شرح العروة الوثقی

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: شرح العروة الوثقى موضوع: فقه استدلالى نويسنده: شيرازى، كاظم تاريخ وفات مؤلف: 1367 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: مؤسسه كاشف الغطاء تاريخ نشر: 1423 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: نجف اشرف- عراق مقرر: نجفى، كاشف الغطاء، على تاريخ وفات مقرر: 1411 ه ق

[هوية الكتاب]

شرح العروة الوثقى

لآية اللّٰه العظمى

الشيخ كاظم الشيرازي

قدس سره

تقريرات آية اللّٰه العظمى

الشيخ علي كاشف الغطاء

مكتبة كاشف الغطاء النجف الأشرف

1423 ه 2002 م

احكام التقليد و الاجتهاد

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

المسألة الاولى: يجب على كل مكلف في عباداته و معاملاته ان يكون مجتهداً او مقلداً او محتاطاً.

(هذه قضية منفصلة حقيقية بالنسبة لتكليف خاص او الواجب عليه هو واحد منها و أما بالنسبة إلى مطلق التكاليف فهي مانعة خلو) و ذلك لاستقلال العقل لوجوب الخروج عن عهدة ما علم الاشتغال به اجمالًا و تفصيلًا و لا يحصل الا بأحدها، لا يقال علمه الإجمالي ينحل بعد علمه التفصيلي بالتكليف في موارد فلا يبقى مجال لقاعدة الاشتغال الا في تلك الموارد المعلومة هذا مع انه ان تم فانما يتم في العبادات دون المعاملات إذ لا تكليف فيها، لأنا نمنع من انحلال العلم اولًا لثبوته بعد العلم التفصيلي بالتكليف فبموارد غير تلك الموارد ايضاً، سلَّمنا لكن الشك البدوي في المقام يقتضى الاشتغال لوجوب تحصيل المؤمن عقلًا و البراءة مع عدم الفحص غير جارية لا اقل من احتمال عدم جريانها فلا يستقل العقل بالبراءة و لا عُلِم من الشرع الحكم بها فيبقى احتمال الخطر غير مأمون و معه يستقل العقل بالاحتياط و الاشتغال هذا في الواجبات التكليفية تعبدية او توصلية و أما في المعاملات فاحتمال بقاء المال على ملك مالكه بل كون مقتضى الأصل ذلك يقتضي عدم جواز التصرف فيه حتى يعلم بالانتقال فهي ايضاً راجعة إلى احتمال التكليف التحريمي الناشئ من احتمال بقاء المال على ملك مالكه الاول، و بالجملة لا يحتاج في اثبات هذا الوجوب إلى اثبات العلم بالاشتغال بل احتماله المقرون باحتمال العقاب لعدم المؤمن كاف و من ذلك يظهر ان الاوفق تقيده من غير اليقينيات كما يأتي التصريح به في المسألة السادسة الا ان يرجع اليقين فيها إلى الاجتهاد بل ينبغي الإشارة إلى ان الوجوب المزبور عقلي ارشادي إلى وجوب تحصيل الفراغ عن الواقعيات ففي المقام اشكالات:

احدهما: ان الوجوب لن يعاقب عليه بمعنى ان الإنسان إذا لم يكن مجتهد او لا محتاطاً و لا مستلم و طابق عمل الواقع لا عتاب عليه.

و الثاني: ان الضروريات لم تكن من الأقسام الثلاثة.

الثالث: ان الواجب اولًا عقلًا هو الاجتهاد بتعين وظيفته من تقليد او احتياط او اجتهاد و التحقيق انه في هذا الوقت الواجب التقليد لعسر اخويه.

الرابع: يستثنى من هذه القاعدة التكاليف التي لا يحتمل تنجزها و العقاب عليها.

المسألة الثانية: الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان او لا لكن يجب ان يكون عارفاً بكيفية الاحتياط بالاجتهاد او بالتقليد.

الظاهر ان نظره في هذه المسألة إلى ان جواز الاحتياط غير مختص بالمجتهدين بل هو جائز حتى بالنسبة إلى المقلد و ان كان يجب عليه ان يكون مجتهداً في جوازه او مقلداً إذ ليس جوازه من القطعيات و الضروريات و كيف كان فالعامي ان عرف كيفية الاحتياط يكون كالمجتهد في جوازه بالنسبة اليه من غير فرق بين ان يتمكن مع عدم الاحتياط من العلم التفصيلي بالحكم او الإجمالي فضلًا عما إذا لا يتمكن الا من تحصيل الظن و لعل جواز الاحتياط مع فرض كونه

احتياطاً من القضايا التي قياساتها معها و من يمنع عنه فهو ينظر إلى ان الاحتياط غير متحقق لأنه يعتبر الجزم بالأمر او الوجه فمع عدم حصوله لا يكفي العمل عن الواقع فلا يكون احتياطاً و كذا لا اظن ان يكون لجواز الاحتياط في غير العبادات مخالف حتى إذا توقف على التكرار فضلًا عما إذا لم يتوقف إذ من يمنع عنه يمنع عن كونه احتياطاً لأن كيفية كون الشي‌ء احتياطاً يختلف بحسب الأنظار و لذا ذكر في المتن انه يجب ان يكون العامي عارفاً بكيفية الاحتياط و سيجي‌ء إن شاء اللّه انه يجب ان تكون معرفته بها ناشئة من اجتهاد او تقليد و لأجل ما مر من اختلاف الاحتياط بحسب الموارد قد يكون الاحتياط في الفعل و قد يكون في الترك.

المسألة الثالثة: قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً

و كان قاطعاً بعدم حرمته و قد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعاً بعدم وجوبه و قد يكون في الجمع بين امرين مع التكرار كما إذا لم يعلم ان وظيفته القصر او التمام.

و انه (قد يقال انه اهمل من الكيفيات الشك في الجزئية و الشرطية و المانعية او تكرار الترك و العدم كالشك في حرمة شي‌ء بين اطراف كثيرة و يمكن ان يدخل هذه الكيفيات في الأقسام المتقدمة) قد يكون في الجمع و سيجي‌ء إن شاء اللّه انه قد يختلف في الشي‌ء الواجب بحسب الخصوصيات فقد يكون الاحتياط بفعله و قد يكون بتركه، و كيف كان فما ذكرنا من ان النظر في هذه المسألة إلى جواز الاحتياط غير مختص بالمجتهد ظهر ان الفرق (اقول لعل الفرق هو ان المسألة الثانية كانت مشتملة على جواز الاحتياط فيما كان مجتهداً فيه ام مقلداً و المسألة الثالثة كانت مشتملة على كيفيات الاحتياط و الرابعة مشتملة على جواز ترك الاجتهاد و التقليد و العمل و الاحتياط بدليل انه عبر فيها بإمكان الاجتهاد) بين هذه المسألة و المسألة الرابعة ليس بمجرد الاطلاق و التقيد حتى يتوهم فيها التكرار إذ يكفي التصريح بالاطلاق في هذه المسألة عن التعرض لتلك.

المسألة الرابعة: الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار و امكن الاجتهاد او التقليد.

منشأ الشبهة في الاحتياط إذا توقف على التكرار حتى فيما إذا كان الجزم بالأمر فيه محفوظاً كما إذا علم بالأمر و شك في كيفية المأمور به على وجه لا يجمعها واحد هو نقل جماعة الإجماع على المنع عنه فان ثبت الإجماع فهو و الا فالمرجع هو الأصل و القاعدة، و محصل الكلام فيه ان مع العلم بأعمية متعلق الأمر من محصل الغرض كما في جل العبادات و حكم العقل مستقلًا بوجوب الاتيان بها على وجه يحصل به غرض المولى لوجوب تحصيل الغرض عليه مستقلًا او لحكمه بعدم حصول الامتثال و سقوط الأمر الا بذلك يتعين الاحتياط باتيان المأمور به على وجه يحصل له العلم بحصول غرض المولى و سقوط امره فيجب الاتيان به جازماً بالأمر تفصيلًا قاصداً لوجهه متقرباً به مميزاً لواجباته عن مستحباته و هكذا الا ان يقوم دليل اجتهادي على عدم وجوب بعض هذه الأمور و الا فمع عدم الاطلاق في دليل التكليف كما هو المفروض فما كان من العوارض المتأخرة و كان الواجب اسقاط الأمر و اتيان محصل غرض المولى لا مجال الا للاحتياط.

نعم ان قامت بينة شرعية و دليل معتبر على عدم اعتبار شي‌ء منها لم يجب الاحتياط من جهة كما قد يدعى الاطلاق السكوتي في اوامر العبادات بالنسبة إلى قصد الوجه و التميز، و توضيحه ان مسقط غرض المولى و أمره به ان لم يكن امراً راجعاً إلى العرف بل كان من

خصوصيات المولى و مجعولاته بحيث لم يكن لغيره طريق اليه و كان مما يغفل عنه العامة و لا يلتفتون اليه حتى يحصل لهم الشك فيحكم عقلهم بالاحتياط حتى يمكن ان يقال فيه بأن بيانه موكول إلى العقل لاستقلاله بالاحتياط عند الشك رجب على الشرع بيانه و الا لأخلَّ بغرضه و خالف اللطف الواجب عليه إذ عدم بيان ما هو دخيل في تحصيل غرضه و اطاعته لا ينقص عن سكوته عن اصل التكاليف فمع عدم وصول بيانه الينا يجزم بعدمه إذ لو كان مثل ذلك لبان فيحكم بعدم دخله و لكنا لما لم نعلم للمولى غرض من العبد بسيط حتى يحكم العقل بوجوب تحصيله عليه بل احتملنا ان يكون تمام غرضه في العبادات مجرد الطاعة و اتيان الفعل بداعي الأمر نستريح من الاشتغال من هذه الجهة لأنه مبني على ان نعلم ان له منا غرض غير متعلق امره حتى نقع من اجل حكم العقل بوجوب تحصيل غرضه في كلفة الاحتياط لكن نحتمل جداً ان لا يكون له غرض سوى الاطاعة و اتيان متعلق الأمر بداعي امره فان هذا المعنى معلوم الوجوب فيما كان من العبادات و الشك في وجوب ازيد من و الأصل البراءة منه.

و دعوى ان حصول الامتثال و سقوط الأمر عقلًا مبني على اتيان متعلقه على وجه مسقط لغرضه فمع احتمال ان يكون له غرض من وجب الاتيان به على وجه يسقط به لو كان فمدفوعه بأنه لا يحتاج إلى سقوط الأمر إلى ازيد من اتيان متعلقه إذ لو بقي مع حصول متعلقه لزم تحصيل الحاصل، نعم لو فرض عدم حصول الغرض من الأمر للعلم به يحدث امراً آخراً لوجود مناطه و مع الشك فالأصل عدمه. فتلخص ان اقتضاء القاعدة الاحتياط باتيان كل ما يحتمل دخله في الامتثال مبني على احد امرين و كلاهما ممنوعان و حينئذ فلم يبق ما يقتضي عدم القناعة بالاحتياط بالتكرار بعد وضوح صدق الاطاعة سوى الاجماعات المنقولة و السيرة المدفوعان و لم يثبت شي‌ء منهما فالتحقيق جواز الاحتياط بالتكرار ما دام بصدق الاطاعة.

المسألة الخامسة: في مسألة جواز الاحتياط يلزم ان يكون مجتهداً او مقلداً لأن المسألة خلافية.

لعل غرضته من التعليل ان هذه المسألة ليست من الضروريات او اليقينيات حتى لا يحتاج إلى الاجتهاد و التقليد، و لو قيد ذلك بما إذا احتمل عدم جوازه كان اولى لأن المدرك في استراحة نفس العامي حصول المؤمن له عقلًا فإذا احتمل عدم جوازه لا يحصل له المؤمن و مع عدم احتماله كان له مؤمن فيكون هو المناط دون وجود الخلاف في الواقع، و بهذا يظهر لك الوجه في المسألة السادسة حيث ان اليقينيات التي حكم فيها بعدم وجوب الاجتهاد و التقليد فيها ليس خصوص الاجماعيات بل كل ما لم يحتمل العبد فيه الوقوع في خلاف الواقع.

المسألة السادسة: في الضروريات لا حاجة إلى التقليد

كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما و كذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين و في غيرهما يجب التقليد ان لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط و ان امكن تخير بينه و بين التقليد.

حاصله ان وجوب التقليد عيناً يتوقف على وجود شرطين:

احدهما: عدم كونه مجتهداً.

و ثانيهما: عدم امكان الاحتياط فمع انتفاء الاول يتعين عليه الاجتهاد و مع انتفاء الثاني تخير بين الاجتهاد و الاحتياط، و بالجملة فصور المسألة اربع لأنها اما يمكن الاحتياط فيها اولًا و على كل تقدير اما ان يكون مجتهداً ام لا فمع عدم اشكال الاحتياط يتعين عليه الاجتهاد ان كان مجتهداً و التقليد ان كان عامياً و مع امكان الاحتياط تخير المجتهد بينه و بين الاجتهاد و المقلد بينه و بين التقليد.

المسألة السابعة: عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل.

ينبغي تقيده بالعبادات (قد وجهنا كلامه" قدس سره" في مجلس الدرس بأن مراده ان عمل العامي إذا خالف الواقع و كان بلا تقليد و لا اجتهاد فهو باطل قطعاً لأنه لم يتمثل الأمر الواقعي و لا الظاهري و ليس غرض المصنف" قدس سره" انه باطل حتى في صورة الموافقة للواقع، نعم لو خالف الواقع و كان عن تقليد او اجتهاد يمكن القول بعدم البطلان بدعوى اجزاء الأمر الظاهري من الواقعي) إذ المعاملات لا وجه لفسادها إذا اتفق مطابقتها للواقع و ان لم يجز له العمل ما لم ينكشف المطابقة كما مر في المسألة الاولى و منه ظهر الاحتياج إلى تقيد آخر في العبادات و هو عدم تمشي قصد القربة فيها و الا فلا وجه لفسادها ضرورة انه إذا انكشف مطابقتها للواقع و حصلت القربة فقد اتى بما هو متعلق لآمره الواقعي و الأجزاء فيه قهري لما مر من عدم تعقل بقاء الأمر مع الاتيان بمتعلقه و المفروض تحقق شرائط امتثاله الا ان يدعى اعتبار وقوعه عن اجتهاد او تقليد و هو ممنوع و لذا صححنا عمل تارك الطريقين العامل بالاحتياط كما مر.

المسألة الثامنة: التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين

و ان لم يعمل بعد بل و لو لم يأخذ فتواه فإذا اخذ رسالته و التزم بالعمل بما فيها كفى في تحقق التقليد.

لا يخفى ان ان التقليد عبارة عن جعل تبعات العمل بعهدة الغير فلذا يعتبر ان يقع عن تعبد بقول الغير فيكون الغير مقلد (بالفتح) و العامل مقلد (بالكسر) لا جعل طاعة الغير في رقبته و عهدته و الا كان الغير مقلد (بالكسر) و الجاعل متقلداً و إلى ما ذكرنا يرجع تفسيره بالأخذ بقول الغير تعبداً به من غير دليل يعني الأخذ العملي فإلغاء اعتبار العمل لا وجه له نعم يمكن ان يقال لا يكفي مجرد العمل بل يعتبر ان يكون العمل مستنداً إلى قول الغير و فتواه و لعل هذا هو المراد بالالتزام و الا فلا يعتبر فيه الالتزام بمعنى ازيد مما ذكرناه و لا اعتبار التعين كما هو ظاهر العبارة فلا دليل عليه في غير المقدار الذي يتوقف عليه العمل، فتلخص ان المعتبر في التقليد هو العمل دون الالتزام الا ان يراد منه الاستناد إلى الغير.

ثمّ ان بيان معنى التقليد في الرسائل العملية المعدة لبيان الفروع المتعلقة بعمل المقلد انما هو لتشخيص ما يترتب عليه من الأحكام كوجوبه عليه ابتداءً و عدم جواز العدول ممن قلَّده في حياته و جواز البقاء عليه بعد موته او عدم جوازه و حرمة التقليد الابتدائي للميت، و على هذا فنقول لا ينبغي الأشكال في ان الواجب على العامي ابتداء ليس الا الاستناد إلى الغير في العمل و لا يعتبر ازيد من اعتماده على المجتهد في العمل الذي يعمله على اشكال في وجوب عنوان الاعتماد، و أما الالتزام بذلك ايضاً في اعماله المستقبلة فهو داخل في وجوب العزم على الطاعة في التكاليف الآلهية و لا ربط بمسألة وجوب التقليد لما عرفت من عدم مدخليته في تحقق موضوعه فهو غير واجب عليه كما ان جواز العدول من مجتهد إلى آخر

او البقاء و عدمه بالنسبة إلى من مات غير محتاج إلى تحقق عمل منه بل و لا إلى الالتزام بالعمل ايضاً الا في موارد التخير إذ بمجرد تعين العمل عليه على فتوى المجتهد الذي تعين عليه العمل بفتواه يتحقق حجية فتواه بالنسبة اليه و يكون ما افتى به حكمه عمل به ام لا التزام بالعمل عليه ام لا فمن يستصحب الحجية او الحكم الفرعي يتحقق عنده موضوعه، و بالجملة يتبع ذلك دليل المجوز و المانع من غير مدخلية لتحقق عنوان التقليد، نعم في مسألة عدم جواز تقليد الميت ابتداء ينفع ذلك مثلًا لو قلنا بأن مجرد الالتزام تقليد ليس البقاء بعد موته تقليداً ابتدائياً له و لو قلنا يعتبر فيه العمل كان ذلك له تقليداً ابتدائياً فيحرم الا ان يمنع عن حرمة مثل هذا التقليد الابتدائي الذي كان تكليفه الرجوع اليه و لم يرجع حتى مات و كيف كان فاعتبار العمل في تحقق التقليد اقوى، و دعوى انه يوجب الدور حينئذ (ينبغي ان يقرر الدور في خصوص العبادات، بهذا النحو و هو ان العمل العبادي موقوف على العلم بمشروعيته للعامي و العلم بمشروعيته له موقوف على تقليده للغير إذ مع عدم تقليده للغير لا يعلم بمشروعيته له فلو كان التقليد موقوف على العمل لزم توقف الشي‌ء على ما يتوقف عليه، و جوابه ان العلم بالمشروعية له لا يتوقف على التقليد و انما يتوقف على البناء بأن قول الغير حجة له نظير العمل بقول الامام" عليه السلام" فإن العمل به موقوف على البناء بأنه حجة عليه إذ العلم بأنه حجة عليه من شهره او بينة او خبرة بالأعلمية و العدلية او المساواة و البناء ليس التقليد عند الخصم و انما التقليد عنده هو العمل المستند للغير، و بعبارة اوضح ان التقليد يحتاج إلى البناء على حجية قول الغير و لعل هذا البناء المسمى بالالتزام بقول الغير و ادلة صاحب الفصول لا تثبت ازيد من لزوم هذا البناء قبل العمل المستند اليه اما ان التقليد هو خصوص هذا البناء او العمل فلا تثبت ذلك و هذا بنظر ان تثبت ان البيع او التعظيم يحتاج إلى القصد و البناء قبل العمل لأن العمل لا يصدق عليه تعظيم او بيع معاطاة الا إذا استند إلى هذا القصد و البناء) لتوقف التقليد موضوعاً على العمل و توقف العمل الصحيح على التقليد، مدفوعة بالمنع من توقف صحة العمل على التقليد السابق بل المعتبر وقوعه مستنداً إلى فتوى الغير و لو بانَ يتحقق بنفسه التقليد فيشبه الدور المعني الذي لا فساد فيه لعدم استلزامه تقدم الشي‌ء على نفسه.

المسألة التاسعة: الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت و لا يجوز تقليد الميت ابتداء.

الاولى الاستدلال لهذه المسألة ان التقليد موقوف على احراز الرأي للمجتهد و عند موته لا يحرز رأيه و استصحاب بقاء رأيه لا يجري لأن العرف لا يرى الموضوع باقياً و المعترف الاستصحاب بقاء الموضوع عرفاً لا عقلًا في التقليد ابتداء لا يجوز، نعم بقاء يجوز لان العامي بعد تقليده يحرز ان حكم الواقعة هو ذلك فيستصحب بقاء حكم الواقعة بالنسبة لنفسه، لا يخفى ان مقتضى الأصل عدم جواز تقليد الميت اما:

اولًا: لأنه مقتضى حرمة العمل بما وراء العلم عموماً.

او ثانياً: لأنه مقتضى حرمة التقليد المستفاد من الكتاب خصوصاً.

او ثالثاً: لأنه مقتضى الاشتغال بالواقعيات فانه يقتضى الخروج منها علماً و التقليد لا يفيد غير الظن فاصالة الاشتغال و استصحابه يقتضيان تقليد الحي.

او رابعاً: لأنه مقتضى الشك في حجية الطريق إذا دار الامر فيه بين التعين و التخير و ان كان مرجع بعض هذه الوجوه إلى بعض او لا مجال له مع تسليم الاصل بالتقرير الاول

كمل قرر في محله، و على أي حال فلا اشكال في ان مقتضى الاصل الاولى عقلًا بل و نقلًا كتاباً و سنة عدم جواز العمل بقول الغير تعبداً به ما لم يفد القطع بالواقع الا انه خرجنا عن هذا الاصل بالسيرة القاطعة المستمرة من اوائل الاسلام إلى اواخره فهل ترى المراجعين إلى رواة الائمة و محدثيهم مع اختلاف طبقاتهم و ألسنتهم خصوصاً في الازمنة المتأخرة عن الصادقين يتلقون منهم خصوص الالفاظ الصادرة من الائمة" عليهم السلام" او يقتصر ترجمتها بغير المعارف حاشا ثمّ حاشا حيث ان اقتصارهم على ذلك يوجب لهم العسر و الاختلال و يؤيده و يؤكده بل يمكن ان يجعل دليلًا مستقلًا ارجاع الائمة" عليهم السلام" شيعتهم إلى آحاد الرواة بحيث يفهم منه عدم الفرق بين الفتوى و الرواية بل طلاق المنع عن الفتوى بغير العلم الدال على جواز الفتوى معه بل في سد باب التقليد عسر و حرج مخل بالنظام و من ينكر فانما ينكر باللسان و قلبه مطمئن بالايمان بل في اطلاق ادلة حجية خبر الواحد كفاية لان المفتى ينقل مقتضيات الاصول و القواعد المقررة في الشريعة فيقرب إلى نقل مضمون الرواية القريب من نقل معناها، و بعبارة اخرى لنقل الرواية مراتب احدها نقل الالفاظ المسموعة ثمّ نقلها بترجمتها و ذكر مرادفها في العربي او غيره ثمّ نقل المتحصل منها من دون زيادة و نقيصة المسمى عندهم احياناً بنقل المضمون ثمّ نقل المتحصل منها بعد ضم بعضها إلى بعض و ترجيح النص على الظاهر، او مقتضى تساقطها من الاخذ بمقتضيات الاصول من التخيّر و البراءة و الاحتياط و الاستصحاب فكان المستفتي يساْل المفتي عن مقتضيات القوانين المجعولة في الشريعة و يخبره المفتي بذلك و دعوى انصراف الادلة عن الاخبار الحدسية لو سلمناها فانما هو بالنسبة إلى غير الحدسيات القريبة من الحس او المنتهية إلى العلم أ ترى احد يستشكل في الجرح و التعديل و بالجملة دعوى شمول ادلة حجية الأخبار للاخبار العلمية قريبة لا يقال كيف يكون اخبار المفتي علمياً مع ابتنائه على ظنون اجتهادية بل و نظريات خفية لانا قول ان التجربة ايضاً ليس الا ما تقتضيه القوانين في مقام تحصيل البراءة و هو يعم متعلقات الظن و الحدس ان قلت ظن المجتهد انما يكون مبرئ له و منتهياً إلى العلم بالنسبة اليه دون غيره، قلت كلا انه كذلك بالنسبة اليه و من يقلده فإذا اراد ان يخبر احداً بوظيفته و وظيفة مقلده يخبره بمؤدى ظنه و اخباره هذا اخبار علمي مستند إلى مبادئ قطعية و الحاصل مقتضى عموم حجية الخبر شمولها للاخبار العلمية و سيأتي لذلك تتمة إن شاء اللّه ثمّ ان النزاع في هذه المسألة راجع إلى ان مقتضى الادلة المخرجة عن الاصل هل هو عموم الحجية من غير اشتراط الحياة او يختص بالمجتهد الحي مطلقاً او التفصيل بين الابتدائي و الاستمراري ثمّ على تقدير الاطلاق هل هناك اجماع يوجب رفع اليد عن تلك الاطلاقات ام لا فالمانع عليه اثبات احد امرين اما منع اطلاق يقتضي جواز تقليد الميت او دعوى اجماع على المنع يقطع الاطلاق لو كان و الغالب فيما بينهم الجري على الوجه الاول فيمنعون من اطلاق كتابي او سني يقتضي التقليد فضلًا عن اطلاقه للحي و الميت و كل ما ينقل من الاطلاقات يحملونها على الرواية او يمنعون اطلاقها للحي و الميت و قد عرفت منا ان اطلاقات حجية اخبار الآحاد غير قاصرة الشمول و مقتضاها العموم للحي و الميت ابتداء و استمراراً الا ان يقوم دليل خاص يقطعها، نعم السيرة التي ادعيناها قاصرة عن بيان حكم الميت، نعم يمكن ان يقال انه لا بعد ان اخذ الحكم من الحي و قام الدليل على حجية فتواه عليه كان ممن يعلم بالوظيفة فلا دليل على جواز رجوعه إلى غيره كما يقال مثل ذلك في العدول من الحي إلى الحي فيثبت المطلوب بمقدمتين تضم احداهما إلى الاخرى: احداهما: حجية قول الحي بالنسبة اليه، و الثانية: عدم جواز رجوع من

مكان له حجة على غيره و كلتا المقدمتين ثابتة بل واضحة، اللهم الا ان يمنع من حجية قوله حتى بعد موته حيث ان من المحتمل ان يكون حجيته مقصورة بزمان حياته و هذا الاحتمال بظاهره و ان كان مما لا يسمع و لذا لا يحتمله احد في نقل الروايات و الشهادات و سائر الحكايات، الا انه يمكن توجيهه بأن الحجة في الفتوى متقومة بالظن و الرأي و هما متقومان بالحياة فبعد الموت تزول الحجية بزوال موضوعها فلا يقاس بسائر الحكايات التي لا تقوم بالظن و الرأي، و للفرق الواضح بين الرواية و الفتوى الراجع إلى نقل ما يقتضيه نظره في المسألة بعد ضم جهاتها بعضها إلى بعض و من الواضح ان ذلك قائم برأيه و نظره بل ما يحكيه المفتي ليس الا الحكم الظاهري و تقومه بالظن من الامور الواضحة و لذا يقع وسطاً في القضية التي ستنتج منها العمل فيقال هذا ما ادى اليه ظني ... الخ، و أما زوال الرأي بالموت فلعله مما لا ينبغي الاشكال فيه، و لكن يدفعه امكان المنع عن كلتا المقدمتين حيث ان المفتى به هو ما يقتضيه القواعد المقررة و رأي المجتهد و ظنه ليس الا طريقاً لاستفادة ذلك و ان كان موضوعاً في مقام التعويل و الاستناد فان المجتهد يخبر بان مقتضى القوانين الشرعية لي و لك ايها العامي ذلك فان كان هنا جزء دال على المسألة فواضح فان حجية الاخبار غير مختص بالمجتهد فهو يخبره عن مفاد الحجة له و ان كان هناك تعارض و ترجيح فكذلك و ان لم يكن هناك رواية او كان و كانت لها معارض بلا ترجيح فالوظيفة بمقتضى اخبار التخيّر، و هذا ايضاً غير مختص بالمجتهد و ان كان المقام مقام الرجوع إلى الاصول فيخبره المجتهد ان وظيفته هنا الاصل و مفاد الاصل كذا و ما عرفنا موضوعية لظن المجتهد في مقام رجوع المقلد اليه، نعم هو يشكِّل و يستريح إلى فهمه و المقلد يستريح إلى الواقع الذي اخبره كما ان الراوي يستريح إلى الرواية بمقتضى ما يسمعه و المروي اليه يستريح اليها بمقتضى ما روي اليه و ليس لشي‌ء من الرواية و السماع موضوعيّة في مقام الوظائف المجعولة، نعم لكل دليل و حجية في مقام الدليلية و الحجية موضوعية، فدعوى قصر الحجية بزمان الحياة لا وجه له بعد عدم مدخلية الرأي و النظر الا كمدخلية الرؤية و السماع من حيث ان المناط بالمرئي و المسموع و من ذلك تعرف انه لا مانع من استصحاب الحجية و جواز الرجوع و ما يرجع اليهما من الاستصحابات فضلًا عن استصحاب الحكم الشرعي الفرعي من جواز شرب عصير العنب و طهارة الغسالة مثلًا، و دعوى عدم ثبوت التكليف الشرعي فبموارد الفتوى كسائر الطرق و الحجج، مدفوعة بما مررناه في محله من عدم المقتضى لرفع اليد عن ظواهر الادلة في ثبوت التكليف في مواردها سلمنا ان للظن مدخلية لكنا نمنع الا المدخلية حدوثاً فزواله بالموت لا يوجب زوال حجيته كما يؤيده بقاء الحجية و جواز العمل و لو بعد زواله في حال حياته بالغفلة بل و زواله من رأس ما لم ينتهِ إلى وقوف او رجوع عن دليل و حينئذ فلا مانع من استصحاب حجيته و جواز الرجوع اليه بل يمكن المنع عن زوال رأيه غاية الامر ان يصير مظنونه معلوماً و حدسه حساً فتأمل، و أما دعوى الاجماع على عدم الجواز حتى استمراراً، فممنوعة و اطلاق معاقد الاجماعات غالبها منصرفة عنه مضافاً إلى ما في التمسك بالاجماع في محل الخلاف و لذا كان الاقوى ما في المتن من جواز البقاء.

المسألة العاشرة: إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العود إلى الميت.

لأنه يكون من قبيل التقليد الابتدائي الممنوع بالاجماع و ان كان مقتضى بعض ما نقلناه في الحاشية السابقة الجواز اما كونه من قبيل التقليد الابتدائي فواضح إذ بالعدول عنه خرج عن

كونه مقلداً له فيكون العدول حدوث تقليد له اياه و هذا في الجملة مما لا ينبغي الاشكال فيه إذ لا اقل من كونه خارجاً عن منصرف ادلة التقليد فلا يحتاج إلى الاستدلال بأن ما زال وعاء كأن لم يكن لا كأن لم يزل و اشباهه، و انما الاشكال في انه يكفي في العدول العزم عليه و الالتزام بالعمل بفتوى غيره او لا يتحقق الا بالعمل بفتوى الآخر و لا يكفي مجرد الالتزام مقتضى ما اختاره المصنف في كون التقليد عبارة عن مجرد الالتزام بالعمل هو الاول و مقتضى ما ذكرنا هو الثاني، الا ان الاقوى الاول بمعنى لا يجوز العود إلى الميت بعد التزامه بتقليد الحي و لو جعلنا التقليد عبارة عن العمل و ذلك بأن يموت المجتهد يكون حال المقلد حاله في اول عمله من حيث انه اما ان يجتهد في البقاء و العدول و أما ان يرجع إلى اعلم الاحياء لانه القدر المتيقن له فعلى الاول فان اجتهد و بنى على البقاء فلا كلام و ان بنى على العدول يسقط حجية قول الميت له فيكون العدول اليه تقليداً ابتدائياً له و ان رجع إلى الغير و افتى بالبقاء فلا كلام ايضاً و ان افتى بالعدول سقطت حجية قوله ايضاً فيكون ممن لا تقليد له فبكون رجوعه اليه تقليداً ابتدائياً له، و بالجملة التقليد و ان كان عبارة عن العمل الا ان بطلانه غير محتاج إلى العمل بفتوى الغير و يكفي في صدق التقليد الابتدائي في بطلان التقليد الاول، نعم ان قامت عنده حجة على فساد عدوله و ان حجية فتوى الميت واقعاً محفوظة كما إذا قلد مجتهداً فمات فقلد آخر لفتواه بالعدول فمات و رجع إلى ثالث فافتى بوجوب البقاء يمكن ان يقال عليه العدول إلى فتاوى المجتهد الاول إذا ظهر له ان حجية القول الاول بالنسبة اليه لم يسقط كما سيجي‌ء إن شاء اللّه فيما نعلقه على المسألة الواحدة و الستين و لذا قيدنا قوله (لا يجوز له العود) بما إذا كان المعدود اليه حيّاً و أما مع موته فسيأتي حكمه و لك ان تستدل لما في المتن بمجرد الشك في حجية قول المعدول عنه بعد العدول عنه فان مقتضاه مع عدم اطلاق في ادلة التقليد عدم جواز العود كما سيأتي في المسألة الآتية.

المسألة الحادية عشر: لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي الا إذا كان الثاني اعلم.

مع تساوي المعدول اليه و المعدول عنه فان حكم المقلد في ابتداء امره و ان كان هو التخير بينهما فجاز له الرجوع إلى أي منهما اراد الا ان بعد اختياره احدهما و الرجوع اليه صار المكلف ممن لهو طريق و حجة و خرج عن التحيّر و بذلك يسقط فتوى الغير عن الحجية بالنسبة اليه لان الاصل حرمة العمل بغير العلم فينقطع استصحاب التخير ايضاً لان التخير العقلي بحكم العقل انما يثبت للمتخير و قد زال تحيره باختياره احدهما و ليس للتخير دليل لفظي حتى يرجع إلى اطلاقه و لو كان لم يكن له اطلاق مسوّق لذلك، نعم بناء على ما ذكرنا من عدم تحقق التقليد الا بالعمل لا يتحقق الاختيار الا بالنسبة إلى الفتوى الذي عمل على طبقه و أما في غيره فهو باقي على اختياره الا بناء على جعل مجرد الالتزام بالعمل تقليداً بناء على ان بمجرد ذلك يثبت له الحجية بالنسبة إلى من اختاره، و لك ان تستند هنا إلى مجرد الشك ايضاً و عدم الاطلاق و تجعل ما ذكرناه منشأ للشك هذا كله مع تساوي المعدول اليه مع المعدول عنه و أما مع اعلمية المعدول اليه فيجب العدول اليه بناء على وجوب تقليد الاعلم على ما يأتي إن شاء اللّه.

المسألة الثانية عشر: يجب تقليد الاعلم مع الامكان على الاحوط و يجب الفحص عنه.

لا اشكال في ان النزاع في هذه المسألة فيما تقتضيه الادلة الشرعية فلا ينتفع به المقلد الا بعد رجوعه إلى المجتهد الذي استنبط الحكم و رجع إلى تلك الادلة و أما حكم المقلد ابتداء قبل ان يكون تكليفه الرجوع إلى المجتهد فينحصر اما في الاجتهاد و استقلال

عقله بشي‌ء من تعين الرجوع إلى الاعلم او النخير و اما في الاخذ بالقدر المتيقن الذي يكون مبرئ له يقيناً و ليس هو الا الاعلم، و بالجملة تكليف المقلد ابتداء ليس الا الاخذ بالحائطة الا ان يستغل عقله بكفاية غيره فإذا رجع إلى الاعلم الافقه الذي فرضناه المتيقن رجع الاعلم إلى مقتضيات الادلة فان استفاد التخير افتى له بذلك و الا تعين عليه الاستدامة على تقليد الاعلم و حينئذ فامكن لنا ان نقول تكليف المقلد الرجوع إلى الأعلم عقلًا من غير خلاف فإن افتى الأعلم بجواز الرجوع إلى غيره فهو و الا بقي على فتوى ذلك الاعلم، و كيف كان فقد عرفت ان مقتضى الاصل الاولى عدم حجية قول الغير ان لم يفد العلم و هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه و انما الاشكال في ان ما دل على جواز الرجوع إلى الغير هل له اطلاق شامل له حتى لو كان فتواه مخالفاً لفتوى الاعلم منه ام لا و على تقدير عدم الاطلاق هل يكون مقتضى بعض الادلة العقل و النقل عدم وجوب الاقتصار على فتوى الاعلم و جوز لرجوع إلى غيره من قبيل دليل العسر و الحرج ام لا، قلنا مقامان من الكلام بعد الفراغ عن تأسيس الاصل الاولى:

المقام الاول: في بيان اطلاق يصح الاتّكال عليه في ذلك ظاهر كلام جل الاكابر ممن تأخر عدمه بل عدم اطلاق يتكفل حال التقليد فضلًا من ان يكون له اطلاق يشمل صورة الاختلاف و المعارضة لكن الانصاف وجود اطلاق يقتضي جواز الرجوع إلى المفضول في فصل الخصومات نظير قوله في خبر ابي خديجة و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فان ظهوره في كفاية معرفة المرجوع اليه شيئاً من قضاياهم و عدم اعتبار ازيد من ذلك و ان ما ذكر اقل ما يعتبر في المرجوع اليه واضح غير قابل الإنكار و في خبره الآخر اجعلوا بينكم رجلًا من عرف حلالنا و حرامنا فأني قد جعلته حاكماً و في مقبولة ابن حنظلة انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا إلى ان قال السائل فان كان كل رجل اختار رجلًا من اصحابنا و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم فقال الحكم ما حكم به اعدلهما و أفقههما و اصدقهما في الحديث و في خبر داود بن الحصين في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم إلى قوله و اختلف العدلان بينهما عن قول ايهما ممعن فقال ينظر إلى افقههما و اعلمهما باحاديثنا و اورعهما و مثلها غيرها فإنها حتى الأخيرة المبينة لحكم المعارضة ناطقة بتقرير الرجوع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم و ان الرجوع اليه لم يكن امراً ممنوعاً، لا يقال مفاد امر الترجيح الردع عن الرجوع إلى غير الاعلم إذ أي ردع اعظم من قوله في جملة منها فينفذ حكمه (يعني الأعلم) و لا يلتف إلى ما حكم به الآخر، لأنا نقول هذا محمول على الطرح في مقام المعارضة مع الحجية الطبعية و لذا ضم في بعضها إلى الأعلمية الاورعية و جعل الترجيح بالأعلمية في سياق الترجيح بموافقة العامة و غيرها مما لا شك في اعتبارها في مقام الترجيح دون اصل الحجية، و بالجملة مقتضى هذه الجملة حجية حكم غير الأعلم و فتواه الا إذا عارضه حكم الأعلم فلا ينتقل اليه و يقدم الأعلم، ان قلت سلمنا لكن هذه الروايات كلها واردة في مقام الحكومة و لا ربط لها في مسألة الفتوى و غيرها واردة في مقام قبول الرواية و لا يستفاد من شي‌ء منها حكم الرجوع في الفتوى، قلت:

اولًا: المنازعة في الدين او الميراث الواردة في المقبولة لا يختص بالنازعة في خصوص الشبهات الموضوعية بل يشمل المنازعة من جهة الشبهة الحكمية فيكون الأمر بالرجوع إلى رجل من اصحابنا الرجوع اليه في الفتوى.

و ثانياً: المراجعة في الحكم يلازم الرجوع في الفتوى لأنه يحكم عن فتواه بما استنبطه في باب الدعاوي بل و عن فتواه في حكم المسألة فيحكم بنفوذ بيع العصير المغلي تارة و المائع الملاقي لبعض الأطراف الأخرى و الأمر بنفوذ حكمه ذلك تنفيذ لفتواه و تقرير لأن ما استنبطه من العدل و القسط و ما اثر لي اليه فما المانع من الأخذ به، نعم مقتضى الطائفة الأخيرة سقوط حكم غير الأعلم عند المعارضة بل نفس الأدلة ايضاً لا اطلاق لها لصورة المعارضة كما في ادلة سائر الطرق و الأمارات ففي حكم المعارضة اما يرجع إلى حكم العقل من الأخذ بالقدر المتيقن او ما يستفاد من هذه الأخبار من طرح حكم غير الأعلم و الأخذ بالأعلم و كلاهما واحد، و دعوى ان الأخبار المزبورة واردة في مقام الحكومة فلا يعم ما نحن فيه.

مر ما قد عرفت الجواب عنها من انها مطلقة شاملة لصورة المعارضة في الشبهة الحكمية التي يرجع فيها اليهم لأخذ الفتوى و ان الرجوع في لحكومة يلازم الرجوع في الفتوى و لذا بعد فرض تساويهما امر الامام" عليه السلام" بترجيح مدرك حكمهما، نعم المعارضة في الحكم يبتنى على الرجوع و المحاكمة و صدور الحكم و في الفتوى يحصل بنفس اختلافهما في الفتوى و ان لم يرجع اليهما او إلى احدهما و لذا قيدنا وجوب تقليد الأعلم بما إذا خالف غيره في الفتوى بل مجرد المخالفة في الفتوى ايضاً ما لم يكن فيما هو محل ابتلاء المقلد لا يضر في حجية فتوى غير الأعلم هذا كله الكلام في المقام الاول. و أما المقام الثاني و هو وجود ما يقتضي الرجوع إلى غير الأعلم ايضاً و لو مع عدم الاطلاق كأدلة العسر و الحرج و الاختلال و اشباهها فليس الكلام فيه بمهم فالانصاف ان مع الاطلاق لا دليل على حجية فتوى غير الأعلم و مع الاطلاق يسقط فتواه مع المعارضة فيما هو محل الابتلاء، و من هنا ظهر ان وجود الأعلم المخالف من قبيل المانع عن اعتبار فتوى غير الأعلم لا ان الأعلمية شرط حجيته.

المسألة الثالثة عشر: إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما الا إذا كان احدهما اورع فيختار الاورع.

اما بناء على ما اسسناه في محله خلافاً لشيخنا الأكبر و لجل الأساتذة من ان الأصل في تعارض الطريقين التخير فواضح إذ لا يخلو امر الفتوى من كون حجيته من باب السببية او الطريقية و مقتضى الأصل في كل منهما التخير عند التعارض، و أما بناء على ما عليه شيخنا الأكبر من كون الأصل في تعارض الطريقين التساقط فيشكل الأمر فيما نحن فيه بناء على كون حجيتها من باب الطريقية فان مقتضى تساقطهما رجوع المقلد إلى الاحتياط في المسألة و الأخذ باحوط القولين لو كان و الا فالاحتياط بالتكرار لأن سقوط الطريقين انما هو في خصوص ما يتعارضان و أما فيما يجتمعان فلا تعارض بينهما و حينئذ فوجوديهما و لو متعارضين رافع للاحتياط الكلي و هذا ثمرة وجود الخبرين في البين، و كيف كان ففتواهم بالتخير هنا مع بنائهم على ان الأصل في تعارض الطريقين التساقط يكشف عن ان المناط في حجية الفتوى ليس مجرد الطريقية بل هو مبني على نحو من الموضوعية و هو ينافي بعض ما مر منّا بل و ما ربما يستندون اليه في باب التقليد من ان حجية من باب الرجوع إلى اهل الخبرة او شبه الانسداد بالنسبة إلى المقلد الا ان يكون فتواهم بالتخير هنا من باب الإجماع على عدم وجوب الاحتياط على المقلد في موارد الشبهات الحكمية فان مع هذا الإجماع يتعين عليه الأخذ بأحد القولين إذ لا طريق له غيرهما.

المسألة الرابعة عشر: إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم و ان امكن الاحتياط.

إذ مع عدم الفتوى له كان وجوده في تلك المسألة كعدمه بل يكون فيها اعلم لأنه يدري و ذاك لا يدري، الا ان يقال ان التوقف لا ينافي الاعلمية لو لم يؤكدها و كيف كان فبناء على ما ذكرنا من ان الفتوى المعارض من الأعلم من قبيل المانع عن حجيته فتوى غير الأعلم لم يكن لفتواه مع عدم الفتوى من الأعلم مانع بخلاف ما لو جعلنا الأعلمية شرطاً فان مقتضاه عدم حجية فتواه و لو مع توقف الأعلم في المسألة.

المسألة الخامسة عشر: إذا قلد مجتهداً كان يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده

في هذه المسألة بل يجب الرجوع إلى الحي الأعلم في جواز البقاء و عدمه.

اما بناء على ما اخترناه من اعتبار العمل في التقليد فواضح لأنه تقليد ابتدائي له إذا لم يقلده في هذه المسألة حتى يعد بقاء بل و لم يدخل أي البقاء فيما ابتلى به من المسائل في زمان حياته حتى يتحقق فبمورده حكم فرعي او يصير حجته فعلية فيستصحب و لو لم يصدق عليه البقاء حسبما مر منا من عدم ابتناء الجواز على صدق البقاء على التقليد و أما بناء على ما ذكره المصنف من كونه مجرد الالتزام و لو لم يعمل بل و لو لم يبتلِ به المقلد فلأنه و ان كان يصدق عليه البقاء على التقليد الا ان التقليد في هذه المسألة غير جائز بل يجب عليه ان يجتهد فبمسألة البقاء على التقليد و يستقل به عقله و الا فتقليده في ذلك بتقليده دوري و بعبارة اخرى حال المقلد بعد موت مجتهده كحاله قبل التقليد فانه يجب عليه الاخذ بالمتيقن الا ان يستقل عقله بغيره و المتيقن هو الحي الاعلم فيجب الرجوع اليه.

المسألة السادسة عشر: عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل

و ان كان مطابقاً (1)للواقع و أما الجاهل القاصر او المقصر الذي كان غافلًا حين العمل و حصل منه قصد القربة فان كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلده بعد ذلك كان صحيحاً (2)و الاحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.

المقلد العامل بلا تقليد و لا اجتهاد اما ان يكون ملتفتاً حين عمله إلى انه جرى على غير تكليفه و ان ما يأتي به لا يجوز الاجتراء به في مقام الامتثال، او يكون غافلًا عن ذلك و على كل تقدير اما ان يكون العمل من العبادات ام من المعاملات فان كان العمل عبادياً و كان ملتفتاً لم يصح و لو كان المأتي به مطابقاً للواقع بفتوى مجتهده بل و لو علم بالمطابقة للواقع لعدم تحقق شرط امتثاله و هو التقرب بل لا يعقل كونه مطابقاً للواقع مع فقدان شرط امتثاله فما اتى به غير واجد لشرط الامتثال و ان كان واجداً لسائر الأجزاء و الشرائط و في الصور الثلاثة الأخر يصح العمل ان وافق الواقع لأن المفروض تماميته بحسب الأجزاء و الشرائط المعتبرة في المأمور به و تحقق شرط


1) الظاهر هو الصحة في هذا الفرض.

2) العبرة في الصحة بمطابقة العمل للواقع، و الطريق اليها هو فتوى من يجب الرجوع اليه فعلًا.

الامتثال فيه ايضاً فلا وجه لعدم كفايته عبادياً كان او معاملياً لاتحاد مناط الأجزاء و لعل هذا الذي ذكرناه لا ينبغي الأشكال فيه و انما الأشكال في مقامين:

احدهما: في فساد عمل الجاهل الملتفت مستنداً لعدم حصول الامتثال و التقرب الظاهر في ان مع الالتفات لا يمكن تحقق التقرب منه مع ما فيه من الأشكال لعدم المانع من التقرب لاحتمال الموافقة مع الواقع فالعامل التارك للتقليد و الاجتهاد و الاحتياط لما يحتمل ان يكون ما يأتي به موافقاً للواقع يتمكن من ان يأتي به برجاء ذلك فكما ان الاتيان كذلك مع عدم التمكن تقرب احتمالي فليكن مع التمكن كذلك لعدم تأثير التمكن و عدمه في ذلك حساً، و الحاصل بعد ان الغي مدخلية الجزم بالأمر في تحقق الاطاعة و بنينا على ان الاتيان بداعي احتمال الأمر كاف لا وجه لقصر ذلك بغير المتمكن و لا مانع من تعميمه للمتمكن ايضاً و ان كان ليس له عقلًا الاكتفاء بهذا النحو من الاتيان لعدم حصول الأمن له و انما يأتمن به غير المتمكن لأنه غاية ما يمكنه من الاطاعة لكن ذلك لا دخل له في الصحة على تقدير المطابقة و ان لا يبقى عليه سوى وزر التجري بل لعل هذا هو منشأ ما نراه من جملة من العوام حيث يأتون بالعبادة فاقدة للشرائط التي يفتى بشرطيتها مجتهدهم و يتقربون بما يأتون فانه غير ممكن الا على الوجه الذي ذكرنا بان يأتوا بالعبادة باحتمال ان لا يكون الشرط المفقود شرطاً في الواقع و عليه فيكون عملهم مبرئاً عن الواقع على تقدير المطابقة و ان كان باقياً عليهم وزر التجرى، نعم يمكن ان يقال في الموارد التي كان مقتضى الأصول الشرعية كالمثال المذكور عدم الصحة و المطابقة ان تعبد الشرع بعدم كون المأتي موافقاً للمأمور به يمنع عن حصول الاطاعة إذ لا معنى للتقرب بما كان في حكم الشارع غير مراد له لكنه ان تم فإنما يتم للملتفت إلى هذا الأصل الجازم بصدوره عن الشرع و الا فان احتمل عدمه امكنه التقرب برجاء عدم صدور هذا الأصل من الشرع او عدم كون المورد من مصاديق الكلية الواردة عنه و أما لغير الشخص المزبور من العوام او العالم بمقتضيات الأصول مع عدم الجزم بكونها من الشرع و الجازم المحتمل عدم انطباقها على المورد فباب الاطاعة واسع إذ له ان يأتي بالعمل متقرباً فلو الغي المصنف" قدس سره" التفصيل بالالتفات و غيره و قيل: (ان تأتى من العامل قصد القربة صح ان طابق الواقع و الا فلا) كان احسن، ثمّ ان في المتن و ان لم يشر إلى الفرق بين المعاملات و العبادات الا انه يظهر منه ان المناط مع قطع النظر عن شرائط الامتثال ليس الا مطابقة الواقع و عليه فما لا يعتبر فيه تحقق الامتثال لا تناط صحته الا بذلك.

المقام الثاني: في ان المناط في موافقة الواقع الذي بنينا صحة العمل عليه هل هو فتوى المجتهد حين العمل يعني المجتهد الذي كان وظيفته الرجوع اليه حين العمل و المجتهد الذي رجع اليه حين الالتفات صريح المتن الثاني و مدرك الوجهين.

ان المناط بعد عدم الطريق العملي للواقعيات هل هي الواقعيات فيكون المخالف للطرق و الأمارات متجرياً محضاً إذا لم يخالف الواقع، او ان المناط خصوص مؤديات الأمارات و الأصول فعلى الثاني يراعى فتوى المجتهد الاول و على الاول يرعى الثاني، و يمكن ان يكتفي بكل منهما بناء على الأجزاء في الاوامر الظاهرية اما مع موافقته للاول فلما فرض من الأجزاء و كفاية الموافقة في صحة العمل (و تحقق التقليد) و أما مع موافقة الثاني فلأنه لا معنى لقضاء ما اتى به على نحو ما اتى به كماً و كيفاً، و لكن لما كان من المحتمل اعتبار الأخذ و الاستناد في تحقق الأمر الظاهري جداً كان الأحوط مراعاة الموافقة للفتوى الثاني لعدم محل

للأجزاء لأن محله العمل المأتي به على طبق الأمر الظاهري إذ لم يكن ما اثر به حينئذ موافقاً للأمر الظاهري لعدم الاستناد و الاعتماد.

المسألة السابعة عشر: المراد من الأعلم من يكون اعرف بالقواعد و المدارك للمسألة

و اكثر اطلاعاً لنظائرها و للاخبار و اجود فهماً للاخبار (و الحاصل) ان يكون اجود استنباطاً و المرجع في تعيينه اهل الخبرة و الاستنباط.

ليس لفظ الأعلم بمعناه العرفي مناطاً في المقام حيث ان ظاهره العرفي كون معلوماته اكثر و ليس هذا هو المناط بل لم يرد في الشرع الإناطة بعنوان الأعلم سوى قوله انتم اعلم الناس إذا فهمتم معاني كلا منا و قوله في خبر داود بن حصين ينظر إلى افقههما و اعلمهما باحاديثنا و ظاهرهما اعتبار الاعرفية بالقواعد و المدارك و الأجود به في فهم الأخبار و أما كثرة الاطلاع بالأشباه و النظائر فان اوجبت الزيادة فيما ذكرنا فهو و الا فلا دليل على دخله و لعل جعله دخيلًا من جهة لفظ الافقه المجعول في الخبر مرادفاً للأعلمية حيث ان ظاهر الأفقهية كثرة الاطلاع المسائل.

المسألة الثامنة عشر: الأحوط عدم تقليد المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل.

المسألة الثامنة عشر: الأحوط عدم تقليد المفضول حتى (1)في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل.

لعل منشأ هذا الاحتياط ما اعتبره في التقليد من الالتزام بالعمل فإذا التزم بالعمل على طبق فتوى المفضول فقد قلد غير الأعلم مع وجوده و اعتمد على غير الحجة و لا يكفي مجرد الموافقة مع فتوى الأعلم في الصحة بل لو جعلنا الأعلمية شرطاً في الحجية كان الاستناد إلى فتوى غير الأعلم مع وجود الأعلم تشريعاً محرماً لكن مقتضى ما ذكرنا من كون مخالفة الأعلم من قبيل المانع و ثبوت الحجية الطبيعية لفتوى غير الأعلم فلا مانع من الاستناد اليه مع عدم المخالفة و ان كان هناك اعلم منه بل على ما احتملناه من كفاية مجرد الموافقة في صحة العمل كان ذلك تقليداً لهما.

المسألة التاسعة عشر: لا يجوز تقليد غير المجتهد و ان كان من اهل العلم كما انه يجب على غير المجتهد التقليد و ان كان من اهل العلم.

لعدم الدليل على حجية رأيه و قوله و الاصل حرمة العمل بما وراء العلم عقلًا و نقلًا و كتاباً و سنة و اجماعاً على ما هو المقرر في محله و منه يظهر الحكم في الفرع الثاني و هو وجوب التقليد على غير المجتهد و ان كان عالماً عارفاً.

المسألة العشرون: يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني

كما إذا كان المقلد من اهل الخبرة و علم باجتهاد شخص و كذا يعرف بشهادة عدلين (2)من اهل الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من اهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم و كذا الاعلمية تعرف بالعلم او البينة الغير المعارضة او الشياع المفيد للعلم.

لا أرى خصوصية لكون من حصل له العلم من اهل الخبرة بعد كون المناط علمه باجتهاده من


1) لا بأس بتركه في هذا الفرض.

2) لا يبعد ثبوته بشهادة عدل واحد بل بشهادة ثقة ايضاً مع فقد المعارض، و كذا الأعلمية و العدالة.

اين ما حصل كما انه لا وجه لجعل العلم الحاصل من الشياع مقابلًا له فلو جعل العلم من طرق اثبات الاجتهاد من اين ما حصل كان اوفق، نعم جعل الشياع في هذا الباب حجة و لو لم يفد العلم مطلقاً او بشرط افادته الوثوق و الاطمئنان كما ربما يستظهر من عموم قوله إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم في رواية اسماعيل بن ابي عبد اللّه" عليه السلام" كان للمقابلة عنده وجهاً، كما ان حجية البينة في مقام اثبات الاجتهاد بل و غيره من الموضوعات ربما يعد من ضروريات الفقه و ان لم يقم عليه دليل لفظي و لا اجماع منقول في غير باب الدعاوي، نعم قد يدعى ثبوت حجيته بالاستقراء و فيه ايضاً كلام ذكرناه في محله، و التحقيق انه يمكن استظهار حجيته المطلقة من بعض موارد الاستدلالات الواقعة في الاخبار حيث يفهم منها ان كفايتها في مقام اثبات موردها من المسلمات مثلًا قوله و الاشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غيره او تقوم به البينة و ان لم يكن مشتملًا على عموم او تعليل يستفاد منه عموم الحجية في غير موارد الحل و الحرمة الا ان يستفاد من قوله او تقوم به البينة ان ثبوتها بالبينة كثبوتها بالاستبانة من باب انها من طرق اثبات المشتبهات و هكذا غيرها و على أي حال فالحجية مقصورة على مورد الخلو عن المعارضة فلو قامت بينة معارضة سقطت عن الحجية كما في كل حجة و طريق قامت على حجيتها الدليل فضلًا عما لم يقم على عمومها دليل كما فيما نحن فيه.

المسألة الواحدة و العشرون: إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم باعلمية احدهما و لا البينة فإن حصل الظن باعلمية احدهما تعين تقليده

(1)بل لو كان في احدهما احتمال الاعلمية يقدم كما إذا علم انهما اما متساويان او هذا المعين اعلم و لا يحتمل اعلمية الآخر فالاحوط تقديم من يحتمل اعلميته. ان علم ان احدهما اعلم لكن لم يعلم التعين فمع اختلافهما في الفتوى لا يبعد وجوب الاحتياط لعدم الدليل على حجية الظن في هذه المسألة كما سيجي‌ء إن شاء اللّه، نعم ان لم يعلم اعلمية احدهما و احتمل تساويهما لكن يظن الاعلمية في احدهما او يحتملها في احدهما دون الآخر بان يعلم انهما اما متساويان او هذا اعلم فهل يجب ترجيح مظنون الاعلمية بل و محتملها او لا يجب فيتخير وجوه ثالثها التفصيل بين مظنون الأعلمية فيقدم دون محتمل الأعلمية و التحقيق ابتناء المسألة على ما مر سابقاً من ان الأعلمية شرط لصحة المراجعة و الحجية او ان فتوى الأعلم مانع عن حجية قول غيره فعلًا فعلى الاول يتعين الأخذ بمحتمل الأعلمية فضلًا عن مظنونها لأن احتمال اعلمية احدهما لا يجري في الآخر يساوق احتمال عدم حجية قول الآخر فيكون قوله مشكوك الحجية و قول محتمل الأعلمية معلوم الحجية و من المعلوم ان مشكوك الحجية ساقط الحجية، اللهم الا ان يكون هناك اصل ينفي اعلميته كأن كان مسبوقاً بالمفضولية او التساوي فيستصحب ذلك فيه الا ان يقال استصحاب مفضولية الآخر او مساواته لا ينفع بعد ان كان المعتبر بالحجية الأعلمية، نعم لو كان مسبوقاً بالأعلمية كان الأصل نافعاً هذا بخلاف ما قد بنينا على ان فتوى الأعلم مانع يمنع


1) الظاهر انه عدم العلم بالمخالفة يتخيَّر في تقليد ايهما شاء، و مع العلم بها و لو اجمالًا يأخذ بأحوط القولين و لا اعتبار بالظن بالأعلمية فضلًا عن احتمالها هذا فيما اذا امكن الأخذ بأحوطهما، و الا وجب تقليد من يظن اعلميته او يختص باحتمال الأعلمية على الأظهر.

عن حجية فتوى غيره فإن استصحاب عدم صدور فتوى من الأعلم منه مخالفة لفتواه يجري بلا ارتياب بل ربما كان الاستصحاب عدم اعلميته ان كان مسبوقاً به وجه سالم عما اوردنا عليه آنفاً.

المسألة الثانية و العشرون: يشترط في المجتهد امور، البلوغ و العقل و الايمان و العدالة و الرجولية و الحرية

على قول و كونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزي و الحياة فلا يجوز تقليد الميت ابتداءً نعم يجوز البقاء (1)كما مر و ان يكون اعلم فلا يجوز على الاحوط (2)تقليد المفضول مع التمكن من الافضل و ان لا يكون متولداً من الزنا و ان لا يكون مقبلًا (3)على الدنيا و طالباً لها مكباً عليها مجداً في تحصيلها ففي الخبر

من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه

انها ما في المتن إلى احد عشر لا يخفى ان الأصل في هذه الشروط و محل التعرض لها في كلام الفقهاء هو عند ذكرهم لشروط القضاء بانين على ان ما كان شرطاً في الحاكم هو شرط في المفتي مع في هذه الملازمة من الأشكال لعدم دليل عليها، نعم لا يبعد العكس نظراً إلى استلزام القضاء للفتوى دون العكس مع ان فيه ايضاً منعاً بناء على جواز القضاء بفتوى الغير فما ذكروه سنداً للشروط المزبورة في باب القضاء لو تم لم يدل على شرطيتها في باب الفتوى مع ان هناك لم يقيموا دليلًا وافياً الا على بعضها بالإجماع و الآخر بقي خالياً عن الدليل، نعم بناء على كون الدليل على اصل التقليد الإجماع و كونه القدر المتيقن من طرق تعرض الجاهل للامتثال كان مجرد الخلاف قدماً في الحجية فكيف كان فقد سبق تمام الكلام في اشتراط الحياة و الأعلمية كما ان شرطية الأيمان و العدالة و العقل ايضاً لا يحتاج إلى بيان دليل، نعم شرط الرجولية و الحرية و اطلاق الاجتهاد و البلوغ محتاج إلى بيان السند المفقود في الحرية و اطلاق الاجتهاد بل و الرجولية و البلوغ غير الانصراف المسلم في الأخيرين الممنوع في الاولين الا ان المستفاد من حديث رفع القلم عن الصبي و عدم نفوذ امره و ان عمده خطأ عدم الاعتداد بفتواه كما ربما يدل ما دل على عدم الاعتداد بشهادته على عدم الاعتداد بفتواه بالاولوية كما ان الأمر بالرجوع إلى من عرف شيئاً من قضايانا نص او ظاهر في جواز الرجوع إلى المتجزي المستلزم لحجية فتواه فالانصاف ان شرط الرجولي و الحرية و اطلاق الاجتهاد لا دليل عليه الا ان يجعل نفس الشك سبباً لسقوط الحجية فلاحظ و من جميع ذلك تحيط خبراً بما في اشتراط طهارة المولد نعم يمكن استظهار الشرط الأخير من المروي عن تفسير العسكري" عليه السلام" مع ما فيه دلالة و سنداً.


1) بل يجب في بعض الصور كما تقدم.

2) بل على الأظهر مع العلم بالمخالفة كما مر.

3) على نحو يضر بعدالته.

المسألة الثالثة و العشرون: العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات و ترك المحرمات

المسألة الثالثة و العشرون: العدالة عبارة عن ملكة (1)اتيان الواجبات و ترك المحرمات

و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً او ظناً و تثبت بشهادة العدلين (2)و بالشياع المفيد للعلم.

ظاهراً انها عبارة عن الملكة المجردة دون الملازمة للترك و الفعل المزبورين و شيخنا الأكبر في رسالته منع عن كون القول بانها مجرد الملكة من اقوال المسألة بل ارجعه إلى اعتبار العمل و الملكة جمعاً قائلًا انهم متفقون على انها تزول بارتكاب الكبيرة و يحدث الفسق الذي هو ضدها و حينئذ فأما ان تبقى الملكة او تزول فإن بقيت ثبت اعتبار الاجتناب الفعلي في العدالة و ان زالت ثبت ملازمة الملكة للاجتناب الفعلي و يؤيده انهم فسروها بالملكة الباعثة على ملازمة التقوى و ظاهرة الملازمة الفعلية فمع الانفكاك تزول الخصوصية المعتبر في الملكة المفسرة بها العدالة و على هذا لو عبر المصنف بما في كلامهم من توصيف الملكة بالملازمة كان اولى، هذا مضافاً إلى عدم مساعدة الدليل على كونها عبارة عن نفس الملكة كما سيأتي و احتمال ان الملكة ملازمة لاجتناب الخارجي فلا يحتاج إلى التوصيف ضعيف جداً و لعل مراد المصنف ايضاً الملكة الملازمة و انما ترك التوصيف مسامحة و هو ايضاً بعيد مع انه عبر بنفس هذه العبارة في تفسير العدالة فيما سيأتي من مسائل الجماعة و لعل مختارة كونها عبارة عن نفس الملكة المجردة عن القيد و حينئذ فلا كلام لنا معه الا في المدرك، و على أي حال فليست هي نفس الاجتناب عن المحرمات و اتيان الواجبات من غير اعتبار كونها عن ملكة كما هو القول الآخر و لا نفس عدم ظهور الفسق او ظهور الإسلام كما قد ينسب إلى بعض و ان كان في غير محله و كيف كان فمدرك الأقوال المزبورة صحيحة ابن ابي يعفور بعد ان سأل بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم قال" عليه السلام" بان يعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان و تعرف باجتناب الكبائر التي اوعد اللّه عليها النار، فان الستر و العفاف بل و كف البطن ليس عبارة عن مجرد افعال و تروك بل هي مع الصفة النفسانية و الحالة الروحية فلا تكون طريقاً إلى العدالة سواء جعلت العدالة عبارة عن الأمرين او احدهما إذ على الاول هو عينه و على الأخيرين يكون الذكور العدالة و زيادة فلا يمكن ان يجعل طريقاً اليها فتعين ان تكون هذه الفقرة عين العدالة و حينئذ فان جعلنا السؤال عن التعريف المنطقي فهو و ان جعلناه سؤالًا عن الطريق و المعرف العرفي كان بيان حقيقتها تفضلًا من الامام للإشارة إلى ان الراوي بحقه اولًا ان يسأل عن حقيقته ثمّ عن الطريق اليه، و يمكن ان يكون قوله و تعرف باجتناب الكبائر طريقاً إلى حقيقة العدالة ثمّ يكون قوله و الدليل على ذلك ان يكون سائراً دليلًا على الدليل، و النتيجة ان العدالة عبارة من الأمر النفساني الملازمة لترك القبائح و الدليل عليه نفس ترك المعاصي و لما كان نفس ترك المعاصي صعب الاطلاع عليه جعل الطريق اليه الستر عن القبائح العرفي و الاستحياء من الناس و ربما قيل بان السؤال عن الطريق كما هو الظاهر منه و الجواب ايضاً عن الطريق فيجعل الستر و العفاف" قدس سره" عبارة عن مجرد الملكة و من جعل الملكة طريقاً يستكشف ان العدالة عبارة عن نفس الاجتناب كل ذلك محافظة على ظاهر السؤال من حيث كونها ظاهرة في السؤال عن


1) بل عبارة عن الاستقامة في جادة الشرع و عدم الانحراف عنها يميناً و شمالًا.

2) تقدم انه لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل واحد بل بمطلق الثقة و ان لم يكن عدلًا.

الطريق و تحفظاً على ان الجواب عن الحقيقة مناف لظهور السؤال في السؤال عن مجرد الطريق، و فيه ما عرفت من ان كون السؤال ظاهراً في السؤال عن الطريق لا ينافي اشتمال الجواب على بيان الحقيقة نعم ينافي عدم التعرض للطريق اصلًا مضافاً إلى ان حمل الستر و العفاف على مجرد الملكة خلاف الظاهر جداً و ابعد منه جعل الملكة الستر هي امر نفساني خفي طريقاً عن العمل، و اعجب منه ان شيخنا الاكبر استبعد ذلك يعني جعل الملكة طريقاً إلى العمل بان طريقتها للعمل امر عرفي ظاهر غير محتاج إلى السؤال و الجواب، و كيف كان فما يبعد ما ذكره القائل انه لا يبقى بعد ذلك موقع لقوله و تعرف باجتناب الكبائر إذ عليه يكون اجتناب الكبائر نفس العدالة فلا معنى لجعله طريقاً إلى الطريق او تتمة للطريق او طريقاً مستقلًا إلى العدالة، فتلخص ان الظاهر من الصحيحة مدخلية الحالة النفسية في حقيقة العدالة و قد عرفت ان كونها عبارة عن مجرد تلك الحالة ليس من اقوال المسألة فتكون عبارة عن الحالة الرادعة الملازمة: مع ما عرفت من ان الستر و العفاف إلى آخرها ليست مجرد الملكة بل مع العمل الخارجي مقيداً او مركباً و لا ثمرة مهمة في توضيح هذه الجهة فلعل المصنف حيث جعل العدالة عبارة عن مجرد الملكة حمل الستر و العفاف على مجردها مع جعل السؤال سؤالًا عن حقيقة العدالة او و لو كان سؤالًا عن الطريق اليها لعدم المنافاة بينه و بين الجواب عن الحقيقة، بقي الكلام فيما يظهر من تفسيره للعدالة في بحث الجماعة حيث اضاف إلى ما هنا ترك منافيات المروة الدالة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين الدال على مدخلية ترك منافيات المروة في العدالة كما هو احد الاقوال في المسألة و لم يعتبره من سبق عن العلامة و بعضهم اعتبره مطلقاً و شيخنا الاكبر ارجع تفصيل المصنف إلى القول بنفيه مطلقاً إذ هو تفصيل في طريق العدالة و ان ارتكاب مثل هذه المنافيات الكاشف عن عدم المبالاة بالدين يمنع عن كشف حسن الظاهر عن الملكة و كيف كان فما يستظهر منه ذلك يعني اعتبار ترك منافيات المروة في العدالة فقرات من الصحيحة السابقة حيث ان المراد من الستر و العفاف و الكف هو وجود حالة عفة في النفس بها يقدر الشخص على التحفظ عن القبائح مطلقاً اما ان المراد الحالة النفسانية فهو واضح حيث عرفت ان المراد منها الملكة دون العمل الخارجي و أما ان المراد الحالة الملازمة لتلك مطلق القبائح دون خصوص الشرعية فللاطلاق فالعدالة هي عفة النفس بحيث تزاحم الدواعي الشهوانية المحركة إلى القبائح فلو كان للشخص هذه الحالة بحيث إذا دعته القوى الشهوانية إلى القبائح قابلها و تحفظ عن اليد و اللسان و البطن و الفرج كان عادلًا هذا بناء على الاطلاق و لو قيل بالانصراف إلى خصوص القبائح الشرعية كما يفسرها بذلك من لا يعتبر التجنب عن منافيات المروة كانت العدالة عبارة عن خصوص الحالة الرادعة من الكبائر و الاصرار على الصغائر و من يعتبر ذلك في حسن الظاهر يجعل الفقرات الاولى منصرفة إلى خصوص القبائح الشرعية و يأخذ باطلاق الفقرة الاخيرة يعني قوله و الدال على ذلك كله ان يكون ساتراً لعيوبه المفسر عند بعضهم بالاستحياء عن الناس حيث يجعل (يفسر) الستر و العفاف في صدر الرواية بالاستحياء عن اللّه وقي ذيلها بالاستحياء عن الناس و لعل مثل المصنف الذي يعتبر ترك بعض منافيات داخلا في حقيقة العدالة يأخذ بالوسط بين الاطلاق و الانصراف، قال و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً و ظناً كون حسن الظاهر طريقاً اليها معتبراً في الجملة فلمثل قوله من عالم الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم إلى قوله ممن حرمت غيبته و ظهرت عدالته و قوله من صلى الخمس في جماعة فظنوا به كل خير و قوله في الشاهد إذا كان ظاهرة ظاهراً مأموناً جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه بل ربما يستدل بها على انه نفس العدالة او انها عبارة عن نفس ترك المعاصي و فعل الواجبات لكنه لا

يعتني به بعد وجود صحيحة ابن ابي يعفور المفسر لها بالملكة مع جعل حسن الظاهر بقوله و الدليل على ذلك كله معرفاً لها فيكون هي بمنزلة الجامع بينهما المفسر لها مضافاً إلى قوله ظهرت عدالته بل قوله ظنوا به كل خير فالعدالة امر واقعي و حسن الظاهر طريق اليها فيكون ما ذكر من الاخبار بمنزلة الفقرة الاخيرة من صحيحة ابن ابي يعفور و هل هو طريق إذا افاد الظن و الوثوق او مطلقاً و لو لم يفد ذلك ظاهر الاخبار الماضية الثاني و ظاهر ما دل على اعتبار الوثوق مثل قوله ممن ترضون في الهدى و لا يصل الا خلف من تثق بدينه و امانته الاول و يمكن حمل الادلة على الغالب من افادة الظن و الوثوق و على فرض التعارض فالنتيجة عدم الطريقية مع عدم الظن، و تثبت ايضاً بالعلم من اينما حصل و البينة الغير المعارضة و الشياع المفيد للعلم بل و لو لم يفده لعد الشهادة من الامور التي تثبت لظاهر الحكم في الرواية التي يستدل بها على ثبوت جملة من الاشياء بالشياع كالنسب و الوقف حيث عد فيها الشهادة و في بعض النسخ لظاهر الحال و ليس المقام مقام الكلام في ذلك و ان كان الاقوى كفاية الشياع في ذلك إذا افاد الوثوق.

المسألة الرابعة و العشرون: إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول إلى غيره.

لأن ما كان شرطاً في ابتداء التقليد فهو شرط في استمراره غير الحياة على ما مر فبمجرد فقد الشروط سقط فتواه عن الحجية و وجب تتبع حجة اخرى.

المسألة الخامسة و العشرون: إذا قلد من لم يكن جامعاً و مضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد اصلًا فحاله حال الجاهل القاصر او المقصر

، فان كان عارفاً ملتفتاً بطل عمله العبادي و ان كان غافلًا او لم يكن العمل عبادياً كان تابعاً للواقع و المناط في احراز الواقع فتوى مجتهده يعني من كان يجب عليه تقليده حين العمل او حين الالتفات و قد مر الكلام فيه في المسألة السادسة عشر.

المسألة السادسة و العشرون: إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات و قلد من يجوز البقاء، له ان يبقى على تقليد الاول في جميع المسائل الا مسألة حرمة البقاء

، فقلد من يجيزه بقي على تقليد الاول في غير مسألة تحريم البقاء اما على ما ذكرنا من اعتبار العمل في التقليد فلأنه تقليد ابتدائي له و أما بناء على مذاق المصنف من كفاية الالتزام في التقليد فلاستلزامه المحال إذ يلزم من جواز تقليده اياه في مسألة حرمة البقاء عدم جوازه و كل ما لزم من وجوده عدمه فهو باطل.

المسألة السابعة و العشرون: يجب على المكلف العلم باجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدماتها

و لو لم يعلمها لكن علم اجمالًا ان عمله واجد لجميع الاجزاء و الشرائط و فاقد للموانع صح و ان لم يعلمها تفصيلًا

، إذ بدونه لا يحصل له العلم بالبراءة لاحتمال نقص المأتى به عن المأمور به بل لا يعقل ان يدعو الامر إلى ما لا يعلم كونه متعلقة فيجب تحصيل العلم بمتعلقه حتى يتمكن من اتيانه بداعيه نعم الدليل الكافي انما ينفع إذا اعتبرنا الجزم في الاطاعة و داعوية الامر و أما مع عدمه فلا مانع من اتيان ما يحتمل كونه المأمور به باحتمال كونه اياه نعم ليس

للعقل تأمينه عن العقاب و هو لازم بمقتضى الاشتغال المعلوم و هل يكفي العلم الإجمالي باشتمال المأتي به على الاجزاء و الشرائط و ان لم يعلم ان كل ما يأتي به له دخل فيه الاقوى كما في المتن نعم لحصول العلم بالبراءة لان المفروض انه اتى بالمأمور به بداعي امره و لا يعتبر في الطاعة ازيد منه لكن يجب تقيده بما إذا كان داعيه الأمر بتلك الأجزاء و الشرائط المعلومة اجمالًا لا بجميع ما يأتي به و هو ظاهر.

المسألة الثامنة و العشرون: يجب تعلم مسائل الشك و السهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالباً

نعم لو اطمأن من نفسه انه لا يبتلي بالشك و السهو صح عمله (1)و ان لم يحصل العلم باحكامها.

لأنه من مقدمات امتثاله إذ بدونه لا يتمكن من الامتثال عند عروض السهو و الشك و المفروض انه حين الابتلاء الفعلي بهما غير متمكن من التعلم لأنه مشغول بالعمل بل ربما يضيق عليه وقت التعليم بل لا يتمكن الا مع رفع اليد عن العمل مع احتمال حرمته او الجزم به فيجب عليه التعلم بل مع الجهل بحكم ما لا يطمئن بعدم عروضه لا يطمئن بأنه متمكن من اتمامه فلا يتمشى منه التقرب به لان الأمر لا يدعو إلى ما لا يقدر العبد عليه و لا إلى ما لم يعلم القدرة عليه فيبطل بذلك عمله، نعم لو اطمأن انه لا يبتلي بالشك و السهو صح عمله و ان لم يعلم باحكامهما فتعلم احكام ما يبتلى به من السهو مضافاً إلى انه واجب تكليفاً شرط في صحة عمل لا يطمئن بخلوه عنه، و لكن القائل ان يمنع من وجوبه تكليفاً الا بعد الابتلاء الا إذا علم انه حين الابتلاء يضيق وقته عن التعلم و علم بالابتلاء ايضاً و الا فمع عدم العلم به لا يجب عليه ذلك لعدم الدليل عليه بل و لو علم بالابتلاء به في صلاته إذا لم يعلم بضيق الوقت عنه فانه بعد الابتلاء في الاثناء له ان يحتاط ان تمكن و الا فله اتمام العمل برجاء ثمّ التعلم و الاتيان بالوظيفة فلا وجه لا يجابه تكليفاً و أما وجوبه وضعاً من جهة مقدميته لصحة العمل فهو ايضاً ممكن المنع إذ له ان يأتي بالعمل برجاء عدم الابتلاء و التمكن من الإتمام على حسب ما مر في الجاهل المقصر الملتفت العامل بما لا يعلم انه وظيفته فان الاتيان برجاء المطلوبية او رجاء ان يتمكن من المطلوب من طرق الامتثال العقلائي، نعم ما لم يحصل له الجزم باتيان المأمور به لم يكن مأموناً من العقاب لكنه كلام لا ربط له بما نحن فيه او بالجملة لا دليل على كون التعلم شرطاً لصحة العمل الا دعوى عدم تمشي الاطاعة و الامتثال بدونه و هو ممنوع و منه يظهر وجه المنع عن وجوبه تكليفاً اللهم الا ان يكون اجماع.

المسألة التاسعة و العشرون: كما يجب التقليد في الواجبات و المحرمات يجب في المستحبات و المكروهات و المباحات

بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات او المعاملات او العاديات

، يعني لا يختص بالفرائض و المحرمات بتوهم انها امور الزامية يجب تحصيل البراءة فيها و أما المستحبات و المكروهات و المباحات فلا الزام بالنسبة اليها فلا يجب التقليد فيها و ذلك لان كون الشي‌ء مستحباً او مكروهاً او مباحاً لا يعلم من دون التقليد بل لا يجوز ارتكاب شي‌ء من العاديات ايضاً الا بعد الرجوع إلى المجتهد و تعلم حكمه و الا فمع علمه و لو


1) بل يصح مع احتمال الابتلاء ايضاً اذا لم يتحقق الابتلاء به خارجاً او تحقق و لكنه اتى بوظيفة الشك او السهو رجاءً.

اجمالًا بالزامات فعلًا او تركاً لا يجوز التعرض فعلًا و تركاً لشي‌ء من دون التقليد بل لو علم استحباب شي‌ء و جهل بعض كيفياته وجب التقليد فيه شرطاً و الا لم يكن له الاتيان به بعنوان الاستحباب و ان جاز له ذلك رجاء و كذا في ترك المكروه ان كان عبادياً، نعم في المباحات و غير الالزاميات من التوصليات مع العلم بحكمها لا يجب التقليد فيها بل هو كذلك في كل معلوم الحكم، و بالجملة كل ما لم يعلم حكمه وجب ان يتعلمه بالتقليد الا ان يستقل عقله فيه.

المسألة الثلاثون: إذا علم ان الفعل الفلاني ليس حراماً و لم يعلم انه واجب او مباح او مستحب او مكروه يجوز له ان يأتي به

لاحتمال كونه مطلوباً و برجاء الثواب و إذا علم انه ليس بواجب و لم يعلم انه حرام او مكروه او مباح له ان يتركه لاحتمال كونه مبغوضاً

، جاز له فعله رجاء و إذا علم انه ليس بواجب جاز له تركه كذلك اما مع عدم كونه عبادياً فواضح بل ليس ذلك من التقليد إذ اشتراك غير الحرام في جواز الفعل ضروري و كذا العكس يعني اشتراك غير الواجب في جواز الترك و أما في العبادات فلأنه من افراد الاحتياط الذي مر جوازه حتى مع التمكن من العلم فضلًا عن الظن التقليدي.

المسألة الواحدة و الثلاثين: إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الاول

، لعدم كونه حينئذ من فتاويه و العمل بفتواه السابق لا وجه له مع توقفه و تردده فضلًا عن رجوعه إلى خلافه و منه يظهر حال.

المسألة الثانية و الثلاثين: إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقف و التردد يجب على المقلد الاحتياط او العدول إلى الاعلم بعد ذلك المجتهد،

المسألة الثانية و الثلاثين: إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقف و التردد يجب على المقلد الاحتياط او العدول إلى الاعلم بعد ذلك المجتهد، (1)

و حاصل الكلام فيهما ان الفتوى الذي يرجع اليه المقلد هو الفتوى الحالي للمجتهد لا فتواه السابق كيف و ليس ذاك من الرجوع إلى العالم في علمه كيف يكون ذلك و هو يخطئ نفسه في ذاك او متردد و متوقف فيه و حينئذ فيجب في الثاني الرجوع إلى غيره الأعلم و في الاول الرجوع إلى فتواه الثانية.

المسألة الثالثة و الثلاثون: إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء

المسألة الثالثة و الثلاثون: إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد (2)أيهما شاء

و يجوز التبعيض في المسائل و إذا كان احدهما ارجح من الآخر في العدالة او الورع او نحو ذلك، فالاولى بل الاحوط اختياره

، مع عدم المعارضة بل في الحقيقة يكون تقليداً لهما و أما مع المعارضة فقد عرفت ان مقتضى تعارض الطريقين عندهم تساقطهما و فرضهما كأن لم يكن الا في عدم جواز الأخذ بما يخالفهما و عليه فيجب الأخذ بأحوط القولين ان كان و الا فالتخيير للعلم بعدم تكليفه بغيرهما و لا يمكنه الجمع بينهما فلا محيص له الا من الأخذ باحدهما، نعم بناء على الموضوعية و السببية كما ربما لا يكون بعيداً و ان كان ينافيه استدلالهم عليه بالرجوع إلى اهل الخبرة كان الحكم التخير من اول الأمر كما ان مقتضى ما ذكرناه في محله من ان الأصل في


1) على تفصيل ما تقدم.

2) مر حكم هذه المسألة.

تعارض الطريقين التخير ذلك ايضاً، قوله و يجوز التبعيض في المسائل حتى بالنسبة للعمل الواحد على ما سيجي‌ء إن شاء اللّه في المتن فيجوز ان يقلد احدهما في وجوب السورة و الآخر في جواز جلسة الاستراحة و هل يجوز ذلك حتى إذا بطل مجموع العمل على كلا القولين كأن كان فتوى احدهما على وجوب السورة و عدم وجوب الجلسة و فتوى الأخر على العكس فتركهما بفتواهما و قلد كلًا فيما يفتى بعدم الوجوب دون فتواه بالوجوب فصلّى بلا سورة و بلا جلسة ام لا الأقوى الاول (اقول يمكن ان يقال بالفساد و يقوى الثاني لأن كل من المجتهدين انما يفتى بالأجزاء التي اتى بها المقلد في ضمن المركب الموجود مع احدهما لا الخالي منهما، و بعبارة اوضح انه في كيفية العمل يجب ان يقلد لأن الغرض انه عامي و الكيفية التي اتى بها لم تكن موافقة للمجتهد اصلًا) لأن فساد الصلاة على فتوى كل منهما انما يضر ان كان مقلداً فيها و أما ان قلدا احدهما في بعضهما و الآخر في البعض الآخر ففتوى كل بفسادها مستنداً إلى الجهة التي ليس العامل مقلداً له فيها، مثلًا من يقول بوجوب السورة يفتى بفساد الصلاة لخلوها عنها و المفروض انه لم يقلده فيه فلا يضره هذه الفتوى و كذا فتوى الآخر بفسادها مستنداً إلى فتواه بوجوب الجلسة و هو لم يقلده فيه ايضاً، نعم ان علم بفساد صلاته هذه بحسب الواقع لعلمه بمطابق فتوى احدهما للواقع لم يجز له القناعة بها في مقام تحصيل البراءة لكنه لا ربط له بالتبعيض بل مع علمه بوجوب احدهما لا يجوز له تركهما حتى لو افتى مجتهده بعدم وجوبهما فهذا اجنبي عن مسألتنا.

و دعوى ان العمل الواحد يجب ان يكون مطابقاً لفتوى مجتهده يعني يجب ان يكون له مجتهد يفتى بصحة عمله او فساده لا منشأ لها قوله و إذا كان احدهما ارجح من الآخر في العدالة او الورع فالاولى بل الأحوط اختياره و ظاهره فيما مضى في المسألة الثانية عشر الفتوى بوجوب تقليد الاورع و كيف كان فالمنقول من النهاية و التهذيب و الدروس و الذكرى و غيرها وجوب الأخذ بالورع للأصل و بعض الأخبار و إذا فرض تأثير الاورعية زيادة الوثاقة بملاحظة انها توجب ان يتعب نظره ازيد و يمعن في المطالب اكثر اقتضى تقديمها الدليل العقلي الدال على رجحان الأعلم ايضاً و إذا كان احدهما اعلم و الآخر اورع فهل يقدم الاول او الثاني او يتخير وجوه مقتضى القاعدة الاحتياط مع الإمكان و مع عدمه التخير اما الاحتياط فلاحتمال يقين احدهما، و مجرد كون مناط الاستفتاء في الأعلم اكد لا يوجب تقديمه مع وجود مناط آخر في الاورع يحتمل ان يوجب تقديمه خصوصاً إذا اوجب شدة الوثاقة بفتواه.

المسألة الرابعة و الثلاثون: إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم ثمّ وجد اعلم من ذلك المجتهد فالاحوط العدول إلى ذلك الاعلم و ان قال الاول بعدم جوازه.

المسألة الرابعة و الثلاثون: إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم ثمّ وجد اعلم من ذلك المجتهد فالاحوط العدول (1)إلى ذلك الاعلم و ان قال الاول بعدم جوازه.

فهل يجب عليه العدول لأن المفروض وجوب تقليد الأعلم ابتداء و استمراراً فإذا وجد أعلم زال مناط الحجية في غيره فيجب عليه العدول بل لا معنى للعدول حينئذ فانه يبطل تقليده و تسقط حجية قوله او انه يحرم عليه ذلك لأنه قلد المجتهد الاول و الرجوع إلى الأعلم انما كان بمناط كونه من المتيقن حجيته و هذا المناط قد زال في المقام بملاحظة استلزامه للعدول المحرم فيستصحب تقليده للاول او انه يتخير لاشتمال كل منهما على جهة مميزة له عن صاحبه و لا ترجيح، او يحتاط مع التمكن و يتخير مع عدمه وجوه احوطها بل اقواها الأخير لعدم مرجح لأحد الاحتمالين على الآخر فكما


1) بل هو الاظهر مع العلم بالمخالفة على ما مر.

يحتمل اختصاص حرمة العدول بغير ما إذا كان المعدول اليه اعلم كذلك يحتمل اختصاص تقليد الأعلم فيما لم يستلزم العدول، نعم ان منع عن الاطلاق في دليل حرمة العدول و سلم في دليل وجوب تقليد الأعلم كان مراعاة الثاني اولى و لعله كذلك لأن دليل حرمة العدول اما الأصل او الإجماع و الثاني منتف في محل الخلاف و الأصل لا يعارض الدليل و منه يعلم انه لا نفع في استصحاب حجية فتوى الاول او وجوب تقليده او الحكم الفرعي المطابق لفتواه و لعله لذلك جعل الأحوط في المتن العدول و ان كان الأخذ باحوط القولين بينهما احوط حسبما عرفت، ثمّ ان هذا كله إذا كان الاول يحرم العدول حتى يكون العدول إلى الأعلم محققاً للعدول و الا فان لم يكن مفتياً بحرمة العدول لم يكن الرجوع إلى الثاني عدولًا و بعبارة اخرى مسألة جواز العدول و عدمه بعد ان كان من المسائل الخلافية و دار امره بين المحذورين لكون المعدول اليه اعلماً نظير اصل مسألة التقليد او تقليد الأعلم او البقاء على تقليد الميت يجب ان يجتهد فيه المكلف و يأخذ بما استقل به عقله فإن لم يستقل به عقله عليه ان يأخذ بالمتيقن الطريقية فنقول ان كان المعدول اليه و المعدول عنه كلاهما قائلين بجواز العدول فلا اشكال لأنه عليه كان العدول له من المتيقن إذ لا يخلو مرجعه من ان يكون احدهما و قد قالا بجواز العدول فالعدول له مبرئ قطعاً و كذا لو كان احدهما متوقفاً و الآخر قائلًا بالجواز لأن التوقف عبارة عن عدم الفتوى فيتعين علي العدول ايضاً و كذا ان كان احدهما يقول بالتخير بين العدول و عدمه و الآخر يعين احدهما فان الأخذ بما يعينه الآخر طريق الاحتياط و أما ان كان احدهما يعين العدول و الآخر يمنعه فلا متيقن في البين لدوران امره بين المحذورين فيجب عليه الأخذ باحوط القولين في الموارد، ثمّ ان ما ذكرنا حكم المسألة بحسب النظر في الأدلة و أما المقلد فبعد ان لم يستقل عقله بشي‌ء يجب عليه الاحتياط او الأخذ بالمتيقن و لا متيقن في البين إذا اختلفا في الحرمة و الوجوب، نعم ان جوّزاه معاً او حرّماه او اوجباه او جوَّزه احدهما و اوجبه او حرمة الآخر أمكن الجمع بين فتواهما، و الحاصل لو امكنه الجمع بين الفتواءين كان ذلك اسلم له و الا فيحتاط في المسألة الفرعية و يأخذ بأحوط القولين و الا فليتخير بين العدول و البقاء، و من جميع ما ذكرنا ظهر انه لا وجه لعنوان المسألة بقوله إذا قلّد من يقول بحرمة العدول بل الاولى ان يعنون إذا قلد مجتهداً و وجد اعلم منه فالأحوط العدول و ان كان الاول يحرمه ثمّ ان جعل العدول احوط لعله من اجل ان قوله بوجوب تقليد الأعلم ايضاً من باب الاحتياط و الا فليس العدول احوط من البقاء.

المسألة الخامسة و الثلاثون: إذا قلد شخصاً بتخيل انه زيد فبان عمراً فان كانا متساويين في الفضيلة و لم يكن على وجه التقييد صح، و الا فمشكل

المسألة الخامسة و الثلاثون: إذا قلد شخصاً بتخيل انه زيد فبان عمراً فان كانا متساويين في الفضيلة و لم يكن على وجه التقييد صح، و الا فمشكل (1)

او كان عمراً اعلم صح عمله و تقليده و لو كان بعنوان التقيّد لأن الفتوى الذي اخذه فتوى صادر عن اهله جامع لشرائط الأخذ فلا وجه لعدم صحة العمل عليه و مجرد البناء على ان فتوى غيره لا يضر بصحة العمل حتى إذا كان الغير غير جامع لشرائط جواز الأخذ بفتواه فضلًا عما إذا لو كان جامعاً غاية الأمر على الاول يكون متجرياً بل مشرعاً و لا يمنع شي‌ء منهما عن صحة العمل إذا لم يضر بقصد القربة كما هو المفروض ( (اقول لا يخفى ان المسألة مبنية على تفسير التقليد)).


1) لا اشكال فيه اذ لا اثر للتقييد في امثال المقام.

المسألة السادسة و الثلاثين: فتوى المجتهد تعلم بأحد الأمور:

الاول: ان يسمع منه شفاهاً، الثاني: ان يخبر بها عدلان، الثالث: اخبار عدل واحد بل يكفي اخبار شخص موثوق يوجب قوله الاطمئنان و ان لم يكن عادلًا، الرابع: الوجدان في رسالته و لا بد ان تكون مأمونة من الغلط.

ان يسمع منه شفاهاً و لا يضره كون دلالة الفاظه ظنية لثبوت حجيته ببناء العقلاء الممضي شرعاً، و اخبار عدلين و دلالة الفاظهما ظنية ايضاً غير مضر لما عرفت، و أما اخبار العدل الواحد بل و كل من يوثق بخبره فلا اشكال فيه ايضاً ان جعلنا نقل الفتوى من نقل الأحكام الشرعية فيكون حال العدل الواحد حال العدل الناقل عن الامام" عليه السلام" و حال الثقة حال الخبر الموثوق به المبني على حجيته و أما ان جعلناه من قبيل نقل الموضوعات كالعلة هو اقرب و لا اقل من خروجه عن منصرف حجية اخبار الآحاد الناقلة عن الامام" عليه السلام" كما هو المتيقن من جملة ادلتها فكذلك لا اشكال في حجيته للسيرة القطعية الجارية بين المسلمين حيث يتلقون فتاوى المجتهدين من الثقات و منه يظهر الوجه في حجية كتابة الرسالة مع الامن من الغلط فانه ايضاً نقل يوثق بصدقه بل و لو لم يكن من باب الخبر ايضاً لجريان السيرة على العمل بها من دون انكار من منكر.

المسألة السابعة و الثلاثين: إذا قلَّد من ليس له اهلية الفتوى ثمّ التفت وجب عليه العدول

و حال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل الغير المقلد و كذا إذا قلد غير الاعلم وجب على الاحوط (1)العدول إلى الاعلم و إذا قلد الاعلم ثمّ صار بعد ذلك غيره اعلم وجب العدول إلى الثاني، على الاحوط.

فروع هذه المسألة قد اشير إلى مدركها فيما مضى بل و مضى نفس الفروع في المتن فلا حاجة إلى تكرار و اعادة.

المسألة الثامنة و الثلاثين: ان كان الاعلم منحصراً في شخصين و لم يمكن التعيين فان امكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط و الا كان مخيراً بينهما.

المسألة الثامنة و الثلاثين: ان كان الاعلم منحصراً في شخصين (2)و لم يمكن التعيين فان امكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط و الا كان مخيراً بينهما.

و الجمع بين فتواهما احتاط و الا تخير لانه لا يتمكن من الاخذ بفتوى الاعلم فيسقط وجوبه لان وجوب تقليد الاعلم انما هو مع التمكن و يسقط مع عدم التمكن ككونه فبمورد لا يتمكن المقلد من تعلم فتواه، و لو لا ما ذكرنا من سقوط التكليف بتقليد الاعلم و تعينه لم يكن وجه للتخير لكنه من باب اشتباه الحجة بغير الحجة نظير ان يعلم باجتهاد احدهما و لا يتمكن من تعينه فانه لا وجه لاحتمال التخير و ما نحن فيه ايضاً من هذا القبيل فظهر ان الفتوى بالتخير مستند إلى سقوط تعين الاعلم للطريقية هذا كله بناء على كون الاعلمية شرطاً


1) بل على الأظهر فيه، و فيما بعده مع العلم بالمخالفة على ما مر.

2) فان لم يعلم بالمخالفة بينهما تخيّر ابتداءً و الا فان امكن الاحتياط اخذ بأحوط القولين و الا قلَّد مظنون الأعلمية و مع علم الظن تخير كل بينهما ان احتمل الأعلمية في كل منهما، و الا قلّد من احتمل اعلميته.

لجواز التقليد و أما بناء على ما ذكرناه من كون صدور الفتوى المخالف من الاعلم مانعاً من جواز تقليد غيره فيمكن القول بالتخير من اول الامر يعني حتى إذا امكن الاحتياط بالجمع و ذلك لأصالة عدم صدور الفتوى المخالف من اعلم من هذا الذي يأخذ فتواه، و دعوى ان الاصل المزبور يجري في حق كل منهما مع العلم بكذب احدهما لان احد الفتويين فتوى مخالف من اعلم من صاحبه بلا اشكال مدفوعة بأنه لا يلزم من جريان الاصلين مخالفة عملية للواقع لو لم يجوز التخير الاستمراري مع تعدد المجتهدين المتساويين، نعم إذا قلنا بالتخير الاستمراري هناك كان مقتضى الاصلين هنا ايضاً ذلك فيلزم مخالفة عملية للتكليف المعلوم.

المسألة التاسعة و الثلاثين: إذا شك في موت المجتهد او في تبدل رأيه او عروض ما يوجب عدم جواز تقليده يجوز له البقاء إلى ان يتبين الحال

، من فسق او جنون او وجود من هو اعلم منه من ارباب الفتاوي يجوز له البقاء على تقليده بحكم الاستصحاب إلى ان يتبين له الحال و لا يجب عليه الفحص لعدم وجوبه في موارد الاصول الموضوعية بل يجوز له ذلك يعني البقاء استصحاباً حتى لو شك في حياته و بقاء عدالته على تقدير الحياة مع انه قد يناقش في الاستصحاب الثاني على هذا التقدير لعدم احراز الموضوع علماً و لا يجوز احرازه بالاستصحاب إذ ليس من آثار بقاء حياته جواز استصحاب عدالته و عدم تبدل رأيه و بقاء عقله و هكذا و ليس الشك في العدالة مسبب عن الشك في الحياة حتى يكفي عنه و ذلك لانه يكفي في الاستصحاب احراز الموضوع على تقدير الحياة فالعدالة على تقدير الحياة مستصحبة و لا مانع منه و ما سمعت من وجوب احراز الموضوع في الاستصحاب لا يراد منه، أزيد من اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة و هو حاصل في الفرض و اضعف من التوهم المزبور ما يمكن ان يتوهم من انه لا اثر لاستصحاب الحياة عند الشك في الموت لان ترتب جواز التقليد و بقاء حجية الرأي على الحياة عقلي ضرورة ان زوال الرأي بالموت من حكم العقل فيكون اشتراط الحياة فيه ايضاً منه فلا يترتب على استصحابه جواز تقليده او حجية رأيه فانه يندفع بضرورية كونه اشتراط الحياة في المجتهد شرعياً و ان التقيد الابتدائي للميت لا يجوز اجماعاً لا بملاحظة دليل العقل و عدم بقاء الرأي له بعد موته على تقدير تسليمه لا يمنع على جواز الاخذ برأيه السابق فيكون نظير الخبر بل عرفت انه من اقسام الاخبار الحدسي كما في غيره من ارباب خبرة الصنائع.

المسألة الاربعون: إذا علم انه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان و لم يعلم مقداره

، فإن علم بكيفيتها و موافقتها للواقع او لفتوى المجتهد الذي يكون مكلفاً بالرجوع اليه فهو، و الا فيقضي (1)المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط و ان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن.

هذه المسألة تتضمن فروعاً اشير سابقاً إلى جملة منها مع مداركها.

الاول: ان عمل المكلف بلا تقليد مدة من الزمان، ثمّ علم موافقتها للواقع او للمجتهد الذي كان تكليفه الرجوع اليه صح اعماله و هذا مر الكلام فيه و مر سابقاً انه انما يتم في غير


1) وجوب القضاء ينحصر بموارد العلم بمخالفة المأتي به للواقع و كون تلك المخالفة موجبة للقضاء بنظر من يجب الرجوع اليه فعلًا.

العبادات و فيها ان تحقق منه قصد القربة كأن كان غافلًا حين العمل و أما مع التفاته حينه فلا يصح منه و ان كان موافقاً للواقع و لعله لم يقيد الحكم هنا اعتماداً على ما مر منه سابقاً و ان لم يصح هذا الاعتماد في الرسائل العلمية.

الثاني: إذا لم يعلم بمطابقة عمله للواقع و لا لفتوى المجتهد وجب عليه قضاء اعماله السابقة و اعادتها مع بقاء وقتها و هذا ايضاً مر الكلام فيه.

الثالث: انه إذا لم يعلم المقدار الذي كان عمله فيه بلا تقليد مثلًا لم يعلم ان عمل بلا تقليد صحيح خمس سنين او اربع يجب عليه قضاء اعماله في المقدار المتيقن و هذا لا اشكال فيه مع علمه بمخالفته لفتوى مجتهده و أما مع الشك في الموافقة و المخالفة فهل هو كذلك يجب عليه الاعادة و القضاء او يمكن اجراء قاعدة الفراغ و التجاوز و الشك بعد الوقت وجهان من اطلاق ادلة تلك القواعد و من ان الظاهر منها جميعها سوقها لبيان عدم الالتفات إلى احتمال النسيان و السهو كما يرشد اليه قوله لانه حين كما يتوضأ أذكر منه حين يشك فان ظاهره ان لغوية الشك بمناط الاذكرية فلا يلغى بها الشك في الصحة و الفساد إذا لم يستند إلى الغفلة و لذا لم يعتمدوا على قاعدة الفراغ و التجاوز في الطهارة فيما إذا علم بانه لم يحرك خاتمه حين الغسل و كان يصل الماء تحته تارة و لا يصل اخرى و يحتمل ان يكون هذه (المرة) وصل الماء و اصعب منه ما إذا لم يعلم بأنه قد يصل بان احتمل لانه لا يصل الماء تحته ابداً و منه ما إذا توضأ باحد طرفي الشبهة غفلة و احتمل انه صادف الماء الطاهر اتفاقاً و هذا اشبه ما نحن فيه فان مثل ذلك لا يجري فيها اصالة الصحة و الفراغ و ان لم تقل باماريتها فضلًا عما جعلناها امارة و حينئذ فمقتضى القاعدة يعني قاعدة الاشتغال وجوب القضاء، ان قلت هذا يتم فيما إذا التفت في الوقت و أما إذا التفت بعد الوقت فلا مجال للاشتغال لأن التكليف الموقت قد ارتفع يقيناً اما بالامتثال و أما بالعصيان و القضاء بتكليف جديد مشكوك و الأصل فيه البراءة، قلت يكفي في ثبوت القضاء تنجز التكليف في الوقت بحكم الاستصحاب و قاعدة الاشتغال ان قلت احتمال وجوب تكليف في الوقت و أن اوجب الاحتياط بحكم القاعدة و الاستصحاب في الوقت الا انه بعد الوقت يكون الشك في التكليف شكاً بدوياً مجرى لأصل البراءة، قلت ان فرضنا الأمر الاحتمالي في الوقت منجزاً فما يترتب عليه من القضاء ايضاً يكون منجزاً لأنه من الآثار الواقعية الغير المنفكة عنه مثلًا بعد الاتيان بالمشكوك في الوقت لم يعلم بالبراءة لاحتمال كون ما اتى به مخالفاً للواقع قلا يؤمن من العقاب لأن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية بحكم العقل و لازم ذلك ان يكون التكليف على تقدير وجوده الواقعي منجزاً غير مرتفع فإذا كان بوجود الاحتمالي متنجزاً كان فوقه الاحتمالي ايضاً منجزاً فإذا احتملنا بقاءه في الوقت احتملنا وجوب القضاء و كما ان الاحتمال الاول مصحح للعقاب كذلك الاحتمال الثاني لكونه متفرعاً عليه و من آثاره، هذا مضافاً ان نفس الأمر الظاهري بالفعل في الوقت بعد الاتيان بمشكوك الصحة قد تنجز و فات فيجب قضاؤه، هذا مضافاً إلى ان القضاء مرتب على نفس عدم الاتيان بفريضة الوقت الذي هو مطابق للأصل دون الأمر الوجودي المنتزع عن العدم على وجه مخصوص الغير الثابت بالأصل، و بالجملة فمقتضى القاعدة وجوب التدارك بالقضاء و الإعادة و ان لم يعلم الموافقة للواقع و المخالفة فضلًا عما إذا علم المخالفة.

الرابع: إذا شك في المقدار الذي كان عمله مخالفاً للواقع او مشكوك المخالفة له يقتصر على المتبقِ في القضاء و التدارك لجريان اصالة الصحة في الزائد سواء شك في الزيادة من حيث وقوعها عن تقليد و عدمه مثلًا يعلم انه مقداراً من اوائل بلوغه كان بلا تقليد و يشك بين

الاقل و الاكثر و الزائد من الاقل يحتمل موافقته للتقليد فلا يجب عليه بالنسبة اليها شي‌ء او شك في اصل الزيادة مثل ان يلتفت إلى حاله و انه غير مقلد فرجع و قلد و شك في ان المقدار الفائت من زمانه الذي لم يقلد فيه كم مقدار فاته حينئذ لا يحتاج إلى اصالة الصحة بل هذا شك في المقدار الفائت او المحتمل الفوت بين الاقل و الاكثر و المرجع في الزيادة اصالة البراءة و الفرق بين المسألتين واضح.

الخامس: انه يستحب ان يقضي حتى يعلم بالفراغ و لعل وجهه فتوى المشهور على ما نسب اليهم ذلك فيمن كان عليه فوائت و تردد بين القليل و الكثير على خلاف لما هو المتيقن من البراءة في الشبهات الوجوبية بل كاد ان لا يكون خلاف حتى من الاخبارييّن و جملة من الاساطين و ان راموا تطبيق ذلك على القاعدة بإخراجه عن الشبهة الوجوبية الابتدائية و ادخاله في قاعدة الاشتغال لكنهم لم يأتوا بشي‌ء و بعض الاساتذة (الحاج آغا رضا في صلاته) ممن ادركنا عصره وجَّهه بان الشك في الاقل و الاكثر الراجع إلى الشبهة الابتدائية هو ما كان بحيث إذا رجع الشاك إلى نفسه جعل لمتيقنه حداً خاصاً اما اذا راجع نفسه و اراد ان يحدد الاقل لم يتمكن من تحديده فهو ملحق بالشك في المكلف به و يرجع إلى الاحتياط و فيه ما لا يخفى، و احسن ما يمكن ان يقال استفادة الوجوب مما ورد في قضاء النوافل لمن لم يدر كم هي من انه يصلي حتى لا يدري كم مقدار اتى و في هذه الاستفادة ايضاً ما لا يخفى.

المسألة الواحدة و الأربعون: إذا علم ان اعماله السابقة كانت مع التقليد لكن لا يعلم انها كانت عن تقليد صحيح ام لا بنى على الصحة

، في اعماله لكونه من موارد قاعدة الفراغ و الصحة بل يمكن اجرائها في اصل تقليده الذي هو بمنزلة شبهة في المسألة الأصولية فان الشك في ان اعتماده عليه هل كان اعتماداً صحيحاً شرعياً ام لا مرجعه القاعدة و ذلك يكفي في صحة الأعمال الصادرة من غير حاجة إلى اعمال القاعدة فيها بل لا مجال لتلك مع الجريان فيه، و دعوى عدم العموم لقاعدة الفراغ و الصحة ممنوعة لعموم قوله انما الشك إذا كنت في شي‌ء لم تجره و عموم ما هو بمنزلة التقليل في قوله انه حين ما يتوضأ اذكر المستفاد منه انه كلما كان اذكر لم يعتد بشكه.

المسألة الثانية و الأربعون: إذا قلد مجتهداً، ثمّ شك في انه جامع للشرائط ام لا وجب عليه الفحص

، ان لم يكن مسبوقاً بالجامعية حيث لا يجب عليه الفحص اعتماداً على الاستصحاب و على أي حال فقد عرفت انه يبنى على الصحيح بالنسبة إلى ما مضى من تقليده و يحرز شرط الصحة بالنسبة إلى الأعمال الآتية فكان هذه المسألة جزء من المسألة السابقة يعني إذا شك في ان تقليده كان صحيحاً ام لا حيث مر انه يبنى على الصحة فيما مضى من تقليده و حينئذ فلا يجب عليه الفحص بالنسبة إلى ما يأتي، و الحاصل ان مجرى القاعدة لو كان هي الأعمال الفرعية الصادة عنه بنى على الصحة فيما مضى و وجب عليه احرازها لما يأتي من الأعمال لكنك عرفت ان لجريانه في اصل التقليد وجهاً، و بالجملة تشبه هذه المسألة مسألة الشك في الصلاة من جهة الشك في الطهارة فان جرى الأصل في الطهارة صحت الصلاة السابقة و لم تحتج الصلاة اللاحقة إلى طهارة جديدة و ان جرى في الأعمال السابقة من الصلاة و اشباهها احتاجت اللاحقة إلى احراز الطهارة فتأمل.

المسألة الثالثة و الأربعون: من ليس اهلًا للفتوى يحرم عليه الافتاء

و كذا من ليس اهلا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس و حكمه ليس بنافذ، و لا يجوز الترافع اليه و لا الشهادة عنده. و المال الذي يؤخذ بحكمه حرام (1)و ان كان الأخذ محقاً الا إذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده.

لعل مراده الافتاء للغير و أما العمل لنفسه فلا اشكال فيه بوجه و ذلك لان العدالة شرط في جواز تقليد الغير له لا لعمل نفسه و كذا طهارة المولد و الحرية على القول بهما و اضعف منه احتمال ذلك في شرط اطلاق الاجتهاد بان يكون شرطاً لعمل نفسه فانه في غير محله جداً إذ مع اجتهاده ليس رجوعه إلى الغير من رجوع الجاهل إلى العالم لو لم يكن الامر بالعكس بل لو كان اعتقاد المقلد مخالفاً لاعتقاد مجتهده في بعض مباني فتواه لا يجوز له الرجوع اليه في ذلك مثل ان كان المقلد مؤرخاً عالماً بارباب رجال الرواية و ضعَّف من اعتمد مجتهده في فتواه على خبره لم يجز له العمل بفتواه المستندة إلى ذلك الحديث متكلًا على وثاقة راويه، نعم في جواز افتائه لغيره يعني افتاء غير العادل و غير الحر و طاهر المولد للغير وجهان مبنيان في الجملة على كون الشرط المفقود من الشروط الواقعية او الاعتقادية اتيان في جواز الامامة لمن فقد بعض شروطها و الاصل في الشرط و ان كان كونه من الشروط الواقعية لان الالفاظ موضوعة للمعاني الواقعية دون العلمية الا ان جملة من شروط الفتوى انما استندوا فيها إلى الاجماعات التي لا مجال للاطلاق فيها و الاستظهار منها مع ما عرفت من المناقشة في ثبوت الاجماع و ظاهر دليل بعضها الآخر و ان كان ما ذكر مثل قوله و أما من كان صائماً لنفسه ... الخ، الا ان الموضوعات المرتبة عليها الاحكام التكليفية ظاهرها ما كان موضوعاً في اعتقاد المكلف على اشكال مع ان لقائل ان يمنع عن حرمة الافتاء حتى على كون الشرط واقعياً لا اعتقادياً إذ ما يمكن ان يكون وجهاً للحرمة ليس الا كونه سبباً لإيقاع الغير على خلاف الواقع حيث يستفاد من قوله في بيع الدهن النجس يبينه لمن اشترى ليستصبح به حرمة ايقاع الغير في القبيح و وجوب اعلامه ليرتدع فان غاية الاعلام و التنبيه ليس تحقق الاستصباح إذ ربما لا يترتب الاستصباح على الاعلام بل من المعلوم عدم وجوبه ايضاً فالغاية التي لا يرضى الامر بتركها هو عدم الاستعمال في غير الاستصباح و لو لم يكن يتسبب لذلك حراماً لم يكن وجه لإيجاب الاعلام، بل يستفاد من نفس وجوب الاعلام على البائع ذلك يعني حرمة التسبب للحرام الواقعي فان المشتري جاهل بالنجاسة فليس بالنسبة اليه حرمة فعليه و لا يتوجب اليه التكليف بالاجتناب بل في مكاسب شيخنا الاكبر (قدس سره) و يشير إلى هذه القاعدة كثير من الاخبار المتفرقة الدالة على حرمة تعزير الجاهل بالحكم او الموضوع في المحرمات مثل ما دل على ان من افتى الناس بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه و قوله:

ما من امام صلى بقوم فيكون في صلاتهم تقصير الا كان عليه اوزارهم

و في آخر

فيكون في صلاته او صلاتهم تقصير الا كان اثم ذلك عليه

و في ثالث

لا يضمن الإمام صلاتهم الا ان يصلي بهم جنبا،

قال و مثل رواية ابي بصير المتضمنة لكراهة ان يسقي البهيمة او يطعم ما لا يحل للمسلم اكله و شربه فان كراهة ذلك في البهائم اشعار بحرمته في المكلفين


1) هذا اذا كان المال كلياً في الذمة و لم يكن للمحكوم له حق تعيينه خارجاً و اما اذا كان عيناً خارجية او كان كلياً و كان له حق التعيين فلا يكون اخذه حراماً.

و يؤيده حرمة الايقاع في القبيح الواقعي بل ربما يقال بوجوب الاعلام و التنبيه و ان لم يكن للشخص تسبيب كما عن العلامة في اجوبة المسائل المهنّائية حيث اجاب بوجوب الاعلام على من رأى في ثوب المصلي نجاسة معللًا بوجوب النهي عن المنكر و لكن مع ذلك كله للنفس في غير ما علم من دليله انه مبغوض الوقوع من المكلف بحيث يراد من كل احد عدمه في الخارج اشكال لعدم دلالة ما زبر على التحريم إذ اقواها وجوب اعلام البائع للدهن النجس بنجاسته معللًا بقوله ليستصبح به بالتقريب الماضي، و فيه مع انه يحتمل القيد من جهة اعتبار وقوع الشراء بهذا الفرض فيكون وجوب الاعلام لتحصيل شرط صحة الشراء كما قيل انه ليس للعلة عموم فيحتمل اقتصار الحكم على بيع الدهن النجس فلا يتعدى مثلًا إلى بيع اللباس المتنجس و لو علم باستعماله و ارتكاب في الاكل و الشراب و ليس هذا التعبد بهذه المرتبة من البعد مع احتمال ان يكون ذلك من جهة ان الدهن النجس ماليته الواقعية تنقص بالنجاسة من جهة عدم جواز الانتفاع به في غير الجهة الخاصة فالجهل به جهل بمقدار ماليته فيجب الإعلام لامرين:

احدهما: عدم المالية له باعتبار منافع غير الاستصباح.

و الثاني: ثبوت المالية له باعتبار الاستصباح هذا كله الكلام من حيث الفتوى، و أما مباشرة القضاء فلا يجوز بلا اشكال لانه مع الشك في مشتبه قضاه تفويت للحقوق و الاموال و اباحة للاعراض مع ان كل ذلك مما علم بعدم رضاء المولى به فيكون للتسبب لوقوعها حراماً بل التسبب لعدم وقوعها في موارد ابتلائه واجباً بل في الاخبار الواردة في عدم جواز التصدي لغير الأهل كفاية لعدم جواز تصديه و عدم جواز الترافع اليه بل هو بالخصوص متعلق للنهي و ان الترافع إلى غير الاهل كالترافع إلى الجبت و الطاغوت و ان كان مورده الترافع إلى قضاة العامة الا ان مقتضى الضابط المذكور فيما بعده انه حكم كل من ترافع إلى غير من كان داخلًا في الضابط المزبور بعد تقيد مطلقها بمقيدها، بل الشهادة عنده لتسبب مقدمات القضاء اعانة على الاثم بل هو اشد في مناط الحرمة من الترافع في وجه، و المال الذي يؤخذ بحكمه حرام كالذي يأخذ غصباً من الغير لعدم سببية حكمه للاستحقاق و لا لدفع حق الدعوى فلا ينبغي ان يجعل مناطاً في التصرف بل هو كذلك و ان كان الاخذ مستحقاً لما يأخذه بل يعم هذا الأعيان او يختص بالكليات و الذمم مقتضى الاطلاق الاول و يؤيده انه بوقوعه في يد الغير صار متعلقاً لحق دعواه و ان كان ملكاً للمدعي فلا يجوز التصرف فيه قبل ابطال حق دعوى من في يده بعد ان اظهر دعواه و اقدم على المرافعة فلا ينافي جواز سرقته منه ايضاً لو سلمناه و من ان العالم بان العين له لا مانع له من التصرف و ليس في اطلاق المقبولة قوة تخصيص جواز تصرف المالك في ملكه و ان السلطنة على الاموال عقلي معاضد بالشرع، ربما يدعى فيها الآباء عن التخصيص حتى قيل فيما ورد في بعض موارده من ترخيص المارة بالاكل مما مر عليه بأنه يكشف عن ثبوت حق له و الا فالحكم بجواز التصرف في مال الغير لا يكاد يقع في الشرع الا بدليل قطعي و في حكمة المنع عن تصرف المالك بل هو من افراده و في وجه فيحمل المقبولة المانعة عن الاخذ بحكم غير الاهل و ان كان الاخذ محقاً على غير الاعيان كما يؤيده قوله في دين او ميراث ضرورة ظهور الدين في الكلي و ظهور النزاع في الميراث في الشبهة الحكمية بل بناء على بعض وجوه علاج الإشكالات الواردة على المقبولة يجب اختصاصها بالترافع في الشبهة الحكمية فيرتفع الأشكال من اصله، كل ذلك مع عدم توقف الاستنقاذ على الرجوع إلى غير الأهل و أما معه فيجوز بلا اشكال لحديث رفع الضرر و الإكراه و الاضطرار و هل يتخير في الرجوع إلى قضاء العامة او

غير الأهل من مجتهدي الخاصة او يتعين الاول لأن مورد بعض الأخبار و الكلمات او الثاني لأنه اقل محذوراً او الشرائط المفقودة فيه اهون من الآخر ليس هنا محل تعرضها.

المسألة الرابعة و الأربعون: يجب في المفتي و القاضي العدالة

و تثبت العدالة بشهادة عدلين (1)و بالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة، او الاطمئنان بها و بالشياع المفيد للعلم (2)

مر الكلام في هذه المسألة و في الطرق اثبات الموضوعات إذ لا تزيد العدالة عن غيرها من الموضوعات بل و مر انها تثبت بحسن الظاهر الكاشف عن الملكة علماً او ظناً و لعله المراد من قوله و تثبت بالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة او الاطمئنان و الا فالمعاشرة إذا لم يقترن بحسن الظاهر لا ينفع و ان اوجب الظن بالملكة، اما اعتبار العدالة في الفتوى بالنسبة إلى غير المفتي فيدل عليه مضافاً إلى المروي عن تفسير العسكري" عليه السلام" و اعتبارها في نقل الحديث الذي ربما يستفاد منه الاعتبار في المفتي بالاولوية و انه لا دليل على تصديقه فيما ينقله من رأيه ظهور الإجماع و كذلك اعتباره في القضاء الذي هواهم بمراتب من الحديث و الفتوى، و بالجملة الكلام في ما تشتمل عليه هذه المسألة مضافاً إلى انه في غاية الوضوح ببانيه غير محتاج اليه قد مر في المسألة الثانية و العشرين و تاليتها.

المسألة الخامسة و الأربعون: إذا مضت مدة من بلوغه و شك بعد ذلك في ان اعماله كانت عن تقليد صحيح ام لا

، يجوز له البناء على الصحة في اعماله السابقة و في اللاحقة يجب عليه التصحيح.

لعل الفرق بين هذه المسألة و بين المسألة الواحدة و الأربعين و تاليتها ان تلك مفروضة فيما إذا كان الشك في صحة التقليد و فساده بعد الفراغ عن وقوع اعماله عن تقليد و لذا قلنا انه له اجراء الأصل في نفس التقليد و في الأعمال الصادرة عنه و قلنا انه لو اجريناه في نفس التقليد ربما استكفينا عن الفحص بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة ايضاً مثلًا لا يدري انه احرز اعلمية مقلده بطريق شرعي ام لا يبني على الاول و يبقى تقليده و هكذا عدالته و لا يحتاج إلى الفحص فيما بعد ذلك و في هذه المسألة مفروضة في الشك في اصل التقليد فلا يجري الأصل الا بالنسبة إلى نفس الأعمال و لك ان تقول بجريانه في هذه ايضاً في نفس التقليد فان الشك في الوجود احرى بجريان الأصل فيه من الشك في الصحة بل الاول من المتيقن من اخبار المضي و عدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز محله، و الحاصل كما انه لو شك في ان تقليده كان على الوجه الصحيح ام لا يبني على وقوعه على الوجه الصحيح كذلك إذا شك في انه كان مقلداً ام لا يبني على انه كان مقلداً، هذا و لكنك خبير بعدم جريان الأصل في التقليد هنا و ان اجريناه في المسألة السابقة و توضيح الفرق بالمثال فان ما نحن فيه نظير من صلى و لا يدري انه تطهر لها ام لا، و ما مضى نظير من علم بأنه تطهر للصلاة و لا يدري انه تطهر صحيحاً ام لا، و كيف كان فالأصل و ان سلمناه في احرار شرط صحة الأعمال السابقة و انه وقعت عن تقليد الا انه لا يكفي لصحة الأعمال اللاحقة فيجب احراز شرط التقليد بالنسبة اليها لأن مجرد


1) مرَّ ان الأظهر ثبوتها بشهادة عدل واحد بل بمطلق الثقة ايضاً.

2) بل يكفي الاطمئنان.

البناء على انه كان مقلداً في اعماله لا يثبت به مقلده بالفتح حتى يتمكن من العمل فهو مع انه يبني على انه كان مقلداً في اعماله السابقة لا ينتفع به للأعمال اللاحقة.

ان قلت سلمنا ذلك بالنسبة إلى غير الأعمال الماضية المعلومة الوجه و أما إذا علم انه صلى مدة مثلًا بلا سورة و شك في انه كان بتقليد ام لا فالأصل في انه كان مقلداً و ان كان لا ينفع في غير الصلاة المزبورة الا انه ينفع بالنسبة اليه فيجوز له الصلاة بعد ذلك بلا سورة اعتماداً على التقليد المحرز بالأصل، قلت الفرق بينهما هو الفرق بين الشك في الطهارة الصادرة منه واصل صدوره الطهارة منه لصلاته فانه في الاول يعتمد على طهارته التي احرز صحتها بالاصل لما يأتي من اعماله و في الثاني و ان كان يبني على انه تطهر لصلاته الا انه لا يصلي بعد ذلك الا بطهر آخر و توضيح الفرق يطلب من غير المقام.

المسألة السادسة و الأربعون: يجب على العامي ان يقلد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الاعلم او عدم وجوبه

، و لا يجوز ان يقلد غير الاعلم إذا افتى بعدم وجوب تقليد الاعلم، بل لو افتى الاعلم بعدم وجوب تقليد الاعلم يشكل جواز الاعتماد عليه (1)فالقدر المتيقن للعامي تقليد الأعلم في الفرعيات.

الفرق بين هذه المسألة و المسألة الثانية عشر المشتملة على وجوب تقليد الأعلم ان ذاك كان مسوقاً لبيان المستفاد من الأدلة الشرعية للمجتهد يعني ان المجتهد بعد المراجعة في الادلة الشرعية يستنبط وجوب تقليد الأعلم و هذه المسألة مسوقة لبيان وظيفة المقلد حين التفاته إلى ان له تكاليف يجب تعرضه لها اطاعة و امتثالًا الذي قد تعرضنا لها سابقاً و اوضحنا ان وظيفته مع عدم استقلال عقله بجواز تقليد غير الاعلم ان يقلد الاعلم لأنه المتيقن ضرورة دوران امره بعد وضوح وجوب التقليد عليه بين التخير بين الأعلم و غيره و بين تعين الاول من المعلوم ان دوران الأمر في الطريق بين التخير و التعين يقتضي الأخذ متجل التعين و طرح الآخر و ان لم نقل بالتعين في دوران امر المكلف به بين التخير و التعين لأن دوران الطريق بين الأقل و الأكثر راجع إلى الشك في طريقية غير محتمل التعين، و الشك في الطريقية علة لعدم جواز العمل به بخلاف غيره من المكلف به النفسي، و كيف كان فلا محيص للمكلف العامي الا عن الرجوع الى معلوم الطريقية ثمّ إذا راجعه و استنبط هو من الأدلة جواز تقليد غير الأعلم و افتاه بذلك فهل يجوز له تقليد غير الأعلم لأنه من العمل بفتوى الأعلم إذ هو من شئونه و عمل بفتواه ام لا حيث لا تشريع للتقليد في اصل التقليد لأن التقليد من الأصول دون الفروع، و لم يعلم تشريع التقليد في الأصول، فالمتيقن هو الرجوع اليه في المسائل الفرعية.

ان قلت تقليد غير الأعلم لفتوى الأعلم ليس الا عبارة عن العمل بفتوى الغير الأعلم عن فتوى الأعلم ففي الحقيقة يصدر فروعه عن تقليد الأعلم، قلت لا يمكن ان يصدر الأحكام الفرعية المطابقة لفتوى غير الأعلم عن فتوى الأعلم الا بتوسط جعل فتوى غير الأعلم حجة و سنداً له في اعماله و هو عبارة اخرى عن تقليده اياه في الأصول، نعم يمكن المنع عن كون مسألة التقليد مسألة اصولية كيف و هو شرط صحة عمله الفرعي.


1) لا إشكال فيه اصلًا.

المسألة السابعة و الأربعون: إذا كان مجتهدان احدهما اعلم في احكام العبادات و الآخر اعلم في المعاملات

، فالأحوط تبعيض (1)التقليد و كذا إذا كان احدهما اعلم في بعض العبادات مثلًا و الآخر في بعض الآخر.

بل و كذا إذا كان احدهما اعلم في احكام القراءة و السورة مثلًا لاتحاد المناط في الجميع و هو وجوب الأخذ بقول اعلمها فان الظاهر ارادة اعلمها في تلك المسألة و الأعلمية المطلقة ايضاً انما تكون مرجحاً بهذه الملاحظة و كذا لو كان بمناط الأقربية و أقوائية الظن الحاصل و غيرها إذ احتمال مدخلية الأعلمية في غير المسألة المختلفة فيها هي محل الابتلاء في الترجيح في تلك بعيد الا ان يوجب زيادة بصيرة في تلك فيخرج عن محل الكلام.

المسألة الثامنة و الأربعون: إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه اعلام من تعلم منه

و كذا إذا اخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الأعلام (2).

هذا إذا علم ان المنقول اليه و المفتى له مما يقع مورداً لعمل الغير و لو نقلًا للغير على وجه يعد من الفروع و احكام اللّه عندهم، و أما مع العلم بالعدم كأن علم ام ليس محلًا للعمل و لا ينقل على الوجه المزبور فلا وجه لوجوب الأعلام لأن ما يمكن ان يكون وجهاً ليس الا التحرز عن ايقاع الغير في خلاف الواقع او وجوب حفظ الأحكام عن الاندراس و التغير و شي‌ء منهما غير لازم في الغرض المزبور بل ان علم انه محل لابتلاء المنقول اليه او غيره ممن ينتهي اليه الفتوى ايضاً يمكن المنع عن وجوب الأعلام و الأخبار بالخطإ إذ ليس فيه الا التسبيب لوقوع الغير في خلاف الواقع و ان قبح ذلك يستفاد من جملة من الأخبار المشار اليها سابقاً او انه من افراد الظلم القبيح لأن تفويت المصالح الواقعية على الغير فضلًا عن ايقاعه في مفاسدها مما يستقل العقل بقبحه كما في سائر انحاء الظلم، لكن الانصاف عدم الوثوق بشي‌ء منها و ان كان ظاهرهم تحريم التسبيب و لعله في الأحكام من جهة وجوب ارشاد الجاهل و انه يجب على الحاضر اعلام الغائب فضلًا عما إذا كان ذلك سبباً لتغيرها، لا يقال هذا ليس من التسبيب المحرم لأنه وقع منه غلطاً و بعد ذلك حاله حال غيره في تنبيه من وقع في الخطأ، قلت الإبقاء على الخطأ كإيقاعه فيه في القبح إذا كان الإيقاع بفعله ثمّ ان ما ذكرنا كله بالنسبة إلى غير ما علم من الشارع انه لا يريد وقوعه في الخارج نظير هتك الأعراض و تلف الأنفس و بعض الأنفس و بعض مراتب الأموال فإنه راجع إلى تكليف كل أحد بتسبيب منع وقوعه في الخارج كما انه لا ينافي عدم تحريمه في مورد الحكم بضمان الخاطئ في النقل ان كان متعلقه من الأموال او غيرها مما يستعقب ضماناً.

المسألة التاسعة و الأربعون: إذا اتفق في اثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له ان يبني على احد الطرفين

(3)بقصد ان يسأل عن


1) بل الأظهر ذلك مع العلم بالمخالفة على ما مر، و كذا الحال فيما بعده.

2) الأظهر هو التفصيل بين ما اذا نقل فتواه بإباحة شي‌ء ثمّ بانَ ان فتواه هي الوجوب او الحرمة و بين ما اذا نقل فتواه بالوجوب او الحرمة ثمّ بان ان فتواه كانت الإباحة فعلى الاول يجب الأعلام دون الثاني و كذا الحال بالإضافة إلى المجتهد نفسه.

3) كما يجوز له قطع الصلاة و استئنافها من الاول.

الحكم بعد الصلاة و انه إذا كان ما اتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك، و كان ما فعله مطابقاً للواقع، لا يجب عليه الإعادة.

السؤال بعد الفراغ و العمل بوظيفته و حينئذ فان وافق الواقع صح، و لا يخفى ان ما يتفق للمصلي من الشكوك بعد الشروع في الصلاة اما يحتمل ان يكون مبطلًا للصلاة كأن خرج منه مذي او ودي و لا يعلم انه مفسد لصلاته ام لا يحتمل ان يكون مفسداً كأن عرض له بعض الشكوك التي يعلم انها ليست بمفسدة لكنه لا يعلم الوظيفة و العلاج و على الوجهين اما ان يكون مقصراً في ترك التعلم او قاصراً فان كان قاصراً و احتمل فساد العمل جاز له رفع اليد كما يجوز له الإتمام لعدم العلم بكون رفع اليد ابطال و الأصل البراءة و ان كان مقصراً وجب عليه المضي لأنه مؤاخذ بالأبطال على تقدير كونه ابطالًا كما هو القاعدة في كل جهل لم يكن عذراً فلا يجرى اصالة البراءة، و منه يظهر الحال في الوجه الثاني بقسميه للعلم بكون رفع اليد ابطالًا فيحرم فلو ابدل الجواز بالوجوب كان اولى و لعل التعبير بالجواز باعتبار احتمال حرمة المضي و عدم جواز الاكتفاء بما يأتي متردداً فيراد منه الجواز بالمعنى الأعم الذي لا ينافي الوجوب، هذا ثمّ لا يخفى إن مقتضى ما استظهرنا منه في المسألة الثامنة و العشرون من بطلان عمل تارك التعلم فيما هو محل الابتلاء الا ان يطمئن بعدم اتفاق وقوعه له فيها تقيد هذه المسألة لغير ما كان محلًا للابتلاء او كون المصلي ممن اطمأن بعدم اتفاق ابتلائه او غفلته عما تعلمه و سهوه عنه و الا فلا تنعقد صلاته من رأس و ان كان قد مر منا ان الأقوى صحة صلاته لو لم يتفق له مسألة او اتفق و اتمه رجاء و اتفق المصادفة، و مما ذكرنا يظهر الوجه فيما في المتن من صحة العمل على تقدير المطابقة لأن المفروض تحقق القربة المعتبرة في العبادة بمجرد احتمال المطلوبية، و اعتبار الجزم بالأمر لو قلنا به، فإنما نقول به فيما امكن و أما مع عدم الإمكان فدعوى اعتباره مساوق لدعوى عدم تمشي الاحتياط في الشبهات البدوية العبادية، اللهم الا ان يكون التقرب بنفس الأمر بالاحتياط و الإبقاء على الوجه الذي ذكره شيخنا الأكبر في رسالته مع ما فيه من التعسف.

المسألة الخمسون: يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد او عن الاعلم ان يحتاط في اعماله.

المسألة الخمسون: يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد او عن الاعلم ان يحتاط في اعماله (1).

اما مع عدم اطلاعه على المجتهد فواضح إذ لا دليل على حجية قول غير المجتهد عليه فمع ابتلائه بالعمل يجب عليه الاحتياط لعدم الامن من العقاب بدونه و يكفي في الاحتياط هنا الاخذ من احوط القولين او الاقوال و لا يجب عليه الاخذ باحوط الاحتمالات لعلم العامي بان احد الاقوال هو الحجة عليه و مع عدم امكان الاحتياط لا يبعد وجوب اختيار ما يوافق فتوى المشهور ان حصل منه الظن و الاطمئنان و الا فيحتاط بين ما يظنه و ما ذهب اليه المشهور لانه الاقرب إلى الواقع بعد العلم بعدم سقوطه و عدم وجود طريق خاص و أما زمان الفحص عن الاعلم فلا يبعد جواز الاخذ بفتوى كل من المجتهدين إلى ان يتبين عنده الاعلم منهم بناء (يمكن القول بان اصالة عدم المانع غير جارية في زمان الفحص عن المانع الا ان يقال بعدم وجوب الفحص اصلًا على ما ذكرنا من ان العلم الفتوى المخالفة من الاعلم مانع عن جواز الاخذ بفتوى غيره، و أما بناء على ان يكون الاعلمية شرطاً فعليه الاحتياط بين الفتاوي ان علم باعلمية احدهم و الا فيتخير مع تساوي الاحتمالات و مع وجوب الاحتمال في احدهم دون البقية يتعيّن الاخذ بمحتمل


1) و يكفي فيه ان يأخذ بأحوط الأقوال في الأطراف المحتملة اذا علم بوجود من يجوز تقليده فيها.

الاعلمية على التفصيل الماضي (هذا كله في التقليد الابتدائي و أما في مثل لو قلَّد شخصاً ثمّ مات ففي زمان الفحص عمّن يرجع اليه له ان يبقى على تقليده السابق كذا).

المسألة الواحدة و الخمسون: المأذون و الوكيل عن المجتهد في التصرف في الاوقاف او في اموال القصر ينعزل بموت المجتهد

، بخلاف المنصوب من قبله كما إذا نصبه متولياً للوقف او قيماً على القصر، فإنه لا تبطل (1)توليته و قيمومته على الأظهر.

فانه لا يطهر على الاظهر اما انعزاله بموته لو كان على سبيل الإذن و التوكيل فلانه لا يزيد عن سائر الوكلاء و المأذونين بل و سائر العقود الإذنية التي تبطل بموت الأذن و الموكل بل ليس ذلك بطلاناً و لا فسخاً بل هي متقومة بالإذن و الرضا و طيب النفس المتقومة بالحياة بل و لو لم نقول 0 لتقومها بالحياة ايضاً إذ لا اثر لرضاه بعد موته لانتقال التركة إلى غيره، ففيما نحن فيه تبطل نيابته عن المجتهد بالموت البتة فلا اثر لما كان تأثيره بعنوان نيابته، و أما ما كان من قبيل اعطاء الولاية و القيمومة التي تعد من المناصب فالكلام فيها من جهتين.

احداهما: كون ذلك للمجتهد يعني ان للمجتهد هذا النحو من التصرف بان ينصب متوالياً على الوقف و قيماً على الصغير ام لا.

ثانيهما: ان بموته يبطل هذا التصرف منه ايضاً كالقسم الاول ام لا. لا يبعد ان يستظهر ذلك للمجتهد بما دل على جواز استخلاف القاضي فيما هو في تحت ولايته فان ذلك قسم من الاستخلاف فإذن جاز ذلك في زمن الحضور كما ربما يكون ذلك من مسلماتهم جاز في زمن الغيبة ايضاً بل و كما كان ذلك للامام حيث كان له ان ينصب القاضي و يوليه امر العامة كان ذلك لنائب الغيبة بعموم دليل نيابته بل اطلاق مثل كل معروف صدفة و عون الضعيف صدقة ايضاً لان رفع القصور عن الصغير بجعل اميناً عليه من المعروف، و دعوى ان امكان جعل الولاية و القيمومة و اشباهها موقوف على الالتزام بجعل الاحكام الوضعية و ربما لا يلتزم به بل ربما يرون بعضهم جعلها من المحالات مدفوعة بان مثل هذه الامور التي اليها منشأ انتزاع عرفي قابلة للجعل و لو بجعل منشأ انتزاعها فانها لا تنقص عن القاضي و خليفة القاضي بل و نفس منصب الامامة و توضيح ذلك ان المجتهد قد يتصرف في مال اليتيم و الوقف بعنوان انه لا والي له و المجتهد وليه الشرعي النوعي فيتصرف مع بقاء التحفظ على العنوان الذي جوز له فيه التصرف بذلك العنوان و هو عنوان كون المال او الشخص لا والي له و قد يتصرف فيه بعنوان اخراجه من هذا العنوان فيجعل له والياً و قيماً فيخرج بذلك عن كونه لا والي له و من المعلوم ان عنوان تصرفه لكل واحد من النحوين يغاير الآخر فجعل القيمومة و الولاية على الوقف من قبيل الثاني و الإذن و التوكيل من قبيل الاول لو لم يكن مسبوقاً بجعل نفسه قيماً و متولياً و الا كان منشؤه التصرف على النحو الثاني.

و أما الكلام في الجهة الثانية و هو انه إذا كان تصرفه على هذا النحو الثاني ينعزل بموته ام لا فقد نقل في الجواهر عن بعض انه لا ينعزل بموت المجتهد بل قيل انه لا ينعزل بعزله ايضاً ثمّ قال و ان كان لا يخفى عليك ما فيه ضرورة كونه من فروعه الذين ينعزلون بانعزاله بموت و نحوه إذ هو ليس ازيد من الامام الذي ينعزل نوابه بموته، نعم لو قيل بجواز توليتهم


1) فيه اشكال و الاحتياط لا يترك.

من قبل الامام امكن حينئذ عدم انعزالهم بموته لكونهم من فروع الامامة حينئذ لكن جواز ذلك لا يخلو من نظر للشك في اصل ثبوت الولاية لهم على الوجه المزبور و على تقديره فالمتجه جواز عزله له إذاً كما ان له ولاية على النصب له ولاية على العزل لإطلاق الدليل، الا ان الانصاف الشك في ذلك و الاصل العدم و كذا الشك في استفادة الولاية لكل حاكم على عزل نائب الآخر بل لعل المستفاد عدم ولاية لاحدهم على ما دخل في ولاية الآخر و لا اقل من الشك و الاصل العدم، انتهى بتغير منا غير مغير و التحقيق ما ذكرنا من ان له اعطاء الولاية من قبل نفسه و من قبل الامام و انه لا ينعزل بموته على أي وجه كان إذ يكون القيمومة من قبل نظير القيمومة من قبل الاب و الجد و توليه الوقف من قبل الواقف او المتولي على ذلك هذا لو كانت التولية من قبل نفسه و أما لو كانت من قبل الامام فعدم فسادها بموته اوضح.

المسألة الثانية و الخمسون: إذا بقي على تقليد الميت من دون ان يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد.

الا إذا استقل عقله بجواز بقائه على تقليد الميت و أما مع عدم ذلك فيجب عليه الرجوع إلى الغير و التقليد فيأخذ بالمتيقن ان كان، لكنك عرفت ان العدول إلى تقليد الحي لما كان محتمل المنع كالبقاء على تقليد الميت لم يكن هناك له طريق يقيني فوجب عليه الاحتياط بالاخذ باحوط القولين، الا ان يقال ان هذا إذا كان قد قلد الميت في مسألة البقاء إذ يكون حينئذ تقليده للحي عدولًا و أما إذا لم يكن قلد الميت فيكون الرجوع إلى الحي في مسألة العدول و البقاء من المتيقن إذ ليس تقليد الحي في مسألة البقاء عدولًا عن الميت حتى يدور امره بين المحذورين، ان قلت كيف يمكن ان يكون قد قلد الميت في مسألة البقاء على تقليد الميت، قلت لا مانع منه لو قلنا بان اخذ الرسالة و الالتزام بالعمل تقليداً الا ان يمنع عن كون ذلك تقليداً إلا فيما امكن الاخذ به و مسألة البقاء على تقليد الميت لا يمكن الاخذ و العمل به و أما لو لم نقل بكون مجرد ذلك تقليداً فيمكن ان يكون قد قلده في البقاء على تقليد سابقه زماناً فيكون قلده في مسألة البقاء على تقليد الميت و عليه فيكون اخذ ذلك من الحي عدولًا فيخرج عن كونه من المتيقن، و كيف كان فلا اشكال في وجوب كون البقاء على تقليد الميت مستنداً إلى اجتهاد او تقليد غير ذلك الميت و الا كان بقاؤه على تقليده بتقليده دوراً واضحاً، و قد عرفت ان الاخذ في ذلك بتقليد الغير ايضاً لا يمكن الا ان يكون ذلك الغير من المتيقن و الا فلا يجوز للعامي تقليده و لا يكون من المتيقن الا إذا لم يشتمل على عدول من الميت و إلّا فمع احتمال حرمة العدول عنه كان امر الرجوع إلى الحي دائراً بين المحذورين.

المسألة الثالثة و الخمسين: إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلًا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها

، او قلد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة، ثمّ مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد، لا يجب عليه (1)اعادة الأعمال السابقة و كذا لو اوقع عقداً او ايقاعاً بتقليد مجتهد


1) الضابط في هذا المقام ان العمل الواقع على طبق فتوى المجتهد الاول اما ان يكون النقص فيه نقصاً لا يضر مع السهو او الجهل بصحته، و أما ان يكون نقصاً يضر بصحته مطلقاً، ففي الاول لا تجب الإعادة و أما الثاني ففيه تفصيل. فاذا قلَّد من يقول بعدم وجوب الصورة في الصلاة ثمّ قلَّد من يقوم بوجوبها فيها لم تجب عليه اعادة الصلاة التي صلّاها بغير سورة في الوقت فضلًا عن، و أما في الثاني كالطهور فان كان الاجتهاد الثاني من باب الأخذ بالمتيقن و قاعدة الاحتياط وجبت العادة في الوقت لا في خارجه، و ان كان من جهة التمسك بالدليل فالظاهر وجوب العادة مطلقاً.

يحكم بالصحة ثمّ مات و قلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء (1)لى الصحة نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني و أما إذا قلد من يقول بطهارة شي‌ء كالغسالة ثمّ مات و قلد من يقول بنجاسته فالصلوات و الأعمال السابقة محكومة بالصحة و ان كانت مع استعمال ذلك الشي‌ء، و أما نفس ذلك الشي‌ء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته و كذا في الحلية و الحرمة، فإذا افتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد مثلًا فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد و قلد من يقول بحرمته، فإن باعه او اكله حكم بصحة البيع و اباحة الأكل، و أما إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه و لا اكله و هكذا.

و ضربات التيمم و عمل ثمّ قلد من يقول بالتعدد اخرى و كذا لو اوقع عقداً او ايقاعاً بتقليد ثمّ قلد من يقول بفسادها نعم فيما يأتي يعمل على قول الثاني و أما إذا قلد من يقول بطهارة شي‌ء كالغسالة ثمّ قلد من يقول بنجاسته او قلد من يقول بجواز الذبح بغير الحديد فذبح به فقلد من يقول بعدم جوازه اجتنب عن ذلك الشي‌ء مع وجوده، نعم في الأعمال السابقة يتبع الفتوى الاولى لعل التفصيل المزبور مراجع إلى ان الموضوع الذي هو متعلق الحكم ان كان باقياً انقلب حكمه باختلاف الفتوى مثلًا الغسالة موضوع الحكم بالطهارة و النجاسة و هي باقية فإذا رجع المجتهد إلى الفتوى بطهارتها يحكم بطهارتها ثمّ لو رجع إلى الفتوى بنجاستها يحكم بها و كذا اللحم المذبوح بغير الحديد او على غير القبلة بخلاف مثل العبادات المأتي بها في اوقاتها فان الحكم بصحتها قد انقضى و ذهب موضوعه و لم يبق منه الا الحكم و الأثر و كذلك الملكية المسببة عن العقد و الانتقال و الإسقاط و البينونة المتحصلة من الإيقاع قد انقضى ما هو موضوع الحكم فيها فما هو الموضوع غير باق حتى ينقلب حكمه و الأثر مترتب على صحته حين وقوعه و لكن هذا التفصيل لا ارى رجوعه إلى محصل إذ نحن لا نرى فرقاً بين سببية العقد للانتقال و الملاقاة لنجاسة الغسالة و الذبح لطهارة الحيوان و الامتثال لبراءة الذمة، و يمكن ان يكون راجعاً إلى ما يظهر من الجواهر من الفرق بين ما كان مقتضى الفتوى فيه البقاء و الاستمرار كالعقود و الإيقاعات فان مقتضى الفتوى تأثيرها في النقل إلى حصول المزيل و كذلك الامتثال يقتضي البراءة مطلقاً لا إلى حد بخلاف الذبح و الملاقاة فان مبنى الفتوى فيها و نظائرهما مما ليس على البقاء و الاستمرار و هذا التفصيل ايضاً غير منضبط فانا لا نرى لبقاء اثر العقد و الإيقاع و الامتثال استمراراً و بقاء ازيد مما نرى في اثر الملاقاة و الذبح و في المقام تفاصيل اخر يحتمل انطباق ما في المتن عليها لا يهمنا التعرض لها بعد ان كان مقتضى القاعدة عدم الأجزاء مطلقاً بناء على الطريقية و عدم انقلاب الواقعيات باختلاف الأصول و الأمارات و ان المصيب واحد و البقية مخطئ و ان الموضوع للآثار هو السبب الواقعي و الموضوع النفس الأمري دون الأعم منه و من الظاهري فالعقد المؤثر في النقل هو


1) اذا كان العقد او الإيقاع السابق مما يترتب عليه الأثر فعلًا فالظاهر عدم جواز البناء على صحته في مفروض المسألة، و كذا الحال في بقية موارد الأحكام الوضعية من الطهارة و الملكية و نحوهما.

ما كان صحيحاً واقعاً لا صحيحاً باعتقاد العامل او باعتقاد مجتهده فان مع جمع هذه المقدمات لا ينبغي الأشكال و التأمل في ان مقتضى القاعدة عدم الأجزاء، و بالجملة عدم الأجزاء مقتضى جمع امور و مقدمات منها كون الأمارات طرقاً إلى الواقعيات من دون ان يكون لها موضوعية له و نحو مصلحة يوجب قلبها و لذا قيل ان الأجزاء و عدمه من فروع التخطئة و التصويب، و منها انا كما نقول بالتخطئة في الأحكام كذلك نقول بها في الأسباب و الموضوعات بل التخطئة في الموضوعات في الجملة اتفاقي، و منها ان مقتضى قاعدة السببية ان يكون الموضوع للآثار هو السبب الواقعي دون الاعتقادي بالنسبة إلى المباشر يعني ان ما يترتب عليه النقل و الانتقال و الحلية و الحرمة هو السبب الصحيح في الواقع دون الاعتقادي، نعم الطريق إلى الصحيح الواقعي هو اعتقاد المجتهد بالنسبة اليه و مقلديه دون غيرهم و ان كان قد يكون كذلك كما في صحة صلاة الإمام بالنسبة إلى صلاة المأموم عند بعض الا ان القاعدة يقتضي ما ذكرنا، و منها ان الأمارة الثانية القائمة عند المجتهد حجة بالنسبة إلى الوقائع السابقة و انها لا تختص حجيتها بواقعة دون اخرى، نعم لا معنى لحجيتها بالنسبة إلى ما لم يكن له اثر حال قيام الأمارة، و منها عدم المعارضة بين الأمارات السابقة و اللاحقة بعد فساد السابقة و تبين الخطأ فيها بل لعل لدليل اللاحقة نحو حكومة بالنسبة إلى السابقة فلا يتوهم التعارض بينهما فضلًا عن تقدم السابقة على اللاحقة، مضافاً إلى ان المعارضة لا تنفع في الأجزاء ثمّ بعد الجمع بين هذه الأمور لا ينبغي التأمل في اقتضاء القاعدة عدم الأجزاء و ما يتوهم من المخرج عن هذه القاعدة من الإجماع و السيرة و العسر و الحرج و ترتب الأثر على الصحة باعتقاد المباشر دون الواقعي ليس شي‌ء منها قابلًا للتوجه، اما الإجماع فواضح إذ لا اجماع مع مخالفة جمع خصوصاً مع ما عرفت من الشهيد من جعل الأجزاء متفرعاً على التصويب خصوصاً مع ان المسألة لها مدارك عقلية و شرعية و في مثلها لا يستكشف رأي الرئيس من اتفاق المرءوسين، و أما السيرة العملية الكاشف اتصالها عن مذاق صاحب الشرع فادعاؤها موقف على دعوى ان اختلاف المجتهدين دائماً لا اقل من كونه غالباً من غير الأحوط إلى الأحوط و ان العمل مع كون الفتوى على غير الأحوط عليه دون الاحتياط و انى لنا بذلك مع ما قل من انقلاب الأحوط إلى خلافه و ان العمل ربما يكون على الاحتياط مع كون الفتوى على خلافه، ثمّ ان عدم الاعتناء من المقلدين ربما يكون من عدم المبالاة و المسامحة كما في غالب سيراتهم و من المجتهدين غير معلوم و مما ذكرنا ظهر انه لا حرج و لا عسر مضافاً إلى ان العسر الشخصي لا يوجب تغير الحكم الكلي غاية الأمر يوجب رفع الحكم الشخصي ممن عليه العسر بقدر رفع العسر و الحرج، و العسر النوعي غير معلوم الثبوت و على تقديره لم يعلم سببيته لرفع التكليف و تغير الحكم لظهور الأدلة في الشخصي، نعم العسر المخل بالنظام و ان كان نوعياً يوجب رفع الحكم، و أما ترتب الأثر على الصحة باعتقاد العامل فهو يتبع الدليل و قد جعلناه من احدى المقامات و حينئذ فالأقوى بمقتضى القواعد عدم الأجزاء و يمكن التمسك في باب الصلاة بقاعدة الفراغ و اصالة الصحة بل و يجري ذلك في مطلق العبادات بل و غيرها من المعاملات حتى بالنسبة إلى الصادر من الغير ايضاً لعموم ادلة البناء على الصحة لكنه و ان كان غير بعيد بناء على ظاهر اطلاقاتها الا ان قصر حجيتها في خصوص الشبهات الموضوعية دون الحكمية و ظهورها و لو انصرافاً او نظراً إلى الحكمة المشار اليها في بعض الأخبار فبمورد لم يكن صورة العمل محفوظة بل و في سوقها سوق الغاء احتمال السهو و النسيان يبعّد الاعتماد على هذا الاطلاق و لذا لم يحضرني من تمسك بها، نعم في خصوص الصلاة إذا لم يوجب الاختلاف زيادة ركن او نقصه يمكن التمسك بلا تعاد

و لا وجه للتعدي إلى غيرها و مع ذلك كله فالمسألة في نهاية الأشكال و لعلنا نعيد اليها في ضمن المسألة الآتية الا ان يثبت الدليل على ان العمل الواقع صحيحاً باجتهاد او تقليد صحيح يترتب عليه الآثار و لو بعد بطلان الطريق فيكون حال طريقه بعد اختلاف رأيه حال العمل الصادر من مجتهد آخر فان الآخر يرتب آثار الصحة على موضوع صدر من الاول باجتهاد أ لا ترى انه يجوز عليه التصرف فيما اشتراه بالعقد الفارسي او امرأة زوجها به كذلك يكون حال نفسه بالنسبة إلى زمان الاجتهادين و الإنصاف انه ليس ببعيد.

المسألة الرابعة و الخمسون: الوكيل في عمل عن الغير كإجراء عقد او ايقاع او اعطاء خمس او زكاة او كفارة او نحو ذلك يجب ان يعمل بمقتضى تقليد الموكل

لا تقليد نفسه إذا كانا مختلفين، و كذلك الوصي في مثل ما لو كان وصياً في استيجار الصلاة عنه يجب ان يكون على وفق فتوى مجتهد الميت.

لا يخفى ان لازم ما مر منا من كون حجية الطرق و الأمارات من باب الطريقية و انه ليس لها بوجه موضوعية ان لا يختلف الواقع بالنسبة إلى المجتهدين المختلفين و ان كان مقتضيات الطرق و الأمارات بالنسبة اليهم مختلفة فالمختلفين في الاجتهاد يختلف طرقهم إلى الواقع فيختلف تنجز الواقع بالنسبة اليهم فقد يكون الواقع بالنسبة إلى احدهم منجزاً و بالنسبة إلى الآخر غير منجز و ذلك لأداء الطريق اليه بالنسبة اليه دون صاحبه فيكون الآخر معذوراً و صاحبه غير معذور و من ذلك تكاليفهم العقلية في موارد اختلاف الأمارات و حينئذ فإذا كان احدهم وكيلًا لآخر في اجراء عقد او ايقاع او عمل عبادي فهل يراعي في عمله ما يكون من الواقع فعلياً في عمل نفسه او عمل موكله وجهان من ان الواقع لهما واحد و تكليف الوكيل في مقام احرازه ما يؤدي اليه امارته و حجيته لانه التكليف في عمل الوكالة فيجب ان يراعي ما هو طريق بالنسبة اليه و لو كان العمل لغيره و من ان وظيفة الوكيل اتيان ما كان فعلياً من الواقع بالنسبة إلى موكله و الفعلي من الواقع بالنسبة اليه ما كان مؤدى لطريقه، و بعبارة اخرى وظيفة الوكيل في العبادات بل و في المعاملات اتيان ما كان سبباً للموكل و في حكمه و منجزاً عليه و مكلفاً بحسب العقل و الشرع لتحصيله و هو مؤديات الطرق الواصلة اليه دون الوكيل، و التحقيق الفرق بين الوكيل و الوصي فالوكيل وكيل في تحصيل الواقع بالنسبة إلى الموكل لأنه الذي مكلف بالعمل به فمن يريد شراء دار او تزويج امرأة يريد تحصيله على وجه جائز له التصرف فيه و التمتع به دون ما لو التفت إلى كيفية وقوعه لم يجز له ذلك و كذلك يريد وصول الزكاة و الخمس إلى من يكون الموصول اليه مبرأ له و رافعاً لاشتغال ذمته دون من لو التفت اليه وجب عليه اعادته فلو كان مقتضى اجتهاد الموكل او تقليده ما يوافق الاحتياط لم يجز العمل للوكيل على وجه يخالفه، الا ان يجعل العهدة اليه بحيث يخرج عنها بمجرد ايصال المال اليه نظير اقباض المجتهد اياه فانه يقتضيه بما هو ولي المستحق فيخرج من عليه الحق بمجرد ايصال المال اليه عن العهدة لكنه خارج عما نحن فيه فان كلامنا فيمن يؤدي ما يؤدي بعنوان الوكالة عمن عليه الحق و أما ان كان مقتضى اجتهاد الموكل مخالفاً للاحتياط فان عمل الوكيل على الاحتياط فلا كلام و ان عمل على خلاف الاحتياط فقد برأ الموكل عن عهدة الحق و الوكيل عن عهدة العمل بالوكالة كما عرفت و منه ظهر ما لو كان مقتضى الاجتهادين او التقليدين متخالفين، ان قلت في الفرض الأخيران كان العمل عبادياً لا يتمكن الوكيل عن قصد التقرب له اختار ما يخالف

الاحتياط، قلت تمشي القربة منه من هذه الجهة ليس باشكل من تقربه بامر الموكل مع انا نمنع من وجوب قصدها على الوكيل فلا يجب على الوكيل في اداء الزكاة و الخمس قصد القربة، هذا بالنسبة إلى الوكيل و أما الوصي عن الميت فيمكن ان يقال بوجوب رعاية اجتهاده دون الميت لأن ما يفعله الوصي ليس الا لدفع الوزر و استحقاق العقاب عن الميت و العقاب مرتب على الواقع دون مؤدي الأمارات.

توضيحه ان ما يؤتى به في الخارج اما ان يكون الغرض منه ترتيب الآثار بحسب التكاليف المتوجهة إلى الشخص كبيع الدار و شرائه و تزويج المرأة و طلاقها و اداء الخمس و الزكاة مع حياة من عليه الحق فان الغرض في الأخير استراحة من عليه و أمنه و عدم وجوبه عليه ثانياً و في الاولين ترتيب آثار الزوجية او البينونة او الملكية للثمن او المثمن و لا اشكال في ان كل ذلك مترتب على ما كان من الواقع فعلياً بالنسبة اليه و ليس ذلك الَّا ما ادت اليه اليه حجته و امارته، و أما ان يكون الغرض رفع الوزر و العقاب او جلب الثواب كمن يوصي باستيجار من يصلي عنه فانه ليس الغرض من ذلك الا رفع ما توجه عليه من استحقاق العقاب و من المعلوم ان العقاب المتوجه اليه ليس الا على الواقع الفائت عنه لا على مخالفة الطريق لما قرر في محله من ان التكليف بالعمل بالطريق ان كان فهو تكليف مصحح للعقاب على مخالفة الواقع في مورده و الا فلا يكون الا تجرياً، ثمّ هل للميت ان يوصي بالعمل على ما يوافق اجتهاده او تقليده و ان اوصى كذلك فهل على الوصي العمل إذا خالف رأيه و هل يجوز للأخير النيابة عن الميت في عمل يراه باطلًا التحقيق، نعم ان كان خلافه للميت بالدليل الظني و لا ان كان بالدليل العلمي.

المسألة الخامسة و الخمسون: إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة المعاطاة مثلًا او العقد بالفارسي

، و المشتري مقلداً لمن يقول بالبطلان، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع (1)ايضاً لأنه متقوّم بطرفين فاللازم ان يكون صحيحاً من الطرفين، و كذا في كل عقد كان مذهب احد الطرفين بطلانه، و مذهب الآخر صحته.

اختلف الموجب و القابل في صحته و فساده و في مكاسب شيخنا الأكبر" قدس سره" في المسألة وجوه ثالثها اشتراط عدم كون العقد المركب منها مما لا قائل بكونه سببا في النقل كما لو فرضنا انه لا قائل بجواز تقديم القبول على الايجاب و جواز العقد بالفارسي أدرؤها اخيرها و الاولان مبنيان على ان الأحكام المجتهد فيها بمنزلة الأحكام الاضطرارية او هي احكام غدرية إلى ان قال هذا إذا كان بطلان العقد عن كل مستند إلى فعل الآخر كالصراحة و العربية و الماضوية و الترتيب و أما الموالاة و التنجز او البقاء على صحة الانشاء إلى آخر العقد فالظاهر ان اختلافها يوجب فساد المجموع لأن الإخلال بالموالاة او التنجز او البقاء على صحة الإنشاء يفسد عبارة من يراها شروطاً، انتهى ملخصاً و فيه ان الأحكام الظاهرية لم يحتمل احد كونها من قبيل الأحكام الاضطرارية مشتملة على مصلحة مغيرة للواقع منصرف في دليله و الا لزم التصويب الباطل ثمّ لا تلازم بين عدم كونها من قبيل الاضطراري و كونها مجرد عذر لمن قامت عنده من غير استتباع حكم فيوردها شرعي و حينئذ فلو كان فبموردها جعل حكم شرعي كان ما وقع مطابقاً لها صحيحاً


1) بل يصح بالنسبة اليه، و تقوّم البيع بالطرفين انما هو بالإضافة إلى الحكم الواقعي دون الظاهري.

شرعياً فكان لأحد المجتهدين ترتيب آثار الصحة على فعل المجتهد الآخر فلا يجوز له تزوج امرأة عقد عليها بالفارسية و لا التصرف في دار اشتراها بالعقد الفارسي من دون إذنه بخلاف ما لو كانت مجرد عذر، و على أي حال فلا مانع من ان يرتب القائل بصحة العقد بالفارسي إذا قبل بالفارسية الأثر على العقد الذي اوجبه من يقول بفساده لاجتماع شرائط الصحة عنده و لا مانع من اختلاف المتبايعين في الصحة و الفساد ظاهراً و علل المصنف ما ذهب اليه من الفساد في حاشية على المكاسب بان ترتب الأثر على ظن المجتهد الآخر انما يكون فيما لو كان فعله موضوعاً للحكم بالنسبة اليه كما في مثال النكاح و غيره و أما إذا كان في فعله قائماً مقام فعله فلا كما إذا استأجر الولي الذي يجب عليه قضاء الميت من يعتقد بطلان صلاته و ان كانت صحيحة عند نفسه فان فعل الأجير فعل المستأجر فلا يجوز الاكتفاء به قال و ما نحن فيه يعني اختلاف طرفي العقد من هذا القبيل فان العقد متقوّم بطرفين و يجب على كل من المتبايعين ايجاد عقد البيع الذي هو عبارة عن الإيجاب و القبول فلا يجوز لواحد منهما الأكل الا بعد ذلك فمنع اعتقاد احدهما بطلانه و لو ببطلان احد جزئيه لا يجوز له ترتيب الأثر قال و انما يتم ما ذكره المصنف" قدس سره" لو كان المؤثر في حق البائع في جواز الأكل الإيجاب الصحيح و بالنسبة إلى المشتري القبول الصحيح و ليس كذلك إذ المؤثر المجموع و هو فعل كل واحد منهما، و بعبارة اخرى ليس جواز القبول معلقاً على وجود ايجاب صحيح من الغير حتى يقال ان المفروض انه محكوم بالصحة عند الموجب و بالجملة البيع فعل تشريكي و لا بد من كونه صحيحاً في مذهب كل منهما ليتمكن من ترتيب الأثر عليه و هذا بخلاف مسألة النكاح فان الفعل للاول و الثاني يرتب عليه اثره انتهى.

و مراده من مثال النكاح النكاح الواقع من احد المجتهدين مع طرفه صحيحاً بالنسبة إلى مجتهد آخر مخالف له في فتواه و الا فحال النكاح مع اختلاف الطرفين حال البيع و على أي حال فلم يأتِ لما ذكره من الاعتبار بدليل قاطع للاطلاقات بالنسبة إلى الطرف الذي يرى البيع كذلك صحيحاً.

المسألة السادسة و الخمسون: في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعى

الا إذا كان مختار المدعى عليه اعلم، بل مع وجود الأعلم و امكان الترافع اليه الاحوط الرجوع اليه مطلقاً.

ظاهرة جواز الترافع إلى غير الاعلم مع توافق المدعى و المدعى عليه، نعم الاحوط عدم ترافعهما إلى غير الاعلم و لو مع التوافق و يتوجه عليه ان الظاهر مع اتحاد المدرك في المسألتين يعني المحاكمة إلى المفضول مع وجود الافضل و تقليده بل ربما يكون من افراده إذا كانت الشبهة حكمية كالنزاع في اختصاص الاكبر بالحبوة مجاناً وارث الزوجة من الدية مثلًا فلا وجه جزمه بوجوب تقليد الاعلم او توقفه و جزمه بالجواز هنا، نعم بناء على ما ذكرنا من ان مخالفة الاعلم مانعة من تقليد غيره لا يتوجه اشكال لما عرفت من ان المانع مخالفة الاعلم و هو في الفتوى يتحقق بنفس الافتاء على الخلاف و أما في الحكم فلا تتحقق المخالفة الا بعد المراجعة و الحكومة او الدخول و يمكن ان يجاب بناء على مختار المصنف" قدس سره" ايضاً بان الاطلاقات المسوقة لبيان الرجوع إلى العلماء الشامل للاعلم و غيره لم تقيد بخصوص الاعلم الا في صورة مخالفتها في الحكم، اما في باب التقليد فلا دليل لفظي عليه فضلًا عن ان يكون له اطلاق كذلك فيجب

الاخذ بالمتيقن الطريقية و ان كنا اوضحنا الاطلاقات في باب التقليد ايضاً ثمّ بناء على جواز الرجوع إلى غير الاعلم فما وجه تعين الاعلم إذا اختاره المدعي عليه و يمكن ان يكون لاجل الاجماعات المدعاة على تعين الرجوع إلى الاعلم، او يقال ان المستفاد من المقبولة الدالة على تعين الاعلم عند الاختلاف تقديمه عند اختلاف المتداعيين، او يقال ان الرجوع إلى الاعلم الموجب لوجوب الاجابة على المدعي دعوته إلى الحضور لو استدعاه تمنع عن جواز رجوعه إلى غيره لظهور التنافي بين مقتضيهما بل كان يتحقق به موضوع المخالفة التي يتقدم فيها الاعلم، او يقال بانصراف إلى اطلاقات التي كانت هي المنشأ لجواز الرجوع إلى غير الاعلم إلى غيره و كيف كان فاختيار المرجع و المحاكمة ابتداء بيد المدعي لانه المطالب بالحق فله الحضور عند أي حاكم اراد و قد عرفت ان مقتضى القاعدة بقاء هذا الخيار و لو اراد المدعي عليه الحضور عند الاعلم الا ان يدعى تعينه حينئذ باحد من الوجوه السابقة و لا بأس ببعضها بل لعل مقتضى اطلاق المقبولة 0 كفاية التشاح في تقديم الاعلم.

المسألة السابعة و الخمسون: حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه و لو لمجتهد آخر الا إذا تبين خطأه

، عدم جواز نقضه و لو لمجتهد آخر فلاطلاق ما دل على حرمة الرد و لانه حكم من جانب اللّه بالعدل و القسط فلا يجوز رده و أما انه يجوز ذلك إذا تبين خطأه فلا اشكال فيه لو كان المراد من تبين الخطأ ظهور عدم كون اجتهاده مبتنياً على القوانين المقررة للاجتهاد بمعنى عدم كون الحكم المجتهد فيه حكماً الهياً لعدم المشي فيه على القوانين الواصلة الينا او عدم اتعاب النظر في استيفائنا و الحاصل ان لا يكون القاضي فيه معذوراً و أما لو كان اجتهاده منطبقاً على الاصول معذوراً فيما ادى اليه نظره فجواز نقضه و الرد عليه محل اشكال مع تلك الاطلاقات حتى لو كان تبين خطأه علمياً إذا كان العلم المزبور محلًا لاجتهاد الخلاف بل جواز نظر المجتهد في مباني المجتهد الاول لعله من التفحص المنهي عنه بل نظره في اصل المسألة و مراجعة المرافعة ثانياً مع ثبوت حكم الاول شرعاً محل اشكال و ان كان ظاهرهم الجواز ان كان ذلك بمسألة المتداعيين و تراضيهما على تجديد المرافعة، و كيف كان فلعل من قرن في اصل المسألة بين ما كان تبين الخطأ علمياً او ظنياً نظراً إلى ان الغالب عدم كون المباني العلمية قابلة للاجتهاد و الخطأ فيها فيكون المجتهد لخلافه مقصراً في اجتهاده.

المسألة الثامنة و الخمسون: إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره، ثمّ تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة

، لا يجب على الناقل اعلام من سمع منه الفتوى الاولى و ان كان احوط، بخلاف ما إذا تبين له خطأه في النقل فإنه يجب عليه الاعلام (1).

و اعلام الغير بتبدل رأي المجتهد و ان كان احوط و ان كان عليه ذلك إذا كان مخطئاً في نقله اما انه لا يجب عليه اعلام من نقل اليه الفتوى بتغير رأي المجتهد فلعدم المقتضى له إذ ليس البقاء على الرأي الاول من المنكر حتى يجب الردع عنه و لا كان ذلك بتسبيبه حتى يقال انه عامل على خلاف وظيفته فيجب عليه ردعه لقبح التسبيب إلى ذلك عقلًا بل مر منا المنع من وجوب الاعلام عقلًا إذا كان مخطئاً في نقله


1) مر الكلام فيه.

الا إذا كانت الواقعة على طبق المنقول مما لا يريد الشرع وقوعها فيجب على كل احد ردع العامل من غير اختصاص بالناقل.

المسألة التاسعة و الخمسون: إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا

، و كذا البينتان، و إذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاهاً قدم السماع (1)و كذا إذا تعارض مع ما في الرسالة مع السماع، و في تعارض النقل مع ما في الرسالة قدم ما في الرسالة مع الامن من الغلط.

لعل ذلك مع اتحاد تأريخ التعارض او العلم بعدم اختلاف الرأي من المجتهد و الا فلا وجه لعدم الجمع بالحمل على تبدل الرأي فيأخذ بالتأخر و هل يقدم الاظهر و النص على الظاهر، و بعبارة اخرى يجمع بين المتعارضين في الدلالة كما يجمع في الاخبار او لا وجهان اقواهما لا لأن الجمع الدلالي راجع إلى رفع اليد عن الظهور لقرينة نص او اظهر، و بعبارة اخرى مرجع الجمع الدلالي إلى جعل بعض الكلام قرينة صارفة عن ظاهر بعض آخر و من المعلوم انه لا يكون الا بالنسبة إلى متكلم واحد او متكلمين كانا في حكم الواحد و أما مع تعدد المتكلم موضوعاً و حكماً فلا وجه لصرف ظاهر كلام احدهما بكلام آخر إذ لا يكون احد الكلامين قرينة على الآخر فتأمل ثمّ ان ما يظهر من المصنف من تقديم السماع على النقل لعله من جهة ان النقل ظني من جهتين و السماع من جهة واحدة، و منه يظهر وجه تقديمه على ما في الرسالة ايضاً، و أما ترجيح الرسالة على النقل فلأن الرسالة مع الأمن من الغلط بمنزلة السماع ان كان هو الكاتب فلا يكون في الحقيقة بين المجتهد و الرسالة واسطة، و منه يظهر ضعف ما اشرنا اليه من توجيه تقديم السماع على الرسالة المأمونة من الغلط او كان ما ذكرنا مبتنياً على تحقق الواسطة بين المجتهد و الرسالة و قد عرفت منعها بل التحقيق ان كل ما ذكرنا من المرجحات لا يرجع إلى محصل لأن المرجحية كأصل الحجية محتاجة إلى دليل و ليس، و دعوى استفادة ذلك من اخبار التراجيح مدفوعة اولًا بالمنع من التعدي عن ادلة الاحكام اللهم الا ان يقال ان ذلك منها ايضاً و لذا احتملنا حجية خبر العدل بل الموثوق به في نقل الفتوى و ان بيننا على عدم حجيتها في الموضوعات، و الحاصل ان نقل الفتوى اقرب إلى نقل الاحكام الكلية من نقل الموضوعات فيأتي فيها التراجيح المسطورة هناك و يتعدى ما يتعدى اليه هناك ايضاً و لكن لأقرب مع ذلك وجوب الأخذ بالمتأخر ان احتمل تجدد الرأي و الّا تساقطا او اخذ بالموثوق به ان كان.

المسألة الستون: إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها و لم يكن الاعلم حاضراً فان امكن تأخير الواقعة إلى السؤال يجب ذلك

(2)و الا فإن امكن الاحتياط تعين و ان لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم و ان لم يكن هناك مجتهد آخر و لا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور، و إذا عمل بقول المشهور ثمّ تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده


1) في اطلاقه و اطلاق ما ذكر بعده اشكال بل منع.

2) بل يجوز له تقليد غير الأعلم حينئذ.

فعليه الاعادة او القضاء

، و إذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى اوثق الاموات و ان لم يمكن ذلك ايضاً يعمل بظنه و ان لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على احدهما، و على التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفاً لفتواه فعليه الاعادة او القضاء إلى حضور الاعلم وجب و الا احتاط و ان لم يمكن الاحتياط رجع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم و ان لم يمكن ذلك عمل بقول المشهور ان امكن له ذلك و الا رجع الى اوثق الاموات و الا عمل بظنه و الا بنى على احد الاحتمالين و على التقادير ان تبين مخالفة ما اختاره لفتوى مجتهده كان عليه الاعادة او القضاء لا يخفي انه لا اشكال عندنا في جواز العمل بفتوى غير الاعلم ان لم نعلم اختلافه مع الاعلم في الفتوى تفصيلًا و لا اجمالًا لما عرفت من ان الفتوى المخالفة من الاعلم مانع من تقليد غيره لا ان الاعلمية شرط و عليه فلا يجب عليه تأخير الواقعة مع عدم علمه بمخالفتهما، نعم مع علمه بمخالفتهما و لو اجمالًا فيما يبتلي به من الوقائع وجب تأخير الواقعة إلى اطلاعه على طريقه هو قول الاعلم و مع عدم امكان التأخير فهل يكون من موارد عدم التمكن من الاعلم حتى يجوز الرجوع إلى غير الاعلم بناء على ما مر من ان الرجوع إلى الاعلم انما يجب مع التمكن و أما مع عدم التمكن فلا مانع من تقليد غير الاعلم او ان عدم التمكن الذي هو شرط وجوب الرجوع إلى غير الاعلم غير هذا النحو من عدم التمكن لان في الفرض عسر الاطلاع على فتواه اتفاقي لعذرية الواقعة بعد ان رجع اليه و جعله طريقاً بل قلده و التزم بالعمل بفتاويه وجهان و على الاول لا يجب الاحتياط لان المفروض كونه من موارد عسر الاطلاع على فتوى الاعلم و معه يسقط وجوب الرجوع اليه و على الثاني وجب الاحتياط بين ما يحتمل كونه فتواه فيختار احوط الاحتمالات ان كان و الا فيجمع بين الاحتمالين او الاحتمالات، و يمكن ان يقال ان مع امكان الاحتياط لم يتعذر الرجوع إلى الاعلم فيجب و مع عدمه يسقط وجوب الرجوع اليه فيختار و ان لم يكن الاحتياط فهل يجب الرجوع الى غير الاعلم معيناً كما هو الظاهر من المتن او يجمع بينه و بين المراتب المتأخرة بناء على ان طريقية قول غير الاعلم مع وجود الاعلم غير معلومة بل معلومة العدم فحاله مع وجوده حال المجتهد الميت، و دعوى انه ليس من موارد التمكن من الاعلم رجوع عن فرض المسألة إذ قد عرفت ان عليه لا يجب الاحتياط من اول الامر، اللهم الا على ما عرفت من ان مع التمكن من الاحتياط لم يتعذر الرجوع اليه فيجب و مع عدمه يسقط و حينئذ فيتعين الرجوع إلى غير الاعلم و مع وجوده، و أما مع عدم المجتهد فظاهر المتن تقدم المشهور على تقليد الميت و هو على العمل بالظن و لعل وجه الاول ان تقليد الميت مما قام الدليل على عدمه و المشهور لم يقم الدليل على حجيته و مع دوران الامر بين العمل باحدهما يتعين العمل على الثاني و مع عدمهما فالظن اقرب الطرق و مع عدمه يتعين العمل بالاحتمال لان المفروض العلم بعدم سقوط الواقع، و لكن للنفس في هذا الترجيح و الترتيب وسوسة لعدم دليل عليه و ما ذكر لا يرجع إلى ازيد من استحسان لم يقم عليه دليل و احتمال تعين العمل بالظن إذا وافق احداً من الشهرة و فتوى اوثق الاموات قائم فيقدم اياً منهما طابق ظن العامل و ان خالفا ظنه فالاحوط الجمع بين مظنونه و بينهما و مع عدم الامكان فالتخيير محتمل فالتوقف مع عدم امكان الاحتياط متعين، ثمّ ما ذكره من انه ان انكشف عدم مطابقة عمله لما هو فتوى الاعلم لا يتم في المرتبة الاولى جزماً لما عرفت من ان قول غير الاعلم مع العجز عن الرجوع إلى الاعلم حجة شرعية فلا وجه للاعادة مع المخالفة و أما في سائر المراتب فيمكن ان يقال ان وجه الرجوع اليها ليس الا حكم العقل بمقدمات الانسداد و هو يوجب كون ما يحكم به العقل و يعينه للعامل من العمل على المشهور او اوثق الاموات او

الظن حجة شرعية غاية الامر كونه اقرب الطرق إلى الواقع فان وافقه او وافق حجة من حججه اجزأ و الا بقيت ذمة المكلف مشغولة بعد رفع الانسداد و فتح باب العلم و العمل نعم مع رأي حجية فتوى المفتي ايضاً من باب الانسداد لم يكن فرق عنده بين المعمول به في الحالين فيمكن المنع عن عدم الاجزاء و وجوب الاعادة او القضاء عليه.

المسألة الواحدة و الستون: إذا قلد مجتهداً ثمّ مات فقلد غيره

ثمّ مات فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت او جوازه فهل يبقى على تقليد المجتهد الاول او الثاني؟ الاظهر الثاني (1)و الاحوط مراعاة الاحتياط.

لا ينبغي الاشكال في ان الاظهر الاقوى بقاءه على تقليد الثاني ان كان فتوى الثالث جواز البقاء بل عليه يكون رجوعه إلى الاول تقليداً ابتدائياً من الميت لانقطاع التقليد الاول بالعدول إلى الثاني، نعم بناء على قول الثالث بوجوب البقاء و عدم جواز العدول امكن ان يكون عدوله إلى الثاني محرماً غير نافذ فلا يكون عدوله صحيحاً فيجب ان يبقى على تقليد الاول و ليس ذلك تقليداً ابتدائياً له منه لفساد عدوله إلى الثاني و بعبارة اخرى فتواه بوجوب البقاء مقتضاة ان يكون ذلك تكليفاً له من حين موت المجتهد الاول و ان رجوعه إلى الثاني لم يكن بمحله غاية الامر كان معذوراً في المخالفة فيجب عليه من حين فتوى الثالث تقليد الاول على ما كان مقتضى واقعه بمقتضى فتوى الثالث، ان قلت مقتضى تقليد الثالث و ان كان فساد الرجوع إلى الثاني الا ان فتواه لم يكن حجة في حق المقلد حين عدل إلى الثاني فكان عدوله اليه حين عدوله صحيحاً مطابقاً لفتوى مقلده، و فتوى الثالث انما صار حجة له بعد انقضاء تقليد الثاني فيكون تقليده السابق تقليداً صحيحاً و معه يكون الرجوع إلى الاول تقليداً ابتدائياً، قلت نعم انما كان تقليداً صحيحاً إلى زمان موت الثاني و أما بعده فيجب عليه ان يرتب آثار العدول الفاسد بمقتضى فتوى الثالث و عليه فلا يكون رجوعه إلى الاول تقليداً ابتدائياً، و لعل المسألة من فروع ما مر من مسألة الأجزاء و ان الفتوى المتأخر يكون بمنزلة النسخ او كاشفاً عن فساد ما خالفه من الأعمال من قبل وقوعه و قد عرفت ان مقتضى قواعد الطريقية و ان كان هو الثاني الا ان الظاهر ان الأفعال السابقة التي كانت من قبل الموضوع لما يأتي لا يؤثر فيها الاجتهاد المتأخر فما وقع من التقليد السابق للمجتهد الثاني انعقد و لا يؤثر فيه فتوى الثالث فالأظهر ما في المتن من البقاء على تقليد الثاني و ان كان الأحوط مراعاة الاول ايضاً.

المسألة الثانية و الستين: يكفي في تحقق التقليد اخذ الرسالة و الالتزام بالعمل بما فيها

المسألة الثانية و الستين: يكفي في تحقق التقليد (2)اخذ الرسالة و الالتزام بالعمل بما فيها

و ان لم يعلم ما فيها و لم يعمل فلو مات مجتهده جاز له البقاء، و ان كان الأحوط مع عدم العلم بل مع عدم العمل و لو كان بعد العلم، عدم البقاء و العدول إلى الحي بل الأحوط استحباباً على وجه عدم البقاء مطلقاً و لو بعد العلم و العمل.

مر ان الأظهر مراعاة العمل في تحقق التقليد و اشكال الدور المعروف لا محصل له كما مر ان مسألة البقاء و عدمه غير مبنية على كون التقليد مجرد العمل او مطلق الالتزام إذ مبني على جريان استصحاب الحجية او


1) هذا اذا كان المقلد قائلًا بجواز البقاء، و أما اذا كان قائلًا بوجوبه فالاظهر هو الاول.

2) مر حكم هذه المسألة.

الحكم الفرعي او اطلاق الأمر بالسؤال فانه يتحقق بمجرد العلم و لو لم يتعقبه عمل و ان جعلنا التقليد عبارة عن العمل، نعم يمكن ان يقال ان التقليد لو كان مجرد الالتزام كان العمل المتأخر عنه بقاء و ان اعتبرنا فيه العمل لم يكن ذلك بقاء بل تقليداً ابتدائياً محرماً فوجه ابتناء المسألة على تحقيق معنى التقليد تحقيق معنى البقاء و التقليد الابتدائي حتى نجزم بعدمه ان كان من افراد التقليد الابتدائي لكن مر سابقاً ان ما دل على عدم جواز التقليد الابتدائي من الإجماع ان سلماه فلا نسلمه في مثل المور الذي كان فتوى المجتهد قبل موته حجة للعامي و لم يعمل به اتفاقاً او عصياناً ثمّ مات فيمكن ان يقال بجوازه حينئذ و ان كان تقليداً ابتدائياً لعدم الدليل على حرمته و على أي حال فلما احتمل كون ذلك التقليد ابتدائياً محرماً من جهة الإجماع كان الأحوط مع عدم العلم بل و العمل عدم البقاء و العدول إلى الحي و ان كان هذا الاحتياط معارضاً باحتمال حرمه العدول بناء على وجوب البقاء لكنه لم يعتن باحتمال وجوب البقاء لضعفه و رجح الاحتياط في الجانب الآخر و لضعف احتمال وجوب البقاء جعل الأحوط مطلقاً في وجه عدم البقاء و العدول مطلقاً و ان كان قد عمل.

المسألة الثالثة و الستين: في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها، و بين الرجوع إلى غيره الأعلم فالاعلم

المسألة الثالثة و الستين: في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها، و بين الرجوع إلى غيره الأعلم فالاعلم (1)

، لأن معنى الاحتياط هو التوقف في الفتوى و مع توقفه في الفتوى لا معنى لتقليده فاما ان يحتاط العامي على النحو الذي احتاط الأعلم او يرجع إلى غيره و أما إذا جهل ما افتى به الأعلم فهل يجوز له الرجوع إلى غيره ام لا (الظاهر) جوازه الا إذا علم اختلافه مع غير الأعلم فلا يجوز له ذلك بل يجب عليه الاحتياط، نعم مع عدم التمكن من الاحتياط ايضاً دخل فيمن لم يتمكن من الرجوع إلى الأعلم فجاز له تقليد غيره و مر تفصيل ذلك.

المسألة الرابعة و الستون: الاحتياط المذكور في الرسالة (اما استحبابي)

و هو ما إذا كان مسبوقاً او ملحوقاً بالفتوى، (و أما وجوبي) و هو ما لم يكن معه فتوى، و يسمى (بالاحتياط المطلق) و فيه يتخير المقلد بين العمل به و الرجوع إلى مجتهد آخر، و اما القسم الاول فلا يجب العمل به،

و لا يجوز الرجوع إلى الغير بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى، و بين العمل به او ملحوقاً به استحبابي جاز للمقلد تركه لأن السبق و اللحوق بالفتوى دليل على عدم تقفه في المسألة بل مع الإفتاء لو امر بأنه لا يترك لا يجب متابعته الا ان يكون ذلك منه رجوعاً عن الفتوى و أما ان لم يكن مسبوقاً و لا ملحوقاً به فلا يجوز للمقلد تركه لأن المفروض عدم علمه بفتوى مجتهده فيجب عليه الاحتياط او رجوعه إلى غيره ان علم توقفه او لم يعلم اختلافاً بينه و بين ذلك الغير الذي يرجع اليه.

المسألة الخامسة و الستون: في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد ايهما شاء

المسألة الخامسة و الستون: في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد (2)ايهما شاء

كما يجوز له التبعيض حتى في احكام العمل الواحد حتى انه لو كان مثلًا فتوى احدهما وجوب جلسة الاستراحة


1) هذا فيما اذا علم بالمخالفة بينهما و الا فلا تجب مراعاة الاعلم.

2) مع عدم العلم بالمخالفة، و الا فيأخذ بأحوط القولين كما مر، و بذلك يظهر حال التبعيض.

و استحباب التثليث في التسبيحات الاربعة و فتوى الآخر بالعكس يجوز ان يقلد الاول في استحباب التثليث و الثاني في استحباب الجلسة،

مر الكلام في هذه المسألة و في حكم التبعيض في العمل الواحد حتى فيما كان العمل بفتوى كليهما باطلًا فراجع المسألة الثالثة و الثلاثين.

المسألة السادسة و الستون: لا يخفى ان تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي

إذ لا بد فيه من الاطلاع التام، و مع ذلك قد يتعارض الاحتياطان فلا بد من الترجيح و قد لا يلتفت إلى اشكال المسألة حتى يحتاط و قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط مثلًا الاحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الاحوط التوضؤ به، بل يجب ذلك بناء على كون احتياط الترك استحبابياً، و الاحوط الجمع بين التوضؤ به و التيمم و ايضاً الاحوط التثليث في التسبيحات الاربع، لكن إذا كان في ضيق الوقت و يلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت، فالاحوط ترك هذا الاحتياط، او يلزم تركه و كذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط لكن إذا لم يكن معه الا هذا فالاحوط التيمم به و ان كان عنده الطين مثلًا فالاحوط الجمع و هكذا.

مر انه ليس للعامي الاحتياط الا بعد الرجوع إلى مجتهده بتشخيص الاحتياط و كيفيته و عليه فلا مجال لهذه المسألة الا لبيان الاحتياط في المسائل المزبورة ان اراد المقلد الاحتياط فيها و حينئذ فنقول قوله و قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط ينبغي تقيده بصورة عدم امكان الجمع بين الاحتمالين و الا فيكون الاحتياط في الجمع مثلًا في المثال المذكور في المتن الأحوط الوضوء بالماء المستعمل المفروض الانحصار و التيمم ثمّ الصلاة فيجب ذلك ام كان الاحتياط بالترك وجوبياً و يستحب ان كان استحبابياً، نعم إذا لم يتمكن من الاحتياط بالجمع كان ما ذكره احتياطاً و الا فليس فيما ذكر احتياط كما ان قوله فالأحوط ترك هذا الاحتياط يعني الاحتياط بالتثليث في ضيق الوقت ينبغي تقيده ايضاً بان الأحوط ترك التثليث و القضاء خارج الوقت و الا فليس في ترك التثليث احتياط، نعم في المسألتين ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر لقوة احدهما و ضعف الآخر و ليس في ذلك احتياط الا مع تعذر الجمع و كذا قوله في المثال الثالث فالأحوط التيمم به ليس فيه احتياط بل الاحتياط بالجمع بين التيمم به و المرتبة المتأخرة ان كان و الا فالجمع بين الصلاة بهذا التيمم و القضاء خارج الوقت الذي هو وظيفة فاقد الطهارة.

المسألة السابعة و الستون: محل التقليد و مورده هو الأحكام الفرعية العملية

، فلا يجري في أصول الدين و لا في مسائل أصول الفقه و لا في مبادئ الاستنباط من النحو و الصرف و نحوهما و لا في

الموضوعات المستنبطة العرفية (1)او اللغوية و لا في الموضوعات الصرفة، فلو شك المقلد في مائع انه خمر او خل مثلًا و قال المجتهد انه خمر لا يجوز له تقليده نعم من حيث انه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامي العادل و هكذا و أما الموضوعات المستنبطة الشرعية كالصلاة و الصوم و نحوهما فيجري التقليد فيها كالاحكام العملية

، اما عدم جواز التقليد في اصول العقائد ففيما يتمكن فيه من العلم فللإجماع و الآيات و الاخبار و أما مع العجز عن تحصيل العلم فلعدم الدليل عليه إذ لا يجب تحصيل الظن ايضاً حتى يقال انه من طرقه لأن المطلوب هو الاعتقاد فمع تعذره سقط الطلب و لا طلب بغيره و لا دليل الانسداد غير جار فيه إذ ليس المطلوب فيه العمل و لا دليل على عدم جواز التوقف في الاعتقادات، هذا مضافاً إلى انه لا طريق له إلى تقليد بعض ارباب الديانات دون آخر معيناً و التخير بينهم ليس في المحذور انقص من توقفه و عدم التزامه بشي‌ء حتى يتبين له الأمر، نعم ان رأى غيره الواصل إلى الحق تمكنه و لم يخف من ان يحصل له الاعتقاد بالخلاف جاز لذلك الغير ان يلزمه بتحصيل الظن او يأمره بتقليد من يراه على الحق بل لا يبعد وجوبه علي، و أما الموضوعات الاستنباطية العرفية او اللغوية فالظاهر جريان التقليد فيها إذا لم يتمكن العمي من تعلمها عرفاً او لغة إذ لا طريق له حينئذ غيره فانه إذا لم يتمكن من تحقيق مفهوم الفناء او الصعيد بنفسه فأي طريق له إلى رفع الشبهة من مواردها غير التقليد كيف لا يجوز التقليد فيها و تحقيق الحق فيه محتاج إلى جرح و تعديل و ترجيح خصوصاً من يرى الدليل على جواز التقليد في الفروع قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم و السيرة الجارية على مراجعة الناس في كل صنف إلى اهل خبرتها.

المسألة الثامنة و الستون: لا يعتبر الأعلمية فيما امره راجع إلى المجتهد الا في التقليد

و أما الولاية على الايتام و المجانين و الاوقاف التي لا متولي لها و الوصايا التي لا وصي لها و نحو ذلك فلا يعتبر فيها الاعلمية، نعم الأحوط في القاضي ان يكون اعلم من في ذلك البلد او غيره مما لا حرج في الترافع اليه

من يمكن رجوع المترافعين اليه اما عدم اعتبار الأعلمية فلاطلاقات مثل قوله و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة احاديثنا و قوله مجاري الأمور بيد العلماء و سائر ما دل على نيابة المجتهد العادل و جملة منها و ان كانت مطلقة شاملة للقضاء ايضاً الا ان دعوى الإجماع في كلام بعضهم على وجوب الرجوع إلى الأعلم اوجب الاحتياط فيه و ان كان لم يثبت عندنا هذا الإجماع و قوينا جواز الرجوع إلى كل مجتهد عادل في القضاء الا ان يتحقق بينهما تعارض في الحكم على وجه جائز منهما يقدم الأعلم و قد يفصل بين الترافع في الشبهات الحكمية و الموضوعية فيمنع من اعتبار الأعلمية في الثاني دون الاول و منشؤه ان حقيقة الترافع في الشبهات الحكمية تقليد المتحاكمين الحاكم


1) لا فرق في الموضوعات المستنبطة بين الشرعية و العرفية في انها محل للتقليد، اذ التقليد فيها مساوق للتقليد في الحكم الشرعي كما هو ظاهر.

لكنه اشتباه لان فصل القضاء بالفتوى ليس تقليداً منهما له و قد مر الكلام في وجوب تقديم الاعلم إذا اختاره احدهما انه لا يجوز الترافع إلى غيره و النقض و الابرام فيه.

المسألة التاسعة و الستون: إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين ام لا؟

فيه تفصيل فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط، فالظاهر عدم الوجوب و ان كانت مخالفة فالاحوط الاعلام بل لا يخلو عن قوة (1)

، لا إشكال في عدم الوجوب مع موافقة الفتوى السابقة للاحتياط و أما مع المخالفة له فصريح المتن الوجوب و فيه اشكال مرت الاشارة اليه في حكم من اخطأ في النقل فراجع، نعم هو احوط.

المسألة السبعون: لا يجوز للمقلد اجراء اصالة البراءة، او الطهارة، او الاستصحاب في الشبهات الحكمية

. و أما في الشبهات الموضوعية فيجوز بعد ان قلد مجتهده في حجيتها مثلًا إذا شك شفي ان عرق الجنب من الحرام نجس ام لا ليس له اجراء اصل الطهارة، لكن في ان هذا الماء او غيره لاقته النجاسة ام لا


1) في قوته على الاطلاق اشكال.

يجوز له اجراؤها بعد ان قلد المجتهد في جواز الإجراء،

الاصول في الشبهات الحكمية لان من شرط جريانها الفحص الغير الممكن من المقلد، نعم لو فحص المجتهد و رفع موانع الجريان له ان يفتي بان المورد مورد الاستصحاب او البراءة او الاشتغال او التخير لكن المجرى حينئذ ليس الا المجتهد لان مقتضيات الاصول ايضاً تؤخذ منه، و أما في الشبهات الموضوعية فلما لم يتوقف على الفحص و لو سلمنا توقفها عليه كان ممكناً للمقلد ايضاً إذا اخذ الفتوى بجريانها من المجتهد جاز له إجراءها بعد تحقق موردها.

المسألة الواحد و السبعون: المجتهد غير العادل او مجهول الحال لا يجوز تقليده

و ان كان موثوقاً به في فتواه و لكن فتواه معتبرة لعمل نفسي و كذا لا ينفذ حكمه و لا تصرفاته في الامور العامة، و لا ولاية له في الاوقاف و الوصايا و اموال القصر و الغيب

، و ان لم يجز تقليده و لا الرجوع اليه لكن فتاواه لعمل نفسه حجة فالعدالة معتبرة في الموضوع في حكم المقلد دون نفس المجتهد من غير فرق بين كونه موثوقاً به ام لا يعني ليس وجه اعتبار العدالة فيه هو احتمال كذبة في فتواه او عدم اتعاب نظره في اجتهاده حتى يقال انه إذا وثق به ضعف هذا الاحتمال فيحوز تقليده بل اعتبار العدالة له موضوعية في حكم الغير، و كذا لا تنفذ تصرفاته و لا حكمه في الامور العامة لما مر من ان اعتبار العدالة في حكم الغير له موضوعية فلا تنفذ تصرفاته في الحقوق و لا الامور المرجوعة اليه حتى لو كان موثوقاً به و لكن لقائل ان يقول ان اعتبار العدالة شرط الرجوع اليه و التأمين من عنده و جواز وضع اليد على مال المجنون و الصغير و الغائب فيمنع عن ذلك اما لو تصرف فيها على طبق الواقع الصحيح بل على طبق فتواه نفذ فلا يضمن لو اوصل الحق إلى اهله و يكون صاحب الحق بريئاً و كذا لا يضمن مال الغائب و الصبي لو تصرف فيه على طبق المصلحة و القبطة بل يمكن ان يدعى ان المجتهد الذي ظاهر حالة العدالة و التقى إذا حكم على طبق فتواه

واقعاً نفذ حكمه و اجرى ما حكم به على المحكوم عليه و ببالي اني رأيت في بعض رسائل بعض الافاضل ممن عاصرناهم نظير ما ذكرته.

المسألة الثانية و السبعون: الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل الا إذ كان حاصلًا من ظاهر لفظه شفاهاً

، او لفظ الناقل، او من الفاظه في رسالته، و الحاصل ان الظن ليس حجة الا إذا كان حاصلًا من ظواهر الالفاظ منه او من الناقل

، لحرمة العمل به كتاباً و سنة و اجماعاً و عقلًا على ما حرر في محله حتى إذا لم يتمكن من العلم إذ يجب عليه حينئذ الاحتياط و إذا عسر او لم يتمكن قلد غيره و لا يعمل بظنه بفتوى مجتهده على ما مر لما عرفت من عدم الدليل على حجية فتواه و لو كان ظنه في تعين فتوى مجتهده حجة لتعين العمل به عند تعسر الاطلاع على المجتهد وجب عليه رعاية ما ظنه من الحكم الواقعي و قد عرفت خلافه و ان المتبع هو ما ذهب اليه المشهور او اوثق الاموات و ان جعلنا نحن الاحتياط في الجمع بينهما و بين ما ظنه و على كل حال فحجية ظنه في تشخيص فتوى مجتهده لم يدل عليه دليل و ان بلغ إلى مرتبة الاطمئنان و الوثوق و ان كان الظن الاطمئناني ان حصل من قول الغير كان حجة كما مر بل ادعينا عليه السيرة، نعم لو كان ظنه من ظاهر لفظ سمعه شفاها او نقلًا كان حجة لاستقرار بناء العقلاء على العمل بالظواهر من غير تقيّد بافادة الظن و قد وقع الفراغ لمؤلفه (محمد كاظم الشيرازي يوم الاربعاء خامس ربيع الثاني سنة 1303 هجرية).

[كتاب الطهارة]

فصل في المياه

[فصل في المطلق و المضاف]

اشارة

الماء اما مطلق ما هو يطلق عليه الماء عرفاً من غير توسع و علاقة و ليس ما ذكرنا و ذكره الفقهاء تحديداً لمفهوم الماء كيف و هو من اوضح المفاهيم العرفية بل الغرض انه لا يعتبر في مفهومه الا صحة اطلاق لفظ الماء عليه عرفاً من غير حاجة إلى قرينة بخلاف المضاف الذي لا يستحق اطلاق الماء عليه الا بعلاقة و توسع فتخرج المائعات التي لا يصح الاطلاق عليها الا باعتبار المبالغة في الميعان كما يقال للدهن و العسل المائعين في مقام المبالغة في ميعانها انهما ماء: و هل مثل ابوال الحيوانات المأكولة اللحم و عرقهم و عرق الانسان داخل في المضاف الأقوى، نعم و للعدم وجه حيث ان ظاهر الفقهاء في عنوان الباب ان الماء اما مطلق او مضاف انه يعتبر في تحقق عنوان المضاف اطلاق الماء عليه فعلًا و لا يطلق فعلًا على المذكورات نعم ينطبق على مثل ماء الورد و فيه انه لا شبهة في كون عامة المصعدات من المضاف مع انه لا ينطبق عليها لفظ الماء نعم يعتبر صحة الاطلاق عليها و هي في الجميع متحققة مجازاً و كيف كان فالمضاف على اقسام منها المعتصر من الاجسام و منها الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء بلا قرينة و إلا فليس كل مزج بموجب اضافة الماء.

و المطلق اقسام: الجاري و النابع غير الجاري و البئر و المطر و الكر و القليل الطاهر ان غرضه ذكر العناوين الواقعة في لسان الأدلة موضوعاً للاحكام و عليه فكان عليه ذكر الحمام ايضاً و الا فلا وجه لعدوله عما في لسان الفقهاء من التقسيم بالجاري و الراكد و ماء البئر ثمّ تقسيم الراكد القليل و الكثير و على أي حال فكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث و الخبث. و الظاهر ان التقيد بعدم ملاقاة النجاسة لا يرجع إلى الجميع

ضرورة ان الملاقاة غير مؤثرة في الكر و الجاري و المطر و ماء البئر فيكون قيداً لكلية الحكم يعني ان الحكم بطهارة الجميع مشروطة بعدم ملاقاة شي‌ء منها للنجاسة او مسامحة منه في التعبير ثمّ الدليل على طهارة الماء في اصله هو الدليل على طهارة غيره من الأجسام عدا الأمور العشرة بل نفس عد النجاسات دون الأجسام الطاهرة دليل على طهارة الأشياء بمقتضى طبيعتها الاولى و انما خرج ما خرج و أما كونه مطهراً من الحدث و الخبث فلاطلاقات الغسل في المقامين التي قدر متيقنها تحققه بالماء مضافاً إلى المستفاد من الكتاب و الأخبار المتفرقة في الأبواب التي ستمر عليك إن شاء اللّه.

المسألة الاولى: الماء المضاف مع عدم ملاقاته للنجاسة طاهر

لكنه غير مطهر، لا من الحدث و لا من الخبث و لو في حال الاضطرار و ان لاقى نجاسة تنجس و ان كان كثيراً بل و ان كان كثيراً بل و ان كان مقدار الف كر فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة و لو بمقدار رأس ابرة في احد اطرافه فينجس كله، نعم إذا كان جارياً من العالي (1)إلى السافل و لاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه، كما إذا صب الجلاب من ابريق على يد كافر، فلا ينجس ما في الإبريق و ان كان متصلًا بما في يده

، مطلقاً اما طهارته مع طهارة اصله فلما مرَّ في طهارة الماء المطلق و منه يعلم لزوم هذا القيد كما في بعض العبارات و أما انه غير مطهر من الحدث و الخبث فللاستصحاب مع انصراف الاطلاقات مضافاً إلى قوله:

سبحان اللّه كيف يطهر من غير ماء.

و قوله:

كانوا بنو اسرائيل إذا اصاب احدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض فاوسع اللّه عليكم بما بين السماء و الأرض فجعل لكم الماء طهورا.

و قوله: (و ان لم تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا)* حيث انه لو كان غير الماء مطهراً لم يحسن الأمر بالتيمم مع عدم وجدان الماء و غيرها مما يطلع عليها الملتفت إلى اخبار التيمم.

و ما ورد في بعض الأخبار الشاذة من جواز الوضوء بماء الورد مطروح و ان افتى به بعضهم و كان في الأخبار ما يشهد بالجمع بينه و بين الأخبار الدالة على وجوب التطهير بالماء بالحمل على حال الضرورة، و ذلك لأن الجمع بالتعبد و التفصيل فرع الحجية، و الشذوذ مخرج للشاذ عنها.

و أما انه ينجس بملاقاة النجاسة فلقاعدة تنجس كل مائع بل كل رطب بالملاقاة المستفادة من الأمر بإراقة القدر الذي وجد فيه فارة و إراقة الدهن و الزيت الذي ماتت فيه فارة معلقاً اياه بقوله: و ان كان ذائبا فأرقه، و جعل من الأخبار المستفادة منها ذلك بعض الأساطين الصحاح المشتملة على ان الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‌ء بتقريب ان جعل القلة من كرية الماء شاهد على ان غير الماء لا يمنع عن التنجس و ان كان كراً و في الاستفادة نظر بل و في استفادة القاعدة المزبورة حتى في مثل المضاف الكثير البالغ ألف كر كما في عبارة المتن تأملًا فالاولى الاستدلال بالإجماع ان تم و الا فلتوقف بحال ان المدرك في الفرع الأخير و هو عصمة العالي السائل على النجاسة ايضاً منحصر بالإجماع و الا فدعوى امتناع سراية


1) المناط في عدم التنجس ان يكون الجريان عن دفع و قوة من فرق بين العالي و غيره.

النجاسة من السافل إلى العالي لا يرجع إلى محصل الا ان يكون المراد انصراف ادلة الانفعال إلى غير هذه الصورة و هو ايضاً ليس بمعتمد و يلحق به بعضهم السائل من السافل إلى العالي بقوة كالفوارة بل و مطلق السائل بشدة على وجه لا يعد الخارج الملاقي واحداً مع الباقي الغير الملاقي كالخارج من الإناء بشدة مثل ما إذا وقع في الإناء المطر و من الإناء ثقبة خرج منها الماء إلى حائط متنجس فلو كان مناط العصمة العالي السائل الانصراف و بعض الوجوه الاعتبارية جرت في الصورتين ايضاً و الّا فإلحاقها بالعالي السائل محل منع بل لو كان المدرك الإجماع اشكل التعدي من الماء المطلق إلى غيره من المضاف و سائر المائعات الا ان يتحقق فيها ايضاً الإجماع كما ادعاه شيخنا الأكبر في طهارته فإنه استظهر من كلمات السابقين و غيرها انهم لا يحكمون بنجاسة المضاف العالي إذا سال إلى نجس و لعل السيرة المتأخرة جارية على ذلك.

المسألة الثانية: الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن اطلاقه، نعم لو مزج معه غيره و صعّد كماء الورد يصير مضافاً

، (1)اما ان المطلق لا يخرج بالتصعيد عن الاطلاق فلبقاء الصدق و مع الشك يستصحب الاطلاق على اشكال تأتي اليه الإشارة كما انه مع المزج و التصعيد يخرج عن الاطلاق لزوال الصدق و مما ذكرنا ظهر ان مطلق المزج لا يوجب ذلك كالمخروج من التراب و الرمل بل يعتبر ان يكون بحيث يتصعد من المخروج و المخروج به، و مما ذكر ظهر الوجه فيما ذكره من المسألة الثالثة.

المسألة الثالثة: المضاف المصعد مضاف

، حيث ان صدق الماء عليه بالاطلاق منتفى و الا فلا ملازمة عقلية و لا شرعية بين كون المصعد و المصعد منه في الاطلاق و الإضافة متوافقان.

المسألة الرابعة: المطلق او المضاف النجس يطهر بالتصعيد لاستحالته بخاراً ثمّ ماءً

المسألة الرابعة: المطلق او المضاف النجس يطهر بالتصعيد (2)لاستحالته بخاراً ثمّ ماءً

، لتخلل البخارية بين الحالتين و هو مطهر له عن النجاسة الثابتة له في الحالة الاولى و الأصل في ذلك وضوح تقوم الحكم بالموضوع بقاء كما هو متقدم حدوثاً فلا يعقل بقاء الحكم و غيره من الاوصاف مع زوال موضوعه فلا محيص من لزوم كون زوال الموضوع سبباً لرفع الحكم و هو المطلوب، بل مع الشك لا يمكن استصحاب الحكم لغرض الشك في بقاء الموضوع، و أما استصحاب الموضوع فلجريانه وجهاً فيقال كان هذا المحسوس ماءً فهو باق على ما كان الا ان يمنع عن كون البخار اصله ماء لاحتمال كونه من الهواء المجاور له و كيف كان فلا ينبغي الأشكال في الطهارة مع انقلاب الموضوع، نعم الأشكال و الخلاف في تحقق انتفاء الموضوع فترى بعض الأساطين من يمنع من طهارة الخنزير باستحالته ملحاً زاعماً ان النجاسة تعرض الجسم لا بما هو خنزير بل بما هو جسم و هو محفوظ في الحالتين فمناط الحكم في الفرع ان البخار المتوسط بين الحالتين من اجزاء المتنجس المصعد او هو معدود عرفاً حقيقة ثانية، و بعبارة اخرى البخار عبارة عن الأجزاء المائية المتفرقة او عنوان غير الماء الذي صعد منه و انقلاب لماء حادث بعد التصعيد نظير انقلاب الهواء إلى الماء في اطراف الإناء الذي فيه الثلج و ان شئت قلت ان عد العرف البخار


1) في اطلاقه منع ظاهر، و المدار على الصدق العرفي، و منه تظهر حالة المسألة الثالثة.

2) بل الحكم كذلك في الأعيان النجسة فيما إذا لم يكن المصعد بنفسه من افرادها كما في المسكرات.

حقيقة اخرى مسامحة لهم و الا فهو عندهم ايضاً لبس الأجزاء الصغار من المصعد منه و لذا تراه موافقاً له في الأثر فالمصعد من المطلق مطلق و من المضاف مضاف و من المسكر مسكر و هكذا، او هو حقيقة اخرى او حالة تحدث للهواء بسبب مجاورته مع الحرارة الموجودة في المصعد و الإنصاف ان الجزم به في غاية الأشكال خصوصاً في المصعد من المضاف النجس كالبول، نعم عرفت ان مقتضى الشك ايضاً الطهارة لعدم جريان الاستصحاب.

ان قلت انقطاع النجاسة على انتفاء موضوعه مبني على عدم جواز انتقال العرض و هو اول الكلام، قلت مع تسليم جوازه فعدم مقتضي للاستصحاب إذ الأصل عدم نقل وصف النجاسة إلى الموضوع الثاني، نعم يعتبر تقيده بما إذا لم يعلم صعود بعض الأجزاء المائية إلى فوق و الّا فينجس البخار بعد تجسّمه و مع الشك يمكن ان يقال ان الأصل بقاء الأجزاء المائية معه فان من المعلوم صعود جملة من الأجزاء مع البخار عند الغليان قليلًا كما هو المشاهد حين شدة الغليان و الفوران فإذا شك في عودها جميعاً من البخار (قبل تجسّمه) او بقاء شي‌ء منها فالأصل يقتضى الثاني الا ان في اقتضاء هذا الأصل تنجس المجسم منه اشكال بل منع. ثمّ ان ما ذكرناه من طهارة المتنجس او النجس بالتصعيد انما هو حيث لم يكن الحقيقة الثانية الحاصلة من التصعيد من الحقائق و العناوين النجسة كالمصعد من المسكر إذا كان سكراً و لعل من المصعد من البول النجس على اشكال.

المسألة الخامسة: إذا شك في مائع انه مضاف او مطلق، فان علم حالته السابقة اخذ بها

(1)و الا فلا يحكم عليه بالاطلاق، و لا بالإضافة لكن لا يرفع الحدث و الخبث، و ينجس بملاقاة النجاسة ان كان قليلًا، و ان كان بقدر الكر لا ينجس لاحتمال (2)كونه مطلقاً و الأصل الطهارة ، لاستصحاب بقائها ان فرض جريان الاستصحاب بلا معارض و الا فقد يجري في كل من الممتزج و الممزوج فيه كما إذا القى مقدار من المضاف في المطلق فان الاستصحاب في كل منهما يجري فان احتمل بقاء كل على حكمه فلو ارتمس فيه جنب طهر من الحدث لوصول الأجزاء المائية إلى بدنه الهم الا ان يشك فيه او يدعى ان وصول الأجزاء المتفرقة لا يوجب صدق الغسل و لو لم يحتمل ذلك جرى عليه حكم المضاف للأصل كما سيجي‌ء إن شاء اللّه. و لعل مراد الحكم من انه يؤخذ بالحالة السابقة غير مثل هذه الصورة، نعم لو مزج المطلق بالمائع الغير المضاف و شك في اطلاقه جرى استصحاب الاطلاق غالباً و كيف كان فقد عرفت انه ان كان احتمال اضافته بالتصعيد لا يجرى الاستصحاب ايضاً لما عرفت من الشك في كون المصعد مسبوقاً بالمائية و لعل مراده العلم بالحالة السابقة للموضوع المشكوك في اضافته و اطلاقه و في المثال المزبور لا يعلم الحالة السابقة للموضوع المشكوك فيه فيدخل في الشق الثاني و هو ما لا يعلم حالته السابقة الذي لا يحكم عليه بالاطلاق و لا بالإضافة فيعمل في آثار كل منهما بالأصل مثلًا لا يحكم برع الحدث و الخبث به لاستصحاب بقائهما و يحكم بتنجسه بالملاقاة ان كان قليلًا لأنه حكم للمطلق و المضاف و ان كان كراً لا يحكم بتنجسه بالملاقاة


1) هذا اذا كان الشك لأمر خارجي كما لعله المراد في المسألة و أما اذا كانت الشبهة مفهومة فلا يجري الاستصحاب.

2) الظاهر انه ينجس، و لا اثر للاحتمال المزبور.

لاستصحاب الطهارة مع احتمال كونه ماء لكن مقتضى ما مر نقله من شيخنا الأكبر (قدس سره) من ان المستفاد من الأخبار المتفرقة ان الملاقاة تنجس مع الرطوبة لكل جامد رطب او مائع الا ان يمنع منه مانع و المانع بمقتضى اخبار الكر منحصر في الكر من الماء يحكم بالنجاسة لأن الملاقاة حاصلة و الاعتصام يدور مدار امر وجودي و هو الكر من الماء فإذا شك في تحققه فالأصل عدم تحققه و لا يعد مثل هذا الأصل من الأصول المثبتة و ان كان المستصحب عدما ازلياً لن عدم المسبب مرتب على عدم السبب و لو بعدمه الأزلي.

المسألة السادسة: المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مر و بالاستهلاك في الكر او الجاري

، و لكنك خبير بان شيئاً منها ليس تطهيراً للمضاف بل اعدام للموضوع القائم عليه وصف النجاسة اما الاول فلما عرفت مفصلا و ان عد التصعيد مطهرا باعتبار كونه من اقسام الاستحالة إذ بانقلابه بخارا ينتفي الموضوع القائم عليه النجاسة و إذا شك في انتقالها إلى الموضوع الثاني كان الاصل عدمه بعد تسليم كونه معقولا و أما الثاني فلأن الاستهلاك في الحقيقة ايضا اعدام للصورة النوعية القائم بها المستهلك فينتفي موضوعه حقيقة لكن الظاهر ان عنوان المضاف ليس من العناوين المتقدم بها النجاسة حتى يوجب زواله طهارته كما في الاستحالة و الّا كان اللازم طهارته بمجرد زواله من دون حاجة إلى ماء منضم، نعم بعد ان صار ماء مطلقا كان حاله حال الماء المطلق المتنجس في طهارته بالاتصال بالمعتصم او بالمزج فيه على الوجهين ففي الحقيقة لم يكن عندنا طريق لطهارة المضاف نظير تطهير سائر الاجسام بحيث يزول النجاسة عنه مع بقاء موضوعه و لبس في الادلة ما يدل على ان كل شي‌ء قابل للتطهير و قوله (

الماء يطهر

) لا اطلاق له من حيث حذف المتعلق فليكن المائعات المضافة مما لا يقبل الطهارة و لو فرض من له اطلاق من حيث حذف المتعلق فلا اطلاق له من حيث كيفية التطهير فليكن كذلك بالاستهلاك بالمعتصم بل قد يقال ان ذلك هو الطريق المتعارف المنصرف اليه الاطلاق فكانه لما كان للعرف طريق في تطهير مثل المائعات عدل كيفيته اليهم لكن فيه مع انه غير نافع مع عدم الاطلاق من حيث حذف المتعلق عدم ثبوت كون ذلك طريق التطهير في المائعات عند العرف بل ذلك عندهم اعدام للموضوع و اتلاف للحقيقة.

و كيف كان فلا اشكال عندهم في المسألة لا في ان المضاف يطهر بالاستهلاك في المعتصم و لا في انه لا طريق لتطهيره عندهم. نعم سيجي‌ء ان بعضهم طهر الدهن المتنجس بمزجه في الكر الحار بل لو لا الاجماع امكن التمسك بقوله:

ما رآه المطر فقد طهر.

و قوله:

ما اصاب هذا شيئا الا و قد طهَّره.

بان الاتصال بالمعتصم ايضا من طريق تطهيره الا ان لما لم نقل به في الماء المطلق قبل المزج كيف نقول به في المضاف ان قلت فليقل به هنا بعد المزج، قلت لا يفعل بقاء ماء المطر و الكر بعنوانه بعد المزج بدون استهلاك المضاف و الا فيخرج المطر عن كونه ماء فضلا عن كونه ماء مطر.

المسألة السابعة: إذا القي المضاف النجس في الكر، فخرج عن الاطلاق إلى الاضافة، تنجس ان صار مضافاً قبل الاستهلاك

، و ان حصل الاستهلاك و الإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه

لكنه مشكل (1)

، لان الكر بعد ان صار مضافا زالت عصمته و المفروض بقاء المضاف المتنجس او النجس ايضا غير مستهلك فيتلاقيان فينجس الكر و هو واضح كما انه لا اشكال في طهارة الجميع ان تحققت الاضافة بعد الاستهلاك إذ بالاستهلاك طهر الجميع فاتفق انه صار بتصرف الهواء مضافا بظهور اثر المستهلك فيه فانه لا وجه لتنجسه حينئذ، و ان حصل الاستهلاك و الاضافة دفعة ففيه وجهان من ان المضاف لم يلاق نجسا إذ المفروض انتفاء موضوع المتنجس في عرض الاضافة فبعد تحقق الاضافة الذي هو طرف تأثير المائع الكثير و قابليته للتنجس لم يبق تنجس ملاقيه فلا وجه لنجاسته و من ان الاستهلاك انما يكون مطهرا إذا كان المستهلك فيه مطلقا و أما لو صار في عرضه مضافا فلم يتحقق الاستهلاك في المعتصم فلا وجه لطهارته.

و يمكن ان يدفع الاخير بان تحقق الاضافة و الاستهلاك معاً لا يوجب ان يكون الاستهلاك في المعتصم، نعم يقتضي ان يكون زوال العصمة و رافع النجاسة في مرتبة واحدة و هو كاف في الحكم بالطهارة بل المتحقق ترتب الاضافة على الاستهلاك لان علتها استهلاك المضاف فانه بتفرقه تتحقق و لا نريد بالاستهلاك الا ذلك و حينئذ فالاقوى الطهارة مع تحقق الفرض و لعل قول المصنف، لكنه مشكل مدركه الاشكال في تحقق الغرض و ان شك في تقدم احدهما على الآخر كأن القى في الكر مقدار من الدبس المتنجس فصار مضافا و استهلك الدبس فشك في تقدم احدهما عن الآخر فلا يبعد جريان استصحاب ملاقاة الكر للدبس إلى زوال اطلاقه و لا يعارضه استصحاب بقاء اطلاقه إلى استهلاك المضاف لعدم الأثر له.

المسألة الثامنة: إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين، ففي سعة الوقت يجب عليه ان يصبر حتى يصفو

و يصير الطين إلى الأسفل، ثمّ يتوضأ على الأحوط (2)و في ضيق الوقت يتيمم، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق

، لأنه واجد للماء غاية الأمر خلطه بالطين يمنع عن التوضؤ به فلا يقاس على التصعيد الذي يمكن منع وجوبه إذ فرق بين ما كان عنده مضافاً يمكن تصيره ماء بالتصعيد و نحو و بين ما نجن فيه من حيث ان ما نحن فيه يصدق الوجدان للماء إذ الخلط بالطين من قبيل المانع عن الاستعمال نظير من كان عنده ثوب مغسول لو عصره يخرج منه الماء بقدر الوضوء بخلاف مثل التصعيد و حفر البئر فإنه من قبيل تحصيل الماء فلم لم نقل بالوجوب في الثاني ليس علينا ان لا نقول به في الاول و لك ان تجعل مثل حفر البئر من قبيل الاول ايضاً لأن الماء فيه موجود و الحفر توصل اليه نظير الاستقاء من البئر بخلاف مثل التصعيد فإنه ايجاد للماء و لذا افتى المصنف بنحو الجزم فيما يأتي بوجوب الحفر و ان كان ظاهره هنا التوقف في وجوب الصبر الى صفاء الماء و كيف كان ففي الفرض لا ينبغي الأشكال في وجوب و ان لم نقل به في ما لو لم يوجد فعلًا و بالصبر يوجد فضلًا عما لو قلنا به هناك ايضاً كما سيأتي في محله.

نعم مع الضيق ينتقل إلى التيمم لعدم التمكن من الماء بل و عدم وجدانه في وقت الوضوء ففاقد الماء لو علم بوجود الماء بعد ساعة المطر او سيل او نحوه وجب عليه الصبر في وجه و لا يجب في آخر نظراً إلى انه غير واجد للماء فعلًا فيجوز له التيمم و ليس من قبيل ما نحن


1) الظاهر ان يحكم بنجاسته على تقدير امكان الفرض، لكن الأظهر استحالته، كما يستحيل الفرض الاول.

2) بل على الأظهر.

فيه بل و لا من قبيل حفر البئر الذي عرفت ان الماء موجود بل من قبيل التصعيد و ان كان لوجوب الصبر و العلاج مطلقاً وجهاً حسناً و شرح الكلام في محله.

المسألة التاسعة: الماء المطلق بأقسامه حتى الجاري منه ينجس إذا تغير بالنجاسة في احد اوصافه الثلاثة

من الطعم، و الرائحة، و اللون، بشرط ان يكون بملاقاة النجاسة، فلا ينجس إذا كان بالمجاورة كما إذا وقعت ميتة قريباً من الماء فصار جائفاً، و ان يكون التغير باوصاف النجاسة دون اوصاف المتنجس فلو وقع فيه دبس نجس فصار احمر، او اصفر، لا ينجس الا إذا صيره مضافاً، نعم لا يعتبر ان يكون بوقوع عين النجاسة فيه، بل لو وقع فيه متنجس حامل لأوصاف النجس فغيره بوصف النجس تنجس ايضاً، و ان يكون التغير حسياً، فالتقديري لا يضر، فلو كان لون الماء احمر او اصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك، لم ينجس (1)و كذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيَّره، و كذا لو كان جائفاً فوقع فيه ميتة كانت تغيره لو لم يكن جائفاً، و هكذا. ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الاطلاق محكوم بالطهارة، على الأقوى

، اما تنجس الماء بالتغير باوصاف النجس مطلقاً حتى الجاري و المطر فلا خلاف فيه نصاً و فتوى و ان كان في بعض اخبار الجاري ما يشعر او يظهر منه عدم تنجسه بالتغير الا انه مطروح او مؤول، و مناط التغير كونه بأحد الاوصاف الثلاثة يعني الطعم و الريح و اللون و الحكم في الاوليين اتفاقي و النصوص بهما متظافرة و في الثالث مشهوري و في النصوص ما يشعر به او يستظهر منه بل وقع التصريح به في بعضهما و لو كان في سنده ضعف جبر بالعمل و كيف كان فيشترط ان يكون التغير بملاقاة النجاسة فلا ينجس إذا كان بالمجاورة و ان كان ذلك مقتضى اطلاقها الا ان المرتكز في أذهان العرف توسيط الملاقاة في التنجس و لذا يفهم من مفهوم الصحاح توسيطها فيها و عليه فيكون قوله (

خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء

) في معنى لا ينجسه بملاقاة فيكون الاستثناء بقوله الا ان يغير ريحه استثناء من الملاقي يعني الا ان يكون الشي‌ء الملاقي له مغيراً له بل ظاهر جملة من النصوص لو لأجلها انها في مقام بيان اعتصام الكر وذي المادة و عدم انفعاله بما ينفعل به غيره الا في صورة خاصة و هي التغير فيكون في حكم الاستثناء الواقع في النبوي، و يشترط ايضاً ان يكون التغير باوصاف النجاسة دون المتنجس فلو وقع في الماء المعتصم متنجس فغيره بوصفه لا ينجس لا لما في طهارة شيخنا الأكبر من ظهور اختصاص الموصول في قوله (الا ما غير) في نجس العين للمنع من و ان سلمنا ظهوره فيما فيه مقتضى التنجس لأنه يشمل المتنجس ايضاً لأنه يقتضي التنجس كالنجاسة.

و دعوى ان المتنجس انما ينجس ما يلاقيه بواسطة نجس العين مسلمة في وجه غير نافع و ممنوعة في وجه نافع بل لقوله في صحيحة حريز الواقعة في مقام الضابط كلما غلب الماء


1) الحكم بالنجاسة فيه و في الفرض الثالث لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط.

على ريح الجيفة فتوضأ و اشرب و إذا تغير الماء و تغير الطعم فلا تتوضأ و لا تشرب فان المتعيّن حمل التغير على ظهور اثر الجيفة فهي دالة بصدرها و ذيلها على انحصار التنجس بالتغير باوصاف النجس هذا مع انه مقتضى استصحاب الطهارة و اصالة عدم حدوث سبب النجاسة و في طهارة شيخنا الأكبر و لو عورضت في بعض الموارد كما إذا القي مائع نجس في الماء باصالة بقاء نجاسة رجع بعد التساقط إلى قاعدة طهارة الماء إن شاء اللّه و هو مبني على عدم احتمال بقاء اجزاء المائع المتنجس على نجاسته و اجزاء الماء على طهارته و الا فلا تعارض، كما انه مبني على استهلاك المائع المتنجس و الا فلا يحتمل طهارته فيكون صورة المسألة ان يلقى مثلًا دبس متنجس فيغير الكر بطعم الدبس و استهلك الدبس في الكر فانه يمكن استصحاب طهارة اجزاء الماء التي كانت طاهرة حيث يحتمل تنجسها بالتغير و يمكن استصحاب نجاسة اجزاء الدبس الموجودة في ضمن الماء فيتعارضان الا انه يتوجه عليه ان اجزاء الدبس بعد الاستهلاك لا يسصحب حكمها لانقلاب موضوعها إلى الماء و ان فرض عدم استهلاكه فلا يحتمل طهارتها حتى يحتاج إلى الاستصحاب، و كيف كان فلا ينجس المعتصم بالتغير باوصاف المتنجس الا ان يصير مضافاً قبل استهلاك المتنجس و الا فاضافته بعد الاستهلاك او معه ايضاً غير مضر بطهارته و لعل سقوط القيد في العبارة مسامحة من المصنف و الا تقدم منه آنفاً ان استهلاك المضاف في الكرّ لو كان قبل الاضافة لا يوجب نجاسته، نعم لا يعتبران يكون التغير بملاقاة عين النجاسة فلو غيره المتنجس باوصاف عين النجس نجس للاطلاق و عدم دليل على التقيد المزبور بل غالباً او دائماً يكون التغير باوصاف النجس بواسطة المتنجس حيث انه لو وقع في الماء مقدار من الدم تغير اطرافه ثمّ يسري التغير من تلك الأطراف إلى سائر الأجزاء و هذا هو عين التغير بالمتنجس، و يعتبر ان يكون التغير حسياً بظهور التغير فيه بل ليس التغير التقديري بتغير عرفاً و لا عقلًا من ينزف في ذلك بين ان يكون بموافقة النجاسة مع الماء في الوصف ذاتاً او عرضاً كما لو كان لون الماء احمرا او اصفرا فوقعت فيه النجاسة كانت تغيره لو لا ذلك او كان لعدم اللون للنجاسة ايضا ذاتا او عرضا كما إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون لغيره او كانت الميتة زائلة الطعم و الريح بحيث لو كانت لها ذلك لغيرته فانه لا ينجس بذلك ما لم يخرج عن الاطلاق اما انه لا ينجس ما دام باقيا على اطلاقه فللاستصحاب بعد اختصاص دليل التنجس بغيره، و دعوى ان التغير فعلي و ان كان مستورا عن الحس فيما لو كان ذلك لموافقة الماء النجاسة في اللون كما إذا القي الدم في ماء احمر بوقوع السقم فيه فممنوعة فان التغير في الخارجيات ينظر الحالة الوجدانية ليس له واقع سوى ما يظهر للحس فهو عبارة عن ظهور اثر المغير في المتغير عندهم فان لم يظهر لهم ذلك فلا تغير، نعم يمكن ان يقال قد يبلغ وجود النجس في الماء مع توافق اللونين لموافقة النجاسة للماء فيه او كسب اللون عن النجاسة بحيث يرى العرف اللون الموجود لونا لهما كما انه يرى الموجود مركبا منهما و حينئذ فيكون ما هو المناط في التغير من ظهور اثر المغير حاصلا في الفرض فينجس و لا يحدد ذلك بما ذكره من فرض النجاسة بحيث لو لم يكن توافقها مع الماء في اللون لظهر اثرها فيه:

و لكن التحقيق ان ذلك ايضا لا يرجع إلى محصل الا إلى تحديد النجاسة و الطهارة بغلبة النجاسة كما و من المعلوم انهما لا ينوطان به و أما انه ينجس إذا صار مضافا فلان الاضافة لما كان بمزجه بالنجس لم يزل ملاقاته له إلى حين الاضافة و مقتضاه النجاسة هذا و لكن التحقيق التفصيل بين تقدم الاضافة على استهلاك جميع اجزاء النجاسة و تأخرها و مقارنتها على التفصيل السابق في المائع الملقى في الكر و سيأتي في المسألة الآتية:

المسألة العاشرة: لو تغير الماء بما عدا الاوصاف المذكورة من اوصاف النجاسة، مثل الحرارة و البرودة، و الرقة و الغلظة، و الخفة و الثقل، لم ينجس ما لم يصر مضافاً

، اما انه لا يتأثر بغير الاوصاف المذكورة الثلاثة فلظهور التحديد في المستفيضة تارة بالثلاثة و اخرى باثنين منها و ثالثة في جواب السؤال عن التغير و مع هذا فلا عبرة باطلاقات الغير المسوّق لبيان مجرد انه سبب للنجاسة و الاجماع على عدم الاعتبار بغير الثلاثة منقول عن جماعة، و أما انه إذا صار مضافا ينجس كما يظهر مفهوم قوله (ما لم يصر مضافا) فلفرض وجود النجاسة الممزوجة و عدم عصمة الممزوج فيه و بعبارة اخرى إذا فرض انه لم يصدق على الموجود انه ماء بل ماء بول او ماء و بول فالمائية العاصمة مسلوبة و المقتضي للنجس و هو الملاقاة بالنجس اللازمة لمزجه فيه حاصلة و هي توجب التنجس بلا شبهة و قدم نظيره في المسألة السابقة فراجع.

المسألة الحادية عشر: لا يعتبر في تنجسه ان يكون التغير بوصف النجس بعينه،

فلو حدث فيه لون او طعم او ريح غير ما بالنجس كما لو اصفر الماء مثلًا بوقوع الدم تنجس. و كذا لو حدث فيه بوقوع البول او العذرة رائحة اخرى غير رائحتهما، فالمناط تغير احد الاوصاف المذكورة بسبب النجاسة و ان كان من غير سنخ وصف النجس

، بالملاقاة صفة اخرى غير صفة النجسة تنجس فيكون المناط تغير احد الاوصاف بسبب النجاسة و ان كان من غير سنخ، وصف النجس للاطلاق بعد ان عرفت خروج التغير بغير الثلاثة بالاجماع و الحصر المستفاد من النصوص و بقي الاطلاق بالنسبة إلى الثلاثة بلا تقيد فبمجرد صدق التغير بنجس سواء كان يوصف النجاسة الأصلية او العارضة او بغيرها، نعم يقع الكلام في انه يعتبر ان يكون الوصف الحاصل مستنداً إلى تأثير النجاسة بوصفها في الماء بحيث يكون المتحصل من الكسر و الانكسار و التأثير و التأثيرين ذلك تو لا يعتبر ذلك بل يكفي ظهور تغير في الماء مستند إلى ملاقاة النجاسة فلو كانت النجاسة بالخاصية مؤثرة في زوال لون الماء او حدوث وصف فيه تنجس ظاهر العبارة و ان كان الثاني الا ان المظنون عدم ارادته و ان المراد من قوله بسبب النجاسة تسبيبها له بنحو من التأثير و التأثر الحاصل بتفرق اجزائه في اجزاء الماء او انتقال وصفها بناء على جوازه اليها.

المسألة الثانية عشر: لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء او العرضي،

فلو كان الماء احمر او اسود لعارض، فوقع فيه البول حتى صار ابيض، تنجس و كذا إذا زال طعمه العرضي، او ريحه العرضي

، للاطلاق و عدم التقيد و دعوى الانصراف إلى خصوص تأثير اوصافه الذاتية ممنوعة اشد المنع مضافاً إلى ما قد عرفت من ان المناط ظهور اثر النجاسة فيه باي وجه كان بل و كما لا فرق في اوصاف النجس الأصلية و العرضية كذلك لا فرق في اوصاف الماء.

المسألة الثالثة عشر: لو تغير طرف من الحوض مثلًا تنجس

، فان كان الباقي اقل من الكر تنجس الجميع و ان كان بقدر الكر بقي على

الطهارة و إذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع و لو لم يحصل الامتزاج، على الأقوى.

و الآخر على نجاسته ما دام متغيراً فإذا زال تغيره طهر بالاتصال بالكر من غير حاجة إلى الامتزاج اما انه لا فرق في التنجس بالتغير بين ما كان المتغير متصلًا بمعتصم و عدمه فللاطلاق و لأن الاتصال بالمعتصم لا ينفع ما دام التغير اجماعاً بل ظاهر النصوص و الفتاوى ان التغير علة تامة للنجاسة لا يؤثر في عليته شي‌ء و حينئذ فينجس الباقي ان كان اقل من كر بناء على نجاسة القليل بملاقاة النجس و المتنجس، و ان كان بقدر الكر فهو معتصم لا ينجس لما دل على عصمة الكر من غير شرط و ان زال تغير يطهر لاتّصاله بالكر بناء على كفاية الاتصال بالمعتصم في عصمة الماء و طهارته و لا يحتاج إلى المزج بخلاف ما إذا لم يكتفِ بذلك فانه يطهر بعد المزج و سيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه.

المسألة الرابعة عشر: إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، ثمّ تغير بعد مدة، فان علم استناده إلى ذلك النجس تنجس و الا فلا.

و قد يتوهم انه ان لم يتغير حال الملاقاة لم ينجس و ان تغير بعد ذلك إذ يكون تغير بعده كالتغير المستند إلى الملاقاة و قد عرفت ان المنجس من التغير خصوص المستند اليه و فيه انه قد يكون التغير المتأخر عن الملاقاة مستند اليه فينبغي ان يفصل كما في المتن بين ما إذا علم باستناد التغير إلى الملاقاة فينجس و عدمه فلا.

المسألة الخامسة عشر: إذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء

و تغير بسبب المجموع من الداخل و الخارج، تنجس بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء.

لا يخفى ان التغير الحادث في الماء:

1- اما ان يكون مسنداً بما يجاوره من دون ان يلاقي شي‌ء منه للماء.

2- و اما ان يستند إلى تمام ملاقيه من دون ان يكون للخارج دخل في التغير.

3- و اما ان يستند إلى مجموع الداخل و الخارج كما في المتن.

4- و اما ان يستند تمامه إلى الجزء الغير الملاقي مثل ان يكون الملاقي للماء جزء من الميتة لم يسر العفونة فيه بعد او لم يكن قابلًا للعفونة ثمّ المستند إلى المجموع قد يكون الملاقي و غيره جزءان من مركب واحد و قد يكون شيئان مستقلان كأن يقع في الماء ميتة غير جائفة و يكون في جنبه ميتة جائفة قد تغير الماء بمجاورته. مر الكلام في القسم الاول و هو التغير بالمجاورة و يلحقه الأخير بالضرورة لأن ما لاقى الماء لم يغيره و انما غيره المجاور له و قد عرفت انه يعتبر ان يكون سبب التغير هو النجس الملاقي و المتيقن من مورد التنجس بالملاقاة هو القسم الثاني لأن ما لاقى الماء هو الذي غيره و يلحق به القسم الثالث و هو المفروض بالمتن إذ يصدق ان ما لاقاه هو الذي غيره و لو كان التغير مستنداً إلى الجزء الملاقي و الخارج و يقع الأشكال في القسم الرابع بالنظر إلى ان الجزء الملاقي غير مؤثر في التغير فيكون التغير مستندا إلى مجرد المجاورة و إلى انه ليس الاستثناء لا ينجسه مقتضياً لأزيد من ان يكون المستثنى من افراد الملاقي للماء فيكون المعنى لا ينجسه شي‌ء مما لاقاه الا ان يغيره و هذا المعنى صادق و لعله احوط ان لم يكن اقوى و عبارة المتن غير شاملة لهذه الصورة و ان

كان ربما يستظهر من قوله بخلاف ما إذا كان تمامها خارج ان في غير الصورة محكوم بالنجاسة.

المسألة السادسة عشر: إذا شك في التغير و عدمه، او في كونه للمجاورة او بالملاقاة، او كونه بالنجاسة او بطاهر، لم يحكم بالنجاسة.

لاستصحاب عدم تحقق سبب نجاسة الماء و طهارته بل و قاعدة الطهارة.

المسألة السابعة عشر: إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر احمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته

، لا ينبغي الاشكال في انه لو القي في الماء طاهر آخر فاستعد للتغير ثمّ القي فيه دم فغيره تنجس كما انه لو عكس الامر لم يحكم بنجاسته لصدق التغير بالنجاسة الملاقية في الاول و عدمه في الثاني بل و لا يحكم بها إذا القيا معا ايضا لعدم صدق التغير بالنجس الملاقي و أما لو مزجا خارج الماء ثمّ القي الجميع في الماء فان استهلك الجسم الاحمر في الدم لا يبعد ان يصدق ان الدم الملاقي غيره فينجس و ان لم يستهلك فيه بل عد المجموع مضافا مركبا من الدم و ذلك الاحمر لم ينجس لانه لم يتغير الملاقي بوصف النجس لان الوصف الموجود فيه ليس وصف للنجس فقط بل له و للطاهر و منه يظهر ان الاظهر في الصورة السابقة ايضا عدم التنجس.

المسألة الثامنة عشر: الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر او الجاري لم يطهر

نعم الجاري و النابع إذا زال تغيره بنفسه طهر لاتّصاله بالمادة و كذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر.

للاستصحاب النجاسة بل اطلاق ما دل على تنجسه بالتغير فان قوله خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء الا ان يتغير دال على تنجس الماء بالتغير و هذا باطلاقه شامل له حتى بعد زواله و ان كان لدعوى سوقه لبيان حكمه بعد حدوث التغير من دون تعرض لحال زواله بعد حدوثه مجال فينحصر الدليل بالاستصحاب و في طهارة شيخنا الاكبر" قدس سره" و للامر بوجوب النزح في البئر المتغير حتى يزول التغير بناء على كون من للانتهاء لا للتعليل و في الدلالة منع، و قد يتوهم طهارته اما لانه لازم القول بالتيمم كما هو مقتضى اطلاق قوله إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا خرج حال التغير و بقي غيره او لانه مقتضى عموم كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ و قوله لا بأس إذا غلب الماء لون البول و قوله ان كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ بل لقوله حتى يذهب الريح و يطيب الطعم بناء على كون حتى تعليله او للانتهاء مع استظهار دخولها على العلة الغائية مثل (تفكر في العبارة حتى ( (إلى ان)) تفهمها) و في الاخير انا لو سلمنا كون حتى تعليلية لا نسلم كون العلة مطلق زوال التغير بل الحاصل منه بتكاثر الماء كما سيجي‌ء (لعله يكون الشك في بقاء حكم المخصص) و فيما قبله لعله يكون الشك فيه من قبيل الشك بقاء حكم المخصص انها مسوقة لبيان حال الماء في اول الملاقاة فيكون المراد ان المناط في حدوث النجاسة على الطاهر و عدمه الغلبة يعني حدوثها في اول الملاقاة.

و اما مسألة الابتناء على مسألة التيمم ففيه ما سيجي‌ء من انا لو قلنا به فنقول به في التيمم بالطاهر دون النجس و المتنجس و مع ذلك فنقول به بحسب مقتضى الاصل دون قوله:

إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا.

فلا وجه لابتناء المسألة عليه.

نعم لو قلنا بالتيمم بالنجس و المتنجس كان لجعل ما نحن فيه من افراده وجها خصوصا إذا فرضنا الكر مركبا من نصفي كر متغير بعد زوال تغيره و لو سلمنا سقوط الادلة من الجانبين فالمرجع استصحاب النجاسة للمنع من كون التغير واسطة في العروض بالنسبة إلى النجاسة و ان سلمنا ظهور بعض ادلتها في ذلك الا انه معارض بظهور بعضها الآخر بكونها علة لنجاسة الماء مع ان المناط في اخذ الموضوع في باب الاستصحاب هو العرف دون ادلة المستصحب، نعم الجاري بل مطلق ذي المادة إذا زال تغيره مع بقاء اتصاله بمادته طهر لقوله لان له مادة بعد قوله فينزح حتى يذهب الريح و يطيب الطعم فان الظاهر كون حتى تعليلية او داخلة على العلة الغائبة فتدل على ان غاية النزح هو ذهاب التغير ثمّ بقوله لأن له مادة دل على ان الحكم المذكور لا يختص بخصوص البئر بل هو ثابت لكل ذي مادة فتكون النتيجة طهارة كل ذي مادة بزوال التغير لكنه مبني على كون حتى تعليلية لا لمجرد الانتهاء اولًا و على كون مدخولها مطلق زوال التغير لا زواله بالنزح و خروج الماء من المادة و مزجه معه كما هو الغالب ثانياً و رجوع التعليل و هو قوله لأن له مادة علية زوال التغير للطهارة ثالثاً و قد يناقش في كل من هذه المقدمات فيمنع كون حتى تعليلية لجواز كونها لمجرد الانتهاء كما في سرت حتى بلغت القنطرة لكن التحقيق ظهورها في الغائية.

توضيح ذلك ان مدخول حتى قد يكون جزء مما جعلت غاية له في الخارج و قد يكون امراً خارجياً مرتباً عليه، فالاول كقولك سرت حتى وصلت القنطرة او الكوفة، و الثاني كقولك حتى لاقيت زيداً او حتى عرقت جبيني فالظاهر العرفي في الاول كونه لمجرد الانتهاء و في الثاني كونه للغاية و ما نحن فيه من قبيل الثاني فيكون ظاهراً في الغاية، ثمّ ان الظاهر ان مدخوله مجرد زوال التغير لا خصوص المستند للنزح الموجب لتكاثر الماء من المادة عليه المستلزم لمزجه فيه للاطلاق و عدم التقيد، و دعوى انه محمول على الغالب من حصول المزج إذا كان زوال التغير بالنزح بل يندر زواله بدون ذلك في مثل البئر البعيد عن الهواء و تجدد الرياح عليه مسلمة لكن في مقام بيان الغاية و العلة و الإشارة إلى مناط الحكم خصوصاً إذا اريد اعطاء الضابط الموجب للتعدي عن المورد لا يكتفي بمثل هذه الغلبة في بيان الخصوصية و الظاهر رجوع العلة إلى ترتب الطهارة على زوال التغير لأن بيانه من وظائف الشرع دون ترتب زوال التغير على النزح فانه امر عادي ليس بيانه من وظائفه مضافاً إلى كونه من الأمور الواضحة الغير المحتاجة إلى البيان فلا يقاس بقوله (لازم غريمك حتى يوفيك دينك) و أما احتمال كونه راجعاً إلى الفقرات الاول من قوله (لا يفسده شي‌ء) او (واسع) فبعيد جداً و مع ذلك فالاحوط اعتبار الامتزاج نظراً إلى ما عرفت من احتمال كون الغاية زوال التغير على الوجه المخصوص الحاصل من مثل النزح الموجب لتكاثر الماء من المادة المستلزم لمزجه فيه و أما قوله في المرسلة ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضاً فهو و ان كان لا يأتي فيه ما ذكر الا ان كون التطهير فيه بمعنى الرفع مع كونه وارداً في جواب السؤال عن الرفع بعيداً، اللهم الا ان يقال ان حمله على الأعم من الرفع و الرفع ممكن فيدل على ان كل بعض او خصوص البعض المتصل بالمادة يرفع و يدفع النجاسة عن البعض من غير اشتراط بالمزج و هو المدعى الا ان يقال مع دوران حمل التطهير على خصوص الدفع الذي هو مورد السؤال او الأعم الأقرب هو الاول عرفاً لا اقل من الاجمال المسقط له عن

الاستدلال فلا محيص عن الاحتياط هذا بالنسبة إلى خصوص الجاري وذي المادة الذي يخص من بين سائر المياه المعتصمة بما عرفت من الأدلة و أما غيرها كالتطهر بالكر او المطر او الحمام فهل يعتبر فيه المزج او يكفي مجرد الاتصال فلو تغير بعض من حوض و كان الباقي كراً فهل يطهر المتغير بزوال تغيره او يعتبر مع ذلك المزج مريح الماتن و جماعة الاول و استدلوا عليه بوجود الاول الذي هو عمدتها اطلاقات مطهرية الماء مثل قوله:

الماء يُطهِّر و لا يَطهَّر.

، و قوله:

ما اصابه المطر فقد طهّر.

و قوله:

ما اصاب هذا شيئاً الا و قد طهّر.

و اشباه ذلك الممنوع كون جملة منها في المقام البيان.

(اقول: هذا يكون من قبيل التمسك باطلاق المسبب على اطلاق السبب نظير احل البيع يتمسك به على اطلاق اسبابه إذا قلنا انه اسم السبب) من حيث كيفية التطهير بل و بعضها من حيث المطهر و لو فرض ارجاع الكيفية إلى العرف فهي عندهم عبارة عن استهلاك المتنجس في الطاهر لا اقل من خلطه معه و فرجه فيه مضافاً إلى المنع من تبيّن طريق التطهير في المائعات عندهم ايضاً فيرجع إلى استصحاب النجاسة و بعضها لا يدل الا على طهارة خصوص الجزء الملاقي كقوله ما اصابه المطر فان الذي اصابه المطر ليس الا خصوص الجزء الملاقي دون غيره، و دعوى انه يصدق عرفاً انه اصاب الجميع ممنوعة و الصدق العرفي محمول على ضرب من المسامحة و لذا يكون محفوظاً حتى في

الجامدات فالإناء الذي اصاب بعض اطرافه المطر يقال اصابه المطر مع انه لا يراد منه الا انه اصاب بعضه فليكن في المائعات ايضاً كذلك يعني على نحو من التوسع و المسامحة و يؤيده انه يصدق عليه انه اصاب المطر ذلك الجانب الآخر و منه ظهر الكلام في قوله: ما اصاب هذا شيئاً الا و قد طهّر، فان الذي اصاب الكر هو خصوص السطح الملاقي دون غيره.

ان قلت: ما اصابه طهر فصار من الكر المعتصم فيطهر باصابته ما جاوره فيكون جزء من الكر ايضاً فيطهر الجميع، فلو نحن سلمنا ما ذكرت في مثل المرسلة يعني قوله:

ما اصابه المطر

فلا نسلمه في مرسلة ابن ابي عقيل و هو قوله:

ما اصاب هذا شيئاً الا و قد طهّره.

مشيراً إلى الماء الموجود في الطريق لأن مقدار الملاقي له يكون بعد طهارته جزء منه فيكون كراً معتصماً فيطهر ما اصابه و هكذا، نعم الملاقي للمطر لا يكون به مطراً و بهذا تعرف الفرق بين المرسلين يعني ما اصاب هذا شيئاً الا و قد طهر و قوله:

ما اصابه المطر فقد طهر

. قلت هذا انما يتم بناء على كون التطهير و التنجس بالسراية و قد قرر في محله انه مستلزم للجزء الباطل و حاصله ان الملاقي ليس الا سطح الماء المنفعل و من المعلوم ان سطحه الآخر غير ملاقي لا للكر و لا لهذا السطح الملاقي له، اللهم الا بناء على القول بالجزء و الالتزام يتركب من الأجزاء التي لا تتجزأ فينحل إلى جزء ليس له سطحان فإذا طهر طُهّر الجزء الآخر و هكذا و هذا عين الالتزام بالجزء الباطل و لذا التزموا في باب انفعال الماء القليل بملاقاة بعضه بالتعبد و ابطلوا السراية و الحال في باب التطهير و التنجس واحد.

ان قلت فكما انهم التزموا به في باب التنجيس بالتعبد و قالوا ان بملاقاة بعضه يصدق ملاقاة الجميع فينجس فليقولوا به في باب الطهارة ايضاً و يلتزموا بطهارة الجميع بإصابة البعض.

قلت الموضوع في باب النجاسة في قولهم:

الماء إذا بلغ كراً

الخ، هو الماء الواحد فحكم الشارع بان الواحد من الماء ينجس بالملاقاة و بما في باب مطهرية الماء فالموضوع هو كلمة ما الموصولة التي يكنى بها عن الاجزاء ايضا فلا يدل الا على طهارة خصوص الجزء الذي اصاب المعتصم دون جميعه و لو كان ما نحن فيه ايضا مثل قوله كل ماء اصاب الكر او المطر يطهر لقلنا به ايضاً لكنه ليس فلا نقول (اقول و بعبارة اخرى ان الموضوع الذي اخذ في باب المطهر به هو (ما) و هو صادق على الجامد و المائع و الحكم يكون لهما على حد سواء بخلاف الموضوع في باب النجاسة هو (الماء)) و أما للوجوه الاخر المذكورة لعدم اعتبار المزج بل لامتناع اعتباره فلا كرامة في شي‌ء منها (انه يمكن التمسك لعدم اعتبار المزج بعدم وجود عين و لا اثر له في الاخبار خصوصاً مع عدم التفات نوع الناس له على انه امر لا يمكن حله و حصره و مقداره).

فصل في الماء الجاري

اشارة

الذي قد يقع الكلام بين الفقهاء في موضوعه و انه السائل مطلقاً او عن مادة او مطلق النابع و عليه فيكون وصفه للجريان للغلبة و لجريان الاصطلاح او يراد به الجريان الطبيعي و بحسب المقتضي و يؤيد الاحتمال الثاني المنقول عن بعض المتأخرين من اطلاقه عن السائل من ذوبان الثلج شهرا او شهرين او طول السنة فان المنع من اطلاق الماء الجاري عليه مجازفة الا انه اخص من المدعى لوضوح عدم صدقه على مطلق السائل لكن لا يهمنا تشخيص موضوعه بعد ان كان مدرك الحكم عندنا مثل صحيحة ابن بزيع المشتمل على عنوان المادة فانها سواء جعلت كلمة حتى فيها للانتهاء او للغاية تدل على عموم حكم البئر

لكل ذي مادة بمقتضى عموم العلة سواء يرجع التعليل إلى قوله: لا يفسد شي‌ء الا بالتغير او إلى طهارته بعد التغير بزواله مطلقا او بالنزح فانه على كلا التقديرين تدل على عصمة ما يخرج من المادة و الا لا نفع بالملاقاة و لم يطهر المتغير فدلالته على عصمة ما يخرج من المادة واضحة و عموم الحكم لكل ذي مادة ثابت بمقتضى عموم العلة، نعم ان رجع التعليل إلى زوال التغير بالنزح كما في قولك (لازم غريمك حتى يوفيك دينك فانه يكره ملاقاتك) على اضعف الوجوه لم يعم الحكم لكل ذي مادة و عليه فيحتاج إلى التمسك بمثل قوله: الماء الجاري لا ينجسه شي‌ء، و في الدعائم ليس ينجسه شي‌ء ما لم يتغير اوصافه و ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا بل و مثل قوله ماء الحمام بمنزلة الجاري الظاهر في ثبوت خصوصية له ممتازة عن غيره و ليس الا اعتصام القليل منه و حينئذ فيحتاج إلى تشخيص موضوع الجاري الا انك عرفت استظهار رجوع التعليل في الصحيحة إلى احد من الاعتصام او التطهير و الرفع بل الظاهر رجوعه إلى خصوص الاخير، نعم مقتضاه اعتصام ذي المادة مطلقا.

نعم قد يعارض بعموم ادلة الانفعال الشامل للجاري و الراكد و النسبة عموم من وجه و بعد التساقط يرجع إلى عموم خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء و قد يرجع بعد التساقط إلى ما قد يستفاد من ادلة الكر و الجاري من احتياج اعتصام الماء إلى سبب وجودي فإذا شك في وجوده فالاصل عدمه و الكلام في المسألة طويل فليراجع إلى طهارة شيخنا الاكبر، لكنا نقول يمكن المنع عن كون النسبة بين ادلة الجاري و ادلة الانفعال العموم من وجه و ذلك لان مفاد ادلة اعتبار الكر في العصمة ان الماء مطلقا عصمته منوطة بكريته فقليلة ينفعل و كثيرة لا ينفعل و مفاد دليل ذي المادة و الماء الجاري ان الجاري من اقسام الماء المعتصم مطلقا و من الواضح ان بين موضوعي الدليلين عموم مطلق، نعم ان جعل المعارض لأدلة الجاري وذي المادة خصوص المفهوم الدال على ان القليل من الماء منفعل كانت النسبة عموما من وجه، لكن الانصاف ان المعارضة بين الخصوصية المستفادة من المنطوق و دليل الجاري ثمّ على تقدير جعل المعارض مفهوم الصحاح و كون النسبة عموما من وجه عرفت انه قد يرجع إلى ما يستفاد من الادلة من احتياج الماء إلى سبب وجودي و مع الشك ينجس و قد يرجع إلى عمو م قوله خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء الدال على اعتصام الماء بنفسه و احتياج الانفعال إلى التغير و التحقيق التعارض بينهما ايضا بالتباين فيرجع إلى قاعدة الطهارة و استصحابها و على أي حال فلا اشكال في تنجسه قليلا كان او كثيرا بالتغير كما انه لا فرق في الجاري بين ان يكون بالفوران من المادة او بالرشح اما بناء على كون الموضوع عنوان الجاري فواضح و كذا ان كان عنوان ذي المادة لصدق المادة على كل منهما، نعم لو جعلنا الموضوع عنوان الجاري لم يلحق به النابع الواقف و ان جعلنا عنوان ذي المادة كما هو الاقوى لما عرفت من وضوح دلالة الصحيحة عمَّ الحكم لكل نابع و ان كان واقفا و سنشير في المسألة الخامسة إلى انه هل يعتبر في عصمة ذي المادة النبع ام لا فانتظر.

المسألة الاولى: الجاري على الارض من غير مادة نابعة او راشحة إذا لم يكن كراً ينجس بالملاقاة

، نعم إذا كان جارياً من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس اعلاه (1)بملاقاة الأسفل للنجاسة و ان كان قليلًا

، إذا


1) تقدَّم ان المناط في عدم التنجس هو الدفع بلا فرق بين العالي و غيره.

لم يكن كراً تنجس بالملاقاة اما بناء على كون دليل العصمة ما دل على اعتصام ذي المادة فظاهر لعدم المادة العاصمة لان الظاهر من المادة المادة الارضية دون مطلق ما يستمد منه في الجريان بل قد عرفت الاشكال في صدقه على السائل من ذوبان الثلج لعدم انصراف المادة اليه لان الظاهر من المادة و لو بقرينة المورد ما كان مثل مادة البئر و ليس للفظ المادة من هذه الجهة اطلاق يشمل غير المادة الارضية لو لم نقل بانصرافه إلى خصوصها و سيجي‌ء في المسألة الرابعة لذلك توضيح، نعم إذا كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس اعلاه بملاقاة الاسفل للنجاسة لا لما قد يتوهم من امتناع سراية النجاسة من الاسفل للاعلى إذ لا نقول في انفعال الماء القليل بالسراية لما سيجي‌ء بل للاجماع الظاهر على ذلك بل و عدم نقل قول بالنجاسة و حينئذ فيقتصر فيه على ما كان علوه تسنمياً كالميزاب او ما يشبهه او اما الاعتصام في مطلق العلو و السفل فلا وجه له بل و منه يظهر عدم الحاق ما كان مثل الفوارة الملاقية عالية بالنجاسة به و قد مر شطر من الكلام في ذلك في باب المضاف.

المسألة الثانية: إذا شك في انه له مادة ام لا و كان قليلًا ينجس بالملاقاة

، لما عرفت من ان الجريان كالكرية عاصمة و مانعة فإذا شك في تحقق المانع عن التنجس يستصحب عدمه لأن استصحاب عدم المانع و لو بالعدم الأزلي ينفع في الحكم بتأثير المقتضي فإذا كان ظاهر قوله:

إذا بلغ الماء

بل و قوله:

لأن له مادة

ان الملاقاة تؤثر في النجاسة، و الكريه و المادة عاصمة و جرت اصالة عدم تحقق المانع عن تأثيرها حكم بنجاسة الا ان يقال انهما في دلالتهما على ذلك متعارضة مع قوله:

خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء.

الدال على ان المحتاج إلى امر وجودي هو النجاسة و الا فنفس الماء معتصم بنفسه و لا يؤثر فيه النجاسة و مع التعارض فالاصل الطهارة و عدم الانفعال و حمل النبوي على خصوص الجاري و المطر و الصحاح على الراكد و ان كان ممكناً الا انه بلا شاهد مع انه خلاف الظاهر في ادلة ذي المادة ايضاً حيث عرفت ظهورها في قابلية الماء بما هو ماء للانفعال و المادة عاصمة و شيخنا في طهارته و ان ضعف النبوي الا ان شهرة نقله في كتب الخاصة و استدلالهم به جبر ضعفها و من جميع ما ذكرنا ظهر وجهي المسألة و ان الأقوى طهارته مضافاً إلى امكان استصحاب اتصاله بالمادة لظهور اليقين بأن لكل ماء مادة و نشك في انقطاعه عنها فيستصحب اتصاله بها و رجوع الاستصحاب إلى الاستصحاب الكلي غير مانع بعد كون الأثر من آثار مطلق المادة لا المادة الخاصة.

المسألة الثالثة: يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة فلو كانت المادة من فوق تترشح و تتقاطر، فإن كان دون الكر ينجس، نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس

، لأن الظاهر المنصرف من ادلة ذي المادة ان حفظه من النجاسة مستنداً اليها بمعنى انها هي التي تعصمه من النجاسة لا بمعنى ان هذا القسم من الماء الذي خرج من المادة معتصم و بعبارة اخرى المادة علة للاعتصام حدوثاً و بقاء فما دام كان لهذا الماء مادة فهو معتصم و من المعلوم ان بعد الانفصال عن المادة لا يصدق ان له مادة و منه يظهر ان الحكم بانفعال ما كانت له مادة من فوق بترشح و تقاطر ان كان دون الكر محل نظر لصدق له مادة في مثله، اللهم الا ان يكون قطراته متباعدة او بعيدة بحيث لم يعد في العرف متصلًا و الا فمع اتصاله معها عرفاً كما في الماء الكائن على الأرض الذي يتقاطر عليه المطر حيث يحكمون بعصمته ما دام اتصاله بالمطر و يصرحون بأن المراد

بالاتصال ليس اتصال قطرات المطر بحيث لم يكن حالة فتور بينها لصدق الاتصال به بل و لو لم يصدق الاتصال بعدم اناطة الحكم مناط عنوان الاتصال بل يدور مدار حد العرف احدهما قابلًا بالتأثر بالآخر بحيث يمكن ان يقال ان عصمته به و هذا يكفي فيه اقل من صدق الاتصال و على أي حال فمحل الرشح طاهر و لا ينفعل بالملاقاة لأن له مادة و هل يتعدى إلى الرطوبة الموجودة في حال الفتور المتخلل بين قطراته وجهان اقواهما، نعم الا ان يمنع من اعتصامه مع عدم صدق الماء عليه لعدم الدليل على اعتصام غير الماء و يدفع بأن الرطوبة المتصلة بالمعتصم المتكونة من المعتصم ايضاً فلا تنفعل هي و لا إلى سطح الأرض الراشح.

المسألة الرابعة: يعتبر في المادة الدوام، فلو اجتمع الماء من المطر او غيره تحت الأرض و يترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجارى.

لا يخفى ان ذلك ليس من فروع اعتبار الدوام كيف و العيون النابعة في وقت دون وقت يلحقها الحكم حال نبعها بل هو من فروع اعتبار كون المادة ارضية يعني متكونة من الأرض لا مذخورة فيها من الخارج فإن المياه المجتمعة تحت الرمل من المطر من قبيل المذخورة فلا يلحقها حكم ذي المادة كما عرفت في المياه الجارية من ذوبان الثلج و لو كان ذلك طول السنة و قد عرفت انا لو سلمنا اطلاق المادة على مثل ذلك و لم نقل بظهورها في خصوص المتكونة في الأرض بطبعها لا نسلم تمامية مقدمات الحكمة فيها حتى يحرز الأخذ باطلاقها بل يمكن ان يكون ورودها في مورد التعليل للبئر موجبة لإرادة قسم خاص من المادة و هي المادة الأرضية.

المسألة الخامسة: لو انقطع الاتصال بالمادة كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع كان حكمه حكم الراكد

، فإن ازيل الطين لحقه حكم الجاري و ان لم يخرج من المادة شي‌ء، فاللازم مجرد الاتصال

، لا من جهة عدم النبع الفعلي على ما يظهر من المتن بل من جهة زوال الاتصال بالمادة ضرورة انه لا يعتبر في عاصمية المادة كونها نابعة فعليه لعدم الدليل عليه و ان كان يحتمل ذلك في تعليل صحيحة ابن بزيع بناء على رجوعها إلى سببية زوال التغير بالنزح لا لعدم الانفعال بغير التغير و ذلك لما عرفت من ان المحتمل ان يكون الرافع لنجاسة المتغير زوال التغير عنه على وجه النزح الملازم للجريان و النبع من المادة و حينئذ فلا يدل الا على عصمة ذي المادة حال النبع لا مطلقاً، نعم بناء على رجوع التعليل إلى اصل الاعتصام و عدم التنجس الا بالتغير فباب هذه المناقشة مسدود، لكن الانصاف ان ظاهرها و ان كان رجوع التعليل إلى زوال النجاسة بزوال التغير الا ان المستفاد منه ان الغاية مجر زوال التغير لا خصوص الحاصل منه بالنزح الموجب للامتزاج حتى لا يستفاد منه الا اعتصام للمادة حال النبع فكما ان الأقوى عصمته مطاقاً كذلك الأقوى عدم اعتبار الامتزاج في ذي المادة و كفاية مجرد الاتصال فإن ثبت عدم القول للفصل بينه و بين المياه العاصمة لا يعتبر الامتزاج مطلقاً و الا فيفصل بينهما و كيف كان فلا اشكال في انه بعد زوال المانع و حدوث

الاتصال يعتصم مطلقا في وجه و يشرط الخروج من المادة و النبع في آخر و قد عرفت ان الاول اقوى.

المسألة السادسة: الراكد المتصل بالجاري كالجاري،

المسألة السادسة: الراكد المتصل بالجاري كالجاري (1)،

فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه، و كذا اطراف النهر و ان كان ماؤها واقفاً

، في الاعتصام ان قلنا بان المناط وجود المادة له و أما ان انطنا العصمة او زوال النجاسة بالجريان و صدق الجاري فهو مورد تأمل بل منع، و الحاصل ان المتبع في الالحاق و عدمه دليل ذلك الاثر الذي يراد اثباته فان كان ثابتا لذي المادة فيثبت للمتصل بالشط مطلقا بصدق ذي المادة عليه و ان كان ثابتا لعنوان الجاري فلا يصدق على الحوض المتصل ما لم يعد في الخارج جزء منه كأطراف الشط المعدودة بعضا منه فانه ملحق به في الحكم مطلقا حتى لو كان واقفاً.

المسألة السابعة: العيون التي تنبع في الشتاء- مثلًا- و تنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها

لصدق ذي المادة عليها حين النبع و عدم الصدق حين عدمها بل لا يعتبر النبع و يكفي مجرد وجود المادة و اتصال الموجود به و ان كان لاعتبار النبع و الجريان من المادة وجه بناء على ان صحيحة ابن بزيع لا تدل الا على الاعتصام حين النبع لأنها غير دالة الا على ان زوال التغير بالنزح الموجب لخروج الماء من المادة و مزجه بالمتغير مطهر له و لا يظهر من هذه الجملة الا اعتصام ما في المادة بالجريان و النبع نعم لو قيل برجوع التعليل إلى قوله:

لا يفسد بشي‌ء

او جعل الغاية مطلق زوال التغير كان للحكم باعتصام المادة و ما يتصل بها مطلقا وجه.

المسألة الثامنة: إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة

و ان كان قليلًا و الطرف الآخر حكمه حكم الراكد ان تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير و الا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط، لاتصال ما عداه بالمادة

، فتنجس المتغير بلا اشكال لوجود سببه و يبقى الطرف المتصل بالمادة على طهارته لان سبب الاعتصام و هو الاتصال بالمادة موجود فلا يضر اتصاله بالمتغير المتنجس من غير فرق بين ان يكون قليلا او كثيرا و كذا الطرف الآخر لم يتغير تماما قطر الماء و لم ينقطع عن المادة بالمتغير مطلقا بل بقي بعض الماء غير متغير فان الطرف الآخر ايضا يبقى على طهارته من اتصاله بالمادة بواسطة الماء الغير المتغير و أما إذا انقطع تماما قطر الماء بحيث لم يبق منه مقدار يكون واسطة بين المادة و الطرف الآخر المتصل بالمتغير المنفصل عن المادة به فهل يبقى على طهارته لصدق ذي المادة و النهر و الجاري عليه و اتصاله بالمادة ايضا محفوظ و لم يدل دليل على اعتبار ازيد من ذلك او يتنجس لان عصمته لو كان يكون من ناحية المادة و قد انقطع عنها بالمرة بالمتغير فان المتغير المنفعل حيث لا يعتصم بالمادة لا يمكن ان ينحفظ غيره به وجهان اختار الثاني في المتن و بعض الاساتذة ممن ادركنا عصره على الاول.


1) في الاعتصام و عدم انفعاله بالملاقاة.

فصل في الماء الراكد

اشارة

الراكد بلا مادة ان كان دون الكر ينجس بالملاقاة على المشهور المدعى عليه الاجماع و النصوص المتظافرة لو لم يكن متواترة المبتلى بمثلها الظاهر في العصمة و عدم الانفعال المتأيد بالتعليل في بعض الاخبار بقوله لان الماء اكثر من القذر الذي سنشير اليه و إلى وجه دلالته في مسألة الغسالة إن شاء الله، و بقوله خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء الا ما غير الحديث الذي عرفت انه لو سلمنا معارضته من قوله:

إذا بلغ الماء قدر كر

وجب الرجوع إلى عمومات الطهارة للماء و لكل شي‌ء و استصحابهما و قاعدتها هذا مضافا إلى ان كثرة اخبار الطرفين مانعة عن الرجوع في علاجها إلى ملاحظة سندها فيتعين فيها الجمع الدلالي و الانصاف ان ما يقابل اخبار الطهارة اقبل للتصرف بل هي في الطهارة نص و تلك في النجاسة ظاهرة الا وضوح الحكم بين المتشرعة حديثا و قديما و الاشعارات الموجودة في الاخبار المتفرقة و ارتكاز النجاسة في ذهن عموم المذهب بل المسلمين اوقفنا عن الحكم بالطهارة و جعل الاحتياط الشديد في النجاسة و عليه فلا فرق بين النجاسات حتى رأس الابرة من الدم الذي لا يدركه الطرف الذي ذهب بعضهم إلى عدم تنجس الماء به زاعما انه مورد صحيحة علي بن جعفر من قوله:

ان كان شيئا لا يستبين في الماء فلا بأس

بعد السؤال عن رجل امتخط فصار الدم قطعا صغار فاصاب اناءه: لكنه ضعيف لاحتمال ان يكون المراد من قوله ان لم يستبين لا يعلم وصوله إلى الماء إذ العلم باصابته الاناء اعم من ذلك بل يحتمل ان يكون السؤال عن ذلك ايضا يعني ان العلم باصابة الاناء و الجهل باصابة الماء يوجب الاجتناب عن الماء لوقوعه طرف الشبهة ام لا مع انه شاذ غير معمول به فلا يمكن الاعتماد عليه في الفتوى فالاقوى عدم الفرق بين قليل النجاسة و كثيرها كما انه لا فرق بين اقسامها و كذلك لا فرق بين ان يكون الماء الذي لاقته النجاسة مجتمعاً او متفرقاً مع ايصالها بالسواقي فان ملاقاة طرف منه بالنجاسة ينجس الجميع لا بسراية النجاسة موضوعاً مع عدم قابلية بعضها لذلك و استلزام القابلية له حصول وصف النجاسة للماء تدريجاً و لا لكون اجزاء الماء متلاقية بعضها ببعض فإذا لاقى بعضها بالنجاسة تنجس الجميع لملاقاتها بالمتنجس و ملاقاة بعضها بالنجاسة حتى يقال بابتنائه على القول بتنجيس المتنجس مع انه ملتزم بالتنجس هنا من يمنع تنجيس المتنجس خصوصا مع كثرة الوسائط كما في الفرض بالنسبة إلى الاجزاء البعيدة او يقال بان التنجيس بذلك على القول بالجزء الذي لا يتنجز حتى يصح ان يقال ان كل جزء ملاق للآخر و الا فمع عدمه يمنع التلاقي بينها لان الجزء الملاقي احد سطحيه لا يلاقيها الا بسطحه المتصل و السطح المقابل غير ملاقي لا للنجاسة و هو ظاهر و لا للسطح الآخر لان تلاقي السطحين المتقابلين غير معقول بل للتعبد عن الشرع حيث اناط الحكم بطهارة الماء الملاقي للنجاسة على كونه كرا الظاهر في انه مع عدم كريته يتنجس الجميع لان الجميع لاقى النجس و ان كان بقدر الكر لا ينجس للاجماع و الصحاح و غيرها المتكثرة المتظافرة من غير فرق بين تفرق الماء او اجتماعه مع صدق الوحدة العرفية للاطلاق و عدم ما يصلح للتقيد حتى الانصراف فانه لو كان فهو انصراف بدوي لا يعتنى به و الا كان الامر في القليل كذلك مع انه لا يلتزم به الخصم:

المسألة الاولى: لا فرق في تنجس القليل بين ان يكون وارداً على النجاسة او موروداً

، لإطلاق الاخبار الخالية عما يوجب تقيدها، و دعوى انه لو نجس

الوارد لم يطهر متنجس الا بالكر او غيره من المياه المعتصمة سيأتي رفعها ان شاء الله مع وضوح عدم الملازمة

المسألة الثانية: الكر يحسب الوزن الف و مائتا رطل بالعراقي و بالمساحة ثلاثة و اربعون شبراً

المسألة الثانية: الكر يحسب الوزن الف و مائتا رطل بالعراقي و بالمساحة ثلاثة و اربعون (1)شبراً

الا ثمن شبر فبالمن الشاهي- و هو الف و مائتان و ثمانون مثقالًا- يصير اربعة و ستين مناً الا عشرين مثقالًا

، اجماعاً منا و المشهور انه بالعراقي لكون المرسل عراقياً مع انه ارسله عن بعض اصحابنا الظاهر في كونه ايضا كذلك فيكون الراوي ايضا عراقيا و لإرادة العراقي من الرطل في بعض الاخبار فيكون شاهدا على ارادته منه هنا ايضا و لان في صحيحة محمد بن مسلم حدده بستمائة رطل و لا اشكال و لو بضميمة عدم الخلاف في ان المراد منه المكي الذي هو ضعف العراقي فيكون الفا و مائتان بالعراقي فيكون مبينا للمرسل المزبور لان المبين يفسر المجمل بل يمكن ان يجعل نفس هذه الصحيحة دليلا و لا يعارض بالمرسلة لان المجمل لا يعارض المبين.

و اما دعوى ان ابن ابي عمير مرسل للرواية و المقدم على عرف المروي عنه عرف الراوي دون المرسل فلا وجه لجعله شاهدا على ارادة العراقي كما في طهارة شيخنا الاكبر (قدس سره)، فيمكن دفعها بان المرسل ايضا حيث نقل الرواية بالرطل و لم يبين ان المراد منه غير مصطلحه يحمل على مصطلحه إذ مثل ابن ابي عمير ليس ممن ينقل الفاظ الرواية من غير نظر إلى معناه فلو كان له ظهور في كلامه في معنى و كان المراد غير ذلك الظاهر لكان يشير اليه و من المعلوم ان الواقع في كلامه ظاهر في ارادة العراقي، نعم ليس هذا النحو من الاستظهار من قبيل تقدم عرف الراوي على عرف المروي عنه و كيف كان فالعمدة في الحمل على العراقي ما عرفته من شهادة صحيحة ابن مسلم.

ثمّ ان الدليل على ان الرطل العراقي مائة و ثلاثون درهما مكاتبة علي بن محمد الهمداني المشتمل على ان الصاع ستة ارطال بالمدني و تسعة ارطال بالعراقي و وزنه الف و مائة و سبعون وزنه فان الصاع لا يكون وزنه ذلك الا ان يكون الرطل العراقي مائة و ثلاثون حتى يكون تسعة مرات مائة و ثلاثون الف و مائة و سبعون، ثمّ لو شك في ان مقدار الكر ما عرفت من الالف و مائتا رطل بالعراقي او هو بالمدني الذي هو ثلثا العراقي حتى يكون ثمانمائة رطل بالعراقي يمكن ان يرجع في المقدار المشكوك إلى عموم

خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء

الا ما غير.

ان قلت: لم لا يرجع إلى مثل قوله في الماء الملاقي للكلب لا تتوضأ منه الا ان يكون كثيرا قدر حوض و مثل قوله في الماء الذي دخلته الدجاجة الواطئة للعذرة لا تشرب منه الا ان يكون كرا بل و مثل مفهوم الصحاح حيث ان مفادها تنجس الماء الا ان يكون كراً.

قلنا: نعم لكنها كلها من قبيل المخصص بالمتصل الذي لا يرجع اليه مع اجمال المخصص لان الاستثناء اما من المتصل او الملحق به لكونه بمعنى استثني الذي لا يتقوَّم بدون المستثنى


1) على الأحوط، و الأظهر انه سبعة و عشرون شبراً.

منه و أما لو كان معناه حرفيا اليا فكونه من المتصل اوضح هذا بخلاف عموم النبوي فان المخصص فيه منفصل فيمكن الرجوع اليه مع اجماله.

ان قلت قد مر منك ان عموم النبوي معارض بالصحاح مثل قوله (

إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‌ء

) و مع التساقط لا يمكن ان يكون مرجعا.

قلت لمثل النبوي جهتان من الدلالة:

احداهما: ان الماء بما هو، يكون مخلوقا لله على وجه لا ينجسه شي‌ء فيحتاج انفعاله إلى سبب وجودي و الا فهو بمقتضى طبعه لا ينفعل و الثانية دلالته على فعلية الطهارة لكن واحد من افراده سوى المتغير: و التي بها معارضتها مع الصحاح هي الجهة الاولى حيث انها متعارضة معها تعارض التباني و يتساقطان.

و اما الجهة الثانية: فلا معارض لها لان الصحاح بالنسبة إلى هذه الجهة منها اخص إذ هي مفصلة بين الكر و القليل فإذا شك في مقدار الكر ثمانمائة رطل و انه من الخارج او من الداخل يمكن الرجوع إلى عمومه، نعم بما يحكم بسقوط النبوي لضعفه فيتعين الحكم من الجهتين على طبق ما يقابله و عليه فلا يبقى عموم يرجع اليه في الحكم العقلي و يتعين الرجوع عند الشك مع عدم العموم إلى الاصل فإذا فرض احتياج الاعتصام إلى سبب وجودي و قد شك فيه بحكم بالنجاسة بل قد يجعل مقتضى الجمع بين الادلة حمل النبوي على ماء الكر و المطر و الجاري لكنك عرفت ان هذا الجمع لا ينافي كونه المرجع عند الشك في مقدار الكر مفهوماً، نعم مع كون الشبهة مصداقية بعد تبين مفهومه لا يرجع اليه و كيف كان فهو بالمساحة ثلثه و اربعون شبراً الا ثمن شبر الحاصل من ضرب ثلثه و نصف عرضا في مثله طولًا ثمّ ضرب المجموع في ثلثه و نصف عمقاً كما هو مقتضى رواية حسن بن صالح الثوري إذا كان الماء في الركن ثلاثة اشبار و نصف عمقها في ثلاثة اشبار و نصف عرضها و لا ينافيها عدم اشتمالها على تحديد الطول بعد ان لا يكون اقل من العرض و الا خرج عن كونه طولا و لا اقل من ان يكون مثله كذا قيل و الأظهر جعل العرض بمعنى السعة المقابل للعمق دون العرض العرفي المقابل للطول و الا فيعتبر ان يكون اقل من الطول كما هو واضح و ربما يجعل ذلك مضافاً إلى وقوعه تحديداً للماء الموجود في الركن مؤيداً لحمله على المستدير و كون المراد من العرض هو القطر و حاصل الضرب فيه مما لا قائل به و ذلك لأن ضرب نصف القطر في نصف الدائرة ثمّ ضرب المجموع في ثلثه و نصف القطر يحصل منه ثلثه و ثلثين شبراً و خمسة اثمان شبر و نصف شبر و لم يقل به احد فيطرح الرواية و كذلك الرواية الأخرى يعني رواية ابي بصير

إذا كان الماء ثلاثة اشبار و نصف في مثله ثلاثة اشبار و نصف في عمقه من الأرض فذلك الكر من الماء

فيطرح الروايتان و يبقى رواية اسماعيل بن جابر المشتملة على ثلاث في ثلاث التي يحصل منها سبعة و عشرين بلا معارض و يؤيده صحيحة اسماعيل بن جابر المحددة له بذراعين عمقه في ذراع و شبر سعته و الذراع قدمان فان من ضرب نصف القطر و هو شبر و نصف في نصف الدائرة و هو اربعة و نصف يحصل ستة و ثلاثة ارباع فيضرب في اربعة العمق فيحصل سبعة و عشرين و بذلك كله يترجح رواية القمين و هي رواية اسماعيل بن جابر

ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار

على المشهور و لكن فيه مع ان وقوعه في جواب السؤال عن ماء الركن بعد ان كان مورد الجواب و السؤال تحديد الكر لا خصوص الواقع منه في الركن لا يوجب تخصيصه بالمستدير ان حمل الرواية على تحديد الكر بالمساحة المتحصلة من ضرب نصف القطر المدور في نصف الدائرة الذي لا يعرفه موضوعاً و حكماً الا الخواص في غاية

البعد فلا داعي الى حمل الرواية على هذا المعنى البعيد ثمّ طرحها لعدم القائل بها و مجرد انطباق صحيحة اسماعيل بن جابر على المنقول من القميين لا يجوزه مع ان حمل تلك الصحيحة على المدور ايضاً بعيد، و مجرد انه لو حملت على المربع يكون محصلة ستة و ثلاثين و لم يقل به احد لا يوجبه لأن ورود الأخبار في تحديد الكر على ما لا يقول به احد غير عزيز مع انه يجي‌ء من ما يرفع الأشكال من اصله في ورود التحديدات المختلف مضافاً إلى انه احتمل في المعتبر على ما حكى العمل به فالانصاف معلمة المعارضة بين الأخبار ثلاثة و نصف و بين ما يحدده بالثلاثة و الترجيح للاول لموافقة المشهور و الإجماع المنقول و كون الريب فيه اقل الاحتمال سقط النصف من رواية الثلاثة فيدل على ترجيحه قوله فإن المجمع عليه لا ريب فيه و أما سائر الأخبار فيكفي فيها الشذوذ و عدم الفتوى على طبقها.

و أما الاختلاف بين الوزن و المساحة الذى اوقع القوم في الأشكال فيمكن رفعه بأن الأصل في تحديد الكر هو الوزن و انما حدد بالمساحة نظراً إلى بلوغ ما كانت مساحته ذلك إلى الوزن الذي هو الحد الواقعي فيكون ذلك تحديداً تقريبياً لا تحقيقياً و انما حدوده تقريباً لأن مجموع المياه عندهم غالباً لم يكن متساوي الأبعاد بل و لا متساوي السطح و الأبعاد فحدوده تحديداً تقريبياً آخذين فيه طرف الأكثر لأن ينطبق مع هذه الاختلافات الموجودة في محل الماء على الوزن و به يرتفع الإشكال في اختلاف الحدين و عدم انطباقها و انه كيف حدوده بكل منهما و يكفي الاعتبار بأي منهما مع ما ترى من الاختلاف، و حاصل الجواب: ان الأصل في الاعتبار هو الوزن لأنه الحد الأضبط الذي لا يأتي فيه المسامحة من جهة و لكنه لما لم يمكن التحديد به غالباً جعلوا له طريقاً و لما لم يمكن المساحة ايضاً تحقيقاً لعدم تساوي ابعاد الماء و كذا المحل الذي اجتمع فيه و اشتماله غالباً على الارتفاع و الانخفاض مسحوها بمساحة ازيد من الوزن لينطبق عليه مع ما يقع عليه المساحة من المسامحة لاختلاف الأبعاد و ارتفاع محله و انخفاضه و لذا كان غالب التحديدات عند التحقيق اكثر من الوزن و يمكن ان يجعل ذلك ايضاً من مرجحات رواية ثلاثة و نصف على الثلاثة لأن الثاني يكون اقل من الوزن فلا رافع عليه لأشكال الاختلاف و حمله على مجرد التعبد بالحدين و انه ليس للكر حد واقعي بل يختلف باختلاف كيفية التحديد ليس مما يمكن الالتزام به فلا محيص الا عن جعل احدهما اصلًا و الآخر طريقاً كما لا محيص الا عن جعل الأضبط الأشكل في الخارج اصلًا و الآخر طريقاً و جعل الطريق ما لا يوصل ابداً إلى ما جعل طريقاً اليه مما لا يمكن الالتزام به بخلاف جعله بحيث يوصل اليه دائماً بحيث لا ينفك عن تحقق المقدار الواقعي و ان كان يزيد عليه و انما حدوده بالزائد عليه لما عرفت من الحكمة، ثمّ ان ما مر منا من ان حمل التحديد على الدوري مبني على معرفة كيفية ضرب الدور الذي لا يعرفه الغالب غير وارد على غير الدوري ايضاً بان يقال ان معرفة الضرب و المكسر ايضاً غير معلوم للعامة فكيف حدوده به و ذلك لأن التحديد في مساوي الأضلاع بان يقال كل ما كان مجمع الماء من اطرافه و ابعاده ثلاثة و نصف كان الماء كراً غير محتاج إلى الضرب و بعبارة اخرى التحديد بالمساحة لا يبتنى على معرفة مكسر المساحة إذ يجوز ان يقال كل ما كان طول الماء و عرضه و عمقه ثلاثة و نصف كان الماء كراً و ان لم يعرف المخاطب ان ذلك مبلغ تكسيره سبع و عشرين الا ثمن شبر لكنه ان الماء يبلغ كذا مقدار عليه ان يجمعه في محل كان ابعاده كذا و يعرف المكسر بالضرب فيعرف ان الماء المسكوب يبلغ مكسره ذلك ام لا و معرفة هذا التكسير كما ان معرفة ان وزنه فعلا بحسب الوزن المتعارف المعروف بالشامي الذي وزنه الف و مائتان و ثمانون مثقالًا يصير اربعة و ستين مناً الا عشرين مثقالًا او انه بحسب الحقة الاسلامبول

المتعارف اخيراً في العراق الذي مائتان و ثمانون مثقالًا مائتا حقة و اثنان و تسعون حقة و نصف حقة لا يعرفه الا الخواص الماهر من اهل الحساب لا يضر بالتحديد و لا يجعل اصل التحديد عسراً.

المسألة الثالثة: الكر بحقة الإسلامبول المتعارف اخيراً في العراق- و هي مائتان و ثمانون مثقالًا
• مائتا حقة و اثنان و تسعون حقة و نصف حقة (1)
المسألة الرابعة: إذا كان الماء اقل من الكر و لو بنصف مثقال يجرى عليه حكم القليل

، و لا يعتنى إلى مسامحة العرف في عده كراً كما في سائر المقادير و جميع الموارد التي كان الصرف عندهم مبنياً على المسامحة و ذلك لأن ما يرجع فيه إلى العرف انما هو بيان مفاهيم الألفاظ حيث كان لها معنى عرفاً و أما تطبيق المفاهيم على المصاديق فلا وجه للرجوع اليهم، ان قلت فكيف يرجع اليه في تعين المستصحب مع ان مسامحتهم هناك ليس الا في تطبيق مفهوم المنقض، قلت حيث ان النقض ليس الا رفع الحكم عن موضوعه الواقعي و اطلاقه على رفعه عن غيره مبني على عده في العرف ذاك الموضوع الواقعي و من المعلوم انه مبني على المسامحة في الصدق فلنا الرجوع إلى العرف فيه ايضا لان مفهوم النقض عندهم هو رفع الحكم عما يعد عندهم موضوعا واحدا فهذا في الحقيقة تعميم في معنى النقض عرفا و الحاصل ان الكر كسائر المقادير يبتني الامر فيه على التحقيق لا التقريب و المسامحة.

المسألة الخامسة: إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل كالعكس.

نعم لو كان جارياً من الاعلى (2)إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل، من غير فرق بين العلو التسنيمي و التسريحي

، و لا ينظر إلى ما يمكن ان يتوهم من امتناع السراية إلى العالي لما مرت الاشارة اليه من ان امر التنجس عندنا ليس بالسراية الموضوعي او الحكمي اما الاول فواضح و مستلزم لان يتنجس الماء من عند الجزء الملاقي تدريجاً.

و أما الثاني فلان تحقق الملاقاة بين الاجزاء حتى يتحقق بمجرد ملاقاة جزء منه للنجاسة تلاقي جميع اجزائه بالنجاسة او للمتنجس للجزء و هو باطل بل مبنى التنجس هو التعبد الشرعي و صدق انه ماء لاقى النجس فتنجس و عليه فلا فرق بين ملاقاة الجزء العالي او السافل او المساوي، نعم قد عرفت انه لو كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل لكن لما كان مقتضى القاعدة حسبما عرفت النجاسة و كان خروج المورد بالاجماع كان التعميم الذي ذكره المصنف بقوله: من غير فرق بين العلو التسنيمي و التسريحي مبنيا على تحقق الاجماع في التعميم او ثبوت اطلاق لمعقده و لما لم يكن الامر بهذه المرتبة من الظهور كان الاحوط الاقتصار على العلو التسنيمي او ما كان ملحقا به عرفاً.


1) و بالكيلوات ثلاثمائة و سبعة و سبعون كيلواً تقريباً.

2) تقدم في ان المناط في عدم التنجس هو الدفع.

المسألة السادسة: إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ كراً ينجس بالملاقاة

و لا يعصمه ما جمد، بل إذا ذاب شيئاً فشيئاً ينجس ايضاً، و كذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه اقل من الكر فانه ينجس بالملاقاة، و لا يعتصم بما بقي من الثلج

، لا لخروجه بالجمود عن الحقيقة حتى يقال انه لو كان كذلك لوجب القول بطهارة الماء النجس إذا جمد و انعكس كما في المصعد بل عرفت ان الجمود في الحقيقة ليس الا تماسك اجزاء الماء بل مر أنه لو كان الامر في البخار ايضاً على هذا المنوال بان كان عبارة عن افتراق اجزائه لم يكن وجه لجعل التصعيد مطهراً بل لعدم الصدق عرفاً او انصراف ادلة مطهرية الماء إلى حال ميعانه و سريانه دون حين جموده كل ذلك لشهادة الاعتبار به و حينئذ مضافاً إلى ان المجمود لا يعصم غيره ينفعل كل ما يذوب منه شيئاً فشيئاً بل ينفعل قبل الذوبان لعدم المانع من تنجس الجامد و كذا إذا كان هناك ثلج كثير قد ذاب منه اقل من كر فانه ينجس بالملاقاة و لا يعتصم بما بقي من الثلج كل ذلك لما عرفت من ان الاعتصام و العصمة و عدم انفعال الكر كلها منوطة بالماء العرفي دون ما لا يصدق عليه الماء و ان كان من حقيقته و جنسه نظير بعض الأحكام الثابتة للحنطة او الطحين او العجين او الخبز فانها لا تتعدى من الحالة التي تثبت لها تلك الأحكام إلى الحالات الأخر لكون الحقيقة في الجميع واحدة.

المسألة السابعة: الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط

المسألة السابعة: الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط (1)

و ان كان الأقوى عدم تنجسه بالملاقاة، نعم لا يجري عليه حكم الكر، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى القاء الكر عليه، و لا يحكم بطهارة المتنجس غسل فيه و ان علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة

، لأصالة عدم تحقق سبب الاعتصام لما علم من الأدلة المعلقة لعدم التنجس على الأمور الوجودية من الكرية و المادة و غيرهما فعلل الطهارة في صحيحة ابن بزيع بأن له مادة و في الماء الجاري علقه بوصف الجريان مضافاً إلى قوله إذا جرى فلا بأس و في الكر علقه بان يكون الماء قدر كر و هكذا فانه يعلم من هذا المجموع ان السبب العاصم للماء عن الانفعال امر خارجي وجودي يجب ان يتحقق حتى يعتصم فإذا شك فيه فالأصل عدمه فيحكم بعدم سببه أي سبب الاعتصام و عدم الانفعال تحقق مقتضيه يعني الملاقاة، نعم لا يمكن الرجوع إلى عمومات الانفعال لكون الشبهة مصداقية و لا مجال فيها للرجوع إلى العام و ان قوى شيخنا (قدس سره) جواز الرجوع اليها ايضاً تارة من جهة كفاية اصالة عدم وجود الكر في هذا المكان و ان لم يجر اصالة عدم كرية و اخرى من جهة ان الشك في تحقق مصداق المخصص يوجب الشك في ثبوت حكم الخاص و الأصل عدم ثبوته فإذا انتفى حكم الخاص و لو بالأصل ثبت حكم العام إذ يكفي في ثبوت الحكم العام عدم العلم بثبوت حكم الخاص دون العكس و ثالثة من جهة ان عنوان المخصص في المقام من قبيل المانع عن الحكم الذي اقتضاه عنوان العام فلا يجوز رفع اليد عن المقتضي الا إذا علم بالمانع و مع الشك فالأصل عدم المانع و ان كان ذات المانع فيما نحن فيه غير مسبوق بالعدم، لكن الذي يظهر


1) بل على الأظهر.

من كلماته (قدس سره) انه لا يعتمد على شي‌ء من الوجوه المزبورة بل المصرح به في اول الكتاب ان منشأ حكمه بالانفعال فيما يشبه المقام هو ما يستفاد من الأدلة من احتياج الاعتصام إلى سبب وجودي فيكون عدمه مطابقاً للأصل حسبما بيناه.

ان قلت اصالة عدم سبب الاعتصام في المورد ليس له حالة سابقة الا العدم الأزلي لأن السبب العاصم ليس الا كرية الماء و اصالة عدم كريته ليس له حالة سابقة الا العدم بعدم الموصوف الذي علمنا بانقطاعه بوجود الموصوف لأن عدم كرية الماء حين لا ماء عدم بعدم الربط مزودة احتياج الربط إلى الموضوع و إذ ليس فلا ربط و بعد تحقق الماء الذي هو بمنزلة الموضوع قد علم انقلاب عدم الربط بالربط و ان لم يعلم بتحقق الربط الوجودي او العدمي لكن بعد العلم بانقلاب اليقين السابق بحدوث الربط انقطع العلم بعدمه و لا يقين بربط العدم يستصحب لما عرفت من ان الربط الموجود لم يعلم ايجابياً او سلبياً، قلت يكفي استصحاب عدم الربط بعدم المقيد بأن يقال كرية هذا الماء لم يكن قبل وجود الماء فلا يكون، فإن كرية هذا الماء الذي هو امر وجودي يعتصم به كان معلوم العدم بالعدم الأزلي فيستصحب و استصحاب العدم الأزلي جار بلا اشكال إذ يكفي العدم الأزلي للسبب في ترتب عدم المسبب و ما سمعت من عدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية إنما هو فيما كان الأثر للعدم الخاص دون ما كان لمطلق العدم، هذا كله بناء على ضعف النبوي او عدم دلالته على عصمة الماء نفسه و ان انفعاله بالملاقاة تحتاج إلى امر وجودي كما ربما يستظهر من قوله: (

خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء

) حيث ان ظاهره ان كون الماء كذلك بجعلٍ إلهي له بما هو ماء من دون مدخلية امر آخر فيه من كونه كراً او جارياً او ذا مادة فيكون اعتصامه بنفسه و انفعاله محتاجاً إلى امر وجودي من تغير او كونه قليلًا.

ان قلت بعد تخصيصه لصحاح الكر المفصلة بين القليل و الكثير كما هو مقتضى الجمع بين المطلق و المقيد و العام و الخاص يكون الموضوع في هذا النبوي غير الراكد القليل و به يبطل دلالته من الجهة المنافية لمدلول الصحاح من حيث دلالتها على احتياج الانفعال إلى سبب وجودي إذ لا يبقى فيه حينئذ دلالة على كون الماء بذاته كذلك إذ ليس الموضوع فيه بعد التخصيص نفس الماء و طبيعته بل غير القليل المشتمل على جهة من جهات الاعتصام فلا يزيد في الدلالة على ان الكر و المطر و ذا المادة معتصمة بذاتها فلا يدل على ثبوت هذا العنوان يعني الاعتصام لمطلق الماء.

قلت لزوم تخصيصه بغير القليل لا بتعين ان يكون على وجه ينافي دلالته من تلك الجهة إذ يمكن ان يجعل الخارج منه القليل الراكد الذي هو ايضاً امر وجودي فيتحفظ على ان الانفعال محتاج إلى سبب وجودي.

و دعوى ان القلة ايضاً عدمي لأنه عبارة عن عدم الكرية، مدفوعة بان الكر و غير الكر متضادان و القليل عبارة عن غير الكر و لا تنافيه ملازمته مع سلب الكرية الذي هو نقيض الكرية و حينئذ فيعارض الصحاح من هذه الجهة معارضة المباين مع مباينه و يرجع بعده إلى استصحاب الطهارة و قاعدتها و لعله لذا كان الاقوى عند المصنف عدم تنجسه بملاقاة.

نعم لا يجري عليه حكم الكر يعني الحكم المختص به بما هو كر مثلا ان دل دليل على عدم لزوم العصر او التعدد في الكر لا نتعدى إلى مثل الماء المزبور و أما ان ثبت له حكم بما انه لا ينفعل نتعدى اليه لان المفروض انه ايضا بمقتضى الاستصحاب معتصم لا ينفعل و هو طهارة الماء المتنجس بالقاء كر عليه من قبيل الاول فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى القاء كر

عليه او الثاني فيحكم بطهارته ظاهر المصنف (قدس سره) بل صريحه الاول و هو كذلك ان كان المدرك الاجماعات المنعقدة على طهارة الماء المتنجس بالقاء كر عليه و أما إذا كان المدرك ادلة عصمة الكر منظما إلى الاجماع على عدم اختلاف اجزاء الماء الواحد الممتزج بعضه ببعض فلا وجه لعدم الالتزام بطهارة الجميع بعد المزج، الا ان يقال مع العلم بالكرية يعتصم الكر بادلة عصمتها و هي غير معارضة باستصحاب نجاسة المتنجس فيحكم بطهارة الجميع بضميمة الاجماع المزبور.

و أما مع عدم العلم بالكرية فلا عاصم له الا الاستصحاب و هو معارض مع استصحاب نجاسة المتنجس و لا حكومة بينهما لعدم تسبيب الشك في احدهما مع الآخر، نعم يمكن ان يرجع بعد المعارضة إلى قاعدة الطهارة و استصحابها هذا و أما الحكم بطهارة المتنجس الذي غسل فيه الذي جزم المصنف (قدس سره) بعدمه فلا يحتاج إلى المعارضة و الرجوع إلى القاعدة لان الالتزام بورود المطهر في القليل و عدمه في الكثير ليس الا لانفعال الاول بالملاقاة و عدم انفعال الثاني به فلو كان مقتضى الاستصحاب طهارته و عدم انفعاله بوقوع المتنجس فيه فلا وجه لاشتراط الورود، نعم في اعتبار التعدد و العصر فيه ان لم يعتبرهما في الكر للاجماع او لقوله: ما اصاب هذا شيئا الا و قد طهره، وجه الا ان المسهل للامر انا نعتبرهما في الكر ايضا كما سيجي‌ء إن شاء الله.

المسألة الثامنة: الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة و لم يعلم السابق من الملاقاة و الكرية

ان جهل تاريخهما او علم تاريخ الكرية، حكم بطهارته و ان كان الاحوط التجنب (1)، و ان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته و أما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها، فان جهل التاريخان او علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة، مع الاحتياط المذكور، و ان علم تاريخ القلة (2)حكم بنجاسته

، تأريخ شي‌ء منهما يحكم بطهارته لتعارض استصحاب القلة و عدم الكرية إلى زمان الملاقاة مع استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فيرجع إلى قاعدة الطهارة و استصحابها، و كذا إذا علم تأريخ الكرية و جهل تاريخ الملاقاة فان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية اثره الطهارة و لكن ما ذكرنا من الرجوع إلى قاعدة الطهارة و استصحابها مبني على ما ذكرناه من معارضة القاعدة المستفادة من دليل الكرية و ان الملاقاة مقتضية للنجاسة و العصمة محتاجة إلى سبب وجودي مع المستفاد من النبوي و الا فبناء على ضعف النبوي او ضعف دلالته و استقرار البناء على مفاد الصحاح كان المرجع هو تلك القاعدة و لذا قال الماتن و ان كان الاحوط التجنب، لكن ما ذكرنا من وجه الاحتياط انما ما يجري في الفرض الاول يعني صورة التعارض الاستصحابين للجهل بالتأريخين فان المرجع بعد المعارضة هي تلك القاعدة المقدم على استصحاب الطهارة فضلا عن قاعدتها و لا يجري في الفرض الثاني و هو صورة العلم بتأريخ الكرية و الشك في تأريخ الملاقاة فان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية ينفي وجود


1) بل الاظهر ذلك.

2) الاظهر هو الحكم للطهارة.

مقتضي النجاسة فلا وجه للرجوع إلى القاعدة و القدر المتيقن من مرجع الاحتياط في الكتاب هو الفرض الثاني كما في الجمل المتعقبة للاستثناء و ان كان يمكن ان يكون الوجه فيما ذكره من الاحتياط الاستشكال في جريان الاستصحاب في مجهول التأريخ لما يذكره من عدم اتصال زمان اليقين بالشك فيرجع الاحتياط إلى الصورتين الا ان يقال باختصاصه ايضاً بالاول. و ان علم تأريخ الملاقاة حكم نجاسته لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة و مقتضاه النجاسة.

و اما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها فان جهل التاريخان فيجري استصحاب بقاء الكرية إلى زمان الملاقاة و يحكم بالطهارة و لا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة لعدم الأثر له بعد عدم اثبات تأخر الملاقاة عن الكرية فيحكم بالطهارة.

و كذا لو علم تأريخ الملاقاة و شك في تأريخ القلة فان الجاري استصحاب بقاء الكرية إلى زمان الملاقاة فيحكم بالطهارة في الفرعين، و ان علم تأريخ القلة ففي المتن حكم نجاسته و لم يعلم وجهه مع ان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمانه يكفي في الحكم بالطهارة.

المسألة التاسعة: إذا وجد نجاسة في الكر و لم يعلم انها وقعت فيه قبل الكرية او بعدها يحكم بطهارته الا إذا علم تأريخ الوقوع

المسألة التاسعة: إذا وجد نجاسة في الكر (1)و لم يعلم انها وقعت فيه قبل الكرية او بعدها يحكم بطهارته الا إذا علم تأريخ الوقوع

، لعين ما سبق في الفرع السابق بل لو لم اعلم فرقاً بينهما الا من جهة بقاء النجاسة و عليه كان على المصنف الإشارة إلى الاحتياط السابق ايضاً.

المسألة العاشرة: إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد حكم بطهارته و ان كان الاحوط الاجتناب

، لأن المقتضي الموجود مع المانع لا يؤثر، نعم ان كان ظرف تحقق المانع متحداً مع تحقق المقتضي بالفتح لا يؤثر المانع لانه علة لعدم المقتضى و العلة انما تؤثر في ظرف المتأخر عن وجوده لا في ظرف وجوده و الا بطل الترتب بين العلة و المعلول، الا ان يقال ان الموجود مع المقتضي في ظرف واحد لا يمكن ان يؤثر في رفع المقتضى بالفتح و دفعه لأن ظرف تأثيره في المنع يتحد مع ظرف تحقق الممنوع فلا يمكن ان يؤثر في عدمه و الواجب عقلًا هو وجود المانع في مرتبة مقدم على مرتبة وجود ممنوعة فلا يمنع بدونه عن تأثير الملاقاة، هذا مضافاً إلى ان الظاهر من قوله إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‌ء ان العاصم من النجاسة هو الكرية قبل الملاقاة لأن التقسيم بملاحظة حال عروض الملاقاة و عليه فمع كون الاجتناب احوط كما في المتن يكون الأقوى.

المسألة الحادية عشر: إذا كان هناك ماءان احدهما كر و الآخر قليل، و لم يعلم ان ايهما كر، فوقعت نجاسة في احدهما معيناً او غير معين لم يحكم بالنجاسة و ان كان الاحوط في صورة التعين الاجتناب

المسألة الحادية عشر: إذا كان هناك ماءان احدهما كر و الآخر قليل، و لم يعلم ان ايهما كر، فوقعت نجاسة في احدهما معيناً او غير معين لم يحكم بالنجاسة (2)و ان كان الاحوط في صورة التعين الاجتناب

عنه ان كان مسبوقاً بالقلة مع سبق الآخر بالكرية فواضح بل هو خارج عن مفرد من المسألة و داخل فيما يعلم الكر و القليل منهما، و أما مع سبق كليهما بالقلة فلاستصحاب القلة في الملاقي و لا يعارضه الاستصحاب في الآخر نظراً إلى العلم بحدوث الكرية في احدهما الموجب


1) هذه المسألة مندرجة في المسألة السابقة.

2) الظاهر ان يحكم في المعين بنجاسته الا اذا سبقت كريته.

لسقوط الاستصحاب في احدهما لأن العلم الإجمالي لا يوجب خروج شي‌ء من الطرفين عن كونه مشكوكاً و داخلًا في عموم الأصل فلم يبق ما يمنع عن جريان الاستصحابين الا التكليف المتوجه إلى المعلوم بينهما الموجب جريانهما سقوطه و من المعلوم ان هذا انما يكون مانعاً لو كان للمعلوم الإجمالي تكليف منجز و أما في مثل ما نحن فيه الذي لا يتعلق بالمعلوم الإجمالي تكليف الزامي فلا مانع من جريان الأصلين و لذا قالوا ان استصحاب النجاسة يجري في إناءين نجسين علم بطهارة احدهما لوقوع المطر فيه بل صرح بعضهم بنجاسة ملاقي كل منهما و هذا قطعيه عملية للواقع و عليه فيحكم بنجاسة كل منهما ايضاً لو لا في كل منهما نجاسة لأن جريان استصحاب عدم الكرية فيهما نظير استصحاب النجاسة في إناءين علم بوقوع المطر في احدهما، و أما مع سبق كلاهما بالكرية و حدوث النقص في احدهما فالحكم بوجوب الاجتناب عنه مبني على ما مر مكرر من ان المحتاج إلى سبب وجودي هو الاعتصام او الانفعال و المصنف قوى الثاني و احتاط في الاول، و ان وقعت النجاسة في احدهما الغير المعين فالقول بنجاسته إذا كانا مسبوقين بالقلة ايضاً متجه للاستصحاب بقاء الملاقي على القلة فيتنجس فيجب الاجتناب عنه مقدمة، نعم مع سبقهما بالكرية او عدم الحالة السابقة لهما لا يحكم بالنجاسة لعدم العلم بحدوث تكليف بسبب ملاقاة النجس الملاقي، و يمكن ان تبنى المسألة على ما مر من احتياج الاعتصام إلى سبب وجودي و الانفعال و علي فيكون على المصنف الاحتياط حتى في ملاقي الواحد غير المعين و لا يقتصر على الاحتياط في خصوص ملاقاة الواحد المعين.

المسألة الثانية عشر: إذا كان ماءان احدهما المعين نجس، فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس او الطاهر

، لم يحكم بنجاسة الطاهر، لعدم العلم بوقوعه فيه فيبقى على طهارته كما ان الأصل البراءة عن وجوب الاجتناب عن غير ما كان واجب الاجتناب قبل الوقوع.

المسألة الثالثة عشر: إذا كان كر لم يعلم انه مطلق او مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته

المسألة الثالثة عشر: إذا كان كر لم يعلم انه مطلق او مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (1)

و اذا كان كران احدهما مطلق و الآخر مضاف و علم وقوع النجاسة في احدهما، و لم يعلم على التعيين، يحكم بطهارتهما

، لاستصحاب طهارته لعدم العلم بتأثير النجاسة فيه و لك ان تبني المسألة على ما مر ايضاً من احتياج الاعتصام إلى سبب وجودي و عدمه فيقال ان الملاقاة للمائع مطلقاً سبب و مقتضى للانفعال و كونه كراً من ماء مانع و الأصل عدمه لا بمعنى عدم كونه كراً من ماء لعدم العلم لحالته السابق بل الأصالة عدم تحقق المانع عن انفعال هذا المائع بعد العلم بتحقيق سبب نجاسته، و مثله ما إذا كان كران احدهما مطلق و الآخر مضاف و علم وقوع النجاسة في احدهما و لم يعلم على التعين مع العلم بالكر المطلق و المضاف و أما مع الجهل بان ايهما مطلق و مضاف فالحال فيه كما فيما كان هناك ماءان احدهما كر و الآخر قليل فراجع.


1) الظاهر ان يحكم بنجاسته الا اذا كان مسبوقاً بالاطلاق على ما تقدم.

المسألة الرابعة عشر: القليل النجس المتمم كراً بطاهر او نجس، نجس على الأقوى

، كما عليه الأشهر بالمشهور على المحكي و ان كان القول بالطهارة فالمتمم بالطهارة وجه لاستصحاب طهارة المتمم و لو عورض باستصحاب نجاسة المتمم بالفتح رجع إلى قاعدة الطهارة فيهما، و دعوى انه لم يثبت الإجماع على عدم جواز اختلاف اجزاء الماء الواجب في الطهارة و النجاسة حتى في الظاهر فلا تعارض بين الأصلين لاحتمال بقاء كل منهما على حكمه في الظاهر و ان علم انهما لا يختلفان في الواقع مدفوعة بأنا لا نحتاج إلى الإجماع على الاتحاد في الظاهر بل يكفينا الإجماع عليه في الواقع لأن الملازمة بين طهارة المتمم و طهارة المتمم واقعاً و نجاستهما يوجب العلم بكذب احد الاستصحابين فيسقطان جميعاً لا من جهة الإجماع على اتحاد حكم الماء الواحد في الظاهر بل بمقتضى نفس الإجماع على اتحادهما في الواقع مضافاً إلى ان ظاهر الإجماع يعم الإجماع على الاتحاد حتى في الظاهر، نعم يمكن ان يقال لا معرضة بين الاستصحابين مع عدم استلزام جريانهما المخالفة العملية للواقع ضرورة ان البناء على بقاء كل جزء على حكمه لا يعلم فيه مخالف للواقع لجواز ان (يكون الجميع طاهراً) و لا ضير في التزام النجاسة في الظاهر فيما كان في الواقع جمع بين الضدين فسقوطها ليس من اجل المعارضة مع دليل الواقع حتى يدعى اختصاصه بما إذا كان لدليل الواقع اثر عملي بل من اجل اقتضاء جريانهما طهارة اجزاء الماء الموجود و نجاستها و هو غير معقول، و ما سمعت من جواز اجراء الاستصحابين فيما لم يكن في جريانهما مخالفة عملية للواقع انما هو في غير ما نحن فيه مما يستلزم جريانهما الجمع بين الضدين و اورد شيخنا في الطهارة على استصحاب طهارة المتمم بأنه لا يقتضى طهارة الجميع إذ لا اجماع مع عدم الامتزاج و هم مجمعون على سقوط حكم المزج في المسألة و انه لا مدخلية له في الطهارة و النجاسة هذا محصل ما اورده اولا و ثانياً بعد اسقاط جملة من الترديدات في السؤال الراجع بعضها إلى بعض مع خروج جلها عن محل الكلام و مع ذلك يتوجَّه عليه انا لا نقول بمدخلية الامتزاج في الطهارة حتى يدعي سقوط مدخليته بالاجماع بل نقول بعد المزج يعلم باتحاد حكم الماء و عدم التبعيض و نستظهر الحكم بطهارة الجميع للاصل و ان بقينا على الشك قبل المزج بل يمكن استظهار حكمه قبل المزج ايضا ان ثبت الاجماع على عدم اختلاف حكمه قبل المزج و بعده لما اعترف به من الاجماع على عدم مدخلية المزج في التطهير و التنجيس في المسألة فالانصاف انه لا مانع من جريان استصحاب الطهارة فيسقط به استصحاب نجاسة المتمم بالفتح، نعم اورد عليه (قدس سره) ثالثاً بانه لا مجرى للاصل مع عموم المفهوم في قوله (

إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‌ء

) حيث انه يصدق على المتمم انه قليل لاقى متنجساً فتنجس فيندفع ما يقال ان المستفاد من المحمول و هو قوله لا ينجس كون الموضوع ما يكون قابلًا للتنجس و عدمه و هو الماء الطاهر فيخرج المورد عن موضوع الدليل مفهوماً و منطوقاً و حاصل الدفع ان نجعل الموضوع الماء المتيمم المفروض الطهارة و نقول هو ماء ليس بكر و لاقى نجساً فتنجس فيندفع ما يقال ان المستفاد من المحمول و هو قوله لا ينجس كون الموضوع ما يكون قابلًا للتنجس و عدمه و هو الماء الطاهر فيخرج المورد عن موضوع الدليل مفهوما و منطوقاً و حاصل الدفع ان نجعل الموضوع الماء المتيمم المفروض الطهارة و نقول هو ماء ليس بكر و لاقى نجساً فتنجس فيشمل المفهوم لمتمم. نعم قد يورد عليه بان المتيمم الطاهر كذلك ينطبق عليه عنوان المفهوم لكونه قليلًا لاقى متنجساً فيتنجس كذلك ينطبق عليه عنوان المنطوق لأنه ماء بلغ بالملاقاة كراً فلا ينجس فيتعارض

المفهوم و المنطوق و يتساقطان فيبقى استصحاب الطهارة فيه جاريا و يسقط به استصحاب النجاسة في صاحبه فيرجع إلى قاعدة الطهارة لكن اجاب عنه شيخنا (قدس سره) بان الظاهر من الرواية ان العاصم و العلة لعدم الانفعال هي الكرية الحاصلة قبل الملاقاة دون ما كان معلولًا له لأن ما كان معلولا للملاقاة يكون متحقق في مرتبة الانفعال لكونها معلولين للملاقاة و لا يمكن ان يمنع احد المعلولين عن الآخر لأن المانع الذي هو علة العدم يجب ان يتقدم على معلوله طبعاً و المفروض ان الكرية متحدة مع الانفعال رتبة فكيف يمكن ان يكون مانعاً و ان شئت توضيح ذلك فنقول قد يكون الكرية حاصلة قبل الملاقاة و قد يكون معه و قد يكون متأخرة عنه فما كان قبل الملاقاة لا ينبغي ان يستشكل في قابليتها للمنع عن الانفعال لأن مقتضى النجاسة انما ورد فبمورد مشغول بالمانع فلا يؤثر بل التأثير للمانع الذي هو علة للعدم فيؤثر فالاعتصام و عدم الانفعال و ما كان مقروناً مع الملاقاة فهو مبني الفرع السابق في كلام المصنف (قدس سره): (لو قارن الكرية و الملاقاة فالأقوى الطهارة و الأحوط النجاسة) فإن الكرية التي هي علة الاعتصام متحد مرتبة مع الملاقاة التى هي علة الأفعال فبتزاحم العلتان يعني علة الانفعال و علة عدمه فيرجع إلى قاعدة من القواعد و ما كان متأخراً عن الملاقاة كأن يكون معلولا لها فهو من محل الكلام حيث ان الملاقاة كما يكون علة للانفعال يكون علة للكرية فيكون تحقق الكرية في مرتبة تحقق الانفعال و من المعلوم ان مثله لا يفعل ان يؤثر في عدم الانفعال لأن غلة الشي‌ء مقدم عليه فلا يعقل ان يقارنه رتبة فالكرية التي تمنع عن الانفعال انما هي الكرية التي يكون اسبق منه و هذا ما يقال ان المستفاد من الصحاح عليه الكرية السابقة على الملاقاة للاعتصام دون الواقعة معه في المرتبة و ان كان قد عرفت ان الأقوى مانعية الكرية الملاقية مع الملاقاة ايضاً هذا و لكن لك ان تمنع من كون الملاقاة علة للكرية بل هي عبارة عن اتصال الماءين و زوال حديهما بحدوث حدّ واحد لها و هو عين الكرية إذ ليست هي الا كون المجموع كذا مقدار و المفروض ان مجموع المتمم و المتمم الا ذلك المقدار و انما لا يكون كراً لعدم الوحدة فإذا صار بالاتصال واحد كان كراً و من المعلوم ان وحدتهما عبارة عن زوال الفصل الموجب للتعدد و انقلابه إلى الوصل و من المعلوم ان الفصل و الوصل ضدان ليس وجود احدهما مقدماً على احد الآخر و لا عدم الآخر مقدمة لوجود صاحبه و الا لزم الدور المعروف فالملاقاة عين وحدة الحد بينهما و هو في مرتبة زوال التعدد فيكون الكرية في مرتبة الملاقاة فيكون من المسألة السابقة و هي ما لو حدثت الكرية و الملاقاة في مرتبة واحدة التي بنى المصنف (قدس سره) على طهارته، سلمنا كون الكرية صفة وجودية معلولة للملاقاة لكنا نمنع عن ان الشي‌ء معلولي علة واحدة و لا يمكن ان يمنع احدهما عن الآخر لاتحادهما في المرتبة و لزوم تقدم المانع على الممنوع رتبة و ذلك لأنا لا نريد بالتقدم و التأخر في المرتبة الا كون احدهما علة للآخر و الآخر معلولًا للاول و أما مع عدم العلية بينهما فلا نسبة بينهما من هذه الجهة فلا مجال لأن يقال ان النجاسة و الكرية متحدتان في الرتبة لأنهما معلولان لعلة واحدة إذ يجوز ان يكون احد معلولي علة واحدة علة لعدم المعلول الآخر و عليه فيقع التزاحم بين اثري الملاقاة و الكرية إذ تأثيرها في الكرية غير قابلة للتزاحم فيكون المزاحم للانفعال اثر الكرية يعني الاعتصام لأنه الذي يضاد الانفعال او يناقضه فيكون حال هذه المسألة حال المسألة السابقة ما لو قارن الكرية و الملاقاة، ان قلت سلمنا ذلك لكنا نقول ظاهر الصحاح ان العاصم للماء عن الانفعال ليس الا الكرية السابقة عن الملاقاة دون اللاحقة لها بل المقارنة

لها، قلت ليس فيها سوى ان العلة المانع عن الانفعال هي الكرية و استفادت سبقها عنه ليس الا من جهة جعلها مؤثراً في عدمه و لازم العلة المانعة التقدم على الممنوع فيجب ان يكون الكرية التي جعلت مانعاً متقدمة طبعاً على الانفعال حتى يمنع عنه لكنه لا يقتضى إلى التقدم الطبعي و قد عرفت انه ليس الا عبارة عن كونه مؤثراً في عدم الممنوع و هو ممكن مع كونها مع الانفعال معلولين للملاقاة، فضلًا عما إذا كانت هي و الملاقاة معلولي علة واحدة فتلخص المفهوم الصحاح لا يرفع استصحاب الطهارة في المتمم الطاهر فيعارض استصحاب النجاسة و قد عرفت ان مقتضى التعارض الرجوع إلى قاعدة الطهارة الا ان يمنع التعارض، و قد يستدل بالخبر المروي المشهور كما ادعاه بعض بل المجبور بعمل من لم يعمل بالخبر الواحد الظني لو منع اشتهاره و هو قوله إذا بلغ الماء كراً لم يحمل خبثاً لأن الظاهر من عدم حمله الخبث عدم تحمله له بعد البلوغ و من الواضح انه يعم الدفع و الرفع فتكون الكرية رافعة كما انها دافعة و بهذا يفارق الصحاح

إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء

فإن التنجيس المنفي ظاهر في الحدوث فلا يشمل الرفع و أما هذا الخبر فهو باطلاقه يشمل الرفع و الدفع فيدل على ان البلوغ كراً مطهر للماء و عليه فلا فرق بين كون المتمم طاهراً او نجساً، و لا دليل على حمل الماء الذي يبلغ كراً على خصوص الماء الطاهر، و ما اورد عليه شيخنا في الطهارة من ان الظاهر من الحمل المنفي هو الحمل المتجدد الحادث لظهور الفعل المضارع فيه، غير وارد لأن الحمل المنفي ليس الا الحمل بعد البلوغ و هو حمل جديد فينتفي، و بعبارة اخرى لا يعقل ان يراد من الحمل المنفي غير الحمل الجديد لأن الحمل العتيق غير قابل الزوال و لا دلالة فيه على كون المراد النجاسة الغير المحمولة النجاسة الجديدة، و بعبارة اخرى فرق بين الحمل الجديد و النجاسة الجديدة، و النجاسة المرتفعة و ان كانت هي السابقة لكن الحمل المنفي هو الحمل بعد البلوغ و هو جديد، و الحاصل دلالة الجملة الفعلية على التجدد و الحدوث ليس منشؤه الا ما ذكروه من دلالة الفعل

المضارع على الزمان و على الثبوت و النفي في المستقبل إذ لا ينطبق ذلك الا على كون النسبة المثبتة او المنفية جديدة و من المعلوم ان ذلك لا يقتضي ازيد من ان يكون اللفظ ظاهراً في النسبة في الزمان المستقبل فيكون معناه ان الماء بعد البلوغ لا يحمل يعني ينفى منه الحمل و من المعلوم ان الحمل الذي بعد البلوغ حمل جديد و لذا قالوا ان البقاء عبارة عن الوجود بعد الوجود فلو لم يكن وجوداً جديداً كيف يكون وجوداً بعد الوجود، و أما دعوى اعتبار الحدوث فيه بمعنى عدم سبقه بالوجود حتى يكون المنفي هو حدوث الحمل لا مطلق وجوده فهي ممنوعة على مدعيها، و لو سلمنا اعتبار الحدوث فإنما نسلمه بالنسبة إلى النسبة السلبية و الإيجابية فمعنى لا يحمل انه يحدث في الماء عدم الحمل فبتحفظ على الحدوث المعتبر في الجملة الفعلية، ثمّ اورد عليه شيخنا الأكبر بعد تسليم دلالته و صحة سنده بمعارضته مع مفهوم

إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‌ء

فإنه ظاهر في ان المتمم بالملاقاة ينفعل فيعارض ما دل على ان البالغ كراً لا يتحمل نجاسة و النسبة عموم من وجه لافتراق الصحاح في القليل الملاقي الذي لا يبلغ كراً، و الجزء عن الصحاح في البالغ كراً في حال الطهارة و يجتمعان في البالغ نجساً، ان قلت هذا في التيمم بالطاهر و اما في التيمم بالنجس فلا معرض للجزء، قلت يعارضه في التيمم بالنجس ادلة نجاسة غسالة الحمام المقتصرة بالسيرة بين المسلمين على الاجتناب من المياه البالغة كراً برواية السكوني:

الماء يُطهِّر و لا يطهَّر

و قوله:

سبحان الله كيف يطهر من غير ماء،

و فيه ان معارضة الصحاح مع الجزء المزبور يوجب الرجوع إلى قاعدة الطهارة، فلو قيل المرجع استصحاب نجاسة المتمم بالفتح بضميمة الإجماع، قلنا ليس باولى من ان يكون المرجع استصحاب طهارة المتمم بالكسر، مع ان دلالة الصحاح على نجاسة الملاقي في مرتبة البلوغ لا ينافي رفع النجاسة عن الجميع متأخراً عنه كما هو مقتضى ما ذكره من قاعدة الترتيب بين الكرية و مسيها فالملاقي ينجس في مرتبة البلوغ و ترتفع النجاسة عن الجميع في مرتبة المتأخرة و أما جزء السكوني فمع ضعفه اجمال المراد اسقطه، مع احتمال ان يكون المراد ان الماء لا يطهر بغير الماء و قوله: سبحان الله كيف يطهّر من غير ماء لا محل له هنا إذ لا نقول ان المطر غير الماء بل مقدار منه فإذا بلغ المياه القليلة بالإجماع حداً لكثر يطهر الجميع فيكون كل بعض مطهراً لكل بعض فإنه معنى العصمة بالكثرة، فتلخص ان القول بطهارة المتمم بالطاهر لا يخلو عن وجه بل و المتمم بالنجس ان اجبر الجزء بعمل الحلي و غيره ممن لا يرى العمل بالخبر الواحد بل و ينقل الحلي اجماع المخالف و المؤالف عليه لكن يوهن دعوى الإجماع ما نقله بعضهم من انه لم ينقله من الخاصة احد و لم يعمل به من العامة الا ابن حسن و حينئذ فالاحتياط في المتمم بالنجس بل مطلقاً مما لا ينبغي ان يترك.

فصل ماء المطر

اشارة

ماء المطر الجاري من السماء بمقدار يصدق عليه المطر عرفاً من غير اعتبار الجريان على الارض للاطلاق و عدم الدليل على التقيد: و تقيده في بعض الاخبار بالجريان مشتبه المراد فلا يوجب التخصيص بازيد من المتيقن و هو الجريان من السماء على وجه يتحقق به عنوان المطرية عرفاً: فهو حال تقاطره من السماء يعني ما دام متقاطراً كالجاري فلا يتنجس ما لم يتغير سواء جرى من الميزاب او على وجه الارض ام لا بل و ان كان قطرات بشرط صدق المطر عليه عرفاً لما عرفت من الاطلاق و عدم التقيد و الدليل على ذلك كله هو الاخبار و الإجماعات المتضمنة عاصمية المطر النازل على الارض النجسة حين يكف من السطح او ينتزح من الأرض بل في بعضها التصريح بطهارة طين المطر الى ثلاثة أيام: المحمول على

عدم العلم بنجاسته بعدها: و اذا اجتمع في مكان و غسل فيه النجس طهر و ان كان قليلا لما عرفت من عصمته و انه ما دام الاتصال و عدم الانقطاع عما يتقاطر من السماء لا ينفعل، نعم اذا انقطع منه المطر تنجس ان كان قليلا، و من جميع ما ذكرنا ظهر الوجه فيما اشتملت عليه:

المسألة الاولى: الثوب او الفراش النجس اذا تقاطر عليه المطر و نفذ في جميعه طهر،

و لا يحتاج الى العصر او التعدد و اذا وصل الى بعضه دون بعض طهر ما وصل اليه هذا اذا لم يكن فيه عين النجاسة و الا فلا يطهر الا اذا تقاطر عليه بعد زوال عينها

، من انه لا يعتبر فيما يطهر بالمطر التعدد و لا العصر و لا شي‌ء مما يعتبر في غيره لانه يطهر كل ما اصابه للمرسلة المعمول بها فهو اقوى في ذلك من الجاري اذ ربما نقول فيه بالمطر بل التعدد في الجملة و لا نقول شي‌ء من ذلك في المطر فالثوب يطهر بمجرد اصابة المطر كله او بعضه و حتى اذا كان فيه عين النجاسة طهر من أجزائه كل ما اصابه سوى الموضع الذي فيه النجاسة فانه لا يطهر ما دامت عليه فان ازيلت و أصابه المطر بعد الازالة طهر و يتفرع على ما ذكرناه ما في:

المسألة الثانية: الاناء المتروس بماء نجس- كالحب و الشربة و نحوهما-

اذا تقاطر عليه طهر ماؤه و اناؤه بالمقدار الذي فيه ماء و كذا ظهره و اطرافه ان وصل اليه المطر حال التقاطر، و لا يعتبر فيه الامتزاج، بل و لا وصوله الى تمام سطحه الظاهر، و ان كان الاحوط ذلك

، ايضاً من ان الماء الموجود في الاناء بل و نفس الاناء يطهر بمجرد اصابته بالماء و وقوعه فيه و الموضع الخالي من الماء ايضا يطهر ان اصابه المطر فلا يعتبر في طهارة الموضع المشغول بالماء اصابة المطر له بل و لا في طهارة جميع الماء اصابة المطر بجميع سطحه الظاهر فضلا عن باطنه، و منه يظهر انه لا يعتبر الامتزاج يعني امتزاج المطر و لو بضميمة ما امتزج معه في الباقي كل ذلك لإطلاق المرسلة

ما اصابه المطر فقد طهّر

و لكن للنفس في جملة مما ذكر شي‌ء نعم لا اشكال في طهارة كل موضع من الاناء اصابه المطر يعني ظهره و الموضع الخالي من الماء، و أما الموضع المشغول بالماء فلا دليل على طهارته اذ لا يصدق عليه انه اصابه المطر و لا ينافي ذلك اعتصام ما فيه ما دام يتقاطر عليه المطر اذ لا دليل على طهارة الاناء بمجرد وصوله بالمعتصم و ان فرض انه قام عليه دليل فنستند طهارة نفس الاناء الى طهارة ما فيه لا الى ماء المطر و سيجي‌ء الكلام إن شاء الله في مقام اعتبار التعدد و بالجملة لا كلام في ان الموضوع في المرسلة هو (الموصول) القابل لان يكنى به عن كل بعض من ابعاض الشي‌ء الواحد كما انه يكنى به عن كل شي‌ء مما وقع عليه المطر فسطح الماء شي‌ء و الجزء الآخر الذي لم يقع عليه المطر شي‌ء و كل منهما يصلح لان يكنى عنه بالموصول فطهارة احدهما لا تستلزم طهارة الآخر.

و دعوى انه يكنى به عن كل ما يعد عرفا امرا واحداً ممنوعة جداً و الا لطهر الاناء بمجرد اصابة المطر ببعضه لانه شي‌ء واحد و حينئذ فالقدر المعلوم طهارة خصوص ذلك الموضع فان امتزج مع غيره ما دام معتصما و متصلا بالمطر طهر غيره من الاجزاء المتساوية له و النازلة عنه و الا فلا يطهر الا نفسه و ينجس بمجرد انقطاع المطر، نعم لو امتزج مع سائر الأجزاء طهر الجميع للإجماع على اتحاد الحكم الماء لواحد الممتزج بعضه

ببعض و مع ذلك فان قلنا بطهارة الإناء بمجرد وصول المعتصم به فهو و الا فيبقى على نجاسته الا ان يعلم وصول المطر الممتزج بما في الإناء و لو باجزائه المختلفة معها اليه و حينئذ فالاحتياط باعتبار المزج لا يترك بل لو لم يعلم بوصول المطر باجزائه الى الإناء الاحتياط في الإناء ايضا لا يترك فينجس الماء بانقطاع المطر بالإناء الا ان يعالج في ماء المطر بوجه يحصل التعدد في الإناء او نقول بطهارته بمجرد الاتصال بالمعتصم.

و أما ما اشتملت عليه:

المسألة الثالثة: الارض النجسة تطهَّر بوصول المطر اليها بشرط ان يكون من السماء،

و لو باعانة الريح و أما لو وصل اليها بعد الوقوع على محل آخر، كما اذا ترشح بعد الوقوع على مكان فوصل مكاناً آخر لا يطهر، نعم لو جرى على وجه الارض فوصل الى مكان مسقف بالجريان اليه طهِّر

، من طهارة الأرض النجسة بوصول المطر اليها ايضا من فروع ما مر في صدر المسألة بل عرفت التصريح بطهارة طين المطر في بعض الأخبار الى ثلاثة ايام، نعم يعتبر ان يكون ذلك بالتقاطر عليه من السماء و لو باعانة الريح لا يعتبر ذلك في الفرع السابق بل ليس ذلك شرطا غير تحقق عنوان اصابة المطر اذ بعد انفصال المطر من المكان الذي وقع فيه الى مكان آخر خرج عن كونه مطرا عرفاً و ان كان من مائه الا اذا كان الوقوع متواتراً بنحو لا ينقطع اتصاله بما يجري من السماء اذا كان السقف رقيقاً فنزل المطر عليه و منه الى الأرض متواتراً على نحو بعد المجموع متصلًا واحداً فيطهر ما ينزل عليه اذ تكون حينئذ كما اذا جرى المطر على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقف بالجريان اليه فانه يطهر بذلك لا لصدق اصابة المطر بل لجريان الماء المعتصم فان اعتبرنا التعدد في التطهير بالمعتصم و اعتبرناه هنا ايضا كما انه اذا اعتبرنا انفصال الغسالة اعتبرناه و ذلك لأنه ما لا يعتبر فيه شي‌ء من ذلك هو التطهير بالمطر لا بكل ما اعتصم بالمطر و ما نحن فيه من قبيل الثاني بل يمكن ان يدعى صدق المطر على النازل من السقف الرقيق المتواتر و لا يمكن صدقه في المقام و لعل اطلاق المتن ناظر الى ما يراه من عدم اعتبار شي‌ء من التعدد و اخراج الغسالة في التطهير بالمعتصم مطلقاً.

المسألة الرابعة: الحوض النجس تحت السماء يطهّر بالمطر،

و كذا اذا كان تحت السقف و كان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض، بل و كذا لو اطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، و كذا اذا جرى من ميزاب فوقع فيه

، الحوض النجس تحت السماء يطهر بوقوع المطر فيه و لو لم يصل الى جميع سطحه من دون اعتبار المزج بناء على ما في المتن كما مر في طهارة ما في الاناء لعدم الفرق بينهما و بناء على ما اعتبرنا من المزج نعتبره هنا ايضاً لعين ما ذكرناه في الإناء و كذا اذا كان الحوض تحت السقف و كان هناك ثقبة ينزل منها المطر على الحوض لصدق المطر على ما ينزل فلا ينجس و لازمه طهارة ما يتصل به فيطهر البقية مطلقاً او بعد المزج، و كذا لو اطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض لصدق المطر عليه ان لم يعد المتطاير بالريح منفصلا من النازل من السماء عرفاً، و كذا اذا جرى من ميزاب فوقع فيه

بشرط اتصاله بالمطر فانه يطهر به الحوض و ان لم يصدق به على النازل من الميزاب المطر لفرض اعتصامه باتّصاله بالمطر و وقوع المطر عليه.

المسألة الخامسة: إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهِّراً،

بل و كذا اذا وقع على ورق الشجر ثمّ وقع على الأرض. نعم لو لاقى في الهواء شيئاً- كورق الشجر و نحوه- حال نزوله لا يضر، اذا لم يقع عليه ثمّ منه على الأرض، فمجرد المرور على الشي‌ء لا يضر.

اذا تقاطر من السقف لا يكون مطهراً لما عرفت من عدم صدق المطر عليه و عدم اعتصامه الا ان يكون على وجه التواتر و التظافر بحيث يعد متصلًا بالمطر بل عرفت انه قد يكون هو المطر نفسه عرفاً و كذا حال ما يقع على الشجر ثمّ على الأرض فانه بعد انقطاعه عن الورق يخرج عن صدق المطر عليه نعم حين وقوعه على الورق او ملاقاته لشي‌ء في الهواء يكون مطراً فيطهر ما اصابه كما انه لا يضر بصدق المطر عليه مجرد مروره على شي‌ء ما لم يستقر عليه بحيث ينقطع عن الماء النازل من السماء و مما مر من اعتصام المطر بل و المتصل به و انه لا ينفعل تعرف حال ما في:

المسألة السادسة: إذا تقاطر على عين النجس، فترشَّح منها على شي‌ء آخر، لم ينجّس، إذا لم يكن معه عين النجاسة، و لم يكن متغيّراً.

و من هذا القبيل ايضا ما جعله سابع المسائل.

المسألة السابعة: من انه اذا كان السطح نجساً فوقع عليه المطر و نفذ فيه و تقاطر من السقف، لا تكون تلك القطرات نجسة

و ان كان عين النجاسة موجودة على السطح و وقع عليها. لكن بشرط ان يكون ذلك حال تقاطره من السماء و أما اذا انقطع ثمّ تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجساً. و كذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح.

يعتبر فيه امران:

احدهما: ان لا يمر بعد النزول على نجاسة او متنجس في جوف السطح حيث انه لا مانع من ان يتنجس به و ذلك لانه حين وقوعه على السطح و ان كان معتصماً لا ينجس لصدق المطر عليه لكن بعد نزوله في جوفه يخرج من كونه مطراً بل يكون من قبيل المطر الواقع على محل ثمّ منه الى محل آخر حيث مر انه يخرج عن العاصمية.

نعم لو كان كثيراً بحيث يعد متصلًا بالمطر عرفاً كان كالماء المطر الجاري من الميزاب من حيث العصمة و عدم الانفعال بالملاقاة.

ثانيهما: ان يكون ذلك يعني مروره بالنجاسة و وقوعه على السطح حال تقاطره من السماء و الا تنجس بالملاقاة و كذا الحال فيما ينزل من الميزاب مع اتصاله بالسطح النجس او النجاسة الموجودة فيه فانه و ان كان ذلك في حال التقاطر كان طاهراً لكونه معتصماً باتّصاله بالمطر و الا كان نجساً و ما ذكر في:

المسألة الثامنة: اذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهراً اذا كان التقاطر حال نزوله من السماء، سواء كان السطح ايضاً نجساً ام طاهراً

، هو عين ما مر في سابقة من ان وقوع المطر على النجس الموجود في السطح النازل منه لا ينجس و ان كان نزوله في حال تقاطره من السماء و كذا ما تعرض له في:

المسألة التاسعة: من ان التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه اذا وصل الى اعماقه حتى صار طيناً

، فان قوله ما اصابه المطر فقد طهر يشمله بعمومه بل و المورد مورد للنص الخاص و كذا ما ذكره في:

المسألة العاشرة: الحصير النجس يطهر بالمطر، و كذا الفراش المفروش على الأرض،

و اذا كانت الأرض التي تحتها أيضا نجسة تطهر اذا وصل اليها. نعم اذا كان الحصير منفصلا عن الأرض يشكل طهارتها بنزول المطر عليه اذا تقاطر منه عليها

نظير ما مر من الإشكال فيما وقع على ورق الشجر و تقاطر منه على الأرض

، و غالب هذه الفروض قد مر التعرض لها في المتن و ليس مدركها سوى عصمة المطر و عدم تنجسه بالنجاسة و انه اذا اصاب المتنجس طهره خصوصاً ما ذكره في:

المسألة الحادية عشر: الاناء النجس يطهَّر اذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه.

نعم اذا كان نجساً بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير لكن بعده اذا نزل عليه يطهر من غير حاجة الى التعدد

، للأصل و اطلاق الصحيحة الحاكمة به و هي مقيدة لمرسلة المطر الدالة على عدم الحاجة الى شي‌ء آخر و عن نهاية الأحكام و المختلف سقوط التعفير و في طهارة شيخنا بعد نقله ما أحسن لها التمسك باطلاق المرسلة، قلت النسبة بين المرسلة و الصحيحة الدالة على التعفير هو العموم من وجه و مع التساقط فالمرجع الأصل فلا حسن في التمسك بما هو مبتلى بالمعارض إلَّا ان يمنع من اطلاق الصحيحة للمطر بل و الكثير لظهور الصحيحة في الغسل بالماء القليل و في كتاب الطهارة ايضاً و ما ابعد ما بينه و بين القول بعدم سقوط التعدد كما من المعتبر و هو احوط.

[فصل في أحكام] ماء الحمام

اشارة

ماء الحمام: الموجودة في حياضه الصغار بمنزلة الجاري عاصم لا ينفعل بالملاقاة بشرط اتصاله بالخزانة اذا كان ما في الخزانة وحده او مع ما في الحياض بقدر الكر من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة او عدمه.

و توضيح هذه المسألة يقتضي التعرض لحكم هذا الماء أولًا بمقتضى القاعدة الأولية مع قطع النظر عن الأخبار الخاصة ثمّ التعرض للمستفاد منها.

فنقول مسألة اعتصام ماء الحمام يعني ما في حياضه الصغار بما في الخزانة مطلقة أو اذا كان ما في الخزانة كراً مبني على اعتبار تساوي السطوح في الكر فمن يعتبره مطلقاً لا يراه عاصماً مطلقاً و من يعتبر في اعتصام السافل بالعالي كريه العالي: عليه ان يعتبر الكريه في الخزانة و من لا يعتبر تساوي السطوح حينئذ بل يرى تقوي كل من السافل و العالي بالآخر لا يعتبر الكريه الا في المجموع و على كل حال بمقتضى القاعدة اذا لم يكن حتى بانضمام ما في الحياض لما في الخزانة كراً ينفعل السافل و لو بملاقاة العالي، نعم لا ينفعل العالي بملاقاة السافل لعلوه و جريانه هذا مع اختلاف سطح ما في الحياض مع ما في الخزانة و أما مع تساوي سطحيهما فلا اشكال في اعتصام و انه في حكم الكر و سيجي‌ء الكلام في اعتبار التساوي و عدمه عند تعرض المصنف له و أما بمقتضى القاعدة الثانوية.

(يكن الحمام غير معلوم المراد منه ان لا نعلم كيفية الحمامات في ذلك الوقت اعني وقت ورود الاخبار) المستفاد من اخباره فقد يدِّعى انصرافها و لو يحكم لغلبة الى ما كانت المادة كراً و قد يمنع من ذلك و لكن يدَّعى ان الغالب بلوغ المجموع كراً و قد لا يُعتنى بهذه الغلبة و لكن يدَّعى معارضتها مع ادلة انفعال القليل فيقال ان مقتضى اطلاقها و ان كان عصمته حتى اذا لم يكن كراً و لو بالانضمام الا انها معارضة مع ادلة انفعال القليل فيتعارضان في القليل الحمام فيرجع الى الانفعال بملاحظة ما مر من ان الظاهر من الأدلة احتياج العصمة الى سبب وجودي و الأصل عدمه و لكنّا لما نفهم من ادلة الحمام ان له خصوصية و لا ترى لتساوي

السطوح في غير الحمام اعتبار فلا يمكن ان يكون خصوصية الحمام الغاء اعتبار تساوي السطوح فيه، تعيَّن عندنا ان يكون الخصوصية الغاء اعتبار كريه.

و دعوى انه لا يستفاد منها اعتبار خصوصية بل لعلها تشير جميعاً الى عدم اعتبار تساوي السطح و انه يعتصم السافل بالعالي مطلقاً او اذا كان كراً و كثرت التعرض له من جرمه كثرت الابتلاء به و كونه في معرض الاستنذار بل توهم التعدد بحيث يرى الصرف ببعض الملاحظات الموجود في الحياض مع الموجود في الخزانة متعدداً و ان كان ذلك توهماً باطلًا، خلاف خبر دعوى الظاهر من النصوص بل الفتاوي.

و دعوى كونه الغالب كريه ما في المادة و ان كانت مسلمة في الحمامات المعدة للعامة الا انها ممنوعة غاية المنع في الحمامات الشخصية.

و دعوى اختصاصها بخصوص الحمامات العامة هو مورد السؤال في بعضها مجازفة بيّنة و منه ظهر ان دعوى غلبه الكرية في المجموع ايضاً ممنوعة مع انها غلبة وجود لا تمنع عن الاطلاق و التعارض بينها و بين أدلة القليل و ان كان مسلماً الا ان كونه النسبة عموما من وجه ممنوعة لما مر في بعض مسائل الجاري من ان لحاظ النسبة انما هو بين

موضوعي الدليلين و موضوع دليل ادلة انفعال قليل و هي الصحاح المقسمة للماء الراكد و القليل أعم من موضوع ماء الحمام و ما كان موضوعه ماء القليل في الطريق لم يبلغ ظهوره بمرتبة يعارض دليل الحمام مع انها معارضة بمثلها في موردها فالعمدة الصحاح المشتملة على العموم مع انه بعد التعارض و التساقط كون تقتضي القاعدة الانفعال، ممنوع لما مر الكلام فيه مفصلًا في اوائل المياه و يأتي عند الابتلاء فظهر انما ذكره من كونه ماء الحمام بالشروط المزبورة بمنزلة الجاري و الكر لا ينفعل بالملاقاة على طبق القاعدة و عليه فلم تثبت لماء الحمام خصوصية، و ان مقتضى ما ذكرنا عدم اعتبار كريه في المجموع فضلًا عن خصوص المادة، و على اي حال فاذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة بشرط كونها كراً حتى بناءً على اعتبار الكريه في المجموع لأن مع تنجس ما في الحياض لا يعتصم به الموجود في الخزانة الوارد عليه فيعتبر كونه ما فيها كراً حتى لا ينفصل الوارد منه بما في الحياض و اختلاف السطح بالنزول الى الحياض غير مضر بوحدته عرفاً مضافاً الى اطلاق الأخبار التي يكون اختلاف السطح من المتيقن منها لندرة تساوي سطح ماء الحمام مضافاً الى ما عرفت من تقوي السافل بالعالي سيما مع كون العالي كراً و ان كان الاتصال بمثل المزملة و هل يعتبر مزج ما ينزل الى الحياض مع ما فيها في التطهير او يكفي مجرد الاتصال وجهان من استصحاب النجاسة و عدم الإجماع على اتحاد حكم اجزاء ماء الواحد ما لم يمتزج بعضه ببعض، و من الاطلاقات في خصوص الحمام الغير متعرضة للمزج من ان الغالب انفعال ما في الحياض حينما يراد اجراء الماء من المادة فيها مضافاً الى ما مرَّ من المصنف من كفاية مجرد الاتصال و على ما ذكره المصنف من اعتبار الكرية في المادة او في المجموع و عدم اعتبار اتحاد السطح في عصمة الكريه لا فرق بين الحمام او غيره فيجري هذا الحكم دافعا و رفعاً في غير الحمام ايضاً فاذا كان في المنبع الأعلى مقدار الكر او ازيد و كان تحته حوض صغير نجس و اتصل بالمنبع بمثل المزملة يطهر و كذا لو غسل فيه شي‌ء نجس يطهر مع الاتصال المزبور تعني اتصاله بما في المادة و لو بمثل المزملة و نحوها و أما بناءً على ما ذكرنا من عدم اعتبار الكرية في المجموع فضلًا عن خصوص ما في المادة فلا يجري الحكم في غير الحمام لكون الحكم على خلاف القواعد فيقتصر على خصوص مورد الدليل الذي يمكن بناء الحكم فيه على عموم الابتلاء الذي يناسبه التخفيف و التسهيل.

فصل ماء البئر

دون العاري عن النبع المجتمع فيه المياه من المطر و غيره و إن سمي بئراً بمنزلة الجاري عاصم معتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة الا بالتغيّر سواء كان بقدر الكر او اقل لصحيحة ابن بزيع المعلل فيها بان له مادة حيث لا محل لهذا التعليل مع اشتراط الكرية اذ يكون الاعتصام حينئذ فيه بالكثرة دون المادة فيقدم الصحيحة على عموم ما دل على انفعال القليل بئراً كان او غيره لبعد التخصيص في الصحيحة لما عرفت من استلزامه لغوية التعليل فيها مع ما مر مراراً من احتمال كون دليل البئر اخص من الصحاح المفصلة بين الكر و غيره، و أما ما ورد في خصوص البئر مما ظاهره الانفعال مطلقاً كقوله و الذي يطهره و اشباهه فيرجح عليها الصحيحة لقوة دلالتها و حجتها بعمل المشهور عليها و دعوى ان الأخبار المفصلة بين الكر و غيره يمكن ان تكون جامعة بين الفريقين مدفوعة بما عرفت من عدم امكان تخصيص صحيحة ابن بزيع بالكر و اذا تغير ثمّ زال تغيره من قبل نفسه طهّر لأن له مادة و في اعتبار المزج بما يخرج من المادة او كفاية مجرد الاتصال ما مر في النابع و الحمام و الجاري

و المطر و نزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب و في اختلاف اخبارها و عدم التحديد فيما ينزح منها غالباً بل الاكتفاء بأن ينزح منها دلاءً اشارة الى الاستحباب مضافاً الى ما عرفت من قوة صحيحة ابن بزيع الناصة بطهارتها في غير مورد التغير و مما ذكرنا من كون المستند في الطهارة خصوص الصحيحة تعرف انه اذا لم يكن له مادة نابعة لا يلحقه الحكم بل يعتبر في عدم تنجسه الكرية و ان سمي بئراً كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر.

المسألة الأولى: ماء البئر المتصل بالمادة اذا تنجس بالتغير فطهره بزواله و لو من قبل نفسه،

فضلًا عن نزول المطر عليه أو نزحه حتى يزول. و لا يعتبر خروج ماء من المادة في ذلك.

ماء البئر المتصل بالمادة و لو بجريانه عنها كما في آبار القنوات التي لا تشتمل على النبع الا انها تجرى اليها من النبع طاهر معتصم ايضاً لجريانها و اتصالها بالمادة فاذا تنجس بالتغير يكون طهره بزواله و لو من قبل نفسه على اشكال مرت اليه الاشارة بل عرفت انه يعتبر مزجه بما يجري اليه من المادة و كذا يعتبر فيه ذلك اذا اريد تطهيره بنزول المطر، و أما اذا اريد تطهيره بالنزح حتى يزول التغير فهو لا ينفك عن المزج و خروج الماء من المادة او جريانها منها اليه.

المسألة الثانية: الماء الراكد النجس كراً كان او قليلًا يطهر بالاتصال بكر طاهر،

او بالجاري، او النابع الغير الجاري، و ان لم يحصل الامتزاج على الاقوى. و كذا بنزول المطر.

لقوله مشيراً الى غدير فيه الماء لا يصيب هذا شيئاً الا و قد طهّر و الرواية و ان لم تكن مختصة بالكر بل ليس فيه الا انه كان في طريق الرجل الإمام الباقر عليه السلام ماء فيه العذرة و كان يغسل رجله اذا عبره، فرآه الباقر" عليه السلام" يوماً فقال:

لا يجب غسل رجليك من هذا لا يصيب شيئاً الا و قد طهَّره

و قد الرواية بالمضمون اذ لم يحضرنا المنتهى المرسل عن ابن ابي عقيل و كيف كان فهو مقيَّد بالكر للأخبار الناطقة بانفعال القليل و هذا المرسل بملاحظة كون المرسل ابن ابي عقيل ناقلًا عن بعض اصحاب الباقر" عليه السلام" انه كان يزوره و في طريقه ماء لا يقصر عن المسند و الناقل عن ابن ابي عقيل العلامة هذا و لكن مع ذلك للنفس في الاعتماد عليه وسوسة بل لعل نقل ابن ابي عقيل ذلك ناظر الى عدم انفعال الماء القليل فكأنه فهم منه ذلك، و يؤيده ان ظاهر النقل ان الماء كان في الطريق مجتمعا من المطر و كان ذلك من الرجل الذي كان مروره امر استمراري و يبعد بقاء ماء المطر في طريق مدينة مدة كم يوم بقدر الكر لا اقل من اجماله و ليس ذلك من قبيل الإطلاق حتى يدعى تقيده بادلة انفعال القليل بل هو من قبيل المجمل و معه لا يمكن دعوى انجباره بعمل المشهور اذ لم يعلم منهم رفع اجماله حتى يقارن بالعمل او يجبر به و بعبارة اخرى الجمع بينه و بين ادلة انفعال القليل برفع اجماله ببيانها موقوف على جبره و جبره موقوف على رفع اجماله فالأولى الاستناد في المسألة الى الاجماع على اتحاد اجزاء الماء الواحد في الطهارة و النجاسة فيعتبر في الحكم به المزج بينهما و أما الاجماع على طهارة الماء النجس بالقاء الكر عليه يستلزم الامتزاج ايضاً لأن الظاهر من الإلقاء ما يلازم المزج و كيف كان فالحكم بالطهارة مع عدم المزج خلاف الاحتياط و مثله الكلام في تطهيره

بالجاري او النابع او نزول المطر فان الحكم بالطهارة في الجميع قبل حصول الامتزاج لا يخلو عن اشكال و ان منع في المتن عن اعتباره في شي‌ء منها.

المسألة الثالثة: لا فرق بين انحاء الاتصال في حصول التطهير فيطهر بمجرده

و ان كان الكر المطهر مثلًا اعلى و النجس اسفل و على هذا فاذا القي الكر لا يلزم نزول جميعه، فلو اتصل ثمّ انقطع كفى. نعم اذا كان الكر الطاهر اسفل و الماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال

، بل المسألة مبتنية على ما اشرنا اليه آنفاً من اشتراط تساوي السطوح في اعتصام الكر و ليعلم انها و ان وقعت محلًا للخلاف بين اساطين الفقهاء فبين من لم يعتبره مطلقاً و من فصل فقال بأن السافل يتقوى بالعالي دون العكس و منهم من خصص ذلك بما اذا كان العالي كرا الا ان مدرك المسألة منحصر بحسب القواعد فيما يتحفظ به وحدة الماء اذ لا يستفاد من ادلة الاعتصام الكر سواها فاذا كان ماء واحد عرفي بالغ كرا فهو معتصم اجتمعت اجزاؤه او تفرقت مع الاتصال بالسواقي اختلفت السطوح او تساوت و الا ظهر بقاء الوحدة العرفية و صدقها مع اختلاف السطوح سائلا كان الماء او ساكنا احد الطرفين بالغاً حد الكر او لم يكن الا بضميمة الآخر فالماء مع اتصال بعضه ببعض واحد و لذا لم يعارض احد في وحدته عند سكونه و عدم جريانه و حينئذ فان لم يعتبر الامتزاج ان اريق من الكر في حوض نجس طهر الحوض و ان اعتبرنا الامتزاج توقف على حصول امتزاج مقدار كر من المتنجس و على أي حال فلا يجب اراقة جميع الماء في الحوض للتطهير فضلًا عن ان يكون بالالقاء او دفعه و يتوجه على من قال بالامتزاج بالماء المتنجس الكثير جداً اذا مزج بالكر الطاهر فانه يطهر مع انه لا يعقل حصول المزج منه لان الاقل لا يمتزج بجميع اجزاء الاكثر. على المصنف و من يحذو حذوه ممن لا يعتبر الامتزاج و لا تساوي السطح في العصمة و صدق الوحدة ان لازمهم طهارة الماء المتنجس اذا جرى من العلو الى الحوض الطاهر لحصول الاتصال بالطاهر و عدم اعتبار الامتزاج و عدم اخلال اختلاف السطح في وحدة الماء المتنجس اللهم الا ان يتمسكوا لخروجه بالاجماع و انى لهم بذلك و أما نحن فلما نعتبر الامتزاج في التطهر لا يتوجب علينا شي‌ء لان المتنجس ما لم يمتزج بالمعتصم لا يطهر و جزء العالي منه ما دام عالياً غير ممتزج فهو باقي على نجاسته، و بالجملة بناءً على ما يظهر من المصنف من تسليم الامرين المشار لهما من عدم اعتبار تساوي السطوح في صدق الوحدة و عدم اعتبار الامتزاج يجب اقامة الدليل على عدم طهارة المتنجس اذا جرى من فوق على كرّ طاهر و ابداء الفارق بينه و بين ما ذكره.

المسألة الرابعة: الكوز المملوء من الماء النجس اذا غمس في الحوض يطهَّر، و لا يلزم صب ماءه و غسله.
المسألة الخامسة: الماء المتغير اذا القي عليه الكر فزال تغيره به يطهر

و لا حاجة الى القاء كر آخر بعد زواله، لكن بشرط ان يبقى الكر الملقى على حاله من اتصال اجزائه، و عدم تغيره، فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس، او تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلًا باقياً على

حاله، تنجس و لم يكف في التطهير، و الاولى ازالة التغير اولًا ثمّ القاء الكر او وصله به.

و اما مع زواله من قبل نفسه فقد مر انه لا يطهر بل لو تغير من الكر الملقى شي‌ء بحيث اوجب نقصه عن الكر نجس الجميع لانه ماء قليل لاقى نجساً كما انه اذا انقطع اجزاء الكر بالمتغير نجس ايضاً لان كل واحد من المتقاطعين اقل من كر فيعتبر بقاء الكر على وحدته و اتصاله الى ان يزول تغير المتغير و حينئذ فلا يعتبر بعد ذلك القاء كر آخر بعد زوال التغير لان المفروض ان الكر لم يخرج عما يعتبر في عصمته و انه زال التغير عن المتنجس و صار الجميع متصلًا واحداً فيطهر الجميع، نعم يعتبر على ما مر منا مراراً حصول امتزاج مقدار في الكر فيه بعد زوال تغيره.

المسألة السادسة: تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم، و بالبينة، و بالعدل الواحد على إشكال

المسألة السادسة: تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم، و بالبينة، و بالعدل الواحد على إشكال (1)

لا يترك فيه الاحتياط، و بقول ذي اليد و ان لم يكن عادلًا، و لا تثبت بالظن المطلق على الاقوى

، ناشئ من قوله و الاشياء على هذا حتى تستبين لك غيره او تقوم به البينة و اصالة حرمة العمل بالظن يعني اصالة عدم الحجية و من اطلاق دليل حجية خبر الواحد و لم يقم دليل على اعتبار التعدد في موارد الحقوق اقواها الأول لظهور ادلة الشهادة في اعتبار التعدد في كل مورد عدت شهادة عرفاً و ما نحن منها.

و أما حجية قول ذي اليد فيما نحن فيه و ان كان فاسقاً فعليه المنتهى و القواعد و الموجز و كشف الالتباس على ما حكى كما ان المحكي عن الذخيرة انه المشهور و عن الحقائق انه ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه و عن الاستاذ انه لا ينبغي الشك فيه، لأصالة صدق المسلم خصوصاً فيما في يده و فيما لا يعلم الا من قبله و فيما لا معارض له و السيرة القطعية و الاستقراء و فحوى قبول قوله في التطهير بل و التنجيس بالنسبة الى بدنه كما لعله من المسلمات عندهم لا انه من افراد محل النزاع و ما ورد من جواب السؤال عن ذكاة الجلد المشترى اذا كان البائع غير عارف (عليكم ان تسألوا عنه اذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك و اذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه) ظاهرة قبول قوله و ان كان مشركاً، و في دلالة جل ما ذكر لو لا الكل نظر و تأمل و لذا حكي عن الذخيرة و شرح الدروس اني لم اقف له على دليل و عن نهاية الاحكام الاشكال فيه بل ربما يشير الى عدم حجية صحيحة العصر عن رجل صلى في ثوب رجل اما ما لم ان صاحب الثوب اخبره انه لا يصلى فيه فقال لا يعيد شيئاً من صلاته و ان كان في ذلك ايضاً اشكال من جهات فالاولى الاستدلال لأصل المسألة بما ورد في بيع الدهن المتنجس انه يعلمه حتى يستصبح به بل و بقاعدة من ملك شيئاً ملك الاقرار به مع ان في دلالتهما نظر لاحتمال استناد القبول في الاول الى قاعدة الاضرار او خصوص كون المخبر بائعاً و لذا يقبل اخباره في وزن المبيع وكيله و الثاني فهو اخص من المدعى و لا يثبت بالظن المطلق على الاقوى لمفهوم ما دل على اعتبار العلم في قطع الطهارة بعد ثبوتها بل لمجرد الاستصحاب و عدم دليل على حجية الظن بل و الدليل على عدمه في صحيحة زرارة الطويل بعد سؤاله فان ظننت ان قد اصابه و لم اتيقن ذلك و هل يستحب الاحتياط الاقوى، نعم ان لم يكن معرضاً للوسوسة لقوله و ان يغسل احب الي و لما ورد في الاجتناب عن سؤر الحائض المتهمة بل كل متهم.


1) الأظهر ثبوتها به بل لا يبعد ثبوتها بمطلق قول الثقة و ان لم يكن عدلًا.

المسألة السابعة: اذا اخبر ذو اليد بنجاسته و قامة البينة على الطهارة قدمت البينة

و إذا تعارض البينتان تساقطتا اذا كانت البينة على الطهارة مستندة الى العلم، و إن كانت مستندة الى الأصل تقدّم بينة النجاسة

، لأقوائية دليلها على دليله بل لعدم اطلاق في دليل الاول بل و لو تعارضا كان المرجع قاعدة الطهارة او استصحابها و منه ظهر الحكم فيما لو تعارضت البينتان فانه بعد تساقطهما يرجع الى قاعدة الطهارة، نعم ان كانت بينة الطهارة مستندة الى اصل لا تعارض بينة النجاسة كما انه لو كانت بينة النجاسة مستندة الى استصحابها و كانت بينة الطهارة مستندة الى العلم لا تعارضها بل ليس لمدعى النجاسة بالاصل ان يشهد بها اذا شهدت البينة على طهارتها بالعلم بل و كذا الكلام بالنسبة الى اخبار ذي اليد و البينة و ان المقدم منهما ما لو استند الى العلم في قبال المستند الى الاصل فالتعارض بين الامارتين منحصر في ما لم يعلم مستند شي‌ء منهما او كانتا مستندتين الى العلم و الا فتقدم المستندة الى العلم على المستندة الى الوصل و مع استناد كل منهما الى الاصل ينوط التقدم و التأخر بتقديم منشأ شهادتهما.

المسألة الثامنة: اذا شهد اثنان بأحد الأمرين و شهد اربعة بالآخر يمكن بل لا يبعد تساقط الاثنين بالاثنين، و يبقى الآخرين.

او يعد الأربعة بينة واحدة فتتساقطا او يرجح الأربعة بالأكثرية و الأقوائية وجوه لا مجال للأول مع تساوي نسبة دليل حجية البينة للجميع فلا وجه لجعل المعارضة بين اثنين و جعل الآخر مرجعاً لأن التعدد المعتبر في البينة على سبيل الَّا بشرط يعني يعتبر فيها ان لا يكون اقل من اثنين، سلمنا تعدد البينة لكن المتعدد منها يعارض الواحد فتتساقط كما ان الأكثرية لا توجب الترجيح في ادلة الأحكام التي هي مورد اخبار التراجيح فكيف بما نحن فيه الذي لا نتعدى اليه، و الحاصل ان الترجيح بشي‌ء كالاستدلال به محتاج الى دليل فكل ما ثبت مرجحيته نأخذ به و الا فلا.

و بعبارة اخرى الترجيح مطلقاً على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على مقدار دلالة الدليل، و لا ينافي ما ذكرناه في محله من ان الأقوى التعدي الى المرجحات الغير منصوصة لأن ذلك ايضاً من جهة ما استفدناه من ادلة التراجيح و لم نستفد التعدي من ادلة الأحكام الى غيرها.

المسألة التاسعة: الكرية تثبت بالعلم، و بالبينة.

و في ثبوتها بقول صاحب اليد وجه و ان كان لا يخلو عن اشكال، كما ان في اخبار العدل الواحد ايضاً اشكالًا.

لما عرفت من قصور دليله لعدم عموم فيه، الا ان يجعل الدليل فيه ما ذكرنا من قاعدة من ملك شيئاً ملك الاقرار به، و فيه ايضاً اشكال او يستفاد من حجية اخبار البائع بمقدار المبيع او يدعى الاستقرار فيه ايضاً و للإشكال يتأثر في اخبار العدل الواحد ايضاً نظراً الى ما عرفت من اطلاق دليل حجيته خبر الواحد و ظهور دليل الشهادة في التعدد.

المسألة العاشرة: يحرم شرب الماء النجس الا في الضرورة و يجوز سقيه للحيوانات، بل و للأطفال ايضاً و يجوز بيعه مع الإعلام

، للاجماع و تظافر الأخبار بل و دلالة، و يجوز سقيه للحيوانات للأصل و استمرار سيرة المسلمين و كذا يجوز سقيه للأطفال الغير المميزة و المميزة لما مرَّ من الأصل و عدم القاطع لعدم كونه

من الإعانة على الاثم اذ لا نهي بالنسبة اليه و لم يثبت بالنسبة الى غير المكلفين فيه مفسدة حتى يقال انه من الايقاع في المفسدة و هو قبيح مضافاً الى المانع من اصل القضية الا في الجملة، و يجوز بيعه لجواز الانتفاع به فهو مال مباح و لم يعلم كونه مصداقاً للوجوه النجس في رواية تحف العقول مضافاً الى عدم ثبوت المنع فيها ايضاً الا من جهة عدم المنفعة المحللة، نعم يعتبر الإعلام للمشتري كما ورد في بيع الدهن المتنجس بناء على عدم اختصاص وجوب الإعلام بالدهن و لو بملاحظة تعليله بقوله حتى يستصبح فالحكم و ان كان تعبدياً محضاً لكنه لعموم علته يتعدى الى منع كل نجس الى ان يقال ان ذلك في البيع من جهة عدم المنفعة المحللة له سوى الاستصباح فوجب الإعلام لئلا ينتفع المشتري به المنافع المحرمة فلا يقاس به الماء الذي له منافع محللة لكنه مدفوع بان مورد المنافع المحللة في الماء يوجب كون غاية الإعلام فيه اعم لا جواز ترك الإعلام، هذا مضافاً الى احتمال كون وجوب الإعلام احترازاً من وقوع المشتري في الحرام الواقعي المشتمل على المفسدة الملزمة فان حرام عقلًا و ان كان فيه تأمل، او من جهة قلة منفعة المبيع الموجبة لقلة ماليته فعدم الأعلام غش من البائع و فيه ايضاً نظر ظاهر اذ ليس ذلك من الغش المحرم للبيع و سيجي‌ء الكلام انشاء اللّه.

فصل الماء المستعمل للوضوء [و الاستنجاء]

اشارة

قوله طاهر مطهر من الحدث و الخبث بلا اشكال عندنا للأصل استصحاباً و اطلاقاً و قاعدة في الجملة، و أما المستعمل في الحدث الأكبر فمع طهارة البدن لا اشكال في طهارته للأصل قاعدة و عموماً أو استصحاباً و رفعه للخبث للاطلاق و الاستصحاب و عدم المخصص في شي‌ء و الأقوى جواز استعماله في رفع الحدث ايضاً لعدم ثبوت ما يقيد الاطلاقات او تخصيص العمومات او يخرج عن الأصل سوى المنقول عن ابن سنان من قوله:

لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل فيه الثوب و يغتسل الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ منه و اشباهه و أما الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه و يده في شي‌ء نظيف فلا بأس ان يأخذه غيره و يتوضأ به

، و لا دلالة فيه على المنع لاحتمال كون المنع من جهة وجود النجاسة على بدن الجنب كما كان متعارفاً سابقاً حيث كان بناؤهم على ازالة النجاسة عن ابدانهم حين الاغتسال كما يشهد به الأخبار فلا اطلاق يقطع به الأصول و العمومات مضافاً الى قوله:

لا يتوضأ منه و اشباهه

من جهة ارجاع الضمير المجرور الى الماء يشعر بحمل الماء المزبور بكلا قسميه قسماً واحداً و لا يكون ذلك الا بان يكون المانع مانعاً واحداً، مع ان قوله و اشباهه يرشد الى ظهور المانع عند المخاطب متى جعل الامام غيره مما كان مثله متحداً معه في الحكم و لا يمكن ذلك الا ان يكون المانع النجاسة اذ هو الذي كان معروفاً عند الراوي و كان يمكن الحكم عليه بالحاق ما يشهد به مضافاً الى جملة من الأخبار التي يظهر منها كراهة الاغتسال بماء اغتسل فيه الجنب.

نعم الأحوط مع وجود غيره التجنب عنه لما مر من رواية عبد اللّه بن سنان و الفتوى به من بعض الأساطين و تأيده بما دل من المنع من الاغتسال بغسالة الحمام معللًا بأنه يسيل اليه ما اغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب.

و أما المستعمل في الاستنجاء و لو من البول كما هو المصرح به في كلام جمع بل في طهارة شيخنا الأكبر انه ظاهر كل من اطلق الاستنجاء بناء على شمول اطلاقه لمخرج البول بشهادة جماعة، و عليه يمكن الاستدلال باطلاقات الاستنجاء و ان كان الانصاف ان استحمال الاستنجاء في غسل مخرج الغائط في مقابل مخرج البول في الكثرة بحيث يمنع عن الاستدلال باطلاقات.

نعم يمكن التمسك بترك الاستفصال في رواية محمد بن نعمان

استنجي ثمّ يقع ثوبي فيه، قال: لا بأس

و رواية الأصول

اخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في الماء الذي استنجيت به، قال: لا بأس

فإن غلبة غسل المخرجين في محل واحد بضميمة ترك استفصال الإمام" عليه السلام" ربما يفيد الوثوق بالعموم فهو باطلاقه مع الشروط الآتية طاهر لما عرفت من الروايتين المعتضدتين بدعوى بعضهم الاجماع عليه تارة و عدم الخلاف أخرى.

و عن بعضهم انه معفواً عنه و منشأ الخلاف اختلاف الاستفادة من الأخبار فبين من يدعى انه ليس فيها الا نفي البأس و هو لا ينافي النجاسة فيجمع بينها و بين ما دل على انفعال القليل بالنجاسة بالالتزام مع كونها معفواً عنها فلا ينجس ملاقيه و بين قائل بأن المستفاد عرفاً

من نفي البأس خصوصاً مع ان الغالب في الأخبار بيان النجاسة و الطهارة بالأمر بالغسل او بغسل الثوب فيخصص بها قاعدة انفعال القليل و ربما يدفع ذلك بان استظهار الطهارة من نفي البأس ليس الا من اجل ارتكاز سراية النجاسة من النجس و المتنجس الى ملاقيها فاذا حكم الإمام بعدم البأس استظهرنا منه الطهارة و المفروض من سقوط هذه القاعدة في المقام للعلم بعدم سراية النجاسة الى الملاقي هذا و ان تردد الأمر بين عدم سرايتها من المحل الى الماء او من الماء الى ملاقيه فيبقى دليل الانفعال و نفي البأس بحالهما من عدم الدلالة على الطهارة.

قلت سلمنا دوران الأمر بين رفع اليد عموم قاعدة انفعال ماء القليل و قاعدة سراية النجاسة من المتنجس و ان مع الدوران يتعين رفع اليد عن الثاني لعدم عموم لفظي فيه حتى يلزم خروج فرد منه تخصيصاً فيه الا ان المتعين في المقام الأول يعني رفع اليد عن عموم انفعال الماء القليل لخروج القليل الوارد المؤثر في الطهارة عن هذا العموم عرفاً بمعنى ان العرف اذا سمع ان الماء الفلاني يطهر المحل لا يفهم تنجسه به كما سيأتي في توضيحه انشاء اللّه في الغسالة و حينئذ اذا دار الأمر بين تخصيص دليل الانفعال بهذا الفرد الذي لا يفهم العرف شموله له و بين رفع اليد عن قاعدة سراية النجاسة من المتنجس التي هي امر ارتكازي عندهم كان المتعين الأول، مضافاً الى ما عرفت من دعوى الاجماع تارة و عدم الخلاف اخرى، و على كل حال فالأمر عندنا سهل بعد بنائنا على طهارة مطلق الغسالة المطهرة للمحل المفروض ان الغسلة الواحدة المنقية للمحل في المقام مطهرة له فيكون طاهراً بل سيجي‌ء انشاء اللّه، ان المؤثرة في تطهر المحل يمكن القول بطهارتها و لو لم يعقل طهارته و على الطهارة دون العفو يرفع الخبث ايضاً و لكن لا يجوز استعماله في رفع الحدث و لا في الوضوء و الغسل نصاً و فتوى ففي رواية ابن سنان السابقة الماء الذي يغسل به الثوب او يغسل به من الجنابة لا يتوضأ منه و اشباهه، و هل يختص ذلك بالوضوء و الغسل الرافعين او الواجبين او يعمهما، و المندوبين الاظهر الثاني لظهور اشتراك مندوب كل عبادة مع واجبها في الشرائط و الأجزاء عرفاً حيث انه اذا امر المولى بفعل و بين له شرائط و أجزاء و كيفيات ثمّ ندب و سكت عن الشرائط و الأجزاء يفهم العرف اذ المأمورية بالأمر الندبي متحد مع الوجوبي في كل ما له شرط و جزء و كيفية الا ان يصرح بالخلاف، و أما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء و الغسل، و في طهارته و نجاسته خلاف و الأقوى ان ماء الغسلة الغير المزيلة الأحوط الاجتناب.

اما الغسلة المزيلة للعين الغير المؤثرة في طهارة المحل فلا اشكال في نجاسته بل لعله خارج عن محل النزاع في نجاسة الغسالة و طهارتها، نعم المتيقن من ذلك خصوص المنفصل قبل زوال العين و أما المنفصل معه و لو كان ملاقياً للعين فلا وجه لخروجه من محل النزاع كيف و هو عند جمع من المؤثر في التطهير و لذا يجعلونها من الغسالات، و كيف كان فمراده من الغسلة المزيلة للعين ليس المنفصل عنه قبل زواله بل معه و الذي هو خارج عن محل الكلام هو المنفصل قبله و يدل على نجاسته مضافاً الى الاجماع المنقول عن التحرير و المنتهى على نجاسة ماء الغسل اذا كان على بدن المغتسل نجاسة اطلاق الصحاح فانها تدل على نجاسة القليل مطلقاً ورد على النجاسة او وردت عليه اثر في طهارة المحل او لم يؤثر كما ان منطوقها دال على عدم انفعال الكر بالملاقاة كذلك و جملة من الأخبار الخاصة، المروي عن العيص بن القاسم

قال: سألته عن رجل اصابته قطرة من طشت فيه وضوء، فقال: ان

كان من بول او قذر فيغسل ثوبه، و ان كان من وضوء للصلاة فلا بأس

، و موثقة عمار الواردة في الإناء و الكوز القذر

كيف يغسل و كم مرة يغسل قال: يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيتحرك فيه ثمّ يفرغ منه ثمّ يصب فيه ماء آخر ثمّ يتحرك ثمّ يفرغ ثمّ يصب فيه ماء و يتحرك ثمّ يفرغ منه و قد طهر

، دل على وجوب افراغ المياه الثلاثة و لو كانت الغسالة طاهرة لم يجب الافراغ خصوصاً في الثلاثة غاية الأمر وجوب صب ماء آخر غير المياه السابقة على القول بأن الغسالة على تقدير طهارتها غير مزيلة للخبث، (اذ لو قلنا بأن الغسالة الطاهرة مزيلة لما احتجنا الى تكرر صب الماء)، و رواية عبد اللّه بن سنان عن التوضي بماء يغسل به الثوب او يغتسل به من الجنابة بناء على ارادة مطلق التنظيف من التوضي و خصوص الثوب النجس من قوله يغسل من الثوب و فرض نجاسة بدن المغتسل في قوله او يغتسل به من الجنابة و أما الغسلة الغير المزيلة فهي طاهرة لأن اجماعي التحرير و المنتهى على نجاسة ماء الغسل بخصوص وجود النجاسة على بدن المغتسل فلا يشمل صورة خلوه عن عينها و لو كان متنجساً بل يمكن خروجه عن مورد رواية العيص لأن المجتمع في الطشت مجموع الغسالة التي منها المستعمل عينها في ازالة العين فلا شمول لها لمورد لم يكن الماء المستعمل الا في رفع اثر النجاسة بعد زوالها و موثقة عمار في رواية عبد اللّه بن سنان لا دلالة فيهما على النجاسة بوجه لأن الأمر بتفريغ الكوز و الإناء ليس امراً شرعياً بل هو جرى على طبق العادة و ان ما يغسل به الإناء يصب لأنه يستقذر منه مضافاً الى ان ابقائه في الأواني لغو محض بناء على عدم جواز رفع الخبث به بل و بناء على جوازه فهو مجرد رخصة و جواز و لا ينافيه الصب و الغسل بماء آخر كما هو مجرى العادة في القذارات العرفية تحفظاً على النظافة المطلوبة فيمكن ان يكون الأمر بالإفراغ بهذه الملاحظة، و أما رواية عبد اللّه بن سنان فلا دليل على ارادة مطلق التنظيف من التوضي فلم يبق الا اطلاقات ادلة انفعال القليل و دلالتها مبنية على سوقها مساق بيان المفهوم اولًا و شمول الموصول للمتنجس ثانياً و كونها مسوقة لبيان كيفية التنجيس بالملاقاة او بالورود عليه ثالثاً و لو سلمنا تبين كيفيتها عرفاً فيتوقف ايضاً على كونها مسوقة لمقام البيان حتى يستظهر منها الحوالة على ما عند العرف مع امكان المنع عن تبينه عرفاً هذا كله مضافاً الى ان المرتكز في فهم العرف و ان كان انتقال القذارة من المحل الى الماء في القذارات العرفية و بنائهم على قياس النجاسات الشرعية بها الا انه بعد صرفهم عنه هذا القياس و اعلان الشرع بأن النجاسات الشرعية تضعف بهذه الانتقالات بل يكون الماء القليل الملاقي للنجس او المتنجس تمامه في النجاسة و القذارة مثل الملاقى (بالفتح) من غير ان يضعف منه شي‌ء يرون التنافي بين تأثير الملاقاة في الطهارة و تأثيره من الملاقاة بالنجاسة فاذا علموا و اطلعوا على ان المحل بها يطهر انكروا نجاسته بها و على ذلك فلا يفهون من ادلة الانفعال بنجاسة الماء بالملاقاة المؤثرة في التطهير و ان شئت قلت ان عندنا قاعدتين مفروضي الكلية الا مما علم خروجه.

احداهما: تنجس ملاقي النجس، ثانيهما: طهارة المطهّر يعني ان المتنجس لا يؤثر في طهارة ما لاقاه بأن يرفعه و اذا دار الأمر بين رفع اليد عن احدهما يقدم الأولى و ذلك لأن قاعدة تنجيس المتنجس في المورد غير محفوظة على كل تقدير قلنا بطهارة الغسالة او نجاسته اما على الطهارة فواضح و أما على النجاسة فلأن الماء المتنجس لم يؤثر في نجاسة المحل و الا لما طهّره فيجب ابقاء القاعدة الثانية على حاله و الالتزام بعدم تنجس الماء بملاقاة المحل توضيحه ان قاعدة تنجس المتنجس بالملاقاة قطعا مخصصة هنا و غير محفوظة في المورد

لأنه على تقدير طهارة الغسالة لم يكن المتنجس قد نجس الماء بالملاقاة و على تقدير نجاسة الغسالة لم تكن الغسالة قد نجّست المحل بالملاقاة لغرض طهارة المحل فنقطع اجمالا بعدم شمول قاعدة تنجس الملاقي بالملاقاة لما نحن فيه اجمالا فلا تصلح للتمسك بها في المقام و نرجع الى قاعدة الطهارة، ان قلت قاعدة طهارة المطهر ايضا منشؤها تنجس المتنجس اذ لا دليل عليها سواه ففي الحقيقة التصرف في هذه القاعدة يعني قاعدة تنجيس المتنجس لازم لا غير الا انه دائر بين ان يكون باخراج تاثير الماء عن المحل بالملاقاة او تأثر المحل عن الماء ثانيا، و تأثيره فيه بما يضاده، ان قلت نمنع من اقتضاء تنجس الغسالة تنجس محلها لانها ما دامت في المحل يكون المحل متنجساً غير قابل للنجاسة و بعد الانفصال و ان كان يطهر المحل لكنه لا ملاقاة، قلت نعم مرادنا من تأثير المحل بالماء ايضا ذلك يعني مع ان الماء المتنجس يقتضي تنجس ما لاقاه و انما لا يتنجس به في المورد لعدم قابليته للنجاسة لسبقه بها لا يفعل أي يؤثر الطهارة في المحل فانها تضاد مقتضى الماء النجس ان يؤثر فيه ما يضاد مقتضاه، قلت سلمنا لكن الاول مع ذلك التصرف الأول لانه اقرب من الالتزام بتأثير المتنجس فيما يضاد مقتضاه اذا دار الامر بينه و بين سلب تاثير المحل فيما يقتضيه و هو تنجس الماء هذا مضافا الى ما اشير اليه في اخبار المطر و الاستنجاء من تعليل اعتصامهما بان الماء اكثر من المقدار المراد منه بحسب الظاهر عدم ظهور اثر النجاسة فيهما بتغيره باوصافها، و امر النبي" صلى الله عليه و آله" الذنوب على بول الأعرابي في المسجد مع انه" صلى الله عليه و آله" لا يأمر بتكثير نجاسته، و قوله: اغسله في المركن مرتين مع عدم تعرضه لتطهير المركن بعد الأولى او الثانية و الالتزام بطهارته تبعاً ليس بأولى من الالتزام بعدم نجاسة الماء.

و دعوى انه يغسل مع الثبوت مرتان مدفوعة بترك الاستفصال مع عدم جريان المادة لوصول الماء في الثانية بكل مورد وصل اليه في الأولى و من جميع ما ذكرنا ظهر ان الأقوى طهارة الغسالة له المؤثرة في تطهير المحل كان في المحل عين ام لم يكن قوله.

المسألة الأولى: لا اشكال في القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل و لو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الأكبر
اشارة

، لأنها بالوقوع تستهلك في الماء و لا يمنع عن استعمال ما وقعت فيه بل و كذا لا يمنع و ان كان ازيد من القطرات ان لم يمتزج في الماء فانه يغتسل من الجانب الأخر بل و لو مزجت و لم تستهلك لا يمنع ايضاً اذا علم وصول الأجزاء الغير المستعملة بالبدن، نعم ان لم يعلم بذلك لم يعلم بحصول الطهارة.

المسألة الثانية: يشترط في طهارة ماء الاستنجاء امور:
الأول: عدم تغيره في احد الاوصاف الثلاثة.

لعدم ما دل على تنجس الماء بالتغير بضميمة التشكيك في اطلاق اخبار الاستنجاء له بل و لو سلمنا فيها الاطلاق فلا اشكال في اقوائية دلالة تلك سلمنا المعارضة و التساقط لكن نقول المرجع حينئذ عموم ادلة الانفعال فانها تشمل المتغير و لم يخرج عنها الا ما لم يتغير من الاستنجاء هذا مضافاً الى ظهور الاجماع.

الثاني: عدم وصول نجاسة اليه من الخارج.

لعدم عده حينئذ من الاستنجاء ان كانت النجاسة خارجة عن محل النجد و ان كان داخل في النجد فان خرجت مع العذرة في المحل و لاقت المحل فالماء و ان عد ماء استنجاء لكن الاطلاق منصرف عن مثله لان الظاهر منها الماء الاستنجاء من حيث كونه ماء استنجاء فلا يتعدَّل الحكم الى مورد اقترنت مع نجاسة الاستنجاء نجاسة اخرى لا اقل من انصراف الاخبار عن مثله.

الثالث: عدم التعدي الفاحش على وجه لا يصدق معه الاستنجاء.

فلا يحسن عده من الشروط مع كونه مما يتحقق به موضوع الحكم و على هذا فيراد من التعدي المقدار الذي يخرج الماء عن كونه ماء استنجاء و هو الفاحش الموجب لعدم الصدق كأن تكون النجاسة منفصلة بان يتلوث بها محل آخر فلا يضر التعدي عن الموضع المتعارف المعتاد للعامة كما صرح بهذا التعميم بعضهم و لكن لنا في هذا التعميم اشكال لاحتمال انصراف الاخبار الى الاستنجاء على الوجه المتعارف للعامة فلو تعدى عن المحل الملوث بالنجاسة غالباً للنوع اشكل الحكم بطهارته.

الرابع: ان لا يخرج مع البول او الغائط نجاسة اخرى مثل الدم، نعم الدم الذي يعد جزء من البول او الغائط لا بأس به

، على وجه يلاقي المحل او يبقى فيه معه فيلاقي ماء الاستنجاء و الا فليس لمجرد خروجه مانعاً و على أي حال فالدليل على هذا الشرط ما ذكرناه في الشرط الثاني بناء على عمومه لمثل هذه النجاسة، و أما قوله نعم الدم الذي يعد جزء من البول او الغائط لا بأس به فلا نعلم وجهه اذ لا وجه لعدم البأس بما يخرج من الدم مع البول و الغائط معدوداً من اجزائه و لعل وجهه ان مجرد خروج الدم و غيره مع العذرة لا يوجب عدم عد الماء المغسول به المحل ماء الاستنجاء و ما دام كان من ماء الاستنجاء فلا وجه لعدم طهارته، نعم ان خرج من المحل الدم المجرد او على وجه كانت العذرة مستهلكة او مخلوطة لا على نحو يعد الدم جزء منه او من البول خرج الماء حينئذ عن كونه ماء استنجاء لكن قد مر منا انه و ان صدف عليه مع ذلك ماء الاستنجاء الا ان المستفاد من الاخبار ليس الا الحكم الحيثي فاذا اجتمع في ماء الاستنجاء جهتان لا يتعدى اليه الحكم مع ان المنصرف من الاطلاقات ليس الا الافراد المتعارفة و المتنجس بالدم الخارج باي وجه كان ليس منها.

الخامس: ان لا يكون فيه الاجزاء من الغائط بحيث يتميز. اما اذا كان معه دود او جزء غير منهضم من الغذاء، او شي‌ء آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس.

لان عدم تنجسه بالاستنجاء غير تنجسه بتلك الاجزاء بعد الانفصال فمتى ما كان فيها اجزاء تنجس بها البتة نعم ان كانت الاجزاء غير متميزة بحيث قل ان يخلو ماء الاستنجاء عنها لم يضر بالطهارة لعدم الصارف للاطلاق بل و حمل الاخبار على صورة الخلو عن مثله حمل لها على الفرد النادر و لا مانع من الحكم بنجاسته ان اتفق بعد ذلك اجتماع الاجزاء و تميزها في الماء، نعم اذا كان معه دوداً او جزء غير منهضم من الغذاء او شي‌ء آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به يحتمل ان يكون مراده ان وجود ما ذكر في ماء الاستنجاء ليس كوجود اجزاء الغائط مضراً بطهارته بل هو طاهر و ان كان فيه بعض

ما زبر من الدود و اشباهه و لعل وجهه انها تطهر بالاستنجاء فلا ينجس ماء الاستنجاء بها ثانياً و يحتمل ان يكون المراد ان وجودها مع الغائط لا يضر لعدم خروجه عن صدق الاستنجاء المشتمل على مثلها من الافراد النادرة مع انها لو عدت من اجزاء النجاسة الخارجة لا يضر بطهارته.

المسألة الثالثة: لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد و ان كان احوط

، لعدم دخله في حقيقة الاستنجاء عرفاً و لا مبنياً عليه غالباً حتى يدعى انصرافه الى مثله و لا معدوداً لذلك من النجاسة الخارجة، نعم لما كان محلًا لوسوسة بعض بل محتملًا لانصراف الاطلاق عنه كان الاحوط (لعل الوجه ان اليد لو سبقت كانت النجاسة عليها و هي غير موضع النجو و حينئذ فينجس ماء الاستنجاء بها) سبق الماء على اليد.

المسألة الرابعة: اذا سبق بيده بقصد الاستنجاء ثمّ اعرض، ثمّ عاد لا بأس، الا اذا عاد بعد مدة ينتفي معها صدق التنجس بالاستنجاء، فينتفي حينئذ حكمه

، ان لم يخرج بذلك عن المستنجي و عن التنجس بالاستنجاء و لم يعد عرفاً من النجاسة الخارجة الغير المرتبطة بالاستنجاء و ان لم يثبت له حكم الاستنجاء.

المسألة الخامسة: لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الاولى و الثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد

، حتى في البول المحتاج الى الغسلتين للاطلاق معتضداً بعدم جري العادة على فعل كل غسلة في محل فالسؤال يشمل الغسلتان و الجواب يعمهما.

المسألة السادسة: اذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي و مع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات في وجوب الاحتياط من غسالته

المسألة السادسة: اذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي (1)و مع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات في وجوب الاحتياط من غسالته

، غير الاستنجاء فينوط العفو مناط الاعتياد او كونه طبيعياً هذا و لكن لا دليل على هذا التعميم سوى الاطلاق و ترك الاستفصال مع ما فيها من الاشكال لكون الغرض من الافراد النادرة و ان كان الاستنجاء بحسب الاطلاق يعمهما لكن الظاهر عدم نقل خلاف في المسألة فإن ثبت فهو و الا فالمسألة محل ريب و تردد.

المسألة السابعة: اذا شك في ماء انه غسالة الاستنجاء او غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة ان كان الاحوط الاجتناب

المسألة السابعة: اذا شك في ماء انه غسالة الاستنجاء او غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة (2)ان كان الاحوط الاجتناب

، لأصالة الطهارة و استصحابها بعد الشك في تنجسه بالملاقاة المعلومة لاحتمال كونه على وجه غير


1) فيه اشكال بل منع.

2) بل يحكم عليه بالنجاسة اذا كان طرف العلم الإجمالي من الغسالات النجسة.

مؤثر في تنجسه و دعوى ان مقتضى الانفعال موجود فيحتاج الحكم بالطهارة الى احراز سبب الاعتصام لما ظهر من الصحاح الواردة في الكر و القليل من ان الملاقاة مقتضى للنجاسة الا ان يكون هناك امر وجودي كالكرية و المطرية و النبع و اسبابها تعصمه فاذا شك فيه فالاصل عدم تحققه مدفوعة بما مر من ان هذه الصحاح من هذه الجهة متعارضة مع المستفاد من النبوي خلق اللّه الماء طهوراً الحديث الظاهر في ان الماء بما هو يقتضي العصمة و عدم الانفعال الا بالتغير الا ان الحديث فيه ما يوجب انفعاله و بعد التساقط يرجع الى قاعدة الطهارة و عدم الاقتضاء للنجاسة فيستصحب طهارة الماء، نعم الاحوط بالنظر الى ما قيل من ضعف النبوي المعارض للصحاح و ذهاب جمع من الاساطين الى ما اقتضته كان الاحوط الاجتناب.

المسألة الثامنة: اذا اغتسل في كر كخزانة الحمام او استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الحدث الاكبر او غسالة الاستنجاء او الخبث

، لانصراف الادلة الى القليل بل ربما ادعى الاجماع على اختصاص الحكم بالقليل بل لا يعد عرفاً مثل الكثير من الماء المستعمل و ان كان ظاهر بعض الاخبار التعميم بل و الظهور في الكثير كقوله من اغتسل في الماء الذي يغتسل فيه .. الخ، فان الظاهر من الغسل فيه كونه كثيراً و الا كان يغسل به او منه الا انه لا خلاف بينهم فيه ظاهر.

المسألة التاسعة: اذا شك في وصول نجاسة من الخارج او مع الغائط يبني على العدم

، (غرضه انه لو شك ان ماء الاستنجاء كان ملاقي لنجاسة كانت جزء من الغائط او من الخارج) للاستصحاب في الاول حيث لم يكن معه نجاسة و لم يكن ملاقياً لها فالاصل بقاؤها أي الغسالة على ما كان بل، و الثاني للاستصحاب عدم ملاقاة المحل لشي‌ء من النجاسة غير الغائط و لكن قد يشك في وجود شي‌ء من الدم مثلًا معها في المحل و لو لم يكن ملاقياً للمحل فان نفس وجوده مع الغائط الباقي على المحل الذي يزال بالاستنجاء يوجب نجاسته و لا استصحاب اذ لا حالة لها سابقة حتى يستصحب اذ يحتمل ان يكون خارجة معها من المعدة الا ان يستصحب حينئذ عدم ملاقاة الماء لنجاسة غير الغائط الذي استنجى منها ثمّ ان فرضنا جريان الاصل الموضوعي على وجه ينفع فهو و الا فيبتني المسألة على ما مر مراراً من ان الاصل في الماء الملاقي للنجاسة الذي يشك في وجود سبب الاعتصام معه الطهارة او النجاسة، ان قلت مبنى المسألة هذه القاعدة دون الاصل يعني الاستصحاب لان استصحاب عدم النجاسة مع الغائط او عدم ملاقاة المحل لها او عدم ملاقاة الماء لها لا ينفع في عد الماء غسالة الاستنجاء توضيحه ان خروج الماء الملاقي للنجاسة الخارجة عن الطهارة بسبب خروجه عن غسالة الاستنجاء العنوان على ملاقاة النجاسة الخارجة و عدمه ليس من الشرع و بعبارة ثالثة الواجب احراز ان هذا الماء المشكوك غسالة استنجاء او غيرها و ترتب هذا العنوان نفياً و اثباتاً على ملاقاته لغير الغائط الخارج ترتب عادي لا شرعي، قلت المناط في الطهارة و النجاسة ملاقاة الماء لخصوص النجو الخارج او لغيره من النجاسات و عنوان غسالة الاستنجاء ايضاً في الادلة ليس الا بهذه الملاحظة و الا فليس له موضوعية و بعبارة اخرى ملاقاة الماء لمحل النجو على وجه يؤثر في طهارته لا يوجب نجاسته و اذا لاقى شيئاً آخر معه او بعده او قبله ينفعل و المقصود من الاصل ليس الا اثبات هذا المعنى.

المسألة العاشرة: سلب الطهارة او الطهورية على الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر او الخبث استنجاء أو غيره انما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد كخزانة الحمام و نحوهما.

قد مر في المسألة الثامنة انه اذا اغتسل في الكر او استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الاستنجاء او الحدث و حينئذ فيجوز استعماله على الاول في رفع الحدث و الخبث و ان منعنا عن استعمال غسالة الاستنجاء في رفع الحدث و كذا على الثاني يجوز استعماله في رفع الحدث ثانياً و ان منعنا عن رفع الحدث بما استعمل في رفع الحدث الاكبر و مدرك الحكم ليس غير الانصراف و كون المتعارف في السابق غيره و الاجماعات لكنك عرفت ان بعض الاخبار الظاهرة في كراهة الاغتسال بما اغتسل فيه له ظهور في الكثير.

المسألة الحادية عشر: المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر

فلو اخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة و كذا ما يبقى في الإناء بعد اهراق ماء غسالته

، المتخلِّف في الثوب و الإناء بعد الغسل اللازم لا يعد من الغسالة عند المصنف لان الماء ما لم ينفصل لا يعد غسالة كما في القمامة و الزبالة و النجاسة على ابعد الوجوه، او من جهة انصراف ماء الغسالة او الماء الذي غسل به الثوب عنه لان المغسول به هو الذي ينفصل من المحل مع القذارة، او من جهة ان بقائه في المحل و الحكم على المحل بالطهارة يلازم الحاقه به في الاحكام عرفاً، و لكن للنفس في كل ذلك شي‌ء فاذا عصر الثوب شديداً او وضع الإناء على وجه اجتمعت الرطوبات و القطرات فصارت ماء لحقها الحكم فلا يستعمل في الوضوء و الغسل و انما لم يلحقه الحكم قبل الاجتماع لعده معدوماً، نعم هو طاهر و ان قلنا بنجاسة الغسالة لكنه لا ينفع في رفع الحدث به ان قلنا بان الماء الذي يستعمل في رفع الخبث لا يستعمل في رفع الحدث لان الموجود منه الا ان يقال ان مدرك الحكم الاجماع و لا اجماع في محل الخلاف لو لم يكن على الخلاف، و فيه ان مدرك الاجماع رواية ابن سنان و هو صادق عليه.

المسألة الثانية عشر: تطهر اليد تبعاً بعد التطهير فلا حاجة الى غسلها، و كذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب و نحوه

، في استنجاء و غيره من الغسلات و كذا غير اليد من آلات التطهير من الظرف و غيره على ترد في اليد التي جرت السيرة عليه و خلت النصوص عن التعرض له بخلاف الظروف التي يغسل فيها الثوب فانه لا سيرة على طهارتها جارية و لم يستفد طهارتها من الاخبار.

المسألة الثالثة عشر: لو اجرى الماء على المحل النجس زائداً على مقدار يكفي في طهارته

فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر، و ان عد تمامه غسلة واحدة و لو كان بمقدار ساعة، و لكن مراعاة الاحتياط اولى

، عند المصنف لا اشكال بناء على طهارة الغسالة بل و كذا بناء على

نجاستها ايضاً لان المقدار المحتاج اليه في التطهير المعدود من الغسالة قد انفصل عن المحل فما يرد بعده لا وجه لنجاسته مع فرض تعقب المحل بالطهارة بخروجه الا ان يقال ان المعتبر تحقق الغسلة و الغسلة لا تحقق قبل قطع الماء الجاري فكل ما يجري ما دام لم ينقطع محسوب من الغسالة فان كانت الغسالة الغسلة الثانية او الاولى مثلًا نجسة كان تمام الجاري على المحل غسالة فيحكم عليه بالنجاسة و لذا قال في المتن ان مراعاة الاحتياط اولى لان مقتضى القاعدة نجاسة الماء القليل الملاقي للنجس خرجنا عن ذلك بما دل الدليل عليه حتى بالنسبة الى

تعقب المحل للطهارة و الا فكيف يطهر المحل بالمتنجس بل القاعدة يقتضى تأثير المحل عنه ازيد من سابقه لان الملاقي للنجس شرعاً حكمه حكم النجس و ليست النجاسة في الشرع كالقذارات العرفية التي تقل و تضمحل بتوارد الغسلات عليها، و بالجملة الخارج عن هذه القاعدة ليس الا ما قام الاجماع عليه او توقف طهارة المحل عليه و طهارة هذا المقدار الزائد ليس عليه اجماع و لا تتوقف طهارة المحل عليه ايضاً فهو باق على مقتضى القاعدة و الامر عندنا سهل بعد ان بنينا على طهارة الغسالة نعم بناء على نجاستها فالاحوط لو لم يكن الاقوى نجاسته.

المسألة الرابعة عشر: غسالة ما يحتاج الى تعدد الغسل كالبول مثلًا اذا لاقت شيئاً لا يعتبر فيها التعدد و ان كان احوط

، بناء على كون حكم الغسالة بناء على النجاسة كالمحل قبل الغسالة لا كالمحل قبل الغسل مع احتماله فيستصحب النجاسة الى العلم بحصول الطهارة لكن من بنى على اطلاقات الغسل و ان مطلقه كاف لرفع النجاسة يقتصر في الخارج على المتيقن و هو المتنجس بعين البول دون غسالته فيرجع الى الاطلاق اما من منع عن الاطلاق فلا مجال له الا عن الاحتياط.

المسألة الخامسة عشر: غسالة الغسلة الاحتياطية استحباباً يستحب الاجتناب عنها

، بناء على نجاسة الغسالة في الاحتياط فان حال الغسالة في الاحتياط تكون حال المحل بلا اشكال.

فصل في الماء المشكوك

اشارة

فصل الماء المشكوك نجاسته طاهر اذا لم يكن مسبوقاً بالنجاسة سواء سبق بالطهارة او لا يعلم له حالة سابقة او توارد عليه الحالتان لقاعدة الطهارة فيما لم يسلم استصحابها و الا فيكون هو المعتبر لحكومته عليها و لا يقاس بقاعدتي الاشتغال و البراءة المقدمتين على استصحابهما لما قررناه في محله، و المشكوك اطلاقه لا يجرى عليه حكم المطلق الا مع سبق الاطلاق اما الحكم في المستثنى فظاهر لعدم المانع من استصحاب الاطلاق و أما في المستثنى منه فمع سبق الاضافة الأشكال فيه و لا كلام و مع عدم سبق شي‌ء من الحالين او تواردهما و الشك في المتأخر فلا اصل موضوعي فيرجع الى الأصل في الآثار و هو مع الاضافة، الا في مسألة ملاقاته للنجاسة اذا كان كراً فان البناء على عدم اطلاقه يقتضي الحكم بتنجسه و قد مر انه طاهر لا ينفعل بملاقاته للنجاسة، و المشكوك اباحته محكوم بالإباحة ان لم يعلم بكونه مملوكاً لأحد لقاعدة الحل و الإباحة و لا يمكن التمسك لحرمته بما دل على عدم جواز التصرف في مال الغير لعدم العلم بكونه للغير، و استصحاب عدم تملكه له لا يؤثر في عدم الإباحة الا ان يثبت به ملك الغير له و لا طريق الى اثباته مع احتمال عدم ملك احد عليه مضافاً الى كونه من الأصول المثبتة.

و ان علم بمملوكيته لأحد فان علم سبق ملك غيره عليه او كان على ذلك امارة كما لو كان في يد غيره فلا اشكال في وجوب معاملة ملك الغير عليه و الا فظاهر المتن انه محكوم بالإباحة لكنه مشكل لأصالة عدم تملكه او عدم دخوله في ملكه و لا يعارض باصالة عدم ملك غيره له لعدم الأثر له الا بالأصل المثبت.

المسألة الأولى: اذا اشتبه نجس او مغصوب في محصور- كإناء في عشرة- يجب الاجتناب عن الجميع

و ان اشتبه في غير المحصور- كواحد في الف (1)مثلًا- لا يجب الاجتناب عن شي‌ء منه

، لوجود المقتضي بمعنى دليل الواقع الحاكم بوجوب الاجتناب عن النجس و مال الغير و عدم المانع اذ ليس ما يمكن ان يكون مانعاً سوى الجهل التفصيلي و هو غير مانع اما عقلًا فواضح و أما شرعاً فلأنه ليس في الشرع ما يدل عليه سوى قاعدة الطهارة و الحل و هما جريا في اطراف الشبهة لجريا في جميعها على وجه يجوز بهما مخالفة الواقع المعلوم قطعاً و هو موجب لطرح الواقع بالأصل و من المعلوم انه لا يطرح الواقع به، و ان اشتبه في غير المحصور لا يجب الاجتناب عن شي‌ء منه و هو في الجملة لا اشكال فيه و لا خلاف بالنسبة الى عدم وجوب الاحتياط و ان كانت المسألة بالنسبة الى جواز المخالفة القطعية محل خلاف و جدال كما انه بالنسبة الى ضابط غير المحصورة عن المحصور في ريب و اشكال فالمهم التكلم في هاتين الجهتين في ضابط غير المحصور و في جواز المخالفة القطعية و لا ارى في الجهة الأولى اوثق من ان يقال ان المناط فيه هو بلوغ كثرة الأطراف حداً لا يرى العقل العلم الموجود بياناً لها و هو ان كان في الحقيقة اتكالًا على امر مجهول الا انه لا محيص عنه لأن الاناطة بالحصر و عدم الحصر عرفاً مطلقاً او في زمان قليل غير راجع الى محصل مع ان الرجوع الى العرف انما يحسن اذا انيط بهما العرف في الادلة اللفظية و ليس كما ان الاناطة بخروج بعض الاطراف غالباً عن محل الابتلاء اعم من المدعى من وجه و اخص من آخر ثمّ بما ذكرنا ربما يستظهر الحق في الجهة الثانية ايضاً لان المعلوم و ان لم يكن بياناً للاطراف على وجه يوجب الاحتياط بتحصيل الموافقة القطعية الا انه لا يزال بياناً للتكليف بالنسبة الى طرحها جميعاً و لذا لم يحتمل احد جواز المخالفة القطعية من غير المحصور اذا كانت الشبهة وجوبية.

المسألة الثانية: لو اشتبه مضاف في محصور يجوز ان يكرر الوضوء او الغسل الى عدد يعلم استعمل مطلق في ضمنه.

فاذا كانا اثنين يتوضأ بهما، و ان كانت ثلاثة او ازيد يكفي التوضؤ باثنين اذا كان المضاف واحداً، و ان كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل، و ان كان اثنين في اربعة تكفي الثلاثة و المعياران يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد. و ان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها (2)كما اذا كان المضاف واحداً في الف، و المعيار ان لا يعد العلم الإجمالي علماً و يجعل مضاف المشتبه بحكم العدم، فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية ايضاً، و لكن الاحتياط اولى

، فاما ان يمكن تميز المطلق من المضاف او لا يمكن فان لم يمكن فلا اشكال في انه يجب عليه ان يكرر الوضوء بها حتى يعلم بالوضوء بالمطلق و أما اذا تمكن من التميز فهل يجوز ان يكرر الوضوء


1) في كون اشتباه الواحد في ألف من الشبهة غير المحصورة دائماً، و في عدم وجوب الاجتناب عنها اشكال، بل منع.

2) بل اللازم هو الاحتياط بتكرار الوضوء حتى يعلم بحصول التوضؤ بالماء المطلق.

و الغسل كذلك او يجب عليه التميز و الوضوء بما يعلم طهارته وجهان مبنيان على تقديم الامتثال التفصيلي العلمي على الاجمالي منه و قد قرر في محله عدم الدليل على تقدمه لو لا الاجماع و توضيحه محتاج الى تفصيل مخرج عن وضع الرسالة و ان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها عند المصنف لان كل واحد من اطراف الشبهة الغير المحصورة عنده في حكم المعلوم دون المشتبه فيعامل مع كل واحد من الاطراف معاملة المطلق دون المشتبه و الا فلو كان يعامل معاملة المشتبه لم يجز التوضي به اذ يعتبر في ماء الوضوء الاطلاق و توضيح مرامه ان الاجماع قائم على ان العلم الاجمالي بين الاطراف الغير المحصورة لا يعتد به و لا يؤثر في التكليف بوجه و حينئذ فيلغى الاحتمال المستند الى ذلك العلم فاذا احتمل الاضافة في الماء فان كان كمنشئه العلم بكون احد الاناءات الغير المحصورة مضافاً فلا يعتنى به و يجوز التوضي به و أما ان كان منشؤه غير هذا العلم كأن احتمل ابتداء كونه مضافاً فلا يجوز رفع الحدث و الخبث به الا ان يعتمد في ذلك الى الاصل و بعض من عاصرناه ينقل عنه الميل الى ذلك بل اختاره و هو ضعيف جداً اذ لم يدل دليل على لغوية العلم بين غير المحصور بهذا المعنى، غاية الامر قيام الدليل على عدم اقتضائه الاحتياط و الموافقة القطعية سلمنا قيامه على جواز المخالفة القطعية ايضاً لكن غايته ان العلم المزبور لا يمنع عن العمل على طبق الاصل ان اقتضى جواز المخالفة و أما ان به ينقطع الاصول المقتضية لترك الاستعمال من العقل و النقل فلم يدل عليه دليل فيبقى تحت القاعدة و عليه فلا يجوز التوضي بواحد من اطراف ما علم اضافة احدها و لو كانت غير محصورة فما في المتن من ان الاحتياط اولى ينبغي تبديله باقوى.

المسألة الثالثة: اذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك اطلاقه و اضافته، و لم يتيقن انه كان في السابق مطلقاً، يتيمم للصلاة و نحوها و الأولى الجمع بين التيمم و الوضوء به

، غير مسبوق بالاطلاق يتيمم للصلاة لأنه غير متمكن من الطهارة المائية بعد ان كان محكوماً باستصحاب الحدث بعد الوضوء و ليس في دليل التيمم الا عدم التمكن من الطهارة المائية و من المعلوم انه لا فرق في عدم التمكن بين ان يكون ذلك لأجل مانع شرعي او عادي فاذا كان المتوضي بمثل هذا الماء محكوماً بالحدث لم يمكن رفع الحدث به شرعاً و معه يجب عليه التيمم لأنه لا يجد ماء ضرورة ان المراد من عدم وجدان الماء ما يعم عدم التمكن من استعماله على وجه يرفع الحدث، هذا و فيه انا لو سلمنا ان الموضوع للتيمم و غير المتمكن من المائية فهو غير متمكن منه واقعاً لا ما يعم غير المتمكن في الظاهر و الأصل المزبور لا يثبت كونه كذلك واقعاً نعم كونه كذلك في الظاهر يترتب على الأصل المزبور وجداناً، و قد يقال ان الموضوع بالتيمم هو غير الواجد للماء و ليس المراد من وجدانه هو نفس وجوده بل احرازه لأنه ضد الفقدان و فيما نحن فيه غير محرز للماء فوجب عليه التيمم فكان موضوع التيمم محرز بالوجدان من غير حاجة الى اصل شرعي، و فيه ان عدم الإحراز ليس موضوعاً شرعاً لوجوب التيمم و لذا اوجبوا الاعادة على من صلى و من يلتفت الى ان في رحلة الماء نظراً الى كونه واجداً للماء في الواقع، مضافاً الى انه لو كان الموضوع ما ذكره لم يجب الفحص عن الماء و ليس ذلك الا من اجل ان الإحراز ليس موضوعاً للتيمم، هذا كله مع ان اعتبار الإحراز في الوجدان ممنوع لأن الوجدان ضد الفقدان و له واقع مع قطع النظر عن العلم و الإحراز الوجداني فقد يكون واجداً له و لا يعلم به فالتحقيق

انه يجب عليه التيمم ان كان مسبوقاً بالفقدان و الا فالجمع بين الأمرين لدخوله في احد الموضوعين.

المسألة الرابعة: اذا علم اجمالًا ان هذا الماء اما نجس او مضاف يجوز شربه،

و لكن لا يجوز التوضؤ به و القول بأنه يجوز التوضؤ به. و كذا اذا علم انه اما مضاف او مغصوب. و إذا علم انه اما نجس او مغصوب، فلا يجوز شربه ايضاً، كما لا يجوز التوضؤ به و القول بأنه يجوز التوضؤ به ضعيف جداً

، لعدم العلم الإجمالي بالحرمة و كون احتماله بدوياً مورداً لجريان الأصل، نعم لا يجوز التوضي به لاستصحاب الحدث و عدم احراز شرط الطهارة و هو كون ما يغسل به الغسلات مطلقاً، فنفس قاعدة الاشتغال بالطهارة تقتضي وجوب تحصيل البراءة عنه بل اشتراط صحة الدخول في الصلاة به يقتضي وجوب احرازه لها، و كذا اذا علم انه اما مضاف او مغصوب بعين ما ذكر من جواز شربه و عدم جواز التوضي به لأن احتمال الغصب و ان لم يكن مانعاً عن التوضي الا ان نفس احتمال الاضافة مع عدم الحالة السابقة مانع، و أما اذا علم انه أما نجس او مغصوب فلا يجوز شربه، للعلم التفصيلي بالحرمة و لا يمنع عن تنجزه الجهل بسببه كما لا يجوز التوضي به لذلك ايضاً اذ المفروض انه عالم باحد المانعين من النجاسة او الغصبية و ان لم يكن احتماله مانعاً الا انه اذا لم يكن طرفاً للعلم الإجمالي و أما مع طرفيته له فاحتماله منجز و معه يكون مانعاً عن التصرف فيبطل الوضوء اما لنجاسة الماء او لحرمة التصرف في الماء غسلًا و مسحاً، و القول بأنه يجوز التوضي به ضعيف جداً لعل نظر المجوز الى ان شرط صحة الوضوء ليس هو الإباحة الواقعية حتى تتساقط اصالة الإباحة و الطهارة بل الإباحة التي يكون الوضوء بها صحيحاً واقعياً هو ما يعم الظاهر به و حينئذ فلا تتساقط الاصول لعدم العلم بالمخالفة القطعية للواقع من جريانهما لاحتمال كون الماء مغصوباً و معه يصح الوضوء واقعاً، ان قلت اصالة الاباحة بالنسبة الى جواز التصرفات و لو مع قطع النظر عن الوضوء غير جارية للمعارضة فتحرم التصرفات فعلًا و به يبطل الوضوء لتنجز الحرمة، قلت لا معارض لأصالة الاباحة في مطلق التصرفات سوى قاعدة الطهارة و هي غير جارية بالنسبة الى الشرب لانه معلوم الحرمة و لا اثر لها بالنسبة الى غيره، ان قلت لا معنى لحرمة الشرب الا معارضة اصالة الاباحة فيه مع اصالة الطهارة و تساقطهما فيحرم شربه فاين الاصل الخالي عن المعارض الحاكم باباحة التصرفات، قلت معارضة الاصل مع آخر بالنسبة الى اثر خاص لا يوجب سقوطه بالنسبة الى غيره فاصل الاباحة بالنسبة الى الشرب و ان كان معارضاً الا انه لا معارض له بالنسبة الى التصرفات الأُخر، الا ان يقال انه معارض باصالة الطهارة في ملاقيه فان بعد سقوط الاصل يعني اصل الطهارة فيه يكون المرجع الاصل في الملاقي فيعارض اصالة الاباحة في سائر التصرفات، الا انه حسن بعد تحقق الملاقي و الملاقاة و أما قبله فلا موضوع للملاقي حتى يكون مجرى للأصل.

المسألة الخامسة: لو اريق احد الاناءين المشتبهين من حيث النجاسة و الغصبية لا يجوز التوضؤ بالآخر

و ان زال العلم الإجمالي، و لو اريق احد المشتبهين من حيث الاضافة لا يكفي الوضوء بالآخر بل

الأحوط الجمع (1)بينه و بين التيمم

، تكليفاً و وضعا بناء على حرمة التوضي بالماء النجس نفساً و الَّا يحرم الا وضعاً بمعنى فساد الوضوء و عدم سببيته للطهارة و ذلك لسقوط اصالة الطهارة في الاول و اصالة الاباحة في الثاني بالمعارضة قبل الإراقة فلا يبقى بعد اراقة احدهما اصل يعتمد عليه، ان قلت سقوط الاصل انما هو للعلم الاجمالي و المعارضة، فالسقوط يتبعهما حدوثاً و بقاء فمع زوال علة المعارضة يعني العلم الاجمالي لا معنى لبقاء المعارضة، قلت هو كذلك لو كانت المعارضة في اطلاق الدليل بالنسبة الى ازمنة المتعارضين و أما لو كانت بالنسبة الى اصل دخولهما في عموم الدليل فمعنى المعارضة بعد حدوث العلم الاجمالي خروج الطرفين عن عموم الدليلين فلا معنى لدخوله بعد اراقة احدهما، ان قلت خروج الطرفين عن الدليل ليس الا لعدم امكان اجتماعهما في الدخول تحت العموم لان دخول كل واحد ينافي الواقع المعلوم و دخول احدهما معيناً ترجيح بلا مرجح و مخيراً لا دليل عليه و هذا المعنى انما هو بالنسبة الى حال وجود الطرفين و أما مع عدم احدهما فلا مانع من دخول الآخر تحت الدليل، قلت دخول المفقود الى زمن وجوده ينافي دخول الآخر كذلك و مجرد طول زمن وجود احدهما و قصر الآخر لا يرفع المعارضة كما لا يخفى و لو اريق احد المشتبهين من حيث الاضافة لا يكفي الوضوء بالآخر لعدم احراز اطلاقه و لو سلمنا كان مجرى للأصل مع قطع النظر عن العلم الإجمالي كأن عُلِم اجمالًا بان احد المطلقين صار مضافاً كان استصحاب الاطلاق في كل معارض للآخر و بعد فقد احدهما لا يرجع و لا يصير الموجود مورداً للأصل و مقتضى الأمر من المصنف في المسألة السابقة وجوب التيمم هنا فاشكاله فيها و التزامه بالجمع ينافي ما سبق و ان كان قد عرفت منا ان الأحوط الجمع بين الوضوء و التيمم و قد مر تمام الكلام مع النقض و الإبرام بل مقتضى ما عرفت وجوب الجمع مع بقاء احد المشتبهين بالنجس ايضاً بناء على عدم حرمة استعمال النجس في الوضوء الا تشريعاً.

المسألة السادسة: ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة لكن الأحوط الاجتناب،

المسألة السادسة: ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة لكن الأحوط الاجتناب، (2)

لأصالة عدم ملاقاته للنجس و لا يعارض بالأصل في ملاقي الآخر اذا لم يكن ملاقاة فعلًا لعدم الموضوع و لا يعارض الأصل فيه على تقدير وجوده بالأصل في الموضوع الموجود، نعم لو فرض ملاقاة شي‌ء آخر للطرف الآخر تعارض الأصل فيهما للعلم بكون احدهما ملاقياً للنجس و مما ذكرنا يظهر جريان اصالة الطهارة في الملاقي من غير معارضة معها في صاحب الملاقي لأنه مبتلى بمعارضته مع الأصل في الملاقى (بالفتح) المتقدم في الجريان على الأصل في الملاقي (بالكسر)، و من جميع ذلك يظهر ان العلم بنجاسة واحد من الملاقي (بالكسر) و صاحب الملاقى (بالفتح) لا يوجب وجوب الاجتناب عنها مقدمة لما عرفت من جريان الأصل في الملاقي (بالكسر) بلا معارض و ابتلاء الأصل في صاحب (الملاقى بالفتح) بالأصل في نفس الملاقى (بالفتح)، لكن الاحوط الاجتناب و لو بتوهم الاجتناب عن ملاقي النجس من مقدمات تحقق الاجتناب عنه فاذا فرض تنجس الأمر بالاجتناب عن النجس بينهما و فرضنا ان الاجتناب عن الشي‌ء لا يحصل الا بالاجتناب


1) و ان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالتيمم.

2) هذا اذا كانت الملاقاة بعد العلم الاجمالي، و الا وجب الاجتناب عن الملاقي ايضاً على تفصيل ذكرناه في محله.

عن كل ما لاقاه وجب الاجتناب عن ملاقي احدهما اذ لولاه لم يعلم الاجتناب عن النجس في البين لو كان هو الملاقى (بالفتح) و تمام الكلام موكول في محله.

المسألة السابعة: اذا انحصر الماء في المشتبهين تعين التيمم. و هل يجب اراقتهما او لا؟ الأحوط ذلك، و ان كان الأقوى العدم.

لقوله" عليه السلام":

يهرقهما و يتيمم

و لا يجب الوضوء بهما بل و لا يجوز و لو بأن يتوضأ باحدهما ثمّ يغسل محل الوضوء بالآخر ثمّ يتوضأ به حيث يعلم بالوضوء بالماء الطاهر مع طهارة البدن اما لو كان الماء الطاهر هو الأول فظاهر و أما لو كان الثاني فلان المفروض غسل محال الوضوء به ثمّ الوضوء فهو يعلم بتوضئه بالماء الطاهر مع طهارة بدنه وجداناً بل يكفي الوضوء بهما كذلك لاستصحاب طهارة بدنه الى زمان الوضوء بالماء الطاهر و يكفي ذلك لحصول العلم بدافع الحدث، نعم عليه ان يصلي بعد كل وضوء حتى يعلم بوقوع صلاته مع الطهارة الخبيثة المستصحبة و الحديثة المعلومة و ان لم يصل الا بعدها فسدت صلاته لأنه عالم بنجاسة بدنه و ان كان يعلم برفع حدثه ايضاً بالتقريب السابق و ذلك لأنه طرح للصحيحة المنقحة الدلالة المعمول بها من جهة مقتضى القواعد و الأصول و هو غير مقبول فيؤخذ بمفهومهما و يكتفي بالتيمم، و هل اراقتهما ايضاً كما اشتملت عليه الصحيحة ام لا نظراً الى كونه كناية عن عدم استعمالهما، الأحوط ذلك و ان كان الأقوى العدم لما عرفت من ان الإراقة كناية عن المنع عن الاستعمال بل ربما امكن ان يُحمل الصحيحة على صورة لم يتمكن من غسل مواضع الملاقاة بالثاني و استعمالهما على نحو ما مر على وجه لا يتلوث الثوب و البدن بهما فان الوضوء باحدهما ثمّ غسل محال الوضوء بالآخر ثمّ التوضي بالآخر على وجه لا يتلوث سائر مواضع الثوب و البدن بهما مشكل جداً فأقرّ الامام" عليه السلام" بإراقتهما حتى يصير فاقد الماء ثمّ يتيمم و لعل في الأمر بالإراقة احتياطاً للتيمم، اذ قبله ربما كان من الواجد للماء و سيجي‌ء انشاء اللّه في المسألة العاشرة ان الأحوط عدم القناعة بالتيمم مع تمكنه من الاستعمال على الوجه المزبور ايضاً.

المسألة الثامنة: اذا كان إناءان احدهما المعين نجس، و الآخر طاهر، فأريق احدهما، و لم يعلم انه ايهما، فالباقي محكوم بالطهارة

المسألة الثامنة: اذا كان إناءان احدهما المعين نجس، و الآخر طاهر، فأريق احدهما، و لم يعلم انه ايهما، فالباقي محكوم بالطهارة (1)

بخلاف ما لو كانا مشتبهين و اريق احدهما، فان يجب الاجتناب عن الباقي، و الفرق ان الشبهة في هذه الصورة بالنسبة الى الباقي بدوية، بخلاف الصورة الثانية فان الماء الباقي كان طرفاً للشبهة من الأول، و قد حكم عليه بوجوب الاجتناب

، فانه لا يحكم على الباقي بالطهارة لأن المفروض انه سقطت القاعدة بالنسبة اليه بالمعارضة في صاحبه و اهراق احدهما لا يوجب بقاؤها في الباقي بلا معارض و الا لعولج بذلك كل شبهة محصورة بخلاف الصورة السابقة فانه قبل اراقة احدهما لم يكن شي‌ء منهما مجرى القاعدة و لم يكن علم اجمالي في البين و انما صار الباقي مشتبهاً بمجرد اراقة احدهما فيتحرى فيه القاعد.


1) هذا اذا لم يكن للماء المراق ملاق له اثر شرعي، و الا لم يحكم بطهارة الباقي.

المسألة التاسعة: اذا كان هناك إناء لا يعلم انه لزيد او لعمرو، و المفروض انه مأذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله، لا يجوز له استعماله

و كذا اذا علم انه لزيد مثلًا لكن لا يعلم انه مأذون من قبله او من قبل عمرو.

لم يجز استعماله الا ان يكون مأذوناً من كل منهما و أما مجرد اذنه من زيد مثلًا فلا يجوز استعماله لأنه لا يعلم انه له فلا يكون اذنه موجباً لحل التصرف و كذا ان علم انه لزيد و لا يدري انه مأذون من قبله او من قبل عمرو فان الأذن الحاصل له لا يوجب حل التصرف فيه ايضاً لأنه لا يعلم الأذن ممن يملكه و لا يحل مال امرئ الا بإذنه.

المسألة العاشرة: في الماءين المشتبهين اذا توضأ بأحدهما او اغتسل و غسل بدنه من الآخر،

ثمّ توضأ به او اغتسل، صح وضوؤه أو غسله على الأقوى، لكن الأحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة، و مع الانحصار الأحوط ضم التيمم ايضاً.

علم بأنه اغتسل او توضأ بالماء الطاهر مع طهارة بدنه فيرتفع حدثه على الأقوى و لكن الأحوط ترك هذا النحو من الاستعمال مع وجود ماء معلوم الطهارة للصحيحة الآمرة بإهراقهما و التيمم و قد عرفت توجيهه كما افتى به جمع و كان سنده معتبراً كان الاحتياط في ترك الاستعمال كذلك لو كان له غيرهما و الا جمع بينه و بين التيمم لما مر من احتمال ورود الصحيحة مورد لا يتمكن من استعمالهما على وجه لا يتلوث محل من ثوبه او بدنه بهما و معه و ان ارتفع الحدث لكن يعلم بنجاسة بدنه او ثوبه.

المسألة الحادية عشر: اذا كان هناك ماءان توضأ باحدهما او اغتسل،

و بعد الفراغ حصل له العلم بأن احدهما كان نجساً و لا يدري انه هو الذي توضأ به او غيره، ففي صحة وضوئه او غسله اشكال، اذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل اشكال (1)و أما اذا علم بنجاسة احدهما المعين، و طهارة الآخر فتوضأ، و بعد الفراغ شك في أنه توضأ من الطاهر، أو من النجس فالظاهر صحة وضوئه لقاعدة الفراغ. نعم لو علم انه كان حين التوضؤ غافلًا من نجاسة احدهما يشكل جريانها.

نظراً الى عموم دليلها او عدمه نظراً الى انها مسوقة لرفع احتمال الفساد الناشئ من السهو و النسيان او التعمد يترك الجزء او الشرط فلا يشمل دليلها ما لو كان احتمال الصحة و الفساد مستنداً الى مجرد الاتفاق الغير المستند الى المكلف كما يرشد قوله" عليه السلام" هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك فان مثله لا يشمل ما لو علم عدم الأذكرية النوعية لأنه يعلم بغفلته حين ذاك عن الطهارة و النجاسة فليس هو حين ذاك اذكر من حين التفاته و منه يظهر انه لو كان عالماً بذلك قبل الوضوء و الغسل ثمّ اغتسل او توضأ باحدهما ثمّ شك بعدهما بأنه احرز طهارة ما تطهر به او


1) و الأظهر بطلان الوضوء فيما اذا كان الطرف الأخر او ملاقيه باقياً و إلا فالوضوء محكوم بالصحة.

انه تطهر به شاكاً جرى قاعدة الفراغ لجريان ما عرفت من التعليل و المتيقن من انصراف المطلقات ايضاً لو سلمنا عدم كون ما ذكر من قبيل العلة المخصصة للمطلقات، نعم في الفرض المذكور ايضاً لو علم بأنه حين التوضؤ و الاغتسال لم يكن ملتفتاً بأن احدهما نجس لم تجر القاعدة لما عرفت من الانصراف او العلية، نعم لو منع من الأمرين يعني انصراف المطلقات و كون المذكور من قبيل العلة بل من باب الحكمة التي لا يلزم اطرادها في مورد القاعدة جرت في المقامين او فرق بينهما لو احتمل الانصراف من الصورة الأولى دون الثانية.

المسألة الثانية عشر: اذا استعمل احد المشتبهين بالغصبية لا يحكم عليه بالضمان الا بعد تبين ان المستعمل هو المغصوب

، لعدم العلم بالاشتغال لعدم العلم بكونه مال الغير فيكون احتمال اشتغال ذمته هنا نظير احتمال نجاسة الملاقي لأحد المشتبهين.

[فصل في المطهرات]

في احكام التخلي

المسألة الثانية عشر: لا يجوز للرجل و الانثى النظر الى دبر الخنثى

و أما قبلها فيمكن ان يقال بتجويزه لكل منهما للشك في كونه عورة لكن الأحوط الترك بل الاقوى وجوبه لانه عورة على كل حال

، لعل المراد انه عورة عرفاً اذ ليس المراد من العورة (الا ما يسمى عرفاً) احليلًا و بيضة او فرجاً و هذا الموجود من الخنثى يسمى بهما فيكون عورة و لا يجوز النظر اليها و الا فلا وجه لدعوى كونه عورة على كل تقدير، نعم ما يشبه آلة الرجولية للرجل عورة سواء كان الخنثى ذكراً او انثى و ما يشبه آلة الانثوية للانثى عورة سواء كان الخنثى ذكراً او انثى.

المسألة الثالثة عشر: لو اضطر الى النظر الى عورة الغير كما في مقام المعالجة

فالأحوط ان يكون في المرآة المقابلة لها إن اندفع الاضطرار بذلك و إلا فلا بأس.

اذ ما من شي‌ء حرمه اللّه الا احله لمن اضطر اليه و هل يعتبر رفع الاضطرار بالنظر في المرآة المقابلة لها ام لا يعتبر فيجوز و ان ارتفع الاضطرار بذلك، صريح المتن ان الاحوط ترك النظر ان امكن رفع الاضطرار بالنظر الى المرآة و اظن هذا الاحتياط منافياً لما مر من الجزم بحرمة النظر من وراء الشيشة و المرآة لان الجزم بالفتوى هناك يقتضي الجزم بالحرمة هنا لعدم الفرق في المقام و الاحتياط هناك يقتضى الاحتياط هنا، و دعوى انها معاً حرام الا ان حرمة النظر بلا واسطة اشد من حرمته فلا مانع من الجزم بالحرمة و الاحتياط في تقديم النظر في المرآة و ترك النظر بلا واسطة نظير البول الى القبلة و الاستدبار لها فإنهما محرمان و لكن مع الدوران يحتاط في المتن بتقديم الاستدبار مدفوعة بأنه لا وجه لاحتمال الاشديّة هنا مع استفادة ان المناط الاستطلاع، بل قد يقال ان مناط حرمة الاستطلاع الذي هو يتبع الشدة في النظر هو في المرآة اقوى مضافاً الى ان ذلك يوجب استحباب الاحتياط كما في مسألة الدوران بين الاستقبال و الاستدبار لا وجوبه.

المسألة الرابعة عشر: يحرم في حال التخلي استقبال القبلة و استدبارها بمقادم البدنة

و ان امال عورته الى غيرهما، و الأحوط ترك الاستقبال و الاستدبار بعورته فقط، و ان لم يكن مقاديم بدنه اليهما. و لا فرق في الحرمة بين الأبنية و الصحاري و القول بعدم الحرمة في الأول ضعيف، و القبلة المنسوخة كبيت القدس لا يلحقها الحكم. و الأقوى عدم حرمتهما في حال الاستبراء و الاستنجاء، و ان كان الترك احوط، و لو اضطر الى احد الأمرين تخيّر، و ان كان الأحوط الاستدبار، و لو دار امره بين احدهما و ترك الستر مع وجود الناظر وجب الستر، و لو اشتبهت القبلة لا يبعد العمل بالظن، و لو ترددت بين جهتين متقابلتين اختار الاخريين، و لو تردد بين المتصلتين فكالترديد بين الأربع التكليف ساقط، فيتخير بين الجهات.

كما هو ظاهر الاستقبال بالشي‌ء و الاستدبار به فان العرف يفهم منهما الاستقبال و الاستدبار بذلك و عليه فلا معنى في رفع الحرمة امالة العورة عنها حين البول كما لا يحرم على غير المستقبل امالة العورة اليها حين البول بما عرفت من ان الظاهر من الاستقبال و الاستدبار هو ما كانا بالمقاديم، ان قلت العورة من المقاديم ايضاً فيكفي في رفع الحرمة الانحراف بها بامالتها عنها، قلت العورة من المقاديم بمنزلة اليد بل الاصبع فلا يضر في الصدق انحرافه مع المواجهة بالمقاديم من نحو الصدر و ما يعد من البدن بل لا يكفي في رفع الحرمة الانحراف بالوجه و الرأس ايضاً، و من ذلك يظهر لك انه لا يحسن التعبير بالاستقبال و الاستدبار بمقاديم البدن على نحو ما يعبرون عنه في مسألة استقبال الصلاة، ان قلت ما ذكرت من ان المناط و الاستقبال بمقاديم البدن حسن لو كان المناط في الاستدلال مثل قوله اذا دخلتم الغائط فتجنبوا القبلة و قوله اذا دخلتم المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و قوله في الجواب عن السؤال عن حد الغائط لا تستقبل

القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها، و أما لو كان مثل قوله" عليه السلام":

لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول

و قوله:

نهى رسول اللّه" صلى الله عليه و آله" عن استقبال القبلة ببول او غائط

فظاهرها الاستقبال بالبول و ليس الاستقبال بالبول الا خروجه قبالها او دبرها، قلت لا تنافي بين الروايات و لا منافاة بين حرمة الاستقبال حين البول و الاستقبال بالبول فليكن المحرم كليهما و لعل الوجه في احتياط المتن بعد ان افتى بحرمة الاستقبال بمقاديم البدن بقوله: و الاحوط ترك الاستقبال و الاستدبار بعورته فقط و ان لم يكن بمقاديم بدنه، نعم يمكن ان يقال ان الطائفتين من الاخبار ليست من قبيل العامين من وجه بل من قبيل المجمل و المبين لان قوله: تجنبوا القبلة و لا تستقبل القبلة اذا دخلت المخرج مجمل من حيث المتعلق من حيث ان المراد تجنبوا القبلة بان تبولوا لها أو تكونوا مستقبلين لها عند البول او ان المراد لا تستقبل القبلة ببولك او بتبولك اذ لا اولوية لحذف حال البول عن حذف ببولك و حينئذ يكون الطائفة الاخرى مبنية لها و موضحة لان المراد لا تستقبلها ببولك فلو افتى بحرمة الاستقبال و الاستدبار بالبول و جعل الاحتياط في الاستقبال حالة و ان امال احليله لكان اولى، ثمّ انه لا يتوهم ان اقتران بعض الاخبار ببعض المستحبات و المكروهات يوجب حرف النواهي عن ظهورها في الحرمة اذ يبقى العاري منها اولًا و عدم صلاحية السوق برفع ظهور النواهي ثانياً، و لا فرق في الحرمة بين الابنية و الصحاري على المشهور للاطلاق و ظهور قوله:

اذا دخلت المخرج و اذا دخلت الغائط

في البناء فالتفصيل بحرمة الثانية و كراهة الاولى و اباحته ضعيف، و ما يروي في الصحيحة من انه قال دخلت على ابي الحسن الرضا" عليه السلام" و في منزله كنيف مستقبل القبلة سمعته يقول:

من بال حذاء القبلة ثمّ ذكر فانحرف عنها اجلالًا للقبلة و تعظيماً لها لم يقم من مقعده حتى يغفر له

لا يدل على شي‌ء و لا ينافي فيما عليه المشهور من الحرمة بوجه، و الوعد بالمغفرة على من انحرف، ايضاً لا ينافي حرمة الانحراف على وجه يوجب ظهور النواهي، و القبلة المنسوخة كبيت المقدس لا يلحقها الحكم لعدم الدليل و لا المناط المنقبح الذي يوجب التعدي، و دعوى الاطلاق ممنوعة، و احتمال صدق النبوي و هو اذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها قبل تحريف القبلة مدفوع بالاصل مع انه مما لو كان لأبانوا (و الأولى ان يقال ان ادلة نسخ القبلة حاكمة على الاطلاق)، و الاقوى عدم حرمتهما في حال الاستبراء و الاستنجاء لو لم يعلم بخروج البول و لا بأس بخروج البلل المشتبه، و تنزيله منزلة البول في غير النجاسة و الناقضية غير معلوم.

و قوله كما يقعد للتخلي في جواب من سأل عن كيفية قعود المستنجي لا دلالة له على شي‌ء اذ لم يعلم من التشبيه ما يعم ذلك مع ما في بعض الأخبار من الدلالة على خلافه بل المرتكز في الأوهام اعتبار الجلوس للتنقية و الاستنجاء و الاستبراء على نحو مؤثر في التسلط على الاستنجاء فيمكن ان يكون السؤال من جهة ذلك المرتكز و الجواب ناظر الى ذلك ايضاً و لا يبعد ان يكون الاحتياط بالترك حالها ناظراً الى احتمال الاطلاق كما عن بعض، و دعوى عموم تنزيل البلل المشتبه الخارج حين الاستبراء بل اجزاء الغائط التي قد تخرج حين الاستنجاء و لا بأس به و لو اضطر الى احد الأمرين تخير.

فصل في الاستنجاء

اشارة

قوله يجب غسل مخرج البول بالماء مرتين و الافضل الثلاث لعله اعتمد في ايجاب الغسل مرتين الى صحيحة البزنطي المروية عن مستطرفات السرائر عن نوادره قال:

سألته عن

البول يصيب الجسد قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء

بزعم عموم موردها للاستنجاء على بعد لظهورها في اصابة الجسد من الخارج او استفادة العموم التعليل المشعر بتخفيف الامر في البول بالنظر الى انه ماء فيتعدى من مورده الى كل بول، و فيه ايضاً ان التعليل ناظر الى كفاية مجرد الصب من غير حاجة الى الدلك كما في غيره من النجاسات، و لا ينافيه ظهورها في كون التعليل تعليلًا للمجموع لان كفاية الصب مرتين ايضاً مستند الى كون البول ماء غير مشتمل على جسم محتاج الى الدلك، و يؤيده ما ذكرنا ما سيحكى عن مرسلة (الكابلي) انه ماء ليس بوسخ، نعم بناء على ما ذكرنا من كونه علة للاكتفاء بالصب مرتين ينبغي اعتبار مرتين في مطلق النجاسات و ان ما يمتاز البول من بينها بالاكتفاء بالصب فيه من حيث كونه ماء، و لذا استفاد بعضهم حكم التعدد في النجاسات منها بعموم التعليل او بالاولوية، نعم و كيف كان فلا يستفاد حكم الاستنجاء منه مع اختصاص باب الاستنجاء بما يشهد بسهولة الامر فيه، و قد يستفاد التعدد من الجمع بين روايتين نشيط بن صالح عن ابي عبد اللّه" عليه السلام" قال: سألته كم يجري من الماء في الاستنجاء من البول؟ قال" عليه السلام":

مثلًا ما على الحشفة من البلل

و في رواية اخرى عنه قال يجري من البول ان تغسله بمثله فان الظاهر من كل منهما ان ذلك اقل ما يجزى فيجمع بينهما بان يكون الاولى في مقام اقل ما يجري في الاستنجاء الواجب من البول كما هو الظاهر من السؤال و الثانية في مقام بيان ما يجرى في كل غسل فاذا كان المجزئ في غسله مثل ما على الحشفة و كان اقل ما يكفي في الاستنجاء مثلاه كان اللازم تعدد الغسل و الا لم يكن اقل ما يكفي مثلاه، و فيه ما يظهر لك بعد شرح مفاد الروايتين فنقول قد عرفت ان السؤال في الاولى عن اقل ما يكفي في الاستنجاء من الماء و الجواب بأنه مثلًا ما على الحشفة و انت خبير بان المراد مثل ما على الحشفة عند الاستنجاء لا عند الفراغ من البول و من المعلوم ان ما يبقى على الحشفة بعد البول و عند الاستنجاء بل بعد الاستبراء و التنحنح الذي هو وقت الاستنجاء ليس الا مقدار الرطوبة المتخلفة من البلل لو كان و ليس هو على تقدير خروجه الا مقدار نصف القطرة فيكون مثلاه قطرة و انت ادرى ان مقدار قطرة من الماء هو اقل ما يحصل به مسمى غسل محل البول من الاحليل بحيث اذا سألت انت عن مقدار ما يحصل به المسمى غسل المحل المزبور لما اجبت باقل من ذلك و من الجمع بين ظهور السؤال و الجواب يستفاد كفاية مسمى الغسل في الاستنجاء الواجب فما ادري من اين استفاد القائل بالتعدد التعدد فكأنه فرض الموجود على المحل قطرة فكان مثلاه قطرتان فاذا كان اقل ما يجزي في الاستنجاء الواجب قطرتان وجب التعدد و الا لم يكن مقدار مسمى غسلتين اقل ما يجري و قد عرفت ما فيه، و أما الرواية الاخرى فالظاهر ان مرجع الضمير في مثله هو البول يعني يجزى في البول او الغسل بمثله يريد منه الماء يعني لا يجزي الاستجمار و الخرق، سلمنا لكن مرجع الضمير مجمل فلا يعارض المبين، سلمنا لكن التعبير عن مثلَي ما على الحشفة بمثله مسامحة و مما يمكن رفع اجمال الضمير به نقل الكليني انه روى انه يجزي ان يغسله بمثله من الماء اذا كان على رأس الحشفة و غيره، كما انه يؤيد ما استظهرنا كفايته من تحقق مسمى الغسل بل يدل عليه الموثقة قلت لابي عبد اللّه" عليه السلام"

الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط او بال، قال: يغسل ذكره و يذهب الغائط ثمّ يتوضأ مرتين

فان الظاهر السؤال عن تمام ما يجب فلو كان التعدد من الواجب لأبان به كما ابان عن التعدد المستحب في الوضوء و أما كون الثلاثة افضل للمروي

حريز عن زرارة قال كان يستنجي من البول ثلاث و من الغائط بالمدر و الخرق او قد ظهر مما ذكرنا انه ليس لما يتحقق به الغسل حد، سوى صدق الغسل و هذا هو المراد بقوله بما يسمى غسلًا كما ظهر انه لا يجزي في البول غير الماء من عير فرق في ذلك كله بين الذكر و الانثى و الخنثى كما لا فرق بين المخرج الطبيعي و غيره من المعتاد و غيره و ليس قوله مثلًا ما على الحشفة دلالة على الاختصاص مع اطلاق السؤال و كون التعبير بذلك بلحاظ حال الراوي و لا اعتبار بالانصراف الى المعتاد لتشخّص او خصوص الطبيعي و الا لجرى في غالب الاحكام و قدم ما يوضحه في غير هذا المقام، قوله و في مخرج الغائط مخير بين الماء و المسح بالاحجار بالاجماع بل الضرورة و تظافر الاخبار بل تواترها على الاجتزاء بالاحجار و الكرسف بل في بعض ان السنة جرت بذلك بل في صحيح زرارة ان الحسين بن علي عليهما السلام كان يستنجي بالكرسف و لا يغسل بالماء، لكن ذلك اذا لم يتعد عن المخرج على وجه لا يصدق عليه الاستنجاء و الا تعين بل ظاهر المشهور عدم الاكتفاء بكل ما كان مصداقاً للاستنجاء لتقليدهم ذلك بما اذا لم يتعد المخرج يعني مخرج النجو و من الواضح اخصيته عن المعتاد فضلًا عن كفاية صدق الاستنجاء و دعوى قيام الاجماع على الاخص بعيدة و الاعتماد في التقيد على النبوي يكفي احدكم ثلاثة احجار اذا لم يتجاوز محل العادة لا يقتضي التقيد على الوجه الاخص بل اختلاف المستفاد من المشهور مع النبوي يوجب عدم التقيد بالمعتاد ايضاً لعدم الجابر حينئذ له على وجه يقيد به الاطلاقات و لذا اكتفى في المتن، فتلخص ان محتملات المسألة ثلاثة:

احدها: التقيد بعدم التعدي عن المخرج ساء فسر بحلقة الدبر على وجه لا يشمل الشرج او على وجه يشمله.

ثانيها: التقيد بما جرت عليه العادة النوعية.

ثالثها: كفاية صدق الاستنجاء. و الدليل للاول ظهور كلمات القدماء و للثاني النبوي و الانصراف و للثالث عدم انجبار النبوي بفتوى المشهور لما عرفت من الاختلاف بينهما فيسقط عن الحجية، و المنع من الانصراف و لا لجرى في مسألة طهارة ماء الاستنجاء، و عدم بلوغ فتوى المشهور مبلغ الحجية نعم ان رجع تعبير المشهور الى التقيد بالعادة اجبر به سند النبوي و جاز تقيد المطلقات به و قيدت بالعادة و منه يظهر الفرق بين مسألتنا و مسألة طهارة ماء الاستنجاء، قوله و اذا تعدى على وجه الانفصال يعني لا يوجب هذا القسم من التعدي تعين الماء بالنسبة الى غير المتعدي فيتخير في المخرج معه بين الامرين بخلاف ما اذا تعدى متصلًا فانه لا يجوز غسل المتعدي بالماء و اذهاب المقدار المعتاد منه بالاحجار و ان كان لجوازه وجه ان ازال الزائد بوجه لا يتصل بالباقي رطوبة خارجية، و كيف كان فالغسل افضل من المسح بالاحجار لما ورد في سبب نزول الآية إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ و قوله ثمّ احدث الوضوء و هو خلق كريم، و الجمع افضل لقوله" عليه السلام":

فاتبعوا الماء بالاحجار

و لان الانصاري الذي نزل في حقه الآية جمع بين الامرين، و لا يعتبر في الغسل تعدد بل الحد فيه النقاء لقوله بعد السؤال عن انه هل للاستنجاء حد قال حتى ينقى ما ثمة او لا ينقى ما ثمة و المراد بالنقاء زوال الاثر مع زوال العين و المراد بالأثر في كلمات القوم ما يقابل الباقي بعد الاستجمار فان مصداق النقاء بالماء يغاير مصداقه عند الاستجمار كما في طهارة الرجل

بالماء او بالمشي، قوله و في المسح لا بد من ثلث و ان حصل النقاء بالأقل للمستفيضة فيها المروي عن سلمان نهانا رسول اللّه" ص" ان يستنجي باقل من ثلاثة احجار، و مثله خبران عاميان احدهما لا يكفي احدكم دون ثلاثة احجار و الآخر لا يستنجي احدكم بدون ثلاثة احجار، و رابع اذا جليس احدكم لحاجة فليمسح ثلاث مسحات، و خامس و استطب ثلاثة احجار او ثلاثة اعواد او ثلاثة خشنات من تراب، و صحيحة زرارة و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار بذلك جرت السنة من رسول اللّه" ص" و ظاهرة كون الثلاثة اقل ما يجزي و في اخرى جرت السنة في اثر الغائط بثلاثة احجار ان تمسح العجان و لا تغسله و في رواية العجلي يجزي من الغائط المسح بالأحجار و ظاهرة ارادة المتكرر من الجمع و اقله ثلاثة دون النجس، و في قبال ما عرف تحديده بالنقاء و في حسنة ابن المغيرة فانه قال: قلت هل للاستنجاء حد، قال: لا حتى ينقى ما ثمة، و الموثقة في الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد و لمن جاء من الغائط او بال قال: يغسل ذكره و يذهب الغائط.

و في تعين الأخذ بالطائفة الأولى و حمل المطلق على الغالب من عدم الإذهاب بدون الثلاثة او حمله على الاستنجاء بالماء او الأخذ بالأخيرة و حمل الأدلة على الغالب حيث انه لا ينفى بدو ثلاثة وجهان اوجههما الأول لأن ظهور المصدر في التقيد اقوى من ظهور المطلق في الاطلاق مضافاً الى ان الغالب و ان كان عدم النقاء بأقل من ثلاثة الا انه لا ينقى بالثلاثة و النافع في الحمل على الغالب هو الأخير.

و أما دعوى ظهور الحسنة في خصوص الاستنجاء بالماء فلا وجه له للمنع من انصراف الاستنجاء اليه حتى المستند الى ندرة الوجود فضلًا عن ندرة الاستعمال، و قوله ينقى ما ثمة و يبقى الريح لأدلة فيه على كون مورد السؤال خصوص الاستنجاء بالماء لو لم يكن فيه شهادة على خلافه لبقاء الريح غالباً بعد الاستجمار دون الغسل.

و أما دعوى ان المراد ان كان زوال العين لا يصح تحديد الاستنجاء بالماء به و ان كان ما يعمه و زوال الأثر لا يصح تحديد الاستجمار به و قد عرفت منعها سابقاً و ان النقاء مفهوم واحد و ان اختلف محققه و مصاديقه بحسب ما ينقى به و لا ينافي ذلك ارادة النظافة العرفية اذ النظافة العرفية ايضاً يختلف حصولها بسبب الماء و الحجر فاطلاق الاستنجاء يدل على ارادة المعنى الأعم من النقاء كل بحسبه، و نظير ذلك في التحديد بالاذهاب و النقاء موثقة يونس

قلت: لأبي عبد اللّه" عليه السلام" عن الوضوء الذي افترضه اللّه لمن جاء من الغائط او بال قال: يغسل ذكره و يذهب الغائط و يتوضأ مرتين مرتين

و قد يقال ان المسئول عنه الوضوء الذي افترضه اللّه و هو لا يشمل الاستجمار، و الإنصاف انه ايضاً في غير محله لأن المراد من الوضوء فيه ما يعم التنظيف الشرعي و العرفي و هو يشمل الاستجمار بل الانصاف ان رفع اليد عن اطلاق الموثقة و الحسنة مع وقوعهما في مقام التحديد بعيد جداً فبعد الدوران بينه و بين حمل الأمر بالثلاث على الاستحباب تقدم الثاني، قوله و يجزى ذو الجهات الثلاثة من الحجر لاستبعاد مدخلية الثلاث بما هو كذلك بل في بعض الأخبار اطلاق ثلاث مسحات، نعم قوله بثلاثة احجار غير شامل للواحد ذي الجهات و يمكن ارادة تثليث المسحات منه ايضاً و انما عبر بثلاثة احجار لكونه الفرد الغالب من اختيار تثليث المسحات، و منه يظهر الكلام في وجوب تثليث الخرق و وحدتها و ان الأحوط ثلاثة منفصلات لاستصحاب النجاسة بدونها، و دعوى الاستبعاد لا مجال لها و اطلاق تثليث المسح في بعض الأخبار قابل للتقيد بقوله ثلاثة

احجار، فالانصاف انه لا ينبغي ترك الاحتياط باختيار المنفصل من الخرق و الأحجار قوله: و يكفي كل قالع، يعني للنجاسة من دون خصوصية للأحجار و العود و التراب الخشن كما في الرواية بل و في تعليل المنع عن الاستنجاء بالروث و الرّمة بأنه طعام الجن اشعار الى وجود المقتضى فيهما بل في كل شي‌ء سوى ما يكون هناك مانع و عليه فلا فرق بين الأصابع و غيره كانت الأصابع منه او من جاريته و زوجته، نعم يعتبر فيه الطهارة للانصراف و استبعاد كون الملاقاة المقتضية للتنجيس مطهراً بل و استفادة ذلك من اشتراط البكارة، بل التحقيق انه لو استنجي بالنجس لا يكفي بعده الا الماء لتنجس المحل بغير نجاسة الاستنجاء، و لا يشترط البكارة و ان صرح بها في بعض الأخبار لكنك عرفت ان ارادة الطاهر منها محتمل بل مظنون و عليه فيكفي المتنجس بالاستنجاء او بغير الاستنجاء بعد غسله و تطهيره بل لو اخذنا بظاهر البكارة اقتضى ذلك عدم جواز استجمار الغير به ايضاً فضلًا عن استعماله ثانياً في الاستجمار الآخر و لعل بعض ذلك مخالف للاجماع، و يجب في الغسل بالماء ازالة العين و الأثر بمعنى الأجزاء الصغار التي لا ترى لما عرفت ان النقاء بالماء عرفاً كذلك بل لا يطلق على اقل من ذلك النقاء و ان صدق عليه عند الاستجمار، نعم لا يعتبر زوال اللون و الريح لعدم الدليل مع صدق النقاء عرفاً و شرعاً، و في المسح يكفي ازالة العين و لا يضر بقاء الأثر بمعنى الأجزاء الصغار الغير المرئية لما عرفت من صدق النقاء و الاذهاب.

المسألة الأولى: لا يجوز الاستنجاء بالمحترمات و لا بالعظم و الروث، و لو استنجى بها عصى، لكن يطهر المحل على الأقوى،

المسألة الأولى: لا يجوز الاستنجاء بالمحترمات و لا بالعظم و الروث، و لو استنجى بها عصى، لكن يطهر المحل على الأقوى، (1)

التي تثبت احترامها من الشرع تكليفاً و هل تقتضي طهر المحل ان لم يوجب استعماله ارتداد المستنجي الأظهر، نعم و أما الاستنجاء بالعظم و الروث فلو منعنا عنه لم يطهر المحل لاستصحاب نجاسته و ظهور الاخبار المانعة في الوضع، نعم لدعوى حملها على الكراهة بقرينة التعليل بأنه طعام الجن بضميمة ان التحديد بالإذهاب و النقاء تحديداً لجميع جهات الاستنجاء لا خصوص حد الازالة كما هو الظاهر من الموثقة و الحسنة يتجه جداً.

المسألة الثانية: في الاستنجاء بالمسحات اذا بقيت الرطوبة في المحل يشكل الحكم بالطهارة، فليس حالها حال الأجزاء الصغار

، بل المنقول عن الشافعي و ابي حنيفة عدم طهارة المحل بالاستجمار و ان ثبت العفو في الشريعة لكنه خلاف ظاهر اطلاق الأصحاب بل و الأخبار بل كاد يكون قوله في صحيحة زرارة لا صلاة الا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار نصاً في ذلك مضافاً الى النبوي لا تستنجوا بالعظم و الروث فإنه لا يطهران و ان كان من المحتمل بل المظنون و ارادة النقاء من التطهير فيه و لذا حملنا النبوي على الكراهة فيما مضى و كيف كان فظاهر الأخبار طهارة المحل بالاستجمار بل ظاهرها الطهارة بمجرد النقاء و ذهاب الغائط و ان بقيت الرطوبة في المحل فيكون حال الرطوبة حال الأجزاء الصغار الغير المرئية بل يمكن ان يكون المراد من الأثر الذي لا يجب ازالته في الاستجمار ما يعم الرطوبة المزبورة، و عدم وجوب ازالتها ظاهر في طهارتها و ليس بملاك التعبد الا ان يدعى ان الغالب عند عدم تلين البطن عدم بقاء


1) في حصول الطهارة بالاستنجاء بالعظم او الروث إشكال و أما حصولها بالاستنجاء بالمحترمات فهو مبني على عدم تبدل النجاسة العرضية بالنجاسة الذاتية الكفرية.

شي‌ء من الرطوبة في المحل بعد الاستجمار و إليه يشير قول علي" عليه السلام":

كنتم تبعرون بعرى و اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الأحجار

و انما امر بالماء لإزالة الرطوبة ثمّ على تقدير نجاسة الرطوبة فهل يعتبر طهارة المحل ازالتها بالاستجمار او يكفي جفافها بنفسها لكل وجه و الاحوط الاول كما ان الاحوط عدم البقاء على طهارة الرطوبة و ان كان الظاهر كفاية جفافها و لو بنفسها في طهر المحل لإطلاق ادلة الاستجمار.

المسألة الثالثة: في الاستنجاء بالمسحات يعتبر ان لا يكون في ما يمسح به رطوبة مسرية،

فلا يجزئ مثل الطين و الوصلة المرطوبة، نعم لا تضر النداوة التي لا تسري

، و الا لتنجست تلك الرطوبة فيكون ما يستنجى به نجساً و قد عرفت اعتبار طهارته مع قطع النظر عن الاستنجاء او دعوى ان هذه النجاسة ايضاً معلولة عن الاستنجاء مرفوعة بأنها زائدة عن النجاسة اللازمة له.

المسألة الرابعة: اذا خرج مع الغائط نجاسة اخرى كالدم

او وصل الى المحل نجاسة من خارج يتعين الماء و لو شك في ذلك يبني على العدم فيتخير

، لان الثابت زواله بالاستجمار هو خصوص نجاسة النجوى دون غيره، نعم خروج النجاسة على وجه لا يلاقي المحل و لا الملاقي له على وجه مؤثر في اكتساب الملاقى بالفتح النجاسة الزائدة لا يضر في طهر المحل بالاستجمار، نعم مع الشك في ذلك يبنى على العدم على اشكال في سقوط استصحاب النجاسة بذلك لما قرر نظير الشك في انه محدث بالاكبر او الاصغر في محله من ان نفي الفرد الطويل بالاستصحاب لا يترتب عليه قطع استصحاب النجاسة الا ان يقال انه لو شك في تأثير الاستجمار من جهة وجود مانع و الاصل عدمه فليس الشك ناشئاً عن اختلاف نوع النجاسة بل لو كان الشك في خروج النجاسة الخارجة متأخر عن نجاسة المحل بالنجو امكن استصحاب بقاء خصوص النجاسة النجوى دون غيرها هذا و لك الانصاف عدم خلو المسألة عن الاشكال خصوصاً اذا كان الشك في خروج النجاسة الاخرى معه على النحو المؤثر في النجو و دعوى استصحاب بقاء مرتبة النجاسة النجوية و عدم تأثيرها بغيرها حسنة فيما اذا لم يحتمل تكونهما معاً من اول حدوثها.

المسألة الخامسة: اذا خرج من بيت الخلاء ثمّ شك في انه استنجى ام لا بنى على عدمه،

على الأحوط (1)و ان كان من عادته، بل كذا لو دخل في الصلاة، ثمّ شك، نعم لو شك في ذلك بعد تمام الصلاة صحت، و لكن عليه الاستنجاء للصلاة الآتية، لكن لا يبعد جريان قاعدة التجاوز في صورة الاعتياد

، للاستصحاب و دعوى كون الشك من قبيل الشك بعد تجاوز المحل مدفوعة بأنها مبنية على تعميم المحل (اذ ليس للاستنجاء محل شرعي لجواز تأخيره شرعاً الى وقت آخر فهو نظير من التزم بالصلاة اول الوقت ثمّ شك في اثناء الوقت بأدائها) للمحل العادي نوعاً او شخصاً و هو محل اشكال او منع و منه يظهر انه لا فرق بين جريان عادته على


1) بل على الأظهر و احتمال جريان قاعدة التجاوز مع الاعتياد ضعيف.

ذلك او عدمه، نعم لو كان ذلك منه بعد الدخول في الصلاة قوي البناء على الاستنجاء بالنسبة الى ما مضى من افعال الصلاة و حينئذ فلو تمكن من الاستنجاء في اثناء الصلاة من غير حصول مناف بنى عليها و الا قطع الصلاة و استنجى و منه يظهر قوة البناء على الصحة لو كان ذلك منه بعد الصلاة كما انه مما ذكرنا ظهر ان البناء على الاستنجاء مطلقاً لو كان معتاده ذلك كما في المتن بعيد.

المسألة السادسة: لا يجب الدلك باليد في مخرج البول عند الاستنجاء

و ان شك في خروج مثل المذي بنى على عدمه، لكن الأحوط الدلك (1)في هذه الصورة

، فانه يغني على عدمه و دعوى انه مثبت بالنسبة الى حصول الغسل مدفوعة بجريان السيرة على اجراء هذا الاصل في موارد الغسل و الغسل بالضم و الفتح، و دعوى ان المرجع في مثل استصحاب النجاسة مدفوعة بامكان المنع من كونه من قبيل الشك في مسح النجاسة الموجودة بل هو من قبيل الشك في تحقيق مطهر النجاسة الشخصية.

المسألة السابعة: اذا مسح مخرج الغائط بالارض ثلاث مرات، كفى مع فرض زوال العين بها

، و هكذا بحاشية الجدار ثلاث مرات لما عرفت من ان المناط المسح بكل قالع بل عرفت ان المناط النقاء فيطهر المحل بتحققه بكل وجه.

المسألة الثامنة: يجوز الاستنجاء بما يشك في كونه عظماً او روثاً او من المحترمات و يطهر المحل

، و أما اذا شك في كون مائع ماءً مطلقاً او مضافا لم يكف في الطهارة، بل لا بد من العلم بكونه ماءً

، اما اصل الجواز التكليفي فلاصالة البراءة و أما تحقق الطهارة بالمسح به فيشكل في غير الاخير لو قلنا باشتراط عدم كون ما


1) بل الأظهر ذلك.

يستنجى به عظماً او روثاً لان التمسك بالعمومات من قبيل التمسك في الشبهة المصداقية، نعم للمصنف كلام في المقام و بظاهرة اجراء اصالة عدم المانع ان احرز من العموم المقتضاة و من المخصص كونه من قبيل المانع و لعله بنائه على الطهارة في المقام ناشئ من ذلك الاصل و به يفرق بين الشك في كون ما غسل به المحل مطلقاً او مضافاً و بينما نحن فيه و قد اوضحنا الكلام عليه في غير المقام من الكتاب.

فصل الاستبراء

اشارة

قوله و الاولى في كيفياته: ان يعبر حتى تنقطع دريرة البول ثمّ يبدأ بمخرج الغائط فيطهّره ثمّ يضع اصبعه الوسطى من اليد اليسرى على مخرج الغائط و يمسح الى اصل الذكر ثلاث مرات ثمّ يضع سبابته فوق الذكر و إبهامه تحته و يمسح بقوة الى رأسه ثلاث مرات ثمّ يعصر رأسه ثلاث مرات، في الوسائل عن ابي عبد اللّه" عليه السلام" في الرجل يبول ثمّ يستنجي ثمّ يجد بعد ذلك بللًا قال:

اذا بال فخرطه ما بين المقعدة و الانثيين ثلاث مرات و غمز ثمّ استنجى فان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي

و هكذا باقي الاخبار المذكورة في الوسائل فانها ليس فيها اعتبار انقطاع دريرة البول، و أما قوله في الصحيحة اذا انقطعت دريرة البول فصب الماء و قول روح بن عبد الرحيم بال ابو عبد اللّه و انا قائم على رأسه فلما انقطع شخب البول قال بعده هكذا الي فناولته فتوضأ مكانه، فلا يدلان على كون ذلك من آداب الاستبراء، نعم يمكن ان يقال ان محل الاستبراء لما كان عقيب البول يعتبر تحققه بتمامه و لا يتحقق الفراغ من البول الا بعد قطع دريرة البول مع ان اعتبار الاستبراء لما كان لاستظهار تنقية المجرى عما يبقى فيه بعد البول وجب ان يتحقق بعد الفراغ منه لكي يستظهر النقاء فان الواقع من افعاله في اثناء و قبل الفراغ كالواقع منه قبله لا دخل له في تنقية المجرى بعد الفراغ، و أما الابتداء بمخرج الغائط قبل الاستبراء كما في موثقة عمار سألته عن الرجل اذا اراد ان يستنجي فايما يبدأ بالمقعدة او بالاحليل فقال بالمقعدة ثمّ بالاحليل و لعل الوجه فيه انه لما كان المعتبر في الاستبراء عندهم المسح من عند المقعدة كان المناسب ان يقع ذلك بعد الاستنجاء من الغائط و الا لتنجس اليد و سرت النجاسة الى ما بين المقعدة و اصل الذكر و منه الى رأسه فناسب ان يكون الاستبراء بعد الاستنجاء من الغائط كما انه يناسب ايضاً ان يكون الاستنجاء من الغائط بعد صب الماء على محل البول فيستنجى من البول ابتداء ثمّ من الغائط ثمّ يستبرء فإن خرج شي‌ء يستنجى من البول ثانياً، ثمّ ان الطريق المسطور في الكتاب للاستبراء في عدد المسحات و كيفيتها لا ينطبق على شي‌ء من اخبار الباب، نعم يمكن ان يستظهر اولوية اعمال اليسرى بما دل على كراهة الاستنجاء باليمين و انه من الجفاء الا اذا كان هناك عذر بناء على ان يكون الاستبراء من شئون الاستنجاء و ان منعت عن ذلك فيكفي فيما ذكره ما دل على المنع من مس الذكر باليمين فان المروي في الوسائل عن ابي جعفر" عليه السلام":

اذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه

كما يمكن استظهار استحباب استعمال الوسطى من نوادر الراوندي عن النبي" صلى الله عليه و آله" انه قال:

من بال فليضع اصبعه الوسطى في اصل العجان ثمّ يمسها ثلاثاً

و لعل لضعف سنده لم يعتبروه وجوباً و كيف كان فمن استبرأ على الوجه المزبور في الكتاب عمل بتمام ما ورد في الاخبار بل قوله في الرواية الاولى مسح ما بين المقعدين و الانثيين ثلاث و غمز ما بينهما ان حمل ما بينهما على ما بين اصل

الذكر من عند الانثيين و رأسه اشتمل على المسحات التسع بعد ارادة التثليث من الغمز بقرينة ما قبله و على ذلك يمكن استظهار المسحات التسع من الرواية الاخيرة ايضاً، و أما تعين اعمال السبابة فليس في شي‌ء مما عثرت عليه من الاخبار، نعم هو اقوى في التنقية و الاستظهار اذا وقع بهذه الكيفية و كيف كان ففائدته الحكم بطهارة الرطوبة المشتبهة و عدم ناقضيتها كما هو المصرح به في الاخبار الثلاثة السابقة مضافاً الى منقول الاجماع عليه في كلمات جماعة و ظاهرهم كظاهر الاخبار الحكم بكون الخارج بولًا ان كان ذلك قبل الاستبراء و هو كذلك كما هو مقتضى تفريع عدم البأس على الاستبراء في الاخبار المزبورة بل تصريح بعض ما ورد فيمن بال ثمّ اغتسل بأنه يجب عليه الوضوء و لا ينقض غسله، و هو يلحق بالاستبراء في الفائدة المزبورة طول المدة على وجه يقطع بعدم بقاء شي‌ء في المجرى فان احتمل كونه بولًا كان ذلك من اجل احتمال خروجه من الاعلى ام لا وجهان اولهما مختار المتن نظراً الى حصول الفرض من الاستبراء و من تنقية المجرى و عدم بقاء شي‌ء من البول فيه و هو حسن لو علم ان العلة في الاستبراء ذلك و يمكن التشكيك فيه باحتمال ان يكون ذلك مؤثراً في خروج ما كان في معرض الخروج من البول من محله، و كون الحكمة او العلة في البول بعد المني ذلك كما يظهر من الرواية لا اثر له فيما نحن فيه فالاحتياط لا ينبغي ان يترك، و على أي حال فلا يكفي الظن بالنقاء و عدم البقاء لعدم الدليل على حجية هذا الظن فلا يترتب عليه ما يترتب على العلم بنقاء المجرى و عدم بقاء شي‌ء فيه و عدم كون الخارج منه و لا يضر احتمال البقاء و كون الخارج من البول بعد الاستبراء للدليل بل هذا هو الفائدة في الاستبراء و الا فهو لا يوجب القطع بالنقاء، و ليس على المرأة استبراء لاختصاص دليله بالرجال على وجه لا يمكن اجراءه فيها و دعوى انها تستبرئ عرضاً او انها تصبر قليلًا و تتنحنح و تعصر فرجها عرضاً لا دليل عليها، و على أي حال فعلت ذلك او لم تفعلها فالرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة و عدم الناقضية للاستصحاب و اصالة عدم خروج البول.

المسألة الأولى: من قطع ذكره يصنع ما ذكر فيما بقي

، فلا يترك الميسور من اعماله بالميسور اذ ليس الحكم تعبدياً محضاً حتى لا يفهم حكم مثل هذه الفروض من ادلته كذا قيل و هو حسن لو علم بنقاء المجرى بذلك و عدم وجود شي‌ء فيه و علم ان المناط و العلة في الاستبراء رفع احتمال كون الخارج من البول الباقي في المجرى و في كلا المقدمتين، تأمل في الرجوع الى ما دل على نقض الوضوء بالبلل الخارج قبل الاستبراء هو الاولى الا ان يدعى انصرافها الى من امكن في حقه ذلك فيكون المقطوع الذكر في حكم الانثى.

المسألة الثانية: مع ترك الاستبراء يحكم على الرطوبة المشتبهة بالنجاسة و الناقضية، و ان كان تركه من الاضطرار بعدم التمكن منه.

كما مر من عدم الخلاف و ظهور الاناطة في اخبار الاستبراء و اطلاق الامر بالوضوء لما يخرج ممن بال قبل الغسل بعد تقيدها باخبار الاستبراء و من ذلك عرفت انه لا فرق في ذلك بين ان يكون عدم الاستبراء اختباراً او اضطراراً بل عرفت شمول الاطلاق لمقطوع الحشفة او الذكر ايضاً في وجه.

المسألة الثالثة: لا يلزم المباشرة في الاستبراء فيكفي في ترتب الفائدة ان باشره غيره كزوجته او مملوكته

، لا يعتبر المباشرة في الاستبراء بل

لا يبعد اعتبار كونه باليد فيحصل بكل ما يؤدي ذلك يعني الغمز و النتر لوضوح ان المقصود منه تنقية المجرى و اخراج بقية البلل و هو حسن ان اتضحت العلة بل مطلقاً لان المتبادر من الاوامر في مثل هذه الموارد مطلوبية وجود متعلقها و لا بفعل الغير من دون مباشرة و لا يلتفت الى الظهور النوعي في المباشرة فتأمل.

المسألة الرابعة: اذا خرجت رطوبة من شخص و شك شخص آخر في كونها بولًا او غيره،

فالظاهر لحوق الحكم ايضاً من الطهارة ان كان بعد استبرائه، و النجاسة ان كان قبله، و ان كان نفسه غافلًا بأن كان نائماً مثلًا، فلا يلزم ان يكون من خرجت منه هو الشاك و كذا اذا خرجت من الطفل و شك وليه في كونها بولًا، فمع عدم استبرائه يحكم عليها بالنجاسة

، يلحقه الحكم يعني يحكم ببوليتها ان كان خروجها قبل الاستبراء و بطهارتها ان كان بعده و ان كان نفس الشخص غافلًا و غير شاك في الرطوبة كأن كان نائماً و كذا اذا خرجت من الطفل او المجنون و شك وليه بل غيره مطلقاً في كون الخارج بولًا او غيره و ذلك لظهور الاخبار في كون الاستبراء سبباً للحكم بطهارة الخارج و معه لا فرق بين ان يكون الشاك نفس من خرجت منه الرطوبة كما هو مورد الاخبار او غيره.

المسألة الخامسة: اذا شك في الاستبراء يبني على عدمه،

و لو مضت مدة، بل و لو كان من عادته، نعم لو علم انه استبرأ و شك بعد ذلك في انه كان على الوجه الصحيح ام لا، بنى على الصحة

، للاستصحاب و عدم جريان قاعدة التجاوز فيه اذ لم يتقرر له محل حتى يكون فيه محلًا للتقسيم بين التجاوز و عدمه نعم ان فرضنا انه كان من عادته الاستبراء وقت الاستنجاء او الكون في الخلاء و عممنا المحل في اخبار التجاوز الى المحل العادي و اتفق شكه بعد تجاوز المحل لم يبعد جريان القاعدة نعم لو علم انه استبرأ و شك في صحته و فساده جرى اصالة الصحة و الفراغ.

المسألة السادسة: اذا شك من لم يستبرء في خروج الرطوبة و عدمه بنى على عدمه،

و لو كان ظاناً بالخروج، كما اذا رأى في ثوبه رطوبة و شك في انها خرجت منه او وقعت عليه من الخارج

، للاستصحاب و ان ظن الخروج لعدم اختصاص حجية الاستصحاب بغير مورد الظن بالخلاف.

المسألة السابعة: اذا علم ان الخارج منه مذي لكن شك في انه هل خرج معه بول ام لا،

لا يحكم عليه بالنجاسة، الَّا ان يصدّق عليه الرطوبة المشتبهة بأن يكون الشك في ان هذا الموجود هل هو بتمامه مذي او مركب منه و من البول

، لا يلحقه حكم الرطوبة المشتبهة الا ان يرجع الشك الى ان بعض الخارج بول او مذي فمن علم انه خرج منه مقدار من المذي و شك في خروج ازيد منه و ان كان يعلم انه لو كان ازيد كان الزائد بولًا يبنى على الطهارة و من علم ان الخارج ما عدا القطرة الاولى مثلًا مذي و شك في ان القطرة الاولى مذي او بول يلحقه الحكم بل في المتن ان الصورة الاولى ايضاً ان رجعت الى الشك في ان هذا الموجود بتمامه مذي او مركب من المذي و البول لحقه الحكم و فيه تأمل ان لم يرجع الى ما ذكرنا.

المسألة الثامنة: اذا بال و لم يستبرئ ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول و المني يحكم عليها بأنها بول،

فلا يجب عليه الغسل بخلاف ما اذا خرجت منه بعد الاستبراء فإنه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء و الغسل عملًا بالعلم الإجمالي، هذا إذا لم كان ذلك بعد أن توضأ، و أما إذا خرجت منه قبل ان يتوضأ فلا يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء لأن الحدث الأصغر معلوم و وجود موجب الغسل غير معلوم، فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء و عدم وجوب الغسل

، لإطلاق الأخبار و معاقد الاجماعات الحاكمة على ان الرطوبة المشتبه قبل الاستبراء بول و لكن الاطلاق اشكال لظهور سياقها في بيان الحكم المشتبه بين البول و غيره من الحبائل دون المني و حينئذ فان كان خارجاً من المتطهر بعد البول بالوضوء جمع بين الطهارتين للاستصحاب الحدث بعد فعل احدهما و ان كان خارجاً قبله امكن استصحاب الحدث الأصغر و من آثاره جواز الدخول في الصلاة بالوضوء فيكون حاكماً على استصحاب الحدث الكلي، فتلخص ان المشتبه بين البول و المني لا فرق في خروجه قبل الاستبراء او بعده من المتطهر في وجوب الجمع بين الطهارتين عملًا بالعلم الإجمالي لما عرفت من انصراف الاطلاقات و انما نكتفي بالوضوء لو خرج من المحدث لاستصحاب الحدث الأصغر و عدم تبدله الى الأكبر.

في مستحبات التخلي و مكروهاته

قال اما الأول فان يطلب خلوه او يبعد حتى لا يرى شخصه او يلج حفيره تأسيا بالنبي" ص" فإنه لم يرَ على غائط قط و

قال" عليه السلام" من اتى الغائط فليستتر و عنه تطهر.

[فصل في الوضوء]

فصل في غايات الوضوءات الواجبة

قوله فان الوضوء اما شرط في صحته فعل كالصلاة و الطواف مطلقاً فريضة و نافلة لقوله لا صلاة الا بطهور و قوله الصلاة ثلاثة اثلاث ثلاث طهور الحديث بل ظاهر بعض الأخبار المفتى به عند جمع تحريم الدخول في الصلاة بغير طهارة و لو حال التقية و أما الطواف تنزيلًا لقوله الطواف بالبيت صلاة و عن معاوية بن عمار لا بأس ان تقضي المناسك كلها على غير وضوء الا الطواف بالبيت فان فيه صلاة و الوضوء افضل يعني في غير الطواف من المناسك، و ظاهر كصريح ما يأتي من المتن انه ليس شرطاً لصحة الطواف المندوب و ان كان شرطاً لصحة صلاته، و قوله و أما شرط في كماله كقراءة القرآن لقوله" عليه السلام" بعد السؤال عن قراءة القرآن بعد البول و الاستنجاء:

لا حتى يتوضأ

و قوله:

لا يقرأ العبد القرآن على غير طهور حتى يتطهر

بل عن عدة الداعي ان القراءة متطهراً خمس و عشرون و غير متطهر عشر حسنات، و قوله و أما شرط في جوازه كمس كتابة القرآن لقوله:

و لا تمس الكتاب

بعد السؤال عن قراءته القرآن و هو على غير وضوء، و في رواية عبد الحميد المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنباً و لا تمس خطه و لا تعلقه، و لا يضر اشتمالها على غير المحرم لغير المتطهر قوله او رافع لكراهته كالأكل فان الجنب اذا اراد ان يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و اكل و شرب و في دلالة مثله على استحباب التوضي بالوضوء نظر و منع، و لعل مطلقات الأمر بالوضوء ايضاً قابل الحمل على ذلك و ان كان يمكن حملها على الصلاة على ما ينصرف اليه من الوضوء الصلاة و لا ينافيه استحباب المضمضة و غسل ايضاً فيحمل على التخير كما يدل عليه صحيحة الحلبي قال:

قلت للصادق" عليه السلام" ا يأكل الجنب قبل ان يتوضأ؟ قال: انا لنكسل و لكن يغسل يده او يتوضأ و الوضوء افضل

و عن الوافي انه يشبه ان يكون مما صحّف و كان انا لنغتسل، و يمكن ان يكون على اصله و يراد من ضمير المتكلم مع الغير جميع الناس يعني نحن معاشر الناس نكسل عن العبادة فعبَّر بذلك و اراد غير نفسه، قوله او شرط في تحقق امره كالوضوء ليكون على الطهارة و استدل له في الحدائق بالمروي عن الديلمي

من احدث و لم يتوضأ فقد جفاني

الحديث، و قوله:

كان اصحاب رسول اللّه اذا بالوا توضئوا او تيمموا مخافة ان تدركهم الساعة

الحديث.

و يمكن الاستدلال له ايضاً بقوله:

يا أنس اكثر من الطهور يزد اللّه في عمرك و ان استطعت ان يكون بالليل و النهار على طهارة فافعل

بل و بكل ما دل على استحباب الطهور، كقوله:

نعم ان اللّه يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ

و لكن سيجي‌ء انشاء اللّه انه قد يستدل بها لكون الوضوء مستحباً نفسياً لأنه المراد من الطهور المأمور به، و الإنصاف ان لكل من المعنيين وجهاً فمثل هذه الأخبار و غيرها المشتملة على الأمر بالطهور و بعض ما اشتمل على الأمر بالوضوء يمكن ان يكون امراً نفسياً بنفس الوضوء و ان كانت الطهارة من آثاره بل و يمكن ان لا تكون الطهارة المأمور بها الا نفس الغسلات و المسحات فالتعبير عنها بالطهور نظير التعبير عن الثورية في الأخبار و يمكن ان يكون امراً غيرياً مقدمياً لتحصيل الطهارة النفسانية، قوله: و الوضوء المستحب نفساً ان قلنا به قد عرفت ان مبنى استحباب الوضوء استحباب الغسلات و المسحات دون استحباب تحصيل الطهارة فان الوضوء عليه يكون

مستحباً غيرياً فمن يزعم انه مستحب نفساً يقول ان رفع الحدث من آثاره المرتبة عليه شرعاً مطلقاً او عند قصد ذلك عند التوضي و من منع استحبابه الشرعي يقول ان الثابت استحباب رفع الحدث و تحصيل الطهارة فلا يكون الوضوء الا مقدمة لا ندب اليه شرعاً و لم يثبت منه الأمر بنفس الغسلات ندباً و على ذلك فيشكل الاستحباب النفسي له اذ ليس لهم الا قوله:

نعم إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ

و قوله" ص":

اكثر من الطهور يزد اللّه في عمرك و ان استطعت ان تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل

و من المعلوم ان من المحتمل قريباً ان يكون متعلق الأمر فيهما ما يتولد من الوضوء يعني الطهارة و رفع الحدث بل و لا دلالة في مثل ما عن نوادر الراوندي كان اصحاب رسول اللّه" ص" اذا بالوا توضئوا مخافة ان تدركهم الساعة يعني الموت فان من المحتمل بل المظنون انهم كانوا يتوضئون لتحصيل الطهارة و لو بملاحظة الرواية السابقة، نعم ما ينقل عن الحديث القدسي من احدث و لم يتوضأ فقد جفاني و من توضأ و لم يصل ركعتين فقد جفاني الى آخره ظاهر استحباب نفس الوضوء و الإنصاف.