کتاب القضاء تقریرات للنجم آبادی

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: كتاب القضاء موضوع: فقه استدلالى نويسنده: عراقى، آقا ضياء الدين، على كزازى تاريخ وفات مؤلف: 1361 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: انتشارات مؤسسه معارف اسلامى امام رضا عليه السلام تاريخ نشر: 1421 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران شابك: 3- 0- 93094- 964 مقرر: نجم‌آبادى، ميرزا ابوالفضل تاريخ وفات مقرر: 1385 ه ق محقق/ مصحح: محققان در مؤسسه آية الله العظمى بروجردى

المقدّمة

اشارة

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و أفضل الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأوّلين و الآخرين.

لا شكّ في أهميّة القضاء في المجتمعات البشريّة على مرّ التأريخ، فبه تسود العدالة و يزول الحيف و الجور و التعدّي، لذا نجد أنّ كلّ حكومة و نظام في جميع أدوار التأريخ تضع لنفسها قوانين في القضاء من أجل سيادة العدالة في المجتمع و لو بالشكل الظاهري، و قد أولت الأديان السماويّة أهميّة بالغة للقضاء، و وضعت قواعد و ضوابط دقيقة لإجرائه على أحسن وجه و لئلّا يضيع حقّ مستحقّ، و لسدّ جميع الأبواب بوجه الظلم و التعدّي.

و في ديننا المبين- و باعتباره آخر الأديان السماويّة- فقد جاءت قوانينه و نظمه بمنتهى الدقّة و التفصيل في جزئيّات القضايا، و نرى ذلك جليّا في آيات الكتاب الحكيم، و أحاديث النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خلفائه من أهل بيته، عليهم أفضل الصلاة و السلام.

و نوجز في هذه المقدّمة الخطوط العامّة لهذا الركن الأساس، مستعينين

ببعض الآيات الشريفة و شذرات من أحاديث أهل البيت عليهم السّلام، لئلّا نطيل الكلام في هذا الموضوع أوّلا، و لإبراز أهميّة و خطورة هذا الموضوع، تاركين البحث بعدها لآية اللّه الحاج الميرزا أبو الفضل النجم‌آبادي رحمة اللّه بحثا و تفصيلا.

فنقول: القضاء؛ و هو في اللغة لمعان كثيرة:

منها: الخلق، و منه قوله تعالى: فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ (1).

و منها: الحكم، و منه قوله تعالى: وَ اللّٰهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ (2).

و منها: الأمر، و منه قوله تعالى: وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ (3).

إلى غير ذلك من المعاني ...

و في الشريعة: ولاية الحكم شرعا لمن له أهليّة الفتوى بدقائق الأحكام الشرعيّة على أشخاص معيّنة من البريّة بإثبات الحقوق و استيفائها للمستحقّ.

و مبدؤه: الرئاسة العامّة في امور الدين و الدنيا.

و غايته: قطع المنازعة.

و خواصّه: أنّ الحكم فيه لا ينقض بالاجتهاد.

و صيرورته أصلا: ينفذه غيره من القضاة و إن خالف اجتهاده، ما لم يخالف دليلا قطعيّا.

و هو من فروض الكفاية لتوقّف نظام النوع الإنساني عليه، و لأنّ الظلم من شيم أكثر النفوس، فلا بدّ من حاكم ينتصف للمظلوم من الظالم، و لما يترتّب عليه


1) فصلت (41): 12.

2) غافر (40): 20.

3) الإسراء (17): 23.

من النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف.

و الأصل فيه مع ذلك الكتاب و السنّة و إجماع الامّة.

قال سبحانه و تعالى: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ (1).

و قال تعالى: إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ بِمٰا أَرٰاكَ اللّٰهُ (2).

و قال تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (3).

و قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ (4).

و في آية اخرى: هُمُ الْكٰافِرُونَ (5).

و في آية اخرى: هُمُ الظّٰالِمُونَ (6).

و في الحديث النبوي الشريف: «كيف يقدّس اللّه أمّة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم» (7).

و لعظم فائدته فقد تولّاه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من قبله من الأنبياء عليهم السّلام لأنفسهم و لامّتهم، و من بعدهم من خلفائهم، و فيه أجر عظيم لمن يقوم بشرائطه.


1) سورة ص (38): 26.

2) النساء (4): 105.

3) النساء (4): 58.

4) المائدة: (5): 47.

5) المائدة (5): 44.

6) المائدة (5): 45.

7) سن ابن ماجة: 2/ 1329 الحديث 4010.

ففي الخبر: «يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة، فإذا حاف و كله اللّه تعالى إلى نفسه» (1).

و في آخر: «إذا جلس القاضي أو اجلس في مجلسه هبط إليه ملكان يسدّدانه و يرشدانه و يوفّقانه، فإذا جار عرجا و تركاه» (2).

و هو مع ذلك خطره جسيم، قال أمير المؤمنين عليه السّلام لشريح: «قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ» (3).

و في الحديث الشريف: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنّة و اثنان في النار، فالّذي في الجنّة؛ رجل عرف الحقّ و قضى به، و اللّذان في النار: رجل عرف الحقّ فجار في الحكم، و رجل قضى بين الناس بالجهل» (4).

و نحوه عن الإمام الصادق عليه السّلام إلّا أنّ فيه: «أربعة» بدل «ثلاثة»، و جعل الرابع: «قضى بالحقّ و هو لا يعلم» (5).

و الأحاديث كثيرة و فيها تفصيل لكلّ القضايا ليس هذا موضع ذكرها كلّها، و نكتفي في ختام الكلام بحديث للإمام عليّ عليه السّلام، ففيه إجمال و شمول للقضاء و القاضي بصورة عامّة.

ففي كلامه عليه السّلام لشريح القاضي: «انظر إلى أهل المعك و المطل، و دفع حقوق الناس من أهل المقدرة و اليسار ممّن يدلي بأموال الناس إلى الحكّام،


1) وسائل الشيعة: 27/ 224 الحديث 33649.

2) مستدرك الوسائل: 17/ 357 الحديث 21570.

3) وسائل الشيعة: 27/ 17 الحديث 33091.

4) السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 116.

5) وسائل الشيعة: 27/ 22 الحديث 33105.

فخذ للناس بحقوقهم منهم، و بع فيها العقار و الديار، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: مطل المسلم الموسر ظلم للمسلم، و من لم يكن له عقار و لا دار و لا مال فلا سبيل عليه.

و اعلم! أنّه لا يحمل الناس على الحق إلّا من ورعهم عن الباطل، ثمّ واس بين المسلمين بوجهك و منطقك و مجلسك، حتّى لا يطمع قريبك في حيفك، و لا ييأس عدوّك من عدلك، و ردّ اليمين على المدّعي مع بيّنته، فإنّ ذلك أجلى للعمى، و أثبت في القضاء.

و اعلم! أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلّا مجلود في حدّ لم يتب منه، أو معروف بشهادة زور، أو ظنين. و إيّاك و التضجّر و التأذّي في مجلس القضاء الّذي أوجب اللّه فيه الأجر، و يحسن فيه الذخر لمن قضى بالحقّ.

و اعلم! أنّ الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا حرّم حلالا أو أحلّ حراما.

و اجعل! لمن ادّعى شهودا غيّبا أمدا بينهما، فإن أحضرهم أخذت له بحقّه، و إن لم يحضرهم أوجبت عليه القضيّة. و إيّاك أن تنفذ قضيّة في قصاص، أو حدّ من حدود اللّه، أو حقّ من حقوق المسلمين حتّى تعرض ذلك عليّ إن شاء اللّه، و لا تقعد في مجلس القضاء حتّى تطعم» (1).


1) وسائل الشيعة: 27/ 211 الحديث 33618.

الكتاب الحاضر:

و هذا الكتاب الّذي تضعه «مؤسسة آية اللّه العظمى البروجردي رحمه اللّه لنشر معالم أهل البيت عليهم السّلام» بين أيدي العلماء و المحقّقين خدمة للعلم و طلّابه هو الكتاب الثاني من آثار آية اللّه الحاج الميرزا أبو الفضل النجم‌آبادي رحمه اللّه، و هو تقريراته لدروس استاذه آية اللّه العظمى الشيخ آقا ضياء الدين العراقي رحمه اللّه في القضاء (1)، راجية أن تكون قد أسهمت في إحياء آثار و ذكر المرحوم النجم‌آبادي، و إثراء الجامعة العلميّة.

عملنا في الكتاب

اعتمد عملنا في الكتاب على نسخة خطيّة وحيدة بخطّ المؤلف رحمه اللّه موجودة عند ولده الدكتور محمّد علي النجم‌آبادي- حفظه اللّه- و هذه النسخة


1) و قد يتوهّم أنّ هذه التقريرات هي نفسها كتاب القضاء للشيخ ضياء الدين العراقي، و لإزالة هذا التوهّم، و بتصفح سريع للكتابين، يظهر لنا أن:

فيها الكثير من الأخطاء اللغوية و التصحيفات و الخطّ الغير واضح و وجود بياض بين الكلمات و سقط في مواضع عديدة أشرنا إليها كلّ في موضعه.

و باختصار: فقد كانت هناك صعوبات واجهتنا في تحقيق هذا الأثر القيّم، و هذه المشاكل و إن كانت مشتركة بين هذا الكتاب و غيره من آثار الشيخ رحمه اللّه إلّا أنّ هذا الكتاب تميّز بما ذكرنا.

و قد قام الإخوة الأفاضل بتذليل هذه الصعوبات و دراسة مشاكل الكتاب و حلّها و إخراجه بالصورة اللائقة به بما يمتلكون من فطانة و خبرة في هذا المجال.

شكر و تقدير

اشارة

في الختام نتقدم بالشكر الجزيل لأصحاب الفضيلة الّذين ساهموا و بذلوا ما في وسعهم من جهد في هذا الكتاب تحقيقا و تصحيحا و إخراجا بالشكل اللائق به و هم حجج الإسلام: السيّد محمّد الحسيني، السيّد محمّد الروحاني الرودسري، الشيخ محمّد الرسولي، الشيخ علي آيةاللهي، و الإخوة الأفاضل:

محمّد حسين الرحيميان، الحاج عبد الحسين تبريزيان، كريم راضي الواسطي.

و قد كان العمل بجميع مراحله تحت إشراف حجّة الإسلام، الشيخ عبد اللّه المحمّدي.

فللّه درّهم جميعا و عليه أجرهم، و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على حبيبه و نبيّه محمّد و آله الطاهرين.

مؤسسة آية اللّه العظمى البروجردي رحمه اللّه

لنشر معالم أهل البيت عليهم السّلام

نموذج للصفحتين الاولى و الأخيرة من الكتاب

<> صورة الصفحة الأولى من كتاب القضاء و نموذج من خط المؤلّف قدّس سرّه

<> صورة الصفحة الأخيرة من كتاب القضاء

كتاب القضاء و فيه مقاصد:

المقصد الأوّل: و فيه فصول

المقصد الثاني: في طريق إثبات الحقّ

المقصد الثالث: في ما يتعلّق بعدالة الشهود

المقصد الرابع: الكلام في ما يتعلّق بالدعوى و المدّعى به

المقصد الخامس: في ما يتعلّق بجواب المدّعى عليه و وظيفة المتداعيين

المقصد السادس: في ما يتعلّق باليمين

المقصد السابع: في بعض مسائل متعلّقة بالدعوى

المقصد الثامن: في الشاهد و اليمين

المقصد التاسع: في ما يتعلّق بالقسمة

المقصد العاشر: في المهمّ من الكلام في أركان باب القضاء

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين

[القضاء لغة]

لا إشكال ظاهرا في كون لفظ «القضاء» مستعملا في معاني عديدة، و كذلك في كون المراد به في المقام (1)هو فصل الخصومة و الحكومة، و إنّما الكلام في أنّ ذلك كلّه بحسب اللغة معاني حقيقيّة للّفظ متباينة، بأن يكون اللفظ مشتركا لفظيا أم لا؟ بل معناه ليس إلّا أحدها و غيرها أيضا يرجع إليه بحيث تكون لوازمه.


1) لا بمعناه المصدري، بل بمعنى اسم المصدر، كما هو المراد بكلّ ما هو العنوان للكتب الفقهيّة و إلّا فيحتاج إلى حذف مضاف، كما لا يخفى، «منه رحمه اللّه».

و الّذي يقتضيه التحقيق هو كون المعنى واحدا في مطلق الألفاظ الّتي تتعدّد معانيها، لما نرى من كمال المناسبة بين المعاني المتعدّدة غالبا، كما نرى أنّ ما يذكره اللغويّون من المعاني العديدة للألفاظ رجوعها إلى المعنى الواحد الّذي يذكر غالبا عند الترجمة في الأوّل.

و بالجملة؛ إثبات الاشتراك اللفظي في غاية الإشكال، فلفظ «القضاء» أيضا معناه الأصلي هو الساري في جميع المعاني هو «الفصل» و «القطع» و غيره من المعاني التسعة الاخر ترجع إليه و لوازم له، كما لا يخفى.

هذا؛ بحسب معناه اللغوي.

[القضاء اصطلاحا]

و أمّا بحسب المعنى الاصطلاحي و العرفي، فقد عرفت بأنّه ولاية الحكم شرعا لمن له أهليّة الفتوى بجزئيّات القوانين الشرعيّة و المصالح العامّة من قبل الإمام عليه السّلام.

لا خفاء في أنّ المصطلح من لفظ القضاء الّذي هو الظاهر فيه هو التحكيم و قطع المنازعة، فمن أين يستفاد كونه منصبا و ولاية؟

قد يقال بأنّ ذلك إنّما لما نرى من صحّة إطلاق القاضي و صدقه على من ليس بمشغول بالتحكيم، بل و من لم يصدر الفعل منه بعد أبدا.

و من المعلوم كون هذا الصدق و الإطلاق حقيقيّا، فليس ذلك إلّا لكون المبدأ في مثل القاضي و الحاكم هو ملكة بها لا يلازم في صحّة إطلاق هذا اللفظ كون الشخص متّصفا بالفعل أي التحكيم حين الإطلاق، بل يكفي في صدقه عليه

حقيقة وجود تلك الملكة فيه و اتّصافه بها، و ليس الملكة المعتبرة في القاضي إلّا الولاية و المنصب الناشئ من قبل الولي الأصلي.

فعلى ذلك؛ يكون المجعول الأوّلي للقضاة إنّما هو الولاية، و بذلك يصدق حقيقة كونهم قاضيا، و إنّما التحكيم من آثارها و لوازم المنصب.

و لكنّك خبير بأنّ صدق الاتّصاف لا يحتاج إثباته و صحّته بهذا التجسّم، و لا يثبت كون القضاء ولاية و منصبا، إذ قد بيّنا في محلّه أنّ صحّة إطلاق مثل هذه الألفاظ ممّا هي مباديها عبارة عن الحرفة و الصنعة مثل التاجر و الحائك و نحوهما ليس اللازم التصرّف في مبادئ هذه الألفاظ، و جعلها من قبيل الملكة حتّى يصحّ إطلاقها حقيقة على الأشخاص، و أن يكونوا متّصفين بالمبدإ، مثل أن يكونوا نائمين و نحوه.

بل التحقيق أنّه: ليس المراد من معانيها إلّا نفس الفعل، و أمّا صحّة الإطلاق حقيقة إنّما هو أنّ العرف لمّا يرى التخلّلات العدميّة بين الوجودات بمنزلة الوجود، بمعنى أنّ التاجر و إن لم يكن مشتغلا بالبيع و الشراء، و لكن نفس حضوره لهذا العمل و اشتغاله بالعمل في جزء من الزمان سابقا و جزئه لاحقا، و لكن العرف يراه كأنّه مشتغل به دائما، بحيث لا يرى الفواصل بين الاشتغالات أعداما، بل يراها أفعالا موجودة، و لذلك يطلق التاجر على الشخص، و نرى بالوجدان صحّته في كلّ زمان يطلق.

و لكن لا يخفى أنّ هذه العناية العرفيّة يصحّح إطلاق لفظ على من كان اتّصف في زمان بالمبدإ حتّى يتصوّر التخلّلات العدميّة، و أمّا من لم يتّصف به بعد لا يصحّحه.

و لذلك نقول: إنّه أيضا يكون عناية اخرى مصحّحة هي عامّة يشتمل من لم يتّصف بالمبدإ أصلا أيضا، كالقاضي الّذي ينصب في أوّل أمره و لم يشتغل بالتحكيم بعد، و هي أنّه عند التهيؤ للعمل و بعد نصب القاضي- مثلا- لمّا يرى العرف مقتضي الفعل موجودا، بحيث يرون كمال الفرق بين من لم يتهيّأ و لم ينصب بعد أبدا و من نصب للتحكيم، فالمقتضي المفعولي أيضا و هو نفس التحكيم أيضا يرون موجودا فيحملون على المقتضي الفاعلي لوازم المفعولي، و يرتّبون عليه أحكامه، كما تصوّر ذلك في العقد الّذي يكون مقتضيا للخيار، و لذلك يصحّ إسقاطه، و لو لم يأت زمن نفس الخيار و لم يتحقّق وجوده بعد.

فحقيقة هذه العناية هي: أنّ العرف يرون المقتضي للشي‌ء من مصاديق المقتضي، بأن يكونوا متصرّفين في مفهوم اللفظ، بأن يريدوا من لفظ «القضاء» غير معناه الظاهر فيه، أو يتصرّفون في المبدأ؛ بل التحقيق أنّ ذلك تصرّف في المصداق، و توسعة في ناحية لما تقتضيه العناية المذكورة.

فلمّا كان للازم هذا المعنى وجود نفس المقتضي و تحقّقه فلذلك يصحّ إطلاق اللفظ الموضوع له، أي للمقتضي المفعولي على الشخص إذا اتّصف بالمقتضي الفاعلي، و نصب للقضاء و التحكيم- مثلا- و إن لم يشتغل بالعمل، فانقدح ممّا ذكرنا استفادة كون القضاء منصبا و ولاية ممّا عرفت.

نعم؛ يمكن استفادة ذلك من قوله عليه السّلام: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكما» (1)، و كذلك قوله تعالى: إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ (2)،


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

2) سورة ص (38): 26.

إذ القضاء بمعنى التحكيم ليس أمرا قابلا للجعل، بل الجعل لمّا كان عبارة عن إعطاء المنصب بالغير فيكون القضاء المجعول للحكّام من قبل الشرع هي الولاية المترتّبة عليها الآثار الّتي منها جواز التحكيم، مع أنّ الحكومة في الآية الشريفة جعلت بالصراحة من الآثار.

وجوب القضاء

ثمّ إنّه لا إشكال في كون المسلّم عند الأصحاب وجوب القضاء في الجملة على ما سيأتي تفصيله، من كون المراد أيّ نحو من الوجوب.

و إنّما الكلام في أنّه أين يكون مركز هذا الوجوب؟ بمعنى أنّه ما المراد بقولهم: القضاء واجب؟ مع أنّ المصطلح من القضاء معاني ثلاثة.

أحدها: التولّي و إبراز النفس في معرض الترافع و التحاكم، بأن يعرّف من كان يرى نفسه جامعا لشرائط التحكيم نفسه عند الإمام عليه السّلام، أو يجعل نفسه في زمان الغيبة في معرض رجوع الناس إليه، لقضاء حوائجهم المتوقّف على تولّي الحاكم الشرعي.

كما يستفاد هذا المعنى من القضاء من بعض الأخبار، مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تقدّس أمّة حتّى يكون فيهم من يأخذ الحقّ» (1)، الّذي يكون قريبا بهذا المضمون و أمثاله، إذ لا يخفى أنّ المراد بالأخذ ليس هو التحكيم، بل المراد منه نفس التولّي و تنظيم امورهم، الّذي هو مقدّمة للتحكيم.

ثانيها: كون المراد به الولاية و المنصب، كما يستفاد ذلك من تعريفهم


1) السنن الكبرى للبيهقي: 6/ 145.

القضاء بالولاية، و معنى وجوبه بهذا المعنى هو وجوب تحصيل هذا المقام بإيجاد مقدّماته، من تحصيل الاجتهاد و العدالة و غيرها ممّا يتوقّف عليها الاتّصاف بمقام الولاية، كما يقال، و اشتهر أنّه تحصيل الاجتهاد واجب كفائيّ.

ثالثها: التحكيم و فصل الخصومة الّتي تكون تلك الامور المتقدّمة في الحقيقة مقدّمات لذلك، كما يستفاد هذا المعنى من قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ (1)و غيره ممّا اطلق القضاء على التحكيم و استعمل في فصل الخصومة.

فهذه هي معاني القضاء، فقولهم: بوجوبه هل يكون الوجوب بجميع معانيه، حتّى يكون لازم ذلك أن يكون لتارك القضاء عقوبات ثلاثة لتركه الواجبات الثلاثة، أم ليس المراد به إلّا الوجوب بأحد معانيه؟

لا إشكال ظاهرا في بطلان الأوّل و عدم تعدّد التكليف، إذ المسلّم المستظهر من كلمات الأصحاب هو الوجوب بأحد المعاني، بحيث يكون الآخرين من المقدّمات أو الغايات، لا أن تكون واجبات متعدّدة مستقلّة، فإذا علم عدم كون القضاء واجبا إلّا بأحد معانيه فيدور أمره بين المعاني الثلاثة.

و يحتمل كونه بالمعنى الأوّل واجبا نفسيّا، فيكون وجوب تحصيل الولاية وجوبا مقدميّا و التحكيم يصير من غايات التولّي و أغراضه، أو يكون وجوب التحكيم نفسيّا، فتصير الولاية و التولّي من المقدّمات، أو يكون تحصيل الولاية وجوبا نفسيّا، فيصير التولّي و التحكيم من الغايات و الأغراض.

و قد بيّنا في محلّه بأنّه و إن كانت الواجبات كلّها وجوبها مقدميّا لرجوع جميعها بالأخرة إلى استراحة النفس و تحصيل الفراغ للذمّة، و لكن ملاك


1) سورة ص (38): 26.

الوجوب النفسي على حسب الظاهر و تمييزه عن الغيري و المقدّمي بأنّه ما يقع تحت الطلب و يجعل متعلّقا للخطاب فهو يكون وجوبه نفسيّا، و غيره ممّا يتوقّف امتثال المتعلّق للأمر عليه يصير من المقدّمات و الأغراض.

فإذا أمر المولى عبده- مثلا- بإتيان الماء يكون السقي و الشرب من غاياته و إيجاد الماء من محلّه من المقدّمات، و إذا أمر بإيجاد الماء أو السقي يصير إتيان الماء و إعطاؤه للمولى من الغايات.

و بالجملة؛ فمناط الوجوب النفسي هو وقوع الشي‌ء في حيّز الخطاب.

هذا؛ فيما لو كان الأمر واحدا، و أمّا إذا أمر بأشياء طوليّة مترتّبة في الوجود الّتي ترجع الأوامر إليها في الواقع إلى طلب واحد، لعدم الترتّب عليها إلّا مصلحة واحدة و غاية فاردة، ففي مثل ذلك إذا اشتبه الأمر المقدّمي بالغير، فملاك التميّز فيه هو أنّه يكون الطلب الآخر نفسيّا و ما قبله مقدميّا، لصيرورة الأمر الأخير الّذي لا يترتّب عليه أمر آخر قرينة على كون الأوامر السابقة غيريّة و كاشفا عن كونها مقدّمة له.

فعلى ذلك في المقام أيضا يصير وجوب التحكيم و فصل الخصومة نفسيّا و غيره مقدميّا، لكونه- أي التحكيم- واقعا في آخر المراتب، كما أنّ حفظ الأساس و بقاء النظام يكون من غاياته، و لا إشكال في ذلك و إن نطق لوجوب ذلك بعض الأدلّة و الكلمات.

ثمّ إنّه إذا تبيّن كون القضاء واجبا شرعا بمعناه التحكيم، و أمّا بسائر معانيه وجوبه مقدّمي. فنقول: قد يستشكل في أنّه لا ريب أنّه بمعناه ذلك ليس واجبا مطلقا، بل وجوبه مشروط بتوجّه الناس إليه و حضورهم عنده للترافع، حتّى

يتحقّق موضوع فصل الخصومة، و كذلك مشروط باجتماع شرائط الحكم، من حضور الشاهد و عدالته أو حضور المنكر للحلف أو لردّ اليمين و حضور المدّعي للحلف و غير ذلك من شرائط الحكم.

ضرورة؛ أنّه لا يجب على الحاكم تحصيل هذه الامور، من التماسه الناس للترافع عنده، أو التماسه الشاهد يشهد عنده و كذلك غيرهما من المقتضيات و الشرائط.

فإذا كان واجبا مشروطا فيصير حاله حال سائر الواجبات المشروطة، كلّما شكّ في تحقّق شرطه فيجري أصالة البراءة و يسقط المشروط عن وجوبه، كما في مطلق الشبهات الموضوعيّة.

و لازم ذلك سقوط وجوب القضاء بمعناه النفسي، و كذلك مقدّماته من تحصيل الولاية و التولّي عند الشكّ في تحقّق الواجب، فلا يجب التحكيم و لا مقدّماته إلّا على من يقطع بتحقّق الشرائط.

مع أنّ أقلّ قليل من الناس يكون يقطع بذلك، و الأصحاب يحكمون بوجوبه في الجملة مطلقا بلا اشتراط تحقّق الشروط فيه- كما لا يخفى- فكيف الجمع بين ما تقتضيه القاعدة و الكلمات؟

و لكن يمكن دفع الإشكال بأمرين:

الأوّل: بالالتزام بأنّه يستكشف من ذلك- أي من إطلاق الوجوب و بناء الأصحاب عليه- كون المعاني الثلاثة للقضاء واجبات متعدّدة، غايته كونها واجبا في واجب، بمعنى أن يقال: إنّ تحصيل الولاية واجب مطلقا، و إذا تحصّله فيجب التولّى عنده، و إذا أوجد التولّي فيجب التحكيم عند ذلك.

و من المعلوم أنّ هذا المعنى من الوجوبات المتعدّدة لا يلازم تعدّد العقاب، فإذا تركها بجميع معانيها فلمّا يرجع ذلك إلى ترك أمر واحد و مصلحة فاردة فلا يستحقّ إلّا عقوبة واحدة (1)، و كذلك إذا ترك أحدها و هو التحكيم- مثلا- فيستحقّ ذاك العقاب الواحد أيضا، لأنّ بسبب ترك الواحد فتصير المصلحة الواحدة فائتة.

ففي الحقيقة هذه الوجوبات المتعدّدة ترجع إلى وجوب واحد منتزع منها، و قد تصوّرنا هذا المعنى للوجوب في موارد قد بيّناه في محلّه.

فعلى ذلك يندفع الإشكال؛ إذ لا يرتبط الوجوب الأوّلي لتحصيل الولاية بتحقّق التحكيم في الخارج، و كذلك لا يرتبط التكليف الابتدائي للتولّي بوجود شرائط التحكيم، بل هما واجبان مطلقا. فإذا تحقّق شرائط التحكيم فهو يجب أيضا.

هذا؛ إلّا أنّه لو تمّ هذا المعنى فيلزم أن يكون القضاء بمعنى تحصيل الولاية، و كذلك بمعنى التولّي واجبا مطلقا، حتّى على القاطع بعدم تحقّق شرائط التحكيم له، مع أنّ الظاهر عدم التزامهم بذلك، فالّذي يحسم مادّة الإشكال، هو الأمر الثاني، فتأمّل!

الثاني: أن يقال باستكشاف كون هذه الموارد مثل مطلق موارد الشبهات الموضوعيّة الّتي اهتمّ بها الشارع فأوجب الاحتياط فيها مع الشكّ، كما في باب


1) لأنّه بترك السابق يفوت عنه اللاحق قهرا، نظير الواجب الّذي بفوت الشرط يفوت المشروط، ففي ما نحن فيه أيضا كذلك، بمعنى: أنّ السابق كأنّه شرط لوجوب اللّاحق بترك السابق لا يفوت عنه إلّا واجب واحد، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

الزكاة و الحجّ و غيرهما ممّا أوجب الفحص فيها مع الشكّ في تحقّق شرائطها، فكذلك في مسألة القضاء لمّا كان أمرا مهمّا، بحيث عليه أساس نظام العيش فاهتمّ الشارع الحكم به و أوجب تحصيله مطلقا و لو كان شرائط تحقّقه مشكوكة فيصير هذا كلّه في تعيين ما هو الواجب.

و أمّا الدليل على أصل وجوب القضاء كما صرّح به الأصحاب في الجملة، فنقول: قد يستدلّ له بكون التحكيم و فصل الخصومة من باب (1)الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لا ريب في كونهما واجبا.

و فيه: أوّلا، أنّ المتداعيين غالبا حالهما مجهول على الحاكم، و لا إشكال في أنّ من شرائط الأمر بالمعروف هو علم الآمر بكون المأمور به معروفا و المنهي عنه منكرا، فكيف يجوز للقاضي ذلك مع جهله بحقيقة الحال؟

أقول: على ما يستفاد من كلمات الفقهاء و عدّهم حكومة القاضي من مصاديق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كون المراد بالمعروف و المنكر في باب القضاء هما المعروف و المنكر الواقعيّين، بحيث لا يشترط فيهما خصوصا علم الآمر و الناهي بحقيقة الحال، لعدّهم ذلك- أي القضاء- في عرض [مقابل] سائر أنواع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المشروطة بالعلم، فيستظهر من ذلك كون المناط في المعروفيّة في مسألة القضاء وقوع هذا الأمر في الخارج المستلزم غالبا لانتهاء الأمر بإحقاق الحقّ و لو لم يكن الأمر في الابتداء مكشوفا، فتدبّر!


1) لكونه مشتملا على إغاثة المظلوم، و أخذ المال من يد الغير و ردّه إلى صاحبه، و غير ذلك من الامور.

و ثانيا: أفاد- دام ظلّه- بأنّ القضاء ولاية و منصب لا يجوز تكفّل الحكم إلّا لمن كان أهلا لهما، بمعنى: أن يكون صاحب ذلك المنصب، و ليس مثل سائر أنواع المعروف الّتي قابلة لأن يصدر من كلّ أحد، فإثبات كون متعلّق الحكم معروفا لا يثبت كون الشخص ذا حقّ على التحكيم.

و أمّا مثل أخذ مال المدّعي عن يد المنكر و ردّه به أو أمره بذلك لمن يعلم بالحال و إن كان ذلك من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إلّا أنّ ذلك ليس وظيفة مختصّة بحاكم الشرع بل وظيفة لكلّ مسلم، و الكلام إنّما هو في إثبات الوظيفة الخاصّة، و الدليل على وجوب القضاء بمعنى التولّي و التحكيم، كما لا يخفى.

و قد يستدلّ بالآيات:

منها؛ قوله تعالى: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ (1)، فإنّه تعالى جعل غاية الخلافة لداود عليه السّلام حكومته و وجوب تولّيه امور الخلائق، و أوجب عليه فصل الخصومة بينهم.

و لا ريب أنّه لا خصوصيّة لداود عليه السّلام في ذلك، بل المستفاد منها أنّه يجب التحكيم بين الناس على من كان أهلا له.

ثمّ؛ لا يخفى أنّ المحتملات في هذه الآية و دلالتها ثلاثة:

الأوّل: أن يكون المتفرّع على جعل الخليفة أمرين: نفس التحكيم، و التحكيم بالحقّ، بنحو يكون يكون كلّ منهما واجبا مستقلّا على نحو تعدّد المطلوب.

الثاني: أن يكون المراد بالتفريع هو المقيّد و القيد، بحيث يكون الواجب


1) سورة ص (38): 26.

أمرا واحدا، و لكن لا بسيطا بل مركّبا من أمرين.

الثالث: أن يكون الغرض من التفريع أمرا واحدا بسيطا و هو نفس القيد، بمعنى: أن لا يكون الإلزام متوجّها إلّا بحيثيّة حقيّة الحكم فقط.

فعلى الأوّلين؛ و إن كان تتمّ دلالة الآية على المدّعى و يثبت المطلوب، إلّا أنّ دلالته على المعنى في غاية البعد، كما هو واضح للعارف بلغات العرب و تراكيبها.

و أمّا الثالث؛ و إن كان اللفظ ظاهرا فيه و لا غبار في دلالة الأوّلية من الآية عليه، إلّا أنّ الّذي يبعد ذلك في خصوص المقام و يمنع عن استفادة وجوبين و حكمين إلزاميّين عن الآية الشريفة هو أنّ الأمر بالنسبة إلى المقيّد إنّما هو من باب الأمر الوارد عقيب الحظر.

و إن كان بالنسبة إلى القيد الأمر تأسيسي إلزامي؛ و ذلك لأنّه لا إشكال في أنّ الحكومة قبل صيرورته عليه السّلام خليفة و صاحبا لمنصب الولاية من قبل اللّه تعالى كان حراما عليه، فلمّا يتوهّم بعده دوام الحرمة فيرتفع ذلك بالأمر على الحكومة، فلا دلالة لهذا الأمر إلّا على الإباحة و رفع الحظر المتوهّم.

و أمّا بالنسبة إلى القيد فلا، بل الأمر بالنسبة إليه إلزامي محض على ترك الأمر الارتكازي و هو الحكم بالباطل.

فعلى ذلك؛ لا تبقى للآية دلالة على المدّعى، و هذا الحكم لا اختصاص له بالمقام، بل جار في تمام أبواب الفقه من عدم استفادة الحكم الوجوبي عن مثل هذا الأمر المتعلّق بالمقيّد بالنسبة إلى ذات المقيّد، و إن كان يستفاد بالنسبة إلى القيد.

و لا يتوهّم امتناع ما قلنا من استعمال الأمر بالنسبة إلى المقيّد في الإباحة، و بالنسبة إلى القيد في الإلزام، للزوم ذلك استعمال اللفظ الواحد و الإنشاء الفارد في أكثر من معنى واحد، لأنّه مدفوع، بأنّ الإنشاء لم يرد منه إلّا معنى واحد، و اللفظ لم يستعمل إلّا في ذاك المعنى من الطلب، و إنّما الداعي قد اختلف و تعدّد، كما لا يخفى.

فبالنسبة إلى المقيّد صدر الإنشاء عن داعي رفع توهّم الحظر، و بالنسبة إلى القيد عن داعي الإلزام الحقيقي، فتأمّل!

هذا كلّه؛ مضافا إلى أنّ المقصود إثبات وجوب القضاء كفاية على الناس، و هذه الآية مع الغضّ عمّا ذكر، لا تدلّ على أزيد من أنّه يجب على الخليفة القضاء، و لا ريب أنّه بذلك لا يمكن إثبات وجوب القضاء على مطلق العباد، لأنّ الحكم ليس متكفّلا لبيان موضوعه، بل الخلافة لا بدّ أن يثبت من الخارج، فإذا ثبت فيستدلّ بالآية بوجوب الحكم عليه بذلك المقام.

و لا ريب أنّها- أي الخلافة- منصب لا بدّ من أن يكون مجعولا من قبل اللّه تعالى، أو أوليائه عليهم السّلام، فلا مجال لأن يقال بأنّه يجب تحصيل ذلك المقام بتحصيل الاجتهاد؛ و أمّا ما اطلق في الأخبار من الخلفاء على العلماء (1)فلا خفاء في أنّه تنزيل و لم يثبت أن يكون بلحاظ هذا الأمر، أي وجوب الحكم، فتأمّل!

و منها؛ قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ (2)،


1) انظر! وسائل الشيعة: 27/ 139 الحديث 33422، مستدرك الوسائل: 17/ 287 الحديث 21365.

2) المائدة (5): 44.

[و] في دلالتها نظر لبعض ما ذكر، مع أنّ هذه الآية قضيّة متيقّنة، و ظاهر مثل هذه القضيّة هو تعلّق الحكم بالقيد، كما لا يخفى.

و منها؛ قوله تعالى: إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ بِمٰا أَرٰاكَ اللّٰهُ (1)و في دلالتها أيضا نظر، لما عرفت في الآية الاولى.

و قد استدلّ أيضا ببعض الأخبار (2)الّتي دلالتها ضعيفة أيضا (3).

فالّذي يمكن أن يستدلّ به لوجوب القضاء في الجملة هو مسألة بناء العقلاء.

توضيح ذلك: هو أنّه، لا إشكال في أنّ الارتكازي للعقول و من فطريّات البشر هو لزوم وجود هيئة حاكمة في المجتمع تكون مهيّأة للوصول إلى الامور العامّة و تنظيمها من دفع منازعاتهم، و فصل الخصومات من بينهم، و غير ذلك ممّا يتوقّف عليه الامور الكليّة، بحيث يرى العرف وجود مثل هذه الجماعة بينهم ممّا يتوقّف عليه أساس النظام و دوام العيش.

و لا ريب أنّه لم يرد من الشارع ما يردعهم عمّا ارتكز به أذهانهم و بناؤهم في أنّه لا بدّ في نوع الإنسان من جماعة بمقدار الكفاية يكون بيدهم زمام امورهم الكليّة، و للترافع بينهم لما يرون الظلم من جبلّة البشر، و غير ذلك.

فلمّا لم يصل الردع من الشارع، فبمقدّمات عدم الردع يثبت إمضاء الشارع لهم في هذا الأمر فيثبت الوجوب الشرعي لذلك، أي لوجوب الهيئة


1) النساء (4): 105.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 136 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، و ما يجوز أن يقضي به.

3) حالها مثل الآيات، كما يظهر للمتأمّل فيها. «منه رحمه اللّه».

الحاكمة، و القوّة القضائيّة في أفراد البشر بمقدار ما يكفيهم في ما تعلّق به غرضهم لتلك الهيئة، كما لا يخفى.

نعم؛ إنّما الشارع أمضى أصل بنائهم في ما استقلّ به عقولهم في الجملة لا مطلقا، بمعنى أنّه تصرّف في بعض جزئيّات ما تعلّق به غرض العقلاء من حكمهم الكلّي بلزوم تلك الجامعة فيما بينهم، بأن تصرّف في مصداق ذلك الحكم الكلّي، فردعهم في خصوص ذلك بتعيين من هو القابل لاحتوائه المقام المسمّى بالقضاء و الولاية.

فبيّن الشارع الحكيم بأنّه ليس كلّ أحد (1)قابلا للتصدّي بهذا الأمر، بل لا بدّ و أن يكون أوّلا منصوبا من ناحية الشرع بإذنه العام أو الخاص، و ثانيا جامعا للشرائط من الاجتهاد و العدالة و غير ذلك من شرائط القاضي.

فالحاصل؛ أنّ انقضاء وجوبه نحو ثبت أصله ببناء العقلاء، و استقرار أمرهم على وجوبه كفائيّا، و إمضاء الشارع لهم في ذلك منضمّا إلى تصرّفه أيضا مستقلّا في هذا الأمر، و إيجابه كون المتولّي له متّصفا بصفات اعتبرها حيث ما يراه من المصلحة، فالدليل على لزوم هذا الأمر على نحو الكلّي في العالم هو بناء العقلاء، و الدليل على اشتماله على الخصوصيّات المعهودة هو إلزام الشرع و وجوبه التأسيس، و إلّا فسائر الأدلّة لذلك لا يسمن و لا يغني من جوع، كما يظهر للمتدبّر فيها.

ثمّ إنّه إذا ثبت كون القضاء وجوبه كفائيّا، كما أفتى به الفقهاء أيضا (2)، قد


1) و إن لم يكن العقلاء أيضا بانيا على قابليّة كلّ أحد له في الجملة، كما هو واضح. «منه رحمه اللّه».

2) المبسوط: 8/ 82، مسالك الإفهام: 13/ 336، تحرير الأحكام: 2/ 179

يشكل في أنّه قد يثبت استحبابه العيني أيضا، كما أفتوا به (1)، فكيف الجمع بين ذلك؟

فإنّه بعد تحقّق أصل ما هو الواجب بنفسه و هو التحكيم و تحقّقه في الخارج لا يبقى موضوع للحكم حتّى يحكم باستحبابه، و أمّا قبل تحقّق ذلك فتحصيل مقدّمات هذا الواجب الكفائي من تحصيل الولاية و التولّي واجب على كلّ أحد ما دام لم يقطع بتحقّق الواجب بشروع الآخرين في تحصيل المقدّمات.

نعم؛ لو قطع بترتّب النتيجة على المقدّمات الّتي تلبّس بها غيرها فلمّا يسقط الواجب عنه بذلك فليس تحصيل المقدّمات بعد عليه واجبا، و لذلك لو تلبّس هو بها أيضا لا يقال أنّه تلبّس بما هو الواجب عليه.

و أمّا عند الشكّ؛ فيجب على كلّ أحد التلبّس بالمقدّمات تهيّئا لتحصيل الواجب، إذ لا دليل على سقوط الواجب الكفائي بمجرّد شروع الغير بإيجاد مقدّماته، و لا مجرى للبراءة في هذا الشكّ، إذ الوجوب متيقّن و إنّما الشكّ في المسقط، كما لا يخفى.

فمن تلبّس بمقدّمات الواجب الكفائي في هذا الفرض صادق حقيقة بأنّه متلبّس بإيجاد ما هو الواجب عليه.

فعلى ذلك؛ كيف يعقل الحكم باستصحاب القضاء عينا- مع أنّ الأحكام بأسرها متضادّة- و وجوبه كفائي؟

و محصّل الإشكال هو: أنّه لا فرق بين الوجوب العيني و الكفائي، و لأنّ كلّا منهما طلب إلزامي، فكما أنّ الأوّل لا يجتمع مع رجحان المحض- أي بلا


1) المبسوط: 8/ 84، شرائع الإسلام: 4/ 68.

منع عن الترك- فكذلك الثاني؛ فإذا صار القضاء بمعنى التحكيم الّذي هو نفس الواجب مضادّا مع الاستحباب، فكذلك مقدّماته و هي تحصيل التوالي، إذ لا ريب أنّها تابعة له في الحكم، فما دام لم يتحقّق أصل الواجب فوجوبه يقتضي وجوب مقدّماته، فلا يعقل أن تصير هي مستحبّة أيضا.

فأجاب عن هذا الإشكال بعض بتغيير موضوع الحكمين بالالتزام بكون وجوبه الكفائي على الإمام عليه السّلام، بأنّه يجب عليه عليه السّلام تعيين الحاكم للعباد منهم بمقدار ما يكفيهم؛ و أمّا استحبابه على غيره عليه السّلام بأن يطلب من الإمام عليه السّلام هذا المنصب المشتمل على فوائد عظيمة (1).

و بعض بنحو آخر، و هو: أنّ الاستحباب إنّما هو بحسب المقدّمات، و أمّا الوجوب فهو بحسب نفس ذيها- أي التحكيم (2)- و غير ذلك ممّا قريب منهما في الضعف، إذ قد عرفت أنّ ما يقتضيه دليل وجوب القضاء وجوبه كفاية على جميع العباد بأصله و إن كان بعض خصوصيّاته مختصّة بالإمام عليه السّلام، و كذلك عرفت من تقرير الإشكال كون التضادّ بين المقدّمات.

فالتحقيق في الجواب هو أن يقال بأنّ أصل الإشكال مبنيّ على أن يكون معنى الوجوب الكفائي هو الوجوب على جميع المكلّفين و إسقاطه بفعل البعض عن الآخرين؛ فإن كان معنى الواجب الكفائي. هذا؛ فالإشكال وارد و لا دافع عنه.

و أمّا إن كان معناه- على ما هو التحقيق من الطلب التّام- الواحد عن جميع


1) مسالك الإفهام: 13/ 336 و 337.

2) جواهر الكلام: 40/ 39.

أفراد المكلّفين؛ بحيث الجامع منهم متعلّقا للتكليف، و يكون مرجع ذلك إلى طلب ناقص عن كلّ واحد منهم، و هذا نحو من الطلب و الوجوب الّذي حقيقة معناه هو طلب الفعل عن كلّ واحد من المكلّفين في ظرف ترك الآخرين، و أمّا عند إيجاده فالطلب و الأمر ساقط عن غير الموجد.

و من المعلوم؛ أنّ هذا النحو من الطلب الإلزامي لا يضادّ مع الطلب التامّ الغير الإلزامي عن كلّ واحد من الأفراد، فكلّ واحد من المكلّفين في ما نحن فيه- و هو مسألة القضاء و التحكيم- مأمور بإيجاد ذلك على الإطلاق و لكن بغير الإلزام.

و بعبارة اخرى: كلّ واحد منهم ملزم بإيجاد المأمور به في ظرف ترك الآخر، و لكن مرخّص فيه في ظرف إيجاده، و هذا لا ينافي أن يكون مطلوبا من كلّ منهم طلبا راجحا على الإطلاق.

إذا تمّت المقدّمة، فلنشرع في بيان المقصد، و نذكره في طيّ مقاصد:

مقدّمة المؤلّف

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، الّذين هم ولاة الأمر في الكونين، و بيدهم قضاء الخلق في الدارين.

و بعد؛ فأقول: بعد الفراغ عن كتاب «الغصب» و بحثه و تحريره، شرعنا في كتاب «القضاء» الّذي هو الأهمّ من كتب أحكام الفقه و سياساته، و أسأل اللّه التأييد لإتمامه، و التوفيق لما يحبّ و يرضى، فلنقدّم مقدّمة، و هي أنّه:

[المقصد] الأوّل:

اشارة

و فيه فصول:

الفصل الأوّل: في شرائط القاضي

اشارة

فنقول: إنّ المستفاد من روايات الباب اشتراط الإيمان فيه، و الاجتهاد، و العدالة، و البلوغ، و العقل، و الرجوليّة (1)، فالأدلّة و إن كانت مطلقة من بعض هذه الجهات، إلّا أنّه من المجموع المكوّر منها يستفاد ما ذكر.

بيان ذلك هو: أنّ روايات الباب- أي الخاصّة منه المشتملة على الشروط- بين طوائف ثلاث.

منها: مثل مقبولة عمر بن حنظلة (2).

و منها: رواية أبي خديجة (3).

و منها: الخبر الآخر (4).

و أمّا من الاولى فيستفاد منها الإيمان بل العدالة (5)، و كذلك العلم و الاجتهاد، لاشتمالها على قوله عليه السّلام: «ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما».


1) وسائل الشيعة: 27/ 11 الباب 1 و 16 الباب 3 و 20 الباب 4 من أبواب صفات القاضي.

2) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33082 و 106 الحديث 33334، و 136 الحديث 33416.

3) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33083.

4) وسائل الشيعة: 27/ 139 الحديث 33421.

5) فإنّ قوله: «أعدلهما» يستفاد منه اعتبار العدالة مسلما، و إلّا كان الحقّ أن يقول عليه السّلام: العادل، و يجعل العدالة مرجّحا «منه رحمه اللّه».

فإنّه يستفاد من هذه الفقرة الشرطان الأوّلان، أمّا الإيمان، لكون الحديث مسوقا للنهي عن الرجوع إلى المحاكم العامّة مع اشتماله على الإضافتين [الجار و المجرور] و هما قوله عليه السّلام: «منكم» و الآخر «حديثنا» بل الإضافات الاخر المتتالية.

و أمّا الاجتهاد؛ فلقوله عليه السّلام: «و نظر في حلالنا» و إطلاقه لفظ «النظر» كما أنّ لفظ «العرفان» أيضا ظاهر في ذلك، فإنّه لا يطلق على المقلّد المطّلع على الفتاوى و الأحكام لفظ «العارف»، و لا أقلّ من انصراف هذا اللفظ عنه، كما لا يخفى؛ فهذه الرواية من حيث سائر الشرائط مطلقة.

و أمّا من الثانية، فيستفاد الرجوليّة و البلوغ بل العقل، لاشتمالها على قوله عليه السّلام: «و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا» (1).. إلى آخره.

أمّا الرجوليّة فظاهر، و أمّا البلوغ؛ فلعدم إطلاق لفظ الرجل على غير البالغ من الصبي.

و أمّا من الأخير، فيستفاد العدالة؛ لاشتماله على القريب بهذا المضمون، و هو أنّه عليه السّلام عند النهي عن الرجوع إلى قضاة الجور يقول: «هؤلاء الفسّاق» (2)، فيستفاد من إطلاق ذلك عليهم كون المناط للمانعيّة هو الفسق.

و أمّا العقل، فهو المستفاد من مجموع هذه الروايات لعدم اطلاق الناظر في الأحكام و كذلك العارف و غيره عليه، و لا أقلّ من انصراف اللفظ عنه مع ما ورد من الروايات الخاصّة الحاكمة على العمومات- لو كان عموم أو إطلاق- الدالّة


1) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33083.

2) وسائل الشيعة: 27/ 139 الحديث 33421.

على ارتفاع جميع الآثار عن المجنون حين جنونه، و كذلك الصبيّ.

فعلى فرض تسليم العموم و الإطلاق لهذه الأدلّة حتّى يشمل المجنون حين جنونه أو الصبي كذلك، تلك الأدلّة الخاصة حاكمة عليها، كما لا يخفى.

و بالجملة؛ فالأمر في هذه الروايات- أي روايات الباب- دائر بين رفع اليد عن التقييد المستفاد عن بعضها و الأخذ بإطلاق الآخر الغير المشتمل على تلك القيود، أو رفع [اليد] عن الإطلاق و تقييده بما يشتمل عليه من القيود الروايات الاخر؛ فالأوّل مبنيّ على عدم الأخذ بالمفهوم و الأخذ بظهور الإطلاق، و الثاني على الأخذ و رفع اليد عن الإطلاق.

و لا إشكال في أنّه لمّا كانت هذه الروايات في مقام التحديد و من الموارد الّتي يكون المفهوم حجّة؛ هذا المورد حتّى في مثله مفهوم اللقب أيضا معتبر، فيصير كلّ واحد من الأحاديث المشتملة على الصفات الخاصّة في قوّة تقييد المورد بتلك الصفات.

و لا ريب أنّ رفع اليد من ظهور الإطلاق أهون من رفع اليد من ظهور التقييد، فلا بدّ من تقييد مطلقات كلّ واحد من الأحاديث بالقيود المستنبطة من سائر الأخبار، كما عرفت؛ فيصير نتيجة ذلك اشتراط كون القاضي متّصفا بما ذكر، المستنبطة ذلك من ظهور أخبار الباب.

هذا؛ مع أنّ اشتراط ما ذكر إجماعي، كما لا يخفى.

و في بعضها أيضا أخبار خاصّة مصرّحة به، مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا يفلح قوم وليتهم المرأة» (1)مؤيّدا بما يستلزم من توليتها هذا الأمر ارتكابها ما يحرم عليها


1) السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 118، مع اختلاف.

و لم يثبت استثناؤه في هذا الحال، و غير ذلك من الأخبار الخاصّة المشتملة على بعض الشروط (1).

ثمّ إنّه يلحق بهذه الشروط بعض الشروط الاخر، مثل طهارة المولد، فإنّ الظاهر كون ذلك أيضا ممّا لا خلاف فيه، و سيأتي الإشارة إلى بعض الشروط المختلف فيها.

ثمّ إنّه لا يخفى بعد ما ثبت كون القضاء الصحيح هو ما كان مأذونا من الإمام عليه السّلام، فيصير الأصل في هذه المسألة منقلبا ممّا هو الأصل في جميع الأشياء من أصالة الحلّ، و أصالة البراءة، لأنّ أصالة عدم الإذن و كذلك أصالة عدم النفوذ حاكم على ذلك كلّه.

اشتراط الاجتهاد في القاضي

و أمّا الكلام في قضاء المقلّد و المتجزّي الّذي قوّى جوازه صاحب «الجواهر» قدّس سرّه (2)، فالإنصاف أنّه خلاف التحقيق، أمّا في الأوّل إذ هو مخالف للأصل و الأدلّة.

أمّا الأوّل؛ فهو ظاهر (3).

و أمّا الثاني؛ فلأنّ الظاهر منها اشتراط العلم و العرفان في القاضي الذي لا يطلق هذان اللفظان على متعلّم الفتاوى و الأحكام الشرعيّة تقليدا و تعبّدا، بحيث


1) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 11 الباب 1 من أبواب صفات القاضي.

2) جواهر الكلام: 40/ 15- 17 و 48، 49.

3) ضرورة أنّ الأصل عدم نفوذ حكم الشخص على غيره، كما أنّ الأصل عدم وجوب إطاعة الغير لغيره، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

لا يقال على المقلّد العالم بالفتاوى: إنّه عالم، مع أنّ المأخوذ في لسان بعض الأدلّة لفظ «النظر» فاعتبر في من يتولّى أمر القضاء كونه ذا نظر في الأحكام، و لا شبهة في عدم إطلاق الناظر على المقلّد.

و أمّا ما استدلّ به صاحب «الجواهر» للجواز من الآيات و بعض الأخبار (1)فمن أمعن النظر فيها يرى أنّه لا دلالة لها أصلا.

أمّا الآيات؛ مثل قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (2)، فإنّ الظاهر من «الأمانة» بعد تسليم كونها بمعنى العلم المراد بردّها هو تعليمها للغير، و لا ربط لها بالتحكيم.

و إن قيل بكون الجملة الاخرى مفسّرة لصدر الآية فيصير المراد من «الأمانة» هو التحكيم.

فنقول: أوّلا إنّ ذلك خلاف مساق الآية، فإنّ ظاهرها كون الجملة الثانية مستقلّة لا ربط لها بالاولى، مع كون ظاهر «الواو» هو العطف.

و ثانيا: على هذا، الآية منصرفة عن شمولها للمقلّد، لأنّ غاية ما تدلّ عليه هو وجوب القضاء بالعدل، و أمّا من يفعل ذلك فليس الحكم متكفّلا لبيان موضوعه، بل لا بدّ و أن يكون الموضوع محرزا من الخارج، فلا سبيل إلى استفادة عموم الموضوع عن عموم الحكم، فيكون حاصل مدلول الآية هو أنّ من كان أهلا للحكم يجب أن يكون تحكيمه بالعدل.

و كذلك غيرها من الآيات الغير الدالّة على مدّعاه، و يظهر وجهه ممّا ذكرنا


1) جواهر الكلام: 40/ 15- 17.

2) النساء (4): 58.

في هذه الآية، بل هي أضعف من هذه الآية دلالة، كما لا يخفى. و ظاهر جميعها كونها مسوقة لبيان الأمر بالمعروف.

و مع الغضّ عن ذلك كلّه؛ و تسليم العموم للآيات، فأخبار الباب الّتي قد عرفت اشتمالها على الشروط المذكورة الّتي منها الاجتهاد تكون حاكما على الآيات.

لا يقال: إنّ كلتيهما مثبتتان فلا معارضة بينهما بل يؤخذ بمدلول كلتيهما، و لازم ذلك كون الأخبار في مقام ذكر بعض مصاديق ما دلّ عليه الآيات.

لأنّا نقول: قد عرفت كون الأخبار في مقام التحديد، فلا بدّ من الأخذ بمفهوم القيود المأخوذة فيها، و ذلك يقتضي عدم تعدّد المطلوب بل وحدة المطلوب، فيكون المراد من الأخبار عين مدلول الآيات، فلا بدّ من تقييد الآيات بالقيود المستفادة من الأخبار، كما لا يخفى.

هذه جملة من الكلام في قضاء المقلّد، و سيأتي التحقيق في المسألة.

[قضاء المتجزّي]

و أمّا الكلام في قضاء المتجزّي فتارة؛ يكون البحث في أصل إمكان التجزّي و عدمه، و قد أثبتنا في محلّه إمكانه، و بيّنا أنّ ملكة الاجتهاد طبيعة قابلة للتشكيك ذات مراتب، و اخرى؛ يكون البحث في صحّة العمل باجتهاده في ما اجتهد فيه، مثل القضاء.

أمّا في باب القضاء الّذي يكون هو محلّا للكلام، فالّذي يقتضي جملة

أدلّته مثل الرواية المقبولة (1)و غيرها هو الاجتهاد المطلق، فإنّ قوله عليه السّلام: «عرف أحكامنا، و نظر في حلالنا و حرامنا» ظاهر في ذلك، كما لا يخفى.

و قد يستدلّ بصحّة قضاء المتجزّي بحديث أبي خديجة المشتمل لقوله عليه السّلام: «يعرف (2)شيئا من قضايانا» (3)، إذ المعلوم كون هذه الجملة ظاهرة بالاكتفاء في جواز الرجوع إلى من يعرف و لو بعض الأحكام، و لكن لا بدّ و أن يكون ذاك البعض من أحكام القضاء لا من سائر أبواب الفقه، حتّى يجوز التحاكم عند العارف بالبعض، كما يقتضي ذلك اقتران أصل الحديث، و الحكم بمسألة القضاء، و الحكومة، و مناسبة الحكم و الموضوع.

و لكن لا يخفى ضعف هذا الاستدلال، و توضيحه: أنّه لا يخفى أنّ التبعيض المستفاد من لفظ «الشي‌ء» يختلف باختلاف ما يضاف إليه هذا اللفظ، فقد يضاف ذلك إلى مثل البحر، فيقال: فلان مالك لشي‌ء من البحر مثلا، فلا يصدق ذلك على من كان مالكا لكأس منه، أو مقدار عشرة أكرار منه، بل لا بدّ و أن يكون متملّكا مقدارا معتدّا به حتّى يصدق ذلك.

و قد يقال: فلان مالك لشي‌ء من البلد الفلاني، أيضا لا يصدق هذا المعنى على المالك منه بشبر أو ألف ذراع- مثلا- على اختلاف البلدان، و لكن يصدق ذلك على ما لو كان المضاف إليه صقع من البلد.

و كذلك لو قيل: فلان يملك شيئا من حنطة العراق- مثلا- فلا ريب أنّ هذه


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

2) في المصدر: يعلم.

3) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33083.

الجملة منصرفة عمّن كان مالكا لأرطال من حنطة العراق- مثلا- بخلاف ما لو اضيف تملّكه إلى أحد البلدان الصغار منه.

و بالجملة؛ لا بدّ و أن يكون بين المضاف إليه هذا اللفظ و بينه مناسبة، بحيث لا يأبى عن الإضافة الفهم العرفي حتّى يصحّ الإطلاق و تلك الاضافة المستعملة عند أهل اللسان.

فعلى هذا؛ هذا الحديث الّذي أضاف فيه عليه السّلام معرفة الحاكم بشي‌ء من القضايا إلى قضايا أنفسهم عليهم السّلام الّذي يكون بعد تحصيل الاجتهاد المطلق و الملكة التامّة أيضا هذه الجملة من المعرفة بالنسبة إلى مراتب معرفتهم و قضاياهم عليهم السّلام كنسبة القطرة إلى البحر، فكيف يصدق ذلك على من لم يكن صاحب تلك الملكة، بل كان عارفا بالأحكام في الجملة؟ فيصحّ أن يقال: للعارف بأحكام كتاب الزكاة و المستنبط لها مع أحكام القضاء: إنّه يعرف شيئا من قضايا الأئمّة عليهم السّلام.

حاشا أن ينكر صحّة سلب العارف بشي‌ء من قضايا أهل البيت عليهم السّلام عن مثل هذا الشخص، بل و لو كان مستنبطا للأزيد ممّا مثلنا ما لم يصل إلى الحدّ المعيّن من الشرع، إلّا من لم يكن عارفا بتراكيب اللغة و اصطلاح العرف من أهل اللسان.

فانقدح من ذلك، أنّ مساق هذا الحديث بعينه مساق سائر الأخبار المستفاد منها كون ميزان القاضي هو من كان ذا نظر في جميع الأحكام، و عارفا بجميع مسائل الفقه حتّى يصدق عليه العنوان المذكور، لا أن يكون المستفاد منه

فرد و مصداق آخر للمرجعيّة القضاء و الحكم (1).

نعم؛ لا يلزم أن يكون القاضي بل مطلق الحاكم عارفا فعلا بجزئيّات المسائل جميعا، لكون ذلك بنحو الحضور محال عادة، بل المناط أن يكون عارفا بنوع الأحكام الغير المنفكّ ذلك عن الملكة العامة الراسخة الّتي جعلها أساطين الأصحاب ملاكا.

ثمّ إنّه لا بأس في توضيح الأمر في مسألة قضاء المقلّد أزيد ممّا ذكرنا.

فنقول: إن منشأ عدم جواز قضائه تارة يكون عدم شمول إذن من كان أصل هذا المنصب له- و هو الإمام عليه السّلام- للمقلّد، و قد يكون عدم قابليّة نفسه لمثل هذا المنصب الجليل، و قد تكون عدم جواز إذن المأذون فيه و هو حاكم الشرع له أيضا.

أمّا من الجهة الاولى؛ فقد عرفت عدم دليل يستفاد منه أن يكون العوامّ من الناس المقلّدين في الأحكام مأذونين من ناحية الأئمّة عليهم السّلام في تكفّلهم لأمر القضاء، بل ما عثرنا من الأدلّة لا تدلّ إلّا على كون الناظر في الأحكام، و رواة الأحاديث الّتي ليست هي أيضا شأن كلّ أحدهم المنصوبون لذلك.

و أمّا ما يقال من أنّ المتلبّسين بأمر القضاء في عصر الأئمّة عليهم السّلام أكثرهم لم يكونوا مجتهدين صاحب الملكة، بل كانوا عالمين بجملة من الأحكام الّتي


1) و حقّ الجواب أن يقال: مع فرض تعليم تماميّة دلالتها يقع التعارض بين هذه الرواية و المقبولة، و قد عرفت أنّ المستفاد منها مع اعتبار مفهومها هو اعتبار الاجتهاد المطلق، و لا ريب أنّها مقدّم لأنّ عليها العمل مع ما في أصل اعتبار أحاديث أبي خديجة لعدم إحراز كون رواياته هل كانت في حال استقامته أو ضلالته و بالجملة فلا اعتبار برواياته إلّا بعد الانجبار فلا بدّ من تقيّدها إمّا بالمقبولة على فرض القابليّة و إلّا فتقدّم المقبولة، كما عرفت، «منه رحمه اللّه».

سمعوها عن الأئمّة عليهم السّلام، فمستندهم في القضاء لم يكن إلّا الأحاديث و متونها لا النظر و الاستنباط.

ففيه: مضافا إلى كونهم من أهل اللسان، و أنّ نصبهم للقضاء في عصر الأئمّة عليهم السّلام بالأدلّة الخاصّة لا يصير دليلا، لكون عوامّ المقلّدين في عصرنا أيضا مأذونين في ذلك، إنّ أمر الاجتهاد في ذاك الزمان كان خفيف المئونة، لعدم احتياج إعمال القواعد في الأدلّة الّتي أوجبتها غيبة الإمام عليه السّلام و طول الزمان و حوادث الدوران، من أحكام العامّ و الخاصّ، بل الفحص عن مطلق المعارض، و تمييز جهة صدور الأخبار من التقيّة و غيرها، بل تمييز أصل أسانيدها و غير ذلك، بحيث قيل: (الاجتهاد أصعب من طول الجهاد) (1).

و من البداهة أنّ التمييز بين هذه الجهات كان في كمال السهولة لإمكان التشرّف إلى حضرتهم عليهم السّلام أو نوّابهم الخاصّ، فلا سبيل للدعوى بأنّ العالمين بأخبارهم عليهم السّلام في عصرهم حكمهم حكم المقلّدة الحاملين للفتوى في عصرنا، بل كانوا مجتهدين بالاجتهاد المعمول في ذاك الزمان، و لا مجال للمقايسة أصلا، كما لا يخفى.

و أمّا المنع من جهة نقص مستند إلى ذات المقلّد فمجاله أيضا واسع، إذ الإنصاف عدم كون المقلّد قابلا للتلبّس بهذا المقام التجليلي، و هو منصب القضاء الّذي هو شأن للنبي أو الوصي، كما قال عليه السّلام: «و إلّا فالشقيّ» (2)، و لا أقلّ من الشكّ في الصلاحيّة، و المرجع هو أصالة عدم القابليّة، و المفروض عدم شمول


1) اي الكون في الجهاد بضمّ «الطاء» و فتحها. «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 27/ 17 الحديث 33091، نقله بالمضمون.

العمومات اللفظيّة له أيضا، هذا من حيث حال نفسه.

و أمّا من الجهة الثالثة- و هي إذن حاكم الشرع له- فيصير قابلا لذلك؛ فحاكم الشرع من حيث نيابته عن الإمام عليه السّلام فليس قابلا لذلك بلا إشكال، إذ ليس أمر هذه النيابة أعظم من باب مطلق الوكالة، و قد صرّح الأصحاب بأنّه: لا يجوز للوكيل أن يوكّل إلّا مع الإذن صريحا (1).

الولاية و مراتبها

و أمّا من حيث ولايته، فالكلام في ذلك يقتضي بسطا في الجملة.

فنقول: أصل الولاية يتصوّر على أنحاء:

فهي قد تكون على كيفيّة يكون الشخص مسلّطا و مستقلّا على العمل و لكن لم يكن مستقلّا في الإرادة، بل تكون إرادته منوطة بإرادة الغير، مثل ولاية متولّي الأوقاف الّتي لها الناظر أيضا (2).

و قد تكون بعكس ذلك، بأن لا يكون له العمل و التصرّف في متعلّق الولاية أبدا، و لكن كان لإرادته المدخليّة في نفوذ تصرّف الغير، و هذا كولاية الناظر للأوقاف أو باب الوصيّة مثلا، و لا ريب أنّ سنخ ولاية الحاكم إنّما هو من قبيل الأوّل، و إن أمكن كون بعض مصاديقها من قبيل الثاني.

و كيف كان؛ لا يستفاد من ولاية الحاكم بهذين المعنيين شي‌ء ما يتعلّق بالمقام، فالحريّ البحث في حدود ولايته من حيث المتعلّق سعة و ضيقا.


1) شرائع الإسلام: 2/ 197، مسالك الإفهام: 5/ 261.

2) المعبّر عنه في لسان الفقهاء بالمشرف. «منه رحمه اللّه».

فنقول: إنّ مراتب الولاية من هذه الحيثيّة ثلاثة:

الاولى: هي المرتبة المعبّر عنها في الكتاب الكريم ب أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (1)، و هي ولاية لازمها التسلّط على الامور الكليّة و الجزئيّة و الاستقلال في التصرّف في أموال الناس، بل و أعراضهم و أشخاصهم و أنواعهم، بحيث يكون كل سلطنة يتصوّر لنوع أو لشخص تكون بعينها للولي حتّى يكون هو أولى بذلك من أنفسهم.

و لا يخفى أنّ هذه المرتبة من الولاية الّتي يستفاد من الأدلّة من العقل و الكتاب و السنّة القدر المتيقّن منها ثبوتها للنبي و الأئمّة عليهم السّلام، و ليس ما يساعد على كون مثلها لغيرهم عليهم السّلام، و إن مال إليه بعض (2)، و لكنّ الإنصاف أنّه خلاف التحقيق.

الثاني: هي أضعف من الاولى المعبّر عنها بالولاية النوعيّة، و متعلّقها إنّما هو الامور الكليّة دون الأشخاص، ممّا هو عادة كلّ قوم من رجوعهم في تلك الامور إلى رئيسهم، و يكون له الاستقلال فيها، مثل مباشرة امور قضائهم، و ما يصلح لبلدهم من إحياء الشوارع و إحداث القناطر و الخانات و حفظ مال الغائبين و القاصرين و غير ذلك ممّا هو شأن الولي العام، و في إثبات هذه المرتبة من الولاية للحاكم، و إن استشكل شيخنا قدّس سرّه فيها (3)، لعدم مساعدة الأدلّة الّتي سنشير إليها، و لكن يمكن إثبات ذلك من بعضها.


1) الأحزاب (33): 6.

2) المكاسب: 3/ 551، نسبه إلى المتخيّل.

3) المكاسب: 3/ 550.

توضيح ذلك هو: أنّه لا خفاء أنّ العمدة في دليل الباب هي مقبولة عمر بن حنظلة (1)، و هي مشتملة على ردع الناس عمّا هو مرتكزهم من الرجوع في مرافعاتهم و امورهم النوعيّة ممّا هو صلاح للنوع إلى والي البلد و حاكمه فخطّأهم عليه السّلام في ذلك، و لكن لا في كلّ ما ارتكز أذهانهم و جرى ديدنهم، بل فقط خطّأهم في المصداق، و عيّن عليه السّلام لهم من هو القابل (2)لذلك.

و أمّا في أصل ما يرجع به إليهم فما ردعهم، فيستكشف من ذلك إمضاؤه عملهم في ما جرت عادتهم من الرجوع في امورهم العامّة إلى من يسمّونه بالرئيس و الحاكم و نحوه.

و بالجملة؛ الّذي يستفاد من الحديث الشريف أمران:

أحدهما: تخطئتهم في المتكفّل لأمر الرئاسة لإجراء السياسة و تنظيم مصالح النوع، فنهاهم عن المراجعة إلى قضاة الجور.

ثانيهما: إمضاء عملهم من حيث ما هو شأن الحاكم، لعدم ردعهم عمّا يرون من الامور كونها وظيفة للحاكم، فيكفي لإثبات المدّعى، و هو ثبوت الولاية العامّة على الامور النوعيّة للقضاة، و نوّاب العامّة للإمام عليه السّلام.

لا يقال: إنّ ما يستفاد من صدر الرواية و ذيلها كون الكلام في مسألة الترافع و القضاء لا من سائر الجهات الّتي هي شأن للحاكم، فردعهم عليه السّلام عن التحاكم إلى غير قضاة الشيعة، فيستفاد إمضاء فعلهم في خصوص هذه المسألة


1) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33082، 106 الحديث 33334، و 136 الحديث 33416.

2) بمعنى أنّهم زعموا صلاحيّة كلّ أحد للولاية بنحو العموم، فخصّص عليه السّلام الموضوع و عيّنه في أشخاص خاصّة، فافهم! «منه رحمه اللّه».

إلى من يصلح له، و من المعلوم؛ كون المعمول في ذاك الزمان التفريق بين الحاكم و القاضي، فإمضاء الرجوع إلى القاضي إنمّا هو يكون في ما هو شأن له.

لأنّا نقول: مضافا إلى عدم الكليّة للدعوى المزبور، إنّ الإمام عليه السّلام أطلق لفظ الحاكم في المقام الّذي لا خفاء في كونه صاحب الوظائف العامّة مع كون القضاء أيضا من شئون الحكومة؛ لا أن يكون أمرا مباينا معه.

و مع الغضّ عمّا ذكر، فنقول: قد عرفت في أوّل الباب أصل دليل وجوب القضاء منحصر ببناء العقلاء، و جريان دأب قديما و حديثا للرجوع في بعض امورهم أعمّ من أن يكون ممّا يقوم به النوع أو الأشخاص إلى شخص خاصّ مسمّى بالرئيس و الوالي.

فلو سلّمنا؛ عدم استفادة الإمضاء لمتعلّق الولاية من هذا الحديث، فلمّا كان من مرتكزات العرف في أصل الرجوع، كذلك لا ريب أنّ من مرتكزاتهم أيضا الرجوع في الامور النوعيّة من المصالح البلديّة و غيرها إلى من يراه حاكما لا في الامور الشخصيّة فقط.

فكما أنّه لم يثبت من الشارع في أصل الأمر بل يثبت الإمضاء، فكذلك بالنسبة إلى ما يرون من وظائفه أيضا لم يثبت الردع، و لا أقلّ من الشكّ، و أصالة عدم الردع محكّمة، و يكفي ذلك في إحراز الإمضاء، مضافا إلى كفاية مثل قوله عليه السّلام: «مجاري الامور بيد العلماء» (1).. إلى آخره، لإثبات الإمضاء، بل هو صريح في إثبات الولاية النوعيّة للحكّام، كما لا يخفى.

الثالث من مراتب الولاية: هي الولاية على الامور الّتي احرز لزوم تحقّقها في الخارج على كلّ حال.


1) تحف العقول: 238، بحار الأنوار: 100/ 80 الحديث 37.

و بعبارة اخرى: هي المصالح الّتي لا بدّ من وقوعها في الخارج، و ليس لتصرّف شخص خاصّ فيها دخل، مثل حفظ أموال الصغار و القاصرين و تجهيز الجنائز الّتي لا وارث لها، و غير ذلك ممّا يسمّى بالامور الحسبيّة دون المصالح النوعيّة.

فهذه الدرجة من الولاية هي الّتي أثبتها شيخنا قدّس سرّه للحكّام، فأفاد بأنّه أزيد من هذه المرتبة لم يستفد من الأدلّة الّتي هي مثل التوقيع المبارك (1)، و كذلك قوله عليه السّلام: «مجاري الامور بيد العلماء» و غيرها، إذ هي القدر المتيقّن من الولاية المستفادة من مجموع هذه الأخبار (2).

فعلى هذا؛ وظيفة الحاكم مقصورة بتولّي القضاء و التصرّف في الامور الّتي أحرزنا بحكم العقل طلب الشارع وقوعها في الخارج بلا دخل نظر شخص خاصّ فيه، و قد ذكرنا له بعض الأمثلة، فالحاكم مستقلّ في تلك الامور، و جواز تصرّفات غيره موقوف بإذنه.

و أمّا غير ذلك ممّا فيه مصالح النوع فليس له و لا لغيره، و هذا بخلاف المرتبة السابقة، فعليها فله أيضا كلّ ما به قوام مصالح النوع، مثل: أخذ الأخماس و الزكوات جبرا عن الممتنعين من أدائها، بل له تحريم ما هو حلال في الشرع إذا اقتضت مصلحة النوع ذلك.

لا يقال: على المرتبة الثالثة أيضا له أخذ الزكوات و نحوها للفقراء؛ لكونه حفظا لمالهم.


1) كمال الدين: 484 الحديث 4 الباب 45، وسائل الشيعة: 27/ 140 الحديث 33424.

2) المكاسب: 3/ 554 و 555، القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري: 49، 243 و 244.

لأنّا نقول: ما لم يبيّن الزكاة أو الخمس من المال الزكوي ليس مالا للفقير الخاصّ، بمعنى أنّه ما دام لم يستخرج الزكاة من عين المال فسلطنة المالك على المجموع باقية، و إنّما تعلّق حقّ الفقراء بطبيعة المال، فليس مالا خارجيا موجودا حتّى يكون للحاكم حفظه، بل إنّما طبيعة المال متعلّقة للحقّ، و الطبيعة غير قابلة للتملّك، فتأمّل!

ثمّ إنّه قد عرفت أنّ من الامور يكون ممّا احرز مطلوبيّة وجودها في الخارج، إلّا أنّه مقيّد بإذن حاكم الشرع لا مطلقا، فقد يعلم دخل إذنه و قد يشكّ، أمّا لو علم فالوظيفة معلومة.

و أمّا لو شكّ؛ فالشكّ إمّا هو في أصل وجوب الأمر بلا إذن حاكم الشرع، بحيث يكون الشكّ في أنّ وجوب غسل الميّت- مثلا- يتوقّف على إذن حاكم الشرع الّذي لولاه لم يكن وجوب أصلا، بمعنى: أنّ الوجوب على كلّ حال مشكوك فيه، فيكون الشكّ في أنّ التكليف الفلاني على كلّ أحد واجب، أو مطلوب من شخص خاصّ مأذون من الإمام عليه السّلام.

و إمّا هو في مدخليّة إذنه في وقوع الواجب و تحقّق الامتثال، بحيث يكون الوجوب على إطلاقه محرزا، و لكن يشكّ في دخل إذن الحاكم في صحّة العمل.

أمّا في الصورة الاولى؛ فلمّا يرجع الشكّ إلى أصل التكليف فالأصل البراءة، و لا يجب تحصيل الإذن أيضا، لعدم وجوب تحصيل الواجب المشروط.

و أمّا في الثانية؛ فما هو القدر المتيقّن من التكليف إنّما هو أصل العمل، و أمّا الإذن فلا يجب تحصيله، لأنّ الشك إنّما هو في التكليف الزائد.

و بالجملة؛ في هذه الصورة إنّما هو من باب الشكّ و دوران الأمر بين الأقلّ

و الأكثر، فحكمها حكم سائر الموارد لا يجب إلّا الأقلّ، فليست الصورتان تحت ضابط واحد، و لا يجمعهما حكم فارد.

فإن قلت: إنّه يستفاد من قوله عليه السّلام: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا» (1)..

إلى آخره، وجوب تحصيل الإذن.

قلت: على فرض تسليم كون معنى الرجوع هو أخذ الإذن لا أن يكون معناه إيكال الامور إلى الحاكم، أنّ وجوب تحصيل الإذن إمّا مقدّميّ غيريّ، أو نفسيّ.

فعلى الأوّل؛ لا مجال للفرض الثاني و الشكّ فيه، بل يجب الأخذ بإطلاق الحديث، و يجب أخذ الإذن في الموارد مطلقا.

و على الثاني؛ لا سبيل إلى الفرض الأوّل و الشكّ فيه أيضا، كما لا يخفى، فتأمّل!

ثمّ إنّه لا خفاء في أنّه لو أثبتنا للحكّام الولاية النوعيّة فلا موجب للبحث عن متعلّقاتها من صغريات المسألة، بل يكون تعيينها بنظر نفسه، فكلّما رأى وظيفته بالتصرّف فيه فله ذلك، و أمّا لو لم يثبت له ذلك بل انتهى الأمر فيها إلى الولاية على الامور الحسبيّة فيحتاج عند ذلك إلى تعيين الصغريات، إذ المفروض عدم ثبوت ولاية له إلّا على هذا العنوان الّذي معناها طلب الشارع إيجادها في الخارج على كلّ حال و عن كلّ أحد، إلّا أنّ الأدلّة قيّدت هذه الامور بكونها لا بدّ و أن يكون بإذن الفقيه، فعلى الفقيه و غيره القائم بها تعيين مصاديق هذا العنوان من الخارج.


1) كمال الدين: 484 الحديث 4، وسائل الشيعة: 27/ 140 الحديث 33424.

فقد يتمسّك لتعيينها بقوله عليه السّلام: «عون الضعيف أفضل من كلّ صدقة» (1)، فيؤخذ بعمومه، فيجوز التصرّف في كلّ ما كان إعانة، و كذلك غيرها من العمومات.

و أنت خبير بأنّ مثل هذه العمومات لا يقيّد شيئا إلّا في ما إذا كان العون من آثار نفس التصرّف، بحيث يصدق على نفس العمل.

و أمّا لو كان تحقّق هذا العنوان موقوفا على إيجاد سبب خارجي يترتّب عليه عنوان العون، مثل ما إذا توقّف حفظ أحد على بيع داره ليصرف ثمنه في حوائجه، فإثبات صحّة هذا البيع لا يمكن بهذه العمومات، و ذلك لما هو المعروف و المسلّم من أنّ هذه العمومات- مثل قاعدة: «الناس مسلّطون» (2)، إلى آخره، ليست مشرّعة.

ففيما لو شكّ في صحّة البيع- مثلا من جهة من الجهات، مثل لزوم كون الصيغة عربيّا أو صحّة بيع المنابذة- لا مجال للتمسّك بعموم قاعدة «السلطنة» فكذلك قاعدة «العون»، فبالنسبة إلى الموارد المشكوكة في جواز التصرّف ما لم يصدق على نفس العمل عنوان العون لا يثمر شيئا.

فعلى ذلك؛ لا عموم لفظي يتمسّك به لتعيين الصغريات و رفع الشكّ عنها، فلا محيص عن الوقوف بالقدر المتيقّن، و ما ثبت يقينا مطلوبيّة وجوده في الخارج، إمّا من السيرة، أو من غيرها، و عدم جواز التصرّف في غيره.


1) وسائل الشيعة: 15/ 141 الحديث 20170.

2) عوالي اللآلي: 1/ 222 الحديث 99.

الامور الحسبيّة

ثمّ إنّه فيما احرز جواز التصرّف من الامور الحسبيّة، و لكن قد عرفت أنّه يتوقّف على إذن الفقيه، ففيما إذا تعذّر تحصيل الإذن بل الاصول أيّ شي‌ء يقتضي؟

لا إشكال في أنّ الأصل في مثل هذه الموارد إذا تعذّر الجزء و الشرط يقتضي سقوط التكليف عن الباقي أيّ الأجزاء و المشروط بذاك الشرط، لظهور الأمر بالجزء أو الشرط في الإطلاق من كونهما مطلوبا في حال الاختيار و الاضطرار جميعا، و لهما المدخليّة في تحقّق المركّب و المشروط مطلقا.

و من البداهة أنّ مقتضى ذلك هو سقوط باقي الأجزاء عن المطلوبيّة عند تعذّر بعضها، و كذلك المشروط، بتعذّر الشرط لعدم إمكان امتثال المأمور به على نحو ما امر به.

نعم؛ و كان مثل قاعدة «الميسور» (1)الّتي يثبت بها مطلوبيّة الباقي و لو مع عدم إمكان امتثال المأمور به بتمامه، أو احرز من الخارج مطلوبيّة وجود المشروط و لو مع فقد شرطه، لا بدّ من رفع اليد عن الأصل، كما لا يخفى.

فعلى ذلك؛ إذا تعذّر تحصيل الإذن من الفقيه للتصرّفات في الامور الحسبيّة، فما أفتى به الأصحاب من وجوب قيام عدول المؤمنين على إيجادها و عدم سقوط التكليف عنها من المكلّفين بالتعذّر المذكور، يستكشف ذلك من اعتمادهم على القاعدة المذكورة، و إمّا من إحرازهم قطعيّا كون الشرط- و هو إذن


1) عوالي اللآلي: 4/ 58 الحديث 205.

الفقيه- مختصّا بحال التمكّن.

إنّما الكلام في أنّه هل يجب على كلّ أحد من المكلّفين و ينفذ تصرّفات الجميع، أو يختصّ بعدول المؤمنين؟

فنقول: إنّه مع قطع النظر عن الأخبار الخاصّة في المقام، فإن كان دليل أصل جواز التصرّف لغير الفقيه عند فقده هو مثل رواية: «عون الضعيف أفضل من كلّ صدقة» (1)و نحوها، فلا إشكال في الجواز على المكلّفين من الفاسقين و العادلين، لما لها من العموم من هذه الجهة، فإنّ إعانة الضعيف إذا صدرت عن العادل خير مطلوب، كذلك إذا صدر عن الفاسق.

ضرورة، أنّ آثار الأفعال و عناوينها لا يختلف من هذه الجهات،- كما لا يخفى- و لكن قد أوضحنا ضعف الاستدلال بذلك في المسألة.

و أمّا لو كان الدليل هو السيرة، فلمّا لم يكن لها عموم أو إطلاق، يجب الاكتفاء بالقدر المتيقّن منها، و هو جواز تصرّفات عدول كلّ قوم، و موثّقيهم في الامور الّتي لا بدّ من وقوعها في الخارج، لا غيرهم، كما لا يخفى.

فعلى هذا؛ لا ينفذ تصرّفات غير العدول، لعدم دليل على صحّة تصرّفاته، هذا بحسب أدلّة أصل جواز التصرّف.

و في المقام روايات خاصّة، نقلها الشيخ قدّس سرّه في المكاسب (2)، يمكن استفادة الحكم منها.

منها: رواية محمّد بن إسماعيل الّتي قال عليه السّلام في ذيلها: «إذا كان القيّم مثلك


1) وسائل الشيعة: 15/ 141 الحديث 20170.

2) المكاسب: 3/ 564- 568.

و مثل عبد الحميد فلا بأس» (1).

فهذه قد احتمل شيخنا قدّس سرّه لاعتبار المماثلة فيها من جهات، ثمّ قوّى كون المناط هو العدالة (2)، و هو كذلك، لكونه القدر المتيقّن من مدلول اللفظ، خصوصا مع كون عبد الحميد محتاطا كثيرا، المستفاد ذلك من متن الحديث، حيث احتاط في بيع الجواري.

و لا ريب في كونها أيضا ظاهرة في كون المناط المذكور شرطا في أصل جواز التصرّف و العمل، لا [من] حيث سماع قول المتصرّف و عدم تكذيبه في ما يدّعي في جهات التصرّف.

و منها: صحيحة علي بن رئاب المشتملة على كون اشتراط جواز التصرّف في أموال الصغار، هو أن يكون المباشر للأمر أمينا مراعيا للتصرّف فيما يصلحهم (3).

و منها: موثّقة اخرى التي اعتبر في جواز التصرّف كون المتصرّف ثقة (4).

و منها: صحيحة إسماعيل بن سعد، و قد اعتبر فيها العدالة (5).

و لا يخفى أنّ المراد من إطلاق الثقة في الأخبار- كما في غير هذا المقام- العدالة لا مطلق الثقة، لاستبعاد كون الإمام عليه السّلام معتمدا على شارب الخمر و نحوه من المحرّمات الشرعيّة.


1) وسائل الشيعة: 17/ 363 الحديث 22756.

2) المكاسب: 3/ 565.

3) وسائل الشيعة: 17/ 361 الحديث 22754، و 19/ 421 الحديث 24878.

4) وسائل الشيعة: 19/ 422 الحديث 24879.

5) وسائل الشيعة: 17/ 362 الحديث 22755.

و بالجملة؛ المستفاد من مجموع هذه الأخبار اشتراط أن يكون المتولّي لأمر الصغار و المتصرّف في أموال القاصرين مطلقا عادلا في مذهبه، موثّقا في عمله (1)، و لم يكن غبيّا، بحيث يغبن في العمل، للزومه نقض الغرض، فيخصّص بها لو كان دليل عام يقتضي جواز التصرّف من كلّ أحد، و لا محيص عن ذلك، لعدم قصور في دلالتها أو سندها، كما لا يخفى.

و العجب من شيخنا قدّس سرّه كيف اعتمد على الأدلّة العامّة في المقام مثل قوله عليه السّلام: «عون الضعيف من أفضل الصدقة» (2)و نحوه؟!- و قد عرفت ما فيها- و ما اعتنى بهذه المخصّصات أبدا، و حملها على سماع قول المتصرّف، فجوّز تصرّف كلّ أحد في الامور الحسبيّة حتّى الفسّاق (3).

مع أنّك قد عرفت تماميّة الأخبار من جميع الجهات، و لا وجه للحمل المذكور، كما لا يخفى.

فالتحقيق في المقام؛ ما هو المعروف و عليه المشهور، من أنّه عند عدم الفقيه القائم بامور ما أراد الشرع تعطيلها، يقوم عدول المؤمنين عليها، و أقامها.

ولاية الحاكم

ثمّ إنّه لا إشكال ظاهرا في كون تصرّفات عدول المؤمنين في تلك الامور إنّما هو من باب أنّه تكليف واجب عليهم، لا من حيث أن يكون جعل منصبا لهم


1) استفادة ذلك من الأخبار مشكل، إلّا أن ينضمّ إليها بعض المناسبات الخارجيّة، كما لا يخفى، «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 15/ 141 الحديث 20170.

3) المكاسب: 3/ 568.

في ذلك، فلا مانع من مزاحمة أحدهم الآخر في الأمر ما دام هو في مقدّماته و لم يقع التصرّف قطعيّا، مثل البيع و الشراء و النكاح عن الآخر.

و هل يكون كذلك حال حكّام الشرع؟ بمعنى أنّه ما دام هم في مقدّمات الامور و لم يقع التصرّف من الحاكم المباشر فيجوز للآخر تولّي الأمر، و لم يحرم عليه ذلك، إلّا إذا وقع التصرّف المقصود من البيع و نحوه، أم لا، بل بصرف مباشرة أحدهم أمر الصغار و وضع يده على ماله- مثلا- لا يجوز تصرّف الآخرين ما دام لم يرفع اليد هو عن الأمر؟

و قد بنى شيخنا قدّس سرّه المسألة على أنّ تصرّفات الحاكم هل هو من باب أنّهم حجّة من الإمام عليه السّلام؟ فما دام أنّه يصدق عليهم هذا العنوان، يجوز لكلّ واحد منهم مباشرة الأمر مثل الأب و الجدّ؟ أو أنّهم نائب عن الإمام عليه السّلام؟

و من المعلوم أنّ لازم النيابة هو عدم جواز مزاحمة أحد النوّاب مع الآخر، حتّى في مقدّمات العمل، لكون كلّ واحد منهم بمنزلة الإمام عليه السّلام، و لا ريب في أنّه لا يجوز مزاحمة الإمام عليه السّلام حتّى في مقدّمات العمل، ثمّ قوّى قدّس سرّه الوجه الثاني (1).

و لكنّك خبير بأنّ هذا المقدار من البيان لا يفيد، إذ على الثاني أيضا يمكن أن يقال بجواز مباشرة غير الحاكم الأوّل المتولّي للأمر، و لا يمنع الثاني عن ذلك صدق عنوان المزاحمة عليه، إذ هي أمر إضافي قائم بالطرفين، فكما أنّ الثاني مزاحم إحداثا، الأوّل أيضا مزاحم إبقاء، و المفروض كون كلّ واحد منهم نائبا، فبهذا العنوان ما دام يصدق عليه يجوز له التولّي، فأيّ ترجيح لإلزام الثاني برفع اليد عن المزاحمة؟


1) المكاسب: 3/ 569- 572.

و أمّا بالنسبة إلى الإمام عليه السّلام نفسه، فعدم جواز مزاحمة الغير معه و لو كان حاكما من قبله، فلأنّه بمباشرته يرتفع موضوع النيابة، و لا يمكن الدعوى بمثل ذلك في النوّاب بأن يقال بمباشرة أحدهم يرتفع موضوع نيابة الآخرين، إذ المفروض كونهم جميعا في عرض واحد نائبا، فلا ترجيح للقول بأنّه لصرف وضع يد أحدهم يرتفع موضوع النيابة عن الآخر مع بقاء الموضوع بعد و عدم تماميّة العمل.

مضافا إلى أنّه لا فرق على ذلك بين التصرّفات الماليّة و مسألة القضاء، فأيّ وجه للالتزام بأنّه ما دام لم يصدر الحكم عن القاضي يجوز للقاضي الآخر تولّي أمر القضاء؟ مع أنّه كما يصدق على القضاة بأنّهم حجّة، كذلك لا إشكال في أنّهم من هذه الجهة أيضا نوّاب، لما قدّمنا من كونها غصنا من شجرة الولاية و الوصاية، و لذلك جعلت منصبا.

فعلى هذا، لا بدّ من الالتزام بأنّه من هذه الجهة عدم جواز تولّي قاض آخر إذا تولّى أحدهم قبله القضاء، ما لم يعرض السابق عنها.

فالتحقيق أن يقال: أنّ مصالح الأحكام مختلفة، ففي مثل الأموال لمّا كان الغرض من سلطنة الفقيه على أموال الصغار و جواز تصرّفه في مال الضعفاء هو حفظها عن التلف و عدم التفريط، بحيث استكشفنا أنّ لنظره دخلا فيها على نحو صرف الوجود، بمعنى: أنّه لصرف وضع يد فقيه على مال القاصر يحصل الغرض، حتّى لو كان ذلك قابلا لمزاحمته فقيها آخر ليلزم نقض الغرض، بل اختلال النظام و ينتهي الأمر إلى تلف مال الصغير و مثله من القاصرين.

فلا بدّ من الالتزام في الأموال بعدم جواز مزاحمة الحاكم الأوّل المتصرّف

في المال حاكم آخر، فليس فيها دخل نظر الحاكم على نحو الطبيعة السارية قطعا، بل إذا وضع الفقيه يده على المال و لو لم يتصرّف فيها قطعيّا، بمعنى: أنّه لم يقع النقل و الانتقال بتصرّفه- مثلا- بعد، و لكن يكفي لمنع الحاكم الآخر و حرمة مزاحمته وضع يده على المال، و وقوع المال تحت يده، و هذا بخلاف الأفعال مثل القضاء، فإنّه لا تنافي أبدا بين أن يكون أحد الحاكمين متولّيا لأمر القضاء و مقدّماته و يقع أصل التحكيم عن الحاكم الآخر؛ لعدم لزوم المحاذير المتقدّمة، كما لا يخفى.

فبذلك؛ يمكن الالتزام بالفرق بين شأن الفقيه هذا و شأنه الآخر من قبيل التصرّفات الماليّة، لما عرفت ممّا هو المرتكز.

و الظاهر؛ أنّ شيخنا قدّس سرّه لمّا كان الارتكاز المذكور منظور نظره، نزّل الأدلّة الشرعيّة عليه أيضا بالالتزام بعنوان النيابة و نحوها، فلا تغفل!

أقول: ما أفاده- دام ظلّه- يتوقّف على استخراج المناط المذكور قطعيّا حتّى ينزّل الأدلّة اللفظيّة عليه، مضافا إلى أنّه لو تمّ ما ذكر لا بدّ من القول بمثله في عدول المؤمنين إذا انتهى الأمر إليهم، فيقال بأنّه لا يجوز مزاحمة أحدهم الآخر ما دام المتصرّف مباشرا للأمر للزوم الاختلال المذكور أيضا بالمزاحمة، مع أنّهم لم يلتزموا به، إلّا أن يقال بالخروج عمّا تقتضيه القاعدة فيهم للإجماع، فتأمّل!

إذن الحاكم في القضاء

ثمّ إنّه قد خرجنا عن طور البحث، و وقع جملة من الكلام في أحكام الولاية في خلال البحث استطرادا، فلنرجع إلى ما كنّا فيه و هو مسألة جواز قضاء

المقلّد بأن يأذن له الحاكم في ذلك.

فنقول: فإن التزمنا بأنّ للحاكم يكون المرتبة الثالثة للولاية، فلا إشكال في عدم جواز إذنه له، لما عرفت أنّ المرتبة الثالثة من الولاية هي الولاية على الامور الّتي احرزت مطلوبيّة تحقّقها في الخارج، و عدم رضاء الشارع بتعطيلها قطعيّا، و هي المسمّى بالامور الحسبيّة.

و من البداهة أنّه ما احرز ذلك في مسألة القضاء، بمعنى: أنّه لم يثبت كونها من الامور الحسبيّة، بل يحتمل جدّا كونها مطلوبا من شخص خاصّ.

و أمّا إن قلنا بثبوت الولاية للحاكم بمعناها الثاني- كما قوّيناه- فأيضا لا يمكن القول بجواز إذنه المقلّد في القضاء، إذ و لو أثبتنا له الولاية النوعيّة، و لكن ذلك لا يفيد في جواز إذنه له في ذلك، إذ يحتمل القصور في ناحية المقلّد، و عدم كونه قابلا لتولية أمر القضاء، لأنّ قابليّة الطرف لمباشرة الأمر لا ربط له بشأن الحاكم، كما أنّ عمومات أدلّة الوكالة- مثلا- لا يثبت كون كلّ أمر قابلا للتوكيل فيه أو كلّ شخص قابلا للوكالة، بل لا بدّ في إحرازهما من الخارج، فكذلك مسألة جواز قضاء المقلّد لا بدّ من إحراز كونه قابلا لتولية هذا الأمر.

و قد عرفت أنّ ما يستفاد من أدلّة القضاء هو عكس ذلك، لأنّه أشترط فيها كون مباشرة هذا الأمر ناظرا في الحلال و الحرام.

مع أنّه لم يثبت أيضا عند العرف، و لم يحرز أن يكون من بناء العقلاء تولّي كلّ أحد أمر القضاء، حتّى يتمسّك بعدم الردع من حيث جواز النيابة و مباشرته المقلّد وكالة عن الفقيه، بأن يقال بأنّه و إن لم تشمل الأدلّة العامّة للمقلّد حتّى يجوز مباشرته الأمر استقلالا، و لكن يصحّ مباشرته نيابة، لأنّه يثبت من بناء

العقلاء كون هذا الأمر قابلا لأن يصدر من كلّ أحد، فيكون أمرا قابلا للنيابة، فيجعله الحاكم نائبا، فهو قاض من طرفه لا من ناحية الشرع.

و لكن قد أوضحنا سابقا دفع هذا التوهّم أيضا، و قلنا بأنّ ما يثبت من استقرار بناء العقلاء كون تولّي أمر القضاء من شئون أشخاص خاصّة، و ليس كلّ أحد قابلا لتولية هذا الأمر.

هذا كلّه؛ في نفس تولّي أمر القضاء، و هل يكون القضاء من حيث التحكيم و فصل الخصومة قابلا للنيابة و التوكيل أم لا؟ بأن يكون الفقيه مباشرا بنفسه لجميع مقدّمات القضاء إلّا في التحكيم الّذي قد يتحقّق بالفعل، بأن يأخذ مال المدّعي من المنكر و يعطيه بيد المدّعي، و إمّا بالقول، بأن يقول: حكمت و قضيت، أم لا يجوز ذلك؟

و هذه المسألة مبنيّة على أنّ هذا المعنى يكون من الامور التسبيبيّة الّتي يمكن أن تستند إلى الغير بسبب قصد وقوعها عنه أم لا.

توضيح ذلك: هو أنّه لا خفاء في أنّ الأفعال على قسمين:

منها: خارجيّة محضة، ليست قابلة للنيابة، مثل الأكل و الشرب (1)و الضرب و نحوها، فإنّ مثل هذه الامور لا أثر لها إلّا للمباشر، و لم يجر دأب العقلاء فيها إعمالها بقصد النيابة عن الغير.

و منها: خلاف ذلك، مثل البيع الّذي هو حقيقة عبارة عن النقل و الانتقال، و كذلك الطلاق و النكاح و نحوها ممّا ليس بمباشريّ، بل هي أمور اعتبارية


1) و صحّة إضافتها إلى غير و لو بعنوان التسبيب يتوقّف على استناده إلى غير و لو بالكراهة و إجباره إيّاه، «منه رحمه اللّه».

خارجة للمحمول، فيمكن قصد النيابة عن الغير فيها حتّى يستند حقيقة إلى الغير المقصود به، و يكون استناده إلى النائب بالعرض و المجاز لإيجاده سببه.

مثلا: لو وكّل زيد عمرا في بيع داره فإجراء الصيغة و إن كان صادرا عن عمرو، لكن لمّا قصد هذا المعنى نيابة عن زيد فلذلك نرى بالوجدان أنّه يستند البيع حقيقة إليه، مع عدم كونه مباشرا لإيجاد سببه، و كذلك مثل الطلاق، فإنّ الوكيل يجري الصيغة و يوجد سببه، مع ذلك يستند الفعل إلى الموكّل، و يقال:

زيد طلّق زوجته، و هكذا غيره من الامور التسبيبيّة.

و بالجملة؛ فكلّ فعل كذلك، أي يكون من الخارج المحمول الّذي ليس مناط استناده إلى الشخص كونه مباشرا لإيجاد سببه، بل بسبب قصد الإيجاد من قبله، و لو كان موجد سببه الغير، يستند ذلك الفعل إلى من قصد له يكون قابلا للتوكيل و النيابة، و جرت سيرة العقلاء عليها أيضا.

و أمّا ما ليس كذلك، بل كان من الأفعال الخارجيّة و المحمولات بالضميمة الّتي ليست قابلة للاستناد إلّا إلى الصادر منها مثل نفس الصيغة و الإنشاء، فليست قابلة للتوكيل، و لا يسمّى تلك الامور بالأفعال التسبيبيّة، بل هي مباشريّة محضة.

فعلى ذلك؛ لو كان المراد بالقضاء الحقيقي هو فصل الخصومة لا نفس الإنشاء و التحكيم اللذين هما فعل مباشريّ محض مثل سائر عناوين المعاملات، فلمّا يتحقّق الموضوع العرفي لما هو القابل للنيابة، فلمّا يصدق على هذا فعل المقلّد- الّذي حكم نيابة عن الفقيه- عنوان أنّه حكم الفقيه بحكمنا بعناية التنزيل؛ لفرض كون المقلّد بدنا تنزيليّا للفقيه، فالمقلّد و إن كان مباشرا

للسبب إلّا أنّ القضاء الّذي هو الأثر لهذا السبب أثر اعتباري يستند إلى الفقيه، فتشمله أدلّة الوكالة و عمومات النيابة.

و على فرض كونها قاصرة بمقدّمات عدم الردع يثبت المطلوب، لما عرفت من تحقّق ما هو المناط عند العرف، لصحّة التوكيل فيه، فلا قصور لشمول أدلّة القضاء لعمل المقلّد، لكونه حكما شرعيّا للمجتهد، فينفذ هذا الحكم و يترتّب عليه جميع آثار الحكم بالحقّ، و لا يستند إلى المقلّد إلّا بالمجاز، لكونه موجدا لسبب الحكم، كما في سائر أسباب الأفعال الاعتباريّة.

فلا يتوهّم أنّه يصدق «رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم» (1)، و هذا بخلاف مثل سماع الشاهد و تقرير دعوى المدّعي و غيرهما ممّا هي من المقدّمات و المحمولات بالضميمة الّتي ليست قابلة للنيابة، فتدبّر!

ثمّ إنّه؛ هل يجوز للحاكم تفويض سائر الامور إلى المقلّد غير القضاء، مثل أن يسلّطه على أموال الصغار و نحوه، أم لا يجوز ذلك؟

و الظاهر؛ أنّه بعنوان التوكيل الّذي يعبّر عنه بالاستخلاف لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في إعطائه المنصب و جعله وليّا، الّذي يعبّر عنه بالقيّم.

و تحقيق ذلك هو أنّه لو لم نلتزم منصبا للحاكم سوى كونه وليّا في الامور الحسبيّة- الّتي قد عرفت أنّه مطلوب وجودها في الخارج و قابلة لأن يباشرها كلّ أحد، إلّا أنّه لا بدّ و أن يكون بإذن الفقيه- فلا إشكال في جواز تولّي المقلّد لتلك الامور بجعل الحاكم له قيّما، إذ المفروض كون العمل قابلا لأن يباشره المقلّد بنفسه، و المانع هو كونه موقوفا على إذن الحاكم، فإذا جعله الحاكم قيّما


1) وسائل الشيعة: 27/ 22 الحديث 33105.

فيرتفع المانع أيضا، لحصول الإذن.

و أمّا لو أثبتنا له الولاية النوعيّة، و كان الأمر المحوّل إلى المقلّد من الامور النوعيّة، فلا إشكال في جواز ذلك أيضا، إذا لم يكن ذاك الأمر ممّا يحتمل كونه وظيفة شخص خاصّ، لكون المفروض كون الحاكم وليّا، و من شئون الوالي و الحاكم إعطاء المنصب و تفويض الأمر إلى كلّ من يرى المصلحة له و لنفسه و للنوع، و لا مانع من ذلك سوى الاحتمال المذكور، و المفروض عدمه.

ثمّ إنّ من لوازم إعطاء المنصب هو ثبوت ذلك لصاحبه ما دام حيّا، و لا ينعزل إلّا أن يعزله الحاكم، و كذلك لا ينعزل بموت الحاكم، كما هو المسلّم عندهم من عدم انعزال الولاة المنصوبين من قبل الإمام بموت الإمام الأوّل، و لا يحتاج إلى أن ينصبه الإمام الثاني، كما أنّ بناء العرف على ذلك أيضا.

و هذا بخلاف عنوان الاستخلاف و النيابة، فلا كلام في أنّه بموت المنوب عنه ينعزل الوكيل، لكونه بمنزلة البدن التنزيلي، فإذا ذهب المنزّل عليه فينعزل ما نزّل منزلته قهرا.

نصب القيّم

ثمّ إنّه قد يشكّ في ذلك، بمعنى أنّه لا يعلم المأذون من قبل الحاكم لميّت الآن هل هو ذو منصب، و عنوانه عنوان القيّم، أم وكيل و نائب حتّى يكون منعزلا بموته؟ فالأصل في المسألة أيّ شي‌ء يقتضي؟

و الظاهر أنّه لا إشكال في استصحاب بقاء السلطنة الجامعة بين القيّم و النائب إلى بعد الموت، فيحكم بعدم انعزال المباشر للأمر المأذون فيه، كما في

كلّي الاستصحابات الّتي يكون من هذا القبيل، و إن كان الشكّ في المقتضي في المقام، و لكن لمّا كان التحقيق جواز الاستصحاب في الشكّ في المقتضي أيضا فلا مانع من الاستصحاب المذكور، مثل استصحاب الحيوان الكلّي المردّد بين الحيوانين المقطوع عدم بقاء أحدهما لو كان هو المستصحب.

و بالجملة؛ لا مانع من استصحاب الجامع و ترتيب آثاره، فيحكم بعدم انعزال المأذون المذكور بموت الحاكم.

[الصلح بالحلف]

فرع:

هل للمقلّد إيقاع الصلح بين المتداعيين بالحلف، بأن يصالح المدّعي المنكر بيمين أحدهما أم لا؟

لا يخفى؛ أنّ جواز ذلك موقوف أوّلا على قابليّة وقوع مثل هذا الصلح و صحّته في نفسه، و هو يتوقّف أوّلا على أن لا يكون مرجع صلح الدعوى إلى ما يلزم منه محذور، مثل أن يكون المراد بصلح الدعوى إسقاطه، إذ الدعوى من شئون السلطنة، فلمّا انقطعت سلطنته عن المال و لم تصل يده به فبقي له، هذا حكمها و لوازمها.

فليس الدعوى يكون قابلا للإسقاط، أو يكون المراد به عدم السلطنة على الدعوى، فهو أيضا يوجب بطلان الصلح؛ لكونه مخالفا للشرع، مثل اشتراط الحكم المخالف للكتاب و السنّة الّذي كان منه اشتراط عدم السلطنة على المال، و قد حكمنا ببطلانه في بحث الخيار.

فالصحيح منه أن يكون الغرض من صلح الدعوى الصلح على تركه، فإنّه لا محذور فيه، لعدم كونه رفعا للحكم الشرعي، بل هو الالتزام باختيار أحد طرفي الأمر الاختياري، مثل اشتراط ترك التصرّف في المال في زمان مخصوص، و قد بنينا على صحّته لكونه مثل ذلك.

هذا بالنسبة إلى أحد طرفي المصالحة، ثمّ لا بدّ أن يكون طرفه الآخر أيضا- و هو الحلف- على نحو مشروع.

توضيح ذلك هو: أنّ يمين أحد المتداعيين على وجوه: إذ الحالف؛

إمّا أن يكون معتقدا صدق الحلف، و في الحقيقة و الواقع أيضا صادق، و المقلّد أيضا عالم بذلك؛

و إمّا أن يكون كاذبا في الحلف و في نفس الأمر أيضا الحلف كذب، و المقلّد الموقع للصلح عالم بالحال؛

و إمّا أن يكون الحالف معتقدا صدقه و هو خلاف الواقع؛

و إمّا أن يكون عكس ذلك.

الصلح على اليمين

أمّا في الصورة الاولى؛ فالظاهر أنّه لا إشكال في صحّة الصلح، لكونه واقعا على أمر مشروع، و اليمين و إن لم يكن أمرا ماليّا بنفسه، و لكن لا إشكال في أنّ لها اعتبار الماليّة و منظور لنظر العقلاء من هذه الجهة.

و أمّا في الصورة الثانية؛ فلا إشكال في بطلان الصلح لو قلنا بعدم كون حرمة اليمين الكاذبة حكما تعبّديّا للشارع، بل هو إرشاد إلى عدم الماليّة لمثل

هذا الحلف المستفاد من مثل قوله عليه السّلام: «إنّ اللّه [تعالى] إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه» (1)، فيكون المراد منه أنّ العقلاء لا يعتبرون الماليّة لما هو محرّم شرعا، أو يكون المراد تخطئتهم في ذلك و لو أنّهم يعتبرون الماليّة للمحرّم.

و أمّا لو قلنا بأنّ تحريم الحلف الكاذب حكم تعبّديّ محض، ففيه إشكال.

و أمّا في الصورة الثالثة؛ فالحكم مبنيّ على أن يكون المراد من قوله عليه السّلام:

«إنّ اللّه [تعالى] إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه» التحريم الواقعي، فعليه لا وجه لصحّة الصلح، لما عرفت في الصورة الاولى.

و أمّا لو قلنا بكون المراد هو الحرمة الظاهريّة، فالظاهر أنّه من الصحّة.

و أمّا في الصورة الرابعة؛ الّتي يعلم المقلّد المصلح أنّ الحالف معتقد بكذب حلفه مع كون الحلف صدقا في نفس الأمر، فالحكم أيضا يختلف على المبنى، و هو كون التجرّي موجبا لقبح الفعل و مسريا من الفاعل إليه أيضا، أم لا بل يكون الفعل على حسن نفسه باقيا و القبح منحصرا بالفاعل.

فعلى الأوّل؛ فتدخل المسألة في الكبرى الكلّي، و هو أنّه «إنّ اللّه [تعالى] إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه»، فيكون حكمها حكم الصورة الثانية.

و أمّا على الثاني؛ فحكمها حكم الصورة الاولى، لأنّه إذا بني على عدم حرمة الفعل فلمّا يصحّ أركان الصلح فهو بنفسه يصحّ، فيجوز للمقدم على إيقاع الصلح فعله ذلك، بخلاف الصورة السابقة.

هذا؛ و إنّما الكلام فيما لو جهل الحال و لم يعلم بصدق الحلف في نفسه أو كذبه، فهل يصلح للمقلّد الموقع الإقدام عليه، و يصحّ الصلح في نفسه، أم لا؟


1) عوالي اللآلي: 2/ 328 الحديث 33، و 3/ 472 الحديث 48.

فالتحقيق أنّه: إن قلنا بجريان أصالة صحّة فعل المسلم في المقام فالصلح جائز، و أمّا إن منع عن جريانها بلحاظ أنّ موقع جريان هذه القاعدة إنّما هو فيما إذا احرز عنوان الفعل و موضوعه، و شكّ فيه من الجهات الخارجيّة، و أمّا ما لم يحرز فلا مقتضي لجريانها.

ففي المقام أيضا لمّا كان الشكّ في أصل تحقّق العنوان و هو الصلح، إذ الصلح إنّما يصدق إذا كان لمتعلّقه اعتبار الماليّة عند العقلاء، و أمّا لو لم يحرز ذلك و شكّ في أنّ اعتبار الماليّة لمطلق اليمين أو اليمين الصادق، بحيث احتملنا أن لا تكون لغير اليمين المحرز صدقه اعتبار الماليّة أصلا، فعلى ذلك يكون الشكّ في أصل تحقّق عنوان الصلح لا في قيوده أو الشروط الخارجة، و من المعلوم أنّه لا سبيل لإحراز العنوان بأصالة الصحّة.

و هذا نظير ما أفاده شيخنا قدّس سرّه في مسألة ما لو باشر الفاسق امور الصغار و باع ماله- مثلا- هل لنا معاملة البيع الصحيح معه إذا شككنا في كون بيعه عن صلاح أو عدمه، بإجراء أصالة الصحّة في عمله أم لا؟

فاستشكل قدّس سرّه في جريان أصالة الصحّة و ترتيب آثار الصحّة على بيعه (1)، لما ذكرنا من الشكّ في تحقّق أصل العنوان الّذي يترتّب عليه الآثار، و هو البيع عن صلاح لا البيع الّذي احرز صحّته و لو بالأصل، فتأمّل!

هذا مجمل القول في شرائط القاضي الّتي يستفاد من الأدلّة اعتبارها، أمّا غيرها- مثل الحريّة و البصيرة و عدم الأخرسيّة و كذلك الأعلميّة- فلم يقم عليها دليل معتبر، بل يمكن استفادة عدم اعتبارها من إطلاق بعض الأدلّة.


1) فرائد الاصول: 2/ 32- 36.

أقول: أمّا مسألة اشتراط الأعلميّة، فيمكن استفادتها من المقبولة (1)، خصوصا إذا كان نزاع المتخاصمين من جهة شبهة حكميّة، كما لو اختلفنا في كون منجّزات المريض من الأصل أو الثلث، و كان كلاهما مجتهدين أو مقلّدين مع اختلاف فتوى مقلّدهما، أو كان أحدهما مجتهدا و الآخر مقلّدا، و ذلك لقوله عليه السّلام فيها: «فالحكم ما حكم به أفقههما» (2)فمن عدم اعتنائه عليه السّلام بغير الأفقه يستكشف اعتبار الأعلميّة (3).


1) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

2) مرّ آنفا.

3) و لكن جلّ أدلّة الباب مطلق، بمعنى: أنّ مفادها الرجوع إلى الحاكم الحاوي للشرائط و بلا اشتراط الأعلميّة فيه، و أمّا المشتمل عليه- من حيث كون الحكم النافذ هو حكم الأفقه- المقبولة فقط.

و أمّا سائر الشروط، فيمكن إثباتها من جهة الأصل في المسألة، لأنّ الشكّ فيها يرجع إلى الشكّ في القابليّة، و الأصل عدمها، مع أنّك عرفت أنّ الأصل في الباب هو عدم النفوذ.

و لا يتوهّم أنّ الشكّ في بعضها لمّا كان من جهة المانع الخارجي مثل الرقّيّة فيرتفع ذلك بإذن المولى، إذ الشكّ فيها ليس من هذه الجهة فقط، بل إنّما هو من حيث القابليّة أيضا.

و أمّا إثبات عدم اعتبار هذه الشروط المشكوكة من إطلاق بعض الأدلّة، فالإنصاف عدم إمكانه؛ لعدم وجود إطلاق قويّ يستفاد منه ذلك، مع إمكان دعوى انصراف إطلاقات الباب قويّا إلى حاوي هذه الشروط، كما لا يخفى.

الفصل الثاني: في أنّه لا يجوز العدول عن الحاكم الجامع للشرائط إلى فاقدها

اشارة

فنقول: لا خلاف في أنّه لا يجوز التحاكم إلى قضاة الجور في حال الاختيار، و يدلّ عليه الروايات المستفيضة (1)، مضافا إلى الإجماع، فما يأخذه بحكمهم يكون حراما.

إنّما البحث في الرجوع إليهم عند الاضطرار؛ لما يتوجّه إليه الضرر مع عدم التحاكم إليهم.

لا إشكال في أنّه ليس مطلق الضرر مسوّغا لجواز الترافع إليهم، بل المسوّغ منه ما يكون حرجيّا؛ لما حقّقنا في باب الغصب من أنّ قاعدة الضرر ما لم يصل إلى حدّ الحرج ليست قابلة للتحكيم على أدلّة الأحكام، و لا يرتفع بها التكاليف (2)، كما يظهر من كلمات شيخنا قدّس سرّه أيضا، من أنّ بسبب الإكراه يرتفع الحكم الوضعي دون التكليفي (3)في الجملة، كما أنّ بالاضطرار يرتفع التكليف دون الوضع (4).

ثمّ إنّ الفاقد للوصف إمّا أن يكون لأنّه عاميّ، أو إماميّ و فاقد لسائر


1) وسائل الشيعة: 27/ 11 الباب 1 من أبواب صفات القاضي و ما يجوز أن يقضي به.

2) كتاب الغصب (الرسائل الفقهيّة): 93 و 94.

3) كذا؛ و الصحيح: يرتفع الحكم التكليفي دون الوضعي. بقرينة تشبيهه قدّس سرّه بالاضطرار.

4) فرائد الاصول: 2/ 33- 36.

الأوصاف من العدالة و الاجتهاد و العقل و غيرها، و الرجوع إليهم إمّا هو مع الاختيار و عدم الانحصار، أو مع الاضطرار و عدم إمكان الرجوع إلى غيرهم، فنقول: إنّه ينبغي تنقيح ما يقتضيه الأصل الأوّلي في ذلك مع قطع النظر عن الأدلّة الخاصّة.

لا ريب في أنّ الأصل في فاقد الأوصاف حرمة مباشرته لأمر القضاء بعد الاتّفاق على كونه منصبا لجامع الأوصاف، فيحرم على غيره التلبّس به؛ لدخوله في القسم الثالث في قوله عليه السّلام: «هذا مجلس لا يجلسه [إلّا] نبيّ أو وصيّ [نبيّ] أو شقيّ» (1).

ثمّ إنّ حرمته عليه هل يوجب حرمة حضور المتخاصمين للترافع عنده، أم لا؟

الظاهر؛ أنّه لا موجب للحكم بحرمة فعلهم على حسب القاعدة، إلّا بدعوى صدق عنوان الإعانة على عملهم و صيرورته من مقدّمات الحرام، و لكن يمكن منع ذلك.

توضيحه: أنّه قد قسّمنا في محلّه أنّ الأفعال الّتي بها يتوسّل إلى الحرام، و تصير من مقدّماته، على أقسام ثلاثة:

منها: ما لا يصدق عليه عنوان الإعانة، و لو قصد بها التوصّل إلى الحرام، مثل من يعمل دارا لأن يصير في وقت مبيع الخمر، أو يغرس شجرا لأن يصير عوده في زمان طنبورا.

ففي مثل هذه الامور لكثرة بعد المقدّمات عن ذي المقدّمة لا يصدق عليها


1) وسائل الشيعة: 27/ 17 الحديث 33091، و ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصدر.

الإعانة، و لو قصد بها تحقّق الحرام.

و منها: ما ليس كذلك، بل يصدق عليها الإعانة بشرط كونها مقرونة بقصد التوصّل إلى الحرام، كالمقدّمات القريبة للأفعال، مثل البيع لمن يعمل خمرا، و نحوه.

و منها: ما يصدق عليها ذلك، و لو لم يقصد التوصّل، مثل إعطاء السيف بيد من تهيّأ لقتل غيره، فإنّه في مثل ذلك يصدق الإعانة عرفا في القتل، و لو لم يكن المعين قاصدا لتوصّل القاتل بقصده، بل لشدّة قرب المقدّمة و كونها بمنزلة جزء الأخير للعلّة التامّة يصدق عليها الإعانة.

ثمّ لا ريب أنّ القضاء و الترافع عند غير أهله ليس من القسم الأوّل، بل أمره دائر بين القسمين الأخيرين، و لا يخفى أيضا بعد كونه من القسم الأخير أيضا، فيتعيّن كونه من الثاني، فإذا صار من القسم الثاني فيدور أمر حرمة فعله مدار قصده الإعانة، و إلّا فبصرف اختياره- و لو مع عدم الانحصار (1)- الترافع عند فاقد الوصف لا يصدق على عمله ذلك الاعانة على الحرام ما لم يقصد توصّل القاضي بعرضه، لإمكان أن يكون قاصدا تحقّق غرض نفسه، بلا أن يكون قاصدا لخصوصيّة حكومة هذا القاضي الفاقد للشرائط.

فليس اختياره لشخص هذا القاضي عين قصد توصّله بالحرام، فيمكن أن لا يكون قاصدا للخصوصيّة أصلا، بل كان توجّه قصده إلى الجامع، و هو إثبات حقّه و استيفائه الممكن، لأن يتحقّق بالترافع عند هذا الحاكم و غيره من الحاوي


1) أي و لو مع عدم دعوة ضرورة على الحضور عنده و إمكان توصّله بعرضه بالحضور عند غيره، «منه رحمه اللّه».

للشرائط، فيصير مقارنة الخصوصيّة لما قصد من الجامع من لوازم وجوده، لا من مقدّماته حتّى يصدق كونها مقصودا تبعا، بل يكون مقارنة تحقّق الجامع للخصوصيّة، لعدم قابليّة المحلّ لتحقّقه بغيرها، لا لكونه مقصودا، إذ المفروض عدم تعلّق قصده إلّا التوصّل بحقّه و هو الجامع الممكن التحقّق بهذه المقدّمة و غيرها، و لا ملازمة بين قصد الجامع و قصد الخصوصيّة؛

كما يكون كذلك في باب الاطاعة و امتثال أوامر الموالي، فإنّه لمّا لم يتعلّق إرادتهم و طلبهم إلّا بالجامع القابل للتحقّق في كلّ واحد من المصاديق المتعدّدة، مثل طلبهم الماء، و لا يمكن أن تتعلّق إرادة العبد عند الامتثال إلّا بما تعلّقت به إرادة المولى و هو الجامع، مع أنّه لا يمكن امتثال المراد إلّا في ضمن إحدى الخصوصيّات.

فكما أنّ فيها لا ملازمة بين قصد امتثال الجامع مع عدم إمكان انفكاكه عن الخصوصيّة و قصدها (1). فكذلك في ما نحن فيه لا ملازمة أصلا بين قصد تحقّق الجامع المراد، و قصد الخصوصيّة.

أقول: لا يخفى فيما أفاده- دام ظله- إذ لا يعقل انفكاك الفعل عن القصد به، فاختياره خصوص هذا القاضي لا بدّ أن يكون عن قصد حتّى يصدق كون الفعل اختياريّا.

و أمّا في مسألة امتثال التكاليف فعدم قصد المكلّف خصوص فرد من حيث الامتثال لا ينافي كونه قاصدا لخصوص الفرد و اختيار شخص خاصّ من المصاديق و لو لأن يحصل الامتثال به.


1) بل الخصوصيّة من لوازم وجود الجامع و مقارناته، فتأمّل! «منه رحمه اللّه».

[قضاء] فاقد الشرائط

و لكن الّذي يسهّل الخطب أنّه لا ملازمة بين قصد الخصوصيّة و اختياره فرد خاصّ و صدق الإعانة، إذ صدقها موقوف على أن يكون قصد المتخاصمين توصّل القاضي الفاقد للشرائط بغرضه الحرام، و أمّا مع عدم قصدهما ذلك و لو كان قاصدا في اختياره شخص هذا القاضي، و لحاظه فيه الخصوصيّة لا يلازم كون مقصوده توصّله بغرضه ما لم يقصده بخصوصه.

و المفروض؛ أنّ المقام ليس أيضا ممّا يتحقّق عنوان الإعانة بصرف إيجاد المقدّمة و لو مع عدم قصده الإعانة، فافهم! فلذلك يمكن منع صدق الإعانة على المتنازع فيه.

إلّا أن يقال: بأنّ قصد توصّله بغرضه سبب تحكيم الفاقد للوصف هو ملازم لقصد توصّل الفاقد بغرضه المحرّم و هو التحكيم، و هذا يصير مثل من أعطى كأسا من الخمر لأحد يشرب فيردّ إليه مبلغا من المال، فلا يمكن إنكار أنّ قصده بأخذ الفلوس ليس ملازما لقصده توصّل الشارب بعمله الحرام.

و ليس المقام من قبيل بيع العنب ليعمل خمرا، لأنّ هذا اشتراؤه ليس عملا محرّما في نفسه، بل تخميره حرام، بخلاف المقام، فإنّ التحكيم بنفسه هو فعل الحرام.

هذا؛ ثمّ قال- دام ظلّه-: نعم؛ يمكن إثبات حرمة فعل المتخاصمين و حضورهم للترافع عند غير أهله بدعوى الملازمة العرفيّة، لأنّه بعد تحريم الشارع فعله و قضاءه، مع كون هذا المعنى أمرا إضافيّا قائما بالطرفين، إذ لو لا

حضور المتخاصمين للتحاكم عنده لم يقع عنه التحكيم المحرّم، فلذلك يرى العرف التلازم بين حرمة عمله و عملهم و الحضور للترافع عنده، كما ادّعيت هذه الملازمة بين آية «الكتمان» (1)فرائد الاصول: 1/ 288.

(2)و وجوب قبول الناس إخبار النساء بما خلق اللّه في أرحامهنّ (3)، فكذلك في المقام عين هذه الملازمة، بل أشدّها متحقّقة، فينطبق لذلك على عمل المتخاصمين عنوان الحرمة لكون فعلهم مقدّمة للحرام و ملازمة معه. فمن هذه الجهة يمكن دعوى كون مقتضى القاعدة حرمة الحضور للترافع عند غير أهله، أعمّ من أن يكون عاميّا، أو إماميّا فاقدا للوصف، فلا تغفل!

و أمّا مقتضى الأدلّة الخاصّة في المقام فنقول: إنّ روايات الباب الّتي هي العمدة؛

منها: المقبولة (4)و منها: حديث أبي خديجة (5)، و منها: حديث داود بن حصين (6).

فالمستفاد من مجموعها بعد ردّ الناس عن الرجوع إلى قضاة الجور، ثمّ تعيين الرجوع إلى غيرهم من الّذين حاوين للشرائط الناطقة بها الأخبار، هو حرمة الرجوع إلى غيرهم خصوصا، نظرا إلى الرواية المشتملة على قوله عليه السّلام:


1) البقرة

2) : 283.

3) فرائد الاصول: 1/ 288.

4) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

5) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33083.

6) وسائل الشيعة: 27/ 119 الحديث 33366، نقله بالمعنى.

«إيّاكم أن تتحاكموا إلى هؤلاء الفسّاق» (1).

إذ جعل هذا العنوان في حيّز الحكم يدلّ على كون المناط في المانعيّة و تحقّق الحرمة هو مطلق صفة الفسق، و عدم جواز الرجوع إلى كلّ من ليس أهلا للقضاء، و لا يضرّ بذلك تطبيق الإمام عليه السّلام هذا العنوان على خصوص قضاة العامّة، فيوجب تخصّص العنوان، لأنّ الظاهر كون نفس العنوان المأخوذ في حيّز الحكم دخيلا فيه، كما أوضحنا ذلك سابقا، و استفدنا اشتراط العدالة في القاضي من مضمون هذه الرواية.

و بالجملة؛ الّذي يستفاد من مجموع أخبار الباب المشتملة على ذكر الحدود و الشرائط كونها مطلقة من هذه الجهة، كما يدلّ عليها قوله عليه السّلام مخاطبا لشريح: «هذا مجلس لا يجلسه [إلّا] نبيّ أو وصيّ [نبيّ] أو شقيّ» (2).

و لا ريب أنّ الخارج من هذا العامّ، الّذين يثبت لهم الإذن هم نوّاب الإمام عليه السّلام الجامعين للشرائط، فغيرهم مطلقا يدخل في القسم الثالث، كما لا يخفى.

فلا مجال لدعوى انصراف هذه الأدلّة إلى قضاة العامّة، لكونهم هم المتلبّسون بأمر القضاء في عصر الأئمّة عليهم السّلام غالبا.

و كذلك لا إشكال في إطلاق هذه الأخبار من حيث حال الاختيار و الاضطرار، و هكذا من حيث كون طرفي الترافع كليهما من الشيعة، أو أحدهما من العامّة، فإنّ قوله عليه السّلام: «إيّاكم» عامّ يشمل الأشخاص في جميع الصور،


1) وسائل الشيعة: 27/ 139 الحديث 33421، مع اختلاف.

2) وسائل الشيعة: 27/ 17 الحديث 33091، و ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصدر.

و هكذا من حيث كون الحقّ المتنازع فيه عينا أو دينا.

فالّذي يدلّ عليه ظاهر هذه الأخبار كون الترافع في جميع الصور حراما، و ما يأخذه و يستنقذه بحكمهم سحتا، و لكن مقتضى القاعدة الخروج عن هذا الإطلاق بالنسبة إلى العين، إذ لا إشكال في أنّه لا يعارض قاعدة السلطنة شي‌ء ما دام مقتضيها موجودا.

و من المعلوم؛ أنّ وضع الغير يده على مال الشخص إذا كان عن غير استحقاق لا يوجب حجره عن ماله، فحينئذ بعد رفع يده- و لو عن غير طريق مشروع- فله التصرّف في ماله كيف شاء بمقتضى سلطنته.

و أمّا بالنسبة إلى الدين؛ فلمّا لم يكن له سلطنة بالنسبة إلى شخص ما يستنقذه بل تملّكه له يحتاج إلى أداء صاحبه و قبض المدّعى له برضاه، أو بحكم حاكم الشرع، و إلّا فلا موجب لانقطاع سلطنة صاحب العين عن شخص ماله، و المفروض؛ أنّه ما أدّاه برضاه و حكم الحاكم الّذي ليس أهلا له إنّما هو كلا حكم و لا أثر له أبدا، فيكون ما يأخذه المدّعي عنه بإجبار محض، فلا مقتضي لجواز تصرّفه فيه.

نعم؛ لو اجتمع شرائط المقاصّة بأن يكون الدعوى قطعيّة، و أمكن الإذن من حاكم الشرع الجامع للشرائط إن اشترطناه فيه، فبهذا العنوان يمكن الحكم بجواز تصرّفه في ما يأخذه، و إلّا فلا، كما لا يخفى (1).


1) و قد يتوهّم أنّ من موارد الرجوع إلى قضاة الجور و من ليس أهلا للقضاء هو الرجوع إلى المفضول مع وجود الأفضل، و أنت خبير بأنّ هذا مبنيّ على أصل فاسد، و هو اشتراط الأعلميّة في القاضي، و قد أشرنا سابقا إلى فساده، بل المستفاد من إطلاقات الأدلّة خلافه، و ليس فيها ما يشعر بالشرط المذكور سوى ذيل المقبولة، و قد عرفت أنّ مورده يختصّ باختلاف الحاكمين، و لا يستفاد منها التعميم إلّا أن يستفاد ذلك من حصره الدالّ عليه قوله عليه السّلام: «فالحكم ما حكم به أفقههما» مع مجال إنكار اختصاص ذلك بالمورد، و هو اختلاف الحاكمين، فتدبّر!

ثمّ إنّه بإزاء تلك الأخبار روايات مخصّصة يستفاد منها جواز الرجوع إلى حكّام الجور للتقيّة عند الضرورة (1)، أي فيما إذا توقّف استنقاذ الحقّ و إثباته بالرجوع إليهم، و قد نقلها في «الجواهر» (2)، و إن لم تكن الرواية الاولى نصّا في المدّعى.

كما أنّ دلالة الثانية المنقولة عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام أيضا نظر، لكونهما ظاهرين في الشبهة الحكميّة، مثل: مسألة الشفعة و إرث العصبة، و نحوهما الّتي تجري عند العامّة.

و هكذا إشكال في فقه الحديث الثالث، إذ فيه بعد أن يجوّز الإمام عليه السّلام الرجوع إلى قضاة الجور للتقيّة و الضرورة، يقول عليه السّلام في ذيله: «و إن تعاملتم بأحكامنا كان خيرا لكم» (3).

إذ لو لم تكن الضرورة و التقيّة بحدّ توجب جواز الرجوع إليهم، بحيث لم يكن الشخص ملزما في ذلك، فلم يشرع التقيّة عنده، و إن وصلت بحدّ اللزوم، فأيّ معنى لقوله عليه السّلام بأنّ العمل بأحكامهم خير؟ و لكن هذا الإشكال مدفوع بما


1) وسائل الشيعة: 27/ 226 الباب 11 من أبواب آداب القاضي.

2) جواهر الكلام: 40/ 35.

3) وسائل الشيعة: 27/ 226 الحديث 33653.

أوضحنا في محلّه، بأنّ مراتب التقيّة مختلفة. منها: ما يصل إلى حدّ الوجوب.

و منها: دونه، و لعلّ مراد الإمام عليه السّلام من قوله ذلك فيما إذا لم تصل التقيّة إلى حدّ اللزوم، فتأمّل!

و بالجملة؛ فبقرينة فهم الأصحاب، و استدلالهم بهذه الروايات على ما ذكرنا، بل استقرار اتّفاقهم على ذلك تصير الروايات دليلا للمسألة؛ و لا يضرّها بعض الاحتمالات، فيجوز الرجوع إلى قضاة العامّة، بل مطلق فاقد الوصف عند الضرورة مطلقا، سواء كان الحقّ عينا أو دينا، و الدعوى ظنيّة أو قطعيّة، خصوصا بقرينة قوله عليه السّلام في المقبولة بأنّ «ما يأخذه سحت» (1)و لو كان الحقّ ثابتا، فيستفاد من هذه المخصّصات بقرينة المقابلة أنّه عند الضرورة يجوز الرجوع إليهم، و لو مع عدم ثبوت الحقّ.

و كذلك نظرا إلى رواية عليّ بن محمّد عليه السّلام (2)، إذ مدلولها جواز الأخذ منهم بأحكامهم، كما يأخذون بأحكامهم منّا.

و لكن لا يخفى أنّ ذلك إنّما يثمر فيما لو كان الطرف من المخالفين، فتدبّر (3). إلّا أنّه بناء على عدم الفرق بين الدعوى الظنيّ و القطعيّ لا فرق و لا اختلاف.


1) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33082، نقله بالمضمون.

2) وسائل الشيعة: 27/ 226 الحديث 33652.

3) و أمّا مع كون الطرف منّا، و عدم العلم بالحقّ، بحيث يكون أصل ثبوته بحكم قاضي الجور، فلا دليل على جواز الرجوع إليهم حينئذ و أخذ مثل هذا الحقّ، فتأمّل جيّدا! «منه رحمه اللّه».

قضاء فاقد الوصف

ثمّ إنّه لو لم يتمّ دلالة الأخبار الخاصّة على جواز الرجوع إلى قضاة الجور و لو للضرورة، هل يمكن إثبات ذلك بالأخبار العامّة في باب التقيّة أم لا؟

تحقيق ذلك موقوف على أمرين:

الأوّل: أنّه هل المستفاد من الأخبار العامّة للتقيّة هو رفع المانع بها عمّا يكون المقتضي فيه موجودا، بحيث لو لم يكن المقتضي للشي‌ء موجودا لم تنفع التقيّة لإثباته و جوازه، ففي مثل: أنت خليّة و بريّة، الّتي ليس مقتضي الطلاق فيهما موجودا أصلا، و كذلك الطلقات الثلاث المتواليات بلا تخلّل الرجعة، فلا يثبت التقيّة لها الأثر- و بعبارة اخرى؛ التقيّة لا تجعل الغير المقتضي مقتضيا، بل شأنها رفع المانع الّذي لولاها كان مؤثّرا، فقط- أم لا، بل يستفاد من أدلّتها إثبات المقتضي بها أيضا، مضافا إلى ارتفاع المانع بها؟

الثاني: أنّ عدم جواز التصرّف في مال الغير هل هو لمانعيّة الإكراه أم لعدم المقتضي و هو طيب النفس الّذي يستفاد من الأدلّة الّتي يتمسّكون به في محلّه، احتمال كلّ واحد منهما.

فإنّ المستفاد من مثل «لا يحلّ مال امرئ [مسلم] إلّا بطيب [من] نفسه» (1)هو الثاني، و المستفاد من أدلّة نفي الأثر للإكراه هو الأوّل، كما أنّ الأصحاب تمسّكوا بكلّ منهما في باب الفضولي و غيره.

و يحتمل أن يكون كلاهما شرطا للجواز، و لا مانع من ذلك، و إن منع بعض


1) عوالي اللآلي: 1/ 222 الحديث 98 و ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصدر

من جعل القيدين أحدهما مانعا و الآخر مقتضيا.

ثمّ لا خفاء و لا إشكال أنّه في المقام قد يراد من الترافع عند غير أهله إثبات مقتضى الحقّ أصلا، كما إذا كانت الدعوى ظنيّة، أو كان المتعلّق دينا، و قد يراد به رفع المانع، كما لو كان المقتضي له موجودا، مثل الدعوى على العين مع العلم بثبوت الحقّ.

ثمّ إنّه لو بنينا في الأمر الأوّل على التعميم، مقتضى القاعدة عدم الفرق في الأمر الثاني، بل يجوز الترافع عند حكّام الجور عند التقيّة من الجهتين، سواء كان أصل الحقّ ثابتا أم لم يكن كذلك.

إذا عرفت ذلك، فنقول: قد أثبتنا في محلّه أنّ القدر المتيقّن الثابت بالأدلّة للتقيّة هو كون شأنها رفع المانع، لا إعطاء المقتضي بما لا اقتضاء فيه، و أزيد من ذلك لا يثبت من أخبار التقيّة، فحينئذ يشكل جواز الرجوع إلى قضاة الجور عند عدم العلم بالحقّ، إذ المفروض عدم اقتضاء للتملّك ما يخرج عن كيس المدّعى عليه سوى حكم الحاكم هذا، بخلاف ما إذا كان أصل الحقّ ثابتا قطعيّا و كان الرجوع من جهة رفع المانع و خلع يده، بخلاف الأوّل، فإنّه مع احتمال كون جواز التصرّف في مال الغير منوطا برضاه، و تحقّق مقتضيه من طيب نفسه.

و لا ريب أنّ احتمال ذلك يكفي في عدم جواز التصرّف، و لا اعتناء باحتمال كون الإكراه مانعا، بل يتوقّف حليّة التصرّف على إحراز المقتضي، و المفروض أنّ التقيّة لا يثبت المقتضي أيضا، بل شأنه رفع المانع، حتّى يقال بأنّ التقيّة تجعل ما لا اقتضاء فيه مقتضيا.

و بعبارة اخرى؛ تحصّل طيب النفس، و تجعل ما لا رضاء فيه بمنزلة ما فيه

الطيب و الرضا، فتنحصر نتيجة أدلّة التقيّة في المقام هو جواز الرجوع إلى الحاكم الفاقد للوصف فيما لو كان الحق ثابتا قطعيّا، بحيث يكون الرجوع إليه لصرف الاستنقاذ و رفع المانع، لا لإثبات المقتضي.

هذا؛ و لكنّك عرفت كفاية الأدلّة الخاصّة و الأخبار المذكورة لإثبات المطلوب من جواز الرجوع إلى قضاة الجور للضرورة عند التقيّة مطلقا، و حلّية الأخذ بحكمهم.

أقول: إنّما الكلام في أنّه مقتضى القاعدة الّتي أشرنا إليها سابقا هو عدم جواز ارتكاب المحرّم، إلّا إذا لزم الحرج بتركه، لا مطلقا.

فحينئذ؛ هل المراد من اقتضاء الضرورة جواز الرجوع إلى قضاة الجور هو أن يكون إثبات الحقّ و استنقاذه ضروريّا، بمعنى أن يكون محتاجا إليه أم لا، بل المراد قضاء الضرورة بالرجوع إليهم لإثبات الحقّ لعدم إمكان استنقاذه بالرجوع إلى غيرهم، و لو لم يكن الحقّ محتاجا إليه، و عدم لزوم حرج من ترك أخذه؟

مقتضى القاعدة المذكورة عدم جواز الرجوع في الصورة الثانية، بل ينحصر بالاولى.

و لكنّ الّذي يسهّل الأمر هو أنّ المستفاد من تلك الأخبار الخاصّة جواز الرجوع إليهم عند الضرورة و التقيّة مطلقا، و عدم كون المناط الاحتياج إلى نفس الحقّ، بل المناط أنّه كلّما لم يمكن استنقاذ الحقّ بالرجوع إلى الحاكم الحقّ، يجوز الرجوع إلى غيرهم، فالقاعدة المذكورة مخصّصة في المقام لتلك الأدلّة، فتبصّر!

بقي شي‌ء و هو: أنّه قد أشرنا في صدر المسألة إلى أنّ مقتضى القاعدة- مع

قطع النظر عن هذه الأخبار الخاصّة أيضا- حليّة ما يأخذه من الحقّ إذا كان عينا، بحكم حاكم الجور و لو لم تكن ضرورة، و لكنّ الإنصاف أنّه خلاف مساق الأخبار الناهية، إذ هي عامّة شاملة للعين و الدين، كما أنّ في المقبولة الاختلاف في ميراث أو دين، فيقول الإمام عليه السّلام: «ما كان يأخذه سحت» (1).

و بالجملة؛ فمقتضى هذه الإطلاقات عدم جواز الترافع عندهم مطلقا و حرمة المأخوذ، سواء كان عينا أو دينا، و لا يجوز الخروج عنها إلّا في مورد الضرورة.

و أمّا ما يقال من أنّ «سحتا» (2)إنّما هو مفعول مطلق، و في الحقيقة صفة للأخذ، لا أن يكون مفعولا به حتّى يصير صفة للمأخوذ، و على هذا لا بدّ من الالتزام بالفرق بين الدين و العين؛ لما ذكرناه، و إن كان في الأوّل أيضا فعل حراما لو راجع إليهم في غير الضرورة، و لكن بمقتضى سلطنته الباقية له على ماله و عدم حدوث مخرج شرعي فيه، بخلاف الدين فإنّ تملّكه لشخص المأخوذ يحتاج إلى سبب موجب شرعيّ، كانت العين المأخوذة حلالا له.

ففيه؛ إنّ ما ذكر لا يثمر للمقام، و لا يصير منشأ للفرق، و ذلك لأنّه و إن كانت الحرمة إذا تستند إلى الأفعال كان المراد بها الحكم التكليفي، و لكنّ الظاهر من لفظ «السحت» في المقام هو الحرمة الوضعيّ، لعدم إطلاقه غالبا إلّا على الأعيان، و لا ريب أنّه عند إطلاقه عليها لا يراد منه إلّا الحكم الوضعيّ.

فعلى ذلك؛ و لو جعلنا لفظ «السحت» صفة للأخذ الذي اريد منه الاستيلاء


1) تقدّم في الصفحة 84، الهامش [1] من هذا الكتاب، و نقله بالمضمون.

2) يعني «سحتا» الواقع في الرواية، فإنّ لفظ الحديث كذا: «و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا».

في المقام، كما هو الظاهر أيضا، معناه الحرمان الوضعي، و لا بأس في إطلاق مثل هذه الأحكام الوضعيّة على الأفعال، فيكون المراد أنّ الآخذ بحكم قاضي الجور يكون محروما من الاستيلاء على المأخوذ.

ثمّ إنّ حرمانه عنه قد يكون بحيث لا سلطنة له على المأخوذ أصلا، بنحو يكون خارجا عن ملكه، و قد يكون المراد حرمانه عن التصرّفات فيه، و إن كانت الملكيّة له باقية، نظير مال المحجور عليه.

الظاهر؛ عدم كون الأوّل مرادا إجماعا؛ لعدم موجب للقول بأنّ تصرّف الظالم في عين مال الشخص ثمّ ترافعه عند قاضي الجور لاستنقاذها سبب شرعا لخروج المال المعيّن الشخصي عن ملك الشخص، فلا بدّ أن يكون المراد بالحرمان المستفاد من لفظ السحت في المقام هو المعنى الثاني، و هو الحرمان عن التصرّفات و عدم الاستيلاء له على ماله، إذا توصّل لاستنقاذ ماله بقاضي الجور، مع إمكان استنقاذه بحكم من له أهليّة القضاء.

فانقدح ممّا ذكرنا؛ عدم الفرق في الحكم بين جعل السحت صفة للآخذ أو المأخوذ، فعلى كلّ منهما يكون المالك ممنوعا عن التصرّفات في العين، لعدم معنى للفظ السحت غيرها، فالنزاع في ما ذكر لا يثمر، فتأمّل!

الفصل الثالث: في ما يأخذه القاضي و حكمه

اشارة

و ذلك يتصوّر على وجوه؛ لأنّ المأخوذ إمّا أن يكون بعنوان الارتزاق، و إمّا بعنوان الاجرة، و إمّا بعنوان الرشوة، و قد لا يكون بهذه العناوين، مثل عنوان العطيّة، و الهديّة، و الصدقة، فهذه العناوين الأخيرة خارجة عن محلّ البحث.

فلا يتوهّم أنّه قد يراد منها أيضا إحداث الحبّ في القاضي فيدخل في عنوان الرشوة، و لكن ذلك خلاف التحقيق، إذ و لو اريد منها التحبيب مع ذلك لا يدخل في مصاديق الرشوة، إذ المراد بها إحداث الداعي، فهي في الحقيقة بمنزلة الجزء الأخير لصدور الحكم، و لعلّه تأتي الإشارة إلى ذلك.

فكيف كان؛ أمّا الكلام في ارتزاق القاضي من بيت المال الّذي محلّه خراج الأراضي المفتوحة عنوة، مثل سواد العراق (1).

فالظاهر؛ أنّ جوازه في الجملة إجماعي، لأنّ بيت المال معدّ للمصالح العامّة للمسلمين، و لا ريب أنّ منها قاضي البلد، كما نصّ عليه عليه السّلام بأنّه: «و لا بدّ من قاض و رزقه (2)» (3).


1) و إنّما سمّي بذلك، لأنّ جيش الإسلام إذا نزلوا من الحجاز إلى أرض العراق فرأوا من البعيد سوادا كثيرا فيه، و ذلك كان من النخلات و غيرها، فسمّوه سوادا، و ذلك كان في عصر الخليفة الثاني، «منه رحمه اللّه».

2) في المصدر: و رزق للقاضي.

3) دعائم الإسلام: 2/ 538 الحديث 1912، مستدرك الوسائل: 17/ 353 الحديث 21559.

إنّما الكلام في أنّه يشترط في ذلك احتياج القاضي، فلا يجوز ارتزاقه لو تمكّن من تحصيل رزقه، أم لا، بل إنّما يأخذه من كان في مقابل المنصب و العنوان؟ فالمناط صدقه، و لا يشترط الاحتياج و عدم التمكّن.

الّذي يستفاد من إطلاقات الباب- مثل مرسلة حمّاد المشتملة على قوله عليه السّلام في ذيلها: «و يؤخذ الباقي، فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين اللّه و في مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام، و تقوية الدين في وجوه الجهاد و غير ذلك ممّا فيه مصلحة العامّة» (1)و كذلك إطلاق خبر «الدعائم» عن علي عليه السّلام من قوله عليه السّلام: «و لا بدّ من قاض و رزق للقاضي» (2). المستفاد منهما و غيرهما كون الارتزاق في مقابل العنوان بإطلاقه، لا للفقر و حاجته، ضرورة اشتمالها على ما لا يشترط فيه الفقر و لو كان العمل واجبا عليه مثل الجهاد- هو الثاني، كما يستند إلى ذلك المشهور القائلون بالكراهة عند استغناء القاضي.

و أمّا دليلهم على الكراهة يمكن أن تكون بعض الروايات الدالّة بإطلاقها على كون ما يأخذه القاضي سحتا (3)، بناء على أنّ إعراض المشهور عنه و إلقاء سنده لا يوجب سقوطه عن الاعتبار بجميع مراتب مدلوله، بل غايته سقوطه عن الاستناد بمعناه الإلزامي، و أمّا غيره من مطلق الرجحان في الفعل أو الترك فلا موجب لسقوط الحديث المعرض عنه عن الاعتبار رأسا، و مثل هذا التفكيك في السند و الظهور كثير في أبواب الفقه.


1) وسائل الشيعة: 27/ 221 الحديث 33641.

2) مرّ آنفا.

3) تقدّم في الصفحة: 84 الهامش [1] من هذا الكتاب.

فالرواية من هذه الحيثيّة تصير مستندا للمشهور من قولهم بالكراهة، و يدخل في باب التسامح في أدلّة السنن.

و بالجملة؛ فالتحقيق في المسألة هو ما ذهب إليه المشهور من جواز الارتزاق مطلقا، و يكفينا من الدليل إطلاقات الأدلّة و الروايات، و أمّا ما ذكر من الدليل للمنع إلّا في صورة الاحتياج، فالحقّ أنّها وجوه اعتباريّة لا تصلح للمنع عن الاطلاقات.

نعم؛ ارتزاقه من سائر الوجوه غير بيت المال من سبيل اللّه يشترط فيه الاحتياج، لكونها مختصّة بمصارف و عناوين لا يصدق إلّا على المحتاج، فتدبّر!

و أمّا الكلام في اجرته، فاختلفت الأقوال فيها، أقواها الجواز مطلقا، كما نسب إلى المشهور عن «شرح المفاتيح» (1)و ذلك للأصل، و قاعدة احترام عمل المسلم، و لا ينافي كونه واجبا عليه، كما نشير إليه عند ردّ أدلّة المانعين، و عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2). و إطلاقات الإجارة (3).

و أمّا شبهة أنّ هذه الأدلّة إنّما تجري عند إحراز قابليّة المحلّ، و أمّا مع عدمها فليست هي محرزة لها، فدفعها سيأتي عند ردّ ما توهّم صيرورته موجبا لعدم قابليّة المحلّ، فافهم!

و أمّا أدلّة المانعين:


1) شرح المفاتيح (مخطوط).

2) المائدة (5): 1.

3) وسائل الشيعة: 19/ 107 الباب 5 من كتاب الإجارة.

فمنها: كون أخذ الاجرة منافيا لقصد القربة، لعدم إمكان صيرورتها داعية على العمل، مع أنّه أخذ الاجرة و العوض المالي في مقابل العمل المأتيّ به.

ففيه؛ مع اختصاص هذا الدليل بالتعبديّات (1)، و لا ريب أنّ القضاء من التوصّليّات، فمجال المنع فيها أيضا واسع، إذ هو مبنيّ على عدم إمكان الداعي على الداعي و عدم تصويره، و قد أثبتنا في محلّه إمكانه، و صحّة العبادة المأتيّ بها بداعي الداعي، و عدم إيجاب ذلك لسقوط القربة عن الدعوة على العمل، و أقوى الدليل لإمكان وقوعه في الشرعيّات، مثل باب الأمر بالمعروف بالنسبة إلى تارك الصلاة مثلا.

فإنّه لا إشكال في أنّه يشترط في صدق الأمر بالمعروف و صحّته كون العمل في الرتبة السابقة على الأمر معروفا، و لا ريب أنّ الصلاة الّتي هي معروف و مطلوب للشارع هي الصلاة المقرونة بقصد القربة، فلو لم يمكن تمشّي قصد القربة عند الإلزام على العمل الّذي هو بنفسه مرتبة من مراتب الأمر بالمعروف، حتّى يجوز الضرب لمن ترك الصلاة- مثلا- فيلزم من وجود مثل هذا الأمر بالمعروف عدمه، فلا بدّ من الالتزام بعدم وجوب الأمر بالمعروف، بل عدم جوازه، إذا وصل حدّه إلى الإلزام بإقامة المعروف فيما يشترط فيه القربة.


1) بل أيضا يمكن النقض بالعبادات الّتي يؤتى بها نيابة عن الأموات، مع أنّ الإجماع محقّق على جوازها و صحّتها- قد خالف المحقّق الكاشاني في المسألة (مفاتيح الشرائع: 2/ 176)- و وردت الروايات الدالّة عليها أيضا، منها: «من عمل من المسلمين عملا صالحا عن ميّت أضعف اللّه أجره [له] و نفع اللّه به الميّت» (وسائل الشيعة: 2/ 444 الحديث 2601).

مع أنّ الداعي الأوّلي على إيجاد العمل القربي غالبا ليس إلّا استراحة النفس المترتّبة على الإطاعة، فإنّ من يأتي الصلاة- مثلا- في أوّل الظهر لعلمه بأنّه بعده يبتلى بالاشتغالات الدنيويّة، فيمنعه عن الإتيان به ليس داعيه الآن وقت الظهر بإتيان شخص هذه الصلاة إلّا استراحة نفسه، فلا إشكال في أنّ شخص هذه الصلاة ليست مأمورا بها، بل [تكون] الطبيعة مأمورا بها، و لا يعقل أن يقصد المكلّف في إتيانه غير ما هو مأمور به.

و بعبارة اخرى؛ إرادة العبد إنّما هي تبع لإرادة مولاه، فلا بدّ أن يكون المكلّف قاصدا القربة في إتيانه ما هو المأمور به من الطبيعة، فحينئذ إن منع عن تصحيح الداعي على الداعي لا بدّ من القول ببطلان صلاة هذا الشخص لاختياره الخصوصيّة في إيجادها، لعدم إمكان تمشّي قصد القربة عليه بما هو مأمور به مع عدم إمكان الالتزام به أصلا، و ليس ذلك- أي الحكم بصحّة مثل هذه الصلاة- إلّا لكون استراحة نفس الآتي بها في الوقت، دعته إلى الإتيان بالصلاة المطلقة بقصد القربة، فالداعي على الخصوصيّة غير ما هو الداعي على إتيان المأمور به، فاستراحة النفس صارت داعية لاختيار الصلاة المخصوصة المأتيّ بها بقصد القربة المتعلّقة بالصلاة بما هي مأمور به، فقصد القربة بالمأمور به يقع في طول الدعوة الأوّليّة.

و لا يتوهّم كونها في عرضه، بل لا خصوصيّة لهذه الصورة، فكلّما يكون المكلّف في مقام الامتثال ليس غرضه غالبا إلّا تحصيل استراحة النفس، إلّا الأوحدي من الناس الّذي لا همّ له إلّا إطاعة مولاه، لكونه أهلا للعبادة.

و أمّا العبادات الغالبة الصادرة من نوع المكلّفين، فلا همّ لهم إلّا تحصيل

البراءة، و استراحة النفس، و لا ريب أنّ ذلك أمر راجع إلى غير اللّه تعالى، فهو محرّك لإتيان عمله بداعي القربة، فلو لم يكف في تحقّق داعي القربة الداعي على الداعي ليلزم الحكم ببطلان عبادة أغلب المكلّفين فحينئذ؛ إذا أمكن أن يتحقّق داعي القربة بداع آخر سابق عليه، الراجع إلى غير اللّه تعالى، فلا فرق في ذلك بين أن يكون الداعي الآخر استراحة نفسه أو أخذ الفلوس من الغير، فكما أنّه عند دعوة نفسه للاستراحة لا يرى نفسه مستريحا إلّا بإتيان الفعل بداعي القربة، فكذلك عند أخذ الفلوس لا يرى نفسه مستحقّا له إلّا بإتيان العمل بداعي القربة، و انتهاء الأمر، و الداعي إلى غير اللّه تعالى لا يوجب عدم كون الفعل بنفسه مأتيّا به بداعي القربة، كما لا يخفى (1).

و منها: أنّه (2)يشترط في الإجارة أن يكون متعلّق الإجارة قابلا للتمليك و التملّك، بحيث يكون فيه اعتبار الماليّة بالنسبة إلى المستأجر، و لا ريب أنّ وصف الوجوب ينافي ذلك؛ لصيرورة العمل به مستحقّا للّه تعالى، فلا يمكن تمليكه مع ذلك إلى غيره تعالى.

و فيه؛ أنّ صفة الوجوب لا يحدث في الشي‌ء أثرا و حكما وضعيّا بحيث يخرج العمل عن تحت سلطنة العامل، بل إنّما أثره إحداث الحكم التكليفي الّذي قد حقّقنا في محلّه أنّ الأحكام و الإرادات التشريعيّة لا تتعلّق إلّا بإيجاد العمل، فظرف التكليف و الإلزام دائما يكون قبل حدوث العمل في الخارج، و بعده لا


1) و يخرج عن هذه الكليّة مسألة الرياء، «منه رحمه اللّه».

2) و تمسّك بذلك فقيه عصره كاشف الغطاء قدّس سرّه، و قد أجاب عنه الشيخ بما هو قريب إلى ما أجاب به دام ظلّه، فراجع! «منه رحمه اللّه».

إرادة و لا تكليف، إنّما التحقّق في الخارج ظرف السقوط لا غير.

و ذلك مثل الواجبات النظاميّة، فهي لمّا لم يكن وجوبها إلّا بمعنى تعلّق التكليف الشرعي به لا أن تصير الصناعة المتوقّف عليها النظام متعلّقا لحقّ اللّه تعالى و مستحقّا له، فلذلك لم يخرج عن تحت سلطنة العامل، و كونه مالا و عملا محترما فيعامل معه معاملته مع أمواله و سائر منافعه.

فعلى هذا؛ لا تنافي أبدا بين صفة الوجوب و قابليته للتمليك و تعلّق حقّ الغير بالعمل الواجب.

و منها: أنّه لا بدّ أن يكون العمل المتعلّق به الإجارة تحت سلطنة المؤجر، بحيث يكون مختارا في إيجاده، حتّى يكون قابلا لجعله متعلّقا لحقّ الغير، و إلّا فلو كان ملزما عليه كيفما كان، فلا سلطنة لنفس العامل على العمل، و لا للمستأجر، فلا يعود إليه شي‌ء، فيكون المال المأخوذ بإزائه أكلا للمال بالباطل.

و فيه؛ أنّه قد بيّنا أنّ العمل الواجب ما لم يصر متعلّقا لحقّ الغير فلا مانع من نقله إلى الغير بمعنى جعله متعلّقا لحقّ غير العامل، إذا كان الغير منتفعا عن مثل هذا العمل، و يترتّب عليه أثر عقلائي، كما هو المفروض.

فهذه عمدة أدلّتهم قد عرفت ضعفها، و أضعف منها غيرها.

فانقدح ممّا ذكرنا: أنّ مقتضى القاعدة جواز أخذ الاجرة على الواجبات سواء كانت تعبّديّة أو توصّليّة الّتي منها مسألة القضاء.

أخذ الاجرة للقضاء

نعم؛ بقي في المقام أنّه يستفاد المنع في خصوص اجور القضاة من بعض الأخبار الخاصّة، مثل صحيح عمّار، ففيه: أنّ «السحت أنواع كثيرة، منها اجور القضاة» (1).

و رواية يوسف بن جابر المشتملة على قوله عليه السّلام في ذيلها من جملة من لعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة» (2)، المستفادة منها أنّه لا يجوز قضاء الحوائج الّتي قضاؤها إنّما يكون بالفقه أخذ شي‌ء بإزائه، و إنّما عبّر عن الأجر بالرشوة تشديدا في الحرمة، و غير ذلك ممّا هو ظاهر في المدّعى، و إن استشكل في بعضها الشيخ قدّس سرّه (3).

و بالجملة؛ يكفي [من حيث] الدليل للمنع عن أخذ الجعل أو الاجرة هاتان الروايتان، و الإنصاف أنّه لا مجال للخدشة في دلالتهما، أو سندهما، خصوصا الاولى منهما، و الاستشكال في أنّها معرض عنها مع هذا الاختلاف العظيم، بل ادّعي شهرة المنع بل الإجماع في المسألة، كما ترى.

أقول: إنّ ما أفاده- دام ظلّه- في ردّ كون قصد القربة المعتبر في العبادات مانعا عن جواز أخذ الاجرة لها؛ لا يخلو عن النظر، إذ لا إشكال في عدم تمشّي هذا القصد حقيقة، مع كون الداعي على العمل أخذ الفلوس له، مع كون


1) وسائل الشيعة: 17/ 95 الحديث 22068.

2) وسائل الشيعة: 27/ 223 الحديث 33644، و فيه: لتفقّهه بدلا عن لفقهه.

3) القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري: 100 و 101.

المفروض أنّه بحيث يكون أخذ الاجرة مؤثرا لولاه لما يعرض المكلّف نفسه في مقام الامتثال، بل لا بدّ أن يكون الداعي على العمل و الامتثال- حتّى المرتبة الدنيا منه الّتي عليها عامّة المكلّفين- هو القربة الّتي قد يعبّر عنه بقصد الامتثال، أو قصد الأمر، و إلّا فبدون القصد كذلك.

فالانصاف أنّ صدق الامتثال في العبادة مشكل، بل يحتاج إلى أن يكون الداعي نفس القربة، أو يكون الداعي عليها أيضا من شئون الأمر، و لا يكون خارجا عن سلسلة العلل و المعلولات للتكليف.

و من ذلك؛ ظهر أنّ النقض الّذي أفاده- دام ظلّه- من كون الداعي الأوّلي على امتثال التكاليف عموما ليس إلّا استراحة النفس، لا يفيد لإثبات المطلوب، لأنّه أيضا يكون من شئون الأمر، و لا يعدّ ذلك داعيا خارجيّا، مثل أخذ الاجرة على العمل، فليس أجنبيّا عن دائرة الأمر، فإنّ لبّ هذا القصد هو أنّه لمّا يرى العبد ذمّته مشغولة بتكليف المولى فيأتي بالمأمور به بداعي الفراغ عن التكليف المتوجّه إليه، و مع علمه بأنّه لا يحصل ذلك إلّا بقصد القربة لا يمنعه ذلك عن القصديّة، و هذا بخلاف ما لو كان الداعي الأوّلي هو أخذ الفلوس من الغير، فتأمّل!

مع أنّه إذا كان الداعي الأوّلي هو ذلك، و لو فرض أنّه يأتي بالعمل بقصد القربة، فلمّا كانت هي تستند إلى العلّة الاولى، فالقربة المقصودة في الفرض لا تؤثّر شيئا، كما لا يخفى.

و أمّا ما أفاد- دام ظلّه- في دفع الثاني و الثالث أيضا لا يخلو عن المناقشة، إذ الظاهر أنّه ليس مراد المستدلّ هو أنّه بسبب العلقة الوضعيّة من اللّه المتعلّقة

بالعمل، فلذلك ليست قابلا لأخذ الاجرة، حتّى يدفع بما ذكر، بل المراد أنّه لمّا كان من أركان الإجارة هو أن يكون المؤجر مختارا في العمل، حتّى يكون قابلا لأن يجعل نفسه ملزما بعقد الإجارة، و مع فرض كونه في حدّ نفسه ملزما عليه فكيف يمكنه أن يدخل نفسه ثانيا تحت الإلزام.

و إن أمكن منع ذلك، و عدم تسليم كونه في حدّ نفسه مانعا للإجارة لوقوع مثله في الشرعيّات، كما في النذر المتعلّق بالواجبات، و قد التزموا بصحّته، و كون ثمرته هي مسألة الكفّارة لو لم يف بها، زائدا على ما يستحقّ من العقاب على ترك الواجب فكذلك في المقام؛ لو فرض أنّ نفس العمل لعدم تعلّق استحقاق وضعيّ به ليس ممنوعا عن تعلّق الإجارة به، مع فرض أن يترتّب على الإجارة عليه أيضا داع و أثر عقلائي، فما ذكر من الوجه ليس قابلا للمنع، كما لا يخفى، و لتنقيح البحث مقام آخر.

الرشوة حكما و موضوعا

و أمّا الكلام في الرشوة: فالبحث فيها قد يكون من حيث الموضوع، و قد يكون من حيث الحكم، تكليفا أو وضعا.

أمّا موضوعها: فهي- على ما يستفاد من كلام اللغويّين بل كلمات الأصحاب أغلبهم- ما يعطى للقاضي ليحكم له، و معلوم أنّ الإطلاق شامل لما كان الحكم عن حقّ أو باطل.

و الفرق بينها و بين الاجرة هو أنّ الاجرة إنّما هي عنوانها عنوان العوض و البدل، بمعنى أنّها تجعل بإزاء الحكم أو الترافع، بخلاف الرشوة، فهي لا تبذل

بإزاء الحكم، بل إنّما عنوانها إحداث الداعي.

ثمّ إنّ احداث هذا الداعي قد يكون بتوسّط عمل، من إعطاء مال أو إيجاد عمل هو بنفسه محدث للداعي، كبذل المال للقاضي أو تقبيل يده لأن يحكم له، بحيث ليس غرضه الأوّلي من إعطاء المال له إلّا أن يحكم له في الترافع الّذي واقع الآن عنده بينه و بين خصمه.

و قد لا يكون غرضه من بذل المال فعلا إحداث الداعي لأخذ الحكم، بل إنّما يعطيه بداعي التحبيب و جلب قلبه لينفع به يوم الحاجة، و هذا يختلف باختلاف قرب المقدّمات عن النتيجة و بعدها، فقد يكون في البعد بحيث لا يصدق الآن على إعطائه سوى كونه تحبيبا لا رشوة.

ثمّ إنّ التمليك لا بدّ و أن يقع تحت أحد عناوين المعاملات و العطايا، فإمّا أن يكون بعنوان الهبة المجّانيّة- و قد تكون إباحة، و قد تكون صدقة، إن أمكن قصد القربة فيها- و قد تكون معاملة محاباتيّة، فجميع ذلك إذا انطبق عليه عنوان الرشوة كانت باطلة، لعدم القصد إليها، بل إنّما القصد حقيقة تعلّق بالحرام، لا إلى عنوان المعاملة، بل قد تكون المعاملة بثمن المثل، و لكن لمّا كان للقاضي فيها خصوصيّة فيعامل تلك المعاملة معه، فهي أيضا فاسدة، للنهي عنها بعد انطباق عنوان الرشوة- الّتي عبّر عنها في الأخبار بالسحت (1)- على تلك المعاملة.

فمن ذلك ظهر أنّه ليس عنوان الرشوة الواقعة في لسان الأدلّة عنوانا خاصّا في مقابل سائر عناوين المعاملات، بل النسبة بينها و بين المعاملات أعمّ مطلقا، أو من وجه، إن قلنا بعدم انحصار صدق عنوان الرشوة على بذل المال، بل قد


1) وسائل الشيعة: 27/ 221 الحديث 33640، و 223 ذيل الحديث 33643 و الحديث 33646.

يتحقّق بالعمل و الخدمة بالقاضي مثلا.

ثمّ إنّه تدلّ على ما ذكرنا من التعميم في معنى الرشوة من أن يكون الحكم باطلا أم حقّا أخبار كثيرة- أوردها في «المكاسب» (1)- يستفاد منها حكم المسألة أيضا (2)، بل مدلولها أعمّ ممّا ذكرنا أيضا، فإنّ المستفاد من حديث الأصبغ ابن نباتة حرمة احتجاب الوالي عن حوائج الناس، و عدم جواز أخذه الهديّة و الرشوة لقضاء حوائجهم (3).

و لا ريب [أنّ] احتياج الناس إلى الوالي ليس من جهة القضاء و الحكم فقط، بل لهم إليه حوائج غيرهما مباحة و محرّمة.

فيدلّ هذا الحديث الشريف على عدم جواز أخذ شي‌ء منهم لإنجاز مقصدهم، سواء كان مشروعا أو محرّما، بل يدلّ على هذا التعميم بل الأعمّ منه ما عن «المصباح» و غيره: أنّ المرتشي يصدق على كلّ من أخذ شيئا من غيره لإنجاز مقصده، أعمّ من أن يكون واليا و غيره (4)، فيكون من مصاديق الرشوة ما يأخذه صاحب الدّكان لتخلية الدّكان لغيره، و كذلك صاحب الحجرات في المدارس و غيره من الطلّاب لتخلية الحجرة لغيره.

إلّا أنّ الحكم بهذا التعميم لا يستفاد من أخبار الباب، بأن يكون أخذ المال لقضاء الحوائج على غير الوالي حراما أيضا، فإنّ أعمّ أخبار الباب إنّما هو حديث الأصبغ بن نباتة و قد عرفت مدلولها، و رواية يوسف بن جابر المشتملة على


1) لاحظ! المكاسب: 1/ 239- 250.

2) انظر! وسائل الشيعة: 27/ 221 الباب 8 من أبواب آداب القاضي.

3) وسائل الشيعة: 17/ 94 الحديث 22066.

4) لسان العرب: 14/ 322، المصباح المنير: 1/ 228.

قوله عليه السّلام في ذيلها: «و رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة» (1).

و غاية مدلولهما كون أخذ الرشوة على الوالي و الفقيه لقضاء الحوائج و تعليم الفقه حراما، بل مناسبة الحكم و الموضوع أيضا تقتضي الاختصاص، فإنّ الوالي إنّما جعل لقضاء الحوائج النوعيّة لعموم الناس، و لا يختصّ شأنه بالقضاء فقط، و هكذا.

بل يمكن الدعوى قريبا على عدم استفادة التعميم بالنسبة إليهما أيضا من الروايتين، إذ الظاهر من احتياج [الناس] إلى الوالي نوعا، و كذلك الفقيه ليس إلّا مسألة القضاء بينهم، و أمّا سائر الحوائج من المشروعة و غيرها مثل حفظ أموالهم عن الظالم، أو تأميرهم على البلاد، و إعطائهم المنصب من الحوائج الشخصيّة، ليست من الاحتياجات النوعيّة غالبا.

و مع الغضّ عن ذلك و تسليم اطلاقهما و عدم انصرافهما إلى ما ذكرنا، فنقول: إنّ في الباب روايات تصلح لتقييدهما.

منها: رواية الصير في، قال: سمعت أبا الحسن عليه السّلام، و سأله حفص الأعور، فقال: إنّ عمّال السلطان يشترون منّا القرب و الإداوة (2)، فيوكّلون الوكيل حتّى يستوفيه منّا، فنرشوه حتّى لا يظلمنا، فقال عليه السّلام: «لا بأس بما تصلح به مالك» (3).. إلى آخره. فإنّ المستفاد من هذا الحديث جواز الرشوة للحاجة المحلّلة.

و الخدشة فيها- بأنّ ظاهر السؤال إنّما هو عن تكليف الراشي، لا عمل


1) تقدّمت في الصفحة 97، الهامش [2] من هذا الكتاب.

2) في وسائل الشيعة: الأداوي.

3) وسائل الشيعة: 18/ 96 الحديث 23229.

المرتشي، فأجاب عليه السّلام بعدم البأس في فعله لما يفعله لإصلاح ما له للضرورة- باطلة، إذ الظاهر أنّ السؤال إنّما هو عن نفس هذا العمل الخارجي، مع أنّه قائم بالطرفين، فأجاب عليه السّلام بعدم البأس فيه، و لازم ذلك نفي البأس عن فعل الراشي و المرتشي.

مضافا إلى أنّ المغروس في ذهن السائل السؤال عن الجهتين: الحكم التكليفي و الوضعي، فالنفي يرجع إلى كلّ منهما، و يرفع الضمان عن المرتشي، فحينئذ يثبت الجواز التكليفي للمرتشي أيضا بالملازمة، للإجماع على أنّه لو تملّكه فليس حراما عليه، و لا مجال لإنكار هذا الارتكاز، إذ حال الرشوة كان عندهم حال الربا، فكما أنّه لو يسأل عن الربا كان السؤال عن الجهتين و الجواب أيضا يرجع إلى الأمرين، فكذلك الرشوة، كما لا يخفى.

و منها: رواية اخرى، أنّ الرجل يبذل الرشوة ليتحرّك من منزله ليسكنه، قال عليه السّلام: «لا بأس» (1).

و لا إشكال في كون المسئول عنه مصداقا للرشوة على ما عرفت من تعريفه، لا الاجرة و الجعل، إذ هما في مقابل العمل، و من المعلوم أنّه لا عمل في المقام، بل إنّه يعطي الرجل بداعي قضاء حاجته، و هو إسكانه فيحكم عليه السّلام بعدم البأس، قد بيّنا كرارا أنّ نفي البأس يرجع إلى جهة السؤال، و السؤال إنّما هو عن الجواز و صحّة العمل.

و بالجملة، فهذه الرواية أيضا تقيّد تلك الإطلاقات، و احتمال أنّ مورد هذه الرواية غير القاضي و الوالي، لكونهما معدّا للحوائج العامّة، فلا يجوز لهما أخذ


1) وسائل الشيعة: 17/ 278 الحديث 22516.

شي‌ء بإزاء ما يفعلان؛ يدفعه إطلاق الرواية.

فحاصل ما يستفاد من الجمع بين أدلّة الباب، هو عدم جواز أخذ الرشوة للحكم- حقّا كان أم باطلا- للحاكم، و كذلك لا يجوز له أخذها للحوائج الغير المشروعة، و جواز أخذها له و لغيره (1)للحوائج المشروعة.

أقول: الإنصاف أنّ ما أفاده أخيرا في معنى الروايتين لا يخلو عن النظر، كما أنّ ما ادّعاه- دام ظلّه- من الانصراف في الروايات الاولى كذلك، إذ مناسبة الحكم و الموضوع من أنّ الوالي لمّا جعل للحوائج العامّة و رزقه على بيت المال يقتضي عدم جواز أخذ شي‌ء بأيّ عنوان منهم لقضاء حوائجهم من الامور الّتي تكون وظيفة للقاضي.

فهذا يقوّي إطلاق تلك الإطلاقات، بحيث نحتاج في تقييدها إلى مقيّد قويّ، و مع ذلك؛ فكيف يمكن أن تصير الروايتان مع ضعف ما أفاد- دام ظلّه- في تقريبهما مقيّدا لتلك الإطلاقات؟

أمّا الرواية الاولى؛ فظاهرها بل صريحها كون السؤال من حيث تكليف نفس الراشي لا فعل المرتشي، و أمّا أنّ السؤال كان من الجهتين، فبالملازمة يثبت المدّعى؛ فهو كما ترى.

و أمّا الرواية الثانية؛ فظاهر السؤال فيها إنّما هو عن القضايا الشخصيّة لا الحوائج النوعيّة الراجعة إلى الحاكم، و تكون من وظيفتها، فالسؤال و الجواب ناظران إلى غير الوالي.


1) أي لغير الحاكم؛ للأصل في غيره، و عدم ثبوت ما يدلّ على عدم الجواز بالنسبة إلى غيره، بل الثابت جوازه، كما يستفاد من الروايتين، فلا تغفل! «منه رحمه اللّه».

و بالجملة؛ فمجال منع إطلاقهما حتّى يشمل عمل الوالي واسع، فلا يصلحان لتقييد الإطلاقات بعد تسليم دلالتها بل قوّتها، لما عرفت، فالحكم بجواز أخذ الرشوة للوالي و القاضي لغير الحكم- و لو للحوائج المشروعة- مشكل (1)، و اللّه العالم.

بقي شي‌ء و هو أنّه بعد أن ثبت من مطاوي ما ذكرنا الحكم التكليفي للرشوة و أنّها حرام على المرتشي إجماعا، سواء كان الحكم عن حقّ أم باطل، و ورد التشديد في حرمتها روايات متواترة، بل فيها: أنّها «كفر باللّه العظيم» (2)، فعلى هذا؛ إذا عرّض الحاكم نفسه في معرض ذلك و أخذ الرشوة، فيصير فاسقا بذلك بلا إشكال، فيدخل في الحكّام الفسّاق، فكيف يصير حكم التحاكم إليه؟ و هل يكون ما يؤخذ بحكمه- و لو كان الحقّ ثابتا- حلالا أم لا، بل يدخل في مدلول الأخبار الدالّة على أنّ الترافع إلى من ليس أهلا له حرام، و المأخوذ بحكمه سحت مطلقا (3)؟

الظاهر؛ كون القدر المتيقّن من مدلول الروايات الّتي عمدتها المقبولة، كون المأخوذ بحكم قضاة الجور- المراد بها العامّة- سحتا، و لو كان الحقّ ثابتا.

و أمّا بالنسبة إلى غيرهم من القضاة الفاسقين فليس ما يدلّ على المأخوذ بحكمهم سحتا، و لو كان حقّا؛ و إنّما أثبتنا من مدلول تلك الروايات كون الترافع إلى مطلق الفاسق حراما، و أمّا استفادة هذه الجهة منها ففي غاية البعد.


1) و إن قوّى [عدم] جوازه شيخنا قدّس سرّه أيضا. (المكاسب: 1/ 249) «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 27/ 221- 224 الباب 8 من أبواب آداب القاضي.

3) وسائل الشيعة: 27/ 11 الباب 1 من أبواب صفات القاضي، و 136 الحديث 33416.

أقول: بعد أن لم يكن دليل على اشتراط (1)العدالة سوى المناط المستخرج من تلك الأخبار، و قد عرفت أنّ مدلولها انحصار الرجوع إلى غير قاض فاقد الأوصاف، و جواز الترافع إلى الجامعين للشرائط فقط، و أنّ الرجوع إلى غيرهم، سواء كان منّا أو منهم حرام، و لازم ذلك الترتّب على حكمهم مطلقا ما يترتّب على حكم قضاة الجور من كون المأخوذ بحكمهم سحتا و غيره، فكيف يجوز التفكيك في ذلك؟

بل مقتضى القاعدة تعميم الآثار، و لذلك أفتى السيّد المتأخّر قدّس سرّه في قضائه بعدم نفوذ حكم الحاكم الآخذ للرشوة إلّا بعد التوبة (2)، و ما رأيت كلام المشهور في ذلك، فراجع و تأمّل!

ثمّ إنّه بعد أن ظهر الكلام في الحكم التكليفي، ينبغي البحث في الرشوة من حيث حكمها الوضعي.

فنقول: لا خلاف في كونها موجبا للضمان في الجملة، و تنقيح البحث في ذلك يحتاج إلى ذكر صور المسألة، قد عرفت أنّ الفرق بين الرشوة و الهديّة هو أنّ الاولى إعطاء الشي‌ء بداعي الحكم، و الثانية بداعي التحبيب الّذي يصير هو داعيا إلى الحكم، و إنّ ما يظهر من كلام الشيخ قدّس سرّه من كون الرشوة هي في الحقيقة بمنزلة الجعل بإزاء الحكم (3)ليس في محلّه، لظهور الفرق بينهما، فتأمّل!

فكيف كان؛ أنّ الرشوة قد تحقّقت بصرف التسليط الخارجيّ على المال


1) و قلنا بأنّه لو كان إجماع في المسألة، فمناط كلام المجمعين تلك الأخبار، «منه رحمه اللّه».

2) لم نعثر عليه.

3) المكاسب: 1/ 249.

بلا قصد إباحة أو هبة، أو غيرهما، بل برفع يده عن ماله الّذي يكون بمنزلة الإعراض عنه؛ يسلّط الحاكم على ماله بلا أن يدخل عمله ذلك تحت أحد عناوين المعاملات و العطايا.

و قد يكون تسليطه بعنوان الإباحة الرافعة لمانع جواز التصرّف بلا قصد التمليك. و قد يقصد التمليك.

ثمّ قصده قد يكون بلا جعل عوض خارجيّ، فيدخل في باب العطايا، و قد يكون مع جعل العوض، فيدخل في باب المعاوضات.

و الكلام في جميع هذه الصور قد يكون في صورة وجود العين، و قد يكون بعد تلفها.

أمّا الصورة الاولى: فالّذي يستفاد من إطلاق كلمات الأصحاب، بل معاقد الإجماعات، وجوب ردّ العين في جميع التقادير. إذ الفرد الغالب من الرشوة هي المشتملة على الهبة المجّانيّة الّتي تفيد التمليك.

و لا ريب أنّ إطلاق كلماتهم يشمل هذه الصورة، و لا ينبغي القول بأنّ إطلاق كلامهم منصرف عن هذا الفرد الغالب الّذي يكون غيره- مثل الإباحة و صرف التسليط- في كمال الندرة، فإذا شمل إطلاق معاقد الإجماعات هذه الصورة- أي المفيدة للتمليك- فيثبت الحكم في صورة الإباحة و نحوها بالأولويّة، بل عنوان المعاوضة أيضا، إذ مفاد كلماتهم عدم كون المعاملة المنطبق عليها عنوان الرشوة مفيدة للتمليك- كما لا يخفى- و من المعلوم أنّ من مقوّمات المعاوضة و تحقّقها التمليك و التملّك.

و سرّ ذلك- أي بناء الأصحاب على عدم إفادة مثل هذه المعاملات

المنطبق عليها عنوان الرشوة- هو أنّه قد استفادوا من الأدلّة أنّ حال الرشوة- كما أشرنا إليه- حال الربا، فكما أنّه لو دخل في معاملة شائبة الربا يفسده- و لا يترتّب عليها الأثر أصلا، كذلك مسألة الرشوة الّتي قد أشرنا أنّ أخبارها نظير أخبار الربا، بل أشدّ حالها حال الرشوة، إذا انطبق هذا العنوان على معاملة تفسده.

و يكفي لما ذكرنا من الدليل إطلاق السحت في الأخبار عليها، و قد عرفت معنى السحت سابقا.

و بالجملة؛ فتوهّم أنّ النهي الوارد في الرشوة من النهي الوارد في المعاملات لا يورث سوى الحكم التكليفي، باطل جدّا، ففي صورة بقاء العين فيجب ردّها على جميع التقادير، [و] يجب على الآخذ ردّها، و المعاملة المنطبق عليها عنوان الرشوة باطلة.

و أمّا في صورة التلف فيختلف الحكم في المسألة، ففيما لو كانت الرشوة بعنوان التسليط أو الإباحة ثمّ تلفت العين، أو أتلفها المرتشي، و الظاهر عدم الاختلاف من هذه الجهة.

فقد يتوهّم عدم الضمان، نظرا إلى أنّه لمّا كان المالك باختياره سلّط الغير على ماله، و جعله في معرض التلف، بل و أذن على إتلافه.

ضرورة؛ أنّه بتسليطه الغير على ماله هتك بنفسه احترام ماله، فهو بنفسه أتلف ماله، سواء تلف بالأسباب السماوية، أو أتلفه المرتشي، مع ذلك لا ضمان عليه.

بداهة؛ أنّ قاعدة اليد و كذلك الإتلاف منصرفة عن اليد الّتي تكون مسبوقة

بهتك المالك احترام ماله، ففي مثل المقام الإتلاف أيضا مستند إلى صاحب المال، لكونه مع علمه بأنّ ما يعطيه إلى المرتشي يأكله- مثلا- أو يتلفه بسائر أنواع التلف، فالإتلاف مستند إليه حقيقة، لكونه السبب، و هو في الصورة المفروضة أقوى، كما لا يخفى.

هذا غاية تقريب الدليل للحكم بعدم الضمان.

و أنت خبير بأنّ مطلق تسليط الغير على المال ليس هتكا للمال، إذ من يعطي ماله في موقع الضرورة إلى المضطرّ هو بنفسه مباشر تلف ماله، بأن يصبّ الدواء و الغذاء في حلقه، مع ذلك ليس عمله هذا رافعا للضمان عن المضطرّ بلا إشكال، فليس كلّ ما يعرّض المال للتلف يكون هتكا للمال و معرضا عنه، بل إنّما الهتك المسقط لضمان المال هو التسليط المقرون بقصد المجّان، و إلّا فإن لم يكن مقرونا به فلا موجب لسقوط الضمان، و إنّما المتيقّن من انصراف دليل اليد و قاعدة الإتلاف أو تخصيصهما إنّما هو هذه الصورة لا مطلق التسليط.

و بالجملة؛ فما لم يقترن التسليط بقصد المجّان فقاعدة اليد و كذلك الإتلاف محكمة، و يكفي في تحكيمها عدم القصد، و لا يحتاج إلى قصد الضمان، كما لا يخفى.

و لا ريب أنّ الراشي في فعله و تسليط المرتشي على ماله أو إباحته له ليس قاصدا المجّان في ذلك؛ فمقتضى القاعدة- سواء أتلفه أو تلف عنده بعد وقوع يده عليه- ضمانه.

و أمّا فيما لو قصد التمليك بعنوان الهبة، فمقتضى القاعدة فيه الضمان أيضا، و إن كان قد يظنّ عدم الضمان، لعكس القاعدة المعروفة، و هي: (كلّ ما لا

يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده) (1)و الهبة الصحيحة لا ضمان فيها، و كذلك فاسدها.

و لكن قد ثبت في محلّه عدم تماميّة هذه القاعدة، فهي ليست قابلة لأن يرفع الضمان؛ فلمّا كان التمليك المنطبق عليه عنوان الرشوة غير واقع، و عدم التأثير لمثل هذه الهبة لكونها سحتا، فالتمليك و التملّك غير حاصل، فما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، فلا مانع من ضمان المقتضي لليد أو إتلاف مال الغير، كما لا يخفى.

و من ذلك؛ ظهر حال ما لو كان التمليك معاوضيّا، فالضمان فيه ثابت بالأولويّة، لتماميّة قاعدة (كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) 2 و إن انكر تماميّتها، فعلى مقتضى ما ذكرنا في الصورة السابقة فيحكم بالضمان، فافهم!

فروع في التنازع:

فروع (2)في التنازع:

الأوّل: إذا تنازع الدافع و القابض كون المأخوذ رشوة حتّى يوجب ضمان القابض، فأنكره و قال: بل هو هديّة و إعطاء على وجه مشروع، فقيل: إنّ القول قول منكر الضمان، لأصالة الصحّة في العمل، أي في التمليك الخارجي، إذ بعد اتّفاقهما في وقوع الفعل الخارجي و هو التمليك، فاختلفا في كونه على وجه صحيح أو باطل، فالمرجع أصالة الصحّة (3).


1) المكاسب: 3/ 182.

2) لا يخفى أنّ المؤلّف رحمه اللّه لم يتعرّض إلّا لفرع واحد.

3) المكاسب: 1/ 251.

و لكن؛ هذا مبنيّ على أن يكون عناوين المعاملات حقيقتها عبارة عن التمليك، بحيث يكون هذا المعنى جامعا في جميعها من العقود المعاوضيّة و غيرها، و إنّما يكون اختلافها من حيث سائر الخصوصيّات.

فعلى هذا يتمّ ما ذكر؛ للاتّفاق على تحقّق تمليك في الخارج، و إنّما الاختلاف في النوع من الباطل و الصحيح، فبأصالة الصحّة يحكم بالصحّة.

و أمّا على كونها أنواع متباينة- كما هو التحقيق- و أنّ التمليك و التملّك من لوازمها و آثارها فالهبة هي الإعطاء حقيقة، كما أنّ البيع عبارة عن مبادلة المال و التمليك من آثارهما، فعليه لا مجال لأصالة الصحّة، إذ ليس فعل خارجي متّفقا عليه و يكون الشكّ في صحّته و بطلانه، بل الشكّ إنّما هو في أنّ المعاملة الواقعة من أيّ نوع تكون، و أصالة الصحّة لا يثبت كونها من النوع الفلاني، و هو الهبة مثلا، كما لا يخفى.

الفصل الرابع: في طريق ثبوت ولاية القاضي عند الناس و إثباته لهم

اشارة

لا إشكال في إثباتها بما يثبت به غيرها من البيّنة و الإقرار و غيرهما، و أيضا يثبت بالاستفاضة الّتي تسمّى بالشياع، و كذلك يثبت بها غيرها من الامور الخمسة، أو الأزيد مثل الملك المطلق، و الموت، و النكاح، و الوقف، و العتق.

و عمدة الدليل على ذلك السيرة و استقرار بناء العقلاء عليه مؤيّدة ببعض الروايات الواردة في الباب (1).

فينبغي البحث أوّلا في معنى الاستفاضة و مراتبها، ثمّ التعرّض لمدلول الروايات، و كون حجيّتها مختصّة بالخمسة، أو جريانها في غيرها أيضا.

فنقول: ربّما لا يحصل من الاستفاضة إلّا الاطمئنان و الظنّ المعبّر عنه بالشياع الظنّي، بحيث يصير اشتهار الشي‌ء بحدّ يوجب الاطمئنان و سكونة النفس بتحقّقه، و قد يتجاوز عن هذا الحدّ و يبلغ الاشتهار بحدّ يوجب ظهور الأمر و وضوح تحقّقه، بحيث كلّما يتذكّر ذاك الأمر المشتهر يتسابق في الأذهان وقوعه و اتّصافه بما اشتهر به، مثل حريّة العبد الفلاني، أو كون المرأة الفلانيّة زوجة زيد، أو كون الملك الكذائي وقفا، و غير ذلك من هذا القبيل.

و هذا القسم من الشياع يكون من قبيل ظواهر الألفاظ الّتي يكون اللفظ


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، و انظر! المكاسب: 3/ 551 و 552.

غالبا للمعنى الظاهر فيه، بحيث كلّما اطلق اللفظ يتبادر منه المعنى الظاهر فيه، و هذا هو المعبّر عنه بالظهور النوعيّ الموجب لصيرورة اللفظ موجّها في المعنى، فكذلك قد يكون الاشتهار و الاستفاضة في أمر بهذا الحدّ الموجب لاستيناس الأذهان بما اشتهر به الأمر، و لا خفاء في أنّ هذه المرتبة من ظهور الأمر لا يعارضه الظنّ على الخلاف، كما يكون كذلك في باب ظواهر الألفاظ، إذ بعد اشتهارها و صيرورتها ظاهرة نوعا في معنى خاصّ.

فلو حصل الظنّ الشخصي على خلافه، لا يوجب انقلاب الظهور النوعيّ فيه و سقوطه عن الاعتبار في معناه، بخلاف المرتبة الاولى من الاشتهار و الاستفاضة، فإنّه لمّا كان قوامها بحصول الاطمينان و الظنّ الفعلي، فلا يمكن أن يعارض مع الظنّ الشخصيّ على الخلاف، بل بمحض حصوله يرتفع الاطمينان الفعليّ قهرا.

و لا ريب أنّه ليس بناء حجيّة ظواهر الألفاظ على هذه المرتبة من الظهور، و لذلك نرى أنّهم كثيرا ما يتمسّكون بالظواهر مع حصول الظنّ الشخصيّ بالخلاف.

ثمّ إنّ السيرة المستمرّة بين العقلاء بما هم متشرّعة، يحتمل أن يكون اعتناؤهم في إثبات الامور الستّة بالاستفاضة بالمعنى الأوّل، كما أنّه يحتمل أن يكون بمعناها الثاني، فإن كانت بالمعنى الأوّل فلا سبيل إلى التجاوز عن اعتبارها في الموارد الستّة المأثورة من الشرع بحجّيّتها فيها، إذ لا دليل على حجيّة الاطمينان في الشرعيّات، مع تعيين الطرق الخاصّة لإثبات الأشياء من الشرع، بخلاف المعنى الثاني، فمجال التجاوز عن الموارد المنصوصة عليه

واسع، إذ لا إشكال في حجيّة الظهور المذكور مطلقا عند الشرع و العقل، و لا اختصاص له بتلك الموارد.

و لا شكّ في استقرار بناء العقلاء من المتشرّعة و غيرهم على تعويلهم بمعاني الألفاظ بعد صيرورتها ظاهرة في المعنى بالحدّ المذكور.

و من المعلوم أنّه لا خصوصيّة في ذلك بمداليل الألفاظ، بل الخصوصيّة لتلك المرتبة من الظهور الّتي كلّما تحقّقت فيعتنى به، كما في الألفاظ.

و بالجملة: لا دليل أوّلا على استقرار بناء العقلاء على حجيّة الاستفاضة في غير الموارد الخاصّة.

و ثانيا- على فرض تسليمه- قد تحقّق في محلّه أنّ بناءهم من حيث هم عقلاء لا حجيّة له في الشرع، بل إنّما الحجيّة منه السيرة المستمرّة من المتشرّعة على الأمر، و يكفي- لعدم استقرار بنائهم على التجاوز و ردع بناء العقلاء على فرض تحقّقه عليه- ذيل رواية مستعدة بن صدقة و قوله عليه السّلام فيها: «الأشياء كلّها على ذلك حتّى تستبين أو تقوم به البيّنة» (1).

و إنّما خصّص هذا العموم بالموارد المنصوصة، و أمّا في غيرها فهو على ظهوره و عمومه باق، فيردعهم عمّا استقرّ عليه بناؤهم في سائر الموارد.

تنبيه: عدم حجيّة بناء العقلاء و سيرتهم هل يحتاج إلى الردع أم يكفي في اعتباره عدم ورود الردع من الشرع؟

و بعبارة اخرى: اعتبار بنائهم من حيث إنّهم عقلاء يحتاج إلى الإمضاء حتّى يتحقّق السيرة الشرعيّة، أم يكفي عدم الردع؟ الثاني هو الظاهر، لأنّ بناء


1) وسائل الشيعة: 17/ 89 الحديث 22053.

العقلاء في نفسه معتبر و الشرع يجري عليه و هو السنّة الإلهيّة، و كلّ ما لم يكن عند الشرع من طريقهم حجّة يحتاج إلى الردع الخاصّ، كما يكون كذلك في باب القياس.

نعم؛ يمكن أن يقال: يكفي للردع مثل ذيل رواية مسعدة حيث انحصر الطريق فيها إلى الاستنابة و الطريق التعبّديّ و العقلائي؛ فعلى هذا و إن كان بعض الطرق عند العقلاء يكون بمنزلة العلم، مع ذلك ليس عند المتشرّعة و الشرع حجّة، و كيف و قد خطئهم و انحصر بما بيّن و إن كان قد يقال: مع قيام الطريق المعتبر العقلائي يرى العرف الأمر مستبانا كما يكون كذلك في العلم العاديّ، و أيضا مع عدم ورود الردع من الشارع يستكشف الرضا و الإمضاء و ذكر البيّنة لا يضرّ لأنّه طريق تعبّدي محض، فتأمّل.

إذا عرفت ذلك؛ فالبحث في روايات الباب، و نكتفي بذكر أهمّها، و هي مرسلة يونس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، فهي الّتي يمكن أن يستدلّ بها للمقام، قال:

سألته عن البيّنة إذا اقيمت على الحقّ أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟

قال عليه السّلام: «خمسة أشياء يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، و المناكح، و الذبائح، و الشهادات، و المواريث، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته، و لا يسأل عنه» (1).

ففي هذا الخبر الشريف إشكال من حيث فقه الحديث، لا بدّ من ذكره و دفعه، و ذلك هو: أنّه لا إشكال في أنّ ظاهر لفظ الشهادات خصوصا بقرينة


1) وسائل الشيعة: 27/ 289 الحديث 33776.

السياق و لحاظ سائر الفقرات المراد بها المشهود به لا حال الشاهد، فحينئذ لا يصير الحديث مرتّبة بالمقام بل يكون المعنى: أنّه كما أنّ في المنكوحات و المذبوحات يحكم بظاهر الحال و ما شاع فيه الأمر كذلك في الامور المشهودة بها، فيحكم بما اشتهر به الأمر و شاع بين الناس، فتأمّل!

و لكن هذا المعنى للفظ الشهادات لا يناسب ذيل الحديث و صدره، فإنّ السؤال فيه إنّما وقع عن حال البيّنة و الشاهد، كما أنّ ذيله الّذي يقول عليه السّلام: «فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا» (1)، أيضا لا يناسب إلّا كون المراد باللفظ حال الشهود و ظاهرهم، فمن ذلك لا بدّ من الالتزام بخلاف الظاهر في الحديث من هذه الجهة و حمله على خلاف ظاهر اللفظ.

هذا من حيث فهم الحديث؛ و أمّا من جهة الدلالة، فإن كان المراد من قوله عليه السّلام: «ظاهره ظاهرا مأمونا» أي ظاهر الحال بحيث يكون يطمئنّ به، بلا أن يصير الأمر ذا وجهة في ما شاع فيه، من قبيل صيرورة الألفاظ ذات وجهة في معانيها، بل يكون ظاهر حال الشاهد و كذا غيره من الامور الخمسة ظهورا موجبا لحصول الاطمئنان الفعلي، و على هذا؛ يكون «مأمونا» قيدا احترازيّا، فلا يكتفى بمطلق الظهور، فحينئذ لا مجال للتجاوز عن الموارد المنصوصة بها، و إسراء دليليّة الشياع الظنّي و الاشتهار الاطمئناني إلى مطلق الامور، لما عرفت من عدم الدليل للخروج عن ذيل رواية مسعدة بن صدقة في غير تلك الموارد.

و أمّا إن كان المراد به الظهور الّذي يوجب صيرورة الأمر موجّها فيه، مثل ظواهر الألفاظ، بحيث لا يضرّه الظنّ على الخلاف فعلا أيضا، بل صار الأمر


1) وسائل الشيعة: 27/ 289 الحديث 33776.

ظاهرا بالظهور النوعي في ما اشتهر فيه، فيصير لفظ «مأمونا» أيضا قيدا توضيحيّا، أي «مأمونا نوعا».

فحينئذ لا اختصاص لمثل هذا الشياع بالموارد الخمسة، بل في كلّ مورد حصل مثله يعتمد عليه، و يجب الخروج عن ظاهر رواية مسعدة أو تخصيصها بما يستفاد من المناط من هذا الحديث، مع استقرار سيرة المتشرّعة أيضا على الاعتماد على الظهور الّذي يكون من قبيل ظواهر الألفاظ، و لا اختصاص بها في هذا الاعتماد، بل الظاهر بناؤهم على الأخذ بالظاهر مطلقا إذا بلغت بتلك المثابة، كما لا يخفى.

بل يمكن الدعوى بأنّ الأمر في الاشتهار إذا بلغ بهذه الدرجة فهو مستبين، فيخصّص بذلك رواية مسعدة.

لا يقال: فعلى ذلك لم خصّص الاعتماد بالشياع في الرواية بهذه الخمسة؟

فإنّه يقال: ذكرها في الرواية ليس لأجل خصوصيّة فيها، بل لمّا كان الأغلب طريق الثبوت في هذه الخمسة بالشياع، فلذلك تعرّضها الإمام عليه السّلام كما أشار إلى ذلك في «الجواهر» (1)أيضا.

فانقدح ممّا ذكرنا أنّ ما أفاده قدّس سرّه من التجاوز عن الموارد الخمسة مطلقا ليس في محلّه، بل ما يقتضيه الدليل و القاعدة هو ما ذكرنا من التفصيل، فتأمّل تعرف!


1) جواهر الكلام: 40/ 55- 58.

انعزال القاضي بموت الإمام و عدم انعزاله

ثمّ إنّهم ذكروا في طيّ هذا البحث فروعا لا يترتّب عليها الآن أثر عمليّ، لكونها متعلّقة بمسائل في زمان حضور الإمام عليه السّلام، إلّا أنّ من جملتها مسألة يكون محلّ ابتلائنا أيضا فنتعرّضها، و هي أنّه اختلفوا في أنّ القضاة المنصوبين من قبل الإمام عليه السّلام هل ينعزلون بموته عليه السّلام و يحتاج بقاؤهم على إبقاء الإمام اللاحق إيّاهم، و إمضائه عليه السّلام نصب السابق، أم لا؟ بل لا يحتاج إلى ذلك، فهم باقون ما لم يعزلهم الإمام اللاحق عليه السّلام.

فبناء على الأوّل- كما لا يبعد أن يكون بناء المشهور عليه- فكيف يصير حال قضاة زمان الغيبة؟ لأنّ الظاهر أنّ استقرار بناء جعل القاضي العامّ إنّما هو من الصادقين عليه السّلام، المستفاد ذلك من قوله عليه السّلام: «من عرف أحكامنا» (1).. إلى آخره، الدالّ على الإذن العامّ، فكلّ القضاة من عصره عليه السّلام إلى زماننا هذا منصوبون من قبل إذنه عليه السّلام هذا، فحينئذ لا بدّ و أن نقول: إنّ قضاة زماننا لم يشملهم الإذن رأسا، إذا قلنا بعزل القضاة المنصوبين من قبلهم عليه السّلام بموتهم، بل بالنسبة إلى هؤلاء القضاة بالأولى و لو كان الإذن واردا على العنوان، إذ المفروض أنّ الإذن لا يثمر رأسا إلّا للحاضرين في عصر الإمام الآذن عليه السّلام، فلا فرق في ذلك بين أن يكون الإذن بالعنوان العامّ- كما في الحديث (2)- أو الخاصّ.

و لكن لا خفاء في أنّ هذا النزاع بالنسبة إلى زماننا إنّما يثمر لو لم نقل بكون


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

2) وسائل الشيعة: 27/ 131 الحديث 33401 و 140 الحديث 33424.

القضاة في زمن الغيبة غير منصوبين من قبل إمام زماننا- أرواح العالمين له الفداء- و كان قوله عليه السّلام: «و أمّا الحوادث الواقعة» (1).. إلى آخره، مختصّا بغير مسألة القضاء، بل كان عليه السّلام في مقام تعيين المرجع في الامور الحسبيّة و غيرها.

فكيف كان؛ فقد يجاب عن الإشكال بأنّ هذا النزاع- أي عزل القضاة بموت الإمام عليه السّلام- إنّما هو فيما لو كانوا مأذونين بالإذن الخاصّ، و أمّا فيما كانوا مأذونين بمثل ذاك الإذن العامّ الدّال على جعل الولاية المطلقة للقضاة، كما جرى ذلك من عصر الصادق عليه السّلام، مع ثبوت الولاية العامّة لهم عليهم السّلام، بحيث يكون تصرّفاتهم لبعد وفاتهم عليهم السّلام نافذة كما في حياتهم عليهم السّلام، لأنّهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم من جميع الجهات، فلا يجري النزاع حينئذ من زمانه عليه السّلام إلى بعده، بل لا بدّ من الأخذ بإطلاق قوله و عموم إذنه عليه السّلام.

فكلّ من انطبق عليه ذاك العنوان فهو قاض منصوب من قبل الإمام عليه السّلام، و لو لم يكن موجودا في عصره عليه السّلام، فكيف بمن كان موجودا و يشمله الإذن في زمانه؟ فلا ينعزل بموته عليه السّلام و لا بغير ذلك، إلّا أن يخرج عن الأهليّة، و كذلك من وجد بعده و انطبق عليه العنوان فصار قاضيا.

هذا؛ و لكن الإنصاف أنّ هذا البيان لا يفيد لدفع الإشكال؛ إذ مع احتمال عدم شمول ذاك الإذن العامّ للمحدثين بعد وفاته عليه السّلام، و لكن لا لقصور في ناحية ولايتهم عليهم السّلام، حتّى يقال: كيف يحتمل ذلك مع إطلاق الإذن من قبلهم؟ بل للقصور و عدم قابليّة الموجودين بعدهم عليهم السّلام لأن يشملهم الإذن، و يصيروا منصوبين من قبلهم عليهم السّلام بمعنى: أن نشكّ في أصل الحكم الشرعيّ في ذلك، أي


1) وسائل الشيعة: 27/ 131 الحديث 33401 و 140 الحديث 33424.

هل يمكن و يجوز شرعا نصب الإمام القاضي لبعد وفاته عليه السّلام و يكون بهذا حكم اللّه، أم لا؟ فحينئذ لا يبقى إطلاق لذاك الدليل العامّ، حتّى يشمل من لم يكن قاضيا في زمن الإمام الآذن، بذاك الإذن، بل يختصّ بالموجودين في عصره عليه السّلام.

أمّا الهيئة للدليل المستفاد منه الإذن العامّ فللاحتمال المذكور لا يبقى لها إطلاق، بل لا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن من الدليل، و يتقيّد بالموجودين المأذونين عند صدور الإذن العامّ.

و أمّا المادّة- و هي متعلّق الجعل و نصب العارف بالأحكام- فهي و إن كانت في نفسها مطلقة، و قد تحقّق في باب الأوامر أنّ الدليل إنّما يتقيّد بمقدار الضرورة، و هو تقييد الطلب المستفاد من الهيئة بالقدرة و غيرها مثلا.

و أمّا المادّة فهي بإطلاقها باقية، و المصلحة النفس الأمريّة مطلقة، و لكن هذا الكلام- و هو اختصاص التقييد بالهيئة- لا يجري هنا، إذ المانع المذكور لو كان موجودا فيوجب تقييد الحكم بجميع مراتبه- أي المصلحة أيضا تتقيّد- فلا سبيل إلى التفكيك هنا، بل المادّة أيضا لمّا تتّصل بما يصلح للقرينيّة فلا يبقى لها إطلاق.

و بالجملة؛ لا سبيل إلى التمسّك بالإطلاق في المقام من جهة أبدا، فالّذي يحسم مادّة الإشكال هو التمسّك بالاستصحاب.

توضيحه: أنّه بعد ثبوت الإذن للمعنون بالعنوان العامّ المذكور في الحديث، فبعد وفاة الإمام الآذن يشكّ في سقوط الإذن حينئذ عن التأثير و ارتفاع الحكم به، فيستصحب بقاء الحكم الثابت للموضوع في حياته عليه السّلام.

و لا مانع من ذلك من جهة لا من حيث الموضوع و لا من غيره، ضرورة؛ أنّ

الموضوع لم يكن إلّا المتّصف بالعنوان المتّخذ في حيّز الحكم، أي الحديث المثبت له، و المفروض أنّه الآن أيضا باق على ما كان عليه عند صدور الإذن، بداهة عدم مدخليّة لوجود الآذن و حياته في موضوعيّة الموضوع حتّى يشكّ من هذه الجهة في بقاء الموضوع بعد وفاته، بل الإذن فقط علّة لثبوت الحكم للموضوع، و ليس لها دخل في موضوعيّته، كما لا يخفى.

و لا فرق في ذلك بين الموضوعات الموجودة حين صدور الإذن و حياة الآذن و المحدثة بعدها، إذ ليس المستصحب الأشخاص، بل نفس العنوان الكلّي هو مستصحب، و لا ضير في ذلك حدوث بعض أشخاصه و تجدّده، بل يكون ذلك من قبيل استصحاب الأحكام [و] الشرائع السابقة.

و بالجملة؛ لا إشكال في أنّه يكفي في الاستصحاب تحقّق المصداق في أحد عمودي الزمان و انطباق العنوان عليه فيه، فلا محذور في استصحاب الحكم العامّ و تطبيقه على الموضوع الحادث مع اتّصافه بالعنوان، فبذلك يندفع الإشكال المذكور، و يثبت الحكم و القضاء بالإذن العامّ الصادر عن الصادق عليه السّلام لمطلق القضاة (1)، سواء كانوا موجودين في عصره عليه السّلام أو المحدثين بعد وفاته حتّى زمن الغيبة.

و لكن قد عرفت أنّه لا يكفي في ذلك إطلاق الدليل، بل يحتاج إلى ضمّ الاستصحاب، فتدبّر!


1) وسائل الشيعة: 27/ 13 الحديث 33083، و 136 الحديث 33416.

المقصد الثاني: في طريق إثبات الحق

اشارة

[المسألة الأولى] [قضاء الحاكم بعلمه]

و فيه مسائل:

الاولى: الحقّ أنّ للقاضي الحكم بعلمه مطلقا، وفاقا للمشهور، بل ادّعي عليه الإجماعات المتظافرة (1)، و الدليل عليه- مضافا إلى ما ذكر في «الجواهر» و غيره (2)- قوله عليه السّلام: «رجل قضى بالحقّ و هو يعلم» (3)فقد عدّه ممّن هو في الجنّة، فإنّ إطلاقه يقتضي جواز اعتماده بعلمه مطلقا.

و توهّم اختصاصه بالعلم التعبّدي- أي الحاصل من الطرق الشرعيّة من البيّنة و نحوها حتّى يكون المراد بالعلم العلم بالموازين- فاسد، كما يأتي وجهه عند ذكر أدلّة المخالف.

و بالجملة؛ ليس شي‌ء في الكلام و لا في الخارج يوجب صرف اللفظ عن الإطلاق، بل لو لا تعيين الطرق الشرعيّة لكان اللفظ منصرفا إلى العلم الوجداني، كما لا يخفى.

فحينئذ؛ يكون المراد من الجملة الاخرى في الحديث- و هي قوله عليه السّلام:


1) الانتصار: 237، غنية النزوع: 1/ 436، القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري: 91- 92.

2) جواهر الكلام: 40/ 88- 89، مسالك الإفهام: 13/ 383- 384، القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري: 94.

3) وسائل الشيعة: 27/ 22 الحديث 33105.

«رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم» (1)معناها الظاهر فيه، أي: لا يعلم تعبّدا أو وجدانا، فلا تصرّف فيها أيضا.

و الدليل الآخر هو أنّه لا إشكال في أنّ البيّنة و إن كانت لها الموضوعيّة بالنسبة إلى أصل الحكم إلّا أنّها طريق إلى متعلّقها، أي ثبوت الحقّ بالواقع.

فحينئذ؛ لو فرضنا أنّه لو حصل العلم منها بالحقّ، فعلى القول بالمنع فلا بدّ من الالتزام بعدم جواز حكم الحاكم بمقتضى البيّنة؛ لصيرورته عالما بالواقع، و المفروض عدم جواز اعتماده بعلمه، و لا مجال لدعوى أنّه حينئذ إنّما يحكم أيضا بمقتضى البيّنة لا علمه، إذ بعد حصوله من أيّ وجه يختصّ بكون مستنده إنّما هو البيّنة.

و بالجملة؛ لم يلتزم أحد بمنع الحاكم عن العمل بعلمه و حكمه في الصورة المفروضة، فبالمناط يتعدّى إلى ما إذا علم بغير البيّنة، فتأمّل!

و أمّا ما استدلّ به المخالفون فأنكروا الجواز مطلقا، فعمدة أدلّتهم الحصر المستفاد من الأخبار الدالّ على كون طريق إثبات الحقّ منحصرا بما ذكر فيها، مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» (2)و نحوه، فالإنصاف أنّه ضعيف جدّا، لكون الحصر إضافيّا (3)لا حقيقيّا، و كونه لبيان ذكر الطرق الغالبة.

و يظهر ضعف ما ذكر زائدا على ما ذكرنا، و كذا دليلهم الآخر، مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (4): «لو كنت راجما بغير بيّنة لرجمتها» (5)، و غير ذلك من الدليل لو كان


1) وسائل الشيعة: 27/ 22 الحديث 33105.

2) وسائل الشيعة: 27/ 232 الحديث 33663.

3) لعدم ذكر الطرق الاخرى فيه مثل الإقرار و الاستفاضة، «منه رحمه اللّه».

4) هذا دليل للتفصيل، «منه رحمه اللّه».

5) عوالى اللآلى: 3/ 518 الحديث 14.

بالمراجعة إلى أدلّة القول المشهور، فإنّها متقنة، كما رسمت في الكتب المطوّلة.

و في قبال القولين قولان متعاكسان بالتفصيل- و الظاهر كونهما عن ابن حمزة و ابن الجنيد (1)، و لا وجه لهما إلّا وجوه استحسانيّة ليس دأبنا الاعتماد عليها، مع كونهما مخالفين للمشهور المنصور بما قد ذكروا و استثنوا فروعا من عدم جواز العمل بالعلم على القول به- لا يخلو عن التأمّل، من حيث كونهما من باب العمل بالعلم، فراجع!

[المسألة الثانية:] نقض الحكم و موارده و ملحقاته

اشارة

المسألة الثانية: الراجعة إلى موارد جواز نقض الحكم و عدمه.

لا يخفى أنّ الّذي هو موضوع لهذا الحكم هو مسألة الردّ المستفاد من قوله عليه السّلام: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ، و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه» (2).. إلى آخره.

فالضابط الكلّي الّذي عليه مبنى الكلام هو صدق هذا العنوان، فكلّما صدق عنوان الردّ فلا يجوز النقض، و عليه يدور الحكم وجودا و عدما.

إذا ظهر ذلك فنقول: إذا حكم الحاكم بمقتضى الأدلّة الاجتهاديّة في الأحكام الكليّة، أو أمارة ظنيّة في الموضوعات، و حصل العلم للحاكم الآخر بذلك، و لكن كان مقتضى اجتهاده خلاف ما حكم به الأوّل، أو كانت الأمارة عنده غير معتبرة، كما إذا يعلم بفسق الشهود القائمة عنده، فحينئذ لا يجوز له


1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 218، و نقل عن ابن الجنيد في مسالك الإفهام: 13/ 384- 385.

2) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

نقض الحكم الأوّل، لصدق كون حكمه حكما لهم عليهم السّلام، و لو كان ظاهريّا فيترتّب عليه آثار الواقع بالنسبة إلى الآخر من هذه الجهة، أي من حيث عدم جواز الردّ.

و أمّا لو حصل له العلم في الصورة المذكورة، بأن كان مبنى حكمه علمه الحاصل من اجتهاده بالحكم الفلاني، أو علمه الحاصل من البيّنة القائمة، لا [من] حيث تعبّده بالدليل الشرعيّ، فحينئذ أيضا هل لا يجوز نقض حكمه لو كان اجتهاد الآخر مخالفا له، أم لا؟ و الظاهر؛ أنّه لا إشكال في الجواز؛ لعدم صدق الردّ، إذ المفروض أنّ ما حكم به ليس حكما، لا ظاهرا و لا واقعا.

أمّا الأوّل؛ فلأنّ الحكم الظاهري هو الّذي قد اعمل في دليله جهة التعبّد، و مع حصول العلم منه لا يبقى محلّ لإعماله، سواء كان في الموضوعات أو الأحكام.

و أمّا الثاني؛ فأيضا لا طريق إلى ثبوته، بل ثبت خلافه بمقتضى اجتهاد الثاني، أو البيّنة الاخرى، فلمّا لم يصدق كونه حكما لهم عليهم السّلام فلا مانع من نقضه، و هكذا لو كان مستند حكم الأوّل هو الحلف، فأيضا لو كان جهة موضوعيّته، فلما ورد الأخبار بترتيب الآثار عليه، مثل قوله عليه السّلام: «الإنسان أصدق على نفسه» (1)، و كذلك قوله الآخر عليه السّلام: «ألا فصدّقوه» (2)، فأيضا لا يجوز نقض الحكم المستند إليه، لصيرورته بذلك حكما ظاهريّا، كما عرفت.

إنّما الكلام في أنّه إذا حصل العلم للحاكم فحكم لعلمه الحاصل من الحلف، فحينئذ أيضا لما يجري الكلام السابق و عدم المجال لإعمال التعبّد فلا


1) وسائل الشيعة: 23/ 184 الحديث 29341، و فيه: «المؤمن» بدل: «الإنسان».

2) وسائل الشيعة: 27/ 245 الحديث 33690، و فيه: «فصدّقوه» بدل: «ألا فصدّقوه».

محذور في النقض، هذا لو كان مستند حكم الأوّل دليلا اجتهاديّا أو الأمارة.

و أمّا لو كان المستند الاستصحاب، كما لو كان مقتضى اجتهاده طهارة عرق الجنب من الحرام، فحكم في موضوع بمقتضاه، أو باستصحاب جواز [وصيّة] المريض حال صحّته حكم بكون المنجّزات من الأصل، و كان الظنّ الحاصل مخالفا له، فحينئذ أيضا لا يجوز النقض، أم يجوز؟ الظاهر عدم الجواز، لا لكون الحكم حكمهم عليهم السّلام ظاهرا، بل لكون الحكم حكمهم عليهم السّلام واقعا، كما هو مفاد الاستصحاب، إذ لسانه إثبات الحكم أو الموضوع الواقعي في حال الشكّ.

هذا كلّه؛ فيما لو حصل العلم بكون مستند الحكم ما ذكر من الأدلّة الاجتهاديّة، أو الأمارات، أو العلم، فقد ظهر لك أنّه لو كان مستنده الأخير و بنينا على جواز حكم الحاكم بعلمه فإنّما يثمر ذلك لنفسه و لغيره إذا لم يحصل له اجتهاد بخلافه، أمّا لو حصل فلمّا لم يكن علمه حجّة لغيره فيجوز له النقض.

و أمّا لو شككنا في كون حكم الأوّل هل صدر عن الموازين أم لا؟ هل يجوز نقضه أم لا؟ هذا مبنيّ على جريان أصالة الصحّة و عدمه في المقام.

الّذي يظهر من عبارة المحقّق قدّس سرّه، و كذلك غيره من أساطين الفقهاء- مثل العلّامة و غيره (1)- هو الجواز الكاشف عن عدم جريان القاعدة، إذ أفتوا بأنّ الحاكم الثاني يتفحّص عن حال المحبوسين بحكم الأوّل، فجوّزوا نقض حكم الأوّل لو ظهر كونه مخالفا لرأي الثاني، و كذا كلّ حكم ظهر للثاني خطأه، سواء كان مخالفا للدليل القطعي، أو الاجتهادي الظنّي.


1) شرائع الإسلام: 4/ 75، تحرير الأحكام: 2/ 184، مسالك الإفهام: 13/ 389- 391، مفتاح الكرامة: 10/ 52- 54.

و لمّا استشكل صاحب «الجواهر» في ذلك كلّه بأنّه ما لم يظهر فساد اجتهاد الأوّل، و احتمل كونه على الموازين و لو كان مخالفا لرأي الآخر، فلا يجوز نقضه؛ حملا لفعله على الصحّة، فردّ مثل هذا الحكم يصدق بكونه ردّا عليهم عليهم السّلام، فأوّل قدّس سرّه عبارات القوم، و حمل الفروع على ما لو تراضى الخصمان بتجديد الترافع و نحوه (1)، و سنشير إلى ما فيه.

و تحقيق المقام، أن يقال: إنّ موضوع حرمة الردّ لو كان الحكم الّذي يكون حكما لهم عليهم السّلام، لا أن يكون مطلق الحكم الصادر من الحاكم مشروطا بأن يكون عن الموازين، بحيث يكون العنوان هو الحكم الجامع للشرائط، لا أن ينحلّ إلى شرط و مشروط، فلا سبيل إلى أصالة الصحّة، إذ مع الشكّ في كون الحكم الصادر هل كان عن الموازين أم لا؟ يكون الشكّ في أصل تحقّق العنوان.

و من المعلوم؛ أنّ الأصل المذكور لا يحرز ذلك، بل إنّما محلّه ما إذا احرز العنوان و شكّ في اشتماله على الشرائط المعتبرة فيه، فببركته يحكم بكونه واقعا على الوجه الصحيح.

[و] الّذي يظهر من بعض أدلّة الباب كون الحكم- أي حرمة الردّ- معلّقا على العنوان المذكور، مثل: الرواية المقبولة، إذ فيها أنّه: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه» (2).. إلى آخره، فإنّ ظاهر هذه القضيّة كون الحكم معلّقا على الحكم بحكمهم عليهم السّلام، كما أنّ ظاهر كلمات جمع من الأصحاب الّذين أشرنا إليهم كون مبناهم ذلك.

و إن قلنا: إنّ الأمر ليس كذلك، بل الحكم معلّق على مطلق الحكم الصادر


1) جواهر الكلام: 40/ 94- 96.

2) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

عن القضاة، إلّا أنّه اشترط بدليل خارج، كون الحكم النافذ ما صدر عن الموازين، كما يكون ما يستفاد من جلّ أخبار الباب الدالّة على نفوذ حكم القاضي و كونه ماضيا، فحينئذ يمكن إجراء الأصل المذكور عند الشكّ و ترتيب الآثار عليه مطلقا.

و الّذي يظهر من بناء الأصحاب على حسب السير في مقامات مختلفة كون عملهم على إجراء الأصل و كون جريانه من المسلّمات، مضافا إلى أنّه لو لا كذلك و بنينا على الوقف عند الوصول إلى كلّ حكم لم نحرز صحّته، و كونه صادرا عن الشرائط يلزم الهرج و المرج و اختلال النظام، كما لا يخفى.

فعلى هذا؛ لا بدّ من الأخذ بإطلاقات الباب، و البناء على أنّ المقبولة (1)لمّا كان دليلا منفصلا و لا يعطى العنوان بالمطلقات، فلا يمنع ذلك عن إجراء الأصل في تلك المطلقات، و إن منعنا عن إجرائه في العنوان المتّحد في المقبولة (2)، فتأمّل! (3)

هذا كلّه فيما لو لم يكن الحاكم الآخر قاطعا بكون الحكم الأوّل مخالفا للواقع، بل احتمل كونه موافقا له، و لكن كان شاكّا في كونه صادرا عن الوظيفة و عدمها، أو كونه قاطعا بصدوره عنها.


1) تقدّمت في الصفحة: 130 من هذا الكتاب.

2) تقدّمت آنفا.

3) يشكل الأمر إن أحرزنا وحدة المطلوب فكيف يمكن الالتزام بالتفكيك حينئذ إلّا أن يحمل المقبولة على أنّها في مقام بيان أنّ الحكم الصادر عنهم لمّا كانوا نائبين لنا فلا يجوز نقض حكمهم، لا أن يكون في مقام التحديد أو يحمل كون المعلّق عليه هو نفس الحكم و جملة «بحكمنا» من قبيل العنوان أيضا لا أن يكون في المقبولة كلتا الجملتين، فتدبّر!

و أمّا لو كان قاطعا بكون حكمه مخالفا للواقع؛ فعلى التحقيق- و هو كون حرمة الردّ طريقيّا لا موضوعيّا- يسقط الحكم الأوّل عن الحجيّة مطلقا، سواء كان صادرا عن الوظيفة أم لا، إذ ليس اعتبار الحكم عندنا إلّا من باب الطريقيّة، و مع انكشاف الواقع و كون الحكم مخالفا له، فلا يبقى محلّ لتنفيذه و عدم جواز نقضه، كما لا يخفى.

فانقدح ممّا ذكرنا أنّه لا يجوز نقض حكم الحاكم إلّا في موضعين:

أحدهما: ما عمل فيه على خلاف الوظيفة و موازين القضاء، و علم به.

ثانيهما: ما ثبت عند الحاكم الآخر كون الحكم الصادر مخالفا للحقّ الواقعي، ففي غيرهما لا يجوز النقض حتّى في مورد الشكّ، بل يجري فيه أصالة الصحّة، إلّا أن تقوم الأمارة على بطلان حكمه، فيرتفع موضوع الأصل، كما في مطلق موارد جريانها، فافهم!

بقي هنا شي‌ء و هو: أنّه قد يقال بأنّه إذا ثبت عند الحاكم الآخر ما يخالف حكم الأوّل، فعلى الحكم الثاني الّذي ثبت بالوظيفة و من موازين القضاء، ينطبق عنوانان: كونه حكما لهم عليهم السّلام، و كونه ردّا للحكم الأوّل، فأيّ ترجيح لتقديم العنوان الثاني على الأوّل و جعله مانعا عنه؟ مع أنّ النسبة بين العنوانين العموم من وجه، إذ ربّما يصدق الردّ و ليس حكما لهم عليهم السّلام، كما إذا لم يكن الحكم الثاني عن الوظيفة، و قد يصدق الحكم و لا يصدق الردّ، كما في عكس المثال، و قد يجتمعان، كما في المثال المفروض (1).


1) و بعبارة اخرى: يقع التعارض بين دليل وجوب تصديق بيّنة حكم الثاني و حرمة الردّ المنطبق على تصديقها الّذي [هو] عبارة عن ترتيب الآثار عليها أي الحكم بمقتضاها و النسبة بين الدليلين العنوانين العموم من وجه كما لا يخفى، فأيّ ترجيح لتقديم دليل حرمة الردّ على الآخر.

و يمكن أن يجاب عن ذلك أوّلا بأنّه لمّا كان صدق العنوانين على الموارد طوليّا، فلا بدّ من حمل أوّلهما على الاقتضاء و الثاني على الفعليّة، كما في مطلق الموارد الّتي تكون كذلك، أمّا طوليّتهما فلأنّ صدق عنوان كون الحكم حكما لهم يتوقّف على تحقّق الموازين أوّلا، ثمّ ما لم يصدر الحكم الثاني لم يصدق الردّ.

و ثانيا بأنّه في الرواية المقبولة (1)طبّق الإمام عليه السّلام عدم جواز الردّ على الحكم الّذي كان حكمهم، و لازم ذلك بل صحّة الكلام و صدقه يتوقّف على رفع اليد عن الحكم الثاني المخالف للحكم الأوّل و عدم الاعتناء، و يستفاد من كلامه عليه السّلام حكم كلّي، و هو أنّه كلّما صدق عنوان الردّ فيكون حراما، فإذا انطبق ذلك على حكم حاكم آخر فلا ينفذ، و ليس بممضيّ.

و حمل الرواية على الموارد الّتي لم يكن حكم القاضي الآخر مخالفا له، إمّا لموافقته مع الأوّل، أو لعدم الرأي له في الواقعة المتنازع فيها الّتي تكون مثل


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

هذه الموارد في غاية الندرة؛ بعيد جدّا.

ثمّ إنّ ما ذكرنا- من عدم جواز نقض الحكم- يجري في الحاكم نفسه، فإذا حكم في واقعة بأمر، ثمّ اختلف رأيه بعد ذلك، إمّا لاختلاف فتواه، أو لقيام حجّة و أمارة مخالفة، فلا يجوز له نقض حكمه السابق و رفع اليد؛ لجريان ما قلناه في غيره بالنسبة إلى نفسه أيضا.

و هذا بخلاف باب الفتوى، فإنّه كلّما انقلب رأيه فعليه رفع اليد عن فتواه السابقة، و كذلك لغيره نقض فتواه بفتوى نفسه، بل ينتقض الآثار المترتّبة على الفتوى السابقة من أوّل الأمر، و عليه التدارك فيما أمكنه، لأنّ الاجتهاد ليس إلّا طريقا، فما يستخرج به من الأحكام فهي أحكام ظاهريّة مؤثّرة ما لم ينكشف الخلاف، و أمّا عند انكشافه فتبطل الآثار من أوّل الأمر، و إنّما يتدارك بها ما فات عن المكلّف و لم يمكنه التدارك، و أمّا بالنسبة إلى غيره فالأدلّة الأوليّة المثبتة للتكاليف لمّا لم تخرج عن عهدة المكلّف فهي على اقتضائها باقية، و لا فرق في ذلك بين باب العبادات و المعاملات و غيرها، و تنقيح الكلام في الاصول في بحث الإجزاء.

فكيف كان؛ فانقدح ممّا ذكرنا ما بنى عليه الأصحاب من عدم جواز نقض الحكم بالحكم و لا بالفتوى، و جواز نقض الفتوى بالحكم و بالفتوى، فافهم و اغتنم!

[عدم جواز نقض الحكم]

بقي فروع:

الأوّل: قد ظهر أنّه لا يجوز نقض الحكم مطلقا، بل يجب على الحاكم الآخر تنفيذه، و كذلك يحرم على كلّ مكلّف من المتخاصمين و غيرهما نقضه، إلّا في الصورتين المذكورتين.

فعلى ما عرفت من الأدلّة؛ إطلاقها يشمل المتخاصمين و غيرهما، و لا وجه لاختصاصها بغيرهما، فما أفاده في «الجواهر» من جواز تجديد الدعوى فيما لو تراضى المتخاصمان، بل جعله من المسلّمات (1)- مع أنّه ليس في كلمات الأصحاب ما يدلّ عليه، ما ظهر وجهه.

فإن كان نظره إلى اختصاص إطلاقات حرمة النقض بغير هذه الصورة- و هو ما لو كان المحكوم عليه الغير الراضي على الحكم غالبا على تجديد الدعوى؛ لكون غالب أفراد التجديد إنّما هو في هذه الصورة، فيوجب انصراف الإطلاقات- فنقول: إنّ غلبة الوجود الخارجي لا توجب انصراف اللفظ و كسر الظهور، إذ هو تابع للدلالة و الوضع، و لا مدخليّة فيها للمصاديق الخارجيّة.

نعم؛ لو وصل الوجود الخارجي و الغلبة بحدّ أوجب صيرورة اللفظ موجّها في الأفراد الغالبة؛ لكون غيرها نادرة جدّا، فحينئذ يمكن الالتزام بالانصراف، و من المعلوم أنّ المقام ليس كذلك، أي ليس تراضي الخصمين لتجديد الدعوى بهذه المثابة في الوجود من الندرة، كما لا يخفى.


1) جواهر الكلام: 40/ 94.

فلمّا ينطبق على فعلهما ذلك- أي تجديدهما الدعوى و التخاصم- نقض الحكم، و كذلك على قضاء الحاكم الآخر الّذي عليه تنفيذ الحكم الأوّل، فلا يجوز لهما و لا له ذلك، لإطلاق قوله عليه السّلام: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه» (1)...

إلى آخره، و غيره من إطلاقات الأدلّة الشاملة لمطلق ما انطبق عليه عنوان النقض (2).

نعم؛ فيما لو قطع المحكوم عليه بكونه محقّا و لذلك تيقّن ببطلان الحكم واقعا، يجوز له النقض، و يأتي شرحه في الفرع الآتي، و هذا لا ربط له بهذا العنوان، و هو جواز تجديد الدعوى عند تراضي الخصمين، و لا ينبغي الحكم بذلك بإطلاقه، كما لا يخفى.

الثاني: إنّ ما قلناه بأنّ حرمة الردّ إنّما هو متوقّف على صدق موضوع الحكم و عدم العلم ببطلانه واقعا، فيدفع بذلك ما قد يتوهّم؛ بأنّه و لو استكشف بطلان الحكم كما يعلم به المحكوم عليه غالبا، فلا يجوز الردّ أيضا، بل عليه رعاية هذا الأمر كيفما كان؛ و إنّما له استنقاذ حقّه مقاصّة، أو بنحو آخر اختفاءا، لا بنحو يصدق على عمله ردّ الحكم و لو ظاهرا، إذ التفكيك بين الظاهر و الواقع في مراتب الردّ لا محلّ له، بل إن ثبت كون الحكم حكما لهم عليهم السّلام و لو ظاهرا، بحيث احتمل كونه موافقا للواقع أيضا، فيحرم الردّ مطلقا، و إن لم يثبت فلا حكم، فلا نقض، و إنّ ما يرى من أنّ المحكوم عليه لا يتعرّض للمحكوم له علنا بعد الحكم و لا يقدم على أخذ حقّه مع علمه ببطلان الحكم متجاهرا ليس لأنّه


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 136 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، و ما يجوز أن يقضي به.

ممنوع عن ذلك شرعا، بل لعدم تمكّنه منه، لأنّه يجب على الحاكم الآخر و غيره تنفيذ الحكم مطلقا ما لم يحرز كونه مخالفا للواقع، و المفروض؛ أنّه لم يحرز ذلك لغير المحكوم عليه، فلذلك يمنعونه عن التعرّض للمحكوم له و استنقاذ ما أخذه، فلم يقدر عليه علنا.

و لكن ما ذكر إنّما يجري بالنسبة إلى المحكوم عليه فيما إذا كان الحقّ ثابتا بالبيّنة و صدر الحكم بها، أمّا لو كان منشأه الحلف، فلما ورد فيه: «ذهبت اليمين بما فيه» (1)فلا يجري شي‌ء ممّا ذكر، حتّى لا تجوز المقاصّة له أيضا، بل به ينقطع سلطنته عن ماله و حقّه.

نعم؛ لا يخرج عن ملكه، و لذا يجوز أن يشترى عنه و غير ذلك ممّا هو لوازم الملكيّة ما لم يكن منافيا لما انقطعت عنه من السلطنة بالحلف، و يأتي توضيح ذلك في باب اليمين.

الثالث: إنّ ما ذكرنا من أنّ الحكم لا ينقض بالفتوى، هل يلتزم في ذلك بالإطلاق؟ بمعنى أنّه لو انقلب الفتوى في مسألة نجاسة عرق الجنب من الحرام- مثلا- الّذي قد كان حكم بذلك ببطلان البيع، فالآن يرى طهارته الّذي لا يوجب ذلك صحّة البيع فعلا، و دخول المبيع في ملك المشتري و خروجه عن ملك المالك البائع أم لا بل إنّما عدم الانتقاض إنّما هو بالنسبة إلى محطّ الحكم- و هو بطلان البيع مثلا- لا مطلقا، أي حتّى بالنسبة إلى ملزومات الحكم؟ التحقيق الثاني، كما عليه الأصحاب.

و سرّه؛ هو أنّه لا إشكال في أنّه كمال الفرق بين الحكم الّذي هو من مقولة


1) وسائل الشيعة: 27/ 245 الحديث 33689، و 33690، نقله بالمعنى.

الإنشاء، و البيّنة الّتي هي إخبار، ففيما إذا ثبت شي‌ء بسبب البيّنة و إخبار العادل لمّا كان يثبت بهما الواقع فيترتّب عليه جميع آثاره ظاهرا، و لا وجه للتفكيك، فيثبت جميع اللوازم و الملزومات، و هذا بخلاف الحكم، إذ ليس هو إلّا إنشاء أمر خاصّ محض، مثل بطلان البيع و صحّته مثلا، فيجب اتّباع الحكم فيما هو محطّه و لا يجوز نقضه و لو تغيّر الفتوى، و أمّا فيما ليس محطّا له و ما تعلّق الإنشاء به و إنّما هو من الملزومات، فهو تابع لحكمه الفعلي و ما يقتضيه الدليل في مورده.

فإذا كان منشأ الحكم ببطلان البيع نجاسة المبيع، ثمّ انقلب الفتوى بعد زمان و استقرّ الرأي على طهارته، فلمّا [لم] تكن الطهارة و النجاسة محطّ الحكم أوّلا، و إنّما ورد الإنشاء على غيره و لو كانت الطهارة و النجاسة أيضا من ملزوماته. و لكن مع ذلك فهما تابعان للحكم الظاهري الفعلي، فيجوز معاملة الطهارة مع المبيع المذكور للمقلّدين للحاكم في القضيّة، و لا وجه لتسرية الحكم ممّا هو محطّ للحكم إلى غيره، فلا محيص عن التفكيك في الأحكام الظاهريّة، و لا يلزم النقض بذلك، كما لا يخفى.

[نفوذ الحكم هل هو مشروط باقترانه بالتخاصم و الدعوى، أم ينفذ مطلقا؟]

الرابع: هل نفوذ الحكم مشروط باقترانه بالتخاصم و الدعوى، أم ينفذ مطلقا؟ الأقوى: الأوّل، لعدم دليل يستفاد منه النفوذ مطلقا.

أمّا إطلاقات الباب مثل قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ

هُمُ الظّٰالِمُونَ (1)و نظائره، قد مرّ منّا مرارا عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهات، و أمّا غيرها من أدلّة الباب [مثل] المقبولة و نحوها، فالجعل فيها إنّما يكون في موارد الاقتران بالخصومة و الدعوى، إذ المستفاد من مجموعها تعيين الوظيفة و المرجع عند الاحتياج إلى التحاكم و قطع الدعوى، فلا يستفاد منها عموم أو إطلاق.

و أمّا مقايسة المقام بما هو المتسالم بينهم- مثل مورد الهلال- فلا سبيل لها، كما سنشير إلى وجهه، فلم يبق لنا دليل يتمسّك به، و يرفع اليد عن أصالة عدم النفوذ.

و أمّا الثمرة بين القولين؛ فهي أنّه لو بنينا على الوجه الثاني فله الحكم في الامور الكلّية و الموارد الجزئيّة بمقتضى رأيه، كما إذا حكم كليّا بحرمة المرضعة بعشر رضعات، فيتّبع حكمه في المرضعة الخاصّة في المورد الخاصّ و لو لم يقع عنده الترافع، و لا يجوز نقض حكمه ذلك بالفتوى مطلقا.

هذا؛ و لو لم نقل بثبوت الولاية النوعيّة للحاكم، الّتي قلنا مقتضاها الحكم، كذلك إذا يرى المصلحة في تحريم شي‌ء يكون حلالا مثل الجبن أو التتن و نحوهما، الّذي يكون بحسب أصل الحكم الشرعي حلالا.

و أمّا لو بنينا على الأوّل؛ فليس له ذلك لو لم يثبت له تلك الولاية الّتي بمقتضاها يكون حكمه في مسألة الهلال متّبعا.

الخامس؛ التحقيق أنّه لا يعتبر في حكم الحاكم لفظ خاصّ و لا الصراحة، بل يكتفى بمطلق ما يدلّ على الحكم و فصل الخصومة و لو كان اللفظ بالكناية،


1) المائدة (5): 45.

بل لا يعتبر العربيّة أيضا، و جميع ذلك لعدم الدليل عليها.

و أمّا دعوى العلّامة الإجماع في باب الصلح أو البيع، بأنّه يعتبر في اللفظ الّذي يستعمله المتعاملان أن يكونا عالمين بما خوطبا به حين الخطاب (1)، فهو مختصّ بمورده، و لم يثبت ذاك الإجماع في مقامنا، فيجوز للحاكم أن يأتي بلفظ تكون دلالته على الثبوت و الحكم بسبب قرينة يأتي بها بعد ذلك، و كذلك يكفي في الحكم الفعل الدالّ عليه، بأن يأخذ المال من يد المحكوم عليه و يقبض المحكوم له، فكما تجري المعاطاة في العقود كذلك تجري في الحكم، و لا دليل للمنع عنه.

فالحاصل: أنّه لمّا لم يقم الدليل على اعتبار اللفظ الخاصّ بل أصل اللفظ في الحكم، فكلّما صدق عليه الحكم من القول و الفعل يجتزى به، فالعبرة بصدق الحكم، فتأمّل!

السادس؛ إذا تبدّل الرأي، هل يجب نقض الحكم به لو كان قبل إنفاذه، أم لا؟ و كذلك في باب الفتوى، هل يجب قلبها و إعلام المقلّدين به، أم لا؟

قد يفصّل بين ما إذا كان منشأ التبدّل دليلا قطعيّا يوجب فساد الاجتهاد الأوّل، و بين ما لو كان دليلا ظنيّا، فيجب في الأوّل بخلاف الصورة الثانية.

و لكنّ الحقّ؛ عدم التفصيل مطلقا من هذه الجهة، و ينبغي التفصيل بين ما إذا كان التخاصم في الامور المهتمّ بها، مثل: قتل النفس أو تفريط المال الكثير، و ما لم يكن كذلك و كان المتنازع فيه و كذلك المفتى به مالا قليلا، إلّا إذا كان هذا التلف مستندا بحكم الحاكم.


1) لاحظ! نهاية الإحكام: 2/ 449 و 450.

و توضيح ذلك: أنّه لمّا أحرزنا عدم رضاء الشارع بتلف النفوس من غير حقّ في مورد من الموارد، بل قدّم حفظها على ارتكاب المحرّمات عند الدوران بينهما، و كذلك تلف المال الكثير، و لذا جوّز بيع الوقف في مثل هذه الموارد، فيجب رعاية هذا الأمر مطلقا، سواء كان مستندهما الحكم أو الفتوى، فلا بدّ من نقض الأوّل إذا ظهر بطلان اجتهاد الأوّل، و إلّا- أي و لو تبدّل بالدليل الظنّي- فلا وجه للنقض مطلقا، كما لا يخفى لو كان قبل وقوعه، و كذلك تبديل الثاني و الإعلام به مطلقا (1).

و أمّا لو لم يكن كذلك، بل كان المال قليلا، فلا دليل على وجوب الإعلام، سواء انقلب بالدليل القطعي أو الظنّي.

و أمّا ما قيل من أنّه يجب في هذه الصورة أيضا من باب النهي عن المنكر و تنبيه الغافل و الإعلام بتبدّل الفتوى (2)فلا وجه له، إذ المفروض أنّه ليس الأمر عند المقلّدين منكرا، بل هما معذوران، لاعتمادهما بالحجّة و الوظيفة الظاهريّة و هو حكم الحاكم و فتواه، خصوصا فيما لو كان منشأ التبدّل الدليل الظنّي (3)، لعدم الترجيح للظنّ الفعلي على الأوّل.

و المفروض؛ كون كليهما حجّة ظاهريّة موجب للعذر، و لا ينبغي القول


1) سواء كان منشأ تبدّل الرأي بطلان الاجتهاد الأوّل أو لم يكن كذلك فكيف كان يجب الإعلام في الامور المهمّة عند تبدّل الفتوى مطلقا، «منه رحمه اللّه».

2) لاحظ! جواهر الكلام: 40/ 318 و 319.

3) و من ذلك ظهر النظر في القول بالإطلاق أي حتّى فيما لو انكشف بطلان الاجتهاد الأوّل، بل يمكن القول بوجوب الإعلام حتّى في الدليل الظنّي أيضا لحصول العلم فعلا ببطلان الوظيفة الظاهريّة الأوّليّة مع أنّ عدم الإعلام موجب للإغراء بالجهل فتأمّل، «منه رحمه اللّه».

بمثل ذلك فيما لو كان الفتوى في النفس أو المال الكثير، إذ قد عرفت أنّ اهتمام الشارع بهما، و لذا لم يرض بتلفهما و تفريطهما بلا محلّ، حتّى في مورد الجهل، فحينئذ لو لم يعلم المجتهد تبدّل الرأي و أبقى المقلّدين على الجهل فيكون عاصيا، دليل وارد على كلّ وظيفة، و لا يجري المعذوريّة فيهما، فلذا يجب رفع اليد عن كلّ وظيفة، حفظا للاهتمام المستكشف حين دوران الأمر بينهما، كما لا يخفى.

نعم؛ فيما لو كان المال قليلا و كان يستند التلف إلى الحاكم لعدم إعلامه، فحينئذ يجب عليه الإعلام أيضا، لكون السبب على هذا أقوى من المباشر.

فممّا ذكرنا انقدح لك أنّه لا يجوز نقض الحكم حين تبدّل الرأي مطلقا، إلّا إذا ظهر بطلان اجتهاد الأوّل، و أمّا في باب الفتوى فالفرق بين الامور المهمّة و غيرها، فيجب الإعلام في الأوّل بخلاف الثاني لعدم الدليل عليه، إلّا إذا كان في غيرها، بحيث يكون تلف القليل مستندا إلى المجتهد فيجب أيضا، فتأمّل!

[المسألة الثالثة:] [ادّعاء الجور في الحكم]

المسألة الثالثة: لو ادّعى كون حكم الحاكم بالجور، فهنا صور فإنّه إمّا أن يريد بذلك تضمين الحاكم بحيث يجعله طرف دعواه، أو يجعل الطرف المحكوم له و يريد تضمينه، و في كلّ منهما إمّا أن يدّعي كون الحكم مخالفا للواقع، و إمّا أن يدّعي كونه مخالفا للوظيفة الظاهريّة، من جهة عدم عدالة الشهود و نحوه.

ففي الصورة الاولى؛ إن ادّعى القطع ببطلان الحكم، فالظاهر عدم الوجه في سماع الدعوى، لأنّ من موازين القضاء هو أن ينقطع الدعوى بعد الترافع

و الحكم، و هنا ليس كذلك، إذ لو سمع دعواه فترافعا مع الحاكم عند حاكم آخر، فإمّا أن يحكم على وفق الأوّل فيقطع المدّعي ببطلان حكمه أيضا.

و أمّا لو لم يكن كذلك، فحينئذ يسمع الدعوى و تجري موازين القضاء من البيّنة و الإقرار و الحلف جميعها، إذ لا مانع من أحدها هنا- كما يكون في بعض الصور الآتية- إذ المفروض أنّ الغرض من دعواه ذلك- أي بطلان الحكم- تضمين الحاكم و تغريمه فيما له التغريم، مثل ما لو تلفت العين، أو كانت باقية و لكن لم يمكنه تغريم المحكوم له، و غير ذلك من موارد جوازه، فعمومات «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1)تجري، و يقتضي سماع البيّنة و قبولها عن المدّعي، و حلف الحاكم لو أنكر البطلان، و أيضا إقراره الّذي مرجعه إلى اعترافه بضمانة نفسه، و لا يكون إقرارا في حقّ الغير حتّى لا ينفذ.

و أمّا لو لم يكن غرضه من توجّه الدعوى إلى الحاكم تضمينه، بل كان قصده إبطال فصل الخصومة، حتّى يتعرّض بعده للمحكوم له و يأخذ منه المال، فحينئذ؛ و لو لم يجر جميع موازين القضاء- لما سنشير إليه- إلّا أنّه لمّا تجري البيّنة فأيضا تسمع الدعوى، أمّا جريان البيّنة و سماعها فلعمومات «البيّنة على المدّعي».

و أمّا عدم نفوذ إقرار الحاكم؛ فلأنّه في الحقيقة إقرار في حقّ الغير، إذ مرجع إقراره ببطلان الحكم إلى ثبوت الحقّ للمحكوم عليه أن يأخذ المال عن المحكوم له، و كذلك حلفه، إذ ميزان الحلف أن يكون الحالف نافيا للشي‌ء به عن نفسه و عهدته، أو يثبت الشي‌ء على ذمّة الطرف.


1) عوالي اللآلي: 2/ 345 الحديث 11، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

و في المقام ليس كذلك، بل مرجع حلف الحاكم على صحّة الحكم يكون إلى عدم ثبوت حقّ للمحكوم عليه على المحكوم له، و نفي حقّه عمّا أخذه المحكوم له عنه، كما لا يخفى.

و أمّا في الصورة الثانية؛ فتسمع الدعوى أيضا و تجري البيّنة و الإقرار، دون الحلف.

أمّا أصل سماع الدعوى، فلعدم المانع عنه بعد ثبوت مقتضيه، ضرورة أنّه إذا يدّعي على المحكوم له بطلان الحكم، إمّا لكونه مخالفا للواقع أو للوظيفة، و كون الحكم صادرا على خلاف الطرق المجعولة، فيوجد المقتضي لإثبات الدعوى، فتشمله أدلّة سماع الدعوى، فلذا لو كان له بيّنة و أقامها يؤثّر؛ لعدم المانع عنه، كما أنّه لو أقرّ بالبطلان أيضا ينفذ، إذ مرجع إقراره بذلك إلى أنّ المال الّذي أخذه بهذا الحكم يكون أخذا بالباطل.

و أمّا عدم مؤثّريّة الحلف، أو مرجع حلف المحكوم له يكون إلى الحلف على صحّة الحكم، فيكون حلفا على العنوان المترتّب على عمل الغير، و هو فعل الحاكم، و هذا مسلّم عندهم أنّ الحلف لا يثبت مثل هذا العنوان، كما التزموا به في مسألة حلف الديّان على كون المال الفلاني للميّت المديون، حتّى يدخل بذلك في عنوان ما تركه الميّت.

فالحاصل؛ أنّه إذا أراد من إبطال الحكم، إمّا من جهة كونه مخالفا للواقع أو الوظيفة، فإن أراد تغريم الحاكم تسمع الدعوى مطلقا و يجري جميع موازين القضاء، و إن أراد منه صرف بطلان الحكم بحيث كان المدّعى به قطع بالبطلان من جهة كونه مخالفا للواقع، فحينئذ لمّا لم ينقطع هذا الدعوى، بل أحد الطرفين

قاطع به دائما، فالحكم الثاني إذا صدر- سواء كان موافقا أو مخالفا مع الأوّل- يقطع أيضا ببطلانه واقعا، على زعم أحد المتداعيين، و هكذا الحكم الثالث إلى أن يتسلسل، فلا تسمع هذه الدعوى، و إن كانت الدعوى في هذه الصورة مخالفة الحكم للوظيفة، تسمع الدعوى و تجري الموازين في الجملة.

و لو أراد من توجّه الدعوى إلى الحاكم تضمين المحكوم له، فحينئذ تجري البيّنة، و أمّا حلف الحاكم و إقراره فقد عرفت فيه الإشكال من حيث رجوعهما إلى المنع عن حقّ الغير.

و لو جعل طرف دعواه المحكوم له و أراد تضمينه، فقد أشرنا إلى تفصيله أيضا، فليس هذه الموارد من نقض الحكم و ردّه حتّى يقال بعدم سماع الدعوى مطلقا، أو في بعض الصور، إذ الدعوى في جميعها يرجع إلى رفع موضوع الحكم، و إنّما الردّ هو مخالفة الحكم في ظرف ثبوته، فتأمّل في المقام، فإنّه دقيق تامّ، و لعلّه يأتي الكلام في المسألة أزيد ممّا ذكر، إن شاء اللّه تعالى.

[المسألة الرابعة:] [اعتبار تعدّد المترجم و عدمه]

المسألة الرابعة: هل يعتبر في المترجم الّذي قد يحتاج إليه الحاكم التعدّد، أم لا؟

فنقول: تحقيق ذلك موقوف إلى بيان أنّ الأدلّة المخصّصة لاعتبار قول العادل الواحد، و ترتيب آثار الواقع عليه- مثل ذيل رواية مسعدة و نحوه (1)، ممّا


1) وسائل الشيعة: 17/ 89 الحديث 22053، و 27/ 273 الحديث 33757، و 274 الحديث 33759، و 277 الحديث 33762، و 290 الحديث 33777.

عبّر بالبيّنة- هل هي مخصّصة له في خصوص باب الدعاوي و المرافعات، أم مخصّصة له مطلقا؟

فإن بنينا على الثاني- كما هو التحقيق، إذ لا وجه لاختصاص قوله عليه السّلام:

«أو تقوم به البيّنة» (1)و نحوه بباب الدعاوي، بل إطلاقه يقتضي التعميم- فحينئذ لا بدّ من الالتزام بالقول الأوّل، كما لا يبعد أن يكون المشهور عليه.

و إن بنينا على الأوّل فلا ينبغي رفع اليد عن قول العادل الواحد، إلّا فيما تيقّن احتياجه إلى الضميمة، فعلى هذا لا مجال للتفصيل بين أن يكون المترجم هو من باب الشهادة الّتي هي من مقولة الإنشاء، حتّى يدخل فيها و يبنى على الاحتياج إلى التعدّد، أو يكون من مقولة الإخبار، حتّى يدخل في باب الرواية الّتي قد اتّفقوا على عدم احتياجها إلى التعدّد، لأنّه في كلّ مورد يصدق عنوان الشهادة يصدق الإخبار عن الواقع المشهود به بحسب الاعتقاد أيضا، فحينئذ و لو لم ينطبق عليه شرائط الشهادة الّتي هي من مقولة الإنشاء إذا صدق و وجد شرط قبول الخبر، فلا بدّ من الأخذ بقوله و ترتيب الآثار عليه من هذه الجهة.

فالتحقيق؛ أنّ الفرق المذكور و إدخال عنوان الترجمة في أحد القسمين لا ينفع؛ لاعتبار التعدّد و عدمه، و لعدم انفكاك العنوانين، كما أشرنا، و إنّما يندفع الإشكال بما ذكرنا من جعل مركز النزاع أصل خبر العادل في كونه مردوعا شرعا من حيث القبول و ترتيب الآثار عليه بلا ضميمة إخبار العادل الآخر مختصّا بباب الدعاوي، أو يكون عامّا، و قد عرفت أنّ مقتضى دليل المخصّص التعميم.

فعلى هذا؛ يكون مقتضى القاعدة الحكم باحتياج المترجم إلى التعدّد،


1) وسائل الشيعة: 17/ 89 الحديث 22053.

و إنّما الاكتفاء بالواحد مختصّ بباب الرواية و غيرها كلّما ثبت بقاؤه تحت الدليل العامّ المعتبر به قول العادل و إخباره هذا بالنسبة إلى المترجم.

و أمّا الكلام في كاتب القاضي لا إشكال ظاهرا في أن يكون ممّن يطمأنّ به و عادلا؛ للسيرة، و أمّا غير ذلك من اشتراط الفقاهة و التعدّد و غيرهما فالأقوى عدم اعتبارها؛ لعدم الدليل عليه، و لعدم صدق عنوان الشاهد و نحوه عليه حتّى يعتبر فيه ما يعتبر في الشاهد، بل هو من أجزاء دكّة القضاء و معاوني القاضي، كما يمكن أن يقال بمثل ذلك في المترجم أيضا، فافهم!

المقصد الثالث: في ما يتعلّق بعدالة الشهود

اشارة

و فيه امور:

[الأمر الأول] في ما يشترط فيه العدالة

الأوّل: قال في «الشرائع»: الحاكم إن عرف عدالة الشاهدين حكم، و إن عرف فسقهما أطرح، و إن جهل الأمرين بحيث عنهما (1).

لا يخفى؛ أنّ هذا الكلام- أي حكمه بالفحص عند الجهل الّذي ظاهره الوجوب- مبنيّ على أن يكون وجوب الحكم بالنسبة إلى هذه مقدّمة، أي اشتراط العدالة مطلقا، حتّى يصير من الواجب المطلق الّذي يجب تحصيل شرطه.

و لكن ليس في المقام دليل يستفاد منه الإطلاق كذلك، إذ لا إشكال في أنّ عمومات الباب و إطلاقاته ليس في مقام البيان من هذه الجهة، كما أشرنا إليه مرارا من أنّ مثل قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ (2)و نحوه، ليس إلّا في مقام أنّه إذا اريد الحكم فلا بدّ و أن يكون كذلك، و أمّا أن يكون في مقام بيان الصغرى و أنّه في أيّ مورد يجب الحكم، فليس متكفّلا له، كما لا يخفى.

فعلى هذا؛ لا مجال للتمسّك بمثل هذه الإطلاقات على أن يكون وجوب الحكم مطلقا بالنسبة إلى مقدّماته، كما أنّه لا يجوز التمسّك أيضا بالإطلاقات


1) شرائع الإسلام: 4/ 76.

2) المائدة (5): 47.

الدالّة على الحكم بالبيّنة العادلة، إذ هي في مقام بيان أنّه إذا قامت البيّنة العادلة فيجب الحكم عنده، و أمّا من غير هذه الجهة فحالها حال سائر الإطلاقات.

فليس في الباب دليل يتمسّك به على أن يكون تحصيل مقدّمة الحكم- أي عدالة الشاهد و إحرازها- واجبا، و يكفي الشكّ للحكم بعدم وجوبه، كما في مطلق ما إذا شكّ في واجب أنّه مطلق بالنسبة إلى الشرط الفلاني أو مشروط، فيجري أصل البراءة، و يحكم بعدم وجوبه ما لم يتحقّق الشرط.

بقي الكلام في أنّه لو عدّلهما الخصم حينئذ- أي عند الجهل بحالهما- هل يحكم به أم لا؟ فإن قلنا: عدالتهما إنّما هي راجعة إلى حقّه، فينفذ إقراره بعدالتهما، لرجوعه إلى إسقاط حقّه من إثبات عدالتهما من الخارج.

و إن قلنا بأنّه من شئون الحكم و شرائطه- كما هو التحقيق، لكون ذلك هو المستفاد من الأدلّة المثبتة لاشتراطهما- فحينئذ لا يثمر إقرار الخصم و تعديله أبدا.

[الأمر الثاني] [نقض الحكم عند تبيّن فسق الشاهدين]

الثاني: قالوا: إنّه لو تبيّن فسق الشاهدين ينقض الحاكم حكمه.

لا خفاء في أنّ ذلك يتمّ لو كان مستند حكمه قطعه بعدالتهما، فحينئذ إذا انكشف خلافه؛ فلمّا ظهر أنّه ما حكم بحكمهم لا ظاهرا- لعدم إعمال التعبّد بالنسبة إلى البيّنة بناء عليه- و لا واقعا- لكون المفروض كشف خلاف الواقع- فلا محذور في النقض، لعدم صدق الردّ، لانتفاء الموضوع.

و أمّا لو كان مستنده الطريق التعبّدي، مثل أن يعدّ لهما شاهدان آخران، أو

اعتمد على الاستصحاب أو غيره من الطرق التعبديّة، فحينئذ لمّا يصدق كون الحكم حكما لهم عليهم السّلام و لو ظاهرا فيتحقّق الموضوع، فكيف يجوز النقض؟ و قد بيّنا سابقا عدم جواز النقض لو كان مستند الحكم الأوّل حجّة ظاهريّة، و لو قامت حجّة اخرى بعد الحكم على خلاف الاولى، ما لم يقطع ببطلان الاجتهاد الأوّل، أو كون الحكم مخالفا للواقع.

و لكن الظاهر؛ كون هذا الحكم مسلّما عندهم، كما أفتى في «الشرائع» أيضا قبل ذكر هذا الفرع و فروع ثلاثة قبله، من أنّه لو ادّعى المحكوم عليه أنّ الحاكم حكم بشهادة فاسقين يسمع دعواه (1).

فعلى هذا لا بدّ من رفع اليد عن الإطلاق الّذي ذكرنا و الالتزام بأنّ المراد من عدم جواز نقض حكمهم- أي حكمهم الواقعي- الناشئ عن منشأ صحيح و بيّنة عادلة واقعيّة، فما دام لم ينكشف الخلاف و يصدق بأنّه حكم بحكمهم واقعا و لو في الظاهر- كما في مطلق الأمارات المثبتة للحكم الواقعي في الظاهر- فلا يجوز الردّ و النقض.

و أمّا لو انكشف الخلاف فلمّا يرتفع الموضوع بعنوانه المأخوذ في حيّز الحكم، فلا بدّ من الحكم بمقتضى الحجّة المتأخّرة.

و بعبارة اخرى؛ نتيجة البحث أنّ مقتضى الجمع بين أدلّة الباب بل و أقوال الأصحاب، أنّ عدم جواز الردّ حكم ماداميّ معلّق على شرط واقعيّ، و ليس الباب مثل باب عدالة الإمام و نحوه ممّا يكون للحجّة الظاهريّة موضوعيّة، بحيث لا يؤثّر فيه كشف الخلاف، فتأمّل!


1) شرائع الإسلام: 4/ 76.

[الأمر الثالث] [عدم جواز التعويل على حسن الظاهر في الشهادة]

الثالث: قال في «الشرائع»: و لا يجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر (1).

لا يخفى؛ أنّ العدالة الّتي اختلفوا في معناها، من كونها هي الاجتناب عن الكبائر، أو هو مع عدم الإصرار على الصغائر، أو هما مع الاجتناب عن منافيات المروّة، أو عدم اعتبارهما في معناها مع الاختلاف في أصل عدد الكبائر أيضا.

فعلى كلّ حال؛ اعتبارها في الشخص عبارة (2)عن حسن ظاهره الصوري الّذي يكون عبارة عن عدم ارتكاب ما ينافيها علنا عند نوع الناس، أو هي عبارة عن عدم الارتكاب عند عامّة الناس لا خفاء و لا علنا، أو عدم الارتكاب حتّى عند نفسه أيضا، أو كونها هي الملكة، وجوه، بل أقوال.

و لكنّ التحقيق عدم كونها هي بالمعنى الأوّل، و هو أن يكون الشخص متستّرا للمحرّمات عن الناس- أي نوعهم- و قد عبّرنا عنه بحسن الظاهر الصوري؛ لعدم انطباق هذا المعنى مع ما يستفاد من أدلّة الباب، بل عليه يكون عامّة الناس عادلا، إذ قلّما يوجد شخص أن لا يكون حافظا لنفسه في ارتكاب المناهي بهذا المقدار، بل عدم الحفظ بهذا المقدار يوجب صيرورة الشخص متجاهرا لا فاسقا فقط، و لم يظهر القول به بين الأقوال أيضا، بل إنّما الظاهر من الأقوال هي الثلاثة الأخيرة.


1) شرائع الإسلام: 4/ 76.

2) و بعبارة اخرى: هذا الاختلاف راجع إلى الخلاف في طريق ثبوتها بأيّ معنى كانت، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

فما يستظهر من كلمات القدماء، يمكن أن يقال: هي بالمعنى الثاني (1)، و ما يستفاد من كلمات المتأخّرين من العلّامة و من بعده، هي بالمعنى الأخير (2)، و الّذي يظهر من بعض هي بالمعنى الثالث (3).

و لكنّ العدالة بذلك المعنى تصير قولا ثالثا لو قلنا بكون ترك المحرّمات عند جميع الناس بحيث يوجب ذلك حصول الاطمينان بعدم كون تركه إنّما هو من جهة اختفائه، بل إنّما هو لعدم ارتكابه حتّى عند نفسه في الواقع، إنّما هو يكون لهذا المعنى موضوعيّة، لا أن يكون طريقا إلى حصول الملكة، و إلّا فهو مع القول بكونها هي الملكة يصير قولا واحدا.

فكيف كان؛ لا يبعد الالتزام على ما يستفاد من مجموع أدلّة الباب من كونها بالمعنى الثاني، أي ترك المحرّمات عند جميع الناس بحيث يكون ذلك طريقا إلى كونه تاركا حتّى عند نفسه فيما بينه و بين اللّه، لا بأن يكون مختصّا ذلك عنهم، و لا بأن يكون هذا الّذي قوّيناه- أي الترك عند جميع الناس- سراجا على السراج، أي حتّى يكون إحراز كونه تاركا حتّى عند نفسه إنّما ذلك أيضا طريق إلى حصول الملكة بحيث يكون لها الموضوعيّة لا بل نفس إحراز كونه تاركا لها حتّى في الخفاء فيما بينه و بين ربّه إنّما هي معنى العدالة.

و يدلّ على ذلك، قوله عليه السّلام: «فإن كان ظاهره ظاهرا مأمونا» (4).. إلى آخره، و تحقيق المسألة موكول إلى محلّه، فافهم!


1) المقنعة: 725 و 730، المبسوط: 8/ 217، السرائر: 1/ 280، النهاية للشيخ الطوسي: 325.

2) مختلف الشيعة: 8/ 484، مدارك الأحكام: 4/ 67.

3) رياض المسائل: 9/ 267 و 268.

4) وسائل الشيعة: 27/ 392 الحديث 34034، مع اختلاف يسير.

بل الظاهر؛ من آخر كلام «الجواهر» (1)أيضا، هو كونها بالمعنى الّذي قوّيناه، حيث أنكر أن يكون المستفاد من الأدلّة و الأخبار هي الحسن الظاهري بأعلى درجته الكاشف ذلك عن الملكة (2)، و إن مال في أوّل كلامه إليها، فراجع!

[الأمر الرابع] المزكّي و الجارح

اشارة

الرابع: العدالة- بأيّ معنى كانت- إذا ثبتت فتجوز الشهادة عليها، و هي كما تثبت بإحرازها بنفسها للحاكم فيحكم على وفق ما شهد به العادلان، فكذلك يثبت ذلك بقول من يزكّيهما لو كان المزكّي عدلا عند الحاكم.

و بالجملة؛ لا كلام في أنّ عدالة الشهود تثبت بتزكية العدلين إيّاهم، فيثبت بذلك ما شهد به الأوّلان.

إنّما الإشكال في أنّه بعد أن عرفت الاختلاف في معنى العدالة، فهل يتوقّف ثبوت العدالة على إحراز الحاكم مذهب المعدّل في معنى العدالة خلافا و وفاقا، أم لا يتوقّف على الإحراز، بل عليه أن يحمله أي- تزكيته- على الواقع؟

ففيه أقوال، ثالثها التفصيل بين الجرح و التعديل، فيحتاج في الأوّل إلى الشرح و ذكر سبب الفسق، بخلاف الثاني، و نسب ذلك إلى المشهور (3).

و تحقيق المسألة موقوف على أن يبنى على أنّ التعبّد بظهور لفظ العادل- كما يثبت به كون ما يظهر من كلامه هو مراده، كذلك يثبت به كون واقع المعنى مراده- و عدم البناء عليه.


1) في المقام عند شرح قول المحقّق، و هي العبارة المنقولة صدر الصفحة، «منه رحمه اللّه».

2) جواهر الكلام: 13/ 297، و 40/ 113.

3) مسالك الإفهام: 13/ 407، رياض المسائل: 9/ 270.

فإن قلنا بأنّ دليل التعبّد كما يثبت الالتزام بظهور لفظه كذلك يدلّ على وجوب الالتزام بكون الواقع مراده، فلا يحتاج ترتيب الآثار على قول المزكّي جرحا و تعديلا إلى التقيّة، و إلّا- أي و إن قلنا بأنّ دليل التعبّد ليس بهذه المرتبة من الوسع، بل إنّما الثابت به الأوّل فقط، و لا يشمل الثاني و هو حمل لفظه على المعنى الواقعي- فيحتاج إلى التفسير.

ثمّ إنّ الصور المحتملة في المقام ثلاثة، لأنّ الحاكم الّذي يعدّل عنده إمّا أن يكون رأيه موافقا مع المعدّل في ملاك العدالة، و إمّا أن يكون مخالفا معه، أو يشكّ في ذلك.

و بعبارة اخرى؛ إمّا أن يعلم اتّفاق الحاكم و المعدّل في الملاك، و إمّا أن يعلم اختلافهما- كما لو كان الحاكم يرى منافيات المروءة مضرّا بالعدالة، و المعدّل لا يراه مضرّا، اجتهادا أو تقليدا- أو يشكّ في الوفاق و الخلاف.

أمّا في الأوّل؛ فلا إشكال في أنّه يؤخذ بإطلاق قول المزكّي أو الجارح بلا احتياج إلى الشرح و التفسير؛ لإطلاق دليل التعبّد بالظهور المثبت ذلك للعدالة و الفسق الواقعي، كما هو المفروض، إذ لا واقع للّفظ سوى ما يظهر منه عندهما.

أمّا في الثاني؛ ففيه الإشكال من حيث إنّ دليل التعبّد لا يثبت إلّا كون ما يظهر من اللفظ هو المراد، و أمّا أنّ الواقع مراد فليس دليل التعبّد متكفّلا لذلك، إذ دليل التعبّد- أي التعبّد بظواهر الألفاظ لا يدلّ على أزيد من وجوب البناء على كون ما يظهر من اللفظ هو الواقع، و هذا لا يثبت ما هو المقصود من العدالة، لأنّ المفروض كون ما يظهر من اللفظ عند المزكّي غير ما يظهر منه عند الحاكم، و ما هو الظاهر عنده ليس ملاكا كالعدالة عند الحاكم.

و بالجملة؛ و لو أجرينا أصالة الظهور في المقام و رتّبنا أثر الواقع على قول العادل، مع ذلك لا يثمر في إثبات عدالة الشهود مع اختلاف المعدّل و الحاكم في واقع اللفظ.

و من أنّ الجمود في دليل التعبّد بهذا المقدار بلا أن يثبت به الواقع و أنّه يجب البناء على كون الواقع الحقيقي هو مراد المتكلّم، و أنّ الظاهر الّذي اريد هو أكمل مصاديق معنى اللفظ، يوجب العسر و الحرج الّذي أوجب ذلك إجراء أصالة الصحّة، حتّى فيما لو احرز اختلاف مذهب العامل مع مجريها.

كما لو علم بأنّ أحدا يرى تقليدا أو اجتهادا صحّة العقد بالفارسي، مع أنّ غيره يرى بطلانه، فيجوز للغير إجراء الأصل إذا اطّلع على إجرائه عقدا، و لو ادّعى الإجراء بما يراه الغير صحيحا يقبل قوله.

فتحقيق المقام هو: أنّه إذا علم بأنّ ملاك تحقّق معنى عند شخص إنّما يكون مشروطا بأمر يكون وجود هذا الأمر عند غيره مضرّا في تحقّق ذاك المعنى، كما لو فرضنا في المقام أنّ ترك منافيات المروءة- مثلا- موجب للفسق عند أحد، مع أنّ ذلك عند غيره شرط في تحقّق العدالة.

و بالجملة؛ كلّما احرز نحو تضادّ و تناف بين المذهبين عند العامل و غيره، فحينئذ كما لا مجرى لأصالة الصحّة كذلك لا سبيل إلى حمل اللفظ إلى غير ما هو الظاهر من المعنى عند المتكلّم؛ إذ حمله على غيره- و هو الواقع عند الحامل- يرجع إلى تكذيب المخبر في خبره. ضرورة أنّه على الفرض يرى المخبر ما هو المناط لوصف العدالة- مثلا- عند الحامل ملاكا للفسق، فمع هذا لو حملنا إخباره بالعدالة على معناها المعتبر عند غيره فكأنّه أخبر عن الفسق فكذّبته

و أخذت بضدّ ما أخبر به، فلا محيص في مثل هذا المورد عن الحمل على المعنى المناط عند المخبر.

و أمّا فيما لم يكن كذلك، بل كان المعنى المناط لتحقّق الوصف عنده و عند غيره من باب الأعلى و الأدنى، بأن يرى العقد بالفارسي مجزيا لا العربي مضرّا- مثلا- و كذلك في العدالة يرى عدد الكبائر أقلّ ممّا يكون عند غيره، أو لا يرى منافيات المروءة مضرّا بالعدالة مثلا- كما يكون الاختلاف غالبا من هذا القبيل- فحينئذ كما أنّ في باب أصالة الصحّة يكون بناء الأصحاب الحمل على الصحّة الواقعيّة، و يرتّبون آثار تلك الصحّة على عمل الغير و إخباره دون الصحّة عنده- كما جرى دأبهم على ذلك في الفقه و إن استشكلوا في الاصول من بعض الجهات، مثل ما لو غسل أحد نجاسة من ثوب أو غيره يرى الوحدة في تطهيره كافية، مع أنّ غيره يرى الاحتياج في التطهير إلى الاثنين، فيحملون في ذلك حمله و إخباره بالتطهير الواقعي، لا ما هو مناط عنده حتّى يلزم [من] ذلك ترتيب آثار النجس و بقاء النجاسة على المغسول، و ذلك لحمل فعله على أكمل أفراد ما يمكن أن يتحقّق الفعل به، و لو لا ذلك يوجب الحرج، و كذلك في باب العقد بالفارسي و غيره كلّ ما يكون من هذا القبيل- فكذلك في المقام، و هو مسألة الاختلاف في معنى واقعي اللفظ، لا يبعد الالتزام بمثله لجريان المناط المذكور و لزوم الحرج لو بني على حمل اللفظ على المعنى الظاهر عند المخبر دون الواقع.

إلّا أن يقال: إنّ أصالة الصحّة أصل تعبّدي محض بلا أن يكون ملاكه ما

ذكرنا، حتّى يجوز التعدّي عنه، أو ينكر (1)أصل جريان القاعدة في ما ذكرنا من الموارد، بل ينحصر موردها بما إذا كان العامل أيضا يرى بطلان العمل على الوجه الّذي يراه الحامل كذلك، لا أن يكون في نظره صحيحا مثل الغسل بالمرّة و المرّتين الّذي لا يرى العامل كفاية المرّة أيضا، فشكّ في أنّه غسل مرّة أو مرّتين فحينئذ؛ لا مجال للتجاوز من القاعدة و مواردها المتيقّنة إلى غيرها.

و لكنّك خبير؛ بأنّ الاحتمالين خلاف التحقيق، و أنّ السيرة المستمرّة إجراء القاعدة في الموارد الّتي ذكرنا، إذ لم يظهر من أحد الاستشكال في العقد الّذي أجراه من يرى الاكتفاء بالعقد الفارسي ممّن يكون العربيّة عنده شرطا، و ليس الدليل عليه- أي [على] إجراء القاعدة- إلّا من باب ظهور العمل الصادر من المسلم في الصحّة الواقعيّة، بحيث صار العمل ذا وجهة فيها، و كلّ ما يصدر من المسلم فالظاهر صدوره على كيفيّة أكمل أفراد الصدور، و هو الصحّة الواقعيّة المقبولة عند الجميع.

و لا ريب أنّ هذا المناط بعينه جار في الاختلافات في مفاد الألفاظ و ما هو الظاهر فيه من المعاني، أو اللفظ ظاهر في المعنى الحقيقيّ الواقعي، و إذا القي من متكلّم يكون المراد به واقع معنى اللفظ المتّفق بينه و بين المخاطب، لا الواقع عنده فقط.

فمن ذلك يقوى القول بعدم (2)احتياج التعديل و الجرح إلى التفسير حتّى


1) كما يظهر الميل إليه من شيخنا قدّس سرّه على حسب ما استفاد من أدلّة الباب، و إن سلّم إطلاق كلمات الأصحاب، فراجع! «منه رحمه اللّه».

2) هكذا أفاد- دام ظلّه- و لكنّه بعد لا يخلو عن النظر، كيف و مع العلم في إختلاف المذهبين في ما يظهر من اللفظ فيبقى الظهور للفظ في المعنى الواقعي عند المخاطب، حتّى بحيث يكون ذا وجهة فيما هو الواقع عند غير ملقي الكلام، و لذا تسلم ما أفاده في القسم الثالث- و هو ما لو شكّ في الوفاق و الخلاف- أسهل، فتأمّل جيّدا. «منه رحمه اللّه».

فيما لو علم اختلاف المعدّل و الحاكم في معناهما، فكيف بما لو شكّ في ذلك؟

حملا لكلامه على الواقع و أكمل مصاديق المعنى، كما قوّى ذلك صاحب «الجواهر» قدّس سرّه أيضا (1).

ثمّ إنّه هل يحتاج التعديل إلى ضمّ قوله: إنّه مقبول الشهادة الكاشف عن عدم الانتساب بين الشاهد و المشهود عليه المانع عن قبول الشهادة أم لا؟

لا إشكال في أنّه إذا كان لم يحرز الحاكم عدم تحقّق المانع من الانتساب أو الشركة بين الشهود و المشهود له أو عليه لا يكتفى بصرف التعديل، بل لا بدّ من إحرازه، و لكن ذلك- أي عدم إحرازه المانع المذكور- لا يوجب عدم إفادة التعديل، بل المزكّي لو لم ينف المانع يؤخذ بقوله في التعديل ثمّ يحتاج إحراز عدمه إلى طريق آخر، فإن انضمّ المزكّي إلى تعديله قوله: مقبول الشهادة (2)، في حقّ من شهد عليه؛ فهل يكتفى بذلك لإحراز عدم المانع، أم لا؟ هذا مبنيّ على أن نقول بأنّ ظهور هذه الجملة هل يدلّ على عدم المانع الواقعي، أم لا؟

فإن بنينا عليه من جهة ظهورها فيه، لا أنّه في مقام تأكيد العدالة و أنّه مقبول الشهادة في حقّه من حيث العدالة لا من سائر الجهات، فلا يحتاج إحرازه إلى طريق آخر، و إلّا فلا بدّ منه.


1) جواهر الكلام: 40/ 116.

2) و لا يكفي لذلك قوله: لي أو عليّ، إذ لا ثمرة في ذلك بالنسبة إلى ما اشترط فيه عدم ذاك المانع.

ثمّ على الثاني؛ هل يكفي لإحرازه الأصل، أم لا، بل يحتاج إلى الأمارة و البيّنة، كما في أصل العدالة؟

فإن قلنا بأنّ تزكية الشهود إنّما هي من طرق حكم الحاكم و مدرك له، فلا ريب في عدم كفاية أصالة عدم المانع؛ إذ طريق الحكم منحصر بالبيّنات و الأيمان.

و أمّا ما يرى من أنّه قد يجري الأصل في القضاء، فإنّما هو لتقديم أحد القولين على الآخر، مثل أصالة الصحّة و نحوها.

و إن قلنا بأنّها إنّما هي من مقدّمات الطريق و تحصيل العلم به، لا أن يكون بنفسه طريقا، و إنّما الطريق شهادة المزكّى و المعدّل- بالفتح- كما هو التحقيق، فيكتفى به لإحراز عدم المانع المذكور؛ لعدم صيرورة الأصل حينئذ طريقا للحكم، كما لا يخفى.

اختلاف البيّنات

فرع: لو اختلف الجارح و المزكّي، فأيّهما يقدّم؟

تنقيح البحث في ذلك موقوف على إحصاء صور المسألة، و هي أربعة؛ إذ المعدّل قد يكون شهادته على المخالطة و الممارسة مع عدم رؤية ما يوجب الفسق عن المزكّى- بالفتح- و صيرورته بذلك ذات الملكة، بحيث تكون شهادته على مجموع ما ذكر بخصوصيّاتها، و كذا الجارح يشهد بالمخالطة و رؤية الفسق و نفيه الملكة عنه لذلك.

و قد يشهد بالعدالة مطلقة بلا أن يذكر سببه، و كذا الجارح يخبر و يشهد

بالفسق مطلقة بلا ذكر موجبه، و قد يشهد بالمخالطة (1)و رؤية الفسق، و لكن يشهد أيضا بتعقّبه بالتوبة فيراه الآن عادلا، و الجارح يشهد بالفسق و عدم التعقّب بالتوبة.

و قد يشهد المعدّل بأنّه في الوقت الّذي شهد الجارح بكون المشهود له مشتغلا بالفسق حينه رآه غير مشغول به، بل كان مشغولا بطاعة أو عمل مباح و نحوه، و الجارح على خلاف ذلك، بحيث يكون التنافي و التناقض بين مدلولي كلامهما.

أمّا الصورة الاولى؛ فلا إشكال في كونها من اختلاف البيّنتين لا تعارضهما، إذ لا تنافي بين مدلولي الشهادتين أبدا؛ ضرورة أنّه يمكن أن يكون الوقت الّذي رأى الجارح عنه الفسق كان المزكّي غافلا عنه لغيبته و نحوها، فمقتضى دليل البيّنة الأخذ لكلّ منهما، إلّا أنّ الأثر إنّما يكون للجارح، كما هو مقتضى الجمع بين البيّنتين؛ إذ الأخذ بقوله متوقّف على ذلك، و إلّا فليس يعمل بشهادته، و المفروض أنّ العمل بشهادته ليس تكذيبا لقول المزكّي، لعدم التعارض.

و أمّا في الثانية؛ فمقتضى العمل بالبيّنتين التعارض، و ذلك لأنّ المفروض أنّ ما هو في حيّز الشهادة هو العدالة و الفسق المطلقة، و دليل البيّنة إنّما يدلّ على ترتيب الأثر على ما هو في حيّز قول العادل، و لا مدخليّة في ذلك؛ أسباب شهادته و موجبات علمه، و لا لوازم قوله.


1) الظاهر أنّ القسم الثالث الّذي ذكره- دام ظلّه- هو أنّ كلتيهما يشهد بالعدالة و الجرح مطلقة، و لكن نعلم من الخارج كون مدرك أحدهما العلم الوجداني و الآخر الأصل الشرعي من الاستصحاب و نحوه، و إن كان ذلك يرجع إلى ما في المتن أيضا، «منه رحمه اللّه».

فحينئذ؛ لو علمنا و قطعنا بكون مدرك شهادة المزكّي الأصل، مع ذلك لا يضرّ بالشهادة أصلا كيف مع الظنّ بذلك، كما قالوا بأنّ الأغلب مدرك شهادة المعدّل الأصل و اعتماده عليه، بمعنى: أنّ كون مدرك شهادته ذلك لا يوجب أن لا يكون منافيا مع شهادة الجارح بعد القطع بأنّ «صدّق العادل» لا يدلّ إلّا على ترتيب الأثر على نفس ما شهد به من دون نظر إلى الجهات و الأسباب، فلذلك يقع التعارض بين شهادته على التزكية و شهادة الجارح على الجرح و الفسق.

فبذلك ظهر النظر في ما في كلام «الجواهر» في المقام، حيث ألحق إطلاق الشهادة بالعدالة و الفسق بصور اختلاف الشهود القابل للجمع دون تعارضها، نظرا إلى كون مدرك شهادة المزكّي غالبا الظنّ (1)، فتبصّر.

و أمّا في الصورة الثالثة؛ فقد يتوهّم فيها أيضا عدم التعارض، نظرا إلى كون مدرك أحدهما الأصل الّذي لا ينافي مع العلم، و قد عرفت أنّه لا مدخليّة للمدرك في ما هو محلّ الابتلاء و إنّما يجي‌ء تحت دليل التعبّد ليس إلّا نفس ما شهدا به، إذ المفروض أنّه بمقتضى دليله التعبّدي من الاستصحاب و نحوه يخبر عن العدالة أو الفسق الواقعيّين، و ليس يتعلّق دليل التعبّد بهذا المدرك أو المدرك الآخر و هو علمه، و إنّما يتعلّق بنفس ما شهدا به و هو العدالة و الفسق مطلقة، فيقع التعارض بينهما، و لا يمكن الجمع بعد عدم المدخليّة للمدرك في باب الشهادة، كما لا يخفى، فالتحقيق في هذه الصورة إلحاقها بصور التعارض.

و أمّا الصورة الرابعة؛ فلا إشكال في كونها من التعارض و عدم إمكان الجمع بين القولين و الشهادتين، كما هو واضح.


1) جواهر الكلام: 40/ 120 و 121.

ثمّ إنّ في صور التعارض الّذي لازمه سقوط البيّنتين، هل النتيجة التوقّف في أصل الدعوى و عدم الحكم رأسا حتّى مع حلف المنكر؟ بمعنى أنّه حتّى لا حقّ للمنكر للحلف أيضا، لاحتمال وجود البيّنة واقعا للمدّعي، فحينئذ لا تصل النوبة بالحلف، أم لا، بل التوقّف إنّما هو من حيث الحكم بمقتضى البيّنتين من الحكم بالعدالة أو الفسق، فيكون حقّ الحلف للمنكر ثابتا، فيجب الحكم و فصل الخصومة بعده؟

التحقيق الثاني، إذ لا إشكال في أنّه إذا سقطت البيّنتان للتعارض فلا تبقى بيّنة في البين، فيبقى الطريق الآخر- و هو الحلف- بحاله، فكأنّ البيّنة لم تكن موجودة من أصلها، فيؤثّر الحلف، و أمّا احتمال وجود البيّنة لا يمنع عن الحلف و تأثيره، إذ يكفي في نفيها الأصل من أصالة عدم ثبوت مقتضي الحكم، فتدبّر!

إحضار الخصم

فرع: اختلفوا في أنّه إذا التمس الخصم إحضار خصمه، هل يجب على الحاكم إجابته، أم لا؟

ظاهر المشهور الوجوب، و فصّل بعضهم بين الغائب و الحاضر، فالتزموا بالوجوب في الثاني (1)بعد تحرير الدعوى، لا قبله؛ و أمّا في الأوّل فيجب مطلقا.

و لا يخفى أنّ المسألة مبنيّة على أنّه هل يكون للمدّعي هذا الحقّ، أم لا؟

بمعنى أنّه كما أنّ له أصل حقّ الدعوى الّذي ذلك من شئون سلطنته على ماله، كذلك بمقتضى سلطنته المطلقة عليه هل له إحضار الخصم ليتمّ الكلام معه


1) مسالك الإفهام: 13/ 424.

و ينقطع الدعوى لوقوع الترافع بمحضره، حتّى لا يكون الغائب على حجّته الّذي يوجب ذلك كون المال المأخوذ الثابت في يده متزلزلا، أم ليس له هذا الحقّ؟

لا يبعد القول بالأوّل؛ لاقتضاء إطلاق سلطنته ثبوت هذا الحقّ له، كما لا يخفى.

و لا يتوهّم أنّه ما لم يحرز الدعوى و لم يقطع الترافع لم يثبت أصل الماليّة و السلطنة حتّى يقتضي إطلاقها و كمالها ما ذكر. إذ لا إشكال في أنّه يكفي السلطنة التعليقيّة و الماليّة المحتملة لذلك، كما أنّه كان يكفي لاستماع دعواه الّذي معناه ترتّب الآثار عليه من وجوب ردّ الجواب على الخصم الّذي يثبت ذلك بالملازمة العرفيّة بين سماع دعوى المدّعي و وجوب الجواب عنه، فكذلك له هذا الحقّ بجميع مراتبه، أي كما له حقّ أصل الدعوى فيجب الجواب عنه، فله إتمام دعواه و على الخصم الجواب و إيجاد مقدّماته من الحضور و نحوه.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون حاضرا في البلد أو غائبا عنه، و [بين] استلزام حضوره الضرر و عدمه، لما حقّقنا في محلّه أنّ قاعدة الضرر و نحوه لا يزاحم السلطنة، و كذلك الحقّ الّذي يكون من شئونها من حقّ الدعوى و الإحضار و نحوه.

هذا ما أفاد- دام ظلّه- و إن كان الأمر كما أفاد من مبنى كلامه- دام ظلّه- حسبما أوضحنا في باب الغصب، من عدم التزاحم بين القواعد الامتنانيّة، مثل قاعدة الحرج و الضرر و السلطنة، و عدم حكومة إحداها على الاخرى، إلّا أنّ الكلام في المقام في التزاحم بين السلطنتين، إذ غاية ما يثبت بالدليل حقّ الدعوى للمدّعي و وجوب سماعها.

و أمّا أزيد من ذلك مثل إحضاره الخصم لو كان غائبا فلم يدلّ عليه الدليل، و مقتضى سلطنة الخصم على نفسه و عدم سلطنة الغير عليه عدم ثبوت هذا الحقّ للمدّعي، إلّا أن يقال: يكون المقام من باب السبب و المسبّب، أي كون عدم سلطنة المدّعي على إحضار الخصم مسبّبا عن عدم سلطنته على ماله بتلك المرتبة الّتي قلنا، فتأمّل في المقام، فإنّ المسألة غير منقّحة.

هذا كلّه؛ في إحضار الخصم لإثبات الحقّ، و أمّا الكلام في إحضاره لاستيفائه، فيما توقّف عليه، فالظاهر عدم الخلاف في ثبوت هذا الحقّ له، و وجوب إجابته، فلا تغفل!

المقصد الرابع: الكلام في ما يتعلّق بالدعوى و المدّعى به

اشارة

و فيه مسائل:

[المسألة الأولى] تعيين الدعوى

الاولى: حكى المحقّق قدّس سرّه عن الشيخ (1)و [حكي أيضا عن] جماعة غيره من الأصحاب؛ عدم سماع الدعوى، إلّا أن يكون معلوما من كلّ جهة، ثمّ ضعّفه بالاستشكال فيه (2).

نقول: إنّ مراتب المدّعى به من حيث الماليّة و الملكيّة مختلفة؛ منها، ما لا يفرض له ماليّة رأسا كحبّة من الحنطة أو ورق من التبن، فإنّ الملكيّة بالنسبة إلى مثلهما و إن كانت ثابتة، بحيث يكون لمالكهما السلطنة عليهما، و لا يجوز للغير التصرّف فيهما بدون إذن صاحبهما، و له مطالبتهما عن الغير، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ العرف لا يعتبر لهما الماليّة، و لذلك يدّعى بأنّ العرف يرى الدعوى و الترافع بالنسبة إلى مثلهما سفهيّا، و لا يصدق الدعوى عند العرف إلّا في ما كان له اعتبار الماليّة.

ثمّ إنّه لا خفاء في أنّ مراتب الماليّة بالنسبة إلى الأشياء و الأشخاص مختلفة، فإنّه ربّما يكون للشي‌ء عند العرف ماليّة نوعيّة، إلّا أنّه بالنسبة إلى بعض الأشخاص لا يعتبر له الماليّة، بحيث يكون له حفظه و الاهتمام به حتّى في طرف الشكّ أو الظنّ به، ضرورة؛ أنّ مراتب الاهتمامات بالنسبة إلى الأشخاص


1) شرائع الإسلام: 4/ 82.

2) انظر! جواهر الكلام: 40/ 149.

و الأوقات مختلفة، فإنّه ربّما لا يعدّ حفظ المال من بعض عند ظهور الأمر و التيقّن به مستنكرا، مثل ما لو كان فلس واحد لذي الشرف و الثروة في يده أو عند غيره، فأخذه منه أو حفظه عند نفسه، فربّما لا يعدّ ذلك عند العقلاء مستهجنا، و أمّا لو ضاع منه مثل هذا المال فصار في مقام تفحّصه، فيعدّ صدور ذلك عن مثل ذاك الشخص قبيحا و مستنكرا.

و كذلك يختلف ذلك من حيث الظنّ و الاطمئنان بوجود المال و الشكّ فيه، فربّما لا يعدّ الفحص عن المال و كون الشخص بصدد حفظه مستنكرا في الصورة الاولى بخلاف الثانية، و هكذا يختلف الأمر بحسب اختلاف مراتب الاهتمامات بالنسبة إلى الأشخاص و الأموال، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ عنوان الدعوى أمر عرفيّ و ليس بموضوع شرعيّ، و لا ورد فيه عموم أو إطلاق يحدّده و يبيّن أنّه في أيّ مورد يصدق العنوان و في أيّ مورد لا يصدق، و إنّما ورد في الشرع مثل عمومات: «البيّنة على المدّعي» (1).. إلى آخره، و كذلك عمومات وجوب الحكم بما أنزل اللّه (2)و نحوهما ممّا هي مقام بيان تعيين الوظيفة، أو لزوم الحكم الموافق للعدل و غيرها، فليست في مقام بيان التحديد المذكور حتّى يستفاد منها الضابط في صدق الدعوى و المدّعى به، و إنّما هي في مقام بيان ما عرفت، و لا ربط لها بالتحديد، بل لا مساس لها لذلك، كما لا خفاء في ذلك لمن له أدنى دراية.

و بالجملة؛ لا طريق لنا شرعا يستفاد منه الضابط في صدق الدعوى، و أمّا


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

2) وسائل الشيعة: 27/ 31 الباب 5 من أبواب صفات القاضي و ما يجوز أن يقضي به.

تلك العمومات فليست قابلة للتكفّل لذلك، و إنّما هي في مقام بيان أحكام تابعة لصدق عنوان موضوعاتها، و لا بدّ فيها من إحراز الموضوع من الخارج، و لا إشكال في أنّه لا طريق لإحرازها و تعيين الضابط في صدق الدعوى إلّا العرف و سيرة العقلاء في ذلك.

و قد عرفت أنّ صدق ذلك تابع للمدّعى به و ماليّته عندهم، بحيث يرون في بعض المقامات عدم صدق الدعوى رأسا، كما لو لم يكن للشي‌ء ماليّة أصلا، بحيث لو أحضر أحد نفسه للترافع في المدّعى به الّذي ليس له ماليّة عرفا يرون عمله ذلك مستهجنا بل سفهيّا.

ففي مثل ذلك يمكن الدعوى قطعيّا بأنّه لا يصدق الدعوى، فلا يمكن القول بأنّ الدعوى تابع لصدق الحقّ، فكلّما ثبت الاستحقاق- و لو كان حقّ السلطنة المحضة و لو لم يكن للشي‌ء ماليّة- فيجوز الدعوى و الترافع فيه، فيقال:

إنّه كما أنّ لذي الحقّ أخذ حقّه و ملكه عن الغير و مطالبته له فكذلك له الترافع فيه، إذ لا يخفى أنّ لباب التخاصم و الترافع خصوصيّة زائدة على سائر المقامات، مثل مقام حفظ الملك و مطالبته عن الغير، فإنّه لا يعدّ مثل هذه التصرّفات سفهيّا، فللمالك ذلك. و هذا؛ بخلاف باب الخصومة، فإنّه قد عرفت لما لم يكن لنا في ذلك إطلاق أو عموم يتمسّك به لإثبات جواز التخاصم في كلّ مورد، بل إنّما جوازه تابع لصدق الدعوى، و الأمر في ذلك موكول إلى العرف.

و قد ظهر أنّه لا يرى التخاصم في المدّعى به الّذي لا ماليّة له فعلا عقلائيّا، فيستفاد من ذلك أنّ لباب الخصومة خصوصيّة زائدة، و هي أنّه: مضافا إلى أنّه لا بدّ في المدّعى به أن يكون ملكا أو حقّا متعلّقا بالمتخاصمين فلا بدّ أن يكون لها

اعتبار الماليّة عرفا، فصدق الدعوى موقوف عليه.

بل يمكن الدعوى بأنّه و لو لم يتيقّن بخروج ما لا ماليّة له عن مصاديق الدعوى يكفي الشكّ في صدق الدعوى عليه، لعدم جواز التخاصم في مثله، لعدم دليل لفظيّ مثبت للعنوان، مع كون الشكّ في الموضوع و الأصل عدم صدقه، فتأمّل أو عدم وجوب سماع الدعوى.

فانقدح ممّا ذكرنا أنّ سماع الدعوى و ترتيب الآثار عليها موقوف على صدق الدعوى و عنوانها، و هو موكول إلى نظر العرف و سيرة العقلاء، فكلّما يرون الدعوى و الترافع في شي‌ء مستهجنا و مستنكرا فلا يسمع، لانصراف الأدلّة الشرعيّة عنه.

بل لا يخفى أنّه إذا بنينا على كون ميزان صدق الدعوى بيد العرف لا اختصاص لعدم صدقها عندهم بالترافع في ما لا ماليّة له رأسا، بل يجري ذلك في ما له الماليّة أيضا، و لكن كان في الحقارة بحدّ لم يكن قابلا بنظرهم للتخاصم و التداعي فيه، مثل ترافع ذوي الشرف و الثروة الكثيرة في ما له ماليّة خسيسة، فإنّ التخاصم في مثله أيضا يكون مستنكرا، و لا يعدّ عمل مثل هذا الشخص عملا عقلائيّا، و لا خفاء أنّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص و الأموال.

فالحاصل: أنّ كلّما لم يصدق الدعوى على شي‌ء عرفا إمّا لكون المدّعى به لا ماليّة له رأسا و إمّا لكون ماليّته في نهاية الخسّة، بحيث يعدّ الترافع فيه مستهجنا و عملا سفهيّا لم يسمع، لما عرفت من عدم عموم أو إطلاق لفظيّ شرعا يكون في هذا المقام، و يفيد وجوب سماع مطلق الدعوى و المشاجرة، و لو فرض وجوده و سلّمناه فمنصرف عن مثله، كما لا يخفى، و كلّما صدق عليه

الدعوى و لم يكن بتلك المثابة حتّى يعدّ مستهجنا فيجب السماع.

إذا عرفت ذلك؛ فنقول: إنّ الدعوى المجهولة لو احتمل كونها متعلّقة بما لا يصدق الدعوى عليه عرفا، بحيث كان للفظ المدّعي عموم، حتّى يشمل هذه المرتبة من المدّعى به، مثل أن يقول: لي عليه شي‌ء، أو استفيد ذلك من القرائن الخارجيّة، فلا يسمع هذه الدعوى؛ بل عليه أن يفسّر دعواه حتّى يتبيّن أنّه ممّا هو قابل للسماع، أم لا؛ ضرورة أنّ التكليف و تعلّقه موقوف على صدق موضوعه، فوجوب السماع متوقّف على تحقّق الدعوى القابلة له، و من المعلوم أنّ صرف احتمال كونه منه- أي ممّا يجب سماعها- لا يوجب تكليفا، كما لا يخفى.

و أمّا لو أحرزنا ذلك من الخارج، بأن يثبت عدم كون المدّعى به بتلك المرتبة و كونها ممّا هو القابل للسماع، فيجب سماعه و يترتّب عليها الآثار، من سماع بيّنة المدّعي و إحلاف المنكر لو لم يكن له البيّنة، و الجهل بالدعوى و المدّعى به لا يضرّ بشي‌ء من ذلك، و وجوب كون الدعوى معلوما- مثل المبيع و الثمن في باب البيع و نحوه- لم يدلّ عليه دليل لا شرعا و لا عقلا، إذ قد ظهر لك أنّ الأمر في الموضوع هنا بيد العرف، و لم يثبت من الشرع في ذلك أيضا ما يردعهم عمّا بنوا عليه و استقرّت سيرة العقلاء عليه، فإذا فرض أنّه يصدق عندهم على المجهول الدعوى، و أيضا لم يرد من الشرع في هذا الباب زائدا على ما أخذوه موضوعا من الشروط، فلا مانع من سماعه و ترتيب الآثار عليه، كما يسمع الإقرار بالمجهول و يجوز الوصيّة به أيضا.

هذا بالنسبة إلى مقام أصل سماع الدعوى، و أمّا الكلام بالنسبة إلى الأداء

و الوفاء فهو مقام آخر، فعدم إمكان استيفاء المجهول الّذي هو في المرتبة المتأخّرة عنه لا يصير مانعا عن أصل السماع، مع أنّه كيف لا يمكن الاستيفاء؟

فإنّه بعد الثبوت إمّا بالإقرار أو بالبيّنة ملزم بأداء القدر المتيقّن من المدّعى به أو يعيّن بالقرعة و نحوها.

فتأمّل في المقام! فإنّه حقيق له، لأنّه و إن استقرّ رأي المشهور على ما ذكرنا، إلّا أنّه لمّا يمكن التشكيك في ما ادّعى من بناء العقلاء لو سلّم، فإنّ القدر المتيقّن من بنائهم إنّما هو فيما لو كانت الدعوى (1)لا أقلّ من جهة معلومة جنسا أو صنفا، لا أن تكون مجهولة مطلقا، فالمسألة مشكلة، و اللّه العالم.

[المسألة الثانية] شرائط الدعوى

الثانية: هل يشترط في الدعوى الجزم، أم لا؟ في المسألة أقوال و تفصيلات، و لمّا كان المرجع في ذلك أيضا العرف و بناء العقلاء، فأقوى الأقوال هو التفصيل بين موارد التهمة، فلا يشترط فيها الجزم و عدمها، فيشترط فيها ذلك، و إلّا فسائر التفاصيل ضعيفة لا وجه لها.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ حكم المسألة يختلف باعتبار الحكم التكليفي و الوضعي، أي بالنسبة إلى غير موارد التهمة، فما هو وظيفة المدّعي و حكمه التكليفي عدم جواز إبراز دعواه بصورة الجزم، لكونه تدليسا بل كذبا.

و أمّا ما هو وظيفة الحاكم فالسماع منه مطلقا إذا أظهر دعواه بصيغة الجزم،


1) و الظاهر من كلام «الجواهر» ذلك، أي سماع المجهول ما لم يكن مجهولا مبطل، فتأمّل! و لقد أفاد رحمه اللّه في قضاء «العروة» ماله نفع للمقام فراجع! «منه رحمه اللّه».

و أمّا بالنسبة إلى تكليف نفسه، ففي موارد شكّه و عدم تيقّنه بثبوت الحقّ، فإمّا أن يكون له أمارة أو أصل عملي فله تحرير الدعوى بصورة الجزم، بناء على كون لسان التنزيل تتميم الكشف.

و كذلك في الاصول الّتي لسانها جعل اليقين، و إلّا فلا يجوز له الإظهار بصورة الجزم، و إن كان لو أبرز كذلك و الحاكم كان جاهلا بحقيقة الأمر يسمع دعواه، بخلاف ما لو علم الواقع فليس له السماع، إذ و إن كان ظاهر الكلمات جعل المناط كون التعبير و إظهار الدعوى جزميّا و إن كان الواقع مشكوكا، و لكنّ الظاهر أنّه ليس المراد ذلك، بل الجزم الواقعي مناط، كما سنشير إليه.

و أمّا بالنسبة إلى موارد التهمة فالدعوى مسموعة مطلقا، سواء كان جزميّا أم لا، و ذلك لاستقرار سيرة العقلاء عليه، أي تحريرهم الدعوى فيما لو كان مال شخص مسبوقا بيد- الآخر مثلا- فتلف في يده، فاحتمل كون تلفه بإتلافه، فادّعى ذلك و لو لم يقطع به، فلا يعدّ مثل هذه الدعوى سفهيّا، بخلاف ما لو لم يكن كذلك، بل لم يكن للغير يد على ماله و لا سلطنة عليه.

فالحاصل: أنّ بناء العرف و سيرة العقلاء في باب الدعاوي و المخاصمات هو عدم تحرير الدعوى و عدم إبرازهم المخاصمة مع الغير فيما لو كانوا شاكّين في الدعوى و لم يكن لهم أمارة كاشفة عن ثبوت الحقّ، و لا كان المأخوذ بالدعوى طرفا لمحاسبته و ذا يد سابقة على المدّعى به حتّى يتحقّق مصداق التهمة، بل يعدّون صدور هذا العمل- أي الأخذ بخناق الغير، و بعبارة فارسيّة «گريبان‌گيرى» في موارد الشكّ المحض بل الظنّ بثبوت حقّه عليه- عملا سفهيّا، مع كون الأدلّة الشرعيّة أيضا منصرفة إلى الخصومات العقلائيّة.

فالميزان في سماع الدعوى كونها جزميّة واقعا، إلّا إذا كان للمدّعي أصلا أو أمارة شرعيّة، أو كانت في موارد التهمة، فالعبرة بالجزم الواقعي و إن كانت الصيغة بصورة الترديد.

كما يظهر ذلك من بعض كلماتهم و استدلالاتهم في المقام أيضا، مثل أنّه لو لم تكن الدعوى جزميّة لم يمكن ردّ الحلف من المنكر إلى المدّعي فلا تجري موازين القضاء.

و إن كان ما في هذا الاستدلال؛ إذ لم يقم دليل على أنّه إلّا و لا بدّ من جريان جميع موازين القضاء في مطلق الدعاوي، بل يكفي جريان البعض الموجب لفصل الخصومة في الجملة.

نعم؛ لو كانت الدعوى بحيث لم تجر فيها موازين القضاء مطلقا و لو واحد منها، مثل ما لو كان الطرفان شاكّين الموجب لعدم إمكان الحلف منهما، و لا كانت للمدّعي بيّنة، فحينئذ لمّا لا ينتهي الدعوى إلى فصل الخصومة فلا سبيل إلى سماع مثلها.

و كيف كان؛ يظهر من استدلالهم هذا كون المناط الجزم الواقعي، كما هو التحقيق، لما عرفت من سيرة العقلاء و انصراف الأدلّة الشرعيّة أيضا إليها، كما لا يخفى.

و أمّا الجزم الظاهري- أي في ما يعبّر عنه بالدعوى- فإنّما هو لكونه طريقا إلى الواقع غالبا، لا أن يكون له موضوعيّة في ذلك، فظاهر عبارات الأصحاب أيضا منزّل على ذلك، و إلّا فلا مجال للقول بأنّه لو كان الحاكم يقطع، يكون المدّعي جازما في الدعوى، و لكن من باب المجادلة بالوجه الأحسن يظهر

دعواه بالصورة الظنيّة لا يسمع بهذه دعواه؛ و لكن لو كان الأمر على عكسه يسمع.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ بعض الأخبار (1)الواردة الدالّة على جواز التخاصم في بعض موارد التهمة، و جواز إحلاف الطرف بمناط التهمة إنّما هي موافقة لما تقتضيه القاعدة، و جرت عليه سيرة العقلاء، لا أن تكون مخالفة للقاعدة، حتّى يقال بأنّه لا وجه للتعدّي عن الموارد المنصوصة، فتأمّل جيّدا!

[المسألة الثالثة] [هل يطالب المدّعى عليه بالجواب أو ينتظر التماس المدّعي؟]

الثالثة: قال في «الشرائع»: إذا تمّت الدعوى، هل يطالب الحاكم المدّعى عليه بالجواب، أم يتوقّف على مطالبة المدّعي؟ .. إلى آخره فوجّه التوقّف (2).

و ضعّفه صاحب «الجواهر» قدّس سرّه و قوّى عدمه للأصل و غيره (3). و لا يخفى ما فيه؛ إمّا أوّلا؛ فلأنّه ما عرفنا مراده من الأصل المتمسّك به، إذ الأصل عدم سلطنته (4)على إلزام الطرف ما لم يتحقّق السبب القطعي له من مطالبة المدّعي، فالأصل يقتضي خلاف ما أراده، و أمّا الأصل- أي الجواز، المراد به التكليفي أو أصالة عدم التوقّف و غيره- فالشكّ فيه- أي الجواز و عدمه، أو التوقّف و عدمه- مسبّب عمّا ذكرنا، فافهم!

و ثانيا؛ أنّ ما أفاده من الدليل من أنّ مطالبة الجواب من وظائف الحاكم،


1) وسائل الشيعة: 27/ 246 الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

2) شرائع الإسلام: 4/ 82.

3) جواهر الكلام: 40/ 157.

4) أي عدم سلطنة الحاكم على إلزام المدّعى عليه «منه رحمه اللّه».

ففيه؛ أنّ ذلك يتمّ لو قلنا بأنّ الحكومة بالنسبة إلى مقدّماتها واجب مطلق، و منها جواب المدّعى عليه، و قد عرفت في أوّل الباب أنّها واجب مشروط بالنسبة إليها.

و أمّا الإطلاقات و عمومات الباب، مثل: «البيّنة على المدّعي» (1).. إلى آخره، و غيرها الّتي تعيّن الوظيفة و شأن الحاكم، فإنّما هي في مقام تعيّنها بعد تماميّة الخصومة، و تماميّتها إنّما يكون بجواب المدّعى عليه، إذ هي أمر إضافيّ قائم بالطرفين، فحينئذ عليه إلزام الطرفين بالعمل بالوظيفة، فمرجع ذلك كلّه إلى أنّ مطالبة الجواب حقّ للمدّعي و لازم سماع دعواه، لا أن تكون شأن الحاكم و وظيفته.

هذا؛ و لكن يمكن الدعوى قريبا بأنّ عليه الإلزام و إن لم يطالبه المدّعي، و ذلك بدعوى أنّ مطالبة الجواب من الطرف إنّما هو [من] شئون الحكومة و وظائف الحاكم، إذ من لوازم فصل الخصومة أخذ الجواب من المدّعى عليه و ترتيب الآثار على مقتضاه من استظهار كونه مقرّا أو منكرا أو غيرهما، و إنّما حقّ المدّعي هو رفع اليد من أصل الدعوى و سقوط حقّه عنها.

و أمّا بعد حضوره للخصومة و الترافع و عرض دعواه عند الحاكم و بقائه على ما كان حضر له من إثبات الحقّ، فيخرج حينئذ أن يكون جواب المدّعى عليه حقّا له حتّى يتوقّف مطالبته على إذنه، بل يصير ذلك من شئون الحاكم مقدّمة لتتميم النزاع و فصل الخصومة، فهو بمقتضى أدلّة الحكومة و عموماتها، عليه أن يطالب الجواب عن المدّعى عليه، فافهم!


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

المقصد الخامس: في ما يتعلّق بجواب المدّعى عليه و وظيفة المتداعيين

اشارة

فهنا مقامات؛ إذ جواب المدّعى عليه لا يخلو عن امور، لأنّه إمّا أن يقرّ، أو ينكر، أو يسكت، و ألحق بها بعض الجواب ب «لا أدري» (1)، و آخر، قوله: ليس لك.

[المقام الأول] الجواب بالإقرار

اشارة

المقام الأوّل: في الجواب بالإقرار، و يتمّ الكلام فيه في طيّ امور:

[الأمر] الأوّل؛ أنّه وقع الخلاف في أنّه هل فرق بين ما لو ثبت حقّ المدّعي بالإقرار أو بالبيّنة، أم لا؟

و احتمال الفرق بينهما يكون من جهتين: إمّا من حيث حكم الحاكم و فصله الخصومة، أو من حيث أثرهما بنفسهما مع قطع النظر عن حكمه.

الظاهر، أنّه لا مجال للبحث و الالتزام بالفرق من الحيثيّة الاولى، فإنّ في كلا الأمرين قبل حكم الحاكم لم يتحقّق فصل الخصومة، فيجوز تجديد الدعوى قبل حكمه و لو كان بعد قيام البيّنة و تحقّق الإقرار، و أمّا بعد الحكم فلا فرق أيضا، فكما أنّه لو كان منشأ الحكم الإقرار فلا يجوز النقض فكذلك البيّنة، فتنقطع الدعوى و يتحقّق فصل الخصومة بكليهما، و ذلك للإجماع على كون كليهما طريقا للثبوت و الحكم و عموم أدلّة الحكم و عدم جواز نقضه مطلقا، كما لا يخفى!


1) جواهر الكلام: 40/ 211.

فإنّ احتمال الفرق فإنّما يكون من حيث الجهة الثانية، و هو أن يدّعى بأنّ أدلّة حجيّة البيّنة مختصّة بباب الدعاوي و تكون طريقة للحكم فقط، و لا تجري في غيرها من الموضوعات، و لا تكون حجّة لغير الحاكم، و لا يجب على غيره الحكم بمقتضاها و ترتيب الآثار عليها ما لم يصدر الحكم من الحاكم؛

بخلاف باب الإقرار، فإنّ حجيّته بمقتضى عموم «إقرار العقلاء على أنفسهم» (1)عامّة، و يكون على كلّ من اطّلع على إقراره ترتيب الآثار عليه، و هذا يتمّ بعدم الاعتناء بأدلّة البيّنة غير ما وردت في باب الدعاوي بالخدشة في رواية مسعدة الدّال ذيلها على كون حجيّة البيّنة عامّة (2)، و أماريّتها على مطلق الموضوعات و غير ذلك ممّا يدلّ على إطلاق حجيّة البيّنة.

هذا؛ و أنت خبير بأنّه لا مجال لهذه الخدشة و الشبهة؛ لما ترى بالعيان جريان ديدن الأصحاب على الاعتماد بالبيّنة و ترتيب الآثار عليها في جميع الموارد، حتّى عدلوا في بعض الموارد عن العدلين إلى العدل الواحد (3)(4)، فالتحقيق؛ عدم الفرق مطلقا بين البيّنة و الإقرار أصلا.

[الأمر] الثاني؛ قد يستشكل في كون الإقرار طريقا للحكم،

من جهة أنّ الحكم إنّما يكون في مورد وجود المخاصمة، و مع الإقرار لا مخاصمة حتّى ينتهي الأمر إلى حكم الحاكم و فصله الخصومة، فمع عدم تحقّق الموضوع كيف يكون حكم


1) وسائل الشيعة: 23/ 184 الحديث 29342.

2) الكافي: 5/ 313 الحديث 40، وسائل الشيعة: 17/ 89 الحديث 22053.

3) جواهر الكلام: 4/ 202، كشف اللثام: 2/ 157.

4) لا من حيث الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حتّى يستشكل في المقام بأنّه متوقّف على إحراز عدم كون المنكر القائم عليه البيّنة ظالما بل من جهة نفس حجيّة البيّنة بعد ثبوت عموم دليلها. «منه رحمه اللّه».

الحاكم حجّة و له الحكم على حسب الإقرار؟

و لكن لا يخفى ضعف هذا الإشكال، إذ لم يعتبر في باب الحكومة الخصومة الفعليّة، بل يكفي توقّعها و توهّمها، لما جرى دأب العقلاء على الرجوع إلى الحكّام في موارد توهّم الخصومة و الأدلّة الشرعيّة و عمومات القضاء.

و قد عرفت أنّها ناظرة إلى موارد سيرة العقلاء، مضافا إلى تحقّق الإجماع على طريقة الإقرار و حجيّة حكم الحاكم في مورده، كما هو واضح.

الأمر الثالث: لا خفاء في أنّ متعلّق الإقرار قد يكون دينا،

و قد يكون عينا، أمّا إذا كان دينا فلا إشكال في حجيّته و كونه طريقا للحكم بمقتضى عموم «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1).

و أمّا إذا كانت عينا فما الوجه في حجيّته و صيرورته ملكا للمقرّ له؟ و ذلك لظهور الفرق بينهما.

وجهه: أنّه لا شبهة في أنّ مناط حجيّة الإقرار إنّما هو لكونه ضررا على نفس المقرّ، بحيث لو لم يكن كذلك، بل كان راجعا إلى النفع للمقرّ (2)، أو غيره فليس بحجّة.

و هذا المناط يتمّ فيما لو أقرّ بدين لغيره على ذمّته، فإنّه و إن كان إقرارا موجبا للضرر على نفسه مشتملا على نفع الغير إلّا أنّ نفع الغير لمّا كان عين الضرر على نفسه- إذ اعتبار اشتغال ذمّة المقرّ مسبّب عن كون ما في الذمّة ملكا للمقرّ له، بحيث أنّ العقلاء لا يعتبرون اشتغال ذمّته إلّا بعد تملّكه له- فعلى هذا يكون


1) وسائل الشيعة: 23/ 184 الحديث 29342.

2) بل يكون الأوّل داخلا في عنوان الدعوى، و الثاني في عنوان الشهادة، كما لا يخفى، «منه رحمه اللّه».

اعتبار الضرر لنفسه عين انتفاع الغير، فلذلك لا يضرّ بالإقرار، و يجري مناط حجيّته.

و أمّا إذا كان المتعلّق عينا فليس كذلك؛ إذ ليس تملّك المقرّ له العين عين عدم تملّك المقرّ إيّاها، بل تملّكهما لها متضادّان، فإنّ كون عين ملكا لأحد مضادّ مع كونها ملكا لآخر في زمان واحد، لا أن يكون مقتضيا له حتّى يلزم كون عدم تملّكها لأحد عين تملّكها الآخر، فيكون العين مثل الدين.

فحينئذ؛ لمّا كان جهة الضرر في الإقرار بالعين غير جهة النفع، فغاية ما يستفاد من الإقرار بالعين عدم كونها ملكا، لذي اليد بمناط الإقرار، و أمّا كونها ملكا للمقرّ له فبأيّ مناط و بأيّ دليل يثبت؟

ثمّ على فرض الثبوت بسبب اليد و غيرها، فبأيّ دليل و ميزان يحكم الحاكم؟ لعدم كون اليد من الموازين، هذا تقريب الإشكال.

فقد يجاب عن ذلك بأنّ إقرار ذي اليد على كون العين ملكا لأحد لمّا كان لازم اليد الدالّة على الملكيّة أمرين: أحدهما تملّك ذي اليد، و الآخر لازمه- و هو عدم كونه ملكا لغيره- فإذا اعترف بكونها ملكا لغيره فما يثبت به بمناط الإقرار عدم كونها ملكا لنفسه؛ لنفيه عنه بإقراره، و أمّا لوازمه- و هو كونه ملكا لغيره- و إن لم يثبت، بل بنفيه عنه تملّك جميع الناس غيره لها على السويّة، إلّا أنّ إقراره بنفي ملكيّة العين عن نفسه ليس نفيا مطلقا، بل نفي بالنسبة إلى الشخص المعيّن، فيثبت تملّك المقرّ له إيّاها من باب المدّعي بلا معارض، إذ بثبوت يد المقرّ عليها كان عدم تملّك الناس لها جميعا ثابتا، ثمّ بسبب نفي ذي اليد لمّا ارتفعت آثار اليد و ثبت عدم كونها لذي اليد أيضا، و المقرّ نفى ملكيّة نفسه

بالنسبة إلى المقرّ له لا مطلقا، و المفروض أنّ عدم تملّك غيره من الناس للعين كان محقّقا أوّلا بسبب يد المقرّ عليها، و لا معارض فعلا للمقرّ له، و الملك لا يصير أيضا بلا مالك، فيثبت كونها ملكا للمقرّ له لذلك، فيحكم الحاكم له به أيضا.

هذا غاية ما يمكن أن يجاب به عن الإشكال، إلّا أنّه بعد لا يخلو عن الشي‌ء؛ إذا بنينا أنّ بالإقرار و نفي ذي اليد ملكيّة نفسه لا يثبت به لوازمه- و هو تملّك غيره من الناس له الّذي منهم المقرّ له- فكيف يثبت تملّك المقرّ له بسبب نفى ذي اليد عن نفسه؟

و بالجملة؛ فالتحقيق في الجواب هو أن يقال: لمّا يثبت بالإجماع كون الحصر في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» (1)و غيره المشتمل على السنّة الجارية أيضا إضافيّا، و كون الإقرار أيضا من الموازين كغيره، فيثبت طريقيّة إقرار ذي اليد و كونه من الموازين بالإجماع، و كونه مفيدا لتملّك المقرّ له بمناط اليد، فتأمّل!

[الأمر] الرابع: إذا تمّت الدعوى و تحقّق الإقرار، فهل للحاكم أن يحكم بدون مطالبة المدّعي، أم لا؟

و قد جعلوا مبنى الكلام على أنّه هل هذا- أي حكم الحاكم- حقّ للمدّعي، أم من وظيفة الحاكم؟

و قد قوّى صاحب «الجواهر» قدّس سرّه كونه من وظيفة الحاكم، لأنّ ما هو حقّ المدّعي إسقاط أصل دعواه و رفع اليد عنها (2)، كما سبق الكلام في ذلك.

و أمّا مع عدم رفع اليد و الحضور للمخاصمة مع تحقّق الموازين و تماميّتها


1) الكافي: 7/ 414 الحديث 1، وسائل الشيعة: 27/ 232 الحديث 33663.

2) جواهر الكلام: 40/ 157.

فلا يبقى بعده حقّ للمدّعي، بل يصير ما يترتّب على ذلك ممّا هو داخل في وظائف الحاكم و شئونه من فصل الخصومة.

هذا؛ و لكنّ التحقيق البحث في أنّه هل يكون لدليل الحكومة إطلاق أو عموم يثبت بهما كون ذلك حقّا و وظيفة له، حتّى لو لم يطالب المدّعي يكون له الحكم، أم لا، بل حكمه مشروط بطلبه؟

لا خفاء في أنّه ليس لنا عمومات في أدلّة القضاء يثبت بها عموم الوظيفة، و أنّ للحاكم الحكم في كلّ مورد، أو يدلّ على أنّ أيّ مورد له ذلك؟ و أيّ مورد ليس له؟ بل أدلّة القضاء غاية مدلولها أنّه إذا حكم الحاكم فلا يجوز ردّ حكمه، أو أنّ الحاكم جعل للحكم- كما مرّ ذلك مرارا- فإذا لم يكن إطلاق لفظيّ يثبت به عموم الوظيفة فيشكّ في الأمر فيدور بين كون الواجب بالنسبة إلى طلب المتخاصمين مطلقا أو مشروطا، و الأصل البراءة و كون الواجب مشروطا، و أيضا أصالة عدم ثبوت الحقّ له، و أيضا أصالة عدم نفوذ الحكم ما لم يطالب المتخاصمين محكمة، فمن أيّ وجه يمكن ثبوت إطلاق وظيفته و كون ذلك من شئونه. إلّا أن يثبت ذلك من الخارج لكونه وظيفة لقضاة الجور. بمعنى أنّه قد أشرنا سابقا إلى أنّه لمّا لم يكن لنا دليل و إطلاق لفظيّ يستفاد منه التوسعة و الضيق في دائرة حكومة القضاة، و أيّ مقام شأنهم التحكيم؟ و أيّ مورد لم يكن له؟ بل لا بدّ في تعيين موارده الرجوع إلى القضاة العرفيّة و الجور، فكلّ مورد يثبت جريان دأب العقلاء و السيرة العرفيّة على حكم حاكمهم، فكذلك لحاكم الشرع ذلك، فحينئذ لا سبيل لاستكشاف الأمر إلّا الطريق المزبور.

و لا يبعد الدعوى بأنّ العرف يرى ذلك وظيفة للحاكم، بحيث بمقتضى

رعاية السياسة إذا تمّت الدعوى و الموازين فعليه قطع المنازعة و فصل الخصومة بالحكم و لو لم يطالب المدّعي، خصوصا أنّ بعض الأوقات ليس حقّا له فقط، فافهم!

[الأمر الخامس] أحكام الإعسار

الخامس: لو ادّعى المقرّ الإعسار فهنا صور: إمّا أن يكون حاله معلوما و إعساره ثابتا، أو لم يكن كذلك، بل [يكون] مجهول الحال.

أمّا في الصورة الاولى؛ فعلى حسب ما تقتضيه القاعدة المستفادة من الآية الشريفة- و هي قوله تعالى: وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ (1)وسائل الشيعة: 18/ 366 الباب 25 من أبواب الدين و القرض.

(2)، و كذا بعض الأخبار (3)الدالّة على مضمون الآية- إمهال المديون و التخلية بينه و سبيله حتّى يتمكّن من الأداء بلا أن يتعرّضوا له من حبس أو إلزامه على التكسّب و نحوه. هذا؛ بالنسبة إلى العاجز المطلق- بحيث لم يقدر على تحصيل المال و لو بأعماله القويّة القريبة له- تمام. و أمّا من كان ذا حرفة، بحيث له القوّة القريبة لتحصيل المال، حتّى يرى العرف مثل هذا الشخص الآن واجدا للمال، نظرا إلى أنّه قد أشرنا مرارا إلى أنّ العقلاء إذا يرون المقتضي للشي‌ء موجودا فكأنّه نفس المقتضي المفعولي فعلا موجود، و لذلك يرتّبون آثار نفس المقتضي على المقتضي الفاعلي.


1) البقرة

2) : 280.

3) وسائل الشيعة: 18/ 366 الباب 25 من أبواب الدين و القرض.

فإذا تمّ ذلك؛- أي حكم العرف بكون ذي الحرفة واجدا للمال- فيشكل إطلاق القول بأنّ فاقد المال فعلا مطلقا ينظر و لا يطالب عنه حتّى يحصل له المال قهرا، مع قوله عليه السّلام: «لي الواجد يحلّ عرضه و عقوبته» (1)، بل بمقتضى ذلك- مع مساعدته الاعتبار- إلزام ذوي الحرف على تكسّب المال و تحصيله.

و لكن إطلاق الآية الشريفة و تعليق الحكم على المعسر الّذي ظاهره المعسر الفعلي و لو لم يكن بالقوّة معسرا، يقتضي الحكم بعدم جواز الإجبار لمن لم يكن له مال فعلا، فيقع التعارض بين الآية و الرواية.

و لكن لمّا بيّنا أنّ من كان له القوّة القريبة لتحصيل المال يكون عند العرف متمكّنا بحيث يرون الفرق بينه و بين العاجز أو من لم يكن له تلك القوّة و لو كان يقدر على تحصيل المال، فيكون صاحب القوّة القريبة المستندة إلى كونه ذا حرفة عند العرف موسرا، فيصير هذا الارتكاز العرفي قرينة، على أنّ المراد بذي عسرة هو العاجز و من لم يكن له مقتضي تحصيل المال و القوّة القريبة له، فلا بدّ من إنظاره إلى أن يتمكّن، بل ظاهر الآية أيضا مساعد مع ما ذكرنا؛ لأنّ مدلولها أنّه من كان عاجزا فعلا حتّى يرتفع عجزه.

و من المعلوم؛ أنّه لا بدّ من إمهال ذي الحرفة حتّى يعمل قوّته و يحصّل المال، فقبله لمّا كان معسرا عقلا و عرفا لا بدّ من إنظاره كما ينظر العاجز المطلق.

فعلى هذا؛ يرتفع التعارض من بين الآية- و كذلك الأخبار الّتي مطابقة لمضمونها- و الحديث العلوي (2)، و يصير هذا الفهم العرفي بمنزلة القرينة الحافّة


1) وسائل الشيعة: 18/ 333 الحديث 23793 و فيه: لي الواجد بالدين.

2) مرّ آنفا.

بالكلام، شاهدا للجمع بين الأخبار الدالّة على إنظار المعسر مطلقا، و رواية السكوني الدالّة على تسليمه بيد الغرماء ليعملوه و إجباره على التكسّب مطلقا (1)، فلا بدّ من رفع اليد عن الإطلاقين للحديث العلوي و الآية الشريفة، منضمّا إلى الفهم العرفي و الاعتبار العقلي (2)، فتأمّل جيّدا!

و ممّا ذكرنا ظهر حكم ما لو علم يساره، فيجب حينئذ إجباره على الحاكم، بل على كلّ أحد، من باب الأمر بالمعروف على الأداء.

و أمّا الصورة الثانية؛ ففيها، إمّا أن يكون المديون مسبوقا بالمال، أو كانت الدعوى ماليّا، أو لم يكن كذلك، بل كان مجهول الحال من أوّل الأمر، و لم يكن الدعوى مستندا إلى أخذ المنكر مالا من المدّعي بل من جهة تضمينه مهر الزوجة مثلا.

أمّا في الفرض الأوّل، بل في كلّ الصور، لا سبيل إلى الالتزام بحبس مدّعي الإعسار على حسب القاعدة الأوليّة، إذ هو يكون داخلا في سائر أفراد المدّعي، و كذلك منكر الإعسار في مطلق أفراد المنكر، و لا بدّ من إعمال قاعدة المدّعي و المنكر، فلا خصيصة في المقام للحكم بحبس مدّعى الإعسار، فحينئذ؛ لا بدّ أوّلا من بيان حكم المدّعي و المنكر في المقام على حسب ما تقتضيه القاعدة الأوليّة.


1) وسائل الشيعة: 18/ 418 الحديث 23962.

2) الظاهر ممّا نقل صاحب الجواهر قدّس سرّه في كتاب الدين كلمات الأصحاب تحقّق الشهرة بينهم على وجوب اكتساب القادر على تحصيل المال لأداء دينه و إن كان ذلك خلاف الأصل حسبما أفاده في المقام، فكيف كان؛ يمكن أن يصير بناؤهم أيضا قرينة على ما ذكرنا، بل عدم الفرق بين ذوي الحرف و غيرهم في الجملة، فتدبّر! «منه رحمه اللّه»، (جواهر الكلام: 25/ 326).

فنقول في الفرض الأوّل: فلمّا كان قول مدّعي الإعسار مخالفا للأصل- و هو الاستصحاب و بقاء ماله نفسه أو ما أخذه من المدّعي- فلذلك يصير مدّعيا و المطالب منكرا، فعليه إقامة البيّنة على الإعسار، و إن استشكل في هذا الاستصحاب صاحب «الجواهر» قدّس سرّه من جهة أنّ الإعسار و كذلك اليسار أمران وجوديّان، إثباتهما لوجود المال السابق و عدمه يكون مثبتا، إذ هما من اللوازم العقليّة المترتّبة على فاقد المال و واجده (1).

و لكن هذا مدفوع بأنّه مع تسليم كون إثبات العنوانين باستصحاب بقاء المال أو عدم وجوده فنقول: لا يلزم أن يثبت العنوان باستصحابهما، بل يستصحب نفس العنوانين، فإنّ من كان سابقا واجد المال كان موسرا، و كذلك من [كان] فاقد المال كان معسرا، فيستصحب نفس العنوانين الموجودين سابقا، و هما صفة الإعسار المسبّب عن عدم المال و اليسار المسبّب عن وجوده، بلا احتياج إلى استصحاب الوجود و العدم المنتزعين الآن منهما العنوانان.

مضافا إلى أنّ المراد من صفة الإعسار و اليسار ليس إلّا عدم المال و وجوده، لا صعوبة الأداء و سهولته، فحينئذ؛ يصيران عبارة اخرى عن وجدان المال و فقدانه، كما لا يخفى.

فكيف كان؛ لا مانع من إثبات الوصفين بالاستصحاب لو كان لهما حالة سابقة، كما هو المفروض.

و ممّا ذكرنا ظهر حكم ما لو لم يكن مسبوقا بالمال، و لم تكن الدعوى أيضا من جهة المال المأخوذ، فحينئذ يقدّم قوله، و يكون مدّعي الإعسار منكرا،


1) جواهر الكلام: 40/ 168.

و مدّعي اليسار مدّعيا، بل يكون هنا استصحابان، أحدهما إعساره المعلوم سابقا حسب الفرض، و الآخر استصحاب عدم أزليّ المال، فتأمّل!

و أمّا في الصورة الثانية- و هي الجهل بحالته السابقة- و هذا يكون على قسمين: أحدهما: ما كان منشأ الجهل عدم العلم رأسا بحاله السابق، بحيث لم يعلم انقلاب العدم الأزليّ له. و إمّا لم يكن كذلك، و هو ثاني القسمين، بأن يكون منشأ الجهل توارد الحالتين بعد الوجود عليه، بحيث علم انقلاب الحالة العدم الأزلي له.

أمّا في القسم الأوّل؛ فيصير مدّعي الإعسار منكرا، لكون قوله موافقا للأصل، و استصحاب العدم الأزلي، و أصالة عدم انقلاب تلك الحالة لوجدانه المال الموجب ليساره و تمكّنه.

و أمّا في القسم الثاني؛ فلمّا لم يكن أصل في البين بالنسبة إلى كليهما، فكلّ منهما مدّع لدعوى الإعسار و اليسار (1)، فهل يقدّم قول مدّعي الإعسار، لأصالة براءة ذمّته فعلا بأداء المال، فيحكم بكونه منكرا، لموافقة قوله لهذا الأصل، أم يجري عليها حكم التداعي، أم يحكم بحبس المديون حتّى يظهر الحال؟ وجوه.

لا إشكال في بطلان الأخير على القاعدة، لما عرفت سابقا أنّ الحبس لا يجري في الدعاوي، و هذا أيضا منها، و كذلك الأوّل، إذ كما أنّ الشخص إذا شكّ


1) و ذلك لأنّ الإعسار قد علّق عليه الإنظار، كما أنّ جواز المطالبة و عدم وجوب الإنظار علّق على اليسار الدالّ عليه جعل غاية في الآية، فلا يتوهّم أن العسر شرط للإنظار فقط، فلأنّه من إحرازه دون اليسار، فافهم! «منه رحمه اللّه».

في القدرة بالنسبة إلى نفسه فلا بدّ من أن يفحّص عنها، و ليس له إجراء البراءة كذلك بالنسبة إلى قدرة غيره.

و أمّا دعوى أنّ القدرة هنا شرعي- كما هو المستفاد من الآية- ففيها أنّ الظاهر أنّ ما يستفاد من الآية ليس حكما تأسيسيّا، بل هو إرشاد إلى ما هو ارتكازيّ و شرط عند العرف من القدرة العقليّة، لكون هذا الحكم نظير سائر الأحكام الامتنانيّة الرافعة للإلزام لا المصلحة و أصل جواز المطالبة عند الإعسار، كما لا يخفى، فتأمّل!

هذا، ما يقتضيه الأصل و القواعد في المقام، فعلى كلّ تقدير لا وجه لحبس مدّعي الإعسار.

نعم؛ وردت رواية مشهورة عن عليّ عليه السّلام و أيضا روايات اخرى أنّه يحبس الغريم (1)، و لكن في قباله أيضا روايات دالّة على أنّه إذا لم يثبت يسار الغريم يخلّى سبيله (2)، بل مفهوم الرواية الدالّة على حصر الحبس في موارد ثلاثة أيضا ينفي جواز حبسه (3).

فحينئذ هل يطرح الرواية الاولى رأسا و يؤخذ بالروايات النافية لكونها موافقة لآية الإنظار، أم لا، [بل] يجمع بينهما برفع اليد عن إطلاق الآية الاولى و حملها على الحبس، أي التوقيف؟ و هو في موارد يمكن و يحتمل استكشاف الحال بالحبس و التوقيف، أمّا في موارد لم يحتمل كذلك، كمن كان حاله في


1) وسائل الشيعة: 27/ 247 الباب 11 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

2) وسائل الشيعة: 27/ 247 الحديث 33693 و انظر! الجزء: 18/ 418 الباب 7 من كتاب الحجز، و لاحظ! مستدرك الوسائل: 17/ 371 الحديث 21611.

3) وسائل الشيعة: 27/ 248 الحديث 33694.

كمال الاختفاء مثل الغريب و نحوه، بحيث لا يمكن استظهار شي‌ء عنه سوى ما يظهر نفسه و يحلف عليه أو شهدت به البيّنة، فحينئذ يعمل بالروايات النافية للحبس في غير موارد مخصوصة، و ذلك لحمل الحبس فيها على الحبس العقوبتي، الّذي هو منفيّ بهذه الروايات.

و حاصل الجمع أنّه: يحمل الحبس في الموثّق المرويّ عن علي عليه السّلام (1)، و كذلك رواية السكوني، و غيرهما (2)الّتي محصّل مدلولها أنّه عند التواء المديون يحبس؛ الدالّة بإطلاقها على حبسه، سواء علم له مال أم لا، بل جهل، كما فهم الأصحاب كذلك منها على الحبس الاستظهاري- أي التوقيف- حتّى يكشف حاله بأنّه معسر أم لا، و يحمل الحبس في الروايات الاخرى المعارضة معها بدوا على الحبس العقوبتي.

و الشاهد على ذلك- مضافا إلى مساعدة العرف عليه- وجود القرينة في كلتا الطائفتين.

فإنّ في الاولى أنّه كان يحبس، فإذا ظهر إفلاسه خلّي سبيله، فإنّ تخلية سبيله قرينة على أنّ الغرض من الحبس الاستظهار لا العقوبة و التخليد.

و القرينة في الثانية أنّ الحبس فيها معلّق على عنوان الظالم و نحوه الّذي يستفاد منه بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ الحبس عقوبة.

و في بعضها: «إنّه أبى أن يحبس الزوج» (3)، لأنّه معسر، فإنّ الظاهر أنّ نفي


1) نقلناها بمضمونها «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 18/ 418 الحديث 23962 و 23961 و 23962.

3) وسائل الشيعة: 18/ 418 الحديث 23961.

الحبس كان لظهور حال الإعسار، فلا تعارض حينئذ ما دلّت على الحبس لاستكشاف العنوان، و كذلك لا تنافيه الآية الشريفة الّتي لو تمّت معارضتها فتصير مؤيّدة للأخبار النافية للحبس.

و لكن بعد أن عرفت أنّ الحبس الاستظهاري لا ينافي الإنظار، مضافا إلى أنّه- مع تماميّة المعارضة- إنّما يدلّ على الحبس، [فالخبر الدالّ على حبس الغريم] راجح؛ لاعتماد الأصحاب عليه و عملهم به، فالأولى الجمع بينهما كما ذكرنا، حتّى لا يلزم الطرح و عدم العمل بإحدى الطائفتين رأسا، فتدبّر!

الأمر السادس؛ قد ظهر لك حكم جميع الصور المحتملة في مسألة الإعسار.

فمنها؛ أنّه لو كان قوله مخالفا للأصل فيجري عليه حكم المدّعي و يلزم بالبيّنة، لكنّه قد اشتهر هنا كلام من الأصحاب أنّ شهادة البيّنة على الإعسار مطلقا بلا استناد إلى التلف لا يثمر، بل يحتاج إلى ضمّ اليمين إليها، فإذا حلف المديون فحينئذ يخلّى سبيله، هكذا ذكروا في باب المفلّس.

و لكن لمّا كانت هذه الفتوى مخالفة للقواعد؛ لما هو مسلّم عندهم من أنّ التفصيل قاطع للشركة، فإذا بني على كون مدّعي الإعسار مدّعيا فلا بدّ من الاكتفاء ببيّنته، فما الوجه في إلزامه باليمين معها و المفروض أنّه لم يرد نصّ في ذلك- كما في الدعوى على الميّت- حتّى يلتزم به؟ فلذلك التزموا بالتوجيه، و الّذي يحتمل من التوجيه أمران:

الأوّل: ما أفاده صاحب «الجواهر» (1)، من أنّ البيّنة على الإعسار لمّا كان


1) جواهر الكلام: 25/ 356.

شهادة على النفي، و هو فقدان المال الّذي يمكن أن يكون منشؤها الأصل، و هي ليست بحجّة بحيث يوجب ثبوت دعواه، و لكنّ البيّنة تثمر بمقدار أنّه يوجب صيرورة قول مدّعي الإعسار موافقا للظاهر، أي تعطي البيّنة الظهور لقوله، فتصير دعواه موافقا، فحينئذ يصير منكرا، و لذلك يكلّف بالبيّنة.

و الثاني؛ أنّه لا إشكال في الفرق بين الشهادة على التلف و الإعسار، فإنّ الاولى متعلّقها بسيط بخلاف الثانية، فإنّ معنى الشهادة على الإعسار هو: أنّه تلف ما كان له من المال و ليس له مال غيره، فهو- أي الإعسار- أمر مركّب يثبت بالشهادة تلف المال، و هو الأمر الوجودي، و جزؤه الآخر- و هو الأمر العدمي أي عدم مال آخر- باليمين.

هذا؛ و ينبغي البحث أوّلا في أصل تماميّته بأنّ الشهادة على النفي لمّا كان مستنده الأصل لا تقبل و [ثانيا في] عدم تماميّته، فنقول: إنّ الأصل الّذي يمكن أن يستند إليه شرعا نوعان.

أحدهما؛ ما لا يثبت به إلّا حكم ظاهريّ في ظرف الشكّ، مثل أصل البراءة.

و الثاني؛ ما يثبت الحكم في ظرفه مع اليقين مثل الاستصحاب، بناء على كون المراد به جعل اليقين لا جعل المتيقّن الواقعي في رتبة الشكّ، هذا لا إشكال فيه.

ثمّ إنّه منشأ القول بعدم سماع شهادة النفي ليس إلّا أنّ مستنده غالبا لمّا لم يكن إلّا الأصل الّذي لا يفيد القطع، و المعتبر في الشهادة القطع، فلذا بنوا على عدم سماع شهادة النفي ما لم ينته إلى أمر إثباتيّ.

و فيه؛ أنّه بعد أن عرفت أنّ من الأصل ما هو مفاده اليقين و جعله، مثل الاستصحاب، فحينئذ لو كان بيّنة النفي مستندها الاستصحاب الّذي بناء على تماميّة كون مفاد أدلّته جعل اليقين، يصير حاكما على كلّ ما يدلّ على اعتبار القطع في شي‌ء، أي يكشف ذلك عن أنّ القطع المعتبر أعمّ من الحقيقي و التنزيلي، فأيّ محذور يلزم من الاعتماد على شهادة النفي بعد إمكان أن يكون مستنده أيضا القطع و لو تنزيلا؟ كما أنّ مستند الشهادة على الإثبات أيضا غالبا يكون مثل الاستصحاب، فإنّ باليد السابقة ربّما تشهد البيّنة على الملكيّة الفعليّة.

نعم؛ لو قلنا بأنّ مفاد أدلّة الاستصحاب ليس إلّا جعل المتيقّن و الأمر بالمعاملة، أو يقال بأنّ المستفاد من الأدلّة الدالّة على البيّنة و كيفيّتها- من أنّه أيّ وقت يمكن الشهادة و أيّ زمان لا يجوز، مثل قوله عليه السّلام: «أ ترى كفّك؟» (1)أو «أ ترى الشمس؟» (2)و غيره- أنّه لا يكفي القطع في الشهادة، بل لا بدّ أن لا يكون الشاهد شاكّا، فعلى هذا أيضا لا تفيد الشهادة بالاستصحاب.

أمّا على الأوّل؛ فقد عرفت أنّ مبنى الكلام ليس عليه، إذ عليه لم يتحقّق شرط الشهادة و هو العلم، لا حقيقة و لا تعبّدا.

و أمّا على الثاني أيضا فمعلوم؛ لأنّ الاستصحاب ليس شأنه رفع الشكّ، بل معه لا بدّ من البناء على اليقين، فلم يتحقّق حينئذ الشرط الآخر للشهادة، و لكن لمّا كان الظاهر كون كلا الأمرين خلاف التحقيق، ضرورة أنّه لو كان البناء عليهما فلا بدّ أن لا يعتنى بالاستصحاب في الشهادة على الإثبات أيضا.


1) وسائل الشيعة: 27/ 341 الحديث 33881، مع اختلاف.

2) وسائل الشيعة: 27/ 342 الحديث 33883، مع اختلاف.

فعلى هذا؛ لا ينبغي الفرق بين الشهادة على النفي و الشهادة على الإثبات، كما ذهب إليه صاحب «الكفاية» في التكملة (1)، و قوّيناه في شرحه.

فظهر ممّا ذكرنا التزامهم بالفرق بين الشهادتين، إذ في الإثبات أيضا و إن كان يحتمل أن يكون معتمدا على الأصل، إلّا أنّه لمّا لم يكن مثل النفي ملازما معه، و لذا فرّقوا بينهما.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ ما بنوا عليه في المقام من ضمّ اليمين إلى الشهادة- فعلى كلّ تقدير- لا يتمّ، بل و كذا التوجيهان لا ينطبقان على قاعدة من القواعد، و يظهر فساد أصل المبنى بذكر فساد التوجيهين.

أمّا الثاني منهما ففساده واضح، إذ تحليل المشهود به إلى جهتي النفي و الإثبات لو كان يوجب تعدّد متعلّق الشهادة؛ لكان يجري ذلك في مطلق الشهادة، كما لا يخفى.

مع أنّ الإعسار أمر بسيط بنفسه وجوديّ منتزع من الأمر العدميّ، و إنّما الأمران أسبابه.

و من المعلوم؛ الملحوظ في الشهادة ليس إلّا ما هو في حيّز الشهادة، فهو الّذي تشمله أدلّة التصديق لا أسبابه.

و أمّا الأوّل فلأنّه بعد البناء على عدم مسموعيّة شهادة النفي، فتصير هذه الشهادة الّتي هي من مصاديقه- بناء على ما ذكره الموجّه- أيضا من الشهادات الغير المعتبرة، فحينئذ كيف يعطي الظهور لقول المدّعي؟ إذ الظهور الّذي يوجب تقوية قوله؛ هو الظهور الّذي يكون حجّة، مثل ظواهر الألفاظ، لا مطلق الظهور،


1) لم نعثر على الكتاب.

إلّا أن يقال بأنّ هذه الشهادة غير معتبرة من حيث إنّها لا تصير مدركا لحكم الحاكم و فاصلا للخصومة، لا أن لا يكون معتمدا عليه أصلا، فيفرّق بين أنحاء الشهادة، و لا دليل على ذلك، فما الوجه في انقلاب المدّعي منكرا؟

مضافا إلى أنّه مع تسليم ذلك، فما الدليل على إلزام المدّعي أن يجعل نفسه منكرا؟ بمعنى أن يوجد أسبابا يصير [بها] منكرا، بل في مثل ذلك لمّا لم يترتّب على بيّنة المدّعي أثر فالحاكم من أوّل الأمر يجعل هذا الشخص كمن هو عاجز عن إقامة البيّنة، فيوجّه اليمين على المنكر.

و بالجملة؛ فإن كان يترتّب على بيّنة المعسر أثر، فلا وجه للتفكيك، فلا يحتاج حينئذ إلى ضمّ اليمين، بل لا بدّ من الحكم على مقتضى بيّنته، و إن لم يترتّب الأثر عليه فلا وجه لإلزامه على إقامتها، فلا يتمّ التوجيه المزبور، فلا محيص على مبناهم من الفرق بين شهادة النفي و الإثبات [من] الالتزام في المقام بعدم ترتيب الأثر على بيّنة المدّعي رأسا لو كانت له، بل يكلّف المنكر من الأوّل إمّا باليمين أو بالردّ.

و لكنّك عرفت أنّه لا وجه للفرق إلّا فيما علم أنّ مستند الشهادة الأصل الّذي لا يفيد اليقين، كأصل البراءة، فما لم يعلم بذلك فمقتضى عموم أدلّة البيّنة الأخذ بقولها مطلقا، مضافا إلى أنّ المناط نفس ما هو في حيّز الشهادة، و في ما نحن فيه هو الإعسار الّذي [هو] أمر وجوديّ، فتأمّل!

[المقام الثاني] الجواب بالإنكار

اشارة

المقام الثاني في الجواب بالإنكار و فيه مسائل:

الاولى؛ قال في «الشرائع»: فإن كان المدّعي يعلم أنّه موضع المطالبة بالبيّنة،

فالحاكم- إلى أن قال-: و أمّا إذا كان المدّعي لم يعلم أنّه موضع المطالبة بالبيّنة وجب أن يقول الحاكم ذلك (1).

و حاصله: أنّه إذا كان المدّعي جاهلا بوظيفته يجب على القاضي إعلامه، و الكلام في ذلك قد يكون من حيث وجوب إرشاد الجاهل، و قد يكون من جهة كون علمه بوظيفته مقدّمة لفصل الخصومة الّذي هو يجب على الحاكم، فيجب مقدّمته و شرطه الّذي [هو] تعليمه إيّاه.

أمّا الكلام في الأوّل؛ فنقول: إنّ ما يثبت من دليل وجوب تنبيه الغافل و إرشاد الجاهل- مثل آية السؤال (2)و نحوها (3)- هو أن يكون مسبوقا بالسؤال، فإنّ وجوب التعليم إنّما استفيد من باب الملازمة العرفيّة الّتي تكون بين وجوب السؤال و ردّ الجواب، فما لم يتحقّق السؤال لم يتحقّق مقتضي وجوب ردّ الجواب و شرطه.

و كذلك القدر المتيقّن من بناء العقلاء في رجوع جهّالهم إلى أهل الخبرة في


1) شرائع الإسلام: 4/ 84.

2) النحل (16): 43.

3) يس (36): 6.

كلّ أمر و لزوم جوابهم، لم يثبت أزيد من ذلك إذا كان مسبوقا بالسؤال.

فعلى هذا؛ مجال إنكار وجوب إعلام الحاكم المدّعي بوظيفته من هذه الجهة- أي الإرشاد- واسع، بل إنّما يجب إذا سأل عن وظيفته لا مطلقا.

و أمّا من الجهة الثانية؛ فالالتزام به موقوف على أن يكون وجوب الحكم من تلك الجهة مطلقا، و لا دليل على الإطلاق؛ لما أشرنا مرارا من أنّ عمومات الباب و إطلاقاته إنّما هي في مقام بيان أنّ وظيفة الحاكم الحكم بما أنزل اللّه، و أنّه إذا حكم فلا يجوز ردّه، و أمّا أنّ ذلك- أي الحكم- في أيّ مورد له فلا يستفاد من هذه الأدلّة عموما أو خصوصا، فكلّما شكّ في أنّ له الحكم، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل.

نعم؛ استفيد التعميم من سيرة العرف و بناء قضاة الجور الّذي قد استفيد إمضاء بنائهم من فحوى المقبولة (1)، فيكفي بناؤهم أيضا لتشخيص الموارد الّتي يجب عليه الحكم عمّا لا يجب، و الكلام الآن في ثبوت هذا البناء عنهم.

لا يقال: إنّ ما أنكرتم سابقا من إطلاق كون الحكم وظيفة للحاكم فهو بالنسبة إلى قبل تحقّق الخصومة و تماميّتها، فحينئذ ما كان يجب على الحاكم الحكم حتّى يجب تحصيل مقدّماته، و أمّا بعد تحقّق الخصومة فلا إشكال في وجوب الفصل عليه حينئذ، فإمّا أن يحكم بحلف المنكر لكون المفروض انحصار الطريق به، و لمّا يتوقّف ذلك على رضا المدّعي فيجب على الحاكم استرضاؤه، فيوجب ذلك إغراءه بالجهل، و إمّا لا يحلف فلا يحكم، فيلزم إيقاف الحكم، فإذا كان كلا الأمرين باطلا و حراما إجماعا فينحصر الأمر بتعليم المدّعي


1) وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

وظيفته بإقامة البيّنة حتّى تتحقّق مقدّمة الفصل فيحكم.

لأنّا نقول: أمّا ما ذكرت أوّلا من كون وجوب الحكم مطلقا بالنسبة إلى بعد تحقّق الخصومة الّذي مرجعه إلى أنّ تعليم وظيفة المتداعيين بعد الحضور للترافع إنّما هو من شئون الحاكم، فهو أوّل الكلام، إذ كما أنّه لا دليل على الإطلاق قبل تحقّق الخصومة، أيضا لا دليل على عدم كونه- أي الحكم- مشروطا بالنسبة إلى علم المترافعين بوظيفتهما و لو بعد تحقّق الخصومة، و كذلك لم يدلّ دليل لفظيّ و لا عمليّ على كون تعليمهما من شئونه.

بل غاية ما ثبت بالدليل كون الفصل للخصومة، و إيجاد مقدّماتها بعد تحقّقها بنفسها- مثل استماع البيّنة و إحلاف المنكر و غير ذلك- ممّا هو متيقّن كونها وظيفة له، و إلّا فلو كان يجب على الحاكم إيجاد مقدّمات حكمه و لو من جهة تعليم المدّعي وظيفته، فلو فرضنا حينئذ أنّه تكون له بيّنة، بمعنى: أنّ الحاكم يعلم بأنّ للمدّعي بيّنة، عالم بأمره، و المدّعي بنفسه جاهل به؛ لكان يجب على الحاكم التنبيه على وجود البيّنة له، لعدم الفرق بين الجهل بالموضوع و الجهل بالحكم، مع كون العلم بكليهما من مقدّمات الحكم، و الكلام في هذه الجهة لا من حيث إرشاد الجاهل حتّى يلتزم بالفرق بين الموضوع و الحكم، و لا أظنّ أحدا يلتزم بذلك في الجهل بالموضوع، فما الدليل على الالتزام في الجهل بالحكم؟ فتأمّل!

و أمّا الكلام من حيث الإغراء بالجهل؛ فأوّلا، نفرض الكلام فيما إذا بدر المدّعي بنفسه و طلب الحلف فتحقّق الرضا قهرا، لا باسترضاء الحاكم بدوا حتّى يلزم ما ذكر.

و ثانيا؛ ليس المقام من الإغراء بالجهل، إذ هو إنّما يتحقّق فيما إذا نشأ الإقدام على عمل من إغراء الغير و إغفاله، لا بأن يكون الشخص بنفسه مقدما على عمل و الغير يعلم بجهله و لم يرفعه، فإنّ انطباق عنوان الإغراء على مثل ذلك لم يدلّ عليه دليل، فإنّ من أمر غيره بدخوله في داره يتوهّم أنّه صديقه، مع أنّه ليس بصديق له، فدخل؛ لا يقال: إنّ ذلك إغراء بالجهل، و المفروض؛ أنّ المقام من هذا القبيل.

و ثالثا؛ مع تسليم ذلك يمكن دفع الإغراء بأن يقول له الحاكم بنحو القضيّة التعليقيّة: إنّه لو كان لك البيّنة فلك الحلف أيضا، فتأمّل! فإنّ المقام لا يخلو عن النظر، و لذلك قال- دام ظلّه- في آخر كلامه: نعم؛ الظاهر أنّه مسلّم عندهم في مسألة إرشاد الجاهل وجوبه على النبيّ فيما لو كانت الامّة جاهلين رأسا بأنّهم ذوو تكاليف، بحيث لو علّق وجوب الإرشاد و التنبيه على سؤالهم و طلبهم المسائل يلزم نقض الغرض، لكونهم متّصفين بالجهل المركّب، فيجب حينئذ (1)على مبيّن الأحكام أن ينبّئهم بها و يلفتهم حتّى يخرجوا عن مثل تلك الغفلة في الجملة، ثمّ يجب بعد ذلك عليهم الطلب تفصيلا.

فبهذا المناط يمكن أن يقال: إنّه يجب [على] الحاكم إعلام المدّعي بوظيفته في الجملة في ما نحن فيه.

الثانية: المستظهر من عبارة «الشرائع» توقّف اليمين و جواز الإحلاف على عدم وجود البيّنة،

الثانية: المستظهر من عبارة «الشرائع» (2)توقّف اليمين و جواز الإحلاف على عدم وجود البيّنة،


1) الظاهر كون دأب المعصومين عليه السّلام نشر الأحكام و تعليمهم العباد وظائفهم مطلقا، بل سيرة الأخبار أيضا مستقرّة على ذلك، «منه رحمه اللّه».

2) شرائع الإسلام: 4/ 84.

فليس للمدّعي ترك إقامتها اقتراحا و العدول إلى الإحلاف، إذا أمكنه إقامتها.

الظاهر من الاخبار الواردة لتعيين الوظائف أيضا ذلك، فإنّ جملة منها تدلّ على الترتيب و تأخّر الحلف عن البيّنة و فقدانها (1)لا عدم إقامتها.

و لكن [مقتضى] الإطلاق المستفاد من الأخبار (2)المشتملة لبيان حكم اليمين عدم توقّفها عليه، فيدور الأمر بين تقييد هذه الإطلاقات، أو حمل ما يستفاد منها الترتيب على عدم الوجود الظاهري الأعمّ من عدم الوجود حقيقة أو عدم الإقامة، لا الفقدان واقعا، و لمّا كانت السيرة مستقرّة على كون الخيار للمدّعي فلا مجال لرفع اليد عن الإطلاقات، بل يتعيّن الثاني.

أقول: هذا الفرع مصرّح به في كلام الأصحاب (3)، و الظاهر؛ كون المسلّم عندهم عدم جواز إلزام المدّعي على إقامة البيّنة عند وجودها، بل له أن يحلف المنكر.

الثالثة؛ لا إشكال في كون الإحلاف حقّا للمدّعي،

فلا يجوز للحاكم الاستقلال فيه، بل متوقّف على رضا المدّعي، و لمّا كانت المسألة إجماعيّة فلا ينبغي إطالة الكلام في ما لا فائدة فيه؛ و هل يكفي استكشاف رضاه و لو بمثل شاهد الحال، أم يحتاج إلى تصريحه؟ لمّا كان شاهد الحال من الأمارات العقلائيّة، و لا خصوصيّة لها ببعض الموارد فلا مجال للإشكال بما في الاكتفاء به في ما نحن فيه أيضا.


1) وسائل الشيعة: 27/ 241- 244 الباب 7 و 8 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

2) وسائل الشيعة: 27/ 244 الباب 9 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

3) و قد ذكر في «الشرائع» ذلك في ما سيأتي بعد ذكر فروع، (شرائع الإسلام: 4/ 144) فراجع! «منه رحمه اللّه».

و العجب من صاحب «الجواهر» قدّس سرّه كيف اكتفى به في المسألتين السابقتين نظير ما نحن فيه، و استشكل في المقام بأنّ الرضا لا بدّ من العلم به، و شاهد الحال لمّا لا يفيد إلّا الظنّ فلا يكتفى به (1).

و فيه؛ بعد أنّ المسلّم كونه من الأمارات، و طريقيّتها إنّما هي من جهتها لا من باب التعبّد في بعض الموارد، و لذا يكتفى به في التصرّف في أموال الناس الّذي أهمّ من المقام قطعا، فيقوم مقام العلم كسائر الأمارات، فلا وجه للاستشكال فيه، و لعلّه لذلك أشار قدّس سرّه في آخر كلامه بالتأمّل (2).

الرابعة: كما أنّه لا يجوز للحاكم إحلاف المنكر بلا استرضاء من المدّعي، كذلك لا يجوز للمدّعي الاستقلال في ذلك،

و إن كان ظاهر بعض الأخبار أنّ له الاستبداد (3)، و لكنّ المعروف بل الإجماع محقّق على الاحتياج بإذنه، و هل يتوقّف على مطالبته أم يكفي حضوره؟ القدر المتيقّن من الدليل هو وقوع الحلف عنده و في محضره، فتأمّل!

[المقام الثالث:] متعلّقات اليمين

اشارة

المقام الثالث: في أنّه مع عدم قيام البيّنة و انتهاء الأمر إلى وظيفة المنكر الّتي هي اليمين، فهو إمّا أن يحلف، أو يردّ اليمين إلى المدّعي، أو ينكل.

فهنا مراحل ثلاث:

[المرحلة] الاولى: فيما لو حلف فأيّ شي‌ء يترتّب على حلفه،

اشارة

هل يوجب ذلك


1) جواهر الكلام: 40/ 192.

2) جواهر الكلام: 40/ 192 و 198.

3) وسائل الشيعة: 27/ 241 الباب 7 و 246 الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم.

خروج المال عن ملك المدّعي رأسا لو كان الحلف كاذبا، بحيث تصير اليمين من إحدى النواقل، أم لا، بل يوجب خروجه عن تحت سلطنته، ثمّ خروجه كذلك إمّا أن يكون بحيث يصير المدّعي منقطع السلطنة عنه رأسا، أم لا، بل يبقى له بعض جهات السلطنة، مثل التصرّفات الّتي لا يعدّ معارضة؟

أمّا الاحتمال الأوّل و إن كان يظهر من بعض أخبار الباب، مثل قوله عليه السّلام:

«لا حقّ له» (1)أو «ذهبت اليمين بحقّ المدّعي» (2)و نحوه (3)، و لكن لمّا كان سببيّة اليمين خروج الملك عن المالك الواقعي رأسا خلاف الإجماع (4)قطعيّا، مضافا إلى ما روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أنّه «أيّما رجل قطعت (5)له من مال أخيه شيئا، فإنّما قطعت له به قطعة من النار» (6).

فإنّ المستفاد منه عدم خروج المال عن [ملك] المالك ظلما، و إلّا فكيف يكون بمنزلة قطعة من النار، فإذا بطل الاحتمال الأوّل فالأمر يدور بين الاحتمالين الأخيرين، فيكون المراد من الحقّ المنفيّ حقّ الدعوى و السلطنة، أي لا سلطنة بعد الحلف للمدّعي على الحالف، لخروج المال به عن سلطنته، فيرتفع سلطنته عن المنكر قهرا.

فحينئذ؛ قد يقوّى الاحتمال الثاني، فيقال: إنّ له التصرّفات الّتي ليس


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

2) وسائل الشيعة: 27/ 245 الحديث 33689 و 33690.

3) وسائل الشيعة: 27/ 246 الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

4) و إلّا يلزم أن لا يكون له على الحالف حقّ أبدا حتّى في الآخرة و إن يعاقب من جهة حلفه كاذبا، «منه رحمه اللّه».

5) فهم عبارة الحديث هذه لا يخلو عن الإشكال، يحتاج إلى المراجعة. «منه رحمه اللّه».

6) وسائل الشيعة: 27/ 232 الحديث 33663.

ضررا على المنكر، مثل إبرائه و المحاسبة معه خمسا أو زكاة و نحوها ممّا لا يعدّ معارضة و يكون نفعا للحالف، و ذلك بدعوى أنّ المتبادر من الأخبار سلب الحقّ لنفي المعارضة احتراما للقسم، و إلّا فبالنسبة إلى ما ليس بمعارضة فالأخبار منصرفة عنه.

و بالجملة، لازم هذا المعنى التفكيك في فقرات الأخبار من حيث النفع و الضرر، كما يشعر به مثل قوله عليه السّلام: «لا حقّ له عليه» (1)، فإنّ «اللام» للنفع، كما أنّ «على» للضرر، فلا ينفى التصرّف الّذي ليس نفعا للمدّعي، بل نفع للمنكر، الّذي لا يبعد أن يكون الإبراء منه من هذا القبيل.

هذا؛ إلّا أنّ الإنصاف مع وجود هذه الإطلاقات مثل قوله عليه السّلام: «كانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه» (2)و كذا قوله عليه السّلام:

«ذهبت اليمين بحقّ المدّعي» (3)و الآخر: «لا حق له عليه» إلى غير ذلك ممّا هي ظاهرة في نفي السلطنة رأسا، فلا يبقى المجال للتفصيل.

مضافا إلى أنّه يستفاد من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من حلف لكم باللّه فصدّقوه» (4)الملازمة بين ما يجب تصديقه، و ما ذهبت اليمين به المشتمل عليه ذيل الحديث، فإنّ ما يدّعيه الحالف هو الملكيّة لنفسه و نفي سلطنة الغير رأسا عمّا حلف له، عينا كان أو دينا، فيجب تصديقه في جميع المدّعى، خرج عنه الملكيّة فقط و بقي الباقي، ثمّ يترتّب على ذلك ذهاب اليمين ما حلف له و هو جميع أنحاء السلطنة، فتأمّل!


1) وسائل الشيعة: 27/ 244 الحديث 33689، و فيه: «قبله» بدل: «عليه».

2) وسائل الشيعة: 27/ 244 الحديث 33689.

3) وسائل الشيعة: 27/ 244 الحديث 33689 مع اختلاف يسير.

4) وسائل الشيعة: 27/ 245 الحديث 33690 مع اختلاف يسير.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه لمّا كانت اعتبار الملكيّة ملازما مع جهة جهات [من] السلطنة، و إلّا فمسلوب السلطنة من جميع الجهات لا يعتبر له الملكيّة عرفا، فحينئذ لا بدّ للمدّعي من اعتبار جهة سلطنته، و هي إباحته و تحليل المال له و كلّ ما يكون من هذا القبيل، و لأنّ الإجماع قائم على أنّه يجب على الحالف أن يكون في مقام استبراء ذمّته و لو بأنّ ما عليه في أموال المالك.

فحينئذ؛ لو دسّ المال في أمواله بحيث لم يطّلع المدّعي عليه، و لكنّ الغير اطّلع عليه، فهل يكون للغير أن يشتري ذلك من المدّعي، أم بلا إشكال يجوز ذلك؟

فمن هذا المناط يستكشف أنّه ليست سلطنة المالك منقطعة عنه رأسا، بل إنّما انقطعت سلطنته عنه لكلّ ماله نفع لنفسه مثل المقاصّة له، و أمّا ما كان نفعا للحالف مثل أن يبرئه أو يحسب عليه الزكاة و نحوها مثل الخمس، فليس منقطع السلطنة عنه من هذه الجهة، فتأمّل!

ثمّ إنّ من آثار الحلف عدم جواز تجديد الدعوى و عدم السماع منه رأسا حتّى لو كانت له بيّنة مطلقا، و ما التزم بعض ببعض التفصيلات في المقام لا وجه له، لما عرفت من إطلاقات الأخبار.

إنّما الكلام فيما لو أقرّ الحالف بالحقّ و أكذب نفسه، هل ينقلب الدعوى إلى حالها قبل الحلف، و يكون الأمر مثل ما لو لم يحلف، أم لا؟

لا إشكال في تقديم الإقرار على جميع الأمارات مثل البيّنة و نحوها، لقوله عليه السّلام: «المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا [عليه]» (1).


1) وسائل الشيعة: 23/ 184 الحديث 29341.

فلذلك قد يتوهّم في المقام أيضا أنّه على مقتضى القواعد تقديم الإقرار على اليمين، نظرا إلى أنّ اليمين و إن كان أمرا حدوثيّا تأثّره تابع لحدوثه إلّا لبقاء حجيّته، فإذا أكذب الحالف نفسه فتنقطع حجيّته فيزول الأثر قهرا، فهو حينئذ مأخوذ بإقراره.

و بالجملة؛ دليل الأصدقيّة بالنسبة إلى اليمين أيضا يؤثّر، و هذا الكلام و إن كان يظهر في بادئ النظر تماميّته، إلّا أنّه فاسد، و ذلك لدوران الأمر في المقام بين التخصيص و التخصّص، إذ بعد أن كان المسلّم أنّ اليمين يذهب بجميع أنحاء السلطنة بحكم الشرع فلا يبقى موضوع للإقرار، إذ هو في ظرف احتمال السلطنة، فإن بني على تقديم الإقرار عليه فلا بدّ من الالتزام بالتخصيص في السلطنة المنفيّة باليمين، بمعنى: أن يبنى أنّ سلطنة المدّعي مرتفعة عن المال إلى زمان الإقرار بالحقّ، أو كذب الحلف، بخلاف ما لو قدّمنا اليمين على الإقرار، فإنّه لا تخصيص في دليل الإقرار، إذ دليل الأصدقيّة في ظرف وجود الموضوع، و احتمال سلطنة المقرّ له على المال يجعله معتبرا و حاكما على غيره.

و المفروض؛ أنّه لا احتمال لبقاء السلطنة بعد ثبوت اليمين و تأثيره، فلذلك يكون تقديم اليمين على الإقرار بالتخصّص و إبقاء دليله على ظاهره و لا إشكال في أنّه عند الدوران بين التخصيص و التخصّص أنّ الثاني أولى (1).


1) و لا يتوهّم أنّ دليل الأصدقيّة يرفع الشكّ فيرتفع موضوعي اليمين؛ إذ هي لو كانت محتملة الصدق فيترتّب عليها الأثر و هذا الاحتمال بدليل الإقرار مرتفع، فلا يوجب هنا أيضا التخصيص.

فالتحقيق أنّه: على مقتضى القواعد لا محيص عن تقديم اليمين على الإقرار و عدم الاعتناء بعد تحقّقه، لعدم جريان ملاك التقديم، كما في تقديمه على سائر الأمارات لما عرفت.

و من ذلك بان لك أنّه لا مجال لدعوى انصراف أخبار اليمين عن صورة لحوق الإقرار المكذّب له عليه، كما أنّه لا يثمر القول بأنّه لمّا كانت النسبة بين أخبار اليمين و أدلّة الإقرار العموم من وجه فيتعارضان، فيقدم أدلّة الإقرار على أخبار اليمين، للإجماع عليه.

هذا على ما تقتضيه القواعد، و أمّا بحسب الأدلّة الخاصّة، فلمّا وردت روايات دالّة على تقديم الإقرار على اليمين و ارتفاع أثرها به، و الأصحاب أيضا عملوا بها، فلا بدّ من الالتزام بتقديم الإقرار عليها، من جهتها، أي الأدلّة الخاصّة، فافهم!

[تذنيب:] الاحتياج إلى حكم الحاكم بعد تحقق اليمين و عدمه

تذنيب: ثمّ إنّه بعد تحقّق اليمين هل يحتاج فصل الخصومة إلى حكم الحاكم أم لا، بل ينقطع الدعوى بنفسه؟ ظاهر روايات الباب مثل قوله: «ذهبت اليمين بحق المدّعي» (1)، أو «لا حقّ له» (2)و نحوه، على عدم الاحتياج، إذ ليس


1) وسائل الشيعة: 27/ 244 الحديث 33689.

2) وسائل الشيعة: 27/ 244 الحديث 33689.

معنى الفصل باليمين إلّا معنى منتزعا، من عدم ثبوت حقّ للمدّعي على الحالف، أو ذهاب حقّ الدعوى رأسا.

و الحاصل؛ أنّ الفصل المترتّب على اليمين ليس إلّا الحكم ببراءة ذمّة الحالف عمّا حلف عليه، و المفروض أنّ الشارع رتّب هذا الأثر على نفس اليمين، كما يدلّ عليه تلك المضامين و احتياج سائر الأمارات إليه، لعدم هذه المضامين في دليل اعتبارها.

فعلى هذا؛ لا بدّ من الالتزام بحمل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» (1)على الحكم التأكيديّ و التأسيسيّ، إذ لو لا كذلك، بمعنى: أنّ الفصل كان متوقّفا على حكم في اليمين أيضا، فلا يبقى الوجه في استناد بطلان الدعوى و ذهاب الحقّ إلى نفس اليمين، إلّا على وجه بعيد و تقدير أنّ الأمر كذلك، إذ الحقّ الحكم باليمين.

نعم؛ لو كان كلّ منهما- أي اليمين و الحكم- مؤثّرا في الفصل لكان يمكن استناده إلى اليمين، و أمّا على ما هو الظاهر من كلماتهم من أنّ المؤثّر التامّ هو الحكم، كما في غير اليمين، فتصحيح استناد تلك المعاني إلى اليمين في غاية الإشكال، فتأمّل! و استقم! و اللّه العالم.

[المرحلة الثانية:] أحكام اليمين

المرحلة الثانية:

في «الشرائع»: (و إن ردّ اليمين على المدّعي لزمه الحلف) (2).


1) الكافي: 7/ 414 الحديث 1، وسائل الشيعة: 27/ 232 الحديث 33663.

2) شرائع الإسلام: 4/ 84.

بعد أنّ المسلّم أنّه ليس المراد من اللزوم في المقام الحكم التكليفي، بل المراد منه الوجوب الشرطيّ الوضعيّ (1)، فنقول: هنا جهات من البحث:

الاولى: أنّه هل يكون هذا الاختيار للمنكر مطلقا، أم لا، بل يختلف ذلك بحسب المقامات؟

ظاهر أخبار الباب- مثل: حديث عبيد بن زرارة (2)، و صحصيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: في الرجل يدّعي و لا بيّنة له، قال عليه السّلام: «يستحلفه، فإن ردّ اليمين على صاحب الحقّ و لم يحلف، فلا حقّ له» (3). و مرسل أبان (4)و غيرها (5)- الأوّل، فإنّ قوله عليه السّلام: «فإن لم يحلف» قد يدّعى أنّ إطلاقه يشمل ما لو أمكنه الحلف و لم يحلف، أو لم يمكنه ذلك، لكون الدعوى ظنيّة، أو كون الحقّ متعلّقا لغير المدّعي و إنّما يدّعي وكالة أو ولاية، و نحو ذلك من الموانع.

و لكنّ الظاهر انصراف الروايات عن مثل هذه الموارد، بل في مثلها ليس للمنكر إلّا اختيار أحد أمرين: إمّا أن يحلف، أو يؤدّي الحق.

نعم؛ في مثل الوكيل لمّا كان هو البدن التنزيليّ للموكّل، فيمكن الردّ لأن يحلف الموكّل، و أمّا الوليّ فلا سبيل إلى الردّ إليه، لأنّ ولايته من قبل اللّه تعالى، لا أن يكون بدنا تنزيليّا و نائبا من قبل المولّى عليه، فهو بنفسه لا يقدر على اليمين، لأنّ الحقّ متعلّق بالغير، و اليمين لا يثبت حقّ الغير، و المفروض أنّ


1) أي لزم عليه لو كان يريد استنقاذه. «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33680.

3) الكافي: 7/ 416 الحديث 1، وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33679.

4) الكافي: 7/ 416 الحديث 4، وسائل الشيعة: 27/ 242 الحديث 33683.

5) وسائل الشيعة: 241 الباب 7 و 246 الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم.

المولّى عليه أيضا لا يقدر على الحلف مثل الموكّل، فينحصر الأمر في مثله.

و كذلك في الدعوى الظنيّة إذا لم يكن مترقّبا تبدّله باليقين ينحصر الطريق إلى الأمرين، و لا يصدق حينئذ أيضا عليهما أنّهما أبيا عن الحلف، لأنّ المتبادر من هذا الاستناد إنّما هو إذا أبى المدّعي عن الحلف اختيارا.

و بالجملة؛ لا ينبغي التشكيك في أنّ اختيار المنكر بالنسبة إلى الأمر الأخير- و هو الردّ- إنّما يكون فيما إذا كان المقتضي له موجودا، بأن يكون الطرف و المحلّ قابلا، لا فيما إذا لم يكن كذلك، كما في تلك الموارد، كما لا يخفى.

الثانية؛ ذكروا أنّه هل يمين المدّعي يكون بمنزلة إقرار المنكر- لأنّ مرجع الردّ إلى أنّ المنكر كأنّه يقول: أنا اؤدّي الحقّ و مقرّ به بشرط أن يحلف المدّعي- أو بمنزلة البيّنة للمدّعي؛ لأنّ من هو شأنه اقامتها، فلمّا لم يمكنه فيقوم حلفه مقامها؟ و رتّبوا على الأمرين فروعا:

منها: أنّه لو أقام المنكر بعد حلف المدّعي البيّنة على ردّ المدّعى به قبل الدعوى لا تسمع منه، لأنّ إقراره أوّلا مكذّب لهما، و على الثاني تسمع و تعارض بيّنة المدّعي.

و أنت خبير بأنّ كلا المبنيين من قبيل الاستحسانات الّتي لا وجه للاتّكال عليها لاستخراج الأحكام الشرعيّة، ففي الفروع الّتي تفرّعوا عليها لا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القواعد، كما أفاده في «الجواهر» (1).


1) جواهر الكلام: 40/ 175 و 176.

[المرحلة الثالثة] النكول

الثالثة؛ و هي ما قال في «الشرائع»: (لو نكل) (1)أي المدّعي (سقطت دعواه) (2).

هل المراد بسقوط دعواه سقوطها في هذا المجلس- أي المجلس الّذي حضروا للتدافع- أم مطلقا؟

الظاهر؛ أنّه لا إشكال في أنّ المتبادر من قوله عليه السّلام: «فلا حقّ له» (3)- الّذي هو المدرك لهذا حكم الأصحاب- سقوط الدعوى مطلقا.

إنّما الكلام هنا في أمرين:

أحدهما: أنّه هل النكول يشمل ما لو كان إباؤه عن الحلف استمهالا للتروّي في أمره أو لإحضار البيّنة و نحوهما، أم لا، بل مختصّ بما لو كان امتناعه عنه اقتراحا، بلا جهة و مانع؟

لا يقال: لا يصدق على الفرض الأوّل النكول.

لأنّا نقول: ليس في الأخبار لفظ النكول حتّى ندوّر وراءه من أنّه أين يصدق و أين لا يصدق.


1) شرائع الإسلام: 4/ 84.

2) مضافا إلى أنّه كما أنّ حلف المدّعي يثبت الحقّ الواقعي فيصير بمنزلة إقرار المدّعي، و لذلك ينافي بيّنة المنكر كذلك كان للمدّعي أن يقيم بيّنة مثبتة للحقّ و الاشتغال الفعلي، فيعارض بيّنة المنكر لو أقام بعدها الدالّة على الردّ.

3) وسائل الشيعة: 27/ 44 الحديث 33689.

نعم؛ يمكن أن يقال بأنّ أخبار الباب منصرف عن الصورة الاولى، فإنّ المتبادر من قوله عليه السّلام: «لم يحلف» (1)هو عدم الحلف اختيارا بلا سبب و علّة، خصوصا و في بعضها قوله عليه السّلام: «فإن أبى أن يحلف» .. إلى آخره (2)، فإنّ لفظ «الإباء» ظاهر في الصورة الثانية، فتأمّل!

ثانيهما؛ أنّه ما المراد من قولهم بسقوط الدعوى؟ و لمّا كانوا استفادوا هذا الحكم من قولهم عليهم السّلام في ذيل أخبار اليمين: «لا حقّ له» (3)فينبغي البحث في معنى تلك الجملة، فنقول: هنا احتمالات ثلاثة:

الأوّل؛ أن يكون المراد به نفي الحكم الظاهريّ، أي لمّا كان المنكر ذا يد على المال- مثلا- فلا حقّ للمدّعي الّذي لم يحلف فيه، بل بمقتضى يده يحكم بأنّ المال له، و ليس على ذمّته شي‌ء فعلا أيضا.

الثاني؛ أنّه لا حقّ له بالنسبة إلى الخصومة الفعليّة في ما أبى عنه و هو الحلف.

الثالث؛ أنّه لا حقّ له واقعا أبدا، بل بإبائه يسقط حقّ دعواه رأسا، لسقوط سلطنته عن المال الّذي تبعا لسلطنته عليه كان له حقّ الدعوى.

و لازم الأوّل معلوم، و هو أنّه يكون مفاد هذه القضيّة بيان حكم حال قبل الترافع، بحيث لم يحدث بسبب الترافع و ردّه و إبائه عن الحلف شيئا، فله بعد ذلك إقامة الدعوى ثانيا، و إقامة البيّنة و إحلاف المنكر، و غير ذلك من لوازم السلطنة


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

2) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33682.

3) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33679، 33680 و 33684.

على الدعوى، و لذلك احتمال هذا المعنى الّذي لازمه عدم كون الحديث في مقام بيان الحكم في غاية البعد، بل يدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين، و القدر المتيقّن منهما هو الاحتمال الثاني الّذي لازمه سقوط حقّه عن جهة اليمين فقط.

و أمّا من حيث إقامة البيّنة و سائر الجهات- مثل جواز المقاصّة و نحوها- فلا، و أمّا سقوط الحقّ واقعا من جميع الجهات الّذي لازمه عدم جواز تجديد الدعوى ثانيا، و لا المقاصّة و نحوها، و هذا لازم الاحتمال الثالث، فلا، بل الحقّ بالنسبة إلى هذه الجهات باق.

و ذلك؛ لأنّ الحكم المترتّب على طريق و أمارة ظاهريّة ليس مفاده إلّا الحكم الظاهريّ، و اليمين أيضا من ذلك، فالإباء عنه يوجب نفي الحقّ ظاهرا عن جهة الحلف لا سقوط الحقّ الواقعي عمّا حلف عليه، إذ هو من لوازم الواقع.

و أمّا سقوط السلطنة الواقعيّة فيما لو حلف، فليس هو لاقتضاء نفس الأمارة تلك، بل لأنّه لمّا يثبت من الخارج أنّه يرتفع باليمين بعض الآثار الّذي هو من لوازم نفي السلطنة الواقعيّة مثل عدم جواز المقاصّة، كما يمكن استفادة ذلك من قولهم عليهم السّلام: «ذهبت اليمين بحقّ المدّعي» و نظائره (1)، فالتزموا في باب اليمين على ارتفاع السلطنة الواقعيّة.

و أمّا في المقام، فليس في أخبار الردّ ما يستفاد منه ذلك، و لا ريب أنّ جملة «لا حقّ له» (2)لا تقتضي أزيد ممّا ذكرنا.

فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا مجال لمقايسة المقام باليمين، و لا القول بأنّ تلك


1) راجع! وسائل الشيعة: 27/ 244 الباب 9 من أبواب كيفيّة الحكم، و أحكام الدعوى.

2) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33679 و 33680 و 33684.

القضيّة بإطلاقها تقتضي نفي الحقّ رأسا.

هذا كلّه؛ بالنسبة إلى حال قبل حكم الحاكم باليمين، و أمّا بعده، فلا يجوز للمدّعي الآبي عن الحلف، إقامة الدعوى ثانيا، و لا تسمع منه البيّنة لصدق الردّ حينئذ.

المقام الرابع؛ في أنّه لو نكل عن الجواب، بأن ينكر الحقّ و لكن لا يحلف على نفيه و لا يردّه.

و أمّا النكول؛ لا يخفى أنّه ليس في أخبار الباب هذا اللفظ المراد به عدم حلف المنكر و عدم ردّه، و إنّما هو واقع في كلام الأصحاب، فهل يصدق هذا المعنى على ما لو استمهل المنكر لليمين، أو الردّ بأن يتروّى في أمره ذلك، فلا يجوز للحاكم إمهاله لصدق ما هو مفاد الأخبار عليه أيضا، و هو أنّه أبى أن يحلف أو يردّ، أم لا، بل صدق ذلك موقوف على الإباء عنهما بقول مطلق؟ لا يبعد القول بالثاني، لما عرفت في نظيره.

فكيف كان؛ فإذا صدق النكول ففي المسألة احتمالات، بل أقوال: تعيّن إلزام الحاكم المدّعي بالحلف، و التخيير له، عدم جواز الإلزام مطلقا، و حلف المدّعي بنفسه اقتراحا، ليس وجها لاحتمال الرابع، بل الظاهر؛ عدم القائل به، فيدور الأمر بين الاحتمالات الثلاثة.

و هل يستفاد من تلك الأقوال عدم جواز إيقاف الدعوى؟ بأن يقال: لمّا التزموا على أحد الامور- و هي إلزام المدّعى عليه بالحلف، أو تخيير الحاكم في ذلك، أو عدم جواز الإلزام، بل الحكم بمجرّد النكول- فأجمعوا على عدم الإيقاف، أم لا؟

لا وجه لاستفادة الإجماع المركّب على عدم جواز إيقاف الدعوى من هذه الأقوال، لاحتمال أن يكون مبنى كلّ منها أنّه إذا أراد الحاكم الحكم فوظيفته أحد الامور.

و بالجملة؛ لا بدّ في استفادة الإجماع المركّب من جامع بين الأقوال، و لم يظهر ذلك في المقام.

فحينئذ؛ إنّ جعل حديث: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1)دليلا للقول الثالث- و هو القضاء بالنكول- كما قوّاه في «الشرائع» (2)، بتقريب أنّ حصر وظيفة المدّعي بالبيّنة الخارج منه إلزامه بالحلف في صورة الردّ للدليل يقتضي الحكم بنكول المنكر و عدم ردّ الحلف على المدّعي؛ فاسد.

وجهه: أنّه كما أنّ ذاك الحصر يقتضي ذلك كذلك حصر وظيفة المنكر باليمين؛ أيضا يقتضي عدم الحكم بنكوله، فالمستفاد من الجملتين انحصار مدرك الحكم بأحد الأمرين، و عدم كون النكول مدركا له، فعلى هذا يقع التعارض بين القضيّتين فيتساقطان، و لازمه إيقاف الدعوى.

و لو قيل بأنّ الإجماع على عدم جواز الإيقاف و إن لم يستفد من الاتّفاق على الأقوال الثلاثة، و لكنّه ثابت من الخارج.

فإنّا نقول: إنّه مع تسليمه- أي الإجماع- فالحكم حينئذ- أي بعد تعارض الحصرين و تساقطهما- إنّما هو مستند بالإجماع لا بالحديث.

فكيف كان؛ الاستدلال بالحديث ساقط، و أمّا الإجماع فغير مرتبط


1) عوالي اللآلي: 2/ 345 الحديث 11، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

2) شرائع الإسلام: 4/ 85.

بالحديث، مضافا إلى أنّ إلزام الحاكم بالحكم على الإجماع المدّعى فهل يحكم عند عدم البيّنة و استنكاف المنكر عن الحلف و الردّ بنكوله، أو يلزم المدّعي بالحلف، أو غير ذلك من الوظائف؟ فإنّما هو تكليفه، و سيأتي الكلام فيه.

و ممّا استدلّ على القضاء بالنكول الحديث الشريف عن الصادق عليه السّلام أنّه روى عليه السّلام عن عليّ عليه السّلام قصّة حلف الأخرس، و أنّ فيه قوله عليه السّلام: «فامتنع فألزمه» (1).

لا يخفى أنّه لا مجال للخدشة فيه بكونه مشتملا على ما هو غير معمول به عند الأصحاب من حلف الأخرس على الكيفيّة المرويّة فيه، إذ لا يوجب ذلك طرح الحديث رأسا بعد عدم اختلال في سنده، بل يؤخذ به من الجهة الاخرى، كما هو دأب الأصحاب، من أنّهم كثيرا ما يتمسّكون برواية مشتملة على حكم مخالف للإجماع، بحمله على التقيّة و نحوها، و لا يرون الضرر للاستدلال بجزئها الآخر الغير المنافي لما هو الظاهر من الشريعة.

فحينئذ؛ لمّا كان الراوي الّذي هو الإمام عليه السّلام طبّق حكما و كبرى كليّة على موضوع غير معمول به، و هو حلف الأخرس بإشرابه الماء المغسول فيه اسم اللّه، فيستفاد منه ذاك الحكم، و هو أنّ الامتناع عن الحلف موجب لإلزام الممتنع عن الحلف بالحقّ.

و أمّا عدم كون هذا المصداق من الحلف فعلا الّذي يمكن أن تكون المصلحة اقتضت في تلك الواقعة الإحلاف هكذا لا ينافي لإثبات هذا الحكم بالحديث، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة: 27/ 302 الحديث 33799 و فيه: فامتنع، فألزمه الدين.

و أمّا قول «الجواهر»: أنّه قضيّة في واقعة (1)، و وجه إلزام الإمام عليه السّلام ليس معلوما؛ مدفوع بأنّ ظاهر الحديث يدلّ على أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام- على ما نقله الإمام عليه السّلام- رتّب الإلزام على امتناعه عن الحلف بلا جهة اخرى، و احتمالها خلاف ظاهر الحديث، و إنّما لا ينبغي استفادة الحكم الشرعيّ من القضايا إذا كانت ذات احتمالات متساوية، و لا ريب أنّه لا احتمال ظاهرا مساويا مع ما هو المتبادر من ظاهر الحديث، و بالجملة؛ لا ينبغي التشكيك في الرواية من هذه الجهات.

و ممّا استدلّ به على هذا القول فقرتان من رواية البصري:

الاولى: قوله عليه السّلام: «و إن لم يحلف فعليه» (2)على أن يكون المراد بها أنّه استنكف المنكر عن الحلف فعليه الحقّ بلا احتياج حينئذ إلى شي‌ء آخر لإثباته من ردّ الحلف إلى المدّعي.

ثانيتهما: قوله عليه السّلام في ذيلها: «و الزم بالحقّ أو اليمين أو ردّ اليمين» (3)و الّذي يحتمل في هذه الفقرة ثلاثة: إمّا يقرأ الردّ بالكسر، على أن يكون معطوفا على مدخول «الباء»، أو يجعل فعلا معطوفا على الفعل الأوّل، فإمّا أن يقرأ مجهولا أو معلوما.

أمّا الاحتمال الأوّل ففي غاية البعد، إذ المنكر مختار في ردّ اليمين، فكيف يجوز أن يجعل من أفراد الواجب التخييريّ إلزامه عليه لو لم يختر الفردين؟


1) جواهر الكلام: 40/ 239.

2) الكافي: 7/ 415 الحديث 1، وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

3) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673، مع اختلاف و تقديم و تأخير.

مضافا إلى أنّه يلزم على هذا أن يحمل قوله عليه السّلام: «أو بالحقّ» (1)على أنّه يلزم به لإقراره (2)، و هو خلاف الظاهر، فيدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين.

أمّا على قراءته فعلا معلوما- كما هو الظاهر- فلا يصير دليلا للمطلوب، بل هو أدلّ على مدّعى الطرف لو لم نحمل الحقّ و الإلزام به على إلزامه لنكوله- كما هو الظاهر- أو الأعمّ منه و الإقرار، لأنّه يثبت حينئذ كون الردّ وظيفة للمنكر خاصّة.

و أمّا لو حمل الحقّ عليه أيّ وجه [يكون] الإلزام به نكوله أو الأعمّ منه و من الإقرار، حتّى ينحصر وظيفة المنكر بالثلاثة على ما بنوا عليه، و إلّا لو حمل على الإقرار به فيصير النكول أمرا رابعا، خلاف ما هو المعروف.

فحينئذ؛ لا بدّ من حمله على الأعمّ، فيتمّ المدّعى به من كون النكول طريقا للحكم، و لا يحتاج إلى ردّ الحاكم الحلف حتّى يتمّ الميزان.

و أمّا على قراءته مجهولا، فقد يتوهّم عدم تماميّته للاستدلال به على هذا القول، بل دليل للمقابل، بتقريب أنّ الفاعل للردّ إذا لم يكن معلوما فيطبّق على كلّ أحد، و لكن يكون ذلك بمنزلة إطلاق كان منطبقا على كلّ أحد، فقيّد حتّى بقي الحاكم و المنكر، و ليس ذلك من التقييد المستهجن لكثرته، إذ التقييد الكثير مستهجن فيما لو استقرّ ظهور المطلق.

و بعبارة اخرى؛ إنّما يكون الاستهجان في التقييد المنفصل لا في المتّصل.

هذا؛ و فيه ما لا يخفى، إذ مع الغضّ عمّا في هذه القراءة لأنّه مخالف للطبع


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673 و فيه: أو الحقّ.

2) لا لنكوله و لا الأعمّ منه و الإقرار، و إلّا لا يبقى محلّ للإلزام بالردّ، كما لا يخفى، «منه رحمه اللّه».

بل الموافق له هو قراءته معلوما، فمع تسليمه لا يتمّ المدّعى، ضرورة؛ أنّه يحتمل أن يكون الرادّ شخص المنكر، و لا دليل على أن يكون المراد به الأعمّ منه و من الحاكم، فمع هذا الاحتمال القويّ فكيف يصير الحديث دليلا لمشروعيّة الردّ من الحاكم فتأمّل.

و من الأدلّة لهذا القول الأصل، أي أصالة عدم كون يمين المدّعي ميزانا إلّا في صورة ردّ المنكر.

هذه جملة الأدلّة لهذا القول، أي القضاء بالنكول، و قد عرفت النظر في الأوّل منها، و إن كان قد يدّعى تماميّته بدعوى عدم القول بالفصل (1)بنحو آخر، و لكنّه لا إجماع في المقام من جهته أصلا، و كذا الدليل الثاني و ما بعده و هو صحيح ابن مسلم (2)غير تامّ، و ذلك؛ لأنّ أمرها دائر بين أن يكون معرضا عنها من أصلها أو من جهة تطبيقها، فلا يبقى وثوق بسندها، لاحتمال أن تكون مطروحة من جهته و لم يثبت استنادهم بها الموجب ذلك للوثوق بها و الركون عليها.

فتأمّل! فإنّ الكلام في الكبرى المستفادة من الصحيحة، و بعد ثبوت صحّة سندها و عدم ثبوت الإعراض عن أصلها لفتوى جماعة من القدماء موافقا للكبرى المستفادة منها بل تمسّكوا بها، و لا يضرّ بذلك احتمال كونهم معتمدين على دليل آخر، إذ الغرض إثبات الإعراض رأسا الّذي لا يستكشف ذلك إلّا بأن يكون الفتاوى مخالفا لمضمونها رأسا و المفروض عدمه، فحينئذ كيف يصحّ أن


1) و وجهه أنّ دلالة الحديث على كلّ حال على القول بكون النكول ميزانا، تامّة كما لا يخفى، «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33679.

يقال بأنّه علم إجمالا بالإعراض عنها إمّا من جهة تطبيقها، أو من أصلها حتّى سندا؟

و بالجملة؛ قال- دام ظلّه-: (لا بدّ من الوثوق بالحديث، و مع احتمال الإعراض لا يبقى الوثوق به، بل يحتاج إلى تصريحهم بكونهم معتمدين عليه من جهة السند).

و أمّا الفقرة الاولى من رواية البصري (1)فمع الغضّ عمّا فيها و لو كانت النسخة هكذا على ما فصّل في «الجواهر» أنّ في نسخة «الفقيه» بدل هذه الفقرة يكون قوله عليه السّلام: «و إن ردّ اليمين على المدّعي، و لم يحلف فلا حقّ له» (2)فحينئذ تتعارض أصالة عدم الخطأ على كلا النسختين و تتساقطان، و تصير الرواية بحكم المجمل، و أمّا الفقرة الثانية، فقد عرفت الوجوه المحتملة فيها.

و أمّا كون قراءة الفعل معلوما موافقة للطبع السليم، فهو لا يوجب ظهور اللفظ و ارتفاع الإجمال، فهو أيضا لا يصلح للتمسّك بها لكلا القولين، كما عرفت.

و أمّا الأصل؛ فهو معارض بأصالة عدم كون النكول ميزانا، مع أنّه هنا أصل آخر و هو عدم ثبوت الحقّ إلّا بعد اليمين.

و أمّا الأدلّة للقول الثاني- الّذي نسب الشهرة عليه إلى المتأخّرين بل ادّعي الإجماع فيه- فجملتها: منها الفقرة الثانية من رواية البصري (3)، و قد عرفت ما فيها.


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

2) جواهر الكلام: 40/ 195، وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33680.

3) مرّ آنفا.

و منها؛ دعوى كون الحكم بعد ردّ الحلف هو القدر المتيقّن بدعوى العلم الإجمالي بأنّ هنا وظيفة، إمّا النكول ميزان، أو الحلف و الحكم بالحلف حكم بما هو ميزان واقعا، إذ و لو كان النكول في الواقع لم يحصل مخالفته.

و فيه: أنّه معارض بما إذا لم يحلف المدّعي فحينئذ الحكم لكلّ واحد من النكولين مخالف للاحتياط، لعدم اليمين في البين.

و منها؛ رواية عبيد بن زرارة (1)و هشام (2)، ففيهما: أنّه يستحلف أو يردّ اليمين على المدّعى عليه على قراءة فعل «يردّ» مجهولا.

و فيهما- مع أنّه احتمال لا ينبغي الاستدلال عليه-: أنّه [على قراءة] «يردّ» مجهولا أيضا لا يتمّ الاستدلال به، إذ المحتمل أن يكون الرادّ هو المنكر خاصّة، كما عرفت في حديث البصري و غير ذلك من الأدلّة الّتي هي أضعف ممّا عرفت.

فانقدح ممّا ذكرنا أنّه ليس في المسألة إجماع تعبّديّ على عدم جواز إيقاف الدعوى، بل كلّ اختار قولا، لكون طائفة من الأدلّة عندهم قويّة، و الآخرون اختاروا مقابله، لتماميّة الأدلّة المقابلة في نظرهم، و أنت قد عرفت النظر في كلتا الطائفتين، و لم يحصل من إحداهما ما يطمئنّ به النفس، فلا محيص عن الحكم إمّا بتخيير الحاكم في الحكم بأحد الأمرين أو إيقاف الدعوى.

و التحقيق؛ الالتزام بإيقاف الدعوى إن لم يمكنه إلزام المنكر على الحلف، كما له ذلك على ما يستفاد من ذيل رواية البصري، أو أداء الحقّ، و أمّا دعوى أنّ


1) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33680.

2) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33681.

أصالة عدم ثبوت الحقّ إلّا باليمين لا تثبت ميرانيّتها، إذ هي معارضة بأصالة عدم ميزانيّتها.

مضافا إلى أن استصحاب عدم ثبوت الحقّ موقوف على عدم ميزانيّة النكول، و أصالة عدمها معارضة بأصالة عدم ميزانيّة اليمين.

و بالجملة؛ لا ملازمة بين استصحاب عدم ثبوت الحقّ و ميزانيّة اليمين.

أقول: في إنكار هذا الاستصحاب الموجب لوجوب الحكم بعد يمين المدّعي مجال النظر واسع، إذ ليس الغرض من استصحاب عدم ثبوت الحقّ إثبات عدم ميزانيّة النكول، حتّى يقال: إنّه معارض، بل الغرض إثبات احتياج إثبات الحقّ إلى اليمين.

و بعبارة اخرى؛ هذا أصل موضوعيّ يثبت به كون يمين المدّعي ميزانا، و إن كان من لوازمه عدم ميزانيّة النكول، و لكن ليس نثبت عدم ميزانيّته باستصحاب نفس عدم الميزانيّة حتّى يبقى مجال التعارض.

و الحاصل؛ أنّه بعد النكول يشكّ في ثبوت الحقّ فيستصحب عدمه حتّى يحلف المدّعي، فحينئذ يقطع بثبوته، لأنّه ليس الميزان خارجا عنهما.

إلّا أن يقال: إنّ هذا الاستصحاب لا يثبت جواز إلزام المدّعي على اليمين بل أصل مشروعيّته، إذ المتيقّن من مشروعيّة يمين المدّعي و ميزانيّته ما إذا ردّها المنكر إليه.

و يمكن دفعه بأنّه مقدّمة لإثبات الحقّ و عدم لزوم تفويت أموال الناس الّذي نعلم بعدم رضا الشارع به؛ أوجبت جواز الإلزام، فتأمّل!

و أمّا عمومات: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» (1)، و كذلك استخراج الحقوق بالأربعة؛ فالإنصاف أنّها لا تثمر شيئا، كما لا يخفى.

فرع: في «الشرائع»: (فلو بذل المنكر يمينه) (2).. إلى آخره، هل المراد من قوله قدّس سرّه: (بعد النكول) أنّه لا يعتني باليمين المبذولة بعد ثبوت النكول و لو لم يحصل الفصل بحكم الحاكم أم لا، بل المراد عدم الاعتناء بعد حصول الحكم و الفصل؟

الّذي يستظهر من بعض عبارات «الجواهر» في الشرح المتّصل بهذه العبارة (3)، تعليلا لما في المتن؛ الثاني، مثل قوله: (و حصول الفصل)، و بعضها الآخر؛ الأوّل، كقوله: (و تماميّة سبب القضاء)، و بعضها محتمل للأمرين، كقوله:

(تماميّة الأمر) (4).

و بالجملة؛ عبارته في المقام (5)لا تخلو عن الاضطراب، فراجع!

و تحقيق الأمر في المسألة هو الوجه الأوّل، كما هو ظاهر كلام المتن- أي المحقّق رحمه اللّه عليه- و ذلك لأنّ كلّ واحد من الموازين بنحو صرف الطبيعة وجوده مؤثّر، فإذا تحقّق كذلك لا تصل النوبة إلى الآخر مع كون الميزان متحقّقا.

مثلا: لو أقام المدّعي بيّنته فثبت المدّعى عند الحاكم، هل له رفع اليد عن


1) الكافي: 7/ 414 الحديث 1، وسائل الشيعة: 27/ 232 الحديث 33663.

2) شرائع الإسلام: 4/ 85.

3) جواهر الكلام: 40/ 189.

4) جواهر الكلام: 40/ 189.

5) و يظهر مراده من التأمّل في المقام من نقل كلمات الأعلام، و ما أفاد من الاعتراض عليهم و أنّه موافق مع ما استظهر- دام ظلّه- من عبارة المحقّق، فراجع! «منه رحمه اللّه».

بيّنته و إحلاف المنكر بأن يقول: اريد الفصل بهذا الميزان، أم ليس له ذلك؟ بلا إشكال لا حقّ له فيه، و ليس ذلك إلّا لأنّ الغرض من الموازين إثبات مقتضى الفصل، و بعد تحقّق الميزان الجامع للشرائط الّذي يتمّ به المقتضي لا يبقى مجال التبديل و اختيار ميزان آخر، و إنّما للمتداعيين الاختيار و الحقّ قبل تحقّق أحد الموازين و إيجاده، و بعده يرجع الأمر إلى الحاكم و يصير من شئونه، و لا خفاء في أنّ النكول- على القول بكونه ميزانا بعد تحقّقه و حكم الحاكم به على القول بلزومه في تماميّة سببيّته بحكمه، كما ادّعي الإجماع في ذلك- يكون حاله حال سائر الموازين، و لا يبقى المقتضي لحلفه حينئذ.

و كذلك لو حلف المدّعي اليمين المردودة على القول بردّه الحاكم عند النكول لا يبقى الموضوع لحلف المنكر لو رجع عن نكوله و رضي بالحلف.

نعم؛ قبل حلفه للمنكر، [له] اختياره؛ لكون المفروض عدم تحقّق الميزان، فتأمّل!

[المقام الخامس:] في ما يتعلّق بوظيفة المدّعي و إقامته البيّنة

اشارة

المقام الخامس: في ما يتعلّق بوظيفة المدّعي و إقامته البيّنة، و فيه أمران:

الأوّل: فإن كان للمدّعي البيّنة و أراد إقامتها فإنّه ليس يجب عليه ذلك- و قد مضى الكلام فيه- فبعد حضورها هل للحاكم السؤال عنهم أم جوازه موقوف على طلب المدّعي؟

ثمّ بعد الإقامة و تحقّق الشهادة هل له الحكم بلا مسألة المدّعي أم لا؟

و قد مضى شطر من الكلام في نظير هذه الفروع، و محصّله: أنّه ليس لنا

عموم أو إطلاق لفظيّ نثبت بهما كون هذه الامور له و من شئونه أم لا، بل لا بدّ في استكشاف الرجوع إلى القضاة العرفيّة من قضاة الجور و غيرهم، هل يكون المشكوك فيه من وظائفه عندهم حتّى يبنى عليه في القضاة الشرعيّة، و يثبت ذلك لهم بفحوى المقبولة أم لا، حتّى ينفي عنهم أيضا؟ فما لم يثبت و لم يحرز منهم فيكفي الشكّ للحكم بعدم كونه وظيفته، لأصالة عدم نفوذ الحكم.

ثمّ إنّه إذا تمّت البيّنة و ثبت مقتضي الحكم يحكم الحاكم للمدّعي بلا مسألة اليمين و ضمّها إلى بيّنة بلا خلاف عندنا، هذا فيما لو كان المدّعى عليه حيّا.

الثاني: إذا كان المدّعى عليه ميّتا و أقام المدّعي بيّنته، فلا يكتفى بها في إثبات الحقّ، بل يحتاج إلى ضمّ يمينه بها على بقاء الحقّ المشهود به على ذمّة الميّت، و الدليل على ذلك بعد الإجماع المدّعى في كلام المتأخّرين (1)، روايتان:

إحداهما: لعبد الرحمن، ففيها: «فإن كان المطلوب بالحقّ قد مات فاقيمت عليه البيّنة فعلى المدّعي اليمين باللّه- إلى أن قال عليه السّلام:- لأنّا لا ندري، لعلّه قد أوفاه ببيّنة لا نعلم موضعها، أو بغير بيّنة قبل الموت، فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البيّنة» ... إلى آخره (2).

ثانيتهما: صحيح صفّار، كتب إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السّلام: هل تقبل شهادة الوصيّ للميّت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟

فوقّع عليه السّلام: «إذا شهد معه عدل آخر فعلى المدّعي اليمين»؛

و كتب إليه: أ يجوز للوصيّ أن يشهد لوارث الميّت صغيرا أو كبيرا بحقّ له


1) الروضة البهيّة: 3/ 104، رياض المسائل: 9/ 315، جواهر الكلام: 40/ 194.

2) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

على الميّت أو على غيره و هو القابض للوارث الصغير و ليس للكبير تقابض؟

فوقّع عليه السّلام: «نعم، و ينبغي للوصيّ أن لا يكتم شهادته»؛

و كتب إليه: أو تقبل شهادة الوصيّ على الميّت بدين مع شاهد آخر؟

فوقّع عليه السّلام: «نعم من بعد يمين» (1).

و فيهما ما يكون مخالفا للقواعد المسلّمة، ففي الاولى علّم عليه السّلام اليمين المغلّظة مع عدم وجوبه إجماعا.

و أمّا في الثانية؛ فأوّلا فحكم عليه السّلام باليمين مع البيّنة في دعوى الوصيّ من قبل الميّت على الرجل الظاهر في كونه حيّا، و لم يقل أحد بإحلاف المدّعي لو كان من قبل الميّت.

و ثانيا؛ حكم بجواز شهادة الوصيّ للصغير الّذي وصىّ له، و يرجع ذلك إلى جرّ النفع بالشهادة للشاهد.

و يمكن دفع ما في الرواية الاولى بحمله على كون الحلف كذلك أحد مصاديق الحلف، لا أن يكون متعيّنا بتلك الخصوصيّة الحلف.

و كذلك الفقرة الاولى من الرواية الثانية بحملها على أنّ الإمام عليه السّلام لعلّه أعرض عن الجواب صريحا بعدم كون شهادة الوصيّ مقبولة بأنّه حكم عليه السّلام بضمّ اليمين إلى الشاهد الآخر حتّى يتحقّق الميزان بهما، أو يحمل الرجل المدّعى عليه على كونه أيضا ميّتا و الفقرة الثانية على ما لو كان للصغير مال من الخارج من غير ناحية مورّثه، فيشهد له لما لا ربط له بأمر وصايته، فتأمّل!

فكيف كان؛ لا يضرّ هذه الجهات بما هو محلّ الاستشهاد و هو ذيل


1) وسائل الشيعة: 27/ 371 الحديث 33973.

الصحيحة، فإنّها جملة مستقلّة، و دلالتها على المدّعى تامّة، فلا إشكال في المسألة من هذه الجهة، و إنّما الكلام في جهات اخر.

الاولى: في أنّ هذا الحكم مطلق، يشمل ما لو كان المدّعي وارثا لميّت هو ذو الحقّ حقيقة، أو وصيّا له، أم ليس يشملهما.

الدعوى على الميّت

ينبغي أوّلا البحث في ما يستفاد من الحديثين من اختصاص هذا الحكم بالدعوى على الميّت، و وجه الفرق بينه و بين الحيّ، فنقول مقدّمة: إنّ في الدعوى على الحيّ إذا أقام المدّعي البيّنة هل له أن يشهد بالاستصحاب على الاشتغال الفعلي، أم لا، مع أنّ غالبا لا ينفكّ الشهادة كذلك عن الاستصحاب، إذ كثيرا ما يحتمل الشخص أن يتحقّق موجب الإبراء، و لم يكن الشاهد مطّلعا عليه بحيث لو أراد أن يشهد بالاشتغال الفعليّ لا سبيل له إلّا الاستصحاب، أم ليس له، بل هو يشهد على الاشتغال السابق، و الحاكم يحكم بالاشتغال الفعليّ بمقتضى الاستصحاب، أو ليس لهما ذلك، بل هو أيضا يحكم بالاشتغال السابق ثمّ يستصحب حكمه؟

لا إشكال في أنّه ليس للحاكم ذلك؛ لأنّه ليس للحاكم أن يحكم إلّا بالبيّنات و الأيمان، و الاستصحاب ليس مدركا للحكم، و إلّا قول المنكر غالبا موافق له، فكان له الحكم به، فتعيّن أنّ الاستصحاب وظيفة للشاهد، فاتّضح من ذلك أنّ احتمال الأداء في الحيّ أيضا آت و لكن لا يعتنى به، بل يكتفى في الحكم بالاشتغال الفعلي بالبيّنة و لو كان مستندهم الاستصحاب، و إلّا كان اللازم كلّيا

للحكم به ضمّ يمين المدّعي حتّى يرتفع ذاك الاحتمال و يتمّ الموجب للحكم.

ففي هذه الجهة المدّعى عليه لو كان حيّا مشترك مع الميّت، و لا فرق بينهما من حيث احتمال الوفاء حتّى يحتاج من هذه الجهة في البيّنة على الدعوى على الميّت ضمّ اليمين دون الحيّ.

و توهّم أنّ الفرق من حيث إنّ الميّت لو كان حيّا أمكن أن يدّعي الوفاء فينقلب المدّعي منكرا و يحتاج إلى يمين المدّعي الفعلي، و الميّت لمّا لا لسان له فلذلك- أي لسدّ باب هذا الاحتمال- حكم الشارع في الدعوى عليه بضمّ اليمين؛ فاسد إذ الظاهر من الرواية كون الكلام من حيث الاشتغال لا من جهة دعوى الوفاء، و الغرض من اليمين إحراز الواقع، فتأمّل!

فالتحقيق: أنّ وجه الفرق بينهما أنّ الحيّ لو كان أنكر الحقّ ثمّ ادّعى بعد إنكاره الحقّ رأسا الوفاء لا يسمع منه هذه الدعوى، لأنّه يرجع إلى الإنكار بعد الإقرار، إذ لازم إنكاره أوّلا؛ إقراره بعدم وجود وفاء في البين.

و أمّا دعوى أنّ إنكار الحقّ أعمّ فلا ينافي دعوى الوفاء ثانيا، فهي باطلة، لأنّ الإنكار يكون بمنزلة جواب عن السؤال الّذي يلزم مطابقتهما.

و من المعلوم أنّ دعوى المدّعي بالاشتغال فإنكاره إنكار لأصل الاشتغال، و لذا لا يسمع دعوى الوفاء بعد الإنكار، و ليس سرّه إلّا ما ذكرنا من كون الإنكار نوعا يرجع إلى المعنى الخاصّ.

و بالجملة؛ و أمّا في الميّت فلمّا لم يتحقّق الإنكار كذلك، بل يحتمل أن يدّعي الوفاء من الأوّل فيوجّه اليمين إلى المدّعي الفعليّ، و يكون الفاصل للخصومة هو اليمين دون بيّنة المدّعي، فلذلك؛ الشارع حفظا للواقع المحتمل

أوجب الاحتياط في لزوم إقامة الوظيفتين، حتّى يحرز الواقع بهما، بحيث و لو كان بحسب التكليف الظاهريّ مجموع الأمرين وظيفة، بحيث يكون اليمين جزء أو شرطا، و لكن في الواقع ليست الوظيفة إلّا أحدهما.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ المراد من التعليل في الحديث ليس صرف احتمال الوفاء، لما عرفت من أنّ الحيّ مع الميّت في هذه الجهة مشترك، بل المراد سدّ باب الاحتمال على النحو المذكور من دعوى الوفاء.

ثمّ إنّ هذا الحكم هل هو مطلق، و يكون سدّ باب هذا الاحتمال ملحوظا مطلقا، بحيث لو اتّفق في مورد عدم إمكان اليمين فالبيّنة ليست مقيّدة أصلا، بل يسقط الحقّ رأسا؟

و بعبارة اخرى: هل المستفاد من هذه الأخبار الجزئيّة المطلقة حتّى عند العجز- كما في مطلق الأجزاء و الشرائط- أم لا، بل الشرطيّة منصرفة إلى صورة التمكن، و أمّا عند العجز فتسقط و لا توجب سقوط البيّنة عن التأثير، أم لا، بل يكتفى بيمين نفي العلم عند العجز عن اليمين البتّ، بحيث يؤخذ بالدليل من جهة اشتراط أصل اليمين، و تلقى جهة الخصوصيّة المحرزة للواقع؟ احتمالات بل أقوال.

و قد عرفت أنّ منشأ أصل الإشكال هو دعوى وارث ميّت أو وصيّه على الميّت الآخر.

و الإشكال من جهة أنّ دعواهما ليست راجعة إلى حقّ أنفسهما على الميّت بل حقّ المورّث و الموصي، و الأدلّة ظاهرة في اشتراط اليمين إذا كان

متعلّق الدعوى حقّا لنفسه، و ذلك لقوله عليه السّلام عند بيان الحلف: «إنّ حقّه لعليه» (1).

يمكن دفعه في الوارث بأنّ المال لمّا كان بموت المورّث انتقل إليه، فهو ذو حقّ فعلا و مدّع الآن، فيشمله إطلاق قوله في صدر الحديث: «إنّ الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ» (2).

فكيف كان؛ فقد يقوّى الاحتمال الأوّل بأنّ المستفاد من الخبرين كون أصل ثبوت الحقّ في الدعوى على الميّت متوقّفا على الأمرين، و مع فقدان أحدهما لا يثبت شي‌ء على ذمّته، و لازم ذلك- كما في مطلق باب الأجزاء و الشرائط- أنّه عند فقد أحدها يسقط الكلّ و باقي الأجزاء عن التأثير، و ليس فيها مصلحة رأسا إلّا أن يقوم حينئذ دليل يثبت وجوب باقي الأجزاء الغير المعذورة و بقاء المصلحة.

نعم؛ قد يفرّق بين ما لو كان الدليل المثبت للشرطيّة و الجزئيّة بلسان التكليف، و ما لو كان بلسان الوضع، ففي التكليف لمّا كان مشروطا بالقدرة فيوجب سقوط الجزئيّة و الشرطيّة عند العجز بخلاف الوضع، فإنّه لم يشترط فيه ذلك، فالجزئيّة و الشرطيّة المستفادة منه ثابتة مطلقا، و هذا بناء على عدم تقديم إطلاق المادّة على إطلاق الهيئة في أدلّة التكاليف، و إلّا فلا يبقى الفرق.

و لكن و لو بنينا على الفرق بينهما ليس المقام من التكليف، بل داخل في المسائل الوضعيّة من أداء الوظيفة في إثبات الحقّ على عهدة، و لا ربط لذلك بباب التكليف، فلا بدّ فيه من الالتزام بسقوط الحقّ عند عدم إمكان تتميم الوظيفة.


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

2) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

و قد يقوّى الاحتمال الثاني نظرا إلى استبعاد الالتزام بسقوط الحقّ مع وجود البيّنة، و أنّ غاية ما يستفاد من أدلّة اعتبار اليمين هو اعتبارها عند الإمكان و قابليّة المحلّ.

و أمّا بالنسبة إلى العاجز فالأدلّة منصرفة عنه، نظير مسألة ردّ اليمين للمنكر الّتي قد عرفت أنّ أدلّة جوازه منصرفة إلى ما إذا كان المردود إليه قادرا على الحلف، بأن لم تكن الدعوى ظنيّة، و أمّا عندها فلا إطلاق للأدلّة بالنسبة إليه، كما لا يخفى، فيسقط اعتبار اليمين و ضمّها إلى البيّنة في ما نحن فيه أيضا.

و قد يقوّى الاكتفاء بيمين نفي العلم للعجز عن اليمين البتّي لا السقوط رأسا، لأنّ هذا اليمين ليس كاليمين المثبت للحقّ- من قبيل ما يضمّ إلى الشاهد الواحد- أو نافيه- نظير يمين المنكر- بل قد عرفت أنّ هذا يمين روعي فيه الاحتياط إعانة للميّت لقصوره عن الدفاع، كما يكون ذلك للحيّ، فليس أصل تشريعه بمثابة لوحظ فيها البتّ مطلقا، حتّى لو حصل في بعض المقامات العجز عنه كذلك يوجب سقوط الحقّ رأسا مع وجود البيّنة، و ليس العجز يوجب سقوط اعتباره رأسا، بل لازم ذلك الاكتفاء باليمين على نفي العلم.

فظهر من ذلك أنّه لا وجه لتضعيف هذا القول بأنّ اليمين ليس لدعوى العلم عليه حتّى يكتفى باليمين على نفيه، فافهم!

و تحقيق المقام هو أنّه إمّا أن يكون للوارث العلم بالحالة السابقة من اشتغال ذمّة الميّت بمورّثه سابقا، و لم يعلم بحصول ما يوجب براءة ذمّته، أو يعلم بعدم حصول موجب الفراغ لكون أمر أموال مورّثه بيده، فيقطع بالاشتغال الفعلي، ففي هذا الفرض لا إشكال في المسألة، و يجوز للوارث الحلف بتّا.

و أمّا في الفرض؛ فإن بني على أنّه كما يجوز الشهادة بالاستصحاب يجوز الحلف به أيضا؛ لكونه يوجب اليقين تعبّدا، و أيضا يجوز الحلف له.

و أمّا إن قلنا بأنّه ليس له الحلف لاعتبار البتّ فيه، و الاستصحاب و إن كان يوجد اليقين إلّا أنّه في ظرف، و مع حفظه يكون مفاد دليله البناء على اليقين، فالشكّ إذا كان محفوظا ينافي البتّ، فحينئذ ليس له الحلف كذلك، فيشكل الأمر عليه.

و فيما لم يكن له الاستصحاب أصلا؛ فحينئذ تجري الاحتمالات الثلاثة، و الأقوى منها هو القول بسقوط اليمين رأسا، لما عرفت من الاستبعاد، و أنّ أقصى ما يستفاد من قوله عليه السّلام: «فعلى المدّعي اليمين باللّه الّذي لا إله إلّا هو لقد مات فلان و أنّ حقّه عليه» (1)إنّ ذلك إنّما يجب لمن كان قادرا عليه، و أمّا أزيد من ذلك عنه و كذلك عن مثله في الحديث الآخر و هو قوله عليه السّلام: «من بعد يمين» (2)فلا يستفاد من أنّه يلزم ذلك من كلّ أحد، فالقدر المتيقّن منه بالنسبة إلى القادر، و أمّا في العاجز فبعد الشكّ في شموله له فالمرجع العمومات.

بل و لو سلّمنا أنّ المقام من الأحكام الوضعيّة و الأجزاء و الشروط فيها ظاهرة في الإطلاق، لنقول: إنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «فعليه اليمين» (3)يدلّ [على] أنّه في مقام بيان وجوب إجراء الوظيفة، و لا ريب أنّ إجراءها موقوف على القدرة، كما في مطلق ذوي الوظائف، لا أنّها لبيان الشرط الواقعيّ و الحكم الوضعيّ.


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

2) وسائل الشيعة: 27/ 371 الحديث 33973.

3) وسائل الشيعة: 27/ 371 الحديث 33973 و فيه: فعلى المدّعي اليمين.

و بالجملة؛ لمّا كان الحكم مخالفا للقواعد فيكفي التشكيك في إطلاق الخبرين بالنسبة إلى العاجز عن اليمين البتّي، فلا بدّ أن يرجع بالنسبة إليه إلى عمومات (1)«البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2).

هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام، و إن أبيت عن ذلك و بقي في نفسك شي‌ء فلا بأس بضمّ اليمين النفي العلميّ إلى البيّنة و الاكتفاء به، و إلّا الالتزام بسقوط الحقّ رأسا أو توقيف الدعوى ففي غاية الإشكال، و اللّه العالم.

ثمّ إنّه قد اتّضح من مطاوي ما ذكرنا حال الوصيّ و الوليّ، فإن بني على إطلاق اشتراط اليمين فالأمر فيهما بالنسبة إلى الوارث أشكل، إذ هما و لو كانا عالمين بحيث أمكنهما الحلف باتّا [و لكن] ليس لهما ذلك، لأنّ الحقّ للغير و لا يجوز الحلف على حقّ الغير، و إن بني على ما قوّيناه من اختصاص الشرطيّة بالقادر و أنّهما عاجزان لعدم كونهما ذا حقّ، فتكفي البيّنة الّتي أقاما، و لا يسقط الحقّ، و لا يوقف أيضا، هذا.

فروع:

[الفرع الأول] ضمّ اليمين إلى البيّنة

الأوّل: قال في «المسالك»: (لو أقرّ له قبل الموت بمدّة لا يمكن فيها الاستيفاء عادة، ففي وجوب ضمّ اليمين إلى البيّنة وجهان) (3).. إلى آخره.


1) و الخدشة في شمول العمومات لما نحن فيه نظرا [إلى] أنّ عنوان المدّعي الّذي عليه البيّنة إنّما يصدق فيما لو كان له منكر و مع كون الطرف ميّتا فلا يصدق ذلك، فهو كما ترى، «منه رحمه اللّه».

2) عوالي اللآلي: 2/ 345 الحديث 11، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

3) مسالك الإفهام: 13/ 463.

لا ينبغي التشكيك في توقّف ثبوت الحقّ حتّى مع الإقرار كذلك على اليمين، إذا لم يقطع بعدم الأداء، إذ لا خفاء في أنّ صدر الرواية و ذيلها يشمل حتّى مورد شهادة البيّنة بالإقرار، و إنّ ما يمكن أن يشكّك به الشمول هو التعليل المذكور في الرواية المختصّة بالوفاء، و المفروض كون باب هذا الاحتمال مسدودا في ما نحن.

و لكن الّذي يدفع ذلك هو كون لفظ الوفاء ظاهرا في التمثيل، و أنّ المناط احتمال تحقّق ما يوجب سقوط الحقّ واقعا.

فحينئذ؛ فمع احتمال الإبراء و نحوه كيف يشكل في شمول التعليل للمورد؟.

نعم؛ فيما لو قطع ببقاء الحقّ إلى حين الوفاة فحينئذ لا يبعد القول بعدم الاحتياج إليه، ضرورة عدم كون الحكم تعبّدا محضا، و إن أمكن الإشكال حتّى فيما لو أقرّ الميّت نفسه في حياته على الحقّ، و عدم تحقّق ما يوجب سقوطه إلى حين الموت، مثل الإبراء و نحوه، إذا الإقرار لا يرفع الاحتمال الواقعي (1).

و أمّا ما أفاده في «الجواهر» من الفرق بين الصورة السابقة و ما لو شهدت البيّنة بالاشتغال الفعليّ، بحيث علم أنّ مدركها العلم الوجداني به لا الاستصحاب حتّى يجري احتمال الوفاء فيتحقّق موجب الحلف (2).

ففيه: أنّه إن كان الاحتمال المضرّ هو الاحتمال الوجداني فلا ريب أنّه مع


1) و فيه: أنّه لا إشكال في أنّ هذا الحكم- و هو توقّف الدعوى على الميّت على اليمين- إنّما هو إرفاق و إعانة عليه، فحينئذ مع إقراره بنفسه على النحو المذكور و التشكيك في نفوذه و الاحتياج إلى اليمين في غاية الإشكال، لكونه خلاف الامتنان و الإرفاق عليه، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

2) جواهر الكلام: 40/ 198 و 199.

علم الشاهدين أيضا موجود، و إن لم يكن كذلك بل كان مناط الاحتياج إلى اليمين هو الشكّ و عدم اليقين مطلقا، فلا فرق في ذلك بين الأمرين، إذ الاستصحاب المفروض أنّ أثره اليقين أيضا، إذ الدليل الدالّ على اعتباره يدلّ على عدم الاعتناء بالشكّ.

و بعبارة اخرى؛ لو كان مناط الاحتياج إلى ضمّ اليمين هو احتمال الأداء واقعا؛ فهذا الاحتمال موجود و لو مع علم الشاهدين بالمشهود به، ضرورة أنّهما ليسا عالمين بالغيب، و دليل التعبّد لا يثبت أزيد من تنزيل قولهما منزلة الواقع، و أمّا مع علمهما بالأمر فيرفع الاحتمال، فلا.

و لو لم يكن كذلك، بل كان المناط ليس الاحتمال الوجداني و الأداء الواقعي، و كان الاحتمال الشرعيّ عند عدم طريق برفعه و لو تعبّدا، فيلزم أن لا يحتاج إلى ضمّه، مع كون المدرك الاستصحاب أيضا، فلا وجه للفرق، و لمّا كان ظاهر دليل الاعتبار الاحتمال الوجداني، فلا وجه للتفصيل المذكور.

الفرع الثاني: هل الحكم بضمّ اليمين مختصّ بما لو كان المدّعى به دينا أم لا؟

بل عامّ يجري في مورد العين أيضا؟

لا يبعد القول بالثاني، لعدم قصور في لفظ الحديث حتّى يشمل العين؛ لعموم لفظ الحقّ و إطلاقه على العين كالدين، و أيضا عموم التعليل و هو قوله عليه السّلام:

«لأنّا لا ندري لعلّه قد أوفاه» (1).. إلى آخره.

و قد عرفت أنّ لفظ الوفاء إنّما هو من باب التمثيل، و لا خصوصيّة فيه حتّى يستشكل في التعميم من جهة قصور هذا اللفظ لشموله للعين.


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

و بالجملة؛ الحديث بجملته مطلق يشمل العين و لا اختصاص له بالدين، فما ذكره في «الجواهر» من الفرق لا يخلو عن النظر (1)، فراجع و تأمّل!

[الفرع] الثالث: هل الحكم مختصّ بالميّت، أم يبنى على التعميم من جهة الصبي و الغائب و المجنون؟

قد اختلف مذاق الأصحاب في المقام، فما عن الأكثر- كما أشبهه المحقّق أيضا (2)،- عدم الالتزام بالتعميم و عدم التعدّي عن مورد الحديث لكونه قياسا.

و أنت خبير بأنّ القول بكون التعدّي قياسا كلام ظاهريّ، إذ بعد تسليم عموم التعليل تخرج المسألة عن باب القياس، كما ترى بالعيان تعدّي هؤلاء الأصحاب عن الأحاديث الدالّة على حكم في مورد خاصّ لعموم التعليل الوارد فيها، فلا يسمّونه قياسا، فالّذي ينبغي في المقام التشكيك في عموم التعليل.

ثمّ إنّ المستفاد من صدر الحديث و هو قوله: عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ فلم تكن له بيّنة بماله، قال عليه السّلام: «فيمين المدّعى عليه» (3).. إلى آخره، إطلاق يشمل الغائب و نحوه، بمعنى أن يقال: إنّه لمّا كان مفهوم هذه الجملة أنّه لو كانت بيّنة للمدّعي فيحكم بها، سواء كان المدّعي كبيرا أو صغيرا أو غائبا أو غيرهم، فخرج عن هذا العموم لو كان المدّعى عليه ميّتا أم لا، فلا عموم في الحديث من الاكتفاء ببيّنة المدّعي، بل هو مختصّ بالمدّعى عليه الّذي يكون بالغا عاقلا حاضرا، و منصرف إلى غير الموارد المتنازع فيها، بحيث يكون هؤلاء


1) كما يظهر من مطاوي كلماتنا، «منه رحمه اللّه».

2) شرائع الإسلام: 4/ 85.

3) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

• أي الصبيّ و نحوه- كلّ من ليس له لسان خارجا عن مدلول هذا الحديث، فحينئذ لا سبيل لاستفادة تعميم الحكم من الاكتفاء ببيّنة المدّعي و عدم الاحتياج إلى ضمّ اليمين من الحديث بالنسبة إلى الغائب و الصبيّ و نحوهما.

الإنصاف عدم المجال للتشكيك في الإطلاق من هذه الجهة كما يقتضيه عموم استثناء المدّعى عليه لو كان ميّتا، فالظاهر كون المفهوم المستفاد من صدر الحديث عامّا نظير عمومات: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1).

و أمّا الكلام في التعليل فالّذي يمكن الخدشة فيه من حيث العموم؛ هو أن يقال بأنّ القدر المتيقّن المستفاد من قوله عليه السّلام: «لأنّا لا ندري» (2).. إلى آخره، هو عدم السبيل للدراية بقول مطلق أي إلى الأبد، و أمّا ما ليس كذلك بل يمكن الاستظهار و لو بعد زمان- كما في الصبي و الغائب مثلا- فلا يشمله التعليل، فإذا لم يكن عموم في العلّة- و المفروض أنّ سائر فقرات الحديث مختصّ بالميّت- فلا بدّ من الرجوع بالنسبة إلى هذه الموارد المشكوكة إلى العمومات، فلا يبقى المجال للتعدّي من الميّت إلى مطلق فاقد اللسان الفعليّ.

فإن تمّت هذه المناقشة في عموم التعليل، فالحقّ ما ذهب إليه المشهور مطلقا حتّى في المجنون، و لو لم يحتمل إفاقته إلى موته، فإنّ التعليل حينئذ و إن يشمله إلّا أنّ بضمّ عدم القول بالفصل يتمّ الحكم، و أمّا إن لم يتمّ المناقشة بل استقرّ عموم التعليل، فحينئذ لمّا لا يكون الأدلّة الخاصّة الواردة في الغائب النافية بإطلاقها ضمّ اليمين، إلى بيّنة قابلة للمعارضة مع التعليل لتقدّم عمومه عليها، كما


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم و 293 الحديث 33781.

2) وسائل الشيعة: 27/ 236 ذيل الحديث 33673.

جرى دأبهم على تقديمه على مطلق الأدلّة اللفظيّة فيما لو وقعت المعارضة بين عموم العلّة و بينها، كما في مسألة عدم انفعال القليل إذا كانت له المادّة، لقوله عليه السّلام في ماء الحمّام بأنّ له المادّة (1)و كذلك عمومات: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2)أيضا ليست قابلة للمعارضة، بل لا بدّ من تقييدها بالتعليل بالنسبة إلى كلّ مورد شملته العلّة.

فلا محيص عن الالتزام بالاحتياج إلى ضمّ اليمين بالبيّنة، كلّ مورد لم يكن للمدّعى عليه لسان فيضعّف قول المشهور و يقوّى قول غيرهم؛ لكون الأصل معهم أيضا، و هو أصالة عدم ميزانيّة البيّنة و عدم نفوذ الحكم ما لم ينضمّ اليمين، فيكفي التشكيك في الإطلاقات للالتزام بالقول بالاحتياج إلى ضمّ اليمين في الموارد المشكوكة.

فلذلك تصير المسألة مشكلة، لما عرفت من تصادم الأدلّة و اختلاف مذاق الأصحاب أيضا، بحيث لا يمكن الركون إلى طرف، و لكنّ الاحتياط لا ينبغي تركه، مع ما عرفت من كون الأصل يقتضي ضمّ اليمين إلى البيّنة أيضا.

[الفرع الرابع:] الدعوى على مال الغائب

[الفرع] الرابع: لا إشكال في أنّه لا يدفع المال إلى المدّعي على الغائب بعد إقامته البيّنة إلّا بأخذ الكفيل عنه، سواء بني على الاحتياج إلى ضمّ اليمين في تماميّة دعواه، أو قلنا بعدم الاحتياج، و ذلك لدلالة الرواية المقبولة عند


1) وسائل الشيعة: 1/ 148 الباب 7 من أبواب الماء المطلق.

2) وسائل الشيعة: 27/ 293 الحديث 33781.

الأصحاب عليه، مع كون أصل الرواية أيضا معتبرة، و إنّما الكلام في عموم هذا الحكم، فهل يؤخذ بإطلاق قوله عليه السّلام: «و لا يدفع المال إلى الّذي أقام البيّنة إلّا بكفلاء» (1)سواء كان المدّعي مليئا أم لا؟ أو كان سهل الأداء، أم لا، أو لا إطلاق له، بل منصرف إلى ما إذا لم يطمئنّ باستناد المال منه لو انقلب الدعوى و حكم الحاكم للغائب بعد حضوره و إقامته الدعوى؟

لا يبعد دعوى الانصراف إلى هذه الصورة، و أمّا فيما كان المحكوم له مليئا أو أمينا بحيث يمكن استيفاء المأخوذ عنه بسهولة، فلا يشمله الحديث، و لا يحتاج حينئذ إلى أخذ الكفيل عنه في إعطاء مال الغائب بيده.

فعلى هذا؛ لا يحتاج في تقييد الحديث إلى الرواية الاخرى الدالّة على توقّف الأداء بالكفيل إذا لم يكن المدّعي مليئا، لما عرفت من عدم الإطلاق رأسا للحديث حتّى تحتاج إلى التقييد اللفظي، فيناقش في الرواية الاخرى سندا.

و إلى ما ذكرنا من الانصراف أشار قدّس سرّه في «الرياض» (2)في المسألة الآتية من أخذ الكفيل عن المدّعى عليه.

ثمّ إنّ المراد من الكفالة هو الضمان الّذي هو بمعنى تعهّد المال على ما في «الجواهر»، و لبّه يرجع إلى ضمان تعليقيّ، بمعنى أن يتعهّد الكفيل أنّه لو حضر الغائب و أقام الدعوى و ظهر كون المال له فعلى الكفيل أدائه، و استفاد قدّس سرّه ذلك من أنّ الغرض منه لمّا كان الاستظهار و عدم تلف مال الغائب فلا يتمّ ذلك إلّا بتعهّد مليئ المدّعى به، و جعل تقييد أخذ الكفيل في إحدى الروايتين بما إذا لم يكن


1) وسائل الشيعة: 27/ 294 الحديث 33782.

2) رياض المسائل: 9/ 382.

المدّعي مليئا مؤيّدا لما ادّعاه (1)، فتدبّر!.

هذه جملة أحكام متعلّقة بالدعوى على الغائب، و يأتي تتمّتها إن شاء اللّه.

تذييل: لو ادّعى الخصم أنّ له البيّنة و لكن لم يمكن له الإحضار فعلا، فهل للحاكم إلزامه بإحلافه غريمه، أم لا؟

لا يخفى أنّ هذه المسألة على نحوين:

أحدهما: أنّ المانع عن الإحضار بحيث يكون لا يرجى زواله فلا ينتهي الأمر من هذه الجهة إلى الفصل أبدا، بل لازم انتظار رفعه بقاء الخصومة أبدا.

و الآخر: أنّه لا يكون كذلك بل يرجى زواله إلى أمد.

ففي الفرض الأوّل؛ لو بنينا أنّه عند حضور الخصمين للترافع و عدم رفعهما اليد عن الدعوى فعلا أنّه يجب على الحاكم فصل الخصومة و لا يجوز له التأخير، كما قالوا ذلك في باب النكول، فيجب هنا أيضا الحكم و تحصيل مقدّماته بأن الزم المدّعي على إحلاف الغريم، و إلّا فيحكم و يفصل الخصومة.

و أمّا لو لم نقل بذلك في باب النكول، و قلنا بأنّ الحكم ليس لوجوبه إطلاق حتّى يشمل صورة عدم تماميّة الموازين، بحيث يجب على الحاكم تحصيلها، و لا يكون محذور في تعطيل الحكم ما لم يتحقّق الميزان، فكذلك نقول في المقام بأنّه و إن لم ينته الأمر إلى الفصل أبدا فلمّا لم يتحقّق موازين الفصل فلا محذور في التعطيل، فافهم!

و أمّا في الثاني؛ فلا إشكال في أنّه للمدّعي الصبر، و ليس للحاكم الفصل، لعدم الدليل على وجوب إقدامه و مسابقته حتّى فيما لم يتحقّق الميزان، بحيث لا يكون له الانتظار و الإنظار.


1) جواهر الكلام: 40/ 203- 206.

إنّما الكلام في أنّه هل للمدّعي طلب الكفيل من الخصم حتّى يحضر بيّنته، أم لا؟

فقد ذهب جماعة إلى أنّ له ذلك؛ لبعض الاستحسانات الّتي لا تفيد شيئا، على ما أشبع الكلام في دفعها و الردّ عليها في «الجواهر» (1).

نعم؛ يمكن أن يستدلّ له بما ورد في المسألة السابقة من أنّ دفع المال إلى المدّعي على الغائب بعد إثباته حقّه مشروط بأخذ الكفيل، فكما أنّ فيها مقتضى الأصل و القاعدة إعطاء المال إليه لإقامته البيّنة المثبتة كون المال له، مع ذلك أوجب الشارع الاحتياط فيه بأخذ الكفيل، مع أنّ الأصل الموضوعي أيضا يقتضي عدمه، لأنّ الأصل عدم وجود حجّة للغائب الدافعة لبيّنة المدّعي، فمع ذلك أوجب في هذه الشبهة الموضوعيّة الاحتياط، و رتّب الأثر على احتمال الواقع.

فكذلك في ما نحن فيه بعينه هذا المناط جار، إذ احتمال ثبوت الحقّ للمدّعي واقعا محقّق؛ و المفروض أنّه برفع اليد عن المدّعى عليه و تخلية سبيله بعدم أخذ الكفيل عنه أنّ هذا الحقّ المحتمل واقعا ثبوته يكون في معرض التلف، فالاحتياط الجاري في السابق أيضا يقتضي أخذ الكفيل عنه.

و لا يضرّ بذلك كون الأصل الموضوعيّ على خلاف ما يقتضيه الاحتياط من أنّ الأصل عدم وجود الحجّة و البيّنة المثبتة للحقّ، لما عرفت من أنّ هذا الأصل أيضا موجود في المسألة السابقة.


1) جواهر الكلام: 40/ 205- 207.

و أمّا أنّ فيها قوله: (الغائب على حجّته) (1)اقتضى رعاية الاحتياط، فيصير ذلك موجبا للفرق بين المقام و بينها، ففيه: أنّ هذا حكم ثبت للواقع.

و بعبارة اخرى؛ قضيّة تعليقيّة موضوعها فرض محض، و لا ينافي مع كون الأصل الموضوعيّ على خلافها الّذي كان يقتضي ذلك دفع المال على المدّعي بلا أخذ كفيل عنه لثبوت حقّه بالطريق الشرعيّ الّذي هو بمنزلة الحقّ الواقعيّ.

و بالجملة؛ فكما أنّ فيها لم يكن إلّا صرف احتمال وجود حقّ في الواقع، و الأصل كان يقتضي عدم إمكان إثباته ظاهرا الّذي يكون ذلك بمنزلة القطع فعلا بعدم وجود حقّ في الواقع، فمع ذلك ما ألقى الشارع الاحتمال الوجداني الواقعي و أوجب الاحتياط [إلّا] رعاية لحفظ الأموال، مع عدم ثبوت مال فعلا للغائب، بل المأخوذ بحكم الشرع ملك طلق للمدّعي، و لا يضرّه كون الغائب على حجّته، لأنّ احتمال تحقّق دعوى مقرون بالبيّنة في الأموال و الأملاك مطلقا ثابت، مع ذلك لا يضرّ بكون المال ملكا طلقا لمن عليه اليد فعلا فكذلك فيما لو أقام المدّعي دعواه و أظهر وجود البيّنة له الّتي يمكن احضارها إلى أمد.

فرعاية حقّه الواقعيّ المحتمل ثبوته تقتضي الاحتياط بأخذ الكفيل عن خصمه حتّى يحضر بيّنته و أقامها و يخرج الحقّ المحتمل الواقعيّ عن كونه معرضا للتلف، فالمناط منقّح، و الاحتياط لا ينبغي تركه في ما نحن فيه أيضا.

فتأمّل في المقام، فإنّ كون المناط منقّحا بحيث لم تدخل المسألة في باب القياس لا يخلو عن النظر، مع إمكان دعوى الفرق بين المقامين، فتدبّر! و اللّه العالم.


1) رياض المسائل: 9/ 382.

[المقام السادس:] سكوت المدّعى عليه عن الجواب

المقام السادس: فيما لو سكت عن الجواب.

و أمّا السكوت عن الجواب، فحينئذ إمّا أن يكون للمدّعي بيّنة فيقيمها و يأخذ ماله؛ لصدق عنوان المدّعي، و لا يتوقّف صدقه على وجود المنكر بمعنى تحقّق عنوانه، بل المناط توجّه دعواه و قابليّة استماعها كالدعوى على الميّت و الغائب، فإذا صدق العنوان و عمل بوظيفته بإقامة البيّنة فيترتّب عليها آثارها و يجب الحكم؛ لتحقّق الميزان، و لا يضرّها سكوت الخصم، كما لا يخفى.

و أمّا لو لم تكن له البيّنة و توقّف الفصل بالحلف الّذي هو وظيفة المنكر، و المفروض سكوت الخصم فلم يتحقّق عنوان المنكر حتّى يحلف أو يردّ، فحينئذ هل على الحاكم الإلزام بالجواب، أم لا؟

مقتضى عدم إطلاق وجوب الحكم حتّى من حيث إيجاد مقدّماته عدم جواز إلزامه، كما أنّ مقتضى ما ذكرنا في مسألة القضاء بالنكول، من أنّ مقتضى الأصل إيقاف الدعوى و عدم وجوب [الحكم] لعدم تحقّق الميزان، و أنكرنا وجود الإجماع التعبّدي على عدم جواز الإيقاف فيها، أيضا هنا الحكم بالإيقاف حتّى يتحقّق الموازين و عدم جواز الإلزام.

هذا؛ و لكن لا يمكن الالتزام بذلك في المقام، إذ أوّلا: لا إشكال في أنّ للمدّعي حقّ الدعوى، فيجب بالملازمة العرفيّة الجواب عنه، و إلّا يلزم أن يكون سماع دعواه لغوا، إلّا إذا كانت له البيّنة، مع أنّ له هذا الحقّ و يجب استماعه مطلقا.

و ثانيا: لو كان يجوز للخصم السكوت و لم يجز إلزامه بالجواب يلزم من ذلك فتح باب حيلة يتشبّث بها كلّ أحد، فيوجب تضييع أموال الناس بحدّ لم يرض الشارع به قطعا.

و ثالثا: إنّ الإجماع على وجوب إلزام الساكت على الجواب هنا محقّق، إلّا أنّهم اختلفوا في كيفيّته، فذهب جماعة من كبار الأصحاب قديما و حديثا إلى أنّ إلزامه إنّما يكون بالحبس من باب الأمر بالمعروف (1)، و ذهب بعض إلى إلزامه بالضرب عليه (2)، و ذهب آخرون إلى إلزامه بالجواب، و إلّا يجعل ناكلا (3).

و الأقوى منها هو القول الأوّل، كما نسب إلى كافّة المتأخّرين (4)، لأنّ القدر المتيقّن من جواز الإلزام الّذي هو مخالف للأصل هو الحبس، و ما زاد عنه من ضربه و شتمه و غير ذلك من مراتب الأمر بالمعروف فلم يدلّ دليل عليه، مضافا إلى أنّه أرسلوا رواية دالّة عليه (5).

و أمّا الحكم بالنكول فلا وجه له، و قد أنكرناه فيما لو تحقّق عنوان الإنكار و النكول الّذي ينصرف إليهما بعض أخبار الباب الدالّة على ردّ اليمين على المدّعي (6)، كيف و هنا لم يتحقّق العنوانان بعد، و إلّا لو كان الردّ مطلقا مشروعا و لو لم يصدق عنوان المنكر لكان اليمين مشروعا في الدعوى على الميّت و الغائب


1) المقنعة: 725، النهاية للشيخ الطوسي: 342، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 211 و 212، مختلف الشيعة: 8/ 363 و 364.

2) شرائع الإسلام: 4/ 86، مسالك الإفهام: 13/ 466.

3) المبسوط: 8/ 160، السرائر: 2/ 163.

4) إيضاح الفوائد: 4/ 332 و 333، مسالك الإفهام: 13/ 466، انظر! مختلف الشيعة: 8/ 363 و 364.

5) مسالك الإفهام: 13/ 466، وسائل الشيعة: 18/ 334 الحديث 23792.

6) وسائل الشيعة: 27/ 236 الباب 4 و 241 الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم.

و نحوهما مع عدم المشروعيّة بلا خلاف.

و بالجملة؛ لا دليل على جواز أزيد من إلزامه بالجواب بحبسه، و لا يستفاد من أخبار الباب أيضا الحكم عليه، إمّا بردّ الحلف على المدّعي، أو بالقضاء حينئذ بمجرّد النكول (1)لعدم إطلاق لها يشمل الفرض، بل هي منصرفة إلى ما لو تحقّق الإنكار و النكول خارجا، كما لا يخفى، فتدبّر!

[المقام السابع:] في الجواب ب «لا أدري»

المقام السابع: فيما الحق بالجواب

و أمّا الجواب ب «لا أدري»- الّذي لم يقع ذلك في كلام الماتن، بل أشار إليه بعض الشرّاح، كما في «الجواهر» (2)- و قد ألحقوه بالجواب الإنكاري، و تنقيح البحث موقوف على بيان صور المسألة و اختلاف أنحاء الدعوى و الجواب، إذ قد يكون الدعوى متعلّقة بالحقّ الواقعيّ، بمعنى أنّه يدّعي ثبوت حقّ واقعا له على الخصم بحيث لا ينافي عدم علم الخصم به، بل يعرف بجهله به، و عدم ملزم له عقلا بالأداء، أو تفريغ ما في ذمّته لعدم علمه باشتغال ذمّته، فحينئذ لو أجاب الخصم ب «لا أدري» لا ينافي دعواه أصلا، بل هو مصدّق له في إنكاره ذلك، و قد يدّعى عليه بثبوت الحقّ الفعليّ له عليه، و ثبوت الملزم العقليّ له على تحصيل فراغ ذمّته، و لازم ذلك دعوى علمه به و إن لم يدّعه صريحا، و قد يدّعي ثبوت الحقّ الواقعي و علمه به صريحا بحيث يكون له الملزم العقليّ بتحصيل فراغ ذمّته.


1) وسائل الشيعة: 27/ 241 الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم.

2) جواهر الكلام: 40/ 211 و 212.

فهذه صور ثلاثة للدعوى الّتي لا تكون خارجة عنها، أمّا في الأوّل فإذا أجاب الخصم ب «لا أدري» فلا إشكال في أنّه ليس له الحلف بتّا على نفي الحقّ الواقعي؛ لكون المفروض عدم علمه به، و هل يكتفى لنفيه بحلفه على ما ينكره من نفي العلم بالاشتغال الفعلي، أم لا؟ بل المسقط للدعوى هو أن يحلف على ما يدّعيه المدّعى عليه من الحقّ الواقعيّ، و لا يثمر اليمين على عدم الحقّ الفعليّ الّذي ربّما يكون المدّعي أيضا معترفا به.

فإن قلنا بكون الإطلاق لقوله عليه السّلام: «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» (1)بحيث يشمل كلّ يمين صدر من المدّعى عليه حتّى اليمين الذي يخلّص به نفسه عن يد المدّعي و يوجب سقوط الدعوى و لو لم يطابق لدعوى الخصم، إذ الواجب عليه تحصيل الفراغ عمّا يشتغل به ذمّته به فعلا، و المفروض أنّه جاهل به، فحينئذ له أن يحلف على عدم الاشتغال الفعليّ، و به يخرج عهدته و يخلّص نفسه عن المدّعي، و لو لم يطابق الحلف مع ما يدّعيه المدّعي من الحقّ الواقعيّ فيكتفى بيمينه على نفي الحقّ الفعلي و عدم علمه بالاشتغال لنفي الحق الواقعي و يسقط الدعوى رأسا.

و إن أنكرنا الإطلاق و قلنا: إنّه قوله عليه السّلام: «و اليمين على المدّعى عليه» (2)منصرف إلى اليمين الّتي يتعلّق بنفي دعوى المدّعي، بأن يكون متعلّق النفي و الإثبات أمرا واحدا، و لا يثمر الحلف على نفي العلم إذا كان متعلّق الدعوى الحقّ الواقعي، و لازم ذلك عدم تحقّق الخصومة حينئذ، إذ ما يدّعيه المدّعي


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم.

2) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم.

المفروض أنّه ليس ينكره الخصم، و ما ينكره الخصم ليس متعلّقا للدعوى، فليس منكر في البين، فليست خصومة.

فحينئذ فإن بنينا على عدم توقّف سماع الدعوى على وجود المنكر فعلا كالدعوى على الميّت و الغائب، و اكتفينا بتحقّق عنوان المدّعي لقوله عليه السّلام: «البيّنة على المدّعي» (1)و لمّا لا إشكال في صدقه في الصورة المفروضة فلو كانت للمدّعي بيّنة و أقامها، فلا بدّ للحاكم أن يحكم بها.

و إن قلنا: إنّه يتوقّف سماع الدعوى على تحقّق عنوان الخصومة، أو قلنا بالأوّل و لم يكن للمدّعي بيّنة، و المفروض عدم الاكتفاء بيمين الخصم لعدم كونها ميزانا، لاختلاف متعلّق الدعوى و الإنكار حينئذ، فلا بدّ من الالتزام بتوقّف الدعوى كما في مطلق الدعاوي الّتي لا ميزان لها، و ليس للحاكم ردّ اليمين لعدم تحقّق النكول.

نعم؛ لو لزم من الإيقاف تضييع الأموال الكثيرة بحيث استكشفنا عدم رضا الشارع بالتعطيل و وجوب الحكم و الفصل على الحاكم، فعلى الحاكم إحلاف المدّعي، لا لكونه وليّ الممتنع بل لإيجاد مقدّمة تكليفه و رفع المحذور، و أمّا لو لم يلزم ذلك مع أنّ إطلاقات وجوب الحكم لا يثبت إيجابه مطلقا فليس للحاكم ردّ الحلف، بل توقّف الدعوى حتّى يتحقّق الموازين، و لمّا كان تحقيق المقام الاحتمال الثاني، و انصراف إطلاقات اليمين بما يتعلّق بالدعوى و نفيها، و كونها مطابقا للمدّعى به، فلا يشمل مطلق الحلف المبرئ للذمّة و لو لم يطابق الدعوى.

فالحقّ في هذه الصورة إيقاف الدعوى لو لم تكن للمدّعي البيّنة.


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الحديث 33667.

نعم؛ لو كان دليل الخصم المنكر لاشتغال ذمّته فعلا أمارة- مثل يده على المال و كونه في صندوقه- فلمّا كان مفاد الأمارة تتميم الكشف و إثبات الواقع، فله حينئذ اليمين على نفي الحقّ الواقعيّ موافقا لما يدّعي ثبوته الخصم، و لا يتعيّن عليه الحلف على نفي العلم.

و أمّا لو كان مدركه الأصل، فمثل أصل البراءة فلمّا لم يكن مفاده إلّا إثبات حكم ظاهريّ في ظرف الشكّ بلا جعل يقين و نحوه، فلا إشكال في أنّه لا يجوز له اليمين على نفي الحقّ الواقعي.

و أمّا لو كان مدركه الاستصحاب فجواز الحلف و عدمه كذلك مبنيّ على الّذي بيّنا سابقا؛ من أنّ الدليل الدالّ لاعتبار اليقين في جواز الحلف؛ اليقين و لو مع الشكّ حتّى يشمل اليقين التعبديّ الحاصل بالاستصحاب.

و إن بنينا على أنّ مدلوله اليقين الخالص بلا وجود الشكّ، فليس له الحلف، و قد مضى توضيح ذلك، فتبصّر!

و أمّا في الصورة الثانية الّتي يدّعي الاشتغال الفعلي الّذي لازمه دعوى علمه بالاشتغال و وجود الملزم العقليّ له بتحصيل البراءة، فحينئذ لا مانع من حلفه على نفي الحقّ و إسقاط الدعوى به، فيحصل الفراغ له، و لا إشكال في كون الحلف أيضا موافقا لما يدّعيه و متعلّقا بنفس ما ينكره الّذي قد عبّر عنه ب «لا أدري» و الدعوى هنا ليست متعلّقة إلّا بأمر واحد.

و أمّا في الصورة الثالثة ففيها و إن كانت الدعوى منحلّة حقيقة إلى دعويين و لكن لا يضرّ ذلك أيضا بجواز حلفه على إحداهما الّتي يقطع به و ينكره، و هو علمه بالاشتغال، فيحلف على نفي الاشتغال كما يحلف في الصورة الثانية، نعم؛

ليس له الحلف على الدعوى الاخرى لو لم يكن قاطعا بعدم الاشتغال الواقعيّ كما هو ظاهر قوله: «لا أدري».

و بالجملة؛ لا إشكال في الصورتين، فإن كان كلام فهو في الصورة الاولى، و قد عرفت البحث فيها.

بقي الكلام في أنّه بعد الحلف و حكم الحاكم في هذه الصور لو أقام المدّعي بيّنة و أثبت الاشتغال هل تسمع البيّنة، أم لا، بل نقض للحكم؟ لا مجال للحكم الكلّي بهذا الأمر، بل يختلف على اختلاف الصور و المباني.

و تفصيل ذلك أنّه أمّا في الصورة الاولى فعلى الاكتفاء باليمين المبرئ للذمّة مطلقا، و لو لم يكن مطابقا للمدّعى به الموجب لكون حكم الحاكم أيضا على البراءة الواقعيّة لا الفعليّة فقط، فلا إشكال في أنّه لا سبيل لسماع البيّنة بعد ذلك لكونه نقضا للحكم، لأنّه و إن لم يكن الحلف على نفي الحقّ الواقعيّ حتّى ينافي مع مفاد البيّنة، إلّا أنّ المفروض أنّ نتيجة هذا الحلف على نفي الحقّ الفعلي بعينها الحلف على البراءة الواقعيّة، فحينئذ لا يبقى بعد الحكم موضوع للبيّنة، بل بمفادها تنافي الحكم.

و أمّا لو لم نقل به- كما هو التحقيق- فإن بنينا على ردّ الحلف و حلف المدّعي فأيضا لا تسمع البيّنة بعد الحكم، لأنّ اليمين ذهبت بما تعلّقت به، و لو لم نلتزم بالردّ و بنينا على إيقاف الدعوى فالحكم واضح.

و أمّا في الصورتين الأخيرتين فتسمع البيّنة لو أقامت على ثبوت الحقّ الواقعيّ؛ ضرورة أنّ الحلف لم يكن إلّا على نفي الحقّ الفعليّ، كما أنّ الدعوى أيضا لم يكن في صورة على ثبوته، و في الاخرى على الواقع منضمّا بالعلم به،

و الخصم لم يحلف إلّا على عدم العلم أو نفي الحقّ الفعليّ، فحينئذ لا تنافي البيّنة المثبتة للحقّ الواقعي، ففي الحقيقة الدعوى الثانية غير الدعوى الاولى و مباينة معها متعلّقا، فكيف يكون الحكم الصادر على الاولى مخالفا للدعوى الثانية؟

و المفروض أنّ الحلف النفي العلميّ لا يثبت البراءة الواقعيّة، فتأمّل في المقام، فإنّه مزالّ الأقدام، و قد اختلطت كلمات الأعلام، فراجع! و اللّه العالم بحقائق الأحكام.

و أمّا ما الحق بالجواب عن المدّعي فهو الّذي قد جعل ذلك، الجواب بعض المعاصرين.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ الجواب ب «ليس لك بل لغيرك» يكون له صور، و الّذي يهمّنا الآن ذكره هو ما لو عيّن الغير الّذي يعترف بكون الملك له، فحينئذ؛ هل يصير طرف الدعوى المقرّ أو المقرّ له أو كليهما؟ احتمالات، و ينبغي أوّلا البحث في تأثير مثل هذا الإقرار المشتمل على الدعوى و مقداره.

فنقول: مقتضى ما أشرنا سابقا من أنّ إقرار ذي اليد بملكيّة الغير للعين على حسب ما يستفاد من أدلّة الإقرار لا يمكن أن يؤثّر بحيث يثبت ملكيّته بمناط الإقرار، إذ غاية ما يثبت من قوله عليه السّلام: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1)هو اعتبار الإقرار من جهة نفي ملكيّة ذي اليد للعين عن نفسه، و أمّا إثبات كونها ملكا لمن يعترف له فلا يستفاد منه؛ لعدم ضرر له- أي للمقرّ- في هذا الإثبات، بل هذا ادّعاء، فبعد نفي تملّك نفسه فتملّك المقرّ له و غيره من الناس للعين على


1) عوالي اللآلي: 1/ 223 الحديث 104، 2/ 257 الحديث 5، وسائل الشيعة: 23/ 184 الحديث 29342.

السواء، و لا خصوصيّة لأن يثبت بإقرار تملّك المقرّ له.

هذا في ما لو لم يكن معارض له في إقراره، و أمّا مع وجود المعارض- كما في المقام- حيث ينفي المدّعي تملّك المقرّ له العين؛ فهنا عدم إثبات تملّك المقرّ له بطريق أولى، إذ و لو سلّمنا عند عدم المعارض تملّكه بمناط إقرار ذي اليد، و لكن مع المعارض يشكل الأمر، لعدم كون المقرّ له المدّعي بلا معارض حتّى يحكم بتملّكه لها من هذه الجهة، بل هو و المدّعي نسبتهما إليها على السواء، فغاية ما يثبت بمثل هذا الإقرار نفي ملكيّة المقرّ و انقطاع علاقة المقرّ عنها، كما لا يخفى.

و لكنّ الظاهر من بناء الأصحاب اعتبار إقرار ذي اليد من كلتا الجهتين و ثبوت تملّك المقرّ له حتّى مع المعارض، فكيف يجمع بين انعقاد إجماعهم و مقتضى أدلّة الإقرار؟

هذا؛ و يمكن دفع الإشكال عن المقام بما دفعنا به الإشكال عن أصل المسألة، و ملخّصه: أنّه ليس إثبات تملّك المقرّ له بمناط الإقرار، بل من جهة أنّ ذا اليد ما دام استيلاؤه على العين، مقتضى ذلك عدم تملّك الناس لها غير نفسه، ثمّ إذا ينفي تملّك نفسه بإقراره إنّما يرتفع أثر اليد بالنسبة إلى المقرّ له فقط.

و أمّا بالنسبة إلى غيره من سائر الناس فمقتضى اليد باقية؛ لكون المفروض عدم نفي آثارها بالنسبة إليهم، ثمّ إذا انتفت ملكيّة المقرّ له بمقتضى إقراره، و تملّك الغير أيضا بمقتضى يده، و نقطع بأنّ الملك لا يصير بلا مالك، فبضمّ ذلك بإقرار ذي اليد يثبت تملّك المقرّ له للعين، فليس يثبت تملّكه بمناط الإقرار، بل بمناط نفي تملّك المقرّ عن نفسه مع القاعدة المسلّمة المقطوع بها، و هي عدم كون الملك بلا مالك.

و مرجع هذا التوجيه إنّما يكون بأنّ القدر المتيقّن من تقدّم الإقرار على اليد إنّما بالنسبة إلى المقرّ له، و أمّا بالنسبة إلى المدّعي فآثارها باقية، و التفكيك بين الأحكام الظاهريّة لا يعدّ و لا يحصى، فتأمّل!

فعلى هذا؛ لا يضرّ وجود المعارض أيضا، لكون نسبة المدّعي مع غيره من الناس بالنسبة إلى العين سوى المقرّ له على السواء، بمعنى أنّ آثار اليد بالنسبة إليه باقية كما بالنسبة إلى غيره، فيصير تملّك المقرّ له ثابتا، فهو يصير فعلا ذا اليد، فيجوز توجّه الدعوى إليه.

و أمّا لو لم يدفع الإشكال المذكور و لم يثبت نفوذ الإقرار بالنسبة إلى تملّكه لها فلا يتوجّه الدعوى إليه، و ليس للمدّعي تضمين المقرّ بدل ماله، لعدم تلفه إذا لم يؤثّر إقراره، و لم يصر أيضا من باب ما لو أقرّ لشخص تعيّن مال ثمّ أقرّ بعده لآخر، الّذي يوجب ذلك ضمانه للعين للمقرّ له الأوّل و قيمتها للثاني لإتلافه بإقراره الأوّل عين ماله.

و أمّا على التحقيق الّذي قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة و إطلاق معاقد الإجماعات نفوذ إقراره من الجهتين: النفي و الإثبات، و تملّك المقرّ له للعين، فحينئذ يجوز للمدّعي أن يوجّه الدعوى إلى كلّ من المقرّ و المقرّ له، و يجري الموازين أيضا، و يصير من قبيل تعاقب [الأيدي].

أمّا توجّه الدعوى بالنسبة إلى المقرّ له فواضح؛ لكونه ذا اليد على الفرض فلو أقام بيّنته عليها فيأخذ عين المال، و لو لم يقمها فله إحلاف المقرّ له، فلو لم يحلف و ردّ فهو يحلف و يستحقّ العين، و لو لم يردّ فيجري موازين النكول.

و بالجملة؛ لو رجع إلى المقرّ له يجري جميع موازين القضاء، فلو لم يرجع

إليه، أو رجع و حكم عليه، له أن يرجع إلى المقرّ من جهتين: بأن يطالب و يدّعي عين ماله منه، لكونها تحت يده فعلا، فهل للمقرّ حينئذ الحلف على نفي ملكيّته لو لم يقم المدّعي البيّنة، أم لا؟ إشكال لرجوع حلفه إلى إثبات الحقّ للغير؟

و لكن يمكن أن يقال: بأنّ له أن يحلف على عدم الحقّ للمدّعي على العين، بمعنى أن يكون يمينه من هذه الجهة- أي نفي حقّ المدّعي- حجّة و إن لم يكن من حيث إثباته حقّ المقرّ له معتبرا، فتأمّل!

ففي هذه الصورة أيضا يجري جميع الموازين، كما أنّ للمدّعي الحلف أيضا لو ردّ إليه، و بأن يدّعى عليه لتضمينه بدل ما له، لكونه متلفا للعين بإقراره، فللمدّعي مطالبة البدل بمقتضى الحكم الظاهريّ، كما كان له مطالبة العين بمقتضى حقّه الواقعيّ، و يصير المقام نظير باب بدل الحيلولة، فإمّا أن يقيم المدّعي البيّنة على أنّ المقرّ أتلف ماله فيأخذ البدل، و إن لم تكن له البيّنة فعلى المقرّ أن يحلف على عدم الإتلاف، و أن يردّ اليمين، ففي جميع الصور تجري جميع الموازين، فلذلك قلنا: له الدعاوي الثلاثة، فافهم و استقم!

[خاتمة] الدعوى على الغائب

اشارة

خاتمة في الدعوى على الغائب

أمّا الكلام في الغائب فقد مضى شطر من الكلام فيه، و الآن نبحث فيه من جهات اخرى:

[الجهة] الاولى: في أنّ سماع دعوى مدّعي الغائب موافق للقاعدة أم سماعه و الحكم عليه على حسب الأدلّة الخاصّة؟

و المراد بالقاعدة عمومات الباب لا

الأصل، إذ لا شبهة في أنّ الأصل الأوّلي في جميع الموارد عدم نفوذ الحكم.

فنقول: إنّ مقتضى عموم: «البيّنة على المدّعي» (1).. إلى آخره، هو سماع الدعوى عن كلّ مدّع إذا تحقّق هذا العنوان و عنوان المدّعى عليه، فإذا أقامت البيّنة و أثبت حقّه بها فلا بدّ من الحكم على مقتضاها، و لا يحتاج إلى مئونة أزيد من ذلك، و لذلك يسمع الدعوى على الميّت أيضا، و هو على مقتضى القاعدة، لا أن يكون للدليل الخاصّ، فكذلك في الدعوى على الغائب.

و بالجملة؛ فبعد تحقّق العنوانين مع اجتماعهما على الشرائط الّتي سيأتي ذكرها، و ليس منها حضور المدّعى عليه، فلا مجال للتأمّل في أنّ مقتضى إطلاقات الباب سماع دعوى المدّعي على الغائب، و لا يحتاج إلى قيام دليل خاصّ عليها و ترتيب الآثار على بيّنته.

نعم؛ وردت بعض الروايات الّتي مضمونها أنّه لا يحكم للمدّعي دون أن يسأل المحكوم عليه (2)، فإن تمّت دلالتها تقيّد تلك الإطلاقات، لأنّ ظاهرها أنّ الحكم لا يجوز إلّا بعد السؤال، و لا ريب أنّه يتوقّف على الحضور، فكيف يجوز حينئذ الحكم و إيجاد مقدّماته من سماع الدعوى و إقامة البيّنة.

فعلى ذلك؛ لا بدّ من أن يتّبع الدليل الخاصّ الدالّ على سماع دعوى الغائب، و نجعله تأسيسا لا تأكيدا للعمومات من هذه الجهة، و إن كان مشتملا على بيان أحكام خاصّة كيف ما كان، و لا يجوز سماع الدعوى حينئذ مطلقا، بل لا بدّ من اتّباع مدلول ذلك الدليل الخاصّ.


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم.

2) وسائل الشيعة: 27/ 295 الحديث 33784 و 296 الحديث 33785.

و نبحث في لفظ «الغائب» أنّه هل يطلق على الحاضر في البلد، أو الساكن دون المسافة، أم لا؟ و غير ذلك ممّا يمكن الخدشة في دلالة اللفظ و إطلاقه الّتي لا بدّ حينئذ من الأخذ بالقدر المتيقّن من مدلول اللفظ، و يكون الفرق بين الغائب و الحاضر حينئذ من سماع دعواه الوفاء حتّى بعد الحكم، بخلاف الحاضر أيضا بالدليل الخاصّ؛ لاشتمال هذه الأخبار الخاصّة على أنّ الغائب على حجّته، بخلاف ما جعلنا سماع دعواه على مقتضى القاعدة، فيكون الفرق بينه و بين الحاضر على مقتضى الأصل أيضا، كما سنشير.

هذا بحسب التصوّر؛ و أمّا تصديق الأمر و أنّه هل يصلح ما ذكرنا من بعض الأخبار لتقييد الإطلاقات، أم لا؟ الإنصاف أنّه لا يصلح، إذ غاية مدلولها أنّه عند حضور الخصمين في مجلس المرافعة لا يجوز الحكم إلّا بعد السؤال، كما عليه الدأب من أنّه بعد إقامة البيّنة الموجبة للحكم، فلو كان المدّعى عليه حاضرا الحاكم يعلمه على إرادته الحكم حتّى لو كان له جارح و نحوه يقيمه و يوجد المعارض للبيّنة القائمة.

و أمّا أن يكون هذه الأخبار متكفّلة لموضوعها، بأن تدلّ على أنّه لا بدّ من حضور الخصم حتّى يسأل عنه فلا، كما أنّ الأصحاب لم يستفيدوا هذا المعنى منها أيضا، فحينئذ يبقى العمومات بحالها، و يكون سماع دعوى الغائب على مقتضى القاعدة، و يشمل الحكم كلّ غائب و لو كان في البلد، بل و يشمل الحكم الحاضر في المجلس و هو ساكت، فإنّه حينئذ إذا أقام المدّعي البيّنة و سكت المدّعى عليه، و لم نقل بوجوب إلزامه على الجواب [فيحكم عليه حكم الغائب].

نعم؛ لم (1)يشمله «الغائب على حجّته» لعدم جريان مناطه، كما سيظهر، فلا يحتاج إلى الأدلّة الخاصّة حتّى يستشكل في بعض أفراد الغائب بل الإطلاقات مغنية عنها، لما عرفت.

الجهة الثانية: في وجه الفرق بين الحاضر و الغائب الّذي ليس فرق بينهما إلّا من جهة سماع دعواه الوفاء بعد حضوره لا من جهة جرح الشهود،

إذ لا فرق من هذه الجهة بينهما، كما أوضحنا الكلام في ذلك من سماع دعوى جرح الشهود مطلقا و لو بعد الحكم لعدم كونه نقضا له بل رافع لموضوعه، فتدبّر!

ثمّ إنّ وجه الفرق من حيث سماع دعوى الوفاء من الغائب الّذي هو المراد من كون الغائب على حجّته هو ما ذكرناه في وجه احتياج الدعوى على الميّت إلى اليمين، من أنّه لمّا يمكن للمدّعى عليه دعوى الوفاء، فيتوجّه اليمين إلى المدّعي، و لا لسان للميّت حتّى يكشف الحال، فلرعاية احتمال الواقع أوجب الشارع الاحتياط في ذلك بخلاف الحيّ، فإنّ له أن يدّعي الوفاء من أوّل الأمر، فإذا لم يدّعه بل أنكر الاشتغال الّذي هو ظاهر في عدم الاشتغال رأسا من أوّل الأمر، و لذلك يكون قوله موافقا للأصل لا الأعمّ منه و من الوفاء، و إلّا فيحتمل أن يكون هو أيضا مدّعيا، فلا مجال لإطلاق القول بأنّ المدّعى عليه هو المنكر، فإذا كان إنكاره ظاهرا في نفي الاشتغال رأسا فلو ادّعى بعد ذلك الوفاء لا يسمع منه، لأنّه بإنكاره مكذّب لدعواه و يكون التناقض بينهما.

و كذلك وجه الفرق بين الحاضر و الغائب، أنّه لمّا لم يكن الغائب مظهرا لجواب المدّعي حتّى يصدق عليه الإنكار، فلا يكون قابلا لأن يسمع دعواه


1) كذا، و الأصحّ «لا».

الوفاء، بل يحتمل أن يكون من أوّل الأمر مدّعيا للوفاء أو منكرا لأصل الاشتغال كالميّت، فيبقى على بقاء قابليّة سماع دعواه الوفاء، لعدم ثبوت المعارض و المناقض له حتّى يخرج عن القابليّة مثل الحيّ الحاضر.

فانقدح من ذلك؛ أنّ هذا الحكم و أنّ: «الغائب على حجّته» أيضا موافق للقاعدة كجواز أصل سماع دعواه، و ليس الأمران حكمين مخالفين لها، فافهم و استقم! (1)

الجهة الثالثة: في أنّه هل يعتبر في سماع دعوى الغائب و الحكم عليه إنكار الغائب،

بحيث لو ادّعى اعترافه لا يسمع و لا يحكم، و كذلك لو شكّ في إنكاره أو إقراره، بل لا بدّ من العلم بإنكاره و تحقّق الخصومة، و إلّا لا يسمع مطلقا، أو لا يعتبر، بل يسمع حتّى مع إظهاره اعترافه، أو التفصيل بين صورة الشكّ في الإنكار أو العلم به؟ احتمالات بل أقوال.

و لكن لمّا بيّنا لك أنّ هذا الحكم- أي سماع الدعوى و الحكم على الغائب- يكون على مقتضى القاعدة، و قد أوضحنا سابقا أنّه يسمع الدعوى و يحكم مع إقرار المدّعى عليه، و لذلك التزمنا بكون الإقرار من أحد الموازين، و حقّقنا أنّ سماع الدعوى و الفصل لا يتوقّف على الخصومة الفعليّة، بل يكفي فيه و لو لرفع الخصومة المتوهّمة.

فعلى ذلك؛ لا فرق بين الحاضر و الغائب، فكما أنّ في الحاضر يحكم و لو


1) فلا وجه لأن يستظهر من قوله عليه السّلام: «الغائب على حجّته» (وسائل الشيعة: 27/ 294 الحديث 33782)، أنّه لا بدّ و أن يصدق على الغائب عنوان المسافر، خصوصا بقرينة ذيله «إذا قدم»، «منه رحمه اللّه».

مع إقرار الخصم فكذلك في الغائب يحكم و لو مع اعترافه لدفع الخصومة المتوهّمة.

فظهر لك أنّ الحقّ من الأقوال هو سماع الدعوى و الحكم مطلقا و لو مع إظهاره اعترافه فكيف بصورة الشكّ و التردّد في ذلك؟! و لا مجال للتفصيل و لا لسائر الأقوال، كما يستفاد من إطلاقات النصوص و معاقد الإجماعات أيضا، كما لا يخفى.

الجهة الرابعة: في أنّ الحكم على الغائب مختصّ بحقوق الناس، أو يجري في حقوق اللّه أيضا

أمّا ما كانت ذات جهتين فلا إشكال في ثبوت جهة حقّ الآدمي بالبيّنة و الحكم عليه كما عليه المشهور.

إنّما الكلام فيما لم يشمل على حقوق الناس، بل كان حقّ اللّه المحض، فقد يمنع سماع الدعوى و الحكم فيه، نظرا إلى أنّ باب حقوق اللّه المترتّب عليها الحدود لمّا كان مبنيّا على التخفيف، و لذلك تدرأ الحدود بالشبهات، و لا خفاء في أنّ مجال الشبهة في الغائب واسعة، فلا يبقى المجال لتسرية الحكم على الغائب في حقوق اللّه.

و فيه: أنّ الحكم البتّي و إجراء الحدّ عليه فعلا ينافي التخفيف، مع أنّ هذا لا يمكن ما دام كونه غائبا.

و أمّا الحكم عليه باستحقاقه الحدّ مع فرض قيام البيّنة عليه، بحيث لا يحتمل صدور الفعل الموجب للحدّ عنه على غير الوجه المستحقّ به الحدّ، من احتمال خطائه أو جهله أو كونه مضطرّا إليه و غير ذلك ممّا يكون قابلا للشبهة، كما أنّ البيّنة على الحاضر قد يكون على هذا الوجه، و قد لا يكون كذلك، فحينئذ

ما الوجه للمنع المزبور مع عموم الأدلّة و إطلاقات الباب؟ و هو أيضا على حجّته، فلو حضر و أقام بيّنة معارضة مع البيّنة الاولى فيسمع منه و يجري عليه حكم تعارض البيّنات.

فالأقوى عدم التفصيل في المسألة فيما لو كانت البيّنة القائمة بحيث لا يجري في مفادها مجال الشبهة، فتكون محلّا للقضيّة المعروفة، بل لا فرق بين الغائب و الحاضر من هذه الجهة أيضا، لما ظهر من كون الأدلّة عامّة، و لا قصور في دلالتها و شمولها لحقوق اللّه، و إنّما يحتمل به عدم جريان الحكم فيها الاحتمال المزبور، و بابه في الصورة المفروضة مسدود، كما لا يخفى.

المقصد السادس: في ما يتعلّق باليمين

اشارة

حقيقة اليمين

اشارة

و أمّا الحلف؛ فهو حقيقة عبارة عن الإرهان، بمعنى أنّ الحالف يرهن المحلوف به، بحيث لو كان الحلف كذبا و لم يكن الأمر في الواقع على ما يظهره لكان المحلوف به على خطر و هدر، فهو على هذا يكون من مقولة المعاني لا الألفاظ، كما أنّ المستظهر من أخبار الباب أيضا هو كونه من مقولتها.

منها: قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي: «أهل الملل من اليهود و النصارى و المجوس لا يحلفون إلّا باللّه» (1)، كما في قوله عليه السّلام أيضا في رواية اخرى أنّه: «لا يصلح لأحد أن يحلف إلّا باللّه تعالى» (2)و غير ذلك من الروايات (3).

ضرورة؛ أنّ المستفاد منها و غيرها معنى هذا اللفظ الّذي هو عبارة عمّن هو مستجمع لجميع الصفات الكماليّة لا لفظه بلا لحاظ الواقع و رعاية المعنى، فإذا صار المراد ذلك- أي معنى لفظ اللّه تعالى- و قد عرفت أنّ الحلف حقيقته عبارة عن نحو إرهان و تعهّد، فيكون من الامور القصديّة و الإنشائيّات الّتي تتوقّف في المقام على الاعتقاد، بأن يكون الراهن معتقدا أنّ المحلوف به هو المستجمع للكمالات و خالق كلّ شي‌ء، حتّى يصدق أنّه أرهن هذا المعنى، و لو لا الاعتقاد


1) وسائل الشيعة: 23/ 266 الحديث 29538، نقله بالمضمون.

2) وسائل الشيعة: 23/ 267 الحديث 29540.

3) وسائل الشيعة: 27/ 303 الحديث 33801.

به لم يصدق ذلك، و يكون من قبيل من عمل و أوجد صورة التعظيم أو التوهين مع عدم القصد إليهما، فكيف لم يصدق على تلك الصورة، و الفعل الخارجي المعيّن، فكذلك ليس صادقا على المنكر لمن هو خالق جميع الموجودات لو حلف على صرف هذا المفهوم أنّه حلف و أرهن ذاك المصداق- جلّ شأنه- كما لا يخفى.

فحينئذ؛ يشكل الأمر في الطبيعي، و كلّ من هو مثله بإحلافه باللّه تعالى الّذي هو المحلوف به من المعنى لا اللفظ، مع أنّ ظاهر الأصحاب عدم الفرق بينهم و بين غيرهم من الحقّ و الباطل.

نعم؛ ظاهر بعض الأخبار اعتبار لفظ الجلالة بخصوصه (1)، كما في النبويّ، من أنّه «أضفهم إلى اسمي» (2)، و لكن هذا لا يوجب صرف تلك الأخبار عن معناها الظاهر فيها، بل غاية ما يستفاد منه اعتبار هذا اللفظ، و هذا الاسم من أسمائه- تعالى- عند الحلف في الحكاية عن المعنى المزبور، بحيث لو لا هذا الخبر كان يكفي في الحلف كلّ لفظ يكون حاكيا عن ذاك المعنى المدلول عليه تلك الأخبار، و أمّا هذا فيقيّد و يخصّص الحاكي بلفظ الجلالة الّذي هو المراد من «أضفهم إلى اسمي» إذ هو المنساق إلى الذهن من اسمه تعالى دون أسماء الصفات و الأفعال.

و بالجملة؛ فكيف الجمع بين المستفاد من أخبار الباب و ما عليه الأصحاب؟ فلا بدّ إمّا رفع اليد من مدلول الأخبار و ظواهرها، و إمّا من حمل كلمات الأصحاب على ما هو الغالب من الحالفين الّذين هم معتقدون بالإله


1) وسائل الشيعة: 23/ 259 الباب 30 من كتاب الأيمان.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 229 و 230 الحديث 33657- 33659.

الخالق بالمعنى المزبور، و إلّا فغيرهم فيحلفون بما يعتقدون أنّه إله.

و لكنّك خبير أنّ الالتزام لكليهما في غاية الإشكال؛ لعدم الاهتمام بخصوص اللفظ بلا جهة لحاظ المعنى، و عدم قرينة لرفع اليد عن ظاهر الأخبار، و تصريح جملة من الفقهاء بعموم الحكم المزبور لمنكر الالوهيّة مطلقا و الوثنيّ و غيرهم، بحيث ليست كلماتهم قابلة للاختصاص.

فالّذي يمكن أن يندفع به الإشكال؛ هو أن يقال: إذا عرض لفظ الجلالة مع الإشارة إلى معناها على المنكر المطلق، بحيث أحضر مفهومه في ذهنه فحلف بتلك الصورة الذهنيّة، يصدق أنّه أرهن هذا المعنى المستجمع لجميع صفات الكمالات، و لو لم يكن معتقدا به بوجوده الواقعيّ، كما أنّه من تصوّر صورة السلطان فعظّم له أو وهّنه مع اعتقاده عدم حضوره، و كان في الواقع حاضرا، يصدق على عمله ذلك التعظيم و التوهين الواقعيّ، و لو لم يصدر إلّا عن وهم و خيال، فمن ذلك يستكشف عدم توقّف تحقّق الامور القصديّة و إنشائها على العقد القلبيّ، بل يكفي تصوّر مفاهيمها.

و بالجملة؛ إنّ هنا امورا أربعة:

الأوّل: الوجود الواقعي للمحلوف به، بحيث يكون هو متعلّق الحلف المتوقّف على الوجود واقعا.

الثاني: أن يجعل المتعلّق الصورة الذهنيّة بما هي صورة بلا لحاظ مرآتيّتها للخارج، بل تكون محلوفا بها بالنظر الاستقلاليّ.

الثالث: تلك الصورة لوجودها المرآتيّ و العلميّ.

الرابع: تلك الصورة بلحاظ المرآتيّة، للواقع مع الاعتقاد به، بلا أن [يكون] اليمين مقصورا على الصورة محضا.

لا إشكال في عدم توقّف تحقّق معنى الحلف الّذي هو نوع إرهان على الوجود الواقعي للمحلوف به، كما في مطلق الإنشائيّات المتعلّقة بالصور العلميّة؛ ضرورة أنّه من حلف بحياة ولده معتقدا لوجوده مع كونه معدوما واقعا يصدق أنّه حلف و أرهن ولده بلا شكّ، و كذلك لا اعتبار للثاني أيضا بأن يكون المحلوف به الصورة المتصوّرة بما هي كذلك الّذي يعبّر عنها بالوجود العلميّ.

و إنّما الكلام في المعنيين الأخيرين، في أنّه هل يتوقّف صدق الحلف باللّه تعالى، و معنى لفظ الجلالة على الاعتقاد بهذا المعنى، أم يكفي تصوّره و إيجاد الصورة في الذهن؟ و لمّا لم يثبت من الأخبار الأوّل، بل غاية ما دلّت عليها هو أن يكون متعلّق الحلف اللّه تعالى بمعناه الحقيقي، و هذا يصدق مع إحضار هذا المفهوم في الذهن بلحاظ مرآتيّته عن الوجود الواقعي الخارجي له، و لو كان الحالف منكرا لواقع هذا المفهوم، فلا مانع من الأخذ بما هو ظاهر الأخبار و إطلاق كلمات الأصحاب بأن يحلف المنكر لأصل واجب الوجود باللّه تعالى أيضا بعد تعليمه اللفظ و معناه، إذ حينئذ يتحقّق ما هو القدر المتيقّن ممّا يتوقّف عليه صدق الحلف و ملاكه، و هو إرهان مفهوم لفظ الجلالة بوجوده اللحاظي المرآتيّ، كما لا يخفى.

[فرع] الحلف بغير اللّه تعالى

فرع: هل يجوز الحلف بغير اللّه تعالى في غير مورد الخصومة، أم لا؟

الّذي يظهر من بعض الأخبار مثل قوله عليه السّلام: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك

أو كفر» (1)و غيره (2)هو حرمة الحلف بغير اللّه مطلقا، و لكن لمّا يثبت بالسيرة القطعيّة الحلف بغيره في غير موارد الخصومة فلا محيص عن حمل هذه الأخبار على الكراهة.

و إنّما الكلام في ما نقل عن المعصوم عليه السّلام أو من هو تاليه الحلف بغيره، مثل قوله عليه السّلام: «نحن و بيت اللّه أولى بالنبيّ» (3)أو نحن و قرابة رسول اللّه و أمثال ذلك ممّا يكشف عن عدم منقصة و حزازة في هذا الفعل، و إلّا لم يصدر عن مثلهم، فحينئذ تقع المعارضة بين تلك الأخبار و عمل هؤلاء، و الظاهر عدم مجال المناقشة؛ لما نقل عن الّذين هم تالي المعصومين عليه السّلام بل يشمل عملهم تقرير الإمام عليه السّلام من حيث النقل، لكون المنقول متواترا إجمالا، كما لا يخفى.

فعلى هذا، لو تمّت المعارضة و لم يمكن الجمع فيسقط كلا الدليلين، و الأصل الجواز، فافهم!

هنا مسائل:

[الأولى:] الحلف على نفي العلم

اشارة

الاولى: قد اشتهر في ألسنة الفقهاء أنّه يعتبر في اليمين البتّ إلّا إذا كان على فعل الغير، فيكفي فيه الحلف على نفي العلم كالدعوى على الوارث، ثمّ إنّ ظاهر كلماتهم أيضا سقوط الحقّ الواقعي بهذا الحلف.


1) عوالي اللآلي: 1/ 158 الحديث 138 و 262 الحديث 46 مع إختلاف.

2) انظر! وسائل الشيعة: 23/ 233 الباب 15 من كتاب الأيمان، و 27/ 303 الباب 34 من أبواب كيفيّة الحكم.

3) بحار الأنوار: 45/ 65.

و تنقيح هذا البحث موقوف على بيان صور المسألة، فنقول: إنّه قد يكون توجّه الدعوى على الوارث على نحو يدّعي ثبوت الحقّ الواقعي على مورّثه بلا دعوى علمه به ضمنا أو مستقلّا.

و تارة يدّعي عليه الحقّ كذلك مع دعوى علم الوارث به بأن يدّعي أنّ لي على مورّثك حقّا أنت تعلمه.

و ثالثة يدّعي علمه بأنّ له حقّا على مورّثه بأن يكون المدّعى به نفس علم الوارث بالحقّ و يكون هو في حيّز الدعوى مستقلّا، فلا إشكال في أنّ الدعوى على الوارث لا يخلو عن أحد هذه الصور الثلاث:

ثمّ إنّه قد أوضحنا سابقا أنّ مقتضى القواعد و ما يستفاد من أدلّة الباب مثل قوله عليه السّلام: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1)أنّه لا بدّ و أن يكون الحلف على طبق المدّعى به؛ ضرورة أنّ البيّنة كما تكون كذلك فالحلف أيضا مثلها.

فعلى هذا؛ مقتضى القواعد في الصورة الاولى من الدعوى هو الّتي يكون على الحقّ الواقعي بلا دعوى العلم، فحينئذ لو أنكر الوارث عدم كفاية اليمين على نفي علمه بالحقّ، بل لا بدّ من الحلف على نفس ما ينكره؛ لأنّ الحلف عليه


1) وسائل الشيعة: 27/ 293 الحديث 33781. ففي الصورة الاولى؛ الّتي تكون طرف الدعوى هو الميّت لا الوارث فالميزان لفصل الخصومة منحصر بالبيّنة الّتي يقيمها المدّعي، و إلّا فحلف الوارث الّذي لو أنكر لا يثمر شيئا- كما لا يخفى- كذلك ردّه، و في الثالثة الّتي كان المدّعى به هو علم الوارث فلو كان هو عالما بعدم الحقّ وجدانا أو تعبّدا من باب اليد أو الاستصحاب على التفصيل الماضي؛ فله حينئذ الحلف على نفي الحقّ، و يكفيه عن اليمين على نفي العلم؛ إذ هو يمين على المدّعى به مع زيادة، كما أنّ له اليمين على نفي علمه أيضا، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

مباين مع المدّعى به، فكيف يمكن أن يكتفى بمثل هذا الحلف؟

و الظاهر؛ أنّ الأصحاب أيضا لم يلتزموا بذلك، كما أنّه لا إشكال في الاكتفاء بيمين نفي العلم في الصورة الثالثة و سقوط هذه الدعوى أيضا به و عدم سقوط الحقّ الواقعي، بحيث لم يكن للمدّعي بعد ذلك إقامة البيّنة على إثباته، كما لا يخفى، لعدم كون هذه الجهة في حيّز الدعوى أصلا.

و إنّما الكلام في الصورة الثانية؛ الّتي تكون الدعوى فيها مركّبة بل منحلّة إلى دعويين، فالذي تقتضيه القواعد فيها هو أنّ الحلف على نفي العلم لا يوجب سقوط الدعوى، إذ المفروض انحلال الدعوى و الإنكار إلى أمرين، و الحلف إنّما لم يقع إلّا على أحدهما و هو العلم، فما الموجب لسقوط الدعوى من الأصل؟ مع أنّ ظاهر المشهور بناء الأصحاب في مثل هذه الصورة الاكتفاء بتلك اليمين في سقوط كلتا الدعويين.

و قد يتوهّم أنّ الوجه في ذلك هو أنّه لمّا تكون هذه الدعوى من باب التقييد، بمعنى أنّ الدعوى هي الحقّ على المورّث الّذي يعلمه الوارث، فإذا حلف على نفي العلم فقد وقع على القيد و المقيّد فيرتفع الحقّ الواقعي و يسقط؛ لأنّ المدّعى به كانت طبيعة الحقّ المقيّد، و الحلف أيضا وقع عليها، فلم يبق موضوع للدعوى ثانيا بمقتضى قوله عليه السّلام: «ذهبت اليمين» (1).. إلى آخره.

و فيه: أنّ المدّعى به و إن كان كذلك، إلّا أنّ الحلف لم يتعلّق بطبيعة الحقّ مطلقا، بل بحصّة منه في ضمن العلم، فكيف يرتفع سائر الحصص؟ مع أنّ المدّعى به كانت طبيعة المطلق مقيّدا، فتأمّل!


1) وسائل الشيعة: 27/ 245 الحديث 33689 و 33690.

و بالجملة؛ فعلى مقتضى القواعد عدم الوجه لهذا الاستثناء من أنّ الحلف لا بدّ و أن يكون على بتّ إلّا في الدعوى على الميّت، إذ قد عرفت أنّ المدّعى به لو كان هو العلم بنفسه فلا بدّ فيه الحلف بتّا، و لو كان غيره و لم يعلم به فليس له الحلف رأسا، و لا ربط للعلم أيضا به، فما يتعلّق به الدعوى و يقع عليه الحلف لا بدّ فيه البتّ مطلقا.

فحينئذ؛ إن كان لما التزم به المشهور مدرك و دليل خاصّ غير العمومات فيتمّ كلامهم، و لا محيص عن الأخذ به، فإن كان مختصّا بمسألة الوارث فلا مجال للتعدّي عنه إلى ما ذكره من الفروع في «الجواهر» (1)لكون المفروض أنّ الحكم خلاف ما تقتضيه القواعد، إلّا أن يستفاد من ذاك الدليل مناط يجوز به التعدّي.

ثمّ إنّه أيضا وقع أمر آخر في كلام الجماعة- بل استقرّ رأي المشهور عليه- مخالف لما تقتضيه القواعد، و هو أنّه يشترط في سماع الدعوى على الوارث دعوى علمه بالحق على مورّثه، فيتوجّه الدعوى عليه، مع أنّ مقتضى العمومات عدم اشتراط ذلك، و لذا لم يعتبره أحد بالنسبة إلى الدعوى المتوجهة على نفس المدّعى عليه، إذ غاية ما يدلّ عليه قوله عليه السّلام: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2)ثبوت العنوانين المتوقّف على الحقّ الواقعي حقيقة أو ادّعاء بلا اعتبار علم المدّعى عليه.

و مبنى هذا الكلام هو ما اختلفوا في باب الدين من أنّ حقّ الديّان للميّت


1) جواهر الكلام: 40/ 211- 219.

2) عوالي اللآلي: 2/ 345 الحديث 11، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

هل يتعلّق بأعيان أمواله الباقية أو بذمم الورّاث بحيث يكون الأعيان أيضا متعلّقا لحقّهم، و يجب عليهم الأداء منها أو بدلها كالعين المرهونة، أو الحقّ لا يستتبع حكما وضعيّا أصلا بحيث يشتغل ذمّة الورّاث بشي‌ء، بل إنّما يتعلّق بهم حكم تكليفيّ محض و يجب عليهم أداء دين مورّثهم؟

فعلى الأوّلين إذا ادّعى أحد على الورّاث ثبوت حقّ له على مورّثهم- لما كان الدين على فرض وجوده واقعا استتبع حكما وضعيّا و حقّا ثابتا على ذمّة الورثة، أو تعلّق حقّهم بنفس الأعيان، و لا ريب أنّ الآثار المترتّبة على الأحكام الوضعيّة لا يعتبر فيها العلم بل بوجودها الواقعي تؤثّر- فلا تتمّ مقالة المشهور، بخلاف الاحتمال الأخير.

ضرورة أنّ تنجّز الأحكام التكليفيّة متوقّف على العلم، فلا يترتّب عليها الأثر إلّا بعد العلم بها، فعليه؛ يتمّ ما عليه المشهور من اشتراط- في توجّه الدعوى على الورّاث و سماعها- دعوى علمهم بالحقّ و توجّه التكليف إليهم.

و لكنّ هذا الاحتمال خلاف مسلك المشهور في مسألة الدين، و لا يجتمع مع ما بنوا عليه هنا، فحينئذ يحتاج هذه فتواهم أيضا إلى دليل خاصّ، فإن دلّ ما يدلّ على الاولى أو غيرهما من دليل خاصّ على ذلك أيضا فيتّبع الدليل، و إلّا فإن تمّ إجماع في المسألة فهو، و إلّا فلا موجب للالتزام به.

ثمّ إنّ ما يمكن أن يستند به فتوى المشهور و يستدلّ [به] هو الحديث الشريف الّذي رواه المشايخ الثلاثة (1)، و هو مكاتبة المروزي لأبي الحسن عليه السّلام:


1) قد نقله في الوسائل في باب الرهن و عمل به الأصحاب في باب الرهن فراجع! في مسألة ما لو خاف جحود الورّاث المرتهن. «منه رحمه اللّه».

في رجل مات و له ورثة فجاء رجل فادّعى عليه مالا و أنّ عنده رهنا.

فكتب عليه السّلام: «إن كان له على الميّت مال و لا بيّنة له فليأخذ ماله ممّا (1)في يده (2)و يردّ الباقي على ورثته، و متى أقرّ بما عنده أخذ به و طولب بالبيّنة على دعواه و أوفى حقّه بعد اليمين، و متى لم يقم البيّنة و الورثة ينكرون، فله عليهم يمين علم يحلفون باللّه ما يعلمون أنّ له على ميّتهم حقّا» (3).

فإنّ المتحصّل منها؛ أنّه إذا جعل طرف الدعوى الميّت و ثبت كون مال له عنده، فحينئذ يتوقّف إثبات حقّه على إقامة البيّنة و اليمين الاستظهاري، و هذا حكم الصورة الاولى الّتي احتملناها في الدعوى على الميّت.

ثمّ بيّن عليه السّلام حكم ما لو توجّه دعواه على الوارث له فادّعى ماله منه، فقال عليه السّلام: لو لم يكن له البيّنة و الورثة منكرون للحقّ فيحلفون على عدم علمهم به فيسقط الدعوى من رأسه لا [من] حيث دعوى العلم عليهم فقط، بل ليس الحديث مشعرا بحيثيّة دعوى العلم- كما سنشير إليه- فلا يتوهّم أنّ حكمه عليه السّلام:

بأنّ له عليهم الحلف على نفي علمهم، بداهة أنّ ذلك خلاف ظاهر الحديث بل صريحه الّذي ليس إلّا توجّه الدعوى الاولى عليهم و هو مطالبة حقّه، فحكم عليه السّلام بأنّه يحلفون على نفي العلم المترتّب على ذلك قهرا سقوط المدّعى به.

و بالجملة لا إشكال في ظهور الحديث و دلالته على ما عليه المشهور من أنّ الدعوى على الوارث لمّا كان متعلّقا بحقّ الغير، فيكفي في سقوطها الحلف


1) في وسائل الشيعة: بما.

2) في وسائل الشيعة: و ليردّ.

3) وسائل الشيعة: 18/ 406 الحديث 23940.

على نفي العلم، و لا يعتبر فيه البتّ على نفي الحقّ الواقعي.

كما عرفت أنّه المستفاد من الحديث الّذي كان مدلوله أنّ مع إنكار الورثة الّذي يكون متعلّقه الحقّ لا دعوى العلم، فقال الإمام عليه السّلام: أنّ الورّاث يحلفون على نفي علمهم (1)و بذلك يظهر بطلان التوهّم المذكور جدّا، و يتمّ مدرك المشهور أيضا، و لكن ليس فيه إشعار من أنّ توجّه الدعوى على الوارث يعتبر فيه دعوى العلم، بل عرفت ظهوره في خلافه (2)، فلم يثبت للمشهور من الجهة الثانية دليل خاصّ يرفع اليد به عن القواعد، و خلاف الشيخ و غيره- قدس اللّه أسرارهم- في المسألة واضح، فلم ينعقد إجماع فيها أيضا، فكيف يمكن الأخذ بفتواهم و مخالفة القواعد؟!

ثمّ إنّه بعد أن اتّضح لك مدرك ما أفتى به الأصحاب، من أنّه قد استثنوا من يمين البتّ اليمين على نفي فعل الغير، و أنّه لا يرد عليهم ما اعترض من أنّ الاستثناء في غير محلّه، إذ على كلّ حال يعتبر في ما يحلف عليه من المدّعى به البتّ، إلّا أنّه قد يكون هو العلم بفعل الغير و قد يكون نفس الحقّ، إذ قد عرفت أنّ غرضهم من الاستثناء هو بالنسبة إلى الحقّ الّذي يكون متعلّقا بالغير، فلا يعتبر فيه الحلف بتّا على نفيه، بل يكفي في إسقاطه اليمين على عدم العلم به، لا من جهة سقوط دعوى العلم عليه.

و لكنّك عرفت أنّ المدرك مختصّ في الدعوى على الوارث، و لمّا استفاد


1) وسائل الشيعة: 18/ 406 الحديث 23940. نقله بالمعنى.

2) كما استفاد صاحب «الجواهر» و استظهره في باب الرهن أيضا (جواهر الكلام: 25/ 273).

الأصحاب منه المناط و هو أنّ سبب الاكتفاء بنفي العلم في الوارث لمّا كان تعلّق الحلف و الدعوى على عمل الغير فتعدّوا إلى مطلق الموارد الّتي تكون كذلك، الّتي منها الدعوى على المولى لجناية عبده، و كذلك على الصغير الّذي صار كبيرا للدعوى على فعل وليّه في حال صغره، و أمّا التعدّي منه إلى الموكّل للدعوى عليه بفعل وكيله فمشكل، إذ الوكيل إنّما هو بدن تنزيليّ للموكّل، ففعله بمنزلة فعل نفسه و كذلك البهيمة الّتي بمنزلة الآلة لصاحبها فيضاف ما صدر منه إلى نفسه لعدم شعورها، فتأمّل جيّدا!

فروع:
الأوّل: أنّه بعد أن يثبت أنّ اليمين على نفي العلم إذا كان متعلّقا بفعل الغير يسقط الدعوى رأسا،

و أنّه لا فرق بينه و غيره في أنّ اليمين ذهبت بما من الحقّ، فحينئذ هل يترتّب على هذا اليمين سائر الآثار مثل أنّه لا يجوز للمدّعي لو كان في الواقع ذا حقّ المقاصّة كما في سائر الأيمان، أم يجوز و يكون حال هذا اليمين حال البيّنة الّتي لا يجوز ردّ الحكم بها ظاهرا؟

هذا مبنيّ على أن يستفاد من الروايات أنّ اليمين يذهب بما من الحقّ الواقعي و لو لم يتعلّق اليمين به، فإن قلنا به فيتمّ الوجه الأوّل، و إن لم نقل به و بنينا على أنّ اليمين يذهب نفس ما وقعت عليه، فالمفروض أنّه ما وقعت إلّا على نفي العلم.

و أمّا أنّ الشارع رتّب عليه أثر ما تعلّقت بنفي الحقّ، فلا يثبت به الآثار الاخر، لما عرفت من أنّ الحكم مخالف للقاعدة، فلا وجه للتعدّي عن مورد النصّ؛ و هذا الاحتمال أقوى، لظهور انصراف الأخبار إلى الذهاب باليمين نفس

ما تعلّق به الّذي قد عرفت هو العلم، فحال هذا اليمين حال اليمين المنضمّ إلى الشاهد الواحد، فافهم و تأمّل!

الثاني: إنّه لو ردّ الوارث و نحوه هذا اليمين إلى المدّعي فحلف على علمه به، هل يثبت به ما كان ينفي بحلف الوارث من الحقّ الواقعي،

أم لا يترتّب عليه إلّا بأن يحلف المدّعي على ثبوت نفس الحقّ؟

الثاني هو المتعيّن، لما عرفت من أنّ هذا الحكم مخالف لما تقتضيه القاعدة و العمومات، و إنّما التزموا به في اليمين على فعل الغير للدليل الخاصّ، و غاية ما دلّ عليه ذاك الدليل، و نزل الحلف كذلك منزلة الحلف على عدم الحقّ هو بالنسبة إلى الحالف بنفسه، و أنّه يترتّب عليه أثر الحلف على نفي الحقّ إذا حلف الوارث و أمثاله.

و أمّا أنّه يترتّب عليه و لو ردّ فلم يستفد منه؛ فلا بدّ من الجري فيما لو ردّ على مقتضى القواعد، كما أنّه لا يمكن استفادة التعميم من العمومات الدالّة على اليمين المردودة (1)بأن يقال إنّه لمّا كان لما يدلّ على أنّ للمنكر ردّ الحلف إطلاق، و أنّه بحلف المدّعي يثبت كلّ ما ينفى بحلف المنكر، ففي ما نحن فيه المنفيّ بحلف المنكر هو نفس الحقّ لا العلم به فقط، فكذلك يثبت الحقّ لو ردّ و حلف المدّعي، فتأمّل!

الثالث: هل يكتفى بهذه اليمين في نفي المدّعى به لو كان عينا؛ أم يختص الحكم بالدين؟

فقد يقوّى الثاني؛ لاختصاص مورد الحديث بالدين المأخوذ به الرهن، و الحكم مخالف للقاعدة فلا محيص عن الوقوف على مورد النصّ و لا


1) و بهذا التقرير ظهر وجه الاحتمال الأوّل الّذي لا يخلو عن قوّة، «منه رحمه اللّه».

يجوز التعدّي عنه، و لكن لمّا ثبت التعدّي عن مورده في الجملة لاستفادة المناط؛ فكذلك يمكن استفادة المناط من هذه الجهة أيضا، أي مطلق ما لو كان المدّعى به المتعلّق بفعل الغير عينا كان أم دينا، و استظهار المثال من الدين لعموم لفظ الحقّ و المال الواقعين في الحديث، فمن ذلك يمكن ترجيح القول بالاحتمال الأوّل، فتدبّر!

الرابع: لو أنكر الحقّ نفسه من له الحلف على نفي العلم لا عدم العلم به،

هل يتعيّن عليه حينئذ الحلف على نفس ما أنكر، أم يكفيه الحلف على نفي علمه؟ كما لو كان ما أنكره هو علمه الّذي يستظهر من الحديث هو تعيّن الأوّل، إذ مصبّ قول الإمام عليه السّلام بأنّ له عليهم الحلف (1).. إلى آخره، هو ما لو تعلّق إنكارهم على علمهم بالحقّ، فحينئذ الاكتفاء بحلفه كذلك، و لو كان إنكاره تعلّق بأصل الحقّ لا يستفاد منه.

فعلى مقتضى القاعدة؛ عليه الحلف على نفس ما أنكر، و إن قلنا: إنّ ظاهر الإنكار تعلّقه بالحقّ أو كون الحديث عامّا يشمل الصورتين فله التخيير، فتأمّل! فإنّ استظهار الوجه الأوّل من الحديث كما أنّ إطلاق المنكر على من أجاب ب: لا أدري (2)في غاية البعد و الإشكال.

و صاحب «الجواهر» إنّما رجّح الأوّل (3)لعدم تمسّكه في المسألة بما


1) وسائل الشيعة: 18/ 406 الحديث 23940. نقله بالمعنى.

2) كما أنّ في «الجواهر» حمل قول الأصحاب باعتبار البتّ في اليمين على ما لو صدق عنوان المنكر على المدّعى عليه (جواهر الكلام: 40/ 211 و 212) و قد رأى تسالمهم على عدم صدقه لو أجاب بنفي علمه بالحقّ. «منه رحمه اللّه».

3) جواهر الكلام: 40/ 213 و 214.

استدللنا به من الحديث، و بعد البناء على التمسّك به، و هو لو لم نقل بكونه ظاهرا في إنكار نفس الحقّ خاصّة لا أقلّ من ظهوره في العموم، فالأقوى هو الاحتمال الثاني.

الخامس: أنّه لا إشكال في أنّ اليمين المزبور يسقط الحقّ الواقعي بالنسبة إلى الوارث الّذي هو المدّعى عليه،

لا أن يسقطه مطلقا حتّى بالنسبة إلى المورّث، فله أن يوجّه الدعوى إلى الميّت، ضرورة أنّ المنكر لو حلف على ما أنكره لمدّع خاصّ لا يثبت ذلك تملّك المدّعى به له، بحيث لا سبيل لأحد غير المدّعي الفعلي أن يدّعيه في واقعة اخرى، بل أنّ غاية ما يثبت بحلفه إسقاط دعوى المدّعي الفعلي فكذلك حلف الوارث، و أمّا إنّ منشأ الدعوى على الوارث هو حقّ الميّت لا يوجب ذلك حقّ الدعوى بالنسبة إليه، إذ طرف الدعوى هو الوارث و المنشأ لا مدخليّة له في ذلك، فإنّ مناط سقوط الدعوى هو المتوجّه إليه فعلا، كما لا يخفى.

[الثانية] الدعوى على المملوك

الثانية؛ (1)و هي: و ممّا يتفرّع على البحث السابق هو الدعوى على العبد، و في «الشرائع»: (إذا ادّعي على المملوك فالغريم مولاه) (2).

و المراد من العبارة يظهر بعد ذكر صور الدعوى، و الّذي يتصوّر لهذه المسألة صور أربع، و حكمها على حسب مقتضى القواعد يظهر بعد بيانها.


1) أي المسألة الثانية، و المسألة الاولى تقدّمت في الصفحة: 271 من هذا الكتاب.

2) شرائع الإسلام: 4/ 90- 91.

و أمّا الأربع؛ فلأنّه إمّا أن يجعل طرف الدعوى المولى، و إمّا أن يجعل شخص العبد طرفا لها.

و في الأوّل؛ إمّا أن يوجّه الدعوى عليه بنحو لا يتعلّق بفعل الغير و هو العبد، كأن يقول: إنّي أستحقّ عبدك أو رقبته لأنّه فعل كذلك، فعليه يكون المولى هو المنكر، و يجري حينئذ جميع موازين القضاء، فلو أنكر المولى المدّعى به- و هو استحقاقه العبد- فلا بدّ أن يحلف على نفيه بتّا، و لا يكفيه الحلف على عدم علمه به، لأنّ ذلك- أي علمه به- لم يكن هو المدّعى به مستقلّا و لا ضمنا، إذ لم يكن المدّعى به إلّا استحقاقه عبده أو ما في يده الّذين هما ماله، و لا يتعلّق الدعوى بفعل الغير أيضا، و لا يضرّ بكون طرف الدعوى المولى نفسه و عدم تعلّقها بفعل الغير أيضا كون منشأها و استحقاقه هو ما يرجع إلى عمل الغير.

ضرورة؛ أنّه يكون ذلك كما إذا توجّه الدعوى إلى الوارث نفسه، و لو كان منشئوه هو الاستحقاق عن المورّث، فكما أنّ فيه لا يكتفى بحلف الوارث على عدم علمهم بالاستحقاق لكون نفسه المدّعى عليه و العمل أيضا له، بل و لا يحتاج حينئذ إلى اليمين الاستظهاري، و ليس ذلك إلّا لأنّ المناط في الحلف البتّي هو كون الشخص طرفا للدعوى بنفسه أو غيره و يكون هو المطالب، و ذلك يختلف باختلاف أنحاء توجيه الدعوى، فكذلك في المقام الّذي فرض كون المولى هو المدّعى عليه و المطالب، فلو نكل عن الحلف البتّي يجري أحكام النكول أيضا.

و إمّا أن يوجّه الدعوى عليه بنحو يرجع إلى عمل الغير و هو العبد، بأن يدّعي عليه أنّ عبدك جنى عليّ كذلك، أو أتلف و غصب المال الفلاني فأنا أستحقّ رقبته، أو المال الّذي بيده، ففي هذه الصورة لمّا كانت الدعوى متعلّقة

بفعل الغير فيجري أحكام الدعوى المتعلّقة بعمل الغير من الاكتفاء باليمين النفي العلمي و غيره، كما هو واضح.

و في الثاني، فإمّا أن يدّعى على العبد، بأن يقال: إنّي أستحقّ رقبتك أو ما في يدك، فحينئذ فلمّا يكفي في كون الشخص طرفا للدعوى، و قابليّته لأن يصير ما في يده قابلا لأن يدّعي به كون المال تحت يده و سلطنته عليه في الجملة، بأن يكون له القلب و الانقلاب فعلا، و لو بأن يكون مأذونا فيه و نحوه، فيكون العبد نفسه هو المدّعى عليه، فإن أقام المدّعي بيّنة فيأخذ ما في يده، و إلّا فعلى العبد الحلف لو أنكر عدم استحقاقه و لو لم يكن إقراره نافذا لو أقرّ، لأنّه إقرار في حقّ الغير.

فإن حلف فيسقط الدعوى رأسا، و إن لم يحلف و ردّ و حلف المدّعي فحينئذ فإمّا أن نقول بكون اليمين المردودة بمنزلة إقرار المدّعى عليه فلا يؤثّر هذا الحلف شيئا، لأنّ الإقرار في حقّ الغير بنفسه لا ينفذ فكذلك ما هو بمنزلته.

و إن قلنا: بأنّها بمنزلة البيّنة الّتي يقيمها الحالف الّذي هو المدّعي، فيثبت بذلك الحقّ و يستحقّ المحلوف، و إن جعلنا هذا اليمين ميزانا مستقلّا- كما هو التحقيق- فلا بدّ من أن يرجع إلى ما تقتضيه الاصول و القواعد في المسألة.

المقصد السابع: في بعض مسائل متعلّقة بالدعوى

اشارة

[الأولى] الدعوى في الحدود

اشارة

الاولى: قال في «الشرائع»: (لا تسمع الدعوى في الحدود مجرّدة عن البيّنة) (1).. إلى آخره.

و ذلك لأنّه يشترط في الدعوى أن يكون ملزما للطرف بحقّ متعلّق بالمدّعي حتّى يثبت ذلك بالبيّنة أو ينفى باليمين، و الحدود ليست كذلك، بل هي حقوق للّه تعالى، و هو قد رفع [عليه السلام] اليد عن حقّه [تعالى] هذا بقوله [عليه السّلام]: «تدرأ الحدود بالشبهات» (2)فليس للآدميّ في ذلك حقّ حتّى يكون في مقام إثباته.

فعلى هذا يكون الاستثناء في المقام- أي عدم سماع الدعوى إلّا بالبيّنة- مستثنى منقطعا، بمعنى أنّه ليست البيّنة موجبة لاستحقاق المدّعي هذه الدعوى، فيكون دعواه مع البيّنة متوجّها، بل إنّ بالبيّنة يثبت موجب الحدّ و استحقاق من قام عليه الحدّ عند الحاكم، كما لو علم به، و إلّا فعلى كلّ حال ليس هذه الدعوى حقّا للآدمي.

هذا؛ فيما لو كان سبب الحدّ حقّا خالصا للّه تعالى، و أمّا لو كان مشتركا بينه و بين الآدمي، مثل القذف، بناء على كون حدّ القذف للآدمي، و مستحقّه هو أي


1) شرائع الإسلام: 4/ 91.

2) وسائل الشيعة: 28/ 47 الحديث 34179، مع اختلاف يسير.

المقذوف، فحينئذ إمّا أن يكون الطرف منكرا له رأسا و لا بيّنة، فمقتضى القواعد الاكتفاء بيمين المدّعى عليه في نفي الحدّ عنه، و إمّا أن لا يكون كذلك، بل القذف محقّق و إنما يدّعي القاذف للزنا- مثلا- أنّه ما قذف في قوله: «يا زاني!» بل إنّما أخبر في ذلك عن الواقع، فالطرف مستحقّ لحدّ الزنا.

و الظاهر كون كلام الشيخ رحمه اللّه و الأصحاب (1)في هذه الصورة.

فحينئذ مقتضى قاعدة: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2)هل توجّه اليمين إلى الطرف ليثبت حقّ حدّ القذف للمقذوف، أم ليس له ذلك؟

فإن قلنا: إنّ حقّه متوقّف على عدم وجود ما يقذف به واقعا، بمعنى أنّ استحقاق القاذف لحدّ القذف بالزنا- مثلا- موقوف على عدم صدور الزنا عن المقذوف واقعا، فلا بدّ من أن يحلف المقذوف على عدم صدوره عنه حتّى يثبت له على القاذف حدّ القذف.

و إن قلنا: إنّه ليس كذلك بل استحقاقه إنّما هو متوقّف على ثبوته ظاهرا، كما هو ظاهر الآية المباركة و هي قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ (3).. إلى آخره، فلا يحتاج إلى اليمين، ضرورة ثبوت استحقاقه و موجب الحدّ بصدور القذف مع عدم البيّنة المثبتة بها ما يرفع به ذاك الحدّ.

و على الثاني لو قيل بأنّ أصالة عدم ثبوت الحقّ للمقذوف على القاذف فلمّا يصير قوله موافقا للأصل حينئذ؛ فله اليمين حتّى يرتفع عنه الحدّ، و إن لم


1) المبسوط: 8/ 215- 216، الدروس الشرعيّة: 2/ 93، مسالك الإفهام: 13/ 497- 498.

2) عوالي اللآلي: 2/ 345 الحديث 11، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

3) النور (24): 4.

يثبت بيمينه ذلك على صدور الزنا عن الطرف استحقاقه حدّ الزنا بل ما يترتّب على ذلك نفي الحقّ الآدمي عنه، فلمّا يستحقّ الحلف عليه و توجّه إليه اليمين ليرتفع عنه الحدّ، فلو لم يحلف حينئذ و ردّ اليمين على المقذوف فحلف فيستحقّ الحدّ، و إلّا فلا، و لعلّ نظر صاحب «الجواهر» قدّس سرّه الّذي يعبّر في المقام- عند شرح قول المحقّق رحمه اللّه و هو أنّه: (قال الشيخ في المبسوط: يحلف) (1)- عن هذا الحلف باليمين المردودة (2).

و قد عرفت أنّه لا يتمّ ذلك إلّا على التقريب الّذي بيّناه، و أنت خبير بفساد المبنى، إذا الشكّ في استحقاق القاذف الحدّ و عدمه لمّا كان ناشئا عن الشكّ في صدور العمل المنتسب إلى المقذوف من الزنا و نحوه، فيدخل في مسألة الشكّ السببي و المسبّبي، فحينئذ لمّا لا مانع من إجراء الأصل في السبب- و هو أصالة عدم صدور الفعل عن المقذوف- فلا تصل النوبة إلى إجراء الأصل في المسبّب- أي عدم استحقاق القاذف الحدّ- فيكون قول المقذوف موافقا للأصل و هو المنكر من أوّل الأمر و القاذف المدّعي، فلمّا لم يكن له البيّنة فيستحقّ الحدّ بمقتضى الآية الشريفة.

و أمّا أنّه على هذا هل يستحقّ هو الحلف على المقذوف، أم لا؟ فقد قلنا:

إنّه مبنيّ على أن نقول: إنّ استحقاقه الحدّ من آثار عدم صدور الفعل عن المقذوف واقعا، لا عدم ثبوته و لو ظاهرا، و هو خلاف التحقيق، إذ بمقتضى الأدلّة كونه من آثار عدم الثبوت بمقتضى القاعدة عدم استحقاق القاذف لأن يحلف


1) شرائع الإسلام: 4/ 91، انظر! المبسوط: 8/ 215.

2) جواهر الكلام: 40/ 257.

المقذوف، بل بنفس ثبوت القذف مع عدم البيّنة يثبت عليه الحدّ.

فانقدح ممّا ذكرنا أمران:

الأوّل: كون عدم سماع الدعوى في الحدود و عدم توجّه اليمين فيه إنّما هو مقتضى القواعد،

لا أن يكون حكما مخالفا للأصل، بل قاعدة: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1)لمّا كانت مسوقة لبيان أنّ إثبات الحقّ و نفيه موقوف عليهما، فما لم يثبت بهما حقّ ملزم بهما، فلا مجال لجريانها، و كذلك مجرى جريان اليمين هو فيما إذا كان الأثر المترتّب على نفي ما حلف عليه، كان من آثاره عدمه واقعا.

و أمّا فيما لم يكن كذلك- كما عرفت أنّ مسألة حدّ القذف من هذا القبيل لكون الحدّ مترتّبا على صدور القذف، و عدم ثبوت العمل المقذوف به- فلا سبيل في مثله لجريان اليمين.

نعم؛ لو قلنا: إنّ حدّ القذف من آثار عدم ثبوته واقعا، و مع ذلك لا يمين على المقذوف فيكون هذا الحكم مخالفا للقواعد و عمومات الباب، و لا بدّ من تخصيصها به، و لمّا عرفت أنّه خلاف التحقيق، فظهر أنّ كلا الأمرين- أي عدم سماع أصل الدعوى في الحدود و عدم توجّه اليمين فيما لو سمع لاشتراك الحقّ بين الآدمي و الإلهي كحدّ القذف- موافق لعمومات الباب و لا تخصيص في البين.

فعلى هذا؛ الأخبار الدالّة على أنّه: «لا يمين في حدّ» (2)تكون مؤكّدة لما تقتضيه القواعد، لا أن تكون مفادها حكما مخالفا معها.


1) تقدمت الإشارة إلى مصادرها في الصفحة: 288 الهامش 2.

2) وسائل الشيعة: 28/ 46 الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود.

نعم؛ لو قلنا: إنّ الأخبار تشمل الصورة الاولى- أي ما كان أصل وقوع القذف مشكوكا فيه الّتي قد عرفت أنّ مقتضى القواعد فيها هو إحلاف منكر القذف- فيكون هذا الحكم المستفاد منها مخالفا للقواعد، و سنشير إلى ما يستظهر من الأخبار.

فكيف كان؛ فما حكي عن الشيخ قدّس سرّه في المقام من أن يحلف المقذوف حتّى يستحقّ الحدّ على القاذف (1)لا وجه له، و ما أفتى به المشهور هو الّذي تقتضيه الأدلّة الخاصّة و العامّة.

الثاني: إنّ ما وجّه به صاحب «الجواهر» كلام الشيخ

حيث عبّر عن الحلف الواقع في قول المحقّق عند نقله كلام الشيخ باليمين المردودة و أضاف لفظ الردّ على اليمين (2)لا يتمّ ذلك أيضا، و لا يكون هذا التوجيه موافقا لا للأدلّة العامّة و لا للأدلّة الخاصّة، و أمّا الأخبار الخاصّة، فعلى حسب ما نقله في «الجواهر» (3):

أحدها: ما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أتى رجل أمير المؤمنين عليه السّلام برجل، فقال:

هذا قذفني و لم تكن له بيّنة، فقال: يا أمير المؤمنين استحلفه، فقال عليه السّلام: «لا يمين في حدّ» (4).

ظاهر الحديث هو أنّه لمّا نفى المقذوف البيّنة للقاذف لما قذف به من نسبة الزنا- مثلا- و طلب من أمير المؤمنين عليه السّلام أن يستحلفه- على ما نسب- فنفى


1) حكى عنه في مسالك الإفهام: 13/ 497، انظر! المبسوط: 8/ 216.

2) جواهر الكلام: 40/ 257.

3) جواهر الكلام: 40/ 258- 259.

4) وسائل الشيعة: 28/ 46 الحديث 34176.

اليمين عنه عليه، و هذا هو الموافق لما بيّنا من أنّه ليس للقاذف الحلف حتّى يسقط عنه الحدّ، بل بمجرّد ثبوت القذف يستحقّ الحدّ و لا رافع له سوى البيّنة.

يحتمل أن يكون المراد منه هو أنّ المقذوف يقول: إنّ القاذف ينكر القذف مع أنّه لا بيّنة له، فاستحلفه على إنكاره فقال عليه السّلام: «لا يمين في حدّ» و على هذا يكون الحديث مسوقا لبيان حكم الصورة الاولى، و الحكم المستفاد منه مخالف لقاعدة «البيّنة و اليمين» كما لا يخفى.

ثانيها: عموم قوله عليه السّلام: «لا يستحلف صاحب الحدّ» (1)الّذي يكون الظاهر كون هذه الجملة ذيل رواية الاولى على نقل آخر، و الاحتمال الثاني في الحديث الأوّل أقوى هنا، إذ ظاهر «لا يستحلف» هو أنّ مقتضى الحلف موجود و مع ذلك لا حلف، فينطبق حينئذ على ما قلنا من صورة إنكار القاذف أصل القذف حتّى يكون فيه مقتضى الحلف.

ثالثها: أنّ رجلا استعدى عليّا عليه السّلام، [على رجل] (2)فقال: إنّه افترى عليّ، فقال [عليّ عليه السّلام] 3 للرجل: «فعلت ما فعلت؟» فقال: لا، فقال عليه السّلام للمستعدي:

«أ لك بيّنة؟» فقال: ما لي بيّنة فأحلفه، فقال عليه السّلام: «ما عليه يمين» (3).

هذا الحديث- ظاهرا- فيما لو كان أصل القذف مشكوكا فيه، فلو حملناه على بيان حكم ما لو كان أصل القذف ثابتا و يكون المراد منه حلف القاذف على ما قذف به ليرتفع عنه الحدّ، فالقضيّة تصير من باب السالبة بانتفاء الموضوع (4)، و هي خلاف الظاهر؛


1) وسائل الشيعة: 28/ 46 الحديث 34177.

2) ما بين المعقوفين أثبتناه من وسائل الشيعة.

3) وسائل الشيعة: 28/ 46 الحديث 34178.

4) لأنّ القاذف مدّع فلا يمين عليه رأسا. «منه رحمه اللّه».

أو يحمل على حلف المقذوف لنفي ما نسب إليه مثل الزنا حتّى يستحقّ الحدّ على القاذف- كما هو ظاهر متن المحقّق فيما ينقله عن الشيخ (1)- أيضا خلاف مقتضى أدلّة القذف، فإنّ استحقاق الحدّ على ما يستفاد منها مترتّب على صدور القذف و عدم ثبوت المقذوف ظاهرا لا عدمه واقعا حتّى يحتاج إلى الحلف.

و بالجملة؛ لمّا كانت ظاهر القضايا أنّها السالبة بانتفاء المحمول لا الموضوع فالتحقيق حمل هذه الأخبار على بيان حكم الصورة الاولى، أي ما لو لم يكن أصل القذف ثابتا حتّى تصير موافقا مع ما هو الأصل في القضايا، فافهم فتأمّل في المقام و استقم!

الثانية: لو كان للمدّعي بيّنة فأعرض عنها و طلب اليمين من المنكر، فهل أصل إعراضه هذا إسقاط لحقّه أو لا،

بحيث لا يكون له الرجوع و إقامة البيّنة بعده و لو قبل تحقّق اليمين، أم ليس مطلق رفع اليد عن إقامة البيّنة إسقاطا للحقّ، بل هو محتاج إلى النيّة و الإنشاء؟

و ثانيا: أنّ مسألة إقامة البيّنة للمدّعي هل هي من الحقوق حتّى تكون قابلة للإسقاط، أم هي حكم شرعي جعل لمن يريد إثبات حقّه و أخذه فليس قابلا له؟

أمّا الأوّل؛ فلا إشكال في أنّ الإعراض المطلق ليس إسقاطا، لأنّه لمّا كان من الامور الإنشائيّة فليس مطلق رفع اليد عن إجراء الحقّ إسقاطا له، بل هو يتوقّف على النيّة، كما في باب الخيارات مثلا، فإنّه بناء على عدم فوريّة الخيار


1) شرائع الإسلام: 4/ 91، جواهر الكلام: 40/ 257.

فذو الخيار لو أخّر الأخذ به و تصرّف في المبيع أو الثمن- مثلا- لا يدلّ ذلك على سقوط خياره.

و بالجملة؛ فلو لم نقل باحتياج الإسقاط- كما في مطلق الإيقاعات- إلى لفظ خاصّ لا أقل من احتياجه إلى القصد و الإنشاء، و إلّا فالإقدام على ما يضادّ إجراء الحقّ مثل الرضا باليمين ليس مسقطا له.

و أمّا الثاني؛ محلّ الإشكال فيه مبنيّ على أن يثبت كون إقامة البيّنة من الحقوق، أو ينفى ذلك بعمومات الباب مثل: «البيّنة على المدّعي ..» (1)إلى آخره و غيرها، عدم كونها منها بأن يقال بعد الإسقاط لمّا يصدق عليه عنوان المدّعي، فعلى مقتضى هذه العمومات أيضا له إقامة البيّنة ما لم يحلف المنكر، و كلا الأمرين محلّ إشكال.

أمّا إثبات كونها من الحقوق حتّى يكون قابلا للإسقاط، موقوف على دليل مثل الإجماع و نحوه، و هو مفقود في المقام بل الإجماع على العكس محقّق أو منقول.

و أمّا الثاني؛ فأيضا لا سبيل إليه، ضرورة أنّ ثبوت هذا الحقّ له ليس دائرا مدار صدق العنوان، بل لو كان لمدّعي هذا الحقّ بأنّ له إقامة البيّنة فوظيفته ذلك، و أمّا مع احتمال سقوطه و الشكّ فيه فببركة تلك العمومات لا يمكن إثباته له، إذ العمومات مطلقا مسوقة لبيان الحكم و ليست متكفّلة لإثبات موضوعها، بل لا بدّ من ثبوته من الخارج، فإذا سقط الأمران فالمرجع الأصل العملي، و هو في المقام الاستصحاب، فيستصحب بقاء الوظيفة له بعد الإسقاط، كما في مطلق موارد


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم.

الشكّ في كون الشي‌ء حقّا حتّى يكون قابلا للإسقاط، أو حكما فلا يكون قابلا له، فتأمّل جيّدا!

[الثالثة] الدعوى بلا معارض

اشارة

الثالثة: في «الشرائع»: (لو ادّعى صاحب النصاب إبداله في أثناء الحول) (1).. إلى آخره.

ذكروا في المقام فروعا مبنيّة على قواعد مسلّمة عندهم، مثل سماع الدعوى بلا معارض، و دعوى الأمين، و من ملك شيئا ملك الإقرار به، و غيرها (2)، فينبغي البحث في تلك القواعد حتّى يظهر الحال فيما تفرّعوا عليها.

فنقول- بعون اللّه تعالى- أوّلا: إنّ ما يقع في كلمات الفقهاء في موارد الاختلافات من أنّه يقبل قوله، قد يراد منه أنّه يقبل من جهة كون نفس قوله حجّة شرعيّة بحيث يكون الادّعاء مثبتا للحقّ كما في الدعوى بلا معارض.

و قد يراد منه أنّه يقبل قوله من جهة كونه موافقا للأصل و القاعدة، فيكون منكرا، فوظيفته اليمين- كما في جلّ باب الأمانات- كالمستودع الّذي يدّعي ردّ الوديعة أو تلفها بلا تفريط، فيكون المودع مدّعيا؛ لكون قوله مخالفا للقاعدة المستفادة من الحديث المعروف (3).

و تارة؛ يراد منه أنّه يسمع دعواه و لو قبل البيّنة حتّى يقيم بعده البيّنة- كما


1) شرائع الإسلام: 4/ 91.

2) جواهر الكلام: 40/ 263- 265، مسالك الإفهام: 13/ 500- 503.

3) وسائل الشيعة: 27/ 233 الحديث 33666، انظر! رياض المسائل: 5/ 520، مسالك الإفهام:

في مطلق الدعاوي- و هذا في مقابل دعواه الحدّ الّتي لا تسمع رأسا بلا بيّنة لانحصار إثبات المدّعى به فيه؛ بها و لا تصل النوبة باليمين أبدا، و من قبيل الثاني دعوى ذي اليد، سواء كانت له السلطنة المطلقة أو لا حتّى يدخل في قاعدة «من ملك» و يكون من موضوعاتها.

فقد اتّضح من ذلك الفرق بين تلك القواعد من حيث إنّ المراد من سماع دعوى بلا معارض كون دعواه حجّة شرعيّة، و يصدّق بها كلّ ما يدّعي، بلا طلب ميزان من البيّنة أو اليمين منه، و بالأخيرين هو أنّه يقدّم قول الأمين و كذلك مالك الشي‌ء و [من له] السلطان عليه فعلا على قول معارضهما و طرفهما في الخصومة، و يجعلان هما منكرا، فيطلب منهما اليمين و من الطرف البيّنة.

فهذا؛ هو المراد من سماع قول الأمين و ذي اليد، لا أن يكون قولهما حجّة شرعيّة، كما في الدعوى بلا معارض.

فعلى هذا إنّ بحث الدعوى بلا معارض خارج من باب القضاء رأسا، إذ هو قد عقد لبيان أحكام المخاصمات و كيفيّة الفصل، كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك؛ فنقول: أمّا الكلام في مسألة الدعوى بلا معارض ففي جهتين:

الاولى: في مدرك هذه القاعدة، فقد يستدلّ لها برواية (الكيس) (1)المشهورة، و سيأتي في كلام المحقّق قدّس سرّه (2)و نحن نتعرّض أيضا لتفصيله، إنّما الكلام الآن في أنّه يدلّ على المطلوب أم لا؟.


1) وسائل الشيعة: 27/ 273 الحديث 33758.

2) شرائع الإسلام: 4/ 109.

الانصاف أنّه لا يمكن أن يتمسّك بها و تجعل لما نحن فيه دليلا، إذ كما يحتمل أن تكون الجماعة الّتي وجدوا الكيس بينهم، فقال أحدهم: لي، و سكت الآخرون، فحكم الإمام عليه السّلام بكونه له، أن لا يكونوا ذوي يد على ذاك الكيس، و يكون حكمه عليه السّلام بتملّك المدّعي له من باب كون الدعوى بلا معارض، فيصير دليلا للمطلوب، كذلك يحتمل أن يكونوا ذوي يد عليه، فيصير منشأ حكمه عليه السّلام بتملّك المدّعي من جهة إقرار ذي اليد عليه، فيخرج عمّا نحن فيه، فتأمّل!.

و اخرى؛ يستدلّ بالرواية المرويّة عن الحسنين عليهما السّلام الّتي مضمونها أنّه لمّا أتاهما الفقير و سأل عنهما، فسألا عليهما السّلام عن وجه استحقاقه و كونه فقيرا حتّى يستحقّ من مال الفقراء، فلمّا ادّعى السائل الفقر فصدّقاه عليهما السّلام بإعطائه المال (1).

و بذلك قد استدلّ الفقهاء في باب الزكاة من أنّ الفقير يصدّق في دعواه الفقر مطلقا (2)، و لا يطلب منه البيّنة.

و هذا الحديث و إن كانت دلالته تامّة- و لذا اعتمد عليه الأصحاب- إلّا أنّه لا يثبت المطلوب [منه] مطلقا.

فأحسن ما يمكن أن يستدل به للقاعدة هو سيرة المتشرّعة، فإنّا لمّا نتفحّص في أبواب الفقه نرى أنّ بناء الفقهاء و المتشرّعة [على] أنّ من ادّعى شيئا إنّما يصدّق و يرتّب على دعواه الآثار.

مثل من ادّعى ملكيّة شي‌ء و لا معارض له، يعطون المال به و لا يجوّزون التصرّف لغيره فيه، و كذلك من ادّعى زوجيّة امرأة و لم يظهر منها الإنكار يرونها


1) وسائل الشيعة: 9/ 211 الحديث 11862.

2) أي و لو كان مستصحب المال. «منه رحمه اللّه».

زوجة له، بحيث يكون حراما على غيره تزويجها، و غير ذلك، مثل المدّعي لوقفيّة مال و نحوه، و كذلك استقرار بنائهم في باب الزكاة في تصديق مدّعي الفقر.

و هل استقرار تلك السيرة من جهة انتهائها إلى زمان المعصوم عليه السّلام بحيث استفيد رضاه عليه السّلام بها و عدم ردعه من تقريرهم عليهم السّلام، أو أنّهم استفادوا الحكم من الروايتين، أي حديث الكيس و [ما] بعده (1)و أمثال ذلك من الأخبار؛ فاستقرّت سيرتهم على ما استفادوا منها؟

و أمّا الإشكال الّذي أوردناه على الرواية الاولى، فهو يمكن دفعه بأنّهم استفادوا منها التعميم من مورد ذي اليد و غيره من جهة ترك الاستفصال.

فكيف كان؛ لا شبهة في استقرار السيرة في الجملة، و إنّما الإشكال في أنّهم قد خالفوا هذا الحكم في باب اللقطة؛ من كون ظاهرهم أنّ مدّعي اللقطة بأنّها ماله لا تعطى المال إليه إلّا بعد إقامته البيّنة، أو ذكر العلامة، ففي الأوّل يجب الردّ و يرتفع الضمان، و في الثاني يجوز و يوجب الضمان لصاحبه لو انكشف كون المال لغيره (2).

فعلى كلّ حال، التزموا في هذه المسألة على خلاف ما تقتضيه تلك القاعدة المسلّمة عندهم، و كذلك في باب الصيد لو ادّعى المصيد أحد، أو جاء طير في البيت بلا أن يكون لهما علامة و ادّعاه أحد؛ بنوا على عدم وجوب


1) وسائل الشيعة: 9/ 211 الحديث 11862، و 27/ 273 الحديث 33758.

2) المبسوط: 3/ 329- 330، المختصر النافع: 263، قواعد الأحكام: 1/ 199- 200 (ط. ق)، جواهر الكلام: 38/ 383- 385.

الإعطاء بالمدّعي إلّا بالبيّنة، ففي هذين الموضعين اللّذين عثرنا عليهما- و الظاهر عدم وجود مورد غيرهما- قد تحقّقت المخالفة للأصحاب لقاعدة «المدّعي» بلا معارض، و أمّا في غيرهما من أبواب المعاملات بالمعنى الأعمّ سوى الموارد الّتي سنشير إليها عدم الخلاف بينهما في الاعتماد على القاعدة و استقرار السيرة عليه.

و بالجملة؛ فأقوى ما يستدلّ به لتماميّة القاعدة و كونه لها المدرك هو السيرة الّتي هي الدالّة على المطلوب، و بها يمكن إجراؤها في الموارد المعروفة، و عدم اختصاصها بباب دون باب.

و أمّا الحديثان (1)فليسا كذلك، إذ موردهما مختصّ بباب الأملاك، فعلى مقتضاهما لا سبيل للتمسّك بالقاعدة في باب الحقوق، مثل دعوى الزوجيّة أو الرقيّة و غير ذلك، بخلاف السيرة فإنّها مستقرّة في جميع هذه الموارد.

نعم؛ أيضا هي غير جارية في بعض الأبواب مطلقا، و البحث في ذلك راجع إلى المقام الثاني، و هو أنّه بعد أن ظهر المدرك للقاعدة المذكورة و ثبتت حجّيّتها في الجملة، فيبقى البحث في مقدار حجيّتها، و أنّها في أيّ مورد تجري، و أين لا تجري؟

فنقول: إنّه ليس بناء الأصحاب على الاعتماد على تلك القاعدة في باب الطهارة و النجاسة و الهلال و الذبح و أمثال ذلك ممّا لا يختصّ الحقّ بأحد دون آخر، بل مشترك فيه جميع الناس، بل في هذه الموارد يقولون: إنّ إخبار أحد


1) أي حديث «الكيس» و الحديث المرويّ عن الحسنين عليهما السّلام، و تقدّما في الصفحة: 296 و 297 من هذا الكتاب.

عنها لمّا كان خبرا واحدا لا يعتمد عليه و لو كان المخبر عادلا، لاختصاص أدلّة حجيّة خبر الواحد بالأحكام، و لا تجري في الموضوعات.

فقد يستشكل لذلك: أنّه مع مخالفة الفقهاء في هذه الموارد و كذلك باب اللقطة، فكيف يمكن دعوى انعقاد السيرة على حجيّة القاعدة المذكورة؟

و الجواب عن ذلك؛ أمّا بالنسبة إلى غير باب اللقطة فهو أنّه إنّما ادّعيناه من السيرة بالنسبة إلى أبواب المعاملات من الأملاك و الحقوق، و أمّا بالنسبة إلى غيرها فلم يكن طرفا للدعوى، فخروج هذه الموارد لا ينثلم القاعدة بالنسبة إلى الموارد الّتي كان محلّ الكلام الاعتماد على القاعدة و حجيّتها فيها.

فالحاصل؛ أنّ القدر المتيقّن من السيرة و ضابط ما يستفاد بناء المتشرّعة على حجيّة الدعوى بلا معارض إنّما يكون في الموارد الّتي يكون الحقّ قائما بالطرفين، كما في باب دعوى الملكيّة أو الزوجيّة أو الرقيّة أو الوقفيّة و أمثال ذلك ممّا يكون الحقّ قائما بشخصين، و ليس لغيرهما دخل فيه، فإنّ من ادّعى ملكيّة شي‌ء سواء كان تحت يد أحد أو لم يكن و لم ينكره غيره و لم يعارضه في دعواه هذا، يحكم فعلا بحسب ظاهر الشرع أنّ المال للمدّعي.

كما أنّ من ادّعى زوجيّة امرأة و سكتت هي و لم يعارضه أحد أيضا في ذلك يحكم بكونها زوجة له، و يترتّب عليها آثارها بلا نكير ممّن هو من أهل الشرع من المسلمين، ما دام لم يتحقّق لدعواهما معارض فيه، و ليس دأبهم طلب اليمين أو البيّنة فيما يدّعيان، و كذلك غيرهما من الموارد الّتي ليس لغير الطرفين التعارض في ما يدّعيه المدّعي إلّا من باب الحسبة، لا من جهة أنّه ذو حقّ، كما يكون كذلك في مطلق الموارد الّتي يكون الحقّ قائما بالطرفين.

و هذه الموارد هي الّتي وقع التعبير عنها في كلمات الفقهاء بأنّ الحقّ لا يعدو عنهما، بحيث صار هذا ملاكا لسماع الدعوى و حجّة بلا بيّنة و يمين، و يكون من هذا القبيل مسألة دعوى الفقير فقره و استحقاقه للزكاة، فإنّ الحقّ فيه أيضا لا يعدو عن المالك و الفقير نوعا (1)، فتأمّل!.

و أمّا في غير هذه الموارد، كما في باب الطهارة و النجاسة و الذبح و الهلال ممّا لا يختصّ الحقّ بأحد، بل يشترك فيه جميع الناس و المسلمين، ففيها لمّا لم يحرز استقرار السيرة بل احرز خلافه، و البناء على عدم الاعتماد فيها على مطلق الدعوى بلا معارض، بل لا بدّ أن يكون فيها جهة الأماريّة، كأن يكون المدّعي ذا اليد أو يكون عادلا، و إلّا فلا يسمع الدعوى، و ليست بحجّة.

هذا بالنسبة إلى هذه الموارد المسلّمة، فكذلك كلّما شكّ في حجيّة الدعوى فيه لمّا لم يكن لنا إطلاق أو عموم يتمسّك به لمورد الشكّ؛ لكون السيرة دليلا لبّيّا لا محيص عن الوقوف على القدر المتيقّن منها، فالموارد المشكوكة حالها كسائر الدعاوي لا حجيّة لها ما لم يقم عليها البيّنة، لكون المفروض عدم دليل غيرها حتّى يمكن التشبّث به لها، فافهم و اغتنم!.

و أمّا الجواب بالنسبة إلى باب اللقطة و ما عرفت؛ ففيها قد التزموا على حكمين مخالفين للقاعدة.

أحدهما: ما يرجع إلى عدم التزامهم فيه على ما استقرّت عليه السيرة من حجيّة الدعوى بلا معارض في مطلق الموارد الّتي فيها الحقّ قائم بشخصين.

ثانيهما: هو الفرق بين ما لو ردّ المال إلى المطالب و المدّعي بالعلامة، فبنوا فيه على الضمان لو ثبت كون صاحبه غيره، و بين ما لو ردّ بالبيّنة فلا ضمان فيها.


1) لكونه لعموم الفقراء. «منه رحمه اللّه».

و قد اجيب عن الأوّل بأنّه فرق بين باب اللقطة و سائر الدعاوي الملكيّة، إذ اللقطة لمّا كانت أمانة في يد الواجد و عليه حفظها حتّى يوصلها بصاحبها، فما لم يصل بيد صاحبه هو ضامن، و لذلك بنوا على الضمان في اللقطة.

و فيه؛ أنّه كذلك يكون الزكاة، إذ هي مال للفقراء و أمانة في يد المزكّي حتّى يوصلها بمستحقّه، مع أنّهم بنوا فيه على سماع دعوى الفقير استحقاقه، فهذا ليس فارقا.

نعم؛ يمكن أن يجاب عنه بالفرق بين مسألة الزكاة و اللقطة؛ من جهة أنّ دعوى الفقير اتّصافه بالفقر لمّا لا ينافي به دعوى الآخر اتّصافه به، و لذا يصدّق بنفس الدعوى و لا يحتاج إلى بيّنة أو يمين؛ و أمّا في اللقطة، فليس كذلك؛ إذ دعوى الآخر تملّك المال ينافي دعوى المدّعي، كما لا يخفى؛ ففيها عدم دعوى الغير مناط، لا السكوت، بخلاف مسألة دعوى الفقير فإنّه يكفي فيها عدم إنكار الغير فقره و استحقاقه، و لكنّ ذلك أيضا كما ترى.

فالتحقيق في الجواب؛ هو إخراج باب اللقطة من السيرة المستقرّة في أمثالها ليس إلّا من باب التعبّد و انعقاد الإجماع على عدم الاكتفاء فيه بصرف الدّعوى، فتأمّل!.

و أمّا الجواب عن الثاني؛ هو أنّه يمكن أن يقال بأنّ بعد استكشاف أنّ الشارع حكم في باب اللقطة بما لم يحكم في غيره من الاحتياج إلى البيّنة و الردّ بدونها يوجب الضمان، فنتيجة ذلك تكون هو أنّ الأصل في باب اللقطة الضمان لو لم يعمل بالوظيفة المقرّرة من الشرع.

نعم؛ إذن الشارع أيضا بجواز الردّ بذكر العلامة، و لكن إذنه هذا ليس بحيث يكون مخصّصا للأصل في الباب، بل غاية ما يثبت من الإذن هو الحكم التكليفي فقط لا الحكم الوضعي، و هو ارتفاع الضمان الثابت باليد.

أقول: يمكن الجواب عن الأوّل بالفرق بين باب اللقطة و سائر المقامات المتعلّقة بدعوى الماليّة من حيث إنّ اللقطة إنّما يقدّم آخذها على الضمان، فيأتي بمال الغير تحت يده؛ فعليه أن يوصل المأخوذ إلى صاحبه، فما دام لم يصل إليه فهو ضامن، و لذلك يكره شرعا أخذه حتّى يمكن الدعوى بأنّ جوازه مشروط بشرط إيصاله إلى صاحبه، و هذا بخلاف الزكاة مثلا، فإنّه ما أقدم على ضمان بل إنّما اشتغلت ذمّته بدين لأشخاص موصوفين بعنوان خاصّ و هو الفقر، فتدبّر!.

هذا ملخّص ما استفدنا من مقالاته- دام ظلّه- في ما يتعلّق بمسألة دعوى بلا معارض.

ثمّ قال- دام ظلّه-: لا يخفى أنّ الحقوق على قسمين:

أحدهما: ما ليس أمرا ربطيّا كتملّك شي‌ء لشخص، فإنّ الملكيّة و إن كانت أمرا إضافيا إلّا أنّ الإضافة أمر انتزاعي فيه.

ثانيهما: ما يكون حقيقته الربط، مثل الزوجيّة و مطلق الانتساب.

ففي الأوّل بناء الأصحاب على الاكتفاء بالدعوى في الحكم بالتملّك و أمثاله.

و أمّا في الثاني فبناؤهم على الاحتياج بتصديق الطرف في الحكم بالزوجيّة، و كذلك في النسب إلّا في دعوى بنوّة الصغير فاكتفوا فيه بصرف الدعوى (1)للنّص (2)، فافهم!.


1) جواهر الكلام: 38/ 199 و 200 و 212 و 213، مفتاح الكرامة: 6/ 94.

2) وسائل الشيعة: 26/ 270 و 271 الباب 6 من أبواب ميراث ولد الملاعنة.

دعوى ذي اليد

القسم الثاني: ممّا يعتبر فيه الدعوى باعتبار المعنى الثاني هو قول ذي اليد.

و الكلام في ذلك تارة في آثار أصل اليد، و اخرى في اعتبار قول صاحبها.

أمّا البحث في الأوّل؛ فنقول: لا شبهة في أنّه ليس المراد باليد هي الجارحة المخصوصة، بل المراد بها الاستيلاء و السلطنة على الشي‌ء، و هما يختلفان بحسب الموارد، إذ قد يكون الشخص سلطانا على أصل رقبة الشي‌ء، و قد يكون سلطانا على منافعه- كما في المستأجر- و قد يكون سلطانا على حفظه، و قد يكون سلطانا بحيث ملك إن يملك، كصاحب الشبكة الموضوعة للصيد، ففي كلّ هذه الموارد يكون الشخص ذا يد على العين و مستول عليها.

ثمّ إنّه لا خفاء في أنّ من آثار اليد كشفها عن كون السلطنة التامّة لصاحبها عليها، و لا خصوصيّة لأحد هذه المراتب أن يكون اليد كاشفة عن مرتبة دون اخرى، بل ظاهرها هو الكشف عن أعلى مراتب السلطنة و هو الاستيلاء على أصل الرقبة، و لا يحتاج ذلك إلى ضمّ قول و دعوى إليها حتّى تتمّ دلالته عليها، بل نفس اليد دالّة على تمام الاستيلاء؛ ضرورة أنّه يجوز الشهادة بذلك- أي تملّك ذي اليد لما استولى عليه- بلا أن يدّعي ذلك حين استيلائه عليه، كما يستفاد ذلك من أخبار اليد، حيث قال عليه السّلام في رواية حفص: «و إلّا لما قام للمسلمين سوق» (1).


1) وسائل الشيعة: 27/ 292 الحديث 33780.

و بالجملة؛ لا إشكال في أنّ المستفاد من أدلّة اليد- كما عليه الأصحاب أيضا- دلالتها على كون المستولى عليه ملكا تامّا للمستولي؛ فحينئذ، لو ادّعى ذو اليد تملّكه لما في يده المراتب النازلة من السلطنة التامّة، كما لو ادّعى كون العين مستأجرة أو وديعة عنده، أو غير ذلك من المراتب النازلة، فليس أن يكون قوله حجّة لما يدّعيه الموجب لعدم جواز انتزاع المال من يده.

بل إنّما قوله لمّا ينفي المراتب العالية من السلطنة الّتي كانت تقتضيها اليد فالأمارة الّتي هي اليد تسقط اعتبارها من تلك الجهة الّتي ينفيها ذو اليد بإقراره، فتبقى المراتب النازلة على ما تقتضيها اليد، فلا سبيل لأن يقال بأنّ الاعتماد في هذه الموارد إنّما هو بقول ذي اليد، لما عرفت من أنّ قوله إنّما هو إقرار و حجّة من جهة النفي، لا أن يكون مثبتا لشي‌ء، بل الإثبات الموجب لكون القول قول ذي اليد، أو لعدم جواز انتزاع العين من يده إنّما هو مستند إلى نفس اليد و من آثارها.

و محصّل الكلام في ذلك هو أنّ دعوى ذي اليد استيجاره أو استعارته ما في يده لمّا ينفي المرتبة العالية من السلطنة، فيعارض اليد، فيرتفع أثرها بمقدار المعارض- أي إقرار ذي اليد- و أمّا باقي مراتب الآثار فلا موجب لرفعها، بل هي على مقتضاها باقية.

و أمّا أنّ بناء الأصحاب في هذه الموارد الحكم بأنّ القول قول المالك فيما لو كان ذو اليد يدّعي سببا فإنّما هو بالنسبة إلى أصل السبب، لكون الأصل مع من يدّعي عدمه، و هو المالك، و أمّا أنّه يجوز بذلك انتزاع العين من يد ذي اليد بحيث تصير اليد بلا أثر فلا، و سيجي‌ء في آخر البحث عند ذكر فرع الإجارة تتمّة الكلام في ذلك.

و بالجملة؛ ففي مثل هذه الموارد الّتي يمكن أن يكون المدّعى به بنفسه تحت اليد و السلطنة كدعوى الملكيّة و نحوها، فلا مجال للقول بأنّ قول ذي اليد فيها حجّة، بل الحجّة نفس اليد، و من آثارها ثبوت مدّعاه.

و أمّا في غير هذه الموارد ممّا لا يمكن أن يكون المدّعى به تحت اليد و الاستيلاء بنفسه بل هي من عوارض ما في اليد كالطهارة و النجاسة و القبلة و أمثالها، ففي أمثالها لا مجال لدعوى أنّ نفس هذه الأفعال من آثار اليد، بل هي يرجع إلى اعتبار قول ذي اليد فيها.

فلا بدّ من البحث في أنّ أدلّة اليد هل يثبت [بها] ذلك، أي اعتبار قول ذي اليد في هذه الامور أم لا؟

لا إشكال في أنّ أمثال حديث مسعدة (1)و حفص (2)ليست متكفّلة لهذه الجهة، بل هي راجعة إلى بيان حكم العناوين الّتي بنفسها تجي‌ء تحت الاستيلاء؛ و أمّا غيرها و إن كان بعض الأخبار مشعرة بذلك- كما تمسّك بها في «الجواهر» (3)- مثل ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في من أعار ثوبا الّذي ما يصلّي فيه ثمّ أخبر المستعير بذلك بعد أن صلّى فيه أيّاما، قال عليه السّلام: «يعيد» (4)و كذلك ما دلّ على النهي عن السؤال عند اشتراء الجبن (5)، و لكن هما مع ضعف سندهما


1) وسائل الشيعة: 17/ 89 الحديث 22053.

2) وسائل الشيعة: 27/ 292 الحديث 33780.

3) جواهر الكلام: 6/ 178 و 179.

4) وسائل الشيعة: 3/ 488 الحديث 4254.

5) وسائل الشيعة: 3/ 492 الحديث 4267 و 25/ 118 الحديث 31379.

يمكن أن يكون وجه الاعتبار هو عمل ذي اليد (1).

و بالجملة؛ لا يمكن إثبات هذه المسألة بمثل هذه الأخبار.

و يمكن الاستدلال برواية الحجّام و قد حدّثها في الطهارة من «الوسائل» قال عليه السّلام باعتبار قوله في تطهير محلّ الحجامة (2)، فراجع!

و إن ناقش فيها بعض بأنّ مفادها اعتبار قول متولّي الأمر لا ذو اليد (3)فتأمّل! و لذلك قال قدّس سرّه في «مصباح الفقيه»: و في بعض الأخبار إشعار و إيماء إليه بعد بنائه على اعتبار قول ذي اليد للسيرة القطعيّة (4)، فراجع!

نعم؛ غاية ما يمكن أن يستدلّ به له هو السيرة، فإنّ الظاهر من دأب المتشرّعة هو أنّه لو كان يخبر ذو اليد بطهارة ما في يده أو بنجاسته الاعتماد على قوله و لا يعارضون قوله، و إخباره مع الأصل المقتضي جريانه في المسألة؛ و لكنّ الإشكال في انعقاد هذه السيرة بحيث يعتمد على قول ذي اليد بلا أن يكون عمله منضمّا عليه.

كما منع المشهور ذلك في باب التذكية، و اعتبروا فيها أن يكون على اللحم أو سائر أجزاء المذكّى أثر استعمال المسلم (5)، و إن كان التزامهم به فيها من جهة الرواية الخاصّة المقيّدة اعتباره بما إذا يرى أنّ المسلمين يصلّون فيه (6).


1) أو في ما كان المخبر موثوقا به. «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 3/ 499 الحديث 4282.

3) جواهر الكلام: 6/ 177، الحدائق الناضرة: 5/ 252 و 253.

4) مصباح الفقيه: 1/ 610 ط. حجري.

5) جواهر الكلام: 6/ 177.

6) وسائل الشيعة: 3/ 492 الحديث 4266.

و لكن يمكن أن يستأنس منه أنّ الإمام عليه السّلام في مقام إعطاء الضابطة في اعتبار القول، و لا خصوصيّة للتذكية، فتأمّل!.

و كيف كان؛ لا دليل لما نحن فيه سوى السيرة المدّعاة، و قد عرفت الإشكال، خصوصا فيما لو كان الشي‌ء مسبوقا بالنجاسة مثلا، فارتفاع اليد عن الاستصحاب بقول ذي اليد أمر مشكل، و لم يثبت السيرة فيه أيضا، فلذلك (1)الأقوى في المسألة الاحتياط.

و أمّا التمسّك بأصالة الصحّة في المقام فلا وجه له، إذ هي ليس من شأنه إثبات المنشأ، بل بعد إحرازه عند دوران الأمر بين الصحّة و الفساد فيها الحكم بالصحّة؛ كما لا يخفى.

فغاية ما يمكن أن يستفاد من السيرة هو اعتبار قول ذي اليد في هذه الامور إذا كان منضمّا به عمله بما في يده موافقا لما يدّعيه، و أمّا القول وحده فلا، فالقدر المتيقّن من السيرة هو ذلك، مضافا إلى استفادة ذلك أيضا من الحديث الوارد في مسألة الذبح (2)، إذ يمكن أن يقال: إنّ الإمام عليه السّلام في مقام بيان الحكم الكلّي و الضابط، و أمّا القول وحده أو العمل كذلك فمحلّ الإشكال.

ثمّ إنّه من فروع ما ذكرنا أوّلا هو ما ذكر شيخنا قدّس سرّه في باب اليد بحث الاصول من أنّ المدّعي لشي‌ء إذا أنكر إذن ذي اليد في التصرّف، و ذو اليد أيضا اعترف بكونه في السابق له و لكن ادّعى السبب، أنّ بناء المشهور في مثله على


1) و قد أطنب في «الجواهر» في بيان المسألة و أجاد في باب الطهارة عند قول المحقّق: (و إذا علم موضع النجاسة غسل) و بنى على اعتبار القول و الخبر، فراجع! (جواهر الكلام: 6/ 168- 170، شرائع الإسلام: 1/ 254) «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 24/ 70 الحديث 30023.

انتزاع المال من يد مدّعي السبب لو لم تكن له البيّنة (1).

و ذلك كما في باب الإجارة لو ادّعى ذو اليد الإجارة و المالك أنكر ذلك و ادّعى الغصبيّة، فعلى مقتضى ما ذكرنا هو عدم جواز الانتزاع؛ لبقاء أثر اليد بهذا المقدار و لو بطل أثره الكلّي لاعتراف صاحبها.

و لذلك وجّه قدّس سرّه الكلام المشهور على أنّه ليس تبطل آثار اليد؛ لكون دعوى صاحبها على خلاف الأصل، و هو أصالة عدم السبب، بل لأنّه لمّا كان بإقراره ارتفع نفي سائر أسباب الملكيّة، و هذا السبب الّذي يدّعيه قد رفعه الأصل، فلا يبقى له وجه تملّك و استحقاق له في التصرّف في المدّعى به، فليس بطلان أثر اليد من جهة الأصل فقط، بل هو مع الإقرار (2).

هذا ملخّص ما يستفاد من كلام الشيخ قدّس سرّه في توجيه بناء المشهور، و اعترض عليه صاحب «الكفاية»؛ في «الحاشية» بما ملخّصه: أنّه لا إشكال في أنّ الملكيّة أمر بسيط ذات حقيقة واحدة، و لا يختلف باختلاف الأفراد، و إنّما أسبابها تتعدّد و تختلف.

فعلى هذا؛ يكفي في تحقّقه سبب في الجملة، و المفروض أنّه ما تحقّق انتفاء جميع الأسباب، بل إنّما المنفيّ بإقراره سوى ما يدّعيه من المسبّب، فكيف يمكن القول ببطلان أثر اليد مطلقا؟ لعدم وجود مقتضى اليد و السلطنة (3).

هذا؛ و يردّه أنّ الأصل الّذي يوجب به تقديم قول الموافق له، هو الأصل


1) فرائد الاصول: 3/ 322.

2) فرائد الاصول: 3/ 322.

3) حاشية فرائد الاصول للخراساني: 237.

الّذي يكون حجّة لا مطلق الأصل، فحينئذ لو لم يتفق بهذا الأصل ملكيّة مدّعي السبب، فكيف يمكن الالتزام بأنّ القول قول منكره و هو المالك؟

مع أنّ الإجماع محقّق على أنّ منكر السبب قوله مقدّم، و أيضا الإجماع على أنّ الأصل الّذي به يقدّم قول المنكر هو الأصل الحجّة.

فالحاصل (1)إنّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه و نسب القول به إلى المشهور (2)إنّما هو لكونه لازم الإجماعين المزبورين، فلا يقال: إنّه ما وقع خصوص ما نسبه إليهم في كلام الأصحاب.

دعوى الأمين

القسم الثالث: ممّا يعتبر فيه القول و يكون اليمين على المدّعي دعوى الأمين، كما بنوا عليه ذلك في باب الأمانات.

فنقول: إنّ الدعوى على الأمين قد يكون ممّا يوافق الأصل، و قد يكون ممّا يخالفه، و من الأوّل دعوى التلف و الردّ، و من الثاني دعوى التعدّي و التفريط.

أمّا في الثاني: فلا مقتضي للبحث فيه، إذ الغرض الكلام في أنّه أين يقدّم قول الأمين لأمانته، و في أمثال ذلك لمّا كان القول قوله؛ لكونه موافقا للأصل و الاستصحاب، فلا يحتاج إلى حيث الأمانة.

و أمّا الكلام في الأوّل؛ فلا بدّ أوّلا من البحث في مدرك هذه القاعدة، من


1) فالالتزام بانتزاع المال إنّما هو لانتفاء سبب الملكيّة مطلقا؛ إذ غير ما يدّعيه منفيّ بإقراره، و ما يدّعيه منفيّ بالأصل، فتصير يده عليه كيد الغاصب الّذي لا أثر لها في ما أفاده المحشّي من أنّ السببيّة في الجملة محقّق؛ لا وجه له «منه رحمه اللّه».

2) انظر! الهامش: 1 من الصفحة 309.

أنّه كيف يثبت أنّ الأمين يقدّم قوله، و لو كان مخالفا للأصل الّذي به لا بدّ من الخروج عن الأصل في الباب؟

فنقول: إنّ الأخبار المتعلّقة بباب الأمانات الراجعة بهذه المسألة بين طوائف ثلاث:

منها: ما أوردها في «الجواهر» في باب الوديعة الّتي خلاصة ما يستفاد منها أنّه لا يجوز أن يتّهم الشخص من ائتمنه (1).

و منها: ما أوردها أيضا قدّس سرّه في باب الإجارة في مسألة قبول قول الصانع و الملّاح و المكاري في دعواهم هلاك المتاع و عدم قبوله (2)، و سنشير إلى ما يستفاد من هذه الطائفة.

و منها (3): ما أوردها أيضا قدّس سرّه في هذا الباب أيضا من تضمين الصائغ و الحائك و الحجّام لما جنت أياديهم و إن لم تكن عن تعدّ و تفريط (4).

و منها: الروايات المستفادة منها ضمان هؤلاء بالنسبة إلى دعوى الهلاك، و عدم قبول قولهم في ذلك إلّا بالبيّنة (5).

فنقول: إنّ بناء المشهور- بل لا يبعد دعوى الإجماع- في أنّ قول الودعيّ


1) جواهر الكلام: 27/ 147 و 148، وسائل الشيعة: 19/ 79 الباب 4 من كتاب الوديعة.

2) جواهر الكلام: 27/ 342- 344، وسائل الشيعة: 19/ 144 الحديث 24327 و 145 الحديث 24330 و 146 الحديث 24332 و 24333.

3) و لا يخفى أنّه عدّ ما أوردها صاحب «الجواهر» في باب الإجارة في موردين، طائفة واحدة، و لذا قال في صدر كلامه: إنّ الأخبار ... بين طوائف ثلاث.

4) جواهر الكلام: 27/ 322- 325، وسائل الشيعة: 19/ 144- 146 الأحاديث 24326 و 24329 و 24333 و 24334 و 29/ 260 الباب 24 من أبواب موجبات الضمان.

5) وسائل الشيعة: 19/ 141- 142 الأحاديث 24318- 24321.

مسموع في دعواه الردّ و التلف (1)، و ذلك لورود الأخبار عليه (2)، و هي الطّائفة الاولى، فهي و إن كانت ظاهرة في ما يرجع إلى الخيانة الّتي هي العمل العارض على ما في اليد بعد الفراغ عن كونه تحت اليد [إلّا أنّه] مثل التعدّي و التفريط.

و يلحق بهما دعوى التلف، و لا يشمل دعوى الردّ، و لذلك استشكل العلّامة فيه قدّس سرّه (3)، و لكنّ غيره من الأصحاب لمّا استفادوا التعميم منها فألحقوا الردّ بالتلف (4).

و كيف كان! المسألة في باب الوديعة مسلّمة لا ينبغي الإشكال فيها من كلتا الجهتين، و إنّما الكلام في سائر أبواب الأمانات، مثل العارية و الإجارة و المضاربة و أمثالها، و إن أمكن القول بالفرق بينها و بين باب الوديعة من حيث إنّ المقصود الأوّليّ فيها هو الاستيمان بخلاف هذه الأبواب الّتي يكون الاستيمان تبعيّا، و لذلك يمكن دعوى انصراف الأخبار الّتي مفادها عدم جواز اتّهام الأمين مع كثرة الإشكال فيها بأنّه كيف يتّهم من ائتمنه إلى مثل باب الوديعة فقط، فلا يبقى المجال لذلك؛ دعوى التعميم فيها من حيث التعليل الوارد فيها أو المناط.

و لكن لمّا كان بناء المشهور في سائر الأبواب أيضا قبول قول مدّعي التلف، و إن كان في الردّ بناؤهم على تقديم قول المالك بل المسألة فيه إجماعيّة، فلا بدّ من البحث في هذه الجهة و التفحّص في مدرك كلام المشهور، فإنّ بناء أساطين الفقه و أئمّته في باب الإجارة و كذلك العارية؛- بل ادّعي في باب


1) جواهر الكلام: 27/ 147، المسألة السادسة.

2) وسائل الشيعة: 19/ 79- 81، الباب 4 من أبواب أحكام الوديعة.

3) قواعد الأحكام: 1/ 190، تذكرة الفقهاء: 2/ 205.

4) جواهر الكلام: 27/ 148.

المضاربة الإجماع (1)- على قبول قول المستأجر و المستعير و العامل في دعوى التلف (2).

ثمّ إنّه لا بدّ أن يعلم أوّلا أنّ ما يدّعيه الأمين على نوعين:

فتارة ليس مدّعى الأمين ما ينافي حيثيّة الأمانة، بمعنى أن يكون المدّعي ما هو من عوارض ما تحت اليد و الأفعال الواردة عليه لا ما هو رافع لموضوعها مثل دعوى القصّار تطهير الثوب، و الحجّام تطهير الظهر، و أمثال ذلك.

و اخرى يكون ما هو مناف لعنوان الأمانة، مثل دعوى التلف و الردّ، فإنّ أمثال ذلك رافع لموضوعها.

إذا ظهر ذلك فنقول: إنّ الأخبار الواردة في باب الإجارة مثل رواية معاوية بن عمّار (3)، و خبر أبي بصير (4)و أمثالهما ممّا تدلّ على عدم تضمين القصّار و الحائك و الصبّاغ لما تحت يدهم، إنّما هي دالّة على عدم تضمينهم من حيث احتمال صدور فعل عنهم الموجب لهلاك المتاع كلّا أو بعضا.

و بعبارة اخرى: إنّ غاية ما يستفاد منها أنّهم مصدّقون في ما هو راجع إلى عملهم و فعلهم الوارد على العين، و عدم ورود مثل التطهير، أو صدور التعدّي عنهم، لا ما هو الراجع إلى ذهاب أصل العين، و ذلك لعناية لفظ التضمين بأنّه بعد


1) جواهر الكلام: 26/ 379.

2) جواهر الكلام: 26/ 379 و 27/ 200 و 325.

3) تهذيب الأحكام: 7/ 220 الحديث 964، الاستبصار: 3/ 132 الحديث 477، وسائل الشيعة:

4) من لا يحضره الفقيه: 3/ 163 الحديث 715، تهذيب الأحكام: 7/ 218 الحديث 951 وسائل الشيعة: 19/ 144 الحديث 24327.

ثبوت مقتضي الضمان تحت اليد، فلا يضمّن، فتأمّل! فهي ظاهرة في تصديق الأمين في دعواه ما يتعلّق بعوارض اليد، مثل الّذي قلنا من دعوى التطهير و نحوه، و لا ربط لها بما نحن فيه.

نعم؛ خبر بكر بن حبيب منها تدلّ على ذلك- أي نفي الضمان عن مدّعي التلف- إذ مضمونه: أن يقول السائل: أعطيت جبّة إلى القصّار، فذهبت بزعمه، فقال عليه السّلام: «إن اتّهمته فاستحلفه، و إن لم تتّهمه فليس عليه شي‌ء» (1).

و لكن تعارضها الأخبار الاخر، مثل حسن الحلبي عنه عليه السّلام، ما في الغسّال و الصبّاغ؟ [قال]: «ما سرق منهما من شي‌ء، فلم يخرج منه على أمر بين أنّه قد سرق و كلّ قليل أو كثير له فهو ضامن» (2).. إلى آخره و غيره الّتي لا يبعد دعوى التواتر الإجماليّة فيها دالّة على عدم سماع قولهم في مثل دعوى التلف.

فحينئذ؛ لو لم نقل بترجيحها على الأوّل، و لا أقلّ من تعارضهما و تساقطهما و الرجوع إلى عمومات باب الدعاوي.

إنّما الكلام في ذهاب المشهور الّذي قد عرفت إلى عدم الضمان المستكشف بذلك إعراضهم عن هذه الأخبار، مع كونها موافقا لمذهب جلّ العامّة أيضا، فحينئذ يشكل الأمر، مع أنّ في «المسالك» دعوى الشهرة على الأول (3)، كما عليه جماعة من القدماء (4).

ثمّ إنّه على فرض تماميّة إعراض المشهور عنها و الاعتماد على الأخبار


1) وسائل الشيعة: 19/ 146 الحديث 24332.

2) وسائل الشيعة: 19/ 141- 142 الحديث 24317، نقله بالمعنى.

3) مسالك الإفهام: 5/ 118.

4) من لا يحضره الفقيه: 3/ 194، الانتصار: 225، الكافي في الفقه: 347، المراسم: 196.

الأول أو التمسّك بما في باب الوديعة و التعدّي عنها، يبقى الإشكال في ذهابهم إلى الفرق بين باب مسألة الردّ و التلف، بل الظاهر كون عدم اعتبار قول المستعير و المرتهن و أمثالهما إجماعيّا.

و قد استدلّوا في عدم قبوله فيه و الفرق بين باب الوديعة و غيرها، من أنّ في الوديعة المال مأخوذ لمصلحة المالك بخلاف باب الرهن و الإجارة و أمثالهما، فإنّه لا مصلحة فيها للمالك (1).

و فيه: مضافا إلى ما في أصل الفرق؛ لازم ذلك عدم القبول في التلف أيضا، كما أنّهم ذكروا وجه القبول في التلف من أنّه لو لم يقبل يلزم تخليد الحبس (2)، و أنت خبير بأنّ الردّ شرك معه في ذلك.

و بالجملة؛ هذه الوجوه لا تسمن و لا تغني من شي‌ء، بل مقتضى القاعدة أنّه لو بني على التعدّي عن باب الوديعة إلى سائر أبواب الأمانات من حيث قبول قول الأمين في التلف، فلا بدّ من القبول في الردّ أيضا، و إلّا فلا وجه للتفصيل.

مع أنّه يمكن دعوى الأولويّة في القبول بالنسبة إلى الردّ؛ إذ هو أمر اختياريّ تحت سلطة الأمين، فلو لم يقبل فيه فكيف في التلف الّذي ليس تحت اختياره؟ فتدبّر!

هذا؛ و لكنّه يمكن أن يفرّق بينهما من إحدى جهتين اخريين:

اولاهما: أنّه لا خفاء في أنّ التلف ليس بحيث يكون مفنيا لعنوان الأمانة و رافعا لموضوعها، بل معه أيضا اعتبار بقاء العنوان باق، كما في مثل البيع فيما لو


1) انظر! جواهر الكلام: 25/ 276 و 27/ 200.

2) جواهر الكلام: 26/ 379 و 380.

كان للبائع الخيار، إذ مع تلف المبيع أيضا اعتبار البيع و عنوان المعاملة باق، و لو كان المتعلّق مفقودا و الملكيّة المتعلّقة بالعين زائلة، إلّا أنّه اعتبار العقلائي لبقاء عنوان المعاملة باق، و لو لم يكن له غاية إلّا بقاء حقّ الخيار و الفسخ، غايته أنّه لو فسخ ينقلب العين إلى المثل أو القيمة فكذلك في ما نحن فيه، و إن لم يترتّب على بقاء العنوان أمر سوى عدم تضمين الأمين و قبول قوله، إلّا أنّ هذا المقدار من الأثر للاعتبار العقلائي يكفي.

و هذا بخلاف مثل الردّ، فإنّه رافع لعنوان الأمانة رأسا، و ليس يبقى مجال اعتبار العقلاء؛ العنوان معه، بل يرجع دعوى الأمين الردّ إلى سلبه بنفسه عنوان الأمانة عنه، و هذا مثل فسخ البيع و نحوه الّذي يرتفع به أصل عنوان المعاملة و ناف لموضوعه رأسا.

فعلى هذا؛ يكون مقتضى القاعدة الالتزام بالفرق بين الدعويين، لرجوع دعوى الردّ إلى الدعوى بلا انطباق عنوان الأمين على المدّعي لنفيه هذا العنوان عن نفسه في الرتبة السابقة على دعواه، بخلاف التلف، كما عرفت.

ثانيهما: أنّه لمّا كان الردّ أمرا قوامه بالطرفين، و ليس ممّا يستقلّ فيه الأمين، و لذا في باب بيع الصرف لا يكتفى بإقباض المشتري الثمن بلا أخذ البائع إيّاه، فحينئذ لو ادّعى المستأجر أو المرتهن و نحوهما الردّ فقد ادّعوا أمرا لا يرجع إلى ما يكون من عملهم الّذي لا بدّ أن يصدّقوا فيه؛ لأنّهم أمناء، بل يكون دعوى شي‌ء لفعل الغير فيه المدخليّة، و لا ريب أنّ الأمين يصدّق في ما هو فعل نفسه الّذي هو مستقلّ فيه، كما في التلف الّذي ليس يتوقّف تحقّقه على عمل المالك و شركته فيه، فتأمّل و اغتنم!.

هذه غاية ما يمكن أن يقال في وجه الفرق بين الأمرين.

فملخّص الكلام في المقام أنّه:

أوّلا: شمول الأخبار الدالّة على نفي الضمان عن الأمين (1)للدعوى الّتي ترجع إلى نفي موضوع الأمانة رأسا، كأخبار الوديعة الّتي مفادها أنّه لا ينبغي اتّهام الأمين (2)، و كذلك الأخبار الواردة في باب الإجارة (3)، فهي مثل الاولى منصرفة إلى الدعاوي الّتي هي الأفعال الواردة (4)على ما ائتمن فيه مع بقاء أصل الموضوع لا كالتلف و الردّ.

و ثانيا: لو سلّمنا الشمول و عملنا بها في باب الوديعة نمنع في غيرها، لما ذكرنا من وجود الأخبار المعارضة الدالّة على عدم قبول قول المستأجر (5)و نحوه في دعوى التلف إلّا بالبيّنة.

و مع الغضّ عن ذلك و عدم الاعتبار بتلك الأخبار للإعراض عنها، فنقول:

إن أمكن إلحاق التلف بالدعاوي الّتي لا تنفي موضوع الأمانة مثل دعوى التطهير أو عدم التفريط و نحوه، كما يستفاد ذلك- أي الإلحاق- من كلماتهم، لاستدلالهم في قبول قول الودعيّ في الردّ بالأخبار الّتي قد أشرنا إلى كونها ظاهرة في ما لا يرجع من الدعوى إلى نفي موضوع الضمان، و ذلك- أي الالتزام بالإلحاق-


1) وسائل الشيعة: 19/ 79 الباب 4 من كتاب الوديعة.

2) وسائل الشيعة: 19/ 79 الباب 4 من أبواب أحكام الوديعة.

3) وسائل الشيعة: 19/ 144 الحديث 24327 و 145، الحديث 24330 و 146 الحديث 24332 و 24333.

4) مثل دعوى الوكيل إيقاع ما وكّل فيه كالبيع و قبض الثمن و نحوهما. «منه رحمه اللّه».

5) وسائل الشيعة: 19/ 141 الحديث 24318 و 142 الحديث 24319 و 24321.

للفرق بين الردّ و التلف من إحدى الجهتين، فإن بنى على ذلك فيتمّ بناء المشهور، و إلّا فالمسألة في غاية الإشكال، و عليك بالتأمّل في ما ذكرنا، و المراجعة إلى مواقع الكلمات، فاللّه وليّ الرشاد.

قاعدة «من ملك»

اشارة

القسم الرابع: ممّا يعتمد بالدعوى و لا يطالب البيّنة عن المدّعي ما إذا كانت منطبقة على القاعدة المعروفة، و هي قاعدة «من ملك»، و ينبغي البحث أوّلا في مدركها.

فنقول مقدّمة: إنّه لا خفاء في أنّ الإقرار بمعنى الإثبات، كما أنّ الملكيّة بمعنى السلطنة، و ليس المراد به تملّك العين، بل يكون بمعنى ما يضاف إلى الأفعال، من قبل قوله عليه السّلام: «لا بيع إلّا في ملك» (1)بعد القطع بصحّة البيع عن الأولياء و الوكلاء غير مالك العين.

و بالجملة؛ لا إشكال في أنّ المراد من لفظ «الملك» في القاعدة هو السلطنة، و بعد ظهور كون المراد من «الإقرار» الإثبات، ففي مادّة القرار ثبوت شي‌ء على شي‌ء مأخوذ، فكما أنّ المراد من «إقرار العقلاء» .. إلى آخره إثبات الشي‌ء على النفس، فكأنّه يحمل ثقلا على ظهره، فكذلك المراد بجملة «ملك الإقرار به» هو السلطنة على الإثبات و الحمل، إلّا أنّ الفرق بين مفاد هذه القاعدة و الإقرار هو أنّ المراد من الإقرار هنا إثبات الشي‌ء و حمله على ظهر الغير بخلاف قاعدة الإقرار.


1) عوالي اللآلي: 2/ 247 الحديث 16، مستدرك الوسائل: 13/ 230 الحديث 15209.

فعلى هذا؛ حاصل معنى القاعدة، هو أنّه كلّ من كان سلطانا على أمر كالبيع و الشراء و الاستدانة و غيرها من الامور القابلة لإضافة هذا المعنى إليه فهو مسلّط على إثباته و حمله على الغير، فمن كان سلطانا على البيع مثلا عن الغير بأن يوجده بسببه كذلك مسلّط على إثباته و لو بالإقرار على ثبوته سابقا، بمعنى أنّ من كان بيده البيع- مثلا- ثبوتا، بحيث لو تحقّق و أوجد سببه يترتّب عليه الآثار، و يكون عمله ذلك كما لو صدر عن الأصيل، فكذلك له إثباته و لو لم يتحقّق ثبوته خارجا عند الشكّ.

إذا عرفت المراد من القاعدة فيظهر تمكّن إثبات هذا المعنى بدعوى الملازمة العرفيّة.

ضرورة أنّه يرى العرف الملازمة بين كون الشخص سلطانا على إيجاد أمر بسببه، و بين كونه مسلّطا عليه بإثباته عند الشكّ و عدم القطع بحصول السبب، بمعنى أنّه يرون ذلك من شئون السلطنة الأوليّة المستكشف بذلك إنّا حجيّة خبره، لا أنّه لحجيّة خبره مستندا إلى ظهور الحال و نحوه يستدلّ لحجيّة إقراره و ترتيب آثار السبب، كما صنعه الشيخ قدّس سرّه (1).

إذ لا دليل على حجيّة ظاهر الحال هذا، بل التحقيق البحث في الملازمة المذكورة، و مرجعها إلى أنّه هل السلطنة الثابتة للشخص- أي الوكيل أو الولي مثلا- على شي‌ء؛ مقصورة تلك السلطنة على صورة القطع بتحقّق الموضوع و السبب، بحيث لو انكشف و ثبت وقوعهما فيترتّب على فعلهما آثار السبب؛ أم ليست كذلك، بل عامّة تشمل صورة الشكّ في وقوع السبب، حتّى يكون حينئذ


1) المبسوط: 3/ 18 و 19.

له إثبات المسبّب، و يستكشف من ذلك حجيّة إخباره في إيقاعه السبب؟ و ليس مجال إثبات عموم هذه السلطنة إلّا بدعوى الملازمة العرفيّة الّتي أشرنا إليها.

و لا يتوهّم أنّ هذه سلطنة اخرى حتّى يقال: لا دليل على ثبوتها، بل غاية ما يثبت بالتوكيل أو التولية هو إعطاء السلطنة في اتّحاد نفس السبب لا السلطنة على إثباته بإقرارهما.

و ذلك؛ لأنّه قد أشرنا في طيّ بيان الملازمة إلى ما يدفع ذلك، من أنّه ليست هذه السلطنة المدّعى إثباتها في صورة الشكّ سلطنة اخرى مباينة مع الاولى، بل هي من شئونها و لوازمها العرفيّة، و ثبتت من قبل ما ثبتت به الاولى، كما لا يخفى.

و بالجملة؛ فإن تمّ إطلاق السلطنة هذه و شمولها للملازمة المذكورة فيتمّ المدرك لهذه القاعدة المعروفة، و إلّا فلا دليل عليها، إذ لا إشكال أنّه لا يمكن إثباته بقاعدة الإقرار لتباين موردهما، كما صرّح بذلك الشيخ قدّس سرّه في موارد عديدة من «الجواهر» (1)، و كذلك الأنصاري قدّس سرّه في رسالته (2)و يبقى الدليل الإجماع المدّعى، و هو أيضا ممنوع، لما عثرنا على موارد كثيرة في كلمات أعاظم الفقه قد أنكروها، و أشار إلى جملة منها الشيخ الأنصاري قدّس سرّه في رسالته (3)أيضا، فالعمدة هي هذه الملازمة الّتي قد أشار إليها فخر المحقّقين بقوله: (إنّ من يلزم فعله غيره أو إنشاؤه فإقراره ماض عليه) (4).


1) جواهر الكلام: 35/ 110.

2) الرسائل الفقهيّة للشيخ الأنصاري: 191.

3) المكاسب ط. ق: 370، رسالة في معنى قاعدة الملك، الرسائل الفقهيّة للشيخ الأنصاري: 192.

4) إيضاح الفوائد: 2/ 55.

و الظاهر؛ كون مراده منه دعوى الملازمة، فإن تمّت بحيث ثبت بها إنّا حجيّة خبر كلّ من تسلّط على أمر، فالقاعدة تامّة، يمكن التمسّك بها و جعلها مدركا لما ينطبق عليها من الموارد، سواء انطبق عليها عنوان آخر مثل عنوان الأمانة، و غيرها، و إلّا فلا وجه للاستدلال بها لعدم المدرك لها.

نعم؛ يظهر من كلام الفقيه الحاج الكني في قضائه من أنّها مستفادة من أخبار باب العبد المأذون في التجارة لوقوع لفظ الإقرار فيها (1)، و لكنّا إلى الآن كلّما تفحّصنا ما عثرنا على خبر يستفاد منه ما ذكره قدّس سرّه.

و أمّا صاحب «الجواهر» قدّس سرّه فقد اختلفت كلماته في هذه القاعدة، ففي باب الوكالة يظهر من كلامه قدّس سرّه تسليمها (2)، و في باب الإقرار يظهر منه إنكارها أشدّ إنكار في مقامين (3)، و يشير إلى إبطالها في الأبواب السابقة عليه.

هذا؛ و المسألة محتاجة إلى التأمّل و التدبّر أزيد من ذلك، و اللّه المؤيّد.

ثمّ على فرض تماميّة القاعدة يتفرّع عليها فروع لا بأس بذكرها.
الأوّل: أنّه هل يجري هذه القاعدة فيما لو كان للمقرّ نفع، أم يختصّ بمورد الضرر؟

مقتضى جريانها فيما لو كان الشخص وكيلا للوقف أو الشراء لنفسه أو غيره، فادّعى الوكيل الإيقاف لنفسه أو الشراء كذلك، أنّه تجري في موارد النفع أيضا.


1) لم نعثر عليه.

2) جواهر الكلام: 27/ 443 و 444.

3) لاحظ! جواهر الكلام: 35/ 110- 113 و 122 و 123.

فعلى هذا؛ يشكل الأمر فيما لو ادّعى أحد شراء شي‌ء لنفسه و أنكر المالك ذلك، لأنّه لا إشكال في أنّ كلّ أحد سلطان على استراء الأموال لنفسه.

فعلى مقتضى هذه القاعدة لا بدّ و أن يكون مالكا لإقراره عليه، فيسمع قوله و لو كان مدّعيا.

و المناقشة فيه- أوّلا: بأنّ محل جريانها إنّما هو في الامور الّتي يكون المقرّ مستقلّا في المقرّ به، و المفروض أنّ المدّعى به الّذي هو في المقام أمر قائم بالطرفين، و إلّا فلو كان هو الاشتراء فقط الّذي هو الأمر الراجع إلى فعل نفسه فنحكم بوقوعه، و يترتّب عليه آثاره بالنسبة إلى نفسه؛ لإقراره به.

و ثانيا: بأنّه لا نسلّم جريانها في هذه المسألة، لكون موردها إنّما هو في الإقرار الراجع إلى فعل الغير كالموكّل و المولّى عليه و نحوهما، لا بالنسبة إلى فعل نفسه- مدفوعة.

أمّا الاولى؛ فلو سلّمنا كون الأمر كما ذكر، فيفرض الكلام فيما لو كان المالك مقرّا بإنشاء البيع، و إنّما أنكر تعقّبه بالقبول، فحينئذ لمّا كان وقوع البيع لا يتوقّف إلّا على قبول المشتري، فإقراره بالاشتراء يرجع إلى دعواه البيع الّذي يمكن أن يقال: لهذا سلطان لنفس البيع، فلا بدّ من الالتزام بكون إقراره بالشراء مثبتا لأصل البيع، لأنّه و إن كان له جزءان و ليس بيد المقرّ إلّا أحدهما، و لكن لمّا كان الجزء الآخر منه ثابتا بالوجدان- أي بإقرار المالك- فلا محيص عن القول بثبوت أصل البيع.

و أمّا الثانية؛ فلمنع الاختصاص، ضرورة أنّ من موارد جريان القاعدة هو إقرار الصبيّ بماله أن يفعل كالوقف و الوصيّة و نحوهما، فكيف يمكن القول بعدم

جريانها إلّا فيما لو كان المقرّ به متعلّقا بالغير؟

فالحاصل؛ أنّه حينئذ يشكل الأمر، فلا بدّ إمّا من عدم الالتزام بجريانها فيما يتعلّق بشخص المقرّ و يكون نفعا له، مع أنّ المسلّم إجراؤها في الأمثلة المذكورة و نظائرها، و إمّا من الالتزام بجريانها في الموارد المنقوض فيها، كما مثّلنا لها بالشراء للنفس.

و يمكن الذبّ عن الإشكال بالفرق بين المقامين.

بيان ذلك: أنّه لا خفاء في أنّ الدعوى في الوقف على النفس و أمثاله إنّما يرجع أوّلا إلى حيث الضرر على الغير و هو الموكّل مثلا، و ليس حجيّته لنفسه من هذه الجهة- أي الإقرار- إذ لا ريب في أنّ أصل مادّة الإقرار مأخوذ [فيه] التعدّي ب «على»، فالإقرار كلّيا ملازم للضرر، و إنّما اعتباره مطلقا من هذه الجهة، ثمّ ثبوت المقرّ به لنفس المقرّ من جهة اخرى، و هي كون المدّعى به من الدعوى بلا معارض، إذ المفروض أنّ الموكّل معترف بالوكالة، فهي ثابتة، فلمّا كان بها (1)، ينفذ جميع تصرّفات الوكيل، و ليس لأحد المعارضة فيها، فمنها جعل الوقف لنفسه.

فعلى كلّ حال، جهة النفع تثبت من جهة اخرى غير الإقرار الثابت به الضرر على الموكّل فقط، و جعل شي‌ء على عهدته، فكلّ من الأمرين و إن كان يثبت في عرض الآخر بلا ترتّب في البين، و لكن منشأ كلّ منهما غير المنشأ للآخر و هذا بخلاف دعوى الشراء للنفس و قبول البيع، إذ ليس فيه إلّا دعوى محضا ترجع إلى نفع المدّعي و المقرّ، فلو فرضنا أنّ الجهة الضرريّة منه لو تثبت


1) فيدخل في الضابطة الّتي بيّنّا سابقا من أنّ الحقّ لا يعدو عنهما، فافهم! «منه رحمه اللّه».

به ليس شي‌ء يثبت به جهة النفع للمدّعي، كما كان في الأوّل، فافهم و اغتنم!

الثاني: أنّه لمّا كان للمديون سلطنة الإلزام على الدائن لتأدية ما في ذمّته و إجباره على القبض و لو بالتخلية نفسها، فمقتضى هذه القاعدة هو قبول قول المديون في هذه الدعوى،

و إقباضه الدائن، مع أنّه لم يلتزم بذلك أحد، و إلّا لكان اللازم أن يقبل قول مدّعي الردّ في المستأجر و المستعير و أمثالهما.

و الجواب عن ذلك ما عرفت في الفرع السابق، حيث إنّه ليس الإقرار هنا أيضا إلّا على النفع، و قد عرفت أنّ بهذه القاعدة لا تثبت إلّا جهة الضرر، و لكنّ الإشكال في أنه و إن لم تثبت به جهة النفع، إلّا أنّ الإقرار على الغير يثبت به، و هو ميزان جريان القاعدة و مفادها، و بذلك يمكن إثبات وهن القاعدة و عدم اعتبار الأصحاب بها، و إلّا فاللازم قبول قول مدّعي الردّ و التلف عملا بها، فتدبّر!.

الثالث: لا إشكال في أنّ معنى السلطنة على شي‌ء هو الاقتدار على قلبه و انقلابه وجودا و عدما،

فحينئذ أنّ السلطنة الثابتة بهذه القاعدة إنّما تثبت فيما إذا كان المقرّ مختارا على المقرّ به، و لا يكون ملزما عليه وجودا و عدما، فلو كان ملزما على أحد الطرفين فلا مجال لجريانها؛ لقصر ما بمفادها على المختار في الأمر.

فلو فرض في مقام كان الوكيل أو الوليّ ملزما على قبض المال من المشتري لمال الموكّل أو المولّى عليه، كما لو فرض أنّه لو لم يقبض و أخّره ليوجب ذلك تلف الثمن بحيث ينطبق عليه عنوان التفريط فاللازم عدم قبول قول الوكيل أو الوليّ على القبض في مثل هذه الموارد، و لا ينتقض بالوليّ الإجباريّ، إذ هو مختار في أصل الفعل وجودا، و إنّما هو ملزم تكليفا من طرف الشارع لا

وضعا بخلاف الصورة المفروضة، ضرورة أنّ الوكيل أو الوليّ ملزمان وضعا من طرف صاحب المال.

هذا؛ و يتفرّع على ذلك بعض ما نذكره في الفروع الآتية، فتأمّل!.

الرابع: يمكن الالتزام بالفرق بين دعوى الردّ في باب الأمانات و موارد جريان هذه القاعدة.

بيانه: أنّ الإقرار على شي‌ء بحسب السلطنة على نفسه إيجادا؛ على نحوين:

فتارة؛ يكون متعلّقة فعل الشخص- أي المقرّ- لكونه فعلا للغير، كما في إقرار الوكيل على البيع أو قبض الثمن، فإنّ إثباتهما في الحقيقة على الموكّل.

و اخرى يكون متعلّقه فعل الغير بما هو فعله يضيفه إليه و يثبت عليه بالإقرار، كما في الردّ، فإنّ القبض بما هو فعل القابض يضيفه المقرّ إلى نفسه و يثبته على الغير، بخلاف المثالين، فإنّهما بما هما فعل الوكيل يضيفهما إلى الموكّل، فلا خفاء في الفرق بين القسمين.

ضرورة أنّ الإقرار على البيع أو قبض الثمن بما هما فعل المقرّ بنفسه يضيفهما إلى الغير، و يجعل نقلهما عليه لكونه نائبا عنه و سلطانا على المقرّ به، لا بلحاظ كونهما فعل المقرّ عليه؛ و أمّا في دعوى الردّ الّذي يرجع- بناء على إجراء القاعدة- إلى وقوع القبض من الطرف، فهو باعتبار كونه فعل المقرّ عليه بنفسه يضيفه إليه، و يجعل نقله عليه.

ثمّ إنّه هل المستفاد من القاعدة التعميم، بحيث يشمل الإقرار على النحو الثاني، أم لا، بل يختصّ بالأوّل؟ و لمّا بيّنا أنّ المستظهر من القاعدة هو اعتبار

الإقرار من جهة ضرريّته- و إلّا فلا يثبت به جهة النفع للمقرّ- فالمتعيّن هو الثاني، إذ في القسم الثاني من إثبات الفعل على الغير ليس فيه جهة ضرر على النفس.

مع أنّه يمكن دعوى القطع بأنّ المستفاد من القاعدة هو أنّ كلّ فعل يجعل المقرّ إقراره على نفسه لا بدّ و أن يكون ضرريّا، كما في دعوى الصبيّ الوصيّة أو الوقف؛ و إلّا لكان اللازم سماع دعوى المديون إقباض الدين للدائن.

و بالجملة؛ كلّما كان المقرّ به شيئا قراره على الغير لا فرق فيه أن يكون ضررا عليه أو نفعا؛ و أمّا لو كان محلّ القرار نفس المقرّ فلا محيص أن يكون ضررا عليه، و إلّا فلا اعتبار له بلحاظ هذه القاعدة.

الخامس: أنّه بناء على اعتبار القاعدة فأيّ مقدار مفادها؟ فهل المراد بها أنّ إقرار الوكيل- مثلا- قائم مقام إقرار الموكّل،

بحيث يترتّب عليه جميع ماله من الآثار لو كان صادرا منه بنفسه، فلا يسمع من الموكّل الدعوى على المقرّ له، و لو أقام عليها البيّنة؛ أم لا، بل غاية ما يثبت بها قبول قول الأمين، و دعواه تسمع بلا بيّنة؛ لصيرورة المقرّ عليه مدّعيا، أو يكون أثرها أزيد من ذلك، بحيث يكون بين الأمرين، بأن يصير إقراره سببا لتقديم قول الغير الّذي هو المدّعى عليه حقيقة، و يكون إقراره بمنزلة البيّنة للمقرّ له؟ وجوه.

الّذي يستظهر من كلام الشيخ قدّس سرّه في رسالته هو القطع بعدم الاحتمال الأوّل، و عدم إرادته (1)، كما هو ظاهر جلّ الأصحاب أيضا (2).

و سرّه هو أنّه لو كان وجه تقديم الإقرار على البيّنة هو قيام إجماع عليه


1) المكاسب: 369، رسالة في قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به.

2) انظر! جواهر الكلام: 27/ 434 و 435 و 443- 447.

لكان للاحتمال الأوّل وجه، إذ المفروض تقديم إقرار نفس الموكّل على بيّنته تعبدا، فكذلك ما هو بمنزلته، و هو إقرار الوكيل، و أمّا لو لم يكن كذلك، بل كان منشأه ما يستفاد من الحديث: إنّ الإنسان أصدق على نفسه (1)، حيث إنّ الأصدقيّة أوجبت تقديم إقراره عليها، و من المعلوم أنّ هذا العنوان لا يصدق إلّا إذا صدر الإقرار عن نفسه.

ثمّ إنّ المستفاد من القاعدة لو كان هو أنّ إقرار الوكيل أو مطلق الأمين بما هو إقرار الموكّل أو المولّى عليه و إخبارهما حجّة عليهما، فحينئذ لا بدّ من الالتزام بالاحتمال الأوّل، إذ و لو كان المستفاد من دليل الأصدقيّة ما عرفت، إلّا أنّه لا بدّ من الالتزام بالتوسعة في ذاك المعنى بدليل التنزيل.

و أمّا لمّا يقطع بأنّه ليس المراد ذلك، بل غاية مدلول القاعدة هو أنّ الشخص إذا كان سلطانا على أمر، فإقراره عليه وجودا و عدما نافذ؛ للملازمة العرفيّة أو غيرها، فعلى هذا إقرار الوكيل بما هو إقرار نفسه حجّة على المقرّ عليه، لا بما هو إخباره إخبار له، فلا يبقى المجال لدعوى أنّه يترتّب على هذا إقراره ما يترتّب على إقرار المقرّ عليه بنفسه.

فانقدح من ذلك أيضا عدم الوجه للاحتمال الثالث، إذ لازم ما ذكرنا من المعنى هو أنّه عند وقوع المخاصمة بين الأمين و المالك يقدّم قول الأمين و لا بيّنة عليه.

و أمّا بالنسبة إلى الثالث فلا حجّيّة لإقراره له، حتّى لو وقعت المنازعة بين الموكّل و الثالث الّذي هو مشتري المال- مثلا- في مقدار الثمن و نحوه، فيكون


1) وسائل الشيعة: 23/ 184 الحديث 29341 نقله بالمعنى، و فيه: المؤمن أصدق ....

تصديق الوكيل المشتري بمنزلة البيّنة له، إذ استفادة ذلك من الرواية يحتاج فيها إلى عناية زائدة لم تثبت ما يدلّ عليها.

فمن ذلك يجمع بين قولي الفقهاء في فرعين، حيث إنّ بناءهم فيما إذا تنازع الوكيل و الموكّل في قبض الثمن من المشتري و عدمه على تقديم قول الموكّل، بخلاف ما لو تنازعا في تلفه عنده أو تعدّيه و تفريطه أو عدم إيقاعه و غير ذلك ممّا يرجع إلى فعل الوكيل بما له أن يفعله، فإنّهم يقدّمون قول الوكيل، حيث إنّ في الأوّل طرف الدعوى حقيقة هو المشتري، و الغرض تغريمه دون الوكيل، فلا بدّ أن يجري بينهما قاعدة المدّعي و المنكر.

و أمّا في الثاني هو الوكيل الّذي هو المالك للشي‌ء فتجري فيه هذه القاعدة، و لكن لا يخفى أنّ عدم نفوذ إقرار الوكيل، و كلّ من تجري في حقّه هذه القاعدة بالنسبة إلى الثالث، و عدم مؤثّريّته له بحيث يوجب تقديم قوله لا ينافي تأثيره من حيث صيرورة المقرّ له ذا اليد بالنسبة إلى المقرّ به فيما لو أقر الوليّ أو الوكيل.

ضرورة؛ وجود الفرق بين المقامين، و ذلك؛ لأنّه تقدّم منّا سابقا أنّ إقرار ذي اليد بكون ما في يده لغيره يوجب صيرورته ذا يد عليه، وجهه أنّ يده لمّا كان ينفي الملكيّة عن جميع الناس غير ذي اليد، فبإقراره إنّما آثارها الاولى ينفى بالنسبة إلى المقرّ له فقط ثمّ يحكم بكون المقرّ به له من جهة أنّ الملك لا يصير بلا مالك، فهكذا فيما لو أقرّ الوليّ أو الوكيل بكون ما في يدهما لثالث، لا ينفذ هذا الإقرار بالنسبة إليه من حيث هو شي‌ء، و إنّما هو فقط يؤثّر في نفي ملكيّة (1)


1) و بعبارة اخرى؛ تبطل آثار اليد للوكيل و الوليّ بالنسبة إلى المقرّ له، و أمّا بالنسبة إلى غيره فباقية؛ لعدم المقتضي لرفعها بالنسبة إليهم، كما لا يخفى. «منه رحمه اللّه».

نفسهما عنه ثمّ يثبت تملّك الثالث له من باب أنّ الملك لا يصير بلا مالك، لا من جهة الإقرار، فافهم و اغتنم!.

السادس: هل يسمع دعوى من يعتبر قوله بهذه القاعدة بعد رفع الموضوع،

و ارتفاع سلطنته عمّا كان له السلطة أم لا، بل اعتباره مقصور على ما دامت السلطنة باقية؟

و هذا النزاع إنّما محلّه الأفعال، أي إنّما يثمر بالنسبة إليها الّتي هي تدريجيّ الحصول، لا في الأعيان.

و على كلّ حال؛ المسألة مبنيّة على أنّ المراد بالقاعدة أنّه من ملك و كان سلطانا على شي‌ء فهو سلطان على الإقرار به أيضا وقت ثبوت السلطنة على نفسه، بمعنى: أنّ حال ثبوت السلطنة مع الشكّ في وجود الموضوع متّحد زمانا مع حال السلطنة في صورة القطع به.

أو ليس المراد ذلك، بل معناها: أنّ من كان له السلطنة على أمر لو أقرّ به بشي‌ء فإقراره نافذ، بحيث مفاد القاعدة إثبات هذه السلطنة التعليقيّة في ظرف الشكّ (1).

لا يبعد استظهار المعنى الثاني، مضافا إلى وجود الاستصحاب لو ادّعى تساوي المعنيين، فتدبّر!.

السابع: هل دعوى الزوج الرجوع أو الطلاق البائن مثلا، أو دعوى المسلم أمان الحربيّ داخلة في عنوان هذه القاعدة أم لا؟

1) و لمّا كانت هذه القضيّة التعليقيّة دائمة صادقة، فلا يتوقّف السلطنة الثابتة حال الشكّ على بقاء السلطنة الاولى، و هذه عبارة اخرى عن كون السلطنة الاولى حدوثا علّة لتحقّق السلطنة الثانية.

أمّا الاوليين فيظهر حكمهما ممّا قدّمنا من أنّ ضابطة جريان هذه القاعدة هي أن يكون المقرّ به قراره على الغير، أو كان إقراره على النفس و لكن بحيث كان ضرريّا، بخلاف الأوّل فإنّه أعمّ.

فعلى هذا؛ دعوى الرجوع أو الطلاق البائن الّذي مرجعه إلى دعوى عدم استحقاق الزوجة النفقة ممّا يكونان إقرارهما على النفس مع كونهما نفعيّا، فليس فيهما مجال جريان القاعدة.

و أمّا الثالث؛ فالكلام فيه مبنيّ على أنّ أمان أحد من أفراد المسلمين بمنزلة أمان غيره، حتّى يكون كلّ واحد سلطانا على الأمان من نفسه و من قبلهم، فيصير بذلك سلطانا على الإقرار من قبلهم، أم لا، بل أمانه بما هو أمان له محلّ لآثار غيره، بأن يكون على جميع المسلمين أن يؤمّنوا كلّ [من] أمّنه أحدهم؛ فحينئذ ليس الأمان أيضا من مصاديق القاعدة.

ضرورة؛ أنّ إقراره إقرار راجع إلى فعل نفسه، و لا ربط له بالغير، كما لا يخفى.

فانقدح ممّا ذكرنا في صدر المسألة و طيّ الفروع أنّه يمكن أن تجعل قاعدة «من ملك» ممّا اخذت من قاعدة «الأمين» و قاعدة «الإقرار» بحيث تكون مجمع العنوانين، لا أن تكون قاعدة مستقلّة حتّى تنكر لعدم المدرك لها، إذ قد عرفت أنّ موارد انطباقها لا يخلو عن انطباق إحدى القاعدتين، و لعلّ الاشتباه نشأ من توهّم جريانها في بعض الموارد الّتي لم تنطبق عليها إحداهما، و قد عرفت عدم جريانها أيضا.

فالتحقيق؛ جعلها من القواعد الاصطياديّة الّتي نظيرها في الفقه كثيرة، مثل «كلّ ما يصحّ بيعه يصحّ رهنه» (1)، و كذلك «كلّ ما تصحّ إعارته تصحّ إجارته» (2)، و أمثالهما، فتبصّر!.

بقي الكلام في الدعاوي الّتي لا يعلم إلّا من قبله، فإنّه كثيرا ما يرى يقدّمون قول المدّعي، مع أنّه ليس له وجه سوى انطباق هذا العنوان على الدعوى، مضافا إلى تصريحهم بالاعتماد على هذه القاعدة في موارد كثيرة، كما يظهر ذلك للمتتبّع.

و بالجملة؛ إنّ ما ينطبق عليه هذا العنوان على قسمين:

أحدهما: ما لا يمكن الاطّلاع على ما يدّعيه أصلا، و هذا كالامور القصديّة، مثل تبديل المال الزكويّ إلى ما لا يتعلّق به الزكاة، فإنّه و إن أمكن ذلك على نحو يطّلع عليه، إلّا أنّه ربّما يكون بحيث لا يمكن، و كما في إسلام الذمّي قبل الحول، و غير ذلك من الموارد.

ثانيهما: ما ليس كذلك، بل كان ممّا يعسر الاطّلاع عليه، كما في مسألة دعوى الزوجة انقضاء العدّة لتحقّق الأطهار المعتبرة أو الحيض كذلك، فإنّه و إن أمكن اطّلاع الغير عليه و الإشهاد به، إلّا أنّه لمّا كان ذلك عسرا غالبا فالحكم إنّما شرّع على ما هو الغالب.

أمّا الكلام في القسم الأوّل فلا إشكال ظاهرا في قبول قول المدّعي فيه، و وقع التسالم عليه، كما انعقدت السيرة القطعيّة، و الاعتبار أيضا مساعد عليه.


1) القواعد و الفوائد: 307 (ط. ق).

2) الحدائق الناضرة: 21/ 542، جواهر الكلام: 27/ 213.

مضافا إلى ورود الأخبار الخاصّة في باب الزكاة الدالّة على وجوب تصديق المالك فيما يدّعيه في الجملة.

و أمّا في القسم الثاني؛ و إن أمكن المناقشة فيه بأنّ إقامة البيّنة مطلقا لا يوجب ذهاب حقّ المدّعي، و ليس يجوّز تخصيص عمومات الباب به، و لم تثبت استقرار السيرة فيه أيضا.

و لكنّ الإنصاف ضعفها، إذ المستفاد من أخبار باب العدّة التعميم، و عدم اختصاص سماع الدعوى كذلك بالقسم الأوّل.

هذه جملة القواعد الّتي اعتمد عليها الأصحاب في أبواب الفقه، و بها خصّصت عمومات باب القضاء، و قد عرفت تماميّة بعضها دون الآخر، و اللّه العالم.

فروع متفرّقة

ثمّ إنّه لا بأس بالإشارة إلى بعض صغريات المسألة الّتي ذكر في «الجواهر» و «الشرائع» فنقول: أمّا الفرع الّذي نقلناه في صدر البحث عن المحقّق- و هو دعوى صاحب النصاب إبداله في أثناء الحول (1)- فهذا يمكن أن يدخل في الدّعوى بلا معارض، و يمكن أن يكون داخلا تحت عنوان «ما لا يقبل إلّا من قبله» و أمّا قاعدة «من ملك» و «الأمين» لا ينطبق عليه، كما لا يخفى.

و الحق بذلك دعوى عدم اشتغال الذمّة بالزكاة و غيره من الحقوق أو أدائها؛ و لكنّ الاولى و الأخير مخالفتان للأصل، و الثاني موافق له، فهو على


1) شرائع الإسلام: 4/ 91، جواهر الكلام 40/ 262.

مقتضى قواعد باب القضاء و إن كان لا بدّ و أن يسمع قول المدّعي فيه، إلّا أنّه لا يقتضي ذلك عدم توجّه اليمين عليه.

نعم؛ لو ادخل هو أيضا في عنوان «دعوى بلا معارض» فمقتضى تلك القاعدة أيضا عدم توجّه اليمين، بل نفس الدعوى حجّة.

و لكنّ الاولى التمسّك في هذه الفروع بالنصوص الخاصّة الواردة في باب الزكاة الّتي مضمونها أنّه ليس على الساعي المعارضة مع المالك، بل فيها: أنّه فإن أنعم عليه شي‌ء (1)(2).. إلى آخره، فإنّ إطلاقها دالّ على سماع قول المدّعي و عدم المخاصمة معه في جميع تلك الصور، فهي كافية لبيان حكمها، حتّى لو فرض خروجها عن القواعد المخصّصة؛ كما أنّه لو وجد المعارض في الدعاوي فتلك النصوص تثبت ما أفتى به الأصحاب.

و أمّا دعوى المالك النقص بعد الخرص فتنقيح البحث فيها مبنيّ على ما في باب الزكاة، من أنّ الخرص طريق لإثبات الحقّ المشتغل به الذمّة، أو هو نحو مصالحة.

فعلى الأوّل لمّا لم يستقرّ شي‌ء في الذمّة ظاهرا سوى الحقّ الواقعي، فالقول قول المالك؛ لكونه موافقا للأصل، و هو عدم اشتغال ذمته على ما يزيد على ما يقرّ به، فلذلك يقدّم قوله موافقا للقواعد.

و أمّا على الثاني:- كما لا يبعد كون بناء المشهور عليه- فحينئذ يرجع


1) وسائل الشيعة: 9/ 129 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام.

2) الكافي: 3/ 536 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 4/ 96 الحديث 274، وسائل الشيعة: 9/ 129 الحديث 11678 نقله بالمعنى.

دعوى المالك إلى بطلان المصالحة؛ لوقوعها على الموجود الخارجي، و المفروض ظهور نقصان المصالح عنه، فلازم الدعوى المزبور بطلانه، فهي من هذه الجهة مخالفة للأصل- أي أصالة الصحّة- فلا وجه لسماع دعواها من جهة القواعد العامّة أو الخاصّة، و ليس ينطبق عليها عنوان دعوى الأمين أيضا، إذ ليست الدعوى راجعة إلى العوارض الطارئة على المال مثل التلف و نحوه.

نعم؛ لو كانت الدعوى من هذا القبيل حتّى لا يرجع إلى جهة المعاملة و إنكار أصل وقوع اليد على ما ائتمن فيه، يسمع قوله، و لكنّ المفروض- أنّ ما نحن فيه من الثاني، فلا محيص عن تقديم قول الخارص، إلّا أن يدّعى بشمول نصوص باب الزكاة (1)لهذه المسألة أيضا، فتأمّل! فإنّ إثبات وقوع الصلح على ما يدّعيه الخارص و الالتزام باشتغال ذمّة المالك عليه بأصالة الصحّة لا يخلو عن المثبت.

و أمّا مسألة دعوى الذمّي الإسلام قبل الحول، و الحربي الإنبات بعلاج، فالاولى داخلة في ما لا يعلم إلّا من قبله، كما في الدعوى بلا معارض أيضا، إذ لا يشترط في الإسلام اطّلاع الغير على الإقرار بالشهادتين، كما أنّ المطالب للجزية ليس معارضا في دعواه الإيمان، بل إنّما هو على مقتضى الأصل يطالب الجزية، هذا؛ لا إشكال. و إنّما الكلام في الثانية من حيث رفع اليد عن الظهور و العمل بالأصل، فيها مضافا إلى جريان درء الحدود بالشبهة أيضا.

و الأقوى ما قرّبه المحقّق من عدم قبول الدعوى إلّا بالبيّنة (2)، و ذلك؛ لأنّ


1) وسائل الشيعة: 9/ 175 الباب 1 من أبواب زكاة الغلات.

2) شرائع الإسلام: 4/ 92، جواهر الكلام: 40/ 262- 263.

دعواه مخالف للظاهر الّذي هو أمارة في المقام، لكون المفروض أنّه ليس ظهورا بدويّا، بل ظهور كون الإنبات طبيعيّا من قبيل ظواهر الألفاظ الّتي لو ادّعى المتكلّم خلاف ما يكون اللفظ ظاهرا فيه من المعنى لا يسمع منه أبدا.

فحينئذ؛ كيف يمكن أن يعارضه الأصل أو يجري دليل درء الحدّ بالشبهة، إذ مع مثل هذه الأمارة لا يبقى شبهة.

نعم؛ الاستصحاب لمّا لا يرتفع به الشكّ فلا يعارض هذه القاعدة؛ أمّا الظهور العرفي فلمّا يكون أمارة قطعيّة فلا يبقى مع تحقّقه مجال جريانها، و لا ريب أنّه ليس تحقّق صرف الاحتمال موجبا لجريانها، و إلّا فهو في صورة عدم الدعوى أيضا محقّق مع أنّه لا يلتزم بجريانها، بل المناط الاحتمال العقلائي، و هو إنّما يتحقّق إذا لم يكن في قباله ما يقتضي خلافه من الأمارات الّتي يعتمد عليها العقلاء.

نعم؛ لو منع من بلوغ وصول الظهور بهذه المرتبة يمكن القول بسماع دعواه؛ لكونها موافقة للأصل، و لكن إنكار ذلك بعيد في الغاية، فافهم!

و أمّا الكنز المستخرج في الأرض المستأجرة أو المستعارة، فإن كان فيه علامة يمكن إضافته بها إلى المالك أو آبائه فهو له، و يكون يده مقدما على يد المستأجر و المستعير؛ لأنّ اليد على الأرض يد على ما فيها، و المفروض أنّ يدهما عليها ليست ممّا يترتّب عليها آثار الملكيّة.

و أمّا لو لم يكن كذلك، بل كان بنحو يكشف عن وجوده فيها من قديم الزمان قبل الإسلام مثلا، أو ما لم يكن الأرض معمورة رأسا، فحينئذ تقديم يده على يديهما مشكل؛ لأنّ ذلك يكون من قبيل الحيازة و أخذ المباحات، فتأمّل

في ذلك و سائر الفروع المنقولة عن «المسالك» (1)حتّى يظهر انطباق أيّ منهما على القواعد الخاصّة حتّى يرفع اليد به عن العمومات و أيّ منهما ليس كذلك، و اللّه العالم.

[الرابعة:] [لو مات و لا وارث له]

المسألة الرابعة: في «الشرائع»: (لو مات و لا وارث له و ظهر له شاهد بدين) (2).. إلى آخره.

أقول: يشكل في هذه المسألة من جهات، فتارة يقال: إنّ المخاصمة و فصلها لمّا يتوقّف على وجود المدّعي، و المفروض ليس مدّع هنا سوى الإمام عليه السّلام و هو غائب، فليس مقتض للفصل حتّى ندوّر وراء الميزان بإحلاف الغريم و عدمه.

و لكنّك خبير بضعف ذلك، ضرورة أنّه لمّا كان الامر من الأمور الحسبيّة فللمسلمين إقامة الدعوى، كما أنّ لنائب الإمام عليه السّلام أيضا نيابة خاصّة، فتأمّل!.

و اخرى من جهة عدم إمكان ضمّ اليمين بالشاهد الواحد، كما في دعوى الوصيّ أيضا، لكون الحقّ متعلّقا بالغير.

و ثالثة؛ من جهة جواز إلزام الغريم على الحلف، أم لا، و كذلك الوارث في دعوى الوصيّ.

و الكلام في المسألة من هذه الجهة، فنقول: إنّ الدليل على حلف المنكر؛


1) جواهر الكلام: 40/ 264، لاحظ! مسالك الإفهام: 13/ 500.

2) شرائع الإسلام: 4/ 92.

أمّا قوله عليه السّلام في بعض الروايات بأنّه «يستحلف» (1)فالإنصاف أنّ استفادة جواز الإلزام منها لا يمكن، إذ لمّا كان ظاهر قوله صلى اللّه عليه و آله: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2)انحصار وظيفة المدّعي بالبيّنة، بحيث لا أقلّ من أنّه يتوهّم عدم جواز حلف المنكر مع وجودها و عدم ميزانيّته، فيصير حينئذ «يستحلف» من قبيل الأمر الوارد عقيب توهّم الحظر لا يثبت به إلّا جواز حلفه مطلقا، لا أن يدلّ على لزومه عليه المترتّب على ذلك جواز إلزامه.

و أمّا قوله عليه السّلام في رواية اخرى: إنّه و لو كان المدّعى عليه حيّا لالزم باليمين أو الردّ أو الحقّ، (3)فمن هذه الرواية أيضا لا يستفاد جواز الإلزام.

أمّا أوّلا: فلأنّ ظاهر هذه القضيّة هو لزوم أحد الامور الثلاثة عليه وضعا، و أمّا استفادة جواز الإلزام الحكميّ منها ففي غاية الإشكال، و المراد بالإلزام بالحقّ هو إلزامه بالإقرار.

و ثانيا: مع الغضّ عن هذه الجهة و تسليم استفادة جواز الإلزام التكليفي فنقول: غاية ما يثبت منها حينئذ هو جواز الإلزام عند إمكان الفرد الآخر منه و هو الردّ لا مطلقا.

ضرورة؛ أنّ ذلك هو القدر المتيقّن من القضيّة، إذ لا إطلاق فيها، فلا سبيل لإثبات ميزانيّة اليمين الملزمة بها، بعد أن لم يثبت من الخارج أيضا، فلا ميزانيّة لها مطلقا، إذ المفروض أنّ القدر المتيقّن من الكلام في مقام التخاطب في الرواية هو الملازمة بين الأمرين.


1) وسائل الشيعة: 27/ 241 الحديث 33680 و 242 الحديث 33683.

2) عوالي اللآلي: 2/ 345 الحديث 11، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

3) الكافي: 7/ 415 الحديث 1 باب 5، من لا يحضره الفقيه: 3/ 38 الحديث 128 وسائل الشيعة:

ففي المقام لمّا لم يمكن الردّ لكون الحقّ متعلّقا بالغير، و لا إشكال أنّ المدّعى به إذا كان راجعا إلى الغير فلا يجوز الحلف، و هذا هو الجهة الثالثة من الإشكال.

هذا كلّه؛ مضافا إلى أنّه لو كان الإلزام جائزا لم يكن للمحقّق التشكيك في جواز الحبس و المنع عنه (1)، إذ أوّل درجة الإلزام هو الحبس.

فالتحقيق في المسألة ما قوّاه المحقّق قدّس سرّه، من الإشكال في جواز الحبس المستكشف به كون الحكم عنده عدم جواز الإلزام رأسا (2).

و أمّا أنّه يلزم من ذلك إيقاف الدعوى، فقد بيّنّا سابقا أنّه لا محذور فيه، إذ الفصل ليس واجبا مطلقا من حيث تحقّق الموازين حتّى يكون للحاكم تحصيل الميزان بالإلزام و نحوه.

[الخامسة:] [لو مات و عليه دين] يحيط الدين بالتركة

اشارة

الخامسة: قال في «الشرائع»: (لو مات و عليه دين يحيط بالتركة) (3).. إلى آخره، ثمّ قد ألحق في «الجواهر» بقول المحقّق في آخر عبارته في هذه المسألة: (لأنّه قائم مقامه) (4)لفظة «في الحلف» (5).

لا يخفى؛ أنّ مراد المحقّق من العبارة المذكورة واضح، و لا غبار عليه


1) شرائع الإسلام: 4/ 92.

2) شرائع الإسلام: 4/ 92.

3) شرائع الإسلام: 4/ 92.

4) شرائع الإسلام: 4/ 92.

5) جواهر الكلام: 40/ 267.

على مبناه أيضا، مع قطع النظر عن الإلحاق، ضرورة أنّ طلب الدعوى و المخاصمة في أمر لا يتوقّف على أن يكون المدّعي مالكا فعلا مستقلّا، لما يدّعيه لو ثبت كون الحقّ معه، بل يكفي في ثبوت هذا الحقّ وجود أدنى المساس بين المدّعى به و المدّعي، و لو بأن يكون ملك إن يملك- كما في ما نحن فيه- إذ و لو كان المال لم ينتقل إلى الوارث، إلّا أنّه يصدق عليه أنّه ملك إن يملك، و لو بإبراء الدائن، إذ المفروض أنّ مقتضي الانتقال إليه متحقّق، و إنّما الدين منع عنه.

و بالجملة؛ أنّه لا إشكال في أنّ للوارث حقّ إقامة الدعوى و إثبات المدّعى به أو إحلاف المنكر.

و أمّا حلفه، فلا يجوز و لو بضمّه إلى شاهد واحد؛ لأنّ الحقّ حسب الفرض متعلّق بالغير و لا يستفاد ذلك من عبارة المحقّق أيضا، كما لا دليل على جوازه.

و أما الإجماع المدّعى في «الجواهر» (1)فلم يثبت محصّله و لا منقوله؛ كما هو بنفسه قدّس سرّه أيضا شاكّ فيه لنقله على نحو التعليق، كما أنّ دأب الفقيه- إذا لم يثبت عنده الإجماع أو الشهرة، بل توهّمهما- النقل كذلك (2).

فكيف كان؛ لا إشكال في ما في «الشرائع» على مبناه لو لا إلحاق ما عرفت.


1) جواهر الكلام: 40/ 268.

2) و لعلّ دعوى الإجماع مبنيّ على الانتقال بالوارث و كونه رهنا حتّى يؤدّي الدين، و لذا زاد العلّامة قدّس سرّه في قواعده لفظة «فله الحلف» بعد التصريح بما ذكرنا من الانتقال (قواعد الأحكام: 2/ 212) .. إلى آخره، و في إرشاده (إرشاد الأذهان: 2/ 144 و 145 و 147) و إن أفتى مطلقا، مع أنّ مبناه فيه على عدم الانتقال، و لكن استشكل الأردبيلي قدّس سرّه عليه بعدم تماميّته على هذا المبنى (مجمع الفائدة و البرهان: 12/ 127- 129)، فراجع! «منه رحمه اللّه».

ثمّ إنّه بناء على جواز الحلف إمّا منضمّا إلى الشاهد الواحد أو عند الردّ، فإذا ثبت الحقّ و أخذه؛ يأخذه الغرماء منه فيما لو لم يكن المديون حلف لهم، و لم يقع بينهما المخاصمة بلا إشكال في هذه الصورة.

و إنّما الكلام لو وقعت المخاصمة قبلا بينهما، و حلف المديون على عدم الحقّ، فإنّه قد يتوهّم حينئذ أنّه لمّا كانت اليمين ذهبت بما فيه فليس يبقى لهم حقّ بالنسبة إلى ما يؤخذ من المديون، لكون ما يأخذه الوارث عنهم هو الّذي حلف المديون للديّان بعدم اشتغال ذمّته به و عدم حقّ لهم على ذمّته، فكيف يجوز لهم بعده أخذ المال من الوارث؟

و لكنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان المراد من «ذهبت اليمين بما من الحقّ» (1)الإذهاب مطلقا، بمعنى أن يكون للدليل إطلاق يوجب سقوط حقّ الديّان عن المحلوف به، حتّى لو ثبت من جهة اخرى غير المخاصمة الواقعة بينهم و بين الغريم، فحينئذ ليس لهم التصرّف في ما يأخذه الوارث.

و أمّا لو كان غاية مدلوله- كما هو التحقيق- [إ] ذهاب الحقّ من هذه الجهة- أي المخاصمة الواقعة بين الديّان للميّت و الغريم- بحيث إنّه ليس لهم بعد الحلف تجديد الدعوى مع الغريم، و أمّا أنّه لو ثبت المال للميّت من طريق آخر فلا ربط له بالمخاصمة الواقعة بينهما حتّى يسقط بالحلف فيها حقّهم عن المال رأسا.

لا يقال: إنّه لو انتقل المحلوف بأحد النواقل من الحالف إلى غيره لا يجوز المخاصمة مع الغير ثانيا و أخذه منه بلا إشكال، فكيف يجوز الأخذ من الوارث


1) وسائل الشيعة: 27/ 244 الباب 9 من أبواب كيفيّة الحكم.

و أيّ فرق بين ما لو أخذه بحكم الحاكم و [بين] ما لو انتقل إليه بسبب آخر.

و بالجملة؛ قد أشرنا سابقا أيضا إلى أنّ اليمين إنّما يذهب بالحقّ واقعا لا مطلقا، بل من جهة المخاصمة الّتي وقعت اليمين فيها فتأمّل! فإنّه ربّما ينافي ذلك ما تقدّم في بحث آثار اليمين ممّا قاله الأصحاب و ارتضاه دام ظله أيضا.

ثمّ إنّه قد انقدح ممّا ذكرنا أنّ للديّان أيضا تحرير الدعوى مع الغريم و مطالبة مال الميّت عنه لتعلّق حقهم بما تركه مطلقا.

بقي الكلام في أنّه لهم الحلف أيضا، كما كان للوارث لو انتهى الأمر إلى حلفه للردّ أو جزء البيّنة، أم لا

تحقيق ذلك أنّه إمّا أن يكون المراد- من لفظ «ما ترك» في الحديث «ما تركه الميّت فهو لوارثه» (1)- الجهة التقييديّة، بمعنى أن يكون المال المقيّد بأنّه ترك من الميّت لوارثه لو لم يكن له دين، و إلّا فللديّان أيضا مقيّدا بالوصف.

و إمّا أن يكون الوصف تعليليّا، بأن يكون المال لا مقيّدا به بل مطلقا للميّت أو الديّان، فلا يكون للوصف العنواني مدخليّة في ثبوت الحكم.

فعلى الأوّل؛ لو كان المدّعي للغريم الديّان ليس لهم الحلف، إذ عليه إنّما يتعلّق حقّهم بمال ثبت كونه ممّا ترك من الميّت، و الحلف إنّما يثبت المال لا هذا العنوان الّذي مرجعه إلى إثبات حقّ الغير.

و أمّا على الثاني؛ فلو فرضنا أنّ الديّان ما تعرّضوا في دعواهم لكون المدّعى عليه مالا للميّت المديون لهم حقيقة، بل ادّعوا اشتغال ذمّة الغريم فعلا بهم و أنّهم مطالبون منه المال، فلا إشكال حينئذ في حلفهم، لكون المفروض عدم


1) وسائل الشيعة: 18/ 424 الحديث 23969.

توقّف تعلّق حقّهم على ثبوت العنوان حتّى يكون ذلك مانعا واقعا، و لا هم ادّعوا الاشتغال بالنسبة إلى الميّت حتّى يكون المدّعى به ما يرجع إلى حقّ الغير، فلا يجوز الحلف عليه؛ فالأقوى جواز الحلف للديّان في هذه الصورة، فتدبر!.

انتقال مال الميّت و عدمه

ثمّ إنّه لمّا كان الفرع المذكور مبنيّا على الميّت المديون بالورثة في انتقال التركة إلى الوارث و عدمه، لا بأس بصرف عنان الكلام إلى أصل تلك المسألة.

فنقول: أوّلا ما هو المعروف من الأقوال فيها قولان:

أحدهما: عدم الانتقال مطلقا، سواء كان الدين مستوعبا فجميع المال لا ينتقل، أو غير مستوعب فعلى مقدار الدين، و لا يبعد استناد ذلك إلى المشهور.

ثانيهما: الانتقال مطلقا، و قد ارتضاه في «الجواهر» (1)و أمّا القولان الآخران المتعاكسان من التفصيل بين المستوعب و غيره فنادران (2)أمّا للمشهور؛ فقد استدلّ بوجوه من الآيات و الأخبار و السيرة المذكورة بتفصيلها في باب الحجر ذيل مسألة منجّزات المريض في «الجواهر» (3).

فالآن نحن نتكلّم في ما يقتضيه الأصل و عمومات باب الإرث في المسألة.

فنقول: الّذي تقتضيه الرواية المعروفة من أنّ «ما تركه الميّت فهو


1) جواهر الكلام: 26/ 84، 85، 89، 93 و 40/ 267.

2) كما أنّه لا إشكال في عدم الانتقال إلى الديّان، و في عدم استقلال الوارث في التصرّف بل المال رهن حتّى يؤدّى الدين و إنّما النزاع في بقائه على حكم مال الميّت و عدمه «منه رحمه اللّه».

3) جواهر الكلام: 26/ 87- 92.

لوارثه» (1)فالأصل انتقال مال الميّت مطلقا إلى وارثه، و إنّما الكلام في مخصّصها و هو قوله تعالى في صدر آية الإرث، من أنّه إنّما هو مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (2).

فيبقى البحث في مفاد هذا المخصّص، فإمّا أن يكون المراد من البعديّة التأخّر الزماني، و إمّا التأخّر الرتبي، فعلى كلّ حال؛ ظاهر الآية تدلّ على توقّف تملّك الورثة المال على عدم وجود الوصيّة و الدين، و يدور الأمر بين أن يكون المراد عدم الانتقال إليهم رأسا أو عدم استقرار الملك لهم معه؛ فلا بدّ حينئذ من رفع اليد عن عموم «ما تركه الميّت فهو لوارثه» و تخصيصه بها، و لكنّ ذلك يختلف كيفيّة بالنسبة إلى الوصيّة بالنتيجة و السّبب أو الدين.

توضيح ذلك أنّه: إمّا أن يكون المراد بما ترك هو المتروك الخارجي و ما خلّفه، أعمّ من أن يكون قابلا لأن تتملّكه الورثة، بأن لا يكون فعلا متعلّقا لحقّ الغير و عدمه، أو المراد به المتروك الساذج الّذي لم يتعلّق به حقّ الغير فعلا، بل لو كان فيحتاج إلى أسباب اخر غير ما فعله الموصي.

فعلى الأوّل لمّا يقطع بخروج الوصيّة التمليكيّة عن هذا العموم بالآية الشريفة (3)، فيقع التعارض بين العموم و دليل تلك الوصيّة، فبعد التزاحم مع القطع المزبور لا محيص عن حمل عموم ما ترك على الحكم الاقتضائي و دليل الوصيّة على الفعلي، و معناه أنّ الحكم ثابت ما لم يقرن مانع الوصيّة؛ و لا إشكال في أنّه لا


1) وسائل الشيعة: 18/ 424 الحديث 23969، مستدرك الوسائل: 13/ 398 الحديث 15718 مع اختلاف.

2) النساء (4): 11.

3) النساء (4): 11.

يمكن الالتزام بانتقال ما ترك إلى الورثة في تلك الوصيّة، ثمّ ينتقل منهم إلى الموصى له، ضرورة أنّه في الوصيّة التمليكيّة يتلقّى المال الموصى له من الموصي بلا خلاف.

فانقدح أنّه لا بدّ أن يجعل الحكم المستفاد من عموم ما ترك بالنسبة إلى هذه الوصيّة اقتضائيّا، و لا يعقل أن يكون فعليّا معها، و لمّا كان حكم الوصيّة بالسبب و كذلك الدين مستفادا من الآية الشريفة المخصّصة أيضا، فلا بدّ أن يجعل الحكم بالنسبة إليهما أيضا اقتضائيّا، إذ ليس لنا إلّا لفظ واحد و هو قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ (1)... إلى آخره إذ لا مجال لأن يحمل هذه اللفظة الواحدة- أي كلمة «بعد» في الوصيّة التمليكيّة- على معنى، بأن يراد منه بالنسبة إلى هذا المخصّص عدم انتقال ما ترك رأسا، و في غيرها على معنى آخر، و هو الانتقال و عدم الاستقلال و الاستقرار، كما لا يخفى.

و بالجملة؛ فالمراد بعموم «ما ترك» بعد رعاية وقوع التخصيص عليه هو بيان حكم اقتضائي، فحينئذ لا يبقى لنا دليل على انتقال المال إلى الورثة عند وجود الدين و الوصيّة، و لمّا لا دليل على الانتقال إلى الديّان أيضا فلا محيص عن الالتزام ببقاء المال على حكم مال الميّت.

و المناقشة في ذلك- أوّلا بأنّ الميّت ليس قابلا للتملّك فيبقى الملك بلا مالك؛ و ثانيا بأنّه يلزم عدم اشتراك ابن الابن مع عمّه لو مات أبوه بعد الجد و أبرأ الديّان الجدّ بعد موت الابن- مدفوعة.

أمّا الاولى بأنّه يكفي فيه المالك الحكمي، و نظيره في الشرعيّات كثير؛


1) النساء (4): 11.

لأنّ الزكاة مال الفقراء، أي طبيعة الفقير، فتأمّل، و يوقف على الأموات و على القناطر، بل الأوقاف العامّة كلّها ممّا لا مالك حقيقيّا لها بل اعتبار المالك لها، و غير ذلك من الموارد الّتي أوردها في «الجواهر» (1)أيضا.

و أمّا الثانية: فإنّه يكفي لتملك ابن الابن و اشتراكه وجود المقتضي له حين تحقّق السبب و هو موت الجدّ، و إنّما كان الدّين مانعا، فعند ارتفاعه فالمقتضي الّذي كان حين تحقّق السبب يؤثّر.

أقول: هذا الجواب لا يخلو عن إشكال؛ لأنّ المفروض أنّ ابن الابن لا يتلقّى المال إلّا عن أبيه؛ و أمّا هو فحين وجوده كان المقتضي غير مؤثّر لوجود المانع، و الآن الّذي ارتفع هو ليس بموجود.

إلّا أن يقال: إنّ برفع المانع فعلا المقتضي السابق يؤثّر من حال حدوثه الّذي كان الدين وقته موجودا أيضا، فتأمّل!.

إن قلت: هذا كلّه لو كان المراد من الآية أنّ انتقال المال إلى الورثة إنّما هو بعد إخراج الوصيّة و الدين منه، و أمّا لو قلنا: إنّها ليست في مقام بيان هذه الجهة، بل إنّما سيقت لبيان حكم التسهيم، و أنّه إنّما يكون بعد إخراج الوصيّة و الدين- كما استظهر ذلك صاحب «الجواهر» قدّس سرّه (2)أيضا- فلا ترتبط الآية بما نحن فيه.

قلت: أوّلا؛ إنّ ما ذكرت من اختصاص مدلول الآية ببيان حكم التسهيم ممنوع، بل مفادها أنّ اللّه تعالى يحكم بأنّ المنتقل إلى الوارث من الميّت يسهّم بينهم بما فصّلها، ثمّ يخصّص ذلك- أي الانتقال و التسهيم- بغير الوصيّة و الدين، و أمّا فيهما فالحكم منفيّ.


1) جواهر الكلام: 26/ 88- 93، كالوصيّة بالثلث للعبادة. «منه رحمه اللّه».

2) جواهر الكلام: 26/ 91.

و ثانيا؛ أنّه مع تسليم عدم التعميم أنّه لمّا كنّا نعلم خارجا بملازمة التسهيم مع وجود الملك و انتقال المال إلى الورثة، فعلى هذا؛ و لو لم يكن الانتقال مدلولا لفظيا للآية، إلّا أنّه نظرا إلى الملازمة فكلّ حكم تعلّق باللازم يرد على الملزوم أيضا.

و بعبارة اخرى: بعد ثبوت الملازمة فكما أنّ حكم التسهيم يخصّص، فكذلك الانتقال الملازم معه، كما لا يخفى.

أقول: يمكن الدعوى بأنّ ما أفاده- دام ظلّه- لا يبتني على كون صدر الآية في مقام بيان الحكم المزبور، بل لمّا لا إشكال في أنّ من جملة أدلّة الوصيّة ذيل هذه الآية، و لا بدّ به من رفع اليد عن عمومات الإرث مثل «ما ترك» و نحوه، فلا بدّ أن تراعى النسبة بينه و بينها، ثمّ يجري الكلام المذكور فيهما.

و بالجملة؛ لا محيص عن تخصيص عمومات الإرث بأدلّة الوصيّة، و لا شبهة في أنّ دليل الوصيّة التمليكيّة و السببيّة واحد، و أنّ الوصيّة التمليكيّة مانعة عن أصل الانتقال و إن كان يظهر من «الجواهر» (1)المناقشة فيها أيضا في مسألة كون القبول ناقلا أو كاشفا و احتياج الوصيّة إلى القبول، فلا بدّ من الالتزام به في غيرها لاتّحاد السياق، إلّا أن يقال: لا وجه للالتزام به في الدين، و يمكن الجواب عنه بعدم القول بالفصل (2).

ثمّ إنّ هذا كلّه لو التزمنا بالتخصيص في عموم ما ترك و أمّا على الثاني (3)-


1) جواهر الكلام: 26/ 61.

2) بالتفصيل (خ ل).

3) بأن يكون المراد بما ترك المتروك الساذج. «منه رحمه اللّه».

و هو التخصيص- فالأمر أوضح، إذ لازمه عدم قابليّة الموصى به لأن يتملّكه الوارث رأسا، فلا موضوع للانتقال أصلا، سواء كان التمليكيّة أو السببيّة أو الدين، لما نعلم من عدم الفرق بينها، و اتّحاد حكمها في الشريعة.

هذا؛ و لنا بيان آخر يثبت به المطلوب، و هو أنّه إمّا أن يقال: إنّه يستفاد من الآية الشريفة انتقال المال بمجموعه، و لكنّ التسهيم لا يقع إلّا على بعض منه، أي غير متعلّق الوصيّة و الدين، مع أنّ الملازمة بين الانتقال و ورود التسهيم على المنتقل يقتضي وقوعه على الجميع؛ و إمّا أن يقال بعدم استفادة الانتقال منها رأسا، بل تدلّ على بيان التسهيم فقط.

فعلى الأوّل؛ يلزم التخصيص في عموم «الناس مسلّطون» (1).. إلى آخره، إذ المفروض الانتقال و الحجر عن التقسيم.

و على الثاني: يلزم التخصيص بها و بغيرها من أدلّة الوصيّة في عموم ما ترك.

فعلى كلّ تقدير؛ أحد التخصيصين لازم، و الأمر يدور بينهما إمّا بأن تخصّص القاعدة مع الالتزام بالانتقال، أو يخصّص عموم «ما ترك».

فحينئذ؛ لو لم نقل بترجيح الثاني له؛ فلا أقلّ من التساقط، و المرجع الأصل، و هو أصالة بقاء المال على ملك الميّت، أو أصالة عدم الانتقال إلى الورثة.


1) عوالي اللآلي: 1/ 222 الحديث 99.

حجر الوارث عمّا قابل الدين و الوصيّة من المال

فالتحقيق في المسألة ما عليه المشهور من حجر الوارث عمّا قابل الدين و الوصيّة من المال.

ثمّ إنّه بعد ذلك هل يتعلّق حقّ الديّان بأعيان التركة، بحيث لم يكن للوارث تبديلها و أداء الدين من كيسهم، أم لا، بل حجرهم إنّما يكون بالنسبة إلى ذات المال في مقابلهما فقط؟

فنقول: لمّا كان اللازم حفظ ظهور العامّ كليّا، و عدم رفع اليد عنه بقدر الإمكان، فلا بدّ من مراعاة ذلك في المقام أيضا، بأن لا يلتزم بالتخصيص بالنسبة إلى عموم «ما ترك» ... إلى آخره، إلّا بالمقدار المتيقّن، و القدر المسلّم من تخصيص أدلّة الوصيّة و الدين له هو تخصيصه بالنسبة إلى ذات التركة، و إبقاء الخصوصيّة بأن يكون الوارث محجورا عن ذات التركة و مقدار ماليّته في مقابل الدين و الوصيّة؛ و أمّا خصوصيّتها فهي ممّا ينتقل إليه إبقاء للدليل على ظهوره بالنسبة إليها.

فعلى هذا؛ يصير مقتضى الجمع بين الدليلين- أي أدلّة الدين و عموم «ما ترك»- هو تعلّق حقّ الديّان بمال كلّي متعلّق بالتركة بمقدار الدين، نظير تعلّق حقّ مشتري الصاع من الصبرة بالكلّي فيها، فإنّه و إن كان هذا المعنى مخالفا للقاعدة، إلّا أنّه لا مجال من المصير إليه بعد ورود الدليل الخاصّ عليه، كما في المقام أيضا على مقتضى الجمع بين الدليلين فللورثة حينئذ إبدال خصوصيّة المال بمال آخر و أداء الدين من كيسهم؛ لبقاء الخصوصيّة تحت سلطنتهم، فلا

فرق في هذه الجهة بين أن يقال بانتقال المال إلى الورثة مطلقا مع الدين، أو بني على حجرهم، كما لا يخفى.

كما أنّ الباقي على حكم مال الميّت ممّا ترك هو كذلك، أي الكلّي منه بمقدار الدين، فحينئذ لو تلف من التركة شي‌ء بعد الموت أو نقص من السعر؛ النقص و كذلك التلف يردان على الورثة، و لا يضرّ الديّان شيئا، فما كان شي‌ء من أعيان التركة باقية بحيث تكون قابلا لانطباق ذاك الكلّي أو بعضه عليها فمال الميّت و كذا حقّ الديّان ثابت.

ثمّ إنّ من فروع هذه المسألة هو أنّه لو وقع التزاحم بين الدين و الوصيّة في مقدار الثلث هل يقدّم الدين أو الوصيّة، بحيث يختصّ الثلث به؛ و لو كان الدين مستوعبا؟ إشكال، خصوصا في الوصيّة التمليكيّة؛ إذ المفروض أنّه قبل موت الموصي كلاهما غير متعلّق بأعيان التركة، و له أن يصنع بها ما شاء، و إنّما تعلّق حقّ الدّيان يكون بعده، ففي الآن الّذي يتعلّق حقّ الديّان بالتركة أيضا ينتقل الموصى به إلى الموصى له، و لا يحتاج إلى سبب آخر حسبما فرضنا تقدّم سببه على الموت، و يكون ذلك نظير الواجب المعلّق، فلا وجه لتقديم الدين عليها على مقتضى القاعدة، بل يمكن الدعوى بأنّ الوصيّة، كذلك لا تبقى الموضوع لأن يتعلّق به الدين بالنسبة إلى الموصى به، و لو منع منه فلا أقلّ من التزاحم.

و أمّا الآية الشريفة (1)أيضا خصّصت المال المقسوم بغير الوصيّة و الدين بلا بيان ترجيح لأحدهما على الآخر.

هذا؛ ما يظهر من الحكم في المسألة في بادئ النظر، و لكنّك خبير بفساده،


1) النساء (4): 12.

لأنّه لا إشكال في أنّ نفوذ الوصيّة موقوف على قابليّة المحلّ له، الّتي لا بدّ أن تحرز هي من الخارج، و لا يمكن استكشافها عن دليل الوصيّة؛ لانحصارها ببيان الحكم، و مع فرض تعلّق الدين و حقّ الديّان بالتركة بالموت لا يبقى الموضوع للوصيّة، و يكشف ذلك عن وقوع عقد الوصيّة و فساده، إذ هو من قبيل الواجب المشروط لا المعلّق- كما توهّم- و المفروض أنّه عند تحقّق الشرط الموضوع خرج عن القابليّة؛ لتعلّق حقّ الديّان به، فيكون موضوع الوصيّة من قبيل ما اخذت القدرة الشرعيّة فيه، و الدين ما اخذت القدرة العقليّة [فيه].

هذا؛ مضافا إلى ورود النصّ على تقديم الدين على الوصيّة (1)مطلقا، مثل ما ورد في باب الحجّ (2)، و كذلك الزكاة (3).

أقول: إنّ ما أفاده- دام ظلّه- في وجه تقديم الدين على الوصيّة لا يخلو عن نظر؛ لكونه مشتملا على دور واضح.

ضرورة؛ أنّ ارتفاع قابليّة الموضوع و التركة عن نفوذ الوصيّة موقوف على تقديم دليل الدين و تعلّق حقّ الديّان بالأعيان حتّى في متعلّق الوصيّة، و ثبوت ذلك يتوقّف على عدم نفوذ دليل الوصيّة، فيتوقّف عدمه على نفوذ دليل الدين بالنسبة إلى مورد الوصيّة، و الموضوع الخارجي أيضا قابل لنفوذ كلّ واحد من الحكمين و تعلّق كلا الأمرين بلا ترتّب بينهما؛ فما أشار- دام ظله- من أنّ القدرة بالنسبة إلى أحدهما شرعيّ و الآخر عقلي أيضا ما عرفت وجهه.


1) وسائل الشيعة: 19/ 329، الباب 28 من كتاب الوصايا.

2) وسائل الشيعة: 11/ 68 الباب 26 من كتاب الحجّ.

3) وسائل الشيعة: 19/ 259 الباب 2 من كتاب الوصايا.

فالأولى في وجه التقديم التمسّك بالحديث المعروف (1)عن أحدهما عليهما السّلام، بأنّ ما يبدأ من مال الميّت الكفن، ثمّ الديون، ثمّ الوصايا، ثمّ الميراث (2)، كما وقع هذا التعبير في معاقد الإجماعات أيضا، فراجع و تأمّل.


1) عن السكوني و غيره. «من رحمه اللّه».

2) الكافي: 7/ 23 الحديث 3، من لا يحضره الفقيه: 4/ 143، الحديث 488، وسائل الشيعة: 19/ 329 الحديث 24708.

المقصد الثامن: في الشاهد و اليمين

اشارة

إنّما البحث في ذلك من جهات، و لا إشكال في كونهما في الجملة من الموازين.

اشارة

و إنّما الكلام أوّلا: في أنّه هل يلزم تقديم إقامة الشاهد على اليمين، أم يجوز التأخير أو المقارنة أيضا، و يتمّ الميزانيّة حينئذ؟

و ثانيا: أنّ الميزان مركّب من الأمرين أم يكون أحدهما و الآخر شرط؟

و ثالثا: في مورد إجرائهما، و أنّه يثبت بهما مطلق الحقوق، أم لا؟

[الجهة الأولى في أنّه هل يلزم تقديم إقامة الشاهد على اليمين، أم يجوز التأخير أو المقارنة أيضا، و يتمّ الميزانيّة حينئذ؟]

أمّا الكلام من الجهة الاولى فإنّما يتمّ بملاحظة أدلّة الباب، و أنّه يستفاد من الأخبار الواردة فيه الترتيب (1)، أم لا؟

فنقول: الانصاف أنّ من راجع إلى أخبار الباب يظهر له عدم استفادة الترتيب منها أصلا، فإنّ جملة منها قد عبّر فيها بلفظ «مع» الّتي ظاهرها كون مجموع الأمرين ميزانا، و الاخرى قد عطف اليمين على الشاهد بالواو، و لا ريب أنّ ظاهرها تدلّ على الجمع أيضا؛ مضافا إلى كون اليمين في بعضها مقدّما المستكشف منه عدم كون الترتيب ملحوظا أصلا، بل إنّما شرع ميزانيّة المجموع.

و بالجملة؛ فالأخبار بحسب المدلول اللفظي لا تدلّ على الترتيب، فلو لم يمكن إثبات عدم اشتراط تقديم الشاهد بظواهرها، و سلّم عدم كونها في مقام


1) وسائل الشيعة: 27/ 264 الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

بيان هذه الجهة، بل إنّما سيقت لبيان أصل التشريع، فلا أقلّ من إطلاقها مجال إثبات عدم الاشتراط واسع، كما لا يخفى.

فظهر أنّه لا سبيل إلى إثبات اشتراط الترتيب من النصوص، و أمّا ما تمسّك له بعضهم من أنّ وظيفة المدّعي لمّا كانت إقامة البيّنة فلا بدّ من أن يعمل وظيفته، فإنّما هو اجتهاد في مقابل النصّ.

ضرورة أنّه قد ثبت بهذه الأخبار وجود وظيفة اخرى له، كما أنّ ما استدلّ للقول بالعكس بأنّ المدّعي لمّا يصير بسبب قيام شاهد على دعواه قوله موافقا للظاهر، فيصير بذلك منكرا، فيصير حينئذ وظيفته اليمين.

ففيه أيضا ما عرفت في المباحث السابقة، من عدم تماميّة أصل هذا المدّعى، مضافا إلى أنّ الظاهر الّذي يكون حجّة، يوجب صيرورة من كان قوله موافقا له منكرا لا ما لم يثبت حجيّته، و لا خفاء في أنّ الحجّة؛ البيّنة- أي قول العدلين- لا الشاهد الواحد، فالتحقيق عدم اشتراط تقديم أحدهما على الآخر، كما عليه بعض (1)، فتأمّل (2)!.

[الجهة الثانية أنّ الميزان مركّب من الأمرين أم يكون أحدهما و الآخر شرط؟]

و ممّا ذكرنا انقدح البحث في الجهة الثانية، و أنّ الميزان كلا الأمرين مركّبا بلا حيث تقيّد في البين، و ذلك لما يقتضيه ظاهر الجمع بينهما في الأخبار الدالّة على كون الأثر مستندا إلى الأمرين، بلا أن يكون فيها ما يشعر على عنوان القيد و الاشتراط أصلا.

[الجهة الثالثة: في مورد إجرائهما، و أنّه يثبت بهما مطلق الحقوق، أم لا؟]

و أمّا الكلام في الجهة الثالثة: فنقول: إنّ لنا طوائف ثلاثة من الأخبار:


1) جواهر الكلام: 40/ 270.

2) و قد ادّعي الإجماع على الترتيب. «منه رحمه اللّه».

اولاها: ما تدلّ على جريانهما في مطلق الحقوق الماليّة، أو ما يكون المقصود الأصلي بها المال (1)، و هذه أكثرها عددا و عملا، بل بناء المشهور على ذلك، و قد عدّد في «الشرائع» المصاديق الّتي تحت هذا العنوان (2).

ثانيتها: ما يستفاد منها ميزانيتهما في الدين خاصّة (3)، و قد عمل بها جماعة من القدماء، و خصّصوا بها الاولى لاستفادة التقييد منها (4)، و إن أمكنت المناقشة في الحديث الأوّل المذكور في «الجواهر» (5)من هذه الطائفة بعدم كونه في مقام التقييد، و لكنّ ثاني الحديثين صريح فيه، لمكان قوله عليه السّلام فيه «و ذلك في الدين» (6)فحينئذ مناقشة [صاحب] «الجواهر» قدّس سرّه (7)مدفوعة.

ثالثتها: المرسل النبويّ (8)، و خبر «الدعائم» (9)، الدالّين على إجرائهما في الأموال مطلقا، و لكن هذه الطائفة- مضافا إلى ضعف سندها- معرض عنها، مع أنّه لا محيص عن تقييدها بأخبار الدين كالطائفة الاولى.

و بالجملة؛ مقتضى صناعة الإطلاق و التقييد العمل بالأخبار الثانية، و قصر


1) وسائل الشيعة: 27/ 264 الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم.

2) شرائع الإسلام: 4/ 137.

3) وسائل الشيعة: 27/ 264 الحديث 33732 و 265 الحديث 33736 و 268 الحديث 33741 و 33742.

4) النهاية للشيخ الطوسي: 334، غنية النزوع: 1/ 439، المراسم: 233.

5) جواهر الكلام: 40/ 273.

6) وسائل الشيعة: 27/ 265 الحديث 33736.

7) جواهر الكلام: 40/ 273 و 274.

8) الهداية للصدوق: 288، مستدرك الوسائل: 17/ 380 الحديث 21637.

9) دعائم الإسلام: 2/ 522 الحديث 1862، مستدرك الوسائل: 17/ 379 الحديث 21632.

الحكم بباب الدين، كما عليه القدماء.

و لكنّ الإشكال في أنّه قد أعرض عنها المشهور، و عملوا بطائفة الاولى و لكن لا بإطلاقها؛ ضرورة أنّ مفادها ميزانيّة الأمرين في مطلق الحقوق، و لا اختصاص فيها بما يكون الغرض منه مالا، و لذلك عمل بإطلاقها صاحب «الجواهر» (1)، و اعترض عليهم بعدم موجب لعدم إجرائهما في سائر الحقوق خصوصا مع شدّة ظهورها في الإطلاق نظرا إلى مقابلتها بما لا يرجع إلى الحقّ العبادي، و ليس قائما بالأشخاص، نظير رؤية الهلال و أمثالها (2)، فعلى هذا تصير المسألة مشكلة.

و التحقيق؛ أنّه لمّا لا إشكال في إطلاق الحقّ في الأخبار على الأموال و الحقوق مطلقا ممّا يكون قابلا للنقل كحقّ التحجير الّذي يرجع في الحقيقة إلى اعتبار الماليّة، أو نقل ما هو المال (3)و إن لم يكن مطلقا تامّا، و ما ليس قابلا له كحقّ الخيار الّذي ليس لنفسه ماليّة و إن كان في إسقاطه الماليّة، و ما ليس فيها اعتبار الماليّة أصلا كحقّ الوصاية و الوكالة و الولاية و غيرها، فمقتضى إطلاق الطائفة الاولى ميزانيّة اليمين و الشاهد في مطلق الحقوق القائمة بالأشخاص، و لكن أخبار الدين (4)تقيّدها بما يكون المقصود من الحقّ ما لا؛ لعدم إطلاق الدين على غيره.

و يبقى الإشكال في أنّ الدين إنّما قيامه على الذمّة؛ فعلى هذا، لا بدّ أن لا


1) جواهر الكلام: 40/ 274- 275.

2) جواهر الكلام: 40/ 274.

3) مستدرك الوسائل: 17/ 111 الباب 1 من أبواب إحياء الموات، جواهر الكلام: 38/ 59.

4) مرّت الإشارة إليها آنفا.

يجري الأمرين في دعوى الأعيان، مع أنّ صريح حديث درع طلحة (1)الّذي من جملة تلك الطائفة إجراؤهما فيها.

و لكنّه مدفوع بأنّه لا بدّ حينئذ من جعل حصر خبر الدين إضافيّا بالنسبة إلى الأعيان و اختصاصه بالحقوق الغير الماليّة، فبذلك يجمع بين الأخبار، كما يجمع بين عمل القدماء و المتأخّرين؛ و يتمّ مدرك المشهور أيضا، و وجه اختصاصها بالحقوق الماليّة.

لا يقال: إنّ الأمثلة الّتي وقعت في كلمات المشهور مثل دعوى الصلح و الهبة و الوصيّة له و قتل الخطأ و غيرها، لا ينطبق عليها عنوان الدين، فكيف يحمل قولهم على ما ينطبق عليها، و يجعل ما ذكر قرينة على كون بنائهم على الجمع بين الأخبار بالتقريب المذكور؟

فإنّه يقال: إنّ مرجع الأمثلة المذكورة كلّها إلى دعوى الدين بنفسه أو كونه لازم الدعوى، كما يظهر بالتأمّل فيها، و لا ريب أنّ لازم الدعوى أيضا حجّة، و لعلّ نظر من حمل الدين على معنى المال، إلى ما ذكرنا.

و كيف كان؛ على ذلك يرتفع الخلاف من البين، و لم يطرح الأخبار أيضا، بل عمل بجميعها.

و أمّا الخدشة في حديث درع طلحة (2)، بأنّ مدلوله غير معمول به بالنسبة إلى مورده فيسقط عن الاعتبار؛ فباطلة بأنّ غرض الإمام عليه السّلام في الواقعة إفحام


1) الكافي 7/ 385 الحديث 5، من لا يحضره الفقيه: 3/ 63 الحديث 4، وسائل الشيعة: 27/ 265 الحديث 33737.

2) وسائل الشيعة: 27/ 265 الحديث 33737.

شريح و إبطال قوله، بأنّه لا يحكم للمدّعي إلّا بشهادة عدلين مطلقا كليّا، و لا يلزم من ذلك أن يكون الحكم قابلا لإجرائه في المورد، مضافا إلى أنّ الحديث فهمه مشكل من جهات منها يكون ذلك، و لا شبهة في أنّ ذلك لا يوجب سقوطه عن الاعتبار من حيث جهاته الواضحة أيضا، كما لا يخفى، فتأمّل!.

ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا حال الأفراد المشكوكة، و الضابطة فيها أنّه: كلّ ما ثبت دخولها في عنوان الدين و الطلب المالي بحيث يكون المقصود أصلا أو تبعا إثبات المال فثبت باليمين و الشاهد، لا ما كان ثبوت المال من لوازمه و الآثار المترتّبة عليه، كدعوى النكاح الّذي ليس المقصود به إلّا إثبات الزوجيّة و النسب، و كذلك دعوى الخلع و العتق و الوكالة و أمثالها، و إن كانت تختلف تلك الامور أيضا بحسب الموارد، إذ دعوى الزوجيّة بعد موت أحد الزوجين يكون المقصود بها المال أيضا، كما في دعوى الخلع إذا ادّعاه الزوج، و في الوكالة لو كانت راجعة إلى إثبات حقّ الوكالة؛ و كلّما شك في انطباق أحد العنوانين- أي الماليّة و عدمها- عليه، فداخلة تحت عنوان المخصّص (1)، و أصالة عدم الميزانيّة فيه محكّم لا أصالة عدم اشتراط ضمّ شاهد آخر، إذ هي من الأوّل مشكوكة، و لا يخفى أنّه في ما اكتفي فيه بالشاهد و اليمين تقوم المرأتان أيضا مقامه للنصّ، و هو خبر منصور (2)بن حازم المعتضد بعمل الأصحاب عليه جلّا، بل الإجماع القطعي ثابت في المسألة؛ فافهم و اغتنم!


1) أي الحقوق الغير الماليّة، فما لم يثبت خروجه عنه و دخوله في أفراد المخصّص، فحكم العامّ فيه ثابت نافذ، فتأمّل! «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 27/ 271 الحديث 33752.

فروع:

الأوّل: لو امتنع بعض الورثة عن الحلف مع إقامته الشاهد الواحد، هل يسقط حقّه رأسا، بحيث لو مات ليس لوارثه إقامة الدعوى ثانيا و الحلف، أم لا،

بل إنّما السقوط بالنسبة إلى الناكل بنفسه؟

التحقيق: أنّ للوارث حقّ إقامة الدعوى.

لأنّه أوّلا: نمنع أن يكون حكم الامتناع عن هذا الحلف حكم النكول عن اليمين الّتي هي وظيفة المنكر و قد ردّ إلى المدّعي.

و ثانيا: مع تسليمه، نقول: ليس المستند لسقوط حقّه سوى قوله عليه السّلام في الحديث: «فإن لم يحلف فلا حقّ له» (1)و من المعلوم ضرورة أنّ معنى ذلك أنّه لا حقّ له في إقامة الدعوى ثانيا، لا أن يوجب ذلك خروج الحقّ الواقعي عن كيسه، بل هو على كونه مالا للمدّعي واقعا باق، ثمّ لمّا كان بموت صاحب الحقّ الواقعي ينتقل المال إلى وارثه فله إقامة الدعوى و إثبات كون المال لمورّثه بالحلف.

و هل يكفي حينئذ ضمّه بالشاهد الواحد الّذي أقامه مورّثه، أم يحتاج إلى إقامة الشاهد ثانيا؟

الظاهر؛ أنّه يحتاج جديدا إلى إقامة شاهد آخر، إذ هذه دعوى جديدة لا ربط [له] بالاولى، و المفروض أنّه لا أثر للشاهد الأوّل، لعدم كونه تمام البيّنة و لا جزء البيّنة أيضا، فتدبّر!.

ثمّ لا يخفى أنّ صاحب «الجواهر» قدّس سرّه قد أنكر هنا كون اليمين الضميمة


1) وسائل الشيعة: 27/ 236 الحديث 33673.

هي اليمين المردودة (1)، مع أنّه قد تسلّم ذلك في أسطر مقدّم (2)على هذا الفرع، فراجع!.

[الثاني] [لو ادّعى جماعة مالا لمورّثهم]

الثاني: لو ادّعى جماعة مالا لمورّثهم و أقاموا شاهدا واحدا على الحقّ و حلفوا جميعا و امتنع بعضهم، فهل يكفي إشهاد الواحد لإثبات سهام كلّهم؛ أم لا، بل يحتاج ثبوت كلّ سهم إلى شهادة مستقلّة؟

ثمّ إنّه على كلّ تقدير، لو قبض بعضهم سهمه، فهل يختصّ به و لا يشاركه الممتنع عن الحلف، أم يشاركه؟

أمّا الكلام في الأوّل؛ فلا إشكال في كفاية شهادة واحدة، إذ هي في الحقيقة ينحلّ إلى شهادات متعدّدة، و يكون كشاهد واحد قد شهد في وقائع متعدّدة في امور مختلفة، و قد مضى هذا أيضا في كلام المحقّق قدّس سرّه فيما لو ادّعى جماعة دعوى واحدة (3).

و أمّا في الثاني؛ فقد انقدح البحث فيه في باب الشركة أنّ حكم المسألة على القاعدة أيّ شي‌ء هو؟

و خلاصته: أنّه في الدين المشترك إنّ ما في الذمّة لمّا كان مشتركا كلّ جزء منه الّذي يفرض له بين الدائنين كالعين الخارجي، و لا يختصّ أحدهم بشي‌ء منه


1) جواهر الكلام: 40/ 280.

2) جواهر الكلام: 40/ 274.

3) شرائع الإسلام: 4/ 93.

إلّا بقبضه سهمه و إنهاضه في الخارج؛ فحينئذ، ما يقبضه أحدهم لمّا لا يكفي قبضه إلّا بالنسبة [إلى] سهم نفسه من هذا المقبوض، و لا يكفيه قبضه سهم الآخرين؛ لعدم كونه وكيلا عنهم، فيشترك فيه بالنسبة إلى سهم الآخرين المديون، و تبطل الشركة بين الدائن القابض و الدائن الآخر، و تنقلب، بأن يتحقّق بينه و بين المالك، و إنّما يصل تمام حقّه إليه إذا قبض كلّ ما على ذمّته من مال الشركاء؛ فحينئذ، يكون المقبوض ماله بمقدار سهمه، و الزائد للمالك، فيكون مشتركا بينه و بين المديون، و تشتغل ذمّته بحقّ الباقين خاصّة، و تخلّص عن حقّ القابض لأخذه حقّه و وصوله به، فلا يبقى حينئذ محلّ و موضوع لأن يحكم ببقاء الشركة بينه و [بين] من لم يقبض حقّه.

هذا ما تقتضيه القاعدة فيما لو قبض الشركاء بعضهم شيئا من المال المشترك بلا إذن الباقين، سواء كان المقبوض مقاصّة من الغاصب، أو غيره (1).

و لكن في المسألة روايات خاصّة دالّة على أنّ المقبوض- سواء كان عينا أو دينا- مشترك بين الشركاء، و لا يختصّ به أحدهم إلّا بالتراضي و نحو معاملة (2)و قد عمل بها الأصحاب أيضا سوى ابن إدريس (3)، و خلافه شاذّ لا يعبأ به، فكذلك في المقام مع اعتراف القابض بمقتضى الشركة من الإرث و نحوه لا وجه لاختصاصه بما قبض، بل هو و الممتنع عن الحلف فيه سواء، و كلّ منهما بحسب سهمه شريك فيه، و إباؤه عن الحلف لا يسقط حقّه، سواء قلنا بالقضاء بالنكول، أو لم نقل به.


1) هكذا أفاد- دام ظلّه- و لكنّك خبير بأنّ هذا البيان لا يثبت و لا يتمّ به ما توهّمه من بطلان الشركة بين القابض و سائر الشركاء، و أيّ وجه لذلك و انقلابها بالشركة بينه و بين المديون؟ فافهم! «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 19/ 12 الباب 6 من كتاب الشركة.

3) السرائر: 2/ 402 و 403.

أمّا على الثاني فواضح، إذ لا وجه لسقوط حقّه.

و كذلك على الأوّل، ضرورة أنّ القضاء به لا يبطل حقّه واقعا، و إنّما يسقط في ظاهر الشرع، و المفروض أنّ الشريك الحالف معترف بثبوت حقّه كذلك، فهو مأخوذ بإقراره، و أصل المقتضي أيضا محقّق؛ فالتحقيق في المقام ما عليه المشهور.

[الثالث] [لو قال: هذه الجارية مملوكتي ...]

الثاني: في «الشرائع»: (لو قال: هذه الجارية مملوكتي و أمّ ولدي) (1)..

إلى آخره.

لا إشكال في المسألة من حيث دعوى أصل المملوكيّة و ثبوته بالشاهد و اليمين، لكونه دعوى ماليّا، و إن كان يحتمل أن تؤول إلى الحريّة؛ و إنّما الكلام من حيث إثبات الولد و حريّته.

أمّا الثاني؛ فالبحث مبني على أن نقول بعدم اختصاص أدلّة الشاهد و اليمين بما كان المقصود من الدعوى جلب المال، بل تعمّ ما لو كان الغرض سلب نفي الماليّة عن الغير و لو لم يترتّب عليه بالنسبة إلى المدّعي ماليّة، فحينئذ يثبت حريّة الولد بهما، و لكن ذلك لا يخلو عن الإشكال، إذ القدر المتيقّن ممّا خرج عن تحت المخصّص- و هو حديث الدين (2)- ما كان المقصود جلب المال، و أمّا مثل دعوى الحريّة الّتي في الحقيقة نفي المال عن المدّعى عليه، فلم يثبت


1) شرائع الإسلام: 4/ 93.

2) وسائل الشيعة: 27/ 264 و 265 الحديث 33732 و 33734 و 33736.

دخوله في ما ينطبق عليه العنوان- أي الدين و الماليّة- فهي باقية تحت العامّ أي الحقوق الغير القابلة لإثباتها بالأمرين.

أقول: و يمكن قلب ذلك، بأن يقال: إنّ ما يثبت أوّلا بعمومات الحقوق و الأخبار في هذه المسألة (1)هو جريان الأمرين و ميزانيّتهما لمطلق الحقوق الخلقيّة، ثمّ خرج عنها الحقوق الغير الماليّة- أي الدعاوى الغير المقصودة منها المال- فتلك العمومات بمنزلة أصل في الباب، هي المرجع عند الشكّ في المصاديق، و لا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن من المخصّص و هو حديث الدين (2)، فكلّ ما تيقّن خروجها عنها به فيجري عليه حكم المخصّص، و إلّا فهو المحكوم بالحكم العامّ.

اللّهم إلّا أن يقال: إنّه لمّا يستفاد من حديث الدين كونه لبيان الضابطة و يفيد الحصر، فهو الحاكم على العمومات فهو المرجع، فلا بدّ من إحراز انطباق هذا العنوان على ما يقصد إجراء الحكم عليه، فتأمّل!.

ثمّ إنّ ذلك إنّما هو بالنسبة إلى دعوى الحريّة من هذه الجهة أي صدق عنوان الماليّة عليها و عدمه.

و أمّا الكلام فيها من حيث تبعيّتها للولاية، فنقول: أمّا نفس دعوى الولاية فلا شبهة في عدم ثبوتها بالشاهد و اليمين؛ لعدم جريانهما في باب النسب بلا خلاف؛ و أمّا الحريّة التابعة لها، فإن قيل: إنّ الولديّة حيثيّة تعليليّة لإثبات الحريّة، فلا مانع من إثباتها بهما من هذه الجهة.


1) وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم و الدعوى.

2) وسائل الشيعة: 27/ 264 الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم و الدعوى.

و أمّا لو قيل: إنّها حيثيّة تقييديّة، فحينئذ لمّا كان إثباتها متوقّفا على ثبوت القيد- و قد عرفت أنّه ممّا لا يكاد يثبت بالأمرين- فمن هذه الجهة أيضا يمنع عن إثبات الحريّة بهما، كما لا يخفى.

[الرابع] [لو ادّعى بعض الورثة وقف المورّث]

الثالث: لو ادّعى بعض الورثة وقف المورّث شيئا لهم نسلا بعد نسل، فهل يثبت دعواهم ذلك بالشاهد و اليمين، أم لا؟

ثمّ على الأوّل، هل هي ثابتة بالنسبة إلى جميع البطون، و هم تابعون للطبقة الاولى في هذه الجهة، أم مستقلّون و ثبوت المدّعى به بالنسبة إليهم يحتاج إلى إقامة الأمرين، أو البيّنة ثانيا؟

تنقيح هذه المسألة موقوف على الإشارة إلى المباني في باب الوقف، و الاختلاف في كيفيّته في مثل هذه الأوقاف.

فنقول: إنّه وقع الخلاف في أنّ الوقف هل هو تمليك أو فكّ و تحرير؟

ففرّق بعض بين الأوقاف العامّة و الخاصّة، فالتزموا بأنّ في الاولى تحرير و في الثانية تمليك (1).

ثمّ إنّه بناء عليه، فاختلفوا فيه بالنسبة إلى البطون اللاحقة؛ فقال بعض بالتمليك التقطيعي، بمعنى أنّ الطبقة الاولى يملك العين عن الواقف، و لكن لا مطلقا، بل ملكا موقّتا إلى أن ينقرضوا، ثمّ تملّك الطبقة الثانية و الثالثة هكذا،


1) قواعد الأحكام: 1/ 269، جامع المقاصد: 9/ 62- 64.

ما دامت العين قابلة للانتقال و التمليك عن الواقف جميعهم (1).

و ذهب بعض آخر إلى أنّه تمليك إلى الطبقة الاولى فقط، ثمّ تتلقّى الثانية عنهم، و الثالثة من الثانية، و هكذا، و جميعهم محجورون عن التصرّفات غير ما عيّنه الواقف (2).

و ثالث إلى كونه تمليكا إلى الاولى فقط، و يتعلّق به حقّ الطبقات اللاحقة كتعلّق حقّ الديّان بمال الميّت الموجب ذلك لحجر الوارث في الجملة (3)، فهذه احتمالات أو أقوال في المسألة.

أمّا على مسلك التحقيق، من كون الوقف مطلقا تحبيسا سواء في الأوقاف الخاصّة أو العامّة، لا تمليكا على ما بيّنا في محلّه، من أنّ المستفاد من أدلّة الوقف مثل قوله عليه السّلام: «حبّس الأصل و سبّل الثمرة» (4)ذلك، و لا اختلاف في أنواعه، فالتحبيس له اعتبار عقلائي- كالتحرير في الوقف الخاصّ و العامّ كليهما- ثابت و مراد.

و إنّما الاختلاف بينهما من حيث المنافع، ففي الأوقاف الخاصّة تمليك منافع العين إلى الموقوف عليهم، و لذلك لهم القلب و انقلابها بلا أن يكون لهم التصرّف في نفس العين، و لكنّ التصرّفات في منافعها أيضا، مشروطة بأن لا


1) مسالك الإفهام: 13/ 523، جواهر الكلام: 40/ 291.

2) مسالك الإفهام: 13/ 523، الروضة البهية 3/ 167 و 178، جواهر الكلام: 40/ 291، تحرير الأحكام: 1/ 287، قواعد الأحكام: 1/ 272.

3) مسالك الإفهام: 13/ 524، جواهر الكلام: 40/ 292.

4) السنن الكبرى للبيهقي: 6/ 162، عوالي اللآلي: 2/ 260 الحديث 14، مستدرك الوسائل: 14/ 47 الحديث 16074.

يتجاوز عن حقّ كلّ طبقة، و ذلك؛ لأنّ تسبيل منافعها ليس بالنسبة إلى الطبقة الاولى أو الثانية مطلقا إلى الأبد، بل إنّما التسبيل الأبدي بالنسبة إلى جميع الطبقات إلى انقراضهم أو زوال العين، و لازم ذلك تملّك كلّ طبقة من الواقف منافعها بالنسبة إلى زمانه لا إلى الزمان الآخر، إذ ليس لطبقة ولاية على الطبقة اللاحقة.

و أمّا في الأوقاف العامّة؛ فليس التمليك بهذه الدرجة فيها أيضا ثابتا، بل إنّما الموقوف عليهم مصرفها، و لهم الانتفاع عنها، و ذلك كالمساجد و الخانات و القناطر و أمثالها، و كذلك ما يوقف مصارفها، فللمسلمين أو غيرهم فيها الانتفاع عنها، بلا أن يكون لهم التصرّف فيها حتّى في منافعها.

و بالجملة؛ فعلى هذا المبنى، أمّا الكلام بالنسبة إلى الفرع الأوّل أنّه: و إن لم يكن للموقوف عليهم الدعوى بالنسبة إلى العين؛ لعدم كونها متعلّقا بالمال حينئذ، إلّا أنّه باعتبار أنّ لهم منافعها أو الانتفاع عنها، فالدعوى ممّا يكون المقصود بها المال تسمع و تثبت بالشاهد و اليمين أيضا.

و أمّا بالنسبة إلى الثاني؛ فالظاهر أنّ دعوى كلّ طبقة إنّما يثمر بالنسبة إلى نفسها لا الطبقة اللاحقة، لكون المفروض أنّ جميع الطبقات تتلقّى المنافع عن الواقف لا الطبقة السابقة، فلا يصير دعوى إحداها مربوطة بالاخرى، و لا أن يكون مثبتا لحقّها لإقامة الطبقة الاولى الشاهد الواحد و ضمّ الحلف به، بل لمّا كانت دعوى كلّ طبقة مستقلّة بلا تبعيّته للاخرى، و كذلك حقّها، فعلى كلّ واحدة إقامة ميزان مستقلّا، و لا يكفي الميزان السابق للّاحق.

و أمّا على أن يكون الوقف الخاصّ تمليكا للموقوف عليهم نفس العين،

و إنّما يتعلّق الحقّ من الطبقات اللاحقة إلى العين، و لذلك تكون الطبقة الاولى المالك لها محجورين عن التصرّفات في نفس العين.

فالكلام بالنسبة إلى المقام الأوّل- أي أصل ثبوت الدعوى بالشاهد و اليمين- فواضح، و أمّا بالنسبة إلى المقام الثاني؛ فالتحقيق أنّه بإقامة الشاهد و اليمين [من] الطبقة الاولى تثبت الوقفيّة للعين إلى الأبد، حتّى بالنسبة إلى الطبقات اللاحقة، و عدم احتياج ثبوت حقّهم إلى إقامة الميزان ثانيا؛ و ذلك لأنّ المفروض أنّ الطبقة الاولى تثبت بحلفها و شاهدها الملكيّة المطلقة الأبديّة للعين لنفسها، فيصير ذلك مثل ما لو ثبتت للوارث ملكيّة شي‌ء فيستتبعه تعلّق حقّ الديّان للمورّث به، و لا يحتاج بعد ذلك إلى إقامتهم ميزانا آخر، فكذلك في ما نحن فيه الّذي فرض كون حقّ الطبقة اللاحقة متعلّقا و مستتبعا للعين الّتي هي ملك للطبقة الاولى و قد ثبت تملّكهم، و لا اختصاص لهم بنفسهم إيّاها، بل إنّما ثبتت الملكيّة المطلقة الّتي يكون حقّ الطبقات اللاحقة متعلّقا بها كذلك.

و بالجملة؛ فعلى هذا ليس حلف الطبقة الاولى لإثبات الوقفيّة المراد بها الملكيّة الغير الطلقة إثباتا لحقّ الغير- كما في الصورة الاولى- بل إنّما هو إثبات لمال يستتبعه تعلّق حقّ الغير به، بخلاف الاولى الّتي كان المفروض عدم ارتباط حقّ الطبقات اللاحقة بالاولى، و إنّما هم جميعا يتلقّون المنافع عن الواقف، فكلّ منهم مدّع مستقلّ، و ليست تبعيّة في البين.

و لعلّه إلى ذلك ينظر صاحب «المسالك»- كما هو ظاهر كلامه- من أنّ الطبقات اللاحقة يتلقّون الوقف عن الطبقة الاولى (1).


1) مسالك الإفهام: 13/ 523 و 524.

فعلى هذا؛ لا يتمّ كلامه قدّس سرّه، من أنّه لو كان الوقف منقطع الآخر من حيث موقوف عليهم الخاصّ، بل كان بعد الأولاد مصرفه الفقراء غير محصورين فحينئذ يبطل الوقف من حين انقراض الأولاد؛ لكون الموقوف عليهم الطبيعة، فلا يمكن إثبات الوقفيّة باليمين، بخلاف ما لو كانوا محصورين (1).

إذ قد عرفت أنّه يكفي لإثبات الوقفيّة الأبديّة على هذا المبنى الميزان الّذي أقامه الطبقة الاولى، فالطبقة اللاحقة يتعلّق حقّهم بما ثبتت.

و بعبارة اخرى؛ ثبتت الوقفيّة على الخصوصيّات الّتي تدّعيها الاولى، و من لوازمه ثبوت الحقّ للطبقات اللاحقة مطلقا.

نعم؛ يتمّ ذلك على المبنى الأوّل فيفيد حينئذ الدعوى الاولى، كما لا يخفى، و ذلك- أي التماميّة- على المبني الأوّل؛ فإنّه لمّا يحتاج إثبات الوقفيّة للفقراء على إقامتهم الميزان، و المفروض أنّ الموقوف عليه طبيعة الفقراء لا الأشخاص الخاصّة، و ليس من قبيل باب الزكاة الّذي رفع اليد عن ظاهر الدليل، و هو الآية الشريفة، أي قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ (2)... إلى آخره، من حيث إنّ الجمع المحلّى باللام، و إن كان ظاهرا في العموم الأفرادي و الاستغراق، و لازمه أن يكون لكلّ فقير من الزكاة سهم، و ربّما يوجب ذلك أن يكون سهم كلّ واحد بحسب القسمة ما ليس قابلا للماليّة و الملكيّة من حيث القلّة أصلا، مع القطع بأنّ المشروع ليس كذلك، بل إنّما قصد لأن يكون حقّ الفقير كليّا ما هو يقابل لاعتبار الماليّة، و أن يصل بكلّ واحد منهم ما يكفيه في الجملة،


1) مسالك الإفهام: 13/ 523 و 524.

2) التوبة (9): 60.

فأوجب ذلك رفع اليد من ظاهر الكلمة و حملها على تعيين المصداق لا تعيين المصرف و تحديده.

و لمّا كانت هذه القرينة هنا مفقودة؛ إذ الوقف على الفقراء لا يلزم منه ذاك المحذور، و لا بدّ أن يراعى ذاك المعنى لتقسيم الوقف عليهم لا في أصل الوقف، فتأمّل!.

فلا بدّ من إبقاء اللفظ على ظاهره، فيشترك جميع الفقراء في الوقف، و لا يختصّ به بعضهم حتّى يكتفى بحلفهم، و لا يجزي عن الآخرين أيضا؛ فيشكل حينئذ إثبات الوقفيّة بالنسبة إلى الطبقة اللاحقة على الأولاد، و يصير الوقف منقطع الآخر.

و لكن لا يرد عليه كلام «الجواهر»، إذ قد عرفت أنّه لا محيص عن الالتزام بما أفاده «المسالك» على هذا المبنى الّذي نسبه إلى الأشهر (1).

كما لا يرد عليه قوله من عدم الفرق بين أن يكون الموقوف عليهم بعد الأولاد طائفة خاصّة محدودة أو غير محدودة (2)، إذ المراد الموجودون منهم لا مع الطبقات اللاحقة، حتّى يقال: على هذا يصيرون أيضا غير محدودين، بل المفروض أنّ غير الطبقة الاولى تابعون لهم.

بل و يمكن إثبات كلام صاحب «المسالك» (3)قدّس سرّه مطلقا- على جميع التقادير و الأقوال- بوجه آخر يظهر بعد ذكر مقدمة.


1) مسالك الإفهام: 13/ 523.

2) جواهر الكلام: 40/ 293.

3) مسالك الإفهام: 13/ 522- 525.

و هي: أنّ الأصحاب اختلفوا في مسألة وقف منقطع الآخر بأنّه هل يصرف إلى وجوه البر، أو إلى ما هو أقرب إلى غرض الواقف بعد انقراض الموقوف عليهم، أو يرجع إلى الواقف و ورثته و يكون حبسا، أو يكون إرثا لورثة الموقوف عليهم و ملكا لهم؟

هذه هي الاحتمالات و الأقوال في المسألة؛ و مبناها أنّه: لا إشكال في أنّ الوقف و إنشاءه مشتمل على عقدين: سلبيّ و إيجابي، و هما عبارة عن إخراج العين عن الملك و الإدخال في ملك الموقوف عليهم؛ فحينئذ؛ هل عقده الإيجابي تابع للعقد السلبي أم العكس، أم ينفكّ بينهما؟

فعلى الأوّل؛ يتمّ القول الأوّل؛ لأنّ الإخراج كان مطلقا و ظاهره التأبيد، و لا يمكن أن يكون مؤقّتا، و إلّا فيبطل الوقف، و الإيجاب لمّا يجعل تابعا له أيضا فمقتضى ذلك خروج العين عن ملك الواقف خروجا أبديّا- كالبيع و نحوه- و الانتقال إلى الموقوف عليهم الّذين عيّنهم، و بعد انقراضهم، إلى من هو قريب بصفتهم و كلّ من هو القريب إلى نظر الواقف، و إنّما لم يعيّنهم تعويلا على الارتكاز؛ ضرورة أنّه بعد العلم بخروج العين عن ملكه أبديّا، و الملك لا يصير بلا مالك، فينحصر أن يكون الوقف للفقراء و غيرهم ممّا هم قريب بنظر الواقف على التقريب الّذي ذكروا في محلّه، و الواقف أيضا اعتمد في تعيين المصرف بعد انقراض الأولاد- مثلا- إلى فهم العقلاء و العرف في ذلك.

و لكن الإنصاف أنّ لازم ذلك هو بطلان الوقف بعد انقراضهم، و رجوع العين إلى ورثة الواقف، و هذا التقريب يناسب الوجه الأخير، كما أنّ منشأ القول الثاني هو تبعيّة عقده السلبي للعقد الإيجابي، نظرا إلى أنّه و إن كان الإخراج

مطلقا، إلّا أنّه عيّنه من حيث تحديد المصرف و عدم تأبيده، فلازمه عود العين إلى الواقف و ورثته.

و أمّا على الثالث؛ بأن يجعل العقد السلبي على ما هو الظاهر فيه من حيث الإخراج الأبدي و العقد الإيجابي على ما هو المعيّن فيه من التحديد، كلّ منهما مستقلا في المدلول بلا تبعيّة أحدهما للآخر، فالظاهر أنّه على هذا يتمّ القول الأوّل؛ لأنّ التقريب الّذي ذكرناه في الأوّل أقرب انطباقا على هذا المبنى، إذ لا خفاء في أنّه بعد البناء على خروج العين رأسا عن ملك مالكها، فما دامت الطبقة الاولى موجودة فتكون ملكا لهم، و لمّا لم يعيّن بعدهم مصرف له، و اتّكل في ذلك على فهم [العرف و العقلاء]، فلا محيص عن صرفه إلى ما هو الأقرب إلى نظر الواقف.

إذا عرفت ذلك؛ فنقول: بناء على عدم كون العقد السلبي تبعا للإيجاب، بل يبقى على استقلاله و ظهوره في التأبيد، بحيث كلّما ثبتت الوقفيّة فلازمه خروج العين عن ملك الواقف خروجا أبديّا، بحيث ليست قابلة لأن يدخل و يرجع إلى ملك الواقف؛ فحينئذ إذا أثبتت الطبقة الاولى الوقفيّة و تحقّق خروج العين عن الواقف ثمّ وصلت النوبة إلى الطبقة الثانية، فلمّا لا يمكن أن يكون الملك بلا مالك- و المفروض دوران الأمر (الحقّ خ ل) بين أن يكون لهم- أي الطبقة اللاحقة أو ورثة الواقف- و قد تبيّن عدم قابليّة الورثة للتملّك حسب المبنى- فينحصر و يتعيّن للاولى الّتي عيّنها الطبقة الاولى لهم بحسب إقرارهم، و هذا من آثار الحكم الظاهري، فكما أنّ الحكم الواقعي يؤخذ بآثاره فكذلك لوازم الحكم الظاهري، ضرورة أنّ الملك كما لا يمكن اعتباره بلا مالك له واقعا فكذلك ظاهرا.

فلا يقال: إنّ الملك لا بدّ أن يكون له المالك واقعا لا مطلقا، فغاية ما يثبت بالميزان الّذي أقامته الطبقة الاولى خروج العين عن ملك الواقف بالنسبة إليهم فقط، إذ كما أنّه يثبت بحكم الحاكم وقفيّة العين ظاهرا فكذلك يثبت به حقّ الطبقات اللاحقة بعد أن كانت الدعوى الوقفيّة على الخصوصيّات الّتي منها كونها بعد الطبقة الاولى للثانية، فلا مجال للتفكيك في جهات الدعوى، فتأمّل!.

فعلى هذا؛ يكون الحقّ ما عليه «المسالك» مطلقا، سواء قلنا بأنّ الوقف الخاصّ تحرير، أو قلنا بكونه تمليكا تقطيعيّا، أو كون التقطيع في منافعه دون العين؛ ضرورة أنّه على التقريب المذكور و ثبوت خروج العين أبدا عن ملك الواقف فيثبت حقّ الطبقات اللاحقة باليمين و الشاهد [من] الطبقة الاولى، و يستغني عن إقامة البيّنة [من] الطبقات اللاحقة، و لو بنينا على تلقّي الطبقات اللاحقة الوقف أو الثمرة عن الواقف بنفسه، كما لا يخفى.

ثمّ لا يخفى أنّ هذا مبنيّ على أن يجري اليمين و الشاهد في الدعوى الّتي مفادها نفي الملك و سلب المال، و إلّا فيشكل بالنسبة إلى الطبقات اللاحقة، حيث إنّ جهة إثبات الملكيّة بالنسبة إليهم بالميزان الّذي أقامته الاولى يكون إثبات الحقّ باليمين للغير، فتأمّل!.

إذ يمكن الجواب عن ذلك أيضا بأنّ الإخراج المطلق و إن لم يكن ماليّا إلّا أنّه ممّا يقصد به المال، و تملّك الطبقات اللاحقة للعين ليس مستندا إلى الميزان الّذي أقامته الطبقة الاولى، بل إنّما هو مستند إلى الإخراج المطلق الّذي يثبت منضمّا إلى المقدّمة الّتي أشرنا إليها، فتأمّل!.

فكيف كان؛ فعلى ما ذكرنا يتمّ ما فرّعه المحقّق قدّس سرّه على هذا الفرع أيضا،

من أنّه لو ثبتت وقفيّة شي‌ء للأولاد ثمّ بعدهم لأولادهم بعد انقراضهم، فحينئذ لمّا كان الوقف مرتّبا فلا تحتاج الطبقة اللاحقة في ثبوته بالنسبة إليهم إلى إقامة الميزان ثانيا (1)، و السرّ فيه ما عرفت.

و لكن يشكل الأمر في أنّه قدّس سرّه لم يلتزم بذلك فيما لو كان الوقف عليهم بالتشريك، فإنّه أفتى بأنّه عند تولّد الأولاد و بلوغه فاشتراكه مع أبيه موقوف على إقامة الميزان ثانيا، فبنى على التفريق بين الوقف الترتيبي و التشريكي، مع أنّ لازم ما ذكرنا من الخروج الأبدي، و لزوم الالتزام بما يدّعونه الطبقة الاولى، و إقرارهم بعد ثبوت مدّعاهم ثبوت حقّ التشريك اللاحق أيضا، و استغنائه عن إقامة الميزان.

و يمكن دفع ذلك بأن يقال: إنّ الالتزام بالخروج الأبدي في الوقف منشأه عدم اعتبار العقلاء التقطيع في الملك من حيث الزمان مستقلّا، و لكن تقطيعه تبعا لتقطيع العين لا محذور فيه.

بيانه: أنّه لا إشكال في أنّ الموقوف عليهم لو كانوا متعدّدين فلا بدّ من تقطيع الوقف عينا أم منفعة بالنسبة إليهم، بحيث يكون لكلّ واحد حصّة منه، و لو كان الخروج عن ملك الواقف مطلقا، و لكن عقده الإيجابي إنّما يكون على نحو التقطيع.

فحينئذ؛ كما أنّ العقلاء يعتبرون التقطيع في عقده الإيجابي كذلك يعتبرونه في العقد السلبي تبعا له، بمعنى أنّه و إن كان خروج الوقف بالنسبة إلى الموقوف عليهم الّذين يفرض- مثلا- ثلاثة، أبديّا، و لازم ذلك تثليث الوقف، إلّا أنّ


1) شرائع الإسلام: 4/ 94.

الخروج كذلك- أي تثليثا- إنّما هو تعليقي و متوقّف على عدم تحقّق شريك آخر لهم، فحينئذ يزيد الكسور المفروضة، فلو كان واحدا يصير الوقف تربيعا، و لو كان اثنين فتخميس، و هكذا و لازم ذلك خروج سهم المتولّد تأسيسا و معلّقا على وجوده، بحيث يملك سهمه من حين تولّده و يتلقّاه من الواقف، و لا يضرّ بذلك كون المفروض خروج التمام أبديّا، إذ هو كذلك معلّقا.

و الحاصل: أنّ الموقوف عليهم الموجودين حين الدّعوى إنّما يثبت حقّهم بميزانهم بالنسبة إلى حقّ أنفسهم و لو كان هو تمام الوقف، لا بالنسبة إلى شريكهم باعترافهم الموجود بعدهم، و ثبوت حقّه إنّما يكون لكونه متلقّيا عن الواقف بنفسه بلا واسطة، و لا يفيد إقرارهم بالنسبة إليه شيئا، كعدم كونه تبعا لهم، كما في صورة الترتّب، بل هو كأحدهم، فإثبات حقّه موقوف على إقامته الميزان بنفسه، و إلّا فيرجع سهمه من حين وجوده إلى ملك الواقف، و إن كان خروجه بتمامه عن ملكه كان بحسب الظاهر إلى قبل وجوده أبديّا، و لكن بوجوده و عدم ثبوت [ميزان] يكشف عدم خروج العين بالنسبة إلى سهمه عن ملكه، و المفروض أنّ الموجودين سابقا باعترافهم ليسوا من آن وجوده أيضا مالكين، فيكون خروج هذا المقدار موقّتا في الواقع لا أبديّا، و هذا معنى تقطيع الوقف و خروج الملك زمانا تبعا للعين.

فإن تمّ ذلك: فالتفصيل في محلّه، و إلّا فلا وجه له، كما أنّه ظهر لك أنّ أصل هذا الكلام مبنيّ على التفكيك بين العقد الإيجابي و السلبي المشتمل عليهما الوقف، أو جعل العقد الإيجابي تبعا للسلبي، و أنّه ظاهر في الدّوام.

و الظاهر؛ أنّ ذلك لا خلاف فيه بينهم، و إن كان المشهور في مسألة وقف

المنقطع الآخر هو رجوع الوقف إلى ملك الواقف أو ورثته بعد الانقطاع، إلّا أنّ ذلك لبنائهم على انقلابه حبسا، و إلّا فمع البناء على الوقفيّة، كون الوقف المراد به الخروج الأبدي وفاقيّ عندهم، فافهم!.

بعض مسائل الوقف

اشارة

فهنا فروع:

الأوّل: بناء على ما أفاده المحقّق قدّس سرّه من أنّه في صورة التشريك لا بدّ أن يقيم الشريك اللاحق ميزانا مستقلّا لإثبات حقّه

(1)، فإذا تولّد و لم يبلغ، فهل يعطى سهمه إلى وليّه حتّى يبلغ، أو يعطى إلى الواقف، أو يوضع في يد أمين؟ لكلّ وجه.

أمّا الأخير؛ فلأنّه حقّ له يثبت تعليقا، فيجب أن يوضع في يد أمين حتّى يكبر و يتحقّق المعلّق عليه.

و أمّا الثاني؛ فلأصالة عدم إثبات الوقفيّة بالنسبة إليه.

و أمّا الأوّل؛ فلأنّه حقّ ثبت له باعتراف الشركاء، فلا بدّ من إعطاءه إلى وليّه، و الأقوى إعطائه لوارث الواقف لو لم يكن نفسه، و يؤخذ منه الكفيل؛ لاحتمال أن يبلغ و يثبت سهمه المنتقل إليه من حين تولّده، أمّا إعطاؤه بالوارث فلكونه جمعا بين الحقّين، و مقتضى الأصل إعطاؤه إليهم رأسا، و لكن لمّا يثبت مقتضى تملّك المتولّد أيضا في الجملة فيتحقق فيه مناط باب الغائب، و أنّه يعطى المال إلى مدّعيه بكفيل، مع أنّ الأصل عدم ثبوت المال له بالحجّة له.


1) شرائع الإسلام: 4/ 94.

الثاني: أنّه لو بلغ الولد و امتنع عن اليمين، فهل يعطى سهمه إلى سائر الشركاء،

أم إلى وارث الواقف، أو يصرف في وجوه البرّ كوقف المنقطع الآخر؟

وجوه، أوسطها الوسط، كما قوّاه في «الجواهر» (1)إذ لا وجه لإعطائه الشركاء بعد اعترافهم بعدم استحقاقهم له من زمان وجوده.

و كذلك صرفه في وجوه البرّ، إذ هو على فرض تسليمه في وقف المنقطع الآخر لا يتمّ في ما نحن فيه، إذ لم يثبت وقفيّة هذا السهم رأسا، فحينئذ يتعيّن الثاني، إذ لمّا لم يثبت خروجه عن ملك الواقف، و إنّما حكم بالبيّنة و الحلف سابقا بالنسبة إلى سهم المتجدّد كان موقّتا معلّقا، لا مطلقا، و لم يثبت استحقاق المتولّد أيضا، فلا محيص عن إرجاعه إلى ورثة الواقف، فتدبّر!.

الثالث: لو ادّعى المتجدّد التشريك و الموقوف عليهم الموجودون سابقا الترتيب،

فلو لم يترتّب على يدهم السابقة أثر؛ فالمسألة تدخل في باب التداعي، و إلّا، بأن يقال بأنّ ظاهر اليد لمّا تدلّ على الاختصاص، فهذا يقوّي قول مدّعي الترتيب، فيقدّم، و يصير المتجدّد مدّعيا، [و] عليه البيّنة، و هذا هو الأقوى.

هذا؛ لو كان لهم يد سابقة على العين، و لو كانوا مستحدثين جميعا في زمان واحد، و لم يكن لهم يد عليه، فحينئذ يكون من باب التداعي، و أمّا لو كان لجميعهم اليد عليها، فمدّعي الترتيب لمّا كان قوله مخالفا للظاهر فعليه البيّنة عكس الاولى (2).


1) جواهر الكلام: 40/ 298- 301.

2) و قد بقي هنا فروع مترتّبة على المسألة السابقة في أنه لو امتنعوا جميعا عن اليمين أو البعض فما حكم المسألة؟ و هو يختلف من حيث اختلاف المباني في القضاء بالنكول و عدمه؛ و غيره، ما تعرّضنا لذكرها. «منه رحمه اللّه».

خاتمة: ذكروا فيها أحكاما متعلّقة بحكم القاضي، و الكلام فيه من جهات:

[الجهة الأولى:] في كتابة القاضي و غيره

الاولى: في اعتبار كتابة القاضي الحكم و ثبوت الحكم بالفصل بها و عدمه، و لمّا كان تنقيح ذلك موقوفا على نفوذ أصل إقراره بالحكم، إذ الكتابة إخبار عن الإقرار و حاك فينبغي البحث أوّلا في نفوذه و عدمه، و هذه الجهة الاخرى من البحث في المقام.

فنقول: نفوذ إقراره يحتمل إمّا من جهة دخوله في قاعدة «من ملك»، نظرا إلى أنّه لمّا كان الفصل وظيفة له و له السلطنة عليه، فلا بدّ من سماع إقراره به أيضا، و يكون كإقرار الوليّ الّذي يبيع مال الصغير، إذ كما أنّ فيه منشأ نفوذه أنّه عند الولاية لو كان يبيع لكان بيعه نافذا، و لذلك يسمع إقراره به، فكذلك لمّا أنّه لو اقيمت البيّنة عند الحاكم فله الحكم و حكمه نافذ، فهكذا لو أقرّ به هذا.

و لكنّك خبير بعدم انطباق الضابطة الّتي بينّاها لجريان تلك القاعدة على ما نحن فيه، حيث إنّه أوضحنا أنّ الضابطة لها فيما كان الإقرار راجعا إلى فعل المقرّ بنفسه، دون أن يكون لفعله من حيث نفسه اضافة إلى الغير أن يكون ضررا على نفسه دون الغير، و في ما نحن فيه ليس كذلك، بداهة أنّه أوّلا؛ الحكم إنّما هو حجّة كليّا؛ لأنّه فعل الحاكم بنفسه.

و من المعلوم؛ أنّ حجيّته ضرر على المدّعى عليه، فهكذا نفوذ إقراره بالحكم ضرر عليه دون نفسه، فلا وجه لنفوذ إقراره به بالنسبة إلى المحكوم عليه، كما لا يخفى.

[الجهة الثانية: من جهة دخوله في قاعدة «الايتمان» و «إقرار الأمين»]

و إمّا من جهة دخوله في قاعدة «الايتمان» و «إقرار الأمين» (1).

فانقدح ممّا ذكرنا أنّه لا وجه لسماع إقرار الحاكم، و لا ملازمة بين نفوذ حكمه و إقراره به، و دليل الردّ يشمل الأوّل- أي نفس الحكم بعد ثبوته- و الكلام في الثاني إنّما هو في أصل ثبوته، و ظهر أنّه لا حجّية لكتابته الحكم بالطريق الأولى على مقتضى القاعدة، مضافا إلى النصّ الخاصّ الدالّ عليه الّذي سنشير إليه.

و لا يخفى أنّ البحث في اعتبار كتابته في المقام إنّما هو من حيث إخباره و كشفها عن الحكم، و أمّا من حيث تحقّق أصل إنشاء الحكم بالكتابة و عدمه، فقد بينّا سابقا أنّ إنشاء الفصل لا خصوصيّة له باللفظ، بل يثبت بالفعل أيضا.

و لكنّ الإشكال في أنّه هل الكتابة من الأفعال الّتي يتحقّق بها الإنشاء و قصد الفصل، أم لا؟

إذ قد تحقّق في باب المعاطاة أنّه بناء على التعدّي عن باب البيع إلى مطلق العقود و الإيقاعات لا يكفي كلّ فعل في ثبوت العقد أو الإيقاع المعاطاتي به، بل لا بدّ و أن يكون ممّا يكشف نوعا عن قصد إنشاء المعاملة، و يكون من شئونها لا مطلق الفعل، و حينئذ فالاكتفاء بالكتابة عن الإنشاء محلّ إشكال جدّا.

هذا كلّه بالنسبة إلى خصوص الحكم و الكتابة له.

الجهة الثالثة: في اعتبار الكتابة بالنسبة إلى مطلق الموارد،

و أنّه كليّا كلّما اعتبر نفس القول أو الفعل، فهل تعتبر الكتابة الحاكية عنهما، أم لا؟ فيظهر من


1) هنا بياض في أصل النسخة و لعلّ البحث عن «الجهة الثانية» كان في هذا البياض.

بعض عدم اعتبارها؛ لاحتمال التزوير و التشبيه في الكتابة (1)، و للمرويّ عن علي عليه السّلام «أنّه كان لا يجيز كتابة (2)قاض إلى قاض» (3).. إلى آخره، و لأنّه لا خفاء في أنّ مناط حجيّة الألفاظ و اعتبارها من حيث كشفها عن المراد، للظهور النوعي القائم عليها، بحيث و لو لم يكن للمتكلّم بها ظهور حال في إرادته المعنى الظاهر من اللّفظ. يكفي في الحكم بكون المراد معناها الظاهر الظهور الذاتي للفظ.

و من المعلوم أنّه ليس للكتابة ظهور كذلك، فمع عدم استكشاف حال الكاتب و كثرة الاحتمالات الطارئة على الكتابة، فكيف يحكم باعتبارها؟

هذه جملة ما استدلّ به على عدم اعتبار الكتابة، فنقول: إنّ الكلام في حجّية المكاتبات قد يكون فيما لها ظهور نوعا في المعنى، و كون المراد نفس مدلولاتها، بحيث كان احتمال خلافها ضعيفا غير محلّ اعتناء العقلاء، و قد لا يكون النزاع إلّا في القسم الثاني، أي فيما كان احتمال خلاف معناها معتبرا قويّا و لم يكن فيها كشف نوعا.

أمّا في القسم الأوّل؛ فقد ادّعي قيام السيرة القطعيّة على اعتبارها (4)، بحيث قيل: إنّ الاعتناء بمثل تلك المكاتبات كالاعتماد على المخاطبات، و لذلك جعل النزاع لفظيّا نظرا إلى التقسيم الّذي ذكرناه، بل حملوا النصوص


1) شرائع الإسلام: 4/ 95، جواهر الكلام: 40/ 303.

2) في وسائل الشيعة: كتاب.

3) وسائل الشيعة: 27/ 297 الحديث 33788.

4) جواهر الكلام: 40/ 304.

الخاصّة (1)أيضا على القسم الثاني.

فكيف كان؛ تمام البحث في استقرار هذه السيرة، بحيث يكون قابلا لأن يخصّص بها النصوص، مع ما ارتكز من عدم الاعتبار بالقرطاس الّذي هو مفاد الروايتين المذكورتين (2)، و حملهما على بيان حكم القسم الثاني من الكتابة- الّذي هو في غاية الندرة- و صرفها عن بيان حكم النوع المتعارف منها، في غاية الإشكال، فعلى هذا يتمّ التعميم في الحديثين، و رفع اليد عنهما محتاج إلى دليل حاكم معتبر.

و هل السيرة بحيث تكون قابلة لتخصيصها؟ محلّ تأمّل؛ إذ ليس مطلق السيرة قابلة للحكومة على الأدلّة الشّرعية، مثل سيرة العقلاء- مثلا- من حيث هم عقلاء، بل لا بدّ و أن تكون سيرة المتشرّعة، و البحث في استقرار هذه السيرة.

و أمّا ما نرى من الاعتماد على بعض المكتوبات المختومة بخطّ (3)الأعاظم، أو الكتب المطبوعة مثلا، فإنّما هي لحصول العلم العادي غالبا منها من كونها صادرة عن صاحبها غير مقصودة منها خلاف معناها الظاهر، و أمّا مع عدم العلم كذلك، كما في بعض الأوراق المكتوبة بعنوان الوصيّة بخطّ شخص الموصي مثلا مع الظنّ بإرادته و قصده معنى المكتوب، فإنّه لم يعهد الاعتماد على مثل هذه الأوراق.


1) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 297 الباب 28 من كيفية الحكم، مستدرك الوسائل: 17/ 401 الباب 21 من كيفيّة الحكم الحديث 21661 و 21662.

2) أي الرواية الّتي مرّت الإشارة إليها آنفا، و لا يخفى أنّها رويت بسندين، و لهذا عبّر عنها صاحب الجواهر قدّس سرّه بخبري السكوني و طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ عليه السّلام و تبعه المؤلّف رحمه اللّه.

3) كذا، و الأصحّ: بخاتم.

فاتّضح أنّه لا وجه أوّلا لحجيّة إقرار الحاكم على حكمه، و لا ينطبق عليها قاعدة من القواعد، مثل قاعدة «من ملك» و «الأمين» و كذلك قاعدة «دعوى ما لا يعلم إلّا من قبله» إذ محلّ «الدعوى بلا معارض» هو ما كان المدّعى ممّا هو القائم بالطرفين و لا يعدو عنهما، و الثانية فيما كان الاطّلاع على المدّعى به متعذّرا، أو و لا أقلّ من أن يكون عسرا، فلو كان النزاع في الحكم في ما نحن فيه من حيث أصل قصد الإنشاء فينطبق هذه القاعدة عليها، و أمّا لو لم يكن كذلك بل هو من حيث إبرازه و صدور الحكم خارجا و لو بالفعل، فإنّ هذا لمّا لم تكن إقامة البيّنة عليها عسرا، فلا مجرى لهذه القاعدة فيها.

و بالجملة؛ فعلى الضوابط الّتي تقدّمت منّا لتلك القواعد لا ينطبق أحدها على ما نحن فيه، و أمّا سماع إقراره من حيث إخباره و كونه عادلا فأيضا لا وجه له، لاختصاص أدلّة حجيّة خبر الواحد بالإخبار عن الأحكام، و عدم الاعتماد في الموضوعات إلّا بالبيّنة.

ثمّ الحكم في حجيّة كتابته، فقد ظهر عدم اعتبار لها بالأولويّة من حيث خصوص كونه كتابة الحاكم و حكايته عن إخباره، و أمّا من حيث دخولها في مطلق المكاتبات الكاشفة عن المرادات و صدور أصل الحكم، فالكلام فيه إذا لم يحصل منها العلم العاديّ، [هو] الكلام في تماميّة السيرة المذكورة و انعقادها على الاعتماد عليها و لو أفادت الظنّ، فتأمّل جيّدا!.

[الجهة الرابعة:] في القضاء التنفيذي

الجهة الرابعة: في أنّه هل يثبت حكمه بالبيّنة، و يجب على الحكّام الآخرين حينئذ إنفاذه، أم لا؟

لا إشكال في ثبوت الحكم بالبيّنة، بل في الجملة لا خلاف في ذلك؛ و إنّما الكلام في الثاني، و أنّه أيّ شي‌ء يراد من تنفيذ الحكم؟

فإمّا المقصود منه حكم الحاكم الآخر في أصل الدعوى و يفصل الخصومة ثانيا، و هذا المعنى و إن لم يتعقّل الفصل تأسيسا بالنسبة إلى واقعة واحدة، و لكن تأكيدا يمكن، كما بيّنّا أنّ حكم الحاكم فيما لو كان الميزان الحلف يكون كذلك؛ و لكنّ الإشكال في صيرورة حكم الحاكم مدركا للحكم و ميزانا له، مع أنّ الميزان منحصر بالبيّنة و اليمين، فمن هذه الجهة لا معنى للتنفيذ.

و إمّا المراد عدم الحكم بخلافه، و هذا لا خصوصيّة له بالحاكم، إذ لمّا كان ردّ الحكم حراما على كلّ أحد فهو من هذه الجهة لا يجوز الحكم على الحاكم؛ لصيرورته ردّا للحكم الأوّل.

و إمّا المراد الحكم بثبوت حكم الحاكم و صدوره عنه، و فائدة ذلك قد يكون لأجل نسيان الحاكم الأوّل حكمه، أو لعدم ثبوت اجتماعه لشرائط الحكومة عند بعض، فالحاكم الثاني إذا أنفذ، تتم الحكومة الأولى.

و بالجملة؛ يتصوّر لذلك ثمرة، إلّا أنّ الكلام في أنّ الحكم الأوّل كيف يصير مدركا و ميزانا لحكم الثاني بثبوته؟ و لو فرضنا كون إقرار الحاكم الأوّل حجّة و هو أقرّ بالحكم، أو أقامت البيّنة على صدور الحكم منه، أو علم الثاني به لحضوره في مجلس الحكم أو غيره؛ و لكن كيف يصير هذه الامور مدركا لحكمه بثبوت الحكم؟ مع أنّ الفصل بالحكم لا بدّ و أن يكون مسبوقا بالخصومة و الترافع، فصدور الحكم من الحاكم و عدمه و إن كان موضوعا من الموضوعات يمكن أن تقع الخصومة فيه و يقع محطّا للحكم، إلّا أنّه لمّا كان لا بدّ في كلّ حكم سبقه بالخصومة.

و من المعلوم أنّ الخصومة الأوّليّة لا تكفي بالنسبة إلى الثاني، لكونه موضوعا على حدة لا ربط له بالمخاصمة الأوّليّة، فالتنفيذ بهذا المعنى لا يجوز إلّا مع تحقّق الخصومة.

و إمّا المراد إلزام المتخاصمين بالعمل بمقتضى الحكم و ترتيب الآثار عليه، و هذا يدخل في باب الأمر بالمعروف، و ليس وظيفة مختصّة بالحاكم، و لذلك قلنا في صدر الباب: إنّ القضاء خارج عن باب الأمر بالمعروف، و لا ينبغي من أدلّة وجوبه وجوب الأمر بالمعروف.

فكيف كان، الإنفاذ بهذا المعنى أيضا لا دليل و لا خصوصيّة لوجوبه على الحاكم، بل يلزم على كلّ مسلم يثبت عنده الحقّ، و أنّ الحقّ مع المدّعي مثلا، فيجب من باب النهي عن المنكر إلزام المدّعى عليه على ردّ المال به، كما لا يخفى.

و إمّا المراد به تنفيذ الحكم الأوّل لا بهذا المعنى العامّ، بل بما هو حاكم يلزم المتخاصمين على إجراء حكم الأوّل، بحيث كأنّه قائم مقام الحاكم الأوّل يجري حكمه، حتّى لو خالف المحكوم عليه حكم الحاكم الثاني فقد ردّ حكما آخر من الحجج و يستحقّ العقابين، إذ المفروض أنّ الحاكم الثاني يلزمه على إطاعة حكمه بما هو حكمه، لا بما هو حكم الأوّل، و إطاعته إطاعة اللّه تعالى حتّى يدخل في باب الأمر بالمعروف مثل المعنى السابق.

ضرورة؛ أنّ ما يكون وظيفة كلّ مسلم إلزام الخارجي على العمل بحكم الحاكم، لا أن يحكم على ذلك بعنوان فصل الخصومة، فإنّه من شئون القاضي و وظائفه، كما لا يخفى.

فهذه الاحتمالات في المقام في المعنى القضاء التنفيذي، و كلمات الأصحاب في أنّه أيّ واحد منها المراد مضطربة، كما قال في «الجواهر» قدّس سرّه (1)، فإنّ كلّ واحد من التعليلات الّتي ذكروها لوجوبه أو جوازه يحتمل معنى منها غير ما يحتمله الآخر، و لذلك قد وقع النقض و الإبرام في ذلك كثيرا، كما عن «الرياض»،- مثلا- لمّا فهم المعنى الأوّل فقد شدّد النكير فيه (2).

و قد أشرنا إلى بعض اعتراضاته قدّس سرّه في طيّ شرح ذاك المعنى، و بعضهم فهموا غيره، فاعترضوا بأنّه ليس في التنفيذ بمعنى الإلزام على إطاعة الحكم من الوظيفة المختصّة بالحاكم، و غير ذلك من الأدلّة و الإيرادات الّتي أوردها في «الجواهر»، ثمّ استقرّ رأيه على أنّ المراد به المعنى الأخير، و أنّ الإقرار و إثبات حكم الأوّل و إجراءه بمعنى الإلزام به اريد من القضاء التنفيذي (3)، و التحقيق ما اختاره.

ثمّ الدليل على جوازه بالمعنى الأعمّ المجتمع مع الوجوب أيضا هو كون إنفاذ حكم الحاكم موضوعا من الموضوعات القابلة لورود الفصل عليه و تعلّق الحكم به، فكلّما ثبت هذا الموضوع عنده بالإقرار أو البيّنة أو غيرهما فيجب الحكم عليه كسائر الموضوعات.

فعلى هذا أ فليس عليه إحراز كونه عن حقّ بنظره؛ أم لا، بل إذا أحرز اجتماع الشرائط في الحكم الأوّل بحسب الظاهر، بحيث يكون الحكم صادرا


1) جواهر الكلام: 40/ 305.

2) رياض المسائل: 9/ 350- 354.

3) جواهر الكلام: 40/ 309- 310 و 313 و 314.

عمّن شأنه ذلك، و لو لم يعرف بأصل القصّة أصلا، يجب عليه الإنفاذ؟ إذ ليس موضوعه الحكم الواقعي، بل الموضوع لهذا الأثر، و كذلك سائر الآثار ليس إلّا ما ينطبق عليه عنوان حكم الحاكم، و لذلك قلنا: إنّ الباب يفترق عن باب الأمر بالمعروف، لأنّه لا بدّ فيه من إحراز كون الشي‌ء منكرا أو معروفا.

و بالجملة؛ التنفيذ بهذا المعنى يتمّ فيه الحكم بالجواز أو الوجوب، و ينطبق عليه قواعد الباب، و لكن لسائر المعاني كلّها، فيه نظر، كما عرفت.

و لكنّه بقي الإشكال في أنّ التنفيذ- بأيّ معنى كان- لمّا كان من سنخ الحكم، لا بدّ فيه من تحقّق الخصومة حتّى يتمّ موضوع القضاء و الفصل، فالمعنى الأخير- و هو إنفاذ الحكم- و إن كان موضوعا من الموضوعات، يتعلّق به الحكم، إلّا أنّه ليس شأن الحاكم الإقدام عليه بعنوان القضاء إلّا بعد تحقّق الخصومة.

و يمكن الذبّ عنه بأنّ إنفاذ الحكم و الإلزام على الإجراء إنّما هو من شئون أصل الحكم الأوّل لا شيئا مستقلّا، بل هو من آثار صدور حكم الأوّل، بحيث يكون شأن الحاكم الأوّل أيضا ذلك، إلّا أنّه لمّا لا يمكن وصول اليد إليه، أو لم يكن الأوّل مبسوط اليد، أو غير ذلك من الموانع، أو لحفظ الحكم الأوّل من الاندراس و نحوه، فيستعدى من حاكم آخر و الحكّام في ثبوت هذا المنصب لهم، بمنزلة حاكم واحد، فكما أنّ حاكم الأصل له التنفيذ، و لا يحتاج فيه إلى ثبوت خصومة جديدة فكذلك للحاكم الآخر ذلك، و يكفي في تحقّق موضوعه الخصومة الأوّليّة، و هذا بخلاف التنفيذ بمعنى القضاء بصدور الحكم، فهو موضوع مستقلّ لا ربط له بالحكم الأوّل حتّى يكتفى فيه بالخصومة الأوّليّة.

هذه جملة الكلام في القضاء التنفيذي و بيان موضوعه، و المراد منه و ذكر شرطه، فتأمّل و استقم!

[الجهة الخامسة:] تنفيذ حكم الحاكم الفاسق

الجهة الخامسة: في أنّه هل يجوز تنفيذ الحكم إذا فسق الحاكم الأوّل، أم لا؟

ينبغي البحث أوّلا في أنّه هل الفسق يوجب بطلان الحكم رأسا، أم لا؟

فقد يقاس المقام بباب الرأي و الفتوى، فيقال: إنّه كما أنّ الفتوى تبطل بالفسق، و لا يجوز العمل بفتوى الفاسق، فكذلك حكم الفاسق، و لكن لا يخفى أنّ القياس مع الفارق، و ذلك؛ لأنّ الفتوى و إن كانت أمرا حدوثيّا إلّا أنّها من حيث هي ليست مستندة للعمل، بل هي طريق إلى الرأي، و سراج على السراج حقيقة، فالعمل مستند إليه، و الرأي لا خفاء في أنّه أمر بقائيّ، فإذا اعتبر وصف في موضوعه و محلّه، فكما أنّ الوصف يعتبر فيه عند حدوثه فكذلك بقاء الرأي مشروط ببقائه، بمعنى أنّ الاستناد إلى الرأي حدوثا مشروط بعدالة صاحبه، فهكذا البقاء على الاستناد تابع لبقاء الوصف؛ لكون الرأي بنفسه أمرا قابلا للبقاء، فكذلك الوصف المعتبر فيه.

و هذا بخلاف الحكم، فإنّه ليس إنشاء كالعقود و الايقاعات [بل] أمر حدوثيّ آنيّ، فلذلك لا بدّ و أن يكون الشرط المعتبر [موجودا] في حال إجراء العقد أو إنشاء الحكم، و لذلك لم يلتزم أحد بأنّه لا بدّ و أن يبقى العاقد على الأوصاف المعتبرة فيه حال العقد، و أمّا الخيار فيه فإنّما يعتبر بقاء أثر العقد لتصحيحه، لا أن يكون نفس العقد- و لو اعتبارا- قابلا للبقاء، كما أوضحنا ذلك في باب الخيارات.

و بالجملة؛ لا وجه لمقايسة المقام بباب الفتوى، لأنّ الفتوى بنفسها ليست مستندة للعمل، بل هو سراج على السراج- أي الرأي- و قد ظهر لك أنّه أمر بنفسه بقائيّ، فيستتبعه الصفات المعتبرة في حجيّته، و مرجع كونه كذلك إلى أنّ رأي كلّ زمان و آن حجّة بالنسبة إليه، فلا بدّ من تحقّق الشرط فيه بالنسبة إلى آنات حجيّته.

و أمّا الحكم فهو بنفسه سراج، و إن كان قد يستند إلى الرأي أيضا، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ الرأي حال الحكم معتبر فيه، و المفروض أنّ ما هو الموضوع بنفسه أمر آنيّ حدوثيّ، فحينئذ؛ كيف يعقل استناد الأمر البقائي- كوصف العدالة للحاكم- إليه؟

إذا ظهر الفرق بين البابين، فنقول: وقع الإشكال في المقام من جهتين، في أنّه مع أنّ الحكم أمر حدوثي، فكيف يعتبر فيه بقاء العدالة في الحاكم، و ما الدليل عليه؟

ثمّ على فرض التسليم ما الفرق بين هذا الوصف و سائر الأوصاف المعتبرة مثل الحياة و العقل؟

و قد التزم المشهور- بل الكلّ- على اعتبار بقاء الأوّل، بخلافهما، فلا بدّ من البحث في دليل القضاء و الحكم حتّى يظهر أنّ المستفاد منه أيّ شي‌ء هو؟ و لا خفاء في أنّه ليس لنا ما يمكن الاستظهار منه سوى المقبولة.

فنقول: إنّ الظاهر من قوله عليه السّلام فيها: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه» (1).. إلى آخره، أنّ تمام الموضوع لحرمة الردّ و عدم القبول هو الحكم الّذي


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

قد ثبت من الإجماع و غيره أنّه لا بدّ من صدوره عن العادل، و قد عرفت أنّ الحكم أمر حدوثي فكذلك الشرط المعتبر فيه، فإذا صار الموضوع الحكم الصادر من العادل و تحقّق ذلك، فحينئذ لا يضرّ به انقلاب الوصف بعده، ضرورة أنّ مقتضى الموضوع الحدوثي للحكم المعتبر فيه وصف كذلك، عدم مدخليّة شي‌ء فيه بعد حدوثه، بل بنفسه منشأ لجميع الآثار المترتّبة عليه.

و بالجملة؛ فعلى هذا المعنى لا سبيل إلى الالتزام بكون بقاء الوصف في الحاكم معتبرا في تأثير حكمه الصادر عنه حين اتّصافه به.

نعم؛ قد يحتمل كون الموضوع الحاكم العادل بنفسه، و الحكم جهة تعليلي، بمعنى أنّ مفاد الرواية وجوب قبول حكم الحاكم الّذي حكم، بحيث يكون الحكم مطلقا و الحاكم مقيّدا، و يستظهر ذلك من فقرة «و لم يقبل منه» نظرا إلى كون الضمير المجرور راجعا إلى الحاكم، و مقتضى ذلك اعتبار بقاء وصف العدالة و غيرها، لأنّه حينئذ يصير حال الحكم حال الفتوى و الرأي في كون الموضوع أمرا قابلا للبقاء، لكون الحاكم العادل هو الموضوع الّذي هو و وصفه قابلان للبقاء، و مع فقده ترتفع حرمة الردّ، فوجوب القبول و عدمه دائر مدار الموضوع و وصفه حدوثا و بقاء، و لا يخفى أنّه لا يعارض ذلك الاستظهار الأوّل أيضا، لأنّه لا اقتضاء بالنسبة إلى هذا الاستظهار.

فالحاصل؛ أنّه في الحديث الشريف نسبتان، كلّ منهما مقتض لأمر غير الآخر، إذ بعد أنّه لا إشكال في أنّ (1)استناد المشتقّ حقيقة إنّما يكون بلحاظ حال الاتّصاف، و النسبة إنّما هي حقيقة إذا كان بلحاظه حال التلبّس لو لم يكن


1) أنّ المشتقّ حقيقة في من تلبّس بالمبدإ (خ ل).

الوصف موجودا عند النسبة، و في المقام لو جعل مكان قوله عليه السّلام: «نظر في حلالنا و حرامنا» (1).. إلى آخره، لفظة «الناظر» و كذلك سائر الفقرات، فيصير الكلام بمنزلة أن يقال: الناظر في حلالنا و حرامنا، و العارف بأحكامنا، و الحاكم بحكمنا يحرم ردّ حكمه، مع أنّه ثبت من الخارج أنّه لا بدّ و أن يكون هذا الشخص عادلا، فعلى ما يستظهر من هذه الجملات أنّ موضوع النسبة هو المتّصف بهذه الخصوصيّات، و مقتضى ذلك هو كون النسبة و حرمة الردّ تابعا للموضوع و أوصافه بقاء و حدوثا، و إلّا فتخرج النسبة عن كونها حقيقيّة.

هذا لو لوحظت النسبة بين حرمة الردّ و [بين] الحاكم لأجل حكمه، و أمّا لو لوحظت النسبة بينهما و [بين] الحكم المستفاد من قوله عليه السّلام: «فإذا حكم بحكمنا» (2)و هذه النسبة لا بدّ و أن تصير حدوثيّة؛ لما عرفت من كونها تابعة لطرفيه، إذ رعاية صيرورة النسبة حقيقيّة مقتضية لاستناد الحكم حدوثا، فمقتضى النسبة الاولى اشتراط وصف العدالة في حرمة الردّ بقاء، بحيث لو انقلبت لصيرورة الحاكم فاسقا فيرتفع الحكم، و كونه حين صدوره عنه عادلا لا يرتبط بأحواله بعده، بخلاف الثانية الّتي ليس مناط الحكم بوجوب القبول إلّا نفس الحكم الصادر حال الاتّصاف، كما لا يخفى.

و لمّا كان الاحتمال الأوّل في غاية التعسّف، بحيث لا يساعده الفهم العرفي، بل الظاهر أنّ الحكم بنفسه هو تمام الموضوع لحرمة ردّه، كما أنّ


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

2) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

الضمير المجرور في قوله عليه السّلام: «و لم يقبل منه» (1)عوده إلى الحاكم لا يضرّ بذلك، بداهة أنّ عدم القبول أوّلا مضاف إلى نفس الحكم، فالمراد بالضمير أيضا الحاكم الّذي حكم و كان متّصفا بما يشترط في نفوذ حكمه بحيث المرجع؛ عنوانا مشيرا، لا أن يكون الحاكم العادل بنفسه موضوعا للحكم، كما لا يخفى.

فحينئذ فاعتبار الوصف دائر مدار حدوث الحكم، و أنّه كلّما صدر حكم من العادل حينه يحرم ردّه مطلقا.

نعم؛ و قد تجعل الفقرة المتأخّرة عن تلك، و هي قوله عليه السّلام: «فبحكم اللّه استخفّ» (2)تأييدا للاحتمال السابق نظرا الى كون الاستخفاف في الحقيقة يرجع إلى الحاكم، فالغرض رعاية الحكم و الموضوع، و أنت خبير بما فيه، إذ المنصوص فيه استناد إلى الحكم الّذي هو حكم اللّه، فلا وجه لإضافته إلى الحاكم، حتّى يقال: إنّ الحاكم الّذي لا يجوز استخفافه بردّه حكمه هو العادل، لا المطلق.

فانقدح ممّا ذكرنا أنّ اشتراط بقاء العدالة في الحاكم في وجوب قبول حكمه لا وجه له، و لا يوافقه الدليل أصلا، مضافا إلى كون الأصل يقتضي ذلك لو شكّ، فإنّه عند صدور الحكم عنه و اتّصاف الحاكم بالعدالة كان يحرم ردّ حكمه، و بعد فسقه نشكّ فيه، فبحكم الاستصحاب يجب إنفاذه و العمل به مطلقا و لو بعد صيرورته فاسقا.

و المناقشة في الاستصحاب بأنّ الموضوع قد تغيّر، و أنّ الشكّ في أصل


1) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416.

2) وسائل الشيعة: 27/ 136 الحديث 33416 نقله بالمعنى.

ثبوت الحكم حتّى حال صدوره حينئذ، مدفوعة.

أمّا الأولى؛ فبأنّه ليس الموضوع إلّا شخص الحاكم، و إنّما العدالة من أحواله لا مقوّماته، حتّى فقدها يوجب تغيّره، كما (1)هو واضح.

و الثانية؛ بأنّه لا إشكال في عدم كون العدالة المتأخّرة و بقائها شرطا متأخّرا لنفوذ الحكم حال صدوره و تحقّق الاتّصاف عنده حتّى يكون مجال القول بأنّ طروّ الفسق يوجب الشكّ في نفوذه من أصله، كما لا يخفى.

فهذا مقتضى القاعدة و الأصل في المقام؛ فلو كان إجماع في المسألة تعبديّ على التفصيل في الصفات بين الفسق و الجنون و الموت فيلتزم به، و إلّا فحال العدالة من بين الشروط حال غيرها، و المناط تحقّقها حال صدور الحكم، و الانعدام بعده لا يرفع وجوب القبول و حرمة الردّ مطلقا.


1) و مع كون الحكم موضوعا لحرمة الردّ لا يبقى بعد مجال الدعوى أنّ مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي اعتبار دوام الوصف، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

المقصد التاسع: في ما يتعلق بالقسمة

اشارة

القسمة

مقدّمة: المراد بالقسمة هو التمييز و الإفراز،

إذ الشركة لاثنين أو أزيد في مال هي عبارة عن سلطنة تامّة لهما عليه، السلطنة على نصفه مثلا، بحيث يكون يد كلّ واحد على نصفه في الحقيقة، و لكن هذا النصف مشاع؛ و لذلك لا يجوز لأحدهما التصرّف في شي‌ء منه بدون إذن الآخر، و ذلك لأنّ سلطنته و إن كانت تامّة على النصف، إلّا أنّ متعلّقها لمّا كان كأنّه مبهم و مردّد- بأيّ نحو يفرض حقّه من النصف يمكن أن يكون متعلّق سلطنة الآخر أيضا- فهذا أوجب رفع استقلاله في السلطنة، فلذا يمكن أن يعبّر أنّ لكلّ من الشريكين السلطنة على جميع المال سلطنة ضمنيّة، فلا بدّ إمّا أن يعتبر النقص في ناحية السلطنة، و إمّا في ناحية المتعلّق، و كلاهما صحيح.

فعلى كلّ حال؛ الشركة اعتبار نوع سلطنة على أمر كأنّه مبهم أوجب ذلك منعه عن الاستقلال في التصرّف حتّى يجيز الآخر، فحينئذ ليس جواز تصرّفه لرفع الإبهام، بل لأنّه لما كان معنى الحجر عن الاستقلال هو كونه متعلّقا لحقّ الغير و سلطنته عليه أيضا، فإذا اذن هو فيرتفع المانع، لأنّه كإذنه في التصرّف في مال شخصه، أو اجتمعا في التصرّف، فتصرّف كلّ منهما في الحقيقة يقع على النصف على نحو تملّكه له، و كأنّه يجيز كلّ منهما تصرّف الآخر بالنسبة إلى متعلّق حقّ غيره.

فإذا تبيّن كون حقيقة الشركة ذلك، فالقسمة الّتي هي ضدّها عبارة عن إفراز متعلّق الحقّين، و اعتبار رفع الإبهام عن متعلّق السلطنتين، بمعنى أنّه كما أنّ الشركة كانت عبارة عن السلطنة على شي‌ء كأنّه مبهم، فهكذا القسمة نحو اعتبار عرفي كأنّه بها يرتفع الإبهام و يعيّن المتعلّق، مثل ما لو وقع كأس ماء لأحد في ماء الآخر فقسمته و إفراز ماء صاحب الكأس عبارة عن تمييز الماء عن الماء الآخر، فكأنّه بوسيلة آلة يفرز ماءه الّذي يكون له واقعا عن الماء المختلط به.

فانقدح من ذلك أنّ القسمة ليست داخلة في أحد عناوين المعاملات، و ليست مبادلة في البين، بل هي بنفسها عنوان مستقلّ، لها اعتبار عرفي و شرعي في كونها معاملة مستقلّة؛ و الغرض منها أنّه لمّا كان المال المشترك للاختلاط أو الإرث أو سبب آخر من أسباب الشركة صار بحيث كلّ جزء له يفرض يكون بين المالكين، و لا استقلال لأحدهما فيه، فبوسيلة القسمة الّتي لها عنوان خاصّ و اعتبار مستقلّ حقيقتها الإفراز، يميّز الأجزاء عن الآخر، و يخصّص كلّ حصّة من المال بأحد المالكين، بلا لحاظ عنوان مبادلة أو غيرها و لو كانت مشتملة على الردّ، و به لا يدخل تحت عنوان معاملة اخرى، بل هو من توابع عنوان نفس القسمة الّتي يحتاج تحقّقها في بعض المقامات على الردّ، كما لا يخفى، فتأمّل!.

إذا عرفت معنى القسمة، فهنا امور:

الأوّل: في أنّه هل تحصل القسمة بالتراضي،

بأن يقسّم الطرفان أنفسهما، أو يختاران قاسما فيقسّم بينهما بلا أن يقرع، أم يتوقّف على القرعة مطلقا؟

فقد يقوّى الأوّل نظرا إلى عموم قاعدة «سلطنة الناس على أموالهم» المقتضى لاختيار الشركاء في ما يفعلون في أموالهم، بعد عدم ثبوت حقّ لما يشتركون فيه مع الغير.

و إلى عدم عموم لأدلّة القرعة لأنّ كثرة التخصيص الوارد عليها قد أوجبت ضعفها، بحيث لا يعمل بها إلّا إذا اجبر بعمل الأصحاب.

و إلى أخبار القسمة الخالية عن ذكر القرعة (1)، فلم يبق شي‌ء يقتضي الثاني سوى السيرة المدّعاة.

و في استقرارها بحيث يكشف عن لزومها مطلقا- حتّى في غير مورد التشاحّ و عدم تحقّق التراضي، بحيث لا يحتاج بعد وقوعها إلى التراضي الجديد، كما هو محلّ الكلام- نظر بل منع.

و لكنّ الأقوى الثاني.

أمّا أوّلا: فلأنّ السيرة المدّعاة فالإنصاف أنّه لا مجال لإنكارها، بحيث إذا تحقّقت القرعة فيرى النزاع و الشركة منقطعة، و لا يرى بعد محلّ للتراضي، بل تكون الشركاء ملزمين على ما أخرجت القرعة من السهام، حتّى لو يظهروا عدم الرضا بحكمها يكون ذلك خارجا عن دأب العقلاء و عرف المتشرّعة.

و ثانيا: أنّ الجبر للعمل بأخبار القرعة (2)هنا محقّق؛ لذهاب المشهور إلى إجرائها و التزامهم في التسهيم بالقرعة، و عدم الاكتفاء بمطلق التراضي (3).

و ثالثا: أنّ استصحاب بقاء الشركة يقتضي عدم قطعها و عدم حصول التسهيم، بحيث يكون سهم كلّ واحد ملكا مستقرّا لصاحبه إلّا بالقرعة، بل استصحاب عدم انقطاع الحقّ حاكم ببقاء حقّ كلّ واحد من الشركاء بالنسبة إلى


1) وسائل الشيعة: 19/ 12 الباب 6 من الشركة.

2) وسائل الشيعة: 27/ 257 الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم.

3) جواهر الكلام: 26/ 310.

المال حسبما كان قبل التقسيم و التراضي به.

و أمّا التمسّك بالعمومات؛ أمّا مطلقات القسمة، فهي في مقام بيان حكم آخر و من هذه الجهة مهملة، مع احتمال كون بعضها في مقام بيان عنوان معاملة اخرى، مثل حديث «لك ما عندك ولي ما عندي» (1)فحملوه على عنوان الصلح، مضافا إلى ما أفاده في «الجواهر» قدّس سرّه من أنّه: يحتمل أن تكون القرعة مأخوذة في مفهوم اقتسام (2).

و بالجملة؛ لا سبيل إلى التمسّك بمثل هذه المطلقات لإثبات المدّعى.

و أمّا عمومات السلطنة و نحوها فكذلك، إذ ليست هي مشرّعة، بحيث يثبت بها صحّة ما يعمل الملّاك، و يكون يترتّب اللزوم على ما يتراضى المالكون و الشركاء كما هو المقصود في المقام.

فانقدح ممّا ذكرنا البحث في أمر آخر، و هو أنّه لا يحتاج التراضي بعد القرعة، بل يكفي الرضا بالقرعة، و يكون الخارج بالقرعة من التسهيم لازما، لما أشرنا إليه من السيرة، و أنّها مستقرّة على الكيفيّة اللازمة، بمعنى أنّه بعد خروج السهم بالقرعة لا يبقى بعد حقّ لأحد من الشركاء بالنسبة إلى السهام الاخر في نظر عرف الشرع، مضافا إلى أنّه بعد إجراء الدليل اللفظي للقرعة و البناء على عدم حصول القسمة إلّا بها فلا بدّ من الالتزام بحكمها كما هو مفاد دليلها، لعدم كونها من الامور الجائزة حتّى يحتاج بعد وقوعها إلى تراض جديد، بل المستفاد من أدلّتها كونها من قبيل العقود اللازمة، فتدبّر!


1) وسائل الشيعة: 18/ 445 الحديث 24013.

2) جواهر الكلام: 26/ 311.

الثاني: في شرائط المقسّم،

فهو إمّا أن يكون من طرف الشركاء، و إمّا هو الّذي عيّنه الإمام عليه السّلام، أو نائبه.

فالأوّل تارة يكون بمنزلة الآلة لهم، بحيث إيجاد مقدّمات القسمة بيد أنفسهم مثل التعديل و غيره، و إنّما هو متكفّل لبعض الامور الخارجة عن حقيقة التقسيم.

فحينئذ؛ مضافا إلى أنّه لا يعتبر فيه العدالة و الإيمان فلا يعتبر الإسلام و البلوغ أيضا، كما لا يخفى.

و اخرى بأن يكون متكفّلا لأصل أمر التقسيم من التعديل و المساحة و التقويم، بحيث يكون وكيلا عنهم في ذلك، فيعتبر فيه ما يعتبر في مطلق الوكلاء، فيشترط البلوغ لارتفاع القلم عن الصبيّ و كون عمده خطأ، فلا يترتّب أثر على عمله، و أمّا الإيمان و العدالة فلا، فضلا عن الإسلام.

و الثاني؛ فالبحث فيه بالنسبة إلى زمان الحضور و ما يفعله الإمام عليه السّلام، لا ثمرة فيه.

و أمّا بالنسبة إلى زمان الغيبة، و أنّه هل للقضاة تعيين المقسّم، أم لا؟

فالكلام فيه مبنيّ على أن يكون لهم ما للإمام عليه السّلام من الولاية على الأشخاص، بحيث يكونون أولى بأنفسهم، كما هو عليه السّلام كذلك؛ و أمّا لو لم يثبت لهم الولاية بهذه المرتبة بل إنّما هي في الامور الحسبيّة، فليس لهم هذا الأمر- أي التقسيم بلا رضاء الشركاء- حتّى نبحث في أوصاف المقسّم و ما يعتبر فيه من الشرائط.

بل فيما لو احتيج إليه لإيكال الشركاء أمرهم إليه و نحوه، فإمّا هو بنفسه مباشر و إمّا يعيّن أحدا غيره، فحينئذ يكون الغير بمنزلة الوكيل له، و يأتي الكلام

السابق، فكيف كان؛ لم يثبت المقسّم، بل و لا يتصوّر بمعنى الولاية و صاحب منصب في عصر الغيبة حتّى يبحث في اعتبار أوصاف الولاية فيه و عدمه، فتأمّل جيّدا!

[الثالث] في المقسوم

اشارة

الثالث: الكلام في المقسوم:

لا يخفى أنّ تداخل المالين قد يكون بحيث يكونان متميّزين ذاتا، و لا يحتاج تخليص كلّ منهما عن الآخر إلى تعيين، كما لو وقع ثوب أحد في دار غيره، أو غرس شجرا في أرض غيره، و نحوهما؛ و قد لا يكونان متميّزين، كما في أغلب الاختلاطات و الامتزاجات الّتي إمّا أن يشتبه المالان بحيث لا يمكن عادة تمييزهما، أو يمكن و يحتاج إلى عمل، كما في اختلاط الشعير بالحنطة مثلا، و الأوّل كامتزاج المائعات.

و بالجملة؛ يمتاز القسم الأوّل عن هذا بعدم إبهام فيه أصلا، بخلافه هنا؛ فالقسم الأوّل خارج عن محلّ الكلام، و قد أوضحنا البحث فيه في باب تزاحم الحقوق، و أنّه للمالك تخليص ماله بلا رضاء من الطرف أصلا، و مقتضى ثبوت سلطنته و عدم اعتبار رضاء الآخر سلطنته على مقدّمات التخليص.

و إنّما البحث في القسم الثاني، و هو على صور:

فتارة؛ لا يتغيّر العين المشتركة بالقسمة أصلا، لا من حيث النقص و الكمال و لا من حيث الماليّة، و لا من جهة رغبة الناس إليها، كمنّ من الحنطة المشترك بين اثنين، فإنّ نصفه بالنسبة إلى المجموع لا يختلف ماليّة و لا منفعة و لا رغبة.

و اخرى؛ يوجب القسمة و التخليص النقص في الماليّة تبعا لنقص في العين، كما لو تنصّفت الدار أو الحمّام، بحيث يوجب فيهما نقصا في القيمة بالنسبة إلى قبل القسمة، و كما في الجوهر أو اللؤلؤ الّذي لو كان على مقدار معيّن لكان قيمته مائة تومان مثلا، فلو انكسر فلمّا ينتفي كماله فيصير قيمة كلّ نصف منه عشرة توامين.

و ثالثة؛ ما يختلف الماليّة بالتقسيم، و لكن لا لنقص في العين، بل لأنّ به تنقص رغبة الناس إليها، فتنقص قيمة العين بعد تقسيمها؛ و ذلك مثل أن يكون للهيئة الاجتماعيّة مدخليّة في ازدياد الرغبة، كما مثّلنا لذلك في باب تزاحم الحقوق بمثل ما لو أحدث دبّاغيّا متّصلا بدار غيره، أو أحدث روشنا في مقابل روشن الآخر، حيث إنّ بهما لم يقلّ الانتفاع عن الدار للعفونة، أو الروشن الآخر للظلمة، فلذلك يوجب نقصا في الماليّة؛ و هذا بخلاف ما لو أحدث بالوعة متّصلة بجدار آخر و حمّاما كذلك، فإنّه يوجب النقص في المال، و سنشير إلى وجه عدم جواز التصرّف في ماله في هذه الصورة.

تزاحم الحقوق

و بالجملة؛ فهذه أقسام ثلاثة للتقسيم، و قد أشرنا إلى أنّها بجملتها تتميّز عن الفرض الأوّل بأنّ المالين فيه متميّزان ذاتا؛ و أمّا في هذه الصور و كذلك في الكلّي على الذمّة أو الخارجي- كما في الدين و الصاع من الصبرة- المالان مبهمان، و كذلك الدين و الصاع الكلّي مردّد بين أفراد متعدّدة لا تتميّز إلّا بإقدام الطرفين- من الشريكين و الدائن و المديون، و صاحب الصبرة و المشتري- على

التمييز بتخليص المالين، و إعطاء الدائن و البائع، و أخذ المديون و المشتري.

فالتعيين في هذه الموارد أمر إضافي قائم بالطرفين، و لازم ذلك أن يكون مقتضى سلطنة كلّ واحد من صاحب المال و المعطي على ماله و تفريغ ذمّته، السلطنة على الآخر بإلزامه على الإفراز و القبض، بحيث تكون هذه السلطنة في طول سلطنته على مال نفسه و معلولة لها، فتقع سلطنة الآخر على ماله من إبقائه على حاله، أو سلطنته على عدم القبض في الرتبة المتأخّرة عن سلطنة الأوّل، إذ لا يعقل أن تقع السلطنتان في عرض واحد، فإذا وقعت الاخرى في الطول فيستحيل أن تؤثّر، بل تأثيرها يصير معلّقا.

هذا بالنسبة إلى موضوع هذه الصور الثلاث، و أنّها تختلف موضوعا عن الأوّل بأنّ المال لمّا كانت فيه نحو إبهام و مختلطا بمال الآخر، فيتوقّف التعيين على إقدام المالكين و تراضيهما على التمييز، حتّى لو لم يرض الآخر يجوز للطرف إلزامه على الرضا، و قد حقّقنا في محلّه أنّه يكفي في المعاملات مطلق الرضا و الإقدام على الفعل عن إرادة، و لو كان عن إكراه إذا كان الإكراه عن حقّ، و لا يعتبر طيب النفس.

و أمّا حكمها، فنقول: أمّا الصورة الاولى، فلا إشكال في جواز الإجبار على القسمة فيها، إذ المفروض عدم ترتّب ضرر منها على أحد الشركاء، و إنّما المال بعده باق على حاله من جميع الجهات كما كان قبلها، فعلى حسب مقتضى سلطنة كلّ واحد على ماله و إفرازه، السلطنة على إلزام الطرف على الإنهاض، و يكون حال المقام حال ما بيّنّا في باب تزاحم الحقوق، و قد أشبعنا الكلام هناك.

و ملخّصه: أنّ سلطنة الطرف على ماله بإبقائه على حاله لا يعقل أن تكون مؤثّرة فعلا في مقابل سلطنة الآخر، إذ كليّا قاعدة السلطنة جارية إذا لم تكن منافية لسلطنة الآخر، و مستلزمة لنفيها و التصرف في مال الغير، فهي من أوّل الأمر مقصورة و مخصّصة، فليس لأحد التصرّف في ماله إذا كان مستلزما لتلف مال الغير و التصرّف فيه، و إلّا فللغير المنع عن إعماله سلطنته، إذ هو مناف لسلطنة نفسه.

فمن أقدم على قلع شجر الغير المغروس في أرضه ليس للآخر المنع عنه، بل لصاحب الأرض إلزامه على القلع، إذ تخليص صاحب الأرض ماله علّة لعدم إبقاء الشجر في أرضه، و إبقاؤه لمّا كان نقيض عدم البقاء؛ فهو أيضا يقع في طول سلطنة صاحب الأرض، فتقع سلطنة صاحب الشجر على الإبقاء في طول سلطنته و في رتبة معلولها، فكيف يمكن أن تمنع عن إعمال سلطنة صاحب الأرض؟.

و ليس ذلك إلّا لما قلنا من أنّ القاعدة كليّة مخصّصة بما إذا لم تمنع عن سلطنة الآخر و [لم تكن] مزاحمة معها؛ و ذلك لأنّ هذه القاعدة امتنانيّة، فتستحيل أن تجري في ما كان فيه خلاف إرفاق على الغير إرفاقا على الامّة، فلا بدّ أن يراعى حال جميعها.

و بالجملة؛ فكلّما انطبق على هذه القاعدة إتلاف مال الغير أو التصرّف فيه، فليس موقع جريانها، و لذلك بنيا على عدم الاحتياج إلى قاعدة «لا ضرر» فيما لو كان إعمال السلطنة موجبا لإتلاف مال الغير، كما في موارد إحداث البالوعة متّصلا بجدار الغير، أو حمّاما كذلك، حيث إنّ قاعدة في أمثالهما بنفسها غير

جارية، لا أن تكون قاعدة «لا ضرر» مانعة، و لذا لم يلتزموا بعدم جريانها؛ لمنعها فيما لم تكن مستلزمة للتلف، بل يوجب قلّة الماليّة و فوتها، لا نقصا في نفس المال، كما في إحداث الحائط أو الروشن في الملك المستلزم لقلّة الانتفاع عن ملك الجار.

و ذلك لأنّ كلتا القاعدتين امتنانيّة، فلا يعقل أن يكون إحداهما حاكمة على الاخرى؛ فهكذا في ما نحن فيه لمّا كان مقتضى سلطنة كلّ واحد من الشركاء على ماله إفراز ماله المتوقّف على إلزام الآخر عليه، فليس للآخر منع الطرف عنه، لأنّ هذا المنع الناشئ من قبل سلطنته مستلزم لإبقاء المال على الشركة [و] تصرّف في مال الشريك المريد للإفراز، فهي منقطعة من الأوّل.

و لازم ذلك سلطنته على إفراز مال الطرف، المتوقّف على قطع الشركة بإلزامه على التخليص أيضا فللطرف، إنّما تكون السلطنة ثابتة ما لم تكن منافية لسلطنة الآخر و مستلزمة للتصرّف في ماله، كما أنّ لازم إبقاء المالين على الاختلاط و الشركة مع رغبة الشريك على الإفراز، ذلك؛ أي التصرّف في ماله و نفي سلطنته.

فالحاصل؛ أنّ المقام بعينه نظير مسألة غرس الشجر في الأرض المستعارة إذا تعارض صاحب الأرض و [صاحب] الشجر في تفريغ الأرض أو قلع الشجر، و قد بيّنا هناك أنّه لمّا لا إشكال في أنّ قاعدة السلطنة كلّيّا منصرفة عن التصرّف في المال إذا استلزم التصرّف في مال الغير، و كذلك بيّنا أنّ السلطنة على الامور التوليديّة لا يمكن إلّا بعد السلطنة على مقدّماتها، فإذا ثبتت سلطنة لأحد على ماله فله إبقاؤه و إفناؤه، فإذا توقّف إبقاؤه على أمر لا بدّ و أن يكون [له] سلطان عليه أيضا.

مثال ذلك: أنّه إذا كان لصاحب الدار إبقاء داره، فمن أراد تخريبه بتحريك آلة له و إعمالها على جدرانها- مثلا- فلا بدّ و أن يكون لذي الدار السلطنة على منع الغير عن تخريبه، و الأخذ بيده و منعه عن تحريك آلته؛ و لا مجال لأن يقال بأنّ صاحب المداس أو الفأس- مثلا- لمّا كان مسلّطا على ماله فله إعمال فأسه و تحريكه كيف شاء، و ليس لصاحب الدار منعه عن سلطنته، لما عرفت من أنّ السلطنة المنطبقة على التصرّف في مال الغير من أوّل الأمر غير ثابتة، و دليلها منصرف عنها.

فإن قلت: إنّ المفروض انصرافها بالنسبة إلى صاحب الدار أيضا، فليس له إعمال سلطنته بإبقاء الدار بسبب التصرّف في مال الغير.

و بعبارة اخرى: إنّ إبقاء داره لمّا يتوقّف على المنع عن تحريك الفأس، فهذه سلطنة، و إعمالها يستلزم التصرّف في مال الغير، فأيّ ترجيح لإعمال القاعدة بالنسبة إلى صاحب الدار و الالتزام بانصرافها بالنسبة إلى صاحب الفأس، و هكذا بالنسبة إلى صاحبي الغرس و الأرض؟.

قلنا: إنّ استحقاق صاحب الدار لمنع حركة الفأس و الأخذ بيد صاحبه ليس لإجراء قاعدة السلطنة بالنسبة إليه دونه، بل لأنّه لمّا ظهر لك أنّ القاعدة منصرفة عن السلطنة المستلزمة للتصرّف في مال الغير، فلو فرضنا رأسا عدم سلطنة لصاحب الدار على دارها بإبقائها، مع ذلك ليس لصاحب الفأس تحريكه و إعماله بجدران الدار و تخريبه، فليس منعه مستندا إلى اقتضاء سلطنة صاحب الدار على ماله ذلك، بل لعدم ثبوت السلطنة بهذا النحو له أصلا، فليست معارضة في البين.

هذا بالنسبة إلى صاحب الفأس، و أمّا بالنسبة إلى صاحب الدار، فنقول:

إنّ سلطنته على داره اقتضت سلطنته على إبقائها، و المفروض توقّف ذلك على عدم التخريب المتوقّف على عدم وقوع حركة عليها.

ضرورة أنّه كما أنّ عدم البقاء معلول للتخريب و حركة الفأس؛ كذلك البقاء معلول لعدم الحركة، فمن مقدّمات إعمال سلطنته على بقاء داره يصير منع حركة الفأس.

فحينئذ إذا لم يكن مانع عن جريان القاعدة بالنسبة إلى صاحب الدار و ثبتت سلطنته على بقائها، فلا بدّ من أن تكون له السلطنة على مقدّماتها أيضا، و قد ظهر أنّ منها عدم حركة الفأس، فلذلك يثبت له المنع عنها و الأخذ بيد صاحب الفأس، فإعمال السلطنتين بالنسبة إلى الطرفين يكون من دوران الأمر بين التخصيص- كما بالنسبة إلى صاحب الدار- و التخصّص- كما بالنسبة إلى صاحب الفأس- لأنّه بعد أن بنينا على كون أدلّة السلطنة منصرفة عن إثبات السلطنة الّتي تكون مستلزمة للتصرّف في مال الغير، فصاحب الفأس بالنسبة إلى تحريكه في مال الغير ليس هذه السلطنة له ثابتة، إذ و لو كان تحريكه من آثار سلطنته و معلولا لها على ماله، إلّا أنّه لمّا كان علّة لتخريب بناء الغير، فكما أنّه ليس له حقّ تخريبه فليس له الحقّ في إحداث علّته، و لو كانت منطبقة عليها سلطنته، و لكن المفروض عدم ثبوت هذا النوع من السلطنة له، فبالنسبة إليه عدم إعمال القاعدة، لعدم انطباقها على مورده من الأصل.

و أمّا بالنسبة إلى صاحب البناء، فإبقاء داره معلول لسلطنته الثابتة له، و عدم حركة الفأس بمنزلة المعلول لبقائه و من مقدّماته، و لمّا ثبت له هذه السلطنة

فلا بدّ من أن يكون له السلطنة على مقدّماتها، و المنع عن حدوث علّة عدم البقاء المضادّة له، فهنا المنع معلول و مقدّمة لما له السلطنة عليه، بخلاف الأوّل الّذي حركة الفأس لمّا كان علّة لتلف مال الغير، فليست السلطنة عليه ثابتة، فمقتضى إجراء القاعدة في هذه الصورة ثابت، فالمنع عنه يحتاج إلى مخصّص.

و هكذا الكلام بالنسبة إلى مسألة الغرس في أرض الغير الّذي يكون إحداثه عن حقّ، فكلّ من مالك الأرض و الشجر مسلّط على تخليص ماله و لو كان مستلزما للتصرّف في مال الغير؛ لجريان المناط المزبور تعيينه هنا؛ بداهة أنّه إذا كان صاحب الغرس مسلّطا على التصرّف في شجرة بأيّ نحو شاء الّذي منها تخليصه عن الأرض، فيصير عدم بقاء الأرض على حاله و حفره من مقدّمات إعمال هذه السلطنة، و يكون ذلك من قبيل منع يد الغير عن تحريك فأسه.

و بقاء الأرض على حاله و إن كان تحت سلطنة صاحبها، إلّا أنّه لمّا يصير حينئذ ممّا ينطبق على التصرّف في مال الغير، بل عينه، لأنّه لا خفاء في أنّ من كينونة الشجر على الأرض ينتزع عناوين ثلاثة طوليّة، و هي: إشغال الأرض، ثمّ يترتّب عليه بقاء الشجر فيها، ثمّ يترتّب عليه بقاء الأرض على حاله و عدم حفره، فإذا لم يكن لصاحب الأرض السلطنة على إبقاء شجر الغير و منعه عن التصرّف فيه، كذلك ليس له السلطنة على إبقاء أرضه على حاله المعلول لإبقاء الشجر، و هكذا من طرف صاحب الشجر بالنسبة إلى إبقاء شجره على الأرض، فيصير الأمر من طرفه من هذه الجهة عكس الأوّل، فليس له إبقاء شجره على حاله المنطبق عليه التصرّف في الأرض.

إذا عرفت ذلك في هذه الأمثلة، الظاهر كون ما بنينا عليه من الحكم مسلّما عند الأصحاب، و لا ريب أنّ ما نحن فيه بعينه، حاله حال الشجر و الأرض، و أنّ كلّ واحد من الشريكين مسلّط على التصرّف في سهمه، و أنّ إفرازه موقوف [على] صيرورة سهم الآخر مفروزا، كما لا يخفى، فتأمّل!.

و أمّا الصورة الثانية؛ فقد يتوهّم أنّ الحكم فيها أشكل من جهة اشتمال الإفراز و القسمة على التصرّف في مال الغير و إحداث النقص فيه، فلذلك يظهر تسالم الأصحاب على عدم جواز الإجبار و عدم حصول القسمة إلّا بالتراضي نظرا إلى حكومة قاعدة «لا ضرر» على قاعدة «السلطنة».

و لكنّك عرفت أنّه لا سبيل إلى تحكيم قاعدة «لا ضرر» على تلك القاعدة، بل ليس شي‌ء يمنعها و يعارضها سوى قاعدة السلطنة بالنسبة إلى الآخر، أو مثل قاعدة الإتلاف، فحينئذ؛ ما الوجه في إلزام الشريك على بقائه على الشركة و منعه عن إعمال سلطنته؟

فالّذي يقتضيه التحقيق هو أن يجمع بين القاعدتين، بأن يكون له إلزام الآخر على القسمة، و عليه تدارك ضرره ممّا يفوت عنه الماليّة تبعا للنقص الحاصل في العين من التسهيم و الكسر، و أمّا من حيث تعارض السلطنتين أيضا ظهر لك أنّه ليس هذه الجهة أيضا مانعة لانصراف القاعدة عمّا كانت موجبة للتصرّف في مال الغير أو حجره عن إعمال سلطنته، فينحصر المانع بحيثيّة الإتلاف أو الضرر، و المفروض أنّه يلزم طالب القسمة بالتدارك.

و العجب؛ أنّهم التزموا بذلك في باب العارية و الشفعة و غيرهما في مسألة الغرس و الأرض أو الزرع و الأرض و أمثالها، بأنّ لصاحب الشجر و الزرع قلعهما

و إلزام صاحب الأرض على التخليص، إلّا أنّ عليه تدارك ما يوجب ذلك نقصا في الأرض من طمّ الحفر و غيره، كما أنّ لصاحب الأرض تخليص الأرض و إلزام الطرف بقلع الشجر و إفراغ الأرض، و عليه الأرش و التفاوت بين الخشبيّة و الشجريّة، مع أنّ ما نحن فيه بعينه مثل تلك المسألة، و ليت شعري ما الفرق بين المقام و تسالمهم على عدم جواز الإجبار، و تلك المسألة؟!.

اللهمّ إلّا أن يقال في وجه الفرق: إنّه لمّا عرفت في صدر المسألة أنّه فرق بين المقام و مسألة الغرس و الأرض من حيث الموضوع، ففيها التمييز بين المالين لا يحتاج إلى أمر، بخلاف المالين المشتركين، فتعيينهما و رفع الإبهام [عنهما] يحتاج إلى القسمة و المعاملة من صاحبهما، و إلّا فهما على إبهامهما باقيان.

فحينئذ؛ إذا احتاج ذلك إلى سبب، و إن قلنا بأنّ مقتضى سلطنتهما أنّ لكلّ منهما إلزام الآخر على القسمة، إلّا أنّ ذلك لا يوجب صيرورة القاعدة مشرّعة حتّى يتحقّق السبب من ناحيتها، بل لا بدّ من أن يتحقّق السبب من الخارج، و المفروض توقّفه على بيان الشارع و لو إمضاء، و الشارع لا يجعل سببا فيه ضرر بحكم القاعدة، فمن هذه الجهة يحصل الفرق بين المقام و تلك المسألة أيضا، فيمكن أن يكون وجه التزام الأصحاب فيها بمشروعيّة إلزام الصاحب الآخر دون المقام ذلك.

و لا يتوهّم أنّ لازم ما ذكرنا في مطاوي الكلمات من أنّه إذا تحقّقت السلطنة فلا بدّ من أن يشرّع لوازمها، فلو توقّف إعمالها على شي‌ء فالسلطنة عليه من المقدّمات أيضا، ثابتة.

ضرورة أنّ ما قلنا، إنّما هو في المقدّمات الخارجيّة، لا الأسباب الشرعيّة،

ففيها، لمّا يتوقّف على جعل الشارع و ينتهي الأمر إليه، فلا يمكن مشروعيّة مثل هذه المقدّمة؛ لكونها منافية للقاعدة.

فالحاصل؛ إنّ ما نحن فيه لمّا لا يمكن حصول الميز إلّا بتحقّق السبب الشرعي- و المفروض أنّ ما هو ضرريّ غير مجعول- فلذلك لم يلتزموا بجواز الإجبار فيه.

و لكن لا يخفى أنّ ذلك يتمّ على مسلكنا الّذي لم نلتزم بحكومة قاعدة «لا ضرر» على قاعدة «السلطنة» و أمّا على مسلك القوم الملتزمين بحكومتها عليها، فلا، و ذلك لأنّه بناء عليها، لمّا كان الحكم بعدم جواز الإلزام على القسمة، و البقاء على الشركة، مع عدم لزوم التدارك للضرر الناشي من قبلها، أو الحكم بالبقاء على الشركة مطلقا؛ مجموع هذه الامور الثلاثة ضرريّ، و المركّب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، فمقتضى القاعدة حينئذ نفي أحد الامور الثلاثة، كما أنّ شيخنا قدّس سرّه في باب خيار الغبن التزم بأنّ مقتضى القاعدة- بناء على كون قاعدة «لا ضرر» مدركا لهذا الخيار- هو ثبوت الخيار في أحد الأمرين: إمّا بأن يأخذ المغبون الأرش مع الالتزام ببقاء العقد، أو يكون له حقّ فسخ البيع، لأنّ لزوم العقد مع عدم جواز أخذ الأرش أو اللزوم مطلقا ضرريّ، و رفع هذا المجموع بنفي أحد أجزائه (1).

و من المعلوم؛ أنّ ذلك لا يتمّ إلّا على الالتزام بحكومة قاعدة «لا ضرر» على قاعدة «السلطنة».

و لذلك استشكلنا عليه أيضا بأنّه لمّا لا سبيل إلى الحكومة المذكورة،


1) المكاسب: 5/ 161- 164.

فالأصحاب لم يفتوا بما أفاده قدّس سرّه، فهكذا في ما نحن فيه بناء عليها أيضا لا بدّ و أن يلتزم بأحد الأمرين: بأن يكون للشريك إلزام الآخر على القسمة مع تدارك ضرره- لا أن لا يجوز الإجبار مطلقا- و عدم جواز القسمة إلّا مع التراضي.

فانقدح من ذلك؛ أنّه وجه عدم التزام الأصحاب بجواز الإجبار ليس إلّا عدم التزامهم بحكومة القاعدة على قاعدة «السلطنة» كما حقّقنا نحن ذلك أيضا كرارا، فتدبّر و استقم.

و أمّا الصورة الثالثة: فيظهر حكمها ممّا تقدّم، و من المعلوم؛ أنّ للشريك إجبار الآخر بالطريق الأولى، و ليس على تدارك النقص الوارد على العين المشتركة، لكون عدم نقص في نفسها، و إنّما هو في الماليّة، و ليس أحد ضامنا لنقص الماليّة للآخر، و لو كان هو سببه، كما مثّلنا له بأن يرخّص أحد سعر ماله الموجب لتنزّل قيمة مال الآخرين، أو فعل شيئا أوجب زوال رغبة الناس عن مال الآخر [ين] و نقصا في ماليّته، ففي أمثال ذلك لا ضمان، و لا لصاحب المال على مقتضى سلطنته منع الغير عن التصرّف في ماله المستلزم لتوجّه نقص الماليّة إلى الغير، لأنّ غاية ما يثبت بقاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)ما هو القائم بالأعيان، لا ماليّتهم، كما لا يخفى.

فروع:

اشارة

إذا تبيّن لك أصل حقيقة القسمة و أحكامها، فهنا فروع، لا بدّ من التنبيه إليها:


1) عوالي اللآلي 1/ 222 الحديث 99 و 457 الحديث 198، و 2/ 138 الحديث 383، و 3/ 208 الحديث 49.

الأوّل: أنّ الردّ المشتمل عليه بعض أنواع القسمة، هل هو من تبعات القسمة، أو نحو معاوضة؟

التحقيق هو الأوّل، إذ بعد أن عرفت أنّ حقيقة القسمة ليست إلّا إنهاض الملكيّة الواحدة لشخصين، القائمة على الأمر الواحد، حيث إنّ العقلاء كانوا يعتبرون عن قيام العلقة الحاصلة المعبّر عنها بالملكيّة لشخصين أو أشخاص متعدّدين على العين الواحدة أو الأعيان المتعدّدة، عنوان الشركة، فالمالك و إن كان متعدّدا إلّا أنّ منشأ اعتبار التعدّد في الملكيّة أو وحدتها إنّما هي باعتبار وحدة المتعلّق و تعدّده.

ثمّ إنّه لمّا كان منشأ اعتبار الوحدة في المتعلّق هو اختلاط المملوك و إبهامه الحاصل من سبب خاصّ كالإرث و نحوه، فبالقسمة الّتي لها الاعتبار العقلائي أيضا كان الغرض رفع الإبهام و إفراز المتعلّق الّذي يستتبعه إفراز الملكيّة.

ثمّ لا خفاء في أنّ الملكيّة عبارة عن الماليّة القائمة بالأعيان، بها تعتبر علقة بينها و بين الأشخاص، ففي وقت القسمة لمّا أنّه قد ينقص موضوع الماليّة لأحد الشركاء بالنسبة إلى الآخرين؛ لعدم إمكان التعديل في العين الخارجي القائم عليها الملكيّة، بحيث يكون ماليّته مساوية مع الآخرين، و لكن عند الإفراز ليس بحيث يمكن التسوية في متعلّق الماليّة لأشخاص الشركاء، بل يزيد و ينقص، فلذلك يعتبر العقلاء ردّ مال إلى من نقص سهمه؛ لتحصيل التسوية من الخارج، فكأنّه بهذه الحيلة يستخرج الموضوع لما نقص عنه من الماليّة.

و بالجملة؛ لا إشكال في أنّ اعتبار الردّ إنّما هو اعتبار رفع النقص، فهو

بمنزلة متمّم لهذه المعاملة المسمّاة بالقسمة، لا أن يكون أمرا خارجا عنها و مباينا معها، حتّى يقال: إنّ الردّ هو معاوضة خاصّة كأنّها تبدّل ما يأخذ أحد الشركاء من العين زائدا على ما له من الماليّة فيها بما يأخذه الآخر من المال الخارجي، فيحتاج إلى تراض جديد؛ لما ظهر من أنّه متمّم لنفس القسمة و لا استقلال له، كما لا يخفى، فتدبّر!.

الثاني: القسمة المشتملة على الردّ هل يجبر عليها، أم لا؟

قد يتوهّم أنّه إذا بني على جواز الإجبار على أصل القسمة لاقتضاء السلطنة على المال السلطنة على إفرازه أيضا، و قد تحقّق أنّ السلطنة على الشي‌ء [سلطنة] على مقدّماته أيضا، فعلى هذا؛ كلّ ما هو من لوازم حصولها لا بدّ من أن يكون الإلزام فيه مشروعا أيضا، و منها تتميم النقص الحاصل بالردّ، فيجوز الإلزام على الردّ.

و لكنّه باطل؛ إذ هو لو بنينا على أنّ السلطنة على الشي‌ء سلطنة على مقدّماته، إلّا أنّه قد أشرنا أيضا في مسألة تزاحم الحقوق إلى أنّه ليس هذا الكلام بالنسبة إلى كلّ مقدّمة، و لا إطلاق لهذا الحكم، بحيث لو توقّف في مسألة الشجر- المغروس في الأرض المستعارة له- قلعه و تخليص الشجر على التصرّف في مال خارجيّ لصاحب الأرض، ليس له ذلك مشروعا، بل إنّما مورد ذلك المقدّمة الداخليّة.

و بعبارة اخرى؛ التصرّف في مال الآخر إنّما هو مشروع بالنسبة إلى المال المزاحم للتخليص بنفسه، لا إلى أمواله الخارجة.

و بالجملة؛ إنّ ذلك يختلف ببعد المقدّمات و قربها، فهكذا في ما نحن، إنّ

ما هو مشروع مقدّمة لإعمال الشخص سلطنة نفسه، هو إلزام الطرف على إفراز ماله المزاحم للإفراز الآخر، بحيث لولاه لم يحصل القسمة، و يرى العرف كلّ واحد منها مقدّمة للآخر، و أمّا إلزامه على إعطاء مال خارجيّ فليس هذا جائزا؛ لكونه أمرا أجنبيّا عن أصل القسمة؛ فتأمّل! فإنّ جعل الردّ الّذي لا يبعد الدعوى بكونه من مقوّمات نفس القسمة في الجملة و تبعاتها، من قبيل التصرّف في مال خارجيّ لصاحب الأرض في المسألة المزبورة، لا يخلو عن الإشكال.

الثالث: إذا تبيّن أنّ الغرض من القسمة إنهاض ما به قوام الماليّة و الملكيّة،

و أنّ كلّ شريك مسلّط على تعيين حصّته من الملك و على إيجاد مقدّمات ذلك- و لو بإلزام الطرف على إفراز سهمه أيضا- و لا ريب أيضا أنّه ليس لأحد الشركاء إلزام الآخر على جزء معيّن من المال المشترك، بل لا بدّ من تعديل السهام بنحو تكون نسبة كلّ سهم إلى الآخرين من حيث المساحة و غيرها، متساوية.

فحينئذ؛ لو كانت دار مشتركة بين اثنين لها علو و سفل، فلا بدّ أن يكون تعديله على نحو لا يختصّ أحدهما بالعلو أو السفل، و ليس لطلب القسمة إجبار الآخر بقبول أحدهما، كما أنّه ليس له الإلزام في التقويم كذلك، بل لمّا يتصوّر لمثلها أنحاء ثلاثة من التقويم: إمّا أن يقوّم كلّ منها على حدة- بحيث يكون لأحدهما العلو و للآخر السفل- أو يقوّم نصف العلو مع النصف من السفل تحته، و أمّا نوع آخر لو فرض، فليس لطالب القسمة الإلزام بالتقويم في أحدهما المعيّن، بل له إلزام الطّرف على الجامع، فكلّ منهما اختاره فلا بدّ من التقويم كذلك، فيمكن التقويم على كلّ واحد من النوعين، و ليس لازما أحدهما، بل الأمر في التعيين بيد الطرف.

فعلى هذا؛ اختصاص التقويم بالقسم الأوّل- كما يظهر من «الجواهر» (1)- لا وجه له، إذ الأمر يكون من قبيل طلب المولى شيئا من العبد له نوعان، فالاختيار بيد العبد في انطباق المأمور به و إيجاده على كلّ منهما، و ليس موقع تشاحّ حتّى يقال: كما أنّه ليس لطالب الشركة إلزام الآخر على اختيار أحد من النوعين كذلك ليس للطرف إلزامه كذلك، إذ المفروض رضاؤه بالقسمة، و لذلك يلزم الطرف عليها، فليس له اختيار، بل له إلزام الطرف على الجامع بين القسمتين، فتأمّل! فإنّه حينئذ يرجع النزاع في الحقيقة في أمرين: في أصل القسمة و كيفيّة التعديل، فتحتاج كلّ منهما إلى القرعة ليرتفع الخصومة و الاشتباه، فتدبر!.

[خاتمة] [حكم اختلاف الشركاء بعد القسمة]

و لنختم الكلام بذكر حكم اختلاف الشركاء بعد القسمة.

قال في «الشرائع»: (إذا ادّعى بعد القسمة الغلط عليه لم تسمع دعواه) (2).. إلى آخره.

لا يخفى أنّ هنا صورا: فتارة يكون المقسّم من طرف الحاكم، أو من قبل الشريكين أنفسهما؛ و اخرى يكون أنفسهما.

ففي الاولى؛ قد يجعل طرف الدعوى المقسّم، و قد يجعل الشريك، ففيما إذا جعل الطرف المقسّم، فطريق إثبات الحقّ منحصر بالبيّنة، و لا يتوجّه يمين


1) جواهر الكلام: 40/ 352- 354.

2) شرائع الإسلام: 4/ 105.

على المقسّم، إذ ترجع إلى نفي الحقّ عن الغير حتّى لو ادّعي عليه العلم أيضا، إذ بعد أنّه إذا لم يتوجّه إليه شي‌ء نفيا و إثباتا من جهة يمينه، فلا فرق في ذلك بين أن يدّعى عليه العلم أم لا، لانتفاء المناط و هو كون الدعوى ملزما بالنسبة إلى المنكر.

نعم؛ لو أقرّ المقسّم و صدّق دعواه فينفذ إقراره لكونه أمينا و مالكا له، فينطبق عليه قاعدة «من ملك» من الجهة الّتي اعتبرناها، فلذلك يكون إقراره حجّة، و لكن لا بأن يصير ميزانا، بل يوجب ذلك كون القول قول مدّعي الغلط و الطرف مدّعيا، و قد تبيّن وجه ذلك في ما تقدّم.

و أمّا لو جعل طرف دعواه الشريك، فحينئذ إمّا أن يكون مصبّ دعواه علمه بالغلط، أو لا، بل يدّعي الغلط الواقعي.

ففي الأوّل؛ الدعوى متوجّهة و ملزمة؛ فإن كانت له بيّنة يقيمها، و إلّا فله إحلاف الطرف؛ فإن لم يحلف و ردّ، فله الحلف، فحلف فيلزم بموجبه.

و في الثاني؛ أيضا ينطبق جميع موازين الدعوى؛ فإن كان الطرف يعلم بعدم الغلط، فعليه الحلف عليه إن لم يقم المدّعي البيّنة على دعواه، و إلّا فلا يثمر حلفه بعدم علمه، بل لمّا لا بدّ و أن يكون الحلف على وفق مصبّ الدعوى فعليه الحلف على عدم الغلط، و إلّا فإن ردّ و حلف الشريك فتبطل القسمة، و هذا بخلاف الصورة الاولى، فإنّه لا يمين ردّ، على المدّعي؛ لعدم تعلّق اليمين بالمدّعى عليه و هو المقسّم حتّى يكون محلّ الردّ إلى المدّعي، و قد تقدّم أن أدلّة الردّ منصرفة إلى ما كان للرادّ الحلف، و إلّا فلا، كما في الدعوى على الوارث.

هذا كلّه؛ حكم صورة الاولى، فلا فرق في هذه الجهات بين أن يكون

المقسّم من طرف الإمام أو أنفسهما (1)، كما لا يخفى.

و أمّا الصورة الثانية؛ فلا مانع فيها من توجّه الدعوى مطلقا؛ فإمّا أن يدّعي عليه العلم من أوّل الأمر- أي حين القسمة- أو يدّعي حصول العلم له بعدها مع اعترافه بجهله حينها.

و هذا التقسيم يجري في الصورة الاولى أيضا، ففي الأوّل، فهو إمّا عالم بعدم الغلط و إمّا شاكّ فيه؛ فعلى كلّ تقدير لمّا كانت له أصالة الصحّة، فالقول قوله، إلّا أنّ في الاولى عليه الخلف بخلاف الثانية، و لمّا لا يجوز حينئذ الردّ أيضا فينحصر الميزان بالبيّنة.

و في الثاني؛ فإن كان جاهلا فعليه الحلف، و كذلك لو كان عالما الآن بعدم الغلط، و إمّا أن يدّعي عليه الغلط واقعا؛ و المنكر إمّا عالم بعدمه فعليه الحلف، و إلّا فإن كان شاكّا- و إن كان القول قوله على مقتضى أصالة الصحّة، إلّا أنّه لمّا لا يمكن له الحلف- فلا حلف عليه، و لا ردّ أيضا، إذ المفروض عدم كون الدعوى العلم حتّى يكون عليه الحلف على نفسه على كلّ حال، بل [الدعوى] الغلط الواقعي الّذي لا علم له به، فينحصر الميزان حينئذ بالبيّنة.

ثمّ لا يخفى أنّه لا فرق في ذلك كلّه بين أن يكون دعوى الغلط في القسمة، أو التقويم كما هو الغالب. فتأمّل جيّدا! حتّى يظهر لك ما في إطلاق كلام المحقّق (2)و التشويش في كلمات غيره قدّس سرّهم (3).


1) لانطباق عنوان الدين على كلّ منهما. «منه رحمه اللّه».

2) شرائع الإسلام: 4/ 105.

3) الدروس الشرعيّة: 2/ 119، مسالك الإفهام: 14/ 55، كشف اللثام ط. ق: 2/ 172، جواهر الكلام:

المقصد العاشر: في المهمّ من الكلام في أركان باب القضاء

اشارة

ضابط المدّعي و المنكر

اشارة

هنا جهات من البحث ينبغي تنقيحها:

[الجهة] الاولى: في ضابط المدّعي و المنكر، و قد عرّفا بتعاريف،

قبل الإشارة إليها لا بدّ من تحقيق ما يمكن أن يكون عند العرف لهما من المعنى و المفهوم.

فنقول: إنّه لا إشكال في أنّ هذين اللفظين الحاكيين عن الخصومة، اعتبارهما كاعتبار الخصومة الخارجيّة، فإنّ العرف على حسب ما ارتكز في أذهانهم من المناط في الخصومة الخارجيّة فقد اصطلحوا على التسمية في هذه الخصومة الاعتباريّة.

و أمّا في الخصومة الخارجيّة، ففيها قد يكون الطرفان كلاهما مهاجمين، و قد يكون أحدهما مهاجما و الآخر مدافعا.

فعلى كلّ تقدير؛ المدافع- كليّا- لا بدّ له من شي‌ء يعتمد عليه و يتّكئ به، فيدافع عن نفسه.

و أمّا المهاجم الّذي في مقام الحملة دائما فهو ليس في مقام حفظ نفسه غالبا، بل اهتمامه أن يكون له سلاح و آلة يغلب بهما على الطرف، بحيث و لو كان هو أيضا في مقام حفظ نفسه، إلّا أنّ هذا من تبعات قصده، و العمدة في نظره الظفر على الآخر، بخلاف المدافع لمّا ليس همّه إلّا الدفع، لا الغلبة، بل هو نظره عكس همّ الآخر، فهو لا يحتاج إلى ما به خارجا يغلب على الطرف، بل الّذي هو

يحتاج إليه، فعلى مقتضى الطبع هو المعتمد الّذي به يتّكئ فيحفظ و يسلم نفسه، نعم؛ لا بدّ له أيضا من آلة لو اضطرّ إليها، و لم يرفع اليد المهاجم عنه فبإعمالها يدفعه عن نفسه، بحيث لو كان هو و نفسه ليس له همّ و لا عمل.

هذا فيما لو كان أحد المتخاصمين مهاجما و الآخر مدافعا؛ و أمّا لو كان كلاهما مهاجما، فلا بدّ لهما من أسباب التهاجم و الغلبة، هذه هي حقيقة الخصومة الخارجيّة، و هكذا الحال في الترافع الّذي هو أيضا خصومة اعتباريّة، فمفهوم المدّعي و المنكر أيضا منتزعان عن عنوان المهاجم و المدافع.

فالعقلاء بحسب ارتكازاتهم لمّا يرون أحد المترافعين مهاجما و الآخر مدافعا، و ليس حالهما في مقام الخصومة واحدا، بل همّ أحدهما الظفر على الآخر و أخذ المال عنه، و الآخر ليس إلّا في مقام الدفع عن نفسه و حفظ ما في يده، فيسمّون الأوّل مدّعيا و الثاني منكرا؛ و لذلك يرى بحسب الارتكاز احتياج الأوّل في مقام الخصومة إلى ما يتمسّك به للظفر على الآخر، فيثبت حقّه المسمّى ذلك، بالبيّنة أو الحجّة، بخلاف الثاني، فهو به مستغن عن الحجّة الخارجيّة، بل هو معتمد على الأصل الّذي معه، و لمّا يكون همّه الدفاع لا الحملة، فيكفيه الأصل الّذي معه، به يحفظ ما في يده.

نعم؛ جعل له أيضا، وظيفة هي اليمين، لأنّه لو لم يمكن للمدّعي إثبات دعواه بالحجّة، و ما رفع اليد عن الطرف أيضا، و انتهى الأمر إلى ذلك، فبحلفه يرتفع الخصومة.

فانقدح من ذلك كلّه؛ أنّ الضابط بين المدّعي و المنكر عند العرف هو أنّ الأوّل ينطبق على عنوان المهاجم و الثاني على المدافع، و أنّ الحجّة الّتي يقيمها

المدّعي و يكون وظيفة له، كمال الفرق بينها و [بين] الحجّة الّتي [هي] وظيفة للمنكر، و أنّ وجه الاحتياج إليهما في كلّ من المقامين غير الآخر.

ثمّ لا ريب أنّه ليس فيهما اصطلاح خاصّ عند المتشرّعة، بل الظاهر أنّ المراد بهما عندهم هو ما يكون المراد عند العرف العامّ، و أنّ ما وقع من التعاريف لهما في كلمات الفقهاء هي من قبيل المميّزات، و لذلك اختلفت، فكلّ عبّر عنهما بلازم أجلى في نظره من الآخر، لا أن يكون تعريفا حقيقيّا.

فعلى هذا؛ يمكن الدعوى بانطباق تمام ما ذكر من اللّوازم للمدّعي على ما هو المراد به عند العرف، و أنّ مناط صيرورة مدّعي الردّ في مثل الرهن و العارية و نحوهما مدّعيا، ما هو المناط في صيرورة مدّعي مال على ذمّة الغير مدّعيا، و أنّه في كلّ منهما يكون المدّعيان مهاجمين، و قولهما مخالف للأصل، فإنّه كما أنّ في الثاني يريد المخاصم إثبات شي‌ء على عهدة الخصم و أخذه عنه، كذلك مدّعي الردّ غرضه إثباته على صاحب الرهن و المعير.

ضرورة؛ أنّه بعد ثبوت المال على ذمّته و انتهاء الأمر إلى الفراغ و دعوى الردّ، ففي الحقيقة صاحب المال مدافع، و كأنّه يؤخذ منه شي‌ء، و المرتهن و المستعير مهاجمان، و غرضهما إثبات الشي‌ء على عهدة الغير- كما لا يخفى- و كذلك ينطبق على كلا المثالين قول بعض بأنّ المدّعي من لو ترك ترك (1).

أمّا انطباقه على الثاني فمعلوم، و كذلك انطباقه على الأوّل، إذ المراد منه أنّ المدّعي هو الّذي لو ترك المنكر و حاله، و لا خفاء في أنّ الدائن لو ترك ترك المنكر- الّذي يظهر الردّ و الأداء- و حاله، و إنّما عقله يلزمه بالوفاء و الأداء


1) شرائع الإسلام: 4/ 106، جواهر الكلام: 40/ 371- 372.

واقعا أو ظاهرا، حسبما يرى في نظر الحاكم أو غيره ممّن هو غير المتخاصمين، كما أنّ في دعوى الحقّ و إنكاره من أصله الأمر كذلك؛ إلّا أنّه يكون بينهما فرق، من حيث إنّ في دعوى الردّ لو ترك المدّعي دعواه هذه، يكون في عقبه حكم من العقل واقعا أو ظاهرا، بخلاف الإنكار رأسا؛ هذا ما أفاد- دام ظلّه- للجمع بين التعريفين في المقام، و أنت خبير بما فيه.

فالأولى أن يقال في تقريب الجمع: إنّ مدّعي الردّ لو ترك دعواه لترك من حيث هذه الدعوى، و إن كان يطالب بعد و لم يترك، و لكنّه ليس لهذه الدعوى، بل لأنّه يتولّد منها إقراره بأصل الاشتغال، فيتولّد منها حينئذ دعوى اخرى، من تلك الجهة لا يترك، و لا إشكال أنّ من هذه الجهة الدائن مدّع، كما أنّ قول مدّعي الردّ من الجهة الاولى مخالف للأصل، و قوله مخالف له من هذه الجهة، و لكنّه إن لم تثبت الدعوى الاولى فالثانية لا تحتاج إلى البيّنة، لثبوتها بالإقرار بالاشتغال الّذي لا بدّ من تحصيل البراءة عنه، كما لا يخفى.

الجهة الثانية: أنّ الأصل الّذي يعتبر كون قول المنكر موافقا له هل هو مطلق الأصل و لو اقتضائيا، أم لا بدّ و أن يكون معتبرا فعلا؟

لا إشكال في أنّه لا يكفي الأوّل، إذ قلّما يتّفق أن لا يكون قول المتداعين موافقا لأصل، كذلك فيلزم أن ينقلب المدّعي منكرا في كثير من الموارد، أو يرجع الدعوى إلى التداعي (1)مع عدم التزامهم بذلك.

فالتحقيق؛ أنّه لا بدّ أن يكون الأصل ممّا يعتبر، و مرجعا فعلا، و من هنا يظهر النظر في بعض كلمات «الجواهر» حيث ألحق مسألة ما لو اختلفا في دار


1) أي المدّعين و المنكرين. «منه رحمه اللّه».

تكون تحت يد كليهما بباب التداعي (1)، و الأخذ بنصف أثر يد كلّ منهما الظاهرة في اختصاص تمام الدار به، مع أنّه ألحق مسألة ما لو اختلف اثنان في كون مال الإجارة من الذهب أو الفضّة و وقوع العقد على الأوّل أو الثاني، بباب الدعويين.

مع أنّه لو كان مخالفة كون الثمن كلّ من الذهب و الفضّة للأصل، فلذلك يكون كلاهما مدّعيا و منكرا، و لا اعتناء بالتعارض و سقوط الأصلين، فكذلك يكون في الفرع الأوّل، إذ فيه أيضا يدّعي كلّ منهما ملكيّة الدار و ينفي تملّك الآخر لها، فكلّ منهما يدّعي اختصاصه، و بهذا يختلف متعلّق دعوى كلّ منهما، كما في الثاني، فحينئذ تكون دعوى كلّ منهما مخالفا للأصل الاقتضائي، فما وجه الفرق؟ فتأمّل!.

الجهة الثالثة: هل المناط في الأصل في الباب هو الّذي معتبر شرعا؟

و لا اعتناء ببعض الاصول المعتبرة عند العرف- كبعض الظواهر الّذي ما أمضاها الشارع- أم لا؟ بل لمّا كان مرجع أصل تمييز المدّعي و المنكر إلى العرف، فالمراد بالأصل مطلق؛ و لا خفاء في أنّ ما يعتبره الشارع من الاصول مرجعه لو كان إلى انحصار الأصل فيه، بحيث يكون تخطئة في غيره حتّى لو عثر العرف إلى دليل اعتبار الأصل الشرعي، ليصير مرتدعا عمّا يكون معتبرا عندهم، فعلى هذا لا ثمرة في هذا النزاع و الاختلاف، ضرورة أنّه لما لا بدّ أن يكون الأصل المرجع معتبرا فعلا، فإذا لم ينطبق على ما دلّ الدليل على اعتباره، فوجوده كعدمه.

و أمّا لو لم يكن مرجعه إلى التخطئة، بل كان الغرض من دليل الاعتبار هو


1) جواهر الكلام: 40/ 481- 483.

إثبات ما يكون من الأصل معتبرا عند الشارع، و لم يكن في مقام ردعهم عمّا هو المعتبر عندهم، بحيث لو كانوا متديّنين فيصير وجه اعتبار الأصل من جهتين حينئذ، فلم يستفد الردع بل يحتمل أن يكون الأصل المرجع نوعين: أحدهما ما يعتمد به الشرع، و الآخر ما يكون معتبرا عند العرف؛ فعند ذلك يقع التخيير في مقامات كثيرة حتّى عند العرف؛ لموافقة قول أحد المتداعيين للأصل المعتبر عرفا، و لم يثبت اعتباره عند الشرع.

فحينئذ؛ كيف يمكن إرجاع الأمر إلى العرف لتحصيل التمييز في الموارد المشتبهة، مع أنّه كثيرا [ما] هو بنفسه متردّد في تعيين المدّعي و المنكر.

و أضعف من ذلك التمسّك بعمومات مثل: «البينة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1)حيث إنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة فيما شكّ في أصل صدق العنوان العامّ، كما لا يخفى.

ففي مثل هذه الموارد لا محيص عن الاحتياط و الجمع بين الميزانين، لا البيّنة فقط، كما قد يتوهّم بحصول الاحتياط؛ ضرورة أنّ التفصيل قاطع للشركة، و لذلك لم يعتن ببيّنة المنكر، و لو كان مصداقه معلوما غير مشتبه، فتأمّل!.

الجهة الرابعة: في أنّه هل المناط في الأصل الموافق، وجوده في محطّ الدعوى، أم يكتفى به و لو لم يوجد في محطّ كذلك،

بل كان ينتهي الدعوى إلى أصل موافق، و لو كان في ما هو غرض المتداعيين بالأخرة؟ الّذي يقتضيه التحقيق؛ الثاني، و إن كان يظهر من بعض كلمات «الجواهر» (2)الأوّل.


1) عوالي اللآلي: 1/ 453، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

2) جواهر الكلام: 40/ 373.

و ذلك؛ لورود بعض الروايات (1)في باب الرهن- في مسألة ما لو اختلف المالك و القابض في كون العين مرهونة و ادّعى المالك أنّها وديعة- الدالّة على كون القول قول المالك و على مدّعي الرهنيّة البيّنة (2)، و قد استفاد الأصحاب قدّس سرّه منها المناط- كما هو المشهور- حيث تعدّوا عنها إلى أنّ القول قول المالك في كلّ ما يدّعيه بالنسبة إلى ماله مطلقا (3)، فيستفاد منها أنّ الأصل و لو لم يكن في محطّ الدعوى- كما في المسألة- حيث إنّ الغرض من الدعوى إثبات اشتغال ذمّة المالك، إلّا أنّه لمّا كان الأصل عدمه، فقوله في ما يدّعيه حجّة؛ لكون دعوى الوديعة ملازمة لعدم اشتغال الذمّة بمال.

و بالجملة؛ إنّ الدعوى في العقود حيث لم يكن أحدهما مشتملا على إلزام، فيكون دعواه موافقا للأصل، و إن كان الأصل الأوّلي فيهما يتعارض مع أصالة عدم كلّ واحد من العقدين.


1) بل يمكن الدعوى بأنّ القاعدة أيضا تقتضي ذلك؛ لأنّه لما أنّه ليس وجه تقديم البيّنة على قول المنكر الّذي موافق له إلّا كونها حاكمة عليه، فحينئذ كلّما لم يتحقّق الحاكم فالأصل الموجود في الواقعة يؤثّر أثره، فإذا كان قول كلا المتداعيين على حسب ما هو محطّ الدعوى موافقا للأصل، فيتعارضان فيتساقطان، أو لم يكن أصل في البين فتصل النوبة إلى الأصل الّذي في المرتبة المتأخّرة، فحاله حال الأصل المحكوم الّذي يجري لو لم يجر الأصل الحاكم عليه.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 18/ 400- 402 الباب 16 و 404 الباب 18 من كتاب الرهن.

3) انظر! جواهر الكلام: 25/ 262.

ثمّ إنّه إذا تساقطا، فأصالة عدم اللزوم الموافق لأحد العقدين المثبت لبراءة الذمّة يصير مرجعا، و يكون من قوله موافق له منكرا، بخلاف ما لو كان كلا العقدين جائزا أو لازما و لم ينته الأمر أيضا بالأخرة إلى أصالة براءة الذمّة، فحينئذ يكون من باب التداعي، فتدبّر!.

إذا اتّضح ذلك كلّه، فتنبغي الإشارة إلى شروط الدعوى.

فنقول: لا خفاء في أنّ الدعوى هي من شئون السلطنة، و لذلك قد أشرنا سابقا [إلى] أنّها ليست قابلة للإسقاط، كما أنّ السلطنة و الملكيّة أيضا ليستا قابلة له، و أيضا لا يجوز أن يقع في حيّز الشرط، بأن لا يكون له هذا الحقّ، كما أنّه لا يجوز اشتراط عدم السلطنة لكونه شرطا مخالفا للكتاب، و أنّ ما يجوز هو اشتراط عدم إعمالها، فإنّ ذلك لا ينافي ثبوت السلطنة، بل في الحقيقة بعد الالتزام بثبوتها يرجع أمر الشرط إلى الترك الّذي هو بالخيار في فعله و عدمه، فبعد ثبوت حقّ الدعوى و السلطنة عليها يلتزم بأحد طرفي ما فيه المختار أصلا بالشرط عارضا.

و بالجملة؛ لا إشكال في أنّ الدعوى من لوازم السلطنة، و إنّما تثبت هذا الحقّ للشّخص للملكيّة المتوهّمة له المستتبعة للسلطنة، فحينئذ؛ فكما أنّ ثبوت السلطنة على الأشياء- من الأملاك و غيرها- مشروط بامور لولاها لم تثبت- مثل العقل و البلوغ و عدم الحجر و غيرها- كذلك الدعوى يعتبر فيها جميعها، فيشترط في المدّعي أن يكون عاقلا بالغا رشيدا غير محجور عليه، أو يكون وليّا أو وكيلا حتّى يتحقّق له السلطنة الجعليّة، فتستتبع ثبوت حقّ الدعوى؛ و كذلك لا بدّ و أن يكون المدّعى به حقّا ثابتا على ذمّة المدّعى عليه، فلو ادّعى هبة بلا

دعوى القبض، فكما أنّه لا سلطنة له على العين الموهوبة- و لو كانت في الواقع محقّقة- كذلك ليس له دعواها، بخلاف ما لو ادّعى القبض أيضا، فإنّه و إن لم تكن الهبة كذلك مستلزمة للّزوم أيضا لو كان الطرف أجنبيّا، إلّا أنّه لمّا لا يكون المناط في ثبوتها لزوم المعاملة.

و بعبارة اخرى؛ استقرار ملكيّة المدّعي للمدّعى به، بل إنّما تحقّقها و صحّة العقد مناط، و لذلك يجوز الدعوى في البيع، و لو كان في زمن الخيار، فلذلك يكفي في ثبوت حقّ الدعوى وقوع الهبة المتعقّبة للقبض.

و بالجملة؛ الحقّ ثابت، و إن أمكن نفيه بالفسخ و نحوه، بخلاف ما لم يكن ثابتا إلّا مقتضى الحقّ فقط؛ ثمّ إنّ بقيّة الكلام في الشروط قد نقّحها قدّس سرّه في «الجواهر» (1).

في المقاصّة

اشارة

مسائل:

[المسألة] الأولى: من كان له حقّ على غيره فهو إمّا عين أو دين.

أمّا في الأوّل؛ فيجوز له الاستقلال في استيفاء ماله، و لو لم يرض به الطرف، ما لم يوجب ذلك فسادا لم يجوّزه الشارع، بل أوجب انقلاب الحكم الشرعي عنده، كما في بيع الوقف و نحوه، حيث جوّزه عند استلزام بقاء الوقف إثارة الفتنة الموجبة لتلف الأموال أو النفوس و يكفي في المنع احتمال إثارة الفتنة احتمالا عقلائيّا لاهتمام الشارع بذلك، بل لا يحتاج حينئذ- أي عند عدم وجود


1) جواهر الكلام: 40/ 376 و 377.

المحذور- إلى إذن الحاكم أيضا.

و أمّا في الثاني؛ فليس له الاستقلال فيه؛ لأنّ الدين لمّا يتعلّق بالذمّة فبما أنّه كلّي قابل للانطباق على أفراد متعدّدة، بحيث يتوقّف تعيينه في أحدها على رضا المديون و إقدامه عليه، فحينئذ؛ استيفاء الدائن من ماله بلا إذنه و رضا [ه] تصرّف في مال الغير، فلذلك لو كان مماطلا، فللمطالب أوّلا إلزامه على الوفاء إن أمكنه بنفسه، و إلّا فعليه الرجوع إلى الحاكم، بأن يلزمه أو يوفي نفسه من ماله، أو لم يلتزم بإلزامه؛ لكونه وليّا على الممتنع.

هذا لو كان المديون مقرّا باذلا أو مماطلا.

و أمّا لو كان جاحدا، فإمّا أن يكون للدائن بيّنة و يمكن له إثبات حقّه عند الحاكم، أم لا.

ففي الأوّل؛ وقع الخلاف في جواز استقلاله في استيفاء حقّه بلا رجوع إلى الحاكم و إذنه، و هذا هو النزاع المعروف، من أنّ التقاصّ هل يحتاج إلى إذن الحاكم، أم لا؟

فالّذي ينسب إلى الأكثر عدم وجوب الإذن، و هو الأقوى في النظر أيضا، لعدم قصور في إطلاق الأدلّة الدالّة على جواز استيفاء الشخص ماله من مال الغير، إذا وصلت يده به و أمكنه ذلك، مثل آية الاعتداء (1)النحل (16): 126.

(2)و المعاقبة (3)، و الأخبار الواردة في ذلك (4)الّتي هي متواترة معنى و عمل بها المعظم، بل نسب هذه الفتوى


1) البقرة

2) : 194.

3) النحل (16): 126.

4) لاحظ! وسائل الشيعة: 17/ 272- 276 الباب 83 من أبواب ما يكتسب به كتاب التجارة.

الموافقة لظواهرها، إلى الإجماع (1).

فإن أمكنت المناقشة في دلالة بعضها فبعضها الاخر ظاهرة بل صريحة في المطلوب، فلا محيص عمّا عليه المعظم.

و أمّا لو لم يمكنه الإثبات، فلا خلاف في جواز استقلاله و عدم لزوم الرجوع إلى الحاكم إلّا فيما لو كان ما يريد منه الاقتصاص وديعة، ففيه خلاف ضعيف (2)، لورود بعض الأخبار على المنع عنها (3)، و قد أعرض عنها المشهور و حملوها على الكراهة (4)، و هذا سواء كان ما يقتصّ به من جنس ماله أو من غير جنسه، فيجوز له حينئذ تقويمه و أخذه عوضا عن ماله بعينه، و يجوز له بيعه و لو تكاثرت البيوع حتّى ينتهي إلى جنس ماله ثمّ أخذه و يسقط رضا المالك في هذه التبادلات عملا بإطلاقات الباب المستفاد حكم ذلك من لفظها أيضا، أو و لا أقلّ من ترك الاستفصال فيها، مع أنّ بعضها صريحة في كون المقاصّ به من غير الجنس (5).

و بالجملة؛ لا يعتبر رضا المالك في البيوع المترتّبة المتعدّدة الّتي في الحقيقة تقع عن المالك لا عن المقاصّ، إذ المفروض عدم رضائه باستيفائه عن غير الجنس، بل إنّما القلب و الانقلابات إنّما هو لتحصيل الجنس، فالمال بعد باق على ملك المقاصّ عنه و لم يدخل في ملك المقاصّ، فكأنّ الشارع جعل له ولاية


1) جواهر الكلام: 40/ 388 و 391.

2) شرائع الإسلام: 4/ 109، جواهر الكلام: 40/ 391.

3) لاحظ! وسائل الشيعة: 17/ 273 الحديث 22501، و 274 الحديث 22505، و 275 الحديث 22509.

4) جواهر الكلام: 40/ 393.

5) وسائل الشيعة: 17/ 273 الحديث 22502، و 274 الحديث 22505.

عليه في بيع ماله و تبديله بأيّ نحو شاء لتحصيل غرضه، و لذلك سقط اعتبار رضاه في دخول المال في ملكه و خروجه عنه (1).

ثمّ إنّ المقاصّة في أصلها هل هي داخلة في عنوان التضمينات، أم عنوانها الوفاء، أو مبادلة قهريّة؟

فالانصاف أنّ أخبار الباب (2)ليست ظاهرة في أحد العناوين، بل تناسب جميعها، و يحتمل استفادة كلّ واحد منها- كما يظهر لمن أمعن النظر فيها- فينبغي البحث في ما يستفاد من اعتبار العرف في ذلك.

فنقول: إنّه يمكن الدعوى قريبا، بأنّ الاعتبار العرفي في باب المقاصّة ليس إلّا التضمين، بمعنى أنّه لمّا لم يصل يد الإنسان إلى ماله، فيستنفذ ماليّته عمّا في يده من مال الطرف، بلا أن يكون نظره إلى التجاوز عن عين ماله الّتي في يد الطرف و رفع اليد عن خصوصيّتها و الرضاء بما في يده بدلا عنها، حتّى ينطبق عليه عنوان المعاوضة.

بل الظاهر؛ أنّ نظر المقاصّ هو حفظ ماليّة ملكه في ضمن استنقاذ مال المقاصّ عنه، نظير بدل الحيلولة الّتي قد حقّقنا في محلّه أنّه ليس أيضا عنوانه عنوان المبادلة و صرف النظر عن خصوصيّة المال المغصوب، بحيث يكون نظر من يأخذ البدل إلى نقل المبدل منه إلى ملك الغاصب- كما قد يتوهّم (3)- و ليس أيضا البدل الّذي أخذه مباحا له التصرّف فيه بدلا عن السلطنة و المنافع الفائتة له


1) وجهه: أنّ استفادة الأمرين- أي جواز التبادلات له أصلا و عدم الاحتياج إلى إذن الحاكم عن إطلاق الأخبار- في غاية الإشكال، إلّا أن يتشبث بترك الاستفصال فيها، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

2) وسائل الشيعة: 17/ 272- 276 الباب 83 من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

3) جواهر الكلام: 40/ 396.

على ماله، نظير ما يأخذه بالبيع المعاطاتي- كما استقرّ عليه رأي شيخنا قدّس سرّه في مكاسبه (1)- بل بدل الحيلولة مملوك لآخذه ملكا تامّا، و إنّما بمنزلة خلاصة ماليّة ملكه، فلمّا انقطع اليد عن نفس العين فيستوفي مرتبة ماليّته في ضمن عين اخرى فيملكها بعينها تبعا لماليّته، و ليس عنوان بدليّة في البين حتّى يقال: إنّه بالنسبة إلى خصوصيّة العين جمع بين العوض و المعوّض بناء على بقاء خصوصيّة عينه على ماله، فتأمّل!.

فهكذا باب المقاصّة؛ فالإنصاف أنّ غاية ما ارتكز عليه ذهن العرف كون الغرض حفظ ماليّة عينه في ضمن المقاصّ به بلا صرف النظر عن خصوصيّة ماله و التجاوز عن عينه الشخصيّة و نقله إلى الطرف و قبول ما أخذه بدلا عن العين، فليس هذه الجهات أبدا مركوزا في ذهن المقاصّ.

فعلى هذا؛ فما يأخذه مقاصّة يملكه ملكا تامّا، و له السلطنة عليه، و شخص ماله أيضا باق على ملكه و لم يخرج بعد، فحينئذ لو بذله المقاصّ عنه فيخرج المال المقاصّ به عن ملك المقاصّ، نظير بدل الحيلولة، و لا يحتاج إلى نقل جديد بعنوان الهبة و نحوها، لكون المفروض أنّ المأخوذ كان الغرض فيه حفظ الماليّة الموجودة في ضمن عين ماله في ضمنه و الاكتفاء به، لعدم إمكان وصول يده بعين ماله فاكتفى بعين اخرى، فإذا ارتفع المانع و أمكنه أخذ الماليّة في ضمن عين نفسه فلا بدّ من رجوع مال المأخوذ بالتقاصّ إلى ملك صاحبه، كما يرجع العين الاولى إلى ملك المقاصّ.

و هذا؛ بخلاف ما لو جعلنا الباب من قبيل باب المبادلة أو الاستيفاء، فلا


1) المكاسب: 3/ 40 و 51.

رجوع بعد، بل كلّ منهما باق على ملك من انتقل إليه أو استوفاه، بل رجوع المال المقاصّ به إلى ملك صاحبه؛ و كذلك [رجوع] عين مال المقاصّ إليه، يحتاج إلى نقل جديد، إذ على هذين المسلكين اللّذين مرجع الأوّل إلى الالتزام بوقوع مبادلة قهريّة بحكم الشارع بين المبادلين لتجويزه المقاصّة، و مرجع الثاني إلى جعل الولاية للمقاصّ على المقاصّ عنه في استيفاء حقّه عن عين ماله، فكما أنّه لو كان بنفسه و اختياره موفيا كان له تعيين الكلّي في ضمن أيّ فرد يريد، فكان إذا يأخذه الطرف كان ملكا له مستقرّا، فهكذا إذا يقبضه المقاصّ قهرا عليه للولاية الّتي تكون له عليه.

و بالجملة؛ فعلى كلا المسلكين كلّ من المالين ينتقل إلى ملك الطرفين و يصير ملكا مستقرّا له، فليس لأحدهما الرجوع، و ليس يخرج المال المقاصّ عن ملك المقاصّ ببذل الطرف عين ماله، بل رجوع المالين يحتاج إلى فعل جديد، كما لا يخفى.

هذا؛ و لكنّك عرفت بعد هذين الاحتمالين، بل لم يساعدهما الفهم العرفي أصلا، كما أنّ القدر المتيقّن ممّا يستفاد من أخبار الباب (1)هو ما قرّبناه.

و مع الغضّ عمّا ذكر و المنع عن ارتكاز العرف على المعنى الّذي احتملناه- أي التضمين- فنقول: إنّ مقتضى الأصل ما قوّيناه، إذ استصحاب عدم خروج عين ماله عن ملكه و بقاء الخصوصيّة على ماله و عدم دخولها في ملك المقاصّ عنه، هو الحكم بلزوم ردّ ماله عند بذله المال الأصلي للمقاصّ.

و أمّا معارضته باستصحاب بقاء المال المقاصّ به على ملك المقاصّ بعد


1) لاحظ! وسائل الشيعة: 17/ 272- 276 الباب 83 من أبواب ما يكتسب به.

بذل الطرف فلا مجال لها، إذ هذا الاستصحاب محكوم للأوّل؛ ضرورة أنّ الشكّ في بقاء المال المقاصّ به على ملك المقاصّ و عدمه مع البذل مسبّب عن الشكّ في خروج عين ماله عن ملكه و دخوله في ملك الطرف و عدمه، و مع جريان الاستصحاب فيه و الحكم ببقاء ملكيّته لا يبقى محلّ للاستصحاب الثاني، كما في كلّ أصل حاكم بالنسبة إلى محكومه.

فالتحقيق؛ أنّ باب المقاصّة نظير باب الحيلولة عنوانه التضمين، و مال المقاصّ و عينه باق على ملكه، على ما تقتضيه القاعدة و الأصل، فافهم!.

ثمّ إنّه نذكر بيانا آخر تأييدا للمدّعى، و هو أنّه لا إشكال في أنّ من المسلّم عندهم أنّه لا يتملّك أحد شيئا إلّا باختياره، و [لمّا] لم يلتزم الأصحاب بالتملّك القهري أصلا حتّى في باب الإرث رفعا للمحذور بنوا على التنزيل، و أنّ الوارث نائب عن مورّثه.

و بالجملة؛ إنّ ذلك قاعدة كلّية جارية في جميع الموارد، لا سبيل إلى رفع اليد عنها إلّا إذا ثبت مخصّص لها، كما لو ثبتت ولايته لأحد على غيره؛ فحينئذ، لمّا كان اختيار الوليّ بمنزلة اختيار المولّى عليه، و لا اعتبار لاختياره و رضاه بنفسه، فيكون المناط رضا الوليّ، و يسقط اعتبار رضا المولّى [عليه].

ففي المقام لا مجال لرفع اليد عن هذه القاعدة، و جعل باب المقاصّة من قبيل المبادلة الّتي يتوقّف على دخول خصوصيّة العين المقاصّة في ملك المقاصّ عنه، لكون المفروض عدم اختياره بنفسه ذلك، و لم تثبت ولاية المقاصّ عليه حتّى نقول بسقوط اعتبار رضاه، إذ لم يدلّ دليل على هذه الولاية.

ضرورة؛ أنّ غاية ما يستفاد من أخبار الباب هو جواز أخذ المقاصّ ماله

و استيفائه عن ماله، و أمّا النقل و الانتقال الّذي لازمه الولاية المذكورة، فلا طريق لاستفادته عنها؛ مضافا إلى أنّ الالتزام بالتخصيص للقاعدة لثبوت الولاية ينافي ما هو المسلّم عند المشهور في الفرع الآتي من ضمان المقاصّ للعين إذا تلفت في معرض البيع، بل قد صرّحوا في وجه عدم سقوط الضمان الثابت بمقتضى اليد، بأنّه لم يثبت كونه وكيلا عنه حتّى تصير أمانة مالكيّة، و لا كونه وليّا عليه حتّى تصير أمانة شرعيّة، و إنّما جعلت له الولاية (1)في استيفائه ماله عن العين.

و أنت خبير بأنّ هذه العبارات صريحة في عدم إحراز الولاية له عليه، و إلّا فكيف يمكن الجمع بين فتواهم، و الفتوى الاولى؟ على ما يشعر به كلام «الجواهر» قدّس سرّه (2)أنّ بناء المشهور عليها، فتأمّل!.

فكيف كان؛ إن بني في المسألة السابقة على المبادلة و استفادة أزيد من التضمين عن الأخبار، فلا محيص في هذا الفرع عمّا أفتى به شيخ الطائفة قدّس سرّه من عدم الضمان لما هو المحقّق من الملازمة بينهما (3)، لكون المقاصّ حينئذ وليّا فحاله كسائر الأولياء، و الاعتذار عن ذلك بأنّ هذه الولاية نوع آخر غير الولاية في الموارد الاخر، كما ترى.

و أمّا على ما قوّيناه، من كون المقام نظير باب الحيلولة عنوانه التضمين، و ليست مبادلة في البين حتّى يوجب محذور الجمع بين العوض و المعوّض الّذي هو لازم بقاء خصوصيّة العين الأصليّة في ملك المقاصّ أيضا مع تملّكه المقاصّ


1) و معناها إثبات السلطنة على التضمين فقط الّذي ذكرناه، فتدبّر! «منه رحمه اللّه».

2) جواهر الكلام: 40/ 394- 396.

3) المبسوط: 8/ 311.

به، فنحن في فسحة عن التهافت المذكور، إذ التضمين يناسب الضمان للعين التالفة عند جعلها في معرض البيع و عدم الضمان و لا ملازمة بينه و أحدهما، كما لا يخفى.

و أمّا الحكم في أصل هذه المسألة من ضمان المقاصّ المقاصّ به عند تلفه و عدمه، فالظاهر أنّه- دام ظلّه- قوّى فتوى المشهور فيها، فليتأمّل!.

[المسألة الثانية:] [دعوى بلا معارض]

المسألة الثانية: في دعوى بلا معارض و الأصل في هذه المسألة و مدركها هو حديث الكيس المعروف (1)الّذي قد أشرنا إليه سابقا أيضا في الجملة، و نزيد هنا تحقيقا كلاما، حتّى يظهر أنّه هل يمكن أن يصير الحديث مدركا لما ادّعوه من كونه دليلا للدعوى بلا معارض، أم لا؟

و لنقدّم مقدّمة، و هي أنّه لا خفاء في أنّ اليد بظاهرها الّتي هي طريق إلى الاستيلاء كاشفة عن الملكيّة بأعلى درجتها.

ثمّ إن كانت عين تحت يد واحدة فهي كاشفة عن كونها ملكا تامّا له، و لو كانت تحت استيلاء اثنين، فعلى ما بيّنا في محلّه تكشف عن الملكيّة لاثنين، بحيث يرجع إلى كون كلّ منهما مالكا للنصف؛ لعدم إمكان اجتماع سلطنتين مستقلّتين على عين واحدة، و سيأتي أيضا تحقيق ذلك.

و بالجملة؛ الاستيلاء الواحد يكشف عن السلطنة الواحدة المستقلّة


1) الكافي: 7/ 422 الحديث 5، تهذيب الأحكام: 6/ 292 الحديث 17، وسائل الشيعة: 27/ 273 الحديث 33758.

للمستولي، و كلّما تعدّدت اليد الكاشفة عن الاستيلاء على العين فيوجب النقصان في السلطنة، و يتحقّق الكسر في الملكيّة بنسبتها، فصاحب كلّ يد يصير مالكا للعين بنسبة استيلاء يده عليها، فحينئذ؛ لو نفى أحد من المستولين ملكيّته للعين يسقط اعتبار اليد بالنسبة إليه، و يزيد على ملك الآخرين، و هكذا لو نفى جميعهم، إلى أن يصل إلى واحد فهو لم يسقط اعتبار يده؛ لعدم نفيه ملكيّته، فتختصّ العين به، فيكون صاحب الأيادي الباقية كأن لم يكن لهم يد عليها من الأصل، و يكون هذا الواحد كأنّه كان من أوّل الأمر الاستيلاء ثابتا له فقط؛ لما هو المعلوم من أنّ كاشفيّة اليد إنّما هي عند الاحتمال، و المفروض أنّ غير الواحد قد ابطلت يده بإقراره، فارتفع الاحتمال، كما لا يخفى.

و لكنّه لا خفاء في أنّ نفي الملكيّة لا يلازم بطلان آثار اليد مطلقا، إذ الملكيّة التامّة الّتي قلنا بكونها من آثار اليد، إنّما هي أعلى مراتبها، و الأدنى منها الّتي هي كون العين أمانة عند ذي اليد المجتمعة مع الإجارة أو العارية أو الوديعة و غيرها فلا ينتفي بانتفائها.

نعم؛ لو صرّح بنفي اليد مطلقا، أو استظهرنا من نفي الملكيّة نفي اليد بجميع مراتبها من الآثار، فحينئذ ينفى استيلاء غير الواحد و إضافتهم بالنسبة إلى العين رأسا، فتنحصر الإضافة و الملكيّة التامّة بذاك الواحد؛ و إلّا فبنفيهم الملكيّة فقط للعين عن أنفسهم فلمّا كان احتمال وجود المرتبة النازلة من آثار اليد باقيا فلا يختصّ به تملّكه العين، و لا تنقطع يدهم عنها مطلقا، بحيث لو ادّعوا أمانتها عندهم تكون دعوى بلا يد، و يصير الواحد منكرا محضا.

إذا عرفت ذلك؛ فنقول في معنى الحديث (1)و ما هو المحتمل فيه أوّلا: أنّ الجماعة الّتي كانوا أطراف الكيس، إمّا أن يكون جلوسهم عليه بنحو الاستيلاء و إثبات اليد عليه، بحيث كان استناد سلطنتهم إليه على السواء، و يستند تملّكه إليهم، أم لا.

و على كلّ من التقديرين إنّ الّذين نفوا ملكيّتهم عنه، فإمّا أنّ نفيهم عنه كان بجميع مراتبها، حتّى تملّكهم منفعتها، أو كونها عندهم أمانة.

و بعبارة اخرى: قد أقرّوا بعدم استيلاء لهم عليه أصلا، أم لا، بل غايته نفي إضافة الملكيّة لا السلطنة المطلقة.

فعلى الأوّل؛ فإن رجع نفيهم الملكيّة إلى اعترافهم بنفي اليد مطلقا (2)الموجب ذلك- على ما عرفت- لكون العين مختصّة بمن لم ينف اليد، فيكون وجه حكم الإمام عليه السّلام بكون الكيس لمن ادّعاه، كون حجّيّة قول ذي اليد، لا من باب دعوى بلا معارض، إذ يده الّتي تثبت استيلاء شخصه عليه بتمامه لنفي الباقين يدهم عنه، يكفي للحكم بكون العين لصاحب اليد الّتي هي الأمارة للملكيّة، و إن كان نفيهم للملكيّة فقط مع بقاء احتمال وجود علقة اخرى لهم عليه، فمع هذا حكمه عليه السّلام بكونه له، يصير من باب دعوى بلا معارض، إذ المفروض أنّه لم يبطل الأثر لسائر الأيادي مطلقا، فيد الواحد ليست له أماريّة على الملكيّة التامّة المختصّة الموافقة لدعواها، فينحصر منشأ الحكم بما عرفت.

و على الثاني، بأن لم يكن لهم يد عليه أصلا، فأيضا يكون مستند الحكم


1) وسائل الشيعة: 27/ 273 الحديث 33758.

2) بلحاظ جميع الآثار، «منه رحمه اللّه».

هو الدعوى بلا معارض، فانقدح ممّا ذكرنا، أنّه لا سبيل إلى القول بكون الحديث [مدركا] لحجيّة دعوى بلا معارض مطلقا، بل إنّما هو مبنيّ على احتمالين في الحديث، و أمّا على الاحتمال الآخر فيتمّ ما أفاده ابن إدريس قدّس سرّه من إثبات اليد الحكميّة (1)أي الاستيلاء الّذي هو في الحقيقة كاشف عن الملكيّة و أمارة لها، و اليد طريق إليه.

و أمّا ما أفاده صاحب «الجواهر» قدّس سرّه، من أنّ المستفاد من ذيل (2)الحديث كون الحكم مرتكزا في ذهن السائل (3)، فلا يخلو عن النظر أيضا، إذا الظاهر أنّه- أي المرتكز- كون الدعوى ممّا لا يعلم إلّا من قبله، فتأمّل جيّدا!.

المسألة الثالثة: قال في «الشرائع»: (لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرجه البحر فهو لأهله) .. إلى آخره.

المسألة الثالثة: قال في «الشرائع»: (لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرجه البحر فهو لأهله) (4).. إلى آخره.

فنقول: لا إشكال في أنّ السفينة في حال سيرها في البحر و إشرافها بالانكسار و الغرق، ليس في نظر أهلها و أصحاب الأموال الّتي فيها أبدا الإعراض عمّا فيها، أو إباحتها لمن أخرجها بالغوص بعد غرقها و انغماسها في البحر، بل لا يخطر ببالهم هذه الجهات أصلا.

فحينئذ؛ جعل وجه الفتوى المزبورة المستفادة من الرواية (5)هو إعراض صاحب الأموال عنها، أو إلحاق المسألة بباب نثار العرس من حيث الإباحة،


1) السرائر: 2/ 191، نقل عنه في جواهر الكلام: 40/ 399.

2) أي قضيّة فهم العرف. «منه رحمه اللّه».

3) جواهر الكلام: 40/ 398.

4) شرائع الإسلام: 4/ 109.

5) الكافي: 5/ 242 الحديث 5، وسائل الشيعة: 25/ 455 الحديث 32342.

و غير ذلك من التوجيهات (1)للرواية، فالإنصاف أنّها في غير محلّها، و لا داعي على ذلك، حتّى يقال: إنّ الحكم المستفاد منها مخالف للقاعدة، مضافا إلى ضعف نفسها فترك العمل بها، فالأولى البحث أوّلا عمّا تقتضيه القاعدة في المسألة.

و نقول: إنّ المال الّذي يقع في البحر و أمثاله ممّا هو المحال عادة الوصول به بعد الوقوع فيه و تحقّق المانع من السلطنة عليه، لا خفاء في أنّ رغبة العقلاء عنه للنقص بحيث كلّما يقرب إلى الهلاك و يزيد المانع يزداد في النقص عن ماليّته، و يقلّ الاعتناء به، حتّى إذا وصل تحت البحر يلحق المال بالتلف و يحكم العرف بأنّه تالف، و لا يعتبر له الماليّة حينئذ أصلا، بل يبقى بينه و بين المالك علقة ضعيفة، و هي الإضافة المعبّر عنها بأنّه ملك إن يملك، و يكون حال مثل هذا [حال] المال الّذي لم يصب على عينه، بل في نفسها على ما لها من الصفات الموجبة للرغبة باقية.

إلّا أنّها لمّا كان اعتبار [ماليّته] هو الانتفاعات المتصوّرة للأشياء، فإذا عرضه ما يمنع عن مصارفها و الانتفاع عنها، فيصير مثل العين الّتي في معرض الحرق الموجب لزوال نفس العين، فكما أنّه كلّما زاد في حرقه فقرب إلى الهلاك ينتقص اعتبار الماليّة عنها، حتّى إذا حرق بتمامها فلا يبقى حينئذ موضوع، و يسقط اعتبار الماليّة رأسا عنها، فهكذا العين الّتي صارت مسلوب الانتفاع بالعرض، و قد قطع اليد عنها عادة، فالعرف لا يرى لها الماليّة أيضا، و يلحقونها بالتالف.


1) جواهر الكلام: 40/ 401.

فعلى هذا؛ يكون كذهاب الموضوع يخرج المال عن ملك صاحبه، و يبقى بينها و بينه إضافة ضعيفة الّتي من آثار تملّكها السابق، بحيث له مقتضى تملّكه الآن للأولويّة، و حالها حال المباحات الأصليّة، إلّا أنّ الفرق بينها و هذا أنّ لهذا المباح استنادا إلى شخص خاصّ، بخلاف غيرها، فإنّ نسبة جميع الناس إلى تلك المباحات على السواء.

ثمّ إنّ من آثار بقاء الاضافة المذكورة و وجود المقتضي هو أنّه لو أخذه صاحبه ثانيا و أمكن له وصول يده به بالغوص و نحوه، فهو أولى به، بل مال له، و هكذا لو خرج من الماء و البحر بنفسه فأيضا يكون له، و لا حقّ لأحد فيه.

نعم؛ لمّا كان الاعتبار المذكور مقتضيا محضا و قابلا لمنع المانع فلو حازه غير صاحبه بالغوص في الماء و نحوه، فحائزه أحقّ به، و لا تثمر العلقة الباقية حينئذ شيئا، لكون المفروض صيرورة العين بحكم المباحات لما ألحق بالتلف بحكم العرف، فيصدق حينئذ الحكم المعروف، من أنّ من حاز شيئا فهو له أو أحقّ به، و الإضافة الباقية لصاحبها الأصلي إنّما تنفع إذا لم يمنع عن تأثيرها مانع، كما في الفرضين المذكورين، لا مطلقا، كما لا يخفى.

فاتّضح ممّا ذكرنا أنّ ما أشار إليه في الحديث الشريف (1)من الحكم و التفصيل هو الّذي تقتضيه القاعدة، و إنّ كلّ ما أخرجه الغوّاص من البحر فهو له، و كلّ ما أخرجه البحر فهو لصاحبه، لما عرفت من الوجه في ذلك، و لا وجه لصرف الحديث عن ظاهره بإرجاع ضمير قوله عليه السّلام: «فهو لهم» (2)أيضا إلى أهل السفينة و أصحاب الأموال، نظرا إلى عدم الدليل على خروجها عن ملكهم، فقد


1) وسائل الشيعة: 25/ 455 الحديث 32342.

2) وسائل الشيعة: 25/ 455 الحديث 32342.

ظهر لك الدليل على ذلك، و أنّ التحقيق التفصيل الّذي يستفاد من الرواية (1)، حتّى لو كان فيها ضعف فهو مجبور بالموافقة على القاعدة، مضافا إلى أنّه قد عمل بها، فافهم!.

هذا في أصل المسألة، و أمّا ما ذكر في طيّها من الفروع فلا يناسب المقام تحقيقها (2)تفصيلا، و لكن لا بأس بالتكلّم فيها اختصارا.

أما مسألة الإعراض: فالحقيق ما أفاده قدّس سرّه في «الجواهر» من عدم الدليل على كونه موجبا لخروج المال عن الملك مطلقا (3)، بل لمّا لو كان دليل فهو السيرة، فلا ينبغي التعدّي عن القدر المتيقّن منها، و هو في الأشياء الدانية لا الأموال الخطيرة، كحطب المسافر الّذي يبقى منه في الطريق أو الخانات، أو ما يدفع عن الحيوانات كالبعرة و أمثالهما.

و أمّا الامور الخطيرة و الأموال الثمينة فلا دليل على خروجها عن ملك مالكها بصرف الإعراض، ففي مثل الجواهر و اللآلي أو الفلوس و غيرها- و لو أعرض عنها مالكها و رفع اليد عنها- فهي باقية على ملك مالكها؛ للأصل و هو الاستصحاب.

و أمّا نثار العرس، فالظاهر كونها من باب الإذن في التصرّف و التملّك، و يكون وجه جواز التصرّف فيه رفع المانع الّذي لو لا الإذن ما كان يجوز التصرّف فيه، و المانع قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا يحلّ مال امرئ لامرئ إلّا بطيب نفسه» (4)أو


1) وسائل الشيعة: 25/ 455 الحديث 32342 و 32343.

2) و لقد أجاد في التحقيق، النراقي الثالث في «المشارق» على ما قال- دام ظلّه- فليراجع، «منه رحمه اللّه».

3) جواهر الكلام: 40/ 401.

4) عوالي اللآلي: 1/ 222 الحديث 98، مع اختلاف يسير.

بالتجارة و لا بدّ فيه من إحراز الإذن؛ فلو شكّ فيه، فلا بدّ من إرجاعه إلى مالكه لو أخذه أحد، كما أنّه لو رجع بنفسه بعد الإذن، يجب ردّه إليه إذا لم يتصرّف فيه و العين موجودة، و أمّا جعله من باب الإباحة و التمليك فالإنصاف أنّه لا وجه لهما، و اللّه العالم.

تعارض اليدين

اشارة

الكلام في ما يرجع إلى الدعوى أو التداعي.

فهنا فروع:

[الفرع] الأوّل: في «الشرائع»: (لو تنازعا عينا في يدهما و لا بيّنة، قضي بها بينهما نصفين؛

و قيل: يحلف كلّ منهما لصاحبه) (1).

أقول: إنّ الوجه في الحكم بالتنصيف هل هو من باب الجمع بين الحقّين نحو مصالحة، نظير الدرهم الودعيّ الّذي ورد عليه النصّ (2)، فيكون ذلك حكما في مقام ترتّب الأثر، لا أن يكون من جهة رفع الخصومة؛ أم من باب تعارض اليدين الّذي منشأه تواردهما على تمام العين بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فيتساقطان نظير البيّنتين المتعارضتين؛ ففي مقام القضاء و رفع الخصومة يحكم بالتنصيف من جهة عدم لزوم الترجيح بلا مرجّح، أم لا، بل هو من باب الجمع بين الأمارتين، بأن يعمل و يرتّب الأثر على نصف كلّ واحد من اليدين؟

و على كلّ تقدير؛ لا معنى لجعل التحالف في قبال الحكم الأوّل، بحيث


1) شرائع الإسلام: 4/ 110.

2) وسائل الشيعة: 18/ 404 الحديث 23937.

يكون هو و حكم المشهور بالتحالف متضادّين.

و ذلك؛ لأنّه أمّا على الأوّل، فلأنّه قد اشير إلى أنّه حكم في مقام العمل، و لا ربط له بباب القضاء و الفصل، فليس ينتهي الأمر إلى الميزان أصلا حتّى يقال بالتحالف و عدمه، بل هو مصالحة قهريّة حكم بها الشارع للجمع بين الحقّين، و إلّا فالدعوى ليست تقطع بذلك، كما لا يخفى (1).

و أمّا على الثاني؛ فلا محيص عن التحالف لانحصار القضاء بالحلف و البيّنة، و المفروض عدم الثاني، فكلّ منهما لمّا كان منكرا بالنسبة إلى الآخر فلا بدّ من أن يحلف له حتّى تنقطع الدعوى و يتمّ الميزان، فيحكم الحاكم بمقتضى الميزان، فتأمّل!.

و هكذا على الثالث، إذ لزوم الأخذ بنصف كلّ واحد من الأمارتين لا ربط له بالقضاء و فصل الخصومة؛ ضرورة أنّ اليد إنّما تفيد بالنسبة إلى تقديم القول و امتياز المدّعي عن المنكر؛ و أمّا في الميزان فالأمر منحصر بأحد الأمرين، فإذا لم تكن بيّنة فلا بدّ من الحلف.

فانقدح ممّا ذكرنا أنّه لا وجه لجعل قول المشهور بالتحالف و ذكره في مقابل الحكم بالتنصيف، إذ الحكم به إمّا أن يكون من جهة اللّابدّيّة و عدم العلاج من جهة تعارض اليد و الأصل من الطرفين، فلا مقتضي حينئذ للحلف أصلا، و لا يتوهّمه أحد لخروجه عن باب فصل الخصومة؛ و إمّا أن يكون من باب الفصل.

فعلى كل حال؛ يحتاج إلى الحلف، لانحصار الميزان به- كما هو


1) إلّا أن يقال: إنّ حكم الشارع بمنزلة أصل تعبديّ ناظر إلى الواقع فبالنسبة إلى كلّ واحد منهما، هذا الأصل يوجب ترجيح قوله، لكن مع ذلك في مقام الفصل أيضا يحتاج إلى الحلف. «منه رحمه اللّه».

المفروض- و لا يبعد أن يكون النبوي المرسل (1)في المقام في قضيّة الدابّة ناظرا إلى الوجه الأوّل، أي يكون منشأ حكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو المصالحة بينهما في عالم الظاهر؛ و أمّا جعله مخصّصا للعمومات (2)المبيّنة للميزان، كما ترى، هذا على ما زعمه بعض من جعل كلّ واحد من اليدين على تمام العين.

و أمّا على ما حقّقنا من أنّه لا معنى لاستقلال اليدين الكاشفتين عن السلطنتين المستقلّتين على العين الواحدة، بل التحقيق أنّه حينئذ يكون لكلّ واحد منهما- أي صاحبهما- التصرّف في نصفها [الاستيلاء على نصفها]، إذ اليد الخارجي ليست لها الموضوعيّة، بل إنّما هي في الحقيقة كاشفة عن الاستيلاء الّذي هو كاشف عن السلطنة و الملكيّة، و من المعلوم أنّه لا يتصوّر استيلاءان مستقلّان على العين الواحدة، بل بالتحليل يرجع عند العرف إلى الاستيلاء لكلّ منهما على نصف العين.

فعلى هذا كلّ منهما، مدّعى عليه بالنسبة إلى النصف المشاع الّذي تحت استيلائه، و مدّع بالنسبة إلى الآخر، بمعنى أنّ دعواهما ينحلّ إلى الأمرين، إذ الاعتبار العرفيّ في استيلاء شخصين على العين الواحدة لا يساعد إلّا على ما ذكرنا من استيلاء تامّ لكلّ منهما على النصف المشاع منها، نظير تملّكهما لها الّذي قد تحقّق منّا مرارا أنّ كيفيّة اعتباره، ثبوت الملكيّة التامّة لكلّ منهما على نصف العين مشاعا.


1) السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 255، جواهر الكلام: 40/ 403.

2) بأن يكون طريق القضاء في نحو المقام هو ما ذكر في الرواية بجعل نفس اليدين ميزانا مثلا حتّى لا يحتاج إلى الميزان الخارجيّ، «منه رحمه اللّه».

فهكذا استيلاء شخصين على العين الواحدة عين استيلائه على نصفها المشاع، فعلى كلّ منهما إحلاف الآخر بالنسبة إلى النصف الّتي تحت استيلائه، لانطباق عنوان المنكر عليه، فحينئذ كلّ منهما، إمّا أن يحلف على تملّكه تمام العين و نفيها عن الآخر، و إمّا أن يحلف على النصف الّذي تحت استيلائه.

ففي الأوّل؛ يقع الحلف بالنسبة إلى ما زاد على النصف لغوا، و لا يثمر شيئا، لكون المفروض عدم انطباق عنوان المنكر عليهما إلّا بالنسبة إلى النصف، و كذلك لم يتعلّق به اليمين المردودة بالنسبة [إليه] و لا غيرها، فلا وجه و لا موقع للحلف إلّا بالنسبة إلى ما تحت يدهما الموجب لذلك، لصدق عنوان المنكر عليهما، فحينئذ يظهر أنّ مقتضى القاعدة الحلف على النحو الثاني.

ثمّ إنّ هذا كلّه؛ ما هو الراجع إلى أصل المسألة، فتأمّل جيّدا، حتّى يظهر لك النظر في كلماتهم في المقام.

و أمّا ما يتفرّع على ذلك من أنّه على التحالف هل يكون الحاكم مخيّرا في إحلاف كلّ منهما أوّلا، أو يحلف من هو على يمينه، أو يقدّم المقدم في الدعوى؟

وجوه؛ الأقوى الأوّل، لعدم توضيح في البين؛ و أمّا مقايسة المقام بباب التداعي حتّى يتعيّن الوجه الثاني فلا وجه لها هنا، إذ ليس في المقام دعويان، بل إنّما يتحقّق التداعي بالانحلال، فتأمّل!.

و أمّا الفرع الآخر، من أنّه لو لم يحلف أحدهما و بنينا على ردّ الحاكم الحلف إلى الآخر أو هو بنفسه ردّ، فحينئذ هل يكتفى بيمين واحد الّذي كان عليه بالأصل، أم يحتاج إلى حلف آخر؟ فبعد ما عرفت أنّ الحلف الأوّل لو كان على تمام العين فتقع بالنسبة إلى نصفها لغوا، لا إشكال حينئذ إلى حلف جديد

متعلّق بالنصف الّذي تحت يد الآخر.

هذا؛ لو كان نكول الآخر عن اليمين بعد وقوع الحلف عن الأوّل؛ و أمّا لو كان قبله، فالأقوى حينئذ الاكتفاء بيمين واحدة، إذ هي بالنسبة إلى النصف الآخر الّذي كان أوّلا لغوا؛ الآن يصير ذا الأثر؛ لانطباق عنوان الردّ عليه.

و أمّا توهّم عدم الاكتفاء بها حتّى في هذه الصورة- نظرا إلى إيجاب تعدّد الأسباب تعدّد المسبّبات- فاسد، إذ [كون] عدم الاكتفاء مسبّبا واحدا هو إنّما إذا لم ينحلّ المسبّب الواحد إلى حيثيّتين، أو لم يكن ذا مراتب و قابلا للاشتداد، كما في الألوان و نحوها؛ و أمّا لو كان المسبّب الواحد ذات جهتين- كما في ما نحن فيه- حيث ينطبق على الحلف الواحد المتعلّق بالمجموع من جهة عنوان يمين المنكر، و هو بالنسبة إلى ما هو تحت اليد، و بالنسبة إلى الآخر اليمين المردودة، [فلا يكون مسبّبا واحدا] و هذا بخلاف ما لو كان اليمين قبل الردّ.

فاتّضح أنّ ما التزم به الأصحاب من التفصيل في المسألة هو الّذي تقتضيه القاعدة، حتّى بناء على إرجاع الأمر إلى التحالف و باب التداعي، فتدبّر!.

[الفرع الثاني] التداعي

الثاني: لو كانت العين في يد ثالث، و ادّعاها شخصان، و دفعهما، فحينئذ يصير ذو اليد منكرا و هما مدّعيين، فإن حلف لهما فالمال له، و إن نكل فعلى القضاء بالنكول،- بأن يصير هو من أحد الموازين بمنزلة إقرار المنكر- فهما يكونان بمنزلة ذي اليد بالنسبة إلى العين، فيكون دعواهما من قبيل دعوى ذي اليد.

و لكنّه غاية ما يثبت بهذا الإقرار كون العين لأحدهما لا لهما على النصف، فهي ممّا علم إجمالا بكونها ملكا لأحد المدّعيين؛ فتدخل المسألة في باب التداعي لا المدّعيين و منكرين؛ لكون المفروض عدم ثبوت اليد لكليهما، بل لأحدهما، و لمّا لم يعلم ذلك تفصيلا فتكون من قبيل التداعي في ما لا يد لأحد عليه، فبناء على التعدّي ممّا يكون في باب الدرهم الودعيّ من الحكم بتنصيفهما، ففي المقام أيضا يحكم به.

و لكنّه هل يحتاج هنا إلى التحالف، أم لا؟ مبنيّ على الخلاف السابق، في أنّ ذاك الحكم هل هو من باب حكم الشارع تعبّدا بالواقع، بحيث يصير هذا الحكم بالنسبة إلى كلّ واحد منهما من قبيل أصل؟ فيكون مرجّحا لقوله، و دعواه بالنّسبة إلى النصف حينئذ يصير موافقا للأصل، ففي مقام القضاء يتحقّق الميزان، فهنا أيضا يحتاج إلى الحلف.

و أمّا إن قلنا: إنّه حكم ظاهريّ في مقام ترتّب الأثر لا ربط له بالواقع، بل هو بمنزلة مصالحة قهريّة أوقع بينهما الشارع جمعا بين الحقّين، فليس من باب القضاء و الحكومة- كما هو التحقيق- فلا يحتاج هنا إلى الحلف، إذ لا حكومة و لا فصل خصومة حتّى يتوقّف على الميزان.

و أمّا بناء على عدم التعدّي و الرجوع في مثل هذه المقامات إلى القرعة فلا بدّ من القرعة، فعلى كلّ تقدير؛ لا وجه للحكم بالتنصيف مستندا إلى نكول ذي اليد عن الحلف و جعله بمنزلة الإقرار، إذ قد عرفت أنّه لا يثبت به كون العين لهما نصفين و لا يقتضيه ذلك، بل و لو سلّم فهو من إحدى الاحتمالات، فحينئذ

على القرعة يحتاج إلى ثلاث قرع (1).

[الفرع] الثالث: لو نفى الملكيّة عنهما و عن نفسه،

فالمسألة داخلة في «دعوى بلا معارض» بالنسبة إلى المدّعيين لو لم نفكّك بين جهة النفي و الإثبات بالنسبة إلى آثار اليد.

توضيح ذلك: أنّه لمّا كانت من آثار اليد أنّه تدلّ على أنّ ما هو تحت الاستيلاء لذي اليد و ليس لغيره، فهذه الأمارة متولّد عنها عقدان: إيجابيّ و سلبيّ، و قد تقدّم منّا أنّ أحدهما ليس تابعا للآخر في الخارج؛ فحينئذ، لو بطل أثره بالنسبة إلى العقد فالثاني بحاله باق، لكونهما من آثار الاستيلاء الخارجي، نظير ما هو المدلول الالتزامي لسائر الأمارات مثل الخبر، فهو يثبت بنفس ظهوره ما دام هو ثابتا و لو سقط عن الحجيّة للتعارض و نحوه، فهكذا لوازم اليد.

ففي المقام إذا نفى المقرّ الملكيّة عن نفسه بإقراره، و إن كان العقد الإيجابي- الّذي من آثار اليد- ينتفي، و لكنّ عقده السلبيّ بعد باق، و لذلك لو ادّعى بعده أنّها أمانة عنده يسمع منه و لا يؤخذ من يده إلّا بالبيّنة، إلّا لو نفى اليد و الاستيلاء عنه مطلقا، كما لو ثبت من الخارج عدم استيلاء القاعد على بساط عليه مطلقا.

و بالجملة؛ فإذا بنينا على بقاء العقد السلبيّ بحاله، و بهذا البيان أيضا قد


1) و الظاهر ثبوت هذا التفصيل مطلقا سواء قلنا بأنّ منشأ حجيّة إقرار ذي اليد الملازمة الّتي أشرنا إليه أو أنّ الإقرار له موضوعيّة في ذلك، إذ عليه أيضا لا يثبت كون المال لهما بنصفين بل يحتاج إلى القرعة، و في مقام الفصل لا بدّ من الحلف.

أثبتنا حجيّة إقرار ذي اليد بالنسبة إلى الغير من جهة بعد بقاء العقد السلبيّ الّذي هو مدلوله عدم تملّك الغير، و المفروض نفي ملكيّة ذي اليد أيضا بإقراره، فمن الملازمة العقليّة من أنّ الملك لا يصير بلا مالك و دعوى بلا معارض، و انحصار الملكيّة بين المقرّ و المقرّ له يثبت تملّك المقرّ له للعين.

ففي المقام أيضا من آثار بقاء العقد السلبيّ لليد الثابتة على العين يثبت كون العين مملوكا للمدّعيين، فيكونان هما بمنزلة ذي اليد، فيدخل في باب دعوى ذي اليد، على التقريب المتقدّم.

و لكنّ الكلام هنا في أنّه بعد أن كان المفروض عدم إقرار ذي اليد بكون ما في يده ملكا لهما، و إنّما نفى ملكيّة نفسه فقط، فلم يثبت الانحصار المذكور الّذي كان من آثاره إقراره و يده، بل هنا تملّك المدعيين و غيرهما له على السواء، فكيف يمكن دعوى إثبات لهما أو لأحدهما؟ بل غاية ما يكون هو أنّ المسألة تدخل في باب دعوى بلا معارض.

ثمّ لا إشكال في أنّ الدعويين على حسب مدلولهما المطابقي متساقتان في المقام للتعارض؛ فحينئذ؛ لو قلنا بأنّ القدر المتيقّن من اعتبار دعوى بلا معارض حجيّتها بالنسبة إلى مدلولها المطابقيّ- أي تملّك المدّعي المدّعى به- و أمّا بالنسبة إلى المدلول الالتزامي- و هو عدم تملّك غيره له- فليس يثبت بنفس الدعوى، بمعنى لم يدلّ الدليل الّذي هو السيرة على اعتبار هذه الدعوى بالنسبة إلى عقدها السلبيّ، فلا يثبت انحصار الملكيّة للمدّعى به، بهما، إذ المفروض أنّ العقد الإيجابيّ للدعوى سقط بالتعارض، و العقد السلبيّ الثابت به الانحصار لم يثبت اعتبارا للدعوى رأسا، فتصير العين المدّعى [به] من قبيل مجهول

المالك، المدّعيان و غيرهما بالنسبة إليها على السويّة، و ينحصر إثبات الحقّ حينئذ بالبيّنة.

و أمّا لو بنينا على أنّ سقوط الدعويين من حيث العقد الإيجابي لا يضرّ بالعقد السلبيّ المستفاد منهما، و أنّ الدعوى بلا معارض من حيث العقد السلبيّ أيضا حجّة، فانحصار تملّكهما العين يثبت بدعواهما، فيصير المال من قبيل ما لا يد لأحدهما عليه، فيحكم بالتنصيف إن تعدّينا عن مسألة الدرهم المشتبه في باب الودعيّ مع الحلف أو بدونه، على الخلاف السابق، و إلّا فيحتاج إلى القرعة لتعيين المالك كلّا أو على نحو التنصيف.

و لا ريب أنّ القرعة ليست بنفسها ميزانا، و إنّما هي لترجيح قول المدّعيين، فكلّ من خرجت باسمه لا بدّ من أن يحلف، فلو نكل يأتي ما هو الكلام في مسألة النكول.

[الفرع] الرابع: لو صدّق ذو اليد أحدهما أو كليهما،

ففي الأوّل؛ لا إشكال في أنّ المال يعطى بالمقرّ له و يصير هو بمنزلة ذي اليد و يحكم به بمقتضى الإقرار، و لكن لا بدّ و أن يحلف للآخر فيحكم باختصاصه به، فلو نكل يجري فيه حكم النكول.

و أمّا في الثاني؛ فيختلف الحكم على اختلاف المبنى في مسألة حجيّة إقرار ذي اليد، فعلى الملازمة الّتي ادّعيناها، فلمّا كان منشأ الحكم بكون المال بينهما هو نفي أثر يد المقرّ بإقراره و عدم اليد لغيره عليه، فمن جهة أنّ المال لا يصير بلا مالك يحكم بأنّه لهما، لا أن يكون لنفس الإقرار موضوعيّة، فحينئذ لا يثبت لهما عليه يد، بل يصير بمنزلة ما لا يد لأحدهما عليه، فيجري فيه حكم مسألة الدرهم المشتبه في باب الوديعة بناء على التعدّي، و إلّا فلا محيص عن القرعة لجريان الاحتمالات السابقة.

و أمّا لو قلنا بأنّ لنفس الإقرار موضوعيّة بحيث يصير المدّعيان ذا اليد بالنسبة إليه، ففي الحكم بالتنصيف بلا حلف أو معه، ما قدّمناه، فتأمّل جدّا!.

[الفرع الخامس:] تعارض البيّنتين

الفرع الخامس: لو كان للمتداعيين بيّنة، فهنا صور؛ لأنّه إمّا أن يكون كلاهما ذا اليد، أو لا يد لأحدهما عليه، أو يكون لأحدهما اليد دون الآخر، و هذه هي مسألة تعارض البيّنات؛ و قبل الشروع في بيان أحكام الصور ينبغي الإشارة إلى امور:

الأوّل: أنّه هل يسمع البيّنة من المنكر، أم لا؟

الّذي يقتضيه التحقيق؛ أنّ وظيفة المنكر منحصرة باليمين، و لا يسمع منه البيّنة؛ لما هو المستفاد من العمومات الحاصرة في الباب، كما عن المشهور من أنّ التفصيل قاطع للشركة، و بعض الأخبار الخاصّة الّتي سنشير إلى جملة منها في طيّ البحث.

و أمّا ما سبق منّا من النقل عن تقريرات بحث قضاء الشيخ قدّس سرّه من أنّ قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1)ليس في مقام بيان الحصر، بل هو من قبيل الأمر الوارد عقيب توهّم الحظر، و نظره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى بيان أسهل الوظيفتين.

فالإنصاف أنّه في نفسه بعيد جدّا، لمخالفته لظاهر الحديث الشريف مع فهم الأصحاب أيضا منه الحصر القاطع للشركة، مضافا إلى ورود الروايات


1) عوالي اللآلي: 2/ 345 الحديث 190، مستدرك الوسائل: 17/ 368 الحديث 21601.

الخاصّة الصريحة في التفصيل المذكور (1)الّتي هي من قبيل الشارح لتلك العمومات، و سنشير إليها.

الثاني: أنّه بناء على التحقيق من عدم سماع البيّنة عن المنكر، و للحصر المستفاد من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البيّنة على المدّعي» (2)فحينئذ، لو أقام هو و المدّعي البيّنة في الصور الآتية، فلا إشكال في أنّ البيّنتين من حيث أصل الحجيّة لا قصور فيهما، لعموم أدلّة البيّنة الشاملة لهما، مثل رواية مسعدة (3)و غيرها (4)و إنّما الكلام فيهما من جهة الميزانيّة، فلذلك قد يتوهّم أنّه من الجهة الاولى لمّا كانتا معتبرتين كلتاهما، فيقع التعارض بينهما فتسقطان، فكيف يمكن الأخذ ببيّنة المدّعي مع عدم حجيّتها، و الظاهر أنّ أدلّة الميزان في مقام جعل الميزان لما هو المفروغ عن حجيّته و لكنّه مدفوع؛ بأنّ ذلك- أي سقوط البيّنتين من الجهة المذكورة- لا يضرّ باعتبار بيّنة المدّعي من جهة الميزان؛ إذ حينئذ مع فرض عموم قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (5)و شموله لبيّنة المدّعي مطلقا- حتّى مع التعارض- يثبت اعتبار بيّنته من نفس هذا الدليل بدلالة الاقتضاء، نظير الأخبار المتعارضة الّتي تسقط عن الاعتبار في نفسها، ثمّ بنفس الأدلّة المرجّحة يثبت اعتبارها و حجيّتها.


1) وسائل الشيعة: 27/ 249- 256 الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى، مستدرك الوسائل: 17/ 372 الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم.

2) وسائل الشيعة: 27/ 233 الحديث 33666 و 33670.

3) وسائل الشيعة: 17/ 89 الحديث 22053.

4) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 249 الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم.

5) مرّ آنفا.

فتأمّل، فإنّه مع وجود دليل من الخارج المثبت لموضوع هذا العامّ- و هو دليل حجيّة البيّنات- مجال منع دلالة الاقتضاء في المقام واسع، بل هنا لو اريد إثباتها بأدلّة الميزان يلزم الدور، لعدم الملازمة العرفيّة، مع كون المتكفّل لإثبات الحجيّة، الدليل الخارج، فحينئذ؛ يمنع أصل شمول أدلّة الميزان للبيّنة الساقطة عن الاعتبار للتعارض.

الثالث: أنّه قد يكون مدرك البيّنة العلم الوجداني، و قد يكون أمارة معتبرة، مثل اليد و نحوها؛ ثمّ إنّ كلّا منهما تارة شهادتهما مطلقة، و اخرى مقيّدة بذكر السبب، فهل هذه الجهات مرجّحة، أم لا؟

فقد يقال بترجيح الشهادة الّتي مستندها العلم على غيرها، نظرا إلى أنّه مع وجود العلم لا يبقى موضوع للبيّنة الاخرى لعدم الشكّ حينئذ حتّى تجري الأمارة من اليد و غيرها للطرف الآخر.

و بالجملة؛ الشهادة الّتي ليس مدركها العلم فهي في الرتبة المتأخّرة عن الاخرى، فليست قابلة لأن يعارضها.

هذا؛ و لكنّك خبير بفساده، إذ المفروض أنّ كلّ واحدة من الشهادتين صادرة عن شخصين، غير الصادرة عن الآخرين، فلا يثمر العلم لهما بالنسبة إلى البيّنة الاخرى، و لا يمنع عن حصول الموضوع لها وجدانا، كما هو واضح، و لا تعبّدا إذ الفرض عدم اعتبار إحدى البيّنتين عند الاخرى لخلل فيها، و لا ريب أنّ أدلّة البيّنات تشمل كلا النوعين من الشهادة في عرض واحد.

فعلى هذا؛ لا يبقى محلّ للترتّب الطوليّ بينهما، كما لا يخفى؛ كما أنّه قد يتوهّم ترجيح ما فيها ذكر السبب على ما هي مطلقة؛ لما يوجب ذكر السبب

القوّة، و لما في بعض الأخبار من تقديمها عليها.

و الأوّل؛ مع تسليم أصل الدعوى- أي حصول القوّة لذكر السبب- مدفوع بعموم أدلّة البيّنات و عدم التفصيل فيها أصلا.

و الثاني؛ بأنّها ضعيفة غير قابلة للمعارضة مع العمومات، بل بعض الأخبار الخاصّة الصريحة في عدم التقديم، كما سنشير إليها.

إذا عرفت هذا، فنقول: أمّا حكم الصورة الاولى، فعلى مقتضى ما حقّقنا من أنّ اليدين الثابتتين لشخصين على المال الواحد إنّما هما في الحقيقة استيلاء على نصفه لكلّ منهما، فمعلوم أنّ كلّ واحدة من البيّنتين بالنسبة إلى النصف الّذي تحت استيلاء الآخر هي البيّنة على الخارج، فمن هذه الجهة مسموعة، و بالنسبة إلى النصف الآخر لمّا كان تحت يد نفسه غير مسموعة، لما عرفت من أنّ التحقيق انحصار وظيفة المنكر الّذي هنا ذو اليد، على النصف باليمين، فنتيجة ذلك يصير تنصيف العين بلا احتياج إلى اليمين- كما عليه المشهور- بل يظهر كون وجهه ما ذكرنا من عباراتهم، كالشرائع و نحوه (1)، إذ عليه يكون قد عمل بالبيّنة، لكن لا مطلقا، بل بنصف مفادها، لعدم اقتضاء اعتبارها إلّا بالنسبة إليه، فجمع بينهما، فلا يبقى حينئذ محلّ لليمين، فتدبّر!.

نعم؛ على مسلك «الجواهر» الّذي يرى كلّ واحد من اليدين على العين بتمامها (2)فتتساقطان، كما أنّ البيّنتين أيضا تتساقطان للتعارض، لعدم التفكيك


1) شرائع الإسلام: 4/ 110، جواهر الكلام: 40/ 402- 406.

2) جواهر الكلام: 26/ 224 و 40/ 404 و 413.

في مفادهما لاقتضاء الميزانيّة بالنسبة إلى تمام المدلولين، فلا يمكن العمل بكليهما و الجمع بينهما، و لا بأحدهما؛ لعدم الترجيح، فيحتاج إلى اليمين لانحصار الدعوى بالمنكر.

بمعنى أنّه بعد فرض جعل كلّ من اليدين أمارة على تملّك تمام العين، ففي الحقيقة كلّ واحد من ذي اليد منكر، و لا مدّعي في البين أن يكون قوله مخالفا للأصل، كما أنّه لا بدّ من اليمين أيضا، بناء على أن يكون أثر كلّ واحدة من البيّنتين رفع الاخرى، لا أن يصير ميزانا.

هذا ما يقتضيه الأصل و القاعدة على المسكين؛ و لكن لمّا كان القول بالحلف مخالفا للمشهور، فتشبّث [صاحب] «الجواهر» قدّس سرّه (1)بذيل بعض الأخبار الخاصّة، بأنّها المستند للقول بالتنصيف بلا يمين، مثل حديث تميم بن طرفة (2)، و إطلاق بعض آخر أو صريحه (3)- مع أنّ ما في سند أصل هذه الأخبار بل و دلالتها؛ لمعارضتها مع جملة من الأخبار الدالّة على الصّور الآتية- [في غير محلّه] فتأمّل!.

و أمّا الصورة الثانية؛ فمقتضى الأصل المتقدّم تقديم بيّنة الخارج على بيّنة الداخل، أي من له اليد على العين، لأنّه هو المدّعي الّذي قوله مخالف للأمارة الّتي لذي اليد، فلا بدّ من العمل ببيّنته الّتي هي وظيفته، دون المنكر.

هذا؛ مضافا إلى الرواية الخاصّة الدالّة على أنّ في المسألة لا يعتنى ببيّنة


1) جواهر الكلام: 40/ 413.

2) تهذيب الأحكام: 6/ 234 الحديث 574، وسائل الشيعة: 27/ 251 الحديث 33698.

3) دعائم الإسلام: 2/ 522 الحديث 1863، مستدرك الوسائل: 17/ 372 الحديث 21612.

ذي اليد (1)، لأنّها ليست وظيفته، و قد أمر اللّه تعالى باستماع البيّنة عن المدّعي دون المنكر (2)و قد عمل بها المشهور أيضا، بل ادّعي الإجماع في المسألة (3)، بل لا يبعد تحقّقه لعدم ظهور المخالف منّا إلّا نادرا (4)عملا ببعض الروايات الضعيفة سندا (5)و دلالة، الّتي ليست قابلة للمقاومة مع الحديث المنصور و غيره (6).

و مع تسليم المعارضة و عدم ترجيحه بالشهرة، بل الإجماعات المنقولة، فنقول: بعد التساقط، المرجع هو العمومات القاطعة للشركة و جعل وظيفة البيّنة على المنكر، فتأمّل! فإنّ العمومات قد عرفت النظر في دلالتها؛ مضافا إلى بعض الأخبار الخاصّة الدالّة على سماع البيّنة عن المنكر (7)أيضا، بل يمكن منع استفادة الحصر رأسا عن قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البيّنة على المدّعي» (8).. إلى آخره، كما نقل عن شيخنا قدّس سرّه و عليه صاحب «الجواهر قدّس سرّه» (9)أيضا، و استدل على ذلك أوّلا


1) تهذيب الأحكام: 6/ 240 الحديث 594، وسائل الشيعة: 27/ 255 الحديث 33708.

2) وسائل الشيعة: 27/ 234 الحديث 33669.

3) المبسوط: 8/ 258، السرائر: 2/ 168- 169، جواهر الكلام: 40/ 417.

4) انظر! جواهر الكلام: 40/ 419- 421.

5) وسائل الشيعة: 27/ 250 الحديث 33697، السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 256.

6) وسائل الشيعة: 27/ 255 الحديث 33708 و 234 الحديث 33670 و 293 الحديث 33781.

7) مثل ما رواه الكليني؛ في الصحيح عن حمّاد بن عثمان من قضيّة بغلة أبي الحسن عليه السّلام في المسعى (الكافي: 8/ 86 الحديث 48)، و ما رواه الصدوق في «العلل» (علل الشرائع: 541 الحديث 1 الشاهد على ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في معنى عموم: «البيّنة على المدّعي» .. إلى آخره، و المراد منها، فراجع و تدبّر! «منه رحمه اللّه»، انظر! القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري: 167- 170.

8) وسائل الشيعة: 27/ 293 الحديث 33781.

9) نقل عنه في كشف اللثام: 2/ 173 ط. ق، المبسوط: 8/ 258، جواهر الكلام: 40/ 419- 421.

يمنع كون الرواية في مقام التحديد، بل غاية مدلولها أنّ ما هو على المنكر و يلزم عليه، هو اليمين، و أمّا أنّه لا يقبل منه البيّنة فليس الحديث في مقام بيانه.

و ثانيا؛ بالروايات الخاصّة مثل ما روي عن علي عليه السّلام في «الوسائل» و غيره الدالّة على قبول البيّنة عن المنكر (1)و يشهد عليه اختلافهم في باب تعارض البيّنتين أيضا، مع أنّ غير ذي اليد هو المدّعي و ذا اليد هو المنكر، فراجع!

كما أنّ الظاهر من قولهم و تعبيرهم بتعارض البيّنات (2)يؤيّد ذلك- أي عدم انحصارها بالمدّعي- إذ لو لم يكن لبيّنة المنكر مقتضي السماع رأسا، لا معنى للتعارض.

نعم؛ يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من بعض الأخبار الخاصّة (3)كون بيّنة المدّعي هي العلّة التامّة للحكم، بحيث لو اجتمعت مع بيّنة المنكر فهي تقع في الرتبة المتأخّرة قهرا، كما أنّه يمكن استظهار ذلك عن اليمين الّتي هي وظيفة المنكر، إذ لا إشكال في أنّه إنّما يعتنى بها إذا لم يقم المدّعي البيّنة، و إلّا فلا موقع لليمين، فهكذا بيّنته.

وجه الاستظهار أنّه بعد البناء على سماع البيّنة عن المنكر أيضا، و أنّ تعيين اليمين عليه إنّما هو من باب أسهل الوظيفتين، فلازم ذلك أنّه كلّ مورد يكون له اليمين له إقامة البيّنة أيضا، و أنّه مخيّر فيهما، و لا مورد يكون ملزما على أحدهما؛ و حينئذ لا يجوز التفكيك بينهما، فلو بنينا على كون بيّنته ميزانا


1) جواهر الكلام: 40/ 418- 421، انظر! وسائل الشيعة: 27/ 249- 251 الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم.

2) المبسوط: 8/ 258، شرائع الإسلام: 4/ 110- 112، جواهر الكلام: 40/ 410.

3) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 233 الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم.

عند إقامة المدّعي البيّنة فيلزم التفكيك، ضرورة أنّه لا يسمع عنه اليمين، و ليست في رتبة بيّنته و عرضها، فكيف يقع التعارض بينهما؟ مع أنّه ليس هي الميزان فعلا، كما هو المفروض، فتدبّر!.

ثمّ قال- دام ظلّه-: إنّه ممّا ذكرنا ظهر فساد القول بالتفصيل في المسألة بين أن يكون بذكر السبب في البيّنة، فتقدّم على البيّنة المطلقة، و كذلك القول بتقديم بيّنة الداخل مطلقا، بل لا دليل على الأوّل أصلا، فراجع و تأمّل!.

و أمّا ما لو كانت يد كلّ منهما خارجة، فقد ادّعيت الشهرة، بل الإجماع على أنّه لا بدّ من رعاية الترجيح من حيث العدالة و الكثرة بين البيّنتين حينئذ، و مع التساوي فيرجع إلى القرعة، فكلّ من خرج اسمه يحلف فيأخذ المال (1).

فنقول: الّذي تقتضيه القاعدة في هذه الصورة هو الحكم بالتنصيف بلا يمين، إذ لمّا كانت هي عكس الصورة الاولى من جهة عدم وجود المنكر هنا، بل كلا الطرفين ينطبق عليهما عنوان المدّعي- لعدم أصل أو أمارة- يكون قول أحدهما موافقا لهما، فبعد تساقط البيّنتين الّتي حسب الفرض انحصار الوظيفة بها تدخل المسألة على هذا في صغريات ما لو ادّعيا مالا لا يد لأحدهما عليه، فيأتي فيها الحكم المتقدّم.

هذا ما يقتضيه الأصل الأوّلي في المسألة، و لكن وردت الأخبار الخاصّة (2)لبيان حكمها، فلا محيص عن رفع اليد عن الأصل لاعتبارها سندا، بل العمل عليها، و العدول عنه جدّا، و مفاد تلك الأخبار رعاية الترجيح أوّلا في


1) جواهر الكلام: 40/ 424.

2) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 252 الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم.

الجملة، ثمّ الرجوع إلى القرعة مع التساوي، و هذا ممّا لا كلام فيه.

و إنّما الإشكال في الترتيب بين الأعدليّة و الأكثريّة من المرجّحات و عدمه، الّذي يظهر من «الشرائع»- بل جلّ عباراتهم- هو الأوّل (1)، و مستنده ظاهرا هو حديث البصري، حيث قال فيه عليه السّلام: «إذا كان عدلهم سواء و عددهم سواء» (2).. إلى آخره، فاستفادوا عن الترتيب الذكري فيه، الترتيب الواقعي أيضا، إذ ليس لنا حديث آخر مشتمل على الترجيح بالعدالة رأسا، فكيف بأن يقدّم في مقام التعارض على الأكثريّة؟ بل الروايات كلّها (3)قد ذكر فيها الأكثريّة فقط، أو الرجوع إلى القرعة من أوّل الأمر الّذي لا محيص عن تقييد الأخير بالأوّل، أي العدالة و الأكثريّة.

فهل رواية البصري قابلة للتقييد و التقديم، أم لا؟ فيه إشكال؛ لأنّه و إن أمكن الدعوى بأنّ الترتيب الذكري لا يدلّ على الجمع، بل الظاهر منه الترتيب الواقعي، نظرا إلى أنّ العدالة المتقدّمة في الحديث المتيقّن منه حجيّتها و مرجّحيّتها؛ و لو اجتمعت مع الأكثريّة، بحيث لو كانت إحدى البيّنتين مشتملة عليها و الاخرى على الأكثريّة فهي على اقتضائها باقية، و قابلة للمعارضة معها؛ و هكذا لو كانت هي وحدها، فهي مطلقة يقينا بخلاف الأكثريّة، فأمرها دائر بين


1) شرائع الإسلام 4/ 111، النهاية للشيخ الطوسي: 343- 344، السرائر: 2/ 167 و 168، مسالك الإفهام: 14/ 85، رياض المسائل: 2/ 422، جواهر الكلام: 40/ 424- 425.

2) الكافي: 7/ 419 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 6/ 233 الحديث 2، وسائل الشيعة: 27/ 251 الحديث 23699.

3) وسائل الشيعة: 27/ 249 الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم.

الإطلاق و التقييد؛ و مع سبقها بالأعدليّة ينثلم إطلاقها، و تصير من قبيل احتفافها بما يصلح للقرينيّة، لكونها قابلة لأن يتقيّد بالأعدليّة لا العكس؛ و مع ذلك كيف يبقى لها إطلاق؟ متى تكون هي أيضا قابلة للمعارضة مع المتقدّمة عليها؟

و من هذه الجهة نقول: إنّ الأصل في باب التقدّم الذكري التقدّم الواقعي أيضا، إلّا أنّه؛ لو كنّا في المقام نحن و هذا الحديث فقط، فلا بدّ من التقييد، و لكنّه مع وجود المطلقات الاخر المشتملة على الأكثريّة فقط و عدم المقيّد لها، فلا وجه للحكم بالتقديم مطلقا، بل تقع المعارضة بينها و هذا الحديث، إذ غاية ما يستفاد منه اعتبار العدالة في الترجيح أيضا، و يعامل معاملة الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى الأكثريّة المذكورة في نفس الحديث، و أمّا بالنسبة إلى الإطلاقات الاخر فليس قابلا لتقييدها لأنّها مستقلّة؛ فتقع المعارضة بينها و بينه.

هكذا أفاد- دام ظلّه- إلّا أنّه لم يظهر لي وجه هذا الكلام، إذ بعد تسليم استظهار التقييد من رواية البصري (1)و البناء على أنّ مفادها أنّه إذا اجتمع الوصفان، بأن يكون وصف الأعدليّة في إحدى البيّنتين، و الأكثريّة في الاخرى، فيقدّم الاولى على الأخيرة، فكيف لا يقيّد بها إطلاقات الأكثريّة؟ مع أنّ حالهما حال ساير المطلقات و المقيّدات، و لم يشترط في التقيد اتّصال المقيّد بالمطلق، مع أنّه لا شك في أخبار الباب لبيان شخص حكم واحد، فلا بدّ من مزيد التأمّل.

و بالجملة؛ فعلى هذا- أي ثبوت المعارضة و بقاؤها بين الوصفين- فيشكل الأمر فيما لو وقعت المعارضة بينهما الّذي تظهر الثمرة حينئذ، فهل يقدّم البيّنة المشتملة على وصف الأعدليّة على الاخرى، أم تتعارضان فتتساقطان؟

وجهان.


1) مرّ آنفا.

و هل يعتمد بالشهرة المدّعاة في المسألة على الترجيح، أم لا؟ مشكل.

فالأولى في مثل المقام الاحتياط بالصلح و نحوه، و اللّه الموفّق العالم بالأحكام.

بقي في المقام شي‌ء، و هو أنّه في صورة وجود المرجّح و الأخذ به، أو عدمه و انتهاء الأمر إلى القرعة، هل يحتاج حينئذ إلى الحلف أيضا، أم لا؟

الظاهر؛ عدم الخلاف في الاحتياج إليه مع كون المرجّح هو الأكثريّة أو انتهاء الأمر إلى القرعة لاشتمال الأخبار عليه، و لا يضرّ به وجود بعض المطلقات، إذ لا بدّ من تقييدها بالمقيّدات.

و لكنّ الكلام فيما لو كان المرجّح هو الأعدليّة، فإنّ ما يدلّ عليها- و هو حديث البصري- ليس فيه الحلف، فأيّ وجه في إلحاقها بالمرجّح الآخر؟ مع أنّ الظاهر في بادئ النظر عدم الحاجة إلى اليمين عند الأخذ بالمرجّح مطلقا؛ لأنّ الأمر به كاشف عن العمل بالبيّنة، فالحكم في الأكثر به مخالف للقاعدة، و إنّما النصّ الخاصّ أوجب ذلك، فلا مقتضي للقول به عند الأخذ بالأعدليّة و كونها مرجّحا أصلا، كما لا يخفى.

هذا؛ و لكنّ التحقيق أنّ مقتضى القاعدة هو لزوم اليمين، توضيح ذلك: أنّه لا إشكال في أنّ البيّنتين في عالم الميزانيّة تتعارضان فتتساقطان، فلا يبقى ميزان في البين.

و أمّا الأخبار المرجّحة، فهي في مقام بيان ترجيحهما في عالم الحجيّة الّتي كانتا متساقطتين من هذه الجهة أيضا، فإذا رجّحت إحدى الحجّتين فهي تصير بمنزلة اليد الموجبة لتقديم قول صاحبها على صاحب البيّنة المرجوحة،

ففي مقام الفصل لمّا صار بذلك هو المنكر لا بدّ من أن يحلف، كما أنّه كذلك يكون حال القرعة، و قد أشرنا إليها سابقا أنّها لترجيح القول، لا أنّها تكون ميزانا، فهكذا المرجّحين الآخرين هنا.

و لو منع ذلك، فنقول: يكفي الشكّ في ما ذكرنا بأنّه و إن كان يحتمل أن تكون المرجّحات لترجيحهما في عالم الميزانيّة، و لكنّه لمّا كان ذلك مشكوكا فيه- بل القدر المتيقّن هو الجهة الاولى- فأصالة عدم الميزانيّة محكّمة، و مقتضاها الاحتياج إلى اليمين على كلّ حال حتّى يتمّ الميزان، فظهر انّ الّذي تقتضيه القاعدة هو توقّف الفصل و القضاء على الحلف مطلقا، لعدم ميزان غيرها، و لو اخذ بالمرجّحات؛ و لا فرق في ذلك بينها، و إنّ ما اشتملت عليه بعض الأخبار، فهو حكم موافق للأصل، و إنّ ما ذكر لدفع التوهّم المذكور فلا محيص عن الالتزام به فيما لو كان المرجّح الأعدليّة، كما لا يخفى.

أقول: يمكن الدعوى قريبا بأنّ المستظهر من الأخبار هو كون الترجيح لميزانيّة البيّنتين، نظرا إلى مناسبة الحكم و الموضوع المستفاد من كونها في مساق بيان أحكام الحكومة و الفصل، و كذلك العناوين المأخوذة فيها من الاختصام و التداعي، و حملها على بيان الترجيح في الحجيّة في غاية البعد.

مضافا إلى أنّه و لو سلّم ما أفاد- دام ظله- فنقول: بعد تماميّة الحجيّة في إحداهما للترجيح يكفي عمومات الميزان لتتميم ميزانيّتها أيضا، إذ الحجيّة بمنزلة الموضوع لها، فإذا تمّت فلا تحتاج إلى مئونة زائدة، و المناقشة في كونها في مقام الإطلاق من هذه الجهة لا مجال لها.

و بالجملة؛ رفع اليد عن ظهور الأخبار و حملها على بيان الحكم التعبّدي

المحض لترجيح الحجّة- نظير الأمر بالأخذ في الاصول- لا لبيان تتميم الوظيفة و ترجيح الميزان، يحتاج إلى الدليل، فتأمّل (1).

قد فرغنا من بحث القضاء في العشر الأخير من شعبان سنة 1346 و على اللّه التكلان، و قد كان الشروع فيه في شوال من سنة ألف و ثلاث مائة و خمسة و أربعين 1345


1) فحينئذ لا يبقى الشكّ حتّى تصل النوبة إلى الأصل المذكور. «منه رحمه اللّه».

[الفهارس]

فهرس الآيات

إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ 7، 32

إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا 7، 43

إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ 370

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ 92

أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ 50

فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ 6

مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ 343، 344

وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ 189

وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ 6

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ 288

وَ اللّٰهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ 6

وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ 7، 138

وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ 7، 151

وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ 7، 31

يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ 7، 22، 24، 29

فهرس الأحاديث

أ ترى الشمس؟ 198

أ ترى كفّك؟ 198

إذا جلس القاضي أو اجلس في مجلسه هبط إليه 8

إذا كان القيّم مثلك و مثل عبد الحميد فلا بأس 58

إذا كان عدلهم سواء و عددهم سواء 463

أضفهم إلى اسمي 268

إقرار العقلاء على أنفسهم جائز 184، 185، 254

الأشياء كلّها على ذلك حتّى تستبين أو تقوم به البيّنة 114

الإنسان أصدق على نفسه 128

إن اتّهمته فاستحلفه 314

أنّ الرجل يبذل الرشوة ليتحرّك من منزله ليسكنه، قال عليه السّلام: لا بأس 103

إنّ الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ 234

إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه 71

أنّ حقّه لعليه 234

أنّ رجلا استعدى عليّا، [على رجل] فقال: إنّه افترى عليّ 292

انظر إلى أهل المعك و المطل، و دفع حقوق الناس 8

إنّ عمّال السلطان يشترون منّا القرب و الإداوة 102

إن كان له على الميّت مال و لا بيّنة له فليأخذ ماله 276

إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان 126، 187، 212، 227

إنّه أبى أن يحبس الزوج 195

أنّه روى عن عليّ عليه السّلام قصّة حلف الأخرس 220

أنّه كان لا يجيز كتابة قاض إلى قاض 381

أو تقوم به البيّنة 146

إيّاكم أن تتحاكموا إلى هؤلاء الفسّاق 81

أيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا 207

البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر. 143، 172، 180، 219، 237، 241، 242، 251،

258، 272، 274، 288، 290، 294، 337، 428، 455، 456

تدرأ الحدود بالشبهات 287

حبّس الأصل و سبّل الثمرة 367

خمسة أشياء يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات 115

ذهبت اليمين بحقّ المدّعي 207، 208، 211، 217، 273

ذهبت اليمين بما فيه 137

ذهبت اليمين بما من الحقّ 340

رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم 67، 126

رجل قضى بالحقّ و هو يعلم 125

السحت أنواع كثيرة، منها أجور القضاة 97

عرف أحكامنا، و نظر في حلالنا و حرامنا 45

عون الضعيف من أفضل الصدقة 56، 58، 60

الغائب على حجّته 260، 261

فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه 130، 136، 389

فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا 116، 155

فإن لم يحلف فلا حقّ له 361

فبحكم اللّه استخفّ 392

فعلى المدّعي اليمين باللّه الّذي لا إله إلّا هو 236

في الرجل يدّعي و لا بيّنة له، قال عليه السّلام: يستحلفه 213

في الغسّال و الصبّاغ؟ [قال]: ما سرق منهما من شي‌ء ... فهو ضامن 314

في من أعار ثوبا الّذي ما يصلّى فيه ... قال عليه السّلام: يعيد 306

فيمين المدّعى عليه 240

قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبيّ 8

القضاة ثلاثة: واحد في الجنّة و اثنان في النار 8

كانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه 208

كيف يقدّس اللّه أمّة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟! 7

لا بيع إلّا في ملك 318

لا تقدّس أمّة حتّى يكون فيهم من يأخذ الحقّ 23

لأنّا لا ندري لعلّه قد أوفاه 239

لا يحلّ مال امرئ لامرئ إلّا بطيب نفسه 445

لا يستحلف صاحب الحدّ 292

لا يصلح لأحد أن يحلف إلّا باللّه تعالى 267

لا يفلح قوم وليتهم المرأة 41

لا يمين في حدّ 290، 291

لو كنت راجما بغير بيّنة لرجمتها 126

لي الواجد يحلّ عرضه و عقوبته 190

ما تركه الميّت فهو لوارثه 341، 342، 343

ما كان يأخذه سحت 84، 88

مجاري الامور بيد العلماء 52

من حلف بغير اللّه فقد أشرك أو كفر 270

من حلف لكم باللّه فصدّقوه 208

من عرف أحكامنا 118

المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا عليه 209

الناس مسلّطون على أموالهم 56، 347، 413

نحن و بيت اللّه أولى بالنبيّ 271

نظر في حلالنا و حرامنا 391

و إلّا لما قام للمسلمين سوق 304

و الزم بالحقّ أو اليمين أو ردّ اليمين 221

و المجوس لا يحلفون إلّا باللّه 267

و اليمين على المدّعى عليه 250

و إن تعاملتم بأحكامنا كان خيرا لكم 83

و إن ردّ اليمين على المدّعي، و لم يحلف فلا حقّ له 224

و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا 55، 119

و رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة 97، 102

و لا بدّ من قاض و رزق للقاضي 91

و لا يدفع المال إلى الّذي أقام البيّنة إلّا بكفلاء 243

و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا 40

هذا مجلس لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ 76، 81

يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة 8

يعرف شيئا من قضايانا 45

ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا 39

فهرس المنابع

1- القرآن الكريم

2- إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، للعلّامة الحلّي، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1410 ه.

3- الاستبصار، للشيخ الطوسي، ط/ دار الكتب الإسلامية بطهران، سنة 1390 ه.

4- الانتصار، للسيّد الشريف المرتضى، علم الهدى أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسوي، المتوفّى سنة 436 ه. ط/ دار الأضواء- بيروت، سنة 1405 ه.

5- إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، للشيخ أبي طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، الملقّب ب «فخر المحققين»، المتوفّى سنة 771 ه. ط/ مؤسّسة مطبوعات إسماعيليان- قم، سنة 1387 ه.

6- بحار الأنوار، للعلّامة المجلسي رحمه اللّه، ط/ المكتبة الإسلامية بطهران، سنة 1388 ه.

7- تحرير الأحكام، للعلّامة الحلّي، (الطبعة الحجرية) ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام بقم.

8- تحف العقول عن آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لأبي محمّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني، المطبعة الحيدريّة، النجف، الطبعة الخامسة، سنة 1380 ه.

9- تذكرة الفقهاء، للعلّامة الحلّي، (الطبعة الحجرية) ط/ المكتبة المرتضوية بقم.

10- تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، للشيخ الطوسي، ط/ دار الكتب الإسلامية بطهران، سنة 1365 ش.

11- جامع المقاصد في شرح القواعد، للشيخ علي بن الحسين الكركي، المعروف ب «المحقّق الثاني» المتوفّى سنة 940 ه. ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، سنة 1408 ه.

12- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، للشيخ محمّد حسن النجفي، المتوفّى سنة 1266 ه. ط/ دار الكتب الإسلامية بطهران، سنة 1365 ش.

13- حاشية فرائد الاصول، للشيخ محمّد كاظم الخراساني، من منشورات مكتبة بصيرتي، قم.

14- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ يوسف البحراني، المتوفّى سنة 1186 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.

15- الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، للشهيد الأوّل، أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي العاملي، المستشهد سنة 786 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1414 ه.

16- دعائم الإسلام، تأليف النعمان بن محمّد بن منصور بن أحمد بن حيّون التميمي المغربي، ط/ دار المعارف في القاهرة، سنة 1383 ه.

17- الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الثاني، زين الدين بن علي الجبعي العاملي، المستشهد سنة 966 ه. من منشورات مكتبة الداوري بقم، سنة 1410 ه.

18- رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، لآية اللّه المحقّق السيّد علي الطباطبائي، المتوفّى سنة 1213 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، الطبعة الاولى، سنة 1412 ه.

19- السرائر، الحاوي لتحرير الفتاوي، للفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1410 ه.

20- سنن ابن ماجة، للحافظ أبي عبد اللّه محمّد بن يزيد القزويني، ط/ دار إحياء التراث العربي.

21- السنن الكبرى، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، المتوفّى سنة 458 ه. ط/ دار المعرفة- بيروت.

22- شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام، للمحقّق أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي، المتوفّى سنة 672 ه. من منشورات دار الأضواء- بيروت، سنة 1403 ه.

23- علل الشرائع، للشيخ الأقدم الصدوق رحمه اللّه، ط/ المكتبة الحيدريّة النجف، سنة 1358 ش.

24- عوالي اللآلي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، لابن أبي جمهور الأحسائي، الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم، ط/ مطبعة سيّد الشهداء عليه السّلام بقم، سنة 1403 ه.

25- غنية النزوع، للسيّد أبي المكارم بن زهرة، المتوفّى سنة 585 ه. من منشورات مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام بقم، سنة 1417 ه.

26- فرائد الاصول، للشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري، المتوفّى سنة 1281 ه، من منشورات مجمع الفكر الإسلامي بقم، سنة 1419 ه.

27- قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام، للعلّامة الحلّي، (الطبعة الحجرية) الشريف الرضي بقم.

28- القواعد و الفوائد، للشهيد الأوّل، أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي العاملي، المستشهد سنة 786 ه. ط/ مكتبة المفيد بقم.

29- الكافي، لثقة الإسلام الكليني، أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق، المتوفّى سنة 329 ه. ط/ دار الكتب الإسلامية، سنة 1388 ه.

30- الكافي في الفقه، للفقيه الأقدم أبي الصلاح الحلبي، المتوفّى سنة 447 ه.

ط/ مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بأصفهان، سنة 1403 ه.

31- القضاء و الشهادات، للشيخ الأعظم الشيخ المرتضى الأنصاري، من منشورات مجمع الفكر الإسلامي، بقم، سنة 1415 ه.

32- كشف اللثام، لبهاء الدين محمّد بن الحسن بن محمّد الأصفهاني، المعروف ب «الفاضل الهندي»، المتوفّى سنة 1137 ه (الطبعة الحجرية) من منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي بقم، سنة 1405 ه.

33- كمال الدين، للشيخ الأقدم الصدوق رحمه اللّه، ط/ مكتبة الصدوق، طهران، سنة 1390 ه.

34- لسان العرب، لابن منظور الإفريقي، ط/ دار صادر العربي، بيروت.

35- المبسوط في فقه الإماميّة، للشيخ الطوسي رحمه اللّه، ط/ المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

36- مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد بن محمّد، المعروف ب «المقدّس الأردبيلي» المتوفّى سنة 993 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1402 ه.

37- المختصر النافع، للمحقّق الحلّي رحمه اللّه، ط/ دار الاضواء، بيروت، سنة 1405 ه.

38- مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، للعلّامة الحلّي رحمه اللّه، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1413 ه.

39- مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، للفقيه المحقّق السيّد محمّد الموسوي العاملي، ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم، سنة 1410 ه.

40- المراسم، لحمزة بن عبد العزيز الديلمي، من منشورات الحرمين، سنة 1404 ه.

41- مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام، للشهيد الثاني، زين الدين بن علي الجبعي العاملي، المستشهد سنة 966 ه. ط/ مؤسّسة المعارف الإسلامية بقم، سنة 1414 ه.

42- مستدرك الوسائل، للميرزا حسين النوري الطبرسي، المتوفّى سنة 1320 ه.

ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم، الطبعة الاولى، سنة 1407 ه.

43- مصباح الفقيه، للشيخ آغا رضا الهمداني، (الطبعة الحجريّة)، ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام بقم، سنة 1417 ه.

44- المصباح المنير، لأحمد بن محمّد بن علي المقري الفيومي، المتوفّى سنة 770 ه. ط/ دار الهجرة بقم، سنة 1405 ه.

45- مفاتيح الشرائع، للمولى محمّد محسن، المعروف ب «الفيض الكاشاني»، المتوفّى سنة 1091 ه. ط/ مجمع الذخائر الإسلاميّة بقم، سنة 1401 ه.

46- مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة، للسيّد محمّد جواد الحسيني العاملي، المتوفّى سنة 1226 ه. (الطبعة الحجريّة)، ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم.

47- المقنعة، لأبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقّب بالشيخ المفيد رحمه اللّه، المتوفّى سنة 413 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1410 ه.

48- المكاسب، للشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه اللّه، المتوفّى سنة 1281 ه، (الطبعة الحجريّة) و الطبعة الحديثة من منشورات مجمع الفكر الإسلامي بقم، سنة 1415 ه.

49- من لا يحضره الفقيه، للشيخ الأقدم الصدوق رحمه اللّه، ط/ دار الكتب الإسلاميّة، سنة 1390 ه.

50- نهاية الإحكام في معرفة الحلال و الحرام، للعلّامة الحلّي رحمه اللّه، ط/ مؤسّسة إسماعيليان، سنة 1410 ه.

51- النهاية في مجرّد الفقه و الفتاوى، للشيخ الطوسي رحمه اللّه، ط/ انتشارات قدس محمّدي بقم.

52- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي رحمه اللّه المتوفّى سنة 1104 ه. ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم، سنة 1412 ه.

53- الوسيلة إلى نيل الفضيلة، لابن حمزة، ط/ مكتبة آية اللّه المرعشي، سنة 1408 ه.

54- الهداية، للشيخ الأقدام الصدوق رحمه اللّه، ط/ مؤسّسة الإمام الهادي عليه السّلام، قم، سنة 1418 ه.

فهرس الموضوعات

المقدّمة 5

مقدّمة المؤلّف 19

[القضاء لغة] 19

[القضاء اصطلاحا] 20

وجوب القضاء 23

المقصد الأوّل: و فيه فصول 37

الفصل الأوّل: في شرائط القاضي 39

اشتراط الاجتهاد في القاضي 42

[قضاء المتجزّي] 44

الولاية و مراتبها 49

الامور الحسبيّة 57

ولاية الحاكم 60

إذن الحاكم في القضاء 63

نصب القيّم 68

[الصلح بالحلف] 69

الصلح على اليمين 70

الفصل الثاني: في أنّه لا يجوز العدول عن الحاكم الجامع للشرائط 75

[قضاء] فاقد الشرائط 79

قضاء فاقد الوصف 85

الفصل الثالث: في ما يأخذه القاضي و حكمه 90

أخذ الاجرة للقضاء 97

الرشوة حكما و موضوعا 99

الفصل الرابع: في طريق ثبوت ولاية القاضي عند الناس و إثباته لهم 112

انعزال القاضي بموت الإمام و عدم انعزاله 118

المقصد الثاني:

في طريق إثبات الحقّ 123

[قضاء الحاكم بعلمه] 125

نقض الحكم و موارده و ملحقاته 127

[عدم جواز نقض الحكم] 135

[ادّعاء الجور في الحكم] 142

[اعتبار تعدّد المترجم و عدمه] 145

المقصد الثالث:

في ما يتعلّق بعدالة الشهود 149

في ما يشترط فيه العدالة 151

نقض الحكم عند تبيّن فسق الشاهدين 152

[عدم جواز التعويل على حسن الظاهر في الشهادة] 154

المزكّي و الجارح 156

اختلاف البيّنات 162

إحضار الخصم 165

المقصد الرابع:

الكلام في ما يتعلّق بالدعوى و المدّعى به 169

تعيين الدعوى 171

شرائط الدعوى 176

[هل يطالب المدّعى عليه بالجواب أو ينتظر التماس المدّعي؟] 179

المقصد الخامس:

في ما يتعلّق بجواب المدّعى عليه و وظيفة المتداعيين 181

الجواب بالإقرار 183

أحكام الإعسار 189

الجواب بالإنكار 201

متعلّقات اليمين 206

الاحتياج إلى حكم الحاكم بعد تحقّق اليمين و عدمه 211

أحكام اليمين 212

النكول 215

في ما يتعلّق بوظيفة المدّعي و إقامته البيّنة 228

الدعوى على الميّت 231

ضمّ اليمين إلى البيّنة 237

الدعوى على مال الغائب 242

سكوت المدّعى عليه عن الجواب 247

في الجواب ب «لا أدري» 249

الدعوى على الغائب 257

المقصد السادس:

في ما يتعلّق باليمين 265

حقيقة اليمين 267

الحلف بغير اللّه تعالى 270

الحلف على نفي العلم 271

الدعوى على المملوك 281

المقصد السابع:

في بعض مسائل متعلّقة بالدعوى 285

الدعوى في الحدود 287

الدعوى بلا معارض 295

دعوى ذي اليد 304

دعوى الأمين 310

قاعدة «من ملك» 318

فروع متفرّقة 332

[لو مات و لا وارث له] 336

[لو مات و عليه دين] يحيط الدين بالتركة 338

انتقال مال الميّت و عدمه 342

حجر الوارث عمّا قابل الدين و الوصيّة من المال 348

المقصد الثامن:

في الشاهد و اليمين 353

[لو ادّعى جماعة مالا لمورّثهم] 362

[لو قال: هذه الجارية مملوكتي ...] 364

[لو ادّعى بعض الورثة وقف المورّث] 366

بعض مسائل الوقف 377

في كتابة القاضي و غيره 379

في القضاء التنفيذي 383

تنفيذ حكم الحاكم الفاسق 388

المقصد التاسع:

في ما يتعلق بالقسمة 395

القسمة 397

في المقسوم 402

تزاحم الحقوق 403

[حكم اختلاف الشركاء بعد القسمة] 417

المقصد العاشر:

في المهمّ من الكلام في أركان باب القضاء 421

ضابط المدّعي و المنكر 423

المقاصّة 431

[دعوى بلا معارض] 439

تعارض اليدين 446

التداعي 450

تعارض البيّنتين 455

فهرس الآيات 469

فهرس الأحاديث 471

فهرس المنابع 477

فهرس الموضوعات 483