما هو الظاهر و الأقرب؛ فإنّ كون الفرد حقيقة لا يستلزم التبادر؛ فإنّ الإنسان الذي له رأسان أو أربعة أيد أو ثلاثة أرجل أو ستّة أصابع إنسان حقيقة، لكن ليس من الأفراد المتبادرة، بل الأنزع و الأغمّ من أفراد الإنسان بلا شبهة، مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّهما يغسلان وجوههما بالنحو الذي يغسل المستوي الخلقة (1).

و كذا الأمر في الخروج من الموضع المعتاد في البول و الغائط و الريح، إلى غير ذلك من المسائل الفقهيّة، فإنّ الرجوع فيها إلى الأفراد المتعارفة و المعتادة، حتّى أنّهم لا يجوّزون شراء العبد المريض للوكيل في شراء العبد المطلق، بل المشتري إذا اشترى العبد و ظهر كونه محموما يقولون بخيار الفسخ (2)لأنّ المتبادر العبد غير المحموم، إلى غير ذلك.

و لا يضرّ ذلك أنّ الحسنين عليهما السّلام و غيرهما من الأئمّة عليهم السّلام، و سائر أولاد فاطمة عليها السّلام أولاد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم حقيقة، كما يظهر من أخبار كثيرة (3)لما عرفت من أنّ ولد بنت الرجل ولده حقيقة، كولد ابنه، و إن كان المتبادر من الإطلاق هو الولد بغير واسطة، لا بالواسطة و إن كان ولد ابن الرجل.

بل التبادر أيضا في الحسنين و الأئمّة عليهم السّلام، و غيرهم من أولادهم موجود، بل


1) لاحظ! منتهى المطلب: 2/ 23، مدارك الأحكام: 1/ 199.

2) لاحظ! قواعد الأحكام: 2/ 72، الحدائق الناضرة: 19/ 112.

3) الكافي: 3/ 487 الحديث 3، 8/ 317 الحديث 501، عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 1/ 216 الحديث 1، وسائل الشيعة: 14/ 344 الحديث 19356، 20/ 412 الحديث 25956.

لا يتبادر غيرهم؛ لفقد غيرهم، و الشيوع و الذيوع فيهم، بل الانحصار.

بل ورد منه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حديث: «إنّ اللّه تعالى جعل نسل كلّ نبيّ في ظهره، و جعل نسلي في ظهر عليّ عليه السّلام» (1)، و الحديث رواه العامّة، و لم أظفر به من طرق الشيعة، و إن احتمل وجوده (2)، إلّا أنّه لا يجي‌ء ببالي أنّي اطّلعت عليه من طرقهم (رضي اللّه عنهم).

و أمّا العامّة فقد وقع منهم التأمّل في خروج أولاد عليّ عليه السّلام من غير فاطمة عليها السّلام من نسل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، من جهة ظاهر هذا الحديث، لأنّ ظهر عليّ عليه السّلام عامّ يشمل الكلّ، مع احتمال كون المراد خصوص أولاد فاطمة عليها السّلام من جهة القرينة.

[و] يحتمل الفرق بين لفظ ولد الرجل، و أولاده، و بني فلان، بأنّ الأوّل حقيقة في الولد بغير الواسطة، ذكرا كان أو انثى من جهة صحّة السلب عرفا؛ إذ يصحّ أن يقال: ليس ولده بل ولد ولده، بل الظاهر صحّته في الأولاد أيضا، بأن يقال: ليس أولاده، بل أولاد أولاده، بل يمكن دعواها في مثل بني زيد، و بني اميّة، و بني تميم.

فالأظهر أن يقال: صحّة السلب على الإطلاق علامة عدم الحقيقة، لا على التقييد و لا يصحّ أن يقال في أولاد الأولاد: أنّهم ليس بأولاد فلان على الإطلاق و بعنوانه، بل يصحّ أن يقال ليسوا بأولاده، بل هم أولاد أولاده.

فيظهر أنّ المراد سلب الأولاديّة بغير واسطة، لا مطلق الأولاديّة؛ فإنّ المطلق ربّما ينصرف إلى الفرد الشائع، و الكامل، كما هو مسلّم، فربّما يصحّ سلب


1) الصواعق المحرقة: 124، ينابيع المودّة: 340، المناقب للخوارزمي: 327 و 328 الحديث 339.

2) لاحظ! أمالي الصدوق: 301 الحديث 17، بحار الأنوار: 23/ 144 الحديث 98 مع اختلاف يسير.

المقيّد في غيرهما.

نعم، لا يصحّ سلب المطلق، ففي ولد الولد أيضا لا يصحّ أن يقال: ليس ولده و يسكت، فلاحظ استعمالات العرف، و تأمّل جدّا تجد المتبادر من مثل بني هاشم أو بني اميّة و الحسيني، و أولاد الحسنين عليهما السّلام، و أمثالها أولاد الذكور- كما لا يخفى- و دلّ عليه هذا الخبر (1)، و أنّه ادْعُوهُمْ لِابٰائِهِمْ (2)و غير ذلك، و اتّفق الفحول عليه، إلّا السيّد رحمه اللّه (3)لشبهة عدم الفرق بين كون الفرد حقيقيّا و كونه متبادرا عند الإطلاق.

فلا وجه لغافلة بعض العلماء (4)في أمثال زماننا، و متابعة السيّد بعد وضوح القواعد و الأدلّة.

مع أنّ هذه الرواية منجبرة بعمل المعظم و فتواهم، بل الظاهر تحقّق الإجماع الواقعي؛ لأنّ الخمس ممّا يعمّ به البلوى، فلو كان حقّا لأولاد البنات و أولاد أولادهم و هكذا، لشاع و اشتهر اشتهار الشمس، على قياس اشتهار نفس الخمس؛ فإنّ الخمس بلا مصرف معيّن لا يكون، فلو كان هؤلاء أيضا مستحقّيه لكانوا يعطونهم و يأخذوا في عرض مدّة ثلاث مائة سنة تقريبا، و يفتون كذلك، و يحكمون بوجوب إيصال الحقّ إلى المستحقّ، و كون التقصير في ذلك حراما، و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الأئمّة عليهم السّلام كانوا يسعون في إبلاغ الأحكام، و إيصال الحقوق إلى المستحقّين، و العلماء أيضا كانوا كذلك.

و المستحقّون- من جهة الفقر و الاستحقاق- كانوا يسعون، بل لحصول


1) مرّ آنفا.

2) الأحزاب (33): 5.

3) رسائل الشريف المرتضى: 4/ 328.

4) لاحظ! الحدائق الناضرة: 12/ 396.

الشرافة و إخراج النفس عن الدناءة و الخساسة.

و لا وجه للسعي بالنسبة إلى طائفة دون طائفة، و محروميّة طائفة دون طائفة، مع أنّ الأمر صار بالعكس؛ فإنّ الكلّ بناؤهم كان على أنّ المستحقّ خصوص من انتسب بالأب، و أجمعوا على ذلك إلى زمان السيّد المرتضى رحمه اللّه (1)، و في زمانه أيضا اتّفقوا على ذلك، و كذا بعد زمانه إلى الآن.

نعم، السيّد بخصوصه وقع في اشتباه ظاهر، كما عرفت، و خروجه عن الإجماع غير مضر إجماعا، كما اقتضاه الأدلّة.

و ممّا يعضد الرواية المذكورة تتبّع تضاعيف مصارف الزكاة من الفقراء و المساكين و غيرهما؛ إذ يظهر منها ظهورا تامّا كون هذه الجماعة أيضا من جملة الفقراء و المساكين المحتاجين، من غير تفاوت بينهم و بين غيرهم، و كذا باقي الأصناف مثل: الغارمين، و ابن السبيل، و سبيل اللّه.

و هذا بخلاف تتبّع تضاعيف مستحقّ الخمس و من جعله اللّه له، فإنّه ليس بذلك الظهور، بل و لا ظهور، بل و ربّما كان الظاهر منها خلافه، كما لا يخفى على المتتبّع المتأمّل، مع أنّه يظهر من كثير منها كونه حقّ الأئمّة عليهم السّلام (2)، خرج ما خرج و بقي الباقي.

و يعضدها أيضا الاصول، مثل أصالة عدم كون هؤلاء من المستحقّين، و عدم اشتغال ذمّة المعطي- سواء كان المالك أو غيره- بحقّ هؤلاء، و عدم اشتراكهم مع المنسوبين من قبل الأب، و إنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة، و هي منحصرة في إعطاء المنتسب من الأب.


1) لاحظ! مختلف الشيعة: 3/ 332.

2) وسائل الشيعة: 9/ 519 الباب 2، 520 الباب 3 من أبواب قسمة الخمس.

على أنّا نقول: ولد بنت الهاشمي ولده حقيقة لا ينفي كونه ولد أبيه أيضا حقيقة بلا شبهة، بل الثاني بديهي، و الأوّل ثبت من الدليل، و الثاني بغير واسطة و الأوّل بواسطة البنت، و الأب يقدّم على الامّ عند التقاوم، كما ستعرف.

و الحاصل؛ أنّ الحسنين عليهما السّلام كما كانا ابني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، كانا أيضا ابني عليّ عليه السّلام بالبديهة، و كذلك الحال في كلّ منتسب إلى هاشم من طرف الامّ دون الأب؛ فإنّه ابن أبيه بالبديهة؛ و ليس من قبيل ولد الملاعنة و ولد الزنا من طرف الأب فقط، بل نسب أبيه باق بالبديهة.

فإذا لم يكن بين حكمي النسبين تضادّ و تناف فلا إشكال، كما في تحريم النكاح و استحقاق الإرث و نحوهما.

و أمّا إذا كان تضادّ- كما في المقام- فترجيح طرف نسب الامّ على نسب الأب من دون مرجّح؛ فاسد بالبديهة؛ فإنّ المستفاد من النصوص و الإجماع أنّ مستحقّ الخمس هو الهاشمي، و مستحقّ الزكاة ليس بهاشمي.

فعلى هذا نقول: إذا كان ولد البنت خاصّة ولدا حقيقيّا، لا جرم يكون ولد بنت غير الهاشمي غير هاشمي حقيقة؛ لعدم اختصاص ما ذكر بخصوص الهاشمي بالنظر إلى الأدلّة، و القواعد. فعلى هذا يلزم أن يكون الذي أبوه هاشميّا و أمّه غير هاشميّة يحرم عليه الخمس و يحلّ له الزكاة، بعين ما قاله القائل في طرف الهاشمي و مستحقّ الخمس، و هذا بديهي البطلان.

و هو أيضا يتحاشى عنه؛ لأنّه خلاف بديهي المذهب، بل الدين أيضا.

فإن قال بأنّه يحلّ عليه الخمس أيضا، فهو خلاف النصوص و الإجماع، و مع ذلك لم لا يقول بذلك فيمن أمّه هاشميّة خاصّة؟ لعدم الفرق بالبديهة.

و إن قال: عند التقاوم يقدّم نسب الأب على نسب الامّ؛ لوجوه كثيرة تقتضي ذلك، فيلزمه القول بذلك فيمن انتسب [ت] أمّه بهاشم أيضا؛ لاشتراك

الوجوه بالبديهة.

و الحاصل؛ أنّ مجرّد كون نسب الامّ فيما ذكر حقيقة لا ينفع المرتضى أصلا، إلّا أن يقول بانتفاء النسب من طرف الأب حينئذ، كولد الملاعنة، أو يقول بمغلوبيّة نسب الأب و غالبيّة النسب من طرف الامّ، كما هو الحال في صورة العكس من أنّ نسب الأب يصير غالبا و معتبرا شرعا على النسب من طرف الامّ فيما كان الأب هاشميّا خاصّة، كما عرفت.

و الكلّ فاسد بالبديهة، فيلزمه القول بمغلوبيّة النسب من قبل الامّ في جنب نسب الأب، كما عليه غيره من جميع الفقهاء رحمهم اللّه، و لا محيص له عن ذلك.

و أمّا وجوه تقديم نسب الأب، فهي كثيرة:

الأوّل: ما قلنا من [أنّ] الأب إذا كان هاشميّا فهو مقدّم بالبديهة، من دون تفاوت بين كون الامّ هاشميّة أو غير هاشميّة، مملوكة، أو يهوديّة، أو مجوسيّة، أو مشركة إن كان الوطء عن شبهة، بلا شبهة.

و الثاني: ما عرفت من أنّ الإطلاقات تنصرف إلى المنسوب من قبل الأب خاصّة.

و الثالث: الرواية المذكورة المنجبرة بظاهر القرآن، و هو قوله تعالى:

ادْعُوهُمْ لِابٰائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا (1)الآية، و بظواهر الأخبار المتواترة (2)الواردة في مستحقّ الزكاة بعد الآية؛ لظهور شمولها للمقام، بخلاف الأخبار الواردة في مستحقّ الخمس؛ لعدم ظهور شمولها، بل ظهور العدم، كما لا يخفى على الفطن المتأمّل، كما عرفت، و بالشهرة العظيمة، بل الإجماع، و غيره أيضا، كما عرفت.


1) الأحزاب (33): 5.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 209 الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة.

و الرابع: أنّه يقدّم في نظائر المقام في الشرعيّات مثل الإرث و نحوه، و الولاية على الصغير و المجنون و السفيه منه و من أبيه أيضا، بخلاف الامّ و آبائها، و نفقة الولد و كسوته و الرضاع؛ فإنّه على الأب، حتّى أنّ للامّ أن تأخذ الاجرة، و للأب أن يعزلها عنه في الصور المعروفة، و نفقة الحامل، و في القتل و الجناية، و كون الولد بعد الحضانة للأب، إلى غير ذلك.

و الخامس: كون الأب هو الأصل عرفا و عقلا، يقولون: (اصلم پدر است، كه مادرم رهگذر است) (1).. إلى غير ذلك من العبارات المسلّمة عندهم، بالعربيّة و الفارسيّة أو غيرهما، و من الشعر المشهور المسلّم عندهم:

بنونا بنو أبنائنا، و بناتنا [بنوهن] أبناء الرجال [الأباعد] (2)

حتّى أنّهم ينسبون ولد الزنا أيضا إلى أبيه؛ يقولون: (زياد بن أبيه)، و لا يقولون: ابن سميّة، إلى غير ذلك.

و الأصل نطفة الرجل تتربّى في رحم المرأة- و إن كان التربية بمزج مائها و دم حيضها- كما هو الحال في الحبوب المزروعة، و البيض المحض و غيرهما، فتأمّل جدّا!

و أنّه لا بدّ في تصرّفاتها في الولد من أن يكون [ب] رخصة الأب، مع أنّ الذكر مقدّم على الانثى مطلقا، حتّى أنّ الانثى نصف الذكر شهادة، و إرثا، و غير ذلك.

و بالجملة؛ أسباب التقديم كثيرة.

[باب ما فيه الخمس من الأموال و ما ليس فيه]

قوله: [أن تمنّ عليّ ببيان ذلك، لكي لا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي]


1) أي: أنّ أصلي هو أبي و إنّما أمّي عابر سبيل.

2) جامع الشواهد: 1/ 317.

و لا صوم (1).. إلى آخره.

هذا ظاهر في وجوب إعطاء الخمس، و أنّه لو لم يعط لم يكن له صلاة و لا صوم؛ لأنّ المعصوم عليه السّلام قرّر الراوي على معتقده، و لم يقل له: إنّا أحللناه، و لكن أمر اساومكم، بل لو كان كذلك كان الراوي يطّلع على ذلك فلم يسأل كما سأل، أو أنّه كان يعرف مرادهم عليهم السّلام من التحليل أنّه بالنسبة إلى من؟ و في أيّ شي‌ء؟ فتأمّل جدّا!

قوله: الريّان بن الصلت قال: [كتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام] (2).. إلى آخره.

هذه الرواية، مع الروايات السابقة عليها مع وضوح [ها] و صحتها دالة على وجوب إعطاء الخمس، و عدم السقوط.

قوله: عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السّلام (3)... إلى آخره.

هذه الرواية- مع وضوح السند- تدلّ على عدم سقوط الخمس، و كذا الروايات الآتية، فلعلّ ما ورد من التحليل و الإسقاط إنّما هو لجمع خاصّ، أو وقت خاصّ على ما يشير إلى ذلك بعض الأخبار، مثل قولهم عليهم السّلام: «ما أنصفناكم لو كلّفناكم [ذلك] اليوم» (4)، أو إيماء بالنسبة إلى بعض الأشياء، مثل المناكح، و المساكن (5)، و الأظهر ذلك، و سيظهر- أيضا- تواتر الأخبار في عدم السقوط،


1) الوافي: 10/ 309 الحديث 9614، لاحظ! الكافي: 1/ 545 الحديث 12، وسائل الشيعة: 9/ 503 الحديث 12585.

2) الوافي: 10/ 311 الحديث 9618، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 139 الحديث 394، وسائل الشيعة: 9/ 504 الحديث 12587.

3) الوافي: 10/ 311 الحديث 9619، لاحظ! تهذيب الأحكام 4/ 122 الحديث 348، وسائل الشيعة: 9/ 503 الحديث 12586.

4) تهذيب الأحكام: 4/ 138 الحديث 389، وسائل الشيعة: 9/ 545 الحديث 12680.

5) وسائل الشيعة: 9/ 547 الحديث 12683 و 12684، 549 الحديث 12686 و 12687.

و وجوب الإعطاء.

و يعضده ما ورد في غير واحد من الأخبار أنّه عوض الزكاة للمستحقّين (1)[و القول] بسقوط العوض و المعوّض عنه، و بقائهم في الاضطرار و الاحتياج- مع كونهم أشرف الخلق، و أوجب [هم] حقوقا و تعظيما و تكريما، و خروج سائر الناس عن الفقر و الاحتياج- فيه ما فيه.

و يعضده ما ورد من قولهم عليهم السّلام: «أحدهم يثب على أموال [حقّ] آل محمّد عليهم السّلام و أيتامهم و مساكينهم [و فقرائهم] و أبناء سبيلهم، [فيأخذه] ثمّ [يجي‌ء] فيقول: اجعلني في حلّ» [الحديث] (2)كما سيجي‌ء.

قوله: [لا دلالة في شي‌ء منها] على أنّ مصرف الخمس المذكور فيه هو المصرف [المذكور] في آية الزكاة (3).. إلى آخره.

روى الصدوق في كتابه «الخصال» عن عمّار بن مروان- في الصحيح- قال:

«سمعت أبا الحسن (4)عليه السّلام يقول: فيما يخرج من المعادن، و البحر، و الغنيمة، و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه، و الكنوز؛ الخمس» (5).

و روى أيضا- في الصحيح- إلى ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن الصادق عليه السّلام، قال: «الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز، و المعادن، و الغوص، و الغنيمة، و نسي ابن أبي عمير الخامس، ثمّ قال: أظنّه الذي نسيه هو المال الذي يعلم أنّ فيه [من] الحلال و الحرام و لا يعرف أصحاب الحرام فيؤدّيه إليهم، و لا


1) وسائل الشيعة: 9/ 514 و 515 الحديث 12608 و 12609.

2) الكافي: 1/ 548 الحديث 27، وسائل الشيعة: 9/ 537 الحديث 12664.

3) الوافي: 10/ 316 ذيل الحديث 9628.

4) في المصدر: (أبا عبد اللّه عليه السّلام).

5) الخصال: 1/ 290 الحديث 51، وسائل الشيعة: 9/ 494 الحديث 12566.

يعرف الحرام بعينه فيجتنبه، فيخرج منه الخمس» (1)انتهى.

مع أنّ الذي ذكره المصنّف لم يفت به أحد من الفقهاء بعنوان خصوص الخمس، مع أنّ الخمس لا دخل له فيه، مع أنّهم عليهم السّلام كيف كانوا يأمرون بالخمس، و ما كانوا يعيّنون المصرف، مع أنّ كثيرا ممّا يجب فيه الخمس المعهود لم يرو فيه أزيد من أنّه يجب فيه الخمس، من دون إشارة إلى المصرف أصلا، و ليس إلّا من جهة معروفيّة مصرف الخمس عند الشيعة، كما لا يخفى على الماهر الملاحظ في الأخبار، فلاحظ و تأمّل!

مع أنّ فهم المعظم من الفقهاء يكفي، كما هو الحال في غير المقام، و اللّه يعلم.

و يؤيّده قوله عليه السّلام: «إنّ اللّه رضي [من الأشياء] بالخمس» (2)إذ التصدّق لا يكون إلّا بالكلّ، أو الاحتياط، أو القدر اليقيني، كما لا يخفى.

قوله: و ظاهر أنّ التصدّق لا يحلّ لبني هاشم (3).

يظهر من كثير من الأخبار (4)دخول الخمس في قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (5)فلاحظ! مع أنّ لفظ التصدّق هنا مقرون بلفظ الخمس.

قوله: محمّد بن الحسين، و عليّ بن محمّد (6).. إلى آخره.


1) الخصال: 1/ 291 الحديث 53، وسائل الشيعة: 9/ 494 الحديث 12567 مع اختلاف يسير.

2) الكافي: 5/ 125 الحديث 5، وسائل الشيعة: 9/ 506 الحديث 12594.

3) الوافي: 10/ 316 ذيل الحديث 9628.

4) الكافي: 1/ 537 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 4/ 141 الحديث 398، وسائل الشيعة:9/ 483 الحديث 12542، 501 الحديث 12583.

5) التوبة (9): 103.

6) الوافي: 10/ 317 الحديث 9631، لاحظ! الكافي: 1/ 547 الحديث 22، وسائل الشيعة:9/ 507 الحديث 12595.

ربّما يظهر من هذه الرواية وجوب الخمس في الهبة، لكن الدلالة ضعيفة، مع معارضتها لظاهر الأخبار الواردة في الهبة، و كذا طريقة الشيعة في الأعصار، و سيجي‌ء في رواية عليّ بن مهزيار (1)أنّ الخمس في الجائزة العظيمة.

و نظير الكلام في الهبة الكلام في الميراث، و قال أبو الصلاح بالوجوب (2)، و لعلّ الأظهر عدم الوجوب.

قوله: عليّ بن مهزيار، قال: كتبت إليه (3).. إلى آخره.

هذا الاحتمال فاسد؛ لأنّه لم يفت به أحد من المتقدّمين و المتأخّرين، مع أنّه كيف يقول: «عليه الخمس» من دون إشارة أصلا إلى مصرفه، و إلى كونه العشرين؟ مع أنّ لفظ الخمس ينصرف عند الشيعة إلى المعهود المذكور في قوله تعالى: أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ (4)إلى اخر الآية، و لذا لم يذكر في كثير من موارد الخمس المعلوم أزيد من أنّه فيه الخمس، فلاحظ!

مع أنّ فهم الفقهاء في أمثال المقام معتبر بلا شبهة، و الشاهد يرى ما لا يراه الغائب، و لا ينبئك مثل خبير، و اللّه يعلم.

[باب نصاب الخمس، و أنّه بعد المئونة]

قوله: عن محمّد بن عليّ، عن أبي الحسن عليه السّلام، قال: سألته عمّا يخرج من البحر


1) الوافي: 10/ 341 الحديث 9674، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 141 الحديث 398، وسائل الشيعة: 9/ 501 الحديث 12583.

2) الكافي في الفقه: 170.

3) الوافي: 10/ 317 الحديث 9631، لاحظ! الكافي: 1/ 547 الحديث 22، وسائل الشيعة:9/ 507 الحديث 12595.

4) الأنفال (8): 41.

من اللؤلؤ (1).. إلى آخره.

أخبار هذا الباب كلّها تدلّ على وجوب إعطاء الخمس و عدم السقوط عند الشيعة، كما هو ظاهر بعض الأخبار.

قوله: قال في «التهذيب»: ليس بين الخبرين تضادّ؛ لأنّ الثاني تناول حكم المعادن (2).. إلى آخره.

يحتمل سقوط كلمة «عشرين» في المتن، بل يكون الروايتان واحدة، تتفاوت بتفاوت النقل بالمعنى، فتأمّل!

قوله: ما الذي يجب لك من ذلك (3).. إلى آخره.

مقتضى الأخبار المذكورة أنّ الخمس بعد المئونة التي تصرف، و أنّ المئونة تخرج من هذا المال، و إن كان للمالك مال اخر.

[باب مصرف الخمس]

قوله: و لا تحلّ لنا (4).. إلى آخره.

هذه أيضا ظاهرة في اختصاص الخمس بمن حرم عليه الصدقة.

قوله: [عن أحدهما عليهما السّلام] في قول اللّه عزّ و جلّ (5).. إلى آخره.


1) الوافي: 10/ 319 الحديث 9632، لاحظ! الكافي: 1/ 547 الحديث 21، وسائل الشيعة: 9/ 499 الحديث 12577.

2) الوافي: 10/ 320 ذيل الحديث 9633.

3) الوافي: 10/ 322 الحديث 9641، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 16 الحديث 39، وسائل الشيعة: 9/ 500 الحديث 12580.

4) الوافي: 10/ 324 الحديث 9644، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 125 الحديث 360، وسائل الشيعة: 9/ 509 الحديث 12600.

5) الوافي: 10/ 324 الحديث 9645، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 125 الحديث 361، وسائل الشيعة: 9/ 510 الحديث 12601.

هذه صريحة في اختصاص الخمس بآل الرسول عليهم السّلام، لا يتعدّى إلى غيرهم.

قوله: «و لذي القربى، و اليتامى، و المساكين، و ابن السبيل» (1).. إلى آخره.

هذا، و نحوه ظاهر في عدم كون المنسوب من طرف الامّ خاصّة مصرف الخمس، و صريح في كون الخمس حقّ بني هاشم و آل الرسول عليهم السّلام عوض الزكاة التي حرّمت عليهم.

قوله: فإن فضل منهم شي‌ء [فهو له] (2).. إلى آخره.

هذا أيضا ظاهره كون المنسوب من الامّ خاصّة لا دخل له في استحقاق الخمس، و أنّ الخمس مختصّ بآل محمّد عليهم السّلام عوض الزكاة.

[باب تحليلهم عليهم السّلام الخمس لشيعتهم و تشديدهم الأمر فيه]

قوله: التيملي، عن ابن بقاح (3).. إلى آخره.

فيه شهادة واضحة على أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام و فاطمة عليها السّلام لم يجعلا جميع الشيعة في حلّ، و كذا الباقر عليه السّلام.

قوله: «و لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئا» (4).. إلى آخره.


1) الوافي: 10/ 324 الحديث 9646، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 126 الحديث 362، وسائل الشيعة: 9/ 511 الحديث 12603.

2) الوافي: 10/ 325 الحديث 9647، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 126 الحديث 364، وسائل الشيعة: 9/ 521 الحديث 12624.

3) الوافي: 10/ 329 الحديث 9650، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 121 الحديث 344، وسائل الشيعة: 9/ 546 الحديث 12682.

4) الوافي: 10/ 330 الحديث 9652، لاحظ! الكافي: 1/ 545 الحديث 14، وسائل الشيعة: 9/ 487 الحديث 12550.

هذا نصّ في عدم تحليل الشيعة من كلّ الخمس، بل عمّا حلّلوا عليهم السّلام عليهم من الخمس، و أنّ المنسوب من طرف الامّ خاصّة إلى هاشم لا يستحقّ الخمس.

قوله: عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: قلت له: إنّ بعض أصحابنا يفترون و يقذفون (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ الظاهر من هذا الخبر و أمثاله أنّ الذي أباحوا للشيعة هو ما احتاجوا إليه و ما صرفوه في بطونهم و فروجهم؛ لتطيب ولادتهم، و معلوم بالبديهة أنّ الخمس بعد المئونة، و أنّ ما يحتاج إليه إنّما هو من المئونة، و ما زاد عن مئونة المناكح و المآكل و نحوهما يكون فيه الخمس خاصّة، لا في المئونة.

و القول بأنّ هلاكهم و صيرورتهم أولاد زنا من جهة تصرّفهم في المال المشترك بينهم و بين غيرهم بأن كان للغير الخمس و الباقي لهم، خلاف مقتضى الأخبار؛ لأنّ كلّ الناس ليس لهم ما يزيد عن مئونة المناكح و غيرها ممّا يحتاجون البتّة إليه، بل بديهي أنّه ليس كذلك، سيّما و ألا يكون الزائد منشأ لكونهم ولد الزنا، بل خمس ذلك الزائد صار منشأ، فتأمّل!

قوله: [عن عبد العزيز بن نافع قال: طلبنا الإذن على أبي عبد اللّه عليه السّلام] (2)..

إلى آخره.

هذا ينادي بأعلى صوته بأنّهم عليهم السّلام ما أحلّوا الشيعة من الخمس كلّهم، و أنّه لا يمكن ذلك، و لا معنى له، و هو الموافق لما عليه المعظم من الشيعة و جلّهم، و لو لم نقل هو إجماعي؛ لعدم ضرر خروج معلوم النسب.


1) الوافي: 10/ 331 الحديث 9654، لاحظ! الكافي: 8/ 285 الحديث 431، وسائل الشيعة: 16/ 37 الحديث 20910.

2) الوافي: 10/ 333 الحديث 9655، لاحظ! الكافي: 1/ 545 الحديث 15، وسائل الشيعة: 9/ 551 الحديث 12692.

و أيضا هو الموافق لما ذكرنا من أنّ [ه] حقّ جعله اللّه لآل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم المحتاجين عوض الزكاة، دفعا لحاجتهم و ضرورتهم، و ورد منهم عليهم السّلام: «عليكم بالدرايات دون الروايات» (1)، و ورد منهم عليهم السّلام: «و لكلّ حقّ حقيقة، و لكلّ صواب نورا» (2).

و هو الموافق لظاهر القرآن، و ورد: «أنّ ما وافق القرآن من الروايات هو الحقّ (3).

و أيضا هو الموافق لسائر أحكامهم، و ورد: «أنّ ما وافق سائر أحكامهم من الروايات هو الحقّ» (4)إلى غير ذلك.

و السند منجبر بالشهرة، و غيرها ممّا ذكر، و أنّ الكليني نقله في «الكافي» (5)مع أنّه ذكر في أوّله ما ذكر (6)، و الشيخ مفت به (7).

و من الجوابر، الأخبار المتواترة على وجوب إعطاء الخمس، كما أشرنا سابقا، و ستعرف أيضا.

قوله: «و لا تزووه عنّا، و لا تحرّموا أنفسكم [دعاءنا ما قدرتم عليه] (8)..

إلى آخره.


1) مستطرفات السرائر: 150 الحديث 5، بحار الأنوار: 2/ 160 الحديث 12.

2) الكافي: 1/ 69 الحديث 1، وسائل الشيعة: 27/ 110 الحديث 33343.

3) وسائل الشيعة: 27/ 110 الحديث 33343 و 33345، 111 الحديث 33347 و 33348.

4) تفسير العيّاشي: 1/ 20 الحديث 7، وسائل الشيعة: 27/ 123 الحديث 33381.

5) الكافي: 1/ 545 الحديث 15.

6) الكافي: 1/ 8.

7) النهاية للشيخ الطوسي: 197.

8) الوافي: 10/ 334 الحديث 9656، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 139 الحديث 395، وسائل الشيعة: 9/ 538 الحديث 12665.

ظاهر العبارات المذكورة الأئمّة عليهم السّلام و من انتسب إليهم من طرف الأب، لا الامّ فقط.

قوله: «لا نجعل لأحد منكم في حلّ» (1).

هذا مثل الحديث السابق في النداء بأعلى صوته في عدم التحليل، و الموافقة لعمومات الكتاب و الشهرة بين الأصحاب و غيرها، ممّا ذكر، بل أوكد دلالة.

قوله: [اجعلني من عشرة آلاف درهم] في حلّ، فإنّي أنفقتها (2).. إلى آخره.

هذا مثل الخبرين السابقين في الدلالة على عدم التحليل، و الاعتضاد بامور كثيرة، منها: الأخبار المتواترة مع صحّة السند؛ إذ إبراهيم بن هاشم كالصحيح، مع غاية علوّ السند.

قوله: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: سمعته يقول: «من اشترى شيئا من الخمس» (3).. إلى آخره.

هذا أيضا مثل الأخبار السابقة في الدلالة على عدم التحليل (4)، و الاعتضاد بالأخبار المتواترة، و غيرها.

قوله: يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام، فدخل عليه [رجل] من القمّاطين (5).. إلى آخره.


1) الوافي: 10/ 335 الحديث 9657، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 140 الحديث 396، وسائل الشيعة: 9/ 539 الحديث 12666.

2) الوافي: 10/ 336 الحديث 9658، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 140 الحديث 397، وسائل الشيعة: 9/ 537 الحديث 12664.

3) الوافي: 10/ 337 الحديث 9661، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 136 الحديث 381، وسائل الشيعة: 9/ 540 الحديث 12669.

4) راجع! الصفحة: 461- 463 من هذا الكتاب.

5) الوافي: 10/ 338 الحديث 9664، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 138 الحديث 389، وسائل الشيعة: 9/ 545 الحديث 12680.

هذا أيضا مثل الأخبار السابقة يدلّ على عدم تحليل كلّ الشيعة في الخمس، بل بعض منهم بحسب المصلحة، و هي عدم تمكّنهم من الخمس لزيادة الظلم، و عدم وفاء أموالهم، و لا شكّ في سقوط الخمس حينئذ.

قوله: و اشتريت رقيقا (1).. إلى آخره.

هذا أيضا ظاهر في عدم تحليلهم عليهم السّلام كلّ الشيعة من الخمس.

قوله: علي بن مهزيار، قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السّلام من رجل يسأله (2).. إلى آخره.

هذا أيضا صريح في عدم تحليلهم عليهم السّلام كلّ الشيعة من الخمس، بل من أعوزه حقّهم، و لا تأمّل في السقوط حينئذ، لأنّ الخمس بعد المئونة و رفع الحاجة.

قوله: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام لفاطمة عليها السّلام: أحلّي نصيبك» (3).. إلى آخره.

في هذا شهادة على أنّ ما أحلّوا إنّما هو المناكح خاصّة، كما قال به الشيخان (4)و باقي الفقهاء، و أمّا غيرها، فإنّما التحليل بالنسبة إلى من احتاج إلى الخمس، كما عرفت، سوى الأرضين؛ فإنّها أيضا مثل المناكح، كما مرّ في باب أنّ الأرض


1) الوافي: 10/ 339 الحديث 9666، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 137 الحديث 385، وسائل الشيعة: 9/ 528 الحديث 12637.

2) الوافي: 10/ 339 الحديث 9668، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 143 الحديث 400، وسائل الشيعة: 9/ 543 الحديث 12676.

3) الوافي: 10/ 340 الحديث 9671، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 143 الحديث 401، وسائل الشيعة: 9/ 547 الحديث 12684.

4) المقنعة: 285، الاستبصار: 2/ 60 ذيل الحديث 197، منتهى المطلب: 1/ 555 (ط، ق)، الدروس الشرعيّة: 1/ 263.

كلّها للإمام عليه السّلام (1).

قوله: عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «موسّع على شيعتنا» (2).. إلى آخره.

هذا أيضا يدلّ على عدم [التوسعة] في غير ما انفقوا بالمعروف، و قد عرفت أنّ الخمس بعد رفع الحاجة.

قوله: عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبو جعفر عليه السّلام، و قرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة (3).. إلى آخره.

في هذا أيضا دلالة واضحة في عدم تحليل الشيعة كلّ الخمس، بل و لا كلّ الشيعة، بل بعضهم حلّل عليه بعض الخمس، و الدلالة على وجوب إعطاء الخمس فيه مؤكّدة، متكرّرة، متكثّرة.

قوله: [و الذي] يظهر لي من مجموع الأخبار الواردة في ذلك أنّ تحليلهم عليهم السّلام يعمّ المناكح، و غيرها من الأموال، إلّا أنّه مختصّ بحصّتهم عليهم السّلام، أعني السهام الثلاثة، كما مرّ في حديث أبي حمزة (4).. إلى آخره.

لم نجد ما ذكره من الدلالة من رواية أبي حمزة عند التأمّل، و قد علمت أنّ الأخبار متواترة في وجوب إعطاء الخمس، و عدم جواز المنع، بل الأخبار الدالّة على [ال] عدم و تشديدهم عليهم السّلام في المطالبة، و تصريحهم بعدم التحليل أصلا أو في الجملة كاد أن تبلغ التواتر كما عرفت، مع وضوح سند بعضها و سلامته، و موافقتها


1) لاحظ! الوافي: 10/ 285.

2) الوافي: 10/ 341 الحديث 9672، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 143 الحديث 402، وسائل الشيعة: 9/ 547 الحديث 12685.

3) الوافي: 10/ 341 الحديث 9674، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 141 الحديث 398، وسائل الشيعة: 9/ 501 الحديث 12583.

4) الوافي: 10/ 344 ذيل الحديث 9675.

للقرآن و الأخبار المتواترة و الشهرة بين الأصحاب، لو لم نقل إجماعهم و الموافقة لمؤيّدات اخر أشرنا.

بل ظهر من كثير منها أنّ تحليلهم عليهم السّلام إنّما هو بالنسبة إلى من لا يمكنه إعطاء الخمس أو يحتاج إلى الخمس من جهة اشتداد الزمان أو الظلم عليه [و] ممّا ورد من بعض المطلقات لعلّه محمول على ذلك، أو على خصوص المناكح و المساكن، كما ذكره الشيخ و الفقهاء (1).

و امّا تحليلهم عليهم السّلام كلّ الشيعة الخمس مطلقا فهو فاسد قطعا؛ لاتّفاق الكلّ على أنّه ليس كذلك، و إن قال شاذّ بالعفو في خصوص أرباح التجارات (2)و المؤلّف بأنّه في خصوص حصّتهم عليهم السّلام (3).

و قد عرفت أنّ الأخبار الدالّة مطلقة من دون تخصيص بالأرباح أو حصّتهم عليهم السّلام، فحمل [ها] على ذلك فيه ما فيه؛ لأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام و فاطمة عليها السّلام حلّلا، و بعدهما باقي الأئمّة عليهم السّلام أمروا بالخمس، و تشدّدوا و أكّدوا، و صرّحوا بعدم التحليل، و بالغوا كما عرفت و إن كان صدر من بعضهم- مع ذلك- ما هو ظاهر في التحليل، و مخالفة ذلك لما صدر منهم عليهم السّلام بعنوان التواتر من الأمر بالخمس و التشديد و التأكيد و المبالغة و التوبيخ و التقريع تنادي بأنّ الأمر ليس على ما ظهر منه، بل على ما ذكرناه من أنّه مخصوص ببعض الشيعة في بعض الأزمان على ما يظهر من كثير من الأخبار (4)، أو أنّه مخصوص بخصوص المناكح كما يؤمي إليه


1) لاحظ! النهاية للشيخ الطوسي: 200، السرائر: 1/ 498، شرائع الإسلام: 1/ 184، تذكرة الفقهاء: 5/ 443.

2) لاحظ! البيان: 348.

3) مرّ آنفا.

4) وسائل الشيعة: 9/ 528 الحديث 12637، 551 الحديث 12692.

حكاية طيب الولادة (1)، أو المساكن و الأرضين أيضا، كما يظهر من غير واحد من الأخبار (2).

و بالجملة؛ ظهر من الآية و الأخبار المتواترة- حتّى الأخبار الدالّة على التحليل- و من إجماع الشيعة، بل ضروري مذهبهم وجوب الخمس، و حرمة الزكاة على من هو مستحقّه، و كونه عوض الصدقات لهم، [ف] كيف يجوز رفع اليد عن الوجوب الذي ثبوته يقيني بل ضروري بمجرّد ظواهر بعض الأخبار التي يعارضها أخبار اخر في غاية الكثرة بل متواترة، كما عرفت في الأبواب السابقة المتأيّدة بالقرآن و غيره ممّا ذكرنا، [مضافا] إلى ما عرفت من أنّ ظواهرها مخالف لإجماع جميع الفقهاء، حتّى المؤلّف.

مع أنّه ورد منهم عليهم السّلام في أخبار كثيرة معمول بها عند الأصحاب أنّه لا يجوز نقض اليقين بالشكّ، بل عدم جواز نقض اليقين إلّا بيقين مثله (3)، و قد عرفت أنّ قبل تحليلهم كان واجبا بالضرورة من المذهب و الأخبار المتواترة، و غيرهما، لكن ينقض ذلك اليقين بعض ظواهر الأخبار، مع ما عرفت من المعارضات له و الاختلالات فيه، تأمّل جدّا.

و يؤيّد ما ذكرنا آية قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ (4)و الأخبار المتضمّنة لهذا المعنى (5)، و الأخبار الآتية في باب فضل صلة الإمام


1) وسائل الشيعة: 9/ 544 الحديث 12677، 545 الحديث 12679، 547 الحديث 12683.

2) وسائل الشيعة: 9/ 548 و 549 الحديث 12686 و 12687، مستدرك الوسائل: 7/ 303 الحديث 8272.

3) وسائل الشيعة: 1/ 245 و 246 الحديث 631 و 636.

4) الشورى (42): 23.

5) لاحظ! البرهان في تفسير القرآن: 4/ 121- 126، نور الثقلين: 4/ 570- 577.

و الذريّة المطهّرة (1)، و الحكايتان المشهورتان اللتان نقلهما العلّامة (2)، و غير ذلك.

و من ذلك ما ورد من التهديدات في عدم رفع حاجة المحتاجين و ترك إعانة المؤمنين (3)، منها ما مرّ في كتاب المعاشرات، و فقهاؤنا مع غاية مبالغتهم و تأكّدهم في أصحاب الخمس و تشديدهم في التهديد في تركه نرى آل الرسول عليهم السّلام و ذريّة البتول عليها السّلام في غاية الفقر و الحاجة، فكيف إذا سمع الناس عدم وجوب الخمس؟!

فلا شكّ في أنّه بعد سماعهم يصير أشرف الخلق هالكين أو سائلين بالكفّ، متكدين لا يرحمهم أحد؛ لأنّهم سمعوا أنّ الصدقة عليهم حرام، هل هذا حرمة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الأئمّة عليهم السّلام [و] أجر الرسالة و الإمامة؟!

و ممّا يؤيّد أيضا أنّ اللّه تعالى منع عن جمع المال في قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مٰالًا وَ عَدَّدَهُ (4)و غيره من الآيات، و كذلك الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الأئمّة عليهم السّلام في الأخبار المتواترة (5).

و معلوم أنّ الخمس ليس على جميع مال شخص، بل على ما فضل من


1) لاحظ! الوافي: 10/ 361- 365 الباب 42 من أبواب الخمس و سائر ما يصرف إلى الإمام عليه السّلام.

2) الظاهر مراده رحمه اللّه حكاية عبد اللّه بن مبارك الذي يحجّ سنة و يغز و سنة، و داوم على ذلك خمسين سنة، فخرج في سنة للحجّ و أخذ خمس مائة دينار ليشتري جمالا للحجّ، فرأى امرأة علويّة على بعض المزابل تنتف ريش بطّة ميّتة و أعطى الدنانير لها و لم يحجّ، فرأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في النوم فقال له: يا عبد اللّه لا تعجب، فإنّك أغثت ملهوفة من ولدي فسألت اللّه أن يخلق ملكا على صورتك يحجّ عنك كلّ عام إلى يوم القيامة، فإن شئت أن تحجّ و إن شئت ألا تحجّ.و حكاية علويّة التي خرجت مع بناتها إلى سمرقند، و قال لها شيخ البلد: اقيمي عندي البيّنة أنّك علويّة، فآواها ضامن البلد المجوسي فأسلم هو و أهل بيته ببركتهنّ، (كشف اليقين: 485- 489).

3) وسائل الشيعة: 16/ 336- 374 الباب 18- 29 من أبواب فعل المعروف.

4) الهمزة (104): 1 و 2.

5) بحار الأنوار: 70/ 135- 145.

مأكولاتهم و ملبوساتهم و جميع مؤنهم.

و معلوم أنّ جميع ما فضل عن المؤن ليس حقّ السادة، بل أربعة أخماس ما فضل مال صاحبه، و خمس ما فضل كأنّ سبحانه جعله حقّ الهاشمي عوض ما حرم عليه من الصدقة عند ما صار محتاجا.

فكيف يأخذ الإمام عليه السّلام هذا الحق [الذي] كان له عوض الصدقة في رفع حاجته و مسكنته، و يعطيه الغني و يزيده على أربعة أخماسه فيصير التمام له، و يجمع مال الذي منع عنه و يكثر الأحمال و الأثقال، و يزيد حساب يوم القيامة و السؤال أمام اللّه سبحانه؟ [و] كيف يقطعه عنه بعد ما حرم عليه الصدقة، و يدعه في شدّة الجهد و الهلكة و السؤال و التكدية؟! مع أنّهم عليهم السّلام أشرف الخلق، و بالغ في تعظيمهم و تكريمهم، و سائر الناس يعيشون بحرمتهم، و مع ذلك يأخذ منهم و يعطيهم الغنيّ ليجمع المال، و يزيد توغّله فيه، و حرصه عليه [و] طغيانه، على ما يظهر من النصوص و الآثار (1)و الاعتبار!

و هذا لا يشبه فعاله تعالى، و فعالهم عليهم السّلام، و ورد منهم عليهم السّلام أنّه «إذا ورد إليكم حديث فاعرضوه على سائر أحكامنا، فإن وجدتموه يشبهها فخذوا به، و إلّا فاتركوا العمل به» (2)، و ورد: «عليكم بالدرايات دون الروايات» (3)، و أنّ العقل يجب اتّباعه (4)، فتأمّل جدّا!

و الصدوق في أماليه عدّ وجوب الخمس من دين الإماميّة الذي يجب الإقرار


1) لاحظ! العلق (96): 6، بحار الأنوار: 70/ 135 الباب 123.

2) وسائل الشيعة: 27/ 121 الحديث 33373 مع اختلاف يسير.

3) مستطرفات السرائر: 150 الحديث 5، بحار الأنوار: 2/ 160 الحديث 12 مع اختلاف يسير.

4) بحار الأنوار: 1/ 105 و 106 الباب 3.

به (1)، من دون إشارة إلى تحليل منهم عليهم السّلام، و كذلك حال سائر الأعاظم؛ ادّعوا الإجماع على وجوب الأداء، و زيّفوا قول الشاذّ القائل بالعفو في خصوص أرباح التجارات بكونه مخالفا لإجماع القدماء، منهم: العلّامة (2)، و الشهيد في «البيان» نسب إلى الشاذّ الذي هو ابن الجنيد أنّه قال: الأحوط إخراج هذا الخمس أيضا و إعطاؤه مستحقّه (3).

لا يقال: لعلّ خمس غير أرباح التجارات يكفيهم.

لأنّا نقول: إنّه ليس كذلك، كما هو المشاهد، مع أنك عرفت أنّ ما دلّ على التحليل مطلق من غير إشارة فيه إلى القيد؛ فإن بني على أنّ القيد يظهر من الدليل من الخارج نقول: هذا ينفعنا؛ لما عرفت من الدليل على عدم سقوط غير المساكن و المناكح.

و إن بني على الإطلاق و عدم القيد، ففيه- مضافا إلى ما عرفت- أنّه مخالف للقرآن، و ورد في الأخبار المتواترة: «أنّ ما خالف القرآن زخرف» (4)، «و اضربوه على الحائط» (5)، و «دعوه» (6).. إلى غير ذلك، مضافا إلى الاعتبار، و حكم العقل.

و مع ذلك مخالف لما اشتهر بين الأصحاب [أو] الإجماع، و ورد الأمر بتركه و الأخذ بما اشتهر بينهم (7)، بل مخالف لضروري الدين، أو إجماع المسلمين، كما لا


1) أمالي الصدوق: 516.

2) لاحظ! مختلف الشيعة: 3/ 313- 315.

3) البيان: 348.

4) وسائل الشيعة: 27/ 110 و 111 الحديث 33345 و 33347.

5) التبيان في تفسير القرآن: 1/ 5.

6) وسائل الشيعة: 27/ 109 الحديث 33343.

7) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

يخفى على المطّلع.

و مع ذلك مخالف للأخبار المتواترة غاية التواتر، و منها ما دلّ على وجوب الخمس في الغنيمة، و المعادن، و نحوهما ممّا فيه الخمس.

[أبواب سائر أصناف الإنفاق و المعروف و حقوقهما]

[باب القرض]

قوله: حمى الزكاة، أي حرما مانعا من منعها (1).. إلى آخره.

الظاهر أنّ المراد من القرض [أنّه] مانع من وجوب الزكاة، و مع ذلك فيه أجر عظيم، بل أجره ضعف أجر الزكاة، كما عرفت، و لذا حثّوا عليه و رغّبوا إليه، كما هو ظاهر هذه الأخبار.

و الحاصل؛ أنّ القرض جامع لخير الدنيا و الآخرة، أمّا الدنيا فلأنّه حمى الزكاة؛ لأنّ الزكاة لا تجب إلّا على المال الذي ملكه مالكه حول الحول مع تمكّنه من التصرّف حلول الحول، فإذا كان المالك أخرجه من ملكه لم يجب عليه فيه زكاة أصلا، و الغالب في القرض هو الدراهم و الدنانير، مع [أنّ] سائر أجناس الزكاة أيضا كذلك؛ إذ حكم الأنعام حكم النقدين فيما ذكر.

و أمّا الغلّات، فلا شي‌ء فيها [من] هذه الحمائيّة غالبا و عادة فتأمّل، و لعلّه واقعا أيضا، فتأمّل!

و أمّا الآخرة فظاهر، و يؤيّد ما ذكرنا الرواية الآتية (2).


1) الوافي: 10/ 467 ذيل الحديث 9904.

2) الوافي: 10/ 467 الحديث 9905، لاحظ! الكافي: 3/ 558 الحديث 3، وسائل الشيعة: 9/ 301 الحديث 12069.

[باب أحكام الصدقات]

قوله: «قال: لا يرجع في الصدقة إذا ابتغى بها وجه اللّه عزّ و جلّ» (1).

هذا الحديث و أمثاله يدلّ على أنّ كون الشي‌ء في يد الولي يكفي لتحقّق القبض المعتبر شرعا من الصغير، و إن لم ينو الولي كون هذا القبض عن الصغير، و لا يتوقّف أيضا على مضيّ زمان أصلا.

قوله: [اريد بالجواز الوقوع و الاستقرار و] كذا كلّ ما يأتي في هذا الباب (2).. إلى آخره.

يمكن أن يقال: إنّ مجرّد الجعل أعمّ من الهبة و الوقف، فلا يظهر معارضة و لا ضرورة إلى حمل، فتأمّل!

قوله: موسى بن بكر، عن الحكم قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ والدي تصدّق عليّ بدار، ثمّ بدا له أن يرجع فيها، و إنّ قضاتنا يقضون لي بها، فقال:

«نعم ما قضت به قضاتكم، و لبئس ما صنع والدك؛ إنّما الصدقة للّه عزّ و جلّ» (3)..

إلى آخره.

يحتمل أن يكون رجوع الوالد قبل إقباض الدار للولد، فحينئذ لا إشكال، كما ترى، و اللّه يعلم.

فإن قلت: ترك الاستفصال يفيد العموم.


1) الوافي: 10/ 516 الحديث 10012، لاحظ! تهذيب الأحكام: 9/ 135 الحديث 569، وسائل الشيعة: 19/ 180 الحديث 24396.

2) الوافي: 10/ 517 ذيل الحديث 10013.

3) الوافي: 10/ 518 الحديث 10018، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 4/ 183 الحديث 641، وسائل الشيعة: 19/ 204 الحديث 24429.

قلت: فحينئذ يخصّص بغيره، كما [هو] الحال في أمثاله، و اللّه يعلم.

هذه الرواية- مع ضعف سندها- غير واضحة الدلالة أيضا، فلا تفي لثبوت حكم مخالف للقواعد الثابتة المقرّرة، بل اليقينيّة؛ إذ لا ندري أنّ المراد من التصدّق ما ذا؟ و أنّه الهبة المستجمعة لجميع شرائط الصحّة و اللزوم، أو الوقف المستجمع لها؟

مع أنّ الوارد في صحيحة عليّ بن يقطين مثل هذا بتفاوت، و مع ذلك لمّا سئل [و] اخبر بأنّه بيّنه لهم أ له أن يدخل معهم غيرهم؟ قال: «ليس له ذلك» (1)..

إلى آخره.

فلعلّ المراد من الإبانة هو التعيين و مثله ممّا هو شرط في تحقّق القبض، الذي هو شرط في الصحّة، أو المراد به هو القبض بقصد كونه من جانبهم؛ فإنّ المشاع قبضه بحسب الظاهر قبض واحد، ما لم يبن و يعيّن فيه، فيمكن حمل ما دلّ على عدم اشتراط نيّة القبض نيابة، أو مضي زمان، على ما هو معيّن، فتأمّل!

و بالجملة؛ لعلّ المراد من الصدقة، التي لم يتحقّق فيها الإبانة، التي هي شرط في الصحّة أو اللزوم- كما يظهر من الصحيحة- و يكون المراد من الإبانة ما هي شرط فيها أو فيه، و ان لم يدر على التعيين ما هي؟ فتأمّل!

قوله: عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إذا [ت] صدّق الرجل بصدقة، قبضها صاحبها أ و لم يقبضها، علمت أ و لم تعلم، فهي جائزة» (2).

المراد من هذا الحديث الردّ على العامّة الذين يقولون بعدم جواز التصدّق ما


1) تهذيب الأحكام: 9/ 137 الحديث 575، وسائل الشيعة: 19/ 183 الحديث 24400.

2) الوافي: 10/ 519 الحديث 10021، لاحظ! تهذيب الأحكام: 9/ 156 الحديث 639، وسائل الشيعة: 19/ 232 الحديث 24482.

لم يقبض، و ما لم يميّز و لم يشخّص و لم يعيّن (1)، مع أنّ الجواز معناه عدم المنع في الإباحة لا الصحّة و ترتّب الأثر.

فلا يظهر من هذين الخبرين ما يخالف الأخبار الدالّة على أن القبض شرط الصحّة (2)، سيّما مع عدم ثبوت اتّحاد الصدقة و الهبة أو اتّحاد حكمهما، بل الظاهر عدم الاتّحاد في المقامين.

قوله: إنّما يحلّ له إذا لم يجعله للّه، و به يحصل التوافق [بين هذه الأخبار بحمل المطلق على المقيّد] (3).. إلى آخره.

لا يخفى أنّه- مع مخالفته للأخبار (4)و الإجماع- ليس فيها سوى لفظ «لا ينبغي» (5)الظاهر في الكراهة؛ لأنّ الحرام لا يعبّر بما لا يدلّ على المنع و العقاب.

قوله: يعني أرادوا الفتوى بالمنع [من ذلك] (6).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ جمعا من العامّة قالوا بعدم جواز الهبة قبل القبض، و قبل القسمة (7)، يعنون أنّ الشي‌ء ما [لم] يقسّم و ما لم يقبض لا يجوز أن يوهب، و هذه الأخبار كلّها ظاهرة في أنّ المراد هو الردّ عليهم.

و أمّا ذيل الرواية (8)- على تقدير أن يكون داخلا فيها، و تتمّة لها- أنّ المانعين من العامّة إنّما منعوا الهبة و النحلة، لا الصدقة أيضا، فأخطئوا حيث أمروا


1) المغني لابن قدامة: 5/ 379 و 380.

2) وسائل الشيعة: 19/ 178 الباب 4 من كتاب الوقوف و الصدقات.

3) الوافي: 10/ 522 ذيل الحديث 10032.

4) لاحظ! وسائل الشيعة: 19/ 207 الباب 12 من كتاب الوقوف و الصدقات.

5) تهذيب الأحكام: 9/ 151 الحديث 616، وسائل الشيعة: 19/ 208 الحديث 24440.

6) الوافي: 10/ 525 ذيل الحديث 10038.

7) المغني لابن قدامة: 5/ 380 و 383.

8) تهذيب الأحكام: 9/ 135 الحديث 571، وسائل الشيعة: 19/ 195 الحديث 24418.

ذلك في الصدقة أيضا زعما منهم أنّه لا تفاوت، أو أنّها أيضا نحلة، و ليس مراده عليه السّلام أنّ حكمهم في النحلة صحيح، كما يصرّح في الأخبار بالجواز فيها أيضا (1)، بل المراد أنّ هذه الإرادة محض خطأ منهم؛ حيث أرادوا النحل، فأجروا في الصدقة و إن كان نفس حكمهم حكما بغير ما أنزل اللّه و افتراء على اللّه و هذا غير الخطأ؛ فإنّه أرادوا من واجباته شيئ [ا] اخر، فتأمّل!

[باب الهبة و النحلة]

قوله: عن صفوان، قال: سألت الرضا عليه السّلام عن رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده، فذكر له الرجل المال الذي له عليه، فقال له: ليس عليك شي‌ء في الدنيا و الآخرة، يطيب ذلك له و قد كان وهبه لولد له؟ قال: «نعم، يكون وهبه له ثمّ نزعه فجعله لهذا» (2).

استدلّ بعض المتأخّرين بهذا الخبر على جواز هبة ما في الذمّة و صحّتها (3)، و فيه نظر ظاهر؛ لأنّ هبة الأب للولد الصغير جائزة لا رجوع فيها، و الحمل على الكبير- مع أنّه تقييد بغير دليل، و هو خلاف الأصل و الظاهر- ظاهر في عدم تحقّق القبض، فلا تكون صحيحة على الأظهر، أو لازمة على قول.

و على التقديرين لا دلالة فيه على صحّه هذه الهبة؛ لأنّ الأب رجع عنه، و رجوعه كان صحيحا، فظهر أنّها كانت صحيحة على الرأي الأظهر.

و أمّا على الرأي الآخر، [ف] لا يظهر أنّ صحّة الرجوع من جهة عدم اللزوم


1) وسائل الشيعة: 19/ 231 الباب 3 من كتاب الهبات.

2) الوافي: 10/ 533 الحديث 10060، لاحظ! تهذيب الأحكام: 9/ 157 الحديث 649، وسائل الشيعة: 19/ 230 الحديث 24478.

3) الحدائق الناضرة: 22/ 306.

بأنّه إن وقع القبض ما كان يقدر على الرجوع على أنّه لم يقل بأنّه شرط اللزوم، بمعنى أنّه لو لم يتحقّق القبض أصلا يكون العقد صحيحا و يترتّب عليه الأثر الشرعي، بل القائل باللزوم يصرّح بأنّ القبض لو لم يقع لم يترتّب عليه أثر أصلا، و يدّعي الإجماع على ذلك (1)، بل يقول بأنّ العقد يثمر ثمرا متزلزلا، لا موقوفا على تحقّق القبض، فإن تحقّق القبض يتحقّق الثمر و يستقرّ و يرفع التزلزل، و يتحقّق اللزوم بهذا المعنى، أي الاستقرار و رفع التزلزل.

و إن لم يتحقّق لم يتحقّق الثمر أصلا و رأسا، فالقبض عنده شرط اللزوم بهذا المعنى.

و القائل بأنّه شرط الصحّة يقول بأنّ العقد لا يثمر أصلا، و إنّما الثمر بعد القبض، ليس إلّا (2).

و صرّح المحقّقون بأنّ محلّ نزاعهم هو هذا (3)لا أنّ العقد يثمر من دون توقّف على القبض أصلا، و أنّ القبض شرط في اللزوم، بمعنى عدم جواز الفسخ.

و لو أراد هذا المعنى لكان محلّ نزاعهم معيّنا منحصرا في أنّ إثمار العقد غير متوقّف على القبض، و لم يقل أحد في أنّ هذا محلّ نزاعهم، بل صرّحوا بأنّ محلّ النزاع قد يتحقّق الثمر المتزلزل الموقوف على القبض من حين العقد إلى حين القبض (4).

و هذا ينادي بأنّ القبض عند القائل بكون [ه] شرط اللزوم شرط لتحقّق الثمر المتزلزل و استقراره و لزومه بهذا المعنى، و هذا بعينه هو شرط للصحّة؛ لأنّ الصحّة


1) الخلاف: 3/ 555 و 556 المسألة 1.

2) الكافي في الفقه: 322، إيضاح الفوائد: 12/ 412.

3) لاحظ! التنقيح الرائع: 2/ 340، مسالك الأفهام: 6/ 17، الحدائق الناضرة: 22/ 309.

4) الدروس الشرعيّة: 2/ 286، الحدائق الناضرة: 22/ 309.

عبارة عن ترتّب الأثر.

غاية ما في الباب أنّه يزيد عدم قيد الاستقرار و اللزوم بالمعنى الذي قلنا، و هذا القدر لا يقتضي أن يكون الثمر غير موقوف على القبض، بل قد عرفت أنّه ينادي بالتوقّف على القبض، و أنّه الذي يتحقّق به ترتّب الأثر، كما ذكرنا تصريحهم بهذا أيضا.

و ممّا ينادي أيضا أنّهم جعلوا الثمر الآخر لمحلّ النزاع إذا مات الموهوب له قبل القبض، فالقائل بكونه شرط اللزوم يقول بأنّ الوارث يقوم مقامه في القبض (1)، لا أنّه لا حاجة إلى القبض أصلا.

و ممّا ينادي أيضا تصريحهم بأنّ القبض شرط في العقد مطلقا، إنّما النزاع في كونه شرط اللزوم أو الصحّة، مع تصريحهم [بكونها] من العقود الجائزة.

و ممّا ينادي أيضا أنّهم لم يذكروا ثمرة اللزوم أصلا، سوى ثمرة النزاع التي ذكرنا، مع أنّهم لم يذكروا أنّها ثمرة النزاع في كونه شرط اللزوم أو الصحّة، فيظهر أنّ تلك الثمرة ثمرة اللزوم أيضا.

و ممّا ينادي أيضا أنّ الشيخ الذي هو من القائل [ين] باللزوم يصرّح بأنّ التملّك لا يتحقّق أصلا إلّا بالقبض، حتّى بعنوان الكشف أيضا لا يتحقّق، بل الثمرة لا تتحقّق إلّا بعد القبض، و مع ذلك يقول بعدم بطلان الهبة بموت الواهب، و توقّفه على قبض الوارث (2)فالصحّة عند الشيخ عبارة عن قابليّة الأثر و اللزوم عن فعليّة الأثر، و ترتّبه على قياس ما يقولون: إنّ الفضولي صحيح موقوف على الإجازة.

و ممّا ينادي [أيضا] أنّ بعض القائلين باللزوم مثل صاحب «الكفاية»، مع قوله باللزوم يصرّح ببطلان الهبة بموت المتّهب قبل القبض، و يقول بأنّها هل تبطل


1) لاحظ! الحدائق الناضرة: 22/ 314.

2) النهاية للشيخ الطوسي: 602، المبسوط: 3/ 305.

بموت الواهب قبل القبض أم لا؟ و تفرّعه على الخلاف في شرطيّة اللزوم أو شرطيّة الصحّة (1).

و قوله عليه السّلام: «وهبه له» (2).. إلى آخره، معناه أنّه عند نفسه و إرادته وهب ثمّ نزع، لا أنّه وقع هبة صحيحة بحسب الشرع إلّا أنّ الأب نزع منه شرعا.

و لا يخفى أنّ معنى الهبة ليس إلّا أنّ الواهب أخرج عن ملكه، و أدخله في ملك الموهوب له، فالمعنى أنّ الواهب أنشأ إخراجه عن ملكه و إدخاله في ملك ولده، ثمّ نزعه عنه، فتأمّل جدّا!

فلا يمكن إثبات إبطال ما عليه جلّ الفقهاء بمثل هذا الخبر، فتدبّر.

بل يمكن الاستدلال لهم بأنّ مقتضى الأخبار الدالّة على اشتراط القبض كون الموهوب بنفسه مقبوضا، و أنّه لو لم يكن كذلك يكون باطلا مطلقا على قول، أو لا يثمر على القول بكون القبض شرطا [في] اللزوم؛ لأنّهم لا يقولون بغير ثمر، بل مرادهم ثمرات ذكروها في موضعها.

و أمّا كفاية قبض الفرد عن الكلّ في البيع و غيره فإنّما يكون لدليل من إجماع أو غيره، و لا دليل في المقام، لو لم نقل بالدليل على عدم الكفاية من إجماع أو نصّ، فتأمّل!

قوله: «فقل له: فليأت جاريته» (3).. إلى آخره.

لعلّ الوجه أنّ الجدّ أبصر ببنتيه في قوله: «يكون هذا المال ذخرا لا بنتي»؛ إذ لعلّه ما وهب بعد، أو ما أوجد القبض المعتبر.


1) كفاية الأحكام: 143.

2) وسائل الشيعة: 19/ 230 الحديث 24478.

3) الوافي: 10/ 533 الحديث 10062، لاحظ! الكافي: 7/ 66 الحديث 31، وسائل الشيعة: 19/ 304 الحديث 24655.

قوله: عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال عليه السّلام: «الهبة لا تكون أبدا هبة حتّى يقبضها، و الصدقة جائزة عليه» (1).

هذا الحديث يدلّ على أنّ القبض شرط في صحّة الهبة، بل الظاهر أنّ القائل بكونه شرطا يقول: إنّها لا يثمر حتّى يقبضها، إلّا أنّه بعد القبض، و بالقبض الثمر السابق على القبض أيضا، و هو خلاف ظاهر هذا الحديث، و صريح الأخبار على أنّها بالموت تصير ميراثا، من دون التقييد بما إذا لم يقم الوارث مقامه.

فثبت ما عليه معظم الأصحاب، من أنّه شرط الصحّة، مع أنّا لم نجد حديثا يدلّ على كونه شرط اللزوم، مع أنّ الأصل أيضا يدلّ على ما عليه المعظم.

استدلّ بهذه الرواية على أنّ القبض شرط في اللزوم (2)دون الصحّة، و لا يخفى ما فيه؛ لأنّها- مع مخالفتها للفتوى من تضمّنه الفرق بين النحلة و الهبة فيما ذكر، و أنّه بعد القبض لا يجوز الرجوع، كما يظهر من لفظ الجواز، إذا كان بمعنى الإمضاء، لا بمعناه الأصلي، و أنّه لا وجه لذكر القسمة أيضا- فيه أنّ الظاهر أنّ المراد من الجواز معناه الأصلي- أي الإباحة- ردّا على العامّة القائلين بعدم الجواز ما لم يقبض و ما لم يقسم، كما ذكرنا في الباب الماضي (3)، و ذكرنا وجه قوله عليه السّلام: «و إنّما أراد الناس» (4).. إلى آخره.

و يمكن اتّحاد تلك الرواية مع هذه الرواية، إلّا أنّه وقع من الراوي هنا وهم، و نقل بالمعنى، فتأمّل!


1) الوافي: 10/ 534 الحديث 10063، لاحظ! تهذيب الأحكام: 9/ 195 الحديث 654، وسائل الشيعة: 19/ 234 الحديث 24487.

2) مفاتيح الشرائع: 3/ 202 المفتاح 1103.

3) راجع! الصفحة: 476 من هذا الكتاب.

4) وسائل الشيعة: 19/ 195 الحديث 24418.

قوله: «و لا يعطى العبد من الزكاة شيئا» (1).

يمكن حمل زكاة التجارة على الاتّقاء، من جهة أنّ السلاطين يأخذون زكاة التجارة، أو على الاستحباب، فتأمّل!

[باب السكنى و العمرى و الرقبى و الحبيس]

قوله: و هم مضطرّون إذا كان على ما و صفته [لك] (2).. إلى آخره.

يمكن الحمل على معنى المنفعة، أو على أنّ العتق فاسد بسبب كونه معلّقا؛ فإنّ الفقهاء يحكمون ببطلان العتق المعلّق على الوقت مطلقا.

[باب الوقف]

قوله: «ثمّ يقسّم بينهم، يتوارثون ذلك [ما بقوا و بقيت الغلّة]» (3)..

إلى آخره.

الظاهر من هذا كون الوقف على خصوص القرابة، لا عليهم و على أعقابهم أيضا، بل الأعقاب يستحقّونه بعنوان الإرث.

فيشكل الاستدلال بهذه الرواية على جواز بيع الوقف المؤبّد الذي على


1) الوافي: 10/ 538 الحديث 10077، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 3/ 146 الحديث 644، وسائل الشيعة: 9/ 92 الحديث 11602.

2) الوافي: 10/ 543 الحديث 10087، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 4/ 181 الحديث 634، وسائل الشيعة: 19/ 221 الحديث 24464.

3) الوافي: 10/ 550 الحديث 10096، لاحظ! تهذيب الأحكام: 9/ 133 الحديث 565، وسائل الشيعة: 19/ 190 الحديث 24412.

الأعقاب أيضا، على حسب ما سنذكره في صحيحة ابن مهزيار الآتية (1)، حتّى تدلّ على جواز الوقف على المنقرض و كونه وقفا لا حبسا.

قوله: «ربّما جاء في الاختلاف ما فيه تلف الأموال و النفوس» (2).

ظاهر هذا الحديث إنّما هو ما ذكره الصدوق أنّ الموقوف عليهم هم الجماعة الموجودون خاصّة، فيشكل إثبات صحّة بيع الوقف المؤبّد الذي كان وقفا على ما تعاقبوا أيضا (3)لمعارضته للأخبار الدالّة على أنّ الوق [و] ف على حسب ما يوقفها أهلها (4)، و كذا مخالفته للقواعد من عدم جواز بيع حقّ مستحقّ اخر، سيّما إذا كانوا معدومين و غير محصورين، و كذا عدم جواز بيع الحق المشترك بغير إذن الشريك، و غير ذلك.

و ظاهر هذا الحديث أيضا صحّة الوقف على من ينقرض غالبا، و انّه وقف لا حبس، كما نقل عن بعض الأصحاب (5)، و صحيحة الصفّار (6)السابقة أيضا تدلّ على ذلك، و كذا رواية جعفر بن حنان (7)، فتأمّل!

قوله: مدين أوقف ثمّ مات صاحبه و عليه دين لا يفي ماله إذا وقف (8)..

إلى آخره.


1) من لا يحضره الفقيه: 178 الحديث 628، وسائل الشيعة: 19/ 188 الحديث 24410.

2) الوافي: 10/ 552 الحديث 10097، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 4/ 178 الحديث 628، وسائل الشيعة: 19/ 188 الحديث 24410.

3) من لا يحضره الفقيه: 4/ 179 ذيل الحديث 628.

4) وسائل الشيعة: 19/ 175 الباب 2 من أبواب كتاب الوقوف و الصدقات.

5) لاحظ! مختلف الشيعة: 6/ 304.

6) تهذيب الأحكام: 9/ 132 الحديث 562، وسائل الشيعة: 19/ 192 الحديث 24415.

7) تهذيب الأحكام: 9/ 133 الحديث 565، وسائل الشيعة: 19/ 190 الحديث 24412.

8) الوافي: 10/ 552 الحديث 10099، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 4/ 177 الحديث 624، وسائل الشيعة: 19/ 189 الحديث 24411.

لعلّ المراد أنّ مديونا أوصى بوقف، ثمّ مات صاحب الوقف الذي هو الموصي، و عليه دين لا يفي ماله إذا وقف ذلك الوقف فكتب عليه السّلام: «يباع» .. إلى آخره فمعنى أوقف: جعل في معرض الوقف، أو حكم بالوقف، أو أمر بالوقف، لا أنّه وقف؛ إذ لا معنى حينئذ لقوله: «إذا وقف» بعد قوله: «لا يفي ماله»، و يمكن أن يكون المراد من المدين: العبد، و المراد من «أوقف» هو ما ذكرناه.

و الحاصل؛ أنّ الظاهر من هذا الحديث أنّه لم يتحقّق الوقف من الصاحب، بل الحكم بالوقف، و الأمر به، و الوصيّة به، و أمثال ذلك، و على نسخة «الفقيه» معنى «أوقف»: حبس، و هو كناية عن العتق عن دبر؛ فإنّه نوع وقف لغوي، فتأمّل!

و ببالي، عن والدي رحمه اللّه أنّ المدين بمعنى: المرهون، و فسّر قوله تعالى:

فَلَوْ لٰا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهٰا إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (1)بذلك، و حينئذ فلا إشكال، فتأمّل!

قوله: « [فإن أنت أكلت منها] لم تنفذ إن كان لك [ورثة فبع]» (2).. إلى آخره.

يظهر من هذا ما ذكره الفقهاء من أنّه يجب على الواقف إخراج الوقف عن نفسه، فتأمّل!

قوله: إنّ الأرض وقف، فقال: «لا يجوز شراء الوقوف» (3).. إلى آخره.

هذا الخبر أيضا ظاهر في عدم جواز شراء الوقف مطلقا، من غير تقييد و تخصيص.


1) الواقعة (56): 86 و 87.

2) الوافي: 10/ 554 الحديث 10102، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 4/ 177 الحديث 623، وسائل الشيعة: 19/ 176 الحديث 24388.

3) الوافي: 10/ 554 الحديث 10103، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 4/ 179 الحديث 629، وسائل الشيعة: 19/ 185 الحديث 24405.

كتاب الصيام و الاعتكاف و المعاهدات

اشارة

[أبواب فرض الصيام و فضله و علّته و أقسامه و علامة دخول الشهر]

[باب صيام المسافر]

قوله: عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (1)قال: «ما أبينها من شهد فليصمه، و من سافر فلا يصمه» (2).

لعلّ المراد أنّ الصوم الذي أمر اللّه تعالى به إنّما هو على الحاضر، حيث قال [تعالى]: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، و لم يقل: المكلّف عليه أن يصومه؛ فالمسافر ليس شهد بلا شبهة، فليس عليه هذا التكليف، فقوله: «فلا يصمه» نهي في مقام توهّم الأمر، فلا يفيد سوى إباحة الترك، و رفع الأمر و الوجوب المذكور، كما حقّق في محلّه (3).

و يمكن أن يكون محمولا على الحرمة، بضميمة قاعدة اخرى، و هي أنّ العبادة إذا لم تكن مأمورا بها، و مطلوبا من المكلّف تكون بدعة حراما، فإذا أنّ الطلب لم


1) البقرة (2): 185.

2) الوافي: 11/ 91 الحديث 10471، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 91 الحديث 404، وسائل الشيعة: 10/ 176 الحديث 13148.

3) الفوائد الحائريّة: 179 (الفائدة 16).

يتعلّق إلّا بمن شهد، يكون صوم المسافر بدعة.

و يحتمل أن يكون الضمير في قوله: «ما أبينها» راجعا إلى مجموع الآية، فقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يعني إلى اخر الآية، و ذلك لأنّ قوله تعالى: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ ظاهر في أنّ المسافر [لا يجب عليه] خاصّة، فإذا كان مسافرا فلا يصومه.

و ما قيل: وجه ظهور الدلالة أنّ المبتدأ اسم موصول دخل الفاء في خبره فتضمّن معنى الشرط، فيصير المعنى: إن كنتم حاضرين فصوموا، و فيه أنّ المفهوم أنّ المسافر لا يجب عليه، لا أنّه لا يصومه، إلّا أن يكون مراده أيضا ما ذكرناه، فتأمّل جدّا!

قوله: [و لكنّه ورد فيه من الرخصة ما نقلنا] من الحظر إلى الكراهة (1)..

إلى آخره.

لا يخفى أنّ الروايتين (2)في غاية الضعف، فلا يقاوم الأخبار الدالّة على المنع حتّى يقال: إنّها مختصّة بهما، مضافا إلى غاية شهرتها بين العامّة و الخاصّة إلى حدّ يمكن أن يقال بكونها متواترة، مع أنّها أبعد من مذهب العامّة، و أوفق بالقرآن، و أشهر في الفتوى، فتأمّل!

[باب صيام يوم الشكّ]

قوله: و لا تصمه إلّا للرؤية (3).


1) الوافي: 11/ 96 ذيل الحديث 10484.

2) الوافي: 11/ 95 الحديث 10483 و 96 الحديث 10484، لاحظ! وسائل الشيعة: 10/ 203 الحديث 13221 و 13222.

3) الوافي: 11/ 112 الحديث 10513، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 167 الحديث 475، وسائل الشيعة: 10/ 281 الحديث 13418 مع اختلاف يسير.

لا يخفى أنّ الظاهر من هذا الكلام أنّ المعتبر في الرؤية هو الرؤية المتعارفة، بأن يرى ثمّ يصوم، فيظهر منه عدم العبرة بالرؤية قبل الزوال أيضا.

[قوله]: عن سهل بن سعد، قال: سمعت الرضا عليه السّلام يقول: «الصوم للرؤية، و الفطر للرؤية، و ليس منّا من صام قبل الرؤية للرؤية، و أفطر قبل الرؤية للرؤية، قال: قلت له: يا ابن رسول اللّه، فما ترى في [صوم] يوم الشكّ؟ فقال:

حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه عليهم السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: لئن أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن افطر يوما من شهر رمضان» (1).

ظاهر هذه الأخبار أنّ الرؤية علّة لتحقّق وجوب الصوم، و العلّة مقدّمة على المعلول، و الصوم عبارة عن الإمساك المخصوص من أوّل الفجر إلى اخر اليوم، و لا يوجد- شرعا- صوم بعض اليوم قطعا، و جواز وقوع النيّة قبل الزوال لا يقتضي أن يكون بعد النيّة صوما، بل الصوم من أوّل الفجر، و النيّة مؤثّرة في جعل مجموع الإمساك الواقع من أوّل الفجر إلى الغروب صوما شرعا، و المتبادر من لفظ الصوم- على الإطلاق- هو هذا الامتثال بعنوان القصد.

و ما ذكرناه- من أنّ بعض اليوم لا يصير صوما، و أنّ الصوم من الفجر إلى الغروب- مجمع عليه بين الشيعة، بل المسلمين، بل [من] ضروريّات الدين، و ظاهر من الأخبار، و لذلك من أتى بمفطر بعد الفجر لا يمكنه الصيام. نعم، يصوم صوم التأديب، و هو مجرّد الإمساك.

فعلى هذا، هذه الأخبار بظواهرها تدلّ على أنّ الرؤية قبل الزوال لا تصير منشأ لوجوب الصوم؛ إذ لو صار منشأ لزم أن يكون العلّة واقعة بين المعلول، و قدر


1) الوافي: 11/ 113 الحديث 10514، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 80 الحديث 355، وسائل الشيعة: 10/ 28 الحديث 12751.

من المعلول تقدّم على العلّة، هذا بحسب الظاهر، و إلّا يقبل التوجيه في بعض الأفراد التي دلّت من الخارج على الصحّة، و كلامنا في الظاهر.

و أظهر من هذه الأخبار ما ورد من بعض قولهم عليهم السّلام: «إذا رأيت الهلال فصم» (1)فإنّه يقتضي أن يكون وجوب الصوم مشروطا بتحقّق الرؤية قبله حتّى يقع بعدها، لا أنّه يكفي التحقّق و لو في أثناء الصوم، و يتحقّق بعض الصوم متقدّما على الشرط، مثلا: قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (2)يقتضي أن يكون وجوب الاطّهار بعد الجنابة، لا أنّه يكفي وقوعها و لو في أثناء الاطّهار، إلّا أن يدلّ من الخارج دليل على الكفاية، فتأمّل جدّا.

و من هذا ظهر ما قال المحقّقون من أنّ الأخبار المتواترة- مشيرين إلى هذه الأخبار- تدلّ على بطلان مذهب من قال بأنّ الرؤية قبل الزوال يكفي للوجوب (3).

و يدلّ أيضا كلمة «الفاء» في قوله: «فصوموا» «فافطروا»- و إن كانت في جواب الشرط- بظاهرها [على] كون إنشاء الصوم بعد الرؤية، و عرفت أنّ المتبادر [من] إطلاق الصوم هو الإمساك من أوّل الفجر على سبيل القصد، على أنّ المتبادر من إنشاء الصوم إحداثه على سبيل القصد، و لا شكّ في أنّ المتبادر من الصوم المطلق هو الإمساك المخصوص، أعني من أول الفجر إلى الغروب.

و يدلّ أيضا أنّه ليس في قولهم: «للرؤية» و لا قولهم: «رأيتم» و لا كلمة «إذا» عموم، و مثل [ه] مسلّم أنّه ينصرف إلى الأفراد الشائعة، كما أنّ «وجوهكم»


1) الوافي: 11/ 117 الحديث 10518، لاحظ! الكافي: 4/ 76 الحديث 1، وسائل الشيعة: 10/ 252 الحديث 13339.

2) المائدة (5): 6.

3) لاحظ! مختلف الشيعة: 3/ 493.

و الوجه في الوضوء ينصرف إلى وجه مستوي الخلقة، لا الأغم، و لا الأنزع، و كذا الحال في مطلقات الآية و الحديث، و بناء الفقه على ذلك.

و معلوم أنّ الشائع وقوع الاستهلال بعد الزوال و الرؤية كذلك، و من عند الإطلاق لا ينصرف الذهن إلّا إلى ذلك، فيصير المعنى أنّ وجوب الصوم و الفطر مشروط بالرؤية الشائعة، و المشروط عدم عند عدم شرطه، و كذا الحال في العلّة.

و أيضا الظاهر من هذه الأخبار كون وجوب الصوم و الفطر بالنسبة إلى الرؤية على نهج واحد، لا أنّه في ساعة يجب من الحين، بل و ربّما يتقدّم بعض منه، و في ساعة اخرى يجب من الغد كما يقول به من اعتبر الرؤية قبل الزوال.

و لذا نرى أنّا نفهم كذلك ما بعد الزوال إلى الغروب، و بعد الغروب، و في الليل بالنسبة إلى المفهوم- إلى طلوع الشمس كذلك و من الطلوع إلى الزوال كذلك- بالنسبة إلى المفهوم و المنطوق جميعا- كما بعد الزوال إلى ما بعد الغروب.

فلازم ذلك أن يكون ما قبل الزوال و ما بعد [ه]- أيضا- على نهج واحد؛ لأنّ علّة الفهم في الكلّ مشتركة، و لذا نجزم أنّه لو لم يرد الأخبار الدالّة على التفاوت بين ما قبل الزوال و ما بعده لكان القائل بالتفاوت يقول بعدم التفاوت، و يجعل حالهما حال سائرهما من الأوقات جزما، و ليس ذلك من جهة الدلالة، و هذا واضح.

فلا بدّ من وجود معارض مقاوم، بل يكون أقوى أيضا، حتّى يرجّح على هذه الأخبار و ليس، كما ستعرف من أنّه لا قائل بالفصل بين الصوم و الفطر، مع أنّ السياق يقتضي أن يكون حال الصوم و الفطر واحدا.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الأخبار المتواترة تدلّ على المذهب المشهور من وجوه كثيرة، و لذا قال جدّي العلّامة المجلسي: (إنّ اعتمادي على الأخبار المتواترة الدالّة على عدم العبرة بالرؤية قبل الزوال) (1)، بل ادّعى اليقين و العلم بالدلالة و الإرادة،


1) لم نعثر عليه في مظانّه.

و له وجه؛ لأنّ حمل المتواتر على الرؤية قبل الزوال بأن يكون المراد هذه الرؤية دون الرؤية بعد الزوال فاسد قطعا؛ لأنّ الرؤية بعد الزوال داخلة في المراد يقينا، لو لم نقل بانحصار المراد فيها.

و معلوم أنّ الصوم و الإفطار يكونان من الغد بالنسبة، و الأمر بهما باتّحادهما من الغد بالضرورة من الدين، و كذا الصوم صوم مجموع اليوم و أنّ إيجاده و إنشائه من أوّل الفجر كما ذكرنا، فالمتبادر ذلك، بالقياس إلى الرؤية بعد الزوال، و المقصود و المراد هو ذلك يقينا، فتأمّل جدّا.

فإن قلت: ما ذكرت من أنّ الإطلاق في الرؤية، و كلمة «إذا» ينصرف إلى الشائع يخدشه أنّ الصوم المأمور به في هذه الأخبار أيضا مطلق، فينصرف إلى الغالب.

قلت: منشأ الانصراف ليس إلّا المعهوديّة و الحضور في الأذهان، و لا شكّ في لفظ الصوم المأمور به، و صوم رمضان عند الإطلاق ينصرف الذهن منه إلى ما هو الفرض من اللّه تعالى، المعروف المعهود المعلوم بالضرورة من الدين؛ لكونه هو المعهود، و هو الحاضر في الأذهان من دون مدخليّة العوارض، من قبيل الثبوت بالرؤية أو الشهود أو غيرهما فضلا عن الرؤية قبل الزوال أو بعده.

و هذا هو الحال في سائر فرائض اللّه المعلومة، مثل الفرائض اليوميّة، و الزكاة الواجبة، و غيرهما.

على أنّه ظاهر أنّ المعصوم عليه السّلام في صدد بيان علامة دخول شهر رمضان، و دليل ثبوته، و تحقّقه من حيث أنّه شهر رمضان، كما لا يخفى.

قوله: «فعدّ تسعا و عشرين ليلة» (1).. إلى آخره.


1) الوافي: 11/ 115 الحديث 10516، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 165 الحديث 469، وسائل الشيعة: 10/ 298 الحديث 13462.

هذان الخبران (1)ظاهران في عدم اعتبار الرؤية قبل الزوال؛ للأمر بالإفطار مطلقا إذا لم ير الهلال ليلة الثلاثين.

[باب علامة دخول الشهر و أنّ الصوم للرؤية و الفطر للرؤية]

قوله: قال: و لا خمسون (2).

هذه الصحيحة تدلّ على عدم اعتبار الرؤية قبل الزوال للأمر بكون الصوم بعد الرؤية، فمقتضاها أنّ وجوب الصوم مشروط بتحقّق الرؤية قبله، حتّى يقع الصوم بعدها، مثل قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (3)و غير ذلك، لا أنّه يكفي بتحقّق الرؤية في أثنائه، و وقع بعض اليوم قبل الرؤية، و [لا يصحّ] صوم بعض اليوم شرعا و نصوصا.

و لقوله عليه السّلام: «ليس بالتظنّي و الرأي [و لكن بالرؤية]» (4)و الرؤية قبل الزوال ظنّي بلا شبهة، كما ستعرف.

و لقوله عليه السّلام: «و إذا كانت علّة فأتمّ شعبان ثلاثين» (5)من غير تقييد و استثناء للرؤية قبل الزوال، و قس عليها حال سائر الأخبار، فتأمّل!

قوله: عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام مثله، و زاد في آخره: «و إذا


1) الوافي: 11/ 115 الحديث 10516، 114 الحديث 10515، لاحظ! وسائل الشيعة: 10/ 298 الحديث 13462، 299 الحديث 13464.

2) الوافي: 11/ 118 الحديث 10518، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 156 الحديث 433، وسائل الشيعة: 10/ 289 الحديث 13440.

3) المائدة (5): 6.

4) تهذيب الأحكام: 4/ 156 الحديث 433، وسائل الشيعة: 10/ 289 الحديث 13440.

5) تهذيب الأحكام: 4/ 156 الحديث 433، وسائل الشيعة: 10/ 289 الحديث 13440.

رأيته وسط النهار فأتمّ صومه إلى الليل» (1).

لا يخفى أنّ الإمام عليه السّلام منع في هذه الرواية عن صوم يوم الثلاثين من شعبان مطلقا بمجرّد أن غمّ ليلة الثلاثين مطلقا.

و البناء على أنّ الراوي كان يعلم عدم المنع من صومه بقصد شعبان خلاف الأصل، و الظاهر أنّه ليس كذلك بلا تأمّل؛ إذ لو كان يعلم ذلك لكان يعلم المنع من صومه بقصد رمضان؛ لأنّ الصوم بقصده لازمه الوجوب، كما أنّ شعبان لازمه الاستحباب، و كون رمضان بقصد الاستحباب لعلّه خلاف الضرورة، فتأمّل!

و استثنى صورا ثلاثا:

الاولى: أن يرى الهلال، المراد: الرؤية المتعارفة؛ لما عرفت، و لقوله عليه السّلام «إذا رأيته وسط النهار» (2)فيكون الظاهر عدم العبرة بالرؤية من الغد، كما ستعرف.

و الثانية: أن يشهد أهل بلد، فيقضيه.

و الثالثة: أن يرى الهلال وسط النهار فيتمّ صومه.

و الأمر إذا ورد في مقام الحظر يكون مفاده رفع الحظر، كما هو المحقّق في موضعه (3)، فثبوت الوجوب في الصورتين من دليل من الخارج، و لا يقتضي الثبوت هنا؛ لأنّ المعصوم عليه السّلام منع عن الصوم مطلقا إذا لم ير بالليل كما عرفت، فكيف يقول: يتمّ؟!

و كذا الأمر بالقضاء الذي هو تدارك ما فات من جهة الشهادة، بناء على عدم الفعل أو الفعل باطلا، فكيف يتمّه؟ فتأمّل!


1) الوافي: 11/ 120 الحديث 10525، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 178 الحديث 493، وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13412.

2) تهذيب الأحكام: 4/ 178 الحديث 493، وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13412.

3) لاحظ! الفوائد الحائريّة: 179 الفائدة (16).

إذ الإتمام صريح في كونه صائما قبل الرؤية بالنهج المشروع؛ إذ بعد النهي لا يمكنه فعل المنهي عنه؛ لاشتراط قصد القربة و الامتثال، و لأنّ النهي يقتضي الفساد، فكيف يصير صحيحا؟

فلا بدّ من أن يكون المراد إمّا صوم يوم الشكّ في اخر رمضان، و يكون الضمير في قوله عليه السّلام: «صومه» راجعا إلى شهر رمضان، فيصير موافقا لرواية محمّد بن قيس (1).

و يعضده إطلاق النهي في هذا الخبر، و عدم ظهور القيد، و كون الأصل عدمه، و كذا كون الأصل عدم اطّلاع الراوي بجواز صوم شعبان، مع كونه غير ظاهر بالضرورة؛ لأنّه معركة آراء المسلمين في ذلك الزمان، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار أنّهم ما كانوا يدرون الجواز و عدمه.

و كونه بقصد شعبان لا يجتمع مع الشكّ في جواز صوم رمضان؛ لأنّ صوم رمضان لا يكون ندبا، بل يكون واجبا بالضرورة من الدين، كما أنّ شعبان يكون مستحبّا، فإذا جاز بقصد رمضان [ما] جزم شعبان، و إذا جاز بقصد شعبان جزما لا يمكن رمضان، فكيف كان يسأل عن صوم يوم الشكّ و اجيب بالنهي مطلقا، و الأمر بالقضاء هو فرع الوجوب، و مع ذلك يصوم بنيّة الامتثال و لا يكون حراما؟!

و إمّا أن يكون المراد صوم اخر شعبان بقصد شعبان، بناء على قرينة كان يفهم منها منع خصوص رمضان و جواز شعبان إلّا أنّها ذهبت، لكن- على هذا- لا شكّ في كون صومه صوم شعبان.

فعلى هذا ضمير «صومه» يرجع إلى شعبان، و المعصوم عليه السّلام لم يقل: صومك،


1) من لا يحضره الفقيه: 2/ 77 الحديث 337، وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13410.

بل قال: «صومه»، و الأمر بإتمام صوم شعبان ظاهر في كونه بقصد شعبان، مع أنّ الظاهر من قوله: «أتمّ» أيضا ذلك؛ لأنّ المعنى أن يصير ذلك الشي‌ء تماما كما هو، لا أن يصير شيئا اخر، سيّما و أن يصير ضدّ الأوّل؛ بأن كان مستحبّا فيصير واجبا، و كان شعبان فيصير رمضان، و لهذا ورد في اخر الخبر (1)يعني: يتمّه بقصد شعبان، لا بقصد رمضان.

و لا يبعد أن يكون من كلام الراوي، بل حكم بذلك بعض المحقّقين، و هو المناسب؛ لأنّ الشيخ يستدلّ به لمطلوبه (2)، فلا يناسب أن يقول هو: «يعني» ... إلى آخره، و يستدلّ.

فالمعنى- على هذا- أنّه يتمّ صوم شعبان، يعني أنّه من شعبان، كما صرّح به في اخر الرواية، و هو المفهوم من كلام المعصوم عليه السّلام، كما قلناه، و لعلّه فهم من الخارج أيضا.

و يعضده أنّ حمل «وسط النهار» على خصوص ما قبل الزوال بعيد جدّا، فمراد المعصوم عليه السّلام- بحسب الظاهر- أنّه يتمّه من شعبان، أعمّ من أن يكون قبل الزوال أو بعده، كما هو منطوق لفظ «وسط النهار».

على أنّ ضمير «صومه» لو كان راجعا إلى النهار، فمفاده أيضا ما ذكرناه؛ لأنّ المراد نهار شعبان، كما هو المفروض و المسلّم، و كما يقتضيه النهي عن الصوم، و الأمر بقضائه.

و يحتمل الاستحباب المؤكّد من جهة عموم «وسط النهار»، و كونه في مقابل اخر النهار و أوّله كما مرّ، و يعضده ما ذكرنا من أنّ المراد الإتمام بقصد شعبان و فهم


1) لاحظ! الاستبصار: 2/ 73 الحديث 224.

2) تهذيب الأحكام: 4/ 178 ذيل الحديث 493.

المشايخ المستدلّين بهذا الحديث، و أنّه على هذا يتوقّف دلالة صدر الحديث على ذيله، بخلاف ما ذكره المصنّف.

و يعضده أنّه- على هذا- كان المناسب، بل اللازم أن يقول: و إن كان مفطرا أمسك بقيّة اليوم، ثمّ قضاه.

و يعضده جميع ما ذكرناه في هذا الباب، و باب صوم يوم الشكّ و ما سنذكره في باب رؤية الهلال قبل الزوال، بل تعيّن فساد ما ذكره المصنّف، بحيث لا محيص له عنه، فلاحظ!

و يضعّفه أيضا أنّ الأئمّة عليهم السّلام في مقامات الأمر بالعدول ما اكتفوا بمجرّد الأمر بالإتمام، مع أنّ المناسب على ما ذكره أن يقال: فأتمّ صومك فتأمّل!

هذا؛ مع أنّ العدول في نفسه خلاف الأصل، و الظاهر [أنّه] في نفسه مستبعد؛ إذ يصير المستحبّ و ما هو من شعبان منقلبا إلى الواجب، و كونه من رمضان، و سيجي‌ء اعتراضات اخر.

قوله: «و إذا رأيته وسط النهار»، يعني به قبل الزوال ... بالجزء الأخير؛ لأنّه الفرد الأخفى المستلزم حكمه إثبات الحكم في سائر الأفراد بالطريق الأولى (1)..

إلى آخره.

فيه أنّه إن كان مطلقا على الصحيحة و غيرها من الأدلّة معتمدا عليها، فلم سأل عمّا سأل، و أعجب من هذا أنّه أجابه مفصّلا حال عدم رؤيته، و حال الثبوت من الخارج، و قضاؤه، و حال الرؤية وسط النهار الشامل لما قبل الزوال، و إن كان يدفعه بعد ذلك، بل سيجي‌ء ظهوره في معنى ممتدّ بين أوّل النهار و آخره، فاللازم على المعصوم عليه السّلام أن يقول: قبل الزوال.


1) الوافي: 11/ 121 ذيل الحديث 10525.

و مع ذلك في صحيحة ابن قيس (1)- مع تعرّض المعصوم عليه السّلام لذكر اخر النهار مع وسطه- يقول: المراد بعد الزوال، فمن هذا الحديث كيف يفهم خصوص ما قبل الزوال باعتبار إطلاقه على صحيحة ابن قيس؟!

على أنّه إذا كان مطلقا بحكم ما بعد الزوال لما ذكرت أو بغيره، يلزم من ذلك أن يفهم ما قبل الزوال أيضا، [و] حاله حال ما بعده؛ لأنّ المعصوم عليه السّلام أظهر أنّ وسط النهار حكمه واحد، و هو يشملهما بالضرورة، فهذا عليك لا لك.

و من هذا ظهر فساد ما لو قيل: أصل [ال] حكم بعد الزوال كان معلوما له بالضرورة من الدين، مضافا إلى أنّ معرفة كون ما بعد الزوال- و لو بدقيقة- ليس حاله حال ما قبله- و لو بدقيقة- إنّما هي من جهة الأخبار الواردة في ذلك، و أنّه لولاها لم يكن تفاوت أصلا، كما أشرنا، و ما ذكرنا من قوله: و إنّما عبّر عمّا قبل .. إلى آخره ذلك من وسط النهار، على سبيل الإظهار.

فعلى [هذا] تدلّ بالمفهوم على عدم وجوب الإتمام، لو لم ير وسط النهار، و هذا أيضا يضرّه، و لا تأمّل في أنّه يضرّه و أجاب بأنّه الفرد الأخفى ... إلى آخره.

و فيه أنّ العبادات توقيفيّة بلا شبهة، فالفرد الأخفى إنّما يكون بالنظر إلى الأدلّة، و بعد ذلك لا يبقى وجه للسؤال و الجواب، على ما ذكرناه، فتأمّل!

قوله: محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام: إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين، و إن لم تروا الهلال إلّا من وسط النهار أو آخره، فأتمّوا الصيام إلى الليل و إن غمّ عليكم، فعدّوا ثلاثين ليلة، ثمّ أفطروا» (2).


1) وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13410.

2) الوافي: 11/ 121 الحديث 10526، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 158 الحديث 440، وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13410.

لا يخفى على من له فهم سليم، و ذوق مستقيم أنّ مراده عليه السّلام: إذا رأيتم الهلال فأفطروا من الغد، على ما هو المتعارف في الرؤية و الإفطار، و بسطنا الكلام في ذلك، و الثابت من الدين بعنوان البداهة و الضرورة.

[و] يشير إليه أيضا قوله عليه السّلام: «أو شهد عليه عدل» ... إلى آخره، ثمّ قال:

«و إن لم تروا الهلال» أي بالنحو المذكور، و هو النحو المتعارف على حسب ما أشرنا إليه بأن تروه من الغد، فلا ينفع هذه الرؤية للإفطار المذكور في الصورة السابقة؛ بل لا بدّ من إتمام الصوم إلى الليل؛ سواء رأيتموه وسط النهار أو آخره.

و «من» هنا ابتدائيّة كما لا يخفى، يعني ابتداء الرؤية كان وسط النهار أو آخره، لا تفاوت بينهما في وجوب الإتمام، فكما أنّ الرؤية من اخر النهار لا يصحّ معها الإفطار إلّا في الليل كما هو معلوم على جميع المكلّفين من المسلمين بالضرورة من الدين فكذلك حكم الرؤية من وسط [النهار].

و إن لم يكن معلوما بالضرورة، بل صار محلّا للخلاف، يجوّز العامّة (1)الإفطار حين الرؤية من غير التربّص إلى الليل، بل و يوجبه، و لذا أشار بعض الفقهاء بأنّ ما دلّ على أنّ الرؤية قبل الزوال من الليلة ورد تقيّة (2)، كما سنشير، و لذا نسب عليه السّلام وجوب الإتمام إلى الليل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و جعله من قضاياه؛ فإنّ سائر ما ذكر من كتاب قضاياه عليه السّلام مخالف لمذهب العامّة.

فظهر أنّ وجه التعرّض لآخر النهار- مع معروفيّة حكمه- إظهار حالة وسط النهار مع حالته، و التأكيد، و المبالغة في ذلك كما هو متعارف، و لا يخفى أنّ المراد من الرؤية الرؤية المتعارفة، كما بيّنّا وجهه، مع أنّه في المقام لا شك فيه للتعرّض للرؤية في وسط النهار و آخره صريحا، فجعل الرؤية المتعارفة شرطا في الإفطار،


1) المغني لابن قدامة: 3/ 53.

2) لم نعثر عليه في مظانّه.

و المشروط عدم عند عدم شرطه.

و يؤيّده أيضا قوله عليه السّلام: «أو شهد عليه عدل»؛ فإنّ المتبادر الشهادة بالنحو المتعارف، و لا شكّ في أنّ وسط النهار أعمّ ممّا بعد الزوال، و لذا لو قيل: افعل ذلك وسط النهار، يفهم كونه في أواسطه، بل بملاحظة قوله عليه السّلام: «أو آخره» ربّما يتبادر الثلاث، كما هو الحال في وسط الحيض، و اخر الحيض، و أوّله، و أمثال ذلك فتأمّل!

و حمله على خصوص ما بعد الزوال فاسد، سيّما مع ضمّ قوله عليه السّلام: «أو آخره»، و عدم التعرّض لذكر قبل الزوال مطلقا، لو كان المراد خصوص بعد الزوال، مع أنّه المحتاج إلى التعرّض للذكر؛ لأنّ حكم ما بعد الزوال من المعلومات من الدين لجميع المسلمين، و الخفي إنّما هو حكم ما قبل الزوال.

و القول بأنّه لعلّه اكتفى فيه بدلالة المفهوم فاسد؛ لأنّ المعلوم من الدين لجميع المسلمين لم يكتف فيه بدلالة المفهوم أو غيرها من الدلالات الضعيفة، بل صرّح و أوضح، فكيف يكتفي في المجهول المشكل بالمفهوم الضعيف؟

بل لا دلالة لمعارضته لمنطوق كلامه، و هو قوله عليه السّلام: «وسط النهار» الذي لا شبهة في كونه أعمّ، و لا شكّ في أنّه غير مختصّ بخصوص ما بعد الزوال، و أنّ إرادة الخصوص منه مقطوع بفسادها، لا يجوّزها من له أدنى فهم، و جعل خصوص ما بعد الزوال مقابلا لآخر النهار لا غيره، فيه ما فيه.

مع أنّ الرؤية أوّل النهار ممّا لا يكاد يتحقّق، و على تقدير التحقّق في غاية الشذوذ، و الشرط إذا ورد مورد الغالب فلا حجيّة في مفهومه، كما هو المحقّق في موضعه و المسلّم عند الكلّ، و لا تأمّل لأحد فيه.

على أنّه على تقدير القول بدلالة هذا المفهوم، مسلّم عند المصنّف أنّ المفهوم لا يعارض المنطوق، سيّما مثل هذا، مع أنّ معارضة المفهوم إنّما يكون إذا كان للمفهوم عموم، و لعلّ مثل المصنّف لا يقول به.

و ثمرة الشرطية و فائدته تظهر ممّا ذكره في «التهذيب» من قبول شهادة العدلين (1)، فلاحظ، و بعد الفائدة لا يضرّ القائل بالمنع، فتأمّل!

و على تقدير القول به، فلا شبهة في أنّ عموم المفهوم لا يقاوم عموم المنطوق، سيّما مع الضعف فيه و القوّة في عموم المنطوق.

مع أنّ هذا المفهوم يعارضه مفهوم قوله عليه السّلام: «إذا رأيتم الهلال فأفطروا»، كما عرفت أنّ المعصوم عليه السّلام في هذا المقام- مقام بيان عدم الاكتفاء بغير الرؤية من المكلّف أو من العدل- كيف اكتفى بظنّ ضعيف في غاية الضعف، و هو أنّ الرؤية قبل الزوال من الليلة الماضية؟! لما ستعرف من أنّ الخروج من الشعاع بعد المغرب بمدّة؛ يرى الهلال قبل الزوال، فكيف إذا كان الخروج عند المغرب؟!

هذا ضعف في ضعف، فكيف يكتفي فيه بدلالة ضعيفة من شي‌ء؟ بل قد عرفت عدم الدلالة [و] ربّما يؤيّده فهم الفقهاء و استدلالهم بها في زمن الشيخ إلى الآن، من دون اعتراض من أحد، و إن حدث الآن [قول] بلا تأمّل له فيها، و سيجي‌ء بقيّة الكلام، فانتظر.

[باب عدد أيّام شهر رمضان]

قوله: «إن كان الشهر تسعة و عشرين يوما» (2).. إلى آخره.

هذه الأخبار ظاهرة في عدم العبرة بالرؤية قبل الزوال؛ للأمر بإنشاء الصوم بعد الرؤية، و للتعرّض لذكر شهادة العدول، و عدم التعرّض لذكر الرؤية قبل الزوال، فتأمّل!


1) تهذيب الأحكام: 4/ 177 ذيل الحديث 489.

2) الوافي: 11/ 129 الحديث 10540، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 161 الحديث 455، وسائل الشيعة: 10/ 266 الحديث 13385.

قوله: «إلّا أن يجي‌ء شاهدان عدلان» (1).

هذا الحصر يدلّ على عدم العبرة بالرؤية قبل الزوال.

قوله: «فأتمّ العدّة ثلاثين» (2).

إطلاق هذا الخبر يؤيّد عدم العبرة بالرؤية قبل الزوال.

[باب رؤية الهلال قبل الزوال]

قوله: عن عبيد بن زرارة، و ابن بكير، قالا: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إذا رؤي الهلال قبل الزوال، فذلك اليوم من شوّال، و إذا رؤي بعد الزوال، فذلك اليوم من شهر رمضان» (3).

لا يخفى أنّ مفاد هذه الأخبار- على تقدير البناء على أنّ «إذا» تفيد العموم- أنّ ما يرى قبل الزوال- و لو بدقيقة- فهو من الليلة الماضية، و هذا في غاية الإشكال؛ لمخالفته الوجدان و الحسّ و العقل؛ فإنّ القمر ربّما يكون عالي الدرجة، و ربّما يكون خلافه بالمشاهدة، [و] مجرّد التفاوت بين ما يرى و ما لا يرى عند خروج الشعاع لا يجعل التفاوت كذلك دائما؛ فإنّ الخروج من الشعاع إذا وقع بعد المغرب- و لو بمدّة مديدة- لكان الهلال يرى قبل الزوال، فكيف إذا كان الخروج بعد المغرب بقليل، بل و عند الغروب أيضا؟


1) الوافي: 11/ 131 الحديث 10547، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 165 الحديث 468، وسائل الشيعة: 10/ 267 الحديث 13389.

2) الوافي: 11/ 134 الحديث 10554، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 155 الحديث 429، وسائل الشيعة: 10/ 261 الحديث 13369.

3) الوافي: 11/ 147 الحديث 10582، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 176 الحديث 489، وسائل الشيعة: 10/ 279 الحديث 13414.

مع أنّه كثيرا ما يكون صحوا، و لا يكون القمر قطعا، و ربّما يرى قبل الزوال، [و إذا] وقع ذلك يصير الشهر ثلاثين، فيلزم أن يصير أحدا و ثلاثين و بالعكس، و ربّما يرى بعد الزوال، مع أنّه رؤي في الليلة الماضية.

مع أنّ أرباب العقول و المعرفة صرّحوا بما ذكرناه، و ورد: «عليكم بالدرايات دون الروايات» (1).

مع أنّ لفظ الهلال موضوع لغة و عرفا لمقدار القمر الخارج عن تحت شعاع الشمس المشرق في الليلة الاولى و الثانية و الثالثة، فهو مثل سائر الألفاظ يرجع [فيه] إلى العرف، و له معنى لغوي عرفي واقعي، لا بدّ من مراعاة ذلك المعنى في صدق اللفظ.

مع أنّ «إذا» من أداة الإهمال- كما حقّق- فينصرف إلى الغالب، لا المعنى أنّه في الغالب كذا، و هو مسلّم عند الكلّ، و صرّح المنكر بأنّ المراد الغالب، و لا تأمّل فيه، سيّما بعد ما ستعرف من القرينة، و الغالب لا يفيد أزيد من الظنّ.

و كون وجوب الصوم و الإفطار بالظنّ أوّل الكلام، بل خلاف الأصل و العمومات المانعة عن العمل بالظنّ مطلقا، و فيما نحن فيه بخصوصه.

و كون الكلام ليس بيان الواقع، بل و هو وجوب الصوم و الإفطار فيه ما فيه؛ لأنّه بعينه كلام القائل بحجيّة مفهوم الوصف و العدد.

مع أنّ الثمرة منحصرة فيما يعتبر فيه المظنّة، و كون ما نحن فيه [منه] من أين؟

كما عرفت- و الصحاح صريحة في خلافه، مع أنّه لا شكّ في أنّ العبرة بالرؤية، كما هو المستفاد من الأخبار الصحيحة (2)التي كادت تبلغ التواتر، و عمل الأصحاب عليها، إلّا من شذّ.


1) بحار الأنوار: 2/ 160 الحديث 12.

2) وسائل الشيعة: 10/ 252 الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.

و الحاصل؛ أنّ الهلال إذا كان تامّا يصحّ رؤيته قبل الزوال قطعا، كما هو مضمون صحيحة العبيدي (1)، و ورد منهم عليهم السّلام: «إنّ لكلّ حقّ حقيقة، و لكلّ صواب نورا» (2)و هو الموافق للعقل و الاعتبار، فتعيّن العمل بصحيحة العبيدي؛ لما ذكر، و للاشتهار بين الأصحاب، بل الفتوى، و لموافقتها للأخبار الصحيحة المتواترة، كما عرفت و ستعرف، و لموافقتها لصحيحة محمّد بن قيس (3)، و رواية جرّاح (4)المنجبرة بالشهرة و غيرها ممّا ذكر.

و لأنّها أبعد من طريقة العامّة، بخلاف هذه الأخبار، بل ربّما أشار بعض الفقهاء بأنّها وردت في مقام التقيّة (5)، و لذا ذكر مضمونها بأن قالوا لليلة الماضية (6)، و المراد أنّه لليلة الماضية غالبا و في كثير من الأوقات، لا أنّ المكلّف يصوم من جهته و يفطر من جهته؛ لأنّ الصوم لا يجوز بالتظنّي، و كذا الفطر، كما صرّحوا به في جملة الأخبار الصحيحة (7)و هذا أيضا وجه اخر من وجوه ترجيح الصحيحة على هذه الأخبار.

و بالجملة، ظواهر هذه الأخبار فسادها قطعي، و التأويل- بإرادة الغلبة و المظنّة أو التقيّة، أو إرادة أنّ حكمها حكم الرؤية في الليلة الماضية شرعا، أو غير ذلك بما هو خلاف ظاهر كلام المعصوم عليه السّلام- قد ظهر حالها، مع قطع النظر عن المرجّحات التي أشرنا إليها.


1) تهذيب الأحكام: 4/ 177 الحديث 490، وسائل الشيعة: 10/ 279 الحديث 13413.

2) الكافي: 1/ 69 الحديث 1، وسائل الشيعة: 27/ 109 الحديث 33343.

3) وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13410.

4) وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13411.

5) لم نعثر عليه في مظانّه.

6) لاحظ! مختلف الشيعة: 3/ 493، الحدائق الناضرة: 13/ 284.

7) وسائل الشيعة: 10/ 255 الحديث 13349 و 13351، 289 الحديث 13439 و 13440.

و لو قيل بأنّها وردت في مقام التقيّة، فالأمر ظاهر.

و أيضا قد صرّح في صحيحة العبيدي (1)و غيرها بعدم جواز الإفطار من جهة الرؤية قبل الزوال، و لم يذكروا في هذه الأخبار- جواز الإفطار- أنّه يجوز أن يكون لليلة الماضية، لكن لا يجوز الإفطار فى هذه الصورة؛ لما عرفت، و إن كان خلاف الظاهر، إلّا أنّ الظاهر لا يعارض النصّ، و كذا الحال في وجوب الصوم في أوّل الشهر، فتدبّر!

و ممّا يعضد صحيحة العبيدي و ما وافقها، الاستصحاب، و قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين بالشكّ» (2)و غير ذلك، فتدبّر!

قوله: اريد بالنهار ما بعد الزوال، بقرينة سائر الأخبار؛ فإنّ المطلق يحمل على المقيّد (3).

قد عرفت فساد هذا الحمل، بل و عدم تحقّق المعارضة حتّى يحتاج إلى هذا الحمل، مضافا إلى أنّ رؤية الهلال تكون بالنهار البتّة، لا بالليل و بعد المغرب، على ما هو المتعارف، فلا وجه لأن يقال: من رأى هلال شوّال بنهار في شهر رمضان فليتمّ صومه؛ فإنّ القيود تصير لغوا حينئذ، بل لا شكّ في الحزازة حينئذ.

بل لا يخفى على من له أدنى تأمّل أنّ المراد من هذا الحديث نفي ما توهّموا من تلك الأخبار من الإفطار لو رؤي قبل الزوال، على أنّ عدم الإفطار بمجرّد الرؤية من ضروريّات الدين، فلا حاجة إلى التنبيه عليه، فتأمّل!

ففيها قرينة واضحة على عدم التقييد، مع أنّ المقيّد لا بدّ أن يكون أقوى دلالة، و الأمر هنا بالعكس، كما لا يخفى، و يظهر من هذا الخبر [و] رواية العبيدي،


1) وسائل الشيعة: 10/ 279 الحديث 13413.

2) تهذيب الأحكام: 1/ 8 الحديث 11، وسائل الشيعة: 1/ 245 الحديث 631.

3) الوافي: 11/ 148 ذيل الحديث 10584.

و صحيحة محمّد بن قيس (1)و غيرها (2)، أنّ العامّة كان منهم من يعتبر الهلال قبل الزوال لليلة الماضية (3)، كما قال بعض الأصحاب (4).

قوله: [لأنّه على نسخة «التهذيب»] لا يستقيم المعنى إلّا بتكلّف، إلّا أنّه على نسخة «الاستبصار» (5).. إلى آخره.

لا يخفى أنّه بعد حكمه بأنّ الصواب ما في «الاستبصار» فلا وقع لهذا الكلام، بل المناسب أن يقول: هذا الحديث معارض لأخبار هذا الباب، و مع ذلك قد عرفت الكلام في المعارضة و الترجيح- على تقدير المعارضة- و ستعرف أيضا.

مع أنّه لا يعارض إلّا بعض أخبار هذا الباب، لا سائرها، بل لا شبهة في موافقته لبعض الآخر، كما عرفت و ستعرف.

مع أنّه على نسخة «التهذيب» أيضا يعارض بلا شبهة؛ لأنّ باقي الخبر قرينة واضحة على أنّ المراد هلال شوّال، و الإضافة يكفي فيها أدنى الملابسة، سيّما مثل هذه الملابسة القويّة، و خصوصا مع التصريح بعلّة واضحة مصرّحة بكون المراد هلال شوّال.

و ينادي بذلك أيضا قوله: «فترى أن نفطر» .. إلى آخره بملاحظة لا يبقى شبهة، و يحصل اليقين، و لهذا اتّفق فهم الفقهاء و المحدّثين في أنّ المراد هلال شوّال، من دون تزلزل، حتّى الشيخ الذي روى الحديث في «التهذيب»؛ فإنّه يصرّح بأنّ


1) وسائل الشيعة: 10/ 278 الحديث 13410.

2) وسائل الشيعة: 10/ 280 الحديث 13417.

3) انظر! المغني لابن قدامة: 3/ 53.

4) لاحظ! مسائل الناصريات: 291 المسألة 126، مختلف الشيعة: 3/ 493، مفاتيح الشرائع: 1/ 257 (المفتاح 285).

5) الوافي: 11/ 148 ذيل الحديث 10585، لاحظ! تهذيب الأحكام: 4/ 177 الحديث 490، الاستبصار: 2/ 73 الحديث 221، وسائل الشيعة: 10/ 279 الحديث 13413.

المراد ذلك و يبالغ (1)، مع أنّه لا شبهة في أنّ الصواب ما في «الاستبصار» كما اعترف.

و يؤيّده أيضا أنّه صنّف بعد «التهذيب»، و أنّه أضبط بلا تأمّل، كما لا يخفى على المطّلع، فلا بدّ من حمل ما في «التهذيب» عليه، على أنّ ما في «التهذيب» لا يكاد يصحّ له معنى سوى ما ذكر، بل لا يصحّ كما لا يخفى على المنصف.

و صحيحة محمّد بن قيس قد عرفت أنّها لا تدلّ على ما ذكره، بل تدلّ على خلافه (2)، فهي أيضا من أدلّة المذهب المشهور و يبطل بها المذهب الشاذّ الذي اختاره المصنّف.

و أمّا رواية إسحاق، فقد عرفت الكلام فيها (3)، فلاحظ!

قوله: يعني إذا طلب الهلال أوّل اليوم في جانب المشرق حيث يكون موضع طلبه، فلم ير فهو هاهنا- أي في جانب المغرب- هلال جديد، و اليوم من الشهر الماضي، سواء رؤي في جانب المغرب أ و لم ير، و قد مضى خبر محمّد بن قيس، و إسحاق بن عمّار في هذا المعنى (4).. إلى آخره.

قد مرّ الكلام في رواية محمّد بن قيس (5)، مع أنّه لو كان المراد فيها ما ذكره لكان المناسب أن يقول: إن لم تروا الهلال إلّا بعد الزوال من [دون] ذكر «أو آخره»، فلا وجه للتطويل بلا طائل، و التعبير بلفظ «الوسط» الذي لا يعرف أهل العرف منه خصوص بعد الزوال بالبديهة، بل خلاف الظاهر منه بلا شكّ، سيّما بعد


1) تهذيب الأحكام: 4/ 177 ذيل الحديث 489.

2) راجع! الصفحة: 498 من هذا الكتاب.

3) راجع! الصفحة: 497 من هذا الكتاب.

4) الوافي: 11/ 149 ذيل الحديث 10586.

5) راجع! الصفحة: 498 و 499 من هذا الكتاب.

ضميمة «أو آخره» و خصوصا بعد ملاحظة ما دلّ على التفاوت بين ما قبل الزوال و ما بعده؛ أنّه صريح في عدم تفاوت أجزاء ما بعد الزوال، و لم يقل بالتفاوت، و ليس التفاوت محلّ توهّم، فكيف يؤدّي مطلوبه بما هو ظاهر في خلافه؟ سيّما بعد جعله شرط الإفطار هو الرؤية، و أنّ الراوي ما يفهم منها سوى الرؤية المتعارفة من وجوه شتّى ذكرناها في باب صوم يوم الشكّ، و باب علامة دخول شهر رمضان، فيفهم أنّه إذا لم يتحقّق تلك الرؤية لا يجوز الإفطار.

فمع جميع هذه الدلالات كيف [يأخذ] بمفهوم ضعيف لا يعتبره أهل العرف أصلا؟ لأنّ المتعارف أنّه «إذا» تعارف متى يذكرونه بعنوان الشرط من [دون] اعتبار لمفهومه أصلا، كما هو الحال في قوله تعالى: إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ (1)فى وجوب صلاة الجمعة، و غير ذلك من الأحكام الفقهيّة.

مع أنّ الرؤية قبل وسط النهار العرفي لو تحقّقت فبالندرة.

و معلوم أنّ منطوق الأخبار لا يرجع إلى الأفراد النادرة بلا شبهة، و لا عبرة بها في المنطوقات، فكيف يرجع المفهوم إليها و يعتبر فيه [ا].

و لذا اتّفق الكلّ على عدم العبرة، سيّما و أن يكون بحيث يعارض الدلالات الكثيرة الواضحة المسلّمة التي تكون في هذه الرواية، و خصوصا أن يغلب على الجميع، و سيّما بعد لزوم التطويل بلا طائل الذي أشرنا فتأمّل جدّا!

على أنّا نقول: المتبادر من اخر النهار ما قارب الغروب، فيكون ما قبل [ه] داخلا في وسط النهار المذكور، فيكون نسبة وسط النهار إلى أوّل النهار- الذي لم يذكر- نسبته إلى اخر النهار المذكور، بقرينة المقايسة و المقابلة الظاهرة من الرواية.


1) الجمعة (62): 9.

فإذا قيل: اخر النهار و وسطه و أوّله، يفهم أنّ الوسط هو القدر الممتد المتصل بالآخر و الأوّل، و معلوم أنّ الهلال لا يرى في أوّل النهار المقابل لآخر النهار، فتعيّن أن يكون الرؤية في الوسط.

فإن قلت: على ما ذكرت كان المناسب أن يقول: إلّا أن يرون في النهار.

قلت: لو كان يقول هكذا لربّما يبادر إلى الذهن الرؤية المتعارفة؛ لأنّ الإطلاق ينصرف إلى المتعارف، و لا أقلّ من خوف التوهّم في ذلك.

على أنّ ما ذكرت وارد على جميع مفاهيم الأوصاف و القيود، مع أنّ مفهوم الوصف و القيد غير معتبرين عند المحقّقين، و العذر الذي قالوه جار هنا.

و أيضا ما ذكرت وارد على ما هو مسلّم من أنّ الشرط إذا خرج مخرج الغالب فلا عبرة به، و الجواب الجواب، مع أنّه ظاهر أنّ الوسط هنا قيد و وصف، لا شرط، فلا عبرة به مطلقا، فتأمّل جدّا!

قوله: و ليس في القرآن و الأخبار المتواترة (1).. إلى آخره.

الظاهر أنّ المراد من القرآن قوله تعالى: أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (2)خرج ما خرج بالدليل و بقي الباقي، و يمكن أن يكون المراد قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (3)بالتقريب الذي سيذكر في الأخبار المتواترة، فلاحظ!

و أمّا الأخبار المتواترة، فقد مرّت في باب صيام يوم الشكّ، و باب علامة دخول الشهر، و باب عدد أيّام شهر رمضان، و غير ذلك، و مرّ الإشارة إلى وجه الدلالة؛ و سيجي‌ء أيضا، فلاحظ!

قوله: [و كيف] يتحقّق، فإنّما ثبت من هذه الأخبار ليس إلّا، ثمّ ما موضع


1) الوافي: 11/ 150 ذيل الحديث 10586.

2) البقرة (2): 187.

3) البقرة (2): 185.

الدلالة على وجوب انضمام الشاهدين على الوجه المخصوص (1).. إلى آخره.

قد عرفت ممّا كتبناه في باب صوم يوم الشكّ، و باب علامة دخول الشهر الدلالة، بل و احتمال كونها قطعيّة، و أنّه لو لم يرد الأخبار الدالّة على أنّه إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، و إذا رؤي بعده فهو لليلة المستقبلة، و لم يقع النزاع من هذه الجهة بين العلماء، لكان حكم الرؤية قبل الزوال و الرؤية بعد الزوال واحد [ا]، بالنسبة إلى ما ورد في الأخبار من الأمر بالصوم للرؤية و الفطر للرؤية (2)بأنّ الصوم إذا كان للرؤية يكون كذلك سواء كان الرؤية قبل الزوال أو بعده، و كذلك الفطر إذا كان للرؤية يكون كذلك؛ سواء كانت قبله أو بعده.

فإذا كانت تلك الأخبار تدلّ على أنّ الرؤية قبل الزوال توجب الصوم تدلّ على أنّها بعد الزوال أيضا كذلك.

و إذا كانت تدلّ على أنّها بعد الزوال توجب الصوم تدلّ على أنّها قبل الزوال أيضا [كذلك]، و كذا الكلام في الفطر.

و بالجملة؛ لا يكون الفرق بين قبل الزوال و بعد الزوال، و بين قبل العصر و بعده، و بين قبل الغروب و بعده، و بين قبل الصلاة و بعدها، إلى غير ذلك من الصور التي نحن نحكم من تلك الأخبار بأنّه متى تحقّقت الرؤية يجب الصوم، و متى تحقّقت الرؤية يجب الإفطار من دون فرق بين الصور، و ليس ذلك إلّا من جهة دلالة تلك الأخبار؛ إذ لا شكّ في أنّه إذا لم يكن دلالة لا يمكن الحكم شرعا.

على أنّ الإطلاق محمول على الفرد المتعارف الشائع، كما هو مسلّم عند جميع المحقّقين، و لا شكّ في أنّ المتعارف، بل المتبادر من قولهم عليهم السّلام: «صم للرؤية» (3)أنّه


1) الوافي: 11/ 150 ذيل الحديث 10586 مع اختلاف يسير.

2) وسائل الشيعة: 10/ 252 الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.

3) وسائل الشيعة: 10/ 257 الحديث 13357.

إذا وقع الرؤية يجب إنشاء الصوم بعدها و كذلك الفطر، بل المتعارف أنّه إذا وقع الرؤية يجب الصوم من الغد و كذلك الفطر، بل المتبادر أيضا ذلك.

على أنّ كون الرؤية موجبة للصوم حين الرؤية، و الإفطار حين الرؤية، و الفطر من الغد و اليوم (1)من الغد خلاف مدلول تلك الأخبار بلا تأمّل، إلى غير ذلك ممّا مرّ في وجه الدلالة، و يمكن أن يقال نظير ما ذكرنا في الأخبار بالنسبة إلى دلالة الآية.

و الحاصل؛ أنّ الدلالة- بالنحو الذي نبّهنا عليها- لا مجال للتأمّل، و اعترف بوضوح الدلالة جدّي العالم الربّاني رحمه اللّه بل قال: (العمدة في عدّ الاعتبار برؤية قبل الزوال و ما ماثلها هي هذه الأخبار الصحاح الكثيرة جدّا) (2)و مراده المبالغة في وضوح الدلالة، بل ادّعى اليقين في الدلالة، كما عرفت، و عرفت أنّه لا يخلو عن الوجاهة، و إلّا فما أشرنا إليه من الأخبار أيضا لا غبار عليه، لا سندا، و لا دلالة كما أشرنا إليهما.

و ممّا يؤكّد الدلالة؛ قولهم عليهم السّلام: «و ليس بالتظنّي» (3)، و لا شكّ أنّ كون ما يرى قبل الزوال لليلة الماضية [مظنون]، بل ضعيف في غاية الضعف، فتدبّر!

و بالجملة؛ مستند المشهور متواتر، كما عرفت، و اعتبر به المحقّقون لأنّه موافق للقرآن و للاصول؛ أصل البراءة، و أصل عدم التكليف، و أصل بقاء الشهر السابق، و أصل عدم اللاحق حتّى يثبت الخلاف، و قولهم عليهم السّلام في كثير من الأخبار:

«لا تنقض اليقين بالشكّ و لكن ينقضه يقين اخر» (4)و أكثره صحاح بالصحّة المتّفق


1) كذا في النسخة، و الظاهر الصحيح: الصوم.

2) لم نعثر عليه في مظانّه.

3) وسائل الشيعة: 10/ 252 الحديث 13340، 256 الحديث 13354.

4) تهذيب الأحكام: 1/ 8 الحديث 11، وسائل الشيعة: 8/ 245 الحديث 631.

عليها، و غير الصحيح منجبر بالشهرة التي كادت أن تكون إجماعا، كما ستعرف و ممّا مضى و سنذكره، و هو أقوى من الصحيح غير [المتّفق عليه] كما حقّق [في محلّه] (1).

و مع ذلك أوفق بمذهب الشيعة، و أبعد عن العامّة، و موافق للاعتبار، و واضح دلالته، كما عرفت، بل بعضه صريح الدلالة.

و أمّا المعارض، فغير صحيح، و مجرّد قول شاذّ بالصحّة لا يكفي للحكم بالصحّة، فضلا عن أن يعارض على الصحيح المتّفق على صحّته، بل الصحاح الكثيرة كذلك.

مع أنّ غالب غير الصحاح حكم شاذّ بالصحّة، و مخالف للكتاب و للاصول، و قليل عددا، و مخالف للمشتهر بين الأصحاب، بل شاذّ نادر؛ إذ لم نجد عاملا به؛ إذ بعد غاية بذل الجهد في استحصال قائل به، قالوا: نقل عن المرتضى في بعض مسائله ذلك، و أنّه قال: إنّه مذهبنا (2)، و هذا ينادي بأنّه لم يقل بذلك في كتبه المعروفة و تصانيفه في الفقه، و هو كذلك.

فإذا هو لم يقل به في تصنيف و كتاب من كتبه، فكيف يدّعى كونه مذهب الشيعة، بل القطع بأنّ ذلك من مذهب الأصحاب؟! كيف و لم يوجد له موافق في ذلك؟!

مع أنّه لو كان مذهب الشيعة كذلك إلى زمان السيّد لاشتهر اشتهار الشمس؛ لعموم البلوى، و شدّة الحاجة، بل لو لم يكن كذلك أيضا كيف يكون مذهب الشيعة إلى زمانه كذلك، مع أنّه ما وافقه أحد ممّن تقدّم عليه أو عاصره أو تأخّر عنه ممّن قارب عصره و غيره؟! فكيف اتّفقوا على الخلاف؟! بل ادّعوا الإجماع على


1) الفوائد الحائريّة: 487.

2) نقل عنه في مختلف الشيعة: 3/ 493، لاحظ! مسائل الناصريات: 291 المسألة 126.

الخلاف؟! بل هو ما وافق نفسه، فكيف غيره؟!

فهذا يورث التهمة [في] نسبة ذلك إلى السيّد، و ربّما نرى نسب إلى فقيه قول في موضع، فوجدنا الموضع على خلاف ما نسب إليه، و لعلّه لهذا ادّعي الإجماع على الخلاف.

و من العجائب نسبة بعضهم ذلك القول إلى الصدوق (1)، مع أنّه في غاية الإنكار على القول بالرؤية و عدم القول بالعدد، مع نقله أحاديث الرؤية و أحكام الرؤية، و مع ذلك صرّح بكونها موافقة لمذهب العامّة، و أنّها بدعة، و أنّ الحقّ كون الصوم و الفطر بالعدد مطلقا (2)!

و نقل عن المحقّق التوقّف في ذلك في بعض كتبه (3)، لكن التوقّف ليس بقول بالحديث، بل غايته احتياط منه، و مع ذلك ربّما توقّف في مسائل يحصل القطع بأنّه ليس في موضعه، مثل توقّفه في بطلان التيمّم على طريقة أهل السنّة و ما هو شعارهم (4)، و أمثال [ذلك].

ثمّ إنّ هذه الأخبار مع ما عرفت من الشكّ في دلالتها، و عدم الصحّة، و المخالفة للقرآن و الاصول، و غير ذلك ممّا هو فيها، و عرفت أنّها مخالفة للوجدان و البديهة فلا يكون ظواهرها مرادة قطعا، و خلاف الظاهر لا يصلح للحجيّة فضلا [عن] أن يعارض أدلّة المشهور.

و أقرب التوجيهات: الحمل على التقيّة، أو أنّ المراد الظاهر و المظنّة؛ صرّح بذلك جدّي رحمه اللّه، و قال: (لا مانع من أن يكون كذلك، إلّا أنّا نكون مأمورين بطريقة


1) نسب إليه في الحدائق الناضرة: 13/ 285.

2) من لا يحضره الفقيه: 2/ 111 ذيل الحديث 474.

3) نقل عنه في مدارك الأحكام: 6/ 181، لاحظ! المختصر النافع: 69.

4) المعتبر: 1/ 386 و 387.

المشهور، و يكون ثمرة المظنّة تظهر في موضع يعتبر فيه المظنّة) (1).

فلعلّ مراد السيّد أيضا ذلك، أو أنّ مراده المشاركة في الحكم في الحمل؛ لأنّه يعلم يقينا أنّ هذه الأخبار ليست على ظاهرها.

فلعلّ المراد الظاهر؛ كما ترى أنّهم كثيرا ما يقولون: إنّ الشي‌ء الفلاني كذلك، و مرادهم أنّه بحسب الظاهر كذلك، ألا ترى أنّ السيّد يقول بأنّ السنّي كافر حقيقة (2)، و مع ذلك لا يجري فيه جميع أحكام الكفر، إلى غير ذلك.

[و] بذلك يجمع بين كلامه هذا و ما ذكره في كتبه، و ربّما صحّ نسبته إلى الشيعة، إذ لم يظهر مخالف ممّن عاصره و تقدّم عليه، فتأمّل جدّا!

و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لو كان المراد في هذه الأخبار [أنّه] من الليلة الماضية؛ واقعا أيضا لا يضرّ؛ لأنّهم عليهم السّلام جعلوا الشرط- مثلا- الرؤية أعمّ من أن يرى المكلّف؛ إذ تثبت بالشهادة، فلعلّه من جملة الشرائط كالحضر و عدم المرض و غيرهما.

إلّا أنّ الظاهر، بل المعيّن ما ذكرناه أوّلا؛ تنزيها للمعصوم عليه السّلام عن الكذب، و لأنّ الظاهر أنّ اعتبار الرؤية لثبوت الشهرة، و اللّه يعلم.

على أنّه مرّ و سيجي‌ء أيضا في باب أنّ الصوم و الفطر مع السلطان ما يقرب كون هذه الأخبار على التقيّة؛ فلاحظ!

[باب أنّ الصوم و الفطر مع السلطان إذا كان تقيّة]

قوله: [يا أبا عبد اللّه!] ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذلك إلى الإمام؛


1) لم نعثر عليه في مظانّه.

2) لاحظ! الانتصار: 82.

إن صمت صمنا، و إن أفطرت أفطرنا (1).. إلى آخره.

أخبار هذا الباب تدلّ على أنّ العامّة و سلاطينهم كانوا يبنون أمر إفطارهم على ظنونهم، و كانوا يفطرون يوما من شهر رمضان بمجرّد ظنّهم، و محض ما يخيّلون، و هو المشاهد المحسوس الآن منهم في الأعصار و الأمصار، لأنّ سلطانهم لو كان يا بني على الثبوت من الرؤية لكان صومهم بصوم السلطان، و فطرهم بفطره من دون مراعاة الرؤية أصلا، كما هو مذهبهم و طريقتهم المعلومة.

و معلوم بالبديهة أنّ سلطانهم يجعل أمرا له عذر في الإفطار، و أنّه ليس بيقيني بالبديهة، فظهر أنّ مدار العامّة كان على الظنون، خصوصا سلاطينهم.

و من هذا قلنا: إنّ البناء على الظنون من طريقة العامّة، و أنّ الأخبار الواردة في أنّ [ال] رؤية قبل الزوال معتبرة تناسب طريقتهم؛ لأنّها أمارة ظنيّة، فإذا بنوا في الصوم بنوا في الإفطار أيضا؛ لعدم الفرق، و رواية العبيدي، و جرّاح، و محمّد بن قيس و غيرها أيضا تنادي بذلك، فتأمّل جدّا!

مع أنّ الأخبار المتواترة المتضمّنة لكون الصوم و الفطر للرؤية و شرطها، و أنّه لا يجوز التظنّي إنّما هي ردّ على العامّة، كما لا يخفى، فما ورد في الأخبار المتواترة- من الأمر بترك ما وافق العامّة (2)، و ما إليه حكّامهم أميل، و الأخذ بما خالفهم، و أنّ الرشد في خلافهم- يقتضي الحكم بما تضمّن رواية العبيدي و نظرائها من الأخبار المتواترة، لا ما تضمّن من اعتبار الرؤية قبل الزوال.

بل عرفت أنّ مستند المشهور إنّما هو ردّ على العامّة، فكيف يمكن التأمّل فيه؟! و اللّه يعلم.


1) الوافي: 11/ 157 الحديث 10598، لاحظ! الكافي: 4/ 82 الحديث 7، وسائل الشيعة: 10/ 132 الحديث 13035.

2) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

قوله: و قضاؤه أيسر (1).. إلى آخره.

هذا يدلّ على أنّ حفظ البقاء للعبادة (2)مقدّم على جميع التكاليف، فلو دار الأمر بينه و بين ارتكاب محرّم كشرب الخمر لإساغة اللقمة و النجاة من المرض المهلك و أمثال ذلك، أو ترك واجب بمثل ترك الغسل من الجنابة في حال المرض لو خيف التلف، و إن أجنب عمدا، و غير ذلك من الأحكام، يكون حفظ النفس مقدّما.

و يدلّ [عليه] قوله تعالى: وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ (3)الآية، و الأخبار أيضا، و الاستقراء أيضا؛ لأنّ في جلّ المواضع أمروا كذلك إلى حدّ ربّما يحصل القطع بذلك، و اللّه يعلم.


1) الوافي: 11/ 157 الحديث 10598، لاحظ! الكافي: 4/ 82 الحديث 7، وسائل الشيعة: 10/ 132 الحديث 13035.

2) كذا في الأصل، و الأصح: للعباد.

3) البقرة (2): 195.

[أبواب نواقض الصيام و شرائطه و آدابه و ما يجبر فواته]

[باب ما ينقض الصوم أو يضرّ الصائم]

قوله: عن محمّد، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (1).

ظاهر هذه الرواية أنّ الارتماس يضرّ الصوم؛ لكونه مضرّا للصائم، مثل الطعام و الشراب و الجماع، و الوارد في الأخبار الكثيرة النهي عنه، و الصوم عبادة توقيفيّة، و وظيفة شرعيّة لا بدّ لثبوته و معرفة ماهيّته من الدليل الشرعي، و لو لم يثبت من نصّ ممّا هو المجمع عليه، و مع ورود النهي عن فعل فيه، كيف الحكم بصحّة ما وقع فيه المنهيّ؟!

و رواية أبي جميلة الدالّة على الصحّة ضعيفة السند (2)، فتأمّل!

مع إمكان حملها على جاهل المسألة، إلّا أن يقال بأنّ رواية ابن سنان (3)تؤيّدها، فتأمّل!


1) الوافي: 11/ 165 الحديث 10604، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 2/ 67 الحديث 276، وسائل الشيعة: 10/ 31 الحديث 12753.

2) تهذيب الأحكام: 4/ 324 الحديث 1000، وسائل الشيعة: 10/ 43 الحديث 12785.

3) تهذيب الأحكام: 4/ 209 الحديث 606، وسائل الشيعة: 10/ 38 الحديث 12774.

[باب الصائم يصبح جنبا أو يحتلم نهارا]

قوله: في هذا الخبر دلالة واضحة على أنّ قصد القربة كاف في الاغتسال (1)..

إلى آخره.

لا دلالة فيه أصلا، فضلا عن أن تكون واضحة، بل ظاهره التداخل، و كفاية غسل الجمعة في حال النسيان عن غسل الجنابة، كما ورد في أخبار كثيرة في تداخل الأغسال أنّه: «إذا اجتمع عليك حقوق أجزأك عنها حقّ واحد» (2)و أمثاله، فتأمّل جدّا!

و تداخل الأغسال من المسلّمات المشهورات من دون [ترديد] للمشهور فيه، و لم يقل أحد أنّ تداخل الأغسال يدلّ على عدم اشتراط التعيين و الوجوب و الندب في النيّة، و تداخل الوضوء من الامور التي لا يشكّ واحد فيه في الجملة، مع حكمهم بوجوب نيّة التعيين و الوجوب و غيره، فتأمّل!

قوله: كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام: «فإنّه لا يشبه رمضان شي‌ء من الشهور»، و يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام أنّ شهر رمضان لا يجوز إفطار يوم (3)..

إلى آخره.

لا خفاء في أنّ المراد هو الاحتمال الثاني، مضافا إلى ظهور موثّقة ابن بكير (4)في عدم اختصاص ذلك برمضان و قضائه، كما لا يخفى، مضافا إلى الإجماع المنقول (5)في اشتراط مطلق الصوم بذلك، لا خصوص رمضان و قضائه، مع أنّ


1) الوافي: 11/ 262 ذيل الحديث 10815.

2) الكافي: 3/ 41 الحديث 1، وسائل الشيعة: 3/ 339 الحديث 3813.

3) الوافي: 11/ 264 ذيل الحديث 10822.

4) الكافي: 4/ 105 الحديث 3، وسائل الشيعة: 10/ 68 الحديث 12847.

5) لاحظ! جواهر الكلام: 16/ 240.

أحدا من فقهاء الشيعة لم يذهب إلى التفصيل، و لم يقل بالفرق، و اللّه يعلم.

قوله: لذلك أسندها عليه السّلام إليها، و لم يروها عن آبائه عليهم السّلام (1).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ الشيخ (2)و من تبعه (3)على [أنّ] النومة الثالثة على [صاحب] ها القضاء و الكفّارة، [و] بناؤهم على أنّ هاتين الروايتين مقتضاهما وجوب القضاء و الكفّارة على من أصبح جنبا في شهر رمضان.

خرج [ت] النومة الاولى ببعض الأخبار الدالّة على أنّه ليس بها بأس (4)، و خرج [ت] النومة الثانية بما دلّ على أنّه صاحبها عليه القضاء خاصّة (5)، و بقي الباقي داخلا، و هو النوم الثالث و ما بعده فصاعدا، و النوم بقصد عدم الغسل، و النوم لا بقصد الغسل.

[باب متى يفطر المسافر]

قوله: هذا الخبر يصلح لأن يجمع بين ما اختلف (6).. إلى آخره.

هذا التخيير مخالف لظاهر الآية (7)و الأخبار المتواترة في حكم المسافر و الحاضر (8)، و جميع أخبار هذا الباب و الباب الذي قبله، و مخالف لفتاوى جميع


1) الوافي: 11/ 268 ذيل الحديث 10830.

2) الخلاف: 2/ 222 المسألة 87.

3) المهذّب: 1/ 192، غنية النزوع: 138، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 142.

4) تهذيب الأحكام: 4/ 210 الحديث 610، وسائل الشيعة: 10/ 57 الحديث 12821 و 12822.

5) تهذيب الأحكام: 4/ 211 الحديث 612، وسائل الشيعة: 10/ 61 الحديث 12832.

6) الوافي: 11/ 314 ذيل الحديث 10944.

7) البقرة (2): 185.

8) وسائل الشيعة: 10/ 173 الباب 1 و 2 و 4 من أبواب من يصحّ منه الصوم.

الفقهاء، فيكون من الشواذّ التي يجب ترك العمل به، إلّا أن يؤوّل كما أوّلوه، فتأمّل!

مع أنّ رفاعة هذا روى ما يخالف ذلك (1).


1) تهذيب الأحكام: 4/ 228 الحديث 668، وسائل الشيعة: 10/ 186 الحديث 13177.

كتاب المطاعم و المشارب و التجمّلات

اشارة

[أبواب ما يحلّ من المطاعم و ما لا يحلّ]

[المطاعم المحلّلة و المحرّمة]

الآيات:

قوله: وَ مٰا عَلَّمْتُمْ (1)أي و صيد ما علّمتم، و الجوارح الكواسب، و المكلّب صاحب الكلب المؤدّب (2).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ ما حرّم اللّه في شراعنا في غاية الكثرة و نهاية الوفور، فكيف يقول تعالى: قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً (3)أصلا سوى أربعة؟! و إن كان الميتة أنواعا.

فإذا كان الموجود من المحرّم فيما أوحي إليه في غاية الكثرة، فكيف يقول إنّه أربعة لا غير؟! و كيف يجوز استعمال العام في أقلّ من الباقي، سيّما و أن يكون في غاية الأقليّة؟! مع أنّ الشرط استعماله في الأكثر.

و البناء على أنّه لمّا كان الحرام في جنب الحلال أقلّ، و إن كان في غاية الكثرة و نهاية الوفور؛ إذ المعنى حينئذ: أنّ الحرام فيما اوحي إليّ أقلّ من الحلال، بل المعنى أنّ كلّ ما اوحي إليّ حلال، إلّا أن يثبت الحرمة بدليل، و التخصيص سائغ، و المعتبر


1) المائدة (5): 4.

2) الوافي: 19/ 20 ذيل الآيات.

3) الأنعام (6): 145.

فيه بقاء الأكثر و إن كان الخارج لا حصر له، فاسد؛ لعدم وجدان مثل هذا التخصيص، مع ما فيه من التدافع؛ لأنّ مقتضى ما ذكر أنّ المراد؛ الخارج أقلّ من الباقي، مع أنّه لا حصر له، و مقتضى الحصر و مفهوم العدد الانحصار في الأربعة ليس إلّا.

و أيضا هذه الأربعة كانت من جملة الخارج الذي لم يتعرّض لذكره أنّه ما هو؟

فلا وجه للتعرّض لذكر هذه و عدم التعرّض لغيرها ممّا هو خارج، مع تساوي نسبة الخروج إلى الجميع.

و كذا خصوصيّة المقام؛ لأنّه في مقام الردّ على الكفّار في تحريمهم الأشياء الخاصّة، و الكفّار إن كانوا أحلّوا هذه الأربعة فقد أحلّوا كثيرا من المحرّمات، فلم ما قال: و كذا، و كذا، و كذا إلى أن يحصى الجميع؟! و يظهر من الأخبار و الآثار ما ذكرنا، و كذا إن كانوا محرّمين لهذه الأربعة.

و أيضا لم يقل أحد من الكفّار و غيرهم أنّ الحرام أكثر من الحلال أو مساو له، و هذا من البديهيّات، فأيّ مناسبة في أن يكون تعالى يردّ عليهم بأنّ الحلال أكثر، مع ما عرفت من عدم الدلالة.

و أيضا الآية ردّ على الكفّار في تحريمهم الأشياء الخاصّة المذكورة في القرآن، و كون الحلال أكثر كيف يصير ردّا عليهم؟! لجواز [كون الشي‌ء] داخلا في الخارج الذي لا حصر له و لم يتعرّض لذكره أيضا [و] فهم الخاصّ من لفظ [العامّ] يتوقّف على القرينة قطعا، و كذا كون الخاصّ أيّ قدر؟

و الكفّار كيف كانوا يفهمون من هذه العبارة- التي هي نصّ في الانحصار- أنّ المراد كون الحلال أكثر؟! و غير ذلك.

و أيضا مع أنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة محال إجماعا، و الخطاب مع الكفّار، كان وقت الحاجة وقت الخطاب بلا شبهة، و ما ظهر من أخبار الآحاد عن

الأئمّة عليهم السّلام، و أمثال ذلك كيف كان قرينة لهم؟! فتأمّل!

و بالجملة لما ذكر؛ قيل: إنّ الحصر حقيقي، و مفهوم العدد على حاله، و كان كذلك في صدر الإسلام، ثمّ نسخت بتحريم محرّمات لا تحصى، و على هذا لا وجه للاستدلال بهذه الآية، لكونها منسوخة.

و مع ذلك كون صدر الإسلام كما ذكره محل تأمّل، لأنّ كثيرا من المحرّمات حرمتها ذاتيّة؛ و خباثتها عقليّة، مع أنّ المحرّمات في الشرائع السابقة كانت باقية إلى أن أحلّها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، مع أنّ الأئمّة عليهم السّلام استدلّوا بهذه الآيات.

فالأظهر أن يقال: الحصر إضافي، بالنسبة إلى خصوص ما حرّمه الكفّار.

[باب الحمل و الجدي يرضعان من لبن الخنزيرة و المرأة]

قوله: و هذا يناسب حذف الواو، كما في «التهذيب» [بإسناده الأوّل] (1).

قدّم المصنّف الاحتمال الأوّل لكونه أظهر من وجوه ستعرفها، [و] لعلّه متعيّن على طريقة الفقيه؛ لأنّه لم يذكر صريحا سوى فعل المرأة، فكيف يتأتّى جعله جوابا لغير ما سئل عنه صريحا؟!

و هذا أيضا يقتضي أن يكون طريقة الشيخ كذلك؛ لأنّ التوفيق بين الأخبار لازم، بل ستعرفها [و] أنّ الكلّ خبر واحد، و كذلك التوفيق بين الأقوال أولى، كما لا يخفى.

مضافا إلى ما ستعرف من المفاسد لو حملنا على المعنى الثاني.

و وجه التصحيح على طريقه، أنّ قول الراوي، «يجوز أن يؤكل» (2)... إلى


1) الوافي: 19/ 78 ذيل الحديث 18976.

2) تهذيب الأحكام: 7/ 325 الحديث 1338، وسائل الشيعة: 24/ 163 الحديث 30244.

آخره في قوّة قوله: يجوز أن يؤكل مع الفعل الذي صدر عن المرأة؛ لأنّ استشكاله ليس إلّا ذلك، [و] في الجواب حكمان متضادّان ظاهرا و أصلا، و هما يقتضيان الإبقاء على حالهما بجعل الجواب على طريقة اللّف و النشر المرتّب؛ لأنّه سئل أوّلا عن فعل المرأة، و ثانيا عن جواز الأكل مع الفعل المذكور.

فقوله عليه السّلام: «فعل مكروه»، جواب عن الأوّل، و قوله عليه السّلام: «لا بأس به»، جواب عن الثاني، سواء كان بالواو أو بحذف الواو؛ لعدم الغبار في مقام اللفّ و النشر.

نعم، بالواو أظهر؛ لأنّ المعطوف عليه هو الأصل و المعطوف تابع، فيكون الجواب في قوّة قوله عليه السّلام: الفعل فعل مكروه، و الأكل لا بأس به؛ لأنّ سؤاله حقيقة و بالذات كان عن جواز الأكل، سيّما في المكاتبة في الجواب؛ إذ يجوز أن يكون كتب تحت قوله: «أرضعت» ... إلى آخره: فعل مكروه، و تحت قوله: «يجوز» ... إلى آخره: لا بأس به، كما حقّق في تصحيح صحيحة علي بن مهزيار في حكم المرأة التي أخلّت بأغسال الاستحاضة و صلّت و صامت (1)(2)، بل ذكر هناك أنّ أمثال ما ذكر من التضادّ و الحزازات في أجوبة المكاتيب بالمكاتبة كثيرة خوفا من الوقوع في يد [المخالفين].

و بالجملة؛ المعنى [الأوّل] أولى لو لم نقل بتعيّنه؛ لما ذكر، و لعدم معهوديّة الحكم بكراهة الأكل من الفقهاء، إلّا نادر منهم من متأخّريهم و هو الشهيد الثاني (3).

و الثاني: و إن قال: و هذا يناسب ... إلى اخر ما قال، إلّا أنّ الشيخ وافق «الفقيه» أيضا، و الموافق لهما أرجح من المخالف، مع احتمال السهو منه أو من أحد


1) وسائل الشيعة: 2/ 349 الحديث 2333.

2) لاحظ! مصابيح الظلام: 1/ 252.

3) الروضة البهيّة: 7/ 294 مع اختلاف يسير.

من النسّاخ فيما خالف.

و لا خفاء في أنّ الظاهر اتّحاد الروايات الثلاث (1)- و قد حقّق مرارا- لأنّ الراوي و كيفيّة روايته، و الحكاية واحدة، بلا شبهة.

و لذا بنى المصنّف على أنّ للرواية معنيين: أحدهما أنسب بعبارتها، على ما نقلها في «الفقيه»، و الشيخ موافق له، و ثانيهما أنسب بما اختصّ به الشيخ، و كلامنا أيضا مبني على ذلك، و معلوم أنّ الفقيه فهم المعنى الأوّل بملاحظة ما نقله، و الموضع الذي نقله هو باب الصيد و الذبائح، و الحيوانات المحلّلة و المحرّمة، و نقل الرواية في جملتها.

و بالجملة اليقين حاصل ممّا ذكرنا بملاحظة «الفقيه».

و الثالث: إنّ عبارة الحديث أنسب بالمعنى الأوّل من وجوه:

الأوّل: كيف يقول المعصوم عليه السّلام: مكروه، و مع ذلك ليس به بأس؟! فإنّه تناقض ظاهر، و إن أمكن بارتكاب التأويل و التوجيه بأنّ المراد: ليس به بأس أصلا سوى الكراهة، لكنّه خلاف الأصل، و خلاف الظاهر، و خلاف المأنوس من أحاديثهم، و لم نجد قطّ قالوا كذلك.

مع أنّ الجمع غير منحصر فيما ذكر؛ لاحتمال إرادة كونه [متنفّرا] للطباع لا بأس به شرعا، أو مكروه عند الناس لا بأس به عندنا، و أمثال ما ذكر ممّا هو مأنوس منهم، وارد في أخبارهم كثيرا.

الثاني: أنّه على الاحتمال الأخير كان يكفي أن يقول في الجواب: مكروه ليس بحرام، بل و أخصر منه كما لا يخفى، فالباقي تطويل بلا طائل، بل مضرّ؛ لإيهامه خلاف المقصود، سيّما [كلمة] فعل.


1) وسائل الشيعة: 20/ 406 الباب 18 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

الثالث: إنّ السقط من القلم أقرب من الازدياد.

و الثاني أبعد من الأوّل، كما هو غير خفي، مع احتمال كون التفاوت من جهة النقل بالمعنى، فمن فهم الأوّل نقل بالواو، و من فهم الثاني نقل بدونها، و مثل هذا كثير، و ظهر لك الرجحان.

و يؤكّد ذلك أنّ في الاولى نقل بزيادة اخرى أيضا و هو قوله: «و تباع و تذبح» (1)بخلاف الثانية.

فإن قلت: جميع ما ذكر حقّ، إلّا أنّ الراوي اقتصر في سؤاله عن الأكل و البيع و الذبح، فلا بدّ من قصر الجواب عنها، لا إرضاع اللبن.

قلت: ما ذكره في «الفقيه» ليس السؤال إلّا عن حال الإرضاع، فكيف قلت ما قلت؟!

و عرفت أنّه فهم المعنى الأوّل للقرينة، أو كان في روايته تتمّة لم يذكرها، بل اقتصر كما يفعل مكرّرا.

و الشيخ و إن أوردها كما ذكرت، إلّا أنّ الظاهر أنّه فهم كما فهم عظيمه الصدوق، أو على أحد الأنحاء التي ذكرناها في الجمع بين عبارتيه، و لذا لم يفت بالكراهة في كتب فتاويه، و ظاهر أنّ عادته الإفتاء بكلّ ما روى، و كلّه ممّا اعتمد عليه، و كذلك سائر الفقهاء لم يفتوا بالكراهة، كما ذكرنا.

هذا مع أنّ عدم قصر المعصوم عليه السّلام في الجواب عن خصوص السؤال لا يحصى كثرة.

و بالجملة؛ الحكم بالكراهة مع تحقّق المعنيين و باقي الاحتمالات الاخر فيه ما فيه، و اللّه يعلم.


1) وسائل الشيعة: 20/ 406 الحديث 25948.

و لذلك ما أفتى المصنّف أيضا بها في كتب فتاويه، مثل «المفاتيح»، فتأمّل جدّا!

[باب ما ينتفع من أجزاء الميتة و ما لا ينتفع به]

قوله: [و المستفاد من هذا الحديث و عدة من أخبار هذا الباب] عدم تعدّي نجاسة الميتة (1).. إلى آخره.

ليس كذلك، بل الأخبار الدالّة على تعدّي نجاسة الميتة في غاية الكثرة إلى أن قال بعض: بأنّ نجاستها تتعدّى مع اليبوسة أيضا (2).

و ممّا دلّ على تعدّي نجاستها ما مرّ في كتاب الطهارة من انفعال الماء القليل بملاقاة الميتة أو بالتغيّر منها، و كذا باب الآبار، و كذا باب نجاسة الميتة، و غير ذلك.

[باب اختلاط ما يؤكل بغيره]

قوله: إنّما كرّر عليه السّلام حديث البرودة تفسيرا و تعليلا [و تمهيدا لما بعده] (3)..

إلى آخره.

ليس بردا بالباء الموحّدة من تحت، بل بالثاء المثلّثة من فوق، أي يريد القطعة التي كان الميتة عليها، و كذلك الباقي؛ لبطلان السراية عند الشيعة، و الثريد ليس مائعا حتّى يكون مثل السمن و العسل وقت الصيف.


1) الوافي: 19/ 98 ذيل الحديث 19002.

2) لاحظ! نهاية الإحكام: 1/ 300.

3) الوافي: 19/ 120 ذيل الحديث 19051.

[أبواب الصيد و الذبائح]

[باب الصيد بالسلاح]

قوله: و سئل عليه السّلام عن صيد صيد فتوزّعه القوم قبل أن يموت، فقال: «لا بأس به» (1).

لعلّ المراد أنّه صار بمنزلة المذبوح إلّا أنّه لم يخرج روحه بتمامه، أو أنّه صار غير مستقرّ الحياة، و لمّا يذهب روحه، و هذا القدر يكفي لحلّيّة الأكل، كما يظهر من بعض الأخبار، فلاحظ!


1) الوافي: 19/ 161 الحديث 19143، لاحظ! الكافي: 6/ 209 الحديث 1، وسائل الشيعة: 23/ 364 الحديث 29755.

[أبواب المشارب]

[باب أصل تحريم الخمر]

قوله: عن أبي الربيع الشامي، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن أصل الخمر، كيف كان بدء حلالها و حرامها، و متى اتّخذ الخمر (1)؟ .. إلى آخره.

يظهر من هذه الأخبار أنّ حرمة العصير العنبي بمجرّد الغليان ليست مجرّد التعبّد، بل من كونه أوّل درجة الخمر، كما حقّقنا في موضعه و بسطنا الكلام فيه (2)، فظهر نجاسته أيضا، فما قيل من أنّ نجاسته من المشهورات التي لا أصل لها (3)مجرّد غفلة.

فإن قلت: ليس فيه سكر أصلا، فكيف يكون خمرا؟!

قلت: سيجي‌ء في باب [أنّ الخمر إنّما حرّمت لفعلها] حديث يتضمّن أنّ ما زاد [على] الترك جودة فهو خمر (4)، فمن أين ظهر أنّه ليس كذلك؟ و إن كان كثير


1) الوافي: 20/ 595 الحديث 20081، لاحظ! الكافي: 6/ 393 الحديث 1، وسائل الشيعة: 25/ 282 الحديث 31914.

2) لاحظ! الرسائل الفقهية: 76- 79 و 104 و 105.

3) مسالك الأفهام: 1/ 123.

4) الكافي: 6/ 412 الحديث 5، وسائل الشيعة: 25/ 343 الحديث 32080.

منه يوجب جودة ما، بل الظاهر منه أنّه كذلك، فإنّ في أكل العنب فرحا و انبساطا، فلا عبرة و أن يكون فيه جودة ما، و إن كان هذه الجودة من درجات السكر، بل أوّل درجة منه و يسمّونه بالنشوة؛ فإنّ للسكر عشر درجات، كلّ درجة لها اسم معيّن، و ليس مجرّد فرح و انبساط، بل فرق بينه و بين السكر، كما بيّنّاه في الرسالة (1).

على أنّه يمكن أن يكون التشبّث بالسكر كافيا، و الحكم بالحرمة و غيرها حسما لمادّة الفساد، و لذا حرّم الخمر، و إن [كانت] قطرة قليلة؛ أو [و] إن مزج بالماء و نحوه، كما سيجي‌ء الأخبار الدالّة عليه، مع كونه إجماعيّا.

قوله: و كانت العنب و التمر أشدّ رائحة (2).. إلى آخره.

فيه دلالة على أنّ حال العصير التمري حال العصير العنبي، فتأمّل جدّا!


1) لاحظ! الرسائل الفقهية: 101.

2) الوافي: 20/ 596 الحديث 20083، لاحظ! الكافي: 6/ 393 الحديث 2، وسائل الشيعة: 25/ 283 الحديث 31915.

كتاب النكاح و الطلاق و الولادات

اشارة

[أبواب بدء النكاح و الحثّ عليه و اختيار الزوج و من يحلّ و من يحرم]

[باب الحرّ يتزوّج الأمة]

قوله: عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الحرّ يتزوّج الأمة، قال: «لا بأس إذا اضطرّ إليها» (1).

أمثال هذه الرواية تدلّ على حرمة نكاح الأمة مع عدم الاضطرار؛ لأنّ الظاهر من [عدم] البأس المعلّق على الاضطرار ذلك، مع أنّ الظاهر أنّ ذلك إشارة إلى الآية الشريفة وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا (2)الآية، و هي في غاية الظهور في المنع؛ لمفهوم الحصر الذي هو أقوى من كثير من المنطوقات، بل هو نصّ، و لمفهوم الشرط الذي هو أيضا حجّة.

و يؤيّده أيضا قوله تعالى: وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ (3)، إذ مع العنت الذي هو شدّة المشقّة، يقول: أن تصبروا مع ذلك خير لكم.


1) الوافي: 21/ 149 الحديث 20955، لاحظ! الكافي: 5/ 359 الحديث 1، وسائل الشيعة: 20/ 507 الحديث 26218.

2) النساء (4): 25.

3) النساء (4): 25.

و ابن أبي عقيل ادّعى اتّفاق آل الرسول عليهم السّلام على الحرمة (1)، و يظهر من كلامه أنّه اتّفاقي الشيعة إلى زمانه، و أنّ المخالف جماعة من العامّة.

فيظهر من ذلك أنّ المراد من «لا ينبغي» في رواية أبي بصير (2)و المرسلة (3)هو الحرمة، و يؤيّد الحرمة أيضا رواية يونس (4)، و صحيحة أبي بصير (5)المذكورة في اخر الباب.

[باب الرجل يفسق بالغلام فينكح اخته أو ابنته أو أمّه أو يزوّج ابنته من ابنه]

قوله: عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الرجل يعبث بالغلام، قال: «إذا أوقب حرمت عليه ابنته و اخته» (6).

لا يخفى أنّ هذه الأخبار مقتضاها أنّ الرجل إذا أوقب حرمت عليه أمّ المفعول و اخته، و أمّا إذا كان الواطئ صبيّا، فلم يظهر من هذه الأخبار حاله.

فما قال بعض الفقهاء من التحريم فيه (7)أيضا استناد إلى عموم لفظ «من» في قوله: من أوقب غلاما حرم عليه أمّه و اخته، لعلّه توهّم من ملاحظة كلام الفقهاء، إلّا أن يكون ذلك مجمعا عليه بينهم.


1) نقل عنه في مختلف الشيعة: 7/ 247.

2) الكافي: 5/ 360 الحديث 9، وسائل الشيعة: 20/ 507 الحديث 26217.

3) الكافي: 5/ 360 الحديث 7، وسائل الشيعة: 20/ 508 الحديث 26219.

4) الكافي: 5/ 360 الحديث 8، وسائل الشيعة: 20/ 507 الحديث 26216.

5) تهذيب الأحكام: 8/ 214 الحديث 765، وسائل الشيعة: 21/ 197 الحديث 26885.

6) الوافي: 21/ 187 الحديث 21053، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 310 الحديث 1286، وسائل الشيعة: 20/ 444 الحديث 26048.

7) انظر! مسالك الأفهام: 7/ 343.

و مقتضى مرسلة ابن أبي عمير الثانية (1)نشر الحرمة، و إن وقع بعد نكاح المرأة.

[باب من يحرم بالرضاع]

قوله: الخمسة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام في ابنة الأخ من الرضاعة: لا امر به أحدا و لا أنهى عنه أحدا، و إنّما أنهى عنها نفسي و ولدي، و قال: عرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يتزوّج ابنة حمزة فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و قال: هي ابنة أخي من الرضاعة (2).

لكنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم خطب إلى أمّ هاني اخت أمير المؤمنين عليه السّلام فأبت ذلك، و اعتذرت باشتغالها بالأولاد، و ابتلائها، فمدحها و مدح القريشيّات، روى ذلك الكليني في كتاب النكاح (3)، و ذكرها المصنّف في أوّل كتاب النكاح، في باب فضل نساء قريش (4)، و نقله العامّة أيضا (5).

فيدلّ هذا على بطلان القول بالمنزلة في الرضاع.

و ورد أيضا التصريح بجواز تزويج ابنة أخ الأخ من الرضاعة (6)، كما سيجي‌ء.

و كذا ورد ما يظهر منه جواز تزويج اخت الأخ على كراهيّة (7)، كما هو كذلك


1) الكافي: 5/ 418 الحديث 4، وسائل الشيعة: 20/ 444 الحديث 26049.

2) الوافي: 21/ 215 الحديث 21114، لاحظ! الكافي: 5/ 437 الحديث 5، وسائل الشيعة: 20/ 394 الحديث 25919.

3) الكافي: 5/ 326 الحديث 3.

4) الوافي: 21/ 70 الحديث 20826.

5) تاريخ الطبري: 2/ 417.

6) تهذيب الأحكام: 7/ 323 الحديث 1331، وسائل الشيعة: 20/ 369 الحديث 25848.

7) وسائل الشيعة: 20/ 368 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالنسب.

في النسب، و الفقهاء كلّهم على ذلك، إلّا من شذّ من المتأخّرين المتقاربين لأمثال زماننا (1)، و رواية إسحاق أيضا ظاهرة (2).

قوله: هذان الخبران يدلّان على تحريم أمر بسبب الرضاع ليس هو بمحرّم في النسب (3).

لكنّهما مكاتبتان، و ربّما كانوا يتّقون في [المكاتبة]، مع أنّ [الأخيرة] تتضمّن علّة ظاهرة في عموم المنع في كلّ ما هو بمنزلته، كما قال به من قال بالمنزلة، و قد عرفت فساده، إلّا أن يقال بعدم فهم العموم؛ لأنّ الضمير راجع إلى المرأة المذكورة، و المراد المنزلة بحسب الشرع، لا منزلة سوى ما هي من الشرع في المقام.

و بالجملة، ظواهر الصحاح المستفيضة الدالّة على أنّ الحرام منه هو الحرام من النسب إنّما هو الولد خاصّة، لا اخت الولد، و لا ما هو بمنزلة الولد، و كذا ما ذكرنا في الحاشية السابقة أيضا يعارض الأخيرة إن دلّت على العموم، و التعليل ربّما يشعر بالكراهة.

و الأحوط العمل بمقتضى الروايتين، لصحّة السند، و إن كان فيهما وجوه من الوهن، و لذا لا يتعدّى من مضمونهما.

و لا يجوز أن يقال بعموم المنزلة؛ لعدم مقاومة دلالة العلّة المذكورة- على تقدير تسليمها- دلالة الصحاح، و ظواهرها المعمول بها عند الأصحاب، و صريح بعض الأخبار المعتبرة، بل الصحيحة، و ظاهر بعض المعتبرة، مع التأييد بالعمومات القرآنيّة و الأخباريّة، و اللّه يعلم.


1) كفاية الأحكام: 161.

2) وسائل الشيعة: 20/ 368 الحديث 25847.

3) الوافي: 21/ 225 ذيل الحديث 21122.

[باب حدّ الرضاع الذي يحرّم]

قوله: عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي الحسن عليه السّلام، قال: قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة و الرضعتان و الثلاث؟ فقال: لا، إلّا ما اشتدّ عليه العظم و نبت اللحم» (1).

لا يخفى أنّ الإنسان في سنّ النموّ إلى سنّ الوقوف كلّ غذاء يأكله يصير بعضه بدل ما يتحلّل من بدنه بسبب الحرارة الغريزيّة، و بعض منه يزيد فيزيد في بدنه، و بسببه يحصل النموّ و كبر الجسم، هذا إذا لم يمنع مانع من مرض، أو فساد في الغذاء، أو زيادة تعب و رياضة، لكنّ القدر الذي يحصل من الغذاء الواحد لا يعدّ عرفا نبتا و نموّا و زيادة، و مع ذلك اعتبر في الأخبار اشتداد العظم، و عدم حصوله بذلك قطعي، و ليس بمحسوس أصلا، و لا يعتدّ به مطلقا، و لا يقال عرفا: نبت لحمه من طعام فلان أو مال فلان، إلّا بعد تكرّر و امتداد و إكثار زائد.

فيمكن أن يكون المعتبر هو العرف، أو ما حكم به أهل الخبرة بأنّه حصل القدر المحسوس، و لم يظهر من الأخبار خصوص الحدّ، بل الظاهر أنّه يحتاج إلى تكرّر كثير، قيل: إذا وصل إلى [أن] يقال عرفا: إنّه حصل يكفي (2)، لكن هذا أيضا مثل سابقه يحصى أوّل الحدّ و الدرجة الاولى.

و كيف كان؛ الظاهر من الأخبار كون الإنبات بلبن [يوم] واحد أو بعشرة [رضعات] أيضا، و أنّ ذلك أيضا يشترط فيه التوالي، كما قال بعض (3)- على ما هو


1) الوافي: 21/ 232 الحديث 21136، لاحظ! الكافي: 5/ 438 الحديث 6، وسائل الشيعة: 20/ 381 الحديث 25882.

2) لاحظ! مسالك الأفهام: 7/ 224.

3) لاحظ! السرائر: 2/ 520.

ببالي- و لعلّ ما ذكرناه هو الذي يقول به الفقهاء، كما قال بعض (1)- على ما هو ببالي-.

قوله: عن زياد بن سوقة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: هل للرضاع [حدّ] يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرم الرضاع أقلّ من رضاع يوم و ليلة» (2).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ العمل بهذه الرواية أقوى، من جهة خلوصها عن مفاسد روايات العشر، من ظهور ورودها على التقيّة، و مخالفتها للأخبار الصحيحة و كالصحيحة الصريحة في أنّ العشر لا يحرّم، و بعدها عن مضمون الأخبار الدالّة على أنّه لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم و أنبت اللحم، على حسب ما عرفت و سيجي‌ء أيضا بعض [ما] يضعّفها، و لخلوصها أيضا عن المفاسد التي سنذكرها في الأخبار الدالّة على أنّه لا يحرّم الرضاع إلّا ما كان سنة أو سنتين، مع شذوذ القائل، و عدم صراحة القول بها، و لخلوصها أيضا عن مفاسد يظهر من تحريم الرضعة الواحدة (3)، و هي كثيرة ظاهرة، بل مخالف للأخبار المتواترة.

و أيضا مفاسد روايات العشر مفاسد روايات الواحدة بطريق أولى بمراتب شتّى، مع شذوذ القائل بها، و ربّما يحصل العلم بكونها على التقيّة، إن لم تكن مؤوّلة.

و يؤيّد هذه الرواية الشهرة العظيمة، و إن كانت ممّن تأخّر عن المفيد، بل انحصر العمل بها؛ لما عرفت ممّا هو في الأخبار الدالّة على أنّه لا يحرم من الرضاع إلّا ما أنبت اللحم، و شدّ العظم (4).


1) لاحظ! الحدائق الناضرة: 23/ 355.

2) الوافي: 21/ 236 الحديث 21146، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 315 الحديث 1304، وسائل الشيعة: 20/ 374 الحديث 25860.

3) وسائل الشيعة: 20/ 377 الحديث 25869، 378 الحديث 25871.

4) الوافي: 21/ 231 الباب 36.

مع أنّه ليس في طريق هذه الرواية من يتوقّف في شأنه، سوى عمّار، مع أنّ الشيخ قال في «العدّة»: إنّ الشيعة أجمعوا على العمل بروايات عمّار (1)، مضافا إلى ما حقّق في محلّه من أنّ الموثّق حجّة مطلقا (2).

مع أنّ [فيها] ممّن اجتمعت العصابة على قوله، و رواية أحمد بن محمّد بن عيسى، مؤيّد أيضا، مع ما في متنها من الأحكام المتينة، المعمول بها عند الفقهاء.

قوله: [إنّي تزوّجت امرأة فوجدت امرأة] قد أرضعتني و أرضعت اختها (3)..

إلى آخره.

هذه أيضا ظاهرة في عدم التحريم من العشرة؛ لعدم استفصاله و جوابه على الإطلاق، و يدلّ على التوسعة في أمره، و السند في غاية الاعتبار.

قوله: [و يحتمل أن يكون المراد بذلك] نفي التحريم عمّن أرضع [رضعة] (4).. إلى آخره.

ذلك لأنّ إطلاقات الأخبار محمولة على الغالب، و الغالب عدم تحقّق الخمس عشرة رضعة متوالية- مثلا- إلّا من المجبور.

قوله: عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن امرأة درّ لبنها [من غير ولادة] (5).. إلى آخره.

ظاهر الصدوق؛ [تجويز] العمل به، و بما تضمّن الحولين، و عدم تجويزه


1) عدّة الاصول: 1/ 150.

2) الفوائد الحائريّة: 141 (الفائدة 10).

3) الوافي: 21/ 238 الحديث 21149، لاحظ! الكافي: 5/ 444 الحديث 1، وسائل الشيعة: 20/ 380 الحديث 25879.

4) الوافي: 21/ 240 ذيل الحديث 21154.

5) الوافي: 21/ 241 الحديث 21159، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 3/ 308 الحديث 1484، وسائل الشيعة: 20/ 398 الحديث 25928.

العمل بغيرهما (1)، كما لا يخفى على المتأمّل، و ربّما قيل بأنّ الحقّ معه، لصحّة الأخبار و مخالفتها لمذهب جميع العامّة (2).

و يشكل أنّ بينها تدافع، و مع ذلك مخالفة للصحاح الكثيرة لتحريم الرضاع المنبت للّحم و العظم، و الأخبار التي أفتوا بمضمونها، و شذوذ المعارض، كما ذكره الشيخ (3)، و مخالفته لإطلاق القرآن و الأخبار الكثيرة، بل المتواترة مخالفة شديدة، إذ تحقّق الرضاع سنتين أو سنة في غاية الندرة، إذا لم يتخلّل بينها رضاع اخر، بل و مطلقا أيضا.

على أنّا ذكرنا أنّ المتبادر هو الذي لم يتخلّل فتأمّل.

و يخالفها أيضا ظواهر الأخبار الآتية في باب أنّه لا تصدّق مدّعية الرضاع (4).

على أنّه ربّما كان هذه الروايات خلاف المجمع عليه القدماء و المتأخّرون، كما لا يخفى على المتأمّل.

[باب صفة لبن الفحل]

[قوله]: و قد قالوا عليهم السّلام: «إذا جاءكم عنّا حديث، فاعرضوه على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف فردّوه» (5)، فما بال أكثر أصحابنا أخذوا بهذه الأخبار الثلاثة، و تركوا ما وافق الكتاب (6).


1) من لا يحضره الفقيه: 3/ 306 ذيل الحديث 1468.

2) كفاية الأحكام: 159.

3) تهذيب الأحكام: 7/ 318 ذيل الحديث 1315.

4) الوافي: 21/ 257 الباب 39 من أبواب بدء النكاح و الحثّ عليه.

5) وسائل الشيعة: 27/ 118 الحديث 33362.

6) الوافي: 21/ 249 ذيل الحديث 21171.

لا يخفى أنّهم عليهم السّلام و إن قالوا ذلك؛ إلّا أنّهم قالوا أيضا بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب و ما وافقهم، و ما خالف العامّة، و مدار الفقه على ذلك؛ فإنّ مخالفة فقه الشيعة لظواهر الكتاب أكثر من أن تحصى؛ منها: في مسائل الإرث، و غيرها ممّا لا يحصى، بل مسألة الرضاع أيضا مخالفة بالبديهة، فإنّ الظاهر من القرآن انحصار الحرمة في الامّ و الاخت ليس إلّا، لقوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (1).

مع أنّ محرّمات النكاح أيضا غير منحصرة فيه بالبديهة، بل المحرّم في السنّة و الإجماع في غاية الكثرة، مع أنّه ورد منهم عليهم السّلام: «إنّ في القرآن ظواهر و بطونا كثيرة سبعة أو أزيد» (2)، و أنّه: «إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (3)، و أنّه «يعرفه علماء آل محمّد عليهم السّلام» (4)، و أنّه «لا يعرفه إلّا الراسخون في العلم»، كما هو منصوص القرآن (5)، و الراسخون فيه هم الأئمّة عليهم السّلام لا غير (6)، ذلك إلى الحدّ الذي منع الأخباريّون من الاحتجاج بالقرآن مطلقا، و هم و إن أخطئوا في ذلك، لتصريحهم عليهم السّلام بأنّه يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ (7)إلّا أنّ الغرض حصول وهن بالقياس إلى ما ورد منهم عليهم السّلام من الأخذ بما اشتهر، و الأخذ بما خالف العامّة (8)، و غير ذلك.


1) النساء (4): 24.

2) لاحظ! تفسير الصافي: 1/ 31 و 59.

3) الكافي: 8/ 311 الحديث 485.

4) بصائر الدرجات: 196.

5) آل عمران (3): 7.

6) لاحظ! الكافي: 1/ 213 باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم السّلام.

7) وسائل الشيعة: 1/ 464 الحديث 1231.

8) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

[اعتبار اتّحاد الفحل]

و معلوم أنّ اتّحاد الفحل و كونه شرطا من جملة ما اشتهر منهم، بل و أشدّ من ذلك، بل الظاهر كونه إجماعيّا، كما نقله أهل الخبرة و المهارة من فحول فقهائنا (1)، كما لا يخفى.

بل غير خفي على العارف كونه من شعار الشيعة كنظائره ممّا هو مسلّم عند المصنّف أيضا؛ إذ العامّة كثير منهم بالغوا في خلافه، حتّى جعلوا التحريم مختصّا بكونه من قبل الامّ، من غير مدخليّة للفحل فيه أصلا، و كثير منهم أدخلوا الفحل أيضا و جعلوه من قبل الامّ (2)لظواهر [ال] نصوص [و] أخبارهم، و إن كان ظاهر الآية، كما اختاره الفرقة الاولى منهم.

و ممّا يشير إلى ذلك التأمّل في حديث محمّد بن عبيدة (3)الآتية مع ضعف سنده، و مخالفته للمشتهر بين الشيعة، و مخالفته لأخبار الثقات و العدول التي هي كثيرة غاية الكثرة، لو لم نقل بتواترها.

و ورد في المقبولة المسلّمة عند الشيعة ترجيح رواية الأعدل. على غير الأعدل (4)، فما ظنّك إذا لم يكن عدالة أصلا؟! و مدار الشيعة على الترجيح المذكور أيضا، و مدار الفقه عليه أيضا.

و مع ذلك ظاهره عدم رضا المعصوم عليه السّلام بعدم اعتبار لاتّحاد الفحل أصلا، كما ستعرف، فهو أيضا دليل المشهور، لا أنّه يضرّهم، فلاحظ!

و ما ذكره من أنّهم أخذوا بالأخبار الثلاثة، و تركوا ما وافق الكتاب- مع


1) لاحظ! السرائر: 2/ 553، تذكرة الفقهاء: 2/ 621، الحدائق الناضرة: 23/ 369.

2) بدائع الصنائع: 4/ 1، المغني لابن قدامة: 7/ 87.

3) تهذيب الأحكام: 7/ 320 الحديث 1322، وسائل الشيعة: 20/ 391 الحديث 25910.

4) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

ذكره هنا أخبارا اخر صريحة في اعتبار اتّحاد الفحل، مع صحّة سند الأكثر، و غاية اعتبار سند غير الصحيح؛ لأنّ عمّار الساباطي نقل الشيخ في «العدّة» إجماع الشيعة على العمل برواياته (1)، كما يظهر منه في كتابي حديثه، بل كلّ كتبه، بل كلّ قدماء الشيعة، كما لا يخفى على الخبير- عجيب.

و أعجب من جميع ما ذكر، جعله رواية محمّد بن عبيدة موافقة للكتاب، مع صراحتها في عدم الموافقة، كما هو ظاهر.

و أعجب من الكلّ، جعل ما ذكره سابقا ثلاثة، مع كونها أكثر بالبديهة.

و الحاصل؛ أنّ الأخبار الظاهرة في اعتبار اتّحاد الفحل متواترة، منها: ما ذكره المصنّف في هذا الباب، و منها: ما ذكره غيره أيضا، أو هو في غير هذا الباب، مثل ما ذكره في «وسائل الشيعة» (2).

قوله: عن محمّد بن عبيدة الهمداني قال: قال الرضا عليه السّلام: «ما يقول أصحابك في الرضاع؟ قال: قلت: كانوا يقولون: اللبن للفحل حتّى جاءتهم الرواية عنك أنّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3).. إلى آخره.

هذا ينادي بأعلى صوته اتّفاق الشيعة على اعتبار اتّحاد الفحل قبل اطّلاعهم بقوله عليه السّلام، و قد عرفت حال ما اشتهر بينهم، و مع ذلك أظهر عليه السّلام كونه كارها في القول المذكور، و أنّ المقام كان مقام [ال] تقيّة صريحا، و معلوم أنّ التقيّة لم يكن إلّا في موافقة الشيعة، و كراهته الكلام أيضا لذلك.

و من اليقينيّات أنّه عليه السّلام لم يكن في مقام التقيّة، و كراهة الكلام مظهرا لمخّ


1) عدّة الاصول: 1/ 150.

2) وسائل الشيعة: 20/ 388 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

3) الوافي: 21/ 250 الحديث 21175، لاحظ! الكافي: 5/ 441 الحديث 7، وسائل الشيعة: 20/ 391 الحديث 25910.

الحقّ، و ردّ أهل السنّة، و ردّ كتاب اللّه [بل هو عليه السّلام] مضطرّ في اختيار ما هو المعروف بين العامّة و ما جوّزوه، فأظهر عليه السّلام هذا الكلام منّة لئلّا تضر الشيعة بما صدر منه في هذا المقام و يتركوا ما هو الحقّ عندهم.

و لهذا لم يترك الشيعة بعد هذا الاظهار، و رجعوا إلى حالهم السابق و اتّفقوا على اعتبار اتّحاد الفحل، كما كانوا كذلك إلى أن ظهر لديهم من أنّه عليه السّلام كان في مقام التقيّة ملجأ في الذكر، بل قال بعض الفقهاء: إنّ أبا الحسن هنا هو المامون الخليفة (1)، و لذا لم يكن في الأصل رمز عليه السّلام كما قال، و هو أعلم بالحال.

و على هذا فللمعصوم عليه السّلام أن يقول: لم يكن منه، بل سكت و تلقّى بالقبول إلجاء، فتأمّل!

قوله: و أنت تعلم أنّ هذا الخبر الموافق للكتاب و السنّة المتواترة (2)..

إلى آخره.

الظاهر أنّ مراده منها حديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3)، و أنت بعد ملاحظة هذا و كيفيّة نقله، يظهر عليك ظهورا تامّا أنّه إن كان متواترا، فما دلّ على اتّحاد الفحل يكون متواترا، و متواترا أزيد منه بمراتب شتّى.

مع أنّ رواية العجلي (4)نصّ في انحصار النسب في جانب الفحل دون المرأة، و أنّ ما هو من طرف المرأة فهو من المصاهرة، لا النسب، و الرواية المذكورة في غاية قريبة من الصحّة بحسب السند، و من جهة إيراد الكليني إيّاها في كتاب بطريقين صحيحين إلى ابن محبوب (5)، و هو ممّن أجمعت العصابة، و غيره من أسباب القوّة،


1) لم نعثر عليه.

2) الوافي: 21/ 251 ذيل الحديث 21175.

3) من لا يحضره الفقيه: 3/ 305 الحديث 1467، وسائل الشيعة: 20/ 388 الحديث 25902.

4) وسائل الشيعة: 20/ 388 الحديث 25902.

5) الكافي: 5/ 442 الحديث 9، وسائل الشيعة: 20/ 388 الحديث 25902.

مع أنّ الكليني قال في صدر كتابه ما قال.

و رواها الصدوق (1)أيضا مع أنّه مثل الكليني رواها بطريق صحيح، و قال في أوّل «الفقيه» ما قال.

و أمّا الشيخ فأساس عمله عليها (2)، مع جميع ما ورد في اعتبار اتّحاد الفحل من الأخبار المتواترة يوافقها و يعضدها، و مبنيّة عليها، كما لا يخفى؛ لأنّها السبب في اشتراط الاتّحاد، و السرّ فيه، كما لا يخفى، مع أنّ العمل باشتراطه مجمع عليه- كما عرفت- و معلوم أنّ الأخبار يكشف بعضها عن بعض.

و ممّا يعضدها و يشهد عليها، بل و يعيّنها ما مرّ في مبحث الخمس و مستحقّه من كون المعتبر هو الانتساب بالأب خاصّة (3)، و كذا في مباحث الوقوف و النذور و نحوها، و ما ورد منهم عليهم السّلام أنّ من كان أمّه من هاشم و أبوه من سائر الناس لا يستحقّ أخذ الخمس، بل يأخذ الزكاة كسائر الناس (4).

بل ورد أنّ أصل الولد أبوه لا أمّه، بل المرأة وعاء (5)و غير ذلك ممّا مرّ هناك، و أنّ ذلك لا يضرّ كون الأئمّة عليهم السّلام من آل الرسول عليهم السّلام؛ لأنّ اللّه تعالى جعل نسله في صلب علي عليه السّلام، كما جعل نسل الأنبياء السابقة في أصلابهم، و لأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن [له] أولاد ذكور و انحصر في الإناث، إلى غير ذلك ممّا مرّ هناك، و تمام التحقيق يطلب ممّا كتبناه هناك.

و الحاصل؛ أنّ مقتضى ذلك انحصار النسب المعتبر في الذي يكون من قبل


1) من لا يحضره الفقيه: 3/ 305 الحديث 1467.

2) الخلاف: 4/ 302 المسألة 73.

3) مصابيح الظلام: 11/ 75- 80.

4) الكافي: 1/ 539 الحديث 4، وسائل الشيعة: 9/ 513 الحديث 12607.

5) تهذيب الأحكام: 7/ 477 الحديث 1971، وسائل الشيعة: 20/ 443 الحديث 26046.

الأب لا الامّ للتبادر و غير ذلك، لكن في مقام تحريم المناكحة وقع الإجماع، بل الضرورة من الدين تحريم جميع من هو أصل في الخلقة و التكوّن، و من هو فرع، و هكذا من دون فرق بين المنتسب بالأب أو الامّ.

و لذا عرّف الفقهاء بأجمعهم الامّهات ممّن يكون الرجل منهنّ ولادة، و كذلك بنات الأخ، و بنات الاخت ممّن يكون من الشخص سواء كان من الذكور أو الإناث، و لذا قالوا بأنّه يحرم من الرضاع جميع من يحرم بالنسب (1)بالنحو الذي ذكر بلا تأمّل.

لكن لا يقولون بأنّه يحرم منه ما يحرم بغير النسب، مثل المصاهرة أو الرضاع و نحوهما، و وجهه واضح كمال الوضوح.

و لذا يقولون: إنّه يحرم من الرضاع الامّ التي أرضعت، و أمّ تلك الامّ، و أمّ أمّها، و أمّ أبيها، و أمّ أبي أمّها و هكذا؛ لأنّه يحرم من الرضاع جميع من يحرم بالنسب، بخلاف مرضعة المرضعة؛ فإنّها غير داخلة في الامّهات النسبيّة، بل أمّ رضاعيّة، و لا نفهم من الحديث إلّا الامّهات النسبيّة من الجهة التي عرفت.

و كذلك الحال في رضاع المرضعة؛ فإنّا لا نفهم إلّا الولد [الذي] ارتضع، و الأولاد النسبيّة لا الرضاعيّة.

نعم، لو كان يتأتّى اتّحاد الفحل في الرضاعين، بحيث يصير المرتضع و المرتضعة ولدي الفحل، صار [ت] المرتضعة اخت المرتضع من الفحل المذكور، لتحقّق التحريم، مثل أنّ زينب أرضعت زيدا، و أرضعت فاطمة من فحل، فجميع أولاد هذا الفحل محرّم عليهما نسبا و رضاعا، بخلاف أولاد زينب، فإنّما يحرم نسبا خاصّة لا رضاعا، إلّا مع اتّحاد الفحل فيحرم؛ لكونهم أولاد الفحل، فتأمّل!


1) المقنعة: 499، تهذيب الأحكام: 7/ 291 ذيل الحديث 1221.

[باب أنّه لا رضاع بعد فطام]

قوله: [كأنّه أراد به أن يشربا من الثدي] معا شربة هذا [و شربة هذه] (1)..

إلى آخره.

يعني أن يكون شربة الصبيّة في أوقات شربة الصبي، لا في زمان كونه فطيما، فيكون كلام ابن بكير هذا تأكيدا لكلام السابق، فتأمّل!

[باب سائر المحرّمات]

قوله: عن أديم بن الحرّ، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «التي تتزوّج و لها زوج يفرّق بينهما، ثمّ لا يتعاودان أبدا» (2).

ربّما يظهر منها، و من موثّقة أديم (3)الآتية تأبيد التحريم مطلقا، و هذا خلاف [ال] فتوى، إلّا أن يقال بتبادر صورة العلم، أو عدم تبادر صورة الجهل؛ بأنّ صورة الجهل يسأل عنها هكذا: يتزوّج، ثمّ علم بعد ذلك أنّ لها زوجا، و الموثّقة ربّما كانت أظهر.

و يؤيّد ما ذكرناه ملاحظة [رواية] اسحاق بن عمّار (4)الآتية و أمثالها، مضافة إلى نهاية شيوع التخصيص إلى أن تلقّي بالقبول أنّه «ما من عام إلّا و قد


1) الوافي: 21/ 255 ذيل الحديث 21179.

2) الوافي: 21/ 277 الحديث 21215، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 305 الحديث 1271، وسائل الشيعة: 20/ 446 الحديث 26055.

3) الوافي: 21/ 278 الحديث 21219، لاحظ! تهذيب الأحكام: 5/ 329 الحديث 1132، وسائل الشيعة: 12/ 440 الحديث 16717.

4) الوافي: 21/ 280 الحديث 21223، لاحظ! الكافي: 5/ 428 الحديث 10، وسائل الشيعة: 20/ 453 الحديث 26074.

خصّ»، فتأمّل!

فمع ضعف الدلالة يظهر من المرفوعة (1)القيد بالعلم؛ لأنّ قوله عليه السّلام:

«و علم» .. إلى آخره قيد، فالمفهوم مفهوم [ال] قيد، فيكون حجّة، و السند منجبر بعمل الأصحاب.

و يظهر القيد أيضا من صحيحة البجلي الآتية؛ فإنّ قوله عليه السّلام: «و قد يعذر الناس» (2).. إلى آخره تعليل، فيستفاد منه التعميم و الشمول لما نحن فيه.

مع أنّ حال العدّة حال صورة النكاح، [و] ما ذكر يفهمه الأصحاب، و فهمهم و اتّفاقهم فيه من أقوى المؤيّدات.

و يؤيّد [ه] أيضا جعل عقد المحرم مثل عقد ذات الزوج في موثّقة ابن بكير [عن أديم] (3)، و الأوّل مشروط بالعلم ظاهرا.

و يؤيّده أيضا استصحاب الحالة السابقة، و الاصول و العمومات، سيّما قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ (4)الآية، و أمثاله ممّا ورد في ذكر المحرّمات و ظهور حصرها في غيره.

[حرمة وطء الزوجة قبل التسع]

قوله: عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، فرّق بينهما، و لم تحلّ له أبدا» (5).


1) الكافي: 5/ 429 الحديث 11، وسائل الشيعة: 20/ 449 الحديث 26064.

2) الوافي: 21/ 279 الحديث 21222، لاحظ! الكافي: 5/ 427 الحديث 3، وسائل الشيعة: 20/ 450 الحديث 26068.

3) الوافي: 21/ 278 الحديث 21219، لاحظ! تهذيب الأحكام: 5/ 329 الحديث 1132، وسائل الشيعة: 12/ 440 الحديث 16717.

4) النساء (4): 24.

5) الوافي: 21/ 285 الحديث 21235، لاحظ! الكافي: 5/ 429 الحديث 12، تهذيب الأحكام: 7/ 311 الحديث 1292، وسائل الشيعة: 20/ 494 الحديث 26181.

لعلّه محمول على صورة تحقّق الإفضاء بناء على أنّ الغالب تحقّق هذا المعنى، و لأجله حرّم وطؤها قبل التسع، إلّا أنّ الشيخين (1)عملا بظاهر هذه الرواية، و هو مشكل؛ لعدم صحّة السند، و عدم وضوح الدلالة لما ذكرنا، بضميمة أنّ إطلاقات الأخبار محمولة على الفروض الغالبة، فتأمّل!

و سيجي‌ء في باب الحدّ الذي يدخل بالمرأة، فيه أخبار كثيرة ظاهرة في عدم التفريق بينهما بمجرّد الدخول، إلّا أن يتحقّق الإفضاء، و لذا أفتى المشهور بذلك، و أنّ هذا لا يصير منشأ لخروجها عن عصمة النكاح.

[باب عدد ما أحلّ اللّه سبحانه من متعة النساء]

قوله: و لعلّ المراد بالاحتياط هنا الحذر من اطّلاع المخالفين (2).

لا تأمّل في أنّ المراد من الاحتياط في الحديث هو هذا.

[باب ما خصّت به فاطمة عليها السّلام في التزويج]

[حكم الجمع بين الفاطميّتين]

قوله: عن ابن أبي عمير، عن رجل من أصحابنا، قال: سمعته يقول: «لا يحلّ لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة عليها السّلام؛ إنّ ذلك يبلغها فيشقّ عليها، قلت: يبلغها؟ قال: إي و اللّه» (3).


1) النهاية للشيخ الطوسي: 453، تهذيب الأحكام: 7/ 311 ذيل الحديث 1291، لم نعثر على قول المفيد في مظانّه، لاحظ! جواهر الكلام: 29/ 418.

2) الوافي: 21/ 308 ذيل الحديث 21294.

3) الوافي: 21/ 316 الحديث 21308، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 463 الحديث 1855، وسائل الشيعة: 20/ 503 الحديث 26206.

ص: 552

إطلاقات الأخبار محمولة على المتعارف الغالب، و الغالب أنّ الزوجات إذا صرن ضرّات يحصل بينهنّ الكدورات و المضرّات و النفرة، من جهة ما فيهنّ من الغيرة، و الأزواج لا يخرجون عن عهدة الاحترام اللازم بالعلويّات حينما صرن ضرّات، و لا يصلحون ما بينهنّ، بل في الغالب المفاسد بينهنّ من طرف سلوك أزواجهنّ و غيرتهنّ من هذه الجهة، فالنهي لم يتعلّق بنفس العقد، بل بما يترتّب عليه غالبا و هو الشاقّيّة على فاطمة عليها السّلام، على ما يصرّح به التعليل، بقوله عليه السّلام: «إنّ ذلك يبلغها» .. إلى آخره.

و إطلاقه وارد مورد الغالب، كقولهم عليهم السّلام: «دم الحيض أسود، و الاستحاضة أصفر» (1)، و منه قولهم عليهم السّلام: «إنّ الصيرفي لا يسلم عن الربا» (2)و أمثال ذلك ممّا لا يحصى، مع أنّ أعاظم أصحاب الأئمّة عليهم السّلام كانوا صيارفة مع عدم تأمّل لأحد في عدالتهم، بل جلالتهم.

و ورد في الأخبار أيضا عدم البأس إذا أخذ سواء و أعطى سواء (3).

هذا؛ مع أنّ حرمة الربا من ضروري الدين.

فعلى هذا ما أشرنا إليه من سبب الشاقّيّة عليها عليها السّلام لم يكن [فيه] بأس، نظير ما عرفت من الصرف و غيره.

و كيف كان؛ لم يتعلّق النهي إلّا بما هو خارج عن العقد، و هو الشاقّيّة، لا نفس العقد بلا تأمل و لا ريبة، ينادي به التعليل المذكور، فلا يدلّ على فساد العقد؛ للاتّفاق على عدم اقتضاء النهي الفساد إذا تعلّق بالعبادات إذا كان تعلّقه بالخارج


1) الكافي: 3/ 91 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 275 الحديث 2133.

2) الكافي: 5/ 114 الحديث 4، وسائل الشيعة: 17/ 135 الحديث 22186.

3) وسائل الشيعة: 18/ 181 الباب 7 من أبواب الصرف.

ص: 553

عنها، فما ظنّك بالمعاملات؟! لأنّ الحقّ و المحقّق عند المحقّقين أنّ النهي بالمعاملات لا يقتضي فسادها، و إن تعلّق بنفس المعاملة، و هو بيّن و مبيّن في موضعه (1)، و مسلّم عندهم.

بل هذه الرواية صريحة في صحّة هذا العقد و الجمع؛ إذ لو لم يصحّ لكان وجوده كعدمه، فلم يتحقّق جمع، فأيّ شي‌ء يشقّ على فاطمة عليها السّلام؟

و لا شكّ في أنّ الذي يشقّ عليها عليها السّلام هو الجمع، و صيرورة الثنتين معا زوجة رجل، و لو لا ذلك لم يشقّ عليها أصلا؛ نظير ذلك تزويج رجل امرأة أو طلاقه إيّاها يتأذّى بذلك أبواه، و يحصل عقوقهما، أو يحصل فتن اخرى أيضا، مثل القتل و النهب و غيرهما، كما شاهدنا مكرّرا، بترتّب المفاسد المذكورة على نكاح أو طلاق أو منع أو غيرها.

و لا شكّ في أنّ تلك المعاملات صحيحة، و إن علم ترتّب الفتن عليها من قبل و حين وقوعها، ثمّ ترتّب عليها تلك الفتن و أشدّ منها و أزيد؛ فإنّ صحّتها لا تنافي ذلك، بل الفتن لا تترتّب إلّا على صحّتها، و لو لم تكن صحيحة لم يترتّب عليها شي‌ء من العقوق و الأذيّة و الفتنة، بل و لا حزازة أصلا.

فظهر أنّ هذه الرواية تدلّ على صحّة الجمع بين العلويّتين، موافقة للعمومات القرآنيّة، و العمومات الكثيرة الأخباريّة، و الاصول الثابتة الشرعيّة، و إجماع جميع الامّة (2)، حتّى الشيخ؛ الراوي لهذه الرواية، و الصدوق (3).

و أمّا الدلالة على الحرمة، فقد عرفت دلالتها على حرمة ما يترتّب على


1) الفوائد الحائريّة: 173 الفائدة (15).

2) لاحظ! الخلاف: 4/ 293 المسألة 62.

3) علل الشرائع: 2/ 590 الحديث 38، تهذيب الأحكام: 7/ 463 الحديث 1855، وسائل الشيعة: 20/ 503 الحديث 26206.

ص: 554

العقد، لا نفس العقد.

و علمت أنّ الترتّب ليس بعنوان اللزوم، بل بعنوان الكثيرة من النفوس القاصرة، و من جهة قصورها، نظير الصيارفة و غيرها ممّا أشرنا إليه في الجملة، بل غير خفي على الفطن أنّ غالب المعاملات، بل العبادات أيضا يترتّب عليها محرّمات خارجة.

و ممّا ذكر، لم تصر هذه الرواية مخالفة للايات الكثيرة، و الأخبار المتواترة، و المشتهر بين الأصحاب الذي ورد منهم عليهم السّلام الأمر بالأخذ به معلّلين بأنّه لا ريب فيه، و لا مخالفة للسنّة، و أمرونا بترك ما خالفها كما أمرونا في الأخبار المتواترة بترك ما خالف القرآن، بل بترك ما لم يوافق القرآن، و ترك ما لم يشابه الأحكام الصادرة منهم عليهم السّلام، و ترك رواية غير الأعدل (1)، فما ظنّك إذا لم تكن عن عادل؟!

مع أنّ الأدلّة قائمة على اشتراط العدالة في حجّيّة الرواية أو الانجبار بمثل الشهرة، فما ظنّك إذا عارض الأدلّة القطعيّة و المسلّمة المذكورة، و اللّه يعلم.

لا يقال: نقل الشيخ و الصدوق هذه الرواية من غير تعرّض لتوجيه؛ ظاهر في إفتائهما بها، و إن لم يكونا قائلين في كتب فتاويهما؛ إذ لعلّه تغيّر رأيهما.

لأنّا نقول: لا حاجة إلى التعرّض لتوجيه؛ لما عرفت، مع أنّ عادة المصنّفين إيراد جميع ما رووه، لا الاقتصار على ما يفتون به، على ما صرّح به الشيخ في «العدّة» و الصدوق في أوّل «الفقيه» (2)، و لذا لم يرو هذه الرواية في «الفقيه»، و لا في أحد من كتب فتواه، بل رواها في «العلل»، و صرّح فيه بأنّه يروي ما تضمّن علّة و إن لم يكن صحيحا، بل يكون فاسدا غلطا (3).


1) وسائل الشيعة: 27/ 106 الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

2) عدة الأصول: 1/ 131، من لا يحضره الفقيه: 1/ 3.

3) علل الشرائع: 1/ 156 ذيل الحديث 2، 305 ذيل الحديث 1، 2/ 350 ذيل الحديث 6.

ص: 555

و يظهر أيضا من كلام باقي الفقهاء و طريقة المصنّفين خصوصا فيما رووه في الكفر و الإيمان ممّا تضمّن الجبر و التشبيه، أو عدم عصمة نبي عليه السّلام، أو إمام عليه السّلام، أو غير ذلك من أسباب الكفر، من دون إشارة إلى توجيه أصلا، و كذا ما رووه في المستحبّات و المكروهات، و الآداب ممّا هو ظاهر في الوجوب أو الحرمة، من دون إشارة إلى توجيه أصلا، إلى غير ذلك، كما لا يخفى على المطّلع.

[النكاح المنقطع]

[باب إثبات المتعة و ثوابها]

قوله: عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إنّما نزلت فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ- إلى أَجَلٍ مُسَمًّى- فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (1)(2).

هذا الخبر مع ظاهر الآية و الأخبار الدالّة على أنّ المتعة مستأجرة، ظاهرها عدم صحّة ما تعارف عند بعض أنّهم يزوّجون بنتهم الرضيعة أو الصغيرة التي ليست بقابلة للتمتّع منها بوجه من الوجوه؛ لا القبلة، و لا النظر، و لا غير ذلك؛ لعدم الحرمة قبل النكاح أيضا، يزوّجونهنّ ساعة أو يوما متعة، و أمثال ذلك؛ يفعلون ذلك لحلّيّة النظر إلى الامّ.

فإن جعل الحلّيّة هي التمتّع المطلوب، فلا شكّ في فساده؛ فإنّ التمتّع إنّما هو من الزوجة، لا من أمّها.

و إن جعل الحلّيّة متحقّقة على سبيل القهر الشرعي، فهذا فرع صحّة تلك المعاقدة و المزاوجة، و جعلها منشأ للحكم بالصحّة دور ظاهر مع فساده في نفسه كما عرفت.


1) النساء (4): 24.

2) الوافي: 21/ 336 الحديث 21327، لاحظ! الكافي: 5/ 449 الحديث 3، وسائل الشيعة: 21/ 5 الحديث 26358.

ص: 556

و عموم أَوْفُوا (1)يقتضي صحّة عقد يكون على العاقد أمرا يتأتّى منه الوفاء، و يكون تحت اختياره الوفاء به حتّى يصير مطلوبا بوجوب الوفاء؛ لأنّ التكليف إنّما هو في الامور الاختياريّة، و هنا ليس أمر- أصلا- يتأتّى من العقد، فضلا عن كونه تحت الاختيار.

مع ما عرفت من أنّ المتعة لا بدّ فيها من قابليّة تمتّع و إمكانه، و إن لم يستوف الزوج باختياره، أو لجهة اخرى، و كتبنا رسالة في هذا، و بسطنا الكلام فيها (2).

[باب كراهيّة المتعة مع الاستغناء و الشين]

قوله: إنّما أردت أن أعلمها (3).. إلى آخره.

الظاهر أنّه عليه السّلام قال له ذلك ألّا تفعل، اتّقاء عليه؛ لأنّه كان وزير الخليفة، لا أنّه مع الاستغناء لا يستحبّ، كما فهمه المصنّف؛ لمخالفته للأخبار التي كادت تبلغ التواتر (4)، و كذا في رواية الفتح بن يزيد (5).

[باب أنّها مصدّقة على نفسها]

قوله: عن فضالة عن ميسّر، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول لها: لك زوج؟ تقول: لا، فأتزوّجها؟ قال: «نعم،


1) المائدة (5): 1.

2) لاحظ! الرسائل الفقهيّة: 231.

3) الوافي: 21/ 347 الحديث 21346، لاحظ! الكافي: 5/ 452 الحديث 1، وسائل الشيعة: 21/ 22 الحديث 26420 مع اختلاف يسير.

4) وسائل الشيعة: 21/ 5 الباب 1 من أبواب المتعة.

5) الكافي: 5/ 452 الحديث 2، وسائل الشيعة: 21/ 22 الحديث 26421.

ص: 557

هي المصدّقة على نفسها» (1).

ظاهر هذه الأخبار أنّها مصدّقة على نفسها، و إن علم أنّه كان لها زوج في الأزمنة الماضية و ادّعت أنّها مطلّقة، أو مات عنها زوجها، كما لا يخفى على من تأمّل فيها، فتأمّل!

[باب التمتّع بالأبكار و ما يوجب منه العار]

قوله: عن زياد بن أبي الحلال، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «لا بأس بأن يتمتّع بالبكر، ما لم يفض إليها كراهيّة العيب على أهلها» (2).

هذه الأخبار- مع صحّة أسانيد، و اعتبار سند بعضها، و موافقتها للعمومات و الإطلاقات الواردة في الأخبار السابقة و الآتية، سيّما في باب شروط المتعة- تدلّ على جواز نكاح الباكرة بغير [إذن] أبيها و جدّها بعنوان الدوام أيضا، بل بطريق أولى، كما هو المشهور، فتأمّل!

و ممّا ذكر ظهر أنّ ما دلّ على أنّ الباكرة لا اختيار [لها] أصلا، أو شريكة مع الأب في الاختيار مطلقا (3)محمول على التقيّة؛ لعدم إمكان حمل هذه الأخبار على التقيّة، و هم عليهم السّلام في مقام تعارض الأخبار أمرونا بترك ما وافق العامّة، و الأخذ بما وافقهم (4)، بل أمرونا بترك ما هو أوفق لمذهب العامّة، و قالوا: إنّ الرشد فيما خالف


1) الوافي: 21/ 355 الحديث 21361، لاحظ! الكافي: 5/ 462 الحديث 2، وسائل الشيعة: 21/ 30 الحديث 26442.

2) الوافي: 21/ 358 الحديث 21367، لاحظ! الكافي: 5/ 462 الحديث 2، وسائل الشيعة: 21/ 32 الحديث 26447.

3) وسائل الشيعة: 20/ 267 الباب 3، 272 الباب 4 من أبواب عقد النكاح.

4) كذا، و الظاهر الصحيح: بما خالفهم.

ص: 558

العامّة مطلقا (1).

قوله: عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت: الجارية ابنة كم لا تستصبى؟ ابنة ستّ أو سبع؟ فقال: «لا» (2).. إلى آخره.

هذا أيضا ظاهره عدم اشتراط إذن الولي في عقد الباكرة مطلقا.

قوله: عن أبي الحسن الأوّل عليه السّلام قال: «إذا تزوّجت البكر؛ بنت تسع سنين، فليست مخدوعة» (3).

ظاهره نكاح الدوام، و أنّه لا يشترط إذن الولي؛ لأنّ تزويج الولي جائز من دون تحقّق خدعة و توهّمها. و بالجملة؛ الخدعة قرينة على ما ذكرنا، فتأمّل!

[باب التمتّع بالإماء]

قوله: [هذه الأخبار الثلاثة مخالفة للقرآن] و لظاهر ما تقدّم [عليها] (4).

و مخالفة لما اشتهر بين الأصحاب أيضا، و يكون الشاذّ الذي امرنا بترك العمل به، بل مخالفة للإجماع؛ لأنّ الشيخ و إن أفتى بمضمونها في «النهاية» (5)إلّا أنّه رجع عن فتواه به في سائر كتبه (6).


1) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

2) الوافي: 21/ 360 الحديث 21375، لاحظ! الكافي: 5/ 463 الحديث 5، وسائل الشيعة: 21/ 36 الحديث 26462.

3) الوافي: 21/ 360 الحديث 21376، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 468 الحديث 1875، وسائل الشيعة: 21/ 36 الحديث 26463.

4) الوافي: 21/ 367 ذيل الحديث 21391.

5) النهاية للشيخ الطوسي: 490.

6) الرسائل العشر (المسائل الحائريّات): 288، لاحظ! مختلف الشيعة: 7/ 222.

ص: 559

و أيضا مخالفة لمثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «لا يحلّ مال [امرئ] مسلم، إلّا من طيب نفسه» (1)و غيره ممّا يدلّ على حرمة الغصب و التصرّف في مال الغير بغير إذنه.

و مخالفة للسنّة أيضا، و امرنا بترك العمل بما خالفها، و غير مشابهة لسائر أحكام أهل البيت عليهم السّلام، و امرنا بترك العمل بمثله (2).

و مع جميع ذلك، وقع الاضطراب في سندها و متنها.

قوله: فيشكل العمل بها (3).. إلى آخره.

بل هو [مخالف ل] كثير من الأخبار الظاهرة في الحرمة بخصوصها؛ منها ما سيجي‌ء في باب تحليل الإماء، فلاحظ و تأمّل! و باب تزويج الإماء و العبيد، و باب حكم نكاح الأمة إذا بيعت أو بيع زوجها، و غير ذلك.

[باب النظر لمن أراد التزويج]

قوله: عن الحسن بن السريّ، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يريد أن يتزوّج المرأة، يتأمّلها و ينظر إلى خلفها و إلى وجهها؟ قال: «نعم، لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوّجها؛ ينظر إلى خلفها و إلى وجهها» (4).

هذه الأخبار ظاهرة في المنع عن النظر إلى وجه الأجنبيّة إذا لم يرد تزويجها، كما هو المشهور بين الأصحاب.

[و لكن] الجملة الخبريّة في المقام ليس لها دلالة تقاوم ما سيجي‌ء، كما لا يخفى


1) عوالي اللآلي: 1/ 222 الحديث 98، 2/ 113 الحديث 309.

2) وسائل الشيعة: 27/ 121 الحديث 33373، 123 الحديث 33380 و 33381.

3) الوافي: 21/ 367 ذيل الحديث 21391.

4) الوافي: 21/ 372 الحديث 21401، لاحظ! الكافي: 5/ 365 الحديث 3، وسائل الشيعة: 20/ 88 الحديث 25102.

ص: 560

على من أمعن النظر.

[أولياء العقد]

[باب وليّ العقد على الأبكار]

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: في الجارية يزوّجها أبوها بغير رضا منها قال:

«ليس لها مع أبيها أمر؛ إذا أنكحها جاز نكاحه و إن كانت كارهة» (1).

لو لم يكن مثل هذه الأخبار محمولا على التقيّة، لكان المراد منها ما أراده في قوله عليه السّلام: «أنت و مالك لأبيك» (2)حتّى تتلاءم الأدلّة؛ لما مرّ صريحا في باب التمتّع بالأبكار، و ما سيجي‌ء.

و يؤمي إلى ذلك قوله عليه السّلام: «هو أنظر لها» (3)، و يدلّ هذا على أنّه إذا كان مصلحة لها.

على أنّه سيجي‌ء في باب تزويج الجدّ و الأب ما يدلّ على أنّ العامّة في ذلك الزمان كانوا يقولون بأنّ الجدّ إذا زوّج من دون رضا الأب يكون باطلا (4)، كما هو الظاهر من هذه الأخبار (5)، حيث [إنّ] الولاية فيها في الأب فقط.

فمن هذا يحصل وهن اخر بكونها محمولة على التقيّة من هذه الحيثيّة أيضا.

مع أنّ مضمون «أنّ الجارية إذا كانت بين أبويها لا تستأمر» (6)، و «أنّ هذه


1) الوافي: 21/ 406 الحديث 21446، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 381 الحديث 1539، وسائل الشيعة: 20/ 285 الحديث 25643.

2) الكافي: 5/ 395 الحديث 3، وسائل الشيعة: 20/ 291 الحديث 25653.

3) الكافي: 5/ 394 الحديث 5، وسائل الشيعة: 20/ 269 الحديث 25599.

4) انظر! بداية المجتهد: 2/ 14.

5) الوافي: 21/ 408 الحديث 21447 و 21448 و 21449، لاحظ! وسائل الشيعة: 20/ 273 الحديث 25609 و 25611 و 25613.

6) الكافي: 5/ 393 الحديث 2، وسائل الشيعة: 20/ 273 الحديث 25611.

ص: 561

الجارية ليس لها مع أبيها أمر» (1)، و هذا ممّا لم يقل به أحد من الشيعة، ففيه وهن اخر.

فكيف يعارض أمثال هذا الخبر الأخبار الدالّة على استقلال الباكرة الرشيدة، الواضحة سندا و دلالة، و المنجبرة بالشهرة بين الأصحاب و العمومات و الاصول و خصوص ما مرّ في المتمتّع بها؟!

قوله: عن أبان، عن أبي مريم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «الجارية البكر التي لها أب لا تتزوّج إلّا باذن أبيها، و قال: إذا كانت مالكة لأمرها تزوّجت متى شاءت» (2).

لعلّ المنع في صدر الرواية بناء على ما سنذكر من أنّ الغالب لا اختيار لها، و لا استقلال عادة، بل هي تحت اختيار الأب، بحيث لا يمكنها المخالفة، و يترتّب عليها مفاسد شديدة و غيرها، و أمّا [لو] ملكت أمرها بحيث لا يترتّب على تزويجها المفاسد؛ فإنّه يجوز تزويجها بغير ولي و لا يتوقّف عليه شرعا، كما يقوله العامّة (3).

و المنع من الشارع إنّما هو من جهة ترتّب المفاسد عليه من الخارج، فمتى لم تكن مفسدة من الخارج [و هي] مالكة لأمرها؛ أيّ شي‌ء تريد أن تفعل يمكنها، من غير ترتّب مفسدة [عليه]، فلا مانع شرعا منه، فتأمّل جدّا!

قوله: عن زرارة، قال: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا ينقض النكاح إلّا الأب» (4).


1) تهذيب الأحكام: 7/ 381 الحديث 1539، وسائل الشيعة: 20/ 285 الحديث 25643.

2) الوافي: 21/ 408 الحديث 21448، لاحظ! الكافي: 5/ 391 الحديث 2، وسائل الشيعة: 20/ 270 الحديث 25600.

3) المغني لابن قدامة: 7/ 5 و 6.

4) الوافي: 21/ 408 الحديث 21449، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 379 الحديث 1532، وسائل الشيعة: 20/ 272 الحديث 25609.

ص: 562

لا تأمّل في كونه ناقضا في الجملة، و عدم كونه ناقضا في الجملة، و المقام ليس مقام فهم العموم، سيّما بعد ما عرفت و ستعرف من أنّ النصّ مطلق لا عموم فيه، و إفادة المطلق العموم في مقام يكون النظر؛ بيان حكمه من حيث الإطلاق، لا أنّه يذكر [لبيان] حكم اخر.

و مع التسليم تكون دلالته ضعيفة غاية الضعف، فكيف يقاوم ما سنذكر من الأدلّة؟ بل لو كانت قويّة- غاية القوّة- لم تكن مقاومة، فضلا عن مثلها، و قس على هذا باقي الروايات- و سيجي‌ء تمام التحقيق- مع أنّ ظاهر الروايات صحّة النكاح بغير إذن الأب؛ إذ الظاهر منها أنّ الأب إذا أراد أن ينقض النكاح ينقض، و له التسلّط على ذلك، و أنّه إن لم يكن ينقض يكون نكاحا صحيحا، من دون توقّف على إذن الأب، فلعلّه مذهب من مذاهب العامّة (1).

أو يكون المراد أنّ الأولى رفع اليد عن النكاح الذي لا يرضى به الأب، بحيث لو تحقّق بدون رضاه يطلّق الزوج، فتأمّل!

قوله: منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «تستأمر البكر و غيرها، و لا تنكح إلّا بأمرها» (2).

هذه الصحيحة ظاهرة في مساواة البكر و غيرها، كما هو المشهور؛ لظهورها، و أنّ البكر تستأمر كما تستأمر الثيّب، و أنّه لا فرق بين التي تزوّجت قبل و لم تتزوّج بعد، و صريحة في أنّ البكر لا تنكح إلّا بأمرها، كما [أنّ] رأي بعض الفقهاء التشريك


1) بداية المجتهد: 2/ 9.

2) الوافي: 21/ 409 الحديث 21454، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 380 الحديث 1535، وسائل الشيعة: 20/ 271 الحديث 25603.

ص: 563

بينها و بين الولي (1)، و رأي المشهور استقلالها (2)، فتدبّر!

قوله: عن سعدان بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: « [لا بأس] بتزويج [البكر] إذا رضيت من غير إذن أبيها» (3).

سند هذا الحديث معتبر، كما ذكرناه في علم الرجال و حقّقنا هناك (4)، و مع ذلك منجبر بالشهرة بين الأصحاب، و الموافقة للأخبار التي مضت في باب التمتّع بالأبكار، و قد تكلّمنا هناك.

و كذا الموافقة للأخبار الآتية في الباب الذي عقيب الباب الآتي (5).

و كذا الموافقة لصحيحة منصور الماضية، و العمومات، و الإطلاقات الدالّة على صحّة العقود و النكاح من الآيات و الأخبار، بل ظاهر قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (6)و قوله تعالى أيضا: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ (7)و قولهم عليهم السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» (8)، [أ] و «المسلمون»، (9)كون العقد و العهد و الشرط من نفس المرأة لا مدخليّة للغير كسائر العقود و الشروط الفقهيّة.

و كذا الأخبار المتواترة الواردة في تضاعيف أحكام النكاح الظاهرة في صحّة


1) لاحظ! الكافي في الفقه: 292، غنية النزوع: 342 و 343.

2) السرائر: 2/ 561، شرائع الإسلام: 2/ 276، جامع المقاصد: 12/ 123.

3) الوافي: 21/ 410 الحديث 21455، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 254 الحديث 1095، وسائل الشيعة: 20/ 285 الحديث 25640.

4) تعليقات على منهج المقال: 160.

5) الوافي: 21/ 425.

6) المائدة (5): 1.

7) الاسراء (17): 34.

8) عوالي اللآلي: 1/ 293 الحديث 173، 2/ 257 الحديث 7.

9) تهذيب الأحكام: 7/ 22 الحديث 93، وسائل الشيعة: 18/ 16 الحديث 23041.

ص: 564

نكاح المرأة مطلقا، [مثل] قولهم عليهم السّلام: «فإذا قالت: نعم، فهي امرأتك» (1)، و ما يؤدّي هذا المضمون، و مثل قول الراوي: «أتزوّج المرأة، فما تقول في كذا و كذا» فأجابوا بما دلّ على الصحّة من دون استفصال، و قولهم عليهم السّلام: «تزوّج المرأة كذا و كذا» (2)إلى غير ذلك، فتتبّع.

و أيضا نقل الإجماع على صحّة العقد من دون إذن الولي (3)، بل و ربّما نقل غير واحد ذلك الإجماع، و أيضا ما دلّ على صحّة أفعال المسلمين، و صحّة أفعال البالغة الرشيدة مؤيّد و شاهد.

و أيضا روى العامّة و الخاصّة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبارا متعدّدة تدلّ على الصحّة (4).

و بالجملة؛ هذا الخبر و ما وافقه موافق للقرآن، و مخالف للعامّة، و موافق لظواهر الأخبار المتواترة، و الإجماع، و الشهرة، و الاصول، مثل عدم زيادة التكليف و غيرها.

و الأخبار المعارضة لها مخالفة لظاهر القرآن، و الشهرة، و الاصول، و موافقة لمذهب العامّة و الطريقة المستمرّة بينهم، مع التدافع الذي بينها؛ إذ بعضها يدلّ على استقلال الأب (5)، و بعضها على الاشتراك (6).


1) تهذيب الأحكام: 7/ 265 الحديث 1145، وسائل الشيعة: 21/ 43 الحديث 26486.

2) تهذيب الأحكام: 7/ 263 الحديث 1136، 267 الحديث 1151، وسائل الشيعة: 21/ 44 الحديث 26490 و 45 الحديث 26491.

3) مسائل الناصريات: 320 و 321 المسألة 150.

4) عوالي اللآلي: 3/ 320 و 321 الحديث 178 و 180، سنن ابن ماجة: 1/ 601 الحديث 1870 و 1871، 602 الحديث 1872.

5) وسائل الشيعة: 20/ 271 الحديث 25604، 273 الحديث 25611.

6) تهذيب الأحكام: 7/ 380 الحديث 1536، وسائل الشيعة: 20/ 284 الحديث 25638.

ص: 565

و ورد في الأخبار التي كادت تبلغ حدّ التواتر: «أنّ ما خالف العامّة هو الرشد و الصواب، و المأمور بالأخذ به» (1)، بخلاف ما وافقه، و «أنّ [ما] لم يوافق القرآن لا يجوز العمل به، و الفتوى بمضمونه» (2)، بخلاف ما وافقه، و ورد: «خذ بالمشتهر بين أصحابك» (3)و «أنّه لا ريب فيه» (4)فحمل المعارض على التقيّة متعيّن، مع إمكان حمله.

على أنّ الأولى أن يجعل أمرها على يد أبيها، و تختار مختاره، و لا تخالفه بوجه من الوجوه؛ لأنّه أب و عصيانه حرام، و أذيّته عقوق، ففي الغالب يحصل العقوق، بل و الفتن و المفاسد على ما هو المشاهد عادة من الناس، سيّما العرب الذين هم في غاية الحميّة و العصبيّة و الغيرة الشديدة، بل العجم أيضا في هذا الأمر كذلك، فضلا عن العرب؛ فلا يتأتّى عادة أن يتزوّج أحد؛ الباكرة من بنت أحد بغير استئماره، بل ربّما قتل النفوس، و تلف الأموال، و غير ذلك، و قصارى ما يحصل شدّة العار، و نهاية الشنار، و الشقاق، و التنافر، و التباغض، و الهجران، و أمثال ذلك ممّا لا يرضى الشارع بالنسبة إلى غير الأب، فكيف يرضى بالقياس إلى الأب؟!

و الحاصل؛ أنّ هذه الامور بالقياس إلى الأب في غاية الشدّة، و حرمة الأب في غاية اللزوم.

أمّا غيره، و إن كان الأولى أيضا أن تختار رضاهم، إلّا أنّه ربّما لا يتمشّى ذلك؛ لأنّ كلّ أحد له هوى، و البنت أيضا لها هوى، و مخالفة هواها أيضا بليّة عظيمة؛ لأنّ الزوجين لا بدّ أن يتحقّق بينهما تلائم الأخلاق، و عدم التنافر، و لذا جوّز الشارع للابن أن يترك مختار الأب، و يختار ما هواه، مع أنّه لا يرضى أن


1) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

2) وسائل الشيعة: 27/ 111 الحديث 33347 و 33348.

3) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

4) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

ص: 566

يخالف أباه أبدا، و لذا لو عقد الأب بنته لم يعتبر رضاه إجماعا.

و ممّا يؤيّد ما ذكرناه- من أنّ الأولى و الأهمّ أن يجعل أمرها إلى أبيها- أنّ الحياء مطلوب من البكر في غاية الشدّة، بل هنّ محمولة على ذلك، و عار و شنار عادة- لو لم يكن كذلك، و لذا اكتفي في رضاها مجرّد سكوتها، مع أنّ السكوت لا يدلّ على الرضا، و لا يجوز شرعا البناء على الرضا من جهة السكوت أصلا، و جاز في هذا الموضع خاصّة، كما هو المشهور، و دلّ عليه الروايات (1)، منها فعل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالنسبة إلى فاطمة عليها السّلام (2).

و من ذلك يظهر ضعف اخر في الروايات المعارضة؛ لأنّها مخالفة لسنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و هو صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و كان عقد فاطمة عليها السّلام من السماء (3)، و أنّه لو لم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام لما كان لفاطمة عليها السّلام كفو على الأرض (4)، فمع جميع ذلك استأمرها، و فعل بإذنها و رضاها، و ورد في الأخبار: «أنّ الأخبار التي وردت و خالفت سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا يجوز العمل بها، و يجب طرحها» (5).

و يضعّفها أيضا أنّ الطريقة المستمرّة في الأعصار و الأمصار بين الشيعة استئمارها، بخلاف العامّة (6)، و الأحوط مراعاة الأب أيضا، و اللّه أعلم بالصواب.


1) وسائل الشيعة: 20/ 274 الباب 5 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد.

2) أمالي الطوسي: 39 الحديث 44، وسائل الشيعة: 20/ 275 الحديث 25617.

3) من لا يحضره الفقيه: 3/ 249 الحديث 1182، وسائل الشيعة: 20/ 74 الحديث 25066.

4) من لا يحضره الفقيه: 3/ 249 الحديث 1183، وسائل الشيعة: 20/ 74 الحديث 25067.

5) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334، 110 الحديث 33344.

6) بداية المجتهد: 2/ 9.

ص: 567

[باب وليّ العقد على الصغار]

قوله: و سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء، أ لها مع أبيها أمر؟ قال: «لا، ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيّب» (1).

هذه- مع معارضتها للأخبار المتواترة و غيرها ممّا أشرنا في الحاشية السابقة، و منها الأخبار الدالّة على التشريك-، معلوم [ة] أنّ قوله عليه السّلام: «أمر» نكرة في سياق النفي يفيد العموم، و العبرة بعموم اللفظ، لا خصوص المحلّ كما هو المحقّق، و لم يقل أحد بالعموم. بل مخالف للمتواتر و الضرورة من الدين، فيجوز حملها على أنّها ليس لها أمر مطلقا بعنوان الأولويّة، و من جهة الأدب، و رعاية الأب، من قبيل قولهم عليهم السّلام: «أنت و مالك لأبيك» (2).

و يجوز التخصيص بخصوص تزويج نفسها، و مع ذلك مخصّص بالجدّ، و بصورة عقد الوليّ و غيرها، فيجوز الحمل على الأوّل حتّى يتلائم مع جميع الروايات و غيرها من الأدلّة.

و الحمل على الثاني يوجب طرح جميع تلك الأدلّة مع سائر الحزازات، و منها ترجيح ما وافق العامّة على ما خالفهم، مع أنّ مقتضى الأخبار و الاعتبار عكس ذلك، إلى غير ذلك ممّا عرفت و قس عليها نظائرها من الروايات.

[باب من له [ا] التزويج بغير وليّ و توكيلها الزوج في العقد]

قوله: و العجلي، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «المرأة التي [قد] ملكت نفسها؛


1) الوافي: 21/ 413 الحديث 21457، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 381 الحديث 1540، وسائل الشيعة: 20/ 276 الحديث 25620.

2) الكافي: 5/ 395 الحديث 3، وسائل الشيعة: 20/ 291 الحديث 25653.

ص: 568

غير السفيهة، و لا المولّى عليها، إنّ تزويجها بغير ولي جائز» (1).

هذا الحديث- مع أنّه في غاية القوّة من السند، و أنّه من الفضلاء الأعاظم الذين لولاهم لاندرست آثار النبوّة، و ورد في شأنهم ما ورد (2)، و اتّفق إجماعهم على الرواية- يدلّ دلالة واضحة على المذهب المشهور (3)من أنّ المرأة إذا لم تكن سفيهة جاز نكاحها من غير إذن الوليّ و صحّ؛ إذ لا يخفى أنّ الظاهر منها أنّ المراد [من] «ملكت» ألا تكون مملوكة، و هو معناه الحقيقي، و الأصل الحمل على الحقيقة.

و التقييد بالسفيهة، لإخراج من هي عاقلة بالعقل التكليفي و إن لم يكن لها رشد ضبط المال، و لم يتعارف التعبير عنها بالمولّى عليها على الإطلاق.

مع أنّ الدلالة واضحة- كيف كان- على أنّه يمكن أن يقال أنّ قوله عليه السّلام: «غير السفيهة، و لا المولّى عليها» بدل قوله عليه السّلام: «قد ملكت»، لا أنّه قيد احترازي؛ لأنّ السفيهة، و المولّى عليها ليست بمالكة أمرها قطعا.

و المولّى عليها- هنا- هو المولّى عليها في المال، لا في النكاح؛ إذ لا معنى لأن يقول عليه السّلام: التي ليست بمولّى عليها في النكاح يجوز تزويجها بغير وليّ؛ لأنّه في قوّة أن يقول: التي ليست بمولّى عليها في النكاح ليست بمولّى عليها في النكاح؛ إذ يجوز تزويجها بغير وليّ، و هو معنى ليست بمولّى عليها في النكاح؛ فإنّ الوليّ عندنا هو الأب، و الجدّ، و الحاكم، و المولّى عليها في النكاح هي التي لا يجوز نكاحها بغير


1) الوافي: 21/ 425 الحديث 21469، لاحظ! الكافي: 5/ 391 الحديث 1، وسائل الشيعة: 20/ 267 الحديث 25594.

2) لاحظ! رجال الكشّي: 2/ 345.

3) لاحظ! تذكرة الفقهاء: 2/ 587 (ط. ق)، جامع المقاصد: 12/ 123، مسالك الأفهام: 7/ 120.

ص: 569

إذن هؤلاء.

مع أنّه إذا عرف الراوي أنّ المولّى عليها في النكاح من هي، و غير المولّى [عليها] في النكاح من هي؟ عرف أنّه يجوز تزويجها بغير وليّ؛ إذ لو لم يجز لكانت مولّى عليها في النكاح.

و قد بسطنا الكلام في حاشيتنا على المسالك (1)و أوضحنا غاية التوضيح دلالة هذه الرواية، و أنّها بحيث كادت أن تكون قطعيّة؛ لأنّها في غاية القوّة.

و يؤكّد الدلالة؛ الأخبار- التي مرّت في باب التمتّع بالباكرة بغير إذن الوليّ (2)- الكثيرة المخالفة لمذهب العامّة يقينا، [و] الموافقة لمذهب الخاصّة جزما، و غيرها ممّا مرّ في الباب السابق، و سيجي‌ء.

و أيضا المفرد المحلّى باللام، و إن لم يفد العموم لغة، لكن يفيده عرفا في أمثال المقام، و المدار عليه في الأحكام الفقهيّة، و قناعة الرواة و سكوتهم و رضاهم مع عدم استفصال يرشد إليه.

مع أنّ التحقيق أنّ المرأة- مثلا- اسم جنس، و هو يقيني، و اللام للتعريف، و هو أيضا يقيني، فمقتضى المركّب [ال] تعريف كما هو المحقّق، و الحكم إذا تعلّق على الجنس يدور معه في جميع أفراده، مثل قولهم: التمر حارّ.

نعم؛ لا يفيد العموم فيما إذا طلب الجنس المعرّف، مثل: ائتني بالتمر، فحينئذ الإتيان بفردها يكفي لتحقّق الطبيعة المطلقة.

و أيضا قوله عليه السّلام: «غير السفيهة» .. إلى آخره، إن كان قيدا احترازيّا، فهذا ينادي بأنّه عليه السّلام في مقام إثبات العموم، و إلّا فلا وجه للاحتراز؛ فإنّه لدفع فهم


1) مخطوط.

2) الوافي: 21/ 405 الباب ولي العقد على الأبكار، لاحظ! وسائل الشيعة: 20/ 272 و 274 و 275، الباب 4 و 5 و 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد.

ص: 570

العموم بالنسبة إلى ما احترز عنه، و أهل العرف [يثبتون] العموم في [محاوراتهم]، مثل قولهم: الحيوان الناطق كذا، فإنّ القيد لإخراج غير الناطق، و الإخراج فرع العموم.

فما ظنّك إذا أتى بقيدين للاحتراز، و خصوصا إذا كان خروج ما أخرج بالقيد ظاهرا من دون حاجة إلى الإخراج؟

فإنّ السفيهة و الصغيرة خروجهما كان في غاية الظهور، فمع تعرّضه عليه السّلام لإخراجهما، فكيف لم يتعرّض لإخراج الباكرة الرشيدة؟! فلو كانت خارجة أيضا، كانت أولى بالتعرّض لإخراجها، ثمّ أولى بمراتب شتّى، بل كان المناسب عكس ما فعله عليه السّلام.

و أمّا دخولها في قوله عليه السّلام: «المولّى عليها» فقد عرفت فساده.

و إن لم يكن قيدا احترازيّا، بل يكون بدلا و بيانا لقوله عليه السّلام: «ملكت نفسها» فلا شكّ في أنّه لتعريف التي ملكت نفسها، فالحكم لا بدّ من أن يدور مع المعرّف؛ لأنّ التعريف لإظهار موضوع الحكم، فلا يجوز التخلّف، كما ستعرف في رواية زرارة.

و أيضا القضيّة المهملة ليست محلّ تأمّل، فأيّ فائدة في ذكرها؟ فتأمّل جدّا!

قوله: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها، تبيع و تشتري، و تعتق، و تشهد، و تعطي من مالها ما شاءت» (1).. إلى آخره.

هذه الرواية- مع اعتبار سندها؛ لأنّ موسى قويّ، كما حقّق في الرجال، و كتابه صحيح (2)، و الظاهر أنّ هذا الخبر من كتابه، مع أنّ الظاهر أنّ فضالة ممّن


1) الوافي: 21/ 432 الحديث 21482، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 378 الحديث 1530، وسائل الشيعة: 20/ 285 الحديث 25642.

2) منهج المقال: 347، رجال الكشّي: 1/ 120 و 270.

ص: 571

أجمعت العصابة (1)على قوله، و منجبر سندها بالشهرة بين الأصحاب- صريحة في المذهب المشهور من دوران مالكيّة النكاح مع مالكيّة التصرّفات في المال، و أنّ المعتبر في الصحّة هو عدم السفاهة؛ فإنّ قوله عليه السّلام: «تبيع و تشتري» .. إلى آخره للّتي ملكت نفسها و جاز نكاحها بغير وليّ؛ لأنّها أوصاف لها، فيكون خاصّة و مميّزة، فلا يجوز تخلّفها عنها كما هو الشأن في جميع المميّزات؛ لأنّها معرّفات، فكيف يتخلّف عن المعرّف؟!

و لهذا اتّفق جميع الأفهام على عدم التخلّف، و أنّه لو ظهر التخلّف لكانوا يعترضون على المتكلّم أشدّ الاعتراض بأنّ ما ذكرته غير جامع، أو غير مانع.

مضافا إلى ما عرفت في الحاشية السابقة من أسباب العموم.

[باب الدخول بها قبل أن يعطيها المهر]

قوله: [و يخطر بالبال] أن يحمل مطلق هذه الأخبار على مقيّدها، أعني يحمل سقوط مطلق الصداق على سقوط العاجل منه (2).. إلى آخره.

ما ذكره من حمل المطلق على المقيّد فبعيد أيضا، بل أبعد ممّا ذكره الشيخ (3)لأنّ مطلقه لا يكاد يقبل هذا القيد، فلاحظ!

مع أنّه يظهر من رواية المفضّل (4)أنّ المطلق وارد مورد التقيّة؛ لأنّ الردّ إلى السنّة من بدع العامّة (5)، و [مع] أنّه ربّما يظهر منها أنّ بناءها على انقلاب الدعوى


1) منهج المقال: 259، جامع الرواة 2/ 2.

2) الوافي: 22/ 538 ذيل الحديث 21673.

3) تهذيب الأحكام: 7/ 360 ذيل الحديث 1462 و 1463.

4) تهذيب الأحكام: 7/ 361 الحديث 1464، وسائل الشيعة: 21/ 261 الحديث 27042.

5) المجموع للنووي: 16/ 322 و 323.

ص: 572

و صيرورة المرأة مدّعية بناء على الأمارة و العادة، كما أشار إليه في «المختلف» (1)، و يظهر من كلام الشيخ في كتابيه (2)، فتأمّل!

مع أنّ حمل المطلق على المقيّد أيضا مخالف للايات القرآنيّة و الأخبار المتواترة التي ذكرت و سنذكر أيضا، و القواعد الشرعيّة من أصالة الاستصحاب، و عدم خلوّ البضع عن العوض في صورة من الصور- سوى الزنا خاصّة- و وجوب الوفاء بالعقود و العهود و الشروط، سيّما مع أخذهنّ ميثاقا غليظا، و قال عزّ و جلّ أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (3)إلى غير ذلك من التهديدات الهائلة.

هذا مضافا إلى فعل المعصوم عليه السّلام، و أصحابهم، و الفقهاء، و المسلمين في الأعصار و الأمصار، و كذا ما ورد من أنّ «على الإمام أن يقضي ديون العاجزين، سوى مهور نسائهم» (4)، و ما ورد من نهاية الثواب و الفضل في تحليل الزوجة زوجها من مهرها (5).

[باب تحليل الإماء]

قوله: عن الحضرمي، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ امرأتي أحلّت لي جاريتها، فقال: «أنكحها إن أردت، قلت: أبيعها؟ قال: لا؛ [إنّما] احلّ لك منها ما أحلّت» (6).


1) مختلف الشيعة: 7/ 138 و 139.

2) تهذيب الأحكام: 7/ 360 ذيل الحديث 1462 و 1463، الاستبصار: 3/ 223 ذيل الحديث 808 و 809.

3) النساء (4): 20.

4) الكافي: 5/ 382 الحديث 18، وسائل الشيعة: 21/ 266 الحديث 27058.

5) وسائل الشيعة: 21/ 284 الباب 26 من أبواب المهور.

6) الوافي: 22/ 592 الحديث 21780، لاحظ! الكافي: 5/ 468 الحديث 4، وسائل الشيعة: 21/ 134 الحديث 26721.

ص: 573

هذا الخبر- مع اعتبار سنده- يدلّ على صحّة التحليل بكل لفظ يدلّ عليه، و يكون ظاهرا فيه، و كذا يدلّ على عدم اشتراط تعيين المدّة، و الأخبار السابقة و اللاحقة (1)ظاهرة أيضا في الأمرين.

و أمّا المنع عن عارية الفرج، فالظاهر منه المنع عن العارية [فلا يناسبها] التحليل بلفظها؛ فإنّ العارية بحسب العرف و اللغة [لا] يفيد معناها ما يناسب الفروج، و لذا يقبح نسبتها إلى الفروج.

أمّا على القول بأنّ التحليل هو تمليك، فظاهر.

و أمّا على القول بأنّه إباحة، فلأنّ العارية ثمرتها إباحة المنفعة، لا معناها؛ لأنّ معناها المتداول لا يناسب الفروج.

و كذا جواز انتفاع المستعير [لنفسه] و لغيره، و التصرّف من المستعير المنتفع و غيره كالطبخ، و التصرّف أزيد من واحد، و غير ذلك ممّا هو من خواصّ معنى العارية.

مع أنّ ما لا يصحّ إعارته يصحّ إجارته، فتأمّل!

قوله: عن ابن بزيع قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن امرأة أحلّت لي جاريتها، فقال: «ذاك لك، قلت: فإن كانت تمزح؟ فقال: و كيف لك بما في قلبها؟ و إن علمت أنّها تمزح، فلا» (2).

يدلّ على أنّ الأصل في الألفاظ الحمل على الظاهر و الحقيقة إلى أن يثبت


1) وسائل الشيعة: 21/ 125 و 128 و 130 و 131 الباب 31 و 32 و 33 و 34 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

2) الوافي: 22/ 594 الحديث 21785، لاحظ! الكافي: 5/ 469 الحديث 8، وسائل الشيعة:21/ 128 الحديث 26705.

ص: 574

خلافه، و كذا الخبر الآتي (1).

قوله: [فالتنزّه] عمّا هذه سبيله [أولى] (2).

بل الظاهر أنّه اتّقاء منه عليه السّلام؛ لأنّ ابن يقطين كان وزير الخليفة، فلم يكن يناسبه ذلك، مع احتمال أن يكون التحليل في نفسه أمرا مكروها كالطلاق، إلّا أنّه ربّما يعرضه ما يخرجه عن الكراهة، بل لعلّه هو الأظهر.

قوله: قال: و يجوز أن يكون ذلك (3).. إلى آخره.

الظاهر من غير واحد من الأخبار المعمول عليها عند الفقهاء، و المشهور بينهم في الفتوى أنّ الولد تابع للحرّ من الوالدين، و هذا هو الموافق للقاعدة- و هي غلبة الحريّة على الرقّية- الثابتة من النصّ، بل النصوص (4)- على ما هو ببالي- فالاشتراط فاسد؛ لكونه مخالفا للكتاب و السنّة.

قوله: عن الفطحيّة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: في المرأة تقول لزوجها: جاريتي لك، قال: «لا يحلّ له فرجها إلّا أن تبيعه أو تهب له» (5).

لعلّ المراد أنّ هذه العبارة لا تفيد التحليل، و لا تفيد الهبة أيضا؛ لعدم ظهور اللام في ذلك.

و أمّا الحصر، فلعلّ بناؤه على دخول التحليل في الهبة- أي هبة البضع- أو أنّه محمول على التقيّة، أو ما ذكره الشيخ (6)على بعد.


1) الوافي: 22/ 595 الحديث 21786.

2) الوافي: 22/ 596 ذيل الحديث 21791.

3) الوافي: 22/ 596 ذيل الحديث 21791.

4) وسائل الشيعة: 21/ 459 الباب 73 من أبواب أحكام الأولاد.

5) الوافي: 22/ 597 الحديث 21794، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 243 الحديث 1061، وسائل الشيعة: 21/ 129 الحديث 26707.

6) تهذيب الأحكام: 7/ 243 ذيل الحديث 1061.

ص: 575

قوله: عن فضيل مولى راشد، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: لمولاي في يدي مال، فسألته أن يحلّ لي ما أشتري من الجواري، فقال: «إن كان يحلّ لك أن [أ] حلّ لك فهو حلال» (1).. إلى آخره.

هذا يدلّ على صحّة تحليل المولى جاريته لعبده، كالرواية التي مرّت في الباب السابق، مضافا إلى ما مرّ في باب عدد ما أحلّ اللّه، كما قال المؤلّف.

و ما ذكره الشيخ موقوف على كون التحليل تمليكا لا إباحة و إمتاعا، و لم يثبت، بل الثابت من الأخبار كونه إباحة، و مع ذلك موقوف أيضا على عدم مالكية العبد، و هو أيضا محلّ نظر، بل الظاهر- من كثير من الأخبار المعتبرة- مالكيّته مطلقا في الجملة.

فحمل المعارض على التقيّة متعيّن، خصوصا بملاحظة كون الحكم لعلي بن يقطين (2)إذ عرفت أنّه لا يناسبه التحليل؛ لأنّه كان يشتهر أمثال هذا منه، بل و يصل إلى الخليفة؛ بمقتضى الظاهر من العادة، و كون الخدم و الحشم في بيته كثيرين غاية الكثرة، و كونه دائما في خدمة الخليفة، و مرجع عساكر الخليفة و أمرائه و خدمه و حشمه، بل و علمائه في الوظائف و الصكاك، و غير ذلك من الخدمات و المناصب و الامور.

بل ربّما كان بحيث في بيته من خدم الخليفة، و عليه من عيون الخليفة؛ لاشتهاره بالتشيّع، و سعي الساعون ذلك إلى الخليفة.

مع [أنّ] روايات الكاظم عليه السّلام كانت أنسب إلى التقيّة؛ لشدّة التقيّة في زمانه كما لا يخفى على المطّلع، فالحقّ مع من يقول بالصحّة، و يؤيّده الأخبار الاخر.


1) الوافي: 22/ 598 الحديث 21795، لاحظ! تهذيب الأحكام: 7/ 238 الحديث 1040، وسائل الشيعة: 21/ 130 الحديث 26709.

2) تهذيب الأحكام: 7/ 243 الحديث 1062، وسائل الشيعة: 21/ 130 الحديث 26710.

ص: 576

لا يقال: لعلّ قول الفقهاء أنّ التحليل عند أصحابنا إمّا عقد أو تمليك، و لا يحتمل- مع هذا- كونه إباحة.

قلت: لم يظهر إجماعهم على ذلك، بل صريح المحقّق أنّه إباحة (1)، بل نقل في «المسالك» أنّ المراد هناك هو الإباحة، لا المعنى المعروف منه (2)، فيظهر أنّه لم يقل أحد بكونه تمليكا.

قوله: و العبد لا يصحّ أن يملك شيئا (3).. إلى آخره.

لا يخفى فساده؛ لأنّ النصّ ورد منهم في المنع (4)، و الشيخ كان يأتي بالعلّة لنصّهم، لا في مقابل نصّهم، مع أنّ الظاهر من الشيخ أنّه غير قائل بالمنع، كما يظهر من تجويزه الحمل على الجارية غير المعيّنة (5)، فالأولى هو ما ذكرناه من الحمل.

قوله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «لا يجوز للعبد» (6).. إلى آخره.

يدلّ على أنّ العبد لا يملك، و أنّه محجور، كما هو إجماعي.

[باب حكم نكاح المفقود زوجها]

قوله: فلا تنافي بين الأخبار بوجه، و لا اشتباه فيها و للّه الحمد (7).

الظاهر عدم الخلاف في كون ابتداء المدّة المضروبة من حين رفعها القضيّة إلى


1) شرائع الإسلام: 2/ 316.

2) مسالك الأفهام: 8/ 93.

3) الوافي: 22/ 599 ذيل الحديث 21796.

4) وسائل الشيعة: 18/ 413 الباب 4 من كتاب الحجر.

5) الاستبصار: 3/ 138 ذيل الحديث 495.

6) الوافي: 22/ 603 الحديث 21806، لاحظ! الكافي: 5/ 477 الحديث 1، وسائل الشيعة: 21/ 113 الحديث 26663.

7) الوافي: 22/ 642 ذيل الحديث 21875.

ص: 577

الحاكم، و أنّه لا عبرة بالمدّة السابقة و إن طالت، و أنّه لا بدّ من أمر الحاكم هنا بالاعتداد بعد انقضاء المدّة المضروبة، فلو اعتدّت بغير إذنه لم يجز و اقتصر- هنا- إلى العدّة الاخرى بعد الإذن، و أنّ مدّة البحث عنه و الفحص تكون أربع سنين.

و يدلّ على الجميع صحيحة العجلي المرويّة في الكتب المعتبرة المعتمدة، سيّما «الكافي» (1)الذي أحاديثه قطعيّة عند مؤلّفه (2)، و «الفقيه» (3)الذي أحاديثه حجّة بينه و بين ربّه، و حكم بصحّتها (4)مع كونها متّفقا عليها بين الفقهاء، مع نهاية وضوح دلالتها، سيّما مع اتّفاق الفقهاء على فهمها كما ذكر، و لا تأمّل في اعتبار فهم الفقهاء و فتاويهم على حسب ما فهموا و اتّفق أفهامهم عليه.

و أمّا الرواية الاولى (5)فلا تقاوم [ال] صحيحة من الجهات المذكورة، و أنّ فحص الحاكم لو كان بعد أربع سنين فيخالف الوثاقيّات، و منها؛ أنّه إن بنى على كفاية مسمّى الفحص، فيخالف الإجماع و الأخبار المعتبرة، و منها: الصحيحة المذكورة، مع كون الكلّ مفتى بها بين الأصحاب.

فما ذكره المؤلّف من الجمع فاسد من الوجوه المذكورة، مضافا إلى أنّه لا يتحقّق الجمع بين الكلّ، إلّا بعناية شديدة لا يكاد تقبل العبارة، كما لا يخفى على المتأمّل.

فالأظهر توجيه الرواية الاولى، لأنّه يرجع إلى ما هو الحجّة من الروايات،


1) الكافي: 6/ 147 الحديث 2.

2) الكافي: 1/ 8.

3) من لا يحضره الفقيه: 3/ 354 الحديث 1696، وسائل الشيعة: 22/ 156 الحديث 28264.

4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 3.

5) الوافي: 22/ 635 الحديث 21870، لاحظ! وسائل الشيعة: 22/ 185 الحديث 28267.

ص: 578

لا أنّه يوجّه ما هو الحجّة منها حتّى يوافق ما ليس بحجّة، و توجيه الرواية الاولى بأن يجعل قوله: «بعث الوالى» صفة لقوله عليه السّلام: «أربع سنين»، فالمعنى: أنّه إذا مضى الأربع سنين التي بعث الوالي، أو يكتب إلى الناحية [التي] هو غائب فيه [ا]، فإن لم يجد له أثرا من فحصه في مدّة الأربع سنين المذكورة أمر الوالي .. إلى اخر الرواية.

و ما ذكر صريح الأخبار المعتبرة المذكورة (1)و فتاوى الأصحاب (2)، فتخرج الرواية عن الحزازت المذكورة، و تصير موافقة للمعتبرة و الفتاوى، كما لا يخفى.

و بالجملة؛ لا يخفى في أنّ الأربع سنين لأجل الفحص، و هي مقدار الفحص المعتبر و مدّته، [و] لا وجه أنّ مسمّى الفحص كاف، مع أنّه ظاهر أنّ مسمّى الفحص لا يكفي غالبا لظهور الأمر، بل للأمر من إصرار و مبالغة و صبر في التجسّس، حتّى يظهر الحال، و لذا اعتبر أربع سنين، فتأمّل جدّا!

و أمّا رواية الكناني (3)فمطلقة؛ تحمل على المقيّد كما هو الحال في كلّ مطلق و مقيّد، ألا ترى أنّها مقيّدة بطلب الوالي جزما؛ إذ ليس فيها من الوالي عين و لا أثر، و مسلّم أنّ الطلاق لا يكون إلّا بعد الفحص عنه جزما، و عرفت أنّ الفحص عنه إنّما هو في مدّة أربع سنين، و يكون من الوالي كما نطقت به الأخبار و اتّفقت عليه فتاوى الأصحاب، و اللّه يعلم.

[باب شروط المتعة و أحكامها]

قوله: عن البزنطي، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام، قال: «تزويج المتعة؛ نكاح


1) وسائل الشيعة: 22/ 156 الباب 23 من أبواب اقسام الطلاق و أحكامه.

2) المقنعة: 537، النهاية للشيخ الطوسي: 538، السرائر: 2/ 736.

3) الكافي: 6/ 148 الحديث 3، وسائل الشيعة: 22/ 158 الحديث 28268.

ص: 579

بميراث، و نكاح بغير ميراث، إن اشترطت الميراث كان، و إن لم تشترط لم يكن» (1).

الأخبار متواترة في أنّ المتعة لا ميراث لها (2)منها ما ذكر في هذا الباب، و منها ما مرّ في باب [عدد] ما أحلّ اللّه- سبحانه- من متعة النساء (3)، و في باب وجوه النكاح و غيرها (4)، و ادّعى ابن إدريس عليه الإجماع (5).

و يؤيّدها الأخبار الكثيرة- الدالّة على أنّها مستأجرة (6)- الموافقة لظاهر قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ (7)الآية.

و يؤيّدها- أيضا- عدم موافقتها للزوجة الدائمة في كثير من الأحكام؛ مثل جواز الزيادة على الأربع الثابتة من أخبار كثيرة غاية الكثرة (8)، المطابقة لفتاوى الفقهاء الأجلّة، مع أنّ مقتضى ظاهر القرآن عدم جواز زيادة الزوجة عن الأربعة، و كذا عدم وجوب نفقتها و كسوتها و سكناها و قسمتها في الليالي الأربع، و عدم الطلاق، و عدم عدّة المعهودة للزوجة، إلى غير ذلك من الأحكام الثابتة للزوجة في


1) الوافي: 22/ 657 الحديث 21899، لاحظ! الكافي: 5/ 465 الحديث 2، وسائل الشيعة: 21/ 66 الحديث 26546.

2) وسائل الشيعة: 21/ 66 الباب 32 من أبواب المتعة.

3) الوافي: 21/ 306 الحديث 21289، لاحظ! وسائل الشيعة 21/ 18 و 19 الحديث 26409.

4) الوافي: 21/ 330 الحديث 21320، لاحظ! وسائل الشيعة 20/ 86 و 87 الحديث 25098.

5) و الظاهر الصحيح هو ابن زهرة، لاحظ! غنية النزوع: 356.

6) وسائل الشيعة: 21/ 18 الحديث 26407 و 26409، 21 الحديث 26419.

7) النساء (4): 24.

8) وسائل الشيعة: 21/ 18 الباب 4 من أبواب المتعة.

ص: 580

الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة، و هي كثيرة.

و يؤيّدها- أيضا- عدم كونها من الأفراد الشائعة المتعارفة للزوجة وقت نزول آية الإرث، بل مطلقا.

إلى غير ذلك من المؤيّدات الموافقة للإجماع، و الأخبار المتواترة أو المسلّمة و غيرها، فيصلح ما ذكر لتخصيص الآية في الإرث و غيرها، فتأمّل جدّا!

فعلى هذا يكون اشتراط الإرث فاسدا؛ لكونه شرطا مخالفا للكتاب، بل على القول بدخولها في الزوجة في آية الإرث يكون الشرط أيضا باطلا؛ إذ لا معنى لاشتراط الإرث لمن ليس بوارث، أو عدم الإرث لمن هو وارث.

و يمكن حملها على إعطاء الإرث من الثلث الذي للميّت، بأن يحسب منه لا من الثلثين الذين هما حقّ للوارث.

ص: 581

كتاب الجنائز و الفرائض و الوصيّات

اشارة

ص: 582

ص: 583

[أبواب التجهيز]

[باب ثواب من غسّل مؤمنا أو كفّنه أو حفر له]

قوله: تتمّة الحديث كأنّها من كلام الصدوق، أو من غير هذا الخبر، و معناها أنّ حدّ إخفاء العيوب الجسمانيّة الدفن (1).

لعلّ مراد الصدوق أنّ ستر العيوب التي يراها ليس مختصّا بحالة التغسيل فقط، فلو رأى حال التكفين و بعده إلى الدفن لا مانع من أن يخبر، ليس كذلك، بل حدّه إلى أن يدفن، يعني الذي يراه إلى أن يدفن و لا يخبره.

و لا فرق بين العيوب الجسمانيّة و غيرها في أنّه يحرم أن يذكر؛ لأنّ حرمة المؤمن حيّا و ميّتا واحدة، كما في الأخبار (2)، و مسلّم عند الكلّ، و يدلّ عليه الرواية الآتية عن الصادق عليه السّلام: «من غسّل فستر و كتم خرج من الذنوب» (3)، و غالبا يكون الغسّال يكفّن، فتأمّل!


1) الوافي: 24/ 286 ذيل الحديث 24041.

2) وسائل الشيعة: 3/ 55 الباب 33 من أبواب التكفين.

3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 86 الحديث 395، وسائل الشيعة: 2/ 496 الحديث 2735.

ص: 584

[باب علّة غسل الميّت]

قوله: «فلذلك يغسّل الميّت غسل الجنابة» (1).. إلى آخره.

يظهر من هذا الخبر و غيره ممّا ذكر في هذا الباب أنّ الترتيب بين الرأس و الجسد، و بين اليمين و اليسار لازم في غسل الجنابة.

[إلى هنا ما عثرنا عليه من النسخة الخطيّة]


1) الوافي: 24/ 289 و 290 الحديث 24047، لاحظ! الكافي: 3/ 163 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 487 الحديث 2709.

ص: 585

المنابع و الماخذ

ص: 586

ص: 587

المنابع و الماخذ 1- الاحتجاج:

تأليف: أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب المعروف ب: الشيخ الطبرسي (...- 588 ه)، نشر المرتضى، مشهد المقدّسة، سنة 1403 ه. ق.

2- إحقاق الحق و إزهاق الباطل:

تأليف: السيّد نور اللّه الحسيني المرعشي التستري الشهيد (956- 1019 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، قم المقدّسة.

3- أحكام القرآن:

تأليف: أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص (305- 370 ه)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1406 ه. ق.

4- إرشاد الأذهان:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1410 ه. ق.

5- الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد:

تأليف: أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري المعروف ب: الشيخ المفيد (336- 413 ه)، نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الاولى، سنة 1413 ه. ق.

6- الاستبصار:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الرابعة، سنة 1363 ه. ش.

ص: 588

7- أقرب الموارد:

تأليف: سعيد الخوري الشرتوني (1265- 1330 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه.

8- الأمّ:

تأليف: أبي عبد اللّه محمّد بن إدريس الشافعي (150- 204 ه)، نشر دار المعرفة، بيروت.

9- أمالي الصدوق:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر مؤسّسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الخامسة، سنة 1400 ه. ق.

10- أمالي الطوسي:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر مؤسّسة الوفاء، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1401 ه. ق.

11- الانتصار:

تأليف: السيد علي بن الحسين بن موسى علم الهدى المعروف ب: السيّد المرتضى (355- 436 ه)، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة.

12- إيضاح الفوائد:

تأليف: أبي طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن علي المعروف ب: فخر المحقّقين (682- 771 ه)، نشر إسماعيليان، الطبعة الثانية، سنة 1405 ه. ق.

13- بحار الأنوار:

تأليف: المولى محمّد باقر بن محمّد تقي بن مقصود علي المجلسي الثاني (1037- 1111 ه)، نشر مؤسّسة الوفاء، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1403 ه. ق.

14- بدائع الصنائع:

تأليف: أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي الملقب ب: ملك العلماء، (...- 587 ه)، نشر المكتبة العلميّة، بيروت.

ص: 589

15- بداية المجتهد:

تأليف: محمّد بن أحمد بن رشد القرطبي (520- 595 ه)، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة.

16- البرهان في تفسير القرآن:

تأليف: السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني البحراني (...- 1107 ه)، انتشارات العلميّة، قم المقدّسة.

17- بصائر الدرجات:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن بن فرّوخ الصفّار القمّي (...- 290 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1404 ه. ق.

18- البيان:

تأليف: أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي بن محمّد العاملي المعروف ب: الشهيد الأوّل (734- 786 ه)، نشر بنياد فرهنگى امام المهدي عليه السّلام، الطبعة الاولى، سنة 1412 ه. ق.

19- تاريخ الطبري:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن جرير بن يزيد الطبري (224- 310 ه)، نشر مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، سنة 1409 ه. ق.

20- التبيان في تفسير القرآن:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.

21- تذكرة الفقهاء:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، الطبعة الاولى، سنة 1414 ه. ق.

22- تعليقات على منهج المقال:

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل الوحيد البهبهاني (1117- 1205 ه)، الطبعة الحجرية.

ص: 590

23- تفسير الصافي:

تأليف: المولى محسن بن مرتضى بن فيض اللّه المعروف ب: الفيض الكاشاني (1008- 1091 ه)، نشر مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

24- تفسير العيّاشي:

تأليف: أبي نصر محمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي السمرقندي المعروف ب: العيّاشي (...-

320 ه)، نشر مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1411 ه. ق.

25- التفسير للفخر الرازي:

تأليف: محمّد بن عمر بن الحسن المعروف ب: فخر الدين الرازي (544- 606 ه)، نشر دار الفكر، بيروت، سنة 1410 ه. ق.

26- تفسير القمّي:

تأليف: أبي الحسن علي بن إبراهيم القمّي، (...- ...) نشر مؤسّسة دار الكتاب، قم المقدّسة، الطبعة الثالثة، سنة 1404 ه. ق.

27- تفسير الكشّاف:

تأليف: جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري (467- 528 ه)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.

28- تفسير نور الثقلين:

تأليف: عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي (...- 1065 ه)، انتشارات اسماعيليان، قم المقدّسة، الطبعة الرابعة، سنة 1412 ه. ق.

29- التنقيح الرائع:

تأليف: جمال الدين مقداد بن عبد اللّه السيوري (...- 826 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، قم المقدّسة، سنة 1404 ه. ق.

30- تهذيب الأحكام:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الرابعة، سنة 1365 ه. ش.

ص: 591

31- جامع الرواة:

تأليف: محمّد بن علي الأردبيلي الغروي (...- 1100 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، قم المقدّسة، سنة 1403 ه. ق.

32- جامع الشواهد:

تأليف: محمّد باقر بن علي رضا الأردكاني (...- ...)، نشر مكتبة فيروزآبادي، قم المقدّسة، سنة 1412 ه. ق.

33- جامع المقاصد:

تأليف: أبي الحسن علي بن الحسين الكركي المعروف ب: المحقّق الثاني (868- 940 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، الطبعة الاولى، سنة 1408 ه. ق.

34- جواهر الكلام:

تأليف: الشيخ محمّد حسن بن محمّد باقر النجفي (...- 1266 ه)، نشر دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثالثة، سنة 1367 ه. ش.

35- الحاشية على مدارك الأحكام:

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل الوحيد البهبهاني (1117- 1205 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1419 ه. ق.

36- الحبل المتين:

تأليف: الشيخ محمّد بن الحسين بن عبد الصمد العاملي المعروف ب: الشيخ البهائي (953- 1031 ه)، نشر مكتبة بصيرتي، قم المقدّسة.

37- الحدائق الناضرة:

تأليف: الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم البحراني (1107- 1186 ه)، نشر دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1405 ه. ق.

38- الخرائج و الجرائح:

تأليف: أبي الحسين سعيد بن هبة اللّه المعروف ب: قطب الدين الراوندي (...- 573)، نشر مؤسّسة الإمام المهدي عليه السّلام، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1409 ه. ق.

ص: 592

39- الخصال:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، سنة 1403 ه. ق.

40- الخلاف:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، سنة 1407 ه. ق.

41- الدروس الشرعيّة:

تأليف: أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي بن محمّد العاملي المعروف ب: الشهيد الأوّل (734- 786 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1414 ه. ق.

42- ذخيرة المعاد:

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري (1017- 1090 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم المقدّسة.

43- ذكرى الشيعة:

تأليف: أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي بن محمّد العاملي المعروف ب: الشهيد الأوّل (734- 786 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، الطبعة الاولى، سنة 1419 ه. ق.

44- رجال الكشّي (اختيار معرفة الرجال):

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم المقدّسة.

45- رجال النجاشي:

تأليف: أبي العباس أحمد بن علي بن أحمد النجاشي (372- 450 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، سنة 1407 ه. ق.

46- الرسائل الاصوليّة:

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل الوحيد البهبهاني (1117- 1205 ه)، نشر مؤسّسة العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني رحمه اللّه، الطبعة الاولى، سنة 1416 ه. ق.

ص: 593

47- الرسائل التسع:

تأليف: أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد المعروف ب: المحقّق الحلّي (602- 676 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1413 ه. ق.

48- رسائل الشريف المرتضى:

تأليف: السيد علي بن الحسين بن موسى علم الهدى المعروف ب: السيّد المرتضى (355- 436 ه)، دار القرآن الكريم، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1410 ه. ق.

49- الرسائل العشر:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة،

50- الرسائل الفقهيّة:

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل الوحيد البهبهاني (1117- 1205 ه)، نشر مؤسّسة العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني رحمه اللّه، الطبعة الاولى، سنة 1419 ه. ق.

51- رسائل المحقّق الكركي:

تأليف: أبي الحسن علي بن الحسين الكركي المعروف ب: المحقّق الثاني (868- 940 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1409 ه. ق.

52- روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان:

تأليف: زين الدين بن علي بن أحمد العاملي المعروف ب: الشهيد الثاني (911- 965 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث.

53- الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة:

تأليف: زين الدين بن علي بن أحمد العاملي المعروف ب: الشهيد الثاني (911- 965 ه)، نشر مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

54- روضة المتّقين:

تأليف: المولى محمّد تقي بن مقصود علي المجلسي الأوّل (1003- 1070 ه)، نشر مؤسّسة

ص: 594

المعارف الإسلاميّة، الطبعة الثانية، سنة 1406 ه. ق.

55- السرائر:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي (...- 598 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1412 ه. ق.

56- سنن ابن ماجة:

تأليف: محمّد بن يزيد القزويني (207- 275 ه)، نشر دار الفكر، بيروت.

57- سنن أبي داود:

تأليف: أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (202- 275 ه)، نشر دار الفكر، بيروت.

58- السنن الكبرى:

تأليف: أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (384- 458 ه)، نشر دار المعرفة، بيروت، سنة 1413 ه. ق.

59- شرائع الإسلام:

تأليف: أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد المعروف ب: المحقّق الحلّي (602- 676 ه)، نشر دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1403 ه. ق.

60- شرح السنّة:

تأليف: أبي محمّد الحسين بن مسعود الفراء البغوي (436- 516 ه)، نشر دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1412 ه. ق.

61- شرح فتح القدير:

تأليف: كمال الدين محمّد بن عبد الواحد السيواسي المعروف ب: ابن الهمام الحنفي (790- 861 ه)، نشر دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية.

62- شرح المقاصد:

تأليف: مسعود بن عمر بن عبد اللّه المعروف ب: سعد الدين التفتازاني (712- 793 ه)، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1370 ه. ش.

ص: 595

63- شرح المواقف:

تأليف: علي بن محمّد الجرجاني (740- 816 ه)، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1415 ه. ق.

64- الصحاح:

تأليف: إسماعيل بن حماد الجوهري (...- 393 ه)، نشر دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة.

65- صحيح مسلم:

تأليف: أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (204- 261 ه)، نشر دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1416 ه، ق.

66- الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع و الزندقة:

تأليف: أحمد بن حجر الهيثمي المكي (899- 974 ه)، نشر مكتبة القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، سنة 1385 ه. ق.

67- عدّة الاصول:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1417 ه. ق.

68- علل الشرائع:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، سنة 1385 ه. ق.

69- عوالي اللآلي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة:

تأليف: محمّد بن علي بن إبراهيم الأحسائي المعروف ب: ابن أبي جمهور (...- 880 ه)، انتشارات سيّد الشهداء عليه السّلام، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1403 ه. ق.

70- عيون أخبار الرضا عليه السّلام:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الاولى، سنة

ص: 596

1404 ه. ق.

71- غنية النزوع:

تأليف: أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (511- 585 ه)، نشر مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1417 ه. ق.

72- فرائد السمطين:

تأليف: إبراهيم بن محمّد ابن المؤيد بن عبد اللّه بن علي بن محمّد بن الجويني الخراساني (644- 730 ه)، نشر مؤسّسة المحمودي، بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1398 ه. ق.

73- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام:

نشر المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليه السّلام، الطبعة الاولى، سنة 1406 ه. ق.

74- الفوائد الحائريّة:

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل الوحيد البهبهاني (1117- 1205 ه)، نشر مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الاولى، سنة 1415 ه. ق.

75- القاموس المحيط:

تأليف: مجد الدين محمّد بن يعقوب بن محمّد الفيروزآبادي (729- 817 ه)، نشر دار الجيل، بيروت.

76- قصص الأنبياء:

تأليف: أبي الحسين سعيد بن هبة اللّه المعروف ب: قطب الدين الراوندي (...- 573 ه)، نشر الرضوية المقدّسة، مشهد المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1409 ه. ق.

77- قواعد الأحكام:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه). انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة.

78- الكافي:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني (...- 329 ه)، نشر دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الرابعة، سنة 1365 ه. ش.

ص: 597

79- الكافي في الفقه:

تأليف: أبي الصلاح الحلبي (374- 447 ه)، نشر مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، اصفهان، الطبعة الاولى، سنة 1403 ه. ق.

80- كامل الزيارات:

تأليف: الشيخ جعفر بن محمّد بن قولويه (...- 367 ه)، نشر مؤسسة الفقاهة قم المقدّسة، النجف الأشرف، الطبعة الاولى، سنة 1417 ه. ق.

81- كشف الالتباس:

تأليف: الشيخ مفلح بن الحسن بن رشيد الصيمري البحراني (...- 933 ه) نشر مؤسّسة صاحب الأمر عليه السّلام، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1417 ه. ق.

82- كشف الغمّة في معرفة الأئمّة عليهم السّلام:

تأليف: بهاء الدين أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي (...- 692 ه)، نشر مكتبة بني هاشمي، تبريز، سنة 1381 ه. ق.

83- كشف اللثام:

تأليف: الشيخ محمّد بن الحسن بن محمّد الأصفهاني المعروف ب: الفاضل الهندي (1062- 1137 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، سنة 1416 ه. ق.

84- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، انتشارات شكوري، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1413 ه. ق.

85- كفاية الأحكام:

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري (...- 1090 ه)، نشر مدرسة صدر المهدوي، اصفهان.

86- كمال الدين و تمام النعمة:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.

ص: 598

87- لسان العرب:

تأليف: أبي الفضل محمّد بن مكرم بن منظور (630- 711 ه)، نشر دار الفكر، بيروت.

88- المبسوط في فقه الإماميّة:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، المكتبة الرضويّة.

89- مجمع البحرين:

تأليف: فخر الدين بن محمّد بن علي بن أحمد الطريحي (979- 1085 ه)، منشورات دار مكتبة الهلال، بيروت.

90- مجمع البيان في تفسير القرآن:

تأليف: أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي (...- 548 ه)، نشر دار مكتبة الحياة، بيروت.

91- مجمع الزوائد و منهج الفوائد:

تأليف: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (735- 807 ه)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1402 ه. ق.

92- مجمع الفائدة و البرهان:

تأليف: المولى أحمد بن محمّد الأردبيلي المعروف ب: المقدّس الأردبيلي (...- 993 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، سنة 1403 ه. ق.

93- المجموع، شرح المهذّب:

تأليف: أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي (...- 676 ه)، نشر دار الفكر، بيروت.

94- المحاسن:

تأليف: أبي جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (...- 274 ه)، نشر المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السّلام، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1413 ه. ق.

95- المحلّى بالآثار:

تأليف: أبي محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (384- 456 ه)، نشر دار الكتب

ص: 599

العلميّة، بيروت.

96- مختصر تاريخ دمشق:

تأليف: أبي الفضل جمال الدين محمّد بن مكرم ابن منظور (630- 711 ه)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1404 ه. ق.

97- المختصر النافع:

تأليف: أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد المعروف ب: المحقّق الحلّي (602- 676 ه)، نشر قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسّسة البعثة، طهران، الطبعة الثالثة، سنة 1410 ه. ق.

98- مختلف الشيعة:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1413 ه. ق.

99- مدارك الأحكام:

تأليف: السيّد محمّد بن علي الموسوي العاملي (946- 1009 ه). نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، مشهد المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1410 ه. ق.

100- المراسم في الفقه الإمامي:

تأليف: الشيخ حمزة بن عبد العزيز الديلمي الملقّب ب: سلّار (...- 463 ه)، منشورات حرمين، الطبعة الاولى، سنة 1404 ه. ق.

101- مسالك الأفهام:

تأليف: زين الدين بن علي بن أحمد العاملي المعروف ب: الشهيد الثاني (911- 965 ه)، نشر مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1413 ه. ق.

102- مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل:

تأليف: الميرزا الحسين بن الميرزا محمّد تقي بن الميرزا علي محمّد النوري الطبرسي (1254- 1320 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1407 ه. ق.

ص: 600

103- مستطرفات السرائر:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي (...- 598 ه)، نشر مؤسّسة الإمام المهدي عليه السّلام، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1408 ه. ق.

104- مسند الإمام أحمد بن حنبل:

تأليف: أبي عبد اللّه أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني، (164- 241 ه)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

105- مشارق الشموس:

تأليف: الحسين بن محمّد بن الحسين الخوانساري (1016- 1099 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم المقدّسة.

106- مصابيح الظلام (شرح المفاتيح):

تأليف: الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل الوحيد البهبهاني (1117- 1205 ه)، نشر مؤسّسة العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني رحمه اللّه، الطبعة الاولى، سنة 1424 ه. ق.

107- مصباح المتهجّد:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر مؤسّسة فقه الشيعة بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1411 ه. ق.

108- المصباح المنير:

تأليف: أبي العباس أحمد بن محمّد بن علي الفيّومي (...- 770 ه)، نشر دار الهجرة، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1414 ه. ق.

109- معارج الاصول:

تأليف: أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد المعروف ب: المحقّق الحلّي (602- 676 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1403 ه. ق.

110- معالم الدين في الاصول (معالم الدين و ملاذ المجتهدين):

تأليف: جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني العاملي (959- 1011 ه)، نشر جماعة

ص: 601

المدرّسين، قم المقدّسة، سنة 1406 ه. ق.

111- معالم الدين في الفقه (معالم الدين و ملاذ المجتهدين):

تأليف: جمال الدين الحسن ابن زين الدين الشهيد الثاني العاملي (959- 1011 ه)، نشر مؤسّسة الفقه للطباعة و النشر، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1418 ه. ق.

112- المعتبر:

تأليف: أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد المعروف ب: المحقّق الحلّي (602- 676 ه)، نشر مؤسّسة سيّد الشهداء عليه السّلام، قم المقدّسة، سنة 1364 ه. ش.

113- المغني في فقه أحمد بن حنبل:

تأليف: أبي محمّد عبد اللّه بن أحمد بن قدامة (541- 620 ه)، نشر دار الفكر، بيروت، الطبعة الاولى، سنة 1405 ه. ق.

114- مغني المحتاج الى معرفة معاني ألفاظ المنهاج:

تأليف: الشيخ محمّد الخطيب الشربيني (...- 977 ه)، نشر دار الفكر، بيروت.

115- مفاتيح الشرائع:

تأليف: المولى محسن بن مرتضى بن فيض اللّه المعروف ب: الفيض الكاشاني (1008- 1091 ه)، نشر مجمع الذخائر الإسلاميّة، قم المقدّسة، سنة 1401 ه. ق.

116- مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة:

تأليف: السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي (...- 1226 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1419 ه. ق.

117- المقنع:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر مؤسّسة الإمام الهادي عليه السّلام، قم المقدّسة، سنة 1415 ه. ق.

118- المقنعة:

تأليف: أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري المعروف ب: الشيخ المفيد (336- 413 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1410 ه. ق.

ص: 602

119- ملاذ الأخيار:

تأليف: المولى محمّد باقر بن محمّد تقي بن مقصود علي المجلسي الثاني (1037- 1111 ه)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، سنة 1406 ه. ق.

120- الملل و النحل:

تأليف: أبي الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني، (479- 548 ه)، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة.

121- مناقب ابن شهرآشوب:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني (488- 588 ه)، نشر دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1412 ه. ق.

122- منتقى الجمان:

تأليف: جمال الدين الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني العاملي (959- 1011 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1362 ه. ش.

123- منتهى المطلب:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، نشر مجمع البحوث الإسلاميّة، مشهد المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1412 ه. ق.

124- من لا يحضره الفقيه:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الخامسة، سنة 1390 ه. ق.

125- منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال:

تأليف: المولى الميرزا محمّد بن علي بن ابراهيم الأسترآبادي (...- 1028 ه)، الطبعة الحجريّة، ايران.

126- المهذّب:

تأليف: أبي القاسم عبد العزيز بن نحرير ابن البرّاج الطرابلسي (400- 481 ه)، نشر جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، سنة 1406 ه. ق.

ص: 603

127- الناصريّات:

تأليف: السيد علي بن الحسين بن موسى علم الهدى المعروف ب: السيّد المرتضى (355- 436 ه)، نشر رابطة الثقافة و العلاقات الإسلاميّة، سنة 1419 ه. ق.

128- النخبة:

تأليف: المولى محسن بن مرتضى بن فيض اللّه المعروف ب: الفيض الكاشاني (1008- 1091 ه)، نشر منظمة الإعلام الإسلامي، الطبعة الثانية، سنة 1418 ه. ق.

129- نهاية الإحكام:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، نشر مؤسّسة إسماعيليّان، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1410 ه. ق.

130- النهاية في غريب الحديث و الأثر:

تأليف: أبي السعادات المبارك بن محمّد الجزري المعروف ب: ابن الأثير (544- 606 ه)، انتشارات إسماعيليان، قم المقدّسة، الطبعة الرابعة، سنة 1367 ه. ش.

131- النهاية في مجرّد الفقه و الفتاوي:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المعروف ب: شيخ الطائفة (385- 460 ه)، نشر قدس محمّدي.

132- نهاية الوصول للعلّامة نهاية الاصول:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، مخطوط.

133- نهج الحق و كشف الصدق:

تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف ب: العلّامة الحلّي، (648- 726 ه)، نشر دار الهجرة، قم المقدّسة، الطبعة الثانية، سنة 1411 ه. ق.

134- نيل الأوطار من أحاديث سيّد الأخيار:

تأليف: محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني (1173- 1250 ه)، نشر دار الحديث، القاهرة.

ص: 604

135- الوافي:

تأليف: المولى محسن بن مرتضى بن فيض اللّه المعروف ب: الفيض الكاشاني (1008- 1091 ه)، نشر مكتبة أمير المؤمنين عليه السّلام، اصفهان، الطبعة الاولى، سنة 1412 ه. ق.

136- الوافية:

تأليف: المولى عبد اللّه بن محمّد التوني البشروي المعروف ب: الفاضل التوني (...- 1071 ه)، نشر مجمع الفكر الإسلامي، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1412 ه. ق.

137- وسائل الشيعة:

تأليف: الشيخ محمّد بن الحسن بن محمّد الحرّ العاملي (1033- 1104 ه)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1409 ه. ق.

138- الوسيلة إلى نيل الفضيلة:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي الطوسي المعروف ب: ابن حمزة (...- ...)، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي رحمه اللّه، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1407 ه. ق.

139- الهداية:

تأليف: أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف ب: الشيخ الصدوق (306- 381 ه)، نشر مؤسّسة الإمام الهادي عليه السّلام، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1418 ه. ق.

140- ينابيع المودّة:

تأليف: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (1220- 1294 ه)، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة، الطبعة الاولى، سنة 1413 ه. ق.

ص: 605

المحتويات

المقدّمة المتحرّرون 12

الوحيد و مواجهته للانحراف في مسيرة الاستنباط الفقهي 28

المؤلف و خصوصيات كتابه 40

تحليل المؤلف لخروج بعض الأصحاب عن مدلول بعض الأدلّة 43

لمحة من حياة المؤلّف رحمه اللّه نسبه 55

أبوه 56

صباه 56

أساتذته 56

مشايخ إجازاته 57

الذين أجازهم 58

عصره 58

نزوله بلدة بهبهان 60

هجرته إلى كربلاء 60

أياديه في كربلاء 62

ما قيل فيه 62

ص: 606

اهتمام معاصريه و تلامذته و من تأخّر عنه بنظريّاته رحمه اللّه 69

فضائله الأخلاقيّة و ملكاته النفسيّة 71

معاصروه 75

تلامذته 76

تاليفه القيّمة 77

وفاته 82

ترجمة الفيض الكاشاني قدّس سرّه ولادته و نشأته و وفاته 85

مكانته العلميّة 86

عقائده و آراؤه 87

تقريظه 89

مشايخه 91

الراوون عنه 91

آثاره 92

بين يدي الكتاب منهجنا في التحقيق 93

نموذج من صورة النسخة الخطيّة 95

كتاب الحجّة في تحقّق الفتنة بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 103

المراد من النذير في الآية 104

في أنّ الكفّار مكلّفون بفروع الدين 106

في ردّ الشبهة الموردة على طريقة المجتهدين 111

ص: 607

كتاب الطهارة أبواب أحكام المياه انفعال الماء القليل بالملاقاة 115

قدر الماء الذي لا يتغيّر 133

الماء الكرّ بيان مقدار الكرّ 139

ماء البئر هل ينجس ماء البئر بالملاقاة 141

ماء المطر هل ينجس ماء المطر بالملاقاة 144

ماء الحمّام حكم ماء الحمّام 145

ما يستحبّ عنه التنزّه و الاجتناب 147

الأسئار أحكام أسئار الحيوانات 157

الماء القليل المشتبه و رفع الحدث به 158

منزوحات البئر حكم تباعد البئر و البالوعة 160

آداب التخلّي حرمة استقبال القبلة و استدبارها 163

المناقشة في كلام صاحب الوافي 164

عدم معذورية الجاهل بالحكم 170

حكم التطهير من البول 172

استحباب الاستبراء من البول 177

ص: 608

أحكام النجاسات حكم تعدّي النجاسة من المتنجّس 179

الردّ على ما ذكره صاحب الوافي من الطعن على الفقهاء 183

حكم من شكّ في إصابة البول 186

التطهير من المني 189

حكم عرق الجنب و الحائض 189

حكم المذي و .... 191

التطهير من الدم 191

التطهير من فضلات الحيوانات 197

التطهير من مسّ الحيوانات 201

حكم أهل الكتاب 205

التطهير من الخمر 209

المطهّرات مطهّريّة الأرض 215

مطهّريّة الشمس 216

أبواب الوضوء بحث في معنى الآية [معنى الصعيد] 225

نواقض الوضوء 226

معنى وجوب الوضوء 227

كيفيّة الوضوء 232

في معنى الكعب 235

حدّ الوجه 238

عدم إجزاء غسل الرجلين 248

مقدار ماء الوضوء 250

عدد الغسلات في الوضوء 252

ص: 609

حكم الوضوء بماء الورد 260

سنن الوضوء و آدابه 261

الترتيب في الوضوء و الموالاة 267

وضوء من بأعضائه آفة [وضوء ذي الجبيرة] 270

فضيلة الوضوء و ثوابه 273

أبواب الغسل أنواع الغسل 275

غسل الجمعة و وقته 278

حدّ الجنابة 280

احتلام المرأة 280

إتيان الدبر 281

خروج البلل بعد الغسل 283

أحكام الجنب 284

غسل مسّ الميّت 284

أحكام الحيض 289

تمييز دم الحيض من دم العذرة و القرحة 294

أحكام المبتدأة 295

الحبلى ترى الدم 297

أحكام الاستحاضة 299

أحكام النفاس 304

كيفيّة الغسل و آدابه 308

الترتيب في الغسل و سقوط الموالاة فيه 311

قدر ماء الغسل 313

إجزاء الغسل عن الوضوء 314

علّة غسل الجنابة و ثوابه 321

ص: 610

أبواب التيمّم ما يوجب التيمّم 323

أحكام التيمّم و المتيمّم 327

كيفيّة التيمّم 329

أبواب التزيّن استحباب حلق الرأس 330

كتاب الصلاة أبواب فضل الصلاة و فرضها الفرض في الصلاة 333

حدّ المسير الذي يقصّر فيه الصلاة 333

بيان حدّ الترخّص 339

عزم الإقامة في السفر 344

حكم خروج المسافر إلى ضيعته 348

اعتبار الاستيطان في المنزل 349

حكم من كان السفر عمله 358

حكم من كان سفره باطلا 358

حكم الصلاة في المواطن الأربعة 359

أبواب مواقيت الصلاة مواقيت الصلاة 369

أبواب لباس المصلّي و ....

حكم الصلاة في جلد الميتة 371

مكان المصلّي 372

ص: 611

ما يستتر به المصلّي 372

معرفة القبلة و قبلة المتحيّر 373

آداب المساجد و توقير القبلة 373

كيفيّة الأذان و الإقامة 374

شرائط الأذان و الإقامة و آدابهما 376

أبواب صفة الصلاة و ....

تكبيرة الإحرام 378

القراءة 379

حكم تكرير السورة و تبعيضها 380

الركوع و الذكر فيه 381

السجود و ما يسجد عليه 382

فضيلة التعقيب 382

السهو في أجزاء الصلاة 383

الشكّ في أجزاء الصلاة 384

السهو في عدد الركعات [في إمكان سهو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم] 385

حكم سهو المسافر في التقصير 392

الشكّ في الغداة و المغرب [الشكّ في الثنائيّة و الثلاثيّة] 394

الشكّ فيما زاد على الركعتين [الشكّ في الرباعيّة] 394

من لا يعتدّ بشكّه 399

حكم من فاتته صلاة 399

أبواب فضل صلاة الجمعة و ...

أعمال يوم الجمعة 401

وقت صلاة الجمعة 401

صلاة الجمعة و شرائطها 403

ص: 612

قنوت صلاة الجمعة 411

صلاة الجماعة أحكام صلاة الجماعة 411

باب النوادر 412

أبواب بقيّة الصلوات المفروضات و المسنونات شرائط صلاة العيدين 413

تأخير الصلاة إلى الغد إذا ... 416

التحزّن يوم العيدين 418

صلاة الكسوف و ... 419

كتاب الزكاة و الخمس و المبرّات أبواب زكاة المال العلّة في وجوب الزكاة و قدرها 425

زكاة النقدين [الذهب و الفضّة] 429

زكاة الغلات 430

زكاة الأنعام 431

مصرف الزكاة 431

عدم حليّة الزكاة لبني هاشم 441

كيفيّة إعطاء الزكاة 441

نقل الزكاة و ضمانها 444

حكم من يمتنع من أخذ الزكاة 444

أبواب الخمس و سائر ما يصرف إلى الإمام عليه السّلام غناء الإمام عن أموال الناس 447

الغنائم و الفوائد و مصارفها 448

ص: 613

اعتبار الانتساب إلى هاشم بالأب 448

ما يجب فيه الخمس 455

الخمس بعد المئونة 459

مصرف الخمس 460

تحليل الخمس للشيعة 461

أبواب سائر أصناف الإنفاق أحكام القرض 473

أحكام الصدقات 474

أحكام الهبة و النحلة 477

أحكام السكنى و العمرى و الرقبى 482

أحكام الوقف 482

كتاب الصيام و الاعتكاف و المعاهدات أبواب فرض الصيام و ...

أحكام صيام المسافر 487

أحكام صيام يوم الشكّ 488

ثبوت الشهر برؤية الهلال 493

عدد أيّام شهر رمضان 501

رؤية الهلال قبل الزوال 502

حكم الصوم و الإفطار تقيّة 514

أبواب نواقض الصيام ما ينقض الصوم [حكم الارتماس في الماء] 517

حكم الصائم إذا أصبح جنبا أو ... 518

متى يفطر المسافر 519

ص: 614

كتاب المطاعم و المشارب و التجمّلات أبواب ما يحلّ من المطاعم و ما لا يحلّ المطاعم المحلّلة و المحرّمة 523

حكم الحيوان إذا رضع من الخنزيرة 525

الانتفاع من أجزاء الميتة 529

حكم اختلاط ما يؤكل بغيره 529

أبواب الصيد و الذبائح حكم الصيد بالسلاح 530

أبواب المشارب حرمة الخمر 531

كتاب النكاح و الطلاق و الولادات أبواب بدء النكاح و الحثّ عليه الحرّ يتزوّج الأمة 535

من أوقب غلاما حرمت عليه أمّه و ... 536

الرضاع من يحرم بالرضاع 537

حدّ الرضاع 539

صفة لبن الفحل 542

اعتبار اتّحاد الفحل 544

لا رضاع بعد فطام 549

سائر المحرّمات [حرمة نكاح ذات البعل] 549

حرمة وطء الزوجة قبل التسع 550

ص: 615

حكم الجمع بين الفاطميّتين 551

النكاح المنقطع إثبات المتعة و ثوابها 555

حكم المتعة مع الاستغناء 556

المرأة مصدّقة على نفسها 556

حكم التمتّع بالأبكار 557

حكم التمتّع بالإماء 558

حكم النظر لمن أراد التزويج 559

أولياء العقد وليّ العقد على الأبكار 560

وليّ العقد على الصغار 567

من لها التزويج بغير وليّ 567

حكم الدخول بالمرأة قبل إعطائها المهر 571

نكاح الإماء 572

حكم نكاح المفقود زوجها 576

بعض أحكام المتعة 578

كتاب الجنائز و الفرائض و الوصيّات أبواب التجهيز ثواب تجهيز الميّت 583

علّة غسل الميّت 584

المنابع و الماخذ 587

المحتويات 605

ص: 616

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين نحمده و نستعينه، و الصلاة و السلام على نبيّنا محمّد و آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

لقد قامت مؤسّسة العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني رحمه اللّه بتحقيق الكتب القيّمة، فقد طبع بعض منها.

فهرس الكتب و الرسائل المحقّقة المطبوعة

1- خيراتيّة (2 مجلّد)، الطبعة الثانية.

2- راد شبهات الكفّار.

3- فضائح الصوفية.

4- تنبيه الغافلين (المطبوع مع فضائح الصوفية).

5- مرآة الأحوال (2 مجلّد).

6- راهبرد اهل سنت «سنة الهداية»، الطبعة الثالثة.

7- الرسائل الاصوليّة.

8- الحاشية على مجمع الفائدة و البرهان.

9- الرسائل الفقهيّة.

10- مقامع الفضل (2 مجلّد).

11- مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع (11 مجلّد).

12- حاشية الوافي.