کتاب القضاء

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : عراقي، ضياءالدين، ۱۲۴۰ - ۱۳۲۱.

عنوان و نام پديدآور : كتاب‌القضاء/ تاليف ضياء‌الدين العراقي.

مشخصات نشر : [بي‌جا: بي‌نا]؛ (نجف: المطبعه‌العلميه)، ۱۴ق.= ۱۳.

مشخصات ظاهري : ۱۶۰ص.

وضعيت فهرست نويسي : برونسپاري

يادداشت : عربي.

يادداشت : عنوان روي جلد: كتاب‌القضاء: ويتلوه رساله في تعاقب‌الايدي.

عنوان روي جلد : كتاب‌القضاء: ويتلوه رساله في تعاقب‌الايدي.

موضوع : عراقي، ضياءالدين، ۱۲۴۰ - ۱۳۲۱. -- نظريه درباره قضاوت

موضوع : قضاوت -- جنبه‌هاي مذهبي -- اسلام

رده بندي كنگره : BP۱۹۵/۱/ع۴ك۲ ۱۳۰۰ي

رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۷۵

شماره كتابشناسي ملي : ۳۰۶۷۵۴۳

اشارة

تعريف القضاء

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و هو لغة لمعان كثيرة، يمكن إرجاع بعضها الى بعض، إذ منها: الحكم، الممكن إرجاعه إلى الحتم أو الفراغ، من جهة تسجيل الحق على المدعى عليه، أو بملاحظة فراغ الخصومة بينهما.

و اصطلاحا عرفوه بالولاية على الحكم، نظرا الى ظهور تعلق الجعل به في كونه من الأمور الجعلية، مضافا الى كفاية هذا المقدار في صدق القاضي، و لو لم يتلبس بعد بالقضاء أصلا.

و لكن يمكن أن يقال، بان مجرد صدق القاضي بمجرد الجعل، لا يقتضي كون المبدأ فيه، الساري في المصدر أيضا بمعنى الولاية المزبورة. إذ ربما تكون الهيئة الاشتقاقية مقتضية لتوسعة في النسبة الملازمة لجهة الولاية على الحكم، غير المانع من بقاء المبدأ على معناه العرفي أو اللغوي، من الحكم الفعلي الحقيقي. و لذا لم

يتوهم أحد في لفظ الحكم معنى الولاية، و مع ذلك جعل عنوان الحاكم موردا للجعل و صادقا بمجرده.

و من هذا الباب الفرق بين عنوان التجارة و التاجر، المعلوم كفاية مجرد شأنيته لها في صدق الاشتقاق، بلا كفاية ذلك في صدق المبدأ الساري في غيره، فيكشف ذلك عن انه من جهة توسعة في مدلول الهيئة، لا أنه من جهة اختلاف في مفهوم المادة.

و مرجع ما ذكرنا في الحقيقة إلى الالتزام بتوسعة في دائرة التلبس الفعلي، لا الالتزام بتوسعة في المفهوم، الصادق حتى على المتلبس سابقا، كي يكون خلاف التحقيق.

و عليه فما يظهر من أستاذنا العلامة- قدس سره- في أمثال هذه المقامات من التصرف في المبدأ، المعروض لخصوص هذه الهيئة الاشتقاقية، منظور فيه.

كيف و أصالة عدم نقل المادة السارية في سائر الهيئات، يقتضي بقاءها على معناه الحقيقي المساوق لعنوان الحكم.

موضوع وجوب القضاء

و على أى حال لا إشكال عندهم في وجوب القضاء كفاية، مع التعدد لمن له الأهلية، و عينا مع عدمه.

و قبل الخوض في شرح وجهه، فلنقدم الكلام في موضوع الوجوب، من انه نفس الحكم أو تولى مجلس القضاء، أو تحصيل الولاية من قبل المقدمات المتمشية من قبله.

ظاهر كلماتهم في جعل القضاء عبارة عن الولاية على الحكم، يقتضي كون موضوع الوجوب ذلك، كما ان ظاهر استدلالهم بأمر داود (ع) بالحكم بالحق (1)يقتضي كون الموضوع هو نفس الحكم، و ان التولي للقضاء بتحصيل أصل الولاية، من الاجتهاد و العدالة من مقدماته.

كما ان ظاهر استدلالهم بقوله: «ما قدست امة لم يؤخذ لضعيفها من قويها غير متعتع» (2)وجوب التولي للقضاء.

و لكن يمكن أن يقال: انه- بعد الجزم بعدم استحقاقه بتفويت كل مرحلة من المراحل الثلاث إلا عقوبة واحدة- يوجب أن لا يكون في البين إلا إرادة نفسية قائمة بشي‌ء واحد يكون هو الغرض الأصلي، من فصل الخصومات، و ان البقية مقدمات لمثل هذا الغرض و متعلقة لإرادة غيرية، و بهذه الجهة لا يترتب على تفويت جميعها إلا عقوبة واحدة.

و بعد ذلك يبقى الكلام فيما هو مورد الخطاب الشرعي، هل هو تحصيل الولاية، و انه هو مورد التحميل على العبد، و ان البقية أغراض للواجب النفسي الاصطلاحي، أو أن مورد التحميل هي المراتب اللاحقة، و ان البقية مقدمات الواجب و واجبات غيرية.

و مثل هذا النزاع لا ينتج للفقيه ثمرة عملية، اللهم الا ان يقال بان الحكم و الفصل، الذي هو غاية الغايات، كان متعلقا للخطاب، فحيث إنه مشروط بالترافع و تمامية الميزان عند القاضي، فمع الشك في تحقق هذا الشرط يوجب


1) في قوله تعالى «يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ» سورة ص: 26.

2) الوسائل ج 11 ص 395 رقم 9

جريان البراءة عن بقية المقدمات، و لازمه جواز ترك كل أحد تحصيل المراحل السابقة، و ليس كذلك.

و مثل ذلك شاهد عدم كون الحكم تحت خطاب الشارع، بل لا بد ان يستكشف بان ما هو تحت الخطاب هو الولاية أو التولي، كي به يستكشف إنا تحقق سائر الأغراض، و ذلك من باب التمسك بالخطاب في مورد الشك في المخصص اللبي، و بذلك يجمع بين التزامهم بوجوب الإقدام في المراحل السابقة مع الشك في تحقق المراحل اللاحقة و عدم وجوبه مع الجزم بعدمه.

هذا و لكن الإنصاف ان ذلك لا يناسب وجود الخطاب بنفس الحكم، و ظهور كلماتهم أيضا بالتمسك به في وجوبه، و عليه فلا بد من الالتزام بجواب آخر.

و حينئذ فيمكن تصوير آخر بالالتزام بوجوب كل مرحلة بنحو الترتب على المرحلة السابقة، إذ مثل هذا المعنى أيضا لا يقتضي إلا عقوبة واحدة، غاية الأمر لا بد أن يلتزم بكون إيجاب المرتبة السابقة مقدمة لحفظ الإيجاب المتوجه إلى المرتبة اللاحقة من قبله، لا من قبل سائر الشرائط المأخوذة في وجوبها. نظير ما قيل في الواجبات التهيئية، إذ لازم ذلك حكم العقل بوجوب التحصيل مع الشك من جهة الشك في القدرة دون الجزم بالعدم.

و مع غمض العين عن الوجهين، فلا محيص عن الالتزام بإيجاب الاحتياط في المراتب السابقة، و الا فلا محيص إما من الالتزام بإيجاب المرتبة السابقة مطلقا فيجب تحصيلها، و لو مع الجزم بعدم تحقق الشرائط في المراتب اللاحقة، أو بإيجابها مشروطا بوجود الشرائط اللاحقة في موطنها، فيلزم جواز تركها مع الشك في تحققها.

و لا يلتزم أحد بكل واحد من الشقين كما لا يخفى.

دليل وجوب القضاء

نعم يبقى الكلام حينئذ في دليل وجوبه، و لعل عمدة الوجه فيه هو دعوى الإجماع عليه، لو لا إنكار الجواهر في بعض كلماته من منع دليل على وجوب القضاء ذاتا على غير الامام، و الا فمثل هذا أيضا يصير موهونا، فضلا عن سائر وجوهه، التي منها الفرار عن اختلال النظام، و منها مقدميته للنهى عن المنكر.

إذ لا يخفى ما فيهما، من منع الأول، لإمكان إحقاق الحقوق بطور آخر، و لزوم تضييع الحقوق على ما ذكرنا، ليس بأزيد من لزومه على فرض الجعل كما لا يخفى. و لمنع صدق المنكر قبل الحكم على من اعتقد صدق قوله من الطرفين، و مع الشك فيه أيضا لا يتحقق موضوع المنكر بالنسبة اليه، الا بعد قيام الحجة على بطلان مدعاه، و مع قيامها فيكفي ذلك في تحقق موضوعه، و لو لم يكن حكم أصلا.

و أضعف مما ذكر، الاستدلال بأمر داود (ع) (1)أو أمر نبينا (ص) (2)لعدم الملازمة، نعم في المرسلة «ما قدست أمة لم يؤخذ لضعيفها من قويها» (3)و لكن يمكن حمله أيضا على الأخذ بعنوان عون الضعيف لا بملاك فصل الخصومة، و لعل مثل هذا التعبير أيضا مشعر بكراهته لا حرمته فتأمل.

ثمَّ انه على فرض وجوب القضاء لإجماع أو غيره، قد يشكل الجمع بينه و بين


1) سورة ص: 26

2) سورة النساء: 105

3) الوسائل ج 11 ص 395 رقم 9 و الحديث صحيح في حكم المسند لأن المرسل ابن ابى عمير عن جماعة من أصحابنا.

ما اشتهر من استحبابه لمن يثق بنفسه عينا، إذ يستحيل اجتماع الوجوب و لو كفائيا مع الاستحباب العيني و الكفائي. و لعله لذا حمل الاستحباب على تحصيل الولاية، و الوجوب على الحكم في ظرفها.

و لكن لا يخفى أن ذلك انما يتم لو كان مدرك الوجوب هو الإجماع أو أمر داود، و الا فلو كان المدرك برهان اختلال النظام، لكان يقتضي وجوب تحصيل مقدمته أيضا، فيعود المحذور حينئذ. مع أن هذا المعنى لا يناسب لتوصيفه بالأجر و حسن الذخر في وصيته (ص) لعلى (ع) إذ مثل هذه الوصية بالنسبة إليه تقتضي استحباب ما هو أزيد من تحصيل الولاية.

نعم لا بأس بحمله على إحضار نفسه لسماع الدعوى و الموازين، كي يصدر منه الحكم الفاصل الواجب.

و لكن الظاهر منهم أن صدور الحكم منه حينئذ واجب عيني لا كفائي، و لعله لذا جمع بعض آخر بحمل الوجوب على تحصيل الولاية، و الاستحباب العيني على إحضار نفسه لسماع الخصومات، المستلزم لعدم سقوطه عن غير من قام لهذه الجهة أيضا، و هو أيضا صحيح لو تمَّ الدليل على وجوب هذا المعنى، و عهدته على مدعى قيام الإجماع عليه، و الا فلا أظن إمكان إتمام دليل آخر عليه كما لا يخفى.

هذا و يمكن الجمع أيضا بعد حمل الوجوب كفائيا على إحضار النفس على ما ذكر بحمل الاستحباب على الاقتضائي قبل إقدام أحد بما هو واجب عليه، و على الفعلي بعده. و لئن استشكلنا في وجوب أزيد من إصدار الفصل عند تحقق الميزان، لا يبعد حينئذ حمل دليل الاستحباب على إحضار النفس على السماع المزبور، مقدمة للفصل الواجب، كما لا يخفى و اللّه العالم.

صفات القاضي (و) كيف كان نقول (فيه) أى في المقام (فصول) ..

الفصل الأول- في صفات القاضي

اشارة

و ليعلم أولا أن مقتضى الأصل وضعا عدم نفوذ حكم احد على احد، و تكليفا عدم حرمة صدوره، و لو بعنوان التشريع في أهليته، لأن حرمة التشريع لا تقتضي حرمة العمل خارجا.

نعم لا بأس بدعوى اقتضاء القاعدة خلافه، من جهة ما في صحيحة سليمان «اتقوا الحكومة فإن الحكومة انما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي (1)إذ الظاهر منه حرمة الحكم بعنوان الأهلية، الملازمة مع التشريع لا نفس التشريع، و لا الحكم مطلقا، فكان النهي في المقام نظير النواهي المتعلقة بعناوين العبادات، المعلوم كون المستفاد منها حرمة العمل بعنوان العبادية تشريعا، لا ذات العمل مطلقا، و لا عنوان التشريع محضا، كي لا يسرى الى العمل خارجا.


1) الوسائل ج 18 ص 7 رقم 3

و عليه فمقتضى القاعدة حرمة الحكم على غير النبي و وصيه، لو لا قيام دليل آخر يقتضي المأذونية، الموجب لإدخال المورد في الوصي، أو يخصص العام المزبور به.

و حيث كان الأمر كذلك، فلنرجع إلى أدلة النصب في مقدار دلالتها على خلاف القاعدة، فنقول: إن عمدة ما أمكن التشبث به في المقام، عمومات، بالسنة مختلفة، تارة بقوله في رواية ابى خديجة: «انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه حكما» (1)و أخرى: «اجعلوا بينكم رجلا ممن عرف حلالنا و حرامنا» (2)و ثالثة بقوله في المقبولة: «انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا» (3).

و لا يخفى انه لا بد من الأخذ بهذه العمومات في المقدار المشترك من مداليلها.

و أما بالنسبة إلى الجهة المختصة ببعضها دون بعض، فالأمر يدور بين الأخذ بمفهوم القيد الوارد في مقام التحديد، و رفع اليد عن إطلاق غيره، أو الأخذ بالإطلاق في غيره و رفع اليد عن ظهور اعتبار القيد في غيره.

و عليه فلا يبعد ترجيح الوجه الأول، من جهة ظهور الاخبار، خصوصا المقبولة الواردة في مقام ردعهم عن الرجوع الى قضاة الجور و صرفهم الى قضاة الشيعة، في كونها في مقام التحديد لمن يرجع اليه من قضاتنا، و لازمه الأخذ بما يستفاد منها تصريحا أو انصرافا، و من ذلك قيد الرجولية المنصرف عن الصبي، و هكذا العلم و النظر المنصرف الى الاجتهاد في الاحكام، كما ان المنصرف من جميع


1) الوسائل ج 18 ص 4 رقم 5

2) الوسائل ج 18 ص 100 رقم 6

3) الوسائل ج 18 ص 99 رقم 1

الإطلاقات غير المجنون حال جنونه، بل و عن الفاسق و ولد الزنا لعدم مناسبتهما مع شرف المنصب.

هذا مع إمكان استفادة عدم جواز قضاء المرأة بورود النص (1)المخصوص بعدم صلاحيتها للقضاء.

و عدم جواز قضاء الفاسق، بما ورد بقوله: «و إياكم ان تتحاكموا إلى هؤلاء الفساق» (2)من اقتضاء ظهور تعليق الحكم بمثل هذا الوصف، كونه مناطا فيه.

و عدم قضاء ولد الزنا بما ورد في شرطية طهارة المولد في الإمام (3)الجارية في المقام بالفحوى.

(و) عليه فلا غرو في القول بأنه لا بد ان (يكون مكلفا مؤمنا عدلا عالما ذكرا طاهر المولد) و اما اعتبار كونه (ضابطا) بصيرا كاتبا، ففيه اشكال، لعدم مساعدة الدليل عليها قبال الإطلاقات.

اعتبار الاجتهاد في القاضي

(و لا يكفيه) أيضا (فتوى العلماء) إذ مضافا الى انصراف عنوان العالم بالأحكام عن المقلد، يدل عليه صريح اعتبار النظر في المقبولة (4)، و هو كاف في رفع اليد عن بقية المطلقات، خصوصا مثل قوله تعالى:


1) الوسائل ج 18 ص 6 باب 2 رقم 1

2) الوسائل ج 18 ص 100 رقم 6

3) الوسائل ج 5 ص 397 باب 14

4) الوسائل ج 18 ص 99 رقم 1

«وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (1)و قوله «كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ» (2)و مفهوم قوله «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ» أو «الْكٰافِرُونَ» (3)، إذ هي بين ما لا دلالة لها لأصل منصب القضاء و الحكومة، و بين ما كان في مقام بيان لوازم الحكم، من دون نظر الى تعيين من له هذه الشأنية، كما هو الظاهر من الطائفة الأولى، كما لا يخفى.

ثمَّ انه بعد اعتبار النظر و الاجتهاد فهل يعتبر فيه الاجتهاد المطلق أم يكفيه مطلقه، قولان، بعد البناء على إمكان التجزي في الملكة المزبورة، و وقوعه، بمعنى كونه قابلا للمراتب المتفاوتة، بحيث يكون ببعض مراتبها متمكنا من استنباط بعض المسائل دون بعض، نظير ملكة فهم عبارة دون عبارة و مطلب دون مطلب.

بل بمقتضى برهان استحالة الطفرة، لا بد من الالتزام به و عدم دليل آخر أيضا على تقييد الاستنباط بحسب الأدلة بمن له قوة خاصة و ملكة مخصوصة يقتدر بها على استنباط جميع المسائل.

و الذي يقتضيه التحقيق في أصل المسألة التفصيل، بين من اقتدر على استنباط جملة معتد بها من المسائل، على وجه يصدق عليه انه عالم بشي‌ء من الاحكام، بعد انصرافه جزما عمن عرف أقل قليل منها، كانصراف إطلاق شي‌ء من البحر عن قطرة أو قطرات منه، بل لا بد ان يكون مقدارا معتدا به على وجه يصدق عليه انه شي‌ء منه و بين من لم يقتدر على استنباط هذا المقدار و ان كان متجزيا في قليل منها، فإنه لا بأس بقضاء الأول، لإطلاق رواية ابى خديجة لمثله، بخلاف الثاني.

نعم ربما لا يحتاج في الصدق المزبور الى كونه عالما بنوع الاحكام، على وجه يصدق عليه انه عارف بأحكامهم على نحو العموم، و ان لم يحتج في صدقه


1) سورة النساء: 58

2) سورة النساء: 135

3) سورة المائدة: 47- 44.

كذلك الى العلم بجميع الأحكام دقة، إذ المدار على صدق الإطلاق في رواية ابى خديجة، و بمثله ترفع اليد عن ظهور العموم في بقية الروايات، لأظهرية الرواية المزبورة من تلك الجهة من بقية الروايات كما لا يخفى.

ثمَّ ان الظاهر من المقبولة الإرجاع الى من كان ناظرا في مورد الاحتياج إلى الخصومة، كي يصدق بأنه حكم بحكمهم، الذي عرفه عن نظر و اجتهاد، بناء على ظهور الباء في كونه صلة لا سببية و عليه فقد يشكل حينئذ أمر قضاء من استنبط الاحكام بمقدمات الانسداد من باب حكومة العقل، إذ لا يصدق عليه انه حكم بحكمهم العارف به عن نظر، لو لا دعوى توسعة في صدق العرفان بالنظر، على مثل هذا النحو من العرفان الظني أيضا، خصوصا لو قلنا بمقالة المصنف من أن العقل مستقل في تعيين دائرة إيجاب الاحتياط الشرعي في الظنون، بعد ورود الترخيص في بعض أطراف العلم، فإنه حينئذ يصدق عليه المعرفة بحكمهم حقيقة نظير معرفتهم بالإيجاب الطريقي في مفاد الامارات كما هو ظاهر.

عدم جواز تفويض القضاء الى المقلد

عدم جواز تفويض القضاء الى المقلد (1)

ثمَّ قال- ص 49-: كما انه قد يقال- ان لم يكن إجماع- بجواز تولية الحكم للمقلد على ان يحكم بفتوى مقلده، لما عرفت من العمومات السالمة عن المعارض.

قال: و لعله لذا حكى عن الفاضل القمي جواز توكيل الحاكم مقلده على الحكم بين الناس بفتاواه على وجه يجرى عليه حكم المجتهد المطلق. قال: و هو قوى ان لم يكن إجماع.

أقول: هنا ثلاثة مواضيع لا بد من النظر في كل منها- و لو اختصارا-:

الأول: جواز تفويض أمر القضاء الى غير المجتهد على ان يحكم وفق فتاوى المجتهد الذي يقلده هو أو يقلده المتداعيان مثلا.

هذا لا يجوز على أصولنا، بعد ان كان الشرط في جواز القضاء هو العلم و المعرفة بأحكامهم (ع)، الأمر الذي لا يصدق على من عرف آراء الفقهاء فحسب، من غير ان يعلم بمستنداتها (أ هي نصوص الكتاب و السنة الصريحة أم استظهارات ظنية و استخراجات حدسية) و ربما لا يعترف باعتبارها لو علم الحال، فكيف يقال بان من عرف رأى مقلده فقد عرف أحكام الأئمة المعصومين (ع)؟! و لعل هذا الاستظهار من صاحب الجواهر (قدس سره) غريب.

الثاني: ان يوكل الفقيه من يقضى عن قبله بآرائه. فيقضى غير المجتهد وكالة عن المجتهد.

و لعل هذا اردأ من الوجه الأول، إذ مضافا الى ورود النقوض المذكورة عليه، يرد عليه أن جواز القضاء كجواز الإفتاء حكم شرعي وضعي، مترتب على موضوعه الخاص شرعا، فكما لا يجوز التوكيل في الإفتاء، كذلك لا يجوز التوكيل في القضاء، نعم كما يجوز بيان فتوى الغير، كذلك يجوز بيان رأى الغير في القضية، من غير ان يكون قضاء شرعيا، الأمر الذي ينطبق على الوجه التالي:

الثالث: ان يستخلفه في القضاء، بأن يولي الفقيه (ولى الأمر) من يفحص في القضايا و يشخص من مواضيعها، ثمَّ يبين رأى الفقيه الولي، في كل قضية، و هذا في الحقيقة ليس قضاء شرعيا بالمعنى المصطلح، و انما هي استنابة في تشخيص الموضوع، التي هي جائزة بعنوان (اعانة القاضي) بالإجماع، ثمَّ بيان رأى الفقيه فيها.

فهو و ان كان فصلا في القضايا، لكنه ليس قضاء حقيقة.

الأمر الذي لا مانع منه شرعا، و لا سيما بعد اقتضاء ضرورة ادارة البلاد، عددا كثيرا ممن يقومون بحل مشاكلهم في القضايا، و ذلك إذا قل المجتهدون بالنسبة إلى كثرة اقتضاء مناطق البلاد.

و الاولى: ان يقوم في مركز كل منطقة، مجتهد جامع لشرائط القضاء، ثمَّ يستخلف هذا من ينوب عنه في تشخيص المواضيع و إجراء أحكامها عليها وفق رأى المجتهد، في أطراف المنطقة. و لعل الأمر في العهد الإسلامي الأول كان على هذا. و هذا حل معقول لمشكلة القضاء العام، و قد فصلنا الكلام عن ذلك في كتابنا (القضاء الإسلامي) و تكلمنا عن شرائطه و احكامه بتفصيل.

ثمَّ انه بعد ما علم ان القضاء من وظائف المجتهد فهل له تفويض امره الى المقلد أم لا، و على فرض العدم، فهل له توكيله في أصل القضاء بجميع مقدماته أم لا، وجوه و احتمالات.


1) قال- في الجواهر ج 40 ص 16- 17-: المقدار هو الحكم بالحق الذي عند محمد و أهل بيته- صلوات اللّه عليهم- و لا ريب في اندراج من سمع منهم أحكاما خاصة، و حكم فيها بين الناس و ان لم يكن له مرتبة الاجتهاد و التصرف. بل لعل ذلك اولى من الأحكام الاجتهادية الظنية. بل قد يقال باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد الصحيح أو التقليد الصحيح، و حكم بها بين الناس، كان حكما بالحق و القسط و العدل. نعم قد يقال بتوقف صحة ذلك على الاذن منهم (ع) و النصب.

أما مرحلة إعطاء المنصب فهو فرع تمامية مقدمتين: إحداهما قابلية المقلد للتصدى له بحسب الحكم الجعلي الإلهي. و ثانيتهما: ولاية المجتهد و سلطنته على إعطائه له. كيف و لو لا واحدة من المقدمتين لما كان مجال لإثباته.

و عليه فنقول: ان المقدمة الأولى فرع إثبات عدم دخل الاجتهاد في أصل

موضوع القضاء شرعا. كيف و على فرض دخله فيه لا يبقى مجال تغيير مثل هذا الحكم الإلهي حتى من الامام، فضلا عن نائبه. و هو فرع عموم دليل دال على جوازه من كل شخص، غاية الأمر بملاحظة جعله من وظائف الإمام أولا، لا بد أن يكون بإذن منه.

و لعمري ان إثبات مثل هذا العموم في غاية الاشكال. و حينئذ فيكفي لنا احتمال دخل قيد خاص في موضوعه شرعا، على وجه لا يكون المحل قابلا لتفويض العمل اليه حتى من الامام السلطان في أمر المخلوقين، لكونهم اولى الأمر و لهم الخيرة في أمرهم و كونهم أولى بهم من أنفسهم، إذ من البديهي أن مثل هذه العمومات لا تصلح للمشرعية و لا يثمر في مورد لم يحرز من الخارج قابلية محله.

نعم بعد الفراغ عن إثبات قابلية المحل، يبقى الكلام في صلاحية الفقيه لمثل هذا التفويض. و عليه فيمكن أيضا منعه، لأنه بعد ما لم يكن من الأمور الحسبية، التي علم من الشارع مطلوبية وجوده، موقوف على ثبوت الولاية العامة، و أن ما للإمام لهم، و هو أيضا في غاية الإشكال، لان عمدة ما يصلح لإثباته هو عموم «و أما الحوادث الواقعة» (1)و عموم «مجاري الأمور بيد العلماء بالله» (2)و الا فعمومات الوراثة و الخلافة و أمثال ذلك، يمكن حملها على مقام تبليغ الاحكام و بيان الحلال و الحرام.

و لا يخفى أن الأول منهما منزل على أمور معهودة في المسئول، المشكوك كون المورد منها، خصوصا مع توصيف الحادثة بالواقعة، فإنه لا بد من حمله على وقوعه حقيقة أو ما لا بد من وقوعه، و على التقديرين ليس ما نحن فيه من مصاديقه، لعدم إحراز مطلوبية وقوع التفويض من الشارع كما هو ظاهر.

و اما الأخير، فهو من حيث المجاري و ان كان عاما، و لكن الكلام في شمول العلماء باللّه لغير الامام (ع) نعم بناء على العموم لا بأس باستفادة مرجعية الفقيه في- الأمور العامة النوعية، كما انه ربما يستكشف ذلك من صرف الامام من التحاكم إليهم و إرجاعهم الى فقهاء الشيعة، إذ من مثله ربما يستفاد كون الفقيه حاكما في قبال


1) الغيبة للطوسي- ط نجف- ص 177

2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 188 رقم 16 باب 11

حكامهم، و ان له من الشأن ما لهم من الولاية على الأمور النوعية السياسية التي كانوا مرجعا فيها.

بل و الولاية على الحكم في رؤية الهلال، و التصرف في أموال الغيب و القصر، و حبس الغريم، بل و إحضار المدعى عليه في مجلس القضاء و إلزامه بالجواب و أمثاله، نظرا الى ان هذه كلها من شئونهم.

و عليه فلا غرو من المصير الى أن لهم تفويض أمر القضاء الى المقلد أيضا، لو ثبت مثل هذا الشأن لقضاتهم أيضا.

و لكن الكلام بعد فيه، إذ تفويضهم إليهم ليس من باب تفويض القضاء الى غير الأهل، بل من جهة انهم لما يرونه أهلا و موضوعا له بجعل الهى يفوضون اليه القضاء.

ثمَّ انه من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال التوكيل بنحو الاستقلال في القضاء أيضا، إذ أدلة الوكالة أيضا قاصرة عن إثبات قابلية المحل للتسبيب، بعد احتمال كون العمل بحسب الجعل الإلهي ليس بمثابة يصدر من كل احد.

هذا مع انه على فرض قابليته للجعل الإلهي نقول: ان التوكيل انما يتمشى في مورد يكون الشخص قادرا على إقدار غيره على مماثل وظيفته المجعولة له كما هو الشأن في التصرفات المالية، و في المقام بعد احتمال اختصاص السلطنة في المجتهد بخصوص تصديه، كيف يحرز سلطنته على إقدار غيره على مثل هذا، فكان المجتهد من تلك الجهة نظير الوكيل في التصرفات المالية، فإنه لا يقدر على جعل غيره وكيلا عنه، الا إذا كان وكيلا في التوكيل أيضا، و الا فبدونه لا يقتضي مجرد وكالته صحة توكيل غيره.

و من هنا نقول: ان المجتهد لا يصلح له أن يجعل مجتهدا آخر وكيلا عن نفسه،

فما عن بعض الكلمات من جوازه منظور فيه.

و بهذا الوجه قلنا بعدم صلاحية المجتهد لجعل قاض آخر، و تفويض الأمر إليه، لو لا ولايته العامة على وجه يقوم مقام الإمام في جميع الشئون.

ثمَّ لا يقاس باب الولاية على القضاء بالولاية على الأموال، فإن قضية تفويض أمر المال اليه، سلطنته على تقلباته و لو بتوسيط الغير الذي هو بمنزلة الآلة له في التصرفات، بخلاف الولاية على القضاء فإنه فعل مخصوص لا يقتضي سلطنته عليه إلا إيجاده بشخصه، بلا سلطنة له على غيره عليه، فتأمل فإنه لا يخلو عن دقة.

نعم لا بأس بجواز التوكيل في مجرد إنشاء الحكم الفاصل، بعد تصديه هو بنفسه بجميع مقدماته، إذ مثل هذه الأمور عرفا من التسبيبيات التي لا يلتزمون باختصاص الحاكم به و مباشرته بنفسه، و عليه فبناؤهم متبع ما لم يرد من الشارع ردع عن طريقتهم.

و يمكن دعوى ابتناء المسألة على كون الحكم من الأمور القصدية الإنشائية، على وجه يضاف الى الموكل حقيقة إذا كان الوكيل قاصدا عنه، أو هو من الأمور الخارجية غير القابلة الا لإضافته اليه تنزيلا، فعلى الأول لا بأس به، لأنه فصل المجتهد و حكمه، بخلافه على الأخير، إذ لا يضاف اليه كذلك إلا بصحة توكيله المنوط بسلطنته على إقدار غيره، و قد عرفت ما فيه.

هذا كله في تفويض أمر القضاء، و أما تفويض الولاية في سائر الأمور النوعية، التي هي من شئون الفقيه الى المقلد، بل و مطلق غير الأهل، فهو فرع ثبوت ولاية الفقيه على التفويض المزبور، بعد الجزم بان العمل قابل للصدور عن الغير، و ليس من قبيل القضاء، المحتمل لدخل صفة خاصة في أصل موضوعه شرعا. و من المعلوم ان إثبات ذلك منوط بإحراز ان مثل هذا الشأن كان لحكام الجور، كي يثبت للفقيه ما ثبت لهم من الشئون، و الا فعمومات أدلة ولاية الفقيه قاصرة عن إثبات مثل هذه

الجهة.

نعم لا بأس باستخلافهم، من جهة شمول دليل الوكالة للمورد، بعد فرض قابلية المحل بل و قابلية إقدار الغير، من إطلاق سلطنته على المال، الموجب لسلطنته على تسليط الغير عليه. اللهم الا ان يمنع مثل هذه السلطنة للولي كالوكيل غير السلطان على التوكيل.

لكن الإنصاف ان ظاهر أدلة تفويض أمر المال إلى الولي، جعل السلطنة على مطلق تقلباته حتى بتوسيط غيره، على وجه يكون آلة له في التصرفات.

نعم في استفادة سلطنته على إقدار الغير بنحو الاستقلال، اشكال مبنى على ثبوت الولاية المطلقة، و بذلك يمتاز التفويض عن التوكيل كما لا يخفى.

و من مثلها يستكشف عدم دخل المباشرة في النفوذ، و يحكم بمثل هذه على ما دل على اعتبار المباشرة كما لا يخفى، و عليه فلازمه انعزاله بموت الموكل.

نعم لو ثبت لهم التفويض أيضا ربما يستشكل في الانعزال بالموت، و ذلك لا من جهة ثبوت الولاية للمفوض بأزيد من زمان حياته، بل من جهة أن مثل السلطنة المفوضة كانت باستعداد ذاتها باقية ما لم يرفعها رافع، و موت المفوض لا يكون رافعا، و لا أقل من الشك فتستصحب.

و عليه فلو فوض الفقيه أمرا إلى غيره، و شك بأنه من قبيل التفويض الباقي بعد الموت أو من قبيل الاستخلاف المرتفع بموته، فالأصل يقتضي بقاءه، و لكن ذلك كله مبنى على تمامية الولاية على التفويض للمجتهد، و لقد عرفت أن دون إثباته خرط القتاد.

عدم انعزال القاضي بموت الامام

نعم يثمر مثل هذا النزاع في من فوضه الامام كتفويضه ولاية القضاء للفقيه في زمان الغيبة، و لقد بينا بأنه يكفي في بقائها بعد موت الامام، احتمال كون هذه السلطنة بنفسها مستعدة للبقاء، ما لم يمنعها مانع، من دون احتياج إلى إثبات بقاء الولاية حينئذ للفقيه في زمان الغيبة، إلى إثبات إمضاء من حجة العصر لجعل الصادق (ع)، و لا إلى إثبات أن لهم الولاية على التفويض بأزيد من زمان حياتهم، كي يشكل أمر الجهتين، بعدم ثبوت إمضاء من حجة العصر عجل اللّه فرجه، و لا ثبوت ولايتهم على التفويض المطلق، و ان كان لا يبعد استفادته من تعليق الاذن على عنوان راوي الحديث. من كون ذلك يدور مدار بقاء هذا العنوان، و لو بعد موته، لأنه حينئذ يستكشف من فعله ولايته المزبورة، لأنه لا ينطق عن الهوى.

و عليه فلا مجال لما يحكى عن الشيخ من مصيره الى انعزال القضاة بموت الإمام، إلا إذا اجازه الامام اللاحق، إذ مضافا الى أنه خلاف ظاهر تعليق الاذن و الجعل على ظاهر العنوان غير المختص بحال حياته، يكفى لنا الأصل في إثبات بقاءه بعد موته، بلا سببية موته لانعزاله، كما لا يخفى.

(و) على أى حال قد عرفت انه لا بد في القضاء جوازا و صحة من (اذن الامام) الذي زمام أمره بيده و ان القضاء له، و انه لا يجلس مجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي. و لذا نقول ان المأذون في القضاء مثل الفقيه في الغيبة، و سائر نوابهم المخصوصين، يتلقون أمر القضاء من قبلهم، لا انه موضوع للحكم في عرض النبي و الوصي، و عليه فيحرم قضاء من لم يكن منصوبا من قبلهم، و لو ترافع اليه الخصمان.

قاضى التحكيم

قاضى التحكيم (1)

و انما جاء ذكرها في كتبنا وفقا للنظم الفقهي الذي كان دارجا عند تدوين الفقه على يد شيخ الطائفة- قدس سره- على النظم و الترتيب الذي سار عليه سائر الفقهاء ذلك العصر.

و قد أنكر الشهيد الثاني إمكان تصور قاضى التحكيم في عصر الغيبة، نظرا لأنه ان كان مجتهدا كان حكمه نافذا بلا حاجة الى تحكيم، و ان لم يكن مجتهدا كان له الحكم مطلقا إجماعا.

لكن ينبغي إنكاره رأسا- كما فعله المولى الكنى- قائلا: ليس عليه دليل واضح تطمئن به نفس الفقيه، و ان استدلوا عليه بالنبوي المعروف، لكن ظاهره الورود موردا آخر، و هو حرمة الحكم بغير العدل. نظير ما دل على وجوب الحكم بالعدل و حرمة الحكم بالجور. و غايته الإطلاق فيقيده ما دل على اعتبار اذن الامام في القاضي مطلقا. هذا مضافا الى انه لم يثبت صحة سند الرواية، فكيف يرد ما دل على اعتبار الاذن، و يكتفى به في إثبات هذا الحكم المخالف للأصل و الاعتبار.

(القضاء ص 24).

على ان جواز القضاء بتحكيم المتخاصمين، مما لا يلتئم و كون القضاء ولاية شرعية على الحكم مطلقا- كما عرفه الشهيد في الدروس- مضافا الى انه لا مستند له سوى ما جاء في كلام الشيخ و الفخر- قدس سرهما- قال الفخر: و هو جائز، لوقوعه في زمن الصحابة و لم ينكر أحدهم ذلك، ثمَّ تمسك بالنبوي، و قال: لو لم يمض لم يكن للتحذير معنى، و لكان الواجب التحذير على فعله لا على عدم العدل (الإيضاح ج 4 ص 296) (و راجع الخلاف ج 2 ص 602).

قلت: أما مسألة وقوعه في زمن الصحابة، فلم يذكروا لها سندا تاريخيا و لا نصا صحيحا، بحيث كانت الصحابة يتحاكمون في قضاياهم الى من شاؤوا من غير ان يكون قد عينه النبي (ص) بشخصه أو بعنوانه قاضيا للمسلمين.

و اما النبوي المذكور، فلم نعثر عليه في المجاميع المعروفة من الصحاح الست و غيرها، و لا ذكروا لها سندا و لا راويا سمعه من النبي (ص) و قد عرفت معنى الحديث على فرض ثبوته. فهو قاصر للاستناد اليه سندا و دلالة.

و من ثمَّ قال صاحب الجواهر- بعد إسهاب و تفاصيل-: و بالجملة فقد ظهر انحصار دليل مشروعيته بالإجماع المدعى، و هو حجة على من لم يتبين لديه خلافه، أو الإطلاق ان لم يتقيد بما دل على اعتبار الاذن (جواهر الكلام ج 40 ص 29).

و استدل الفاضل الهندي بعمومات وجوب الحكم بما انزل اللّه، و أدلة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و صحيحة ابى خديجة و مقبولة ابن حنظلة.

(كشف اللثام ج 2 ص 140).

لكن لا عموم بالنسبة إلى القاضي و الآمر أيا كان، كما لا عموم في قوله تعالى «الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا» أو «السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا» و غيرهما. مما لا نظر فيه الى الجالد و القاطع، الأمر الذي لا يتنافى مع اعتبار شروط في المجرى. اما التمسك بأمثال الصحيحة فهو على خلاف المطلوب أدل، لأنها من أدلة القائل باعتبار الاذن، و ليس إمضاء لما كان يفعله عامة الناس على إطلاقه.

و للتفصيل مجال آخر ذكرناه في كتابنا في القضاء.

نعم قد يدعى صحة قضاء قاضى التحكيم بعد تراضيهما بحكومته قبل حكمه،


1) مسألة القضاء بالتحكيم، هي من أصول العامة، و لا أساس لها على أصولنا.

من دون اعتبار رضاهما به بعد الحكم، بل ادعى الإجماع عليه، و هو العمدة، من دون

احتياج إلى المرسلة العامية «من حكم بين اثنين فتراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة اللّه» (1)و الى خبر احمد المشتمل على اقعادهم عروة ليجتمعوا عنده فيتكلموا و يتساءلوا (2)كي يرد عليهما بأن الأول انما يكون في مقام كيفية الحكم، و انه لا بد أن يكون عدلا، و أما ان من له هذه الشأنية فليس مثله في مقام بيانه، كما أن الثاني أيضا في مقام بيان كون عروة معدا لأخذ المسائل منه، لا للحكومة و فصل الخصومة، بل و صدوره شاهد استنكاره (ع) جعل القاضي بينهم.

و بالجملة نقول: ان عمدة الدليل القابل للاتكال عليه في إثبات مشروعية قاضي التحكيم هو الإجماع المزبور، و إلا فالأدلة الظنية غير وافية بإثباته، و ان كانت في منتهى الدلالة.

مع ان موضوع قاضى التحكيم انما يكون قبل النصب العام، و الا فبعده لا يتصور له موضوع، بعد الجزم باعتبار شرائط قاضى المنصوب فيه للإجماع، فما قيل: انه قد يتصور ذلك في العالم العادل عند وجود الأعلم الأعدل، إذا قلنا بتعينه و لو بمعونة أصالة عدم نصب غيره، فلا يخفى ما فيه. و حينئذ فلا مجال لإعمال التعبد بالنسبة الى ما هو خارج عن محل الابتلاء جدا (و) عليه فلا إشكال في انه (ينفذ قضاء الفقيه مع الغيبة إذا جمع الصفات) السابقة.

الترافع الى حكام الجور

كما لا إشكال في حرمة قضاء قضاة الجور، لأنهم غير النبي و وصيه، بل و ظاهر المقبولة و المشهورة النهي عن الترافع إليهم، بل و حرمة الأخذ بحكمهم و لو كان حقا.


1) الخلاف ج 2 ص 602

2) الوسائل ج 18 ص 107 باب 11 رقم 31- 33430

و انما الكلام في حرمة المأخوذ من قبل حكمهم مطلقا أو عدمه كذلك، أو التفصيل بين العين و الدين.

و منشأ الاشكال إطلاق السحت، المردد بين كونه صفة الفعل أو المال، و في الحقيقة منشأ الشبهة إجمال اللفظ، من حيث كونه بمعنى يناسب توصيف الفعل به أو توصيف المال بمثله، و مع هذا الاجمال لا يثمر ظهور الهيئة في كونه مفعولا مطلقا أو مفعولا به، إذ أصالة الظهور لا تثمر في الشكوك الوضعية، مع إمكان منع الظهور في أحدهما.

و عليه فاستفادة حرمة المال من ظهور الحمل أيضا في بعض الاخبار مشكل كاستفادته من ظهور الهيئة الكلامية في كونه مفعولا به في هذا الخبر، نعم القدر المتيقن حرمة أخذه.

نعم في الدين قد يتوهم بأنه لا يتعين بدون تعيين الغريم عن قصده و رضاه، و مع إلزام الحاكم و إجباره لا يتعين، لحديث رفع الإكراه.

و لكن لا يخفى ان ذلك انما يصح لو تعلق الإجبار بنفس التعين لا بلازمه من أداء الدين، المستلزم لتعيينه، لأنه حينئذ من قبيل الإكراه على اللازم غير المضر بالصحة كما هو ظاهر.

ثمَّ ان ذلك كله في صورة التمكن من الترافع عند حكام العدل، و اما مع عدمه فالظاهر أيضا حرمة حكومته، و مجرد كونه مقدمة لاستنقاذ حق الغير لا يخرجه عن الشقاوة.

نعم في استفادة حرمته من الاخبار السابقة إشكال لإمكان دعوى انصرافها إلى صورة التمكن من غيرهم. و عليه فلا يبقى وجه للحرمة إلا عنوان الإعانة على الإثم.

و توهم كونه قصديا، منظور فيه، كيف و بالنسبة إلى المقدمات القريبة تصدق الإعانة، و لو لم يخطر بباله عنوانه أصلا.

و أضعف منه الاستشهاد باستلزام الترافع الى العدل، اعانة على البر المستحق للثواب الجزيل، إذ مجرد عدم ترتب الثواب بلا قصد التقرب بعمله، الملازم للالتفات إلى إعانته، لا يوجب قصدية أصل العنوان. و عليه فما ذكره بعض المقررين في المقام منظور فيه.

نعم لا بأس بالتمسك بعموم نفى الضرر و الحرج لرفعه، لحكومتهما على جميع الأدلة، من دون احتياج إلى التمسك بخبر عطا: «إذا كنتم في أئمة الجور فاقضوا في أحكامهم و لا تشهروا أنفسكم فتقتلوا (1)» و بما في رواية على بن محمد قال: سألته هل تأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منافي أحكامهم؟ فكتب (ع): «يجوز ذلك ان شاء اللّه إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم و المداراة لهم» (2)و بمفهوم رواية ابن فضال، المشتمل ذيلها لقوله: «فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم انه ظالم» (3)كي يرد عليه بمنع المفهوم في الأخير، بعد احتمال كون الشرطية تقريرا لمورد سؤال السائل، لا انه سيق لبيان المفهوم. و منع دلالة سابقة على جواز الأخذ بحكمهم بعنوان الفصل، بل من الممكن حمله على العمل بفتواهم، و هكذا المراد في الرواية الأولى، خصوصا مع ظهور ذيلها في صورة التمكن من الرجوع الى غيرهم، إذ مثله حينئذ غير معمول به، فيطرح أو يؤول بما ذكرنا، فتدبر و افهم.


1) الوسائل ج 18 ص 165 رقم 2 باب 11 من آداب القاضي.

2) الوسائل ج 18 ص 165 رقم 1 باب 11 من آداب القاضي.

3) الوسائل ج 18 ص 5 رقم 9 باب 1 من صفات القاضي.

تنبيهات

بقي الكلام في أمور لم يتعرض لها المصنف و لا يخلو إيرادها عن فائدة:

منها: انه إذا اختلف المجتهدان في الفضيلة، فهل يجوز الترافع لدى المفضول مع التمكن من الأفضل أم لا قولان، من إطلاق الأدلة، و من فحوى الأخذ بالأفقه في المقبولة (1)حتى مع عدم التعارض، مؤيدا بقبح ترجيح المرجوح على الراجح.

و لا يخفى ما في هذين الوجهين من النظر الواضح، من منع تنقيح المناط في المقبولة، و منع المرجوحية، كي يقبح الترجيح المزبور، لاحتمال استواء المناط فيها بلا دخل لافضلية أحدهما في ترجيحه.

و عليه فلا أرى في قبال الإطلاقات ما يصلح للمعارضة. نعم مع فرض تعارض حكمهما، و لو في فرض حكمهما دفعة، أمكن الترجيح للمقبولة و لرواية داود (2)المعروفة المعمول بها في المقام. نعم لو كان الحكمان متعاقبين لا يتصور في- المقام تعارض كي يحتاج الى الترجيح، لان الحكم الأول ان كان عن ميزان،


1) الوسائل ج 18 ص 75 رقم 1 باب 9 من صفات القاضي.

2) الوسائل ج 18 ص 80 رقم 20 باب 9 من صفات القاضي.

فلا يبقى مجال للحكم الثاني، لفضل الخصومة بالأول، و الا فلا يسمع حكمه، كي يعارض الثاني كما لا يخفى.

و منها: انه لا إشكال في أنه إذا اذن الامام في الاستخلاف جاز، و لو لم يأذن لم يجز، إذ من اذنه يستكشف قابلية المحل للاستخلاف. و لذا نقول: انه لا ثمرة مهمة في هذه الجهة من البحث، و انما الإشكال في ان من أدلة ولايته هل يستفاد سلطنته على الاستخلاف أم لا، و لقد تقدم شرح الكلام فيه مستقصى فراجع.

و منها: انه لا اشكال ظاهرا في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال المعد لمصالح المسلمين لما في المرسلة الطويلة: «و يؤخذ الباقي فيكون أرزاق أعوانه على دين اللّه- الى قوله- و غير ذلك مما فيه المصلحة العامة» (1)من دون فرق بين كون القضاء واجبا عليه عينيا أو كفائيا، و بين كونه ممن له الكفاية على وجه لا يحتاج إليه أم لا.

نعم في ارتزاقه من سهم سبيل اللّه لا بد ان يكون محتاجا. و توهم كون الارتزاق من قبيل أخذ الأجرة، فمع فرض وجوبه يلزم أخذ الأجرة على الواجب، مدفوع أولا- بأن باب الارتزاق بعنوان كونه احد المصارف غير مرتبط بعالم أخذ الأجرة عليه. و ثانيا- على فرض التسليم نمنع منافاة مجرد الوجوب له، لإمكان كون الواجب هو مطلق العمل، الجامع بين كونه مجانيا أو غيره، و مثل ذلك لا يقتضي خروج العمل عن المالية المحترمة.

نعم لو كان العمل من العبادات، ربما يتوهم ان صيرورتها مورد عقد الإجارة، المستتبع لوقوع العمل منه بعنوان الوفاء به، يضر بقصد خلوصه، و لذا التزم بعض الأعاظم بأن الأجرة في العبادات المستأجرة نيابة عن الميت بإزاء النيابة، و ان العمل


1) الوسائل ج 18 ص 162 رقم 2 باب 8 من آداب القاضي.

يقع من النائب خالصا لوجه ربه.

و لكن لا يخفى ان ما أفيد انما يصح لو كان قصد الوفاء داعيا بدويا على العمل، في عرض داعي التقرب به، و اما لو كان طوليا كطولية داعي الثواب مثلا، فلا ينافي ذلك المقدار مع الخلوص. و يشهد لما ذكرنا جريان الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر بجميع مراتبهما بالنسبة إلى العبادات، إذ لو كانت طولية داعي غير اللّه مضرة بالخلوص، لما كاد يصح صدور العبادة من المأمور بالمعروف، إذ يلزم من الأمر به عدم العبادة مخلصا لوجه ربه.

و توهم الاكتفاء بصورة العمل من مثل هذا الشخص، كالاكتفاء بما يؤخذ جبرا زكاة، مدفوع، إذ كيف يكتفى بعمل يأتي به صورة للخوف مع كونه في باطن امره مشمئزا من عمله هذا، و لا أظن التزامه من احد، بل القائل باعتبار قصد القربة لم يستثن اعتبارها في مورد من الموارد.

و قياس المقام بباب الزكاة منظور فيه، إذ يمكن ان يدعى أن الساعي من باب ولايته عن المالك الممتنع يعين حقه، بل و ينوي عنه حينئذ، و لا أقل من أخذه حق الفقير منه، و بعده يسقط عنه محل العبادة، لا أن الزكاة مجزية عنه حينئذ بلا قربة فتأمل، و اين هذا بباب سائر العبادات التي لا طريق إلى أجزائها إلا صدورها من الفاعل قربيا.

و حينئذ فلا محيص الا من الالتزام بكفاية طولية الداعي، و بعد ذا لا بأس بالالتزام بما هو المرتكز في الأذهان من جعل الأجرة بإزاء العمل العبادي، هذا مع أن مالية النيابة ليست الا بلحاظ استتباعها العمل المزبور، و الا فلا مالية لها على وجه يكون قابلا لبذل المال بإزائها.

و بعد ذا نقول: ان لازم قصد وفائه بالإجارة، قصده العمل المقوم لمالية نيابته، فلو كان مثل هذا القصد مضرا بعبادته، لاستلزم عدم تمكنه من وفاء ما استؤجر

عليه من النيابة المستتبعة للعمل المزبور، و عليه فلا محيص للمجيب أيضا الا بان يلتزم بعدم مضرية مثل هذا القصد الطولى، و بعده لم يخرج عما هو المرتكز من كون الأجرة بإزاء نفس العمل العبادي.

نعم في نيابة العبادات اشكال آخر، و هو انه كيف يقصد التقرب عن الغير مع انه لم يكن مأمورا بأمر عبادي، خصوصا في المتبوع. و كونه مأمورا بالوفاء تبرعا أو بعقد الإجارة، لا يصلح قرب الميت، بل هو مقرب نفسه، و من هذه الجهة من الاشكال التزم شيخنا الأستاذ- أعلى اللّه درجته- بأنه نائب في ذات العمل بلا تمشي القربة منه، غاية الأمر رضاء الميت به واقعا موجب لتقربه به، نظير رضاء شخص بتقبيل غيره يد زيد عن قبله، و عليه فلا يرد الاشكال السابق في نيابة العبادات كي يحتاج الى احد الجوابين.

هذا و لا يرد عليه أيضا بأن لازمه كون العمل صحيحا مجزيا و لو كان العامل مستهزئا بعمله هذا، و هو كما ترى، لإمكان دعوى ان استهزاءه، إذا لم يكن عن قبل الغير لا يضر بقربيته لغيره و ان كان مبعدا لنفسه و لا منافاة بينهما.

نعم الذي يرد عليه ظهور كلماتهم في صدور العمل منه عن قصد التقرب، و انه أجيره في العبادة لا لذات العمل بلا قربة، إذ هو أيضا خلاف ما هو المرتكز في- الأذهان.

و عليه فالتحقيق في حل الاشكال أن يقال: إن التقرب بالعبادة تارة ذاتي ناش عن إتيانه بداعي أمره، و أخرى قصدي ناش عن قصد مقربية العمل لنفسه أو لغيره، و لو من جهة العلم بوفاء العمل بهذا القصد بالغرض العبادي، و في المقام ما لا يمكن صدوره منه هو التقرب بالنحو الأول، لعدم توجه أمر الميت اليه، و على فرض التوجه أيضا لا يفي ذلك بمقربية عمله للميت، و اما التقرب بالنحو الأخير فلا بأس بصدوره

عن النائب، و انه من جهة علمه بوفاء العمل بغرضه يقصد مقربيته للغير، و هو واف بالغرض الراجع الى غيره.

و توهم ان قصد تقربه فرع وفاء ذات العمل به، و الا فمع دخل هذا القصد فيه حسب الفرض كيف يتمشى منه القصد المزبور المتعلق بما يجي‌ء من قبل نفسه، مدفوع بان مثل هذا الاشكال سار في جميع العناوين القصدية، إذ نشو التعظيم عن القيام انما يناط بقصده، فكيف يتعلق القصد هناك بما يجي‌ء من قبله، و هكذا في جميع الإنشاءات المعاملية.

و حل الإشكال في الجميع بأن يقال: ان الفعل بعد ما كان دخيلا في الوفاء بالمقصود، فقهرا يتمشى منه القصد الى التوصل بعمله الى مقصوده، و بعد انضمام هذا القصد اليه يتم السبب، فيترتب عليه الأثر.

و كيف كان فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أن عبادية العمل غير مضرة بأخذ الأجرة عليه، كما لا يضر به مجرد وجوبه، نعم قد وردت الرواية (1)في المقام بأن أجور القضاة سحت كالأجر على الأذان، و من مثله يستكشف وجوب كون العمل مجانيا، و لا بأس بالأخذ به، و تخصيص قاعدة احترام الاعمال و ماليتها، و لازمه عدم جواز أخذ الأجرة عليه، و لو لم يكن بواجب و لا عبادي كما هو ظاهر.

و منها: انه لا إشكال في ثبوت ولاية القاضي بالعلم، و هكذا بالبينة العادلة على المشهور، لعموم ما في ذيل رواية مسعدة (2)و إطلاقه أيضا يقتضي حجيتها حتى لو أقيمت لدى غير الحاكم، و في غير مورد الخصومات.

و لئن أغمض عن جبر ضعف سند الرواية بفتوى المشهور على طبقه، فلا مجال


1) الوسائل ج 18 ص 161 باب 8 من آداب القاضي

2) الوسائل ج 13 ص 231 و ص 233 باب 6 رقم 4 و 5 و باب 9 رقم 1 الوديعة.

لإثبات إطلاق الحجية لها من بعض الاخبار المتمسك بها في المقام مثل قوله: «إذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم» (1)و قوله: «ان شهادة الأخ على الأخ تجوز» (2)و قوله: «إذا كان خيرا جازت شهادته» (3)و قوله: «استخراج الحقوق بأربعة». (4)

إذ الأول غير مرتبط بمقام التعبد في مقام العمل، و انما كانت في مقام كيفية آداب المعاشرة. و البقية بين ما لا عموم فيها يشمل المقام، و بين ما لا إطلاق لها من حيث قيامها في غير محضر الحاكم، أو في مورد الخصومات.

و كيف كان يكفى لنا إطلاقا و عموما رواية مسعدة (5)المنجبرة بالعمل.

و عليه فلا إشكال حينئذ في إثبات ولاية الحاكم عند حاكم آخره بل و عند غيره أيضا.

نعم لو اعتبر في حجية البينة إقامتها في محضر الحاكم، فان قلنا بجواز قضاء قاضيين مستقلين في زمان واحد فلا اشكال، و ان لم نقل به فقد يستشكل في إثبات ولاية الحاكم، لان قيامها عند الحاكم الأول المشكوك عزله من جهة الشك في نصب الثاني، لا يثمر، كعدم اثماره عند نفسه، لأنه دوري. و لو علق عزله على قيام الشهود على النصب، كان ذلك مستلزما لاجتماع القاضيين في زمان واحد. اللهم الا أن يكون مفاد الشهادة حينئذ هو النصب المعلق على العزل، فإنه بضميمة التعليق الأول يتم المطلوب.


1) الوسائل ج 13 ص 230 رقم 1 باب 6 الوديعة

2) الوسائل ج 18 ص 271 رقم 5 باب 26 الشهادات

3) الوسائل ج 18 ص 270 رقم 2 باب 26 الشهادات

4) الوسائل ج 18 ص 198 رقم 2 باب 15 كيفية الحكم

5) الوسائل 13 ص 231 و قد تقدمت

هذا مع أن مثل هذا الاشكال انما يرد على فرض إمكان خلو الزمان عن القاضي، بحيث تحتمل معزولية السابق مع عدم نصب اللاحق، و الا فلو فرض المفروغية عن عدم جوازه أيضا، فيمكن إثباته بإقامة البينة لديهما.

إذ يعلم إجمالا حينئذ بأنه بينة عند الحاكم، فتثبت به عزل الأول و نصب الثاني، كما لا يخفى، من دون احتياج حينئذ إلى تصوير العزل المعلق أو النصب المعلق، كي يستشكل بعدم وفاء دليل على إمضائه، بعد احتمال كونه من قبيل سائر الإيقاعات غير القابلة للتعليق، و ان كان ممكنا في نفسه، و لو من جهة ان مثل هذه الأمور الاعتبارية في التعليق و التنجيز تابعة لكيفية جعلها بأي نحو، و ليس من باب التأثير و التأثر، كي يستشكل فيها بانفكاك الأثر عن المؤثر.

كما انه لا شبهة في كونها من الأمور التسبيبية المحتاجة إلى التوصل إليها به.

فما يظهر عن مقرر بحث أستاذنا العلامة من منعها واضح الدفع، إذ لولاه كيف يقصد بإنشائها التوصل به إليها، كما هو الشأن في جميع أبواب المعاملات.

هذا و لكن الإنصاف يقتضي أن يقال بأن إطلاقات سلطنة الامام على العزل، و ان لم تقتض رفع الشك في كيفية سببه، لعدم كونها مشرعة من هذه الجهة، و لكن يمكن إتمام الدليل عليه بتقريب آخر، من دعوى انه بعد استقرار طريقة العقلاء عليه، لا بأس باستكشاف كيفية العزل المزبور من مقدمات عدم ردعه، و لازمه إثبات مثل هذا الشأن للفقيه على فرض عموم دليل الولاية أو لا أقل من كونه من شئون القضاة، الثابتة لقضاتنا بقرينة التقابل على التقريب المتقدم سابقا، و اللّه العالم.

ثمَّ انه قد اشتهر بأنه تثبت بالشياع الظني أمور خمسة: الولايات، و النسب، و الموت، و النكاح، و الانعتاق، لقيام السيرة عليها.

و لا يبعد قيامها في النسب و الزواج، و أما في البقية ففيه اشكال.

و أضعف منه التمسك بظهور ما في المرسل: «خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم» (1)و في بعض النسخ «بظاهر الحال». بتقريب أن المراد ما ظهر بين الناس من الحكم بأنه كذا.

و أورد عليه بعض المقررين بإمكان كون المراد وجوب الأخذ بظاهر الحال عند كل شخص و لو لم يعرفه احد غيره، كما يشهد ذيله من قوله: «فاذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه».

أقول، لا يخفى أن الرواية لا تخلو عن إجمال، لأن المراد من ظاهر الحال، ان كان حسن ظاهر الشخص الذي هو طريق الى عدالته، فليس الأخذ به مختصا بقبول شهادته، بل يترتب عليه جميع آثار عدالته، مع أن المناسب حينئذ ذكر العدالة في طي الخمسة لا خصوص الشهادات.

هذا مع ان هذا المعنى لا يناسب سياق باقي الفقرات، لان ظاهر الحال فيها مثبت لنفسها لا لمنشأها، و ان أريد ظهور الحال في الواقعة المشهود بها، فهو و ان كان يناسب البقية، لكن لا يناسب صدر الرواية و ذيلها.

نعم الذي يسهل الخطب لزوم رفع اليد عن السياق المزبور، و حمل ظهور الحال في البقية على ظهور حال الواقعة، و في الشهادات على ظهور حال الشخص، لصدر الرواية و ذيلها.

و حينئذ فتكون الرواية دالة على ظهور حال الواقعة في غير الشهادات. و مثل ذلك- كما قيل- غير مرتبط بمرحلة حجية الاستفاضة الظنية كما لا يخفى.

ثمَّ الأضعف من التمسك بالمرسلة المزبورة التمسك لحجية الاستفاضة بقوله:

«إذا شهد عندك المؤمنون» (2)في قصة إسماعيل.


1) الوسائل ج 18 ص 290 رقم 3 باب 41 الشهادات.

2) الوسائل ج 13 ص 230 رقم 1 باب 6 الوديعة.

و فيه أن الظاهر منه هو تصديقهم الصوري، مع مراعاة الاحتياط في باطن الأمر، إذ هو الذي ينفع جميع المؤمنين، فكأنه إرشاد إلى بيان كيفية آداب المعاشرة، كيف و لو كان في مقام التعبد فلا اختصاص لها بالخمسة، خصوصا مع عدم كون المورد منها.

و أضعف من الجميع الاستدلال عليه بعسر إقامة البينة، و وجه الملازمة إما من جهة استفادته مما دل على حجية دعوى لا تعلم الا من قبله، حيث ان الظاهر انه كذلك، كما حكى وروده في الخبر بهذا المضمون، أو من جهة دعوى جريان مقدمات الانسداد الصغير في موردها.

و ذلك لما في الوجهين من وضوح الفساد:

اما الأول فواضح، لمنع تحقق العسر المزبور في المقام.

و أما الثاني فهو فرع تمامية المقدمات، التي منها لزوم العسر من الاحتياط فيها، مع ان لازم ذلك حجية كل ظن لا خصوص الاستفاضة.

و منها: انه حكى الخلاف في جواز نصب قاضيين بنحو الاستقلال في جميع الأمور، و كذلك بنحو التشريك.

و استدل المحقق على جوازه بان القضاء نيابة تتبع اختيار المنوب، عنه.

أقول: لا يخفى ان الكلام في أمثال المقام تارة في صحة ما فعله الامام، و اخرى في ان له ان ان يفعل.

اما المقام الأول فلا يناسب لنا التكلم فيه، لأنهم معصومون من الخطأ.

و اما الثاني فإنما يثمر لو فرض ثبوت مثل هذا الشأن للفقيه في زمن الغيبة بالنسبة إلى غيره، و حيث انه لم يثبت مثل هذا الشأن لهم، فلا يبقى لمثل هذه الأبحاث مجال

أصلا (1).

و من هنا ظهر حال بحثهم عن جواز عزل الامام عن مصلحة أو اقتراحا، إذ لم يف دليل على ثبوت مثل هذه الجهات للفقيه، مع انه على فرض ثبوت ولايتهم، يمنع ثبوت مثل هذه المعاني للإمام، لأن أدلة الولاية قاصرة عن إثبات مثل هذه الأمور، التي يشك في قابليتها من حيث الحكم الشرعي، لما مر منا مرارا، أن عمومات الولاية غير مشرعة كما لا يخفى.

نعم لا اشكال ظاهرا في انعزال المنصوب بزوال ما يعتبر في شخص هذا النصب، و ان لم يكن له مفهوم كما هو ظاهر.

آداب القاضي

ثمَّ ان من آداب القاضي (و) مسنوناته انه (يستحب الإعلان بوصوله، و الجلوس في وسط البلد) ليسهل وصول الناس اليه. و ان يكون الجلوس (مستدبر القبلة) ليكون وجه الخصوم إليها. و قيل: ينبغي استقبال القاضي للقبلة بنفسه لكونه خير المجالس (و) يستحب له أيضا (السؤال عن الحجج و الودائع و أرباب السجن و موجبه) لأنها من شئون القضاء، و لا أقل من كونها من شئون قضاة الجور الثابتة لقضاتنا بإطلاق الجعل


1) لا يخفى ما في هذا الكلام من التساهل الظاهر، لأنه من الثابت قطعا- وفق أدلة ثبوت ولاية الفقيه- ان للفقيه جميع ما للإمام في شئون ادارة البلاد و سياسة العباد، و الا لاختل نظام المؤمنين، إذا لم يكن الشارع قد عين لهم مرجعا عاما في جميع شئونهم الادارية و القضائية و السياسية، في عهد الغيبة. فضلا عن وفور النصوص بذلك. إذن فالحاجة ماسة بالبحث عن جميع شئون القضاء الإسلامي على تقدير بسط يد الفقيه كما في هذا العصر (في القطر الايرانى المسلم) المزدهر بولاية فقيه الأمة الامام الخمينى دام ظله العالي.

في المقبولة (و ان يفرق الشهود) خصوصا (مع التهمة) لكونه نحو استظهار حافظ عن الخطأ في مبادي حكمه (و) ينبغي أيضا (مخاوضة العلماء) ليستعلم حال الفتوى ليطمئن بمطابقتها للواقع.

(و يكره القضاء مع شغل القلب بالغضب و الجوع و العطش و الهم و الفرح و غيرها) الموجب لخطأ الإنسان من جهة اشتغال قلبه به، و في الرواية: «لا يقضى القاضي و هو عطشان». و في آخر: «و هو شبعان». و في ثالث: «و هو عطشان مهموم و لا مصاب محزون». و في رابع: «لسان القاضي وراء قلبه».

و لا يخفى ان المستفاد من المجموع: عدم كون القاضي مختل الخيال على وجه يكون في معرض الخطأ، و من ذلك تعدى الأصحاب عما في النصوص الى غيرها الموجب لذلك.

(و) يكره أيضا (اتخاذ الحاجب وقت القضاء) للنبوي: «من ولي شيئا من الناس فاحتجب دون حاجتهم احتجب اللّه تعالى دون حاجته» (و) يكره أيضا (تعيين قوم للشهادة) لما فيه من المشقة على الناس، و ربما يكون هتكا لبقية العدول فيحرم، بل ربما يؤدى مثله إلى إبطال الحقوق، لعدم تمكنهم من إقامتها، و كثيرا ما يكون مثله منشأ تجريهم لأخذ الرشاء في أدائهم للشهادة أو تحملها. و لكن مع ذلك لا يصلح مثل هذه الوجوه مدركا للحكم بالكراهة شرعا، و لم أر نصا له، فحينئذ تشكل الفتوى بمثله (و) تكره أيضا (الشفاعة إلى الغريم في إسقاط حقه) خوفا من ان لا يسمع فيصير مهتوكا، و كون ذلك مدرك الحكم الشرعي منظور فيه.

قضاء القاضي بعلمه

(و) المشهور، بل المجمع عليه: انه (يقضى الإمام بعلمه) و ان كان مثل هذا

البحث كبعض الأبحاث السابقة قليل الجدوى، إذ ليس تعيين وظيفة الإمام إلا مقدمة لإثبات وظيفة الفقيه.

(و) عليه فالمهم إثبات وظيفة (غيره) من انه هل يقضى به؟ فالمشهور قضاؤه مطلقا، خلافا للمحكي عن الإسكافي من عدم نفوذه مطلقا، لكن عن المختصر (1)التفصيل بين حقوق اللّه فلا و حقوق الناس فنعم، و عن ابن حمزة عكسه.

و عمدة الدليل للمشهور- بعد دعوى الإجماعات- فحوى ما دل على القضاء بالبينة و اليمين، إذ في كمال الاستبعاد اشتراط ميزانيتهما باحتمال مخالفتهما للواقع، و لعله من هذه الجهة جعل العلامة الكنى- رحمه اللّه- العلم الحاصل منهما خارجا عن محل البحث، و انه حجة لدى الفريقين، و انما النزاع في العلم الحاصل من غيرهما، بشرط كونه أيضا من الأسباب المتعارفة العادية، و الا فيمكن دعوى الانصراف عنه أيضا.

و لكن لا يخفى ان ظاهر الكلمات عدم تخصيص النزاع بما ذكر، بل مطلق شامل للحاصل من البينة أيضا، و عليه فيكفي في رده دعوى عدم تنقيح المناط بين ميزانية اليمين و البينة مع ميزانية العلم كما لا يخفى.

ثمَّ لو أغمض عن إثبات مثل هذا التقريب لا يبقى المجال لإثبات المدعى ببعض العمومات التي منها عموم قوله: «من حكم بحكمنا» و عموم: وجوب الحكم بالحق و القسط و العدل. إذ التمسك بها فرع كون المراد من الحكم و الحق و القسط و العدل، هو الحكم و الحق و أخويه في نفس الواقعة، و لازمه حينئذ كون القضاء من آثار نفس الواقع لا من آثار الحجة عليه.

و لكن لا يخفى ان مثل هذا المعنى ينافي ما في قوله: «رجل قضى بالحق و هو


1) هو كتاب ابن الجنيد الإسكافي.

لا يعلم» إذ الظاهر منه عدم جواز مثل هذا القضاء واقعا لا وضعا و لا تكليفا. و عليه فالأمر يدور بين رفع اليد عن هذه الروايات، بحمل الحق و القسط و العدل و الحكم على القسط في مقام الفصل، و كذا الحق في هذا المقام، قبال الباطل الناشئ عن غير ميزانه. أو بحمل الرواية الأخيرة على بيان إثبات العقوبة على مثل هذا القاضي من جهة تجريه، بلا اقتضاء مثل ذلك نفى نفوذ قضائه و ان كان خلاف سوق الرواية، لأنه في مقام شرح حال القضاة من حيث صحة قضائهم و عدمها، لا من حيث تجريهم في عملهم مع صحته واقعا. أو بحمل الرواية لبيان شرطية الاجتهاد في أصل القضاء، لا وجود الميزان و الطريق الى الحكم، و ان كان الظاهر من قوله: «لا يعلم بالحق» المدعى به الذي بإطلاقه شامل للمجتهد أيضا.

و حينئذ نقول: إن مع الدوران بين هذه الاحتمالات لا يبعد ترجيح الاحتمال الأول و لا أقل من تساويها المسقط للبقية عن الحجية على المدعى، لأن مثل هذه العمومات، بناء على هذا الاحتمال، غير صالحة لإثبات الصغرى، من أن الفصل و الحق في هذا المقام بأي شي‌ء يتحقق، بل لا بد من إحراز ذلك من الخارج كما هو ظاهر.

نعم يمكن إثبات جواز القضاء بعلمه من عموم «رجل قضى بالحق و هو يعلم» بناء على ان المراد: يعلم بالمدعى به، بقرينة الحق في الفقرة الأخرى، و عليه ينفذ حكمه في حقه و حق كل من علم بكون علمه مطابقا للواقع، كي يحرز به كون قضائه بالحق عن علم، و اما الشاك في مطابقة علمه للواقع فلم يحرز كونه قضاء بالحق و ان علم كونه حاكما به باعتقاده و علمه.

و عليه فلا مجال لإثبات كون العلم كالبينة ميزانا للفصل على وجه لا تسمع الدعوى على خلافه، حتى ينظر الشاك في مطابقة علمه للواقع، إذ كم فرق بين العلم و البينة، حيث ان مفاد البينة من جهة حجيتها في حق الشاك بنظر كل احد يصدق على

الحكم على طبقها انه حكم بالحق بالنسبة الى كل احد، و هذا بخلاف علم القاضي الذي لا يكون إلا حجة في حق العالم دون غيره.

و لا يخفى ان هذا المقدار و ان كان لا يضر بميزانية العلم بالحق في الجملة، لكن ليس مثله كالبينة تمام الميزان، بل الميزان التام هو العلم المطابق للواقع لا مطلقا، و حينئذ تختص حرمة نقضه بخصوص من أحرز ذلك لا مطلقا، و هذا المقدار خلاف ظاهر كلمات من جعل العلم من الموازين في قبال البينة و اليمن.

و حينئذ يصح لنا دعوى عدم وفاء أمثال هذه العمومات لميزانية نفس العلم، و لو لم يطابق الواقع كالبينة و اليمين.

و عليه فلا يبقى في البين الا دعوى الإجماعات المتكررة في الكلمات. أو دعوى تنقيح المناط في ميزانية البينة و اليمين بالنسبة إلى العلم مطلقا أيضا. و العهدة في إثبات الجهتين على مدعيهما، خصوصا في صورة كون العلم من غير البينة و اليمين، من جهة احتمال اختصاص التعدي إلى العلم الحاصل منهما، كما ادعاه العلامة الكنى- رحمه اللّه- بل ظاهر كلماته خروج ذلك عن محل النزاع، فعلى القاضي حينئذ التحري في تحصيل هذه الأمور علمية كانت أم ظنية.

و بالجملة نقول: انه بعد القطع بان الكلام في كونه بنفسه ميزانا في عرض البينة بحيث يكون الحكم الصادر عن علمه حكما فاصلا صحيحا، بنحو لا تسمع الدعوى و لا البينة على خلاف مضمونه، ما لم يقطع بمخالفة الحكم للواقع، ان هذا المعنى لا يكاد يحرز من العمومات السابقة، بل غاية ما تقتضي العمومات كون الفاصل هو الحكم المطابق للواقع، و مثل ذلك لا يمنع عن سماع الدعوى و البينة على خلافه عند الشك في مخالفته للواقع، المساوق للشك في كونه فاصلا. و ان فرض محكوميته بالصحة و الفاصلية ببركة أصالة الصحة، لو لا دليل أو امارة أخرى على خلافه.

و لكن ذلك المقدار لا أظن التزامه من القائل بالميزانية لعلم القاضي، و عليه فلا يكاد تتم الميزانية بالنحو المزبور، على وجه لا تسمع بعده الدعوى و البينة على خلافه، مع الشك في مخالفة حكمه للواقع، إلا بتمامية الإجماع المدعى على ميزانية علمه، أو دعوى الإجماع على الملازمة بين الجواز التكليفي لهذا القضاء و بين نفوذه وضعا في حق غيره، و إتمام الوجهين عهدته على مدعيه، و الا فلا مجال لإثبات ميزانية العلم للقضاء بنحو ميزانية البينة و سائر الموازين له.

نعم الذي هو قابل للتصديق هو مجرد وجوب ترتيب اثر الفاصلية عند صدوره عن قطعه، لعين حكمهم بترتيب أثرها عند صدوره عن القطع بالميزان المحتمل تخلفه عنه، إذ كلاهما مشتركان في الشك في كونه حاكما بحكمهم، و لكن أصالة الصحة تثبت نفوذه، و إن لم تثبت كونه واجدا لشرط النفوذ، كما هو الشأن من جميع موارد جريان الأصل.

و لكن قد عرفت ان مثله ليس فاصلا على نحو لا تسمع الدعوى أو البينة على خلافه.

ثمَّ انه من التأمل فيما ذكرنا أيضا ظهر عدم تمامية التمسك في جواز الحكم بعلمه في حقوق اللّه، بما ورد في قوله: «الواجب على الإمام إذا نظر الى الرجل يزني أو يشرب الخمر ان يقيم عليه الحد و لا يحتاج الى بينة مع نظره» (1). و ما ورد أيضا من قتل على (ع) خصم النبي (ص) في دعوى الناقة و ثمنها (2)إذ قد عرفت عدم الملازمة بين جواز الفصل بعلم الإمام الذي هو حجة في حق كل احد، و علم غيره الذي لا حجية له في حق غيره، مع إمكان منع كون فعله (ع) بعنوان فصل الخصومة


1) الوسائل ج 18 ص 344 باب 32 رقم 3 مقدمات الحدود.

2) الوسائل ج 18 ص 200 باب 18 كيفية الحكم.

بل من الممكن كونه بعنوان ترتيب ما للواقع من الأثر، من جهة قيام الحجة عليه و ليس مطلق ترتيب الأثر على طبق الحجة حكما، ما لم يقصد به فصل الخصومة كيف و الحاكم بل و غيره يرتب الأثر على طبق اليد و الاستصحاب، مع انهما ليسا ميزان فصل أصلا.

و عليه فصح لنا إنكار دلالة مثل هذه الأدلة على ميزانية العلم للفصل بنظر الغير، و ان كان الحكم على طبقه جائزا تكليفا و وضعا بالنسبة الى من أحرز المطابقة للواقع، لصدق العموم السابق بنظره كما لا يخفى.

نعم لو أغمض عما ذكرنا، لا مجال لتوهم التفصيل بين حقوق الناس و حقوق اللّه بتوهم اقتضاء حصر الميزان بالبينة و اليمين، في قوله: «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» (1)بالنسبة إلى حقوق الناس، إما لانصرافه إليها، أو من جهة تخصيصها بما ورد من حكم على (ع) على طبق علمه في قتل خصم النبي (ص) و غيره.

و ذلك لإمكان كون مثل هذا العموم ناظرا الى الحصر بالإضافة الى غير البينة و اليمين من اليد و الاستصحاب و أمثالهما، بلا نظر فيها الى مثل القطع أصلا، و على فرض العموم يمنع الانصراف المزبور، و على فرضه أيضا لا يقتضي مثله التفصيل الا على فرض تمامية دلالة البقية على جواز الحكم في حقوق اللّه بعلمه. و الا كما أشرنا يكفي في عدم ميزانية العلم هنا أيضا مجرد الأصل، بلا احتياج إلى إقامة الدليل عليه.

و أضعف منه حينئذ تفصيل آخر من المصير إلى الإطلاقات المزبورة لإثبات ميزانية العلم، بضميمة تخصيص حقوق اللّه بما ورد من قوله: «لو رجمت أحدا بغير


1) الوسائل ج 18 ص 169 باب 2 كيفية الحكم.

بينة رجمت هذه» (1)و في آخر مستفيض: «لا يرجم الزاني حتى يقر اربع مرات» (2)إذ لا يخفى ما في المقدمتين، أما الأولى منها فهي فرع دلالة الإطلاقات على ميزانية العلم إلا إذا خرج بدليل، و لقد عرفت ما فيه. و اما الثانية فلمنع تمامية الخبر الأول سندا و لو بالجبر، و اما المستفيضة فيمكن حملها على الحصر بالإضافة إلى الأمارات التعبدية لا مطلقا.

و على أى حال، ظهر من التأمل فيما ذكرنا وجه ما أفاده المصنف، من مصيره الى نفوذ الحكم بعلمه (في حقوق الناس) بل مطلقا على اشكال في حقوق اللّه، أقربه ذلك اى الجواز.

و لقد عرفت وجه الجميع، بل قد عرفت أيضا وجه الإشكال في ترتيب الغير آثار الفصل على مطلق الحكم بالعلم في غير الامام لو لا تمامية الفحوى في ميزانية الفصل للبينة و اليمين.

نعم في المقام شي‌ء آخر، و هو ان مقتضى الإطلاقات جواز القضاء بالعلم تكليفا للقاضي، و لو كان من الأسباب غير العادية، و لكن لو كان المدرك فيه هو الإجماع أو فحوى جوازه بالبينة، فيشكل شموله لمثل هذه العلوم، و عليه ففي ترتيب الغير آثار الفصل على مثله اشكال، لما عرفت من عدم طريق لإثباته إلا الإجماع غير الشامل لها.

و من هنا نقول: قد اتضح أن وجه حرمة نقض مثل هذا الحكم على الغير الشاك هو الإجماع المزبور و الا ففيه اشكال.

نعم لا إشكال في حرمة نقض الحكم الصادر عن سائر الموازين التعبدية من


1) جامع البخاري ج 8 ص 217 مطبعة الشعب.

2) الوسائل ج 18 ص 380 رقم 3 باب 16 حد الزنا.

البينة و اليمين و الإقرار، و لو من جهة ميزانيتها بعموم «إنما أقضي بينكم» فيشمله عمومات الحكم بحكمهم، بالحق و الحكم و أخويه، حتى على ما احتملنا من كون المراد الحكم و الحق في مقام الفصل، فضلا عن عموم «قضى بالحق و هو يعلم» على ما تقدم تقريبه.

نعم حيث ان الظاهر من وجوب القبول هو الوجوب طريقيا، لا يكاد يشمل الدليل صورة القطع بمخالفة الحكم للواقع و إن صدق بنظر الغير انه حكم بحكمهم عند جزمه بعدالتهما، للجزم بكون مثله ميزانا ظاهريا شرعيا بالنسبة إلى الحاكم الشاك بمطابقتهما للواقع، من دون فرق في ذلك المقدار بين كون الميزان بينة أو يمينا.

و لذا لا يحكم بملكية المال المحكوم له على وجه يجوز للغير الشراء منه، و ترتيب سائر آثار الملكية عند قطعه بمخالفة الحكم للواقع.

نعم بين اليمين و البينة فرق من جهة أخرى، و هو ان الميزان لو كان بينة فيجوز للعالم بخلافه التقاص منه و سماع الدعوى من مدعيه و هكذا، بخلاف ما لو كان الميزان يمينا، فان اليمين تذهب بحقه فيه من حيث دعواه و التقاص منه، الشامل للقاطع على خلافه و لفجور اليمين، كما سيأتي شرحه ان شاء اللّه تعالى و ذلك المقدار أيضا لا ينافي طريقية اليمين بالنسبة إلى أصل الملكية على وجه يجوز الشراء منه. و سيتضح أيضا ان المراد من ذهاب اليمين بحقه ليس ذهابه به حقيقة، و انما المراد ذهابه به بالنسبة إلى خصوص الأحكام الخاصة المشروحة في محله على ما سيأتي شرحها ان شاء اللّه تعالى.

و من هذه الجهة نقول: ان للحاكم الآخر القاطع بالفجور نقض الحكم الصادر حتى عن المين في أصل الملكية، و ان لم تسمع منه الدعوى، بل و ينهى عن التقاص منه حتى مع قطعه بمخالفة اليمين للواقع.

و من هنا ظهر وجه الجمع بين الكلمات، من حيث إطلاقهم جواز نقض الحكم

للقاطع بالخلاف، الشامل لما كان ميزانه يمينا. و تصريحهم أيضا بعدم سماع الدعوى و حرمة التقاص منه، حتى على من يعلم بفجور اليمين. إذ لا منافاة بين موضوعية اليمين من جهة و طريقيتها من جهة أخرى كما هو ظاهر.

ثمَّ ان هذا كله في صورة كشف الخلاف بنحو القطع، و اما في صورة كشفه بنحو الظن، من جهة اجتهاد صحيح على خلاف الاجتهاد الأول الذي هو مدرك حكمه، فظاهر كلماتهم جواز نقض الفتوى بالحكم دون العكس. و عن بعض المقررين في توجيهه: هو ان دليل صدق الفتوى أو الخبر انما ينظر ان الى وجوب تصديقهما لو خليا و طبعهما، بلا نظر فيهما إلى صورة طرو عنوان ثانوي عليهما، من رد حكم الغير فلا إطلاق لمثلهما يشمل هذه الصورة.

هذا و لكن لا يخفى ما فيه، فان عنوان الرد و عنوان تصديق العادل أمران عرضيان طارئان على العمل على طبق قول العادل و لا وجه لتسجيل الإطلاق في أحدهما و نفيه في غيره بعد كون النسبة بينهما أيضا عموما من وجه.

و حينئذ فالأولى في وجه التقديم على الفتوى، التشبث بظاهر المقبولة التي هي في مورد الاختلاف في الفتوى و في مقام التأسيس لحرمة الرد، و دفع توهم الجواز في مثله، إذ هي كالصريحة في إطلاقها لصورة مخالفة الفتوى مع الحكم، لأنه الذي كان الرد فيه في معرض الجواز و الا فيكفي في حرمة رده دليل وجوب الأخذ بفتواه، و ذلك واضح ظاهر كما لا يخفى.

ثمَّ ليعلم أن عدم جواز نقض حكم الحاكم بالفتوى انما يختص بالنسبة الى ما هو محط نفس الحكم و لوازمه الشرعية و اما ملزومه فلا يشمله دليل حرمة النقض، مثلا لو فرض محط الدعوى صحة البيع في الملاقي لعرق الجنب عن الحرام، من جهة النزاع في نجاسته بملاقاته معه و عدمه من جهة الشبهة الحكمية، فحكم الحاكم

بصحة البيع موجب لحرمة رده بفتوى غيره بفساد البيع لفتواه بنجاسة عرق الجنب، و لازمه الحكم بتملك ثمنه لا جواز ارتكابه له، حتى في مورد الدعوى، من اكله و شربه و الوضوء به، إذ مثل هذه الجهات ليست موارد حكمه، لأنه ليس الا إنشاء شخصيا في محط الدعوى غير المستلزم لتحققه في لوازمه، غاية الأمر دليل تصديقه انما يقتضي ترتيب لوازمه الشرعية دون غيرها.

و من هنا يفرق بين الحكم و الشهادة، لأن الدليل يشمل جميع ما تحكي عنه البينة، بخلاف الحكم الإنشائي، حيث إنه لا حكاية في موادة، فلا يصدق الا فيما تعلق به إنشاؤه الذي موجعة إلى ترتيب ما له من الأثر الشرعي، فكان الحكم من تلك الجهة نظير سائر الأصول العملية التي لا تنظر الا الى الآثار الشرعية لا العرفية و لا العادية، و ذلك المقدار واضح كوضوح ان محط الحكم أيضا هو فساد هذا البيع الشخصي أو صحته، لا الصحة في كلية الوقائع، لما سيأتي من أن حقيقة الحكم ليس إلا إجراء الاحكام في الموارد الشخصية.

ثمَّ لا فرق في حرمة نقض الحكم بالفتوى بين فتوى نفسه من جهة تغيير اجتهاده أو فتوى غيره، نعم لا بأس بنقض مجرد الفتوى بالنسبة الى كل ما له أثر عملي فعلى، من دون فرق بين ما كان أثره أبديا كالنكاح و غيره، أو آنيا، إذ الامارة الجديدة تقتضي فساد النكاح من الأول.

و حينئذ فما عن الجواهر من عدم جواز نقض الفتوى في مثل هذه الاعمال، منظور فيه. كدعوى عدم وجوب قضاء ما فات لقاعدة الاجزاء، إذ قد حققنا في محله من عدم اقتضاء الأوامر الطريقية للاجزاء، فحينئذ إن تمت حرمة النقض في أمثال هذه المقامات بالإجماع فهو و الا فللنظر فيه مجال.

و توهم شمول «لكل قوم نكاح» لمثل هذه الموارد منظور فيه، إذ غاية دلالته

إمضاء نكاح كل قوم بما يرونه واقعا في مذهبهم، لا مثل هذه الأنكحة المعلوم كونها على خلاف الواقع، غاية الأمر ان دليل التعبد اقتضى صحتها ظاهرا.

و من التأمل فيما ذكرنا اتضح موارد جواز نقض الفتوى بالفتوى، و كذلك موارد جواز نقض الحكم به و ان ميزانه كل مورد علم وجدانا خطأ الميزان عن الواقع أو خطأه عن أصل الميزان، كأن يحكم على طبق البينة باعتقاد انه عادل فبان فاسقا، و في حكمه لو ثبت ذلك ببينة و غيرها. و لو لا طريق آخر لإثباته كانت أصالة الصحة محكمة، فيحكم بنفوذ الحكم الصادر من الحاكم، من دون فرق بين صورة انقطاع الفصل بينهما حتى بتبعاته، من إيصال الحق إلى الغريم، أم عدم انقطاع تبعاته و لو لكونه في حبسه مقدمة لاستنقاذ حق غريمه.

و عليه فلا يجب على الحاكم الثاني التتبع في الحكم الأول، لمكان إحراز صحة حكمه و لو بالأصل و ان كان له ذلك في المقامين استظهارا.

و توهم ان في الصورة الثانية لما لم يتم الفصل، فلا مجال لأصالة الصحة الجارية بعد الفراغ عنه، فيجب عليه التتبع في الحكم الأول، مدفوع بمنع كون الاستنقاذ من مراتب الفصل بل انما هو نظير القبض في المتبايعين من تبعات الفصل و التمليك، لا من مراتبه الموجب لعدم صدق الفراغ منه، بل الفصل و التمليك انما يتحققان بنفس إنشائهما و انما البقية من آثارهما.

هذا مع انه لا وجه لتخصيص أصالة الصحة بالفراغ عن جميع المراتب، بل يكفى لجريانها مضى مقدار من العمل، الذي تكون صحته موضوع ترتيب سائر المراتب عليه كما لا يخفى، بل و لا مجال لتخصيص أصالة الصحة في فعل الغير بحال مضيه أصلا، بل المختص به قاعدة الفراغ الجارية في حق نفسه و هي غير أصالة الصحة في فعل الغير كما لا يخفى.

و عليه فما يظهر من المحقق في شرائعه من التفصيل بين المقامين منظور فيه.

ثمَّ انه بعد التتبع، فان علم بخطإ القاضي الأول أو بعدم كون حكمه عن ميزان، فيجب عليه النقض لما بينا. و هل يجب عليه حينئذ اعلام المتداعيين بذلك، فالظاهر عدم الاشكال فيه، في موارد الدماء و الاعراض، لأن كثرة الاهتمام بهما يوجب حفظهما على كل من يتمكن منه.

و أما في الأموال فوجوبه مبنى على احد أمرين، إما من جهة كون مثل هذا من شئون القضاء عرفا، و لا أقل من كونه من شئون قضاة الجور، الثابتة لقضاتنا بإطلاق المقبولة و إما بدعوى صدق الإتلاف على مجرد سكوته و الا فلا دليل على وجوب حفظ مال الغير بالإعلام بعد فرض قيام الحجة للمحكوم له في أخذه المال و دليل النهى عن المنكر غير ظاهر الشمول لمثل المورد. نعم لو كان المحكوم له عالما بخطئه، يجب على كل من يعلم بحاله نهيه عن عمله لكونه منكرا حتى لدى العامل.

هذا كله في إعلام القاضي، و اما إعلام المفتي بنقض فتواه في الشبهات الحكمية فقد يفصل، كما في الجواهر، بين صورة انكشاف الخلاف قطعيا، و بين صورة انكشافه ظنيا اجتهاديا، فأفاد بعض الأعاظم بالوجوب في الأول دون الثاني. و استدل لكل منهما بجهة مشتركة غير مناسب للتفصيل، فراجع الجواهر.

و الاولى المصير الى الوجوب مطلقا، لجريان مناط وجوب الفتوى، بل إطلاق دليله من قوله (ع) «من افتى الناس» في بعض الاخبار (1)بل يمكن التمسك بوجوب إظهار الحق المستفاد من آية السؤال و الكتمان، بعد عدم الفصل بين سبق السؤل و عدمه على اشكال فيه، بل و آية النفر أيضا بناء على حملها على وجوب الفتوى أو بتنقيح المناط في الرواية.


1) الوسائل ج 18 ص 9 رقم 1 باب 4 صفات القاضي.

و من هذه الجهات نلتزم بوجوب إرشاد الجاهل في الأحكام الكلية و أما في الموضوعات الخارجية فلا دليل على وجوبه، خصوصا مع تصريح رواية اللمعة (1)المعروفة، حيث ردعه الامام (ع) عن إعلامه.

نعم لو كان ذلك من الأمور المهمة فلا محيص من الاعلام مقدمة لحفظ ما هو الواجب عليه، كما أشرنا إليه في الدماء و الاعراض، أو فرض من عدمه تضييع حقوق كثيرة علم من الشارع عدم رضاه به، و لو من جهة تنقيح المناط في اخبار جواز بيع الوقف لذلك، فإنه حينئذ يحب عليه الإظهار أيضا مقدمة لحفظها.

توقف صحة الحكم على سبق الخصومة

ثمَّ انه هل يعتبر في الحكم أن يكون مسبوقا بالخصومة أم لا، وجهان أظهرهما الأول، لأن عمدة الدليل على حرمة الرد هي المقبولة المنصرفة إلى سبق الحكم بالخصومة و لا أقل من كونه المتيقن منها في مقام التخاطب المانع عن الإطلاق، و أما بقية الإطلاقات مثل وجوب الحكم بالحق و القسط و العدل، فكلها مسوقة لبيان كون الواجب هو الحكم بالحق، و أما محل الحكم بالحق فليس مثل هذه متكفلة لبيانه.

و نظير هذه عموم «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ» (2)فإنه أيضا في مقام بيان لزوم كونه حكما بما انزل اللّه، لا بيان مورده و محله، مع إمكان حمل هذا على بيان وجوب الإرشاد بما انزل اللّه من الأحكام الكلية من غير ارتباط له بمقامنا أصلا، و عليه فأصالة عدم النفوذ في غير المسبوق بالخصومة محكمة، إلا


1) الوسائل ج 1 ص 524 رقم 1 باب 41 من أبواب الجناية.

2) سورة المائدة: 47.

في الحكم المتعلق بالسياسات النوعية، و كذا الهلال، إذ يمكن دعوى الجزم بأنها من شؤون قضاة الجور الثابتة لقضاتنا بإطلاق المقبولة.

ثمَّ ان الظاهر بمقتضى انصراف الدليل كون الحكم متعلقا بمحط الدعوى في شخص الواقعة، فحينئذ ليس على الحاكم الحكم على كلي الواقعة بمقتضى اجتهاده فيها المستلزم لحرمة نقضه في الكلي، كما انه لا مجال لان يكون محط الدعوى أيضا كليا لان مثل هذه الدعوى لا تكون ملزمة على كليتها الشاملة للموارد الخارجة عن محل ابتلائه، فتكون دعواه حينئذ كدعوى الأجنبي مالية شي‌ء لشخص آخر غير مرتبط به رأسا. نعم لو لم يعتبر في الحكم سبقه بالدعوى الصحيحة الملزمة أمكن إثبات جواز الحكم على كلي الواقعة بإطلاق قوله: «أو سنة ماضية» (1)على اشكال في إطلاقه أيضا من هذه الجهة.

و حينئذ فلا عموم يقتضي نفوذ الحكم و عدم رده مطلقا، و لو قلنا بعدم اشتراط سبق الحكم بالخصومة فضلا عن القول به، و لعل ذلك منشأ السيرة على عدم بنائهم على إصدار الحكم في كلي الواقعة على وجه يصير ذلك منشأ قلب فتوى من خالفه في مقام العمل.

و من هذه الجهة نقول بأنه لا بد في شرح الحكم ان يقال بأنه إنشاء حكم في واقعة شخصية بمقتضى فتواه في كليها أو بمقتضى موازين أخرى، من دون فرق بين الإنشاء القولي أو الفعلي، كما انه لا يكون حقيقة إلا من الاعتبارات القصدية، و بمثله ربما يفترق عن العمل على طبق الامارة لا بعنوان الفصل، بل من جهة صرف وجوب التعبد بمؤداها كما هو الشأن في العمل على طبق اليد و الاستصحاب و غيرهما مع عدم تحقق الفصل بهما.


1) الوسائل ج 18 ص 168 رقم 6 باب 1 كيفية الحكم.

سماع الدعوى على الدعوى

اشارة

بقي في المقام شي‌ء آخر، و هو أنه لو ادعى المحكوم عليه عدم صحة الحكم إما لعدم أهلية الحاكم أو عدم وقوعه عن ميزان الفصل أو خطأه لعلم المدعى عليه بكذب الشهود أو فجور اليمين. فلا يخفى أن طرف مثل هذه الدعوى إما نفس الحاكم أو المحكوم له، فعلى الأول فاما ان يكون الغرض من هذه الدعوى إثبات الغرامة على الحاكم و اما أن يكون الغرض ابطال فصله المنشأ لانتقال المال الى المحكوم له ظاهرا، كي يترتب عليه إلزام الحاكم الثاني برد المال الى المحكوم عليه بالحكم الأول. فإن كان الغرض من توجيه الدعوى الى الحاكم تغريمه فلا إشكال في سماعها مطلقا، كان في البين بينة أم لا، كان الميزان في حكمه السابق بينة أم يمينا.

و توهم أن اليمين تذهب بحقه فلا مجال لدعواه التغريم على الحاكم، لأنها من شؤون ثبوت حقه في المال فحيث لا حق له فلا تغريم له أيضا لغيره، مدفوع بأن ذهاب اليمين بحقه ليس ذهابا حقيقيا كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى، بل هو ذهاب تنزيلي بلحاظ بعض الآثار الراجعة إلى الحالف من عدم تجديد الدعوى معه و عدم تقاصه من ماله، و أما دعوى التغريم على الحاكم المتلف عليه شرعا فلا يمنعه مانع، و حينئذ فلا قصور

في توجيه مثل هذه الدعاوي إلى الحكام فيلزم الحاكم بالجواب في هذه الدعوى بإنكار أو إقرار فتترتب على كل واحد منهما آثاره.

و أما لو كان الغرض من توجيه الدعوى المزبورة اليه ابطال فصله، فان كان دعواه فساد حكمه من جهة خطأ الميزان عن الواقع، فالظاهر عدم سماعها، من جهة انه مستلزم لعدم انتهاء خصومة المدعى القاطع بمحقية نفسه، كيف و ينتهي أمر مثل هذه الخصومة إلى التسلسل، لان القاطع بخطإ الحكم قاطع أيضا بخطإ الحاكم المزبور، و هكذا الى ان يتسلسل، و من المعلوم من مذاق الشرع عدم رضائه بمثل هذه الخصومة غير الصالحة للانقطاع ابدا، مضافا الى إمكان دعوى السيرة على عدم سماعها، و ان لم تشملها أدلة حرمة رد الحكم. إذ هو متعلق بالحكم الصحيح المحتمل مطابقته للواقع، و مثل هذه الدعاوي ناشئة عن جزم المدعى بفساد حكمه.

و اما لو كان الغرض من الدعوى فساده من جهة عدم أهلية الحاكم أو عدم صلاحية الميزان للميزانية لفسق الشهود أو غيره، فظاهر كلماتهم سماع الدعوى مع وجود البينة مع المدعى، خلافا لظاهر المستند حيث أنكر مثل هذه الخصومة بإطلاقها، الشامل لصورة وجود البينة أيضا، نظرا الى ان من شرائط سماع الدعوى كونها ملزمة لحق أو مال على الخصم المدعى عليه، و في هذه الدعاوي على الحاكم لا يثبت شي‌ء عليه.

و لكن فيه منع اعتبار هذا المعنى من الملزمية في سماع الدعوى، بل غاية شرطها كونها مما يترتب عليها حق من جهة خصوصية راجعة إلى الخصم. و لقد أجاد العلامة الكنى- رحمه اللّه- حيث صرح بسماع الدعوى المزبورة مع وجود البينة، لإطلاق دليل سماع الدعوى، بل ادعى نفى صراحة كلماتهم في عدم سماعها في فرض تحقق

البينة، بل صريح جملة من الكلمات سماعها مع البينة، و انما الإشكال في سماعها بلا بينة، من جهة عدم انتهائها إلى ميزان، لأنه اما إقرار أو حلف إنكار أو غيرهما، و لا يكاد يتم واحد منها في المقام.

اما الإقرار فلأنه غير نافذ بالنسبة إلى الغير. و اما الحلف فلانه غير مثبت لحق الغير إذ ليس مثله شأن الحلف كما سيجي‌ء شرحه ان شاء اللّه تعالى. و لا يرد على الأول بإمكان سماع إقرار الحاكم بفساد حكمه بقاعدة «من ملك» النافذة حتى في حق الغير.

إذ مثل هذه القاعدة على فرض تماميتها إنما تجري في صورة إحراز مالكيته للمقر به نفيا و إثباتا، و اما لو كان مفاد الإقرار نفى سلطنته على المقربة من جهة عدم أهليته أو غيره فلا مجال لسماعة أصلا كما هو ظاهر.

هذا كله لو كانت الدعوى متوجهة إلى الحاكم، و اما لو كانت متوجهة إلى المحكوم له، فلا اشكال ظاهرا في عدم سماع دعوى خطأ الحاكم لخطأ ميزانه عن الواقع، لعين ما ذكرناه في وجه عدم سماعها على الحكام للزومه التسلسل، خصوصا لو كان ميزانه اليمين الذاهبة بحق المدعى من حيث إسقاط دعواه و تقاصه. و اما دعوى الفساد من غير جهة الخطأ عن الواقع، فلا بأس بسماعها لكونها دعوى ملزمة بإقرار خصمه.

و توهم ان الإقرار في المقام كيف يكون ملزما مع كونه مستتبعا لرد حكم الغير الذي هو ضرر عليه و الإقرار غير مسموع في ضرر غيره، مدفوع بإمكان إثبات هذا النفوذ بفحوى ما دل على سماع تكذيب الحالف نفسه الشامل بإطلاقه لما بعد حكم الحاكم أو بتنقيح المناط، فيشمل فساد الحكم من غير جهة فجور اليمين، بل عدم الفصل في كلماتهم من تلك الجهة بين الموارد يثبت المدعى.

هذا مع إمكان ان يقال: ان ضررية الإقرار على نفسه تكون برد المال الذي هو عين رد الحاكم، و من المعلوم انه ليس هنا جهتان قابلتان للتفكيك بينهما تعبدا، كي يؤخذ بإحداهما و تترك الأخرى، فحينئذ إذا انطبق على أمر واحد عنوانان أحدهما إقراره على نفسه و الأخر إقراره على غيره، فمن حيث إقراره على نفسه ينفذ و ان كان ذلك مستتبعا لكونه إقرارا على غيره، الا انه لا يمنعه عن النفوذ من الجهة الأولى، إذ غاية الأمر ان هذه الجهة لا تقتضي نفوذه من جهتها لا انها تقتضي عدم النفوذ من الجهة الأولى، فكان ما نحن فيه من هذه الجهة نظير إقرار المورث النافذ على وارثه و نظير إقرار المدين بشي‌ء في ذمته لعمرو، فإن إقراره لعمرو يكون بعين إقراره على نفسه، بمعنى كون نفوذ إقراره على نفسه بعين الحكم بملكيته لعمرو، إذ الاشتغال الذي هو منشأ لضرره هو عين استحقاق الغير في ذمته شيئا، فنفوذ إقراره على نفسه يكون بعين الحكم بملكية ما في ذمته لعمرو، و هذا بخلاف العين الخارجية فإن إقراره بكونها لزيد لا يقتضي إلا نفوذه في عدم كونها ملكه و لا يقتضي ذلك كونها لزيد حتى في فرض انحصاره به في الواقع، إذ الملازمة الواقعية لا تقتضي الملازمة في مقام التعبد كما لا يخفى.

و من تلك الجهة نقول: انه مع عدم كون المال في يد المقر لا يقتضي مثل هذا الإقرار كونه لزيد. و اما حكمهم في صورة إقرار ذي اليد بملكية المال للمقر له فإنما هو من جهة ان اليد بعد ما اقتضت اختصاص المال بذي اليد و نفى اختصاص غيره به، فبإقراره ترفع اليد عن اعتبارها بالنسبة إلى المقر من ناحية ملكيته و بالنسبة إلى المقر له من ناحية نفى ملكيته و لكن يبقى اعتبارها في نفى ملكية غير المقر له على حاله فحينئذ يستكشف من مجموع الإقرار النافي عن نفسه و اليد النافية لغير المقر له كون المال للمقر له، فمثل هذا الحكم في الحقيقة جاء من قبل اليد في ظرف وجود هذا الإقرار لا من قبل الإقرار.

و الى مثل هذه الجهة نظرهم في التعبير بكون المقر له بمنزلة ذي البد و بكونه منكرا إذا ادعى المال ثالث و بتقديم قوله. و عمدة الوجه فيه ما ذكرنا و الا فلو بنينا على إلغاء الإقرار لليد عن الاعتبار رأسا لما كان لهذا الكلام مجال، بل لا بد من المعاملة مع المدعى الآخر معاملة التداعي لعدم قيام حجة على وفق أحدهما و تمام المسألة في محله.

و الغرض من التطويل في المقام هو شرح موارد التفكيك بين الإقرار على النفس و على الغير أو له، و بين موارد عدم التفكيك بينهما، فعليك بالتأمل فيما ذكرنا كي لا يختلط عليك الأمر في أمثال هذه المقامات المشتبهة.

فتلخص مما ذكرنا: ان كل مورد يكون الإقرار على الغير أو له بعين الإقرار على نفسه، فلا محيص عن نفوذه و عدم مانعية مثله عن نفوذ الإقرار على نفسه.

هذا كله حكم إقراره، و اما لو أنكر المحكوم له فساد الحكم من جهة عدم أهلية الحاكم أو عدم ميزانية الميزان، و مرجع الكل الى دعوى فساد الحكم من جهة عدم سلطنة الحاكم على مثل هذا الفصل، اما لقصور في نفسه أو قصور في ميزانه، ففي توجيه اليمين الى المدعى عليه حينئذ إشكال، لأنه حق متقوم بإثبات سلطنة الحاكم على حكمه، هذا و من المعلوم ان كل مورد يكون الحق متقوما بثبوت جهة في الغير من حق أو سلطنة فليس شأن الحلف إثبات مثله، فكان ما نحن فيه من تلك الجهة نظير حلف الغريم لإثبات حق في مال الميت المتقوم بكون ما له غير متعلق لحق احد فيه، فكما ان الحلف لا يثبت حقا للغير المتقوم به حقه بالعين كذلك في المقام.

و ببيان آخر نقول: ان حق المحكوم له بحسب الظاهر ثابت في المال بسبب حكم صحيح من الحاكم، فمع الشك فيه لا يثبت الحلف صحة الحكم المنوطة بإثبات الولاية للحاكم كي يترتب عليه المال، كما ان حق الغريم انما هو بعد تعلقه بالتركة

فمع الشك بكونه تركة واقعا لا يثمر حلف الغريم تعلق حقه بالمال، لعدم إحراز كونه تركة، و مجرد يد الميت لا يثمر في إثبات المدعى في مقام الفصل، كما ان أصالة الصحة أيضا في مسألتنا كذلك.

ثمَّ انه بعد تمامية الوجه في عدم توجه اليمين على المنكر في هذه الخصومة، لا مجال لرد اليمين فيه الى المدعى، و لا لميزانية نكوله و ان قلنا به في غير المقام، و عمدة الوجه فيه: انصراف أدلة الرد و النكول الى مورد كان له اليمين بدوا و الا فلا يكاد يشملهما الدليل كما لا يخفى.

تنبيه

إذا افتقر الحاكم الى مترجم، قال في الشرائع: لا يقبل إلا الشاهدان و لا يقبل الواحد عملا بالمتيقن. و لقد بنى بعضهم المسألة على كون الترجمة من باب الرواية أو الشهادة. و لا يخفى أن ذلك الابتناء إنما يتم على فرض عموم دليل سماع الرواية، و الا فلو لم يكن في البين مثل هذا العموم، لاختصاص أدلة حجيتها بالأحكام الكلية، دون الموضوعات الخارجية، لا مجال لهذا الابتناء رأسا.

ثمَّ انه على فرض العموم المزبور أيضا لا مجال لهذا الابتناء، الا على فرض تمييز الرواية عن الشهادة مصداقا و الا فمجرد تمييزها مفهوما مع اجتماع مصداقهما في وجود واحد، لا يثمر مثل هذا النزاع شيئا أصلا، كما انه على فرض التمييز بينهما مصداقا أيضا لا يثمر مثل النزاع المزبور، الا على فرض عدم عموم لدليل الشهادة على وجه يشمل الشاهد الواحد، و الا فهو حجة على أى حال.

و لكن فرض عموم دليل الشهادة كعموم دليل الرواية في غاية البعد، كما أن

تمييز مصداقهما على وجه لا ينطبقان على وجود واحد أبعد، لأن ميزان التمييز بين المصداقين إن كان بسبق الدعوى و عدم السبق بها- على ما هو المحكى عن شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه- فهو منظور فيه، لصدق الشهادة على الهلال و على بولية شي‌ء أو خمريته، حتى في مورد لم يكن في البين مخاصمة أصلا و في كثير من مقامات الاختلاف في فتوى المفتي يسمع قول الراوي، مع كونه رواية في مقام الخصومة و الاختلاف.

و أضعف منه توهم كون الميزان إثبات ما يترتب عليه الحكم و عدمه، لورود النقضين المذكورين عليه. و عن العلامة الأستاد في بعض تقريرات مقرري بحثه الشريف: ان الفرق بينهما بكيفية نظر الدليل الى حجيته، فان كان ناظرا الى اعتبار صرف حكايته فهو رواية، و ان كان لاطلاعه دخل في اعتبار حكايته عن الواقع فهو شهادة.

و لا يخفى ان مثل هذا الفرق على فرض تسليمه لا يجدي في النزاع المزبور، و لو قلنا بعدم عموم لدليل الشهادة و عموم دليل الرواية، فإن مثل هذا الفرق لا يوجب اختلافهما مصداقا، بل المصداقان قابلان للانطباق على وجود واحد، بل لا يزال يكون كذلك. و حينئذ فلا ثمرة للنزاع المزبور إذ لا يزال يكتفى في اعتباره بعموم دليل الرواية و ان لم يشمله دليل الشهادة.

و لئن قيل بان دليل الشهادة يقتضي إلغاء صرف حكايته ففي مورد شك في كونه رواية أو شهادة يشك في كونه من مصداق المخصص للعام أم لا، و لازمه عدم جواز التمسك به إلا في مورد علم كونه رواية.

قلت: بعد فرض اتحادهما مصداقا في جميع موارد دليل الشهادة من الموضوعات الخارجية، لازمه العلم بتخصيص دليل الرواية في الموضوعات مطلقا، فلا يبقى

للنزاع المزبور وجه.

و كيف كان لا مجال لتحرير النزاع في قبول مترجم واحد على النحو المزبور.

بل الاولى ابتناء المسألة- بعد الجزم بعدم عموم في دليل الرواية أو تخصيصه بدليل الشهادة في الموضوعات- على أن لدليل الشهادة عموما يشمل الشاهد الواحد أم لا.

و حينئذ فيمكن منع عموم الدليل، فالأصل يقتضي عدم اعتباره.

ثمَّ ان ظاهر المحقق: اعتبار الإسلام و العدالة في كاتب القاضي، و ظاهر الجواهر أيضا تقريره، من جهة دخل الكتابة في حفظ المراسلات أمرا و نهيا.

أقول: بعد انتهاء النوبة إلى حجية الكتابة من الكاتب تعبدا، لم لا يعتبر التعدد أو لا أقل من اعتبار الاطمئنان فيه، الذي هو المرجع عند العقلاء. و توهم الانسداد الصغير فيه لا يقتضي- على فرض تماميته- الالتزام بالشرطين. و عليه فالالتزام باعتبار الشرطين في الكتابة في خصوص المقام تعبدا لا وجه له، بل الأمر موكول إلى كليه.

الحكم بالبينة و تزكيتها

ثمَّ انه بناء على جواز حكم القاضي بالعلم فان تحقق علمه بالواقعة فهو (و ان انتفى العلم حكم بالشهادة) مع تمكن المدعى من إقامتها و (مع علمه) أى الحاكم (بعدالة الشهود أو التزكية) بإقامة البينة العادلة على تعديله و لو من جهة استناد علمهما بالملكية من المقدمات و اللوازم الحسية الملازمة لها عادة، بنحو يخرج أخبارهما عن الحدسية المحضة المنصرفة عنها إطلاقات أدلة البينة. و سيأتي شرحه أيضا في ذيل كلام المصنف.

و هل يجب على الحاكم الفحص عن حال الشهود مع عدم علمه بحالهم

بالسؤال أو بطريق آخر، ظاهر المحقق في شرائعه ذلك، و استدل له في الجواهر بما هو المحكى عن النبي- ص- من فعله ذلك، و بإطلاقات وجوب الحكم على طبق الميزان الذي منه البينة العادلة، مثل ما دل على وجوب الحكم بالحق و القسط و العدل و أمثالها، نظرا الى كون مثل هذه القيود من قيود الواجب كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة.

و لكن يمكن ان يمنع من إطلاقها من حيث تحصيل الميزان، كيف و لازمه وجوب تحصيل أصل البينة و لا أظن التزامه به، بل الظاهر كون مثل هذه الإطلاقات في مقام بيان وجوب الحكم و كونه حكما بالحق، و لا نظر لها الى حفظ الميزان، بل لا نظر لها الى وجوب أصل الحكم، و انما المتيقن منها كونها في مقام بيان انه لو حكم فلا بد أن يكون بحق، فكأنها ناظرة إلى إيجاب كيفية الحكم و خصوصيته، لا إيجاب نفسه.

و لقد أجاد في الجواهر حيث أنكر قيام الدليل على وجوب الحكم بعنوانه الاولى على غير الامام و النبي و المأمورين من قبلهم. فحينئذ لا مجال لإثبات وجوب الفحص بملاك المقدمية من مثل هذه الإطلاقات.

و أضعف من الجميع التمسك بعموم «رجل قضى بالحق و هو لا يعلم» بناء على أن المراد هو العلم بالميزان أو الحق الأعم من الواقعي و الظاهري.

إذ غاية دلالته وجوب تحصيل الخصوصية في ظرف ارادة الحكم، لا وجوب الحكم الخاص مطلقا، كي يجب تحصيله مطلقا مقدمة للواجب المطلق كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فيكون تحصيل الميزان بمقتضى الرواية من قبيل الطهارة بالنسبة إلى مس كتابة القرآن لا بالنسبة إلى الصلاة الواجبة. و كم فرق بين المقامين و أما الرواية المحكى فيها فعل النبي، فمع ضعف سندها لا تدل على وجوبه، لعدم اقتضاء فعله (ص) ذلك، غاية الأمر استفادة الرجحان منه.

نعم لو ثبت وجوب الحكم مطلقا من الخارج أمكن إثبات حرمة الحكم بلا ميزان من مثل الإطلاقات المزبورة خصوصا الأخير منها، و لكن إثبات ذلك لو لا دعوى الإجماعات في غاية الإشكال.

نعم على فرض ثبوته لا مجال لتوهم ان غاية دلالة الإطلاقات تحصيل مطلق ما هو الميزان، و من المعلوم أن مع العلم بالبينة العادلة ينحصر الميزان بها، و أما مع عدمه فمقتضى أصالة عدم وجود البينة العادلة ينتقل الميزان الى حلف المنكر، فلا يجب عليه الفحص أيضا، لإمكان الجواب بان دليل ميزانية الحلف منصرف عن صورة إقامة المدعي ببينته، و لو كانت مشكوكة الحال فلا بد ان يفحص عن مثلها مع أن أصالة العدم في الشبهات الموضوعية قبل الفحص في الأمور الراجعة إلى حقوق الناس أو أعراضهم أو دمائهم غير جارية، و لذا لا يظن اكتفاؤهم في البراءة عن الدين الزائد على المقدار المعلوم، بصرف شكه بدون الرجوع الى دفتره مع كمال قدرته عليه، و هكذا في الاعراض و الدماء فتأمل.

و على أى حال ففي الاكتفاء باعتراف الخصم بعدالتهما مع دعواه خطأ هما اشكال لعدم نفوذ إقراره إلا على نفسه، فليس له بعده دعوى الجرح عليهم، و أما إثبات الميزان به للحاكم ففيه إشكال، إذ ليس شأن طريقية الإقرار هذا المقدار، و مجرد كون الغرض من التزكية استظهار حق المدعى لا يقتضي سقوطه بإقراره، نعم ذيل المرسلة المحكية عن النبي (ص) و ان كان يدل على سماع قول الخصم، لكن إثباته بها فرع حجيتها، و لقد أشرنا سابقا إلى انها ضعيفة غير مجبورة.

ثمَّ انه بناء على اعتبار العدالة بمعنى الملكة المعروفة، لا يجزى مجرد علم الحاكم بإسلام الشاهد و عدم ظهور فسقه إلا بجعله من طرق العدالة تعبدا، و لعل من اكتفى بهما يكون مذهبه في العدالة الاكتفاء بذلك، اما في حقيقتها أو في طريق إحرازها، نعم لا بأس بالاكتفاء بحسن الظاهر، لما حققناه في محله من كونه من طرق العدالة، فحينئذ لو علم

خلافه حين أداء الشهادة ينتقض حكمه السابق، و قياس المقام بباب الجماعة غير وجيه بعد بطلان القياس و اختصاص كل باب بدليل مخصوص، نعم لو انكشف فسقه بعد حكمه أو بعد أداء الشهادة فلا وجه لنقض حكمه، لعموم دليل حرمة النقض بمثله.

كيفية تزكية الشاهد و جرحه

(و) على اى حال فالمشهور انه (تسمع مطلقة) اى مطلق الشهادة بالعدالة بلا استفسار عن السبب فيها أي في العدالة و كذا في الجرح تسمع مطلق الشهادة عليه على الأظهر و ان كان (خلاف) المشهور في (الجرح) لمصيرهم الى وجوب الاستفسار عن السبب و قد يوجه التفصيل المزبور بان الاستفسار في العدالة مستلزم للحرج، لتعدد الكبائر التي لا بد من اجتنابه عنها بخلاف الجرح إذ يكفي فيه ارتكاب واحد منها.

و لا يخفى ما فيه من منع لزوم العسر في السؤال عن اجتناب الكبائر، خصوصا إذا كان ذلك بنحو الاجمال مع أن نفى الحرج في طرف الجرح لا يقتضي وجوب السؤال بعد إمكان حمل كلام الشاهد على الفسق الواقعي المستند إلى حسية سببه، بل ربما لا يثمر الاستفسار في فرض إمكان حمل فعله على الصحة، مع فرض إحراز حسن ظاهره في كونه مجتنبا عن سائر المعاصي، نعم لو لم يحرز حسن ظاهره و لو بقيام البينة على خلافه أو لم تجر أصالة الصحة في حقه و لو من جهة ظهور حاله في كون ارتكابه عن معصية، أمكن قبول قول الشاهد في جرحه بل في هذه الصورة يحتاج الشاهد الى المعدل و لو لم يكن في البين جارح، لأن الأثر مترتب على عدالة الشهود لا على عدم فسقهم.

ثمَّ ان ذلك كله لو لم يحتمل اختلاف الحاكم و المعدل أو الجارح في حقيقة العدالة من حيث الشبهة الحكمية، و إلا فلا بد من الاستفسار من جهة احتمال مخالفة

اعتقاده مع اعتقاد غيره.

و وجه ذلك هو: ان دليل الشهادة لا يشمل ما يكون حدسيا بحدس محتمل المخالفة لاعتقاده، و هذا غير الموارد المحتمل فيها حسيته أو حدسيته، المدعى قيام السيرة على قبولها. كما ان قياس المقام بأصالة الصحة المحمولة على الصحة الواقعية مطلقا باطل، مع إمكان منع السيرة عليه في الأصل المزبور بإطلاقه.

و عليه فلا مجال للمصير الى قبول شهادة الجرح و التعديل مطلقا كما في الجواهر و لا لإطلاق القول بالاحتياج الى الاستفسار كما عن بعض آخر، و لا لإطلاق الاحتياج إليه في خصوص الجرح كما عن المشهور، بل التحقيق المصير الى قبر لهما في الشبهات الموضوعية مع اتحاد الرأي، مع فرض عدم جريان أصالة صحة العمل في حقه أيضا و إلا فلا يسمع الجرح مع إحراز حسن ظاهره من سائر الجهات حتى مع الاستفسار.

و أما في الشبهات الحكمية مع احتمال مخالفة الاجتهاد فلا يسمع إلا مع الاستفسار، و لا يخفى ان مثل هذا التفصيل بين الشبهات الموضوعية و الحكمية جار في كل ما يجرى الاجتهاد في شرح حقيقة المشهود به كالملكية و الزوجية و أمثالهما.

و لكن الذي يسهل الخطب في هذه الأمور غير مسألة الجرح، دعوى بعض قيام السيرة على سماع الشهادة مطلقا فيها بلا احتياج الى الاستفسار عن سببها، فان تمَّ ذلك فهو، و إلا فللنظر فيه بإطلاقه مجال، إذ مقتضى القاعدة هو الذي بيناه مفصلا.

ثمَّ انه لا اشكال ظاهرا في جواز استناد الشهادة بالعدالة إلى حسن الظاهر الذي هو طريق إليها من جهة بعض النصوص الخاصة، مضافا الى إمكان استفادة قيامه مقام العلم الموضوعي على وجه الطريقية من عموم دليل اعتباره الدال على تتميم كشف الامارة عن الواقع، و لولاها لأشكل أمر جواز الشهادة بشي‌ء بمحض قيام أمارة

تعبدية عليه، من جهة ان جوازها ليس من آثار واقع المشهود به، بل هو من آثار العلم به، إذ مع الشك فيه يصدق على الاخبار به الافتراء المحرم، فلا ترفع هذه الحرمة إلا ببركة العلم بمطابقته للواقع، و لذا نقول بان العلم بالمشهود به مأخوذ في موضوع جواز الشهادة جزما، و ليس وجه حرمته احتمال كذبه، إذ من هذه الجهة كانت الشبهة موضوعية و هي مجرى البراءة قطعا.

تعارض الجرح و التعديل

ثمَّ انه إذا اختلف جارح و معدل، فان كان بنحو قابل للجمع بينهما و لو بان يكون أحدهما مصرحا باستناده إلى الامارة و الآخر غير مصرح به، أو أحدهما يكون مصرحا باستصحاب ما رأى منه من المعصية و الآخر بتوبته و حصول الملكة له جديدا، فلا إشكال في الجمع بينهما بنحو ممكن.

(و) اما (مع التعارض) بينهما بان يصرح الطرفان بمعنى لا يمكن صدقهما فيه فقيل: (يقدم الجرح). و الحق التساقط مطلقا، كما إذا لم تكن هناك بينة للتعارض المقتضى لتساقطهما حتى في فرض العلم باختلاف المستند لشهادتهما، لو لم نقل بترجيح المستند الى الوجدان، على المستند الى الأصل و الامارة، و ذلك لتساوى نسبة دليل اعتبار البينة إليهما و لازمه التساقط، بناء على التحقيق من طريقيتها لإثبات الميزان و ان قلنا بموضوعيتها على أصل الملكة بالإضافة إلى الفصل للخصومة مع إمكان دعوى ان ما هو موضوع الفصل هو البينة الحجة على الواقع طريقا محضا، إذ لازمه أيضا عدم تحقق الميزان عند التعارض و لو قيل بأن البينة المعدلة بنفسها ميزان في الفصل أو له دخل في الميزان، لا انه طريق محض اليه.

مع إمكان منع موضوعيتها حتى بالنسبة إلى مرحلة الفصل، بل الفصل من آثار

نفس الواقع، غاية الأمر خصص دليل التعبد في بعض المقامات مثل اليد و الاستصحاب و أمثالهما، بالنسبة إلى مثل هذا الأثر بعموم الحصر في قوله: «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» الناظر الى الطرق التعبدية، على ما هو عمدة التقريب في استفادة جواز القضاء بالعلم، من مثل عموم من حكم بحكمنا، و ان كان التحقيق خلافه لظهور قوله: «رجل قضى بالحق و هو لا يعلم» في بطلان قضائه و عدم فاصليته.

و من جهة ذلك لا بد من حمل مثل هذا العموم، و كذا سائر العمومات الدالة على وجوب القضاء بالحق و القسط و العدل، على الحكم في مقام الفصل، و كذلك الحق و القسط في هذا المقام، لا الحق المدعى به واقعا و لذا قلنا سابقا بان عمدة وجه الجواز للقضاء بالعلم هو قوله: «رجل قضى بالحق و هو يعلم» بناء على كون المراد من الحق فيه بقرينة مقابله هو الحق المدعى به لا الحق في مقام الفصل قبال الفصل الباطل، مضافا الى تنقيح المناط المستفاد من القضاء على طبق البينة و اليمين، لبعد اشتراط ميزانيتهما بصورة عدم حصول العلم منهما.

بل ربما صارت مثل هذه الجهة من الاستبعاد سبب جعل بعض الأعاظم مثل الفاضل الكنى- قدس سره- العلم الناشئ منهما خارجا عن محل النزاع، و ان عمدة النزاع في العلم الناشئ عن غيرهما.

و على اى حال فالتحقيق ان الفصل من آثار الحجة على الواقع لا من آثار نفس الواقع و لا من آثار ذات البينة و اليمين، و لو لم يكونا حجتين لعموم «قضى بالحق و هو لا يعلم» بالنسبة إلى الجهة الثانية «و قضى بالحق و هو يعلم» بضميمة قيام الامارة مقام العلم الموضوعي إلا ما خرج، بعموم الحصر المتقدم بالنسبة إلى الجهة الاولى، و عليه ظهر مما ذكرنا موضع النظر فيما حكى عن شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه.

ثمَّ ان ذلك كله حكم صورة تصريح الشاهدين بأحد النحوين، و اما مع إطلاقهما في الجرح و التعديل، ففي الجواهر: إلحاق هذه الصورة بالصورة الأولى، القابلة

للجمع. نظرا الى دعواه الانصراف في التعديل بحكم الغلبة إلى حسن ظاهره، مع عدم علمه بصدور الفسق منه، و انصراف الجرح برؤية صدوره منه.

و لكن لا يخفى ما في هذه الدعوى، من كون باب المنع فيه واسع، إذ على فرض تسليم الغلبة لا نسلم كونه منشأ لانصراف اللفظ و ظهوره فيه، بل غاية الأمر كونه خارجيا لا يغني من الحق شيئا، فالمحقق حينئذ إلحاق هذه بالصورة الثانية المحكومة بالتساقط من جهة صدق التعارض بينهما عرفا، على وجه غير صالح للجمع بينهما لفظا كما هو ظاهر.

ثمَّ انه لا إشكال في صورة قطع المعدل أو الجارح بالعدالة و الفسق من حيث جواز الشهادة بمقتضى علمهما، و انما الكلام في صورة عدم العلم بهما وجدانا مع قيام أمارة تعبدية عليه مثل حسن الظاهر، بناء على طريقيته للعدالة أو قيام بينة عادلة عنده على كل واحد منهما، ففي جواز الشهادة على طبقها بمقتضى القاعدة فرع اقتضاء أدلة الامارات تتميم الكشف، و الا فلو كانت ناظرة إلى مجرد تنزيل المؤدى منزلة الواقع، فلا يكاد يصلح مثلها للقيام مقام العلوم المأخوذة في الموضوع على نحو الطريقية.

و حينئذ فيحتاج الى دليل خاص تعبدي يمكن إثباته في حسن الظاهر بمقتضى قوله: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته» و هكذا في اليد بالنسبة إلى الاملاك.

و اما غيرها ففي القيام مقام العلم على هذا المسلك اشكال و ان كان التحقيق خلافه.

ثمَّ إن هنا مسائل تعرض لها في الشرائع لا بأس بالإشارة إليها.

منها: انه مهما ثبتت عدالة البينة أو فسقها نحكم ببقائهما الى ان نعلم بالمزيل لحرمة نقضهما بالشك، من دون فرق بين مضى زمان يمكن تغير الحالة فيه عادة، أو لا

و التفصيل من خرافات العامة.

و منها: انه ينبغي للقاضي أن يجمع قضايا كل أسبوع في كتابه ليبقى على ثقة منها في الأزمنة الآتية مقدمة لرفع الخلط و الاشتباه.

و منها: انه في كل موضع يحتاج الى كتابة ليس مئونة قرطاسه و غيرها عليه، بل كلها لما كانت راجعة إلى مصالح المسلمين فهي من بيت المال المعد لهم، و مع عدم بيت المال فليس على القاضي بذله من كيسه، بل يمكن نفى وجوبه حتى مع بذل الغير، وفاقا للجواهر في التشكيك في هذه الجهة.

و منها: انه يكره ان يضيف احد الخصمين دون الآخر، لما ورد من نهى الرسول- ص- عنه.

(و) منها: انه (يحرم) أخذ (الرشوة) على المعطى و الآخذ لقوله: «لعن اللّه الراشي و المرتشي» و المراد من الرشوة هو المال المعطى بقصد إحداث الداعي به على الحكم أعم من ان يكون بحق أو باطل، و ليس مثل هذا العنوان مختصا بما يجعل عوضا عن العمل الذي هو إصدار الحكم منه، و ان كان ذلك أيضا حراما على الآخذ، لما تقدم من ان من السحت أجور القضاة المنصرف إلى جهة قضائهم.

نعم في شمول العنوان المزبور لما يعطى لمحض التحبب و المودة الداعية في محله للحكم على طبق مرامه اشكال، و ان توهمه بعضهم. فالأصل حينئذ عدم الحرمة و صحة نقله بأحد العناوين المعهودة بعد الجزم بأن الإعطاء بعنوان التمليك لا بد ان ينطبق على هذه العناوين. نعم لو كان داخلا في العنوان الفاسد من العناوين المعهودة الفاسدة أو غيرها كان فاسدا مع قطع النظر عن طرو عنوان الرشوة، فالبطلان الناشئ من ناحيته لا بد ان يكون في مورد يكون العمل لولاه صحيحا ذاتا، و لازمه مع الشك في شمول الرشوة المبطلة الرجوع الى دليل مقتض لصحته ذاتا.

و من هنا ظهر ان الرشوة المبطلة لا بد ان تكون في ضمن احد العناوين المقتضية للصحة، و عليه فيكفي في رفع اليد عما يقتضي صحتها ما ورد: ان من أكل السحت الرشا في الاحكام، حيث ان النهى عن نفس المال ملازم عرفا مع الفساد من دون احتياج في إثبات الفساد الى التمسك بنواهى نفس الرشوة كي يرد عليه بان النهي المتعلق بالمعاملة بعنوان ثانوي مثل الإعانة على الإثم لا يقتضي الفساد، و هذا أيضا على فرض كون الرشوة نفس العمل من نحو التمليك بداعي كذا، و اما لو كان عنوانا للمال المعطى فالنهي يقتضي الفساد كما أشرنا اليه.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر لك ما في كلمات الجواهر حيث ادعى دلالة حرمة المعاملة حتى بعنوان الإعانة على الإثم على الفساد، و أيضا ظهر ما في رد بعض المقررين من منع اقتضاء دليل الرشوة فساده مطلقا، و انما فساده في صورة كونه جعالة على الحكم لما ورد فيه انه سحت. و يظهر وجه ضعفهما من التأمل فيما ذكرنا.

ثمَّ انه لا اختصاص في تحريم إعطاء المال رشوة بين كونه لاستنقاذ حق أو لمحض الحكم بالباطل، نعم مع انحصار الطريق في استنقاذ حقه بالرشوة لا بأس به في المعطى لعموم نفى الضرر بل الحرج و اما الآخذ فيحرم عليه أخذها، بل (و تجب إعادتها و ان حكم بالحق) لحرمته مطلقا على المرتشي لإطلاق الخبر السابق، و مع التلف حينئذ يضمن لكونه من صغريات المقبوض بالعقد الفاسد على اشكال في المجانيات، لما اشتهر من ان كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. و لقد حققنا المقال فيه في كتاب البيع فراجع.

هذا كله لو كانت الرشوة عينا و اما لو كانت عملا فضمان المرتشي فرع كون العمل بأمره أو بمقتضى معاملة فاسدة و الا ففي الضمان إشكال إذ لا مقتضى له حينئذ و ان كان العمل وافيا بغرضه.

وجوب إحضار الخصم عند الحاكم

(و) على اى حال (إذا التمس الغريم إحضار خصمه اجابه) الحاكم، على المشهور، في الحاضر في البلد قبل تحرير الدعوى، و في الغائب بعده كما في الشرائع، مستندا إلى المشقة في الغائب دون الحاضر، و أورد عليه بأنه قد يشق على ذوي المروات الحاضرين في البلد أيضا، مع ان قضية المشقة تقتضي عدم لزومه حتى بعد تحرير الدعوى، و لعله لذا التزم بعض بعدم لزوم الحضور مطلقا حتى بعد التحرير.

أقول: لا يخفى ان ظاهر هذه الكلمات مفروغية تحقق مقتضى الوجوب فيه، و انما الإشكال في إبداء المانع من مثل المشقة، و لكن إتمام الدليل على أصل الوجوب أيضا مشكل، إذ نمنع كونه من توابع حق دعوى المدعى، و لا كونه من لوازم استنقاذ حق من له الحق، خصوصا بناء على اقتضاء القاعدة جواز الحكم على الغائب، غاية الأمر هو على حجته غير المنافي لحرمة رده، و لو من جهة كون حجته ناظرة إلى نفى موضوع حرمة الرد، من صحة الحكم الصادر عن ميزان الفصل كما لا يخفى.

اللهم الا ان يدعى كون الإلزام بالحضور من شئون القضاء عرفا أو خصوص قضاة الجور الثابت مثلها لقضاتنا بالمقبولة، بل ربما يشعر قوله في ذيل رواية عبد الرحمن:

«لألزم اليمين أو الحق» (1)بثبوت مثل هذا الحق للقاضي مقدمة لإلزامه بيمينه، و لو من جهة كون حضوره لدى الحاكم شرط يمينه.

و لكن ذلك أيضا على فرض تماميته لا يقتضي الإلزام بالحضور قبل تحرير


1) الوسائل ج 18 ص 173 باب 4 كيفية الحكم.

الدعوى، بل و بعد تحريرها بل غاية ما يقتضيه هو إحضاره وقت توجيه اليمين إليه كي يلزم باليمين في محضر الحاكم، و مثله أجنبي عن محط البحث في كلماتهم.

ثمَّ انه على فرض ثبوت الوجوب لا وجه للتفصيل بين الإحضار قبل تحرير الدعوى في الحاضر في البلد، و بعده في الغائب، لأن اختصاص دليل الحرج في- الغائب لا يقتضي التفصيل المذكور، إلا إذا فرض قيام الحرج في الغائب بالنسبة إلى مقدار تحرير الدعوى مع اقتضاء دليل الإلزام إحضاره مهما أمكن. و إتمام الأمرين في منتهى الاشكال.

و على اى حال بعد البناء على لزوم الإحضار فإن مثل هذا الحكم ثابت مطلقا (الا في المرأة غير البرزة أو المريض فينفذ إليهما من يحكم بينهما) بناء على لزوم الحكم في حضور المنكر، و الا فيحكم في غيابهما الا مع فرض توجه اليمين إليه، فإنه لا بد من الإنفاذ إليه كي يصير يمينه في محضره.

الفصل الثاني- في كيفية الحكم

اشارة

(و) يجب (عليه) اى على القاضي (ان يسوى بين الخصمين في الكلام و السلام و المكان و النظر و الإنصات) على المشهور لما في خبر السكوني المنجبر: «من ابتلى بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة و النظر و في المجلس». و في آخر: «فليساو» بدل «فليواس». و في ثالث: النهى عن ضيافة الخصم الا و معه خصمه، و لوصية على (ع) لشريح: «ثمَّ واس بين المسلمين بوجهك و منطقك و مجلسك حتى لا يطمع قريبك في جيفك و لا ييأس عدوك من عدلك» (1).

هذا و لكن لا يخفى ان التعليل في ذيل الأخير، يصلح للقرينية المانعة من ظهور الأمر في صدره في الوجوب، و عليه فيشكل استفادة الوجوب من مثله، و اما البقية فهو فرع العلم باتكال المشهور عليها، و دونه خرط القتاد، و حينئذ فربما يشكل أمر إقامة الدليل على أزيد من رجحانها. و لقد أجاد في الجواهر في منعه ذلك بمقتضى الصناعة و اللّه العالم.


1) الوسائل ج 18 ص 156 و 157 باب 2 و 3 آداب القاضي.

و يجب أيضا (العدل في الحكم) لما في الرواية: «ثلاثة لا بد من حفظها: اقامة الحدود على القريب و البعيد، و الحكم بكتاب اللّه في الرضا و السخط، و القسم بالعدل بين الأحمر و الأسود» (1)مضافا الى الأمر به في كتاب اللّه «أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (2)ثمَّ ان ذلك كله في صورة تساويهما في الإسلام (و) مع الاختلاف (يجوز ان يكون المسلم قاعدا أو أعلى منزلا و الكافر قائما أو اخفض) لقول رسول اللّه (ص): «لا تساووهم في المجلس» (3)و في التعدي عن مورد الرواية إلى غيره مع إطلاق النصوص السابقة نظر، الا فيما كان متعلقا بحفظ الشرف لا بمرحلة العدل في الحكم، و الا فيجب التسوية بينهما جزما.

(و لا يلقن الخصم) بما فيه ضرر على خصمه مع علمه بفساد دعواه للنهى عن إضراره بمقتضى «لا ضرار» و هذا لا اختصاص له حينئذ بالحاكم، و اما مع عدم إضراره به و لو لعلمه بمحقيته في دعواه، ففي إثبات الحرمة لو لا إطلاق معاقد الإجماعات نظر و عليه فيقتصر ذلك في الحاكم دون غيره.

(و لو بادر أحدهما بالدعوى قدمه فيها) بناء على منع الإطلاق في أدلة الحكومة من هذه الجهة، و الا فهو مخير في تقديم أيهما شاء لو لا إطلاق صحيح ابن مسلم (4)الدال على تقديم من على اليمين و من إطلاقه يستفاد حكم ما لو وردا دفعة أيضا من دون احتياج إلى القرعة لعدم اشكال فيه حينئذ، و منه ظهر وجه ما افاده المصنف أعلى اللّه مقامه (و لو ادعيا دفعة سمع من الذي على يمين خصمه) و ان كان الاولى جعل ذلك مرجحا مطلقا.


1) الوسائل ج 18 ص 156 باب 1 الآداب

2) سورة النساء: 58

3) راجع الجواهر ج 40 ص 163

4) الوسائل ج 18 ص 160 باب 5 الآداب

اشتراط كون الدعوى ملزمة و عن جزم

و كيف كان مهما ابرز المدعى دعواه في مجلس المحاكمة لا بد ان تكون الدعوى عن جزم و لو إجمالا بما يترتب عليها اثر ملزم، و الا فلا يكاد تنتهي مجرد الدعوى بشي‌ء مجهول إلى الإلزام به بمقتضى الموازين، الا مع فرض الالتزام بجواز الاختلاف بين البينة و الدعوى من حيث الاجمال و التفصيل، و لكن ذلك أيضا انما يتم على فرض إطلاق الدليل على السماع الا ما خرج بالدليل، و لو كان الدليل المطلق بناء العرف الممضى شرعا بتقريرهم و عدم ردعهم في سماعهم، و الا فلا مجال للسماع للشك في كون المورد مما يصلح ان تقع فيه المخاصمة التي هي ظرف ميزانية اليمين و البينة في مقام الفصل، و على اى حال لا مجال للمصير الى اعتبار كون المدعى به جزميا تفصيليا، فيكفي كونه على إجماله ملزما.

فما عن الشيخ- قدس سره- من عدم سماع دعوى فرس أو حمار منظور فيه، إذ لا وجه لعدم سماعها مع بناء العرف على سماعها و فرض انتهائها إلى الميزان أيضا من إقرار أو بينة إجمالا أو تفصيلا أو يمين على نفيه مطلقا أو على ثبوتها إجمالا المقتضية لإلزام الخصم على الفراغ عن العهدة بأي طريق ممكن.

نعم لو لم ينته الأمر في مورد الى ميزان الفصل، فسماع الدعوى في مثله لغو

محض، فينتظر الى زمان تحقق ميزان فصله.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر انه لا تسمع الدعوى المجهولة من جميع الجهات حتى مع الجزم بملزميتها على فرض ثبوتها الا مع فرض قيام امارة على تهمة المدعى عليه، إذ العرف يسمعون مثلها، و بناؤهم متبع ما لم يردعهم الشارع و لم يثبت ذلك بل ثبت خلافه من جهة الاخبار الواردة في القصار و الصباغ على جواز الدعوى عليهم بصورة الظن، نعم لو لم يثبت بناء العرف على السماع مطلقا في موارد التهمة أشكل التعدي عن مورد هذه الاخبار من حيث اختصاصها بالأمين أو بكون المال مما يستصحب بقاؤه، إلى غيرها.

نعم في ابزار مثل هذه الدعوى بصيغة الجزم في غير صورة اقتضاء الاستصحاب أو امارة تعبدية أخرى على صحتها منه اشكال، من جهة كونه نحو افتراء محرم، و مع قيامهما لا بأس به، لقيام مثلهما مقام العلم في هذا الأثر كالفتوى على طبق الواقع بمقتضاهما كما لا يخفى.

ثمَّ انه إذا تمت الدعوى، قال في الشرائع: «هل يطالب الحاكم بالجواب أم يتوقف على التماس المدعى، فيه تردد، و الوجه انه يتوقف، لأنه حق له فيقف على المطالبة» انتهى. أقول: ظاهر هذه الكلمات ان للحاكم المطالبة في الجملة، و ذلك أيضا بمعنى سلطنته على إلزامه بالجواب، لا انه لحق عليه على وجه قابل لإسقاطه، و لا بمعنى مجرد جوازه تكليفا. إذ لا مجال للشك في جوازه تكليفا و لو من جهة الأصل و لا في بقائه على السلطنة عند القائل بها حتى بعد إسقاطه للاستصحاب.

و على اى حال إنما الإشكال في أصل المبنى لمثل هذه السلطنة بعد اقتضاء الأصل عدمها، بضميمة عدم توقف استيفاء الحق على على جوابه، خصوصا مع وجود البينة للمدعي، لأن إطلاق ميزانيتها يقتضي جواز الحكم على طبقها و لو قبل

جوابه، بل و على فرض عدم إطلاق في دليل الميزانية لا وجه للإلزام مقدمة لتحصيل الميزان، لما عرفت من عدم دليل يقتضي مثل هذه السلطنة، اللهم الا ان يدعى ان مثل هذه السلطنة من شئون القضاة اما مطلقا أو لا أقل من كونها من شئون قضاة الجور الثابتة لقضاتنا بإطلاق المقبولة، غاية الأمر لا إطلاق لها من حيث مطالبة المدعي، فيقتصر على المتيقن منه.

كما ان إطلاق إلزام الحاكم باليمين على فرض تسليمه لا يقتضي إلزامه بالجواب أصلا فضلا عن إلزامه بها قبل مطالبة المدعى، بل غاية ما يقتضي هو إلزامه باليمين بعد الفراغ عن إحراز كونه منكرا و وظيفته اليمين كما لا يخفى، و على اى حال فما عن الجواهر من عدم التوقف على مطالبة المدعي للأصل، منظور فيه.

إقرار المدعى عليه

ثمَّ ان جواب المدعى عليه بعد الإلزام به أو قبله، اما إقرار أو إنكار أو سكوت.

و قيل بشق رابع و هو الجواب بقوله: لا ادرى، و سيتضح توضيح المقال فيه إنشاء اللّه تعالى كما سيجي‌ء حكم صورة خامسة و هي: ان يجيب بأنه ليس له، على نحو يصرف الدعوى عن نفسه.

و بالجملة (فإن أقر خصمه) للمدعي (ألزمه ان كان كاملا مختارا) على ما هو المذكور في محله من شرائط سماع إقراره، من دون فرق في ذلك في الدين و العين في يد المقر، إذ على اى حال يلزم المقر بمقتضى إقراره و يحكم باشتغال ذمته للمقر له، بل يحكم بكونه مالكا، لأنه من تبعات سماع إقراره على نفسه كما أشرنا إليه سابقا.

كما ان في العين أيضا يحكم بملكيتها للمقر له، لكن لا من جهة إقراره، حيث انه لا يكون نافذا إلا في نفى ملكية المال عن نفسه، بل انما هو بملاك اقتضاء اليد نفى ملكيته

لغير المقر له أيضا. و لذا يصير المقر له في دعوى غيره عليه بمنزلة ذي اليد فيقدم قوله بيمينه.

و لكن في كون أمثال هذه مناطا للفصل اشكال. بل ما هو مناط الفصل هو إقراره بما اقتضت حجيته و هو نفى ملكيته عن نفسه لا ملكيته لغيره، و من هذه الجهة نقول:

ان حكم الحاكم في مثل هذه الصورة لا يقتضي إلا فصل الخصومة بينهما بحيث لا تسمع الدعوى من المقر و لا يقتضي عدم سماعه من مدع آخر، و ذلك أقوى شاهد على ان محط حكم الحاكم في مقام الفصل ليس هو الملكية للمقر له، كيف و لازمه حرمة رده بالنسبة الى كل احد، و لازمه عدم سماع الدعوى حتى من غير المقر، و عدم اختصاص الفصل المنتزع عن حرمة الرد بالمقر وحده، و هو كما ترى لم يلتزم به احد و ذلك شاهد عدم كون الحكم بالملكية حكما فصليا و انما هو حكم بترتيب الأثر على طبق الحجة بالتقريب المتقدم.

و من هنا ظهر أيضا حال حكم الحاكم على طبق البينة على ملكية المال للمدعي إذ في مثله أيضا ليس فصل الحاكم الا نفى ملكية المنكر له. بمعنى انه تفصل بحكمه خصومته فقط لا خصومة غيره، و ان حكمه بالملكية بمناط حكمه بترتب الأثر على طبق حجته لعموم دليله.

و عمدة النكتة فيه أيضا ان إطلاق حجية البينة غير ملازم لإطلاق ميزانيتها للفصل بل انما هي ميزان عند تحرير المخاصمة، و لازمه حينئذ عدم ميزانيتها لملكية المال حتى بالنسبة الى غير هذا المدعي الذي لم يحرز بعد خصومته، و انما هي ميزان للملكية بالإضافة إليه لا مطلقا، و مرجعه الى الحكم بالملكية في ظرف انحصار الأمر بينهما لا الملكية مطلقا، لعدم اقتضاء ميزانية البينة أيضا أزيد من ذلك من جهة عدم إطلاق في دليل ميزانيتها حتى بالنسبة الى غير من حرر التخاصم، و هكذا الأمر في اليمين

و هذه الجهات منشأ حكمهم بان حكم الحاكم لا يكون فاصلا الا للخصومة المحررة من قبل المدعى دون غيره.

ثمَّ انه قد يشكل في ميزانية الإقرار لفصل الخصومة من جهة انه مع الإقرار لا خصومة كي يحتاج الى الفصل مضافا الى كونه مخالفا لحصر الميزان في قوله: «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» في بعض الروايات و «بالسنة الماضية» أيضا في بعض آخر.

و لكن يمكن تخصيص الحصر بالإجماعات المتكررة في كلماتهم، و اما ما أفيد من عدم الخصومة معه فهو كذلك لو لم نقل بأن ثمرة الحكم كونه فاصلا للخصومة الفعلية و الشأنية نظرا إلى إطلاق حرمة رده كما لا يخفى.

ثمَّ لا يخفى ان مجرد العمل على طبق قول المقر لا يكون فصلا و لو قيل بأعمية الفصل من الإنشاء الفعلي، خصوصا لو كان العمل على طبق ملكيته للمقر له، لما عرفت من انه عمل في الحقيقة على طبق اليد أو الدعوى بلا معارض في الأعيان، مع انه من الواضح عدم كون أمثال هذه من موازين الفصل، بل الفصل من الأمور الإنشائية القصدية الصادرة عن قصد تحققه بقول أم فعل.

و بهذا البيان أيضا نقول في العمل على طبق البينة القائمة على ملكية شي‌ء لزيد انه نظير العمل على طبق قطعه أو على طبق اليد و الاستصحاب، فإنها كلها من لوازم حجيتها غير المختصة بالمجتهد بعد عموم دليل كل واحد منها.

و حينئذ فلا وجه لما حكى عن بعض الأعاظم من كون العمل على طبقها مختصا بالمجتهد، نظرا الى اختصاص فصل الخصومة به، و لا لما يجاب عنه من منع اختصاص مطلق مراتب الفصل بالمجتهد، كيف و لو كان فصلا كان بجميع مراتبه مختصا به، لاختصاص منشأ انتزاعه من حرمة رده بمثله.

و على ما ذكرنا فلا تنافى بين عموم دليل حجية الإقرار و البينة لكل أحد، و بين اختصاص الفصل بخصوص الحاكم بجميع مراتبه، و حينئذ فلا بأس بالعمل على طبقهما قبل حكم الحاكم لكل أحد أقيمت عنده الحجتان كما أفاده في الجواهر غاية الأمر لا يقتضي مجرد هذا العمل فصلا موجبا لعدم سماع دعوى المدعى بعده و انما هذه من شؤون الحكم الصادر عن الحاكم بعنوان الفصلية كما لا يخفى.

ثمَّ ان مقتضى إطلاق المصنف- قدس سره- بالتزامه عدم توقف الإلزام فصلا على التماس المدعى، وفاقا للجواهر من جهة كون زمام أمره بيده للإطلاقات، و لكن فيه منع سوق الإطلاقات في مقام البيان من هذه الجهة، كعدم سوقها من حيث موازينه، اذن فالأصل يقتضي اعتبار ما شك دخله في نفوذه.

و على أى حال يجب على الحاكم و لو بعد السؤال إنشاء الحكم فعلا أو قولا، و أما كتابة صورة هذا الحكم فلا يجب عليه، و حينئذ فلا بأس بأخذ الأجرة بإزاء كتابته و لا يشمله دليل حرمة الرشوة أو أخذ الأجرة بعد حكمه فعلا أو قولا.

و توهم شمول إطلاق دليلهما لجميع مراتب وجود الحكم حتى وجوده الكتبي منظور فيه. فيبقى حينئذ عمله هذا تحت أصالة احترام الأعمال المقتضية لجواز أخذ الأجرة عليه.

و لأن أغمض عما ذكرنا و قلنا بإطلاق دليلهما لجميع مراتب الوجود فللحاكم اختيار كتابته في قرطاسه مع قصده العوض عن القرطاس المنقوش فيه حكمه، لأنه ربما يصير مثل هذا النقش سبب ماليته بأضعاف قيمته فله أخذ القيمة بإزائه.

و بالجملة نقول: انه لو صدر مثل هذا المعنى عن عالم جليل فليس للعوام الطعن عليه و رميه بأخذ الرشا في أحكامه.

ثمَّ انه بعد ما حكم الحاكم (فان امتنع) المحكوم عليه عن أداء الحق (حبسه)

الحاكم (مع التماس خصمه) لرجوع مثل ذلك إليه بملاحظة كونه من مقدمات استيفائه، و لا أقل من الشك في استقلال الحاكم في السلطنة على الحبس فالأصل عدمه و لكن ذلك فيما أحرز كونه واجدا، أو بالأصل كي يشمله عموم «لي الواجد يحل عقوبته و عرضه» (1)و أما لو لم يحرز هذا العنوان ففي جواز الحبس اشكال لأصالة عدم سلطنة أحد على حبسه، بل ربما يقتضي الأصل عدم كونه واجدا، الذي لازمه عدم حلية عقوبته.

نعم قد يتوهم من إطلاق رواية حبس الأمير- عليه السلام- جوازه، و لكن في إطلاقها من هذه الجهة نظر و تأمل، كالتأمل في إطلاق كلام المحقق هنا و في كتاب المفلس فراجع.

(و لو طلب المدعى إثبات حقه) في قرطاس (أثبته مع معرفته باسمه و نسبه أو شهادة عدلين بالحلية) و الأوصاف المشخصة ليؤمن من التدليس. و لقد أشرنا أيضا الى ان مثل هذا المعنى غير واجب عليه فضلا عن كونه مجانيا لعدم دليل عليه فأصالة احترام العمل يقتضي جواز أخذ الأجرة عليه.

دعوى الغريم الإعسار

(و لو ادعى الإعسار و ثبت أنظره الحاكم) لعموم قوله تعالى «فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» و في الرواية «ان عليا عليا عليه السلام ابى ان يحبس المعسر، و قال: ان مع العسر يسرا» (2)خلافا للمحكي عن الشيخ في النهاية حيث التزم بدفعه الى الغريم


1) الوسائل ج 13 ص 90 باب 8 الدين و القرص

2) الوسائل ج 13 ص 148 باب 7 الحجر

ليؤجره، لخبر السكوني المشتمل على قوله «فإنه ان لم يكن له مال دفعه الى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم ان شئتم و أجروه و ان شئتم استعملوه» (1)و لكن أشهر الروايتين عملا هو رواية الانظار، بل هو موافق للكتاب الذي هو من المرجحات كمخالفة العامة، و ذلك أيضا لو لا دعوى ضعف سنده مع عدم جبره بهذا المقدار من العمل، و حينئذ فيخلى سبيله إلى ميسرة.

و في وجوب التكسب عليه تكليفا وجهان مبنيان على كون وجوب أداء الدين وجوبا مطلقا أو مشروطا بالوجدان الفعلي و يكفي في الثاني مجرد التشكيك في إطلاق وجوبه من هذه الجهة، كما انه لا مجال للتمسك فيه بعموم دليل السلطنة على الإلزام، إذ المفروض انه مخصص بدليل الانظار، مع إمكان دعوى ان قضية السلطنة ليست إلا سلطنته على استنقاذ حقه الموجود لا سلطنته على إلزامه بتحصيله، لمنع إطلاقه بهذا المقدار.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر أنه لا وجه للتفصيل بين ذي الحرفة و غيره بإلزام الأول لكونه واجدا عرفا دون غيره، لمنع صدق الوجدان الفعلي في حقه، و مجرد اجراء حكم الغنى عليه في باب الزكاة لا يقتضي إجراء حكم الواجد الفعلي عليه، إذ من الممكن دعوى أو سعية دائرة الغنى عن الواجد فلا يقاس حينئذ موضوع كل باب بغيره، لو لا دعوى ان وجود مقتضى الوجدان بمنزلة الوجدان عرفا.

ثمَّ ان ذلك كله في فرض ثبوت الإعسار (و ان لم يثبت الزم بالبينة إذا عرف له مال أو كان أصل الدعوى مالا) من دون فرق بين البينة على التلف أو الإعسار، لعموم سماعها من المدعى بلا احتياج الى ضم يمين، للتفصيل القاطع للشركة، خلافا للمحقق في كتاب المفلس، حيث فصل بين الفرضين و التزم بضم الحلف للبينة على الإعسار.


1) الوسائل ج 13 ص 148

و قد يوجه ذلك بان البينة على التلف بينة على أمر وجودي، فمع احتمال استنادها الى الحس تسمع بخلافها على الإعسار إذ هي بنفسها أو بمنشأها راجع الى الأمر العدمي الممكن كون اتكالها على نفى العلم، و حيث لم تكن بنفسها متبعة فلا أقل من صيرورتها سببا لتقديم قوله بيمينه.

و لكن لا يخفى ما فيه، من أن مجرد إيكال الشاهد على أصله في شهادته على فرض جوازه لا يخرجه عن صدق البينة التي هي الميزان في الفصل قبال اليمين، كيف و الشهادة باشتغال الذمة الفعلية غالبا مستندة الى الأصل، ثمَّ على فرض عدم ميزانية مثل هذه البينة لا مجال لإلزامه بها على فرض عدم كونه وظيفته في المقام، مع أنه على فرض الإلزام يمنع صيرورته منكرا بمحض قيام مثل هذه البينة غير المسموعة.

و بالجملة لا مجال للتفصيل في سماعها من حيث قلب المدعى منكرا، و من حيث الفصلية في فرض كونه مدعيا بنفسه، إذ على فرض السماع فلا بد أن تكون ميزانا في فصل الخصومة، و على فرض عدمه لا يصلح لقلب المدعى منكرا كي يتوجه اليه اليمين.

و أضعف من التوجيه المزبور توجيه آخر في وجه ضم اليمين اليه، بانحلال دعواه الى دعويين، إحداهما على وفق الأصل الذي هو بالنسبة إليها منكر، و الأخرى على خلاف الأصل الذي هو بالنسبة إليها مدع، فوظيفته اليمين.

و وجه الضعف أولا جريان مثل هذا الانحلال في دعوى تلف جميع المال الظاهر في حصره في الموجود.

و ثانيا منع انحلال دعوى واحدة بعد كونه على خلاف الأصل في الجملة إلى دعويين، كيف و في كثير من الدعاوي يمكن تصوير مثل هذا الانحلال المحتاج الى

ضم اليمين اليه و هو كما ترى خلاف ديدنهم في الدعاوي كما هو ظاهر.

و هذا كله في صورة سبق العلم بالمال (و إلا) أى و ان لم يسبق العلم به سواء علم عدمه أو لم يعلم بالحالة السابقة أصلا (قبل قوله مع اليمين) لكون قوله مطابقا لأصالة عدم المال أو اليسار في الأول. و أصالة عدم السلطنة على عقوبته و إلزامه في- الثاني، فيوجه اليه اليمين. و في سماع البينة منه اشكال، للتفصيل الآتي في وظيفة المدعى و المنكر القاطع للشركة، و لكن ظاهر إطلاق المحقق في كتاب المفلس قبولها منه و سيتضح وجه ما أفاد و النظر فيه.

إنكار المدعى عليه

(و) على أى حال (ان جحد) المدعى عليه (طلب البينة من المدعى) أو لا لترتب ميزانية الحلف للمنكر على فقد البينة على ما سيأتي في اخباره، و الظاهر من طلبها مجرد إرشاد الجاهل الى وظيفته و الا فلا دليل على إلزامه لعدم إطلاق في وجوب الفصل على وجه يقتضي حفظ ميزانه كيف و يلزم على المجتهد حينئذ الفحص عن وجود الميزان و هو كما ترى، و حينئذ (فإن أحضرها حكم له) لتحقق ميزان فصله (و إلا توجهت له اليمين) على المنكر بلا إشكال في غير الدماء من سائر الحقوق، لعموم اليمين على من أنكر، و انما الكلام في اقتضاء العموم المزبور اختصاص الوظيفة بيمينه أو ان ما هو حق للمدعي على المنكر هو ذاك، و ذلك لا ينافي سماع البينة منه، لإطلاق دليله، بخلافه في طرف المدعى، إذ لا إطلاق لدليل الحلف يشمل مثله.

هذا ملخص ما يستفاد من بعض كلمات الجواهر. و تبعه فيه شيخنا العلامة في بعض تقريراته المحكية. و استدلاله قريب لهذا البيان، حيث أفاد تارة بأن الفقرة

الثانية من قبيل الأمر عقيب توهم الحظر المناسب للإرفاق عليه، لعدم تمكنه من اقامة الشهود غالبا.

و أخرى بتنزيل إطلاق الفقرتين على الغالب بضميمة إطلاق دليل الحجية في طرف البينة دون اليمين.

و لكن لا يخفى ما فيه، من أن مجرد إطلاق دليل الحجية غير مرتبط بمرحلة الميزانية، و عليه فكما لا يقتضي دليل اليمين ميزانية الحلف من المدعى فبعد عدم اقتضاء هذا العموم بالتقريب المزبور، كذلك لا يقتضي إطلاق دليل البينة ميزانية البينة من كل أحد.

هذا مع أن الظاهر بملاحظة كونه في مقام البيان حصر الميزان في كل منهما بشي‌ء غير الآخر، و يؤيده ما في رواية منصور (1)الصريحة في أن عدم قبول البينة من المنكر بأمر اللّه.

حلف المدعى عليه

(فان التمسها) أى التمس المدعى اليمين (احلف) الحاكم (المنكر) على طبق إنكاره (و لا يجوز إحلافه حتى يلتمس المدعى) بلا اشكال ظاهرا فتوى و نصا، لما في جملة من الروايات (2)من تعليق ذهاب اليمين برضاه بها، بل في بعضها: انه لو لا رضاه بها لكان يأمره بأخذ حقه تقاصا من مال المنكر.

و لكن لا يخفى ان الاستدلال بهذه الفقرات انما يتم على فرض كون ميزان الحكم


1) الوسائل ج 18 ص 171 باب 3 كيفية الحكم رقم 4

2) الوسائل ج 18 ص 179 باب 10

هو اليمين المذهبة لحقه، و الا فمجرد دخل الرضا في ذاهبية اليمين بحقه لا يقتضي نفى ميزانيتها مطلقا. نعم الذي يسهل الخطب منع إطلاق في ميزانية اليمين على وجه يشمل عدم رضا المدعى بها، إذ إطلاقات اليمين طرا وردت في مقام بيان غير هذه الجهة. فحينئذ يكفي لنا الشك في ميزانية اليمين في غير فرض رضاه بها.

ثمَّ ان مجرد دخل رضا المدعى في ميزانية اليمين لا يقتضي حقيته على وجه قابل للإسقاط. فما في بعض كلمات المحقق من التعبير بالحق في المقام منظور فيه، لو أريد منه هذا المعنى. بل يمكن أيضا نفى سلطنة المدعى على الإلزام بها، بل له البذل في ظرف رضا خصمه بها، نعم للحاكم السلطنة المزبورة بملاحظة كونه من شؤون حكومته، بل في رواية عبد الرحمن «لو كان حيا لألزم اليمين أو الحق» (1).

و لكن ذلك المقدار أيضا لا يقتضي تقييد ميزانية اليمين بمطالبة الحاكم، بحيث لو بذل قبل المطالبة لا يكون ميزانا، اللهم الا ان يدعى نفى إطلاق دليله من هذه الجهة كنفي إطلاقه من حيث رضا المدعى، نعم في خبر اليهودي الآتي دلالة على الاكتفاء بها قبل المطالبة، و لكنه بواسطة اشتماله على الحلف في غير محضر الحاكم لا بد من طرح مثله، لما سيجي‌ء من لابدية ذلك فيه و لو بحمله على التقية من ولاة الجور.

و كيف كان (فان تبرع) المنكر ببذل يمينه قبل مطالبة المدعى و رضاه بيمينه بلا إحلاف من الحاكم أيضا (أو أحلفه الحاكم، لم يعتد بها و أعيدت مع التماس المدعى) لما عرفت من شرطية رضاه في ميزانيتها. ثمَّ بعد المطالبة المزبورة إما أن ينكل أو يرد أو يحلف.


1) الوسائل ج 18 ص 173 باب 4

نكول المنكر عن اليمين

(فان نكل و لم يرد ردت على المدعى) على ما نسب إلى الأكثر من القدماء و المتأخرين خلافا لجماعة أخرى منهم المحقق في شرائعه من القضاء بمجرد النكول عن اليمين و الرد الى المدعى.

و في المقام احتمالات أخرى لم أر نسبتها الى أحد، منها: حلف المدعى بلا رد من أحد. و منها: حبس المنكر و إلزامه بالرد أو الحلف. و منها: توقيف الدعوى.

و لكن الاحتمال الأول في غاية الضعف بعد عدم مساعدة قاعدة أو أصل عليه، و لا أظن التزامه من أحد. كما أن الاحتمال الثاني أيضا متفرع على عدم تمامية أحد القولين السابقين، بضميمة عدم رضا الشرع بتوقيف الدعوى. و لكن إحراز هذه الجهة الأخيرة في غاية الإشكال، فاذن يدور الأمر بين الاحتمالات الثلاثة، مع ترتب الاحتمال الأخير أيضا على عدم تمامية أحد الأولين.

و توهم أن التوقيف مستلزم للضرر، ممنوع لعدم إحراز محقية المدعى بعد كي به يحرز الصغرى.

و عليه فلا بد أولا من التكلم في وجه القولين الأولين فإن تمَّ فهو و إلا فلا محيص إلا من المصير إلى التوقيف.

فنقول: أما القضاء بمجرد النكول فقد يستدل عليه بوجوه:

منها: عموم قوله: «البينة على المدعى و اليمين على من أنكر» نظرا الى أن التفصيل قاطع للشركة، فلازمه عدم كون اليمين وظيفة المدعى إلا في صورة رد المنكر لما سيأتي من النص عليه. و لازمه- بمقتضى عدم القول بالفصل المدعى في الجواهر- ثبوت ميزانية النكول.

و حينئذ فلا يرد عليه ما أورده في الجواهر من عدم تعرض الرواية لميزانية النكول بل مقتضى العمومات الحاصرة عدم ميزانيته، مضافا الى كونه على طبق الأصل، إذ ذلك انما يتم على فرض عدم تمامية الإجماع المركب المزبور، و إلا فيمكن استكشافه بالتقريب السابق الحاكم على الأصول العملية اللهم إلا أن يقال: بعد العمومات الحاصرة أن الأمر بعد الإجماع المزبور يدور بين أحد التخصيصين، إما تخصيص عموم اختصاص وظيفة المدعى بالبينة، أو تخصيص عموم الحصر فيهما. و مع عدم الترجيح يتساقطان. فلا مجال لاستكشاف ميزانية النكول حينئذ.

بل من الممكن منع دلالة عموم «البينة على المدعى» على حصر أصل الميزان بل غاية الأمر يقتضي حصر ما يلزم به بالبينة فحينئذ لو دل دليل على إثبات وظيفة اليمين له فيبقى النكول تحت أصل العدم.

و حينئذ نقول: إن العمومات الحاصرة تقتضي نفى ميزانية غير المحصور فيه و بضميمة الإجماع المزبور يستكشف ميزانية اليمين منه و ان لم يكن بذاته ملزما به اللهم الا أن يقال: ان الإجماع المزبور يقتضي كونه ملزما به لو لا ميزانية النكول فلا جرم يلزم تخصيص ظهور ما دل على حصر ما يلزم به بالبينة، فينتهي الأمر حينئذ

إلى التساقط المزبور المانع من إحراز ميزانية واحد منهما كما لا يخفى.

و لكن لا يخفى أن الاستدلال المزبور مع قطع النظر عما قلنا فرع تمامية عدم القول بالفصل، و بطلان احتمال توقيف الدعوى، و إلا فلا محيص عن المصير الى ما ذكرنا من الاحتمال.

و منها: رواية حلف الأخرس المشتملة على قضاء أمير المؤمنين (ع) بامتناعه عن شربه، بتقريب أن ظاهر قول الإمام الحاكي لفعله (ع) في مقام بيان كيفية حلف الأخرس، و لازمه ثبوت الإلزام بمجرد النكول، غاية الأمر لا بد من تقييده بالنكول عن الرد أيضا، و لا يعارض ذلك باحتمال تقييده برد الحاكم و حلفه، فإنه تقييد زائد للزوم التقييد الأول جزما. مع إمكان أن يقال: إن عدم دلالته على امتناعه من الرد من جهة كون امتناعه عن الحلف قدر متيقن في مقام التخاطب، لا أنه منصرف اليه لظهور اللفظ، و حينئذ فيبقى ظهوره في نفى التقييد من الجهة الأخرى بلا معارض.

و أضعف من الجميع توهم الاحتياج الى التقييد بكونه بعد الحكم، لإمكان حمل إلزامه على حكمه في مقام الفصل، للجزم بعدم احتياج الفصل إلى إنشاء مخصوص بألفاظ خاصة.

نعم الذي يرد عليه عدم التزام المشهور بمضمون الرواية و تعين هذه الكيفية بل و أصل مشروعيته بل المشتهر بينهم الاكتفاء بإشارته في حلفه كاكتفائهم بها في تلبيته و قراءته، فمن الممكن حمل فعله (ع) على صورة علمه بظلم المنكر و امتناعه بعد تغليظ الأمر عليه.

و توهم أن عدم العمل بفقرة من الرواية لا يقتضي طرح جميعها، مدفوع بأنه كذلك لو لا الارتباط التام بينهما على وجه لا يرى العرف تفكيكا بينهما. و فيه ان المقام من قبيل الأخذ بالكبرى التي طبقها الامام (ع) على مصداق و طرح تطبيقها المحمول

على جهة أخرى و هو لا يضر بالاستدلال بالكبرى.

و منها رواية عبد الرحمن المشتمل صدرها على قوله: «فان لم يحلف فعليه» و ذيلها على قوله «و لو كان حيا لألزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه» و لكن لا يخفى ما في صدرها من اختلاف النسخ. ففي نسخة الفقيه: تبديل هذه الفقرة بقوله: «و ان لم يحلف و رد اليمين على المدعى و لم يحلف فلا حق له» و من المعلوم انه مع هذا الاختلال لا يبقى مجال للتمسك بالحكاية الأولى، لاحتمال سهو الراوي المانع عن كونهما خبرين، و لا مجال في مثل المورد لجريان أصالة عدم السهو، لأن فرض وحدة السند و وحدة بقية الفقرات ربما يوجب تحقق الوثوق بوقوع سهو في البين بمقدار مانع عن جريان الأصل المزبور.

و هذه هي النكتة في عدم عملهم في موارد اختلاف الراويين في متن رواية، عمل الخبرين كي يلاحظ كل منهما مستقلا ثمَّ تنسب إحداهما إلى الأخرى في مقام العلاج من حيث التعارض و عدمه، و أما ذيلها فهو فرع كون منشأ الإلزام بالحق نكوله و لكن من الممكن كون المنشأ إقراره.

هذا كله في وجوه الاكتفاء بمجرد نكول المنكر، و لقد عرفت عدم تمامية واحد منها. و أما وجه رد الحاكم اليمين الى المدعى فتارة من جهة كونه ممتنعا و هو ولى الممتنع و فيه أن ذلك فرع ثبوت ولاية الحاكم على مثله خصوصا مع عدم كونه حقا عليه بل هو حق له، نعم لو تمَّ دليل الولاية كانت هذه القاعدة حاكمة على ما دل على حصر الراد بالمنكر، و عليه فعمدة الكلام في مثل هذه الولاية أو لا أقل من إثبات كون ذلك من شؤون القضاء أو من شؤون قضاة الجور الثابتة لهم بإطلاق المقبولة، و كل ذلك مورد المنع.

و أضعف من ذلك التمسك بإطلاق «يرد» بصيغة المجهول في ذيل رواية

عبد الرحمن و رواية هشام و رواية عبيد بن زرارة الشاملة لرد غير المنكر المخصص بالحاكم إجماعا، إذ لمنع الإطلاق في هذه الفقرات المستتبع للتخصيص أو التقييد بالمنفصل الى أن ينتهي إلى الواحد، كمال المجال.

و حينئذ فلا طريق إلى إثبات مثل هذه الجهة بل بمقتضى الدليل امره أهون و ان كان بمقتضى الفتوى أشهر، و عليه فلا جرم ينتهي الأمر إلى تعطيل الأمر عند عدم البينة لو لا الجزم باستلزامه تفويت حقوق كثيرة نقطع بخروجه عن مذاق الشرع، المستلزم لاستكشاف الولاية على الرد بعد الجزم ببطلان بقية الاحتمالات إجماعا و بتا.

حلف المدعى و نكوله

(و) كيف كان ففي كل مورد يثبت رد الحلف الى المدعى من المنكر أو الحاكم (يثبت حقه ان حلف المدعى فان نكل بطلت دعواه) على المشهور، بل ادعى الإجماع على الحكم الثاني أيضا بالنسبة إلى خصوص مجلس المرافعة، بل عن بعض:

دعوى الإجماع على السقوط مطلقا.

و كيف كان فعمدة المستند للحكمين ما في خبر البصري: «و ان رد اليمين على المدعى فلم يحلف فلا حق له» (1)و مفهومه ظاهر في الحكم الأول من ثبوت الحق باليمين. و نظيره صحيح ابن مسلم و صحيح عبيد بن زرارة (2)و في المرسلة: «ان يحلف و يأخذ حقه فان ابى ان يحلف فلا شي‌ء له». و في مرسلة أخرى: «فإن ذلك واجب على صاحب الحق أن يحلف و يأخذ ماله» (3)و ضعف سندهما مجبور بالعمل.


1) الوسائل ج 18 ص 173 رقم 1 باب 4 كيفية الحكم

2) الوسائل ج 18 ص 176 باب 7

3) الوسائل ج 18 ص 177 رقم 5

و حينئذ فلا إشكال في مدرك الحكمين في الجملة، و انما الكلام في جهات أخرى:

منها: ان الظاهر ان مورد الروايات انما هو صورة إمكان صدور الحلف من المدعى، و حينئذ فلو لم يكن المدعى عالما كما في الدعوى عن تهمة، فلا اقتضاء في مثلها لتشريع الحلف عن غير بت، على وجه يصلح أن يخصص بها ما دل على اعتبار كون اليمين بتية.

و هكذا لا يقتضي مثلها تشريع الحلف لإثبات مال الغير، و حينئذ فلا تشمل دعوى الوكيل أو الوصي المتعلق بمال الغير، و ان كان ينتهي الأمر أخيرا إلى كون المال بيده. لكن ذلك متقوم بثبوته لغيره. و لقد أشرنا سابقا و سيأتي أيضا عدم مشروعية مثل هذه اليمين بمقتضى أدلتها.

و توهم انه بعد تخيير المدعى بين الحلف و النكول لا يقتضي مجرد اضطراره لترك احد الفردين إسقاط الرد بالنسبة إليه، بل غاية الأمر ينكل فيقضى بسقوط حقه.

مدفوع بمنع الإطلاق بهذه المثابة من الأول، بل الحكم بنكوله أيضا منصرف إلى صورة تمكنه من حلفه، فينكل لا مطلقا. و حينئذ فلا يكون في مثل هذه الصورة ميزان إلا يمين المنكر.

و منها: انه قد ينازع بأن اليمين المردودة بمنزلة الإقرار من المنكر أو بمنزلة البينة من المدعى، و رتبوا عليه ثمرات، من مثل سماعه في قبال بينة المدعى على الأداء على الثاني بخلافه على الأول، لأنه حينئذ بإقراره مكذب لبينته على الأداء، و مثل عدم الاحتياج الى الحكم على الأول و احتياجه اليه على الثاني، و مثل انه على فرض كونه إقرارا لا يثبت به إلا نفى ملكيته عن نفسه، و اما إثباتها لغيره فهو فرع قيام طريق آخر عليه كما قربناه في إقرار ذي اليد، و هذا بخلاف كونه بمنزلة البينة فإنه بنفسه

مثبت لملكية المال له.

و لعل عمدة نظر من قال بأنه بمنزلة البينة استفادة ذلك من عموم حصر الميزان بالبينة بالنسبة الى المدعى، و نظر من قال انه بمنزلة الإقرار الى ان نكوله عن اليمين و رده الى المدعى عرفا بمنزلة الإقرار.

و لا يخفى ما في الوجهين، لمنع اقتضاء أصالة العموم في حصر الميزان التنزيل المزبور، و منع كون النكول لاحترام أو خوف بمنزلة الإقرار عرفا، مع ان لازم ما أفيد، كون رده إقرارا لا يمينه، و هو كما ترى، مع انه على فرض تسليم استفادة التنزيل المزبور يمنع العموم فيه على وجه يقتضي ترتيب جميع الآثار.

و عليه فلا بأس بسماع البينة على الرد مع تسليم كون اليمين بمنزلة الإقرار، اذن فالأولى جعل ذلك ميزانا مستقلا و يرجع في سماع البينة أو الاحتياج الى الحكم الى مقتضى القواعد الذي هو سماع البينة من مدعى الرد و الاحتياج الى الحكم مطلقا في مقام الفصل و عدم الاحتياج إليه في أصل حجيته لإطلاق «ان حلف فله الحق».

و منها: ان مقتضى إطلاق الأدلة السابقة أيضا عدم اختصاص جواز الحكم بنكوله بخصوص مجلس دون مجلس، و حينئذ فلا مجال لتوهم بعض، من إمهاله إذا ذكر عذرا لنكوله الى زمان تمكنه من اقامة البينة، لأنه خلاف الإطلاق لو لا دعوى انصراف النكول في الاخبار عن مثل هذا النكول، فإنه حينئذ يمكن ان يدعى عدم تمامية الميزان، للأصل كما يخفى.

عدم جواز التقاص بعد يمين المنكر

(و إذا حلف المنكر لم يكن للمدعي المقاصة و لا المطالبة و الترافع) بلا خلاف.

و عمدة السند في ذلك ما في رواية ابن ابى يعفور: «إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف ان لا حق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعى».

و في ذيلها أيضا: «فلا دعوى له» و في أخرى: «نهيه عن التقاص» بضميمة قوله «ان ظلمك فلا تظلمه» (1)، و لا يخفى ان ظاهر إطلاق الظلم عليه كون ماله باقيا على عهدته، و ان إطلاق الظلم على الثاني من باب الازدواج كجزاء سيئة سيئة مثلها.

و من مثله بل و مما دل على جواز أخذه بإقراره و تكذيبه نفسه كما سيأتي أيضا ان شاء اللّه، ترفع اليد عن ظهور نفى الحق في نفيه حقيقة بحمله على التنزيل بلحاظ الآثار المزبورة، و حينئذ ففي شموله لجميع الآثار حتى ما لا يترتب منه إلزام على الحالف كالعتق و نحوه نظر.

و أيضا مقتضى إطلاق «لا حق له» نفى السلطنة على الأمور المذكورة و لو قبل حكم الحاكم، و دعوى الجواهر تقييد ذلك ببعده كالفصل المترتب على البينة


1) الوسائل ج 18 ص 179- 180 باب 9 و 10

منظور فيه بعد بطلان القياس، بل يمكن أن يقال بان ما يترتب على الحكم بالبينة ليس إلا عدم مسموعية دعواه عند حاكم آخر جاهل بالواقعة، و الا فحرمة التقاص بالنسبة الى من يعلم بمخالفة الحكم للواقع لا وجه لها بعد ما تقدم سابقا من أن حرمة رد الحكم حكم طريقي لا نفسي حقيقي، نعم بناء على النفسية لا وجه لتخصيصه لخصوص رده ظاهرا لا في باطن الأمر، إلا توهم كون مصلحته ملاحظة احترام الحاكم لا غيره، إذ حينئذ يصح ترتب كل ما كان يناسب هذا الاحترام.

و لكن إتمام هذه الجهات دونها خرط القتاد، و حينئذ فما في بعض الكلمات من الميل الى مثل هذا التفصيل منظور فيه.

ثمَّ ان ذلك كله ما لم يقر الحالف بكذب حلفه فلا يجوز مطالبته و التقاص منه (إلا أن) يقر أو (يكذب نفسه) فإنه لا اشكال ظاهرا في جواز ذلك. و عمدة الوجه فيه ما في الرواية المشتملة على قضية الوديعة و جحود الودعي فراجع (1)، و يؤيده ما حكى عن الفقه الرضوي.

و اما ما أفاده في الجواهر من كون الإقرار مثبتا جديدا فمنظور فيه، لأن دليل الإقرار لا يقتضي إلا طريقيته لإثبات الواقع بمقدار يكون إقراره عليه، و حينئذ فلو لا دليل خاص على تصديق إقراره في خصوص المقام لكان عموم «لا حق له» حاكما على عموم دليل الإقرار، إذ هو انما يثبت إلزامه في صورة احتمال بقاء السلطنة لصاحب المال في هذه الحال، و مع اقتضاء الأدلة نفى سلطنة المالك على ماله لا يبقى مجال لإثباته بالإقرار جزما، اللهم الا أن يقال: ان الظاهر من قوله: «ان ظلمك فلا تظلمه» عدم جواز التعدي عليه، و مع إقراره بالحق فلا يكون التقاص منه تعديا عليه و ظلما، و حينئذ لا بأس بعموم الأدلة على سماع الإقرار كلية حتى في المقام.


1) الوسائل ج 16 ص 215 رقم 3 باب 48 الايمان.

ثمَّ ان ظاهر قوله: «إذا رضيت بيمينه» دخل رضاه في مسقطية اليمين لحقه، و ذلك اما في صورة رضاه به بقول مطلق فواضح، و أما لو كان رضاه به بزعم عدم البينة فإن كان ذلك من باب التقييد و تخلف العنوان فلا يثمر الحلف عند عدم المعلق عليه و ان كان من باب تخلف الداعي فلا بأس بالاكتفاء به.

حكم الدعوى على الميت

(و لو كان) الطلب و الدعوى (على ميت احتاج المدعى) في إثبات حقه عليه (مع البينة إلى اليمين على البقاء استظهارا) فلا اشكال ظاهرا في الجملة و ان حكى عن المسالك نسبته الى المشهور، و لكن عن جمع آخر: دعوى الوفاق أو نفى الخلاف في المسألة.

و عمدة السند فيه بعد كون مثل هذا الحكم على خلاف قاعدة حصر الميزان في طرف المدعى في البينة ما في رواية عبد الرحمن المتقدمة المشتملة على قوله «و ان كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البينة فعلى المدعى اليمين باللّه الذي لا إله إلا هو لقد مات فلان و أن حقه لعليه، فإن حلف و الا فلا حق له لأنا لا ندري لعله قد أوفاه ببينة لا نعلم موضعها أو غير بينة قبل الموت فمن ثمَّ صارت عليه اليمين مع البينة فإن ادعى بلا بينة فلا حق له لان المدعى عليه ليس بحي و لو كان حيا لألزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه فمن ثمَّ لم يثبت الحق (1)و في ذيل صحيح الصفار: «و كتب: أو تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل. فوقع: نعم من بعد يمين» (2)و أما صدره فغير مرتبط بما نحن فيه إذ ظاهره صورة عكس مسألتنا من شهادة الوصي بدين


1) الوسائل ج 18 ص 173 رقم 1 باب 4 كيفية الحكم.

2) الوسائل ج 18 ص 273 رقم 1 باب 28 الشهادات.

للميت على الغير و إمكان كون الجواب عنه حكمه بنفوذ شهادة غيره مع يمين بلا تعرض لقبول شهادة الوصي كي يحتاج الى حمل الوصي على الوصي في حفظ الصغار محضا كي يخرج عق شهادة من يجر نفعا، بل و حمل اللام و على على معنى غيره كي يكون شاهدا على مسألتنا و يخرج عن معقد الإجماع على خلافه.

و بالجملة نقول: في دلالة الخبرين كمال الظهور في المدعى بعد جبر سندهما بالعمل، خصوصا مع قوة سند الأخير ذاتا، و بعد ذلك فلا مجال لبعض المناقشات التي أوردها في الجواهر لما أفادها بأنها لا يستأهل ردا.

تنبيهات

نعم يبقى الكلام في جهات أخرى منها: ان الظاهر من قوله «و ان حقه لعليه» كون المدعى صاحب حق مالي قابل لتحققه على عهدة المدعى عليه، و اما مجرد السلطنة على المال المأخوذ منه من جهة وصاية أو وكالة عن صاحب المال فلا يكاد يشمل هذه العبارة لها، لعدم كونه حقا على المدعى عليه، بل لو أغمض عن هذه الجهة من الاستظهار يبقى أيضا مجال استفادة التخصيص بغير الوصي و الوكيل، من كون المدعى في الرواية لا بد ان يكون من شأنه اليمين، و معلوم ان الوصي و الوكيل ليس شأنهما ذلك إذ لا يمين على مال الغير.

نعم لا يرد عليه بلا بدية كون اليمين على البت، إذ هو انما يمنع في صورة كون الوصي جاهلا بالواقعة، و إلا فمع علمه أو قيام بينة عليه له فلا بأس بيمينه، بناء على التحقيق من قيام الامارة مقام العلم الموضوعي على وجه الطريقية. نعم لو لا هذه الجهة من الكلام لا مجال في المورد من الاكتفاء باليمين على نفى العلم أو على الحق ظاهرا و لو من جهة توهم كون الرواية بصدد بيان ضم اليمين الذي هو شأن المدعى بحسب

حاله، أو انه شرط لحجية البينة لا أنه مثبت للحق، إذ ذلك كله خلاف تعليل الحلف بكونه نافيا لاحتمال الأداء حقيقة أو تنزيلا، و ليس ذلك إلا اليمين على نفى الأداء واقعا لا غيره.

فحينئذ العمدة في منع الشمول هو الذي أشرنا اليه. و عليه فالمرجع فيهما ما تقتضيه القاعدة من الاكتفاء ببينة المدعى.

و منها: ان ظاهر قوله: «و ان حقه لعليه» أيضا كون المدعى به دينا، إذ هو الذي يصدق عليه انه في رقبة المدعى عليه، و إلا فالمتعارف في الأعيان التعبير بكونها على اليد و أمثاله، و لكن يمكن الجزم بالمناط في العين أيضا مع إمكان شمول التعبير المزبور لمثله فتأمل.

و منها: ان ظاهر قوله: «انه مات و كان حقه لعليه» مؤيدا لظهور التعليل باحتمال الوفاء المختص بحال الحياة، كون الحلف متكفلا لنفى احتمال الوفاء في زمان حياته و أما احتمال إسقاطه أو إبرائه بعد موت المدعى عليه فلا يصلح مثل هذا اليمين لنفيه، فيبقى مثل هذه الصور تحت القاعدة من الاكتفاء بالبينة.

و توهم ان اليمين لا بد أن يكون على طبق مضمون البينة القائمة على الاشتغال الفعلي و لازمه تكفل اليمين لرفع جميع الاحتمالات، مدفوع بظهور الرواية في كون الرافع لاحتمال الوفاء هو اليمين فقط و لا يكون إلا بجعل البينة على حدوث أصل الاشتغال و ان اليمين نافية لاحتمال الوفاء. و عليه فيبقى الكلام في مقدار ما يتكفله لرفع مثله فمع احتمال الاختصاص بما يجري في زمان حياته، فلا مجال لتشريع اليمين المزبورة في غيره بل في مثله يستصحب الحاكم و ذلك أيضا لا بمعنى استصحابه في مقام حكمه بالاشتغال الفعلي كي يورد عليه بان الاستصحاب لا يكون ميزانا، بل بمعنى ان الحاكم يحكم بالاشتغال على طبق البينة على الاشتغال السابق ثمَّ يستصحب في مقام إجراء حكمه و إنفاذه كما لا يخفى.

و منها: انه لو أقام المدعى شاهدا واحدا فعن القواعد الاكتفاء باليمين الواحدة خلافا لبعض آخر ملتزمين بتعدد اليمين لعدم تداخل الأسباب، و لا يخفى ان فحوى هذه الكلمات يدل على اكتفائهم بالشاهد الواحد بضم اليمين بدل البينة العادلة.

و لعل وجه ذلك مع تصريح الرواية بعدم الحق مع عدم البينة المنصرفة عنه جزما ما في ذيل الرواية من التعليل بقوله: «لأن المدعى عليه ليس بحي» إذ الظاهر ان هذه الفقرة علة لنفي الحق بواسطة عدم البينة و معلوم انه لا يتم ذلك إلا بكون المراد من البينة في المقام مطلق حجة المدعي على فرض حياته إذ نفى خصوص البينة العادلة مع وجود حجة أخرى لا يوجب إلزام المدعي عليه باليمين أو الحق و غيرهما.

هذا مضافا الى إمكان فاستظهار كون الرواية في مقام تفرقة الميت عن الحي من حيث ضم اليمين بلا نظر فيه الى التفرقة من سائر الجهات، فيبقى عموم الاكتفاء بشاهد و يمين في الماليات أو شاهد و امرأتين بحالهما.

و عليه فيمكن في المقام المصير الى عدم الاكتفاء بيمين واحدة و ان قلنا بتداخل الأسباب في سائر المقامات لظهور الرواية في كون اليمين زائدا عما هو وظيفة المدعى خصوصا مع ظهور الرواية في اختلاف مضمون اليمين الاستظهارى مع ما هو جزء بينته على أصل الاشتغال كما أشرنا.

نعم لا بأس بالاكتفاء في يمينه بإنشاء واحد على الاشتغال السابق و نفى أدائه و و إسقاطه و إبرائه لكونه عند العرف بمنزلة اليمينين. و لا يخفى ان ذلك غير اليمين الوحدة على الاشتغال الفعلي الملازم لثبوته سابقا إذ لا إشكال في عدم الاكتفاء به بناء على عدم التداخل.

و من التأمل فيما ذكرنا يظهر أيضا وجه قيام الشاهد و الامرأتين مقام البينة بالتقريب

السابق مضافا الى مكان دعوى كونها أيضا من مصاديقها حقيقة.

و منها: ان مقتضى التعليل بقوله: «لأنا لا ندري» هل هو مجرد احتمال الوفاء الفعلي و ان يصلح المورد لتحرير دعواه من المدعى عليه ببينة فيما بعد كي يشمل العلة مثل الدعوى على الصبي و المجنون و الغائب أو هو احتمال وفاء غير صالح لتحرير الدعوى من المدعى عليه بعد ذلك أبدا كي يختص بالميت و لا يشمل غيره وجهان أقواهما الأخير و لا أقل من الشك فلا وجه للتعدي الى غير الميت خصوصا في الغائب الذي هو مورد النص بجواز الحكم عليه بمحض البينة مع كون الغائب على حجته و سيتضع ذلك فيما يأتي ان شاء اللّه.

سكوت المنكر

(و لو سكت المنكر لآفة توصل إلى معرفة إقراره أو إنكاره) إلى إشارة مفهمة قطعا بلا اشكال و ظنا على اشكال فيه ناش عن كون إشارة الأخرس هل هو من قبيل ظواهر الألفاظ التي قامت السيرة على العمل بها من باب الظن النوعي أو التعبدي المحض على خلاف فيها، أو انها مثل الكتابة التي ليس بناؤهم على العمل بها بدون افادة العلم وجهان الأقوى هو الأخير لعدم ثبوت السيرة المزبورة فيها.

و لو استغلقت بحيث احتاج (الى مترجم) فلا بد من مترجمين عدلين (و لا يكفى المترجم الواحد) على ما تقدم تفصيلا في كيفية رجوع الحاكم الى المترجم.

(و ان كان) سكوته (عنادا حبس حتى يجيب) بناء على وجوب جوابه كي ينتهي الأمر إلى ميزان من يمينه أو إقراره بعد عدم تمامية دليل النكول و الرد الذي كان المورد من مصاديقه أيضا، لو لم نقل أن المتبادر منها في بادي النظر غيره و لا أقل من

كونه قدر متيقن في مقام التخاطب كي يصدق عليه نكول المنكر.

و على أى حال يكفي في مجرد وجوب الجواب الجزم بعدم رضا الشارع بتعطيل الواقعة بعد تحرير الدعوى بمجرد سكوت المدعى عليه، للعلم باستلزامه تعطيل الحقوق مع إمكان دعوى إدخاله في شؤون القضاء عرفا أو خصوص قضاة الجور الثابتة لقضاتنا بإطلاق المقبولة.

و يؤيده ما في ذيل رواية عبد الرحمن «لألزم اليمين» و ان كان في دلالته على المدعى من الإلزام بالجواب نظر، بل النفس بعد لم تطمئن بكون أمثال هذه الأمور من نحو الإلزام بالحضور و الجواب من شؤون القضاء عرفا خصوصا مع بذل المدعى بينته و الحكم على طبق بينته لعموم دليلها.

غاية الأمر ان المدعى عليه على حجته على فساد الحكم لعدم الميزان أو دعوى الرد غير المنافي لحكمه بالاشتغال، اللهم إلا أن يقال: إن المستفاد من بعض الاخبار الواردة في الدعوى على الغائب عدم حجية البينة قبل الفحص عن حجة خصمه في مقام الميزانية، بل ظاهر كلماتهم ذلك فان تمَّ هذه فيمكن إثبات مدرك للإلزام بالحضور و الجواب و إلا فللنظر فيه مجال. و سيتضح توضيح هذه المقالة في الدعوى على الغائب فانتظر لتمام الكلام هناك.

ثمَّ ان في كل مورد يثبت للحاكم الإلزام على الجواب كان له العقوبة على تركه بأي نحو يراه أنفذ في الوصول الى المقصود من دون خصوصية للحبس فيه لو لا دعوى كونه أهون العقوبات المشكوك ثبوت السلطنة على جميع مراتبها له.

جواب المدعى على بلا اعلم

بقي الكلام في التنبيه على أمرين: أحدهما: أنهم حصروا الجواب بالثلاثة المعروفة بلا تعرضهم لرابع، و هو دعوى نفى العلم بحقه، و اعتذر عن ذلك بعضهم بأنه داخل في السكوت نظرا الى أن المراد منه السكوت عن الإقرار و الإنكار. و بعض آخر بأنه داخل في الإنكار نظرا الى كون المراد من الإنكار هو إنكار الاستحقاق عليه فعلا و من جهة الأصل الجاري فيه.

أقول: لا يخفى أن دخوله في السكوت فرع إجراء حكمه عليه و هو فرع إجراء أحكام النكول و الرد عليه بدعوى شمول إطلاق دليلهما لمطلق عدم حلفه، و إلا فبناء على عدم أثر عملي على الساكت غير الإلزام بالجواب فلا يكاد يشمل مثل هذا الأثر للمقام، و أما دخوله في الإنكار فهو أيضا فرع عموم دليل وظيفة اليمين أو الرد لمثل هذا الشاك، و إلا فلو بنينا على اختصاصهما بالمنكر للحق واقعا فلا يشمل مثلها للمقام أيضا.

و عليه فلا بد ان يعتذر عن تثليث الجواب بأنهم بصدد تقسيم ماله اثر من الآثار المزبورة و أن سكوتهم عن هذا القسم لعدم اثر عليه.

و حيث اتضح ذلك فالعمدة في المقام تنقيح موضوع الآثار المزبورة من انها على نحو يشمل المقام أم لا، فنقول: ان دليل وظيفة اليمين و ان لم يكن مختصا بخصوص المنكر بل عموم قوله «اليمين على المدعى عليه» شامل للمورد. و لكن عمدة الكلام في أن دليل اليمين له إطلاق يشمل كل يمين ناف للاستحقاق الفعلي أو لا بد أن يكون اليمين على نفى المدعى به، لا يبعد في المقام نفى الإطلاق لوجود المتيقن في مقام التخاطب خلافا للجواهر المائل إلى أخذه بإطلاق دليل اليمين، و عليه فمقتضى الأصل عدم ميزانية اليمين على نفى العلم أو نفى المدعى به ظاهرا في نفى المدعى به واقعا، إلا ما خرج في توجيه الدعوى باشتغال ذمة المورث على الوارث متضمنة لدعوى العلم عليه كما سيأتي في محله.

و حيث كان الأمر كذلك يبقى الكلام في مطلب آخر، و هو أن مثل اليمين على نفى الواقع هل يتمشى من مثل هذا الشاك أم لا بعد الجزم بأخذ العلم في الأدلة العامة الآتية موضوعا في اليمين.

أقول: ان المقام عند وجود امارة له على نفى الواقع من صغريات مسألة قيام الأمارة مقام العلم المزبور، و لقد حققنا قيام ذلك في محله، و أما الأصول فلا يصلح للقيام إلا الاستصحاب بناء على التحقيق من كون مفاده هو التعبد بإبقاء اليقين لا نفس الواقع المتيقن، و لكن ذلك انما يثمر في مورد أخذ في موضوعه مجرد اليقين لا نفى الشك، و إلا فشأن الاستصحاب ليس نفيه و انما هو ناظر إلى إبقاء اليقين في ظرف الشك و هو غير نفى الشك كما لا يخفى.

و حينئذ فقيام الاستصحاب في المقام فرع كون المأخوذ في دليل الحلف مجرد اليقين به بلا استفادة نفى الشك و السترة فيه و إثبات ذلك ان كان مشكلا و لكن ظهور أدلتها في الأول أيضا أشكل.

و عليه فلا يجوز له الحلف على نفى الواقع، و لازم ذلك عدم اثمار رده أو

نكوله ورد الحاكم. إذ ذلك كله فرع الفراغ عن كون اليمين وظيفته فعلا غاية الأمر امتنع عنه باختياره.

ثمَّ ان ذلك كله في صورة عدم وجود بينة المدعى و إلا فلا بأس بالأخذ بعموم ميزانيتها و الحكم على طبقها، و لعل التقسيم المزبور انما هو بلحاظ حال المدعى عليه بعد انتهاء الأمر إليه لفقد البينة فتأمل.

الحكم على الغائب

«الأمر الثاني» في بيان الحكم على الغائب، فنقول: أولا ان مقتضى الأصل و ان كان عدم ميزانية ما هو مشكوك الميزانية و عدم نفوذ الحكم الا ما خرج، و لكن إطلاق حجية دليل البينة لا قصور فيه بضميمة عموم «رجل قضى بالحق و هو يعلم» بعد البناء على استفادة تتميم الكشف من عموم دليل الحجية من مثل ذيل رواية مسعدة، بل و لو لا العمومات الحاصرة.

لكنا نقول بان مقتضى القاعدة ميزانية كل امارة يستفاد من دليلها تتميم كشفها عن الواقع، و عليه فلا نحتاج الى التمسك بمثل عموم «البينة على المدعى» و العمومات الحاصرة بنفسها لميزانية البينة في أمثال المقام، كي يرد عليه بمنع كونها في مقام البيان من حيث المورد، بل غاية الأمر استفادة الاختصاص في مرحلة الميزانية بالمدعى أو ميزان الفصل منحصر بالبينة و اليمين و السنة الماضية، و اما في أي مورد فلا يستفاد منها شي‌ء.

و بالجملة نقول: ان مقتضى الإطلاقات بالتقريب المزبور ميزانية البينة من المدعى و جواز الحكم على طبقها و لو قبل سؤال المدعي عليه و لو كان حاضرا في- المجلس فضلا عن كونه غائبا عنه أو عن البلد و ان كان دون المسافة فضلا عن ان يكون

بمقدارها، و لا ينافي ذلك أيضا كونه على حجته إذ هو كما بينا ينفى صغرى الحكم عن الميزان، لدعوى جرح شهوده أو يدعى الوفاء أو الإبراء و كل منهما لا ينافي أدلة حرمة الرد كي يدعى كونه على خلاف القاعدة أيضا نعم قد يظهر من الكلمات عدم نفوذ القضاء قبل السؤال عن الخصم الحاضر في المجلس المستلزم لعدم حجية البينة و ميزانيتها قبل الفحص عنه من المدعى الحاضر بل جعل في الجواهر هذه الصورة في سلك المسلمات ناسبا لها الى الدروس أيضا، فإن تمَّ فهو، فيكون الخارج عن تحت القاعدة هذه الصورة فقط دون غيرها.

نعم قد يستظهر من بعض الاخبار قلب هذه القاعدة رأسا الذي لازمه الاحتياج في جواز الحكم على الغائب الى اخبار خاصة و إلا فالأصل الثانوي يقتضي خلافه و ذلك مثل ما في رواية البختري: «لا يقضى على غائب» و في خبر آخر: «فلا تحكم لأحد الخصمين دون أن تسأل من الأخر» الى ان قال: «فما شككت في قضاء بعد ذلك» و في رواية العياشي: «فإذا أتاك الخصمان فلا تقض لواحد حتى تسمع الآخر فإنه أجدر ان تعلم الحق» و في رواية ابن مسلم: «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع من الآخر فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء» الى غير ذلك من الروايات (1)الظاهرة في وجوب الفحص عن حجة الخصم المعارضة لبينة المدعى أو النافي لحجته و بمثلها تقيد الإطلاقات السابقة ببعد الفحص المزبور.

و لكن الانصاف منع تمامية هذه الروايات لأن الأولى منها بإطلاقها معرض عنها، فمن المحتمل كونه لخلل في سندها مع إمكان حملها على نفى القضاء البتي قبال الحاضر في المجلس الذي لا يقضى عليه إلا بتا و لو من جهة السيرة أو الإجماع المستظهر من تسلمه في كلماتهم كما عرفت من الجواهر، و اما البقية فيمكن حملها أيضا على مثل هذا المعنى بملاحظة حضور المدعى عليه كما هو منصرف الأخبار،


1) الوسائل ج 18 ص 158 باب 4. و ص 216 باب 26

مع إمكان دعوى اشعار التعليلات على شدة الفحص لتحصيل الواقع مهما أمكن الذي هو مستحب جزما، و من المعلوم ان اقتران الكلام بمثل هذه التعليلات الصالحة للقرينية يمنع من انعقاد ظهور الكلام في وجوب الفحص.

و عليه فليس في البين ما يوجب قلب القاعدة الأولية ليؤخذ بها إلا في خصوص الحاضر في مجلس المرافعة للإجماع أو السيرة، و الا فيؤخذ بالقاعدة حتى في الحاضر في البلد فضلا عن غائبه و لو بمقدار دون المسافة من دون احتياج الى التشبث بالأخبار الخاصة كي يدعي انصرافها إلى الغائب عن البلد بقرينة قوله: «إذا قدم» إذ ذلك انما يتم بناء على عدم تمامية الإطلاقات الأولية. و مثل هذا المشي خلاف المشهور على المحكى في قضاء الشيخ العلامة الكنى أعلى اللّه درجته.

و بعد ما ذكرنا كله لا يحتاج في إثبات جواز القضاء على الحاضر في البلد الغائب عن المجلس الى التمسك بقصة أبي سفيان كي يورد عليه بإمكان كونه من باب الاذن من حيث الولاية لا بملاك فصل الخصومة.

بقي الكلام في مطلب آخر، و هو: ان المشهور اختصاص الحكم على الغائب في حقوق الناس دون حقوق اللّه و استدل عليه في الجواهر بما دل على ان الحدود تدرأ بالشبهة.

أقول: لا يخفى أن هذا الاستدلال انما يتم في صورتين:

إحداها: في صورة قيام البينة على مجرد شرب الخمر أو الوطي بالأجنبي بلا خصوصية كونه عن عمد و علم، إذ حينئذ مجرد قيام البينة على الشرب مع احتمال الشبهة في حقه لا يوجب حدا عليه.

و ثانيتهما: ما لو فرض تمامية الأخبار السابقة على وجوب الفحص على وجه تنقلب القاعدة الأولى بقاعدة ثانوية من عدم جواز الحكم على الغير قبل الفحص عن حجته، فإنه لا مجال للحكم على الغائب الا ما خرج، و المفروض ان ما دل على جواز الحكم على الغائب أيضا لا عموم فيها على وجه يشمل المقام، و أما لو فرض بقاء

القاعدة الأولى على حالها و قيام البينة على الفعلين عن عمد و علم فلا وجه لعدم الحكم على الغائب حتى في الحدود لعدم شبهة حينئذ كي بها تدرأ الحدود غاية الأمر هو على حجته إذا قدم.

ثمَّ على فرض عدم الحكم في حقوق اللّه فلو كان المدعى به ذات جهتين كدعوى السرقة، لا غبار في التفكيك بين الجهتين من الأخذ بإطلاق دليل البينة بالنسبة إلى إحدى الجهتين دون الأخرى، لإمكان التفكيك في طريق الإثبات بين الجهات، و ما لا يمكن ذلك فإنما هو في وسائط الثبوت و حينئذ لا مجال لإجراء احكام وسائط الثبوت في وسائط الإثبات.

و أيضا لو بنينا على وجوب الفحص و عدم الحكم على الحاضر في المجلس قبل الفحص عنه، فإنما يتم ذلك بالنسبة إلى نفس الخصم الحاضر في المجلس و أما بالنسبة إلى وكيله الغائب عن المجلس في دعوى أدائه إليه فلا مانع عن الحكم على طبق بينة المدعى على الوكيل لشمول القاعدة الأولية لمثل هذه الصورة بلا شمول دليل المخصص له.

الفصل الثالث في الاستحلاف

اشارة

و هو نحو من الاعتبارات العقلائية المتقومة بالقصد جدا نظير التعظيم و التوهين و لا يبعد دعوى كونه من سنخ المراهنة في الماليات الموجبة للوثوق لتحصيل مقصوده فكأن الحالف في المقام رهن المحلوف به على وقوع ما أخبر به وجوديا كان أم عدميا بحيث كان في اعتباره ينعدم المحلوف به و يفقد ما هو عزيز لديه بكذب خبره و عدم وقوعه، و لذا ينسب الى الحالف إعدام المحلوف به عند انكشاف كذبه، بل ربما يصير من حلف برأسه أو بعمرة المؤاخذة عنه في حلفه به كذلك.

و حيث كان الأمر كذلك فنقول: ان من المعلوم ان الأمور الاعتبارية القصدية لا يضاف الى احد إلا بتوسيط لحاظه في ذهنه و بحسب اعتقاده، و لا يكفي في هذه الإضافة مجرد وجوده واقعا، و من جهة ذلك يصح سلب تعظيم زيد لشخص اعتقد انه عمرو فبان زيدا، و من هذا القبيل حلفه، و لازم ذلك اعتقاده بوجوب المحلوف به في إضافة الحلف اليه و كونه محلوفا به.

و عليه فقد يشكل الأمر في الحلف باللّه أو بسائر أساميه المختصة به تعالى ممن لا يعتقد بذاته المقدسة لكونه دهريا أو يعتقد بألوهية غيره مثل المجوسي القائل

بالنور و الظلمة، مع انه ورد في الرواية بأنه «لا حلف حتى من المجوسي إلا باللّه» بل في خبر: «لا يصلح حلفهم بآلهتهم» (1)و وجه الاشكال انه كيف يصدر منه حقيقة الحلف بالذات المستجمع الذي هو معنى لفظ «اللّه» مع اعتقاده بعدمه، بل لا محيص عن ارادته من اللّه ما هو بحسب معتقدهم إله و هو النور و الظلمة لا خالقهما.

و توهم ان الظاهر من الحلف باللّه هو الحلف بنفس اللفظ لا المعنى كما عن بعض الأعاظم، كلام ظاهري، إذ من البديهي ان الظاهر من الحلف بشي‌ء هو الحلف بمعناه لا لفظه فكان اضافة الحلف الى اللّه كإضافة التعظيم اليه من كون المضاف اليه مسماه لا اسمه كما هو الشأن في جميع الألفاظ المأخوذة في حيز الحكم، إذ هي عبرة لإيصاله الى معانيها لأنفسها من دون فرق بين كون اللفظ قابلا للحكم عليه أيضا أم لا.

نعم في بعض الاخبار «و أضفهم إلى اسمي» (2)و ظاهره و ان كان للاسم دخل فيه و لكن لا يتنافى ذلك مع ظهور البقية في دخل معناه أيضا، فيستفاد من المجموع وجوب كون الحلف بذاته المقدسة بتوسيط اساميه المختصة به.

و بهذا البيان ربما يجمع بين ما دل على حصر الحلف باللّه الظاهر في معناه و بين ما دل على دخل اسمه فيه، و لازمه كون الحصر في الاخبار ناظرا الى نفى الحلف بغير ذاته المقدسة لا بغير لفظ «اللّه» فيبقى حينئذ إطلاق «اسمى» الظاهر في الاكتفاء بمطلق اسمه المختص به بحاله، من دون فرق بين اسم ذاته أو صفته، نعم يخرج ما لا يكون من الأسامي مختصة به كالموجود و الواحد و الأحد التي لا تشار الى ذاته المقدسة إلا بتوسيط القرينة، لانصراف اسمى عن مثلها.

و بالجملة بعد ثبوت دخل المعنى في تمشي الحلف به جدا، كيف يمكن


1) الوسائل ج 16 ص 196 باب 32 الايمان

2) الوسائل ج 18 ص 167 باب 1 رقم 2 كيفية الحكم.

إضافته إليه بدون اعتقاده به، و عليه فلا محيص عن ارادة خلاف الظاهر في رواية المجوسي إما بإرادة الحلف بلفظه أو الحلف بما هو معتقد المحلف بما هو موجود في اعتقاده له لأنه المتيقن لدى الحالف لا المعتقد بما هو خارجي، و عليه فلا مجال للتعدي إلى الدهري الذي لا يعتقد بشي‌ء أصلا إلا بدعوى تنقيح المناط في التعدي و ذلك أيضا لو لا احتمال آخر في المجوسي و هو الحلف على طبق ما اعتقده من اللّه غاية الأمر استفيد من قوله «و أضفهم إلى اسمي» اعتبار لفظه و لا يكفى لفظ النور و الظلمة، إذ مع هذا الاحتمال كما هو الأقرب إنصافا في مثل هذه المقامات لا يبقى مجال لدعوى المناط أيضا بالنسبة إلى الطبيعي الذي لا يعتقد بشي‌ء أصلا.

(و) من التأمل فيما ذكرنا كله ظهر انه (لا يجوز) الحلف (بغير أسماء اللّه تعالى) بل و في بعض الاخبار: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» و في آخر: «فقد كفر» الى غير ذلك من الاخبار التي منها ما في صحيح ابن مسلم: «ان للّه عز و جل ان يقسم من من خلقه بما شاء و ليس لخلقه ان يقسموا إلا به» (1).

و قد يقال: ان ظاهر هذه الروايات خصوصا الأخيرة حرمة الحلف بغير اللّه في مطلق الموارد حتى في غير مورد فصل الخصومة. نعم في دلالتها على نفى الفصل بها اشكال من جهة عدم اقتضاء النهى عن المعاملة فسادها.

نعم ما دل منها على نفى الحلف يكفى لنفى جميع آثاره التي منها ميزانيته في مقام الفصل، بل لو لا هذه الإطلاقات كان يكفي في نفى ميزانيته الأصل بعد عدم إطلاق في دليل اليمين من هذه الجهة، و اما دلالتها على الحرمة ففيه أيضا إشكال إذ الظاهر من قوله: «و ليس لخلقه» نفى الحلف بنحو كان له تعالى و مثل ذلك أعم من الكراهة


1) الوسائل ج 16 ص 191 باب 30 الايمان. و المستدرك ج 3 ص 54.

و هكذا ما في رواية أخرى: «و لا أرى ان يحلف الرجل» إذ مثل هذا التعبير يناسب الكراهة أيضا، بل و في الخبرين الأولين المشتملين على الشرك و الكفر أيضا يمكن نفى الظهور في الحرمة، لورود مثل هذه التعبيرات بل و أشد منها في المكروهات.

و يؤيده قيام السيرة بمثل الأيمان من دون نكران في غير مقام الفصل، و توهم التخصيص في النواهي بخصوص مقام الفصل لا يساعده ما في صحيح ابن مسلم المتقدم، لقوة ظهوره في غير مورد الفصل من جهة صدره فراجع.

نعم الذي يرد عليه ما في جملة من الاخبار من حلفهم عليهم السلام بغير اللّه، حيث انه لا يناسب الكراهة أيضا، و ذلك مثل قول الرضا (ع) «لا و قرابتي من رسول اللّه» (1)و في كتاب ابى جعفر (ع) «انى قد جئتك و حياتك» و عن ابى الحسن (ع) «و حقك لقد كان» (2)و عن مواضع من نهج البلاغة حلفه بعمرة الشريف. و عن على ابن الحسين (ع) «نحن و بيت اللّه أولى بالنبي» الى غير ذلك من موارد حلفهم بغير ذاته المقدسة (3)، و معلوم أن مثله ينافي المرجوحية مطلقا.

و عليه فلا تخلو الاخبار عن المعارضة على وجه غير قابل لطرح احد الطرفين سندا لإمكان دعوى تواترهما إجمالا، و لا دلالة، إلا بحمل الأخير على صورة تحقق عنوان راجح في حلفهم بحيث تمنع هذه الجهة عن كراهة ذاته، و عليه فلا مجال لجعلها قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الحرمة على فرض ظهورها فيها.

ثمَّ ان ظاهر الإطلاقات عدم جواز الحلف بغير اللّه حتى من الذمي و لو كان ذلك أردع لهم، و لكن المحقق في شرائعه التزم بجوازه لخبر السكوني من أن


1) الوسائل ج 16 ص 193 رقم 7 باب 30 الايمان

2) الوسائل ج 16 ص 194 رقم 10 و ص 195 رقم 14

3) الوسائل ج 16 ص 190 باب 30

أمير المؤمنين (ع) «استحلف يهوديا بالتوراة التي أنزلت على موسى» (1)و ظاهر هذا التعبير كونها المحلوف بها لا غيرها كما احتمله في الجواهر.

و عليه فلا بأس بالأخذ بدلالته لو لا ضعف سنده و عدم جبره، و عمل المحقق فقط غير صالح للجبر خصوصا مع احتمال عدم اتكاله بهذه الرواية، و انما أتكل بما في صحيح ابن مسلم «سألته عن الاحكام، فقال: تجوز على كل دين بما يستحلفون» (2)و هو أيضا من جهة اختلال متنه- لأن في بعض النسخ ما يستحلون، بل و الدلالة من جهة احتمال كون المراد ان في كل شريعة ما يستحلفون به لا استحلاف أهل الملل في شرعنا- لا يصلح للاتكال عليه على وجه ترفع اليد به عن الإطلاقات و اللّه العالم.

(و يستحب) قبل الاستحلاف (الوعظ و التخويف) كما في رواية مشتملة على قصة الحضرمي و الكندي فراجع الجواهر (3)و مقتضى الإطلاقات أيضا الاكتفاء بقوله: لا و اللّه ما له قبلي حق. (و) لكن يستحب (التغليظ) في الحقوق مطلقا كما في- الشرائع و (في) الماليات بما بلغ (نصاب القطع فما زاد) على المشهور للصحيح «لا يحلف احد عند قبر النبي (ص) على أقل مما يجب فيه القطع» (4)و مقتضى إطلاقه اعتبار النصاب المزبور في مطلق الحلف، لو لا دعوى انصرافه الى الماليات.

بل و قد يشكل استحباب التغليظ مطلقا إذ غاية ما في الباب ما ورد من حلف الأمير (ع) الأخرس، و ما ورد في يمين الاستظهار، و في ثالث تغليظه على اليهود و النصارى استظهارا للمسلمين، و مثل هذه الاخبار لا تقتضي إطلاق الاستحباب إلا بتنقيح المناط، فان تمَّ فيمكن استفادة التفصيل من الجمع بينها و بين الصحيحة، و إلا


1) الوسائل ج 16 ص 197 رقم 4 باب 32 الايمان

2) الوسائل ج 16 ص 198 رقم 9

3) جواهر الكلام ج 40 ص 229- 230

4) الوسائل ج 18 ص 290 باب 29

فلا بد من المصير الى تفصيل آخر من التغليظ في المسلمين في مالياتهم بمقدار النصاب و استحباب التغليظ في غيرهم مطلقا فتأمل.

ثمَّ ان التغليظ تارة بالقول و اخرى بالمكان و الزمان، و يكفي للأول ما في يمين الأخرس، و قوله: «احلفوا الظالم.» (1)و الثاني ما في الرواية: «لا يحلف احد عند منبري إلى قوله- إلا تبوأ مقعده من النار» (2)و نظيره خبر آخر و في ثالث:

«فعليه لعنة الله» (3).

و لكن في دلالة هذه على استحباب التغليظ بالمكان نظر، نعم هي دالة على مشروعية التغليظ مكانا كثبوت مشروعيته زمانا بقوله «و رجل حلف بعد العصر يمينا فاجرة» (4).

و عليه فلا بد من استفادة الاستحباب فيهما من فحوى ما دل على استحبابه قولا من قوله «احلفوا الظالم.» فتأمل.

(و) على أى حال لو امتنع عن اجابة التغليظ لم يجبر بل (يكفى) قوله: (و اللّه ما له قبلي كذا) كما أشرنا. و حينئذ لا مجال لإجراء حكم النكول عليه.

و توهم انه لو لم تجب الإجابة لما كان لاستحبابه على الحاكم معنى، منظور فيه إذ يكفي فيه كون مقتضاه استحباب اجابته، بل من الممكن منع الملازمة بين الاستحبابين أيضا و لذا نقول بأنه لو حلف على أن لا يجيب الى التغليظ فالتمسه خصمه من الحاكم فأجابه لم تنحل يمينه.

بل يمكن دعوى عدم الانحلال حتى على الملازمة بين الاستحبابين لو كان


1) الوسائل ج 16 ص 200 باب 33 رقم 2 الايمان

2) راجع الجواهر ج 40 ص 231

3) المصدر أيضا عن سنن البيهقي

4) المصدر أيضا

لنفى اجابته رجحان دنيوي، لأن مرجعه حينئذ إلى مزاحمة مقتضى الوجوب مع مقتضى الاستحباب، و من المعلوم أن الأول أولى بالمراعاة، نعم لو لم يكن له رجحان دنيوي لا بد حينئذ من تقديم دليل الاستحباب في الإجابة على دليل اليمين، لأنه من باب الدوران بين التخصيص و التخصص كما لا يخفى.

كيفية حلف الأخرس

(و) المشهور: ان (يمين الأخرس بالإشارة المفهمة) و قد يوجه بقيام السيرة على كونها بمنزلة القول في إبراز مقاصده من دون احتياج في أصل مبرزيتها الى التمسك بالنصوص الواردة في تكبيره و تلبيته و لو بتنقيح المناط هذا.

و لكن يمكن ان يقال: إن الحلف بحقيقته بعد ان لم يكن من مقولة المعنى محضا، بل هو كسائر الاعتباريات من الأمور الإنشائية المحتاجة إلى السبب في إنشائه المبرز لمقصوده فحينئذ ان احتمل دخل الإبراز القولي فيه فلا يكفى مجرد اتكالهم في أصل إبراز المقاصد منه بإشارته في الاكتفاء بها في إنشائه، بل يحتاج الى نص مخصوص دال على قيام إشارته مقام قوله في هذه الجهة. و لهذه الجهة نحتاج الى التمسك بالأخبار الخاصة الواردة في التكبير و التلبية و حينئذ فإن تمت دلالتها على البدلية و لو بتنقيح المناط فهو و إلا فللنظر فيه مجال.

نعم لو ثبت من الخارج- كما هو غير بعيد- الاكتفاء في إنشائه بمطلق المبرز كانت السيرة المزبورة كافية بلا احتياج الى النصوص الخاصة، و لكن لازم ذلك الاكتفاء بالإشارة المزبورة حتى من المتمكن من القول الصريح و النطق الفصيح، مع ان ظاهر كلماتهم اختصاص الاكتفاء بالأخرس، و توهم قيام إجماع في البين على خلاف إطلاقات الحلف كلام ظاهري.

اذن فالأولى أن يقال في وجه التفصيل بأحد وجهين: أحدهما دعوى انصراف إطلاقات الحلف من كل طائفة الى ما يتمكن من أعلى مراتب الإظهار، و هو من كل طائفة شي‌ء مخصوص، نظير ما قيل في انصراف أدلة المسح باليد بباطنها، و مع ذلك تمسكوا بها في المسح بظاهرها لغير المتمكن فراجع، و ثانيهما دعوى منع مظهرية الإشارة من المتمكن من القول الذي هو أعلى مراتب الإظهار، إذ من المعلوم أن عدول المتمكن من الأعلى إلى الأدنى يوجب وهنا في دلالته، و لذا ترى الاكتفاء به عند وجود مانع من تلفظه، و في الحقيقة تخرج الإشارة من مثل هذا المتمكن عن أصل الدلالة، لإيهامها إخفاء مقصوده.

و أما في مورد كان له مانع عن إبراز مقصوده بقوله، فلا نسلم عدم الاكتفاء بالإشارة في حلفه و إبراز سائر مقاصده. و لا يبعد دعوى انصراف كلمات الأصحاب أيضا عن هذه الصورة.

و على اى حال لا إشكال في صدق الحلف مع الإشارة المفهمة من أى شخص و بعد ذا يصير مشمولا لإطلاقات الباب من دون فرق بين إشارته من وضع يده أو غيره، بل و يمكن التعدي منه الى كل مبرز حتى مثل شرب ماء غسل فيه اسمه تعالى على ما ورد به النص السابق، و بمثله تستكشف انه لا مدخلية لخصوص الإبراز بالإشارة في حلفه.

و لعل طرحهم النص من جهة ظهوره في التعيين خصوصا مع اشتماله على التغليظ غير الواجب اجابته و الحكم بنكوله مع عدمها، هذا كله مع إمكان منع المبرزية في صرف الشرب على قصد الحلف و إنشائه، و حينئذ ففي أصل الاكتفاء به لو لا النص مع اعتباره سندا كمال مجال، و الغرض ان اعتباره مع إعراض الأصحاب عن مثل هذه الطريقة في غاية المنع و اللّه العالم.

اعتبار مجلس القضاء في اليمين

(و لا يحلف المنكر إلا في مجلس القضاء مع المكنة) بلا خلاف فيه في الجملة و إنما الكلام في المراد من المجلس من انه المجلس المعد للقضاء و لو لم يكن مجلس سماع الدعوى، أو خصوص مجلس سماع الدعوى أو خصوص مجلس الحكم، أو انه كناية عن مطلق محضر الحاكم و ان التعبير به لاتحادهما غالبا وجوه، يمكن حمل كلامهم على الأخير خصوصا مع عدم مساعدة انصراف المطلقات بأزيد من ذلك و في الزائد عن هذه الجهة يؤخذ بإطلاقها.

و توهم ان الرواية في مقام بيان من له ميزان مخصوص من دون نظر فيها إلى مثل هذه الجهات فمع الشك في دخل شي‌ء في ميزانيتها فلا بد أن يؤخذ به للأصل، مدفوع بظهور الرواية في كونها في مقام بيان أصل ميزانية الحلف على المنكر لا لبيان ثبوت المفروغ عن ميزانيته عليه كي يحتاج في إثبات ميزانيته الى الخارج، و بعد ما فرض كونه في مقام بيان أصل الميزانية فلا شبهة في انه يؤخذ بمقدار ماله من الإطلاق، غاية الأمر بعد ملاحظة مقدار ينصرف إليه إطلاقها و هو ليس إلا كونه في محضر الحكم و اما دخل مجلس دون مجلس فمدفوع بإطلاقها.

و يشهد لما ذكرنا انه لو لا الإطلاق في الرواية من هذه الجهات لما كان مجال للتعدي عن دخل كلما شك في دخله، من مثل كونه في مجلس الحكم و الدعوى مع كون المجلس معدا للقضاء أيضا، و لا أظن التزام أحد بمثل هذه التضييقات في ميزانية الحلف، و ذلك شاهد عدم اعتنائهم بمثل هذه التشكيكات في ميزانيته من جهة إطلاق دليله.

و على اى حال لو لم يتمكن بتمكين منه في محضر الحاكم فهل يجب على الحاكم ذهابه إلى منزله لسماعة أم لا وجهان مبنيان على ان وجوب الفصل عليه هل هو مطلق حتى من جهة تحصيل الميزان أو مقيد بحصول شرائطه. و على التحقيق من منع الإطلاق في أدلة الفصل المتكفلة لمثل هذه الجهة لا وجه للمصير الى وجوب ذهابه، مضافا الى منافاته لعظمة منصب القضاء.

و على أى تقدير هل يحزى إرسال وكيله في سماعه منه فيه أيضا وجهان مبنيان على ان تحصيل مثل هذه المقدمات من الوظائف الخاصة على حسب الجعل الشرعي كنفس القضاء أم ليس من الوظائف المخصوصة بالقاضي بل شأن كل أحد تصديها و ان كان المخاطب بها خصوص القاضي، فعلى الأول لا مجال لإثبات التوسعة بأدلة الوكالة إطلاقا كانت أو سيرة لما عرفت غير مرة من أن أدلة الوكالة أنها إنما توسع ما كان شأنه التوسعة بعد الفراغ عن ثبوت هذه الشأنية و مع الشك فيها لا يبقى لإثباتها مجال.

نعم بعد الفراغ عن شأنية الصدور من كل أحد كان لأدلة الوكالة شأنية إثبات التوسعة و سلطنة المخاطب بها على التوكيل، و حينئذ فلا بد أولا من إثبات الشأنية المزبورة و إلا فلا قصور لأدلة الوكالة و لو مثل بناء العقلاء لإثبات مشروعية الوكالة و الاستنابة في الأفعال القابلة للتسبيب، و قصارى ما يتخيل من الطريق لإثباتها دعوى كون ذلك من شئون القضاة عرفا أو شئون قضاة الجور الثابتة لقضاتنا بإطلاق المقبولة فإن تمَّ ذلك فهو و إلا فللنظر فيه مجال.

و لعل مثل هذا التشكيك دعى الجواهر على الإشكال في الحلف عند الوكيل و احتمل إيقاف الدعوى الى أن يتحقق لها الميزان، لا أن نظره فيه الى ظهور دليل الاستحلاف في المباشرة مع صلاحيته للاستنابة فيه، إذ من المعلوم ان مثل هذا الظهور محكوم باقتضاء أدلة الوكالة سلطنة المخاطب بعمل على الاستنابة فيه بعناية ان النائب هو المنوب عنه على وجه يصدق أن الفعل صدر عنه عناية و تنزيلا كما هو الشأن في جميع موارد تشريع النيابة التي توسع ببركة دليل النيابة دائرة الموضوع.

اعتبار البت في اليمين

(و) لا بد في (اليمين) أن يكون (على) البت و (القطع إلا في نفى فعل الغير فإنها على نفى العلم) بلا خلاف فيه في الجملة.

و لا يخفى أن مقتضى ظاهر هذه العبارة المعروفة بينهم التفصيل بين اليمينين في قطع الدعوى على الأمر الواقعي المتعلق بنفسه أو بغيره، لا التفصيل بين كون المدعى به أمرا واقعيا راجعا الى نفسه أو علم المدعى بفعل الغير، إذ بناء عليه لا معنى للتفصيل المزبور بل يكون اليمين الفاصل مطلقا على البت، غاية الأمر تارة يكون المدعى به الاشتغال واقعا و اخرى علم المدعى باشتغال غيره.

و لذا التزم العلامة الكنى- أعلى اللّه درجته- بظاهر التفصيل و اختار كفاية اليمين على نفى العلم في دعوى الاشتغال واقعا إذا كان المدعى به اشتغال ذمة غير المدعى عليه، بل التزم أيضا بعدم احتياج ذلك الى تضمن دعواه دعوى علم المدعى عليه باشتغال ذمة مورثه.

و لكن في كثير من الكلمات مثل ما قاله المحقق في شرائعه و صريح المسالك أيضا اشتراط دعوى العلم في توجيه اليمين على نفى العلم علم المدعى عليه، و لا

يخفى ان مقتضى الجمع بين عبارتي المحقق المعترضة للتفصيل الأول و تصريحه بهذا الشرط هو الذي أجاد به في الجواهر، من أن مراد المحقق و سائر الأصحاب اشتراط دعوى العلم في ضمن دعوى الاشتغال الواقعي المتعلق بالغير في توجيه هذه الدعوى عليه، بخلاف الاشتغال المتوجه الى نفسه فإنه لا يشترط ذلك فيه و ان اليمين الفاصل للدعوى الاولى هو يمين نفى العلم، بخلاف الفاصل في الثانية فإنها اليمين على نفى الواقع عن بت.

نعم في صريح الرياض و المستند جعل يمين نفى العلم فاصلا للخصومة في دعوى العلم على المدعى عليه مع بقاء دعوى الاشتغال الواقعي بلا فصل، و لذا أورد بعضهم الإيراد على تفصيل الأصحاب، بتوهم ان غرضهم في شرطية دعوى العلم أيضا ذلك و ان يمين نفى العلم عندهم أيضا يكون فاصلا لهذه الخصومة.

و لكن الإنصاف ان مثل هذا المعنى أجنبي عن كلمات المفصلين كما لا يخفى من جهة ان مقتضى الجمع بين الكلمات هو الذي أشرنا اليه، و لازمه عدم سماع الدعوى على الميت بعد اليمين المزبورة من الوارث، بخلاف ما لو قيل بمقالة الرياض و المستند فان محل هذه الدعوى بعد باق. نعم بناء على كون اليمين على نفى العلم فاصلا للخصومة رأسا يبقى الكلام في وجه اشتراط توجيه هذه الدعوى الى الوارث بتضمن دعوى العلم عليهم.

و لعله من جهة ما هو المعروف بينهم من لابدية كون الدعوى ملزمة للخصم، و معنى إلزامه كون المدعى به شيئا على عهدة الخصم على وجه كان للمدعي السلطنة على إلزامه على الخروج عن عهدته، و من المعلوم ان هذا المعنى في الدعاوي المالية على نفس الخصم في غاية الوضوح و اما في دعوى اشتغال الغير بالمال على وجه لا يكون الخصم إلا ملزما إلزاما تكليفيا واقعا من مال مورثه فلا يكاد يتحقق إلا في ظرف

علمه إذ بدون علمه كانت ذمته بريئة بحيث ليس لصاحب المال إلزامه بأدائه فكيف يوجه اليه خصومته، مع أن مناط إلزامه علمه باشتغال ذمة مورثه.

و لا يخفى أن مرجع ذلك الى دخل العلم في ملزمية الدعوى الذي هو من تبعات تنجز التكليف عليه في هذه الصورة إذ بدونه تكون ذمته بريئة بالمرة فلا يكون له حينئذ حق توجيه الخصومة إليه لعدم سلطنته على إلزام برئ الذمة بشي‌ء. و مثل هذا المعنى لا ينافي طريقية علم الخصم بالنسبة إلى تكليفه بتفريغ ذمة مورثه بلا موضوعية فيه ابدا على ما توهم.

هذا غاية التوجيه لوجه اشتراط دعوى العلم في توجيه دعوى اشتغال ذمة الميت على الوارث، و مرجعه الى كون دعوى علمهم متمم هذه الدعوى عليهم، و لازمه حينئذ كون يمين نفى العلم منهم فاصلا لهذه الخصومة، الذي لازمه قطع علقة المدعى عما في ذمة الميت من حيث إضافته إليهم الذي هو عين قطع علقته عن تركة الميت، و لازمه بقاء دعواه على الميت بلا ملزم، لأن نتيجة هذه الدعوى تنتهي إلى إثبات حق في تركته، المعلوم سقوطه باليمين السابقة.

و حينئذ لا نعني من فاصلية اليمين المزبورة لأصل دعوى الاشتغال الواقعي حتى بالإضافة إلى الميت الا هذا. و حينئذ لا يقال: إن الحكم ممحض في الفاصلية للخصومة المتوجهة إلى شخص المدعى عليه لا غيره فيبقى توجيه دعوى الاشتغال على الميت باقيا بحاله و لازمه رجوع نتيجة هذه المقالة الى ما اختاره في الرياض و ان افترقا من حيث الاعتبار. لأنه يقال إن ما أفيد انما يتم لو كان للدعوى الأخرى مجال، و اما لو كان ملزميتها بعين ملزمية الدعوى الأخرى فلا يبقى مجال للدعوى الأخرى مع سقوط غيرها بفصلها المخصوص بها، نعم ما أفيد انما يتم لو كان وجه ملزمية احدى الدعويين غير الوجه الأخر نظير الدعوى على ذي اليد المقر لزيد أو على الحاكم أو الشاهد لتغريمهم و ما نحن فيه غير أمثال هذه الفروع بتا كما بيناه.

و حيث اتضح ذلك يبقى الكلام في الدليل على فاصلية اليمين المزبورة بعد اقتضاء القاعدة كون اليمين على طبق المدعى به، من جهة الجزم بانصراف إطلاقات اليمين الى هذه الصورة، إذ لازمه كون فاصلية اليمين المزبورة على خلاف القاعدة لعدم كونها على طبق المدعى به كي ينفيه حق يصير مثلها مشمولا للإطلاقات.

و لا يرد عليه بان اليمين بعد ما كان على طبق الدعوى الضمنية فيقتضي مثلها سقوط هذه الدعوى بمقتضى الإطلاقات و لازمه سقوط دعوى اشتغال ذمة المورث على الوارث من جهة فقد شرطها من الملزمية. لأنه يقال: بعد الالتزام بكفاية هذا المقدار من المطابقة للدعوى الضمنية في فاصليتها لها على القاعدة نقول إن غاية ما يلزم منه عدم توجه الدعوى الأخرى إليه لعدم كونها ملزمة، و لكن ذلك لا ينافي بقاءها على الملزمية عند توجيهها الى الميت، لفرض عدم إسقاط اليمين السابق حق استحقاقه عن تركة الميت.

و مرجع مثل هذه المقالة إلى مقالة الرياض أيضا و ان كانا مختلفين اعتبارا و هو خلاف المقصود، بل المقصود كونها فاصلا لأصل خصومة الاشتغال على وجه تكون اليمين المزبورة ذاهبة بحق المدعى عن تركة الميت، لا انه بعد باق على استحقاقه غاية الأمر لا ملزم له في دعواه على الوارث.

و بعبارة أخرى: الغرض من فاصلية اليمين و قاطعيتها في هذه الدعوى قاطعيتها لجميع مراتب دعواه على الوارث لا بعض مراتبها، و مثله على خلاف الإطلاقات جزما، و عليه فلا محيص إلا من الرجوع الى ما في رواية بعض مشايخنا من قوله: «رجل مات و له ورثة فجاء رجل و ادعى عليه مالا و ان عنده رهنا. فكتب (ع): ان كان له على الميت مال و لا بينة له عليه، فليأخذ ماله بما في يده و ليرد الباقي على ورثته. و متى أقر بما عنده أخذ به و طولب بالبينة على دعواه، و أوفى حقه بعد اليمين. و متى لم يقم البينة

و الورثة ينكرون، فله عليهم يمين علم، يحلفون باللّه ما يعلمون أن له على ميتهم حقا (1).

و لا يخفى أن هذه الرواية صريحة في كون الورثة ينكرون دعوى اشتغال ذمة مورثهم، و لازمه ان نكول يمين نفى العلم فاصلة لهذه الخصومة، لا خصومة أخرى من دعوى العلم على الوارث، مع بقاء دعوى اشتغال ذمة الميت بحالها بلا علم، نعم مقتضى إطلاق الرواية سماع دعوى اشتغال ذمة الميت على الوارث بلا تضمينها لدعوى العلم عليهم، و لعل مثل هذا الإطلاق دعا مثل العلامة الكنى- أعلى اللّه مقامه- على عدم اشتراطه تضمن دعوى العلم في توجيه دعوى اشتغال ذمة الميت على الوارث خلافا للمحقق و جماعة أخرى.

و لكن التحقيق أن يقال: إن التضمين لدعوى العلم ان كان دخيلا في ملزمية دعوى الاشتغال على الوارث و سماعها منه، فلا شبهة في ان إطلاق الرواية لا يرفع مثل هذه الجهة، إذ الرواية إنما وردت في مورد الفراغ عن صحة الدعوى و ملزميتها من دون نظر منها الى نفى اعتبار الملزمية في صحة الدعوى.

و عليه فيمكن أن يكون مرجع نزاعهم إلى جهة أخرى من كفاية ملزمية الدعوى و سماعها بمجرد ترتب الأثر عليها عند قيام البينة على طبق دعواه أو إقرار المقر على طبقها أو ان المدار في سماع مثل هذه الدعاوي كون المدعى به على فرض تحققه واقعا ملزما للمنكر بشي‌ء وضعا أو تكليفا فعلا.

و على الأول فلا يحتاج الى تضمن دعوى العلم على الوارث أصلا بل يؤخذ بإطلاق الرواية.

و هذا بخلاف الفرض الثاني فإنه لا مجال حينئذ للأخذ بإطلاق الرواية، لما


1) الوسائل ج 13 ص 140 باب 20 الرهن

عرفت من عدم سوق الإطلاق لبيان صحة الدعوى، و انما هي متعرضة لحكمها في فرض الفراغ عن صحة الدعوى و تحقق المخاصمة الصحيحة.

و حيث كان الأمر كذلك فأمكن أن يقال: إن مرجع توجه الدعوى الى شخص كونه طرف الخصومة من حيث ملزميته بشي‌ء وضعا أم تكليفا، و من المعلوم ان في مثل المقام ما لم يكن الوارث عالما لا يكون هو ملزما بشي‌ء، و مجرد التكليف الواقعي لا يوجب في حقه إلزاما فعليا على وجه يكون للغير مطالبة اقدامه بوظيفته، فكيف يكون مثل هذا الشخص طرف الخصومة، و لا ينافي ذلك سماع البينة في استنقاذ حق المدعى من التركة، إذ مثل هذه الجهة لا تقتضي كون الوارث فعلا طرف الدعوى و الخصومة اللتين هما من شؤون مطالبة الخصم بالتفريغ عما اشتغلت ذمته به وضعا أو تكليفا، بل لا بد أن يكون طرف الدعوى في اشتغال الذمة محضا، الميت محضا، و في هذه الدعوى لا يتوجه اليمين إلى الورثة، و انما توجيهها إليهم في- الدعوى المتوجهة إليهم، و في هذه الدعوى لا مجال للتوجه إليهم إلا بتضمينها دعوى العلم كي تصير ملزمة تكليفا، لو لا دعوى تعلق حق الديان بالتركة، فان المدعى به حينئذ جهة وضع على ما في يد الورثة.

كما انه على فرض بقاء ما يقابل الدين في مال الميت و تعلق حقهم به كان مرجع الدعوى أيضا الى عدم كون ما في يد الورثة من التركة ملكا لهم، و هو أيضا نحو وضع في المدعى به بلا احتياج فيها الى دعوى العلم.

نعم لو قيل بأن التركة تنتقل إلى الورثة بلا تعلق حق منهم فيها و ان الورثة مكلفون بأدائها كان لدعوى العلم وجه، و لكنه خلاف التحقيق بل لا أظن التزامه من أحد إذ الأصحاب بين القولين الأولين.

و حينئذ فالتحقيق ما ذهب اليه المحقق الكنى، لا ما افاده المحقق و جماعة،

و لا ما افاده الرياض و المستند من عدم توجه الدعوى الى الوارث إلا دعوى العلم و ان اليمين على نفى العلم تكون فاصلا لهذه الخصومة دون خصومة اشتغال الميت.

و حيث اتضح ذلك فنقول: ان الرواية لما كانت على خلاف القاعدة فلا بد ان يقتصر على مقدار دلالتها، و من المعلوم ان المنصرف في مورد الرواية هو صورة جوابهم بلا ادرى، و إلا فلو أجابوا بنفي اشتغال ذمة الميت عن دراية و علم، ففي الاكتفاء بيمين نفى علمهم باشتغال ذمة الميت إشكال، بل مقتضى إطلاقات لابدية كون اليمين على طبق تمام المدعى به هو يمين البت على نفى الاشتغال واقعا، و شمول إطلاق الكلمات حتى لمثل هذه الصورة أيضا منظور فيه.

و أيضا ظاهر الرواية كون الدعوى دينا في ذمته، بل هو صريح ذيلها فلا تشمل دعوى العين، بل يمكن في دعوى العين أن يقال بأنها ملزمة على الوارث بكون عهدة العين عليه، فهي من جهة إثبات نحو من الوضع على الوارث كدعوى اشتغال ذمة نفسه، و في مثلها لا نحتاج في صحة الدعوى عليه الى تضمنها للعلم أيضا إذ المدعى به ملزم للخصم على جهة وضع عليه لا صرف تكليف محض كي يكون نظير الاولى، و في مثل هذه يكون مقتضى الإطلاقات فتوى و نصا لزوم اليمين على البت، و بعد ذلك لا مجال لتوهم تنقيح المناط بين دعوى الدين و دعوى العين كما هو ظاهر.

و حينئذ فالميزان في مثل هذه الدعوى ليس إلا اليمين على ملكية العين واقعا لهم، و لو من جهة قيام اليد مقام العلم في جواز الحلف، إما من جهة كونه على القاعدة، أولا أقل من استفادته من رواية حفص بن غياث المشتملة على قوله (ع): «ثمَّ تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه» (1).

و أيضا ظاهر الرواية كون المدعى به من الاشتغال متوجها الى الغير، و ان


1) الوسائل ج 18 ص 215 رقم 2 باب 25 كيفية الحكم.

المدعى عليه مورد تكليف محض على وجه لا يكون مثله طرف الخصومة إلا في ظرف علمه به، و لا تشمل الرواية صورة كون المدعى عليه مورد ثبوت وضع راجع في النهاية إليه من ثبوت حق أو ضمان أو غيرهما، و لذا قلنا بعدم شمول الرواية دعوى العين الراجعة عهدتها عليهم.

و حينئذ فلا يتعدى عن مورد الرواية إلى جملة من الفروع المعنونة في الجواهر التي هي مورد تشكيك الأصحاب من كونها من باب الدعوى على فعل الغير، كي يكتفى بيمين نفى العلم أو الى أمر راجع إليه كي يحتاج الى اليمين البتي، و ذلك أيضا على فرض التعدي عن مورد الرواية في خصوص الوارث و المورث الى مطلق الغير، و إلا فالأمر أشكل.

و لعمري أن مثل هذه التشكيكات منهم يكشف كشفا تاما عن أن فاصلية يمين نفى العلم على خلاف القاعدة، و ان تمام نظرهم فيها إلى التعدي عن مورد النص الى غيره، و لكن صاحب الجواهر حيث يرى فاصليتها من المجيب بلا أدرى على القاعدة التزم في جميع الفروع المزبورة بالاكتفاء بها، بل هو لم يكن مقيدا بكون الدعوى متوجهة إلى الغير ابدا، و لذا طوى الكلام عن هذه التشكيكات و التزم بما أفاد من الاكتفاء بها مطلقا، و لكن التحقيق خلافه على ما عرفت شرحه في المقام، و في ذيل الجواب بلا أدري في دعوى اشتغال ذمة نفسه، بما لا مزيد عليه فراجع.

ثمَّ لا يخفى أن سقوط دعوى المدعى و عدم سماع بينته بعد الحكم بنفي الاشتغال بواسطة ميزانية هذه اليمين، غير مبنى على شمول إطلاقات ذاهبية اليمين بحقه لمثل هذه اليمين، كي يبقى مجال انصراف إطلاقاتها عن مثله جزما، بل يكفي في نفى سماع الدعوى بعدها أدلة فصل الخصومة بالحكم من مثل إطلاقات حرمة الرد

و ان سماع الدعوى بعدم و تجديد إقامة البينة على الملكية نحو رد لحكمه، و حينئذ فلا مجال للتشبث في بقاء المدعى على دعواه باشتغال ذمة الميت و سلطنته عليه بعد اليمين المزبورة، و لازمه عدم فاصلية اليمين إلا حق دعوى العلم عليهم، كما هو مفاد كلام الرياض و المستند في وجه.

نعم ما كان مبتنيا على شمول إطلاقات ذاهبية اليمين بحقه لمثل هذه اليمين هو صورة عدم صدور الحكم عن حاكم بعد، بناء على التحقيق من شمول الإطلاقات لمثل هذه الصورة خلافا للجواهر و هو غير مرتبط بالمدعى كما لا يخفى.

و من العجب حينئذ ما عن الجواهر حيث انه مع حمله اخبار ذاهبية اليمين بالحق على ما بعد الحكم التزم في المقام بسماع البينة من المدعى بعد اليمين، نظرا الى منع شمول أخبار المسقطية لمثل المقام، إذ لنا ان نقول انه على فرض تسليم عدم شمول مثل هذه الإطلاقات للمقام لا بأس بالأخذ بإطلاقات حرمة رد الحكم المنشأ لانتزاع فاصليته في نفى سماع البينة من دون احتياج إلى سائر الإطلاقات، نعم لو بدل سماع البينة بجواز التقاص مع علم المدعى بحقيته لكان أمتن، إذ مثل هذا الأثر لا ينفى بأدلة حرمة الرد الذي هو حكم طريقي مختص بالجاهل و انما نفيه موقوف على شمول إطلاقات ذاهبية اليمين بحقه لمثله من جهة ظهورها في موضوعية اليمين من هذه الجهة الشاملة للقاطع بحقيته أيضا كما لا يخفى.

ثمَّ ان ظاهر بعض الكلمات التزام الأصحاب بجواز رد الورثة المنكرين لدعوى اشتغال ذمة مورثهم اليمين الى المدعى، و حينئذ فقد يجي‌ء الكلام في أن اليمين المتوجهة الى المدعى برد المنكر هو اليمين على البت على الاشتغال واقعا أم مجرد اليمين على علم الوارث كي بمقتضى السياق يستفاد أيضا ميزانية مثل هذه اليمين للحكم على أصل الاشتغال كميزانية يمين الورثة على نفى العلم للحكم على عدم الاشتغال واقعا، فيه وجهان مبنيان على شمول إطلاقات الرد لمثل ما كان

على المنكر و ان كان الذي يتأتى من المدعى أزيد من ذلك، أو انها ناظرة إلى مجرد رد اليمين الذي هو ميزان الفصل، لا شخص ما هو متوجه الى المنكر لعدم علمه، و لازمه عدم شمول الإطلاقات ليمين المدعى على العلم فلا يكون الميزان منه إلا اليمين على البت، لا يبعد ترجيح الأخير و منع الإطلاق و بعد نظره الى الخصوصية فتدبر.

نعم بناء على فرض النظر إلى الخصوصية أيضا أمكن دعوى كون مثل يمينه على العلم أيضا فاصلة لخصومة دعوى الاشتغال على الميت، إذ محط أصل الدعوى هو ذلك و ان تضمنها لدعوى العلم انما هو شرط ملزمية الدعوى المزبورة على الخصم لا ان محط أصل الدعوى هو ذلك كما توهمه الرياض.

و حينئذ فقضية أخبار الرد هي كون اليمين المردودة بأي نحو كان فاصلة لهذه الخصومة، و عليه فالتشكيك في الاكتفاء بمثل هذه اليمين في فصل الخصومة لدعوى الاشتغال انما هو ناش عن التشكيك في اقتضاء اخبار الرد ذلك، و إلا فبعد الشمول لا مجال للتشكيك في ميزانيتها لفصل هذه الخصومة كما لا يخفى.

«فرع» تعرض له في الجواهر في ذيل المسألة، لا بأس بالتعرض له تبعا، و هو:

انه إذا ادعى على المملوك بجهة راجعة إلى مولاه كاسترقاقه بجناية أو بمال في يده من قبل مولاه، فلا إشكال في أن الخصومة متوجهة إلى المولى، إذ هو الملزم في هذه الخسارة، بل و احكام المدعي عليه متوجهة إليه من نفوذ إقراره و إنكاره و ترتيب أحكام المنكر من اليمين وردها عليه، كيف و إقرار العبد غير مسموع في هذه الخصومة لعدم نفوذ إقراره على مولاه و لا تكون يمينه أيضا فاصلة للخصومة لانصراف أدلتها إلى مورد توجه الدعوى الملزمة اليه.

نعم لو كانت الدعوى متوجهة إلى جهة راجعة الى العبد كإتلافه الموجب لضمانه التابع له بعد العتق كان هو الغريم و طرفا لهذه الخصومة لعين ما ذكرناه من

الوجوه في الفرض السابق الجاري عكسها في المقام، و ان كان جهة المدعى به راجعة إليهما كدعوى القصاص فالغريم كلاهما بمعنى انه لا يثمر إقرار أحدهما، و اما في الاكتفاء بيمين أحدهما لنفى الحق أو الاحتياج الى يمينهما أو لا يجزى يمينهما معا لعدم صدق صدورها عن المنكر الذي يسمع إقراره بعد دعوى انصراف دليل المنكر الى من يسمع إقراره، وجوه.

الأقوى الأول، لإطلاق مسقطية يمين المدعى عليه لحقه و ذلك أيضا لو لا انصرافه الى ذاهبيتها بالحق المتوجه الى الحالف، و إلا فلا بد من يمينهما معا، و على أى حال لا وجه للاحتمال الأخير، كما انه لا مجال للاكتفاء بواحد منهما، إذ رد كل منهما بمنزلة إسقاط حقه، و مثل هذه اليمين لا تثبت الحق إلا على غير الراد، نعم لو رد كلاهما لا بأس بالاكتفاء به لشمول الإطلاق لمثله.

و للتأمل في المسألة بعد مجال، و لم أر في كلماتهم تحرير هذه الجهات و الله العالم.

(و لو ادعى المنكر الإبراء أو الإقباض انقلب مدعيا) لأن دعواه متضمنة للإقرار بالاشتغال السابق فيدعى بعده شيئا يكون في دعواه مدعيا لما يقتضي الأصل خلافه، و لا يكون مثل هذه الدعوى منافية لمفاد الفصل السابق إذا كان مفاد الفصل مجرد الاشتغال سابقا على طبق البينة القائمة عليه، نعم لو قامت البينة على الاشتغال الفعلي و لو كان ذلك من جهة الاستصحاب و قلنا بجواز الشهادة على طبق استصحابه للملكية الواقعية، أشكل سماعه بعد الحكم لكونه منافيا لفصل الخصومة، نعم لا بأس به قبله.

و لا يخفى أن ذلك أيضا على فرض عدم إنكاره في السابقة على وجه ينافي مثل هذه الدعوى و إلا فلا مجال لسماع دعواه الرد عند هذا الحاكم، بل للحاكم حينئذ الحكم بالاشتغال الفعلي من جهة البينة السابقة المتضمنة لمثل هذا الإقرار بعدم الوفاء على فرض الاشتغال كما لا يخفى.

لا يمين في الحدود

(و لا يمين في حد) بلا اشكال فيه في الجملة، لجملة من الاخبار الواردة (1)بهذا المضمون، من مثل ما في مرسلة ابن ابى عمير عن ابى عبد اللّه (ع) «اتى رجل أمير المؤمنين (ع) برجل فقال: هذا قد قذفني و لم تكن له بينة، فقال: يا أمير المؤمنين استحلفه، فقال (ع) لا يمين في حد»، و في خبر آخر: «لا يستحلف صاحب الحد» و في ثالث: «ان رجلا استعدى عليا فقال: انه افترى على، فقال (ع) للرجل: أ فعلت ما فعلت؟ فقال: لا، فقال (ع) للمستعدي: أ لك بينة؟ فقال: ما لي بينة، فأحلفه لي.

فقال (ع): ما عليه يمين».

أقول: لا يخفى ان ظاهر الأخيرة نفى اليمين على القاذف الذي افترى، و عليه فيمكن ان يكون المراد من صاحب الحد في الرواية السابقة: من عليه الحد، بناء على قراءة يستحلف بالمجهول، و ان قرئ بالمعلوم فلا بد أن يكون المراد: من له الحد، و هو المقذوف لا القاذف، و من الممكن أيضا أن يكون المراد من اليمين اليمين


1) الوسائل ج 18 ص 219 باب 30 كيفية الحكم. و ص 335 باب 24 مقدمات الحدود.

المردودة إلى المقذوف.

كما ان الظاهر من الرواية الأولى أيضا استحلاف المقذوف للقاذف و ان اليمين المنفي يمين المثبت للقذف، بناء على ظهور قوله: و لم يكن له بينة، في كونه من كلام الراوي لا المقول لقول الرجل فتأمل.

و على أى حال لا اشكال ظاهرا في إطلاق نفى اليمين في الحد لكل يمين مثبتة للحد أو مسقطة، و اختصاص مورد الاخبار بالمسقطة لا يوجب تقييدها، خصوصا لو كان المراد من صاحب الحد من له الحد على قراءة المعلوم، فان يمينه تكون مثبتة.

و أيضا الظاهر من الروايات نفى اليمين في دعوى أصل القذف مع الشك في أصل صدوره في حق من هو محصن جزما، أو باعتراف القاذف، و اما صورة الجزم بصدور القذف مع دعوى القاذف عدم كون المقذوف محصنا فهو أجنبي عن مورد الاخبار، إلا على احتمال كون قوله: «و لم تكن له بينة» مقولا لقول القائل الذي يرويه الراوي. و لكنه خلاف ظاهر سوق الرواية.

و على اى حال فمقتضى القاعدة في هذه الصورة إقامة الحد عليه عند عدم إقامة البينة على الزنا، لو قلنا بجريان الأصل في طرف المقذوف و إثبات كونه محصنا، كما هو الظاهر من إن طلاق كلماتهم في حد القذف، من ان القاذف يحد ما لم يقم بينة على فجور المقذوف، و لعله من جهة إحراز موضوع رمى المحصن بالأصل و الوجدان.

نعم لو قلنا بان القذف عبارة عن عنوان الافتراء كما هو الظاهر من الرواية الأخيرة فبالأصل لا يثبت عنوان القذف المأخوذ فيه حيثية الافتراء، و عليه ففي إجراء الحد عليه بمجرد صدور القول منه اشكال، لو لا دعوى حجية ظهور حاله أو حسن ظاهره حتى في هذه الجهة و إثبات ذلك أيضا في غاية الصعوبة، إذ غاية الأمر طريقية

حسن الظاهر إلى العدالة لا مثل هذه الجهة كما لا يخفى فتأمل.

و عليه فإطلاق كلمات الأصحاب خصوصا المحقق في شرائعه في باب حد القذف من انه يحد القاذف مع عدم البينة على الزنا منظور فيه، لو لا بلوغه الى حد الإجماع.

ثمَّ انه لا قصور في شمول الاخبار للحدود التي كانت حقا للّه تعالى محضا، بل صاحب الحق في مثله هو اللّه تعالى الذي كان في مقام كتم السر، و امره بدرء الحدود بالشبهة، فليس لأحد المخاصمة فيه لعدم حق لأحد غيره تعالى فيها كي يكون له سلطان على الدعوى. كما انه بناء عليه لا مجال لتوجيه اليمين على المنكر، إذ لا اعتبار له في غير مورد الخصومة من صاحب الحق.

و هذا بخلاف البينة فإن إطلاق دليل حجيتها متبع في كل مقام و بعده تترتب آثار مؤداها، من حد أو غيره.

(و لا) يمين أيضا (مع عدم العلم) بلا اشكال، و عمدة الوجه فيه الأخبار (1)المستفيضة المشتملة تارة على قوله: «لا يحلف الرجل إلا على علمه»، و اخرى:

«لا يستحلف الرجل إلا على علمه»، و حينئذ فمع الشك في المحلوف به لا يجوز الحلف و انما الكلام في جوازه في صورة قيام امارة عليه، من يد أو غيرها، و على فرض الجواز هنا هل الاستصحاب يقوم مقامه في هذا الحكم أم لا، قد تقدم شرح ذلك مستقصى فراجع.

(و) أيضا (لا) يحلف (ليثبت مالا لغيره) و ان تعلق به حقه المتقوم بثبوت مال للغير، و الوجه فيه انصراف اخبار اليمين عن مثله، فإنها متكفلة لإثبات طريقية اليمين على إثبات حق له، أو نفى حق عنه، و من جهة ذلك نقول بأنه ليس للغريم المتعلق حقه بتركة الميت أن يحلف على إثبات مال للميت، كي به يصير متعلقا لحقه.


1) الوسائل ج 16 ص 180 باب 22 الايمان.

نعم لو لم يكن تعلق حقه بالمال منوطا بثبوت مال لغيره كحق الرهانة غير المتقوم بالمال المتعلق بالمديون، فلا مانع من الحلف لإثباته عند توجه اليمين الى المرتهن، لعدم قصور في أدلة اليمين في إثبات كل حق، نعم في هذا الفرض لو كان دعوى المرتهن بدوا متوجهة إلى إثبات العين المرهونة للمدين الراهن مثلا، لا مجال لليمين في هذه الدعوى الراجعة إلى إثبات مال الغير، و اما لو كانت الدعوى متوجهة إلى تعلق حق الرهانة بهذا المال بلا تعرض للمالك، فلا بأس بيمينه، و هذا بخلاف مثل حق الغريم المتعلق بتركة الميت و أمثاله المتقوم بمال شخص خاص فان اليمين لا تثبت مثل هذا الحق سواء كانت الدعوى بدوا متوجهة إلى إثبات ملكية العين للميت، أو متوجهة إلى تعلق حقه بهذا المال بلا تسمية صاحب المال، إذ من المعلوم ان موضوع الحق بعد ما كان تركة الميت فما لم تثبت التركة لا يبقى موضوع لحقه كي تثبته اليمين، إذ ليس شأن اليمين إلا إثبات المحلوف به في ظرف الفراغ عن إحراز موضوعه كما لا يخفى و حينئذ فما في الجواهر من احتمال التفرقة بين هذين الفرضين منظور فيه.

تنبيهات

بقي في المقام أمور، منها: انه لو رضى المدعى بحلف المنكر فهل له ان يرجع عن رضاه و يقيم البينة، أم لا، وجهان مبنيان على ان اقامة البينة التي هي من وظائفه من الحقوق القابلة للإسقاط و ان برضاه باليمين قد أسقط حقه أم لا، فعلى الأخير له الرجوع دون الأول، و الأقرب هو الأخير للأصل المقتضي لعدم الحقية، مع ان اقتضاء مجرد رضاه إسقاط حقه أشكل.

و منها: ان ظاهر كلماتهم سماع الدعوى في كثير من المقامات بيمينه، و الظاهر

ان ذلك ليس من جهة سماع اليمين من المدعى كي يستلزم تخصيص أدلة الوظائف بل عمدة الوجه أن قول المدعى في هذه المقامات بعد ما كان في نفسه حجة فصارت دعواه مقرونة بالحجة، نظير دعوى ذي اليد، و بواسطته يصدق في حقه انه لو ترك غيره ترك و حجته، فيتوجه عليه حينئذ وظيفة المنكر و لا ينافي ذلك إطلاقهم الدعوى عليه، إذ هو كإطلاق دعوى ذي اليد مبنى على التسامح في التعبير.

نعم يبقى الكلام في وجه سماع قولهم بعد الجزم بعدم كونها بمجموعها تحت كبرى واحدة بل هنا كبريات متعددة، منها: كبرى المدعى بلا معارض. و منها: كبرى سماع قول ذي اليد. و منها: كبرى سماع قول الأمين في ما ثبت فيه أمانته، و منها:

كبرى من ملك في ما هو راجع الى تحت سلطنته. و منها: دعوى ما لا يعلم الا من قبله، و عليه ينبغي حينئذ التكلم في وجه هذه الكبريات.

فنقول: اما كبرى سماع الدعوى بلا معارض على وجه يترتب الأثر على قوله و لو لم تكن يده عليه، فالظاهر ان المقدار المسلم منها انما هو في الماليات و ما يتعلق بها، و اما مثل الطهارة و النجاسة و الهلال و غير ذلك فهي خارجة عن مورد القاعدة بل ربما لا يصدق المدعى في كثير من هذه الموارد.

و يمكن ان يقال: إن الدعوى لما كانت عبارة عن الاخبار بما يلزم به غيره فيصدق في كل مورد كان متضمنا لهذه الجهة و في مالا يتضمن هذه الجهة لا يصدق لأنه خبر واحد لا يتبع في الموضوعات و لعل عمدة الوجه السيرة القطعية على طبقه في الجملة.

و ربما يتمسك برواية الكيس المعروفة (1)و سيأتي وجه دلالتها و الاشكال


1) الوسائل ج 18 ص 200 باب 17 كيفية الحكم.

فيها عند التعرض لها في محله.

و يؤيده ما دل على قبول قول المدعى مع العلامة في اللقطة، و ما دل على قبول مدعى الفقر في كونه مستحق الزكاة، و ما دل على قبول دعوى ملكية صيد عليه اثر من قبله، فراجع باب الصيد و الذباحة.

و قد يتشبث فيه أيضا بأصالة صحة الأقوال و الافعال، و لكن لا يخفى ما فيه من عدم قيام دليل يفي بعمومه لمحل الكلام من قبول قول كل مدع بلا معارض و لو لم يكن مسلما، غاية الأمر تسلم الدليل بالنسبة إلى اعمال المسلمين كالسيرة المدعاة فيها.

و اما مثل قوله: «ضع أمر أخيك على أحسنه» فهو بموضوعه و ان كان شاملا للأقوال و لكن في دلالته على لزوم تصديقه تعبدا نظر واضح، كيف و يلزم قبول قول كل أحد في كل أمر و لو في مثل الطهارة و الهلال و أمثالهما و هو كما ترى.

و بالجملة لا وجه له إلا السيرة على الحجية. و لعلها مدرك نفى الخلاف المحكى عن الرياض و الجواهر و إشعار كلام المجمع عليه.

و حينئذ فيمكن أن يقال: ان القدر المتيقن من السيرة هو السماع في الماليات و كل ما يكون ربطا بين الاثنين من الزوجية و غيرها و لو لو يكن في يد المدعى له ما لم يكن مورد ابتلاء لغيره فعلا و إن جاز ان يصير محل ابتلائه كشرائه منه بدعوى المالكية أو الوكالة و صورة عدم كون المال في يد شخص يكون مخاطبا بإيصاله إلى مالكه.

و لذا ترى في موارد اللقطة عدم اكتفائهم في وجوب الأداء بصرف دعوى شخص لملكية المال له. بل يطالبون منه البينة أو العلامة، نعم ربما يستفاد من بعض اخبارها تخيير ذي اليد في الإعطاء و عدمه.

و لكن ذلك غير مرتبط بمرحلة تصديق الدعوى بلا معارض، إذ لازمه وجوب

أدائه له فلا بد أن يكون حكما تعبديا مختصا بمورده. و لعله من هذه الجهة أفاد في الجواهر بعدم سماع الدعوى في مثل هذه الصورة ثمَّ بعد اللتيا و التي لا يثمر مثل هذه الكبرى في مقامنا شيئا. إذ مثله لا يكون ميزان القضاء الفصلى و لا ميزان تمييز المدعى عن المنكر لأن حجيته مغياة بعدم خصومة احد معه، فمع تحقق الخصومة لا يبقى موضوع لهذه الكبرى كما لا يخفى.

و اما كبرى دعوى ذي اليد فبالنسبة إلى جهة تناسب الاختصاص بما في يده من ملكية أو إجارة أو أمانة، فلا شبهة في سماعه حتى في مقام تشخيص المدعى من المنكر لا في مقام الفصل على وجه يكون مثله من احد الموازين، و عمدة الوجه فيه ليس أيضا من جهة صرف حجية قوله بل من جهة أمارية اليد لا على مراتب الاختصاص به و نفيه عن غيره ما لم يلغ اعتبارها بإقراره فبمقدار ينافيها إقراره ترفع اليد عن ظهورها في الاختصاص به فينفيه عن غيره و يؤخذ ببقية المراتب.

و يدل عليه في الجملة أيضا خبر الكيس المعروف بالتقريب الذي سيتضح حاله في محله ان شاء اللّه تعالى و اما في غير مثل هذه الاختصاصات كالطهارة و النجاسة و التذكية و أمثالها ففي السماع منه بدون إحراز كون معاملته معه معاملة المذكى و الطاهر و النجس اشكال، و لقد أجاد في الجواهر في تصريحه بهذه الجهة في الاخبار بالتذكية و ربما يدل عليه النص في ذاك الباب، نعم لو تمت السيرة على الإطلاق أمكن تخصيص باب التذكية بخصوص النص المزبور، و اما في غيره حتى مثل الطهارة و النجاسة فيؤخذ به مطلقا و عليه فللتأمل في قيام مثل هذه السيرة على الإطلاق مجال.

و اما كبرى قبول قول الأمين في الجهة الراجعة إلى أمانته، فتدل عليه جملة من النصوص من قوله (ع): «لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه و ان اتهمته أحلفته» و في أخرى: «فإن اتهمته فاستحلفه و ان لم تتهمه فليس عليه شي‌ء» و في كثير

من الاخبار: «لا يضمن الأمين مع عدم الاتهام» مضافا الى ما في جملة من الكلمات أيضا من دعوى الإجماع عليه. بل و ظاهر تعليلهم بمثل هذه الكبرى في بعض المقامات يقتضي مفروغية مثلها و ان قول الأمين يسمع فيها فوض اليه و كان أمينا فيه.

و لا يخفى أن الغرض من التفصيل بين صورة الاتهام و عدمه في الاحتياج الى الحلف و عدمه ليس ما يتوهم من قبول قوله بلا ميزان في غير مورد التهمة حتى في مقام الفصل. بل المراد انه مع الجزم بعدم الخيانة لا يكون مجال للدعوى عليه لعدم ملزميتها في حقه من جهة حكم الشارع بعدم ضمانه و انما الدعوى تسمع في صورة الاتهام ففي هذه الصورة كان قوله متبعا و مشخصا لمنكريته و سببا لتقديم قوله بيمينه.

و على أى حال نقول: إن القدر المستفاد من اخبار المزبورة قبول قوله في صورة كون الدعوى متوجهة اليه، و أما في صورة توجيهها الى غيره ففي سماعها اشكال و لعل هذه الجهة منشأ تفرقة المحقق، بين ما لو و كله في قبض دينه من الغريم فأقر الوكيل بالقبض و صدقه الغريم و أنكره الموكل، و بين ما لو أمره ببيع السلعة و تسليمها و قبض ثمنها فتلف الثمن من غير تفريط فأقر الوكيل بالقبض و صدقه المشترى و أنكره الموكل حيث قال بان القول في الفرع الأول قول الموكل، و في الثاني قول الوكيل، و ان تردد فيه في ذيل كلامه.

و لقد أجاد في الجواهر في وجه التفرقة بأن الدعوى في الأول متوجهة الى غير الوكيل فلا يسمع قوله و في الثانية إلى الوكيل فيسمع قول الوكيل و يمكن أن يكون وجه ترديد المحقق أيضا هو الترديد في الاختلاف من حيث توجيه الدعوى لا في السماع مع الجزم بتوجيهها فيهما الى الوكيل فتأمل.

و أما كبرى «من ملك شيئا ملك الإقرار به» فبعد الجزم بان مدركها ليس قاعدة إقرار العقلاء غير الجارية في الصغير حتى بالنسبة الى ما كان تحت سلطنته و غير النافذ

في أزيد من ضرره على نفسه بلا إثبات شي‌ء على الغير و لا له و لا لنفسه مع أن مدلول تلك الكبرى أعم منها من هذه الجهات.

نقول: إنه من جهة الاختلاف في كثير من صغرياتها يمكن دعوى الجزم بعدم كونها بهذا المعنى العام، معقد إجماع أو مضمون نص معتبر و لذا أمكن منع كون هذه القاعدة كسائر القواعد المنصوصة.

بل هي نظير قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و قاعدة كلما صح بيعه صح رهنه، و قاعدة كلما صحت إجارته صحت إعارته، من القواعد الاصطيادية من مدارك مختلفة واردة في مقامات خاصة، كما ورد النص في العبد المأذون في التجارة المشتمل على لفظ الإقرار و نفوذه في حق مولاه و عليه، و نفوذ إقرار الوكيل و الأمين في الجهة الراجعة إلى أمانته.

و حينئذ ففي كل مورد من الصغريات الخاصة الاتفاقية يؤخذ بها و في غيرها لا بد من ملاحظة قاعدة أخرى تقتضيه و إلا فبدونها لا مجال للمصير الى الحكم بمضمون مثل هذه القاعدة لعدم الوقوف على مدرك صحيح لها. و توهم دعوى قيام السيرة على سماع قول شخص في ما يرجع زمام أمره إليه عين الدعوى بقيام السيرة على مضمون القاعدة بعمومها و دعوى مثله عهدتها على مدعيها، و إلا فللنظر فيه مجال و اللّه العالم.

و أما كبرى «ما لا يعلم إلا من قبله» فيمكن ان يستند فيها الى ما ورد في بعض الاخبار «بان العدة و الحيض الى النساء فاذا ادعت صدقت» و حكى في قضاء الكنى أيضا ان في بعض هذه الاخبار التعليل بأنه يتعذر عليها الاشهاد و لعله محط نظر القوم في تعليلهم سماع الدعوى في أمثال المورد، بتعذر إقامة الشهادة بل و تعديهم من مورد النص الى غيره مما كان كذلك في التعذر المزبور. و لا ينافي ذلك عدم سماع عدم

قصد الإنشاء من المنشئ.

إذ مثل هذه الدعوى على خلاف ظاهر كلامه و معلوم أن مثل هذه الدعوى نظير أصالة الصحة لا تصلح للحجية في قبال حجة أقوى على خلافه من مثل البينة و الظاهر و أمثال ذلك. و من هنا ظهر وجه تشكيكهم في سماع قول من يدعى الإنبات بعلاج عند سبيه نظرا الى عدم معارضة قوله مع إطلاق ما دل على أن الإنبات امارة البلوغ المعلوم شمول مثله لما يحتمل العلاج فيه أيضا. كيف و إلا يلزم تنزيله على الموارد النادرة.

نعم من صغريات القاعدة تصديق المالك في جهات زكاته من أدائه و عدم تفريطه، بل و يمكن دعوى شمول إطلاق دليل سماع دعوى المالك حتى في نقصه بغير تفريط عما خرص، و لذا قلنا في باب الزكاة بأن قاعدة الخرص ليس بأزيد من رفع كلفة التقدير بعد التصفية، و ان الخرص طريق تعبدي اليه و لم يعارض مع قوله في نقصه بلا تفريط و لا يوجب تضمينه أيضا بهذا المقدار كما في الجواهر، و عليك بالمراجعة إلى هذا الباب.

و منها: دعوى الفقير في فقره كما تفصح عنه قصة الحسن و الحسين عليهما السلام المروية في باب الزكاة فراجع. و منها: انه لو مات و ظهر في دفتره دين على غيره.

فلا اشكال بمقتضى القواعد في أن للورثة حق الدعوى على الغريم فإن أنكر فللحاكم إلزامه على جوابه و حلفه على ما تقدم من أن للحاكم مثل هذين الإلزامين بل و في خبر عبد الرحمن التصريح بالأخير، و حينئذ فيمكن دعوى سلطنة الحاكم على عقوبته مع امتناعه من حبس أو غيره مما يرى المصلحة في الوصول الى ما إلزامه عليه لأن ذلك كله من شؤون الحكام عرفا و لا أقل من كونها من شؤون حكام الجور الثابتة لقضاتنا بإطلاق المقبولة.

و حينئذ فما عن المحقق من أن السجن عقوبة لم تثبت عليه منظور فيه. و توهم

حمل كلام المحقق على صورة عدم الوارث و لا الوصي فلا تسمع دعوى الأجنبي حينئذ كي يلزم بالجواب و الحلف، مدفوع بمنع انحصار المدعى فيهما، بل من الممكن كون المورد من صغريات الدعاوي الحسبية، خصوصا مثل دعوى الفقيه في محل الفرض الراجع الى مال الامام عليه السلام، بل ربما ينتهي الأمر في الدعاوي الحسبية إلى عدول المؤمنين، و ضابطه هو أن كل مورد يجب حفظ مال يكون في معرض التلف على وجه علم من الشارع عدم رضاه بتركه و احتمل كونه بنظر شخص خاص فإنه حينئذ يكون الفقيه متعينا في تحرير الخصومة و على فرض عدمه تنتهي النوبة إلى غيره من العدول و حينئذ فيمكن إثبات هذا المقدار من الولاية لهم على وجه تصير دعواهم ملزمة لجهة راجعة إليهم نظير سماع دعوى الوكيل و الولي في ما هو ولي في حفظه كما لا يخفى.

ثمَّ انه لو كان على هذا الميت دين و كان له وارث، فعن المحقق في شرائعه أن للوارث المخاصمة على ما يدعيه لمورثه، سواء في الدين المستوعب أو في غيره بالنسبة إلى مقدار دينه. و علله بأنه قائم مقام مورثه في الحلف دون الغريم، و ان كان متعلق حقه و لكن، لا يخفى انه بناء على المختار من بقاء التركة على حكم مال الميت لا وجه لتوجيه الحلف إليه لأنه حلف على إثبات مال الغير، و مجرد قيامه مقام الميت في انتقال المال إليه في غير المقام لا يقتضي قيامه مقامه مطلقا حتى في الحلف، إذ ليس في البين عموم تنزيل يستظهر ذلك منه، نعم لا بأس بصحة دعواه و سماعها لاكتفاء العقلاء بهذا المقدار من الإضافة، و لو بنحو ملك أن يملك، و لكن اخبار الحلف من ذي الحق منصرفة عنه جزما كما انه لا بأس بسماع دعوى الغريم على ما هو متعلق حقه كدعواه في سائر حقوقه و لهما إحلاف غريم الميت و ليس لهما الحلف كما أشرنا، خلافا للمحقق المفصل بين الوارث و الديان و حينئذ فلو حلف الغريم لكل واحد منهما برضاهما فهو و إلا فلا يكفى الحلف لأحدهما في إسقاط حق غيره.

ثمَّ لو بنينا على حلف الوارث اليمين المردودة فحلف و أخذ المال ففي تعلق حق الديان به وجه، لعدم ذهاب يمين الغريم بمال الميت حقيقة كي لا يبقى مجال تعلق حق الديان به بحلف الوارث باليمين المردودة بل المراد من ذهاب الحق ذهابه ببعض الآثار الراجعة إلى الحالف، و حينئذ فما استنقذه الوارث كان ما لا متعلقا لحق الديان فيجب على الوارث أداء حقهم، و لو من جهة إقراره بتعلق حقهم بتركة الميت لا من جهة حلفه غير الصالح لإثبات حقهم.

انتقال المال إلى الورثة في الدين المستوعب

ثمَّ انه لما جرى القلم إلى كيفية انتقال المال في فرض وجود دين مستوعب أو غيره فلا بأس لتعرض المسألة كي به تزداد بصيرة في مسألتنا هذه فنقول مستعينا باللّه:

انهم اختلفوا في المقام على قولين معروفين من الانتقال مطلقا، و عدم الانتقال بمقدار الدين و الوصية و انما ينتقل الزائد عنهما، نعم حكى عن العلامة قول ثالث، و هو عدم الانتقال في غير المستوعب و الانتقال في المستوعب، و في الجواهر: انه لا يعلم وجهه بل لم يعرف ذلك من غيره بل أظن كونه سهوا من قلم الناسخ.

و بالجملة العمدة في الباب القولان الأولان المعروفان و عمدة مبنى الخلاف بين الاعلام هو الخلاف في المراد من البعدية في الآية الشريفة و فيما ورد من الترتيب المستفاد من تقديم الكفن، ثمَّ الدين، ثمَّ الوصية، ثمَّ الإرث في جملة من الاخبار بل في بعضها نفى الإرث قبل الدين، بعد الجزم بتحكيم مثل هذه المقيدات على إطلاقات دليل الإرث أو السهام في الجملة.

و ملخص ما قيل فيها هو انه بعد الجزم بعدم كون المراد من البعدية البعدية الزمانية في أصل الانتقال للجزم بانتقال ما زاد عن الثلث الموصى به بل ما زاد عن الدين لدى

المشهور إليهم حين الموت فيدور الأمر بين أن يكون المراد البعدية الزمانية بالنسبة إلى استقرار الملك كي بها ترفع اليد عن إطلاق ما دل على انتقال المال إليهم مستقرا أو المراد البعدية الرتبية بالنسبة إلى تسهيم السهام كما أفاده في الجواهر من دون نظر فيها إلى كيفية الانتقال أو المراد البعدية الرتبية في أصل الانتقال.

أقول: مقتضى التحقيق أن يقال: إن مثل الوصية و الإرث بعد ما كان بينهما المضادة من حيث التأثير فلا جرم تقدم الوصية و الدين في التأثير يوجب منع الإرث عن تأثيره و حينئذ فيقع الإرث في تأثيره في رتبة لاحقة و لازمه حينئذ عدم تأثير الإرث إلا في رتبة فارغة عن المزاحم اما لزيادته عن مقدارهما أو لوفائهما من الخارج.

و عليه فلو لا شبهة أخرى كما سيأتي بيانها مع فسادها في ذيل الكلام، كان مقتضى القاعدة المصير الى المعنى الأخير لظهور الآية و الرواية في ترتيب أصل الانتقال، لا تسهيم السهام و لا استقراره بل و لو لا الإجماع السابق أيضا، أمكن حمل البعدية على هذا المعنى بلا ظهور في الزمانية فضلا عن وجود الظهور المعين للحمل على ما ذكر بعد عدم إرادة الزمانية منه جزما و لازم ذلك تقديم الدين كالوصية على الإرث في التأثير في الانتقال. و حيث ان اعتبار الدين على الميت فرع اعتبار مال قابل لوفاء ذمته منه بحيث لولاه لما اعتبر العقلاء له ذمة فلا بد من اعتبار مقدار من المال للميت على وجه قابل لأداء دينه منه.

و عليه فالقدر اللازم اعتبار ما يقابل الدين في عين التركة و بذلك المقدار ترفع اليد عن ظهور العمومات في انتقال تمام المال الى الوارث، بل و مقتضاه حينئذ كون المعتبر في مال الميت هو الكلى الموجود في التركة لعدم دليل رافع لظهور ما يقتضي انتقال خصوصيات المال إلى الورثة.

و من هذه الجهة نقول ان اختيار الوفاء بيد الوارث نظير الصاع في الصبرة و ان التلف منهم الى أن يبقى مقدار الدين. و توهم ان ذلك كله فرع اعتبار الذمة للميت الذي هو من الجمادات مع أن العقلاء لا يعتبرون له ذمة، مدفوع بان مجرد عدم اعتبار

العقلاء على فرض التسليم غير مضر بعد قيام الدليل على الاعتبار الكاشف عن خطأهم في فهم ضابط الاعتبار، كما انه قد يكون الأمر بالعكس من جهة تخطئتهم في اعتبارهم في بعض المقامات.

و من جهة ذلك ربما نقول: انه لا بأس باعتبار ملكية المنافع أو الأعيان في بعض المقامات للهيئة الاجتماعية المسماة بالدولة، بل ربما يساعد العرف عليه أيضا و لذا يلتزمون بصحة القرض لهم بهذا الاعتبار من دون اشتغال ذمة أحد بخصوصه له و بهذه الملاحظة يصح أمر العبور في السفن و الجسور و التصرف في اجرة البرق و البريد المعمولة عند الدول بلا مالكية أحد بخصوصه لها و لذا ترى سيرتهم على المعاملة معها معاملة الأملاك خصوصا في الجسور و السفن المعلوم تحققها في زمن الأئمة (عليهم- السلام) بلا نهى منهم عن التصرف فيها بلا اذن من شخص خاص، خصوصا مع كون السلطان في بعض الأجيال صغيرا أو سفيها أو محجورا من سائر الجهات و ليس ذلك إلا من جهة عدم اعتبارهم أمثال هذه ملك شخص خاص.

و بالجملة نقول: ان الملكية بعد ما كانت من الأمور الاعتبارية كانت تابعة لاعتبار العقلاء أو الشرع عن منشأ صحيح عنده و لو لم يلتفت اليه العقلاء ابدا لكن بحيث لو التفتوا اليه كان لهم مثل هذا الاعتبار أيضا و عليه فيكفي لنا في إثبات اعتبار الشرع مالا للميت ما يقتضيه ظاهر الدليل في أمثال المقام.

و مما ذكرنا ربما يصح أمر الأوقاف المتعلقة بالعتبات المقدسة و المشاهد المشرفة و الرباطات. بل ربما يستقرض لها فيؤدى القرض من منافع تلك الأوقاف كما هو المتعارف في مشهد الرضا عليه آلاف التحية و الثناء. و إرجاع جميعها الى تمليك المسلمين كلام ظاهري إذ لا دليل على لابدية كون المالك من ذوي الشعور مع ان طبيعي المالك للزكاة ليس بذي شعور.

كيف و لا يكون الأشخاص الموجودون مالكين لها قبل القبض جزما. بل مثل

هذا المعنى خلاف الوجدان في إنشاء الوقف. أو إنشاء عقد القرض عند الاحتياج الى المصارف من دون التزام أيضا باشتغال ذمة المتولي في هذا القرض. و عليه فلا مجال للتوهم المزبور أصلا.

و أضعف منه توهم اقتضاء عدم الانتقال عدم شركة ابن الابن مع عمه بعد أداء الدين من الخارج. و وجه الفساد هو انه بعد حمل عموم ما ترك على بيان الحكم الاقتضائي كان اعتبار الطبقات ناظرا الى هذه المرتبة من الانتقال و لازمه حينئذ تأثير المقتضى أثره عند رفع المانع و مقتضاه حينئذ انتقال المال الى الاثنين الميت و الحي ثمَّ من الميت الى ابنه بمقدار سهمه.

و لئن شئت تقول ان ترتيب الطبقات انما كان ملحوظا بلحاظ حال الموت لا حال الانتقال الفعلي و لعله الى ما ذكرنا نظر من قال بان الميت ينتقل اليه ملك ان يملك و هذا المعنى ينتقل الى ابنه. و إلا فمثل هذا المعنى ليس مما ترك كي يشمل مثله دليل الإرث بل هو حكم محض غير قابل للانتقال. و كيف كان لا مجال لرفع اليد عما تقتضي الصناعة في تطبيق القواعد و النصوص بمثل هذه الاجتهادات.

القضاء بشاهد و يمين

(و) على اى حال (تقبل الشهادة مع اليمين) بلا اشكال فيه في الجملة و يشهد له مضافا الى دعوى الإجماعات ما دل على قضاء رسول اللّه (ص) و قضاء على (ع) كما حكاه الصادق (ع) مضافا الى اشتمال قصة درع طلحة عليه و محاجته عليه السلام مع شريح في ذلك.

و لكن قد يقال بأنه كذلك (إذا بدأ بالشهادة من عدل، في الأموال و الديون) و لعله من جهة منع الإطلاق في الروايات على وجه يشمل عكسه، إذ غالبها حكاية حال

خصوصا مع تقديم الشاهد على اليمين في غالبها في الذكر، لا من جهة ما يتوهم من تقوية جانبه بالشهادة فيصير منكرا فيتوجه الى اليمين كما أفاده في كشف اللثام و لا من جهة ان المدعى وظيفته الأصلية هي إقامة الشاهد فلا بد ان يقدم، إذ هذه كلها مجرد استحسان لا يصلح مثلها لرفع اليد عما دل على كون الشاهد و اليمين بمجموعهما أيضا من احد الموازين مع ان تقوية القول بالشاهد الواحد فرع حجيته و إلا فلا مجال لتقويته و لا دليل على ذلك لعدم اقتضاء عموم دليل الرواية أو الشهادة لمثله.

اذن فالعمدة في الوجه هو الذي أشرنا اليه. و لكن يمكن أن يقال: ان هذه الاخبار و إن كانت حكاية حال و فعل، و لكن لما كان الحاكي إماما مع فرض كونه في مقام البيان عن جواب السؤال المكتفى صاحبه بجوابه عليه السلام، لا شبهة في أنه يؤخذ بإطلاقه الحاكي عن ميزانية المجموع قبال سائر الموازين، بعد عدم اقتضاء مجرد الترتيب الذكرى للقرينية على اعتبار الترتيب في الميزانية، خصوصا مع اختلاف اخبار الباب في ذلك بنحو يعلم بأنه لا خصوصية لأحد النحوين في الإقامة كما لا يخفى.

و اما سماعه في مطلق دعوى المال و لو ما كان المقصود منه المال أو خصوص الدين أو مطلق حق الناس و لو لم يكن ماليا، بعد الجزم بعدم السماع لحقوق اللّه محضا.

و (لا في الهلال) لتصريح بعض النصوص (1)عليه، علاوة على نفى الخلاف فيه، ففيه خلاف بين الأصحاب.

و منشأه اختلاف أخبار الباب، من اشتمال جملة منها على مطلق الحق، و جملة أخرى على مطلق المال مثل خبر الدعائم المنقول في مستدرك الوسائل، و المرسلة بقوله: «فأشار على بذلك- أى بالشاهد و اليمين- في الأموال، و قال:


1) الوسائل ج 18 ص 193 باب 14 كيفية الحكم.

لا تعدو ذلك» و في ثالث: «اختصاصه بالدين، من قوله (ع): «في الدين وحده» و في آخر: «يمين صاحب الحق و ذلك في الدين».

و مقتضى كون الناقل هو الإمام في مقام البيان ظهور دخل الخصوصية، فلا يرد عليه احتمال اختصاص فعله (ع) به بلا نظر الى دخل الخصوصية. و عليه فمقتضى القاعدة هو الأخذ بما هو أخص مضمونا من الجميع، و هو رواية الدين محضا، بل هي حاكمة على البقية.

و لكن مع ذلك فان التحقيق ان الحصر المستفاد من اخبار الدين حقيقي بمقتضى إطلاقه القابل للتقييد بقصة درع طلحة (1)فيصير به الحصر إضافيا بالنسبة الى غير المال من بقية الحقوق. و به يستفاد مذهب المشهور. فما في الجواهر في المقام، فيه مواقع للنظر فتدبر.

و لكن لا شبهة في انه لا بد من طرح مثلها لضعفها مع عدم الجابر لها لو لم نقل بوهنها لإعراض المشهور عنها، مضافا الى معارضته مع رواية درع طلحة، بعد الجزم ببطلان احتمال كون الإمام في مقام ردع قضائه في كلية الأمور، مع قطع النظر عن خصوص المورد، و عليه فلا محيص، اما من طرحه أو توجيهه، و لو بحمل غرض الامام على مجرد بيان فعلهم، و حينئذ تبقى اخبار مطلق المال أو مطلق الحق، و النسبة بينهما و ان كانت عموما مطلقا، و لكن حيث لا مفهوم لواحد منهما، فلا مانع من الأخذ بكلتا الطائفتين.

و لكن الذي يوهن الأخذ بالطائفة الثانية عدم اعتناء الأصحاب بمثلها، فيتعين الأخذ بالطائفة الاولى و ان كانت ضعافا، إذ لا ضير فيه بعد ما كانت مورد اتكال الأصحاب في فتواهم عليها. هذا و لكن في الجواهر ذهب الى الأخذ بالطائفة الأخرى


1) المصدر ص 194 رقم 6

قبال الأصحاب و هو تابع وثوقه بالسند شخصا. و المسألة من هذه الجهة لا تخلو عن اشكال.

كما انه قد يشكل أمر القبول في مثل النكاح، و الخلع، و الطلاق، و الرجعة، و التدبير، و الكتابة، و النسب، و الوكالة، و الوصية، و عيوب النساء، و الوقف.

من جهة التشكيك في المال المسموع فيه الشاهد و اليمين. هل هو مما كان متعلق الدعوى فيه ما لا بدوا أو كانت الدعوى مالية عرفا و كان المقصود هو المال، كي يفصل في هذه الدعاوي بين ما كان كذلك أو لم يكن، و يقال بأنها تسمع في دعوى الزوجة دون الزوج و كذلك تسمع في الخلع. و الكتابة. و عيوب النساء. و الوقف الخاص.

دون غيرها الذي لا يكون من هذا القبيل عرفا. خصوصا الوقف العام الذي لا يرجع الى شخص فتكون اليمين فيه يمينا في إثبات مال الغير فتأمل.

و لكن الجواهر في سعة من هذه الجهات، و لذا التزم بان مقتضى القاعدة هو القبول في جميع هذه الفروع إلا ما خرج، و انما الإشكال على من يسلك في المقام مسلك الأصحاب في الأخذ بمثل خبر الدعائم و المرسلة و طرح البقية. و عليك بالتأمل التام و التحري في أمثال المقام في المصير الى أحد الطرفين بصرف النظر عن ضعف سند إحدى الطائفتين للقواعد الرجالية أو لمجرد مصير أحد من الأساطين مثل الجواهر و غيره اليه. و عليه التوكل في حفظنا عن الزلل في أحكامه.

فروع

اشارة

بقي في المقام فروع تعرض لها في الشرائع

منها

: انه لو ادعى جماعة مالا فلا يثبت جميع المال إلا مع حلف كل واحد بضم إقامتهم الشاهد الواحد، لانحلال

الدعوى إلى دعاوي متعددة، فكل مدع لا بد من حلفه في إثبات حقه و حينئذ فلو امتنع واحد منهم لا يثبت نصيبه خاصة، و لكن لا يسقط، لعدم الدليل على مسقطية هذا النكول، و تنظيره بالنكول عن اليمين المردودة قياس بلا دليل. و حينئذ فلو مات الناكل فلورثته الحلف على نصيبه من مورثه و في لزوم تجديد اقامة الشاهد عليه اشكال ناش من الاكتفاء ببينة كل من كان له تحرير مثل هذه الدعوى على وجه موجب للشركة أم لا بد من أن يكون من خصوص الحالف. و منشأ الاشكال في الحقيقة التشكيك في الإطلاق، لأن الأصل حينئذ هو عدم ميزانية شاهد اقامه غيره.

و منها

انه لو ادعى جماعة ما لا و حلف بعض و امتنع بعض آخر، فهل يختص المأخوذ من مقدار حصة الحالف بالحالف أو يشاركه الممتنع بعد الجزم بعدم سقوط حقه حقيقة بامتناعه جزما، فالظاهر انه لا أشكل في صورة كون المدعى به عينا، إذ حال هذا الحلف حال إقرار ذي اليد بسبب موجب للشركة، فإنه يشاركه غيره فيما أخذ، و ليس ذلك من باب إثبات مال الغير بحلف غيره، بل انما هو بسبب إقرار الحالف بالشركة بعد عدم سلطنة أحد الشريكين على افراز ماله بدون رضاء شريكه و أما لو كان دينا فقد يتوهم اختصاص القابض فيما أخذ بيمينه، و لعله من جهة توهم ولاية المدعى عليه على تعين حصة كل منهم في العين الخارجية و لولاها لما يصح إقباضه حصته من المال بدون رضاء الباقين بقبضه.

و لكن لا يخفى ما فيه من منع الملازمة المزبورة، كيف و في مرسلة أبي حمزة التصريح بصحة القبض مع شركة رفيقه فيما أخذ من نصيبه، و فيها: «عن رجلين بينهما مال منه بأيديهما، و منه غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما و أحال كل واحد منهما من نصيبه الغائب فاقتضى أحدهما و لم يقتض الآخر. قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما ما يذهب بماله» و في خبر غياث مثله. و في ذيله أيضا: «ما اقتضى أحدهما فهو بينهما و ما يذهب بينهما» (1).


1) الوسائل ج 13 ص 179 باب 6 الشركة.

و لكن يمكن حمل الروايتين على صورة إذن كل منهما في قبض غيره، إلا أن يقال: ان إذنهما في القبض لما كان بعنوان كون المقبوض مختصا بالقابض كما هو المنصرف من الرواية، لا يثمر في صحة قبض المشاع، و عليه فالروايتان صريحتان في كفاية القبض بدون الاذن مع دلالتهما على عدم ولاية الدائن و المدين في الافراز و حينئذ فالحكم بالشركة هو مقتضى القاعدة، لأن القبض الصحيح يقتضي انتقال الملكية من الكلي إلى العين، فبعد ما كانت الملكية في الكلي بنحو الاشتراك، فلا محيص من صيرورة العين المأخوذة، أيضا كذلك كما لا يخفى.

و منها: ما لو ادعى احد أن هذه الجارية التي في يد غيره أم ولدي، فهنا دعاو أربعة، مملوكية الجارية فعلا، و حريتها بعد موته، و انتساب ولدها اليه، و كونه حرا.

لا إشكال في ثبوت الدعوى الاولى بالحلف. كما انه لا إشكال أيضا في ثبوت الدعوى الثانية بإقراره. كما انه بناء على مبناهم من اختصاص الشاهد و اليمين بالماليات عدم ثبوت الثالثة بهما. و اما حرية الولد ففي ثبوتها باليمين المزبورة إشكال، من أن المراد من الدعوى المالية هل هو ما كان محكوما بالمالية لو لا الحلف أم يختص بما يوجب جلب المال فينا فيه حينئذ ما كان يمينه مزيلة. و منشأ الاشكال التشكيك في شمول الإطلاق فالمرجع حينئذ أصالة عدم الميزانية.

و منها

: ما لو ادعى بعض الورثة ان مورثهم وقف عليهم دارا و بعدهم على نسلهم، فان حلف المدعون أجمع كل مع شاهده فلا إشكال في ثبوت حقهم، على القول بسماع اليمين في الأوقاف الخاصة، و انما الكلام في صورة انقراضهم، فهل يثبت بحلفهم حق الطبقة الثانية أم يحتاجون الى حلف جديد، فعلى القول بأن الطبقة الثانية يتلقون الوقف من الطبقة السابقة، فلا إشكال في كفاية حلف السابقة، لأن ملكية الثانية من آثار ملكية الاولى الثابتة بالحلف و ليس هذا من باب إثبات مال الغير بحلف غيرهم.

و أما ان قلنا بتلقيهم من الواقف- كما هو التحقيق- فحينئذ ففي إثبات ملكيتهم بحلف الطبقة الأولى إشكال، فإنه من باب إثبات حق الغير بحلف غيره و بذلك يفترق مع البينة المثبتة للجميع.

و توهم تنظير المقام بيمين الوارث المثبتة لحق الغريم، مدفوع بان ثبوت حق الغريم هناك أيضا ليس بصرف الحلف بل من جهة إقرارهم المثبت لحق الغريم الذي هو من آثار ملكهم الثابت بالحلف. و من التأمل فيما ذكرنا يظهر النظر فيما أفاده في الجواهر من التفرقة بين المقام و بين إثبات حق الغريم بحلف الوارث، حيث ادعى في المقام منع الملازمة دون مسألة حلف الوارث، إذ الغرض ان كان منع الملازمة بينهما واقعا فيلزمه عدم ثبوت الوقف للثانية حتى مع البينة و ان كان الغرض نفى الملازمة في مقام التعبد فلازمه عدم الثبوت في حلف الوارث أيضا.

ثمَّ انه لو انقرض الأولاد بطبقاتهم اجمع ففي ثبوت الوقف بحلف الطبقة الأولى لمطلق البر أو خصوص الفقراء على فرض دعواهم الوقف بهذه الكيفية أو فرض إحراز ذلك من غرض الواقف في المنقطع الآخر، اشكال مبنى على الاحتمالين السابقين من تلقى الطبقة الثانية من السابقة أو تلقيهم من الواقف. فعلى الأول يثبت بحلفهم دون الأخير، و حينئذ فيحتاج في حقهم الى حلف جديد لو لا رجوع الوقف بالنسبة إليهم إلى الجنس على وجه لا يكون الافراد مالكين إلا بعد الأخذ، فان حاله حينئذ حال الأوقاف العامة التي أشرنا إلى الإشكال في تأثير حلف الافراد فيها لكونه من قبيل حلف الغير لإثبات حق غيره.

و لعل عدم حصر الافراد في بعض المقامات كاشف عن رجوع الوقف الى الجنس الموجب لرفع اليد عن ظهور لفظه في التشريك كالفقراء في الزكاة، و هذا بخلاف ما لو كانوا محصورين كعلماء بعض القرى و البلاد فان الظاهر من العموم

كون الموقوف عليهم هم الافراد على السوية الموجب لتشريكهم فيه بالمساواة.

و عليه فيمكن حمل كلام المسالك في التفصيل بين فرض الحصر و عدمه من حيث الحمل على التشريك و عدمه على ما ذكرنا من البيان لا على الحصر من باب الاتفاق بعد ما لا يكونون كذلك كي يرد إيراد الجواهر عليه بان مجرد طرو الحصر عليهم من باب الاتفاق لا يوجب رفع اليد عما اقتضاه الوقف من الحمل على الجنس.

ثمَّ انه لو مات أحد الحالفين من الطبقة الأولى ففي انحصار المال بالباقي منهم بلا حلف اشكال لو لم نقل بان حلفهم من الأول منحل الى حلفين أحدهما الحلف بمقدار حصته حال حياته و الآخر بانحصار حصة غيره فيه بعد موته، إذ حينئذ لا يحتاج في الحكم بانتقال حصة الميت إليهم إلى دعوى كونهم متلقين للملك عن الحالف الميت لا الوقف، إذ على أى حال لم يرد استحقاقهم لحصة الحالف الميت ببركة حلفه كي يجي‌ء الابتناء المزبور، و عليه فما في المسالك من هذا الابتناء منظور فيه.

ثمَّ لو امتنع الطبقة الأولى عن الحلف فعلى فرض القضاء بالنكول نحكم في الزائد عن مقدار حصتهم من الإرث بملكيته للورثة المنكرين للوقفية، بل و يتعلق بجميع المال حق الديان و الوصية، و أما بالنسية الى مقدار حصتهم فبعد إقرار المدعين للوقفية ينفذ عليهم و على وارثهم المتلقين للملك من قبلهم، و ليس للوارث دعوى الملكية بنحو الطلق، نعم مع اعترافهم بالوقف على الطبقات من جميع الوارث بنحو الترتيب قد يستشكل أمر الانتقال إليهم من جهة إقرارهم باستحقاق الطبقة الأولى لجميع المال و لازمه عود حصتهم الى المنكرين للوقفية كما أن المنكرين أيضا مأخوذون بإقرارهم بانتقال مقدار حصة الميت من الطبقة الاولى الى الطبقة الثانية الوارثة له. و عليه فلا بد من انتزاع المال من يدهم. و زمام أمره حينئذ بيد الفقيه الجامع للشرائط إما يوقف المال الى أن يتعين صاحبه أو ينصفه بملاك درهم الودعي أو قاعدة العدل و الانصاف، نعم لو لم يكن

الورثة مقرين بالوقف على جميع الوراث حتى المنكرين له كان أمر هذه الحصة الوافية بمقدار إرثهم راجعا الى مدعى الوقفية فبمقتضى إقرارهم بالوقفية يكون المقربة بيدهم وقفا.

ثمَّ ان ذلك كله في مقدار حصتهم من الإرث و أما بالنسبة إلى الزائد عن حصتهم فهل لوراث الناكل أن يحلفوا بالوقفية فيأخذوا بعد نكول الطبقة الأولى عن الحلف أم لا وجهان مبنيان على أن النكول ذاهب بحق الوقفية حقيقة كي يكون المورد من قبيل الوقف المنقطع الأول فيبطل الوقف و يرجع الى الميراث أو لا يذهب بالحق كذلك بل غاية الأمر كونه مسقطا لسلطنة الناكل على مطالبة حقه فيبقى حينئذ حق الطبقة اللاحقة بحاله، فيأخذون بحلفهم جديدا، الأقوى هو الثاني بل بناء على الأول أيضا يمكن أن يقال غاية ذاهبية النكول بالحق كونه مسقطا من حينه لحقهم و مثل ذلك لا يقتضي فساد الوقف بالنسبة إليهم من حين إنشاء الوقف كي يكون من صغريات منقطع الأول و ان كان المدعى به الوقف التشريكى ففي كفاية حلف الطبقة الأولى للثانية أيضا إشكال لأن تلقى الموقوف عليهم بجميع طبقاتهم الملك من الواقف في عرض واحد رتبة فلا يكفى حلف أحد في حق غيره لعدم مثبتيته لحق غيره، نعم هنا في مقدار حصتهم لا يكون في العين منازع فيأخذون حصتهم و يترتب عليه آثار الوقفية باعترافهم.

و لو أنكروا اعتراف مورثهم بالوقفية أو ادعوا صورية إقراره فتسمع دعواهم عليه بشهودهم و في الاحتياج الى اليمين لكونه من الدعوى على الميت اشكال من اختصاص الدليل بمورد الدين و العين المحتمل أداؤهما كي يراعى بواسطة ذلك الاحتمال وظائف المنكر و في مقام لا يتصور مثل هذا المعنى بالنسبة إلى الميت كي يصير به مدعيا و المدعى منكرا، و من انه لمحض التعبد الممكن إجراؤه في كل مورد يكون طرف الدعوى ميتا بلا خصوصية للدين و ملكية العين.

ثمَّ لو كانت الطبقة الثانية صغارا فلا طريق لإثبات حصتهم فعلا لان حلف الطبقة

السابقة و كذلك الولي عن الصغير لا يثمر في إثبات مال غيره فلا محيص من توقيف الدعوى بمقدار حصتهم الى ان يبلغوا فهل تتوقف حصتهم من العين أيضا أم تبقى تحت يد المنكر، ظاهر الجواهر هو الثاني خلافا للشرائع.

و قد يتوهم بان مبنى نزاعهم في المقام هو الخلاف بينهم في تقديم اليد اللاحقة على الاستصحاب و عدمه بعد كون المورد من صغرياته من جهة كون المال بالحلف من الطبقة السابقة قبل وجود الصغير بتمامه محكوما بالوقفية و كون يد المنكر بمنزلة يد المدعين للوقفية فتحكم اليد السابقة على اللاحقة أو العكس، كل على مذهبه.

و لكن فيه أولا: أن ذلك انما يتم في صورة خروجه من يد المنكر حقيقة و كونه في يدهم فعلا و إلا فمع فرض كونه في يد المنكر من أول الأمر فمقتضى القاعدة استصحاب عنوان الغصبية في يده و في مثله لا نسلم كونه محل النزاع المزبور.

و ثانيا نقول: إن ذلك انما يتم في فرض احتمال مطابقة اليدين للواقع و لو من جهة احتمال انتقال جديد و إلا ففي مثل المقام تقع المعارضة بين هذه اليد و الحلف السابق فمع تقديمه عليها سابقا يخرج هذه اليد عن الحجية فيستصحب عدم حجيتها لعدم عموم أزماني في دليلها كما لا يخفى فافهم.

و عليه فلا وجه لإبقائه تحت يد المنكر و لو بنينا على تقديم اليد اللاحقة على السابقة كما لا يخفى، و حينئذ فما أفاده المحقق من إيقاف الحصة إلى زمان بلوغهم في غاية الجودة. و المرجع في حفظها بعد ما كان من الحسبيات هو الفقيه، ثمَّ العدول.

ثمَّ لو بلغ الصغير فان حلف فيأخذ حقه، و ان نكل و قلنا بالقضاء به فلاحق له و حينئذ ففي الإعطاء للمنكر الاشكال السابق المبنى على عموم دليل اليد أزمانا في فرض كونه في يد المنكر من أول الأمر إلى الحين و عدمه، و حينئذ يكون المال مما

قامت الحجة على عدم كونه لكل منهم لأن الاستصحاب ينفى ملكية المنكر، و النكول ينفى ملكية الناكل، و الإقرار من بقية المدعين للوقفية بنحو التشريك ينفى سلطنتهم على مقدار حصته، و حيث ان شيئا من الامارات لا يعارض الإقرار، ينحصر الحق ظاهرا بين الناكل و المنكر و لا بد حينئذ من التقسيم بينهما بمقتضى العدل، و لا مجال للتوقيف في المقام لعدم انتهائه إلى أمد مخصوص و اللّه العالم.

و منها: انه لو ادعى حرية عبد في يد غيره ففي ثبوتها بالشاهد و اليمين اشكال قد تقدم وجهه في دعوى حرية ولد الأمة في الفرع السابق.

و توهم الفرق بين المقامين من جهة ان حرية الولد من لوازم ملكية أم الولد الثابتة بالشاهد و اليمين دون المقام الذي يكون الحرية تحت الدعوى بدوا.

مدفوع بأن حرية الولد من لوازم حرية الأم بعد موت مالكها لا ملكيتها قبله، و إثبات مثل هذه الجهة بالشاهد و اليمين أول الدعوى لعدم إحراز مالية المدعى به.

و لعل الى ما ذكرنا أيضا نظر الجواهر في منعه للملازمة بين الحرية للولد و و الأمومة بحمله على الملازمة في الظاهر بين ملكية الام الثابتة بالحلف و الشاهد و حرية ولدها، لا نفى الملازمة بينهما في الواقع أيضا كي يرد عليه بان لازمه عدم سماع البينة أيضا مع انه ليس كذلك جزما.

في القضاء التنفيذى

(و إذا شهد بالحكم عدلان عند حاكم آخر أنفذه الحاكم الثاني ما لم يخالف المشروع) بلا اشكال فيه لو كان المراد مجرد إجرائه، لا إنشاء حكم آخر في الواقعة إمضاء للحكم الأول، لعدم تمامية الميزان في حقه، و كون مجرد الحكم السابق ميزانا لمثل هذا الحكم أول الدعوى، خصوصا مع اعتبار سبق هذا الحكم بخصومة جديدة للمنع من تجديده بمقتضى الحكم الفاصل السابق.

و لقد تقدم أيضا من أن دليل الحكم لا يشمل ما لا يكون مسبوقا بالخصومة. و توهم كون الحكم الأول موضوع هذا الحكم من جهة حرمة رده أفسد، لأن حرمة الرد لا يقتضي وجوب الإنفاذ نعم لو كان المراد من الحكم بالإنفاذ هو الحكم بصدور الحكم الصحيح عن الحاكم الأول فهو أيضا صحيح على فرض كون مثل هذه الجهة مورد التخاصم.

و على أى حال لا إشكال في وجه المراد، و انما الكلام في تعيينه في كلمات الأصحاب إذ الظاهر من كلمات المحقق هو التنفيذ، بمعنى الحكم بالصدور أو صحة الصادر. و ظاهر كلمات الرياض كون المراد هو التنفيذ بمعنى إمضاء الحكم بأصل الملكية، و لذا أنكره و ادعى عدم مشروعيته، و حينئذ فلا يرد النفي و الإثبات على

معنى واحد.

و على أى حال ففي سماع قول الحاكم وحده اخبارا عن حكمه في جواز التنفيذ من الثاني بكل واحد من المعاني نظر، لعدم كونه من موازين الحكم و ان يترتب اثر صدوره من جهة كونه مدعيا بلا معارض، أو من جهة قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به، و لعل تردد المحقق ناظر الى الاكتفاء به ميزانا للتنفيذ لا حجة في مقام ترتيب الأثر على الصدور أو صحة الصادر.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال كتابته اخبارا فإنه على فرض عدم مضرية احتمال التزوير و لا عدم القصد، لا يكون ذلك بأقوى من قوله، فضلا عن مجي‌ء الاحتمالات السابقة المضرة بحجيته، نعم لو فرض نفى الاحتمالات المزبورة و كان الشك في مجرد كونه بصدد الاخبار عن الواقع جدا أو بصدده تقية، أمكن دعوى السيرة على جريان أصالة الجهة الموجبة لحجيته، و بهذا المعنى تسمع الكتابة في الوصايا و الأقارير.

و بملاحظة ذلك ربما يصح الاتكال على الإسناد المتعارفة المعمولة في مقام الاستشهاد على شي‌ء لفرض الاحتمالات السابقة و كون الشك في صرف مطابقة اخباره الكتبي للواقع أو لوجهه و اللّه العالم.

ثمَّ ان في الشرائع اختصاص القضاء التنفيذى بحقوق الناس دون حقوق اللّه و ادعى عليه الإجماع، فإن تمَّ فهو و إلا فللنظر فيه بعد قيام البينة مجال و توهم أن المستفاد من درء الشبهة هو إسقاط اللّه حق خصومته فليس لأحد الخصومة فيه، مدفوع بان مجرد درء الشبهة لا يقتضي الإسقاط، مع أن الكلام في تنفيذ الحكم الأول، فلا بد من فرض الكلام في مورد تصور الخصومة و فصلها بالحكم الأول كما لا يخفى، و الاولى القول بعدم الموضوع له لعدم تصور الحكم بمعنى الفصل فيه بل المراد ترتيب الأثر على طبق البينة لما أفاده الجواهر فتدبر.

ثمَّ انه قد يفرق في مورد التنفيذ بين صورة فسق الحاكم الأول بعد حكمه، و بين جنونه أو موته، فذهبوا إلى مشروعية التنفيذ في الأخيرين دون الأول، و قد تمسك في الجواهر بأصالة عدم صحة الحكم في الأول، و أصالة بقاء الحكم على صحته في الثاني. و لكن لا يخفى أن هذه التفرقة انما يتم لو احتمل كون عدم الفسق شرطا متأخرا في صحة الحكم دون الأخيرين، و إلا فلا مجال للفرق بينهما إذ جريان الأصل بالنسبة إليهما بنحو واحد.

و حيث كان كذلك، فنقول: ان غاية ما يستفاد من أدلة مانعية الفسق هو المانعية المتقدمة لا المتأخرة و عليه فلو لا الإجماع المزبور على التفرقة بين الفرضين، كان للنظر فيه مجال لو لا دعوى أن حكمة مشروعية التنفيذ تجليل الحاكم الأول أيضا و الفاسق خارج عن صلاحية التجليل، و لكن للنظر فيه أيضا كمال مجال و اللّه العالم.

الفصل الرابع في المدعى

اشارة

و قد يعرف المدعي بأنه لو ترك الخصومة ترك، و لا يخفى أن مرجعه الى كونه مبدء الخصومة، و كان من شأنه إبداء الإلزام على غيره، و في قباله المنكر الذي شأنه نفى إلزام الغير عن نفسه، من دون فرق بين كيفية تحرير الخصومة بنحو السلب أو الإيجاب، و من المعلوم ان لازم هذا المعنى كون المنكر تاركا للخصومة لو ترك غيره، لان وظيفته بالطبع رد إلزام الغير عن نفسه الذي هو بحسب الرتبة متأخرا عن الدعوى، نظير تأخر طبع القبول حقيقة عن الإيجاب.

ثمَّ المراد من الإلزام الذي من شأن المدعى ابداؤه، ربما يختلف بحسب المقامات، لأنه إن كان محط الخصومة هو مرتبة أصل ثبوت الاشتغال فالإلزام المبدء في هذه المرحلة لا يكون إلا بإثبات الاشتغال و أما لو كانت الخصومة في مرحلة الفراغ عما اشتغلت الذمة يقينا، فابداء الإلزام في هذه المرحلة انما هو بإثبات الفراغ، و هذه الجهة صارت منشأ صيرورة مدعى الرد مدعيا، إذ في مرحلة الفراغ الذي هو محط الخصومة لا يكون الدائن ملزما لطرفه بدعواه، إذ إلزامه ليس إلا بما هو ثابت في نفسه، و لو من جهة اقتضاء الأصل ذلك، و انما إبداء الإلزام المتصور في مثله ليس إلا من قبل المديون، نعم لو كان قوله في رده حجة كقول الأمين في دعواه

الرد ينقلب هذا الشأن منه الى الدائن.

و بالجملة نقول: إن مبدأ الخصومة عرفا لا بد أن يكون في دعواه محتاجا الى مثبت خارجي و لا يشمل من كان قوله ثابتا في نفسه، و لذا يترك هو و حجته لو تركه غيره، و حينئذ فربما يلازم مثل هذا المعنى قول بعضهم في تشخيص المدعى من أنه هو الذي يكون قوله على خلاف الحجة و الظاهر ان المراد من الحجة هي الحجة الفعلية في مورد دعواه أصلا كان أو ظاهرا يتكل عليه عرفا، و من جهة ذلك كان مدعى الفساد على خلاف أصالة الصحة مدعيا، و ليس مراده مخالفة قوله لأصل مخصوص أو أصل في الجملة. و من التأمل فيما ذكرنا كله ظهر مواقع النظر فيما أفيد في الجواهر فراجع و تأمل فيه و فيما ذكرنا.

و هل المدار على قيام الحجة في محط الدعوى محضا أم يكفي قيام الحجة على نفى الجهة الملزمة المترتبة على هذه الدعوى، قد يظهر من الجواهر في دعوى استيجار دار بأجرة معينة مع اختلافهما في تعيين الأجرة بين الأقل و الأكثر. بأن المدار مخالفة القول للحجة في نفس محط الدعوى، و لذا ادعى بان كل منهما مدع من جهة لأصالة عدم تعلق العقد على ما ادعاه و لكن صريح السرائر خلافه، حيث التزم بأن الأصل مع منكر زيادة مال الإجارة، و الظاهر تقديم قول السرائر لعدم صدق «لو ترك ترك» بالتقريب المتقدم على من وافق قوله الأصل في جهة لغيره إلزامه كي يكون الغير مبدأ للإلزام بأمر غير ثابت، مع ان في النص الصريح في دعوى الوديعة من طرف المالك و الرهن من طرف غيره، تقديم الإمام حينئذ قول من يدعى الوديعة الذي هو كاشف عن ان المدار في موافقة الأصل و مخالفته ليس إلا في الجهة التي تكون الدعوى بالنسبة إليها ملزمة لا بالنسبة إلى محط الدعوى.

و أيضا هل المراد من الحجة في المقام هو مجرد الحجة الاقتضائية كي تكون

صورة الاختلاف في ثمن المبيع بين المتباينين من باب الدعويين و الخصومتين لان كلا منهما مدع و منكر كما هو ظاهر كلام المسالك في نظره من التحالف، أو المراد هو الحجة الفعلية كي يصدق على كل واحد بعدم مطابقة قوله للحجة فيكون مثل الفرض المزبور من التداعي في خصومة واحدة بلا تحقق منكر في هذه الخصومة، و لقد اعترف الجواهر في فرض كون العين بيدهما مشاعا بان اليدين متساقطتان، فلا يصدق على شي‌ء منهما المنكر، و لكن قد اختار في الاختلاف في ثمن الإجارة المزبورة بان كلا منهما مدع من جهة و منكر من جهة، مع انه لو كان المدار في الأصل المخالف ان كان على الأصل و لو لم يكن حجة فعلا، فلازمه في العين في يدهما بعد تساقط اليدين بمختاره ان بكون أيضا من باب الدعويين و إلا فلا محيص في فرع الاختلاف في مال الإجارة أيضا ان يلتزم بعد وجود منكر لعدم أصل حجة من جهة العلم الإجمالي بكذب أحدهما، و على اى حال لا يخلو التفرقة بين الفرعين على مختاره من تساقط اليدين من تهافت.

و كيف كان فالذي يقتضيه التحقيق جعل المدار على الحجية الفعلية إذ هو الذي يوجب كون من كان قوله موافقا له متروكا لو تركه غيره، مع انه لو كان المدار على مجرد الحجة الاقتضائية يلزم الالتزام بعد تشخيص المنكر في غالب الدعاوي إذ ربما يكون قول الآخر أيضا موافقا لأصل آخر محكوم.

و من جهة ذلك نقول: إن مقتضى القاعدة كون النزاع في فرع الاختلاف في الثمن المردد بين المتباينين من باب التداعي في خصومة واحدة لا من باب الخصومتين لوجود مدعيين و منكرين، و تمام الكلام في محله.

ثمَّ ان المراد من الحجة هل هو مجرد الحجة العقلائية و لو كانت مردوعة شرعا أو لم يثبت امضاؤهم من ناحيته، أم خصوص الحجة الشرعية.

قد يتوهم بان تشخيص المدعى و المنكر المأخوذ في لسان الدليل بعد ما كان نظير سائر العناوين العرفية بيدهم فلا بد ان يلاحظ نظرهم في صدق عنوان المدعى

على كل منهما، و لازم ذلك كون المتبع حينئذ أصولهم لا الأصول الشرعية.

و لكن يمكن أن يقال بان صدق المدعى على مثل هذا الشخص بمناط حجية الأصل باعتقادهم فلو ردعهم الشرع الشريف من جهة تخطئتهم في التمييز لا يبقى مناط في الصدق المزبور، بل ربما يصير العنوان حينئذ منطبقا على غيره، نعم ما لم يردعهم كان نظرهم ميزان التمييز بمقتضى الإطلاق المقامى كسائر العناوين القابلة لفهم مناط خطأهم كما هو الظاهر، و عليه فلا بد أن يكون الظاهر الذي يكون مخالفته مع الدعوى مناط صدق المدعى من الظواهر المتبعة شرعا كما لا يخفى.

ثمَّ انه لو شك في مورد في تشخيص المدعى عن المنكر من جهة عدم إحراز حجة شرعية أو عرفية ففي الاكتفاء بالبينة نظر لا من جهة عدم عموم دليل في حجيتها كما يدعى إطلاق ذيل رواية مسعدة، بل من جهة الشك في ميزانيتها بعد اقتضاء التفصيل قطع الشركة في عموم البينة على المدعى إلخ. و حينئذ فلو أقام أحد الطرفين بينة فان حلف على طبق دعواه مع رضاء غيره بحلفه فيحكم له للعلم الإجمالي بوجود الميزان و إلا فلا مجال للحكم على طبق واحد منهما في ظرف انفراده عن غيره للشك في قيام ميزان الفصل في مثله، و حينئذ فما في الجواهر من ان عموم دليل البينة يقتضي الحكم على طبقه منظور فيه.

و توهم أن عموم «رجل قضى بالحق» «و من حكم بحكمنا» و ان لم يرجع إليه في الشبهة المصداقية المحضة، و اما في مثل المقام و ان كان المخصص مبين المفهوم لكن الشك في تحققه لما كان من جهة الشك في حجية شي‌ء مخالف لقوله شرعا كان رفع مثله بيد الشارع ففي مثله كان أصالة العموم المزبور بضميمة إطلاق دليل حجية البينة محكمة.

مدفوع بان ذلك فرع كون أصالة العموم حجة حتى في صورة احتمال انطباق الحجة على الخاص عليه و إلا فلا مجال للمصير اليه و لو كان أمر رفع شكه بيد الشارع هذا، مع ان ذلك الكلام انما يتم في العمومات بالنسبة إلى مخصصاتها و اما بالنسبة إلى المطلقات و المقيدات فلا يكاد يتم ابدا، و تنقيح الكلام موكول الى محله و لقد

بسطنا الكلام فيه في مسألة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في مقالتنا و حاشيتنا على كفاية شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه فراجع و تأمل فيه.

ثمَّ اعلم ان سماع الدعوى على وجه يوجب إلزام الخصم بالحضور و إلزامه بالجواب ثمَّ باليمين عند عدم البينة على ما تقدم سابقا، مشروط بكون المدعى ذا سلطان على المطالبة لأن السلطنة على الدعوى من شؤون السلطنة على مطالبة الحق الثابتة حتى في حال الشك في ثبوت حقيته، فبدون مثل هذه السلطنة واقعا لا مجال للسلطنة على الدعوى المرتبة عليها الآثار الخاصة المزبورة، و مثل هذه الجهة هو الملاك التام في سماع الدعوى عرفا و شرعا.

ما يعتبر في المدعى

اشارة

و بعد ذلك الأساس لا بد من اعتبار أمور في المدعى:

منها: أن يكون مكلفا فلا يسمع دعوى الصغير و لا المجنون. و ذلك لا من جهة سلب عبارتهما، إذ يمكن منع اقضاء دليله منع هذا المعنى بل غاية الأمر عدم جواز أمرهما المنشأ لترتب آثار و مسببات على مثلها لا مثل الدعوى الحاكية عن مطالبة حقه، بل العمدة عدم سلطنته على المطالبة المزبورة فكيف له السلطنة على ما من شؤونه هذا، مع إمكان كون هذه الدعوى أيضا بملاحظة منشئيتها لآثار خاصة من الأمور التي لا يجوز مثلها على الصغير.

و منها: أن يكون مدعيا لنفسه أو لمن له الولاية من جهة سلطنته على المدعى به بخلاف الأجنبي المحض الذي لا سلطنة له بوجه على المدعى به، و ليس شأن مثله عرفا تحرير الخصومة، نعم لا بأس بسماع بينته لكن لا بما هو ميزان فصل خصومة

بل بما هو حجة و منشأ لترتيب آثار الواقع.

و قيل أيضا: انه لا بد أن يكون مدعيا بما يصح تملكه، فلا يسمع دعوى تملك الخمر و الخنزير.

و لكن يمكن الإشكال في إطلاقه، إذ ربما يكتفى فيه بمجرد حق الاختصاص المنتهى الى الملكية أو الصالح لها كدعوى خمر تصلح أن تصير خلا، نعم مالا ينتهي إلى ملكيه أبدا ففي الاكتفاء بصرف حق الاختصاص غير المنتهى الى حق ملزم تكليفي على الغير، بل ربما يكون مثله منشأ توجه التكليف بإزالته عن المسجد و أمثاله، منظور فيه. لعدم كونه من الدعاوي الملزمة على الغير، مع أنهم اشترطوا في سماع الدعوى عرفا أن تكون ملزمة لخصمه و لو بضميمة أصل من الأصول، و لعل وجهه أيضا هو كون السلطنة على الدعوى من شؤون السلطنة على إلزام الغير بوفائه على طبق دعواه و مطالبته.

و من ذلك لا تسمع دعوى الوقف و الهبة و بيع الصرف بلا ضم دعوى القبض به، إذ لا يكون المدعى به موجبا لإلزام الخصم بشي‌ء. و أما دعوى بيع غير الصرف فلا بأس بسماعها و لو لم يضم اليه انقضاء زمان الخيار على المختار من عدم دخله في الانتقال خلافا للشيخ بل و لا يحتاج في سماع الدعوى المزبورة ضم دعوى عدم الفسخ، إذ نفس المدعى به كان ملزما غاية الأمر الفسخ يوجب رفع تأثيره و الأصل عدمه، فما أفاده الأردبيلي من الاحتياج الى هذه الضميمة منظور فيه، كيف و لازمه عدم سماع دعوى الهبة للأجنبي حتى مع ضم القبض لاحتمال رجوعه و هو كما ترى.

ثمَّ انه بقي في المقام فروع

اشارة

لا بأس بتعرضها تبعا للمحقق في شرائعه.

منها

انه لو التمس الغريم إحلاف خصمه بعد اقامة الخصم بينته لم يسمع منه سواء في دعوى الأعيان أو الذمم و من غير فرق بين قيام البينة على الاستحقاق الفعلي أو الاستحقاق السابق و حكم الحاكم أيضا على طبقه كي يستصحب في إجرائه لا لميزانيته في حكمه بالاشتغال الفعلي كي تنكر ميزانيته.

و عمدة الوجه فيه ظهور التفصيل القاطع للشركة بعد الجزم بعدم جريان المناط في اليمين الاستظهارى في الدعوى على الميت في المقام، لما أفيد من العلة غير الجارية في المقام. و حينئذ فما عن القواعد من سماع الالتماس المزبور منظور فيه. نعم في فرض قيام البينة على الاشتغال السابق و حكم الحاكم على طبقه كان للخصم دعوى الوفاء لو لم يكن إنكاره السابق متضمنا لإقراره بعدم الوفاء. و بعد تحرير مثل هذه الدعوى الجديدة كان وظيفة منكر الرد اليمين. و اما قبل تحرير الدعوى فلا مجال لتوجيه اليمين عليه بعد قيام بينته على الاشتغال و لو سابقا فضلا عن إقامة البينة على الاشتغال الفعلي. إذ لا مجال حينئذ لضم اليمين به ابدا. بل لا مجال لسماع دعوى الرد و الوفاء من المنكر بعد حكم الحاكم بالاشتغال الفعلي لحرمة رده و فصل مثل هذه الخصومة أيضا كما لا يخفى هذا.

و منها

: انه هل تسمع دعوى الإقرار لكونه ملزما ظاهريا أم لا تسمع من جهة ان ملزميته و لو ظاهرا فرع وصوله فما لم يصل الى المكلف لا يكون بملزم أصلا. فكان كدعوى الهبة قبل القبض و من هذه الجهة لا يقاس الإقرار بالبيع، وجهان مبنيان على ان الاحكام الظاهرية هل فعليتها فرع وصولها الى المكلف بحيث لولاه لا تكون فعلية بعثية بخلاف الأحكام الواقعية من الوضعيات و التكليفيات إذ فعليتها الواقعية ليست تابعة لوصولها غاية الأمر لا تنجيز لها، و حيث قد حققنا في محله عدم تبعية فعليتها للوصول فلا بأس بسماع مثلها، مع إمكان ان يقال: انه يكفى في سماع الدعوى مجرد

ملزميتها في ظرف ثبوتها و لا يحتاج الى الملزمية في ظرف الدعوى. اللهم الا ان يقال ان الدعوى بعد ما كانت من شؤون السلطنة على المدعى به فما لم يثبت مثل هذه السلطنة لا مجال لصحة الدعوى عليه و حينئذ فالعمدة هو المبنى الأول كما لا يخفى.

و منها

: انه لا تفتقر صحة الدعوى الى تفصيل السبب بعد ترتب الأثر على القدر المشترك، بل و على فرض ترتبه على كل واحدة من الخصوصيتين، نعم في سماع الدعوى على فرض ترتب الأثر على احدى الخصوصيتين اشكال، إذ هي من صغريات الدعاوي المجهولة. و لقد تقدم شطر من الكلام فيها فراجع لعله ينفعك في المقام.

و على اى حال فلو ادعى الزوجية و أنكرت المرأة فلا شبهة في سماعها بلا احتياج الى استفصال خصوصياتها لان نفس الزوجية مما يترتب عليها الآثار. و عليه فالبينة على المدعى و اليمين على من أنكر، و لكن فليعلم ان دعوى كل طرف في مثل هذه الدعوى بمنزلة إقراره بما هو ضرر عليه و لازم ذلك تقديمه على البينة و الحلف و غيرهما كما ورد من قول الصادق (ع) «المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا» الذي لازمه ترجيحه على البينة المتقدمة على سائر الحجج جزما مضافا الى ما ورد في سماع تكذيب الحالف نفسه حتى بعد حكم الحاكم المستلزم لتقديم الإقرار على حكم الحاكم و حلفه أيضا، و لازم ذلك حينئذ عدم تمامية ميزان القضاء على الزوجية مطلقا حتى بالنسبة إلى الآثار الضررية على المقر بها أو بعدمها نعم لا بأس بسماع سائر الموازين بالنسبة الى غير مثل هذه الاثار.

و حينئذ فلا بد للحاكم ان يحكم على طبق ما جرى عليه الميزان من البينة و اليمين مع ضميمة ما يقتضيه إقرار كل واحد من الطرفين عند تحريرهما الخصومة و ليس له الحكم بالزوجية حتى بالنسبة إلى المنكر لها من حيث آثارها الضررية عليها و هكذا العكس.

ثمَّ انه من التأمل فيما ذكرنا من عدم سماع دعوى الجامع في فرض ترتب الأثر على احدى الخصوصيتين ظهر وجه ما افاده المحقق من قوله «و لو ادعى أيضا انها ولدت في ملكي ففي عدم السماع اشكال» من جهة ان مثل هذا غير ملزم بنفسه و من أنه بضميمة الأصل و قاعدة تبعية النماء للملك كان ملزما، أقواه الأخير. و هكذا لو ادعى انه ثمرة نخلي. و اولى بالسماع لو قال هذا غزل قطني أو دقيق حنطتي فإن احتمال انتقاله بصيرورته دقيقا و غزلا غير متصور الا بنذر نتيجة أو بشرطه في ضمن عقد لازم و هو بعيد و ان كان مقتضى التحقيق صحة شرط النتيجة بالنسبة إلى الملكية و ان لم يصح بالنسبة إلى مثل عنوان البيع و الصلح و غيرهما. لثبوت احتياجهما إلى أسباب خاصة غير معلوم الثبوت بمثل النذر و الشرط.

كيفية التوصل إلى الحق

بقي الكلام في كيفية التوصل إلى الحق، فنقول: إن الحق تارة عين، و أخرى غيرها من منفعة أو دين، فان كان عينا أو منفعة فلا إشكال في انه بعد ثبوت الحق ببينة أو غيرها ان له انتزاعه و لو بالقهر ما لم يثر فتنة عظيمة فيها تلف الأموال و النفوس بحيث يعلم عدم رضاء الشارع بمثله كما تشعر به أيضا أخبار بيع الوقف نعم لو كان عالما بحقيته بلا قيام حجة شرعية لدى غيره، ففي تكليف نفسه لا اشكال ما لم يحلف من أخذه منه مع تمكنه من انتزاعه، و إلا فمع التمكن من التقاص من ماله ففيه التفصيل الآتي في الفرع الآتي لاتحاد المناط، و مع عدم التمكن منه أيضا فلا بد من رفع أمره الى الحاكم العدل، فيتبع حكمه في الواقعة.

و أما ان كان دينا فلا اشكال مع بذله في أن للباذل اختيار القضاء و ليس له الأخذ من ماله بدون تعيينه و ان كان غائبا، فمع عدم الضرر في صبره فيصبر الى أن

يحضر فيبذل و إلا فمقتضى عموم نفى الضرر عدم رضاء الشارع بتفويت حقه، فلا بد من تعيينه بإذن الحاكم مع فرض ثبوت حقه عنده لأنه من الحسبيات التي يكون المرجع فيها هو الحاكم الولي على القصر في هذه التصرفات، مضافا الى إمكان استفادة هذا المقدار من الولاية من إطلاق المقبولة بعد كون مثله شأن قضاة الجور نعم الغائب حينئذ على حجته و في لزوم أخذ الضامن منه وجه تقدم الكلام فيه في محله.

و ان كان المديون حاضرا مقرا و لكن كان ممتنعا عن الأداء، فمع عدم التمكن من الوصول الى الحاكم فالظاهر انه لا إشكال في استقلاله في التقاص بمقدار ماله من ماله الآخر، و ان تمكن من الحاكم ففيه إشكال سيأتي في المسألة الآتية من فرض جحود الطرف بناء على التحقيق من جريان الاخبار بمناطها في المقام خصوصا ما اشتمل على قضية زوجة أبي سفيان إذ الظاهر كونه من مصاديق المسألة.

و عمدة وجه الاشكال بعد كون استقلاله فيه على خلاف القاعدة لاحتمال عدم التعيين إلا بإذن الرئيس في تقاصه ولاية، تارة من جهة التشكيك في وجه دلالة الأخبار الآتية بأنه من باب بيان الحكم الإلهي كي يستكشف منه عدم احتياج التعيين في المورد الى تعيين المالك بنفسه و باختياره أو انه من باب اذن الامام له ولاية كي يحتمل في زمان الغيبة دخل إذن الرئيس فيه. و اخرى من حيث إطلاقها لصورة التمكن من الإثبات لدى الحاكم العادل.

و لو كان المديون جاحدا فان قلنا باستقلاله في التقاص بمقتضى إطلاق الأخبار الآتية من حيث التمكن من إثبات حقه لدى الحاكم و عدمه فهو، و ان لم نقل بإطلاقها لمثل هذه الصورة أو لم نقل بأصل الاستقلال فلا بد حينئذ من إثبات حقه لدى الحاكم ببينة كي يكون له الاذن في التقاص و لا يكفي حينئذ مجرد اذنه المعلق على محقيته بلا احتياج إلى البينة المثبتة، إذ كيف له مثل هذا الاذن مع احتماله خطاء المتصرف الموجب لكون اذنه الذي هو بمنزلة تصرفه بلا محل، و هذا بخلاف فتواه على

الجواز معلقا لأن الفتوى منه بيان للحكم الواقعي و ليست هي منه بمنزلة تصرف نفسه كما لا يخفى. نعم لو لم يتمكن من إثبات الأمر لدى الحاكم فالظاهر عدم إشكالهم في استقلاله في التقاص، إما لإطلاق الاخبار أو لقاعدة الضرر المثبتة لسلطنته عليه.

و حيث اتضح مثل هذه الجهات فالعمدة في المقام التكلم في أخبار الباب فنقول: ان من جملتها ما في خبر جميل: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده، أ يأخذه و ان لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم. و نظيره ما في صحيحتي داود بن رزين و ابن زربي، و فيهما: «ثمَّ يقع لهم عندي المال فلي ان آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك و لا تزد عليه». و في صحيحة أبي بكر «أ يجوز لي ان وقع له قبلي دراهم ان آخذه منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم» (1).

و لا يخفى ان مقتضى ترك الاستفصال فيها استقلاله بالتقاص حتى في فرض تمكنه من الاستيذان من الحاكم أو إثبات حقه لديه و توهم حمل هذه الأخبار على بيان الاذن من الامام، خلاف ظاهر كون الراوي في مقام السؤال عن حكم الواقعة من حيث الجواز و العدم شرعا، لا في مقام الاستيذان منه (ع) مع جزمه بعدم الجواز بدون اذنه (ع).

و أيضا ظاهرها شمولها لما لو كان المال وديعة عنده، خصوصا في خبر ابن سليمان (2)التصريح به، بل و في صحيح البقباق «اما انا أحب ان تأخذ و تحلف» (3)و حينئذ فربما يقع بينهما و بين النواهي الواردة في أخذ الوديعة المشتملة على


1) الوسائل ج 12 ص 201 باب 83 ما يكتسب به رقم 10 و 1 و 4 و 5.

2) المصدر رقم 9 ص 204

3) المصدر رقم 2 ص 202

قوله «و لا تخن من خانك» أو «ان خانك فلا تخنه» و في ثالث «هذه الخيانة» (1)معارضة التباين، لصراحة رواية البقباق في الرجحان، و صراحة أخبار النواهي في المرجوحية على وجه لا مجال للحمل على الكراهة، و حينئذ فلو لا إعراض الأصحاب عن صحيحة البقباق، كان لا بد من اعمال قواعد التعارض بينهما، و حيث انه لا مرجح في البين الا العمومات من جهة عدم تمامية البقية و عدم وجود الترجيح بمخالفة العامة أيضا فلا محيص في مثل المقام عن الرجوع الى عمومات جواز التقاص.

و اما توهم موافقة النواهي أيضا لعمومات حرمة الخيانة، مدفوع بان عمومات الحرمة منصرفة عن مثل المقام، إذ الظاهر من الخيانة التصرف في مال الغير بلا استحقاق و ولاية على الأخذ، و مع عموم اخبار التقاص لا يبقى موضوع للعمومات أصلا.

و من هذه الجهة أيضا ندعي ان المراد من الخيانة في هذه الاخبار هي الخيانة الصورية المناسبة لحمل هذه النواهي على الكراهة، و لذا لا تكون بين هذه النواهي و الأخبار المجوزة معارضة أصلا، و انما المعارضة بين هذه النواهي الصريحة في المرجوحية و صحيحة البقباق الصريحة في الرجحان، و في مثل هذه المعارضة لا مجال لمرجحية أخبار حرمة الخيانة للنواهى أصلا كما لا يخفى.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر ان في علاج هذا التعارض لا يبقى مجال التشبث بقاعدة نفى الضرر إذ مثله لا يجري في غير الإلزاميات على التحقيق في حملها على نفى الضرر بنفي منشئه لا نفى الموضوع الضرري.

نعم لو كانت المعارضة بين ما دل على حرمة الأخذ و جوازه أمكن اجراء حديث نفى الضرر في الحرمة، فيبقى أدلة الجواز بلا معارض و ذلك أيضا بملاك حكومة لا ضرر على عموم أدلة التكاليف، لا بمناط المرجحية لعدم كون مثل هذا العام في عرض


1) المصدر رقم 3 و 7 و 11

سائر العمومات.

و حينئذ فما في الجواهر من اعمال المرجحية في عمومات نفى الضرر منظور فيه كما لا يخفى. و لكن الذي يسهل الخطب في المقام عدم اعتناء المشهور برواية البقباق و ذلك مع كونها صحيحة يوجب و هنا فيها على وجه يسقطها عن الحجية فتبقى النواهي الظاهرة في مطلق المرجوحية أولا أقل من الحمل على ذلك جمعا بينها و بين المجوزة خصوصا خبر ابن سليمان بلا معارض في أصل المرجوحية كما لا يخفى هذا.

ثمَّ انه لا إشكال في جواز التقاص من غير الجنس لرواية الأمة و الدابة (1)و إطلاق بقية الروايات، و انما الكلام في السلطنة على تبديله بالجنس فيقتص أم لا، قد يظهر من المحقق جوازه دفعا لمشقة التربص، و فيه ان هذا المقدار من التربص و الصبر الى ان يصل الى جنس ماله لازم على اى حال سواء اقتص من غير جنسه ثمَّ تبادل بجنسه أو يتبادل بجنسه فيقتص فحينئذ لا يفهم لهذا الوجه معنى محصل، كما ان ظاهر الاخبار أيضا مجرد جواز التقاص مما في يده من عين ماله بلا تعرض فيها لنقله بشي‌ء آخر مقدمة لتقاصه فحينئذ فاستفادة السلطنة على التبديل من اخبار التقاص دونه خرط القتاد.

و أيضا نقول: ان الظاهر من الروايات بإطلاقها عدم الفرق بين كون مال المذهوب به حين التقاص موجودا أم تالفا كما انه لا شبهة أيضا ان بالتقاص تفرغ ذمة المقتص منه. و انما الكلام في ان العين الموجودة في فرض كون المال المجحود عينا ينتقل الى الجاحد بالتقاص من ماله أو يبقى العين على ملكية المقاص و ان لم يكن له عهدة ضمان على المقاص منه، وجهان مبنيان على ان باب التقاص من قبيل المعاوضة و حقيقة التملك بالعوض أم من قبيل باب الوفاء بمرتبة من مراتب المال مع بقاء خصوصية


1) المصدر ص 205 رقم 9 و ص 202 رقم 1.

العين في ملكية المالك الأول بلا ضمان في المالية و لازمه حينئذ ترتيب آثار وجوده من حرمة تصرف من بيده بدون رضاء صاحبه لا آثار تلفه من ضمانه نظير ما قيل في المال المأخوذ بدل الحيلولة بلا لزوم اجتماع العوض و المعوض في مثل هذا الفرض أصلا، الأقوى هو الثاني لأنه المرتكز في الذهن لا انه معاملة مستقلة و لا أقل من الشك فيبقى استصحاب بقاء ملكية شخص العين بحاله بعد عدم اقتضاء عموم لا ضرر أيضا شيئا في أمثال المقام، و حينئذ فلو لا قيام إجماع على الانتقال كان فيما أفاده في الجواهر مجال منع.

ثمَّ انه لو تلفت العين في يد المقاص قبل تقاصه فان لم يكن المال وديعة عنده فالظاهر ضمانه لعموم على اليد. و توهم ان جواز أخذه له شرعا رافع للضمان، مدفوع إذ لا منافاة بينهما نظير ضمان المأخوذ بالسوم و أضعف منه احتمال كون يده يد من هو ولي في أداء دينه من ماله فان الظاهر انه لا إشكال في كونه يد امانة لا ضمان عليه في تلفه، و مع هذا الاحتمال لا مجال للتمسك بالعموم المزبور لكونه من باب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للجزم بخروج أيادي الأمانات عنه.

و وجه الضعف انه على فرض عدم جواز التمسك في الشبهات المصداقية الناشئة عن الشبهة الحكمية، خصوصا في المطلقات بالنسبة إلى مقيداتها، كانت أصالة عدم جعله وليا حاكمة على الاحتمال المزبور، و مدخلة للمورد تحت يد غير امانية مشمولا للعموم بتا، و لو كان المال عنده وديعة فقبل قصده التقاص، لا إشكال في عدم ضمانه بتلفه، و اما بعده سواء قصد البيع بجنس ماله، بناء على فرض جوازه أم لا يقصد إلا التقاص من عين ما في يده، فقد يقال في المقام بعدم الضمان من جهة احتمال الولاية فتستصحب امانية يده فيحكم على عموم على اليد بالنسبة إلى المورد الذي شك في مصداقيته للمخصص.

و لكن يمكن ان يقال بأن الشك فيه مسبب عن الشك في صيرورته وليا على التصرف فأصالة عدمها حاكمة على الأصل المزبور بعد الجزم بان ولايته السابقة على الحفظ انعدمت و استصحاب مطلق ولايته غير جار لأنه من باب استصحاب الكلى من القسم الثالث.

نعم لو قلنا بجواز التمسك بالمطلق في صورة الشك في مصداقية شي‌ء للمقيد لا بأس بالرجوع الى العموم من دون كون المقام مقام استصحاب حكم المخصص و لو لم نقل بعموم زماني للعام، لأن إطلاقه الحالي يكفي في التمسك به في صورة الشك في التقييد الزائد الوارد حين حدوث الفرد كما هو الشأن في عموم الوفاء بالعقد بالنسبة إلى الخيارات الثابتة حين حدوثها كما لا يخفى، و لكن التمسك المزبور خصوصا في المطلقات بمعزل عن التحقيق، و عليه فالعمدة في أمثال المقام كون المرجع هو الأصل فإن أثبتنا به عدم الولاية كما في الفرض الأول فنتشبث به و نحكم بإدخاله في إقرار المحكوم بضمانه و إلا فيشكل الحكم بالضمان بمقتضى العموم المزبور.

في دعوى الاملاك

(و لو ادعى ما لا يد لأحد عليه قضى له به مع عدم المنازع) بمعنى ترتيب آثار الاختصاص عليه، لا القضاء بمعنى فصل الخصومة و لو كانت متوهمة، الذي لازمه عدم سماع دعوى غيره عليه، بل مثل هذه الدعوى لا تثمر في جعل مثله منكرا بعد وجود المعارض له، لان حجتيها ما دام يصدق عليها انها بلا معارض.

و من هنا ظهر أيضا انه لا تثمر يده إذا علم استنادها الى دعواه هذه، نعم لو كانت يده مستندة الى سبب آخر كانت موجبة لصيرورته منكرا في دعوى الغير عليه.

و على أى حال قد يتمسك لحجية الدعوى بلا معارض بالرواية المعروفة (1)المشتملة على قضية كيس واقع بين عشرة مع كون واحد منهم مدعيا له و البقية نافين عن أنفسهم.

و قد أورد عليه بأنه من الممكن كونه من باب سماع دعوى ذي اليد، حيث ان المال في يد الجميع فنفى الباقين يلغى يدهم عن الاعتبار و تبقى بد المثبت باقية بحالها.

و لكن لا يخفى ما فيه، من انه لو فرض كون المال في يد العشرة فمجرد إقرار البقية لا يلغى اليد عنهم موضوعا و إنما يلغى اعتبارها.

و بعد ذلك نقول: ان من الواضح كون يد كل واحد على تمام المال غير معقول، لأن حقيقة اليد ليست إلا عبارة عن الاستيلاء على المال خارجا، و مثل هذا المعنى لا يتصور بنحو الاستقلال بالنسبة إلى اثنين فضلا عن الأكثر، لأن استيلاء كل واحد مستقلا ملازم مع قدرته على منع الغير عن التصرف، و هذا المعنى لا يجامع مع قدرة الغير كذلك، فما هو معقول هو الاستيلاء القائم بكليهما بنحو يكون كل واحد مشمول هذا الاستيلاء ضمنا لا مستقلا، و من المعلوم ان مرجع هذا الاستيلاء الضمني بحسب الاعتبار الى استيلاء كل واحد على النصف، و لازمه حينئذ في مورد الفرض كون يد المدعى للمال على عشره لا على تمام المال فمقتضاه حينئذ كون الحكم بإعطاء التمام لا بملاك صرف اليد بل إعطاء البقية بملاك الدعوى بلا معارض.

و توهم ان ما أفيد إنما يرد على فرض كون اليد عبارة عن نفس الاستيلاء، و اما لو كانت عبارة عن الإضافة الخاصة المعهودة بين الجماعة فلا مانع من تصوير الأيدي التامة الاستقلالية بالنسبة إليهم و لذا لو لم تكن البقية نافين لكنا نحكم بالشركة بنفس هذه الإضافة الخاصة لا من جهة ما ذكر من الاستيلاء، كيف و هو مشكوك في المورد لأنه من المحتمل عدم تحقق الاستيلاء إلا لبعض هذه الجماعة.


1) الوسائل ج 18 ص 200 باب 17

مدفوع بأنه كيف تكون اليد مجرد الإضافة المزبورة مع أنا نرى ان اضافة المشترى الى ما في الدكان من الأمتعة ليست بأقل من اضافة المالك اليه، و الحال انه ليس ذا يد بالنسبة إلى الأمتعة الكائنة في الدكان إلا صاحبها بلا صدق يد للمشتري أصلا مع أقربية المتاع اليه من المالك، فيكشف ذلك كشفا جزميا بان المدار في حقيقة اليد ليس مثل هذه الإضافة المحسوسة الخارجية بل تمام المناط هو الاستيلاء الذي كان ثابتا لصاحب الدكان دون غيره.

و اما ما ذكر من انه لو لم ينف الباقون يحكم بالشركة حتى مع الشك في الاستيلاء الفعلي للجميع، في غاية المتانة لكن ليس ذلك من جهة كون اليد عبارة عن نفس الإضافة بل الظاهر ان الإضافة المزبورة عند العقلاء طريق الى اليد فما لم ينكشف الخلاف بحكم بكون المال في يد الجميع لا البعض بخلافه في صورة كشف الخلاف.

و لذا نقول بان في فرض اضافة المال إلى المشتري أيضا لو لم يحرز من الخارج كونه مشتريا بحكم بنفس هذه الإضافة بكونه مشتركا بينهما، لا ان أحدهما أجنبي عن المال رأسا.

و بالجملة بعد فرض عدم تصور الأيدي المتعددة على المال بنحو الاستقلال، فلا محيص فيما ذكر من الفرض عما ذكرنا من الإشكال.

فحينئذ فالأولى ان يقال: ان نفى البقية صار موجبا لكشف خروج المال عن تحت يدهم و كون نسبتهم إليه كنسبة المشترى الى متاع الدكان، بخلاف المدعى فان نفس إضافته حاكية عن يده مستقلا فيكون رد المال إليه أجمع بمناط قول ذي اليد لا المدعى بلا معارض، و عليه فلا دليل على قبول هذه الدعوى إلا ما ذكرناه سابقا عند التعرض لها في ذيل بيان الدعاوي من السيرة عليه في الجملة و تفصيله

موكول إلى المراجعة الى ما أسلفناه.

بقي في المقام فرع آخر و هو انه لو انكسرت سفينة في البحر ففي الرواية:

«ان ما أخرجه البحر فهو لأهله و ما اخرج بالغوص فهم أحق به» (1)و احتمال إرجاع الضمير الى مالكه الأول كما في الجواهر في غاية البعد انصافا، و عليه فحمل الرواية على القاعدة فرع دعوى ان المال الواقع في البحر بحكم التالف على وجه يكون ذلك مانعا عن ملكية صاحبه مع وجود مقتضية بنحو يعتبر العقلاء من مثله مرتبة ملك ان يملك لو لا مانع عن تملكه بحيث لو ارتفع المانع لا يحتاج في العود الى صاحبه بعد خروجه من البحر الى تملك جديد، بل خروجه بنفسه من البحر نظير الفسخ في العقود الذي هو في اعتبارهم رافع للمانع و هو هنا الخروج الجديد و ان عوده الى الملك بعد حله و انعدامه انما هو بمقتضى الملكية السابقة لا انه مقتض له مستقلا.

و لئن شئت قلت: ان وقوعه في البحر و بعد وصوله اليه كما يوجب كونه بمنزلة التالف في رفع علقة الملكية كذلك خروجه بنفسه منه معيد لها باقتضائها الاولى، و اما لو ملكه غيره بالغوص فهو بنفسه أيضا مانع عن الرجوع الى صاحب المال.

و لا يبعد مساعدة الاعتبار أيضا على ذلك بل يومي اليه أيضا التعبير في الخبر في الفقرة الأولى «اللّه أخرجه لهم» حيث ان الظاهر منه كون الامتنان في إخراجه لهم لا في تمليكهم إياه جديدا.

كما ان في الفقرة الأخيرة عبر بأنه أحق، إذ مثله يشعر بكونه من صغريات «من سبق الى شي‌ء فهو أحق» الوارد في المباحات التي كان الناس فيه شرع سواء، و لازمه كون المال بمنزلة التالف الخارج عن ملكية المالك على وجه لا يبقى لهم حتى حق


1) الوسائل ج 17 ص 362 باب 11 اللقطة رقم 2

اختصاص قابل لترقيه إلى مرتبة الملكية، كيف و معه لا مجال لتملك الغير بالغوص، نظير عدم سلطنة احد على إثبات اليد على ما هو متعلق حق اختصاص الغير كما هو ظاهر.

فظهر مما ذكرنا ان وجه أحقية المالك له ليس من جهة بقاء حق اختصاصه بالمال الموجب لملكيته له بعد خروجه نظير بقاء حق الاختصاص في الخمر القابل لصيرورتها خلا الموجب لصيرتها ملكا بعد ما تصير خلا، كما انه ليس وجه التفصيل بين المخرج بنفسه أو بالغوص كون المورد من صغريات خروج المال عن الملكية بالاعراض و دخوله فيه بالرجوع عن إعراضه قبل تملك الغير، و ذلك لان الظاهر من الرواية ان بنفس الخروج يدخل في ملكه بلا احتياج الى رجوعه عن إعراضه السابق مع ان مجرد انقطاع يد المالك عن المال قهرا لا يقتضي تحقق الاعراض المحرج عن الملكية، بل الاعراض أمر قصدي لا بد من قصده المعلوم عدم خطوره ببال المالك في المقام أصلا.

و أضعف من ذلك إدخال التفصيل المزبور في صغريات الإباحة لما يأخذ نظير نثار العرس، إذ مثل ذلك المعنى أيضا فرع قصده اليه المعلوم عدم تحققه من المالك عند عبوره عن محل غرق فيه ماله، و بالجملة لا مجال لتطبيق مضمون الرواية على القاعدة إلا على ما ذكرنا. و لقد أشرنا الى ان اعتبار العرف أيضا مساعد لذلك بل و يمكن استفادته من الرواية أيضا كما لا يخفى و اللّه العالم هذا.

و قد تقدم الكلام مفصلا في انه (يحكم على الغائب مع البينة و هو على حجته). (و) انه (يباع ماله في الدين و لا يدفع) الى المدعى المقيم للبينة (إلا بكفيل) على ما استقصينا الكلام فيه.

(و لو تنازع اثنان فيما في يدهما فلهما بالسوية) و يقضى بالإشاعة بينهما (و لكل) واحد منهما (إحلاف صاحبه) عند عدم البينة، و ذلك لما عرفت من ان مرجع يديهما

على تمام المال الى استيلاء كل واحد عليه ضمنا لا مستقلا، و لازم ذلك كشف مثل هذا الاستيلاء القائم بهما عن الملكية القائمة بهما على وجه يكون جميع ذرات العين تحت ملكيتهما بلا ميز في متعلق الملكية بل و لا في نفس الملكية أصلا. و مرجع مثل هذا الاعتبار الى اعتبار كون كل منهما مالكا للنصف المشاع.

و من هذا البيان اتضح حقيقة الملكية المشاعة عن المفروزة، من انه باختلاف الكيفية في نفس الملكية لا في المتعلق كي يستشكل أمره بأنه أي شي‌ء يفرض من بعد فرض كون كل ما يتجزى منه مشاعا بينهما. و حينئذ فالقسمة عبارة عن جمع المنبسط في نقطة خاصة، لا تبديل بعض متعلق المشاع ببعض آخر، و لا من قبيل تمييز المختلط عن غيره، و ذلك ظاهر واضح.

و بالجملة نقول بعد كون اليدين على التمام بالنحو المزبور بمنزلة يد كل على النصف فكل بالنسبة الى ما تحت يده منكر و مدع بالنسبة الى ما في يد الغير، و لازم ذلك كون الحلف ميزان كل واحد بالنسبة الى نصف المال الذي تحت يده لإتمامه فإذا حلفا فلا بد من التنصيف بينهما بحكم الحاكم، و من هذا البيان اتضح فساد ما في الجواهر، من جعل اليدين متعارضتين و عدم الانتهاء الى حلف لكونهما من قبيل التداعي، الذي لا منكر في البين أصلا.

و يؤيده رواية مرسلة (1)من ان النبي (ص) «جعلها بينهما» بلا تعرض فيه للحلف أصلا و لكن لا يخفى انه على فرض كون المقام من باب التداعي أيضا لا مجال للفصل بلا بينة فجعله (ص) بينهما يمكن أن يكون بمناط حجية يد كل على النصف لا بمناط فصل الخصومة و حينئذ فالرواية شاهد لنا لا علينا.

ثمَّ لو فرض كون ظهور الرواية في مقام الفصل، فان كان له إطلاق من حيث عدم


1) الجواهر ج 40 ص 402 عن البيهقي ج 10 ص 255

الاحتياج الى الحلف فيؤخذ به و ترفع اليد عن القاعدة و إلا فلا مجال للاكتفاء به بلا حلف، و لو قلنا بكونه من باب التداعي لاحتمال دخل التحالف من الطرفين فيه، و عليه فلا مجال للتفصيل بين الاحتمالين من حيث جريان الأصل و عدمه، إذ كون المقام من قبيل يد كل على النصف أو مما لا يد لأحدهما عليه لا يوجب فرقا من حيث الأصل المزبور عند عدم الإطلاق أو الإطلاق. فما في الجواهر من التفرقة بين الاحتمالين في ذلك منظور فيه جدا.

ثمَّ انه على المختار لو حلف كل منهما فلا شبهة في انحلال حلف كل الى الحلف على كل واحد من النصفين، فيؤخذ بواحد من حلفى كل واحد و يلغى الآخر، لعدم كونه ميزانا. و ان حلف أحدهما و نكل الآخر، فان قلنا بالقضاء بالنكول فيعطى تمام المال للحالف نصفا بحلفه و نصفه الآخر بنكول خصمه، و ان لم نقل به و بنينا على رد الحاكم ففي الاكتفاء بالحلف الأول الصادر منه قبل الرد إشكال، لأنه حلف غير منكر و لا مردود، و لو كان حلفه على التمام بعد الرد، فلا بأس بالاكتفاء به بعد فرض انحلاله لكون كل منهما مستندا الى احد السببين و في المسألة لا يقتضي تعدد الأسباب تعدد الوجود خارجا بعد ما كان منحلا الى المتعدد اعتبارا، و حينئذ فالتحقيق ما ذهب اليه بعض المفصلين في المقام من دون أن يرد عليه ما أورده في الجواهر كما لا يخفى على من راجع و تأمل.

و لو نكل عن اليمين المردودة فيقضى أيضا بينهما نصفين نصفا للحالف بحلفه و نصفا لغيره لنكول الحالف عن اليمين المردودة، و لو نكلا كلاهما و لو بعد رد الحاكم الحلف الى كليهما فمقتضى القاعدة أيضا الحكم بالتنصيف من جهة ميزانية كل واحد للحكم بالنصف لغيره و هو واضح ظاهر.

(و لو كان في يد أحدهما فللمتشبث مع اليمين) لعموم البينة على المدعى و اليمين على أنكر الذي يكون المورد من أظهر مصاديقه.

(و لو كان في يد ثالث فهي لمن صدقه و للآخر إحلافه) من جهة اقتضاء مجموع الإقرار النافي عن نفسه و اليد النافي لغير المقر له كونه له فيكون المقر له بمنزلة ذي اليد، يقدم قوله بيمينه.

و في كفاية توجيه الدعوى الى من بيده المال بعد تصديقه لغيره لطرفية المقر له في هذه الخصومة و عدمها وجهان، أظهرهما العدم، لأن توجيه الخصومة الى كل منهما بلحاظ الجهة الملزمة عليه، و حيث ان الملزم به في كل منهما غير الملزم به في غيره فلا بد ان تكون في البين خصومتان، و مجرد وحدة المدعى به من العين غير موجب لوحدة الخصومة بعد كون الغرض من هذه الدعوى على من كان بيده المال أخذ بدل الحيلولة منه، و بالنسبة إلى المقر له أخذ العين.

و لئن شئت قلت بان الدعوى بعد ما كانت من شؤون المطالبة فكما ان المطالبة من أحد ذي الأيادي لا تكفى عن مطالبة الأخرى خصوصا بعد فرض اختلاف المطالب به من كل واحد، فكذلك دعواه التي كانت من شؤونها.

ثمَّ ان أخذ العين من المقر له فهو و ليس بعده تحرير الخصومة على المقر، و اما ان لم يأخذ و لو بحلفه فلا يسقط بحلفه حق مطالبته عن المقر كما عرفت نظيره في بعض الفروع السابقة فراجع، و ان أقر الحالف بعد حلفه و أخذ منه العين يرد الى المقر بدله المأخوذ منه بواسطة المخاصمة معه و ذلك ظاهر واضح.

(و) كيف كان (فان صدقهما المقر) الذي بيده المال (تساويا) في الحكم بالنصف (و لكل إحلاف صاحبه) و ذلك أيضا من جهة إلغاء اليد بالإقرار في النفي عن المقر له. و في الإثبات لنفسه مع بقائها على الأمارية على النفي بالنسبة إلى غيره، و

لازمه حينئذ أيضا كون كل منهما بمنزلة ذي اليد على النصف فكان المال حينئذ يكون في يدهما.

و لقد تقدم ان مقتضى القاعدة الحكم بالتنصيف بعد حلفهما، لعدم ميزانية حلف كل واحد إلا بالنسبة الى ما كان منكرا فيه و المفروض ان ذلك ليس إلا النصف، فحينئذ ينصف بعد تحليفهما الى آخر ما ذكرنا في الفرض السابق من كون المال في يدهما.

و على اى حال بعد الحكم بالكل لنكول الخصم عن اليمين تسقط الدعوى عن المقر حتى بالنسبة إلى النصف المقربة للناكل بعد وصول العين.

و توهم ان اليمين المردودة بمنزلة الهبة الجديدة للحالف مذهبة لحق المدعى و آتية بحق جديد له كما توهمه كشف اللثام، ممنوع جدا، لأنه لا تكون اليمين المردودة مذهبة للحق، بل كانت مثبتة له نظير البينة لا انها مثبتة لحق جديد أيضا بعد إذهابها الحق الأول، فكم فرق حينئذ بينها و بين التملك بسبب جديد إذ في التملك الجديد بعد الحلف ذهاب حق و احداث حق جديد، بخلافه في اليمين المردودة بل و هذه الجهة هي عمدة منشأ الفرق الجاري حتى في الهبة المجانية، لا ما أفاده في الجواهر من كون التغريم لما كان في المعاوضة الجديدة قبال العوض فلم يكن مثله مانعا عن الرجوع الى المقر بخلافه في النكول عن اليمين، إذ لازمه عدم الرجوع في صورة التملك بالهبة الجديدة و هو كما ترى.

(و) بالجملة (ان كذبهما أقرت) العين (في يده) فعليه اليمين لهما، و ان نكل و قلنا بميزانيته للقضاء فكان نكوله واردا على حجية يده لنفسه، و ان بقيت على حجيتها على نفى ملكية غير المنكول له، و لازم ذلك كون المال بمنزلة ما لو أقر لأحد هما بلا تعيين و يجي‌ء حكمه. و ان نفى عن نفسه و قال ليس لي أو لا اعرف صاحبها، ففي مثله

يلغى اليد عن الاعتبار نفيا و إثباتا فكان المدعيان في المقام كما فيما لا يد لأحدهما عليه، فحينئذ ان قلنا بان توافقهما على نفى المال عن غيرهما دعوى بلا معارض فتسمع فكانت هذه الصورة من هذه الجهة مثل صورة إقراره لأحدهما، و إلا فلا مجال لانحصار الحق فيهما كي تكون القرعة منحصرة بينهما، و لا مجال أيضا للحكم بالتنصيف بينهما لقاعدة العدل و الانصاف و لا لمناط الوديعة و الودعي، لأنه في مورد الانحصار، و لا جبر للقرعة أيضا في هذه الصورة، بل لا بد من اجراء حكم مجهول المالك عليه.

و من هنا ظهر ما في الجواهر من منعه جريان القرعة من جهة عدم الإشكال في التنصيف إذ الكلام بعد فيه بعد عدم شمول الدعوى بلا معارض لمثل المقام.

و من العجب تمسكه للتنصيف في بعض كلماته باقتضاء الدعوى لمثل ذلك إذ لا وجه لاقتضاء الدعوى شيئا أبدا كما لا يخفى فالأولى التمسك لمنع القرعة بضعف دليلها ليس الا.

نعم لو ثبت الانحصار فيهما فقد يتوهم جريان مناط القرعة عند تعارض البينتين و تساويهما فيما لا يد لأحدهما عليه فإنه حينئذ يمكن ان يقال ان ملاك القرعة من جهة حجية البينة في نفى الثالث و تساقطهما بالنسبة إليهما و حينئذ يلحق به كل مورد كان الأمر منحصرا بين الشخصين و لم يكن معين في البين، و لكن ذلك أيضا لو لا تنقيح المناط في الحكم بالتنصيف في الوديعة و الودعي، و إلا فيقدم ذلك أيضا على القرعة من جهة نفى الاشكال فيه.

فحينئذ تختص القرعة بخصوص مورد تعارض البينتين المنصوصة فيه، نعم لو استشكل في جريان المناطين في المقام أيضا في ظرف الانحصار بهما فمع احتمال الاشتراك بينهما فلا شبهة في جريان قاعدة العدل و الانصاف في الحكم بالتنصيف بينهما بعد فرض كون توقيف المال موجبا لصيرورته في معرض التلف، و مع عدمه

فقد يشكل في تقديم احتمال رفع الظلم في أحد الطرفين بالنسبة إلى تمام المال مع القطع بلزوم الظلم بالنسبة الى احد الطرفين في نصفه و ترجيح الثاني على الأول لا يخلو عن غموض بل لا يبعد حكم العقل بعد الجزم بعدم توقيف المال الذي هو في معرض الزوال بالتخيير بينهما فتأمل.

ثمَّ انه ظهر مما ذكرنا حكم ما لو أقر لأحدهما و لم يعين، فان في الرجوع الى القرعة مع جريان مناط الودعي في المقام الحاكم على دليل القرعة إشكال و اللّه العالم.

(و لو تداعى الزوجان متاع البيت، قيل للرجل ما يصلح له، و للمرأة ما يصلح لها و ما يصلح لهما بينهما) عملا بالظاهر و سيأتي الكلام فيه و قيل: قضى لمن أقام البينة و حكى نفى الخلاف في ذلك عن الرياض و ذلك ان تمَّ إجماعا فهو، و إلا فللنظر فيه مجال بعد فرض كون المتاع بينهما على نحو يحكم انه بيدهما لأن البينة إنما تسمع في نصفه الذي كانت البينة بالنسبة إليه بينة الخارج، و مقتضاه مع اجتماع البينتين من الطرفين الحكم بالتنصيف حسبما مر الكلام فيما كان المال بيدهما، و لازم ذلك كون الوظيفة عند عدم البينة التحالف و التنصيف أيضا من دون فرق بين ما يختص بالرجال أو النساء، و بين كون الدار لهما أو لأحدهما، و بين كون الزوجية باقية أم زائلة.

و حكى ما ذكرناه من التحالف المستلزم للتنضيف عن الشيخ في مبسوطه و العلامة في قواعده و فخره في شرحه.

ثمَّ ان ذلك كله أيضا في صورة عدم إحراز استيلاء واحد منهما على المتاع كلا أو بعضا معينا من الخارج، و إلا فقد أشرنا سابقا أن مجرد اليد لا يكفي في الحكم بكون المال في يدهما كيف و حقيقة اليد عرفا هو نفس الاستيلاء الخارجي كما هو

ظاهر الرواية الآتية، و ان اضافة اليد خارجا ربما تكون امارة على هذا الاستيلاء و حينئذ فيحكم على من استولى على متاع بأنه ذا يد عليه و بينة صاحبه بينة الخارج.

هذا كله بمقتضى القواعد من دون فرق فيه أيضا بين سبق ملكية المتاع لأحدهما و عدمه، بناء على التحقيق من تقديم اليد الحالية على السابقة.

و لكن نسب الى المشهور كما عن المسالك بل عن الخلاف و السرائر دعوى الإجماع عليه بان ما يصلح للرجال كالمنطقة و العمامة و أمثالهما فللرجال، و ما يصلح للنساء كالمقنعة و أمثالها فللنساء، و ما يصلح لهما كالوسادة و أمثالها فيقسم بينهما.

و يدل عليه صحيح النخاس عن الصادق (ع) «إذا طلق الرجل امرأته و في بيتها متاع فلها ما يكون للنساء و ما يكون للرجال و النساء قسم بينهما» و في الموثق «في امرأة تموت قبل الرجل- الى قوله- ما كان من متاع النساء فهو للمرأة و ما كان من من متاع الرجال و النساء فهو بينهما و من استولى على شي‌ء منه فهو له» (1).

و عن الشيخ في استبصاره فتوى ثالثة و هي ان المتاع كلها للمرأة إلا ما علم انه للرجل أو أقيمت البينة عليه لرواية عبد الرحمن في الصحيح المشتملة على قضاء ابن ابى ليلى بأربعة وجوه و في ذيلها: فقال أبو عبد اللّه (ع) بالقضاء الأخير (2)من كون تمام المتاع للمرأة و في خبر آخر مثله و في ذيله: و المتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الرجل فهي التي جائت به و هو المدعى فان زعم انه أحدث فيه شيئا فليأت بالبينة».

و لا يخفى أن ذيل الأخيرة و الأولى أيضا يقتضي اختصاص المرأة بما تأتيه من بيتها، و في مثله ربما يكون الحكم على طبق القاعدة من استصحاب عنوان اليد في الرجل


1) الوسائل ج 17 ص 525 باب 8 ميراث الأزواج رقم 4 و 3

2) المصدر رقم 1 ص 524

من كونها يد مأذونة من مالكه، و لازمه حينئذ كونه مدعيا و وظيفته البينة، و مثل ذلك أخص مضمونا من ظاهر فتوى الشيخ، لو لا دعوى كونه على طبق مضمون الروايتين.

و عليه فما هو على خلاف القاعدة هو الرواية الأولى التي هي أشهر الروايات و أظهرها بين الأصحاب، لو لا تنزيلها أيضا على القاعدة بحمل ما يصلح للرجال على الغالب بكونهم مستولين عليه، و هكذا ما يصلح للنساء.

و يؤيده ما في ذيل الموثق من قوله «و من استولى على شي‌ء فهو له» الذي هو بمنزلة التعليل لما افاده من الحكم. كما ان إطلاق الفتاوى أيضا منزل عليه أيضا. و عليه فلا يكون للشيخ فتاوى مختلفة، بل في كل مورد عبر بتعبير مخصوص، و لكنه خلاف الظاهر أيضا فكأنه شاهد لفهمه الإطلاق. و حينئذ ان تمَّ كون فهمه قرينة على الإطلاق فيؤخذ على خلاف القاعدة بعد اعراضهم عن الرواية الثانية، و إلا فلا مجال لرفع اليد عن القواعد بمثل هذه الاخبار انصافا.

و كيف كان فلو ادعى أبو الميتة أنه أعارها بعض ما في يدها من متاع أو غيره كلف بالبينة لأنها خلاف ظاهر يدها في الملكية الظاهرية، و لكن في خبر جعفر بن عيسى (1)الفرق بين دعوى الأب الأب و غيره فيعطى بلا بينة دون غيره من أخ أو غيره. و ضعفه جماعة و ان صححه جماعة أخرى و ما كان هذا شأنه لا يصلح لان يرفع اليد عن القاعدة بمثله لعدم الوثوق بسنده، نعم على فرض تسليم السند لا مجال لما قيل في دلالته بحمله على القاعدة من جهة ان المأتي به لما كان من جهة تمليك أبيها فمع الشك فيه يستصحب عدمه إذ هو خلاف المختار من تقديم اليد الفعلية على الاستصحاب فتدبر.


1) الوسائل ج 18 ص 313 باب 23 كيفية الحكم.

تعارض البينتين

اشارة

(و لو تعارضت البينتان) فان قامت إحداهما على الملكية في زمان و الأخرى على ملكية غيره في هذا الزمان، سواء كان من جهة إطلاقهما الشاملين لزمان واحد أو تصريح إحداهما بالتاريخ و إطلاق الأخرى أو تصريحهما بتاريخ الحدوث مقارنين أو مع تقدم تاريخ حدوث إحداهما على غيره فالظاهر ان الحكم في الجميع بمقتضى القاعدة هو التساقط، لا الجمع بينهما بتقييد الإطلاق لعدم اقتضاء القاعدة الجمع المزبور في الكلام الصادر عن الشخصين إذا لم يكونا من جهة عصمتهم بمنزلة شخص واحد كالائمة عليهم السلام، و لا الأخذ بأسبقهما تاريخا في مقدار سبقه مع الالتزام بالتساقط في غيره، لان ذلك انما يتم في مورد لم تكن البينة الدالة على الأسبق دالة على الملازمة بين السبق و اللحوق، و إلا فلا مجال للتساقط في بعض المدلول بملاك المعارضة و عدمها في غيره و لو من جهة التبعيض سندا فضلا عن الدلالة لفرض دلالتها على عدم الانفكاك أيضا، و لازمه حينئذ كون معارضتها في الملكية اللاحقة معارضة معها في أصل المكية رأسا.

و من هنا ظهر حال البينة على التمام لشخص و على نصفه ببينة اخرى لغيره، إذ يجي‌ء فيه التفصيل المزبور من حيث قابلية البينة للتفكيك بين النصفين و لو من حيث

السند و عدمه، فإنه يؤخذ في النصف الآخر في الأول دون الأخير.

بل ذلك أيضا لا بملاك الميزانية عند عدم المعارض في النصف لما عرفت من انها فرع قيامها في مورد الخصومة، و الا فهي متبعة من حجيتها لا ميزانيتها كما هو ظاهر و سيأتي الإشارة إليه في بعض الفروع الآتية فانتظر.

و أيضا لا مجال للجمع بين البينتين بالتبعيض في المدلول من حيث التنصيف و أمثاله ذلك لان البينة على التمام بعد اقتضائها ملكية كل جزء جزء كانت البينتان متعارضتين، و لا مجال في مثله للجمع بينهما بالتنصيف حتى لو كان الخبران من شخص واحد فضلا عن الشخصين، كما انه لو أدت البينتان على الملكية الواقعية من جهة اليد أو الاستصحاب بناء على جواز الشهادة على الواقع بمقتضى كل واحد منهما، فلا وجه لتقديم ما كان مستندها الوجدان على ما كان مستندها التصرف أو اليد أو الأصل بنحو الإطلاق إذ من المعلوم ان دليل البينة بالنسبة إلى كلتيهما على السوية بعد احتمال مطابقة إحداهما للواقع.

و توهم ان تقديم البينة على نفس الأصل الذي هو مدرك الآخر يقتضي تقديمها على مقتضاه، مدفوع غاية الدفع، لان ما هو مقدم على الأصل انما هو البينة القائمة على المتشبث به و المفروض ان المتشبث بالأصل ربما لا تكون البينة الأخرى في حقه حجة لعلمه بفسقها مثلا، و من كانت حجة عنده هو الحاكم الذي تكون البينتان من حيث المطابقة للواقع عنده سيان.

نعم لو فرض حجيتها لدى الشاهدين المستندين الى الأصل في شهادتهما بحيث لو التفتا إليهما لم يشهدا أمكن في هذه الصورة ترجيح غيره إذ مثل هذا يكشف عن فساد مدرك الشهادة حتى عند نفسه، و في مثله أمكن دعوى انصراف دليل الحجية عنه، و هذه بخلاف الصورة الأولى التي لا يكون المدرك فاسدا حتى عند غيره في

فرض بنائه على جواز الشهادة على طبق الأصل، نعم لو لم يكن بناء الحاكم على ذلك مع كون بناء الشاهد على الجواز، ففيه أيضا إشكال من جهة كونه من صغريات ما إذا فرض فساد مدرك الشاهد عند الحاكم و صحته عند الشاهد، إذ في شمول عموم دليل البينة لمثله اشكال و على فرض العموم يلحق بالأول.

و على أى حال فما في بعض الكلمات من تقديم الشاهد المستند الى الوجدان على المستند الى الأصل بنحو الإطلاق لا يخلو عن اشكال، نعم لو صرح الشاهد بالملكية بمقتضى الاستصحاب لديه أو بالملكية الظاهرية، لا مجال لسماع مثله منه أصلا و لو لم تكن في البين معارضة، لان من المعلوم ان الملكية الظاهرية و الاستصحابية إنما تكون موضوع الأثر عند من كان محكوما بها دون غيره الذي لا يكون كذلك إذ كان الاستصحاب متحققا في حقه، نعم لو كان في مورد تكون الملكية الظاهرية عند غيره موضوع الحكم لديه، لا بأس بسماع مثله لترتيب الأثر المزبور على طبقه.

و من هنا ظهر أيضا انه لا وجه لسماع الشهادة على علمه بالملكية، إذ مثله لا يكون موضوع اثر للسماع غالبا، ففي مثل هذه المقامات لا مجال لمعارضة البينتين كي يطلق الترجيح على تقديم ما قامت على الملكية الواقعية و ان كان مدركها الأصل بناء على الاكتفاء بصحة المدرك حتى عند الشاهد.

و عليه فصح لنا ان ندعى بأن مقتضى القاعدة في فرض تعارض الشهود هو التساقط مطلقا إلا مع كشف الشهادة عن فساد المدرك عند شهود الأخر و لو على فرض التفاتهم إليه فإنه حينئذ يقدم الآخر لأنه لا معارض له حقيقة. هذا كله الكلام في مقتضى القاعدة في باب الشهادة.

و يبقى الكلام في مطلب آخر، و هو ان من المعلوم المقرران ان مجرد دليل حجية البينة بنحو الإطلاق لا بلازم ميزانيتها للفصل بعد عموم البينة على المدعى و

اليمين على من أنكر الظاهر في التفصيل القاطع للشركة، و إنما الكلام و الاشكال في مقام آخر و هو انه هل دليل الميزان ناظر الى ما ثبتت فعلية حجيته من الخارج أم لا نظر له إلا الى إثبات الميزانية و الحجية بنفس هذا البيان مع قطع النظر عن الخارج فان قلنا بالأول فلازم ذلك عند تعارض بينة الداخل و الخارج عدم وجود ميزان في البين حسب القاعدة، إذ بعد اقتضاء القاعدة السابقة تساقطهما، فلا تكون في البين حجة كي تكون ميزانا للمدعي فلا جرم يحتاج تقديم بينة الخارج أو الداخل الى مرجح بنص مخصوص منصوص، و إلا فمثل هذا العموم بل و ما في رواية منصور الآتية غير مثمر حسب ما ذكرنا من المبنى و أما إن قلنا بالثاني فلا بأس بعموم دليل الميزان في فرض التعارض المذكور و الحكم بتقديم بينة الخارج، لأنه المدعى.

و حيث كان الأمر كذلك نقول: ان مقتضى التحقيق هو الأخير، لأن موضوعية البينة لعموم دليل الميزان و الحجية في مقام الفصل في عرض موضوعيتها لعموم الحجية لكل أحد، و حينئذ فسقوط عموم الحجية بالتعارض لا يقتضي سقوط دليل الميزانية كما هو ظاهر، و عليه فالقاعدة تقتضي في جميع المقامات تقديم بينة الخارج على الداخل، نعم ربما يتعارضان في مقام الفصل أيضا إذا كانت البينة من الطرفين بينة خارج و ميزان فصل كما سيتضح الحال في فروع التداعي ان شاء اللّه.

و عليه فلو كان المال في يدهما و أقام كل منهما البينة، فمقتضى ما ذكرناه هو الأخذ بالبينة في كل واحد من الطرفين بمقدار من مؤداها الذي كانت البينة بالإضافة إليه بينة خارج و هو النصف، لما أسلفنا من ان يد الشخصين على تمام المال بمنزلة يد كل واحد على النصف كما هو المشهور المعروف.

نعم مقتضى مختار الجواهر من تساقط اليدين في فرض كون البينتين أيضا متعارضتين لا مجال له حينئذ للمصير الى التنصيف إلا من جهة الاخبار الخاصة الآتية

أو من جهة اقتضاء اليد بينهما بالأخذ بكل منهما في نصفه، و لكن لا يخفى ما في الأخير لما تقدم وجهه و الأول و ان كان صحيحا لكنه لو لا معارضته مع رواية إسحاق (1)الصريحة في اعتبار التحالف منهما في الحكم بالتنصيف المزبور، إذ مقتضى هذه الرواية عدم كون كل من البينتين في المقام حجة و ميزانا، و انما الميزان هو الحلف، فمع صدور الحلف منهما ينصف بينهما، و مثل هذه الرواية على فرض تسليم قوة إطلاق الأخر يباينه فضلا عما لو لم نقل بقوة الإطلاق إذ لا بأس بتقييده بما بعد التحالف.

نعم الذي يسهل الخطب في أمر هذه الرواية عدم اعتناء المشهور بها فلا مجال للأخذ بسندها.

و على أى حال فمقتضى التحقيق في مثل هذا الفرض هو التنصيف خصوصا على المختار من عدم حجية البينة في مقام الميزانية من غير المدعى كما لا يخفى، إذ حينئذ ما في المرسلة المجبورة بالعمل من الحكم بالتنصيف في الفرض يكون على القاعدة، بل من الممكن حينئذ كون طرحهم رواية إسحاق من جهة ترجيح هذه المرسلة عليها بموافقة عموم السنة لا من جهة ضعف السند فتأمل.

اللهم إلا أن يقال: إن حجيتها في نفسها كافية في صدق المعارضة، فتخرج بالنسبة إلى التنصيف أيضا عن الميزانية و حينئذ فلا محيص من أن تحمل اخبار التنصيف على صورة حلفهما أو على الحكم به من باب المصالحة الحكمية بلا كفايته في فصل الخصومة.

ثمَّ ان مقتضى هذه المرسلة حسب ما فيها من التفصيل بين كون المال في يديهما فالتنصيف و بين ما لا يد لأحدهما فالقرعة مع فرض التسوية التي لازمها بمفهومها الترجيح بينهما عند عدم الاعتدال و بين ما لو كان بيد أحدهما فالحكم لغير من بيده المال، تخصيص


1) الوسائل باب 12 من كيفية الحكم ج 18 ص 182 رقم 2

لما دل بإطلاقه على الأخذ بالقرعة أو الأكثر عددا أو الأرجح عدالة، بصورة ما لا يد لأحد عليه فلا يكاد يشمل جريان مثلها في المقام، و لأقل من معارضة مطلقاتها مع مطلقات التنصيف الواردة في الباب مثل رواية تميم بنحو التباين الموجب لترجيح هذه المطلقات في المقام بعموم السنة الجارية في أمثال المقام أو غيره مما لا يكون من موارد تعارض البينتين كما لا يخفى.

و لو لم يكن في يد أحدهما بل و لا في يد ثالث فعن المصنف الحكم بالتنصيف فيه أيضا لا لعموم البينة كي يقتضي تساقطهما في مقام الفصل و لا الجمع بينهما بالتنصيف بل من جهة إطلاق ما دل على التنصيف بعد خروج ما خرج.

أقول ما أفيد كذلك لو لا المرسلة المجبورة المشار إليها سابقا الدالة على إخراج مطلق ما لا يد لأحد عليه، و لازمها اجراء حكم التعارض عليه من القرعة مع التساوي و الترجيح بالأكثرية أو إلا عدلية مع الاختلاف و حينئذ لا وجه لتخصيص الخارج بخصوص صورة كون المال بيد ثالث الا بعدم الاعتناء بالمرسلة المزبورة مع فرض اختصاص البقية بصورة كونه بيد ثالث، و كلا الأمرين كما ترى، إذ في مثل أخبار القرعة أيضا مثل هذا الإطلاق الشامل لما لا يد لأحدهما عليه.

و بالجملة لا مجال للتخصيص المزبور بعد إطلاق المخصص. و ما يتراءى عن المحقق في شرائعه أيضا من تخصيص الفرض الثالث بصورة كون المال في يد الثالث أيضا منظور فيه، و كيف كان نقول إن مقتضى التحقيق كون حكم هذه الصورة حكم الصورة الآتية في كلامه من كون المال في يد ثالث فانتظر لتمام الكلام فيه.

و لو كان المال في يد أحدهما قضى للخارج على المشهور، بمقتضى القاعدة على تأمل أشرنا إلى وجهه سابقا فراجع، مضافا الى رواية منصور (1).

و ما يعارضها من مثل رواية غياث بن إبراهيم (2)الصريحة في تقديم بينة


1) الوسائل ج 18 ص 186 باب 12 كيفية الحكم رقم 14.

2) المصدر ص 182 رقم 3

الداخل، و كذا رواية جابر (1)، و كذا رواية أبي بصير (2)المشتملة على ترجيح الأكثر عددا فيستحلفه. و رواية عبد اللّه بن سنان (3)المرجحة للبينة المثبتة للنتاج.

مطروح إما لإعراض المشهور، أو لترجيح رواية منصور بعد فرض تباين الجميع دلالة بموافقة السنة و ذلك أيضا لو لا إطلاقها لصورة تشبث ذي اليد بالسبب و إلا فيقيد مثلها برواية منصور.

و توهم أن رواية منصور أعم من رواية أبي بصير المشتملة على الأخذ بأكثرهم بينة فيستحلف، مدفوع بان اشتمال رواية أبي بصير للاستحلاف يكشف عن دلالتها على عدم ميزانية البينة و لو كان أكثر و يدل بالفحوى على عدم ميزانيتها حتى مع المساواة، و حينئذ لا مجال لتقييد خبر منصور بغير صورة الأكثرية لأنه مناف لفحوى رواية أبي بصير، و لذلك نقول: ان في أصل الدلالة على ميزانية البينة في المورد بينهما المباينة فلا بد حينئذ من الترجيح بينهما بعموم السنة لما عرفت.

ثمَّ ان مورد جميع الروايات حتى رواية منصور بعد ما كان في صورة ذكر البينة سبب الملكية لا يبقى مجال التفصيل بين صور تشبث البينة بذكر السبب فيها و عدمه فما حكى عن الشيخ في كتابي الاخبار من التفصيل المزبور، منظور فيه.

ثمَّ ان ذلك كله فيما لم يكن المتخاصمان متشبثين بالسبب. فلو تشبثا به أو تشبث خصوص ذي اليد منهما فيمكن أن يقال إن مقتضى القاعدة صيرورة ذي اليد مدعيا و ذلك لعدم كون اليد أمارة خصوصية في الملكية المدعى بها، بل غاية الأمر كونه


1) سنن البيهقي ج 10 ص 256

2) الوسائل ج 18 ص 181 باب 12 كيفية الحكم رقم 1

3) المصدر ص 186 رقم 15

امارة نفس الملكية. فالخصوصية كانت على خلاف الأصل فيكون القائل بها مدعيا.

بل لو ادعى الانتقال من طرفه كان خصمه بمقتضى إقراره منكرا أولا أقل من كونه بالنسبة إلى الملكية السابقة مدعيا بلا معارض بضميمة استصحاب بقاء ملكيته، و عليه ففي الفرض الأخير لا اشكال فيه لجريان القاعدة و خبر منصور في مثله، و لازم ذلك سماع بينته لا بينة المدعى المتشبث بالسبب، و اما لو لم يدع الانتقال من خصمه بل تعرض للسبب بغير هذا الوجه، فلا يكون المورد حينئذ مشمول قاعدة تقديم بينة الخارج و لا مشمول خبر منصور، و حينئذ يبقى الكلام في بقية الأخبار.

فإن قلنا بظهورها في صورة عدم تشبث ذي اليد بالسبب فلا يشمل مثلها للمقام، فالمرجع في مثله حينئذ قاعدة تساقط البينتين و عموم اخبار التنصيف لو لم نقل بجريان مناط اخبار ما لا يد لأحدهما في المقام، و إلا فيرجع الى القرعة في فرض التساوي و الترجيح بالأكثرية و الأعدلية عند التفاوت.

و لو قلنا بإطلاقها فإنه بعد تخصيص صور عدم ذكر السبب بخبر منصور تقع المعارضة بين البقية بنحو التباين و لازمه مع عدم الترجيح الرجوع الى التخيير، لا الأخذ برواية أبي بصير المشتملة على الأخذ بالأكثر عددا من جهة ترجيحها ببقية ما دل بعمومه على الأخذ أو القرعة، لأن ظاهر ما دل على الأخذ بالأكثر على فرض شمولها للمقام كون البينة مرجعا في الفصل لا في تمييز المدعى من المنكر فلا موافقة بينهما كي يرجح رواية أبي بصير بها.

و على أى حال لا مجال لما أفاده العلامة المصنف- قدس سره- بقوله (إلا ان تشهد بينة المتشبث بالسبب. و لو أقامها كل منهما على السبب فللمتشبث و يحلف في الصورتين) (1)و ذلك لأنه لو أريد به ما هو ظاهره من التفصيل بين تعرض الشاهد


1) هذا على خلاف ما في النسخ المطبوعة و المخطوطة من التبصرة التي فيها «و لو شهدتا بالسبب فللخارج. و لو تشبثا قضى لكل بما في يد صاحبه فيكون بينهما بالسوية».

بالسبب و عدمه كي يرجع الى ما أفاده المحقق في شرائعه حاكيا عن الشيخ، فلقد عرفت ضعفه، و ان أريد به صورة تعرض المتخاصمين للسبب عند تحرير خصومتهما، فلقد عرفت ان مقتضى الصناعة إما التنصيف أو إعمال قواعد التعارض الآتي فيما لا يد لأحدهما عليه أو التخيير بين الأخذ برواية غياث أو خبر ابى بصير أو خبر الأخذ بالنتاج، و على أى حال لا وجه لما أفيد و اللّه العالم فتأمل في المقام فإنه من مزال الأقدام.

(و لو كان في يد ثالث قضى للأعدل فالأكثر عددا) و ذلك لمفهوم خبر عبد الرحمن عنه (ع) قال: كان على (ع) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء و عددهم سواء أقرع بينهم على أيهما تصير اليمين (1)بعد تقييد إطلاقه بالمرسلة المفصلة بين ما لو كان في يد أحدهما أو يدهما أو لا يد لواحد منهما، بحمله على صورة لا يد لواحد منهما، و ظاهر المفهوم عدم الاحتياج في القضاء إلى القرعة بل يقضى بنفس أكثرهما بينة أو عدالة.

و توهم ان منطوقه الاحتياج عند التساوي إلى القرعة و اليمين، و المفهوم عدم الاحتياج الى كليهما فلا ينفى الاحتياج إلى أحدهما، مدفوع بان سوق المنطوق هو عدم ميزانية البينة رأسا للتساقط، و الاحتياج إلى القرعة في تمييز المدعى عن المنكر كي يترتب عليه الوظيفة، و مفهوم هذا البيان ليس إلا ميزانية أكثرهم عددا أو بملاك الترجيح. هذا مضافا الى ان في موثقة سماعة بمقتضى منطوقه الاحتياج عند التسوية بصرف القرعة في القضاء، و مفهومه عدم الاحتياج عند الأكثر عددا إليها في القضاء و مجرد تقييد المنطوق بالدليل المنفصل ببعد اليمين لا يرفع ظهوره في طرف المفهوم في عدم الاحتياج فيأخذ به.


1) الوسائل ج 18 ص 183 رقم 5 باب 12 كيفية الحكم

و أما ما في خبر أبى بصير من الاستحلاف بعد الأخذ بأكثرهم بينة فهو لا يصلح لتقييد مثل هذا الإطلاق حتى فيما لا يد لأحدهما عليه، بل هذه الفقرة إنما كانت مصدرة بصورة كون المال في يد أحدهما و لقد عرفت انه في مورده مبتلى بمعارضات شتى فكيف يصلح لتقييد مثل هذه المطلقات بالنسبة إلى مورد لا يد لأحدهما و بالجملة لا بأس بالأخذ بإطلاق هذه الروايات و يحكم بميزانية ذات المرجح من البينتين.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر ما في كلمات الجواهر من التزامه بالاحتياج الى الحلف مع وجود المرجح و أعجب منه نسبته الى ظاهر الأصحاب و حمل إطلاق كلماتهم و عدم تعرضهم لليمين على وضوح اعتباره لديهم.

ثمَّ لا يتوهم أيضا معارضة هذه المطلقات بخير غياث بالتنصيف الوارد فيما لا يد لأحدهما خاصة من جهة كون النسبة بينهما عموما من وجه لأعمية خبر التنصيف من حيث الأكثرية و الأعدلية و أخصيته منها من حيث كونه فيما لا يد لو احد منهما أو يدهما لأنه يقال: انه يكفى في وجه الجمع بينهما ما في المرسلة عن أمير المؤمنين (ع) في البينتين تختلفان في الشي‌ء الواحد يدعيه الرجلان، انه يقرع بينهما فيه إذا عدلت بينة كل واحد منهما و ليس في أيديهما، فاما ان كان في أيديهما فهو في ما بينهما نصفان و ان كان في يد أحدهما فالبينة فيه على المدعى و اليمين على المدعى عليه (1)و ضعفها منجبر بشهرة العمل. و لا يخفى ان لازمه تقييد إطلاقات القرعة بصورة تسوية البينتين عددا و عدالة في مورد لا يد لأحدهما عليه كما ان إطلاق بعضها من حيث القضاء بالقرعة بلا تعرضه لليمين مخصصة برواية البصري.

ثمَّ ان في رواية البصري تقديم أكثرهم عدالة على أكثرهم عددا بحسب الذكر و في اقتضاء هذا المقدار تقديمه على الأكثرية عددا من حيث الترجيح رتبة اشكال،


1) مستدرك الوسائل باب 10 كيفية الحكم رقم 1.

و مقتضى إطلاق موثقة سماعة هو الاكتفاء بالأكثر و القدر المتيقن من التصرف فيه هو رفع اليد عن تعينه عند وجود الأعدل، و أما الزائد منه المستلزم لعدم مرجحيته أصلا مع وجود الأعدل فلا دليل عليه، و لازمه حينئذ التخيير بينهما، و عليه فلو فرض وجود الأعدلية في طرف و العدد في آخر فمقتضى إطلاق الأكثرية عددا بعد الجزم بعدم احتمال تعينه دون الأعدل التساقط و الرجوع في مثله إلى إطلاق دليل القرعة بناء على شمول الاعتدال لمثله، و لكن ظاهر الأصحاب خلافه، بل نظرهم الى تقديم الأعدلية فإن كان ذلك إجماعا منهم فهو و إلا فللنظر فيه بحسب الصناعة مجال و اللّه العالم.

ثمَّ ان مقتضى الجمع بين إطلاق خبر غياث و إطلاقات الأخذ بالأكثرية بشهادة المرسلة الدالة على تقييد كل واحد في مورد غير مورد الآخر ليس إلا إدخال صورة لا يد لأحدهما مع التساوي في أخبار القرعة و لازمه الاقتصار بمقدار دلالتهما على خلافه و هو فرض إقدامهما على الحلف بعد القرعة و أما مع نكولهما عنه فيبقى تحت إطلاقات التنصيف، و عليه فيستخرج من ملاحظة جميع ما ذكرنا ما افاده المحقق في الشرائع من القرعة و الحلف مع تساوى البينتين و الأخذ بالأكثر عددا أو عدالة عند اختلافهما فيما لا يد لأحدهما، و التنصيف مع نكولهما عنه. بواسطة ذلك كله أيضا ترفع اليد عما دل على الأخذ بنكول المدعي الذي هو في المقام من لم تخرج القرعة باسمه، إذ مثل هذه العمومات أعم موردا من أخبار التنصيف قطعا، لو لم نقل باختصاصها بصورة عدم وجود البينة في البين أصلا و اللّه العالم.

كما انه ظهر أيضا وجه ما في كلام المصنف كالمحقق في تقديم الأعدلية على الأكثرية فيما لو اختلفا بان يكون أحدهما أعدل و الآخر أكثر عددا ففي الترجيح بالأعدلية و الأكثرية اشكال، كظهور وجه قوله (و ان تساويا أقرع فيحلف من يخرج اسمه فان امتنع) عن الحلف و الرد (أحلف الآخر فان امتناعا قسم بينهما) على اشكال في التنصيف.

و وجه الاشكال، اقتضاء المرسلة التي هي شاهد الجمع بين إطلاقات التنصيف

و إطلاقات القرعة و الترجيح، حمل كل على مورد غير مورد الآخر و لازمه تخصيص التنصيف بمقتضى المرسلة بما إذا كان في يدهما، و إدخال ما لا يد لأحدهما عليه في القرعة و بعد ذا لا تبقى حجية لظهور اخبار التنصيف بالنسبة الى ما لا يد لأحدهما كي يحكم بالتنصيف عند امتناعهما.

و لكن فيه أن اقتضاء المرسلة إدخال ما لا يد لأحدهما في القرعة إنما يقتصر فيه بمقدار مضادته مع إطلاق التنصيف، و ذلك انما هو في صورة إقدامهما على الحلف و اما مع امتناعهما عنه فيبقى تحت إطلاق أخبار التنصيف بتا. و اللّه العالم.

خاتمة للمقصد

اشارة

بقي في المقام فروع لم يتعرض لها المصنف و لا يخلو إيرادها عن فائدة.

من جملتها

: انه قال في الشرائع و يتحقق التعارض بين الشاهدين، و الشاهد و الامرأتين و لا يتحقق بين الشاهدين و شاهد و يمين. انتهى، و وجه في الجواهر الفرق بينهما بصدق البينة على الأول دون الأخير، غاية الأمر يقوم مقامهما في الميزانية في الجملة لا في مطلق الآثار.

أقول: ما أفيد انما يتم لو كان نظر المحقق فيما أفاد إلى منع ترتيب ما تقدم من الآثار من الأخذ بالأكثر و الأعدل و الرجوع الى القرعة مع التساوي و لكن ذلك خلاف ما افاده بعد ذلك بقوله: فيقضى بالشاهدين بل و الشاهد و الامرأتين دون الشاهد و اليمين، إذ ظاهر ذلك منع تحقق أصل المعارضة لا منع تحقق أحكامها المزبورة.

و عليه فيرد عليه بان مجرد عدم صدق البينة على الشاهد و اليمين لا يقتضي عدم المعارضة بعد إطلاق دليله في الأموال، بل حينئذ ربما يكون الشاهد و اليمين مقدما على الشاهدين في فرض كونهما من جانب خارج اليد، لأنه وظيفة المدعى في مقام الفصل بلا صلاحية الشاهدين من قبل ذي اليد للميزانية أصلا.

كما انه لا بأس بالأخذ بكليهما فيما لو كان المال بيدهما، إذ كل منهما من حيث كونه من الخارج حجة، غايته يحكم بالتبعيض من حيث السند بمقدار اقتضاء يده على المال كما هو ظاهر.

و حينئذ فالتحقيق في صورة كون المال في يد ثالث غير مقر لأحدهما معينا أو لا يد لأحد عليه الحكم بالتساقط بالتعارض بين الشاهدين و الشاهد و اليمين، على ما هو التحقيق من كون الأخير أيضا ميزانا مستقلا للمدعي قبال البينة و اليمين، نعم لو بنينا على أن ضم اليمين بملاحظة صيرورة طرفه متقوما بالشاهد الواحد فيصير منكرا فوظيفته اليمين كان لما افاده وجه، لأن البينة الصادرة من المدعى مقدمة في السماع على غيرها لأن وظيفة المدعى مقدمة على وظيفة المنكر، و لكنه مجرد تحكم كيف و ظاهر دليله كونه من وظائف المدعى في عرض الشاهدين، غاية الأمر في خصوص الأموال لا مطلقا، و لا أقل من الشك في ذلك، فيكفي في المعارضة حينئذ مجرد إطلاق دليله من دون شمول دليل ترتب يمين المنكر على بينة المدعى لمثله كما هو ظاهر.

و عليه فمقتضى القاعدة صيرورة المورد بلا ميزان، و في مثله يمكن المصير الى عموم «القرعة لكل أمر مشكل» فيقرع في مقام تمييز المدعى عن المنكر، لا من جهة ميزانيتها للفصل. فأي واحد خرجت القرعة باسمه كانت وظيفته اليمين، و ان نكلا فيحكم بنكول المدعى لو لم نقل بميزانية نكول المنكر لعموم دليله بعد فرض اختصاص اخبار التنصيف لغير المقام و هو فرض تعارض البينتين كما لا يخفى.

و لعل نظر الشيخ في حكمه بالرجوع إلى القرعة أيضا الى ما ذكرنا لا الى الاخبار المتقدمة المختصة بمورد تعارض البينتين المنصرف عن المورد.

و لكن ذلك لو لا التزامه في فرض امتناعهما عن اليمين بالتنصيف فراجع كلامه ترى حقيقة مرامه.

ثمَّ اعلم ان في كل مورد قضينا بالتنصيف فإنما هو في مورد يمكن فرض الاشتراك فيه و يصح التبعيض من جهته، و اما فيما لا يمكن فيه ذلك مثل دعوى الزوجية، ففي الجواهر انه يحكم بالقرعة كما نص عليه في مرسلة داود من الرجوع إليها عند تساوى البينة من الطرفين، و ظاهرها كسوق سائر الأخبار كون القرعة ميزان تحصيل المنكر لا الفصل و لازمه الاحتياج الى الحلف، و مع امتناعهما عن الحلف يحكم على طبق نكول المدعى على المختار، و ذلك أيضا لو لا منع شمول دليل الحكم بنكول المدعى عن اليمين المردودة لمثل المقام من فرض تعارض البينتين، و إلا فيبقى المورد بلا ميزان و ان يحكم بالزوجية لمن خرج اسمه بالقرعة بملاك حجيتها لا فصلا بينهما.

و منها
اشارة

: انه قال في الشرائع بأن الشهادة بقدم الملك اولى من الشهادة بالحادث و لعل عمدة الوجه فيه ما في الرواية المتقدمة من ترجيح الشهادة بالنتاج على الشهادة بالشراء و إلا فتوهم تساقط البينتين في الملك الفعلي و بقاء البينة على الملكية السابقة بلا معارض فيشمله عموم دليلها المقتضى للتبعيض في سندها لا دلالتها، مدفوع جزما بالنسبة إلى صورة كون الشهادة بالملكية القديمة بسبب يقتضي ملكيته الحالية، إذ حينئذ كانت البينة الحالية معارضة لها في أصل الملكية لطرفه من الأول فيتساقطان مع أن غاية ما يلزم كون المال بمقتضى حجية البينة محكوما في الأمس بملكيته له و مثلها ليس محط الخصومة، بل محطها الملكية الحالية، و لا يثبت في الحال الا بالاستصحاب الذي ليس هو ميزان الفصل، بل غاية الأمر يصير منكرا لو لا كون المال في يد غيره أو في يدهما، و إلا فاليد الحالية مقدمة على الملكية السابقة و استصحابها و ذلك كله غير مرتبط بتقديم البينة على الملك القديم في مقام الميزانية.

و اما الرواية فاستفادة المناط منها من ترجيح ما هو أقدم تاريخا أول الدعوى

مع ان مورد الرواية صورة كون المال في يد أحدهما، و في مثله قد تقدم بأن الأخبار متعارضة على وجه لا مجال إلا من الترجيح بينهما بموافقة السنة المنطبق ذلك على رواية المنصور الحاكم فيها بتقديم بينة الخارج، بلا صلاحية بينة الداخل للمعارضة معها في مقام الفصل كي ينتهي الأمر إلى ترجيح أحدهما على الآخر بمرجح كما لا يخفى.

و منها

: إذا ادعى شيئا في يد غيره فقال المدعى عليه هو لفلان اندفعت عنه مخاصمته في نفس العين، لأنه بإقراره غير مسلط على أدائها الى المدعى و لو مع اعترافه بعده، غاية الأمر يوجب إقراره أخيرا غرامته عليه للمقر له ثانيا.

و لكن في اندفاع الخصومة عنه كلية و لو بلحاظ الدعوى الملزمة الملازمة مع التغريم اشكال، و في مثل هذه الخصومة أيضا لا يحتاج الى دعوى العلم عليه، إذ ليس محط الدعوى جهة تكليف غير ملزم عليه إلا بالعلم كدعوى اشتغال ذمة الميت بالمال على الوارث الذي تقدم شرحه، و حينئذ فلا وجه للاحتياج الى دعوى العلم في تلك الخصومة لملزمية الدعوى بلا علم، و حينئذ فما في الشريع من تخصيص دعواه بعلمه، منظور فيه.

و على أى حال فلو أنكر المقر له مالية المال له، ففي الشرائع حفظها الحاكم لخروج المال ظاهرا عن ملك المقر بإقراره و عدم دخوله في ملك المقر له بإنكاره له فيرجع أمره الى الحاكم فلا يعطى المدعى إلا ببينته. و في شمول كبرى الدعوى بلا معارض في المقام نظر من جهة كون الغير الذي هو ذو اليد مأمور باعترافه بإيصاله إلى مالكه و لو بدسه في ماله، و مثل هذه الصورة أعظم من اللقطة التي هي في يد من لم يعلم صاحبه، فكما ان مجرد يده مانع عن سماع مثل هذه الدعوى كذلك في المقام.

و لو قال المدعى عليه انه لمجهول لا أسميه، ففي اندفاع الخصومة عنه بالإضافة إلى العين من جهة إقراره النافي عنه، أو عدمه و لو من جهة احتمال إقراره له فلم يكن بعد غير مقدور التسليم الموجب لصرف خصومة شخص العين عنه نظير عدم صرف

المطالبة عمن بيده المال لمحض احتمال الحيلولة في ماله وجهان أقويهما الثاني خلافا للجواهر من التزامه بالأول.

و منها

: انه إذا ادعى مدع انه آجر الدابة التي هي في يد غيره عليه، و ادعى ثالث انها ماله و أودعها إياه، فمرجع هذه الدعوى في الحقيقة إلى دعوى كل واحد مالية العين له و إنما اختلافهما في ملكية نفس العين و ان اختلافهما في العقد المزبور تبعي محض.

و بذلك يمتاز مثل هذا الفرض عن دعاوي العقود الراجعة إلى دعوى كل واحد تحقق عقد على المال المعين من حيث المالك بلا خصومة في المال أبدا بل كانت الخصومة بتمامها متعلقة بكيفية العقد الصادر منهما.

و عليه فيمكن دعوى كون المقام من باب التداعي بالإضافة إليهما في فرض عدم اعتراف من بيده المال لأحدهما معينا. و إلا ففي فرض الإقرار يقدم قول المقر له لكونه بمنزلة ذي اليد، و على أى حال حكم كل واحد من الفرضين واضح، من الحكم على طبق بينة كل واحد و مع تعارضها تجري الأحكام الثلاثة السابقة من الترجيح أو القرعة و الحلف أو التنصيف في صورة امتناعهما عن الحلف.

هذا كله في فرض نفى ذي اليد عن نفسه و إلا فمع إنكاره لهما تجرى بالنسبة إلى ذي اليد و مدعيه، الاحكام المعهودة من ان البينة على المدعى و اليمين على من أنكر و تكفى يمين واحدة لهما بلا احتياج الى يمينين و اللّه العالم.

و لو فرض الدعوى على اجارة ما في يد غيره عليه و ادعى ذي اليد إعارته منه فهي راجعة إلى مسألة اختلافهم في العقود في مال شخص معين، و في مثله هل المدار في تشخيص المدعى المنكر على جريان الأصل في مصب الدعوى كما سيجي‌ء عن الجواهر كي يكون مدعى الإجارة مدعيا و الآخر منكرا، وجهان تقدم سابقا بأن الأقوى

هو الثاني و يؤيده الرواية المحكية عن أمير المؤمنين (ع) من تقديمه قول مدعى الإعارة على مدعى الرهينة و على الثاني البينة على مدعاه و لقد أشرنا إلى الرواية سابقا أيضا و اللّه العالم.

و منها

: لو ادعى دارا في يد إنسان و أقام بينة على انه في يده أمس أو على ملكيتها كذلك، ففي الشرائع: الأقرب القبول، و ظاهر تعليلهم بان الحكم بالاستصحاب أوجب المطابقة بين الدعوى و الشهادة كون المراد القبول في مقام الميزانية لفصل الخصومة، و إلا فمثل هذا التعليل مستدرك. و عليه فيشكل الحكم بمثل هذا الاستصحاب بمقتضى العمومات الحاصرة لو لا دعوى كون المراد من القضاء بالبينة ما كان للبينة دخل في إثباته و لو بضم الاستصحاب.

و لكن مع ما في ذلك من الاشكال لظهور البينات في البينات القائمة على محط الخصومة، لا إشكال في عموم دليل اليد اللاحقة و حكومته على الاستصحاب، اللهم إلا ان يمنع عموم حجية مثل هذه اليد في مورد الخصومة، و لكنه كما ترى.

ثمَّ ان ذلك في صورة قيام البينة على صرف الملكية السابقة أو اليد كذلك و اما لو أقيمت على سبق غاصبية ذي اليد الفعلي فالظاهر ان استصحاب عنوان غصبية اليد يخرجها عن الأمارية على الملكية. فحينئذ يبقى في البين استصحاب بقاء الملكية السابقة، و عليه فالاكتفاء بهذا المقدار في مقام الفصل فرع ما ذكرنا من التوجيه في العمومات الحاصرة، و إلا ففي النظر فيه مجال، لو لا قيام إجماع في البين و لو بحمل دعوى نفى الخلاف فيه على مجرد الحكم بمناط الحجية لا بمناط فصل الخصومة و اللّه العالم.

تتميم في جملة من فروع الاختلاف في العقود و المواريث و الأولاد

اشارة

اما صور الاختلاف في العقود فمنها: ما لو اختلفا في استيجار دار معينة شهرا معينا، و اختلفا في الأجرة، تارة من حيث قلتها و كثرتها، و اخرى من حيث تعيين جنسها المردد بين المتباينين كالدينار و الدرهم فعلى الأخير فلا شبهة في عدم مطابقة واحد منهما للأصل حتى بالنسبة إلى الجهة الملزمة من الدعوى لتعارض الأصل من الطرفين. و عليه فلا بد ان يجعل ذلك من باب التداعي في خصومة واحدة بلا وجود منكر في البين، نظير دعواهما في ملكية مال لا يد لأحد عليه.

و توهم كفاية مجرد الأصل الاقتضائي في طرف المنكر، منظور فيه لما تقدم من مدار المنكرية على الموافقة مع الحجة الفعلية فراجع ما ذكرناه في شرح الدعوى.

و عليه فلا مجال للمصير في هذا المورد الى التحالف بلا بينة، بل الميزان في مثله منحصر بالبينة، فإن أقامها كل واحد منهما فتسمع و مع التعارض يؤخذ بالأرجح كثرة أو عدالة و مع التساوي يقرع و يحلف من خرج اسمه، أو يرد على طرفه فان

امتنعا يحكم بالتنصيف في محط الخصومة بإعطاء نصف الدينار و نصف الدرهم على أشكال فيه من جهة انتهائه إلى العلم الإجمالي بأخذ ما لا يستحقه جزما المنافي مع كون التنصيف في الاخبار نظير الأخذ بالحلف و البينة الراجحة من الأحكام الظاهرية غير الجارية مع فرض مخالفته للعلم الإجمالي. و عليه فلا محيص الا من المصير الى عموم دليل النكول من طرف المنكر الخارج اسمه بالقرعة أو نكول المدعى عن اليمين المردودة، هذا كل ما تقتضيه قواعد الباب.

و لكن ظاهر كلمات الأصحاب عدم التزامهم بمثله، إذ كلمات جملة صريحة في جعله من باب الخصومتين مع وجود المنكر في كل واحد من جهة بنائهم فيه على التحالف و الانفساخ مع عدم البينة و مع وجودها فالمرجع هو البينة و مع التعارض يرجع الى الأحكام الثلاثة التي منها التنصيف مع امتناعهما عن الحلف حتى صورة لزوم مخالفة المعلوم إجمالا، بل و استلزام ذلك علما تفصيليا بمخالفة الواقع، و لا أرى لمثل هذه الجهات وجها خصوصا في استلزام التحالف انفساخ العقد، إذ ذلك إنما يتم لو فرض ذهاب اليمين بحق الطرفين حقيقة، و إلا فلو لم تذهب إلا مجرد السلطنة الظاهرية الخارجية مع بقاء ذمة الحالف على اشتغالها بما كان، فلا وجه للانفساخ إذ لا تبقى المنفعة بلا بدل.

و توهم ان قطع السلطنة الخارجية يوجب كون العوض بمنزلة التلف و لازمه حينئذ إجراء قاعدة التلف قبل القبض، فلا بد حينئذ من الانفساخ، مدفوع بان ذلك كله لو لم يتمكن الحالف من أدائه و لو بتكذيبه حلفه و إلا فلا وجه لشمول هذه القاعدة لمثل المورد، اللهم إلا ان يدعى بأن الإقرار يوجب قلب الموضوع من المنكر الى المقر و ان نظرهم في الانفساخ ما دام باقيا على إنكاره الذاهب بحقه اليمين لا مطلقا.

ثمَّ ان في إطلاق حكمهم بالتنصيف حتى مع الانتهاء الى مخالفة العلم الإجمالي

بل و للتفصيلى في بعض الأحيان أشد إشكالا، و الالتزام بكونه مصالحة قهرية شرعية خلاف سوق الأخبار الظاهر في مقام الوظائف الظاهرية المجعولة في مرتبة الشك بحكم الواقع. و عليه فلا محيص إلا من الالتزام بعدم جريان التنصيف حتى في مثل هذه كعدم جريانه فيما لا تقبل القسمة كالزوجية، و لقد تقدم ان المرجع فيها هو الأخذ بنكول الحالف بناء على شمول دليله للمقام أو الحكم بترتيب الأثر على طبق القرعة بمناط الحجية، لا بمناط فصل الخصومة، و لقد أشرنا إليه أيضا في فرع الاختلاف في الزوجية غير الجارية فيه التنصيف و القسمة فتدبر و اللّه العالم.

ثمَّ ان ظاهر الجواهر بل صريحه إرجاع الفرع الأول أيضا الى الخصومتين بتخيل ان مصب الدعوى أمران متباينان، من تعلق العقد بالأربعة أو الاثنين فحكم فيه أيضا بالتحالف و الانفساخ مع عدم البينة و مع البينة فيؤخذ ببينة كل واحد و مع التعارض يرجع الى حكام الثلاثة. و لكن لا يخفى ما فيه من انه مع الإغماض عما ذكر في تاليه، لا يكفى مجرد التباين في مصب الدعوى كون المقام من التداعي، بل الظاهر ان مناط تشخيص المنكر على مطابقة قول أحدهما للأصل في جهة ملزمة، كما نطقت به الرواية الواردة في الاختلاف في عقد الرهن و الوديعة، و عليه فالقول قول منكر الزائد و وظيفته اليمين و مع الرد فيحلف مدعى الزيادة، و مع وجود البينة فلا تسمع إلا بينته بل معارضتها مع بينة المنكر كما هو مختار ابن إدريس في السرائر، من دون وجه لترديد المحقق في إطلاق كلامه كما لا يخفى و اللّه العالم.

ثمَّ انه من التأمل فيما ذكرنا ظهر الحال فيما لو اختلفا في استيجار دار معينة و قال الآخر بإجارة بيت منها، إذ لازم ما ذكرنا فيه أيضا تقديم قول الموجر بعد الجزم بكون الاختلاف في متعلق عقد واحد وفاقا للسرائر، و لازمه حينئذ عدم سماع البينة إلا من طرفه بلا رجوع الأمر فيه أيضا الى تعارض البينتين، خصوصا ما في كلام الشيخ من تقديم

الأسبق تاريخا من البينتين لما عرفت من ان مجرد ذلك لا يصير مرجحا.

و أضعف منه ما اختاره المحقق- قدس سره- في الشرائع من الأخذ ببينة مدعى البيت إذا كان أقدم و يؤخذ ببينة غيره في الباقي، بتخيل بطلان إجارة الباقي بالنسبة الى البيت لسبق إجارته و صحتها بالنسبة إلى الباقي، إذ ذلك انما يتم مع احتمال العقدين و هو لا يناسب دعواهما في متعلق عقد واحد مع تسلمهما عدم صدور عقدين في البين إذ مثل هذه الدعوى مكذبة للاحتمال المزبور و معه كيف يمكن الأخذ بمضمونهما المناسب مع وقوع عقدين إذ البينة انما تكون حجة بمقدار لا تكذبها الدعوى، فما في الجواهر من الأخذ بهما من حيث اقتضائهما تعدد العقد مع عدم مساعدة الدعوى إلا على عقد واحد منهما في نهاية الاشكال. و أشكل منه العمل بكل منهما حتى مع علم الحاكم بخروج الحاصل من مجموع البينتين للواقع إذ ذلك كما ترى ينافي طريقية البينة كما هو ظاهر و اللّه العالم.

ثمَّ ان من التأمل فيما ذكرنا ظهر الحال فيما هو نظير الفروع المتقدمة من انه لو ادعى كل منهما انه اشترى دارا معينة من شخص بعينه و اقبضا الثمن و هي في يد البائع فإن كذبهما من بيده المال فيحلف لكل منهما، و لا يبعد الاكتفاء بحلف واحد في نفى دعواهما بعد تحرير الدعويين لا قبله، و ان صدق أحدهما دفع العين اليه بملاك الجمع بين مقتضى اليد و الإقرار. و في حلف المقر للمدعي الآخر حينئذ إشكال، من جهة إمكان كون المال بإقراره بمنزلة التلف قبل القبض فلا ملزم له على العين.

و أشكل منه صيرورة المقر له في هذه الدعوى منكرا كي يصير عليه اليمين لأن اليد انما تثبت الملكية محضا لا الخصوصية المدعى بها، و عليه فيصير حال هذا الشخص من قبيل دعوى ذي اليد بملكية العين بسبب خاص في عدم صيرورته بمجرد يده حينئذ منكرا، بل لا بد حينئذ من اجراء حكم التداعي عليه، و ان كان المال في حكم ملكه لما ذكرنا

و حينئذ يشكل انتزاعه في صورة دعوى السبب على المحكى عن جماعة من مصيرهم الى انتزاعه، إذ ذلك فرع عدم إطلاق في دليل اليد لمثل هذه الصورة و إلا فللنظر فيه مجال.

و على أى حال فلو قال ذو اليد: لا أعلم لمن هي منكما. فعن كشف اللثام يقرع مع عدم البينة، و لعله لعموم دليلها فينتهي إلى حلف من خرج اسمه و مع النكول يحكم بنكول المدعى عن اليمين المردودة على المختار من عدم القضاء بنكول المنكر، و لكن ذلك أيضا لو لا جريان اخبار التنصيف في المقام من جهة أن الخارج من عمومات التنصيف صورة حلف من خرج اسمه بالقرعة و بقي الباقي تحته و ذلك أيضا بعد احتمال كون المناط في التنصيف عند تعارض البينتين بملاك تساقطهما و كونهما كالعدم، و إلا فلا إطلاق لها يشمل صورة فقد البينة رأسا كما لا يخفى إذ حينئذ لا إشكال في البين كي يرجع الى القرعة كما انه لا مجال للمصير إليها في صورة جريان سائر الأصول و لكن الكلام بعد في إحراز هذا المناط فتأمل.

ثمَّ لو تحقق في البين بينة فيؤخذ ببينة كل واحد، و مع التعارض يرجع الى الأحكام الثلاثة على اشكال في التنصيف المقتضى لرجوع كل بنصف ثمنه بحكم تبعض الصفقة، إذ ينتهي الأمر إلى علم البائع بعدم انتقال نصف الثمن من مالكه الواقعي إليه، بل مقتضى القاعدة إدخال هذه الصورة أيضا فيما لا يقبل التبعيض فينتهي الأمر إلى الحكم بنكول المدعى عن اليمين المردودة أو القرعة في مقام ترتيب الأثر بملاك الحجية لا فصل الخصومة و لقد أشرنا إلى نظيره سابقا فراجع.

و أشكل منه حكمهم في فرض التبعيض بحكم التنصيف بأنه لو فسخ أحدهما ينتقل المال بتمامه الى غيره لعدم مزاحمة بينته بغيرها حينئذ إذ فيه ما لا يخفى لأن الحكم بالفسخ من أحكام التعارض فكيف يرفع موضوعه، بل هو بمنزلة انتقاله إلى

البائع بنقل جديد، إذ هذه كلها لا يوجب النقل الى غيره ببينته المعارضة بمثلها من الأول.

ثمَّ انه لو ادعى اثنان أن ثالثا اشترى من كل منهما هذا المبيع المعين الذي بيده عكس المسألة السابقة فإن صدق أحدهما قضى عليه بإقراره، و في حلفه للآخر اشكال لعدم أمارية اليد على خصوصية المدعى به، فبالنسبة إليهما لا بد من إجراء أحكام التداعي لا المدعى و المنكر، و ان صدقهما يقضى عليه بثمنين لإمكان صدق وقوع العقدين و لا يضر بذلك اعترافهما بعدمه بتخيل أن كلا يدعى صدور العقد الواحد المتنازع فيه منه لكونه ملكه دون غيره إذ غاية ما يلزم من مثله العلم الإجمالي بمخالفة أحد الإقرارين، و مثله لما كان بين الشخصين غير مضر، فكان المقام من هذه الجهة نظير إقرار المقر بعين لشخص ثمَّ إقراره بها لشخص أخر إذ ينتهى مثله أيضا الى العلم الإجمالي بعدم استحقاق احد الشخصين لعين المال أو بدلها و مثل هذا العلم لا يقتضي عملا مانعا عن نفوذ اقراريه.

لا يقال: انه كذلك و لكن العلم بكذب أحد الإقرارين ينافي طريقيتهما فلا جرم يسقطان عن الحجية كالبينتين. لأنه يقال بان ذلك انما يرد على من التزم بان مجرد العلم بالمخالفة و ان لم يوجب عملا مضر بالطريقية، و أما بناء على ما هو التحقيق المقرر في محله من عدم مضرية مثل هذا العلم حتى في الأمارات كالأصول فلا بأس بالالتزام به.

و اما جهة التفرقة بين البينة و أمثالها و بين الإقرار فإنما هو من جهة حجية لازم البينتين من النفي عن الآخر، و بواسطته لا يعقل التعبد بمفاد البينة في جميع مداليلها فتسقط عن الاعتبار رأسا بعد عدم ترجيح لطرح خصوص الالتزامي منه، و هذا بخلاف الإقرار، إذ لا تكون الحجة منه إلا مدلوله الاثباتى على نفسه لا النفي من غيره و معلوم

أن التعبد بمثله في الطرفين لا يوجب محذورا عمليا نظير التعبد بوجوب الطرفين بالاستصحاب مع العلم الإجمالي بكذب أحدهما.

ثمَّ ان هذا كله صورة احتمال صدور عقدين بإقراره كذلك، و أما لو علم من الخارج أو من دعوى الطرفين عدم العقدين لا مجال للأخذ بالإقرار المزبور للجزم بكذب شخص هذا الإقرار و معه لا مجال للحجية، نعم لو اعترف بصدق كل واحد تدريجا لا بأس بالأخذ بهما و لو علم من الخارج كذب واحد منهما لما عرفت من أن العلم الإجمالي على خلاف المثبتين من الحكم الطريقي غير مضر بالأخذ بهما، و من هنا نقول في الإقرار بالعين لشخصين أيضا: لا بد من التفرقة بين ما لو أقر لهما باقرارين تدريجا أم بإقرار واحد دفعة بملاحظة مضرية العلم بمخالفة شخص الإقرار للواقع و عدم العلم بمخالفة أحدهما له بنحو الاجمال و اللّه العالم بحقيقة الحال.

ثمَّ ان ذلك كله حكم صور عدم وجود بينة في البين و أما مع وجودها فعند عدم المعارضة يؤخذ ببينة كل منهما لصدق المدعى عليه، و مع التعارض ينتهي إلى الأحكام الثلاثة حتى الحكم بالتنصيف، إذ ما ذكرنا من محذور مخالفته للعلم إجمالا على خلاف الواقع في مثل المقام غير مضر، لأنه من باب العلم بين الشخصين غير المنافي مع الحكم ظاهرا في حق كل واحد، نعم ليس لثالث أن يشترى النصفين من الشخصين إذ في مثله ينتهي إلى العلم بالمخالفة بالنسبة إلى شخص واحد و مثله مضر بالحكم الظاهري، و حينئذ فإن تمَّ إجماع على صحته فلا بد ان يلتزم بان الحكم الظاهري لكل واحد موضوع الحكم الواقعي للآخر و إلا فللنظر فيه بمقتضى القواعد مجال و اللّه العالم.

و من التأمل فيما ذكرنا أيضا ظهر حال ما لو ادعى عبد ان مولاه أعتقه و آخر ان مولاه باعه منه و كان العبد في يد ثالث، فان صدق العبد فلا تقطع الخصومة معه لغيره

لإلزامه عليه بالقيمة، كما انه ان صدق غيره كان خصومة العبد معه باقية لإلزامه عليه بعد انتقاله اليه بوجه نظير دعوى جناية العبد بنحو راجع الى نفسه بعد عتقه و عليه فلا مجال لما حكى من المبسوط من عدم الحلف للآخر بعد تصديقه لغيره، بتخيل أن الخصومة لا تبقى معه بعد إقراره لغيره لعدم سماع إقراره بعده لكونه إقرارا في حق الغير، فلا تبقى للمدعي جهة إلزام بعد عليه كي تصح معه الخصومة المعتبرة في صحة الحلف.

و وجه الفساد أن مجرد عدم سماع الإقرار بالنسبة إلى الغير في الإلزام بنفسه فعلا غير مضر بسماعه بعد انتقاله اليه بوجه كما هو الشأن في دعوى جناية العبد بما هو راجع الى نفسه بعد عتقه، مع أن ما أفيد انما يصح بالنسبة إلى خصومة العبد المدعي للحرية و اما بالنسبة إلى خصومة غيره المدعى لرقيته فيسمع الإقرار بالعين في الإلزام ببدله كما لا يخفى.

ثمَّ انه مع وجود البينة فيتبع ذلك من كل من المدعيين و مع التعارض تجري الأحكام الثلاثة حتى التنصيف، و في مثله لا مجال لتقويم العبد على ذي اليد المعترف بعدم مالكيته بنفسه بلا تصديق لواحد من المدعيين، لأنه من باب الحكم بحرية النصف تعبدا ظاهريا من دون دخل لاخبار المولى في ذلك كي يقوم عليه، نعم ذلك صحيح لو كان الحكم بالتنصيف من باب التبعيض في سند البينتين، إذ حينئذ يمكن أن يقال بان المقام من باب قيام البينة على تحرير المالك نصفه باختياره.

و لكن الكلام في إثبات هذه الجهة إذ من البديهي أن الحكم بالتنصيف غير مرتبط بمقام الجمع بين البينتين، و انما هو حكم تعبدي في مورد التساقط بينهما ثمَّ الرجوع الى القرعة و امتناعهما من الحلف و مثل ذلك لا يثبت صدور تحرير نصف العبد من المولى اختيارا.

و عليه فما في الجواهر في رد هذه الشبهة من أن بناء الاحكام على مقتضى ظواهر الأدلة الشرعية و هو هنا عتق النصف بالبينة و لو بعد الأدلة على اعمالها مع التعارض على الوجه المزبور، منظور فيه إذ لنا مجال السؤال عما دل على اعمال البينة حال التعارض بعد ما عرفت من ان اخبار التنصيف غير ناظر الى الجمع المزبور و عدم اقتضاء القاعدة أيضا إلا التساقط كما هو ظاهر هذا.

ثمَّ اعلم أن مرجعية الشهود بل و جميع الطرق الشرعية انما هي صورة عدم قيام قرينة قطعية على خلافها و حينئذ فلو شهد بملكية الدابة في مقدار من الزمان غير المساعد لسنها لا تسمع و وجه ذلك ظاهر.

و لو ادعى دابة في يد زيد بأنه اشتراها من عمرو فأقام البينة على مجرد شرائه فعلى القول بتقديم اليد اللاحقة فلا إشكال في عدم الحكم له و على القول بتقديم السابقة و لو في خصوص مورد الخصومة ففي الحكم بالملكية بمجرد قيام البينة على الشراء المزبور تردد لأعمية الشراء من الفضولي و غيره و من انصرافه الى الشراء الملزم.

و لو كان الصغير المجهول النسب في يد واحد و ادعى رقيته قضى عليه بالملكية لدى المشهور بمناط الدعوى بلا تعارض، لا بمناط اليد كى يدعى بان ما هو امارة الملك هو اليد المستقرة على معلوم المالية دون مشكوكها، لعدم إطلاق دليلها، و لكن ما في رواية عبد الرحمن من قوله: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالرق و هو مدرك (1)ظاهر في كون الأصل في كل إنسان حريته إلا ما علم بالإقرار أو البينة، و لازمه عدم ثبوته بمجرد الدعوى بلا معارض و لا بصرف اليد عليه، و كون صدر الرواية في مورد الدعوى مع المعارض غير مضر بعموم هذه الفقرة، كما ان من مثل هذا العموم يستكشف ردع العقلاء في السماع لدعوى بلا معارض، بلا صلاحية


1) الوسائل ج 18 ص 184 باب 12 كيفية الحكم رقم 9

بنائهم المزبور لتخصيص مثل هذا العموم كما لا يخفى، و لعله لذلك اختار في- المبسوط على المحكى عنه توقف ثبوته على البينة، و الظاهر ان الحصر إضافي بالنسبة الى غير إقراره، بل و لو لا الإجماع و السيرة لصار إليه في الجواهر، و حينئذ فإن تمَّ ذلك فهو، و إلا فللنظر فيه مجال.

و توهم ان مفاد العموم بمنزلة الأصل المحكوم بحجية الدعوى بلا معارض كمحكومية كل أصل عملي بالنسبة إلى الطرق الاجتهادية، مدفوع بأنه كذلك لو لا استثنائه الإقرار بل و البينة في ذيلها، و إلا فنفس هذا الاستثناء شاهد تكفل مثل هذا العموم معنى مناسبا للجعل بنحو حاكم على سائر الأمارات، لا لخصوص الجعل في ظرف الاستتار المحكوم بالنسبة الى ما هو متكفل نفيه، و لا يكون ذلك إلا بجعله مثل هذه الجملة في مقام نفى الشك عن الحرية، لا متكفلا لجعل الحرية في ظرف شكه، و لا الأعم منهما، كيف و في جعل واحد لا يتصور الجعل في ظرف الاستتار و الجعل بنحو رافع لاستتار الواقع، إذ هما نحوان من الجعل غير الواقعين تحت جامع واحد كما هو ظاهر و عليه فلا مجال لدعوى الحكومة المزبورة الموجبة لتخصيص الرواية بموردها من الدعوى مع المعارض كي يتم ما هو المشهور.

ثمَّ ان مقتضى قوله: إلا من أقر على نفسه، نفوذ إقراره عليه نظير مفاد عموم إقرار العقلاء على أنفسهم. و عليه نفسه نفوذ إقراره عليه ففي الحكم بالرقية لخصوص من أقر له مع وجود مدع آخر نظر إذ لا وجه لسماعة حتى بالنسبة إلى ضرر الغير و لذا قلنا كرارا بأن إقرار من بيده المال لا ينفذ في ضرر الغير و لا يحكم بنفي ملكية الغير إلا بتوسط اقتضاء يده و لذا صار المشهور بان المقر له بمنزلة ذي اليد على الملكية و المفروض انه ليس في المقام شي‌ء آخر من يد أو غيره على وجه ينفى ملكية غيره عنه فمن أين يحكم برقية العبد للمقر له على وجه يقطع به دعوى مدعيه الآخر.

و توهم كون ذلك بمناط قاعدة من ملك شيئا، فاسد جدا إذ هذه القاعدة على فرض تماميتها إنما تتم فيما إذا كان إقراره متعلقا بما ملكه لا نافيا لملكيته و في المقام من قبيل الثاني إذ بإقراره يخرج نفسه عن تحت سلطنته بل كان ممن لا يقدر على شي‌ء و كلا على مولاه و لعله لذا حكى عن الشيخ في مبسوطه بعدم سماع إقراره على ضرر غيره و لا مجال لدفع الجواهر بعدم الدليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه إذ ليس في المقام ظهور دليل إلا عموم إقرار العقلاء أو خصوص خبر حمران و لقد تقدم ما لهما من مقدار الدلالة.

و توهم ان مورد رواية حمران هو قبول إقراره حتى على ضرر المربية المدعية لحريتها و كونها بنتها إذ ربما تكون رقيتها ضررا عليها من حيث نفى إرثها منها، مدفوع بان مثل هذه الآثار مما يترتب على ما هو ضرر على نفسه و في طوله و لا بأس بسماعه فيها، و ما لا يسمع فيه إنما هو أثر ضرري على الغير في عرض ضرر نفسه، و لذا أشرنا في بعض المقامات سابقا الى شرح موارد سماع الإقرار على ضرر غيره و عدم سماعه، و جعلنا من الثاني إقرار المورث على وارثه فراجع، و بالجملة لا تصلح مثل هذه الرواية شاهدا على خلاف ما ادعينا، و على هذا فان تمَّ في البين إجماع حتى مع خلاف الشيخ على السماع حتى على ضرر الغير في خصوص المقام فهو، و إلا فللنظر فيه مجال.

و لو ادعى دارا في يد زيد بأجمعها و ادعى عمرو نصفها، فتارة تكون دعوى التمام بسبب غير قابل للتفكيك بين النصفين. و اخرى على نحو قابل للتكليف بينهما من حيث الصدق و الكذب.

فعلى الأول تكون دعوى النصف مزاحمة لدعوى التمام دون الآخر و لازمه حينئذ تزاحم بينتهما، و في مثله لا مجال لتوهم الأخذ بالبينة بالنسبة إلى النصف بلا

معارض، بل و لا مجال للأخذ بدعواه بملاك الدعوى بلا معارض، لما عرفت من ان دعوى الملكية على النحو المزبور معارضة بدعوى النصف من غيره، بل و في هذه الصورة لا مجال لجعل يده على التمام مرجحا لقوله لأن اليد إنما تثمر في صورة دعوى الملكية محضا لا الملكية المستندة إلى سبب موجب لعدم التفكيك بين النصفين، و في مثله و ان كانت المخاصمة متعلقة بالنصف لكن لا من جهة إقرار مدعى النصف بكون النصف الآخر له، كي تكون دعواه في النصف بلا معارض، بل من جهة عدم ملزمية إنكاره للنصف الآخر لكونه أجنبيا عنه فحقيقة المخاصمة المنشاءة للآثار و ان لم يتحقق بالنسبة إلى النصف، و لكن لا يخرج المورد بمجرد ذلك عن صدق المعارض من حيث النفي و الإثبات، و عليه فلا تسمع البينة من الجانبين إلا على النصف من حيث الميزانية، و ان كان تسمع بمناط الحجية بالنسبة إلى الجميع فيترتب عليها الآثار.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر ما في إطلاق بعض الكلمات من جعل النصف مورد الدعوى بلا معارض، و حصر المعارض فيه في خصوص النصف، إذ تخصيص الخصومة بملاك الملزمية من الطرفين بالنسبة إلى النصف لا يقتضي تخصيص المعارضة به، كي تسمع في النصف لكونها بلا معارض و السيرة على سماع الدعوى بلا معارض غير ظاهر الشمول لمثله و حينئذ فلا يحكم بكون النصف له في هذا الفرض أيضا إلا بالبينة بمناط حجيتها و يكون مرجعيتها من حيث فصل الخصومة بالنسبة إلى النصف المتنازع فيه.

نعم ما أفيد إنما يتم بالنسبة إلى الصورة الأخرى القابلة للتفكيك بين النصفين من حيث صدق الدعوى و كذبها فتسمع حينئذ قوله في النصف لعدم المعارض بل ربما يعترف الخصم بكونه له و في النصف الآخر يقع مورد التخاصم و حينئذ فإن كان المال في يد مدعى التمام فتسمع بينة مدعى النصف في مقام الفصل لأنها بينة خارج كما انه كذلك

لو كان المال بيدهما و هكذا لو كان بيد مدعى النصف و اعترف كون نصفه الآخر لمدعي التمام و لو اعترف لغيره لا بد من تقديم بينة المدعى للتمام لأنها بينة خارج.

و لو كان بيد ثالث فإن أنكرهما بلا بينة في البين فيحلف لهما و لو بحلف واحد بعد دعواهما و مع البينة تسمع بينة كل منهما على ذي اليد لأنهما بينة خارج و بعد الحكم لو احد ببينته لا تقطع خصومة غيره مع المحكوم له لما عرفت من ان الحكم في كل خصومة لا تقطع الا الخصومة المحررة و أما غيرها فبعد تبقى موكولة بتحريرها.

و مع إقامتهما البينة بعد تحريرهما متوجهة على كل واحد من ذي اليد و رفيقه فيرجع الى الأحكام الثلاثة حتى التنصيف و لازمه حينئذ فصل الخصومة بين الثلاثة و لو بتنصيف النصف المتنازع فيه بين المدعيين و الحكم بكون النصف الآخر له و مقتضاه إعطاء ثلاثة أرباع لمدعي الكل و ربع لمدعي النصف.

و هذا كله أيضا على فرض كون ذي اليد غير متشبث في دعواه الى السبب و إلا فيقع التداعي بين الثلاثة و لازمه سماع أكثرهم بينة و إلا فالقرعة بين الثلاثة فأيهم خرج اسمه فهو منكر يتوجه اليه الحلف فاذا حلف مدعى النصف تفصل الخصومة في هذا النصف بين الثلاثة و تبقى الخصومة بين مدعى الكل و ذي اليد بالنسبة إلى النصف الآخر باقية و لازمه مع فرض تعارض بينتهما قرعة أخرى بينهما فأي واحد خرج اسمه فيحلف و مع امتناعهما فينصف النصف الأخر بين مدعى الكل و ذي اليد كما انه لو كان الحالف هو مدعى التمام فيسقط حق الطرفين من التمام، و هكذا لو كان الحالف ذا اليد المتشبث بالسبب.

و لو نكل الجميع عن الحلف فلا بد ان يقسم بين الثلاثة بنسبة دعواهم و لازمه إعطاء الربع الى مدعى النصف و إعطاء ربع و نصفه الى مدعى التمام و البقية إلى ذي اليد.

ثمَّ ان ذلك فيما لو فرض تخاصمهما في الكسور و اما لو كانت دعاويهم على نحو لا تنافى دعوى الغير كما لو ادعى أحدهم النصف و الآخر الثلث و الثالث السدس مع عدم يدهم على المال بل و مع وجود يدهم أيضا فلا يبقى تزاحم حينئذ بينهم في هذه الصورة إلا مع الخارج منهم و إلا فبالنسبة إلى أنفسهم لا تبقى خصوصية أصلا بل كل مدع بنحو قابل لتصديقه لعدم المعارض له كما لا يخفى.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال ما لو ادعى أحدهم الكل و الآخر النصف و الثالث الثلث فان الكلام بتمام شقوقه في أمثاله هو الكلام في الفرع الأول من دعوى الكسور كما لا يخفى. هذا كله الكلام في دعاوي العقود.

صور الاختلاف في المواريث

لو مات المسلم عن ابنين و تصادقا على إسلام أحدهما حين موت الأب و اختلفا في مسلمية أخيه و هو مدع لها، فتارة يكون مسبوقا بالكفر، و أخرى مجهول الحال سابقا، فعلى الأول فلا إشكال في أن أصالة عدم إسلامه إلى حين الموت تقتضي عدم انتقال المال إليه، لأنه مرتب على الموت في حال إسلامه، فالأصل المزبور متبع و لا يعارض ذلك بأصالة عدم الموت الى حين الإسلام، لأنه لم يترتب عليه اثر، و لازمه تقديم قول منكر اسلاميته فيرث المال كله، الا أن تقوم البينة لمدعيه، لأنه مترتب على كونه وارثا و لم يكن وارث غيره.

و اما الفرض الأخير من كون حالته السابقة مجهولة فلا شبهة في عدم جريان الأصلين المتقدمين، و اما أصالة عدم تحقق الموت الخاص بنحو مفاد ليس التامة فهي لا تنفى وارثية هذا المشكوك الأبناء على حجية المثبت و حينئذ فأصالة عدم انتقال الزائد من استحقاق المنكر لاسلامية شريكه جارية بالنسبة إلى الطرفين و عليه فلا وجه لتقديم قوله لعدم مساعدة الأصل مع واحد منهما، فينتهي الأمر في مثله إلى التداعي الذي لا ميزان له إلا البينة و مع تعارضهما فالأحكام الثلاثة.

و توهم أن لمدعي الإسلامية تكفى دعوى علم خصمه بإسلامه و في هذه الدعوى كان الأصل عدم علمه به، فيكفي في فصله يمين الخصم على نفى علمه بإسلامه الموجب لارثه، مدفوع بان مجرد علم الطرف لا يوجب انتقال المال الى غيره و لا بنفيه يوجب انتقال تمامه إليه، كي تثمر هذه الدعوى محضا في إثبات وارثية المشكوك عند الحاكم.

و لذا نقول: إن مثل هذه الدعوى مما لا تسمع في مورد يكون الأثر مترتبا على واقع الحال، نعم ربما يعتبر مثله في توجيه الدعوى الى غير من عليه الحق بملاحظة ملزميتها بأدائه تكليفا، و ذلك أيضا لا من باب كونه دعوى مستقلة، بل هو شرط ملزمية دعوى الحق على غيره عليه، و من المعلوم أن في ما نحن فيه ليس الأمر كذلك، بل دعوى الاستحقاق متوجهة إلى نفس الخصم لا غيره، و في مثله لا نسلم كفاية مجرد دعوى العلم كي يقتضي تقديم قول منكر العلم، بل لا بد أن يكون محط الدعوى نفس الحق الواقعي من جهة وارثيته، و في هذه الدعوى لا يقتضي الأصل تقديم احد القولين للمعارضة من الجانبين كما عرفت.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر انه لا تكفى اليمين على نفى علمه في هذه الدعوى لا في الفرض الأخير و لا الأول، لما عرفت سابقا من أن مقتضى الأصل و القاعدة عدم الاكتفاء بيمين نفى العلم في فصل خصومة الاستحقاق الواقعي، و لو كان المجيب بلا ادرى فضلا عن المجيب بنفي الواقع، خلافا للجواهر فاكتفى بذلك من مثل هذا المجيب و لقد تقدم الكلام معه مستقصى.

كما انه تقدم أيضا عدم تمامية الكبرى الكلية المعروفة في كلماتهم من كفاية اليمين على نفى العلم في كل ما كان راجعا الى نفى فعل الغير، بل الميزان المنضبط هو الذي أشرنا إليه آنفا لأنه المقدار المستفاد من النص الخاص على خلاف القواعد

و الأصول، نعم لا يكفي في المقام اليمين على البت على نفى الواقع أيضا لأنه يمين على نفى فعل الغير.

و لقد تقدم أن أدلة اليمين لا تقتضي إثبات الحق المتقوم بنفي فعل الغير كيمين الغريم على نفى اشتغال ذمة الميت المديون و حينئذ فما عن كشف اللثام من نفى الحلف عليه لو لا دعوى العلم عليه في غاية المتانة بالنسبة إلى عقده السلبي دون الاثباتى و عليه فلا يكون في مثل هذه الدعوى ميزان فصل نفرضه إلا البينة، غاية الأمر يقدم بينة منكر الإسلامية في الفرض الأول لأنه بينة خارج بخلافه في الفرض الأخير، لأنه من التداعي الذي تسمع البينة من كل واحد منهما و مع التعارض ينتهي الأمر إلى الوظائف الثلاثة المعروفة و اللّه العالم.

و من التأمل فيما ذكرنا كله ظهر الحال في مملوكين أعتقا و اتفقا على حرية أحدهما حال موت مورثه و اختلفا في الآخر فان الأصل فيه مع المنكر، و توهم الجواهر بأن أصالة عدم الحرية و الإسلام تقتضي عدم الحكم بالإسلام و الحرية قبل الموت و ذلك لا يكفي في نفى الإرث المقتضي له نفس الولدية و الكفر و الرق مانعا لا الإسلام و الحرية شرطان، منظور فيه إذ غاية اما يلزم مما أفيد عدم جريان الأصل في نفى الإسلام و الحرية و لكن لا مانع من جريان الأصل في نفس الكفر و الرقية المانعين.

و توهم أن الأصل مع الشك في الحرية هو الحرية كما تقدم في رواية حمران، مدفوع فإنه إنما يثمر مع الشك في أصل الحرية لا مع العلم بها في زمان و العلم بعدمها في زمان آخر و الشك في زمان حدوثه إذ مثل هذه الصورة غير منساقة من عموم رواية حمران. نعم على فرض عمومها لمثله لا يكون الاستصحاب المزبور حاكما عليها كما عرفت من أن مثل هذا العموم بقرينة الاستثناء في ذيلها كان حاكما على جميع الأصول كما لا يخفى و تقدم شرحه مفصلا.

و لو اتفق أن أحدهما أسلم في شعبان و الآخر في غرة رمضان و لكن اختلفا في تأريخ الموت بأنه قبل رمضان أو بعده بعد اتفاقهما على انه وقع بعد إسلام الآخر في شعبان ففي هذه لا مجال لجريان عدم الإسلام إلى حين الموت لان الشك فيه بالإضافة إلى الموت شك في الحدوث لا شك في بقائه و انما الأصل يجري في عدم الموت الى حين الإسلام و لكن قد تقدم انه لا يترتب على مثله أثر فلا يثمر مثله في تقديم قول واحد منهما كما أن أصالة عدم تحقق الموت الخاص لا تقتضي نفى وارثية المشكوك الا على القول بالأصل المثبت، و عليه فلا يكون مثل المقام إلا من باب التداعي بالنسبة إلى المقدار الزائد عن استحقاق منكر الإسلامية، فلا يكون ميزان الفصل حينئذ إلا البينة.

و حينئذ فما عن المحقق من أن الأصل بقاء الحياة و التركة بينهما نصفان كما في الشرائع، مبنى على ما هو المعروف من حجية الأصول المثبتة عند القدماء، و إلا فلا يكاد يتم مثل هذا الأصل أصلا.

و أضعف منه ما أفاده في الجواهر من جعل المدرك عنده قاعدة المقتضى و و المانع إذ إتمام الدليل عليه دونه خرط القتاد و اللّه العالم.

و لو كان دارا في يد إنسان و ادعى آخر أنها له و لأخيه الغائب إرثا لهما من أبيها فإن أنكر ذو اليد و لم تكن في البين بينة فيحلف على نفى حقهما، و إلا فإن أقيمت بينة كاملة على انه لا وارث له سواهما، حكم للمدعي بالنصف فصلا لخصومته، و في الحكم للغائب بنفس هذه البينة مبنى على ثبوت ولايته على أخيه من جهة أو وكالته، و إلا فلا تسمع البينة بالنسبة إلى مقدار حقه في مقام الفصل إلا بعد حضوره و دعواه، نعم لا بأس بالالتزام بحجية البينة و ترتيب الأثر على طبق مؤداها لا من باب الفصل، و حينئذ فيؤخذ من المنكر و يعطى بيد أمين الى أن يحضر الغائب و لعل الى هذه

الجهة نظر الشيخ في الخلاف على المحكى عنه، لا من باب فصل الخصومة كي يحتاج إلى إثبات قيام بعض الوراث مقام الميت في إثبات حقه بمناط فصل الخصومة كي يتأمل فيه متأمل.

ثمَّ المراد من البينة الكاملة في كلماتهم هي البينة القائمة على انحصار الحق فيهما من جهة وجدانه الناشي عن خبرته بأحوال الميت، و أما لو لم يعلم بوجود وارث آخر، فعلى القول بجواز الشهادة على نفى الواقع بمقتضى الأصل فلا بأس بسماع مثله ما لم تعارض بينة أخرى كاملة فيحكم فصلا حينئذ على طبقها لعموم دليل ميزانيتها، و أما إن لم نقل به فلا بد أن يشهد على نفى العلم بوارث آخر.

و حينئذ فلا مجال للحكم بانحصار الحق فيهما بل غاية الأمر يثبت بهما مقدار متيقن من استحقاقه و البقية تنظر لكشف الحال، و لكن تنتزع من ذي اليد و تعطى بيد أمين الى ان ينكشف الأمر، بل لا بأس بإعطاء مقدار دعواه للمدعي بمقتضى الأصل لا بمناط الفصل كما هو ظاهر، و حينئذ ففي أخذ الضامن منه استظهارا كما عن المحقق في شرائعه و وجوبه على المدعى الآخذ بمقتضى الأصل حقه نظر، بل و في وجوب فحص الحاكم عن الوارث في الإعطاء بملاك حجية الأصل المزبور نظر، لأن الأصول الموضوعية بإطلاق أدلتها محكمة.

و توهم الجواهر أن الأصل المزبور لا يقتضي انحصار الوارث، صحيح لو كان موضوع انتقال تمام المال جهة وجودية، و إلا فلو كان الموضوع كونه وارثا و لم يكن معه غيره، فلا بأس بتنقيح بعض الموضوع بالأصل و بعضه بالوجدان كما لا يخفى.

و إذا ماتت امرأة و ابنها فقال أخوها أن الولد مات أولا ثمَّ المرأة فالميراث بينه و بين زوجها نصفان، و قال الزوج عكس ذلك فالميراث كله له، فتارة يكون

تاريخ موت أحدهما معلوما، و اخرى يكونان مجهولي التاريخ: فعلى الأول فلا إشكال في اقتضاء استصحاب حياة مجهول التاريخ الى حين موت الآخر بلا معارضته باستصحاب عدم موت الآخر الى حين موت مجهول التاريخ لان الشك في بقائه لي زمان الآخر في الحقيقة مسبب عن الشك في حدوث الموت قبله. و بعبارة أخرى مرجع الشك في المقام الى الشك في إضافة البقاء الى زمان الموت، و من المعلوم ان شأن الاستصحاب هو إحراز البقاء و نفى الشك عن نفسه بلحاظ الأثر المترتب عليه و لا يكون شأنه إثبات الخصوصية و نفى الشك عنها مع الجزم بالبقاء الى زمان كذا، و ذلك بخلاف العكس فان الشك فيه متعلق بنفس بقائه إلى زمان موت معلوم التاريخ.

و هذه الجهة هي النكتة في عدم معارضة الأصل في معلوم التاريخ مع الأصل في مجهوله، لا شبهة احتمال انتقاض اليقين باليقين، و توضيح ذلك موكول الى محله، و عليه فيكون الأصل مع من يدعى تأخير مجهول التاريخ عن معلومه فيقدم قوله حينئذ بيمينه، لأنه يمين على بقاء حياته الى حين مورثه الذي هو فعل نفسه لا غيره.

و أما على الثاني فلا مجال لجريان الأصل في واحد من الطرفين، فيلحق المورد بموارد التداعي من الطرفين، و في مثله لا يكون ميزان سوى البينة، و مع وجودها مع كل منهما يحكم على طبقها، و مع التعارض ينتهي الأمر إلى الوظائف الثلاثة المعروفة التي منها التنصيف بينهما، و أما مع عدم البينة فلا بد من توقيف القضاء فيه الى زمان تحقق الميزان، و لازمه حينئذ توقيف المال لا الحكم بكون تركة الابن لأبيه بعد يمينه انه ما مات قبل امه، و لا بتنصيف التركة بينهما بعد يمين الأخ انها ما مات قبل الابن.

إذ من المعلوم ان الحكم المزبور فرع إثبات مقارنة الموتين و عدم بقاء كل واحد الى حين موت الآخر، و لا يكفى فيه مجرد عدم الموت قبل الآخر لعدم

ترتب أثر عليه و لا على نقيضه أصلا كما لا يخفى. و حينئذ فما في الشرائع من المصير الى الحكم المزبور منظور فيه و اللّه العالم.

الاختلاف في الأولاد

بقي في المقام تتمة في الإشارة إلى الوظيفة المقررة عند الاختلاف في الأولاد فنقول: لا شبهة عندنا في عدم اعتبار الظن الحاصل من القيافة و النسابة و أمثالهما لعدم دليل على مثلها خصوصا مع ردعهم عنها كما عن ابى جعفر- ع- «من سمع قول قائف أو كاهن أو ساحر فصدقه أكبه اللّه على منخره في النار» (1)، و ما في بعض الاخبار من حكمهم على طبق القيافة محمول على حصول القطع بها، و مثله قضية شخصية في واقعة خاصة لا تصير حجة كلية.

ثمَّ بعد ذلك فان كان في البين فراش صحيح لأحدهما يلحق بصاحبه، فيقدم قوله، و إلا فإن علم بالزنا فلا يلحق و مع الجهل فإن أمكن إقامة البينة عليه فهي المتبعة، و مع التعارض يؤخذ بالأرجح، و مع التساوي يؤخذ بالقرعة كما انه مع عدم البينة أيضا كان المرجع هو القرعة.

و عمدة الوجه فيه إطلاق ما عن زيد بن أرقم من قوله في ذيل الرواية: و ألحق الولد بمن أقرع و غرمه ثلثي قيمة الأم (2)و نظيره مضمونا ما عن الباقر (ع) المحكى في الجواهر (3)فراجع الرواية.


1) الجواهر ج 40 ص 515.

2) المستدرك باب 11 كيفية الحكم.

3) الجواهر ج 40 ص 516.

و مقتضى الإطلاق في هذه الروايات عدم الفرق في مرجعية القرعة بين ما لو كان الواطيان المدعيان للولد مسلمين أو كافرين عبدين أو حرين أو مختلفين، بل في صحيح الحلبي «إذا وقع الحر و العبد و المشرك على امرأة في طهر واحد و ادعوا الولد أقرع بينهم و كان الولد للذي يقرع» (1)و حكى عن لقطة المبسوط، ان المسلم و الحر اولى، و لكن في الجواهر دعوى استقرار الإجماع على خلافه خصوصا مع الإطلاقات السابقة مع عدم دليل للترجيح المزبور و اللّه العالم.

حرره الأقل الأحقر خادم الشريعة المطهرة ضياء الدين العراقي في يوم الأحد من شهر رجب المرجب من شهور سنة ثلاث و ثلاثين من المائة الرابعة بعد الالف من الهجرة النبوية على هاجرها آلاف التحية و الثناء


1) الوسائل باب 10 ص أبواب ميراث ولد الملاعفة.