التحفه السنیه فی شرح النخبه المحسنیه

ghaemiyeh.com

اشارة

‌شماره بازيابي:۵-۴۹۶۱

شماره كتابشناسي ملي:۳۰۷۶۵۱۹

سرشناسه:جزايري، عبدالله بن نورالدين، ۱۱۱۲ - ۱۱۷۳ق.

عنوان قراردادي:النخبه.شرح

عنوان و نام پديدآور:التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية[نسخه خطي]/ شارح عبدالله بن نورالدين بن نعمت الله موسوي الجزايري ، متن محسن بن مرتضي فيض كاشاني

وضعيت استنساخ:۱۱۶۴ق.

آغاز ، انجام ، انجامه:آغاز: بسمله...اللهم انا نحمدك حمدا يكون لنا وسيلة اليك وذريعة للزلفي لديك...وبعد فيقول المعترف بذنبه ...عبدالله بن نور الدين بن نعمت الله الموسوي...

انجام: وارجو من مكارمه الزاهره و محاسنهالباهره ان لا يقطع ...قدالف ا لاصل في عام الف و خمسين والشرح في عام الف و مائة و ثلثة وستين من الاعوام الهجريه المنسوبةالي هجرة الرسول صلي الله....ومن بعدها ماته و ثلاث عشر سنه شرحها

انجامه: قد فرغ من تسويده مولفه ...عبدالله بن نور الدين بن نعمت الله بن الموسوي الجزايري التستري و الحمد لله المنعم المشكور كملت هذه النسخه في شهر ذيقعده الحرام من السنه الرابعه و الستين بعد المائة و الالف الهجريه النبويه والحمد لله رب العالمين

مشخصات ظاهري:۲۹۰برگ.۲۵سطر ،۱۲۵×۲۴۵؛ قطع : ۲۰۰×۳۱۰

يادداشت مشخصات ظاهري:نوع و درجه خط:نسخ

نوع كاغذ:فرنگي

تزئينات متن:عناوين ونشانها به سرخي

نوع و تز ئينات جلد:مقوائي،روكش گالينگور قرمز ،عطف و لچكي در لبه ها تيماج آجري(اخرائي)

خصوصيات نسخه موجود:يادداشت هاي مربوط به نسخه :برگ۱ب:مطلبي از جد نويسنده (شارح )سيد نعمت الله از كتابش «هدية المومنين و تحفة الراغبين»در باره اقسام مردم به سه گروه مجتهد،مقلد و افراد فاسد العبادات...برگ۲پ الي برگ۶الف سوال و جواب هاي فقهي با استدلال در باره احكام آنها بيان شده است.ازجمله:نقلي از شيخ بهائي،بحث هاي لغوي و...در باره احكام گوناگون از جمله آب وضو، ميزان محرميت،مشك و...در برگ ۷الف نام كتاب فوق ومطلبي در باره سيد نعمة الله و مطالب متفرقه ديگردارد.

امتياز:امتياز نسخه به جهت كتابت نسخه توسط شارح آن عبدالله بن نور الدين جزايري است.

معرفي نسخه:شرح مفصلي است كه شارح با اشاره به ادله احكام وموضوعات ديگر آن را فراهم مي آورد.ليكن بيشتر نظر وي بركتابهاي [كتاب نخبه ]خود فيض است.اين شرح به درخواست ملا علي بن علي نجار تستري شاگرد پدر شارح نوشته شده است.(فهرست هاي خود نوشت فيض كاشاني:۲۸۰)تاليف متن اصلي كتاب [نخبه] به سال ۱۰۵۰ق. و شرح آن در سال۱۱۶۳ق. وكتابت آن يك سال پس از شرح، به سال ۱۱۶۴ق. مي باشد،اين نسخه توسط شارح كتابت شده است.

توضيحات نسخه:نسخه بررسي شده .خرداد ۹۳/پارگي ،جداشدگي از شيرازه ، پاشيدگي مركب ، آثار لكه و رطوبت ،مرمت غير اصولي دارد.

يادداشت كلي:زبان: عربي

يادداشت باز تكثير:التراث العربي۳: ۱۲۴

عنوانهاي ديگر:شرح نخبه فيض كاشاني

موضوع:فيض كاشاني، محمدبن شاه مرتضي ،۱۰۰۶-۱۰۹۱ق. النخبه--نقد و تفسير

موضوع:فقه جعفري

شناسه افزوده:فيض كاشاني ، محمد بن شاه مرتضي ، ۱۰۰۶-۱۰۹۱ق. النخبه.شرح

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

رب وفق للخير

اللهم انا نحمدك حمدا يكون لنا وسيلة إليك و ذريعة للزلفى لديك و ذخيرة ليوم العرض بين يديك و نشكرك شكرا نستوجب به الفواضل من نعمك و نستوهب النوافل من كرمك و نسألك ان تصلى و تسلم على رسلك و أنبيائك و أمنائك و أوليائك سيما حبيبك نبي الرحمة و معلم الكتاب و الحكمة المبعوث بإكمال الدين و إتمام النعمة الصادع بشرائع الأحكام العادلة الداعي إلى مكارم الأخلاق و محاسن الخصال الفاضلة و على أهل بيته الاطهار و خلفائه الراشدين الأبرار و صحابته المرضيين الأخيار ما تعاقب الليل و النهار و تعاورت الظلم و الأنوار و ان تشرح صدورنا بحاق الحق و تهدينا للتي هي أقوم و أحق و تثبتنا على الهدى و تثبطنا عن الردى و توفقنا لتطهير السر عما سواك و توقفنا في متشعبات الأهواء على ما فيه رضاك و تعيذنا من كل ما نبوء بإثمه و ننوء و تعصمنا من شرور أنفسنا الأمارة بالسوء انك سميع مجيب و بعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه المفرط في الجهالة المضيع عمره في البطالة عبد اللّه بن نور الدين بن نعمت اللّٰه الموسوي غفر اللّه بفضله ذنوبه و ستر عوراته و عيوبه هذا ايها الأخ الوفي و الصديق الصدوق الصفي و الحبر الملي و الخليل الجليل العلى أعلى اللّه قدرك و رفع ذكرك و أصلح أعمالك و حقق آمالك و كثر في الأولياء امثالك ما توجهت اليه همتك و توفرت عليه نهمتك و تكثر له طلبك و انحصر فيه اربك و عكفت عليه قديما و وليت وجهك شطرة مستديما من تعليقة خفيفة على كتاب النخبة للعالم العامل و المرشد الكامل المولى محمد محسن الكاشاني تغمده اللّٰه بغفرانه و أسكنه بحبوحة جنانه وجيزة النظم غير كبيرة الحجم تبين عن رموزها و تدل على كنوزها و تفصل مجملاتها و تحل مشكلاتها مقتصدة عن الإخلال و الإملال ممتزجة بها امتزاج الماء الزلال بالخمر الحلال موسومة بالتحفة السنية في شرح النخبة المحسنية و قد كان تصدى لهذا المرام والدي العلامة الإمام أعلى اللّه مقامه في دار السلام فشرح منها بضعة في مجلد يسير و عاقه عن إنهائه عوائق الدهر العسير و أرجو من اللّه ان يسعدني لتمامه التوفيق ببركات أنفاس الأخ الشفيق المقصود اسعافه

[خطبة الشارح]

بهذا التعليق و اعتمدت فيه غالبا في إيضاح العبارات و إفصاح الإشارات على ما وقع الى من كلام المصنف في سائر كتبه و فوائده لأنه أعلم بمقاصده و كذا في نقل الإجماعات و الأقوال و نقد الاخبار بحسب الرجال الا فيما بان لي نادرا رجحان خلافه بعد اجالة النظر في أطرافه فليشبع في مواطن الاختلاف البحث و الشقير (1)لتحقيق الحال و تخليص البر من الشعير و باللّٰه استمد و أستعين انه نعم المولى و نعم المعين قال المصنف شرح اللّٰه صدره و أضاء في سماء الرضوان بدره بسم اللّه الرحمن الرحيم الباء للاستعانة أو للملابسة و ربما يرجح الأول بأنه أقرب الى تمام الانقطاع لإشعاره بان الأمر لا يتأتى إلا بمعونته و الثاني بأنه أدخل في التعظيم فان التلبس باسمه تعالى تيمنا و تبركا أجل من جعله إله التبعية الإله و ابتذالها و فيه ان التلبس لا يدل على الوجه المذكور بوجه مع انه كثيرا ما يكون على وجه التبعية و الاستعانة في ذلك بالمقام مشترك فان ذكره تعالى مما يتبرك به كيف كان و الاستعانة به لا ينافي ذلك بل يؤكده على ان الاستعانة بشي‌ء ملزومة لملابسته و لا عكس و في الحديث بسم اللّٰه اى أستعين في أموري كلها باللّه و كيف كان فلك إضمار المتعلق خاصا و عاما اى أصنف أو ابدا و يرجح الأول بان ما يدل على الاستعانة بالاسم الأقدس في مطلق الفعل اولى مما هو صريح في التقييد بابتدائه و الثاني باقتضائه العمل بحديث الابتداء لفظا و معنى و فوات الامتثال اللفظي في الخاص و هو كما ترى و فعلا و اسما و يرجح الأول بزيادة التقدير على الثاني و مقدما و مؤخرا و يرجح الأول بأنه الأصل و الثاني بما فيه من تقديم ما هو الأحق به و اقتضائه القصر و اما الحديث فيمكن حمله على بيان حاصل المعنى لا المتعلق المقدر في نظم الكلام و قيل الباء للإلصاق و المعنى إبداء في الكتاب باسم اللّٰه و هو أوفق بحديث الابتداء مضافا الى إشعاره بان اسمه تعالى أهم اجزاء المقصود الا انه غير مطرد و الاسم ما دل على المسمى و ورد (عيون الأخبار) انه سئل الرضا عليه السلام عن الاسم ما هو فقال صفة لموصوف و حذفت ألفه خطأ لكثرة الاستعمال المناسبة للتخفيف و الاستعانة انما هي بالمسمى و اقحم الاسم تأدبا و تعظيما له و لكونه أوفق بالرد على القائلين باسم اللات و العزى و عن الرضا عليه السلام (عيون الأخبار) معنى قول القائل بسم اللّٰه اسم نفسي بسمة من سمات العبادة قيل ما السمة قال العلامة و اللّٰه اسم لهذا المعبود الحق الذي دعا إليه الأنبياء و في الحديث (التوحيد) انه أعظم اسم من أسمائه تعالى لا ينبغي ان يتسمى به غيره و في


1) و الشقير من الأمر البحث عنه (مجمع البحرين)

حديث آخر (معاني الأخبار- التوحيد) انه مشتق من إله و الرحمن و الرحيم صفتان من رحم كعلم أو حسن منقولا مع زيادة مبالغة في الأول مدلول عليها بزيادة المباني و من ثم خص به سبحانه حتى صار علما (1)أو كالعلم لانه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها و من ثم حسن توسطه بين الاسم و الصفة المحضين و نزل منزلة الاسم (2)في استعماله غير تابع نحو الرحمن علم القرآن و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن و عودل به الاسم مخيرا بينهما في الدعاء في قوله تعالى ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ و يعرب في البسملة و نحوها بدلا و ما بعده نعت له لا لاسم الجلالة إذ لا يتقدم البدل على النعت و أما تسمية مسيلمة رحمن اليمامة و قول شاعرهم فيه و أنت غيث الورى لا زلت رحمانا. فمن باب التعنت في الكفر و الخروج عن قانون اللغة كما قيل و في الحديث (مجمع البيان) الرحمن اسم خاص بصفة عامة و الرحيم اسم عام بصفة خاصة و في حديث آخر (مجمع البيان) الرحمن رحمن الدنيا و الرحيم رحيم الآخرة و في الدعاء المأثور يا رحمن الدنيا و رحيم الآخرة و فيهما إيماء إلى معنى العموم و الخصوص فيهما فإن الرحمة في الدنيا تعم الصالح و الطالح بخلافها في الآخرة و بما تلوناه ظهر لك في الجواب عن السؤال بأنه لم قدم الرحمن مع ان الأبلغ تقديم غير الأبلغ فيقال عالم نحرير و جواد فياض وجهان و قيل ان الرحمن لما دل على جلائل النعم و أصولها فتعقيبه بالرحيم من قبيل التتميم ليشمل ما خرج منها و فيه انه غير مرتبط بالسؤال و انما يصلح وجها للجمع بينهما و من ثم لو عكس الترتيب لكان الشمول المطلوب حاصلا ايضا و ربما يقرر بوجه آخر و هو ان الملحوظ أولا في باب التعظيم و الثناء هو عظائم النعماء و جلائل الآلاء و ما عداها يجرى مجرى التتمة و الرديف و هو أقرب الى السداد و أسلم من الإيراد و اما ما في بعض الأدعية (عيون الأخبار) يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما.

و يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيم الدنيا فمن باب التوسع أو لاختلاف الاعتبارات

[خطبة المصنف]

الحمد للّٰه إنشاء للحمد و هو الثناء على ذي علم بكماله بالجملة الاسمية الدالة على الاستمرار و الدوام لأنه أبلغ في المرام و أليق بالمقام و اللام الاولى جنسية أو استغراقية و الثانية اختصاصية تفيد القصر على المشهور و الموصول في قوله الذي أوضح بأئمة الهدى بصلته و متعلقاتها نعت اتى به للمدح مع ما فيه من بسط الكلام حيث الاطناب مطلوب و التبرك بذكرهم عليهم السلم و التنبيه من أول الأمر على ان موضوع الكتاب انما هو من علوم أهل البيت صلوات اللّٰه عليهم ففي الحديث (الكافي) كل علم لم يخرج من هذا البيت فهو باطل. و الباء للالة


1) كما قاله الجوهري ره

2) كما اشاره البيضاوي و ابن مالك و ابن هشام

و الإضافة لامية اما لملابسة الآلية كما في ثوب الزينة أو السببية كما في سفينة النجاة أو الفاعلية كما في ذباب العسل و طوى المضاف اليه (1)للتعميم أو هو المذكور تجوزا إيذانا بأن الحق يدور معهم حيث داروا و الجار في قوله من أهل بيت النبوة للتبيين أو للتبعيض متعلق بمحذوف و في قوله عن دينه القويم بفعل الإيضاح لتضمنه رفع الإبهام عن الموضح و دين اللّٰه المعتدل هو الإسلام الذي ارتضاه اللّٰه دينا لهذه الأمة المرحومة بتبليغ النبي المختار صلى اللّه عليه و آله و سلم و الناس يومئذ خابطون في الجهالة تائهون في العمة و الضلالة فاليهود في نكدهم و مساويهم و النصارى في توسعهم و مخازيهم و المجوس في سرفهم و تعظيمهم النيران و الهنود في جبرتهم و عبادتهم النيران و العرب في جلافة طباعهم و رداءة أوضاعهم و العجم في ترفتهم و اتباعهم الشهوات و عكوفهم على الأباطيل و اللهوات فندبهم جزاه اللّٰه خير ما جزى نبيا عن أمته إلى الصوب و السداد و نظم لهم أمور المعاش و المعاد و دعاهم عن الميول الباطلة و الأهواء الزائغة الى العدل و الصلاح و الرشاد بحيث ان كل عاقل لبيب رزق حظا من الإنصاف إذا أمعن النظر في كليات قواعد الملل و النواميس التي يتدين بها يضطر من نفسه إلى الإذعان بان دين الإسلام أشرفها و أعدلها و أقربها إلى النجاة و أكملها و أحقها بالقبول و أمثلها حتى ان الملاحدة المنكرين للنبوات المعتقدين في الأنبياء انهم كانوا حكماء راسخين معترفون بان الصادع به كان أكمل الحكماء و أقواهم نفسا و أوسعهم نظرا و ادقهم فكرا و أصوبهم رأيا و ارسخهم حكمة و أحسنهم سياسة و أعلمهم بمصالح الخلق في دهره و في الدهور المتطاولة الغابرة لما يرونه بالنظر الكلى من رزانة قوانين الإسلام و إتقان الشرع الأقدس و نظامه الأكمل الأتم و صلاحه الأوفى الأعم و إحاطته بجميع ما لا بد منه مما له مدخل في سعادة الدين و الدنيا بحيث لا يكاد يفرض أمر من الأمور الكلية و الجزئية كائنا ما كان الا و شملته أحكام الشريعة الواسعة البيضاء على الوجه اللائق و له فيها حد لا يسوغ التعدي عنه و التخطي الى ما سواه بما فيها من السماحة و السهولة و اليسر و الخلوص عن الحرج و الإصر و العسر و من ثم من اللّٰه على عباده في غير موضع من كتابه بأن هداهم للإسلام و جعلهم امة وسطا و حيث ان الشريعة المحمدية باقية مستمرة بامتداد زمان التكليف اقتضت الحكمة البالغة الإلهية و الرحمة الواسعة السبحانية ان يقوم بالأمر


1) اى المأمومون فان الإمامة من مقولة الإضافة فلا تغفل م

بعد انقضاء عهد النبوة من يتم به الحجة في كل عصر على اهله يبين لهم من أحكام الدين ما أبهم عليهم و يفصل لهم من العلوم و المعارف التي ورثها عن النبي ما يحتاجون اليه مما لم يبلغهم عنه أو بلغهم إجمالا و لم يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله و هو الخليفة الحق و الامام المطلق فصارت الأئمة عليهم السلم وسائط في إيضاح الدين و هداية المهتدين كما ان الإله واسطة بها يعالج الفاعل فعله و من ثم يسند الفعل الى الفاعل تارة و يدخل الباء على اسم الإله ان ذكر فيقال رأيته بعيني و الى الإله أخرى فيقال رأته عيني و مساق الكلام على الوجهين على وجه و أبلج اى أوضح بأنوار آثارهم و هي الأخبار المتضمنة لحكاية أقوالهم أو أفعالهم أو تقريراتهم و الإضافة الاولى اما بيانية كما في لجين الماء أو من الاستعارة المكنية المخيلة أو لامية كالثانية فالثاني لا غير و هو من أحسن التشبيهات ففي الحديث النبوي (الكافي) ان على كل صواب نورا و يقرب منه القول في قوله في ظلمات البدع و الأهواء و البدع جمع بدعة بكسر الباء و هي في اللغة اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه و أحدثه كالرفعة و الخلفة من الارتفاع و الاختلاف و في الشرع قيل هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله و عن أمير المؤمنين عليه السّلام (معاني الأخبار) ان السنة ما سن رسول اللّٰه و البدعة ما أحدث بعده. و اليه نظر من قسمها إلى الأقسام الخمسة قال و الطريق في ذلك ان تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة كالاشتغال بعلوم العربية التي يفهم بها كلام اللّٰه و كلام رسوله و تدوين الحديث و الكلام في الجرح و التعديل لان حفظ الشريعة واجب و لا يتأتى إلا بذلك و ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب أو في قواعد التحريم فمحرمه مثل مذاهب القدرية و المرجئة و المجسمة و الرد على هؤلاء من البدع الواجبة أو الندب فمندوبة كأحداث الربط و المدارس و كل إحسان لم يعهد في العصر الأول أو الكراهة فمكروهة كزخرفة المساجد و ترويق المصاحف أو الإباحة فمباحة كالتوسع في اللذيذ من المأكل و الملابس أو المساكن و توسيع الأكمام و نحوها و قيل ان اسم البدعة لا يطلق الا على ما هو محرم من هذه الأقسام و هو الموافق للأصل و في الحديث (معاني الأخبار) المستفيض كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار. و قد كثر في الأدعية المأثورة الاستعاذة من البدع و سؤال التوفيق لمجانبتها و الأهواء جمع هوى بالقصر و هو ميل النفس الى ما تشتهيه من حق أو باطل ثم غلب استعماله في الثاني لأنه الغالب بحيث لا ينصرف الذهن عند الإطلاق إلا اليه و عليه قوله

تعالى وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ و قوله سبحانه أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ و قول أمير المؤمنين ع (الكافي- نهج البلاغة) إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان اتباع الهوى و طول الأمل.

و لأجل هذا التشديد العظيم الواقع في أمر البدع و الأهواء حسن تشبيهها بالظلمات أو ذواتها لجامع السببة في الضلال عن السبيل المقيم و الجار في قوله عن صراطه المستقيم متعلق بفعل الإيلاج كما في الفقرة الاولى و الصراط المستقيم هو حاق الحق و العدل المطلق و ذلك ان النفس الإنسانية واقعة في جميع أحوالها بين رذائل متخالفة متعاقدة واقعة على طرفي الزيادة و النقصان و ذمائم بينها كمال التنافي حاصله على حدي الإفراط و التفريط كلما تباعد الإنسان من أحدهما تقارب الى الآخر و لا يتخلص منها الا بالاقتصاد التام و ملازمة الوسط الحقيقي الذي هو غاية البعد عن الطرفين نهاية الانفكاك الممكن عنهما ففي اعمال القوة الشهوية يكون ملازما للعفة التي هي التوسط بين إفراط الفجور و تفريط الخمود و في القوة الغضبية للشجاعة المتوسطة بين التهور و الجبن و في القوة الفكرية للحكمة المتوسطة بين الجربزة و البلاهة و المراد بها هنا ما يقارب المفطنة و حسن الانتقال من المبادي إلى الغايات و هذه هي أصول الفضائل المحصلة للعدالة الظاهرة فالعفيف لا فاجر و لا خامد و الشجاع لا متهور و لا جبان و الحكيم لا جربز و لا ابله و هكذا يختار التوسط و الأمر بين الأمرين في سائر الأخلاق و الأعمال المنشعبة عن الأصول المذكورة و غيرها ففي المعاشرة التواضع المتوسط بين التكبر و التخسس و البشاشة بين التزمت و الدعابة و الحلم بين الطيش و المهانة و المروة بين الانفة و الدناءة و في الاكتساب السعى الجميل بين الحرص و الكسل و في المعيشة التقدير بين التبذير و التقتير و في البذل السخاوة بين الإسراف و البخل و في الأكل و الشرب و النوم و الكلام و غير ذلك لا يخرج عن الاعتدال و الاقتصاد حتى في العبادة يكون ملازما للرفق خارجا عن مرتبة الإضاعة غير بالغ حدا لا يغال الذي هو الإكثار منها بحيث يعقب الملال و انتهاك البدن و من ثم كره صوم الدهر بل و في مودة ذي القربى يكون مقتصدا و مقتصرا على مرتبة الولاية متجاوزا عن تفريط النصب متقاصرا عن إفراط الغلو و التفويض فهذه هي الطريقة المثلي الموصلة إلى الرفيق الأعلى و في الحديث (معاني الأخبار) الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير و استقام و في الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة. و في حديث أخر الصراط أدق من الشعر واحد من السيف. و ذلك لان

الوسط الحقيقي بين الأمور المتنافية كمال التنافي يكون في غاية الغموض و البعد عن الإدراك لأنه أشبه شي‌ء بالخط الهندسى الفاصل بين الظل و الشمس الذي لا عرض له أصلا و لأجل ذلك لا تؤمن غائلته و لا يبعد ان يكون هذا الصراط في الدنيا هو الجسر الممدود على متن جهنم الذي يمر عليه المؤمنون إلى الجنة في النشأة الآخرة و ما ورد من ان منهم من يمر كالبرق الخاطف و منهم مثل عدو الفرس و منهم من يمشى حبوا و منهم من يمر عليه متعلقا فتأخذ النار منه شيئا و تترك شيئا الى غير ذلك من الأحوال المختلفة مسببا عن اختلافهم الشديد في مراتب القرب من العدل الحقيقي و البعد عنه و تفاوتهم في قلة الالتفات الى الميول الطبيعية و كثرته و هذا كله مبين في كلام اللّٰه و كلام رسوله و أهل البيت صلوات اللّٰه عليهم و من ثم ورد في تفسير البطون تفسير الصراط المستقيم بالقرآن و بالإمام و عقب الحمد بإنشاء الصلاة و السلام على محمد و آله قضاء لحقوقهم و تبركا بذكرهم عليهم السلم المعصومين من الذنوب بالإجماع و السهو و النسيان على المشهور ما دامت الصلاة و التسليم و هي أبد الآبدين كما في بعض الأدعية المأثورة صلاة يصعد أولها و لا ينفذ أخرها. و فعل الدوام تام لا يحتاج الى الخبر كما في قوله تعالى خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ و بعد الحمد و الصلاة و السلام فيقول خادم العلوم الدينية و هي العلوم الثلاثة الأخروية التي يأتي بيانها و هي المسماة بالفقه في الصدر السالف و خدمتها عبارة عن الاشتغال بها و نشرها و ترويجها و كثيرا ما يصف المصنف و هو محمد بن مرتضى الملقب بمحسن أحسن اللّه اليه نفسه بهذا الوصف يتمدح به و يتبجح و من ثم قدمه على الاسم مع انه بحسب المعنى نعت حقه التأخير اهتماما به و شوقا اليه و حق له ذلك فإنه لم يجتهد أحد من علماء المائة الحادية عشر اجتهاده في ذا الباب و قد بلغ في كثرة التصانيف المختصرة و المطولة (1)و تلخيص المعاني و تقريبها إلى الأفهام و التوفيق بين العقل و الشرع و تسهيل الأمر على الناظرين مبلغا لم يسبقه اليه سابق و لا يشق غباره لاحق و في التسمية على الوجه المذكور إشارة الى ان الاسم في هذه المركبات التي شاعت التسمية بها في هذه الأعصار المتأخرة


1) جميع مصنفات المصنف طاب ثراه من المختصرات و المبسوطات و المتوسطات على ما ذكره في بعض مسفوراته مائة مصنف منه ره

انما هو الجزء الأول لا غير فالتركيب تقييدي خلافا لمن جعله مجموع الجزئين و اعتبر التركيب مزجيا و بيان مقالته ان اللّٰه خلق الإنسان في أحسن تقويم و جعله في الأرض خليفة و خصه بالتكريم و آتاه الحكمة و فصل الخطاب و من يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا و ما يذكر إلا أولوا الألباب و قد ورد عن الصادقين صلوات اللّٰه عليهم تفسير الحكمة بوجوه متقاربة يعمها جميعا ما قيل انها خروج النفس الى كمالها الممكن في قويتها العلمية و العملية معا فهي مركبة من جزئين علم هو تصور حقائق الموجودات و التصديق بأحكامها و ما يتبع ذلك و عمل هو ممارسة الحركات الارادية و مزاولة الصناعات الاختيارية لإخراج ما في القوة إلى الفعل على وجه يؤدى الى صلاح المعاش و المعاد و ينقسم الجزء العلمي بحسب المعلومات الى قسمين لأنها اما ان يتوقف وجودها على الحركات الارادية الإنسانية أو لا و يسمى الأول حكمه عملية لتعلقها بالعمل و الثاني حكمه نظرية تسمية للنوع بوصف جنسه و تنقسم الحكمة النظرية في معلوماتها ايضا بحسب مفارقتها للمادة مطلقا و ملابستها لها في الوجود فقط أو فيه و في التعقل جميعا أقساما ثلاثة فالعلم بما يفارق المادة فيهما هو الإلهي و بما يلابسها في الوجود دون التعقل هو الرياضي و بما يلابسها فيها هو الطبيعي و يبحث في الأول عن المجردات كالواجب و صفاته و العقول و النفوس و يتبعه الكلام في النبوة و الإمامة و المعاد و عن الأمور العامة كالوجود و العدم و الحدوث و القدم و الوحدة و الكثرة و نحوها و ربما يختص العلم بالمجردات باسم الإلهي و يسمى العلم بالأمور العامة بالفلسفة الاولى و يطلق على المجموع علم ما بعد الطبيعة و في الثاني عن المقادير و هو الهندسة و عن الاعداد و هو الحساب و عن أوضاع الأجرام العلوية و هو الهيئة و عن النسب التأليفية و هو الموسيقى و في الثالث عن مبادي المتغيرات كالزمان و المكان و الحركة و السكون و عن الأجسام البسيطة و المركبة و تبدل الصور على المواد و علل حدوث الحوادث و نحوها و ربما ينوع أنواعا و يحض كل منها باسم تقليلا للانتشار و تسهيلا للضبط كما يسمى البحث عن البسائط العلوية و السفلية بعلم السماء و العالم و عن الأركان و العناصر و تعاور الصور على المادة المشتركة بالكون و الفساد و عن كائنات الجو كالرعد و البرق و المطر و ثواني النجوم كالشهب و النيازك و بعض الأرضيات كالزلزلة

و الخسف بالآثار العلوية و عن المركبات التامة و كيفية تركيبها و ما يتعلق بذلك بعلم المعادن و النبات و الحيوان أو النفس و من فروع القسم الرياضي المناظر و الجبر و المقابلة و جر الأثقال و نحوها و من فروع الطبيعي الطب و أحكام النجوم و لفلاحة و اما الحكمة العملية فتنقسم بحسب المأخذ إلى قسمين ما يؤخذ من العقل من دون توقف على غيره و ما يؤخذ من الشرع و الأول اما ان تكون مصلحته المقصودة بالذات مقصورة على العامل بخصوصه و هو علم الأخلاق أو عليه و على من يختص به أتم اختصاص كالمشارك له في المنزل مثل الزوجة و الولد و الخادم و هو تدبير المنزل أو يعم غيرهم ممن يساكنهم في المدينة أو يجاورهم فيها و رهو السياسات المدنية فهذه الأقسام مما يستقل بها العقول الكاملة و قد ورد في جميع ذلك عن الشارع الحكيم مما يصدق حكم العقل و ينبه عليه و يؤكده و يزيده وضوحا ما يقطع العذر و الحاجة الى الأقسام الثلاثة ماسة جدا اما الأول فلان القوى النفسانية التي هي مبادي الأفعال الاختيارية و الحركات الارادية متخالفة متدافعة جدا كما سبق و عائقة عن الوصول إلى مرتبة الكمال الإنساني بل فاكبة بذويها إلى أسفل سافلين فان الإفراط في الشهوة مثلا ملحق لصاحبها بمرتبة البهائم التي همها شهواتها و في الغضب بمرتبة السباع التي همها الغلبة و الافتراس و التفريط فيهما بمرتبة الجمادات الفاقدة لقوة التوليد و الانتصار بل البهيمة و السبع و الجماد خير منه في هذه الحيثية لأنها لم تفوت على أنفسها كمالا فترتيب هذه الدواعي المتعاندة على وجه يتحقق بينها المسالمة و تصدر أفعالها منتظمة من أهم المهمات و العلم بكيفية هذا الترتيب و تضعيف القوى منها و تقوية الضعيف بحيث تتعادل و تتساوى من أشرف العلوم و اما الأخيرين فلان الإنسان لا بد له من زوجة بها يدافع سلطان الشهوة و يستعمل القوة المولدة و يستعين بها على بعض أموره و حينئذ يحصل الولد و تشتد الحاجة الى الخادم و لا بد من النظر في مصالحهم و مصالح المسكن الذي يأوون اليه و يدخر فيه أقواتهم فتتكثر الحوائج بحيث يتعسر على الواحد القيام بها ان أمكن فلا بد له من الاجتماع بعدة من أبناء نوعه يتعاونون جميعا على مصالح المعيشة و نعني بالمدينة محل هذا الاجتماع و حيث انه مظنة الهرج و الفساد لغلبة النفوس الشريرة الخارجة عن الاعتدال فلا بد من سياسات عدلية يتفق عليها الجميع طوعا أو كرها بها يستقيم أمر الاجتماع و يحصل الغرض المطلوب منه و هو صلاح النوع الإنساني و توجهه الى ما خلق لأجله من

السعادة الباقية و العيشة الراضية (1)و اما ما يؤخذ من الشرع فينقسم ايضا بالتقسيم المذكور الى العبادات و المناكحات و المعاملات و السياسات الشرعية و العلم بها هو المختص باسم الفقه في عرف الآخرين فصا و علم الأحكام الشرعية التي هي خطابات الشارع أو مدلولاتها المتعلقة بأفعال المكلفين من أقسام الحكمة العملية و عطفها عليها فيما سيأتي من قبيل عطف جبريل و ميكال على الملائكة و العقل و ان كان مما يستقل بإدراك بعض كلياتها و مجملاتها مثل حسن الصدق النافع و قبح الكذب الضار و وجوب رد الامانة و حرمة الغصب الا ان تفاصيلها و حدودها لا تكاد تعرف الا من جهة الشرع و لا مدخل لعقولنا و ارائنا فيها بوجه من الوجوه فهذا بيان الحكمة و شرح ماهيتها بجزئيها العلم و العمل و الحكيم الكامل هو المستجمع لهما الراسخ علمه بالعمل و هو العالم الصغير المنطوي فيه ما في العالم الأكبر و الكتاب المبين الذي بآياته يظهر المضمر و الأدم الذي خمر اللّٰه طينته بيده أربعين صباحا أو عاما و خلقه على صورته و اسجد له ملائكته تعظيما له و إكراما و هو الإنسان المطلق الموجود بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان لتحققه ظاهرا و باطنا بخاصية الإنسانية التي بها يمتاز عن سائر الممكنات و من عداه إنسان في الظاهر حيوان في الباطن بحسب الخلق الغالب عليه و في كلام أهل البيت صلوات اللّٰه عليهم إشارات جلية الى ذلك (2)


1) روى المصنف في كتاب عين اليقين مرسلا ان بعض اليهود اجتاز بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام و هو يتكلم مع جماعة فقال له يا ابن ابى طالب لو انك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأن من الشأن فقال عليه السلم و ما تعنى بالفلسفة ا ليس من اعتدلت طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوى اثر النفس فيه و من قوى اثر النفس فيه سما الى ما يرتقيه و من سما الى ما يرتقيه فقد تخلق بأخلاق النفسانية و من تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية معبر فقال اليهودي اللّٰه أكبر يا ابن ابى طالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات رضى اللّٰه عنك منه قدس سره

2) في تفسير العسكري عليه السلام قال على بن الحسين عليه السلام و هو واقف بعرفات لمحمد بن شهاب الزهري كم تقدر هيهنا من الناس قال قدر أربعمائة ألف خمسمائة ألف كلهم حجاج قصدوا اللّٰه بآمالهم و يدعونه بضجيج أصواتهم فقال يا زهري ادن لي وجهك فأدناه اليه فمسخ بيده وجهه ثم قال انظر فنظر الى الناس قال الزهري رأيت أولئك الخلق كلهم قردة لا ارى فيهم إنسانا إلا في كل عشرة الان أحد من الناس ثم قال ادن يا زهري فدنوت منه فمسح بيده وجهي ثم قال انظر فنظرت الى الناس قال لزهرى فرأيت أولئك كلهم ذئبة الا تلك الخصائص من الناس نفر يسير فقلت بأبي أنت و أمي يا ابن رسول اللّه قد دهشتنى آياتك و حيرتني عجائبك قال يا زهري و ما الحجيج من هؤلاء إلا النفر اليسير الذي رايتهم من هذا الخلق ابحم الغفير ثم قال امسح يدك على وجهك ففعلت فعاد أولئك الخلق في عيني ناسا كما كانوا أولا الحديث منه رحمة اللّه و رضوانه عليه

و المقتصر على أحدهما ناقص مطعون على قدر نقصه و قد ورد في الإنكار و التشديد عليه ما ورد ففي الحديث (معاني الأخبار) لا علم الا بعمل و لا عمل إلا بمعرفة و ان العلم بلا عمل و بال و العمل بلا علم ضلال (1)و فيه (معاني الأخبار) ان العالم التارك لعلمه أشد الناس حسرة يوم القيمة و ان أهل النار ليتأذون من ريحه و ان العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده كثرة السير الا بعد (الكافي) و تبين مما تقدم ان الحكمة العملية من أشد العلوم حاجة إليها و من ثم يقال بوجوب تحصيلها عينا في الجملة و أوثقها حجة فان الأدلة الشرعية و الوجدانيات التي لا ريب فيها من أقوى البينات و أشرفها موضوعا و هي النفس الإنسانية من حيث صدور الأعمال عنها جميلة أو قبيحة و غاية لأنها ترقية النفس الناقصة التي هي أخس الموجودات إلى مرتبة الخلافة التي هي أشرف المراتب الممكنة و من ثم سميت الإكسير الأعظم و ربما يعبر عنها في كتب الأقدمين بالطب الروحاني لأنها تحفظ الكمال على النفوس الكاملة كما تحفظ الصحة على الأمزجة الصحيحة في الطب الطبيعي و تأخذ بالنفوس الناقصة إلى الاعتدال بإزالة الذمائم التي هي امراض الأرواح كما قال تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزٰادَهُمُ اللّٰهُ مَرَضاً. و قال صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ و للمصنف قدس اللّٰه روحه كتب جيدة مبسوطة و متوسطة في أقسام الحكمتين ثم رجع الى مطولاته في الحكمة النظرية فانتخب مهماتها في متون وجيزة و هذه ايضا نخبة وجيزة في الحكمة العملية و الأحكام الشرعية على ما ورد به الكتاب و السنة و هي ما سنه رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله كما سبق و آثار الأئمة الاثني عشر أو المقتدى بهم من أهل بيت العصمة و من اقتبسوا من أنوارهم عليهم السلام من المشايخ الموثقين فان الاقتداء بهم فيما يتسامح فيه من الآداب و السنن و فضائل الأعمال مما لم يثبت عن أهل العصمة صلوات اللّٰه عليهم خلافه مما لا ضير فيه و كلها راجعة إلى السنة و فيه إشارة إلى حصر الأدلة الشرعية في الكتاب و السنة و اما الإجماع و دليل العقل و الاستصحاب فما يصلح منها للحجية و هو من الأول ما بلغ مبلغا يعلم دخول المعصوم فيه المرادف لضرورة الدين أو المذهب أو المتاخم لها و من الأخيرين ما ينطبق على قواعد الكتاب أو السنة فهي غير خارجة عنهما و ما عدا ذلك لا تعويل عليه كما صرح به في غير موضع و هذه النخبة نفصل بين ما وضح دليله منهما و هو ما يتوصل بصحيح النظر


1) رواه الدواني في أخلاقه مرسلا

فيه اليه بوضوح دلالته من غير إبهام سواء كانت مطابقية أو تضمنية أو التزامية على تشكيك في الأخيرتين لا يصغى اليه و بان سبيله بخلوصه عن المعارض ابتداء أو بعد الترجيح بالوجوه المأثورة الاتية مما لا ريب فيه لحصول العلم الشرعي به الموجب للعمل و لا ينافي ذلك ظنية الدلالة أو الطريق لان المعلوم انما هو وجوب العمل فهو غير المظنون و هذه هي الأحكام الموردة فيها على وجه الفتوى و الجزم و بين ما أبهم مأخذه و أظلم مسلكه بصيغة المعلوم في الفعلين و اقحام البين للفصل الكثير بين المتعاطفين مما يتشابه الأمر فيه لفقد الدليل أو وجود المعارض حيث لا ترجيح و هذه هي المشفوعة بالإشارة إلى نوع من التردد مع بيان ما يحصل به يقين البراءة و الخروج عن العهدة ليكون العامل على بصيرة من الأخذ باليقين و الاحتياط في أمور الدين إذ ورد في الأمر بذلك ما ورد فعن أمير المؤمنين عليه السلام (مجالس الشيخ أو ابنه) أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت في الصحيح (معاني الأخبار- التهذيب) عن عبد الرحمن بن الحجاج قال سئلت أبا الحسن عليه السلام عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء فقال لا بل عليهما ان يجزى كل واحد منهما الصيد قلت ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه فقال إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه و تعلموا و في مقبولة (الكافي- الفقيه- التهذيب- الاحتجاج) عمر بن حنظلة عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في الرجلين المتنازعين قلت فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلف في حديثكم قال الحكم ما حكم به أعدلهما و افقهما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت الى ما يحكم به الآخر قال قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه قال فقال ينظر الى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه و انما الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع و أمر بين غيه فيجتنب و أمر مشكل يرد علمه الى اللّٰه و الى رسوله قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن تول الشبهات نجى من المحرمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات فهلك من حيث لا يعلم قلت فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق

العامة قلت جعلت فداك أ رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ قال ما خالف العامة ففيه الرشاد فقلت جعلت فداك فان وافقهم الخبران جميعا قال ينظر الى ما هم إليه أمين حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالاخر قلت فان وافق حكامهم الخبرين جميعا قال إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

و في بعض خطب أمير المؤمنين عليه السلام (الفقيه) ان اللّٰه حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقضوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تكلفوها رحمة من اللّٰه لكم فاقبلوها ثم قال عليه السلام حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن تول ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له اترك و المعاصي حمى اللّٰه فمن يرتع حولها يوشك ان يدخلها و في معناها روايات أخر و قد دخلت الشبهة على عصبة من الآخرين في تحقيق الشبهة و ذلك انهم اتفقوا في مفهومها و انه كل ما فيه اشتباه و خفاء و زعموا ان ذلك حقيقتها الشرعية و العرفية و اللغوية و هو مقتضى مقابلته بالبين في أحاديث التثليث و على صدقها على ما تعارضت فيه الأدلة و اختلفوا في شمولها لما لا نص فيه فمن قائل (1)انه ليس بالحلال البين و لا بالحرام البين لان البيان انما هو بالنص انتفاؤه فيندرج تحت الشبهات و الا لاختل التقسيم و ايضا قد وقع الأمر بالاحتياط في الصحيحة فيما لا نص فيه و في المقبولة و ما في معناها في الشبهات على وجه يفيد القصر بالقرائن و الإجماع على انه لا احتياط في غير الشبهات و زعموا انه المراد بالمسكوت عنه في كلام أمير المؤمنين عليه السلام و هو ظاهر المصنف هنا و صريحه في غيره و من قائل (2)ان حديثي التثليث اللذين فيهما ذكر الشبهات انما يدلان على ثبوت شبهات بين الحلال البين و الحرام البين و لا دلالة فيهما على ان كل ما بينهما شبهة لفقد ما يدل على العموم و المهملة في قوة الجزئية فيكفي تحققها في ضمن المتفق عليه و هو ما تعارضت فيه الأدلة أو يخص التثليث بغير المسكوت عنه و اما المسكوت عنه فهو مباح رحمة من اللّه على عباده للعمومات الدالة على اباحة ما لا نص فيه و خارج عن مجرى هذا التقسيم لانه عليه السلام وسع في المسكوت عنه و ضيق في الشبهات فدخوله


1) شيخ عماد في جواب مسئلة شيخ إبراهيم حسين م

2) المولى عبد الرحيم الجامى في نقض الجواب م

فيها يوجب التناقض في الكلام و الصحيحة إنما تضمنت الأمر بالاحتياط عن الفتوى في المسائل الشرعية للجاهل بأحكامها و لا دلالة فيها على أكثر من ذلك و هذا معنى متفق عليه لا ارتباط له بموضع البحث هذه خلاصة كلماتهم مع تتميم و فصل الخطاب في هذا الباب يتوقف على تحرير محل النزاع أولا فاعلم أنه ان أريد بالنص المنفي فيما لا نص فيه النص الخاص بالأمر المبحوث عنه فإطلاق الحكم باندراجه في الشبهات ممنوع كما ان إطلاق الحكم بخروجه عنها كذلك و ذلك لانقسامه الى قسمين أحدهما ما لا يمكن إدراجه تحت شي‌ء من عمومات الكتاب و السنة و هذا من الشبهات و المشكلات التي يرد علمها الى اللّٰه و رسوله و يحتاط فيها في العمل و الآخر ما يمكن إدراجه تحت شي‌ء منها و هذا يشمله حكم ذلك العموم و يلتحق بأحد الأمرين البينين ما لم يتعارض فيه عمومان و حينئذ يندرج في الشبهات و يحتاط فيها علما و عملا و انحصار البيان في النص الخاص ممنوع كما يشهد بذلك مراجعة طريقة السلف الصالح رضوان اللّٰه عليهم (1)و تبين من هذا البيان حال ما لو أريد بالنص ما يعم العمومات و حمل الكلام على المهملة مما يخل بفائدته على ان حديث تقسيم الأمور مشتمل على صريح الحصر و نقله عليه السلام بعد ذلك حديث التثليث في مقام الاستدلال كما هو الظاهر كالصريح في إرادة التقسيم الحاصر و الا لاختل الاستدلال فظهر ان إخراج ما لا نص فيه عن مجرى التقسيم و تخصيصه بغير المسكوت عنه غير جيد و إطلاق الحكم بان المسكوت عنه و هو ما لا نص فيه مباح للعمومات الدالة على اباحة ما لا نص فيه غير مقبول بل الوجه التفصيل بأنه إن شملته عمومات الإباحة فهو مباح بين الحكم غير مسكوت عنه كما قدمنا و ان لم تشمله كما في مسئلة عبد الرحمن فلا معنى للحكم بالإباحة و القول بأنها خارجة عن المبحث كلام خال عن التحصيل لان المسئلة المجهولة الحكم لا شبهته انها عند الجاهل بها مما لا نص فيه لان المراد به ما لم يبلغنا فيه عن الشارع حكم معين لا ما ليس له حكم في الواقع لانه لا وجود له في نفس الأمر إذ ما من شي‌ء إلا ورد فيه كتاب أو سنة و ان لم يبلغنا كله كما تظافرت به الروايات و هذا من الأمرين فليكن منك على ذكروا ما المسكوت عنه في حديث أمير المؤمنين عليه السلم فيشبه ان يكون


1) فإنهم كانوا يتوسعون في العمل بالعمومات جدا حتى ان الصدوق طاب ثراه في الفقيه ذهب الى جواز القنوت في الصلاة بالفارسية لقول ابى عبد اللّٰه عليه السلام كل شي‌ء لك مطلق حتى يرد فيه نهى منه تغمده اللّه بغفرانه

المراد به ما ليس له ذكر صريح في ظاهر القرآن مثل الكلام في حقيقة الروح و البحث عن ماهية كلام اللّٰه و حدوثه و قدمه و غير ذلك من الصفات مما يخوض فيه الفضوليون من القاصرين و قد وضعه اللّه عنهم رحمة لهم و يسرا بهم فان تكلف ذلك منهي عنه و لا سيما للنفوس الناقصة بل الأصلح لهم الاكتفاء بالايمان المرسل و التصديق المجمل و في الحديث (1)ان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله مر بأصحابه و هم يخوضون فغضب حتى احمرت وجنتاه ثم قال أ فبهذا أمرتم تضربون كتاب اللّٰه بعضه ببعض انظروا الى ما أمركم اللّٰه به فافعلوا و ما نهاكم عنه فانتهوا. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام (الكافي) في جواب من سأله ان يكتب اليه بالمذهب الصحيح في التوحيد اعلم رحمك اللّٰه ان المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّٰه فأنف عن اللّٰه البطلان و التشبيه هو اللّٰه الثابت الموجود تعالى اللّٰه عما يصفه الواصفون و لا تعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان. و فيهما دلالة واضحة على ما قلناه و إذ لا سبيل له لنا الى القطع في الشبهات لإبهام المأخذ و اظلام المسلك فالأمور بحسب القسمة الحاصرة الأولى بالنسبة إلينا قسمان محكم و متشابه و بحسب الثانية ثلاثة أقسام هذا في الحلال و الحرام و كذلك في الفرض و النفل ففرض بين و نفل بين و شبهات يتردد أمرها بينهما من اتى بها نجا يقينا من ترك الفرائض احتمالا و من تركها وقع فيه فهلك من حيث لا يعلم و من هنا يعلم انه كلما وقع الاشتباه بين فعلين وجوديين يعلم وقوع التكليف بأحدهما يقينا و لا يعلم يقينا فالأخذ باليقين يأتي بهما جميعا تحريا للنجاة و حذرا من الوقوع في ترك الفرائض يقينا و ما يقال في المنع من ان الإتيان بفرد من الافراد المشكوكة ينفى اليقين ببقاء التكليف و ينفى احتماله بالأصل فتشكيك لا يلتفت اليه الحازم و إذ قد بنينا الأمر في الأحكام الشرعية على أساس التثليث و اقتصرنا في مداركها على القرآن و الحديث فارتفع الخلاف أو قل و نجونا عما نهينا عنه من القول بالرأي و الجزاف الا من زل فإن أكثر الاختلافات الواقعة في الفروع إنما نشأت من الخوض في المتشابهات التي يضطر الناظر فيها الى الاستمداد بالرأي المتلون السيال الذي لا يقف على حد و لا على حال و من ثم ترى اختلاف الفتوى عن عصابت‌نا الأخباريين أقل منه عن الأصوليين لابهامنا أبهم اللّه و سكوتنا عما سكت اللّه و اقتصارنا على البين المحكم وردنا ما سواه الى اللّه و الرسول و اولى الأمر


1) رواه السلطان المحققين في بعض رسائله منه نور اللّه ضريحه

فإنهم أعلم و في الحديث (الكافي) من عمل بما علم كفى ما لم يعلم قال المنصف طاب ثراه في سفينة النجاة و لعلك تقول ان الحكم في كل مسئلة واحد في نفس الأمر كما هو مذهب أهل الحق و الأحكام الشرعية انما تراد معرفتها للعمل و حاجة المكلفين إليها جميعا سواء فما الوجه في إخفاء بعض المسائل و إبهامه فنقول الحكمة في أكثر الأمور الشرعية غير معلومة لنا الا انه يمكننا ان نشير هيهنا الى ما يكسر سورة استبعادك بان نقول يحتمل ان يكون من الحكم في المتشابه المحتاط فيه ان يتميز المتقى المتدين باحتياط في الدين و عدم رتاعه حول الحمى خوفا عن الوقوع فيه ممن لا تقوى له و يجترئ في الرتاع حوله و لا يبالي بالوقوع فيه فتتفاضل بذلك درجات الناس و مراتبهم في الدين ف كما ان تارك الشبهات في الحلال و الحرام و فاعلها في الفرض و النفل ليس كالهالك من حيث لا يعلم فكذا الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم فالناس ثلث فرق مترتبين و ان يكون من الحكم في المتشابه المخير فيه ان يتوسع التكليف لجمهور الناس بإثبات التخيير في كثير من الأحكام و هذه رحمة من اللّٰه عز و جل و به تختلف مراتب التكليف باختلاف مراتب الناس في العقل و المعرفة و لعل أمير المؤمنين عليه السلام الى هذا أشار بقوله فلا تكلفوها رحمة من اللّٰه لكم فاقبلوها. و ما لا نعلم من الحكم أكثر مما نعلم هذا كلامه زيد إكرامه و لا نعبأ فيما لا يتسامح فيه بقول من لا نقف على برهان له به من الكتاب و السنة و ان كان ذلك القول في الآخرين مشهورا لأن أكثر الأقوال المشهورة بين الآخرين انما حدثت شهرتها من الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه عليه كما حققه العلامة و الشهيد الثاني رضى اللّٰه عنهما و ذلك لان الفقهاء الذين نشئوا بعده كانوا يتبعونه في الفتاوى و لا يجترؤن على مخالفته لكثرة اعتقادهم فيه و حسن ظنهم به فكانوا يفتون و يعلمون على وفق مذاهبه و تحقيقاته فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ و من بعده فحسبوا ذلك شهرة بين العلماء و ما فطنوا ان مرجعهما الى الشيخ و ان الشهرة إنما حصلت بمتابعته و تخطى ذلك قوم فسموها إجماعا و في الكلام إيماء الى ان الشهرة بين الأولين من أصحاب الأئمة صلوات اللّٰه عليهم و أرباب النصوص ليستحالها على هذا المنوال و هو كذلك لان المفهوم من سيرهم و أحوالهم بالتتبع انهم كانوا يتثبتون كثيرا و يراجعون المعصوم في جلائل الأمور و دقائها و لا يتسارعون الى الحكم و الفتوى في المسائل إلا بثبت مركون اليه و دليل مقبول يسوغ التعويل عليه فاشتهار الحكم بينهم مما يستبعد جدا ان يقع جزافا بل

الذي يقوى في النفس أنهم أخذوه عن الحجة بإحدى الطرق المعتبرة و مع ذلك كله فلا تنهض حجة فيما لا يتسامح فيه و المستيقن لا يفارق الاحتياط في العمل ما أمكن على ان البحث عنها قليل الجدوى إذ معرفة المشهور بينهم في آحاد المسائل التي يختلف فيها الان مما كاد يلحق بالمحالات لان كتبهم في الفتاوى المجردة قليلة جدا و انما يوجد نبذ منها متفرقة في اسفار الناقلين كما في كتاب الكافي و غيره و لا يبعد ان تكون الإشارة الى هذا فان قلت روى صاحب العوالي مرفوعا عن زرارة بن أعين قال سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ فقال عليه السلام يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر فقلت يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم فقال عليه السلام خذ بقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك فقلت انهما معا عدلان مرضيان موثقان فقال انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم قلت ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع فقال اذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط فقلت انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع فقال عليه السلام اذن فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر قال و في رواية انه عليه السلام قال اذن فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله. و هي صريحة في التعويل على الشهرة فكيف ينفى الاعتداد بها بقسميها قلت المعول عليه في الحديث انما هو اشتهار الرواية بين أصحابه دون اشتهار القول المجرد عن البرهان بين القائلين به و كذا لا نعتد بإجماع يدعى في محل الخلاف كما كثر من ابن إدريس و المحقق الثاني و بعض من تقدمهما فإنه ليس الا زورا إذ المجمع عليه لا ريب فيه كما تقدم في المقبولة و في معناها مرسلة الآتية الاحتجاج فكيف يشتبه بالمتنازع فيه و قد يوجه للذب عن هؤلاء الأجلة قدس اللّٰه أرواحهم بوجوه مثل ان مرادهم الشهرة كما سبق سواء ألحقناها به في الحجية أم لا أو تأويل الخلاف على وجه يمكن مجامعته لدعوى الإجماع و ان بعد كجعل الحكم من باب التخيير أو عدم اعتداد مدعيه بخلاف معلوم النسب أو اطلاعه في عصره على الخلاف و هو الذي أرتضيه المنصف في المفاتيح و غيره و يرد عليها جميعا عدم الاطراد لما اتفق منهم كثيرا من ادعائه على ما لم يبلغ حد الشهرة و في مواضع لا تكاد تنالها أيدي التأويل و قدمهم في الإجماع تارة بخلاف معلوم النسب و عدم اعتدادهم بمخالفة مجهولة اخرى على انه لا فرق بين

معلومه و مجهوله إذ المقدمة التي بنوا عليها أمر الإجماع و هو قبح الاجتماع على الخطاء على تقدير تسليمها تنهدم في الصورتين كما بيناه في شرح المفاتيح و ربما يكون المدعى هو الناقل للخلاف أو هو المخالف و ربما تتعارض الدعويان مع اتحاد المدعى و الحق انه و ان تقاصر كل منها عن شمول هذه الإجماعات الا انها غير خارجة عن مجموعها كما لا يخفى على المتتبع و أكثر الإجماعات المنقولة في المسائل النظرية من هذا القبيل و اللّه يقول الحق و هو يهدى السبيل

مقدمة

[مقدمة] في تقسيم العلم بوجه آخر

غير ما تقدم في ضمن تقسيم الحكمة و بيان مرتبة كل قسم و آداب العالم و المتعلم فهي يسيرة الألفاظ كثيرة الفوائد و التنوين للتحقير أو التعظيم العلم هو حصول الصورة في الذهن أو الصورة الحاصلة فيه أو انتقاشه بها و هذا الحد ينطبق طردا و عكسا على جميع أنواعه بتصوراتها و تصديقاتها و هي و ان كانت كثيرة الا ان مجامعها علمان علم الدنيا و علم الآخرة و علم الدنيا ما يرتبط به مصالح الدنيا كالطب و الحساب و علم الآخرة علمان أحدهما علم يقصد لذاته و هو العلم باللّٰه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و هو اما تحقيقي أو تقليلى فالتحقيقى نور يظهر في القلب عند تطهيره و تزكيته من ذمائمه فينشرح للحق فيشاهد بذلك النور و الانشراح الغيب ففي الحديث النبوي (1)ليس العلم بكثرة التعلم و انما هو نور يقذفه اللّٰه في قلب من يريه ان يهديه. و فيه ما من عبد الا و لقلبه عينان و هما غيب يدرك بهما الغيب فإذا أراد اللّٰه بعبد خيرا فتح عيني قلبه فيرى ما هو غائب عن بصره. فعند ذلك تنكشف عليه أمور كان يسمع من قبل أسمائها و يتوهم لها معاني مجملة غير متضحه فيتضح له جميع ذلك حتى تحصل له المعرفة التامة بذات اللّٰه و بصفاته و أفعاله و حكمته و معنى النبوة و الإمامة و الوحي و كيفية وصوله إلى النبي و حديث الملك مع الامام و معنى الآخرة و الجنة و النار و ما يتعلق بهما الى غير ذلك فان للناس في تصور حقائق هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات متفاوتة و درجات متفاضلة فنعنى بالعلم المقصود لذاته ان يرتفع الغطاء حتى يتضح جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجرى مجرى العيان الذي لا شك فيه كما في حديث أمير المؤمنين عليه السلام لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا. و لم أعبد ربا لم أره لا تدركه العيون بمشاهدة العيان و لكن تدركه القلوب بحقائق الايمان. و ذلك بتفريغ القلب عن الشواغل و تخليته عن الهموم المختلفة المتنوعة و جعلها كلها هما و إحداكما


1) رواها المصنف في مقدمات الوافي و في عين اليقين و غيرهما منه روح اللّه روحه

يأتي فيتسع بذلك و ينفسح فيحتمل البلاء لسعته و في الحديث (الكافي) ان أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل و يحفظ السر و هو ما ظفر به من مكنون العلم الصعب المستصعب الذي لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن اللّٰه قلبه للايمان و لقد بولغ في الحث على كتمان الأسرار و المنع عن الإفشاء و الإذاعة و الهتك بما لا مزيد عليه اما لغموض الأمر و قصور الافهام العامية عن إدراكه و إفشاء مثل هذا وضع للحكمة في غير موضعها كتعليق الدر في أعناق الخنازير و في الحديث (الكافي) لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم. و مشغلة لاذهانهم بما لا يرجع الى طائل و ذلك مثل حقيقة الروح التي هي من عالم الملكوت و النفوس الناقصة التي لم تتجاوز عالم الملك بمعزل عن إدراكها و اما لكون الكشف مفسدة للمستمعين و ان كان لا يتعسر عليهم إدراكه و سببا لافتتانهم أو لتفويت مصلحة راعاها الشارع الحكيم في التعبير عن بعض المسميات بغير أسمائها و تصوير بعض المعاني في غير قوالبها المعروفة تمثيلا و رمزا لكون ذلك أوقع في النفوس و ادخل في حصول الغرض المطلوب من الترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد و من ذلك بيان حقيقة الكسوف و الخسوف على النهج المقرر في الهيئة و تأويل الملائكة الجاذبة الدافعة بروحانيات الشمس و البحر المظلم بظل الأرض و نحو ذلك و هذا النوع عريض جدا و يندرج تحته كثير من متشابهات الكتاب و السنة الا ان الخوض فيه مما يختص بأهله و كان أكابر الصحابة مع ما هم فيه من تقارب المنازل و التشارك في بركة الصحبة يستخفى بعضهم من بعض بسره و في الحديث (الكافي) لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله و لقد آخى رسول اللّٰه بينهما فما ظنك بسائر الناس. و عن (نهج البلاغة) أمير المؤمنين (ع) اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة. و عنه عليه السلام (1)جملت عن النبي (ص) وعائين من العلم اما واحد فبثثته فيكم و اما الآخر فلو بثثته قطع منى هذا البلغوم (2). و سأله (3)كميل بن زياد النخعي و قد بلغك جلالة قدره عن الحقيقة فقال عليه السلم ما لك و الحقيقة قال أو لست صاحب سرك قال بلى و لكن يرشح عليك ما يطفح منى (4)الحديث و مما نسبه المصنف في كثير من


1) رواه الميبدى في الفواتح عن البخاري عن أبي هريرة م

2) مجرى الطعام

3) رواه المصنف في غير واحد من كتبه مرسلا و الظاهر انه أخذه من شرح عبد الرزاق الكاشي م

4) فقاله أو مثلك يخيب سائلا فأجابه صلوات اللّه عليه بقوله الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير اشاره فقال زدني بيانا فقال هتك الستر لغلبة السر فقال زدني بيانا فقال محو الموهوم مع صحو المعلوم فقال زدني بيانا فقال جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال زدني بيانا فقال نور يشرق من صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد آثاره فقال زدني بيانا فقال أطف المصباح فقد طلع الصباح انتهى م

مسفوراته الى على بن الحسين عليهما السلم و غيره الى غيره.

انى لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا أبو حسن الى الحسين و وصى قبله الحسنا

يا رب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي أنت ممن يعبدوا الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا

(1)و هذا العلم هو المسمى باللدني و علامته ما ورد في الحديث (إحياء العلوم) النبوي و قد سأل صلى اللّٰه عليه و آله عن قوله تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ ما هذا الشرح فقال ان النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر و انفسح قيل يا رسول اللّٰه و هل لذلك علامة قال نعم التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التهيئى للموت قبل نزوله و هو العلم الأفضل بقول مطلق لانه المقصد الأقصى من الإيجاد أو غاية مقاصد السالكين أو هو الغاية للقسم الآخر المقصود للعمل المتوسل به اليه و التقليدي هو تلقى بعض مسائل هذا العلم من صاحب الشرع على قدر الفهم و الحوصلة كما و كيفا ثم التدين به و الآخر علم يقصد للعمل ظاهرا و باطنا ليتوسل به الى ذلك النور و هو العلم بما يقرب اليه تعالى و ما يبعد عنه من طاعات الجوارح و معاصيها و مكارم الأخلاق و مساويها فهو قسمان علم الشرائع و علم الأخلاق و كله تقليد لصاحب الشرع اما عن بصيرة أو استبصار الا ما لا يختلف فيه العقول منه و ربما يسمى الفقه و من علامته ما في حديث الرضا عليه السلام (الكافي) ان من علامات الفقه الحلم و الصمت و ليس المراد بالفقه فيه مجرد معرفة الفتاوى في المسائل الفرعية و حفظ الأقوال المختلفة فيها و الإحاطة بمتعلقاتها لما يشاهد في ذويها غالبا من العلامة بنقيض ما هو مذكور في الحديث فإنهم أكثر الناس طيشا و هذرا و تصديق الفعل القول إذ به تعرف موافقة الباطن للظاهر و الخروج من ذميمة النفاق و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام (الكافي) في قول اللّٰه عز و جل


1) هذه الأبيات نسبها شارح الكافي الى على بن الحسين صلوات اللّه عليهما و تبعه المصنف و سبقهما الى هذه النسبة الميبدى في الفواتح و نسبها ابن ابى الحديد في شرح نهج البلاغة إلى الحسين بن منصور الحلاج و الشيخ محي الدين في الفتوحات المكية الى الرضى م

إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ قال يعنى بالعلماء من صدق فعله قوله و من لم يصدق فعله قوله فليس بعالم. و هذا العلم المقصود للعمل هو الأقدم في الوجود الخارجي بالنسبة إلى تحقيقي الأول لأنه الشرط فيه و في الحديث من علم و عمل بما علم ورثه اللّٰه علم ما لم يعلم. و فيه (الكافي) إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون. و بيان ذلك ان الإنسان إذا عمل بمقتضى علمه يؤدى عمله الى صفاء في قلبه فيستعد لعلم أخر فوق ما علمه أولا ثم إذا عمل بمقتضى هذا العلم يحصل له استعداد أخر و بسببه يحصل علم و انكشاف آخر و هكذا يتزايد العلم قوة و ضياء بحسب تتابع الأعمال حتى ينتهي إلى الاهتداء بهدي اللّٰه و هو نور اليقين المقصود لذاته قالوا و مثال ذلك من يمشى بمصباح في ظلمة فكلما أضاء له من الطريق قطعه مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لاضاءة قطعة اخرى و هكذا تترادف الاضواء بتعاقب الحركات و تترادف الحركات بتعاقب الاضواء الى ان يتأدى الماشي إلى الغاية و تنتهي الحركة و بحسب هذه الشرطية و التوسل يعد هذا العلم من علم الآخرة فإن أريد به الدنيا التحق بالدنيا و قد وقع حصر العلم في هذه العلوم الثلاثة الأخروية في الحديث النبوي (الكافي) إنما العلم ثلثه آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمه و ما خلاهن فهو فضل. قيل الأول إشارة إلى أصول العقائد و أركانها المستفادة من الآيات المحكمات القرآنية و الثاني إلى علم آفات النفس و تعديل قواها و تهذيب الأخلاق و الثالث الى علم الشرائع و الحلال و الحرام و يسمى كل منها علم الدين و علم الفقه كما مر أما مجادلة علم الكلام في أصول العقائد و التعمق في الفروع في فتاوى غير منصوصة تستنبط بالرأي فليسا في عرف الأولين من العلم و الفقه في شي‌ء بل لم يكن عندهم منهما عين و لا اثر و انما هما من محدثات الأمور و قد ذكر أبو حامد و غيره في مبدإ نشوهما و سبب تدوينهما كلاما ملخصه انه لما انتهت الخلافة إلى أقوام تولوا بغير استحقاق و استيهال و استقلال بعلم الفتاوى و الأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء و الى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في جميع مجاري أحكامهم و كان العلماء قد تفرغوا لعلم الآخرة و تجردوا له و كانوا يتدافعون الفتاوى و ما يتعلق بأحكام الخلق و أقبلوا على اللّٰه بكنه اجتهادهم فكانوا إذا طلبوهم هربوا و أعرضوا و اضطر الخلفاء الى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء و الحلكومات فراى أهل تلك الأعصار عز العلماء و إقبال الولاة عليهم مع اعراضهم عنهم

فاشربوا لطلب العلم توصلا الى نيل العز و درك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوى و عرضوا أنفسهم على الولاة و تعرفوا إليهم و طلبوا الولايات و الصلات منهم فمنهم من حر و منهم من أنجح و من أنجح لم يخل عن ذل الطلب و مهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد ان كانوا مطلوبين طالبين و بعد ان كانوا اعزة بالإعراض عن السلاطين اذلة بالإقبال عليهم الا من وفقه اللّٰه في كل عصر من علماء دينه ثم لما اعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري و قرأ عقائده في العدل و الصفات و غيرهما و نشأ بعده الشيخ أبو الحسن الأشعري و اشتغل بالرد عليه و إبطال مقالاته و تبع كلا منهما من تبعه و خرجوا من الطريقة الساذجة التي مشى عليها الصحابة و التابعون و أعانهم على ذلك ان نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية فخاض فيها الفريقان و طفقوا في الإبرام و النقض و إبطال بعضهم فذهب بعض فأخذوا ذلك فنا و سموه الكلام اما لان مسئلة الكلام كانت أشهر مباحثه أو أكثرها نزاعا و جدلا و يحكى انه قتل فيها خلق كثير أو أولها كما يحكى عن بعض الصحابة قال حضرت ذات يوم مجلس عمر فسأله رجل يا أمير المؤمنين أخبرني عن كلام اللّٰه مخلوق أم لا فتعجب عمر و أخذ بيد السائل حتى جاء به الى أمير المؤمنين ع و قال يا أبا الحسن اما تسمع مقالة هذا الرجل فلما سمعها تغير وجهه ثم اقبل الى عمر و قال انها فتنة يكون لها شأن تثور في مستقبل الزمان أما إني لو كنت مكانك لقطعت وريديه. أو لأنه يورث قدرة على الكلام و إلزام الخصوم كالمنطق أو لأنه انما يتحقق بالمباحثة و ادارة الكلام من الجانبين و غيره قد يحصل بالتأمل و المطالعة أو لأنه أكثر العلوم خلافا فيشتد افتقاره الى الكلام مع المخالفين و الرد عليهم أو لأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للاقوى من الكلامين هذا هو الكلام أو لأنه أشد العلوم تأثيرا في القلب و تغلغلا فيه فسمى الكلام من الكلم و هو الجرح أو لأنهم كانوا يعنونون مباحثه في المدونات بقولهم الكلام في كذا و الكلام في كذا و ظهر بعد ذلك من الصدور و الأمراء من سمع هذه المقالات و قواعد العقائد و مالت نفسه الى سماع الحجج فيها فعلمت رغبته الى المناظرة و المجادلة في الكلام فانكب الناس على علم الكلام و أكثروا فيها التصانيف و رتبوا فيها طرق المجادلات و استحرجوا فنون المناقضات و المقالات و زعموا ان غرضهم الذب عن دين اللّٰه و النضال عن السنة و قمع البدعة ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام و فتح باب المناظرة فيه لما

تولد من فتح بابه من التبغضات و الخصومات الناشئة من اللداد المفضية إلى تخريب البلاد و مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه و بيان الاولى من مذاهب المجتهدين فترك الناس الكلام و فنون العلم و أقبلوا على المسائل الخلافية و زعموا ان غرضهم استنباط دقائق الشرع و تقرير علل المذاهب و تمهيد أصول الفتاوى و أكثروا فيها التصانيف و الاستنباطات و رتبوا فيها أنواع المجادلات و لو مالت نفوس أرباب الدنيا الى علم أخر من العلوم لمالوا أيضا اليه و لم يسكتوا عن التعلل و الاعتذار بان ما اشتغلوا به علم الدين و ان لا مطلب لهم سوى القيام بفرض الكفاية تقربا الى رب العالمين و الفطن يعلم انه لو كان غرضهم ذلك لقدموا عليه فرض العين ترى الواحد منهم إذا سالته عن شي‌ء من فقه الظهار أو اللعان أو السبق يسرد عليك من التفريعات الدقيقة أشياء كثيرة تنقضي الدهور و لا يتفق الاحتياج إلى شي‌ء منها و إذا سألته عن معنى من معاني الإخلاص و التوكل و الرضا و نحوها مما يجب على كل مكلف في كل حال يتوقف في الجواب و يتلجلج في الكلام بل كثيرا من فروض الكفايات فكم من بلد ليس فيه طبيب الا من أهل الذمة و الاحتياج اليه فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه أكثر وقوعا منه الى هذه التعمقات و الفروض الذي يتعبون ليلا و نهارا في حفظها و درسها و البحث عنها ثم لا ترى أحدا يشتغل بالطب و يتهافتون على الفقه الذي شأنه ما عرفت و البلد مشحون من الفقهاء و ليس الباعث الا ان الطب لا يتسر الوصول به الى ما يتوصل اليه بالفقه و اللّٰه المستعان انتهى و ليس الغرض إخراج علم الشرائع و الفتاوى من الفقه و سلب صدق هذا الاسم المحمود في الشرع عليه بل الفرق بين ما سبيله الكتاب و السنة على الوجه المتقدم و ما سبيله الآراء و الظنون التي يستمد بها المتعمقون و الإجماعات التي حالها ما عرفت و الأول معدود من الفقه و ان كان أحط أقسامه و تخصيص هذا الاسم به في عرف الآخرين من قبيل تخصيص اسم الحكمة بالطب الذي هو من فروع ادنى أقسامها اعنى الطبيعي كما مر بخلاف الثاني و هذا التفصيل بعينه يجري في المجادلة فإن كانت بالتي هي أحسن دخلت تحت الاستثناء في قوله عز و جل وَ لٰا تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. و الأمر في قوله تعالى وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. و الا فهي المجادلة المذمومة نظير لقسم المذموم من فقه الفتاوى و هما مما يقسي القلب و يبعد عن اللّه عز و جل فان المتمرن فيهما يعتاد الاستعانة بقوة الشيطنة و الخروج عن حد

الحكمة و الاعتدال في القوة الفكرية الى إفراط الجربزة و جحود ما تستيقن به نفسه و خلط الباطل بالحق الى غير ذلك من الذمائم تقويا بذلك على ما هي بصدره من الفوز بالغلبة و إدراك لذة الظفر فيقسو قلبه عن قبول الحق الى ان يعود كالسباع التي همها في الاعتداء و لذتها في الضراوة على من اعترضها و ذلك من أقوى الأسباب في البعد عن اللّٰه عز و جل و الحرمان عن نور الهداية لأنه من أشد امراض القلوب و في الحديث (الكافي- التوحيد) لا تخاصموا الناس لدينكم فإن المخاصمة ممرضة للقلب. على انه لا بد ان يعترض المتكلم في فنه الشكوك و الشبه و ربما يتشبث بذهنه شي‌ء منها إذ الشبهة قد تكون جلية و الجواب عنها دقيقا يقصر عن إدراكه فيخرج الى الشك من اليقين و ينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين و عن أمير المؤمنين عليه السلم من طلب الدين بالجدل تزندق. و في حديث أخر الخصومة تمحق الدين و تحبط العمل و تورث الشك. و انما رخص في التكلم لضرورة دفع شبه المعاندين كما في حديث (الكافي) الشامي الذي جاء الى ابى عبد اللّٰه عليه السلام و قال انى رجل صاحب كلام و فقه و فرائض و قد جئت لمناظرة أصحابك فكلمه أبو عبد اللّٰه عليه السلم ثم التفت الى يونس بن يعقوب و قال يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته فقال يونس فيا لها من حسرة فقلت جعلت فداك انى سمعتك تنهى عن الكلام و تقول ويل لأصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد و هذا لا ينقاد و هذا ينساق و هذا لا ينساق و هذا نعقله و هذا لا نعقله فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلم انما قلت ويل لهم ان تركوا ما أقول و ذهبوا الى ما يريدون ثم قال اخرج الى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فادخله قال فأدخلت حمران بن أعين و الأحول و هشام بن سالم و قيس الماصر و كان عندي أحسنهم كلاما و كان قد تعلم الكلام من على ابن الحسين عليهما السلم فلما استقر بنا المجلس و رد هشام بن الحكم و هو أول ما اختطت لجبته فوسع له أبو عبد اللّٰه عليه السلم و قال ناصرنا بقلبه و لسانه و يده ثم قال يا حمران كلم الرجل فكلمه فظهر عليه حمران ثم قال يا طاقي كلمه فكلمه فظهر عليه الأحول ثم قال يا هشام بن سالم كلمه فتعاوقا ثم قال لقيس الماصر كلمه فكلمه فاقبل أبو عبد اللّٰه عليه السلام يضحك من كلامهما مما قد أصاب الشامي فقال للشامي كلم هذا الغلام يعنى هشام بن الحكم فكلمه فقطعه و استبصر الشامي ثم التفت أبو عبد اللّٰه عليه السلم الى حمران فقال تجري الكلام على الأثر فتصيب و التفت الى هشام بن سالم فقال تريد الأثر و لا تعرفه ثم التفت الى الأحول

فقال قياس رواغ تكسر باطلا بباطل الا ان باطلك أظهر ثم التفت الى قيس الماصر فقال تتكلم و أقرب ما تكون من الخبر عن رسول اللّٰه أبعد ما تكون منه تمزج الحق مع الباطل و قليل الحق يكفى عن كثير الباطل أنت و الأحول قفازان حاذقان ثم قال يا هشام لا تكاد تقع تلوى رجليك إذا هممت بالأرض طرت مثلك فليكلم الناس فاتق الزلة و الشفاعة من ورائها ان شاء اللّٰه.

و الحديث مختصر و حيث يرخص فيه للضرورة فليقتصر منه على قدر الحاجة كما في سائر الاضطراريات و ربما وجب حينئذ نصرة للدين و حراسة للمذهب و حماية عن الحق كفاية أو عينا على الماهر بالصنعة الحاذق فيها مثل هشام بن الحكم و الإطلاقات السابقة محمولة على الغالب من الأحوال و افراد المتكلمين فهو كما قيل نظير منع الصبيان عن شاطئ الدجلة شفقة عليهم من الغرق و رخصه الماهر القوى فيه تضاهي رخصة الكاملين في صنعة السباحة الا ان هيهنا موضع غرور و مزلة قدم و هو ان كل ضعيف في عقله يظن بنفسه انه يقدر على إدراك الحقائق كلها و انه من جملة الأقوياء فربما يخوضون و يغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون و هذا هو الوجه فيما قد ورد من التصريح بالتعميم فيما رواه (التوحيد) محمد بن عيسى قال قرأت في كتاب على بن هلال انه سأل عن الرجل يعني أبا الحسن عليه السلام انهم نهوا عن الكلام في الدين فناول مواليك المتكلمون بأنه انما نهى من لا يحسن ان يتكلم فيه فاما من يحسن ان يتكلم فلم ينهه فهل ذلك كما تأولوا أو لا فكتب عليه السلام المحسن و غير المحسن لا يتكلم فيه ف ان إثمه أكبر من نفعه. و بما أوردناه يتضح لك أمر المجادلة و التفصيل الذي أشرنا اليه و يتسهل عليك الإحاطة بقسميها و يزيد ذلك بيانا ما ورد انه ذكر عند ابى عبد اللّٰه عليه السلام الجدال في الدين و ان رسول اللّٰه و الأئمة صلوات اللّٰه عليهم قد نهوا عنه فقال عليه السلام لم ينه عنه مطلقا و لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن قيل يا ابن رسول اللّٰه فما الجدال بالتي هي أحسن و التي ليست بأحسن فقال اما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها اللّٰه تعالى و لكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل ان يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة ان يكون له عليك حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه فذلك حرام على شيعتنا ان يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم و على المبطلين اما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته و ضعف في يده حجه له على باطله و اما

الضعفاء فتغتم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل و اما الجدال بالتي هي أحسن و هو ما أمر اللّٰه به نبيه ان يجادل به من جحد البعث بعد الموت و احياء اللّٰه له فقال اللّٰه له حاكيا عنه وَ ضَرَبَ لَنٰا مَثَلًا (1)وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ فقال اللّٰه في الرد عليه قل يا محمد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ الى أخر السورة فأراد اللّٰه من نبيه ان يجادل المبطل الذي قال كيف يجوز ان يبعث هذه العظام و هي رميم فقال اللّٰه قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ أ فيعجز من ابتدأه لا من شي‌ء ان يعيده بعد ان يبلى بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته ثم قال الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي إذا كمن النار الحارة في الشجر الأخضر (2)الرطب ثم يستخرجها فعرفكم انه على اعادة ما بلى اقدر ثم قال أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلىٰ وَ هُوَ الْخَلّٰاقُ الْعَلِيمُ أي إذا كان خلق السموات و الأرض أعظم و أبعد في أوهامكم و قدركم ان (3)تقدروا عليه من إعادة البالي فكيف جوزتم من اللّٰه خلق هذا الأعجب عندكم و الأصعب لديكم و لم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي قال فهذا الجدال بالتي هي أحسن لأن فيها قطع عذر الكافرين و ازالة شبههم و اما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجحد حقا لا يمكنك ان تفرق بينه و بين باطل من تجادله و انما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق فهذا هو المحرم لأنك مثله جحد هو حقا و جحدت أنت حقا آخر. و الحديث مختصر و حق العلم إخلاص النية في طلبه و بذله للّٰه جل جلاله فان مدار الأعمال على النيات و بسببها يكون العمل تارة خزفة لا قيمة لها و تارة جوهرة لا يعلم قيمتها لعظم قدرها و تارة و بالأعلى صاحبه مكتوبا في ديوان السيئات و ان كان بصورة الواجبات كما يأتي فيجب على كل من طالب العلم و باذله


1) اى ضرب المثل في إنكار البعث بالعزم البالي و فته بيده و ترك النظر في خلق نفسه و هو ابى بن خلف و قيل العاص بن وائل م

2) قيل المراد بالشجر في الآية الكريمة المرخ «في القاموس المرخ شجر سريع الورى» و العقار «العقار كسحاب شجر يتخذ منه الزناد» و هما شجر أنار و يتخذ الاعراب زنودها منهما بين سبحانه ان من قدر على ان يجعل في الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية على مضادة النار للرطوبة حتى إذا احتاج الإنسان حك بعضه ببعض فتخرج منه النار قدر ايضا على الإعادة و قيل كل شجر يخرج منه النار الا العناب م

3) ان للشرط يعنى لو قدرتم على طريق الفرض و التقدير على خلق السموات و الأرض لكان عندكم أصعب من إعادة البالي م

ان يقصد بعمله وجه اللّٰه سبحانه و امتثال امره و استصلاح نفسه و غيره و لا يقصد بذلك شيئا من أغراض الدنيا من مال أو جاه أو شهرة أو امتياز عن الأشباه أو افتخار و ترفع على الأقران أو غير ذلك من المقاصد الفاسدة التي ثمرتها الخذلان من اللّٰه عز و جل و البعد عن الدار الآخرة و الثواب الدائم فيصير من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا و في الحديث (الكافي) من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار. و فيه (الكافي) من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب و من أراد به خير الآخرة أعطاه اللّٰه خير الدنيا و الآخرة. و عن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلام من تعلم العلم و عمل به و علم للّٰه دعى في ملكوت السموات عظيما فقيل تعلم للّٰه و عمل للّٰه و علم للّٰه. و إخلاص النية مما يحق في كل عمل و ان كان في العلم أحق و العمل به فيما يطلب للعمل إذ بدون ذلك لا ينفعه علمه في سلامة العاقبة و كان كمن به مرض شديد و هو يعلم كيفية العلاج و ترتيب الأدوية فيظن ان ذلك يكفيه في خلاصه عن مرضه و يشفيه بدون العمل به فلا يزال يزداد مرضه حتى يهلكه و في الحديث (الكافي) لا تطلبوا علم ما لا تعلمون و لما تعملوا بما علمتم فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفر أو لم يزدد من اللّٰه الا بعدا و قلما ينتفع بذلك العلم غيره أيضا فإن الذي يتناول مطعوما نهمة و ينهى الحاضرين عنه معللا بأنه مسموم متهوم عند الناس بالكذب و سخافة الرأي بل هم لفعله أطوع منهم لقوله إذ لو لا انه أطيب الأطعمة لما استاش به و في الحديث (الكافي) ان العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا. و لو فرض ان آحادا من الأكياس أو ممن لا خبرة لهم بحاله اهتدوا بعلمه كان ذلك حسرة و وبالا عليه كما تقدم و عن النبي (الكافي) صلى اللّٰه عليه و آله العلماء رجلان رجل عالم آخذ بعلم فهذا ناج و عالم تارك لعلمه فهذا هالك و ان أشد الناس ندامة و حسرة رجل دعا عبدا الى اللّٰه فاستجاب له و قبل منه فأطاع اللّٰه فادخله اللّٰه الجنة و ادخل الداعي إلى النار بتركه علمه. الحديث على ان العمل عقال العلم و هو بدونه في معرض الذهاب و في الحديث (الكافي) العلم مقرون الى العمل فمن علم عمل و من عمل العلم يهتف بالعمل فإن اجابه و الا ارتحل عنه.

و القول بما يعلم و الوقوف عند ما لا يعلم فعن (الكافي) زرارة بن أعين قال سألت أبا جعفر عليه السلام ما حق اللّٰه على العباد قال ان يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لا يعلمون و عن ابى عبد اللّٰه (الكافي)

عليه السلام مثله و زاد فان فعلوا ذلك فقد أدوا الى اللّٰه حقه. و في حديث (الكافي) آخر ما علمتم فقولوا و ما لم تعلموا فقولوا اللّٰه اعلم. و عن ابى عبد اللّٰه (الكافي) عليه السلام قال للعالم إذا سئل عن شي‌ء و هو لا يعلمه ان يقول اللّٰه اعلم و ليس لغير العالم ان يقول ذلك. و عنه عليه السلام (الكافي) إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل لا أدرى و لا يقل اللّٰه اعلم فيوقع في قلب صاحبه شكا و إذا قال المسئول لا أدرى فلا يتهمه السائل. و الاحتراز عن الفتوى بالرأي و التدين بما لا يعلم ففي الصحيح (الكافي) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام إياك و خصلتين ففيهما هلك من هلك إياك ان تفتي الناس برأيك و تدين بما لا تعلم. و التفهم و هو ان يستوضح في كل مقام ما يليق به من تفهم المسئلة إذا فهمها شيئا بعد شي‌ء دون الاقتصار على مجرد حفظ لأقوال و الألفاظ فيكون مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا و عن أمير المؤمنين (الكافي) عليه السلام لا خير في علم ليس فيه تفهم و الاستبصار في احناء الحق حتى لا ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة كما في حديث أمير المؤمنين عليه السلام في وصف حملة العلوم و بذله قال اللّٰه تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰاعِنُونَ و عن ابى عبد اللّٰه (الكافي) عليه السلام قال قرأت في كتاب على ان اللّٰه لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال. و عن ابى جعفر (الكافي) عليه السلام من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به و لا ينقص أولئك من أجورهم شيئا. و في حديث آخر (الكافي) و ان مات و ايضا العلم يقوى بالبذل و يتكامل كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام العلم يزكى بالإنفاق. و في حديث آخر زكاة العلم ان تعلمه عباد اللّٰه و كما يراعى في زكاة المال استحقاق المبذول له و أهليته لها حتى يترتب على إعطائه ما وعد اللّٰه المزكين من المثوبات فيمنع غير المستحق الذي لا يليق العطاء و ان سال إلحافا كذلك يراعى في بذل العلم كونه لأهله المستوجبين له المنتفعين به و منعه عن غير اهله حذرا عن الظلم و تعليق الدر على أعناق الخنازير كما تقدم و سئل بعض العلماء عن مسئلة فلم يجب فقال السائل أما سمعت النبي صلى اللّٰه عليه و آله يقول من كتم علما نافعا جاء يوم القيمة ملجما بلجام من نار فقال له العالم اترك اللجام و اذهب فإن جاءني من ينفعه فكتمته فليلجمنى قال بعض المحققين (1)ليس الظلم في إعطاء غير المستحق أقل منه في منع المستحق بل هو في الثاني أقل لأنه تأخير يمكن ان يتدارك بخلاف الأول لأنه تفويت و نعم ما قيل. فمن منح الجهال علما إضاعة. و من منع


1) صدر الدين الشيرازي م

المستوجبين فقد ظلم. قال الشهيد الثاني (1)قدس اللّٰه روحه لا يمتنع المعلم من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فربما عسر على كثير من المبتدئين بالاشتغال تصحيح النية لضعف نفوسهم و انحطاطها عن إدراك السعادة الآجلة و قلة أنسهم بموجبات تصحيحها فالامتناع من تعليمه يؤدى الى تفويت كثير من العلم مع انه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا انس بالعلم لكن يجب على المعلم إذا أشعر من المتعلم فساد النية ان يستدرجه بالموعظة الحسنة و بينه على خطر العلم الذي لا يراد به وجه اللّٰه و يتلوا عليه من الاخبار الواردة في ذلك حالا فحالا حتى يقوده الى القصد الصحيح فان لم ينجع ذلك و يئس منه قيل يتركه حينئذ فإن العلم لا يزيده الا شرا و فصل اخرون فقالوا ان كان فساد نيته من جهة الكبر و المراء و نحوهما فالأمر كذلك و ان كان من جهة حب الرئاسة الدنيوية فينبغي مع اليأس من إصلاحه ان لا يمنعه لعدم ثوران المفسدة و تعديها و لانه لا يكاد يخلص من هذه الرذيلة أحد في البداية فإذا وصل الى أصل العلم عرفان العلم انما يطلب للسعادة الأبدية بالذات و الرئاسة لا ذمة له قصدت أم لم تقصد انتهى و الشفقة في التعليم ففي (الفقيه- الخصال) رسالة على بن الحسين عليهما السلام الى بعض أصحابه في تعداد الحقوق الواجبة ثم حق رعيتك في العلم فان الجاهل رعية العالم الى ان قال فان تعلم ان اللّٰه انما جعلك قيما لهم فيما أتاك من العلم و فتح لك من خزائنه فإن أحسنت في تعليم الناس و لا تخرق بهم و لا تضجر عليهم زادك اللّٰه من فضله و ان أنت منعت الناس من علمك أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقا على اللّٰه ان يسلبك العلم و بهاؤه و يسقط من القلوب محلك. الحديث و أيضا فإن المتعلم بالنسبة إلى المعلم ولد روحاني فينبغي ان ينظر اليه نظر الوالد الشفيق الى الولد البار المسترشد و يؤد به أحسن الأدب و أول ذلك ان تحرصه على الإخلاص للّٰه في علمه و سعيه و مراقبته تعالى في جميع اللحظات و يعلمه ان بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف و ينشرح صدره و تتفجر من قلبه ينابيع الحكمة و يبارك له في حاله و علمه و يوفق للإصابة و يتلو عليه الآثار الواردة في ذلك و يزهده في الدنيا و يصرفه عن التعلق بها و الاغترار بزخارفها و يرغبه في العلم و يذكره بفضائله و فضائل العلماء و انهم ورثة الأنبياء و ان مدادهم يرجح دماء الشهداء و ان الملائكة لتضع أجنحتها لهم و انهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء و الشهداء و نحو ذلك مما ورد في فضل العلم و اهله من الاخبار و الاشعار و الأمثال ففي الأقاويل الخطابية و الكلمات الشعرية


1) في تنبيه المريد م

هز عظيم للنفوس الإنسانية كما يرى و يتلطف في موعظته للاقتصار على الميسور و قدر الكفاية من الدنيا و القناعة بذلك عما يشغل القلب عن طلب العلم و يفرق الهم و يحب و يكره له ما يحب لنفسه و يكره و يزجره عن سوء الأخلاق و ارتكاب المناهي و كل ما يؤدى الى فساد حال أو بطالة عن اشتغال أو إساءة أدب أو كثرة كلام لغير فائدة أو معاشرة من لا يليق أو نحو ذلك بطريق التعريض ما أمكن فان لم ينجع نهاه سرا ثم جهرا و غلظ عليه القول ان اقتضاه الحال لينزجر هو و غيره و يتأدب به كل سامع فان لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده و الاعراض عنه الى ان يرجع لا سيما إذا خاف على بعض رفقته من الطلبة موافقته و ان يسامح في نشر العلم و تقريبه الى ذهنه متلطفا في الإفادة برفق و نصيحة و تحريص على حفظ ما يبذله له من الفوائد النفيسة و لا يدخر عنه من فنون العلم شيئا يحتاج اليه أو يسأل إذا كان أهلا لذلك فان لم يتاهل بعد لما سأل عنه نبهه على ان ذلك يضره و انه لم يمنعه عنه شحا بل شفقة و لطفا ثم يرغبه بعد ذلك في الاجتهاد و التحصيل ليتأهل لذلك و لغيره و قد ورد في تفسير الرباني انه الذي يربى الناس بصغار العلم قبل كباره. و يأمر الطلبة بالاجتماع في الدرس لما يترتب عليه من الفائدة التي لا تحصل مع الانفراد و ينصفهم في البحث فيعترف بفائدة يقولها بعضهم و ان كان صغيرا و يسمع السؤال من مورده على وجهه و لا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة و يطرح عليهم أحيانا من النكات و الدقائق الغريبة ما تتشحذ به أذهانهم و إذا سلك أحدهم في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو فهمه حمله برفق على الاقتصار على مقتضى الحال و قدر الفهم أو المراد انه يقتصر له في بيان المسائل و توضيح المشكلات التي لها وجوه متعددة متفاوتة على ما يبلغه فهمه و يكتم عنه ما لا يبلغه فهمه لانه يفرق عليه الهم و ينفر الطبع و يفسد الحال و في الحديث النبوي نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم فنكلمهم على قدر عقولهم. و فيه ما أحد يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم الا كان فتنة على بعضهم. و على الوجهين فهو من آداب المعلم و يحتمل ان يعتبر من آداب المتعلم بان يكون المراد اقتصاره على ما يبلغه فهمه من المراتب متدرجا من كل مرتبة الى ما فوقها و لا يخالف الترتيب فيتبلد ذهنه و يضيع سعيه و قطع الطمع عن المتعلمين لمنافاته الإخلاص فلا يسألهم عليه أجرا تأسيا بالأنبياء فان العلماء ورثتهم بل يعلمهم لوجه اللّٰه لا يريد منهم جزاء و لا شكورا و لا يرى لنفسه منه عليهم و ان كانت المنة

لازمة عليهم بل يرى الفضل لهم لان ثوابه في التعليم أكثر من ثوابهم في التعلم عند اللّٰه و لولاهم لما نال هذا الثواب الجسيم و التواضع بخفض الجناح و حسن اللقاء و التلطف و بشاشة الوجه الى غير ذلك للمتعلم لما له من المدخل في حصول الأجر للمعلم و لكونه باعثا لمزيد العلم له و تمرنه بالمذاكرة و التكرار معه و عن ابى عبد اللّٰه (الكافي- معاني الأخبار) عليه السلام اطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم و الوقار و تواضعوا لمن تعلمونه و تواضعوا لمن طلبتم منهم العلم و لا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم. و في مرفوعة (الكافي) محمد بن سنان قال عيسى بن مريم يا معشر الحواريين لي إليكم حاجة اقضوها لي قالوا قضيت حاجتك يا روح اللّٰه فقام و قبل اقدامهم فقالوا كنا نحن أحق بهذا يا روح اللّه فقال ان أحق الناس بالخدمة العالم انما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم ثم قال عليه السلام بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر و كذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل. و التملق و هو التودد و لين الجانب و المراد هنا أبلغ التواضع للمعلم زيادة على غيره من ذوي الحقوق حتى الأبوين كما يأتي من المصنف التصريح به لأنهما و ان تسببا لوجوده فان ذلك انما اتفق منهما من غير قصد له في الأغلب بل بمقتضى الشهوة البهيمية المركوزة فيهما و هو وجود ناقص في أخس المراتب يشترك فيه الديدان و الخنافس و المعلم المرشد يتسبب بقصده و عنايته لتكميل هذا الوجود الناقص و إيصاله إلى أقصاها و استخراج ما فيه بالقوة إلى الفعل فحقه أعظم و نعمته أحق بالشكر و الموفق لا يألو جهدا في تعظيمه و حسن الأدب و الخدمة له في محضره و مغيبه و في الحديث النبوي ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم. و سئل إسكندر ما بالك توقر معلمك أكثر من والدك فقال لان الوالد سبب لحياتى الفانية و المعلم سبب لحياتى الباقية. و التسليم بان يلقى اليه زمام أمره بالكلية و يذعن له في كل ما يعين له من العلم المناسب لمرتبته و حاله حتى يجعل نفسه بين يديه كالمريض الجاهل بين يدي الطبيب الحاذق يداويه بما يشاء من الدواء بل كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء فيذعن لما ينقله من علم الى علم و إحضار القلب و الإقبال بكليته عليه في مجلسه متعقلا لقوله بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام و لا يلتفت من غير ضرورة و لا سيما عند بحثه معه أو كلامه له و قد اشتمل على جملة من آداب المتعلم مرسلة (الكافي) الجعفري عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال كان أمير المؤمنين يقول ان من حق

العالم ان لا تكثر عليه السؤال و لا تأخذ بثوبه و إذا دخلت عليه و عنده قوم فسلم عليهم جميعا و خصه بالتحية دونهم و اجلس بين يديه و لا تجلس خلفه و لا تجلس خلفه و لا تغمز بعينك و لا تشر بيدك و لا تكثر من القول قال فلان و قال فلان خلافا لقوله و لا تضجر بطول صحبته فإنما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها متى يسقط عليك منها شي‌ء. الحديث و في حديث (الفقيه- الخصال) الحقوق و حق سائسك بالعلم التعظيم له و التوقير لمجلسه و حسن الاستماع اليه و الإقبال عليه و ان لا ترفع عليه صوتك و لا تجلب أحدا يسأله عن شي‌ء حتى يكون هو الذي يجيب و لا تحدث في مجلسه أحدا و لا تغتاب عنده أحدا و ان تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء و ان تستر عيوبه و تظهر مناقبه و لا تجالس له عدوا و لا تعادي له وليا فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة اللّٰه عز و جل بأنك قصدته و تعلمت علمه للّٰه جل اسمه لا للناس و السؤال فإنه دواء العي كما (الكافي) ورد و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلام انما هلك الناس لأنهم لا يسألون. و عنه (الكافي) عليه السلام ان هذا العلم قفل و مفتاحه السؤال. و ينبغي ترك الحياء و الاستنكاف عنه فان من رق وجهه رق علمه و من رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال و في الصحيح (الخصال) عن أمير المؤمنين عليه السلام قوام الدين بأربعة عالم ناطق مستعمل له و غنى لا يبخل بفضله على أهل دين اللّٰه و فقير لا يبيع أخرته بدنياه و جاهل لا يتكبر عن طلب العلم فإذا كتم العالم علمه و بخل الغنى بماله على مستحقه و باع الفقير آخرته بدنياه و استكبر الجاهل عن طلب العلم رجعت الدنيا على ورائها قهقرى. الحديث و ليتجنب الإكثار و الإلحاح في المسئلة كما في الحديث المتقدم و في حديث (الكافي) آخر نهى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله عن القيل و القال و إفساد المال و كثرة السؤال. و عما لا يهمه فإنه من الخوض فيما لا يعنى المذموم كما يأتي و يتحر الوقت المناسب و يغتنمها عند طيب نفس الشيخ و فراغ باله و الخلوة و هذا حسن السؤال و في الحديث النبوي حسن السؤال نصف العلم. و كان النصف الآخر حسن الحفظ أو حسن التفكر و تقديم الأهم من العلوم فالأهم فإنها و ان كانت مرتبطة بعضها ببعض الا ان لكل منها مرتبة و مقاما معلوما فلا يشتغل بالغايات قبل المبادي و لا بالشائح قبل المقدمات و لا باختلاف العلماء في العقليات و السمعيات قبل إتقان الاعتقادات فيختل ذهنه و يحار عقله و يضيع سعيه و يعسر عليه طلبه بل يلاحظ الترتيب اللائق و يؤت كل ذي حق حقه فيكون ممن اتى البيوت من أبوابها و يتسهل له درك البغية و نجح الأمنية

فيشتغل أولا بحفظ كتاب اللّٰه و تجويده ليكون مفتاحا صالحا و معينا ناجحا و ليستنير القلب به و يستعد بسببه للاحاطة بباقي العلوم ثم بالعلوم العربية فإنها أول الات الفهم و أعظم أسباب العلم الشرعي لأن الكتاب و السنة عربيان فيتقن التصريف و النحو و اللغة و المعاني و البيان إتقانا جيدا بحيث إذا أعرضت عليه عبارة عربية غير موحشة قوى عليها و يكفيه في غريب اللغة أصل مركون اليه يراجعه عند الحاجة ثم بالمنطق و يحقق مقاصده فان له مدخلا عظيما في تقويم الفكر و إصلاح صور الأقيسة و لا يبالغ فيه مبالغته في العربية إذ المقصود يحصل بدونها ثم بالعقليات كالالهى و شي‌ء من الطبيعي يتشحذ به ذهنه و يرسخ فيه ملكه الاستدلال و ينظر في أصول الفقه و دراية الحديث و الرجال و يتعرف الاصطلاحات الموضوعة بين أهلها ثم يشتغل بالحديث و التفسير و ليمعن النظر في كشف اغوار كلام اللّٰه فإنها لا تقف على حد و هو بحر عميق و لا يقنع بما ذكره المفسرون و ليكن كثير التفتيش عن الروايات المأثورة في تفسير الظهور و البطون فان فيها من علوم الأسرار شيئا كثيرا و ليتقن من فقه الأحكام الشرعية طرفا صالحا و يطلع على أقوال الفقهاء رضوان اللّٰه عليهم و مواقع الخلاف و الإجماع و لا يكتف في ذلك بالمتون الوجيزة فان الشروح و الكتب الاستدلالية أكثر فائدة و اوفى بالمقصود و إذا اشتغل بفن فلا ينتقل عنه حتى تيقن فيه كتابا أو أكثر ان أمكن و ليحذر التنقل من كتاب الى كتاب و من فن الى آخر من غير موجب فان ذلك علامة العجز و عدم الفلاح و ليأخذ من كل فن حظه و يصرف تمام قوته في العلوم الدينية الأخروية مما يوجب كمال النفس و تزكيتها بالأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة و مرجعه إلى معرفة الكتاب و السنة و مكارم الأخلاق و ما ناسب ذلك و المذاكرة مع أقرانه من الطلبة الصالحين فإنها نعم المعين على الحفظ و رسوخ العلم في الذهن و انتعاش النفس و توسع القلب و في الحديث النبوي (الكافي) ان اللّٰه عز و جل يقول تذاكر العلم بين عبادي مما تحيي عليه القلوب الميتة إذا هم فيه انتهوا إلى أمري. و فيه (الكافي) تذاكروا و تلاقوا و تحدثوا فان الحديث جلاء للقلوب ان القلوب لترين كما يرين السيف جلاؤه الحديث. و عن ابى جعفر (الكافي) عليه السلام رحم اللّٰه عبدا أحيا العلم قيل و ما إحياؤه قال ان يذاكر به أهل الدين و أهل الورع. و عنه (الكافي) عليه السلام تذاكر العلم دراسة و الدراسة صلاة حسنه. و قد يتراءى كون المناظرة من جملة أنواع المذاكرة بل أقوى أنواعها لما تلزمه غالبا من استحضار الذهن و تذكر الأدلة و تنقيحها

و الفحص عن دلالتها و تشحيذا لخاطر و رياضة الفكر و تقوية النفس لدرك المآخذ و ترغيب الناس في العلم و نحو ذلك و هو كذلك لكنها كثيرة الآفات غير مأمونة التبعات و التحفظ على شروطها و آدابها على وجه السلامة في غاية التعسر و الصعوبة إلا ما رحم ربى فالأولى ترك المناظرة إلا مع الاضطرار كتجدد قضية واقعة أو مترقبه لا يسعه الجهل بحكمها و لا يثق بنفسه إذا انفرد بالنظر فلا بد له من الاستعانة بنظر غيره من الثقات المأمونين فيقتصر على قدر الحاجة و هي معرفة حكم ذلك المشكل الواقع أو القريب منه و لا يتخطى الى غيره من النوادر كما يتفق كثيرا و ليكن ذلك في الخلوة فإنها اجمع لهم و أحرى بصفاء الفكر و درك الحق و أبعد من حركة دواعي الرئاء و الحرص على طلب الافحام و ان يكون في طلب الحق كمنشد ضالة يكون شاكرا متى وجدها و لا يفرق بين ان يظهر على يده أو يد غيره فيرى طرفه مشيرا و ناصحا و معينا لا خصما و يتناظران على سبيل التشاور و التناصح و التعاون دون الخصومة و المغالبة شاكرا للمصيب إذا عرفه خطاه كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه غيره عليها في طريق آخر معترفا بالخطاء إذا ظهر منه غير مهتم بظهوره من الطرف فإنه من المراء المذموم و قد بلغك ما فيه مقدما لافحام النفس الأمارة بالمراء و الخصومة و حب الافحام و كل سوء و طرد الشيطان المسول لهذه الذمائم و هو أول الممارين حيث قال خلقتني من نار و خلقته من طين فينبغي افتتاح الأمر بإفحامه و ابعاده فهذه أصول ما يتأدب به المناظر ليخلص من آفاتها و يسلم من تبعاتها ان شاء اللّٰه و التمثيل في الأصول الاعتقادية من إثبات الصانع و صفاته و ما يتبع ذلك من الإلهيات بمحكمات الكتاب و السنة بمعونة الفطرة السليمة التي فطر اللّٰه الناس عليها فلا يقال ان ثبوت الكتاب و السنة و الأنبياء و الشرائع متوقف على ثبوت الصانع و صفاته فكيف يعرف الصانع و صفاته بالكتاب و السنة و ذلك لانه لو لم يكن الصادع بهذا الدين القويم الذي استوفى المحاسن كلها كما سبقت الإشارة إليه مقبول القول و معصوم الفعل لكان فيه الحجة أيضا لمطابقته لمقتضى العقول الرزينة و الفطر السليمة التي لم يخرجها عن صرافتها الأصلية مخرج على ان ما يتوقف عليه الشرع من معرفة الصانع و صفاته يجرى مجرى الضروريات التي يحكم بها كل ذي ادنى مسكة و من مواقع الإجماع المقطوع به قال اللّٰه تعالى وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ. فظهر ان ما ورد في الشرع كاف في

الاهتداء الى سبيل الحق مع ما جبل عليه أهل السلامة من الفطرة المعبر عنها في بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام بالعقل المطبوع. و لا حاجة الى تكلفات المتكلفين و كلمات المتكلمين في إبداء الأدلة و اقامة الحجج و من ثم لم يأمر النبي صلى اللّٰه عليه و آله الذي كان اعقل العقلاء باتفاق العقلاء الا بالتمسك بالثقلين و أخبر في الروايات المستفيضة بين فرق الإسلام كلها ان المتمسك بهما لن يضل ابدا. على ان جميع ما حرره المتكلمون في ذا الباب فإنما أخذوا أصوله من كلام اللّٰه و كلام أهل البيت عليهم السلام خصوصا أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه الذي هو آية اللّٰه الكبرى و في كلماته من العلوم الإلهية و المعارف الربانية ما تتقاصر دونه علوم الأولين و الآخرين و انما وقعوا فيما وقعوا في الزيارات التي اردفوها من تلقاء أنفسهم و المقتصر على لباب الحق في غنية عنها فالراشد البصير لا يكدر قلبه السليم على برين و لا يعدوا التشبث بأذيال الثقلين و يقتصر على محكمات الكتاب و السنة غير متصرف بعقله الجزئي في شي‌ء منها لاعتصامها عن الهوى و المسترشد المستبصر إذا حفظ ترجمة العقائد التي لقنها في مبدإ نشوه فلا يزال ينكشف له معانيها و يتكامل بتكامل تمييزه حتى يبلغ حد الاعتقاد الا انه اعتقاد ضعيف يقبل الزوال بإلقاء نقيضه اليه فلا بد من تقويته و إثباته في نفسه حتى يترسخ به و لا يتزلزل لا بان يعلم صنعه الجدل و الكلام فان ما يفسده الجدل أكثر مما يصلحه و ما يشوشه أكثر مما يمهده كما تقدم و من المشاهدات ان عقائد العوام أرسى و أرسخ من عقائد المتكلمين بل بان يشغل بتلاوة القران و تفسيره و قراءة الحديث و معانيه و يشتغل بوظائف العبادات فلا يزال يقوى اعتقاده و يزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن و حججه و ما يرد عليه من شواهد الأحاديث و فوائدها و بما يسطع عليه من أنوار العبادات و ما يسري إليه من مشاهدة الصالحين و مجالستهم و رؤية سيماهم و سيرتهم و هيأتهم في الخضوع للّٰه و الاستكانة له و استماع مواعظهم اللينة و أمثالهم فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر و هذه الأسباب كالسقي و التربية له حتى ينمو ذلك البذر و يقوى و يرتفع شجره طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء و ليس تأييد الاعتقاد بالعمل بمقتضاه و صحبة الصالحين و إصغاء الوعظ اللين مما يختص به المسترشدون و يندب اليه المبتدؤن فقط بل انتفاع العلماء الكاملين بملازمة هذه الآداب عظيم كما يقضى به المشاهدة و كذا ترك مجادلة

المتكلمين سواء اعتبر المصدران مضافين الى المفعول (1)أو الأول إلى مفعوله النوعي (2)و الثاني إلى الفاعل هذا كله في الأصول الاعتقادية و في الفروع العملية يتمسك بالمجمع عليه لانه لا ريب فيه كما تقدم و روى صاحب الاحتجاج عنهم عليهم السلام إذا اختلفت أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا فإنه لا ريب فيه. ثم الأحوط عند فقد الإجماع و وجود الخلاف ان أمكن ثم عند فقده يختار الأوثق دليلا اما لموافقته لشواهد الكتاب دون دليل الخلاف أو لمخالفته للمشهور بين القوم و موافقته له أو لكونه أشهر بين الرواة ثم عند تعذر هذه الوجوه يأخذ بقول من ظن انه اعلم و أورع و ان اختلف في الوصفين عول على اعلم الورعين و أورع العالمين فهذه هي الوجوه المأثورة في باب الترجيح عند التعارض في مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة اللتين هما الأصل في الباب الا ان الترتيب المذكور غير منطبق على شي‌ء منهما و ما اعتبره في الوافي و سفينة النجاة من انه يؤخذ بخبر الأوثق و ما للقرآن أوفق أو عن آراء المخالفين أبعد و إسحاق ثم التخيير على وجه التسليم المطلق فإنها كلها حق مع مخالفته لما هنا مخالف ايضا للروايتين و هما ايضا متخالفتان في الترتيب و تنفرد الاولى باشتمالها على الترجيح بموافقة الكتاب و الإرجاء أخير أو الثانية بالاحتياط و التخيير و قد ورد في روايات أخر الاكتفاء ببعض هذه روى الصدوق في عيون الاخبار انه سئل الرضا عليه السلام و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه و قد كانوا تنازعوا في الحديثين مختلفين عن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله في الشي‌ء الواحد فقال عليه السلام ان اللّٰه عز و جل حرم حراما و أحل حلالا و فرض فرائض الى ان قال فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّٰه فما كان في كتاب اللّٰه موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه الى ان قال و ما لم تجدوه في شي‌ء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن اولى بذلك و لا تقولوا فيه بآرائكم و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا و في كتاب الاحتجاج (3)للشيخ احمد بن ابى طالب الطوسي


1) أي لا يجادل المتكلمين م

2) اى لا يجادل أحدا مثل ما يجادل المتكلمون م

3) في اسناد كتاب الاحتجاج الى مصنفه في هذا الموضع تعريض بالمصنف لانه طاب ثراه في كتاب أصول الأصيلة في أثناء نقل هذه الرواية أسنده إلى الشيخ ابى على الطبرسي و هو منه اشتباه بلا مرية و انما الشيخ أبو على هو صاحب التفسيرين فلا تغفل منه طاب ثراه

رحمه اللّٰه عن الحسن بن الجهم قال قلت للرضا عليه السلم تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة قال ما جائك عنا فقسه على كتاب اللّٰه عز و جل و أحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منا و ان كان لم يشبههما فليس منا قلت يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق قال إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت و عن سماعة بن مهران قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلم قلت يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا عنه قال لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله عنه قال قلت لا بد من ان يعمل بأحدهما قال خذ بما فيه خلاف العامة. و في كتاب الأصول الأصيلة و وسائل الشيعة و الفوائد المدنية نقلا عن رسالة الفقهاء للشيخ قطب الدين الراوندي طاب ثراه في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّٰه فما وافق كتاب اللّٰه فخذوه و ما خالف كتاب اللّٰه فذروه فان لم تجدوهما في كتاب اللّٰه فاعرضوهما على اخبار العامة فما وافق اخبارهم فذروه و ما خالف اخبارهم فخذوه. و في الموثق عن الحسن بن الجهم قال قلت للعبد الصالح يسعنا فيما يرد علينا منكم الا التسليم لكم فقال لا و اللّٰه لا يسعكم الا التسليم لنا قلت فيروى عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و يروى عنه خلافه فبأيهما نأخذ قال خذ بما خالف القوم و ما وافق القوم فاجتنبه. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم. و عن محمد بن عبيد اللّٰه قال قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلم كيف نصنع بالخبرين المختلفين فقال إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فانظروا ما يخالف منهما العامة فخذوه و انظروا ما يوافق اخبارهم فدعوه. و المتقيد بالاخبار لا محيص له عن إهمال الترتيب بوجوهه و الاقتصار على القدر الجامع بين جميعها و هو جواز الترجيح بكل منها في الجملة و الزيادة على ذلك موكولة إلى بصيرة الناظر في الحلال و الحرام فيبحث بقوته القدسية في كل مورد عن موارد التعارض عن القرائن و الخصوصيات التي لا تندرج تحت قاعدة كلية فإنها من أقوى البينات على تعيين الوجه الراجح و في الحديث (الكافي) النبوي ان على كل حق حقيقة و ان على كل صواب نورا. و هي غير عزيزة في روايات أئمتنا صلوات اللّٰه عليهم يعرف ذلك من له انس بكلامهم و الباذل جهده في تتبع الاخبار و الإحاطة بها يستشهد ببعضها على بعض و يسهل عليه الأمر جدا و لتتبع أقاويل العامة و معرفة ما حكامهم و قضاتهم إليه أميل في كل عصر من أعصار الأئمة عليهم السلم مدخل عظيم في ذلك فإن أكثر اختلاف رواياتنا انما جاء من تلك الجهة كما صرح بها الشهيدان (1)و غيرهما و الحمل على التقية أظهر الوجوه


1) في الذكرى و شرح اللمعة م

التي ترتفع بها المنافاة غالبا بل كثيرا ما يقترن الخبر بما ينادى بالتقية في مضمونه كما لا يخفى على الممارس و أورد هنا ان مذهب الإمامية في جل الأحكام موافق لمذهب من المذاهب الأربعة و لا سيما مذهب الشافعي و كلهم مصوبه فيمكن الفتوى في أكثر الأحكام بالحق من غير تقيه غايته ان تكون الفتوى خطا بزعم أكثرهم و ان كانت صوابا عند بعضهم مع اتفاق كلهم على نفى التخطئة و عدم التفسيق و فيه انه اجتهاد في مقابلة النصوص المستفيضة التي تقدم شطر منها بل ورد الأمر بمخالفتهم في غير صورة التعارض ايضا روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في عيون الاخبار و علل الشرائع عن على بن أسباط قال قلت له يعنى الرضا عليه السلم يحدث الأمر من امرى لا أجد بدا من معرفته و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد استفتيته من مواليك فقال عليه السلم ائت فقيه البلد فاستفته في أمرك فإذا أفتاك بشي‌ء فخذ بخلافه فان الحق فيه. و في العلل عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال أ تدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة فقلت لا أدرى فقال ان عليا لم يكن يدين اللّٰه بدين الا خالفته عليه الأمة إلى غيره إرادة إبطال امره و كانوا يسئلون عن أمير المؤمنين عن الشي‌ء فإذا أفتاهم جعلوا له ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس. و في التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال ما سمعته منى يشبه قول الناس فيه التقية و ما سمعت منى لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه. و من العجب ان معظم تعويلهم في باب الترجيح انما هو على رواية ابن حنظلة و قد تلقوها بالقبول و سموها المقبولة و ان كان لهم فيه كلام و هي مشتملة على هذا الوجه بأبلغ الوجوه مع ان اتفاق القوم على التصويب ممنوع لاشتهار الخلاف فيه بينهم كما نقله العلامة منا و العضدي منهم بل نقل بعض متأخريهم (1)ان المذهب المختار للفقهاء الأربعة التخطئة و اهتمام (2)علمائهم في كل عصر بانتشار أقاويلهم و حرصهم على عمل الناس بها و حمل السلطان على ترويجها و إيصال الأذى و الضرر الى من خالفها و عدل عنها مما امتلأت به كتب السير خصوصا في حق أئمتنا الطاهرين صلوات اللّٰه عليهم إذ كانوا متهمين عندهم بالمخالفة و محسودين على ما آتاهم اللّٰه من فضله و ظنونهم سيئه فيهم فكانوا مضطرين


1) هو الفضل بن الروزبهان الأشعري في شرح نهج الحق م

2) هذه الجملة يصح جعلها من تتمة سند المنع و يصح جعلها جمله مفردة بعد تسليم اتفاقهم على التصويب لبيان انهم و ان كانوا قائلين بالتصويب الا انهم غير عاملين بمقتضاه فيكون وجها ثالثا فافهم م

الى التحبب إليهم بإظهار الموافقة لهم و مداراتهم بالقول و العمل بالمشتهر في كل عصر من مذاهبهم و بالجملة فهذا من القطعيات التي لا يحوم حولها شك و قد ورد في بعض الاخبار ترجيح الأحدث روى ذلك ثقة الإسلام عن المعلى بن خنيس قال قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلم إذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن اخركم بأيهما نأخذ فقال خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله. قال الكليني و في حديث آخر خذوا بالأحداث و عن الحسين بن مختار عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيهما كنت تأخذ قال قلت كنت آخذ بالأخير فقال لي رحمك اللّه. و لعل الوجه في ذلك فيما لو كان الأسبق نبويا ما ورد في موثقة محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال قلت له ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّٰه لا يتهمون بالكذب فيجي‌ء منكم خلافه قال ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن. و اما في غيره فان تغاير المروي عنه فلان المتأخر منهم عليهم السلم اعلم بمقاصد آبائه الطاهرين و اعرف بمواقع كلامهم كذا قيل و هو يجري في صورة اتخاذه ايضا و قيل ان الأزمنة تختلف في مراعاة مصلحة التقية و هم اعلم بذلك فيتكلمون في كل وقت بما يقتضيه مصلحة ذلك الوقت و هذا أحد معاني قول ابى عبد اللّٰه عليه السلم و قد سأله منصور بن حازم ما بالي أسئلك عن المسئلة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر فقال انا نجيب الناس على الزيادة و النقصان. فليس لأحد ان يأخذ في العام بما حكم به عام أول فيختص العمل به بزمن الحضور دون هذه الأزمنة و هو قريب في رواية ابن المختار و من الصريح فيه رواية (الكافي) أبي عمرو و الكناني قال قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السلم يا أبا عمرو أ رأيتك لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ قلت بأحدثهما و ادع الآخر فقال قد أصبت يا أبا عمرو ابى اللّٰه الا ان يعبد سرا اما و اللّٰه لئن فعلتم ذلك انه لخير لي و لكم ابى اللّٰه لنا و لكم في دينه الا التقية. و اعلم ان المشهور بين الأصحاب انه لا معارضة بين عام و خاص و لا مطلق و مقيد و لا مجمل و مبين بل بيني كل من الأدلة على ما يقابله عملا بالدليلين و قال الصدوق طاب ثراه في اعتقاد انه اعتقادنا في الحديث المفسر انه يحكم على المجمل كما قال الصادق عليه السلم و كثيرا ما بيني على هذه القاعدة في الفقيه و ربما يقال

وجوب حمل المطلق على المقيد ليس بمسلم مطلقا لأن في حمل المطلق على المقيد لا بد من ارتكاب خلاف ظاهر البتة فلو جاز تأويل في المقيد لم يكن ارتكاب خلاف الظاهر فيه أكثر منه في الأول لم يتعين حمل المطلق على المقيد بل مع التساوي يحكم بالتوقف و مع النقصان يرتكب التأويل في المقيد انتهى و هو راجع الى ما قلناه بقي الكلام في التدافع الواقع بين ما تضمن الإرجاء عند تعذر الترجيح و ما تضمن التخيير و ربما يرفع بتخصيص الأول بالعبادات و الثاني بالماليات و لا يعرف له وجه أو تخصيص الأول بمن يمكنه ذلك و يرجوا للقاء و الثاني بغيره فيكون هو الحكم زمن الغيبة أو ان الإرجاء و التوقف انما هو في العلم و التخيير و التوسعة في العمل و هو ظاهر الشيخ الأجل محمد بن يعقوب الكليني مجدد المذهب في المائة الثالثة بعد ابى جعفر الباقر عليه السلم في المائة الاولى و ابى الحسن الرضا عليه السلم في المائة الثانية على ما ذكره علماء الفريقين رضوان اللّٰه عليه حيث قال في أول كتابه الذي لا يوجد له في كتب الإسلام عديل اعلم أرشدك اللّٰه انه لا يسع أحدا تمييز شي‌ء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء برأيه الأعلى ما أطلقه العالم بقوله عليه السلم اعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب الهّٰم فخذوه و ما خالف كتاب اللّٰه فردوه. و قوله عليه السلم دعوا ما وافق القوم فان الرشد في خلافهم. و قوله عليه السلم خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه. و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله و لا تجد شيئا أحوط و لا أوسع من رد ذلك كله الى العالم عليه السلم و قبول ما وسع من الأمر فيه بقوله بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم. انتهى ما أردنا نقله قال المصنف في الوافي فإن قلت كيف أذنوا عليهم السلم بالتخيير مع ان حكم اللّٰه تعالى واحد في كل قضية قلنا ان مع الجهل بالحكم يسقط الأخذ به للاضطرار دفعا لتكليف ما لا يطاق و لهذا جاز العمل بالتقية ايضا فالحكم في مثله اضطراري قال اللّٰه عز و جل الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجٰانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. على انما لا نمنع ان يكون الحكم في بعض المسائل التخيير و كانوا قد أتوا في كل خبر بأحد فروى المخير فيه كما يستفاد من رواية على بن مهزيار قال قرأت في كتاب لعبد اللّٰه بن محمد الى ابى الحسن عليه السلم اختلف أصحابنا في رواياتهم عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم ان صلهما في المحمل و روى بعضهم ان لا تصلهما الا على الأرض فأعلمني كيف

تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك فوقع عليه السلم موسع عليك بآية عملت. هذا كلامه و هو جيد جدا الا ان في تمثيله نظرا هذا كله في حق الناظر في الأدلة الشرعية بشرائطه و غيره يرجع اليه كما يأتي في كتاب الحسبة هذا تمام الكلام في المقدمة و الحمد للّٰه و يتلوها المقاصد و هي في غيرها محصورة في نيف و أربعين كتابا و فيها بما فيها (1)في اثنى عشر تقليلا للانتشار و تسهيلا للضبط و من ثم وقعت مخالفته النظم للكتب المشهورة فحسن هنا ذكر الفهرس (2)ما فيها من الكتاب و أبوابها تسهيلا لمراجعة موضع الحاجة منها على الطالبين و هي:

كتاب الطهارة و أبوابه ثلثه و ثلاثون. باب التعداد. باب جرائم الجوارح. باب التوبة.

باب التدارك. باب الحد و التعزير. باب الجناية. باب ذمائم القلب. باب الصبر. باب الحلم.

باب النصيحة. باب حب الخمولة. باب التواضع. باب الفقر. باب الزهد. باب السخاء باب الرضا. باب الشكر. باب الرجاء و الخوف. باب قصر الأمل. باب النية. باب الإخلاص باب الصدق. باب التوحيد و التوكل. باب تطهير السر عما سوى اللّٰه. باب الماء. باب الأخباث و تطهيرها. باب آداب التخلي. باب الاتفاث و إزالتها. باب آداب التنظيف. باب الأحداث و رفعها. باب الوضوء. باب الغسل. باب التيمم. باب كتاب الصلاة و أبوابه ثمانية عشر. باب التعداد. باب الشرائط. باب الأوقات. باب المكان. باب اللباس. باب القبلة باب النداء. باب الهيئة. باب الآداب و السنن. باب المكروهات. باب وظائف يوم الجمعة و الخطبتين. باب آداب العيدين و سننهما. باب الآداب الآيات و سننها. باب الجماعة. باب الخلل. باب التعقيب. باب الدعاء. باب قراءة القرآن. كتاب الزكاة و أبوابه تسعة. باب التعداد و الشرائط. باب المقادير و النصب. باب المصرف. باب الأداء. باب الخمس. باب المعروف. باب آداب المعطى. باب آداب الأخذ. باب زكاة الجسد. كتاب الصيام و أبوابه سبعة. باب التعداد. باب الشرائط. باب الهيئة. باب الآداب. باب الخلل. باب فوائد الجوع. باب الاعتكاف. كتاب الحج و أبوابه ثمانية. باب التعداد. باب الشرائط. باب الهيئة


1) من الزيادات التي خلت عنها كتب القوم مثل طهارة الباطن و أبواب الاتفاث و آداب التنظيف و الدعاء و القران و المعروف و آداب الأخذ و المعطى و زكاة الجسد و فوائد الجوع و الأكل و الشرب و اللباس و المنام و الكلام و المسكن و التحية و الطيب و الإخاء و المعاشرة و العزلة و الورود و الضيافة و السفر و غير ذلك مما لم يذكر في الكتب الفقهية منه طاب ثراه

2) قال بعض أهل الأدب الفهرس كزبرج لفظ رومي معناه مجمع الأشياء و العامة يلفظون به بالتاء و هو لحن منه

باب المحرمات. باب الآداب و السنن. باب الخلل. باب حرمة الحرام. باب الزيارات كتاب الحسبة و أبوابه أيضا ثمانية. باب الجهاد. باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. باب اقامة الحدود. باب الفتيا باب القضا. باب الشهادة. باب أخذ اللقيط. باب الحجر. كتاب البر و أبوابه ستة. باب العطية. باب العتق. باب التدبير. باب الكتابة. باب النذر و العهد باب اليمين كتاب الكسب و أبوابه أربعة و عشرون. باب التعداد. باب البيع. باب الربا باب الشفعة. باب الشركة. باب القراض. باب الجعالة. باب الإجارة. باب المزارعة. باب المساقاة. باب احياء الموات. باب الغصب. باب اللقطة. باب السبق. باب الدين. باب الرهن باب الضمان. باب الحوالة. باب الكفالة. باب الوكالة. باب الوديعة. باب الإقرار باب الصلح كتاب النكاح و أبوابه سبعة عشر. باب التعداد و الجدوى. باب المحارم. باب الولاية.

باب العقد. باب الصداق. باب الخلوة. باب الحقوق. باب النشوز و الشقاق. باب الفسخ.

باب الطلاق. باب الخلع و المبارأة. باب الظهار. باب الإيلاء. باب اللعان. باب العدد. باب الولد. باب القرابة. كتاب المعيشة و أبوابه خمسة عشر. باب الطعام. باب الأكل. باب الشرب. باب الضيافة. باب اللباس. باب الطيب. باب المسكن. باب المنام باب التحية.

باب الكلام. باب الإخاء. باب المعاشرة. باب العزلة. باب الورد. باب السفر. كتاب الجنائز و أبوابه اثنا عشر. باب المرض. باب العيادة. باب الوصية. باب الاحتضار. باب التغسيل باب التكفين. باب التشييع و التربيع. باب الصلاة. باب الدفن. باب التعزية. باب الهدية. باب زيارة القبر. كتاب الفرائض و أبوابه ثلثه. باب الأسباب و الطبقات. باب الموانع.

باب التعداد و القسمة و افتتح كلا من الكتب بالبسملة إيذانا بأنه أمر ذو بال و قد كان الأوائل يفردونها بالتدوين و يعنونها بالكتاب ثم جمعها المتأخرون تكثيرا للفائدة و بقيت العنوانات بحالها

[كتاب الطهارة]

اشارة

كتاب الطهارة- بسم اللّه الرحمن الرحيم الطهارة هي التنظف عن الأدناس و المصنف كثيرا يكتفى عن التعاريف بتعداد الأقسام لأن التقسيم بمنزلة التعريف

[باب التعداد]

باب التعداد- الطهارة بحسب المحل طهارتان تنقسم إليهما انقسام الجنس إلى أنواعه طهارة الباطن و طهارة الظاهر و ينحصر كل منهما بحسب ادناسه في ثلاثة أقسام أما طهارة الباطن فبالحصر الجعلي فهي اما عن جريمة الجوارح اى جنايتها من اضافة المصدر الى الفاعل أو ذميمة القلب أي الملكة المذمومة الحاصلة له أو فيه أو شغل السر بما سوى اللّه و السر هنا هو القلب من تسميه

المحل باسم الحال حذرا عن التكرار و انما تعد جريمة الجوارح من الأدناس الباطلة مع ان الجوارح هي الأعضاء الظاهرة بحسب المبدأ فإن الأعضاء انما تتحرك و تسكن الى أفعالها و تروكها الاختيارية بالإرادة التي هي فعل القلب فرجعت جرائمها الى ذميمة القلب و شغل السر بما سوى اللّٰه مما يندرج ايضا تحتها سواء اعتبر المصدر مبنيا للفاعل أو المفعول و انما أفردهما بالذكر تثليثا للقسمة تتميما للمقابلة و مزيد اعشاء بهما فانحصرت ذمائم القلب في الأخلاق السيئة كما يأتي بيانه ثم ان كانت عن قبيح يذم أو يعاقب صاحبه ففرض و الا فنقل فانحلت الأقسام إلى ستة و اما طهارة الظاهر فبالحصر الاستقرائى (1)لأنها اما عن الخبث بفتحتين فيه و في قسميه و هو النجس أو التفث و هو ما يستهجن في البدن من فضلاته و غيرها أو الحدث و هو ما يوجب الوضوء أو الغسل ثم ان كانت مقدمة لواجب مشروط بها كطهارة الثوب و البدن و الوضوء للصلاة و الطواف الواجبين أو جزء من واجب كالحلق و التقصير من الحج و العمرة ففرض و الا فنفل فهذه أيضا ستة أقسام و ورد عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله الطهور نصف الايمان و هو بضم الطاء التطهر مصدر كالوضوء و بفتحها يرد مصدرا ايضا كالقبول و آلة بمعنى ما يتطهر به كالسحور و الوقود و مبالغة في الفاعل كالاكول و هو حث على الطهارة و تأكيد في أمرها من المبالغة المقبولة مجازا شائعا و كان النصف الآخر هو العمارة بالطاعة ظاهرا و باطنا أو إشارة إلى التخلية التي هي للقلب بمنزله تنقية الأرض عن الأشواك و الأعشاب الفاسدة و النصف الآخر هو التحلية التي هي بمنزلة غرس الأشجار المثمرة و إلقاء البذور الصالحة و الايمان عبارة عنهما و الباطن هو الأصل فإن الحركات الظاهرة إنما تنبعث منه كما ذكر و من ثم قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله و قد راى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة لو خشع قلبه لخشعت جوارحه. فهو الاولى و الأهم بالتطهير و طهارة ملزومة لطهارة الظاهر ف في الحديث ان القلب في الجسد بمنزله السلطان في الرعية فإذا صلح السلطان صلحت الرعية و إذا فسد فسدوا. و السلف الصالح من قرن النبوة و هم خير القرون ثم من يليهم الأقرب فالأقرب كانوا يبالغون فيه زيادة على مبالغتهم في غيره و يفحصون عن مقاماته و يتسائلون عن دقائق عيوبه و افاته لمزيد اهتمامهم به كما


1) الحصر ثلاثة أقسام عقلي كقولك الموجود اما واجب و اما ممكن و العدد اما زوج و اما فرد و استقرائي كقولك الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف و الفعل اما ثلاثي و اما رباعي و جعلي كانحصار الكتاب في ثلثه مقاصد مثلا و هذا يتبع اختيار الجاعل بحسب ما يراه من المناسبة م

سبق نقله و لكن لطهارة الظاهر أثر في تنوير الباطن كما يصادف عند إسباغ الوضوء و غسل الجمعة و سائر الأعمال الظاهرة فإنها مما يحس بتأثيراتها في النفوس و لو بعد التكرار و من ثم يتمون على الأعمال بكثرة المداومة عليها و هي مبدإ الملكات العادية كما يأتي لارتباط الملك و هو عالم الشهادة بالملكوت و هو عالم الغيب و انطباق كل منهما على الآخر و بسبب هذا الارتباط و الانطباق و العلاقة الخفية بين العالمين ربما يسرى حكم أحدهما إلى الآخر و تؤثر العلة المشهودة في المعلول الغيبي و بالعكس و في الحديث (1)ان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله كان قاعدا مع أصحابه في المسجد فسمعوا هدة عظيمة فارتاعوا فقال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله أ تعرفون ما هذه الهدة قالوا اللّٰه و رسوله اعلم قال حجر القى من أعلى جهنم منذ سبعين سنه وصل الان الى قعرها فكان وصوله الى قعرها و سقوطه فيها هذه الهدة فما فرغ من كلامه صلى اللّٰه عليه و آله الا و الصراخ في دار منافق من المنافقين قد مات و كان عمره سبعين سنه فكبر رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله و علم الحاضرون ان الحجر هو ذلك المنافق الذي كان يهوى في جهنم مدة عمره فلما مات استقر في قعرها كما قال اللّٰه تعالى إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ. و العارف بحقيقة العالمين و تفصيل المطابقة بينهما ينكشف له كثير من الأسرار و يصدق يقينا و اعتقادا لا تقليدا بجميع ما ورد به الدين القيم من أحوال النشأة الآخرة و يحيط بتأويل كثير من الآيات المتشابهات قائلا آمنا به كل من عند ربنا و من ثمة تصدق غالبا رؤيا من اعتاد الصدق حتى عدت في الصديقين من أنواع الوحي و اجزاء النبوة فإن النفس إذا تمرنت بالصدق في حال اليقظة التي هي من عالم الشهادة سرى ذلك إليها في حال الرؤيا التي هي من عالم الغيب أو المراد ان الصدق يسرى من اللسان الى القلب و الأول أقرب لفظا و الثاني معنى و لأجل ذلك ايضا تكذب رؤيا الكذوب و الشاعر و أمثالهما من المعتادين بالصور المتخيلة التي لا حقيقة لها كما يأتي في باب المنام

[المقصد الأول طهارة الظاهر]

اشارة

و نبدأ ب بيان طهارة الباطن و موجباتها بالترتيب المذكور لأنها الأهم كما ذكر

[باب جرائم الجوارح]

باب جرائم الجوارح بالهمزة بعد الالف عوضا عن الياء الزائدة و هي ما يخالف حكمه تعالى من فعل ما حكم بتركه أو ترك ما حكم بفعله و الفعل و الترك حدثان فالجريمه هي نفس المخالفة دون ما يخالف اعنى الهيئة المخالفة و الحمل على معنى الهيئة لا يجري في الأخير إذ المعدوم لا هيئة له و كيف كان فهو من أجود التعاريف و تنقسم الجرائم مطلقا تارة الى ما هو جريمه


1) رواه المصنف في عين اليقين مرسلا

بأصل الشرع كشرب الخمر و الزنا و ما يصير جريمه بالنية و العزم كالأكل للتقوى على المعصية مثلا كما يأتي و أخرى إلى حقه تعالى محضا كإفطار الصوم و ترك الصلاة الواجبين و ما يتركب من حقه تعالى و حق العبد كقتل النفس المحترمة و قطيعة الرحم و يضاف الى العبد تغليبا إذ حق العبد أغلظ لأنه لا يغفر حتى بعفو عنه صاحبه كما يأتي و في المتفق عليه احياء العلوم الكافي الخصال ان الدواوين يوم القيمة ثلاثة ديوان يغفر و ديوان لا يغفر و ديوان لا يترك أما الذي لا يغفر فالاشتراك باللّٰه عز و جل و اما الذي يغفر فظلم الرجل نفسه فيما بينه و بين ربه و اما الذي لا يترك فمظالم العباد بعضهم لبعض. و القسمتان على هذا الوجه حاصرتان للطاعات ايضا و الضابط في الأخيرة ان ما تعلق به الخطاب الاقتضائي من الشارع ان كانت مصلحته مقصورة على المخاطب كالصلاة و الحج فهو حق اللّٰه المحض و ان كانت غير مقصورة عليه بل لغيره فيه مصلحة فهو حق الأدمي أعني ذلك الغير سواء كان للمخاطب منها حظ كبذل العلم للمتعلم أو مقصورة عليه كإنقاذ المتردي من البئر و سواء كان ذلك الغير محصورا بشخصه كأداء الأمانة إلى أهلها أو بوصفه كايتاء الزكاة إلى أصنافها اما لو لم يكن محصورا لا شخصا و لا وصفا كان الحق معدودا من حقوق اللّٰه كالحدود و السياسات الشرعية التي يخاطب بها أولوا الأمر لمصلحة عامة المكلفين و ربما يوجد في كلام بعضهم إلحاق المحصور بوصفه بغير المحصور إذ لا يجوز له المطالبة و لو كان الحق له لجازت له مطالبته فتندرج الزكاة و أمثالها في حقوق اللّٰه و فيه ان المستفاد من الروايات اندراج الزكاة في حقوق الآدميين على ان تخصيص ذي الحق بمن يجوز له المطالبة ممنوع إذ لا دليل عليه بل ربما يتفق الاستحقاق مع عدم جواز المطالبة كما في المحلوف له غموسا و مما ذكرناه يظهر ان إطلاق أكثرهم القول بان الزنا من حقوق اللّٰه يحتاج الى تفصيل و هو ان المزني بها ان كانت حرة مطاوعة خلية فكذلك و ان كانت امة أو مكرهة أو ذات بعل أو ما تركب منها ثنائيا أو ثلاثيا غلب فيه حق الأدمي و في الحديث يحكم البعل في حسنات الزاني. و فيه دلالة على ما قلناه و اليه ميل شيخنا البهائي زاد اللّٰه بهائه (1)و أصرح منه ما رواه الصدوق في الفقيه مسندا عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في رجل فجر بجارية أخيه فما توبته قال يأتيه فيخبره و يسأله أن يجعله في حل و لا يعود قلت فان لم يجعله من ذلك في حل قال يلقى اللّٰه زانيا خائنا. الحديث و تنقسم الجرائم


1) في جواب مسائل الشيخ صالح م

ثالثة إلى كبيرة و صغيرة ممتازة كل منهما عن الأخرى حقيقة و تكفر الصغيرة مطلقا بإسقاط عقابها المستحق باجتناب الكبيرة مطلقا قال اللّٰه تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ. و المراد بالسيئات الصغائر بقرينة المقابلة و قيل ان الصغيرة المكفرة هي ما كانت مقدمة لكبيرة مجتنبه للّٰه سبحانه بعد الاشراف عليها و التمكن منها كما لو تمكن من الزنا فكف نفسه عن الوقوع و اقتصر على المس و النظر فان مجاهدته نفسه في الكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من اقدامه على المس و النظر في اظلامه و لو كان عنينا أو كان الامتناع لخوف و نحوه فلا تكفير و من يشتهي الخمر و الأوتار فأمسك نفسه بالجهد عن الخمر و أطلقها في السماع فمجاهدة النفس بالكف عن الخمر تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت عليه من معصية السماع بخلاف من لا يشتهي الخمر بطبعه فان سماعه للاوتار لا مكفر له حينئذ و الكبيرة ما أوجب اللّه عليه النار كما في (الكافي) رواية الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و كذا (الكافي) رواية على بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلم و غيرهما و قيل ما اوعدها عليها و هو أعم من الأول لتطرق الاخلاف الى الإيعاد المطلق بخلاف الإيجاب و لو ادعاء و يشهد له كثير من الروايات و الوجه في الجمع حمل العام على الخاص. و في بعض الاخبار دلالة ظاهرة على ذلك مع التصريح بأنها سبع مثل صحيحة (الكافي) الحسن بن محبوب قال كتب معى بعض أصحابنا الى ابى الحسن عليه السلم يسأله عن الكبائر كم هي و ما هي فكتب عليه السلم الكبائر من اجتنب ما أوعد اللّٰه عليه النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا و السبع الموجبات قتل النفس الحرام و عقوق الوالدين و أكل الربا و التعرب بعد الهجرة و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف. و مثله رواية أحمد بن عمر الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و في صحيحة محمد بن مسلم عنه عليه السلم الكبائر سبع قتل المؤمن متعمدا و قذف المحصنة و الفرار من الزحف و التعرب بعد الهجرة و أكل مال اليتم ظلما و أكل الربا بعد البينة و كل ما أوجب اللّٰه عليه النار. و في معناها رواية العباس بن هلال عن ابى الحسن الرضا عليه السلم و يستفاد منهما ان للإيجاب درجات بعضها فوق بعض و ان المعدودات هي المؤكدات منها و يؤكده حديث ابى الصامت عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال أكبر الكبائر سبع. ثم عدها و المراد بقتل النفس الحرام إزهاق الحياة من النفس المحترمة بالإسلام أو ما في حكمه كما هو الظاهر أو بالايمان حرا كان أو رقا ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا حتى الجنين مباشرة

أو تسبيبا بقطع أو ضرب أو إحراق أو إغراق أو ارداء أو سقى سم أو إغراء كلب أو غير ذلك و ان لم يوجب القصاص و الكفارة و قد شدد اللّٰه أمر القتل عظيما و جعل من قتل نفسا كأنما قتل الناس جميعا لهتكه حرمة الدماء و تسنينه سنة القتل و تجرئة الناس عليه و عن ابى جعفر (الكافي) عليه السلم يوضع في موضع من جهنم إليه ينتهي شدة عذاب أهلها لو قتل الناس جميعا كان انما يدخل ذلك المكان قيل فان قتل أخر قال يضاعف عليه. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم من أخرجها من ضلال الى هدى فكأنما أحياها و من أخرجها من هدى الى ضلال فقد قتلها.

و بعقوق الوالدين تضييع حقوقهما حيين أو ميتين و قد أمر اللّٰه سبحانه بالإحسان إليهما في سبعة مواضع من القران و عن ابى عبد للّٰه عليه السلم ادنى العقوق أف و لو علم اللّٰه شيئا أهون منه لنهى عنه. و في حديث آخر من العقوق ان ينظر الرجل الى والديه فيحد النظر إليهما.

و في حديث هشام عنه عليه السلم ان صوم الولد تطوعا بدون اذن الوالد من العقوق. و يلوح من بعض الاخبار ان تضييع الوالدين حقوق الولد عقوق أيضا ففي الحديث يلزم الإباء من العقوق لأولادهم ما يلزم الأولاد من العقوق لابائهم. و فيه لعن اللّٰه و الدين حملا ولدهما على عقوقهما.

و في (الكافي) رواية الكناسي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و الذي إذا دعاه أبوه لعن أباه و الذي إذا أجابه ابنه يضربه. و الإكثار في الحث على بر الوالدين و النهى عن عقوقهما دون الأولاد من اسرار حكمة الشريعة فإن كل ما اليه محرك من الطبع لا حاجة الى الترغيب و التأكيد فيه كثيرا في الشرع بخلاف ما لا باعث اليه طبعا فإن الحاجة الى الحث عليه و المبالغة في المنع عن مخالفته شديدة جدا و هذا أصل ينفعك في مواضع كثيره في الأفعال و التروك جميعا و يستفاد من كثير من الاخبار و الآثار ان محافظة حقوق المشايخ و المعلمين من أقوى البر و تضييعها من أفحش العقوق و قد تقدمت الإشارة اليه و يأتي لهذا تتمه في باب المعاشرة و يأكل الربا الانتفاع بالمعاملة الخاصة مطلقا و انما خص الأكل لأنه أظهر الانتفاعات و مثله في أكل مال اليتيم و ورد الفقيه- التهذيب ان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله لعن الربا و اكله و مؤكله و بايعه و مشتريه و كاتبه و شاهديه. و من تأمل في حكمه الباري جل شأنه في خلق النقود و الأطعمة الربوية و عنايته تعالى بمصالح العباد و شدة احتياجهم الى المعاوضات المقتضية لتحليل البيع انكشف له الوجه في تحريم الربا من غير ريب كما يأتي في كتاب الكسب و كذا تحريم أواني الذهب و الفضة فإن ذلك كله ظلم و وضع للشي‌ء في غير موضعه و مضادة للحكمة الإلهية

و بالتعرب بعد الهجرة أن يعود إلى البادية و يقيم مع الاعراب بعد ان كان مهاجر أو كان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد قاله ابن الأثير و في رواية أبي بصير عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم التعرب و الشرك واحد. و في كلام بعض علمائنا ان التعرب في زماننا هذا ان يشتغل الإنسان بتحصيل العلم ثم يتركه و قال المصنف في الوافي لا يبعد تعميمه لكل من تعلم آداب الشرع و سننه ثم تركها و اعرض عنها و لم يعمل بها و في معاني الاخبار عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال المتعرب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر بعد معرفته.

و المشهور ان التعرب بالمهملة و ربما يضبط بالمعجمة و الأول أوفق بالتعميم و بقذف المحصنة رمى العفيفة بالفاحشة حرة أو امة ذات بعل أو خلية مواجهة أو غائبة و بالفرار من الزحف الانهزام من جيش الكفار و الزحف الجيش يزحفون الى العدو اى يمشون و قيل الكثير بحيث يرون من كثرتهم كأنهم يزحفون اى يدبون من زحف الصبي إذا دب على مقعده و الزحف ايضا تقارب القدم الى القدم فهذا بيان السبع الموجبات المعدودة في حديث الحسن بن محبوب إجمالا و زيد في غيره ذنوب آخر روى ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه و عيون الاخبار في الصحيح عن عبد العظيم بن عبد اللّٰه الحسنى قال دخل عمرو بن عبيد على ابى عبد اللّٰه عليه السلم فلما سلم و جلس تلا هذه الآية الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ ثم أمسك فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلم ما أسكتك قال أحب ان أعرف الكبائر من كتاب اللّٰه فقال نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك باللّه يقول اللّٰه إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ و بعده الإياس من روح اللّٰه لان اللّٰه يقول إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ و بعده الأمن من مكر اللّٰه لان اللّٰه يقول فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ و منها عقوق الوالدين لان اللّٰه جعل العاق جبارا شقيا و قتل النفس التي حرم اللّٰه الا بالحق لان اللّٰه يقول فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا الى آخر الآية و قذف المحصنة لأن اللّٰه يقول لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ و أكل مال اليتيم لان اللّٰه يقول إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً و الفرار من الزحف لان اللّٰه يقول وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ و أكل الربا لان اللّٰه يقول الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ و السحر لان اللّٰه يقول

وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ و الزنا لان اللّٰه يقول وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً و اليمين الغموس الفاجرة لأن اللّٰه يقول الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ و الغلول لان اللّٰه يقول وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ و منع الزكاة المفروضة لأن اللّٰه يقول فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ و شهادة الزور و كتمان الشهادة لأن اللّٰه يقول وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ و شرب الخمر لان اللّٰه نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان و ترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض اللّه لان رسول اللّٰه قال من ترك الصلاة متعمدا فقد بري من ذمة اللّٰه و ذمة رسوله و نقض العهد و قطيعة الرحم لان اللّٰه يقول أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ قال فخرج عمرو و له صراخ من بكائه و هو يقول هلك من قال برأيه و نازعكم في العلم و الفضل. انتهى الحديث و الوجه في كون الإشراك باللّٰه أكبر الكبائر واضح و من أمعن النظر رأى انه ما من معصية صغيرة أو كبيرة الا و فيها منه نصيب فهو بمنزلة الحقيقة الجنسية الموجودة في الأنواع كلها الا ان مراتبه متفاوتة جدا و بعضها اجلى من بعض و الأذهان العامية متسارعة إلى مرتبة واحدة منها هي اجلى المراتب و أعلاها اعنى عبادة الأصنام المعمولة من الذهب أو الخشب أو غيرهما و السجود لها و هو الموسوم عندهم بالشرك الجلي غير ملتفتة الى المراتب النازلة مع ان غائلتها أعظم و البلوى بها أشد و أعم و لنكتف في بيانها بإيراد بعض الروايات في ذلك فعن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلم أمر الناس بمعرفتنا و الرد إلينا و التسليم لنا و ان صاموا و صلوا و شهدوا ان لا إله إلا اللّٰه و جعلوا في أنفسهم ان لا يردوا إلينا كانوا بذلك من المشركين. و عنه (الكافي) عليه السلم لو ان قوما عبدوا اللّٰه وحده لا شريك له و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و حجوا البيت و صاموا شهر رمضان ثم قالوا الشي‌ء صنعه اللّٰه أو صنعه النبي الا (1)صنع خلاف الذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين الحديث. و عنه (الكافي) عليه السلم في قوله اللّه عز و جل وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ قال يطيع الشيطان من حيث لا يعلم فيشرك و عنه (الكافي) عليه السلم كل رئاء شرك. و عنه عليه السلم (الكافي) في قوله تعالى وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه اللّٰه انما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه الحديث و سئل عليه السلم (الكافي) عن ادنى ما يكون به الإنسان مشركا فقال من ابتدع رأيا فأحب عليه أو أبغض عليه. و في الصحيح


1) حرف تخصيص

(الكافي) عن بريد العجلي قال سألت أبا جعفر عليه السلم عن ادنى ما يكون به العبد مشركا قال فقال من قال للنواة انها حصاة و للحصاة انها نواة ثم دان به. و في بعض الروايات ان الاستعانة في الوضوء اشراك. و قوله عز و جل إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. لا يبعد عموم لجميع هذه المراتب المتباينة لاشتراكهم في الوصف المحكوم به عليهم اعنى خبث الباطن و درن القلب و رجاسة الغيب و ان كانت شهادتهم نقية مستطابة و صدقه عليهم صدق المشكك على ما تحته و قد نطقت النصوص بإثبات نظير هذه المراتب للكفر ايضا و بإزاء كل واحدة منها مرتبة من مراتب التوحيد و الايمان و الإياس من روح اللّٰه إفراط الخوف و تفريط الرجاء كما ان الأمن من مكر اللّٰه إفراط الرجاء و تفريط الخوف و كلاهما خروج عن الاعتدال و نكوب عن الصراط المستقيم كما يأتي و السحر في الأصل صرف الشي‌ء عن وجهه و سحر كمنع خدع و كل ما لطف مأخذه و دق فهو سحر سواء كان من اعمال اليد أو خواص الجواهر أو الأعراض مفردة أو مركبة أو غير ذلك فيندر فيه الشعوذة و قد يطلق على ما يباينها و ربما يفسر (1)بكل عمل يحدث بسببه ضرر على الغير من كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام و عزائم أو نحوها و منه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطئها و إلقاء البغضاء بينهما كما قال اللّٰه تعالى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ. و منه استخدام الملائكة و الجن (2)و استتر آل الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب و استحضارهم و تلبيسهم ببدن صبي أو امرأة فتعلم ذلك و أشباهه و تعليمه و العمل به حرام الا للتوقي أو دفع المتنبي و قيل (3)بوجوب تعلمه لذلك كفا و عن (حديث) أمير المؤمنين عليه السلم من تعلم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا فقد كفر و كان آخر عهده بربه وحده ان يقتل الا ان يتوب. و يجوز حله بالقرآن و الأقسام و هل يجوز بالسحر الذي حكم به العلامة في المنتهى المنع لانه سحر و حديث (4)عيسى بن سيف صريح في الجواز و اما الطلسم و هو مزج القوى العالية بالقوى السافلة ليحدث منها أو؟؟


1) الشهيد الثاني و الفاضل الأردبيلي

2) هذا هو المعبر عنه في كلام بعضهم بالكهانة م

3) الشهيد الأول في الدروس

4) روى الشيخ مسندا انه دخل عيسى بن سيفي على ابى عبد اللّه عليه السلم كان ساحرا يأتيه الناس و يأخذ على ذلك الأجر فقال له جعلت فداك انا رجل كانت صناعتي السحر كنت أخذ عليه الأجر و كان معاشي و قد حججت و من اللّه على بلقائك و قد تبت الى اللّه عز و جل فهل لي في شي‌ء منه مخرج فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلم حل و لا تعقد م

غريب في عالم الكون و الفساد فما كان منها مشتملا على إضرار أو تمويه على المسلمين أو استهانة بشي‌ء من حرمات اللّٰه كالقرآن و أبعاضه و أسماء اللّٰه الحسنى و نحو ذلك فلا ريب في تحريمه سواء عد من السحر أم لا و ما عدا ذلك للأغراض المباحة كحضور الغائب و بقاء عمارة الدار و الضيعة و فتح حصن الكفار على المسلمين و نحوه فمقتضى الأصل جوازه و يحكى عن بعض عظماء الأصحاب فعله و ربما يستندون في بعضها الى أمير المؤمنين عليه السلم و ان كان في السند كلام و أطلق في الدروس (1)تحريم عمل الطلسمات إلحاقا له بالسحر و وجهه غير ظاهر و اما تسخير روحيانيات الكواكب فالذي وقفت عليه من أعمالها يشتمل على مناكير كثيرة و من جملتها أوراد و اذكار لا يجترئ المسلم على التلفظ بها و ان كانت الغاية المقصودة مباحة و ما يحكى عن بعض المتأخرين (2)من فعل ذلك فغير ثابت و بعد التسليم فلعله كان على نهج آخر و هذه أمور مباينة للمعهود من آداب الإسلام في التوصل الى المقاصد بالدعاء و التضرع و الابتهال الى اللّٰه و الاستشفاع و التوسل اليه بأرواح النبي و الأئمة صلوات اللّٰه عليهم و انما نناسب مذهب الصبوة و الشجيم. و الزنا هو إيقاب الحشفة بامرأة محرمة قبلا أو دبرا و هي الفاحشة و قد يقال انه في الدبر لواط و يشتد التفاحش بإحصانه فان كانت امة أو محصنة أو مكرهة فافحش لتعلق حق الأدمي حينئذ كما سبق و اليمين الغموس (3)هي الحلف على الماضي كذبا و سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم قال بعض العلماء و لو حلف و اقتطع بها مال مسلم أو ذمي فالإثم أشد و العقوبة أعظم و لو لا عن و نفى النسب كاذبا فأشد و لو أقسم في دعاوي الدم كاذبا فأشد و لا تنفع التورية إذا كان المحلوف له مظلوما و الغلول الخيانة في المغنم و السرقة من الغنيمة قبل القسمة و كل من خان في شي‌ء خفية فقد غل و سمى غلولا لان الأيدي فيها مغلولة اى ممنوعة و حذفه المصنف لفقد موضوعه في هذا الزمان و منع الزكاة المفروضة مندرج في ترك شي‌ء مما فرضه اللّه فاكتفى به عنه و شهادة الزور هي الشهادة بما لا يعلم و ان كان المشهود به صدقا في نفس الأمر و لا فرق بين ان يكون لا علم له بالواقعة أصلا أو له علم بخلافه أو كان له علم فنسيه سواء كان صاحبه ثقة و معه ثقة يشهد أم لا و سواء عرف خطه و خاتمه أم لا و ما ورد


1) البهائي

2) المولى شاه محمد الشيرازي

3) ففعول بمعنى فاعل و الوصف بالفاجرة للتأكيد هذا هو المشهور و عن الخليل انها التي لم توصل بالاستثناء فالوصف للتقييد م

بخلاف ذلك معارض بما هو أقوى منه كما يأتي و وجوب أداء الشهادة على الشاهد المستشهد كفاية أو عينا مما لا ريب فيه و المشهور الوجوب في غيره ايضا و في حديث المناهي (الفقيه) عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله من كتم الشهادة أطعمه اللّٰه لحمه على رؤس الخلائق. و كذا الخلاف في وجوب التحمل عينا أو كفاية بالاستشهاد كما يأتي و الخمر يطلق في العرف على هذا المسكر المتخذ من ماء العنب و في الروايات على النبيذ و الفقاع ايضا و كل ما خمر العقل اى ستره و لا فرق بين قليله و كثيرة في التحريم و النهى عنه و عن عبادة الأوثان مسوقان مساقا واحدا في قوله عز و جل إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ. و ترك الصلاة معدود في بعض الروايات من الكفر و ربما يقيد في كلامهم بالاستحلال و المستفاد من بعضها الإطلاق و صرف التقييد الى الكفر نظير كفر تارك الحج أو أغلظ منه فيعود النزاع لفظيا و الظاهر ان المراد بشي‌ء مما فرضه اللّٰه ما أوجبه في القرآن و انه اصطلاح قديم و الفرائض بهذا المعنى قد صارت من ضروريات الدين و تارك شي‌ء منها في مرتبة تارك الصلاة أو يدانيه و من ثم حسن سوقهما مساقا واحد أو فيهما خروج عن شرط السؤال اهتماما بهما و اشارة الى ان الكبائر ليست منحصرة فيما توعد عليه في الكتاب كما هو أحد الأقوال و لم يستشهد عليه السلم لنقض العهد بقوله تعالى وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا.

لأن الأمر بالوفاء أعم من كون النقض كبيرة توعد عليها بالوعيد الشديد و اكتفاء بما سبق من شاهد اليمين ففيه إشارة الى ان المراد ما عوهد اللّٰه عليه دون عهود العباد بعضهم لبعض و ان وجب الوفاء بها و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم ثلثه لا عذر لأحد فيها و لم يجعل اللّٰه لأحد فيهن رخصة: الوفاء بالعهد للبر و الفاجر و بر الوالدين برين كانا أو فاجرين و أداء الأمانة إلى البر و الفاجر. و الرحم الذي تظافرت الآيات و الروايات بالنهي عن قطيعته و الأمر بصلته هو القريب المعروف بنسبه و ان بعدت لحمته و جاز نكاحه دون من يحرم نكاحه خاصة كما قيل و في الحديث (الكافي) ان قوله تعالى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ نزلت في بنى أمية. و عن النبي (عيون الأخبار) صلى اللّٰه عليه و آله لما اسرى بي إلى السماء رأيت رحما متعلقة بالعرش تشكو رحما الى ربها فقلت لها كم بينك و بينها من أب فقالت نلتقي في أربعين أبا. و قطعه عبارة عن هجره و الاعراض عنه و قلة الاكتراث به من دون سبب شرعي و ليس منها القطيعة ففي الصحيح (الكافي) عن عبد اللّٰه بن سنان قال قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام ان لي ابن

عم أصله فيقطعني و أصله فيقطعني حتى لقد هممت لقطيعته إياي أن أقطعه قال انك إذا وصلته و قطعك وصلكما اللّٰه جميعا و ان قطعته و قطعتك قطعكما اللّٰه. و عنه عليه السلم (الكافي) ان رجلا اتى النبي صلى اللّٰه عليه و آله فقال يا رسول اللّٰه أهل بيتي أبوا إلا توثبا على و قطيعة لي و شتيمة فأرفضهم قال اذن يرفضكم اللّٰه جميعا قال فكيف اصنع قال تصل من قطعك و تعطى من حرمك و تعفو عمن ظلمك فإنك إذ فعلت ذلك كان لك من اللّٰه عليهم ظهير.

و عنه (الكافي) صلى اللّٰه عليه و آله لا تقطع رحمك و ان قطعتك. و صلته بره و الإحسان إليه بالتزاور و حسن اللقاء و التعاون و المواساة و كل ما قدر عليه من الخيرات و لو بالسلام كما يأتي في باب المعاشرة و عن الرضا (الكافي) عليه السلم أفضل ما توصل به الرحم كف الأذى عنها. و قد استفاضت الروايات بأنها منسأة في الأجل و مدفعه للبلاء و ميسرة للحساب و موسعة للرزق و مزكاة للعمل. فهذا بيان الزيادات الواقعة في هذا الخبر و ورد (الكافي) خبر ثالث إسقاط بعض هذه و زيادة غيرها و هو حديث (الخصال) شرائع الدين برواية الأعمش و ما كتبه الرضا (عيون الأخبار) عليه السلم للمأمون برواية الفضل بن شاذان قال الكبائر هي قتل النفس التي حرم اللّٰه و الزنا و اللواط و السرقة و شرب الخمر و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير اللّه به من غير ضرورة و أكل الربا بعد البينة و السحت و الميسر و هو القمار و البخس في الكيل و الوزن و قذف المحصنات و شهادة الزور و الياس من روح اللّٰه و الأمن من مكر اللّٰه و القنوط من رحمة اللّٰه و معونة الظالمين و الركون إليهم و اليمين الغموس و حبس الحقوق من غير عسر و الكذب و الكبر و الإسراف و التبذير و الخيانة و الاستغفار هكذا وجدناه فيما وجدناه من نسخ الكتاب و المفاتيح و فيما وجدناه من نسخ الخصال و عيون الأخبار المحاربة لأولياء اللّه و الاستخفاف بالحج و الاشتغال بالملاهي و الإصرار على الصغائر من الذنوب و اللواط هو الإيقاب بذكر من غير شبهة حرا كان أو عبدا طائعا أو مكرها مسلما أو كافرا و هو أفحش الفجور و أبعده عن الحكمة المقتضية لتسليط الشهوة و قد خلق اللّٰه الذكور مئنته للفعل و الأنوثة للانفعال فاللائط ظالم ممتثل أمر إبليس في تغيير خلق اللّه و في الحديث ان اللواط هو ما كان بين الفخذين و اما الإيقاب فهو الكفر بما انزل اللّه.

و المفعول أسوأ حالا و السرقة هي أخذ المال المحترم خفيه فان كان جهرا فغصب و لا فرق بين القليل و الكثير و قد وردت الرخصة بها على وجه التقاص عند انحصار العلاج فيها و يأتي

في محله و المراد بالميتة هنا الحيوان الزاهق روحه بغير التذكية المعتبرة شرعا سواء كان مما يقع عليه الذكاة في الشرع أم لا و يدخل فيها المنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع و في حكمها اجزاؤها التي تحلها الحياة و ان أبينت من الحي و اما ما لا تحله الحياة منها فلا يصدق عليه الوصف المقتضى للتحريم و هو الموت و ربما يتراءى ان في كلامه صلوات اللّٰه عليه إيماء الى ان المضاف المقدر في قوله تعالى في سورة المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ. هو الأكل كما هو المتبادر كما ان المتبادر من تحريم الأمهات في قوله عز و جل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ. نكاحهن و يترتب على ذلك جواز الاستقاء بجلودها للزرع و نحوه خلافا لمن حرم استعمالها مطلقا لأنه أقرب المجازات إلى الحقيقة من اضافة التحريم الى العين و فيه ان الآية مسوقة لبيان المحرمات مطلقا الحديث لبيان الكبائر فحسب و إذا اختلف السياقان امتنع الاستشهاد لأحدهما بالاخر فيحتم تحريم الانتفاعات كلها و ان كان المعدود من الكبائر هو الأكل لا غير و الدم و ان كان مطلقا الا انه مقيد في آية الانعام بالمسفوح فالمختلف في تضاعيف اللحم بعد القذف المعتاد من غير مائع باق على أصل الإباحة كما صرحوا به من غير نقل خلاف و يندرج في لحم الخنزير جميع اجزائه من الشحوم و الغضايف و الصفاقات و غيرها و المراد بما أهل لغير اللّٰه به ما رفع فيه؟؟

الصوت عند ذبحه باسم اللات و العزى كما كانوا يفعلونه و هو الأخص مما لم يذكر اسم اللّٰه عليه المنهي عنه في آية الانعام و في التقييد بغير ضرورة دلالة على اختصاص الحكم في المذكورات بحاله السعة و قد وقع التصريح بالإباحة عند الاضطرار في المخمصة في الآية الكريمة فتتقدر الرخصة بقدرها كما في نظائرها و السحت على وزن عنق و قفل الحرام؟؟

سحته إذا استأصله لانه مسحوت البركة و في الحديث (مجمع البيان) النبوي أنه الرشوة في الحكم و عن أمير المؤمنين عليه السلام ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغي و الرشوة و؟؟؟

الكاهن و كسب الحجام و عسيب الفحل و الاستجعال في المعصية و في حديث (الكافي) آخر كل شي‌ء غل من الامام فهو سحت و أكل مال اليتيم و شبهه سحت و للسحت أنواع كثيرة أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البينة فأما الرشا في الحكم فان ذلك هو الكفر باللّٰه العظيم و برسوله. و عن (الفقيه) ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه سئل عن قاض بين فريقين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق قال ذلك السحت. و عن أمير المؤمنين (عيون الأخبار) عليه السلام

في قوله تعالى أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ قال هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته. و القمار بكسر الفاء مصدر قامر إذا غالب و المراد اللعب بالآلات المعدة للمغالبة كالنرد و الشطرنج و الأربعة عشر و غيرها حتى الجوز و الخاتم و عن الباقر و الجواد صلوات اللّٰه عليهما في قوله تعالى وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلٰامِ كانوا يعمدون الى الجزور فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها الى رجل و هي عشرة سبعة لها أنصباء و ثلثه لا أنصباء لها و ثمن الجزور على من لم يخرج له من الأنصباء شي‌ء و هو القمار فحرمه اللّٰه. و الحديث مختصر و البخس في الكيل و الوزن نقصهما و هو التطفيف و قد كرر اللّٰه النهى عنه و التوعيد الشديد عليه في القران و أهلك به امة من الأولين و هو من أمهات المعاصي لاشتماله على الكذب و السرقة و الخيانة و أضرها بالنظام و ذلك لان معايش الخلق لا تنتظم بينهم إلا بالمعاملة و المعاملة لا تنتظم الا بالقسطاس المستقيم و الباخس المخل بالقسطاس مخل بأمر المعاملة و ذلك مستلزم لاختلال المصالح الدنيوية و هي أحد الشطرين اللذين بعث الأنبياء بأسرهم و أنزلت الكتب الإلهية بأسرها لتقريرهما و تثبيتهما في النفوس لأنهم إنما بعثوا لمصلحة الدين و الدنيا و من هذا شانه يبالغ في موعظته و نهيه عن هذا المنكر الذي هو من أشد المناكير ضررا و جناية و يؤدب و يعزر و يهدد بالبأس الشديد و الجهاد بالسيف كما يجاهد الكفار المخلون بالشطر الآخر اعنى المصالح الدينية و آخر الدواء الكي و اليه الإشارة بقوله عز و جل لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ. و في الحديث (1)ان جبرئيل عليه السلم نزل بالميزان على نوح عليه السلم و قال مر قومك يزنوا به. و يندرج فيه البخس في الذراع لانه من الميزان إذ المراد به الإله التي بها يعرف مقادير الحقوق لتحفظ النسبة بينها و يستعمل فيها بالقسط و العدل بل البصير يلتفت من تحريم البخس في الميزان الى تحريم المشاغبه في الكلام و المغالطة في الحجة و تلبيس الحق بالباطل فان ذلك كله من افراده على وجه أعم و القنوط من رحمة اللّٰه قيل هو اليأس من روح اللّٰه و هو الظاهر المصنف هنا و ربما يفرق بينهما كما هو ظاهر العطف سيما مع الفصل و يأتي في باب الرجاء و الخوف و معونة الظالمين قد وقع في كلام كثير منهم كالمحقق و العلامة و الشهيدين و من وافقهم قدس اللّٰه أرواحهم مقيدا بما إذا كانت


1) رواه الفخر الرازي في التفسير الكبير م

بما هو محرم في نفس كالكتابة لهم و إحضار المظلوم و نحوه دون معونتهم بالأعمال المحللة كالخياطة و البناء و ان كره التكسب بأموالهم و قال شيخنا البهائي طاب ثراه (1)ان هذا التفصيل ان كان قد انعقد عليه إجماع فلا كلام فيه و الا فللمناقشة فيه مجال فان النصوص متظافرة بالعموم في الإعانة بالمحرم و المباح بل المندوب روى محمد بن يعقوب بإسناده عن على بن حمزة قال كان لي صديق من كتاب بنى أمية فقال استأذن لي على ابى عبد اللّٰه جعفر بن محمد الصادق فاستأذنت له فاذن له فلما دخل و سلم جلس ثم قال جعلت فداك انى كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثير أو أغمضت في مطالبه فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلم لولا ان بنى أمية وجدوا من يكتب لهم و يجبى لهم الفي‌ء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا و لو تركهم الناس و ما في أيديهم ما وجدوا شيئا إلا ما وقع في أيديهم.

الحديث فان قوله عليه السلم و يشهد جماعتهم يدل على عدم الاختصاص بما هو محرم في نفسه و يؤيّده ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن ابى يعفور قال كنت عند ابى عبد اللّٰه عليه السلم إذ دخل عليه رجل من أصحابه فقال له أصلحك اللّٰه انه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة فيدعى إلى البناء فيبنيه أو للنهر يكريه (2)أو المسناة (3)يصلحها فما تقول في ذلك فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلم ما أحب ان عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء (4)و ان لي ما بين لابيتها لا و لا مدة بقلم إن أعوان الظلمة يوم القيمة في سرادق من نار حتى يحكم اللّٰه بين العباد. و في الصحيح عن يونس بن يعقوب قال قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السلم لا تعنهم على بناء مسجد.

و روى ابن بابويه عن الحسن بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلم قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله من علق سوطا بين يدي سلطان جائر جعل اللّٰه ذلك السوط يوم القيمة ثعبانا من نار طوله سبعون ذراعا يسلطه اللّٰه عليه في نار جهنم و بئس المصير. ثم قال و ربما يستأنس له بظاهر قوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ. و ايضا فعلى هذا لا معنى حينئذ لتخصيص الإعانة بالظالمين فان أعانه كل أحد بالمحرم محرمة بل فعل المحرم في نفسه حرام سواء كان أعانه أو غير أعانه و الظاهر ان مرجع الإعانة إلى العرف فما سمى اعانة عرفا حرم و اماما ينقل عن بعض الأكابر يعني عبد اللّٰه بن المبارك


1) في الأربعين م

2) كرى النهر استحدث حفره م

3) المسناة سد يعترض به الوادي م

4) الوكاء ككساء رباط القربة و غيرها و كل ما شد رأسه من وعاء و نحوه م

على (1)ما نقله أبو حامد ان خياطا قال له انى أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني داخلا بهذا في أعوان الظلمة فقال الداخل في أعوان الظلمة من يبيعك الابر و الخيوط و اما أنت فمن الظلمة أنفسهم فالظاهر انه محمول على نهاية المبالغة في الاحتراز عنهم و الاجتناب عن تعاطى أمورهم و الا فالأمر مشكل جدا هذا كلامه زيد إكرامه و لا يذهب عليك قصور هذه الأدلة جميعا عما هو بصدده من افادة تحريم مثل الخياطة و نحوها من الأعمال المباحة بالذات لهؤلاء الموجودين في هذه الأعصار من سلاطين الإسلام الذين بهم تقوم أكثر مصالح الدنيا و كثير من مصالح الدين و ذلك لان شهود جماعة بنى أمية المتظاهرين بالفجور و شرب الخمور و سب أمير المؤمنين و قتل أهل البيت عليهم السلم و غصبهم حقوقهم من أعظم المناكير و ادخل في شوكتهم و تفحيل أمرهم من جباية الفي‌ء و غيرها من الأمور المعدودة في الرواية فالنهي عنه نهى عن محرم محكم التحريم بين الغى و لا دلالة له على المدعى بوجه من الوجوه و حسنه ابن ابى يعفور و صحيحة يونس بن يعقوب بل موثقته (2)يحتملان الاختصاص بموردهما اعنى سلاطين تلك الأعصار الذين حالهم ما عرفت و الحمل على ما حمل به كلام بعض الأكابر أخيرا و هو المبالغة و التترية التام فإن مباشرة أعمالهم ملزومة غالبا لمواجهتهم و مخالطتهم و ربما ينجر ذلك الى الميل إليهم و الطمع في دنياهم و الولوج في أمرهم و إعانتهم في الظلم فان من رتع حول الحمى أو شك ان يقع فيه كما مر و عن مراتب الورع كما يأتي اجتناب المباحات حذرا عن الوقوع في المحرمات مثل ترك التحدث بأحوال الناس تحرجا عن الانتهار إلى الغيبة فتحمل عليها الحسنة و فوقها مرتبة اجتناب بعض المندوبات لذلك كاجتناب القاضي قبول الهدايا خوفا عن الانجرار إلى الرشوة فتحمل عليها الموثقة و في الحسنة إرشاد الى ذلك فإنه عليه السلم سامح في النهي عن الأعمال المذكورة ابتداء و غلظ بعد ذلك في التوعيد على معاونتهم من غير تصريح بان تلك الأعمال داخله في المعاونة و الصدق العرفي


1) فيه تعريض بما اشتبه على بعض المتأخرين من الناظرين في كلام شيخنا البهائي طاب ثراه حيث توهم ان مراده ببعض الأكابر أحد المعصومين فروى كلامه في كتابه حديثا عنهم عليهم السلم م

2) فان الطريق الى يونس و ان كان صحيحا لكن يونس بن يعقوب ممن نصوا عليه انه فطحي فاسد المذهب و مراد شيخنا البهائي طاب ثراه صحة القدر المحذوف من السند و هو من الاصطلاحات الشائعة فتنبه م

الذي عول عليه غير متحقق فيها و التعبير بالإعانة في الموثقة تغليظا أعم منه كالتعبير عن بعض المعاصي بالكفر و القدر المتحقق انما هو الصدق على ماله مدخل في تكثير الشوكة و ترعيب المظلوم و نحو ذلك مما يتولاه معلق السوط بين يدي الجائر كما في الحديث النبوي و ما يستتبع ذلك غالبا من الضرب و البطش بغير حق مما لا ريب في تحريمه و تحريم فعل المحرم في نفسه سواء كان أعانه أو غيرها لا ينافي تخصيص الأمانة بالذكر إذ قد يجتمع في الفعل الواحد حيثيات متعددة متوافقة أو متخالفة و له بحسب كل حيثية حكم يوافق الأخر و يغايره و الفقيه الباحث عن أحكام أفعال المكلفين يلزمه النظر في تلك الحيثيات و الإفصاح عن حكم كل منها على حده كامساك الأجنبية مثلا فإنه معصية في نفسه لكن ان كان ذلك ليتمكن الزاني من الوقوع عليها كان أعانه على معصية أخرى و تغلظت العقوبة و كذا تحريم اعانة كل آثم غير مناف لتخصيص اعانة الظالمين بالذكر لكونها من الكبائر و العقوبة فيها أشد كما ان عد ترك الصلاة من الكبائر في الحديث السابق لا ينافي ذكر ترك الفرائض مطلقا منها مع انها مشتركان في حيثية الكبر على ان المتبادر من الوصف ان المراد بمعونة الظالمين في الروايات هي الإعانة على الإثم و العدوان المذكورة في الآية الكريمة و اعتبار التقييد في المعان فيه دون المعان به و هذا من الأمر بين الأمرين و يحتمل تنزيل كلام بعض الجماعة (1)عليه و الا لزم كون معونة الظالمين أسهل أمرا من معونة غيرهم إذ ربما تحرم


1) المراد ان الجماعة الذين قيدوا تحريم معونة الظالمين بما إذا كانت بما هو محرم في نفسه اعتبروا التقييد في المعان به اعنى نفس الفعل الذي يتحقق به الإعانة سواء اعتبر الباء للالة أو السببية فإن كان محرما في نفسه حكموا بتحريمه كضرب المظلوم و إيذائه و الا فلا كاعانتهم في بناء المسجد و المتبادر من اناطة التحريم بوصف الظلم اعتبار القيد في المعان فيه اعنى ما هو غاية للفعل المعان به فان كانت الغاية ظلما كان المعان به محرما و ان كان مباحا بالأصل كشراء الأواني لهم فإنه مباح في نفسه و انما يحرم إذا كان المقصود اتخاذها للخمور و الأنبذة فيكون شراء الأواني أعانه في التخمير فيحرم و لو لا هذا القصد لكان هذا الفعل باقيا على إباحته الأصلية و مقتضى تخصيص التحريم بما هو محرم في نفسه بقاؤه على الإباحة مع طريان هذا القصد ايضا فيلزم ان تكون اعانة الجائر أخف حالا من أعانه غيره لان اعانة الحائك مثلا في التخمين بشراء الإناء له محرمة البتة لأنها اعانة على الإثم و العدوان فكيف تعقل إباحته في حق الجائر م

بما ليس محرما في نفسه فتأمل و اما الاستيناس بالآية فكما ترى و المروي عن أهل البيت صلوات اللّٰه عليهم في تفسير الركون انه المودة و النصيحة و الطاعة. و في حديث آخر هو الرجل يجي‌ء الى السلطان فيحب بقائه الى ان يدخل يده في كيسه فيعطيه. و الحقوق التي يحرم حبسها تعم حقوق اللّٰه و حقوق الآدميين و المالية و البدنية و ما يجوز مطالبته و ما لا يجوز و منها الاقتصاص و مضاجعة الزوجة و وطئها حيث يجبان و لا فرق بين كونها معلومة لذي الحق أو مجهولة فإن علم و اذن في التأخير خرج من الحبس و المراد بالكذب هنا الاخبار بما لا يطابق الاعتقاد و يأتي الكلام فيه و في تواليه الثلاث في أبوابها و الخيانة تشمل الجحود و التعدي و التفريط في الأمانات المالية مالكية كانت أو شرعية و لا تقاص من الاولى بالنص و المحتاط لا يقاص من الثانية أيضا و هي من الثلاث التي لا رخصة فيها لأحد كما تقدم و يندرج تحتها النميمة و إفشاء الأسرار لان المجالس بالأمانة كما يأتي و به فسر قوله تعالى في امرأة نوح و امرأة لوط فَخٰانَتٰاهُمٰا. و من أنواعها الخيانة في الاعراض كما سبقت الإشارة اليه و استحقار أولياء اللّٰه إهانة المؤمنين و إذلالهم و في الحديث القدسي (الكافي) بعدة طرق صحيحة من أهان لي وليا و في بعضها من استدل عبدي المؤمن فقد بارزني بالمحاربة و الاستخفاف بالحج تركه أو ترك تعظيمه لانه من الشعائر المعظمة أو تأخيره أو الغمز بأعماله التي لا تأنس بها النفوس و لا تدرك معانيها العقول القاصرة كرمي الجمار و التردد بين الصفا و المروة على سبيل التكرار فإنها مما اختص بها الحج دون سائر العبادات كالزكاة التي هي إنفاق مقدر على وجه معلوم ينتفع به الفقراء و الصوم الذي هو كسر للشهوة و رياضة و تصفية للنفس و الصلاة التي هي تواضع و تعظيم و ذكر للّٰه سبحانه على هيئة الخضوع و الخشوع فإنها كلها معان معقولة لكل من له ادنى غور و بصيرة في الأمور بخلاف وظائف الحج و من ثم كثر هذر الملاحدة فيه دونها و لعل هذا هو الوجه في اختصاصه بكبر استخفافه و ايضا كل ما أدرك العقل وجه الحكمة في فعله مال الطبع اليه ميلا ما بقدر ما أدرك من وجه حكمته فيكون ذلك الميل معينا في الأمر و باعثا على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق و الانقياد و إذا اقتضت حكمة اللّٰه سبحانه ربط نجاة الخلق بكون أعمالهم على خلاف أهوية طباعهم و ان تكون أزمتها بيد الشارع فيترددون في أعمالهم على سنن الانقياد و مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس و

صرفها عن مقتضى الطبع الى مقتضى الاسترقاق و لأجل ذلك قال صلى اللّٰه عليه و آله في الحج على الخصوص لبيك بحجة حقا تعبدا و رقا. و لم يقل ذلك في الصلاة و غيرها فمن ثم كان الاستخفاف به بأي معنى أخذ أكبر من الاستخفاف بغيره و الاشتغال بالملاهي يشمل اللعب بها و استماعها و تعليمها و تعلمها و عمل آلاتها و بيعها و شرائها و نحو ذلك و الإصرار من الصر و هو الشد و الربط قال المفسرون في قوله تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا. انه الإقامة على الذنب من دون استغفار كان المذنب ارتبط بالإقامة عليه و قيل هو الإكثار من الذنوب سواء كان من نوع واحد منها أو أنواع مختلفة و قيل هو المداومة على نوع واحد منها و قيل هو ان تتكرر الصغيرة بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر و في حديث (الكافي) جابر عن ابى جعفر عليه السلم هو ان يذنب الذنب ف لا يستغفر اللّٰه و لا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار. و هو ظاهر المقابلة في حديث هشام عن ابى الحسن عليه السلم و التوبة و الإصرار. و في حديث (الكافي) سماعة عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و التوبة و ضدها الإصرار.

و في النبوي المتفق عليه لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار. و يمكن تطبيق كلام المفسرين عليه الا ان ما ذكروه من التعليل و التمثيل من انه انما كبر لانه سبب تراكم الظلمة على القلب كالانفاس المتعاقبة على وجه المرآة و لو مر عليه ذلك المقدار من النسيم دفعة مجتمعة لما اثر فيه ذلك التأثير أو قطرات الماء المتقاطرة على الحجر فإنها تؤثر فيه بخلاف ما لو جمعت و صبت صبة واحدة لا يلائمه لأنه يقتضي كونه امرا وجوديا و مقتضى الروايات انه عدمي الا ان يقال ان الواجب المبادرة إلى التوبة في كل آن فيحصل من تركها في الآنات المتعاقبة ذنوب كثيرة تتضاف إلى الأول و يتحقق المحذور و بما ذكرناه ظهر ان تقسيمه (1)إلى الفعلي و الحكمي ثم المناقشة (2)في تعريف كل منهما مما لا وجه له و كذا الخلاف في ان الكبيرة هل هي نفس الإصرار على الصغيرة كما هو ظاهر حديث الكتاب أو هي الصغيرة المصر عليها كما هو ظاهر الحديث النبوي و لا يعرف لهذا الخلاف ثمرة بعد الاتفاق على تحقق كبيرة بالإصرار و مثله القول في الاستحقار للذنب كان يقول باللسان أو بالقلب و ان كان الأول أفحش طوبى لي لو لم يكن غير ذلك فورد عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم


1) كما فعله الشهيد في قواعده تبعا لبعض العامة م

2) كما فعله البهائي في الأربعين و الشيخ عبد اللّه بن صالح البحريني في النفخة العنبريه تبعا لأستاده الشيخ سليمان رحمه اللّه م

انه لا يغفر روى (الكافي) ذلك زيد الشحام في الموثق عنه عليه السلم قال اتقوا المحقرات من الذنوب فإنها لا تغفر قلت و ما المحقرات قال الرجل يذنب الذنب فيقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك. و هو مما يؤدى الى الإصرار مطلقا و كذا نسيان حلمه تعالى عنه في تأخير العقوبة و ستره عليه بالصون عن الفضيحة حسبانا منه ان ذلك عناية من اللّٰه به و كرامة له فإنه سبب الان من مكره عز و جل باستدراجه من حيث لا يعلم و إملائه له ليزداد إثما و كذا الإظهار بالإتيان به بمشهد الغير ابتداء و التحدث به بعد ذلك فإنه يؤدى الى ذنوب آخر كهتك الستر و هو مضادة له تعالى لانه كريم يظهر الجميل و يستر القبيح و ترغيب الغير سيما إذا كان متبوعا فيكون قد سن سنة سيئه فعليه وزرها و وزر من عمل بها و ورد في الحديث النبوي (الكافي) المذيع بالسيئة مخذول و المستتر بها مغفور له. و هذه الكبائر كلها راجعة عند التأمل الى ما يتعلق بالضروريات الخمس التي هي مصلحة الأديان و العقول و النفوس و الأموال و الأنساب و اما الصغائر فهي ما عدا الكبائر المعدودة و هي كثيرة و لنذكر جمله من المنصوصات مما يكثر وقوعها و ربما يرجع بعضها إلى الكبائر و يعد منها فمنها تحليل الحرام و تحريم الحلال و القياس في الدين و الإفتاء في المسائل الشرعية بغير حجة شرعية و متابعة البدع و الاستهانة بحرمات اللّٰه كالقرآن و قبور الأنبياء و الأئمة عليهم السلم و قلة الاعتناء بآثارهم و اخبارهم و مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ و السعى في خرابها و كتمان الحق و الرشا في الكتمان و الوقوف في بلد الكفر مع التمكن من الخروج منه و مشاقة الرسول و متابعة غير سبيل المؤمنين و تحريف الكلم عن مواضعه و قطع الطريق و منع الماء المنتاب و الغصب و اللبث في المساجد جنبا أو حائضا و لبس الذهب للرجال و كذا الحرير الا ما استثنى و استعمال أواني الذهب و الفضة و تصوير ذوات الأرواح و البناء رئاء و سمعة و قذف غير المحصنة و هجاء المؤمنين و الغيبة و النميمة و الشكوى في المصائب و النياحة بالباطل و اللعن و السب لغير مستحقهما و تكلم المرأة عند الأجانب لغير ضرورة و تحدثها بما تخلو به مع زوجها و الاستماع الى ذلك كله و تزين المرأة لغير زوجها و خروجها من بيته بغير اذنه و مباشرتها الأخرى ليس بينهما ثوب و القيادة و المساحقة و النظر إلى عورة المسلم و الاطلاع على بيت الجار و الاستماع الى حديث قوم و هم كارهون و الحضور في محاضر المعصية و الصفق و الرقص و الصفير و على مائدة يشرب عليها

الخمر و ان لم يشرب و في الحديث لعن اللّٰه الخمر و عاصرها و غارسها و شاربها و ساقيها و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها و حاملها و المحمولة اليه. و الكهانة و القيافة و الشعوذة و التنجيم و إظهار الحسد و إشاعة الفواحش في المؤمنين و تجسس عوراتهم و الشماتة بمصائبهم و البذاء و الفحش و المراء و الغدر و الغش و التصرية و التدليس و الاستخفاف بالبول و سائر النجاسات و الاختيال في المشي و سد الطريق المسلوك و تزى الرجال بزي النساء و النساء بزي الرجال و الإعانة على الإثم و العدوان و إيذاء المؤمنين خصوصا الجيران و إضرار المماليك و النساء و الأولاد و البخل و سائر الذمائم الاتى بيانها و خضر الذمة و المن بعد الصدقة و أكل اللحوم المحرمة كالكلب و السنور و سباع الوحوش و الطيور و بعض السموك و محرمات الذبيحة كما يأتي و مجامعة الحائض و النفساء و التمتع بالأجنبية بالنظر و اللمس و المضاجعة و التقبيل و التحديث و كذا الصبيان و تبرج النساء للرجال و إتيان البهائم و الاستمناء باليد و غيرها و تأخير العمرة عن عام الوجوب و أكل السموم و الطين و التراب و المدر و الأمر بالمنكر و النهى عن المعروف و استكبار الطاعة و كراهة الجماعة و غيرها من السنن الشرعية و حلق اللحية و ترك المندوبات إذا بلغ حدا يؤذن بالتهاون بالدين و الاستخفاف بشريعة سيد المرسلين صلوات اللّٰه عليه و آله أجمعين و الغناء و استماعه و تعليمه و تعلمه و التكسب به و بذل الأجرة له و بيع المغنية و شراؤها لذلك سواء كان مقرونا بشي‌ء من الات اللهو أم لا سواء كان صوت رجل أو امرأة أجنبية أو ذات محرم و سواء كان له معرفة مكتسبه بفن الموسيقى و تأليف النغمات و رعاية النسبة بينها أو تعاطي ذلك طباعا بحسب السليقة و سواء كان في كلام موزون أو غيره له معنى مفهوم أم لا للعمومات المستفيضة في ذلك من غير مخصص الا ما في صحيحة أبي بصير أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس و ليست بالتي يدخل عليها الرجال. و ربما يلحق به الحداء و مراثي الحسين عليه السلم و لم يثبت له حقيقة في الشرع فالمرجع فيه الى العرف و ما قيل انه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب ان أريد به بيان العرف كما هو أحد الاحتمالين فلا حاجة اليه و ان أريد به ما يقابله و هو أظهرهما فلا مأخذ له فتحسين الصوت و ترقيقه على وجه يؤثر في النفوس و لا يعد في العرف غناء باق على أصل الإباحة و في المتفق عليه ان على بن الحسين عليهما السلم كان يقرأ فربما مر عليه المار فصعق من حسن صوته. و للكلمات الموزونة

البليغة المشتملة على معاني لطيفه من معارف السر إذا أنشدت على الحان متناسبة تأثير ظاهر في تجريد النفس عن بعض علائقها و تشويقها الى دار سعادتها كما في حديث على بن الحسين عليهما السلم ايضا و قد سئل عن شراء جارية لها صوت ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة. و على هذا فالمراثى خارجة عن موضوع المسئلة لا حاجة الى استثنائها و قد أفرط في المقام من جعل أنين البنائين من الغناء المحظور كما فرط المصنف في مطولاته بتخصيصه بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بنى أمية من دخول الرجال عليهن و استماعهم لصوتهن و تكلمهن بالأباطيل و لعبهن بالملاهي من العيدان و القصب و غيرها و بالجملة ما اشتمل على فعل محرم دون ما سوى ذلك و ان أمكن تطبيقه على ما اخترناه بضرب من العناية فافهم و قيل الذنوب كلها كبائر لاشتراكها جميعا في مخالفة الشارع و الخروج عن طاعته و انما تطلق الصغيرة و الكبيرة على الذنب بالإضافة الى ما فوقه و ما تحته فالقبلة صغيره بالنسبة إلى الزنا كبيرة بالنسبة إلى النظر و كذا سرقة الدينار بالنسبة إلى الدرهم و القنطار و أسند هذا القول إلى أصحابنا و فيه ما فيه كما فصلنا القول فيه في المسائل الجبلية الثانية و الطهارة عن الجريمة مطلقا اما بالتوبة وحدها كما في لبس الحرير أو مع التدارك بالقضاء وحده كما في ترك الصلاة أو الكفارة وحدها كما في وطي الحائض أو كليهما كما في إفطار رمضان أو غير ذلك مما سيأتي أو التوبة مع الحد وحده كما في شرب الخمر أو التعزير كذلك كما في وطي البهيمة أو كليهما كما في الزنا بالميتة أو التوبة و التدارك مع الحد كما في الزنا في نهار رمضان أو التعزير كما في وطي الزوجة فيه أو الجميع و هو التوبة و التدارك و الحد و التعزير كما في الزنا في نهار رمضان بالميتة فالأقسام الجملية ثمانية أخل المصنف طاب ثراه بقسمين منها و ذلك بحسب أصناف الجرائم كما يأتي تفاصيلها و القدر المشترك بين الجميع التوبة و من ثم بدا ببابها

[باب التوبة]

باب التوبة و هي في اللغة الرجوع و في الاصطلاح إذا نسبت الى العبد تبرئة القلب و تنزيهه عن درن الذنب بماء الحسرة و الرجوع من المعصية التي هي سبب البعد عن ساحة الكرامة إلى الطاعة التي هي سبب القرب إليها و تتعدى حينئذ بإلى و إذا نسبت الى اللّٰه عديت بعلى لتضمنها معنى العطف و الفضل فإنها حينئذ الرجوع من القهر الى اللطف و ذلك ان اللّٰه قد سبقت رحمته غضبه و هو المبتدي بالنعم قبل استحقاقها و قد فطر عباده على التقرب اليه بالطاعات و الإساءة

السانحة من العبد خروج عن الفطرة و تباعد عن مرتبة القرب و اللطف الى عرضة القهر فالتوبة الماحية لتلك الإساءة يلزمها عود العبد الى مقتضى فطرته الأصلية و الرب الى رحمته السابقة كالوسخ الطاري على الثوب النقي إذا غسل بالصابون و بولغ في إزالته عاد الى نظافته الأولية و صلوح ملابسة الملك أو المرض العارض في البدن إذا عولج عاد إلى الصحة و كما ان الغالب على أصل الأمزجة الطبيعية الصحة و انما يعرض المرض بأسباب مغيرة إذا أزيلت زال المرض كذلك إذا تحققت التوبة التي هي علاج القلوب المريضة عادت الى فطرتها و ما كانت عليه من مرتبة القبول و اليه الإشارة بقوله عز و جل إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. و من ثم ورد في الحديث النبوي و غيره التائب من الذنب كمن لا ذنب له و التائب حبيب اللّٰه. و هي فرض مأمور به في عدة مواضع من القرآن كقوله عز و جل وَ تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ. و غيره من الآيات مدلول على وجوبه بالعقل الصراح فان من علم معنى الذنوب و انها قبائح يحرم بها عن السعادة الأبدية التي هي محبوبة لكل عاقل و يتعرض للهلاك الدائم و معنى التوبة و انها المنجية من تبعات الذنوب و معنى الواجب و انه ما يذم تاركه ثم جمع بين هذه المعاني فإنه لا يستريب في انها من الوجوب المؤكد في مرتبة لا يعقل لها غاية و هذا العلم لا يحتاج الى مزيد نظر لانه داخل في الايمان و من ثم خص الخطاب بالتوبة في الآية المذكورة بالمؤمنين و لكن ربما تذهل الغفلة عنه فبينه عليه التوفيق و كما يلتفت به الى أصل وجوبها في الجملة يلتفت الى عموم وجوبها على كل أحد في كل حال لان غرائز الشهوة و الغضب و سائر الذمائم تسابق الى النفوس الإنسانية على كمال العقل لأنه انما يتحقق ببلوغ الأشد في حدود الأربعين و هي قد تكاملت قبل ذلك و استولت على المكان و الف بها القلب بمقتضى العادة و من ثم كان الإنسان اسلس قيادا للباطل منه للحق الا من عصمه اللّٰه فلا جرم لا ينفك في كل وقت عن معصية بجوارحه فان خلا في بعض الأوقات عن معصية الجوارح فبقلبه من هم بذنب أو تحديث النفس بوسوسة أو مداهنة في باطل أو تقاعد عن حق أو غير ذلك مما يحده كل أحد من نفسه و الى وجوبها على الفور لان العالم بان الذنوب مهلكات لروح الايمان كالعالم بان السموم مهلكات لروح الحياة و كما يجب على شارب السم المبادرة إلى الشقية و الاستفراغ تلافيا لحياته المشرفة على الزهوق و الزوال كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى التوبة تلافيا لإيمانه المشرف على

الاضمحلال و من أهمل المبادرة إلى التوبة و سوفها من وقت الى وقت فهو بين خطرين عظيمين ان سلم من أحدهما فلعله لا يسلم من الآخر أحدهما ان يعالجه الأجل فلا يتيقظ من غفلته الا و قد حضره الموت و فات وقت التدارك و ضاقت عليه الأرض بما رحبت و انسدت أبواب التلافي و جاء الوقت الذي أشار إليه عز و جل بقوله وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مٰا يَشْتَهُونَ. و قوله تعالى وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ.

و صار يطلب المهلة و التأخير يوما أو ساعة فيقال له لامهله لك كما قال عز و جل مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لٰا أَخَّرْتَنِي إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصّٰالِحِينَ.

فيغلق عنه باب التوبة و يغرغر بروحه الى النار و يتجرع غصة الياس و حسرة الندامة على تضييع العمر فيما لا ينفع في القيمة و ربما اختل أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال نعوذ باللّٰه من ذلك و ثانيهما ان تتراكم ظلمة المعاصي على قلبه الى ان يصير رينا و طبعا فلا يقبل المحو فان كل معصية يرتكبها الإنسان يحصل منها ظلمه في قلبه كما يحصل من نفس الإنسان ظلمه في المرآة كما تقدمت الإشارة اليه فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رينا كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صداء و إذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض و طال مكثه و غاص في جرمها و أفسدها فصارت لا تقبل الصقل ابدا و قد يعبر عن هذا بالقلب المنكوس و القلب الأسود كما روى (الكافي) عن ابى جعفر عليه السلم ما من شي‌ء أفسد للقلب من خطيئة ان القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى نقلب عليه فيصير أعلاه أسفله. و عنه عليه السلم ما من عبد الا و في قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد و ان تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطى البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه الى خير ابدا و هو قول اللّٰه عز و جل بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ. و ربما يؤل حال صاحب هذا القلب إلى قلة المبالاة بأمور الشريعة و اختلال عقيدته و زوال ايمانه فيموت على غير الملة و هو المعبر عنه بسوء الخاتمة نعوذ باللّٰه من ذلك هذا حاصل ما أفاده أبو حامد في ذا الباب و من كلام بعضهم اغتنموا التوبة قبل ان يصير القريب نائيا و المستقبل ماضيا و المحصول ندما و الموجود عدما و يضرب الإدبار على المصرين سرادق الخسار فلا اقاله عثار و لا توفيق انابه و اعتذار و ربما يناقش في وجوبها العقلي عن الصغائر بأنها مكفرة باجتناب الكبائر فلا حاجه الى التوبة عنها و فيه ان الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح

و من حفظ ما أوردناه من الاخبار في معنى الإصرار ظهر له سقوطها عن درجة الاعتبار و ان من يتب عن الصغائر لم يجتنب الكبائر و في الفورية بما رواه (الكافي) زرارة عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم ان العبد إذا أذنب ذنبا أجل من غدوة إلى الليل فان استغفر اللّٰه لم يكتب عليه. و عنه عليه السلم من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات فان قال استغفر اللّٰه الذي لا إله الا هو الحي القيوم ثلث مرات لم تكتب عليه. و في معناهما غيرهما و فيه ان تأخير الكتابة تفضلا و رحمة لا ينافي وجوب المبادرة إلى التوبة كما لا يخفى و جدواها حبه تعالى و هو ملاك كل خير لان اللّٰه يحب التوابين و التائب حبيب اللّٰه و التوفيق على الطاعة لأن الذنوب حابسة عنها ففي الحديث (الكافي) انه قال رجل لأمير المؤمنين عليه السلم قد حرمت صلاة الليل فقال عليه السلم أنت رجل قد قيدتك ذنوبك. و عن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلم ان الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل و ان عمل السيئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم. و ادراك حلاوتها فان طعم العسل مما يختص بإحساسه الذوق السليم دون الممرور و قبولها فعن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم لا و اللّٰه لا يقبل اللّٰه شيئا من طاعته على الإصرار على شي‌ء من معاصيه و العافية من الأمراض و النكبات فإنها من تبعات الذنوب فعنه (الكافي) عليه السلم اما انه ليس من عرق يضرب و لا نكبة و لا صداع و لا مرض الا بذنب و ذلك قول اللّٰه عز و جل وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ و الرزق لان الذنب محرمة عنه فعنه (الكافي) عليه السلم ان الذنب ليحرم العبد الرزق. و عن أبي (الكافي) جعفر عليه السلم ان الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرزق و تلا هذه الآية إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهٰا مُصْبِحِينَ وَ لٰا يَسْتَثْنُونَ فَطٰافَ عَلَيْهٰا طٰائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نٰائِمُونَ.

و قضاء الحوائج فعنه عليه السلم ان العبد يسأل اللّٰه الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو الى وقت بطي‌ء فيذنب العبد ذنبا فيقول اللّٰه تبارك و تعالى للملك لا تقض حاجته و احرمه إياها فإنه تعرض لسخطي و استوجب الحرمان منى. و هي مقبولة مسقطة لعقاب الجريمة مع تحقق شروطها بلا شك بالكتاب و السنة و الإجماع و الخلاف بعد ذلك في انه أهل هو على وجه التفضل أو الاستحقاق و هل هو بنفس التوبة أو كثرة الثواب مما لا يهم و انما الشك في تحققها و الا فالقبول مبذول و توهم ان التوبة تصح و لا تقبل كتوهم ان الثوب يعالج بالصابون و الوسخ لا يزول اللهم الا ان يكون قد غاص لطول تراكمه في تجاويف الثوب و خلاله و لا يقوى الصابون على قلعه و مثال ذلك القلب المطبوع فإنه لا يرجع

و لا يتوب كما ذكر نعم ربما يقول باللسان تبت فيكون كقول القصار بلسانه قد غسلت الثوب و ذلك لا ينظفه أصلا ما لم يغير صفته باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن فيه فهذا حال امتناع أصل التوبة في حق من ورد فيهم من المجرمين انهم لا تقبل توبتهم بسببان شروطها لا تجتمع فيهم و هي بحسب المذكور هنا ثلثه الإخلاص و هو الأصل في العبادات كلها و توطين النفس على الندم على ما فرط في جنب اللّٰه و العزم على عدم العود ابدا و عن الأول عبر بقوله ان تكون للّه اى ناصحة له سبحانه باعثا عليها امره مطلوبا منها وجهه لا لمال أو جاه يكتسبهما أو يستديمهما بها أو خوف من معاقبة سلطان عادل أو جائر يعاقبانه على الجريمة حتى الخوف من النار كما صرح به المحقق الطوسي و هو اللازم على كل من أبطل العبادة بذلك القصد و ان كان فيه كلام يأتي في محله و مثله الخوف من حرمان نعيم الجنة أو عدم أسباب و الات كتوبة المجبوب عن الزنا و الاطرش عن استماع الغناء و منه التوبة عند المعاينة كما تقدم و يأتي لفقد الحياة التي هي أصلها و فيه كلام و عن الثاني بقوله ان يتندم و ذلك بعذل النفس الامارة بالسوء و لعن الشيطان الداعي اليه و هجر النديم المتحرك له و المعاون فيه و المهون لأمره و منادمة الصالحين الى غير ذلك من شعار النادمين اما نفس الندم فغير مقدور لأنه أمر طبيعي لا يدخل تحت الإرادة و الاختيار فلا يتعلق به التكليف و الوجه ان العلم بضرر الذنوب و انها الحائلة عن المحبوب يستعقب للعالم به توجع القلب و تألم الروح بما ارتكب منها كما في كلام أمير المؤمنين عليه السلم لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب. على أحد الوجهين و الندم ليس الا هذا التوجع و التألم فيسوغ سوقه مساق متعلقات القدرة لتعلق الإرادة و الاختيار بمبدأه و هو العلم المذكور الذي هو من اجزاء الايمان كما عرفت و هو ليس من العلوم المقصودة لذاتها بل انما تقصد لهذا الحال و هو التوبة حقيقة كما في الحديث النبوي الندم توبة. و عن ابى جعفر عليه السلم كفى بالندم توبة. و في دعاء سيد الساجدين عليه السلم اللهم ان كان الندم توبة فانا أندم النادمين.

و لقد أجاد من رسم التوبة بأنها الندم على القبيح لقبحه ثم إذا غلب هذا الألم حصلت حالة ثالثة هي القصد إلى أمور ثلثه لها تعلق بالحال و الماضي و الاستقبال فالأول ان يترك ما هو مقيم عليه من الذنوب و عن (الكافي) أمير المؤمنين عليه السلم ان الندم على الشر يدعو الى تركه. و الثاني ان يتدارك ما يمكن تداركه بما يأتي و الثالث ان يعزم على عدم العود إليها إلى آخر العمر

فهذه الأمور الثلاثة اعنى العلم و الندم و القصد المذكور مترتبة في الحصول أولها مقدمه و آخرها ثمرة و ترتب هذه الأمور غير مختص بالتوبة بل انتظام الصبر و الشكر و التوكل و غير ذلك من المقامات الدينية انما هو من هذه الأمور الثلاثة اعنى العلم و الحال و العمل كما يأتي فيما بعد و بما ذكرناه ظهر ان الشروط المذكورة ليست شرعية و لا عقلية إن تم الفرق بينهما و انها لا توقت و حقها ان يعترف التائب بذنبه فورد في الحديث النبوي الاعتراف بالذنب كفارة له و عن ابى جعفر عليه السلم و اللّٰه ما ينجو من الذنب الا من أقر به. و عنه عليه السلم و اللّٰه ما أراد اللّٰه من الناس الا خصلتين ان يقروا له بالنعم فيزيدهم و بالذنوب فيغفرها لهم. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و اللّٰه ما خرج عبد من ذنب بإصرار و ما خرج عبد من ذنب إلا بإقرار و يتدارك الفرائض المضيعة بما يأتي بيانه و يرد المظالم و هي حقوق الآدميين إلى أصحابها أو ورثتهم و يذيب اللحم النابت في بدنه من الحرام بالحزن على ما مضى و يذيق النفس مرارة المعصية بالاستمرار على الطاعة كما أذاقها حلاوة الطاعة بارتكاب المعصية فعن أمير المؤمنين ع (مجمع البيان) ان التوبة يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة و للفرائض الإعادة و رد المظالم و استحلال الخصوم و ان تعزم على ان لا تعود و ان تذيب نفسك في طاعة اللّٰه كما ربيتها في المعصية و ان تديقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. و عنه ع (نهج البلاغة) أن قائلا قال بحضرته استغفر اللّٰه فقال ع ثكلتك أمك أ تدري ما الاستغفار ان الاستغفار درجة العليين و هو اسم واقع على ستة معان أولها الندم على ما مضى الثاني العزم على ترك العود إليه أبدا الثالث ان تؤدى الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّٰه سبحانه أملس ليس عليك تبعه الرابع ان تعمد الى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدى حقها الخامس ان تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد السادس ان تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك استغفر اللّٰه.

قال أبو حامد كما لا يكفي في جلاء المرآة قطع الأنفاس و الانجرة المسودة عنها بل لا بد من تصقيلها و ازاله ما حصل في جرمها من السواد كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي و كدوراتها مجرد تركها و عدم العود إليها بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات و يغسل ثيابه التي أذنب فيها سيما ما باشر به النجاسات أو يبدلها فيكون قد جمع بين التراهتين لارتباط الملك بالملكوت كما تقدم و يغتسل سواء كانت توبته عن الكفر أو غيره من الكبائر على المشهور و ربما يلحق بهما الصغائر أيضا و المستند ما رواه المحمدون الثلاثة عن ابى عبد اللّٰه

عليه السلم انه جاء اليه رجل و قال ان لي جيرانا و لهم جوار يتغنين و يضربن بالعود فربما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعا منى لهن فقال عليه السلم لا نفعل فقال و اللّٰه ما هو شي‌ء آتيه برجلي انما هو سماع أسمعه بأذني فقال الصادق عليه السلم تاللّٰه أنت أما سمعت اللّٰه يقول إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا فقال الرجل كأني لم اسمع بهذه الآية من كتاب اللّٰه عز و جل من عربي و لا عجمي لا جرم انى قد تركتها فانى استغفر اللّٰه تعالى فقال له الصادق عليه السلم قم فاغتسل و صل ما بدا لك فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك استغفر اللّٰه و اساله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره الا القبيح و القبيح دعه لأهله فإن لكل أهلا. و أنت خبير بقصوره عن هذه التعميمات فإن أمر مستمع الغناء و صوت العود و الأجنبية مع الإصرار و الاستحقار بالغسل لا دلالة فيه على حكم غيره بوجه و ربما يستدل للأول بما نقل من امره صلى اللّٰه عليه و آله قيس بن عاصم و ثمامة بن أثال بالغسل عند الإسلام و هو انما يتم لو ثبت كونه للتوبة دون غيرها مما يقل الانفكاك عنه كالجنابة فالمعتمد الشهرة لأنه مما يتسامح فيه و يصلى ما أراد و قد عرفت المستند و ما فيه مع فقد الشهرة هنا لكن الصلاة خير موضوع و ليكن ذلك في موضع خال فإنه أقرب الى الستر و أحرى بحضور القلب و أسلم من الرئاء و غيره من الآفات و الاخبار في فضل عبادة الستر و دعائه مستفيضة و في الأوقات التي تفتح أبواب السماء و يرجى القبول و هي عند هبوب الرياح و نزول المطر و الزوال و أول قطرة من دم القتيل المؤمن و السحر الى طلوع الشمس الى غير ذلك مما يأتي في باب الدعاء و يضع الوجه على الأرض بهيئة الساجد لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه و يمرغه في التراب لأنه أبلغ في التذلل و أرغم للشيطان بدمع جار فإنه من علامات الإجابة و كل شي‌ء له وزن و كيل سواه و قلب حزين و صوت على لثكله بنفسه و لا فاجعة أشد منه فحق له الحزن و العويل و يذكر الذنوب واحدا واحدا على التفصيل ليتجدد ندمه كلما ذكر واحدا منها و لا يكتفى بإجمال سيما مع الذكر فان فيها اشكالا و يلوم النفس و يوبخها بإزاء كل منها و التوبيخ أشد اللوم و يرفع يديه و هو التفرع فان تجاوز بهما رأسه فأكمل و هو الابتهال حامدا للّٰه أولا ذاكرا نعمه عنده شاكرا مصليا على النبي و آله داعيا بعد ذكر الذنوب بالمأثور أو غيره مستغفرا منها روى في الكافي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال من أطاع اللّٰه فيما امره ثم دعاه من جهة الدعاء اجابه قيل و ما جهة الدعاء قال تبدأ فتحمد اللّٰه و تذكر

نعمه عندك ثم تشكره ثم تصلى على النبي و آله ثم تذكر ذنوبك فتقر بها ثم تستغفر منها فهذا جهة الدعاء. الحديث و تصح التوبة المبعضة على المشهور خلافا لمن أبطلها قالوا ان التوبة عن الذنب ان كانت لكونه ذنبا فهو أمر مشترك بين الذنوب كلها و ليس بعضها أرجح بالتوبة من بعض و هي نظير ما لو تاب شارب الخمر عن أحد الدنين مع ولوعه بالاخر و ان كانت لأمر آخر لم تكن توبة و ايضا ان اللّٰه يحب التوابين و التائب حبيب اللّٰه و من يحبه لم يعذبه كما ورد و العاصي بغير المتوب عنه معذب البتة فلم تفد توبته شيئا و الفاتك بابن الملك إذا اجتنب الجناية بالسيف و جنى بالسكين لم يكن لاجتنابه السيف اثر و الجواب ان الذنوب و ان كانت كلها متشاركه في الحقيقة الجنسية الا انها متخالفة بحسب الفصول و الاعراض في مراتب التفاحش كالزنا بذات المحرم و الأجنبية و في مراتب استحقاق العقوبة شدة و ضعفا كالسبع الموجبات و غيرها و حقوق الناس التي لا تترك و حقوق اللّٰه التي يرجى ان يتسارع العفو إليها و في أمر التدارك عند التوبة يسرا و عسرا كترك الصلاة الموجب للقضاء وحده و إفطار يوم من شهر رمضان الموجب القضاء و صيام شهرين متتابعين فالاغلظ أحق بالتوبة فظهر الفرق بينها و بين الدنين إذ لا فرق بينهما و كذا الجناية بالسيف و السكين و انما المثال المطابق الجناية على حرم الملك و دابته و ايضا الذنوب إنما تؤتى بحسب الدواعي و تترك بحسب الصوارف و هي متفاوتة في الأشخاص و الأحوال تفاوتا لا ينكر فربما يضعف الداعي إلى بعضها و يقوى الصارف فيسهل التوبة عنه دون ما يقوى داعيه و يضعف صارفه كالموسر يضعف داعيه الى السرقة و يقوى الى الكبر و المعسر بالعكس فتتفاوت الذنوب بحسب تفاوت أحوال المذنبين في الدواعي و الصوارف فلا مانع من التوبة عن البعض لضعف الداعي اليه و قوة الصارف عنه و ان أصر على البعض الآخر لكونه على العكس منه سيما مع فرض الرجحان في طرفه بأحد المرجحات المذكورة ككونه أفحش من غيره أو العقاب عليه أصعب أو التدارك أشق كما مثلنا و الا لزم بقاء الكفر على التائب منه المقيم على صغيرة كاليهودي إذا سرق بيضة ثم أسلم و لم يتب عنها و التالي باطل بالإجماع فالمقدم مثله و تفيد نقصان العقوبة لأنها بحسب الذنب فكلما كثر كثرت و كلما قل قلت و لا تفيد النجاة عنها رأسا لأنها لا تحصل الا بترك الكل و عليه يحمل ما ورد في كلام أهل البيت عليهم السلام من الحكم على التوبة المبعضة بعدم الصحة بمعنى انها لا تفيد النجاة

المطلقة هكذا ذكر المحقق الطوسي رحمه اللّٰه أو تنزل على صورة عدم الرجحان في المتوب عنه و الطريق الى تحصيل ها للتائب و المستنيب جميعا أمران أحدهما إيجاد المقتضى و هو ذكر ما ورد من الآيات و الاخبار (الكافي) فوائد التوبة و فضلها و الحث عليها و ان اللّٰه افرح بتوبة العبد من أحدكم إذا فقد ضالة في مفازة ثم وجدها و قبح الإصرار على الذنب عقلا و شرعا و شدة العقوبة على المصرين في الدنيا بالنكبات و المصائب و الأمراض و الفقر و تعجيل الفناء و شماتة الأعداء و تسليط من لا يرحم و سلب التوفيق و في الآخرة بالسلاسل و الأغلال و الجحيم و الحميم و السموم و العقارب و الحياة و نار يأكل بعضها بعضا و يصول بعضها على بعض في مدد لا يعلمها الا اللّٰه و ضعف النفس عن الاحتمال لا يسرها في أقصر الآنات و شرف نعيم الآخرة للتائبين مما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و مجاورة الملائكة المقربين و مرافقه الذين أنعم اللّٰه عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا و رضوان من اللّٰه أكبر كل ذلك أبد الآبدين و دهر الداهرين و خساسة الدنيا التي يعصى في مقاصدها الدنية و مستلذاتها المنغصه المقرونة بالغموم المعجونه بالسموم الفانية لذاتها الباقية تبعاتها و قرب الموت الذي لا يسلم هاربة و لا يؤب غائبه و احتماله في كل لحظه و كل آت قريب و لذة المعرفة بالمعارف و المناجاة مع اللّه بالسر المشروطة بنور القلب و صفاء الباطن و طهارته و رقته الممتنعة مع الإصرار على المعصية لأنه يؤثر بالضد من ذلك كما تقدم و خوف الإملاء و هو في اللغة مطلق الانظار و الإمهال و يطلق على إمهال اللّٰه المجرم بعدم الأخذ الحالي عليه قال اللّٰه عز و جل وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً. و قال عز و جل وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ. و قال سبحانه وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهٰا وَ هِيَ ظٰالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهٰا وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. و خوف الاستدراج و هو في الأصل الخداع و استدراج اللّٰه للعباد هو إغفال العصاة بالإحسان و تجديد النعم عليهم عقيب الإساءة فينسون الاستغفار و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم (الكافي) ان اللّٰه إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا اتبعه بنقمة و يذكره الاستغفار و إذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا اتبعه بنعمة لينسئه الاستغفار و يتمادى بها و هو قول اللّٰه عز و جل سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ بالنعم عند المعاصي. و سئل عليه السلم (الكافي) عن الاستدراج فقال هو العبد يذنب الذنب فيملى له و يجدد له عنده النعم فيلهيه عن الاستغفار من الذنوب

فهو مستدرج من حيث لا يعلم. و الآخر رفع المانع و هو قلع أسباب الإصرار عن القلب و هي الغرور و هو سكون النفس الى اتباع الهوى الصاد عن الحق و حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة و طول الأمل المنسي للآخرة و علاجها بما يأتي في تضاعيف الأبواب الآتية و كان الثاني أولى بالتقديم لأن التخلية مقدمة على التحلية و الطبيب الطبيعي يبدأ بالاستفراغات لقلع مادة المرض عن المزاج ثم يثني بالأدوية و الأغذية المعيدة للصحة و الروحاني مثله

[باب التدارك]

باب التدارك و هو يختلف باختلاف الجرائم المتوب عنها من حق اللّٰه و حق العبد و أصناف كل منهما بحيث لا ينتظم تحت قاعدة كلية الا انه في حقه تعالى لا يزيد الواجب على القضاء و الكفارة بل يكتفى في بعضها بالقضاء وحده كترك الصلاة و الحج و العمرة و نحوها و هو فرض جديد و في بعضها بالكفارة وحدها كوطي الحائض و تأخير قضاء رمضان من غير عذر الى رمضان آخر و يجمع بينهما في بعض كإفطار صوم رمضان و اما في حق العبد فلا يخلو الحق من أربعة أقسام مالي و بدني و ديني و عرضي و ينوب مناب القضاء في الأول رد المال المغصوب أو المسروق أو المخان به بعينه أو بمثله أو بقيمته الى المالك ان كان موجودا أو الوارث و لو بمراتب مع الاعلام احتياطا و الاستحلال عن حق الحبس مبالغا في التبليغ عينا و نماء و الا بقي في ذمته يقتص منه يوم القيمة و هل هو لصاحبه الأول أو آخر وارث و لو بالعموم كالإمام أو ينتقل الحق الى اللّٰه أقوال و تظهر الفائدة فيما لو كان هو الوارث أولا أو أخيرا أو في صحيحة (الكافي- التهذيب) عمر بن يزيد عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات ثم صالح ورثته على شي‌ء فالذي أخذ الورثة لهم و ما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الآخرة و ان هو لم يصالحهم على شي‌ء حتى مات و لم يقض عنه فهو للميت يأخذه منه. و منهم من صرح بأن الحق للأول لكن لكل من الورثة عوض عن ألم حبس الحق الذي انتقل اليه كل ذلك ان أمكن و الا فالعزم عليه مع الاشهاد و الوصية إلى ثقة معه أيضا أو التصدق عنه مع الضمان و في الثاني عرض الاقتصاص في جناية العمد على النفس على وارث المجني عليه و في جنايته على الطرف و الضرب و اللطم و نحوهما عليه أو على الوارث أو الدية فيما له دية في غيره حتى الخطأ المحض و ان لم يكن جريمة أو الاستعفاء في الجميع من العمد و غيره أو المالي و البدني و في صحيحة (الكافي- التهذيب) عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في توبة القاتل و ان لم يكن علم به أحد

انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و اطعم ستين مسكينا توبة الى اللّٰه عز و جل. و اما (الكافي) رواية عيسى الضرير عنه عليه السلام قال قلت له رجل قتل رجلا ما توبته فقال يمكن من نفسه قلت يخاف ان يقتلوه قال فليعطهم الدية قلت يخاف ان يعلموا بذلك قال فليتزوج إليهم امرأة قلت يخاف ان تطلعهم على ذلك قال فلينظر إلى الدية فيجعلها صررا ثم لينظر مواقيت الصلاة فليلقها في دارهم. فتحتمل (1)الحمل على ما إذا رجا العفو بذلك و في الثالث بذل العلم في منعه و الإرشاد إلى الحق في الإضلال عنه كل ذلك عند القدرة على الوصول الى من له الحق و لو كان بعيد أو الخروج عن مظلمته و اما عند العجز فتكثير الحسنات بحسب المظالم ليقتص عنه في ديوان القيمة و الا حمل من أوزار أربابها بقدرها و لا يظلم ربك أحد أو ذلك قوله تعالى وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقٰالَهُمْ وَ أَثْقٰالًا مَعَ أَثْقٰالِهِمْ و اما (الكافي) الرابع نحو الغيبة و السب و القذف و الإيذاء فالاستعفاء عن ذي الحق مع البلوغ اليه و تمكين المقذوف من اقامة الحد عليه و الاستغفار له مع عدمه من غير اعلام كما اختاره المحقق الطوسي و العلامة طاب ثراهما أو الذكر المجمل له كما اختاره شيخنا البهائي قدس اللّٰه روحه مطلقا كان يقول له لك على حقوق كثيرة استعفيك منها أو المفصل مع الاعتذار اليه كما قربه الشهيد نور اللّٰه مرقده في قواعده الا ان يزداد التأذي بالإظهار التفصيل ف يكتفى بالذكر المبهم حينئذ تحاميا عن ذنب أخر بالتفصيل و بهذا التفصيل تجتمع الأدلة كلها من ان الاعلام إيذاء و تنبيه على ما يوجب البغضاء فلا يجب بل لا يجوز و من انه حق أدمى فلا يسقط إلا بإسقاطه فيجب و لكن على سبيل الإجمال حذرا عن مفسدة التفصيل و من ان الحقوق مختلفة و الرضا بالمجهول لا يمكن و قد تقدم في رواية الصدوق عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في رجل فجر بجارية أخيه ان توبته ان يأتيه فيخبره و يسأله أن يجعله في حل و لا يعود. و ينبغي المبالغة في الاستعفاء عن صاحب الحق ان كان حاضرا بالتطلف و التودد و الإحسان اليه و لو ببذل المال و التملق له و لو بلغ حد التخاسس لتطيب نفسه بالعفو فان عفا برئت ذمته من المظلمة و ليس


1) و قال المصنف في الوافي لعل القاتل كان مؤمنا و المقتول مخالفا و الا لم يبرأ إلا بالعفو و على هذا يجوز ان يكون ذلك إشارة إلى التشيع كما يجوز ان يكون إشارة إلى القتل و فيه من البعد و التعسف ما لا يخفى مع إباء سائر الروايات الواردة بهذا المضمون عنه غاية الإباء م

له الرجوع و الا كان تلطفه به و اعتذاره اليه من جملة حسناته التي يمكن ان يجير بها في القيمة بعض جنايته و عليه ان يحاسب الحقوق التي عليه و يجبر كل واحد منها بحسنة في مقابلته بإزائه مع رعاية المناسبة بالتضاد فإنه أبلغ في مخالفة النفس و زجرها عن العود و كل ظلمة ارتفعت الى القلب من معصيته فلا تنمحي عنه الا بنور يرتفع اليه من حسنة تضادها فان المرض انما يعالج بالضد الخاص و كذلك يفعل ابتداء لو كان المستحق ميتا و لم يكن الحق موروثا أو غائبا هو أو وارثه مع الاستغفار له فان من جمله الحسنات التي يعاوض بها في القيمة و المتحرى نصوح توبته كذلك يعمل (الكافي) الطهارة عن حق اللّه تعالى ايضا تكميلا و تقوية لها فورد في الحديث النبوي اتبع السيئة بالحسنة تمحها ف يجبر التائب معصية كل عضو بطاعته مع اعتبار أخص النسب نحو سماع الملاهي بسماع القران و الغناء بتلاوته و الأذان و القعود في مقاعد المعصية بالقعود في حلق الذكر و مجالس العلم و الوعظ و في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه للعبادة و الرقص بالتبتل و التضرع و الابتهال و القتل الذي هو اماتة الحي بالإعتاق الذي هو كإحياء الميت إذ الرق لا وجود له لنفسه و الغيبة لأحد بالثناء عليه و الهجو بالمدح و الغصب بالصدقة سيما على المغصوب منه و الخيانة بالنصيحة و الإهانة بالإكرام و التسبب الى مسائته بالتسبب الى مسرته الى غير ذلك مما لا يخفى و عن (أمالي الصدوق) أمير المؤمنين عليه السلام ان اللّٰه يكفر بكل حسنة سيئة إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ليس شي‌ء أضر عاقبة و لا أسرع ندامة من الخطيئة و انه ليس شي‌ء أشد طلبا و لا أسرع دركا للخطيئة من الحسنة اما انها لتدرك الذنب العظيم القديم المنسي عند صاحبه فتحته و تسقطه و تذهب به بعد إثباته و ذلك قوله سبحانه إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ.

[باب الحد و التعزير]

باب الحد و التعزير و هما في اللغة المنع و التأديب و يطلقان على التأديب الشرعي فالمقدر حد و غيره تعزير و المقدرات خمسة الرجم و القتل بغيره و الجلد و التغريب و القطع و اما جز الرأس فلم يلتفت اليه المصنف و المذكور منها في صريح الكتاب ما عدا الأول فتأمل من اتى فاحشة فالاحب ان يسترها ابتداء و استدامة و لا يفضح نفسه على رؤس الملإ. و يتوب عنها فيما بينه و بين ربه و يقيم حد اللّٰه على نفسه بأنواع المجاهدة و التعذيب فان العفو في حقوق اللّٰه قريب من التائبين فان لم يستتر ترتب عليها أحكام يستوفى مهماتها في فصول الأول في الزنا و اللواط و المساحقة و هي دلك المرأة فرجها بفرج اخرى من أقر صريحا بالزنا فاعلا أو قابلا أو اللواط الموقب كذلك أو المساحقة

عند الحاكم أربعا و لو في مجلس واحد أو شهد عليه عنده في مجلس واحد على المشهور أربعة شهود ذكور أنهم شاهدوه عيانا يولج فيه و يخرج كالمرودة في المكحلة و الرشاء في البئر أو يولج فيه و يخرج أو تسحق فرجها بأخرى و كان الثبوت قبل ظهور التوبة من المجرم و ان تقادم عهده و كان عند الفاحشة محصنا و هذا الشرط فائدته لغير الملوط و المحصن من له ما يغنيه في قضاء شهوته عن الفاحشة من فرج حاضر مستباح بملك أو عقد دائم قد اصابه مع التكليف و الحرية بما يوجب الغسل طهره الحاكم من الزنا و المساحقة بالرجم كما يأتي في باب اقامة الحدود فهنا قيود ثمانية. صراحة الإقرار بحيث لا يحتمل الخلاف و ينتفي مجال التأويل و هذا جار في كل إقرار و يخص في هذا الباب بالاشتراط احتياطا لأن فائته لا يستدرك فلا عبرة بالكنايات و المجازات و ان كانت شائعه و في قصة ماعز بن مالك الأنصاري الذي أقر عند رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله بالزنا انه لم يقبل منه حتى صرح بأنه ناكحها كما يغيب المرود في المكحلة و الرشاء في البئر (ب) تكراره أربعا فما زاد فلا يكتفى به مرة أو مرتين أو ثلثا في شي‌ء من الفواحش الثلث و هو في الأخيرين مقطوع به في كلامهم منقول عليه الإجماع و يحكى عن بعض القدماء (1)الاكتفاء في الزنا بالمرة و هو شاذ و مستنده معارض بالنصوص الكثيرة الصريحة في المشهور و موافق للمشهور بين القوم ثم ان المشترطين للتعدد اختلفوا في اشتراط تعدد المجالس بحسب الإقرارات و لم يشترطه الأكثرون و منهم المصنف في المفاتيح (الاحتجاج) كون اللواط مثقبا و اما فيما دونه فسيأتي التصريح بالجلد و ظاهر بعض المتقدمين (2)عدم اشتراطه لأنهم فرضوه في غير المثقب و جعلوا الاثقاب هو الكفر كما صرح به في بعض الاخبار المتقدمة (قرب الإسناد) تربيع الشهود فما زاد فلو كانوا دون الأربعة لم يثبت بشهادتهم حد و حدوا حد الفرية و قيل (3)ان عهد رجلان و اربع نسوة فيما يوجب الرجم من الزنا ثبت به الجلد دون الرجم و له الصحيح (4)و ربما يلحق به رجل و ست نساء و هو شاذ و في حكم الأربعة ثلثه رجال و امرأتان في الأول بلا خلاف و في الأخيرين أيضا عند الصدوق و من وافقه (5) اتحاد مجلس الشهادة فلو حضر بعضهم قبل بعض و شهد حد و لم ينتظر حضور الباقين لانه صار قاذفا و لا


1) ابن ابى عقيل

2) الصدوقين و ابن الجنيد م

3) الشيخ و المحقق م

4) في الفقيه و التهذيب عن الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان وجب عليه الرجم و ان شهد عليه رجلان و اربع نسوة فلا تجوز شهادتهم و لا يرجم و لكن يضرب حد الزاني م

تأخير في حد و عن (الفقيه- التهذيب) أمير المؤمنين عليه السلام في ثلثه شهدوا على رجل بالزنا فقال عليه السلام اين الرابع قالوا الان يجي‌ء فقال عليه السلام حدوهم ليس في الحدود نظرة ساعة. و لا ينافي ذلك استحباب تفريق الشهود عند الريبة لإمكان الجمع بين الوظيفتين بحضورهم جمله ثم تفريقهم و استنطاقهم واحدا فواحدا في مجلس واحد و يمكن حمل حجة المخالف عليه و ان تكون الشهادة عن معاينة فلا يكفى مطلق العلم كالحاصل باللمس أو القرائن و في عدة أخبار صحيحة و غيرها حد الرجم ان يشهد أربعة أنهم رأوه يدخل و يخرج.

و الإخراج مما لا مدخل له في الفعل و لكن تكرر اشتراط الشهادة به في الروايات (ر) ان يكون ثبوت الجريمة بالإقرار أو البينة قبل ظهور التوبة منه فلو تاب قبل ذلك سقط الحد مطلقا بلا خلاف اما لو تاب بعده فان كان بالبينة فالمشهور عدم السقوط استصحابا و قيل (1)يتخير الحاكم بين العفو و الإقامة و في رواية (الكافي- الفقيه- التهذيب) (2)ان تاب فما عليه شي‌ء. و ان كان بالإقرار فالمشهور التخيير و ربما يقيد بالرجم دون الجلد و لو أنكر بعد الإقرار سقط الرجم دون غيره و إذا ثبت موجب الحد لم يسقط بتقادم العهد ما لم يثبت التوبة و قد وقع هذا الاشتراط في رواية (الفقيه- التهذيب) ابن ابى عمين عن جميل (3)(ح) الإحصان و هو ان يكون له فرج بقيود (ا) الحضور فلو كان غائبا عنه بمسافة التقصير فما زاد لم يكن محصنا روى ثقة الإسلام و الصدوق في الحسن عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي جعفر عليه السلام أخبرني عن الغائب عن أهله يزني هل يرجم إذا كان له زوجة و هو غائب عنها قال لا يرجم الغائب عن اهله و لا المملوك الذي لم يبن بأهله و لا صاحب المتعة قلت ففي أي حد سفره لا يكون محصنا قال إذا قصر و أفطر فليس محصنا. و في (الكافي- الفقيه- التهذيب) معناه غيره و منهم من أطلق الغيبة و لم يقيد و منهم من صرح بعدم التقييد و في حكم الغائب الممنوع عنه بسبب شرعي أو غيره كما (الكافي- التهذيب) قضى أمير المؤمنين عليه السلام في محبوس له امرأة حرة في بيته في المصر و هو لا يصل إليها فزنى في السجن فقال عليه السلام عليه الجلد و يدرأ عنه الرجم. و هذا معنى ما ورد في الصحيح (الكافي- الفقيه- التهذيب) في تفسير المحصن انه من كان له فرج يغدو عليه و يروح (ب) الملك أو دوام النكاح فلا تحصن المنقطعة كما تقدم و قيل (4)لا تحصن الأمة أيضا كما


1) المفيد و أبو الصلاح

2) في الزاني

3) عن رجل عن أحدهما عليهما السلام في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنا فلم يعلم ذلك منه و لم يؤخذ حتى تاب و صلح فقال إذا صلح و عرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد م

4) ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و سلار

في صحيحة (الفقيه- التهذيب) محمد بن مسلم و غيرها (الاحتجاج) الإصابة حال التكليف و الحرية و لو بغيبوبة الحشفة مرة واحدة و لا يشترط الانزال و سلامة الخصيتين و اشتراطها مما وقع مقطوعا به في كلامهم و نقل عليه الإجماع و في (الكافي- الفقيه- التهذيب) صحيحة المرادي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة قال لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد العتق.

الحديث فلا يكفى مجرد العقد و لا الخلوة و لا التفخيذ و ان انزل قيل (1)و لا اصابة الدبر و في استفادة ذلك من الفرج نظر لشيوع إطلاقه شرعا و لغة على ما يعمهما و مع اجتماع هذه الشروط يطهر من الزنا بالرجم وحده عينا مطلقا و قيل (2)يجمع بين الجلد و الرجم كذلك و قيل (3)الجمع انما هو على الشيخ و الشيخة أما الشاب و الشابة فالرجم لا غير و قيل (4)إذا كانت المرأة مجنونة أو أحدهما غير بالغ فلا رجم على الآخر بل الجلد لا غير و من المساحقة بالرجم كذلك ايضا و قيل (5)لا ترجم المساحقة بل تطهر بالجلد مطلقا و من اللواط به أو بضربه في عنقه بالسيف أو إلقائه من شاهق مثل جبل أو منارة مشدود اليدين و الرجلين أو إلقاء جدار عليه يقتل مثله غالبا أو إحراقه بالنار تخييرا أو جمعا بين اثنين منها أحدهما الإحراق جسما يراه الحاكم و ان لم يكن له ما يغنيه بالقيود المذكورة مع مطاوعة الطرف في الأول أو لاط بما دون الثقب كالتفخيذ و بين الأليين و ان كان محصنا فيجلد مائة سوط لا غير و قيل حد اللائط المثقب القتل مطلقا و عليه الأكثر بل نقل عليه الإجماع و لهم الروايات المستفيضة و حملوا ما يدل على الجلد على غير المثقب و ما اختاره المصنف أحوط منه و مما تقدمه و له (الكافي- التهذيب) صحيحة أبي بصير عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ان في كتاب على إذا أخذ الرجل مع غلام في لحاف مجردين ضرب الرجل و أدب الغلام و ان كان ثقب و كان محصنا رجم. و عنه عليه السلام في الذي يوقب ان عليه الرجم ان كان محصنا و عليه الجلد ان لم يكن محصنا. و الشيخ حملهما و ما في معناهما على التقية و يزاد في التطهير عن الزنا تغريب عام هلالي من مصره أو محل الواقعة فإن عاد قبل إكماله أعيد سواء أملك و لم يدخل أم لا خلافا لمن شرط (6)الاملاك و سواء في ذلك الزاني و الزانية وفاقا لابن الجنيد و ابن عقيل و من وافقهما للنصوص الصريحة و خلافا للمشهور بل نقل عليه في الخلاف


1) عدو غيره

2) خ في التبيان و ابن إدريس و الشرائع و بع

3) خ في الفقيه و الخلاف و التهذيب و الإرشاد و تبعه بنو زهرة و حمزة و سعيد

4) خ و جماعة من المتأخرين

5) عليه الأكثر

6) خ في الفقيه و ابن سعيد في الجامع م

الوفاق من اختصاصه بالرجل لأن المرأة عورة يقصد بها الصيانة و لا يؤمن عليها مثل ما فعلت في الغربة و هو اجتهاد في مقابله النص و إجماع في محل الخلاف و اليه الخيرة في جهة السفر و أقله مسافة القصر و قيل (1)لا حد له بل جسما يراه الحاكم و في بعض الاخبار خمسون فرسخا. و الغريب يخرج الى غير بلده تحقيقا لمعنى الغربة كذا في القواعد و غيره و الوارد في أخبارنا انما هو بلفظ النفي و الإخراج و كان التعبير بهما أجود فإن زنى بذات محرم و لو سببا كما هو ظاهر الإطلاق و المصرح به في المفاتيح خلافا لمن (2)خصه بالنسبي أو مكرها فاعلا كان أو قابلا و ان كان في تحقق الأخير كلام و لو قال بمكره لكان أجود أو زنى الكافر حربيا أو ذميا بمسلمة و لو طائعة أو لاط و لو بما دون الثقب بمسلم و ان أسلما بعد ذلك فالقتل مطلقا محصنا أو غيره حرا أو رقا بالإجماع في الجميع كما في المفاتيح و غيره و روى المحمدون الثلاثة بعدة أسانيد في الزاني بذات محرم انه يضرب ضربة بالسيف في عنقه آخذة منه ما أخذت فإن عاش خلد في السجن حتى يموت. و عن (الفقيه- التهذيب) أمير المؤمنين عليه السلام انه رفع اليه رجل وقع على امراة أبيه فرجمه و كان غير محصن. و لا قتل على المملوك في غير ما ذكر برجم و لا غيره لعدم تحقق الإحصان في حقه كما عرفت و تغليبا لحق الأدمي بل يقتصر فيه على الجلد من غير تغريب و حيث يجلد في اللواط يجلد مائة سوط كالحر إجماعا كما نقله الشهيد طاب ثراه و كذا في السحق بلا خلاف كما في المفاتيح و في الزنا خمسين نصف ما على الحر من العذاب و هنا أطلق الخمسين في الجميع و هذا عجيب و يزاد الفاعل بالميت أو الميتة على حده المقدر مقدما على قتله حيث يقتل مقدار ما يراه الحاكم تعزيرا لان جنايته أفحش و وزره أعظم كما ورد و الاخبار انما تضمنت الحد دون التعزير و من ثم نسبه في المفاتيح الى القيل مشعرا بتمريضه و لو كانت زوجته أو أمته اقتصر على التعزير و ثبوته فيهما كثبوته في غيرها و قيل (3)يثبت الزنا بالميتة بشاهدين و بالإقرار مرتين لأنها شهادة على فعل واحد و هو منقوض بالمكرهة و المجنونة و الصغيرة على ان في بعض الروايات ما (4)ينافي هذا التعليل و كذا كل من اتى فاحشة في مكان شريف أو زمان


1) خ و مه في بر

2) المحقق و العلامة و بنو إدريس و زهرة و حمزة و ألحقوا امرأة الأب بالنسبيات م

3) في المقنعة و النهاية و الوسيلة و الجامع و المختلف م

4) و انه تعبد محض و ان فيه دليلا على بطلان القياس و الا لكان القتل اولى باعتبار الأربعة لأنه أفحش روى الصدوق في العلل و الطبرسي في الاحتجاج في جمله احتجاجات ابى عبد اللّٰه عليه السلام على ابى حنيفة في بطلان القياس انه قال عليه السلام أيما أعظم عند اللّه القتل أو الزنا قال أبو حنيفة القتل قال فان اللّه قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلا أربعة ثم أيهما أعظم الصلاة أم الصوم قال الصلاة قال فما بال الحائض تقضى الصيام و لا تقضى الصلاة فكيف يقوم لك القياس فاتق اللّه و لا تقس الحديث م

شريف يعاقب زيادة على الحد لهتكه الحرمة كما ذكروه و منهم المصنف في المفاتيح و ورد (الكافي- الفقيه- التهذيب) في شارب الخمر في شهر رمضان ان أمير المؤمنين عليه السلام ضربه عشرين سو سوطا زيادة على الحد و قال هذا لجرأتك على شرب الخمر في شهر رمضان. و الثاني في القيادة و بعض التعزيزات المشهور انه يجلد القواد و هو المؤلف بين الحرامين للفاحشة و لو مرة واحدة رجلين أو امرأتين أو مختلفين و مورد النص هو الأخير خاصة و لو حذف القيد لكان أجود ثلثه أرباع جلد الزاني خمسة و سبعين سوطا رجلا كان أو امرأة حرا أو رقا مبتدئا أو معاودا و ينفى الرجل من مصره الذي هو فيه و زاد بعضهم حلق رأسه و شهرته في البلد قبل النفي و منهم (1)من اقتصر في المرة الأولى على الجلد و الحلق و الشهرة و أثبت في الثانية الجلد و النفي و اختصاص النفي بالرجل غير معلوم من الرواية كالزيادة و التفصيل الا انه منقول عليه الإجماع و لا حد لنفيه و تثبت بشهادة رجلين و بالإقرار مرتين بلا خلاف و يعزر دون الحد الصبي و الصبية إذا ثبت عليهما الموجب بالبينة و كذا لو اقرا به و لو مرة واحدة لكذبهما أو صدور الفعل عنهما لامتناع الخلو عنهما و كذا يعزر المجنون و المجنونة إذا قام عليهما البينة و قيل بل يقام الحد على المجنون كملا لرواية (الكافي) أبان بن تغلب عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد و ان كان محصنا رجم قلت و ما الفرق بين المجنون و المجنونة (2)و المعتوه و المعتوهة فقال المرأة إنما تؤتى و الرجل يأتي و انما يأتي إذا عقل كيف يأتي اللذة و ان المرأة إنما تستكره و يفعل بها و هي لا تعقل ما يفعل بها. و يقرب جملها على من يعتوده الجنون إذا زنى بعد ما عقل كما ينبه عليه التعليل و مع ذلك فهي أخص من المدعى و كذا المقر بالفاحشة دون العدد المعتبر


1) في المقنعة و الوسيلة م

2) روى المحمدون الثلاثة عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه ع قال المؤلف بين الذكر و الأنثى حراما يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة و سبعين سوطا و ينفى من المصر الذي هو فيه و في كلام المصنف مخالفة للمشهور من وجه و للرواية من آخر م

في إقرارها لكذبه أو صدور الفعل عنه كما ذكر و المجتمعان تحت إزار واحد أو ما أشبهه مجردين من غير حل و لا ضرورة ذكرين أو أنثيين أو مختلفين و النصوص متظافرة بذلك الا انها مطلقة عن قيد التجرد و من ثم خلت عنه بعض الفتاوى و انما وقع اشتراطه صريحا في حسنه (الكافي) ابى عبيده عن ابى جعفر عليه السلام قال كان على إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزاني مائة جلدة كل واحد منهما و كذلك المرأتان إذا وجدتا في لحاف مجردتين جلدهما كل واحدة منهما مائة جلدة. و هي مختصة بالرجلين و المرأتين فلا يتم الحكم بها في غيرهما و متضمنة للحد مائة جلدة كما يحكى عن الصدوق و ابن الجنيد و هو المشهور بين القوم خلافا للمشهور بين أصحابنا لأنهم حدوه في طرف الزيادة بتسعة و تسعين سوطا لوقوعه في بعض الروايات و في طرف النقيصة بثلثين لوقوعه في بعض (تف- التهذيب) آخر و ما بينهما منوط بنظر الامام و منهم من حده في جانب القلة بعشرة و عن أمير المؤمنين عليه السلام انه رفع اليه رجل وجد تحت فراش امرأة في بيتها فقال هل رأيتم غير ذلك قالوا لا قال فانطلقوا به الى فحراة فمرغوه عليها ظهر البطن ثم خلوا سبيله. و كذا المقبل وجه غيره أو غيره بشهوة مطلقا كما تقدم لأنه فاحشة فيستحق عليها التعزير و مثله القول في المعانق بشهوة كما قالوه و هذا لا يقتضي البحث عنهما بالخصوص و الوارد من الاخبار في حكم التقبيل هي (الكافي- التهذيب) رواية إسحاق بن عمار عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في محرم قبل غلاما بشهوة قال يضرب مائة سوط. و كذا يعزر المستمنى بذلك ذكره بعضو منه أو من غيره المحرم و هو من عدا الزوجة و الأمة و روى (الكافي- التهذيب) فيه انه اتى أمير المؤمنين عليه السلام برجل عبث بذكره حتى انزل فضرب يده بالدرة حتى احمرت و زوجه من بيت المال. و في رواية (الكافي) سئل عن الدلك فقال ناكح نفسه و لا شي‌ء عليه. و يثبت بشهادة عدلين و لا تقبل فيه شهادة النساء مطلقا و بالإقرار مرة خلافا لابن إدريس فمرتين و من اقتص بكرا بإصبعه ثبت عليه مع مهر المثل للحرة و عشر القيمة أو الأرش في الأمة التعزير بما يراه الحاكم و قدره بعضهم من ثلثين الى ثمانين و اخرون إلى تسعه و تسعين و في الصحيح (تف- التهذيب) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في امرأة اقتضت جارية بيدها قال عليها المهر و تضرب الحد. و في آخر (التهذيب) ان أمير المؤمنين عليه السلام قضى بذلك و قال تجلد ثمانين. و من المعزرين شاهد الزور لرواية (الكافي- التهذيب) سماعه قال سالته عن شهود الزور فقال يجلدون

حدا ليس له وقت و ذلك الى الامام و يطاف بهم حتى يعرفهم الناس. و الواطئ للبهيمة و هي ذات القوائم الأربع أو مطلق الحيوانات سواء أولج أم لا و تقدير التعزير في الكل موكول الى نظر الحاكم اما فيما عدا الأخير فكما عرفت و اما فيه فما اختاره المصنف هو المشهور و قيل يضرب ربع حد الزاني خمسه و عشرين و قيل حد الزاني كملا و قيل يقتل و الشيخ حمل ما دل على الأخير على الإيلاج أو على ما إذا تكرر منه الفعل مع تخلل التعزير و غيره على غيره و فيه تصور و يغرم الواطى المولج ثمن البهيمة يوم الفعل لمالكها ان لم يكن هو هو و يحرم الانتفاع بجلدها و لحمها و نسلها و لبنها المتجددين و تذبح لئلا تشتبه هي أو نسلها بغيرها و يتعذر الاجتناب و في نسله كلام يأتي في كتاب المعيشة و تحرق لئلا يشتبه لحمها أو جلدها بغيره هذا كله ان كانت مما تعد للأكل كالنعم الثلاث و أمثالها و ان كانت تعد للظهر كالخيل و البغال و الحمير لم تذبح و أغرم الواطى ثمنها و أخرجت من بلد الواقعة و بيعت في غيره لئلا يعير بها صاحبها و الثمن للغارم أو المالك ان كان هو الفاعل و عن المفيد انه يتصدق بالثمن على التقديرين و لو بيعت بأزيد احتمل رده على المالك و المغترم على المشهور و الصدقة على الأخير و لو كان الفاعل معسرا رد الثمن على المالك قولا واحدا فان نقص كان الباقي في ذمته يطالب به عند الميسرة و نفقتها الى وقت بيعها على الفاعل و يثبت بشهادة عدلين و بالإقرار مرة على المشهور خلافا لابن إدريس أيضا و ان كانت لغيره فلا يثبت بإقراره و ان تكرر سوى ما يتعلق به من التعزير دون التحريم و البيع لانه متعلق بحق الغير و من جامع زوجته في نهار شهر رمضان متعمدا و هما صائمان عزر بخمسة و عشرين سوطا كما في المفاتيح و غيره فإن أكرهها ضرب هو خمسين دونها قيل و لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة للعموم و لا يلحق بها المملوكة اقتصارا على مورد النص و هو رواية (الكافي) المفضل بن عمر عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة فقال ان استكرهها فعليه كفارتان و ان كان طاوعته فعليه كفارة و ان كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد و ان كانت طاوعته ضربت خمسة و عشرين سوطا و ضرب خمسة و عشرين سوطا. و في خروج الأمة عن الامرأة تأمل و كذا يجلد خمسا و عشرين من اتى اهله و هي حائض كما نص عليه في حدود المفاتيح و يدل عليه صريحا روايتا إسماعيل بن الفضل (الكافي) الهاشمي عن ابى الحسن عليه السلام و محمد بن (الكافي) مسلم

عن ابى جعفر عليه السلام الا انه في النكاح منه لم يثبت الا التعزير بما يراه الحاكم ثم قال ربما يقدر بثمن حد الزاني للخبر و الذي وقفت عليه مما يتضمن التقدير بالثمن هو ما رواه على بن إبراهيم في التفسير و هي متضمنة للتفصيل بالربع في أول الحيض و الثمن في الآخرة (1)و ورد التقدير بالثمن ايضا فيمن تزوج امة على حرة لم يستأذنها كما يأتي في النكاح و اشترط في المفاتيح و غيره إسلام الحرة و وطي الأمة قبل الاذن و كذا فيمن تزوج ذمية على مسلمة و الثمن اثنا عشر سوطا و نصف و كيفية النصف ان يقبض على نصف السوط و يضرب به كما ورد و قيل ضربا بين ضربين و الثالث في القذف و التعريض من رمى بالغا عاقلا حرا مسلما بالزنا و اللواط بما دل عليهما صريحا لغة أو عرفا عند القائل مع معرفته بموضوع اللفظ بأي لغة اتفق و ان جهلها المرمى و هو غير متظاهر به و لو بعد التوبة و هو المراد بالعفة المشروطة في كلام الأصحاب و طالبه المرمى بنفسه أو وارثه بالحق و ثبت ذلك عند الحاكم بالإقرار من الرامي مرة أو مرتين أو شهادة عدلين و لا بينه له كاملة على ما رماه به و هي أربعة شهداء كما مر حاضرة حضورهم لشهادة الزنا جلد حد القذف و المصنف عبر بالرمي موافقة للاية الكريمة و هي قوله عز و جل وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً فالنظر في القذف و القاذف و المقذوف اما الأول فهو الرمي بإحدى الفاحشتين و لو بالميت أو الميتة فلا حد لو رماه بإتيان البهيمة أو المضاجعة أو التقبيل بل يعزر في الجميع و كذا المساحقة على خلاف فيها ممن أوجب الحد و اما الثاني فيعتبر فيه لثبوت الحد البلوغ و العقل و الاختيار و القصد إجماعا كما قيل فلو قذف الصبي أدب و لم يحد و لو كان المقذوف كاملا و في (الكافي) رواية أبي مريم عن ابى جعفر عليه السلام في الغلام لم يحتلم يقذف الرجل هل يجلد قال لا و ذلك لو ان رجلا قذف الغلام لم يجلد. و كذا المجنون ان كان ممن يرجى منه الكف بالتأديب و لا شي‌ء على المكره و الغافل و الساهي و النائم و المغمى عليه و في السكران اشكال و يقوى ثبوت الحد و التعزير ان كان السبب اختياريا و في اشتراط الحرية في كمال الحد قولان و المشهور العدم بل


1) قال قال الصادق عليه السلام من اتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه ان يتصدق بدينار و عليه ربع حد الزاني خمسة و عشرون جلدة و ان إياها في آخر أيام حيضها فعليه ان يتصدق بنصف دينار و يضرب اثنتي عشرة جلدة و نصفا- م

نقل عليه الإجماع لعموم الآية و في (الكافي) حسنة الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام إذا قذف العبد الحر جلد ثمانين هذا من حقوق الناس. و مثلها رواية (الكافي) أبي بكر الحضرمي عنه عليه السلام و زاد فاما ما كان من حقوق اللّه فإنه يضرب نصف الحد قلت الذي من حقوق اللّٰه ما هو قال إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحدود التي يضرب فيها نصف الحد. و استدل المشترط بقوله تعالى فَإِنْ أَتَيْنَ بِفٰاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مٰا عَلَى الْمُحْصَنٰاتِ مِنَ الْعَذٰابِ.

و فسرت الفاحشة بالزنا فلا تعم و بروايتي قاسم (التهذيب) بن سليمان و حماد (الكافي) بن عثمان و حملتا على التقية و اما الثالث فيشترط فيه الإحصان كما في الآية و هو هنا عبارة عن الأمور الأربعة المذكورة و يجب بها الحد كملا عند المطالبة لا بدونها لأنها من حقوق الناس كما ذكر فان كان المواجه بالقذف هو المرمى بالفاحشة كما لو قال له يا زاني أو زانية أو لائط أو ملوط فالحد لا غير و ان واجه به غير المرمى كما لو قال أمك زانية أو أبوك لائط أو ابنك ملوط حد للمرمى للقذف و زيد تعزيرا للمواجه لايذائه له و إذا فقدت كلا أو بعضا فالتعزير لا غير سواء كان القاذف مسلما أو كافرا حرا أو عبدا و كذا يعزر كل معرض بما يكرهه المواجه من الفجور بما يدل عليه عرفا كقوله ما انا بزان و لا أمي بزانية أو بغيره مما يوجب الأذى كالتعيير بالأمراض و العلل و كل سب كما في صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد اللّٰه عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام لحرمة الاستخفاف بالمسلم الا ان يكون المقول له مستحقا له ل فسقه و تظاهره به ف انه لا حرمة له حينئذ و لا يوجب الاستخفاف به شيئا بل الوقيعة فيه مندوب إليها مرغوب فيها للأمر بذلك في الصحيح النبوي كذا في المفاتيح و الصحيح الذي أشار إليه هو ما رواه داود بن سرحان عن ابى عبد الله عليه السلام قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيعة و باهتوهم لئلا يطمعوا في الفساد في الإسلام و يحذرهم الناس و لا يتعلمون من بدعتهم يكتب اللّٰه لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة. و هو أخص من المدعى إذا تكاملت الشروط فيها ثبت الحد إلا في مواضع (ا) إقامة البينة كما تقدم (ب) إقرار المقذوف و لو مرة واحدة (الاحتجاج) العفو سواء قبل المرافعة أو بعدها قبل الثبوت و بعده على خلاف في الأخير (قرب الإسناد) ما لو تقارف اثنان فإنهما يتدافعان الحد و يعزران جميعا (ه) لو قذف زوجته فإنه يمكن ان يدرأ العذاب عن نفسه باللعان و لو قذف ابنه فإنه لا يحد الأب لولده لا ابتداء و لا بوسط

كما لو قذف زوجته الميتة و لا وارث لها غيره أو غيرهما فليس للولد المطالبة بالحد بل يعزر الأب في الصورتين و لو كان لها ولد من غيره ثبت له الحد كملا و الرابع في شرب المسكر و ما يتبعه من شرب مختارا عالما بالتحريم مسكرا و لو قطرة خالصا أو ممن وجأ أو فقاعا و ان لم يسكر و أقر به مرة أو مرتين على الخلاف أو شهد عليه عدلان بشربها أو واحد به و آخر بقيئها على المشهور كما في قضاء أمير المؤمنين عليه السلام جلد ثمانين جلدة بعد الإفاقة على ظهره و كتفه عريانا مستور العورة حرا أو عبدا على المشهور و قيل (1)ينصف على العبد لانه من حقوق اللّٰه كما تقدم في رواية الحضرمي و في حكم الشرب التناول بغيره كالاصطباغ و ممتزجا بالأدوية و الأغذية و ان خرج عرفا عن حقيقته بالتركيب على المشهور بل نقل عليه الإجماع و ان اختصت النصوص بالشرب قالوا و لا فرق في المسكر بين ان يكون متخذا من عنب و هو الخمر و تمر و هو النبيذ أو زبيب و هو النقيع أو عسل و هو البتع أو شعير و هو المرز أو حنطة أو ذرة أو غيرها من جنس واحد أو أكثر و كذا العصير العنبي إذا غلى و ان لم يقذف بالزبد سواء غلى من نفسه أو بالنار أو بالشمس الا ان يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا قولا واحدا في الجميع و الخامس في السرقة من سرق ما قيمته ربع دينار من الذهب الخالص المسكوك مخرجا له من الحرز بالمباشرة أو ما ينوب منابها و أقر به مرة أو مرتين أو شهد عليه عدلان قطع بعد مطالبة المالك في المرة الأولى أصابعه الأربع و هي ما عدا الإبهام من يده اليمنى فهنا قيود خمسه (ا) الأخذ سرا كما ينبه عليه لفظ السرقة فلو أخذ جهرا كان غاصبا لا سارقا فلا يترتب عليه حكمه (ب) ان يكون مالا فلا قطع على بائع الحر نعم لو كان صغيرا لا يتحفظ جاز قطعه لإفساده و لو سرقه و لم يبعه عزر بما يراه الحاكم سافر به أم لا و لا فرق بين ما أصله الإباحة كالمعادن و غيره كالثياب و الأطعمة و الضابط كل ما يملكه المسلم و ان حرم بيعه كالمصحف فان ذلك لا يخرجه عن المالية مع جواز بيع الورق و مثله العين الموقوفة (الاحتجاج) النصاب و المشهور فيه الربع من هذه الدنانير المعمولة في بلاد الإسلام التي وزنها أربعة دوانيق و نصف صيرفية سواء كانت سكتها إسلامية أو غيرها أو ما قيمته ذلك و قيل خمس دينار و قيل دينار كامل و هما شاذان و الربع من الذهب الإبريز إذا لم يساو ربعا مضروبا لا قطع فيه الا على عدم أشراط السكة كما نقل عن ظاهر الشيخ في المبسوط و الخلاف


1) الصدوق

و المشهور خلافه و لو سرق قميصا قيمته أقل من نصاب و في جيبه تمامه أو أزيد و هو لا يعلمه فالأقرب انه لا قطع (قرب الإسناد) الإخراج من الحرز فلو لم يكن المال محروزا فلا قطع و كذا إذا هتك الحرز أحدهما و اخرج الآخر اما على الهاتك فإنه ليس بأخذ و اما الأخذ فلانه آخذ مال غير محروز و كذا إذا أخذه منه فأخذ قبل إخراجه و عن أمير المؤمنين عليه السلام لا قطع على السارق حتى يخرج بالسرقة من البيت. و في (الكافي) خبر أخر في السارق إذا أخذ و قد أخذ المتاع و هو في البيت لم يخرج بعد قال ليس عليه القطع حتى يخرج به من الدار. و اختلف في تفسير الحرز فقيل يرجع فيه الى العرف لعدم ضبط له في الشرع و يختلف باختلاف المال المحرز فحرز الثياب الصندوق المقفل و حرز الدواب الإصطبل المغلق الى غير ذلك و قيل كل حرز لشي‌ء فهو حرز لجميع الأشياء و لم يرتضه المصنف في المفاتيح و قيل الحرز اما بالقفل أو بالغلق أو بالدفن و قيل كل موضع ليس لغير مالكه الدخول فيه الا باذنه و قيل كل ما كان على سارقه خطر لكونه ملحوظا غير مضيع قال و هو أحسن التفاسير ففي المواضع المطروقة كالحمامات و الخانات و الأرحية و المساجد لا بد من مراعاة المالك بكثرة الالتفات مع إمكان المشاهدة و الا فلا قطع و عليه يحمل ما ورد (الكافي الفقيه التهذيب) من إطلاق النفي في كل ما يدخل فيه بغير اذن و قيل يقطع في أي موضع سرق من بيت أو سوق أو مسجد أو غير ذلك مطلقا لقطع النبي صلى اللّٰه عليه و آله سارق مئزر صفوان بن أمية في المسجد ففي الحسن (الكافي التهذيب) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام انه خرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع اليه فقال من ذهب بردائي فذهب يطلبه فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبي صلى اللّٰه عليه و آله فقال النبي اقطعوا يده فقال صفوان يقطع لأجل ردائي يا رسول اللّٰه قال نعم قال فانا أهبه له فقال رسول اللّه فهلا كان هذا قبل ان ترفعه الى. و يمكن حمله على التفسير الأخير فإن السارق في المسجد على خطر من ان يطلع عليه و في خبر آخر انه نام فأخذ من تحته. و قال الصدوق لا قطع من المواضع التي يدخل فيها بغير اذن مثل الأرحية و الحمامات و المساجد و انما قطعه النبي صلى اللّٰه عليه و آله لانه سرق الرداء فأخفاه فلإخفائه قطعه و لو لم يخفه لعزره و هو راجع الى التفسير الأخير و في رواية لا يقطع الا من نقب بيتا أو كسر قفلا و يمكن حمله على ما حرزه البيت أو القفل و في سارق الكفن أقوال و اخبار مختلفة و في الصحيح (الكافي التهذيب) و غيره حد النباش حد السارق و يجمع بين النصوص باشتراط بلوغه النصاب

أو اعتياده النبش اما الطرار و هو الذي يشق الثوب ليأخذ ما فيه فوردت الاخبار فيه مجملة بالقطع (الكافي التهذيب) و بعدمه (الكافي التهذيب) و بالتفصيل (الكافي التهذيب) بأنه ان شق من قميصه الأعلى لم يقطع و ان طر من قميصه الأسفل قطع. و كأنه الذي وقع التعبير عنه في كلام الأصحاب بالجيب و الكم الظاهرين و الباطنين و لا قطع على المختلس و هو الذي يأخذ من غير حرز اختطافا و حين يفترص غفلة من صاحب المال و يهرب و كذا المستلب و المشهب و هو الذي يأخذ جهرا من غير إشهار سلاح و يهرب و كذا المحتال على الأموال بالتزوير و الرسائل الكاذبة على المشهور و في رواية (الكافي) انه يقطع لانه سارق (ه) مطالبة المالك فلو لم يرافعه لم يرفعه الامام و ان قامت عليه بينه الحسبة أو أقر بها أو عرف الحاكم بعلمه و لو عفا عن القطع قبل المرافعة سقط و لا يسقط بعدها كما في حديث صفوان و قيل إذا ثبت بالإقرار قطع على كل حال للعمومات السالمة عن المعارض و اما قيد التكليف في السارق فموكول الى الظهور فلا قطع على المجنون بل يؤدب ان كان ممن يرجى انزجاره به و لا على الصبي و ان عاد مرارا و قيل يعفى عنه أول مرة فإن عاد أدب فإن عاد حكت أنامله حتى تدمى فإن عاد قطعت أنامله فإن عاد قطع كما يقطع الرجل و لم أظفر في الاخبار بما يتضمن هذا التفصيل و في بعضها (التهذيب) يعفى عنه مرتين. و لا فرق بين الرجل و المرأة و المسلم و الكافر و الحر و العبد إذا ثبت عليه بالبينة دون الإقرار كما سيأتي و إطلاق القول بقطع اليمنى يقتضي عدم الفرق بين ما إذا كان واجدا لليسرى و فاقدا لها و بين ما إذا كانتا سليمتين و شلائين و إحديهما سليمة و الأخرى شلاء و بهذا التعميم صرح المشهور لعموم الأدلة و خصوص بعضها و قيل فاقد اليسرى يخلد في الحبس من غير قطع لاستلزامه بقاءه بلا يد و هو خلاف المعهود من حكمه الشارع و كذا إذا كانت شلاء لأنها كالمعدومة و لو كانت هي اليمنى عرضت على أهل الخبرة فإن أخبروا انه إذا قطعت لم تندمل أفواه العروق لم يقطع إذ ليس الغرض الإتلاف و الا قطعت و لو ذهبت اليمنى بعد الجناية سقط القطع و لو كانت ذاهبة قبلها قيل تقطع يسراه و قيل رجله اليسرى كما لو لم يكن له يد و في الجميع اشكال و لو نقصت أصابعه بالأصل أو يعارض اجتزئ بالباقي و لو واحدة و ترك له الإبهام مع الراحة يرتفق بهما في الاعتمال و غيره فان عاد إلى السرقة بعد قطع يمناه قطع رجله اليسرى من المفصل و ترك له العقب يعتمد عليه فان عاد خلد في الحبس الى ان يموت أو يتوب توبة

يستنصحها الحاكم و ينفق عليه من بيت المال ان لم يكن له مال فان عاد في المحبس أو غيره قتل و لا توبة له ظاهرا و لا قتل عليه قبل ذلك و هكذا يقتل غيره من أصحاب الكبائر إذا أقيمت عليهم الحدود المقررة (الكافي) المرة الرابعة على المشهور و قيل الزاني و القاذف يقتلان في الخامسة و قيل في الثالثة و كذا شارب المسكر هذا كله في الحر و اما المملوك فالزانى يقتل في الثامنة ذكرا أو أنثى و قيل في التاسعة و غيره كالحر كما هو ظاهر المفاتيح و غيره و لا يستبعد بكون الزنا أفحش لبطلان القياس و روى (الكافي التهذيب) ان الامام يدفع ثمنه بعد قتله الى مواليه من بيت المال و لا يقطع المملوك بالإقرار منه بالسرقة ما لم يصدقه المولى التعلق حقه و لا بسرقة مال مولاه و منه عبد الغنيمة إذا سرق منها و كذا لا يقطع الوالد ل لسرقة من مال ولده إجماعا و ربما يلحق به الجد له و كذا الوالدة و نفى عنه البأس في المختلف لاشتراكهما في وجوب التعظيم و لا عكس للعمومات و في (الكافي التهذيب) رواية لا يقطع لان ابن الرجل لا يحجب عن الدخول الى منزل أبيه هذا خائن. و روى (الكافي التهذيب) مثل ذلك في الأجير و الضيف و المشهور تقييدها بما لم يحرز عنهما و اما الضيقن فيقطع قطعا لرواية (الكافي التهذيب) محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام و كذا لا قطع على سارق المأكول في عام المجاعة سواء كان صالحا للأكل بالفعل كالخبز و الفاكهة أو القوة كالدقيق و اللحم و الحبوب و لا على سارق الثمرة من على الشجرة على المشهور و قيده العلامة في القواعد بعدم كون الشجرة محرزا بغلق و نحوه و ستجرده في المفاتيح و لو أكل في البستان ما قيمته النصاب فصاعدا لم يقطع كما قال الصدوق طاب ثراه لانه لم يخرج من الحرز شيئا و تدرأ أنواع الحدود بالشبهات كما ورد الأمر به في الحديث النبوي المشهور لابتنائها على التخفيف و من ثمة عدا الأصوليون في باب التعارض ترجيح الدارء للحد على المثبت له و منها الشركة في السرقة على بعض الوجوه و دعوى الإكراه من مثل العبد و الزوجية حيث لا مكذب فلا يكلف البينة و لا اليمين و ان توقفت الأحكام الأخر على الإثبات و الجهل بالتحريم فيمن يمكن فيه لقرب عهده بالإسلام و بعده عن مجالس العلم كما في النصوص و منه قضاء (الكافي التهذيب) أمير المؤمنين عليه السلام فيمن شرب الخمر في عهد ابى بكر و الشبهة في الزنا و غيره و لو اختصت بأحدهما اختص بحكمها و روى (الكافي التهذيب) ان امراة تشبهت بأمة لرجل و ذلك ليلا فواقعها و هو يرى انها جاريته فرفع ذلك الى عمر

فأرسل الى على عليه السلام فقال اضرب الرجل حدا في السر و اضرب المرأة في العلانية.

و عمل بظاهرها القاضي و أولت باحتمال ان يكون عليه السلام علم منه العلم أو الظن بحالها و ان ادعى الشبهة و قال المحقق في نكت النهاية سمعنا من بعض فقهائنا انه عليه السلام أراد إيهام الحاضرين من الأمر بإقامته الحد على الرجل سرا و لم يقم عليه الحد استصلاحا و جسما للمادة لئلا يتخذ الجاهل الشبهة عذرا و هذا ممكن و السادس في المحاربة و الإفساد من شهر السلاح لإخافة الناس المسلمين فهو محارب مفسد سواء كان في بر أو بحر مصر أو غيره في بلاد الإسلام أو غيرها ليلا أو نهارا محددا سلاحه كالسيف و الرمح أو لا كالعصا و الحجارة إجماعا كما قيل و سواء حصل معه الخوف أم لا أخذ المال أم لا كان من أهل الريبة أم لا ذكرا أم أنثى على المشهور فإذا أثبت عليه قبل التوبة بشهادة عدلين أو الإقرار و لو مرة واحدة بلا خلاف هنا قتل أو صلب أو قطع يده اليمنى و رجله اليسرى من خلاف أو نفى من الأرض بالكتاب و السنة و الإجماع قال اللّٰه تعالى إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. و انما الخلاف في موضعين (ا) تفسير النفي من الأرض ففي وجه انه دفنه حيا و في (الكافي تف) رواية رميه في البحر ليكون عدلا للقتل و الصلب و القطع. و في أخرى (تفسير العياشي) إيداعه الحبس. و في كثير منها إخراجه من بلده فان خفي خبره و الا كتب الى البلد الذي صار اليه بمنع مؤاكلته و معاملته و إطعامه لينتقل الى موضع أخر و هكذا الى ان يموت أو يتوب. و قدر في بعضها (الكافي التهذيب) إلى سنة لأنه يتوب قبل ذلك فهو صاغر (ب) في تعيين العقوبات المذكورة فالذي ذهب اليه المفيد و المحقق و العلامة في بعض كتبه و غيرهم انها على التخيير كما هو ظاهر الآية و في صحيحة حريز عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ان اوفى القران للتخيير حيث وقع. و في حسنة جميل و رواية سماعة عنه عليه السلام اى شي‌ء عليهم من هذه الحدود التي سمى اللّٰه قال ذاك الى الامام ان شاء قطع و ان شاء صلب و ان شاء نفى و ان شاء قتل. و المشهور انها على الترتيب و ذلك بحسب جنايته فان قتل قتل و ان قتل و أخذ المال استعيد منه و قطعت يده اليمنى و رجله اليسرى ثم قتل و صلب و ان أخذ المال و لم يقتل قطع مخالفا و نفى و لو جرح و لم يأخذ المال اقتص

منه و نفى و لو اقتصر على شهر السلاح و الا خافه نفى لا غير و قيل غير ذلك و في صحيحة (الكافي التهذيب) بريد بن معاوية عنه عليه السلام ذاك الى الامام يفعل ما يشاء قلت فمفوض ذاك اليه قال لا و لكن بحق الجناية. و روى (التهذيب) عبد اللّٰه بن إسحاق المدائني عنه عليه السلام خذها أربعا بأربع إذا حارب اللّٰه و رسوله و سعى في الأرض فسادا فقتل قتل و ان قتل و أخذ المال قتل و صلب و ان أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله من خلاف و ان حارب اللّٰه و سعى في الأرض فسادا و لم يقتل و لم يأخذ من المال نفى من الأرض. و عن (الكافي التهذيب) الكاظم و الرضا (الكافي) عليهما السلام ما يقرب منه و روى (الكافي التهذيب) محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال من شهر السلاح في مصر من الأمصار فعقر اقتص منه و نفى من تلك البلدة و من شهر السلاح في غير الأمصار و ضرب و عقر و أخذ الأموال و لم يقتل فهو محارب و امره الى الامام إنشاء قتله و ان شاء صلبه و ان شاء قطع يده و رجله و ان قتل و ضرب و أخذ فعلى الامام ان يقطع يده اليمنى بالسرقة ثم يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه. و في (الكافي) رواية عبيدة بن بشر الخثعمي قال سئلت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن قاطع الطريق و قلت ان الناس يقولون الامام مخير أي شي‌ء صنع قال ليس اى شي‌ء شاء صنع و لكنه يصنع بهم على قدر جناياتهم فقال من قطع الطريق فقتل و أخذ المال قطعت يده و رجله و صلب و من قطع الطريق و قتل و لم يأخذ المال قتل و من قطع الطريق و أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله و من قطع الطريق و لم يأخذ مالا و لم يقتل نفى من الأرض. و أجود ما يوفق به بين مجموع هذه الاخبار تفويض الأمر إلى الحاكم ليجتهد في اختيار العقوبة المناسبة للجناية و حمل التفصيلات المذكورة على التمثيل دون التوظيف و كأنه مراد المصنف هنا و في المفاتيح و ان كان كلامه ثمة لا يخلو من قصور و يصلب حيا على التخيير و مقتولا على التفصيل كما تقدم و كيف كان ف لا يترك المصلوب على خشبته أكثر من ثلثه أيام بلياليها فينزل اليوم الرابع و يجهز عليه ان كان حيا و يجهز تجهيز المسلمين فيغسل ان لم يكن قد اغتسل قبل ذلك و يكفن و يصلى عليه و يدفن و السابع في السحر الساحر و هو من يعمل بالسحر يقتل و ان لم يكن مستحلا له على المشهور ان أقر به و لو مرة و كان مسلما و لم يتب عنه فهذه شروط ثلثه (أ) الإقرار به إذ لا طريق لثبوته سواه لان الشاهد لا يعرف قصده و لا يشاهد التأثير و قيل بل يثبت بالشاهدين لرواية زيد (التهذيب) بن على عن أبيه عن آبائه عليه السلام قال سئل رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله عن الساحر فقال إذا جاء رجلان عدلان فشهدا بذلك فقد حل دمه. (ب) الإسلام فلو كان كافرا

اقتصر على تأديبه فعن (الكافي التهذيب) ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله ساحر المسلمين يقتل و ساحر الكفار لا يقتل قيل يا رسول اللّٰه و لم لا يقتل ساحر الكفار قال لان الكفر أعظم من السحر و لان السحر و الشرك مقرونان. (الاحتجاج) الإصرار فإن تاب قبل ان يقادم عليه الحد سقط لرواية (قرب الإسناد) إسحاق بن عمار المتقدمة عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ان عليا كان يقول من تعلم من السحر شيئا كان آخر عهده بربه وحده القتل الا ان يتوب. و من شرط مع ذلك استحلاله فقد احتاط للدماء لكنه محجوج بالعمومات المذكورة و بأنه خروج عن موضع البحث لان تحريم السحر من ضروريات الدين كتحريم الزنا و اللواط و الخمر فمستحله محكوم عليه بالارتداد كغيره من المرتدين و المبحوث عنه حكم الساحر دون المرتد و الثامن في الارتداد المرتد هو الكافر بعد ان كان مسلما سواء كان إسلامه عن كفر و هو الملي أم لا و هو الفطري و هو يحصل بالفعل كالسجود للصنم و الشمس و ان لم يقل بربوبيتهما و تمزيق المصحف و إلقائه في القاذورات و بالقول كاللفظ المصرح بإنكار ما علم ثبوته من الدين ضرورة كوجوب الصلاة و الزكاة و الحج و حرمة الفواحش كما تقدم و في صحيحة (الكافي- التهذيب) بريد العجلي عن ابى جعفر عليه السلام في رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من رمضان ثلثه أيام قال يسئل هل عليك في إفطارك اثم فان قال لا فان على الامام ان يقتله و ان هو قال نعم فان على الامام ان ينهكه ضربا. اما ما لم يكن ثبوته ضروريا فلا يكفر منكره و ان كان منقولا عليه الإجماع بين علماء الإسلام لأن حجية الإجماع الغير المرادف لضروري الدين ليست من ضروريات الدين و اما ما ذهب اليه شذاذ من المتقدمين و تعصب له عصابة من المتأخرين من تكفير من خالف إجماع أصحابنا ففي غاية البعد عن الصواب و أدلتهم منزله على مرتبة من مراتب الكفر دون المرتبة المبحوث عنها و كذا القول فيما ورد من شواذ الاخبار في كفر من قدم الجبت و الطاغوت على أمير المؤمنين عليه السلام و قد استوفيت بيان ذلك في المسائل الاحمدية بما لا مزيد عليه و يشترط في ترتب أحكام الارتداد صدوره من المكلف بالقصد و الاختيار من غير غلط كان يريد تمزيق كتاب من كتب الضلال فيمزق المصحف و لا سهو عن التلفظ (1)بما ليس بكفر بسبق اللسان الى كلمه الكفر و لا غفلة عن معناها أو لزومها لما علم


1) هذا ما يستفاد من كلام الأصحاب رضوان اللّه عليهم في مثل هذا الموضع و الذي ذكره أهل المعقول ان الغفلة هي عدم التفطن للشي‌ء و عدم تعقله بالفعل و هي كالجنس للسهو و النسيان قالوا و بيان ذلك ان السهو هو الغفلة عن الشي‌ء مع بقاء صورته أو معناه في الخيال و الذكر بسبب اشتغال النفس و التفاتها الى بعض مهماتها و اما النسيان فهو غفلة عنه مع انمحاء صورته أو معناه عن احدى الخزانتين بالكلية و لذلك يحتاج الناسي للشي‌ء إلى تجشم كسب جديد و كلفة في تحصيله ثانيا و بهذا يظهر الفرق بين الغفلة و السهو و النسيان م

خلافه ضرورة و لا نوم و لا إغماء و لا سكر على المشهور فيه و ان كان السبب باختياره و لا غضب رافع للقصد و لا إكراه كما في أسير الكفار و تقبل دعوى ذلك كله حيث يمكن و إذا تكاملت الشروط فالمشهور انه ان كان مرتدا عن فطرة الإسلام بأن انعقدت نطفته حال إسلام أحد أبويه فحكمه ما تضمنه (الكافي- التهذيب) صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال من رغب عن الإسلام و كفر بما انزل اللّٰه على محمد بعد إسلامه فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و قسم ما ترك على ولده. و مثلها رواية عمار عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام و جحد محمد نبوته و كذبه فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه و امرأته بائنة منه يوم ارتد فلا تقر به و يقسم ماله بين ورثته و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها و على الامام ان يقتله و لا يستتيبه. و ان كان مرتدا عن ملة مسبوقة بخلاف الفطرة استتيب قدر ما يؤمل معه الرجوع و المروي ثلثه أيام و بينهما عموم من وجه فان تاب ترك و ان ابى الا الإصرار قتل لصحيحة (الكافي- التهذيب) على بن جعفر عن أخيه عليه السلام في مسلم ارتد قال يقتل و لا يستتاب قال فنصراني أسلم ثم ارتد عن الإسلام قال يستتاب فان رجع و الا قتل. و مرفوعة (الفقيه- التهذيب) عثمان بن عيسى انه كتب الى أمير المؤمنين عليه السلام عامل له انى أصبت قوما من المسلمين زنادقة و قوما من نصارى زنادقة فكتب عليه السلام اما من كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه و لا تستتبه و من لم يولد منهم على الفطرة فاستتبه فان تاب و الا فاضرب عنقه و اما النصارى فما هم عليه أعظم من الزندقة و في معناهما غيرهما و بها بتقيد إطلاق الصحيحة المتقدمة و عن ابن الجنيد إنكار هذا التفصيل و ان المرتد قسم واحد لا يقتل الا بعد الاستتابة و الإصرار و له إطلاق كثير من الروايات المقيدة و في المشهور بالملي هذا كله في الرجل المرتد و اما المرأة المرتدة

فلا قتل عليها مطلقا قولا واحدا بل تستتاب فان تابت عفى عنها و ان أبت الا الإصرار خلدت في الحبس و ضيق عليها في المطعم و الملبس و ضربت أوقات الصلوات لصحيحة الحسن (الكافي- التهذيب) بن محبوب عن غير واحد من أصحابنا عن ابى جعفر و ابى عبد اللّٰه عليه السلام في المرتد يستتاب فان تاب و الا قتل و المرأة إذا ارتدت استتيبت فان تابت و رجعت و الا خلدت السجن و ضيق عليها في حبسها. و صحيحة (التهذيب) حماد عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في المرتدة عن الإسلام قال لا تقتل و تستخدم خدمة شديدة و تمنع الطعام و الشراب الا ما يمسك نفسها و تلبس خشن الثياب و تضرب في أوقات الصلاة. و ليس في الثانية ذكر الاستتابة و في معناها غيرها و حملت على الاولى الا انها بعمومها تدل على استتابه المرتد الفطري أيضا و تخصيصها بغيره كما تقدم يقتضي سرايته إليها و الا لزم تفكيك الكلام و لمثل هذا جعل المصنف هنا و في المفاتيح الأحوط استتابه الفطري ايضا كالملي و الكف عن التهجم على قتله الا بعد الإصرار كما نقلناه عن ابن الجنيد و ان نسبه ثمة إلى الشذوذ و الحكم بوجوب قتل المرتد حيث يجب انما هو لرعاية ظاهر الإسلام و التحفظ على ناموس الشريعة فلو تأخر قتله و تاب فالحق ان توبته مقبولة فيما بينه و بين اللّه على كل حال فطريا كان أو مليا حذرا من التكليف بما لا يطاق لو كان مكلفا بالإسلام أو خروجه من التكليف ما دام حيا كامل العقل و هو باطل بالإجماع و الضرورة فتصح عباداته و معاملاته و ان لم يعد اليه ماله و لا زوجته بذلك

[باب الجناية]

باب الجناية و هي الجريمة المستتبعة في الدنيا لتعلقها ببدن الغير أو ماله و ربما تطلق على غير ذلك توسعا و انما أفرد لها بابا لكثرة مباحثها و تنقسم الى عمد و شبيه به و خطا محض فالعمد هو فعل المكلف ما تحصل به الجناية غالبا قاصدا به الى معين سواء قصد به الجناية أو لا كالذبح و الخنق و سقى السم القاتل و نحو ذلك و الشبيه به هو فعل ما تحصل به الجناية نادرا أو احتمل الأمرين قاصدا به الى معين من دون قصد جناية كان يضرب للتأديب بما يؤدب به غالبا فيموت أو يجرح و الخطاء المحض هو فعل أحد الأمور الثلاثة من دون قصد اليه و لا إلى الجناية مثل ان يرمى طائرا فيصيب إنسانا أو تزلق رجله فيقع عليه و ليس من الجرائم كما مر و انما ذكرت أحكامه في هذا الباب استطرادا و اما فعل ما يجنى نادرا كالحذف بالحصاة و الضرب بالعود الخفيف أو احتمل الأمرين مع القصدين فالذي عليه المحققون و منهم المصنف في المفاتيح انه عمد و قيل بل هو عمد

لم يقصد به الجناية لروايات استضعفها الأولون و قيل خطاء و ان قصد به الجناية لإطلاق صحيحة (الكافي التهذيب) ابى العباس عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام انه قال أرمي الرجل بالشي‌ء الذي لا يقتل مثله قال هذا خطاء ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها قلت أرمي الشاة فأصيب رجلا قال هذا الخطاء الذي لا شك فيه و العمد الذي يضرب بالشي‌ء الذي يقتل مثله. و الوجه حمل خطأ على شبيه العمد مع عدم القصد إلى الجناية فتكون مستوفيه للأقسام كلها و جناية العمد على النفس أو الطرف المعصومين مع التكافى بين الجاني و للمجنى عليه بان لا يكون الجاني حين الجناية أشرف من المجني عليه في الدين و العقل و الحرية و مع إمكان الاستيفاء من الجاني مثل ما اعتدى على المجني عليه بلا زيادة توجب بالأصالة القصاص لا غير على المشهور لقوله تعالى أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ. و قوله سبحانه فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ. و قوله عز و جل وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا. و قوله عز من قائل كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ. و قيل تخييرا لولي الجناية بينه و بين الدية لظاهر بعض الاخبار و قوله سبحانه وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً. و هما ممنوعان و لأن الولي إذا رضي بالدية (1)و أمكن الجاني دفعها وجب محافظته على النفس فلو هرب جان للولي أن يأخذها من ماله و يقضى له بها كما يقضى على كل غائب في ماله و ليس له الامتناع عنها مع القدرة و الاقتصار على عرض القصاص لو كان حاضرا بل مقتضى التعليل وجوب بذل ما يرضى به الولي و ان زاد على الدية المقدرة أضعافا مضاعفة و حيث يثبت القصاص عينا أو تخييرا فلا مخلص عنه الا ان يصطلحا على ما يتراضيان به من الدية المقدرة أو ما زاد أو نقص أو يعفو الولي عنه فيسقط حقه رأسا على المشهور و له المطالبة بالدية على الأخير الا ان يعفو عنهما جميعا أو يكون الجاني أبا للمجنى عليه فلا يقتص له منه كما لا يقطع لسرقة ماله و لا يحد لقذفه و ربما يلحق به الجد، دون الام قولا واحدا و لو قتل الرجل زوجته ففي ثبوت القصاص لولدها منه قولان أو يكونا كافرين و أسلم الجاني فإنه لا يقتص منه حينئذ و تلزمه الدية ان كان المجني عليه ذا دية و لو قطع المسلم يد مثله فسرت مرتدا سقط القصاص في النفس و في القصاص في الطرف قولان و اختار المصنف


1) روى ان القصاص كان في شرع موسى و الدية حتما كان في شرع عيسى فجاءت الحنيفة السمحة بتسويغ الأمرين. عوالي م

الثبوت و لا قصاص مع عدم اجتماع الشروط المذكورة فلا يقتص من الصبي و لا المجنون و لا النائم و انما توجب جنايتهم الدية لأن عمدهم بمنزله الخطاء كما سيأتي و الاخبار الدالة على الاقتصاص ممن بلغ عشرا أو ثماني سنين أو خمسه (الكافي- التهذيب) أشبار متروكة عند الأكثر لضعفها و معارضتها بأقوى منها و في ثبوته على السكران قولان كما تقدم نظيره و الأشهر الثبوت و يقوى إذا كان السبب باختياره و روى (الكافي- التهذيب) في الأعمى ايضا ان عمده خطا و المشهور انه كالمبصر استضعافا للرواية و لا من المسلم لمن أباح الشارع قتله كالزاني و اللائط لانتفاء العصمة و ان أثم الجاني ان بادر اليه بدون اذن الحاكم بخلاف من وجب عليه القصاص إذا جنى عليه غير الولي لأنه معصوم بالنسبة اليه و لا للكافر ذميا أو حربيا أو مرتدا لانتفاء التكافؤ في الدين و يقتص من الذي للمرتد لأنه ان كان مليا فاسلامه مقبول و هو محترم به و الا فقتله للمسلمين دون غيرهم و في العكس قولان مبنيان على ان أيهما أسوأ حالا و اختار المصنف الثبوت لان الكفر كالملة الواحدة و لا من العاقل للمجنون بلا خلاف لما رواه المحمدون الثلاثة (1)في الصحيح عن ابى بصير قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قتل رجلا مجنونا قال ان كان المجنون اراده فدفعه عن نفسه فقتله فلا شي‌ء عليه من قود و لا دية و تعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين قال و ان كان قتله من غير ان يكون المجنون اراده فلا قود لمن لا يقاد منه و ارى ان على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون و يستغفر اللّٰه و يتوب اليه. و قريب منه (الكافي- التهذيب) روايته ابى الورد و لا من الحر للملوك بالكتاب و السنة و الإجماع و في الاكتفاء بالتكافؤ في الدين و العقل و الحرية دلالة على الاقتصاص من البالغ لغيره كما هو المشهور خلافا لمن الحقه بالمجنون لاشتراكهما في نقصان العقل و له الصحيح المذكور فان من من، أدوات العموم فيصح جعله موضوعا للكبرى و اما الصغرى فثابته بالإجماع كما تقدم و يأتي و لا مع تعذر الاستيفاء بالمثل سواء كان لفقدان المثل كما لو جنى الأكمه على عين أو الأجدع على أنف لكن إذا قطع يمين رجل (2)و مثلها من أخر فالمروي (الكافي- تف- التهذيب) انه تقطع


1) رواه الصدوق في علل الشرائع أيضا- م

2) روى المحمدون الثلاثة في الصحيح عن حبيب السجستاني قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين فقال عليه السلام يقطع يمينه للرجل الذي قطع يمينه أولا و يقطع يساره للذي قطع يمينه آخرا لأنه إنما قطع يدا لرجل الأخير و يمينه قصاص للرجل الأول قال فقلت ان عليا عليه السلام انما كان يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى فقال انما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق اللّه فاما حقوق الناس فإنه يؤخذ لهم حقوقهم في القصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد و الرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد قلت أو ما يجب عليه الدية و يترك له رجله فقال انما تجب الدية إذا قطع يد رجل و ليس للقاطع يدان و لا رجلان فثم يجب عليه الدية لأنه ليس له جارحة يقاص منها- م

يمينه بالأول و يساره بالثاني لصدق المماثلة في الجملة حيث تعذرت من كل وجه اما لو قطع يد ثالث فالذي اختاره في المفاتيح ثبوت الدية لفوات المحل و قال آخرون تقطع رجله كما صرح به في الرواية أو لتعذر استيفائه إلا بزيادة مرعية متيقنة كما في اقتصاص ذكر الفحل بذكر العنين و اليد الصحيحة بالشلاء دون العين الصحيحة بالعمشاء و الرجل المستقيمة بالعرجاء أو محتمله كما في كسر العظام و كل ما فيه تعزير بالنفس كالجائفة و المأمومة و قيل يجوز الاقتصار على ما دون الجناية من الشجة التي لا تعزير فيها و أخذ التفاوت بينها و بين ما استوفاه فيقتص من الهاشمة بالموضحة و يأخذ المجني عليه ما بين الديتين و على هذا القياس جمعا بين الحقين و كلما ثبتت الدية في العمد فإنما تجب في مال الجاني و كذا الشبيه به انما يوجب الدية عينا في مال الجاني أيضا و ان تعذر الاستيفاء منه فيهما بموت أو هرب فالأكثر و منهم المصنف بل قيل انه إجماع على انه يؤخذ من الأقرب إليه ممن يرث دينه فان لم يكن فمن بيت المال لموثقة (الكافي- تف- التهذيب) ابى بصير عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام في رجل قتل رجلا عمدا ثم هرب فلم يقدر عليه قال ان كان له مال أخذت الدية من ماله و الا أخذت من الأقرب فالأقرب و لا يطل دم أمراء مسلم. و مثلها صحيحة ابن (التهذيب) ابى نصر عن ابى جعفر عليه السلام و الروايتان أخص من المدعى و قيل لا دية في العمد مطلقا و لا في الشبيه به من مال قريبه و الوجه الاقتصار على مدلول الخبرين و الخطأ المحض ان ثبت بإقرار الجاني أوجب الدية في ماله مطلقا و كذا ان ثبت بالبينة في الذمي و في العبد يتعلق برقبته على المشهور اما في الحر المسلم فيوجب الدية في مال عاقلته ابتداء على الأظهر كما في المفاتيح و هم العصبة و المعتق و ضامن الجريرة و الامام و الدية تسمى عقلا لأنها تعقل لسان الولي و العقل ايضا المنع و قد كانت العشيرة في الجاهلية تمنع عن الجاني بالسيف ثم منعت عنه في الإسلام بالمال و ضابط العصبة من يتقرب بأبيه من الذكور كالاخوة و الأعمام و أولادهم على المشهور

و قيل من يرث دية القاتل لو قتل و قيل من يرثه بالفرض خاصة و مع فقده يشترك في العقل من يتقرب بالأم مع من يتقرب بالأب أثلاثا و اختلف أيضا في دخول الآباء و الأولاد و المشهور العدم اما الصبي و المجنون و المرأة و الفقير عند حلول الأجل فلا و كذا أهل البلد و أهل الديوان عندنا قولا واحدا و روى المحمدون الثلاثة عن سلمة بن كهيل قال اتى أمير المؤمنين عليه السلام برجل قد قتل رجلا خطاء فقال له أمير المؤمنين عليه السلام من عشيرتك فقال ما لي بهذا البلد عشيرة و لا قرابة قال فقال فمن اى البلد ان أنت قال انا رجل من أهل الموصل ولدت بها و لي بها قرابته و أهل بيت قال فسال عنه أمير المؤمنين عليه السلام فلم يجد له بالكوفة قرابة و لا عشيرة قال فكتب الى عامله على الموصل اما بعد فان فلان بن فلان و حليته كذا و كذا قد قتل رجلا من المسلمين خطا و ذكر انه رجل من أهل الموصل و ان له بها قرابة و أهل بيت و قد بعثت به إليك مع رسولي فلان بن فلان و حليته كذا و كذا فإذا ورد عليك إنشاء اللّٰه و قرأت كتابي فافحص عن امره و سل عن قرابته من المسلمين فان كان من أهل الموصل ممن ولد بها و أصبت له قرابة من المسلمين فاجمعهم إليك ثم انظر فان كان رجل منهم يرثه له سهم في الكتاب لا يحجبه عن ميراثه أحد من قرابته فألزمه الدية و خذه بها نحو ما في ثلث سنين فان لم يكن له من قرابته أحد له سهم في الكتاب و كانوا قرابته سواء في النسب ففض الدية على قرابته من قبل أبيه و على قرابته من قبل امه من الرجال المدركين المسلمين ثم اجعل على قرابته من قبل أبيه ثلثي الدية و اجعل على قرابته من قبل امه ثلث الدية و ان لم يكن له قرابة من قبل امه ففض الدية على قرابته من قبل أبيه من الرجال المدركين المسلمين ثم خذهم بها و استأدهم الدية في ثلث سنين و ان لم يكن له قرابة من قبل أبيه و لا قرابة من قبل امه ففض الدية على أهل الموصل ممن ولد بها و نشأ و لا تدخلن فيهم غيرهم من أهل البلدان ثم استاد ذلك منهم في ثلث سنين في كل سنه نجما حتى تستوفيه إنشاء اللّٰه و ان لم يكن لفلان بن فلان قرابة من أهل الموصل و لم يكن من أهلها و كان مبطلا فرده الى مع رسولي فلان بن فلان إنشاء اللّٰه فانا وليه و المؤدى عنه و لا يطل دم امرء مسلم. انتهى و يقسطها الحاكم على ما يراه بحسب أحوال العاقلة و قيل يؤخذ من الغنى عشرة قراريط و من غيره خمسة قراريط و هل يجمع بين القريب و البعيد أم يرتب في التوزيع الا مع عجز الأقرب عن الإتمام قولان و مع فقد العصبة فالمعتق ثم ضامن الجريرة و هو يعقل و لا يعقل عنه الا مع دوران الضمان و مع فقده يؤديه الإمام من بيت المال و قيل بل تؤخذ حينئذ من الجاني فان لم يكن له مال فمن الامام

و عمد الصبي و المجنون خطا يوجب الدية على عاقلتهما إجماعا لرفع القلم عنهما و كذا النائم إذا جنى بحركته و انقلابه على المشهور لعدم قصده الى الفعل و لا الجناية خلافا لمن جعله شبيه عمد جعلا له من الأسباب و روى (الكافي- الفقيه- التهذيب) في الظئر إذا قتلت صبيا بانقلابها عليه في النوم ان عليها الدية في مالها ان ظارت طلبا للغر و الفخر و على عاقلتها ان ظارت من الفقر. و قد عمل بها المحقق و غيره و تثبت الجناية ب أحد أمور ثلثه أما شهادة عدلين لا شاهد و يمين و لا شاهد و امرأتين في الموجبة للقصاص و قيل بل تجب به الدية جمعا بين ما دل على عدم الثبوت بذلك مطلقا و ما دل على الثبوت به و اما الموجبة للدية فتثبت به بلا خلاف كما في المفاتيح و لو كذبهما المشهود عليه لم يسمع كما في غيره اما لو ادعى الموت بغير الجناية المشهود عليها من غير تكذيب لهما سمع مع إمكانه و يمينه و لو تعارضت البينتان على اثنين فالمشهور ثبوت الدية بينهما و ان كان عمد الثبوت القتل من أحدهما و عدم تعين الجاني ليقاد منه و قيده المصنف و غيره بما إذا لم يدع الولي على أحدهما فيتعين للقود أو الدية لقيام البينة بالدعوى و تهدر الأخرى و منهم من خير الولي و لا فرق في الثبوت بالبينة بين ما إذا كان المشهود عليه حرا أو عبدا أو إقرار الحر دون العبد فلا يلزم به قبل العتق و لو مرة واحدة على المشهور و قيل مرتين و لو أقر اثنان على البدلية قيل يتخير الولي في تصديق أيهما شاء لان كل واحد سبب مستقل و لا يمكن الجمع و ليس له على الآخر سبيل و استدل لهم برواية المحمدين الثلاثة عن الحسن بن صالح قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل وجد مقتولا فجاء رجلان الى وليه فقال أحدهما أنا قتلته عمدا و قال الآخر أنا قتلته خطأ فقال ان أخذ بقول صاحب العمد فليس له على صاحب الخطاء سبيل و ان أخذ بقول صاحب الخطاء فليس له على صاحب العمد سبيل. و هي أخص من المدعى و لا دلالة فيها على التخيير و لو رجع الأول فالمروي في قضية الحسن بن على عليهما السلام سقوط الدعوى عنهما جميعا و ثبوت الدية في بيت المال (1)و لو تعارض البينة و الإقرار و ابرا المقر المشهود عليه


1) روى ذلك المحمدون الثلاثة انه اتى أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في خربة و بيده سكين متلطخ بالدم و إذا رجل مذبوح متشحط في دمه فقال له أمير المؤمنين ما تقول قال يا أمير المؤمنين أنا قتلته فقال اذهبوا به فأقيدوه فلما ذهبوا به ليقتلوه اقبل رجل مسرعا فقال لا تعجلوا و ردوه الى أمير المؤمنين فردوه فقال و اللّه يا أمير المؤمنين ما هذا قتل صاحبه انا قتلته فقال أمير المؤمنين للأول ما حملك على إقرارك على نفسك فقال يا أمير المؤمنين و ما كنت أستطيع أن أقول و قد شهد على أمثال هؤلاء الرجال و أخذوني و بيدي سكين ملطخ بالدم و الرجل متشحط في دمه و انا قائم عليه و خفت فأقررت و انا رجل قصاب كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة فأخذني البول فدخلت الخربة فوجدت الرجل يتشحط في دمه فقمت متعجبا فدخل على هؤلاء فأخذوني فقال أمير المؤمنين عليه السلام خذوا هذين فاذهبوا بهما الى الحسن و قولوا له ما الحكم فيهما فذهبوا الى الحسن فقصوا عليه قصتهما فقال الحسن ان كان هذا ذبح ذلك فقد أحيا هذا و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا فخلى عنهما و اخرج دية المذبوح من بيت المال. منه رضى اللّه عنه.

فإن اختار الولي الدية كانت بينهما نصفين و الا فلا قصاص من المشهود عليه الا برد نصف ديته فان اقتص منه خاصة فمن المقر أو منهما فمنه خاصة أو من المقر فلا رد و الفرق ان المشهود عليه لم يبرئ المقر بخلافه فيلزمه حكم إقراره كذا في صحيحة (الكافي التهذيب) زرارة عن ابى جعفر عليه السلام و منهم من اقتصر على التخيير و منع من الاقتصاص منهما جميعا كما في تعارض الإقرارين و قواه المصنف في المفاتيح و القيد المتقدم مما لا ينبغي إغفاله فيهما أو القسامة بفتح القاف و هي الايمان تقسم على أولياء الدم كما قاله الجوهري و صورتها ان تقع جناية و لا يعرف الجاني و لا تقوم عليه بينه و يدعى الولي على واحد أو جماعة فيحلف على ما يدعيه و هي على خلاف الأصل من توجيه اليمين على المدعى و انما تشرع مع اللوث اى اقتران الواقعة ب ما يغلب معه الظن بصدقه كما لو وجد قتيل في قبيله أو حصن أو قرية صغيره أو محله منفصلة عن البلد الكبير و بينه و بين أهلها عداوة ظاهرة و كما لو تفرق جماعة عن قتيل في دار كان قد دخلها عليهم ضيفا أو في حاجة و كما لو وجد قتيل و عنده رجل معه سلاح متلوث بالدم و لو كان بقربه سبع أو رجل آخر مول ظهره لم يوجب ذلك اللوث في حقه ان أمكن الاستناد إليهما و كما إذا شهد عليه عدل واحد أو عدلان أحدهما بالإقرار و الآخر بالمشاهدة أو نسوة اما الصبيان و الفساق و أهل الذمة فالمشهور عدم حصول اللوث بأخبارهم و استحسن المصنف و غيره حصوله مع حصول الظن به و في قبول قسامة الكافر على المؤمن قولان و هي في النفس خمسون يمينا في العمد بلا خلاف و خمسه و عشرون يمينا في الآخرين الخطأ المحض و الشبيه بالعمد لصحيحة (الكافي- التهذيب) عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال القسامة خمسون رجلا في العمد و في الخطأ خمسه و عشرون رجلا و عليهم ان يحلفوا باللّٰه. و حسنه يونس عن الرضا عليه السلام ان أمير المؤمنين جعل القسامة في القتل خمسين رجلا و جعل في النفس على الخطاء

خمسه و عشرين رجلا. و قيل خمسون مطلقا لإطلاق قضية الأنصاري التي هي الأصل في الباب و هي حكاية حال لا عموم فيها و يبدئ أولا من الوارث المدعى و قومه فان بلغوا العدد و حلفوا و الا كررت عليهم حتى يكمل النصاب و لو لم يكن له قوم أو امتنعوا كلا أو بعضا حلف وحده أو هو و من وافقه منهم العدد و اما في الأطراف فالمشهور خمسون يمينا فيما فيه الدية و بنسبتها منه فيما دون ذلك خلافا للشيخ فست ايمان فيما فيه الدية و بحساب ذلك فيما دونه لرواية (الكافي- التهذيب) استضعفها المشهور. و إذا اجتمع المباشر و السبب ضمن المباشر في الأكثر كالذابح مع الممسك أو الأمر و ان كان مكرها إذ لا إكراه في القتل عندنا لانه دفع ضرر بمثله ف يقاد من الذابح إجماعا و يحبس الممسك و الأمر مخلدا ففي الصحيح (الكافي) عن الحلبي عن ابى عبد اللّٰه ع في رجلين أمسك أحدهما و قتل الآخر قال يقتل القاتل و يحبس الآخر حتى يموت غما كما كان حبسه عليه حتى مات غما و فيه (الكافي التهذيب) عن زرارة عن ابى جعفر (ع) في رجل أمر رجلا بقتل رجل فقال يقتل الذي قتله و يحبس الأمر بقتله في السجن حتى يموت و في (الفقيه تفيب) بعض الروايات ان أمير المؤمنين عليه السلام قال في رجل أمر عبده ان يقتل رجلا فقتله هل عبد الرجل الا كسيفه يقتل السيد و يستودع العبد السجن. و حملت على من يعتاد ذلك لأنه مفسدة و هو كما ترى و قد يرجح السبب على المباشر كما لو جهل المباشر حال السبب فيضعف بالغرور كقتل الحداد بشاهد الزور و آكل الطعام المسموم مع الجهل بالسم أو أكرهه فيما دون النفس كان يقول له اقطع يد هذا و الا قتلتك أو فرط في ضبط دابته الصائلة فجنت و يقاد للمرأة من الرجل في الأطراف مثلا بمثل لتساوى ديتهما ما لم تبلغ ثلث دية الحر على المشهور فترجع إذا بلغته الى النصف ففي الصحيح عن (الكافي الفقيه التهذيب) جميل بن دراج و عبد الرحمن بن ابى نجران قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن المرأة بينها و بين الرجل قصاص قال نعم في الجراحات حتى تبلغ الثلث سواء فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل و سفلت المرأة. و في معناه روايات كثيرة كلها ناعية على القياس فيقتص لها منه في الثلث فما زاد و يرد عليه الفاضل كما في غيره من مواضع التفاضل و قيل بل تعاقله في الثلث فما دون و يرد عليه الفاضل فيما زاد لصحيحة (الكافي التهذيب) الحلبي قال سئل أبو عبد اللّٰه عليه السلام عن جراحات الرجال و النساء في الديات و القصاص سواء فقال الرجال و النساء في القصاص السن بالسن و الشجة بالشجة و الإصبع بالإصبع سواء حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية فإذا جازت الثلث صيرت الرجال في الجراحات ثلثي الدية و دية النساء ثلث

الدية. و موثقة (الكافي التهذيب) ابن ابى يعفور قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل قطع إصبع امرأة قال يقطع إصبعه حتى ينتهي إلى ثلث المرأة فإذا جاز الثلث أضعف الرجل.

و غيرهما من النصوص الصريحة فلو قطع أربعا من أصابعها لم يقطع منه الأربع إلا بعد رد دية إصبعين و لو أخذت منه الدية لم يؤخذ أكثر من عشرين بعيرا دية إصبعين كما وقع التصريح به في رواية أبان الاتية و هل لها القصاص في إصبعين من دون رد اشكال و يقوى لو طلبت القصاص في ثلاث و العفو عن الرابعة و لو كانت الجناية بأن يد من ضربة ثبت لها دية الأربع أو القصاص في الجميع من غير رد إذ كلما جنى عليها جناية ثبت لها حكمها و لا دليل على سقوطه بلحوق جناية أخرى و الجناية الأخيرة انما هي قطع ما دون الأربع فلها حكمها و لا يسقط بسبق اخرى و يتخير الولي في نفس المسلم بين الاقتصاص من العبد إذا كان قاتلا له عمدا مع بقائه على الرق و كذا الذمي مع بقائه على الكفر و بين استرقاقهما سواء رضى مولى العبد أم لا على المشهور و قيل بل يتوقف استرقاقه على رضى المولى و هو محجوج بإطلاق الروايات و سواء كان المقتول عبدا مساويا للقاتل في القيمة أم متفاوتا مطلقا كما يقتضيه الإطلاق و صرح به بعضهم و قيل لا يقتل الكامل بالناقص الا بعد الرد فإن القيمة في المملوك بمنزلة الدية في غيره فان لم يرد كان له ان يسترق منه بقدر قيمه عبده كما لو جرح جرحا لا يحيط بقيمته و له مال الذمي سواء قتله أو استرقه و قيل لا يجوز أخذ ماله إلا إذا اختار استرقاقه و هو محجوج بحسنه (الكافي الفقيه- التهذيب) ضريس الكناسي عن ابى جعفر عليه السلام في نصراني قتل مسلما فلما أخذ أسلم قال اقتله به قيل فان لم يسلم قال يدفع الى أولياء المقتول هو و ماله و الحر المباشر لقتل المؤمن و من في حكمه حرا أو عبدا ان تعمد كفر وجوبا بالعتق الذي هو بمنزلة الإحياء كما تقدم و صيام شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكينا جمعا بين الخصال الثلث إجماعا و ان لا يكن عامدا بل خاطئا أحد الخطأين رتب على المشهور بينها من ماله الترتيب المذكور و القول بالتخيير شاذ و المذكور في صريح الكتاب خصلتان قال اللّٰه تعالى وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. إلى قوله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ. و يشترط في الرقبة الإسلام و المحتاط لا يجتزى بغير المؤمن و لا بغير البالغ فيه و ان اجتزئ به في غيره الحسنة معمر بن يحيى عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال سالته عن الرجل يظاهر من امرأته يجوز عتق المولود في الكفارة

فقال كل العتق يجوز فيه المولود إلا في كفارة القتل فان اللّٰه يقول فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعني بذلك مقرة قد بلغت الحنث. و مثله روى الحسين بن سعيد عن رجاله عنه عليه السلام و عمل به ابن الجنيد و ان كان المشهور خلافه و التتابع يحصل بالتجاوز عن النصف فالصائم شهرا و من الثاني و لو يوما متتابع إجماعا فيجوز له تفريق البواقي من غير اثم على المشهور و قيل يأثم و ان كان مجزيا فان ابتداء من أول الهلال اعتبر الشهر الهلالي و ان كان ناقصا أو من أثنائه فالأحوط إكمال كل منهما ثلثين و ان كان المشهور احتساب الثاني بالهلالي و إكمال الأول من الثالث و كل ما أفطر لمرض أو حيض أو إغماء بنى عند زواله و ان كان قبل تجاوز النصف و كذا السفر ان كان ضروريا و لم يعلم بعروضه عند الشروع و يتخير في الإطعام بين ان يسلم الى المستحق مدا من طعام على المشهور أو مدين على قول و بين ان يشبعه مرة على المشهور و مرتين غدوة و عشية على قول و لا بد من مراعاة العدد المقدر فلا يجزى لو اطعم ثلثين في يومين مثلا الا مع التعذر على المشهور و المملوك لا عتق عليه في كفارته و لا إطعام لأنه لا يقدر على شي‌ء بل يصوم شهرا واحدا متتابعا على النصف من الحر كما في غيره و روى تحقق التتابع فيه بخمسه عشر يوما كما هو المشهور و الدية لنفس المسلم الحر في العمد حيث يرجع إليها أحد أمور ستة أما مائة بعير من المان بفتح الميم و تشديد النون و هي ما دخل في السادسة و تسمى الثنايا أيضا أو مائتا بقرة يصدق عليها الاسم و قيل مسنة و هي الثنية الداخلة في الثالثة أو مائتا حله بضم الحاء على المشهور و قيل مائه مما يصدق عليه الاسم و قيل قيمه كل حله خمسه دنانير و لا مشاحة في العدد إذ الضابط ما يبلغ الف دينار و الحلة ثوبان بنص أهل اللغة إزار و رداء كما عول عليه أكثر أصحابنا و قيل ثلثه أثواب من برد اليمن بضم الباء قيل نوع من الثياب معروف و قيل ثوب مخطط أو كساء يلتحف به و قيل كساء اسود مربع تلبسه الاعراب و كانت تجلب إليهم من اليمن فأضيفت اليه أو ألف دينار من الدنانير الشرعية أو ألف شاة بإزاء كل جمل عشر شياه و ما ورد (الكافي الفقيه التهذيب) في بعض الاخبار ان مكان كل جمل عشرون شاة فأجود محامله للتقية أو عشرة الاف درهم و ما ورد باثني عشر الف يحتمل التقية أيضا و كل واحد من هذه الأصناف أصل في نفسه عندنا ليس بدلا عن غيره و لا مشروطا بعدمه و التخيير إلى الجاني في بذل ايها شاء من أهل أيها كان و في قبول القيمة السوقية قولان و اختار المصنف العدم و هل له التلفيق من جنسين منها فصاعدا بدون رضي الولي إشكال و قد كانت في صدر الإسلام في بلاد الشارع و ما والاها متقاربة في القيمة

و انما نشا التفاحش في الاختلاف بعد ذلك و تستأدى في سنة واحدة لا تؤخر عنها الا برضى المستحق و لا يعجل قبل تمامها على الوادي و دية النفس في كل من الخطاء الشبيه بالعمد و الخطأ المحض مائة بعير أيضا أو غيرها من المقدرات الخمسة المذكورة كما في العمد الا انها فيهما مخففة بشيئين أحدهما سن الإبل فإنهما فيهما دون المسان على التفصيل المأثور في الروايات و هي مختلفة في كل منهما و منه نشا الاختلاف بين الأصحاب و اجمعها روايتان إحديهما صحيحة في تفيب عبد اللّٰه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول قال أمير المؤمنين في الخطاء شبه العمد ان يقتل بالسوط أو بالعصا أو بالحجر ان دية ذلك تغلظ و هي مائة من الإبل منها أربعون خلفه بين ثنية إلى بازل عامها و ثلاثون حقه و ثلاثون بنت لبون و الخطاء يكون فيه ثلاثون حقه و ثلاثون بنت لبون و عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون ذكر و قيمه كل بعير مائه و عشرون درهما أو عشرة دنانير من الغنم قيمة كل ناب من الإبل عشرون شاة. رواها الصدوق و الشيخ و رواها ثقة الإسلام أيضا و عمل بها جماعة منهم المصنف في الجزئين و الخلفة بفتح الخاء و كسر اللام الحامل و بازل عامها ما فطرنا بها اى انشق ذلك في السنة التاسعة و ربما بزل في الثامنة و الحقه بكسر الحاء ما دخلت في الرابعة فاستحقت الفحل أو الركوب كما روى في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام و بنت اللبون بفتح اللام ما دخلت في الثالثة فصارت أمها لبونا اى ذات لبن لأنها حملت حملا آخر و وضعته و بنت المخاض بفتح الميم ما دخلت في الثانية فصارت أمها ماخضا اى حاملا و الأخرى (الكافي- التهذيب) رواية العلاء بن فضيل عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام انه قال في قتل الخطاء مائه من الإبل أو ألف من الغنم أو عشرة الاف درهم أو ألف دينار فان كانت لإبل فخمس و عشرون بنت مخاض و خمس و عشرون بنت لبون و خمس و عشرون حقه و خمس و عشرون جذعه و الدية المغلظة في الخطاء الذي يشبه العمد الذي يضرب بالحجر أو بالعصا الضربة و الضربتين لا يريد قتله فهي أثلاث ثلاث و ثلاثون حقه و ثلث و ثلاثون جذعه و اربع و ثلاثون خلفه كلها طروفة الفحل و ان كان الغنم فألف كبش و العمد هو القود أو رضى ولي المقتول. انتهى و الجذعة بفتح الجيم و الذال ما دخلت في الخامسة فإنها تجذع مقدم أسنانها اى تسقطه و الآخر الإمهال فإن المشهور ان الشبيه بالعامد يستأدى في سنتين كل سنه نصفا و قد اعترفوا فيه بعدم النص لكن ذكره المفيد و تبعه عليه الجماعة و قيل (1)ان كان موسرا فسنة و الا فسنتين و الخاطي


1) ابن حمزة

المحض أو عاقلته في ثلاث سنين كما في صحيحة (الكافي الفقيه التهذيب) ابى ولاد و كذا حديث الموصلي المتقدم و فيه في كل سنه نجما و دية الحر الذمي مطلقا ثمانمائة درهم على المشهور رواية و فتوى و في بعض (الكافي- التهذيب) الروايات (1)أنها كدية المسلم. و في بعضها أربعة الاف درهم لأنهم من أهل الكتاب. و في بعض (الفقيه- التهذيب) (2)ان دية اليهودي و النصراني كالمسلم و المجوسي ثمانمائة. و في حديث (التهذيب) سماعه عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام لو ان مسلما غضب على ذمي فأراد أن يقتله و يأخذ أرضه و يؤدى الى أهله ثمانمائة درهم إذا تكثر القتل في الذميين. و فيه إيماء الى ما يجمع به بينها من ان للحاكم ان يلزم المعتاد لقتلهم بما يراه من دية المسلم أو الأربعة الاف و لا دية لغير أهل الذمة من الكفار ذوي عهد كانوا أم أهل حرب كما في المفاتيح و كذا ولد الزنا عند بعضهم لانه ليس بمسلم و لا ذمي و قيل دية الذي و هو المروي (التهذيب) و المشهور أنها دية المسلم لدخوله تحت عموم المسلمين و دية العبد مطلقا قيمته ما لم تتجاوز دية الحر من أهل ملته فترد إليها مسلما أو ذميا لانه لا يتجاوز قيمة العبد دية الأحرار و كذا الأمة لا يتجاوز بها دية الحرة و الاخبار و الفتاوى متظافرة بذلك و منهم من استثنى من الاستثناء ما لو كان القاتل غاصبا فالقيمة تامة مؤاخذة له بأشق الأحوال كما في كل غصب و في القتل في الشهر الحرام و هي رجب و ذو القعدة و ذو الحجة و محرم دية و ثلث في الجميع تغليظا و كذا في الحرم كما في صحيحتي زرارة عن أبي (الكافي) جعفر و ابى (الكافي) عبد اللّٰه عليهما السلام و ظاهر بعضهم اختصاص ذلك بالعمد و في (الكافي) الروايات ما يأباه و روى (الكافي) ان الصوم في كفارتهما يتعين في الأشهر الحرام و اما الأطراف و المراد به هنا الأعضاء و القوى المعبر عنها بالمنافع فكل ما هو في الإنسان واحد خلقه طبيعية ففيه الدية كاملة عضوا كان كالأنف و اللسان و الذكر أو منفعة كالعقل و الشم و الذوق و القدرة على الانزال و كل ما هو اثنان ففيهما جميعا الدية و في كل واحدة النصف كالأذنين و الشفتين و العينين و اليدين و الرجلين و كضوء العينين و سمع الأذنين و هذا الكلية منصوصة في صحيحة (الفقيه- التهذيب) هشام بن سالم عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال كل ما كان في الإنسان اثنين ففيهما الدية و في أحدهما نصف الدية و ما كان واحدا ففيه الدية. و قد تشابه الأمر في بعض الأطراف فخصت بالبحث و هي عدة (ا) الشعر فالمشهور ان في شعر الرأس الدية ان لم يعد مطلقا و ان عاد ففي الذكر الأرش و في الأنثى مهر المثل ما لم


1) رواية أبان

2) رواية أبي بصير- م

يتحاوز ديتها فيرد إليها و في شعر اللحية الدية ان لم يعد و الأرش ان عاد و قيل ثلث الدية و في الأبعاض بالنسبة إلى الجميع بالمساحة و قيل ان لم تعد اللحية و شعر رأس الرجل فمائة دينار و في الحاجبين جميعا خمسمائة دينار مطلقا و في كل واحدة نصف ذلك و في البعض بالحساب و قيل بل فيهما الدية كاملة و قيل بل مع العود الأرش و مع عدمه مائة دينار و في رواية (الكافي- ه- التهذيب) ان أصيب الحاجب فذهب شعره كله فديته نصف دية العين مائتان و خمسون دينارا فما أصيب منه فعلى حساب ذلك. و اما الأهداب فقيل فيها الدية كاملة مع عدم النبات و قيل نصف الدية و قيل الأرش حاله الانفراد عن الجفن و السقوط حاله الاجتماع كشعر الساعدين و هو الذي اختاره في المفاتيح ثم قال و فيما عدا ذلك من الشعر الأرش و لو قيل بذلك في جميع الشعور لضعف المستند في المذكورات لكان حسنا (ب) قيل في الأجفان الدية كاملة و في كل واحدة ربعها و في اندراجها تحت القاعدة تكلف و المشهور ان في الأعلى ثلث دية العين و في الأسفل نصفها و يسقط السدس لرواية (الكافي- ه- التهذيب) ظريف بن ناصح عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام و قيل بل في الأعلى الأسفل الثلثان و في الثلث و استدل عليه في الخلاف بالإجماع و الاخبار و لم يثبتا و في الجناية على بعضها بالنسبة (الاحتجاج) في العين الصحيحة من الأعور الدية كاملة إذا لم يستحق دية الأخرى بأن يكون خلقيا أو بآفة غير مضمونه و ان استحق فالنصف بلا خلاف قاله في المفاتيح و استدل عليه بالأخبار المستفيضة (قرب الإسناد) مقتضى القاعدة ان في كل واحدة من المنخرين و الشفتين و الحلمتين و الخصيتين نصف الدية و المشهور في إحدى المنخرين الثلث تقسيطا للدية عليهما و على الحاجز و به روايتان و قيل في الشفة العليا الثلث و في السفلى الثلثان لكثرة منفعتها و قيل بل في العليا خمسا الدية و في السفلى ثلاثة أخماسها و قيل في العليا النصف و في السفلى الثلثان و الكل للروايات و المشهور انه لا فرق بين حلمتي الرجل و المرأة و استبعد بعضهم إيجاب الدية في الأول و الصدوق جعل فيهما منه ربع الدية لكل واحدة ثمنا و اما الخصيان فالمشهور فيهما اعمال القاعدة و قيل في اليسرى ثلثا الدية لأن الولد منها و قيل بل في اليمنى النصف و في اليسرى الدية كاملة لأن في فواتها فوات منفعة تامة و في انتفاخهما أربعمائة دينار فان فحج فلم يقدر على المشي فثمانمائة على المشهور فيهما للخبر و في رواية في كل فتق ثلث الدية و إهمال جميع ذلك من الإيجاز المخل و في الأسنان الثمانية و العشرين كلها الدية تامة و عند التبعيض توزع على

المقاديم و هي اثنتا عشرة سنا ثنيتان و رباعيتان و نابان من فوق و مثلها من تحت ستمائة دينار لكل منها خمسون و على المآخير و هي ستة عشر ضاحك و ثلثه أضراس في كل جانب من المقاديم أربعمائة لكل منها خمس و عشرون على المشهور فتوى و رواية و في صحيحة (الكافي- التهذيب) عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ان الأسنان كلها سواء في كل سن خمسمائة درهم. و يوافقها ما ورد من الطريقين ان في السن خمسا من الإبل. و على المشهور فما زاد على الثمانية و العشرين فهو بمنزلة الزائد فيه ثلث دية الأصلية لو قلع منفردا و قيل الأرش و كذا تثبت الدية كاملة (الكافي) مجموع أصابع كل من اليدين العشرة و الرجلين كذلك و في (1)كل إصبع من كل واحدة منهما عشر الدية مطلقا على المشهور و قيل بل في الإبهام ثلث دية اليد و في الأربع البواقي الثلثان لرواية ظريف و كل ما يكون من الأعضاء دية مقدرة ففي شلله مع بقاء عينه ثلثا ديته و في حكمه ما لو جنى على سنه البيضاء فاسودت كما في الصحيح (الكافي- الفقيه- التهذيب) و في قطعه بعد شلله ثلث ديته و في حكمه ذكر العنين على المشهور و روى الدية تامة. و اما الشجاج جمع شجه و هي الجناية في الرأس و الوجه و الجراح في سائر البدن فأقسامها ثمانية أو تسعة على اختلاف بين اللغويين و الفقهاء في عددها و في تفسيرها و نحن نعول على كلام المصنف طاب ثراه في المفاتيح ففي الشجة القاشرة للجلد قليلا نحو الخدش و تسمى الحارصة و الحرصة كالعرصة بإهمال الحروف و قد يقال الدامية ايضا بعير و في الدامية موضعها بالشق الاخذه في اللحم قليلا و قد يقال الباضعة بعيران و في التي تأخذ في اللحم كثيرا و تسمى المتلاحمة و قد يقال الباضعة أيضا ثلثه ابعر و في البالغة الى الجلدة الرقيقة المغشية على العظم أربعة ابعر و تسمى الشجة السمحاق و تلك الجلدة السمحاقة و في الخارقة لها الكاشفة عن وضح العظم اى بياضه و تسمى الموضحة من غير كسر له خمسه ابعر و في الكاسرة له و تسمى الهاشمة سواء جرحة أم لا عشرة ابعر أرباعا ان كان خطا بنتا مخاض و ابنا لبون و ثلث بنات لبون و ثلث حقق و أثلاثا ان كان شبيه عمد ثلاث بنات لبون و ثلث حقق و اربع خلف حوامل على نسبة ما يوزع في الدية الكاملة على الرواية المختارة عند المصنف و في المحوجة إلى نقله و تسمى المنقلة خمسة عشر بعيرا و قيل عشرون و هو شاذ و في البالغة أم الرأس من غير فتق لها و هي الخريطة التي تجمع الدماغ و تسمى المأمومة ثلث الدية


1) في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال أصابع اليدين و الرجلين سواء في الدية في كل إصبع عشر من الإبل و في الظفر خمسة دنانير- م

و قيل ثلاث و ثلاثون بعيرا بحذف الثلث و كذا يثبت الثلث من غير زيادة في الفانقة للخريطة الواصلة إلى جوف الدماغ و تسمى الدامغة و السلامة معها بعيدة و قيل يزاد فيها حكومة على المأمومة و هي من افراد مطلق الجائفة و هي الواصلة إلى الجوف من اى جهات البدن كانت و لو من ثغرة النحر فان فيها الثلث مع السلامة اتفاقا كما قيل و ديات هذه الشجاج كلها في الوجه و الرأس سواء و مثلها (الكافي) جراح البدن بنسبة دية العضو المجني عليه من دية الرأس ففي قاشرة اليد نصف بعير و فيها في إصبع واحدة عشره و هكذا و ما لا تقدير فيه من جنايات الأطراف ففيه الأرش و يسمى الحكومة أيضا و ذلك بان يقوم المجني عليه صحيحا عن الجناية تارة و معيبا بها اخرى بتقديره مملوكا و ينظر الى التفاوت بين القيمتين و يحتسب من الدية التي هي بمنزلة القيمة الصحيحة بحساب القيمة المعيبة فلو قوم صحيحا بمائة و معيبا بتسعين فالأرش عشر الدية أو بخمسين فنصفها و هكذا و المرأة الحرة مطلقا كالرجل في الجميع من ديات الأعضاء و الشجاج و الجراح حتى تبلغ ثلث ديته أو تتجاوزه على ما مر من الخلاف ثم تصير على النصف منه و قد تقدم فيه بعض الروايات و روى (الكافي- الفقيه- التهذيب) ابان بن تغلب في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال قلت له ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها قال عشر من الإبل قلت قطع اثنتين قال عشرون قلت قطع ثلاثا قال ثلاثون قلت قطع أربعا قال عشرون قلت سبحان اللّٰه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون ان هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممن قاله و نقول ان الذي جاء به شيطان فقال مهلا يا ابان هذا حكم رسول اللّٰه ان المرأة تعاقل الرجل الى ثلث الدية فإذا بلغت الثلث رجعت الى النصف يا أبان إنك أخذتني بالقياس و ان السنة إذا قيست محق الدين. و اما الجنين فان ولجته الروح فديته كاملة ذكرا كان أو أنثى و ان تعدد تعددت و الا فأقوال و روايات أشهرها أنها تاما مائه دينار و عظما ثمانون و مضغه ستون و علقه أربعون و نطفة عشرون و المشهور في الذمي التام ثمانون درهما عشر دية أبيه و في (التهذيب) رواية عشر دية امه. و المنصوص (التهذيب) في المملوك عشر قيمة امة المملوكة. و في رواية (الكافي- التهذيب) نصف عشر قيمتها إن ألقته ميتا و عشرها ان ألقته حيا. و دية الأعضاء و الجراحات بالنسبة و من أفزع مجامعا فعزل فالمروي المنقول عليه الإجماع ان على المفزع عشرة دنانير. و في إطلاقه إشكال و لو عزل اختيارا فلا دية

للأصل و جواز الفعل كما يأتي في النكاح و قيل بل يلزمه في الحرة مع عدم الإذن عشرة دنانير و في إطلاقه الاشكال و لو قتلت المرأة مع ولدها و لم يعلم كونه ذكرا أو أنثى فالمشهور نصف الديتين و في المفاتيح انه إذا فعل بالميت ما يوجب قتله لو كان حيا كقطع الرأس و شق البطن فديته مائة دينار دية الجنين قبل ولوج الروح بلا خلاف و في إطلاقه أيضا إشكال و المستفاد من الصحيح (الكافي- التهذيب) اختصاصه بالعامد دون الخاطي و انه يصرف عنه في وجوه القرب و لا يرث وارثه منه شيئا و في قطع جوارحه بحساب ديته و كذا في شجاجه و جراحه و في رواية (الفقيه- التهذيب) ان قطعت يمينه أو شي‌ء من جوارحه فعليه الأرش للإمام. و في إتلاف المال المضمون مع عدم بقاء المالية سواء كان بالمباشرة كأكل الطعام أو التسبيب كاطعامه الحيوان المثل ان أمكن بأن كان مثليا لا يتعذر تحصيله وقت الدعوى و ان لا يجتمع الوصفان فان كان قيميا فالقيمة السوقية يوم وضع اليد عليه كما في صحيحة أبي ولاد و يوم التلف عند جماعة و أعلى القيم بينهما عند اخرى و ان كان مثليا فالقيمة يوم الدفع و قيل يوم الإعواز و لو قدر بعد عزم القيمة على المثل لم يجب و المراد بالمثلي ما لا تتفاوت اجزاؤه تفاوتا معتدا به كالحبوب و الادهان و الذهب و الفضة الخالصين الغير المصوغين و بالقيمي ما عداه و لا فرق في عدم بقاء المالية بين بقاء العين و عدمه و معه يتعين رد العين مع الأرش كما لو غصب شاة و ذبحها فيجب ردها مذبوحة مع تفاوت قيمتيها و كذا الحكم لو تلفا و نقص أو حدث فيه عيب في يده لا بفعله كما لو غصب عبدا فمات أو أعمى أو أبق الا انها لا تعد جناية و لا يتداخل الأرش مع الأجرة ان نقص بالاستعمال و لو كان النقص في القيمة السوقية من دون تغير في العين لم يضمن بلا خلاف و الضمان حيث يحكم به يحصل بوضع اليد عليه بالاستقلال أو بالاشتراك بغير اذن المالك كما في الأمانات المالكية كالأعيان المستأجرة و المستودعة و المستعارة و الشارع كما في الأمانات الشرعية كاللقطة و أموال المولى عليهم أو مع التفريط فيه و هو ترك ما يجب فعله أو التعدي و هو فعل ما يجب تركه و لو كانا فيهما كما يأتي في محله قال المصنف في الحاشية و من التفريط تأخير الرد مع الإمكان فيما أخذه بإذن الشارع دون المالك كانتزاع المغصوب من الغاصب و أخذ الثوب المطار به الريح الى داره حسبة

[باب ذمائم القلب]

باب ذمائم القلب جمع ذميمة فعيل بمعنى المفعول و التاء للنقل كالسقيفة و القلب يطلق تارة على العضو اللحماني الصنوبري الشكل المودع في التجويف

الأيسر من الصدر و في جوفه دم اسود هو أول ما يتعين من اجزاء الجنين و تحل فيه الحياة و هو منبع الروح الحيواني و هو الذي يبحث عنه الأطباء و اخرى على اللطيفة الربانية المتعلقة بهذا البدن الجسماني و لها بالقلب اللحماني مزيد تعلق و قد تحيرت الأفهام في حقيقتها و كيفية تعلقها على أقوال استوفيناها مع ما يتعلق بها في المسائل الجبلية الاولى و هذه اللطيفة هي حقيقة الإنسان العاقلة العالمة المدركة الفاعلة التاركة المعنية غالبا في الكتاب و السنة حيثما أطلق لفظ القلب و ربما يعبر عنها بالنفس و الروح و العقل و كثيرا ما تطلق هذه الألفاظ على معاني أخر مفهومة بالقرائن و ذمائمه هي الأخلاق السيئة و قد ورد التشديد في أمرها كثيرا فعن النبي (الكافي) صلى اللّٰه عليه و آله ابى اللّٰه لصاحب الخلق السيئ بالتوبة قيل و كيف ذلك يا رسول اللّٰه قال انه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه. و عن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلام الخلق السيئى يفسد العمل و في رواية الايمان كما يفسد الخل العسل. و الخلق مثل قفل و عنق الملكة التي من شأنها أن يصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة الى مزيد روية سواء كانت طبيعية أو عادية فإن كانت الأفعال السهلة الصدور عنها جميلة شرعا و عقلا سمى الخلق حسنا أو قبيحة فسيئا و حيث ان الجمال المطلق هو الاستواء التام و الخلوص عن الزيادة و النقصان و الاعتدال الحقيقي و من ثم ورد ان اللّٰه جميل يحب الجمال. فالاخلاق الحسنة هي الملكات المتوسطة العادلة و بإزائها الأخلاق السيئة هي الملكات المائلة عن الوسط العدل الذي هو خير الأمور كما في الحديث المشهور و قد وقع الأمر به في قوله عز و جل إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ. و قد تقدم أول الكتاب قوله عليه السلام الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير و استقام. و ميلها عنه اما الى الإفراط كالشره بفتحين و هو غلبة الحرص بحيث لا يتقيد بناموس الشرع في القوة الشهوية مطلقا و يخص في الفرجية باسم التهتك و الفجور كما تقدم و التهور و هو التهجم من غير مبالاة (الكافي) القوة الغضبية و الجربزة بضم الجيم و سكون الراء و ضم الباء و فتح الزاي المعجمة و هو الاسترسال (الكافي) القوة العقلية لاستنباط الحيل و المكايد الى حد النكر أو الشيطنة أو الى التفريط كالخمود في مقابله الشره و الجبن في مقابلة التهور و البله الاختياري و هو قلة الالتفات في مغامض الأمور أو تركه فيها و هذه القوى الثلث هي مناشئ الأخلاق مطلقا و مغارسها

النابتة فيها و هي كثيرة منقسمة بكثرتها إلى الحسنة و السيئة كما عرفت و تنقسم أخرى إلى أصول هي أمهات لما عداها و فروع تنشعب و تتولد منها و أصول الأخلاق الحسنة تسمى منجيات و السيئة مهلكات و ربما يسمى جميع افراد القسمين بالاسمين و المقصود بيانه هنا هي الأخلاق السيئة ليتخلى عنها و بذلك تتبين الأخلاق الحسنة ليتحلى بها لأن الأشياء تستبان بأضدادها و المذكور منها جملة ثمانية و عشرون بعضها أصول و بعضها فروع كحب الدنيا الذي هو الأصل الأول و رأس كل خطيئة و في الحديث (الكافي) ما من عمل بعد معرفة اللّٰه و معرفة رسوله أفضل من بغض الدنيا و ان لذلك لشعبا كثيره و للمعاصي شعبا فأول ما عصى اللّٰه به الكبر معصية إبليس ثم الحرص معصية آدم ثم الحسد معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله ثم عد عليه السلام معاصي أخر ثم قال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا فقالت الأنبياء و العلماء بعد معرفة ذلك حب الدنيا رأس كل خطيئة و الدنيا دنياءان دنيا بلاغ و دنيا ملعونة و من شعبه الشح المطاع و هو الحرص مع البخل المعمول بمقتضاه في منع الحقوق يقال واد شحيح إذا كان لا يسيل ماؤه و عن (الكافي- الفقيه) الفضل بن قرة قال قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السلام تدري ما الشحيح قلت هو البخيل فقال الشح أشد من البخل ان البخيل يبخل بما في يده و الشحيح (1)يشح على ما في أيدي الناس و على ما في يده حتى لا يرى في أيدي الناس شيئا إلا تمنى ان يكون له بالحل و الحرام و لا يقنع بما رزقه اللّٰه و الوصف للاحتراز عن أصل الغريزة إذا كانت مخالفة بالمجاهدة و التكليف و هو نظير تقييد الحسد المذموم بما يتظاهر به و مثله القول في الهوى المتبع و قد عرفت تفسير الهوى فيما تقدم و الإعجاب بالنفس بحسب مزاياها كالعلم و العمل و الشرف و اليسار و غير ذلك مما يأتي في محله و في الحديث النبوي ثلث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه. و هذه الثلاثة معدودة من الأمهات بعد الأول و البواقي منشعبات منها اما ابتداء أو بوسط و ربما ينشعب واحد منها من أصلين أو أكثر مفردين أو بعد التركيب كالغضب و الحقد بكسر الحاء و فتحها و سكون القاف و فتحها و هو إمساك العداوة في القلب و الحسد و الكبر و الغرور و الرئاء و في حكمه السمعة و ربما يعبر عنها جميعا بالشوب و النفاق


1) رواه الصدوق في الخصال و غيره بعدة طرق و روى في تفسير الشح المطاع انه سوء الظن باللّه عز و جل

و هو التظاهر بالايمان مع خلو السر عنه و البخل و السرف و الحرص و الإصرار على الذنب و الكفران للنعمة و الأمن من مكر اللّٰه و الياس من روحه و قد يعبر عنه بالقنوط كما تقدم و الجحود لما لم يحط بعلمه و لما يأته تأويله و القسوة و الجهل الراسخ المانع من إشراق نور العقل على القلب و يقرب منه الحمق و هو البلادة المفرطة بسبب الاعراض عن المقدمات الواضحة الموصلة إلى المقاصد الصحيحة و الخرق بضم الخاء و سكون الراء و هو الخشونة و عدم التلطف و اللين و العجلة و هي التسرع و عدم التأمل في الأمور و الجزع و المكر و الحمية الجاهلية و الخلع بفتح الخاء و هو التسرع في الشهوات من غير تقيد بالعقل و الشرع كالدابة التي خلعت عذارها و هامت على وجهها و غير ذلك مما عده أبو عبد اللّٰه عليه السلام في حديث سماعه و الكاظم عليه السلام في وصية هشام من جنود الجهل المقابل للعقل و تطبيق كل من هذه الفروع على أصله مبين في تضاعيف الأبواب الاتية و التطهير عن كل منها انما يتأتى بتحصيل ضده المحمود كالعفة و الشجاعة و الحكمة بالمعنى الخاص المتقدم التي هي أوساط الستة الأول و تسمى الملكة الحاصلة من اجتماع هذه الملكات الثلاث بالعدالة من قولهم هذا عدل (1)ذاك اى مساو له فان العادل متساو شرهه و خموده و تهوره و جبنه و جربزته و بلهه بمعنى انه منفك عنها جميعا على حد واحد و نسبته إليها متساوية و من هنا اعتبر الملكة في رسم العدالة من اعتبرها و ان لم يرد بهذا اللفظ في الروايات و الزهد الرافع لحب الدنيا و الكرم الرافع للشح المطاع و البصيرة الرافعة ل لاخيرتين من الأمهات و الرضا و العفو و التسليم و التواضع و الأشباه التي هي بإزاء الخمسة الأول من المنشعبات واحد بواحد على الترتيب و الإخلاص الذي هو بإزاء الشوب و استواء السر و العلانية الذي هو بإزاء النفاق و لقد كان يمكن الاكتفاء عنه بما قبله و من ثم وقع مخطوطا عليه في بعض النسخ و السخاء الذي هو بإزاء البخل و السرف و هو دون الكرم و التوكل و التوبة و الشكر و الخوف و الرجاء و التصديق و الرأفة و العلم و الفهم و الرفق و التؤدة بضم التاء و فتح الهمزة و الدال بمعنى التثبت و التردي و الصبر و سلامة الصدر و الإنصاف و الحياء التي هي بإزاء بقية تلك الفروع و قد عدت جميعا في الحديثين المذكورين من جنود العقل و ذلك التحصيل لا يتأتى الا بان يتذكر آفات تلك الرذائل و هي ما يترتب عليها من المفاسد الدينية و الدنيوية اللازمة و المتعدية و ما ورد في الكتاب و السنة و آثار المقتدين


1) بكسر العين

من ذمها و النهى عنها و مدح أضدادها المحمودة و الأمر بها و تكلف النفس المقصود تطهيرها بالمجاهدة و الرياضة للتخلية عن كل واحد منها بالحمل على الطرف المقابل له فإن المعالجة انما هي بالضد و ذلك بالإلحاح في تمرينها بالافعال المناسبة للطرف المطلوب. المستجلبة له بالاعتياد فان الشره في الشهوة البطنيه و الفرجية مثلا إذا راض نفسه بالجوع و الصوم حتى اعتادهما زال عنها الشره و وقفت على حد الاعتدال المطلوب و كذا اليائس من رحمة اللّٰه بسبب غلبة الخوف عليه إذا أمعن في تتبع ما يشاهد من أثار الرحمة البالغة و ما ورد في الكتاب و السنة في سعتها و شمولها مما استراح اليه الآمنون خفت عنه دواعي الخوف و تحركت فيه دواعي الرجاء و كذا العكس و ذلك لان كل فعل يباشره الإنسان من عمل أو قول أو فكر أو ذكر يحصل منه أثر في نفسه و كلما تكرر ذلك الفعل قوى ذلك الأثر و ترسخ في النفس الى ان يصير ملكه يصدر عنها الأفعال بسهولة و من ثم قيل ان العادات طبائع ثانيه كالدابة الجموح إذا بولغ في رياضتها و تأديبها على خلاف ما هي عليه من الشراسة تغير خلقها و عادت سلسة منقادة فيما يطلب منها من الحركات و السكنات و هذا هو تهذيب الأخلاق المأمور به عقلا و سمعا و ليس من الأمور المستحيلة مطلقا كما زعمه بعض البطالين حسبانا منهم ان الطباع لا تتغير و استدل لهم أبو حامد في الأحياء و تبعه المصنف في المحجة و الحقائق بوجهين (ا) ان الخلق هو صورة الباطن كما ان الخلق هو صورة الظاهر فكما لا يقدر القصير ان يجعل نفسه طويلا و القبيح جميلا فكذلك الخلق الباطن (ب) ان حسن الخلق انما يحصل بقمع الغضب و الشهوة و هذا أمر ممتنع لأنها من مقتضيات الطبع لا ينفك عنهما الأدمي فالاشتغال به تضييع زمان بغير فائدة فإن المطلوب هو قطع التفات القلب الى الحظوظ العاجلة و هو محال و ربما يقرر الاستدلال لهم بوجه آخر و هو ان الأخلاق ملكات طبيعية و لا شي‌ء من الطبيعيات بممكنه التغيير اما الصغرى فمعلومة بما يشاهد من ان المزاج الصفراوي يغلب فيه الطيش و الغضب و الدموي الشهوة و الفرح و السوداوي البخل و الإمساك و البلغمي البله و سلامه الصدر و بعض الناس مجبولون على الجربزة و الدهاء مع قلة ممارستهم لمداق الأمور و بعضهم على البلادة و الحمق مع كثرة كدهم و ولوعهم في التحصيل و هكذا و اما الكبرى فبالضرورة فان الجسم الثقيل كالماء يميل بطبعه الى المركز و الخفيف كالهواء الى المحيط و لا مطمع للمعالج في صرفهما

الى العكس و مما يؤكد هذا الحسبان ما رواه القوم عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه و إذا سمعتم برجل زال عن خلقه فلا تصدقوه فإنه سيعود الى ما جبل عليه. و عنه صلى اللّٰه عليه و آله الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. و بإزاء هذا التفريط إفراط من ذهب الى انه لا شي‌ء من الأخلاق بطبيعي و ان الإنسان مجبول على فطرة ساذجة عن جميع الأخلاق و الملكات بالفعل صالحه لجميعها بالقوة ثم انه يختار ما يختار منها بيسر أو بعسر على وفق اقتضاء مزاجه الخاص فهي بأسرها أعراض صالحه للتغيير قابلة للإزالة و استدلوا ايضا بوجهين (ا) انه لولا ذلك لبطلت المواعظ و الوصايا و التأديبات و غيرها و لما قال النبي صلى اللّٰه عليه و آله حسنوا أخلاقكم. (ب) ما يشاهد من تبدل الأخلاق في حق الأشرار الملازمين لمجالسة الأخيار و الأحداث الذين يهتم بتأديبهم و تهذيبهم سيما المنقولين قبل ظهور قوة التمييز فيهم من بلدهم الى بلد آخر و ان كانوا متفاوتين في سرعة القبول و بطئه و كيف ينكر هذا في حق الأدمي و هو في الحيوانات العجم مما لا يكاد ينكر فان الحيوان الوحشي ربما يؤدب فيصير إنسيا و المحيط خيرا بما أشرنا إليه غير مرة من مبادي الأخلاق و معنى تهذيبها يتسهل عليه الوقوف على حقيقة الحق في الباب و تمييز القشر من اللباب و لنستانف البيان مختصرا فاعلم أن الأخلاق على تباينها و تقابلها تنقسم بحسب المبدأ الى قسمين طبيعية حاصلة بمقتضى الطبع من دون تعمل و اختيار و عادية حاصله بمقتضى العادات العارضة من تكرار ممارسة الحركات البدنية أو النفسية اما الأخلاق العادية فلا ريب في إمكان تغييرها لأنها مسببة عن العادات و هي أعراض قابله للزوال و زوال السبب ملزوم لزوال المسبب و ان كانت إفرادها متفاوتة في عسر التغيير و يسره بسبب كثرة الرسوخ في النفس و قلته ففائدة الاشتغال بتحسين الأخلاق فيها ظاهرة و اما الأخلاق الطبيعية فتنقسم الى نوعيه و هي ما يشترك فيه أبناء النوع في الجملة و شخصيته هي ما يختص بكل فرد بحسب اقتضاء مزاجه الخاص أما النوعية كالشهوة و الغضب فلا تمنع تعذر إزالتها لكن ليس المراد من تهذيبها إزالتها بالكلية كيف و الخمود و الجبن اللذان هما النقصان فيهما معدودان من الرذائل و لولاهما لاختل النظام و انقطع النوع بل المراد تطويعهما لحكم العقل و الشرع و جعلهما منقادين تحت أمرها و ذلك ليس بممتنع و اما الشخصية فالمعلوم باستقراء أحوال الناس انهم بحسب الجبلة الأولى فيها على أقسام قسم يوجد فيهم أخلاق

محمودة فاضله و هم قليلون و قسم يوجد فيهم أخلاق مذمومة و هم كثيرون و قسم لا يوجد فيهم شي‌ء منهما و انما يكتسبونها بعد التمييز بالعادات و هم الأكثرون و هؤلاء فاقدون للأخلاق الشخصية و انما أخلاقهم كلها عادية و قد عرفت فائدة تهذيب الأخلاق فيها و اما القسم الأول ففائدته فيهم تقوية الملكات المحمودة و زيادة الخير و اما المجبولون على الملكات المذمومة فلا ننازع في انه لا مطمع في إزالتها عنهم لكن لا نسلم انتفاء الفائدة في حقهم إذ لو لم تجاهد و تدافع أخلاقهم المذمومة تكون الأفعال الصادرة عنهم جارية بحسب اقتضائها فتتعاضد العادة و الطبيعية جميعا و تقوى الذميمة جدا بخلاف ما إذا جوهدت بالمخالفة و إجراء العادة على ما يضادها فإن العادة حينئذ تعاوق الطبيعة و تمانعها و ينتقص الشر فان الصفراوي الغضوب مثلا لو خلى و طبعه لتكرر منه الغضب لوجود المقتضى و فقد المانع كما هو المفروض فتصير الذميمة الطبيعية عادية و يعظم الخطب اما لو تأدب بالرياضة و التهذيب على خلاف مقتضى الطبع فان المانع يضعف أثر المقتضي فالفائدة في هذا القسم موجودة أيضا و هي تنقيص الشر و لو فرض أن أفراد النادرة من الذمائم الطبيعية الشديدة الرسوخ يتعذر الخلوص عن مقتضاها في بعض الأفراد النادرة من الناس لم يكن ذلك قادحا فيما يشتمل على مصلحة الأكثرين كما ان تعذر معالجة بعض الأمراض في بعض المرضى ليس قادحا في علم الطب و لا مقتضيا لبطلانه إذ يكفي في صحته إمكان معالجة بعض الأمراض في بعض المرضى و لا يتوقف على إمكان معالجة جميعها في جميعهم فان قلت فعلى هذا لا يحسن تكليف كل فرد من افراد الناس بتهذيب كل فرد من افراد الأخلاق إذ يحتمل كونه مما يتعذر تهذيبه قلت كل فرد من افراد الأخلاق لا قطع عليه بأنه مما يتعذر تهذيبه فهو في مرتبة الاحتمال و الافراد الغالبة ممكنة التهذيب فيقوى الحاقه بها فيحسن التكليف و بما قررناه ظهر لك حال أدلة الطرفين و هو من الأمر بين الأمرين و الرذائل يجر بعضها بعضا فان الشر في شهوة البطن مثلا يؤدى غالبا الى الشبق و تشتد الحاجة الى المال لتفويم المأكول و المنكوح و يحصل الحرص و البخل و الى الجاه لتحصيل المال و حفظه و يولد منه العجب و الكبر و الحقد و الحسد و الغضب و الغرور و الرئاء و النفاق و غير ذلك و كما ان جرائم الجوارح قلما يتفق ان يخرج شي‌ء منها الى الوجود الا مكشفا بأمثاله من الذنوب فان الزنا مثلا لا يكاد يقع غالبا الا مسبوقا بالنظر و المراودة و الملامسة و المضاجعة و التقبيل

و نحوها و كذلك شرب الخمر مشفوع غالبا بالرقص و الطرب و اللهو و الغناء و نحوها من اللوازم العادية كما ورد في حديث (الكافي- التهذيب) أمير المؤمنين عليه السلام انه إذا سكر هذي و إذا هذي افترى و لذلك يجلد حد المفتري. كذلك ذمائم القلب و كذا الفضائل كما روى في تفسير قوله تعالى إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ. من ان كل شكل (1)يدعو الى شكله و يصرف عن ضده. و لنأت بجملة وافية من أصول المطهرات إذا أتقنها الطالب علما و عملا كفى ما عداها إنشاء اللّٰه و ذلك في بضعة عشر بابا أولها

[باب الصبر]

باب الصبر و هو لغة الحبس و اصطلاحا ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى و هو من الخواص الإنسانية لا يتصور في البهائم لانحصار باعثها في باعث الهوى و لا في الملائكة لانحصاره فيها في باعث الدين و ليس في شي‌ء منهما قوتان متفاوتتان تغالب إحديهما الأخرى كما في الصورة الإنسانية التي هي مجمع الأضداد و أكبر حجة، للّٰه على العباد و كل واحدة من القوتين تصول على الأخرى و تجاهدها لتطردها و يخلو لها المحل أو تقهرها فتسخرها و تستخدمها في حوائجها فمن غلب فيه باعث الدين رقى إلى أعلى عليين اعنى ما فوق مرتبة الملائكة و من غلب فيه باعث الهوى انتكس أسفل سافلين اعنى ما دون مرتبة البهائم كما قال تعالى أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ. و تقوية باعث الدين في الاستمرار على مخالفة باعث الهوى هو الجهاد الأكبر الذي تكررت الإشارة إليه في الاخبار و الآثار كما يأتي و كلما كانت أقوى و أتم كانت ملكة الصبر أرسخ و اثبت و هو ضربان بدني و نفسي فالأول كالثبات على تحمل المشاق بالبدن اما بالفعل كتعاطى الأعمال الشاقة من العبادات أو غيرها و اما بالانفعال كاحتمال الضرب الشديد و المرض العظيم و المحمود منه ما وافق الشرع و الثاني يتشعب شعبا بحسب تشعب البواعث النفسانية و الجميع مندرج تحت الصبر الا ان لكل منها اسما يخصه ف الثبات المحمود على الفعل الشاق كالعبادة و الانفعال الشاق و هو المكروه بالطبع سواء كان بدنيا كما ذكر أو نفسيا كالمصيبة بالأولاد صبر مطلقا من دون قيد بحيث لا تتبادر الأذهان عند الإطلاق إلا اليه و الوجه اختصاص المطلق بالأخير و ضده فيه الجزع و الهلع و هو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت و لطم الوجه و شق الجيب و نحوها و حبس النفس عن مقتضى الشهوتين البطنيه و الفرجية عفة و ضده الشره و في الأخيرة خاصة التهتك و الفجور كما مر و حبسها في حالة الفقر عن


1) بكسر الشين

السؤال و إظهار الحاجة لغير أهلها تعفف و ضده الالحاف و في حالة الغنى عن الزهو و الطغيان و نحوهما من الذمائم التي تعرض الأغنياء غالبا ضبط النفس و ضده البطر بالتحريك و هو قلة احتمال النعمة و في حالة الحرب عن التفريط و الإفراط شجاعة و ضده في الأول الجبن و في الثاني التهور كما عرفت و في حالة ثوران الغيظ شوقا الى الانتقام بمقاساة المنافر و كظم الغيظ حلم و هو غير المقابل بالسفه في حديث الجنود و غيره و ضده الغضب أو الطيش و هو خفته و سرعته فان الحليم من لا يتسارع اليه الغضب دون من لا يغضب أصلا و في الحديث أعوذ باللّٰه من غضب الحليم. و المقابل بالغضب فيما مضى الرضا و ربما يسمى الصبر في النوائب و هي المصائب سعة الصدر و ضده و هو الجزع ضيقه و الضجر بفتحين يقال مكان ضجر ككتف اى ضيق و التبرم و هو الملال و ضبطها في إخفاء الأمر الذي حقه ان يكتم من أسرار الشريعة و أمانات المجالس و غير ها كتمان و ضده الإذاعة و هي الإفشاء و بوجه خاص النميمة و في مرافق المعيشة عن طلب فضول العيش زهد بمعنى أخص من المقابل بحب الدنيا و هو القناعة و عن إمساكها سخاء و ضده في الأول الحرص و في الثاني البخل و في المخاطبات عن إكثار الكلام صمت و ضده الهذر و في سائر الأمور عن الزيادة و النقصان قصد و ضده العدوان و من ثمة قيل العلم و الصبر أبو الفضائل فقد علمت فيما مضى ان كمال القوة النظرية بالعلم و كمال القوة العملية في شعبتيها الشهوية و الغضبية بالعفة و الشجاعة و أصول الفضائل منحصرة في هذه الثلاثة و ملكه الصبر من حيث تضمنها ضبط النفس عن الشهوات تشمل العفة و على المكروهات تشمل الشجاعة فإذا حصل العلم و الصبر نتج منهما سائر الفضائل فالعلم بمنزلة الأب لكونه المؤثر الأول و الصبر بمنزلة الأم لانطوائه عليها بالقوة القريبة و قد أمر اللّٰه سبحانه بالصبر و اثنى على الصابرين في نيف و سبعين موضعا من الكتاب فقال وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللّٰهَ مَعَ الصّٰابِرِينَ. و قال وَ بَشِّرِ الصّٰابِرِينَ الَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. و قال وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ. و قال أُولٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمٰا صَبَرُوا الى غير ذلك من الآيات و ورد في الحديث النبوي (الكافي) و أحاديث أهل البيت عليهم السلام بعدة طرق الصبر رأس الايمان و لا ايمان لمن لا صبر له. لما عرفت من انطوائه على خصاله كلها

و جدواه سهولة العبادة فإن الصبور كالمديون الموطن نفسه على إيفاء حق الغريم فإنه لا يشق عليه الأداء عند الاقتضاء و من ثم أمر اللّٰه سبحانه عباده بعد ما أمرهم بما أمرهم بالاستعانة بالصبر في غير موضع من القرآن فقال اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ و توفية الأجر بغير حساب كما قال إِنَّمٰا يُوَفَّى الصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ و يكتب له من الدرجات ما في حديث (الكافي) أمير المؤمنين عليه السلام قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله الصبر ثلثه صبر عند المصيبة و صبر على الطاعة و صبر عن المعصية فمن صبر على المعصية حتى يردها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض و من صبر على الطاعة كتب اللّٰه له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش و من صبر عن المعصية كتب اللّٰه له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش و حقه ان يكون خالصا للّه عز و جل كغيره من العبادات لا لحمية و رئاء و نحوهما و ان كانا من اللوازم و الظاهر ان قصد الحمية إذا كان طارئا و لم تكن جاهلية ليس بضائر في ترتب الثواب الموعود كما اختاره المصنف في طريان قصد التبرد في الوضوء إذا كان الباعث الأصلي هو التقرب كما يأتي و هذا من المشتركات بين أنواعه الثلاثة المعدودة في الرواية و يختص كل من الصبر على الطاعة و المصيبة بأمور تخص بالذكر اما الأول فإن النفس الامارة نافرة عن العبودية و من ثم تشق عليها العبادات اما بسبب الكسل كالصلاة أو البخل كالزكاة أو بهما جميعا كالحج فالعابد يحتاج الى الصبر عليها في ثلثه أحوال الأولى قبل العبادة و ذلك بان يثبت نفسه على الإخلاص و يصون النية في الطاعة عن شوائب الرئاء و دواعي الآفات و الثانية في أثناء الأداء و الاشتغال بالعبادة فيتحفظ عن الغفلة عن اللّٰه و التكاسل عن تكميل ادابها و سننها الى الفراغ و الثالثة بعد الفراغ منها و استحقاق الثواب الموعود إذ يحتاج حينئذ إلى ضبط النفس عن الإفشاء و التظاهر بها للسمعة و الرئاء و عن النظر إليها بعين العجب و غير ذلك من مبطلات العمل و محبطات الأجر و قد نهى اللّٰه عنها بقوله عز و جل وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ. و قوله سبحانه لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ.

و قوله وَ لٰا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. و مدح قوما بذلك حيث قال ثُمَّ لٰا يُتْبِعُونَ مٰا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لٰا أَذىً. و عن (الكافي) أبي جعفر عليه السلام الإبقاء على العمل أشد من العمل قيل و ما الإبقاء

على العمل قال يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة للّٰه وحده لا شريك له فكتبت له سرا ثم يذكرها فتمحى و تكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى و تكتب له رئاء و اما الثاني فإن المصائب على تكثر أنواعها ينظمها قسمان أحدهما ما هو من فعل الآدميين مثل قطع الطرف و قتل الولد و نحوهما مع تمكن المصاب من مكافأة الجاني بالاقتصاص و هذا ممكن المجازاة و الآخر ما كان من فعل اللّٰه تعالى مثل موت الأحباب و عروض الأمراض أو فعل غيره ممن لا يمكن مجازاته و يشترك القسمان في الصعوبة على النفس و كراهة الطبع لهما اضطرارا فليس المراد بالصبر فيهما ان لا يكون في نفس المصاب كراهية المصيبة فإن ذلك غير داخل تحت الاختيار بل الذي يكلف به للصابر ان يتجمل في المصيبة و يستعين باللّٰه في تعزيته و تثبيت نفسه كما حكاه اللّٰه عن يعقوب عليه السلام لما أصيب بذهاب ولده فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللّٰهُ الْمُسْتَعٰانُ. و ذلك يختلف باختلاف القسمين فالتجمل في ممكن المجازات بترك المكافاة و الاعراض عنها قولا و فعلا إفحاما للقوة الغضبية قال اللّٰه تعالى وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّٰابِرِينَ. و ينبغي تقييده بما إذا كان الفائت مما لا يستدرك كما مثلنا و هو المحكي في شأن النزول اما في مثل الأموال المغصوبة و نحوها مما يستدرك فائته فلا ضير في المكافاة بأخذ العين أو العوض ما لم يستلزم نقصا في المروة و في عبارة المتن ما لا يخفى و في غيره بترك الجزع كلطم الوجه و شق الجيب كما ذكر و ترك الشكاية الى غير اللّه كان يقول ابتليت بملم بما لم يبتل به أحد و أصابني ما لم يصب أحدا كما في الحديث قال و ليس الشكوى ان يقول سهرت البارحة و حممت اليوم و نحو هذا. و سئل أبو جعفر عليه السلام عن الصبر الجميل فقال ذاك صبر ليس فيه شكوى الى الناس. و كتمان المصيبة ففي الحديث النبوي من إجلال اللّٰه و معرفة حقه ان لا تشكو وجعك و لا تذكر مصيبتك و استمرار العادة من دون تغيير في اللباس و الطعام و الفراش و نحوها و هذه كلها أمور اختيارية يحسن التكليف بها اما الشكاية الى اللّه و سؤاله الرفع فيما يرجى رفعه كالامراض فحسن كما حكى اللّٰه عن يعقوب قوله إِنَّمٰا أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّٰهِ. و عن أيوب الممدوح بالصبر قوله أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطٰانُ بِنُصْبٍ وَ عَذٰابٍ. و قوله رب انى مسني الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرّٰاحِمِينَ. و نقل المصنف طاب ثراه في الحاشية عن بعض أهل المعرفة ان من سوء الأدب مع اللّٰه ان لا يسأل العبد دفع

البلاء عنه لان فيه رائحة من مقاومة القهر الإلهي بما يجده من الصبر و قوته قال بعضهم انما جوعنى لابكى فالعارف و ان وجد القوة الصبرية فليفر الى موطن الضعف و العبودية و حسن الأدب فان القوة للّٰه جميعا فيسأل ربه رفع البلاء عنه أو عصمته منه ان توهم وقوعه و هذا لا يناقض الرضا بالقضاء و يسأل اللّٰه في رفع المقضي عنه فيكون راضيا صابرا و انشد بعضهم. و يحسن إظهار التجلد للعدى. و يقبح الا العجز عند الأحبة. و في الفارسية.

در پيش حسود خود پسندى خوشتر و از عجز و فروتنى بلندى خوشتر

و انجا كه زند دوست سراپردۀ ناز بيچارگى و نيازمندى خوشتر

انتهى و اما مثل التألم القلبي و جريان الدمع من غير رفع صوت فلا يدخل تحت الاختيار و لا ينافيه لانه من مقتضيات الطبيعة البشرية و بكى يعقوب عليه السلام حتى ابيضت عيناه من الحزن و في الحديث انه دخل رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله على ابنه إبراهيم و هو يجود بنفسه فوضعه في حجره فقال له يا بني انى لا أملك لك من اللّٰه شيئا و ذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن بن عوف يا رسول اللّٰه تبكي اما نهيتنا عن البكاء فقال انما نهيت عن صوتين أحمقين صوت عند نغمة لعب و لهو و مزامير شيطان و صوت عند مصيبة خمش وجوه و شق جيوب و رنه شيطان و انما هذه رحمة من لا يرحم لا يرحم لولا انه أمر حق و وعد صدق و سبيل ميتاء (1)و ان أخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا و انا بك لمحزونون العين تدمع و القلب يحزن و لا نقول ما يسخط الرب. بل ذلك ليس بمناف لمقام الرضا الذي هو فوق الصبر فان المقدم على الفصد و الحجامة راض بهما و هو متألم بسببهما لا محالة كما يأتي و مما تقدم في حد الصبر و غيره ينكشف ان الصبر مما لا بد منه للمؤمن في جميع الأحوال و الأوقات لأن الهوي مركون في جبلة الإنسان باق ببقائه مستصحب له بامتداد زمن الحياة لا مخلص منه الا بالموت فعلى الحازم الموفق ان يتبادر بالموت الإرادي قبل الموت الطبيعي إلى مرتبة الفناء في اللّٰه كما ورد الأمر به في قوله صلى الهّٰ عليه و آله موتوا قبل ان تموتوا.

ليتخلص من غائلة الهوى و ذلك بإفحامها و التمرن على معصيتها و الإصرار على مراغمتها حتى


1) قال الزمخشري في الفائق الميتاء مفعال من الإتيان اى يأتيه الناس كثيرا و يسلكونه و نظيره دار محلال للتي تحل كثيرا أراد طريق الموت و عنه ان أبا ثعلبة استفتاه في اللقطة فقال ما وجدت في طريق ميتاء فعرفه سنه م

تضمحل و تتلاشى و تنقاد تحت حكم باعث الدين انقياد الميت في يد الغسال و من ثم قيل كمال الصبر ترك كل حركة مذمومة بدنية و نفسانية فان الحركات المذمومة انما تصدر عن الهوى و الميت لا حراك به و غاية هذا الكمال ترك جميع ما يشغل عنه تعالى و لو من المباحات التي ليست مذمومة في ظاهر الشريعة و الطريق إليه تقوية باعث الدين و تضعيف باعث الهوى بالمجاهدة و الرياضة و ذكر قلة قدر الشدة و قصر وقتها و إضرار الجزع من سقوط الوقار و ذهاب الهيبة و فوات الأجر المستحق بالصبر مع حصول وزر الجزع كل ذلك من غير فائدة و ورد ان أمير المؤمنين عليه السلام عزى مصابا فقال ان جزعت فحق الرحم قضيت و ان صبرت فحق اللّٰه أديت على انك ان صبرت جرى عليك القضاء و أنت مأجور و ان جزعت جرى عليك القضاء و أنت مأزور. و ان يكثر فكرته فيما ورد في فضل الصبر و في حسن عواقبه في الدنيا و الآخرة و ان يعلم ان ثواب الصبر على مصيبته أكثر مما فات و انه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة الدنيا و حصل له ما يبقى بعد موته أبد الآبدين و من أسلم خسيسا في نفيس فلا ينبغي ان يحزن لفوات الخسيس في الحال و ان يعود هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا حتى يدرك لذة الظفر به فيستجرئ عليه و يقوى منته في مصارعته فان الاعتياد و الممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال كما مر و من عود نفسه مخالفه الهوى غلبه مهما أراد ثم ان الثبات في المصيبة تختلف أسماؤه باختلاف أحوال المصاب في الاحتمال ف ان كان مبتدئا في الرياضة لا يحتملها الا بتعب قوى فتصبر و ان كان مستكملا في الجملة محتملا لها بيسير تعب فصبر و ان كان مترقيا عن مقام الصبر ذا جهد لاحتمالها من غير تعب أصلا و الجهد بفتح الجيم و ضمها الطاقة فرضي كما يحكى عن سهل التستري انه كان يطب المرضى و هو مريض فقيل له لم لا تعالج نفسك فقال يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع و ان كان محتملا لها بتلذذ و استطابة فشكر فان الشكور يتنعم بالمصيبة لما يرجوه بسببها من تكفير الخطيئة و ادخار المثوبة كما يحكى عن رابعة العدوية انها عثرت فانقطع ظفرها و سال الدم فضحكت فقيل لها اما تحسين بالألم فقالت إن حلاوة ثوابها أدهشتني عن مرارة ألمها و يعزى الى على بن الحسين عليهما السلام. (1)

نحن بنو المصطفى ذوو محن يجرعها في الحياة كاظمنا

قديمة في الزمان محنتنا أولنا مبتلى و أخرنا

يفرح هذا الورى بعيدهم. و نحن أعيادنا مآتمنا. و قيل (2)

اى خاك در تو خونبهاى دل من پرخون ز غم تو كربلاى دل من

رنج تو بود راحت جان خار تو گل درد تو بوده شفا براى دل من

بالفارسية

تهنيت جز در مصيبت پيش ما عيب است عيب عيد را در شهر ما رسم مبارك باد نيست


1) اوله.

2) و قريب من هذا قول الشارح عفى اللّٰه عنه

و في الحديث ان رسول اللّٰه صلى اللّه عليه و آله أخبر أمير المؤمنين عليه السلام بشهادته و انه تخضب هذه من هذه ثم قال له فكيف صبرك يا على فقال ذاك مقام الشكر لا مقام الصبر. و انه لما أصيب على رأسه أهل فرحا فزت و رب الكعبة. و علم مما ذكر ان مقام الرضا فوق مقام الصبر و مقام الشكر فوقهما و في ذلك يقول القائل.

و فوق مقام الصبر للمتصبر مقام الرضا فالشكر للمتبصر

و من الصريح في الأول قوله صلى اللّٰه عليه و آله أعبد اللّٰه على الرضا فان لم تسطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير. و هو انما ينال بالغيبة عن حظوظ النفس بالموت الإرادي و الفناء في اللّٰه كما ذكر و الشهود معه تعالى و هو البقاء باللّٰه و الحياة الطيبة الموعودة في قوله عز و جل فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً. و يلزمه عدم التمييز بين الألم و اللذة الحسيين لاستهتار القلب به تعالى الموجب لانقطاع الالتفات الى ما سواه من المنافر و الملائم و ليس ذلك بمستنكر فان القلب إذا اقبل الى شي‌ء انصرف عن غيره و كلما كان تعلقه بما أقبل إليه أقوى كان إعراضه عما عداه أكثر و ينبه عليه قوله تعالى مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. و المشغوف بمغالبة العدو في الحرب ربما تصيبه الجراحات الهائلة و هو لا يشعر بها و لا يحس بألمها في حاله و قد قص اللّٰه قصة النسوة مع يوسف و انه لما رأينه أكبرنه و قطعن أيديهن اشتغالا بما بهرهن من النظر الى جماله عما اصبن بأنفسهن من الجراحة و سيأتي لهذا تتمة في موضعها الأليق إنشاء اللّٰه

[باب الحلم]

باب الحلم و هو لغة العقل و الأناة و شرعا يطلق على ما يناسب الأول و هو المقابل بالسفه و الثاني و هو الصبر على كظم الغيظ و هو رده باحتمال سببه و ضده الغضب أو خفته كما تقدم و هو غليان دم القلب بهيجان الجزء الناري الكامن في الجبلة لدفع المؤذي قبل وقوعه و لطلب الانتقام و التشفي بعده فينتشر في العروق و يرتفع إلى أعالي البدن كما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر و من ثم يحمر الوجه و العينان و البشرة بصفائها تحكي لون ما ورائها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها و ذلك إذا استشعر القدرة على الدفع و الانتقام فان غضب على المأيوس من القدرة عليه بهما تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد الى جوف القلب و صار خوفا أو حزنا و من ثم يصفر اللون و ان كان على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض و انبساط فيحمر تارة و يصفر اخرى و الناس في هذا الخلق بحسب الجبلة الأولى على درجات ثلاث من التفريط و الإفراط

و الاعتدال و محمودة الاعتدال و هو الضبط تحت حكم الشرع و العقل بحيث لا يتقاصر عنهما و لا يزيد عليهما فالتفريط بضعف هذه القوة جدا و سكونها حيث ينبغي لها الحركة شرعا و عقلا كالتقرير على المنكرات و الإغضاء على قصد الحريم مع القدرة على الدفع مذموم و صاحبه ناقص ملوم كالافراط فيها بغلبتها حتى تخرج عن سياسة العقل و الدين و طاعتهما فلا يبقى للمرء معها بصيرة و لا اختيار و أغلب ما يكون ذلك في المحرورين خصوصا المنتسبين بأمزجتهم الى الخلط الناري و من ثم ورد عن ابى جعفر عليه السلام ان هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في جوف ابن آدم. فان اللعين مخلوق من النار كما حكى اللّٰه عز و جل عنه بقوله خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ. و ربما يكون إفراط الغضب اعتياديا بان يخالط قوما يتبجحون بتشفي الغيظ و طاعة الغضب و يسمون ذلك شجاعة و رجولية فيحب التشبه بالقوم و يرسخ في نفسه الخلق المذموم و من آثاره في الظاهر شدة الرعدة في الأطراف و خروج الأفعال عن الترتيب و النظام و اضطراب الحركة و الكلام و اما ما ورد من ان في المؤمن حدة.

و خيار أمتي احدائها و ما ورد في مدح الغيرة مثل قوله صلى اللّٰه عليه و آله ان سعد الغيور و انا أغير منه و اللّه أغير منا (1). و نحو ذلك كما يأتي فمحمول على ذم التفريط لا مدح الإفراط و مرجعه الى مدح الاعتدال و استعماله في مواقع الحاجة بقدرها فورد في مدح الصحابة أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ. و في جهاد الكفار و المنافقين وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ. وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً. و في حد الزانية و الزاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لٰا تَأْخُذْكُمْ بِهِمٰا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّٰهِ فإن الشدة و الغلظة و القسوة في الجهاد و النهى عن المنكر من الغضب المحمود و في الحديث النبوي إنما العلم بالتعلم و الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتوق الشر يوقه. و فيه إشارة إلى انه كما يحصل للجاهل ملكه العلم بسبب الاستفادة و الاكتساب شيئا فشيئا كذلك يمكن تحصيل ملكه الحلم و ازاله الغضب المذموم و قلعه من النفس بتكلف الحلم و بعثها على الاحتمال الى ان تعتاد و تطمئن لكن ذلك ليس بمطرد فان لاختلاف الأسباب و الأحوال في ذلك مدخلا عظيما و ذلك لان المؤذي الذي يهيج الغضب لدفعه


1) في كتاب المصابيح باب اللعان من الصحاح عن أبي هريرة قال قال سعد بن عباده لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى اتى بأربعة شهداء قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نعم قال كلا و الذي بعثك بالحق ان كنت لا عاجلة بالسيف قبل ذلك فقال رسول اللّه (ص) اسمعوا الى ما يقول سيدكم انه لغيور الحديث م

أو الانتقام منه اما ان تكون أذيته زوال ما يستغنى عنه كفضول المال و الجاه أو ما يحتاج اليه و جميع ما يفرض من أسباب الغضب راجعة إليهما و قلعه في زوال ما استغنى عنه بالتحلم و المجاهدة و قلع أسبابه بالعلاجات الآتية ممكن كما لو كان له دار زائدة على مسكنه فهدمها ظالم فيمكن ان يتحلم أو يكون بصيرا بأمر الدنيا و ان محروضها لا تراد لأنفسها بل لتدفع بها الحاجات فيزهد في الزيادة على الحاجة و يفرغ القلب عن حبها فلا يغضب لزوالها و لا يمكن قلعه في زوال ما احتيج اليه من الضروريات التي لا غنى عنها سواء كان ضروريا في حق الكافة كطعام يسد جوعته و جوعة عياله و ثوب يستر عورته و عوراتهم و يقيهم الحر و البرد و بيت يواريه و يواريهم أو في حق بعض الناس كالات يحترف بها الكاسب و كتاب يطالعه العالم لصعوبة تفريغ القلب عن حبها في حال من الأحوال إلا لمن غلب عليه التوحيد حتى يرى الأشياء كلها من اللّٰه كما قال تعالى كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ. فلا يغضب على أحد من خلقه إذ يراهم مسخرين في قبضه قدرته كالقلم في يد الكاتب و من وقع عليه الملك بضرب رقبته لم يغضب على القلم أو حسن الظن باللّٰه و هو ان يرى ان اللّٰه لا يقدر له الا ما فيه الخيرة كما ورد دع عن ابى جعفر عليه السلام ان اللّٰه لا يفعل بعباده الا الأصلح لهم و لكن الناس يجهلون. و ربما تكون الخيرة في فقره و مرضه و ضعفه فلا يغضب كما لا يغضب على الفصاد في إيلامه بالفصد لانه يرى ان الخيرة فيه الا ان غلبة التوحيد و حسن الظن على هذا الوجه انما يكونان كالبرق الخاطف لا يدومان فلا يمكن قلع الغضب في زوال ما احتيج اليه بهما إلا في أحوال نادرة و اما في سائر الأحوال فالقدر الممكن فيه الكسر لسورته و التضعيف لقوته حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن و يتبين ضعفه بان لا يظهر الأثر منه في الوجه و غيره من الأعضاء الظاهرة لارتباط الملك بالملكوت كما تقدم و سببه في الجملة أحد أمور ستة الكبر و العجب و المزاح معه و الاستهزاء به و الإيذاء له و الحرص اى التشاح في الفضول من المال و الجاه و غيرهما لكن سببية هذه الأسباب ليست على حد واحد و الأصل العجب فإنه سبب الكبر كما يأتي فالمتكبر إذا أوذي بالتجري عليه بالمزاح أو الاستهزاء أو المشاحة فيما هو منهوم به من مال أو جاه أو غيرهما غضب و حقد بل لا يكاد يتحقق ماهية الغضب الا ممن يرى نفسه فوق المغضوب عليه كما سبق ثم لا يكاد يصدر الغضب منه من حيث انه متكبر فقط بل إذا انضم إليه أحد الأمور المذكورة

و علاج كل من الكبر و العجب و الحرص يأتي في موضعه الأنسب بالتفصيل فإذا عولجت هذه الذمائم فازيلت عن النفس لزم ذلك زوال ذميمة الغضب لان زوال السبب مستلزم لزوال المسبب كما مر و لنذكر هنا بالإجمال علاج الغضب عند هيجانه ليسكن و يفتر و هي عدة أمور عملية و علمية يختار المعالج منها ما يناسب واحدا أو أكثر و ربما لا يرجى برؤه إلا بالجميع و ذلك بحسب قوة المادة و ضعفها كما في الأمراض الطبيعية و هي التوضي و الاغتسال بالماء البارد لتنطفى نائرته و تبرد حرارته و روى أبو حامد مرسلا عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله إذا (1)غضب أحدكم فليتوضأ أو ليغتسل فان الغضب من النار و القعود ان كان قائما و الاتكاء ان كان قاعدا مستقلا و قد يتصور الاتكاء للقائم أيضا و القعود أبلغ و الاضطجاع ان كان متكئا و النزول ان كان راكبا كل ذلك ليقرب من الأرض التي منها خلق فيعرف ذل نفسه و يسكن و روى أبو حامد ايضا عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله ان الغضب جمرة تتوقد في القلب أ لم تر الى انتفاخ أوداجه و حمرة عينه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس و ان كان جالسا فلينم و إلصاق الخد بالأرض لتستشعر به النفس الذل و ثوايل الزهو الذي هو سبب الغضب و هو من إطفاء النار بالتراب و جعله صاحب الإحياء إشارة إلى السجود و روى عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله ان الغضب جمرة في قلب ابن آدم فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده بالأرض. و المروي من طرقنا ما أورده المصنف في الحقائق عن ابى جعفر عليه السلام و فيه فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فإن رجز الشيطان يذهب عنه عند ذلك. و في رواية أخرى فأيما رجل غضب على قوم و هو قائم فليجلس من فوره ذلك قال و أيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه و ليمسه فان الرحم إذا مست سكنت. و الاستعاذة باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم فإنه المهيج للغضب كما ذكر و الاستعانة به تعالى على كفايته و تتأدى الوظيفة بالبسملة على ما فسرت في الرواية المتقدمة في شرحها و استحضار العلم بثواب الحلم و فضله العظيم و ما ورد في ذلك من الروايات فعن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلام إذا وقع بين رجلين


1) في المصابيح من الحسان عن عطية بن عروة السعدي قال قال رسول اللّه ص ان الغضب من الشيطان و ان الشيطان خلق من النار و انما تطفا النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ و عن ابى ذر ان رسول اللّه (ص) قال إذا غضب أحدكم و هو قائم فليجلس فان ذهب عنه الغضب و الا فليضطجع منه عفى عنه

منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما قلت و فلت (1)و أنت أهل لما قلت ستجزى بما قلت و يقولان للحليم منهما صبرت و حلمت سيغفر اللّٰه لك ان أتممت ذلك فان رد الحليم عليه ارتفع الملكان. و عن الرضا عليه السلام لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما. و في الحديث النبوي إذا جمع الخلائق يوم القيمة نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس و هم يسيرون فينطلقون سراعا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا إلى الجنة فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا و إذا أسي‌ء إلينا عفونا و إذا جهل علينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فَنِعْمَ أَجْرُ الْعٰامِلِينَ. و كذا التحلم فورد في التنزيل وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ، اى المتحلمين فان كظم الغيظ عبارة عن التحلم و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام (الكافي) إذا لم تكن حليما فتحلم. و عن ابى جعفر عليه السلام (الكافي) من كف غضبه عن الناس كف اللّه عذابه يوم القيمة. و ليعلم ان غضبه و قدرته على المغضوب عليه بالنسبة إلى شدة غضبه تعالى الذي لا يقوم له شي‌ء و قدرته عليه يسير فيستسهل كف اليسير في جنب ما يرجوه من كف الخطير و كذا فضيحة المغضوب عليه بالانتقام منه في الدنيا بالنسبة إلى فضيحته بالعذاب في الآخرة فليستر عليه رجاء ان يستر عليه و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلام من كف غضبه ستر اللّٰه عورته. أو المعنى انه ربما يكون الباعث على الإصرار في الانتقام التحرز عن مقاله الناس فيه بالمهانة و الذل و الافتضاح بصغر النفس و جبن القلب فيحقر في الأعين و يجترئ عليه و هذا من وساوس الشيطان فيأنف عن الاحتمال مخافة الفضيحة فليعلم أن خزي يوم القيمة و الفضيحة فيه بانتقام المغضوب المظلوم في محضر الأولين و الآخرين أشد و اخرى بالأنفة عنه و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ما من عبد كظم غيظا الا زاده اللّٰه عزا في الدنيا و الآخرة و النظر في تشبه الحليم بالأنبياء و الأولياء الذين هم أفضل البشر باتفاق العقلاء كافة حتى ان أجلاف العرب و اغبياء الترك و النفوس الغليظة الشريرة التي هي على طرف النقيض المطلق في جميع الحالات و الأخلاق منهم يعترفون بفضلهم و يتبركون بآثارهم و يفدونهم بأنفسهم و آبائهم و أمهاتهم و قد وصفهم اللّٰه بأنهم إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً، و إِذٰا خٰاطَبَهُمُ الْجٰاهِلُونَ قٰالُوا سَلٰاماً و نحو ذلك و تشبه الغضوب بالسبع الضاري و الكلب العاوي لا يشتفى الا بالكلب و الاغتيال و النظر


1) فال رايه يفيل فيلولة و فيلة أخطأ و ضعف كتفيل و قيل رايه يتخذ و خطاه كذا في القاموس

الى قبح هيئة غيره عند الغضب ليعلم بذلك قبح هيئته عنده بتغير اللون و احمرار الاحداق و ظهور الزبد على الأشداق و استحالة الخلقة و انقلاب المناخر و لو راى الغضبان في حال غضبه كراهة منظره لسكن غضبه حياء من قبح ظاهره و باطنه أقبح و انما قبحت صورة الباطن أولا ثم سرى ذلك الى الظاهر و ان يحدث نفسه عاقبة الضراوة و هي انتقام المغضوب عليه عند مساعدة الدهر الدوارى و الشماتة بمصائبه و نحو ذلك و ما يستلزمه الغضب غالبا من حدوث الذنوب الظاهرة و الباطنة كأخذ اللسان في الفحش و السب و قبيح الكلام الذي يستحي منه ذوو العقول و يستحي منه قائله عند فتور الغضب و ذلك مع تخبط النظم و اضطراب اللفظ و الجوارح في التمزيق و الضرب و الجرح و القتل من غير مبالاة فإن فاته المغضوب عليه بهرب أو سبب آخر رجع الغضب على صاحبه فيمزق ثوب نفسه و يلطم وجهه و ربما يعدو عدو الواله المدهوش و ربما سقط صريعا لا يطيق النهوض و ربما يضرب الحيوانات و الجمادات و يكسر القصعة و الخوان و يتعاطى أفعال المجانين و ربما يجرح نفسه أو يخنقها أو يلقيها من شاهق و نحو ذلك. و ربما لا يحصل له التشفي فيحتقن في الباطن و يأخذ القلب في الحقد فإنه من فروع الغضب و هو ذميمة فاحشة منافية لكمال الايمان فورد في الحديث النبوي المؤمن ليس بحقود و هو من أصول الحسد كما يأتي و علاجه قلع الغضب لأنه أصله و ذكر ما ورد في فضل العفو الذي هو ضده مثل قوله تعالى وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ بعد قوله سبحانه وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ. و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله عليكم بالعفو فان العفو لا يزيد العبد الا عزا فتعافوا يعزكم اللّٰه. و ما ارتكبه الحقود من لوازم الحقد من مكروه كترك كثير من التطوعات التي كان يستوجب فضلا عظيما بفعلها لولا الحقد كالمواساة و الإعانة في قضاء الحاجة و الدعاء و الابتداء بالسلام و الزيارة و تسميت العطسة و المجالسة على ذكر اللّٰه و الوعظ و البشاشة و حسن اللقاء و الرفق و نحو ذلك فان التعرض للحرمان عن هذه الفضائل العظيمة غبن فاحش أو حرام كالشماتة بالمصائب و الاعراض بالهجر و القطيعة و الإيذاء و الإهانة و انطلاق اللسان بالفرية و الغيبة و إفشاء السر و ترك كثير من الواجبات الدينية مثل صلة الرحم ان كان المحقود من ذويها و هي مندرجة في الاعراض و أفردت بالذكر اهتماما و كذا ترك قضاء الحق الواجب كما في (الكافي) رواية معلى بن خنيس عن ابى عبد اللّٰه

عليه السلام قال قلت له ما حق المسلم على المسلم قال له سبع حقوق واجبات ما منهن حق الا و هو عليه واجب ان ضيع منها شيئا خرج من ولاية اللّٰه و طاعته و لم يكن للّٰه فيه نصيب ثم قال عليه السلام أيسر حق منها ان تحب له ما تحب لنفسك و تكره له ما تكره لنفسك. الحديث و بمعناه غيره كما يأتي في كتاب المعيشة و في عدة (الكافي) اخبار ان من حق المؤمن على المؤمن النصيحة فهي داخلة في الحق و أفردت بالذكر افتتاحا للباب

[باب النصيحة]

باب النصيحة و هي في اللغة الخلوص و في العرف ارادة بقاء النعمة على المسلم أو حصولها له مما له فيه صلاح ديني و ضدها الحسد و قوبل فيما مضى بالتسليم و ما هنا اثبت و هو ارادة زوالها عنه أو كراهة حصولها له سواء أرادها لنفسه أم لا مما له فيه صلاح ديني و الرسم بيان لحقيقته في الجملة و بانتفاء كل من القيدين ينتفي الحسد و يثبت غيره فان أشفى الصلاح بثبوت الفساد فغيرة فهي كراهة النعمة على المسلم مما له فيه فساد كما لو استعان بها على تهييج الفتن و ارتكاب المحارم فلا ضير في كراهتها من حيث انها آلة للفساد لا من حيث انها نعمة أنعم اللّٰه بها على غيره فإن أراد مثلها لنفسه دون ان يريد الزوال عنه سواء أراد البقاء عليه أم لم يرد شيئا منهما فغبطة من غبط كنصر فهي تمنى حصول مثل نعمة الغير لنفسه لا غير و ربما تسمى منافسة و اما من غبط كضرب و سمع فبمعنى الحسد فالأقسام ثلثه و ربما يطلق على بعضها اسم بعض و الحسد حرام مطلقا لأنه كراهة نعمته تعالى و في الحديث (الكافي) النبوي قال اللّٰه لموسى بن عمران يا بن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضل و لا تمدن عينيك الى ذلك و لا تتبعه نفسك فان الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي و من يك كذلك فلست منه و ليس منى. و كراهة قضائه تعالى في تفضيل بعض عباده على بعض بما يشاء من نعمه و في الحديث القدسي من لم يرض بقضائي و لم يصبر على بلائي فليطلب ربا سوائي. و كراهة راحة المسلم بما ساقه اللّٰه اليه من النعمة و من حقوقه الواجبة ان تحب له ما تحب لنفسك و ورد في الحديث النبوي و غيره للحسد يأكل الحسنات و في رواية الايمان كما تأكل النار الحطب و بمضمونها غيرها و لانه يدعو الى ضروب من المعاصي فالجملة معطوفة على خبر الناسخ دون المبتدإ أو هي معترضة لتقوية الكلام ببيان بعض نتائج الحسد كالتملق للمحسود و هو التودد و التلطف اليه باللسان فوق ما ينبغي مع غش القلب و هو النفاق و الغيبة له تشفيا لقلبه في الجملة و الشماتة بمساءته كما قال

تعالى إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهٰا. و قد قيل للحاسد ثلاث علامات يتملق إذا شهد و يغتاب إذا غاب و يشمت بالمصيبة و الى التعب في الدنيا إذ لا راحة لحسود كما ورد و قال بعضهم لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من الحاسد نفس دائم و عقل هائم و غم لازم و العقاب في الآخرة لحبط حسناته و اقترافه للسيئات المذكورة فيكون قد خسر الدارين بلا نفع له إذ لا تزول النعم عن المحسود بحسده و الا لزم زوال نعمه بحسد حساده إذ لا ينفك هو عن النعمة و لا النعمة من الحسود كما في (الكافي) الحديث النبوي استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان فان كل ذي نعمة محسود بل ينفع المحسود فيهما جميعا ما في الدنيا فلان من المركوزات في طباع الخلق شهوتهم لمضرة العدو و مساءته و لا ضرر و لا مساءة أعظم مما ادخله الحسود على نفسه من الغم و الشقاء و قد كان يريد ذلك للمحسود فتنجز لنفسه في الحال و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام الحاسد مضر بنفسه قبل المحسود. و اما في الآخرة فلاستحقاقه لطلب المكافاة لانه مظلوم سيما إذا خرج الى الوقيعة فيه بالقول و الفعل فهي هدايا يهديها اليه بانتقال حسناته الى ديوانه فيكون قد أضاف له نعمة الى نعمة و عنه عليه السلام ميزان الحاسد ابدا خفيف بثقل ميزان المحسود. و يدعو الى عمى القلب بل عمى القلب يدعو اليه فعنه عليه السلام الحسد أصله من عمى القلب و جحود فضل اللّٰه و بالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد و هلك مهلكا لا ينجو منه ابدا و لا توبة للحاسد. اى لا يوفق للتوبة كما تقدمت الإشارة اليه و هو الخذلان فان قلت كيف يطلق الحكم بتحريم الحسد و قد روى الصدوق بإسناده عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ثلثه لم يعر منها نبي فمن دونه الطيرة و الحسد و التفكر في الوسوسة في الخلق و عنه عليه السلام (الفقيه التوحيد) قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله رفع عن أمتي تسعة الخطاء و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون و ما اضطروا اليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة. قلت لا ريب ان من المركوزات في فطرة اللّٰه التي فطر الناس عليها محبة الخير و النعمة كما قال اللّٰه تعالى وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ. و هذه حالة يجدها كل أحد من نفسه لا يليق المكابرة فيها و كل محبوب مراد و مشتاق اليه و هذا الشوق ربما يسكن و يكمن في النفس و ربما يهيج بعروض الأسباب و من جمله الأسباب المتهيجة له مشاهدة النعمة عند الغير فان المحروم منها يئور شوقه إليها حينئذ و ربما يتنبه لالم الحرمان الذي كان غافلا عنه قبل ذلك و هذا من الأمور التي

لا تدخل تحت الاختيار و لا يصلح متعلقا للتكليف و هو الذي لم يعر عنه نبي فمن دونه لانه من مقتضيات البشرية من قبيل الهواجس و الخواطر النفسانية فإن اعتقد قلبه بذلك و تظاهر بآثاره الاختيارية نقسم إلى الأقسام الثلاثة المذكورة و المحكوم بتحريمه هو أحد الأقسام الاختيارية دون الأول و ان سمى حسدا في الروايتين و هذا الوجه في الأخيرة منهما قريب جدا بإرجاع القيد الى الثلاثة الأخيرة و يدل عليه صريحا ما رواه ثقة الإسلام عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله وضع عن أمتي تسع خصال الخطأ و النسيان و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا اليه و ما استكرهوا عليه و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد و عنه عليه السلام ثلثه لم ينج منها نبي فمن دونه التفكر في الوسوسة في الخلق و الطيرة و الحسد الا ان المؤمن لا يستعمل حسده.

و هذا هو الوجه في اعتبار التظاهر في الحسد القادح في العدالة كما في الشرائع و الدروس و المفاتيح و غيرها و قيل انهما محمولتان على الغبطة و فيه ان عموم الغبطة ممنوع كما يأتي و ايضا ينافيه التقييد في الأخيرتين فإن المقيد تحريمه مفهوما انما هو الحسد و هو المرسوم المعدود من ذمائم الأخلاق بخلاف الغيرة ف انها من الأخلاق المحمودة مطلقا و ورد في الحديث (الكافي) النبوي ان الغيرة من الايمان. و فيه (الفقيه) كان ابى إبراهيم غيور أو انا أغير منه و أرغم اللّه أنف من لا يغار من المؤمنين. و فيه ايضا كما تقدم بتغيير يسير ا تعجبون من غيرة سعد و انا أغير منه و اللّه أغير منا و ربما تتصف بالوجوب إذ بها تنكر المناكير و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلام ان اللّٰه تبارك و تعالى غيور يحب كل غيور و من غيرته حرم الفواحش ظاهرها و باطنها و كذا الغبط و المنافسة ف انها محمودة في الجملة روى ثقة الإسلام عن ابى عبد اللّٰه ع قال المؤمن يغبط و لا يحسد و المنافق يحسد و لا يغبط.

بل ورد الأمر بها في قوله عز و جل وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ الْمُتَنٰافِسُونَ و ليست هي على حد قسيميها من إطلاق الحكم بل تنقسم إلى الأحكام الخمسة فهي تتبع ما غبط فيه حرمة و كراهة و اباحة و وجوبا و ندبا و في حديث أبي كبشة الأنصاري قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله مثل هذه الأمة مثل أربعة رجال رجل آتيه اللّٰه مالا و علما فهو يعمل بعلمه في ماله و رجل أتاه اللّٰه علما و لم يؤت مالا فيقول رب لو ان لي مال فلان كنت اعمل فيه بمثل عمله فهما في الأجر سواء و رجل أتاه اللّٰه مالا فهو ينفق في معاصي اللّٰه و رجل لم يؤته اللّٰه مالا فيقول لو ان لي مال فلان كنت اعمل فيه بمثل عمله فهما

في الوزر سواء و سبب الحسد لا يخلو عن أحد أمور سبعة اما خبث النفس و شحها بالخير لعباد اللّٰه فان من الناس من لا يشتغل برياسة و لا طلب مال و لكن إذا ذكر عنده حسن حال عبد من عباد اللّٰه و ان كان لا يعرفه و لا يعاديه شق ذلك عليه و غمه و إذا وصف له اضطراب أمور الناس و تنغص عيشهم تسلى همه و انجلى كربه فهو ابدا يبخل بنعم اللّٰه على عباده و هو داء مزمن لا يرجى برؤه لانه جبلي و الأخلاق الجبلية لا مطمع في إزالتها كما تقدم و هذا رجوع من المصنف الى ما قررناه من التفصيل و انما يعلل لتنكسر صورته و يخف ضرره أو الرغبة في النعمة الغير بعينها فيحب انتقالها منه الى نفسه كالرياسة المعينة و المملوك و الزوجة الخاصين أو خوف فوت المقاصد كما في المتزاحمين على مقصود واحد يحب كل منهما الانفراد به و إذا ظفر به أحدهما حرم الآخر مثل الضرة مع ضرتها و الأخ مع أخيه على نيل المنزلة في قلب الزوج و الأبوين و هما مندرجان تحت رذيلة الحرص أو العداوة و هي تحت الحقد فان من أساء إليه أحد كرهه و بغضه لا محالة كما في الحديث جبلت القلوب على بغض من أساء إليها. فيكره نعمته و يتمنى زوالها عنه و ان لم يرج حصولها لنفسه أو لتعزر و هو غرة نفسه عنده مع كراهة ترفع الغير عليه بسبب النعمة فيتمنى زوالها عنه انفة عن تكبره و لا يأنف عن مساواته و هو من شعب التكبر أو التكبر نفسه بان يكون في طبعه استصغار المنعم عليه و استتباعه و لا نسمح نفسه معه بالمساواة فيكره نعمته لئلا يتشوق هو الى مساواته و الخروج عن متابعته بسبب النعمة أو التعجب برجحان من ساواه بزعمه في المرتبة بالفوز بالنعمة كما أخبر اللّٰه عن الأمم الماضية إذ قالوا مٰا أَنْتُمْ إِلّٰا بَشَرٌ مِثْلُنٰا. و قالوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنٰا. وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخٰاسِرُونَ.

إذا استعظموا ان يفوز بنعمة النبوة و الوحي بشر مثلهم بزعمهم فحسدوهم و هو من شعب الكبر مع الجهل و قد تتركب هذه الأسباب مثنى و ثلاث فصاعدا فيقوى الحسد و ينهتك حجاب المجاملة و أغلب ما يكون بين أقوام تجمعهم روابط مخصوصة يتواردون بها على المقاصد و يتقيدون بحفظ المراتب و يكثر بينهم التنازع و التجاذب و كلما قويت الرابطة كثر ترادف الأسباب و كلما ضعفت قل فمن ثمة شذ الحسد بين العالم و التاجر و بين الحائل و الإسكاف إذ لا رابطة بينهم تجتمع بها الأسباب و كثر و قوى بين الأمثال و الأكفاء لاجتماع الأسباب فيهم لقوة الرابطة سيما بين الأمثال من الأقارب لأن اجتماعها

فيهم أكثر منه فيمن عداهم فان بنى الأعمام المتكافئين في النسب مثلا يحصل فيهم التعجب و التغرز و في بعضهم التكبر و تفشو بينهم المخاصمة بسبب الدعاوي على المواريث المشتركة و المزاحمة على المقاصد الظاهرة و الخفية لاطلاع بعضهم غالبا على أحوال بعض و لعله السر في كراهة مجاورة القريب كما يأتي فإن انضاف إليها خبث الباطن كان الداء العضال و كذا بين علماء الدنيا القاصدين لها لكثرة تحققها فيهم ايضا و قلة التفاتهم الى تهذيب الأخلاق و انما هممهم مقصورة على ما يكتسبون به القبول في قلوب المريدين و يتوصلون الى نيل المال و الجاه و حسن الصيت و جميل الأحدوثة و الأصل في ذلك كله حب الدنيا و حيث انها ضيقه المجال لا تسع لجميع آمال الاملين فمن ثمة يكثر على مقاصدها التزاحم و التشاح و بقدر ما يخطى بعضهم يحرم الآخرون و ينشأ من ذلك ضروب المباغضات و أسباب الحسد فان القلوب إذا امتلأت من تعظيم أحد للعالمين و حسن الاعتقاد فيه انصرفت عن تعظيم الآخر و كذا إذا سامحت ببذل ما يصرف الى العلماء لأحدهم صفرت أيدي الآخرين فيتحاسدون دون علماء الآخرة لتهذيب أخلاقهم و اقتصار هممهم على معرفة اللّٰه سبحانه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم و يفرح بمعرفته و يلتذ و لا تنقص لذة واحد بسبب غيره بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الانس و ثمرة الإفادة و الاستفادة و من ثمة لا محاسدة في نعم الجنة كما أخبر تعالى عن حال أهلها بقوله عز و جل وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوٰاناً. لان المنزلة عند اللّٰه لا ضيق فيها فإن أجل ما عند اللّٰه سبحانه من النعم لذة لقائه و ليس فيها ممانعة و لا مزاحمة كما لا مزاحمة على لذة النظر إلى زينة السماء بما فيها من الزواهر و من ثم لا يتحسد فيها و علاج الحسد بوجهين رفع المقتضى و إيجاد المانع فالأول قلع كل ما يجده بنفسه من الأسباب الستة الأخيرة عن النفس أو قلع أصله بتحصيل ضده المحمود كما يأتي في موضعه الأنسب بالتفصيل و لنذكر هنا بالإجمال علاجا كليا بمنزلة الروادع المستعملة لتسكين المواد الهائجة في البدن و هو مضادة الحسد بان يحكمه و ينظر ما يتقاضاه من قول و فعل و ترك فيكلف نفسه بنقيضه الأخص فإن بعثه على إطلاق اللسان فيه بالوقيعة الزم نفسه المدح له و الثناء عليه و ذكر محامده و ان بعثه على إيذائه ألزمها الإحسان اليه و التعطف عليه و ان بعثه على هجره و قطيعته ألزمها الاختلاف اليه و مواصلته و هكذا فإذا فعل ذلك

مرارا مالت اليه نفس المحسود بالتودد و التلطب و تطيف نفس الحسود بذلك و يحصل بينهما المحبة و الموافقة و يزول الحسد و اما الأول فالعلاج الممكن فيه المجاهدة و الرياضة و إكراه النفس على النصيحة حتى لا تتلظى ناره و لا تبدر اثاره كما تقدم و الثاني ذكر الآفات الدنيوية و الأخروية المذكورة التي هي لوازم الحسد ليحترز عنها بالاحتراز عن ملزومها و ذكر ما ورد فيه من النهى و الذم و ما ورد في وجوب موالاة المؤمن و رعاية حقوقه التي أيسرها أن يحب له ما يحب لنفسه و يكره له ما يكره لنفسه كما تقدم و يأتي و بهذا يعالج العداوة أيضا و ما ورد في عظم قدره و ان روحه لأشد اتصالا بروح اللّٰه من اتصال شعاع الشمس بها. و انه ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض. و انه ولى اللّٰه. و ان من قال له أنت عدوي فقد كفر. و نحو ذلك مما يدل على انه لا يحسن كراهة نعمته و ذكر ما ورد في التعاون أو في وجوبه فان ذلك مما يحرك إلى السعى في قضاء حوائجه و هو ينجر الى حصول المصافاة بينهما و زوال الحسد كما عرفت أو يكون معطوفا على الذكر كما يليه و هو أقرب معنى و الأول لفظا و بركة الجماعة في الصلاة و في مجالس الخير فإنها تبعث على التسالم و التصافح و التعاطف و نحوها من المحاسن المرغوبة الدينية الجالبة للتحابب و المناصحة المميتة للاحقاد و الضغائن كما هو المشاهد و هو من أوضح الوجوه المعقولة في الحث على الاجتماعات الشرعية

[باب حب الخمولة]

باب حب الخمولة يقال اخمل صوته اى أخفاه و الخامل الساقط الذي لا نباهة له و هو من ملكات النفس المطمئنة من شعب التواضع و كان الاولى تأخيره عنه و له فضيلة عظيمة و الفضيلة هي الدرجة الرفيعة في الفضل فورد في الحديث النبوي طوبى لعبد نومه عرفه اللّٰه و لم يعرفه الناس أولئك مصابيح الهدى و ينابيع العلم. الحديث و النومة كهمزة و قيل بالتسكين الخامل الذكر و فيه رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو اقسم على اللّه لا بره منهم البراء بن مالك و الأشعث المغبر الرأس أو المتفرق الشعر و الأغبر الذي فيه لون الغبر محركة و هو التراب و هما من صفات العيوب و الطمر بالكسر الثوب الخلق أو الكساء البالي من غير الصوف و لا يؤبه به اى لا يفطن له و ضمن أقسام معنى التحكم فعدي تعديته و الأبرار إمضاء اليمين على الصدق و ضده حب الجاه و هو من ملكات النفس الأمارة من شعب الكبر و لو اتسع من جهة اللّٰه بلا تكلف طلب من العبد فلا بأس الا ان فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء كالغريق الضعيف السباحة

إذا كان معه جماعة من الغرقى فالأولى به ان لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به فيضعف عنهم فيهلك معهم و اما القوى فالأولى ان يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم و يثاب عليهم و ربما يجب عليه ان يعرفهم نفسه و يدعوهم الى التعلق به انقاذا لهم من الهلكة و على هذا تحمل ما بلغك من حال بعض الأكابر في تعرفهم الى الخلق و عرض أنفسهم على السلاطين و الولاة و قبول الولايات أو طلبها و حينئذ فالمطلوب بالحقيقة ليس هو الجاه بل ما يترتب عليه من الفوائد الدينية كالاقتدار على إقامة شعائر الحق و الحسبة و إرشاد المسترشدين و قضاء الحوائج و عموم النفع و انما المذموم حبه لغير ما ذكر اما لنفسه أو للمقاصد الدنيوية أو للضعفاء الذين ليسوا من أهل الفوائد الدينية الا ان ههنا موضع غرور قد أشرنا إلى نظيره فيما سلف و هو ان من الضعفاء من يشتبه عليهم حال أنفسهم فيعتقدون بأنفسهم القدرة و يظنون انهم من الأقوياء الذين من شأنهم إنقاذ الهلكى فيهلكون و أيضا إذا انفتح باب الرخصة ربما يتخذ ذلك علة و يتسع الخرق فمن ثم ورد ما ورد في ذم الجاه و النهى عنه مطلقا من غير تقييد قال اللّٰه تعالى تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لٰا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فَسٰاداً. و في الحديث (الكافي) ملعون من ترائس ملعون من هم بها ملعون من حدث بها نفسه و أصله انتشار الصيت و هو قريب من كلام أهل اللغة انه القدر و المنزلة مقلوب وجه و حقيقته ملك القلوب و هو أحد شطرى الدنيا و الآخر المال و حقيقته ملك الأعيان فإن الموصل الى المقاصد بأسرها من نيل الشهوات و دفع الآفات منحصر فيها و من ثم يتهالك عليها توصلا إليها و ربما يفضى الأمر إلى إهمال معنى التوصل و التهالك عليها لنفسهما لتعلق القلب بهما بالذات من غير ان يقصد ورائهما غرض و لا غاية و ذلك كما ان الرجل قد يحب حليلته من حيث انه يدفع بها فضله الشهوة كما يدفع ببيت الماء فضلة الطعام و لو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجرها كما يهجر بيت الماء لو كفى قضاء الحاجة و ربما يحبها محبة العشاق بحيث لو كفى الشهوة لبقي مستصحبا لها ايضا لشغفه بها لنفسها لا لأجل شي‌ء آخر و الشطر الأعظم فإنه أشهى من المال لوجوه أما أولا ف لان تحصيل الغرض فيما يطلب لأجله به أيسر فان المميل لا يحصل به غرضه الا ببذله فهو و ان كان مستكملا بحصول الغرض الا انه منتقص بذهاب المال بخلاف الوجيه فإنه مستكمل بتحصيل الغرض من غير انتقاص و ايضا التوصل بالجاه الى المال لو كان هو الغرض أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه

في القلوب لو قصد اكتساب الأموال لم يتعسر عليه فان أموال أرباب القلوب مبذولة له و اما الخسيس الذي لا جاه له إذا وجد كنزا مثلا و أراد ان يكتسب به جاها فربما تعوقه عند العوائق و اما ثانيا فلان المال معرض للتوى و التلف لانه يسرق و يغضب و يطمع فيه الملوك و الظلمة و يتطرق إليه إخطار كثيره لا سلامة منها الا بتعب شديد (مجمع البيان) صرف بعضه في حراسة الباقي بخلاف الجاه ف إنه مأمون عن نحو السرقة و الغضب نعم ربما تنحرف القلوب و تتغير الاعتقادات و ذلك مما يهون دفعه عند المتقيدين به و اما ثالثا فلان الجاه نام بنفسه من غير تعب لان القلوب إذا اعتقدت في أحدكما لا أفصحت الألسن بثنائه و يقنص بذلك قلوب السامعين فيسري من الواحد إلى العشرة و من العشرة إلى الألف و يطير في الافاق في أيسر وقت بخلاف المال فإنه لا يستنمى الا بتعب شديد و مخاطرات كثيره ربما يتوى فيها الأصل و الفرع و اما رابعا فلان المميل يطلب ملك الأرقاء و العبيد ببذل ما في يده و الوجيه استرقاق الأحرار و ملك رقابهم بملك قلوبهم و الاستيلاء على ما في أيديهم بل مالك العبد لا يملكه الا قهرا و العبد متأب بطبعه و لو خلى و رايه لانسل عن الطاعة فهو و ان كان مخدوما مطاعا الا انه بالكره بخلاف الوجيه فإنه مخدوم مطاع بالطوع و الإرادة مع الفرح و صدق الشوق بقدر ما يعتقدون فيه من الجميل و ان لم يكن كمالا في نفس الأمر و الوجوه الأخيرة جارية في القسم المحبوب لذاته ايضا و هو المذموم مطلقا مثله من المال و اما المحبوب للغرض فينساق فيه التفصيل الجاري في نظيره ايضا و ينقسم انقسامه إلى الأحكام و ذلك ان الإنسان لا بد له من طعام و مسكن و مصالح أخر لا يستقيم امره الا بها و لا تستقيم هي إلا بالمال فتحصيل شي‌ء منه و حبه يصرف في تقويم هذه الضروريات مما لا ضير فيه بل ربما يستحب أو يجب مهما كان غير متخطى فيه عن قانون الشرع كان يتوصل الى تحصيله بالاستراق و التلصص و الخيانة أو يحمله حبه على البخل و حبس الحقوق فيحرم حينئذ فهكذا بعينه في الجاه و حبه و تحصيله فحرام ان كان التوصل الى تحصيله أو إبقائه بارتكاب ذنب كالكذب في الأقوال و الأفعال و هو الخداع بإظهار انه عالم أو ورع أو شريف ليعظم محله في القلوب بذلك و هو بخلافه و من الخداع بيع العبادة و هو الرئاء و هو في الأفعال و التورع في التروك و هذا هو الفرق فجعلها وسيلة الدنيا خيانة على الدين كما في حديث (الكافي) أمير المؤمنين عليه السلام في وصف حملة العلوم يستعمل آلة الدين للدنيا. و الا فمباح سواء كان بإظهار ما فيه من المحامد كقول

يوسف عليه السلام لما تعرف الى الملك اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. و ليس في الآية لفظة رب كما يوجد في النسخ فان لم يكن سهوا فدعاء بما فيه من الإشارة إلى استدعاء نبي اللّٰه أو بكتمان ما فيه من المساوي كالذي يستر عيوبه عن الناس من غير ان يتحمل إليهم بالتورع فإنه ليس فيه تلبيس و قد ورد الأمر بإخفاء العيوب و النهى عن التهتك كما مرت الإشارة اليه و سواء كان على وفق حاله بحسب شرفه و مروته أم لا فان ذلك كله داخل في المباح الا قدرا يعين على الطاعة أو ضرورات المعيشة مع الخلق كاستمالة قلب خادم يتعهد الخدمة فيتفرغ للتوجه إلى العبادة و المطالعة أو رفيق يعاون على بعض الخيرات التي لا يتخرج هو وحده عليها أو سلطان يدفع عنه الشر و يتقوى به على الخير ف ان حب هذا القدر من الجاه متجاوز عن مرتبة الإباحة مستحب أو واجب بحسب قلة الاحتياج و كثرته و قوة النفس و ضعفها و فيه آفات دينية و دنيوية كالنفاق ففي الحديث النبوي حب الجاه و المال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. و اضطراب القلب لشغله برعاية القلوب لئلا تنفر عنه مع تخالف ميولها بحيث تتعذر مراضاتها جميعا و كثرة تقلبها و من ثم سمى القلب قلبا و عدم ثباتها على حال واحدة حتى قيل ان المراد لأمر المبتني على قلوب الناس أشبه شي‌ء بما يبنى على أمواج البحر فالمشفق من تغير منزلته في القلوب قد أوقع نفسه في شغل شاغل لتثبيت جاهه و حفظه و دفع كيد الحساد و منع أذى الأعداء لانه محسود مقصود بالإيذاء من أكفائه و غيرهم و كل ذلك اشتغال عن اللّٰه و غموم عاجلة منغصة للذته في الدنيا قبل الآخرة و سببه هو سبب حب المال و هو أحد أمرين جلي و خفي اما الأول فهو طول الأمل و خوف الآفة فإن الإنسان و ان كان مكتفيا في الحال الا انه يخطر بباله ان المال الذي فيه كفائته ربما يتلف بنوائب الزمن في المدد المتطاولة التي يقدر لنفسه الحياة فيها فيحتاج الى غيره فإذا خطر له هذا الخاطر هاج الخوف من قلبه و لا يدفع هذا الخوف الا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفرغ اليه ان أصابت هذا المال جائحة فهو ابدا لتقديره طول الحياة و هجوم الحاجات و تطرق الآفات إلى الأموال في وجل و لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال حتى لو ملك واديين من ذهب لأحب ان يكون معهما ثالث كما في الحديث و في آخر منهومان لا يشبعان منهوم بالعلم و منهوم بالمال و هذه العلة بعينها مطردة في حب الجاه و قيام المنزلة في قلوب الأباعد عن وطنه و بلده فإنه لا يخلق عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن

أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه و يحتاج إلى الاستعانة بهم و هذا و هو السبب في حب المال و الجاه المقصودين لغيرهما و اما الثاني فهو استدعاء الطبع الكمال و هذا هو السبب في القسم المحبوب بالذات منهما و ذلك لتحقق الطبع الربوبى المقتضى للكمال في الإنسان كالسبعى و البهيمى و الشيطاني فكما ان الطبع السبعي فيه يستدعي رغبته في الظفر و الغلبة و البهيمى الأكل و النكاح و الشيطاني الجربزة و الخديعة و ان كانت الطباع متفاوتة في هذه المقتضيات كذلك يستدعي الطبع الربوبى الرغبة في مقتضاه و هو الكمال المطلق و إذ يمتنع عليه درك منتهى الكمال لا يسقط شوقه الى القدر الممكن منه فهو طالب له ملتذ بقدر ما يناله منه لذاته لا لمعنى أخر وراء الكمال فيحب الاستيلاء على الموجودات لانه غاية ماله القدرة عليه من كمال الربوبية و تختلف مراتبه باختلاف أحوال الموجودات و أبلغها الاستيلاء بالاسترقاق و التملك ان أمكن كما في الأجساد الأرضية و هي البسيطة بما عليها من المعدن و النبات و الحيوان و غيرها و هي متفاوتة في مراتب العزة و النفاسة و نقيضيهما تفاوتا عريضا و تختلف درجات الشوق الى تملكها و الإحاطة بها بحسب ذلك ثم الاستيلاء بالاستماله كما في القلوب فإنها ضرب من ضروب التملك به يسترق الأحرار كما عرفت و كلما كان الحر أجل قدرا و أوقع محلا كانت العناية باستمالة قلبه أكثر ثم بالاطلاع و الإحاطة العلمية كما في السماويات من الأجرام و الأوضاع و عالم الملكوت و ما فيه من اسرار القدرة و كذا ذات اللّٰه و صفاته و عجائب عالم الملك من الجبال و البحار بما فيهما و غير ذلك فان النفس تلتذ بالعلم بها لان المعلوم المحاط به كالداخل تحت القدرة و العالم كالمستولى عليه و الاستيلاء كيف كان كمال محبوب بالطبع و علاجه عدة أمور علمية و عملية فالعلميه ذكر افات الدنيا و كثرة تقلبها بأهلها لا سيما ذوي الجاه فان أعظمهم الملوك و هم أشفق الناس قلبا و أكثرهم قلقا و أقلهم أمنا لأنهم مقصودون بالأذى من إخوتهم و أولادهم و أخص خواصهم و أقاربهم فضلا عن الأباعد و قد عاصرنا فيما مضى من عمرنا و هو دون الخمسين سنه بضعة عشر ملكا في قطرنا كل واحد منهم جالوت زمانه لم يمت أحد منهم على فراشه حتف أنفه إلا قتلا بالسيف في أسوأ حال على أيدي أراذل الأرذال و هذه حال الدنيا و خساستها و انه لو كانت تسوى عند اللّٰه جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربة ماء كما في المتفق عليه فكيف يرغب العاقل فيها و في جاهها و انه كمال وهمي لا حقيقي و حسبانه كمالا و عقد القلب عليه من اغاليط

الوهم كما يغلط في غيره من المواضع و تلتبس عليه الأشياء بأضدادها و ذلك لأنه أمر معرض للزوال بما يعترضه من الآفات المذكورة و غيرها و لو فرض سلامته عنها و استمراره لصاحبه مدة الحياة فلا ريب انه يزول بالموت و هو مترقب في كل ان فلو فرض انبساطه بحيث يسجد له جميع من في الأرض فعما قليل يفنى الساجد و المسجود و يلتحقون بالأولين من الملوك و المتذللين لهم ممن طحنهم الموت و قطع دابرهم و هكذا حال المال أيضا فإن من ملك خزائن الدنيا يفارقها عن قريب و يخرج منها صفر اليد كيوم قدم الى الدنيا بل قدمها خالي الذهن خفيف الظهر و فارقها و في قلبه من الحسرات ما لا يعلم به الا اللّٰه و عليه من الأوزار أضعاف ذلك فالإعراض التي هذه حالها ما أبعدها عن الكمال الربوبى و لا سيما الجاه فان في التشبه بالسباع من حيث التوسع في البطش و الاعتداء و الشياطين من حيث التلطف الى القلوب و المكيدة في جلبها و البهائم من حيث التسرح في الشهوات فإنها كلها من لوازمه غالبا و هي في غاية البعد عن صفات الربوبية و اما الكمال الحقيقي المقارب لها في الثبات و السلامة عن الزوال فمعرفته تعالى و محبته المترتبة عليها و ما يعين عليها من الآلات و المقدمات العلمية و العملية لبقائه بعد الموت و ابتهاج صاحبه به إذ ذاك و فيه التشبه بالأنبياء المتخلقين بأخلاق اللّٰه و الملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة و لا يستهويهم الغضب و قد وقعت الإشارة إلى القسمين في قوله عز و جل الْمٰالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ الْبٰاقِيٰاتُ الصّٰالِحٰاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوٰاباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا. فتلخص مما ذكر ان الاستيلاء المعدود في بادى النظر كمالا ربانيا مطلقا ترجع اقسامه كلها الى العلم و القدرة و القدرة بنوعيها المالي و الجاهى ليست من الكمال في شي‌ء و ان سبق الوهم الى ذلك و اما العلم فينقسم الى ما يبقى و ما يزول و الزائل هو المتعلق بالممكنات من حيث هي هي و حكمه حكم القدرة و الباقي هو المتعلق به تعالى و ما يستتبعه كل شي‌ء هالك الا وجهه. و هذا هو الكمال و ما سواه جهل و ضلال أو حسرة و وبال و من عرف حق الكمال من باطله صغر الجاه في عينه الا انه انما يصغر في عين من ينظر الى الآخرة كأنه يشاهدها و يستحقر العاجلة و يكون الموت كالحاصل عنده و أبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها الى مشاهدة العواقب كما قال اللّٰه تعالى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ. و قال كَلّٰا بَلْ تُحِبُّونَ الْعٰاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ. فمن ثمة كان العلاج بما ذكر ضعيفا في حقهم و العلاج الأقوى هو العملي و المذكور

هنا أمران أحدهما القناعة فإن من قنع استغنى عن الناس و إذا استغنى عنهم لم يشتغل قلبه بهم و لم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن و لم يبال أ كانت له في قلوبهم منزله أم لا كما لا يبالي ذلك في قلوب الذين هم منه في أقصى الشرق و هذا انما ينفع علاجا في الجاه المحبوب للمال و الآخر الاغتراب الى حيث يخمل ذكره و يكف نفسه عن التعرف إلى اهله و استحداث جاه جديد اما الاعتزال عن الناس في الوطن و التنزل عن المرتبة التي كان مترتبا عليها ف ربما يتراءى انه مما يمكن الخلاص به عن هذا الداء الدفين و افاته لكنه لا يخلو عن مغالطة و ذلك لمعرفة الناس به و تقرر منزلته في قلوبهم فربما يكون غروف نفسه عن مخالطتهم و ميلها الى الانقطاع عنهم بسبب انها ظفرت بمقصودها فسكنت و لو تغيروا عما اعتقدوه فيه أو نسبوه إلى أمر غير لائق جزعت نفسه و تألمت و ربما توصلت الى الاعتذار عن ذلك و إماطة الغبار عن قلوبهم و هذا علامة بقاء شي‌ء من حب الجاه بعد في قلبه و انه لما يفارقه المرض بالكلية فمن ثم كان الاغتراب أقوى و هذا مما ينفع في القسمين ثم ان الكلام في حب المدح ينساق مساق الكلام في حب الجاه لانشعابه عنه و يتبعه كراهة الذم و الناس فيهما على مراتب متنزلة الاولى و هي الأولى كراهة المدح و حب الذم فيمقت المادح لانه فتنة له و يحب الذام لانه مهد اليه حسناته و منبه له على عيوبه و في الحديث النبوي رأس التواضع ان تكره ان تذكر بالبر و التقوى. و فيه (ا) ويل للصائم و ويل للقائم و ويل لصاحب الصوف الأمن قيل يا رسول اللّٰه الأمن فقال الأمن تنزهت نفسه عن الدنيا و أبغض المدحة و استحب المذمة. و هذه شديدة غريزة المنال جدا لا مطمع لنا فيها و من ثم طواها المصنف ثم التسوية بين المدح و الذم فلا تغمه المذمة و لا تسره المدحة (1)و هذه قد يظنها بعض المجاهدين بنفسه فلا بد له من امتحانها و تعرف ب علاماتها و هي تسوية المادح و الذام عنده في استثقال جلوسها أو طوله عنده فلا يجد في نفسه استثقالا للذام أكثر مما يجده في المادح و تسويتهما في الفرح بسرورهما و الغم بمصيبتهما فلا يكون فرحه بسرور المادح أو غمه بمصيبته أكثر من فرحه بسرور الذام و غمه بمصيبته و نحوه التسوية في نهضته لقضاء حوائجهما و توحشه عن انقطاعهما عن مجلسه و عفوه عن زلتهما فمن وجد من نفسه هذه العلامات و أمثالها فهو من أهل هذه المرتبة و ما أبعدها و أصعبها على القلوب و أكثر المتهذبين فرحهم بالمدح مستبطن في قلوبهم و هم لا يشعرون و ربما يشعر بعضهم بميل قلبه الى المادح دون الذام فيعلله الشيطان بان


1) قال أفلاطون إذا علمت من نفسك انك لا تحزن بالذم و لا تفرح بالمدح فقد صرت حكيما منه عفى عنه

المادح قد أطاع اللّٰه بمدحك و الذام قد عصاه بذمك فميلك الى هذا و كراهتك لذاك من الدين و هو من الجهل المحض لأن في الناس من يعبد اللّٰه بأعظم من مدح المادح و هو لا يحبه حبه و فيهم من يعصيه بأكبر من ذم الذام و لا يكرهه كراهته و ايضا المادح الذي أطاع اللّٰه فيه قد يعصيه بمذمة غيره و الذام الذي عصاه فيه قد يطيعه بمدح غيره و هو لا يكره و لا يحب لذلك و علامة الصدق التسوية بين مدحه و مدح الغير و ذمه و ذم الغير و هذه من قواصم الظهور ثم حب المدح و كراهة الذم في الباطن من دون إظهار قول و لا فعل يدل على ارتياح القلب بالمدح و تكدره بالذم و هذه مما لا تتعسر كثيرا على بعض ثم حب المدح مع إظهار القول و الفعل الدالين عليه كالثناء و البشاشة و الثواب و كراهة الذم بإظهارهما كالسب و التقطيب و الطرد أو الضمير راجع الى الحب و الكراهة و هذه أدون المراتب و أكثرها شيوعا و حب المدح كحب الجاه فيما ذكر من أحكامه حرمه ان اشتمل على معصية من كذب أو إزراء بمؤمن و نحو ذلك و اباحة إن خلا عنها مع استثناء ما استثنى ثمة مما يستعان به على الواجب فواجب أو المندوب فمندوب أو يراد بها المعنى العام و انما أجمل اعتمادا على ما سبق من البيان و المدح كالجاه نفعا في الدنيا بالإيصال إلى المقاصد و التذاذ النفس بحصول كمالها و ضرا في الدنيا و الذين بالآفات المذكورة للجاه فيهما كلا أو بعضا و سبب حب ه استلزامه أحد أمور ثلاثة أحدها و هو الأقوى الشعور بكمال النفس فان الكمال محبوب و الشعور به لذيذ و المدح مما يشعر به و الثاني الشعور ب الاستيلاء على المادح فان المدح يدل عليه على أحد وجهين اما ان المادح محب و مريد للممدوح و انه مستول على قلبه و اما انه مغلوب متذلل له مضطر الى الثناء عليه فان الحشمة ايضا لذيذة لما فيها من القدرة و الاستيلاء كيف كان محبوب كما تقدم فالشعور به لذيذ و الثالث ان ثناء المثنى و مدح المادح سبب للصيت و استمالة قلوب السامعين الى الممدوح و قد عرفت انه محبوب لذيذ و هذا من أنواع الاستيلاء أيضا الا انه على غير المادح و تتفاوت مراتب حبه و الالتذاذ به قوة و ضعفا باختلاف الأشخاص و الأحوال فيقوى الالتذاذ مهما صدر المدح من الخبير المعتبر القول الذي لا يجازف فيه لان الشعور بكمال النفس فيه أقوى و اثبت فالفرح به أعظم كفرح التلميذ بثناء أستاده عليه بالفضل و الكياسة فإنه في غاية اللذة فان صدر ممن لا خبرة له أو لا وثوق بقوله ضعفت و كذا

إذا صدر من المترفع العظيم الخطر كالملوك و الأكابر فان العناية بالاستيلاء على قلوبهم شديدة و الانتفاع باقتناصها عظيم و كذا المتمتع المتعزز إذا تذلل بإطلاق اللسان بالثناء اضطرارا فان الالتذاذ بمدحهم أعظم منه بمدح الاسقاط و السفلة و كذا يقوى الالتذاذ إذا اتفق المدح في الملاء و المجمع لكثرة السامعين المأمول استمالة قلوبهم فهو أقوى نفعا من المدح في الخلوة فيعظم حبه و الالتذاذ به و ربما تجتمع هذه الأسباب في مدح مادح فتقوى اللذة به جدا و علاجه علاج أصله الذي هو حب الجاه بما ذكر من العلم و العمل و يزيد هنا في المسبب عن الأول علمه بأن الصفة الممدوح بها ان فقدت فيه ف مدحه بها استهزاء به نظير ان يقال له ما أكثر العطر الذي في احشائك و ما أحسن الروائح التي تفوح منك إذا قضى حاجته و هو يعلم ما تشتمل عليه امعاؤه من الأقذار و الانتان فان الفرح بمثل هذا المدح غاية السفه و ان وجدت فيه ف لا تخلو اما ان تكون دنيوية كالثروة و الجاه و نحوهما أو دينية كالعلم و الورع و الدنيوية كمال وهمي كما علمت فلا تستحق الفرح بها و ان فرح فلا ينبغي ان يفرح بمدح المادح بل بوجودها و المدح ليس سبب وجودها و الدينية و ان كانت كمالا حقيقا تستحق الفرح بها الا انها انما تستحقه من حيث انها تقرب الى اللّٰه زلفى و تنفع في القيمة فهي موقوفة على الخاتمة و هي غير معلومة و خطرها باق و الفرحان بها على رجاء حسن الخاتمة ينبغي ان يكون فرحه بفضل اللّٰه عليه بالعلم و التقوى لا بمدح المادح و سبب كراهة الذم نقائص الأسباب المذكورة لحب المدح و هي الشعور بنقص النفس و هو مكروه مؤلم فالذم المشعر به كذلك و الشعور بالمغلوبية و استيلاء الذام و انحراف قلوب السامعين و تقوى حيث يقوى و ربما تقوى من الساقط الذليل ايضا خصوصا للمتعزز و علاجها زيادة على ما سبق العلم بأن الصفة المذموم بها على وجه التعنت ان وجدت فيه ف الذم تبصير له بما عمى عنه من العيوب لان النفس المحبوبة لا تخلو عن ذمائم مغفول عنها بالجهل البسيط أو المركب أو معلومة مسامح بها و انما ينبه عليها السنة الأعداء و يبعث على التخلي عنها ذمهم فينبغي فيه الفرح و تقلد المنة عنهم و الشغل بالإزالة فإن من قصد الدخول على الملك و ثوبه ملوث بالعذرة و هو لا يدرى و لو دخل كما هو لحيف عليه ان يحز رأسه لتلويثه المجلس بالعذرة فقال له قائل ايها الملوث بالعذرة طهر ثوبك فهذا يليق ان يفرح به و يغتنم إرشاده و نصحه و تشكر نعمته و جميع المساوي مهالك في الآخرة يفطن لها الإنسان من مقالات أعدائه و اما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين نفسه فالضرر عليه و النفع للمذموم و ان فقدت

بان افترى عليه ما ليس فيه فكفارة الذنوب إذ لا يخلو عنها غالبا أو رفع الدرجات بإهداء حسناته اليه و اللائق فيه الشكر للّه تعالى من وجوه (ا) سقوط سيئاته عنه من غير تعب فان المفتري رماه بما هو عنه بري‌ء و طهره عما هو عنه غير بري (ب) توفر حسناته من غير تعب ايضا فيثقل في القيمة ميزانه باعمال غيره و كلاهما من جلائل النعم المشكورة (ج) انه و ان خلا عن الصفة المرمى بها فلا يخلو عن أمثالها و أخواتها و ما ستر اللّٰه على الذام من عيوبه أكثر فليشكر اللّٰه إذ لم يطلعه على عيوبه و دفعه عنه بذكر ما هو بري‌ء عنه و ينبغي الترحم عليه إذا هلك نفسه بالافتراء و التعرض للعقاب و تضييع الحسنات و الدعاء له بالإصلاح و الهداية كما ورد عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله من قوله اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، حيث كسروا سنه و سال الدم في وقعة أحد

[باب التواضع]

باب التواضع و هو عرفا الوسط العدل بين تفريط التكبر و إفراط التخاسس كما سلف و عن ابى الحسن عليه السلم التواضع ان تعطى الناس ما تحب ان تعطاه و ورد في الحديث النبوي ما تواضع أحد للّه الا رفعه اللّه. و عن الصادق عليه السلم في عدة روايات من تواضع رفعه اللّٰه و من تكبر وضعه اللّٰه. و في النبوي ايضا انه الشرف، و في الصادقي انه أصل كل شرف نفيس و مرتبة رفيعة و لو كان للتواضع لغة يفهمها الخلق لنطق على حقائق ما في مخفيات العواقب. و قد قوبل فيما مضى بالكبر و هو الخلق الباطن الكامن في الصدر كما قال تعالى إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلّٰا كِبْرٌ. و التكبر هو اتباع الكبر في الأعمال الظاهرة و الحركات الخارجة و الكبر هو ان يرى نفسه فوق غيره في صفة من صفات الكمال لخلوه عنها و عما يساويها بزعمه فيحصل به في قلبه نفخة و هي التي استعاذ عنها النبي صلى اللّٰه عليه و آله بقوله اللهم إني أعوذ بك من نفخه الكبرياء و آثار كثيرة بعضها في نفسه و بعضها بالنسبة إلى غيره فمنها الترفع على المتكبر عليه في المجلس و التقدم عليه في الطرق أو في مضائقها و الاختيال و هو التبختر في المشي و لو وحده و النظر إلى الأشياء بالمآقي و هي مؤخر (1)العين انفة عن التوجه إليها بتمام الوجه و الى المتكبر عليه أو الأعم بعين الاستحقار إذ لا موقع للمنظور إليه في قلبه و تعويج العنق عند الالتفات الى جانبيه انفة عن التحول بالشق و اطراق الرأس بإرخاء العينين بالنظر الى الأرض و الاتكاء جالسا من


1) المؤخر كمؤمن طرف العين م

غير ضرورة سيما على الوسائد و حب قيام الناس له و بين يديه كسيرة الأعاجم و السير راكبا مع المشاة من غير علة به و ترك الخروج من المنزل الا بشخص أو أكثر عقيبه أو امامه و الاستنكاف من عمل البيت الغير المنافي لمروته بنفسه و من حمل السلعة من السوق أو غيره اليه كذلك مع انهما من سير الأولياء و في المتفق عليه ان فاطمة عليها السلم كنست البيت حتى دكنت ثيابها و طحنت بالرحى حتى مجلت يداها. و ان أمير المؤمنين عليه السلم اشترى لحما بدرهم فحمله في ملحفته فقيل له نحمل عنك قال لا أبوا العيال أحق ان يحمل. و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم انه نظر الى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا و هو يحمله فلما رآه الرجل استحيي منه فقال له أبو عبد اللّٰه عليه السلم اشتريته لعيالك و حملته إليهم اما و اللّٰه لولا أهل المدينة لأحببت ان اشترى لعيالي الشي‌ء ثم أحمله إليهم. و الاستنكاف من احتمال الأذى مع انه من احمد الصبر كما مر و من لباس الدون بحسب حاله و في الحديث جودة الثياب خيلاء القلب و عوتب على عليه السلم في إزار مرقوع فقال يقتدى به المؤمن و يخشع له القلب. و ربما يكون تجويد الثياب من التجمل الممدوح كما يأتي في محله و منها الغضب على من لا يبدأ بالسلام عليه عند التلاقي و ان كان أكبر سنا أو ماشيا و هو راكب أو جماعة و هو منفرد و الاهتمام بعدم ظهور اصابة الخصم المناظر له في المقاصد العلمية و الإنكار عليه انفة عن الانقياد له بالحق كما أخبر اللّٰه تعالى عمن كانت هذه حالهم بقوله عز و جل وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا. و هذه الآثار مما تختلف فيها أحوال المتكبرين فمنهم من تجتمع جملتها فيه و منهم من يتصف ببعضها مع الخلو عن البعض الآخر أو الاتصاف بنقائضها بحسب الداعي و قوته و ضعفه و المجاهدة و عدمها و آفاته الدينية و الدنيوية كثيرة منها منازعته تعالى في رداء جلاله فعن ابى جعفر عليه السلم الكبر داء اللّٰه و المتكبر ينازع اللّٰه ردائه. و بغضه لان اللّٰه لا يحب المستكبرين و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله من تعظم في نفسه و اختال في مشيته لقي اللّٰه و هو عليه غضبان.

فتأمل و عمى القلب لقوله عز و جل كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ. و قيل في قوله تعالى سَأَصْرِفُ عَنْ آيٰاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ان المعنى سارفع فهم القرآن عن قلوبهم و قيل ساحجب قلوبهم عن الملكوت و الذل في الناس فان من تكبر وضعه اللّٰه كما تقدم و عن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلم ما من عبد الا و في رأسه حكمة و ملك

يمسكها فإذا تكبر قال له اتضع وضعك اللّٰه فلا يزال أعظم الناس في نفسه و هو أصغر الناس في أعين الناس و إذا تواضع رفعها اللّٰه ثم قال له انتعش نعشك اللّٰه فلا يزال أصغر الناس في نفسه و ارفع الناس في أعين الناس و البعث على كثير من الذمائم فان الرذائل يجر بعضها بعضا كما سلف كتعيير الخلق اى نسبتهم الى العار و هو كل ما يلزم به عيب و جحد الحق كما حكى اللّٰه من أحوال الأمم و استكبارهم عن متابعة الأنبياء و قولهم ا نؤمن لك و اتبعك الأرذلون و ما نراك اتبعك الا الذين هم أراذلنا. و من ثم فسر الكبر في الحديث النبوي و غيره بأنه تسفيه الحق و تغميص الناس. اى تحقيرهم و الطعن عليهم و حب الجاه و الحسد كما سبق و الحجب عن كثير من الفضائل كالتواضع فان وجود أحد الضدين ينفى الآخر و الحلم لاستنكافه عن احتمال الأذى و النصيحة فإنه يرى بنفسه ما لا يرى و بغيره فلا يحب له ما يحب لها و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر لاضطراره الى مداهنة أهل المعاصي صيانة لحشمته و الاستفادة عن المشايخ و المعلمين فإنها لا تتأتى إلا بالتواضع و التملق و قد تقدم حديث عيسى عليه السلم ان الحكمة تعمر بالتواضع لا بالتكبر و كذلك الزرع ينبت في السهل لا في الجبل. و مجالسة الصالحين و اكتساب الخيرات و السعادات من بركاتهم و غير ذلك مما يحرم عنه أصحاب هذا الخلق المذموم ثم التخاسس كتأخر عالم في المجلس أو الطريق عن الخصاف و هو رافع النعل و استقباله الى باب الدار إذا دخل عليه و تقديم نعله اليه و تشييعه اليه عند الخروج و نحو ذلك مذموم ايضا كالتكبر فان مثل هذا انما يحمد منه بالنسبة إلى شيخه و من يحذو حذوه من العلماء. المبجلين دون الخصاف و التواضع المحمود معه إنما يتأدى بعدم الاستحقار له و تقرب مجلسه و ترحيبه و إظهار البشر في وجهه و الرفق و الملاطفة في محاورته و الإصغاء لكلامه و تطييب قلبه بالكرامة و اجابة الدعوة و السعى في الحاجة ان كانت الى غيره و إنجاحها ان كانت اليه و نحو ذلك لكن التكبر أفحش من التخاسس لان آفاته أكثر كما ان البخل أفحش من الإسراف و الفجور من الخمود و الجربزة من البله و المحمود المطلق الذي لا فحش فيه هو الوسط العدل و وضع الأمور في مواضعها اللائقة بحسب الشرع و العادة و سببه العجب فان المعجب بنفسه يستعظمها فيراها فوق الغير و هو الكبر الباطن و تترتب عليه الآثار المذكورة و غيرها في الخارج و هو التكبر حقيقة و قد يطلق اسم التكبر مجازا لعلاقة المشابهة في وجود بعض آثاره على الأثر المنبعث

من غيره اى غير العجب من الذمائم التي ربما تترتب عليها تلك الآثار كلا أو بعضا كالحقد فإنه ربما يبعث على الترفع على المحقود و الاستنكاف عن مفاتحة بالسلام و احتمال أذاه و نحو ذلك فيسمى هذا الترفع و الاستنكاف تكبرا و ان لم ير الحقود نفسه فوق المحقود و كذا الحسد فان الحسود قد يجحد حق المحسود و يعيره و يستنكف عن التواضع له من غير ان يرى نفسه فوقه و كذا الرئاء فإنه مما يبعث ايضا على أخلاق المتكبرين فان الرجل قد يناظر من يعلم انه أفضل منه و ليس بينهما محاسدة و لا محاقدة و لكنه يتمنع من قبول الحق منه و الإقرار له بالفضل حذرا عن مقالة الناس انه أفضل منه و يختص هذا بالملإ و لو خلا معه بنفسه لأقر له و اما التكبر للعجب و الحقد و الحسد فلا يتفاوت فيه الخلا و الملأ إلا إذا انضم الرئاء ايضا فيقوى في الملإ و يضعف في الخلإ فصارت أسباب التكبر اى الآثار المذكورة أربعة الكبر المسبب عن العجب و الحقد و الحسد و الرئاء و سبب الحقيقي منها هو الأول لا غير و علاجه قلع العجب عن النفس فإن الأمراض لا تعالج الا بقلع أسبابها كما مر مرارا و ذلك متوقف على معرفة السبب و الإحاطة بحقيقته ليكون المعالج على بصيرة من امره فالعجب هو استعظام النفس و ذلك باستعظام خصالها الكمالية الخاصة التي هي من النعم الإلهية مع الركون إليها و الفرح بها من حيث انها خصال مضافة اليه نفسه و نسيان الإضافة إليه تعالى و الأمن من الزوال و التكدر لا باعتقاد انها لا تزول و لا تتكدر فان ذلك يستحيل من العاقل بل بالغفلة عنهما و لو عطف الزوال على الإضافة بحذف المصدر و الجار ليندرج تحت المضاف لكان أخصر و أجود فمن راى النعمة منه تعالى و فرح بها من حيث انها كرامة منه عز و جل له و خاف علي ها من الزوال و التكدر لا يكون معجبا و ان استعظم الخصلة بل اللائق استعظام النعم فإنه ادعى الى الشكر و هو غير الإدلال فهو عجب بالعمل مع رؤية حق النفس عنده تعالى و انه منه بمكان يقال أدل عليه إذا وثق بمحبته فأفرط عليه و ذلك كمن يعطى غيره شيئا و يستعظمه و يمن عليه فيكون معجبا فان استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات و استبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان مدلا عليه فهو فوق العجب و أفحش منه فورد عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه اتى عالم عابدا فقال له كيف صلاتك فقال مثلي يسئل عن صلاته و انا أعبد اللّٰه منذ كذا و كذا قال كيف بكاؤك قال ابكى حتى تجري دموعي فقال العالم ان ضحكك و أنت خائف أفضل من بكائك و أنت مدل ان المدل لا يصعد من عمله شي‌ء و بمضمونه غيره و يعرف المدل بالتعجب عن رد دعائه لأنه يتوقع اجابته و عن استقامة حال مؤذية لأنه يتوقع اختلالها

بسبب ما يراه في نفسه من الحق عليه تعالى و لا يتعجب من رد دعاء الفساق و لا استقامة أحوال أعدائهم لأنه لا يرى لهم من الحق ما يرى لنفسه و العجب غير الكبر ايضا لكونه أثره المسبب عنه كما تقدم و استدعائه المتكبر عليه فإنه لا يتصور ان يكون متكبرا الا ان يكون معه غيره و هو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال فعند ذلك يكون متكبرا بخلاف العجب فإنه لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده لتصور ان يكون معجبا هذا ما قرره الإمام أبو حامد في الأحياء و تبعه عليه المصنف و غيره و فيه ان ما هو بصدد إثباته من تغاير الكبر و العجب مسلم فان الكبر من مقولة الإضافة و العجب من مقولة الكيف أو الفعل لكن ما ذكره في البيان من تحقق العجب بالمعجب نفسه من دون توقف على شي‌ء آخر ممنوع لان ما ذكر في رسمه من استعظام النفس لا يكاد يتحقق إلا بالنسبة إلى الغير فإن الغني المعجب بماله انما يستعظم نفسه بالقياس الى الفقير الذي لا مال له و من ثم تراه إذا جالس من هو اغنى منه استصغر نفسه و استحقر نعمته و كذا المستعظم لعلمه أو عمله أو غيرهما مما يعجب به يستصغر نفسه في مشهد من هو أكمل منه في تلك الخصلة المستعظمة و انما يستعظمها بالإضافة إلى العاري عنها أو الناقص فيها و لأجل ذلك أدرجنا في الرسم قيد الاختصاص في الخصال فتأمل و آفاته الهلاك فإنه من الثلاث المهلكات كما تقدم في الحديث النبوي و هي الكلمة الجامعة و البواقي تفصيل لها و بيان لأسبابه و هي نسيان الذنوب لقلة اكتراثه بها و استحقار ما ربما يتذكره من ها أحيانا و قد علمت ما فيه من التشديد و يدعو ذلك الى ترك التدارك بالتوبة و غيرها مما ذكر و المعجب بالعبادات التبجح بها يعمى عن عيوبها فيترك تفقد آفات العمل من الشوب و التضييع و الاستخفاف و الاستثقال و الرئاء و السمعة و المن و الأذى بعد الصدقة و غيرها ليحترز عنها كل ذلك على زعم انه مغفور اعتمادا منه على عظيم خصلته بزعمه و ينجر الاغترار به الى الأمن من مكره تعالى و هو من الكبائر كما تقدم و المعجب بعلمه يلزمه الاستنكاف من التعلم و الاتعاظ و الحرمان عن فوائدهما اكتفاء بما عنده و من آفات العجب أيضا تزكية النفس و الثناء عليها و قد نهى اللّٰه عن ذلك بقوله فَلٰا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ و سببه أحد أمرين اما خبث الطبع و ضيق الحوصلة عن النعمة و هو من الأدواء الجبلية الممتنعة البرء و انما يعلل بالمجاهدة و الرياضة ليفل حده و تقل غائلته كما سبق نظيره و اما الجهل

بالحقائق و يندرج فيه اعتقاد كمال النفس فإنه جهل مركب و انما أفرد اهتماما فيراد بالأول البسيط و هذا مما يرجى برؤه و علاجه بالعلم و العمل و الأول قلع السبب و يتحقق ذلك بمعرفة أحوال النفس المعتقد كمالها و معرفة حقيقة الكمال و معرفة حقائق الخصال التي تستعظم و تظن كمالا و تنحصر مجامعها بالاستقراء في العلم و العمل و الشرف و الجمال و المال و القوة و العشيرة و تتحصل هذه المعارف بوجهين أحدهما بالنظر في حقارة النفس و مهانتها اللازمة الدائمة فإنه قد اتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا و لا شي‌ء أخس من العدم المطلق و الليس الصرف ثم وجد بوجود ناقص ضعيف معار في مدة قليله و أحوال خسيسة فأولها النطفة المذرة و آخرها الجيفة القذرة و ما بينهما حمالة العذرة كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام و هذه عوارض للنفس بحسب البدن الملابس لها و قد وكل به الأقذار في جميع اجزائه الرجيع في امعائه و البول في مثانته و المخاط في انفه و البصاق في فيه و الوسخ في اذنه و الدم في عروقه و الصديد تحت بشرته و الصنان تحت إبطه يغسل الغائط كل يوم مرة أو مرتين بيده و يتردد الى الخلاء ليخرج من بطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلا ان يمسه أو يشمه و لو ترك نفسه يوما لم يتعهده بالتنظيف و الغسل لثارت منه الاثنان و الأقذار و النظر في أحوالها الهاجمة الواردة فجاة أو بغير اختيار من هجم عليه هجو ما إذا انتهى اليه بغتة أو دخل عليه بغير اذن كالمحن و الشدائد التي لا تطيق دفع أهونها من السقم و الألم و الهرم و الفقر و موت الأحباب و تسلط الأعداء و تعسر الأمور و غير ذلك مما يدل على ضعف الإنسان و عجزه و انه مربوب ذليل مضطر لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا و النظر في أعمالها و خساسة ثمنها فاجرة أجير يعمل طول النهار و يحمل الأثقال على ظهره في شمس الصيف أو يحرس طول الليل المظلم في برد الشتاء درهم أو درهمان في العرف العام و انما يعطى هذا المال الخسيس بالاستخدام على الدوام في جميع الوقت المشروط و لو أخل بها في جزء يسير حوسب عليه و نقص من أجرته و الإلقاء بالنفس في الاخطار و المهالك كذلك فإذا علم هذا و شفع ذلك بالنظر في كرمه تعالى عليه بالتوفيق للعمل و الأقدار عليه بتهيئة الأسباب التي لا تتهيأ الا بكرمه عز و جل و رفع الموانع التي لا ترتفع الا بكرمه سبحانه ايضا و وعده الثواب الجزيل المخلد على ساعة من العمل المعيوب استحى من نفسه و استحقر عمله و وجد نفسه في عجبه و استعظامه لصلاته أو تسبيحه أو غيرهما مما يعجب به نظير سوقي خامل بائس فاقد لقوة السمع و البصر و الفهم و البطش و المشي و سائر الحركات فتفقده الملك و أكرمه و أسبغ عليه النعمة و أصلح أحواله حتى عاد

سميعا بصيرا موسرا قادرا قويا و رتب له جميع ما يرتفق به في معاشه من المطعم و المسكن و الملبس و المركب و من أسباب الزينة و التجمل و التفكه مثل ذلك و امره أن يأتي كل يوم باب السلام و يمكث هناك هنيئة مع أمثاله من المأمورين و يرجع و وعده ان يجزل له يوم العرض العام بإزاء هذه الخدمة اليسيرة ضروبا من الإنعامات مما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ثم انه بعد ما اعتدلت أحواله يركب كل يوم مركبة الذي أعطاه الملك و يغدو الى الباب كما أمر لحظه خفيفة ثم يعود مرحا الى ما واه مترفا مسرفا في اتباع هواه مشتغلا باللذات متوسعا في الشهوات متنعما بالطيبات التي أدرها له الملك ثم يكون هذا الغافل الكفور مستصغرا جميع هذه المحامد الجليلة و مستعظما غدوة الى الباب و معجبا به و هل هذا الا جهل و شقاء و سفه و قلة حياء بل حال المعجب بعمله أفحش و أشنع من حال هذا الجاهل أضعافا مضاعفة لا تحصى على مقدار التفاوت بين كرمه و نعمه تعالى و كرم الملك المفروض و نعمه و في بعض الآثار ان عابدا من بنى إسرائيل كان مقيما في كهف و بجنبه عين ماء و أشجار مثمرة كان مكتفيا بها العابد فمكث ما شاء اللّٰه صائما نهاره قائما ليله فدخله العجب فلما أفطر ليلته بشي‌ء من الثمار و ذهب الى العين ليشرب على عادته رآها قد غارت و لا ماء فاضطرب و اشتد به العطش فانحدر من الجبل بطلب الماء فلقيه ملك في هيئة رجل معه قربة من ماء فقال له العابد اسقني سقاك اللّٰه قال هات الثمن قال ما عندي شي‌ء و انا فلان العابد فقال هات عبادتك فقال العابد انى يسوغ هذا و انا أعبد اللّٰه منذ كذا سنه كيف ابذلها على شربة من ماء فقال الرجل لا بد من ذلك فساومه بالعشر و التسع و لا يزال يزيد شيئا فشيئا و الرجل لا يرضى الى ان رضى العابد بالجميع فلما بذلها له جميعا ناوله الماء فلما شرب و ارتوى عرك الملك اذنه و قال له مهلا ايها المعجب باعمال قدرها شربة من ماء و أنت تشرب كل يوم كم شربة فأي شي‌ء تستعظم من عملك فعلم العابد ان ذلك كان تنبيها من اللّٰه له و الآخر بمعرفة حقيقة الكمال و انقسامه بادى الرأي إلى الدنيوي و الديني و ان الكمال الدنيوي و هو ما عدا العلم و العمل من المفارقات وهمي لا حقيقة له كما تقدم فلا يحسن استعظامه و العجب به و الكمال الديني و هو العلم النافع و العمل به ينافيه و ينفيه فالعلم و هو في الحقيقة من جمله الأعمال القلبية و إذا قوبل به العمل أريد القسم البدني و الصناعي منه النافع منه ما يزيد خوفا منه تعالى بحمل المواطاة و

من ثم ينعكس كليا كما ينبه عليه الحصر في قوله عز و جل إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ و لا عبرة بغيره من العلوم لانه من المفارقات فهو من الكمالات الوهمية بل لا يحسن إطلاق اسم العلم عليه كما سبق التنبيه عليه و كل عمل دونه من البدنيات و الصناعيات ف لا نفع له بدون العلم النافع النافي للعجب إذ هو شرط له في القبول و ترتب الجزاء الموعود و إذا انتفى الشرط انتفى المشروط فلا يتحقق العمل النافع ما لم يتحقق العلم النافع و حينئذ لا عجب و بدونه فالعمل خيبة و ضلال كما تقدم في الحديث ان العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده كثرة السير الا بعدا و عن (الكافي) أبي الحسن عليه السلام انه سئل عن العجب الذي يفسد العمل فقال العجب درجات منها ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه و يحسب انه يحسن صنعا الحديث و فيه تلميح الى قوله تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. و ايضا فالاطلاع على تفاصيل الذنوب الباطنة الموبقة للعمل بالمنع عن القبول أو الإحباط صعب سيما لمن لم يتفرغ للفحص عن دقائقها و تهذيب الأخلاق فالخلوص عنها أصعب و ما لم يتحقق الخلوص عنها و الأمن من غوائلها فالعجب بالأعمال بناء على شفا جرف هار و في الحديث (1)النبوي ان اللّٰه خلق سبعه أملاك و جعلهم على أبواب السماوات فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح الى حين يمسي ثم ترتفع الحفظة بعمله و له نور كنور الشمس حتى إذا بلغ السماء الدنيا فتزكيه و تكثره فيقول الملك قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الغيبة فمن اغتاب لا ادع عمله يجاوزني إلى غيري ثم تجيى‌ء الحفظة من الغدو معهم عمل صالح فتمر به حتى تبلغ السماء الثانية فيقول الملك قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انما أراد بهذا عرض الدنيا لا ادع عمله يجاوزني إلى غيري و يقول الملك الثالث انا صاحب الكبر و يرد العمل و الرابع صاحب العجب و الخامس صاحب الحسد و السادس صاحب الرحمة يقول ان صاحب هذا العمل لا يرحم شيئا إذا أصاب عبد ذنبا للآخرة أو ضرا في الدنيا شمت به و يقول السابع انا ملك الحجاب احجب كل عمل ليس للّٰه انه أراد رفعة عند القواد و ذكرا في المجالس و صيتا في المدائن و تصعد الحفظة بعمل العبد تشيعه ملائكة السموات بجماعتهم حتى يقوموا بين يديه سبحانه فيشهدوا له بعمل و دعاء فيقول أنتم حفظه عمل عبدي


1) في عدة الداعي

و انا رقيب على ما في نفسه لم يردني بهذا العمل عليه لعنتي فتقول الملائكة عليه لعنتك و لعنتنا. و الحديث مختصر و أيضا فالأمور بخواتمها و الخاتمة مستورة و سوءها غير مقطوع الانتفاء فلا يليق الركون الى الأعمال الواقعة تحت الخطر و عن ابى (ص) عبد اللّٰه عليه السلام العجب كل العجب ممن يعجب بعمله و هو لا يدرى بما يختم له فمن أعجب بنفسه و فعله فقد ضل عن نهج الرشاد و عنه (الكافي) عليه السلام قال اللّٰه لداود يا داود بشر المذنبين انى اقبل التوبة و أعفو عن الذنب و أنذر الصديقين ان لا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبدا نصبه للحساب الا هلك.

و أيضا المعصية المستعقبة ندما أو خوفا خير من الطاعة المستعقبة عجبا لاضمحلالها به ففي الصحيح عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال ان الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه و يعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حالة تلك فلان يكون على حالة تلك خير له مما دخل فيه. و عنه عليه السلام قيل له الرجل يعمل العمل و هو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب فقال هو في حاله الاولى و هو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه. و في الحديث النبوي لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب. هذا حال العلم و العمل و هما أقوى الخصال و ادخل في الكمال و البلوى بهما على الخواص و البواقي ضعيفة ليست بذلك لكن لا بأس بتثنية القول فيها تحقيقا لما سبق من موهومية كمالها و تفصيلا لإجماله أما النسب الى السلاطين و أرباب المناصب الدنيوية فلأنه لو كشف له أحوالهم في الآخرة و تعلق الخصماء بهم و ما يستحقونه من التعذيب بما تحملوه من المظالم لتبرأ من الانتساب إليهم فضلا عن الإعجاب بذلك و اما الى العلماء و المرشدين و أصحاب الدين الذين يرجى لهم النجاة فلان خواتم العباد مستورة و ما أدرى ما يفعل بي و لا بكم فلا قطع على النجاة في المنسوب اليه فضلا عن المنسوب و اما الى من يقطع فيه بالنجاة و يرجى شفاعته كنسب الفاطميين فلان الشفاعة مختصة بمن اذن له الرحمن و رضى له قولا و هذا الشرط غير مقطوع التحقق و حال هذا المعجب أشبه شي‌ء بحال المريض المنهمك في شهواته اعتمادا منه على طبيب حميم جهلا منه ان معالجة طبيب لا تنفع في كل مرض و مشروطة بعدم بعد المزاج جدا عن الاعتدال الصحى و بأمور أخر لا يعلمها الا الطبيب و عن السجاد عليه السلام انه قال له رجل أنتم أهل بيت مغفور لكم فغضب و قال نحن أحرى ان يجرى فينا ما اجرى اللّٰه في أزواج النبي صلى اللّٰه عليه و آله من ان يكون كما تقول انا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب.

و عن الوشاء (عيون الأخبار) قال كنت بخراسان مع على بن موسى الرضا في مجلسه و زيد بن موسى حاضر قد اقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم و يقول نحن و نحن و أبو الحسن عليه السلام مقبل على قوم يحدثهم فسمع مقالة زيد فالتفت اليه فقال يا زيد أغرك قول باقلي (1)الكوفة ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم اللّٰه ذريتها على النار فواللّٰه ما ذلك الا للحسن و الحسين و ولد بطنها خاصة فاما ان موسى بن جعفر يطيع اللّٰه و يصوم نهاره و يقوم ليله و تعصيه أنت ثم تجيئان يوم القيمة سواء لأنت أعز على اللّٰه منه ان على بن الحسين كان يقول لمحسننا كفلان من الأجر و لمسيئنا ضعفان من العذاب. الحديث فتبين انه لا يصلح النسب مطلقا للتعويل و عن السجاد و الصادق عليهما السلام في قوله تعالى فَإِذٰا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلٰا أَنْسٰابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لٰا يَتَسٰاءَلُونَ و اللّٰه لا ينفعك غدا إلا مقدمة تقدمها من عمل صالح. و هو بالحقيقة تعزز ب كمال الغير و من ثم قيل.

لئن فخرت بآباء ذوي حسب لقد صدقت و لكن بئس ما ولدوا

فالمعجب به إذا كان خسيسا

في صفات ذاته فانى يجبر خسته كمال غيره بل لو كان الذي ينتسب اليه حيا لكان له ان يقول الفضل لي و من أنت إلا دودة خلقت من فضلتى و كذا لا تعويل على الجمال الظاهر كما ربما يقع من النساء و من في طبعه خنوثه من الرجال و يندرج فيه حسن الصوت و حسن المقال فعما قليل ينضب ماؤه و يذهب رونقه و دواؤه و ايضا فالاعتبار للباطن اى الجوف و القلب و هما مملوان بالأقذار و الرذائل الصورية و المعنوية و في الحديث (2)ان اللّٰه لا ينظر الى صوركم و لكن ينظر الى قلوبكم و قد عاب اللّٰه تعالى قوما من أهل الجمال بسبب خبث ضمائرهم في قوله وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ. و اما ما ورد من ان اللّٰه جميل يحب الجمال. فالظاهر ان المراد به ليس الجمال الصوري بل الجمال الكسبي. و هو تهذيب الأخلاق فإنه الزينة الحقيقية كما بينه عليه قوله عليه السلام اطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم. و قوله عليه السلام زينه الرجال الأدب و كذا لا تعويل على المال و هو أو هي من النسب فإنه عظيم الغوائل إثمه أكبر من نفعه يغدو و يروح يسلبه السارق و الغاصب و تتوارد عليه الآفات الأرضية و السماوية و قد قص اللّٰه نبأ الرجلين المتحاورين إذ قال المعجب منهما أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مٰالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً الى ان أُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلىٰ مٰا أَنْفَقَ فِيهٰا وَ هِيَ خٰاوِيَةٌ عَلىٰ عُرُوشِهٰا. و نبأ قارون الذي ملك من الكنوز ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة


1) و يجوز قرائته بالنون و الباء كما في نسخة الأصل

2) في المصابيح

اولى القوة و قال له قومه لا تفرح ان اللّٰه لا يحب الفرحين فقال انما أوتيته على علم عندي فخسف اللّٰه به و بداره الأرض و قد شاهدنا كثيرا من المستريحين إلى أموالهم المعجبين بها استأصلتهم الحوائج و اذهبتها النوائب كره أو اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شي‌ء فهلكوا جوعا و بقيت عليهم التبعات و لا القوة البدنية فعما قليل يهدمها الهرم أو يضعفها السقم و يقعد عنها الملوان (1)فيهم بأمر الحزم لا يستطيعه و قد حيل بين العير (2)

أرى أم صخر لا تمل عيادتي و ملت سليمى مضجعي و مكاني

لعمري لقد نبهت من كان نائما و أسمعت من كانت له أذنان

أهم بأمر الحزم لا استطيعه و قد حيل بين العير و النزوان

و أي أمراء ساوى بأم حليلة فلا عاش إلا في شقي و هوان

في أبيات أخر

و النزوان و لا الاتباع و الأولاد و العشائر كما قال الكافرون نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوٰالًا وَ أَوْلٰاداً فإنهم لا يغنون عنه شيئا يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ و كلما كانوا أكثر كان الابتلاء بهم أعظم و النظر في أمورهم و القيام بمصالحهم أعسر و مع ذلك فلا يؤمن عليه الزوال في شي‌ء من الأحوال و قد أخبر اللّٰه عز و جل عن الأمم بقوله فَلَمّٰا نَسُوا مٰا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ أَبْوٰابَ كُلِّ شَيْ‌ءٍ حَتّٰى إِذٰا فَرِحُوا بِمٰا أُوتُوا أَخَذْنٰاهُمْ بَغْتَةً فَإِذٰا هُمْ مُبْلِسُونَ. اى آيسون من النجاة و الرحمة متحسرون هذا بيان العلاج العلمي و اما العلاج العملي و هو الأقوى فإن يلتزم المعجب بخصلته الكمالية تتبع أحوال من هو أكمل منه في تلك الخصلة ليستحقرها من نفسه فان العالم المواظب على مجالسة الجهال يرى علمه غزيرا فيهم و يحصل في قلبه بذلك هزة معجبة فإذا جالس من هو اعلم منه و راى إحاطته بما لم يحط به استجهل نفسه و استنقص علمه و زال عنه ذلك الاستعظام و ذلك كواكب هجين بين قافلة الحمير فإنه يرى نفسه فارسا و فرسه سابقا و إذا

1) الليل و النهار

2) العير الحمار و غلب على الوحشي و النز و ان محركة التقلب و الوثوب قال أبو الفضل الميداني في مجمع الأمثال و السيد عبد الرحيم العباسي في شواهد التلخيص ان صخر و بن عمر و أخا الخنساء الشاعرة كان من فرسان العرب و غزا بني أسد بن خزيمة فاكسح إبلهم فجائهم الصريخ فركبوا فطعن أبو ثور الأسدي صخرا طعنه في جنبه و الخيل فمرض حولا حتى مله اهله و كانت امه ثروره و تعللته فسمع امراة تقول لامرأته سلمى و كان يكرمها كيف بعلك قالت لا حي فيرجى و لا ميت فيسلى قد لقينا منه الأمرين و قيل مر بها رجل و كانت ذات جمال و أوراك فقال لها أ يباع الكفل فقالت نعم عما قليل و كل ذلك يسمعه صخر فقال اما و اللّه لئن قدرت لاقدمنك قبلي ثم قال لها ناوليني السيف انظر هل تقله يدي و كان يريد قتلها فناولته فإذا هو لا يقله فقال

تسابق مع راكب جواد انقطع عنه و تبين له نقصه و قصوره و زال عنه إعجابه بهجينه فان لم يجد في بلده من هو اعلم منه فليكتب على مطالعة كتب العلماء الماضين و تحقيقاتهم و إفاداتهم في المسائل العويصة التي لا يبلغها فهمه فان ذلك يزيل عنه العجب و يحقر اليه علمه و كذا العابد يتوصل إلى مخالطة من هو أعبد منه فان لم يجد فليتتبع أحوال العباد الكاملين من الكتب المشتملة عليها و المعجب بنسبه العلوي يتتبع أحوال الأكابر الذين كانوا أقرب نسبا و أمس رحما و يرون أنفسهم مع ما هم فيه من العبادة و الاجتهاد على خطر عظيم من غير اتكال على نسبهم القريب و ناهيك في ذلك بما تقدم من حديث السجاد و الرضا عليهما السلام و الجميل ينظر الى ما هو أجمل منه و المميل يرى في عظماء النصارى و الهنود من يملك أضعاف ما يملكه هذا المعجب و القوى يرى من الزنوج و الأكراد من هو أقوى منه بمراتب كثيرة فإن فقده فيهم وجده في البهائم البتة فإنه لا يطيق ما يطيقه الثور فضلا عن الجمل و الفيل و المستعظم اتباعه و عشيرته ان لم يجد من هو أكمل منه في هذه الخاصة من أهل عصره ففي تتبع أحوال السابقين ما فيه كفاية و معتبر فان قلت هذا يجر الى استحقار النعمة و الفتور عن الشكر قلت المعجب لم ير الخصلة من حيث انها نعمه فائضة من اللّٰه و انما نظر إليها بالعين العوراء فرآها من حيث انها صفة قائمة به فهو ليس من أهل الشكر فلا يتجدد محذور في استحقاره النعمة على ان الجمع بين الحقين ليس بمستحيل فان كل مرتبة من مراتب النعم مكتنفة بمرتبتين تحتانية و فوقانية فالسالك المتهذب إذا كان بصيرا ذا عينيه يلاحظ المرتبتين جميعا و يراعى العمل بمقتضى كل واحدة في مقامها الأليق فيحسب المرتبة الفوقانية و ملاحظة حال ذويها يجتهد في قلع العجب عن نفسه و بحسب التحتانية و ذويها يجتهد في أداء الشكر فلا محذور

[باب الفقر]

باب الفقر بفتح الفاء و ضمها و هو يطلق تارة بمعنى الاحتياج فيساوق الإمكان إذ كل ممكن محتاج الى الموجد البتة و هذا هو الفقر المطلق و يقابله الغنى المطلق و هو يساوق الوجوب قيل و هما المراد في قوله عز و جل وَ اللّٰهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ. و اخرى على فقد ما يحتاج اليه بالفعل و القوة القريبة من المال و هذا هو الشائع في العرف العام حيث يسمون فاقد المال على الوجهين فقيرا و هو موضوع الباب فالواجد لا يسمى فقيرا و كذا فاقد ماله القدرة عليه بالكسب أو لا حاجة له اليه و يتصور للفاقد في فقده أحوال يخص في كل منها باسم فان كان ما فقده ضروريا له كالخبز للجائع و الثوب للعاري فمضطر سواء كان له رغبته في الطلب أم

لا و قلما ينفك عن الرغبة و هذا مما لا بحث عنه و قد وسع اللّٰه عليه في الجملة مهما كان غير باغ و لا عاد و لا متجانف لإثم و ان لا يكن المفقود ضروريا فان فرح بحالته تلك و كره المال الزائد على ما تندفع به الضرورة لو أتاه و تأذى منه و هرب من قبول محترزا من شره و شغله فزاهد من الزهد و هو ضد الرغبة و ان لم يكره كراهة يتأذى به و لم يرغب رغبة يفرح بحصوله و لو أتاه عفوا رضى به فراض و ان كان له رغبة فيه لكنها ضعيفة لا تنهضه للسعي و الاشتغال بالتحصيل فقعد و ترك الطلب مع ان الوجود عنده أحب و لو أتاه صفوا أخذه و فرح به فقانع إذ قنع نفسه بالموجود حتى ترك الطلب مع ما فيه من الرغبة و ان رغب فيه رغبة قوية تحثه على الطلب مهما وجد اليه سبيلا و لو بشق الأنفس فإن شغلته به و سعى للتحصيل فحريص من الحرص و هو الشق لانه يشق قناع الحياء أو هو ان يأخذ نصيبه و يطمع في نصيب غيره و ان عجز عن الطب و تركه للعجز فحريص ايضا كالساعي و مجرد قعوده عنه عجزا لا يسلب عنه هذا الاسم المذموم فهذه خمسة أحوال للفاقد في فقده مترتبة و الأعلى الزهد و أعلى منه تسوية الوجود و العدم عنده فان وجده لم يفرح و لم يتاذ و ان فقده كذلك و الفرق بينه و بين الرضا ان الراضي و ان كان غير كاره لحصوله و لا راغبا اليه لكن ربما يتصور ان يتعلق به قلبه بعد الحصول و يحصل له الانس به و الإخلاد إليه فإن ذلك غير مناف لمرتبة الرضا بخلاف الأخير فإنه غير متقيد به قبل الحصول و بعده فلو كانت الدنيا بحذافيرها له لا يتفاوت حاله بين بقائها و ذهابها و لا يشتغل قلبه بها بوجهه و اما ترجيحه على الزهد فلان الزاهد متعلق القلب بكراهته و التحرج عنه و مشتغل بذلك عن اللّٰه و مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجمع العاشق و المعشوق فان التفت قلب العاشق الى الرقيب و الى بغضه و استثقاله و كراهة حضوره فهو في حالة اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ بمشاهدة المعشوق و لو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق و لم يلتفت اليه و كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة فلا يجتمع ايضا بغض و حب في حاله واحدة فالزاهد المشغول ببغض الدنيا محجوب عن اللّٰه كالمشغول بحبها الا ان الأخير سالك في طريق البعد و الأول في طريق القرب فيرجى له الوصول كرجلين في طريق الكعبة أحدهما مستقبل و الآخر مستدبر فإنهما سيان في البعد عنها بحسب الحال الا ان المستقبل أحسن حالا من المستدبر بحسب العاقبة المرجوة لكن الواصل المعتكف في الكعبة أحسن حالا منه لبلوغه المقصد و استغنائه عن الاستقبال و الاستدبار و هذا الحال لا يكاد يوجد إلا في الأوحدي من الناس من

ذوي النفوس القوية الموقنة المطمئنة المتخلقة بأخلاق اللّٰه فهو حقيق بأن يسمى استغناء إذ لا يعرف له اسم مخصوص في الشرع و صاحبه مستغنيا فإنه قريب من الغنى المطلق لاستغنائه عن حصول المال و بقائه و ذهابه و عدم تأذيه بشي‌ء منها و انما اختير له اسم الاستغناء دون الغنى تأديا لاختصاص مطلقه حقيقة به تعالى كما نبه عليه الحصر المتقدم و شيوع إطلاقه العرفي على اليسار فيسمى الموسر غنيا مع انه أكثر الناس حاجة و في تغيير الأسلوب إيماء إلى مغايرة حال الاستغناء للأحوال الخمسة السابقة من حيث اندراجها تحت الفقر و صحة إطلاق اسم الفقير على ذويها بخلافه فإن تسمية المستغنى فقير الا وجه له بالمعنى المذكور بل ان سمى فقيرا فبمعنى آخر و هو معرفته بكونه محتاجا الى اللّٰه في جميع أموره عامة و في بقاء استغنائه عن المال خاصة فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبودية و أقر بها فإنه أحق بإطلاق اسم العبد من الغافلين و ان كان الاسم عاما للخلق و اسم الفقر مشترك بين المعنيين و الأخير هو المراد بما ورد في فضل الفقر من قوله صلى اللّٰه عليه و آله الفقر فخرى و به افتخر على سائر الأنبياء.

فإن اتصاله بالحضرة الربوبية لما كان أتم كانت معرفته بعبوديته و إقراره بها اوفى و أكمل و كذا ما ورد في فضل المسكنة المرادف أو المقارب له في إطلاقاته من قوله صلى اللّٰه عليه و آله اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين. و اما الفقر المذموم و المستعاذ منه في قوله صلى اللّٰه عليه و آله كاد الفقر ان يكون كفرا. و الفقر سواد الوجه في الدارين و اللهم أعوذ بك من الفقر. فمحمول على معنى الاضطرار فلا منافاة هذا ما قرره أبو حامد و غيره في الجميع و يمكن ان يخص الممدوح ببعض أحواله المحمودة كالزهد و الرضا و هو خير من الاشتراك أو يراد بالممدوح معناه العرفي أعني فقد المال و بالمذموم ما يلزمه غالبا من اضطراب النفس و ضعف التوكل. و قد أطلق عليه الفقر في بعض الروايات ففي معاني الأخبار فيما سال على بن ابى طالب ابنه الحسن عليهما السلام انه قال له ما الفقر قال الحرص و الشره. و في بعضها خص المذموم بوجه آخر ففي الصحيح عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال الفقر الموت الأحمر فقيل الفقر من الدنانير و الدراهم قال لا و لكن من الدين. و اختلف الانظار في ترجيح الراجح من الفقر و الغنى و القول الفصل فيه ان ما لا يراد لعينه بل يراد لغيره ينبغي ان يضاف الى مقصوده إذ به يظهر فضيلته و الدنيا ليست محذورة لعينها بل لكون الاشتغال بها عائقا عن الوصول الى اللّٰه و لا الفقر مطلوب لعينه بل لان فيه فقد العائق و عدم الشاغل عنه تعالى و كما ان الغنى قد يكون

من الشواغل كذلك الفقر قد يكون منها و انما الشاغل في الحقيقة حب الدنيا و المحب للشي‌ء مشغول به سواء كان في فراقه أو وصاله و ربما يكون الشغل في الفراق أكثر و الشاغل عن اللّٰه مذموم دون غير الشاغل عنه فقرا كان أو غنى فاذن لا يمكن الترجيح المطلق من حيث الشغل بل نقول الراجح لكل أحد ما لا يشغله عن اللّٰه فان كان الفقر يشغله فالغني أولى و ان كان الغنى يشغله فالفقر اولى به لما عرفت ان الفضل انما هو في عدم تعلق القلب بالمال فان تساويا فيه تساوت درجاتهما الا ان هيهنا من مزال الاقدام و مواقع الغرور فإن الغني ربما يظن انه منقطع القلب عن المال و يكون حبه دفينا في باطنه و هو لا يشعر و انما يشعر به إذا فقده فليجرب نفسه و هذا حال كل الأغنياء إلا الأنبياء و الأولياء و إذا كان ذلك محالا أو بعيدا فليطلق القول بان الفقر أصلح لكافة الخلق و أفضل لأنه أبعد عن الخطر بحسب الدنيا و الدين اما الأول فلان الأغنياء محسودون مقصودون بالأذى بخلاف الفقراء و اما الثاني فلان فتنة السراء أشد من فتنة الضراء و من ثم قالت الصحابة بلينا بفتنه الضراء فصبرنا و بلينا بفتنه السراء فلم نصبر و عن الانس بالدنيا و تأكد حبها في القلب المستلزم لطول الأمل و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله انه قال له رجل مالي لا أحب الموت فقال هل معك مال قال نعم يا رسول اللّٰه قال قدم مالك إمامك فإن قلب المؤمن مع ماله ان قدمه أحب ان يلحقه و ان خلفه أحب ان يتخلف معه. أو المراد الانس بالتنعم و الألفة بالتوسع في المشتهيات و لو مباحة فإنه ينجر الى اقتحام الشبهات إذا لم يمكن التوصل إليها بالمكاسب المباحة لتتسر له نعمته المأنوسة فتتكثر حاجاته الى الناس و الى المداهنة و المنافقة معهم و منها تنشأ العداوة و البغضاء و الحسد و الغيبة و سائر المعاصي القلبية و الجوارحية و عن القدرة على الشهرة و من العصمة ان لا يقدر فان المريض الذي لا يجد شيئا اصبر منه على الحمية إذا وجد الأطعمة اللذيذة و عن طول الحساب في عرصات القيمة اللازم على الأغنياء و ان أخذوه حلالا و صرفوه حلالا و قد ورد ان الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام فيأكلون و يشربون و الناس يترددون في الحساب و عن الغرور و هو سكون النفس الى ما يوافق الهوى و يميل اليه الطبع و في حديث أمير المؤمنين عليه السلام يا صفراء و يا بيضاء غري غيري لا حاجة لي فيك. و هو من شعب الانس بالدنيا أو هو هو فهذه كلها غوائل الغنى و السلامة عنها جميعا عسرة جدا الا للنفوس الكاملة الملكوتية و هم الأقل و خطاب الشرع انما هو مع الأكثر فمن ثم ورد في فضل الفقر و ذم الغنى ما ورد و لا يعارض بكون الغنى من أخلاق اللّه كما يحكى عن ابن عطاء في ترجيحه ل ما

اجابه به بعض الشيوخ من ان ذلك ليس بالإعراض و الأسباب فانقطع و لم ينطق و الغنى بالأسباب كالتكبر دون الاستحقاق في انه ليس من صفات اللّٰه و لا محمودا في العباد و ان وصف اللّٰه نفسه بالمتكبر و التقييد بدون الاستحقاق للاحتراز عن مثل تكبر المؤمن على الكافر و العادل على الفاسق فإنه محمود لا ضير فيه و ما قيل ان على العبد ان المؤمن أكبر من الكافر و المطيع من العاصي و الإنسان من البهيمة و أقرب الى اللّٰه منها و لو راى الإنسان نفسه بهذه الصفة رؤية محققه لا يشك فيها لكانت صفه الكبر لائقة به و فضيلة في حقه الا انه لا سبيل له الى معرفته فان ذلك موقوف على الخاتمة و ليس يدرى كيف تتفق فلجهله بها وجب ان لا يعتقد لنفسه رتبة فوق رتبة الكافر إذ ربما يختم له بالايمان و له بالكفر فمغالطه لان الكلام ليس في القرب الى اللّٰه و لا في الكبر النفساني بل في التكبر اعنى الترفع و غيره مما ذكر فيما سلف و ما ورد في الحث على إذلال الكافر و الفاسق و إسقاط حرمتهما و التكبر على المتكبر و نحو ذلك مما يدل على رجحان هذا النوع من التكبر فهو من باب الاستحقاق فليتأمل و لا بالقدرة على العبادات المالية كالزكاة و الصدقة و مواساة المحتاجين و نحوها مما يفوز بثوابه الأغنياء و يحرم عنه الفقراء كما زعمه بعض المنتصرين له لأنها لم يندب إليها الفقراء الذين لا حظ لهم من الدنيا و انما يندب إليها ذوو الدنيا و توجب الثواب لترك شي‌ء من الدنيا في ضمن ما أتوا به من الإنفاق كالتوبة الموجبة للثواب لترك الذنب المتوب عنه فإنه لا شك ان الكاف نفسه عن الذنب ابتداء أحق بالمثوبة من الذي اتى به و استحق العقوبة ثم تاب عنه و الثواب المستحق بالعبادة المالية نظير الصحة المكتسبة بالفصد الموجب لإخراج ما اجتمع في البدن من الدم الفاسد فان البدن الذي لم يجتمع فيه الدم الفاسد و لم يندب الى الفصد لا ريب انه أصح و اعدل مزاجا و أرجى عافية كما لا يخفى و أيضا فإن اليسار ليس غنى بالحقيقة و هذا منع بعد التسليم فعن أمير المؤمنين عليه السلام و هو سيد السالكين و امام العارفين (1)باتفاق الكل ليس الغنى بكثرة العرض إنما الغنى غنى النفس و هو ان يستوي عنده وجود المال و عدمه فهو المضاهي بوجه من الوجوه للغنى الذي يوصف به اللّٰه سبحانه و هو الذي سميناه استغناء و الاستغناء عن الشي‌ء بعدم الالتفات اليه خير من الاستغناء به لأنه أقرب الى التجرد و أشبه بالربوبية و في التنبيه على غوائل الغنى بذكر فوائد الفقر و طي فوائده اقتفاء لما ورد عن الشارع الحكيم صلوات اللّٰه عليه من رعاية المصلحة الغالبة في ذم المال لأن إثمه


1) رواه في المصابيح عن النبي ص من الصحاح م

أكبر من نفعه و قد تقدمت الإشارة في نظيره مما سلف الى ان من أسرار الشريعة المقدسة ان كل ما يقوى اليه المحرك الطبيعي و تكثر فيه الرغبة النفسانية و يكون الإفراط فيه مفسدة تتوارد الأوامر الشرعية بخلافه ليكون الباعث النفساني معارضا بالمانع الشرعي فيتقاومان و يحصل الاعتدال المطلوب نظير ما ورد في فضل الجوع و الأمر به كما يأتي فإن ذلك كله راجع بالحقيقة إلى النهي عن الامتلاء و التخمة لا أمر بالكف عن تناول المرزق المباح بقدر ما يحفظ البدن عن الانتهاك و يتقوى به على العبادة و التردد في الكسب و قضاء حوائج المؤمنين و كذا ما ورد في فضل الصمت فإنه نهى عن الهذر لا أمر بإهمال القوة الناطقة التي بها يمتاز عن الحيوانات العجم و لقد أحسن و أجاد من قال ان مثل المال مثل حية فيها سم و ترياق فسمها آفاتها المذكورة و ترياقها فوائدها الدنيوية و الدينية كالخلاص عن مهانة السؤال و ذل النفس و اكتساب العز و المجد بين الخلق و كثرة الأعوان و الاخوان و الوقار و الكرامة في القلوب و المروة و صيانة العرض و الاقتدار على الخيرات زيادة على ما يوجب الثواب لترك الدنيا كالحج و بناء المساجد و المرابط و نحوها من الأوقاف المستجلبة لدعوات الصالحين في أزمنة متمادية و من ثم سمى اللّٰه المال خيرا في عدة مواضع من القرآن و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله نعم المال الصالح. للرجل الصالح. و مما يشهد لما ذكرناه احتجاج (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلام على الصوفية لما دخلوا عليه قال ثم علم اللّٰه نبيه كيف ينفق و ذلك انه كانت عنده صلى اللّٰه عليه و آله أوقية (1)من الذهب فكره ان تبيت عنده فتصدق بها فأصبح و جاءه سائل و ليس عنده ما يعطيه فلأمه السائل و اغتم هو و كان رحيما رفيقا فأدب اللّٰه نبيه بأمره فقال وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً يقول ان الناس قد يسألونك و لا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال قال ثم من علمتم من بعده في فضله و زهده سلمان الفارسي رضى اللّٰه عنه و أبو ذر رحمة اللّٰه عليه فاما سلمان فكان إذا أخذ عطائه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له يا با عبد اللّٰه أنت في زهدك تصنع هذا و أنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا فكان جوابه ان قال ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم على الفناء اما علمتم يا جهله ان النفس قد تلتاث (2)على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت و اما أبو ذر فكانت له نويقات و شويهات يحلبها و يذبح منها إذا


1) الأوقية وزن أربعين درهما

2) تضعف

اشتهى اهله اللحم أو نزل به ضيف أو راى بأهل الماء الذين معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقوم اللحم فيقسمه بينهم و يأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم و من ازهد من هؤلاء و قد قال فيهم رسول اللّٰه ما قال و لم يبلغ من أمر هما ان صار الا يملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم و شيئهم و يؤثرون به على أنفسهم و عيالاتهم. الحديث و الموفق يتحفظ عن سم المال و ينتفع بترياقه و يحفظ لكل مقام مرتبة استحقاقه و في الحديث القدسي (الكافي) ان من عبادي من لا يصلحه الفقر و لو أغنيته لأفسده ذلك و منهم من لا يصلحه إلا الغني و لو أفقرته لأفسده ذلك. و هذا من الأمر بين الأمرين و الحمد للّٰه و حق الفقر ان لا يكره لأنه الأصلح و في الحديث إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين. و فيه معاشر الفقراء أعطوا اللّٰه الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم و الا فلا بل يتقلد الفقير المنة من اللّه تقلد المحجوم المنة من الحاجم لما يرجوه من فعله المولم من الصلاح و يستر فقره بالتجمل و التعفف و لا يظهر الشكوى و قد مدح اللّٰه قوما بذلك بقوله يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ. و عن (الكافي) النبي صلى اللّٰه عليه و آله ان اللّٰه جعل الفقر امانة عند خلقه فمن ستره أعطاه اللّٰه مثل أجر الصائم القائم و لا يتواضع للغنى لغناه بل يترفع عليه فعن أمير المؤمنين عليه السلم ما أحسن تواضع الغنى للفقير رغبة في ثواب اللّٰه و أحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة باللّٰه عز و جل. و أقله ان لا يرغب في مجالسته لان ذلك من مبادي الطمع و لا يتوانى بسبب الفقر في العبادة فإنه من علامات ضعف اليقين و لا يدخر شيئا مما يسوقه اللّٰه اليه بل يأخذ قدر الحاجة و يتصدق بالفاضل و ان كان قليلا فان ذلك جهد المقل و فضله أكثر من أموال كثيره تبذل عن ظهر غنى و في الحديث النبوي درهم من الصدقة أفضل عند اللّٰه من مائه ألف درهم قيل و كيف ذلك يا رسول اللّٰه قال اخرج رجل من عرض ماله مائة ألف يتصدق بها و اخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به نفسه فصار صاحب الدرهم أفضل من صاحب مائة ألف. و يستقرض حيث يستقرض تعويلا على اللّه تحسينا للظن به لا تعويلا على السلطان سواء كان له رزق راتب منه أم لا و يكشف الحال للمقرض عند الاقتراض ان لم يكن مكشوف الحال عنده حذرا من الغرور ليقدم على إقراضه على بصيرة و لا يخدع بالمواعيد الغير المرجوة فإنه كذب و لا يسأل أحدا إلا اللّٰه سيما البخلاء و مستحدثى النعمة و في الحديث لأن أدخل

يدي في فم التنين أحب الى من ان أسأل من لم يكن ثم كان. و قد كثر النهى عن السؤال في الاخبار و ذلك لتضمنا عدة من المفاسد أحدها الشكاية منه تعالى بذكر قصور نعمته عليه كما ان العبد المملوك لو سال كان سؤاله تشنيعا على سيده و شكاية عنه و ثانيها إذلال النفس المؤمنة لغيره تعالى و ليس للمؤمن أن يذل نفسه الا اللّٰه فعن ابى عبد اللّٰه عليه السلم ان اللّٰه فوض إلى المؤمن أموره كلها و لم يفوض اليه ان يذل نفسه أ لم تسمع لقول اللّٰه عز و جل وَ لِلّٰهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ. الحديث و ثالثها إيذاء المسؤل فربما لا تطيب نفسه بالبذل لكن يعطى حياء من السائل أو الحاضرين و هو الرئاء فيحرم المبذول على السائل فمن ثم حرم السؤال إلا لضرورة مهلكة كالجوع في المخمصة أو ممرضة كالبرد في الشتاء لفاقد الدثار غالبا فيجوز حينئذ لمن عجز عن الكسب دون القادر البطال أو للحاجة الخفيفة و للأخذ بصيغة المصدر (1)آداب يأتي ذكرها في باب مفرد (الكافي) موضعها الأليق من كتاب الزكاة إنشاء اللّه

[باب الزهد]

باب الزهد و هو لغة ضد الرغبة كما تقدم و منه قوله تعالى وَ كٰانُوا فِيهِ مِنَ الزّٰاهِدِينَ. و عرفا غروف القلب بضم الفاء انصرافه عن رغائب الدنيا رغبة الى رغائب الآخرة طوعا فهنا قيود (ا) انصراف القلب فلو صرف يده عنها و قلبه متعلق بها لم يكن زاهدا بل هو متزهد كما سيأتي و لو انصرف قلبه عنها و هي في يده كان زاهدا فالملاك القلب و لا يعبؤ باليد أو الفعل منصوب بأن المقدرة عطفا على المصدر كما في قوله.

للبس عباءة و تقر عيني. فيكون من تتمه الحد و المعنى عدم الاكتراث بما في اليد من عروض الدنيا كما روى عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال و لا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا ان لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند اللّٰه عز و جل (ب) ان يكون المنصرف عنه مرغوبا له بالطبع فالمنصرف عما لا يرغب طبعه اليه لا يسمى زاهدا بالنسبة اليه و ان كان مرغوبا لغيره (الاحتجاج) ان يكون ذلك رغبة الى الآخرة فالعارف عن رغائب الدنيا أو بعضها استراحة عن متاعبها أو لغير ذلك من الأغراض الدنيوية كبعض المرتاضين ليس زاهدا (قرب الإسناد) ان يكون بالطوع و الاختيار فتارك ما لا قدرة له عليه المأيوس من حصول له لا يسمى زاهدا و من ثمة قال بعض المشايخ لما قيل له يا زاهد لست زاهدا انما الزاهد عمر بن عبد العزيز حيث أقبلت عليه الدنيا فاعرض عنها ثم ان كان المعروف عنه جميع رغائب الدنيا فزهد مطلق و ان كان بعضها دون بعض فزهد مبعض كالتوبة المبعضة و صاحبه زاهد حريص


1) بقرينة قوله فيها سيأتي و الإعطاء آداب م

باعتبارين و هو ينشأ من العلم بان المرغوب عنه حقير بالنسبة إلى المرغوب اليه كعلم التاجر بان العوض خير من المبيع فمن قوى يقينه بان ما عند اللّٰه باق و ان الآخرة خير و أبقى و ان ثواب اللّٰه خير لمن آمن و عمل صالحا و لا يلقيها الا الصابرون اشتاقت نفسه الى الآخرة و غرفت عن الدنيا و من ثمة سماه اللّٰه بيعا في قوله عز و جل إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّٰهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ وَ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. و لا يحتاج من العلم في الزهد الا الى هذا القدر و قد يعلم ذلك من لا يزهد اما لضعف يقينه أو لاستيلاء الشهوة عليه في الحال فيغتر بمواعيد الشيطان في التسويف الى ان يختطفه أحد الخطرين المتقدم بيانهما و يثمر العلم المقصود لذاته و هو النور الإلهي المقذوف في قلب من يريد اللّٰه ان يهديه و في الحديث النبوي من أراد ان يؤتيه اللّٰه علما بغير تعلم و هدى بغير هداية فليزهد في الدنيا. و قد تقدم فيه انه علامة ذلك النور و عبر عنه بالتجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التهيؤ للموت قبل نزوله. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم من زهد في الدنيا اثبت اللّٰه الحكمة في قلبه و أنطق بها لسانه. الحديث و الفراغ للعبادة فان المتعلق بالدنيا في شغل شاغل فان الوجيه متفرق الهم مشغول القلب بصيانة جاهه و المحافظة على سد الأبواب التي يدخل عليه الخلل من جهتها و المميل أكثر هما و أشغل قلبا فصاحب الضيعة يمسي و يصبح متفكرا في خصومة الفلاح و محاسبته و خيانته و خصومة الشركاء و منازعتهم في الماء و الحدود و خصومة أعوان السلاطين في الخراج و الاجراء في التقصير في العمارة و صاحب التجارة في خيانة شريكه و كساد سلعته و مماطلة معامليه و مخاطرة قافلته من اللصوص و كذا صاحب الحيوان و الزراعة و غيرهما من الحرف و الصناعات و المحروم منهما محترق الفؤاد بنيران الحسرة و الحسد و تنفس الصعداء و سوء الحال و النكد فأين فرصة العبادة أو القلب الفارغ لها مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للاخرة. و ادراك حلاوتها كما سبق في التوبة و عنه (الكافي) عليه السلام انه حرام على قلوبكم ان تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا و قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله لا يجد الرجل حلاوة الايمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا. و قال عيسى عليه السلم بحق أقول لكم كما ينظر المريض الى الطعام فلا يلتذ به من شدة المرض كذلك صاحب الدنيا

من الدنيا سما و وجد حلاوة حب اللّٰه و كان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط و انما خالط القوم لا يلتذ بالعبادة و لا يجد حلاوتها مع ما يجب من حب الدنيا. الحديث و تعظيم قدرها بالاهتمام بها و التشوق إليها و التهيؤ لها قبل دخول وقتها و القيام بآدابها و كمالاتها و اليقين بان التوفيق لها نعمة مشكورة من اللّٰه لأنها تعريض للثواب و محبة اللّٰه بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول ففي الحديث النبوي ازهد في الدنيا يحبك اللّٰه و عن ابى عبد اللّٰه ع إذا تخلى المؤمن حلاوة حب اللّٰه فلم يشتغلوا بغيره. فهذه ثمرات الزهد و خصائصه أو الأخيرة خاصة فإنها لا تحصل الا بدوام الذكر و الفكر غالبا الممتنعين مع الشغل بالدنيا فالزهد فيها رفع للمانع و الدنيا و الآخرة عبارة عن جمله حالات القلب فالقريبه الدانية منها هي الدنيا و هي الحالات التي قبل الموت و المتراخية المتأخرة هي الآخرة و هي الحالات التي بعده لكن جميع الحالات الدانية ليست من الدنيا المذمومة التي يزهد فيها مطلقا بل تنقسم أولا إلى اختيارية و غيرها و غير الاختيارية لا تحمد و لا تذم سواء كان للنفس رغبة إليها كالعافية و سعة الرزق أو عنها كالمحن و الشدائد و الاختيارية تنقسم أقساما منها أمور حاضرة تميل إليها النفس و تستلذها مما لا منفعة لها بعد الموت سواء كان لها مضرة كالتلذذ بالمعاصي و المحرمات أم لا كالتنعم بفضول المباحات فإنها لا تستتبع عقابا و ان كانت محرمة عن فضل كثير و هذا من المذموم المزهود فيه و منها أمور عاجلة يؤتى بها في الحياة و تظهر ثمرتها بعد الممات و هي الأعمال الصالحة و ما لا بد منه فيها من العلوم سواء كان للنفس بها لذة أم لا فان العابد قد يأنس بعبادته و يستلذها بحيث يهجر فيها النوم و النكاح و الطعام لأنها أشهى عنده من الجميع و لو منع عنها لكان ذلك أشد النكايات عليه قال بعضهم ما أخاف من الموت الا لأنه يحول بيني و بين قيام الليل و كذا العالم بعلمه و كان بعضهم إذا انكشف له شي‌ء من العلم ينادى اين أبناء الملوك من هذه اللذات و منها ما يتوسط بين القسمين و هي الحظوظ العاجلة التي لها مدخل في الأعمال الصالحة كقدر الحاجة من الطعام و المسكن و نحوهما من ضرورات التعيش في الدنيا و ما لا بد منه فيهما و هذا ان أريد به حيثية الحظ العاجل التحق بالدنيا و ان أريد حيثية المعونة على العبادة التحق بالعبادة و قد عد التعرض للرزق من العبادة ففي الحديث النبوي العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال و العبادة و ان كانت معدودة من الدنيا بوجه كما في الحديث النبوي حبب الى من دنياكم ثلاث النساء و الطيب و قرة عيني في الصلاة إلا أنها بأنواعها العملية و العلمية و كذا ما لا بد منه فيها بوجه أقوى معدودة

من الآخرة لأنها لها و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه قال له رجل و اللّٰه انا لنطلب الدنيا و نحب أن نؤتاها فقال تحب ان تصنع بها ما ذا قال أعود بها على نفسي و عيالي و أصل بها و أتصدق بها و أحج و اعتمر فقال ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة. و لخروجها عما جمع من الأمور الخمسة محصورة فيها الحياة الدنيا في قوله عز و جل أَنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكٰاثُرٌ فِي الْأَمْوٰالِ وَ الْأَوْلٰادِ بين سبحانه ان ما لا يتوصل به من أمور الدنيا إلى سعادة الآخرة أمور وهمية عديمة النفع سريعة الزوال و انما هي لعب يتعب الناس به أنفسهم إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة و لهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم و زينه من ملابس شهيه و مراكب بهية و منازل رفيعة و نحو ذلك و تفاخر بالأنساب و الأحساب (1)و تكاثر بالعدد و العدد ف هذه هي أحوال الدنيا بأجمعها مما لا يتعلق منها بالأخرة مترتبة في الذكر ترتب مرورها على الإنسان غالبا فإن أول ما يظهر في الصبي في مبدإ تمييزه و حركته و استقلاله غريزة بها يستلذ اللعب حتى يكون ذلك عنده ألذ الأشياء ثم يظهر فيه بعد ذلك استلذ إذ اللهو و استماع الاشعار و الأقاصيص و ركوب الدواب الفارهة فيستخف معها اللعب بل يستهجنه ثم يظهر فيه بعد ذلك لذة الزينة بالنساء و المنزل و الخدم فيستحقرها سواها ثم يظهر فيه بعد ذلك لذة الجاه و الرئاسة و مباهاة الأقران و مفاخرة الأكفاء ثم لذة التكاثر من الأموال و جمعها و الاستظهار بالأعوان و الاتباع و الأولاد و هذه آخر لذات الدنيا ثم قد يظهر بعد ذلك لذة العلم باللّٰه و قربه و محبته و القيام بوظائف عباداته و ترويح الروح بمناجاته فيستحقر معها جميع اللذات السابقة و يتعجب من المنهمكين فيها و كما ان طالب المال و الجاه يضحك من لذة الصبي باللعب بالجوز مثلا كذلك صاحب المعرفة يضحك من طالب المال و الجاه و يسخر به و كذا أصحاب المعرفة بعضهم من بعض بحسب تفاوتهم في مراتبها وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ و متاعها الذي هو موضوع هذه الأحوال الخمسة ما جمع من الأمور السبعة في قوله تعالى زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَنٰاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعٰامِ وَ الْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتٰاعُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ و اختلف في المزين فقيل هو اللّٰه إذ خلق الإنسان على جبلة الشهوة لها ابتلاء كما قال إِنّٰا جَعَلْنٰا مٰا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهٰا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.

و قيل بل الشيطان لانه تعالى قد ذم الدنيا و قبح شهواتها فلم يكن مزينا لها و قيل ما يحسن منها فمن اللّٰه و ما يقبح من الشيطان و الشهوات هي المشتهيات و سميت شهوات مبالغة و إيماء إلى


1) الأول بالكسر و الثاني بالضم

انهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهواتها كقوله تعالى حكاية عن سليمان إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ. و القنطار قيل المال الكثير و في الحديث انه ملاء مسك ثور ذهبا. و المقنطرة مأخوذة منه للتأكيد كقولهم الف مؤلف و المسومة المعلمة بالغرة و التحجيل أو المرعية و الأنعام الإبل و البقر و الغنم و الحرث الزرع و النبات قيل و انما لم تذكر الدور و القصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب و المعدودات أنواع الشهوة و قد أجملها اللّٰه تحت الجنس معبرا عنه بالهوى في قوله عز و جل وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ.

و الشغل بها على وجهين أحدهما و هو الأصل حب حظوظها باطنا و يندرج فيه جميع الصفات القلبية المتعلقة بالدنيا كالكبر و الحقد و الحسد و الرئاء و السمعة و سوء الظن و الحرص و غيرها و هي الدنيا الباطنة و منه ينشأ الوجه الآخر و هو الحركة إلى تحصيلها ظاهرا بأنواع الحيل و العلاجات المرتبطة بعضها ببعض الصارفة لذويها عن اللّٰه المستغرقة لجميع أوقاتهم و حواسهم حتى نسوا ما ذكروا به و كان عاقبة أمرهم خسرا و مشاغل الدنيا متواصلة متلازمة يجر قليلها الى الكثير و صغيرها الى الكبير و لا ينبئك مثل خبير و علاج حبها نوعان من العلم أحدهما معرفة الرب و حكمته في خلق الأمتعة المذكورة و معرفة النفس و الحكمة في ركوز حبها في الجملة في جبلتها فإنها إنما خلقت ليتمتع بها السالك في وجهته الى اللّٰه الذي هو غاية مقاصد السائرين كما قال عز و جل وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهىٰ. و أَلٰا إِلَى اللّٰهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ. فهي أشبه شي‌ء بعلف الدابة في طريق الحج فان البدن الذي هو مركب النفس لا يقوم الا بمطعم و ملبس فلا بد منهما بقدر الحاجة و الاشتغال بالزيادة نظير توقف الحاج في منازل الطريق لجمع أنواع الحشيش و ادخارها و تحصيل الماء البارد للناقة و الجلال الملونة و اشتغاله بذلك حتى يفوت الوقت و القافلة و هو غافل عن الحج و عن مرور القافلة و بقائه في البادية وحيدا فريسته للسباع هو و ناقته و الحاج البصير لا يهمه من أمر الناقة إلا القدر الذي تقوى به على المشي فيتعهدها و قلبه إلى الكعبة و الحجاج و الآخر معرفة شرف الآخرة ليرغب إليها و خساسة الدنيا ليرغب عنها فان التاجر ما لم يعلم ان المرغوب اليه خير له من المرغوب عنه لم تسمح نفسه بالمعاملة و لم يفارق حب المرغوب عنه قلبه و يكمل ذلك بمعرفة المنافاة بينهما و انهما كالمشرق و المغرب كلما تقاربت من أحدهما تباعدت من الآخر أو كالضرتين كلما أرضيت إحديهما أغضبت الأخرى فإذا انتقشت هذه المعارف في القلب غرف عن حب الدنيا

و بردت رغبته فيها دفتر شوقه إليها فتركها و الزهد الحقيقي كما عرفت هو غروف القلب المستلزم للترك المذكور و بسبب هذه الملازمة ربما يتجوز بإطلاق اسم الزهد على الترك سواء كان بسبب غروف القلب أو غيره و يقسم على وجوه متعددة بحسب اعتباره في نفسه و في علته و هو المزهود منه و في محله و هو المزهود فيه و في عارضة و هو ما يوصف به من الأحكام الشرعية و له بحسب كل منها درجات مترتبة يتدرج من أوائلها الى ثوانيها في السلوك و ادنى درجات الزهد باعتبار نفسه ان يترك الدنيا و قلبه متعلق بها فيتكلف و يجاهد فيه لميل النفس الى الدنيا و هو تزهد و مبدأ للزهد في حق من يصل اليه و المتزهد على خطر إذ ربما تغلبه نفسه و تجذبه شهوته فيعود الى الدنيا و الاستراحة بها في قليل أو كثير ثم ان يتنفر القلب عنها فلا يحتاج إلى مجاهدة فهو زهد من ملكات النفس المطمئنة الا انه لا يخلو عن شوب تشويش بسبب التنفر و ربما يرى زهده و يلتفت اليه كما يرى البائع مبيعه و ان كان لا يشق عليه البيع إذا سلف ما يسوى قليلا بثمن رابح لكن يحتاج الى انتظار الموعد فيكاد ان يظن بنفسه انه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم منه و هذا ايضا نقصان ثم عدم الميل و التنفر جميعا لتسوية الوجود و العدم عنده فهو استغناء كما سبق و قد تقدمت الإشارة إلى انه من مواضع الغرور و ربما يظنه الواجد بنفسه لسكونها بما ظفرت به من المقصود فليجربها و يعرف بتسوية سرقه ماله و مال غيره في عدم الاعتداد فان صح فهو أكثر اطمينانا و اثبت قلبا من الزاهد ثم عدم اعتباره بزهده إذ لا يرى انه ترك شيئا لأنه عرف ان الدنيا لا شيى فيكون كمن ترك خنفساءة و أخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة و لا نفسه تاركا شيئا الدنيا بالإضافة إلى الآخرة أخس من خنفساءة الى جوهرة و من منعه عن الدخول الى الملك كلب على بابه فالقى اليه قطعة عظم شغله بها و دخل فتناول من الموائد المبذولة و تمتع بما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و قال الكرامة و القرب من الملك افترى انه يرى لنفسه يدا عند الملك بما ألقاه إلى كلبه من العظمة فالشيطان كلب على باب اللّٰه و الدنيا كقطعة العظم فمن يتركها لينال ما ينال بتركها كيف يلتفت إليها و يعتد بها بل نسبة الدنيا الى الآخرة أقل من نسبه العظمة الى موائد الملك و كرامته نسبه المتناهي الى غير المتناهي و هذا هو الكمال في الزهد بحسب درجاته في نفسه و لكل منها عرض عريض و اما درجاته باعتبار مأمنه فأدناها أن يترك الدنيا من خوف النار و سائر عذاب الآخرة و هذا زهد

الخائفين و كأنهم رضوا بالعدم لو اعدموا فان الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم ثم من الرجاء شوقا إلى الجنة و ما فيها من الحور و القصور و نحوها و هذا زهد الراجين فإنهم لم يتركوا الدنيا قناعة بالعدم و الخلاص من الألم بل طمعوا في وجود دائم على نعيم قائم لا آخر له و هذه فوق الاولى و ان كانتا ليستا بذاك لاقتضائهما المحبة لسلامة النفس و حظوظها و مثال الأول مثال المريض الذي يترك الأغذية المضرة طمعا في العافية و الثاني مثال الذي لا يأكل اليوم توفير الشهوة غدا في ضيافة مترقبه ثم من رفع الالتفات الى ما سواه تعالى من غير تقيد بالنار و آلامها ليقصد الخلاص منها و لا بالجنة و لذاتها ليقصد نيلها و الظفر بها و هذا زهد العارفين الذي هممهم مقصورة عليه تعالى لا رغبة لهم الا فيه و في لقائه فإن من عرفه سبحانه يستحقر جميع ما سواه و يرى الراغب إلى الجنة للاحتظاظ بما فيها من اللذات الحسية الغافل عن لذة النظر اليه عز و جل كالصبي الملتذ للعب بالعصفور لقصوره عن إدراك لذة السلطنة مثلا و اما درجاته باعتبار ما فيه فأدناها أن يزهد في المال دون الجاه و اليه أشار فقيل يقوله الزهد هو القناعة ثم في الجاه دون المال و اليه أشار بشر بقوله الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس و هو فوق الأول لأن الجاه أشهى من المال كما سبق و هما كالتوبة عن بعض الذنوب المفيدة لنقصان العقوبة دون النجاة لأنها يترك الكل كما تقدم ثم في كليهما و اليه الإشارة في حديث ابى عبد اللّٰه عليه السلم الزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا و الذل على العز و الجهد على الراحة و الجوع على الشبع و عافية الأجل على محبة العاجل و الذكر على الغفلة و يكون نفسه في الدنيا و قلبه في الآخرة. ثم في جميع ما سواه تعالى حتى في نفسه و عنه عليه السلام الزهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار و هو تركك كل شي‌ء يشغلك عن اللّٰه من غير تأسف على فوتها و لا إعجاب بتركها و لا انتظار فرج منها و طلب محمدة عليها و لا عوض لها بل ترى فوتها راحة و كونها آفة و تكون ابدا هاربا بأمن الافة معتصما بالراحة و اما درجاته باعتبار ما يعرضه من الحكم الشرعي فأدناها الفرض و هو ان يزهد في الحرام خاصة و هو زهد العدول ثم السنة و هو الزهد (الكافي) ما يرجح تركه و لم يثبت تحريمه من الشبهة و المكروه و هو زهد المتقين و اليه أشار بعض السلف بقوله الزهد التقوى ثم النفل بمعنى أخص من السنة و هو في فضول المباح و اليه الإشارة بقول ابى عبد اللّٰه عليه السلم و قد سئل عن الزاهد في الدنيا الذي يترك حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عذابه و نزلها في الحقائق على ثلث ايضا الفرض كما هنا و السلامة في الشبهات و النفل في الحلال و هو الموافق للاحياء و الدرجات العالية قد تتصادق

فان عدم الاعتبار بالزهد في جميع ما سواه لرفع الالتفات اليه نفل بالوجهين الا ان تحديد فضول المباح التي يقع فيها الزهد و هي التنعمات المستلذه بالمباحات التي يمكن الغنى عنها و كذا ضبط مقدار الضرورة في كل شي‌ء على التعيين حتى يحكم على الزائد بأن القصد إليه ينافي الزهد متعذر و لا اختلاف الأشخاص و الأحوال في ذلك مدخل عظيم و كذا الاختلاف النيات و القصود في تعاور الأحكام المختلفة و الالتحاق تارة بالدنيا المزهودة و اخرى بالأخرة المرغوبة كما مرت الإشارة إليه فمما ينافيه و يخرج عنه القصد الى الكسب للذة و ان كانت مباحة فإنها من الدنيا دون ما إذا قصد فيه العدة على العبادة و ان حصلت اللذة بالتبع فإنها حينئذ معدودة من الآخرة كما سبق و كذا يخرج عنه الادخار ان زاد المذخور على قوت السنة له و لعياله بحسب حاله دون ما لم يزد كما مر من حال سلمان و عن الرضا (الكافي) عليه السلم ان الإنسان إذا ادخر طعام سنته خف ظهره و استراح و كان أبو جعفر و أبو عبد اللّٰه لا يشتريان عقدة حتى يحرز إطعام سنتها. و يتأكد الرخصة في المعيل و المنع في غيره الا لمن لا يكسب بعمل و لا عقار و لا راتب و لا يأخذ شيئا من الأيدي فإن الادخار الزائد لا يخرجه عن الزهد الا انه يخرجه عن التوكل و لا يخلو عن مخاطرة الانجرار إلى الانس بالدنيا و مع ذلك فهو اولى من وجه من التفريق المحوج إلى الأخذ من الأيدي و السالك الحذر يتحفظ في كل مقام على ما يأمن به الآفة و لا يوسع على نفسه بعلة الضرورة و الحاجة فإن حدودها متشابهة و قليل الدنيا يجر الى كثيرها و النفس امارة بالسوء تابعة للرخص و التسهيلات و من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ف الاولى المبالغة في التشديد و التضييق على النفس و افحامها فيما تتسلل اليه بالخدائع تحاميا عن الانس بالدنيا الموجب لحبها و طول الأمل و عن طول المكث للحساب و طول الحبس عن الجنة لتفريغه فان الانتظار خمسمائة عام في المصابيح من الصحاح عن النبي (ص) قال قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين و أصحاب الجد (1)محبوسون كما مر من أشد العذاب و اللوم و التعيير بسبب اختيار اللذات اليسيرة الفانية على السعادات الجليلة الدائمة و الحرمان عن الدرجات العالية المعدة للزاهدين عوضا عما فاتهم من زهائد الدنيا المنغصه الملعونة فورد في الحديث النبوي الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ما كان للّه منها. و المستثنى فيه هو البلاغ المقاسم للملعونة في حديث حب الدنيا المتقدم

[باب السخاء]

باب السخاء و هو من منشعبات الزهد و ضده البخل من


1) اى الحظ و الغنى. و كانت الرواية في الهامش

منشعبات الشح المطاع أو حب الدنيا و أجود ما يقال في رسمه ان يعطى أي يصرف ما يجب صرفه من الأعيان و المنافع في محله اللائق شرعا و مروة عن طيب نفسه ففيه قيود (ا) إعطاء الواجب فمانع الواجب ليس سخيا و ان تبرع بالنوافل سواء منع الواجب الشرعي كالذي يضن بالزكاة الواجبة و يبنى المساجد أو العرفي كالذي يضايق في اليسير الذي لا يستقصي فيه و يتكرم بالعطايا و الصلات الجزيلة بل كلاهما بخيلان و مانع الواجب الشرعي أبخل إذ يستحق الذم و العقاب جميعا بخلاف مانع العرفي (ب) رعاية المحل فمن وضع زكاته في غير المستحق أو صرف بره و مروته عن أقاربه و جيرانه المحاويج إلى الأغنياء الذين لا تجمعه و إياهم رابطة لا يوصف بالسخاء المحمود بل هو مبذر (الاحتجاج) ان يجمع بين الواجبين كما في الحديث النبوي (الكافي) ليس بالبخيل الذي يؤدى الزكاة المفروضة في ماله و يعطي النائبة في قومه فالمقتصر على أحدهما بخيل و ربما يطلق السخاء على مجرد إعطاء الواجب الشرعي و البخل على منعه كما في حديث (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلم و سئل ما حد السخاء فقال تخرج من مالك الحق الذي أوجبه اللّٰه عليك فتضعه في موضعه. و عن (الكافي) ابى عبد اللّٰه الحسين عليه السلم البخل من بخل بما افترض اللّٰه عليه الا ان يعمم في الإيجاب و الافتراض (قرب الإسناد) ان يكون ذلك عن طيب النفس فان المعطى عن كراهة متسخى لا سخي كما سيأتي و جدواه أمور دينية و دنيوية و كلها راجعة إلى جلب منافع و دفع مضار الا انها في كلام المصنف مشوشة الترتيب و هي الابتلاء في حبه تعالى الباعث على امتثال أمره في إنفاق المال المحبوب و ترك الدنيا فعن ابى عبد اللّٰه (ع) في حديث انما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء و ان أحب الناس الى اللّٰه أسخاهم كفا و أسخى الناس من أدى زكاة ماله. و معنى الابتلاء في أمثاله ظهور المراتب فيه في الخارج بحسب اختلاف الناس في الملكة الباطنة و تنقية الباطن عن ذميمة البخل فان وجود أحد الضدين ينفى وجود الآخر و تحليته بالشكر فان صرف النعمة في مصرفها اللائق من جملة الشكر كما يأتي و عن الرضا (الفقيه- علل الشرائع) عليه السلم فيما كتبه لمحمد بن سنان ان إخراج الزكاة من أداء شكر نعم اللّٰه عز و جل. و في الصحيح (الكافي) عن ابى بصير قال قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلم هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكرا قال نعم قلت ما هو قال يحمد اللّٰه على كل نعمة عليه في أهل و مال و ان كان فيما أنعم عليه في ماله حق اداه. الحديث و القرب من اللّه تعالى و الناس و الجنة فعن (الكافي) أبي الحسن

عليه السلم السخي قريب من اللّٰه قريب من الناس قريب من الجنة. و البعد من النار فعن (الكافي) النبي صلى اللّٰه عليه و آله انه قال بعض جلسائه الا أخبرك بشي‌ء يقرب من اللّٰه و يقرب من الجنة و يبعد من النار فقال بلى فقال عليك بالسخاء. الحديث و استحقاق المحبة من اللّٰه فعن أبي (الكافي) جعفر عليه السلم شاب سخي مرهق للذنوب أحب الى اللّٰه من شيخ عابد بخيل. و من أهل السموات و الأرضين فعن (الكافي) النبي صلى اللّٰه عليه و آله السخي محبب في الأرض و البخيل مبغض في السموات مبغض في الأرض. و تحصيل الآخرة بصيغة المصدر أو الجمع و الأول أقرب لفظا و الثاني معنى و الفتوة ب الكرامات اللائقة مثل الضيافة فإن اللّٰه يحب إطعام الطعام و الهدية فإنها مفتاح المحبة و الإعانة قرضا أو تبرعا و لو للأغنياء و دفع الغيبة و العداوة و الهجاء ببذله للشعراء و السفهاء و الطامعين و قطع ألسنتهم و تطييب نفوسهم به فان خير المال ما صين به العرض. و أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. و ما وقى المسلم به عرضه يكتب له صدقه. و الاستخدام بالاستيجار و شراء الرقيق لتدبير أمور المعاش و نظم أسبابه التي لو تولاها الإنسان بنفسه ضاق وقته و اشتغل قلبه عن العبادات العلمية و العملية فلا بد له لتفريغ القلب و الوقت في الجملة لأداء العبادة من ان يسخو بشي‌ء من المال ببذله لأهل الخدمة عوضا عما يكفونه منها و إبقاء الذكر الجميل و تحصيل بركة الدعاء الصالح و الثواب الجزيل بعد الموت في أوقات متمادية (الكافي) الخيرات العامة و الصدقات الجارية نحو بناء المسجد و الجسر و الرباط و دار المرضى و المدرسة و وقف كتب العلم و الحوض و البئر سيما في البراري المقفرة الى غير ذلك مما لا يحصى افراده و لا ثوابه و في الحديث (الخصال) إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلث ولد صالح يستغفر له أو ورقه علم ينتفع به من بعده أو صدقة جارية. و حصول ملكه السخاء في النفس ربما يكون غريزيا موهبة من اللّٰه في النفوس المجبوله على الخير و ربما يكون كسبيا لا يتأتى إلا بالعلاج و التحصيل و يحصل برفع المانع و إيجاد المقتضى و المانع اما من طرف التفريط و اما من طرف الإفراط و علاج كل بقلع سببه فيرفع الأول بقلع أسباب الحرص هكذا فيما وجدناه من النسخ و الصواب البخل لانه المانع و ان كان بعض المعدودات من أسباب الحرص ايضا كحب عين المال لنفسه لا للتوصل به الى مقصد فان من الناس من معه من المال ما يعلم انه يزيد على كفايته مدة عمره المديد إذا اقتصر على ما جرت عادته بنفقته أضعافا مضاعفة و لا تسمح

نفسه بإخراج الزكاة و لو علم انه يموت غدا و لا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبا للمال عاشقا له يلتذ بوجوده في يده فيكنزه تحت الأرض و هو يعلم انه يموت فيضيع أو يأخذه أعداؤه و هو مرض مزمن لا يرجى برؤه جبليا أو عرضيا و أكثر ما يعرض للطاعنين في السن و كذا حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال فيمسكه حذرا عن فواتها بفواته و هذا يعالج بالقناعة و حبس النفس عن الشهوات و كذا طول الأمل و خوف حدوث الفقر بالحوادث المحتملة و قلة الوثوق بمجي‌ء الرزق في المستقبل فيحتاط بإمساك ما في يده في الحال و هذا لو فرض علمه بأنه يموت غدا مثلا ربما كان لا يبخل و قد يقوم هم الولد مقام طول الأمل فيقدر بقائه كبقاء نفسه و يبخل لأجله فورد في الحديث النبوي الولد منجلة مجبنة محزنة. بصيغة الإله أو أسمر المكان تجوزا في الجميع و علاج طول الأمل ما يأتي في باب قصره و علاج قلة الوثوق في باب التوكل و يعالج هم الولد بالالتفات الى ان الذي خلقه خلق معه رزقه و كم من ولد لم يرث من أبيه مالا و حاله أحسن ممن ورث و انه بجمع المال لولده يريد ان يترك ولده بخير و ينقلب هو الى شر و ان ولده ان كان تقيا سعيدا فيكفيه اللّٰه و ان كان شقيا فيستعين بماله على المعصية فيكونان قد شقيا جميعا و عن أمير المؤمنين عليه السلم ان لك مما في يدك من المال ما مهدت لنفسك فأثر نفسك على صلاح ولدك فإنما أنت جامع لأحد رجلين اما رجل عمل فيه بطاعة اللّٰه فسعد بما شقيت و اما رجل عمل بمعصية اللّٰه فشقي بما سعيت و ليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك و لا تبرد له على ظهرك فارج لمن مضى رحمة اللّٰه وثق لمن بقي برزق اللّٰه. و اما من طرف الإفراط فهو العدوان و الخروج عن القصد في النفقة اللازمة له و لعياله بحيث لا يفضل من مكسبه ما يصرفه في المحاسن التي بها تكتسب فضيلة السخاء و هذا يرفع بالمتوسط في النفقات و التنزل عن المونة المعتادة إلى الحد اللائق و هو القصد لتبقى له بقية يمكنه بها الإتيان بهذه المزية المحمودة و ربما تكون نفقته متوسط غير بالغة حد العدوان بل مقصورة على الحد اللائق بحاله و مروته لكن مكسبه يكون قاصرا عن الزيادة فيفوته السخاء لا من حيث زيادة النفقة بل من حيث عدم زيادة الكسب عنها و يرفع هذا بمعرفة عز القناعة و التنزل عن حد القصد إليها فيجتزئ بأي طعام كان و يقلل من الإدام ما أمكن و يوطن عياله على ذلك من غير إجحاف بهم إبقاء لما يندرج به في سلك الأسخياء الذين حالهم ما عرفت و اما الإيجاد المقتضى فبأمور علمية و عملية

أحدها و هو مما ينفع في رفع المانع أيضا التأمل في ذم البخيل و مدح السخي عند اولى الألباب و أصحاب العقول الرزينة و ما ورد فيهما في الكتاب و السنة مما ذكر و غيره قال اللّٰه تعالى لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ. و في الحديث السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج الجنة الا سخي و البخل شجرة تنبت في النار فلا يلج النار الا بخيل. و التأمل في أحوال الأنبياء و الأولياء من حيث اتصافهم بالسخاء و تنزههم عن البخل مع قلة ذات يدهم و ضيق معاشهم أو من حيث التوسط في النفقة أو القناعة فيها إيثارا للسخاء أو إسباغا فيه و اختيار التشبه بهم لا بالمتنعمين البخلاء من الكفار و الحمقى فإنهم أهل التنعم الدنيوي غالبا كما هو المشاهد و ثانيها التسخى بان يكره نفسه على البذل و مفارقة المال تكلفا بل لو رماه في الماء كان اولى به من وجه من إمساكه مع الحب له و من لطائف الحيل فيه خداع النفس بالصيت و حسن الاسم و الاشتهار بالسخاء و توقع المكافاة بالمدح و غيره فيبذل على قصد الرئاء حتى تسامح نفسه بالبذل طمعا في حشمة الجود فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل و اكتسب خبث الرئاء ثم ازالة الرئاء بعد الاعتياد بالجود بما يأتي في باب الإخلاص و يكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال كما قد يسلي الصبي عند العظام عن الثدي باللعب بالعصافير لا ليخلى و اللعب و لكن لينتقل عن الثدي إليه ثم ينقل عنه الى غيره فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي ان يسلط بعضها على بعض و يدفع بعضها ببعض و مثاله ما يقال ان الميت يستحيل جميع اجزائه دودا ثم يأكل بعض الديدان بعضا حتى يقل عددها و تكبر الباقيات ثم يأكل بعضها البعض حتى ترجع الى اثنين قويين عظيمين ثم لا يزالان يتقابلان الى ان يغلب أحدهما الآخر فيأكله و يسمن به ثم لا يزال يبقى وحده جائعا الى ان يموت و ثالثها كثرة ذكر الموت فإنه مما يقصر الأمل و يوحش عن الدنيا و الاعتبار بالسالفين و طول تعبهم في جمع المال و ضياعه بعدهم و عدم انتفاع أولادهم به خصوصا إذا كانوا من أقرانه و أوليائه فإنه أنجع و من الحيل في تذكر الموت زيارة القبور سيما من الأحباب و هذه كما تميت البخل و تحرك الى السخاء كذلك تميت الحرص و تحرك الى عز القناعة و الأصل فيه الصبر لتتوقف النفس عن شهواتها و قصر الأمل لأن في تطويله تكثيرا للاحتمالات المفقرة الداعية إلى البخل و كلما قصر قلت و العلم بآفات المال الدينية و الدنيوية و هي زيادة

على ما ذكر في باب الفقر الإفضاء إلى المهلكات كالكبر و الكذب و العداوة و حب الدنيا و اقتحام الشبهة في المأخذ و المصرف و الحاجة الى الناس فإن أغنى الناس أحوجهم إليهم و الشغل عن الطاعة قبل حصوله و بعده بالكسب و الحفظ و الاستنماء و دفع الحساد و استرضاء الخصوم مع احتمال المشاق البدنية و النفسانية و مقاساة الاخطار و الأهوال في القفار و البحار و غير ذلك مما لا يحصى و القانع في سلامة من جميع ذلك و اعلم ان المصنف في باب ذمائم القلب اعتبر السخاء ضد البخل و السرف جميعا إشارة إلى أنه الاقتصاد بينهما و قد عد في أحاديث الجنود و ضدا للبخل كما قدمنا و هو المناسب للرسم فيندرج فيه كثير من المفهومات المتشاركة في مضادة البخل اعنى إمساك ما يجب بذله و ان كانت متفارقه من وجوه أخر مقتضيه لان يوضع لكل منها اسم مخصوص و يحكم عليه بما يناسبه من مدح أو ذم و ربما قيل في بعضها بالترادف و هي الجود و الكرم و الإيثار و التبذير و الإسراف و التسخى و المروة و بيان ذلك من الفوائد المناسبة للباب ف السخاوة تفارق الجود بأنه بذل قبل السؤال بخلافها فإنها بعده فيتفارقان كليا أو قد تكون بعده فهو أخص مطلقا و قيل هو الصفة الذاتية و هي المكتسبة أو أعم منهما فهو أبلغ منها أو أبلغها و من ثم يوصف تعالى بالجود دون السخاوة لأنه المبتدئ بالنعم قيل السؤال بالذات و قيل انهما مترادفان و عليه يحمل ما في بعض الأدعية المأثورة من وصفه سبحانه بها و الكرم بأنه أبلغ اما في الواجب العرفي ففي الكم و الكيف جميعا و اما في الشرعي ففي الكيف فقط إذ لا يعقل المبالغة في مقداره و قد اعتبره المصنف ثمة ضدا للشح المطاع و قيل بالترادف ايضا و الإيثار بأنه بذل مع الاحتياج الى المبذول فهو أخص أيضا لأنه مرتبتها العالية حيث ان المؤثر يبذل لغيره ما يحتاج اليه نفسه و بإزائها في مراتب البخل مرتبة من يبخل على نفسه مع الحاجة فكم من بخيل يمسك المال و يمرض فلا يتداوى و يشتهي الشهوة فلا يمنعه منها الا البخل بالثمن و لو وجدها مجانا لأكلها لكنه خارج عن الرسم لان بذل المحتاج اليه غير واجب شرعا و لا مروة فيتباينان ايضا و كيف كان ف هو الأفضل فهو من ثلاث خصال يستكمل بها الايمان روى ذلك صاحب الأحياء مرسلا قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله لا يستكمل العبد الايمان حتى يكون فيه ثلاث خصال الإنفاق من الإقتار و الإنصاف من نفسه و بذل السلام. و في حديث الوصية (الفقيه) ثلاث من حقائق الإيمان الإنفاق من الإقتار و إنصافك الناس من نفسك و بذل العلم للمتعلم.

و ورد في معرض المدح وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ و المروي في شأن النزول انه جاء رجل الى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله فشكى اليه الجوع فبعث الى بيوت أزواجه فقالوا ما عندنا الا الماء فقال رسول اللّٰه (ص) من لهذا الرجل الليلة فقال على بن ابى طالب انا له يا رسول اللّٰه و اتى فاطمة فقال لها ما عندك يا ابنة رسول اللّٰه (ص) فقالت ما عندنا الا قوت العشية لكنا نؤثر ضيفنا فقال عليه السلم يا ابنه محمد نومي الصبية و أطفئ المصباح فلما أصبح على عليه السلم غدا الى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله فلم يبرح حتى انزل اللّٰه وَ يُؤْثِرُونَ الاية و التبذير بأنه بذل حيث يجب الإمساك لنسبة فا بينهما عموم من وجه و هو حرام فورد وَ لٰا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ و مثله الإسراف و ان كان دونه و كلاهما من الفواحش لكن البخل أفحش منهما كما تقدمت الإشارة اليه و التسخى بأنه بذل مع الكراهة و التكلف كما علمت فيتباينان و المروة بأنها تنزيه النفس عن الدناءات التي لا تليق بأمثاله في الماليات و غيرها مثل ترك المضايقة بالمحقرات التي ليس من شأنه المضايقة فيها و الأكل في الأسواق و لبس الفقيه لباس الجندي و نحوها و الداخل في السخاء واجبات القسم الأول لا غير و هي تابعة للعادات الغالبة الجارية بين أمثاله و اكفائه فتختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال في الفاعل و القابل كالغنى و الفقير و القريب و الأجنبي و الجار و الأهل و الضيف و الحي و الميت و الشريف و الوضيع و العالم و الجاهل و الرخاء و الشدة و الخصب و الجدب و الحضر و السفر و نحوها فما يستقبح في أحدهم و في بعض الأحوال ربما لا يستقبح في الآخر في الأحوال الأخر و للإعطاء ايضا آداب يأتي ذكرها في باب مفرد في كتاب الزكاة إنشاء اللّه تعالى

[باب الرضا]

باب الرضا و هو غير المذكور في باب الفقر و في باب ذمائم القلب و المراد هنا ترك الاعتراض باللسان و السخط بالقلب فيما يتعاور عليه من الأحوال المختلفة من قبل اللّٰه تعالى و هو من ملكات النفس المطمئنة و لا ينافيه تحصيل الأسباب المباحة الظاهرة التي ترتبط المسببات بها بتقدير اللّٰه و مشيته ارتباطا مطردا مثل السعى الجميل في طلب المطعوم و المشروب و مباشرة الأكل و الشرب تخلصا من الجوع و العطش و لا الخفية مثل الدعاء و التوسل بالأرواح المقدسة لاستنزال الخيرات و كشف الشدائد و نحوها خلافا لبعضهم في الأخير استنادا الى ان فيه رعاية لحظ النفس و الراضي بمعزل عن ذلك و فيه انه لا يعقل الفرق بين الدعاء و غيره من الأسباب فإن من جمله الأسباب في حصول المقاصد الطلب

و التضرع كما في المشاهد فكما ان حمل الكوز و شرب الماء ليس مناقضا للرضاء بقضاء اللّٰه في العطش بل مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب فكذلك الدعاء سبب شرعه اللّٰه و أمر به في قوله ادعوني. و نحوه و استعمله من الأنبياء و الأولياء من يقطع بان مرتبته فوق مقام الرضا و من فوائده خشوع القلب و رقه التضرع و صفاء الباطن و هو مفتاح الكشف و سبب تواتر مزايا اللطف و في تركه رائحة من مقاومة القهر الإلهي كما تقدم نظيره و قد (الكافي) روى بعدة طرق معتبرة في تفسير قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ ان العبادة هو الدعاء.

و أفضل العبادة الدعاء. و انه ما من شي‌ء أفضل عند اللّٰه عز و جل من ان يسئل و يطلب ما عنده.

و ما أحد أبغض الى اللّٰه عز و جل ممن يستكبر عن عبادته و لا يسأل. و عن أمير المؤمنين عليه السلام (الكافي) أحب الأعمال الى اللّٰه عز و جل في الأرض الدعاء. و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم عليكم بالدعاء فإنكم لا تتقربون بمثله. و من وظائف الداعي ان يهمل حظ النفس بل يقصد امتثال أمر ربه و التأسي بأنبيائه و أوليائه و انه لو لا امره تعالى لما اجترئ على التعرض لمخالفة قضائه و هذا غير خارج عن الرضى و من علامته انه إذا لم يجب لم يتألم من ذلك من حيث عدم اجابته لجواز ان يكون المدعو به مشتملا على مفسدة لا يعلمها الا اللّٰه و من ثم كان من تمام الأدب أن يقرنه بشرط الصلاح الشرعي سواء تلفظ به باللسان أو اكتفى باشتراطه قلبا و بما ذكرناه ظهر الوجه في تخصيص الدعاء بالذكر مع انه من جمله الأسباب و جدواه في الحال فراغ القلب للعبادة فان المتسخط مشغول القلب و الراحة من الهموم المتعبة بتجاذبها و الموطن نفسه على الرضا بكل ما يسخ في أمن منها و عن التورية يا ابن آدم إن رضيت بما قسمت لك أرحت قلبك و بدنك و أنت محمود و ان لم ترض به سلطت عليك الدنيا حتى تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا تنال الا ما قدرت لك و أنت مذموم. و في المال رضوان اللّه تعالى كما قال سبحانه رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ. و هو أحد الشرطين في النجاة من غضبه فقد قال سبحانه في الحديث القدسي من لم يرض بقضائي و لم يصبر على بلائي فليطلب ربا سوائي و فيه قدرت المقادير و دبرت التدبير و أحكمت الصنع فمن رضى فله الرضا منى حين يلقاني و من سخط فله السخط منى حين يلقاني. و عن (الكافي) السجاد عليه السلم الصبر و الرضا عن اللّٰه رأس طاعة اللّٰه. و هو فوق الصبر كما مر و قد تقدم بعض الاخبار فيه فيه و الطريق اليه ان يعلم بالنظر ان ما اصابه فهو من جملة ما قضى اللّٰه له و كل ما قضى اللّه له

فهو الأصلح بحاله في الحال أو في المال أو فيهما جميعا فان اللّٰه لا يفعل بعباده الا الأصلح لهم كما سبق و ان لم يبلغ علمه بسره كالصبي الذي يحميه والده الحاذق الشفيق عن بعض مشتهياته و يذيقه حر الكي و ألم الختان شفقة عليه و استصلاحا لشأنه و ان يعلم ان ما قضى اللّٰه لا مدخل للهم و الاعتراض و السخط فيه و لا يتبدل القضاء به فان ما قدر يكون لا محالة و ما لم يقدر لم يكن كما دلت عليه أدلة العقل و النقل و حسرة الماضي و تدبير الاتى على وجه ينافي الرضا يذهبان ببركة الوقت و ثواب الرضا بلا فائدة و تبقى تبعه السخط عليه و عن أبي (الكافي) جعفر عليه السلم من رضى بالقضاء اتى عليه القضاء و عظم اللّٰه اجره و من سخط القضاء مضى عليه القضاء و أحبط اللّٰه اجره. فان قلت المتصور في المصائب و الشدائد الصبر دون الرضا فان الرضا بما يخالف الهوى مما لا تقبله العقول و ما نفقه كثيرا مما تقول قلت بل ينبغي ان تتلقاه بالقبول و قد سبقك الى هذه الشبهة من اتى من ناحية إنكار المحبة فاما إذا ثبت تصور الحب للّٰه تعالى و استغراق الهم به جل جلاله فظاهر ان الحب يورث رضا المحب بأفعال الحبيب و يكون ذلك على وجهين أحدهما و هو الأعلى أن يدهشه غلبة الحب من الإحساس بالألم حتى يجرى عليه المولم و لا يشعر به كما يعرض هذا الحال للعاشق المستولي على قلبه سلطان الحب فإنه ينبهر عن الشعور بما يصيبه من الالام كما أخبر اللّٰه عن حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند الاستهتار بمشاهدة جمال يوسف و عن سمنون المحب قال كان في جيراننا رجل له جارية يحبها غاية الحب فاعتلت الجارية و كان الرجل يعللها فنصب القدر يوما ليصلح لها طعاما و كان يسوط ما في القدر بملعقة في يده إذ أنت الجارية فدهش الرجل و سقطت الملعقة من يده و جعل يسوط القدر بيده حتى تساقطت أصابعه و هو لا يعقل و إذا كان يصدق بهذا و أمثاله في عشق الصور الجميلة بما فيها فالتصديق به في عشق الجمال المطلق لمن انكشف له شي‌ء منه اولى خصوصا إذا كان المولم من جهة المعشوق فإنه أعذب و الرضا به أبرد على الفؤاد و أطيب و قد تقدم كلام سهل ضرب الحبيب لا يوجع و كذا الحريص على تحصيل شي‌ء من المقاصد الجزئية الدنيوية ربما يصيبه أنواع الأذى في طلبه و هو لا يحس بها و إنكار ذلك مكابرة و كلما كان المقصود أعظم و علاقة القلب به أتم كان احتمال المشاق في تحصيله أسهل و القلب عن إدراكها اذهل و هو تعالى غاية المقاصد و ان الى ربك المنتهى و لأصل في ذلك ما سبق في باب الصبر من ان استهتار النفس بشي‌ء كائنا

ما كان يشغلها عن غيره كائنا ما كان و كلما كان الاستهتار أكثر و أقوى كان الاشتغال أكمل و اوفى و الآخر ان يحس به و يدرك شدة ألمه لكن يهون عليه العلم يجزأ له الثواب الموعود عليه الشدة لأنه أعظم فيرضى به بل يرغب اليه بعقله و ان كرهه بطبعه كما يتفق للمريض و التاجر المتحملين بالرغبة و الطلب شدة الحجامة و السفر مع إدراكها و الإحساس بها شوقا الى ما ياملانه من نعيم العافية و عظيم الربح فهذه حاله الراضي فيما يجرى عليه من الألم ثقة بثواب اللّٰه فيفوض امره الى اللّه ان اللّه بصير بالعباد كما يفوض الصبي الموفق امره الى الوالد الشفيق متوكلا عليه فيما يسوسه به و يصرفه عنه و اليه يقينا برأفته و كرامته فان الرضا و التوكل متتاخمان و قد يغلب الحب بحيث لا يلاحظ الثواب الذي يجازى به عليه بل يكون حظ المحب في مراد الحبيب و رضاه لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه و رضاه محبوبا عنده مطلوبا لديه و كل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق و قد تواصفها المتواصفون في نظمهم و نثرهم و هذا أحد الوجوه في قول من قال المجاز قنطرة الحقيقة

[باب الشكر]

باب الشكر- و هو كغيره من المقامات الدينية ينتظم من علم هو كالأصل و حال هو كالشجرة و عمل هو كالثمرة فالعلم هو عرفان النعمة من المنعم و الحال هو الفرح به من غير بطر و العمل هو القيام بما هو مقصود المنعم و محبوبه و هو استعمالها في طاعته و رضاه فمن عرف ان النعم كلها من اللّه و انه هو المنعم الحقيقي و الوسائط مسخرون من جهته كالآلات و فرح بما يصل اليه منها مع هيئة الخضوع و التواضع و توصل بها الى التقرب اليه و التعرض لمراضيه و التجنب عن مساخطه و مناهيه فهو شكور فان كان فرحه بها من حيث انها وسيلة له الى القرب منه تعالى و الزلفى لديه و علامته ان يكون فرحه من الدنيا بما كان مزرعة الآخرة فهذا غاية الشكر و مثال ذلك من أنعم عليه الملك بفرس فربما يكون فرحه بالفرس من حيث انه مال حصل له مثل ما لو كان قد حصل له هذا المقدار من المال من غير جهة الملك و هذا دون المراتب و ربما يكون فرحه بفرس الملك أعظم من حيث انها عطية الملك و علامة العناية و هذه فوق الاولى و الأعلى ان يكون فرحه بها من حيث انه يسرع بركوبها في تقديم خدمات الملك و السعى في امتثال أوامره و يتسهل له بها مرافقته في الاسفار و إذا خرج للاصطياد و نحوه فيدوم له الاحتظاء بالصحبة و الانخراط في سلك المقربين فيترشح بذلك لمرتبة اخرى من الكرامة فوق عطاء الفرس

لما يعلمه من سبوغ عطايا الملك و كرم أخلاقه و من استعمل النعمة في المعصية فقد كفرها نظير ما لو ركب الفرس فائق بها عن باب الملك المنعم الى باب عدوه و جدواه استدامة النعمة ففي المشهور بالشكر تدوم النعم و استزادتها فعن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم من اعطى الشكر أعطي الزيادة قال اللّٰه تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. و عنه عليه السلم ما أنعم اللّٰه على عبد من نعمة فعرفها بقلبه و حمد اللّٰه ظاهرا بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد. و هي اما دنيوية كالخلقة السوية الظاهرة و الباطنة و تسهيل الملاذ الشهية المباحة و صرف أنواع المفاسد و المضار الممكنة في كل آن و تقريب المصالح و المنافع مما لو عمر الواحد عمر نوح و أراد علاج ادنى شي‌ء منها بسعيه و قوته لتعذر عليه و اما دينية كالإسلام و معرفة الأئمة المعصومين صلوات اللّه عليهم على وجهها و هي الايمان و التوفيق على الطاعة بتهيئة أسبابها و العصمة عن المعصية بالتثبيط عنها و هي و ان كانت أحوالا دنيوية لأنها قبل الموت و ربما تشتمل على حظوظ عاجلة أيضا الا ان الغالب فيها حظ الدين فمن ثم تنسب اليه و هي أعظم من الدنيوية المحضة لأنها نعم في أنفسها و مباد لنعم اخرى دائمة لإيصالها إلى السعادة الأبدية من اللذات العقلية و الحسية التي لا نهاية لها و الإنجاء عن الشقاوة السرمدية و هي الالام كذلك و المراد بالسرمد هنا ما يرادف الأبد و ان أريد في غيره ما يعمه و الأزل و اما قوله سبحانه خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ. فاما ان يراد سماوات الآخرة و أرضها أو هو كناية عن الدوام التأبيد في كلام العرب و القرآن نزل بلغهم و في الحديث النبوي و أحاديث أهل البيت صلوات اللّٰه عليهم انه إذا دخل الجنة أهل الجنة و أهل النار النار جي‌ء بالموت كأنه كبش أملح فيذبح ثم يقال خلود فلا موت ابدا. و ما يتوهم من ان في القول بتأبيد أهل الآخرة منافاة لما ورد من انه سبحانه هو الباقي. و الأخر. و كل شي‌ء هالك الا وجهه. و نحو ذلك مما يدل على اختصاص البقاء الأبدي به تعالى فيجب حمل ما يدل على التأبيد على المكث المديد فمدفوع بان المعلوم اختصاصه به عز و جل هو البقاء الذاتي و لا ينافي ذلك بقاء غيره بالغير و قد يتراءى ان القول ببقائهم ملتذين أو متألمين انما يستقيم في الأرواح المجردة بلذاتها و آلامها العقلية دون الأبدان و لذاتها و آلامها الحسية لان القوى الجسمانية متناهية فلا يعقل خلود الحياة و المثل هذا يقال بوجوب الموت في الدنيا و أيضا الرطوبة التي هي مادة الحياة تفنى بالحرارة سيما حرارة نار جهنم فيفضي إلى الفناء ضرورة و ايضا دوام الإحراق

مع بقاء الحياة خروج عن قضية العقل و كل ذلك من باب قياس الغائب على الشاهد في غير محله فان لاختلاف النشئات أثرا بينا في اختلاف أحكامها و لا يمتنع ان تكون الرطوبة الأصلية التي هي مادة الحياة محفوظة عن الفناء بحفظ القادر المختار و انما المتحلل بالحرارة مقام الاجزاء الأصلية في قوام البنية كما هو ظاهر قوله تعالى كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا. و بالجملة فليس هذا مما يصغى فيه الى تشكيكات المشككين و قد نقل عليه إجماع المليين و اما ما ورد في بعض شواذ الاخبار من انه يأتي على جهنم حين تصطفق أبوابها.

فمعارض بظواهر الكتاب و السنة المتواترة و قد ورد من طريق أصحابنا عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم إنكاره قال لا و اللّٰه انه الخلود. على انه أخص من المدعى و هذا كلام وقع في البين و اشتراك الكفار في النعم الدنيوية فما يختص به الأبرار أجل و اغتنام الأبرار زوال ما لا يهم من ها لأنها مظنة الشغل عما هو أهم منها كما تقدم و من ثم إذا رأوا الدنيا مقبلة قالوا ذنب عجلت عقوبته و إذا رأوا الفقر مقبلا قالوا مرحبا بشعار الصالحين و هذا التقسيم للنعمة انما هو لجنسها العام و يندرج تحت كل من النوعين أنواع جزئية كثيره و تحت كل منها أصناف شتى و تحت كل منها أفراد كثيره و طلب الإحصاء لجميعها توقع المحال كما قال اللّٰه عز و جل وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لٰا تُحْصُوهٰا و إذا تأمل المتأمل في قرصة واحدة يتناولها و هي من متبدلات النعم و ما اجتمع فيها من الاجزاء العنصرية ثم ما عمل فيها من الأرض و الماء و الريح و الحرارة المنضجة و السحاب و المطر و الظل و اضواء الكواكب و الملائكة المدبرة لها و أيدي البشر العاملين عليها بالحرث و النثر و السقي و التربية و الحصاد و التنقية و الطحن و العجن و الخبز و تهيئة الات ذلك كله من الخشب و الحديد و الرباط و الحيوان و الإرادة المحركة لذلك الموقوفة على الإدراك و خلق الات الإرادة و الإدراك و التناول و صرف الموانع ثم في الات الأكل و الاغتذاء من الفم و الأسنان و الحلق و الأمعاء و المعدة و الكبد و الطحال و الرية و الصفاقات و الشرائين و الاوردة و سائر العروق و القوى المودعة فيها و غير ذلك لعد من أنواع النعم الجليلة فضلا عن آحادها ما يحار فيه عقله و يتقاصر دونه فهمه و في الحديث ان آدم عليه السلم لما هبط إلى الأرض احتاج الى ألف عمل من اعمال اليد حتى صنع قرصه واحدة من خبز ثم احتاج الى عمل آخر و هو ان يصبر حتى تبرد ليأكلها. فسبحان من لا يحصى نعمه العادون و الطريق الى الشكر تحصيل المعرفة و التنبه لدقائق الأمور فإن النعم المتكررة يقل

وقعها و يهون خطبها فيبقى شكرها مغفولا عنه و في المشهور نعمتان مجهولتان الصحة و الأمان. و إذا سلبت تبين فقدها فلو أعيدت استعظمت و شكرت و من ثمة ترى البصير لا يشكر نعمة البصر حتى إذا أصيبت عينه فعند ذلك لو أعيدت عليه عرفها نعمة و شكرها و كذا روح الهواء و النسيم الطيب الذي به قوام الحياة و التنفس لا يعد نعمة إلا بعد الابتلاء بمخنقة يشرف فيها على الهلاك فعند ذلك يعرف قدر تلك النعمة و القيام بواجب شكرها و يحكى ان بعض المريدين شكى الى شيخه الفقر و سوء الحال و كثرة اغتمامه بذلك فقال له أ يسرك انك أعمى و لك عشرة الاف درهم فقال لا قال أ يسرك انك أخرس و لك عشرة الاف فقال لا قال أ يسرك انك مجنون و لك عشرة الاف فقال لا قال أ يسرك انك اقطع اليدين و الرجلين و لك عشرون ألفا قال لا قال اما تستحي أن تشكر مولاك و له عندك عروض بخمسين ألفا و التفكر في صنائعه تعالى و ان جميع ما في الكون من العلويات و السفليات كلها مسخرة موقوفة لمرافق الإنسان و جميعها نعم فائضة عليه و له عليها الاستعلاء و اليد هذا بالنسبة إلى النعم العامة و لا ينفك أحد من نعم مختصة يرى الأكثر خلوا عنها و ان وجد الأقل أكمل فيها و من ثمة ترى المغبوطين عند كل أحد أقل من غيرهم فينبغي للبصير النظر إلى الأدنى في نعم الدنيا ليستعظم نعمة نفسه فيكتفى بها و يقوم بشكرها و الى الأعلى في نعم الدين كالعلم و العمل ليستحقر خصال نفسه فلا يعجب بها و يتحرك لطلب الزيادة و في الحديث (ا) من نظر في الدنيا الى من هو دونه و نظر في الدين الى من فوقه كتبه اللّٰه صابرا شاكرا و من نظر في الدنيا الى من فوقه و في الدين الى من دونه لم يكتبه اللّٰه صابرا و لا شاكرا. و ربما يلزم في الحال الواحد الصبر و الشكر جميعا فإن الشي‌ء الواحد قد يتألم به من وجه و يفرح به من أخر كالكى و قطع العضو المؤف فيصبر و يشكر في المصائب الدنيوية اما الصبر فظاهر و اما الشكر ف على وجوه ستة أحدها ان لا يصيبه و الصواب لم يصبه أكبر منها إذ كل مصيبة و ان كانت عظيمة يتصور ما هو أكبر منها فان مقدورات اللّٰه غير متناهية فلو ضعفها اللّٰه و زادها عليه ما إذا كان يرده و يحجزه فليشكر على عدم الزيادة و ثانيها ان لا تكون في الدين و مصائب الدنيا مما يتسلى عنها بأسباب تهونها بخلاف مصائب الدين إذ لا سبيل الى تخفيفها و السلوة عنها و عن سهل التستري انه قال له رجل دخل اللص بيتي و أخذ جميع متاعي فقال اشكر اللّٰه لو دخل الشيطان قلبك و أفسد التوحيد ما ذا كنت تصنع و هذا يمكن

إدراجه في الأول و ثالثها ان تعجل عقوبته في الدنيا و لا تدخر للاخرة ففي المستفيضة من الطريقين ان نكبات الدنيا و مصائبها كفارات الذنوب. و ان المؤمن إذا أذنب ذنبا فأصابته شدة أو بلاء فاللّٰه أكرم من ان يعاقبه مرة أخرى. و رابعها انها كانت مكتوبة عليه آتيه لا محالة ففزع منها و استراح بقية عمره و خامسها ان ثوابها خير له مما فاته بها و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنى انه قرض بالمقاريض و سادسها انها لا تنقص من القلب حب الدنيا فان مواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء و مصيبة تورث طمأنينة القلب الى الدنيا و أنسه بها فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقتها و إذا أقلقته المصائب انزعج قلبه عنها و لم يسكن إليها بل صارت كالسجن عليه يحب الخلاص عنها و الخروج منها و من ثم ورد الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر. فهي في التحقيق نعم تستحق ان تشكر إذ لا تخلو عن تكفير الخطيئة أو رياضة النفس أو رفع الدرجة فهي نظير مؤاخذة الصبي و تعذيبه بالتأديب و التعليم و كسر المعازف و الملاهي و أسباب اللعب استصلاحا لحاله و ترشيحا لمراتب الكمال

[باب الرجاء و الخوف]

باب الرجاء و الخوف و يجمعهما تناسب التضاد و كلاهما توسط بين الياس و الأمن الا ان الرجاء تفريطه اليأس و افراطه الأمن و الخوف بالعكس كما مر و من ثم حسن إيرادهما في باب واحد و هما خاطران يردان على القلب من دون تعمل للعبد فيهما فلا تكليف إلا في مقدماتهما و هي الأسباب الموصلة إليهما و كل ما خطر بالبال من محبوب و مكروه فاما ان يكون موجودا فيما مضى من الزمان و يسمى الذكر و التذكر أو في الحال و يسمى الوجد و الذوق أو في المستقبل و يسمى الانتظار و التوقع فان كان محبوبا عنده حصل من انتظاره و تعلق القلب به و إخطار وجوده بالبال نشاط و فرح و هو الرجاء و ان كان مكروها حصل منه انقباض و غم و هو الخوف فالرجاء و الخوف مبنيان على انتظار ما يستقبل فالمستغرق بذكره تعالى المشاهد لجمال الحق على الدوام يفقدهما لكونه ابن الوقت الحاضر لا التفات له الى المستقبل لشغفه بوجده و ذوقه قال صاحب الاصطلاحات الوقت ما حضرك في الحال فان كان من تصريف الحق فعليك الرضا و الاستسلام حتى تكون بحكم الوقت لا تخطر ببالك غيره و ان كان مما يتعلق بكسبك فالزم ما أهمك فيه لا تعلق بالك بالماضي و المستقبل فان تدارك الماضي تضييع للوقت و كذا الفكر فيما يستقبل فإنه عسى إذ لا تبلغه و قد فاتك الوقت و لذا قيل الصوفي ابن الوقت و في كلام المولوي

صوفى ابن الوقت باشد اى رفيق نيست فردا گفتن از شرط طريق

. فابن الوقت ليس له خوف و لا رجاء بل صار حاله أعلى من الخوف و الرجاء فإنهما زمامان يمنعان النفس عن الخروج الى رعوناتها و الى هذا أشار من قال إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فضلة لرجاء و لا خوف و بالجملة فالعاشق الفائز بمواصلة المعشوق و قد بلغ منتهى أمله و لم يتوله رجاء وراء ذلك و لا شعور بالفراق حتى يخاف منه و من هنا قيل ان المحب إذا شغل قلبه في مشاهدة المحبوب بخوف الفراق كان ذلك نقصا في الشهود و انما دوام الشهود غاية المقامات و لكن كلامنا في أوائلها فالرجاء الفرح لانتظار محبوب متوقع و ذلك المحبوب المتوقع لا بد و ان يكون له سبب فان حصل أكثر أسبابه يقينا فالاصدق عليه اسم الرجاء المحمود كتوقع الخير يوم الحصاد ممن القى بذرا جيدا في أرض صالحة نقاها من الأشواك و الأعشاب المفسدة و كرى أنهارها حتى يصلها الماء ثم جلس منتظرا من فضل اللّٰه دفع الآفات و الصواعق الى ان يتم الزرع و يبلغ غايته فرجاء العبد المغفرة أشبه شي‌ء برجاء صاحب الزرع فان الدنيا مزرعة الآخرة و القلب كالأرض و الايمان كالبذر و الأخلاق الصالحة و الطاعات جارية مجرى تنقية الأرض و إصلاحها و حفر الأنهار و سياقه الماء إليها و القلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة التي لا ينمي فيها البذر و يوم القيمة يوم الحصاد و لا يحصد أحد إلا ما زرع و لا ينمي زرع الا من بذر الايمان و قلما ينفع ايمان مع خبث القلب و سوء أخلاقه كما لا ينمي بذر في أرض سبخة و ان فقد أكثر أسبابه يقينا ف هو من الرجاء المذموم و الا صدق اسم الغرور و الحماقة كما لو القى بذره (الكافي) أرض غير صالحه لا يصلها الماء يقينا و ان شك فيها فإلا صدق اسم التمني كما إذا صلحت الأرض و لكن لا ماء لها و أخذ ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار و لا تمتنع ايضا فاذن اسم الرجاء لا يصدق الا على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد و لم يبق الا ما لا يدخل تحت اختياره و هو فضل اللّٰه بصرف القواطع و المفسدات و ورد في ذلك قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أُولٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّٰهِ و قوله عز و جل فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتٰابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هٰذَا الْأَدْنىٰ وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنٰا. و في الحديث النبوي الأحمق من اتبع نفسه هواها و تمنى على اللّه و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم (الكافي) انه قيل له ان قوما من مواليك يلمون بالمعاصي و يقولون نرجو فقال كذبوا ليسوا لنا بموال أولئك قوم ترجحت بهم الأماني من رجا شيئا عمل له و من خاف شيئا هرب منه. و عنه عليه السلم (الكافي) لا يكون

المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا و لا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف و يرجو. و الرجاء مما لا بد منه لكل مكلف فهو الذي يبعث النفس على نوافل الطاعة و ربما يبعثها على الفرائض أيضا و يهون عليها احتمال المشقة فيها احتمال التاجر مشاق السفر رجاء للربح و ضده القنوط و هو ضلال منهي عنه قال اللّٰه تعالى في قصة ضيف إبراهيم لٰا تَوْجَلْ إِنّٰا نُبَشِّرُكَ بِغُلٰامٍ عَلِيمٍ قٰالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قٰالُوا بَشَّرْنٰاكَ بِالْحَقِّ فَلٰا تَكُنْ مِنَ الْقٰانِطِينَ قٰالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضّٰالُّونَ و قال عز و جل يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لٰا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. و اليأس و هو ضده فيما تقدم كفر قال اللّٰه تعالى في قصة يعقوب يٰا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ و هما في اللغة بمعنى واحد الا ان المصنف اقتفى ألفاظ الآيات و قال في الحاشية قد تكرر ذكر القنوط و الياس في اخبار مجتمعين مشعرا بتعددهما و لعل الياس انما يكون في الأمور الدنيوية و القنوط في الأمور الأخروية كما يستفاد من موارد الآيات الثلاث أو يخص أحدهما بالثواب و الآخر بترك العقاب انتهى و فيه ان كون التبشير بالولد من الأمور الأخروية غير ظاهر بل الظاهر انه نظير آية اليأس و الفرق الثاني غير واضح ايضا و الظاهر الترادف و اجتماعهما في بعض الاخبار مثل رواية الأعمش المتقدمة في الكبائر ليس بظاهر في الاشعار بالتعدد بل يحتمل الاشعار بالتغليظ كما لا يخفى و الطريق اليه لمن غلب عليه الياس فترك العبادة أو الخوف فاسرف فيها حتى أضر بنفسه و بأهله ذكر سوابق فضله تعالى على عباده من دون استحقاق و لا سؤال و لا شفيع إذ مهد لهم مهاد الوجود و غذاهم بالكرم و الجود و أعد لهم كل ما يحتاجون اليه من الأعضاء و الآلات و ما لا يحتاجون اليه بل يحصل به مزيد زينة و جمال كاستقواس الحاجبين و حمرة الشفتين و بلقة العينين و غير ذلك مما كان لا ينثلم بفقده غرض مقصود فالعنايه الإلهية إذا لم تقصر عن عباده في أمثال هذه الدقائق فكيف يرضى بسياقتهم الى الهلاك المؤبد و ذكر ما وعد من جزيل ثوابه و سابغ غفرانه من دون استحقاق و التأمل في ما أنعم في الدنيا بما يمد في الدارين من دون سؤال فإذا كانت هذه مواهبه في الدنيا فالغالب ان أمر الآخرة كذلك أيضا لأن مدبرهما واحد و لن تجد لسنة اللّٰه تبديلا و لن تجد لسنة اللّٰه تحويلا و تتبع ما ورد في سعة الرحمة و سبقها الغضب و انها لتفيض يوم القيمة حتى ان إبليس ليرجو ان تشمله و في النهي عن القنوط مثل قوله تعالى

يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لٰا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ و في الحث على حسن الظن باللّٰه فعن الرضا عليه السلام أحسن الظن باللّٰه فان اللّٰه تعالى يقول انا عند ظن عبدي بي إن خيرا فخيرا و ان شرا فشرا. و عن ابى جعفر عليه السلام (الكافي) قال وجدنا في كتاب على ان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله قال و هو على منبره لا يحسن ظن عبد مؤمن باللّٰه الا كان اللّٰه عند ظن عبده المؤمن لأن اللّٰه كريم بيده الخيرات يستحي ان يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه و رجاءه فأحسنوا باللّٰه الظن و ارغبوا اليه.

و الخوف الغم لانتظار مكروه متوقع الصدور عن أحد أمور ثلثه اما سوء الخاتمة عند الموت و هو أغلب مخاوف المتقين لأن الأمر فيه مخطر جدا بسبب ان الروح لشدة اعتلاقها بالبدن و انسهابه طول الحياة تكره مفارقته كما في الحديث دخلت فيه كرها و خرجت عنه كرها.

فإذا رأت نفسها مغصوبة بالمفارقة قلقت و اضطربت جدا فيقل حينئذ تفطنها لما يضرها مما ينفعها اشتغالا بما بها و يرحب مجال الشيطان و من ثم ورد الأمر بتلقين المحتضر الشهادتين و قراءة القرآن و دعاء العديلة لافحام الشيطان و تذكيره بعقائد الدين لئلا تزل قدمه بعد ثبوتها فتخل عقدة ايمانه بما يلقى اليه من الوسائس التي ربما يذهل إذ ذاك عن التخلص منها فهذا أحد الأسباب في سوء الخاتمة و ايضا ربما ينكشف له عند كشف الغطاء بطلان بعض ما تمون عليه من الاعتقادات الدينية فيتلجلج و يسرى الشك إلى بقية اعتقاداته فان اتفق زهوق روحه في هذه الخطرة قبل ان ينيب و يعود إلى أصل الإيمان فالعياذ باللّٰه و نكاية هذا الخطر على أرباب الفطانة الناقصة أعظم و البله بمعزل عنه و هم أصحاب الايمان المجمل بكليات أمور الديانة و ظواهر الشرع و هذا سر ما ورد في الحديث ان أكثر أهل الجنة البله. و ان البلاهة أقرب الى السلامة من فطانة تبراء. و ربما يتمكن في القلب حب الدنيا بحيث لا يبقى فيه مجال لمحبة اللّٰه الا من حيث حديث نفس لا يؤثر شيئا فيكره الموت و لقاء اللّٰه و من كره لقاء اللّٰه كره اللّٰه لقاءه كما يأتي و ربما يترسخ بعض المأثم و الأحوال الدنيوية في القلب بحيث لا يتمثل له عند ذلك سواها و لا يبقى له التفات الى شي‌ء من أمور الآخرة و يحكى عن بقال حضره الموت فكان يلقن كلمتي الشهادة و هو يقول خمسة ستة أربعة و كان مشغول القلب بالحساب الذي طال ألفه له فهذه جمله من أسباب سوء الخاتمة نعوذ باللّٰه منها أو سوء السابقة التي سبقت له في الأزل و هذا أدل على كمال المعرفة من الأول لأن الخاتمة تبع السابقة و من فروعها بعد تحلل أسباب كثيره فالخاتمه تظهر ما سبق به القضاء في أم الكتاب و الخائف من مكروه الخاتمة بالإضافة إلى السابقة مثل رجلين وقع الملك فيهما

بتوقيع يحتمل ان يكون فيه خر الرقبة و يحتمل ان يكون فيه ولاية العهد مثلا و لم يصل التوقيع إليهما إلا أنهما يعلمان ان الملك وقع فيهما ما شاء فيتعلق قلب أحدهما بحاله وصول التوقيع إليهما و ظهور ما فيه من خير أو شر و تعلق قلب الآخر بحالة توقيع الملك و كيفيته و انه إذ ذاك ما الذي خطر له من رحمة أو غضب و هذا التفات الى السبب فهو أعلى من الالتفات الى الفرع أو غوائل المعاصي في الدنيا من غير التفات إلى السابقة و لا الخاتمة و هذا أغلب مخاوف الخائفين و هو على وجوه كثيره مثل خوف الموت قبل التوبة عنها أو استيلاء العادة في ارتكابها فيتعسر عليه ترك الشهوات المألوفة أو انه يشعر من نفسه الذمائم فيخاف اطلاع اللّه على سريرته أو خوف البطر بكثرة نعم اللّٰه عليه أو خوف تبعات الناس عنده في الغيبة و الخيانة و الغش و إضمار السوء و نحو ذلك ثم خوفه اما ان يكون من السؤال في القبر أو يوم الحساب فيهاب موقفه و يستحي من كشف الستر أو الصراط وحدته و صعوبة العبور عليه أو العذاب بالنار و أغلالها و أهوالها أو فوت الجنة و نعيمها و سلسالها أو نقصان الدرجات و الحجاب عن اللّٰه أو نحوها فهذه مجامع المخاوف و تختلف أحوال الخائفين فيها اختلافا فاحشا و ربما تتركب مثنى و ثلاث فصاعدا و يؤثر الخوف مطلقا في البدن بالهزالة في الجسم و الصفرة في البشرة و الضعف في القوى و الرقة في القلب و من علامتها سرعة البكاء إذا وعظ أو تلي عليه إنذار من الكتاب المجيد و إذا كمل جدار بما يؤدى الى الجنون لاختلال حجب الدماغ الحاملة للقوى العاقلة و قد يؤدى الى الموت لانقطاع نياط القلب كما اتفق لهمام الذي حدثه أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما اقترح عليه و هو شهادة فورد من خاف فمات من خوفه فهو شهيد. لكن الفضل الأتم لمن عاش و جاهد فان كل ما يراد لأمر فالمحمود منه ما يفضى الى المراد و فائدة الخوف الحذر و الورع و التقوى و المجاهدة و سائر الأسباب المقربة الى اللّٰه و كل ذلك يستدعي الحياة و سلامة العقل و له بإزاء كل مجاهدة مع النفس أجر الشهادة و من ثمة ورد ان أفضل السعادات طول العمر في طاعة اللّٰه. و من غلب عليه خوف اللّٰه غلب خوفه على كل شي‌ء و في الحديث النبوي من خاف اللّٰه خافه كل شي‌ء و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلام من خاف اللّٰه أخاف اللّٰه منه كل شي‌ء و من لم يخف اللّٰه أخافه اللّٰه من كل شي‌ء. و هو مما لا بد منه ايضا فهو الذي يزجر النفس عن المعصية فعلا و تركا و هو مما ينفى العجب عن الطاعة فإن الخائف غير مستعظم نفسه و خصالها و ضده

الأمن كما تقدم و هو خسر و في التنزيل فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ و فيه تنبيه على ان اليأس أفحش كما هو مقتضى الرحمة السابقة و الطريق اليه النظر في صفاته تعالى الجلالية و أفعاله القاهرة فإن معرفتها موجبه للهيبة و الحذر و في الدعاء المأثور عجبا لمن عرفك كيف لا يخافك. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام من عرف اللّٰه خاف اللّٰه. و من ثم ورد قصره على أهلها في قوله عز و جل إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ، و ذكر الذنوب و تبعاتها و الخصوم و مخاصمتهم في ديوان القيمة و شدة العذاب المستحق على ما اقترفه من الإثم و ضعف النفس عن احتمال أيسره و ما ورد فيه و في طول زمانه المؤبد أو الممتد من الآيات و الاخبار ثم الواجب على الخائف سلوك سبيل الحذر عما يفضى الى المخوف من الأسباب المذكورة فإن خاف الموت قبل التوبة عن الذنوب بادر إليها و حذر التسويف و لا ينخدع بانتظار المكان الشريف أو الزمان الشريف فإنها من حبائل الشيطان و إذ خاف استيلاء العادة عليه باتباع الشهوات واظب على تركها و فطم النفس عنها قبل ان تستحكم فيه داعية السوء مزيد استحكام و ان خاف اطلاعه تعالى عليه بما في سريرته من الذمائم الباطنة اشتغل بتنقية السر عنها بعلاجاتها الأهم فالأهم و ان خاف البطر بكثرة النعم الزم نفسه الشكر و التواضع و مضادة كل ما يستشعره من نفسه من أقسام البطر و هكذا الى بقية الأسباب و الأفضل في الأغلب أن يعتدل الخوف مع الرجاء بحيث لا يرجح أحدهما على الآخر فعن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلام في أعاجيب وصية لقمان ان قال لابنه خف اللّٰه خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك و ارج اللّٰه رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك ثم قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام كان ابى يقول انه ليس من عبد مؤمن الا و في قلبه نوران نور خيفة و نور رجاء لو وزن هذا لم يزد على هذا و لو وزن هذا لم يزد على هذا. و عنه عليه السلام الخوف رقيب القلب و الرجاء شفيع النفس و من كان باللّٰه عارفا كان من اللّٰه خائفا و اليه راجيا و هما جناحا الايمان يطير بهما العبد المحقق الى رضوان اللّٰه و عينا عقله يبصر بهما الى وعد اللّٰه و وعيده. و ربما يقوى أحدهما و يضعف الآخر في بعض الأحوال لعروض بعض الأسباب و قد يكون فيه الفضل كما سيأتي أما الانفكاك من أحدهما بالكلية فلا يجوز لأحد في حال من الأحوال إذ لو عدم أحدهما لصار الحال أمنا ان كان المعدوم الخوف أو قنوطا ان كان الرجاء و كلا هما معدودان من الكبائر كما عرفت و العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف لأنه أفضل من حيث هو لانه طريق المحبة و مشربه من بحر الرحمة و اللطف بخلاف الخوف فإنه طريق العنت

و مشربه من بحر الغضب و القهر و كذا يترجح الرجاء إذا امتنعت النفس الخائفة عن التوبة بسبب غلبة اليأس لكثرة المعاصي و فترت عن فضائل الأعمال و اقتصرت على الفرائض فينبغي المعالجة بتحصيل الرجاء و تقوية أسبابه استصلاحا للنفس الخارجة عن الاعتدال لتتحرك إلى التوبة و تتنشط للعبادة أو ضعف البدن عن العمل و أشرف على الموت فان الأصل حينئذ الرجاء ايضا و حسن الظن باللّٰه ليموت على المحبة إذ الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل و قد انقضى وقته و أسباب الخوف تقطع نياط قلبه و تعين على تعجيل موته و روح الرجاء يقوى قلبه و يحبب اليه ربه و لا ينبغي ان يفارق أحد الدنيا الا محبا للّٰه ليكون محبا للقائه حتى يحب لقاؤه و ربما يكون الأصلح بحال العبد الخوف و تقوية أسبابه و ذلك ان غلب عليه التمني و الاغترار و اعتاد المعاصي و أخلد إلى الأمن كما هو الغالب فيما يشاهد من أبناء زماننا حتى صار الخوف مع غلبة أسبابه أعز من الكبريت الأحمر لا يوجد منه الا اسم يتذاكر في المحاورات و لفظ لا يشم معناه رائحة من الوجود كالأعيان الثابتات فيحسن إطلاق القول فيهم بان الخوف أفضل لأنه الأصلح بحالهم و حديث الرجاء معهم يجرى مجرى تقريب العسل الى المريض الصفراوي بل أبلغ فيهم من السم الناقع و السيف القاطع و الأصلح في نفس الأمر التسوية و الاعتدال لكنه لمن اتقى ظاهر الإثم و باطنه و هم الذين مدحهم اللّٰه بقوله يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً. و قليل ما هم و الأمر صعب و باللّٰه العياذ

[باب قصر الأمل]

باب قصر الأمل و هو من منشعبات الزهد و المراد به أمران لا يراد أمر مستقبل يشك في كونه الا مقرونا بالاستثناء و يتأدى بذكر المشية على جهة التعليق عليها سواء اشتمل على أداته أم لا و الأصل فيه قوله تعالى وَ لٰا تَقُولَنَّ لِشَيْ‌ءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ. و قد ذم اللّٰه أَصْحٰابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهٰا مُصْبِحِينَ وَ لٰا يَسْتَثْنُونَ. و انما يصدق بعقد القلب به و رسوخه في البال سواء تلفظ به باللسان أو اكتفى بنيته و العلم به قلبا و المتلفظ به مع عدم رسوخه في نيته كالتارك له و الى ذلك أشار القائل بقوله

ترك استثنا مرادم قصوتيست نى همين گفتن كه عارض حالتيست

اى بسا ناورده استثنا بگفت جان أو با جان استثنا ست جفت

و ورد في الحديث النبوي خطابا لعبد اللّٰه بن عمر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء و إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح و خذ من دنياك لاخرتك و من حياتك لموتك و من صحتك لسقمك فإنك يا عبد اللّٰه لا تدري ما اسمك غدا. و الأمل هو الإرادة للأمر

المستقبل المشكوك في كونه بالحكم و البت من دون التفات الى المشية اتكالا على الأسباب الظاهرة و هو من منشعبات حب الدنيا و الناس متفاوتون فيه بحسب التفاوت في أصله على مراتب من أمل البقاء في الدنيا أبدا أو الى ألف سنة كما أخبر اللّٰه عنهم بقوله وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّٰاسِ عَلىٰ حَيٰاةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ. و من البقاء الى الهرم و هو أقصى العمر الذي شاهده في آحاد المعمرين و الى السنة فلا يشتغل بتدبير ما ورائها و لا يقدر لنفسه وجودا في عام قابل و لكن يستعد في الصيف للشتاء و في الشتاء للصيف و إذا أحرز ما يكفيه لسنته كف عن الطلب و اشتغل بغيره و الى تمام الفصل فلا يدخر في الصيف للشتاء و لا في الشتاء للصيف و الى الشهر فلا يتأهب للشهر القابل و الى اليوم الحاضر فلا يستعد لغد كما روى عن عيسى عليه السلام لا تهتموا برزق غد فان يكن غد من آجالكم فسيأتي أرزاقكم مع آجالكم و ان لم يكن غد من آجالكم فلا تهتموا لارزاق غيركم. و منهم من لا يتجاوز أمله الساعة كما في الحديث المتقدم و منهم من يكون الموت نصب عينه يترقبه في كل آن كما روى ان أسامة بن زيد اشترى وليدة بمائة دينار الى شهر فبلغ ذلك رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله فقال ا لا تعجبون من أسامة المشترى الى شهر ان أسامة لطويل الأمل و الذي نفسي بيده ما طرفت عيناي الا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض اللّٰه روحي و لا رفعت طرفي فظننت انى واضعه حتى اقبض و لا لقمت لقمة الا ظننت انى لا أسيغها حتى أغص بها من الموت ثم قال يا بنى آدم ان كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى و الذي نفسي بيده ان ما توعدون لآت و ما أنتم بمعجزين.

و هو من مواضع الغرور فان كل أحد يدعى من نفسه انه قصير الأمل و انما تظهر الحقيقة ب الأعمال و الآثار مثل الادخار لضرورات الحياة و التأهب للبقاء المقدر فان من يدخر و يتأهب لسنته مثلا ليس صادقا في دعوى النقيصة أو المراد التأهب للموت فان الاشتغال به علامة قصر الأمل و الإغفال عنه علامة طوله و افاته ترك المبادرة إلى الطاعة و الكسل عنها و التسويف لها اتكالا على اتساع الوقت فان من له غائبان ينتظر قدوم أحدهما في غد و الأخر بعد سنة فلا يستعد للأخير و انما يشتغل بالاستعداد لمن يستقرب قدومه فالمبادرة الى الاستعداد من نتائج قرب الانتظار فمن انتظر مجي‌ء الموت بعد سنة اشتغل قلبه بالمدة و نسي ما ورائها ثم يصبح كل يوم و هو منتظر للسنة بكمالها لا ينقص منها اليوم الذي انقضى

و ذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدا فإنه يرى لنفسه متسعا في تلك السنة فيكسل و يؤخر العمل و من آفاته ايضا الحرص و حب المال كما سلف في باب حب الخمولة و نسيان الآخرة كما في (الكافي) حديث أمير المؤمنين عليه السلام إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى و طول الأمل أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق و اما طول الأمل فإنه ينسى الآخرة و القسوة ففي الحديث (الكافي) فيما ناجى اللّٰه عز و جل به موسى يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك و القاسي القلب منى بعيد. و سببه القريب حب الدنيا فان المحب المتصل بمحبوبه مشتغل القلب بوصاله و التمتع به عن الالتفات الى فراقه و زواله و لا يزال يقرر في نفسه لوازم الوصال من دار و أهل و مال و خوادم و دواب و الات و مرافق و أسباب فيصير عاكفا على هذا الفكر فيلهو عن الموت و ذكره فان خطر له في بعض الأحوال عول على شبابه أو قوة مزاجه و صحة بدنه أو سول له الشيطان ان الأيام بين يديك فتقضي وطرك من بناء هذه الدار ثم تتفرغ للآخرة أو من عمارة هذه الضيعة و تدبير هذا الولد و جهازه و نحو ذلك و الأصل فيه الجهل بالحقائق و ان الدنيا خسيسة لا تليق المحبة و الاشتغال بهنا عن الآخرة و علاجه علاجهما و ذلك بالنظر في حقيقة الدنيا و محابها الوهمية التي أعظم حظوظ طالبيها الحسرة الدائمة كما مر في الأبواب السابقة و ذكر احتمال فجاة الموت و ان الشباب لا يصلح للتعويل فان مشايخ البلد لو عدوا لكانوا أقل من عشر أهلها و انما قلوا لان الموت في الشبان أكثر و كذا صحة المزاج و قوة البدن فان موت الفجأة يفشو غالبا في الأمزجة القوية و الموت ليس له وقت مخصوص من شيب أو شباب أو قوة أو ضعف و كثيرا ما يتفق بالأسباب البادية من الهدم و الغرق و السم و السبع و العدو و نحوها مما إذا التفت اليه العاقل لم يزايل هم الموت فكره و لم ينس ذكره فذكره مع استقرابه يوجب التأهب له كما ذكر في مثال الغائب المنتظر و التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ذكر الموت يميت الشهوات في النفس و يقلع منابت الغفلة و يقوى القلب بمواعد اللّٰه و يرق الطبع و يكسر اعلام الهوى و يطفئ نار الحرص و يحقر الدنيا. الحديث و حقه ان يذكر الموت رغبة إلى لقائه تعالى كما هو شأن العارفين المشتاقين الى الخلاص من الدنيا و النظر الى وجه اللّٰه و هو من أعلى الوجوه التي يذكر عليها الموت و دونه ان يذكر بعثا للخوف الموجب سرعة التدارك له كما هو شأن التائبين المنساقين بصوت الخوف الى الوفاء بتمام التوبة و

إصلاح الزاد و دون الجميع ان يذكر على وجه التأسف على فوات الدنيا كما هو شأن المنهمكين فيها المحبين لها فإنهم يكرهون الموت و لا يذكرونه الا على وجه الحسرة و التألم لفراق الدنيا و هم الذين قال اللّٰه فيهم إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلٰاقِيكُمْ فهو من الذكر المذموم لانه مبعد عنه تعالى الا ان يستفيد به تنغص اللذة و تكدر الشهوة فربما ينجر إلى النجاة حينئذ فورد في النبوي المتفق عليه من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه و المراد بلقاء اللّٰه المصير الى الدار الآخرة و بالمحب له العارف المشتاق اليه سبحانه كما مر فالموت موعده المنتظر و المحب لا ينسى موعد لقاء الحبيب بل يستبطئه و بالكاره الراغب الدنيا المحب لها العازف عن الموت لذلك بخلاف الخائف هجومه قبل تمام التوبة و التدارك و إصلاح الزاد فهو ليس يكره الموت و اللقاء و انما يكره فوت اللقاء لقصوره و تقصيره و هو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه فلا يعد كارها للقاء و هذا لو فرض له حصول العلم بغفران ذنوبه اشتاق الى الموت و كره البقاء في الدنيا حبا للقاء اللّٰه عز و جل و لنعم ما قيل

دل مى ندهم كه جامۀ جان بدرم زان پيش كه نامهاى عصيان بدرم

كرا ز سر كردار بدم برخيزى از آرزوى أجل گريبان بدرم (1)

و علامته ان يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه و الا التحق بالمنهمك في الدنيا المحب لها فانحلت الأقسام الى ثلثه و الأعلى من الجميع ترك الاختيار و التفويض الى اللّٰه سبحانه فلا يحب لنفسه موتا و لا حياة بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها الى مولاه و في مكالمات بعض العاشقين

بگفتا وصل به يا هجر از دوست بگفتا هر چه ميل خاطر اوست

. و تفريغ القلب عن غيره تعالى ليخلو البيت لربه و التفكر في أحوال الماضين خصوصا من أقرانه الذين خلوا قبله و ما كانوا فيه من النعمة و النشاط و العيش الرغيد و الانبساط فيتذكر موتهم و مصرعهم تحت التراب و كيف تقطعت بهم الأسباب فخلت ديارهم و اندرست اثارهم فمهما تذكرهم رجلا رجلا و فصل في باله مجاري أحوالهم و ترددهم في امانيهم و امالهم و انهم كانوا يدبرون لأنفسهم ما لهم الغنى عنه الى عشر سنين فصاعدا في أوقات لم يكن بينهم و بين الموت الا أيام قلائل و نحو ذلك توحشت نفسه عن الدنيا و زهدت فيها و استقرب الرحيل و اهتدى الى السبيل و هو من التفكر الذي ورد فيه عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله


1) نعم ما قيل جان برفتن در شتاب و حسرتي آماده نيست كو دو روزى صبر كن تا فكر سامانش كنم

تفكر ساعة خير من عبادة سنة. و انه دليل العقل. و حياة قلب البصير. و يدعوا الى البر و العمل به. الى غير ذلك و الأصل فيه الانتباه و هو و من منشعبات العلم و الفهم خلاف الغرور الذي هو من منشعبات الجهل و الحمق و هو سكون النفس الى ما يوافق الهوى و يميل اليه الطبع و منشأه نوع من الشبهة فكل من اعتقد انه على خير اما في العاجل أو الأجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور و أكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير و هم مخطئون فيه فهم مغرورون و أنواعه كثيره بعضها أوضح من بعض كايثار الدنيا لكونها نقدا و متيقنة على الآخرة لكونها نسيئة و مشكوكه و النقد خير من النسيئة و اليقين خير من الشك و هذا غرور الكافرين و اليه الإشارة في قوله سبحانه فَلٰا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا وَ لٰا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ الْغَرُورُ. و قوله عز و جل وَ لٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمٰانِيُّ حَتّٰى جٰاءَ أَمْرُ اللّٰهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّٰهِ الْغَرُورُ. و قياساهم فاسدان فان كل نقد ليس خيرا من كل نسيئة و لا كل يقين خير من كل شك بل ذاك إذا تساويا في المقدار و المقصود اما إذا تفاضلا فيهما فلا ريب أن النسية الكثير راجح عند العقلاء على النقد القليل و ان شك فيه إذا المريض العاقل يترك اللذات الحاضرة المتيقنة في الحال ل انه يرجو ان يصح في المستقبل و كذا التاجر يتحمل المشاق و يخاطر بالأموال الحاضرة المتيقنة ل انه يرجو ان يربح فيه فيما بعد فهما تاركان النقد للنسيئة و اليقين للشك إذ ليسا من حصول الصحة و الربح في المستقبل على يقين و انما قادهما الى ذلك أمل الزيادة فالاخرة أولى بأن يطمع فيها و يترك لها الدنيا للتيقن بها بالعقل و النقل و هذا أقدح في صغرى القياس الثاني و هو منع بعد التسليم و عدم نسبة الدنيا إليها شدة و دواما فهي أرجح من الدنيا كيفا أو كما إذ لا نسبة للمتناهى الى غير المتناهي فالذي يخرج العشرة من يده ليعود اليه بعد سنة أحد عشر و هو مشغوف بذلك كيف يشق عليه ان كان بصيرا ان يكف عن فضول لذات ناقصة منغصة أياما قلائل لينال أضعافها المضاعفة أبد الآبدين و كالاعتماد على مجرد الايمان و هذا غرور عوام المؤمنين المطمئنين الى الدنيا المترفين بنعيمها إذ قرع سمعهم ما وعد اللّٰه المؤمنين و المؤمنات و أعد لهم من النعيم فاغتروا و فتروا عن الأعمال الصالحة و أغفلوا التوبة و لم يتنبهوا إن المغفرة منوطة بأمور آخر زائدة على أصل الإيمان فورد في الكتاب الكريم وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ و قد تكرر في الكتب الإلهية اشتراط الفوز و النجاة في

القيمة بالايمان و العمل الصالح جميعا بل ورد الحكم العام على جميع أفراد الإنسان بالخسر و استثناء المتصفين بصفات عديدة احديها الايمان ففاقد شي‌ء منها أيا كان مندرج تحت العموم قال عز و جل وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ الى آخر السورة و هو من أوضح أمثلة العموم في كتب الفن و كالاعتماد على انه تعالى كريم و هذا غرور العصاة و اليه الإشارة في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الْإِنْسٰانُ مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. فيتساهلون في أمور الدين و يتعللون بالتعويل على كرمه تعالى و ربما يتعاسرون في أمور الدنيا و يتهالكون عليها و لا يعولون على كرم اللّه و يتعللون بان اللّٰه قد أمر بالسعي و الحزم فيكون حالهم فيه على العكس المطلق مما يجب بترك التعويل و الاتكال على اللّٰه (الكافي) أمور الدنيا مع انه ورد الحث عليه فيها في قوله عز و جل وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ و غير ذلك مما يأتي بعضه في بابه و زعمهم التعويل عليه في أمور الآخرة مع انها ليست من مظانه كما تقدم و لقد أجاد القائل

تقول مع العصيان ربى غافر صدقت و لكن غافر بالمشية

و ربك رزاق كما هو غافر فلم لا تصدق فيهما بالسوية

فكيف ترجى العفو من غير توبة

.

و لست ترجى الرزق إلا بحيلة و ها هو بالأرزاق كفل نفسه

و لم يتكفل للأنام بجنة و ما زلت تسعى للذي قد كفيته

و تهمل ما كلفته من وظيفة تسئ به ظنا و تحسن تارة

على حسبما يقضى الهوى بالقضية

. و العلاج الحاسم لأنواعه استحضار العلم بالحقائق و التفكر في مغامض الأمور فهما رافعان لأصوله

[باب النية]

باب النية و البحث عنها من مقدمات الإخلاص الذي هو من أصول المطهرات و أفرد اهتماما بها و هي و القصد و الإرادة ألفاظ مترادفة على معنى واحد و هو الهمة الباعثة للعمل المعين بإنهاض الات القدرة المنبعثة عن المعرفة بملائمته للغرض العاجل أو الأجل فهي أيضا حال يكتنفها علم و عمل كشهوة الطعام الحاضر عند الجوعان الحاصلة من المعرفة بتحققه و دفعه الجوع الباعثة لامتداد اليد اليه للتناول و قصد قتل العقرب المنبعث عن العلم بوجودها و إيذائها الباعث لمبادرة اليد الى النعل لقتلها و ذلك ان الإنسان مجبول بحيث يوافقه بعض الأمور و يخالفه بعضها فلا بد له من معرفة بها يدرك التفرقة بين الموافق و المخالف و من همة بها يبادر الى جلب الأول و سلب الثاني و من قدرة بها يتمكن من ذلك فخلق اللّٰه الهداية و المعرفة و جعل لها أسبابا و مداخل هي الحواس الباطنة و الظاهرة و خلق الهمة و هي نزوع النفس و توجه القلب نحو المقصود و خلق القدرة

و آلاتها الأعضاء المتحركة اليه فإذا جزمت المعرفة الاعتقاد بان الشي‌ء موافق للغرض انبعثت الهمة و انتهضت القدرة لتحريك الأعضاء حتى يتم بهذه الأمور الثلاثة العمل و ما لم يعتقد الإنسان ان غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يميل اليه و لا يتوجه نحوه قصده و ذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين و إذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض أقوى منه و ذلك لا يمكن في كل وقت و الدواعي و الصوارف لها أسباب كثيرة و تختلف بسببها الإرادات و قوتها و ضعفها و لاختلاف الأحوال و الأعمال و الخواطر في ذلك مدخل عظيم ف فاذن لا تدخل النية تحت الاختيار و لا يمكن خلقها و اختراعها في النفس و لا صرفها من وجه الى آخر بالتصنع و التحريف فمن غلبته شهوة النكاح و لم يعتقد غرضا صحيحا في الولد و وطي حليلته لغلبة الشهوة البهيمية انى ينفعه قوله الحسي باللسان أو النفسي بالتصور نويت به إقامة السنة بالطروقة و تكثير الأمة بالتعرض لحصول الولد إذ لا وجه لفعله الا قضاء الشهوة فلا ينفعه تكلف غيرها نعم طريق اكتساب هذه النية مثلا ان يقوى ايمانه بالشرع و بعظم ثواب من سعى في تكثير امة محمد صلى اللّٰه عليه و آله و يدفع عن نفسه جميع المنفرات عن الولد من ثقل المئونة و طول التعب و غيره و إذا فعل ذلك فربما انبعثت من قلبه رغبته الى تحصيل الولد للثواب فتحركه تلك الرغبة و تحرك أعضائه لمباشرة الوطي فعند ذلك يكون ناويا للولد و هي المعبر عنها في الاخبار بالنية الصادقة إشارة إلى ان أكثر ما يقرره الناوون في افكارهم و يرددونه في أذهانهم مما يخدعون به أنفسهم وسواس و هذيان و من ثم كان يمتنع بعض المشايخ من بعض الطاعات أحيانا حين لم تحضرهم النية إذ علموا ان النية روح العمل و انه بدونها تكلف و تصنع لا يسمن و لا يغني من جوع و هذه النية هي أحد جزئي العبادة و الجزء الآخر العمل المنبعث عنها بمعونة القدرة فهي تتوقف عليها على حد توقفها على العمل و لا تتحقق إلا بالإتيان بهما مجتمعين فان وجود المركب متوقف على وجود جميع اجزائه و كما لا يتعين الجسم المؤلف من اللحم و العظم و غيرهما لكونه حيوانا الا باشتماله على الروح كذلك لا يتعين العمل المركب من القيام و القعود و الانحناء و الإرغام و غيرها لكونه صلاة إلا باشتماله على النية ف في النبوي المتفق عليه حتى عد متواترا إنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى و عن السجاد و الرضا عليهما السلام لا عمل إلا بنيه. و ظاهر الحصرين انتفاء حقيقة العمل بدونها فيحمل على أقرب المجازات الممكنة حيث تتعذر الحقيقة و المشهور انه الصحة كما في لا صلاة إلا بطهور. على المشهور في الشرط (1)الشرعي فاستدلوا به على


1) المشهور في تعريف الشرط الشرعي انه ما يتوقف عليه المشروط في تأثيره لا في وجوده كالوضوء للصلاة فإن حقيقة الصلاة يمكن إيجادها بدون الوضوء اما الآثار المترتبة على الصلاة من حصول الثواب و سقوط العقاب و غيرهما فكلها متوقفة على الطهارة و الشرط العقلي هو ما يتوقف عليه المشروط في وجوده و من خاصيته انه يلزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود كالسحاب للمطر و من المتأخرين من لم يفرق بينهما و ارجع الشروط الشرعية كلها إلى العقلية و منع كون المواداة بغير طهارة صلاة حقيقة و ان ساوتها في الصورة و لتمام الكلام محل آخر

اشتراط النية في العبادات و على اعتبار مقارنتها لأول جزء فلو أضرت عنه لوقع بعض الاجزاء بلا نية فيبطل و ببطلان الجزء يبطل الكل و كذا لو قدمت و لم تستمر الى الشروع إذ حينئذ يخلو جميعها عن النية و على استدامة حكمها الى الفراغ و ان اختلفوا بعد ذلك في تفسيرها و المناقشة بأنه الثواب و الا لزم التخصيص في الأعمال إذ لم يثبت كونها حقيقة شرعية في العبادات مما لا يثمر شيئا لأنا لا نعني بالعبادة الصحيحة إلا ما يثاب عليها نعم ما ذكره بعضهم من اعتبار قصد الوجوب أو الندب و سائر الخصوصيات في كل عبادة عبادة مثل رفع الحدث و استباحة الصلاة في الوضوء قربة الى اللّٰه و استحضار جميع ذلك بالبال على التفصيل مما لا تشمله أدلة النية لما عرفت من انها ليست الا القصد الباعث على العمل المعين و انما الذي تدل عليه الدلائل هو اشتراط قصد القربة و هو الإخلاص المبحوث عنه في الباب الاتى و قصد الفعل المعين مما لا ينفك عنه العاقل العامد في أفعاله الاختيارية و من ثم قيل لو كلفنا بإيقاع الأعمال بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق فان قلت التعيين لا يحصل إلا بملاحظة الخصوصيات لأنها بمنزلة الفصول المميزة للحقائق المختلفة المندرجة تحت الجنس فقصد الفعل المعين قصد لخصوصياته و هو عين ما ذكره البعض قلت لا نسلم ان جميع الخصوصيات التي ذكروها بمنزلة الفصول التي لها مدخل في التعيين فان رفع الحدث و استباحة الصلاة مثلا ليسا منها بل هما من اللوازم فإذا تصور فعله بعنوان انه وضوء فهو متعين ممتاز عن إمساس الأعضاء بالماء على وجه النظافة مثلا و اللوازم مندرجة فيه لا مدخل لها في التعيين و كذا قيد الوجوب أو الندب بعد تصور انه وضوء فإنه ان كان لغاية واجبة فواجب و الا فمندوب و بعد التسليم فلا ريب في الفرق بين حضور الشي‌ء في الذهن إجمالا و حضور تفصيله في الفكر و قد يتصور الإنسان شيئا بصورة واحدة تتضمن معاني كثيره و يحكم عليه بحكم واحد يتضمن أحكاما كثيرة كقولك الإنسان حادث فتصور الإنسان يتضمن تصور الموجود و الممكن

و الجوهر و الجسم و المتحيز و النامي و المغتذي و المتحرك و الحساس و العاقل و المختار و الناطق و الضاحك و غير ذلك و كذا الحكم بأنه حادث حكم بأنه موجود و انه في زمان و ان لعدمه زمانا سابقا و لوجوده زمانا لاحقا و ان له موجدا فهذه أحكام متعددة يتضمنها الحكم بأنه حادث و لكن ليست هذه التفاصيل حاضرة في البال متميزة بعضها عن بعض و استحضارها جميعا عند الدخول في العبادة من الوسواس الذي ورد فيه انه من عمل الشيطان فان من دخل عليه وقت الظهر و هو يعلم وجوب الصلاة عليه فقام يصلى فهو نظير من دخل عليه عالم فقام لتعظيمه و لو قال انتصب قائما تعظيما لدخول هذا الفاضل لأجل فضله قياما مقارنا لدخوله مقبلا عليه بوجهي لعد سفيها في عقله لان هذه المعاني مخطورة بالبال لا يستدعي حضورها جملة في القلب طولا في الزمان و انما يطول زمان نظم الألفاظ الدالة عليها اما تلفظا باللسان أو حديثا بالنفس و منه ينشأ شك آخر هو فوات المقارنة حينئذ بمجموع النية لأنها مترتبة الاجزاء يتعذر استحضار تفصيلها دفعة واحدة فالمقارن لأول العمل هو الجزء الأخير منها لا غير و يقوى لو وقع التلفظ بهذه الألفاظ المستحدثة المرتلة بالإعراب و التجويد فإنه عمل يحتاج الى قصد اليه و نية ينبعث منها فما أبعده ان يكون هو النية بل هو الى البدعة أقرب و اما المقارنة و الاستدامة فيتبين حالهما مما قرره بعض المحققين (1)و محصوله مع تتميم ان الحركات الصادرة منا بالاختيار انما تصدر بعد تصور الفعل و الغاية و الضرورة قاضية بأنه كثيرا ما نغفل عنهما في أثناء الحركة و مع ذلك تصدر تلك الحركة من غير انقطاع و لا فتور خصوصا إذا كانت تلك الحركة مما اعتادته النفس و تمرنت فيه و ظاهر ان الحركة الصادرة عن الإرادة الناشئة من تصور النفع و الغرض يطلق عليها في العرف أنها صادرة بنية تلك المنفعة و انه عمل بنيته و ان ذهل المتحرك في أثنائها عن تصورها و تصور الفعل لكن يكون بحيث لو رجع الى نفسه لاستشعر به ما لم تحدث له إرادة اخرى لإصدار تلك الحركة ناشئة من تصور غرض آخر و كما يجوز الذهول في الأثناء مع بقاء الاشتغال بالحركة كذلك يمكن صدورها ايضا بالإرادة لغرض مع الذهول عنهما مفصلا (2)في ابتداء الفعل أيضا إذا تصور الفعل و الغرض في زمان سابق


1) آقا حسين في شرح الدروس م

2) الط ان يعول مفصلين بصيغة التثنية و هيهنا بحث و هو انه إذا كان الذهول عنهما ذهولا عنهما حال كونهما مفصلين فيصورهما مجملين متحقق و لا بعد بالاكتفاء بالتصور الإجمالي فالمقارنة متحققه ثم أقول و لم لم يقيد هذا المحقق الذهول و الأثناء بالتفصيل حجة مع انه لا يتصور الفرق بينهما جدا

و لم تحدث ارادة اخرى و الضرورة حاكمة ايضا بوقوع هذا الفرض عند ملاحظة حال الأفعال فحينئذ يجوز ان يصدر العمل لغرض الامتثال و القربة باعتبار تصوره و تصور ذلك الغرض في الزمان السابق و ان اتفق الذهول حين الشروع سيما أيضا في العاديات و لا دليل على البطلان في الفرضين مع صدق العمل بالنية فيهما فان تمسكوا في اشتراطا لمقارنة بالإجماع فإثباته في غاية الإشكال إذ لم ينقل من القدماء شي‌ء في أمر النية مطلقا و تحققه على وجه يكون حجة في أعصار الخائضين فيه يكاد يلحق بالمحالات نعم نقل الشهيد في الذكرى عن الجعفي انه لا عمل إلا بنية و لا بأس ان تقدمت النية العمل أو كانت معه و هذا تصريح بالخلاف من المتقدمين و من ثم عول أكثر المحققين من المتأخرين على سهولة أمرها جدا و ان الاستغراق فيها بهذه التدقيقات المحيرة للعوام مشغلة للقلب عما هو أهم منها من استشعار عظمه المعبود و التفكر في جلاله و كبريائه عز شانه عند التلبس بالعبادة و في أثنائها إذ مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ و اعلم ان ما حكم به المصنف و من وافقه من جزئية النية لا ينافيه الشرطية التي ذكرها غيرهم فان كلا من اجزاء المركب يمكن اعتباره شرطا عقليا من حيث انه يلزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود و تسميتها جزء أجود لأنه أدل على مدخليتها في العبادة و ألصق بما هو بصدده من أنها أشرف الجزئين و خيرهما ففي المشهور المتفق عليه نية المؤمن خير من عمله. و ذلك لتوقف نفع العمل و هو استحقاق الثواب أو سقوط العقاب أو كلاهما عليها ابتداء و استدامة دون العكس فإن النية وحدها نافعة و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام ان العبد لينوي من نهاره ان يصلى بالليل فتغلبه عينه فينام فيثبت اللّٰه له صلاته و يكتب نفسه تسبيحا و يجعل نومه صدقه (1). و عنه عليه السلام ان العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتى افعل كذا و كذا من البر و وجوه الخير فإذا علم اللّٰه ذلك منه بصدق نية كتب اللّٰه له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله ان اللّٰه واسع كريم و لكون الغرض الأصل من العمل بالجوارح انما هو تأثر القلب بسبب ما بينهما من الارتباط بالميل اليه تعالى و الانصراف عن الغير و الا فالأعمال الجسمانية بأنفسها ليست متعلقة لغرض التكليف و لا موجبه للوصول


1) أقول النية التي حكم فيها بالجزئية و الشرطية و الخبرية غير النية التي في الحديث عنه عليه السلام التي بينها عليه السلام بقوله ان العبد لينوي من نهاره ان يصلى بالليل الى أخر ما أفاد عليه السلام و اين هذه من تلك لمحرره عفى عنه السيد زين الدين من تلاميذ الشارح رحمهما اللّه

و الزلفى اليه جل شأنه فإن السجود مثلا لم يقصد من حيث انه وضع للجبهة على الأرض بل لأنه يؤكد صفة التواضع في القلب و يؤثر فيه بالعبودية المقربة إليه سبحانه كما قال اللّٰه تعالى لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لٰا دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ. إذ كان العرب في الجاهلية يلطخون حيطان الكعبة بدماء القرابين فلما حج المسلمون هموا بمثل ذلك فنبههم اللّٰه بان المقصود من القربان ليس اللحوم و الدماء و لا هما مما يوجب الوصلة إليه سبحانه و مناولة قربه و رضاه و انما الموجب لها التقوى التي هي من أفعال القلوب و من ثم أضيفت إليها في قوله عز و جل وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. و المراد ميلها عن حب الدنيا و بذلها إيثار الوجه اللّٰه و هو الغرض المقصود من القربان و هذا التأثر قد يحصل عند جزم النية و الهم و ان عاق عن العمل عائق و انما الإتيان به يزيده تأكيدا و رسوخا و في أسرار الأحكام الشرعية لمن عقلها شواهد متواردة على أصالة القصد و تبعية العمل له في الحكم ا لا ترى إلى اثم المجامع امرأته المباحة على قصد انها غيرها فإنه في حكم الزاني بخلاف المجامع غيرها على قصد أنها امرأته فإنه لا اثم عليه فانظر كيف انقلب الحلال حراما و الحرام حلالا بسبب النية بل الفعل الواحد يكون طاعة و معصية بالنية كلطم اليتيم للتأديب أو للتعذيب و في الحديث ان رجلين قدما الى خراسان فسألا الرضا عليه السلام عن صلاتهما في الطريق فقال لأحدهما كان يجب عليك القصر لأنك قصدتني و على صاحبك التمام لانه قصد السلطان. و ما ذكر من الوجهين من أوجه ما قيل في حل الحديث و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام و قد سئل كيف تكون النية خيرا من العمل قال لان العمل ربما كان رئاء للمخلوقين و النية خالصة لرب العالمين فيعطى عز و جل على النية ما لا يعطى على العمل. الحديث و اليه يرجع ما قيل ان طبيعة النية خير من طبيعة العمل و فيه صراحة في معنى التفضيل و سقوط ما قيل من حمل الخير على الصفة المشبهة و المراد انها من جملة اعماله التي يثاب عليها و عن ابى جعفر و ابى عبد اللّٰه عليهما السلام ان النية أفضل من العمل. و اما الإيراد بأن النية من أفعال القلوب فلا تكون عملا لانه مختص بالعلاج فهو كما ترى و تمام الكلام في حاشية الأربعين و إذ قد عرفت ان النية هي القصد المخصوص المحرك الى العمل فاعلم انه لا يخلو عن قسمين خالص و مشوب لان الباعث المنهض لآلات القدرة إما أمر واحد بسيط و هو الخالص و يسمى العمل الصادر عنه إخلاصا بالإضافة إلى الغرض المتصور لا لقيام للإكرام الصادر ممن دخل عليه مستحقه بزعمه و اما متعدد

و هو المشوب كالتصدق على الفقير القريب للفقر و القرابة معا و مثاله من المحسوس ان يتعاون اثنان على حمل شي‌ء بمقدار من القوة كافية في حمله لو انفردت و هو يتصور على وجهين ف انه اما ان لا يستقل شي‌ء منهما بالإنهاض كما لو تعاون ضعيفان على الحمل بحيث لو انفرد أحدهما لم يطق و يعرف بالامتناع عند الانفراد فلو تعرض له الفقير الأجنبي أو القريب الغنى لم يتصدق عليهما و لكن اجتماع السببين يدعوه الى البذل و يسمى مشاركه الباعث أو يستقل أحدهما به و هذا ايضا على أحد وجهين لانه اما ان يفرض كل منهما متساويا مع الآخر في السببية و التحريك كما لو تعاون قويان على الحمل و لو انفرد به كل منهما امكنه ذلك و لم يتعذر عليه و يسمى مرافقه الباعث أو متفاوتا بان يكون أحدهما قويا مستقلا لو انفرد بنفسه و الثاني ضعيفا غير مستقل و لكن لما انضاف اليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة و التسهيل و يسمى هذا معاونة فالباعث الثاني اما ان يكون شريكا أو رفيقا أو معاونا و هي أقسام النية المشوبة و تجري في الخيرات و الشرور جميعا و يتعدد الجزاء بتعددها خيرا كان كالدخول في المسجد للزيارة فإن من دخل المساجد فقد زار اللّه كما في الحديث النبوي و في الحديث القدسي المساجد بيوتي في الأرض فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي.

و انتظار وقت الصلاة أو كمالها و الاعتكاف و الانزواء عن الناس تحفظا من آفاتهم و التجرد للذكر عن الشواغل الخارجة و ترك الذنوب خشية أو حياء و اصابة أخ مستفاد في اللّٰه أو علم مستطرف أو كلمة تذله على هدى أو ترده عن ردى أو رحمة منتظرة كما في حديث أمير المؤمنين ع (التهذيب) فان كلا منها طاعة مندوب إليها على حدة و قد تتداخل جميعا في فعل واحد و يترتب عليه الثواب الموعود على كل منها و كلها منتهية إلى وجه اللّٰه سبحانه فهي مشوبة خالصة من وجهين أو شرا كالقعود فيه لتحدث بالباطل و ملاحظة النساء حيث تحرم و مماطلة الغريم و المناظرة للمباهاة و هي المفاخرة مع الطرف أو غيره و المراءاة للحاضرين فيها أو هي معطوفة على المناظرة أو التحدث من غايات القعود و خيرها يجعل المباح و هو هنا ما يقابل الطاعة و المعصية فيندرج فيه المكروه عبادة كالتطيب لمن يريد المسجد يوم الجمعة أو العيد لإقامة السنة و تعظيم المسجد و اليوم و دفع الأذى عن الجليس بالنتن و إدخال السرور عليه بالعرف و هو بفتح العين الرائحة طيبه أو كريهة ثم غلبت في الأول و سد باب الغيبة بصيانة نفسه ان يغتاب بالنتن و التفل و جليسه ان يتعرض له بالغيبة بهما و يستحق الإثم و بمثل هذا ورد الأمر في

قوله صلى اللّٰه عليه و آله يا أبا ذر ليكن لك في كل شي‌ء نية حتى في الأكل و النوم. و في كلمات بعض المشايخ ليكن لك في كل حركة بركة إشارة إلى أن النية تؤثر في المباح و تلحقه بالعبادة و ربما تفضله على محضها فالترفه للملول في جزء من الزمان بنومة أو دعابة مباحة لرد نشاط الطبيعة و إقبال القلب على الصلاة في الجزء التالي أفضل منها في ذلك الجزء مع الملال و من ثم وردت الرخصة في ترك النوافل و الاقتصار على الفرائض عند ادبار القلوب و تأخير الصلاة عن أول وقتها من المكروهات المنصوصة و يندب إليه إذا قصد به الوصول الى المسجد أو فضيلة الجماعة أو الطهارة المائية كما يأتي في محله و روى (ا) ان زكريا عليه السلام كان يعمل في حائط بالطين و كان أجير القوم فقدموا اليه رغيفين إذ كان لا يأكل الا من كسب يده فدخل عليه قوم فلم يدعهم الى الطعام حتى فرغ منه فتعجبوا منه لما علموا من سخائه و زهده فقال انى اعمل لقوم بأجرة و قدموا الى الرغيفين لا تقوى بهما على عملهم فلو أكلتم معى لم يكفكم و لم يكفني و ضعفت عن عملهم. و كما يؤثر خيرها في المباح فيخرجه إلى الطاعة كذلك يؤثر شرها فيه بل و في الطاعة أيضا فيخرجهما إلى المعصية فالمباح الذي يجعله النية معصية كالتطيب للتفاخر بإظهار الثروة على غير وجه التحديث بالنعمة و التزين للزنا و الطاعة كالعمل المرئي به فإن فإن نية الرئاء تلحقه بالمعاصي و لا تؤثر النية في الحرام بإخراجه الى قسيميه كما فيهما فلا يباح شرب الخمر لموافقة الاخوان و لا الزنا لإجابة التماس المراود و لو توارد على بعض افراده قصود فاسده تضاعف وزره و عظم وباله كما لو قتل أحدا ليتمكن من غصب ماله و الزنا بزوجته و الفطن إذا أتقن هذه الجملة التفت منه الى ان تصميم القصد الى ماله صورة خارجة من المعاصي كالزنا و شرب الخمر من المعاصي كما هو ظاهر قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ. و في تتمة الحديث السابق نية الكافر شر من عمله. و في حديث الرضا عليه السلام مع المأمون و المعصوم لا يهم بذنب و لا يأتيه. و هو الذي صرح به أمين الإسلام في تفسير قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ.

قال القول فيما يخطر بالبال من المعاصي ان اللّه سبحانه لا يؤاخذ به و انما يؤاخذ بما يعزم عليه الإنسان و يعقد قلبه مع إمكان التحفظ عنه فيصير من أفعال القلب فيجازيه به كما يجازيه بأفعال الجوارح و انما يجازيه جزاء العزم لا جزاء عين تلك المعصية لأنه لم يباشرها و هذا بخلاف العزم على الطاعة فإن العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه و ذلك جزاء تلك الطاعة كما جاء في الاخبار

ان المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها. و هذا من لطائف نعم اللّٰه على عباده انتهى قال السيد في تنزيه الأنبياء ارادة المعصية و العزم عليها معصية و قد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا ان العزم على الكبيرة كبيرة و على الكفر كفر هذا كلامه و نسبه بعض الفضلاء (1)الذين عاصرناهم الى أكثر المحدثين و المتكلمين و جمهور العامة و جماعة من أصحابنا و خالف في ذلك قوم فزعموا ان نية المعصية لا تؤثر عقابا و لا ذما ما لم يتلبس بها و ادعوا ان ذلك قد ثبت في الاخبار العفو عنه فان كان نظرهم إلى (الكافي) رواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام ان اللّٰه جعل لادم في ذريته من هم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنه و من هم بحسنه و عملها كتبت له عشرا و من هم بسيئة و لم يعملها لم تكتب عليه سيئه. و رواية أبي بصير (الكافي) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال ان المؤمن ليهم بالحسنة و لا يعملها فتكتب له حسنة فإن عملها كتبت له عشر حسنات و ان المؤمن ليهم بالسيئة ان لم يعملها فلا تكتب عليه. فهما و ما في معناهما غير صريحة في خلاف ما نقلناه عن التفسير مع ان في أسانيد ها على طريقتهم قصورا و بالجملة فانقطع بان العزم غير مؤاخذ عليه كما صرح به بعض المعاصرين (2)مما لا ريب في انتفائه

[باب الإخلاص]

باب الإخلاص و هو كما عرفت تجريد النية شرا أو خيرا عن الشوب بأقسامه فالمتصدق لمحض الرئاء مخلص كالمتصدق لمحض ابتغاء وجه اللّٰه ثم غلب مطلقه في الثاني بحيث لا ينصرف إلا إليه تغليب الإلحاد الذي هو مطلق الميل الى الميل عن الحق في بعض العقائد و هو يتصور على وجهين متفاضلين فالأعلى ارادة وجهه تعالى أي موافقة إرادته و امتثال امره شكرا له أو حياء منه و مهابة أو تعظيما و انقيادا أو حبا أو لكونه أهلا للعبادة كما في حديث أمير المؤمنين ما عبدتك خوفا من نارك و لا طعما في جنتك و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك و هي من مواضع الغرور فكثيرا ما يغتر الناوي بنفسه و بنيته فيراها في هذه المرتبة و يعرف صدقها بالتفكر و صفاته تعالى و أفعاله و مداومة السر على المناجاة معه في جميع أحواله فإن فقد هذه العلامات فليوقن انه ليس منها الا في حديث النفس و خديعة الوسواس كما مر من حال الواطى ثم ارادة نفع الآخرة بجلب الثواب أو الخلاص من العقاب أو كليهما و كيف كان فهو حظ من حظوظ النفس يخرج عن الإخلاص المطلق و انما يعد إخلاصا بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة و من ثم حكم كثير من علماء الفريقين ببطلان العبادة بهذا القصد فان صاحبه انما قصد الرشوة و البرطيل أو الاستراحة من العذاب و التنكيل و لم يقصد وجه الرب الجليل و أبطله المصنف في المعتصم


1) السيد على خان في شرح الصحيفة م

2) الشيخ عبد اللّه بن صالح البحريني في النفحة العنبريه م

و المفاتيح و غيرهما بالنصوص و ان بعض الناس ليس درجتهم أعلى منه و ليس في وسعهم القصود الأخر كما ينبه عليه حسنه (الكافي) هارون بن خارجه عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال العبّاد ثلاثة قوم عبدوا اللّٰه عز و جل خوفا فتلك عبادة العبيد و قوم عبدوا اللّٰه طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء و قوم عبدوا اللّٰه عز و جل حبا له فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة و زاد بعضهم القول بصحة العبادة لطلب الأغراض الدنيوية المباحة أيضا من جنابه سبحانه كما ينبه عليه ما ورد ان صلاة الليل تزيد في الرزق و الصدقة ترد البلاء و صلة الرحم تنسئ الأجل و الأجود الاستدلال بما ورد من صلوات الحوائج كالاستطعام و الحبل و العافية و نحوها و ورد في حقيقته ما رواه أبو حامد مرسلا عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله انه سئل ما الإخلاص فقال هو ان تقول ربى اللّه ثم تستقيم كما أمرت قال اى لا تعبد هواك و نفسك و لا تعبد الا ربك و تستقيم في عبادتك كما أمرت و هذا إشارة إلى قطع كل ما سوى اللّٰه عن مجرى النظر و هو الإخلاص حقا و عن الحواريين انهم قالوا لعيسى عليه السلام ما الخالص من الأعمال فقال ان تعمل للّه لا تحب ان تحمد عليه و في الكافي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام العمل الخالص الذي لا تريد ان يمدحك عليه أحد إلا اللّٰه. و فيهما تعريض بالرئاء لأنه أقوى الأسباب المشوشة للإخلاص و هو عزيز المثال جدا فإنه أشد الأشياء على النفس إذ ليس لها فيه نصيب و الطريق اليه كسر حظوظ النفس و قطع الطمع عن الدنيا و التجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب و ضده المطلق الشوب مطلقا و من وجوهه الرئاء و في حكمه السمعة كما تقدم و هو في الأصل من الرؤية كالسمعة من السماع مصدر كالقتال يقال رائيته مرائاة اى أريته نفسي على خلاف ما انا عليه و في الاصطلاح طلب المنزلة عند غيره تعالى و هم الراءون بالعبادة و هي المرائي به فهنا قيود ثلثه أحدها صلوحها للرؤية فيختص الرئاء أو المرائي به ب أحد جزئيها و هو عمل الظاهر اما الجزء الآخر و هو النية فهي من عمل الباطن لا يتطرق اليه الرئاء و الثاني ان يكون المقصود منفردا أو مشوبا خصوص المنزلة عند الرائين فلو قصد لازما آخر لم يكن مرائيا و لا فرق بين ان يكون راجحا نحو ضم قصد الحمية إلى قصد القربة في الصوم و الاعلام بالصلاة في التكبير أو اجهاره و غيره نحو قصد التبرد في الوضوء و التفرج عن الهم و التوحش عن الأهل و التجارة في سفر الحج و الخلاص عن المئونة و سوء الخلق في العتق ف ان ذلك كله و ان شارك الرئاء من وجه لكنه غيره سواء كان على وجه المشاركة أو المرافقة أو المعاونة و كله مما يفوت به الإخلاص المطلق

و في فوات الصحة تفصيل و محصول ما قرره المصنف في مطولاته انه ان كانت الضميمة راجحة صحت مطلقا و الا فإن كانت مشاركة أو مرافقه بطلت و ان كانت معاونة صحت مع احتمال البطلان ايضا و المشهور بطلان عبادة المرائي و وجوب الإعادة عليه كما أشرنا إليه فيما سبق لأنها ليست عبادة بالحقيقة و ما يحكى عن السيد من الحكم بالصحة و الاجزاء بمعنى سقوط الطلب عنه و ان لم يستحق بها ثوابا فغير ظاهر الوجه و الرئاء يكون ب أمور كثيرة و أكثرها شيوعا خمسة هي مجامع ما يتزين به العبد للناس و هي البدن و الهيئة و الزي و هو اللباس و القول و العمل و قد يرائي بغيرها من الأمور الخارجة كالاتباع و الأسباب فبالبدن كإظهار التحول و الذبول ليدل على قلة الأكل و النوم و كثرة الصيام و القيام و السهر للمطالعة و تحقيق العلوم و الرياضة فيدل على شدة اجتهاده في أمر الدين و بالهيئة ك إبقاء أثر السجود على الجبهة ليكون من الذين سيماهم في وجوههم و تشعث الشعر اشعارا باستغراق همه بأمر الدين و عدم التفرغ لتسريحه و عن عيسى (ا) عليه السلام إذا صام أحدكم فليدهن رأسه و يرجل شعره و يكحل عينيه و ذلك لما يخاف عليه من نزع الشيطان بالرئاء. و بالزي ك لبس الصوف و الشملة و اختيار ما اعتاده الاشراف أو للعلماء أو العباد منه ليرى انه منهم فيقع له محل في القلوب و بالقول ك الوعظ و التذكير و النطق بالحكمة و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر في المحاضر ليقال انه راسخ متصلب في أمور الدين لا يخاف لومة لائم و بالعمل ك تطويل الصلاة و اطراق الرأس و ترك الالتفات و تسوية القدمين و بالاتباع كالتعرض لأسباب كثرة التلاميذ أو المريدين أو الزائرين ليقال انه أفضل ممن عداه و الناس يستفيدون منه و يتبركون بأنفاسه و دعائه و زيارته و بالأسباب كالاكثار من جمع كتب العلم و كتب الأوراد و الأدعية و اعمال السنة و تصحيحها و حفظها و تحصيل الإجازات و الأسانيد إلى المشايخ إيهاما بأنه شديد الاهتمام بالعلوم و الأعمال و الآداب الدينية و أوسع إحاطة و أجل شأنا من غيره و الثالث ان يكون ذلك بعمل العبادة ف ما طلب بغير العبادة من الأفعال المباحة ك صرف الهمة إلى كثرة المال ليخرج بذلك عن مهانة الفقر الى حشمة اليسار و حفظ الاشعار المباحة و التواريخ و الأبيات ليتيامن عن العامة و يحصل له القبول و المنزلة في القلوب بذلك فخارج عن مجرى الرئاء و لا يحرم طلب المنزلة على هذا الوجه إذا لم يؤد الى رذيلة محرمة من رذائل المال أو ألجأه كالتكبر كما سبق في الكلام في الجاه في باب حب الخمولة و كذا لا يحرم التزين

بتنظيف الثوب عند الخروج الى الناس و تسوية العمامة و نحو ذلك لاستمالة قلوب الاخوان و تطييب نفوسهم و التحامى عن ملالتهم و ملامتهم بالتقشف سيما إذا كان مرموقا اليه متبوعا في الدين فإن العناية بميل القلوب اليه و تثبيتها عن استثقاله و التنفر عنه شديدة و ليس ذلك رئاء بالعبادة بل بالدنيا كما قرره أبو حامد و استدل عليه بما روى عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله ان اللّٰه يحب من العبد ان يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم. و أنت خبير بان مقتضاها استحباب التزين فالوجه تسليم كونه رئاء لاندراجه في الرسم و استثناؤه من عموم التحريم بالنص و عن أمير المؤمنين عليه السلام (الكافي) ليتزين أحدكم لأخيه المسلم كما يتزين للغريب الذي يحب ان يراه في أحسن الهيئة. و العبارة لا تأبى الوجهين و افات الرئاء كثيره و المذكور منها خمسة أحدها التلبيس بإراءة ما يخيل الى الرائين انه من أهل العبادة و الدين و ليس كذلك فهو بالأمر الدنيوي حرام كما لو قضى دين جماعة و أوهم إلى الناس انه متبرع عليهم ليعتقدوه سخيا ف بالأمر الديني اولى بالتحريم و ثانيها الاستهزاء عليه تعالى. و في بعض الآثار إذا رأيي العبد قال اللّٰه تعالى انظروا اليه كيف يستهزؤ بي. قيل و مثاله الماثل بين يدي الملك طول النهار كما جرت عادة الخدمة و انما مثوله لملاحظة جارية من جواري الملك أو غلام من غلمانه فإنه من أفحش الاستهزاء بالملك و انما عدي في العبارة بحرف الاستعلاء دون الإلصاق كما هو الأصل لتضمنه معنى الجرأة أو الإيثار و ذلك بإيثار رضا غيره تعالى على رضاه فطلب المنزلة عند هم دونه و إيثار تعظيم نفسه في القلوب على تعظيمه تعالى في قلبه و إيثار الاحتراز عن مقت غيره على الاحتراز عن مقته عز و جل حيث تعرض له برئائه فعن ابى عبد اللّٰه عليه السلام من أظهر للناس ما يحب اللّٰه و بارز اللّٰه بما كرهه لقي اللّٰه و هو ماقت له و ثالثها رد العمل فإنه تعالى يرد المشوب و لا يقبل الا الخالص كما في حديث الحفظة و عن ابى عبد اللّٰه ع (الكافي) قال اللّه انا خير شريك من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصا. و رابعها اللوم من الملائكة في القيمة فعن النبي صلى الله عليه و آله المرائي ينادي به على رؤس العباد يا فاجر يا كافر يا غادر يا خاسر ا ما استحيت إذ اشتريت بطاعة اللّٰه عرض الدنيا راقبت قلوب العباد و استهزئت بطاعة اللّٰه و تحببت الى العباد بالتبغض الى اللّٰه و تزينت لهم بالشين عند اللّٰه و تقربت إليهم بالبعد من اللّٰه تحمدت إليهم بالتذمم عند اللّٰه و طلبت رضاهم بالتعرض لسخط اللّٰه اما كان أحد أهون عليك من اللّٰه. و خامسها الحرمان عن الأجر المستحق بالعمل لو كان خالصا فان من عمل الناس

كان ثوابه على الناس. كما ورد عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام و ينقسم الرئاء على وجوه متعددة بحسب اعتباره في نفسه و في موضعه و هو العمل المرائي به و في غايته المطلوبة به و هي ما يرائي له و له بحسب كل منها درجات متفاوتة في التفاحش و الافحش باعتبار ه في نفسه ان لا يريد الثواب أصلا كالذي يصلى بين أظهر الناس و لو انفرد لكان لا يصلى و ربما يصلى مع الناس من غير طهارة فهذا جرد قصده الى الرئاء و هو في غاية المقت عند اللّٰه ثم ما فيه ارادتان الثواب و الرئاء جميعا و لكن الرئاء غالب و الثواب معاون بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله و لا يحمله ذلك القصد على العمل و لو لم يكن الثواب لكان قصد الرئاء يحمله عليه و هذا لا يصلى من غير طهارة و هو دون الأول لكنه قريب منه في المقت ثم ما استويا فيه متشاركين بحيث لو كان كل منهما منفردا عن الآخر لم يبعثه على العمل فلما اجتمعا انبعثت الرغبة و هذا ايضا لا يقدم عليه في الخلوة ثم ما يرجح فيه قصد الثواب و يعاونه قصد الرئاء بحيث يكون اطلاع الناس مقويا لنشاطه و لو لم يكن ذلك لكان لا يترك العمل و لو كان قصد الرئاء وحده لما أقدم و عن (الكافي) أمير المؤمنين عليه السلام ثلاث علامات للمرائي ينشط إذا راى الناس و يكسل إذا كان وحده و يحب ان يحمد في كل أموره. و هذا ادنى الرئاء بحسب درجاته في نفسه و اما درجاته باعتبار ما يرائي به فافحشها الرئاء بأصل الايمان بالتظاهر به تجملا الى المسلمين مع التكذيب به باطنا و هو النفاق المشحون بذكره الكتاب كقوله عز و جل إِذٰا جٰاءَكَ الْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ. و فيه الخلود في النار فإنه كفر بل المنافق أسوأ حالا و أعظم فتنة على الإسلام من الكفار المجاهدين و من ثمة كان عذابه أشد كما قال عز و جل إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ. ثم الرئاء بأصل فرائض يأتي بها في المحاضر استرضاء للناس و احترازا عن مقتهم و يتركها في الخلوات كسلا مع التصديق القلبي بالعقائد الدينية و هذا محكوم بإسلامه في الجملة لكونه معتقدا بأصل الايمان و انما يرائي فيما سواء من الأعمال و لو كلف بعبادة غير اللّٰه لامتنع عنه فهو دون الأول و فيه المقت عند اللّٰه كما سبق ثم الرئاء بأصل السنن و النوافل التي لا معصية في تركها عند اللّٰه و لا عند الناس كالاختلاف الى المساجد و الإتيان بالنوافل و نحوهما فيكسل عنها في الخلوة لفتور رغبة في ثوابها أو إيثارا للذة الراحة و يأتي بها في مشهد الناس طلبا لرضاهم عنه المقتضى لانطلاق الألسن فيه بالمحمدة و الثناء و هو ايضا عظيم ممقوت عند اللّٰه

لكنه دون ما قبله و وعيده دون وعيده و اللائق فيه نصفه لان ذاك انما استحق ما استحقه من المقت الكبير بسببين قد اقتصر هذا على أحدهما لايثار رضا غيره تعالى على رضاه دون إيثار الاحتراز عن مقت غيره تعالى الاحتراز عن مقته فجنايته على النصف من جنايته و لا يظلم ربك أحدا ثم الرئاة بالأوصاف المرعية في الأعمال لا بأصولها و هي أدون المراتب و فيها ايضا درجات متفاوتة ف الافحش المراءاة ب الوصف الواجب كتعديل الأركان و إتمام الطمأنينات في الصلاة في حضور الناس و تخفيفها في الخلوة ثم بالوصف المكمل لها مما تنقص الصلاة بدونه و ان صحت كتطويلها باختيار السور الطوال في القراءة و الإكثار من اذكار الركوع و السجود و الإتيان بالأفعال المندوبة و تحسين الهيئة بالتخشع و ترك الالتفات و الوصفان داخلان في نفس العبادة ثم بالوصف الزائد الخارج عنها كالبكور في المسجد قبل القوم و قصد الصف الأول من الجماعة و اختيار يمين الامام و نحو ذلك و اما درجاته باعتبار ما يرائي له فافحشها قصد المعصية بإظهار التقوى و الورع و الامتناع عن الشبهات لتحسن فيه الظنون فيتمكن بذلك من مقاصد محظورة لا تتيسر له الا بها كتقلد الوقف و تولى مال الغائب و المحجور عليه للمداهنة و هي الغش و الأكل بالباطل و هؤلاء من أبغض المرائين الى اللّٰه إذ جعلوا طاعته سلما إلى معصية ثم قصد المباح كنكاح الشريفة و مصاهرة العابد فيظهر الزهد و الخشوع لترغب الشريفة الى ازدواجه أو العابد الى تزويجه ابنته فيكون قد طلب بطاعة اللّٰه حظ النفس و متاع الدنيا و في الحديث (الكافي) القدسي ويل للذين يختلون الدنيا بالدين. لكنه دون الأول لأن المطلوب مباح في نفسه ثم قصد التميز عن العامة لئلا ينظر اليه بعين النقص و الحقارة كما ينظر الى عوام الناس فيتظاهر بالصلاح ليعد من الخواص فيكرم إكرامهم و يتوقر في المشي في الأسواق و الشوارع العامة و ان كان مستعجلا في حاجته لئلا يظن فيه الطيش و الخفة فان انقطعت المارة عن الطريق و صادف خلوة جرى على عجلته و ان أحس بأحد عاد الى تؤدته و وقاره فهذه أقسام الرئاء بدرجاتها و جميعها جالبة لمقت اللّٰه و غضبه و هو من أشد المهلكات و من شدته ان فيه شوائب هي أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء حتى انه قد يخفى على المرائي نفسه كما ان من الأمراض الطبيعية ما قد يخفى على المريض نفسه فينبغي التنبيه لذلك و الاستدلال بالعلامات الدقيقة على حقيقة الحال كالفرح باطلاع الغير على العبادات الخالصة التي أداها في الخلوة بينه و بين ربه مع كمال

التحفظ عن الرئاء و المبالغة في الستر و الكتمان و لكن لو اتفق اطلاع الناس عليها فرح بذلك و وجد في نفسه سرورا و ارتياحا فهذا الفرح يدل على عرق خفي من الرئاء مستكن في القلب إذ لولا التفاته الى الناس لما ظهر عليه هذا الأثر من اطلاعهم على عبادته و هو من المضايق التي تتعسر جدا السلامة عنها فان الفرح بظهور الخير كالطبيعة الثانية و من ثم ورد انه معفو ففي الحسن (الكافي) عن زرارة عن ابى جعفر ع قال سالته عن الرجل يعمل العمل من الخير فيراه انسان فيسره ذلك فقال لا بأس ما من أحد الا و هو يحب ان يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن يصنع ذلك لذلك. و في المحجة و الحقائق ان رجلا قال لرسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله أسر العمل لا أحب ان يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني فقال لك أجران أجر السر و أجر العلانية (1)و ربما تلتذ النفس بهذه اللذة فتتقاضاها إذا فقدتها و تتحرك إليها حركة خفية فتكلف لها سببا كالتعريض في طي الكلام للاظهار و ان أمسكت عن التصريح به كقوله ان في جيران المسجد لعرسا كانوا يغنون البارحة إلى الصباح يؤذن بذلك انه كان متهجد الليلة في المسجد و ربما يقع التعريض بغير النطق من الأحوال كالخفوق في الغدوات التي تقام لياليها و تبريد الأطراف بالماء في الأيام الصيفية التي تصام و نحو ذلك و هذا دون الأول في الخفاء و دونه ان يجد من نفسه انه يحب إذا رأى الناس ان يؤدى عمله على أحسن الوجوه و أكملها و يخاف ان يكون ذلك من الرئاء الممقوت فيدعوه الاحتراز عنه الى تحسين الأداء في الخلاء ايضا لئلا يخالف أدائه في الملاء فيكون قد سوى بين الحالين زعما منه التخلص بذلك عن الرئاء الذي هو الالتفات الى الخلق و هو في الحالين مشغول القلب بهم و هذا سر ما ورد في الحديث النبوي لا يكمل ايمان العبد حتى يكون الناس عنده بمنزلة الأباعر. و دون الجميع ان يسوى بين الحالين في تحسين الأداء ليتزين في الأعين ب ما اعتاده من طول التكلف و الممارسة في الخلإ و الملإ من ظهور اثر الخشوع في الأعضاء و هذا مما يكاد يلحق بأفراده الجلية و ليس هذا من التزين الذي سبق عليه الحكم بالإباحة بل هو من الرئاء المحرم و ان كان بعض أفراده أوضح منه كما ان الأمراض الطبيعية بعضها أوضح من بعض و العلاج الحاسم لجميع


1) في المصابيح من الحسان عن أبي هريرة قال قلت يا رسول اللّه بينا انا في بيتي في مصلاي إذ دخل على رجل فأعجبتني الحال التي رآني عليها فقال رسول اللّه ص رحمك اللّه أبا هريرة لك أجران الحديث منه قدس سره

أنواعه قلع أسبابه عن القلب و هي حب الجاه و حب المدح و كراهة الذم و هي أشد مما قبلها فإن الإنسان قد يصبر عن لذة المدح و لا يصبر على ألم الذم و قطع الطمع عما في أيدي الناس فان حب المال من الدواهي العظيمة الجارة الى فواحش كثيره من جملتها الرئاء فالمتقيد بتصحيح مزاج ايمانه عن هذا الداء الدفين يتحرى التدبيرات المعمولة في المعالجات الطبية فيبادر الى قلع المادة أولا ثم الحمية و استعمال المقويات المعيدة للاعتدال الصحى فيزيل الأسباب المذكورة بما سبق ذكره فيما سبق و يحتمى بالتزام إخفاء العمل عن الأعين و إغلاق الأبواب دونه كما تغلق الأبواب دون الفواحش حتى يقنع القلب بعلم اللّٰه و اطلاعه عليه و لا تنازع النفس الى طلب علم غيره و هذا و ان شق في بداية المجاهدة لكن إذا استمر عليه و لو متكلفا سقط عنه ثقله و هان عليه بتواصل ألطاف اللّٰه و ما يمد به عباده من حسن التوفيق و التأييد فعلى العبد المجاهدة و من اللّٰه الهداية و يقوى امره بالمداومة على ذكر فوائد الإخلاص لتشتد اليه رغبته و آفات الرئاء ليفتر عنه ميله فما أقبح من لا يكتفى بنظره تعالى في ساعة من العمل المعيوب و يتحرى نظر الخلق اليه مع علمه بان ذلك يسقطه عن نظره تعالى و باعه بخسيس فان لا يدرى هل يحصل له أم لا فإن المنزلة المطلوبة للمرائي غير مقطوعة الحصول و اعرض عن بيعه بثواب الدارين المرجو عند اللّٰه بالإخلاص فان الآخرة و مبذولة لمن أخلص عمله للّٰه و اما الدنيا فتأتيه و هي راغمة كما قال تعالى فَآتٰاهُمُ اللّٰهُ ثَوٰابَ الدُّنْيٰا وَ حُسْنَ ثَوٰابِ الْآخِرَةِ. و قال عز من قائل مَنْ كٰانَ يُرِيدُ ثَوٰابَ الدُّنْيٰا فَعِنْدَ اللّٰهِ ثَوٰابُ الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ إشارة الى ان المريد بعمله ثواب الدنيا مغبون محروم و انه لو أراد به وجه اللّٰه لكان اوفى ثوابا و أعظم نفعا و عن النبي صلى الله عليه و آله ان اللّٰه يعطى الدنيا بعمل الآخرة و لا يعطى الآخرة بعمل الدنيا. و ربما حرمهما المرائي جميعا و هو الغالب و إذ قد عرفت حال إظهار العمل من جهة الرئاء و ان الفرح بظهوره لا يخلو عن شوب ما و ان كان معفوا فاعلم انه ربما يحمدان إذا كان الملحوظ فيهما جهة أخرى راجحة من الجهات الممكنة ف تحمد الفرحة بالظهور من جهة دلالة على حسن نظر اللّٰه اليه و لطفه تعالى به بإخفاء الذنوب و إظهار الطاعات فإنه يخفيهما جميعا ثم اللّٰه يظهر له الجميل و يستر عليه القبيح فيكون فرحه بجميل نظر اللّٰه له لا بحمد الناس و قيام المنزلة في قلوبهم و قد قال اللّٰه تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللّٰهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فهو من الفرح المأمور به لأن إظهار

الجميل مع ستر القبيح من محائل القبول أو من جهة دلالته في الدنيا على انه تعالى يفعل به كذلك في الآخرة فإنه رب الدنيا و الآخرة و عنايته سبحانه بعباده عظيمة فيهما و في الحديث النبوي ما ستر اللّه على عبد ذنبا في الدنيا الا و ستر ه عليه في الآخرة فيكون الأول فرحا بالقبول في الحال و هذا التفات الى المستقبل أو من جهة انه ممن يقتدى به فيظن رغبة المطلعين الى الاقتداء به في الطاعة فيضاعف له الأجر بذلك فيكون له أجر العلانية بما ظهر؟ أخر أو أجر؟ السر بما قصده أولا و من اقتدى به في طاعة فله مثل أجر اعمال المقتدين به من غير ان ينقص من أجورهم شي‌ء أو من جهة ان المطلعين يحبونه و يثنون عليه فيكونون قد أطاعوا اللّٰه فيه إذ أحبوا رجلا من أهل الايمان و العبادة ففرحه ليس من أجل محبتهم له من حيث انها محبة له بل فرح بحسن ايمان عباد اللّٰه حيث انهم يثابون بمحبته و الثناء عليه و يعرف الإخلاص في هذا النوع الذي هو من محال الغرور بتسوية مدحه و مدح صالح غيره في الفرح بهما و مقداره فان فقدت التسوية فليعلم انها من مكائد الشيطان و يحمد الإظهار في ما يمكن إخفاؤه من الأعمال للترغيب ان كان من اهله سواء كان بنفس العمل كالصدقة في الملإ أو التحدث به بعد ذلك ما تحفظ عن الزيادة فورد في المتفق عليه من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها الى يوم القيمة و قد نقل عن كثير من السلف التظاهر بالعمل لذلك فان النفوس العامية متشوقة الى التشبه و الاقتداء بل إظهار المرائي للعبادة إذا لم يعلم انه رئاء فيه خير كثير للناس و ان كان شرا لنفسه فكم من مخلص كان سبب إخلاصه الاقتداء بمن هو مرائي عند اللّٰه و يحكى انه كان يجتاز الإنسان في سكك البصرة عند الصبح فيسمع أصوات المصلين بالقرآن من البيوت فصنف بعضهم كتابا في دقائق الرئاء فتركوا ذلك و ترك الناس الرغبة فيه فكانوا يقولون ليت ذلك الكتاب لم يصنف و في الحديث ان اللّٰه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر و بأقوام لا خلاف لهم في الآخرة و من وظيفة المظهر ان يراقب قلبه فإنه ربما يكون فيه حب الرئاء الخفي فيدعوه إلى الإظهار بعذر الترغيب و الاقتداء و انما شهوته التجمل بالعمل و يعرف الصدق بأنه لو قدر اقتداء الناس بغيره و استواء أجر السر و الإعلان لما رغب فيه و ان وجد من نفسه الرغبة عند عرض ذلك عليها فليعلمها كاذبة في الاعتذار و كذا يحمد كتمان المعاصي لا لان يعتقد فيه الورع رئاء بل للتحامى عن الهتك المذموم عقلا أو لأن الستر مأمور به شرعا كما تقدم التنبيه عليه و في الحديث النبوي من ابتلى

بشي‌ء من هذه القاذورات فليستره بستر اللّٰه. فهتك الستر معصية ثانيه تنضاف إلى الاولى و إخفاؤها من قوة الايمان لكراهة اللّٰه ظهورها و يعرف الصدق فيه بكراهة ظهورها عن الغير ايضا على حد كراهته من نفسه أو لأنه إذا افتضحت مساويه لا تنفك الألسن ان تناله بالمذمة و الوقيعة فيه و هو يتألم بالذم فإنه مؤلم للطبع كما ان الضرب مؤلم للبدن فيكتم ذنوبه و يكره الفضيحة حذرا ان يذم بها و يتألم بسببه و لا ضير في ذلك فهو مباح في نفسه لكونه جبليا و ان كان الخواص منخلعين عنه أو لأن الناس شهداؤه يوم القيمة كما ورد ان الناس شهداء بعضهم على بعض. فيكره اطلاعهم على فضائحه حياء من شهادتهم عليه يوم يقوم الإشهاد أو لأن المذمة من لوازم الافتضاح كما ذكر و الذام يصير عاصيا فيكره الافتضاح من حيث استلزامه معصية الذام لا من حيث استلزامه ذمه و يعرف الصدق فيه بتسوية ذمه و ذم غيره في الكراهة و مقدارها لاستوائهما في المعصية كما سبق أو الخوف ان يقصد بسوء ممن يطلع على دخيلة ذنبه و منه الحد و التعزير كما تقدم أو للحياء فهو كرم الطبع من الأخلاق الفاضلة لانه الملكة الموجبة لانكسار النفس إذا استشعر منها ما تلام عليه و في حديث آدم عليه السلام انه و الدين من لوازم العقل. و في الحديث النبوي الحياء خير كله و فيه الحياء شعبة من الايمان و فيه الحياء لا يأتي إلا بالخير. و الفاسق الوقيح الذي لا يستحي من ظهور فسقه و تسامع الناس به أسوأ حالا و أعظم فتنة من المستحي المستتر به الا انه و الرئاء متشابهان و الفرق بينهما عسر جدا و أكثر المرائين يزعمون أن الداعي إلى تحسينهم العبادات في المرائي انما هو الحياء من الناس فيستخفون من الناس و لا يستخفون من الهّٰى و أحسن فارق بينهما الوجدان السليم و قد علم من الرسم ان انكسار النفس عن مثل الوعظ و الإمامة و سؤال العالم و تغليظ القول على الذين يتعاطون المنكرات و نحو ذلك مما لا ملامة فيه ليس من الحياء المحمود و انما هو من ضعف القلب و قلة الاحتمال و يحمد ذلك في النساء و الصبيان أو لأن لا يقتدى به الغير فان النفوس متشوقة الى التشبه كما مر سيما في الشهوات و سيما اتباعه المتطلعين الى أحواله فإنهم لا يكتفون بما أتاه بل يزيدون و من الأمثال المنظومة.

إذا كان رب البيت بالدف مولعا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

. أو للتحامى عن انصراف القلوب عنه لاطلاعهم على باطن امره من حيث حبه محبة الناس له لا للتوصل بذلك إلى معصية بل ليعلم منه محبة اللّه له

فيفرح بفضل اللّٰه و رحمته كما أمر و يقوى رجاؤه فإن من أحبه تعالى جعله محبوبا في قلوبهم كما ورد (1)لكنه لا ينعكس كليا لكونه موجبة كلية فلا يتم به الاستدلال

[باب الصدق]

باب الصدق و هو مطابقة الواقع في جميع الأحوال و يتعدد وجوهه بتعددها و مجامعها ستة و لفظ الصدق يطلق على كل منها بالتشكيك و يقابله فيها جميعا الكذب و أدناه الصدق في القول و ما يجرى مجراه في كل حال من الرضا و الغضب و العسر و اليسر و غيرها سواء تعلق بالماضي أو الحال أو المستقبل و هو من أهم ما تجب المحافظة عليه فان الكذب تضييع لأوضح الخواص الإنسانية و هو النطق و إبطال لفائدته و من ثم ورد في الأمر بصدق الحديث ما ورد و كماله ب أمرين أحدهما ترك المعاريض و هي جمع معراض كمفتاح الكلمات المورى فيها بالقصد الى معنى غير ما يتبادر الى الفهم من ظاهر اللفظ من غير ضرورة دينية أو دنيوية و المراد بها المصلحته الراجحة شرعا أو عقلا و ان لم تبلغ حد الاضطرار مثل تأديب الصبي و تهديد الغلام و في الحديث انه ع قال لبعض غلمانه و اللّٰه لئن قصرت في العمل لأضربنك ضرب الحمار فقيل له و ما ضرب الحمار قال ضربة خفيفة حد ما يستقيم على الجادة. و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله انه كان إذا توجه الى غزو قوم ورى بغير هم لئلا يبلغهم الخبر فيستعدوا. و المعاريض في كلام أئمتنا صلوات اللّٰه عليهم كثيره و أغلبها المصلحة التقية و عنهم عليهم السلام انه لن يستكمل المؤمن حتى يفهم معاريض كلامنا و ان الكلمة منا لتنصرف على سبعين وجها لنا في كل منها المخرج. و ربما يعد من المصلحة الراجحة تطييب قلوب الحاضرين بالمزاح كقوله صلى اللّٰه عليه و آله لن يدخل الجنة عجوز. و قوله الذي في عينه بياض. و نحو ذلك و بدونها لا يجوز قطعا حذرا من محذور الكذب و هو تفهيم الخلاف في المتكلم و كسب القلب صورة كاذبة في المخاطب و قد رخص في الكذب في الحرب و الإصلاح و مع الأهل فعن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلام كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما الا كذبا في ثلثه رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاح بينهما أو رجل وعد أهله شيئا و هو لا يريد ان يتم لهم و مع ذلك فليتحفظ على التورية من يحسنها كما


1) في النصايح من الصحاح قال رسول اللّه (ص) ان اللّه إذا أحب عبدا دعا جبرئيل فقال انى أحب فلانا فاحبه قال فيحبه جبرئيل ثم ينادى في السماء فيقول ان اللّه يحب فلانا فاحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض و إذا أبغض عبدا دعا جبرئيل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبرئيل ثم ينادى في أهل السماء ان اللّه يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضونه ثم يوضع له البغضاء في الأرض م

في قول إبراهيم عليه السلام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ. و قول يوسف عليه السلام إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ. اى سرقتم يوسف من أبيه و كانا يريدان الإصلاح كما ورد و يأتي لهذا تتمه في باب الكلام و الآخر رعايته معه تعالى في الألفاظ التي يناجيه بها فمن قال وجهت وجهي للّه و المتمكن في قلبه سواه أو قال إياك نعبد أو انا عبدك و هو يعبد الدنيا فهو كاذب في دعواه إذ التوجه ليس الا انصراف وجه القلب الى الشي‌ء و يمتنع ذلك الا بعد تفريغه عن غيره و العبادة هي التذلل و الانقياد و في الحديث من أصغى الى ناطق فقد عبده. ما لمتقيد بالدنيا المتذلل لها عابد لها الا للّٰه و العبودية هي تصحيح النسبة إلى المولى بصدق القصد إليه في سلوك طريقه فالمصحح نسبته الى الدنيا عبد لها و انما عبده اللّٰه من تحرر عن قيد الدنيا و استخلص نفسه للّٰه عز و جل و من ثم كان كثيرا يخاطب عيسى عليه السلام أصحابه بقوله يا عبيد الدنيا. و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله (1)تعس (2)عبد الدينار و تعس عبد الدرهم و عبد الحلة (3)و عبد الخميصة. ثم الصدق في النية كما مرت الإشارة إليه بتمحيضها له عز و جل و هو الإخلاص فالشوب يفوته يقال رمان صادق الحلاوة اى محضها غير مشوبة حلاوته بشي‌ء من الحموضة ثم الصدق في العزم و هو جزم قوى على الخير في زمان مستقبل عند التمكن من سببه كالتصدق و العدل ان نال مالا أو ولاية فهذه العزيمة قد يصادفها تصميم و رسوخ و ربما يكون فيها نوع ميل و تردد و ضعف فالصدق هنا عبارة عن التمام و القوة كما يقال لفلان شهوته صادقة و يقال هذا المريض شهوته كاذبة مهما لم تكن شهوته عن سبب ثابت قوى ثم الصدق في الوفاء بالعزم فالنفس قد تسمح بالعزم في الحال إذ لا مشقة فيه و المؤنة فيه خفيفه فإذا حقت الحقائق و حصل التمكن و هاجت الشهوات انحلت العزيمة و غلبت الشهوة فتبرد النفس و تفتر رغبتها الى الموعود و تتوانى بالوفاء فتخلف كما قال تعالى وَ مِنْهُمْ مَنْ عٰاهَدَ اللّٰهَ لَئِنْ آتٰانٰا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصّٰالِحِينَ فَلَمّٰا آتٰاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ. و مدح الموفين بقوله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. ثم الصدق في العمل و هو تسوية السر و العلانية بأن يجتهد حتى لا تدل اعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به لا بان يترك


1) في المصابيح من الصحاح م

2) اى انكب و عثر

3) الحلة بالضم إزار و رداء برد أو غيره و لا يكون حله الا من ثوبين أو ثوب له بطانة كذا في القاموس و فيه الخميصة كساء اسود مربع له علمان م

العمل و لكن بان يستجر الباطن الى تصديق الظاهر و هو غير ما تقدم من ترك الرئاء لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك لأجل الخلق و هذا ربما لا يقصد ذلك ف كم واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يريد مشاهدة غيره و لكن قلبه غافل عن الصلاة فمن نظر اليه رآه قائما بين يدي اللّٰه و هو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته و من هنا قيل كم طائف يطوف بالبيت و هو بخراسان فهذه اعمال تعرب بلسان الحال عن الباطن إعرابا هو فيه كاذب و كذا الماشي على هدو و اطمينان ان خلا باطنه عن الوقار فهذا غير صادق في عمله و ان لم يكن ملتفتا الى الخلق و لا مرائيا لهم و لا ينجو من هذا الأمن سوى بين سريرته و علانيته بل ينبغي للحازم ان يجتهد ان تكون سريرته خيرا من العلانية كما ورد في الدعاء النبوي اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي و اجعل علانيتي صالحه. ثم الصدق في مقامات الدين من الخوف و الرجاء و الزهد و التوكل و الصبر و نحوها فان لهذه المقامات مبادي يطلق الاسم بظهورها ثم لها غايات و حقائق و الصادق المحق من نال حقيقتها و بلغ غايتها و لذلك علامات و لوازم غير منفكة إذا شوهدت استدل بها على بلوغ الغاية و درك الحقيقة في ذلك المقام ففي مقام الخوف مثلا يستدل على الصدق بصفرة الوجه و قلق الباطن و ترك المعاصي و اللذات و اقامه الطاعات فإذا وجد المراقب هذه العلامات من نفسه فليعلمها صادقة فيما تدعيه من مقام الخوف اى بالغه غايته متجاوزة عن المرتبة التي يشترك فيها آحاد المؤمنين إذ ما من عبد يؤمن باللّٰه الا و يخافه خوفا يطلق عليه الاسم و قس على هذا معنى الصدق في غيره من المقامات و قد يكون العبد صادقا في بعض المقامات دون بعض و ببعض المعاني الست المذكورة دون آخر فيكون صادقا كاذبا من وجهين و قد يكون صادقا في أكثرها فهو صديق بالإضافة الى من هو أقل صدقا و الصديق المطلق يتصف بالجميع و هي الغاية في الصدق فعن ابى جعفر عليه السلام ان الرجل ليصدق حتى يكتبه اللّٰه صديقا. و ليس يتخلل بينها و بين النبوة مرتبة كما ينبه عليه قوله سبحانه إِنَّهُ كٰانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. و قوله عز شأنه فَأُولٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ

[باب التوحيد و التوكل]

باب التوحيد و التوكل و لكل منهما مراتب مترتبة و ادنى رتب التوحيد محض القول اللساني من غير اعتقاد للقلب عليه و هو من النفاق و العياذ باللّه منها سواء كان معتقدا لخلافه أم غافلا خالي الذهن و لا يفيد بحال صاحبه شيئا إلا عصمة الدم و المال في الدنيا فورد في الحديث إني أمرت

أن أ قاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّٰه فإذا قالوا عصموا مني دمائهم و أموالهم إلا بحقها. و اما في الآخرة فحاله أشد من حال الكفار المكاشفين كما مرت الإشارة إليه ثم التصديق القلبي اما بالتقليد كما للعامي و اما بالاستدلال كما ل لمتكلم فإنه و ان كان أقوى علما من العامي إلا أنهما متشاركان في أصل المرتبة و لا يتميز عنه المتكلم الا بالحيلة الدافعة تشويش المبتدعة و هي القدرة على صنعه الجدل و النظر في العقائد الدينية على طريقه الفلاسفة من ترتيب المقدمات و استنتاج النتائج منها و مراعاة قوانين الميزان في صور الأفكار و هي و ان كانت من محدثات الأمور كما سبق التنبيه عليه الا انها صارت اليوم مما لا بد منه و من ثم يقال بوجوبها كفاية حراسة لقلوب العوام عن تشكيكات المشككين و انما حدث ذلك بحدوث الشكوك و البدع كما حدثت حاجة الحجاج إلى استيجار البدرقة في الطريق لحدوث ظلم العرب و قطعهم الطريق و لو تركت العرب عداوتهم لم يكن استيجار الحراس من الشروط و يفيد في الآخرة النجاة من الخلود في النار إذ لا يخلد فيها من كان في قلبه مثقال ذرة من الايمان ثم مشاهدة ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق كما في الحديث ان المؤمن ينظر بنور اللّٰه و هو الذي يقذفه في قلب من يريد ان يهديه كما مر و هو مقام المقربين و ذلك بان يرى أشياء كثيرة لكن يرى صدور الكل من اللّه تعالى إذ انكشف له انه لا فاعل بالحقيقة الا هو لا انه كلف نفسه ان تعتقد ذلك كالعامي و المتكلم و هو أول مراتب اليقين و يفيد اعتماد القلب عليه سبحانه و انقطاعه عما سواه و هو التوكل فهو حال ينشأ من علم هو ثالثة مراتب التوحيد فهي المقصودة بالبيان لأنها التي يبتنى عليه التوكل الذي هو من أصول المطهرات في موضع الكتاب و ما عداها فمذكور استطرادا أو من باب المقدمة و هو الوجه في إدراجه في العنوان ايضا و قد تقدم ما هو أبلغ منه حيث عقد بابا مفردا للنية لكون البحث عنها من مقدمات الإخلاص الذي هو من أصول المطهرات فتأمل ثم رؤية عدم ما سواه تعالى فلا يحضر في شهوده غير الواحد و لا يرى الكل من حيث انه كثير بل من حيث انه واحد و هي الغاية القصوى في التوحيد و تفيد الاستغراق به و الغيبة عن الغير حتى عن نفسه و هو الذي يسميه الصوفية الفناء في التوحيد فإنه من حيث لا يرى الا واحدا لا يرى نفسه ايضا و يقال ان القائل ليس في جبتى سوى اللّٰه انما عنى هذه المرتبة من التوحيد إذ نفى نفسه و اثبت ربه كما قال القائل

آن را كه فنا شيوه و فقر آيين است نى كشف و يقين نه معرفت نه دين است

رفت أو زميان همه خدا ماند خدا الفقر إذا تم هو اللّٰه اينست

و بهذا يفرق بينه و بين من قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىٰ. و مٰا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرِي. إذا ثبت هذا

نفسه و نفى ربه و استيفاء القول في هذه المرتبة مما لا يهم في المطلوب إذ هي فوق التوكل و المرتبط بالتوكل انما هو ما قبلها كما مر فمن أيقن انه لا فاعل الا اللّٰه و ان كل ما هو موجود من خلق و رزق و عطاء و منع و حياة و موت و غنى و فقر الى غير ذلك فالمتفرد بإبداعه و اختراعه هو اللّٰه وحده لا شريك له كان منه خوفه و اليه رجاؤه و به ثقته و عليه اتكاله من غير نظر و لا التفات الى غيره و الالتفات الى الغير يكون لأحد سببين اما لضعف اليقين بالتوحيد المذكور بحيث لا يقوى على رفعه بالكلية أما لتطرق الشك بسبب ما يشاهد من الأغيار من أفعالهم الاختيارية فيختلج بالبال انه كيف يكون الكل من اللّٰه و هذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره فان شاء أعطاك و ان شاء منعك و هذا قادر عليك ان شاء قتلك و ان شاء عفى عنك و نحو ذلك و هذا إشارة إلى وجود المانع أو عدم غلبة اليقين بحيث يثبت له الاستيلاء على القلب و هذا إشارة إلى نقص المقتضى و هما يكونان غالبا في بداية الحال قبل تمام التحصيل و يرجى زوالهما بالرياضة و الاستكمال و اما للضعف الجبلي و الخور الفطري في القلب بسبب الأوهام الغالبة عليه بحيث لا يرجى إصلاح حاله و ان بولغ في رياضته و تكميله ما بولغ فان القلب قد ينزعج تبعا للوهم و طاعة له من غير نقصان في اليقين كالجبان مطيع الوهم فإنه ربما لا يطيق البيتوتة في بيت خال و يثق الأغلاق مع يقينه بأنه لا عدو ثمة أو في بيت فيه ميت مع يقينه بأنه جماد لا حواك به و عدم نفرته عن سائر الجمادات فالتوكل لا يتم إلا بقوة القلب و قوة اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب و طمأنينته و كم من يقين لا طمأنينة معه كما قال سبحانه لخليله أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فالتمس ان يشاهد احياء الميت بعينه ليثبت اليقين في خياله فان النفس تتبع الخيال و تطمئن به و لا تطمئن باليقين في أوائل الحال و انما تصير مطمئنة في أواخرها و ادنى رتب التوكل ان يعتمد المتوكل على اللّٰه اعتماد المتوكل على الوكيل الذي يختاره لكفاية مهم من مهماته عنه فإنه لا يستريح اليه الا بعد الوثوق بشفقته لتكون باعثة له على بذل كل المجهود في نصرته و رعايته و قدرته على إنجاح ذلك المهم على وجه تقتضيه مصلحة الحال بحيث لا يمنعه جبن أو حياء أو صارف آخر من الصوارف المضعفة للقلب عن إقامة المصلحة و الإصرار عليها و علمه بمواقع الصلاح و الفساد حتى لا يخفى عليه من غوامض الأمر الموكل فيه شي‌ء أصلا لئلا يغلبه الخصم بالتلبيس أو يخبط هو بجهله فإذا أيقن الموكل بهذه الخصال الثلاث في وكيله قوى وكوله عليه و مهما شك في شي‌ء منها أو ضعف يقينه به ضعف الوكول و قل الاعتماد و اضطربت النفس على حسبه و هذا بعينه حال المتوكل في

قوة يقينه أو ضعفه بعلمه تعالى و قدرته و عنايته بعباده و اختلاف توكله قوة و ضعفا بحسب ذلك ثم ان يعتمد عليه اعتماد الطفل الصغير على الأم فإنه لا يعرف غيرها و لا يفزع الى سواها فان رآها تعلق بذيلها و ان نابه أمر في غيبتها كان أول سابق الى لسانه و خاطره ذكرها فإنها مفزعه إذ وثق بكفالتها و كفايتها و شفقتها ثقة ليست خالية عن نوع ادراك بالتميز الذي له و لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلفيق لقطها و لا على إحضارها مفصلة في ذهنه فمن كان تألهه الى اللّٰه و نظره اليه كلف به كما يكلف الصبي بأمه فيكون متوكلا و هذه تفارق الاولى ب وجهين أحدهما عدم الالتفات الى الاعتماد فان هذا المتوكل قد فني في توكله عن توكله فلا التفات له الا الى المتوكل عليه فقط استغراقا به عن غيره كاستغراق الصبي بالأم بخلاف الأول فإن له التفاتا الى توكله و ذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده و الآخر ترك التدبير فإن الصبي لا يرى لنفسه مع الأم مصلحة بل مفوض امره كله إليها و اما الموكل فإنه ربما يشير على الوكيل و يعرفه وجوه المصالح و يأمره بالتحفظ عليها ثم ان يكون بين يدي اللّٰه في حركاته و سكناته كالميت بين يدي الغسال لا يفارقه إلا في انه يرى نفسه ميتا و تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت و هو الذي قوي يقينه بأنه تعالى مجرى الحركة و القدرة و العلم و الإرادة و سائر الصفات فيكون عين الانتظار لما يجرى عليه و هذه تفارق الثانية بترك الالتفات مطلقا فإن الصبي يفزع الى امه و يصبح و يتعلق بذيلها و يعدو خلفها و الميت لا حراك به بل مثال هذا مثال صبي علم انه و ان لم يزعق بأمه فالام تطلبه و ان لم يتعلق بذيلها فهي تحمله و ان لم يسأل اللبن فهي تفاتحه و تسقيه و هذه المرتبة من التوكل تثمر ترك الدعاء و السؤال ثقة منه بكرمه تعالى و عنايته و هي أندر وقوعا من الأوليين و أقل بقاء منهما لان حصول اليقين المؤدى إليها نادر جدا و إذا حصل كان كالبرق الخاطف لا مطمع في دوامه فهي تشبه صفرة الوجل و حمرة الخجل ثم الثانية فهي كصفرة المحموم قد تدوم يوما أو يومين ثم الأولى فهي كصفرة مريض استحكم مرضه فلا يبعد ان يدوم و لا يبعد ان يزول و عن سهل انه سئل عن التوكل ما أدناه قال ترك الأماني قيل فما وسطه قال ترك الاختيار قيل فما أعلاه فلم يذكره و قال لا يعرفه الا من بلغ أوسطه إشارة الى عزة منالها و بعدها عن الافهام العامية لندرة وقوعها و عدم أنسهم بها و جدواه حبه تعالى كما قال عز من قائل إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ و كمال الايمان كما قال وَ عَلَى اللّٰهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و التفرغ للعبادة بالإعراض عن الالتفات الى ما يشغل عنها و كفايته تعالى فعن ابى عبد اللّٰه عليه السلام

من اعطى التوكل أعطي الكفاية ثم قال أ تلوت كتاب اللّٰه عز و جل وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله لو انكم تتوكلون على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا اى تخرج جياعا و تعود شباعا و الطريق إليه في باب الرزق و الكسب ان يعلم أمورا بالنظر في مقدماتها أحدها ان المقدور المقسوم في علم اللّٰه الأزلي لا يتغير بعلاجات المخلوقين و تدبيراتهم مما لم يثبت ان لها مدخلا في البداء فلا يترتب عليها فائدة و الثاني ان المطلوب من متاع الدنيا هو العدة على الطاعة بتقوية بالبدن و تعذيته و رعايته و تعهده بما يصلحه و يعينه كالناقة التي تعلف في طريق الكعبة ليبلغ بها الى الوجه المقصود و هو تعالى قادر على إعطائها بسبب حاصل بالطلب من المستعد و بدون ذلك السبب بل بسبب آخر يسببه ان شاء فاللائق الانقطاع اليه تعالى ليعطي كيف شاء بأي سبب شاء و الثالث ان التعلق بالأسباب و الإلحاح في السعى ان كان للتشوق إلى الغني و تحصيل ما يزيد على قدر الضرورة فربما يكون في ذلك فساد حاله إذ الصلاح مستور و ارتكاب المشاق فيما لا يدرى انه نفع أو ضرر جهل و سفه و ان كان لقدر الضرورة فقد كفل اللّٰه تعالى ذلك في قوله سبحانه وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا فإنه ضمان للرزق من غير تعليق كما في آية المغفرة فإن كان لا يثق بذلك فما أقبح من يثق على قول سوقي يعد الإقراض و الضيافة و لا يثق على ضمانه تعالى و مثل هذا في غاية البعد عن الفلاح لضعف ايمانه و وهن عقيدته و ينبغي ان يبتدئ بتقويم حاله و تقوية ايمانه الى ان يترقى إلى مرتبة اليقين فيترشح لمقام التوكل و الانخراط في سلك المتوكلين الا انه سبحانه لما ابى ان يجرى الأشياء إلا بالأسباب فجعل لكل شي‌ء سببا كما ورد في حديث ابى عبد اللّٰه عليه السلام (الكافي) فلا يكاد يقع شي‌ء في هذا العالم الا بسبب ظاهر أو خفي و في حديث آخر عنه عليه السلام أحب اللّه لعباده ان يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب. فمن تمام الأدب ان يتسببوا بها كما سببها لهم و أمرهم بذلك تحقيقا لحكمته عز و جل في خلق الأسباب و المسببات و الارتباط بينهما كما في حديث (الكافي) موسى عليه السلام انه مرض فوصف بنو إسرائيل له دواء فقال لا أتداوى حتى يعافيني اللّٰه من غير دواء فطالت عليه فأوحى إليه فتداوى فلما برأ أوحى اللّٰه إليه أردت ان تبطل حكمتى بتوكلك علي فمن أودع العقاقير منافع الأشياء غيري. و قد مضت رواية أخرى في هذا المعنى أو هي هي فتحصيل الأسباب لا ينافي التوكل إذا كانت مباحة و لم يسكن إليها بل كان سكونه الى اللّه

الذي خلقها و أمر بها مع تجويز أن يؤتيه اللّٰه مطلوبه من حيث لا يحتسب دون هذه الأسباب و ان يقطع اللّٰه هذه الأسباب عن مسبباتها و لم يستقص فيها بل أجمل في الطلب كما ورد عن (الكافي- التهذيب) النبي صلى اللّٰه عليه و آله انه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّٰه و أجملوا في الطلب و لا يحملنكم استبطاء شي‌ء من الرزق ان تطلبوه بمعصية اللّٰه. و عن أبي (الكافي- التهذيب) عبد اللّٰه عليه السلام ليكن طلبك المعيشة فوق كسب المضيع و دون طلب الحريص و قال إذا فتحت بابك و بسطت بساطك فقد قضيت ما عليك. سواء في ذلك السبب المقطوع به و هو ما جرت سنته تعالى بتوقف المسبب عليه جريانا مطردا لا يتخلف كمد اليد الى الطعام و تناوله و مضغه و ابتلاعه فان هذا القدر من السعى و الحركة مما لا يسوغ الامتناع عنه للجوعان و ان كان متوكلا و انتظاره ان يخلق اللّٰه فيه شبعا من دون الخبز أو يخلق في الخبز حركه اليه أو يبعث ملكا ليمضغه و يوصله الى جوفه سفه و جهل بسنة اللّٰه و ليس من التوكل في شي‌ء نظير ان يطمع في ان يخلق اللّٰه له نباتا من غير بذرا و تلد زوجته من غير وقاع بل التوكل هنا ان يكون ساكن القلب معتمدا على فضل اللّٰه في خلق الطعام له و أقداره عليه و السبب المظنون و هو ما جرت السنة الغالبة فيه بالتوقف و ان احتمل بعيدا حصوله دونه لوقوع التخلف فيه أحيانا كالكسب للتحامى عن دل السؤال و منة المخلوقين فان البطالين من أبغض خلق اللّه خصوصا من لم يكن مشتغلا في فراغه بعلم أو عبادة و ان أمكن عثوره بغتة على كنز و كذا حمل الزاد للسفر في البوادي المقفرة كما يؤثر من سيرة الأولين من الذين مقامهم فوق التوكل و مثله اتخاذ البضاعة بقدر الكفاية للتاجر بشرط ان يكون الاعتماد في جميع ذلك على فضل اللّٰه سبحانه و يعرف ذلك بتسوية حاله عند وجود هذه الأسباب و فقدها فلو تعوق كسبه أو سرق زاده أو بضاعته كان سكون قلبه و اطمينان نفسه و اتكاله على ربه مثل ما كان قبل ذلك علما منه بان اللّٰه لا يقضى على عباده الا ما هو الأصلح لهم و توطينا لنفسه على ان غاية الأمر ان يموت جوعا و لا ضير في ذلك فان الجوع سبب من أسباب الموت الذي لا محيص عنه فيكون راضيا بما ارتضاه اللّه له و كذا لا ينافيه الادخار في الجملة كما لا ينافي الزهد كما علمت و لا سيما من المضطر و هو من لا يكسب و لا يأخذ من الأيدي فإن استشعر في نفسه اضطرابا يشغل قلبه عن العبادة و الذكر و الفكر فادخارها انساق إليه بإرث أو نحوه من الأسباب الاتفاقية أولى له من تفريقه و إخراجه من يده و لو في سبيل اللّٰه بل لو أمسك ضيعة يكون دخلها وافيا بقدر كفايته و كان لا يتفرع

قلبه الا به فذلك له أولى لأن الغرض إصلاح القلب ليتجرد لذكر اللّٰه و رب شخص يشغله وجود المال و رب شخص يشغله عدمه و المحذور ما يشغل عن اللّٰه و الا فالدنيا في نفسها ليست محذورة لا وجودها و لا عدمها كما مرت الإشارة اليه و قد بعث رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله إلى أصناف الخلق و فيهم التجار و المحترفون و غيرهم فلم يأمر التاجر بترك تجارته و لا المحترف بترك حرفته و لا التارك لهما بالاشتغال بهما بل دعا الكل الى اللّٰه و ارشدهم الى فوزهم و نجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا الى اللّٰه و عمدة الاشتغال باللّٰه هو القلب فصواب الضعيف الادخار كما ان صواب القوى تركه و اما حده فللسنه من المعيل كما سبق تطييبا لقلوب الضعفاء من عياله و الزيادة مبطلة لتوكله لأن أسباب الدخل تتكرر بتكرر السنين غالبا و الأقل منها بقدر الأمل من غيره و الفضل القصرة فكلما كان اقصر كان أفضل و التحديد بالأربعين لا يعرف له وجه و روى ان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله ادخر لعياله قوت سنته و نهى أم أيمن ان تدخر له شيئا لغد و نهى بلالا عن كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها و قال أنفق يا بلال و لا تخش من ذي العرش إقلالا. قال أبو حامد و ليس الكوز و السفرة و ما يحتاج اليه على الدوام في معنى ذلك فادخاره لا ينقص الدرجة و انما ذلك في المأكول و كل مال زائد على قدر الضرورة و اما السبب الموهوم و هو ما يتوهم إفضاؤه إلى المسبب من غير وثوق تام كالاستقصاء في التدبيرات الدقيقة في وجوه الاكتساب فمخرج بالكلية عنه و ان كان على ظاهر الإباحة هذا تفضيل الحكم في مباشرة أسباب تجلب الرزق و في معناه كل منفعة مطلوبه و كذا الكلام بعينه في مباشرة أسباب تدفع الضرر فلا ينافيه ان كان السبب مقطوعا به كالشرب ل دفع العطش أو مظنونا كالحجامة لدفع الدم الفاسد و الإسهال لدفع الأخلاط الفاسدة و روى ان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله كان يكتحل كل ليله و يحتجم كل شهر و يشرب الدواء كل سنه. و كالتحرز عن النوم في مكمن السباع و ممر السيل و تحت الحائط المائل و السقف المنكسر فان ذلك كله تقرير بالنفس و قد نهى اللّٰه عنه بقوله عز و جل وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فالاحتراز عنها لا ينافي التوكل و كأخذ السلاح للعدو كما قال سبحانه وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ و كالاستتار عنه كما أمر اللّه موسى عليه السلام بقوله فَأَسْرِ بِعِبٰادِي لَيْلًا. فان المسير بالليل اختفاء و كما استتر رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله في الغار عن عيون الأعداء و كعقل البعير كما أمر النبي صلى اللّٰه عليه و آله الأعرابي لما أهمل عقل ناقته و قال توكلت على اللّٰه فقال اعقلها و توكل على

اللّه و في معناه غلق الباب و استيداع الأمين فكلها أسباب مظنونه لا يخرج مباشرتها عن التوكل بخلاف السبب الموهوم كالرقية بضم الراء و سكون القاف و هي ما يرقى به صاحب الافة النازلة أو المترقبة غير دعاء و لا قرآن و ورد (1)ما توكل من استرقى. و يأتي فيه كلام في كتاب الجنائز و كذا الطيرة كعنبة و هي ما يتشأم به من الفال الردى و قد كانت معمولة عند العرب في الجاهلية فأبطلها الإسلام و الأصل فيه انهم كانوا إذا أرادوا غزو قوم عمدوا في طريقهم الى ما يرون من أوكار الطيور فيزعجونها و يطيرونها عنها يتفألون بذلك لتفريق العدو و الابعاد من المنزل أو انها ان أخذت يمينا تيمنوا و ذهبوا في الحاجة و ان أخذت شمالا تشاموا و رجعوا ثم استعمل هذا اللفظ في مطلق الفال سواء كان بإطارة الطيور عن اعشائها أو بغير ذلك مما كانوا يتفألون به مثل نعبه الغراب و إقعاء الذئب و اعتراض الصيد و غيرها ثم خص بالفال الردى و قد تقدم انها مما لا يسلم منه أحد. و في الحديث ان علاجها التوكل. و المراد بها هنا الفال الجيد استدفاعا للآفة الواقعة أو المترقبة

[باب تطهير السر عما سوى اللّٰه]

باب تطهير السر عما سوى اللّٰه من الأشغال الملوثة للباطن المعلومة مما سلف و من ثم اقتصر على بيان التطهير عنها على الوجه الكلى و هو انما يحصل بمحبة اللّه عز و جل و هي من ثمرات معرفته فورد عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام حب اللّه إذا ضاء على سر عبد أخلاه عن كل شاغل و كل ذكر سوى اللّه و المحب أخلص الناس سرا للّٰه و قال أمير المؤمنين حب اللّٰه نار لا يمر على شي‌ء إلا احترق. الحديث و المحبة أعظم المقامات الدينية إذ ما بعدها مقام الا و هو ثمرة من ثمراتها كالشوق و الانس و أخواتهما و لا قبلها مقام الا و هو مقدمة من مقدماتها كالزهد و الصبر و نحوهما و ألذ اللذات العقلية فإنها من مساوقات المعرفة التي لا يعرف فوقها لذة كما يأتي و اما لذتها في نفسها فمن الوجدانيات التي لا يؤمن بها إلا أهلها و يتعذر تعريفها بالبيان لغيرهم كما يتعذر تعريف لذة الوقاع للعنين بالوصف و أهم المهمات ففي الحديث النبوي بأسانيد متعددة و ألفاظ متقاربة لا يؤمن أحدكم حتى يكون اللّه و رسوله أحب إليه مما سواهما. و المحبة في الأصل هي ميل النفس الى الشي‌ء الموافق لها فان النفس تميل الى ما يوافقها كما يميل الصبي إلى الصبي و الصالح الى الصالح و لها في إدراكه لذة و كلما كان الشي‌ء أوفق كان أحب و الميل إليه أكثر و التذاذ النفس بإدراكه أعظم و من ثم تتفاوت درجات المحبة و الميل إلى الأشياء بحسب تفاوتها في مراتب الموافقة و الالتذاذ الحاصل من إدراكها فالأدنى


1) في نهاية ابن الأثير منه

المطعم و الملبس و نحوهما من المبتذلات و ان كانت إفرادها متفاوتة في ذلك تفاوتا فاحشا ثم المنكح ثم الجاه ثم العلم و يعرف هذا الترتيب المطابق لترتيبها في الوجود الخارجي بترك الأدنى و استحقاره عند وجدان الأعلى فإن الصبي المشعوف بالمطاعم الطيبة إذا ظهرت فيه غريزة النكاح انصرف همه اليه و قل التفاته إليها ثم إذا أدرك لذة الرئاسة و السلطنة على القلوب اعرض عن الأوليين بحيث انه ربما يذهل عن الأكل و الاشتغال بالنساء أياما لاشتغال قلبه بتدبير أمور الرئاسة و إصلاح الجاه فإذا أدرك لذة العلم و المعرفة أعرض عن جميع ذلك و استطاب الجوع و متاركة النساء و مقاساة الذل و الخدمة و التملق في تحصيله و كلما ظفر بشي‌ء منه ازداد شوقه الى شي‌ء آخر حتى يأتيه اليقين و استكراه البعض من الجهال العلم انما هو للنقص المركوز فيهم المقصر بهم عن ادراك لذته لا لكونه مؤلما كريها في نفسه و هو كاستكراه المريض المطعم بسبب آفة مزاجه و انحرافه عن الاعتدال و الصبي و العنين المنكح بسبب قصورهما عن إدراكه فلا يقدح ذلك فيما أطبق عليه العقلاء كافة من الحكم بكونهما موافقين لذيذين لان المناط الطباع الكاملة السليمة و هي متوافقة على شرف العلم بقول مطلق فإنه من أخص صفات الربوبية و هي منتهى الكمال و من ثمة يرتاح الطبع إذا اثنى عليه بالذكاء و غزارة العلم و يلتذ بذلك و الذي ينسب الى العلم و لو في شي‌ء خسيس يفرح به و العالم بالشطرنج على خسته لا يطيق السكوت عنه إذا جرى ذكره و لو كان من علماء الدين الذين لا يليق بهم التكلم في أمثاله كل ذلك لفرط لذة العلم و ما يستشعره من كمال ذاته به و أنواع العلوم و ان كانت متفاضلة في الشرف الا انه لا ريب ان العلم به تعالى أشرف أنواع العلم إذ شرفه اما بشرف المعلوم أو الغاية أو وثاقة الدليل أو شدة الحاجة و كلها مجتمعة في العلم الإلهي على الوجه الأكمل و انما اقتصر المصنف على الأول لأنه أقواها و من ثمة يكون علم الفتوى أشرف من علم الخياطة فإن المعلوم في الأول الأحكام الشرعية و في الثاني كيفية الوصل بين قطعات الكرباس ليلبس و المتطلع على اسرار الناس الفاحص عنها ان علم بواطن أحوال رئيس البلد و اسرار تدبيره في رئاسته كان ذلك أجل و أطيب عنده من علمه بباطن أحوال حائك أو فلاح فان اطلع على أخص أحوال الوزير و ما هو عازم عليه من التدبير في أمور الوزارة فهو أشهى عنده و الذفان حصل له الوقوف على اسرار الملك تمدح بذلك و كان شغفه و التذاذه به أعظم لأن الملك أجل من الوزير و أعلى فالمعرفة

بأحواله أعظم موقعا من المعرفة بأحوال الوزير و إذ ليس في الوجود أشرف من اللّٰه تعالى لا جرم كان الاطلاع على اسرار الربوبية هو أعلى أنواع المعارف و ألذها و أطيبها حتى ان للعارفين في معرفتهم به عز و جل لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لأبوا ان يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير و هذه اللذة العظيمة الحاصلة بالعلم انما هي بالحقيقة بسبب استيلاء العالم على المعلوم و إحاطته بانكشاف صورته لديه و حضورها عنده كما سبق فكلما كان العلم أقوى و اثبت و انكشاف صورة المعلوم في ذهن العالم أتم و أرسخ كان الالتذاذ أعظم و انبساط النفس أكثر و من ثمة كان العلم الحاصل من الرؤية ألذ من العلم الحاصل من غيرها لازدياد الكشف فيها بسبب حضور نفس المعلوم عند الحس و صورته عند الذهن فاللذة الزائدة انما هي باعتبار هذا الانكشاف الزائد و من تصور معشوقه في خياله فإنه يلتذ بتصوره لا محالة لكن لا نسبة لهذه اللذة الى اللذة الحاصلة من مشاهدته راى العين و حيث انها أقوى طرق الانكشاف ربما يعبر عن مطلق الانكشاف التام بأي طريق حصل بالرؤية و النظر كما في قوله سبحانه إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ. و ما ورد من بعض الطرق ان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله راى ربه ليلة المعراج. و نحو ذلك لتطابق العقل و النقل على امتناع الرؤية الحسية في حقه تعالى لاشتراطها بالوضع و الجهة و كثافة المرئي و غير ذلك فالمراد بها أينما أطلقت في كلمات من يعتنى بتصحيح كلامهم غاية الانكشاف التام الذي لا يمكن ما فوقه مجازا مقبولا لوجود العلاقة البينة ان ثبت كون اللفظ حقيقة في خصوص البصرية و الا فمن استعمال المشترك في معناه الأخر حقيقة اعتمادا على وضوح القرينة و هي اشتراط الحسية بما يمتنع في حقه سبحانه و أحسن ما ينكشف به هذا المطلب ما سبقت روايته عن (الكافي) أمير المؤمنين عليه السلام من قوله لم أعبد ربا لم أره لا تدركه العيون بمشاهدة العيان و لكن تدركه القلوب بحقائق الايمان حيث اثبت عليه السلام الرؤية أولا ثم استدرك ذلك بصرفها من العينية لأنها المتبادر إلى القلبية و سبب المحبة أحد أمور ثلثه الأول ذات المحبوب بنفسه لا لحظ ينال المحب منه وراء ذاته بل يكون ذاته عين حظه مثل محبة كل أحد لوجوده و بقائه و عافيته و نحو ذلك فان هذه أمور محبوبة لذواتها لا لغرض آخر و يرجع إليها محبة مثل الزوجة و الولد و الخادم و المنزل و غير ذلك من توابع الوجود المقصود بها حظوظ النفس فإنها كلها محبوبة بتبع

الوجود المحبوب بالذات و من هذا الباب التحابب المشاهد بين متحابين يميل كل منهما إلى الآخر و يلتذ بمؤالفته بمجرد التلاقي و المشافهة من دون معرفة سابقه متأكدة و لا سبب ظاهر بل بمحض التناسب الذاتي و الموافقة الروحانية كما في الحديث النبوي الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ايتلف و ما تناكر منها اختلف. و الثاني الكمال المدرك في المحبوب سواء كان مدركه الحواس الظاهرة أم الباطنة فهو بأنواعه محبوب طبعا سواء كان للمحب منه حظ أم لا و من ثمة أحب العالم من حيث علمه و الصالح كذلك و ان لم يشاهدهما المحب و لم يستفد من بركاتهما المحب شيئا بل بمجرد سماع نعت عالم في أقصى البلاد أو في الأعصار السالفة أو الاطلاع على مصنف من مصنفاته تميل اليه النفس و تحبه و ينطلق اللسان بمحمدته و الثناء عليه و يلتذ بذكره و منه حب الوجه الجميل من حيث جماله فان حسن التشكل و تناسب الأعضاء غاية الكمال الممكن في الوجه و للنفس في إدراكه لذة عظيمة و لا يظن ان حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة فإن قضاء الشهوة لذة أخرى قد يحب الصور الجميلة لأجلها و ادراك الجمال لذيذ في نفسه أيضا فإن غير اولى الإربة من الرجال يلتذون به و كيف ينكر ذلك و الخضرة و الماء الجاري محبوبان لا ليشرب الماء أو تؤكل الخضرة أو ينال منهما حظ سوى نفس الرؤية و عن النبي (أ) صلى اللّٰه عليه و آله انه كان يعجبه الخضرة و الماء الجاري. و الطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار و الأزهار و الأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتى ان الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر و كذا الكلام في الكلام البليغ و الشعر الموزون و الصوت الحسن و نحو ذلك و الثالث الإحسان سواء كان متعديا الى المحب أم لا اما الأول فإن الإنسان عبيده كما في الحديث المشهور و فيه جبلت القلوب على حب من أحسن إليها و بغض من أساء إليها. و في الدعاء النبوي اللهم لا تجعل لفاجر على يدا فيحبه قلبي.

إشارة الى ان حب القلب للمحسن اليه اضطرار لا يستطاع دفعه و جبلة لا يمكن تغييرها و هذا إذا حقق رجع الى السبب الأول فإن المحسن من أمد بالمال و المعونة و سائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود أو كماله و الطبيب محسن لانه سبب للعافية و الأستاد لأنه سبب للعلم فمحبتهم من توابع المحبة الذاتية و اما الثاني فإن من الموجود في الطباع ان من بلغه خبره لك أو دستور مثلا محسن الى الناس و لو في البلاد البعيدة التي لا مطمع للسامع في الوصول إليها فإنه يميل اليه بالقلب و يحبه و يدعو له بالخير و ليس ذلك الا بسبب الإحسان المحبوب بالطبع و هذا

راجع الى الثاني فإن الإحسان على هذا الوجه من أقوى أنواع الكمال المحبوب الا ان المصنف تبع بعض السلف في افراده بالذكر و ربما تتركب الأسباب فتقوى المحبة جدا مثل من له ولد عالم صالح جميل محسن اليه و الى الناس و أقوى ما يمكن ان يفرض من صور التركيب ما يصدق في حقه تعالى و من ثمة اصطلحوا على تسمية حبه سبحانه عشقا و ذلك لان المفيض لأصل الوجود و لجميع كمالاته و لا كمال حقيقيا الا له تعالى و لا إحسان إلا منه و ان كان الخلق وسائط مسخرين في إيصال بعضه تسخير القلم في يد الكاتب و من وقع له الملك بإنعام يستوفيه فلا يليق ان يحب القلم و يشكره و يعده المنعم المحسن فان المنعم المحسن هو الملك و انما هذا القلم آلة من آلات الكتابة لا مدخل له في الانعام و ان حسن حبه من حيث انه قلم للملك و منسوب اليه و لقد أحسن القائل (1)

بر در شاهم گدايى نكتۀ در كار كرد بر سر هر خوان كه بنشستم خدا رزاق بود

و ربما تنفرد فتتفاضل مراتب المحبة المسببة عنها و الأعلى في هذا المقام المحمود ان يحب اللّه لذاته فإنها الخالصة الباقية و هو من المواهب الإلهية لا مطمع فيها بالتعمل الا ان التوغل في العلم و التفكر يرشحان القلب لان تفاض عليه هذه الموهبة من المبدأ الفياض إذ لا بخل فيه و انما يتوقف الفيض على استعداد المفاض عليه ثم ان يحبه للكمال ثم الإحسان اليه و هذا الترتيب مرعى في سائر المحبات ايضا و انما كانت المحبة الاحسانيه ادنى لما فيها من شوب حظ النفس و كونها عرضة للزوال بانقطاع سببها الذي يوشك ان ينقطع و اما الكمالية فإنما تشاركها في الأخير خاصة فإن الصالح قد ينقلب فاسقا و العادل ظالما دون الأول فمن ثم كانت أعلى منها و العلو المطلق لما خلص عن النقصين جميعا و آثارها المحمودة كثيرة و المذكور منها خمسة مترتبة ترتبها في التعشقات الصورية و هي الشوق و الانس و الانبساط و القرب و الاتصال و ربما يستنكر


1) و ذلك لان جلوس الفقير على مائدة الملك لا يكاد يتحقق الا مسبوقا بوجود الفقير و وجود الملك و وجود الأطعمة الموضوعة على المائدة بجميع ما يتوقف عليه من الآلات و الأدوات و المدبرات العلوية و السفلية و النفوس العمالة و سائر الأسباب الغير المحصورة و القدرة على تحصيل الأطعمة و تسخير نفسه لتحصيلها و بذلها للفقير و وجود الات ذلك و الات التناول في الفقير و رفع الموانع في جميع ذلك و كل هذه من فعل اللّه سبحانه لا مدخل لغيره فيها بوجه من الوجوه كما هو ظاهر

بعض هذه الألفاظ بادى الرأي الا ان لها معاني مقبولة قد عبر عنها في الكتاب و السنة بغير هذه الألفاظ بل و بهذه الألفاظ أيضا في بعض الاخبار و الأدعية المأثورة سيما المناجاة الإنجيلية الطويلة المروية عن سيد الساجدين صلوات اللّٰه عليه و دعاء عرفة المأثور عن سيد الشهداء عليه السلام على ان المناقشة في اللفظ بعد وضوح المعنى ليس من دأب المحصلين و بيان ذلك مختصرا ان الشوق عبارة عن توقان النفس الى محبوب حاضر من وجه غائب من وجه آخر كمن انقطع عن معشوقه فإنه يشتاق إليه لأنه غائب عن نظره حاضر في ذهنه فلو طالت المفارقة حتى نسيه و غاب عن ذهنه ايضا فصار غائبا مطلقا لا يتصور ان يشتاق اليه كما لا يتصور ان يشتاق الى من لم يره أصلا و لم يسمع بوصفه مطلقا و كذا لو حضر المعشوق عنده و صار حاضرا مطلقا فإنه لا يبقى شوق حينئذ الا انه يمكن حضوره على وجه يراه في ظلمته أو من وراء ستر رقيق فإنه يتصور ان يكون مشتاقا الى زوال تلك الظلم أو ذلك الستر حتى يدركه على الوجه الأتم الأوضح لأن الحضور في الظلمة أو من وراء الستر لا يخلو عن غيبة ما و كذا يمكن ان يرى وجهه دون شعره أو شعره دون محاسنه أو كلامه أو مشيه فيشتاق الى ان يحيط بإدراكه بحيث لا يغيب عنه من أحواله شي‌ء و في مقام الشوق يتصور الوجهان جميعا فان المعارف المنكشفة على المحبين لا تخلو عن شوب خفاء بظلمه الوهم و حجاب الغيب و الخلوص عنهما بالكلية مما لا تيسر في دار الدنيا لأحد و ان تيسر أحيانا فلا يبقى و لا يدوم بل هو كالبرق الخاطف كما سبق نظيره و أبقى ما اتفق منه لأكمل الأولين و الآخرين صلى الله عليه و آله (1)ما سنح له ليلة المعراج فانى


1) في كتاب عوالي اللئالي عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال ناجى داود ربه فقال الهى لكل ملك خزانة فأين خزانتك فقال جل جلاله لي خزانة أعظم من العرش و أوسع من الكرسي و أطيب من الجنة و أزين من الملكوت أرضها المعرفة و سماؤها الايمان و شمسها الشوق و قمرها المحبة و نجومها الخواطر و سحابها العقل و مطرها الرحمة و أشجارها الطاعة و ثمرها الحكمة و لها أربعة أبواب العلم و الحلم و الصبر و الرضا الا و هي القلب. و فيه ايضا انه دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله رجل اسمه مجاشع فقال يا رسول اللّه كيف الطريق إلى معرفة الحق فقال معرفة النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق إلى موافقة الحق قال مخالفة النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى رضا الحق فقال سخط النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى وصل الحق قال هجر النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق إلى طاعة الحق قال عصيان النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى ذكر الحق قال نسيان النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى قرب الحق قال التباعد عن النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق إلى انس الحق قال الوحشة من النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى ذلك قال الاستعانة بالحق على النفس م

يطمع غيره في ذلك و أيضا الأمور الإلهية لا نهاية لها و انما ينكشف على العارف بعضها و البواقي مستورة عنه مجهولة عنده و هو يعلم وجودها و يتوق الى معرفتها فلا يزال ينبعث قصده الى استيضاح ما لم يتضح من المطلوب و استكمال الوضوح في ما اتضح منه اتضاحا ما و ينزعج قلبه لذلك و يهيج اليه كما قال تعالى نُورُهُمْ يَسْعىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنٰا أَتْمِمْ لَنٰا نُورَنٰا.

و هذا هو الشوق و في مناجاة داود عليه السلام انه شمس خزانة اللّٰه سبحانه و هي القلب و إذا غلب عليه الشعف. بمطالعة ما حضره و اتضح له من الجمال المكشوف غير ملتفت الى ما ورائه مما هو مغيب عنه استبشر القلب بما يلاحظه و سكن اليه و هذا هو الانس و في حديث مجاشع ان الطريق إليه الوحشة من النفس. و إذا غلب الانس و دام و استحكم و لم يشوشه قلق الشوق و لم ينغصه خوف البعد و الحجاب أثمر ذلك نوعا من الخلاعة في الأقوال و الأفعال و المناجاة مع اللّٰه و هذا هو الانبساط و قد يكون منكرا بحسب الصورة لما فيه من رائحة الجرأة و قلة الهيبة و سوء الأدب و لكنه محتمل ممن أقيم مقام الانس كقول موسى عليه السلام إِنْ هِيَ إِلّٰا فِتْنَتُكَ. و من لم يقم في ذلك المقام و أحب التشبه بهم في الفعل و الكلام أدب على ذلك و غلظ عليه بما يليق كما غلظ على يونس عليه السلام لما أقيم مقام القبض و الهيبة فأدب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلث الى ان نادى لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّٰالِمِينَ و نهى نبينا صلى اللّٰه عليه و آله ان يقتدى به فقيل له فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لٰا تَكُنْ كَصٰاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نٰادىٰ وَ هُوَ مَكْظُومٌ. و الجالس على بساط الانبساط موف بما سبق في الأزل من العهد القديم الذي بينه و بين الحق سبحانه في قوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ. و هو القرب و الطريق اليه التباعد عن النفس كما في الحديث المذكور و القريب يلاحظ وجوده متصلا بالوجود الإحدى بقطع النظر عن تقييد وجوده بعينه و إسقاط إضافته إليه فيرى اتصال مدد الوجود و نفس الرحمن اليه على الدوام بلا انقطاع حتى يبقى موجودا به و هذا هو الاتصال و حينئذ لا فرق بينه و بين حبيبه كما في حديث (1)أمير المؤمنين عليه السلام ان للّٰه تعالى شرابا لأوليائه إذا شربوا سكروا و إذا سكروا طربوا و إذا طربوا طابوا و إذا طابوا ذابوا و إذا ذابوا خلصوا و إذا خلصوا طلبوا و إذا طلبوا وجدوا و إذا وجدوا وصلوا و إذا وصلوا اتصلوا و إذا اتصلوا لا فرق بينهم و بين حبيبهم. و هو من محال الغرور و مظان التلبيس و الحازم لا يغير بخداع


1) رواه المصنف في الحقائق م

النفس مهما ادعت محبة اللّٰه ما لم يمتحنها بالعلامات و لم يطالبها بشواهد الصدق فان على كل حق حقيقة و ان على كل صواب نورا و علاماتها كثيره و المذكور منها بضعة و ان تداخل بعضها ببعض منها كتمانها و اجتناب الدعوى و التوقي من إظهار الوجد و العشق تعظيما للمحبوب و إجلالا له و هيبة منه و غيرة على سره فان الحب سر من اسرار الحبيب لا يسوغ ابتذاله و في هذا المعنى ما قيل

گل گفت ببلبل مكن إظهار محبت سهل است متاعي كه به فرياد فروشند

و لانه قد يدخل في الدعوى ما يجاوز حد المعنى و يزيد عليه فيكون ذلك كذبا تعظم العقوبة عليه نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه يدهش فيها و تضطرب أحواله فيقع في مقام الشطح و يظهر عليه حبه فان وقع ذلك من غير تمحل و قصد فهو معذور إذ ربما تشتعل من الحب نيرانه فلا يطاق سلطانه و قد يفيض به القلب فلا يندفع فيضانه و منها حب الموت فإنه موعد للقاء الا ان ينتظر حسن التأهب كما تقدم و منها الإطاعة في الأوامر و النواهي و إيثار ما أحبه اللّٰه على ما يحبه في ظاهره و باطنه كما قال القائل

تعصي الإله و أنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

و في كلام بعضهم ان العصيان انما ينافي كمال المحبة دون أصلها إذ لا يخلو عنه مؤمن و ذلك كالمريض يحب نفسه و يحب الصحة و ربما يأكل ما يضره و هو يعلم انه يضره لا لعدم حبه لنفسه و لكن المعرفة قد تضعف و الشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة و منها التلذذ بالعبادة دون استثقالها كما يوجد في المشاهدات من نشاط العاشق في السعى في هوى المعشوق و الاستلذاذ بخدمته بقلبه و ان كان شاقا على بدنه و مهما عجز بدنه كان أحب الأشياء اليه ان يعاوده القدرة و يفارقه العجز حتى يشتغل به و أعلى منه التلذذ بالمصيبة و الشكر عليها فان كل ما يفعل الحبيب حبيب كما مر و منها الحرص في الخلوة عن الخلق و المناجاة مع اللّٰه بالسر و تلاوة القرآن فيغتنم هدو الليل و صفاء الوقت بانقطاع العوائق و في بعض الآثار (ا) ان اللّٰه اوحى الى بعض الصديقين ان لي عبادا من عبادي يحبوننى و أحبهم و يشتاقون الى و اشتاق إليهم و يذكرونني و اذكرهم و ينظرون الى و انظر إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك و ان عدلت عنهم مقتك قال يا رب و ما علامتهم قال عز و جل يراعون الظلال بالنهار كما يراعى الشفيق غنمه و يحنون الى غروب الشمس كما تعن الطير إلى أوكارها عند الغروب فإذا جنهم الليل و اختلط الظلام و فرشت الفرش و نصبت الأسرة و خلا كل حبيب بحبيبه نصبوا الى اقدامهم و فرشوا

الى جباههم و ناجوني بكلامي و تملقوني بإنعامي فبين صارخ و باك و متأوه و شاك و بين قائم و قاعد و بين راكع و ساجد الحديث و منها الاستهتار بالذكر و هو الولوع به بحيث لا يفتر عنه لسانه و لا يخلو عنه قلبه فان من أحب شيئا أكثر بالضرورة ذكره و ذكر ما يتعلق به و ينتسب إليه لسراية المحبة من المحبوب الى متعلقاته فذكر القرآن و النبي و الأئمة كله في حكم ذكر اللّٰه و منها بغض الدنيا لأنها مبغوضة اليه تعالى كما ورد ان اللّٰه لم يخلق شيئا أبغض إليه من الدنيا و انه لم ينظر إليها منذ خلقها. و لأنها صادة له عن المحبوب فهي كالرقيب المبغوض الى العاشق و قد عرفت معنى الدنيا المبغوضة فيما سبق و منها الوحشة عن الخلق لأنهم و ان صحبوا الدنيا بأبدانهم فأرواحهم معلقة بالملإ الأعلى و لأن في الانس بالخلق و صحبتهم لوازم يتنزه المحبون عنها كالتعلق بالدنيا و الاشتغال عن الحبيب و الدخول فيما يخرج عن رضاه الى سخطه و يجر الى مقته و غير ذلك من المفاسد و اما الانس بأولياء اللّه و المرشدين و المسترشدين للاستفادة من بركاتهم و الاستفاضة من خيراتهم فهو من الانس باللّٰه و عليه يحمل ما ورد في الحث على الصحبة و المواصلة و زيارة الاخوان و قضاء الحقوق و نحو ذلك كما يأتي و منها اتحادا لهم كما قال القائل

كانت لنفسي أهواء مفرقة فاستجمعت إذ رأتك النفس اهوائى

فصار يحسدني من كنت أحسده فصرت مولى الورى مذ صرت مولائي

تركت للناس دنياهم و دينهم شغلا بذكرك يا ديني و دنيايى

و في دعاء سيد الشهداء صلوات اللّٰه عليه أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك و لم يلجئوا الى غيرك. و طريقها السلوك و هو السير عن النفس الى اللّه على الصراط المستقيم بقدم الصدق و زاد التقوى و اتباع الرسول صلى اللّه عليه و آله المستجلب لمحبته تعالى للعبد كما قال سبحانه قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ و هي الجاذبة الى حرم العزة في حظائر القدس المقر به على بساط الانبساط و الانس و بدونها تضل المساعى و تخيب و لا حظ الا الحرمان و لا نصيب كما قيل

تا كه از جانب معشوقه نباشد كششى كوشش عاشق بيچاره بجايى نرسد

و المتأمل في عرض مراتب العشق الصوري و الإلهي و مقاماتهما و انطباق كل على الأخر ينكشف له ان العشق الصوري أقوى معين في تهذيب النفس و تلطيف السر و تصفية الروح و توحيد الهموم و الاعداد للعشق الإلهي لمن سبقت لهم من اللّٰه الحسنى و هذا حقيقة ما قيل المجاز قنطرة الحقيقة و معناها كشف حجاب البعد عن قلبه و إتمام نوره و دعوته أن يغشى

مجلس شهوده و مونس حضوره و سقيه من الشراب الذي سبق وصفه في حديث أمير المؤمنين عليه السلام جرعة تفرق عنه الأوصال و لا يصحون من سكرته إلا في مقام الاتصال و قد طوى بساط المغايرة من البين و انتقل من مضيق العلم إلى عرصة العين و خرج من شتات الفرقة إلى نظام الجمع و سرى فيه الحب سريان النور في العين و القوة في السمع فيطرب بوصاله و ينشد بلسان حاله.

جنوني فيك لا يخفى و ناري منك لا تخبو فأنت السمع و الأبصار و الأركان و القلب

. و في الحديث القدسي المتفق عليه لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و قلبا و يدا و رجلا إن دعاني أجبته و إن ناداني لبيته. و إليه الإشارة بقوله سبحانه وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ. و قول أمير المؤمنين عليه السلام

و اللّٰه ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية بل بقوة ربانية.

و قال المولوي

آن پسر را كش خضر ببريد حلق سر آن را در نيابد عام خلق

آن كه جان بخشد اگر بكشد رواست حاكمست و دست او دست خداست.

و هذا غاية السير ان تفقه منطق الطير و ليس وراء عبادان قربة و هو إنما يتحقق بلزوم متابعته صلى اللّٰه عليه و آله في جميع ما يتشرع فيه التأسي كما ينبه عليه حذف المتعلق و المهم من ذلك أمور منها الوضوء ف ان اللّٰه يحب المتطهرين و هو ينور القلب لارتباط الملك بالملكوت كما مر و الوضوء على الوضوء نور على نور و منها الخلوة عن العوام فهي تفرغ القلب و البدن عن الشواغل كما ذكر دون الخواص فان صحبتهم نعم العون و كان رسول اللّٰه صلى اللّه عليه و آله يحب الخلوة و ربما تتعذر عليه فيتدثر بكساء أو إزار كل ذلك لضبط المشاعر الظاهرة التي هي دهاليز القلب سيما السمع و البصر فإن أكثر الوساوس التي تدخل على القلب فتصده عن وجهته انما يكون من جهتهما و قد بلغه نداء الحق و هو على تلك الصفة فقيل يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ- يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. و منها السكوت فهو يلقح العقل بالحكمة و يسهل الخلوة و يقوى التقوى بالعصمة عن افات اللسان من الكذب و الغيبة و النميمة و إفشاء السر و القذف و السب و اللعن و الهجو و المراء و الفخار و غيرها مما يأتي في باب الكلام فان اللسان أعصي الأعضاء على الإنسان إذ لا تعب في تحريكه و لا مؤنة في إطلاقه لا منتهى لمجاله إذ ما من موجود أو معدوم معلوم أو مظنون متخيل أو موهوم حق أو باطل لا و اللسان يتناوله و يتعرض له بإثبات أو نفى فان كل ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان و لا شي‌ء لا و العلم يتناوله و هذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإن العين لا تصل الى غير الألوان

و الصور و لا الاذن الى غير الأصوات و لا اليد الى غير الأجسام و هكذا و من ثم ورد فيه ما ورد ففي (الكافي) الحديث النبوي يعذب اللّٰه اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول يا رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا فيقال له خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض و مغاربها فسفك بها الدم الحرام و انتهك بها الفرج الحرام و انتهب بها المال الحرام و عزتي لأعذبنك بعذاب لم أعذب به شيئا من جوارحك. و فيه (الكافي) انه جاء اليه رجل فقال يا رسول اللّٰه أوصني قال احفظ لسانك يكرر ذلك ثلثا ثم قال ويحك و هل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام (الكافي) ما من يوم الا و كل عضو من أعضاء الجسد يكفر اللسان يقول نشدتك اللّٰه ان نعذب فيك. و عنه عليه السلام (الكافي) لا يزال العبد المؤمن يكتب محسنا ما دام ساكتا فإذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا. و في المستفيض المشهور من صمت نجا. و قد سبق انه من علامات الفقه و ذلك من أجل أن شهوة النفوس للكلام كثيرة و المحافظة عن افاته عسيرة فاقتضت الحكمة المبالغة في المنع ليتقدر الأمر على الحد اللائق و يتقيد اللسان عن الكلام الا بحقه و حينئذ فالكلام أدخل في النجاة من السكوت كما في حديث (1)السجاد عليه السلام و قد سئل عن الكلام و السكوت أيهما أفضل قال عليه السلام لكل منهما افات فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت قيل و كيف ذلك يا ابن رسول اللّٰه قال لان اللّٰه عز و جل ما بعث الأنبياء و الأوصياء بالسكوت انما بعثهم بالكلام و لا استحقت الجنة بالسكوت و لا استوجبت ولاية اللّٰه بالسكوت و لا توقيت النار بالسكوت و لا يخيب سخط اللّٰه بالسكوت انما ذلك كله بالكلام ما كنت لأعدل القمر بالشمس انك تصف فضل السكوت بالكلام و لست تصف الكلام بالسكوت و منها الجوع و السهر فهما نعم المطيتان للسالك ينوران القلب بتقليل دمه فيبيض و في بيانه نوره و ذوبان شحمة فيرق و في رقته صفاؤه و ضياؤه فيصير كالكوكب الدري و المرأة المجلوة يلوح فيه جمال الحق و عن المسيح عليه السلام يا معشر الحواريين جوعوا لعل قلوبكم ترى ربكم. و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله أفضلكم منزلة عند اللّٰه أطولكم جوعا و تفكرا و أبغضكم الى اللّه كل نومة أكول شروب. و لم يشبع صلوات اللّٰه عليه و آله من طعام قط. و اختار لما خير ان يجوع يوما و يأكل يوما. و كان يتهجد من الليل زيادة على الواجب حتى قيل له في ذلك فقال أ فلا أكون عبدا شكورا. و سيأتي تمام الكلام فيهما و المحمود منهما التوسط كما سبقت


1) رواه المصنف في الحقائق

الإشارة اليه و انما بولغ فيهما توفيقا للنفس على حد الاعتدال المطلوب و الإفراط فيهما شاغل عن القصد لانه مضعف للمزاج منهك للبدن مسقط للقوة مضر بالأعضاء الرئيسة جدا سيما الدماغ و العافية من الشرائط المرعية في السلوك لان البدن مركب النفس و مهما ضعف المركب تعسر السير فيكون مذموما كالتفريط و حد الاعتدال في الجوع ان يأكل الطعام و هو يشتهيه و يرفع يده عنه و هو يشتهيه و في السهر ان لا ينام من الليل أكثر من ثلثيه و لا أقل من ثلثه و ما يأتي في باب المنام تحديد لأكثره و منها نفى الخواطر عن القلب بسد مداخلها ما أمكن فإنها شاغلة له و للبدن و منها الاقتصار على أكل الحلال و هو ما يحكم بإباحته في ظاهر الشريعة مع ترك ما يريب فإن أكل الحرام يقسي القلب و يرد الدعاء بالدعاء بالخاصية و منها الذكر الدائم للّٰه سبحانه فعن النبي (الكافي) صلى اللّٰه عليه و آله من أكثر ذكر اللّٰه عز و جل أحبه اللّٰه. و في الحديث القدسي أنا جليس من ذكرني. و عن ابى جعفر عليه السلام ان ذكرنا من ذكر اللّٰه. و أفضله ما كان في السر كما تظافرت به الاخبار و في بعضها انه ليس التسبيحات الأربع و لكنه ذكر اللّٰه عند ما أحل و حرم. و منها التسليم له تعالى في كل حال فعن ابى عبد الهّٰ عليه السلام (الكافي) قيل له بأي شي‌ء يعلم المؤمن بأنه مؤمن قال بالتسليم للّٰه و الرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط و عن أمير المؤمنين عليه السلام ان من أركان الإيمان التسليم لأمر اللّٰه.

فهذه جملة من الآداب المأثورة في السلوك عن أهل العصمة و الهداية الذين أوجب اللّٰه اتباعهم و اقتفاء اثارهم و فرض الاقتداء بهم و الاهتداء بمنارهم فاتحد الطريقان و اما ما ينقل عن بعض المشايخ من الرياضات كاعتكاف الأربعين و اجتناب أكل الحيواني و الإجهار بالتكبيرات الأربع على الهيئة المعهودة و نحو ذلك فقد ذكر المصنف في بعض رسائله انه لم يعثر لشي‌ء منها على مأخذ ليعول عليه و شنع في بعضها عليهم و غاية ما يمكن الاستيناس لهم بقوله صلى اللّٰه عليه و آله من أخلص عمله للّٰه أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. و قوله صلوات اللّٰه عليه و آله لا تجعلوا بطونكم قبور الحيوانات. و هما بمراحل عن المقصود و لعل بعض السلف استصلح هذه الرياضات في حق بعض المريدين فأمره بذلك و جرت به السنة و اللّٰه يعلم هذا أخر الكلام في شرح طهارة الباطن و هو المقصد الأول من كتاب الطهارة و اللّه الموفق و المعين

[المقصد الثاني طهارة الظاهر]

اشارة

و يتلوه في المقصد الثاني طهارة الظاهر و هي استعمال طهور مشروط بالنية و الطهور الماء و التراب

[باب الماء]

باب الماء و هو ما يصدق عليه الاسم بإطلاقه فخرج المضاف و اما

الاسار فليس قسما برأسه و انما يفرد بالبحث أحيانا لكثرة مباحثه و اهتمامهم بها و كون المطلق طاهرا طهورا ما لم تلاقه نجاسة من ضروريات الدين و كذا خروجه عنهما بملاقاة نجاسة مستولية على أحد أوصافه الثلاثة بالتغيير الى وصفها أو غيره و في الحديث النبوي خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه رواه ابن إدريس مرسلا و قال انه متفق على روايته و عن ابن ابى عقيل انه من المتواترات بين الخاصة و العامة و قد عمل بعمومها المصنف و من وافقه من المتأخرين في العقدين (1)جميعا سواء في ذلك ماء البحار و الأمطار و العيون و الابار و الحياض و الأواني و القليل و هو ما دون الكر و الكثير و هو الكر فما زاد و المشهور الفرق بينهما فيما عدا النابع و ماء الغيث حين نزوله فحكموا بنجاسة القليل و ان لم يتغير خلا ماء الاستنجاء و ربما يلحق (2)به المستعمل في رفع الأخباث مطلقا و قيل (3)في غير الغسلة الأولى خاصة و قيل (4)مع وروده على النجاسة خاصة و ماء الحمام إذا كانت له مادة و ما لاقاه ما لا يدركه الطرف من النجاسة مطلقا (5)و قيل الدم خاصة (6)اقتصارا على مورد النص و هي صحيحة على بن جعفر (7)و اما النابع فالمشهور ان الجاري في حكم الكثير مطلقا و منهم (8)من اشترط دوام النبع و ذهب العلامة إلى التفصيل بالقلة و الكثرة كغيره من المياه المحقونه و اما البئر فالمشهور بين المتقدمين انه كالقليل مطلقا و بين المتأخرين انه كالكثير كذلك و منهم (9)من فصل بهما و هو المشهور في الحياض و الأواني و القول (10)بأنهما كالقليل شاذ كالقول بإلحاق (11)ماء الغيث به ان لم يكن جاريا من ميزاب و نحوه و المشهور نقله في كتب الاستدلال من مذهب ابن ابى عقيل موافقة المصنف في التسوية بين القليل و الكثير و نقل عن بعض المتأخرين (12)ان القليل الغير المعلوم تغيره بالنجاسة له صورتان إحديهما صورة العلم بعدم التغيير و الأخرى صورة


1) الإيجاد و السلبي و هما طهارة غير المتغير و نجاسة المتغير- م

2) الإلحاق للشيخ- م

3) الشيخ أيضا في قوله الأخر- م

4) للسيد المرتضى- م

5) عند الشيخ- م

6) قاله المحقق م

7) عن أخيه موسى عليه السلام قال سالته عن رجل رعف فامتخط فصار الدم قطعا فأصاب إناءه هل يصح الوضوء منه فقال ان لم يكن شي‌ء ليستبيره في الماء فلا بأس و ان كان شيئا بينا فلا يتوضأ- م

8) الشهيد في الدروس- م

9) و هو محمد بن محمد البصروي من المتقدمين- م

10) للمفيد و سلار- م

11) للشيخ- م

12) المولى خليل القزويني في شرح في- م

الاحتمال و الاشتباه و ان ابن ابى عقيل ذهب الى عدم النجاسة في الصورة الأولى دون الثانية فإن صح فهذا فرق آخر مع تفصيل و توجيه لاعتبار الكرية و يستفاد من كلام ثقة الإسلام و الصدوق و الروايات التي أورداها في الكافي و الفقيه التفصيل بوجه آخر و هو وجوب اجتناب بعض المياه القليلة التي رويا النهى فيها بخصوصها و جواز استعمال ما رويا الاذن فيها بخصوصها و اما ما لم يرويا فيه شيئا فهو مندرج في العمومات المبيحة فيلزم الصدوق تجويز استعمالها كما هو المعروف من دابه في العمل بالعمومات و القول بأنه خرق للإجماع المركب مما لا وقع له على طريقتهما السليمة و لم نعثر في روايات المسئلة على نص ينطق بنجاسة كل ماء قليل بملاقاة آية نجاسة كانت على اى وجه كانت الملاقاة فإن عثر عليه عاثر فله الدست و الا ففي أدلة المشهور من القصور ما بيناه في الرسالة الأحمدية و مع ذلك كله من اجتنب ما نقص عن الكر منه الملاقي للنجاسة الغير المستولية عليه في مطلق الاستعمالات و لا سيما في رفع الحدث و الشرب إذ يراعى فيهما من نزاهة الماء ما لا يراعى في غيرهما فقد أخذ باليقين و خرج عن وسواس مخالفه بعض الظواهر الا ما اضطر اليه كما في صحيحة (التهذيب) محمد بن إسماعيل بن بزيع قال كتبت الى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب ما حده الذي لا يجوز فكتب لا يتوضأ من مثل هذا الا من ضرورة اليه. و عن (التهذيب) على بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلم انه سأله عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضأ منه للصلاة قال لا الا ان يضطر اليه. و عن ابن مسكان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال سألته عن الوضوء مما ولغ فيه الكلب و السنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك أ يتوضأ منه أو يغتسل قال نعم الا ان تجد غيره فتنثره عنه. و هذا وجه آخر لاعتبار الكرية و لمعرفة الكر طريقان أحدهما التقدير بالوزن و هو الف و مائتا رطل كما في (الكافي) مرسلة ابن ابى عمين عن ابى عبد اللّٰه ع (1)و فسره الأكثر بالعراقي (2)و هو مائة و ثلاثون درهما عند الأكثر و منهم المصنف في مطولاته من الدراهم الشرعية التي كل عشرة منها سبعه مثاقيل شرعية كل مثقال دينار من هذه الدنانير السائرة في بلاد الإسلام و التعويل عليها في التقدير أسهل و أقرب الى الضبط فإنها لم تتغير في جاهلية و لا إسلام كما نقله الناقلون بخلاف الدراهم إذ تطرق إليه الزيادة و النقصان و الدينار ثلثه أرباع مثقال الصيرفي


1) قال الكر من الماء الف و مائتا رطل

2) و الصدوق فيه المرتضى بالمدني و هو رطل و نصف بالعراقي

فالرطل أحد و تسعون دينارا هي ثمانية و ستون مثقالا و ربع مثقال فالكر أحد و ثمانون الف و تسعمائة مثقال هي مائة و ستة و ثلاثون منا تبريزيا و نصف من من الأمنان المعهودة في بلاد العجم كل من ستمائة مثقال تحقيقا لا تقريبا و هو المطابق لما في الوافي و البحار و غيرهما و اما ما نقله بعض المعاصرين (1)عن بعض (2)و عول عليه من أنه مائة و ثمانية و أربعون منا و ثلثمائة و اثنان و أربعون مثقالا و ستة أسباع مثقال فالظاهر انه لا يخلو عن سهو كإسقاط النيف هيهنا و الآخر بالمساحة و هو عند القميين و المحقق و الشهيد الثانيين سبعة و عشرون شبرا مكسرا حاصلة من ضرب ثلثه أشبار في ثلثه أشبار كما في صحيحة (3)إسماعيل ابن جابر في ثلاثة أشبار و الأحوط ما مال إليه في المعتبر و هو ستة و ثلاثون شبرا حاصله من ضرب أربعة أشبار في ثلثه أشبار في ثلاثة أشبار كما هو ظاهر صحيحة (4)الأخرى و أحوط منه ما هو المشهور و هو اثنان و أربعون شبرا و سبعة أثمان شبر حاصلة من ضرب ثلثه أشبار و نصف في مثله ثلثه أشبار و نصف في عمقه في الأرض كما في رواية (الكافي- التهذيب) (5)ابى بصير و يحكى عن الراوندي الاكتفاء ببلوغ مجموع ابعاده الثلاثة عشرة و نصفا من دون اعتبار التكسير و أول بما يرجع الى المشهور بحمله على ما إذا تساوت ابعاده و الا لزم من التهافت ما لا يخفى و التقديران متخالفان و افراد المياه متخالفة أيضا في الوزن و هو أحد الأسباب في اختلاف تقديرات المدققين المعتنين بهذا اللسان فمن قائل ان ما يملأ من الماء قدر مكعب شبر من المكان هو أربعة أمنان تبريزيه و نصف من و ستة و خمسون مثقالا صيرفيا فقدر سبعة و عشرين شبرا مائه و أربعة و عشرون منا و اثنا عشر مثقالا و قدر ستة و ثلثين مائة و خمسة و ستون منا و ربع من و ستة و ستون مثقالا و قدر المشهور مائة و ستة و تسعون منا و سبعة أثمان من و ثمانية و ثلاثون مثقالا و نصف مثقال و من قائل ان ملاء مكعب الشبر ثلثه أمنان و سبعة أثمان من و ثمانية عشر مثقالا و وزن السبعة و عشرين مائة و خمسة أمنان و ثلاثة أثمان من و ستة و ثلاثون مثقالا و وزن الستة و ثلثين مائه و أربعون منا و نصف من و ثمانية و أربعون مثقالا و وزن المشهور مائه و أربعة و ستون منا و ستة و خمسون مثقالا و ثمن مثقال و قد ورد في بعض الروايات تحديد الماء الذي لا ينجسه شي‌ء بالراوية و القلتين و الحب من حباب المدينة و الجرة و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء و ظاهر ان شيئا منها لا يتوافق مع شي‌ء من التقديرات


1) السيد صدر الدين في رسالة الطهارة- م

2) ميرزا رضى الدين القزويني- م

3) عن ابى عبد اللّٰه (ع) قال سالته عن الماء الذي لا ينجسه شي‌ء قال كر قلت و ما الكر قال ثلثه أشبار في ثلاثة أشبار- م

4) عن ابى عبد اللّه (ع) قال قلت له الماء الذي لا ينجسه شي‌ء قال ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته- م

5) عن ابى عبد اللّه ع قال سالت عن الكر من الماء كم يكون قدره قال إذا كان الماء ثلثه أشبار و نصفا في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه من الأرض فذلك الكر من الماء- م

المذكورة و هذه كلها من قرائن الاستحباب على ان إناطة الأمر الذي تعم به البلوى و يشترك في التكليف بمعرفته جميع المكلفين بأمثال هذه التدقيقات ينافي سهولة الشريعة الظاهرة و سماحتها و قد ورد عن الصادع بها صلوات اللّٰه عليه و آله في آداب الأكل و النوم و التخلي و الجماع و نحوها مما لا يعتنى به مزيد اعتناء ما دونه المدونون و لم يرو عنه في اشتراط الكرية في بقاء الماء على الطهارة خبر واحد بل لم نقف في الروايات النبوية من ذكر الكر على عين و لا اثر و لو كل ماء قليل يتنجس بمجرد إصابة النجاسة لكان تبليغ ذلك الى عوام العرب الذين كانوا لا يحترزون عن النجاسات أشد احتراز و كان مدارهم على المياه القليلة و تقريره في قلوبهم بتكرار البيان من أهم المهمات و لو فعل ذلك لنقل إلينا متواترا لتوفر الدواعي إلى نقله و ليس هذا مما يقال فيه ان عدم الدليل ليس دليلا على عدم المدلول كما يعلمه المنصف و مع ذلك فالاحتياط لا يترك سيما فيما ورد فيه النهى بخصوصه مثل ما شرب منه كلب أو خنزير أو دجاجة في منقارها قذر أو باز في منقاره دم أو أدخل المحدث يده القذرة بالبول أو المني فيه أو الدجاجة رجلها القذرة و غير ذلك مما له ذكر بالخصوص كما ذكرنا انه ظاهر الصدوق و هو المناسب لطريقة أهل الاخبار المسلمين فان وقعت في البئر نجاسة فغيرت ريح الماء أو طعمه نزحت حتى يذهب الريح و يطيب الطعم لان له مادة كما في (الكافي- التهذيب) صحيحة ابن بزيع عن الرضا (1)عليه السلام و الحق بهما اللون في المشهور و ان لم تغير تغييرا محسوسا في شي‌ء منها فان كانت من النجاسات المنصوصة فلينزح منها الدلاء المأثورة وجوبا شرطيا أو استحبابا تعبدا أو ليطيب ماؤها و تزول عنه النفرة الحاصلة بوقوع النجاسة قليلا كان الماء أو كثيرا و في تعيين الدلاء المنزوحة في كثير من المنصوصات اختلافات كثيرة في الروايات و هذه من قرائن الاستحباب ايضا و هي دلو لبول الصبي الفطيم و موت العصفور و ثلث للفأرة و الوزغة و دلوان أو ثلث للدجاجة و شبهها و خمس للفأرة و السنور و الكلب و الدجاجة و الطير و قيد في بعضها بما إذا لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء و سبع لوقوع الجنب و اغتساله و خروج الكلب حيا و الدجاجة و الطير و قيد في بعضها بما لم ينتن و الفاره و قيدت في بعضها بالتسلخ أو التفسخ و الشاة و الدابة الصغيرة و ما بين الفارة و السنور إلى الشاة و بول الصبي و السام أبرص المتفسخ و تسع أو عشر للشاة و ما أشبهها و عشر للعذرة الغير


1) قال ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب الطعم لان له مادة- م

الذائبة و العقرب و الجيف كلها إلا جيفة قد أجيفت و عشرون للدم و الخمر و لحم الخنزير و الميتة و قيدت الأخيرة في بعضها بما كان له ريح و الفأرة إذا تقطعت و ثلاثون لقطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر و ماء المطر و فيه البول و العذرة و أبوال الدواب و أرواثها و خرء الكلاب و أربعون لبول الرجل و الفأرة إذا لم تنتن و عشرون أو ثلاثون أو أربعون للسنور و الكلب و شبهه و ثلاثون أو أربعون للسنور أو أكبر منه و ما بين الثلثين و الأربعين لدم ذبح الشاة و أربعون أو خمسون للعذرة الذائبة و سبعون لموت الإنسان و مائه دلو لجيفة قد أجيفت و دلاء لقطرات من بول أو دم أو شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها و الحمامة و الدجاجة و الطير و الدابة و الفارة و الهرة و الكلب و شي‌ء صغير سقط في البئر فمات فيها و دم ذبح الطير و دلاء يسيرة للدجاجة و الحمامة و دم الرعاف و كر من ماء للحمار و الجمل و نزح الماء كله للبول و الخمر و موت الكلب و الخنزير و البعير و الفارة و قيدت الأخيرة في بعضها بما إذا انتفخت فيه و نتنت و في (التهذيب) موثقة عمار الساباطي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في بئر وقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير قال ينزف كلها فان غلب الماء فليترف يوما الى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون يوما الى الليل و قد طهرت. و ان كانت من غيرها فلهم فيها أقوال وجوب نزح الجميع و الاكتفاء بالأربعين و بالثلثين و مال المصنف في كتابه الكبير الى العشرين ان كانت النجاسة من الميتات و لا يخلو من وجه و يستحب التنزه في رفع الحدث الأصغر عن الماء الأسن و هو الآجن و كان التعبير به أجود كما في (الكافي- التهذيب) حسنة الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في الماء الآجن يتوضأ منه الا ان تجد ماء غيره فتتنزه عنه. قال في الوافي الآجن المتغير اللون و الطعم و موردها الوضوء و الإطلاق غير ملائم لطريقته و أبلغ منه ما في المفاتيح حيث ذكره في الغسل و علله بالنص و مثله القول في الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ففي (التهذيب) رواية ابن سنان عنه عليه السلم الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ منه و أشباهه.

مع اختصاصها و ما في معناها مما استدل به المانعون بالجنابة فإجراء الحكم في غيرها غير سديد و الاستمداد بانتفاء القائل بالفرق غير مقبول كما أشرنا إليه مرارا و كذا في سؤر الحائض فإن الروايات الناهية كلها في الوضوء كصحيحة (الكافي- التهذيب) عيسى بن القاسم عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال سالته عن سؤر الحائض فقال لا تتوضأ منه. و موثقة الحسين (الكافي- التهذيب) ابن ابى العلاء عنه ع في الحائض يشرب من سؤرها و لا يتوضأ منه و وردت الرخصة في بعضها (1)


1) هي رواية على ابن يقطين- م

إذا كانت مأمونة و من ثم قيد بعضهم الحكم بغير المأمونة و منهم المصنف في المعتصم و المفاتيح مع تضعيف الإطلاق و منهم من عبر بالمتهمة كما في الدروس و غيره و مطلقا عن الماء المسخن بالشمس كما (الكافي- التهذيب) في النبوي المتفق عليه الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضؤوا به و لا تغتسلوا به و لا تعجنوا به فإنه يورث البرص. و الظاهر تعليق استمرار الحكم على بقاء الوصف و ان لم يشترط في صدق المشتق بقاء معنى الاشتقاق نظرا الى لفظ الرواية و كان التعبير به أجود و منهم من عبر بالمشمس و منهم المصنف في المفاتيح و ما هنا بما فيه أوفق و سوى فيه بين المياه المذكورة و سؤر اليهودي و النصراني و المشرك و الناصب و ولد الزنا و ما أصابته الوزغة و الحية و العقرب و القليل أصابته النجاسة و لم يتغير و ماء البئر التي اصابته و لما ينزح منها ما قدر الا ان لا يجد ماء غيرها فان كان الموجود واحدا تعين و ان تعدد اختار المحتاط أقربها إلى اليقين فيقدم ما أصابته الوزغة على ما أصابته النجاسة و سؤر اليهودي على سؤر المشرك و الأسن و المسخن بالشمس على المستعمل و هكذا

[باب الأخباث و تطهيرها]

باب الأخباث و كيفية تطهير موارد ها و هي ثمانية فضلتا غير المأكول اللحم بالأصل أو العارض مطلقا (1)كالموطوء و الجلال مما له دم سائل اى خارج بقوة دفع إذا قطع شي‌ء من عروقه لاجتماعه فيها من أنواع الحيوان ما عدا الطير إجماعا الا من ابن الجنيد في بول الصبي ما لم يأكل اللحم و هو شاذ ضعيفا (2)المستند سندا و دلالة محجوج بما يدل على نجاسة بول الصبي و الإنسان و ما لا يؤكل لحمه و اما خلافه في طهارة أبوال الخيل و البغال و الحمير فمدلول عليه بعدة من الاخبار المعتبرة و يستفاد من بعضها (3)ان المراد بمأكول اللحم ما جعله اللّٰه للأكل الا انه يقول بنجاسة أرواثها أيضا و هي لا تساعد عليه و في موثقة الحلبي (الكافي- التهذيب) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم لا بأس بروث الحمير و اغسل أبوالها. و من ثم مال المصنف في مطولاته الى الفرق


1) سواء كان العارض ممتنع الزوال أو ممكنة- م

2) هو ما رواه الشيخ عن السكوني عن الصادق عن أبيه عن على ع قال لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم لان لبنها يخرج من مثانة أمها و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من العضد و المنكبين و أجاب عنه المصنف في المعتصم أولا بالطعن في السند و ثانيا بالقول بالموجب فان تطهير النجس غير منحصر في الغسل بل قد يكتفى فيه بصب الماء و هو هنا كذلك على انها خالية عن اعتبار (أكل اللحم- م

3) رواية زرارة عن أحدهما ع في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه فقلت أ ليس لحومها حلالا قال بلى و لكن ليس مما جعله اللّه للأكل منه- م

و التفضيل ان لم ينعقد الإجماع المركب على خلافه و في استثناء الطير موافقة للصدوق و ابن ابى عقيل لحسنة (الكافي- التهذيب) ابى بصير عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم كل شي‌ء يطير لا بأس بخرئه و بوله. و مخالفه للمشهور لحسنة عبد اللّٰه بن سنان عليه السلم اغسل ثوبك من أبوال ما لا يوكل لحمه. و إذا ثبت في البول ثبت في الخرء إذ لا قائل بالفرق و هما عمومان متعارضان من وجه فلا بد من تخصيص أحدهما بالاخر و مطابقة الأول للأصل و عمومات الطهارة معارضة بمطابقه الثاني للاحتياط و عمومات نجاسة البول و أظهرية شمول كل شي‌ء يطير لما لا يوكل لحمه من الطير من شمول ما لا يؤكل لحمه له في مرتبة الدعوى و قد يقال (1)ان الظاهر عدم وجود البول للطير و ذلك مما يريب في الرواية الا ان يحمل البول فيها على التجوز بإطلاقه على رطوبات الطير و فيه انه حينئذ يصير ذكر الخرء مستدركا و التحقيق ان السالبة الكلية هنا غير معلومة الصدق و الاستقراء التام متعذر و الناقص لا يجدى و كلام بعض علماء الحيوان و ان أشعر بذلك الا انه غير مقبول في معارضه ما يشعر به النص المعتبر عن أهل العصمة صلوات اللّٰه عليهم نعم ما غلب الميعان على ذرقه كالدجاج و سباع الطيور لا يبعد فيه ذلك دون ما غلب فيه التصلب كالخشاف و قد صرح علماء الحيوان بأنه يبول كما تبول ذوات القوائم من الحيوان و تكرر ذكره في الروايات مع الأمر بغسل الثوب منه في بعضها (2)و نفى البأس عنه في آخر (3)كما ينقل عن القوم و من ثم اختلف فيه أصحابنا بالخصوص و في دلالة الأمر بالغسل على النجاسة نظر و مثله الكلام في ذرق الدجاج ففي رواية (4)مضمرة انه لا تجوز الصلاة فيه كما هو المنقول عن أبي حنيفة و الشافعي و في اخرى (5)انه لا بأس و الدم و المنى من الأدمي و غيره ايضا مما له دم سائل سوى الدم المتخلف في تضاعيف الحيوان المذبوح الشرعي بعد القذف المعتاد من غير مانع فهنا أحكام خمسه (ا) نجاسة الدم في الجملة كما تظافرت به النصوص و نقل عليه الإجماع و المشهور انه لا فرق بين قليله و كثيره و في كلام بعض المتقدمين (6)ما يؤذن باستثناء ما دون قدر الحمصة من غير دم الحيض و في كلام بعضهم ما دون


1) في شرح الدروس- م

2) رواية داود الرقى- م

3) رواية غياث- م

4) هو ما رواه الشيخ عن فارس قال كتب اليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج هل تجوز الصلاة فيه فكتب لا و الظاهر ان فارسا هذا هو ابن حاتم القزويني و قد ضعفه الشيخ و العلامة و غيرهما- م

5) هي رواية وهب بن وهب عن الصادق عن أبيه عليهما السلم- م

6) قال الصدوق الدم إذا أصاب الثوب فلا بأس بالصلاة فيه ما لم يكن مقداره مقدار درهم واف و ما كان دون الدرهم الوافي فقد يجب غسله و لا بأس بالصلاة فيه و ان كان الدم دون حمصة فلا بأس بان لا يغسل الا ان يكون دم الحيض فإنه يجب غسل الثوب منه و من البول و المنى قليلة كان أو كثيرا هذا كلامه رحمه اللّه- م

سعة (1)الدرهم و هما شاذان (ب) اختصاصها بدم ماله نفس كما نقل عليه الإجماع فلا بأس بدم السمك و البق و البرغوث و ان كثر و تفاحش كما في صحيحة ابن يعفور و غيرها (2)(ج) استثناؤ المتخلف في الذبيحة كما وقع مقطوعا به في كلامهم منقولا عليه الإجماع و منهم المصنف في المفاتيح و ان أهمله في كتابه الكبير و الظاهر انه لا فرق بين المتخلف في العروق و البطن و غيرهما ما لم يعلم احتباسه لعارض كتنفس الذبيحة أو كون رأسها في مكان عال و سائرها في مكان منخفض أو يكن جزء من عضو محرم كالطحال و التقييد بالبطن في روض الجنان و بتضاعيف اللحم في المفاتيح كأنهما من باب التمثيل و استدلوا بتقييد الدم المحرم في الآية الكريمة بالمسفوح فيبقى ما عداه على أصالة الإباحة فيكون طاهرا و يتقيد به عمومات نجاسة الدم و إطلاقاته و بانا نعلم ضرورة حلية اللحم و انه كان يتعارف أكله في أعصار النبي و الأئمة صلوات اللّٰه عليهم من غير نكير مع انه لا ينفك عن دم في خلاله يظهر بالطبخ فلو كان نجسا لما ساغ أكل اللحم أصلا و هو خلاف الضرورة من الدين فان قلت يجوز ان يكون عفوا قلت ان أردت العفو المطلق فالنزاع لفظي و ان أردت العفو في الأكل فقط فالحرج و كونه خلاف الضرورة أيضا باق بحاله إذ نعلم بالضرورة انهم بعد أكل اللحم ما كانوا يتحرزون (3)عنه بتطهير الأيدي و الأفواه و القدور و الأواني و سائر الملاقيات (قرب الإسناد) اختصاصه بالمذبوح الشرعي فإن المذبوح الغير الشرعي ميته فتكون أعضائه الطاهرة نجسة فضلا عن دمه سواء كان مما يقبل التذكية أم لا و ظاهر الإطلاق يقتضي انه لا فرق في المذبوح الشرعي بين مأكول اللحم و غيره عند المصنف و موافقيه و هو (4)مشكل جدا إذ لا يستقيم الاستدلال في الثاني بأصالة الطهارة لأن عمومات نجاسة الدم مخرجة عنه و لا بالتقييد في الآية لأنها مسوقة لبيان نفى التحريم دون الطهارة و انما يستدل بها لها في الأول لأن الإباحة ملزومة لها و هي منتفية في الثاني و الإجماع المنقول على نجاسة دم ما له نفس ينطوى عليه و قد صرح به بعضهم فليتأمل المحتاط و ليستيقن (ه) نجاسة المني كما نقل عليه إجماع الأصحاب و تظافرت به الاخبار و ما (5)يدل على جواز الصلاة فيه يحتمل الحمل


1) قال ابن الجنيد الدم إذا كانت سعته دون سعة الدرهم الذي سعته كعقد الإبهام الأعلى لم ينجس الثوب انتهى

2) قال قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلم ما تقول في دم البراغيث قال ليس به بأس قلت انه يكثر و يتفاحش قال و ان كثر- م

3) بدليل عدم النقل لانه ما تعم البلوى به و تتوفر الدواعي على نقله

4) في إثبات التذكية على بعض مما لا يؤكل لحمه كالسباع- م

5) الحسن عن أبي أسامة قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع يصيبني السماء و على ثوب فيبله و انا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني فأصلي فيه قال نعم و قد تحمل على بلة لا تسرى نجاسة المني إليها و بعده ظاهر

على التقية (1)و خصت في المشهور بما له نفس لانه الفرد المعهود المتعارف فيكون هو المتبادر فتنصرف اليه إطلاقات الروايات و يبقى ما عداه على حكم الأصل و بمثل هذا البيان يناقش (2)في شموله لما عدا مني الإنسان لأنه الفرد المتكور غالبا و أكثر ملاقاة الإنسان انما يكون معه فظاهر السؤالات و الأحكام اختصاصها به فعلى هذا ان ثبت الإجماع (3)على وجه يكون حجة و الا فللبحث مجال و قد يستدل للتعميم (4)بصحيحه (التهذيب- الفقيه) محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال ذكر المنى فشدده و جعله أشد من البول. فإنه و ان شهدت القرائن الحالية في مثله بإرادة مني الإنسان الا ان فيه اشعارا بكونه اولى بالتنجيس من البول فكل ما حكم بنجاسة بوله ينبغي ان يكون لمنيه هذه الحالة و ربما كان هذا القدر كافيا مع الإجماع المنقول و عدم ظهور مخالف فيه و فيه انه بعد تسليم ان الظاهر فيها ارادة مني الإنسان فغاية ما تدل عليه ان منى الإنسان أشد من بوله و هذا لا يستلزم ان يكون منى غيره ايضا كذلك أصلا و حمل المنى و البول في غيره على منيه و بوله قياس لا نقول به مع انه لا يثبت به ايضا (5)المطلوب بتمامه و الميتة عنه آدميا أو غيره بريا أو مائيا و صرحوا في الأدمي بأن هذا الحكم انما يتعلق به بعد البرد و قبل الغسل و نقلوا على جميع ذلك الإجماع إلا ما يلوح من كلام الشيخ (6)في الخلاف من طهارة ميتة الحيوان المائي و ربما يبنى على الغالب من انتفاء النفس عنه و فيه نظر و في حكمها (7)أبعاضها إجماعا أيضا إلا ما يلوح من الصدوق في الفقيه حيث روى عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه فقال لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء و لبن أو سمن و تتوضأ منه و تشرب و لكن لا تصل فيها و كذا ما قطع من الحيوان الحي كالألية (8)و نحوها و لا بأس فيهما بلا خلاف بالعشرة


1) فان من القوم من يقول بطهارته- م

2) في شرح الدروس- م

3) كما ادعاه العلامة في التذكرة- م

4) في المعالم- م

5) لانه لا يجرى فيما يكون بوله طاهرا كما لا يخفى- م

6) قال الشيخ في الخلاف إذا مات في الماء القليل ضفدع أو ما لا يؤكل لحمه مما يعيش في الماء لا ينجس الماء انتهى- م

7) لعدم ثبوت الكلية- م

8) الألية منصوصة في رواية أبي بصير عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه قال في أليات الضأن تقطع و هي أحياء انها ميته و قريب منها رواية الكاهلي عنه عليه السلم و رواية الحسن بن على بن ابى الحسن عليه السلم و كذا ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا كما حسنه محمد بن قيس و غيرها و اما الاجزاء الصغيرة المنفصلة عن البدن كالبثور و الثالول و نحوهما فالذي عليه المحققون طهارتها و في التمثيل إيماء إلى الاحتراز عنها- م

الاجزاء الفقيدة الحياة و هي الشعر و الوبر و الصوف و القرن و الناب و الظلف و الظفر و العظم و البيضة و الانفحة و ربما يزاد الحافر و الريش و المنقار و في درجها جميعا تحت الوصف المذكور تنبيه على علة الحكم و هي عدم صدق الموت عليها لانه فرع الحياة و في صحيحة الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ان الصوف ليس فيه روح. و قد يناقش في كون العظم منها بقوله سبحانه قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ. إذ الأحياء مستلزم للحياة و يجاب بأن الإحياء حقيقة انما هو لأصحاب العظام و انما نسب إليها تجوزا نعم يتجه المناقشة في خصوص السن فإنه له حسا لا ينكر و قد صرح بذلك صاحب القانون ايضا و الجواب (1)بان كلام صاحب القانون عندنا غير مقبول في مقابل كلام أهل العصمة صلوات اللّٰه عليهم ان صح فإنما يصح لو ثبت عنهم عليهم السلم التنصيص بان السن مما لا تحله الحياة و هو ممنوع و انما ثبت ذكر السن في حسنه (الكافي- التهذيب) الحسين بن زرارة قال كنت عند ابى عبد اللّٰه عليه السلم و ابى يسأله عن السن من الميتة و اللبن و البيضة فقال كل هذا ذكى و حسنة الأخرى قال سأله ابى و انا حاضر عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن انسان ميت فيجعله مكانه قال لا بأس به. (2)و مرسلة الفقيه المسندة في باب العشرات من الخصال في الصحيح عن ابن ابى عمير يرفعه الى ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال عشرة أشياء من الميتة ذكية القرن و الحافر و العظم و السن و الإنفحة و اللبن و الشعر و الصوف و الريش و البيض. و لا منافاة فيها لكلام الشيخ بوجه و قد وقع في بعض الاخبار (3)تقييد البيضة بما إذا اكتست الجلد الغليظ كما ذهب إليه جماعة و ما يوجد في بعض كلمات العلامة من تقييدها بما إذا كانت من مأكول اللحم لا يعرف له دليل و لا موافق و الإنفحة بكسر الهمزة و كسر الفاء و فتحها لبن مستحيل في جوف السخلة يصنع منه الجبن كذا يستفاد من الروايات (4)و طهارة اللبن مما افتى به جماعة من الأصحاب بل نقل الإجماع فيها من الخلاف و توقف فيها المتأخرون و هو في


1) للشيخ البهائي في حاشية الفقيه- م

2) و في الكافي قال أبو عبد اللّه ع الوبر و الشعر و الصوف و الريش و كل نابت لا يكون ميتة و قد يترائى ان فيها دلالة ان السن مما لا تحله الحياة لأنه من جملة النابت و قد سلب الموت عن كل نابت و ذلك مستلزم لطلب الحياة عنه و فيه ان الظاهر ان المراد بسلب الموت هنا سلب لازمه أعني النجاسة لأن شأنهم صلوات اللّه عليهم تقرير الأحكام الشرعية دون الأحكام الطبيعية و مثله في الاخبار غير عزيز على ان كون السن من جملة النابت ممنوع لانه لا يعود كلما أزيل كما لا يخفى- م

3) هي رواية غياث بن إبراهيم عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة فقال ان كانت قد اكتست الجلد الغيظ فلا بأس بها- م

4) و في كلام اللغويين و الفقهاء فيه اختلاف عظيم م-

محله و يأتي لهذا تتمه في كتاب المعيشة و الكلب و الخنزير غير المائيين فإنهما طاهران صرفا للإطلاقات الواردة في نجاستهما الى الافراد المتبادرة فيبقى ما عداها على حكم الأصل و منهم من صرح (1)بالتعميم و هو إفراط بإزاء تفريط من فرق (2)بين كلب الصيد و غيره و في حكمهما أبعاضهما مطلقا على المشهور خلافا لمن استثنى (3)ما لا تحله الحياة منهما كما في الميتة و الكافر مطلقا و هو من أنكر ما علم ثبوته من الدين ضرورة كلا أو بعضا و ان أقر ب جميع ما عداه من الأصول الخمسة و غيرها كمستحل ترك الصلاة خاصة أو الوطي في المحيض كما صرحوا به و انما يقتصرون هنا على الشهادتين جمودا على الواقع كالخارج على الإمام الحق و أولهم المارقون الخارجون بصفين يوم التحكيم المجتمعون بالنهروان ثم انشعبوا فرقا شتى يجمعهم القول بالتبري من عثمان و على و يقدمون ذلك على كل طاعة و لا يصححون المناكحات الأعلى ذلك و كذا الناصب و هو المعادي لأهل البيت عليهم السلم كلا أو بعضا على المشهور في معناه بين الفقهاء و المحدثين و اللغويين و اما ما ذهب اليه شذاذ من المعاصرين و من قاربهم و ربما نسبوه الى بعض القدماء ايضا من ان كل مخالف في الإمامة فهو ناصب يحكم عليه بالنجاسة و تحريم المناكحة و سائر لوازم الكفر ففي غاية الضعف و البعد عن الصواب و احتجوا للصغرى بما ورد في بعض شواذ الاخبار في تفسير (الكافي) قوله تعالى عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ نصبت غير ولاة الأمر و ان الزيدية (4)و الواقفة من النصاب و مكاتبة (5)محمد بن على بن عيسى عن ابى الحسن الثالث عليه السلم في الناصب هل احتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و تقديم إمامتهما فرجع الجواب من كان على هذا فهو ناصب و روايتي عبد اللّٰه بن سنان و المعلى بن خنيس عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد أحدا يقول انا أبغض محمدا و آل محمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولوننا و انكم من شيعتنا. و للكبرى بالإجماع و هو مغالطة لأن الإجماع إذ صح فإنما هو على كفر الناصب بالمعنى المشهور بين المجمعين دون هذا المعنى المبتدع و المدلول عليه بتتبع الروايات ان النصب كالكفر و الشرك له معان متعددة مشككة و إثبات بعض الأحكام لبعضها لا يستلزم ثبوتها بقول مطلق للجميع


1) ابن إدريس

2) قال الصدوق من أصاب ثوبه كلب جاف و لم يكن كلب صيد فعليه ان يرشه بالماء و ان كان رطبا فعليه ان يغسله و ان كان كلب صيد و كان جافا فليس عليه شي‌ء و ان كان رطبا فعليه ان يرشه انتهى م

3) المرتضى

4) في كتاب الكشي

5) في سرائر ابن إدريس

كما هو ظاهر و في حكم الخوارج و النواصب الغلاة لعنهم اللّٰه و هم الذين يعتقدون في على انه اللّٰه و هم السبائيه (1)أو انه أفضل من محمد و انه بعث ليدعو الناس الى على فدعا الى نفسه و هم العلبائيه (2)الى غير ذلك من مقالاتهم الواهية و قد انقرضوا بحمد اللّٰه فلا يعرف لهم أثر في بلاد الإسلام و إليهم أشار أمير المؤمنين عليه السلم بقوله هلك في اثنان مبغض قال و محب غال.

و كذا المجسمة (3)و هم الذين يعتقدون فيه تعالى انه جسم من الأجسام و هم فرق شتى متشاركون في معنى الكفر و مال في المفاتيح الى استثناء اليهود و النصارى و المجوس من حكم نجاسة الكافر وفاقا لبعض القدماء و خلافا للمشهور و في بعض الاخبار إرشاد الى ان معنى نجاستهم خبثهم الباطني لا وجوب غسل الملاقي و ان الأمر به في بعضها انما هو للنجاسة العرضية دون الذاتية لكنها محتمله للحمل على التقية و هو أجود ما يجمع به بينهما هذا ما وضح دليله و بان سبيله من النجاسات و من اجتنب مع ذلك الخمر و كل مسكر مائع بالأصالة فقد احتاط لدينه و خرج عن دغدغة مخالفة ما تضمن الأمر باجتنابها لا سيما الخمر فقد نقل فيها الإجماع و هو الذي رجحه في المفاتيح و ان كان حمل ما يدل عليه على التقية متجها لانه المذهب (4)المنصور بينهم لما فيه من مخالفه الاحتياط و ظاهر الكتاب و عظماء الأصحاب و توقف في الكتاب الكبير و هو في محله لعدم ثبوت الإجماع على وجه يكون حجة فان الخلاف فيها مشهور قديما و حديثا و في حكمها الفقاع كرمان و أصله الشراب المتخذ من الشعير كما يأتي (5)و في بعض الاخبار انه خمر مجهول فإذا أصاب ثوبك فاغسله. و قد علمت مما سبق ان الأحوط


1) أصحاب عبد اللّه بن سبإ الذي قال لعلى عليه السلم أنت أنت يعنى أنت الإله فنفاه الى المدائن زعم ان عليا حي لم يقتل و لا يجوز ان يستولي عليه و هو الذي يجي‌ء في السحاب و الرعد صوته و البرق تبسمه و انه سينزل بعد ذلك الى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا- م

2) أصحاب العلباء بن ذراع الدوسي و قيل الأسدي و منهم من قال بإلهية محمد و على و يقدمون عليا في أحكام الإلهية و هم العينية و منهم من يفضل محمدا و هم الميمية و منهم من قال بإلهية واحد من أصحاب الكساء محمد و على و فاطمة و الحسنين و قال خمستهم شي‌ء واحد لا فضل لأحدهم على الآخر و الروح حالة فيهم بالسوية و الخطابية أصحاب أبي زينب الأجدع زعم أن الإله هو جعفر الصادق عليه السلم م

3) هؤلاء هم المجسمة بالحقيقة و اما الذين يعتقدون انه جسم لا كالأجسام فهم المجسمة بالتسمية و في نجاستهم خلاف م

4) و القائل بطهارتها منهم شرذمة قليلة- م

5) في كتاب المعيشة م

اجتناب فضلتى غير المأكول اللحم مما له نفس من الطير و كذا أبوال البغال و الحمير و الدواب و هي الخيل و أرواثها أكثر من ذلك و وقع في بعض الروايات الأمر بغسل ما اصابه عرق الإبل الجلالة أي قبل تمام الاستبراء بل و في بعضها النهى عن الصلاة في الثوب الذي فيه عرق الجنب من الحرام من غير فرق بين ما كان التحريم ذاتا كالزنا و اللواط أو عرضا كوطي الحليلة في الحيض على اشكال في الأخير و في موثقة (التهذيب) عمار في الفأرة إذا أكلت من الخبز و شبهه انه يطرح منه و يوكل الباقي. و في صحيحة (الكافي- التهذيب) على بن جعفر في الفأرة الرطبة و قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أ يصلى فيها قال اغسل ما رأيت من أثرها و ما لم تره فانضحه بالماء. و في حديث المناهي النهي عن أكل سؤر الفارة. و في (التهذيب) رواية هارون بن حمزة في الوزغ انه لا ينتفع بما يقع فيه. فان اجتنب الجميع فقد أخذ باليقين و خرج عن خلاف العاملين بها من العظماء و ان كان المشهور الطهارة فإن تنزه مع ذلك عن بول البعير (1)و الشاة الغير الجلالين بالنضح كان أحب و كذا دم ما لا نفس سائلة له فان (2)الطهر منه أفضل و لبن الجارية لأنه يخرج من مثانة أمها و المذي الخارج (3)عقيب الشهوة و القيح و القي‌ء لخباثتهما و كونهما مظنة النجاسة و سؤر غير المأمون و لو لم يكن حائضا و لا جنبا حتى الحيوانات الأكلة للجيف و نحوها مع خلو موضع الملاقاة عن النجاسة كما ذكروه و طين الطريق بعد ثلثه أيام من انقطاع المطر كما في بعض (4)الروايات و الحديد بمسح ما لاقاه بالماء و ان كان يابسا فان اللّه يحب المتطهرين لكن في بعض ما ذكر تأمل ظاهر لانه ليس من مظان التشابه بحسب الاخبار و لا الأقوال و في الفقيه انه سئل على عليه السلم أ يتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحب إليك أو يتوضأ من ركوا بيض مخمر فقال لا بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فإن أحب دينكم الى اللّٰه الحنيفية السمحة السهلة.


1) في رواية عبد الرحمن ان أبا عبد اللّه ع ينضح بول البعير و الشاة م

2) كذا في رواية محمد بن الريان عن الرجل ع في دم البق م

3) الوصف لبيان حقيقة المذي و قد ورد الأمر بغسله في رواية الحسين ابن ابى العلاء عن ابى عبد اللّه ع قال سالته عن المذي يصيب الثوب قال ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله و المشهور حملها على الاستحباب و التقية م

4) روى المحمدون الثلاثة عن ابى الحسن عليه السلم في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلثه أيام الا ان تعلم انه قد نجسه شي‌ء بعد المطر فإن أصابه بعد ثلثه أيام فاغسله و ان كان الطريق نظيفا لم تغسله م

و اما العصير العنبي إذا غلى و اشتد (1)و المسوخ (2)فلم أقف على ما يقتضي الاجتناب عنهما وجوبا و لا تنزيها ثم الخبث ان كان له جرم محسوس في المحل ازاله عنه و لو بالفرك و المتمسح و نحوهما ثم اجرى الماء على مورده بحيث يسيل عنه بنفسه و ان لا يكن له جرم كفى في تطهيره الاجراء على الوجه المذكور سواء كان مما يرسب فيه الماء أم لا و المشهور توقف تطهير الأول على العصر (3)لإخراج الغسالة ان غسل بالقليل الا بول الرضيع حتى ان منهم من صرح بان ما لا تنفصل الغسالة منه بالعصر كالصابون و الفواكه و الخبز لا يطهر (4)بالقليل و اما في الثاني كالسيف و المرآة و نحوهما من الأجسام الصقيلة فالمنقول عن السيد عدم اشتراط الماء في تطهيره و انه يكفى في ذلك ازاله العين و له بالمسح و البزاق و المضاف (5)و قواه المصنف بان غاية (6)ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب أعيان النجاسات اما وجوب غسلها بالماء عن كل جسم فلا فكل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره الا ما خرج بالدليل حيث اقتضى فيه اشتراط الماء كالثوب و البدن و هو ضعيف جدا لأن الطهارة و النجاسة من الأحكام التي لا تعرف الا من جهة الشارع فبعد ثبوت حكمه بالنجاسة لا يحكم بالطهارة إلا بعد ثبوت حكم بها فعلى المدعى البيان و الحكم بتطهير كل ما علم زوال النجاسة عنه كيف كان ممنوع و انما يقبل ذلك فيما إذا كان زوال النجاسة على الوجه المأثور من الشارع و بدونه نفس الدعوى و ليكن هذا (7)منك على ذكر و اعلم ان ظاهر كلام المصنف هنا اشتراط ورود الماء على النجاسة في التطهير كما صرح به الجماعة و هو خلاف


1) قبل ذهاب ثلثيه م

2) استدل المصنف في كتابه الكبير للقول بنجاسة المسوخ بما ورد في تحريم بيعها و لا مانع سوى النجاسة و المقدمتان ممنوعتان و اما العصير فلم نقف لهم على مستند فيه م

3) اى الاجتهاد في إخراج الماء المغسول به من المحل بنته أو تغميره م

4) بل يتوقف طهارته على غسله في الكثير و هو مشكل أما أولا فللحرج و الضرر اللازم من ذلك و اما ثانيا فلان ما يتخلف في مدة المذكورات من الماء ربما كان أقل من المتخلف في الحشايا بعد الدق و التغمير و قد حكموا بطهارتها بذلك و اما ثالثا فلإطلاق الأمر بالغسل المتحقق في القليل و الكثير و عدم ثبوت تأثير ذلك في المنع م

5) لان الموجب للحكم بالنجاسة العين النجسة فإذا أزيلت زالت العلة فيزول المعلول

6) استدلال في صورة المنع و من ثم وجه عليه المنع م

7) فإنه ينفعك فيما سيأتي في بحث الاستنجاء م

ما صرح به في غيره مشددا في الإنكار (1)عليهم و بعد ازالة العين لا عبرة باللون ان بقي في المحل و ان أمكن إزالته على الأشهر لاحتمال حدوثه بالمجاورة أو العفو و كذا الرائحة و في (الكافي- التهذيب) حسنة (2)ابن المغيرة عن ابى الحسن عليه السلم الريح لا ينظر إليها. فلا (3)يستشكل بان وجود الرائحة يرفع أحد أوصاف الماء و ذلك يقتضي النجاسة و ربما يقال (4)ان الرائحة ان (5)كان محلها الماء نجس لانفعاله و ان كان محلها اليد أو المحل فلا و عند الشك يحمل على الطهارة للأصل على انه (6)على تقدير كون محلها الماء ايضا لا يلزم النجاسة لجواز ان يكون انفعال الماء من المحل أو اليد المتنجسين لا من النجاسة فإن أزال النجاسة بالماء الكثير كفت غسلة واحدة على (7)المشهور و ان أزالها بالقليل ثنى الغسل ليزال بالأول العين و بالثاني الأثر كائنة ما كانت الا بول الصبي فيكتفى فيه بصب الماء بلا خلاف و كذا الصبية عند المنصف و موافقيه و ان خالف الأكثر و المشهور اختصاص التثنية بالبول و ربما يلحق به المنى و ربما يكتفى في الكل بالمرة المزيلة فإن كان المقصود تطهيره باطن إناء ثنى الإبلاغ اى إبلاغ الماء إلى النجاسة بتحريكه أو ملاءه بحيث يبلغ الماء الموضع النجس منه و الإفراغ و لو بآلة لا تعود اليه ثانيا إلا طاهرة احتياطا سواء في ذلك المثبت و غيره و التثليث أحوط لرواية عمار عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال سئل عن الكوز أو الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرة يغسل قال يغسل ثلاث مرات يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه و قد طهر. و هي انما تضمنت التحريك و ربما يكون لمصادمة الماء للنجاسة الحاصلة في ضمنه مدخل في التطهير فالمستيقن لا يتجاوز مدلولها ما أمكن هذا في نجاسته بالبول و نحوه و في ولوغ الخنازير و الكلاب و هو شربها مما فيه بطرف لسانها أضاف


1) بأنه تحكم إذ امتزاج الماء بالنجاسة حاصل على كل تقدير و الورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة الى ان قال و الحق ان القول بانفعال القليل بالنجاسة لا يجتمع مع القول بإزالة النجاسة بالقليل و قد جمع أكثر الأصحاب بينهما فحملهم ذلك الى مثل هذه التكلفات م

2) في الاستنجاء م

3) للشهيد- م

4) الشهيد ايضا م

5) استدل المحقق في المعتبر بعدم وجوب ازالة اللون و الرائحة بأنهما عرضان لا يحملان النجاسة قال و عليه إجماع العلماء و قطع العلامة في المنتهى بوجوب ازالة اللون مع الإمكان م

6) العلاوة من شارح الدروس م

7) و قيل يجب التعدد في الكثير ايضا و قيل تكفي واحدة مع الحركة م

الى المرتين مرة ثالثة (1)بالتراب أول مرة ثم بالماء مرتين كما في صحيحة البقباق التي رواها (2)المحقق في المعتبر لكنها مختصة بالكلب و لم أقف على ما يقتضي مساواة الخنزير له في ذلك و المشهور فيه الثلاث بالماء و الأقوى السبع كما اختاره المصنف في المفاتيح و المعتصم لصحيحة على بن (3)جعفر من غير معارض و المستيقن لا يجتزى في الكلب ايضا بما دون السبع كما في موثقة عمار (4)و عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب. و بمضمونها عمل ابن الجنيد و قواه المصنف في الكتابين و نص جماعة من الآخرين على ان لطعه اى لحسه بلسانه في حكم الولوغ بل هو أولى لأنه أقوى في وصول الأجزاء اللعابية و التصاقها بالإناء فيتناوله الدليل و فيه منع ظاهر إذ يحتمل ان تكون الحكمة المقتضية للتطهير الخاص عن الولوغ تلطيف الماء للأجزاء اللعابية و تصغيره إياها بحيث تدخل في مسام الإناء و هذه العلة منتفية في اللطع فلا يكون اولى و ربما يقال بوجوب السبع في موت الفارة و كل مسكر و في موثقة عمار عن ابى عبد اللّٰه (ع) اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات. و الجرذ بضم الجيم و فتح الراء المهملة و آخره الذال المعجمة قيل هو ذكر الفار و قيل الذكر الكبير و قيل انه ضرب منها أعظم من اليربوع أكدر في ذنبه سواد و عن الجاحظ ان الفرق بين الجرذ و الفار كالفرق بين الجاموس و البقر و في موثقته أيضا في الإناء الذي يشرب فيه النبيذ يغسله سبع مرات.

و ألحقوا به سائر المسكرات و في (الكافي- التهذيب) روايته الأخرى في قدح أو إناء يشرب فيه


1) قيل المراد به مزج التراب بالماء إذ لا بد من تحقق الغسل في جريان مائع لظهور ان الدلك بالتراب الجاف لا يسمى غسلا و فيه انه على هذا التقدير يلزم نجوز ان أحدهما في الغسل و الثاني في التراب بخلاف تقدير عدم المزج فان التجوز فيه انه هو في لفظ الغسل فقط اللهم الا ان يجعل الباء في قوله بالتراب للمصاحبة اى اغسله بالماء حال كونه مع التراب و حينئذ فلا تجوز في أحدهما لكنه يلزم الإضمار في الكلام أعني إضمار متعلق الظروف و الظاهر خلافه و الحق ان الباء للاستعانة و ان الغسل بالتراب لا غير وفاقا للمختلف للتبادر و بعد تغاير الباء في المعطوف و المعطوف عليه فان الظاهر اتحادهما و تسمية ذلك التراب بالإناء غسلا من باب المشاكلة أقرب من التجوز في إطلاق اسم التراب و الإضمار كذا في المعتصم م

2) و رواها الشيخ في التهذيب بدون لفظة مرتين م

3) عن أخيه قال سالته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به قال يغسل سبع مرات م

4) عن ابى عبد اللّه ع قال يغسل الإناء من الخمر سبعا و كذلك الكلب م

الخمر قال يغسله ثلث مرات. فليأخذ المحتاط باليقين و ان شك في اللقاء لم يجب عليه غسل الموضع للأصل و استحب رشه بالماء كما تضمنته صحيحة (التهذيب) عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (1)عليه السلم الا ان موردها الشك في اصابة البول الثوب و الجسد.

و في (الكافي- التهذيب) حسنة الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه ظن أنه أصابه مني و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء. و في حسنه ابن سنان عنه عليه السلم في رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال ان كان يرى أنه اصابه شي‌ء فنظر فلم ير شيئا أجزأه ان ينضحه بالماء.

و كذا الحكم استحباب الرش (الكافي) ملاقاة ما اجتنابه اولى كالكلب و الخنزير باليبوسة و عن ابن حمزة الوجوب (2)فيهما و في الكافر و المذي و عرق الجنب من الحرام و الفاره و لبن الجارية و بول البعير و الشاة و ثوب المجوسي و ربما تخص هذه بالحكم لأنها مورد النصوص و التعميم يتوقف على الدليل اما المظنون ملاقاته للنجاسة فعن سلار إيجاب رشه و له ظاهر الحسنتين و عن ابى الصلاح إيجاب غسله كالمعلوم لان الظن مناط الشرعيات و لان العقل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل و هما ضعيفان و عمومات طهارة كل شي‌ء مغياة بالعلم بأنه قذر دون الظن به و هي حجة ابن البراج في إلغاء الظن مطلقا و قواه في المعتصم اكتفاء بالرش حملا للحسنتين على الاستحباب جمعا و منهم من الحق بالعلم الظن المستند الى سبب معتبر عند الشارع كشهادة العدلين و اخبار المالك و الغى المستند إلى الأمارات ككون الشي‌ء مظنة النجاسة و اخبار الفاسق و اختلفت كلماتهم في قبول العدل الواحد و اشترط بعضهم في العدلين بيان السبب المقتضي للنجاسة لوقوع الخلاف فيه الا ان يعلم الوفاق و هو يأتي في الواحد ايضا على تقدير قبوله و ربما يقيد قبول إجبار الواحد بنجاسة مائه بما إذا كان ذلك قبل الاستعمال اما بعده فلا بالنظر الى نجاسة المستعمل له فان ذلك بالحقيقة إخبار بنجاسة الغير فلا يكفى فيه الواحد و ان كان عدلا


1) عن رجل يبول بالليل فيحسب ان البول اصابه و لا يستيقن فهل يجزيه ان يصب على ذكره إذا بال و لا يتنشف قال يغسل ما استبان انه قد اصابه و ينضح ما يشك فيه من جسده و ثيابه و يتنشف قبل ان يتوضأ قيل المراد بالتنشف الاستبراء و بالوضوء الاستنجاء م

2) قال الشيخ في النهاية بوجوب الرش عن ملاقاة الثعلب و الأرنب و الوزغة و كذا نقل عن سلار و العلامة و الشهيد ذكرا من مواضع الرش بول الدواب و البغال و الحمير و عرق الجنب مطلقا و في استفادة ذلك من الروايات نظر- م

و كيف كان فغسله أحوط و إن كان ظاهر الروايات العدم مطلقا و إله الاستنجاء و هي ما يتمسح به فيه مطهرة لمحل النجو و هو الغائط إذا كانت طاهرة قالعة لما تخلف منه منشفة لرطوباته ففيها قيود ثلثه (ا) الطهارة فلا يجزى النجس سواء كانت نجاسته ذاتية أو عرضية و علله في كتابه الكبير بأن المحل ينجس بملاقاته فلا يكون مطهرا و هو على ما قرره في مطولاته من أن المتنجس لا ينجس مما لا يكاد يفرض له وجه استقامة في القسم الثاني بعد ما أزيلت العين عنه ثم أيده بمرفوعة بعض أصحابنا عن أبى عبد اللّٰه عليه السلم قال جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار و يتبع بالماء. و هو كما ترى و الاعتماد على الإجماع كما نقلوه (1)ان صح (ب) ان تكون قالعة للنجاسة حتى يحصل النقاء المطلوب فلا يجزى ما لا يحصل به النقاء لملاسته كالزجاج و نحوه مما يزلق عن النجاسة أو رخاوته كالفحم و نحوه مما يتخلف منه اجزاء متنجسة في المحل و لم ينقلوا فيه خلافا (الاحتجاج) ان يكون فيها من التخلخل ما يشرب رطوبات النجاسة عن المحل فلا يجزى الحديد و الذهب و نحوهما مما لا تنفذ الرطوبة في مسامه لعدم حصول المطلوب بها و إطلاق كلامه هنا يؤذن بأمور صرح بها في غيره (أ) انه لا يعتبر في الإله ان يكون حجرا لان المطلوب يحصل بغيره كالخرق و الجلود و نحوهما و قيل لا بد ان يكون من الأرض فلا تجزى الجلود و الحرير و نحوهما (ب) انه لا فرق في ترتب الأثر بين كونها مما يسوغ استعماله كالحجر أم يحرم كالعظم و الروث اتفاقا و المطعوم على المشهور و ربما يقيد بالمحترم كالخبز و العجين و ان اثم في الثاني لحصول المطلوب و هو النقاء و لا ينافي ذلك تعلق النهى به كما في إزالة النجاسة بالماء المغصوب فإنه يحصل بها الطهارة و ان أثم الغاصب (الاحتجاج) انه لا يشترط عدد معين فيها بل حدها النقاء كما في حسنة (الكافي- التهذيب) ابن المغيرة عن ابى الحسن عليه السلم قال قلت له للاستنجاء حد قال لا حتى ينقى ما ثمه و قيل بل تجب ثلاثة و إن نقي بدونها تعبدا لظواهر بعض الروايات كصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلم يجزيك من الاستنجاء ثلثه أحجار و صحيحة بريد بن معاوية عنه عليه السلم يجزى من الغائط المسح بالأحجار. و بالغ بعضهم فلم يجز بالواحدة و ان كانت مثلثة استعملت من جميع جهاتها تمسكا يحمل الاجزاء على الثلاثة و الواحد لا يصدق عليه انه ثلثه و يلزمهم الفرق بين الثوب مثلا متصلا واحدا و متقطعا إلى ثلاث قطع مع انه لا يعقل فرق بينهما و التحقيق ان الروايات


1) نقله العلامة في المنتهى م

انما وردت بلفظ الأحجار و ثلثه أحجار و الخرق و الكرسف و المدر (1)فالمستيقن يقتضي في الرخصة عليها و كونها مبنية على الغالب من عدم حصول المطلوب بما دون الثلاثة و انحصار الإله المتيسرة في المذكورات و جهتها المستعملة في واحدة غير مجزوم به و الإطلاقات الواردة في الباب حتى الحسنة المذكورة ليست (2)مما يأبى التقييد فالحكم بان المطلوب النقاء على اى وجه اتفق و حصول الطهارة الرافعة للنجاسة المحكوم بها شرعا في غير موارد النصوص مما لا يرتضيه الحازم كما نبهناك عليه قريبا و المراد بمحل النجو اما نفس المخرج كما ذكره الأكثر اعنى ثقبة الدبر فمقتضى اناطه الحكم به عدم اجزاء التمسح عند الانتشار عنها و لو يسيرا أو ما يشمل حواشيها القريبة التي يعتاد انتشار النجاسة إليها غالبا دون البعيدة التي لا يعتاد وصولها إليها و لا يصدق على تنظيفها اسم الاستنجاء فإنها ليست من مواقع الخلاف و لا مظان الوهم و ظاهر المصنف في غيره الثاني حيث عبر بمحل (3)العادة و هو الذي ارتضاه المحققون من المتأخرين و الا لزم صرف إطلاقات الاستجمار الى الفرد النادر من غير مقيد مع إباء بعضها عن ذلك غاية الإباء إلا إذا ثبت على المشهور إجماع قاطع و دونه خرط القتاد و مع ذلك فالاحتياط لا يترك و كذا الأرض مطهرة لباطن الخف و النعل و القدم و هو أسفلها الملاصق للأرض دون الحافتين منها كما صرحوا به و في صحيحة (التهذيب) زرارة عن ابى جعفر عليه السلم رجل وطي على عذرة فساخت (4)رجله فيها أ ينقص ذلك وضوءه و هل يجب عليه غسلها قال لا يغسلها الا ان يقذرها و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلى.

و هي ظاهرة في أنهما بل ظاهر الرجل أيضا في حكم الباطن قال بعض اللغويين ساخت قوائمه


1) في الصحيح (التهذيب) عن زرارة قال سمعت أبا جعفر عليه السلم يقول كان الحسين بن على يتمسح من الغائط بالكرسف و لا يغسل و فيه (التهذيب) عن زرارة أيضا قال كان يستنجى من البول ثلث مرات و من الغائط بالمدر و الخرق (الخرف خل)

2) لاحتمال ان يكون المراد بالحد المنفي فيها الحد في جانب الأكثر خاصة م

3) على وفق بعض الروايات م

4) قال في الوافي ساخت بالسين المهملة و الخاء المعجمة أي غاصت و يقذرها بالذال المعجمة المكسورة اى يكرهها و يتنفر طبعه عنها فان قيل السؤال كان عن نقض الوضوء و وجوب الغسل فكيف أجيب عن أحدهما و سكت عن الآخر قلنا لم يسكت عن شي‌ء فان قوله يمسحها و يصلى ظاهر في عدم نقض الوضوء و؟ لقال يمسحها و يتوضأ و يصلى م

في الأرض هو مثل الغرق في الماء و في عدم اشتراط المشي و لا كون الممسوح به أرضا كما ينقل عن ابن الجنيد و لا طاهرا و لا جافا الا ان الظاهر صرف الإطلاق إلى المعهود و هو ما كان بالأرض و قد ورد في بعض (1)الاخبار تحديد المشي بخمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك. و المشهور التحديد بما يزيل عين النجاسة و انه لو لم يكن لها جرم و لا رطوبة يكفي مسمى الإمساس و اما اشتراط طهارة الأرض و جفافها فمحكي عن ابن الجنيد ايضا و قد نظر فيه (2)المصنف في المعتصم و ظاهر الإطلاق هنا و في المفاتيح نفيه لكن وقع اشتراط الأخير مصرحا في (3)بعض الروايات فالاحتياط لا يترك و اقتصاره في المفاتيح على الثلاثة المذكورة جيد جدا و ان خلت النصوص عن خصوص الباطن و قوى في الكتاب الكبير إلحاق أسفل العصا و كعب الرمح و ما شاكل ذلك بها بل زاد آخرون خشبة الأقطع و سكة الحرث و هي الحديدة التي يشق بها (4)الأرض و ركبة الكشيح و هو المقعد


1) عن مؤمن الطاق عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في الرجل يطأ في الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك قال في الوافي أريد بنحو ذلك ما يحصل بالمشي عليه زوال عين النجاسة م

2) و لم يبين وجهه م

3) عن معلى بن خنيس قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلم عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا فقال أ ليس وراءه شي‌ء جاف قلت بلى قال فلا بأس ان لأرض يطهر بعضها بعضا و في حديث محمد الحلبي الذي رواه صاحب السرائر عنه عليه السلم قلت ان طريقي الى المسجد في دقائق يبال فيه فربما مررت فيه و ليس على حذاء فسيلصق برجلي من نداوته فقال أ ليس تمشي بعد ذلك في الأرض يابسة قلت بلى قال فلا بأس الحديث م

4) قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد كان المراد بالأرض النجاسة التي نجست الرجل و الخف بسبب وطي الأرض النجسة و تطهر بالأرض الآخرى و قال صاحب المدارك يمكن ان يكون معناها ان الأرض يطهر بعضها و هو المماس لأسفل النعل و القدم أو الطاهر منها بعض الأشياء و هو النعل و القدم و يحتمل ان يكون المراد ان أسفل النعل و القدم إذا تنجس بملاقاة بعض الأرض النجسة يطهره البعض الآخر الطاهر إذا مشى عليه فالمطهر بالحقيقة ما تنجس بالبعض الآخر و علقه بنفس البعض مجازا و قال صاحب المعالم كان المراد ان النجاسة الحاصلة في أسفل القدم و ما هو بمعناه بملاقاة الأرض المتنجسة على الوجه المؤثر يطهر بالمسح في محل أخر من الأرض فسمى زوال الأثر الحاصل من الأرض تطهيرا لها كما يقال الماء مطهر للبول بمعنى انه مزيل للأثر الحاصل منه و على هذا يكون المستفاد من الحديث مختصا بالنجاسة المكتسبة من الأرض النجسة و قال المصنف في الوافي الوجه في هذا التطهير انتقال النجاسة بالوطي عليها من موضع إلى أخر مرة بعد اخرى حتى تستحيل و لا يبقى منها شي‌ء م

الذي يمشى على ركبتيه و يد الحابى و هو الذي يضع يديه على الأرض عند المشي نظرا الى الاشتراك في العلة المقتضية للتسهيل و استمدادا بما ورد مستفيضا في طهورية الأرض من ان بعضها يطهر بعضا بان يكون (1)المراد بالأرض ما يشمل نفس الأرض و ما عليها الا ما خرج بالإجماع و هو ما عدا المذكورات و الأول ضعيف جدا و كذا الثاني فإن مثل هذه العبارة المجملة التي اختلفت الانظار في فهم المراد منها مما لا يستقيم الاستدلال به و أجود ما قيل فيها (2)انه اشارة إلى أنه بمحض المسح على الأرض لا يذهب الأثر الحاصل من الأرض السابقة مطلقا بل يبقى في المحل بعض الاجزاء من الأرض المتنجسة فتلك الاجزاء تطهرها الأرض الثانية و اما ما قاله في المفاتيح من انه يعنى بالإزالة و الإحالة و التجفيف بالوطي عليها مرة بعد اخرى و انتقال بعضها الى بعض و قريب منه في الوافي فغير متضح و الاستحالة و هي خلع المادة للصورة و تلبسها بأخرى بحيث يتغير الاسم ربما تطهر الأعيان النجسة بالذات أو بالعرض كصيرورة العذرة و الميتة ترابا أو دودا و الكلب ملحا و الوقود النجس رمادا أو فحما أو دخانا على خلاف (3)شاذ في الأخير و كذا انقلاب الكافر مسلما و الخمر خلا سواء كان بعلاج أم غيره و عن الرضا عليه السلم في العصير يصير خمرا فيصب عليه الخل و شي‌ء يغيره حتى يصير خلا قال لا بأس به. و المشهور في الطين النجس إذا طبخ خزفا أو آجرا للطهارة (4)و قيل (5)بالبقاء على النجاسة و توقف آخرون و (6)يقوى الشك في اللبن و روى في العجين النجس انه يباع ممن يستحل أكل الميتة. و في اخرى انه يدفن و لا يباع و في أخرى في عجين عجن و خبز ثم علم ان الماء كانت فيه ميته قال لا بأس أكلت النار ما فيه و للبواطن كداخل الأنف و الاذن و الفرج تطهر بزوال العين عنها و لا حاجة الى غسلها بلا خلاف يعرف و في (التهذيب) موثقة عمار عن ابى عبد اللّٰه (ع) في رجل يسيل من انفه الدم هل عليه ان يغسل باطنه يعنى جوف الأنف فقال انما عليه ان يغسل ما ظهر منه. و في أحاديث الاستنجاء يغسل ما ظهر على الشرج و لا يدخل فيه الأنملة.

و في دلالتها على المطلوب نظر و ظاهر كلام المصنف هنا و في غيره ان البواطن تتنجس بوجود النجاسة فيها و ان طهرت بزوالها و يترتب على الأول تنجس الأجسام الملاقية لها قبل زوال عين النجاسة مثل بقايا الطعام المتخلفة في الفم و الكحل الداخل في العين كما صرح


1) كذا في الحبل المتين م

2) قاله صاحب البحار م

3) مستنده الأمر بالأمر بالاستصباح بالزيت النجس تحت السماء

4) بل ادعى عليها الشيخ الإجماع م

5) أكثر المتأخرين م

6) المحقق و العلامة في موضع من المنتهى م

بذلك شارح اللمعة و ظاهر بعض المعاصرين (1)ان البواطن (2)لا تقبل النجاسة إذ لم يكلف الشارع بتطهيرها و صب عبارات الأصحاب كلها من عدا الشهيدين على ذلك و زعم ان تنجيس الطعام و الكحل حكم لا شاهد له و أطال الكلام في ذلك و هو من الضعف بمكان و كذا تطهر الحيوان العجم المتنجسة بمجرد زوالها و ان لم تغب على المشهور (3)لكن الدليل غير ناهض بإثباته و المراد به ما عد الأدمي و وصف اسم الجنس بالجمع نظير قولهم أهلك الناس الدينار الصفر و الدرهم البيض اما الأدمي فاشترط بعضهم غيبته زمانا يمكن فيه التطهير و لم يرتضه المصنف إذ العضو الباطن لا يحتاج فيه الى ذلك و الظاهر لا يكفى فيه ذلك بل لا بد من العلم بإزالته أو الظن المعتبر شرعا و لو استند إلى اخباره (4)مع عدم قرينه خلافه و الشمس إذا جففت بإشراقها الأرض و البادية و الحصير المتنجسة بالبول جازت الصلاة عليها و ان كانت باقية على النجاسة و من ثم يشترط فيه بقاؤها على الجفاف و جفاف الجبهة و غيرها من الملاقيات كما في (5)موثقة عمار و ربما يلحق بالبول كل نجاسة مايعة و هو ظاهر الإطلاق و بالأرض و أختيها كل ما لا يمكن نقله كالأشجار و الابنية و زاد بعضهم الثمرة على الشجرة و الأبواب المعلقة و الرفوف المسمرة و نحوها و المشهور الطهارة بجميع لوازمها عملا بالنصوص الواردة بلفظها و حملا (6)لما ورد من انه كيف تطهر من غير ماء على التقية

[باب آداب التخلي]

باب آداب التخلي من الأفعال و التروك الا انها غير منتظم الترتيب و كلها مسنونة إلا ما ننبه عليه و هي ارتياد الموضع المناسب و هو ما يؤمن معه من نشر


1) السيد صدر الدين في رسالة الطهارة- م

2) في اللمعة و شرحها و تطهر العين و الأنف باطنهما و كل باطن كالاذن و الفرج بزوال العين و لا يطهر بذلك ما فيه من الأجسام الخارجة عنه كالطعام و الكحل اما الرطوبة الحادثة فيه كالريق و الدمع فبحكمه و طهر ما يتخلف في الفم من بقايا الطعام بالمضمضة مرتين على ما اختاره المصنف من العدد و مرة في غير نجاسة البول على ما اخترناه انتهى م

3) بل الإجماع كما نقل عن الشيخ في الخلاف م

4) و كذا تلبيسه بما يشترط فيه الطهارة عنده- م

5) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال سئل عن الشمس هل تطهر الأرض قال إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع القذر فالصلاة على الموضع جائزة فإن أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس و ان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك مما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع القذر و ان كان عين (غير خ ل) الشمس اصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك- م

6) في الصحيحة عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال سالته عن الأرض و السطح يصيبه البول أو ما أشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء قال كيف يطهر من غير ماء- م

النجاسة سيما للبول ففي الحديث (الكافي) النبوي من فقه الرجل ان يرتاد موضعا لبوله. و عن ابى (التهذيب- علل الشرائع) عبد اللّٰه عليه السلام كان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله أشد الناس توقيا عن البول كان إذا أراد البول عمد الى مكان مرتفع أو مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهة ان ينضح عليه البول. و التستر بالبدن عن الأعين بالتواري ببناء و نحوه أو ابعاد في المذهب اما العورة فيجب سترها عمن يحرم نظره إليها و هو من عدا من يحل وطئه من المميزين و هي القبل و الدبر و الأنثيان و من ستر من السرة إلى الركبة بل الى نصف الساق فقد أخذ باليقين و تجنب المشارع و النصوص انما وردت بلفظ (الكافي- التهذيب) شطوط الأنهار. و شفير (التهذيب ك) بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب منه فكان التعبير بموارد المياه كما في المفاتيح و المعتصم أجود و مثله في الشوارع فإنها وردت بلفظ المحجة (1)و قارعة (الفقيه) (2)الطريق و الطرق (الكافي- الفقيه- التهذيب) النافذة. كما فيهما و تحت الشجرة المثمرة كما في بعض الاخبار و تختص الكراهة بالأوقات التي يكون عليها ثمرها بقرينة البعض (التهذيب) الأخر سواء قلنا باشتراط بقاء مبدأ الاشتقاق في صدق المشتق أم لا و أبواب الدور و هي مواضع اللعن و أفنية المساجد و هي ما امتد من جوانبها القريبة و لا يبعد ان تحد بحريمها و هي أربعون ذراعا من كل ناحية و في النزال و هي الأماكن المعدة لنزول القوافل و الواردين و تشتمل غالبا على ما يتظل به من شجر أو كهف أو نحوهما و المأثور (الكافي- التهذيب) منازل النزال (3)و شطوط الأنهار كما عرفت و المقابر (4)فان التغوط بين القبور من الثلاثة التي تخوف (5)منها الجنون كما في حديث (الكافي) الوصية و التخلي على القبر من الحالات التي يتسارع فيها الشيطان إلى الإنسان و من الآداب ايضا تأخير الكشف عن العورة و ان لم يكن ناظر أو الأعم الى ان يقرب الموضع و الدخول في بيت الخلاء باليسرى من الرجلين فان لم يكن بناء جعلها آخر ما يقدم و الخروج عنه باليمنى منهما عكس المكان الشريف كما قالوه (6)و تغطية الرأس إقرارا بأنه غير مبرئ نفسه من العيوب كما قاله الصدوق و لئلا تصل الرائحة الخبيثة إلى


1) المحجة الطريق المسلوك مكان الحج أي كثرة الاختلاف و التردد- م

2) اى أعلاه- م

3) و ما ورد بلفظ ظل النزال فمن رده

4) المنغوط و المطلوب أعم- م 5- عن ابى جعفر في عليه السلم قال تخلى على قبر أو بال قائما أو بال في ماء قائم أو مشى في حذاء واحد أو شرب قائما أو خلا في بيت وحده أو بات على غمر فاصابه شي‌ء من الشيطان لم يدعه الا ان يشاء اللّه و أسرع ما يكون الشيطان إلى الإنسان و هو على بعض هذه الحالات الحديث- م

5) المشي في خف واحد و الرجل ينام وحده- م

6) إشارة الى عدم النص- م

دماغه و يأمن بذلك من عبث الشيطان و هو سنة من سنن النبي صلى اللّٰه عليه و آله و فيه إظهار الحياء من اللّٰه سبحانه لكثرة نعمه على العبد و قلة الشكر منه كما قاله المفيد و الاعتماد على نقله كونه سنة دون ما ذكره من العلل مع ان الاولى منظور فيها بأنه خلاف المشاهد من كشف الناس رؤسهم في الروائح المنتنة و ان أمكن الذب عنه بما يعرفه الذكي على ان اللازم منه استحباب ما يحصل به التوقي المذكور و لا ريب ان الحاصل منه باللثام و نحوه مما يسد الأنف و الفم أقوى و الأمر هين و تقنيعه حياء (1)من الملكين كما في وصية (مجالس الشيخ أو ابنه) ابى ذر و ترك استقبال القبلة و الريح بالبدن و قرصي النيرين الشمس و القمر لا جهتهما و استدبار الأولين و قيل بوجوبهما في الأول و فرق بعضهم بين الصحاري و البنيان فكرههما في الأول خاصة و خص في الكتاب الكبير كراهة استقبال النيرين بالبول و هو أوفق بأكثر الروايات (2)و ورد النهى عن استدبار الهلال و ان ذهل عنه الأكثر و البول في الأرض الصلبة و ما في معناها مما لا يؤمن فيه النجاسة و هو مما ينطوى عليه (3)ارتياد الموضع المناسب و في الجحر و هي بضم الجيم ففتح الحاء ثقوب الحيوانات و الماء سيما الراكد و قائما إلا للمتنور و مطمحا من السطح أو من الشي‌ء المرتفع يرميه في الهواء و منها الذكر بالمأثور في أحواله كلها ف عند الدخول بسم اللّٰه و باللّٰه اللهم إني أعوذ من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم و عند الكشف عن العورة بسم اللّٰه و عند الجلوس للوضوء اللهم أذهب عني القذى و الأذى و اجعلني من المتطهرين و عند الترخى اللهم كما أطعمتنيه طيبا في عافية فأخرجه عنى خبيثا في عافية و عند الفعل الحمد للّٰه الذي أطعمني طيبا في عافية و اخرج مني خبيثا في عافية و عند النظر الى البراز اللهم ارزقني الحلال و جنبني الحرام و اما عند النظر الى الماء فلم يذكره المصنف في غيره و ذكر غيره بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا و هو مذكور في حديث (الكافي- التهذيب) وضوء أمير المؤمنين عليه السلم بعد ما أكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى و عند الاستنجاء اللهم حصن فرجي و أعفه و استر عورتي و حرمني على النار و عند الفراغ منه الحمد للّٰه الذي عافاني من البلاء و أماط عني الأذى كذا ذكروه


1) و تأسيا بأبي عبد اللّٰه عليه السلم كما في مرسلتي الصدوق و الشيخ- م

2) لأنها مختصة بالبول- م

3) إشارة إلى خلوه عن النص الخاص- م

و الرواية (1)محتملة للفراغ من الحديث و عند القيام من الحاجة الحمد للّٰه الذي أذاقني طعمه و أبقى في جسدي منفعته و اخرج عنى أذاها و مشقته و عند الخروج بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه الذي عافاني من الخبيث المخبث و أماط عني الأذى و قد روى في بعضها غير ما ذكر و منها الاستبراء من البول لئلا ينتقض وضوءه لو خرج بلل مشتبه بعده و قيل بوجوبه (2)و كيفيته الكاملة أن يمسح من المقعد إلى أصل القضيب ثلاثا و منه الى رأس الحشفة ثلاثا و ينتره ثلاثا و زاد بعضهم التنحنح و منهم من ذكره سنة مفردة و الروايات خالية عنه و ان كان له مدخل في الاستظهار و في ثبوت الاستبراء للمرأة قولان و مختار المصنف العدم و الانتقال من محل النجو و البول الى محل نظيف للاستنجاء فإنه آمن من النجاسة و ان يكون غير مستقبل فيه للقبلة و لا مستدبر لها كما في التخلي و كذا بالنسبة إلى الريح و النيرين لعموم (الكافي- التهذيب) ما يدل على انه يقعد فيه كما يقعد للغائط و البدأة فيه بالمقعدة ثم الإحليل كما في موثقة عمار (3)و قد يعلل بالتحفظ عن تلوث اليد بالنجاسة عند الاستبراء و الاستنجاء باليسار فإنه باليمين من الجفاء و لا بأس إذا كانت اليسار معتلة و نزع الخاتم الذي فيه اسم اللّه عنده عند الدخول و يتأكد عند الاستنجاء بيده و قد يلحق به أسماء الأنبياء و الأئمة عليهم السلم و نفى عنه البأس في المعتصم و ربما يقيد الأخير بما إذا لم يتلوث الاسم بالنجاسة و الا وجب و اختيار الماء على ما يتمسح به (الكافي) الاستنجاء من النجو مع عدم التعدي استحبابا و معه وجوبا سيما للنساء فإنه أبلغ في التنظيف لكن في دلالة الرواية (4)عليه نظر اما في الاستنجاء من البول فيتعين الماء مطلقا و لا يجزى غيره من التمسح و التجفيف و إجماعا و أفضل منه الجمع بينهما مع تقديم التمسح في النجو مطلقا كما هو ظاهر الخبر و كلام (5)الأصحاب و صريح المعتبر و التخصيص بحال


1) الشيخ عن ابى (التهذيب) بصير عن أحدهما عليهما السلم إذا دخلت الغائط فقل أعوذ باللّه من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم و إذا فرغت فقل الحمد للّه إلخ و عن أبي (الكافي) أسامة عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في حديث انه سئل ما السنة في دخول الخلاء قال تذكر اللّه و تتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم فإذا فرغت قلت الحمد للّه على ما أخرج مني الأذى في يسر و عافية- م

2) الشيخ م

3) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال سالته عن الرجل إذا أراد ان يستنجى بالماء بأيما يبدء بالمقعدة أو بالإحليل فقال بالمقعدة ثم بالإحليل م

4) رواها المحمدون الثلاثة ان النبي صلى اللّه عليه و آله قال لبعض نسائه مري نساء المؤمنين ان يستنجين بالماء و يبالغن فإنه مطهرة للحواشي و مذهبة للبواسير- م

5) هو مرفوعة بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم المذكورة في الباب السابق م

عدم التعدي كما هو ظاهر المفاتيح لا وجه له و كيف كان فهو مختص بالنجو دون البول و إثباته فيهما معا من خصائص الكتاب فيما اعلم كون كل من المسحات ب جسم طاهر قالع منشف غير محترم كالتربة الحسينية و بعض المطعومات كالخبز و لا عظم و لا روث لتحريم الاستنجاء بها و ربما يعمم في المطعوم كما تقدم و ان لا تكون أقل من ثلاث مسحات بثلثه أجسام مفصولة و ان نقي بما دونها و قد عرفت الحال في ذلك و ايثارها ان حصل النقاء بالشفع لان (1)اللّٰه وتر يحب الوتر و قلع العين بها وجوبا ان اقتصر عليها حيث يجوز و ذلك إذا كانت في نفس المحل الطبيعي أو العادي من غير تعد عنه كما تقدم و استحبابا و لئلا تتلوث اليد بالنجاسة ان كان متبعا لها بالماء مطلقا و استيعاب جميع المحل في كل مرة غير مقتصر على التوزيع و أوجبه المحقق و مسح البطن باليد بعد الفراغ عند الخروج كما في المفاتيح داعيا بدعاء أمير المؤمنين عليه السلم الحمد للّٰه الذي اخرج عنى أذاه و أبقى في قوته فيا لها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها. و ترك الإطالة فهي تورث الباسور و الأكل و الشرب لما يتضمنان من الاستقذار كما قالوه و السواك فهو يورث النجر و التكلم فان من تكلم على الخلاء لم تقض حاجته إلا لضرورة كفوات غريم و تردى طفل اما ذكر اللّه تعالى و تلاوة آية الكرسي و حكاية الأذان فلا بأس لورود الاذن فيها بالخصوص (2)

[باب الاتفاث]

باب الاتفاث غير ما يأتي في كتاب الحج و في إزالتها فوائد كلية زيادة على النظافة (الفقيه- التهذيب) من تنقيه (الفقيه- التهذيب) البدن و استفراغ الفضول و تفريح القلب و تحسين الهيئة و غير ذلك مما هو مذكور في فنه و بعضها منصوص في الروايات مشهود عليه بالوجدان و هي ما يجتمع في شعر الرأس المسطال من الرجال و النساء من الدرن بفتح الأوليين و هو الوسخ و يحصل من الغبار و من خروج اجزاء صغيره من الغذاء المهضوم تغلب عليها الأرضية من مسام البدن فان كان معها أجزاء مائية فهو العرق و يكثر في الصيف لاتساع المسام بسبب الحرارة المفتحة و يقل في الشتاء لانسدادها بالبرودة المجمدة فيطول مكثه في البدن و تعمل فيه الحرارة الغريزية و يكمل


1) و استدل في الكتاب الكبير على استحباب الإتيان بما روى (التهذيب) عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء و هي أخص من المدعى- م

2) و لم يطلع الشهيد الثاني على مستند الأخير فأبدل الجيعلات بالحولقة لتندرج تحت الذكر- م

نضجه فيستعد لان تفاض عليه بعد الخروج نفس حيوانية و هو القمل و يزال ب الغسل بالسدر و الخطمي و الترجيل و هو التسريح و التدهين بدهن البنفسج و البان و الزنبق و بدهن شيرج طرى و الزيت و ما يجتمع في معاطف الاذن و قعر الصماخ بكسر الصاد و هو خرقه من الأوساخ المتكونة فيها أو الراشحة إليها من جوف الدماغ و يزال ما في المعاطف بالمسح بالإصبع فان لتها بالمنديل أو نحوه فأبلغ و ما في قعر الصماخ بالخنصر أو غيرها من الآلات المتناولة و ليجتهد في الإخراج برفق لانه زكى الحس جدا يتأثر بأهون سبب و ليكن ذلك بعد قضاء الوطر من الحمام بلا فصل إذ ينتفع به الوسخ و يسهل إزالته فليبادر قبل ان يلبده ضرب النسيم و اما انه لا ينبغي قبل ذلك فلان ما فيه من الدسومة مما يمنع دخول الماء في باطن الاذن عند الغوص في الماء و نحوه فينبغي إبقاؤه إلى الفراغ و ما يجتمع في داخل الأنف من الرطوبات السائلة إليه من الدماغ المنعقدة فيه غالبا وقت النوم و احتباس الروح البخاري الملتصقة بجوانبه لما فيها من اللزوجة البلغمية و يزيلها الاستنشاق في الوضوء و غيره و الاستنثار و هو نثر ما في الأنف بالنفس و قال ابن الأثير في حديث الوضوء إذا توضأت فانثر. و في حديث آخر من توضأ فلينثر. و في آخر كان يستنشق ثلثا في كل مرة يستنثر. نثر ينثر بالكسر إذا امتخط و استنثر استفعل منه اى يستنشق الماء ثم يستخرج ما في الأنف فينثره و قيل هو من تحريك النثرة و هي طرف الأنف انتهى و ربما لا يكفيان في الإزالة لكثرة اللزوجة فيستعان بالإصبع و ما يجتمع على الأسنان و أطراف اللسان من القلح و هو محركة صفرة الأسنان و فيه تغليب و يزال بالسواك بالأراك و ما ينوب منابه و المضمضة و إدارة الإبهام و المسبحة في الفم و ما يحدث في اللحية من الدرن و الشعث و هو الغبار و التلبد و الانتشار و يزال بالتسريح بالمشط فان لم يكن فبالإصبع و الغسل و أكمله ما كان بالصابون أو الصدر تأسيا بالنبي صلى اللّٰه عليه و آله و ما يجتمع في البراجم و هي معاطف ظهور الأنامل أو مفاصل الأصابع كلها أو ظهور القصب من الأصابع أو مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع و الرواجب أو رؤس السلاميات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشرت و ارتفعت و أحدها برجمه بالضم و في الرواجب و هي رؤسها أو ما بين العقد من داخل كما في الوافي نقلا عن النهاية أو مفاصل أصول الأصابع أو بواطن مفاصلها أو هي قصب الأصابع أو مفاصلها أو طهور السلاميات أو ما بين البراجم من السلاميات أو المفاصل

التي تلي الأنامل ثم البراجم ثم الأشاجع اللاتي يلين الكف واحدتها راجبة و رجبه بالضم و الذي وجدته في النهاية تفسيرها بما بين عقد الأصابع من دون قيد الداخل فما في الوافي كأنه لا يخلق عن سهو في النقل و لم يذكر فيه تفسيرها برؤوس الأنامل و لا وجدته فيما حضرني من كتب المعتنى بهم فهو اعلم بما قال و ليس في بعض النسخ ذكر البراجم و الرواجب و ما يجتمع تحت الأظفار لا سيما إذا طالت من الوسخ و يزال بالغسل و الإخراج ان كانت قصيرة و القلم وحده أو مع أحدهما ان كانت طويله و ما يقع على جميع البدن برشح العرق من داخل و الغبار من خارج و يزال بالحمام و الدلك و غسل الجمعة و هذه كلها تشترك في وجوب الإزالة إذا كانت حائلة عن وصول الماء الى ما يجب إيصاله إليه من البشرة في الطهارات و لا يكفى امساسها بالماء لأنها ليست من اجزاء البدن و منها ما هو اجزاء منه و هو شعر الرأس من الرجال و يزال بالحلق بالموسى و هو أفضل من إطالته و اتخاذه و ان أكرمه بالغسل و الترجيل و التدهين و انما ندب إلى إكرامه متخذة ففي (الكافي- الفقيه) الحديث النبوي من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليخره. و شعر باطن الأنف و يزال بالنتف أو القرض و هو الاولى لسلامته من غائلة النتف و ان كان أبلغ في التنظيف و ما طال من الشارب و اللحية و يجز و ما خرج عنهما من شعر الوجه و يزال بالنتف أو الحلق و شعر الإبط و العانة و هي هنا المحل و يقال له الركب بفتحتين و ربما تطلق على نفس الشعر النابت فيه و هو الأغلب و سائر البدن غير ما ذكر و يزال بالحلق و النورة و هي الدواء المركب من النورة و الزرنيخ و هو أقوى الجزئين في التأثير و منه المثل العمل للزرنيخ و الاسم للنورة و ينوب منابها كل ما يعمل عملها من المفردات و المركبات القطاعة و ما طال من الأظفار و يزال بالقلم أو القرض و نهى عن أخذها بالأسنان و غلفه الحشفة و هي الجلدة المنطوية عليها و ما للنساء من ذلك من الجلدة الزائدة و تزال بالختان و تحض الثانية باسم الخفض و هو لهن مستحب إجماعا و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم خفض الجواري مكرمة و ليس من السنة و لا شيئا واجبا و اى شي‌ء أفضل من المكرمة. و الختان للرجال واجب بلا خلاف و هو من العشر الحنيفية (1)و المخاطب به في الغلام الولي و لو أسلم غير مختون وجب عليه


1) خمس في الرأس و خمس في الجسد أما الأولى فالسواك و أخذ الشارب و فرق الشعر و المضمضة و الاستنشاق و اما الأخيرة فالختان و حلق العانة و نتف الإبطين و تقليم الأظفار و الاستنجاء كذا في رواية الحسن بن جهم عن ابى الحسن ع و في تفسير على بن إبراهيم ان التي في الرأس أخذ الشارب و اعفاء اللحى و طم الشعر و السواك و الخلال و التي في البدن حلق الشعر من البدن و الختان و تقليم الأظفار و الغسل من الجنابة و الطهور بالماء- م

الختان و ان طعن في السن و هو شرط لصحة الطواف و الإمامة

[باب آداب التنظيف]

باب آداب التنظيف عن الاتفاث المذكورة و هي في كل من التدهين و الترجيل ان يكون غبا و يكره الإدمان و كل يوم لا سيما للرجال فعن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلم لا يدهن الرجل كل يوم يرى الرجل شعثا لا يرى متزلقا كأنه امراة. و روى (الكافي) في الأسبوع مرة و مرتين. و في الشهر (الكافي) مرة. و ان يدعو فيه بالمأثور عنه (الكافي) عليه السلم إذا اتخذت الدهن على راحتك فقل اللهم انى أسئلك الزين و الزينة و المحبة و أعوذ بك من الشين و الشنئان و المقت ثم اجعله على يافوخك إبداء بما بدء اللّٰه به. و عنه (مكارم الأخلاق) عليه السلم إذا أراد أحدكم الامتشاط فليأخذ المشط بيده اليمنى و هو جالس و ليضعه على أم رأسه ثم يسرح مقدم رأسه و يقول اللهم حسن شعري و بشرى و طيبهما و اصرف عنى الوباء ثم يسرح مؤخر رأسه ثم يقول اللهم لا تردني على عقبى و اصرف عنى كيد الشيطان و لا تمكنه من قيادي فيردنى على عقبى ثم يسرح الشعر على حاجبه و يقول اللهم زيني بزينة الهدي ثم يسرح الشعر من فوق ثم يمر المشط على صدره و يقول في الحالين معا اللهم سرح عنى الغموم و الهموم و وحشة الصدور و وسوسة الشيطان ثم يشتغل بتسريح الشعر و يبتدى به من أسفل و يقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر و ان بلغ في طوله حد الفرق فرق و الا دخل في الوعيد المذكور في حديث (الفقيه) ابى عبد اللّٰه عليه السلم من اتخذ شعرا و لم يفرقه فرقه اللّه بمنشار من نار، و هذا التوعيد العظيم يؤذن بالوجوب و في كل من الاستنشاق و الاستنثار و المضمضة التثليث كما تقدم في حديث الاستنثار و في عهد (1)أمير المؤمنين عليه السلم لمحمد بن ابى بكر الذي رواه المفيد في مجالسه و كذا أبو على بن الشيخ و في حديث على بن يقطين الذي رواه المفيد أيضا في إرشاده و الراوندي في الحوائج عن ابى الحسن عليه السلم تثليث المضمضة و الاستنشاق في الوضوء و الدعاء بالمأثور في حديث (الكافي- التهذيب) ابن الحنفية و هو عند المضمضة اللهم لقني حجتي يوم ألقاك و أطلق لساني بذكراك. و عند الاستنشاق اللهم لا تحرم على ريح الجنة و اجعلني ممن يشم ريحها و روحها و طيبها. و اما دعاء الاستنثار فلم أظفر عليه بل لا يحضر في حديث الاستنثار في كلام من تقدم على المصنف من أصحابنا و في السواك ان يكون مدمنا عليه لا يترك أكثر من ثلثه أيام و لو ان يمره مرة كما (الكافي- الفقيه) في حديث ابى جعفر عليه السلم و يتأكد في السحر فإنه السنة فيه كما في رواية الكليني و عند كل صلاة ففي (الكافي)


1) لم يطلع عليه صاحب المدارك و لا المصنف في المعتصم م

وصية أمير المؤمنين عليه السلم عليك بالسواك لكل صلاة و عند كل وضوء ففي (الفقيه) الحديث النبوي السواك شطر الوضوء. و عند كل تلاوة فعن أمير المؤمنين عليه السلم أفواهكم طرق القران فطهروها بالسواك. و بعد تغير النكهة و هي ريح الفم بالنوم و من ثم كان (الكافي) النبي صلى اللّٰه عليه و آله يستاك كل مرة قام من نومه أو طول الازم بفتح الهمزة فسكون الزاي الإمساك عن الطعام و منه سميت الحمية ازما كما في النهاية قال و منه حديث السواك يستعمله عند تغير الفم من الازم. و بعد أكل ما يكره رائحته كالثوم و البصل فإنه مطيبة للفم (الكافي- محاسن البرقي- علل الشرائع) كما ورد و يتأكد في المجتمعات العامة كالجمعة و العيدين لتأكد العلة فيها و ان يكون بالعرض كما ورد الأمر به في الحديث النبوي و في التمشط ان يكون بقصد السنة و يتأكد عند كل صلاة قبل الاشتغال بها كما هو ظاهر ما روى بعدة طرق في تفسير قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ان من ذلك التمشط عند كل صلاة أو بعد الفراغ منها كما في بعض (الكافي) الروايات انه كان لأبي عبد اللّٰه عليه السلم مشط في المسجد يتمشط إذا فرغ من صلاته و ان يكون المتمشط جالسا فإنه من قيام يورث الفقر و ضعف القلب و ان يأخذ المشط بيده اليمنى و يمره على صدره و يدعو عنده بالمأثور كما في تسريح الرأس و ان يسرح اللحية سبعين مرة و يعدها مرة مرة و في رواية انه (1)صلى اللّٰه عليه و آله كان يسرح لحيته من تحت الى فوق أربعين مرة و يقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر و من فوق الى تحت سبع مرات و يقرا و العاديات و في الحمام ان لا يدمنه كل يوم فإنه ينهك البدن و يذيب شحم الكليتين و في رواية انه يورث السل. بل غبا الا من أراد ان يضمر و كان كثير اللحم و لا يدخله على الريق بل يأكل شيئا (الكافي) قبله يطفئ المرار و يسكن (الكافي- التهذيب) حرارة الجوف و لا على الامتلاء فهو من ثلاثة (الكافي) (2)يهدمن البدن و ربما قتلن و لا بغير ميئزر و ان لم يكن ثمة ناظر و يغض بصره (الكافي) عن العورات التي تنكشف فيه غالبا و عن ابى الحسن (الكافي) عليه السلم لا تدخل الحمام إلا بمئزر و غض بصرك. الحديث و يدعو بالمأثور عن ابى (الفقيه) عبد اللّٰه عليه السلم برواية محمد بن حمران عند نزع الثياب أولا و لبسها أخيرا و دخول كل من البيوت الثلاثة قال عليه السلم إذا دخلت الحمام فقل في الوقت الذي تنزع ثيابك اللهم انزع عنى ربقة النفاق و ثبتني على الايمان و إذا دخلت البيت الأول فقل اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي


1) من أمان الاختار لابن طاوس- م

2) و أكل القديد الغاب و نكاح العجوز- م

و أستعيذ بك من أذاه و إذا دخلت البيت الثاني فقل اللهم أذهب عني الرجس النجس و طهر جسدي و قلبي الى ان قال و إذا دخلت البيت الثالث فقل نعوذ باللّٰه من النار و نسأله الجنة ترددها الى وقت خروجك من البيت الحار فإذا خرجت من الحمام و لبست ثيابك فقل اللهم ألبسني التقوى و جنبني الردى فإذا فعلت ذلك أمنت من كل داء و ان يذكر حر النار به و به مدح الحمام (1)في حديث أمير المؤمنين عليه السلم و ينوي التنظيف للصلاة فيكون قد زاد خيرا الى خير كما تقدم في باب النية و يصب في البيت الثاني من الماء الحار على رأسه و رجليه و يشرب منه جرعة إن أمكن فإنه ينقى المثانة و ليلبث في البيت الثاني ساعة و لا يشرب الماء البارد و الفقاع فيه فإنه يفسده المعدة و لا يصبه على جسده فإنه يضعف البدن و لكن يصيبه على قدميه إذا خرج فإنه يسل الداء سلا كل ذلك منصوص في الرواية موافق لطلب و ان لا يتكى‌ء فيه فإنه يذهب شحم الكليتين و روى (الكافي) مثل ذلك في الاضطجاع في الاستلقاء مثله (الكافي) و انه يورث الدبيلة (2)و لا يستاك فإنه يورث وباء الأسنان و لا يتمشط فإنه يورث وباء الشعر و لا يدلك رأسه و وجهه بالمئزر فإنه يذهب بماء الوجه. و لا يغسل رأسه بالطين فإنه يسمح الوجه و يذهب بالغيرة و لا يدلك تحت قدمه بالخزف فإنه يورث البرص كل ذلك مروي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و ربما يخص الأخيران بطين مصر و خزف الشام كما رواه الصدوق مرسلا و النهى عنهما يعم الحمام و غيره و ان يغسل رأسه بالخطمي فإنه ينفي الفقر (الكافي الفقيه) و يزيد في الرزق (الكافي الفقيه) و نشرة (3)(الكافي الفقيه) و أمان من الصداع و طهور من الخزاز (4)و كذا ورق السدر فإنه يجلب الرزق (الكافي) و يجلي (الكافي) اللحم و يصرف وسوسة الشيطان (الفقيه) سبعين يوما. و الوجه فيهما التعميم ايضا و يهنّئ المستحم من استحم اى اغتسل بالحميم و هو الماء الحار أو عرق و المراد الخارج من الحمام و هي من السنن و يجيب المهنى استحبابا ايضا على المشهور و وجوبا على الأقوى لعموم آية التحية و ليكونا بالمأثور فعن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم في التهنئة اتقى اللّٰه غسلك و في الجواب طهرك اللّٰه. و في (الكافي الفقيه) رواية ان الحسن بن على عليهما السلم خرج من الحمام فلقيه انسان فقال طاب استحمامك


1) عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم قال أمير المؤمنين ع نعم البيت الحمام يذكر النار و يذهب بالدرن و قال عمر بئس البيت الحمام يبدئ العورة و يهتك الستر قال فنسب الناس قول أمير المؤمنين إلى عمر و قول عمر الى أمير المؤمنين م

2) كجهينة داء في الجوف م

3) اى دواء و تعويذ- م

4) جميعها مروية في ثواب الأعمال- م

فقال يا لكع و ما تصنع بالاست هيهنا فقال طاب حميمك فقال اما تعلم ان الحميم العرق قال طاب حمامك قال و إذا طاب حمامي فأي شي‌ء لي و لكن قل طهر ما طاب منك و طاب ما طهر منك. و ما تضمنته من إنكار التهنئة بطاب حمامك مما نص عليه اللغويون ايضا لكن في رواية (الفقيه- الخصال) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم إذا قال لك أخوك و قد خرجت من الحمام طاب حمامك فقل له أنعم اللّٰه بالك. و في الحلق ان يجلس مستقبل القبلة فإنه خير المجالس و يدعو قبل الفراغ بالمأثور و هو بسم اللّٰه و باللّٰه و على ملة رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله اللهم أعطني بكل شعرة نورا يوم القيمة فإذا فرغ فليقل اللهم زيني بالتقوى و جنبني الردى و يبدأ بالجانب الأيمن من الناصية و يدفن الشعر فهو من السنة و في قص الشارب ان يكون في كل جمعة بضم الميم و هو اليوم المعروف و اما بسكونها فهو الأسبوع و ليكن قبل الزوال كما في- المفاتيح و غيره و ان يحفيه بحيث يجعله قريبا من الاستيصال ففي الحديث (الفقيه) النبوي احفوا الشوارب و أعفوا عن اللحى و لا تتشبهوا باليهود. و فيه (الكافي) ان من السنة ان يؤخذ الشارب حتى يبلغ الإطار. و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه عليه السلم أنه أحفى شاربه حتى ألزقه بالعسيب. قال في الوافي الإحفاء الاستقصاء في الأمر و المبالغة فيه و إحفاء الشارب المبالغة في جزها و الإطار ككتاب ما يفصل بين الشفة و شعرات الشارب و العسيب منبت الشعر و لا بأس بترك سبالتيه و هما طرفاها الخارجان عن محاذاة الشفة الى اللحيين و المذكور في كتب اللغة السبلة (1)بالتحريك و جمعها سبال و يدعو حين يقص بالمأثور و هو بسم اللّٰه و باللّٰه و على سنة محمد و آل محمد صلوات اللّٰه عليهم. و الأدب في اللحية أن يجز منها ما فضل عن القبضة المستوية أو قبضته فإنه في النار كما في المستفيض و عن أبي (الكافي- الفقيه) عبد اللّٰه عليه السلم في قدر اللحية قال تقبض بيدك على اللحية و تجز ما فضل. و الظاهر كما قيل ان المراد بالقبض على اللحية أن يضع اليد على الذقن فيجز ما فضل من مسترسل اللحية طولا لا القبض مما تحت الذقن و ان يخففها و يدورها و لا ينافي ذلك ما تقدم من الأمر بإعفائها لان الظاهر ان المراد به النهى عن الإحفاء فالمراد التوسط فيها بين الاستيصال الذي كان يفعله بعض الأمم من النصارى و غيرهم و التوفير الذي يفعله اليهود و الصائبة حيث لا يأخذون من لحاهم شيئا وحده القبضة الخفيفة المدورة و هو من العدل المأمور به و لا ينتف الشيب لورود النهى عنه و التوعيد الشديد على فعله و ما ورد في نفى البأس عنه محمول اما


1) على وزن كسبه

على نفى التحريم فلا ينافي الكراهة المغلظة أو تحمل المناهي على نتف جميع الشيب (1)و استيعاب ذلك اللحية أو أكثرها و الرخص على ما عدا ذلك و لا بأس بجزه و الوجه أنه أخف كراهة فإن الشيب نور و وقار فينبغي توقيره و يستحب للشائب الخضاب إلا لأهل المصيبة كما (نهج البلاغة) في حديث أمير المؤمنين عليه السلم و ليكن بالسواد فإنه أنس للنساء و مهابة للعدو و ايمان و إسلام و نور. و المروي (الكافي- الفقيه) الوسمة. و الكتم.

و ادنى منه الخضاب بالحمرة فإنه إسلام و ايمان ثم بالصفرة فإنه إسلام و (الكافي) ورد ان رجلا دخل على رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله و قد صفر لحيته فقال له رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله ما أحسن هذا ثم دخل عليه بعد هذا و قد أقنى بالحناء فتبسم رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله و قال هذا أحسن من ذاك ثم دخل عليه بعد ذلك و قد خضب بالسواد فضحك اليه و قال هذا أحسن من ذلك و ذاك. و في شعر الإبط و العانة أن يزيل في كل خمسه عشر يوما بان تكون الإزالة الثانية في الخامس عشر من الاولى في بل كل جمعة بسكون الميم و التحديد بخمسه عشر في الروايات بيان لأكثره و ورد أقل من الأسبوع ايضا سيما في الصيف فإذا اتى على العشرون يوما و ليس عنده ما يتنور به فليستقرض متوكلا على اللّه و ليتنور و لا يجوز لمن كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر تركه فوق الأربعين بل و لا إلى الأربعين (2)و المشهور المنقول عليه الإجماع (3)الكراهة الغليظة و انه من منافيات الايمان الكامل و استعمال النورة في إزالتهما أفضل من الحلق بالموسى و أبلغ في الغرض و من ثم ورد أكثر ما ورد بلفظ النورة و هو أفضل من النتف و هذه المفاضلة مروية (4)في شعر


1) عن النبي صلى اللّه عليه و آله الشيب نور فلا تنتفوه (الفقيه) و عن أمير المؤمنين لا ينتف الشيب فإنه نور للمسلم (الخصال) و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم ثلثه لا يكلمهم اللّه يوم القيمة و لا ينظر إليهم و لهم عذاب اليم الناتف شيبة و الناكح نفسه و المنكوح في دبره (الخصال) و عن أبي (الكافي- الفقيه) عبد اللّٰه عليه السلم لا بأس بجز الشمط و نتفه و جزه أحب الى من نتفه م

2) في عدة روايات السنة في النورة في كل خمسه عشر يوما فإن أتت عليك عشرون و ليس عندك فاستقرض على اللّه و بعدة طرق عمن دخل على ابى عبد اللّٰه عليه السلم في الحمام و قد اطلى فقال عليه السلم إلا تطلي قال إنما عهدي به أول من أمس قال اطل فإن النورة طهور و عنه عليه السلم طلية في الصيف خير من عشر في الشتاء و في الحديث النبوي من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يترك حلق عانته فوق الأربعين و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم من أتت عليه أربعون يوما و لم يتنور فليس بمؤمن و لا مسلم و لا كرامة م

3) نقله من المعاصرين الشيخ عبد اللّه بن صالح في منية الممارسين م

4) في عدة روايات رواها المحمدون الثلاثة م

الإبط و ان يجعل المتنور شيئا من النورة على طرف انفه و يشمه و يستغفر لسليمان بقوله (الكافي) صلى اللّٰه على سليمان و في (الفقيه) رواية اللهم ارحم سليمان بن داود كما أمر نا بالنورة. قضاء لحقه صلوات اللّٰه عليه و لئلا تحرقه النورة كما ورد و ذلك لان ابتداء هذه النعمة كان منه عليه السلم بإلهام من اللّٰه سبحانه لما راى الشعر على ساقى بلقيس و كانوا قبل ذلك يحلقونه و ان يدعو عنده أو بعده بالمأثور و هو دعاء سيد الساجدين عليه السلم قال من قال إذا اطلى بالنورة اللهم طيب ما طهر منى و طهر ما طاب منى و أبدلني شعرا طاهرا لا يعصيك اللهم انى تطهرت ابتغاء سنة المرسلين و ابتغاء رضوانك و مغفرتك فحرم شعري و بشرى على النار و طهر خلقي و طيب خلقي و زك عملي و اجعلني ممن يلقاك على الحنيفية السمحة ملة إبراهيم خليلك و دين محمد حبيبك و رسولك عاملا بشرائعك تابعا لسنه نبيك أخذا به متأدبا بحسن تأديبك و تأديب رسولك و تأديب أوليائك الذين غذوتهم بأدبك و زرعت الحكمة في صدورهم و جعلتهم معادن لعلمك صلواتك عليهم من قال ذلك فقد طهره اللّٰه من الأدناس. الحديث و لا يجلس و هو متنور فإنه يخاف عليه الفتق و لا يتنور يوم الأربعاء فإنه يوم نحس مستمر و لا يوم الجمعة فإنه يورث البرص كما في (الفقيه) بعض الروايات و في (الكافي) أخرى عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه قيل له يزعم بعض الناس ان النورة يوم الجمعة مكروهة فقال ليس حيث ذهبت اى طهور اطهر من النورة يوم الجمعة. و يختضب بعده بالحناء فإنه أمان من الجذام و البرص و الأكلة إلى طلية مثلها كما في الحديث النبوي و لا سيما الأظفار فإنها إذا أصابتها النورة أشبهت أظافير الموتى فأمر بتغييرها بالحناء و ظاهر كثير من الاخبار ان المندوب انما هو دلك مواضع النورة بالحناء لا ذهاب غائلتها عنها دون خضاب اليدين و الرجلين على هذا النحو المعمول بل منها ما يتضمن إنكار ذلك و الوجه انها محمولة على التقية و ان (الكافي) المختضب إذا امسس مواضع النورة بالحناء فقد أدى السنة و ان استغرق بدنه بالتدلك به من قرنه الى قدمه فهو أفضل كما في كثير من الاخبار اما الاستغراق بالاختضاب كما هو ظاهر العبارة فلم أظفر بما يدل عليه الا ما ورد (الكافي) ان أبا جعفر عليه السلم خرج من الحمام و هو من قرنه (الكافي- التهذيب) الى قدمه مثل الوردة من اثر الحناء. و في دلالتها نظر و في تقليم الأظفار ان يكون في كل جمعة فان كانت قصارا حكمها بالسكين أو المقراض و روى الخميس ايضا و في بعضها يترك واحد اليوم الجمعة. و في رواية ان شئت يوم الجمعة

و ان شئت في سائر الأيام. و ان يبدأ (1)بخنصره من اليد اليسرى و يختم ب خنصره من اليد اليمنى كذا في الخبر قال في الوافي و لعل السر في ذلك تحصيل التيامن في كل إصبع إصبع و ذلك لان الوضع الطبيعي لليدين ان يكون ظهرهما الى فوق و بطنهما الى تحت انتهى و المراد بالتيامن السير الى اليمين أو بالعكس بان يبتدئ بخنصر اليمنى و يختم باليسرى لعين ما ذكر و يراد بالتيامن الابتداء باليمين و في خبر آخر أورده أبو حامد حكاية لفعل النبي صلى اللّٰه عليه و آله انه كان يبداء في القلم بمسبحة اليمنى و هي سبابتها و المضاف اليه مستدرك لأن المسبحة هي سبابة اليمنى و يختم ه بإبهامها ف يقلم بعد المسبحة ما يليها على الترتيب و يبتدئ في اليسرى بالخنصر مرتبة إلى الإبهام ثم يعود إلى إبهام اليمنى فيتخيل عند تطابق الكفين الذي يقال انه الوضع الطبيعي دائرة مبدؤها سبابة اليمنى التي هي أشرف الأصابع لأنها المسبحة و اذكى الأعضاء حسا و أعدلها مزاجا و من ثمة يستعين بها الأطباء في معرفة حركات الشرايين و في عبارة الكتاب ما لا يخفى من الخرازه و عن أمير المؤمنين (2)عليه السلم في ترتيب الأصابع من مزاعنها


1) قال المصنف في كتاب خلاصة الأذكار بعد رواية فعل النبي صلى اللّه عليه و آله قد ذكر له بعض العلماء نكتة لطيفه جدا قال رحمه اللّه لا بد من قلم أظفار الرجل و اليد و اليد أشرف من الرجل فيبدأ بها ثم اليمنى أشرف من اليسرى فيبدأ بها ثم على اليمنى خمسة أصابع و المسبحة أشرفها و هي المشيرة في كلمتي الشهادة من جمله الأصابع ثم بعدها ينبغي ان يبتدأ بما على يمينها إذ الشروع يستحب ادارة الطهور و غيره على اليمين و ان وضعت و ان ظهر اليد على الأرض فالإبهام هو اليمين و ان وضعت الكف فالوسطى هي اليمين و اليد إذا تركت بطبعها كانت الكف مائلة إلى جهة الأرض إذ جهة حركة اليمنى الى اليسار و استتمام الحركة إلى اليسار يجعل ظهر الكف عاليا يقتضيه الطبع اولى ثم إذا وضعت الكف على الكف صارت الأصابع في حكم حلقة دائرة فيقتضي ترتيب الدور الذهاب عن يمين المسبحة الى ان يعود إلى المسبحة فتقع البداية بخنصر اليسرى و الختم بإبهامها و يبقى إبهام اليمنى و انما قدرت الكف موضوعة على الكف حتى تصير الأصابع كاشخاص في حلقة ليظهر ترتيبها و تقدير ذلك اولى من وضع الكف على ظهر الكف أو وضع ظهر الكف على ظهر الكف فان ذلك لا يقتضيه الطبع قال و اما أصابع الرجل فالأولى عندي و ان لم يثبت فيه نقل ان يبداء بخنصر اليمنى و يختم بخنصر اليسرى كما في التخليل فان المعاني التي ذكرناها لا تتجه هيهنا إذ لا مسبحة في الرجل و هذه الأصابع في حكم كف واحد ثابت على الأرض فيبدأ من جانب اليمنى فان تقديرها حلقة بوضع الأخمص على الأخمص يأباه الطبع بخلاف اليدين انتهى كلامه و قد يروى ترتيبات أخر في تقليم اليدين كالابتداء بخنصر اليمنى و الختم بخنصر اليسرى و عكس ذلك و كثيرهما لكن الاولى ما ذكرناه أولا انتهى كلام المصنف و لا يذهب عليك ان شعر أمير المؤمنين عليه السلم يشتمل أصابع الرجلين فلعل كلام بعض العلماء مبنى على عدم وقوفه عليه أو عدم ثبوته عنده و اللّه يعلم- م

2) في الديوان- م

بحروف أوائلها

قلم أظافيرك بسنة و أدب يمنى ثم يسرى خوابس أو خسب

و ان يدعو بالمأثور و هو دعاء أخذ الشارب و يدفن القلامة فإنه من السنة و في الختان ان يكون في اليوم السابع من الولادة فإنه أطهر و أسرع لنبات اللحم و يدعو عنده وليه بالمأثور و هو اللهم هذه سنتك و سنه نبيك صلواتك عليه و آله و اتباع مثالك و كتبك بمشيتك و أرادتك لأمر أردته و قضاء حتمته و امرا نفذته فأذقته حر الحديد في ختانه و حجامته لأمر أنت أعرف به منا اللهم طهره من الذنوب و زد في عمره و ادفع الآفات عن بدنه و الأوجاع في جسمه و زده من الغنى و ادفع عنه الفقر فإنك تعلم و لا نعلم. و ان لم يفعل حينئذ فليدع مشفقا أو مشرفا عليه بهذا الدعاء قبل ان يحتلم فإنه يكفي حر الحديد من قتل أو غيره و في خفض الجواري ان لا يبالغ فيه بل يبقى شي‌ء و هذا معنى قوله صلى اللّٰه عليه و آله للخافضة لا تنهكي و أشمي (1)و في رواية أخرى أشمي و لا تجحفي فإنه أصفى للون و أحظى للزوج و يقال ان الغلفة مما يزيد في لذة النكاح من الرجال و النساء و انما أمر بالختان و الخفض استنقاصا للذة البهيمية و الإجحاف في الخفض نظير قطع الحشفة في الإفراط في تنقيص اللذة و ان كانت موجودة في الجملة و المطلوب العدل و التوسط في جميع الأحوال

[باب الأحداث و رفعها]

باب الأحداث و رفعها و هي الأسباب الناقضة للطهارة الموجبة لاستينافها (2)لما تشترط فيه و تنقسم الى صغرى و كبرى و كل منهما ستة فالصغرى البول و أخواه الغائط و الريح إجماعا و النوم مطلقا على الأشهر الأقوى و هو الغالب على السمع و العقل كما في النصوص و زوال العقل بسبب اختياري أو غيره على المشهور للتنبيه المستفاد منها فإنه إذا وجب الوضوء بالنوم الذي يجوز معه الحدث وجب بالإغماء و السكر و الجنون بطريق اولى و هذا استدلال بالمفهوم دون القياس و لصحيحة (الكافي- التهذيب) معمر بن خلاد عن ابى الحسن عليه السلم في رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع و الوضوء يشتد عليه و هو قاعد مستند بالوسائد فربما أغفى و هو قاعد على تلك الحال قال يتوضأ قلت له ان الوضوء يشتد عليه فقال إذا خفي عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه. و الإغفاء لغة و ان كان هو النوم


1) أشم الختان و الخافضة البظر اى أخذا منها قليلا- م

2) ان قلت وجدان المتيمم الماء سبب ناقض للطهارة موجب لاستينافها لما تشترط فيه فيلزم ان يكون حدثا قلت اما انه سبب ناقض للطهارة فمسلم لكن كونه الموجب لاستينافها ممنوع لاحتمال ان يكون الموجب الحدث السابق الموجب للتيمم لانه لم يرتفع بالتيمم فإنه لا يفيد إلا اباحة العبادة دون رفع الحدث على المشهور فتأمل- م

الا ان قوله عليه السلم إذا خفي عنه الصوت مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة كذا قالوه و يتوجه على الأول انه انما يبتنى على تعليل ناقضية النوم باحتمال طريان الحدث و هو ممنوع لتظافر الروايات بان النوم في نفسه حدث و لو سلم فاستقلاله في العلية ليس مما لا يقبل المنع لاحتمال ان يكون لخصوص النوم في ذلك مدخل و الا لوجب في اليقظة عند تحققه أحيانا و لا قائل به و قد حذر عن الوضوء بسببه في قوله عليه السلم إياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد أحدثت. و على الثاني ان الضمير المجرور يرجع الى الرجل المحدث عنه و هو الذي قد أغفى فيكون التقيد باقيا بحاله و قد يقال ان الظاهر ان المراد بالإغفاء في الرواية الإغماء بدلا له كلمه رب الغالبة في التكثير كما صرح به النحاة و المتكثر في حاله المرض انما هو الإغماء دون النوم و فيه ان وصفه بالعجز عن الاضطجاع من أجلي القرائن على ان المراد بالإغفاء النوم و ان السائل كان يطمع في ان يأذن له عليه السلم في ترك الوضوء كما يقوله بعض القوم من ان النوم قاعد الا ينقض الوضوء على ان من الأمراض ما يكثر فيه النوم كبعض أنواع السرسام و السبات و السكتة و نحوها فلعل مورد السؤال ذلك و لو سلم فهو أخص من المدعى لعدم شموله للجنون و السكر و نحوهما مما لا يخفى فيه الصوت كما لا يخفى مع ان الروايات المتظافرة في حصر الناقض في غيره مما ينفيه فان ثبت إجماع مقبول كما هو ظاهر التهذيب و المنتهى و الا فليخص الحكم بالنوم و الأحداث الثلاثة و بعض الاستحاضة و ذلك ان المستحاضة تعتبر نفسها بكرسف تحتشي به و تدعه مليا ثم تخرجه إخراجا رفيقا و تنظر الدم هل ثقب الكرسف اى نفذ من باطنه الى ظاهره أم لا ف الغير الثاقبة للكرسف هي القليلة أي في المقدار أو في الحكم لأنها لا توجب الزيادة على الوضوء على المشهور (1)بل لم يوجب بها بعض المتقدمين (2)شيئا بخلاف الثاقبة فإنها من موجبات الغسل كما سيأتي كثيرة أو متوسطة و ترفع الأحداث الستة بالوضوء و اما الكبرى فالإنزال للمني من ذكر أو أنثى في يقظة أو نوم و الإيلاج للحشفة في قبل أو دبر على وجه تتحقق به الجنابة و الحيض و النفاس و الاستحاضة الثاقبة للكرسف سواء سالت عنه و هي الكثيرة أم لا و هي المتوسطة و مس الميت الأدمي بعد البرد و قبل إكمال (3)الواجب من الغسل و ترفع هذه الستة بالغسل وحده على الأقوى


1) خلافا لابن الجنيد حيث أوجب عليها في اليوم و الليلة غسلا واحدا كذا نقل عنه المحقق في المعتبر- م

2) هو ابن ابى عقيل- م

3) فيه إشارة إلى انه يشترط في سقوط غسل المس وقوعه بعد تمام غسل الميت دون الاكتفاء بغسل العضو الممسوس كما هو أحد القولين في المسئلة و في الكلام تلويح الى سقوطه بمس من لا غسل عليه كالشهيد و من بحكمه كما يأتي في كتاب الجنائز- م

و لا حاجة الى ضم الوضوء إليه في شي‌ء منها خلافا للمشهور فيما عدا الأولين و المحتاط بالجمع بينهما يحتاط بتقديم الوضوء كما يأتي و الحيض دم أسود أو أحمر حار عبيط يخرج بحرقة و هي اللذع الحاصل للمخرج بسبب الدفع و الحرارة يعتاد المرأة بسيلانه عنها كل شهر هلالي مرة غالبا و انما يكون بعد البلوغ فالخارج قبله لا يكون حيضا و ان كان بأوصافه و قبل الياس و حده بلوغ الخمسين و المشهور انه في غير القرشية و فيها ستون و ربما يلحق بها النبطية و هو غير معلوم الدليل و الموضوع أقله ثلثه أيام متوالية و أكثره عشرة أيام كاقل الطهر و لا حد لأكثره و تقدم العادة الثابتة بتكرره مرتين متساويتين على الصفة عند تعارضهما فتتحيض بمجرد رؤية الدم فيها و ان لم يكن بالصفات المذكورة فإن انقطع عنها لدون عادتها استبرئت بالقطنة فإن خرجت نقية اغتسلت و ان خرجت ملطخة فذات لعشرة تنتظر أقرب الأمرين من النقاء و إكمال العدة فإن كان الثاني فهي بعد مستحاضة كما لو لم ينقطع و ذات الدون ان سبقها النقاء اغتسلت كما لو تصادف مع الانقطاع و إكمال العدة و ان استمر بها الدم من غير انقطاع أو نقاء حتى تجاوزها استظهرت الحال في كون المتجاوز استحاضة أو بقية الحيض بترك العبادة استصحابا لحكم الحيض يوما أو يومين أو ثلاثة أيام مخيرة فيهما لا يتجاوز بها العشرة على الأشهر و الى تمام العشرة على قول ثم هي بعد الاستظهار ان تجاوز بها الدم مستحاضة يلحقها أحكامها الآتية هذا ما اختاره المصنف و من وافقه و المشهور انه ان لم يتجاوز العشرة فالجميع حيض و ان تجاوزها فالزيادة على العادة كلها طهر و عليها قضاء عبادة أيام الاستظهار (1)و هو أحوط و التي لإعادة لها مستقرة ان أمكنها الرجوع الى الصفة بأن يكون ما بالصفة لا ينقص عن ثلثه أيام و لا يزيد على عشرة و ما ليس بالصفة وحده أو مع النقاء عشرة فما زاد (2)ترجع إليها لإطلاق الروايات الدالة على اعتبارها و مقتضاها لزوم ترك العبادة عليها بمجرد الرؤية (3)بالصفة و قيل بل تحتاط حتى يمضى لها ثلثه (4)أيام و ان لم يمكنها الرجوع الى الصفة بأن يكون بخلاف ذلك فالمشهور انه ان كانت مبتدأة ترجع إلى عادة نسائها إن أمكن و الا تحيضت هي كالمضطربة في كل شهر سبعة أيام و عشره من شهر و ثلاثة من أخر و قيل (5)الوجه ان يتحيض كل واحدة منهما ثلاثة أيام لأنه اليقين في


1) لظهور طهر ما زاد على العادة و جواز تركها ارتفاقا من الشارع بحالها لاحتمال الحيض لا يمنع وجوب القضاء إذا تبين فساد الاحتمال بعبور العشرة- م

2) فتتحيض بما بين الثلاثة و العشرة مما بالصفة و تصلى و تصوم فيما عداه- م

3) من غير احتياط و تقصينها لو تبين كونه طهرا- م

4) تراه فيها جميعا بالصفة فتعيد صيامها و لا يضرها لم أتت به منه و من صلاة و ان انقطع قبل ذلك إخوانه- م

5) قاله المحقق في المعتبر- م

الحيض و تصلى و تصوم بقية الشهر استظهارا و عملا بالأصل في لزوم العبادة و استحسنه المصنف في مطولاته إلا في الدور الأول للمبتداة (1)فعشرة و أوضح ما وقفت عليه من الروايات سندا و متنا (الكافي- التهذيب) حديث يونس المشتمل على سنن الحائض و مدلوله تخيير المبتدأة عند استمرار الدم بين الستة و السبعة في كل شهر و كذا المضطربة بعد فقد التمييز و الاستحاضة دم اصفر رقيق بارد يخرج بفتور يكون في غير أيام الحيض من آفة في الرحم غير القرحة و قيل يخرج من عرق في أدنى الرحم يسمى العاذل و هو يوجب في اليوم و الليلة ثلثه أغسال غسلا للغداة و هي صلاة الصبح و غسلا أخر للظهرين كلتيهما تجمع بينهما تؤخر هذه و تعجل هذه و أخر للعشائين كذلك كل ذلك ان ثقب الدم الكرسف سواء كانت كثيرة (2)أو متوسطة فلا متوسطة في الحكم و المشهور ان المتوسطة تكتفي بغسل واحد و ان لا يثقبه توضأت لكل صلاة لدوام حدثها (3)و في صحيحة (الكافي- التهذيب) عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في المستحاضة بعد ذكر الأغسال و لا بأس بأن يأتيها بعلها إذا شاء الا أيام حيضها فيعتزلها زوجها و قال لم تفعله امراة قط احتسابا الا عوفيت منه، و النفاس دم الولادة فلو ولدت و لم تر دما فلا نفاس و المعتبر ما يكون مع الولادة بعد خروج جزء من الولد قبل تمامها أو بعدها تامة من غير فصل أو معه قبل تجاوز أقصاه سواء ولدته تاما أو سقطا مع صدق الولادة عرفا اما لو سبقها و لو يسيرا فليس بنفاس إجماعا كما قيل و لا حد في الشرع لأقله و أكثره أكثر الحيض في ذات العادة و غيرها كما هو ظاهر الإطلاق و الذي اختاره في غيره ان أكثره لذات العادة في الحيض عادتها و تستظهر بيومين و للمبتداة عشرة من دون استظهار و قيل ثمانية عشر و قيل أحد و عشرون و في الروايات اختلاف كثير و أجود ما يجمع بينها الحمل على التقية بحسب مذاهبهم المختلفة و ترفع الأحداث الاثنا عشر بقسميها بالتيمم إذا تعذر الطهارة المائية اما لفقد الماء أصلا أو بقدر ما يكفيه و تعذر التتميم و حينئذ يجب الطلب إذا لم يتيقن عدمه و وسعة الوقت و المشهور تحديده بغلوة سهم في الحزنة و سهمين في السهلة (التهذيب) لرواية السكوني (4)و استضعفها جماعة منهم المصنف فاكتفوا بتحقق فقده عنده عرفا مثل


1) لموثقة عبد اللّه بن بكير عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها و استمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام ثم تصلى عشرين يوما فإذا استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلثه أيام وصلت سبعة و عشرين يوما و في رواية أخرى له مثله- م

2) في المقدار

3) كالمبطون و السلس م

4) عن جعفر عن أبيه عن على عليه السلم انه قال يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة فغلوه و ان كانت السهولة فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك- م

رحله و حواليه من كل جهة يرجو فيها الإصابة أو فقد الوصلة اليه اما لفقد الإله أو المضعف عن الحركة أو الخوف على النفس أو المال أو البضع أو فقد الثمن أو ضرر الشراء بحاله أو الخوف من الزحام يوم الجمعة أو نحو ذلك (1)أو الخوف من استعماله من تلف أو مرض مطلقا على المشهور و القول (2)بوجوب الغسل على متعمد الجنابة و ان خاف التلف شاذ أو عطش أو قرح أو جرح سواء خاف حدوثها أو زيادة فيها أو بطؤ برء أو نحو ذلك و الأصل في رفع الحدث الطهارة المائية و انما ينوب منابها التيمم عند تعذرها فيستمر حكمها الى ان يتمكن منها بزوال العذر فان تمكن انتقض تيممه فان لم يتطهر حتى زال التمكن استأنف تيممه لما يستقبل و في الكلام إيماء الى ان المتيمم عن الأكبر إذا نقضه بالأصغر استأنف بدلا عن الوضوء فان تمكن منه دون الغسل توضأ كما صرح به في غيره وفاقا للسيد و خلافا للأكثر حيث أوجبوا الإعادة بدلا عن الغسل بناء على انه لا يرفع الحدث و انما يبيح العبادة خاصة فإذا انتقض عاد كما كان أولا و تنتقض الطهارات الثلاثة (3)بالجميع من الأحداث المذكورة و من ثم ربما سميت نواقض و قد وردت الروايات متضمنة للأمر بالوضوء من أمور أخر و عمل ببعضها بعضهم و لم يثبت شي‌ء منها عند المصنف كما صرح به في غيره و من توضأ من المذي (4)و هو الرطوبة الخارجة عقيب الشهوة كما في كلام أهل اللغة فقد أخذ باليقين و نجا من شبهه مخالفه بعض الروايات و هي و ان كانت ظاهرة في انقسامه الى ما يخرج عقيب الشهوة و غيره الا انها قابلة للتأويل بما يتوافق مع كلام اللغويين و ما يوافقه من الاخبار بان يراد بالمقسم مطلق الخارج ما عدا البول و المنى مما يحصل فيه الاشتباه غالبا من المذي و الوذي و الودي ففرق بين المذي و قسميه بالشهوة و عدمها و هو قريب جدا في صحيحة (التهذيب) على ابن يقطين عن ابى الحسن عليه السلم قال سالته عن المذي أ ينقض الوضوء قال ان كان من شهوة نقض. و هي عمدة ما استدل به للموجب و الوجه حملها على الاستحباب أو التقية جمعا و يستحب الوضوء من التقبيل بشهوة (5)في المحلل و المحرم و الغلام و الامرأة كما هو ظاهر الإطلاق و صريح غيره و مورد (التهذيب) الرواية المرأة (6)و مس فرجها (7)مطلقا و كذا مس باطن الدبر و الإحليل (8)و مورد (التهذيب) الرواية (9)دبره و إحليله


1) يوم عرفه- م

2) للشيخين- م

3) عطف بيان للطهارات لا صفة لها فلا تغفل

4) أوجبه ابن الجنيد- م

5) أوجبه ابن الجنيد ايضا- م

6) عن ابى بصير عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال إذ أقبل الرجل المرأة من شهوة أو لمس فرجها أعاد الوضوء و في الطريق عثمان بن عيسى م

7) أوجبه ابن الجنيد أيضا

8) أوجبه ابن الجنيد ايضا و الصدوق

9) هي موثقة عمار عن ابى عبد اللّه ع انه سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره قال ينقض وضوءه و ان مس باطن إحليله فعليه ان يعيد الوضوء و ان كان في الصلاة قطع الصلاة و يتوضأ و يعيد الصلاة و ان فتح إحليله أعاد الوضوء و عاد الصلاة- م

و الودي (1)بإهمال العين و هو ما يخرج من دريرة البول و القي‌ء (2)و الرعاف (3)و التخليل المخرج للدم السائل مع الاستكراه في الجميع و القرقرة (4)في البطن إلا شيئا يصبر عليه و القهقهة (5)في الصلاة و إنشاد ما زاد على أربعة أبيات من الشعر الباطل و الغيبة و الكذب مطلقا سيما ما كان على اللّه و رسوله و الأئمة عليهم السلم و الظلم و خروج بلل مشتبه بعد البول و الاستبراء منه و بعد الاستنجاء بالماء مطلقا و ان كان قد استجمر عن الغائط إذا كان قد توضأ قبله فيستحب له الإعادة و أوجبها الصدوق إذا كان من البول و اعلم ان الاخبار الإمرة بالوضوء عن الأسباب المذكورة لا صراحة في شي‌ء منها في الاستحباب بل هي ظاهرة في الوجوب مثل ما نقل من حديث المذي و انما تصرف عنه جمعا بينها و بين ما ينافيها عموما أو خصوصا و أكثرها موافقة للمذاهب المنقولة عن القوم و يقرب فيها الحمل على التقية و قد عرفت انه أقوى ما يجمع به بين الاخبار و الاستحباب و ان اكتفى فيه بالأدلة الضعيفة كما مرت الإشارة إليه لكن الاكتفاء فيه برواية يقوى جدا خروجها مخرج التقية لا يخلو عن اشكال لتظافر الاخبار في التحذير عن موافقتهم و الأمر بالأخذ بخلافهم فيما يتشابه الأمر فيه و ليس الحمل على الاستحباب من الوجوه المنصوصة في الجمع حتى يعول عليه لأجل ذلك ثم ان مقتضى كلام المصنف هنا و في كتابيه استحباب الوضوء في الأحوال المذكورة للمتوضئ و المغتسل جميعا و كلام أكثرهم خال عن هذا التعميم بل بين ظاهر في الاختصاص بالمتوضي و صريح فيه مع ان الخروج عن مقتضى ما استفاض في كون الوضوء بعد الغسل بدعة. تحريا للاستحباب الذي سبيله ما عرفت مشكل جدا خصوصا في المغتسل عن الجنابة و يقوى هذا الاشكال فيما عدا الودي من المذكورات لاختصاص دليلها بالمتوضي

[باب الوضوء]

باب الوضوء و هو غسلتان فمسحتان فالغسلتان الاولى غسل ما حوته الإبهام و الوسطى مستديرا من الوجه و هو ما يقع به المواجهة فالجار للتبعيض


1) روى الشيخ عن ابن سنان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال ثلث يخرجن من الإحليل و هن المنى فمنه الغسل و الودي فمنه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول قال و المذي ليس فيه وضوء انما هو بمنزله ما يخرج من الأنف و حملها الشيخ على من ترك الاستبراء بعد البول و خرج منه شي‌ء و لانه يكون من بقية البول م

2) لم يقل به أحد منا

3) روى الشيخ عن سماعه قال سالته عما ينقض الوضوء قال الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه و القرقرة في البطن إلا شيئا؟ عليه و الضحك في الصلاة و القي‌ء و عن ابى عبيدة الحذاء عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال الرعاف و القى و التخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئا ينقض الوضوء فان لم تستكرهه لم ينقض الوضوء و عن سماعه قال سالته عن نشيد الشعر هل ينقض الوضوء أو ظلم الرجل صاحبه أو الكذب فقال نعم الا ان يكون شعرا يصدق فيه أو يكون يسيرا من الشعر الأبيات الثلاثة أو الأربعة فاما ان يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء- م

4) لم يقل به أحد منا م

5) أوجبه ابن الجنيد ايضا- م

أو هو للتبيين و المعنى ان هذا هو الوجه الشرعي كما في صحيحة (الفقيه) زرارة عن ابى جعفر عليه السلم أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي ان يوضأ الذي قال اللّٰه تعالى فقال الوجه الذي أمر اللّٰه عز و جل بغسله الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه و لا ينقص منه ان زاد عليه لم يوجر و ان نقص عنه اثم ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه قلت الصدغ من الوجه قال لا.

و الذي فهمه الأكثر في تحديده منها انه من قصاص شعر الرأس إلى الذقن طولا و ما حوته الإصبعان عرضا و حملها المحقق البهائي زاد اللّٰه بهائه في عدة من مصنفاته على معنى آخر و تبعه المصنف و غيره و هو ان كلا من طول الوجه و عرضه ما اشتمل عليه الإبهام و الوسطى بمعنى ان الخط الواصل من القصاص الى طرف الذقن و هو مقدار ما بين الإصبعين غالبا إذا فرض ثبات وسطه و أدير على نفسه حتى يحصل شبه دائرة فذلك القدر هو الذي يجب غسله و ذلك لان الجار و المجرور في قوله عليه السلم من قصاص شعر الرأس اما متعلق بقوله دارت أو صفة مصدر محذوف و المعنى ان الدوران يبتدئ من القصاص منتهيا الى الذقن و اما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه و هو لفظه ما ان جوزنا الحال عن الخبر و المعنى ان الوجه هو القدر الذي دارت عليه الإصبعان حال كونه من القصاص الى الذقن فإذا وضع طرف الوسطى مثلا على قصاص الناصية و طرف الإبهام على آخر الذقن ثم اثبت وسط انفراجهما و دار طرف الوسطى مثلا على الجانب الأيسر إلى أسفل و دار طرف الإبهام على الجانب الأيمن إلى فوق و تمت الدائرة المستفادة من قوله عليه السلم مستديرا تحقق ما نطق به قوله عليه السلم و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه هذا كلامه زيد إكرامه و مقتضاه خروج النزعتين (1)و العذارين و مواضع التحذيف (2)و العارضين و ما استرسل من اللحية من الوجه المأمور بغسله و هو في الأخير مما نقل عليه الإجماع و الثانية غسل اليدين من المرفقين الى رؤس الأصابع مخيرا في الابتداء بأي الحدين شاء حملا للتحديد في الآية على انه للمغسول دون الغسل نظير قولك اخضب يدك الى الزند و اصقل سيفك الى القبضة و لا خلاف في وجوب تقديم اليمنى


1) النزعتان محركة هما البياضان اللذان عن جنبي الناصية و العذار الشعر المحاذي للأذن المتصل أعلاه بالصدغ و بينه و بين الاذن مواضع التحذيف- م

2) مواضع التحذيف بالحاء المهملة و الذال المعجمة هي التي ينبت عليها شعر خفيف بين الصدغ و النزعة و انما سميت بذلك لان النساء و المترفين يحذفون الشعر عنها و العارض هو الشعر المنحط عن محاذاة الأذن المتصل أسفله بما يقرب من الذقن و أعلاه بالعذار- م

و الواجب من الغسل ما يصدق عليه الاسم و لو يغمس العضو في الماء مع تخليل الموانع عن وصول الماء إلى البشرة كالخاتم و نحوه بحيث يحصل الجزم بوصوله إليها و المسحتان الاولى مسح شي‌ء من مقدم الرأس و لو يسيرا و الثانية مسح شي‌ء من ظهر القدمين كذلك عرضا مستوعبا من رؤس أصابعهما إلى الكعبين طولا و هما أصل الساقين عند العلامة و البهائي و تبعهما المصنف و المشهور انهما العظمان الناتيان في ظهري القدمين و كأنه الأقوى و ان كان الأول أحوط و مقتضى الإطلاق انه لا ترتيب فيهما و لا في نفس العضو فإن الغاية انما هي للممسوح لا المسح كما صرح به في غيره و يشترط في الوضوء النية و هي ان يكون خالصا للّه عز و جل كما سبق و المباشرة بالنفس على المشهور الا مع الضرورة فيستنيب و طهارة الماء و إباحته و إطلاقه خلافا للصدوق في ماء الورد و ضعفه في المعتصم و قواه في المفاتيح بما لا يخلو عن وجوه من الضعف و الموالاة إجماعا بمعنى ان يتابع بين الأعضاء عرفا أو لا يؤخر بعضها عن بعض بحيث جف جميع ما تقدم أو بعضه مطلقا أو الأقرب إلا لضرورة على اختلاف في تفسيرها و ظاهر صحيحة (التهذيب) معاوية بن عمار و موثقة (الكافي- التهذيب) ابى بصير الثاني كما عليه الأكثر و هما الأصل في الباب فان طهر المتوضي محال وضوءه أولا و بدا بالأعلى فيما سوى الرجلين و ذلك بالابتداء بالقصاص و المرافق و المسح مقبلا و خلل شعور الوجه إذا خفت بحيث يرى البشرة في خلالها في بعض الأحيان و لم ينقص في مسح الرأس عن مقدار ثلث أصابع مضمومة و لو بإصبع واحدة و استوعب ظهر القدمين بالمسح بكل الكف و قدم اليمنى على اليسرى و مسح ببلة الوضوء و لو بالأخذ من مظانها كاللحية و الأهداب ان لم تبق في اليد من غير استيناف ماء جديد فقد أخذ باليقين و خرج من خلاف من أوجبها فإن المشهور وجوب طهارة المحل و ان أشكل إثباته بالدليل و كذا البدأة بالأعلى في الغسلتين و قد اشتملت عليها الاخبار الفعلية و اما موجبها في المسح فشاذ و لكن الاستثناء لا يعرف (1)له وجه فان الخلاف في الرأس و الرجلين على حد واحد و في (التهذيب) صحيحة حماد بن عثمان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا (2). و تخليل الخفيف من شعر الوجه مما نسب القول بوجوبه الى ابن الجنيد و وافقه


1) و كأنه اعتبر الأعلى في الرجلين الكعب و هو خلاف ما تضمنته رواية يونس و ايضا كان عليه حينئذ التنصيص على البدأة بالأسفل فيهما إزاحة لاحتمال التخيير فافهم- م

2) و في (الكافي- التهذيب) الصحيح عن يونس قال أخبرني من راى أبا الحسن عليه السلم بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم الى الكعب و من الكعب إلى أعلى القدم و يقول الأمر من مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا فإنه من الأمر الوسع ان شاء اللّه- م

العلامة في بعض كتبه و استفاد المصنف من بعض الروايات انه من بدع العامة و كون الممسوح من الرأس مقدار ثلث أصابع الى الصدوق و الشيخ لإطلاق الاجزاء عليها في بعض (الكافي- التهذيب) الاخبار (1)و انما يستعمل في أقل الواجب و وجوب استيعاب ظهر القدم بكل الكف مما مال اليه المصنف في مبسوطاته لو لا نقل المحقق و العلامة الإجماع على عدمه لصحيحة (الكافي- التهذيب) ابن ابى نصر عن الرضا عليه السلم قال سالته عن المسح على القدمين كيف هو فوضع كفه على الأصابع فمسحها الى الكعبين على ظاهر القدم فقلت لو ان رجلا قال بإصبعين من أصابعه فقال لا الا بكفه كله. و في صحيحة (الكافي) محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن. و هي ظاهرة في وجوب الترتيب بين الرجلين كما قاله الصدوقان و تعين المسح بالبله مما نقل عليه الإجماع و ان خالف فيه بعض القدماء و ليس في النصوص الا انهم عليهم السلم مسحوا بها من غير تجديد ماء اما اشتراط جفاف محل المسح كما ذهب اليه بعضهم فليس في الاخبار ما يدل عليه بل اللائح منها عدمه و ان استاك قبله كما تقدم كان أكمل و ورد (الفقيه) السواك شطر الوضوء. و أقله بالإبهام و المسبحة و كذا ان غسل كفيه قبل إدخالهما الإناء مرة ان كان من حدث البول أو النوم أو مرتين ان كان من الغائط و تمضمض ثلثا و استنشق و استنثر كذلك و ذكر اسم اللّه عند كل فعل بالمأثور فعند الأكفاء على اليد بسم اللّٰه و الحمد للّٰه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا و عند وضع اليد في الماء بسم اللّٰه و باللّٰه اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين و عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه و لا تسود وجهي يوم تبيض الوجوه و عند غسل اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و حاسبني حسابا يسيرا و عند غسل اليسرى اللهم لا تعطني كتابي بشمالي و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي و أعوذ بك من مقطعات النيران و عند مسح الرأس اللهم غشني برحمتك و بركاتك و عند مسح الرجلين اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل الاقدام و اجعل سعيي فيما يرضيك عنى يا ذا الجلال و الإكرام و غسل كلا من الأعضاء المغسولة بغرفتين متواليتين و به يجمع بين أخبار المرة و التثنية و من صرف في وضوئه وحده أو مع الاستنجاء مدا من الماء و قدره ربع المن التبريزي الوافي و هو ستمائة مثقال صيرفي كما عرفت في وزن الكر فقد أسبغ


1) و هو صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلم قال المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمة مقدار ثلث أصابع و رواية معمر بن عمر عنه عليه السلام قال يجزى في المسح على الرأس موضع ثلث أصابع- م

وضوءه و التحقيق ان المد و هو رطلان و ربع بالعراقي يزيد على ربع المن و هو مائه و خمسون مثقالا بثلثه مثاقيل صيرفية و نصف مثقال و نصف ثمن مثقال كما علم مما ذكر ثمة و قد استمر هذا الاشتباه على المصنف طاب ثراه في أكثر مسفوراته الا ان يحمل كلامه على التقريب و قد سبقه الى ذلك شيخنا البهائي و هو شرط شرعي للصلاة فريضة أو نافلة بالإجماع بل بالضرورة من الدين و كذا الطواف الواجب اما المندوب ففيه خلاف و الذي اختاره في غيره العدم و ان كان ظاهر إطلاقه هنا مساواته للصلاة و مس كتابة القرآن على المشهور لتحريم مسها على المحدث و فيه كلام (1)أورد المصنف نبذا منه في كتابه الكبير و اشتراط هذه الغايات بالوضوء يقتضي وجوب الإتيان به لها مع حصول سببه الناقض اما بدونه فلا بل له الاكتفاء بالوضوء السابق المقصود به غيرها قولا واحدا مهما كان رافعا و جدواه تنوير القلب فإن لطهارة الظاهر أثرا في تنوير الباطن كما مر و تكفير الذنب ففي عدة روايات (الكافي) ان من توضأ للمغرب كان وضوءه كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر و من توضأ للصبح كان كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر. و في (التهذيب) رواية من توضأ فذكر اسم اللّه طهر جميع جسده و كان الوضوء الى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب. و التهيؤ للعبادة المتوقفة صحتها أو كمالها عليه و يستحب في كل حال سواء حصل سببه أم لا و سواء أريد العمل المشروط به أم لا فان نفس الكون على الطهارة من الغايات الصحيحة للوضوء كما ذكره المصنف و غيره و ورد عن (الكافي) ابى عبد اللّٰه عليه السلم الطهر على الطهر عشر حسنات. و في حديث آخر الوضوء على الوضوء نور على نور، و في آخر من جدد وضوءه من غير حدث جدد اللّه توبته من غير استغفار و مقتضى التعميم استحباب التجديد ولاء مسترسلا غير متوقف على حد و ربما يقال باعتبار الفصل بصلاة أو زمان يحتمل فيه طرء الحدث إذ


1) فإن الروايات الناهية عنه ضعيفة قاصرة عن إثبات التحريم محتمله للكراهة كما ذهب إليه جماعة و اما الاستدلال بقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فإنما يتم لو ثبت ان الضمير في يمسه عائد إلى القرآن لا الى الكتاب المكنون اعنى اللوح المحفوظ مع انه أقرب و ان الجملة الخبرية أعني لا يمسه بمعنى الإنشاء و ان المراد من المتطهرين المتصفين بالطهارة الشرعية من الأحداث الصغرى و الكبرى و إثبات هذه المقدمات ما لا يخلو من اشكال و قال جماعه من المفسرين ان المعنى لا يطلع على اللوح المحفوظ إلا الملائكة المطهرون من الأدناس الجسمانية و حينئذ فلا دلالة في الآية على المدعى بوجه كذا أفاد في المعتصم- م

في صدق التجديد عرفا بدون ذلك خفاء و خصه في المفاتيح بما إذا أراد الصلاة فلا يستحب التجديد في نفسه و لا لغيرها من الغايات المشروطة به صحة أو كمالا و الصدوق في الفقيه حمل الأخبار الواردة في فضل الوضوء مرتين و ان من زاد لا يوجر على التجديد فيكون التجديد ثانيا عنده بدعة فيحتمل ان يكون مراده التجديد ثانيا و ان كان لصلاة ثالثه و التجديد ثانيا لصلاة واحدة و كان المصنف و صاحب المدارك و غيرهما ممن حكى الإجماع على استحباب التجديد حملوا كلامه على الثاني كما هو الظاهر من سياقه و يؤيده ما (الفقيه) ورد ان النبي صلى اللّٰه عليه و آله كان يجدد وضوءه لكل صلاة نافلة أو فريضة. و يتأكد استحباب الوضوء لكتابة القرآن لصحيحة (التهذيب) على بن جعفر عن أخيه عليه السلم في الرجل أ يحل له ان يكتب القران في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء قال لا. و ظاهرها الوجوب كما اختاره في المفاتيح. و هو من متفرداته فيما اعلم و قرائته ففي الخصال في حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين عليه السلم لا يقرا العبد القران إذا كان على غير طهور حتى يتطهر. و في قرب الاسناد عن محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلم قلت اقرا في المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول و استنجى و اغسل يدي ثم أعود إلى المصحف فاقرا فيه قال لا حتى تتوضأ للصلاة. و في عدة الداعي رواية ثالثه و دخول المسجد فإنه بيت اللّٰه في الأرض و قيد في بعض الاخبار (1)بإرادة اللبث و التأهب للفريضة قبل دخول وقتها ليبادر إليها اوله و في رواية (2)ما وقر الصلاة من أخر الطهارة لها حتى يدخل وقتها. و صلاة الجنازة فإن خاف ان تفوته تيمم. كما قالوه و يأتي و سجود الشكر بعد الصلاة أو غيرها و السعى في حاجة أي طلبها و هو لفظ الرواية (3)و كان التعبير به أجود كما في المفاتيح و زيارة قبر مؤمن كما قالوه و ذكر المحقق الثاني ورود الرواية به و ما لا يجب فيه الطهور من مناسك الحج كما يأتي و الدخول على الأهل من سفر لئلا يرى ما يكره و النوم ليلا أو نهارا و لا ينافي ذلك استحباب عرض النفس على الخلاء عنده لإمكان الجمع بينهما مع تأخير الطهارة و سيما للجنب لكراهة نومه و تخف بالوضوء و كذا اكله و شربه و يجزى عنه لهما غسل (الكافي- التهذيب) اليد و المضمضة و غسل الوجه و دون ذلك غسل (الكافي- التهذيب) اليدين و المضمضة و دون الجميع غسل اليد خاصه و تغسيله الميت و ورد فيه غسل اليد مقدما على الوضوء


1) هي مرسلة العلاء بن الفضل عن ابى جعفر عليه السلم قال إذا دخلت المسجد و أذنت تريد ان تجلس فلا تدخله الا طاهرا- م

2) ذكري

3) عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم من طلب حاجة و هو على غير وضوء فلم تقض فلا يلومن الا نفسه- م

و قصد حصول الولد بالجماع و هو من الأسباب دون الغايات و جماع المحتلم كما ذكره الأصحاب و لا يعرف له وجه فان مورد الرواية (1)جماع المجامع فطرد الحكم الى المحتلم غير سديد فضلا عن تخصيصه به و جماع غاسل الميت و لما يغتسل و روى فيه تقديم غسل اليدين ايضا كما في تغسيل الجنب الميت و الجماع مع الحامل لئلا يجي‌ء الولد أعمى القلب بخيل اليد و في العبارة خرازة و ذكر الحائض المندوب (2)أو الواجب لها (3)أوقات فرائضها الخمس اليومية و تكفين الميت و روى (الكافي- التهذيب) غسل اليدين الى المنكبين ثلثا ان كان هو المغسل و إدخاله القبر كما ذكره الجماعة قال في المعتصم و لم أقف له على رواية لكن لا بأس باتباع فتواهم في أمثال ذلك و هو عجيب ففي باب تلقين المحتضرين من التهذيب في الموثق عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في حديث قال توضأ إذا أدخلت الميت القبر. الا ان يكون نظره الى ما قيل من ان الرواية محتملة للوضوء بعده و اعلم ان الحكم بتأكد استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم و الأكل و تغسيل الميت أو المحتلم الجماع أو الحائض الذكر بعد ما سبق من تعميم استحبابه في كل حال يقتضي استحباب الوضوء في الجملة مع الحدث الأكبر في غير ما ذكر و هو بين الفساد بل هو الى كونه تشريعا أقرب و ان خص استحبابه في كل حال بحال الخلو عن الحدث الأكبر كان ذكر المذكورات في جملة ما يتأكد له الوضوء واقعا في غير موقعه و كان ذكرها جملة مفردة أولى فتأمل

[باب الغسل]

باب الغسل و الأصل فيه الترتيبي و هو غسل بشرة جميع البدن بما يسمى غسلا و لو كالدهن (مجمع البيان) تحقق الجريان و التخليل البالغ للشعور و غيرها مما لا يصل الماء اليه الا به اما غسل نفس الشعر فلم يوجبه الأكثر و ان كان أحوط و يجزى القيام في المطر مبتدئا بالرأس مع نية كونه للّه عز و جل كما في سائر العبادات و ورد (الكافي) انه يفيض الجنب على رأسه الماء ثلث لا يجزيه أقل من ذلك. و من المتقدمين من أوجب تثليث غسله و المشهور ان العنق يغسل


1) في زيادات نكاح التهذيب عن ابى الحسن عليه السلم إذا اتى الرجل جاريته ثم أراد ان يأتي الآخرى توضأ و في كشف الغمة عن الرضا عليه السلم كان أبو عبد اللّه ع إذا جامع و أراد ان؟ توضأ وضوء الصلاة و في الأولى زيادة تخصيص و من العجب ما اشتهر بين الأصحاب من اختصاصه بالمحتلم و تصريحهم بعدم كراهة الجماع بعد الجماع من غير وضوء و أعجب منه ما في الشرح و الدروس فليراجع م

2) على المشهور- م

3) كما هو ظاهر الكليني و الصدوق م

مع الرأس و لم أقف من الاخبار على شي‌ء صريح في ذلك ثم يفيض الماء على سائر جسده فان قدم ميامن البدن على مياسره فقد أخذ باليقين و خرج عن دغدغة مخالفة الإجماع الذي ادعاه الشيخ على وجوبه و ان كان الخلاف (1)قائما و ان غسل يديه ثلاثا من المرفقين و دونه من الزندين أولا قبل إدخالهما الإناء و تمضمض بعد ذلك و استنشر و أفاض على كل جانب مرتين و مورد الجميع غسل الجنابة و ذكر اسم اللّه بالمأثور كان أكمل و هو في غسل الجنابة اللهم طهر قلبي و تقبل سعيي و اجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين و في غسل الجمعة اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني و تبطل عملي اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين و من صرف في غسله صاعا من الماء و قدره أربعة أمداد ان كان وحده و ان اغتسل هو و صاحبته فخمسة أمداد فقد أسبغ غسله و ما ينقيان به فرجهما محسوب منه و الكلام في طهارة المحل و الماء و إباحته و إطلاقه و المباشرة بالنفس كما في الوضوء و لا تجب الموالاة في الغسل بالنص (الكافي- التهذيب) و مورده الجنب و ان أحدث في أثنائه ما يوجب الوضوء قيل يستأنفه و قيل يقتصر على إتمامه و قيل يتمه و يتوضأ و عليه المصنف في كتابيه و الرواية صريحة في الأول و ان ارتمس في الماء قليلا أو كثيرا ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و ان لم يدلك بدنه و سقط عنه الترتيب و منهم من (2)استحب له تثليث الغوصات يخلل شعره و يمسح سائر جسده بيديه عقيب كل غوصة و الحق بعضهم بالارتماس الوقوف تحت المجرى و المطر الغزيرين فأسقط الترتيب فيه و فيه اشكال و يقدم المجنب بالإنزال عليه وجوبا (3)عند جماعة و استحبابا عند آخرين الاستبراء من المنى لئلا ينتقض غسله بخروج


1) من الصدوقين و ابن الجنيد و صححه في المفاتيح م

2) ابن الجنيد- م

3) قال المصنف في المفاتيح وجوب الغسل بالحدث الأكبر للصلاة الواجبة و شرطية لمطلق الصلاة من ضروريات الدين و كذا للطواف الواجب ثم قال الحدث الأكبر الموجب للغسل هو الجنابة و الحيض و النفاس و الاستحاضة المثقبة للكرسف و الموت بالضرورة من الدين و مس الميت نجسا و قال في خلال ذلك في بحث وجوب الغسل لنفسه أو لغيره و ربما يقال يتجه ذلك يعنى الوجوب لنفسه في غسل مس الميت لان الثابت فيه أصل الوجوب و لم نقف على ما يقتضي اشتراطه في شي‌ء من العبادات فلا مانع من ان يكون واجبا لنفسه و لا يخفى ما في هذه الكلمات من التدافع فتأمل م

شي‌ء بعده و له ان يكتفى في ذلك بالبول وحده أو بماء يستبرئ به منه من المرات المذكورة مخيرا بينهما كما هو ظاهر المفاتيح أو تكون أو للتقسيم و المراد إيجاب البول عند إمكانه و الاكتفاء بالعصر و النتر عند تعذره و قيل بوجوب الجمع بينهما مع تقديم البول عند الإمكان و لا ريب انه أبلغ و الحكم مختص بالرجال دون النساء فان ما يخرج منهن بعد الغسل. من البلل انما هو من ماء الرجال كما نطق به النص (1)الصريح فلا يوجب انتقاض غسلهن و الفرق ان ماء الرجل ثخين لزق و مجراه مستطيل ضيق كثير التعاويج فربما يتخلف منه شي‌ء في المجرى يرشح بعد ذلك بدفع الطبيعة بخلاف المرأة فإن مائها رقيق يتسارع الى النزول و يعين ذلك ما فيها من شدة الشهوة الموجبة لقوة الدفق وسعه المجرى و قصره فلا يحتبس بحيث يتأخر نزوله زمانا معتدا به يسع الغسل و مقدماته ثم يخرج بعد ذلك نعم ربما يلصق من ماء الرجل شي‌ء بالرحم ثم يرشح منه بعد فصل اما بسبب فجاجة و قلته نضج في الماء أو زلاقه في الرحم أو غير ذلك من الأسباب و قد خفي ذلك على بعض المحدثين فاستشكل الحديث ثم حمله على انه من مكنون علمهم عليهم السلم و يجب على الحائض ان تستبرئ قبل الغسل من الدم برفع رجلها اليسرى إلى حائط و إدخالها الكرسف في قبلها بيدها اليمنى فان كان ثم مثل الذباب خرج على الكرسف كما في رواية الكندي (2)و في أخرى رجلها اليمنى و زيادة إلزاق بطنها بحائط و هو مطلقا على الأحوط و ما عدا الواجب بالمس شرط شرعي لما شرط له الوضوء من الصلاة و الطواف و مس كتابة القران مع حصول سببه من أحد الأحداث المذكورة و مقضي الشرطية توقف صحة صلاة المستحاضة على الإتيان بأغسالها الموظفة و صحيحة (الكافي- الفقيه)


1) رواه الكليني و الشيخ عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم في رجل أجنب فاغتسل قبل ان يبول فخرج منه شي‌ء قال يعيد الغسل قال فالمرأة يخرج منها شي‌ء بعد الغسل قال لا تعيد قال فما الفرق بينهما قال لان ما يخرج من المرأة انما هو من ماء الرجل و رواه الصدوق أيضا في العلل م

2) روى الكليني و الشيخ عن شرجيل الكندي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال قلت كيف تعرف الطامث طهرها قال تعمد برجلها اليسرى إلى الحائط و تستدخل الكرسف بيدها اليمنى فان كان ثم مثل الذباب خرج على الكرسف و عن يونس عمن حدثه عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال سئل عن امراة انقطع عنها الدم فلا تدري اطهرت أم لا قال تقوم قائمة و تلزق بطنها بحائط و تستدخل قطنة بيضاء و ترفع رجلها اليمنى الحديث و في (تب) موثقة سماعة عنه عليه السلم فلتقم فلتلصق بطنها إلى حائط و ترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد ان يبول ثم تستدخل الكرسف الحديث م

على بن (1)مهزيار صريحة في خلافه و للمكث في المساجد و أكثر الروايات انما وردت بلفظ الجلوس و القعود و وضع شي‌ء فيها و لو من خارج دون الأخذ منها كما في (الكافي- التهذيب) حديث زرارة عن ابى جعفر ع في الحائض و الجنب و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئا قلت فما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه قال لأنهما لا يقدران على أخذ ما فيه الا منه و يقدران على وضع ما بأيديهما في غيره و دخول المسجدين الحرميين و لو اجتيازا و قراءة العزائم الأربع و أبعاضها المختصة و المشتركة مع القصد و الإصباح لصيام شهر رمضان و قضائه (2)فيتسع وقته طول الليل و يتضيق إذا بقي من طلوع الفجر مقدار الإتيان بالغسل بمقدماته المفقودة لوجوب الإصباح متطهرا على المشهور الا ان أكثرهم مصرحون باختصاص الحكم بغسل الجنابة لورود أكثر الأخبار فيه و في (التهذيب) موثقة أبي بصير إلحاق الحيض و في صحيحة ابن مهزيار إلحاق الاستحاضة و كيف كان فليس الحكم من المحكم الذي بان سبيله و وضح دليله بل من المتشابه الذي يحتاط فيه المستيقن و يجزى كل غسل عن الوضوء على الأصح وفاقا لبعض المتقدمين و أكثر المتأخرين إلا المحتاط في غير غسل الجنابة بقسميه فيقدم الوضوء كما تقدم و أحوط منه ان ينقضه بما يوجب الوضوء ثم يتوضأ للمشروط به و جدواه جدواه من تنوير القلب و غيره بل هو أنقى و اطهر و أبلغ كما يدل عليه الاعتبار فحاوي الاخبار و يستحب للأزمنة و الأمكنة الشريفتين كما يحكى عن ابن الجنيد و فيه اشكال لعدم ثبوت التعبد به مطلقا شرعا و أورده في المعتصم حكاية و نفى عنه البأس و كأنه للتسامح في الباب و في بعض النسخ و يستحب في كل حال و ورد الطهر على الطهر عشر حسنات و يتأكد للأزمنة و الأمكنة الشريفتين و هو أشد إشكالا فان استحباب الغسل في كل حال دعوى مجردة عن الدليل و عموم الحديث بحيث يشمل المدعى غير ثابت فان احتمال الإهمال غير مقطوع الانتفاء و يكفى فيه صدق الحكم في بعض


1) قال كتبت إليه امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول شهر رمضان ثم استحاضت فصلت و صامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين هل يجوز صومها و صلاتها أم لا قال تقضى صومها و لا تقضى صلاتها لان رسول اللّه كان يأمر فاطمة و المؤمنات من نسائه بذلك و هي مضمرة متروكة الظاهر لتضمنها الفرق بين الصوم و الصلاة و منافيه لما اشتهر من ان فاطمة لم تر حمرة قط الا ان يكون المراد فاطمة بنت ابى حبيش المذكورة في حديث يونس م

2) سيأتي من المصنف التصريح بالقضاء في باب الهيئة من كتاب الصوم- م

الافراد اعنى الوضوء و يكون الكلام مسوقا لبيان مقدار الثواب لا أصل الاستحباب و كذا يستحب أو يتأكد عند ارادة بعض الأفعال الآخر غير دخول الأمكنة الشريفة فصارت الأغسال ثلثه أقسام زمانية و فعليه مكانية و فعلية غير مكانية و لقد كان تقسيمها إلى الزمانية و الفعلية احضر لكن جرت عادتهم بإفراز المكانيات عن سائر الفعليات اهتماما بها و تقديم الزمانيات لمثل ذلك لا سيما غسل يوم الجمعة فإن الحث عليه عظيم و اللوم على تركه شديد و القول بوجوبه قوى جدا وفاقا لبعض القدماء و المتأخرين و الحازم لا يجترئ على تركه بحال في الحضر و السفر و رخص للنساء في السفر لقلة الماء و ورد (الكافي الفقيه- التهذيب) تقديمه حينئذ يوم الخميس و عن بعضهم استحباب غسل في ليلة الجمعة و لم نقف على مستنده و يومي العيدين الفطر و الأضحى و الليالي الثلاث التي يرجى فيها ليله القدر التاسع عشرة و الحادية و العشرين و الثالثة و العشرين من شهر رمضان و كذا الليلة الاولى و السابع عشره منه و روى ليله النصف و الليلة الرابعة و العشرين و جميع ليالي العشر الأخير أيضا و ذكر جماعة استحبابه في جميع لياليه الافراد الخمس عشره و أشار ابن طاوس في كتاب الإقبال إلى روايته و الغسل أول الليل و يجزى الى آخره في الجميع و ليلة عيد الفطر عند غروب الشمس قبل صلاة المغرب و للثالثة و العشرين من شهر رمضان غسلان غسل أول الليل و غسل آخره و ليلتي نصف رجب و نصف شعبان فعن ابى عبد اللّٰه عليه السلم صوموا شعبان و اغتسلوا ليلة النصف منه. و اما الأول فاعترف المصنف و غيره بعدم الوقوف فيه على نص و من ثم طواه في المفاتيح لكن في كتاب الإقبال عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله من أدرك شهر رجب فاغتسل في اوله و أوسطه و آخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه. و يوم المبعث و هو السابع و العشرون من رجب و لم نقف على مستنده و كذا يوم يوم المولد (1)و هو السابع عشر من ربيع الأول على المشهور و من ثم طواهما في المفاتيح و يوم الغدير و هو الثامن عشر من ذي الحجة و وقته قبل ان تزول الشمس بمقدار نصف ساعة كما في رواية (2)العبدي الا انها مختصة بمريد صلاته و يوم المباهلة و هو الرابع و العشرون منه كما في روايته الصريحة المروية في مصباح الشيخ و قيل الخامس


1) سيأتي في يوم المولد كلام في كتاب الصوم- م

2) عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا الى ان قال و من صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل ان تزول مقدار نصف ساعة الى ان قال عدلت عند اللّه مائة ألف حجة و مائه ألف عمرة الحديث م

و العشرون منه و استدل في الكتاب الكبير تبعا لغيره بما في رواية (الفقيه- التهذيب) سماعه عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم و غسل المباهلة واجب. و من القريب فيه ما قيل من احتمال ان يكون المراد فعلها لا يومها لورود الغسل فيه كما في باب المباهلة من أصول الكافي و يوم الدحو و هو الخامس و العشرون من ذي القعدة ذكره الأصحاب و لم نجد لهم خبرا كذا في المعتصم و يوم التروية و هو ثامن ذي الحجة و يوم عرفه و هو تاسعه و وقت في بعض الروايات بزوال الشمس و في بعضها بما إذا زالت و يوم النيروز (1)و هو أول يوم من السنة معرب نوروز كما في القاموس و المراد نيروز الفرس كما في القواعد و غيره و في حديث المعلى بن خنيس (2)بعدة أسانيد و متون دخلت على ابى عبد اللّٰه عليه السلم صبيحة يوم النيروز فقال أ تعرف هذا اليوم قلت لا لكنه يوم تعظمه العجم و تتهادى و تتبارك فيه فقال عليه السلم ما هذا الا لأمر قديم أفسره لك حتى تفهمه ان يوم النيروز هو أول يوم طلعت فيه الشمس و هبت فيه الرياح اللواقح و خلقت فيه زهرة الأرض و هو اليوم الذي أخذ فيه النبي صلى اللّٰه عليه و آله لأمير المؤمنين العهد بغدير خم فأقروا له بالولاية و هو اليوم الذي بويع لأمير المؤمنين فيه البيعة الثانية و هو اليوم الذي ظفر فيه بأهل النهروان و قتل ذا الثدية و يظهر فيه قائمنا و يظفره اللّٰه بالدجال و ما من يوم نيروز الا و نحن نتوقع فيه الفرج لانه من أيامنا حفظته الفرس و ضيعتموه ثم ان نبيا (3)من أنبياء بني إسرائيل سأل ربه ان يحيى القوم الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت فأماتهم اللّٰه فأوحى اليه ان صب عليهم الماء في مضاجعهم فصب عليهم الماء في هذا اليوم فعاشوا فصار صب الماء في يوم النيروز سنه ماضيه لا يعرف سببها الا الراسخون في العلم و هو أول يوم من سنة الفرس فقلت يا سيدي لا تعرفني أسماء


1) في كتاب سلافة العصر للسيد على بن ميرزا أحمد في ترجمة الشيخ عبد الرحمن المرشدى العمرى ما هذا نصه: ذكر سيبويه النيروز في باب الأسماء الاعجميه و قال نيروز بالياء المثناة من تحت و حكى غيره بالواو و قال على عليه السلم نورز و ناكل يوم و ليس فيه حجة على سيبويه لان العرب إذا استعملت الأسماء الاعجميه تصرفت فيها كيف شاءت قاله العكبري و قال الواحدي يقال لهذا اليوم نوروز على العجمية و نيروز تقريبا من التعريب و مثله من العربية ديجور و هذا اولى بالاستعمال لانه على أوزان كلامهم انتهى م

2) في العوالي و المهذب و غيرهما م

3) و هو حزقيل كما في رواية أخرى م

الأيام بالفارسية؟ فقال عليه السلم هي أيام قديمة من الشهور القديمة كل شهر ثلاثون يوما فأول يوم كل شهر هرفرروز (1)و الثاني بهمن روز و الثالث ارديبهشت روز. ثم ساق عليه السلم أسماء الأيام و سعودها و نحوسها على وفق ما نقله المنجمون عن الحكماء الأقدمين من الفارسيين و الحديث مختصر و هو صريح في النيروز الفارسي القديم المرسوم في التقاويم في جدول التوقيعات بنوروز عامه و هو أول فروردينهم و يقال انه اليوم الذي جلس فيه جمشيد رابع ملوك (2)الدنيا و هو الموسوم عند العرب متوشلخ على سرير الملك بآذربيجان (3)و رتب قواعد السلطنة ثم بعد خمسة أيام عقد مجلسا آخر و أمر الناس بالغسل و التنظيف و العفو عن المسيئين فسمى ذلك اليوم نوروز (4)خاصه و قد يقال ان تعظيم هذا اليوم كان من الرسوم المتقدمة على جمشيد من زمن نوح عليه السلم و ان جمشيد تحرى لجلوسه ذلك اليوم المسعود زعما منهم انه اليوم الذي خلق اللّٰه فيه الدنيا و أمر الكواكب بالسير من أول الحمل و فيه خلق آدم عليه السلم الا انه لما كان حساب أكثر الأمم الماضية منوطا بالسنين الشمسية و السنة الشمسية عبارة عن زمان سير الشمس بحركتها الخاصة على توالى البروج (5)دورة كاملة من اى مبدإ فرض و هو ثلثمائة و خمسة و ستون يوما و ربع يوم على رصد أبرخس الذي هو معول الحكماء الأولين و اما بحسب الارصاد المتأخرة فيقص بعدة دقائق (6)يسيره فكانوا يحسبون السنة ثلثمائة و خمسة و ستين يوما و اما الأرباع فالروم كانوا يكسبونها اى يجمعونها في كل اربع سنين متوالية يوما واحدا يزيدونه على عدد أيام السنة في آخر


1) و هي بزعمهم أسماء الملائكة الموكلين بالأيام

2) و أولهم كيومرث بن آدم و قيل ابن ابنه و قيل انه من أحفاد نوح ثم هوشنج ثم طهمورث ثم جمشيد و كان عادلا مقتدرا و مدة ملكه سبعمائة سنه و يحكى انه تجبر أخيرا و ادعى الربوبية م

3) أذر كان من جمله ملوك الفرس مات بشاطئ النهر المعروف بالرس فقيل أذربيجان يعنى الموضع الذي مات فيه اذر و الظاهر ان أصله بالزاي و إبدالها ذالا من تصرفات المعربين م

4) و كانوا يجعلون الأيام بين النيروزين أيام عيد و سرور- م

5) و هي الحركة المعكوسه من المغرب الى المشرق م

6) اما على رصد التباني فثلث عشره دقيقه و ست و ثلاثون ثانيه و اما على رصد المغربي فاثنتا عشرة دقيقة و اما على رصد مراغة فإحدى عشرة دقيقه و على رصد بعض المتأخرين تسع دقائق و ست و ثلاثون ثانيه و على رصد بطلميوس اربع دقائق و ثمان و أربعون ثانيه كذا نقله المحقق البرجندي- م

شباط (1)و الفرس يجمعونها في كل مائة و عشرين سنه ثلثين يوما يزيدونها شهرا في أخر السنة و تصير سنتهم تلك ثلثه عشر شهرا و كانوا يتحفظون على أمر الكبيسة أشد احتفاظ و يعتنون بضبطه شفقة من ان ينسى مبدأها أو يختل إذا تقادم به العهد و يشتغلون في تلك الأيام الثلثين بأنواع اللهو و الطرب و الزمزمة و سائر الرسوم المعمولة في مللهم و ينفق الملك الذي تتفق الكبيسة زمن دولته الأموال الجزيلة (2)على الرؤساء و الحكماء و سائر الناس على قدر مراتبهم و كانت الأكاسرة قد رسمت لكل يوم نوعا من الرياحين و الزهر يوضع بين يديه و لونا من الشراب على رسم منتظم لا يخالفونه في الترتيب و لجلالة هذا الأمر عندهم و عموم المنفعة فيه للخاص و العام و الرعية و الملك و ما فيه من الأخذ بالحكمة و العمل بموجب الطبيعة ربما كانوا يؤخرون الكبس إذا جاء وقته و أمر المملكة غير منتظم لحوادث و يهملونه حتى يجتمع منه شهران و يتقدمون كبسها شهرين إذا كانوا يتوقعون في وقت الكبس المستأنف ما يشغل عنه كما عمل في زمن يزدجرد بن شابور أخذا بالاحتياط و هو آخر الكبائس (3)المعمولة و كانت هذه العادة مستمرة في معظم المعمورة إلى زمن يزدجرد بن شهريار آخر ملوك العجم و هو القائم بالأمر في يوم الثلثاء الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة بعد وفات النبي صلى اللّٰه عليه و آله بعدة (4)أيام و اليه ينسب التاريخ (5)اليزدجردي المبتني عليه بعض الزيجات الإسلامية فلما باد ملكهم و افتتحت العرب بلادهم في عهد الخليفة الثاني و لم يكن للعرب معرفة بهذه الدقائق و لا اهتمام برسوم الفرس و احياء سننهم بل كانوا يكرهون ذلك و من ثم أسند عليه السلم تضييع النيروز الى العرب لا جرم أهل أمر الكبيسة و اختل حسابها بحيث لا يعرف الآن على التحقيق و لا محيص عن الرجوع الى ما يدونه المنجمون في تقاويمهم مما بلغهم خلفا عن سلف و لا نعرف من الأمم في بلاد الإسلام من يعول على هذا الحساب المختل إلا طائفة الصائبة الموجودة في بلادنا و بعض


1) و هو الخامس من شهورهم و على ذلك عملهم الى الان و انما خصوا الزيادة بشباط لأن سائر شهورهم اما ثلاثون يوما أو واحد و ثلاثون و شباط ثمانية و عشرون يوما فجعلوه في كل اربع سنين متوالية تسعا و عشرين- م

2) حتى قال المقل في التقدير انه كان ينفق ألف ألف دينار و كان ذلك اليوم أعظم الأعياد قدرا و أشهرها حالا و أمر أو يسمى عيد الكبيسة- م

3) تولاه رجل من الدستورين يقال له يزدجرد الهزاري- م

4) فان وفاته صلى اللّه عليه و آله كانت في السنة الحادية عشر من الهجرة في الثامن و العشرين من شهر صفر كما هو المشهور بين أصحابنا و ذهب اليه شذاذ من العامة و قال ثقة الإسلام في الثاني عشر من ربيع الأول و هو المشهور بين القوم و كيف كان فالفاصله لا تبلغ شهر كاملا- م

5) لأنهم كانوا يجعلون مبدأ التاريخ جلوس الملك- م

بلاد العراق و اما النيروز المعتضدي و هو حادي عشر (1)حزيران الرومي و الخوارزمشاهى و هو يوم حلول الشمس درجة (2)شرفها و الطبري و هو يوم حلولها منتصف الجدي و السلطاني و يقال له الجلالي و الملكي أيضا و هو يوم حلولها أول الحمل فكلها أوضاع مستحدثة لم يكن في العهود القديمة منها خبر و لا اثر فلا يمكن حمل ما في الرواية على شي‌ء منها و ما عدا الأخير منها مما لا كلام في انتفائه و انما دخلت الشبهة على عصبة زعموا انه المراد في رواية المعلى و منهم المصنف طاب ثراه في كتابه الكبير استراحة منهم الى ما بينه الشيخ احمد بن فهد الحلي قدس سره في مهذبه بعد ما نقل فيه عدة أقوال (ا) ما نقله ابن إدريس عن بعض محصلي أهل الحساب و علماء الهيئة و أهل هذه الصنعة أنه عاشر أيار (ب) ما نقله عن الشهيد طاب مثواه انه أول سنة الفرس و قال انه اشارة الى ما هو مشهور عند فقهاء العجم في بلادهم فإنهم يجعلونه عند نزول الشمس الجدي و هو قريب مما قاله صاحب كتاب الأنواء و حكايته اليوم السابع عشر من كانون الأول صوم اليهود و فيه ترجع الشمس مصعدة الى الشمال و يأخذ النهار من الليل ثلث عشر ساعة (3)و هو مقدار ما يأخذ في كل يوم و تنزل الشمس برج الجدي قبله بيومين و بعض العلماء جعله رأس السنة و هو النيروز (ج) ما نقله عن صاحب كتاب الأنواء انه اليوم التاسع من شباط ثم قال و الأقرب انه يوم نزول الشمس برج الحمل و جملة ما استدل به على مختاره وجوه (ا) انه اعرف بين الناس و أظهر في استعمالهم و انصراف الخطاب المطلق الشامل لكل مكلف الى معلوم في العرف و ظاهر في الاستعمال اولى من انصرافه الى ما كان بالضد من


1) و هو تاسع شهورهم و فيه تدخل الشمس في السرطان- م

2) و هي التاسعة عشر من الحمل- م

3) و هو دقيقتان- م

ذلك و لانه المعلوم من عادة الشرع و حكمته ا لا ترى كيف علق أوقات الصلوات بسير الشمس الظاهر و صوم شهر رمضان برؤية الهلال و كذا أشهر الحج و هي أمور ظاهرة يعرفها عامة الناس فان قلت استعماله في نزول الشمس برج الحمل غير ظاهر الاستعمال في بلاد العجم حتى انهم لا يعرفونه و ينكرون على معتقده فلم خصصت ترجيح العرف الظاهر في بعض البلاد دون بعض و أيضا فإن ما ذكرته حادث و يسمى النيروز السلطاني و الأول أقدم حتى قيل انه منذ زمان نوح عليه السلم فالجواب عن الأول ان العرف إذا تعدد انصرف الى العرف الشرعي فان لم يكن فإلى أقرب البلاد و اللغات الى الشرع فيصرف إلى لغة العرب و بلادها لأنه أقرب الى الشرع و عن الثاني بأن التفسيرين معا متقدمان على الإسلام (ب) انه مناسب لما ذكره صاحب الأنواء من ان الشمس خلقت في الشرطين و هما أول الحمل و في بعض روايات النيروز انه أول يوم خلقت فيه الشمس. فناسب ذلك إعظام هذا اليوم الذي عادت فيه الى مبدإ كونها (ج) انه مناسب لما ذكره ابن طاوس ان ابتداء العالم و خلق الدنيا كان في شهر نيسان و لا شك ان نيسان يدخل و الشمس في الحمل و إذا كان ابتداء العالم في مثل هذا اليوم ناسب ان يكون يوم عيد و سرور و لهذا ورد استحباب التطيب فيه بأطيب الطيب و لبس أنظف الثياب و مقابلته بالشكر و الدعاء حيث كان فيه ابتداء النعمة الكبرى و هي الإخراج من حيز العدم الى الوجود و لهذا أمرنا بتعظيم يوم المبعث و الغدير حيث كان فيهما ابتداء منصب النبوة و الإمامة و كذا المولدين فان قلت نسبته الى الفرس يؤيد الأول لأنهم واضعوه و الثاني وضعه قوم مخصوصون و لم يوافقهم الباقون قلنا يكفي في نسبته إليهم ان يقول به طائفة منهم و ان قصروا في العدد عمن لم يقل به الا ترى الى قوله تعالى وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ. وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ. و ليس القائل بذلك كل اليهود و لا كل النصارى (قرب الإسناد) قوله عليه السلم انه اليوم الذي أخذ فيه العهد بغدير خم و كان ذلك سنه عشر من الهجرة و حسب فوافق نزول الشمس الحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم و لم يكن الهلال رؤي بمكة ليلة الثلثين فكان الثامن عشر على الرؤية (ه) كون صب الماء في ذلك اليوم سنه شائعه و الظاهر ان مثل هذه السنة العامة لجميع المكلفين ان يكون صب الماء في وقت لا ينفر منه الطبع و يأباه و لا يتصور ذلك مع كون الشمس في الجدي لأنه غاية القر في غالب البلاد الإسلامية (و) قوله عليه السلم و فيه خلقت زهرة الأرض و هذا انما يكون في الحمل دون الجدي و هو ظاهر هذا كلامه

زيد إكرامه و لننظر في جميع ما قرره هذا الشيخ المعظم قدس اللّٰه روحه توضيحا لجليه الحال فاعلم أن النيروز الفارسي ربما يتوافق في هذا العام مثلا مع اليوم المعين في العام الأول بموضع الشمس و أكثر ما يفرض ذلك خمس (1)سنين متوالية ثم يتقدم عليه بيوم واحد ثم بيومين و هكذا الى ان يبلغ التفاوت شهرا أو شهرين ثم يعود الى التوافق كل ذلك بسبب أمر الكبيسة إذا روعيت كما تقدمت الإشارة اليه و اما في هذه الأعصار التي أهملت فيها الكبيسة (2)فلا يقف التفاوت الى حد بل يدور النيروز في الفصول المتعينة بمسير الشمس كلها و لا يمكن تعيينه بحسب موضع الشمس و لا بحسب الأيام العربية فإنها تتوافق و تتخالف و لا الرومية لأنها مكبوسة في كل اربع سنين بيوم و لا الجلالية التي يبتني عليها التقاويم الان لأنها مكبوسة (3)ايضا نعم يمكن ضبط يوم معين بجزء الشمس على رصد أبرخس بيوم معين من الأيام الرومية و الجلالية لتوافقها جميعا في (الكبس) و مقداره (4)و فقد ما يقتضي التقديم و التأخير فتعيين النيروز الفارسي بعاشر أيار (5)أو غيره من الأيام الرومية مما لا يكاد يفرض له وجه استقامة و يشبه ان يكون اشتباها منشأه مصادفة يوم النيروز في بعض الأزمنة لشي‌ء منها فظن اطراد ذلك نظير ما اتفق للكفعمي في المصباح في بيان الأعمال المتعلقة بشهر شعبان ان الثالث و العشرين منه النيروز المعتضدي مضبوطا بالحادي عشر من حزيران تاسع شهور الروم و في الأنوار النعمانية (6)ان العشرين من شعبان النيروز المعتضدي و معلوم ان مثل ذلك لا يمكن ان ينضبط بالشهور العربية و قد يتراءى انه يأبى ذلك اطراد مثل ابن إدريس في وصف من ضبطه بعاشر أيار فيقرب ان تكون لفظه أيار تصحيف آذار من بعض الناقلين ممن ليس له إحاطة تامة بالفن و ان ذلك المحصل يرى ما يراه ابن فهد من انه أول الحمل فان حلول الشمس في الحمل انما يكون في عاشر آذار (7)و هو الشهر المتقدم على نيسان و اما أيار فهو الشهر المتأخر عنه و في عاشره تدخل الشمس أول الجوزاء و لما كانت معرفة الأشهر الرومية و استقراء حسابها أسهل تناولا من معرفة حلول الشمس أول الحمل و قد روى من طرق الخاصة و العامة آداب و اعمال تتعلق بها و عليها بناء النيروز المعتضدي ايضا لا جرم حاول تعريف أول الحمل بعاشر آذار اتكالا على وضوحه و كثيرة العارفين به بخلاف


1) على رصد من عدا أبرخس و اما على رصد أبرخس فأكثره أربع سنين- م

2) الفرسية- م

3) في كل اربع سنين بيوم واحد الى ان تجتمع من الدقائق الناقصة في رصدهم ما يقتضي تأخر الكبيسة إلى السنة الخامسة- م

4) و هو يوم واحد- م

5) و هو ثامن شهورهم- م

6) للسيد نعمت اللّه الجزائري- م

7) و هو سادس شهورهم- م

مدخل الحمل إذ لا يعرفه الا الاوحديون من الرصديين بعد جهد طويل و اعمال كثيرة يضيق عنها وسع الأكثرين من الخواص فضلا عن العوام و التحقيق انه بمعزل عن الصواب إذ مطابقه أول الحمل لعاشر آذار في هذه الأعصار بحسب الرصد الجديد (1)السمرقندي المعمول سنة أربعين و ثمانمائة لا يقتضي مطابقته له في عصر ابن إدريس بحسب الرصد الذي عول عليه ذلك المحصل مع ما نعلم بينهما من التفاوت في مقدار الدقائق الناقصة عن الربع و مما يؤيد عدم الانطباق ان مبدأ الجدي في عامنا هذا و هو سنه ثلاث و ستين بعد المائة و الالف بحسب الزيج الجديد هو حادي عشر كانون الأول و مقتضى ما نقله عن بعض العلماء انه الخامس عشر منه و هذا يقتضي وجود مثل هذا التفاوت في مبدأ الحمل ايضا و كذا جعله أول سنة الفرس إشارة إلى أول الجدي لا محمل له الا الاشتباه المذكور و كذا ما نقله من ان السابع عشر من كانون الأول صوم اليهود و ذلك لان كانون الأول من الشهور الرومية و اما اليهود فلهم شهور أخر بحسب لغتهم و هي قمرية كشهور العرب و لهم فيها عدة صيام و لا ارتباط لهم بشهور النصارى بوجه و اما النصارى فلهم ايضا عدة صيام في شهورهم و صومهم الكبير يدور بين ثاني شباط و ثامن آذار يتقدم و يتأخر و من ثم وضعوا المعرفة في بعض الزيجات (2)جدولا يرجع إليه في تعيينه من أراد ذلك و ما افاده من ان الشمس تنزل قبل ذلك بيومين برج الجدي عجيب ايضا و كذا قوله ان النهار يأخذ عند ذلك كل يوم مقدار ثلث عشر ساعة من الليل لأن الزيادة حوالي الانقلاب الشتوي أقل من ذلك بكثير حتى انها لقلتها ربما لا يحس بها أياما متوالية لأنها لا تبلغ الدقيقة ثم تتدرج شيئا فشيئا الى ان تبلغ في كل يومين أو ثلثه أيام دقيقه واحدة هي سدس عشر ساعة ثم في كل يوم دقيقه و هكذا الى ان تبلغ المقدار المذكور حوالي الاعتدال الربيعي على قدر ما يأخذ الليل من النهار في الانقلاب الصيفي و اما ما أورده في الوجه الأول ففيه احتمالان أحدهما ان استعمال لفظ النيروز في مبدأ الحمل أكثر شيوعا في العرف فينبغي حمله في الحديث عليه و يؤيد هذا الاحتمال ما ذكره في ذيل فان قلت الثاني ان معرفة مبدأ الحمل أوضح و أظهر بين الناس من معرفة غيره من المعاني المذكورة فينبغي حمله على المعنى الواضح الذي يعرفه كل أحد دون المعاني الغامضة و يؤيده ما ذكره من التنظير بأوقات الصلوات و مداخل الشهور و يرد على الأول انه مجرد دعوى بين البطلان عند أهل الخبرة بالحساب و التواريخ فان كون نيروز الفرس دائر


1) المشهور بالالغخانى و هو الذي أسسه القاضي‌زاده الرومي و المولى غياث الدين جمشيد الكاشاني و أكمله المولى على القوشچى في عهد الغ خان بن شاهرخ بن تيمور فكتب ديباجته باسم نفسه و نسب اليه- م

2) الزيج الايلخانى- م

في الفصول سيما من زمن النبي صلى اللّٰه عليه و آله الى زمان السلطان جلال الدين ملكشاه السلجوقي أمر لم يبلغنا خلافه من أحد منهم و كتبهم مملوة من التصريح بان الروم و الفرس كانوا لم يلاحظوا في مبدإ سنينهم موضع الشمس و ان جعل الاعتدال الربيعي مبدأ السنة مخصوص بالتاريخ الجلالي و لا يوافقه شي‌ء من التواريخ المشهورة و انه اجتمع بحضرته عدة من الحكماء الراسخين أحدهم عمر الخيام فأمرهم أن يقننوا له تاريخا باسمه ممتازا عن غيره من التواريخ فاختاروا المبدأ السنة حفظا من ان يدور في الفصول يوم انتقال الشمس الى الحمل قبل نصف النهار و اتفق ذلك يوم الجمعة ثامن عشر فروردين القديم عاشر شهر رمضان سنة احدى و سبعين و أربعمائة فكيف يمكن ان يجعل مثل ذلك مناطا للأحكام الشرعية الثابتة قبل ذلك بقريب من خمسمائة سنه و دعوى تقدمه على الإسلام و الإغماض عن تقييده بالجلالي و السلطاني مما يقضى منه العجب و شيوع استعمال لفظ النيروز فيه في العرب بعد حدوثه مما لا يجدى في حمل لفظ الحديث عليه و هو ظاهر و على الثاني أيضا المنع فإن معرفة وقت حلول الشمس أول نقطة من الحمل أمر في غاية الغموض كما أشرنا اليه و ناهيك في ذلك بما وقع من الاختلاف فيه بين الرصديين على دقة أنظارهم و سعة افكارهم حتى انه لم يتوافق فيه رصدان بخلاف عاشر أيار و تاسع شباط و خامس عشر كانون الأول فإنها أسهل معرفة كما مر و قياسه على أوقات الصلوات و مداخل الشهور ظاهر الفساد لأنها أمور محسوسة يدركها كل عاقل سليم الحس بخلاف حركة الشمس و انتقالاتها في بروجها فإنها تحتاج الى رصد و حساب لا يتيسر لأكثر مهرة الفن و ليست كوصولها الى وسط السماء أو رؤية الهلال و أمثالهما من الأمور المعلومة بالعيان و لا يناسب المعلوم من عادة الشرع و حكمته ان تكون لمعرفة النيروز مكلفين بتتبع ارصاد الرصديين ثم التمييز بين الحق و الباطل منها و الاتكال على ما اشتهر في زماننا مع علمنا بأنه غير مشهور و لا مذكور في أعصار النبي و الأئمة صلوات اللّٰه عليهم في أمر قد نصوا عليه بأنه من الأمور القديمة و ما ذكره في الوجه الثاني من المناسبة ضعيف جدا و بعد التسليم فإنما يدل على كون الشمس حين الخلقة في أوائل صورة الحمل عند التسمية و هذا مما لا يستلزم المطلوب بوجه لان هذه الصور تنتقل بمر الدهور بناء على حركه الثوابت في كل سبعين سنة أو ما يقاربها درجة واحدة و من اين ثبت كون الشرطين أول الحمل عند الخلقة و لو ثبت فالمناسب إعظام يوم كون الشمس في الشرطين دون أول برج الحمل و قد انتقل منه الشرطان الى برج الحوت منذ

قبل الإسلام بأزمنه مديدة على ان المستفاد من حديث الرضا عليه السلم (1)مع ذي الرئاستين انها كانت إذ ذاك في التاسعة عشر من الحمل و كذا مناسبة خلق العالم في شهر نيسان لعدم مطابقه شي‌ء من أيام شهر نيسان من زمن النبي صلى اللّٰه عليه و آله الى زماننا الأول الحمل المطلوب إثباته ثم كيف يرتبط به قوله و لا شك ان نيسان يدخل و الشمس في الحمل و ما ذكره من موافقة يوم الغدير لأول الحمل بالحساب فيه ان الظاهر ان الرصد المعول عليه في زمن ابن فهد و قبيلة انما هو الرصد المراغي (2)الذي قد عمل فيه المحقق نصير الدين طوسي لأنه أقرب الارصاد الى ذلك العهد (3)و قد استخرجنا جزء الشمس منه يوم الغدير فوجدناه بمراحل عن مدخل الحمل (4)و ان كانت النسخة غير معتمدة و على تقدير تصحيحه فلا يجدي في المطلوب إلا إذا ثبت موافقة بقية التواريخ المذكورة في الرواية له و الثابت خلافه فإن البيعة الثانية بعد مقتل عثمان انما كانت في أواخر ذي الحجة سنة خمس و ثلثين باتفاق النقلة و الظفر بأهل النهروان و قتل ذي الثدية مضبوط في مناقب ابن شهرآشوب و غيره بتاسع صفر سنة تسع و ثلثين و قيل ثمان و ثلثين و إذا كان يوم الغدير أول الحمل كان أول الحمل في السنة الحادي عشرة التاسع و العشرين من ذي الحجة و ينتقل بعده الى المحرم ثم الى صفر و هكذا و لا يدور إلى ذي الحجة إلا بعد نيف و ثلثين سنه و بين البيعتين خمس و عشرون سنه فلا يعقل كونهما ما في مبدإ الحمل و كذا لا يعقل كون فتح النهروان الواقع بعد يوم الغدير بتسع أو ثمان و عشرين سنه


1) في مجمع البيان و غيره انه جرى ذكر الليل و النهار فقال الفضل ابن سهل للرضا عليه السلم أخبرنا أيهما خلق قبل قال نعم من القرآن أو الحساب قال الفضل من جهة الحساب فقال قد علمت يا فضل ان طالع الدنيا السرطان و الكواكب في مواضع شرفها و ذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل في العاشر من الطالع في وسط السماء فالنهار خلق قبل الليل و اما من القرآن فهو قوله تعالى وَ لَا اللَّيْلُ سٰابِقُ النَّهٰارِ اى قد سبقه النهار- م

2) و هو المعروف بالإيلخاني- م

3) و اما سائر الارصاد فزيج أبرخس و هو أقدمها و بعده زيج بطلميوس متقدمان على الإسلام و الزيجات الإسلامية زيج المأمون ببغداد و بعده زيج التباني في الشام ثم زيج الحاكمى بمصر و ابن الأعلم ببغداد ايضا و هما متقدمان على الزيج المراغي بمائتين و خمسين سنه على ما هو مذكور في ديباجته و وفات نصير الدين كانت سنه اثنتين و سبعين و ستمائة و تاريخ إتمام المهذب على ما هو مذكور في أخره سنة ثلث ثمانمائة و بين التاريخين مائه و احدى و ثلاثون سنه و لم يبلغنا زيج بينهما و اما الزيج الجديد الالغخانى فتاريخه سنة أربعين و ثمانمائة و كذا الزيج الخاقاني فلم يكن شي‌ء منهما في نظر ابن فهد وقت تصنيف مهذبه فافهم- م

4) فإنه كان في أواخر الجوزاء و ايضا لا يلائم كونه أول الحمل ما ورد في بعض الروايات انه كان في وقت اشتداد الحر و انهم كانوا يحجون في الخريف بعد ادراك الغلات و الثمرات- م

في مبدأ الحمل كما لا يخفى و اما إذا حملنا النيروز على الفارسي المتفاوت في السنة العربية بأحد عشر يوما غالبا و في بعضها بعشرة أيام فإذا كان الخامس و العشرون من ذي حجة الخامسة و الثلثين يوم النيروز كان تاسع صفر النيروز السنة التاسعة و الثلثين و به يترجح ضبط ابن شهرآشوب و اما يوم الغدير فإنه كان متقدما على جلوس يزدجرد كما علمت فلا يمكننا الآن تحقيق حاله و لا يثبت به منافاة لما حررناه و مناسبة صب الماء لأول الحمل دون الجدي على ضعفها انما تنفى أول الجدي دون سائر التفسيرات هذا ان أريد به رش الماء كما هو المعمول في بعض بلاد العجم و حمله بعضهم على الغسل و ليس ببعيد و مناسبة خلق زهرة الأرض لأول الحمل دون الجدي غير ظاهرة لاختلاف ذلك باختلاف البقاع فان اعتبر ببلاد الحجاز التي هي محتد الدنيا و الدين و مسكن الإمام الذي صدر عنه الخبر فالأمر فيه على العكس إذ في القوس تكثر فيها الأمطار غالبا و في أوائل الجدي تتكون النباتات و الأعشاب و تنمو و تترعرع في الدلو و تزهر في الحوت و اما في الحمل فيبدو فيها الذبول فابتداء خلق زهرة الأرض انما هو في الجدي دون الحمل و لو سلم فلا ريب انه يكتفى في سعادة الأيام و نحوستها بوقوع السبب فيها في مبدإ الأمر و لا يعتبر تكرره بتكررها فان يوم المبعث مثلا يكفي في شرافته وقوع البعثة فيه في صدر النبوة و لا يعتبر تجدد البعثة بتجدد هذا اليوم في كل سنة و بقية السعادات المذكورة في هذا الحديث لهذا اليوم مثل عقد البيعتين و فتح النهروان و احياء الموتى كلها من هذا القبيل فلا مانع من ان يكون في أول الأمر قد اتفق النيروز في أول الحمل كما هو ظاهر ما قدمنا نقله عن قدماء الفرس ثم تزايل عنه و دار في الفصول بسبب الكبائس و تأخيرها و إهمالها و مجرد وقوع ذلك الاتفاق أولا لا يوجب اعتباره في مستقبل الزمان في شرافة اليوم حتى يكون ذلك هو المناط وحده كما في يوم المبعث فان الشمس كان ذلك اليوم على وضع معين البتة و ذلك لا يوجب ان يكون مناط سعادة اليوم فيما بعد وقوع الشمس على ذلك الوضع بعينه و مما يؤيد ذلك قوله عليه السلم خلقت فيه زهرة الأرض. بصيغة الماضي الذي مفاده الانقضاء و التصرم و لو كان المراد اعتبار أول الحمل لكان حق التعبير تخلق فيه زهرة الأرض إيذانا بالاستمرار التجددي الموضوع له صيغة المضارع مع انه اوفى بالغرض المصوغ له الكلام من بيان شرافة اليوم كما لا يخفى و بما أوردناه ظهر لك ايضا حال ما ذكر بعض الأفاضل (1)الذين عاصرناهم من ان أول سنة؟

أول فروردين القديم و هو قبل انتقال الشمس الى الحمل بسبعة (2)عشر يوما و يوم انتقالها


1) الفاضل الهندي في شرح القواعد- م

2) و منشأ هذا الاشتباه وقوع ذلك الاتفاق في عهد السلطان جلال الدين عام استحداث التاريخ كما مر ذكره فزعم اطراد ذلك- م

اليه هو أول فروردين الجلالي و كذا قوله ان أول نيسان وسط الحمل و ذلك لان أول نيسان في اعصارنا هذه انما يصادف الثالث و العشرين من الحمل كما هو ظاهر و لقد خرجنا بهذه الإطالة عما نحن بصدده من الاختصار تحذيرا للناظر عن الاغترار فهذه هي الأغسال الزمانية و اما المكانيات فغسل دخول الحرمين حرم اللّٰه و حرم رسوله صلى اللّه عليه و آله و بلديهما مكة و المدينة و مسجديهما كما في المعتصم و المفاتيح و غيرهما و النص مختص بمسجد النبي و من ثم اقتصر عليه جماعة و دخول الكعبة و في حديث (الكافي- الفقيه- التهذيب) سماعه عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انه واجب. و الحق بها بعضهم المشاهد المشرفة و اما الأفعال التي يغتسل لها فتنقسم الى غايات يقدم عليها الغسل و أسباب يؤخر عنها و جمله الفعليات المذكورة هنا تسعة غسل طواف الكعبة كما في القواعد و غيره و النصوص انما وردت بلفظ زيارتها و تبعه المصنف في مسفوراته و منهم من قيدها بما بعد الرجوع من منى و له وجه و النحر و الذبح و الحلق في منى و صلاة الكسوف مع الاستيعاب لقرص أحد النيرين أداء كانت أو قضاء مع تعمد الترك و خص بعضهم بالثاني و منهم من أوجبه فيه و منهم من لم يقيد بالاستيعاب مع تقييده بالقضاء و تعمد الترك و بعد التوبة كما تقدم في بابها و مس الميت بعد تغسيله تاما و السعى إلى مصلوب شرعي أو غيره على الهيئة المشروعة أو غيرها مطلقا خلافا لمن خصه بالمسلم مع رؤيته عامدا لا لغرض مشروع كالشهادة على عينه بعد ثلثه أيام من صلبه أو موته و قيل بوجوبه و قتل الوزغة و زيد في المفاتيح و غيره على الغايات الإحرام و قيل بوجوبه و الاستسقاء و الاستخارة و الحاجة و زيارة المعصومين و يأتي ذكر الأول في كتاب الحج و كذا الأخير و على الأسباب غسل الميت و تكفينه و الحق بها في المشهور غسل المولود حين ولادته و في خبر (الكافي- الفقيه- التهذيب) سماعة انه واجب. و بظاهره افتى بعضهم

[باب التيمم]

(1)باب التيمم و هو لغة القصد و شرعا ضرب باطن الكفين اى وضعهما معا بقوة و اعتماد على التراب الطاهر الخالص المباح من غير حاجب فيهما أو فيه ثم المسح بها جميعا الجبهة و الجبينين و هما المحيطان بالجبهة يتصلان بالصدغين ثم مسح ظهر كل واحدة من الكفين ببطن الأخرى من الزندين و هما موصلا طرف الذراعين في الكفين الى رؤس الأصابع مقدما لليمنى على اليسرى فالمعتبر أمور (أ) ضرب اليدين فلا يكفى مجرد الوضع فيهما خلافا لمن اكتفى به و لا استقبال العواصف بهما خلافا لظاهر المفاتيح حيث جعل أول

الواجبات مسح الجبهة و مقتضاه خروج الضرب أو الوضع من الواجبات الأصلية و ان وجب أحيانا من باب المقدمة كالاغتراف في الوضوء و يترتب عليه جواز تأخير النية و صحة تيمم المحدث بينهما و بذلك صرح العلامة في النهاية (ب) ان يكون ذلك بالكفين كلتيهما فلا يجوز الاكتفاء بواحدة مع الاختيار و لو تعذرت إحديهما لقطع أو ربط مثلا اقتصر على الميسور و مسح به الجبهة و هل يسقط مسح اليد أو يمسحها بالأرض كما يمسح الجبهة بها أو تعذرتا وجهان أحوطهما الثاني و هل يشترط للمقارنة بينهما ظاهر النصوص و الفتاوى ذلك و الأصل ينفيه (ج) ان يكون بالتراب فلا يجزى الحجر الصلد الذي لا غبار عليه و كذا الخزف خلافا للمشهور فيهما و منهم من خص الأول بحال تعذر التراب و حينئذ يجوز بغبار الثوب و نحوه اما النبات المسحوق كالأشنان و الدقيق فلا يجوز مطلقا قولا واحدا (ه) طهارته و قد نقل عليه الإجماع و هو أحد الوجوه في تفسير الطيب (ه) خلوصه و هو ان يكون خاليا من مخالطة ما لا يقع عليه اسم التراب كالكحل و الزرنيخ و أنواع المعادن وفاقا لبعض المتقدمين و جعله في المفاتيح أحوط (و) ان يكون مباحا فلا يجزى بالمغصوب اما لو كان المكان مغصوبا فالأقوى صحته ما كان التراب مباحا (ز) مباشرة الأرض بالكف فلا يجوز مع الحائل و لو كان دقيقا (ح) مسح الجبهة و الجبينين و منهم من اكتفى بالجبهة من قصاص الشعر الى طرف الأنف الأعلى و قيل الأسفل و زاد بعضهم الحاجبين و منهم من أوجب استيعاب الوجه و مستنده محتمل للتقية (ط) ان يكون ذلك بالكفين جميعا كما هو المشهور و اكتفى بعض المتقدمين بباطن اليمنى لصدق المسح و قواه المصنف في حواشي المفاتيح و في صحيحة (الفقيه) زرارة ان النبي صلى اللّٰه عليه و آله مسح جبينيه بأصابعه (1)و المحاط لا يفارق اليقين (ى) مسح ظاهر الكفين من الزندين إلى أطراف الأصابع و قيل من أصول الأصابع إلى رؤسها و قيل من المرفقين إليها و مستنده ايضا محتمل للتقية (إحياء العلوم) الترتيب كما ذكر و قد نقل عليه الإجماع كالموالاة و من بدا في المسحين بالأعلى


1) عن الكاهلي (الكافي- التهذيب) قال سالته عن التيمم فضرب بيديه على البساط فمسح بهما وجهه ثم مسح كفيه إحديهما على الأخرى. و عن (التهذيب) إسماعيل ابن همام عن الرضا عليه السلم قال التيمم ضربة للوجه و ضربة للكفين. و عن عمار (الفقيه- التهذيب) قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلم عن التيمم من الوضوء و الجنابة و من الحيض للنساء سواء فقال نعم. و عن (الفقيه) و زرارة عن ابى جعفر عليه السلم قال قال رسول اللّه لعمار في سفر له بلغنا أنك أجنبت فكيف صنعت قال تمرغت في التراب فقال له كذلك يتمرغ الحمار أ فلا صنعت كذا ثم أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد ثم مسح جبينيه بأصابعه و كفيه إحديهما بالأخرى ثم لم يعد ذلك- م

فقد أخذ باليقين كما في الوضوء و يعتبر مع ذلك كله ما يعتبر في غيره من الأعمال من قصد الفعل للّه عز و جل و ظاهره هنا و صريحه في غيره الاكتفاء في الضرب بمرة واحدة مطلقا كما في الصحاح المستفيضة فعلا في معرض البيان و قيل بل لا بد من مرتين مرة للوجه و اخرى لليدين كما في بعضها قولا و حمل على الاستحباب أو التخيير جمعا و منهم من جمع بوجه آخر هو الاكتفاء بالمرة في بدل الوضوء و إيجاب المرتين في بدل الغسل و يدفعه من الاخبار ما يدل على المساواة و على اجزاء الواحدة في الأخير و المصنف استحسن في المفاتيح الجمع بوجه آخر هو وجوب التكرار مع عدم بقاء التراب في اليد و عدمه مع بقائه بناء على ما اختاره من اشتراط علوق شي‌ء من التراب المتيمم به باليد و ان استحب النفض لتقليله لئلا يوجب تشويه الخلقة فإن استأنف المحتاط بعد مسح الوجه ضربة أخرى لليدين فقد أخذ باليقين و خرج من هذه الاختلافات خصوصا مع ذهاب التراب العالق باليد بمسح الوجه و في بدل الغسل و هو شرط لما شرط له الطهارتان المائيتان من الصلاة و الطواف و مس كتابة القران و صوم رمضان و قضائه و اللبث في المساجد و قراءة العزائم و غير ذلك مع تعذرهما لفقد الماء أو الوصلة اليه أو الخسوف من استعماله و حصول سببهما من أحد الأحداث الاثني عشر و جدواه جدواهما حينئذ من تنوير القلب و غيره طهور لانه طهر و طهور كما ورد و مع التمكن منهما حيث يشرع لا يخلو من جدوى ما و ان لم يقم مقام الشرط في التهيئة للعبادة المشروطة به و يجب مطلقا مع تعذر المائية و إمكانها مع مساواة بزمانيهما و تفاوتهما لخروج جنب أو حائض من أحد المسجدين الحرميين سواء دخلا طاهرين أو محدثين كما هو ظاهر الإطلاق و صريح غيره و المستند صحيحة (1)أبي حمزة عن ابى جعفر عليه السلم إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول صلى اللّٰه عليه و آله فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد الا متيمما. و في (الكافي) رواية و كذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل كذلك. و في دلالته على المطلوب بعمومه قصور و من ثم اقتصر في المفاتيح و المعتصم على المحتلم في أحد المسجدين جمودا على النص ثم قال و ربما يلحق به الحائض نظرا الى قصور الزيادة من حيث السند و اختار الشهيد في الدروس و غيره تقديم الغسل عند إمكانه و مساواة زمانه لزمان التيمم و يلزمه ذلك عند النقيصة بطريق اولى كما صرح به الشهيد الثاني و يستحب كذلك مطلقا للنوم إذا آوى الى فراشه فذكر انه ليس على


1) رواها الكليني مرفوعا مع الزيادة- م

وضوء و شق عليه الخروج له فليتيمم من دثاره و الصلاة على الجنازة (1)مطلقا على المشهور و قيده في المعتبر بما إذا خشي فوات الصلاة مع المائية كما في بعض (الكافي) الروايات و لا وجه له لعدم الاختصاص حينئذ و ان كانت المائية أفضل لقول (الكافي- التهذيب) ابى الحسن ع تكون على طهر اى وضوء أحب الى. و فيه تأمل الاحتمال ان يراد بالطهر فيه ما يعم التيمم لأنه أحد الطهرين كما تقدم و لا يتيمم للصلاة إلا بعد دخول وقتها فيلغو قبله إجماعا و هل يجوز مع سعة الوقت فيه أقوال ثالثها الجواز إذا لم يكن العذر مرجوا لزوال و قطع المصنف بالأول وفاقا لبعض المتقدمين و جمعا بين الاخبار باستحباب التأخير لراجى الزوال و استحباب الإعادة لمن زال عذره في الوقت و هو من أجود ما تجمع به روايات المسئلة على تنافرها الا انه مع سعة الوقت خروج عن اليقين بما فيه من الخروج عن الفضل الى هنا نختم الجزء الأول من كتاب التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية و نرجو الملك الكريم ان يوفقنا بطبع الجزء الثاني و الثالث بلطفه و منه انه ذو الفضل العظيم


1) في الحسن عن الحلبي عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم قال سال عن الرجل يدركه الجنازة و هو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة عليها قال يتيمم و يصلى و في الصحيح عن عبد الحميد بن سعد قال قلت لأبي الحسن عليه السلم الجنازة يخرج بها و لست على وضوء فان ذهبت اتوضاء فاتتني الصلاة عليها الى ان أصلي عليها من غير وضوء قال تكون على طهر أحب الى- م