ghaemiyeh.com
نام كتاب: ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء موضوع: فقه استدلالى نويسنده: كاشانى، ملا حبيب الله شريف تاريخ وفات مؤلف: 1340 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: مركز إحياء آثار الملا حبيب الله الشريف الكاشاني تاريخ نشر: 1417 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: دانشگاه كاشان ملاحظات: در مقدمه كتاب شرح حال مؤلف به قلم شريفش چاپ شده است
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
إنّ التراث العلمي الذي خلّفه علماؤنا الأبرار هو من الكنوز الثمينة التي تتمثّل بها ثقافة الأمة، و تتكوّن منها حضارتها المتواصلة الحلقات، و المتتابعة العقود طوال السنوات، على مدى القرون في التاريخ المجيد، و هي مفخرة للأجيال المتعاقبة، حيث تعتزّ بعظمائها، و تستفيد من جهودهم المعطاءة.
و من أولئك العلماء العظماء الذين خلّدوا تراثا علميا باهرا بالجمع و الشرح و البلورة و النظم هو آية اللّه العظمى الفقيه الشيخ المولى حبيب اللّه بن علي مدد الشريف الكاشاني.
فقد خلّف ما يناهز (200) مجلّدا من المؤلّفات في مختلف الفنون و العلوم الإسلامية، باللغتين العربية و الفارسية، طبع القليل منها في حياته و بعد وفاته، و بقي الأكثر مخطوطا، و فيها موسوعته الفقهية الكبرى المسمّاة «منتقد المنافع في شرح المختصر النافع» التي تقع في (14) مجلدا ضخما.
و قد سهّل اللّه، بحسن توفيقه، و عونه تعالى، و ببركة إمام العصر و الزمان الحجة ابن الحسن العسكري عليه السّلام، القيام بمشروع خاص بإحياء آثار هذا الفقيه العالم، على أثر تشجيع عدّة من العلماء الأعلام و المراجع العظام، الذين اطّلعوا عن كثب على عظمة ذلك التراث و أهميته.
فبدأ المشروع تحت رعاية السيّد ولى أمر المسلمين القائد السيّد الخامنئي المعظّم، و رعاية الشيخ الهاشمي الرفسنجاني رئيس الجمهورية الإسلامية المحترم، و رئيس شورى الثورة الثقافية العليا، جزاهم اللّه خير الجزاء و انجزت منه خطوات هامة:
فكان أوّل ما قمنا به هو جمع ما وجد من هذا التراث موزّعا بين أفراد عائلته الكريمة في كاشان، و في المكتبات الخاصة و العامة من المدن المجاورة، من مخطوط و مطبوع، و إحصاءها جميعا.
و نستمدّ من كلّ الذوات الخيّرة ممّن له اطّلاع على وجود نسخة مخطوطة من بعض كتب الشيخ المؤلّف أن يخبرنا بذلك، كي نحصّل صورة منها، بغرض إعدادها، و تنظيمها، مرقمة، مبوّبة حسب المواضيع و العلوم، كي تتحددّ كمّا و كيفا، لتسهيل المراجعة إليها عند الحاجة.
و في مرحلة ثانية قمنا بتصوير جميع تلك الآثار على الميكروفلم، لصيانتها و حفظها عن
الطواري، و قد قامت بهذه المهمة «إدارة مركز إسناد و مدارك انقلاب إسلامي» في وزارة الثقافة و الإعلام الإسلامي.
و لذلك، فإنّا نهيب بكلّ العلماء و المحققين الذين يرومون العمل في أيّ من هذه الكتب أن يتّصلوا بمركزنا لتزويدهم بما يلزم من أدوات العمل من أجل تقويمه و تسهيله، بعون اللّه تعالى.
و في مرحلة ثالثة: تمّ الاتفاق على العمل في الموسوعة الفقهية الكبرى (منتقد المنافع) فالتزمت إدارة «مركز الأبحاث الإسلامية» التابع لمركز الاعلام الإسلامي في الحوزة العلمية في قم، بالعمل فيه، و قد بدأوا بذلك و نأمل أن يتمّ في القريب العاجل لتتحقّق بذلك أمنية العلماء و المحققين الذين طالما تشوّقوا لرؤية هذا العمل العظيم.
و هذه الرسالة (ذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء) التي نقدّمها محققة الى المجامع العلمية، هي باكورة أعمال مشروعنا، التي نرجو أن تتواصل، و هي دليل على عزمنا المؤكد على المضي قدما إلى الأخير.
و نرى لزاما علينا أن نقدّر الجهود التي بذلت من قبل، لإحياء مجموعة من مؤلّفات الشيخ، مثل ما قام به سماحة حجة الإسلام و المسلمين الحاج آقا محمّد شريف ابن الشيخ، الذي بذل غاية و سعة في إصدار عدد كبير منها.
و كذلك حضرة آية اللّه «امامت» سبط المؤلّف.
و في الختام نشكر جميع الذين قدّموا لنا العون في تحقيق مشروعنا التراثي هذا، و لم يبخلوا علينا بالتوجيه و الإرشاد أو العون و العمل العلمي، سواء من الشخصيات العلمية أم المؤسسات الثقافية في الجمهورية الإسلامية، في كاشان و قم و طهران، راجين لهم التوفيق و الازدهار، و نخصّ بالذكر سماحة حجة الإسلام و المسلمين الأستاذ الحاج الشيخ عبد اللّه موحدي بيدگلي الذي تحمل أعباء العمل في هذه الرسالة القيمة مقابلة و تخريجا.
و عمادة جامعة كاشان التي تكفّلت تحقيقه، و أنفقت على إصداره.
و كلّ الذين لهم إسهام في إنجازه من قريب أو بعيد، و كان اللّه في عون كلّ مخلص أمين مركز إحياء آثار الشيخ الملّا حبيب اللّه الشريف الكاشاني قدسّ سرّه قم المقدسة ص. ب 393- 37185 رقم الهاتف: 738283
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيٖمِ الحمد لوليه و الصلاة على النبي و أوصيائه الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين.
أما بعد: فقد كتب المؤلف قدسّ سرّه لنفسه ترجمة ذاتية في خاتمة كتاب لباب الألقاب (1)الذي هو في تراجم مجموعة من العلماء المعروفين بألقاب خاصة، ألّف سنة (1319) ه. ق فيها قائمة بأسماء مؤلّفاته، و قد عزمنا على أن نقدّم هنا تلك القائمة مع إضافة ما ألّفه المؤلّف بعد تلك الترجمة، مصنفة حسب الموضوعات مكتفين بذلك في تقديم كتابنا الذي نقدّمه محقّقا.
فاسمه «ذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء» كما أورده المؤلف قدسّ سرّه في آخر الكتاب.
و قد صنّفه بعد تأليف موسوعته الكبرى في الفقه أعني «منتقد المنافع في شرح المختصر النافع» و بعد كتابه في الأصول «رسالة في البراءة و الاحتياط».
و الكتاب منحصر في نسخة بخطّ المؤلّف، تقع في 115 صفحة بالقطع الصغير، محفوظة عند بعض أحفاده.
و إليك نصّ الترجمة قال رحمه اللّه:
في بيان جملة من أحوال المؤلف الفقير الحقير الراجي «ابن الملا علي مدد الساوجي
1) لباب الألقاب للمؤلف (ص 149- 157)، و قد تصرّفنا في الترجمة بالحذف و تعديل الضمائر، قليلا بما لا يغيّر المفاد.
المتقدّم له الذكر (1)حبيب اللّه الشريف الكاشاني أيده اللّه بلطفه السبحانيّ».
فأقول: إني و إن التزمت بأن لا أذكر في هذا المختصر أحدا من الأحياء و المعاصرين من العلماء و الأفاضل لنكات عديدة و ما اجترأت عل يأن أعدّ نفسي في عداد من سمّيتهم من العلماء الماضين الذين هم ورثة الأئمة الهادين من ذرية خاتم المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا ان حبّي لهم و رجائي لشفاعتهم، و التماس جماعة من الإخلاء الإلهيين بيان حالي، قد حداني الى ذكر نبذة من أحوالي:
أُحبّ الصالحين و لست منهم لعلّي أن أنال بهم شفاعة
و أكره من بضاعته المعاصي و إن كنّا سواءا في البضاعة
و إنّي- و إن لم أكن ممّن له الجولان في هذا الميدان، و لا ممّن يسبق في هذا الرهان- إلّا انّي نظمت نفسي في سلك هؤلاء الأعيان، كما تنظم الخرزة في العقيان، و الزجاجة في سلك الجمان.
على أني- مع قلّة- البضاعة في هذا المجال- لم أكن من أهل الإضاعة للأوقات و الأحوال، فإني لم آل جهدا- من بدو تمييزي- في طلب ما راموه من المطالب، و ما قصّرت في تحصيل ما قصدوه من شرف المناقب، إلّا أنّ قصور الاستعدادات يوجب الحرمان عن الوصول الى المقامات العاليات، فالمحروم بالقصور- عند العقلاء- معذور، إنّما المستحقّ للّوم الكثير من حرمه عن الوصول إلى المعالي التقصير.
هذا، مع أني- مع كمال اختلال أمور المعاش، و فقد الأسباب و الرياش- ما تأخّرت- بحمد اللّه و منّه- عن الأقران و الأتراب، بل ما قصرت عن كثير من الأكابر الأطياب، حتّى
1) لباب الألقاب، للمؤلف (ص 117- 121).
أنّ جمّا غفيرا من الأحباب قد حسدوني على ما آتاني اللّه من فضله في هذا الباب و «ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء بغير حساب».
فأمّا تاريخ ولادتي:
فلم أتحقّقه من مكتوب من الوالد الماجد، و انّما ذكرت والدتي المرحومة: أنّ ولادتي كانت قبل وفاة السلطان الغازي محمّد شاه القاجار بسنتين.
و تاريخ وفاته- على ما حقّقناه- سنة الأربع و الستين بعد المأتين و الألف، من الهجرة النبويّة.
فلمّا بلغ سنّي الى (خمس سنين) ذهب أكابر أهل ساوة بوالدي المعظّم إلى ساوة على ما أسلفنا لك تفصيله في ترجمة حاله (1).
فكانت والدتي المرحومة تكفلني، بمساعدة المولى المهذّب عن كلّ شين، الفقيه الكامل الحاج السيّد محمّد حسين، المتقدم الى ترجمته الإشارة، في الباب الثامن (2)و كان هذا الجليل الماجد أبرّ و أعطف بي من الوالد، على ما شرحناه في ترجمته.
فلما بلغت (ثماني أو تسع سنين) توفّي والدي بساوة، و كنت حينئذ شائقا إلى التحصيل كمال الشوق، بتشويق السيّد المذكور.
حتى إذا بلغت (الرابعة عشرة) و قد فرغت من النحو، و الصرف و غيرهما من المقدّمات، فشرعت في الفقه و أصوله عنده رحمه اللّه.
و عند الحاج المير محمّد علي، الذي قدّمنا ذكره (3).
فلما بلغت (السادسة عشرة) أجازني السيّد المشار إليه بالرواية.
فلمّا بلغت (الثامنة عشرة) أجازني بهذه الإجازة و هذا نصّها.
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على خير خلقه محمّد و آله أجمعين، و بعد: فإنّ ولدي الروحانيّ، العالم الربّاني، و العامل الصمداني، النحرير الفاضل، الفقيه الكامل، الموفّق المسدّد المؤيّد بتأييد اللّه الصمد: حبيب اللّه بن المرحوم المغفور له، علّامة زمانه علي مدد رحمه اللّه تعالى.
قد كان معي في كثير من أوقات البحث، و الخوض في العلوم، و قد قرأ عليّ كثيرا من علم الأصول و الفقه، و سمع منّي كثيرا من المطالب المتعلّقة بعلم الكلام و المعارف الدينيّة، و ما يتعلّق بها.
و قد صار- بحمد اللّه و منّه- عالما فاضلا و فقيها كاملا، مستجمعا لشرائط الفتوى و الاجتهاد، حائزا لمراتب العلم و العمل و العدالة و النبالة و السداد.
فأجزت له أن يروي عنّي، عن مشايخي، بأسانيدي، و طرقي المرقومة في اجازاتي المتّصلة بأهل العصمة عليهم آلاف الصلاة و السلام و الثناء و التحيّة و ألتمس منه أن يلتزم الاحتياط في الفتوى و العمل، و أن لا ينساني في أوقات الإجابة من الدعاء، في حياتي و بعد مماتي.
و كان تحرير ذلك في الثاني عشر من شهر ذي الحجّة الحرام (سنة 1279).
[و مضمون سجع خاتمه الشريف] عبده محمّد حسين بن محمّد علي الحسيني
اللهم ارفع درجته و ارحمه، كما ربّاني صغيرا، و أحسن لي كبيرا، و احشره مع أجداده الأئمّة المعصومين، آمين يا رب العالمين.
و أنا مع ذلك قد حضرت مجلس الحاج الملّا ميرزا محمّد الأندرماني (سنتين).
و مجلس الحاج الميرزا أبي القاسم المعروف بكلانتر (سنة).
و قرأت عليهما شطرا وافيا من (فرائد الشيخ المرتضى).
و قد قرأت قبل ذلك- في بداية تحصيلي- شطرا من (الفصول) على الشيخ محمّد الأصفهاني، ابن أخت مصنّفه، و قد قرأه على خاله.
و شطرا من (القوانين) على الحاج الملّا هادي المدرّس الطهراني.
و شطرا من الحكمة على بعض أكابر تلامذة الحاج الملّا هادي السبزواري.
ثمّ ذهبت- بعد ذلك كلّه- الى العتبات العاليات، للزيارة، و لإدراك خدمة الشيخ المرتضى للاستفادة، فلما وصلت الى (كربلاء المشرّفة) نعيت بوفاة الشيخ [عام 1281].
فكنت أحضر في الليالي مجلس الفاضل الأردكاني رحمه اللّه.
ثمّ ذهبت الى (النجف الأشرف) فما حضرت مجلس درس أحد من علمائه، لاختلال مجالس الدروس و تعطيلها بفوت الشيخ رحمه اللّه.
فرجعت الى كاشان.
ثمّ عزمت على التشرّف بخدمة المولى الجليل الأعلم الأتقى الفاضل الصمداني، الملّا زين العابدين الگلپايگاني، فلما وصلت الى خدمته في گلپايگان وجدته معتزلا عن أبناء الزمان، و كان لا يخرج من بيته، و قد ترك الدرس و مجلس القيل و القال، و صارت عينه مؤوفة، و لكنّي استفدت منه فوائد جليلة، فأوصاني بعدم تحمّل أعباء المرافعات، و عدم الاشتغال بالملهيات عن ذكر اللّه خالق البريّات، و المراودة مع أهل الدنيا من الحكام و التجّار.
و قد قبلت وصيّته، و التزمت طريقته، و أنا الى الآن مقبل على شأني، و لم أشتغل بما هو الشأني، و قد صرفت عنان نفسي عن جمع الأموال، مع فقد المال و كثرة العيال، مع أنّه- لو أردت ذلك- لحصل لي أكثر مما حصل لأمثالي من الرجال.
و قد علم الأقوام لو أنّ حاتما أراد ثراء المال كان له وفر
و لو لا أنّ تزكية المرء لنفسه قبيحة عند أرباب العقول، لفصّلت الكلام فيما منّ اللّه عليّ من الخصائص في الأحوال بما يطول.
و القول المجمل في ذلك: إنّي لم أشتغل- من بدو تمييزي قبل بلوغي الى هذه السنة (1319)- بما اشتغل به اللاهون الغافلون، و لم أصرف عمري فيما صرف فيه البطّالون، و لم أحبّ المخالطة مع الجهلة، و لم أركن إلى الظلمة.
بل كنت محبّا للاعتزال، مجتنبا عن المراء و الجدال، و عن القيل و القال، و الجواب و السؤال إلّا في مسائل الحرام و الحلال، معرضا عن الحقد، و الحسد، و الطمع، و طول الآمال، صابرا على البأساء و الضرّاء و شدائد الأحوال، غير جازع من الضنك و الضيق و الفقر و الفاقة و عدم المال.
و أرجو من اللّه المتعال أن لا يحوّل حالي هذه في بقيّة عمري إلّا الى أحسن الأحوال.
و بالجملة: قد وقفت عمري الشريف، على التدريس و التأليف و التصنيف، و لم أكثر بما أصابني من أذى كلّ وضيع و شريف.
خليلي جرّبت الزمان و أهله فلا عهدهم عهد و لا ودّهم ودّ
بلاء علينا كوننا بين معشر و لا فيهم خير و لا منهم بدّ
يقول منظّم هذه القائمة:
إلى هنا ينتهي ما ذكره المؤلّف رحمه اللّه عن شؤون حياته ثمّ بدأ الحديث عن مؤلفاته، فقال:
مما كان قبل بلوغي الى هذه السنة (1319) مع قلة الأسباب، و الابتلاء بالأقشاب، و اختلال البال و كثرة الديون و العيال، و عروض الأمراض و الأعراض من حوادث الدهر الخوّان، و من فقد الخلّان و موت الولدان، و غير ذلك مما يقصر عنه نطاق البيان.
فنقول- و من اللّه التوفيق و التسديد: ترتقي هي الى مائة و ثلاثين، بل تزيد».
ثم بدأ رحمه اللّه بعدّها، و لكنّا وجدنا:
أولا: إنّ ما ذكره لا يشمل ما ألفه في الفترة المتأخرة عن تاريخ كتابة الترجمة تلك، و التي تغطّي مدة (21) سنة من نهاية عمره الشريف.
ثانيا: إن القائمة التي أثبتها رحمه اللّه ليست على تصنيف محدّد فليست على ترتيب الأبجدية، و لا التصنيف الموضوعي مما يصعب الرجوع إليها.
و قد رتّب صاحب الفضيلة سماحة صديقنا العلامة الشيخ رضا الاستادي قائمة بأسماء مؤلّفاته، منظمة على حروف المعجم، في الترجمة الصافية التي كتبها له في مجلة (نور علم) العدد (54) الصادر في قم سنة 1413.
فرأينا أن نصنّفها في هذه القائمة موضوعيّا، مع الالتزام بما يلي:
1- اعتمدنا على ما كتبه المؤلّف في خاتمة لباب الألقاب باسم «اللباب» مع وضع رقم الكتاب فيه.
و على ما كتبه المؤلّف في «الفهرست» الذي وضعه لأسماء الكتب الموجودة في مكتبته الخاصة، بما فيها مؤلّفاته و قد ذكرناه باسم «الفهرست».
و اعتمدنا عند الحاجة على القائمة التي أعدّها الاستادي، بالأرقام التي فيها.
2- أوردنا المعلومات التي وجدناها في المصادر المذكورة، و كذا ما في المطبوعات من
مؤلفاته، مما وقفنا عليه.
3- أوردنا اسم الكتاب في الموضوع الأنسب- حسب رأينا- و قد يدخل الكتاب في موضوع آخر بوجه مّا، فلا نعيده حذرا من التكرار. و أثبتنا ما يشمل أكثر من موضوع في عنوان «المتفرقات».
4- رتّبنا أسماء الكتب على ترتيب العلوم كما يلي:
أولا) علوم العربية: (ألف) علم الخط. (ب) علم الصرف. (ج) علم النحو. (د) علم البلاغة. (ه) علم الأدب.
ثانيا) علوم القرآن: (ألف) علم التجويد. (ب) علم التفسير.
ثالثا) علوم الحديث: (ألف) علم الدراية. (ب) الفضائل. (ج) الدعاء و المناجاة. (د) فقه الحديث. (ه) الأحاديث القدسية.
رابعا) علم الكلام: (ألف) أصول الدين. (ب) الأديان و الفرق.
خامسا) علم أصول الفقه: (ألف) الأصول. (ب) القواعد الفقهية.
سادسا) الفقه: (ألف) الفقه الجامع. (ب) الطهارة. (ج) الصلاة. (د) الصوم. (ه) الحج. (و) المعاملات. (ز) الرضاع. (ح) الصلح. (ط) المواريث. (ي) الحدود و الديات.
سابعا) التاريخ: (ألف) السيرة. (ب) التراجم.
ثامنا) علم الأخلاق و العرفان و الآداب: (ألف) الأخلاق. (ب) العرفان.
تاسعا) العلوم العقلية: (ألف) علم المنطق. (ب) علم المناظرة.
عاشرا) علوم غريبة:
حادي عشر) المتفرقات.
ألف- علم الخط (1) هداية الضبط في علم الخطّ ذكره في اللباب (11) و الفهرست.
ب- علم الصرف (2) منظومة في علم الصرف ذكرها في اللباب (102) و الفهرست.
ج- علم النحو (3) التذكرة النوروزية- ألّفها قبل سنّ البلوغ- ذكرها في اللباب (3) و الفهرست.
(4) حاشية على شرح القطر- ألفها قبل البلوغ- ذكرها في الفهرست و انظر الاستادي (43).
(5) حديقة الجمل- ألّفها قبل البلوغ. ذكرها في اللباب (4) و الفهرست.
(6) حقائق النحو ذكره في اللباب (5) و في الفهرست و قال: في تطبيق مسائل النحو على المطالب العرفانيّة، و قال الاستادي (26): ألّفها قبل البلوغ!.
(7) درّة الجمان- منظومة في النحو- ذكرها في اللباب (103) و الفهرست.
(8) مصابيح الدجى شرح على البهجة المرضيّة للجلال السيوطي على ألفية ابن مالك، ألّفه قبل البلوغ. ذكره في اللباب (2) و الفهرست.
(9) مصابيح الظلام، ألّفه قبل البلوغ ذكره في اللباب (1) و الفهرست.
(10) المنظومة في النحو، نظمها قبل البلوغ. ذكرها في اللباب (7) و الفهرست و هي غير ما مرّ باسم «درّة الجمان» برقم (7) في قائمتنا هذه.
(11) الوجيزة في الكلمات النحوية، ألّفها قبل البلوغ. ذكرها في الفهرست و اللباب (6).
د- علم البلاغة (12) زهرة الربيع في علم البديع، منظومة. ذكرها في الفهرست و اللباب (98) و ذكرها الاستادي (144) باسم «منظومة في علم البديع» و قال: تقع في (41) صفحة طبعت مع
«تشويقات السالكين» للمؤلف.
(13) منظومة في علم البيان. ذكرها في اللباب (97) و الفهرست.
(14) نخبة البيان في علم البيان. ذكرها في اللباب (12) و الفهرست.
ه- علم الأدب العربي (15) بدر البلاغة في الخطب التي أنشأها. ذكره في اللباب (33) و الفهرست، و هي اثنتا عشرة خطبة، طبعت مع منتخب «قواميس الدرر» للمؤلف عام 1390.
(16) الدرّ المكنون في شرح ديوان المجنون. ذكره في اللباب (49) و الفهرست.
(17) الرباعيّات. ذكره في الفهرست. قد طبع مع «تشويقات السالكين» أكثر من مرّة.
(18) شرح القصيدة المخمسة للشيخ زين الدين ابن صاحب المعالم، في رثاء الامام الحسين عليه السّلام، بالفارسية ذكرها في الفهرست و الملاحظ أنّ القصيدة ليست من نظمه هو و قد طبعت منسوبة إلى ناظمها في كتاب «الدرّ المنثور» للعاملي كما أفاده الاستادي (89) و أضاف: أن الشرح مطبوع مكرّرا.
(19) شرح على قصيدة الحميري، التي مطلعها «لامّ عمر و باللوى مربع» ذكره في اللباب (90) و الفهرست.
(20) شرح على قصيدة الفرزدق، التي مطلعها: «يا سائلي أين حلّ الجود و الكرم».
ذكره في اللباب (92) و الفهرست.
(21) شرح على لامية العجم، للطغرائي. ذكره في اللباب (83) و الفهرست.
(22) فهرست الأمثال. ذكره في الفهرست.
(23) كشف السحاب في شرح الخطبة الشقشقيّة. ذكره في اللباب (19) و الفهرست.
(24) اللغز باسم «الكشكول» و شرحه، هكذا في اللباب (85) و ذكر في الفهرست باسم:
شرح «اللغز».
و اللغز و شرح اللغز عنوانان مستقلان، و لكن لمّا كانا مختصرين ذكرا في عنوان واحد.
(25) منتخب الأمثال في أمثال العرب. ذكره في اللباب (91) و الفهرست مكرّرا! (26) منتخب درّة الغوّاص [في أوهام الخواص، للحريري]. ذكره في الفهرست.
(27) منتخب المقالات من كتاب المقامات. ذكره في اللباب (129) و الفهرست. و هو:
مقامات الحريري؟
(28) نخبة الأمثال: ذكره في الفهرست.
(29) نظم الأمثال: ذكره في الفهرست.
ألف- علم التجويد:
(30) العشرة الكاملة، ألّفها قبل البلوغ ذكرها في اللباب (8) و الفهرست.
ب- علم التفسير:
(31) الأنوار السانحة في تفسير الفاتحة. ذكره في اللباب (13) و الفهرست.
(32) بوارق القهر في تفسير سورة الدهر. ذكره في اللباب (14) و الفهرست و أشار الاستادي (17) الى نسخة المؤلف في مكتبة المحيط في طهران.
(33) تفسير سورة الأعلى. قال الاستادي (30) نقلا عن الذريعة (11- 252) أنّه مذكور في «تبصرة المعاريف».
(34) تفسير سورة «إنا فتحنا» ذكره في اللباب (15) و الفهرست و قال الاستادي (29) إنّه طبع عام (1322).
(35) تفسير سورة الجمعة، بالعربية ذكره في اللباب (17) و الفهرست.
(36) تفسير سورة الجمعة، بالفارسية. ذكره في اللباب (18) و الفهرست.
(37) تفسير سورة «قل هو اللّه أحد» بالعربية. ذكره في الفهرست و ذكر الاستادي (26) أنه طبع في عصر المؤلف في طهران. عام (1316).
(38) تفسير سورة الملك. ذكره في اللباب (16) و الفهرست.
(39) درّة الدرر في تفسير سورة الكوثر. ذكرها في الفهرست قال الاستادي (50) إنه طبع عام (1326) مع تفسير سورة «قل هو اللّه أحد» المذكور بالرقم (37) في طهران في عصر المؤلف.
ألف- علم الدراية:
(40) منظومة في علم الدراية. ذكرها في اللباب (100) و الفهرست.
ب- الفضائل:
(41) ذريعة المعاد في فضائل محمّد و آل محمّد صلوات اللّه عليهم. ذكرها في اللباب (71) و الفهرست. و قد طبع في كاشان عام (1383) و هو في عشرة أبواب و في قم عام 1371 ه. ش.
(42) ساقي نامة، في مدح علي عليه السّلام، و هو منظوم بالفارسية قال الاستادي (78) نظمه سنة (1286) طبع مع إشعار اخرى سنة 1322 و ذكر له نسخة مخطوطة في جامعة طهران.
ذكره في الفهرست و اللباب (109).
(43) شرح الأربعين في فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام. ذكره في اللباب (108) و الفهرست.
(44) مجالس الأبرار في فضائل محمّد و آل محمّد الأطهار عليهم السّلام ذكره في اللباب (72) و الفهرست.
(45) وسيلة المعاد في فضائل محمّد و آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. ذكرها في اللباب (70) و الفهرست سنة (1287) و طبع مكرّرا. و هو بالفارسية.
ج- الدعاء و المناجاة:
(46) إكمال الحجة في المناجاة: ذكره في اللباب (34) و الفهرست.
(47) تبصرة السائر في دعوات المسافر. ذكره في اللباب (39) و الفهرست.
(48) رسالة في نخبة من الدعوات الواردة في الأوقات الشريفة. ذكرها في اللباب (24) و الفهرست و ذكرها الاستادي (153) باسم نخبة.
(49) شعل الفؤاد في المناجاة، بالفارسية. ذكره في اللباب (38) و الفهرست.
(50) مفتاح السعادات في الدعوات. ذكره في اللباب (113) و الفهرست.
(51) المقالات المخزونة في المناجاة. ذكرها في اللباب (32) و الفهرست.
(52) الملهمة القدّوسيّة في المناجاة. ذكرها في اللباب (31) و الفهرست.
د- فقه الحديث و شرحه:
(53) جذبة الحقيقة في شرح دعاء كميل. ذكره في اللباب (21) و الفهرست.
(54) جمل النواهي في شرح حديث المناهي- شرح حديث أورده الصدوق في أماليه، المجلس (96) ذكره في اللباب (80) و الفهرست و طبع عام (1384) في قم.
(55) جنّة الحوادث في شرح زيارة الوارث. ذكره في اللباب (93) و الفهرست طبع سنة (1405) في قم.
(56) رسالة في معنى «الصلاة على محمّد و آله». ذكرها في اللباب (58) و الفهرست.
(57) شرح دعاء الجوشن الصغير ذكره في اللباب (84) و الفهرست.
(58) شرح دعاء السحر «البهاء». ذكره في اللباب (87) و الفهرست ألفه عام 1297 و طبع في قم.
(59) شرح دعاء صنمي قريش. ذكره في اللباب (86) و الفهرست.
(60) شرح دعاء العديلة، بالعربية. ذكره في اللباب (94) و الفهرست و له شرح فارسي يأتي برقم (71).
(61) شرح الصحيفة السجادية. ذكره الاستادى (88) عن الذريعة (13- 349).
(62) شرح على المناجاة الخمسة عشرة. ذكره في اللباب (22) و الفهرست.
(63) شرح على زيارة العاشوراء ذكره في اللباب (115) و الفهرست طبع عام (1405) في قم.
(64) مصاعد الصلاح في شرح دعاء الصباح. ذكره في اللباب (20) و الفهرست.
(65) قبس المقتبس في شرح حديث «من عرف نفسه فقد عرف ربّه». ذكره في اللباب (57) و الفهرست.
ه- الأحاديث القدسيّة:
(66) أسرار الأنبياء في ترجمة كتاب «الجواهر السنية في الأحاديث القدسيّة» للحر العاملي. ذكره في اللباب (79) و الفهرست و قد طبع بخط ابن المؤلف الشيخ محمّد الشريف.
ألف- أصول الدين:
(67) الجوهر الثمين في أصول الدين، منظومة. ذكرها في اللباب (96) و الفهرست. قال الأستادي (38) انها طبعت في طهران في عصر المؤلف.
(68) رسالة في إثبات الرجعة، فارسية. ذكرها في الفهرست و الاستادي (64) و قد طبعت سنة (1329) مع «الإسرار الحسينية» و «خواص الأسماء» للمؤلف، ثم طبعت بعد المؤلف.
(69) شرح كتاب «الاعتقادات» للصدوق، تعليقات عليه ذكره في اللباب (124) و الفهرست.
(70) شمس المشارق (نتائج النظر) شرح على شرح الباب الحادي عشر ذكره في اللباب (25) و الفهرست.
(71) عقائد الإيمان شرح فارسي على دعاء العديلة. ذكره في اللباب (95) و الفهرست
و قال الاستادي (102) أنه كتبه بعد شرحه لدعاء العديلة بالعربية المار برقم (60).
ب- الأديان و مصطلحات الفرق و الردود (72) توضيح السبل في بيان الأديان. ذكره في اللباب (27) و الفهرست.
(73) رجوم الشياطين في الردّ على البابية الملاعين. ذكره في اللباب (44) و الفهرست قال الاستادي (57) ألّفه سنة (1284) و طبع سنة (1322).
(74) رسالة في بيان اصطلاحات الصوفية. ذكره في اللباب (28) و في الفهرست باسم مقدمة السلوك.
(75) رسالة في الردّ على البابية و ذكر كلماتهم الواهية. ذكرها في اللباب (43) و الفهرست.
(76) فضيحة اللئام في ردّ من ابتدع في الإسلام. ذكرها في اللباب (68) و الفهرست.
ألف- أصول الفقه (77) تعليقات على مقدّمة الفصول. ذكره في الفهرست.
(78) رسالة في الاستصحاب. ذكره في اللباب (66).
(79) رسالة في أصل البراءة و الاحتياط. قال في الفهرست مبسوطة، و في اللباب (65) رسالة في أصل البراءة.
(80) رسالة في حجية الظن. ذكرها في اللباب (56) و الفهرست.
(81) شرح «مفتاح الأصول» للمولى أحمد النراقي. ذكره الاستادي (94) نقلا عن المؤلف في لباب الألقاب (ص 95) حيث قال في ترجمة النراقي و كتابه هذا: و قد شرحته في سالف الأيام.
(82) مراحل الأصحاب في تحقيق مسألة الاستصحاب. ذكره في اللباب (128) و الفهرست.
(83) المنظومة في الأصول و لعلها المسمّاة بزبدة الفرائد. ذكرها في الفهرست و قال في اللباب (7): ألفتها قبل البلوغ و هي تزيد على (ألف و مأتين) من الأبيات، توجد نسخة مخطوطة في مكتبة السيّد المرعشي رحمه اللّه باسم «زبدة الفرائد» برقم (5759).
(84) منية الوصول في الأصول، منظومة. ذكرها في اللباب (99) و الفهرست.
(85) النخبة الوفية في شرح المنظومة الموسومة بالدرة البهية في الأصول.
و التحقيق انها شرح لمنظومة التنكابني رحمه اللّه كذا في الفهرست و في اللباب (40)، لان المؤلف ذكر في كتابه لباب الألقاب (ص 114) أنه شرح منظومة في الأصول من تأليف التنكابني صاحب قصص العلماء، هي المشروحة هنا، إلّا أن الاستادي ذكر هذا برقم (156) ناسبا للمنظومة الى السيد بحر العلوم، و ذكر برقم (96) كتابا آخر للمؤلف، فليلاحظ.
ب- القواعد الفقهيّة (86) تسهيل المسالك الى المدارك في رؤوس القواعد الفقهية. ذكره في اللباب (106) و الفهرست و نقل الاستادي (22) انه طبع عام (1374).
(87) التعليقات على كتاب «تمهيد القواعد» [للشهيد الثاني]. ذكره في اللباب (67) و الفهرست.
(88) مستقصى القواعد الفقهيّة. ذكره في اللباب (76) و في الفهرست باسم «مستقصى المدارك» و الظاهر أنهما واحد. و قال الاستادي (125) انه ألفه عام (1295) و طبع جزؤه الأول عام (1404)، و أنه شرح لتسهيل المسالك المذكور آنفا برقم (86).
(89) منتخب القواعد. ذكره في اللباب (77) و الفهرست و لاحظ الاستادي (138).
ألف- الكتب الفقهية الجامعة:
(90) إيضاح الرياض في التعليقات على الشرح الكبير. ذكره في اللباب (127) و قال
في الفهرست إنه في مجلدين و لكن يوجد منه ثلاث مجلدات عند أحفاده.
(91) الحواشي على رسالة آقا باقر. ذكره في الفهرست و قال الاستادي (42) ان متنها للوحيد البهبهاني.
(92) الحواشي على رسالة زينة العباد. ذكره في الفهرست.
(93) الحواشي على رسالة الشيخ جعفر التستري. ذكره في الفهرست.
(94) الحواشي على رسالة مجمع المسائل. ذكره في الفهرست.
(95) رسالة انتخاب المسائل. ذكره في الفهرست و أشار الاستادي (12) إلى طبعه في عصر المؤلف.
(96) رسالة فارسية في أحكام التقليد و الاجتهاد. ذكره في الفهرست و اقتصر في اللباب (64) على التقليد. و قال الاستادي (72) أنه طبع في عصر المؤلّف في طهران.
(97) مجمع الحواشي على شرح اللمعة [أصل الحواشي من السيد الترك و جمعه و ترتيبه من المترجم له مع زيادات]. ذكره في اللباب (126) و الفهرست، و لاحظ الاستادي (121).
(98) مسائل الأحكام في مسائل العبادات، بالفارسية. ذكره في اللباب (61) و في الفهرست: انه في المسائل العملية.
(99) منتخب المسائل في العبادات، بالفارسية. ذكره في اللباب (62) و الفهرست و ذكره الاستادي (140) و ذكر أيضا (12) انتخاب المسائل، و قال انه طبع في عصر المؤلف.
(100) منتقد المنافع في شرح المختصر النافع، (13) مجلدا قال في اللباب (60): خرج منه (ثلاث) مجلدات في الطهارة، و (خمس) مجلدات في الصلاة، و (مجلد) في الزكاة، و الخمس، و الصوم، و (مجلد) في الحج، و (مجلد) في القضاء و الشهادات، و (مجلد) في المتاجر، و (مجلد) في المواريث. و لكن يوجد منه (14) مجلدا لان القضاء و الشهادة في مجلدين مستقلين. و ذكره في الفهرست و قد طبع منها أربع مجلّدات مصورة من خط المؤلف.
(101) وسيلة الإخوان في رؤوس المسائل العملية ذكرها في الفهرست و في اللباب برقم (63) باسم وسيلة الإخوان إلى أحكام الايمان.
ب- الطهارة:
(102) رسالة في تحقيق حكم العصير. ذكرها في اللباب (53) و الفهرست.
(103) رسالة في التيمّم. ذكرها في اللباب (55) و الفهرست.
ج- الصلاة:
(104) رسالة في أفعال الصلاة و جملة مما يتعلق بها من الخلل، بالفارسية. ذكرها في اللباب (74) و الفهرست.
(105) رسالة في الشكيّات. ذكرها في اللباب (54) و الفهرست.
(106) رسالة في الشكيّات و السهويات، فارسية. ذكرها في اللباب (73) و الفهرست.
(107) زبدة المقام في نظم الأفعال. منظومة في (ألف) بيت في أفعال الصلاة، ألّفها عام (1278) في ثلاثة أيام. ذكرها في اللباب (7) و الفهرست.
و طبعت بخط ابن المؤلف الشيخ محمّد الشريف الكاشاني مع كتابه «مغانم المجتهدين» الآتي برقم «110».
(108) مسائل الإحكام. ذكره الاستادي (123) و قال: انه مطبوع في عصر المؤلف.
(109) مسائل الأفعال في بيان أفعال الصلاة. ذكره في اللباب (41) و الفهرست.
(110) مغانم المجتهدين في صلاة الجمعة و العيدين في زمان الغيبة. ذكره في اللباب (69) و الفهرست و طبع مصوّرا من خط المصنف مع تقديم في ترجمته بقلم سبط المؤلف الحاج عزيز اللّه الحسيني إمامت كتبها في (1390).
د- الصوم:
(111) مصابيح الصائمين في أسرار الصوم و آدابه. ذكره في اللباب (78) و الفهرست.
ه- الحجّ:
(112) رسالة في أفعال الحج و العمرة، فارسية. ذكرها في اللباب (47) و الفهرست.
و- المعاملات بالمعنى الأخص:
(113) توضيح البيان في تسهيل الأوزان. ذكره في اللباب (81) و الفهرست و قال الاستادي (33) إنه ألفه (1294) و طبع مكررا في طهران.
(114) ذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء. ذكرها في اللباب (116) و في (ص 63) و الفهرست و لاحظ الاستادي (54) و هو هذا الكتاب الذي نقدّم له.
(115) رسالة في المعاطاة. ذكرها في الفهرست.
(116) رسالة في معاملات الفضولي. ذكرها في اللباب (119) و الفهرست و قال: رسالة طويلة.
(117) رسالة في المكاسب و المتاجر، فارسية ذكرها في اللباب (121) و الفهرست.
ز- الرضاع:
(118) رسالة في الرضاع ذكرها في اللباب (122) و الفهرست.
ح- الصلح:
(119) رسالة في عدم جواز الصلح عن حق الرجوع. ذكرها في اللباب (118) و الفهرست.
ط- المواريث:
(120) رسالة في الإرث، فارسية. ذكرها في اللباب (123) و الفهرست.
(121) القول الفصل في أن منجزات المريض من الأصل. ذكره في اللباب (117) و الفهرست.
ي- الحدود و الديات:
(122) رسالة في القصاص و الديات، فارسية. ذكرها في اللباب (125) و الفهرست.
(123) شرح على القصاص و الديات من المفاتيح. ذكره في اللباب (48) و أضاف فيه الطلاق، و الفهرست و في الاستادي (93) انه شرح مفاتيح الشرائع.
ألف- السيرة:
(124) أسرار حسينيّة، بالفارسية. ذكره في اللباب (89) و الفهرست و قال الاستادي (5) انه طبع سنة 1329 و 1380.
(125) تذكرة الشهداء في مصائب سيد الشهداء، بالفارسية. ذكره في اللباب (111) و الفهرست و قال الاستادي (19) إنه مرتب على (12) مجلسا، و قد طبع سنة (1389) في (452) صفحة بالقطع الكبير.
(126) نخبة المصائب. ذكرها في اللباب (112) و الفهرست.
ب- التراجم:
(127) لباب الألقاب في ألقاب الأطياب. ترجم فيه لمجموعة من المعروفين بألقاب خاصة، فرغ منه عام (1319) طبع عام (1414) في قم. ذكره في آخر اللباب نفسه، و في الفهرست.
(128) نخبة المقال في معرفة الرجال قال بعض أحفاده كان للمترجم له كتاب كبير في الرجال غير اللباب و لعله هذا، ذكره المؤلف في ضمن أجازته للفقيه المجاهد السيد حسين الرضوي الكاشاني التي نقلها في كتابيه: «العندبيل» ص 173 و «مغني الفقيه» ص 113 و لكن لم نقف عليه حتى الآن.
ألف- الأخلاق:
(129) أسرار العارفين في الأخلاق و المعارف. ذكره في اللباب (26) و الفهرست.
(130) البارقات الملكوتية في المعارف و الأخلاق. ذكره في اللباب (59) و الفهرست.
(131) حكم المواعظ. ذكره في اللباب (46) و الفهرست.
(132) رسالة في آداب الأعياد الشريفة فارسية. ذكرها في اللباب (88) و ذكرها الاستادي برقم (1) ثم قال (59) رسالة في الأعياد (الشرعية) طبعت في طهران.
(133) رسالة في آداب يوم الجمعة. ذكره في الفهرست فقط.
(134) ساقي نامة في الأخلاق. ذكره في الفهرست و في اللباب (110).
(135) شكايت نامة، منظومة فارسية. ذكرها في اللباب (134) و الفهرست قال الاستادي (98) إنها في أربعة فصول، طبعت مرّتين.
(136) صراط الرشاد، في الأخلاق. ذكرها في اللباب (51) و الفهرست.
(137) القصيدة السينية في الأخلاق. ذكرها في الفهرست.
(138) قصيدة في ذم الزمان، و الاستغاثة بصاحب الزمان عليه السّلام. ذكرها في الفهرست.
(139) القواعد الربّانية في باطنيات الأخلاق. ذكره في اللباب (30) و الفهرست.
(140) گوهر مقصود در وفاء بعقود، فارسية ذكره في اللباب (104) و الفهرست و قال الاستادي (115) انه ألّفه عام (1333) و طبع عام (1325) في كاشان.
(141) مقدمة التعليم و التعلّم. ذكره في اللباب (50) و الفهرست.
(142) نصيحت نامه. ذكره في اللباب (133) و الفهرست قال الاستادي (157) انه في (40) فصلا نظمه عام (1301)، و قد طبع مرّتين.
ب- العرفان:
(143) أحسن التراتيب في نظم درر المكاتيب. ذكره في اللباب (107) و الفهرست
و قال الاستادي (2) إنه في العرفان، و هو شرح لكتاب «المكاتيب» من تأليف قطب الدين الأنصاري الخزرجي السعدي، من العامة، طبع في (161) صفحة، و الشرح بالفارسية، مع أن المتن بالعربية.
(144) ترجيع بند، في مراتب السير، منظومة في السلوك نظمها عام (1279) كذا في قائمة الاستادي (21) و قال: انها طبعت في (7) صفحات مع «تشويقات الساكنين» الآتي.
(145) تشويقات السالكين الى معارج الحق و اليقين. نظم فارسي، ذكره في اللباب (114) و الفهرست و قال الاستادي (23) تمّ نظمه عام (1289) و طبع عام (1322) في (108) صفحات، و أعيد بالتصوير.
(146) تنبيهات الغافلين في المثنويات. ذكره في اللباب (75) و الفهرست و قد طبع مع «تشويقات السالكين» السابق.
(147) خواص الأسماء الحسني في شرحها بالفارسية. ذكره في اللباب (120) و الفهرست قال الاستادي (48) انه طبع في عصر المؤلف مع «أسرار حسينية» له.
(148) درّة اللاهوت، منظومة في المطالب العرفانية. ذكره في اللباب (35) و الفهرست.
(149) رياض العرفان في المثنويات. ذكره في اللباب (37) و الفهرست.
(150) الكلمات الجذبيّة في الآداب الملكوتية. ذكره في اللباب (42) و الفهرست.
ألف- علم المنطق:
(151) لباب الفكر. ذكره في اللباب (9) و الفهرست.
(152) لبّ النظر. ذكره في اللباب (10) و الفهرست.
ب- علم المناظرة:
(153) رسالة في علم المناظرة. ذكرها في اللباب (45) و الفهرست.
(154) منظومة وجيزة في علم المناظرة. ذكرها في اللباب (101) و الفهرست.
(155) رسالة في اصطلاحات أهل الجفر. ذكرها في اللباب (23) و الفهرست.
(156) رسالة في علم الجفر. ذكرها في الفهرست.
(157) السرّ المستسرّ في الطلسمات و الدعوات. ذكره في اللباب (36) و الفهرست.
(158) جملة من الإشعار المتفرقة. كذا في الفهرست و لعله هو الذي ذكره الاستادي (53) بعنوان «ديوان أشعار» و احتمل أن يكون هي المجموعة المطبوعة باسم «تشويقات السالكين» الذي مرّ برقم (145).
(159) رياض الحكايات في الأمثال و القصص المضحكة و غيرها. ذكره في اللباب (82) و قال: قد طبع مرارا عديدة، و ذكره في الفهرست.
(160) الفهرست، ألّفه سنة (1324) قائمة بأسماء ما احتوته مكتبته من الكتب، و يحتوي أيضا على وصيّة له رحمه اللّه، ذكره في اللباب (132) و قد طبع ابنه الشيخ محمّد الشريف خصوص أسماء مؤلفاته من هذا الفهرست، مع «مغانم المجتهدين».
(161) قواميس الدرر في مطالب متفرقة. ذكره في اللباب (52) قال: و هو كتاب كبير نفيس في مجلدين و ذكره في الفهرست أيضا.
(162) گلزار أسرار في الأشعار. ذكره في اللباب (105) و الفهرست و طبع عام (1322) كما ذكره الاستادي (114).
(163) منتخب القواميس. ذكره في الفهرست و هو مختار من كتابه السابق المرقم (161) و قال الاستادي (139) انه طبع عام (1390).
و لسماحة المؤلف عدة قصائد في رثاء الامام الحسين عليه السّلام ذكرت في الفهرست بأرقام عديدة لم نعدّها نحن في هذه القائمة مؤلفات مستقلّة، و هي مطبوعة مع كتاب تشويقات السالكين.
هذا ما تيسّر لنا جمعه، و تنظيمه من أسماء مؤلّفاته رحمه اللّه حسب موضوعات العلوم، و من أراد الوقوف عليها منظمة حسب الحروف في أوائلها، فعليه بالقائمة التي أعدّها فضيلة الشيخ الاستادي دام علاه، و المنشورة في مجلّة (نور علم) العدد (54) الصادرة عام (1413) من مركز جماعة المدرسين في قم.
و بعد عمر ناهز الثمانين، بورك له فيه و في إنتاجه، حظي منه المؤلّف بالخلود و الذكر الحميد، و قد أطنب مترجموه في الثناء عليه، مثل ما قاله العلامة شيخنا آقا بزرگ الطهرانيّ:
«هو عالم فقيه، و رئيس جليل، و مؤلّف مروّج، مكثر» و ذاع صيته، و انتشرت ترجمته، و خلّف مع تراثه العلميّ ذريّة صالحة من خمسة أولاد، و ستّ بنات، و ثلة من الأحفاد الذين يرفلون في أثواب المجد و الصلاح حتى الآن.
قضى الشيخ المؤلّف في الثالث و العشرون من جمادى الآخرة عام (1340) في بيته في كاشان، و دفن في قبر أصبح مزارا يرتاده المؤمنون حتى هذه الأيام فرحمه اللّه، و أسبغ عليه من برّه و رضاه.
«و الحمد للّه على إحسانه و نسأله الرضا بفضله و جلاله انه ذو الجلال و الإكرام».
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيٖمِ بديعا أنطق عنادل بساتين العرفان بمطربات النغمات و معجبات الألحان.
و الصلاة و السلام على محمّد عندليب الحقّ، الّذي اضطلع بما حمّل من أعباء الرسالة فتغنّى بأفصح الكلمات و أحسن البيان، و أفصح عن أسرار نبوّته بساطع البرهان.
و على آله المعصومين الطيّبين، الداعين بالحقّ إلى الحقّ المبين، ما تغرّدت الورق في أفنان الأفنان (1)و تغنّت بفنون الأسجاع و شجون الألحان.
أمّا بعد، فيقول العبد الفقير إلى اللّه الصمد، حبيب اللّه بن عليّ مدد: إنّ هذه رسالة أفردتها لكشف الغطاء عن وجه حقيقة مسألة الغناء، بمصابيح التحقيق و فتح مقفلات إسرارها بمفاتيح التدقيق.
و رتّبتها على مقدمات، و مقاصد، و خاتمة.
1) أي ضروب الأغصان.
الحقّ المدلول عليه بالعقل و وجوه من النقل، الموافق لمذهب مجتهدين أصحابنا: أنّ الأشياء كلّها مطلقة حتى يرد في شيء منها نهي، من آية محكمة أو سنّة معتبرة أو إجماع قطعي أو ضرورة دينيّة أو عقل محكم.
و كلّ ما خلا مستند تحريمه عن أحد هذه الأمور فهو على أصل الإباحة.
قال أبو الحسن عليه السّلام: إنّ أمور الأديان أمران: أمر لا اختلاف فيه بين الأمّة و هو ضرورة في الدين لا يقبل الشكّ، و أمر يحتمل الشكّ و الإنكار، فمن ادّعى شيئا من هذا القسم فعليه أن يحتجّ عليه بكتاب مجمع على تأويله، أو سنّة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا اختلاف فيها، أو قياس تعرف العقول عدله، و ضاق على من استوضح تلك الحجة ردّها، و وجب عليه قبولها و الإقرار و الديانة بها.
فمن ادّعى شيئا من هذا الأمر- و لم يكن له شيء من هذه الحجج الثلاث- وسع خاصّة الأمّة و عامّتها الشكّ فيه و الإنكار له. الى آخره (1)ثمّ إن ورد في شيء نهي:
فإن كان صريحا في التحريم أو ظاهرا فيه، كما هو ظاهر صيغته، و لم يكن له معارض، و لا
1) أوردها باختلاف في الاختصاص المنسوب الى المفيد (ص 58) و تحف العقول (ص 407) و البحار (2- 240) و قد نقلها المصنف في موسوعته «منتقد المنافع» مجلّد المتاجر من النسخة الخطية، نقلا عن رسالة إيقاظ النائمين للسيد ماجد البحراني- و هذا كتاب (الإيقاظ) مطبوع ضمن كتاب التمهيد لعلوم القرآن للأستاذ الشيخ محمد هادي معرفة دام ظله (ج 5- 197- 221) و العبارة في ص 219، و فيها اختزال و تلخيص.
صالح للمعارضة و لم يكن إجمال في متعلّقه، فلا ريب في وجوب الحكم بتحريمه.
و كذا لو عورض بما لا يصلح للمعارضة، أو يصلح و لكن كان في طرف النهي حاكما أو خاصّا مطلقا.
و إلّا، كانت الشبهة حكمية بتعارض الأدلّة و عدم المرجّح، و المرجع فيها عندنا أصل الإباحة، و عند الأخبارية أصل الحظر، لأخبار الاحتياط المحمولة على الاستحباب، جمعا بين أخبار الباب.
و كذا لو كان اللفظ الدالّ على النهي مجملا، كما لو قلنا باشتراك الصيغة مع فقد القرينة.
أو كان متعلق الحكم مجملا بتردّد وضع لفظه بين أمرين أو أكثر.
أو عدم وضوح المراد منه- و إن علم الموضوع له-:
كما لو علم أنّ الخمر موضوع للمتّخذ من العنب و لكن نشكّ في أنّ غير المسكر منه مراد من النهي أيضا.
و كما لو علمنا أنّ الغناء موضوع للصوت المطرب، مع الشكّ في أنّ غير اللهويّ منه مراد من النهي عنه.
و على القول بإجمال الغناء، لعدم العلم بوضعه، يكون من أمثلة الأوّل من الثاني.
و كذا لو كان الاشتباه في طريق الحكم، بأن تكون الشبهة موضوعية مصداقيّة، و ضابطها أن يكون الشكّ في واقعة شخصيّة لأجل الاشتباه الخارجيّ، بأن يكون سبب الشكّ في حكم هذا الشخص الموجود في الخارج، الشكّ في كونه من مصاديق هذا الكلّي و أفراده أو في كونه من مصاديق ذلك الكلّي، مع العلم بحكم كل من الكليّين، بحيث لو ارتفع الاشتباه الخارجيّ و تبيّن كونه من أفراد أحدهما بعينه كان حكمه واضحا، كما لو شككت في مائع هل هو خمر أو خلّ؟ فهو لك حلال حتى تعرف أنّه خمر.
و الظاهر أنّ الأخبارية موافقون للمجتهدين في الحكم بالإباحة في هذه الصورة.
نعم، لا يجري أصل الإباحة فيها مع معارضة الأصل الموضوعي الحاكم بالحرمة له، كما لو تردّدت المرأة بين الزوجة و الأجنبية، فإنّ أصالة عدم العلاقة الزوجية و استصحابه
قاضيان بالحرمة و حاكمان على أصل الإباحة (1)، كما صرّح به بعض الأجلّة.
و قد صرّح أيضا بأنّ الإجمال إذا كان في متعلّق الحكم و موضوعه كان من الشبهة الحكميّة مطلقا، سواء كان الإجمال للاشتباه في الوضع أو في المراد، كما ذكرناه.
و وجهه: أنّ المشكوك في كونه غناء أو مرادا منه (2)محتمل للحرمة و عدمها لأجل الاشتباه في حكمه بخصوصه، لا لأجل أمر خارجيّ لو ارتفع وضح الحكم.
لا يقال: إذا كانت الشبهة في مفهوم الموضوع وجب الاجتناب عن كلّ ما يحتمل كونه موضوعا من باب المقدمة! فإنّ هذا لا يجري فيما علم ببعض الأفراد كما في الغناء، لحصول الامتثال بالاجتناب عنه و إنّما الشكّ في الزائد، فينفى حرمته بالأصل.
هذا، و لكنّ ظاهر جماعة، بل صريح بعضهم، اختصاص الشبهة الحكمية بما لو كان الاشتباه من جهة عدم الدليل أو من جهة تعارض الدليلين، و أنّ الإجمال إذا كان في متعلق الحكم كان من الشبهة في طريق الحكم.
و قد حكم بفساده بعض الفحول (3)، نظرا إلى أنّ الحكم ليس هو نفس الحرمة بل هي مع اعتبار تعلّقها بفعل المكلف، فالشكّ فيه موجب للشكّ فيها.
و بعبارة أخرى: العرض لا بدّ له من محلّ يتقوّم به و الشكّ في المحلّ موجب للشكّ في العرض.
و هذا- و إن جرى في الشبهة الموضوعية أيضا- و لكنّ الموضوع فيها ثابت محقّق في نفس الأمر فلا شبهة في أصل العروض، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ أصل العروض مشكوك فيه لعدم ثبوت الموضوع إلّا في الجملة، و العروض- حينئذ- و إن كان محقّقا في الجملة أيضا، و لكنّه غير محقّق بالنسبة إلى كل واحد من المحتملات.
فقد تبيّن أنّ الشبهة في مسألة الغناء- على القول بإجماله لأحد الأمرين، أو تعارض ما دلّ من الأخبار على جوازه و حرمته بالنسبة إلى بعض افراده- من الشبهة الحكميّة
التحريميّة. فإنّ الصوت المطرب اللهويّ المهيّج للشهوات المزيّن للسيّئات محقّق كونه غناء و مرادا من لفظ الغناء المنهيّ عنه.
و غيره- و إن احتمل حرمته باحتمال وضع اللفظ لما يشمله أو إرادته منه و لو على سبيل التجوّز- إلّا أنه غير ثابت، فيرجع إلى أصل الإباحة و البراءة عن الإلزام بحكم التحريم، كما يزعمه الأخباريّ، و إن وافقنا عليه في الشبهة الموضوعية.
و لعلّ من جعل المسألة منها، نظر إلى أنّ الاشتباه في الموضوع أوجب الاشتباه في الحكم، و إلّا فهو واضح في الجملة.
و هو كما ترى و حكى عن الشيخ الحرّ رحمه اللّه: أنّ من الشبهات قسما متردّدا بين الشبهة الحكمية و الموضوعية.
قال: «و هي الأفراد التي ليست بظاهرة الفردية لبعض الأنواع، و ليس اشتباهها بسبب شيء من الأمور الدنيوية كاختلاط الحلال بالحرام، بل بسبب أمر ذاتيّ أعني اشتباه صنفها في نفسها.
كبعض أفراد الغناء الّذي قد ثبت تحريم نوعه، و اشتبه أنواعه في أفراد يسيرة.
و بعض أفراد الخبائث الّذي قد ثبت تحريم نوعه، و اشتبه بعض أفراده، و منها شرب التتن.
و هذا النوع يظهر من الأخبار دخوله في الشبهات التي ورد الأمر باجتنابها (1)» انتهى.
و فيه ما لا يخفى بعد ما بيّنّاه، و قد فصّلناه في محله (2)فليتأمّل.
الأظهر عندي وفاقا لكثير من المحقّقين أنه لا عبرة بنقل الإجماع في مقام الاستدلال لحرمة العمل بالظن إلّا ما خرج بخصوصه، و لا دليل على خروج الظنّ الحاصل بالإجماع المنقول.
إلّا أن يدّعى دخوله في خبر الواحد، و لكن أدلّة حجيته لا تشمله، لاختصاصها عند التأمّل
الصحيح بما إذا كان خبره مستندا إلى الحسّ لا إلى الاجتهاد و الحدس، و إلّا لكان فتوى الفقيه أيضا معدودة من الروايات، لرجوعها إلى قول المعصوم باجتهاده، كرجوع دعوى الإجماع إليه.
غاية الأمر أنّ العادل مصدّق في نبئه عن حدسه و اجتهاده، و أمّا أنّه يجب الحكم بعدم خطئه في ذلك، و أنّ ما استنهضه باجتهاده موافق للواقع و مطابق لنفس الأمر، فلا دليل عليه، لأنّ عدالته تمنع من تعمّده في الكذب في ما يخبر عن المحسوس، لا من خطئه في اجتهاده.
و أصالة عدم الخطأ في المحسوس، لندرته، فلذا لا تجري في الاجتهاديات لكثرة الخطأ فيها، و كذا في غير الضابط الّذي يكثر خطؤه و نسيانه في المحسوسات.
هذا مع كثرة اختلافهم و تشتّت اصطلاحاتهم في التعبير بالإجماع:
فمنهم من يكتفي باتّفاق المعروفين من العلماء المعاصرين أو مطلقا.
و منهم من يكتفي في خصوص واقعة بالإجماع على العمل بأصل أو قاعدة فيدّعي الإجماع في خصوصها لاندراجها- بحسب اجتهاده- تحت هذا المجمع عليه، نظرا إلى وجود المقتضي للحكم و فقد المانع.
و منهم من يكتفي بمجرّد اتّفاق علماء العصر من دون اعتبار العلم بدخول المعصوم.
و منهم من يستكشف من اتّفاق علماء العصر عن موافقة المعصوم عليه السّلام نظرا إلى قاعدة اللطف، فيجعل مخالفة الواحد- و لو كان معروف النسب- قادحة في الإجماع، لحصول اللطف بعدم اجتماع الكلّ على الباطل.
و منهم من يعتبر العلم الإجماليّ بوجود المعصوم في المتّفقين، و إن كانوا قليلين، فلا يكون خروج معروف النسب قادحا.
و منهم من يكتفي بالحدس عن موافقة المعصوم باتّفاق كثير من رعيّته.
و منهم من يريد به عدم الخلاف و انحصار القول فيه، بمعنى كون القول واحدا كما في ذكر الإجماع في مقابل الخلاف.
و منهم من يريد به اتّفاق جميع علماء الأعصار في جميع الأمصار كما قد يصرّح به أيضا.
و هذه الوجوه- و إن استلزم بعضها عادة لقول المعصوم- و لكنّه نادر، مع حصول الإجمال في الاقتصار على المطلق.
و دعوى انصرافه إلى ما يستلزمه ممنوعة.
بل يمكن دعوى ظهوره في اتفاق علماء عصر واحد، و استلزامه- بعد تسليم تحقّقه لقلّة العلماء- لذلك، ممنوع، إلّا على القول باللطف، و هو ضعيف كما حقّق في محلّه.
نعم، لو صرّح الناقل بالوجه الأخير أو نحوه مثل قوله: «إجماع المسلمين أو الشيعة كافّة في جميع الأعصار» أمكن القول بحجيته و جعله من قبيل خبر الواحد.
فإنّه إذا ثبت مثل هذا الاتفاق بقوله، لكونه من المحسوس، استكشفنا به قول المعصوم، نظير إخباره بآثار العدالة من المواظبة على أوقات الصلوات و الاهتمام بكثير من المستحبّات و حضور الجماعات و أداء الأخماس و الزكوات، فإنّه ينتقل من هذه الآثار المحسوسة إلى (1)ملكة العدالة، مع كونها غير محسوسة.
و الحاصل أنّ مع هذا الاختلاف في مورد استعمال الإجماع لا يعلم إرادة ناقله الوجه الموجب لدخوله في الرواية و حكاية السنّة.
فإن قلت: هب إنّ الأصحاب مختلفون في اصطلاح الإجماع، فإنّه عند القدماء عبارة عن اتّفاق الكلّ الّذين من جملتهم الإمام المعصوم عليه السّلام إجمالا.
و عند الشيخ و أتباعه عن اتّفاقهم، و إن علم بعدم اشتمالهم عليه عليه السّلام.
فإنّ قاعدة اللطف- المستفادة من الأخبار الدالّة على أنّ الزمان لا يخلو عن حجة، كي: إن زاد المؤمنون شيئا ردّهم، و إن نقصوا أتمّه لهم- تقتضي عدم اتّفاقهم على غير الحقّ الموافق للمعصوم.
و عند المتأخّرين و متأخّريهم عن اتّفاق جماعة من خواصّ الأمّة كاشف عن قول الرئيس المعصوم من جهة الحدس.
و لكن يحمل دعوى الإجماع من كل ناقل على وفق مصطلحه، كما يحمل استعمال كلّ قوم
1) كذا الصواب، و في الأصل: (على).
على عرفهم، فمن أين الإجمال الموجب للتوقّف؟
قلت:
أوّلا: إنّ الإجماع على الطريقة الاولى في غاية الندرة، بل يمكن القول بأنّه لم يتحقّق بعد.
و على الثانية، لا دليل على حجيته و قد بالغ السيد المرتضى رحمه اللّه في ردّه (1).
و على الثالثة، مبنيّ على الحدس و الاجتهاد و العاملون بأخبار الآحاد لا يركنون إلى خبر يستند راويه إلى مثل هذا الاستناد.
هذا، مع أنّ في القدماء جماعة كانوا يستندون في دعواهم الإجماع إلى الإجماع على العمل بأصل أو قاعدة أو نحوهما، كما عن المرتضى و المفيد و الحلّي (2)بل الشيخ حيث علّل- في مسألة ظهور فسق الشاهدين بما يوجب القتل سقوط القود و كون الدية من بيت المال- بالإجماع من الفرقة، ثم علّل الإجماع بأنّهم رووا أنّ ما أخطأت القضاة ففي بيت مال المسلمين. (3)
على أنّك قد عرفت تسامحهم في إطلاق الإجماع على مجرّد عدم الخلاف و على المشهور و نحو ذلك ممّا لا دليل على حجّيّته، فكيف يبقى الاعتماد على مثل هذه الإجماعات المنقولة؟ و يجعل سبيلها سبيل الروايات المأثورة؟
و أعجب من ذلك الاستناد في كثير من المواضع إلى إطلاق دعوى الإجماع على لفظ مطلق يشمل محلّ النزاع.
و قد أجاد المحقق رحمه اللّه حيث إنّه- بعد أن صرّح بأنّ ذلك لا يقتضي الإجماع- قال: على أنّ المذهب لا يصار إليه من إطلاق اللفظ ما لم يكن معلوما من القصد، لأنّ الإجماع مأخوذ من قولهم: أجمع على كذا، إذا عزم عليه، فلا يدخل في الإجماع على الحكم إلّا من علم منه القصد إليه، كما أنّا لا نعلم مذهب عشرة من الفقهاء الّذين لم ينقل مذهبهم لدلالة
عموم القرآن و إن كانوا قائلين به (1)انتهى.
و من هنا ظهر ضعف الاستدلال لحرمة مطلق الصوت المطرب، و إن لم يكن لهويّا، بما حكي عن المفيد رحمه اللّه من دعوى الإجماع على حرمة الغناء (2)لعدم معلومية إرادته من الغناء ما يشمل غير اللهويّ.
على أنّه يحتمل أن يكون استناده في هذه الدعوى إلى اتّفاقهم على مسألة أصوليّة نظير دعواه إجماع المسلمين على أنّ المطلّقة ثلاثا في مجلس واحد يقع منها واحدة.
ثم قال: و أمّا إجماع الأمّة فهم مطبقون على أنّ ما خالف الكتاب و السنّة فهو باطل، و قد تقدّم وصف خلاف الطلاق بالكتاب و السنّة، فحصل الإجماع على إبطاله (3)انتهى.
فلعلّه نظر إلى دلالة بعض الآيات و كثير من الروايات على حرمة الغناء فادّعى الإجماع عليها لإطباقهم على أنّ ما حرّمه الكتاب و السنّة فهو حرام.
ثم لو سلّمنا حجيّة مثل ذلك، فلا نسلّم حجيّته بالنسبة إلى جميع ما يطلق عليه الغناء، بل المسلّم ثبوت الحرمة في الجملة، و هذا لا يجدي في تعميم الحكم لمحلّ النزاع.
و ممّا بيّنّاه تبيّن حال الاستناد إلى الشهرة أيضا، فليتدبّر.
المطلق من حيث هو لا يفيد العموم، لأنّه لم يوضع له لغة و لا عرفا، بل هو موضوع للماهيّة المطلقة لا بشرط شيء آخر، بخلاف الألفاظ الموضوعة للعموم فإنّها موضوعة للماهيّة بشرطه.
و إلى هذا يرجع ما في «تمهيد القواعد» للشهيد الثاني من أنّ الفرق بينهما مع اشتراكهما في الحكم أنّ العام هو الدالّ على الماهية باعتبار تعدّدها، و المطلق هو الدالّ عليها من حيث
هي، لا بقيد وحدة و لا تعدّد، و مرجعه إلى أنّ العام الماهية بشرط شيء، و المطلق الماهيّة لا بشرط شيء (1)انتهى.
و هذا هو السرّ في أنّ حمل العام على العموم غير مشروط، بخلاف حمل المطلق عليه فإنّه مشروط بشرطين، كما صرّح به جماعة، منهم الفريد البهبهاني رحمه اللّه في فوائده (2).
[الشرط] الأوّل أن لا يكون بعض ما يصدق عليه من أفراده شائعا غالبا بحسب الاستعمال أو الوجود في الخارج، بل يكون متواطئا بالنسبة إلى جميع أفراده، فلو كان في مصاديقه شائع غالب بحسب الاستعمال حمل عليه قطعا إن بلغ الشيوع حدّا ينصرف الذهن معه إلى هذا الفرد و يتبادر منه مطلقا و لو مع قطع النظر عن ملاحظة الشيوع، لأنّ الحقيقة الأولى- حينئذ- قد صارت مهجورة مماته، و حصل وضع تخصّصيّ جديد بالنسبة إلى خصوص هذا الفرد، فلا يراد في العرف غيره إلّا مع القرينة، كما في الدابّة الموضوعة لغة لمطلق ما يدبّ في الأرض، و لكن شاع استعمالها في العرف على الخيل و البغال و الحمير، بحيث أميت المعنى اللغويّ، و هجر استعمالها في نحو الذرّ و الشاة، و لذا لو أوصى لشخص بدابّة لا يدفع إليه الشاة. و كما في الطعام لو قيل بوضعه لغة لكل ما يؤكل، فشاع استعماله في البرّ أو مطلق الحبوب حتّى صار حقيقة فيه.
و من هذا القبيل لفظ الغناء الموضوع لمطلق الصوت أو مطلق الصوت المطرب، لو قلنا بصيرورته حقيقة عرفية في المطرب اللّهويّ لكثرة استعماله فيه.
و أمّا لو لم يبلغ الشيوع الاستعماليّ هذا المبلغ، بل كان تبادر هذا الفرد، و انصراف الذهن إليه بسبب ملاحظة الشيوع و شهرة الاستعمال، فظاهر كل من أطلق القول بأنّ المطلق يحمل على الفرد الشائع، وجوب حمله عليه «حينئذ» أيضا.
و أظهر منه القول بأنّ غلبة استعمال المطلق في الفرد من الأمارات المشخّصة لمراد المتكلم.
و لكن ينبغي أن يجري في المقام أيضا ما ذكروه من الخلاف في الحقيقة المرجوحة و المجاز
الراجح من التساوي و التوقف، أو ترجيح المرجوح، أو الراجح. و منشؤه رعاية الأصل من حمل اللفظ على المعنى الموضوع له، و مراعاة الغلبة الموجبة للظهور، لكونها بمنزلة القرينة الصارفة، و حصول التعارض الموجب للتوقّف.
و قد يتوهم: أنّ مجرد تبادر أظهر أفراد اللفظ و أشهرها مقتض للنقل و تجدّد الوضع، لكون التبادر من علائم الحقيقة و أماراتها.
و فساده واضح، فإنّ التبادر الّذي هو من العلائم، هو الوضعي، أي فهم المعنى من جوهر اللفظ و حاقّه، من دون ملاحظة أمر خارج عنه من غلبة الاستعمال و غيرها من الأسباب الخارجة، لا الإطلاقيّ، أي فهمه من اللّفظ بواسطة أمر خارج عنه، فإنّه لا يوجب الوضع و لا ينتقل منه إليه انتقالا إنّيا كما في الوضعي.
قال بحر العلوم قدّس سرّه في فوائده: كيف و جميع الألفاظ الموضوعة للمعاني الكلية يتبادر منها الأفراد الشائعة المتعارفة، و قلّما يتّفق أن يكون أفراد الكلي متساوية في الظهور و السبق و التبادر إلى الفهم، بل الغالب اختلافها في ذلك (1)انتهى.
و «حينئذ» فلا وجه للتفرقة بين مسألة الفرد الشائع و مسألة المجاز الراجح بأنّ حملهم المطلق على الفرد على الشائع مبنيّ على ثبوت الحقيقة العرفية في ذلك اللفظ مع هجر المعنى اللغوي، فلو حمل «حينئذ» على غير هذا الفرد أو على معناه اللغوي الصادق على جميع الأفراد مطلقا كان حملا للّفظ على معناه المجازي، أي الحقيقة المهجورة، بدون قرينة، و هو غير جائز، فتعيّن الحمل على الفرد الشائع، لأنّه حمل للكلمة على حقيقتها، و لا حاجة فيه إلى القرينة، بخلاف حمل اللّفظ على المجاز المشهور فإنّ حقيقته لم تهجر بل تتعاهد في بعض الأوقات.
و لذا وقع الاختلاف بينهم بما عرفته في تلك المسألة دون ما نحن فيه، لأنّ جانب الوضع الجديد فيه سليم عن المعارض، و الوضع القديم في مسألة المجاز الراجح معارض بالظهور الناشئ عن الشهرة و الغلبة.
1) فوائد بحر العلوم ص 11 «الفائدة الرابعة».
و وجه الفساد في هذا الوجه: أنّ كلامنا في ما لم تثبت الحقيقة العرفية، حيث أطلقوا القول بأنّ المطلق منصرف إلى فرده الشائع و محمول عليه، و قد صرّحوا بذلك في مواضع كثيرة نقطع فيها بعدم ثبوت الوضع الجديد، و هذا واضح لمن تتبّع في الفقه.
و يرشد إلى هذا ما يذكرونه في الأصول من أنّ غلبة استعمال المطلق في الفرد من أمارات تشخيص المراد، و لم يذكروها في أمارات تشخيص الأوضاع.
و من هنا ظهر أيضا أنّه لا وجه لما قد يتوهّم من أنّ حملهم المطلق على الفرد الشائع مبني على صيرورته فيه مجازا مشهورا فيرجّح على الحقيقة المرجوحة.
فإنّهم قد أطلقوا هذا الحكم، و أرسلوه إرسال المسلّمات، و فيهم من يتوقف في مسألة تعارض المجاز الراجح مع الحقيقة المرجوحة، و من يقدّم الحقيقة على المجاز مستدلا بقوّة الوضع و رعاية الأصل.
هذا، مع أنّ مجرّد استعمال المطلق في الفرد ليس تجوّزا، كما فصّل في محلّه.
و الحاصل أنّ مجرد شيوع استعمال المطلق في فرد لا يوجب صيرورته حقيقة عرفية في خصوصه، و مجازا في العموم البدلي.
و لذا قال بعض السادة الأجلّة قدس سرّه: لو وقع التصريح بالعموم كأن يقول: «أعتق رقبة أيّ رقبة شئت» كان اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي غير معدول به عن معناه الأصليّ و لا مراعى فيه وجود العلاقة بينه و بين غيره، كما هو شأن المجاز. انتهى.
و كذا لا يوجب مجرّد استعمال المطلق في الفرد الشائع باعتبار أنّه من مصاديقه كونه مجازا، نعم، لو استعمل فيه مع إرادة الخصوصية من اللفظ كان مجازا، لأنّه لم يوضع لفرد بعينه بل لشائع في جنسه.
و كذا لو استعمل في العموم الاستغراقيّ بالقرينة الحالية من قاعدة الحكمة، كما في أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)و نحوه ممّا أوجب حمله على الفرد المعيّن الترجيح من غير مرجّح، أو الإجمال المنافي لمقتضى الحال، و على غيره المبهم قيام الصفة الوجودية- كالحلّية مثلا- بما لا
1) البقرة: 275.
وجود له، فإنّ المبهم لا وجود له، فيتعيّن حمله على العموم الاستغراقيّ بمقتضى الحكمة.
على أنّ دأب الشارع في أمثال المقام تأسيس القاعدة الكلية لا بيان الحكم لفرد لا بعينه.
و كيف كان، فالتحقيق في التفرقة بين المسألتين.
أنّ الأصل- و إن اقتضى فيهما حمل اللفظ على الحقيقة و الإطلاق، نظرا إلى ظاهر اللفظ مع قطع النظر عن الشهرة و الغلبة، كما هو قاعدة محاورة أهل اللسان و متفاهم العرف في جميع الأزمان، حيث يستندون في الألفاظ المجرّدة إلى أصالة الحقيقة و الإطلاق- و لكنّ المانع من تسليم حكم الأصل و مقتضاه، في ما كان مجازه مشهورا، هو غلبة الاستعمال في المعنى المجازيّ بالقرينة، فإذا أطلق هذا اللفظ كان احتماله لإرادة المعنى المجازيّ- تعويلا على الشهرة- أظهر.
و إنّما اختلفوا «حينئذ» في ذلك لاختلافهم في أنّ الشهرة هل تصلح لكونها قرينة كسائر القرائن أو لا؟
فمن قال بالأوّل رجّح إرادة المعنى المجازيّ.
و من قال بالثاني قدّم الحقيقة.
و من التبس عليه الأمر توقّف.
و إلّا، فلا خلاف بينهم في أنّه يخرج عن الأصل بالقرينة.
و المانع في ما كان فرده شائع الاستعمال، و إن كان ما ذكرناه في الحال، و لكنّه لا معارض له من جهة الوضع، لتساوي جميع الأفراد من الشائع و غيره في كونها من مصاديق الماهيّة المطلقة حقيقة، فيكون الفرد الشائع ذا ترجيح بمرجّح الشيوع و الغلبة، فلا يعارضه شيء من جانب الوضع، كما في المجاز المشهور.
لا يقال: فالشيوع قرينة على إرادة هذا الفرد و تعيّنه، فيكون مجازا.
فإنّ القرينة قد تكون معيّنة، كما في المشترك، فلا تستلزم المجازية، و إنّما المستلزمة لها هي الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقيّ.
و ربّما يعلّل تعيّن الفرد الشائع للإرادة من المطلق بأنّه القدر المتيقّن من قصد المتكلّم، فتدبّر.
و يظهر من السيّد المرتضى رحمه اللّه القدح في هذه القاعدة و هو ضعيف.
هذا كلّه في الشائع الاستعماليّ.
و أمّا الشائع الوجوديّ: ففي انصراف المطلق إليه و عدمه قولان، و لعلّ الأوّل أظهر، و هو ظاهر إطلاق الجماعة بل صريح بعضهم، كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم.
و ممّا ذكرنا ظهر الفرق بين المطلق و العام أيضا بشمول العام لجميع الأفراد الشائعة و النادرة لكون عمومه وضعيّا، بخلاف المطلق فإنّ عمومه للحكمة.
الشرط الثاني (1): أن يكون ذكره لأجل بيان نفسه لا على سبيل التقريب لبيان حكم آخر، و إلّا لم يعمل بإطلاقه، كما في قوله تعالى فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ (2)فإنّ المقصود منه بيان حلّية صيد الكلاب المعلّمة من حيث الصيد، فلا دلالة فيه على طهارة محلّ العضّ.
و استدلّ له بأنّ المطلق يحمل على العموم لئلّا يخلو الكلام عنه الفائدة، و هي في المقام متحقّقة، فلا داعي إلى حمله على العموم.
و الحاصل أنه إذا علم أنّ المتكلّم بصدد بيان حكم المطلق من حيث هو، لزم حمله على العموم، و أمّا إذا علم أنّه بصدد بيان حكم آخر فلا داعي إليه، فتأمّل.
إذا قامت قرينة على إرادة العموم من المطلق فلا إشكال في حمله عليه، كما في الاستثناء فيه، و حدّه و لو بالخاصّة، و تعليق حكمه على وصف متحقّق في الفرد النادر على ما قيل، و تقييده بقيد مخرج الأفراد النادرة.
و أمّا لو قيّد بالفرد النادر- كأن يقول: أعتق رقبة، ثم يقول: أعتق رقبة ذات رأسين.
فهل هذا التقييد كاشف عن إرادة العموم من المطلق، فلا يحمل عليه؟
أو لا يكشف، فيحمل عليه، فلا يجزي غير المقيّد؟
أو يحكم بتعدّد التكليف، أي يجب عليه واجب عينيّ و واجب تخييريّ؟
وجوه، أظهرها الثاني، فإنّ المقيّد قرينة كاشفة عن المراد.
و للأول: أنّ المطلق بنفسه منصرف إلى الشائع، و التقييد قرينة لغيره.
و فيه نظر.
و للثالث: أنّهما خطابان منفردان، و الأصل عدم التداخل، فتدبّر.
و المقيّد بالنادر لو كان منفيّا كأن يقول بعد قوله: أعتق رقبة: لا تعتق رقبة ذات رأسين، فهو مؤكّد، لأنّ النادر غير منصرف إليه من أوّل الأمر.
و كذا لو كان التقييد بالفرد الشائع في الإثبات.
قد شاع بين الفقهاء حمل المطلق على المقيّد اللبيّ، أي الفرد الشائع، و اللفظي في حال الاختيار، و لكنّهم في حال التعذّر يتمسكون لثبوت الحكم بالإطلاق، مثلا يقولون: إن المتبادر من المسح هو المسح بباطن الكفّ، و معناه أنّ هذا هو المراد من الأمر بالمسح، فلا يجوز بغيره، و مع تعذّر المسح بالباطن يحكمون بالمسح بالظاهر مستندين إلى الإطلاق.
فيشكل عليهم أنّ كون المقيّد في [مقام] بيان المراد من المطلق يأبى عن ذلك، فإنّ ظاهر الكف لم يكن مرادا، فكيف صار عند التعذّر مرادا؟
مع أنّه يلزم- على القول بأنّ استعمال المطلق في المقيد مجاز- إرادة الحقيقة و المجاز من لفظ واحد، فإنه أريد به الإطلاق للتمسّك به حال التعذّر، و التقييد للتمسّك به حال الاختيار.
نعم، لا يرد ذلك على من استند إلى حديث: «الميسور لا يسقط بالمعسور» و نحوه.
و يمكن الجواب عنه بأنّه لا مانع من أن يكون المقيّد بالنظر إلى بعض أحوال المكلّف في مقام البيان، و بالنظر إلى بعضها في غير هذا المقام، توضيحه: أنه لو قال للقادر: «امسح» يتبادر منه المسح بالباطن، و لكن لو قال ذلك للعاجز، فالمتبادر هو المسح بالظاهر، فليتأمّل.
إذا قيّد المطلق بمقيد مستوعب كأن يقول: «أعتق رقبة» ثم قال «أعتق رقبة مؤمنة» ثم قال «أعتق رقبة كافرة» فالظاهر أنّ ذلك من القرائن على إرادة العموم من المطلق.
و يحتمل كونه من باب تعدّد التكليف، فيجب عتق رقبتين مؤمنة و كافرة، لأصالة عدم التداخل، فتأمّل.
إذا ورد مطلق و قيّد بمطلق و مقيّد، كأن يقول: «تجب الصلاة» ثم قال «يجب في الصلاة ستر العورة» ثم قال: «يجب الستر بغير الحرير» فهل يقيّد المقيّد المطلق بالمقيد الثالث؟ فيكون للصلاة شرط واحد و هو الستر بغير الحرير؟
أم لا، فيكون للصلاة شرطان؟
وجهان:
للأوّل: و الحكم العرفي بأنّ المطلوب من الأمرين واحد، مضافا إلى أصالة عدم التعدّد.
و للثاني: أنّ الأمر بالنسبة إلى المطلق الثاني و المقيد يرجع إلى الوضعي أي الشرطية، و إن كان بصورة التكليفي، و قد تقرّر أنّ المطلق لا يحمل على المقيّد في الوضعيّات.
و تظهر الثمرة في ما لو عجز عن الستر بغير الحرير، و تمكّن من الستر به.
فعلى الأوّل يصلّى عريانا لفقد الشرط، فلا تكليف به.
و على الثاني يصلّي في الحرير، لأنّ سقوط أحد الشرطين لا ينافي التكليف بالآخر، فتدبّر.
إذا ورد مطلق و مقيّدان متضادّان، فمع الاستيعاب ما عرفته من الوجهين: كونه قرينة على العموم، و إرادة تعدّد التكليف.
و على الأوّل يكون المقيّدان تأكيدا لمدلول المطلق.
و قد يقال بالتساقط، نظرا إلى اختلافهما، فيكون المطلق سليما عن المعارض، فلا تأكيد.
و قد يحكم بالتخيير بينهما شرعا، لا العقلي المستفاد من الأمر بالكليّ.
و قد يقال بالإجمال، نظرا إلى اشتراكهما في التقييد، فلا يعلم أنّ المكلف به أيّهما؟
و كذا الكلام مع عدم الاستيعاب، كما في روايات الولوغ.
قال الشهيد رحمه اللّه في قواعده: لو قيّد بقيدين متضادّين تساقطا، و بقي المطلق على إطلاقه، إلّا أن يدلّ دليل على أحد القيدين، كما عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهنّ بالتراب».
و بهذا عمل ابن الجنيد.
و روّينا «ثلاثا» و روى العامّة: «أخراهنّ بالتراب» و روّينا و رووا: «أولاهنّ» فيبقى المطلق على إطلاقه.
و لكن رواية «أولاهنّ» أشهر، فترجّحت بهذا الاعتبار انتهى (1).
و اعترض عليه بأنّ العمل بأصل الإطلاق إنّما يجدي إذا لم يكن في مقابله دليل، و التقييد ثابت في الجملة.
و قد يقال بكونهما بيانا لإرادة هذين الفردين بمعنى وجوبهما عينا.
و هو بعيد، فإنّ العرف كما يحكم بوحدة التكليف في المقيّد الواحد- كذلك يحكم بها في المقيّدين.
و قد يقال بالإجمال، فيرجع إلى الأصول العملية.
و في (العوائد): الظاهر التخيير بين القيدين، لأنّه الحكم عند تعارض الخبرين، و مرجعه إلى ما يرجع اليه التساقط، و لكن ليس تساقطا. الى آخره (2)فتدبر.
القول بتعلّق الأحكام بنفس الطبائع- كما هو الحقّ المرضيّ عند كثير من المحققين- لا يوجب في النهي عن المطلق حمله على الأفراد النادرة أيضا، نظرا إلى أنّ النهي عن الطبيعة نهي عن كلّ فرد فرد توجد فيه، و هي موجودة في ضمن كلّ فرد من أفرادها، فلا يحصل الامتثال بالنهي إلّا بالاجتناب عن جميع الأفراد، فإنّ شيوع استعمال المطلق في الفرد
قرينة على إرادة المتكلّم خصوص هذا الفرد من النهي عن المطلق، و إرادته لغيره غير معلومة.
فظهر ضعف ما ربما يقال من: أنّ الغناء- و إن كان مطلقا- لا يفيد بنفسه العموم، و ينصرف إلى الفرد الشائع منه، و هو الصوت اللهويّ، إلّا أنّ تعلّق النهي به يفيد وجوب الاجتناب عن كلّ ما توجد في ضمنه طبيعة الغناء و إن [لم] يكن من أفراده الشائعة.
فإنّ المطلق إذا لم يكن مصروفا إلى غير الشائع، فكيف يصرف إليه بمجرد تعلّق النهي؟ و لا يعلّق إلّا بما أريد به.
إذا عرف مراد الشارع، بل مطلق المتكلّم،- و لو بأمارات ظنيّة يعوّل عليها في محاورات العرف-، حمل اللفظ عليه، و لو كان من المعاني المجازية له.
و إذا جهل المراد و انتفى القرائن حملناه على معناه الحقيقيّ.
فلو تعدّد- و كان أحدهما لغويا و الآخر عرفيا- فمذهب جماعة تقديم اللغة.
و لكنّ الظاهر تقديم العرف للاستقراء، و قوّة الظنّ بإرادة المعنى العرفي، فإنّ أكثر خطابات الشرع مطابق للعرف، كما لا يخفى على المتتبع.
و من هنا نحمل الغناء على معناه العرفي الذي كان متعارفا في تلك الأزمنة و قبلها.
بل صريح جماعة القطع بتقديم العرف إذا كان مقدّم الحدوث على زمن صدور الخطاب عن الشارع، كالقطع بتقديم اللغة إذا كان العرف مستحدثا متأخّرا عن زمن الصدور.
و جعلوا محل النزاع في هذه المسألة في ما لا نقطع بتأخّر العرف عن زمن الصدور.
و الظاهر أنّ الغناء كان متعارف الاستعمال في زمن الجاهليّة أيضا في الصوت اللهويّ، فلا ينبغي النزاع في حمله على هذا المعنى، و وجوب تقديمه على المعنى اللغوي أي مطلق الصوت المطرب.
و قد كان استعماله في هذا العرف في زمن الأئمّة عليهم السّلام أيضا متعارفا شائعا كما يأتي بيانه.
سلّمنا الشكّ في ذلك، فقد يقال: إن الأصل اتّحاد العرفين، و لعلّه ناظر إلى بعد مخالفتهما و تخالفهما مع عدم مضيّ زمان طويل فتدبّر.
و كيف كان، فلو تخالف عرف المتكلّم و المخاطب، ففي حمل اللفظ على الأول، أو الثاني، أو التفصيل، أو التوقّف؟ خلاف، و التفصيل في الأصول.
و الظاهر أنّه لا خلاف في وجوب حمل اللفظ على عرف المتكلّم و المخاطب مع الاتحاد و عدم إرادة المعنى اللغويّ فإنّه هو المعهود من طريقة العقلاء و أرباب المحاورات.
مع أنّه لو لاه لانسدّ باب التفهيم و التفاهم.
و قد جعلوا ذلك ثمرة الخلاف في مسألة ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه.
إذا اختلفت نقلة اللغة في تفسير لفظ:
فمع التصريح بالنفي، يحصل التعارض فيرجع إلى المرجّح، أو يقدّم قول المثبت فيحكم بالاشتراك على الخلاف.
و مع عدمه، لا تعارض فيحكم بالاشتراك، إلّا مع ثبوت التجوّز فانّ الظاهر من اللغويّ بيان الحقيقة دون مجرّد الاستعمال على ما قيل، فتأمّل.
و ربّما يفصّل في المقام بأنّ التعارض بين المعنيين:
إمّا أن يكون بالتباين، كان يقول واحد: العين هو الذهب و الآخر: إنّه الفضّة.
أو بالأعمّ من وجه، كأن يقول واحد: إن الغناء هو الصوت المطرب، و الآخر: إنّه الصوت مع الترجيع.
أو بالأعمّ المطلق، كأن يقول واحد: الصعيد هو وجه الأرض، و الآخر: إنّه التراب ففي الأوّلين يحكم بالاشتراك، و في الأخير يؤخذ بالأعمّ.
و فيه نظر، و في تمثيله للثاني بما عرفته: مناقشة لما يأتي من أن المطرب لا يكون في ما لا ترجيع فيه.
و كيف كان، فهل يكتفى في ثبوت اللغة بالواحد من أهلها مطلقا، أو مع الوثوق به، أو يشترط التعدّد و العدالة كما في الشهادة؟ وجوه: مبناها حجية قول اللغويين في الأوضاع من باب الظنّ الخاص، و عدمها.
و ربّما يتوهّم أنّ اتفاقهم على حجيّة الظواهر مستلزم لحجية قول أهل اللغة مطلقا، و هو كما ترى، فإنّ حجية الظاهر غير حجيّة الظنّ بأنّ هذا ظاهر، فليتأمل.
لم يثبت من العرب استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد مطلقا، سواء كان من المعاني الحقيقة أو المجازية؟
فمقتضى التوقيف عدم جوازه.
نعم، يجوز استعماله في الأعم من باب عموم المجاز أو عموم الاشتراك.
فما يتوهّم منه الاستعمال في المعنيين محمول على هذا القسم.
و من هنا ظهر أنّ الغناء في الأخبار إمّا يحمل على معناه اللغوي، أو على معناه العرفي، أو الأعمّ.
و حيث لا سبيل إلى الأخير- لكونه مجازا لا دليل عليه- تعيّن الأوّلان، و الثاني مقدّم على الأوّل فيتعيّن، فتدبّر.
قال بعض الأفاضل: الغناء من الألفاظ المشتركة، و استعمل في الأحاديث مفردا، و لا يمكن أن يكون مستعملا في كلا معنييه في استعمال واحد، فوجب أن يكون مستعملا في أحد معنييه.
فالغناء المنهيّ عنه مستعمل في الصوت المرجّع المطرب، بمعنى المفرح.
و الغناء المرغوب فيه في المطرب بمعنى المحزن.
كما يظهر من سياق وصف المنهيّ عنه باللهو و الباطل، و المرغوب فيه بالحزن، و كونه مذكّرا للجنّة.
فلا تناقض و لا تعارض بين الطرفين على هذا التقدير، إذ يفيد أحدهما أنّ هذا النوع من الغناء حرام، و الآخر يفيد أنّ ذلك النوع منه مباح و مرغوب فيه.
فبم يتمسّك هؤلاء في تحريم مطلقه؟ انتهى. (1)
و هذا مبنيّ على استعمال الغناء في معناه اللغوي أي الصوت المرجّع المطرب، و لمّا كان الطرب مشتركا بين الفرح و الحزن، جعل الغناء المأخوذ في مفهومه الطرب مشتركا بين الصوت المفرح و الصوت المحزن، فبنى عليه ما ذكره من عدم التعارض.
و فيه نظر: فإنّ هذا لا يوجب الاشتراك في الغناء، إذ الطّرب المأخوذ فيه لا يصحّ إرادة الفرح و الحزن جميعا منه، لما عرفته.
فالمراد به أحدهما خاصّة، فلا يلزم الاشتراك في الغناء.
و على القول بجواز استعمال اللفظ في معنييه لا مانع من استعمال الغناء أيضا في المفرح و المحزن، فلا دليل على إرادة الأوّل من المنهيّ عنه، و إرادة الثاني من المرغوب فيه.
و كذا لو قلنا بإرادتهم من المطرب مطلق المغيّر للحالة.
الاشتباه في مبدء الاشتقاق موجب للإجمال، مع اختلاف معناه بالنظر إلى وجهين نعم، لو كان المشتقّ ظاهرا في أحد المعنيين بتبادره منه، و أغلبية استعماله فيه، حمل عليه، إذ لا إجمال حينئذ، كما في حديث: «من لم يتغنّ بالقرآن (2)».
لاحتمال اشتقاق الفعل من المقصور و من الممدود، و لكنّ الثاني أظهر.
و إن شئت قلت: التغنّي مشترك بين الاستغناء و استعمال الغناء، و لكن استعماله في الثاني أكثر فإرادته من الحديث المذكور أظهر، فيدلّ على جواز الغناء بل تأكّد استحبابه في
القرآن.
و لو لا هذا الاعتبار لحصل الإجمال الذاتي أو العرضي.
و القول بلزوم حمل المشترك على جميع معانيه ضعيف شاذّ، كالقول بأنّ المشترك خارج عن حدّ المجمل، لوضوح دلالته، لكونها تابعة للوضع و هو معلوم.
فانّ المراد من عدم وضوح الدلالة في المجمل عدم وضوح الدلالة على المراد، لا على المدلول.
مع أنّ الأظهر في تعريف المجمل «ما احتمل احتمالين متساويين» فيدخل المشترك- الخالي عن القرينة المعيّنة- فيه.
لا يقال: قد ثبت في الأصول: أنّه إذا ورد خطاب من الشارع، و له اعتباران، يكون بأحدهما مجملا، دون الآخر، فهو محمول على المبيّن، نظرا إلى غلبة البيان في كلام الشارع كما في قوله مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ (1)فإنّ الإحصان قد يفسّر بالتعفّف و هو مجمل، و قد يفسّر بالتزويج و هو مبيّن.
فعلى هذا فحمل التغنّي في الحديث على الاستغناء متعيّن، لكونه مبيّنا، دون الغناء لكونه مجملا.
لما يأتي من عدم الإجمال في لفظ الغناء لا في اللغة و لا في العرف، مع إمكان القول بالإجمال في الاستغناء بالقرآن، كما لا يخفى.
إذا استعمل اللفظ في معنيين، و احتمل كونه موضوعا لكلّ منهما على حدة، و كونه موضوعا لأحدهما خاصّة، و مستعملا في الآخر على سبيل التجوّز، و يسمّى ذلك تعارض المجاز و الاشتراك.
فالمشهور أنّ المجاز خير من الاشتراك، لأصالة عدم تعدّد الوضع، و أغلبية المجاز على
1) سورة النساء، آية 29.
الاشتراك (1)بل قد يقال: بعدم وقوعه.
نعم، قد يدّعى الاتفاق على تقديم الاشتراك في ما لو كان كلام اللغوي ظاهرا فيه بتفسير اللفظ بالمعنيين، مع احتمال إرادته الاستعمال المجازيّ.
و لكنّه محلّ التأمّل.
نعم، لا إشكال مع التنصيص، مع اجتماع شرائط الشهادة، أو مطلقا إن اكتفينا بمطلق الظنّ في باب اللغات.
ثمّ، إذا ثبت وضع اللفظ لأحدهما بعينه، فلا إشكال.
فإن لم يتعيّن، فالمرجع الأمارات المقرّرة لتشخيص الوضع من: التبادر، و عدم صحة السلب، و غيرهما.
و لو دار الأمر بين وضع اللفظ للقدر المشترك، و هو الجامع بين المعنيين، أو المعاني، و لكلّ من المتعدّد على حدة، و يسمى بتعارض الاشتراكين- أي اللفظي و المعنويّ-:
فمقتضى الأصل المتقدّم ثبوت الثاني.
و بين وضعه للجامع و لخصوص أحد المعنيين- و يسمى بتعارض المجاز و الاشتراك المعنويّ-:
فقد يرجّح المجاز، نظرا إلى أنّ وضعه للجامع مستلزم لمجازين.
و قد يرجّح الاشتراك، لأغلبيّته.
و عن جماعة: التوقّف.
و لو ثبت وضعه لمعنى و استعمل في معنيين آخرين، فتردّدنا في وضعه للجامع بينهما، أو مجازيّته فيهما.
فالحكم للثاني، لاستلزام الأوّل الاشتراك اللفظي المرجوح بالنسبة إلى المجاز.
و كذا لو كان التردّد في وضعه لخصوص كل منهما أيضا، أو علمنا به و شككنا في وضعه للجامع أيضا.
1) راجع بحت تعارض الأحوال من قوانين الأصول ص 32.
و صور التعارض كثيرة مفصّلة في الأصول.
و كيف كان، فمجرّد استعمال اللفظ في معنى أو معان لا يوجب الحقيقة بل هو أعمّ منها على الأصحّ المشهور.
فإذا حققنا معنى حقيقيا للفظ، و شككنا في سائر موارد استعمالاته، و لم تساعدنا على ثبوت الوضع له أمارة ممّا قرّروه، و لا تنصيص ممن يقبل قوله من أهل اللغة، حكمنا فيه بالتجوّز.
و من هذا القبيل لفظ «الغناء» فإنّ وضعه للصوت المطرب في اللغة ثابت، و كذا في العرف للصوت المطرب اللهويّ، و ليس هذا من الاشتراك، لأنّ المعتبر فيه تعدّد الوضع في اصطلاح واحد، فاستعماله في سائر المعاني الآتية مجاز، فلا إجمال فيه مع القرينة، و لا بدونها، في اللغة، و لا في العرف.
و احتمال وضعه لمطلق الصوت- كما يظهر من بعض اللغويين- و هو الجامع بين المعاني.
ضعيف، لعدم ثبوته، مع استلزامه التجوّز في استعماله في خصوص المطرب، أو الاشتراك، و كلاهما بعيد، فتدبّر.
و اختلاف الأقوال في تحقيق الحال و تشتّت المقال في هذا المجال لا يوجب الإجمال، بعد وضوح الحقّ بالبرهان و الاستدلال.
الصوت من الكيفيّات المحسوسة، و هو على ما صرّح به جماعة من الحكماء: كيفيّة تحدث في الهواء بسبب تموّجه المعلول للقرع الذي هو إمساس عنيف، و القلع الذي هو تفريق كذلك، مع مقاومة المقروع و المقلوع للقارع و القالع.
و ليست الحروف و الكلمات من أجزائه و لوازمه، لتحقّقه بدونها بالضرورة، و إنّما هي مميّزاته عمّا يماثله في الحدّة و الثقل.
لأنّه يختلف باختلاف قوّة المقاومة و ضعفها قوة و ضعفا، و باختلاف صلابة المقروع
و ملاسته، و قصر المنفذ و ضيقه حدة و ثقلا، و قد يختلف بملائمة الطبع و منافرته فيتصف بالحسن و الكراهة.
و قد تختلف آثاره فمنه ما يورث السرور و الانبساط، و منه ما يوجب الضحك، و منه ما يورث البكاء، و منه ما يوجب الانزجار عن هذه الحياة و الميل إلى الحياة الباقية، و تذكّر الجنة و الشوق إلى العالم الأعلى، و منه ما يهيّج الشهوات و يزيّن السيّئات، نظير أنواع مدركات البصر في اختلاف آثارها.
و كيف كان، فالصوت مهيّج للقلب و محرّك له و موجب لظهور ما هو الغالب عليه من الأخلاق و الحالات.
قال أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزّالي في كتاب «إحياء علوم الدين»: للّه تعالى سرّ في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثّر فيها تأثيرا عجيبا، فمن الأصوات ما يفرح، و منها ما يحزن، و منها ما ينوّم، و منها ما يضحك و يطرب، و منها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد و الرجل و الرأس.
و لا ينبغي أن يظنّ أنّ ذلك لفهم معاني الشعر، بل هذا جار في الأوتار حتى قيل: من لم يحرّكه الربيع و أزهاره و العود و أوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج.
و كيف يكون ذلك لفهم المعنى، و تأثيره مشاهد في الصبيّ في مهده، فإنّه يسكته الصوت الطيّب عن بكائه، و تنصرف نفسه عمّا يبكيه إلى الإصغاء إليه، و الجمل مع بلادة طبعه يتأثّر بالحداء تأثّرا يستخفّ معه الأحمال الثقيلة و يستصغر لقوّة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، و ينبعث فيه من النشاط ما يسكره و يولّهه، فتراها إذا طالت عليها البوادي و اعتراها الإعياء و الكلال تحت المحامل و الأحمال، إذا سمعت منادي الحداء تمدّ أعناقها، و تصغي إلى الحادي ناصبة آذانها، و تسرع في سيرها حتى تزعزع عليها أحمالها و محاملها، و ربما تتلف أنفسها من شدّة السير و ثقل الحمل، و هي لا تشعر به لنشاطها.
فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقّي قال: كنت بالبادية فوافيت قبيلة
من قبائل العرب فأضافني رجل منهم، و أدخلني خبائه فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيّدا بقيد، و رأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت، و قد بقي منها جمل و هو ناحل ذابل كأنّه ينزع روحه! فقال لي الغلام: أنت ضيف و لك حقّ فتشفّع في إلي مولاي فإنّه مكرم لضيفه، فلا يرد شفاعتك في هذا القدر، فعساه يحلّ القيد عنّي.
قال: فلمّا أحضر و الطعام امتنعت و قلت: لا آكل ما لم اشفّع في هذا العبد.
فقال: إنّ هذا العبد أفقرنى و أهلك جميع مالي! فقلت: ما ذا فعل؟
فقال: إنّ له صوتا طيّبا، و إنّي كنت أعيش من ظهور هذه الجمال، فحمّلها أحمالا ثقالا و كان يحدو بها حتّى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته، فلما حطّت أحمالها ماتت كلّها، إلّا هذا الجمل الواحد.
و لكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك.
قال: فأحببت أن أسمع صوته، فلمّا أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقي الماء من بئر هناك، فلمّا رفع صوته هام ذلك الجمل و قطع حباله، و وقعت أنا على وجهي، فما أظنّ أني سمعت- قطّ- صوتا أطيب منه.
فإذا، تأثير السماع في القلب محسوس، و من لم يحرّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانيّة، زائد في غلظ الطبع و كثافته على الجمال و الطيور، بل على جميع البهائم، فإنّ جميعها تتأثّر بالنغمات الموزونة، و لذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته.
إلى أن قال: قال أبو سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، و لكن يحرّك ما هو فيه. انتهى. (1)
و كما أنّ الحروف و الكلمات ليست من ذاتيّات الصوت، فكذلك الحسن و القبح لتخلّف كلّ منهما عنه، و الذاتيّ لا يتخلّف، فقد يتّصف بالحسن، و قد يتّصف بالقبح، و قد لا يتّصف بشيء منهما.
1) إحياء علوم الدين ج 2 صص 300- 299.
و الغرض من وضع علم الموسيقى بيان طرق تحسين الصوت و تزيينه بمعرفة وجوه المناسبات العدديّة المقترنة بالألحان المستحسنة و النغمات المعجبة الجارية على الكلمات الموزونة الموافقة للأصول العروضية.
و قد صرّح بعض الأفاضل بأنّ موضوع علم الموسيقى هو: الصوت المعروض للمناسبات العددية من حيث أنّه معروض لها، أو للأعداد الموجودة في المادة أي الصوت.
قال: فيبحث فيه عن كيفية مناسبات اللحون و اتّفاقها و كيفية تأليفها و اختلافها، و بالجملة يبحث فيه عن كيفية الاتفاق و الاختلاف.
و بيّنوا: أنّ تحقّق الأعداد المذكورة إنّما يتحقّق بالتراجيح، فإن كان الصوت على استقامته من غير ترجيع يكون واحدا، فإذا رجّع بترجيع واحد صار اثنين، و إذا رجّع بترجيعين صار ثلاثة. و هكذا.
و هذا كالحركة، فإنّها ما دامت على استقامتها تكون واحدة، فإذا انعطفت أو رجعت تصير متعدّدة.
و بيّنوا فيه: أنّ النغمات إذا كانت متناسبة تكون حسنة، و إن كانت مختلفة كانت قبيحة، و أما إذا لم تكن مشتملة على المناسبة أو المخالفة لم تتّصف بالحسن و القبح، بل يتصف بأمر آخر كالحدّة و مقابلها. انتهى. (1)
فحسن الصوت كيفية عارضة له تحصل برعاية التناسب في الترجيع، و كلّما زاد تناسبا زاد حسنا.
و في الأحياء: أنّ الوزن وراء الحسن، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن، و كم من صوت موزون غير مستطاب.
و الأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة:
فإنّها إمّا أن تخرج من جماد كصوت المزامير و الأوتار و ضرب القضيب و الطبل و غيره.
1) رسالة إيقاظ النائمين.
و إمّا أن تخرج من حنجرة حيوان، فذلك الحيوان:
إمّا إنسان.
أو غيره كصوت العنادل و القماري و ذوات السجيع من الطيور، فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع و المقاطع، فلذلك يستلذّ سماعها و الأصل في الأصوات حناجر الحيوانات.
و إنّما وضعت المزامير على أصوات الحناجر و هو تشبيه للصنعة بالخلقة، و ما من شيء توصّل أهل الصناعات بضاعتهم إلى تصويره إلّا و له مثال في الخلقة التي استأثر اللّه باختراعها، فمنه تعلم الصنّاع، و به قصدوا الاقتداء انتهى (1).
و كما لا يكون الحسن من ذاتيّات الصوت فكذلك التطريب أي تغيير الحال بالسرور أو الحزن، فانّ الصوت قد يكون غير مطرب بالضرورة.
فالغناء ليس هو مجرّد الصوت لكونه عبارة عن الصوت المطرب، فالإطراب كيفية زائدة على الصوت عارضة له، و لا يخفى أنّ الإطراب لا يحصل إلّا مع حسن الصوت و هو غير حاصل إلّا بالترجيع المتناسب، فلا يمكن تحسين الصوت إلّا بالتغنّي.
و لكن قد صرّح بعضهم بالفرق، و أن النسبة بينهما بالعموم و الخصوص من وجه، و هو مجرّد عبارة لم نتعقّل معناها و حقيقتها.
فظهر من ذلك كلّه ضعف ما قيل من: أنّ الحداء، و الرجز، و النياحة، و الرثاء، و الغناء: ألفاظ في كلام العرب مستعملة في معان مقصودة لهم، مشتركة الكيفية في القواعد الموسيقيّة، خارجة على قوانين النسب الصوتية.
و في بعض تحقيقات المحقّق القمّي رحمه اللّه: أن هذا الكلام متساقط، لا يرجع إلى محصّل، فإنّ قوله:
«مشتركة الكيفية» صفة المعاني المقصودة، فلا بدّ أن يكون المراد من المعاني المقصودة:
1) إحياء علوم الدين ج 2 صص 96- 95.
هو كيفيّات الأصوات الخاصّة، و موضوع علم الموسيقى إنّما هو: الصوت من حيث هو صوت، و إن كان تحقّق الصوت غالبا في قالب الكلام، لا الكلام من حيث إنّه كلام، و لا من حيث إنّه مهمل أو موضوع، أو نظم أو نثر، أو مدح أو ذمّ، أو مفاخرة و ذكر نسب، أو حكاية رزيّة و التلهّف على نازلة.
فلا يعتبر في اتّصاف الصوت بمصطلحات أصحاب الموسيقى ملاحظة المفردات و معانيها، كما لا يخفى، بل الملحوظ إنما هو نفس الصوت و النغمة.
إلى أن قال: و كيف كان، فلا وجه لجعل الحداء قسيما للغناء، إذ ليس هو من أقسام كيفيّات الصوت، إلى آخر ما ذكره (1)فليتدبّر.
و ظهر أيضا ممّا بيّناه ضعف ما ذكره بعضهم من أنّ حمل الغناء على معناه اللغوي لا يوجب التعارض بين ما دلّ على مدح تحسين الصوت، و ما دلّ على ذمّ التغنيّ، لاختلافهما موضوعا، فيختلف مورد المدح و الذمّ، فليتأمّل.
اللهو: يستعمل في معان:
منها: مطلق ما لا فائدة فيه، و إن كان مباحا كاللعب بالتراب.
و منها: ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه و يهمّه، و إن اشتمل على منفعة يسيرة.
و منها: مطلق الغفلة عن شيء، و الاشتغال عنه بأمر آخر.
و منها: الاشتغال عن خصوص ذكر اللّه.
و منها: مطلق الباطل و المحرّم من القول و الفعل.
و الظاهر أنه موضوع للجامع بين هذه المعاني، أو لخصوص بعضها، لئلّا يلزم الاشتراك اللفظي.
1) جامع الشتات ص 177.
و لا خلاف في حرمته إذا أريد به آلة من آلات اللهو المنصوص على حرمتها، كالدفّ و نحوه، و كذا لو أريد به المحرّم من القول و الفعل.
و مرجع الأوّل إلى الثاني، فإنّ المراد بالتحريم المتعلّق بالأعيان تحريم ما يناسبها من الأفعال، كالاستعمال في المقام.
كما لا خلاف في إباحته إذا أريد به بعض المعاني الذي لم يثبت حرمته، بل ثبت إباحته.
نعم، ظاهر جماعة إطلاق القول بحرمة كلّ ما يسمّى لهوا، و لكن يمكن حمله على ما ذكرناه.
و من هنا ظهر ضعف الاستدلال لحرمة مطلق الغناء بما دلّ على حرمة اللهو.
نعم، يصحّ الاستدلال به على حرمة الصوت اللهويّ، مع تفسيره بما يهيّج الشهوات و يزيّن السيّئات.
و دعوى: أنّ الغناء مطلقا- بنفسه- من الملاهي المحرّمة، كالدفّ، و المزمار.
أوّل الكلام، و لا دليل عليها.
و لكن قد يقال: أنّ حرمة اللعب بآلات اللهو، الظاهر أنّها من حيث اللهو لا من حيث خصوص الآلة.
و هو كما ترى.
و في بعض الرسائل: أن اللهو كما يكون بآلة من غير صوت، كضرب الأوتار و نحوه، و بالصوت في الآلة كالمزمار و القصب و نحوهما، فقد يكون بالصوت المجرّد، فكلّ صوت يكون لهوا بكيفيته و معدودا من ألحان الفسوق و المعاصي فهو حرام، و إن فرض أنّه ليس بغناء.
و كلّ ما لا يعدّ لهوا فليس بحرام، و إن فرض صدق الغناء عليه فرضا غير محقّق، لعدم الدليل على حرمة الغناء إلّا من حيث كونه باطلا و لغوا و زورا.
إلى أن قال: ثمّ إنّ المرجع في اللهو إلى العرف، و الحاكم بتحقّقه هو الوجدان، حيث يجد الصوت المذكور مناسبا لبعض آلات اللهو، و للرقص، و لحضور ما تستلذّه القوى
الشهويّة من كون المغنّي جارية أو أمرد، أو نحو ذلك. انتهى (1)فليتأمل.
و كيف كان، فالصوت اللهويّ على قسمين:
أحدهما: أن يكون الصوت بنفسه من ألحان أرباب الفسوق كالتصنيف المعروف في هذه الأزمنة.
و ثانيهما: أن يكون مقترنا بالمحرّمات من آلات اللهو و شرب الخمور و نحوها ممّا هو المتعارف المعمول في مجالس الفسّاق في هذه الأزمنة، و قد كان شائعا متعارفا في زمن الجاهلية و بعد ظهور الإسلام، و لا سيّما في زمن دولة بني أميّة و العبّاس، و كانت الجواري يتعلّمن الألحان العجيبة و النغمات الغريبة المهيّجة للشهوات المزيّنة للسيّئات، و تزيينها بالتصدية و التصفيق و ضرب الدفوف و العيدان و غيرها من آلات اللهو، و كان شغلهن من الغداة إلى الرواح، و من العشية إلى الصباح التغنّي بهذه الألحان و النغمات، و استعمال الملاهي لجذب الفسّاق إلى أنفسهن في الخلوات و الجلوات، لتحصيل ما قرّر عليهن سادتهنّ في هذا الكسب الشنيع الذي صار من أعظم مكاسبهم، بل ربّما كانوا يكرهون فتياتهم عليه حتّى ورد قوله تعالى وَ لٰا تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ عَلَى الْبِغٰاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (2).
و قد غلت بذلك قيم جواريهم المغنّيات حتى بلغت قيمة إحداهنّ إلى ثلاثة آلاف دينار و أكثر. (3)
و في رواية إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأول عليه السّلام جعلت فداك، إنّ رجلا من مواليك عنده جوار مغنّيات، قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار و قد جعل لك ثلثها.
فقال: لا حاجة لي فيها، إن ثمن الكلب و المغنية سحت (4).
و في روايته الأخرى قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن نبيعهنّ و نحمل ثمنهنّ
إلى أبي الحسن عليه السّلام، فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم و حملت الثمن إليه. إلى أن قال:
فقال عليه السّلام: لا حاجة لي فيه إنّ هذا سحت و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت (1).
و حكي عن إسماعيل بن الجامع: أنّه لمّا قدر عليه رزقه ارتحل من مكّة قاصدا حضرة الرشيد في بغداد، فلمّا ورد المدينة استمع من جارية مارّة قدّامه صوتا لم يسمع مثله قطّ، فالتمس منها التعلّم فأبت فأعطاها ثلاثة دراهم و تعلّم منها، فلمّا ورد بغداد و أدرك حضرة الرشيد و تغنّى بما تعلّم منها، أعطاه ألف دينار، و التمس منه الإعادة، فلمّا تغنّى به ثانيا أعطاه أيضا ألف دينار، ثم قال له: تغنّ بما أحسنت، فتغنّى طول الليل بالتركيبات و الأصوات المخترعة له و لغيره، فلم يعطه شيئا.
فقال له الرشيد- آخر الليل- قد اتبعت كثيرا، فإن لم يك شاقّا عليك تغنّ بالصوت الأوّل، فتغنّى به فأعطاه أيضا ألف دينار (2).
و حكي أيضا عن أبي مسكين: أنه تعلّم من جارية سوداء بالمدينة صوتا بأربعة دوانق من فضة، فلمّا تغنّى به عند الرشيد أعطاه خمسة آلاف دينار (3).
و بالجملة قد كان التغنّي بالأصوات اللهوية و الألحان المقترنة بالملاهي المحرّمة شائعا متعارفا في الأزمنة السابقة إلى زماننا هذا، و من هنا حملنا ما دلّ على حرمة الغناء على هذا القسم خاصّة، فليفهم.
فقد اختلف العبارات في المقام على وجوه كثيرة:
منها: أنّه مطلق الصوت.
و هذا ظاهر الفيّومي في المصباح (1)و لم أر من وافقه و من المحتمل إرادته العهد، فيرجع إلى أحد المعاني الآتية.
و منها: أنّه ما يقال له بالفارسية: «آواز خواندن و خوانندگى و سراييدن».
قال الحسين بن أحمد الزوزنيّ في ترجمته للمصادر، التغني سراييدن (2)انتهى.
و الأولى (حينئذ) تفسير الغناء بسرود و آوازه، و التغني بخوانندگى و سراييدن، فرقا بين تفسير المصدر و اسمه.
قال في الصراح: أغنيّة بالضمّ و التشديد: سرود، و الجمع أغاني، و التغنية سرود گفتن (3).
و منها: أنّه مدّ الصوت، حكي عن بعض.
قال المدقق الأردبيلي رحمه اللّه و الظاهر أنه يطلق على مدّ الصوت من غير طرب، فيكون حراما،
إذ يصحّ تقسيمه إلى المطرب و عدمه. انتهى (1)فتدبّر.
و منها: أنّه رفع الصوت و موالاته.
قال ابن الأثير في النهاية: و كلّ من رفع صوته و والاه فصوته عند العرب غناء انتهى (2).
فالأولى على هذين الوجهين: تفسير الغناء بالصوت الممدود و المرفوع، الذي فيه موالاة.
لا نفس المدّ و الرفع، كما في جملة من العبارات، لما عرفته، نعم، هذا تفسير للتغنّي.
و منها: أنّه تحسين الصوت و تزيينه.
حكاه جماعة عن الشافعي (3)و لكن في النهاية الأثيرية: أنّ الشافعيّ قال- في حديث «من لم يتغنّ بالقرآن» معناه: تحسين القراءة و ترقيقها (4).
و أنت خبير بأنّ غرضه صرف الحديث عن ظاهره الموجب لتجويز ما لم يشرّع من الغناء المحرم في القرآن إلى المندوب إليه من تحسين الصوت، فليس بصدد بيان المعنى الحقيقي للتغنّي.
مع احتمال إرادته من تحسين القراءة رعاية قواعد الترتيل و التجويد المقرّرة في علم القراءة، فلا دخل له بما نحن بصدده.
هذا، مع أنّ في تفسير الغناء بالتحسين ما عرفته، بل المناسب «حينئذ» تفسيره بالصوت الحسن أو المحسّن المزيّن، فليتأمل.
و ممّا ذكرنا ظهر ضعف ما في بعض الكتب من نسبة هذا القول الى ابن الأثير في النهاية.
و منها: أنّه ترجيع الصوت و مدّه.
حكى عن العلّامة في شهادات القواعد (5)، و المراد بالترجيع ترديد الصوت في الحلق،
كقراءة أصحاب الألحان اآ اآ اآ قاله الطريحي في المجمع (1).
و الأولى تفسيره بالصوت المرجّع الممدود.
و منها: أنّه الصوت المشتمل على الترجيع المطرب.
ذكره الأكثرون، و لعلّه مراد من فسّره بالسماع كما في (الصحاح) (2)و من فسّره بمدّ هذا الصوت كما في الروضة (3)و غيرها لما عرفته من انّه تفسير للتغنّي فتسامحوا في تفسير الغناء به.
و ربّما ينسب هذا إلى ثاني المحقّقين حيث قال في (جامع المقاصد): ليس مجرّد مدّ الصوت محرّما و إن مالت إليه النفوس ما لم ينته إلى حدّ يكون مطربا بالترجيع المقتضي للإطراب (4)انتهى.
و لكنّك خبير بأنّه في صدد تفسير المحرّم من الغناء لا مطلق ما يسمّيه العرف غناء، و هذا محتمل في عبارات كثير من الفقهاء، بل لعلّه ظاهر منها.
قال ثاني الشهيدين في (المسالك): إنّه مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، فلا يحرم بدون الوصفين، أعنى الترجيع مع الإطراب، و إن وجد أحدهما (5)انتهى.
و نحوه عبارات جماعة من فقهائنا، فإنّ ظاهرهم أنّهم في مقام تشخيص الحكم، لا في مقام تشخيص الموضوع اللغويّ.
و من هنا ترى جمعا منهم يردّون ذلك إلى العرف فيقولون: ما سمّى فيه غناء يحرم و إن لم يطرب.
قال الفاضل المقداد في شرح (النافع): المراد بالغناء ما يسمّى في العرف غناء (6)انتهى.
يعني أنّ المراد بالغناء المحكوم عليه بالحرمة ما يسمّى فيه غناء، إذ من البعيد إرادة
تشخيص الموضوع اللغويّ بالعرف إلّا بضميمة أصالة عدم النقل. فتأمل.
و منها: أنّه الصوت المشتمل على غنّة.
حكى عن ابن يعيش، قال: و إنّما سمّي المغنّي مغنّيا لأنه يغنن صوته أي يجعل فيه غنّه (1).
قال ابن هشام: و الأصل عنده مغنّن بثلاث نونات فأبدلت الأخيرة ياء تخفيفا (2)انتهى.
و هو كما ترى فتدبّر.
و منها: أنّه الصوت المشتمل على الترجيع، و إن لم يكن مطربا.
ذكره جماعة، و الظاهر عدم اعتبارهم المدّ، و هو أقرب من القول باعتبار المدّ، دون الترجيع، كما في (مجمع الفائدة) للأردبيليّ قال: و لا يبعد إطلاقه على غير المرجّع و المكرر في الحلق (3)انتهى.
و الإنصاف أنّه في غاية البعد، نعم، عدم اعتبار الإطراب ليس بذلك البعيد، كما هو ظاهر ابن إدريس في المكاسب من (السرائر)، حيث عدّ من المحظور: الرقص، و جميع ما يطرب من الأصوات و الأغاني (4)انتهى.
فإنّ الأغاني جمع الاغنيّة، و هو نوع من الغناء كما في القاموس (5)و قد عطفه على الأصوات، فيكون في الغناء ما لا يطرب.
نعم، ربّما يحكى عنه أنّه فسّر الغناء بالصوت المطرب، و لم أجده فيما ظفرنا عليه من عبارته، فليتأمّل.
و لكن ربّما يقال: إن الترجيع لا ينفكّ عن التطريب.
و هو عجيب مع أنّ وصف الأكثر الترجيع بالمطرب في تفسير الغناء كالصريح في
التفكيك، نعم، لو أريد بالترجيع مصطلح أرباب الموسيقى فله وجه، فإنّه مبنيّ على المناسبات العددية المقترنة بالألحان المستحسنة و النغمات المعجبة، الجارية على الكلمات الموزونة، الموافقة للأصول العروضية، و قد تقدم في المقدّمة التاسعة ما يبيّن هذا، و لكنّه بعيد.
و منها: أنّه الصوت الممدود المحسّن المشتمل على الترجيع.
حكي عن (مفتاح الكرامة) زاعما أنّ مرادهم بالإطراب في تفسير الغناء هو مدّ الصوت و ترجيعه و تحسينه، لا الخفّة الموجبة لشدّة سرور أو حزن، لما في جملة من كتب اللغة من تفسير التطريب بذلك قال: فكأنّه قال في القاموس (1)الغناء من الصوت ما مدّ و حسّن و رجّع (2)انتهى.
و فيه: أنّ هذا خلاف الظاهر من كلماتهم، و لا سيّما كلمات من عبّر بالترجيع المطرب، بل الظاهر: أنّ المدّ و الترجيع معنى مجازيّ للتطريب، و إلّا لزم الاشتراك المرجوح.
قال بعض مشايخنا المدقّقين: مع أنّهم لم يذكروا للطرب معنى آخر، أي غير الخفة التي تعتري لحزن أو سرور، ليشتق منه لفظ التطريب و الإطراب.
مضافا إلى أنّ ما ذكر في معنى التطريب من الصحاح و المصباح إنّما هو للفعل القائم بذي الصوت، لا الإطراب القائم بالصوت، و هو الأجود في تعريف الغناء عند المشهور دون فعل الشخص (3)انتهى فتأمل.
و منها: أنّه الصوت المشتمل على لهو الكلام أو المقترن بالملاهي.
و لكنّ التأمّل في عباراتهم يعطي أنّ مرادهم تخصيص الحرمة بهذا النوع، لا نفي الاسم من غيره، و قد فصّلناه في منتقد المنافع شرح النافع (1).
و منها: أنّه الصوت اللهويّ.
و هذا أعمّ ممّا تقدّم، فإنّ الصوت قد يكون بنفسه لهوا و إن لم يشتمل على لهو الكلام و لم يقترن بالملاهي، كالصوت المعروف بالتصنيف المستعمل في المراثي و نحوها، ممّا لا يكون بنفسه من لهو الكلام.
و لكن الظاهر أن القائل بالسابق يجعل مثل هذا الصوت نفسه من الملاهي، كما أنّ القائل بهذا القول يعمّم اللهويّ لما يندرج فيه الأوّل.
و كيف كان فهذا القول مختار جماعة، و لكنّ ظاهر هم كما سبق.
و منها: أنّه الصوت الطيّب الموزون المفهوم المعنى، المحرك للقلب.
نسبه جماعة إلى الغزالي، و لكن عبارته صريحة في أنّ مثل هذا الصوت بنفسه مباح قد تعرضه الحرمة بسبب عوارض محرّمة (2).
فلا دلالة فيها على انحصار معناه اللغويّ فيه، مع أنّه قد جزم جماعة بأنّ الغناء من كيفيات الصوت و لا يعتبر فيه المقروء و المدلول، فتأمّل.
و منها: أنّه ما يسمّى في العرف غناء.
صرّح به جماعة، و وجهه: أنّ ما لم يقدّر شرعا فالمحكّم فيه هو العرف.
و فيه: أنّ ذلك حيث كان العرف مضبوطا، و ليس كذلك في المقام، كما صرّح به بعض الأعلام، قال: لا عرف لأهل العجم في لفظ الغناء، و مرادفه من لغة الفرس غير معلوم، و عرف العرب فيه غير منضبط (3)انتهى.
و لكن قد عرفت أنّ مرادفه في لغة الفرس: «خوانندگى و سرود» و نحوهما فتدبّر.
ثمّ إذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم أنّ الغناء ليس موضوعا لمجرّد الصوت لغة و لا عرفا، إذ من البديهيّ أنّ أصوات الطيور مثلا لا تسمّى غناء حقيقة و إن أطلق عليها مجازا كما قال النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلا مفجعة على فنن تغنّي (1)
قال السيّد المرتضى رحمه اللّه في «غرره و درره» فشبّه صوتها لما أطرب إطراب الغناء، بالغناء انتهى (2).
فسقط ما في المصباح من تفسيره بالصوت (3)إن أراد به ظاهره، و لا يثبت الوضع بقول لغويّ واحد، و لا سيّما إذا كان معارضا بمخالفة الأكثر، و قد بيّنا في المقدمة الخامسة أن الظنّ الحاصل بقول اللغويّ ليس من الظنون المخصوصة الخارجة عن أصالة حرمة العمل بالظنّ، و ليس من الظنون اللفظية، هذا، مع أنّه لا ظنّ مع مخالفة أكثر اللغويين.
بل، هو موضوع قطعا للصوت المكيّف بكيفية خاصّة، مردّدة بين الكيفيّات المذكورة، و الرجوع إلى العرف لعدم انضباطه غير مجد في الكشف عن الوضع اللغويّ، و أكثر الكيفيات المذكورة غير مذكور في كتب اللغة، و إنّما المذكور فيها أمور أشهرها اعتبار الترجيع و التطريب خاصّة.
فالأظهر ثبوت وضع هذا اللفظ لكلّ صوت مشتمل على الوصفين.
مع احتمال وضعه للمشتمل على الأوّل خاصّة، نظرا إلى الأصل، فتدبّر.
و يمكن القول بأنّ هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ و المقترن بالملاهي، لشيوع استعماله فيهما، و كثرة وجودهما في جميع الأعصار بحيث يكونان متبادرين من إطلاق هذا اللفظ، بل يمكن دعوى تبادرهما- و لو مع قطع النظر عن كثرة الاستعمال و غلبة الوجود- فتأمل.
و الحاصل: أن الغناء حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ بالمعنى الأعم، أي ما يتلهّى به من
الأصوات مطلقا، سواء كان بنفسه، مجرّدا من الاقتران بالآلات الخارجيّة المحرّمة، أو بسبب اقترانه بشيء منها.
فالوضع العرفيّ التخصّصيّ الحاصل بشيوع الاستعمال في هذا النوع متّحد، بمعنى أنّه لم يثبت وضع آخر حتّى يحكم بالاشتراك.
و لا ينافي ذلك وضعه لمطلق الصوت المشتمل على الترجيع و التطريب أو الترجيع خاصة في اللغة، فإنّ المناط في الاشتراك و عدمه هو تعدّد الوضع و عدمه في اصطلاح واحد، لا في اصطلاحين.
و الدليل على النقل في العرف من المعنى اللغوي إلى هذا المعنى خاصّة، مع كونه على خلاف الأصل وجوه.
منها: شيوع استعماله فيه، و غلبة وجود هذا المعنى في الأعصار، فتأمّل.
و منها: تبادره منه تبادرا كاشفا عن الوضع، فإنّه المتبادر منه، و لو قطع النظر عن شيوع الاستعمال و غلبة الوجود.
و منها: عدم شكّ العرف و ترديدهم في إطلاق هذا اللفظ على هذا النوع من الصوت، مع شكّهم في إطلاقه على غيره.
و منها: عدم صحّة سلب هذا اللفظ عن هذا النوع مع صحّة سلبه عن غيره عند العرف.
فلا يقال: إن ذلك لعدم صحة سلب الكلّي عن شيء من أفراده، مع أنّ استعماله فيه تجوّز، فلعله لوضعه لمطلق الصوت المطرب، أو المشتمل على الترجيع، فلا يصحّ سلبه عن هذا الفرد.
فإنّ صحّة سلبه عن غيره دليل على اختصاص وضعه به، فليتأمل.
و منها: اتّفاق الفقهاء على شمول ما دلّ على حرمة الغناء لهذا النوع و اختلافهم في شموله لغيره، فإنّ الظاهر المصرّح به في بعض كلماتهم أنّ ذلك لمسلّميّة وضعه عرفا لهذا المعنى، فتأمّل.
و الظاهر: أنّ تحسين الصوت و تطريبه متلازمان في الوجود الخارجيّ، و إن تغايرا مفهوما كتزيينه، و كذا موالاة الصوت مع ترجيعه، بل يمكن إرجاع المدّ و الرفع اليه، و قد
تقدّم عن (مفتاح الكرامة) القول باتّحاد التطريب مع المدّ و الترجيع و التحسين، و لكن الظاهر: أنّ التطريب مستلزم للترجيع بل العكس على مصطلح أهل الموسيقى، غاية ما في الباب أنّ محصّل الاختلاف في وضع الغناء لغة- بعد بداهة فساد القول بكونه مجرّد الصوت، لما بيّنّاه- يرجع إلى اثنين:
أحدهما أنّه موضوع لغة للصوت المشتمل على الترجيع أي ترديده في الحلق بالتلفظ با آ اآ اآ كما تقدّم.
و ثانيهما: أنّه يعتبر فيه مع ذلك الإطراب.
و الأوّل، و إن كان مقتضى الأصل، بل الأخذ بالأعمّ، بناء على القول الذي في المقدمة الخامسة تقدّم، إلّا أنّ القائل المصرّح به قليل، بل لم نعرفه باسمه و أنّما حكاه جماعة قولا، أو عن بعض من [غير] تصريح (1)باسمه، بل في بعض الرسائل لبعض الأفاضل: أنّ الحكم بكونه غناء ممّا لا شاهد له، و لا دليل يساعده من لغة أو عرف أو حديث، بل في قوله عليه السّلام في رواية ابن سنان: «اقرأوا القران بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنّه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء» (2).
دلالة ظاهرة على أنّ مطلق الترجيع ليس غناء بل هو كيفية خاصّة من التراجيع (3)انتهى.
و في رسالة السيد ماجد أنّه عليه السّلام نهى عن ترجيع القرآن ترجيع الغناء، فلو لم يكن ترجيع الغناء أخصّ من الترجيع المطلق لكان يقتصر على قوله «يرجّعون القرآن» و لم يذكر «ترجيع الغناء» لعدم الفائدة فيه.
و بعبارة أخرى «ترجيع الغناء» وقع مفعولا مطلقا مضافا، و المفعول المطلق المضاف أو
الموصوف أخصّ من مصدر فعله، كقولك سرت سير البريد، و ضربت ضربا شديدا (1)انتهى فتدبّر.
فحيث ظهر و بان ضعف هذا القول تعيّن الثاني، لتصريح أكثر أهل اللغة، بل و غيرهم، به، كما لا يخفى على المتتبع المتنبّه.
هذا، مع أنّي لا أظنّ العرب يصحّحون سلب الغناء عن الأصوات المشتملة على الترجيع مع الإطراب، بل الظاهر تبادر ذلك منه عندهم، كما صرّح به بعض الأطياب.
و كلام السيّد المرتضى رحمه اللّه على بيت النابغة شاهد على ما ذكرنا بلا ارتياب، فإنّه جعل العلاقة هو المشابهة في الإطراب.
فتحصّل ممّا بيّناه و شرحناه: أنّ الحقيقة العرفيّة لهذا اللفظ هو: الصوت اللهويّ الشامل للمقترن بالملاهي، و الحقيقة اللغوية له هو الصوت المطرب، و لا حاجة إلى اعتبار الترجيع، لاستلزام الإطراب للترجيع، كما أشرنا إليه.
فكلّ صوت مطرب يستعمله إنسان غناء لغة، و إن لم يكن على سبيل اللهو و لم يقترن بشيء من الملاهي و المحرّمات، و الّا فهو غناء عرفا.
و لا فرق- على الوجهين- بين ما كان مشتملا على كلام مفهوم المعنى و غيره، و لا بين ما كان في كلام باطل و حقّ، و لا بين الشعر و غيره، و لا بين المرثيّة و غيرها، فإنّ ذلك كلّه مع الإطراب غناء لغة و مع التلهّي غناء عرفا و لغة، فإنّ كلّ ما يطلق عليه الغناء في العرف يطلق عليه الغناء لغة، دون العكس، كما لا يخفى.
ثمّ ليعلم أنّ المراد بالصوت اللهويّ:
يحتمل أن يكون مطلق ما يتلهى به، و أن لم يحكم بحرمته، بناء على عدم ثبوت حرمة مطلق اللهو، كما أشرنا إليه في المقدمة العاشرة، لعدم اعتبار الحرمة في صدق الغناء العرفيّ، و حمل ما يأتي من الاخبار على اللهويّ المحرّم لا يوجبه.
1) إيقاظ النائمين و قد سبق ذكره، راجع التمهيد في علوم القرآن، ج 5، ص 210.
نعم، ربما يقال بثبوت العرف الشرعي فيه، نظرا إلى غلبة استعمال هذا اللفظ فيه، في زمن صدور هذه الأخبار و وجوده، و هو مشكل.
نعم، يحتمل من ذلك اختصاصه بالمحرّم، نظرا إلى احتمال كون الغلبتين معا منشأ لتحقّق الوضع العرفيّ، فتأمّل.
و المراد بالمطرب المغيّر للحال المحرّك للقلب مطلقا سواء كان من فرح أو من حزن، فإنّه مأخوذ من الطرب المفسّر في بعض كتب اللغة بالخفّة الّتي تلحقك: تسرّك أو تحزنك، أو المفسّر فيه- أيضا- بالحركة.
قال الطريحيّ في (المجمع): الطرب بالتحريك خفّة تعتري الإنسان لشدّة حزن أو سرور، و العامة تخصّه بالسرور (1)انتهى.
و عدّ في القاموس من معانيه: الخفّة المذكورة، و الحركة، و الشوق، قال: و رجل مطراب و مطرابة: طروب، و استطرب: طلب الطرب، و الإبل: حرّكها بالحداء، و التطريب:
الإطراب، كالتطرّب و التغنّي انتهى (2).
و على هذا، فليس استعمال المطرب في هذا المقام من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و لا من قبيل استعمال المشترك في عموم الاشتراك، ليلزم التجوّز، فإنّ المراد به هو مطلق الموجد للخفّة الموجبة لأحد الأمرين، و هو معنى حقيقيّ له، و كذا لو أريد به مطلق المحرّك.
نعم، لو جعلنا المبدء مشتركا بين الضدّين، كما في (سرّ الأدب) للثعالبي (3)و به صرّح في (القاموس) أيضا، فلا يجوز إرادتهما منه إلّا على الوجه الثاني، و لكنّه مفتقر إلى القرينة و الظاهر «حينئذ» أنّ امتناع إرادة الجميع قرينة على هذا التجوّز.
نعم، على القول بالجواز، لا بدّ من القرينة.
و كذا في استعماله في خصوص الحزن و الهمّ.
و أمّا استعماله في خصوص السرور، فالظاهر أنّ تبادره منه الناشئ من شهرة الاستعمال مغن عن القرينة.
و قد يقال: إنّ تفسير الطرب بالخفّة المشار إليها هو المدخل للصوت في أفراد اللهو، قال العجّاج:
أطربا و أنت قنّسري و الدهر بالإنسان دوّاري (1)
أراد هذه الخفّة على سبيل اللهو و التلهّي، و إلّا فمجرّد السرور أو الحزن لا يبعد عن الشيخ الكبير حتّى يتعلّق به الاستفهام التوبيخي.
و لكن فيه: أنّ الخفّة لا تستلزم التلهّي، و إلّا لكان كلّ صوت مطرب ملهيّا، و هو بعيد، و لذا تراهم يقسّمون الصوت المطرب إلى ما كان على سبيل اللهو و غيره، و ربما يشهد له بيت الكميت:
طربت و ما شوقا الى البيض أطرب و لا لعبا منّي و ذو الشيب يلعب؟ (2)
فإنّه، مع إثباته الطرب لنفسه، نفي اللعب و أنكره على ذي الشيب، على وجه الاستفهام الإبطالي المحذوف أداته، فليتأمّل.
و كيف كان، فهل يعتبر الأطراف في تحقّق الغناء اللغويّ، أو يكتفى بما من شأنه الإطراب بالفعل فلا يقدح فيه قبح الصوت و غلظته و نحو ذلك وجهان؟
و لعلّ الأول أظهر، فتدبّر.
و كذا الكلام في الصوت اللهويّ المعتبر في الغناء العرفيّ، فتأمّل.
فإذا عرفت أنّ الغناء هو الصوت المطرب، فاعلم أنّ هذا الصوت على ثلاثة وجوه.
أحدها: أن يكون بنفسه لهوا مهيّجا للشهوات، مزيّنا للسيّئات، داعيا إلى المحرّمات، كالصوت المعروف بالتصنيف، فإنّه بنفسه محرّك للقلب إلى الشهوات الباطلة، و إن لم يقترن بالملاهي، و لا بالكلمات المفهمة للمعاني.
و ثانيها: أن يكون داعيا الى ما ذكر بواسطة اشتماله على الكلمات المهيّجة للشهوة، و التشبيبات بالأمارد و النسوة، أو استعماله في مجالس شرب الخمور و الاستعداد للفسق و الفجور، أو صدوره من أمرد حسن الوجه أو امرأة مليحة حسناء، و إن لم يكن بنفسه- لو لم تكن هذه العوارض- مهيّجا للشهوات، و مزيّنا للسيئات، و مقوّيا لأباطيل الخيالات.
و من هنا يختلف باختلاف الأشخاص، و الأحوال، و الأوقات، و باختلاف المستمعين و المغنّين.
فالفرق بين الوجهين: أنّ الوصف باللهو في الأوّل ذاتيّ، و في الثاني عرضيّ، و إلّا فلا فرق بينهما في كون الصوت فيهما لهويّا.
و مرادنا بالذاتيّ: الوصف الذي لا يفتقر في ثبوته إلى واسطة، لا ما لا يتخلّف أصلا.
فلا يتوهّم: أن اللهو لا ينفكّ عن الصوت المطرب، فليتأمّل.
و ثالثها: أن يكون مجرّدا عن الوصفين، فقد يكون مذكّرا لأمور الآخرة منسيا لشهوات
الدنيا الفانية، و قد لا يكون كما في الأصوات الحسنة المطربة الموجبة للفرح و الانبساط، المذهبة للهموم و الغموم، المسلية عن المصائب و الرزايا.
و دعوى أنّ الصوت المطرب لا ينفكّ عن اللهو.
مجازفة كما أشرنا اليه.
و ما في بعض كتب (1)العامة من أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دخل بيت الربيع بنت معوذ، و عندها جوار يغنّين، فسمع إحداهنّ تقول:
«و فينا نبيّ يعلم ما في غد» على وجه الغناء، فقال عليه السّلام دعي هذا، و قولي ما كنت تقولين (2).
و هذه شهادة بالنّبوّة و أنّ وجه الزجر هو كون الغناء لهوا، و الشهادة بالنبوّة جدّا محضا، فلا تقترن بصورة اللهو (3).
لا يلتفت إليه لعدم ثبوت هذه الرواية عندنا، و على تقدير ثبوتها لا دلالة فيها على المدّعى.
هذا، مع أنّ في الأصوات المطربة ما يلهي المبتلى بشهوات الدنيا عنها، و يكفّه عن ملاهيها و ملاذّها، و يشوّقه إلى الملإ الأعلى و الدرجات العلى، فكيف يسمّى مثل هذا الصوت لهوا أو لهويّا أو مزمارا للشيطان صادّا عن عبادة الرحمن؟
و قد حكي أنّ بعض (4)العارفين قد هيّئ له ليلة طعام، فلمّا وضع بين يديه إذ سمع مغنّيا يغنّي بهذا البيت:
و تلهيك عن دار الخلود مطاعم و لذة نفس غيّها غير نافع
1) إحياء علوم الدين، ج 2، ص 327.
2) هذا الخبر و رد في سنن ابن ماجة، ج 1، ص 611، حديث 1897 و أيضا في أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 5، ص 452 بتفاوت مع ما في المتن، فراجع.
3) احياء علوم الدين، ج 2، ص 327.
4) هو عتبة بن ابان بن سمعه من نسّاك البصرة، انظر أخباره في حلية الأولياء، ج 6، صص 238- 226. ايضا انظر: اتحاف السادة المتّقين، ج 6، ص 544. ايضا ربيع الأبرار، ج 1، ص 760.
فصاح صيحة و خرّ مغشيّا عليه (1).
و حكي أيضا: أنّ بعضهم سمع في مجلس مغنّيا يغنّي بهذا البيت:
ما زلت أنزل من ودادك منزلا تتحيّر الألباب عند نزوله
فقام و تواجد و هام على وجهه، فوقع في أجمة قصب قد قطع و بقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها و يعيد البيت إلى الغداة، و الدم يخرج من رجليه حتى و رمت قدماه و ساقاه، و عاش بعد ذلك أيّاما و مات (2).
و حكاياتهم في هذا الباب كثيرة.
و قد قال بعضهم (3): إنّ السماع وارد حقّ، جاء يزعج القلوب إلى الحقّ، فمن أصغى إليه بحقّ تحقّق، و من أصغى إليه بنفس تزندق (4).
و قال بعضهم: السماع غذاء الأرواح لأهل المعرفة (5).
و قال بعضهم: كما أنّ الفكر يطرق العلم إلى المعلوم فالسماع يطرق القلب إلى العالم الروحانيّ (6).
و قال بعض الحكماء: من حزن فليسمع الألحان، فإنّ النفس إذا دخلها الحزن خمد نورها، و إذا فرحت اشتعل نورها و ظهر فرحها (7).
و قال بعضهم: نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي و استجلاب العازب من الأفكار و حدّة الكالّ من الأفهام و الآراء حتّى يثوب ما عزب، و ينهض ما عجز، و يصفو ما كدر، و يمرح في كلّ رأي و نيّة فيصيب و لا يخطئ، و يأتي و لا يبطئ (8).
و قد ذكروا للسماع- الذي هو عبارة أخرى عن الغناء- فوائد ربّانية و نتائج ملكوتية لا ترتب على الصوت اللهوي الذي هو مزمار الشيطان.
و كيف كان، فلا ريب و لا خلاف في حرمة الغناء على الوجهين الأوّلين، و كونه من الكبائر الموبقات بل عليه الإجماع بالقسمين، بل الظاهر كون هذا الحكم من ضروريات المذهب بل الدين.
فإنّ الصوفية من العامّة- و إن أولعوا بالسماع، و فصّلوا فيه القول- و لكنّ التدبر في كلماتهم يعطي أنّ مرادهم به غير الوجهين المشار إليهما.
نعم، من دأب الزنادقة منهم الرقص و التصدية و التغنّي بالأصوات اللهوية، و قد اشتهر ذلك منهم حتّى ورد من أئمّتنا المعصومين عليهم السلام فيهم ما ورد.
بل الظاهر أنّهم محكوم عليهم بالكفر، لما عرف من عقائدهم الباطلة من الحلول و الاتحاد و الزندقة و الإلحاد.
فلا تقدح مخالفتهم في الضرورة بالضرورة.
و يشهد لما ذكرناه من أنّ العامّة أيضا لا يجوّزون الصوت اللهويّ المزيّن للسيئات أنّ الغزالي- الذي كان من فضلائهم و فحول علمائهم و إن كان يظهر من بعض كلماته الرجوع إلى الحقّ (1)- بعد أن أشبع الكلام في المقام قال: فقد خرج من جملة التفصيل السابق أنّ السماع قد يكون حراما محضا، و قد يكون مباحا، و قد يكون مكروها، و قد يكون مستحبّا.
أمّا الحرام: فهو لأكثر الناس من الشبّان، و من غلبت عليهم شهوة الدنيا، فلا يحرّك السماع منهم إلّا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة.
و أمّا المكروه: فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين، و لكن يتّخذه عادة في أكثر الأوقات على سبيل اللهو.
1) مستند رجوع الغزالي إلى الحقّ و استبصاره ما ربما يظهر من كتاب سرّ العالمين على ما في مقدمة المحجّة البيضاء- فراجع و في كونه من تأليفات الغزالي بحث في كتاب «غزالى نامه» لجلال الدين همايي، ص 274- 273، و انظر (مؤلّفات الغزالي) للبدويّ.
و أمّا المباح: فهو لمن لا حظّ له منه إلّا التلذّذ بالصوت الحسن.
و أمّا المستحب: فهو لمن غلب عليه حبّ اللّه، و لم يحرّك السماع منه إلّا الصفات المحمودة (1)انتهى فتأمل.
و بالجملة يدلّ على هذا الحكم.
فمن الكتاب قوله تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ (2).
و قد فسّر في جملة من الأخبار «لهو الحديث» بالغناء.
و قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (3).
أي الغناء، كما في جملة من الأخبار أيضا (4)فليتأمل.
و من السّنة ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: سألت عن كسب المغنيّات؟ فقال: التي يدخل عليها
الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس (1)انتهى.
و ما رواه عن علي بن محمّد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اقرأوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر فإنّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم و قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبهم شأنهم (2)انتهى.
و ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال له رجل: بأبي أنت و أمّي إنّني أدخل كنيفا ولي جيران عندهم جوار يتغنّين و يضربن بالعود، فربّما أطلت الجلوس استماعا لهنّ؟ فقال: لا تفعل.
فقال الرجل: و اللّه ما آتيهنّ، و إنّما هو سماع أسمعه بأذني؟ فقال: لله أنت، أما سمعت اللّه يقول إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.
فقال: بلى، و اللّه، لكأنّني لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه من أعجميّ و لا عربيّ، لا جرم أنّني لا أعود ان شاء اللّه و لأنّي (3)أستغفر اللّه.
فقال: له: قم فاغتسل، و صلّ ما بدا لك، فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوء حالك لو متّ على ذلك! أحمد اللّه، و سله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا كلّ قبيح، و القبيح دعه لأهله، فإنّ لكلّ أهلا (4)انتهى.
الى غير ذلك من الروايات.
و أمّا الغناء على الوجه الثالث: أي الصوت المطرب المجرّد عن الوصفين المذكورين فقد اختلفوا في إباحته، و حرمته، على قولين.
أقواهما- عندي- هو الأوّل، وفاقا لكثير من المتأخّرين و متأخّريهم كالمحدّث الكاشاني (1)و المحقّق السبزواري (2)و المدقّق التستري (3)و غيرهم من مشايخنا المعتبرين.
و ربّما ينسب إلى الصدوق رحمه اللّه في الفقيه، و الشيخ في الاستبصار.
و هو خطأ كما بينّاه في شرح النافع (4).
و الثاني: ظاهر أكثر الأصحاب، و هو مذهب كثير من مخالفينا، كأبي حنيفة، و سفيان الثوري، و حمّاد، و إبراهيم، و الشعبي.
و مالك قال: إذ اشترى جارية فوجدها مغنّية كان له ردّها.
و للشافعي قولان: أحدهما ذلك، و ثانيهما أنّ الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، و من استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته (5).
و كيف كان، فمستند المبيح وجوه:
منها: أصل الإباحة، فإنّ كلّ شيء ينتفع به مطلق مباح بحكم العقل و النقل حتّى يرد فيه نهي، و لم يثبت نهي عن خصوص الصوت المطرب المبحوث عنه سوى ما يأتي الجواب عنه، فحيث لا دليل على حرمته حكمنا بإباحته.
قال أبو الحسن عليه السّلام في حديث: إنّ أمور الأديان أمران: أمر لا اختلاف فيه بين الأمّة و هو ضرورة في الدين لا يقبل الشكّ، و أمر يحتمل الشكّ و الإنكار، فمن
ادّعى شيئا من هذا القسم فعليه أن يحتجّ عليه بكتاب مجمع على تأويله، أو سنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا اختلاف فيها، أو قياس يعرف العقول عدله إلى أن قال: فمن ادّعى شيئا من هذا الأمر و لم يكن له شيء، من هذه الحجج الثلاث وسع خاصّة الأمّة و عامّتها الشك فيه و الإنكار له (1)انتهى.
قال السيّد ماجد رحمه اللّه في رسالته المفردة لهذه المسألة بعد ذكر هذه الرواية: هذا قانون كلّيّ أعطاناه، فلنعرض الغناء اللغويّ عليه، ليعرف حاله، فنقول: لا شكّ أنّ حرمته ليست من ضروريات الدين، و إلّا لم يختلف فيه أحد، سيّما فحول العلماء الذين حازوا قصب السبق في مضامير الأفكار، و فازوا بوصال بنات المعاني الأبكار، و بلغوا في المعقول و المنقول درجة الاجتهاد، و انتشر صيت فضلهم في الأصقاع و الأقطار، و هل يمكن لمن له أدنى تميز و عقل أن يجوّز أن يكون أمر من ضروريّات الدين مخفيّا على أمثال هؤلاء الأعلام المتبحّرين في جميع العلوم؟ و مبيّنا لمن قرء ألفية الشهيد و برحا من المختصر النافع أو شرائع الإسلام؟ و إلّا فليجوّز غلبة الذباب على العقاب، و ليقبل دعوى الرجحان على المحيط من السراب!.
فبقي أن يكون ممّا احتمل الشكّ و الإنكار، فنطلب منكم الدليل على حرمته؟
أمّا الدليل النقليّ فحاله ما ذكرناه و بيّناه لكم.
فتعيّن عليكم أن تستدلّوا عليها بدليل عقليّ، و أكثركم يا معشر المنكرين مستنكفون عن الدليل العقلي مستهزءون لمن طالب شيئا به، و هذا أيضا تهافت آخر و معارضة اخرى مع اللّه و رسوله و خلفائه، و ليس هذا الموضع مقام بيان فساده و قد رفع مؤنته عنّا صاحب الاحتجاج بتصنيفه هذا الكتاب لبيان بطلان هذا المسلك.
و أنشدكم بالله: هل تجد عقولكم محذورا في استماع صوت محزن مبك حامل لكلمات
1) تقدم ان الحديث بهذا اللفظ منقول من رسالة إيقاظ النائمين. و ايضا تقدم ذكر مصادره على اختلاف ألفاظه فيها فراجع.
مذكّرة للآخرة و نعيمها، مبعدّة عن ارتكاب اللذات الحسّية الدنيّة، بحيث إذا سمعه المغمور في الشّهوات الدنيّة الخسيسة، المسجون في سجن إدراك اللذات الطبيعيّة البهيميّة فانزعج من مقامه، و انقلع من مكانه، و تندم ممّا كان عليه، خائفا من شدّة و باله، و ألم عذابه، فتململ تململ السليم، و بكى بكاء الحزين، قائلا: يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه، ظاهرا من صفحات وجهه و فلتأت لسانه و فرط اضطرابه و كثرة التوائه أنّه يقول بلسان الحال رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنٰا وَ تَرْحَمْنٰا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ فإن ادّعيتم فيه محذورا عقليّا فأتوا به إن كنتم صادقين (1)انتهى.
و حاصله أن تحريم هذا الغناء لا دليل عليه من نقل و لا عقل، فيكون مباحا.
و مثله ما ذكره الغزاليّ في (إحياء العلوم) قال: اعلم أنّ قول القائل «السماع حرام» معناه أنّ اللّه يعاقب عليه، و هذا أمر لا يعرف بمجرد العقل، بل بالسّمع، و معرفة الشرعيّات محصورة في النصّ أو القياس على المنصوص، و أعني بالنصّ ما أظهره بقوله أو فعله و بالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه و أفعاله.
فإن لم يكن فيه نصّ، و لم يستقم فيه قياس على منصوص، بطل القول بتحريمه، و بقي فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات.
و لا يدلّ على تحريم السماع نصّ و لا قياس، و يتّضح ذلك في جوابنا عن أدلّة المائلين إلى التحريم، و مهما تمّ الجواب عن أدلّتهم كان ذلك مسلكا كافيا في إثبات هذا الغرض.
لكن نستفتح و نقول: قد دلّ النصّ و القياس جميعا على إباحته. إلى آخر ما ذكره (2)و هو طويل لا مزيد عليه، و لكن بعض ما ذكره لا يناسب مذهبنا.
و منها: أنّ الشبهة في هذه المسألة- على تقديرها- إمّا موضوعيّة تحريميّة أو حكميّة كذلك.
فإن كانت الاولى كان الحكم الإباحة بالاتّفاق.
و إن كانت الثانية: فكذلك عند المجتهدين، و إن خالفت الأخبارية.
و اعترض عليه: بأنّ الشبهة الموضوعيّة إذا كانت مفهومية مراديّة وجب الاجتناب عن جميع المحتملات من باب المقدّمة.
و فيه نظر، يظهر وجهه ممّا يأتي في الجواب عن أدلّة الحاظرين.
و منها: ما دلّ على جواز الغناء في العيدين، مثل ما رواه الحميريّ في (قرب الإسناد) عن عبد اللّه بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السّلام قال: سألته عن الغناء في العيد (1)الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به انتهى (2).
و نحوه ما رواه علي بن جعفر في كتابه، إلّا أنّ فيه بدل «ما لم يعص به»: «ما لم يزمّر (3)به» انتهى بالزاء المعجمة في أوّله و المهملة في آخره أي: لم يلعب معه بالمزمار، أو لم يرجّع فيه ترجيع المزمار، أو لم يقصد منه قصده من تهييج الشهوات، أو لم يتغنّ به على سبيل اللهو المحرّم، و يحتمل أيضا أن يكون المراد: ما لم يكن الغناء بسبب النفخ في المزمار و نحوه من آلات الأغاني، و يحتمل العكس أي ما لم يشر به إلى شيء من الفسوق و الفجور، كما هو دأب أرباب العشق الحيواني.
فالروايتان بمنطوقهما دالّتان على عدم البأس بالغناء الّذي لا يكون لهويّا، كما أنّهما بمفهومهما دالّتان على ثبوته في اللهويّ.
و لا يقدح اختصاصهما بالعيدين و الفرح، لعدم القول به على القول بالجواز.
و لا احتمال ورودهما للتقيّة، بعد كون المسألة اختلافية بينهم، مع أنّ الأصل عدمه، مع ندرته بالنسبة إلى ما لم يرد لها من الأخبار، كما لا يخفى.
و ممّا يقتضي به العجب أنّ بعض الفحول (1)زعم: أنّ الروايتين من أدلّة من جوّز الصوت اللهويّ، فإنّ المراد بالغناء مطلق الصوت المشتمل على الترجيع، فهو قد يكون مطربا ملهيا فيحرم، و قد لا ينتهي إلى ذلك الحدّ فلا يعصى به.
و أنت خبير بأنّه لم يذهب إلى تجويز الصوت اللهويّ أحد من أصحابنا حتى تكون الروايتان مستنده، نعم، ربّما يتوهّم من بعض (2)المحدّثين في بادي الرأي، و لكن التأمّل في عبارته (3)يعطي ما أشرنا إليه، فتأمّل.
و الظاهر أنّ من صرّح من العامّة بتجويز الصوت اللهويّ مطلقا، أو في الجملة، أراد به غير ما فسّرناه من المهيّج للشهوات المزيّن للسيّئات، و إن جوّزوا استعمال بعض آلات اللهو، فتدبر.
و منها: ما ورد بمدح الصوت الحسن مطلقا مثل قوله تعالى يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ (4)انتهى.
بناء على تفسيره بالصوت الحسن كما نقله الغزالي (5)و رواه الصدوق أيضا عن محمد ابن أحمد بن الحسين البغدادي، عن علي بن محمد بن عنبسة، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حسّنوا القرآن بأصواتكم فإنّ
1) راجع المكاسب للشيخ الأنصاري ره، ص 38. قوله ره لو لا استشهاده بقوله ليست بالتي تدخل عليها الرجال. كما في المنتقد، ص 165، جلد المتاجر- مخطوط.
2) الظاهر ان المراد به الفيض الكاشاني رحمه اللّه كما في المنتقد مجلد المتاجر، ص 165- مخطوط.
3) راجع المقدمة الحادية عشرة من مقدمات الصّافي، ج 1، ص 46.
4) سورة فاطر، آية 1.
5) احياء علوم الدين، ج 2، ص 295، ايضا راجع مجمع البيان، ج 8، ص 400.
الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» و قرأ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ (1)انتهى.
و مثل قوله تعالى إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوٰاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (2)بناء على ما ذكره الغزالي أيضا من أنّه يدلّ بمفهومه على مدح الصوت الحسن (3)، فتأمّل.
و مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما روي في بعض الكتب: «لم يعط أمّتي أقلّ من ثلاث: الجمال و الصوت الحسن و الحفظ» (4)انتهى.
و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن من أجمل الجمال الشعر الحسن و نغمة الصوت الحسن» (5)انتهى.
و ما روي في بعض الأخبار من أنّه «ما بعث اللّه نبيّا إلّا حسن الصوت» (6)انتهى.
و ما في بعضها أنّ داود كان حسن الصوت في النياحة على نفسه، و في تلاوة الزبور حتّى كان يجتمع الإنس و الجنّ و الوحوش و الطير لسماع صوته، و كان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة (7)انتهى.
و وجه الاستدلال: ما عرفته في المقدّمة التاسعة من عدم الفرق بين الغناء و الصوت الحسن، نعم الانقسام إلى اللهويّ و غيره يجري في الأوّل دون الثاني، نظرا إلى إطلاق ما دلّ على مدحه من الأخبار.
فهذه الاخبار تدلّ على جواز استعمال الصوت المطرب الذي لا يكون لهويّا، و إن كان غناء لغويا، فليتأمل.
1) عيون اخبار الرضا، ج 2، ص 68، حديث 322، أخرجه في تفسير نور الثقلين، ج 4، ص 350.
2) سورة لقمان، آية 19.
3) احياء علوم الدين، ج 2، ص 295.
4) الخصال مسندا عن أبى عبد اللّه (ع) عن رسول اللّه (ص)، فراجع الخصال المترجم، ص 155 ايضا و في الكافي، ج 2، ص 615، حديث 7.
5) الكافي، ج 2، ص 615، حديث 8.
6) الكافي، ج 2، ص 615، حديث 10.
7) احياء علوم الدين، ج 2، ص 295، قال محقق الكتاب في ذيل الصفحة: لم أجد له أصلا.
و منها ما ورد بمدح الصوت الحسن في خصوص قراءة القرآن مثل ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمّون، عن علي بن محمّد النوفلي، عن أبي الحسن عليه السّلام قال: ذكرت الصوت عنده فقال:
«إنّ علي بن الحسين عليه السّلام كان يقرأ فربّما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته، و إنّ الامام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه».
قلت: و لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي بالناس و يرفع صوته بالقرآن؟ فقال عليه السّلام: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يحمّل الناس ما يطيقونه (1)انتهى.
و ما رواه عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد اللّه بن القسم، عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السّلام قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لكل شيء حلية، و حلية القرآن الصوت الحسن» (2)انتهى.
و ما رواه عنه أيضا عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال قلت لأبي جعفر عليه السّلام: إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جائني الشيطان فقال: إنما ترائي بهذا أهلك و الناس، فقال: «يا أبا محمّد اقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك، و رجّع بالقرآن صوتك فإنّ اللّه يحبّ الصوت الحسن يرجّع فيه ترجيعا» (3)انتهى.
و ما رواه الصدوق في (العيون) عن محمّد بن عمر الجعابي، عن الحسن بن عبد اللّه التميمي، عن أبيه، عن الرضا عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حسّنوا القرآن بأصواتكم فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» انتهى.
و قد تقدّم رواية أخرى مثله (4)مع زيادة.
و ما رواه الطبرسي في مجمع البيان عن أبي بصير عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى:
وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال: «هو ان تتمكث فيه و تحسّن به صوتك» (1)انتهى.
و ما رواه الحلّي في آخر (السرائر) نقلا من (كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب)، عن العبّاس، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرّجل لا يرى أنّه صنع شيئا في الدعاء و في القراءة حتى رفع صوته فقال: «لا بأس، إنّ عليّ بن الحسين عليه السّلام كان أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان إذا قام من الليل و قرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطريق من السقائين و غيرهم فيقومون فيستمعون إلى قرائته انتهى (2).
و ما رواه الغزالي في إحيائه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» (3)انتهى.
و ما رواه ايضا عنه أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، استمع إلى قراءة أبي موسى فقال: «لقد اوتي هذا من مزامير آل داود» فبلغ ذلك أبا موسى فقال: لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيرا. انتهى (4).
و ما رواه ايضا عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «للّه أشدّ إذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته» (5)انتهى.
1) مجمع البيان، ج 10، ص 378.
2) كتاب السرائر ص 484 «المستطرفات».
3) احياء علوم الدين، ج 2، ص 322- ايضا سنن ابن ماجة، ج 1، ص 426، حديث 1342 و ايضا سنن النسائي، ج 2، ص 179 و ايضا مسند الامام احمد بن حنبل، ج 4، ص 285 و في المبسوط للشيخ رحمه اللّه، ج 8، ص 227 عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حسّنوا القرآن بأصواتكم.
4) احياء علوم الدين، ج 2، ص 322 و ص 295- ايضا مسند الامام احمد بن حنبل، ج 6، ص 167 و ج 5، ص 349 و ص 349 و ص 351 و ج 2، ص 369 و ص 450- ايضا سنن ابن ماجة، ج 1، ص 425، حديث 1341- ايضا سنن النسائي، ج 2، ص 181 ايضا المبسوط للشيخ ره، ج 8، ص 227.
5) احياء علوم الدين، ج 2، ص 295- أيضا مسند الامام احمد بن حنبل، ج 6، ص 19 و ص 20 ايضا سنن ابن ماجة، ج 1، ص 425، حديث 1340.
و ما رواه السيّد المرتضى رحمه اللّه في غرره و درره عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «لا يأذن اللّه لشيء من أهل الأرض إلّا لأصوات المؤذّنين و للصوت الحسن بالقرآن» (1)انتهى.
أي لا يستمع اللّه لشيء و لا يتقبّله و لا يثيب عليه كتقبّله و استماعه و ثوابه على ذلك، ذكره السيد في كتابه المذكور، و قد نقلنا عبارته في الشرح. (2).
وجه الاستدلال بهذه الروايات ما عرفته من أنّ تحسين الصوت لا يتصور إلّا مع الترجيع و التطريب، و هذه الاخبار دلّت على جوازه، بل استحبابه في القرآن، كما صرّح به كثير، بل أرسله جماعة إرسال المسلّمات، كما يظهر من الطبرسي (3)و غيره، بل يظهر منه أن خلاف ذلك لم يكن معروفا بين القدماء، كما صرّح به السبزواري في الكفاية (4).
و يشهد له تأويلهم حديث التغنّي بالقرآن بتحسين الصوت به.
و القول بأنّ الترجيع و صف عارض للصوت الحسن، يوجد بإيجاد آخر مغاير للصوت.
شطط من الكلام، ضرورة عدم تحقّقه بدون الترجيع.
و قد عرفت من بعض الأخبار أنّ علي بن الحسين عليه السّلام كان يقرء القرآن فربّما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته، فلو لم يكن للترجيع مدخل في حسن الصوت لكان ينبغي أن يصعق السامع عند تكلّمه على الاستقامة، و لم يرد به خبر أصلا.
ثم [لو] سلّمنا إمكان انفكاك الصوت الحسن عن الترجيع، و لكن لا مجال لإنكار كون الصوت المشتمل على الترجيع المطرب من أفراد الصوت الحسن، فيشمله ما دلّ على جوازه.
و خروج الصوت اللهوي منه بالإجماع، لا يوجب خروج مطلق المشتمل على الترجيع، لعدم الدليل عليه.
هذا، مع ما عرفته من عدم شمول الصوت الحسن للصوت اللهوي، فلا تعارض بين ما يأتي من أخبار النهي عن الغناء، و هذه الأخبار لو حملنا الغناء على الصوت اللهويّ و الصوت الحسن بغيره، لاختلاف مورد الحكمين.
و على القول بعدم اختصاص الغناء بالصوت اللهوي: يكون التعارض- بين أخباره، و أخبار الصوت الحسن في القرآن- بالعموم و الخصوص من وجه، لو لم نعتبر الترجيع في الصوت الحسن، فالمرجع في مادة الاجتماع- أي الترجيع في القرآن- هو الأصل، و مقتضاه الجواز، مع ورود الأمر به في بعض الأخبار، فتدبّر.
و كيف كان، فلا دلالة في هذه الروايات على المدّعى بتمامه، لثبوت القول بالفصل، اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بالأولوية، و للتأمل فيها مجال.
و منها: ما ورد من الأخبار بذمّ ترك التغنّي بالقرآن مثل ما رواه السيد رحمه اللّه في الغرر، كالغزالي في الإحياء مرسلا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال:
«ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (1)انتهى.
و ما رواه أيضا كالطبرسي في مجمع البيان عن عبد الرحمن بن السائب، قال: أتيت سعدا، و قد كفّ بصره، فسلّمت عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقال مرحبا يا بن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إنّ هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا» انتهى. (2)
قال السيد رحمه اللّه: قوله: «ليس منّا» فقد قيل فيه أنّه لا يكون على أخلاقنا، و استشهد
ببيت النابغة:
إذا حاولت في أسد فجورا فانّي لست منك و لست منّي (1)
و قيل إنّه أراد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس على ديننا. انتهى. (2)
وجه الاستدلال: أن المراد بالتغنّي بالقرآن استعمال الغناء في قراءة القرآن، و ليس المراد به الصوت اللهويّ المحرّم لحرمة استعماله في غير القرآن فكيف يجوز استعمال فيه؟ فيتعيّن كون المراد به الصوت المطرب المجرّد عن اللهو، فإذا ثبت جوازه فيه ثبت في غيره بطريق أولى فتأمّل.
و اعترض عليه:
تارة: بضعف السند.
و اخرى: بأنّ مثل هذين الخبرين محتمل للوضع للتقرّب إلى خلفاء الجور المولعين بسماع الغناء و حكاية غياث (3)بن إبراهيم مع المهدي بن المنصور معروفة.
و ثالثة: بأن ظاهر قوله: «ليس منّا» وجوب التغنّي، و لا قائل به، و لذا قال القاسم بن سلّام: لو كان معناه الترجيع لعظمت المحنة علينا بذلك، إذ لو كان من لم يرجّع بالقرآن فليس منه (4)انتهى.
و قال السيد رحمه اللّه إنّه محال أن يخرج من دين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ملّته من لم يحسن صوته بالقرآن و يرجّع فيه. انتهى (5).
و رابعة: بأنّ المراد هو تحسين الصوت بالقرآن المأمور به في أخبار كثيرة، لا الصوت
1) ديوان النابغة الذبياني، ص 138.
2) أمالي السيد المرتضى، ج 1، ص 27.
3) ربيع الأبرار، للزمخشري، ج 3، ص 205 و القصة واردة أيضا في أبي البختري القاضي مع الرشيد فراجع، كتاب مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام، لعبد الواحد الأنصاري، ص 9.
4) أمالي السيد المرتضى، ج 2، 24.
5) أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 28.
المشتمل على الترجيع المطرب.
و خامسة: بأنّ المراد الاستغناء بالقرآن عن غيره. يقال: تغنيت إذا استغنيت، قال الأعشى:
و كنت امرء أزمنا بالعراق عفيف المناخ طويل التغنّي (1)
اي كثير التغنّي.
و قال ابن مسعود: من قرأ سورة آل عمران غني اي مستغن (2).
و عن عبد اللّه بن نهيك أنّه دخل على سعد في بيته فإذا مثال رث و متاع رثّ، فقال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (3).
و روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: «لا ينبغي لحامل القرآن أن يظنّ أنّ أحدا أعطي أفضل ممّا اعطي لأنّه لو ملك الدنيا بأسرها إن القرآن أفضل ممّا ملكه» (4)انتهى.
و سادسة: بأن المراد بالتغنّي: الجهر بالقرآن، لما روي من أنّه «ما أذن اللّه لشيء كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن و يجهر به» (5)انتهى.
بناء على أنّ «يجهر» تفسير ليتغنّى.
و سابعة: بأنّ المراد بالتغني: التلذّذ و الاستحلاء و الاستعذاب، كاستحلاء أصحاب الطرب للغناء و التذاذهم به.
و ثامنة: بأنّ التغنّي من غنى الرجل بالمكان و المغني إذا طال مقامه، قال السيّد
1) أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 27.
2) أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 24 و عن ابى عبد اللّه (ع) نظيره فراجع الكافي، ج 2، ص 305، حديث 8.
3) أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 24.
4) أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 24.
5) ورد هذا الحديث باختلاف يسير مع ما في المتن فراجع، سنن النسائي، ج 2، ص 180 و مسند الامام احمد، ج 2، ص 271 و 285 و 450 ايضا المبسوط للشيخ رحمه اللّه، ج 8، ص 227.
المرتضى رحمه اللّه: فيكون معنى الخبر على هذا الوجه: من لم يقم على القرآن فيتجاوزه إلى غيره و يتعدّاه إلى سواه و يتّخذه مغني و منزل مقام، فليس منّا. انتهى. (1)
و يمكن دفع الأوّل، بانجباره برواية من لا يعمل بخبر الآحاد و لو كان صحيحا.
و الثاني: بكونه خلاف الأصل و الظاهر، نعم لو كان احتمال الوضع مساويا لعدمه وجب التوقّف على ما صرّح به المحقق الداماد في (الرواشح السماوية)، قال: الاخبار على ثلاثة ضروب: ضرب يجب تصديقه و هو ما نصّ الأئمّة على صحّة وروده، و ضرب يجب تكذيبه و هو ما نصّوا على وضعه، و ضرب يجب التوقّف فيه لاحتماله الأمرين كسائر الاخبار، و لا يجوز الإفراط في نقل أخبار الآحاد و الانقياد لكلّ خبر كما هو مذهب الحشوية، إذ في الاخبار موضوعات بيّنة (2)انتهى (3)فتدبر.
و الثالث: بأنّ ذلك قرينة على إرادة الاستحباب المؤكّد.
و الرابع: بما تقدّم من عدم الانفكاك.
و البواقي: بكونها خلاف الظاهر، فلا يعارض احتمالها ما هو الظاهر من التغنّي و المتبادر منه.
و منها: ما دلّ على رجحان قراءة القرآن بالحزن مثل ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره عن الصادق عليه السّلام قال: «إن القرآن نزل بالحزن فاقرءوه بالحزن» (4)انتهى.
و ما رواه عنه أيضا، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليم بن داود المنقري، عن حفص قال: ما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر عليه السّلام و لا أرجى الناس
منه، و كانت قرائته حزنا فكأنّه يخاطب إنسانا. انتهى. (1)
وجه الاستدلال: أنّ القراءة بالحزن لا تنفك عن الترجيع المطرب، و فيه نظر، فتدبّر.
و منها: ما ورد بقراءة القرآن بألحان العرب:
مثل ما رواه في (الكافي) عن علي بن محمد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن الصادق عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق» (2)انتهى.
و ما رواه ابن الأثير في (نهايته) قال: و فيه: «اقرءوا القرآن بلحون العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل العشق و لحون أهل الكتابين» (3)انتهى.
وجه الاستدلال: أنّ الألحان و اللحون جمع اللحن و هو التطريب و التغريد.
كما صرّح به جماعة من أهل اللغة، قال الجوهري- على ما حكي عنه-: يقال هو ألحن الناس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء (4)و تفسير اللحن باللغة أو باللهجة خلاف الظاهر و إن صرّح بالأول الطريحي (5)و المحدث البحراني (6)و بالثاني بعض المحققين (7).
قال بعض الأفاضل: إنّ الأصوات المستقيمة مشتركة بين العرب و العجم غير مختصة بطائفة دون أخرى. ألا ترى أنّه لا يجوز أن يقال: نادى زيد ابنه بنداء العرب و عمرو بنداء العجم، لكون النداء على استقامة مشتركا بين جميع الطوائف، و يجوز أن يقال: زيد قرأ القرآن بلحن العرب، و عمرو بلحن العجم (8)انتهى.
1) الوسائل، ج 4، ص 857 باب استحباب القراءة بالحزن. حديث 3.
2) الوسائل، ج 4، ص 858 باب تحريم الغناء في القرآن و. حديث 1.
3) النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 4، ص 242.
4) مختار الصحاح، ص 594 مادة لحن.
5) مجمع البحرين، ج 6، ص 307 مادة لحن.
6) الحدائق النّاضرة، ج 18، ص 144.
7) المكاسب للشيخ الأنصاري رحمه اللّه، ص 39.
8) رسالة إيقاظ النائمين.
و الحاصل أنّ مجرد الصوت من دون ترجيع و تطريب لا يسمّى لحنا كما لا يسمّى غناء، و المراد بالغناء في ذيل الحديث الأوّل هو الصوت اللهويّ المحرّم، فلا منافاة.
لا يقال: إنّه كما يحتمل صرف الغناء عن معناه اللغوي، كذلك يحتمل صرف اللحن عن معناه الحقيقي، و لا مرجّح، فيتطرق الإجمال المخلّ بالاستدلال.
فإنّ تعارف استعمال الغناء و غلبة إرادة المعنى العرفيّ منه ممّا يرجّح الأوّل.
و منها ما ورد أنّه كانت النساء يغنين عند قدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المدينة بقولهنّ:
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا للّه داع (1)
و لم ينكره عليهنّ، فتدبّر.
و منها ما رواه الغزاليّ في كتاب إحياء العلوم من أنّ عائشة قالت: دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث (2)فاضطجع على الفراش، و حوّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني و قال: مزمار الشيطان عند رسول اللّه؟ فاقبل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال: دعهما، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا (3)انتهى.
قال ابن الأثير في (النهاية): أي ينشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث، و هو حرب كانت بين الأنصار، و لم ترد الغناء المعروف بين أهل اللهو و اللعب (4)انتهى.
و في الاستدلال بمثل هذه الرواية ما لا يخفى.
1) إحياء علوم الدين، ج 2، ص 302 انظر ايضا تلبيس إبليس لأبي الفرج ابن الجوزي، ص 224 و أيضا المبسوط للشيخ رحمه اللّه، ج 8، ص 226.
2) بعاث، بضمّ الباء، يوم مشهور كان فيه حرب بين الأوس و الخزرج، و بعاث اسم حصن للأوس و بعضهم يقوله بالغين المعجمة و هو تصحيف، راجع النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 1، ص 139 مادة بعث. أيضا: إتحاف السادة المتّقين، ج 6، ص 492.
3) إحياء علوم الدين، ج 2، ص 303.
4) النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 3، ص 392 مادة غنا.
و منها: ما دلّ من الروايات على جواز شراء المغنيات و بيعها و سماع صوتها مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن عبد اللّه بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن عليه السّلام ما تقول في النصرانية إلى أن قال: قلت: جعلت فداك فأشتري المغنيّة أو الجارية تحسن أن تغنّي أريد بها الرزق لا سوى ذلك؟ قال: «اشتر و بع» (1)انتهى.
و ما رواه الصدوق قال: سأل رجل عليّ بن الحسين عليه السّلام عن شراء جارية لها صوت؟
فقال: «ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنّة» يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل الّتي ليست بغناء فامّا الغناء فمحظور انتهى. (2)
و اعترض على هذا الاستدلال: بأنّ هذه الأخبار معارضة بما يأتي من الروايات المصرّحة بحرمة ثمن المغنّية و كسبها و حرمة بيعها و شرائها، و في بعضها: «أنّ ثمنها سحت و السحت في النار».
على أنّ حديث الصدوق- بضميمة التفسير المذكور فيه- ينافي المدّعى.
و في الوسائل- بعد أن أورد هذا الحديث- ظاهر أنّ المراد لا بأس بحسن الصوت الذي لا يصل إلى حدّ الغناء فإنّه أعمّ منه. انتهى (3).
و الظاهر: أن التفسير المذكور من كلام الصدوق رحمه اللّه و ليس بحجة حتّى ينافي المدّعى، و قد تقدّم أنّ حسن الصوت لا ينفكّ عن الغناء اللغوي، فلا وجه لما ذكره في الوسائل.
و الإنصاف: أنّه لا تعارض بين هذه الأخبار، و ما يأتي، لاختصاصه بالغناء العرفي أي الصوت اللهويّ المقترن بالملاهي، و اختصاصها بالصوت المطرب الذي لا يكون بهذه المثابة، فليتأمّل.
و منها: ما يأتي من جواز الحداء و النياحة على الموتى و التغنّي لزف العرائس و سيأتي الكلام في ذلك كلّه في المقصد الثالث إن شاء اللّه.
و ما قيل: من أن الحداء ليس من الغناء.
ففي غاية السقوط، ضرورة كونه صوتا مطربا.
و كذا القول: بأنّ الغناء إنّما يحرم للطرب، و ليس في النياحة طرب.
لما تقدّم من أنّ المراد بالمطرب هو المغيّر للحال بحزن أو سرور، فليتأمّل.
هذا تمام الكلام في الأدلة على ما اخترناه في المقام.
و أمّا مستند الحاظرين فوجوه ايضا منها: أنّ جماعة منهم شيخنا المفيد رحمه اللّه ادّعوا الإجماع على حرمة الغناء.
و فيه:- بعد تسليم النقل- أوّلا: ما عرفته في المقدّمة الثانية من عدم حجية الإجماع المنقول، و عدم كونه بمنزلة خبر الواحد الصحيح.
و ثانيا: أنّ ظاهر من ادّعى الإجماع في المقام هو دعواه على حرمة الصوت اللهويّ المهيّج للشهوات بنفسه، أو باقترانه بالمحرّمات، كما هو الغالب المتعارف في الأعصار في مجالس الفسّاق و الفجّار، و قد عرفت أنّ حرمة هذا النوع من الغناء تعدّ من الضروريّات.
سلّمنا عدم الظهور، و لكنّه محتمل احتمالا مساويا لما زعم من الإطلاق، فيأتي الإجمال في المراد الموجب لسقوط الاستدلال به في هذا المجال.
و منها: أنّ لفظ الغناء الوارد في أخبار المسألة مجمل، لتردّده بين معان كثيرة، فيكون الشبهة «حينئذ» موضوعية مرادية، بمعنى أنّ الشبهة في مفهوم الموضوع و المراد منه، فيجب الاجتناب عن جميع المعاني المحتملة من باب توقف الامتثال بالنهي عن الغناء عليه، و ليست الشبهة موضوعيّة مصداقية حتى يجري فيها أصل الإباحة.
و الحاصل: أنّ التكليف بالاجتناب عن الغناء ثابت، و لكنّه لإجماله و عدم وضوح المراد منه موجب للشك في المكلّف به، فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الاجتناب عن كلّ ما يحتمل كونه منه، كما أنّ مقتضاها في التكليف الوجوبيّ كذلك، إذا كان بهذه المثابة.
و فيه:
أوّلا: منع الإجمال، كما عرفته في المقصد الأوّل.
و ثانيا: منع كون الشبهة موضوعية، بل هي على تقدير الإجمال من الشبهة الحكميّة التحريميّة التي هي مجرى أصالة الإباحة، كما بيّنّاه في المقدمة الاولى.
و ثالثا: أنّه لم يثبت من أدلّة النهي عن الغناء حرمة غير الصوت اللهويّ، فلا يقين بوجود فرد محرّم في الأفراد المشتبهة ليجب الاجتناب عن الجميع من باب المقدمة، لاحتمال كون الجميع مباحا و انحصار الحرمة في الصوت اللهويّ.
فاتّضح الفرق بين ما نحن فيه و مسألة الإنائين المشتبهين، للقطع باشتمالهما على النجس المأمور بالاجتناب عنه، بخلاف ما نحن فيه، و المقايسة إنّما تتم مع القطع بأحد الإنائين نجاسة و الشك في نجاسة الآخر، فإنّها مدفوعة بالأصل.
و هذا واضح لمن تدبّر.
و منها: أنّ الصوت المطرب مفسدة لأغلب الناس في أغلب الأوقات و أكثر الأحوال، لكون أكثر الناس فسّاقا مبتلين بالخيالات الفاسدة و الهواجس الشيطانية و الوساوس البهيمية، و الأوحديّون المخلصون الذين يستأنسون بهذا الصوت إلى العالم الأعلى، و ينقطعون به عن شهوات الحياة الدنيا قليلون، فمقتضى الحكمة الشرعيّة تحريم هذا الصوت على الكلّ، كما في سائر المحرّمات التي لوحظ فيها دفع المفسدة عن الأغلب، فحظرت على الجميع، لتكون القاعدة كلية مطّردة، حفظا للنظام و دفعا للزوم الهرج و المرج في الأنام، و من الواضح أنّ ملاحظة حال القليل في تشريع الأحكام توجب
الهرج و المرج و اختلال النظام، و إلّا فلا ننكر أنّ الغناء يختلف باختلاف أحوال المستمعين و أخلاقهم.
كما صرّح به الغزاليّ أيضا حيث قال: و للمستمع أربع أحوال:
إحداها: أن يكون سماعه بمجرّد الطبع، أي لا حظّ له في السماع إلّا استلذاذ الألحان و النغمات، و هذا مباح، و هو أخسّ رتب السماع، إذ الإبل شريكة له فيه و كذا سائر البهائم، بل لا تستدعي هذا الذوق إلّا الحياة فلكل حيوان نوع تلذّذ بالأصوات الطيّبة.
الحالة الثانية: أن يسمع بفهم، و لكن ينزله على صورة مخلوق، إمّا معيّنا، و إمّا غير معيّن، و هو سماع الشباب و أرباب الشهوات، و يكون تنزيلهم للمسموع على حسب شهواتهم و مقتضى أحوالهم، و هذه الحالة أخسّ من أن نتكلّم فيها إلّا ببيان خسّتها و النهي عنها.
الحالة الثالثة: أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته للّه تعالى، و تقلب أحواله في التمكن مرّة، و التعذر اخرى، و هذا سماع المريدين.
إلى أن قال: الحالة الرابعة: سماع من جاوز الأحوال و المقامات، فعزب عن فهم ما سوى اللّه حتّى عزب عن نفسه و أحوالها و معاملاتها، و كان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود، الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ في مشاهدة جمال يوسف عليه السّلام حتّى دهش و سقط عن إحساسهنّ، الى آخره (1).
و الحاصل: أنّ الغناء- و إن كان له تأثير حسن في بعض القلوب- و لكنّه في أكثر الناس موجب للفساد، و لذا قال بعض العارفين: و حيث كثرت الفتنة بطريقه، و زالت العصمة فيه، و تصدى للحرص عليه أقوام قلّت أعمالهم و فسدت أحوالهم. و أكثروا الاجتماع للسماع. و ربّما يتّخذ للاجتماع طعام لطلب النفوس الاجتماع لذلك لا رغبة للقلوب في السماع، كما كان من سير الصادقين، صار السماع معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات و استحلاء
1) احياء علوم الدين، ج 2، صص 313- 316.
لمواطن اللهو و الغفلات، و يقطع ذلك على المريد طلب المزيد، و يكون بطريقة تضييع الأوقات و قلة الحظّ من العبادات، و يكون الرغبة في الاجتماع طلبا لتناول الشهوة و استرواحا لأولى الطرب و اللهو و العشرة، و لا يخفى أنّ هذا الاجتماع مردود عند أهل الصدق. انتهى.
فما هذا حاله اقتضت الحكمة حرمته، كشرب الخمر الذي ضرّه أكثر من نفعه.
و فيه نظر وجهه غير خفيّ، فإنّه استحسان محض، و اجتهاد صرف، لا نلتفت إلى مثله في إثبات مثل هذا الحكم، كيف؟ و كثير ممّا أحلّ اللّه يكون بهذه المثابة، كالنظر إلى الوجوه الحسنة، فإنّ فيه مفسدة لأكثر الشبّان، مع أنّه لم يحكم بتحريمه على الكلّ، و قد حكي عن بعض التابعين أنّه قال: ما أنا أخوف على الشاب من السبع الضاري خوفي عليه من الغلام الأمرد يقعد اليه (1).
و منها: أنّ الصوت المطرب باعث على الفسوق و الفجور و محرّك للقلب إلى الزنا و شرب الخمور فيحكم العقل بقبحه كحكمه بقبح كثير من المحرمات.
و فيه ما لا يخفى، إذ لا كلام في حرمة المطرب المحرّك للقلب إلى ما هو مراد الشيطان من المعاصي، و ليس كلّ صوت مطرب كذلك، ضرورة أنّ منه ما يحرّك الشوق إلى طاعة اللّه، و يوجب الانس به، و الركون إلى دار القرار، كالتغنّي بالأشعار المتضمّنة لذكر الجنّة و النار، و وصف نعم اللّه الملك الجبّار، و ذكر العبادات و الخيرات كما يرشد اليه قوله عليه السّلام: «ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنة» (2)انتهى.
فهل يحكم العقل بحرمة مثل هذا التغني و قبحه؟
نعم، ربّما يحرّك الصوت الطيّب في قلوب بعض الناس الميل إلى المعاصي و الملاهي، فهو
مختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال، و قد صرّح جماعة بأنّ الصوت الطيّب محرّك للقلب إلى ما هو الغالب عليه.
قال الغزالي: و مهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة و لا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال و الأشخاص، و اختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب.
قال (1)ابن سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، و لكن ما هو فيه.
ثمّ جعل للترنّم بالكلمات المسجعة الموزونة سبعة مواضع:
أوّلها: غناء الحجيج.
و ثانيها: غناء الغزاة لتحريض الناس على الغزو.
و ثالثها: التغني بالرجزات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء.
و رابعها: النياحة لترقيق القلب و إسبال البكاء.
و خامسها: التغنّي أوقات السرور كأيّام العيد، و أوان العرس.
و فصّل الكلام في هذه المواضع بما لا يناسب هذه الوجيزة.
فقال: السادس: سماع العشاق تحريكا للشوق و تهييجا للعشق و تسلية للنفس، فإن كان في مشاهدة المعشوق: فالغرض تأكيد اللّذة، و إن كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق، و الشوق و إن كان ألما ففيه نوع لذّة، لذا انضاف إليه رجاء الوصال، فإنّ الرجاء لذيذ و اليأس مؤلم، و قوّة لذة الرجاء بحسب قوّة الشوق و الحب للشيء المرجوّ، ففي هذا السماع تهييج العشق، و تحريك الشوق، و تحصيل لذة الرجاء المقدّر في الوصال، مع الإطناب في وصف حسن المحبوب، و هذا حلال إن كان المشتاق إليه مما يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سريّته فيصغي إلى غنائها لتتضاعف لذّته في لقائها.
1) كذا و الظاهر انه أبو سليمان. فراجع ما سبق في هذا الكتاب.
إلى أن قال: السابع: سماع من أحبّ اللّه و عشقه و اشتاق إلى لقائه، فلا ينظر إلى شيء إلّا رآه فيه، و لا يقرع سمعه قارع إلّا سمعه منه أو فيه، فالسماع في حقّه مهيّج لشوقه و مؤكّد لعشقه و حبّه، و مور زناد قلبه، و مستخرج منه أحوالا من المكاشفات و الملاطفات لا يحيط الوصف بها، يعرفها من ذاقها و ينكرها من كلّ حسّه عن ذوقها، إلى آخر ما ذكره. (1)
فظهر: أنّ الصوت المطرب لا ينحصر أثره في حصول الميل إلى الفسوق و الفجور حتّى يحكم العقل بحرمته مطلقا، بل هو حاكم بحرمة نوع خاصّ منه، و هو ما استدعى المحرّم أو اقترن به.
و هذا هو ما قيل فيه من: أنّ الغناء مفسدة للقلب مسخطة للربّ.
و ما قيل: إيّاكم (2)و الغناء فإنّه يزيد الشهوة، و يهدم المروّة، و إنه لينوب عن الخمر، و يفعل ما يفعل المسكر. (3)
قال بعض العارفين: و إن أنصف المنصف و تفكّر في اجتماع أهل الزمان و قعود المغنّي بدفّه، و المشبّب بشبابته، و تصوّر في نفسه: هل وقع مثل هذا الجلوس و الهيئة بحضرة رسول للّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هل استحضروا قوّالا و قعدوا مجتمعين لاستماعه؟ و لا شكّ بأنّه ينكر ذلك من حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه. انتهى.
و أمّا ما لم يكن بهذه المثابة، فلا حكم للعقل بقبحه، و لا سيّما إذا كان موجبا للانقطاع عن شهوات الدنيا، بل العقل حاكم بحسنه، و لذا قيل: إنّهم ما اختاروا السماع حيث اختاروه إلّا بشروط و قيود و آداب يذكرون به الآخرة، و يرغبون في الجنّة، و يحذرون من النار، و
يزداد به طلبهم، و يحسن به أحوالهم، فليتأمّل.
و منها قوله تعالى في سورة لقمان وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ انتهى. (1)
فإنّ جمعا من المفسّرين قد فسّروا «لهو الحديث» بالغناء و الاستماع إليه، و حكي عن عبد اللّه بن مسعود أيضا (2)و يدلّ عليه روايات كثيرة.
مثل ما رواه في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن إسماعيل، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال سمعته يقول: «الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار» و تلا هذه الآية وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي الى آخر الآية (3)انتهى.
و ما رواه عن عدّة من أصحابنا، عن سهل، عن الوشّاء، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السّلام يقول: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الغناء؟ فقال: هو قول عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي» الى آخر الآية (4)انتهى.
و رواية مهران بن محمد، عن الصادق عليه السّلام (5).
و رواية الحسن بن هارون (6)عنه عليه السّلام.
و رواية عبد الأعلى (7)عن الباقر عليه السّلام.
و في هذا الاستدلال وجوه من النظر.
أحدها: أنّ التفسير معارض بتفسير بعضهم «لهو الحديث» بالطعن في الحقّ و الاستهزاء به: و قد رواه الطبرسي في المجمع (1)عن الصادق عليه السّلام أيضا، فتأمّل.
و ثانيها: أنّ الغناء- و إن كان في اللغة هو مطلق الصوت المطرب- و لكنّه في عرفهم الصوت اللهويّ، و لا كلام في حرمته، كما عرفت.
و ثالثها: أنّ الآية- بعد ملاحظة الأخبار المفسّرة- تدلّ على تحريم الغناء الذي يشترى ليضل عن سبيل اللّه، و لا نزاع فيه، و ليس فيها دلالة على حرمة مطلق الغناء، إذ ليس كلّ غناء بدلا من الدين مضلّا به عن سبيل اللّه، كالغناء المرقّق للقلب المذكّر للجنّة، المشوّق، إلى العالم الأعلى.
نعم، التفسير بمطلق الغناء ربّما يوهم عدم الفرق، و هو كما ترى.
و رابعها: أنّ اللهو هو الباطل، و الحديث بمعنى الكلام، و الإضافة بتقدير إحدى الثلاث، فتدلّ الآية على حرمة الغناء المقترن بأباطيل الكلام كالأشعار المتضمّنة للتشبيب المحرّم و نحوها من الأحاديث الباطلة.
و كذا لو جعلنا الإضافة بيانية، أو جعلنا «لهو الحديث» مرادا به على سبيل التجوّز:
مطلق ما يلهي عن اللّه قولا كان أم فعلا، كما عن تفسير القمّي رحمه اللّه (2).
و يرشد إليه جملة من هذه الروايات حيث جعل فيها الغناء من أفراده، لاعتبار اللهو فيه، أو في تحريمه فيخرج عن محلّ النزاع.
و كذا لو أريد به: ما يلهي عمّا يغني (3)كالأحاديث التي لا أصل لها و الأساطير التي لا اعتبار بها، و المضاحيك، و فضول الكلام، كما في تفسير البيضاويّ.
قال: و الإضافة بمعنى (من) و هي تبيينيّة إن أراد بالحديث المنكر، و تبعيضية إن أراد به
الأعم. انتهى (1)فتأمل.
و خامسها: أنّ الحديث هو الكلام الخبريّ، فيدلّ على حرمة التغني بالكلمات الملهية فإنّ الصوت من حيث إنّه صوت لا يسمّى حديثا، كما أنّ الصوت المشتمل على كلمات حقّة لا يسمّى لهو الحديث، قال بعض الأفاضل: أ و لا ترى أنّ نغمات الأوتار لا تسمّى لهو الحديث و قول الزور، و أنّ الأحاديث الواردة في ذمّ استماعها لا تعلّل بهما.
و هل يمكن أن تتّصف الكلمات الحقّة من القرآن و الأحاديث بسبب الترجيع بلهو الحديث و قول الزور؟
و أيّ عقل يجوّز أن يصير القرآن الذي هو أصدق حديثا- بسببه- قولا زورا و كذبا صراحا؟ و ان تنقلب الآيات القرآنية الإنشائية بتطريب الصوت المرجّع إلى الحقيقة الخبرية و صارت أحاديث ملهية و أقوالا كاذبة؟ (2)انتهى فتأمل.
و سادسها: أن الآية على ما صرّح به جماعة نزلت في النضر بن الحارث لمّا اشترى كتب الأعاجم، و كان يحدّث بها قريشا، و يقول: إن كان محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يحدّثكم بحديث عاد و ثمود، فانا أحدّثكم بحديث رستم و إسفنديار و الأكاسرة (3).
و عن بعضهم: أنّ الآية نزلت في أبي جهل لمّا قال: يا معاشر قريش، ألا أطعمكم من الزقّوم الذي يخوّفكم به صاحبكم، فأرسل الى زبد و تمر، فقال: هذا هو الزقوم الذي يخوّفكم به (4).
و قيل: إنّ النضر كان يشتري القيان و يحملهنّ على معاشرة من أراد الإسلام و منعه منه (5)فنزلت الآية.
فلا دلالة فيها على حكم الغناء أو تكون مخصوصة بغناء القيان للصدّ عن طريق الإيمان.
و فيه نظر، فإنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص شأن التنزيل، سيّما مع ما عرفته من الأخبار المفسّرة.
و سابعها: أنّ حمل «لهو الحديث» على الغناء لا يناسبه الاشتراء.
و فيه نظر، فإنّ المراد به الاستبدال عن قراءة القرآن و نحوها كما في قوله اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ اي استأثروها و اختاروها بدلها.
على أنّه لا وقع لهذا الإيراد بعد ورود التفسير المذكور عن أهل البيت عليهم السّلام الذين عندهم علم القرآن، فربّما تراهم يفسّرون آية بما لا تدرك حقيقته، و ربما يستدلّون بآية لا نعرف وجه دلالتها، و ليس لنا الاعتراض عليهم عليهم السّلام في ذلك، فإنّهم حجج اللّه على الخلق أجمعين، و قد أحال الإذعان بعصمتهم احتمال الخطأ عليهم.
و منها قوله تعالى في سورة الحجّ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (1)انتهى.
فإنّه قد فسّر «قول الزور» في جملة من الروايات بالغناء.
مثل ما رواه في (الكافي) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد و محمد بن خالد، عن النضر بن سويد، عن درست، عن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله عز و جلّ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال عليه السّلام: «قول الزور:
الغناء» (2).
و نحوه مرسلة ابن أبي عمير عنه عليه السّلام (3).
و رواية عبد الأعلى (1)عنه عليه السّلام.
و تحتمله رواية عمرو بن حزم (2)عنه عليه السّلام أيضا.
و فيه:- مضافا إلى ما عرفته من عدم الدلالة على حرمة غير المقترن بالباطل- أن هذا التفسير معارض بما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أنه قال: «عدلت شهادة الزور بالشرك باللّه» ثمّ قرأ هذه الآية (3)انتهى.
و بما رواه الصدوق في (معاني الأخبار) بسنده إلى حماد بن عثمان، عن الصادق عليه السّلام قال:
سألته عن قول الزور؟ قال: «منه قول الرجل للّذي يغنّي: أحسنت» (4)انتهى فتأمّل.
نعم، قد يقال: إنّ المراد بهذا التفسير أنّ الغناء مثل قول الزور في كونه منهيّا عنه، لأنّ الغناء المحرّم هو الذي يكون في كلام هو من قول الزور، فتدبر.
و منها: قوله تعالى في سورة الفرقان وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً (5)انتهى.
مضافا إلى ما رواه في (الكافي) عن أبي علي الأشعريّ، عن محمد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمد بن مسلم، عن أبي الصباح، عن الصادق عليه السّلام في قوله لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال: الغناء. انتهى (6).
و فيه ما مضى.
و منها قوله تعالى في سورة النجم أَ فَمِنْ هٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لٰا تَبْكُونَ وَ أَنْتُمْ سٰامِدُونَ (7).
1) معاني الأخبار، ج 2، ص 332، و هذه الرواية عن أبي جعفر عليه السّلام.
2) كذا و الصحيح رواية محمد بن عمرو بن حزم راجع الوسائل، ج 12، ص 230، حديث 24.
3) تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 496، حديث 121.
4) معاني الأخبار، ج 2، ص 332.
5) سورة الفرقان- 25- 72.
6) الكافي، ج 6، ص 431، حديث 6.
7) سورة النجم- 53- 61.
بناء على ما حكي عن ابن عباس من تفسير «سامدون» بمغنّون (1)قيل: السمد بلغة حمير: الغناء (2)و يقول أهل اليمن: سمد فلان، إذا غنّى.
و فيه: أنّه لا حجيّة في كلام ابن عباس، مع أن حاله معروف.
على أنّ جماعة فسّروا «سامدون» بلاهون (3)و آخرون بمستكبرون، يقال: سمد فلان، إذا رفع رأسه تكبّرا، و جاء السامد بمعنى الساكت، و الهائم، و الحزين، و الخاشع أيضا.
سلّمنا، و لكن في دلالته على حرمة مطلق الغناء ما لا يخفى.
و منها: قوله تعالى في سورة الإسراء وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (4)انتهى.
حكي عن مجاهد أنّه فسّر الصوت بالغناء و المزامير (5).
و فيه ما عرفته.
و منها قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (6).
و قوله وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً (7).
بناء على تفسير «اللغو» بالغناء، كما يشهد له ما رواه الصدوق، عن الحسين بن أحمد البيهقي، عن محمد بن يحيى الصولي، عن عون بن محمد الكاتب (8)عن محمّد بن أبي عباد، و
1) احياء علوم الدين، ج 2، ص 310- ايضا راجع تفسير الدر المنثور، ج 6، ص 132- ايضا تلبيس إبليس، ص 231- ايضا تفسير مقتنيات الدرر، ج 10، ص 282.
2) احياء علوم الدين، ج 2، ص 310- ايضا راجع تفسير الدر المنثور، ج 6، ص 132- ايضا تلبيس إبليس، ص 231- ايضا تفسير مقتنيات الدرر، ج 10، ص 282.
3) الدرر المنثور، ج 6، ص 131 و ايضا بهامشه، ج 5، ص 303 «تنوير المقباس في تفسير ابن عباس».
4) سورة الإسراء- 17- 64.
5) مجمع البيان، ج 6، ص 426.
6) سورة المؤمنون- 32- 3.
7) سورة الفرقان- 25- 72.
8) في نسخة الكندي.
كان مستهترا (1)بالسماع و بشرب النبيذ قال: سألت الرضا عليه السّلام عن السماع؟ فقال عليه السّلام:
«لأهل الحجاز فيه رأي، و هو في حيّز الباطل و اللهو» أما سمعت اللّه يقول وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً (2)انتهى.
و ما رواه الطبرسي في (المجمع) عند تفسير الآية الاولى من: أنّ «اللغو» الغناء و الملاهي (3).
و فيه:
أوّلا: منع الدلالة على الحرمة.
و ثانيا: أنّ اللغو- كما في رواية عن عليّ عليه السّلام هو «كل قول ليس فيه ذكر» (4)و في أخرى عن الصادق عليه السّلام «أنّ يتقوّل الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك» (5)و في (مجمع البيان): كلّ لعب و معصية (6)و في (القاموس): السقط و ما لا يعتدّ به من كلام و غيره (7)و في (النهاية): التكلّم بالمطرح من القول و ما لا يعني.
فغاية ما تدلّ الايتان عليه تحريم الغناء المقترن بما لا يرضى، لا مطلق الغناء، فتأمّل.
و ثالثا: أنّ اللغو، لو سلّم إطلاقه على غير القول كالصوت أيضا، كما يظهر من القاموس (8)فلا نسلّم إطلاقه على الكلمات الحقّة بسبب اشتمال الأصوات المطربة عليها.
أو ترى أنّ عاقلا يرضى بأن يطلق على مثل القرآن- الّذي هو القول الفصل و ما هو بالهزل- لفظ «اللغو» بسبب الترجيع المطرب؟ فتأمّل.
و لو خصّصنا اللغو بالقول، كما يظهر من الروايتين و من (النهاية) الأثيرية (1)فالأمر أوضح، فإنّ الصوت من حيث هو ليس «حينئذ» لغوا، و الحقّ من القول بسببه لا يصير لغوا باطلا، فليتأمّل.
و منها: أنّه يستفاد من سير الصحابة و آثارهم أنّهم كانوا يحترزون عن سماع الغناء، و ما كان ذلك إلّا لما عهدوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فقد روي عن عثمان أنّه قال: ما تغنيت و ما تمنيّت و لا مسست ذكري بيميني مذ بايعت بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).
و حكي أنّه مرّ على ابن عمر قوم محرمون، و فيهم رجل يتغنّى، فقال: ألا لا سمع اللّه لكم، ألا، لا سمع اللّه لكم (3).
و نقل عن نافع قال: كنت مع ابن عمر في طريق، فسمع زمّارة (4)راع، فوضع إصبعيه في أذنيه، ثمّ عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع، أ تسمع ذلك؟ حتى قلت: لا، فأخرج إصبعيه، و قال: هكذا رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صنع (5).
و عن ابن مسعود أنه قال: إنّ الغناء ينبت في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل.
و عن بعض التابعين: الغناء رقية الزنا (6).
قال بعض العارفين من أهل السنّة: و لو كان في ذلك- أي في السماع- فضيلة تطلب لما أهمله الرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه، فمن يشير بأنّه فضيلة تطلب و يجتمع لها، لم يحظ بذوق
1) عيون اخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 126، حديث 5- و مجمع البيان، ج 7، ص 181- و النهاية. ، ج 4، ص 257.
2) احياء علوم الدين، ج 2، ص 311- ايضا ابن ماجة، ج 1، ص 113، حديث 311.
3) احياء علوم الدين، ج 2، ص 311.
4) زمّارة، بالفتح و التشديد: ناي- منتهى الارب، ج 1، ص 514.
5) احياء علوم الدين، ج 2، ص 311- ايضا، مسند الامام احمد، ج 2، ص 8 و 38.
6) المصدر، و المراد ببعض التابعين فضيل بن عياض.
معرفة أحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه، و التابعين، و استروح إلى استحسان بعض المتأخّرين، و كثيرا ما يغلط الناس في هذا، و كلّما احتجّ عليهم بالسلف الماضين يحتجّون بالمتأخّرين، و كان السلف أقرب إلى عهد رسول اللّه و هديهم أشبه بهدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انتهى.
و في هذا الاستدلال نظر:
أمّا أوّلا: فلأنّ أفعال أمثال عثمان و ابن عمر و أقوالهم ليست بالمعوّل عليها عندنا.
و أمّا ثانيا: فلأنّه لم يعلم أنّ احترازهم كان عن أيّ نوع من الغناء، بل الظاهر اختصاصه بما كان مقترنا بالملاهي كما يكشف عنه زمّارة الراعي.
و أمّا ثالثا: فلأنهم كانوا مواظبين على فعل المستحبّات و ترك المكروهات اهتماما بكونهم على سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لذا سمّى من تبعهم أنفسهم بأهل السّنة، و إن اعترف بعضهم بأن هذه التسمية من قبيل التسمية بالضدّ، فاحترازهم لا يتعيّن كونه للحرمة أو لخصوصية الصوت المطرب.
قال الغزالي: و أمّا قول ابن عمر «ألا لا سمع اللّه لكم» فلا يدلّ على التحريم من حيث إنه غناء، بل كانوا محرمين و لا يليق بهم الرفث، و ظهر له من مخايلهم أنّ سماعهم لم يكن لوجد و شوق إلى زيارة بيت اللّه، بل لمجرّد اللهو، فأنكر ذلك عليهم لكونه منكرا بالإضافة إلى حالهم و حال الإحرام، و حكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمال.
و أمّا وضع إصبعيه في أذنيه فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك و لا أنكر عليه سماعه، و إنّما فعل ذلك هو لأن ينزّه سمعه في الحال، و قلبه، عن صوت ربما يحرّك اللهو، و يمنعه عن فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه.
و كذلك، فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع أنه لم يمنع ابن عمر لا يدلّ أيضا على التحريم، بل يدل على أن الأولى تركه.
و نحن نرى أنّ الأولى تركه في أكثر الأحوال، بل أكثر مباحات الدنيا الأولى تركها إذا
علم أنّ ذلك (1)يؤثّر في القلب، انتهى (2).
و أمّا رابعا: فلأنّ ذلك كلّه معارض بما دلّ على الجواز، فيجب حمله على ما لا ينافيه، فليتأمّل.
و منها: ما رواه الغزالي عن عقبة بن عامر بن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: «كلّ شيء يلهو به الرجل فهو باطل إلّا تأديبه فرسه و رميه بقوسه و ملاعبته لامرأته» انتهى (3).
و اعترض عليه:
تارة: بأنه من طرق العامة.
و يمكن دفعه بأن مضمونه مرويّ من طرقنا أيضا، ففي بعض الروايات «كلّ لهو المؤمن باطل ما خلا ثلاثة المسابقة و ملاعبة الرجل أهله» (4)الى آخره.
و اخرى: بأنّ قوله «باطل» لا يدلّ على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة، قاله الغزالي (5).
و يمكن دفعه: بأنّ الظاهر من الباطل هو ضدّ الحق كما في القاموس (6)و غيره، فالمباح لا يخبر عنه بالباطل، و من هنا ورد في جملة من الأخبار أنّ الشطرنج و نحوه من الباطل، ففي رواية يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابنا قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن اللعب بالشطرنج؟
1) كذا في المصدر، يؤثر بدون لا، و قد أضاف المؤلف هنا: «لا».
2) احياء علوم الدين، ج 2، ص 312.
3) المصدر، ص 311.
4) في الوسائل، ج 13، ص 347، حديث 5 كل لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث في تأديبه الفرس و رميه عن قوسه و ملاعبته امرأته فإنّهنّ حقّ. انتهى. و كانّ الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه اللّه نقله بالمعنى في المكاسب ص 54 و المصنف رحمه اللّه نقله بعينه عن الشيخ رحمه اللّه اعتمادا عليه.
5) احياء علوم الدين، ج 2، ص 311.
6) القاموس المحيط، ج 3، ص 335 مادة بطل.
قال: «الشطرنج من الباطل» (1)انتهى.
و في رواية الفضيل قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن هذه الأشياء التي يلعب بها الناس و النرد و الشطرنج؟ فقال: «إذا ميزّ اللّه الحقّ من (2)الباطل مع أيّهما يكون؟» قال: مع الباطل. قال: «فما بالك و للباطل؟» (3)انتهى.
و لكن يؤيّد الأول: أنّ حمل الباطل على الحرام موجب لتخصيص الأكثر، فإنّ التفرج في البساتين و سماع أصوات الطيور و كثيرا من أنواع المداعبات و المزاحات و نحوها مما يلهو به الرجل لا يحكم عليها بالحرمة، و إن وصفت بكونها باطلة بمعنى خلوّها عن الفائدة.
و ثالثة: بأنّ غايته الدلالة على حرمة الغناء إذا كان على وجه التلهي و المدّعى حرمته مطلقا، فتأمل.
و رابعة: بأنّ الظاهر من اللهو في هذا الخبر هو اللعب، و هو مطلق الحركات التي لا يتعلّق بها غرض عقلائي، مع انبعاثها عن القوى الشهويّة و تلذّذ النفس بها، و إن فرّق بعضهم بينهما بالتعميم في اللعب، كما في أفعال الأطفال و المجانين غير المنبعثة عن القوى الشهوية.
و كيف كان، فلا يناسب الغناء- لأنه ليس ممّا يلعب به- و إن كان من جملة هذه الحركات، ألا تراهم لا يقولون «فلان يلعب بالغناء» كما يقولون «يلعب بالحمام أو بالشطرنج أو بالنرد».
و الحاصل: أنه، و إن كان يطلق عليه اللهو، و لكن لا يطلق عليه أنه من آلاته حتى يندرج في قوله «كل شيء يلهو به الرجل».
نعم في بعض الروايات: «أنّ من الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه
كالغناء و ضرب الأوتار» (1)فيستفاد منه كونه من آلات اللهو.
و لكن هذا يتمّ لو جعلنا الملاهي جمعا للملهاة بكسر الميم أي آلة اللهو، و أمّا لو جعلناه جمعا للملهى بفتحها مصدرا ميميا بمعنى اللهو أو الملهي بضمها اسم فاعل من ألهى، فلا دلالة على ما ذكر.
و يؤيّده: أنّ ضرب الأوتار ليس من آلات اللهو، لأنه فعل الملهي لا آلته، و إنّما الآلة هي نفس الأوتار فالتمثيل به و بالغناء مناسب للفعل أو الفاعل لا الآلة فتدبّر.
و خامسة: بأنّ المراد باللهو، إن كان مطلق اللعب فلا قائل بحرمته سوى محمد بن إدريس الحلّي في (السرائر) حيث قال- في كتاب الشهادات-: و قول شيخنا في (نهايته):
و تقبل شهادة من يلعب بالحمام (2)غير واضح، لأنه سمّاه لاعبا، و اللعب بجميع الأشياء قبيح، فقد صار فاسقا بلعبه، فكيف تقبل شهادته؟ و إنّما أورد لفظ الحديث إيرادا لا اعتقادا (3)انتهى.
و نفى عنه البعد سيّد فقهائنا المتأخرين في (الرياض).
لو لا شذوذه بحيث كاد أن يكون مخالفا للإجماع (4)بل الظاهر: أنّ هذا القول مخالف للسيرة الفعلية المستمرّة بين المسلمين من الأوائل و الأواخر، و لم نقف فيهم من خواصّهم و عوامهم على من أنكر على اللاعب بغير الآلات المعهودة المحرّمة.
و «حينئذ» فتكون الرواية من أخبار الآحاد الشاذّة، فلا تكون حجّة، لما تقرّر في محلّه من أنّ العمل بها من شرائطها (5)أن لا تكون كذلك.
و كذا لو أريد به مطلق الغفلة عن ذكر اللّه، لأنّ التكليف بوجوب ذكره على كلّ حال كما يراه أهل الحال عسر شديد يضيق به الحال، و ما دلّ بظاهره عليه من الكتاب و السنة مأوّل.
و كذا لو أريد به مطلق ما لا فائدة فيه ممّا يسمّى لغوا، إذ لا دليل على حرمته، و إن قلنا بكراهته، نعم في بعض الروايات تفسير (الذنوب الّتي تهتك العصم) بشرب الخمر و اللعب بالقمار و تعاطي ما يضحك الناس من اللغو و المزاح و ذكر عيوب الناس، انتهى (1).
و في بعضها أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لأبي ذر: «أن الرجل ليتكلّم بالكلمة فيضحك بالناس، فيهوى ما بين السماء و الأرض» (2)انتهى.
و لكن الظاهر: أن المراد ما يقترن بالمحرّم من السخرية و نحوها.
و كذا لو أريد به مطلق التلذذ للإجماع على إباحة كثير من التلذّذات خارج عن الثلاثة، و لو أريد به اللهو المقترن بالمعصية فلا وجه لاستثناء الثلاثة، لكونه فرع الدخول و هي خارجة قطعا، فتأمل.
على أنه لا كلام في حرمة الغناء إذا كان بهذه المثابة، نعم يمكن حمله على اللهو المقترن بشدّة الفرح الموجب للرقص و التصفيق و حركة الأعضاء على النحو المتعارف بين الأراذل من الفسّاق، و المتصنع المعروف عند الصوفية المصرّح بذمّة في جملة من الأخبار، فقد صرح بحرمته جماعة.
و من هنا قال بعض مشايخنا من متأخّري المتأخرين: لو خصّ اللهو بما يكون عن بطر، و فسّر بشدة الفرح، كان الأقوى تحريمه، و يدخل في ذلك الرقص و التصفيق و الضرب بالطست بدل الدفّ و كلّ ما يفيد فائدة آلات اللهو.
ثم أيّده (3)بأنّ حرمة اللعب بآلات اللهو، الظاهر أنّها من حيث اللهو، لا من حيث خصوص الآلة.
فقد روى في (الكافي) عن عدة من أصحابنا، عن سهل، عن سلمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القاسم، عن سماعة، قال قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «لمّا مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الّذي يتلذّذ به الناس فإنّما هو من ذلك» (1)انتهى و زاد الشيخ المشار اليه بعد قوله «الناس، من الزفن و المزمار و الكومات و المكبرات» انتهى (2).
و لعله اشتباه، فإنّه في حديث السكونيّ عنه عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أنهاكم عن الزفن و المزمار» (3)إلخ.
و الزفن بالزاء المعجمة بعدها الفاء و النون: الرقص.
هذا، و لكن في حرمة شدّة الفرح، المجرّدة عن هذه الحركات، إشكال.
فإن قلت: فما معنى قولهم بتحريم اللهو بالصيد؟
قلت: إن المراد به ما لم يكن لحاجة أو تجارة، و التحريم لأخبار خاصّة لا لعموم أخبار اللهو، فتأمل.
نعم، قد يقال: إنّ المشهور حرمة المسابقة على ما عدا المنصوص بغير عوض، و الظاهر أنّه لا وجه له عدا كونه لهوا.
و فيه نظر، على أن في كون الغناء مطلقا لهوا ما لا يخفى، فليتأمّل.
و منها ما ورد من الأخبار الخاصّة من طرق العامة و الخاصة بذمّ الغناء فهي على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من طرق العامّة مثل ما رواه الغزّالي و غيره عن جابر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «كان إبليس أوّل من ناح و أوّل من تغنّى» انتهى. قال في (الإحياء): فقد جمع بين النياحة و الغناء، فكما يحرم الأول يحرم الثاني (1)انتهى.
و ما ورد عن أبي أمامة عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «ما رفع أحد صوته بغناء إلّا بعث اللّه له شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك» (2)و رواه في جامع الاخبار أيضا (3).
و ما رووه عن عبد الرحمن بن عوف عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: «إنما نهيت عن صوتين فاجرين صوت عند نغمة و صوت عند مصيبة» انتهى (4).
و ما رفعه بعضهم اليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «الغناء ينبت في القلب النفاق».
و لكن في الإحياء أنه قول ابن مسعود، و أن إسناده إليه غير صحيح (5)انتهى.
و ما رواه الطبرسي في (مجمع البيان) بطرقهم عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة» قيل و ما الروحانيون يا رسول اللّه؟ قال: «قرّاء أهل الجنة» (6)انتهى.
و الجواب- مضافا إلى ما يأتي- أنّ ضعف الإسناد مانع من الاستناد.
و الثاني ما روي عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من طرق الخاصة مثل ما رواه العياشي في تفسيره عن جابر بن عبد اللّه، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «كان
إبليس أوّل من تغنّى و أوّل من ناح لمّا أكل آدم من الشجرة تغنّى، فلمّا هبطت حوّاء إلى الأرض ناح لذكره ما في الجنّة» انتهى (1).
و ما رواه في (جامع الأخبار) عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «يحشر صاحب الغناء من قبره أعمى و أخرس» (2)انتهى.
و ما رواه في العيون بسنده إلى الرضا عليه السّلام عن آبائه عن علي عليه السّلام قال: «سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «أخاف عليكم استخفافا بالدين، و بيع الحكم، و قطيعة الرحم، و أن تتّخذوا القرآن مزامير، تقدّمون أحدكم و ليس بأفضلكم في الدّين» انتهى (3)فإنّ اتخاذ القرآن مزامير كناية عن التغنّي به.
و هذه الأخبار- أيضا- ضعيفة سندا، قاصرة دلالة.
و الثالث ما روي عن أئمتنا المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين و هو على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما ورد في ذمّ الغناء بعينه:
مثل ما رواه الكليني في (الكافي) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن زيد الشحّام، عن الصادق عليه السّلام قال: «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك» (4)انتهى.
و ما رواه عنه أيضا عن أحمد بن محمد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الغناء، و قلت: إنّهم يزعمون أنّ
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رخّص في أن يقال: جئناكم جئناكم، حيّونا حيّونا نحييكم (1). فقال:
«كذبوا، إنّ اللّه يقول وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ (2)ثم قال: «ويل لفلان مما يصف» رجل منكم لم يحضر المجلس» (3)انتهى.
قيل «من لدنّا» أي من جهة قدرتنا، فإنّا قادرون على ذلك، ثمّ استعار لذلك القذف و الدمغ تصويرا لإبطاله و إهداره و محقة، فجعله كأنّه جرم صلب كالصخرة، مثلا، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه (4)انتهى.
و ما رواه عنه أيضا عن أحمد بن محمد، عن محمّد بن سنان، عن عاصم بن حميد، قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: «أنّى كنت؟» فظننت أنه قد عرف الموضع، فقلت: جعلت فداك، إنّي كنت مررت بفلان فدخلت إلى داره و نظرت إلى جواريه، فقال: «ذاك مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله، آمنت اللّه على أهلك و مالك» (5)انتهى.
قال في (الوسائل): هذا لا تصريح فيه بالغناء، لكن فهم الكليني منه ذلك فأورده في باب الغناء، و قرينته أنّه لا وجه للتهديد لولاه، لأنّ النظر إلى الجواري بإذن سيّدهنّ جائز، و قد أذن للراوي (6)انتهى فتدبر.
و ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عنبسة، عن الصادق عليه السّلام قال: «استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع» (7)انتهى.
و ما رواه عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن إبراهيم بن محمّد المدني، عمّن ذكره، عن الصادق عليه السّلام قال: سئل عن الغناء و أنا حاضر؟ فقال: «لا تدخلوا بيوتا اللّه معرض عن أهلها» (1)انتهى.
و ما رواه عنهم أيضا عن سهل، عن علي بن الريّان، عن يونس، قال: سألت الخراساني- أي الرضا عليه السّلام- عن الغناء، و قلت: إنّ العبّاسيّ ذكر عنك أنّك ترخّص في الغناء؟ فقال:
«كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء؟ فقلت: إنّ رجلا أتى أبا جعفر عليه السّلام فسأله عن الغناء؟ فقال: «يا فلان، إذا ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل، فأين يكون الغناء؟» قال: مع الباطل. فقال: «قد حكمت» (2)انتهى (3).
و ما رواه عنهم أيضا عن سهل، عن ميسر، عن أبي الحسن عليه السّلام قال: «من نزّه نفسه عن الغناء فانّ في الجنة شجرة يأمر اللّه الرياح أن يحرّكها فيسمع منها صوتا لم يسمع مثله و من لم يتنزّه عنه لم يسمعه» انتهى (4).
و ما رواه الصدوق في (المقنع) عن الصادق عليه السّلام قال: «شرّ الأصوات الغناء» انتهى (5).
و ما رواه في (الخصال) عن أبيه، عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن مهران بن محمد، عن الحسن بن هارون، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «الغناء يورث النفاق و يعقّب الفقر» (6)انتهى.
قيل: إذ غرضه كلّه أنّ يعرض نفسه على غيره، و يروّج صوته عليه، و لا يزال ينافق و يتودّد إلى الناس ليرغبوا في غنائه.
و ما رواه العياشيّ عن الحسن، قال: كنت أطيل القعود في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران، قال: فدخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال لي: يا حسن إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا السمع ما وعى، و البصر ما رأى، و الفؤاد ما عقد عليه» انتهى (1).
و ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يتعمّد الغناء يجلس إليه؟ قال: «لا» انتهى (2).
و الجواب عن هذه الروايات- بعد الإغضاء عن ضعف أكثرها سندا، و قصور جملة منها دلالة على التحريم، و عدم دلالة بعضها إلّا على حرمة ما لا كلام في حرمته، و عدم ارتباط بعضها بما نحن فيه- أنّه ليس فيها لفظ عامّ يشمل جميع أفراد الغناء و أنواعه، لعدم وضع المفرد المعرّف للعموم.
و إن أفاده من حيث الحكمة كما في أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا و لكنّه مشروط بالتواطي، و هو مفقود فيما نحن فيه، لما عرفت أنّ المتعارف الشائع في زمن صدور هذه الأخبار و قبله، كما في هذه الأعصر، استعمال نوع خاصّ من الغناء، و هو الصوت المقترن بالملاهي الذي يستعمله الفسّاق في مجالسهم، فيجب حمل المطلق على خصوص هذا النوع المتبادر منه، لما بيّناه في المقدّمة الثالثة من: أنّ شيوع فرد المطلق من الأمارات الموجبة للظنّ بإرادة المتكلّم ذلك الفرد خاصّة منه، سواء قلنا بصيرورته معنى حقيقيّا عرفيّا، أو بكونه فردا شائعا.
و إلى هذا ينظر ما ذكره الغزّالي من أن قول الفضيل: الغناء رقية الزنا، و كذلك ما عداه من
الأقاويل القريبة منه، فهو منزّل على سماع الفسّاق و المغتلمين (1)من الشبّان (2).
و ما ذكره في الكلام على قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «ما رفع أحد صوته» الى آخره، من أنّه منزّل على بعض أنواع الغناء الذي قدّمناه و هو الذي يحرّك من القلب ما هو مراد الشيطان من الشهوة و عشق المخلوقين، فأمّا ما يحرّك الشوق الى اللّه، أو السرور بالعيد، أو حدوث الولد، أو قدوم الغائب، فهذا كلّه يضادّ مراد الشيطان (3)انتهى.
و غاية ما في الباب الشكّ في شمول هذه الروايات لغير الصوت اللهويّ بنفسه أو باقترانه بالملاهي، فيبقى على حكم أصل الإباحة.
بخلاف ما لو كان الصوت كذلك، فإنّه محرّم قطعا، يشمله هذه الأخبار جدّا.
بل في العامة أيضا من صرح بذلك، مع تجويزه السماع مطلقا، قال: بلى، إذا كان ذلك الصوت من أمرد يخشى بالنظر إليه الفتنة، أو من امرأة غير محرم، و إن وجد من الأذكار و الأفكار ما ذكرنا، يحرم سماعه، لخوف الفتنة، لا لمجرد الصوت، و لكن يجعل السماع حريم الفتنة، و لكل حرام حريم ينسحب عليه حكم المنع، لوجه المصلحة كالقبلة للشابّ الصائم حيث جعلت حريم حرام الوقاع، و كالخلوة بالأجنبية و غير ذلك.
فعلى هذا قد تقتضي المصلحة المنع من السماع إذا علم حال السامع و ما يؤدّيه إليه سماعه، فيجعل المنع حريم الحرام. انتهى فتأمل.
و الظاهر أنّ من حمل الغناء في هذه الأخبار على ما يسمّى في العرف غناء، مراده ما ذكرناه من الصوت اللهويّ، و إلّا فلا إجمال فيه بعد ظهوره فيما ذكرناه، حتى يحكم فيه العرف، سيّما مع عدم انضباطه، فتدبّر.
و الثاني: ما ورد بذم المغنيّات و النهي عن بيعهنّ و شرائهنّ و التصرّف في أثمانهنّ مثل ما رواه الصدوق عن محمد بن الحسن، عن الصفّار، عن الحسن بن علي الكوفيّ، عن إسحاق بن إبراهيم، عن نضر بن قابوس، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «المنجم ملعون، و الكاهن ملعون، و الساحر ملعون، و المغنية ملعونة و من آواها ملعون، و آكل كسبها ملعون» انتهى (1).
و ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، قال: سئل أبو الحسن الرضا: عن شراء المغنية؟ قال: «قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلّا ثمن كلب، و ثمن الكلب سحت و السحت في النار» (2)انتهى.
و ما رواه عنهم، عن سهل، و عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن فضّال، عن سعيد بن محمد الطاطريّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سأله رجل: عن بيع الجواري المغنيات؟ فقال: «شراؤهنّ و بيعهن حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهن نفاق» انتهى (3).
و ما رواه عن محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن نبيعهنّ و نحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن عليه السّلام.
قال إبراهيم: فبعث الجواري بثلاثمائة ألف درهم، و حملت الثمن إليه، فقلت له: إنّ مولى لك يقال له إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات، و حمل الثمن إليك، و قد بعتهنّ و هذا الثمن ثلاثماءة ألف درهم.
فقال: «لا حاجة لي فيه، إنّ هذا سحت، و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهن نفاق
و ثمنهنّ سحت» انتهى (1).
و ما رواه عبد اللّه بن جعفر في (قرب الإسناد) عن محمد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السّلام: جعلت فداك، إن رجلا من مواليك عنده جوار مغنّيات قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار، و قد جعل لك ثمنها. فقال: «لا حاجة لي فيها إن ثمن الكلب و المغنية سحت» (2)انتهى.
و ما في التوقيع عن الصاحب عليه السّلام: «و ثمن المغنيّة حرام» (3)انتهى.
وجه الاستدلال: أنّه لو كان الغناء مباحا لما حرم البيع و الشراء و التصرّف في الثمن، و لما جاز إطلاق الملعونة على المغنيّة.
و الجواب- بعد الغضّ عن معارضة هذه الأخبار مع ما دلّ على جواز شراء المغنيّة و بيعها، المتقدم- أنّها ظاهرة في المغنيّات اللائي كنّ يحضرن في مجالس الأجانب، و يتغنيّن بألحان الفسوق و الفجور لجذب الرجال إلى أنفسهنّ، بل ربما يدّعى صراحة بعضها في أن المراد بالمغنية من تتغنّى بالألحان و النغمات الملهية التي تزيّنها التصدية و ضرب الدفوف و العيدان و البرابط، كما كان الشائع في زمن الجاهلية و بعد ظهور الإسلام، و قد كانوا يضعون على المغنيّات جزية معيّنة، و كان شغلهنّ من الصباح إلى الرواح التغنّي بهذه الأصوات، و استعمال آلات اللهو لجذب الفسّاق إلى أنفسهنّ، و تحصيل ما قرّر عليهن سادتهنّ (4)فتأمّل.
و على هذا، فلا تعارض بين هذه الأخبار و ما تقدّم من الروايات، لاختلاف موردي المنع و الإباحة، كما يشهد له رواية الدينوري (5)و مرسلة الصدوق (6)المتقدّمتان.
1) الوسائل، ج 12، ص 87، حديث 5.
2) قرب الاسناد، ص 170 ط النجف الأشرف- و من طبعه في إيران ص 125 أيضا الوسائل، ج 12، ص 87، حديث 4.
3) الاحتجاج للطبرسي، ج 2، ص 283 أيضا الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 3.
4) العبارات مقتبسة من رسالة إيقاظ النائمين.
5) الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 1.
6) الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 2.
قال الغزالي: التجويز في موضع واحد نصّ في الإباحة، و المنع في ألف موضع محتمل للتأويل، انتهى (1).
و لا ريب أنّ الجمع بما ذكرناه أولى.
و الحاصل أنّ هذه الأخبار محمولة على المغنّية بالصوت المقترن بالمحرّمات و لا كلام في تحريمه، و ما تقدّم محمول على الصوت المطرب المجرّد عن المحظور.
و الثالث: ما ورد بذمّ النياحة و النائحات مثل ما رواه في (الكافي) عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو الزعفراني، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «من أنعم اللّه عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار، فقد كفرها، و من أصيب بمصيبة فجاء عند المصيبة بنائحة، فقد كفرها» (2)انتهى.
و ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال:
«سألته عن كسب المغنّية و النائحة؟» فكرهه (3)انتهى.
و ما في حديث المناهي أنه عليه السّلام «نهى عن الرّنّة عند المصيبة و نهى عن النياحة و الاستماع إليها» (4)انتهى.
و ما في رواية عبد اللّه بن الحسين بن زيد بن علي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عن علي عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها يقوم يوم
القيامة و عليها سربال من قطران و درع من جرب» (1)انتهى.
و ما في (كتاب علي بن جعفر) عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن النوح على الميّت، أ يصلح؟ قال: «يكره» انتهى (2).
وجه الاستدلال: أنّ المراد بالمطرب- كما تقدّم- هو الصوت المغيّر للحال، سواء كان موجبا للسرور، أو للحزن فيشمل النياحة.
و الجواب- بعد تسليم الدلالة، و الغضّ عن قصور السند-: أنّ هذه الأخبار معارضة بما يأتي في الخاتمة من الروايات الدالّة على الجواز، و مقتضى الجمع حملها على النوح بالباطل، أو إسماع الأجانب.
هذا تمام الكلام في أدلّة القولين.
و قد تبيّن أنّ الترجيح لأدلّة الإباحة و أكثرية الفتوى بالمنع غير ثابتة، لعدم صراحتها في حرمة مطلق المطرب.
و كذا أكثرية الرواية.
و الإجماع المنقول قد عرفت حاله.
و حمل الأخبار المجوّزة على التقيّة لا وجه له- بعد كون المنع مذهب كثير من العامّة- بل صرّح بعض علمائهم بأنّ الغناء من الذنوب، و ما أباحه إلّا نفر قليل من الفقهاء، و من أباحه من الفقهاء أيضا لم ير إعلانه في المساجد و البقاع الشريفة.
هذا، و لكنّ الأحوط الاجتناب عن كلّ صوت مشتمل على الترجيع و التطريب، بل على الأوّل.
و قد أحسن المحدّث الكاشانيّ حيث قال في (الوافي): إنّ بعض الأفعال لا يليق بذوي المروّات و إن كان مباحا. انتهى (3)فليتأمل.
استماع الغناء المحرّم محرّم، كنفس التغنّي به بلا خلاف فيه، و يدلّ عليه جملة من الأخبار المتقدّمة، و لا فرق في ذلك بين كون المغنّي مكلّفا و غيره.
تعليم الغناء و تعلّمه حرام، لما في بعض الروايات: «و ما يكون منه و فيه الفساد، و لا يكون منه و لا فيه شيء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه» انتهى.
و في روايتي عنبسة (1)و إبراهيم (2)المتقدّمتين دلالة واضحة على ذلك.
يحرم الاكتساب بالغناء المحرّم، إجماعا، و الأخبار به مستفيضة.
التغنّي و استماع الغناء المحرّم من الكبائر القادحة في العدالة، لقول الباقر عليه السّلام في رواية محمد بن مسلم: «الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار» (3)انتهى.
و لقول الصادق عليه السّلام لمسعدة: «فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوء حالك لو متّ على ذلك» (4)انتهى.
و به صرح جماعة في البحث عن صلاة الجماعة، و في كتاب الشهادات.
إذ على المختار لا استثناء.
و كذا لو خصّ الغناء بالصوت اللهوي المحرّم فإنّه محرّم مطلقا من دون استثناء.
و كيف كان، فالقائلون بحرمة الصوت المطرب الخالي عن اللهو مختلفون في الاستثناء و عدمه.
كما أنّ المستثنين اختلفوا في مقداره.
فنقول: إنّ جملة ما استثنوه أمور:
صرّح باستثناءها كثير من أصحابنا و مخالفينا، و عن الشافعي: لا بأس بالقراءة بالألحان و تحسين الصوت بها بأيّ وجه كان (1).
و نسبه في (الكفاية) (2)إلى ظاهر كلام الطبرسي رحمه اللّه (3)قال المحقّق القمي: و فيه أنّه لم يذكر إلّا تحسين اللفظ و تزيين الصوت و تحزينه، و لا يخفى الفرق بين تحسين الصوت
و الغناء. انتهى (1)فتأمل.
و كيف كان، فدليلهم ما أوردناه في أدلّة المختار من الأخبار، الآمر بعضها بقراءة القرآن بالصوت الحسن، و بعضها بقراءته بألحان العرب، و بعضها بالحزن، و بعضها بالترجيع، و الذامّ بعضها لترك التغنّي به.
و أنكره جماعة، لعموم أدلّة التحريم، و ضعف ما يخصّصه دلالة أو سندا.
و هو كما ترى.
و في (الكفاية) أنّ استثناء مشهور، و لكن في (الجواهر) أنّه: ربّما يدّعى: أنّ الحداء قسيم للغناء، بشهادة العرف، و (حينئذ) يكون خارجا عن الموضوع لا عن الحكم، و لا بأس به (2)انتهى.
و هو كما ترى، و قد أوضحناه في المقدمة التاسعة.
و كيف كان، فلم نجد على جوازه دليلا بخصوصه، نعم، روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لعبد اللّه بن رواحة: «حرّك بالنوق» فاندفع يرتجز، و كان عبد اللّه جيّد الحداء و كان مع الرجال، و كان أنجشة مع النساء فلمّا سمعه تبعه، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنجشه: «رويدك، رفقا بالقوارير» انتهى، رواه في المسالك (3).
و روى الغزالي في (إحياء العلوم) عن أنس أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يحدى له في السفر، و أنّ أنجشة كان يحدو بالنساء، و البراء بن مالك يحدو بالرجال، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«رويدك سوقك بالقوارير» (4)انتهى.
أي بالآبال جمع القار و هو الإبل (1).
و أنت خبير بأنّ ضعف الروايتين مانع من الاحتجاج بهما، كالمرويّ في (مجمع البحرين) من: «أنّ زاد المسافر الحداء و الشعر» (2)إلّا أن يدّعى انجباره بالشهرة، و في تحققها نظر.
نعم، قال الغزالي: و لم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و زمان الصحابة، و ما هو إلّا أشعار تؤدّى بأصوات طيبة و ألحان موزونة، و لم ينقل من أحد من الصحابة إنكاره، بل ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال، و تارة للاستلذاذ، فلا يجوز أن يحرّم من حيث إنّه كلام مفهوم مستلذّ مؤدّى بأصوات طيبة و ألحان موزونة (3)انتهى فتدبر.
استثناه الأكثرون، لما رواه في (الكافي) عن عدّه من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن على بن أبي حمزة عن أبي بصير: قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: عن كسب المغنيّات فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس» (4)انتهى.
و ما رواه عن أحمد بن حكم الخياط، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «المغنّية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها» انتهى (5).
و ما رواه عنهم عن أحمد عن الحسين، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أيّوب
1) في النهاية لابن الأثير، ج 4، ص 39 أراد «بالقوارير» النساء شبههن بالقوارير لأنّه يسرع إليها الكسر- كذا في مفتاح الكرامة، ج 4، ص 53 و المبسوط للشيخ رحمه اللّه، ج 8، ص 225 و في سرّ الأدب للثعالبي، ص 150: أنّه كناية عن الحرم و عن قتادة، المراد به ضعفة النساء انتهى- اتحاف السادة المتقين، ج 6، ص 482.
2) مجمع البحرين، ج 1، ص 96 مادة حدا، و ما بعده: ما كان ليس فيه الخنا.
3) احياء علوم الدين، ج 2، ص 229.
4) الوسائل، ج 12، ص 84، حديث 1.
5) الوسائل، ج 12، ص 84، حديث 2.
بن الحرّ، عن أبي بصير: قال قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «أجر المغنية التي تزفّ العرائس ليس به بأس و ليست بالتي تدخل عليها الرجال» (1)انتهى.
و من العجب منع التلازم بين إباحة الأجرة و إباحة الغناء، ضرورة حرمة أعواض المحرّمات، مع أنّه لا قائل بالتفرقة.
و الظاهر من الكسب هو العمل أي الغناء، دون المكتسب.
و حمله عليه خلاف الظاهر.
كالقول بأنّ الأجرة لمجرد الزفّ دون الغناء.
و عن «ش» أن الإباحة أصحّ طريقا و أخصّ دلالة. انتهى (2).
فما عن الحلّي من المخالفة (3)لعموم النهي عن الغناء، لا يلتفت إليه.
ذكره الغزالي و لم أقف في أصحابنا على من ذكره، قال: و ذلك مباح لأنها أشعار نظمت في وصف الكعبة و المقام و الحطيم و زمزم و سائر المشاعر و وصف البادية و غيرها، و أثر ذلك تهييج الشوق إلى حج بيت اللّه.
إلى أن قال: و كلّ ذلك جائز ما لم يدخل فيه المزامير و الأوتار التي هي من شعار الأشرار. انتهى (4)فتدبر.
ذكره الغزالي (5)أيضا فتأمل.
لما تقدّم من روايتي علي بن جعفر، و ربما يستدلّ له بما رواه البخاريّ و مسلم في (صحيحهما) عن عائشة أنّ أبا بكر دخل عليها و عندها جاريتان في أيام منى تدفّفان و تضربان، و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متغشّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن وجهه، و قال: «دعهما يا أبا بكر فإنّها أيام عيد» انتهى (1).
و فيه ما ترى، فإنّه مرويّ من طرق العامّة، مع أنّه لا دلالة فيه على جواز التغنّي بل على جواز التلهّي بالدفّ، و حرمته مجمع عليه بيننا، على الظاهر.
سلّمنا عدم انفكاكه عن التغنّي عادة، و لكن قد عرفت أنّ الصوت المقترن بالملاهي لا كلام في حرمته مطلقا.
و نفي البأس عن الغناء في إحدى الروايتين مقيّد بعدم العصيان به.
و في ثانيتهما بعدم الزمر به (2).
نعم جوّز مخالفونا الدفّ و نحوه من الملاهي مطلقا أو في بعض الأحيان، و رووا في ذلك روايات من طرقهم، موضوعة، قد افتروا بها على رسول اللّه كذبا.
و في إحياء الغزالي: أن السماع في أيام السرور تأكيدا أو تهييجا له مباح، إن كان ذلك السرور مباحا، كالغناء في أيّام العيد، و في العرس، و في وقت قدوم الغائب، و في وقت الوليمة و العقيقة، و عند ولادة المولود، و عند ختانه، و عند حفظه القرآن العزيز، و كلّ ذلك مباح لأجل إظهار السرور به.
وجه جوازه أنّ من الألحان ما يثير الفرح و السرور و الطرب، فكلّما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه.
و يدلّ على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدفّ و الالحان عند قدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انتهى (1)فتأمّل.
ذكره بعض أصحابنا مستدلّا عليه بالأصل، و مرسلة الصدوق المتقدّمة: «ما عليك لو اشتريتها فذكّر تك الجنّة» الى آخره (2)فتدبر.
على قول نقله المحقّق الكركي في (جامع المقاصد) (3)و نسبه السبزواري في (الكفاية) (4)إلى بعضهم، ثم نفى عنه البعد.
قال المحقّق القمي رحمه اللّه: و لا نعرف قائله (5).
و لكن يميل اليه المقدّس الأردبيلي في (شرح الإرشاد) (6)و قواه الفاضل النراقي رحمه اللّه في (مستنده) (7)و اختاره كثير من معاصرينا.
و دليلهم عليه- بعد الأصل- وجوه:
الأوّل: أنّ هذا ممّا تعارف في بلاد المسلمين من زمن الشارع إلى زماننا هذا، من غير نكير.
و فيه: أنّا نشاهد من كثير من المحتاطين من العلماء و غيرهم أنّهم يقومون من مجالس المراثي المشتملة على الترجيع، بل لا يحضرونها من أوّل الأمر، خوفا من استماع الغناء، بل
كثيرا من الأحيان ينهون عن ذلك كما ينهون عن سائر المنكرات.
و قد قال بعض المدقّقين: و من أوضح تسويلات الشيطان أنّ الرجل المتستر قد تدعوه نفسه لأجل التفرّج و التنزّه و التلذّذ إلى ما يوجب نشاطه و دفع الكسالة عنه من الزمزمة الملهية، فيجعل ذلك في بيت من الشعر المنظوم في الحكم و المراثي و نحوها، فيتغنّى به، أو يحضر عند من يفعل ذلك، و ربّما يعدّ مجلسا لأجل إحضار أصحاب الألحان، و يسميه مجلس المرثية، فيحصل له بذلك ما لا يحصل من ضرب الأوتار من النشاط و الانبساط، و ربما يبكي في خلال ذلك لأجل الغموم المركوزة في قلبه الغائبة عن خاطره من فقد ما يستحضره القوى الشهوية، و يتخيّل أنّه يبكي في المرثية و فاز بالمرتبة العالية، و قد أشرف على النزول إلى دركات الهاوية، فلا ملجأ إلّا إلى اللّه من شرّ الشيطان و النفس الغاوية (1)انتهى.
فدعوى جريان السيرة من المسلمين على التغنّي في المراثي، بحيث تكشف عن إباحته، محلّ مناقشة واضحة.
الثاني: ما دلّ على جواز النياحة و إباحة كسب النائحة.
مثل ما يأتي من الأخبار في الخاتمة.
وجه الدلالة: أنّ التغنّي من لوازم النياحة، و أثره لا ينحصر في السرور و الفرح، كما عرفته.
الثالث: أنّ الغناء إنّما يحرم للطرب، و ليس في المراثي طرب، فإنّها موضوعة للحزن، و بعبارة أخرى: الطرب معتبر في مفهوم الغناء، فلا يكون ما يقصد به الحزن غناء.
و فيه: ما لا يخفى، إذ قد عرفت أنّ الطرب المأخوذ في مفهوم الغناء أعمّ من الفرح و الحزن.
و القول بأنّ الغناء أثره منحصر في الأوّل يكذّبه الوجدان، ضرورة أنّه ربّما يهيج الحزن و البكاء.
1) كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري، ص 37، ط تبريز.
نعم، قد يكون ذلك مذموما كالحزن على ما فات المنهيّ عن (1)الأسى عليه في الكتاب العزيز (2)، و كالحزن على فراق محبوب غير محبوب شرعا، فإنّه طلب لمعصية اللّه، كما أنّ الأول تسخّط لقضاء اللّه، و ربما يكون تأسّفا على ما لا تدارك له.
قال الغزالي: فهذا الحزن لمّا كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما، فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة. انتهى (3).
هذا، مع أنّ التغنّي بالمراثي قد يوجب الفرح، لما نشاهد من أنّ المكروب المهموم قد يحضره فيصير منبسطا مبتهجا مرفوع الهمّ باستماع الألحان الطيّبة و النغمات الموزونة، فيحصل له بذلك من الفرح و الانبساط ما لا يحصل له من ضرب الأوتار و المزامير، كما عرفته من كلام بعض المدققين.
و قد أحسن في ردّ الأردبيلي رحمه اللّه لمّا استدلّ بهذا حيث قال: إن نظره إلى المراثي المتعارفة لأهل الدّيانة التي لا يقصدونها إلّا للتفجّع، و كأنّه لم يحدث في عصره المراثي الّتي يكتفي بها أهل اللهو و المترفون من الرجال و النساء عن حضور مجالس اللهو و ضرب العود و الأوتار و التغنّي بالقصب و المزمار، كما هو الشائع في زماننا الذي قد أخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنظيره في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يتّخذون القرآن مزامير».
كما أنّ زيارة سيّدنا و مولانا أبي عبد اللّه عليه السّلام صار سفرها من أسفار اللهو و النزهة لكثير من المترفين، و قد أخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنظيره في سفر الحج، و أنه: «يحجّ أغنياء أمتي للنزهة و الأوساط للتجارة و الفقراء للسمعة» و كأنّ كلامه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كالكتاب العزيز، وارد في مورده و جار في نظيره. انتهى (4).
الرابع: أنّ البكاء على الحسين عليه السّلام و سائر المظلومين من أهل البيت عليهم السّلام و أصحابهم، و التفجّع في مصائبهم و رزاياهم أمر مطلوب شرعا، لتواتر الأخبار بالحثّ عليه، و الغناء معين عليه، و رجحان الإعانة على البرّ ثابت بالكتاب و السنّة، فيكون الغناء المعين على البكاء مطلوبا، و قد قيل: إنّ المفضي إلى المحمود محمود.
و اعترض عليه بوجوه:
أحدها: أنّ هذا يقتضي استحباب التغنّي بالمراثي، و لا قائل به- و إن قيل باستحبابه في القرآن- و يشهد له أنّ المستثني ربما يقول: إنّ الأحوط تركه، فتدبّر.
و ثانيها: أن كون الغناء معينا على البكاء ممنوع، و إن سلّم كون الصوت معينا عليه.
قال المحقق القميّ رحمه اللّه بعد منع كون الغناء مبكيا على الحسين عليه السّلام بل إنّما هو مقتضى طبيعته في بعض الأحيان- و إن كان في الأشعار الباطلة- غاية الأمر حصول بكاء مركّب من الحلال و الحرام (1)انتهى.
و قال المدقّق التستري قدسّ سرّه: أمّا كون الغناء معينا على البكاء و التفجّع فهو ممنوع، بناء على ما عرفت من كونه هو الصوت اللهوي، بل، و على ظاهر تعريف المشهور من الترجيع المطرب، لأنّ الطرب الحاصل منه إن كان سرورا فهو مناف للتفجّع لا معين، و إن كان حزنا فهو على ما هو المركوز في النفس الحيوانية من فقد المشتهيات النفسانية لا على ما أصاب سادة الزمان. انتهى (2).
و فيه نظر، فإن الصوت على استقامته من حيث هو لا يوجب البكاء و الحزن، كما لا يوجب ضحكا و لا سرورا، و لكن إذا اشتمل على ترجيع و تطريب فقد يثير حزنا، فإذا أصاب إلى الدماغ دمعت العين، و إذا أصاب إلى الروح تموّج و ظهر منه الصياح، كما صرّح
به جمع، فإن كان ذلك لأمر مذموم كان مذموما، و إن كان لأمر محمود مطلوب شرعا كان محمودا، و لا ريب في كونه معينا عليه، و من هنا جازت النياحة بالحقّ كما يأتي، و هي لا تنفكّ عن الغناء، كما صرّح به جماعة.
و الحاصل أنه لا مجال لإنكار كون الغناء معينا على البكاء- و إن لم يكن سببا تامّا له- إذ لا يلزم في صدق الإعانة كون المعين علة تامّة للمعان عليه، بل يكفي مجرد كونه ممّا يتوقّف عليه.
قوله: «و إن كان حزنا فهو على ما هو المركوز في النفس» الى آخره.
قلت: هذا مسلّم في الجملة، لا مطلقا، لتفاوت المستمعين في ذلك قطعا، لما عرفته من أنّ الغناء، مهيّج لما هو الغالب على القلب من الحالات و الصفات، فمن غلب عليه هواه هيّجه للشهوات، و أوجب البكاء على ما فقده من المشتهيات وفات، و من غلب عليه حبّ مولاه حرّك قلبه للحزن على ما يتذكّره من مصائب من كان يتولّاه، و من هنا قيل: إنّ من غلب عليه عشق نزل كل ما يسمعه عليه و يهيّج قلبه إليه، فكم من محبّ لأهل بيت العصمة عليهم السّلام تدمع عينه بترنّم الأشعار المنشدة في مصائبهم، و التغنّي بالقصائد المنظومة فيما هجم عليهم من مبغضيهم، من غير التفات في هذه الحال إلى ما فاته من المشتهيات الحيوانية، و لا تذكّر لما أصابه من الآفات الزمانية، نعم، كثير من المراثي المحدثة في هذه الأزمنة سيّما في بلاد العجم الّتي يقيمها أهل الدنيا رياء و سمعة مشتمل على ألحان الفسوق و الفجور مقترن بملهيات أكثر من التصانيف المستعملة في مجالس شرب الخمور، و مع ذلك يسمّون هذه المجالس بمجالس التعزية، و لكنّها في نظر المتأمّل مجالس العيش و النشاط، و هي أشبه شيء بالمجالس التي يقيمها أهل التصوّف لأغراض نفسانية و خيالات شيطانية، فيسمّونها مجالس الذكر، و يزعمون أنّها رياض الجنة الّتي ورد الحثّ في بعض الأخبار على حضورها.
و لنعم ما قال المحدّث الكاشاني رحمه اللّه في (حقائقه): و من المغترين قوم تسمّوا بأهل الذكر و التصوّف، يدّعون البراءة من التصنع و التكلّف، يلبسون خرقا و يجلسون حلقا، يخترعون الأذكار، و يتغنّون بالأشعار، يعلنون بالتهليل و ليس لهم إلى العلم و المعرفة سبيل، ابتدعوا شهيقا و نهيقا، و اخترعوا رقصا و تصفيقا، قد خاضوا الفتن، و أخذوا بالبدع دون السّنن، رفعوا أصواتهم بالنداء، و صاحوا الصيحة الشنعاء (1)، إلى آخر ما ذكره.
و لا شكّ أنّ مثل هذا التغنّي غير معين على البكاء على مصيبات سادات الزمان، و لا شك في حرمته، و لكن ذلك لا يوجب السلب الكلّي، كما هو ظاهر كلامه، و لا غرو في كون الغناء بالنسبة إلى بعض المستمعين مباحا، و إلى بعضهم محرّما.
قال الغزّالي: السماع قد يكون حراما محضا، و قد يكون مباحا، و قد يكون مكروها، و قد يكون مستحبّا.
أما الحرام: فهو لأكثر الناس من الشبّان و من غلبت عليهم شهوة الدنيا، فلا يحرّك السماع منهم إلّا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة.
و أمّا المكروه: فهو أن لا ينزله على صورة المخلوقين، و لكنه يتّخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو.
و أمّا المباح: فهو لمن لا حظّ له إلّا التلذّذ بالصوت الحسن.
و أمّا المستحبّ: فهو لمن غلب عليه حبّ اللّه، و لم يحرك السماع منه إلّا الصفات المحمودة (2)انتهى فتأمّل.
و الحاصل أن الصوت المشتمل على الترجيع و التطريب قد يعين على البكاء على الحسين عليه السّلام و أشباهه من أهل البيت و أتباعه من أنصارهم.
فما قيل من أنه لو سلّم كون الغناء معينا على البكاء، فكونه معينا على البكاء على شخص معيّن غير مسلّم (1).
غير مسلّم.
و أمّا الصوت اللهويّ فلا شك في عدم كونه معينا على البكاء على المظلومين عليهم السّلام و إن أوجب مطلق البكاء في بعض الأحوال، و قد عرفت أنّه لا كلام في حرمته مطلقا، و أنّه لا يقبل الاستثناء، بل استعماله في مثل المراثي أشدّ جرما و أكثر إثما.
و إلى هذا نظر من قال: إنّ الغناء في القرآن كالزنا في المسجد.
و ثالثها: أنّ دليل رجحان التعاون على البرّ لا يشمل ما لو كان الإعانة بالحرام، كما في المقام، بل تخصيص عموم هذا الدليل بغير الحرام قطعيّ.
و دفع بأن حرمة الغناء المعين على البكاء أوّل الكلام، إذ هي فرع دلالة أخبار الغناء على حرمة مطلقه، و قد عرفت انتفائها.
و رابعها: أنّ مجرد كون الغناء مقدّمة لمباح لا يوجب جوازه، بل لا بدّ من ملاحظة دليله، فإن دلّ على الحرمة حكم بها و (حينئذ) فلا يصلح لوقوعه مقدّمة شرعا لكونه منهيا عنه، فلا يكون مقدورا عليه شرعا، و إلّا فيحكم بإباحته للأصل، لا لكونه مقدمة للمباح.
و أنت خبير بأنّ الغرض بيان أنّ مقتضى عموم دليل التعاون إباحة كلّ ما يصلح للاستعانة به، و من جملته الغناء، فخروجه موقوف على ثبوت حرمته مطلقا، فما لم يثبت اكتفينا في الحكم بإباحته بمجرّد كونه مقدّمة لمباح، و لا ينافي ذلك دلالة الأصل أيضا عليه، فليتأمّل.
و خامسها: أنّ التعارض بين أدلّة التعاون على البرّ، و أدلّة الغناء، بالعموم و الخصوص من وجه، لاقتضاء الاولى جواز التعاون و لو بالغناء، و الثانية حرمة الغناء و إن حصل به
1) القائل: الحاج ملا محمد النراقي (ره) في مشارق الأحكام، ص 159.
التعاون على البر، فيتعارضان في مادة الاجتماع أي الغناء المعين على البرّ، فكما يمكن تخصيص عموم الثانية بخصوص الاولى فيحكم بجوازه، يمكن العكس فيحكم بحرمته، و المرجع في مثل هذا التعارض المرجّح، و هو في جانب عموم الثانية ظهورا في الدلالة، و أكثرية في عدد الرواية، و اعتضادا بدعوى الإجماع كما مرّت إليها الإشارة.
و فيه: منع المرجّح لما عرفته من عدم دلالة هذه الأخبار على حرمة مطلق الغناء، فالكثرة بالعدد لا تصلح مرجحة لما ذكر، و كذلك الإجماع المنقول مع أنّه معارض بدعوى السيرة على الجواز على أنه مرجّح بالموافقة للكتاب، غاية الأمر التكافؤ فيرجع إلى الأصل، و قضيّته الإباحة و الجواز.
و سادسها: أنّ أدلّة حرمة الغناء حاكمة على أدلّة رجحان التعاون، نظير أدلّة نفي العسر و الحرج و الضرر و الضرار، بالنسبة إلى سائر الأدلة، بمعنى أنّ أدلة الحرمة بمدلولها اللفظي متعرّضة لحال أدلّة رجحان التعاون، و رافعة للحكم الثابت بها عن بعض أفراد موضوعها، و مبيّنة لمقدار مدلولها.
و بعبارة اخرى: إنّ موضوع الحكم في أدلة التعاون بعد ملاحظة أدلة الحرمة هو رجحان التعاون بوصف حصوله بالمباح، فيكون التعاون بالحرام خارجا عن موضوع الحكم فلا تعارض بينهما، و إن كان فهو في بادي الرأي، لا في نفس الأمر، و عند التأمل كما في العام و الخاص المطلق، و المطلق و المقيد.
و إلى هذا أشار شيخ فقهائنا المتأخّرين في (الجواهر) حيث قال: و ليس من تعارض العموم من وجه، المحتاج إلى ترجيح، بل فهم أهل العرف كاف فيه نحو العام و الخاص و المطلق و المقيّد، و إلّا لتحقّق التعارض من وجه، بين ما دلّ على قضاء حاجة المؤمن مثلا، و النهي عن اللواط و الزنا و الكذب و غيرها من المحرمات، المعلوم بطلانه بضرورة الشرع «أنه لا يطاع من حيث يعصى» (1)انتهى.
1) جواهر الكلام، ج 22، ص 46.
و إليه يرجع ما ذكره المدقّق التستري في متاجره حيث قال: إنّ أدلّة المستحبّات لا تقاوم أدلّة المحرمات خصوصا التي تكون من مقدّماتها، فإنّ مرجع أدلّة الاستحباب إلى استحباب إيجاد الشيء بسببه المباح لا سببه المحرّم، ألا ترى أنّه لا يجوز إدخال السرور في قلب مؤمن و إجابته بالمحرّمات كالزنا و اللواط و الغناء، و السرّ في ذلك أنّ دليل الاستحباب إنّما يدلّ على كون الفعل «مستحبّا» (1)لو خلّي و طبعه، خاليا عمّا يوجب لزوم أحد طرفيه، و لا ينافي ذلك طروّ عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه، كما إذا صار مقدّمة لواجب، أو صادفه عنوان محرّم.
فأجابه المؤمن و إدخال السرور في قلبه ليس في (2)نفسه شيء ملزم لفعله أو تركه، فإذا تحقّق في ضمن الزنا طرأ عليه عنوان ملزم لتركه، كما إذا أمر به الوالد أو السيّد طرأ عليه عنوان ملزم لفعله.
و الحاصل أن جهات الأحكام الثلاثة- أعني الإباحة و الاستحباب و الكراهة- لا تزاحم جهة الوجوب و الحرمة، فالحكم لهما مع اجتماع جهتهما مع إحدى الجهات الثلاث (3)انتهى.
و هو حسن، لو سلّمنا دلالة أدلّة حرمة الغناء على حرمته مطلقا، و لكن قد عرفت أنّ مدلولها الحرمة في الجملة، فتدبّر.
و أمّا ما ذكره بعض المحقّقين من المعاصرين من أنّ ما قاله الفاضل المعاصر من الغرائب، و التمثيل بما ذكره غير صحيح، فانّ اختلاف العنوان في الأمر و النهي لا يرفع التعارض، إلّا إذا كان الرجحان توصّليا تبعيّا من باب المقدّمة لواجب أو مندوب فهو لا يعارض الحرمة
الأصلية، كما في العبور عن ملك الغير إلى المسجد، قال: و وجهه أنّ رجحان المقدّمة من باب التوقّف العقلي للمأمور به بحكم العقل، و هو يكون حيث لم تمكن المقدّمة مع إمكان حصول الغرض بغيرها، لعدم الدليل «حينئذ» على رجحانها.
و أمّا إذا كان الحكمان أصليّين فالتعارض حاصل في مورد التخالف، و إن اختلف العنوان، لعدم (1)إمكان الجمع بين الامتثالين، و التعارض بالعموم من وجه كلّه من هذا الباب.
إلى أن قال: و أما التنظير بالزنا في حصول قضاء حاجة المؤمن، فلا مناسبة له بالمقام، فإنّ أصل الحاجة و هي الزنا محرّمة على المحتاج، فكيف يحسن قضائها؟ بل يحسن من الغير الإعانة على منعها، بخلاف البكاء (2).
ففيه:
أوّلا: أنّ الفاضل المشار اليه قد بنى ما ذكره على الحكومة، فيهدم ما أسّسه المحقّق المعاصر، ضرورة عدم التعارض الحقيقي بين الحاكم و المحكوم كما عرفته.
و ثانيا: أنّ رجحان التعاون إنّما هو للتوصّل إلى البرّ، فقد سلّم أنّه لا يعارض الحرمة الأصلية، و أيّ فرق بين التوصّل إلى المسجد بالعبور عن ملك الغير، و التوصّل إلى البكاء بالغناء المفروض تحريمه؟
و دعوى أنّ التعاون مطلوب في نفسه، مجازفة.
فما ذكره من أن محلّ البحث من باب تعارض الحكمين الأصليّين بالعموم من وجه، إذ الأمر بالإعانة على البرّ هو الأمر بإيجاد ما توقّف عليه، و هو في الفرض من أفراد الغناء المعين على البكاء أو الإبكاء، فيحصل التعارض.
ليس في محلّه، فتأمّل.
و ثالثا: أن إطلاق الأمر بالتعاون منساق لبيان حكم آخر، فلا ينصرف إلى محلّ النهي، و قد اعترف هو أيضا بأنّه: إذا كان إطلاق الأمر كذلك يقدّم جانب الحرمة، كالأمر بالمسافرة و النهي عن ركوب الدابّة المغصوبة، و الأمر بالإفطار و النهي عن أكل المتنجّس و مال الغير.
قوله: و أما التنظير بالزنا، الى آخره.
قلت: أيّ فرق بين الأمر بقضاء الحاجة و الأمر بالتعاون و النهي عن الزنا و النهي عن الغناء؟ فكما أنّ النهي عن الزنا حاكم على الأمر بقضاء الحاجة فكذلك النهي عن الغناء حاكم على الأمر بالبكاء.
اللهمّ، إلّا أن يراد بحاجة المؤمن حاجته الشرعية، كما يشعر به الإضافة إلى المؤمن، و «حينئذ» فلا مناسبة.
و ممّا ذكرنا ظهر أيضا ضعف ما ذكره والده النحرير في (مستنده) من أنّ ترجيح جانب الحرمة على الجواز بعد التعارض غير ثابت، إلّا على وجه الأولوية، و هو أمر آخر (1).
فإنّ مقتضى التحكيم لزوم ترجيح جانب الحرمة لا أولويته.
و سابعها: أن دلالة العامّ المشتمل على النهي المستلزم لطلب انتفاء الطبيعة رأسا أقوى من دلالة الأمر الذي لا يقتضي إلّا الامتثال الحاصل بوجود بعض الأفراد، قاله المحقّق القمي رحمه اللّه في بعض تحقيقاته.
و يمكن إرجاعه إلى بعض ما تقدّم.
الخامس: أنّ من يقرأ المرثية، لا يقال: إنّه يغنّي، بل يقال: إنّه يقرأ المرثيّة، و كذا الكلام في قراءة القرآن.
قال المحقّق القميّ رحمه اللّه: فجعل الغناء صفة للفظ و المقروء، لا للصوت و القراءة.
1) مستند الشيعة، ج 2، ص 344.
ثمّ قال: و هو فاسد، كما دلّ عليه كلام العلماء، و أهل اللّغة في عدم إدراجهم المقروء في تعريف الغناء، بل إنّما جعلوه تعريفا للصوت و إن فرض اصطلاح جديد و عرف خاصّ فهو ممّا لا يعتنى به، فلا بدّ من حمل كلام الشارع على العرف السابق لأصالة عدم تغيّر العرف (1)فتأمّل.
هذا تمام الكلام في المستثنيات عن الغناء الحرام، على القول بحرمة مطلق الصوت المطرب.
و لكن قد تبيّن ممّا فصّلناه: أنّ الأقوى جوازه إذا لم يكن لهويّا و لا مقترنا بالملاهي و المحرّمات من غير فرق فيه بين ما كان من هذه المستثنيات و غيره.
كما لا فرق في الغناء الذي حكم بحرمته بين المستثنيات و غيرها، فافهم و اغتنم، و كن من الشاكرين.
1) جامع الشتات، ج 1، ص 177.
قال الفيروزآبادي في (القاموس): و ناحت المرأة زوجها و عليه، نوحا، و نواحا بالضّم، و نياحا و نياحة بكسرهما، و مناحا، و الاسم النياحة (1)انتهى.
و قال الحسين بن أحمد الزوزني في كتاب (ترجمة المصادر): النوح و النياحة: نوحه كردن (2).
و قال بعض المحقّقين: النياحة كيفية خاصّة من الصوت في نوع من المقروء، و هو ما يشمل على إظهار الويل و العويل على الميّت، و لو بان يقول: «وا ويلاه، يا ويلاه، واي واي» و ما في معناها، أو بعدّ بعض محاسنه و ذكر سوانحه و مصائبه، و مع ذلك يظهر الألم و الوجع عليه، إلى أن قال: و الفرق بين الرثاء و النوحة من وجهين: اعتبار كيفية الصوت في النوحة دون المرثيّة، و اعتبار كونه شعرا في المرثيّة دون النوحة (3)انتهى.
و كيف كان، فاعلم أنّه قد اختلفت كلمة أصحابنا الأخيار، كالأخبار المأثورة عن أئمّتنا الأبرار، في النياحة على الأموات- بعد الاتّفاق على حرمتها إذا كانت بالباطل و الكذب، كوصف الميّت بما ليس فيه- على وجهين:
أحدهما أنّها تحرم، و هذا ظاهر الشيخ رحمه اللّه في كتاب الجنائز من (المبسوط) مدّعيا عليه
الإجماع (1)و ابن حمزة في كتاب الطهارة من (الوسيلة) (2).
و يدلّ عليه ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن إبراهيم بن محمّد، عن عمرو الزعفراني، عن الصادق عليه السّلام في حديث قال: «و من أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها» (3)انتهى.
و ما رواه الصدوق رحمه اللّه في حديث المناهي أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن الرنّة عند المصيبة و نهى عن النياحة و الاستماع إليها و نهى عن تصفيق (4)الوجه (5)انتهى.
و قد تقدّمت جملة من الأخبار تدلّ على هذا، فتأمّل.
و ثانيهما: الجواز، و هو مذهب الأكثرين، حيث قيّدوا الحرمة بما إذا كان بالباطل، و هو الأقوى، بل الظاهر أنّ من أطلق الحرمة مراده ذلك، فلا مخالف صريحا في الجواز إذا كان بالحقّ.
و يدلّ عليه- بعد الأصل، و السيرة المستمرّة من زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى زماننا هذا- ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن يونس بن يعقوب، عن الصادق عليه السّلام قال قال لي أبي عليه السّلام: «يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا و كذا لنوادب تندبنني عشر سنين بمنى أيّام منى» (6)انتهى.
و ما رواه عنهم عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «مات الوليد بن مغيرة، فقالت أمّ سلمة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنّ
1) المبسوط، ج 1، ص 189.
2) الجوامع الفقهية ص 703.
3) الوسائل، ج 12، ص 90، حديث 5.
4) الصفق بالصاد المهملة ثمّ الفاء و القاف: الضرب الذي يسمع منه الصوت. و المراد بتصفيق الوجه لطمه عند المصيبة. كتاب (جمل النواهي في شرح حديث المناهي)، للمؤلف قدس سره ص 97.
5) الوسائل، ج 12، ص 91، حديث 11.
6) الوسائل، ج 12، ص 88، حديث 1.
آل المغيرة قد أقاموا مناحة، فأذهب إليهم؟ فأذن لها، فلبست ثيابها و تهيّأت و كانت من حسنها كأنّها جانّ، و كانت إذا قامت فأرخت شعرها جلّل جسدها، و عقدت بطرفيه خلخالها، فندبت ابن عمّها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت:
أنعى الوليد بن الوليد أبا الوليد فتى العشيرة
حامي الحقيقة ماجد يسمو إلى طلب الوتيرة
قد كان غيثا في السنين و جعفرا غدقا و ميرة
فما عاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذلك، و لا قال شيئا (1)انتهى.
و ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، و عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، قال: كانت امرأة معنا في الحيّ، و لها جارية نائحة، فجائت إلى أبي فقالت: يا عمّ، أنت تعلم أنّ معيشتي من اللّه ثمّ من هذه الجارية، فأحببت أنّ تسأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ذلك، فإن كان حلالا، و إلّا بعتها، و أكلت من ثمنها حتّى يأتي اللّه بالفرج، فقال لها أبي: و اللّه إنّي لأعظم أبا عبد اللّه عليه السّلام أن أسأله عن هذه المسألة، قال فلمّا قدمنا إليه أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «أ تشارط؟» قلت: و اللّه ما أدري، تشارط أم لا؟ فقال: «قل لها: لا تشارط و تقبل ما أعطيت» (2)انتهى.
ثمّ ليعلم أنّ النياحة على وجوه: فمنها ما يمدح، و منها ما يذمّ:
و من الأوّل: نياحة الشخص على نفسه بتذكّر ذنوبه، و تقصيراته في أمر دينه و آخرته، أو بحرمانه عن كمالات نفسانية توجب الزلفى إلى اللّه، أو بعروض حجب خلقية من الاشتغال بصحبة غير اللّه، و الابتلاء بمعاشرة من لا فائدة في معاشرته سوى البعد عن اللّه.
و كانت نياحة آدم من هذا القبيل، ففي بعض الروايات أنّه بكى و ناح ثلاثماءة سنة لم
يرفع فيها رأسه إلى السماء حياء من ربّه (1).
و كذا نياحة داود عليه السّلام فقد كان يبكي و يبكي، و يحزن و يحزن، حتّى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته.
و روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ داود كان حسن الصوت في النياحة على نفسه في تلاوة الزبور، حتّى كان يجتمع الإنس و الجنّ و الوحوش و الطير لسماع صوته، و كان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة (2).
و منه النياحة على المظلومين من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا سيّما الحسين عليه السّلام و أصحابه الذين بذلوا مهجهم دونه عليه السّلام فقد تواترت الأخبار بالحثّ على هذه النياحة.
و من الثاني: النياحة على فراق المحبوب المحرّم، و على ما فات من زخارف الدنيا.
قال الغزالي: و الحزن على الأموات من هذا القبيل، فإنّه تسخّط لقضاء اللّه و تأسّف على ما لا تدارك له، فهذا الحزن لمّا كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما، فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة (3)انتهى.
و فيه نظر، فإنّ مطلق الحزن لا يستلزم التسخّط لقضاء اللّه، فإنّه قد ينشأ من حرقة القلب قهرا فيتبعه النياحة، و من هنا ورد أخبار كثيرة بجواز النوح و البكاء على الموتى، فقد روى الصدوق رحمه اللّه في كتاب (كمال الدين) عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن زيد قال:
ماتت ابنة لأبي عبد اللّه عليه السّلام فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا، فقطع النوح (4).
فقيل لأبي عبد اللّه عليه السّلام أ يناح في دارك (1)؟ فقال عليه السّلام: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال- لمّا مات حمزة- «لكنّ حمزة لا بواكي له» (2)انتهى.
و روى الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن الحسين الواسطي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إنّ إبراهيم خليل الرحمن سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته» (3)انتهى.
و في رواية: «أنّ فاطمة ناحت على أبيها و أنّه أمر بالنوحة على حمزة» انتهى.
و في رواية اخرى أنّ الصادق عليه السّلام سئل عن أجر النائح؟ فقال: «لا بأس به قد نيح على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» (4)انتهى.
و في بعض الروايات: «إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح ليسيل دمعها و لا ينبغي لها (5)أن تقول هجرا، فإذا جائها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح» انتهى.
و الهجر بضمّ الهاء الإفحاش، و الخنا، قيل: المراد به تعداد أفعاله القبيحة و صفاته المذمومة، و الأولى إرادة وصفه بما ليس فيه.
و على التقديرين: يجب حمل «لا ينبغي» الظاهر في الكراهة على الحرمة، لحرمة ما ذكر قطعا.
و يمكن أن يراد بالهجر ما يشعر بعدم الرضا بالقضاء كما هو المتعارف بين الجهّال عند المصائب، فيكون مكروها، بل يمكن القول بحرمته إذا كان فيه تسخّط للقضاء، كما يظهر من بعض الأخبار.
و بكراهة النوح في الليل المستفادة من هذه الرواية صرّح جماعة من فقهائنا الأبرار.
و في جواز نياحة المرأة مع إسماعها الأجانب إشكال:
من إطلاق بعض الأخبار، و اشتهار نياحة جملة من النسوة من أهل بيت أئمتنا الأخيار.
و من أنّ صوتها عورة، كما في بعض الأخبار، فتدبّر.
و لا فرق في ذلك بين النياحة على الحسين عليه السّلام و غيره، فليتأمّل.
قال الشهيد رحمه اللّه في (الذكرى): يجوز الوقف على النوائح، لأنّه فعل مباح، فجاز صرف المال اليه، و لخبر يونس بن يعقوب عن الصادق عليه السّلام فساق روايته التي قدّمناها.
ثم قال: و المراد بذلك تنبيه الناس على فضائله عليه السّلام و إظهارها ليقتدى بها، و يعلم ما كان عليه أهل البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقيّة بعد الموت انتهى (1).
صرّح أيضا بأنّ المراثي المنظومة جائزة عندنا، لأنّها نوع من النوح، قال: و قد دلّلنا على جوازه، و قد سمع الأئمّة عليهم السّلام المراثي و لم ينكروها.
روى جماعة من علماء العامّة، كالبخاري و مسلم، عن عبد اللّه بن عمر أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه» انتهى (2).
و الحق الذي عليه أصحابنا أن الميّت لا يعذّب ببكاء الحيّ عليه، و إن كان بنوح محرّم، إذ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ.
و الرواية غير معوّل عليها عندنا، و على فرض صحّتها مصروفة الظاهر، لمخالفتها لقواعد العدل، فيمكن إرادة التألّم من العذاب، أي: يحزن و يتألّم باطلاعه على هذا الفعل.
و أوّلها الشهيد في (الذكرى) بأنّ الجاهلية كانوا ينوحون، و يعدّدون جرائمه كالقتل و شنّ الغارات، و هم يظنّونها خصالا محمودة، فهو يعذّب بما يبكون عليه، قال: و يشكل أنّ ظاهر الحديث المنع عن البكاء بسبب استلزامه عذاب الميّت بحيث ينتفي التعذيب بسبب انتفاء البكاء، قضيّة للعليّة، و التعذيب بجرائمه غير منتف بكا عليه أولا؟
و قيل: كأنّهم كانوا يوصون بالندب و النياحة، و ذلك حمل منهم على المعصية و هو ذنب، فإذا عمل بوصيّتهم زيدوا عذابا.
و ردّ: بأنّ ذنب الميت الحمل على الحرام و الأمر به، فلا يختلف عذابه بالامتثال و عدمه، و لو كان للامتثال أثر لبقي الإشكال.
إلى أن قال: و لك أن تقول: إنّ «الباء» بمعنى «مع» أي مع بكاء أهله عليه، يعني: أنّ الميّت يعذّب بأعماله، و هم يبكون عليه، فما ينفعه بكاؤهم، و يكون زجرا عن البكاء لعدم نفعه (1)انتهى.
و في بعض ما ذكره نظر، و لعلّ ما أشرنا إليه في تأويل الرواية أظهر، وفاقا لبعض المحقّقين من أهل النظر، فتدبّر.
و ليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المختصر، و قد سميناه (بذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء) فللّه الحمد، و على رسوله أفضل التحيّات و الثناء.
1) ذكري الشيعة، ص 72.
1 الاختصاص- للشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد- منشورات جماعة المدرسين- قم المقدسة.
2 الاحتجاج للطبرسي- مكتبة المصطفوي- قم.
3 احياء علوم الدين- لأبي حامد محمد الغزالي- دار الفكر بيروت.
4 أسد الغابة في معرفة الصحابة- لابن الأثير- مكتبة المعارف بالرياض.
5 اتحاف السادة المتقين- للسيد محمد الحسيني الزبيدي- دار الفكر بيروت.
6 الأغاني- لأبي الفرج الأصفهاني- دار الفكر بيروت.
7 أمالي المرتضى- للسيد المرتضى رحمه اللّه- مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي رحمه اللّه.
8 أنوار التنزيل- للقاضي البيضاوي- دار الفكر بيروت.
9 إيقاظ النائمين- للسيد ماجد البحراني- مخطوط و مطبوع ضمن التمهيد لعلوم القرآن، ج 5.
10 بحار الأنوار- لمحمد باقر المجلسي رحمه اللّه- دار احياء التراث العربي بيروت، الطبعة الحديثة.
11 تاج العروس في شرح القاموس لمحمد مرتضى الزبيدي- دار مكتبة الحياة بيروت.
12 التمهيد لعلوم القرآن لمحمد هادي معرفة- منشورات جماعة المدرسين- قم المقدسة.
13 تمهيد القواعد للشهيد الثاني- مكتبة بصيرتي قم.
14 التنقيح الرائع- للفاضل المقداد.
15 تلبيس إبليس لأبي الفرج الجوزي- دار الكتب الإسلامية بيروت.
16 تفسير القمي- لعلي بن إبراهيم القمي- مؤسسة دار الكتاب قم.
17 تحف العقول- لابن شعبة- كتابفروشى إسلامية.
18 تنوير المقباس «تفسير ابن عباس»- بهامش الدر المنثور.
19 تفسير العياشي- لمحمد بن مسعود- المكتبة العلمية الإسلامية.
20 جامع الشتات- لميرزا ابى القاسم القميّ- شركة الرضوان ط 1.
21 جامع المقاصد للمحقق الكركي رحمه اللّه- الطبع الحجري.
22 جامع الأخبار- للطبرسي رحمه اللّه- مركز نشر كتاب بتصحيح الشيخ حسن المصطفوي.
23 جمل النواهي- للملإ حبيب اللّه الشريف رحمه اللّه- المطبعة العلمية قم.
24 جواهر الكلام- للشيخ محمد حسن النجفي- دار الكتب الإسلامية- طهران.
25 الجوامع الفقهية لجمع من الاعلام- مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي- قم 1404.
26 الحدائق الناضرة للشيخ يوسف البحراني- منشورات جماعة المدرسين قم.
27 الحقائق في محاسن الأخلاق- للفيض الكاشاني- دار الكتاب الإسلامي 1409 ط 1.
28 الخلاف- للشيخ الطوسي- إسماعيليان قم.
29 الخصال- للشيخ الصدوق- علمية إسلامية.
30 ديوان النابغة الذبياني- دار الكتب العلمية بيروت.
31 الدر المنثور- لجلال الدين السيوطي- مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي قم.
32 ديوان- السيد محمد العلوي الكاشاني- مخطوط.
33 الذريعة إلى أصول الشريعة- للسيد المرتضى- جامعة طهران.
34 ذكري الشيعة- للشهيد الأول- مكتبة بصيرتي قم.
35 رسالة في البراءة و الاحتياط- للملإ حبيب اللّه الشريف الكاشاني- مخطوط.
36 الروضة البهية- للشهيد الثاني- مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي قم.
37 ربيع الأبرار- للزمخشري- منشورات الشريف الرضى قم.
38 الرواشح السماوية- لمير داماد- الطبع الحجري- افست أصفهان.
39 رياض المسائل للسيد على الطباطبائي- مؤسسة آل البيت قم.
40 السرائر- لابن إدريس الحلي- المعارف الإسلامية طهران.
41 سر الأدب- للثعالبي- الطبع الحجري- طهران.
42 سنن ابن ماجة- لمحمد بن يزيد القزويني- دار احياء التراث العربي بيروت.
43 سنن النسائي- لأحمد بن شعيب- دار الفكر بيروت.
44 شرح ابن يعيش- انتشارات ناصر خسرو طهران.
45 شرح شواهد المغني- للسيوطي- نشر أدب الحوزة.
46 الصافي- للفيض الكاشاني- المكتبة الإسلامية.
47 الصراح من الصحاح- لمحمد بن عمر القرشي- ط هند.
48 صحيح مسلم بشرح النووي- دار الكتاب العربي- بيروت.
49 صحيح البخاري بحاشية السندي- دار المعرفة بيروت.
50 عوائد الأيام للملإ احمد النراقي- مكتبة بصيرتي قم.
51 عيون اخبار الرضا عليه السّلام للشيخ الصدوق- منشورات الاعلمى طهران.
52 غزالى نامه لجلال الدين همائى- كتابفروشى فروغى طهران.
53 فرائد الأصول للشيخ الأنصاري- منشورات جماعة المدرسين قم.
54 الفوائد الطوسية للشيخ الحر العاملي- المطبعة العلمية قم.
55 الفصول المختارة للشيخ المفيد- مكتبة الداورى قم.
56 الفوائد الجديدة للوحيد البهبهاني- الطبع الحجري.
57 فوائد بحر العلوم- الطبع الحجري.
58 الفهرست للملإ حبيب اللّه الشريف الكاشاني- مخطوط.
59 القواعد و الفوائد للشهيد الأول- مكتبة المفيد قم.
60 قوانين الأصول لميرزا أبو القاسم القمي- المكتبة الإسلامية طهران.
61 قواعد الأحكام للعلامة الحليّ- منشورات الرضى قم.
62 القاموس المحيط للفيروزآبادي- دار الفكر بيروت.
63 القصائد الهاشميات للكميت- مؤسسة الاعلمى بيروت.
64 قرب الاسناد لأبي العباس الحميري- مكتبة نينوى طهران.
65 قرب الاسناد لأبي العباس الحميري- النجف الأشرف.
66 الكافي للشيخ الكليني- دار الكتب الإسلامية طهران.
67 كفاية الأحكام لمحمد باقر السبزواري- افست أصفهان.
68 كمال الدين للشيخ الصدوق صححه الغفاري دار الكتب الإسلامية- طهران 1395.
69 لباب الألقاب للملإ حبيب اللّه الشريف- مكتبة بوذر جمهرى طهران.
70 لسان العرب لابن منظور- نشر أدب الحوزة.
71 مؤلّفات الغزالي للبدويّ- طبع بيروت.
72 المصادر لحسين بن أحمد الزوزني- كتابفروشى باستان مشهد.
73 المصباح المنير للفيومى
74 مروج الذهب للمسعودي- مطبعة السعادة مصر.
75 المقنع للصدوق- مؤسسة الامام الهادي قم.
76 المقنعة للشيخ المفيد- مكتبة الداورى قم.
77 منتقد المنافع للملإ حبيب اللّه الشريف- مخطوط.
78 منتهى الارب لعبد الرحيم صفي پور- كتابخانۀ سنائى.
79 المكاسب للشيخ الأنصاري- ط تبريز بخط طاهر خوشنويس.
80 المكاسب للشيخ الأنصاري- ط سيد محمد كلانتر.
81 المكاسب للشيخ الأنصاري- ط الطبع الحجري بخط محمد تقي الگلپايگاني.
82 مجمع الفائدة و البرهان للمولى أحمد الأردبيلي- منشورات جماعة المدرسين قم.
83 مختار الصحاح لمحمد بن ابى بكر الرازي- دار الكتاب العربي بيروت.
84 مجمع البحرين للطريحي- مطبعة الآداب النجف الأشرف.
85 مسالك الافهام للشهيد الثاني.
86 مغني اللبيب لابن هشام- المكتبة العلمية طهران.
87 مفتاح الكرامة- للسيد جواد العاملي- مؤسسة آل البيت.
88 مفاتيح الشرائع- للفيض الكاشاني- مجمع الذخائر الإسلامية.
89 مستند الشيعة- لمولى احمد النراقي- مكتبة آية اللّه النجفي المرعشي.
90 مشارق الأحكام- لمولى محمد النراقي- الطبع الحجري 1294 هق.
91 مسند الامام احمد بن حنبل- دار صادر بيروت.
92 المبسوط للشيخ الطوسي- المكتبة المرتضوية- طهران.
93 مجمع البيان للشيخ الطبرسي- المكتبة الإسلامية طهران.
94 المحجة البيضاء للفيض الكاشاني- منشورات جماعة المدرسين قم.
95 معاني الأخبار للشيخ الصدوق.
96 مكارم الأخلاق للطبرسي- مؤسسة الاعلمى بيروت.
97 مقتنيات الدرر- لمير سيد على الحائري- دار الكتب الإسلامية.
98 مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام لعبد الواحد الأنصاري- مؤسسة الاعلمى بيروت.
99 النهاية في غريب الحديث و الأثر لابن الأثير- إسماعيليان قم.
100 النهاية في مجرد الفقه و الفتاوى للشيخ الطوسي- انتشارات قدس محمدي- قم.
101 نور الثقلين لابن جمعة الحويزي- إسماعيليان قم.
102 الوسائل للشيخ الحر العاملي- المكتبة الإسلامية طهران.
103 الوافي للفيض الكاشاني- الطبعة الحديثة مكتبة الإمام أمير المؤمنين أصفهان.