ghaemiyeh.com
سرشناسه : ابنمیثم، میثمبنعلی، ۶۳۶ - ۶۸۹ق.
عنوان قراردادی : تحلعالقیامه فی امراالامامه.
عنوان و نام پديدآور : النجاه فیالقیامه فی تحقیق امرالامامه/کمالالدین میثمینعلی البحرانی ؛ تحقیق قسمالدراساتالاسلامیه موسسهالبعثه قم.
مشخصات نشر : تهران: موسسهالبعثه، مرکزالطباعه والنشر، ۱۴۲۹ق. = ۱۳۸۶.
مشخصات ظاهری : ۲۶۱ ص.:نمونه.
شابک : 978-964-309-779-0
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : چاپ قبلی: مجمعالفکرالاسلامی، ۱۳۷۵.
یادداشت : کتابنامه: ص. [۲۳۳] - ۲۵۷؛ همچنین به صورت زیرنویس.
یادداشت : نمایه.
موضوع : علیبنابیطالب(عليهما السلام)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. -- اثبات خلافت.
موضوع : امامت.
شناسه افزوده : بنیاد بعثت. واحد تحقیقات اسلامی.
شناسه افزوده : بنیاد بعثت. مرکز چاپ و نشر.
رده بندی کنگره : BP۲۲۳/الف۲ن۳ ۱۳۸۶
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۴۵
شماره کتابشناسی ملی : ۱۱۸۵۸۴۳
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
النَّجاةُ فِي القِيامَةِ في تَحقيقِ أمرِ الإِمامة
للإمام الحكيم كمال الدين ميثم بن عليّ البَحراني من أعلام القرن السابع الهجري
تحقيق قسم الدراسات الاسلامية مؤسسة البعثة / قم
سرشناسه: ابن میثم، میثم بن على، 636 - 689 ق
عنوان قراردادی: تحلع القيامه في امر الامامه
عنوان و نام پدیدآور: النجاة في القيامة في تحقيق امر الامامة / کمال الدین میثم بن على البحراني: تحقیق قسم الدراسات الاسلاميه، مؤسسه البعثه قم
مشخصات نشر: تهران، مؤسسه البعثه، مركز الطباعه و النشر، 1429 ق - 1386.
مشخصات ظاهری: 261 ص: نمونه
شابک: 978-964-309-779-0
وضعیت فهرست نویسی: فیبا
یادداشت: عربی
یادداشت: چاپ قبلی: مجمع الفكر الاسلامي، 1375،
یادداشت: کتابنامه: ص. {233} - 257؛ همچنین به صورت زیرنویس.
یادداشت: نمایه.
موضوع: علی بن ابی طالب (عليهما السلام)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40 ق -- اثبات خلافت
موضوع: امامت.
شناسه افزوده: بنیاد بعثت. واحد تحقیقات اسلامی.
رده بندی کنگره: 1386 3 ن 2 لف / 223 BP
رده بندی دیویی: 297/45
شماره کتابشناسی ملی: 1185843.
مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة
النجاة في القيامة في تحقيق امر الامامه
تأليف: الامام الحكيم كمال الدين ميثم بن علي البحراني من أعلام القرن السابع الهجرى
تحقيق: قسم الدراسات الاسلاميه مؤسسة البعثة قم
تنضيد الحروف: محمد رئيسي
الطبعة الأولي: 1429 ه . ق
الكمية: 2000 نسخة
التوزيع: مؤسسة البعثة
طهران, شارع سمية, بين شارعي الشهيد مفتح و فرصت www.bonyadbesat.ir
هاتف 88822374, 88831404 فاکس: 88325464 - ص.پ 1361 - 15815
جميع الحقوق محفوظة و مسجلة لمؤسسة البعثة
هو العلّامة الحكيم كمال الدين ميثم(1)
والظاهر من اشتقاق هذا الاسم من مادّة (وَثَمَ) أنَّه بكسر الميم في كلّ معاجم اللغة (وَثَمَ يَثِمُ فهو مِيْثَم) انظر: صحاح الجوهري 5: 2048 ولسان العرب 12: 629 وغيرهما، وفي ضبطه كاسم عَلَم اصطلح أغلب العلماء على كسر الميم فيه، كالعلّامة في إيضاح الاشتباه: 70/105 و 720/304، وابن داود في الرجال: 1624/194، والكنتوري في كشف الحُجُب: 358 عن ابن ماكولا في (الإكمال) والمامقاني في تنقيح المقال 1: 98 والفيروزآبادي في القاموس المحيط 4: 186 وغيرهم، فالقول الأوّل المنقول من حواشي الخلاصة يبقى مُجرّد كلام بلا دليل يَدُلّ عليه، إلّا أن يكون جارياً على وفق اللهجة الدارجة التي يفتح فيها أول الاسم
بن عليّ بن ميثم بن المُعلّى البحراني(2).اتّفق أغلب المُترجِمين له أنَّ ولادته كانت في البَحرين سنة 636 ه.
نشأ العلّامة ابنُ ميثم في المَاحوز من مناطق البَحرين، وتَلَقَّى عُلومَه هناك على أَيدي أساتذةٍ مَهَرَةٍ كان لهم الفَضل في بناء واستِكمال أبعاد شخصيّته العِلمية.
وكان ابنُ ميثم رحمه الله، من أوّل شبابه تَوَّاقاً إلى حُبِّ المَعْرِفة والتَوجُّه التامٌ إلى الله والتأمُّل في بواطن الحِكمة، ولهذا آثَر التَفرُّغ للدرس والتصنيف والعبادة والذِكر.
1) ذكر أغلب المترجمين له أنه كتب بعض الأفاضل في حواشيه على (خلاصة العلّامة) أنَّ ميثماً حيثما وُجد فهو بكسر الميم إلّا ميثم البحراني وجَدّه ميثم بن المُعلّى فإنّهما بفتح الميم.
2) انظر ترجمته في المصادر التالية: الاعلام للزركلي 7: 336، أعيان الشيعة 10: 197، أمل الآمل 332:2، الأنوار الساطعة: 187، إيضاح المکنون 1: 72، 164، 450، 571 و 2: 625، تنقیح المقال 3: 262، الذريعة في مواضع مختلفة من آثار المؤلّف الآتية، روضات الجنات 7: 216، رياض العلماء 5: 226، رَيحانة الأدب 8: 240، سفينة البحار 2: 526، السلافة البهيّة في الترجمة الميثمية - ضمن كشكول الشيخ يوسف البحراني 1: 41، فوائد الرضوية: 689، کشف الحُجب والأستار: في مواضع مختلفة من آثار المؤلّف، كشف الظُنون: 1991، الكُنى والألقاب 1: 433، لُؤلؤة البحرين: 253، مجالس المؤمنین - 210:2، مَجمَع البحرین 172:6، مستدرك الوسائل 3: 461، مصادر نهج البلاغة 1: 223، مُعجم المُؤلّفين 13: 55، هَديَّة الأحباب: 92، هَدية العارفین 2: 486
بَعد مكاتباتٍ جَرَت بينه وبين عُلماء العِراقِ غادَر البَحْرين مُتَوجِّهاً إلى العِراق، واجتمع العُلماء والفقهاء في الحَوزات العلمية آنذاك، وَحَدَثَتْ لَهُ مَعهم قِصّة ظريفةٌ تناقَلَها أغلب المُترجِمين له، تعكِسُ لنا سبب اختياره الانقطاع والعُزلة عن العوالم المَليئة بالزَيف، والتي تحكمُ على المظاهر الخَدَّاعة الواسِعة دون النُفوس القُدسيّة اللامعة، وهي قصّةٌ صالحةٌ لكلّ زمانٍ، لأنها تَنِمُّ عن حِكمةٍ خالدةٍ، وتُعالجُ النفوسَ المَريضةَ التي لا تَعرِفُ في الوُجود إلّا صُورتها، ولا تكنّ احتراماً إلّا لصنفها، وهو ما لَم يَسْلَم منه إلَّا مَنْ رحِم ربّي.
وخلاصتها أنّ فضلاء الحِلّة والعِراق كتبوا إليه صحيفةً تحتوي على عَذْلِه ومَلامَته وقالوا فيها: العَجَبُ مِنكَ أَنّك مع شِدّة مهارتك في جميع العُلوم والمَعارف، وَحَذاقتك في تحقيق الحقائق وإبداع اللطائف، قاطِنٌ في ظِلال الاعتزال، ومُخيّم في زاوية الخُمول الموجِب لخُمود نار الكمال!
فكتب في جوابهم هذه الأبيات:
طلبتُ فنونَ العِلم أَبغي بها العُلا *** فقصَّر بِي عَمَّا سَمَوتُ به القِلُّ
تبيّنَ لى أنَّ المَحاسِنَ كُلَّها *** فُروعٌ، وأنَّ المالَ فيها هو الأصلُ
فلمّا وصلت هذه الأبيات إليهم كتبوا إليه: أخطأتَ في ذلك خطأ ظاهِراً، وحُكمك بأصالة المال عجيب، بل اقلِب تُصِب.
فكتب في جوابهم هذه الأبيات، وهي لبعض الشعراء المُتقدِّمين:
قَد قالَ قومٌ بغيرِ علمٍ *** مَا المرءُ إِلَّا بِأَكْبَرَيْهِ
فَقُلْتُ قَوْلَ امْرِىءٍ حَكيمٍ *** مَا المرءُ إِلَّا بِدِرْهَمَيْهِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ دِرْهَم لَدَيهِ *** لَمْ تَلْتَفِتْ عِرْسُهُ إِلَيْهِ
ثُمّ أنَّه تَوَجّه إلى العِراق لزيارة الأئمّة المَعصومين علیهم السلام وإقامة الحُجّة على الطاعنين، وبعد الوصول إلى تلك المشاهد العليّة لَبِس ثياباً خَشِنةً عتيقةً، وتزيّا بهيئةٍ رَبَّةٍ، ودَخَلَ بعضَ مدارس العِراق المشحونة بالعُلماء، فسلّم عليهم، فردّ بعضُهم بالاستثقال والامتناع التامّ، فجلس (عطّر الله مرقده) في صَفّ النِعال ولم يلتفِت إليه أحدٌ منهم، وفي أثناء المُباحثة وقعت بينهم مسألةٌ مُشكلةٌ دقيقةٌ كَلَّتْ فيها أفهامُهم، وزلّت فيها أقدامُهم، فأجاب هو عليها
بتسعة أجوبةٍ في غاية الجَودة والدِقّة، فقال له بعضهم بطريق السُخرية والتَهكُّم: أخالُكَ طالبَ عِلمٍ! وبعد ذلك حضر الطعام فلم يُؤاكِلُوه، بل أفردوه بشيءٍ قليل على حِدة، واجتمعوا هم على المائدة!
فلمّا كان مِنَ الغَد عاد إليهم وقد لَبِس ملابسَ فاخِرةً، ذات أكمام واسعةٍ، وعِمامة كبيرة، وهيئة رائعة، فلمَّا سلَّم عليهم قاموا تعظيماً له، واستقبلوه تكريماً، وبالغوا في ملاطفته ومطايبته، وأجلسوه في صدر ذلك المَجلس المشحون بالأفاضل المحقّقين والأكابر، ولمّا شَرَعوا في المباحثة والمُذاكرة تكلّم معهم بكلماتٍ عليلةٍ لا وَجْهَ لها عقلاً ولا شَرْعاً، فقابلوا كلماته العَليلة بالتَحسين والتَسليم والإذعان، فلمّا حضرت مائدةُ الطعام بادَرُوا معه بأنواع الأدب، فألقى الشيخُ (قُدّس سرّه) كُمَّهُ في ذلك الطعام، وقال: «كُلْ يا كُمّي».
فلمّا شاهدوا ذلك منه دُهِشوا جميعاً، فاستفسروه عن معنى كلامه، فأجاب: إنَّكم إنّما أتيتُم بهذِه الأطعمةِ النَفِيسة لأجْلِ أكمامي الواسعة، لا للنَفْسِ القُدسيّة اللامعِة، وإلّا فأنا صاحِبُكم بالأمس! وما رأيت منكم بالأمس تكريماً ولا تعظيماً، مع أنّي جئتكم بهيئة الفُقراء، وسَجِيّة العُلماء، واليوم جئتكم بلباس الجَبَّارين، وتَكَلَّمتُ بكلام الجاهلين، فقد رَجَّحتُم الجهالة على العلم، والغِنى على الفَقر! وأنا صاحِبُ الأبيات التي في أصالة المال، وفرعيّة صِفات الكمال! فاعترف الجماعة بالخطأ، واعتذروا بما صدر منهم من التقصير في شأنه (قدّس سرّه).
وَقَدْ أَحْجَمَت المصادرُ التي تَرْجَمَتْ لهذا العَلَم الخالِد بآثاره القيّمة عن ذِكر تفاصيل حياته رحمه الله، ولم تذكر مُدَّةَ سَفَرِه، ولا تفاصيل نَشاطاته العلميّة خلال هذه الفَترَة من حياته، ولا الأعلامَ الذين اجتمَع بهم فتلمذوا له أو تلمذ لهم، إلى غير ذلك من الأحداث التي عاصرها العلّامة ابنُ ميثم، سيَّما بَعد سُقوط بغداد سنة 656 م بأيدي المَغول.
كان مِن ثِمار سَفَر العلّامة ابن ميثم أَنْ وَضَع كتابَين خِلال اتّصاله بالأمير عِزّالدين أبي المُظفَّر عبدالعزيز بن جَعفر النَيسَابوري(1)، هُما:
1) قال ابن الفُوطي في (الحوادث الجامعة: 277): إنّ المَلك عزّ الدين عبد العَزيز بن جَعفر النَيسَابوري توفّي في مُنتصَف ذِي القَعْدَة سنة 672 ه، وتولّى شحنگيّة واسط والبَصْرَة، وكان حَسَن السِيرة، عظيم الناموس، ودُفن في مشهد عليّ علیه السلام، ورثاه الشعراء الأنوار الساطِعة: 89
1 - القواعد الإلهيّة في الكلام والحِكمة. والذي فَرَغ مِنه في 20 ربيع الأوّل سنة 676 ه(1)، وقد كانت وفاة أبي المُظفّر النَيسَابوري في سنة 672 ه على ما ذكره ابن الفُوطي في (الحوادث الجامعة) فالظاهر إمَّا أَنَّه تُوفِّي بعد هذا التاريخ، أو أنَّه أشار على العلّامة ابن ميثم قبل سنة 672 ه بتأليف كتابٍ في الكلام والحِكمة، ولم يفرَغ منه العلّامة إلّا سنة 676 ه، لانشغاله بتصنيف (شرح نهج البلاغة) الكبير في نفس الفترة.
ولم تُحدِّد لنا مَصادر ترجمته الفَترة التي التقى بها بأبي المُظفّر ولا مَكان اللقاء، سِيّما وإنّ أبا المُظَفّر كان أوّلاً في نَيسَابور ثُمّ تولّى شِحْنَة(2)واسط والبَصْرَة وبَعدها أقام في بَغداد، ولم تُحدّد فيما إذا كان العلّامة ابن ميثم قد التقى به في سفره الأول إلى العراق أو أنه سافر عدّة مرّات إلى بغداد.
2 - النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة. وهو الكتاب الذي بين أيدينا، وسيأتي التعريفُ بهِ لاحِقاً إن شاءَ الله.
الذي يبدو لنا من مقدّمة (شرح نَهج البَلاغة) الكبير أنَّه زار بَغداد، حيث يقول: «إلى أن قضت صروف الزمن بمفارقة الأهل والوطن، وأوجبت تَقَلُّبات الأيّام دخول دار السلام، فوجدتُها نُزهةً للناظر، وآيةً للحكيم القادر»(3)وذلك في زمان الخواجة علاء الدين صاحب الديوان ابن بهاء الدين محمّد بن محمّد الجُوَيْني، والذي استمرّ بوزارته بَعد سنة 661 ه حتّى وفاته سنة 681 ه، فلا بدّ أنَّ تاريخ لقائه بهذا الوزير يقع بين هذين التاريخين.
وكان الخَواجَة علاء الدين عالِماً، له تصانيف، وأديباً شاعراً(4)، يَحظى العُلماء عنده بمكانة مَرموقة وتكريمٍ متناهٍ، وقد ألّف كثيرٌ منهم كُتباً باسمه، منها (المَقامات الزَيْنَبيَّة) للجَزَري، و(الرُباعيّاتِ) لِنظام الدين محمّد بن إسحاق الأَصفَهاني، و(شرف إيوان البَيان) له أيضاً، و(مجمع الآداب) و (تلخيصه) لابن الفُوطي المَرْوَزِي البَغدادي وغيرهم.
وحَظيَ العلّامةُ ابنُ ميثم بمكانةٍ خاصّةٍ عند عَلاءِ الدِين الجُوَيْنِي، وَصَفها في مُقدمّة (شرح نَهج البلاغة) الكبير، بقوله: «ولمّا اتَّفَق اتِّصالي بخِدمتِه، وانتهيتُ إلى شريف
حَضْرَتِهِ، أَحلَّني من أنسِهِ محلّاً أَلْهَى النَّفْسَ عن أَشْهَى مآربها، وأَمْطَرني من سَحائِب جُودِهِ نعماءَ تُشبه الصوَر الفائضةَ من واهِبها»(1).
وقد فَرَغ من تأليف (شرح نَهج البلاغة الكبير) في السادس من شهر رمضان سنة 677 ه(2)، وقدّمه تحفةً للخواجة علاء الدين الجُوَيْني.
إذن، فقد كان سَفَرُ العلّامة ابنُ ميثم حافلاً بالنَشاط العِلمي، وقد وضع أغلب مؤلفاته خلاله، فالذي يبدو من مُقدّمة كتابه (اختيار مِصباح السالكين) أنّه بقي على اتّصالٍ بالخواجه عَلاء الدين الجُوَيْنِي حتّى فراغه مِن (الاختيار) في آخر شَوّال سنة 681 ه(3)، وأنّه أشار إليه الجُوَيْني باختصار شرحه الكبير لِنَهج البلاغة لوَلَديه: نظام الدين أبي منصور محمّد، ومظفّر الدين أبي العبّاس عليّ، وقد عبّر عن ذلك بقوله: «فأشار إليَّ (خلّد الله إقباله وضاعف جلاله) أن أُلَخِّصَ مِنه مُخْتَصَراً جامعاً لِزُبَدِ فُصوله، خالياً من زيادةِ القولِ وطُوله، ليكون تذكرةً لِوَلَدَيْهِ (أسعدَ الله جَدَّهُما، وشَيَّد مَجْدَهُما) فيسهُل عليهِما ضبطُ فوائده، والوقوفُ على غاياتِهِ ومقاصِدِه»(4).
كما ألفّ كتابه (تجريد البلاغة) لنظام الدين الجويني.(5)
بعد رحلةٍ طويلةٍ مُضنيةٍ، مليئةٍ بالأحداث والجِدّ والمُثابرة، عاد العلّامة ابنُ ميثم إلى مَسْقَطِ رأسهِ في البَحرين لِيُزاول نَشاطه العِلمي والاجتهادي حتّى وافاهُ الأَجلُ.
قال الشيخ المُحدّث يوسُف البَحراني: «وقَبرُ الشيخ المَذكور الآن في بلادِنا (البَحرين) في قرية (هلتا) من إحدى القُرى الثلاث من المَاحوز، وقَبْرُ جَدِّهِ ميثم في قرية (الدونج)»(6).
أمّا عن تاريخ وفاته، فقد ذَكَر أَكْثَر المُترجِمين له أنَّ وفاتَهُ كانت سنة 679 م في قرية (هلتا) من المَاحوز بالبَحرين، وقال الشيخ الطهراني: «تُوفّي سنة 679 ه كما في (كشكول البهائي) والصحيح إمّا سنة 699 ه كما في (كَشْف الحُجُب) أو سنة 689 ه على احتمالٍ، وذلك لأنَّه كان حيّاً في سنة 681 ه، وقد فَرَغ في تلك السنة من شرحه الصغير لنهج البلاغة»(7).
والذي في (كَشف الحُجُب) في ثمانية مواضع أنّ العلّامة ابنُ ميثم رحمه الله تُوفّي سنة 679 ه، إلّا في موضعين:
الأوّل: في ترجمته لرسالته (الوحي والإلهام) حيث قال: «للحكيم المحقق كمال الدين ميثم بن عليّ بن ميثم البَحراني المتوفّى سنة تسعٍ وتسعين وستّمائة»(1)والظاهر إما أنّه تصحيف (تسعٍ وسبعين) بدليل مخالفته للمواضع الثمانية المتقدّمة والآتية، أو أنّ صاحب كشف الحجب تبيّن له الصواب فصحّحه، لكنّه لم يذكر مصدر التصحيح، فذكره في الموضع الثاني الذي سنذكره.
والثاني: وهو الذي ترجم فيه ل(شرح نهج البلاغة) حيث قال: «لكمال الدين ميثم بن عليّ بن ميثم البحراني المتوفّى سنة تسعٍ وتسعين وستّمائة على ما ذكره شيخنا البَهائي في كشكوله»(2)ولفظةُ (تسعين) هنا إمّا تصحيف من (سبعين) لأنَّ الذي في (كشكول البَهائي) المطبوع أنّهُ تُوفِّي سنة 679 م، على ما نَقلَ عنه الشيخ الطهراني وقد تقدّم آنفاً، ونَقَلَ عنهُ غيرهُ نفس التاريخ أيضاً، أو أنّ ما في الكشكول المطبوع مصحّفاً من (تسعين).
وعليه ليس هناك دليل قاطع على الترجيح بين التاريخين: 679 ه و 699 ه، إلّا ما تقدّم من فراغه من شرح نهج البلاغة الوجيز (اختيار مصباح السالكين) في آخر شوال سنة 681 ه(3)، فاذا صحّ هذا أمكن ترجيح وفاته سنة 699 ه ويكون عمره ثلاثاً وستين عاماً، أما سنة 689 ه فهي مجرد احتمال لا يقوم على دليل، والله العالم بحقيقة الحال.
1 - الشيخُ عليّ بن سُليمان بن يَحيى بن مُحمّد بن قائد بن صَباح الستراوي(4)البَحراني، صاحب (مِفتاح الخير في شَرح رِسالة الطَير) لابنِ سِينا، و(الإشارات) في الحِكمة النظريّة، و(شرح العينية) لابنِ سِينا، وغيرها، والمُتوفّى سنة 672 ه.
2 - الخواجَة نَصير الدِين مُحمّد بن مُحمّد بن الحَسن الطُوسي، صاحِب (تَجريد الكَلام) و (آداب المتعلّمين) و(قواعد العقائد) و(تحرير أُصول الهَندسة) لإقليدس وغيرها، والمتوفّى سنة 672 ه، تَلْمَذَ لَهُ العلّامة ابنُ ميثم في الحِكمة والإلهيّات، وقيل: تتلمَذَ على العلّامة ابن ميثم في الفِقه.
3 - نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحَسن الهُذَلي الحِلّي، المَعروف بالمُحقق، صاحب (شرائع الإسلام) و (نُكت النِهاية) و(المُعتبر) وغيرها، والمُتوفّى سنة 676 ه.
4 - أبو السَعادات أَسعد بن عبد القاهِر بن أسعد الأَصبَهاني، صاحِب (إكسير السَعادَتين) و(مَجْمَع الدلائل) وغيرهما، وهو من أعلام القَرن السابع الهِجري.
1 - العلّامة جمال الدين الحَسن بن يوسُف بن مُطَهَّر الحلّي، المُتوفّى سنة 726 ه.
2 - السيّد عبد الكريم بن أحمد بن موسى بن طاوُس، المُتوفّى سنة 693 ه.
3 - الشيخ سعيد الدين مُحمّد بن عليّ بن مُحمّد الأسدي الحِلّي الرَبْعِي.
4 - الشيخ كمال الدين أبو الحسن عليّ بن الحُسين بن حمّاد اللَّيثِي الواسِطي.
1 - آدابُ البَحْث
قال الشيخ الطهراني: نَسَبَهُ إليه الشيخُ سُليمان بن عبد الله المَاحوزي في رسالته الموسومة (السُلافة البهيّة في الترجمة الميثمِيّة)(1).
2 - اختيار مِصباح السالكين
وهو شرحٌ وجيزٌ لنهج البلاغة، استخرجه من شرحه الكبير، لِوَلَدَي الخواجة علاء الدين الجويني، وَفَرَغ منه سنة 681 ه، طبع في مجمع البحوث الإسلامية بمشهد المُقدّسة سنة 1408 ه.
3 - اسْتِقْصاء النَظَر في إمامة الأئمّة الاثني عشر
ذكره الشيخ فخر الدين الطُرَيحي في (مَجْمَع البحرين) وقال: إنّه لم يُعمل مثله(2).
4 - البَحْرُ الخِضَمَ
وهو في الإلهيّات، ذكره الشيخ سُليمان بن عبدالله المَاحوزي في رسالته (تاريخ علماء البَحرين) واستظَهر الشيخُ الطَهراني اتّحاده مع (مِنهاج العارِفين)(3)الآتي.
5 - تجريد البَلاغة
وهو في المعاني والبَيان، ويقال له (أُصول البَلاغة) أيضاً، شرحه الفَاضل المِقداد السيُوري، وسُمِّي الشرح (تجويد البَراعة في شَرح تجريد البَلاغة) مطبوع في بغداد، وتُوجد نسخة منه في مدرسة سپهسالار الجديدة بطهران.
6 - الدّر المَنثور
قال الشيخ الطهراني: حُكي في نامه (دانشوران) المطبوع سنة 1296 في ج 1 ص 677 عن الشيخ عليّ بن محمّد بن الحسَن بن زين الدين الشهيد أنّه أيضاً عدّ (الدر المنثور) من تصانيف ابن میثم هذا(1).
7 - رسالة في الإمامة(2)
8 - رسالة في شرح حديث المنزلة(3)
9 - رسالة في العلم
ذكرها في (أمل الآمل) و (كشف الحجب) وغيرهما، ويحتمل اتحادها مع (آداب البحث)(4).
10 - رسالة في الكلام(5)
11 - شرح الإشارات
و(الإشارات) من تأليف الشيخ كمال الدين عليّ بن سُليمان البحراني، شيخ المُصنّف، والكتاب في الحِكمة والكلام، وهو في غاية الدِقّة والمَتانة، ذَكَرهُ الشيخ البَهائي في (الكشكول) والشيخ سليمان بن عبد الله البَحراني المَاحوزي في (تاريخ علماء البحرين)(6).
12 - شرح نَهج البَلاغة الكبير
فرغ منه سنة 677 ه، وألّفه للخواجة علاء الدين الجُوَيْني المُتوفَّى نحو سنة 681 ه، وطبع طهران سنة 1276 ه في خمسة أجزاء، وطبع ثانيةً في دار العالم الإسلامي ببيروت في خمسة أجزاء أيضاً، واختصره العلّامة الحِلّي، ونظام الدين عليّ بن الحسن الجِيلاني، وسمّاه الأخير (أنوار الفصاحة) واختصره المُصنّف رحمه الله وسمّاه (اختيار مِصباح السالكين) على ما تَقَدَّم، ومن هُنا استظهر البَعض أنّ هذا الشرح هو تحت عنوان (مِصباح السالكين).
13 - شرح نَهج البَلاغة الوَسيط
ذكر الشيخ سليمان بن عبدالله المَاحوزي في رسالته (تراجم علماء البَحرين) عند ترجمة الشيخ ميثم البَحراني أنّ له الشروح الثلاثة على نَهج البَلاغة، وفي رسالته (السُلافة البَهيّة في التَرجمة الميثمِيّة) قال بعد ذِكر الشرح الكبير والصغير لابن ميثم: وسمعتُ من بعض الثِقات أنّ له شرحاً ثالثاً على نَهج البلاغة متوسّطاً.
واستظْهَر الشيخ الطَهراني أنّ قول المَاحوزي في الرسالة ممّا جَرى على قَلمه من ارتكاز ما سَمِعَه من الثِقة، ولَعَلَّ الثقة الذي ذَكَر له الشروح الثلاثة جعل شرحه للكلمات القِصار شرحاً ثالثاً(1).
وعلى أساس هذا الاستِظهار يكونُ للعلّامة ابن ميثم شرحٌ كبيرٌ بخمسة أجزاء وهو المتقدّم آنفاً، وشرحٌ وجيزٌ وقد تقدّم بعنوان (اختيار مِصباح السالكين) وشرحٌ للكلمات القصار وهو الآتي تحت عنوان (منهاج العارفين في شرح كلمات أمير المؤمنين علیه السلام) وجميعها مطبوعة.
14 - غاية النظر
وهو في علم الكلام، قال الشيخ الطهراني: رأيت النقل عنه مع النسبة إلى الشيخ ميثم في حاشية كتاب (المَقاصد الكلاميّة) والنسخة في كُتب المَولى محمّد عليّ الخوانساري(2).
15 - قواعد المَرام في الحِكمة والكلام
ويُسمّى أيضاً (القواعد الإلهيّة في الكلام والحِكمة) و(مقاصد الكلام في علم الكلام) ألّفه لأبي المُظَفّر عبد العزيز بن جعفر النَيسَابوري، وَفَرّغ منه سنة 676 ه، وطُبع على هامش
(مُنتخب الطُريحي) سنة 1332 ه وأُعيد طبعه سنة 1398 ه في قُمّ المقدسة.
16 - المعراج السماوي
قال الشيخ الطهراني: ذكره الشيخ سليمان البحراني في رسالة (تاريخ علماء البحرين) والسيّد عليّ خان المَدني ينقل عنه كثيراً(1).
17 - منهاج العارفين في شرح كلمات أمير المؤمنين علیه السلام
وهو شرح المائة كلمة، مطبوع، واستظهر الشيخ الطهراني اتّحادَهُ مع (البحر الخِضَمَ)(2).
18 - النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة
وهو الكتاب الذي بين يديك، وسيأتي التعريف به لاحقاً.
19 - الوحي والإلهام
قال الشيخ الطهراني: ذُكر في فهرس تصانِيفه(3).
أمّا كتاب (الاستغاثة) أو (البدع المُحدثة) المنسوب إلى العلّامة ابن ميثم من قبل الشيخ الطُريحي في (مَجْمَع البحرين)(4)وتبِعه بعض المُصنِّفين، فهو لعليّ بن أحمد أبي القاسم الكوفي المُتوفّى سنة 352 ه، ذكره النجاشي في (رجاله) ونسبه إلى أبي القاسم الكوفي(5).
قال الشيخ الطهراني: صرَّحَ المشايخُ في كُتبهم بِنِسبته إليه - أي إلى أبي القاسم الكوفي -، كما في (عُيون المعجزات) و(الصراط المُستقيم) للبياضي و (معالم العُلماء) لابن شهر آشوب وغيرهم.
ويروي مؤلّفه عن عليّ بن إبراهيم القُمِّي الذي هو من مشايخ الكُليني، فيظهر أنّه في طبقته، ويظهر أنّه ليس تأليف الشيخ كمال الدين ميثم البَحراني المُتوفّى سنة 679 ه كما أرخه الشيخ يوسف البحراني في (كشكوله)، لتقدّم علي بن إبراهيم على هذا التاريخ بكثير، ولأنَّ الوسائط في عصر ابن ميثم تزيد على العَدَد المَذكور جَزْماً، ولذا اعترض صاحب الرِياض على العلّامة المَجلسي في نسبتهِ الكتاب إلى ابن ميثم في أوّل (البحار) واعترض صاحب اللؤلؤة على الشيخ سُليمان البَحراني في نسبته إلى ابن ميثم في (السُلافة البهيّة في الترجمة الميثميّة) ثمّ اعتذر برجوعه عن قوله أخيراً، ومع ذلك فالشيخ
عبد النبيّ بن عليّ الكاظِمي المُتوفّى سنة 1256 ه وقع في هذا الوَهم في ترجمة عليّ بن الحُسين الأصغر من (تكملة نقد الرجال) ولَعَلَّ منشأ تلك الأوهام قول (مَجْمَع البحرين)(1).
1 - الشيخ فخر الدين الطُريحي: «شيخ صدَوق ثِقة»(2).
2 - الشيخ الحرّ العامِلي: «كان من العُلماء الفُضَلاء المُدقّقين، متكلّماً ماهِراً»(3).
3 - الشيخ سُليمان المَاحوزي: «هو الفيلسوف المحقّق، والحكيم المُدقّق، قُدوة المتكلّمين، وزُبدة الفُقهاء والمُحدّثين، العالِم الرّباني، كمال الدين ميثم البَحراني، غوّاصُ بَحْر المَعارف، ومُقْتَنِصُ شوارِدَ الحَقائق واللطائف، ضَمَّ إلى إحاطته بالعُلوم الشرعيّة وإحراز قَصَبات السَبق في العُلوم الحَكَمية والفنون العقلية ذَوْقاً جيّداً في العُلوم الحقيقية والأسرار العرفانية، ويكفيك دَليلاً على جلالة شأنه وسُطوع بُرهانه اتّفاق حكمة أئمّة الأعصار وأساطين الفضلاء في جميع الأمصار على تسميته بالعالم الربّاني، وشهادتهم له بأنّه لم يُوجَد مِثله في تحقيق الحقائق وتنقيح المباني»(4).
4 - الشيخ عباس القُّمي: «الشيخ الجليل كمال الدين العالم الربّاني والفيلسوف المُتَبَحّر المُحقّق، والحكيم المتألِّه المُدَقِّق، جامع المَعقول والمَنْقُول، أستاذ الفُضلاء والفُحول»(5).
5 - الأستاذ خير الدين الزِّرِكلِي: «عالم بالأدب والكلام، من فُقهاء الإمامية»(6).
6 - الأستاذ عمر رضا كَحَّالة: «أديب، حكيم، متكلّم، من فُقهاء الإمامية»(7).
مضى ابن ميثم على نهج أسلافه العظام في تقرير ما تسالموا عليه من قواعد، وما أثبتوه من براهين العقائد حيثما رأى ذلك تامّاً شاملاً، لا يأتيه ضعف، ولا يدانيه ترديد.
ولكنّه أبدع وجدّد حيثما وجد داعياً ومسوّغاً للتجديد، فأتى بما لم يسبقه إليه أحد في ميدانه، مُسفراً عن قدرةٍ فائقةٍ وطول باعٍ، ومهارةٍ جعلته في الصدارة بين أئمّة الكلام.
ومن بين ما جاء على يديه من تجديدٍ في هذا الكتاب انتخبنا هذين النموذجين شاهداً
علی ما قلنا:
الأول: في البرهان على وجوب الإمامة
قال: الإمامةُ جُزءٌ مِن أجزاء التمكين الذي هو واجب، وجُزْءٌ الواجبِ لابُدَّ وأن يكون واجباً، فالإمامةُ واجِبةٌ، أمّا الكُبرى فظاهِرةٌ ومُتَّفقٌ عليها، وأمّا الصُغرى فبيانها: أنَّ الداعي إلى فِعلِ أكثر الطاعاتِ واجتنابِ المَعاصي في أكثر الخَلْقِ في كُلِّ وَقْتٍ موقوفٌ على وجودِ الإمام، وغيرُ مُمكن الحُصول من دُونه، وهذه ضروريّة بعد تصحيح أحوال الخَلْقِ والاطّلاعِ على أخلاقِهِم وطبائِعِهم ولوازم أَمْزِجَتِهم.
وإذا كان فعل الطاعة غير مُمكن بدون الداعي، لاستحالَةِ التَرجيح من غير مرجِّح، والداعي غير مُمكِن من أكثر الخَلْق إلّا بوجُود الإمام، وجب أن يكون الإمام جُزءاً من أجزاء التمكين، وكانت أولى بالوُجوب.
وهذا التقدير أولَى من قولِ أصحابنا: إنَّ الإمامةَ لُطفٌ، وكُلّ لُطفٍ واجِب، لأنّ تقدير كُبرى قياسِهم في غايَةِ الصُعوبة والتَعسُّر، وبالله التوفيق(1).
والثاني: في أنّ الإمام يجب أن يكون عالماً بكلِّ الدين
قال: مُرادنا بذلك أنّه عالِمٌ بالأحكام الكلّيّة من الدين بالفِعل، وأمّا الأحكام الجُزئية المُتعلِّقة بالوقائع الجُزئية فَلَهُ مَلَكَة أخذ تلك الأجزاء من القَوانين الكُلّيّة من موادّها متى شاء وأراد، ومعنى ذلك أنَّه يكون مُتمكّناً من استنباط كُلّ حُكمٍ في كلّ صورةٍ مَتى شاء.
وأطلقَ بعضُ أصحابنا القولَ بأنَّه يجب أن يكون عالماً بكُلّ الدين ولم يُفصِّلوا، فإن كان مُرادهم ما ذكرناه من التَفصيل فهو حقّ، وإن كان المُراد أنّه يجب أن يكون عالماً بجميع قواعد الشريعة وضوابطها وقوانينها، ثمّ بجُزئيّات الأحكام المُتعلّقة بالحوادث الجُزئيّة التي يُمكن وقوعها على سبيل التفصيل فليس الأمر كذلك، وبُرهان فساده أنّ الجزئيّات التي يُمكن وقوعها كالمسائل الجُزئیّة الواقعة في كلّ باب من أبواب الفِقه والتي يُمكن وقوعها غير متناهية، وما لا نهاية له يستحيل تعلّق علم الإنسان به على سبيل التَفصيل دُفْعَةً، والمُقدّمتان نظريّتان، وما كان مُحالاً استحال أن يكون شَرطاً في صِحّة الإمامة. وبالله التوفيق(2).
1 - عنوان الكتاب
1 - نجاةُ القيامةِ في أمر الإمامة. كما في (الأنوار الساطعة)(1)و(الذريعة)(2)للشيخ الطهراني.
2 - النجاةُ في القيامة في أمرِ الإمامة. كما في أعيان الشيعة)(3)للسيّد محسن الأمين العامِلي، وعلى نسخة «أ» من النسخ المعتمدة في تحقيقنا هذا، والتي سيأتي وصفها.
3 - النَجاةُ يوم القيامة في الإمامة. كما في (تراجم علماء البَحرين)(4)للشيخ سُليمان المَاحوزي.
4 - النَجاةُ في القيامة في تحقيق أمر الإمامة كما في (روضات الجنّات)(5)للميرزا محمّد باقر الخوانساري، و(إيضاح المكنون)(6)و (هديّة العارفين)(7)للبغدادي، وعلى نسخة «ب» مِن النسخ المُعتمدة في تحقيقنا هذا، والتي سيأتي وصفها.
ولم يُصرّح مُصنّف الكتاب رحمه الله بعنوانٍ له، ليكون دليلاً على ترجيح أحد العناوين الأربعة المُتقدّمة، سوى أنّه قال في ديباجته: «اشار إليّ بإملاء مختصر في الإمامة أنقّح فيه الأدلّة والبيّنات، وأُقرّرُ فيه الأسئلة والجوابات...»(8).
ومن هذا القول يمكن أن يُستنتج أنّ اسم الكتاب (الإمامة) أو (مختصر في الإمامة) ولولا تصريح المعاجم المُختصّة ومصادر ترجمة المؤلّف بالعناوين المتقدّمة لما عدونا هذا العنوان.
على أنّا قد اخترنا العنوان الرابع لتصريح الكثيرين به أوّلاً، ولأنّ أحد نُسخ الكتاب المُعتمدة في تحقيقنا هذا كانت بخطّ الفقيه المُحدّث الشيخ عليّ بن محمّد ابن الحسن بن
زين الدين العامِلي، المُتوفّى سنة 1103 ه، وقد اختار هذا العنوان وصَدَّر نُسخته به، كما أنّ العنوان أدعى إلى الاطمئنان لشموليّته، والله المسدّد للصواب.
2 - سبب تأليفه
ذكر ابنُ ميثم رحمه الله أنّهُ وضع هذا الكتاب تلبيةً لرغبةِ عزّ الدين أبي المُظَفّر عبدالعَزيز بن جعفر النَيسَابوري، حيث قال في دِيباجتهِ: «ثُمَّ إنه تعالى لمَّا وفّقني للاتصال بجناب مولانا المَلك المُعَظَّم العالِم العادِل البَارع... أبي المُظفّر عبدالعَزيز بن جعفر النَيسَابُوري... أَشارَ إليَّ بإملاءِ مُخْتَصَر في الإمامة، أُنقّح فيه الأدلَّةَ والبيّناتِ، وأَقَرِّرُ فيه الأسئلةَ والجواباتِ، فهممتُ أن اعتَذِرَ لِمَشَقَّةِ السَفَر، وما يستلزِمه من تشَعُبِ الأَذهان، ومفارقة الأهل والأوطان، ثُمّ كَرِهْتُ أن ينسُبَ ذلك إلى تَقصيرٍ مِني في خِدْمَتِهِ، وأداء بعض ما وَجَبَ عليَّ من شُكر نِعْمَتِهِ، فبادَرت في امتِثالِ أمره».
ولعلّه كان قد ألّفه قبل كتابه (القواعِد الإلهيّة) الذي كَتبهُ تلبيةً لرغبة أبي المُظَفَّر أيضاً، ولكنّه لم يَفرغ من كتابه الأخير إلّا في سنة 676 ه.
3 - مُختَواهُ
قَسَّم ابنُ ميثم رحمه الله كتابه هذا إلى مُقدّمةٍ وثلاثة أبواب، وهي كما يلي:
أ - المُقَدِّمَةُ، وفيها بحثان:
الأوّلُ: في معنى الإمامة.
والثاني: في مذاهِبِ الفِرَق فيها.
ب - البابُ الأوّلُ: في الشرائط المُعْتَبَرةِ في الإمامة، وفيه أربعةُ أبحاثٍ:
الأوّلُ: في كون الإمام مَعصوماً.
الثاني: في وُجوبِ كونِ الإمامِ أفضل من رعيّتهِ فيما هو إمامٌ فيه.
الثالث: في أنَّ الإمامَ يجبُ أن يكون عالماً بكُلّ الدِين.
الرابع: في السبب الذي يتعيّن به الإمام.
ج - البابُ الثاني: في تعيين الإمام، وفيه مُقدّمةٌ وبحثان:
المُقدّمة: في تفصيل أقوال المَذاهب في هذه المسألة.
البحث الأوّلُ: في بيان أن الإمام بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب علیه السلام.
البحث الثاني: في تعيين الأئمّة علیهم السلام.
د - البابُ الثالثُ: في تقريرِ شُبَه الخُصوم والردّ عليها، وفيه مقدّمةٌ وأربعة أبحاث:
المقدّمةُ: في الخُصوم من الشِيعة وغيرهم.
البحثُ الأوّل: فى شُبَه المنكِرِين لإمامة عليٍّ علیه السلام.
البحثُ الثاني: في مطاعِن الخوارجِ وغيرهم في عليّ علیه السلام.
البحثُ الثالثُ: في فسادِ ما قالَتهُ الطوائفُ من الشِيعَة المُنكرين لكلِّ واحدٍ مِن الأئمّة الاثني عَشَر علیهم السلام.
البحثُ الرابعُ: في غيبة الإمام القائم علیه السلام.
ومن هذا التقسيم تظهُر منهجيّته الرائعةُ في البحث، شاهداً حياً على ما تمتّع به من عُمقٍ في التفكير، ودِقَّةٍ في البَيان، وسَعَةٍ في الاطلاع، وجدٍّ في التتبُّع، وإحاطةٍ بجوانب الموضوع وما يتّصلُ به من العُلوم والمعارف، بَرَزَ كُلّ ذلك في كتابٍ وجيزٍ، وصَفَهُ بالاختصار، وصنَّفهُ في سَفَرِهِ، بعيداً عن مَوْطِنِه ومُستَقرّه، ولم يكُن قاصِداً الإقامة هناك، بل كان قلبُه مُنشدّاً إلى أهله ووطنه كما ذكر في دِيباجتهِ.
وأنت حين تمضي مع فقرات الكتاب ستَجدُ أنّك تعيشُ مع حكيمٍ فيلسوفٍ مُتألّهٍ بليغٍ، جَمعَ الجَزالة والإيجاز مع قوّةٍ فائقةٍ في التعبير، وقُدرةٍ في الحِجاج مُنقطعةِ النَظير.
أ - النُسْخَةُ المَخْطُوطَةُ المُوْدَعَةُ فى مكتَبةِ الإمامِ الرِضا علیه السلام بمَشْهَد المُقدَّسة (آستان قُدس رَضوي) برقم 8041. كَتَبها الشَيخُ يوسُفُ بن مُحمّد بن إبراهيم المَعاني(1)، وفَرَغَ مِن كِتابتها في 17 ذي الحِجّة سنة 852 ه.
أوّلُها: «الحمد الله مُفيض الجود، وواهب وجود كلّ موجود».
وآخِرُها: «والله وليّ التوفيق والعِصمة، وهو المُسدّد للصواب وله الحمد والمنّة والحول والقوّة.
بقلم أضعف العباد إلى رحمة الله الجواد يُوسُف بن محمد بن إبراهيم المَعَاني أعانه الله على طاعته، وجعله حُجَّةً له لا عليه، وذلك ضُحى يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر الله
1) في النسخة المثاني، والتصحيح من الذريعة 61:24 ومَعَان: مدينة في طرف بادية الشام، وترجم له الشيخ آقا بزرك في الضياء اللامع: 153 لكن فيه: يوسف اليساني، وفي مورد آخر: يوسف بن محمد بن إبراهيم بن يوسف الميسي الشامي
المبارك ذي الحِجّة، أواخر سنة اثنين وخمسين وثمانمائة، وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله وصَحْبِه وسلّم، وحسبنا الله ونِعم الوكيل».
ورَمزنا لها بالحرف «أ» .
ب - النِّسْخَةُ المَخْطُوطَةُ المُوْدَعَةُ في مكتبِة السيد محمّد علي الروضاتي في أصفهان، وهي بخطِّ الشيخِ عليّ بن مُحمّد بن الحَسن بن زَين الدين العامِليّ، المُتَوفّى سنة 1103 ه.
أوّلُها: «الحمد الله مفيض الجود وواهب وجود كلّ موجود».
وآخِرُها: «والله وليّ التوفيق والعِصمة، وهو وليّ السَداد وله الحمد والمِنّة والحَوْل والقُوّة».
ورَمزنا لها بالحرف «ب».
للمرّة الأولى يَخْرُجُ فيها هذا الكتابُ مَطبوعاً ومُحققاً، ونُسْخَتاه المُعتَمدتان في تحقيقه كثيرتا التَصحيف والغلط والتَحريف، وإن امتازَتا بالقِدَم نِسبياً، وقد شكا عيبهما هذا الشيخان اللذان تولّيا اسْتِنْساخَهما من الأَصْلِ الأَقْدَم، فقالَ ناسِخُ المَخطوطة الأولى «أ»: «هکذا وجدته مكتوباً، كَتَبْتُ هذه النُسخة من نُسخةٍ سقيمةٍ كثيرة التَصحيف والغَلَط، وذَكَر كاتِبُها أنّه كَتَبها كما وَجَدَها مِن نُسْخةٍ سَقيمةٍ، فَمَن ظَفِرَ لَها بِنُسْخَةٍ صَحيحةٍ فَلْيُصلحها، ولله الحَمدُ والمِنّة».
وقالَ ناسِخُ المَخطوطة الثانية «ب»: «كتبتُ هذه النُسخة من نُسْخَةٍ كثيرة الغَلط والتَحريف، ولمَّا نظرتُ فيها اِجمالاً أصلحتُ ما اتَّفَقَ اِصلاحُه، ومابقي موقوفٌ على وجود نُسخةٍ صَحيحةٍ. وكتبَ الفَقير إلى الله (تَعالَى) عليّ بن محمّد العاملي».
فكِلا النُسخَتين إذن قد أُخِذَتا عن أصلٍ سَقيمٍ، ولا يبعُدُ اشتراكهما في الأصل المنقولتان عنه، أو إنّ الأُولى كانت أصلاً للثانية، فاشْتَركَتا في التصحيفِ والتحريف إلّا في المواضع التي أصلحها الشيخ العامِلي في نُسخته.
مِن هُنا كانَت معالَجَتُنا لهذا النصّ معالجةً شاقّةً، وجُهودُنا في فكِّ مُعضِلاته فَوقَ ما أعتادَهُ المُحَقِّقِون، لا سيَّما وهو نَصٌّ فَلسفيٌّ عَميقٌ، بَل هو في أعلى درجاتِ العُمق والدِقَّةِ، وخصوصاً في البابين الأوّلين منه حيث يظهر فيهما تمرُّسه في المنطق والكلام.
ومن مزايا هذا الكتاب التي تتطلّب مزيداً من الدقة في التتبّع وقد جرى فيه على أُسلوب
الحِجاج، أنّه يستعرض رأي الخَصم استعراضاً مُفصّلاً، فيجعل الخَصم هو المتكلّم، ويجعل نفسه مخاطَباً حتى يستوعب كلّ ما للخَصم من كلام في المسألة، ثمّ يتحوّل ليكون متكلّماً والخَصم مخاطَباً حتى يردّ على جميع آرائه وشُعبها مفرِّعاً في الأثناء الوجوه والاستفهامات المُحتملة الورود من الخَصم ويردّ عليها، من هنا كثرت شُعب الكلام وتعدّدت فروعه وتشابكت أغصانه على امتداد ،صفحاته، فتطلّبت جهداً في تمييزها.
كما أنَّ الكتاب لا يخلو من بعض العبارات الغامضة أو المُغلقة، لنقص كلمةٍ أو حرفٍ أو لسقطٍ جعلها مُعلّقةً لا ترتبط بما قبلها أو بعدها، ولا يخلو أيضاً من بعض المقاطع الموجزة بشكل مُفرط بحيث يصعُبُ تمييز عَوْدَة الضمائر فيها، ممّا زاد في إبهامها وغموضها. والسبب في ذلك راجع إلى ما ذكره ناسِخا هذا الكتاب آنفاً من ضَعْف الأصل وسَقَمه، وكفى بذلك آفة لو سُلطت على كتاب.
وقد بذلنا وسعنا في تصحيح هذا الكتاب، وأشرنا إلى المواضع التي احتملنا فيها التصحيف والتحريف والسقط وغير ذلك، آملين أن نكون قد وُفِّقنا في عملنا، والله المِنّة وهو المسدّد لكلّ حقٌّ وصواب.
وخلاصةُ عملِنا في هذا الكتاب نُجملها في النُقاط التالية:
1 - مُقابلةُ النَّسْخَة «أ» بالنسخة «ب»، مع إثبات أهم مواضع الاختلاف بينهما، مُعرضين عن ذكر الكثير من الأخطاء والتصحيفات لأنّها ليست ذات معنى غالباً، ولئلّا نقطع على القارىء متابعته المعنَى الصحيح الذي أثبتناه.
2 - تخريج النُصوص من مَظانّها الأساسيّة.
3 - تقويم النَصّ وتخليص المَتن من الغَلط والتَصحيف والتَحريف.
4 - شَرْحٌ مُوجزٌ لِغَريب كلماته، وترجمة مُوجزة للأعلام الوارِدة فيه باعتماد أهمّ مَصادر هذا الفن.
5 - تثبيت هوامِش الكتاب باعتماد الفَقرات المُتقدّمة.
6 - إعداد مُقدَّمة شافية اسْتَوْعَبتِ التَعريف بالمُؤلّف والكتاب.
7 - إعداد الفَهارِس الفنيّة اللازمة للكَشْفِ عن مَضامين الكِتاب المُختَلِفَة.
ثناء
يتقدّمُ قِسم الدراساتِ الإسلاميّة في مُؤسَّسة البعْثَة بوافِر الشُكر ومَزيد التَقدير والثَناء
للإخوة الذين تضافروا على إحياء هذا الأَثَر النَفيس، ونخصّ منهم:
الأخ الاستاذ علي الكعبي، والسيّد عبد الحَميد الرَضَوي، والأخ موسى دانشمند.
وفّق الله العاملين لخِدمة تُراث أهل البيت علیهم السلام وسدّد خُطاهم.
قِسم الدراساتِ الإسلامية مؤسّسة البِعثَة
صورة الصفحة الأُولى من نسخة «ش»
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ش»
صورة الصفحة الأولى من نسخة «ص»
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ص»
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ للهِ مُفيضُ الجُودِ، وواهِبُ وُجود كلِّ مَوجود، الذي أَحاط بكُلِّ شيءٍ عِلْماً، وعَلا كُلَّ شيءٍ قُدرةً وحُكماً، الإلهُ الجَبَّارُ، الذي لا تُدركهُ الأبصارُ، ولا تَحدُّهُ الأفكارُ، ولا يلحَقُهُ اختلافُ الليلِ والنَّهار.
أحمدُهُ بلسانِ الحالِ والمَقال على ما عَمَّ به من الأنعامِ والأفضالِ، وأَشْهَدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحدهُ لا شريك لهُ شهادةً أدْخِرُها لِيومِ المَآلِ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه الذي خَتَمَ بهِ الكَمالَ، صلّى الله عليه وآلِهِ خَيرِ آل.
وبعدُ:
فإِنَّ اللهَ (تَعَالَى) لمَّا جَعَلَ الإسلام خَيْرَ الأديانِ، وأفضلَ المناهِجِ التي يَسْلُكُها الإنسانُ، ولَم يكُن سلوكُ ذلكَ المنهجِ غَنيّاً عَمَّا يَرْفَعُ فيه في كُلِّ حينٍ أعلام الهُدَى للسالِكين، إذ كان المُخطِیءُ لمقاصِده الحقيقيّة من أخْسَرِ الهالِكِين، لا جَرَمَ لَمْ يَخْلُ زمانٌ من الأزمنة من إمامٍ مَعْصُومٍ يُوضُحُ الدليلَ، ونُورٍ مُبين.
وكان مُقتضَى الحِكمةِ الإلهِيَّةِ كون تلكَ الأئمّة الهادِينَ مِن ذُرِّيةِ أَفْضَلِ الشَارعين صلّى الله عليه وعليهم أجمعين، مُراعاةٌ لِمُناسَبةِ الفَضْل للفَضْل، والحاقاً للفَرعِ بالأصل؛ أمَّا في الأشباح فإنَّها بقايا الطِينةِ النَبَويَّة، وأمَّا في الأرواحِ فلِكَونِها أنواراً من أنوارِ الشُّعْلَةِ العُلْوِيَّة، وذلك تقديرُ العَزيزِ العَليم، فسُبحانهُ مِن مُدبِّرٍ حَكيم.
ثُمَّ إِنَّه (تَعالَى) لمّا وفَّقني للاتصال بجَنابِ مولانا المَلك المُعظّم، العالِم العادِل البَارع، ذي النفس الأبيَّة، والهِمَمِ العَليَّةِ، والأخلاقِ المَرْضِيَّةِ، والأعْلاقِ الزَكَيَّةِ، مَلْجَأَ الأنام، وواحِدِ الليالي والأيّام، عِزّ الدُّنيا والدِين أبي المُظفَّر عبد العَزيز بن جعفر النَّيْسَابُوري(1)أَعزَّ اللَّهُ بِبقائِهِ الطائفة، وحَرَسَ به المِلَّةَ، فألْفَيْتُه من أخَصِّ الأولياءِ لأولادِ سَيِّدِ الأنبيِاء، مع ما خَصَّهُ اللهُ
1) اُنظر ترجمته في المقدمة
تَعالَى بهِ من العِلْمِ، وحَبَاهُ من مَزيدِ الفَهْمِ، فهو للعُلماء والدٌ عَطوفٌ، ولِمُعاناةِ أحوالِهم بَرٌّ رؤوفٌ، يتواضَعُ لَهُم مَعَ عُلُوِّ مَرتبته، ويَرفعُ من خَامِلِهِمْ مع شَرَفِ منزلته، فَشَمِلني بإنعامه، وأحلَّني محلَّ إكرامه، حتّى أنساني الأهلَ والبَلَد، وأَصْدَفَني عَنِ المَالِ والوَلَد(1).
أشار إليَّ بإملاءِ مُخْتَصَرٍ في الإِمامة، أنقّح(2)فيه الأدِلّةَ والبَيِّنات، وأُقرِّر فيه الأسئِلةَ والجَواباتِ، فَهَمَمْتُ أَن أَعْتَذِرَ لِمَشَقَّةِ السَفَر، وما يَسْتِلزِمُهُ مِن تَشَعُبِ الأذهانِ، ومُفارَقةِ الأهْلِ والأَوْطانِ، ثُمَّ كَرِهْتُ أَن يَنْسُبَ ذلك إلى تَقصِيرٍ مِنِّي فِي خِدْمَتِهِ، وأداءِ بعض ما وَجَبَ عليَّ من شُكْرِ نِعْمَتِه، فبادَرْتُ في آمتِثَالِ أَمْرِه، وسألتُ الله أن يَفْسَحَ في مُدَّة عُمرِه، و أن يَجْعَل ما كتبتُ حُجَّةٌ لي لا عَليَّ إِنَّه المنانُ ذُو الفَضلِ والإحسان.
ورتّبتُهُ على مُقَدِّمةٍ، وثلاثةِ أبواب:
أمَّا المُقدّمة ففيها بحثان:
الإمامةُ: رئاسةٌ عامّةٌ لشخصٍ من الناس في أمورِ الدِين والدُنيا.
إذ الرئاسة هي الجِنْسُ القَريب للإمامة، ومجموع القيود الباقية خاصَّةٌ مُركّبةٌ، إذ كُلُّ واحدٍ منها لا يخُصُّ نوعَ الإمامة دونَ كلّ ما عَداهُ، وإن خَصَّهُ بالنسبةِ إلى بَعض الأشياء. فإِنَّ كَونَ الرئاسةِ عامَّة، وإن ميَّزَ نوع الإمامةِ عن نَوع القَضاءِ وكلّ رئاسة خاصّة، لكنّه لا يُميِّزهُ عن نوع السَلطنةِ الجَوْريّة، إذ هي عامّةٌ أيضاً.
وقولُنَا: «لشَخصٍ» وإن ميّزهُ عن رئاسةٍ لشخصين أو أكثر غيرَ أَنَّهُ لا يُميِّزهُ عن السَلطنةِ الجَوريّة أيضاً.
وقولُنا: «في أُمورِ الدِين والدُنيا»، وإن مَيَّزهُ عن سُلطانِ الجَوْرِ غَيْرَ أنّه لا يَكفي في تميُّزه، إذ ليس كُلّ رئاسةٍ في أُمور الدِين والدُنيا وَجَبَ أن تكون عامَّةً.
فإذن كلُّ واحدٍ من هذه القُيود وإن كان أعمَّ من نوعِ الإمامة إلّا أنَّها إذا اجتمعت حصَل من المَجموع قَدرٌ مميَّز لذلك النَوعِ تَمييزاً مُطلقاً يُسمَّى باصطِلاح قومٍ «الخاصّة المُركَّبَة» وبالله التوفيق.
الإمامة: إمَّا أن تكون واجبةً مُطلقاً، أو ليست واجبةً مطلقاً، أو أن تكون واجبةً في حالٍ
دون حال. وإلى كلِّ واحِدٍ مِن هذه الأقوال ذهب قَومٌ.
فالأوَّل: هو مَذْهَبُ جُمهورِ المُتكلِّمين.
والثاني: هو مَذْهَبُ النَّجْدَاتِ(1)مِن الخَوارج.
والثالثُ: مَذْهَبُ أبي بكر الأَصَمِّ(2)، والفُوطى(3).
وأمَّا القائلون بوجوبها مُطلقاً، فمِنْهُم مَن أوجَبها على الله (تَعالَى)، وجَعَلَ طريق وُجوبِها العَقلَ فَقط، وهو مَذْهَبُ الإمامية مِن الاثنَي عشريّة وغيرِهم، ويُثبِتُون الوُجوب على الله (تَعالَى) بأنّ الإمامة لُطْفٌ(4)في الدِين فتجِبُ علَى الله (تَعَالَى) بأن لا يُخلي الزمان عنه.
ومنهم من أوجبها على الخَلْق، إمَّا سَمعاً فَقط، وهو مَذْهَبُ أصحاب الحَديث، والأشعريّة(5)، وجُمهور المُعْتَزِلة، منهم: أبو عليّ(6)، وأبو هاشِم(7)وأتباعُهما.
وإمَّا عقلاً وسمعاً، وهو مَذْهَبُ الجاحِظ وأبي القاسم البَلخي(8)وأبي الحُسين
1) وهم فِرقة من الخوارج، أصحاب نَجدة بن عامر الحَنفي، وقيل: عاصِم، وقيل: عُمير، وكان باليمامة، قَتَلَه أصحابه سنة 69 ه. قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنّما عليهم أن يُراعوا العدل والإنصاف والحقّ فيما بينهم، فإن لم يستطيعوا أن يراعوا تحقيق ذلك، وكان لا بدَّ للناس من إمام لإقامة العدل بينهم جاز لهم ذلك، والأمّة غير محتاجة إلى إمام ولا غيره، وإنَّما علينا وعلى الناس أن نُقيم كتاب الله (عزَّ وجلَّ) فيما بيننا. المقالات والفرق: 8، الملل والنحل 1: 110، معجم الفرق الإسلامية: 246
2) هو عبدالرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، من قدماء المعتزلة وطبقته أقدم من طبقة أبي الهذيل العلّاف. مقالات الإسلاميين 2: 133، الملل والنحل 1: 70، شرح النهج لابن أبي الحديد 2: 308، لسان المیزان 3: 1685/437
3) هو هِشام بن عمرو الفُوطي، الذي تُنسب إليه فِرقة تسمّى (الهِشامية) من المُعتزلة، والمتوفّى سنة 226 ه. الملل والنحل 1: 70، معجم الفرق الإسلامية: 262
4) واللُطف فى عُرف المتكلّمين عبارة عمّا يدعو إلى فعل واجبٍ أو يصرف عن قبيحٍ، وهو على ضربين: أحدهما: أن يقع عنده الواجب ولولاه لم يقع، فيسمّى توفيقاً. والآخر: ما يكون عنده أقرب إلى فعل الواجب أو ترك القبيح وإن لم يقع عنده الواجب، ولا أن يقع القبيح. ولا يُوصف بأكثر من أنّه لُطف لا غير. الاقتصاد للطوسي: 130
5) هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المُتوفّى سنة 324 ه والذي كان أوّلاً تلميذاً لأبي على الجُبَّائي، أحد شيوخ المعتزلة، وأخذ الأشعري أدلّة المعتزلة في سبيل المدافعة عن عقائد السنّة، قالوا: إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار دون النصّ والتعيين. الملل والنحل 1: 85، معجم الفرق الإسلامية: 35
6) هو محمّد بن عبدالوهاب بن سلّام الجُبَّائي، أبو علي، من شيوخ المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه تُنسب فرقة (الجبّائية) له تفسير مطوّل ردّ عليه الأشعري، تُوفّي سنة 303 ه. الملل والنحل 1: 73، دائرة المعارف الإسلامية 6: 270، الأعلام للزركلي 6: 256
7) هو عبد السلام بن محمّد بن عبدالوهاب الجُبَّائي، أبو هاشم، عالم بالكلام، من كبار المعتزلة، وفرقة (البهشمية) تُنسب إليه، له مصّنفات منها (الشامل) و(تذكرة العالم) و(العدّة) وغيرها، توفّي سنة 321 ه تاريخ بغداد 11: 55، میزان الاعتدال 2: 131، الأعلام للزركلي 4: 7
8) هو عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي، البلخي الخُراساني، أبو القاسم، أحد شيوخ المعتزلة، كان رأس طائفة منهم تُسمّى (الكعبية)، أقام ببغداد مدّة طويلة، توفّي ببلخ سنة 319 ه، له مصنّفات منها: (التفسير) و(تأييد مقالة أبي الهذيل) و(مفاخر خُراسان) وغيرها. تاريخ بغداد 9: 384، لسان المیزان 3: 255، الأعلام للزركلي 4: 66
البَصْري(1)ومَن تابَعهم، وهؤلاءِ لما لَمْ يقوُلوا بأنَّها(2)لُطفٌ في الدين لا جَرَمَ لَمْ يُوجبوها(3)على الله (تَعالَى).
وأمَّا القائلون بوجوبها في حالٍ دون حال، فقال الأصَمُّ: لا يجِبُ نَصْبُ الإمام في حالِ ظُهورِ العَدْلِ والإنصاف بين الخَلْق إذ لا حاجَة إليه، ويجِبُ نَصْبُه عند انتشارِ الظُّلمِ وظُهوره.
وقال هِشام(4)بالعكس من ذلك، أي عند ظُهور الظُلمِ لا يجِبُ نَصْبُهُ لأنّهُ ربَّما كان سبباً للفِتنةِ لِتَمَرُّدِهِم واستِنكافِهم عن طَاعته، فيكونُ نَصْبُهُ سَبَباً لازدِيادِ الشُرور، فأمَّا عند ظُهور الانتِصافِ وانتشاره فيجِبُ نَصْبُهُ لِبَسْطِ الشَرْع وإظهارِ شِعاره(5).
فهذا تفصيل المَذاهِب في هذه المَسألة(6).
[في وجوب الامامة وإبطال أقوالِ الخُصوم]
وأمّا تقريرُ ما يتمسَّكُ به كلُّ فريقٍ والاشتغالُ بتزييفِه وإبطاله فممّا يخرُجُ عن الغَرَضِ فيما نحنُ بصدَدِه، غير أَنَّه عندَ تحقيقِ الحَقِّ يرْهَقُ الباطِلُ.
فنقول: الإمامةُ واجبةٌ عَقلاً وسَمْعاً.
أمّا العقلُ فمِن وَجهين:
الأوّل
نَصْبُ الإمام إمَّا أن يكون خيراً مَحْضَاً، أو الخَيْر فيهِ أغلب، أو شَرّاً مَحْضَاً، أو الشَرّ فيهِ أغلب، أو مُتساويان.
1) هو محمّد بن علي بن الطيِّب البصري، أبو الحسين، متكلّم، أُصولي، شيخ المعتزلة في وقته، من تصانيفه (المعتمد في أُصول الفقه) و (تصفُّح الأدلّة) و(الانتصار) وغيرها، تُوفّى فى بغداد سنة 436 ه. تاریخ بغداد 3: 100، سير أعلام النبلاء 17: 393/587، لسان المیزان 5: 298، النجوم الزاهرة 5: 38
2) في «أ، ب» بأنّه
3) في «أ، ب»: يوجبوه
4) هو هِشام بن عمرو الفوطي، تقدمت ترجمته
5) كذا، والظاهر شعائره
6) للإطلاع على مقالات الفرق في وجوب الإمامة راجع: مقالات الإسلاميين 2: 133، الأحكام السُلطانية: 29، الملل والنحل 1: 33 و 37 و 70، شرح النهج لابن أبي الحديد 2: 307، مآثر الإنافة 29:1
والأقسام الثلاثةُ الأخيرةُ باطِلَةٌ، لما يُعلَمُ بالضَّرورةِ بَعْدَ تصفُّحِ أحوال الخَلْقِ وعاداتِهم أنَّه متَى كانَ بينهم رئيسٌ مُنبسطُ اليَدِ، قويُّ الشَوكة، يردَعُ ظَالِمَهم وينصُرُ مَظلومَهم، ويحُثُّهم على الواجبات، ويكُفُّهم عن المُحرَّمات، كانوا إلى الصَلاح أقربَ، وعن الفسادِ أبعد، وإذا لم يكن بينَهُم مثلُ هذا الرئيس كان حالُهم بالعَكس. وفِطْرةُ العَقْلِ شاهِدةٌ بما ذكرنا.
وإذا كان الأمر كذلك لم يُمكِن أن يُقال: الشَّرُّ في هذه الحالة مساوٍ للخير، فَضلاً عن القِسمين الأخيرَين.
فبقي أن يُقال: إنّه خَيْرٌ مَحْضٌ أو الخيرُ فيه غَالِبٌ. وأيّما كان فهو يُفيدُ(1)المَطلوب:
أمّا الأوَّل: فلأنَّ ذات الله (تَعالَى) فيَّاضَةٌ بالخيرات، لا تَوَقُفَ لها في إفاضةِ الخيرات على أمرٍ غيرِ ذاتها، فكان إيجادُها لِمثل هذا الخَيرِ المَحْض واجباً.
وأمَّا الثاني: فهو أيضاً كذلك، فأمَّا كونُها مُشْتَمِلَةٌ على شيءٍ من الشرور فلا يضرُّ في وجوبِ وجودِها مِنهُ(2)، لأنّ تَرك الخَيرِ الكَثير لأجلِ الشَرِّ القَليل شَرِّ كثيرٌ في الجُودِ والحِكمةِ.
فَثَبَتَ بما قَرَّرْناهُ أَنَّ نَصْبَ الإمامِ واجبٌ من الله (تَعالَى)، وهو المطلوب.
لا يقال: لِمَ قُلتم بأنَّ الأقسام الثلاثَة باطلة؟
قوله: لأنَّ الخَلْقَ إذا كان لَهُم رئيس يأمُرُهم بالوَاجبات كانوا إلى الصَلاح أقربَ، ومن الفَسادِ أَبْعَدَ.
قلنا: تدّعي هذا مُطلقاً في كلّ وقتٍ، أو في بَعض الأوقاتِ دونَ البعض؟ والثاني مُسلَّمٌ، والأوّلُ ممنوعٌ، فلِمَ قُلتم إنّه كذلك؟
وبتقديرِ أن لا يكون كذلك لَمْ يكُن الخيرُ فيها أغلب، سلّمناه، لكنّه مُعارضٌ بما أَنَّ نَصْبَ الإمامِ يتضمَّنُ الإضرارَ بالخَلْقِ، وحينئذٍ يكونُ شَرّاً مَحْضَاً، أو الشَّرُّ فِيهِ أَغلَبُ، فوجَبَ أن لا يجِب، بل ولا يجوز.
وإِنَّما قُلنا: إنَّه يتضَمَّنُ الضَررَ ، لِوَجْهَين:
أحدُهما: أنَّه قد يستنكِفُ أكثرُ الناس من طَاعتهِ، فيُحارِبُونَهُ ويُحارِبُهُم، فيؤدِّي ذلك إلى القَتل والفِتَن، وذلك مَحْضُ الضَرِرِ.
وَاعْتبر الوَقائعَ الحاصِلةَ بسبب إمامة عليّ علیه السلام كحَربِ(1)الجَمَل وصِفِّينَ وحَرِب الخوارج، فإنّا نَعلُم بالضَرورة أنّ ذلكَ إنَّما كان بِسبب إمامة عليّ علیه السلام بحيثُ لَو لَمْ تكُن لَمْ يَكُن شيءٌ مِن ذلك.
الثاني: أنَّ الإمامَ إنْ لم يكن معصوماً، فبتقديرِ فِسْقِهِ أَو كُفْرِه إِنْ لم يُعزّل تعدّى ضَرَرُ فِسْقِهِ وكُفْرِه إلى الخَلْقِ، وإن عُزِلَ احْتِيجَ في عَزْلِه إلى المُحارَبةِ والفِتْنَة، وذلك عينُ الضَرَرِ، وإنْ كان مَعصوماً جازَ فِسْقُهُ وكُفْرُه(2)، وحينئذٍ يتوجَّه التَقسِيمُ المَذكُور فيه.
سلَّمنا أنَّ الإمامة لا تَشتَمل على ضَرر، لكن لا نُسلَّم أنَّها مُشْتَمِلَةٌ على شيءٍ من المَصالح، وحينئذٍ لا يكون فيها خيرٌ، فضلاً عن أن تكون خيراً مَحضاً، أو الخير فيها غالب.
وبيان ذلك: أنَّها إِمَّا أَن تَجِبَ لا لِفائدةٍ فتكونَ عَبَثاً، وهو قَبيحٌ عندكم، وأيضاً فتكون تَسليماً للغَرَض(3)، أو لِفائدة، وهى إمّا مَنْفَعَةٌ دنيويةٌ أو أُخروية، أو دَفْعُ مَضَرَّةٍ دُنيويةٍ أو أُخروية، وعلى كلّ التَقديرات فهو مُحال.
أمّا أوّلاً: فلأنَّكم لا تُوجبون على الله (تَعالَى) تحصيل كلّ المَنافع للعباد، ولا دَفْعَ كُلِّ المَضارٍّ عَنْهُم، وإذا كان كذلك فلِمَ لا يجوزُ أن تكونَ الإمامةُ من تلكَ المنافع أو دَفْعِ المَضارّ؟
وأمّا ثانياً: فلأنَّ إيصالَ تلك المَنفعة أو دَفعَ تلكَ المَضَرّةِ مَقْدُورٌ للَّهِ (تَعَالَى) بدون الإمامة، فينبَغي أن تُوجِبُوا ذلك عليهِ ابتداءً.
والجوابُ عن الأوّل
أنَّا ندَّعي ذلك مُطلقاً، وفي كلّ وَقت، ولذلكَ فإنَّ(4)العُقلاءَ بِأَسْرِهِمْ مُتَّفِقُونَ على إقامَة الرُؤَساءِ في كُلِّ وَقْت، مُعْتَقِدُون أنَّ الحاجَةَ إليهِم في انتِضامِ أُمور الدِين والدُنيا ضَروريَّةٌ، وهو ضَروريٌّ، ولو كان نَصْبُهم في وقتٍ ما سَبَباً لِفَسادٍ أَكْثَري أو مُساوِ لَمَا كان اعتقادُ الخَلْقِ كما ذكرناهُ دائماً.
وعَن الثاني
لا نُسلِّم أنّه يَتَضَمَّنُ الإضرار، أو الأكثريّة بالخَلق(5)، أو المساوية(6)للخَير.
قولُهُ في الوَجْهِ الأوّل من المُعارضة: إنَّهم رُبِّما استنكَفوا عن طَاعَته فيكونُ ذلك سَبَباً للحُروبِ والفِتَن كما في الوَقائعِ المَذكورة.
قُلنا: هذا وإنْ وَقَعَ بِسبب وجودِ الإمام، إلّا أَنَّهُ أمْرٌ خَيريٌّ بالنسبة إلى الفِتَن والأضاليل الواقِعة على تقدير عَدَمِهِ، فَإِنَّ العَاقِلَ إِذا رَجع إلى عَقلِهِ عَلِمَ أَنَّ غَفْلَةَ الخَلْقِ عن أُمورِ الدِين، وثَوَرانِ الفِتَنِ، والتَغَلُّبَ، وعَدَمَ تسليم بعضِهم لبعضٍ عندما لا يكون الإمامُ المُذكَّرُ بها والمُعاقِب(1)على الإخلالِ بها موجوداً أكثرُ مِمَّا إذا كان موجوداً بكَثير.
قولُه في الوجه الثاني: إنّ الإمام إنْ كانَ معصوماً جاز فِسْقُه وكُفْرُه.
قلت: لا نُسلَّم أنّه إن كان معصوماً جازَ ذلك منه ، وذلك كما سُنبيّن أنَّ العِصمةَ مَلَكَةُ تَرْكِ المَعاصي، وهي مُتمكِّنةٌ في جَوهَرِ النَفس، فيستحيلُ زوالُها إلى أضدادِها، وبالله التوفيق.
وعن الثالث
لِمَ لا يجوز أن يكونَ وجوبُ الإمامةِ لفائدةٍ: هي تقريبُ عبادِهِ من طَاعَتِه المُرادة لَهُ (تَعالَى)؟
قوله: تلك المَنفعةُ بدون الإمامةِ إنْ كانَ مُمكناً، إلّا أنَّه ليس بِحَسَنٍ بَلْ هو قبيحٌ عندنا عَقلاً. ويُنبِّهك على ذلكَ أنَّ من دَعا غيرَهُ إلى طَعَامِهُ وهو يعلَم أنَّه لا يحضُرُ إلَّا أن يتولّى دُعاءَهُ بِنَفْسِهِ، وهو قادِرٌ على ذلك، ولا غَضَاضَةً(2)عليه في فِعله، فإنّه مَتَى لَمْ يَفعل عُدَّ مُقَصِّراً في عُرفِ العَقلِ واستُقبِحَ ذلك منه.
واستعمالنا لهذا المثال في حقّ اللهِ (تَعالَى) بحَسب قِياسِ الغائِبِ على الشاهِد، فإِنَّ الفِطْرَةَ شَاهِدةٌ بِعِليَّتِه، أي بمُؤثّرِيّة هذا الحُكم مُطلَقاً، بل للتنبيهِ على مُلاحظة عَدَمِ حُسْنِهِ فِي حَقٌّ اللهِ (تَعَالَى).
الوجه الثاني
الإمامةُ جُزءٌ من أجزاء التَمكين الذي هو واجِبٌ، وجُزءُ الواجِبِ لابُدَّ وأن يكون واجباً، فالإمامةُ واجبةً، أمّا الكُبرى فظاهِرةٌ ومُتَّفقٌ عليها، وأمّا الصغرى فبيانها: أنَّ الداعي إلى فِعْلِ أكثرِ الطاعاتِ واجتنابِ المَعاصي في أكثَر الخَلْقِ في كُلِّ وَقْتٍ موقوفٌ على وجودِ الإمام، وغير مُمكِن الحُصول من دُونه، وهذه ضروريّة بعد تصحيح أحوال الخَلْقِ والاطّلاعِ على
أخلاقِهِم وطبائِعِهم ولوازم أَمْزِجَتِهم.
وإذا كان فعل الطاعة غيرَ مُمكن بدون الداعي، لاستحالَةِ التَرجيح من غيرِ مُرجِّح، والداعي غير مُمكِن من أكثر الخَلْق إلّا بوجُود الإمام، وجب أن يكون الإمام جُزءاً من أجزاء التمكين، وكانت أولى بالوُجوب.
وهذا التقدير(1)أولَى من قولِ أصحابنا: إنَّ الإمامةَ لُطفٌ، وكُلّ لُطفٍ واجِب، لأنّ تقدير كُبرى قياسِهم في غَايةِ الصُعوبة والتَعسُّر، وبالله التوفيق.
لا يُقال: لا نُسلَّم أَنَّ فِعْلَ الطاعاتِ واجتنابَ المَعصية موقوفٌ على وُجودِ الإمام، وبيانه أنَّك إن أردت أنَّ جميعَ الخَلْقِ في زمانِ وجُود الإمام يَمْتَنِعُون من جميع المَعاصي ويفْعَلُون جَميعَ الطاعات، فهذا ممنوعٌ، بل كأنَّ الضرورة تشهَدُ ببطلانه، وإذا كان كذلك كان بعضُ المَعاصي واقعاً وبعض الطاعات مَفعولاً في زمان وُجوده، وهذا أيضاً ثابت في حال عَدَمِهِ، فإنّ بعضَ المَعاصي موجودٌ، وبعض الطاعات مفعولٌ.
سلَّمناه، لكن متَى تكونُ المَعاصى مُرتفعةً والطاعات واقعةً، إذا كان الإمامُ ظاهراً نافِذَ الحُكم، أو إذا لم يكُن كذلك؟ الأوّلُ مُسلَّم، والثاني مَمنوع.
بيانُه: أنّ انْزِجارَ الخَلْقِ عن القَبائح بسبب الإمام إنَّما يكونُ إذا كانَ مُتَمَكِّناً مِن زَجْرِهِم عن القَبائح، وإذا لم يكُن قادِراً على ذلك لم يحصُل الانزِجار.
والحاصل: أنَّ الإمام الذي تُوجِبُونَهُ لا يُفيدُ مَطلوبَكم، والذي يُفيد مَطْلُوبَكم لا تُوجِبُونه.
لأنّا تُجيب عن الأوَّل: أنا ما ادَّعينا أن كُلَّ الخَلْق يَمْتَنِعُونَ بوجُودِه مِن كلِّ المَعاصي، بل نقول: إِنَّ الحَزْمَ يَجْزِمُ بَعد تصفُّحِ أحوالِ الخَلْق أَنَّ دَواعي أكثِرهم إلى الطاعات واجتنابِ المَعاصي مَوقوفٌ على وجود الإمام.
أمَّا في حَقِّ تاركي أصل العِبادةِ والمُترخّصين من أنفِسِهم فيها بما لا يجوزُ لَهُم فِعلُه والإخلال به مِنها فظاهِرٌ ممَّا بيَّناه. وأمَّا فِي حَقٌّ مَن كان سالِكاً للعبادة، قائماً بها، فإنّ الحركات فيها مقولةٌ بحسب التشكيك، أي إنَّها قابلةٌ للأَشدّ والأَضْعَفِ، فالعِلْم الضَروريُّ حاصِلٌ بأنَّ العِبادة ممَّن كان قائماً بِها قَبلَ وجُود الإمام تكون بوجُودِه أَوْفَى وأتَمَّ لتوفُّر الدَواعي عليها بوجُودِه. فإذَن القَدْرُ الزائد على العِبادة بعد وجُوده كان مَوقوفاً على توفُّر الدواعي إليه، وذلك التوفُّر كان موقوفاً على وجود الإمام، والموقوف على الموقوف على
1) كذا في النسختين، والظاهر التقرير
الشيء، موقوفٌ على [ذلك] الشيء(1).
وعن الثاني من وجهين:
أحدهما: أنَّ الانزِجارَ حاصِلٌ بالإمام وإن كان غائباً، فإنّ المُكلَّفين إذا تقرَّر في عُقولِهم وجودُ الإمام وصِحَّةُ إمامته، واعتقَدوا أنّه لا حالَ من الأحوال إلّا ويجوزُ ظُهوره عليهم، ويُمكنه من التَصرُّفِ فيهم بالأخذ بالجَرائم، فحينئذٍ لا حالَ إلّا ويكون المُكلَّفُ فيها(2)خائفاً، فَلِأُجل ذلك يمتنِع من القَبيح.
الثاني: أنَّ الانزِجارَ وإنْ لَمْ يحصُل إلّا عند ظُهورِه وتمكُّنه، لكنَّ هذا لا يقدَح في وجوبِه من الله (سُبحانَهُ)، فإنَّ عدم تمكينِه إنَّما كان لأمرٍ يَرْجِعُ إلى المُكلَّفين، وهو إخافَتُهم للإمام وعَدَم أخذِهم بيدِه مع قُدرتِهم على تمكينِه وإزاحَةِ عِلَّتِهِ، فهُم إِنَّما أُتُوا مِن قِبَلِ أنفسهم.
لا يُقال على الجواب الأول: إنَّا إذا توقَّعنا حُدوثَ الإمام في كلّ وقت، وعلِمنا أنَّه متَى حَدَث كان مانِعاً من القبائح؛ كان الخوف منه في كلِّ وقت - وإن كنّا لا نَعْلَم أنَّه حاصِل في ذلك الوقت أم لا - كالخوف الحاصِل من وجُوده وإمكان ظُهوره، وإذا كان كذلك فجوّزوا أن لا يكون مَوْجُوداً إلّا أنّ الله (تَعالَى) يجب عليه أن يَخْلُقَه عند تَحقّق المَصلحة في إيجاده.
وعلى الثاني أنّه ضعيفٌ أيضاً، لأنّ العُذْرَ الذي ذكرتُموهُ من تخويف الخَلْقِ لَهُ غيرُ حاصِل في أوليائه الذين يكونونَ لهُ في غاية الوَلاء والإخلاص والمَحبّة، فكان ينبغي أن يَظهَر لَهُم عِند شدّةِ حاجَتهم إليه لاستفادةِ ما أَشكلَ عليهِم من العُلوم.
لأنَّا نُجيب عن الأوَّل: بأنَّ الخوفَ من الإمام إنَّما هو مشروطٌ بوجُود الإمام، لأنّ الخوفَ ممَّن يجزم العَقلُ بِعَدَمِه مُحالٌ، وإِنْ جَوَّز وجُودَه، وما أَحْسَبُ عاقِلاً لا يُفرِّق في حُصولِ الخَوف بين إمامٍ(3)مَوجودٍ يَتَوقَّعُ ظهورَهُ عليهِ في كلٌ لحظةٍ، وبينَ من يجزِمُ بِعَدَمِهِ ويُجوِّز وجودَه حتَّى يَسْتَوِي(4)بينهما، نَعوذُ بالله من عَدَم الإنصاف.
وعن الثاني: أنَّا لا نُسلّم أنّ الإمام الذي نقولُ بغَيبتهِ الآن لا يظهَرُ لأوليائه، بل يظْهَرُ لَهُم، ويأخُذونَ عنه الأحكام، وقد ظَهَرْت إليهم عَنْهُ أحكامٌ وأجوبةُ مسائلَ سألوها، وغير ذلك من الأدعية والمُكاتبات، كما هو مشهورٌ بين الاثني عَشريّة(5).
سلَّمنا أنَّه لا يظهَر لأحدٍ من أوليائه وإن كانوا في غايةِ الصَّلاحِ والمَحَبَّة له والحاجة إليه، لكنَّ السَبَبَ فيه أحدُ أمرين:
أحدهما: أنَّ الإنسان وإن كان في غاية الصَلاح إلّا أنَّ طبيعته مجبولةٌ على طَلَبِ الكَمال، وأعظم كمالٍ(1)يتنافسُ فيه في الدُنيا ويتخيّل كونَهُ أشرف الكمالات، هو الجاهُ، فإنَّ الإنسان رُبّما يَجْهَدُ في تحصيلهِ بكُلِّ وسيلةٍ، حتّى إنَّ كثيراً من الزُّهّاد رُبّما جَعلوا الوَسيلةَ إليهِ إظهار بُغضه، ثمّ إنّه إذا كان مُطلُوباً للخَلْقِ مِن تعظيم أقلّ أمير من أَمراء الجَوْر لَهُم، فكيف من الإمام الحَقِّ المُؤيَّد بالكَرامات - الذي لو عَرَفَ الخَلْقُ بأسرِهِم حقيّة وجُودِه وصِحَّة إمامَتِه وأنَّ الحَقِّ معه لَبَذَلُوا مُهَجَهُم دُونَهُ - إذا اختصَّ إنساناً من خَلْقِ الله، رُبِّما كان فقيراً مُطْرَحاً(2)يَتَطرَّق إليه رُذَلاءُ(3)الأشرار، وظَهَرَ إليه! فإنَّه والحالُ هذه لا يُؤْمَنُ أن يفتَخِرَ بمثلِ ذلك ويُسِرّه إلى أخٍ له أو وَلدٍ أو زوجةٍ فينتشر ذلك إلى الأعداء، فإنَّ لكلّ نَصوحٍ نُضوحاً(4)، وكُلُّ حديثٍ جاوزَ اثنين شائع، وإذا انتَشر ذلك كان سَبَباً للفَساد.
الثاني: أنّ ذلكَ الوليّ لا يعرِفُه إلّا بالكرامات التي تَظْهَرُ لَهُ مِنهُ ولا يُصدّقه(5)بمجرَّد قولِه، ثُمّ لا يمتنِع أن تَطْرَأ الشَّبهَةُ على المُكلَّف في ذلك فلا يقِفُ على وجهِ دلالةِ الكرامةِ على مُدّعي الإمامة، فيعتقِدُ ما جاءَ بهِ منكراً، فيستعينُ بغيرِه فيصيرُ خَصماً وسَبَباً لُوصولِ ذلكَ الأمر إلى الأعداء.
واعلَم أنَّ للخَصمِ اعتراضاتٍ أُخَر رَغِبْنَا عن إيرادها كراهةَ التَطويل، والله المُستعان.
وفیه أبحاث:
قالت الإمامية والإسماعيلية(1): إنَّ العِصمة شرطٌ في الإمامة، وإن اختلفوا في عِلّة وجوبها، فإنَّ الإسماعيلية بنوا وجوبها على أنّه لمَّا كان الإمام مُعلِّماً للمُكلَّفين ما يحتاجون إليه من العلوم وجب أن لا يُخطئ. وقالت الإمامية: إنَّما وجبت في حقه لكونه لُطفاً، فلو لم يكن معصوماً لم يكن له لُطف، إذ لا إمام غيره.
وقال الباقون من الأُمّة: إنَّها ليست بشرط.
وقبل إثبات هذا المطلوب لابُدّ من بيان معنى العصمة، فنقول:
العِصمةُ: مَلَكةٌ نفسانيةٌ يمتنعُ معها المُكلَّفُ من فِعل المعصية.
إذا عرفت هذا فنقول: لنا في وجوب كون الإمام معصوماً وجوه:
الأوّل
لو لم يكن الإمام معصوماً للزم التسلسل في وجود الأئمَّة، والتالي(2)باطل، فالمُقدَّم مثله.
بيان الشرطيّة: أنّ علّة حاجة الخلق إلى الإمام إنَّما هي جواز الخطأ عليهم، بدليل أنّا متى تصوّرنا جواز الخطأ عليهم استلزم ذلك التصوّر حاجتهم إلى الإمام من غير توقُّف على
1) وهي فِرقة من الشيعة، قالوا بإمامة الأئمة السنة الأُوّل علیهم السلام، وأن السابع هو إسماعيل بن جعفر الصادق علیه السلام، وليس الإمام موسى الكاظم علیه السلام الله كما يقول الإمامية، فالأئمة عندهم سبعة، ولهذا أُطلق عليهم أيضاً (السَّبعيَّة). فرق الشيعة: 68، الملل والنحل 1: 149، معجم الفرق الإسلامية: 30 و 133
2) في «أ، ب» والثاني
تصوّر أمر آخر، وذلك يُوجب كونَ جواز الخطأ علّةَ حاجتهم إلى الإمام، فلو ثبت جواز الخطأ عليه لكانت حاجته إلى إمام آخر حاصلَة، لقيام علّة الحاجة فيه، ولزم التسلسل.
وأمّا بيان بطلان التالي فظاهر.
[شبهات الخصوم]
لا يقال: لا نُسلَّم أنّه لو لم يكن معصوماً لافتقر إلى إمام آخر، بل يكون خوفه من قيام الأُمَّة عليه وعزله لو أرتكب خطأ يقوم في حقّه مقام الإمام في حقٌ غيره، وحينئذٍ لا حاجة إلى إمام آخر.
سلَّمناه، لكن ذلك مُعارض بأُمور:
أحدها:(1)أنّ علّة الحاجة إلى وجود الإمام هي بعينها علّة الحاجة إلى الأُمراء والقُضاة، وبالاتفاق لا تجِب عِصمتهم فلا تجِب عصمة الإمام.
الثاني: مفهوم الإمامة مُركَّب من قيدين:
أحدهما: نفوذ حُكم الإمام على الغير.
والثاني: عدم نفوذ حُكم غيره عليه. فلو وجبت العصمة لكان وجوبها إمّا بالقيد الأوَّل أو الثاني، أو بهما(2)، والتالي بالأقسام الثلاثة باطل، لما أنّ الأمير الذي في الصُّقع(3)البعيد عن الإمام بحيث لا يصِلُهُ حُكم الإمام يكون كلُّ واحد من تلك الأقسام مُتحقِّقاً فيه مع أنَّه لا تجب عِصمته بالاتّفاق.
الثالث: أنّا سنبيِّن أنَّ إمامة الأئمَّة الثلاثة كانت صحيحة مع أنَّهم ما كانوا معصومين، وحينئذٍ يتبيّن(4)عدم وجوب اشتراط عِصمة الإمام.
[ردّ الشبهات]
لأنّا نُجيب عن الأوّل(5)من وجهين:
أحدهما: أنَّ الأمَّةَ غير معصومة، فكان الخطأ عليهم جائزاً، فبتقدير أن يرتكب الإمام الكبائر جاز حينئذٍ أن يتابعوه على ذلك، وعند مُتابعته لا يكون له منهم خَشيةَ إنكارٍ عليه، فتتحقَّق حاجته إلى إمامٍ آخر، ويعود المَحذور المَذكور.
الثاني: أنّ كلّ من تصفّح أحوال(1)العالم وعوائدهم اضطرّ إلى الحُكم بأنَّ الرعية في غالب الأوقات لا يتمكّنون من عَزل المُلوك الظالمين، فجاز حينئذٍ أن تتغلَّب عليهم، ولا يكون له منهم خوف.
وعن الثاني:(2)أنّ الفَرق بين الأُمراء والقُضاة وبين الإمام ظاهر، فإنَّا إِنَّما لم نُوجب عصمة مَن عداه لأنَّهم(3)إن يرتكبوا ما لا يجوز كان الإمام هو الآخذ على أيديهم والرادع لهم عمّا ارتكبوه من ذلك، وهذا الحُكم غير موجود في حقّه من جِهتهم، لجواز اتّفاقهم على الخطأ على ما بيَّناه أوّلاً.
وعن الثالث(4)من وجوهٍ:
أحدها: لا نُسلَّم أنَّ الإمامة مُركَّبة من القيدين المذكورين.
وبيانه: أنّ القيد الأوّل وجودي، والثاني عَدَمِي ولا يتركَّب(5)منهما حقيقة مُحصّلة، بل ماهيّة الإمامة(6)ما ذكرناه أوَّلاً، وهذان القيدان لازمان لها.
الثاني: لا نُسلّم الحَصر في الأقسام المذكورة، على أنّا قد بيَّنا سَبب وجوب العِصمة، وذلك يستلزِم عَدَم الحَصر فيما ذكروه من الأقسام الثلاثة.
سلَّمنا الحَصر، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون وجوبها لأجل نُفوذ حُكمهِ على كلِّ مَن عداه مِن المُسلمين؟ والأمير المفروض في السؤال غير نافِذ الحُكم على كلّ المُسلمين. فلم تكُن علّة وجوب العِصمة مُتحقِّقةً في حقّه، فلم تجب عِصمته.
وعن الرابع(7): أنَّا سَنُبيِّن - إن شاء الله (تَعالَى) - أنّ إمامة المَذكورين لم تكُن حقاً، وبالله علّة التوفيق.
البرهان(8)الثاني
الإمامُ تجِبُ مُتابَعتُه بمجرّد قوله، وكلُّ من كان كذلك كان واجب العِصمة، فالإمام واجِب العِصمة.
أما إنَّه تَجب مُتابعته فلوجهين:
أما أوّلاً: فبالاتفاق، لأنّه لا نِزاع في وجوب مُتابعته على العامِّي في الفتوى والحُكم ومتابعة مَنْ يَنْصِبُهُ لهما(1)، وإنَّ العالِم والعامِّي يجب عليهما متابعته في سياسته وعدله وتوليته وأمره ونهيه وتنفيذه إلى الغَزَوات وإقامة الحُدود والتعزيرات.
وأمّا إنّ ذلك بمجرّد قوله، فلأنَّه لو كان لآخر(2)ما كان فِعلُنا متابعةً له، لأنّا لا نُوصَف بمتابعة اليهود مثلاً في اعتقاد نبوّة موسى علیه السلام، وذلك ظاهر.
وأمَّا ثانياً: فلأنّه لو جاز خلافه لجاز إمَّا في كلّ الأحكام أو في بعضها. والأوّل مُحال، لأنّ الأحكام الحقَّة لا يجوز خلافها، والثاني أيضاً باطل، لأنَّا على تقدير أنَّا خالفناه في حُكم، جاز أن يكون ذلك الحُكم في نفسه حقاً، وحينئذٍ نكون قد خالفنا الحقّ، وإنَّه غير جائز. وبتقدير تسليمه فالمقصود حاصل، لأنَّ مقصودنا ليس إلاَّ وجوب أتباعه في بعض الأحكام.
وأمَّا الكُبرى، فلأنّه لو لم يكن معصوماً لجاز أن يُخطئ الحقّ ويرتكب خلافه، ونحن لا ،نعرفه، فبتقدير ذلك منه، وقد وجب اتِّباعه، وجب علينا حينئذ ارتكاب ما نُهينا عنه، هذا خُلْف.
[شبهات الخصوم]
لا يقال: لا نُسلَّم أَنَّ الإمام تجب متابعته. قوله: لو جاز خلافه لجاز إمَّا في كلّ الأحكام أو في بعضها.
قلنا: لِمَ لا يجوز أن يكون في بعضها؟
قوله: يجوز أن يكون ذلك في نفسه حقّاً، فنكون قد خالفنا الحقّ.
قلنا: لا نُسلِّم، وهذا بناء على أنَّ الحقّ في جهةٍ وذلك ممنوع، فلِمَ لا يجوز أن يكون كلّ مجتهد مصيباً، وحينئذٍ يجوز أن يُخالفه العُلماء ويكونوا مصيبين؟ وإن كان هو أيضاً مصيباً.
سلَّمنا أنّه تجب متابعته بمجرَّد قوله. فلِمَ قُلتم: إن كُلّ من كان كذلك وجب أن يكون معصوماً؟
قوله: لو جاز عليه الخطأ، فبتقدير أن يأتي به نكون مأمورين باتِّباعه فيه، فنكون مأمورين
بفعل(1)الخطأ، وإنَّه غير جائز.
قلت: هذا مُعارض بأُمور:
أحدها: أنّه يجب على الرعيّة متابعة القاضي والأمير بمجرّد قولهما، مع أنّه لا تجب عصمتهما.
وليس لقائل أن يقول: إنّ الإمام من وراء القاضي والأمير فيكون آخذاً على أيديهما ومقوِّماً لزيغهما(2).
لأنا نقول: هذا مُتَصَوَّرٌ في أميرٍ قريب الدار من الإمام بحيث يُمكنه تدارك ما يَهُمّ [به] من سفك الدماء وإباحة الفَرْج الحَرام، فما القولُ في أميرٍ يبعُد عن الإمام بألف فرسخ ؟! فإنّه يجب على الرعية(3)الانقياد لقبول قولِه مع أنّ الإمام غيرُ مُنتَفَعٍ به في حقّ مثل هذا الأمير عند تفريطه، وَهَبْ أنّ الإمام يدَّارَكُ ذلك في ثاني الحال، ولكن كيفما كان فإنَّه يجب على الرعية الانقياد للأمير الظالم في تلك الحال، وأيضاً فأيُّ نفعٍ للمقتولِ ظُلماً والموطوءةِ حَراماً في تدارُكِ الإمام بعد ذلك؟!
وثانيها: أنّ المُفتي من الشِيعة يجب متابعة قوله مع أنّه ليس بمعصوم.
وثالثها: يجب على الحاكم الحُكم بشهادةِ مَن ظاهِرُه العَدالة مع أنَّه لا تجب عِصمة الشاهد.
ورابعها: أنّه يلزم العَبد طاعة سيّده فيما لا يعلمه مُحرَّماً، وكذلك الابن لوالده مع أنّه لا تجب عِصمة السيّد والوالد.
وخامسها: أنَّ المأمومَ يتبع الإمام في الصلاة وإن جوّز أن يكون فعل الإمام محظوراً بأن قَصَدَ بركوعه وسُجوده عبادةَ صَنَمٍ، فضلاً عن وجوب عِصمته.
والجواب عن الأوّل: أنّه ثبت في أُصول الفِقْهِ أنَّ الحقّ في جهةٍ، وحينئذٍ يجوز أن تكون تلك الجِهة جهةَ الإمام، فلو جوّزنا خلافه لجاز أن يقع ذلك خلاف الحقّ، وحينئذٍ يعود المُحال.
سلَّمناه، لكنّ خطأه في أمرٍ منصوص عليه جائز وحينئذٍ يعود الإلزام(4).
[جواب الشبهات]
وعن المعارضات:
أمّا عن الأُولى: فهو أنّا لا نُسلّم أنّ متابعة الأمير والقاضي بمجرّد قولهما، بل لقيام قولهما مقام قول الإمام، ولأمره لنا باتّباع أقوالهما، ولهذا فإنَّه لو خالف أوامرهما شيئاً من الشريعة وجب على الخلق مراجعة الإمام.
قوله: هذا إنّما يُتصوّر في أميرٍ قريب الدار من الإمام، أمّا في البعيد بحيث لا يتمكّن تلافي ما يفعلُه... إلى آخره.
قلت: الأمير المَفروض إمَّا أن يمكن الإمام تدارك كلّ الأحكام منه، أولا يمكن تدارك شيء منها، أو يمكن تدارك بعضها دون البعض، وعلى التقديرات الثلاثة فاشتراط عِصمة الإمام إنّما هو للقدر المُمكن من تدارك الأحكام، وسواء كان امتناع التدارُك لبُعد المسافة أو لعدم الاطّلاع فإنَّ كلّ ذلك لا يقدَح في اشتراط وجوب العِصمة، لأنّه لا يلزَم من اشتراط العِصمةِ اطّلاعُ المَعصوم على كلِّ الكائنات، ولا اقتداره على ما يخرج عن طاقة البشر، وبه خرج الجواب عن الثانية.
وعن الثالثة: فإنّ قبول فعل الشاهد ليس بمجرّد قوله، بل لأنّ قولَه أفادَ ظنّاً أمرنا بوجوب العَمل به، حتّى [أنّه] لو لم يُفد قوله الظَّنِّ لَمْ يجِب بمجرَّد قوله.
وعن الرابعة: إنَّ متابعة الإمام في الصلاة ليست أيضاً بمجرّد قوله، بل لقيامه مقام الإمام الحقّ حتّى لو اختلُ أمر إمامته وجب مراجعة الإمام الأكبر.
وعن الخامسة: أنَّ حُكم الأب والسيّد في حقّ الولد والعَبد حُكم الأمير في رعيّته، وقد مرَّ الجواب عنه، وهو جواب المُعارضة الأُولى، وبالله التوفيق.
البرهان الثالث
أنّه لو جاز الخطأ على الإمام فبتقدير أن تُرجّح المَفاسد التي تحصُل من نَصبه على المَصالح يجب عزله وتولية غيره بالإجماع، لكن عزله مُحال، لأنّ العازل له إمّا آحاد الأُمّة أو مجموعها، والقِسمان باطلان، فيمتنع وجوب عزله.
[و] إنّما قلنا: إنّه يستحيل أن يكون العازل له آحاد الأُمّة لوجوهٍ ثلاثة:
أحدها: لو صحّ من أحدهم عزلُه كما صحّ عزل آحادهم، لم يتميّز حاله عن حال كلّ واحد منهم، فحينئذٍ لا يكون هو أولى بالإمامة من أحدهم.
الثاني:
أن كلّ مَن شاهد أحوال المُلوك والرعايا وتصفّح كثيراً مِن جزئيّات العالَم علِمَ بالضَرورة بحسب مُقتضى العادة أنّ كلّ واحد من آحاد الرعية لا يتمكّن من عَزل مَلك بلدته، فضلاً عن مَلك الأرض بجُملتها.
الثالث: أنّه يلزم أن يكون كلُّ واحد من الرَّعية لُطفاً في حقّ الإمام الذي هو لُطف في حقّ كلّ واحد منهم، فيلزم الدور.
وإنّما قلنا: إنّه لا يجوز أن يكون العازل له مجموع الأُمّة لوجوه:
أحدها: أنّ رعيّة الإمام هو مجموع أهل الأرض، لكن اجتماع أهل الأرض على الشيء الواحد مُحال في العُرف والعادة، ولو سلّمناه في صُورةٍ لكن لا نُسلِّمه في كلّ صورة، فإنّ اجتماعهم على إزالة مَلك الأرض الذي قد خضعت له الرقاب، ورغِبَت فيه طوائفٌ من الأصدقاء، وأحاطت به الغِلمان أصعب وأعزّ من اجتماعهم على دفع مُنكرٍ لا مخافة في دَفعه.
الثاني: أنّه وإن أمكن ذلك في حقّ الإمام على سبيل النُدور في بعض المَعاصي، لكن لا يكفي ذلك في منع الإمام عن جميع المَعاصي، واجتماعهم على دَفْعِه(1)عند كلّ معصية(2)مُحال.
الثالث: أنّا نعلم أنّ كلّ واحد من الرعية يخالِفُ غيره لا يوافِقُه على المخالفَة على الإمام - على قَتله - فيكون خلافه سبباً لقتله، وإذا كان ذلك حاصلاً لكلّ واحد من آحاد الأُمّة لم يتحَّقق المَجموع على الاتفاق وبالله التوفيق.
[شبهات الخصوم وجوابها]
احتجّ الخَصم: بأنّه لو وَجَبَ نَصْبُ الإمام المَعصوم على الله لَفَعَلَهُ، ولو فَعَلَهُ لكان ظاهِراً، لأنّا نعلَمُ بالضَروة أنَّ هذا المَقصود لا يحصُل إلّا إذا كان ظاهراً متمكّناً من الترغيب والترهيب، فأمّا إذا كان مُستخفياً عن الخَلق لم يحصُل منه البتّة شيءٌ من المنافع.
والجواب: أنّ النُّطْفَ الحاصِل لانبساط يدِهِ ذو أجزاء ثلاثة:
[الأوّل]: جزءٌ يجبُ على الله فعله، وهو إيجاد الإمام المَعصوم بجميع شرائط الإمامة.
والثاني: يجب على الإمام نَفْسِهِ، وهو تحمّل أعباء الإمامة، والقيام بأمورها.
والثالث: يجب على سائر المُكلَّفين، وهو تمكينه والانقياد تحت أوامر أقلامه. ثمّ إنّ
الماهية المُركّبة لا تحصُل إلّا بتمام أجزائها، والجُزء الفائت من اللُّطف هاهنا إنّما هو المُتَعَلِّق بالمُكلَّفين، فإنَّهم لّما خوّفوا الإمام لا جَرَمَ كان مُستتراً منهم، ولم يلزَم من ذلك عدم وجوده، فإنّ الجُزء المُتَعَلِّق بالله (تَعالَى) والجُزء المُتعلّق به نفسِهِ موجودان.
سلَّمناه، لكن لا نُسلّم أنّه ليس بظاهر، وقد بيّنا أنّه يظهَر لأوليائه، والانتفاع به قائم.
لا يقال: الله (تَعالَى) قادر على أن ينصُره بجيشٍ معصوم، يُزيلون الخَوف عنه.
سلَّمناه، لكن لِمَ لَمْ يخلق الله (تَعالَى) في نفسه من القُدرة والعِلم ما يطّلع بها على بواطن الخَلق، ویَقوى على دفع شرورهم عن نفسه؟ لأنا نُجيب عن ذلك بأنّه مُعارَضٌ بخوف الرسول صلی الله علیه وآله وسلم من المُشركين واستتاره منهم، فإنّه أمرٌ متَّفق على وقوعه مع أنّه لم ينصُره في حالِ خوفه بجيشٍ معصوم، ولم يُطلعه في تلك الحال على ما في بواطنهم وعلى ما يتخلّص به من شُرورهم.
أقصى ما في هذا الباب أن يُفَرِّقوا بين الاسْتِتارين، بقِصَرِ المُدّة هناك وطُولها هاهنا، لكن هذا لا يصلُح فَرقاً لجواز أن يكون قد عَلِمَ [أنّ] فُرصةَ التمكين(1)التامّ غير مُمكنة في هذه المُدّة، أو لِعُذرٍ(2)آخر لا يُطّلع عليه، وبالله التوفيق.
وبرهانه من وجوه:
الأوّل
أنّ الإمام يجب أن يكون مَعصوماً، وكلّ من كان كذلك وجب أن يكون أفضل من غير المعصوم. أمّا المُقدّمة الأُولى فقد مرّ بيانها، وأمّا الثانية فمعلومة بالضرورة.
الثاني
لَو لَمْ يجب كون الإمام أفضل من رعيَّته لكان إمّا أن يكون مُساوياً أو أنقص، والتالي بقسمَيه باطل، فالمُقدّم مِثْلُه.
[و] إنّما قلنا: إنّه يستحيل أن يكون مساوياً، لأنّه لو كان في رعيّة الإمام من هو مساوٍ له فيما هو إمامٌ فيه لما كان مُتعيّناً في الحاجة إليه، فلم يجِب أن يوجد. وقد تعيَّن في الحاجة إليه من بين سائر الأُمّة، فوجَب أن يكون موجوداً، فوجَب أن لا يكون فيهم مساوٍ له فيما هو إمامٌ فيه.
بيان المُلازَمة: أنّه إذا ثَبَت أنّ هناك مساوياً لكان قائماً مَقامَه فيما هو إمامٌ فيه، فَلَم تتعيّن الحاجة إليه، فلم يجب وجوده.
بیان بُطلان التالي: ما بيّنا أنّ الحاجة إليه مُعيَّنة، وأنّه واجب، وأن يكون موجوداً، وأمّا أنّه يستحيل أن يكون أنقص فظاهر بطريق الأولى.
الثالث
أنّا سنبيّن - إن شاء الله (تَعالَى) - أنّ الإمام يجب أن يكون مَنصوصاً عليه من قِبَل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وإذا كان كذلك لَزم أن يكونَ الأفضل، لأنَّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم لا يَخُصُّ بتأدِيَة
أحكام الله (تَعالَى) وأوامره إلّا من كان أحفظ لها، وأقوم بتأديتها، وأعلم بمواردها، وذلك هو الأفضل الأعلم، والعِلمُ بصدق هذه(1)الصِفة فطريّ، فوجَبَ أن يكون الإمامُ أفضلَ.
الرابع
لو جاز تقديم غير الأفضل لجاز إمّا تقديم المُساوي أو الأنقَص.
والأوّل باطِل لأنّ تقديم المُساوي إن كان لا لأمرٍ كان ذلك تَرجيحاً للمُمكِنِ من غير مُرجِّح، وهو مُحال. وإن كان لأمرٍ فهو إمّا أن يرجع إلى ذات الإمام فيكون في نفسه أَرْجَح من غيره، وقد فرضناه مُساوياً، هذا خُلْف، أو إلى غيره مع أنّ نسبة غيره إليه وإلى من يُساويه في الحُكم بالتقديم على سَواء، فاختصاصه بالحُكم دون الآخَر يستدعي مُخَصِّصاً آخر، والكلام فيه كالكلام في الأوّل، فيلزم إمَّا التَسَلسُل أو الترجيح من غير مرجِّح.
والثاني أيضاً مُحال لأنّك علمت في حدّ الإمامة أنّها رئاسة عامَّة لجميع الخَلق في أُمور الدين والدنيا، وذلك يقتضي أن يكون جميع المكلَّفين في محلّ الحاجة في طريق الدين والدُنيا إلى مَنْ تحقَّقت هذه الرئاسة في حقّه، فوجب حينئذٍ أن يكون الإمام أفضلَ من سائر الخَلق فيما هو إمامٌ فيه.
واعْلَم أنّه قد دخل في هذه المسألة بحسب مُقتضى البراهين المذكورة وجوب أن يكون الإمامُ أعلمَ الخَلقِ وأشجَعَهُم وأحلَمَهُم وأكرَمَهُمْ وأتقَاهم، وبالجُملة سائر الكمالات للمَعنى المَفهوم من الإمامة. وبالله التوفيق.
1) في «ب»: والعلم بهذه
مُرادنا بذلك أنّه عالِمٌ بالأحكام الكُلّيّة من الدين بالفِعل، وأمّا الأحكام الجُزئية المُتعلِّقة بالوقائع الجُزئية فَلَهُ مَلَكَة أخذ تلك الأجزاء من القَوانين الكُلّيّة من موادّها متى شاء وأراد، ومعنى ذلك أنّه يكون مُتمكّناً من استنباط كُلّ حُكمٍ في كلّ صورةٍ(1)متَى شاء.
وأطلقَ بعضُ أصحابنا القولَ بأنَّه يجب أن يكون عالماً بكُلّ الدين(2). ولم يُفصِّلوا، فإن كان مُرادهم ما ذكرناه من التَفصيل فهو حقّ، وإن كان المُراد أنّه يجب أن يكون عالماً بجميع قواعد الشريعة وضوابطها وقوانينها ثمّ بجُزئيّات الأحكام المُتعلّقة بالحوادث الجُزئيّة التي يُمكن وقوعها على سبيل التفصيل فليس الأمر كذلك، وبُرهان فساده أنّ الجزئيّات التي يُمكن وقوعها كالمسائل الجُزئية الواقعة في كلّ باب من أبواب الفِقه والتي يُمكن وقوعها غير متناهية، وما لا نهاية له يستحيل تعلّق علم الإنسان به على سبيل التَفصيل دُفْعَةً، والمُقدّمتان نظريّتان، وما كان مُحالاً استحال أن يكون شَرطاً في صِحّة الإمامة. وبالله التوفيق.
فمن وجوه:
الأوّل: أنّا بيّنا أنّ الإمام يجب أن يكون مَعصوماً، وذلك ما لا يصِحّ مَعْرِفَتُه بالاختيار والدَعوة عَقلاً، فتعيّن أن السَبب هو النَصُّ فقط.
الثاني: أنّا بيّنّا أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيّته في كل ما هو إمامٌ فيه، وذلك ممّا لا يُمكن مَعرِفَته بالاختيار والدَعوة.
الثالث: القول بالاختيار يؤدِّي إلى خُلوِّ الزَمان عن الإمام، وذلك غير جائز.
بيان الأوّل: أنّ الاختيار ليس لكلّ أحد، بل لأهل الحَلُّ والعَقْد من الأُمَّة الذين هم أقلّ الأُمّة عَدداً، وهؤلاء بالاتّفاق غير مَعصومين، فبتقدير أن يختَلِفُوا في إمامَين مَثَلاً فَتُعَيِّنُ كُلَّ فِرقةٍ إماماً باختيارها، وتتعادل الفِرقتان، فأمّا أن يُعمل باختياريهما(1)وهو باطل بالاتّفاق، وإمّا أن يُعمل بإحداهما وهو تحكّم مَحْض لأنّه تَرْجِيحٌ فيه على الآخَر، وإمّا أن يُنفى(2)الاختياران فيكون ذلك إخلاءً للزّمان من الإمام.
وأمّا بيان الثاني، فبالاتّفاق، ولمثل هذا الدليل يبطُل القولُ بالدَعوة.
[شبهات الخصوم وجوابها]
لا يقال على الأوّل: إنّه لا امْتِناعَ في أَنْ يَنُصَّ اللهُ (تَعالَى) على قومٍ بأعيانهم ثمّ يُفوِّض اختيار العَقل.
وعلى الثاني: إنّا لا نُسلَّم أنّ الإمام يجب أن يكون أفضلَ، وإن سلَّمناه لكن أفضل حقيقة أو في الظاهر؟ الأوّل مَمنوع والثاني مُسلَّم، وكونه أفضل الخَلق في الظاهر لا يتوقّف على التَنصيص، بل يكفي فيه الاختيار كما في تَوْلِيَةِ الأُمراء والقضاة.
وإنَّما قُلنا: إنّه يكفي أفضليَّتُه في الظاهر لما أنّا قد اكتفينا بالظُنون في الشُهود، وعَدالة إمام الصَلاة، وأمر السيّد عَبْدَهُ والزوج زَوْجَتَهُ فيجوز أن يكون هنا كذلك.
سلَّمناه، لكن يجوز أن يَنُصَّ اللهُ (تَعالَى) على قومٍ كثيرين يكون كلُّ واحد منهم أفضلَ أهلِ زمانه في الباطن، ثمّ إنّه يُفَوَّض الاختيار في إمامتهم إلينا.
لأنّا نُجيب عن الأوّل: أنّا بيَّنا أنَّ العِصمة تستلزم الأفضلية، والأفضلية تستلزم التعيين، وحينئذٍ لا حاجة إلى تَفويض الاختيار إلى الأُمَّة، ويظهَر عَدَم اعتبارِه بتقدير اختيارِهم غير الأَفضل، وقد سَبَق بيان ذلك.
وعن الثاني: أنّا بيَّنّا أنّه يجب أن يكون أفضل.
قوله: في الحقيقة أو في الظاهِر؟
قلنا: بل في الحقيقة، سلّمنا أنّ أفضليّته في الظاهر مُعتبرة، لكن لا نُسلّم أنّه يُكتفَى باختياره، بل لا بدّ فيه مِن التَنصيص، والقِياسُ على الأُمراء أو أئمّة الصلاة؛ قد بيَّنّا الفَرق بين إمام الأصل والمَذكورين.
قوله: يجوز مع نَصّ اللهِ (تَعالَى) على أفضليّة قومٍ أن يُفوّض إلينا أختيارهم.
قلنا: لا نُسلَّم، فإنّا بيَّنّا أنَّ الأفضليّة تستلزِم التعيين، فيكون الاختيار هَدراً. وبالله التوفيق.
النوع الثاني من(1)الاستدلال
بيانه من وجوه:
الأوّل: أنّ الضرورة قاضية بعد الخوض في أمر الدين أنّ السياسة هي التي يقوم عليها الدين ولا تَتِمٌ بدونه(2)، ثمّ إنّه قد عُلم من حال الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أنّه كان يَسوس أُمّته كما يَسوس الوالد أولاده الصِغار، ومِصدَاق ذلك قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّما أنا لكم كالوالد الشفيق».
وقال: «أنا لكم كالوالد لِوَلَدِه، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبِل القِبلة ولا يستَدبِرها»(3).
ثمّ إذا كان الوالد يجب عليه الوصيّة بأولاده الصِغار عند موته فَلَئِنْ يجب عليه أن يُوصي بأُمّته إلى أحدٍ يقومُ فيهم مقامَهُ، ويُنفِّذ فيهم أمر الدِين ويَحْفَظه، يكون أولى.
الثاني: أنّه علیه السلام قد شاعَ وتظاهَرَ عنه مبالَغَتُه في بيان أحكام الشرع من الفرائض والسُنن والآداب وشَرْح كيفية الاستنجاء والمسح على الخُفَّين، والعَقل يشهد بأنّ أمر الإمام أهمّ
من كلّ واحدٍ من هذه الجُزئيّات، فإذا ثبت أنّه علیه السلام لم يُخِلَّ ببيان هذه الأشياء فَبِطَريق الأولى أن لا يُخِلّ بأمر الإمامة.
الثالث: أنّ الله (تَعالَى) ما قبض نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم الله حتّى أنزل عليه: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم)(1)ولا يكون مُكْمِلاً للدين إلّا وقد بيَّن كل ما يتعلّق به، والإمامة - وإن لم تكُن أعظم أركان الدين - فلا شكّ أنّها من الأُمور المُهمّة في الدين، فإذن من الواجب أن يكون (تَعالَى) قد بيَّن أمر الإمامة، إمّا في كتابه أو على لسان نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم، وذلك يقتضي وجود النَصّ.
[شبهات الخصوم وجوابها]
لا يقال على الأوّل: إنّا لا نُسلّم أنّه يلزَمه في أُمّته كلّ ما يلزَم الوالد في حقّ أولادِه الصِغار، لأنّه ما كان يلزَمهُ دفع الضَرر عنهم، ولا الإنفاق عليهم، وإن وَجب ذلك على الوالد.
وعلى الثاني: إنّ الصحابة لمّا أجمعوا على صِحّة الاختيار وجب أن يكونوا عالِمين بما دَلّهم على صِحّة الاختيار لانعقاد الإجماع، لا على الدلالة، ثمّ الذي يدُلُّ على جواز الاختيار وجهان:
أحدُهما: قوله علیه السلام: «إن وَلّيتم أبا بَكرٍ وجدتموه قويّاً في دین الله، ضَعيفاً في بدنه، وإن ولّيتم عمر وجدتموه قوياً في دين الله قوياً في بدنه، وإن ولّيتم علياً وجدتموه هادياً مهدياً»(2)وذلك إشارة إلى صِحّة الاختيار.
الثاني: ما رُوي أنّ المُسلمين ولّوا يوم مؤتة خالد بن الوليد، ولم يُنكِر ذلك عليهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(3)، وإذا ثَبَت أنّه علیه السلام نبَّههم على جوازه كان قد بيَّن لهم أمر الإمامة كما بيّن لهم سائر الشرائع، وهذا هو الاعتراض أيضاً على الثالث.
لأنّا نُجيب عن الأوّل: بأنّا ما ادَّعينا أنّه يلزَمه في أُمّته كلُّ ما يلزَم الوالد مع أولاده، بل بيِّنّا أنّه إذا كان قد وجب على الوالد أن يُوصي بأولاده الصغار، مع أنَّ أمرهم جزئيّ من جزئيّات أحوال الخَلْق، فوصيّة الرَسول صلی الله علیه وآله وسلم بأُمّته الذين هم كلُّ الناس في الحقيقة يكون بطريق الأَولى.
وعن الثاني: لا نُسلَّم أنّ الإجماع حُجّة. سلّمناه، ولكن لا نُسلِّم على أنّ الإجماع انعقد على ذلك، فإنّ كثيراً من الصحابة لم يكن حاضراً، وكثيراً منهم لم يكن راضياً، وبالجُملة فعليكم حَصر الصحابة ليتِمَّ لكم الإجماع.
وأمّا الخَبر الوارد في ذكر الشيخين فلا نُسلِّم صِحّته، ثمّ إن سلَّمناه لكن لا دلالة فيه على صلاحيّتهما للاختيار، فإنَّ ذِكر قُوَّتِهما في الدين لا يُوجب صِحّة اختيارهما، فإنّ غيرهما أكابر الصحابة كانوا أقوى منهما في الدين، فلو كانت القُوّة في هذين الأمرين مُوجِبة للاختيار، لما كانا أولى بالتعيين.
بل نقول: إنّ هذا الخَبر كان منه(1)تنبيهاً عظيماً للصحابة على وجوب نصب عليّ علیه السلام وتعيينه دونهما، لأنّ مقصود الأوّل إلى الإقامة(2)إنّما هو هداية الخَلق الطريقَ المُستقيم ممّن هو مهتدٍ في نفسه، فإنّه لا يصلُحُ لمثل هذا الأمر إلّا مَن كان كامِلاً في نفسه، قادراً على تكميل غيره من الناقصين، فلذلك نَبَّه الصحابة على وجوب اتّباعه (صلّى الله عليهما) بقوله: «هادياً مهديّاً»، وإنّما احتاج هاهنا إلى هذه الرُموز لما(3)يَعلم أن أكثر الصحابة كانوا بِطِباعهم الحيوانية يرغَبون عن عليّ علیه السلام وتنفِرُ قلوبُهم منه، وهذا أمر ظاهر لو كانت لهم قُلوبٌ يعقِلون بها أو آذانٌ يسمَعُون بها.
وأمّا قوله: إنّ المُسلمين وَلُّوا يوم مُؤتة خالد بن الوليد وَلم يُنكِر عليهم ذلك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. فنقول: بعد تسليم صِحّة هذا الخَبر فليس فيه أيضاً دلالة على صِحّة اختيارهم، فإنّ الحُجّة ليست إلّا في تقريره علیه السلام لهم على ذلك الاختيار، لا في نفس الاختيار، ثمّ أقلّه كان ذلك لضرورةٍ أو حاجةٍ اقتضت سكوته علیه السلام عن الإنكار عليهم، فأين ذلك من مُجرّد اختيارهم بعد موته، وخلافِ كثيرٍ مِن الصحابة لهم؟ وبهذا ظَهَر الجواب عن الاعتراض الثالث. وبالله التوفيق.
وأمّا النوع الثالث من الاستدلال
فسنُبَيِّنه إن شاء الله (تعالَى) في تعيين الإمام.
احتجّ الخَصم في إبطال النَصّ بأن قال: لو نَصَّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم على الإمام بعده نصّاً جليّاً لكان ذلك بمشهَدِ أهل التواتُر، أو لا يكون. والتالي بقسميه باطل، فالمُقدَّم كذلك. أمّا المُلازمة فظاهرة، وأما بُطلان القِسم الثاني من التالي فلأنّه يُبطل أصل الحُجّة، وأمّا القِسم الأول فلأنّه لو كان كذلك لَوَجَب اشتهارُه بين الأُمّة كسائر المُتواترات.
وإنّما قُلنا ذلك لأنّ تنصيص الرسول صلی الله علیه وآله وسلم على إمامة شخص معيّن [أمر عظيم، وكلّ أمر
عظيم](1)يقع بمشهد أهل التواتر، فلابدّ وأن ينتشِر في أكثر الخَلْق، وكُلّ خَبَرٍ هذا شأنه فلا بُدّ وأن يحصُل العِلم لسامِعيه، فهذه دعَاوى ثلاث(2)يصحّ بصحّتها المَطلوب. وإنّما قُلنا: إن تَنصيص الرسول صلی الله علیه وآله وسلم على إمامة شخصٍ معيّنٍ أمر عظيم، لأنّ أعظم الأشياء عند الإنسان الدِّين، وأعظم الناس الشارع، فإذا أقام الشارع إنساناً نائباً له في دين أُمّته ودُنياهم، فلا شكّ في كون تلك المنزلة أعظمَ المنازل.
وإنّما قلنا: إنّ الأمر العَظيم الواقع بمشهَدِ الناس لا بدّ وأن ينتشِر، لأنا نعلم بالضَرورة أنّ أهل الجُمعة إذا انصرفوا عن المسجد وقد تَنَكَّس(3)الخطيب عن المِنبَر مثلاً، فإنّما يمتنع أن لا يُخبروا الناس بذلك وأن تتوفّر دواعيهم على نقله.
وإنّما قلنا: إنّ الخَبر الذي هذا شأنه يُفيد العِلم، لأنّ ذلك ضَروري.
وإذا ثبتت هذه المُقدّمات لزم من وجود النصّ انتشاره وظهوره فيما بين الخَلق كسائر المتواترات، فلمّا لم يكن كذلك علِمنا كَذِبَه.
والجوابُ: إنّا سَنبين - إن شاء الله (تَعالَى) - صِحّة النَصّ الجَليّ على إمامة عليّ علیه السلام، وأنّه بلَغ مبلَغ التواتُر، وحينئذٍ ينتفي الاختيار. وبالله التوفيق.
أمّا المُقدِّمة: ففي تَفصيل المذاهب في هذه المسألة.
فنقول: ذَهَبَ جُمهور المُعْتَزِلة والأشْعَريّة والخوارِج والمُرجِئَة(2)إلى أنّ النَبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لَمْ ينص على إمامٍ بعده.
وقال قوم: إنّه نَصَّ على إمام بِعَيْنِه، ثمّ اختلفوا في ذلك المَنصوص عليه:
فقالت الشِيعة: إنّه نَصَّ على عليٍّ علیه السلام.
وقال قوم من الشُّذّاذ: إنّه نَصَّ على أبي بكر.
وقال آخرون: إنّه خَصَّ العبّاس بأقوال وأفعال تستلزِم أنّه الأَحقُّ بالإمامة دون غيره(3).
والذين ذهبوا إلى القول بالنَصِّ على أبي بكر فمنهم من قال: إنّه نصٌّ خفيٌّ، وهو تقديمُه
1) في «ب»: وأبحاث
2) المُرْجِئُة: وهم الذين قالوا: لا يضرّ مع الإيمان ،معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقالوا: الإيمان قول بلا عمل، كأنّهم قدّموا الإيمان وأرجأوا العمل، أي أخّروه، لانهم يرون أنّهم لو لم يُصلّوا ولم يصوموا نجّاهم إيمانهم، وبذلك أسقطوا الوعيد جملةً عن المسلمين، وقال بعضهم: لا يضرّ مع الإيمان سيّئة جلت أو قلت، أصلاً، ولا ينفع مع الشِّرك حسنة. وقالوا: إنّ الإمامة يستحقُّها كل من قام بها إذا كان عالماً بالكتاب والسنّة، وإنّه لا تثبت الإمامة إلا بإجماع الأمّة كلّها. المقالات والفرق: 5 و 6 و 8 و 10 و 11 و 13 و 15، الفَرق بين الفِرق: 202 - 205، الملل والنحل 1: 125 - 130، معجم الفرق الإسلامية: 219
3) يُنسب هذا القول إلى الراونديّة: وهم شيعة ولد العباس بن عبدالمطلب، وقد خصّصوا الإمامة بالعباس وولده من بين بطون قريش كلها، وظهر قولهم في أيام المنصور والمهدي العباسيين، وينسبون إلى ابن الراوندي، أو إلى راوند: بلدة قريبة من أصفهان. راجع شرح نهج البلاغة 9: 87، المقالات والفرق: 180، فرق الشیعة: 46
له في الصلاة، وهذا القولُ مَحْكِيٌّ عن الحَسن البَصري(1). ومنهم من قال: إنّه نَصٌّ جليٌّ. وهو قول جماعة من أصحاب الحديث، فهذا تفصيل المَذاهب(2).
1) هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، ولد بالمدينة، وعاش في البصرة، وتوفي سنة 110 ه الإمامة والسياسة 1: 2، سير أعلام النبلاء 4: 563، تهذیب التهذیب 2: 263، أعلام الزركلي 2: 226
2) لتفصيل نظر المذاهب المختلفة في هذه المسألة أُنظر: فرق الشيعة 19، الإمامة والسياسة 1: 2، الشافي 2: 107 و 158، الفصل في الملل والأهواء والنحل 2: 108، تلخيص الشافي 2: 94، الملل والنحل 1: 78 و 94 و 144، نهج الحق: 171
وبيان ذلك بثلاثة أنواع من الأدّلة:
وهي ثلاثة:
الأوّل: النَصّ المتواتِر على إمامته، وهو قول النَبيّ صلی الله علیه وآله وسلم مخاطباً لأصحابه: «سلّموا عليه بإمرة المُؤمنين»(1).
الثاني: قولُه صلی الله علیه وآله وسلم وهو مشير إليه آخذٌ بيده: «هذا خليفتي فيكُم مِن بَعدي فاسمعُوا له وأطيعوا»(2).
الثالث: قولُه علیه السلام يوم الدار وقد جمع بني عبد المطلب: «أيّكم يُبايعني ويُؤازرني يكُن أخي ووصِيِّي وخليفتي مِن بَعدي»؟ فبايعه عليّ علیه السلام(3). فوجب أن يكون أخاه ووزيره
1) أمالي الطوسي 1: 340، تلخيص الشافي 1: 45، ترجمة الإمام عليّ من تاريخ ابن عساکر 2: 784/259، مناقب ابن شهر آشوب 3: 21، إعلام الوری: 162، الیقین: 10 و 31 و 83 و 96 و 111 و 139 و 173
2) تاريخ الطبري 2: 216، تلخيص الشافي 1: 45، تفسير البغوي 4: 278، إعلام الوری: 162، شرح النهج لابن أبي الحديد 13: 210، الكامل في التاريخ 2: 60 و 63، کنز العمال 13: 26419/131
3) مسند أحمد 1: 111، تفسير الحبري: 347، تفسير الطبري 19: 75، تاریخ الطبري 2: 216، شواهد التنزيل 1: 116/420، الکامل في التاريخ 2: 63، شرح النهج لابن أبي الحديد 13: 210، مجمع الزوائد 8: 302، ينابيع المودة: 105
ووصيّه وخليفته من بعده.
[شبهات الخصوم حول النصوص]
لا يقال: لا نُسلِّم وجود هذه الأخبار، بل هي موضوعة، وفي المَشهور أنّ الواضع لها ابن الراوندي. سلّمناه، لكن لا تُسلِّم أنّها مُتواتِرة. سلّمناه، لكنّها معارضة بأُمور تُنافي النَصّ:
الأوّل: أنّه لمّا مرِض الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم قال العبّاس لعليّ علیه السلام: ادخُل بنا عليه نسأله عن هذا الأمر، فإن كان لنا بَيَّنه، وإن كان لِغَيرنا وصّى الناس بنا(1). ومعلوم أنَّ عليّاً علیه السلام لو كان مَنصوصاً عليه لكان العبّاس أعرف الناس بذلك، فكان لا يقول مثل هذا الكلام.
الثاني: لمّا قُبِض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال العبّاس لعليّ علیه السلام: امدُد يدك أُبايِعكَ، فيقولُ الناسُ: هذا عمّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قد بايع أبن عمّه، فلا يختِلف عليك أثنان(2).
ومعلومٌ أنّ العبّاس إنَّما قال ذلك لأنّه وَثِقَ بطاعة الناس لمن يُبايعه(3)هو لكونه عمّاً لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إعظاماً مِنهم لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والذين يكونون كذلك لا بدّ وأن يكونوا مُطيعين لِمَن نَصَّ عليه الرسول صلی الله علیه وآله وسلم لأنّه من رَضِيَهُ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم للإمامة فَقَبُول المُسلمين له أكثر ممّن رَضِيَهُ غيرُ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فالعبّاس كيف يُمكنه الجَزم بأنّه لا يختلِف اثنان على من بايَعَهُ عَمُّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مع مُشاهدته أنّ الصحابة كُلَّهم تركَوا نصَّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فإنّ هذا الكلام إمّا جهالةٌ مُفرطةٌ أو وَقاحةٌ.
الثالث: أنّ الأنصار لمّا طلبوا الإمامة، وقدّم المُهاجرون أنفسهم عليهم لِسابقتهم(4)في الإسلام ومزيد اختصاصهم بالنَبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، قال أبو بكر: بايعوا عمر أو أبا عُبَيْدَة. فدفع عمر ذلك عنه، وقال: ولئن(5)أَقدَّم فأَنْحَرُ كما يُنْحَرُ البَعيرُ أحبّ إليَّ مِن أن أَتقدّم قوماً فيهم أبو بكر. فقال عمر لأبي عُبيدة: امدُد يدك أُبايِعكَ. فقال أبو عُبَيدة: أتقول هذا وأبو بكر حاضر. ثمّ قال لأبي بكر: كنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه في المَواطن كلّها شِدّتها ورَخائها، قدّمك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في الصلاة(6)، فخُصّ(7)بالإمامة لأجل الدين. ومعلوم أنّ أمثالَ هذه
1) السيرة النبوية لابن هشام 4: 304، وأنظر الردّ عليه في: الفصول المختارة: 203، الشافي 2: 151 وتلخيصه 2: 145
2) شرح ابن أبي الحديد 1: 160، وأنظر الردّ عليه في الفصول المختارة: 200، الشافي 2: 149 وتلخيصه 2: 116 و 145
3) في «أ»: يتابعه
4) في «أ، ب»: لمسابقتهم
5) في «أ، ب» ولكن، وفي شرح ابن أبي الحديد: والله لأن أقدّم، وما أثبتناه استظهار في حاشية «أ»
6) راجع تاريخ اليعقوبي 2: 13، تاریخ الطبري 3: 201، شرح ابن أبي الحديد 2: 25
7) في «أ»: فخصوا
الكلمات - عمَّن يعلَم النَصَّ ويعلَمُ مِنْ غَيرِه عِلمَهُ بكونه كاذباً فيما يقوله - وَقاحةٌ.
الرابع: أنّ أبا بكر قال: قد وددتُ أني سألتُ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم عن هذا الأمر فيمن هو فَكُنّا لا عمل نُنازِعه أهله(1).
وقال عمر: إن أسْتَخْلِفُ فقد اسْتَخْلَفَ من هُو خيرٌ منّي - يعني أبا بكر - وإن أترُك فقد تَرَك من هُو خير منِّي، يعني النَبيَّ صلی الله علیه وآله وسلم(2). وإنّهما بزعم الشِيعة كانا عالِمَينِ بكونِهما غير صادِقَين، وإنّ السامِعين يعلَمون كَذِبَهُما ، ولو كانا كذلك لما أمِنُوا أَن يتجاسَر واحدٌ مِمَّن حَضَر مقالتيهما على تكذيبهما وتَخْجِيلهما، فكيف يُمكن إقدامهما على هذه المُكابَرة والوَقاحة من غير حاجةٍ ولا ضَرورةٍ إلى هذا الكلام؟!
الخامس: لو ثَبَتَ النَصُّ(3)، لامتَنَعَ عليٌّ علیه السلام من الدُخول في الشُورى، لأنّ دُخولَه فيها(4)رِضاً منه بالنَصّ على أيّ واحدٍ منهُم كان.
لا يقال: إنّه دَخل فيه للتقيّة. لأنّا نقول: التقيّة إِنَّما يَحتاجُ إليها فيما يُقَرِّبُه إلى الإمامة لا فيما يُبعِدُه منها.
السادس: وَلَمَا قال عليّ علیه السلام لِطَلحَة: إن أردتَ بايعتُكَ» فقال طَلْحَة: أنت أحَقُّ بهذا الأمر مِنِّي، وقد يجتمع لك من هؤلاء مالم يجتمِع لي(5).
السابع: [و] لَما أحتجَّ عليٌّ علیه السلام على مُعاوية ببيعة الناس له، لأنّه لو كان مَنصوصاً عليهِ لَمَا كانت إمامَتُهُ بالبيعة حتّى يحتَجَّ بها، وقد كَتَبَ إلى مُعاويةَ (لعنه الله): «أمّا بعد، فإنَّ بَيعتي بالمَدينة لَزِمَتْكَ وأنت بالشام، فإنَّه بايَعَنِي الذين بايَعوا أبا بكرٍ وعُمر وعثمان على ما بايَعُوهم عليه»(6).
الثامن: ولَمَا قال: «أترُكُكُم كما تَرَكَكُم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(7)، فإن يعلَمِ اللهُ فِيهِ خَيْراً يَجْمَعْكُم على خيرٍ كما جَمَعَكُم على خيرٍ بأبي بكر».
التاسع: ولَمَا قال: «لولا عليها تَيسٌ(8)من تُيُوس بني أُمَيَّة يحكُم بغيرِ ما أنزلَ الله لَمَا
1) تاريخ الطبري 4: 53، الشافي 2: 114 و تلخیصه 2: 103
2) تاريخ الطبري 5: 34، العقد الفريد 5: 25، الشافي 2: 115 و تلخیصه 2: 104
3) يبدو من جواب الخامسة من المعارضات الآتية أنّ في هذا الموضع سقطاً
4) في «أ»: فيه
5) تاريخ الطبري 5: 156 «نحوه»
6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14: 35
7) مجمع الزوائد 9: 137
8) في «أ»: لولا يكن وعليها تيسٌ، وكذا في «ب» لكنه ترك فراغاً بدل يكن (و) بمقدار كلمة واحدة، ولعل العبارة: لولا أخشى عليها تيساً
دَخَلْتُ فيها».
العاشر: ولَمَا قال حِينَ دُعي إلى البَيعة: «أُترُكوني والْتَمِسُوا غَيرِي، فإِنِّي أَسْمَعُكُم وأطْوَعُكم إن وَلَّيْتُم غَيري»(1).
الحادي عشر: ولَمَا أنكر أكثر أهلِ البيت هذا النَصَّ، فإنَّ مِن المَعلوم فَرْطُ حُبِّهِم لِعَلِيٍّ علیه السلام، ومَن كان كذلك استحالَ أن يُنْكِرَ أعظمَ فَضِيلةٍ لِمَحْبُوبه، ومعلومٌ أنَّ زيد بن عليّ (رضي الله عنهما) - مع كمال فَضْلِهِ ودِينِهِ - وجميع أتباعه أنكروا ذلك.
الثاني عشر: رُويَ أَنّ السَّيِّدَ الحِمْيَريَّ(2)قال: ما لأمير المُؤمِنِينَ فضيلةٌ إلّا ولِيَ فيها قَصيدةٌ. وهذا النَصُّ الجليُّ لَو صَحَّ لكان أعظَمَ فضيلةٍ له، وما كان كذلك استحال من مادِحِه إلّا ذِكرُه في أكثر قصائِدِه وأشعاره، ولكن ليس لهذا النصِّ في أشعار السَيِّد الحِمْيَريِّ ذِكْرٌ، فدلَّ على كونه موضوعاً مُخلَقاً(3). فثبت بمجموع هذه الأدلّة أنّ النَصَّ على إمامة عليٍّ علیه السلام لم يوجَد.
[جواب الشبهات]
والجوابُ: عن الأول والثاني أن نقول: إنّ هذه الأخبار بَلَغَت مَبْلَغَ التواتُر، ولا يُمكن إنكارها. أقصَى ما في الباب أن يقال: لو كان كذلك لَتَواتَرَ إلى المُخالِف والمُوافِق، ولَمَا اختصَّت به الشِيعَةُ دُونَ غيرِهم، لأنّا نَقول: إنَّه كما يُشتَرَطُ صِحَّةُ النَقل في نَفس الأمر اشتُرِط أيضاً انتفاءُ المانِع عن الأذهان القابِلةِ لَهُ.
وقد ذكر السيِّد المُرتضى رحمه الله شَرْطاً في التواتُر لا يُمكِن إنكاره، فقال: مِنْ شَرْطِ حُصولِ العِلمِ بالشيء بحَسَبِ التواتُر أن لا يسبِق إلى ذِهن السامِع اعتقاد نَفي مُوجِب الخَبر لشُبهته؟. ومعلومٌ أنَّ هذا شَرْطٌ صَحيح، فإنَّا نجِد من أنفُسنا أنَّا متَى اعتقدنا نفيَ شيء اعتقاداً جازِماً استحالَ لَنا أن نعتقِدَ صِحَّة ضِدِّه.
وإذا كان كذلك فنقول: إنَّ تلك النُصوص لمّا جَزَمِ الخَصْمُ بِنَفيِ مُوجِبها بحَسَب مَا لَاحٍ لَهُ من الشُّبْهَةِ، لا جَرَم ما يُمكنهُ الجَزْمُ بوجودِ هذا النصِّ المُضادِّ لليقين، أمّا من لم يسبِق له
اعتقاد نفي ذلك المُوجِب، لا جَرَمَ حَصَل له العِلم لِمُوجِب ذلك النَصِّ ضَرورةً، إذا كان حُصول العِلم من النَقل هو الدَّليل على صِحَّة ذلك التواتُر.
وعن الثالث - وهو الأوّل من المُعارَضات - أن نقول: إنَّ العبّاس لم يقُلْ لعليٍّ علیه السلام ذلك لِجَهْلِهِ بالنَصّ والاستِحقاق، وإنَّما مَقصُودُه أن يسأله عن استقامة هذا الأمر فيهِم بَعْدَهُ وتسليم الأمَّة لهم، وهل المَعلوم لله الواقع بعد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وتمكينِهم مِنهُ وعدم الحَيلولَةِ بينَهُم وبينَهُ، فيطمئِنُّ لذلك قلبُه ويسكُن، أو لا يستقيمُ ذلك لَهُم بل يكون مع استحقاقهم له كائناً لِغَیرِهِم؟
ويدلُّ على أنَّ المُرادَ ذلك تمامُ الخَبَر، وهو جواب النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم للعبّاس: «على سبيلِكُم مَعْشَرَ الشيعةِ(1)، أنتُمُ المَظْلُومُونَ المَقْهُورُون»(2)وهذه التَتِمَّةُ ممَّا جاءت به الرواية، ولولا أنَّ السؤال من العبّاس كان على الوَجه الذي ذكرناه لم يكُن لِجواب النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بالتَتِمَّة المَذكورة فائدة تُعقَل.
وعن الثاني من وَجْهَين:
أحدُهما: أنّ دُعاء العبّاس أمير المؤمنين علیه السلام إلى بَسْطِ اليد للبَيْعَة إِنَّما كان بَعْدَ ثُبوت إمامته لِتَجْدِيد العَهْد في نُصْرَتِه، والحَرْب لِمَن خالَفَهُ وضادَّهُ، وَلَمْ يَحْتج علیه السلام إليها(3)في إثبات إمامته.
ويدُلُّ على ذلك قول العبّاس: يقول الناسُ: هذا عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بايَعَ ابنَ عمِّهِ، فلا يختلِفُ عليك اثنان» فعلَّق الاتفاقَ بوقوع البَيعة، ولم يكن ليُعلّقه(4)[بها] إلّا وهي بيعةُ الحرب التي يذهب عندها الأعداء ويحذرون من مُخالَفَتِه، ولو كانت بيعة الاختيار من جهة الشُورى والاجتهاد لما مَنَعَ ذلك من الاختلاف، بل كانت البيعةُ نفسها طريقاً إلى تشَتُّتِ الرأي وتعلُّق كُل قبيلٍ باجتهاده واختيارِ مَن يَراه(5).
1) في الفصول المختارة على رسلكم معشر بني هاشم
2) الفصول المختارة: 203، الشافي 2: 153، تلخيص الشافي 2: 148، ومما رواه الحاكم في المستدرك 4: 487 أبي سعيد الخّدري قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أُمتي قتلاً وتشريداً. وإن أشدّ قومنا لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم». وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه
3) (اليها): ليس في «ب»
4) في «أ، ب» متعلّقه، وفي الفصول المختارة (ص 201) لتعلقه بها، والظاهر ما أثبتناه
5) في «أ»: يراد
وينبّه على ذلك تمام الخبر، وهو: لمّا(1)ألَحَّ عليهِ العبّاسُ قال: «يا عمّ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصاني أن لا أُجَرَّدَ سيفاً بَعْدَه حتّى يأتيَني الناس طَوْعاً، وأمرَني بجَمْعِ القُرآن، والصّمْتِ حَتّى يجعل(2)اللهُ [لى] مَخرجاً» فدل ذلك على أنَّ البَيعة إنَّما دَعا العبّاس إليها للنُّصرة والحَرب، وأنّه لا تعلُّق لِثُبوت الإمامة بها.
الثاني: أن يُقال: إنّ القوم لمّا أنكروا النصّ وأظهَروا أنَّ الإمام يثبُت بطريق الاختيار، أراد العبّاس (رضي الله عنه) أن يَكِيدَهم مِن حيثُ ذهبوا إليه، ويُبطِلَ أمرَهُم بنفس ما جَعلوه طريقاً لَهُم إلى جَحْدِ النَصِّ، فقال: «ابْسُطُ يَدَك أُبايِعْكَ، فإن سلَّموا الحقَّ إلى أهلِه لم تَضُرُّكَ البيعةُ، وإن ادَّعَوا الشُورَى والاختيار وأنكَروا حقَّكَ كان لك من البَيعِة والعَقْد والاختيار ما لَمْ يَكُنْ لَهُم، فلم يُمكنِهُم الاستِبدادُ بالأمرِ دونَك»(3). فكَرِه علیه السلام أن يَجْعَلَ البَاطِل طريقاً إلى حَقَّه مع ظُهورِ النَصَّ بينهُم عليهِ في ذلك الوَقت.
فإن قُلتَ: إن لم تَكُن البيعة طريقاً صحيحاً فَلِمَ اعتمدَها بعد قَتلِ عُثمان، واحتجَّ بها على مُعاوية (لَعَنَهُ الله)؟
قلتُ: إنَّه لمّا كان يطمعُ مِنهم أن يرجِعوا إلى النَصّ في حالِ وفاةِ الرَسول صلی الله علیه وآله وسلم وقُرب عَهدِهِم به، لأجلهِ لم يجعل البَيعة طريقاً إلى حقِّه، خُصوصاً مع ما أنضاف إلى ذلك من إشارة الرَسول صلی الله علیه وآله وسلم له إلى عدم استِتمام هذا الأمر له بعدَهُ، فلمّا طالَ العَهْدِ وتَقادَمَ إنكارُ النَصّ وصار كأن لم يُوجد، ثُمّ رأى إقبال الخَلْق بأسرِهم عليه لم يُمكنه إلّا القيام بالحَقِّ ونُصرة الدِين، كما قال علیه السلام: «والله لولا حُضُورُ الحاضِر، وقيامُ الحُجَّةِ بوجود الناصِرِ، وما أخَذَ اللهُ على العُلماءِ أن لا يُقَارُّوا(4)على كِظَّةِ(5)ظالمٍ، ولا سَغَب مظلومٍ(6)، لألقيتُ حَبْلَها على غارِبِها»(7).
وأمّا أنَّ العبّاس لمّا وَثِقَ بطاعة الناس في هذا الأمر له، فدلّ ذلك على أنَّهم أطوع لمن نَصَّ عليه الرَسولُ صلی الله علیه وآله وسلم وارتضاه ،للإمامة، وكيف يُمكِنُهُ الجَزم بأنه لا يختلِف اثنان مع
1) في «أ، ب»: إنما. تصحيف، راجع: الفصول المختارة: 201
2) في «أ، ب»: حتى يخرج، وما أثبتناه من الفصول المختارة: 201
3) الفصول المختارة: 202
4) ألا يُقارُّوا: ألّا يوافقوا مُقرّين
5) الكِظَّة: ما يعتري الاكل من الثَّقَل والكَرْب عند امتلاء البطن بالطعام، والمراد: استثثار الظالم بالحقوق
6) السَّغب: شدة الجوع، والمراد منه هضم حقوق المظلوم
7) نهج البلاغة: 3/50، والغارب الكاهل، والكلام تمثيل للترك وإرسال الأمر
مُشاهَدَتِه أَنَّهُم بأسْرِهِم تَرَكوا نَصَّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لولا أنَّ النصّ غير صَحيح؟!
فنقول: إنّه لا يلزَم من وُثوق العبّاس بطاعتهم كونهم مُطيعين لِنصِّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم لو كان النَصُّ موجوداً، وكيف لا يُعقل الفَرق بين طاعة رجلٍ هو عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ما يتعلّق به من خواصّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته، ثمّ يبايع مثل عليٍّ [مع](1)قيام النَصِّ وطَراوته في حَقِّهِ، وبين مُجَرِّد نَصّ ذكره الرسول صلی الله علیه وآله وسلم مرّةً أو مرّتين في حقّ شخصٍ قد اتَّفقَ السامعون لذلك النصّ على حَسَدِهِ بما خَصَّهُ اللهُ (تَعالَى) به من الفَضائل استحقَّ أن يُقالَ فيه ذلك النَصّ، وعلى بُغضِه(2)بما أبلاهم به من قتل الأعزّة والأحبّاء، خصوصاً وهم الطالبون لهذه الرئاسة؟، فإنّه(3)لا عجب من طِباع إنسانٍ تعلَّقت [نفسه] بحبِّ رئاسةٍ عامّةٍ في أُمور الدين والدُنيا أن يكتُمَ شهادةً، ولو أثبتها بخطّه في صكٍّ وقُوبِل بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن نصٍّ ذكره مرّةً أو مرّتين، فإنَّ مَنْ لا يعقِلُ مثل هذا الفرق كاد(4)" أن لا يكون إنساناً.
وعن الثالث من المعارضات(5): أنّ غايته استبعاد المُستدلّ من أمثال هؤلاء المذكورين أن يكتُموا النصَّ ويتواطؤوا على جَحْده، وقد بيّنا أنِ ذلك غير بعيدٍ مِنهم، ونزيده وضوحاً فنقول: إنّ الناس كانوا بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على طبقاتٍ ثلاثٍ: ساداتٌ، وأتباعٌ، ومُقلِّدة.
أمّا السادات فإنَّهم اجتمعوا على كِتمان النَصّ، لأنَّهم كانوا على قِسمين: حُسَّاداً، ومُبغضين. أمَّا حَسَد الحُسَّاد فلِمَا كانوا يُشاهدونه من تفضيل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم إيَّاه في المواطن كلّها، وأمّا بُغضهم إيَّاه فلانّه وَتَر أكابِرَ القَوم، ولا شكَّ أنَّ مُقتضى الطَّباع البَشرِيَّةِ بُغْضُ مَنْ قتل أكابرهم(6)وأحبّاءهم، ومحبَّة قتله، والاجتهاد في سدّ أبواب مَطالبه(7)مهما استطاعوا.
وأمَّا الأتباع والمُقلِّدة فتابعون(8)للسادات في ذلك، فليت شعري ممّن يحصُلُ الإِنكار عليهم فيما فعلوه مِن عرضِ بعضِهم البيعة على بعضٍ وردِّها إلى أبي بكر؟!
وعن الرابع: أنّهما يعلمان أنّ(9)كِليهما غير صادقٍ قولُه، لو كان كذلك لم يأمنا مَنْ يُنكر عليهما، وكيف يُمكن منهما هذه المُكابرة(10)لو كان النَصُّ موجوداً؟
قلنا: الجواب ما مرّ أنّهما كانا من الأكابر، والباقون أتباع وحَسَدة مُبغضون.
و عن الخامس: أنّه علیه السلام لمّا رأى اعتقادَ الجُمهورِ حُسْنَ سِيرةِ الشَيخين، وأنَّهما كانا على الحقِّ لم يتمكَّن من ذكر ما يدُلُّ على فساد إمامَتِهما، لِمَا في ذلك من الشَهادة بالظُلم والجَوْر منهما بتحديد(1)القول بأنَّهما لم يكونا مُستحِقّين للإمامة.
وأمّا أنّه علیه السلام لِمَ(2)دخل في الشُورى فلوجهين:
أحدهما: ما قرَّرناه من أنّه مأخوذٌ عليه دفعُ الظُلم والقيام بأمر الدِين(3)مهما تمكَّن، فلمّا علِمَ عدم التفاتهم إلى النَصِّ عليه؛ قَصَدَ التوصُّل إلى حقِّه بمثل هذا الأمر.
الثاني: أنّه لم يكُن مقصودُ عُمَرَ إلّا قتله، ولذلك قال: «فإن اختار رجُلان رجُلاً ورجُلان رجُلاً فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبدالرحمن بن عوف»(4)لِعِلْمِهِ أنَّ عبدالرحمن لا يقبل إلّا عُثمان لأنّه صِهْرُه، وكان عليٌّ علیه السلام من الثلاثة المأمور بقتلهم(5)، وإذا كان كذلك كان دُخوله في الشورى ليس الّا تَقِيَّةٌ من القوم، فإنَّه كان يعلم أنَّه لو امتنع لَمْ يُتْرَك.
وعن السادس: أنّه إنَّما قال علیه السلام لذلك لا على وجه الغَضب من الأُمور المُتقدِّمة، أي إنَّ مثل هذا الأُمر قد تركتُه إلى هذا الحين ما نازعت فيه، فإن شِئت أن أُسلِّمه إليك أيضاً سلَّمتُه، وهذا كما يقول أحدنا عندما(6)يتواتَر عليه الظُلم، ثمّ يجيء وقت يطمع فيه لارتفاع(7)الظُلم عنه، فيظهَرُ له من يَرومُ ظُلمه، فيقول: فقد ظَلَمَني الناسُ وأنت أيضاً من جُملتهم، إن شئت فافعل.
وأمّا قولُ طَلْحَة له: «أنت أحقُّ بهذا الأمر» وتعليلُه ذلك باجتماع الذين لم يجتمعوا له، لا يدُلُّ ذلك على عدم النَصِّ، إذ(8)كان طَلْحَةُ في مَظنَّة الجحد(9)للنَصّ، وكان(10)من الحاسدين له، بدليل خروجِه عليه بعد ذلك.
وعن السابع: أنَّه إنَّما احتجَّ على مُعاوية بالبَيعة ليفيءَ إلى نُصرته وترك الحرب والقِتال [لا] لأنّ إمامَتَهُ لم تَثبُت بالنَصّ، [و] لأنَّ مُعاوية ممَّن جَحَد بالنصِّ أيضاً على إمامته علیه السلام، فلم يُمكنه الاستدلال عليه الّا ببيعة الناس له ليُوقع في قلبه رهبةً عساه [أن] يفيءَ إلى
1) كذا في «ب» وفي «أ» غير منقوطة، والظاهر بتجديد
2) في «أ، ب»: لما
3) في «أ»: بالدين
4) الإمامة والسياسة 1: 24، تاريخ اليعقوبي 2: 160، تاريخ الطبري 5: 35، الشافي 4: 199، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 187
5) في «ب»: الثلاثة الذين يقتلهم
6) في «أ، ب»: عند أن
7) في «ب»: ارتفاع
8) في «أ،ب»: إذا
9) في «أ، ب»: الحجة
10) في «أ، ب»: إذا كان
الحقّ بها، وقد سبق مثل ذلك في الوجه الأوّل.
وعن الثامن: أنّا لا نُسلّم صِحَّة هذا الخَبَر، سلَّمناه، لكن معنى الخبر: «أترُكُكُمْ كما تَرَكَكُمْ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فإن يعلَمِ الله فيكم خيراً يجمعُكُمْ على خيركُم» أي إن يعلَم فيكم انتظامَ أمرٍ يجمعكم على خيرِكم بعدي كما جَمَعَكُمْ على خيرٍ، أي على انتظام أُمورِكُمْ الدنيويّة، وسُكون الفتنة بأبي بكر. وذلك لأنّ لفظٌ الخير لفظ مفرد، فَسواء نُكِّر أو عُرِّف تعريف الطبيعة فإنَّه لا يعُمُ كلَّ خيرٍ، فبقي أن يُحمَلَ على بعض الخَيرات، وليس تخصیصكم أولى من تخصيصنا.
وعن التاسع: أنّ العِلَّةَ الحاملةَ له على الدخول في هذا الأمر هو المُحافظةُ على طاعة الله بتنفيذ أحكامه، كما قال علیه السلام: «لولا حُضور الحاضر وقيام الحُجّة بوجود الناصر»(1)إلى آخره، وقد تقدَّم، فكان كلُّ واحد من ظُهورِ الحُجَّة وقيام النَّاصِرِ والأخذِ من الله (تَعالَى) على العُلماء العهدَ المذكورَ شرطاً لدخوله في هذا الأمر، وكذلك خوفه من تولّي(2)بني أُميَّة لهذا الأمر شرطٌ أيضاً لدخوله فيه، ومعلوم أنّه يصدُقُ أن يُقال: لولا وجود الشرط لما وُجد المَشروط. لكن هذا لا يُنافي وجود النصّ، لجواز أن يُقال: ولولا وجود النَصّ أيضاً؛ ولا يكون قبيحاً.
وعن العاشر: أنَّه إنّما قال ذلك لمعرفته بأنّهم لا يُفلحون في صِحّة الاجتماع عليه، ولا يتِمّ ذلك الاجتماع منهم، فيحسُن حينئذٍ منه أن يقول هذا الكلام لوجهين:
أحدهما: أنَّكم ينبغي أن تَجرُوا على قاعدتكم السابقة بقوله: «غيري» فأنا أعلم أنّ قلوبكم لا تجتمع معي ولا تصفو لي، فاطلبوا غيري وأنا أُطيعكم وأسمع كما سمِعتُ لِمَن سبق. وهذا لا يُنافي وجود النَصِّ في حقّه، فإنّه يعلَم أنَّهم كما قدموا على نكير(3)النَصّ في حال طَرواته حين وفاة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم فهم بعد مُضيّ المُدّة الطويلة أشدُّ إقداماً على نَفْيِه، فكيف يحسُن منه ذِكْرُه في ذلك الوقت؟!
الثاني: يُحتمل أنَّه إنَّما قال ذلك ليختَبِر صدق نيَّاتهم في الإقبال عليه، إذ كان الإنسان حَريصاً على ما يُمنع منه، فإن رأى لَهُم - في ذلك - الإقبالَ عليه وطَلَبَهُ متأتّياً(4)التزَمَ بِهم ما
طَلَبوه، وإلّا فلا فائدة.
وعن الحادي عشر: لا نُسَلَّم أنّ أحداً من أهل البيت علیهم السلام أنكر ذلك النصَّ، والزيدية(1)بأسرهم على أنَّ عليّاً علیه السلام ثابت الإمامة بالنصِّ الجليِّ(2).
وعن الثاني عشر: أنّ للسيّد الحِميَرِي(3)
قال العلامة الحلي في حقّه: ثقة، جليل القدر، عظيم الشأن والمنزلة (رحِمَه الله تَعالَى). ولد السيد في نعمان - واد قريب من الفرات على أرض الشام - سنة 105 ه ونشأ بالبصرة، وعاش متردّداً بينها وبين الكوفة، ومات ببغداد وقيل: بواسط سنة 173 ه. الأغاني 7: 2، رجال الكشي: 288، الخلاصة: 10 روضات الجنّات 1: 103، الكني والألقاب 2: 334، الأعلام للزركلي 1: 322
رحمه الله في ذلك شعراً، لكن عدم الوجدان لا يدُلُّ على عدم الوجود، وبيان ذلك أنَّه وجد في شعره (رضي الله عنه) في القصيدة التي أوَّلها:[ألا] الحمدُ اللهِ حَمْداً كَثِيرا *** وَليُّ المَحامِدِ رَبِّاً غفورا
حتّى انتهى إلى قوله:
عليٌّ وصيُّ النبيِّ الذي *** يمَحْضَرِهِم قَدْ دَعاهُ أَمِيرًا
وَكانَ الخصيص بهِ في الحياة *** فَصَاهَرَهُ واجْتَبَاهُ عَشِيرا(4)
ألا ترى إلى قوله: إنَّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم دعا عليّاً علیه السلام في حياته بإمرة المُؤمنين؟
وأنت بعد إحاطتك بضوابط أجوبتنا يُمكِنك أن تطّلع منها على فساد كلِّ علَّةٍ يذكرونها في هذا الباب، وبالله التوفيق والعِصمة.
1) الزيدية: وهم القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیهم السلام في وقته، وإمامة إبنه يحيى بن زيد بعده، وقد استُشهد زيد سنة 121 ه بعد أن ثار على والي العراق، يوسف بن عمر الثقفي، عامل هشام بن عبدالملك، وثار إبنه يحيى بناحية الجوزجان واستُشهد هناك سنة 126 ه. الملل والنحل 1: 136، معجم الفرق الإسلامية: 127
2) قال سعد بن عبدالله الأشعري بعد أن ذكر فِرق الزيدية: «وزعمت هذه الفرق أنّ الأمر كان بعد رسول الله لعلي (صلّى الله عليهما)، ثم للحسن، ثم للحسين نصُّ من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ووصيّة منه إليهم، واحداً بعد واحد، فلما مضى الحسين بن علي (عليهما السّلام) صارت في رجلين من أولادهما: إلى علي بن الحسين علیه السلام، والحسن بن الحسن...». المقالات والفرق: 19
3) هو إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري، أبو هاشم، شاعر إمامي متقدّم، جعله أبو الفرج الاصفهاني ثالث ثلاثة هم أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام، وجعله أبو عبيدة أشعر المحدثين، وأكثر شعره في مدح أهل البيت علیهم السلام، وإظهار حقّهم، وبيان مظلوميتهم. روي أن أبا عبد الله علیه السلام لقى السيّد بن محمد الحميري وقال: «سمَّتك أُمّك سيّداً، وُفِّقت في ذلك، وأنت سيد الشعراء».
4) أُنظر: الفصول المختارة: 5، الشافي 2: 178 و 181، تلخيص الشافي 2: 112
وهي ثلاثة:
الأوّل:
قولُه (تَعالَى): (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(1).
والاستدلال بهذه الآية مبنيٌّ على أُمورٍ ثلاثة:
أحدها: أنَّ لفظة (الوليّ) مُحْتَملةٌ في اللغة [معنى] أولى.
الثاني: أنَّ هذا الاحتمال مُتعيِّن الإرادة هاهنا منها.
الثالث: أنَّ المُراد بقوله (تَعالَى): (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) عليٌّ علیه السلام وحده(2)، ويلزم من هذه المُقدِّمات أن يكون عليٌّ علیه السلام أولى بتدبير الأُمّة والتصرُّف في أمورهم، وذلك معنى كونه إماماً.
أمّا المُقدّمة الأُولى فبيانُها بالنَقل والعُرْف:
أمَّا النَقل: فإنّ المُبرِّد قال في كتاب (العِبارة عن صفات الله (تَعالى))(3): إنّ الوليّ هو الأولى،
1) المائدة 5: 55
2) نزلت هذه الآية المباركة في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام حين تصدّق بخاتمه للسائل وهو في حال الركوع. أُنظر: تفسير الطبري 6: 186، تفسير البغوي 2: 272، الکشاف 1: 649، جامع الأصول 9: 6503/478، تفسیر الرازي 12: 26، تفسير النسفي 1: 420، تفسير البيضاوي 1: 272، ذخائر العقبی: 88 و 102، البداية والنهاية: 371، مجمع الزوائد 7: 17
3) العبارة عن صفات الله (تَعالَى): أحد مصنّفات المبرّد، ذكره ياقوت الحموي وابن النديم، وموضوعه في صفات الله (سبحانه). والمبرّد: هو محمد بن يزيد الثَّمالي الأزدي، إمام من أئمّة اللغة والأدب مشهور، له مصنّفات تناهز المائة، منها (الكامل في اللغة والأدب) و (المقتضب) و(الاشتقاق) و (المقصور والممدود) وغيرها. تُوفّي ببغداد سنة 285 ه. الفهرست لابن النديم: 88، معجم الأدباء 19: 122
أي الأَحقُّ(1).
قال الكُميت(2):
ونِعْمَ وَليُّ الأمْرِ بَعْدَ وَلِيِّهِ *** وَمُنْتَجَعُ التَّقْوى وَنِعْمَ المُؤدِّبُ(3)
أراد المُقيم بتدبير الأمر(4).
وأمّا العُرف: فإنّ أخا المرأة يوصف بأنَّة وليّها، لأنّهُ يملِكُ العَقد عليها.
ويقال: السُلطان وليُّ من لا وليَّ له.
ويقال: فلانٌ وليُّ الدَّم. إذا كان أحقَّ بالتصرُّف فيه بالأخذ والعفو.
وأمّا المُقدّمة الثانية فبيانها: أنَّ الوليَّ يُقال بحَسَبِ الاشتراك اللفظي على مَعنَيَين: أحدُهما ما ذكرناه، والثاني: الناصِر. لكن حَمْلُها على الناصر مُنتَفٍ(5)، فتعيَّن حملُها على ما ذكرناه.
وإنّما قلنا: إنّه يتعذَر حَمْلُها على الناصر لوجهين(6):
أحدهما: أنّ الولاية بمعنى النُّصرة عامّة في حَقِّ المُؤمنين، والولاية المذكورة في هذه الآية غير عامّة في حقِّ كلِّ المؤمنين، يَنتِجُ من الثاني: أن لا تكون الولاية المذكورة في الآية هي النُّصرة.
وإنّما قلنا: إنّ الولايةَ التي في الآية يمتنع أن تكون عامَّة؛ لأنَّ صِيغَةَ «إنّما» تُفيد حصر الولاية التي في الآية في المُؤمنين الموصوفين بتلك الصِّفات. فأَمَّا أَنّ صيغة «إِنَّما» تُفيد الحَصر فللنقل والشِعر:
أمّا النقل: فلأنّ القائل إذا قال: «إنّما لك عندي دِرْهَم» أفاد حَصْر الدَّرْهَم ونفي ما سواه، وكذلك قولك: «إنَّما أكلتُ اليوم رغيفاً» فإنّ مفهومه نفي ما زاد على رغيفٍ واحدٍ.
وأمّا الشِعر: فقول الأعشى(7):
1) الشافي 2: 219، تلخيص الشافي 2: 13، مجمع البيان 3: 323
2) هو الكميت بن زيد بن خنيس، أبو المستهل، الأسدي، شاعر مقدّم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها، فصيح من شعراء مضر وألسنتها، قال الضبي: لولا شعر الكميت لم يكن للَّغة ترجمان. وكان الكميت معروفاً بالتشيُّع والولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، مشهوراً بذلك، وأشهر شعره (الهاشميات)، توفّي سنة 126 ه. شرح شواهد المغني 1: 37، خزانة الأدب 1: 86/69، الأعلام للزركلي 5: 233
3) شرح الهاشميات: 82، الشافي 2: 218، تفسير التبيان 3: 559، المناقب 3: 52
4) قال أبو رياش أحمد بن إبراهيم القيسي في شرح هذا البيت: «وليُّ الأمر» علي بن أبي طالب «بعد وليّه» أي بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. شرح الهاشميات: 82
5) في «أ، ب»: منتفية
6) كذا، وقد ذكر وجهاً واحداً
7) هو ميمون بن قيس بن جندل، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأُولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، وكان يُغنّي بشعره، فسمِّي صنّاجة العرب، ولُقُب بالأعشى لضعف بصره، توفّي في سنة 7 ه وقيل: إنّه لم يُسلم. الشعر والشعراء: 159، شرح شواهد المغني 2: 968، خزانة الأدب 1: 84 - 86 شعراء النصرانية 1: 357، الأعلام للزركلي 7: 341
وَلَسْتَ بالأكثرِ مِنْهُم حَصَىً *** وإنَّما العِزَّةُ لِلْكَاثِر(1)
فإنّه يُفهِم نفي العِزّة عمّن ليس بالكاثر، وهو مُرَاده.
وإنَّما قُلنا: إنَّ كلَّ المُؤمنين ليسوا موصوفين بالصفات المذكورة في الآية؛ لأنَّ قوله (تَعالَى): (وَهُمْ رَاكِعُونَ) إِمَّا أن يكون حالاً أو استئنافاً، والثاني باطل لوجهين:
أحدُهما: أنَّه ذكر الصلاةَ وهي مُشتملةٌ على الركوع، فيكون استئنافُ ذِكر الركوع مرّةً أُخرى تكراراً.
الثاني: أنّ مَنْ قال: «رأيت زيداً وهو راكبٌ» فإنّ المُتبادر إلى فَهم السامع أنّ الرؤية كانت في حال الرُكوب، والمبادَرة إلى الذِّهن دليل الحقيقة.
وإِنَّما قلنا: إنّ الولاية بمعنى النُّصرة عامّة؛ لقوله (تَعالَى): (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)(2)فثبت بما ذكرنا أنّ الولاية التي في الآية غير عامَّة، وأنّ الولاية بمعنى النُّصْرَة عامَّة، وإحداهما مُغايِرةٌ للأُخرى، وحيث امتنع حملُه على الولاية بمعنى النُّصرة تعيَّن حملُه عليها بمعنَى الأَوْلَى والأحَقِّ بالتَّصرُّفِ ضرورةً، فإنَّه(3)لا ثالث لهذين المَعنَيين.
أمّا المُقدّمة الثالثة، وهو أنّه يلزَم من ذلك إمامة أمير المؤمنين علیه السلام، بيانُه من وجوه:
الأوّل: أنّه لمّا ثبت أنَّ المُراد من هذه الآية إثبات كون بعض الناس مُتصرِّفاً في الأُمّة، ولا مَعنى للإمام إلّا ذلك، لزَم دلالة هذه الآية على بعض الناس، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ هذه الآية لا تقتضي إمامة غير عليٍّ علیه السلام، ولو لم تقتضِ إمامَته أيضاً لزم تعطيل الآية، وإنّه غير جائز، فلابُدّ من الجَزم بدلالة هذه الآية على إمامته.
الثاني: أنَّ الأُمّة أجمعت على أنَّ عليّاً علیه السلام مُرادٌ بهذه الآية، وإنَّما اختلفوا [في] أنّ غيره هل هو(4)مُرادٌ أيضاً بها أم لا؟ ومتى ثَبَتَ أنَّ مُقتضى الآيةِ الإمامة، وثبت بالإجماع اندراج عليٍّ علیه السلام تحتها ثبتت إمامَتُه، ثُمّ يلزَم مِن ثُبوت إمامته نفي إمامة غيره بالإجماع، ويلزَم من ذلك نفي اندراج غيره تحتها؛ لأنّ غيره لو اندرج تحتها لكان إماماً.
الثالث: أطبق المُفَسّرون على نزول هذه الآية في حقِّ عليٍّ علیه السلام(1)، لأنه لم يتصدّق وهو راكع غيره، فَوَجَب أن يكون هو المُراد لا غير، فهذا تقرير هذه الحُجَّة.
[شبهات الخصوم حول الاستدلال بالآية]
لا يقال: إنّنا لم نُنازعكم في المقام الأوّل والثالث، بل إنّما نُنازعكم في المَقام الثاني، فلِمَ قُلتم: إنّه ليس المُراد بالوليّ الناصر؟
قوله: الولاية في الآية بمعنى النُّصرة عامّة، والولاية المذكورة في هذه الآية غير عامّة.
قلت(2): الولاية بمعنى النُّصرة في الآية الأُولى، وإن كانت عامّة في حقّ المؤمنين إِلَّا أَنَّهَا لا تنافي أن تكون في هذه الآية أيضاً بمعنى النُّصرة، وذلك لأنّ معنى تلك الآية أنّ كلّ واحدٍ من المؤمنين موصوفٌ بالنُّصرة للآخر، والحال هاهنا أيضاً كذلك.
وإِنّه (تَعالَى) قسّم المُؤمنين قسمين:
أحدهما: المُخاطبون بقوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ).
وثانيهما: الذين عناهم بقوله: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا) فكأنّه قال لكلِّ بعضٍ من المؤمنين: إنّما ناصرُكم الله ورسوله والبعض الآخر من المؤمنين، وإذا ثبت ذلك ظهر أنّ إثبات مُطلق النُّصرة لكلّ واحدٍ من المؤمنين لا يُنافي نُصرة أحد قِسمَي(3)المُؤمنين بالقسم الآخر منهما، وحينئذٍ لا يكون بين قوله: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أنصار بعض» وبين قوله: «إنما ناصركم الله ورسوله والذين ءامنوا» منافاة.
سلّمناه، لكن لِمَ قلتم: إنَّ الولاية التي في هذه الآية خاصّة؟
قوله: لأنّ صيغة «إنّما» تُفيد حَصْرَ الولاية في المُؤمنين المَوصوفين بالصفات المذكورة، وكلُّ المُؤمنين ليسوا كذلك.
قلنا: لا نُسلَّم أَنَّ كلمة «إنّما» تُفيد الحصر، بيانه من وجوه:
الأوّل: أنّه يحسُنُ دخول التوكيد والاستفهام عليها، تقول: «إنّما جاءني زيدٌ وحدُه» وإذا قال إنسان: «إنّما أكلت رغيفاً» حَسُنَ أن يُقال(4): كم أكلت، رغيفاً واحداً أو أكثر؟ وعندكم أنَّ حُسن التوكيد والاستفهام دليلُ الاشتراك، وليس لكم أن تمنعوا من حُسن ما ذكرنا، لأنَّكم تستحسِنون دخول الاستفهام والتوكيد على صِيَغ العُموم مع أنّ اقتضاءَها له أظهر من
اقتضاء «إنّما» للحَصر.
الثاني: أنّ قوله: «إنّ زيداً في الدار» لا يدُلُّ ذلك على أنّ غيره ليس فيها، وكلمة «ما» دخلت للتوكيد، فاقتضى أنَّ قول القائل: «إنَّما زيدٌ في الدار» تأكيد لكونه فيها، ولا يدُلُّ ذلك على أنّ غيره ليس فيها.
الثالث: أنّهم يقولون في العُرف: «إنّما الناس أهل العِلم» و«إنَّما الرجُل هو الشُّجاع» ولا يُريدون نفي الإنسانية والرجوليّة عن غير العالم وغير الشُّجاع، بل المُراد أنّ الإنسانية والرجولية في العالِم والشُّجاع أظهر آثاراً.
ثمّ إن سلّمنا أنّ صيغة «إِنَّما» تُفيد الحَصْر في المُؤمنين المَوصوفين بالصفات المذكورة فلِمَ قلتم: إنّ المؤمنين ليس كلُّهم موصوفين بهذه الصفات؟
أمّا الزكاة حال كونه راكعاً، فإنّا لا نُسلّم أنّ قوله: (وَهُمْ رَاكِعُونَ) مُتعيِّن للحال، بل هو استئناف؛ لوجوه:
الأوّل: أنّ القائل إذا قال: «فلان أدّى الزكاة وهو راكع» حَسُنَ أن يُستفهم فيقال: أدّاها حال الركوع أو قبله وهو الآن راكع؟ وحُسْنُ الاستفهام دليلُ الاشتراك.
الثاني: أنّ المفهوم من قوله (تَعالَى): (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) أَنّ ذلك من شأنهم وعادتهم، فإنّه لا يُقال مثل هذا القول فيمن أتى بفعلٍ مرّةً واحدةً، ومعلوم أنّه لم يكن إيتاءُ الزكاة ممّن(1)صفتهم أنّهم راكعون.
الثالث: أداء الزكاة في الصلاة مُخلّ بكمال الخُشوع والخضوع، وذلك إمّا أن يكون مُبطلاً للصلاة أو لكمالها، وذلك لا يليق بأمير المؤمنين علیه السلام.
الرابع: أنّ الآية لو أفادت المَدح على إيتاء الزكاة حال الركوع لكان ذلك سُنّةٌ مندوباً إليها، ومعلومٌ أنَّه ليس كذلك في حقّنا، فَعَلِمْنا أنّ هذه الواو ليست للحال.
قوله(2): لمّا جرى ذِكْرُ الصلاة فَذِكر الركوع بعدَه يكون تكراراً.
قلنا: يُحتمل أنَّ غرضَهُ من ذِكره على الخُصوص تشريفُه، فلا يلزَم من كون السُجود أشرف إذ(3)لا يُخَصُّ هو بالذِّكر، لاحتمال أن يكون في تَخصِيصهِ بهذا(4)التشريف مَصلحةٌ لا يُطَّلع عليها، ومع هذا الاحتمال لا يثبُتُ القطع.
قوله: إنّ مَن قال: رأيت زيداً وهو راكب. فُهِم منه الحال.
قلنا: لا نُسلَّم أنّه إذا قيل: فلان يُحارب عنّي ويبني داري. فإنّه لا يُفهم منه أنّه يُحارب عنه حال كونه بانياً هاهنا، وهَبْ أنّ المُراد منه الاستئناف، ولكنَّ المُؤمنين بأسرهم ما كانوا راكعين حال نزول الآية.
قلنا: إذا حملنا الراكع على ما مِن شأنه أن يكون راكعاً صار عامّاً في كلّ المُؤمنين.
قوله في الوجه الثاني: أن يكون (المُؤمنون بعضهم أولياء بعض) بمعنى النُّصرة أمراً ظاهِراً(1)عُرِف من قوله (تَعالَى): (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)(2)فلا يكون في حمل الآية فائدة.
قلنا: بل فيه ثلاث فوائد:
أحدُها: أنّ الحُكمَ العامَّ يَصِحُّ تخصيص أيِّ بعض منه كان، وأمّا التنصيص على البعض المُعيَّن فلا يَصِحُّ ذلك فيه.
وثانيها: التشريف بالذِكر.
وثالثها: أنّ القَصد بالآية إثبات ولاية المُؤمنين للمُؤمنين، ونفيُها عن اليَهود والنَصارى على ما دلَّ عليه سِياق هذه الآية، وهذا المقصود غير حاصل في قوله: (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
لا يقال: العلم بكون اليَهود والنَصارى ليسوا أولياء المُؤمنين ضروري، فلا حاجة فيه إلى هذه الآية.
لأنّا نقول: لا يمتنع أن تكون الآية دلَّت على سَبَبٍ يقتضي الشكَّ في وجوب نُصرة اليَهود والنَصارى، وإذا لم يمتنِع ذلك لم يُمكن القَطعُ على أنَّه لا فائدة في نزول الآية لبيان ذلك.
كيف وقد رُوي أنَّه كان بين الخَزْرَج وبين يهود بني قَينُقاع حِلْفٌ في الجاهلية، فلمّا أسَرَهم النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أقام عبد الله بن أُبَيّ(3)على نُصرتهم، ونُودي(4)عُبادة بن الصامت(5)، ودخل
1) في «أ، ب»: أمرٍ ظاهر
2) التوبة 9: 71
3) هو عبد الله بن أُبَيّ بن مالك بن الحارث الخزرجي، المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه، رأس المنافقين صدر الإسلام، كان سيد الخزرج في أواخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر تقيةً، وخذل المسلمين أحد وتبوك، وتوفّي في 9 ه. المُحبّر: 112 و 233 و 470، جمهرة أنساب العرب: 355، والأعلام للزركلي 4: 65
4) كذا في «أ، ب» والظاهر تصحيف تولّى أو تخلّى، أي عن نصرتهم، لأنّ المعروف في مصادر التاريخ والتفسير أنّ عبادة بن الصامت تبرّأ منهم ونبذ حلفهم، وأقام عبدالله بن أبي على نصرتهم. راجع الكامل في التاريخ 2: 138، مغازي الواقدي 1: 179، مجمع البيان 3: 318
5) هو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد صحابي، شهد العقبة وبدراً وسائر المشاهد، وحضر فتح مصر، وولي القضاء بفلسطين، ومات بالرملة أو ببيت المقدس سنة 34 ه . المُحبّر: 71 و 270 و 423، تهذيب التهذيب 5: 111، الإصابة 2: 4497/268، والأعلام للزركلي 3: 258
عبدالله بن أُبَيّ على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وسأله فيهم وألَحَّ عليه(1)فأطلقهم النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم، فأنزل الله هذه الآية تمنعُهم عمّا اعتقدوا من أنّه إذا تقدَّم حِلْفٌ في الجاهليّة مع اليَهود والنَصارى وَجَبَ التزام ذلك الحِلْف، فظهر أنّ في حمل الآية على ما ذكرنا فائدةً جديدةً.
ثمّ إن سلّمنا أنّه لا بُدّ إلى بيان أنّه علیه السلام قد نصّ على إقامة عليّ علیه السلام مِن قَبل نصّاً جليّاً لأنّ هذه الآية مدنيّة، وعندهم أنّه قد نصّ عليه بمكّة نَصّاً جليّاً، بل هذا لكم ألزم لأنّ النصَّ الخفيَّ بعد النصّ الجليِّ أولى أن تكون فيه فائدة من نصّ خاصّ وَرَدَ بعد نَصٍّ عامٌ.
ومعلوم أنّ قوله (تَعالَى): (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) يحتمل من التأويل ما لا يحتمِله الخاصّ، لأنَّه قد يُمكنُ أن يقول قائل في بعض الأشخاص: إنّه غيرُ داخلٍ في ذلك العامِّ، إذ يقول: من أين لكم أنَّه بصفة اللفظ العامِّ، بحيث إذا قال الله (تَعالَى): هذا الشخص وليّ المُؤمنين. لم يُمكن هذا القول؟ فيثبُت أنَّ حَمل الآية على ما ذكرنا أكثر فائدةً من حَملها على المَعنى الذي ذكرتموه.
ثمّ إن سلّمنا أنّ ما ذكرتموه يقتضي تعذُّر حَمل الولاية التي في الآية على النُّصرة، ففيها ما يمنع حَملها على الإمامة من وجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ قوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) يشتمل على سبعة جموع(2)، ولفظ الجمع(3)يُفيد أكثر من واحدٍ، فحَملُها على الواحد تركٌ للظاهر.
الثاني: أنّ الآية تقتضي ثُبوت الولاية في الحال، فلو كان المُراد من الآية الإمامة لزم أن يكون عليٌّ علیه السلام إماماً حال حياة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وإنّه باطل. أمّا لو حَملناه على النُّصرة والمَحبَّة كان ذلك حاصلاً في الحال، فوجب حَمله عليه.
الثالث: أنّ ما قبل هذه الآية وما بعدها يُنافي حَملَها على الإمامة، وذلك من وجوه:
أحدها: أنّه (تَعالَى) قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)(4)ثمّ قال: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ) الآية. والظاهر من ذلك أنّها أثبتت الولاية
التي نفتها(1)عن اليَهود والنصارى، لأنّ الإنسان إذا قال لأقوام الفُسّاق: إنَّما وليك أهل الصلاح، عُقل أنّه أثبت الولاية المَنفيّة عن اليَهود والنَصارى، [و] ليست(2)هي الإمامة بل النُّصرة.
[و] ثانيها(3): قوله (تَعالَى) في صفة اليَهود والنَصارى: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ومعلوم أنّ الولاية الثابتة لبعضهم مع بعض ليست ولاية استحقاق التصرُّف، لأنّ المستحقَّ لها هو النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم، وإمام المسلمين بعده، فإذن يجب حَمل تلك الآية على النُّصرة، لأنَّ بعضهم كان ينصُرُ بعضاً ويدفَعُ عنه، فأخبر الله (تَعالَى) عن وجود المُناصرة الحاصلة بينهم.
وثالثها(4): قوله (تَعالَى): (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم)(5)والتَوليِة هي النُّصرة، والدفع عنهم، وما قال: ومن يتّخذهم أئمّة.
ورابعها: قوله (تَعالَى) بعد الآية: (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا)(6)الآية، فعلِمنا أنّ المُراد من الآية تَولَّي النُّصرة لا تَولّي الإمامة، فهذه هي الوجوه المانعة [عن] حمل الولاية على الإمامة.
[جواب الشبهات]
لأنّا نُجيب عن الأول: أنّا وإن سلّمنا أنّه لا يُنافي، لكن مطلوبنا إنّما هو المُغايَرة، ولا شكّ أنّ المُغايرة ثابتة، لأنّ العامَّ مُغاير للخاصِّ وغير مُنافٍ له، لأنّ النُّصرة لا تُنافي الإمامة، لكن المُدَّعى لنا أنّ الولاية فى هذه الآية بمعنى الإمامة، وقد بيّناه.
وعن الثاني: قوله: لِمَ قلتم: إنَّ الولاية في هذه خاصّة؟
قلنا: لِمَا مرّ من الدَليل.
قوله: لا نُسلَّم أنّ لفظة «إنّما» تُفيد الحَصر.
قلنا: بيّنّا ذلك.
قوله: في الوجه الأوّل من نفي إفادتها للحَصر: إنّه يَحسُن دخول التوكيد والاستفهام عليها.
قلنا: دُخول التوكيد عليها ممّا يَدلُّ على إفادتها للحَصر، لأنَّ معنى التوكيد تقوية المَعنى
الذي يُفيده اللفظ الأوَّل بلفظ ثانٍ، فلمّا انحصر المَجيء في زيدٍ صحّ تقويته لذلك(1)المَعنى بقوله: وحدَه، وأيضاً فهو مُعارَض بحُسن قولنا: ما جاءَني إلّا زيدٌ وحدَه، مع إفادة «إلّا» للحَصر هاهنا.
وأمّا حُسن الاستفهام فنَحن نمنعُه هاهنا، وبيانه أنّ قول القائل: «إنّما أكلت رغيفاً» لا يُفرّق الذوق السليم في لُغة العرب بينه وبين قولنا: «أكلت رغيفاً واحداً» فكما لا يحسُن الاستفهام هناك، فكذا لا يحسُن هاهنا.
سلّمناه، لكن لو حَسُنَ الاستفهام هاهنا لزم الاشتراك، وإنّه خلاف الأصل.
قوله في الثالث: إنّه يقال في العُرف: إنّما الناس أهل العلم، وإنّما الرجل صاحب الشَّجاعة.
قلت: ليس المقصود بالناس هاهنا كلّ الناس، ولا بالرجل المختصّ بالرجولية دون غيره، وإنّما المقصود الناس الموصوفون بصفات الكمال، وكذلك الرجل، وحينئذٍ يتحقّق الحصر.
سلّمناه، لكن إفادتها للحصر ظاهرة بدليل أنّ الجاهل والجَبان يستقبِحان هذا الكلام، وتَنْفِرُ طباعهما عنه، ولولا إفادتها للحصر لَمَا حَصَل ذلك الاستقباح.
وعن الثالث: قوله: لِمَ قلتم: إنّ المُؤمنين ليسوا كلُّهم موصوفين بالصفات المذكورة؟
قلنا: للدليل المُتقدِّم.
قوله: لا نُسلَّم أنّ قوله (تَعَالَى): (وَهُمْ رَاكِعُونَ) متعيِّنٌ للحال، بل هو للاستئناف.
قلنا: سبق بيانه.
قوله: لوجوه أربعة: أحدها: أنّ(2)[القائل] إذا قال: [فلان](3)أدّى الزكاة، إلى آخره.
قلنا: لا نُسلَّم أَنّه يَحسُنُ الاستفهام هاهنا، فإنَّ ذكر كونه راكعاً، لا يحتمل ما بعد الركوع ولا ما قبله.
سلَّمنا، لكن حُسنُ الاستفهام دلَّ على الاشتراك، وإنّه خلاف الأصل.
قوله: ثانياً: إنّ المفهوم من قوله (تَعالَى): (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) إلى آخره.
قلنا: لا نُسلِّم أن [ليس] مِن عادة عليٍّ وأهل بيت الرسول علیهم السلام ذلك، بل هو من عوائدهم. سلّمناه، لكنَّ أهليَّتهم لذلك وفعْلَهم - مُوافقةً لتلك الأهليّةِ - مَجرى عادتهم(1).
قوله: ثالثاً: إنّ أداء الزكاة في حال الصلاة مُخلٌّ بالخُضوع(2).
قلنا: لا نُسلّم، بل هو من تمامِه، فإنَّه علیه السلام جمع بين جهات الالتفات إلى الله (تَعالَى) بالجَمع بين الصلاة والزكاة، وذلك مؤكِّد ومقوٍّ للخُضوع والخُشوع(3).
قوله: رابعاً: لو أفادت المَدح على إيتاء الزكاة حال الصلاة، إلى آخره.
قلنا: المُلازمةُ ممنوعةٌ، فليس كلَّ ما حَسُنَ وَجَب أن يكون سُنّةٌ، لكن لِمَ قُلتم: إنّه ليس سنّةً في حّقهم علیهم السلام؟ إذا كانوا يُلزِمونَ أنفسهم جميع الأُمور المُقَرِّبة إلى الله (تَعَالَى)، وإن استلزمت المَشاقَّ والكُلفة؛ فجائز أن يُسَنَّ في حقّهم سُننٌ ليست في حقِّنا، وإذا كانت كذلك تَعيَّن أن الواو للحال، كما سبق بيانه.
قوله: يُحتمل أن يكون غَرَضُهُ من ذكر الركوع على الخصوص تشريف.
قلنا: قد سلّمتم أنّه يكون تكراراً، بقي أن يقولوا: إنّه مشتمل على فائدةٍ هي التشريف، لكن التكرار خلاف الأصل، وما ذكرتم أنّه زيادة فليس بحقِّ، وإنّه باطل لوجهين:
أحدهما: أن يقول: لو كان الواو للاستئناف لكان الكلام في غاية الرَّكاكة، وذلك لأنّ ذكر إقامة الصلاة أتمُّ وأشرفُ من إقامة بعض أركان الصلاة، وعادة الكلام الفصيح أن يبدأ بالأشرف فالأشرف لا(4)أن يُبدأ ويُخْتَم بما دونه، لأنّا إذا علمنا أوصاف المُؤمنين على الوجه الأكمل، ثُمّ ذُكر لنا بعد ذلك وصفٌ دون ذلك لم يكن للوصف الثاني ذَوقٌ في النفس، بل يكون ذلك في غاية الرَّكاكة.
الثاني: لو كان الواو للاستئناف لبقي الكلام مُنقطعاً عما قبله، وصار بمنزلة من يقول ابتداءً: هم راكعون. وهذا الكلام غَيرُ مُفيد.
بقي أن نقول: إنّهم أرادوا بالاستئناف العَطَف، لكن الخطأ قائمٌ من وجهين:
أحدهما: أنّ واو الاستئناف لا تُطلق على واو العَطفِ بالاتّفاق.
والثاني: إن سلَّمنا العَطفَ لكان(5)عطفاً على «الَّذِينَ يُؤتون الزكاة» فإمّا أن يكون تقديره:
«الذين يُقيمون الصلاة والذين يُؤتون الزكاة وهم راكعون» وحينئذ يكون عطفَ جملةٍ على مُفرد، وإنّه غير جائز، أو يصير التقدير: «والذين هم راكعون» وحينئذٍ يكون مُحتاجاً إلى الإخبار والتقدير، [و] إنّه خلاف الأصل.
سلّمنا أنّه(1)يُحتمل أن تكون في ذِكره فائدةٌ زائدةٌ، لكنّ ذكر هذه الجُملة عَقِيبَ الكلام يُوجب سَبق الذهن إلى أنَّ الواو للحال، والسبق إلى الذهن دليل الحقيقة.
قوله: لا نُسلِّم، فإنَّه إذا قيل : فلان يُحارب عنِّي، ويبني داري. لم يُفهَم منه الحال.
قلنا: الفرق من وجهين:
أحدهما: أنّه لم تَجرِ العادة(2)بالمحاربة حال البناء.
الثاني: أنّ الجَمعَ بين البناء والمُحاربة غيرُ مُمكن بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الجمع بين إيتاء الزكاة [و] حال الركوع - عادةٌ لعليٍّ علیه السلام - وهو أمرٌ مُمكن في نفسه.
قوله: يُحمل الراكع على ما مِن شأنه أن يكون راكعاً، وحينئذٍ يَصير عاماً لكل المُؤمنين.
قلنا: ذلك لا يكون حقيقةً بل مجازاً، وإنّه خلاف الأصل.
قوله: حَمل الآية هاهنا على النُّصرة فيه ثلاث فوائد:
أحدها: أنّ العامَّ يَصِحُ تخصيصُ أيِّ فردٍ منه كان، أمّا التَنصيص على البَعض فقط فغير(3)جائزٍ.
قلنا: بل هو جائز، لأنّه لمّا ثبت أنّ الواو للحال وامتنَع بالاتفاق أن تكون هذه الصفات حال الركوع ثابتةٌ لكلّ المُؤمنين، وَجَب الحَمل على البَعض، خصوصاً والآية في سِياق المَدح والتَعظيم، فاستعمال لَفظ الجَمع في المُفرد للتعظيم مشهور في اللغة، كقوله (تَعالَى): (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً)(4)، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ)(5).
قوله في الفائدة الثانية: التشريف بالذكر.
قلنا: سَبَق الجواب عنه.
قوله في الفائدة الثالثة: المَقصود من هذه الآية إثباتُ نُصرة المُؤمنين للمُؤمنين، ونفيُها عن اليهود والنَصارى.
قلنا: هذا المَعنى بأسرهِ موجود في الآية التي قبل هذه، وهو قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا
تَتَّخِذوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) الآية. فإنّه أثبت فيها موالاة بعضهم لبعض، ونَهى المُؤمنين عن أن(1)يتَّخذوهم أولياء، ففهمنا من مجموع هذه الآية أنّهم ليسوا أنصاراً للمُؤمنين، وكلُّ واحدٍ من المُؤمنين يعلم بالضرورة منهُ(2)أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وسائر المؤمنين ينصرونه، ويعلم ذلك من قوله: (والمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ويعلمون أنّ مَن كان مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم والمؤمنين، فلا بدّ(3)وأن يكون معه(4)دليل العقل والحسن أقوى [من] اللفظ، فكان(5)حَمل الولاية في هذه الآية على معنى غير النُّصرة أولى وأكثر فائدةً.
سلّمنا، لكن النُّصرة لا شكّ أنّها أعمّ من الإمامة، فلو حَملنا هذه الآية على الإمامة لكان أولى من حَملها على النُّصرة، لما أنّ الإمامة مُستلزِمة للنُّصرة استلزام الخاصّ للعامّ، وذلك تكثير لفوائد كتاب الله (عَزَّ وجَلَّ)، وصَونٌ(6)له عن كثرة التكرار.
قوله: سلّمنا أنّه ليس هناك فائدةٌ زائدة؛ لأنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم نصّ على عليٍّ علیه السلام نصّاً جَلِيّاً إلى آخره.
قلنا: لمّا بيّنّا أنّه يمتنِع حَمل الولاية هاهنا على النُّصرة، وجب حَملها على الإمامة، أمّا أنّ هذه الفائدة زائدةٌ على النصِّ الجليّ، أو ليس بزائدةٍ فحديث آخر؛ لأنّ لنا أن نحمِلَها على التأكيد للنصِّ الجليِّ لِيُوافق كلامُ الله (تَعالَى) سُنّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، أمّا أنتم فزعمتم حَملها على النُّصرة من غير ضرورةٍ مع دلالة الآية المَذكورة على النُّصرة، وكان تكراراً لا حاجة إليه ولا ضرورة تحمِلُنا(7)عليه، فافترق الأمران.
قوله: ففيها(8)ما يمنع حَمل هذه الآية على الإمامة الأوّل: [أنّ](9)قوله (تَعَالَى): (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا) إلى آخره.
قلت: هَبْ أنّه يصير مَجازاً، لكنّ المَجاز يُصار إليه عند عدم إرادة الحقيقة، وقد بيَّنا أنّها غير مُرادة.
قوله: ثانياً: الآية تقتضي ثبوت الولاية في الحال، فيلزم أن يكون إماماً في الحال.
1) في «أ، ب»: على أنّهم
2) في «أ، ب»: حسنة
3) في «أ، ب»: ولا بد
4) في «ب»: ولا بد وأن يكون منعه
5) في «أ، ب» وكان، والظاهر أنّ في العبارة المتقدمة سقطاً أو تحريفاً
6) في «أ، ب»: وصوناً
7) في «أ» بحلنا، ولعله تصحيف بحملها
8) في «ب»: هاهنا
9) أثبتناه ممّا تقدّم في الوجه الأول من الوجوه التي ذكرها الخصم لمنع حمل الآية على الامامة
قلنا: مقتضى الآية ذلك، إلّا أنَّ قرينة امتناع اجتماع أوامر الخليفة مع أوامر المُستخلِف بحسب العُرف والعادة صَرَفَتْ عن حَملها على ثبوت الإمامة الفعليّة في الحال، وكانت قرينةً في الحال فعليّةً بعد عدم المُستخلِف، وهذا ظاهر.
قوله: ثالثاً: ما قبل الآية وما بعدها يُنافي حَملها على الإمامة، لوجوه، الأوّل: إلى آخره.
قلنا: لا نُسلّم التنافي، فإنّه إذا حملناها على الإمامة استلزمت النُّصرة، وما يدُلُّ على مُراديّة المَلزوم لوجود اللازم في المَلزوم، وهو الجواب عن باقي الوجوه، وبالله التوفيق والعصمة.
البرهان(1)الثاني
التمسّك بقوله يوم غدير خُمّ، وقد جمع الناس بعد رجوعه عن حِجّة الوَداع، وكان يوماً صائفاً حتّى أنّ الرجل لَيَضَع رداءَه تحت قدميه لشدّة الحَر، وجَمَعَ الرَّحال وصَعِد عليها مُخاطباً لهم: «ألستُ أوْلَى بكُم مِنكم بأنفسكم» قالوا: اللهمَّ بَلى. قال: «مَن كنتُ مَولاهُ فعليٌّ مَولاه، اللهمَّ َوالِ مَن والاه، وعادِ من عاداه، وأنصُر مَن نَصَرَه، وأخذُلُ من خَذَله»(2).
والاستدلال بهذا الخبر لمّا كان مشروطاً بصحّته وجب تصحيحه أوّلاً، ثمّ بيان وجه الاستدلال به.
[صحّة الحديث وتواتره]
أمّا الأوّل
فعندنا أنّ هذا الخبر متواتر، لكن حصول العِلم عَقِيبَ خبر التواتُر لمّا كان من باب
1) كذا، ويقتضي أن يكون (النصّ) على وفق ما ذكره أولاً
2) وهذا الحديث ممّا تواتر نقله وروايته عند علماء الفريقين، حيث رواه عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم نحو مائة رجل، ورواه أحمد بن حنبل من أربعين طريقاً، وابن جرير الطبري من نيف وسبعين طريقاً، والجزري المقرئ من ثمانين طريقاً، وأبو سعيد السجستاني من مائة وعشرين طريقاً، والحافظ أبو بكر الجعابي من مائة وخمسة وعشرين طريقاً، والحافظ أبو العلاء العطّار الهمداني بمائتين وخمسين طريقاً. ورواه الترمذي في سننه 5: 3713/633 وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ابن ماجة في سننه 1: 121/45، الحاكم في المستدرك 3: 109 و 134 و 371 و 533 بعدّة طرق، البغوي في مصابيح السُّنّة 4: 4767/172، أحمد بن حنبل في مسنده 1: 84 و 119 و 152 و 331، و 4: 368 و 370 و 372 و 381، و 5: 347 و 358 و 361 و 366 و 419، الدولابي في الذريّة الطاهرة: 228/168، الشجري في أمالیه 1: 145 و 146 بعدّة طرق، القاضي عياض في الشفاء 1: 468، علاء الدین بن بلبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9: 6891/42، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5: 474 و 7 377 و 2908 و 12: 344 و 14: 236 بعدّة طرق، ابن عساكر في ترجمة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من تاريخ دمشق 1: 395 - 457/417 - 491، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 17 و 104 - 108 و 120 و 164 بأكثر من ثمانية وعشرين طريقاً
الوجدانيات مع أنّه لا يعُمُّ، لم يمكننا الاستدلال به على خصومنا، فلا جَرَمَ حاولنا إثباته عليهم من وجهين:
أحدهما: أنّ الأُمّة أجمعت على نقله، وإجماعهم على مذهب الخصم حُجّة، أمّا أنّها أجمعت على صِحّته، فلأنّ الشيعة بأسرهم ينقلونه ليُثبتوا به إمامتهم، والخَصم ينقله ليُثبت به فضيلته، فوجب أن يكون مجمعاً على صِحَّته.
الثاني: أنّ عليّاً علیه السلام ذكره في الشورى عندما حاول ذكر فضائله ولم يُنكره أحد منهم(1)، فعدم إنكارِهم لذلك مع توفّر دواعي الخَصم على إنكاره فيما يفتخِر خَصمه عليه ما يشهد بصِحّته شهادةً ضروريةً.
[وجه الاستدلال به]
وأمّا المقام الثاني
وهو دلالته على الإمامة، فمبنيٌّ على أُمور ثلاثة:
أحدها: أنّ لفظة «المَولى» مُحتمِلةٌ [معنى] الأَولى.
الثاني: أنّها متَعيِّنة للمراد هاهنا.
الثالث: أنّه يلزَم من ذلك القول بإمامة عليٍّ علیه السلام.
أمّا الأوّل
فيدلّ عليه الكتابُ والسُنَّة والشِعر والنَقل:
أمّا الكتاب، فقوله (تَعالَى): (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَيْكُمْ)(2).
قال المُفسّرون: معناه أولى بكم(3).
وقوله (تَعَالَى): (وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِى)(4)أطبق المفسّرون على أنّ معناه من كان أولى بالميراث وأحقَّ به(5).
1) أنظر تفصيل حديث المناشدة في: الاستيعاب 3: 35، مناقب ابن المغازلي: 112، مناقب الخوارزمي: 221 - 224، ترجمة الإمام علي علیه السلام من تاريخ ابن عساکر 3: 113
2) الحديد 57: 15
3) معاني القرآن للفراء 3: 134، غريب القرآن وتفسيره لابن المبارك: 371، الشافي 2: 269، تلخيص الشافي 2: 177، مجمع البيان 3: 65 و 9 و 355، تفسیر الرازي 29: 227، تفسیر غریب القرآن لابن الملقِّن: 449
4) النساء 4: 33
5) الشافي 2: 270، تلخيص الشافي 2: 177، مجمع البیان 3: 66، الجامع الصغير 1: 2963/457
وأمّا السُّنَّة، فقوله علیه السلام: «أيّما امرأة نُكِحت(1)بغير إذن مولاها» في بعض الروايات(2)
مادة ولى - نكحت بغير إذن مولاها... وفي رواية: وليّها
، ولا يَصِحُّ حمل المولى هاهنا على غير المالك لأمرها والأولى به.وأمّا الشعر، فقول لبيد(3):
فَغَدتْ كلا الفَرْجَيْنِ(4)تَحْسِبُ أنَّه *** مَوْلى(5)المَخَافَةِ خَلْفُهَا وأَمَامُهَا(6)
وقال الأخطل(7):
فأصبحتَ مولاها على الناسِ كلِّهم(8)*** وأخرَى قُرِيشٌ أَن تَهَابَ وتَحْمَدا(9)
صحا القلب إلّا من ضغائن فاتني *** بهنّ أمير مستبدٌّ فأصعدا
ديوان الأخطل: 76، رسالة في أقسام المولى: 14، الشافي 2: 270، تلخيص الشافي 2: 178، تفسير التبيان 3: 187.
وآخر البيت في الديوان: أن يُهاب ويُحمدا
وقال:
كانُوا مواليَ حقٌّ يطلُبُون لَهُم(10)*** فأدركُوهُ وَمَا مَلُّوا ولا تَعِبُوا(11)
[وقال:]
1) زاد في «أ، ب»: نفسها
2) مسند أحمد 6: 166 وفيه: نُكحت بغير إذن مواليها، سنن الترمذي 3: 1102/407، تفسير التبيان 3: 559، مستدرك الحاكم 2: 168 كنز العمال 16: 44643/309 و 44644. وفيها: نُكحت بغير إذن وليها، الشافي 2: 271، تلخيص الشافي 2: 179 وفيهما: تزوجت بغير إذن مولاها، وفي لسان العرب 15: 407.
3) هو لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري: أحد شعراء المعلّقات في الجاهلية، من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام، ووفد على النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم فأسلم، ويُعدّ من المؤلّفة قلوبهم، وسكن الكوفة، وعاش عمراً طويلاً حتّى توفّي سنة 41 ه. الشعر والشعراء: 171، خزانة الأدب 1: 337 - 339 و 4: 171 - 176، الأعلام للزركلي 5: 240
4) الفرج: ما بين قوائم الدوابّ
5) قال أبو عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني، المتوفّى سنة 486 ه في (شرح المعلقات السبع): قال ثعلب: إنّ المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء، كقوله (تَعالَى): «مَأْوَاكُم النَّارُ هِيَ مَوْلاكُم» أي أولى بكم. وقال ابن منظور، المتوفّى سنة 711 ه في شرح هذا البيت أيضاً: يُريد أنّه أولى موضع أن تكون فيه الحرب
6) رسالة في أقسام المولى للشيخ المفيد: 4، الشافي 2: 269، تلخيص الشافي 2: 177، شرح المعلقات السبع: 148، مجمع البيان 3: 65، مناقب ابن شهر آشوب 3: 51، النهاية 5: 229، لسان العرب 15: 410
7) هو غياث بن غوث بن الصلت، من بني تغلب، أحد الشعراء الثلاث المتّفق على أنّهم أشعر أهل عصرهم: جرير والفرزدق والأخطل. نشأ على المسيحية، في أطراف الحيرة بالعراق، واتّصل بالأمويين وأكثر من مدح ملوكهم، وتوفّي سنة 90 ه. الشعر والشعراء: 325، شرح شواهد المغني 1: 123 - 126، خزانة الأدب 1: 219 - 221، دائرة المعارف الإسلامية 1: 515، الأعلام للزركلي 5: 123
8) في الشافي والديوان: من الناس بعده
9) البيت من قصيدة له، مطلعها:
10) في المصادر: يطلبون به
11) ديوان الأخطل: 42، الشافي 2: 271، تلخيص الشافي 2: 178. وآخر البيت في الديوان: ولا لغبوا
لم يَأْشَرُوا(1)فيه إذْ كانوا مَوَالِيه *** ولو يكونُ لِقَوْمٍ غيرُهم أَشِروا(2)
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا *** وأزعجتهم نوىً في صرفها غِيرُ
ديوان الأخطل: 106، الشافي 2: 270، تلخيص الشافي 2: 178
فكان المولى(3)في هذه الأبيات ليس المقصود منه إلّا الأولى.
وأمّا النقل، فقال الفَرَّاء(4)في كتاب (معاني القرآن): الوليّ والمولى في كلام العرب واحد(5).
وقال المُبرِّد: هو تأويل الأولى(6).
وقال الأنباري(7)في (مشكل القرآن): المَولى هو الأولى بالشيء(8). وأمثال ذلك كثيرة، فثبت بهذه الوجوه أنّ لفظ المولى مُحتمِل [معنى] الأولى.
وأمّا بيان الثاني
وهو أنّ المُراد بالمَولى فى هذا الحديث الأولى فمن(9)وجوه:
الأوّل: أنّ ذكر مقدّمة الكلام وهي(10)قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «ألست أولى منكم بأنفسكم» وذكر المولى عَقِيبَ ذلك، دليل يوضِّح أنّ المقصود بالمولى هو الأولى السابق لوجهين:
أحدهما: أنّه السابق إلى الفهم، والسبق إلى الفهم دليل الحقيقة.
الثاني: أنّه لم يُرد إلّا الأولى، وإلّا لم يبق للمقدّمة فائدة، وكان ذلك إلغازاً لا بياناً بأمثاله.
1) أَشِر: بطر واستكبر. وفي «أ، ب»: لم تثأروا، وفي آخر البيت: ثأروا
2) البيت من قصيدة للأخطل يمدح بها عبدالملك بن مروان مطلعها:
3) في «ب»: الولي
4) هو يحيى بن زياد بن عبدالله الديلمي، المعروف بالفرّاء إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأعلمهم بفنون الأدب، حتى قيل: الفراء أمير المؤمنين في النحو، وقال ثعلب: لولا الفرّاء ما كانت اللغة. ولد بالكوفة، وانتقل إلى بغداد، وعهد إليه المأمون بتربية ابنيه، فعاش متردّداً بين الكوفة وبغداد، وله مصنّفات كثيرة، منها (المذكر والمؤنث) و(اللغات) و(الفاخر) و (ما تلحن فيه العامة) وغيرها كثير، مات في طريق مكّة سنة 207 ه. الفهرست: 98، الكنى والألقاب 3: 18، الأعلام للزركلي 8: 146
5) معاني القرآن 2: 161، الشافي 2: 271
6) تفسیر التبیان 3: 560، مجمع البیان 3: 323
7) هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظاً للشعر والأخبار، ولد في الأنبار - على الفرات من جهة العراق الغربية - وكان يتردّد إلى أولاد الخليفة العباسي الراضي بالله يعلّمهم، من مصنّفاته (الزاهر فى اللغة) و (شرح القصائد السبع الطوال) و (عجائب علوم القرآن) و (غريب الحديث) و (الأمثال) وغيرها، توفّي ببغداد سنة 328 ه. تاريخ بغداد 3: 181، دائرة المعارف الإسلامية 3: 5، الأعلام للزركلي 6: 334
8) الشافي 2: 272 تلخيص الشافي 2: 180
9) في «أ، ب»: من
10) في «أ، ب»: وهو
ولو قال إنسان لجماعة، وله عدّة عبيد: «ألستم تعرفون عبدي زيداً، أُشهدكم أنّ عبدي حرّ» فإنّا نفهم أنّه أراد عبده زيداً دون غيره، فكذا هاهنا لمّا قدّم ذكر الأولى، ثمّ أردفه بذكر المولى المُحتمِل [معنى] الأولى، وجب أن يكون المولى هو الأولى.
والثاني: أنّ لفظة المولى تفيد المعتِق، والمعتَق، وإبن العمّ، والجارِ، والحليف، والناصر، والأولى بالتصرّف.
فلفظة المولى هاهنا إمّا أن تكون بمعنى المُعتِق، وهو باطل؛ لأنَّه ليس من صفات النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، ولا من صفات عليٍّ علیه السلام، وكذلك المُعتَق.
فأمّا ابن العمّ، فيستلزم كذب الكلام؛ لأنّ التقدير «من كنت ابن عمّه كان عليٌّ ابنَ عمِّه» ومعلوم أنّه (صلى الله عليه وآله) كان ابن عمّ لجعفر وعقيل، ولم يكن عليّ علیه السلام كذلك، بل كان أخاً لهما.
وأمّا الجار، فهو أيضاً ظاهر.
وأمّا الحليف، فلم يكن النبي صلی الله علیه وآله وسلم حليفاً.
وأمّا الناصر، فغير مُراد أيضاً؛ لأنّ كلّ أحد يعلم من ضرورة الدين وجوب تولّي المؤمنين بعضهم لبعض، لقوله (تعالى): (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)(1)فجمع الناس لشرح هذا المعنى الواضح الظاهر غير لائق بالنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم. وإذا بَطَلَتْ هذه الأقسام لم يبقَ إلّا المَولى بمعنى الأولى بالتصرّف، وهو المطلوب.
الثالث: أنّه إما أن نكون نحمِل هذه اللفظة على كلّ هذه المَعاني، ونجعلها حقيقةً في كلّ واحدٍ منها، فيكون ذلك اشتراكاً لفظياً، وإنّه خلاف الأصل. أو نستعملها في بعض هذه المَعاني دون البعض، وهو ترجيح من غير مرجّح، وهو مُحال، فتعيَّن أن نحمِلَها على العِلّة المُشتركة بين هذه المفهومات، وهو الأولى حقيقةً، وعلى كلّ واحدٍ من هذه المَفهومات مجازاً، ولا يمكن المُعارضة بأنّ المجاز خلاف الأصل، لأنّا إذا تردّدنا بين المَجاز والاشتراك فالمَجاز أولى، كما هو مبيّن في أُصول الفقه.
الرابع: أنَّ عمر لعل الله قال له علیه السلام عَقِيبَ كلام النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم: «بَخٍ بَخٍ لك يابن أبي طالب، أصبحتَ مَولاي ومَولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة»(2). وظاهر بالضرورة أنَّ عمر لم يرد مُعتِقي
ولا معتَقي، ولا حليفي، ولا ابن عمّي، بقي أن يُقال: أراد أصبحت ناصري. لكّنه باطل أيضاً لوجهين:
أحدهما: أنّ النُّصرة معلومة من قوله (تَعالَى): (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وأمثاله.
الثاني: أنّ نُصرة عليّ علیه السلام و أهله أمر في غاية الظهور، بل لا نسبة لأحدٍ من الصحابة إليه في ذلك، وما كان كذلك فلا يكون تعظيم عمر له بذلك وغَبطه به لائقاً بذكاء عمر وفطنته، فلم يبقَ إلّا أن يقال: إنّه أراد الأولى بالتصرُّف في الأُمور، وهو المطلوب.
وأمّا بيان الثالث
وهو أنّه لمّا كان المُراد بالمَولى - في الحديث - الأولى؛ كان ذلك دليلاً على إمامته، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن نقول: إنّ الأولى لا يقبل إلّا معنى الأولى بالتصرُّف، فإنَّ أهل اللغة لا يُطلِقون لفظة الأولى إلّا فيمن تَملَّكَ تدبير الأمر المتصرّف فيه، فإنَّهم يقولون: السُلطان أولى بإقامة الحدود، والولد أولى بالميراث والزوج أولى بامرأته. ومُرادُهم ليس إلّا ما ذكرناه، واتَّفق المُفسّرون على أنّ قوله (تعالى): النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)(1)المُراد به أولى بتدبيرهم والقيام بأُمورهم(2). وإذا ثبت أنّ المُراد بالأولى المُتصرّف فيه، ثبت كونه إماماً إذ لا معنى للإمام إلّا الشخص الذي هو أولى الناس بتدبير الخلق والتصرُّف.
والثاني: أن نُساعد على أنَّ لفظة الأولى غير متعيّنة [في معنى] الأولى بالتصرّف، لكن نبيِّن أنّ المُراد بالأولى هاهنا هو الأولى بالتصرُّف لأنّه إذا ثبت حَمل قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «فعليّ مولاه» على الأولى بالتصرُّف بالأمر والنهي لأجل المُقدّمة أيضاً، لأنّ قول النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم: «ألست أولى بكُم منكم بأنفسكم؟» معناه أولى بالتصرُّف فيكم بالأمر والنهي، فيجب أن يكون قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «فعليٌّ مولاه» معناه أولى بهم من أنفسهم في التصرُّف في أُمورهم، وهو المطلوب. فثبت أنَّ المطلوب من هذا الحديث الإمامة.
[الشبهات المثارة حول الاستدلال بحديث الغدير]
لا يقال: لا نُسلَّم صِحّة هذا الحديث، أمّا دعوى العِلم الضروري بصِحَّته فمُكابرة، إذ ليس العِلم به كالعلم بوجود محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، والعِلم بغزواته مع الكُفّار، وفتحه لمكّة، وغير ذلك من المتواتِرات. وأيضاً فلأنّ كثيراً من أصحاب الحديث لم ينقُلُوا هذا الحديث كالبُخاري ومُسلم والواقدي وغيرهم، وأيضاً فلأنّكم تزعُمُون أنّه صلی الله علیه وآله وسلم إنّما قال هذا الكلام بغدير خُمّ بعد رجوعه من الحَجّ، ولم يكن عليّ علیه السلام مع النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في ذلك الوقت، لأنّه كان باليَمن!
وأمّا دعواكم تواتُر هذا الخَبَر، فنقول: مُخالفوكم أيضاً يدّعون(1)تواتُر الأخبار الدالّة على فضائل الشيخين، فإن قبلتُموها تركتم مذهبكم، وإن لم تقبلوها لاحتمال أن يكون ذلك التواتر لا على سبيل الرواية، بل على سبيل مذاكرة الخَبَر بعضهم(2)مع بعضٍ، واحتمال إنهاء ذلك إلى جمع قليلين(3)في أوّل الأمر، فكذلك ما ذكرتموه.
وأيضاً فتعويلُكم على رواية الشيعة إمّا أن يكون لأجل كَثرتهم، أو لِما تقولونه من أنّ إجماعهم حُجّة.
والأوّل باطِل، لأنّ سَلَفهم ما بلغوا حدّ التواتُر، ولأنّ مُخالفيهم يروون فضائل الشيخين مع أنهم أكثر، ومع ذلك فالشيعة يَقْدَحُون في تلك الأحاديث.
وإن كان لِما يقولون من أنّ إجماعهم حُجّة، فذلك باطل عندنا، ولأنّ ذلك فرع من مسألة الإمامة، فتصحيحها بها دور.
وأمّا الوجه الأوّل ممّا(4)استدلّوا به، فنقول: الأُمّة أجمعت على جعله من أخبار الآحاد، أو من أخبار التواتُر؟
الأوّل مُسلَّم، والثاني ممنوع. فلِمَ قُلتم: إنّ ذلك يدُلُّ على القَطع بصِحّته؟
بيانه: أنّ أكثر الأُمّة يجعلونه خبراً واحداً، بمعنى أنّهم يعتقدون أنّ صِحّته مظنونةٌ لا معلومةٌ، وأنّ كلّ ما يكون صِحّته غير يقينيّة عند الأُمّة فإنّهم لا يقبلونه، بل أكثر الأخبار التي قَبِلُوها وعمِلُوا بها واجتهدوا في معرفة معانيها غير مقطوعة الصِحّة، فثبت(5)بهذا أنّه
لا يلزَمُ من عدم ردّ الأُمّة لهذا الحديث أو اشتغالهم بِحَمله تارةً على الإمامة وتارةً على الفضيلة قَطْعُهم بصِحّته.
ثمّ إن سلّمنا حصول الإجماع، ولكن قد بيّنا أنّه لا يُمكنكم التمسُّك بالإجماع، لاحتمال أن يكون الإمام لا يُظهر الحقّ لأجل الخوف من الظالمين.
أمّا الوجة الثاني، وهو المُناشدة به في الشُورى، فهو ضعيف؛ لأنّ الحاجة إلى تَصحيح المُناشدة كالحاجة إلى تَصحيح هذا الحديث، بل ذلك أولى لأنّ أكثر المحدّثين يُنكرون تلك المُناشدة، وبتقدير صِحّتها فلا نُسلّم إنهاءها إلى جميع الصحابة، وبتقدير إنهائها إلى كلّهم فلا نُسلَّم أنّ ذلك يَدلُّ على قطعهم بصِحّة الحديث، بل الظاهر أنّهم قبِلُوا هذا الحديث كما قبِلوا سائر الأحاديث من سائر الرواة من العُدول، وإن لم يقطَعوا بصِحّتها، وبتقدير أنّهم لم يعتقدوا صِحّة الحديث فلعلّهم سكتوا عن التكذيب تقيّةً وخوفاً من بني هاشم، وهذه المُقدّمات ممّا لا يُنكر(1)تقديرها لا سيّما على مذهب من يُجوِّز على الخَلْق العظيم كِتمان ما عمِلوا به.
ثمّ إن سلّمنا صِحّة هذا الحديث، ولكن لا نُسلَّم صِحّة هذه المُقدّمة، وهو قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «الستُ أولى بكم من أنفسكم؟»
بيانه: أنّ الطُرق التي ذكرتُموها في تَصحيح أصل الحديث لم يوجد في شيء منها هذه المُقدّمة، فلم يمكن دعوى التواتُر فيها، ولم يمكن أيضاً دعوى إطباق الأُمّة على قَبولها؛ لأنّ من خالف الشيعة إنّما يروي أصل الحديث للاحتجاج به على فضيلة عليٍّ علیه السلام، ولا يروي هذه المُقدّمة. وأيضاً فلم يقل أحد: إنّ عليّاً علیه السلام ذكرها يوم الشورى، فثبت أنّه لا يُمكنكم إثبات هذه المُقدِّمة.
سلّمنا أصل الحديث ومُقدِّمته، لكن لا نُسلَّم دلالته على الإمامة، ولا نُسلّم أنّ لفظة المَولى مُحتمِلَةٌ للأولى، ويَدُلُّ عليه أمران:
أحدهما: أنّ أولى موضوعٌ لِيدُلَّ على معنى التفضيل، و(مفعل) موضوعٌ لِيَدُلَّ على الحَدَثان أو الزمان أو المكان، ولم يذكُر أحدٌ من أئمّة النحو واللغة أنَّ (مفعلاً) قد تكون بمعنى (أفعل التفضيل) وذلك يُوجب امتناع إفادة المولى بمعنى الأولى.
وثانيهما: أنّ المولى لو كان يجيء بمعنى الأولى لصح أن يُقرن بأحدهما ما لصحّ أن يُقرن بأحدهما ما صحّ أن یُقرن
1) في «أ»: ممّن لا يمكن، وفي «ب»: ممّن لا ينكر
بالآخر. والتالي(1)باطل، فالمقدَّم كذلك.
بيان الشرطية: أنّ تصرّف الواضع ليس إلّا في وضع الألفاظ المفردة للمعاني المُفردة، فأمّا ضمّ بعض الألفاظ إلى بعض بالوضع(2)فهو أمرٌ عقليّ، وإذا ثبت ذلك فلفظة الأُولى إذا كانت موضوعةً لمعنى آخر فصِحّة دخول إحداهما على الأُخرى لا يمكن بالوضع، بل بالعَقل، وإذا كان كذلك، فلو كان المَفهوم من لفظة (المولى) هو المفهوم من لفظة (الأولى) في العَقل(3)نحكُمُ(4)بصِحّة اقتران مفهومها بمفهوم الأولى؛ لأنَّ صِحّة ذلك الاقتران ليس بين اللفظين، بل بين مفهومهما.
وأمّا أنّه ليس كلّما صَحٌ دخوله على أحدهما صحّ دخوله على الآخر فظاهر، إذ لا يقال: «مولى مِن فلان» كما يقال: «أولى منه». فثبت أنّه لا يجوز حمل المَولى على الأولى.
فأمّا النقل عن أئمّة اللغة، فلا حُجّة فيه لوجهين:
أحدهما: أنّ أبا عبيدة(5)قال في قوله (تعالى): (مَأْوَيْكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ)(6)معناه أولى بكم(7)، وذكر ذلك أيضاً الأخفش(8)والزجّاج(9)، وعليّ بن عيسى(10)، واستشهدوا ببيت لبيد(11)
فغَدت كِلا الفَرجَينِ تَحْسَبُ أَنَّهُ *** مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُها وأمامُهَا وقد تقدّم
، لكن1) في «أ، ب»: والثاني
2) في «أ، ب»: الوضع
3) زاد في «أ، ب»: نحكم بصحة اقتران مفهوم من مفهوم الأولى، ولعلّ العبارة مصحفة أو مكرّرة
4) زاد فى «أ»: أيضاً
5) هو معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، أبو عبيدة النحوي، من أئمة العلم بالأدب واللغة، له مصنّفات عديدة تقرب من (200) مصنف في مختلف العلوم، وكان مولده في البصرة، وتوفّي بها سنة 209 ه العققَة والبَررة من نوادر المخطوطات: 330، الفهرست للنديم: 79، تاریخ بغداد 13: 252، میزان الاعتدال 3: 189، تهذيب التهذيب 10: 246، الأعلام للزركلي 7: 272
6) الحدید 57: 15
7) مجمع البیان 3: 65، تفسير الرازي 29: 227
8) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي، البصري، أبو الحسن الأخفش الأوسط، نحوي، عالم باللغة والأدب، أخذ العربية عن سيبويه، له مصنّفات، منها: (تفسير معاني القرآن) و (شرح أبيات المعاني) و(الاشتقاق) وغيرها. ولد في بلخ، وعاش في البصرة وتوفّي في سنة 215 ه. معجم الأدباء 11: 224، الأعلام للزركلي 3: 101
9) تفسير الرازي 29: 227. والزجّاج: هو إبراهيم بن السّري بن سهل، أبو إسحاق الزجّاج، عالم بالنحو واللغة، تعلّم النحو من المبرّد، وكان مؤدّباً لابن عبيد الله بن سليمان - وزير المعتصم العباسي - له مصنّفات منها (الاشتقاق) و (إعراب القرآن) و(الأمالي) وغيرها. تاريخ بغداد 6: 89، معجم الأدباء 1: 47، الأعلام للزركلي 1: 40
10) هو علي بن عيسى بن علي بن عبدالله، أبو الحسن الرُّمُاني، باحث معتزلي مفسّر، من كبار النحاة، له نحو مائة مُصنّف منها (الأكوان) و (التفسير) و(الأسماء والصفات) و (شرح كتاب سيبويه) و (معاني الحروف) و(النكت في إعجاز القرآن) وغيرها. وأصله من سامراء، ومولده في بغداد، وتوفّي بها سنة 384 ه. تاریخ بغداد 12: 14، سیر أعلام النبلاء 16: 533، الأعلام للزركلي 4: 317
11) وذلك في قوله بالمعلقة:
ذلك تساهُلٌ من هؤلاء الأئمة لا تحقيق؛ لأنَّ الأكابر مثل: الخليل وأضرابه لم يذكروه، والذاكرون له لم يذكروه إلّا في تفسير هذه الآية وآية أُخرى(1)مُرسلاً غير مُسندٍ، ولم يذكُروه في الكُتب الأصليَّة من اللغة، وليس كلّما يُذكَر في التفاسير كان ذلك لغةً أصليةً، ولذلك فإنَّهم يُفسّرون اليمين بالقُوَّة في قوله (تعالى): (وَالسَّمَواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)(2)والقلب بالعقل في قوله (تعالى): (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ)(3)مع أنَّ ذلك ليس لغةٌ أصليَّة.
وثانيهما: أنّ أصل تركيب (والى) يدُلُّ على الدنوّ والقُرب، يقال: «وليت(4)إليه ولياً» أي دنوت منه دنوّاً، و«ولّيته إيّاه» أي أدنيته منه «وتباعدنا بعد وَليٍ» ومنه قوله: «كُل ممّا يَليكَ» وقولهم: «فلان أولى من فلان» أفعل التفضيل من الوالي والوليّ، فالأدنى والأقرب من الداني والقريب، ففيه معنى القُرب؛ لأنَّ الأحق بالشيء أقرب إليه، والمولى: اسم لموضع الولي، كالمَرْقى والمَمشى لموضع الرُّقي والمشي.
وإذا عرفت ذلك فنقول: إنّ تفسير أبي عبيدة (مَأْوَيْكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ) بأنه أولى بكم. فنقول: إنّ ذلك ليس حقيقةً؛ لأنّ ذلك يقتضى أن يكون للكفّار حِصّة فى الجنَّة إلّا أنّ النار أحقّ بهم، لأنّ من لوازم أفعل التفضيل ذلك، وهو باطل، بل الأولى أن نحملها على الناصر، أي هي ناصركم، ومعناه لا ناصر لكم غيرها، والمقصود نفي الناصر مطلقاً.
وأمّا بيت لبيد، فقد حُكي عن الأصمعي(5)
كذا، وفي العبارة اضطراب، فلعلّها: وإنّ إبدال الفتح في المولى ألفاً
فيه قولان:أحدهما: أنّ المولى اسمٌ لِمَوضع الولي، أي تحتسِب البَقَرَةُ أنَّ كُلّاً من الجانبين موضع المَخافة، وإنّما جاء مفتوحَ العين تغليباً لِحُكم اللام على الفاعل، أنّ الفتح في المولى ألفاً قد جاء كثيراً.
الثاني: أنّه أراد بالمَخافة الكلاب، ومولاها صاحبها.
1) مُراده الآية: 33 من سورة النساء قوله (تعالى): «ولِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ»
2) تفسير القرطبي 15: 278 عن الفرّاء والمبرّد، والآية من سورة الزمر 39: 67
3) تفسير الطبري 26: 111، تفسير القرطبي 17: 23 عن مجاهد، والآية من سورة ق 37:50
4) في «أ، ب» وليته
5) هو عبدالملك بن قُرَيب بن علي الباهلي، أبو سعيد الأصمعي، منسوب إلى جدّه أصمع، عالم باللغة والشعر والبلدان، له (الابل) و(الاضداد) و (الفَرْق) وغيرها. ولد في البصرة، وتُوفي بها سنة 216 ه. تاریخ بغداد 410:10، الأعلام للزركلي 4: 162 .
وأمّا قوله (تعالى): (وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) فمعناه (ورّاثاً يَلُون) ما تركه الوالدان.
وأمّا قول الأخطل:
فأَصْبَحْتَ مولاها من الناسِ(1)کُلِّهم...
وقوله:
لم يَأشَرُوا(2)فيِه إذ كانوا مَوَالِيَهُ...
وقوله:
كانوا موالي [حقٍّ] يطلُبُون [لهم].
فالمراد به الأولياء.
ومنه قوله علیه السلام: «مُزينة وجُهينة وأسلم وغِفَار موالي الله ورسوله»(3)أي أولياء الله ورسوله.
وقوله علیه السلام: «أيّما امرأة تزوّجت(4)بغير إذن مولاها»(5)فالرواية المشهورة مُفسِّرةٌ له.
وقوله (تعالى): (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا)(6)أي وليُّهم وناصرهم. هكذا روي عن ابن عبّاس ومجاهد وعامّة المفسّرين(7).
فقد ظهر بما قلنا أنّ لفظة (المولى) غير مُحتملة [معنى] الأولى.
سلّمناه، لكن لِمَ قُلتم بتَعيين حمله في هذا الحديث عليه في الوجه الأوّل، وإنّ من ذكر كلاماً محتملاً لأشياء عَقِيبَ كلام خرج في أحد محتملاته، فإنَّه يُريد بذلك المحتَمَل ذلك الصريح؟
قلنا: هذا ممنوع قوله: الإنسان إذا كان له عبيد فيهم زيد فقال للجماعة: ألستم تعرفون عبدي زيداً، أشهدكم أن عبدي حرٌّ. فُهِمَ منه أنّه أراد عبده زيداً.
قلنا: لا نُسلّم بدليل حسن الاستفهام والتوكيد هاهنا، الَّذَين هما عندكم دليل الاشتراك، فإنّه لو أشهد أقواماً على ذلك لم يشهدوا حتّى يستفسروه، أيّ عبيدك تُريد؟ ويحسُن منه أن يقول بعد المُقدّمة: أُشهدكم أنّ عبدي الذي هو زيد [حُرٌّ].
ثمّ سلّمنا أنّ تقديم تلك المُقدّمة يقتضى أن يكون المراد بالمولى الأولى، ولكن(8)مُؤخّرة
الحديث، وهي قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «اللّهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصُر من نصره، وآخذُل من خذله» تقتضي أن يكون المُراد من المولى الناصر، وذلك أنّ لفظة (المولى) لمّا كانت مُحتمِلةً لذلك المعنى ولغيره، ثم ذكر عَقِيبَها لفظاً صريحاً في ذلك المعنى، وهو الموالاة التي هي ضدّ العداوة، تبادر إلى الذهن أنّه إنّما أراد بالمولى الناصر.
قوله في الوجه الثاني: إنّ المولى له معانٍ كثيرة، لكن لا يمكن حمله هاهنا إلّا على الأولى.
قلنا: لا نُسلّم، ولِمَ لا يجوز حَمله على ولاية الدين والنُّصرة؟
قوله: كون المؤمنين بعضهم أولياء بعضٍ أمراً ظاهِراً معلوماً(1)، فكيف يجوز أن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم الجموع في مثل ذلك الوقت ليقرأ على الخَلق إيجاب ما تقدّم إيجابه من موالاته؟
قلنا: في ذكره فائدتان:
إحداهما: أنّ لفظ العام مُمكِّن للمُعاند من أن يقول: إنّما أوجب الله (تَعالَى) ولاية المؤمنين، فمن أين فلان منهم؟ ولا يمكن أن نقول ذلك إذا عيّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلاناً بالولاية، لأنّ ما نصّ عليه الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فهو أحقٌ.
الثانية: أنّه صلی الله علیه وآله وسلم ربّما أحسّ بقوم أنّهم غير مخلصين في ولاية عليّ علیه السلام، فأراد أن يحملهم على الإخلاص في موالاته بموالاة نفسه.
بيانه: أنّه علیه السلام إنّما قال ذلك بعد الفَتح، وقد دخل في الإسلام بعد الفَتح من كان عليٌّ علیه السلام قتل أقاربهم، ولا يمتنع أن يكون النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أشفقَ أن يكون قد بقيَ في قُلوب أُولئك بقايا نِفارٍ، فأراد صلی الله علیه وآله وسلم إزالته، وإذا كانت هذه الوجوه محتَملةً، لَمْ يلزَم مِن حَمل المَولى على الناصر التَكرار وخُلوّه عن الفائدة.
ثمّ إن سلّمنا خُلوّه سلّمنا خُلوّه عن الفائدة لكن لِمَ لا يجوز ذلك؟ أليس عندكم أنّ إمامة عليّ علیه السلام كانت ثابتةً بالنصوص الجليّة، فإذا جاز بعد سَبقِ العِلم بإمامته بالنصوص الجليّة جمعُ الجُموع لإثبات إمامته بمثل هذا النصّ الخفيّ، فلئن يجوز فيما قُلناه كان أولى، سلّمناه.
قوله في الوجه الثالث: إنّ لفظة المَولى تُفيد في جميع محامِلها معنىً واحداً، وهو الأولى، فوجب حَملها عليه دفعاً للاشتراك.
قلنا: أهل اللغة في هذه اللفظة فريقان: منهم من جعلها مشترَكة بين هذه المعاني، ومنهم
1) في «أ، ب»: أمر ظاهر معلوم
من جعلها بمعنى القُرب والدُنوّ على ما بيّنّاه، فالقول بأنَّها موضوعة لمعنى واحدٍ وهو الأولى خَرق للإجماع.
سلّمنا أنّه لا يكون مخالفاً للإجماع، ولكن المُعتِق يسمّى مولى، مع أنّه ليس أولى بالتصرّف، فبطَل قولُكم إنَّ هذه الأولوية ثابتة في جميع مَفهومات هذه اللفظة.
سلّمنا أنَّ الأولوية ثابتة في جميع مفهوماتها، لكنَّ معنى القُرب والدُنوّ قَدْرٌ مُشتركٌ بينهما، وقد نصّ أهل اللغة على أنَّها موضوعةٌ لذلك، فيكون ذلك أولى ممّا ذكرتموه، وأيضاً فمعنى النُّصرة حاصل في الجميع، فِلمَ لا تحملونها عليه؟
قوله في الوجه الرابع: إنّ عمر قال: بَخٍ بَخٍ. إلى آخره.
قلنا: لِمَ لا يجوز أن يكون أراد النُّصرة؟
قوله: النُّصرة أمر ظاهر.
قلنا: تقدَّم الكلام فيه.
سلّمنا، لكن لو كان المُراد ما ذكرتموه للزَم أن يكون أولى بالتصرّف في حال وجود النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً، كما كان النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم كذلك، ومعلوم أنّكم لا تقولون به.
سلّمنا أنّ المَولى يُفيد الأولى، فلِمَ قُلتم: إنّ ذلك يدُلّ على الإمامة؟
قوله في الوجه الأوّل: إنّ أهل اللغة لا يستعملون ذلك إلّا فيمن يملك التدبير والتصرّف.
قلنا: لا نُسلّم، بل قد جاء في القرآن لغير ذلك، قال الله (تعالى): (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ للَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا)(1)فأخبر أنّ أتباع إبراهيم كانوا أولى به، ومعلومٌ أنّهم ليسوا بأولى بالتصرُّف فيه، فكذلك أتباع السُلطان يقولون: نحن أولى بسُلطاننا. والتلامذة: نحن أولى بأُستاذنا. وليس المَقصود إلّا الأولوية في أمرٍ ما، لا في التصرُّف فقط، لأنّ صِحّة الاستفهام عمّا هو أولى فيه والتوكيد بذكره(2)دليلان على الاشتراك.
قوله في الوجه الثاني: إنّ قولنا: فلان أولى بي من نفسي. وإن كان لا يقتضى الأولوية في التَصرُّف إلّا أنّه هاهنا كذلك، لأنّه لمّا كان قوله علیه السلام: «ألستُ أولى بكُم منكم بأنفُسِكم» معناه أولى بالتصرُّف فيكم، وجب أن يكون قوله: «فعليٌّ مولاه» أولى بكُم من أنفسكم في التصرُّف فيكم.
قلنا: هذا أيضاً ممنوع بدليل حسن الاستفهام والتوكيد.
[في ردّ الشبهات]
لأنّا نُجيب عن الأوّل: أنّ العلم بصحّته ضروري من التواتُر.
قوله: هذه مُكابرةٌ، إذ ليس العِلم به كوجود مكّة وغيرها من المُتواتِرات.
قلنا: عندنا أنّه كذلك، فأما عندكم فإن زعمتم أنّه لم يحصُل لكم العِلم به أصلاً، فلم يضرّنا ذلك، وغير مُمتنع أن لا يحصُلَ لكم العِلم للعلّة التي ذكرناها، وهو اعتقادكم لما يُنافي مُوجب الخَبر، وإن زَعمتم أنَّ العِلم به حاصل لكن بينَهُ وبين المُتواترات تفاوت، فقد سلّمتم أنّه مُتواتِر، وأمّا التفاوت فغير ضارٍّ لأنَّ العُلوم الضرورية مُختلفةٌ بالأشدّية والأضعفية.
قوله: إنّ كثيراً من أكابر نَقَلَة الحديث لم ينقُلوها كمُسلم والبُخاري وغيرهما.
قلنا: كون شخص أو شخصين أهملا حديثاً، لم يلزَم منه سُقوط ذلك الحديث وكَذِبهُ، فانّه لو نَقل كلُّ الرواة كلَّ الأخبار كما وَقعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما وَقَع بين الناس خِلافٌ في خبرٍ قطّ، ومعلومٌ أنّ الخِلاف في الأخبار أكثر من أن يُحصى.
ثمّ إنّ الحامل لهم(1)على الإهمال، إمّا عدم الوصول إلى التزكية، أو لاعتقادهم عدم صِحّته لشبهةٍ عندهم، أو لِعَدم اعتقادهم لصحّته، أو لتوقّفهم في رُواته حتّى إنّ تارِكيه لو صرّحوا بفساده لم يلزَم فساده.
قوله: إنّ عليّاً علیه السلام كان يوم الغدير باليَمن، ولم يكُن حاضراً.
قلنا: لا نُسلّم، فإنّ كلّ من نَقَلَ هذا الحديث نَقَلَ حضور عليٍّ علیه السلام وأخذ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بضَبْعه(2)والإشارة إليه بهذا الكلام، فالعلم الحاصل بهذا الخَبر مُستلزمٌ للعِلم بوجودِه علیه السلام في ذلك الوقت، وأيضاً فكلامٌ عُمر مُخاطِباً له، وشِعْرُ حسّان بن ثابت(3)
وممّا أنشده في غدير خمّ بمحضر الرسول الأكرم 9:
يُناديهمُ يومَ الغديرِ نبيُّهم *** بخُمٍّ وأسمع بالرّسولِ مُناديا
فقال: فمن مولاكمُ ونبيُّكم؟ *** فقالوا ولم يُبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا *** ولم تلقَ منّا في الولايةِ عاصيا
فقال له: قُم يا عليُّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كُنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أتباعَ صدقٍ مواليا
هناك دعا اللهمَّ والِ وليَّه *** وكن لِلذي عادى عليّاً مُعاديا
أخرج الأميني هذه القصيدة في الغدير 2: 34 - 41 عن (12) طريقاً من طرق العامة، و(26) طريقاً من طرق الخاصة. واُنظر أمالي الصدوق: 2/460، مناقب الخوارزمي: 80، مقتل الحسين 7 للخوارزمي 1: 47، مناقب ابن شهر آشوب 3: 26، تذكرة الخواص: 32 كفاية الطالب: 64، الطرائف: 146، نظم درر السمطين: 112
في هذا المَعنىيَشْهَدان بحضوره في ذلك الوقت.
قوله: أمّا دعواكم تواتُر هذا الخبر فمُخالفوكم أيضاً يدّعون تواتُر الأخبار الدالّة على فضائل الشيخين، إلى آخره.
قلنا: أمّا ما كان من تلك الأخبار مُستلزِماً صِحَّة(1)إمامَتِهِما أو قادحاً فيما علمناه بالضرورة في حقّ عليٍّ علیه السلام، فنحن نَجْزِم بعدم صحّته لاستحالة أن يتكلّم النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بكلامين مُتنافيين، وما لم يكُن كذلك من الأخبار الدالة على فضيلةٍ لهما من خارج، فنحن لا نمنع أن يقول النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم في حقّ أحدٍ كلاماً يستميل به قلبَه فتتأكّد فيه محبّة الإيمان ورسوخه بعد ثبوت صِحّة ذلك النقل على وجهه.
قوله: تعويلكم على رواية الشيعة، إمّا لأجل كَثرتهم أو لأجل إجماعهم. والأوّل باطل لأنّهم ما بلغوا في الزمن الأوّل حدّ التواتُر.
قلنا: إنّ مثل هذا الخبر لا يختصّ بنقله الشيعة فقط حتّى لا تكون كَثرتهم تُفيد العلم.
سلّمنا أنَّ الشيعة هم الناقلون فقط، لكن لِمَ قلتم: إنّهم لم يبلُغُوا في الكَثرة إلى حدّ التواتُر؟ وظاهرٌ أنّهم لم يزالوا بالِغينَ إلى حدّ التواتُر.
سلّمناه(2)، لكن لِمَ قُلتم: العِلم التواتُري لا يتوقّف على الكَثرة؟ فإِنَّ المُخبر الواحد مع انضمام القرائن إليه قد يُفيد خبرُه العِلم، فليس من شرط التواتُر تحقُّق الكَثرة دائماً.
قوله: إجماع الأُمّة إمّا أن يكون على كونه مِن أخبار الآحاد، أو من أخبار التواتُر. الأوّل مسلّم، والثاني ممنوع، فلِمَ قلتم: إنّ ذلك يدُلُّ على القطع؟
قلنا: اتِّفاق الأُمُة على نقله واعتقاد صِحّته، دلیل جزمهم به.
قوله: إنّ أكثر الأُمّة تجعله خبرَ واحدٍ، بمعنى أنَّهم يعتقدون أنّ صِحّته مظنونة لا معلومة، إلى آخره.
قلنا: لا نُسلِّم، وذلك أنَّ أكثر الأُمّة إذا اعتقدوا بأسرهم مُخالِفهم ومُؤالفهم(3)صِحَّته،
خصوصاً وفي المُخالفين لما يتضمّنه هذا الخبر من شديد المُعاندة في إنكار مُقتضاه، فيستحيل أن يكون فيه تسليمٌ له، ثمّ بعد ذلك يتعسّف في صرفه عن ظاهره إلى تأويلاتٍ نادرةٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
قوله: ولو سلّمنا(1)ذلك، لكن لا يُمكنكم التمسّك بالإجماع، لجواز(2)أن يكون الإمام لم يُظهر الحقّ لأجل الخوف من الظالمين.
قلنا: مُرادنا من الإجماع إطباق الخلق بأسرهم على نقله والتواتُر به.
سلّمناه، لكن هذا الاعتراف ليس بشيء، لأنّ الحقّ إمّا صِحّة هذا الخَبر أو كَذِبُهُ، فإن كان الأوّل فالخَلق بأسرهم قد أطبقوا على نقله، فالتقيّة ممّن تكون؟ وما مانع الإمام من إظهار الحقّ؟!
وإن كان الحقِّ كَذبَهُ فلا شكّ أنّ مضمونه على ما قرّرناه ممّا يُنكره جُمهور الخَلق، فلو كان الإمام يعلم أنّه كَذِبٌ لكان إظهار ذلك منه ممّا يُوافق طباع أكثر الخَلق، ويُحبّونه وتميل أنفسهم إليه، لأنّهم حينئذٍ كانوا يستغنون عن التعسُّف في تأويله وحَمله على الوجوه التي لا يَخفى فسادها، وكانت التقيّة أيضاً عنه زائلة لُمساعفة(3)أكثر الخَلق على ذلك.
قوله في الوجه الثاني: وأمّا المُناشدة في الشورى فضعيف، لأنّ الحاجة إلى تصحيح هذه المُناشدة كالحاجة إلى تصحيح أصل الحديث، بل ذلك أولى، إلى آخره.
قلنا: أمّا المُناشدة فمعلومة بالتواتُر كما عُلم أصل الحديث.
قوله: ويتعذّر صِحَّتها، فلا نُسلّم إنهاءها إلى جميع الصحابة.
قلنا: لا شكّ في حُضور المُعتَبرين من الصحابة الذين يدّعون الضدّيّة في هذا الأمر، وأنّهم أولى به، وتقدير الاعتراض أن نقول: يجوز أن يكون احتجاجُ عليٍّ علیه السلام في الشُورى بهذا الخَبر لَو وَصَلَ إلى كُلّ الصَحابة لأنكر واحدٌ منهم، لكنّه إذا ثبت أنّ أجِلَّة(4)الصحابة المُتنازعين في هذا الأمر كانوا حُضوراً في وقت الخَبر وفي وقت احتجاج عليٍّ علیه السلام به، ثمّ(5)لم يُنقَل عن أحدٍ منهم إنكارُه، فبطريق أولى أن لا يُنكره أحد من غيرهم ممَّن لا طَمَع له في هذا الأمر لو وَصَلَه، هذا مع تسليم أنّ الصحابة بأسرِهم لم يكونوا حُضوراً عند احتجاج عليٍّ علیه السلام في الشُورى، وهو غير مُسلَّم.
قوله: بتقدير تسليم إنهائِها إلى كُلّهم، فلا نُسلّم أنّه لم يُوجَد فيهم من أنكر ذلك.
قلنا: لا شكّ أنّ ذلك من الوقائع الكِبار في الإسلام، والأُمور العَظيمة التي يجب توافر الدواعي على نَقلها، فعلمِنا أنَّه لو كان هناك إنكارٌ لنُقل.
قوله: وبتقدير عدم النكير(1)، فلا نُسلّم أنّ ذلك يدلُّ على قطعهم بصِحّته إلى آخره.
قلنا: لو لَمْ يجزِموا بصِحّته عند احتجاجه عليهم به لكان لهم أن يُنكروه، خصوصاً وهم في محلّ الحاجة إلى دَفعه علیه السلام عن هذا الأمر، وقد سبق تقرير ذلك.
قوله: لعلّهم سكتوا تقيّةً وخوفاً.
قلنا: التقيّة والخوف في حقّ تلك الأُمّة من نفر يسير غير جائزٍ ولا مَسموعٍ، ولو صحّ الخوف من بني هاشم لكان الخوف منهم عند سَلْبِهِم لِمَنْصِبه على اطّلاعهم على أولويّته به وطَلَبِه لِمِثل تلك المُناشدة وغيرها، وكذلك رَدّهم لشهادِته ومَنْعهم لإرث فاطمة (عليها السّلام)، وغير ذلك ممّا تواترت به الرواية من أفعالهم، أولى وأتمّ، فهل يجوز أن يسكُتوا لِمِثل هذا الخَبر في مُناشدته تقيّةً لبني هاشم، ولا تجوزُ تقيّتهم في(2)هذه المواضع وأمثالها؟!
قوله: ثمّ إن سلّمنا أصل الحديث فلا نُسلّم صِحّة هذه المُقدّمة، إلى آخره.
قلنا: أمّا المُقدّمة فمعلومةٌ لنا بالتواتُر، وذلك لأنَّ كلّ ناقل من الشيعة نَقَلَ هذا الخبر فهو ناقل لها، وقد بيَّنا أنَّ نَقلَ اليَسير من الناس قد يُفيد التواتُر فضلاً عن كثير(3)الشيعة في كلّ الأطراف، وإنكار بعض الأمَّة لهذه المُقدّمة لا يضرّنا فيما علِمناه جزماً.
قوله: إنّ أحداً لم ينقُل أن عليّاً علیه السلام ذكرها يوم الشُورى.
قلنا: مَن رَوى احتجاجَه بالخَبر يوم الشُورى فإنّه يروي المُقدّمة أيضاً.
سلّمناه، لكن عدم نقلهم لِمُقدِّمته لا يُوجِبُ أنَّهم لم يسمعوها منه لجواز نقل البَعض من الحديث اكتفاءً به عن كُلّه لِشُهرته أو لأنّهم نَسوا ذِكره للمُقدّمة حال الرواية، وإن كانوا قد سَمِعوها حال الاحتجاج.
سلّمناه، لكن عدم ذكره لها يوم الشُورى لا يستلزِم عَدَم ذكرها من الرسول علیه السلام عند ذِكر هذا الخَبر، وهو ظاهِر.
قوله: سلّمنا أصل الحديث لكن لا نُسلّم دلالَته على الإمامة.
قلنا: قد بيّنّاه، وكذلك احتمال لفظ المَولى [معنى] الأَولى.
قوله: إنّه باطل لِوَجهين:
أحدهما: أنّ (أفعَل مِن كذا) موضوع ليدُلَّ على مَعنى التفضيل، و(مَفْعَل) موضوع ليدُلَّ على الحَدَثان أو الزمان أو المكان.
قلنا: هَبْ أنّه كذلك، ولكن وَضع (مَفعل) لو مُنع كونه مَوضوعاً في الأصل - لِما ذَكَرْتَ من إطلاقه على غير هذا المَعنى - لكان كما لا يدُلُّ على معنى التفضيل كذا لا يدُلُّ على باقي المُسمّيات المُشتركة فيه كالمُعتِق والمُعتَق، والناصر والحَليف، وابن العَمّ، فلا يكون حينئذٍ لفظاً مشتركاً، وقد أجمع أهل اللغة والنَحو على أنّه كذلك.
فإذن كون (مفعل) في الأصل موضوعاً لما ذَكَرْتَه لا يمنع مِن دَلالته على مَعنى التفضيل بطريق العُرف، أو أنَّه يكون في الأصل موضوعاً(1)لهذه المَعاني إمّا من واضعٍ واحدٍ أو أكثر على ما بُيِّن في أصول الفِقه.
قوله: إنّ أحداً من أئمّة اللغة لم يذكر أنّ (مفعلاً) قد يكون بمعنى (أفعل التفضيل).
قلنا : قد بَيَّنَّا أنّ أكثر أهل اللغة ذكروه، وأنّ المُفسِّرين أطبقوا على وروده بمعنى (أفعل التفضيل) في القرآن، وكذلك أئمّة النَحويِّين كالمُبَرِّد والفَرّاء والأنباري وغيرهم من رؤساء العربية والنَحو.
قوله: لو كان لفظة المَولى بمعنى الأولى لصحّ أن يُقرَن بأحدهما ما يُقرَن بالآخر، إلى آخره.
قلنا: لا نُسلّم، بل التحقيق أنَّ صِحّة اقتران اللفظ باللفظ من عوارِض الألفاظ لا مِن عوارِض المَعاني، إذ لو لم يكن كذلك لصحّ أن يُبدل اللفظ بمُرادِفه من الفارسي، وكان يحسُن أن يقالَ عِوَضَ قوله: «اسقِني من إناء الماء(2)»، «اسقني مِن [إناء] آب» وإذا كان صِحّة الاقتران من عوارِض الألفاظ لم يلزَم في كلّ ما عَرَض للفظ أن يحسُن عُروضه للآخر، وقد تقرّر ذلك في أصول الفِقه، فلا يلزَم إذن أن يصِحّ أن يُقرن بلفظ المَولى ما صحّ اقترانه بلفظ الأَولى.
قوله: أمّا النَقل عن أئمّةِ اللغة فلا حُجّة لوجهين: أحدهما، إلى آخره.
قلنا: أمّا المَرْجِع في اللغة إلى أئمّةِ اللغة والنَقل فذلك ظاهِرٌ مُجْمَعٌ عليه، فلا يُلتَفَتُ إلى
مَنعِهِ.
قوله: إنّ ذلك منهم لَتَساهُلٌ لا تحقيقٌ، فإنَّ أحداً من أكابر الأئمّة كالخَليل وأضرابه لم يذكُروه.
قلنا: لا نُسلّم أنّهم لم يذكُروه، غاية ما في الباب أنّكم لم تَجِدوا لهم نَقْلاً، لكن عدم وجدانكم لا يدُلّ على عَدَم وُجوده.
سلّمناه، لكن كون كلّ واحدٍ من أهل اللغة لم يذكُره ونَقَلَهُ الباقون لا يُوجب القَدح في النَّقلَة، فإنّ التَّساهُل إذا جازَ من الأكثرين جازَ مِن الأقلّ، فإذن الخليل لو ذَكَره لكان مُتساهلاً، وحينئذٍ لا يبقى وثوقٌ بنقل اللّغَة.
قوله: إنَّ الذاكرين له لم يذكروه إلّا في تفسير هذه الآية وآيةٍ أُخرى مُرْسَلاً غير مُسندٍ، ولم يذكُروه في الكُتب الأصليّة مِن اللغة، وليس كلّما يُذكر في التَفاسير كان ذلك لُغةٌ أصليّةً، ولذلك فإنَّهم يُفسِّرون اليَمين بالقُوَّة(1).
قلنا: اشتمال اللغة على الحَقيقة والمَجاز ظاهِر، ومَعلومٌ أنّ المَجاز إِنَّما يُصار إليه عند تَعَذَّر حَمْل الكَلام على الحَقيقة، وإلّا فالأصل في الكلام الحقيقة.
ثمّ إنّ المجاز الأصلي قد يَشيعُ ويكثُرُ اسْتِعْمَالُهُ حتّى تصيرُ الحَقيقةُ اللغويّةُ بالنسبة إليه مَجازاً، وإذا كان كذلك فنقول: إنّ لفظة المَولى وإن كانت مُشْتَرَكَةً إِلَّا أَنّ أهل اللغة فَهِموا بَحَسَبِ القَرينة في هذا الخَبَر أنَّ المُراد من المَولى هو الأولى بعد فَهْمِهم أنّه مِن جُملة مُسَمَّياتهم اللغوية، فدَعْوَى أنّه ليس لُغةً أصليّةً استلزم أنّه مَنقولٌ، وهو مُعارَض بما أنّه خلافُ الأصل، فتفسير هذه الآية أو غيرها إذن بحسب اللغة الأصليّة.
وأمّا ذكر أهل اللغة له مُرسلاً فلا يدُلُّ على فَساده، فإنّ الإرسال قد يكون لظهور الرواية، وقد يكون لظهور مُطابقة التفسير.
وأمّا تفسيرهم بغير اللغة الأصلية كاليَمين وأمثالِه فذلك إنَّما كان لاستعماله اليَمين بمعنى الجارحة على الله (تَعالَى)، فلا جَرَم لمّا لم تَصِحّ الحقيقة للإرادة عَدَلُوا إلى المَجاز.
قوله: إنَّ أصل تركيب (والَى) يدُلُّ على القُرب والدُنو، إلى آخره.
قلنا: هَبْ أنّه كذلك.
1) وذلك في قوله تعالى (والسماوات مطويات بيمينه) الزمر 39: 67 وقد تقدّم
قوله: إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ تفسير أبي عُبيدة (مَأْوَيْكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ)(1)فَإِنَّهَا الأُولى بكم ليس حقيقةً إلى آخره.
قلنا: إنّ (أفعل) جاءَت لإثبات الفَضل فقط، فيُحتمل أن يكون أبو عُبيدة عنى بذلك أنّ النارَ لها ولايتهم، لا أنّها أفضل من غيرها، وذلك لا يُنافي غَرَضنا.
سلّمنا أنّه يقتضي أن يكون للكفّار حصّة في الجنّة، لكن ذلك حقّ، وإنّ الإنسان لِمبدأ فِطرته ثَبَتَ استحقاق الجنّة له(2)، وبأعماله الرديئة الطارئة على نفسه المُرسِلة لها ثَبَتَ استحقاقُ النارِ لَهُ، ولمّا كانت الشَقاوة بحسب الكُفر كانت النار لهم أحقّ، ويدلُّ على ذلك قول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «كُلّ مَولودٍ يُولَدُ على فِطرة الإسلام، وإِنَّما أبواه هُما اللذان يُهَوِّدانَهُ ويُنصّرانه»(3).
قوله: وأمّا بيتُ لَبِيدٍ فقد حُكي عن الأصمعِي فيه قولان: أحدهما: إنَّ المَولى اسمٌ لِمَوْضِع الوَلي، إلى آخره.
قلنا: الأصل في آسم المَوضع أن يكون مكسور العَين، فَدَعْوَى تغليب حُكم اللام مدفوعٌ.
قولُه في الوَجه الثاني: إنّه أراد بالمَخافة الكِلابَ، وبالمَولَى صاحبها. لو كان كذلك لكان لا يجوزُ له في «خَلفها وأمامُها» إلّا النَصب، لأنّ الرفع يقتضي أن يكون صاحِب الكِلابِ هو نفس الخَلْفِ والأمام، فيصِحُّ رفعه، وحَملُه على الأولى حَمْلُ هُوَ هُوَ.
قوله: وأمّا قوله (تعالى): (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ)(4)فمعناه ورّاث يَلُونَ(5)ما تركه الوالدان.
قلنا: لو كان المُراد هو أن يليه فَقط دون أن يكون أولى، لكان لمن(6)يَلي حَمْلَه ونَقْلَه من الأجانب والأقارب الذين ليسوا في درجة الوارِث فيه حِصّةٌ كما للوارث، لِعِلَّة أَنّهم يَلُونَه، وهو ظاهِرُ الفَساد.
قوله: وأمّا قول الأخطل: فأصبحتَ مولاها. وقوله: لم يأشَرُوا(7)فيه إذ كانوا مواليه. وقوله:
1) الحديد 57: 15
2) ويدلّ على ذلك أنَّ الكافر إذا مات طفلاً دخل الجنة، أو تقول: لا نُسلّم تعين النصيب في الجنّة، فلم لا يجوز أن تكون أولى بكم مما كنتم فيه من دار الدنيا، أو من فوقكم في عرصات القيامة، ومعلوم أنَّهما الجنّة والنار. «من هامش أ»
3) صحيح البخاري 8: 6/220، علل الشرائع: 2/376
4) النساء 4: 33
5) في «أ، ب»: يكون
6) في «أ، ب»: من
7) في «أ، ب» يثأروا، وأثبتناه وفقاً لما تقدّم
[كانوا] موالي حقّ. فالمُراد به الأولياء.
قلنا: المَرجع في أمثال هذه المَفهومات إلى أهل اللغة والنَحو، وقد بيّنا أنّهم فسّروها بالأَوْلَى، على أنّه لا مُعارِض بين المُفسّرين، لأنّ الوليّ(1)(فعيل) بمعنى (فاعل) فيكون المَعنى (والي) ولا شكّ أنّ الوالي هو الأولى بالتصّرف، وهو الجواب عن قوله علیه السلام: «مُزينة وجُهينة وأسْلَمُ وغِفَارُ موالى الله ورسوله»(2)أي أولياء الله. وقوله علیه السلام: «أيّما امرأة نُكحت(3)بغير إذن مولاها»(4)فالرواية الثانية تُفسّره.
قلنا: فإنّ المَذكورين مَوالي الله أي كلّ واحدٍ منهم وليّ الله، أي والٍ على إقامة مَراضيه، وقد عَرَفْتَ أنَّ الوالي هو الأولى، فهم أولى بالتصّرف فيما يُرضي الله (تَعالَى).
لا يقال: فيلزَم(5)أن يكون هؤلاء أولى بالتصرّف في مراضي الله (تَعالى) من أكابر الصَحابة، لأنّا نقول: الأولويةُ هاهنا بالله لهم بالنسبة إلى مَنْ هو دونهم في ذلك.
فإن قُلتَ: فيلزَم أن يكون الحال في الخَبر كذلك، فتكون الأولوية فيه ثابتةً لعليّ علیه السلام بالنسبة إلى مَن هو دونه، وذلك ممّا لا نأباه.
قلتُ: الفرق ظاهر، فإنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لما كان أولى من جميع الخلق بأنفسهم، وجب أن يكون عليّ علیه السلام كذلك، بخلاف خَبَر المَذكورين، وكذلك الجواب عن الخَبَر في وليّ المَرأة.
وأمّا قوله (تَعالى): (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)(6)فَحَمْلُه المَولى هاهنا على الأولى بالتصرّف حَسَن، على أنّا لا نُنكِر أن يكون هاهنا بمعنى الناصر، فإنّا ما أدّعينا أن لفظة المَولى في كلّ موضع تُفيد الأولى، بل في هذا الخَبَر.
قوله: سلّمناه، لكن لِمَ قُلتم إنّه يتعيّن حَمْله في حُسن الاستفهام والتوكيد؟
قلنا: أمّا الاستفهام فلا نُسلّم حُسنه في هذه المَواضع، بل الذهن السليم يشهد بقُبحِه، وأمّا حُسن التوكيد(7)فلا يدلّ على الاشتراك، فإنَّك(8)إذا قلت: جاءني زيدٌ. يتبادر إلى فهم كلّ عاقل أنّ هذا الإنسان المَخصوص وصل إليك، والمُبادرة إلى الذهن قرينةُ الحَقيقة، فإن كان يحسُن أن تؤكّده فتقول: جاءني زيدٌ نفسه.
وأمّا المَنع من الشَهادة عليه إلّا بعد الاستفسار، فلا نُسَلّم ذلك مُطلقاً.
وبيانه: أنّ الفَهم هاهنا قد يختلِف بحَسَب ذلك السامع وبَلادَته وتفطُّنه(1)وعدم تفطُّنه، فجائز أن يسبِق إلى ذِهن واحدٍ المَعنى المُراد قبل الآخر وأقوى منه، فيجُوز له على ذلك التقدير أن يشهد عليه، وجائز لِمَن لَمْ يكُن كذلك أن يستفسِر، بل قد يجب الاستفسار لاستثبات الحُقوق الشرعيّة.
وأمّا التأكيد فقد علمتَ أنه لا يلزَم منه الاشتراك.
قوله: سلّمناه ولكن مؤخّرة الحديث تقتضي أن يكون المُراد مِنَ الحَديث الناصِر، إلى آخره.
قلنا: لا نُسَلَّمُ مُبادَرة الذِهن إلى ما ذَكَرْتُم، بل نقول: دَلالَتُها على ما أوردناه أولى.
بيانُه أنّ قولُه: «اللّهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وأنصُر مَن نصره، وأخذُل مَن خَذَلَه» غير لائق إلّا بمَن كان له أولياء وأنصار وخاذلون وأعداء، ويحتاج إلى النُّصرة، ويتضرّر بالخِذلان، وذلك لا يليق إلّا بالسُّلطان.
وأمّا قوله: لا نُسلَّم حَمله على الأولى، ولِمَ لا يجوزُ حَمْلُه على ولاية الدين والنُّصرة؟ قلنا: لِمَا تقدّم.
قولُه: في ذكره فائدتان: إحداهما: أنّ لفظ العامّ، إلى آخره.
قلنا: أمّا أنَّ اللفظ عامٌ فظاهِر، وأمّا تمكين المُعاند من أن يقول ما قُلتم حتّى يحتاج إلى تعيين الرَسول صلی الله علیه وآله وسلم.
قلنا: بُطلان هذا الكلام ظاهِر، وذلك أنّ أحداً من الصحابة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يشُكُّ أنّ عليَّاً علیه السلام سيّد من سادات المُؤمنين، وقد عرفوا مكانَه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهادَه في سبيل الله وطاعَته لله، بل كان مِنهم من يعتقِد أنّه أفضل الخَلق بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، والذين جَحدوا فضائله ونافسوه(2)وكانوا يدّعون المِثليّة في زمن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، لَمْ يُنقِصوه عن مَراتب سادات المُؤمنين حتّى يحتاج الرسول صلی الله علیه وآله وسلم إلى ذلك الجَمع العظيم في ذلك الوقت الشديد الحرّ الذي يحتاج [فيه] الشَخص مِنهم إلى أن يضع رداءَهُ تحت قَدَمَيْهِ مِن شدّة الحَرّ، وبخطُبَهم لِيُقَرّر عليهم مثلَ هذا الأمر الظاهر، وهذا هو الجواب عن الفائدة الثالثة.
قوله: سلّمنا خُلوّه عن الفائدة، فلِمَ لا يَجوز ذلك، أليس عِندَكم أنّ إمامة عليّ علیه السلام ثابتة
بالنَصّ الجليّ؟ إلی آخره.
قلنا: الفائدة هاهنا حاصلةٌ، وذلك لأنّ النُصوص الجليّة لم تكُن بِمَحْضَر مثل هذا الجَمع العَظيم من الصَحابة، فيجوز أن يكون النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قَصَد هاهنا أن يُشهِد بذلك الحال ويُسْمِعَها كُلَّ الصحابة في ذلك الوَقت، لأنه قريب وفاته صلی الله علیه وآله وسلم، فهو وقت الحاجة.
وأمّا أنّه لَمْ يَشْهَرْهُ في الوَقت الأوّل ويُنْهِه إلى جَميع الصَحابة، فلِجَواز أن يكون علیه السلام عالِماً بامتداد عُمره، فلا يجِب عليه إشاعتُه وجوباً مُضيَّقاً في ذلك الوقت، لأنه حكيمٌ لا يُعترض عليه بتخصيص بعض الأوقات بإيقاعِ فعل أو قولٍ دون وقتٍ آخر، لِجَواز أن يفعلَ ذلك لِمَصلحةٍ لا يُطَّلع عليها.
قوله في الوجه الثالث: إنّ أهل اللغة فريقان، إلى آخره.
قلنا: لا نُسلِّم حصرهم في الفريقين المَذكورين، فإنَّ منهم من جعلها حقيقةٌ في القَدْرِ المُشترك أيضاً.
سلّمنا أنّ ذلك لم يقُل به أحدٌ مِن أهل اللغة السابقين، لكن لا نُسلِّم أَنَّ أَخْذَ(1)كلَّ فِرقةٍ بقولٍ يستلزم تحريم إحداثِ قولٍ ثالث.
قوله: إنّ ذلك إجماعٌ منهم، فيكون القائل بغير أحد القولين خارقاً للإجماع.
قلنا: لا نُسَلّم أنّ الإجماع حاصل.
سلّمناه، لكن لا نُسلّم أنّ مِثل هذا إجماعٌ، فإنّ الإجماع عبارة عن اتّفاق أهل الحَلّ والعَقْد من أُمّة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم على أمرٍ من الأُمور اتّفاقاً مَقصوداً بالقَصد الأوّل، بحيث يُفهم مِن كلٍّ منهم أنّ الحقِّ ما اتَّفقوا عليه دون غيره، وهاهنا ليس كذلك، فإنّ اتّفاق أهل اللغة على أنَّ المُراد بهذه اللفظة أمرٌ واحدٌ أو أمران لا يُحتمل غيرهما غيرُ حاصِلٍ، نَعَمْ لَو بَيِّن الخَصْمُ أنّه حَصَرَ أهلَ اللغةِ وحَصَرَ أقوالَهم، ثمّ بيَّن أنّهم أفْتَرَقُوا إلى هاتين الفِرقتين، وأنّ كُلَّ واحِدةٍ مِنهما قالت بوجه من الوَجهين المَذكورين، وأنّهم اتَّفقوا على أنَّ هذه اللفظة لا تَحْتَمِل شيئاً آخر لأمكنه أن يستدلَّ بالإجماع، لكنّه لا(2)يُمكِنُه ذلك.
قوله في المُعارضة بالمُعْتَق أنّه يُسمّى مولىً، وليس أولى بالتَصرُّف.
قلنا: بل هو أولى بالتصُّرف فيما هو أهلٌ له، وهو خِدمة مُعتِقِه، والأُمور التي تلزَمُهُ مُراعاتُها.
قولُه: مَعنى القُرب قَدْرٌ مُشترك بينهما بنصّ أهل اللغة، فَحَمْلُها عليه أولى.
قلنا: حَمْلُها على ما ذَكرناه أكثر فائدةً، لأنّ فيه معنى القُربِ وزيادة، فكان أولى، وهو الجواب عن قوله: إنَّ معنى النُّصرة أيضاً حاصِلٌ في الجَميع فلِمَ لا تحملونها(1)عليه.
قولُه في قول عمر: لِمَ لا يجوز أن يكون أراد النُّصرة.
قلنا: الضَرورة تقضي(2)بأنّ كلام عُمر مستلزِم للغِبْطَة، والنُّصرَة لاشكّ أنّها عامّة لكلّ المُؤمنين، ولا يحصُل بتنصيصِها في حقٌ عليّ علیه السلام غبْطَةٌ، وأيضاً كلامُه يدُلُّ بظاهِرِه على حُصول مرتبة لعليٍّ علیه السلام ليست لغيره، والنُّصرة عامّة لكلّ المؤمنين، فلا تحصُل لعليّ علیه السلام بإظهارها في حقّه مرتبةٌ ليست لِغَيْره(3).
قوله: لو كان المُراد ما ذكر تُموه لَزِم أن يكون أولى بالتصّرف(4)في حياة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم.
قلنا: ليس في اللفظ إلّا إثبات الولاية له علیه السلام كما ثبتت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمّا أنّ تلك الولاية تكون في زمان النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أو بعده فليس في اللفظ ما يَدُلُّ عليهِ إِلَّا أَنَّ العَقل حَكَم بِحَسَبِ العُرف والعَادة أنّ التَصرُّف للإمام في الأُمور لا يحصُل بالفِعل إلّا عند عدم النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، ثمّ لو سلّمنا في أنّ اللفظ يعُمُّ الأوقات فَلَنا أن نَقول: إنَّ التخصيص بالعَقل جائز.
قوله: سلّمنا ذلك، لكن لِمَ قلتم إنها تدلُّ على الإمامة؟
قلنا: لما بيّناه.
قوله: إنّه جاء في القرآن لِغَيْرِ ذلك، كقولِهِ (تعالى): (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)(5). قلنا: هذا مُطابقٌ لِغَرَضِنا، لأنَّ الذين اتَّبَعُوا إبراهيم علیه السلام، هم أولى بالتصرّف في خِدمته وأحواله من الكُفّار الذين لم يتّبعوه، وكذلك الرعيّة للسُّلطان والتلامذة للأُستاذ، وهذا هو المُتبادر إلى الأفهام، والتبادر(6)إلى الذِهن دليلُ الحقيقة، ولا يحتمل الاستفهام، وأمّا التوكيد فقد عرفت أنه لا يُوجِب كون اللفظ مشتركاً.
قوله على الوجه الثاني: إنّ ذلك أيضاً ممنوعٌ بدليل حُسن الاستفهام والتوكيد.
قلنا: أمّا حُسن الاستفهام فممنوع، وأمّا التأكيد فقد عرفت أنه قد يُؤكَّد اللفظ ويُراد به حقيقةَ ظاهِرِهِ، وبالله التوفيق.
البرهان(1)الثالث
قول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «أنت مِنّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»(2).
وجه الاستدلال به:
إنَّ هذا الحديث يقتضي أن يثبُت لعليّ علیه السلام من النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم مثل جميع المَنازِل التي كانت ثابتةً لهارون مِن موسى (عليهما السّلام)، ومِن المَنازل الثابتة لهارونَ مِن موسى (عليهما السّلام) كونُه مُستحقّاً للقيام مَقامَهُ بعد وفاته لَو عاشَ بَعده، فَوَجَبَ أن يثبُتَ لِعَليّ علیه السلام ذلك.
أمّا الأوّل، فبيانه من ثلاثة أوجه:
الأوّل: أنّ الحكيم إذا تكلّم بكلام متناول(3)بظاهره أشياء ثمّ استثنى بعضَها وهو يُريد الإفهام، فإنّه يكون مُريداً لِما عَدا المُستثنى، ويكون الاستثناء قرينةً دالّةً على إرادته لِما عدا المُستثنى لِما يَتناوله اللفظ، كقول القائل: مَن دَخل داري أكرمتُه إلّا زَيداً. عرفنا أنّه أراد إكرام مَن عداه لأنّه أراد الإفهام، فلو لم يُرد الإفهام ولم يرد إكرام عَمرو أيضاً لاستثناهُ كما استثنَى زيداً.
الثاني: أنّ الحديث لو أفاد منزلةً واحدةً فقط، لما جازَ أن يَستثني منزلةَ النُبوّة، لانّ الشيء الواحِد لا يُمكن أن يُستثنى منه.
الثالث: أنَّ الأُمّة في هذا الحديث على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها قولُ مَن قَصَرَهُ على منزلةٍ واحدة، وهو السَبَبُ الذي يَدّعُونَه من خروج الكلام عليه، وهو أنّه علیه السلام لمّا لَمْ يَسْتَصْحِبْهُ في غَزوة تبوك أرْجَف المُنافقون بأنّه إنّما تَرَكَهُ بُعْضاً له، فشكا عليّ علیه السلام ذلك إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فذكر النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ذلك إزالةً لذلك الوَهم.
والقول الثاني: أنّه يتناول كلّ المَنازل إلّا ما خرج بالدليل.
والثالث: التوقّف إلى ظُهور القَرينة المُعيّنة للمُراد.
فالأوّل باطِل لثلاثة أوجه:
1) كذا، ويقتضى أن يكون النص كما ذكر أولاً
2) مسند أحمد 1: 170 و 177 و 179 و 182 و 185 و 3: 32 و 6: 369 و 438، فضائل الصحابة لأحمد 2: 1020/598 و 1079/633 و: 1091/642، صحیح البخاري 6: 408/18، صحیح مسلم 4: 30/1870 - 32، سنن ابن ماجة 1: 121/45، سنن الترمذی 5: 3724/638 و 3730/641 و 3731، خصائص النسائي: 45/52، 46/52، 47/53، أمالي الصدوق: 10/331، الإرشاد: 83، أمالي الطوسي 1: 232 و 258 و 259، الطرائف: 51 - 45/54 - 50
3) في «ب»: متأوّل
الأوّل: أنّ المُرجِف بِبُغْضِ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لعليّ علیه السلام إن لم يكُن عاقلاً فلا مَعنى لتأذّيه منه، وإن كان عاقلاً فالضرورة قاضيةٌ بأنّه لا يجوزُ أن يتوهّمَ ذلك مع عِلْمِه بقُربِه من الرَسول صلی الله علیه وآله وسلم وأقواله فيهِ واعتداده به.
الثاني: أنّ أكثر الروايات أنّ هذا الخَبَر ورد في غير غزوة تبوك(1).
الثالث: أنّ ما ذكرتموه من الرواية أُحادية، فلا تُفيد العِلم، وليس في لَفظ الحديث ما يقتضي الاقتصار على هذه الواقعة، فإذن يمتنع العِلم بصِحّة هذا.
والثالث أيضاً باطِل، لما ثَبَتَ في أُصول الفِقه من القَول بِصِيَعَ العُمُوم، وإذا كان كذلك وجب صِحّة القسم الثاني، وإلّا لكان الحقّ خارجاً عن الأُمّة، وإنَّه غير جائز.
وأمّا بيان الثاني:
وهو أنّ مِن جُملة منازِل هارون مِن موسى استحقاقَهُ للقِيام مَقامَهُ بعد وفاته، فلِوَجهين: الأوّل: أنّه كان خليفةٌ لموسى حالَ حياتِه لِقولِه (تَعالَى) حكايةً عنه: (اخْلُفنِي فِي قَوْمِي)(2)فوجب بقاء أهليّتِه للخِلافة بَعْدَ وفاته.
التقرير الثاني: أنّا لا ندّعي خلافة هارون لِمُوسى، بل نقول: إنّ هارون كان شريكَ موسى (عليهما السّلام) في الرسالة، ولا شكّ أنّه لو بقي بعد وفاتِه لقامَ مَقامَهُ في كونِه مَفْرُوضَ الطَاعة، وذلك القَدرُ كافٍ في المَقصود لأنّه لمّا دلّ الحديث على أنّ حال عليٍّ علیه السلام كحالِ هارون في جميع المَنازل كانَ مِن منازِل هارون استحقاقُهُ للقيام مقامَه مِن وُجوب العِصمة، وجب أن يكون عليٌّ علیه السلام أيضاً كذلك.
[الشبهات المثارة حول الاستدلال بحديث المنزلة]
لا يقال: الحديث لا يتناول إلّا المَنازل الثابتة دون المُقدّرة، وإمامة هارون بعد موسى علیه السلام ما كانت حاصلةً بل كانت مُقدّرةً فلا يتناولُها الحديث.
لاُنّا نقول: استحقاقُ هارون للقيامِ مقامَ موسى علیه السلام بعد وفاتِه منزلةٌ ثابتةٌ في الحال، لأنّ استحقاقَ الشيء قد يكون حاصلاً، وإن لم يكُن المُسْتَحَقُّ حاصِلاً في الحال.
لا يُقال: لا نُسلّم دلالة الحديث على العُموم.
بيانُه: هو أنّ حُسن الاستفهام والتوكيد دليل الاشتراك، ثمّ إنّه علیه السلام لم يقل: أنت منّي بمنزلة
هارون من موسى حتّى الخِلافة إن عشتَ بَعدي، وعند الإماميّة إذا قال الإنسانُ: ضربتُ كلّ من في الدار. وكان فيها أربعةٌ فإنّه يحسُن من السائل أن يستفهِمَهُ ومِنَ القائل أن يُؤكّد، فبِطَريقِ الأولى أنّ حُسن الاستفهام والتوكيد في لفظ الحديث لا يقتضي العُموم.
قوله: الحكيمُ إذا تكلّم بكلام ظاهرُه التناول للأشياء ثمّ استثنى بعضَها وهو يُريد الإفهام، فإنّه يكون مُريداً لِما عَدا المُستثنى.
قلنا: هذا لا يستقيمُ على مذهبِكُم، لأنّ حُسن الاستفهام والتوكيد دليل الاشتراك عندكم، ومعلومٌ أنّه يحسُن الاستفهام بعد الاستثناء، فيقال: أكرم كُلَّ مَن عَدا زيداً. وكذلك التوكيد من المُتكلّم فيقال: أمّا جميعُ مَن عَدا زيداً فإنّي أكرمهم.
قوله: الحديث لو أفاد منزلةً واحدةً لما جاز الاستثناء لامتناع الاستثناء من الشيء الواحد. قلنا: مِن مذهبكم أنَّ الاستثناء يُخرِجُ من اللفظ ما لولاه لصَحَّ دخوله فيه، لا ما لولاهُ لوجب(1)دخوله فيه، وإذا كان كذلك فقوله علیه السلام: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» يصلُحُ لجميع المنازل ويصلُحُ لبعضها عندكم، فصحّ أن يُستثنى منه النبوّة، ولا نقول إنَّه يُفيد منزلةً واحدةً فقط، بل نتوقّف(2)فيه ونَحمِل الحديث على السَبب لأنه المُتَيَقَّن، إذ لا يجوز خروجه عن اللفظ وما عداه فيلزَمُ أن يتوقّفوا فيه.
قوله: هذا الحديث رُوي في غير غزوة تبوك.
قلنا: أصحاب الرواية الصحيحة يقولون: إنّ الرواية الصحيحة في هذا الحديث كانت في غزوة تَبُوك.
سلّمنا دلالة هذا الحديث على العُموم، لكن لا نُسلّم أنّ منازل هارون من موسى كونه قائماً مقامَه بَعد وفاته.
وقوله: إنّه كان خليفةٌ في حال حياته، فوجب بقاء تلك الخلافة بعد موته.
قلنا: لأنُسلّم كونه خليفةً له حال حياته.
أمّا قوله (تَعالى): (أَخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)(3).
قلنا: لِمَ لا يجوز أن يكون ذلك إنّما يكون على طريق الاستظهار، كما قال: (وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ)(4)؟ ولأنّ هارون كان شريك موسى في النبوّة، فلو لَمْ يستخلِفُه موسی لكان هو لا مُحالة يقوم بأمر الأُمّة، وهذا لا يكون استخلافاً على التحقيق، لأنّ قيامه
بذلك إنَّما كان لكونه نبيّاً، ثمّ إن سلّمنا أنّ موسى علیه السلام استخلَف هارون في قومه، لكن في كلّ الأزمنة أو في بعضها؟ الأوّل ممنوعٌ، والثاني مُسلّم.
بيانه: أنّ قوله: (اخْلُفْنِي فِي) أمر، فهو لا يُفيد التكرار بالاتّفاق، وأيضاً القرينة دالّةٌ على أنَّ ذلك الاستخلاف ما كان عامّاً لكلّ الأزمنة، لأنّ العادة جاريةٌ بأنَّ من خَرَجَ من الرؤساء واستخلف على قومه خليفةً أن يكون ذلك الاستخلاف مُعلّقاً بتلك السَفرة فقط، وإذا ثبت أنّ ذلك الاستخلاف لم يكُن حاصلاً في كلّ الأزمنة لم يلزَم من ثُبوتِه في بعض الأزمنة ثُبوتُه في كلّها.
قوله: لو عاشَ هارون بعد موسى علیه السلام لقامَ مقامَه في كونه مُفْتَرَض الطاعة.
قلنا: يجب على الناس طاعتُهُ فيما يؤدّيه عن الله (تَعالى)، أو فيما يؤدّيه عن موسى علیه السلام، أو في تصرّفه في إقامة الحُدود؟
الأوّل مُسلّمٌ، ولكنّ ذلك نَفْسُ كونِه نبيّاً، فلا يُمكن ثُبوته في حقٌ عليّ علیه السلام. وأمّا الثاني والثالث فممنوعان، لأنّ مِنَ الجائز أن يكون النبي صلی الله علیه وآله وسلم مُؤدِّياً للأحكام عن الله (تَعالى)، ويكون المتولّي لتنفيذ تلك الأحكام غيره، وإذا جاز ذلك ما يلزَم من تقدير بقاء هارون بعد موسى علیه السلام كونُه متولّياً لتنفيذ الأحكام، بل يجوز أن يتولّى تنفيذَ الأحكام غيرُه، وإذا لم يجب ذلك لَم يجِب كونُ عليٍّ علیه السلام أيضاً كذلك.
سلّمنا أنّ هارون لو عاش بعد موسى لكان مُنفّذاً للأحكام، لكن لا شكّ في أنَّه ما باشَرَ ذلك لأنه مات قبل(1)موسى(2)إماماً، لزِم مِنَ الثاني أن لا يكون إماماً، وإذا تعارضا تساقطا.
[في ردّ الشبهات]
لأنا نُجيب عن الأوّل: أنّ لفظ المنزلة يُفيد العُموم، وأما حُسن الاستفهام فممنوع، وأمّا التوكيد فبتقدير الاستئناف على أنَّ التوكيد إنَّما هو تقوية المَعنى الأوّل الذي يفيده اللفظ الأوّل بلفظ ثانٍ، فلو لم يكن اللفظ الأوّل يُفيد(3)العُموم لما حسُن تأكيده.
قوله: إنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يقُل: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى حتّى الخلافة إن عشت بعدي.
قلت: لمّا كانت لفظة (منزلة) مفيدةً لعموم كلّ واحدةٍ من المنازل، ومن جُملة المنازل
كونُه خليفةً له لو عاش بعده، لم يكُن به حاجةٌ إلى إفراد هذه المَنزلة بالذِكر.
قوله في الثاني: هذا لا يستقيم على مذهبكم لأنّ حُسن الاستفهام والتوكيد دليلا الاشتراك، ومعلومٌ أنّه يحسُن الاستفهام بعد الاستثناء، وكذلك التوكيد.
قلنا: مرّ الجواب عنه.
قوله في الثالث: من مذهبكم أنَّ الاستثناء يُخرج من الكلام ما لولاه لصحّ دخوله تحت اللفظ.
قلنا: لا نُسلّم، بل هو عندنا يُخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخُوله، وصِيَغ العُموم عندنا صحيحة.
سلّمناه، لكنَّ قرينةً توجِب مُراديّة الباقي لاتستثني(1)ما يُريد إخراجه.
قوله: أصحاب الرواية الصحيحة كانت في غزوة تبوك.
قلنا: المعتبرون من أصحاب الرواية الصحيحة عندكم في هذا النقل غير بيّني العدالة عندنا، فلا ثقة بقولكم.
قوله: لأنسلّم أنّ من جملة منازل هارون من موسى كونه قائماً مقامَه بعد موته.
قلنا: تقدّم جوابه.
قوله: لأنُسلّم كونه خليفةً له حال حياته.
قلنا: بل هو كذلك للآية.
قوله: لِمَ لا يجوز أن يكون ذلك إنّما كان على سبيل الاستظهار؟ قلنا: حَمْلُ لفظِ الخِلافة على ما أردناهُ حقيقةٌ، فَصَرْفه إلى معنىً آخر خلافُ الظاهر، وإنّه مُحتاجٌ إلى الدليل.
قوله: ولأنّ هارون كان شريك موسى في النُبوّة، فلو لَمْ يستخلِفهُ موسى لكان هو لا مُحالةً يقوم بأمر الأمّة، وهذا لا يكون استخلافاً على التَحقيق.
قلنا: حقيقة الاستخلاف هي قيامُ شخصٍ مقام الآخر في تنفيذِ مراسِمِهِ على سبيل النيابة عنه، وهاهنا كذلك، لأنّ هارون لو عاش بعد موسى (عليهما السّلام) لكان مُتصرِّفاً في إقامة حُدود شريعتِه، مُنفّذاً لسنّته التي خلّفها في قومه، فقيامه بأمر الأُمّة حينئذٍ ليس لكونه نبيّاً فقط.
1) في «ب»: توجب مُرادته الباقي يستثنى
قولُه: لو سلّمنا أنّ موسى علیه السلام استخلَف هارون في قومه، لكن في كلّ الأزمنة أو بعضها؟ الأوّل ممنوعٌ لأنّه أمرٌ، وهو لا يُفيد التَكرار، والثاني مُسلّم، إلى آخره.
قلنا: مُرادنا إثبات أهليّة هارون للقيام مقامَ موسى بعده، واستحقاقه له، ولا شكّ أنّ تلك الأهليّة ثابتةٌ بدليل الاستخلاف، والعِلم حاصِلٌ ببقائها على تقدير بقائه بعده لِمَكان العِصمة.
قوله: يجب على الناس طاعته فيما يؤدّيه عن الله (تَعالى) أو فيما يؤدّيه عن موسى، أو في نُصرته في إقامة الحدود؟
قلنا: بل في الكلّ، أما ثبوته في حقّ عليٍّ علیه السلام فإنّما كان من جهة كونه مؤدّياً عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، ومتصرّفاً في إقامة الحدود لاستحالة كونه نبيّاً.
قوله: الثاني والثالث ممنوعان، لأنّ من الجائز أن يكون النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم هو المؤدّي عن الله (تَعالى)، ويكون المتولّي لتنفيذ الأحكام غيره.
قلنا: الجواز ظاهرٌ، لكن لا يلزَم من عَدَمِ تَوْلِيَتِه لإقامة الحُدود بنفسِه خُروجِه عن كونِه مُتصرّفاً، فإنَّ التصرّف في إقامة الحُدود مثلاً يصدُقُ بأن يأمر غُلامَه بذلك، فيصدُقُ حينئذٍ أنّ هارون لو عاش بعد موسى لوجبت طاعته فيما يؤدّيه عن الله وعن موسى علیه السلام، وفي التصرّف في إقامة الحُدود، وإن لم يكن هو المُباشر لإقامتها.
قوله: سلّمنا أنَّه لو عاش بعد موسى لكان مُنفِّذ الأحكام(1)، لكن لا شكّ في أنّه ما باشَر تلك الأحكام، إلى آخره.
قلنا: إنّ هارون إنّما لم يُباشر تلك الأحكام لموته قبل موسى، وأمّا عليّ علیه السلام فإنّه لم يمُت قبل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فظهر الفَرق وبالله التوفيق.
1) تقدّم في الشبهات بلفظ: منفّذاً للأحكام
وهي أربعة:
البرهان الأوّل:
عليّ علیه السلام أفضل الصحابة. والأفضل يجب أن يكون هو الإمام، فإذن يجب أن يكون عليّ علیه السلام هو الإمام.
أمّا المَقام الأوّل فبيانه مِن أثنين وعشرين وجهاً:
الأوّل:
قوله (تَعالى): (قُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)(1).
وجه الاستدلال به: أنّه علیه السلام دعا علياً إلى ذلك المقام(2)، وذلك يدلُّ على غاية فضله.
أمّا الأوّل فلوجهين:
أحدهما: أنّه علیه السلام إن قَصَدَ بالمباهلة بيانَ دِينه الذي جاء به، وذلك يقتضي أن يخُصّ(3)بالمُباهلة من يكون هو في غاية المحبّة له، وإلّا لكان للمنافقين أن يقولوا: لو كان على بصيرةٍ من أمره لدعاء(4)إلى المُباهلة ونزول العذاب على من يُحبّه ويخاف عليه دون من ليس كذلك.
ثمّ إنّ شفقة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم على الذين أحضرهم في ذلك الموضع إمّا لِشدّة قُربهم وهو باطِل، وإلّا لأحضر العبّاس وعقيلاً كما أحضر عليّاً علیه السلام، أو لِكمال فَضْلِهم، فيلزَم أن يكون
1) آل عمران 3: 61
2) مسند أحمد 1: 185، صحیح مسلم 4: 32/1871، سنن الترمذي 5: 3724/638، تفسير الطبري 3: 212، أمالي الصدوق: 1/421، عيون أخبار الرضا علیه السلام 1: 84، مستدرك الحاكم 3: 150، الاختصاص: 54 و 112، أمالي الطوسي 1: 313 و 2: 159 و 177، الصواعق المحرقة: 155
3) في «أ» نسخة بدل: يحصر
4) في «أ، ب»: لدعاه
عليٌّ علیه السلام أفضل الخَلق.
الثاني: أنّه لمّا كانت نفس عليٍّ نفساً له صلی الله علیه وآله وسلم، وجب أن يثبُت لعليٍّ علیه السلام جميع ما يثبُت له، لأنّ مُقتضى الوحدة ذلك(1)، تُرِكَ العَملُ بهِ فيما عُرف بضرورة العَقل، وهو التعدُّد، والصفات التي أختصّ كُلُّ واحدٍ مِنهُما بها أو بنظره(2)، كالنبوّة، فيجب العمل به فيما عَداه.
الثاني:
قولُه (تَعالى): (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ)(3)جاء في التفسير أنّ الآية نزلت في عليّ علیه السلام(4).
الثالث:
قوله (تَعالى): (قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)(5)ولا شكّ في دخول عليّ علیه السلام وخروج أبي بكر(6).
الرابع:
خَبَرُ الطير: وهو ما رُويَ أنّه صلی الله علیه وآله وسلم أُهدي إليه طائر مشويّ، فقال: «اللّهمّ آثتني بأحبّ خلقِك إليك يأكُل معي من هذا الطائر(7)».
وفي رواية أُخرى: «اللّهمّ أدخِل إليَّ أحبَّ أهل الأرض إليك» فجاء عليّ علیه السلام وأكل معه من ذلك الطير(8).
والاستدلال به أنّ أحبَّ الخَلق إلى الله ليس إلّا أكثرهم ثواباً، لأنّ المحبّة منه (تَعالى) لِعَبْدِه ليس إلّا إرادة الثواب، وأمّا أنّ أكثر الناس ثواباً أفضلُ فهو ظاهرٌ.
1) في «ب»: دلّك، وفي العبارة الآتية اضطراب
2) كذا، ولعلها تصحيف نظيره
3) التحریم 66: 4
4) تفسير القمي 2: 377 أمالي الصدوق: 4/35، تفسير التبيان 10: 474، تفسير القرطبي 18: 189، الدر المنثور 8: 224، تفسير الالوسي 28: 153
5) الشوری 42: 23
6) نقل جُلّ المفسرين أنّه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال صلی الله علیه وآله وسلم: «علي وفاطمة وابناهما». أُنظر: تفسير البغوي 5: 80، الکشاف 4: 220، تفسير الرازي 27: 166، تفسیر النسفي 3: 292، تفسير أبي السعود 8: 30، الدر المنثور 7: 348
7) فضائل الصحابة الأحمد 3: 945/560، سنن الترمذي 5: 3731/636، مستدرك الحاكم 3: 130، تاريخ بغداد 9: 369، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاريخ ابن عساکر 2: 105 - 612/134 - 617 و 620 - 645، أُسد الغابة 4: 30، البداية والنهاية: 7: 363
8) ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاريخ ابن عساکر 2: 618/112 و 619
الخامس:
حديث المؤاخاة: فإنَّه علیه السلام لمّا أخى بين أصحابه اتّخذه أخاً لنفسه(1). وذلك يدُلُّ على عُلُوِّ شأنه وزيادة مَنقَبتِه.
السادس:
خَبَرُ الراية: وهو ما رُوي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم بَعَث أبا بكرٍ إلى خَيبر فَرجَع مُنهِزِماً، ثمّ بعث عُمرَ فَرَجَع مُنهزِماً، فبلغ ذلك من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أيَّ مبلغٍ، فبات ليلتَه مَهموماً، فلمّا أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية، فقال: «لأُعطِينَّ الراية اليوم رجلاً يُحبّ الله ورسوله، ويُحبّهُ اللهُ ورسولُه، كرّاراً غير فرّار» فتعرّض لها المُهاجرون والأنصار، فقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أين عليّ؟» فقالوا: إنّه أرمد العين، فجاء إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم فتفل في عينه، ثمّ دفع إليه الراية(2)
وأُنظر قول الرسول الأكرم في المصادر الآتية أيضاً: مسند أحمد 1: 185 و 5: 358، صحيح البخاري 5: 197/87 و 198 و: 231/279، صحیح مسلم 4: 32/1871 - 34، سنن ابن ماجة 1: 117/43، سنن الترمذي 5: 3724/638، خصائص النسائي: 4 - 8
.فهذا الحديث وكيفيّة ما جَرَى يستلزِمُ سَلْبَ الأوصاف الحَميدة التي تثبُت لعليٍّ علیه السلام عن غَيره، خصوصاً الذين غَضِب(3)عليهم، وإلّا لما كان في تَخصيصِه بهذه الأوصاف فائدةٌ، وليس ذلك(4)مِن دليلِ الخِطاب، بل استدلالٌ بقرائن كيفيّة ما جَرت الحِكايَةُ عليه.
السابع:
قولُه صلی الله علیه وآله وسلم: «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» وقد تقدّم بيانه(5).
الثامن:
قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى»(6)وهذا الخبرُ وإن لم يدُلّ على الإمامة فلا أقلّ مِن دلالته على أنّه علیه السلام أفضل من الشيخين.
1) الطبقات الكبرى 3: 22، مسند أحمد 1: 230، سنن الترمذي 5: 3720/636، مستدرك الحاكم 3: 14، أسد الغابة 2: 221 و 4: 16 و 29، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 167، الصواعق المحرقة: 122
2) أُنظر تفصيل الواقعة في تاريخ الطبري 3: 93 حلية الأولياء 1: 62، مستدرك الحاكم 3: 37 و 38، أسد الغابة 4: 21، البداية والنهاية 7: 349.
3) في «ب»: عقب
4) (عليهم، وإلّا ... ذلك) ليس في «ب»
5) تقدم مع تخريجاته في: ص 106
6) مسند أحمد 1: 173، 175، فضائل الصحابة لأحمد 2: 1041/610، 1143/670، صحيح البخاري 5: 90/ 202، صحیح مسلم 4: 32/1871، سنن ابن ماجة 1: 115/42، خصائص النسائي: 48/54، 49/55، الطرائف: 54
التاسع:
قوله صلی الله علیه وآله وسلم في ذي الثُدَيَّة: «يقتُلُه خيرُ هذه الأُمّة» وقاتِلَهُ كان عليٌّ علیه السلام(1).
العاشر:
روي أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قال لفاطمة (عليها السّلام): «إنّ الله اطلع إلى أهل الأرض فاختارَ مِنْهُم أیاك، فاتَّخذني نبيّاً، ثمّ اطّلع ثانيةً فاختار منهم بَعْلَكِ»(2).
الحادي عشر:
ما روي عن عائشة أنّها قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل عليّ علیه السلام فقال: «هذا سيّد العرب».
قالت: قلتُ: يا رسول الله، بأبي أنت وأُمِّي، ألست أنت سيّد العرب؟.
فقال: «أنا سيّد العالَمِين، وهذا سيّد العرب»(3).
الثاني عشر:
ما رُوي عن أنس أنّه علیه السلام قال: «إنّ أخي ووزيري وخَير مَن أتركُهُ بعدي، يقضي ديني، ويُنجز موعدي، عليّ بن أبي طالب»(4).
الثالث عشر:
عن أبي رافع قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لفاطمة (عليها السّلام): «أما ترضين أن قد زوّجتك أُمّتي»(5).
الرابع عشر:
عن سلمان (رضيَ الله عنه) قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «خير من أترك بعدي علي بن أبي
1) تذكرة الخواص: 104، شرح النهج لابن أبي الحديد 2: 268، البداية والنهاية 7: 315، مجمع الزوائد 6: 239
2) مستدرك الحاكم 3: 129، مناقب ابن المغازلي: 144/101، مناقب الخوارزمي: 63، ذخائر العقبی: 136، منتخب کنز العمال 5: 31 عن الطبراني
3) مستدرك الحاكم 3: 124، حلية الأولياء 1: 63، 5: 38 تلخيص الشافي 3: 160، تاریخ بغداد 11: 89، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاريخ ابن عساکر 2: 261، ذخائر العقبى: 70، الصواعق المحرقة: 122، كنز العمال 11: 33006/618
4) تلخيص الشافي 3: 17، مناقب الخوارزمي: 62، نظم درر السمطين: 98، کشف الغمة 1: 343
5) مسند أحمد 5: 26، الاستيعاب 3: 36، تلخيص الشافي 3: 16، مناقب الخوارزمي: 58، منتخب کنز العمال 5: 31 عن الطبراني
طالب»(1).
الخامس عشر:
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «عليٌّ خَيرُ البَشَر مَن أبَى فَقد كَفر»(2).
السادس عشر من الوجوه العقليّة:
عليٌّ علیه السلام أعلم الخَلق بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والأعلم أفضل.
بيان المُقدّمة الأولى بالإجمال والتَفصيل:
أمّا الإجمال: فهو أنّه لا نِزاعَ [في] أنّه علیه السلام كان في أصل الخِلقة في غاية الذكاء والاستعداد للعُلوم، وكان النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في غاية الحِرص في تربيتِه وإرشادِه إلى اكتساب الفضائل، ثمّ إنّ عليّاً علیه السلام نشأ من أوّل صِغَرِه في حِجْر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفي كِبَرِه صار خَتَناً له، وكان يدخُل عليه في كلّ يوم.
ومعلومٌ أنّ مثل هذا التلميذ إذا كان بهذه الأوصاف، وكان أُستاذه بالأوصاف المذكورة، ثمّ اتّفق لهذا التلميذ أن أتَّصلَ بخِدمةِ مثل هذا الأُستاذ في زمان الصِغَر وفي كلّ الأوقات، فإنّه يبلُغ المبلغَ التامَّ من العِلم.
أمّا أبو بكر وأمثاله فإنّهم اتَّصلوا بخِدمة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم في زمان الكِبَر، ثمّ إنّهم ما كانوا يصلِون إليه في اليوم والليلة إلّا زماناً يسيراً، وقيل: العِلْمُ في الصِغَر كالنَقشِ في الحَجَر، والعِلْمُ في الكِبَر كالنَقشِ في المَدَر. فثبت أنّه علیه السلام كان أعلم من أبي بكر وغيره.
وأمّا التفصيل فمن وجوه:
أحدها: قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «أقضاكم عليّ»(3)والقضاء يحتاج إلى جميع أنواع العُلوم، فلمّا رَجَحَ على الكلّ في القضاء وجب رُجحانه عليهم في كلّ العُلوم، وأمّا سائر الصَحابة فقد رَجَح بعضهم على بعضٍ في علمٍ خاصٌ، كقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «أفرضكم زَيد بن ثابت، وأقراكم أُبَيّ»(4).
1) تلخيص الشافي 3: 17، مجمع الزوائد 9: 113، كنز العمال 11: 32953/610، منتخب کنز العمال 5: 32
2) فضائل الصحابة 2: 949/564 «قطعة منه»، تاريخ بغداد 3: 192، الفردوس 3: 4175/62، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاريخ ابن عساکر 2: 965/446، الریاض النضرة 3: 198، سير أعلام النبلاء: 205، کنز العمال 11: 33045/625
3) سنن ابن ماجة 1: 154/55، سنن الترمذي 5: 3790/664 و 3791، مستدرك الحاكم 3: 422، حلية الأولياء 1: 66، مصابيح السنة 4: 4787/179، الرياض النضرة 3: 167
4) مسند أحمد 3: 281
الثاني: أَجْمَعَ أكثر المُفَسّرين على أنّ قولَه (تعالى): (وَتَعِبَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)(1)نزل في حقّ عليّ علیه السلام.
وقد رُويَ أنّه لمّا نَزَلت هذه الآية قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «اللّهمّ اجعلها أُذُنَ عليٍّ» فقال عليٌّ علیه السلام بعد ذلك: «ما نسيتُ بعدها أبداً»(2).
واختصاصُه بمَزيدِ الفَهم يدلُّ على اختصاصه بمَزيدِ العِلم.
الثالث: رُوي أنّ عُمَرَ أَمَرَ بِرَجْمِ أمرأةٍ ولدت لستّة أشهرٍ، فنبّهه عليٌّ علیه السلام بقوله: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)(3)مع قوله: (وَالوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)(4)على أنّ أقل مدّة الحَمل ستّة أشهرٍ، فقال عُمر: «سوّد الله وجهي، لولا عليّ لهلك عمر»(5).
الرابع: أنّ امرأةً أقرّت بالزنا وهي حامل، فأمر عُمر برجمها، فقال عليّ علیه السلام: «إن كان لك سُلطانٌ عليها، فما سُلطانك على ما في بطنها؟ دَعها حتى تَضَعَ وَلَدها ثمّ افعل بها ما شئت» فترك عُمَرُ رَجْمها، وقال: «لولا عليّ لهلك عمر»(6).
الخامس: قال علیه السلام: «لو كُسِرَتْ لي الوِسادة ثمّ جلستُ عليها لَحَكَمْتُ بين أهل التوراة بتوراتِهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزَبُور بزَبُورهم، وبين أهل الفُرقان بفُرقانهم(7)، والله ما من آيةٍ نزلت في بَرٍّ أو بَحرٍ أو سَهْلٍ أو جَبَلٍ ولا سماءٍ ولا أرضٍ ولا ليلٍ ولا نهارٍ إلّا وأنا أعلم فيمَن نزلت وفي أيّ شيءٍ نزلت»(8)وذلك يدُلّ على أنّه لم يُبارَ في العلوم.
السادس: أنّ أعظمَ العُلومِ عِلمُ الأُصول، وقد جاء في خُطَبِه علیه السلام من أسرار التَوحيد والعَدل والنبوّة والقَضاء والقَدَرِ وأحوال المَعاد ما لم يأتِ في كلام سائر الصحابة.
السابع: أنّ جميع فِرَق العُلماء تنتهي في عُلومِهم مع اختلاف أنواعها إليه، فَوَجَب أن
1) الحاقة 69: 12
2) تفسير الطبري 29: 35، الکشاف 4: 600، تفسير الرازي 30: 107، تفسير القرطبی 18: 264، تفسیر ابن کثیر 4: 441، الدر المنثور 8: 267، روح المعاني 29: 43
3) الاحقاف 46: 15
4) البقرة 2: 233
5) الاستيعاب 3: 39، تذکرة الخواص: 147، کشف الغمة 1: 118، ذخائر العقبی 82، الرياض النضرة 3: 161
6) مناقب الخوارزمي: 39، کشف الغمة 1: 113، نهج الحق: 277
7) تفسیر فرات: 69، بصائر الدرجات: 152 - 1/154 - 7، تفسير العياشي 1: 3/15 «نحوه»، مناقب الخوارزمي: 47
8) حلية الأولياء 1: 67 «نحوه»، کنز العمال 13: 36404/128 «نحوه»، تفسیر فرات: 69، تحف العقول: 196، مناقب الخوارزمي: 49
يكون أعلمهم.
بيان الأوّل:
أمّا علم الأُصول، فالمُتكلّمون: إمّا مُعتزلة، وهم يُنسَبون إليه، وإمّا أشعرية وهم ينتسِبون إلى أبي الحَسن الأشعري، وهو تِلميذ أبي عليّ الجُبائي المُعتزلي، وهو يُنسَب إلى أمير المؤمنين علیه السلام. وأمّا الشيعة فانتسابُهم إليه ظاهر، وأمّا الخوارج وهم مع بُعدهم منتسبون إلى أكابرهم، وكانوا تلامذة عليٍّ علیه السلام.
وأمّا عِلم التَفسير، فرئيس المُفسّرين ابن عبّاس، وكان تلميذاً لعليٍّ علیه السلام.
وأمّا علم الفِقه، فكان علیه السلام فيه في أعلى درجةٍ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أقضاكُم عليّ»(1)وقال عليّ علیه السلام: «لو كُسرت لي الوسادة» كما ذكرناه.
وأمّا الفَصاحة، فمعلومٌ أنَّ أحداً من الصحابة الذين بعده والذين معه أيضاً لم يُدرِكوا درجتَهُ ولا القليل منها.
وأمّا عِلم النحو، فمعلومٌ أنّه إنمّا نَشَأ مِنه، وهو الذي أرشد أبا الأَسوَد الدُولي إليه(2).
وأمّا علم التصفية(3)، فمعلومٌ أنَّ نِسْبَة جميع الصُوفيّة تنتهي إليه.
وأمّا عِلم الشَجاعة ومُمارسة الأسلحة، فمعلومٌ أن نسبة هذا العِلم تنتهي إليه أيضاً.
فثَبَتَ بما ذكرناه أنّه علیه السلام كان أُستاذ العالَمِينَ بعد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وجمیع الخِصال الحَمیدة والمَقامات الشريفة حاصلةٌ له، وإذا ثَبَتَ أنّه علیه السلام كان أعلم الخَلقِ بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وجب أن يكون أفضلهم بَعده، لقولِه (تعالى): (هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(4)، وقوله (تَعالى): (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ)(5).
السابع عشر:
عليّ علیه السلام كان أكثر جهاداً من أبي بكر، فَوَجَب أن يكون أفضل منه.
أمّا الأوّل: فقراءة كُتب السِيَر والأخبار تُوضّح ما قُلناه.
1) تقدم مع تخريجاته في: ص 151
2) فهرست النديم: 59، الخصائص لابن جنّي 2: 8، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 20، صبح الأعشى 1: 350، الأشباه والنظائر في النحو 1: 27، المزهر 2: 397
3) اصطُلح هذا الاسم على التصوّف، لأنَّ المتصوّفة يقولون بتصفية القلب عن موافقة البَرِيّة، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد صفات البشرية
4) الزمر 39: 9
5) المجادلة 11:58
وأمّا أنّ كلّ مَن كان جهادُه أكثر كان أفضل فلقولهِ (تعالى): (فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِم وَأَنفُسِهِم عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكَلَّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً)(1).
الثامن عشر:
إيمانُ عليٍّ علیه السلام كان قبل إيمان أبي بكر، وإذا كان كذلك كان (صلوات الله عليه) أفضل من أبي بكر.
أمّا الأوّل: فلوجوه:
أحدُها: رُوي أنّ علياً علیه السلام قال على المِنبر: «أنا الصِدِّيقُ الأكبر، والفارُوق الأعظم، آمنتُ قبل أن يُؤمِنَ أبو بكر، وأسلَمْتُ قبل أن يُسلِمَ»(2)ثمّ إنّ تلك الدعوى كانت بِمَحْضَر جُمهور الصحابة والتابعين، ولم يُنكِر أحدٌ منهم عليه، ولو لم يكُن ذلك مَشهوراً بينهم لما أمكنهم السكوت عنه.
الثاني: سلمان الفارسي (رضيَ الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أوّلكم وُروداً عليَّ الحوض أوّلكم إسلاماً: علي بن أبي طالب»(3).
الثالث: روى أنس بن مالك قال: بُعث رسول الله علیه السلام يوم الاثنين، وأسلم عليّ علیه السلام يوم الثلاثاء(4).
الرابع: عبد الله بن الحُصين قال: كان أمير المؤمنين علیه السلام يقول: «أنا أوّل من صلّى، وأوّل من آمن بالله، ولم يسبقني غير رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم»(5).
الخامس: أنَّ كون إيمان عليٍّ علیه السلام قَبل إيمان أبي بكر أقرب إلى العَقل، وذلك أنّ عليّاً علیه السلام كان ابن عمّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وفي داره مُختصّاً به، وأمّا أبو بكر فإنّه كان من الأجانب، وفي غاية البُعد أن يعرِض الإنسانُ هذه المُهمّات العظيمة على الأجانب قبل عَرضها للأقارب
1) النساء 4: 95
2) أنساب الأشراف 2: 146، الإرشاد: 21، الفصول المختارة: 210، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاريخ ابن عساكر 1: 88/61، شرح النهج لابن أبي الحديد 4: 122، ذخائر العقبی: 58، کشف المراد: 414
3) المستدرك 3: 136، تاریخ بغداد 2: 81، الاستيعاب 3: 28، أسد الغابة 4: 18، شرح الأخبار 1: 139/178، مناقب ابن المغازلی: 16، ذخائر العقبی: 58، کشف المراد: 413
4) الأوائل: 91، الاستيعاب 3: 32، أسد الغابة 4: 17، جامع الأصول 9: 467، ذخائر العقبى: 59، الرياض النضرة 3: 111، کشف المراد: 413، مجمع الزوائد 9: 102
5) کشف المراد: 414
المُختصّين به غاية الاختصاص، سِيّما والله (تَعالى) يقول: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(1).
[شبهات الخصوم وجوابها]
لا يقال: إسلام أبي بكر كان سابقاً لقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «ما عُرِض الإيمان على أحدٍ إلّا وله كبوةٌ غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم»(2)فلو تأخّر إسلام أبي بكر، فان(3)كان مِن قِبَل تأخّر عَرض الرسول صلی الله علیه وآله وسلم الإسلام عليه كان ذلك تقصيراً من الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وهو غير جائز، وإن كان من قِبَل أبي بكر فهو باطل للخبر المذكور، فدلّ على أنّ إسلامه لم يتأخّر، فهو بعينه يدُلُّ على أنّ من سواه قد تلعثم، فيكون عليّ علیه السلام كذلك، وذلك يدُلّ على تأخّر إسلامه.
سلّمناه. لكن نقول: إنّ عليّاً علیه السلام حين أسلم كان صبيّاً لدليل الشعر المَنقول عنه وهو قوله:
سَبَقْتُكُم إلى الإسلام طُرّاً *** غُلاماً ما بَلغت أوانَ حِلمِي(4)
وأبو بكر حين أسلم كان شيخاً عاقلاً، والناس قد اختلفوا في صِحّة إسلام الصبي، وكيف كان، ولا شكّ أنّ إسلام البالِغ العاقِل الصادِر عن التَمييز أفضل من إسلام الصبيِّ الَّذي لا يكون كذلك.
سلّمنا أنّ علياً علیه السلام كان بالغاً حين أسلم، إلّا أنّه كان في ذلك الوقت غير مشهورٍ بين الناس، ولا محترم ولا مَقبول القول، بل كان كالصبي الذي يكون في البَيت، فما كان يحصُل بسبب إسلامه قوّةٌ في الدين، فأمّا أبو بكر فإنّه كان شيخاً مُوقّراً مُحترماً فحصَل بسبب شوكته قُوّةٌ، فكان إسلامُه أفضل من إسلام عليٍّ علیه السلام.
لأنّا نقول: أمّا الخبر الذي ذَكَرْتُموه فلا نُسلّم صحّة طريقه.
سلّمناه، لكنّه خبرُ واحدٍ فلا يُفيد العِلم.
سلّمناه، لكنّه لا يُنافي تأخير إسلام أبي بكر لجواز تأخيره من قِبَل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العَرض عليه، لأنّه عَلِمَ أنّه لا يَقبل الإسلام في تلك المُدّة، ثمّ علِم أنّه قد فَرَغ إلى الحقِّ فَعَرَض عليه فَلَم يتلعثَم، وهذا لا يدُلّ على سَبق إسلامه، وثبت بالأدلّة السابقة أنّ إسلام عليٍّ علیه السلام كان مقارِناً للبعثة، فلم يلزَم ما ذكروه سَبْقَ إسلام أبي بكر على إسلامه.
قوله: إنّ عليّاً علیه السلام حين أسلم لم يكن بالغاً.
قلنا: لا نُسلِّم أنَّه أسلَم قبل البُلوغ، وبيانه أنَّ سِنّ عليّ علیه السلام كان بين خمسٍ وستّين سنةً
وبين ستٍّ وستّين سنةً، والنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قد بلَّغ بعد الوحي ثلاثاً وعشرين سنةً، وعليّ علیه السلام قد بقي بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قريباً من ثلاثين سنةً، فإذا أسقطنا ثلاثاً وخمسين من ستّ وستّين بقي ثلاث عشرة سنةً(1)، و(2)بلوغُ الإنسان في مِثل هذا السنّ مُمكن، فعِلمنا أنّه كان مُمكن البُلوغ في ذلك الوقت، وإذا ثبت الإمكان وَجَبَ الحُكم بوقوعه لقوله صلی الله علیه وآله وسلم لفاطمة (عليها السّلام): «زوّجتك أقدمهم سِلماً وأكثرهم عِلماً»(3)ولو كان صبيّاً حين أسلم لما صحّ هذا الكلام.
سلّمنا أنّه ما كان بالغاً حين أسلم، لكن لا امتِناع في وجود إسلام(4)صبيٍّ كامل العَقل قَبلَ البُلوغ، وكذلك(5)حَكَم أبو حنيفة بصحّة إسلام الصبي، وحينئذٍ يكون إسلام صبيٍّ(6)قبل البُلوغ دليلاً على فَضله لوجهين:
أحدهما: أنّ الغالِب على طِباع الصِبيان المَيل إلى الأبوين، ثمّ إنّ عليّاً علیه السلام خالَف أبويه وأسلم، فدلّ ذلك على فَضله.
الثاني: أنّ الغالِب على الصِبيان المَيل إلى اللَّعِب، فيكون نَظَرُهُ وفِكرُه في دلائل التوحيد وإعراضُهُ عَن اللَّعِب من أدَلّ الأُمور على فَضله علیه السلام، وكان في زَمان صباه مُساوياً للعُقلاء الكاملين.
قوله: حَصَل بإسلام أبي بكر قوّةٌ وشوكةٌ في الدين لم تحصُل بإسلام عليٍّ علیه السلام.
قلنا: هذا أوّلاً إنّما يتِمّ لو صحّ أنّ أبا بكر قَبلَ إسلامه كان مُوقَّراً مُحترماً بين الخَلق، وأنّه دعا الناس إلى الإسلام، وهُما مَمنوعان.
ثمّ لا تُسلّم أنّه حَصَل بسبب إسلامه شوكةٌ في الدين، فثَبَتَ بما قرّرناه أنّ إسلام عليٍّ علیه السلام كان مُتقدماً على إسلام أبي بكر، وبثبوت ذلك ثبت أنّ عليّاً علیه السلام أفضل، لقوله (تعالى): (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)(7)لأنّ المُسارعة إلى الخَيرات تُوجِب الأفضليّة لقوله (تَعالى) في حقّ الأنبياء علیهم السلام: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ)(8).
1) الاستيعاب 3: 30 - 31، وفيه أيضاً أنّه علیه السلام أسلم وله خمس عشرة سنةً، أو ستّ عشرة سنةً، وفي كتاب الأوائل: 91: أسلم عليّ علیه السلام وهو ابن أربع عشرة سنةً. وفي أُسد الغابة 4: 18: أسلم وله خمس عشرة سنةً
2) زاد في «أ، ب»: ثلاث عشرة سنة
3) مسند أحمد 5: 26، الإرشاد: 23، الاستيعاب 3: ،36 مناقب الخوارزمي: 58، شرح النهج لابن أبي الحديد 13: 227، الرياض النضرة 3: 160، کشف المراد: 413، مجمع الزوائد 9: 101
4) (إسلام) ليس في «أ»
5) كذا، ولعلها تصحيف ولذلك
6) الفتاوى الهندية 1: 217، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 15
7) الواقعة 56: 10 و 11
8) الأنبياء 21: 90
التاسع عشر:
أنّ عليّاً علیه السلام كان أفضل بني هاشم بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وهو مُتَّفقٌ عليه، وبنو هاشم أفضل مَنْ عداهم، لقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّ الله اصطفَى من ولد إبراهيم قُريشاً، وأصطفَى من قُريش هاشماً»(1)والأفضل من الأفضل أفضل.
العشرون:
أنّ عليّاً علیه السلام لم يكفُر بالله طَرفةَ عينٍ، وأبو بكر في زمان الجاهلية كان كافراً، ولذلك خُصَّ عليٌّ علیه السلام عند الخَصم بقوله عند ذكره: «كرّم الله وجهه» وإذا ثبت هذا فنقول: إنّ عليّاً علیه السلام كان أكثر تقوى من أبي بكر، لأنّ من كان مُؤمناً مدّة عُمره فلا بدّ وأن يكون أكثر تقوى ممّن كان أكثر عُمره كافراً ثمّ صار مُؤمناً، والأتقى أفضل، لقوله (تَعالى): (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَيْكُمْ)(2).
الحادي والعشرون:
روى أحمد البَيهَقي في (فضائل الصحابة): أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قال: «من أراد أن ينظُر إلى آدمَ في عِلمه، وإلى نوحٍ في تقواه، وإلى إبراهيمَ في خُلّته، وإلى موسى في هَيبته، وإلى عيسى في عبادته؛ فلينظُر إلى عليّ بن أبي طالب»(3)فثبت بهذا الحديث أنّ عليّاً علیه السلام كان مُساوياً لهؤلاء الأنبياء في هذه الخِصال التي هي جِماع المَكارم، ولا نزاع في أنّ هؤلاء كانوا أفضل من أبي بكر وسائر الصَحابة، والمُساوي للأفضل لا بُدَّ وأن يكون أفضل.
الثاني والعشرون:
أنّ الفضائل إمّا نفسانيّة، أو بدنيّة، أو خارجيّة عنهما.
أمّا النفسانية:
فإمّا علميّة، أو عمليّة.
أمّا العلميّة: فقد بيّنا أنّه علیه السلام كان أعلم الصحابة، ويؤيّد ذلك ووجوه(4):
الأوّل: قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا مدينةُ العِلمِ وعليُّ بابها»(5)ولا شكّ أنّ العُلومَ إنّما تخرُج من
1) كشف المراد: 417
2) الحُجرات 13:49
3) أمالي الطوسي 2: 31، مناقب ابن المغازلي: 212، مناقب الخوارزمي: 40 و 220، وسيلة المتعبدين ج 5 (القسم الثاني): 40 و 220، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاريخ ابن عساکر 2: 811/207 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 16
4) في «أ، ب»: وجهان
5) مستدرك الحاكم 3: 126، 127، الفردوس 1: 106/44 تاریخ بغداد 2: 377، 4: 348، 7: 173، 11: 48، الاستيعاب 3: 38، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاریخ ابن عساکر 2: 464 - 480، أُسد الغابة 4: 22، البداية والنهاية: 358، تهذيب التهذيب 9: 114، الجامع الصغير 1: 2705/415، فتح الملك العلي: 23
تِلك المدينة إلى الخَلق من قِبَل ذلك الباب، وقد فصّلنا أنتهاء مبادئ العُلوم إليه في حقّه علیه السلام تصديقاً لهذا الخَبَر.
الثاني: قوله علیه السلام: «عَلَّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألفَ بابٍ من العِلم، فانفتح لي من كلِّ بابٍ ألفُ باب»(1).
الثالث: قول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لفاطمة (عليها السّلام): «زوَّجتك أكثرهم عِلماً وأعظمهم حلماً»(2)وقول ابن عبّاس (رضیَ الله عنه): قُسم العلم عشرة أجزاءٍ: تسعةٌ في عليّ علیه السلام، وواحد في الليل الخَلق، ولقد شارَكهم في العاشر(3).
وأمّا العملية فأقسام:
منها العِفّةُ والزُّهدُ: وقد كان رؤوس(4)الزهّاد من الصَحابة كأبي ذَرٍّ وسلمان تلامذةً لعليٍّ علیه السلام.
ومنها الشَّجاعةُ: ولم يكُن لأحدٍ(5)من الصحابة كشَجاعته في اعتلائها(6)وثَمرتها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَضربةٌ من ضَرَبات عليٍّ خيرٌ من عبادةِ الثَقَلَينِ»(7)ومن أوضح براهين ذلك قلعه لبابِ خَيبرٍ، حيث يقول: «والله ما قلعتُ باب خيبر بقوّةٍ جسمانيّة، ولكن قلعته بقوّةٍ إلهيّة»(8).
ومنها السَخاءُ: ومعلومٌ أنّه لم يكُن أحدٌ من الصحابة أسخى منه، ويشهدُ بذلك سبب نزول قولِه (تَعالى): (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) في حقّة(9). وهو مشهور، وكذلك تصدُّقُهُ بخَاتَمِهِ حال ركوعه(10).
1) الإرشاد: 23، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاريخ ابن عساکر 2: 1012/483، مناقب ابن شهر آشوب 2: 36، تفسير الرازي 8: 21، میزان الاعتدال 2: 482، سیر أعلام النبلاء 8: 24، منتخب کنز العمال 5: 43، فتح الملك العلي: 48
2) تقدّم مع تخريجاته في: ص 157
3) الاستيعاب 3: 40
4) في «آ»: رؤساء
5) في «أ»: أحد، وفي «ب»: أحداً
6) في «أ، ب» اعتدائها، وهو تصحيف صحيحه ما أثبتناه
7) كشف المراد: 408
8) روضة الواعظين: 127، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدید 20: 626/316، إحقاق الحق 8: 384، عن شرح المواقف للقاضي عضد الدين الأيجي
9) أسباب النزول للواحدي: 248، الکشاف 4: 670، تفسير البغوي 5: 498، تفسير النسفي 3: 628، فتح القدير 5: 349، تفسیر الرازي 30: 244، والآية من سورة الإنسان 76: 8
10) تفسير الطبري 6: 186، الكشاف 1: 649، جامع الأُصول 9: 6503/478، تفسیر الرازي 12: 260، البداية والنهایة 7: 371
ومنها حُسنُ الخُلُق: وقد بَلَغَ فيه إلى حدٍّ نَسَبَهُ الجاهِلونَ معهُ إلى الدُّعابة(1).
ومنها البُعدُ عن الدُنيا: وظاهِرٌ أنّه مع إقبالها إليه لم يُلفِت إليها رأساً، وكان يقول: «يا دُنيا إليك عَنِّي، غُرّي غَيري، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها»(2)وله في هذا المعنى شعر:
دنيا تُخادِعُني كأنّي لستُ أعرِفُ حالَها
مدّت إليَّ يمينَها *** فَرَدَدْتُها وشِمَالَها
ورَأَيْتُها مُحتاجةً *** فَوَهَبْتُ جُمْلَتَها لَها(3)
والأمر في ذلك ظاهِر.
ومنها إقبالُه على الله بالكُلّيّة، ووصوله إليه، واشتغال سرّه به الذي هو الغاية
القُصوى من وُجود الإنسان: وقد كان علیه السلام في ذلك سبّاقَ غايات وصاحبَ آياتٍ، ويشهدُ بذلك أنّه علیه السلام لمّا وقع فيه في بعض الحُروب سَهمٌ وقصد الحجّام ينزعُه، فجعل يَتَمَلْمَل، فقال الحَسن علیه السلام: «دعوهُ حتّى يشتغل بالصلاة»، فلمّا اشتغل بها نَزَعَهُ مِنهُ في حال السُجود ولم يُحِسَّ به(4)وذلك لاتَصالِ نَفسِه القُدسيّة بمبدئها التامّ، وعدم ملاحظته شيئاً آخر في ذلك الوقت.
وأمّا الفضائل البدنيّة:
فقد كان علیه السلام من أقوى الخَلْق وأشدّهم بأساً، وكان يقُطُّ الهامَ قَطَّ الأقلام.
وأمّا الفضائل الخارجيّة:
فمنها النَسَبُ: ومعلومٌ أنّ أشرفَ ما ينتسِبُ إليه الإنسان هو القُرب مِن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وكان أقرب الناس إليه.
ومنها المُصاهرة: ولم يكن لأحدٍ منها مثل ما له.
ومنها: أنّه لم يكُن لأحدٍ من الصحابة في تَمام الفَضل مثل أولاده الحَسن والحُسين (عليهما السّلام)، اللَّذين هُما سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ أنظر إلى أولاد الحَسن علیه السلام، كالحَسن المُثّنى(5)والمُثلَّث(6)، وعبد الله بن الحَسن(7)، والنَفس الزكيّة(8)، وإلى أولاد الحُسين مثل:
1) أُنظر تاريخ اليعقوبي 2: 149، نهج البلاغة: 84/115، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 280
2) نهج البلاغة: 77/480، روضة الواعظين: 117، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18: 75/224
3) روائع الحكم: 85
4) إرشاد القلوب: 217
5) هو الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام)، أبو محمد الهاشمي، كبير الطالبيين في عهده، كان جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين علیه السلام في وقته. تُوفّي نحو 97 ه. أعيان الشيعة 5: 43، الأعلام للزركلي 2: 187
6) هو الحسن بن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام)، يُكنى أبا علي وأُمّه فاطمة بنت الحسين علیها السلام، المُتوفّى في حبس المنصور بالهاشمية في ذي القعدة سنة 145 ه وهو ابن 68 سنة. أعيان الشيعة 5: 41
7) عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام)، شيخ الطالبيين، من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السّلام)، ويلقب بالمحض لأنَّ أباه الحسن بن الحسن علیه السلام وأُمّه فاطمة بنت الحسين علیه السلام، وکان يُشبّه برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وكان قوي النفس شُجاعاً، وتُوفّي بعد وفاة أخيه الحسن المثلث (رضي الله عنهما). معجم رجال الحدیث 10: 159
8) هو محمّد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام)، أبو عبد الله، الملقب بالأرقط وبالمهدي وبالنفس الزكيّة، أحد الأمراء الأشراف من الطالبيين، ولد ونشأ بالمدينة، كان غزير العلم، شُجاعاً سَخياً حازماً، استشهد في المدينة سنة 145 ه. الأعلام للزركلي 6: 220
زين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا علیهم السلام، الذين يُقِرُّ بفضلهم وعُلُوِّ درجَتِهم كلُّ عاقلٍ، والفضلُ ما شَهِدت به الأعداءُ.
ومن أوضح دلالات فضلِهم أنّ مِن أفضل المَشايخ السالكين إلى الله (تَعالى) بَعدَهم أبا يزيد البَسطامي(1)وكان سقّاءً في دار الصادق علیه السلام، وأيضاً فمعروف الكرخي(2)أسلم على الله يد عليّ بن موسى الرضا علیه السلام، وكان بوّابَ داره، وبقي على حاله إلى آخر عمره، ولم يكن لأحدٍ مثل هذه الفضائل.
وأمّا تقرير المُقدِّمة الثانية، وهو أنّه كلّ من كان أفضل وجب أن يكون هو الإمام، فبيانها: أنّ مَن جُعل إماماً لِغَيره فقد جُعل متبوعاً لذلك الغير، وجَعْلُ الأكمل تبعاً للأنقص قبيحٌ في بداهَة العُقول.
مثال ذلك: أنّه لو أُخِذَ بعض الفُقهاءِ الأوساط ونُصِبَ للتدريس، وأُمِرَ الشافعيّ وأبو حَنيفة بالجلوس بين يديه والتلمذة(3)له لَذَمَّ كل عاقلٍ مَنْ تَقدَّمَ فِي نَصْبِ ذلك الفَقيه،
1) قال ابن شهر آشوب: كان سقّاءً، خدم الإمام الصادق علیه السلام وسقاه ثلاث عشرة سنة، المناقب 4: 248. فاذا كان المراد أبا يزيد طيفور بن عيسى البسطامي المتوفّى سنة 261 أو 264 ه، فهو أمر مستبعد، لأن وفاة الإمام الصادق علیه السلام كانت سنة 148 ه. راجع ترجمة طيفور البسطامي في: أعلام الزركلي 3: 235، دائرة المعارف الإسلامية 3: 331
2) هو معروف بن فيروز الكرخي، أبو محفوظ أحد أعلام الزهاد والمتصوفين، كان أبواه نصرانيين، فسلماه إلى المعلم وهو صبي، وكان المعلم يقول له: قل ثالث ثلاثة، وهو يقول بل هو الواحد، فضربه المعلم ضرباً مُبرّحاً، فهرب ومضى إلى الرضا علیه السلام وأسلم على يده، وأسلم أبوه ببركات الإمام أيضاً، واشتهر معروف بالصلاح وقصده الناس للتبرك به حتى كان الإمام أحمد بن حنبل في جملة من يختلف إليه، تُوفّي ببغداد سنة 200 ه. تاريخ بغداد 13: 199، الأعلام للزركلي 7: 269، معجم رجال الحدیث 18: 231
3) في «ب»: التلمذ
فَثَبَتَ أنّ علياً علیه السلام لمّا كان أفضل الخَلْق بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وجب أن يكون هو الإمام، وهو المَطلوب.
البُرهان الثاني:
أنّ الأُمّة أجمعت على أنّ الإمام بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إمّا عليّ أو أبو بكر أو العبّاس، ثمّ إنّ أبا بكر والعبّاس لم يكونا صالِحَين للإمامة، فتعيَّن أن يكون الإمام عليّاً علیه السلام.
إنّما قُلنا: إنّهما لم يكونا صالِحَين للإمامة، لأنّه لا واحدَ مِنهما بمعصومٍ، وكلّ من يصلُح للإمامة يجب أن يكون معصوماً، ينتج أنّه لا واحدَ مِنهما يصلُح للإمامة.
أمّا المُقدّمة الأُولى فبالاتفاق، وأمّا الثانية فقد مرّ بيانها، فتعيّن حينئذٍ أن يكون الإمام بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هو عليّ علیه السلام.
البُرهان الثالث:
أنّه لا واحدَ من الصَحابة عدا عليٍّ علیه السلام بمنصوصٍ على إمامته، وكلّ مَنْ كان إماماً يجب أن يكون منصوصاً على إمامته، ينتج ولا واحد من الصحابة عدا عليٍّ علیه السلام بإمام.
أمّا المُقدِّمة الثانية فقد مرّ بيانها، وأمّا الأُولى فلأنّ المُتأهّل للإمامة في نظر الأُمّة إمّا العبّاس وإمّا أبو بكر وإمّا عليّ علیه السلام، وثَبَتَ أنّ العبّاس وأبا بكر لم يكُن منصوصاً عليهما، أمّا العبّاس فظاهر، وأمّا أبو بكر فلو كان منصوصاً عليه كان توقيفه الأمر على البيعة من أعظم المَعاصي، وذلك قادِحٌ في إمامته، إذ ليس واحدٌ مِنهما بمنصوصٍ عليه، فثَبَتَ(1)أَنّ عليّاً علیه السلام منصوص عليه، ووجب أن يكون الإمام، وإلّا لخرج الحقِّ عن جميع أقوال الأُمّة، وإنّه غير جائز.
البُرهان الرابع:
أنّه نُقل عن أبي بكر وعُمر مَطاعِنُ تقدَح في صِحّة إمامتهما، ومتى كانا كذلك تعيّن أن يكون عليٌّ علیه السلام هو الإمام، أمّا المَطاعِنُ فمذكورة في الكُتب المطوّلة، وأمّا أنّهما متى كانا كذلك تعيَّن أن يكون الإمام عليّاً علیه السلام فلِضَرورة أنّه لا قائل بالفَرق، وبالله التوفيق.
1) في «أ»: ويثبت
الإمام الحقّ بعد عليّ علیه السلام وَلَدُه الحَسن، ثمّ الحُسين، ثمّ ابنه عليّ بن الحُسين زين العابدين، ثمّ ابنه محمّد الباقر، ثمّ ابنه جعفر الصادق، ثمّ ابنه مُوسى الكاظِم، ثمّ ابنه عليّ بن موسى الرضا، ثمّ ابنه محمّد الجواد، ثمّ ابنه عليّ الزكيّ، ثمّ ابنه الحَسن العَسكريّ، ثمّ ابنه محمّد الخَلَف الحُجَّةَ المُنتظر علیهم السلام، ولنا في إثبات هذا الترتيب وجهان:
الأوّل: أنّا قد بيَّنّا أنّ الإمام يجب أن يكون هو المنصوصَ عليه مِن قِبَلِ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أو مَن يقومُ مَقامه، وثَبَت أيضاً أنّ الإمام يجب أن يكون مَعصوماً، ثمّ علِمنا بالتواتُر أنّ عليَّا علیه السلام نَصّ على ابنه الحَسن علیه السلام بالخِلافة، فتعيَّن أن يكون هو الإمام بعده وتعيَّن أنّه مَعصومٌ، وأنّه نصَّ على أخيه الحُسين علیه السلام، وهكذا نصَّ كلُّ واحدٍ مِنهم على مَنْ بَعْدَهُ من المَذكورين(1)، فَوَجَبَ أن يكون هو الإمامَ، فَلَزِمَ من ذلك أن تكون الإمامةُ مُعيَّنةً في المَذكورين واحداً بعد آخر إلى آخرِهم.
الثاني: الخبر المتواتر عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال للحُسين علیه السلام: «ابني هذا إمامٌ ابن إمامٍ أخو له إمامٍ أبو أئمّةٍ تسعة، تاسِعُهُم قائمهم، حجّةٌ أبن حُجّةٍ أخو حُجّة أبو حُجَجٍ تِسع»(2)وهذا نصّ في المسألة.
بقي أن يُقال: لو سلّمنا تواثر هذا الخّبر في هذا اللفظ، لكن لِمَ قلتم: إنّ التسعة هم الذين عَنيْتُموهم، ولِمَ لا يجوز أن يكون غيرُهم من أولاد الحُسين علیه السلام، فحينئذٍ يتعيّن الرجوع منّا
إلى(1)كلّ واحدٍ منهم قد نصّ على مَن بعده؟ إذ(2)نقول: إنّ غير الإمام يعترِف باختيار(3)الرعيّة له واطّلاعهم على أنّه صاحب المَلَكة النفسانية الرادعة عن المَعاصي المُسمّاة بالعِصمة من بين سائر أولاد الإمام، وبتعيين الإمام يتعيّن أن يكون هو الإمام الحقّ، وبظهور الكرامات على يده، وأمّا الكلام في تواتُر هذا الخَبَر سؤالاً وجواباً وتقريراً وإبطالاً، فكما تقدّم في تواتُر النصّ الجليّ على إمامة عليّ علیه السلام وبالله التوفيق.
وفیه مقدّمة وأبحاث:
أمّا المُقدّمة: فاعلم أنّ المُخالِفين لنا في المسألة إمّا شيعة أو غير شيعة:
أمّا غير الشِيعة: فهم المُنكرون لتقديم عليٍّ علیه السلام على أبي بكر، وهم أكثر الأُمّة.
وأمّا الشيعة: فأُصولهم فِرَقٌ أربعة: الإمامية، والكَيسانية، والزَيدية، والغُلاة. وكل فِرقةٍ كالنوع لأصنافٍ، ويلزَم مقالة كلّ واحدةٍ من هذه الأصناف إنكار أحد الأئمّة الاثني عَشر علیهم السلام، ونحن نُعيّن كُلَّ واحدةٍ من الفِرَق المُنكرين لإمامٍ إمام:
فالأُولى:
المُنكرون الإمامة عليّ علیه السلام من الشيعة بعد أن كان مُستحِقّاً لها، وهم الكامليّة، أصحاب [أبي] كامل مُعاذ بن الحُصين، وذلك أنّهم زعموا أنّ الصحابة كَفَرَت بمخالَفتهم النصّ الجليّ، وأنّ عليّاً علیه السلام كفر بترك القتال معهم(1).
الثانية:
المُنكرون لإمامة الحَسَن بن علي (عليهما السّلام)، وهُم صنفان:
الأوّل السَّبائية: وهم أصحاب ابن سبأ، زعموا أنّ عليّاً علیه السلام لم يمُت، وأنّه في السَحاب، والرعد صَوتُه، والبرق سَوطُه، وأنّه ينزل إلى الأرض بعد حين حتّى يقتُل أعداءه.
1) في «أ»: القتال لهم، ولعله تصحيف قتالهم
الصنف الثاني: الذين قطعوا بموته، لكنّهم أنكروا إمامة الحسن علیه السلام وساقوا الإمامة من عليّ علیه السلام إلى ابنه محمّد بن الحنفية (رضيَ الله عنه)، وزعموا أنّه القائم المَهدي، وهو قول بعض الكيسانية.
الثالثة:
المُنكرون لإمامة الحُسين بعد أخيه الحَسن (عليهما السّلام)، وهم الذين ساقوا الإمامة من الحَسن علیه السلام إلى ابنه الحَسن (الرضا من آل محمّد) ومنه إلى ولده عبدالله بن الحَسن بن الحَسن، ومنه إلى ولده محمّد النَفس الزكية، ومنه إلى أخيه إبراهيم.
الرابعة:
المُنكرون لإمامة زين العابدين عليّ بن الحُسين علیهم السلام، وهم الذين ساقوها من الحُسين علیه السلام إلى أخيه محمّد بن الحنفية، وهم أكثر الكَيسانية.
الخامسة:
المُنكرون لإمامة محمّد بن عليّ الباقر علیه السلام، وهم الذين ساقوها إلى زيد بن عليّ (رضيَ الله عنه)، وهم الزيدية.
السادسة:
المُنكرون لإمامة جعفر بن محمّد الصادق علیه السلام، وهم فرقتان:
إحداهما: الذين قالوا إنّ الباقر علیه السلام لم يمُت، وهم ينتظرونه.
الثانية: الذين قطعوا بموته، لكن ساقوا الإمامة إلى محمّد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن من غير ولده، وهم أصحاب المُغيرة بن سعيد(1)العِجْلي.
السابعة:
المُنكرون لإمامة موسى بن جعفر علیه السلام، وهم طوائف:
أحدها: الذين قالوا بغيبة الصادق علیه السلام، وإنّه لم يمُت ولن يموت حتّى يظهر فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وهو القائم المَهدي، وهم بعض الناووسيَّة(2).
الثانية: الذين قطعوا بموته، لكن زعموا أنّة الإمام، وأنّه سيرجع إلى الدنيا فيملأها عدلاً كما مُلئت جوراً، وهم الناووسيّة أيضاً. الثالثة: الذين جزموا بموته، لكن ساقوا الإمامة إلى ولده عبد الله بن جعفر، ويقال لهم الفُطحية، لأنّ عبد الله كان أفطح(1). ويقال لهم أيضاً عمّارية لانتسابهم إلى بعض أكابرهم يقال له عمّار(2).
الرابعة: الذين ساقوها إلى ولده محمّد، ويقال لهم السُّمطية(3).
الخامسة: الذين ساقوها إلى ولده إسماعيل، وهم الإسماعيلية السَّبعِية.
السادسة: الذين ساقوها إلى غير ولد جعفر، وهم خمس طوائف:
الأُولى: الذين قالوا إنّ جعفراً أوصى بالإمامة إلى موسى بن الطفي، ويقال لهم الطفية.
الثانية: الذين زعموا أنّه أوصى بها إلى موسى بن عمران الأقمص، وهم الأقمصية.
الثالثة: الذين زعموا أنه أوصى بها إلى يرمع بن موسى الحائك، وهم اليرمعية.
الرابعة: القائلون بأنّ الصادق علیه السلام أوصى بها إلى عبد الله بن سعد التَيمي، وهم التَيمية(4).
الخامسة: الذين ادّعوها لأبي جَعْدَة، وهم الجَعْدِية.
السابعة: من المُنكرين لإمامة موسى بن جعفر علیه السلام اليَعقوبية، وهم أصحاب أبي يعقوب، فإنّهم جوّزوا الإمامة لولد جعفر علیه السلام ولغير ولده.
الثامنة:
المُنكرون لإمامة عليّ بن موسى الرضا علیه السلام، وهم أيضاً طوائف:
الأُولى: الذين توقّفوا على موسى علیه السلام، وقالوا: لا ندري أنّه مات أو لم يمُت، ويقال لهم المَمطورة، لأنّ يونس بن عبدالرحمن(5)من علماء الشيعة قال: ما أنتم إلّا كِلابٌ مَمطورة.
1) أي أفطح الرأس، بمعنى أنه كان ذا رأسٍ عريض، أو أفطح الرجلين، وهو أن يرتفع أخمص قدمه
2) وهو عمّار بن موسى الساباطي، معجم رجال الحدیث 12: 260، معجم الفرق الإسلامية: 175
3) ويقال لهم أيضاً الشُمطية، والشُميطية، والسميطية، وهم أتباع يحيى بن شميط الأحمسي، أو ابن أبي شميط، أو يحيى بن أبي السميط، أحد أتباع المختار وأعوانه على إمارته. المقالات والفرق: 224
4) في «ب»: التميمي وهم التميمية
5) وهو يونس بن عبدالرحمن مولى علي بن يقطين بن موسى مولى بني أسد، أبو محمد، كان وجهاً من وجوه الإمامية، متقدّماً، عظيم المنزلة، ولد في أيام هشام بن عبدالملك، ورأى جعفر بن محمد علیه السلام ولم يروِ عنه، وروى عن الكاظم علیه السلام، وكان الرضا علیه السلام يُشير إليه في العلم والفتيا. تنقيح المقال 3: 338
الثانية: الذين قالوا وجزموا بأنّه لم يمُت ولا يموت إلى يوم القيامة.
الثالثة: الذين جزموا بموت موسى علیه السلام وساقوها إلى ولده أحمد بن موسى.
التاسعة:
المُنكرون لإمامة محمّد بن عليّ الجواد علیه السلام مُحتجّين بعَدَم عِلمه لصِغَر سنّهِ في ذلك الوقت، لأنّه لمّا مات الرضاء علیه السلام كان سِنٌّ الجواد أربع، وقيل: ثماني سنين.
العاشرة:
المُنكرون لإمامة عليّ الزكي علیه السلام، وهم طائفة شاذّة، زَعَمت أنّ الإمام بعد محمّد بن علي (عليهما السّلام) ابنه موسى بن محمّد أخو أبي الحَسن عليّ بن محمّد (عليهما السّلام).
الحادية عشرة:
المُنكرن لإمامة الحَسن بن عليّ العسكري علیه السلام، وهم الذين ساقوا الإمامة من عليّ بن محمّد الزكي علیه السلام إلى وَلَدِه جعفر.
الثانية عشرة:
المُنكرون لإمامة الحُجّة الخَلَفِ المُنتظَر علیه السلام، وهي ثلاث عشرة طائفة:
أحدها: الذين قالوا إنّ الحسن علیه السلام لم يمُت، لأنّه لو مات وليس له ولد ظاهر لخلا الزمان عن الإمام المَعصوم، وذلك غير جائز.
الثانية: الذين قالوا: إنّه مات لكنّه سيجيء، وهو المَعنيُّ بكونه قائماً بعد الموت.
الثالثة: قالوا: إنه مات [و] لا يحيا لكنه أوصى بالإمامة إلى أخيه جعفر.
الرابعة: قالوا إنّه أوصى بها إلى أخيه محمّد.
الخامسة: قالوا: إنّه مات من غير(1)عَقِب، فعلمنا أنّه ما كان إماماً، وأنَّ الإمام كان جعفراً.
السادسة: قالوا: بل ظهر أنّ محمداً كان الإمام، لأنّ جعفراً كان مجاهراً بالفِسقِ، والحُسين كان فاسقاً بالخفية، فتعين محمّد للإمامة.
السابعة: قالوا: مات ولكن وُلِد له بعد موتِه بثمانية أشهر وَلَدٌ.
الثامنة: قالوا: لمّا مات الإمام لا ولد له، ولا يجوز انتقال الإمامة منه إلى غيره، بقي الزمان خالياً عن الإمام وارتفعت التكاليف.
1) في «ب» زيادة وصية
التاسعة: قالوا: يجوز أن يكون الإمام لا من ذلك النَسل بل من غيره من العلويّة.
العاشرة: قالوا: لمّا لم يجُز انتقال الإمامة من ذلك النَسل إلى نَسلٍ آخر، ولا يجوز خُلوّ الزمان عن الإمام، علِمنا أنّه بقي من نَسله ابنٌ، وإن كنّا لا نعرِفُه بعينه، ونحن على ولايته إلى أن يظهر.
الحادية عشرة: قالوا: إنّ الإمامة معلومةٌ إلى الرضا علیه السلام، وبعده مضطربةٌ، فتوقَّفوا(1)في الكُلّ.
الثانية عشرة: قالوا: الإمام بعد الحسن علیه السلام ابنه المنتظر، وإنّه عليّ بن الحسن وليس كما تقول [القطعيّة(2)إنه محمّد بن الحسن (عليهما السّلام)، وقالوا بعد ذلك بمقالة](3)القطعيّة في الغيبة والانتظار حرفاً بحرف.
الثالثة عشرة: قالوا: إنّ أبا محمّد علیه السلام مات من غير ولدٍ ظاهر، ولكنّه عن حَمْل بعض جواريه، والقائم من بعد الحسن محمول لم تِلد به أُمّه بعد، وإنّما يجوز أن تبقى مائة سنة حاملاً.
فهذه هي الوجوه المشهورة في ضبط هذه الطوائف، ولهم شُعَبٌ أُخرى أضربنا عن ذكرها لعدم الفائدة فيه(4)، وسنُبيّن فساد ما قالوا إن شاء الله (تَعالى).
1) في «أ، ب»: متوقف
2) وهو لقب أُطلق على الإمامية الذين قطعوا بموت الإمام موسى الكاظم علیه السلام، مقابل الواقفة الذين زعموا بأنّه لم يَمُت. والقطعية هم الاثنا عشرية على الحقيقة. قالوا: إنّ الإمام بعد موسى الكاظم علیه السلام ولده على الرضا علیه السلام ومشهده بطُوس، ثُمّ ابنه محمّد الجواد علیه السلام ومشهده في الكاظمية قرب بغداد، ثُمّ بعده على الهادي علیه السلام ثُمّ الحسن العسكري علیه السلام وبعده الإمام المهدي المنتظر علیه السلام. معجم الفرق الإسلامية: 194
3) أثبتناه من الفصول المختارة: 259
4) للتوسع في هذا البحث والردود عليه، أُنظر الفصول المختارة: 247 - 265
اعلم أنّ من الناس من يُنكرِها مُطلقاً، أمّا الأوّلون فهم القائلون بإمامة أبي بكر، وأمّا الآخرون فهم الخوارج.
أمّا الأوّلون فتمسَّكوا بعشر شُبَهٍ:
الأُولى:
قوله (تعالى): (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)(1)ولفظ (الذين آمنوا) لفظ جمع، وأقلٌ الجمع ثلاثة، فقد وعد الله الثلاثة فما فوقها من أُمّة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم أن يستخلِفَهم في الأرض، ويُمكّن لهم دِينهم الذي ارتضى لهم، وكلّ ما وَعَد الله (تَعالى) فلا بدّ وأن يُوجَد وإلّا وقع الخُلْف في خَبَرِه (تَعالى) وهو مُحال، ومعلومٌ أنّه لم يوجد إلّا خلافة هؤلاء الأربعة.
الشُبهة الثانية:
التمسّك بقوله (تَعالى): (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَونَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)(2)الآية، فنقول: إنّ الداعي لهؤلاء الأعراب إمّا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم أو الخُلفاء الثلاثة الذين بعده، وإمّا عليّ علیه السلام ومَن بعده.
أمّا أنّ الداعي هو محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، فمُحال، لقوله (تَعالى): (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا)(3)الآية.
وأمّا أنّه عليٌّ علیه السلام فهو باطل(4)، لأنّه (تَعالى) قال في صفة هؤلاء الدُعاة: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)(5)ولم يتّفق لعليٍّ علیه السلام بعد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قتال بسبب الإسلام، بل كانت محاربته بسبب
طلب الإمامة.
وأما أنّ الدُعاة هم الذين كانوا بعد عليّ علیه السلام فهو ظاهر البُطلان، لأنّهم عندنا كانوا فُسّاقاً وعند الخَصم كفّاراً، وعلى التقديرين فلا يليق بهم [ما] في قوله: (فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً)(1)الآية، فلم يبق إلّا أن يكون المُراد هو إمامة هؤلاء الثلاثة.
الشُبهة الثالثة:
لو كانت إمامة أبي بكر باطلة، لما كان ممدوحاً مُعظَّماً عند الله (تَعالى)، وقد كان كذلك، فوجب القطع بصِحّة خلافته. أمّا المُلازمة فظاهرة، وأمّا أنّه ممدوحٌ معظّمٌ فلِقوله (تعالى): (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)(2)وهو ممّن بايع تحت الشجرة، فوَجَب أن يكون مرضياً عند الله (تَعالى) (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)(3)وإذا ثبت أنّه مرضيّ عنه وجب صِحّة إمامته.
الشُبهة الرابعة:
أنّ الصحابة كانوا يُخاطبون أبا بكر بخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ علیه السلام حاضِر، والخَصم يعترِف بذلك إلّا أنّه يحمِلُه على التقيَّة، ثمّ إنّ الله (سبحانه وتعالى) وَصَف الصحابة بالصدق، فقال: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ - إلى قوله - أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(4)فلمّا ثبت أنّهم خاطبوه بالخليفة، وثبت أنّهم صادقون، وجب أن يكون خليفةً حقّاً.
الشُبهة الخامسة:
تمسَّكوا بقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «اقتدوا باللَّذَيْنِ مِن بعدي أبي بكر وعُمر»(5)وقوله (اقتدوا) أمر(6)للجمع، وهو إمّا للوجوب أو النَّدب، وعلى التقديرين فإنّه يدُلُّ على جواز الاقتداء بهما في الأحكام، ولو كانا(7)على الخطأ والضلالة لما جاز ذلك.
الشُبهة السادسة:
روى شُعبة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنّ الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثمّ تصير مُلكاً عَضُوضاً»(1)وَصَفَ القائمين بهذا الأمر بعده مُدّة ثلاثين سنةً بالوصف المُقتضي للمَدح والتَعظيم، ووَصَف مَنْ بَعدهم بالوصف الدالّ على أنّهم أرباب الدُنيا لا أرباب الدين، وذلك نصٌّ على صِحّة خلافة الخُلفاء الأربعة.
الشُبهة السابعة:
أبو بكر أفضل الخَلْق بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والأفضل هو الإمام.
إنّما قلنا: إنّه أفضل، لقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيّين والمُرسلين على أحد أفضل من أبي بكر»(2). وأمّا أنّ الأفضل هو الإمام فقد مرّ تقريره.
الشُبهة الثامنة:
أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم استخلف أبا بكر في الصلاة وما عَزَلَهُ عنها، فوجَبَ أن يكون خليفةً بعده في الصلاة، وإذا ثبت أنّه خليفته في الصلاة وجب أن يبقى(3)خليفته في باقي الأحكام ضرورةً، لأنّه لا قائل بالفَرق.
الشُبهة التاسعة:
طريق ثبوت الإمامة إمّا بالنصّ وإمّا بالاختيار، وقد بيّنا أنّ النصّ باطِل، فثبت(4)الاختير، وكلّ من قال إنّ الطريق إليه الاختيار قال إنّ الإمام هو أبو بكر، فوجب القول بصِحّة إمامته ضرورةً لأنّه لا قائل بالفَرق.
الشبُهة العاشرة:
لو كانت الإمامة حقّاً لعليّ لكان تَرْكُهُ لها إمّا حالَما كانت الأُمّة مساعدة على الطَلَب، أو حالما كانت مُخالفةٌ له، فإن كان الأوّل تعيَّن عليه الطَلَب بحيث لو لَم يطلُب تبيّن أنّ الإمامة لم تكُن حقّاً له، وإن كان الثاني وجب أن تكون هذه الأُمّة شرّ أُمّة أُخرجت للناس، مع أنّهم خير أُمّة أخرجت للناس، وإذا ثبت أنّهم خير أُمّة لم يكُن تَرْكُه علیه السلام لطلب الإمامة إلّا بسبب دفعِهِم له عنها، وذلك يَقتضي أن يكون تَرْكُه لها إنّما كان لأنّها ليست حقّاً له.
الجواب عن الشبهة الأُولى:
لا نُسلّم حَمْلَها على الأربعة فقط، فإنّ لفظ (الذين آمنوا) لفظ عامٌ يتناول كلّ مَن آمن وعمِل صالحاً، فتخصيصُه بالبعض دون البَعض ترجيح من غير مرجّح، فوجب حَمْلُه على كلّ المؤمنين، وأمّا لفظ الخِلافة فلا نُسَلّم أنّ المُراد منها الإمامة، فإنّ الخِلافة أعمّ، ووضع العامّ مكان الخاصّ مجاز.
بل المُراد أنّ الله (تَعالى) وَعَدَ جميع مَن آمن أن يستخلِفَهم عِوَضاً مِن الكُفَّار في الجاهلية.
وعن الثانية:
لِمَ لا يجوز أن يكون الداعي هو النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم؟ وأمّا تبيين الاستقبال في (سَيقول) فيُحمل على أنّ الآية نَزلت قبل بعض الغَزوات، وحينئذٍ يكون الوَعد بالقَول في المستقبل عند تلك الغَزوة حَسَناً، ويصلُح دخول التبيين فيه.
سلّمناه، لكن لِمَ قُلتم: إنّ الداعيَ إذا كان أحد هؤلاء الثلاثة وَجَب أن تكون إمامتهم صحيحة، إذ من الجائز أن يكون الإنسان على الفِسق المُخرجِ عن قَبول الشهادة فضلاً عن الإمامة ويدعو مع ذلك إلى طاعة الله ويحرص على بعض أوامر الله، ويؤكّده(1)ما روي عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّ الله ليؤيّد(2)هذا الدين بالرجل الفاسق»(3).
وعن الثالثة:
لا نُسلّم أنّ أبا بكر بقيَ مُعَظَّماً مُطلقاً، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أنّ لفظ (رضي)(4)لفظ فعلٍ ماضٍ، ومع ذلك فهو مُقيّد بوقت البيعة في الشَجَرة، والمُقيّد بوقتٍ يحتاجُ في استيعابه في باقي الأوقات إلى دليل.
الثاني: أنّ الرضا أعمّ من الرضا عنه في أفعاله وأحواله ومن الرضا في بعضها، والمُشترَك لا يدُلُّ على إحدى الخُصوصيّتين، فلِمَ لا يجوز أن يُحمل رضاهُ عنه هاهنا على الرضا عنه من جهة تصديقِه بالرسول صلی الله علیه وآله وسلم ومبايعته له فقط، وهذا لا يُنافي أن يكون غاصِباً للخلافة من أهلِها، وبأنّه يجوز أن يرضى عن المُؤمن من جهة إيمانه، ويسخَط عليه من جهة فِسقه.
وعن الرابعة:
أنّ مُخاطبة الصحابة أبا بكر بالخلافة كمخاطبتهم لِمُعاوية، بل كمخاطبة بني مَروان بها، وسُكوت عليٍّ علیه السلام يدُلُّ على الرضا، فإنّ مَن لزِم التَقيّةَ في وقت عدم تمكّن أبي بكر في طَلب هذا الأمر العَظيم، فلئن يلزَم السُكوتَ عن إطلاق لفظٍ بعد امتداد يد أبي بكر أولى.
وأمّا كون الصَحابة صادِقين فلا نُسلّم أنّ الفقراء المَوصوفين بالصفات المَذكورة كانوا هم المُخاطِبِين لأبي بكر بالخِلافة، بل كما يُحتمل ذلك يُحتمل أن يكونوا هم أصحاب عليِّ علیه السلام ومن أنكر إمامة أبي بكر.
سلّمناه، لكن الصادق أعمّ من الصادق في كلّ أحواله، أو في بعضها، فَلِمَ قُلتم: إن المراد أنّهم صادقون في كلّ أقوالِهم حتّى لا يجوز أن يكذِبوا؟ ومعلومٌ أن الكَذِب جائزٌ بالاتّفاق على آحادهم، وإذا جاز ذلك كانت مُخاطبتهم لهُ بالخلافة كَذِباً.
وعن الخامسة:
لا نُسلِّم صِحّة الخَبر.
سلّمناه، لكنّه خبر واحدٍ، لا يجوز العمل به.
سلّمناه، لكنَّ الاقتداء أعمّ من الاقتداء في كلّ الأُمور أو في بعضِها، ولِمَ لا يجوز أن يُحْمَل الاقتداء بهما على الاقتداء في المُشاورات في أُمور الدُنيا أو في أمرٍ جُزئيٍ؟
سلّمناه، لكنَّ الأُمر لا يقتضي التَكرار، فَلِمَ لا يجوز الاقتداء بهما في وقتٍ ما فلا يتعيّن أن يكون في خلافتهما؟
سلّمناه، لكنّ الأمر ورد بالاقتداء بهما معاً، وظاهِرُهُ يقتضي أن يُقتَدى بهما حال اجتماعِهما على الفَتوى أو على الأمر المُقتَدى فيه بهما، وهما حال الاجتماع لا يكونان إمامَين، فإنّ الإمام(1)يُشترط أن لا يكون معه غيرُه، بل يُشترط أن لا يكون معه في الحُكم غيره(2).
وعن السادسة:
لا نُسلّم صِحّة هذا الخَبر. سلّمناه، لكنّه خبر واحدٍ، فلا يُعتمد عليه.
سلّمناه، لكنّه معارَض بما أنّ خلافة الحَسن و الحُسين (عليهما السّلام) كانت عندكم بعد أبيهما، فعلَى تقدير صِحّة هذا الخَبر لا تكون خلافتهما صحيحة، لأنّ مفهومه أنّ هذه الرئاسة لا تُسمّى خلافة إلّا في مدّة ثلاثين سنةً، فأمّا بَعدها فتكون مُلكاً.
فإن قلت: المُراد بالخلافة التي يكون المُسلمون متمكّنين فيها من إجراء الشريعة على وجهها.
قلتُ: الخلافة أعمّ من الإمامة، فلِمَ لا يجوزُ أن يكون المُراد خلافة المُسلمين بعدي التي يتمكّنون فيها من إظهار الحَقِّ ثلاثين سنةً؟ وحينئذٍ لا يكون في الخَبَر دَلالَةٌ على صِحّة الإمامة ولا على فسادها.
وعن السابعة:
لا نُسلّم أنَّه الأفضل، وأمّا الخَبَر فممنوعُ الصِحّة، وأيضاً فهو معارَض بقولِه صلی الله علیه وآله وسلم: «عليٌّ خيرُ البَشر فمن أبى فقد كفر»(1).
وأيضاً لو صَحَّ هذا الخبر لكان مُكذِّباً لرسول صلی الله علیه وآله وسلم فى قوله: «وَلَيْتُكم وَلَستُ بخيركم»(2)وذلك يستلزِم سُقوطه عن درجة الاعتبار في الإمامة.
وعن الثامنة:
فلا نُسلّم أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم استخلَفَهُ في الصلاة، فإنّ الذي صحّ وثبت أنّ عائشة قالت: «مُروا أبا بكرٍ يُصلّي بالناس»(3)وكان الأمر بذلك من جِهتها في ظاهر الحال، والخَصم يقول: إنّما أمر بذلك النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، و لم تثبت لهم هذه الدَعوى بحُجّة.
ويدُلُّ على اختصاص ذلك الأمر بعائشة قول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم عند إفاقته من غشيته وقد سمِع صوت أبي بكرٍ في المِحراب: «إنكنَّ لَصُوَيْحبات يوسُف»(4)ومبادرتُه مُعجّلاً معتمِداً على
1) فضائل الصحابة 2: 949/564 تاریخ بغداد 3: 192 و 7: 421، الفردوس 3: 4175/62، ترجمة الإمام عليّ علیه السلام من تاریخ ابن عساکر 2: 444 - 448، الریاض النضرة 3: 198، سير أعلام النبلاء 8: 205، لسان المیزان 3: 166
2) تاريخ اليعقوبي 2: 127، العقد الفريد 7: 34، الكامل في التاريخ 2: 332، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 156، الصواعق المحرقة: 11
3) الموطأ 1: 83/170، سنن الدارمي 1: 39، سنن الترمذي 5: 3672/613
4) تلخيص الشافي 3: 29
أمير المُؤمنين علیه السلام والفَضل بن العبّاس رحمه الله ورِجلاه يخطّان في الأرض من الضَعف حتّى نحَّى أبا بكر عن المِحراب(1)، ولو كان صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر بالصلاة لما رجع باللَّوم على لعالم أزواجه في ذلك، ولا بادَر في تلك الحال الصعبة حتّى صَرَفه عن الصلاة.
سلّمناه، لكنَّ أَمْرَ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بالصلاة لا يقتضي شيئاً آخر، بل لا يقتضي مَرَّةً أُخرى، لأنّ الأمر لا يقتضي التَكرار، وأيضاً فمثل هذا الأمر لا يستدعي العَزل، لأنّ العرب لا تحتاج إليه لو ثبت أنَّ الاستخلاف كان دائماً، والخَصم يعترِف بأنّه لم يُوَلّه دائماً.
وعن التاسعة:
أنّا بيَّنّا أن الطريق إلى إثبات الإمامة هو النَصُّ، وأمّا الاختيارُ فهو ساقط عن درجة الاعتبار(2).
وعن العاشرة:
إنّما ترك بسبب خِذلان أكثر الأُمّة وجُمهورهم له.
قوله: يلزَم أن يكونوا شرَّ أُمةٍ أُخرِجت للناس.
قلنا: لا نُسلَّم كونَهم بأسرِهم كذلك، بل بعضهم، وهم الدافعون لهذا الحقّ عن أهله والمُقصِّرون عن نُصرته، وكون البعض أشراراً لا يُنافي (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(3)لأنّ هذا الخِطاب إمّا مع كلّ الأُمّة بحيث لا يخرُجُ منها واحد وهذا باطل بالاتّفاق، لأنّ فيهم كثيراً من الأشرار، فبقي أن يُحمَل على الأخيار من الأُمّة، وحينئذٍ يَصير التَقدير: لو كان هذا الحَقُّ مدفوعاً عن أهلِه لكان الدافعُ له شرَّ أُمَّةٍ أُخرجت للناس، والدافع له بعض الصحابة. قوله (تَعالى): (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) لأنّه خاصٌ ببعضهم أيضاً، والجزئيّان لا يتناقضان. سلّمناه، لكن لفظة (كنتم) تدُلُّ على أنّهم كانوا في زَمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، أمّا بعده فلا نُسلَّم، لأنّ ذلك يدُلُّ على الزمان الماضي.
وقوله: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)(4)لا نُسلّم أنّه للاستقبال، بل بحال المُضى(5)، والله المُوفِّق.
وهؤلاء ذكروا مطاعَن في عليِّ علیه السلام، وتوسّلوا بذلك إلى خُروجه عن أهليّة الإمامة، وتلك المَطاعن من وجوه عشرة:
الأوّل:
أنّه حكَّم الرجال في دِين الله (تعالى)، فلو لَم يكُن شاكّاً في إمامة نفسه لما حكَّم.
الثاني:
أنَّه رضي بتحكيم عَمرو بن العاص (لعنه الله تعالى) مع فِسقه، وحكَّم أبا مُوسى الأشعريَّ وكان يُثبِّط أهل الكوفة عنه.
الثالث:
أنّ قَتَلَةَ عثمان كانوا في جُنده، وقد قام جماعةٌ منهم فقالوا: نحن قتلنا عثمان. فلم يقتصَّ منهم.
الرابع:
أنّه شهِد وحده لفاطمة (عليها السّلام) على فَدَك، ولَم يَعْلَم أنّ شهادة الواحد لا تُقبل، وأنّ شهادة الزوج لزوجته لا تُقبل.
الخامس:
أنّه ما يعرِف تدبير الحُروب، وكان لا يستقيمُ له رأيٌ، ولذلك لم ينتظم له أمرٌ في حياة النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم ولا بعد وفاته.
السادس:
أنَّ ابن عبّاس أشار عليه أن يولِّي مُعاويةَ مدّةً ثُمَّ يستدْرِجُهُ ويعزِلُه فلم يفعل حتّى كان منه ما كان.
السابع:
أنّه ردّ على عُمر سَهم ذي القُربى، وكان العبّاس أشار عليه بغير ذلك.
الثامن:
أنّه كان يستبدُّ برأيه وتَرَكَ المَشورة، وتارك المَشورة مُخطئ بإجماع العُقلاء.
التاسع:
أنّه أضطرب عليه عَسْكَرُه لِسُوءِ تدبيره، حتّى قال أهل الشام: عليٌّ رجلٌ شُجاعٌ غيرَ أنّه لا بصيرَة له في الحرب.
العاشر:
أنَّه أشار عليه الصحابة بالمقام بالمَدينة فلَم يفعل، وقد أقام بها مَنْ كان قبلُه، وكانوا يبعثون بالجيوش، وقد كان هو يُشير عليهم بمثل ذلك، فإنّه أشار على عُمر لما استشاره بالخروج إلى بعض الغزوات فقال له: «إنّك إن تخرج بنفسك إلى العَدُوِّ فلا يكون للمُسلمين كانفةٌ(1)يأوون إليها» إلى آخر الكلام، كما هو مذكور في (نهج البلاغة)(2).
والجواب عن الأوّل
أمّا المُراد بقوله: «إنّه حكّم الرجال» إن عَنَيْتُم به أنّه لا يجوز أن يَرُدّ أمراً دينيّاً(3)إلى حُكم رجلٍ يحكُم فيه برأيه مِن غَير مراجعةِ كتابِ الله أو بسُنَّة رسوله فذلك ممنوعٌ، بل هو جائزٌ، والتحكيمَ في هذا الأمر كالتحكيم في الزَوجين، وقد أشار علیه السلام إلى هذا فقال: «ما حكّمنا الرجال، وإنّما حكّمنا كتابَ الله، وإنّه خطٌّ مسطورٌ بين لَوحين لا ينطِقُ حتّى يتكلّم به الرجال»(4).
وقوله: إن ذلك يقتضي أن يكون شاكّاً في إمامته.
قلنا: هذا باطل، لأنّه في أوّل أمره لم يرض بالتحكيم بل مَنع منه، وقال: «إنّها مكيدةٌ من ابن النابغة»(1). فلم يطيعوه وسلّموا(2)إلى التَحكيم، فأجاب إليه للاضطرار إليه.
وعن الثاني
أنّه علیه السلام لم يُحكُم عَمرو بن العاص وإنّما حكَّمه خَصمه، وقد أجاب ابن العبّاس (رضيَ الله عنه) عن ذلك، فقال: أرأيتُم لو كانت أمرأةُ المُسلم يهوديّةً ووقَع الخلاف بينهما فبعثت يهودّياً حَكَماً، أما كان ينبغي أن يَرضى به المُسلم؟(3).
وأمّا أبو موسى الأشعري فلَم يَرْضَهُ علیه السلام، ولمّا قالوا إنّه صاحِبُ رسول الله، وإنّه كذا وكذا، قال علیه السلام: «إنّ هذا الأمر لا يؤتَى مِن زُهدٍ ولا وَرَع، وإنّما يُدفع إلى داهيةِ العرب»(4)واختار هو علیه السلام ابن عباس (رضيَ الله عنه) فلَم يُطيعوه، ولَم يشعُر علیه السلام في ذلك الوقت أنّه إنّما كان يُثبِّط الناس عنه.
وعن الثالث
أنَّ قَتَلَةَ عُثمان كانوا في شَوكةٍ، ويحتاجُ في إجراء حُكمِ الله (تَعالى) عليهم إلى مَعونةٍ، وقد شَغَلَه من ذلك طلحة والزُبير ومعاوية، وقد أجاب علیه السلام معاوية عن هذا، فقال: «ادخُل فيما دخل الناس فيه، ثمّ حاكم القوم إليّ أحملكم على كتاب الله (تَعالى)»(5)وكيفية إقامة حُكم الله (تَعالى) عليهم ما أشار إليه علیه السلام، وهو أن يُمهَل(6)ويُبادر ولا يُشغَل عنهم، ويدّعي أولياء الدَم عند الإمام ويُعيِّنوا القَتَلَةَ حتّى يتمكَّن من إقامة القِصاص عليهم.
وربّما يُقال: إنّ عليّاً علیه السلام هو الذي قَتَل عُثمان، وهذا من بَهت معاوية وأمثاله وافترائهم عليه، وقد أجاب علیه السلام عن هذا، فقال مُخاطباً لمعاوية: «إنّك إن أنصَفتَنِي وجدتني أبرأ
1) وقعة صفين: 491، تاریخ الطبري 6: 27، الفتوح 3 و 4: 184، الكامل في التاريخ 3: 317، تذکرة الخواص: 96، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 218، والمراد بابن النابغة هو عمرو بن العاص
2) في «أ، ب»: فسلّم ليطيعوه ويسلموه
3) تاريخ الطبري 6: 36، الكامل في التاريخ 3: 327
4) وقعة صفين: 500 «نحوه»، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 229
5) الإمامة والسياسة 1: 93 نهج البلاغة: 64/454، الاحتجاج: 180، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 250
6) في «ب»: يمهد
قُريش مِن دَمِ عُثمان»(1).
وعن الرابع
أنّ الشكّ في عِلم عليٍّ علیه السلام بما هو واضحٌ مَشهورٌ بين الصحابة من أعجب العجائب، أمّا شهادتُه وحدَه فلا يُمكن الخَصمَ أن يجزِمَ بأنّه كان عالماً بأنّه لا شاهد إلّا هو، فإنّه قد رُوي أنّ الحسن والحُسين (عليهما السّلام) كانا شاهِدَين بذلك أيضاً(2).
سلّمناه، لكن يُحتمل أن يكون علیه السلام قد جوّز أنّ غيرَه سَمِعَ ما سَمِعَ وأدّى ما كان عليه مع تجويز أن يظهر غيرُه فيشهدَ بمثل شهادته.
سلّمناه، لكن يجوز أن يحكُم الحاكم بشاهدٍ ويَمين كما يُروى عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم(3)، أمّا شهادة الزَوج لزَوجته فهي شهادةٌ صحيحةٌ مقبولة(4)، وكذلك شهادةُ الولَد لوالِده(5)، ولا نُسلِّم أنها لا تجوز، وبيان ذلك من المسائل الفقهية.
وعن الخامس
أنّ مشاهدة حروبه ووقائعه بحسب التواتُر، وتَصفُّحَ كلامه في كيفيّة الحَرب ممّا تضطرّ معه العُقول إلى أنّه كان أوحد الخَلق في إصابة الرأي في تدبير الحروب(6)وكذلك مشاورات النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في ذلك، ورُجوع أبي بكر وعُمر إليه في كثير حَرَكاتهم، وعدم مخالَفتهم لحرفٍ ممّا يقوله في أمر تدبير الحرب(7)، دليلٌ واضحٌ على دوام إصابة الرأي، غير أنّ قومَهُ ما كانوا يُطيعونه وكان ذلك مذكوراً في خُطبه مثل(8): «لا رأي لِمَن لا يُطاع»(9)وكلُّ فسادٍ جرى في أمر ولايته علیه السلام إنّما كان من قِبَلّهم لِسُوءِ تدبيرِهم وقلّة طاعتهم له.
1) وقعة صفين: 29، الإمامة والسياسة 1: 93، العقد الفرید 5: 76 نهج البلاغة: 6/366، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدید 14: 35
2) نهج الحق: 270، الصراط المستقيم 2: 289، السيرة الحلبية 3: 362
3) الموطأ 2: 5/721-7، صحیح مسلم 3: 2368/1337 - 2371، سنن الترمذي 3: 1343/627 - 1345، مصابیح السنة 3: 2832/29
4) الكافي 7: 1/392 و 2، من لا يحضره الفقيه 3: 7/26، التهذیب 6: 627/247 - 629 وراجع: المغني لابن قدامة 12: 68
5) الكافي 7: 1/393 - 4، التهذيب 6: 629/247 - 632 و راجع: المغني لابن قدامة 12: 65
6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 28
7) راجع الإرشاد: 107 و 108 و 111، مناقب ابن شهر آشوب 2: 356 و 359 و 370، العمدة: 403/257 - 406
8) في «أ، ب»: خطبة المثل
9) نهج البلاغة: 27/71، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 75
وعن السادس
أنّه إنّما لم يُوَلِّ معاوية لأنّه لَم يكُن في نظره أهلاً للولاية، لأنّ شرط ذلك أن يكون عدلاً في الظاهِر، وما كان عنده كذلك، ولذلك قال (تَعالى): (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)(1).
وعن السابع
أنّه إنما ردّ سَهم ذي القُربي لأنّ اجتهاده أدّى إلى أنّ استحقاقهم إيَّاه إنما يكون لِفَقْرِهم، ولذلك قال لعُمر: «إنّ بنا العام لَغِنْيَةٌ عنه وبالناس حاجةٌ إليه» وذلك من فضائله.
وعن الثامن
لا نُسلّم أنه كان يَستبدُّ برأيه مُطلقاً، بل فيما يعلمُه، وظاهرٌ أنّه علیه السلام كان يشاورُ أهلَ العِلم والرأي.
سلّمناه، لكن قد ثبت أنّه علیه السلام مَعصومٌ، فيلزم حينئذٍ أن تكون أوامره كلُّها صائبةً.
وعن التاسع
أنّ اضطرابَ عسكرِه لا يدلُّ على سوءِ تدبيرِه، وهو لأنّ حَرَكاتهم الفاسدة مربوطةٌ بآرائهم الفاسدة، وقد بيَّنَا أنّه علیه السلام واحدُ الناس في العِلم(2)بكيفية الحروب ومُمارستها.
وعن العاشر
أنّ الاهتمام بالأُمور يفتح أبوابَ الآراء والتراجيح بينها، ولا شكّ أنّ آراءَه كانت أولَى من آراءِ غيره لشدّةِ اهتمامه بالأمر في ذلك الوقت، فلم تأخُذُهُ في ذلك لائمةٌ، وقد ثبت أنّه علیه السلام معصومٌ، فيجبُ حَمْلُ جميع أفعاله على الصواب، وبالله التوفيق.
أجمعت الأُمّة على أنّ الإنسان لا يصير إماماً بمجرّد أهليَّته للإمامة، وأجمعت أيضاً على أنّ المُقتضي لتعيين الإمام ليس إلّا أحد الأُمور الثلاثة:
الأوّل: إمّا أن يَنُصّ عليه النبيُّ أو الإمام.
الثاني: أن تختارَه الأُمّة، وتجتمعَ عليه.
الثالث: أن يدعوَ أهلَ الإمامة إلى نَفسه، بشرط أن يكون مُبايناً للظالِمين، أمراً بالمَعروف عاملاً به، ناهياً عن المُنكر مجتنباً له، وهذا الإجماعُ إجماعٌ عَرَضيٌّ، ليس مقصوداً بالقَصد الأوّل من من جميع الأُمّة، بل مَعناه أنّ أحداً من الأُمّة لم يذكر(1)سبباً رابعاً لتعيين الإمام.
إعْلَم أنّ الاتفاق من كلِّ الأُمّة حاصِل على كون السبب الأوّل، وهو النصّ من النبيّ أو الإمام، سبباً إلى تعيين الإمام، واختلَفوا في الطرفين الباقيين. واتَّفَقَتِ الإماميّة على إبطال أن يكون أحدها سبباً، وذهب الأشعرية وجُمهور المُعتزلة والخوارج والصالِحّية(2)من الزَيدية إلى أنّ الاختيار سبب لِثُبوت الإمامة، وذهب الباقون من الزَيدية إلى أنّ الدَعوة طريق إلى ذلك، ووافقهم على ذلك أبو عليّ الجُبّائي دون غيره من الأُمّة.
لنا في المسألة من الاستدلال أنواع ثلاثة.
أحدها: أن نُبيِّن فساد الاختيار والدَعوة عقلاً، فتعيّن أنّ السبب هو النَصُّ فقط.
1) في «ب»: لم يدرك
2) الصالحية: فرقة من الزيدية، أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ، وهو كوفي، ولد سنة 100 ه، وتوفّي سنة 169 ه، قالوا بأفضلية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام على الناس بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وقالوا إنّه أولى بالإمامة، وإنّ بيعة أبي بكر ليست بخطأ، ووقفوا في أمر عثمان، فهم أقرب فرق الزيدية إلى السنّة، إذ يأخذون بأحكام أبي بكر وعمر، وفي الفروع يأخذون بأحكام أبي حنيفة إلّا في بعض المسائل التي يوافقون فيها الشافعي والشيعة. المقالات والفرق: 7 و 10 و 73، الفَرق بين الفِرق: 33، الملل والنحل: 142، معجم الفرق الإسلامية: 156
الثاني: أن نبيِّن أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لم يُفوِّض أمر الإمامة إلى الاختيار والدَعوة عقلاً، فيتعيَّن أنّه(1)السبب وإن جاز ذلك عقلاً.
الثالث: أن نُبيِّن أنّ النصّ وُجد من الرَسول صلی الله علیه وآله وسلم، فيكون الاختيار باطلاً.
البحث الثالث في بيان(2)فساد ما قالته الطوائف مِن الشيعة المُنكِرين لواحدٍ واحدٍ من الائمّة الاثني عشر علیهم السلام
نذكر بعون الله (تعالى) ما يدُلُّ على فساد ما قالوه دلالةً مُجملةً تشتَمِلُ على إبطال أقوالِهِم، ونورِدُ بعد ذلك ما تمسَّكَ به طوائف منهم تفصيلاً إن شاء الله (تَعالى).
أمّا الأوّل: فبيانه من وجوه:
أحدُها: لا واحدَ مِمّن يَدَّعي هؤلاء الطوائفُ بمعصومٍ، وما ليس بمعصومٍ فليس بإمامٍ، وهو المطلوب.
أمّا المُقدّمة الأُولى فمتَّفَقٌ على صِحّتها، وأمّا الثانية فقد مَضى تقريرُها.
الوجه الثاني: أنّه لا واحدَ مِمّن يدّعي هؤلاء الطوائفُ إمامَتَه بمنصوصٍ عليه، وقد بيَّنَا أنّ الإمامَ يجب أن يكون منصوصاً عليه، ينتج أنّه لا واحدَ مِمَّن يدّعى هؤلاء الطوائفُ إمامَتَه بإمامٍ.
أمَّا المُقدّمة الأُولى فسنبين(3)صِحّتها، وأمّا الثانية فقد ثبتت(4)بالدليل.
الوجه الثالث: أنّ الشيعة بأسرِهم مُعترفون بتقبيح العَقل وتحسينِه، إذا عَرفتَ ذلك، فنقول: لو كان الحقُّ مع أحد هؤلاء الطوائف المَذكورة لما جاز انقراضُها على تقدير أنّ الحقَّ معها، وإلّا لزم خروج الحقّ عن الأُمّة، وإنّه غير جائز.
وأمّا فساد الثاني فظاهرٌ أنّه لم يكن لأحدٍ من هذه الطوائف كَثرةٌ لِيُعْتَد بنقلهم، ولَم يكن بينهم مَن هُو مَشهورٌ بالعِلم، ولَم يبرُز لهُم قول حتّى اضمحلٌ.
[الثاني: ما تمسَّكت به الطوائف وجوابه]
إذا عرفت ذلك فلنشرع الآن في بيان ما تمسَّكَ به طوائف منهم من الخَيالات، ثمّ نبيِّن فسادها إن شاء الله (تَعالى).
الطائفة الأُولى: الكَيسانيةُ
إنّما تَسَمَّوا بهذا الاسم لأنّهم أصحاب المُختار، وكان أسمه أوّلاً كيسان، وقيل: سبب تسميته أنّ أباه حَمَلَه وهو صغير إلى أمير المؤمنين علیه السلام فوضَعه بين يديه فمسح يده على رأسه، وقال له: كَيِّس كَيِّس(1). ثمّ إنّهم تمسَّكوا في أنّ الإمام بعد عليّ علیه السلام محمّد بن لا الحنفية (رضي الله عنه)، لقول أمير المُؤمنين علیه السلام له يوم البَصرة: «أنت ابني حقّاً» وإنّه كان صاحب رايته كما كان عليٌّ علیه السلام صاحبَ راية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(2)، استدلّوا بذلك على أنّه أولى الناس بمقامه.
وأمّا أنّه القائم المَهدي فلقول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «لن تنقضي الأيام والليالي حتّى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، واسم أبيه اسم أبي»(3)وكان من أسماء عليّ علیه السلام عبد الله، لقوله علیه السلام: «أنا عبد الله، وأنا أخو رسول الله، وأنا الصدِّيقُ الأكبر، لا يقولها بعدي إلّا كذَّابٌ مُفترٍ»(4)وزعموا أنّه إذا كان هو الإمام، وكان(5)القائم المنتظر فلا إمام إذن غيره، ولا يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الأرض من حُجّة(6).
الجواب
أمّا قوله علیه السلام: «أنت ابني حقّاً» فلا شكّ في هذه المقالة، وإنّما النزاع في وجه(7)دلالة هذا الا الكلام على تخصيصه بالإمامة، وظاهر أنّه ليس فيه دلالة على ذلك، بل إنّما يُحْمَلُ ذلك على الشهادة له بالشَّجاعة وطِيب المَولد، وذلك أنّ محمّداً (رضي الله عنه) لمّا حَمل الراية يوم البَصرة صبر حتّى كشف الناس فأبان من شَجاعته وبأسه ما كان مَستوراً، وسُرَّ بهِ علیه السلام وأحبَّ أن يُعظُمَه و يمدحه على فِعله، أي إنّك تُشبِهُنِي في هذه الخِصال وفي الصَبر في
الله.
وأمّا كونه صاحب الراية كما كان عليٌّ علیه السلام صاحب راية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فليس ذلك من الدلالة على إمامته في شيء ألبتّة، ولو صحّ الاستدلال بهذا القَدْرِ على الإمامة لكان كلُّ من حَمَل راية النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ولعليّ علیه السلام كان منصوصاً عليه بالإمامة، وذلك ظاهر الفَساد، وبالجُملة فهم مطالَبون على تصحيح دعواهم بالدليل المُوجَّه.
وأمّا تمسُّكهم في أنّه المَهدي بقول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فليس في هذا الخَبر إلّا أنّ الله يبعثُ رجلاً وله هذه الأوصاف، أمّا أنّه هو هذا أو ذاك فلا يتناوله الخبر، على أنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يكُن اسمه عبد الله، وإنّما مراده من قوله: «أنا عبدالله» الاعتراف لنفسه بصفة العُبودية لله.
ثمّ الذي يدُلُّ على أنّ محمّداً (رضي الله عنه) ليس بإمام أنّه لم يدّعِ الإمامة ولا دَعا أحداً إلى اعتقاد ذلك عنه، بدليل أنّه سئل عن ظُهور المُختار وادّعائه عليه أنّه أمره بالخروج والطلب بثأر الحسين علیه السلام، وأنّه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته، [سُئل] عن ذلك وصِحّته فأنكره، وقال: «والله ما أمرتُه بذلك، لكنّي لا أُبالي أن يأخُذَ بثأرنا كُلُّ أحدٍ، وما يسوؤني أن يكون المُختار هو الذي يطلُب بدمائنا»(1)فاعتمد السائلون له ذلك، وكانوا خَلقاً كثيراً قد رحلوا إليه لهذا المَعنى بعينه على ما ذكره أهل النَقل، فرجَعوا وَنَصَرَ أكثرُهُم المُختارَ على الطَلَب بدم الحُسين علیه السلام، ولم ينصُرْهُ على القول بإمامة محمّد رحمه الله، ومع ذلك لا يمكن القول بإمامته. وبالله التوفيق.
الطائفة الثانية: الزيديّة
ويجمعُهم أنّ الإمام بعد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم عليّ، ثمّ الحَسن، ثمّ الحُسين، ثمّ عليّ بن الحُسين، ثمّ كلّ فاطمي خرجَ بالسَيف مُستحقّاً لشرائط الإمامة، وشبهتُهم أنّ زيد بن عليّ (رضي الله عنه) كان عالِماً زاهداً آمراً بالمَعروف ناهياً عن المُنكر، فوجب أن يكون مستحقّاً لشرائط الإمامة، فكان هو الإمام.
والجواب
أنّا بيّنّا أنّ من شرائط الإمامة: العِصمةَ والنَصَّ، وهما مفقودان في حقّ زيدٍ (رضيَ الله عنه)،
1) الفصول المختارة: 243
فمَن ادَّعاها فعليه البيان.
الطائفة الثالثة: الناووسية
و انتسابهم إلى رجل من أهل البَصرة يقال له: عبدالله بن ناووس، ويجمعُهم كما عرفت أنّهم يقولون: إنّ جعفر بن محمّد علیه السلام سيرجع إلى الدُنيا فيملأها عدلاً كما مُلئت جورَاً. وإن اختلفوا في أنّه ماتَ أو لا، واحتجّوا على ذلك بخبرٍ رواه عَنْبَسةُ بن مُصعب عنه علیه السلام أنّه قال: «إن جاءكم من(1)يُخبرُكُم عنّي بأنّه غسّلني وكفّنني ودفنني فلا تُصدِّقوه»(2).
والجواب
أنّ العِلم بمَوتِه معلومٌ بالضَرورة لا يُدفع بخبر الواحد، وأيضاً هذا الخبر إن لم يصِحٌ بَطَلَ ما قالوه، وإن صَحٌ سلّطنا عليهم التأويل لِمُعارَضته العقل ووجوب ترجيح العَقل على النَقل.
الطائفة الرابعة: الإسماعيليّة
شُبهتُهم من وَجهين:
أحدهما: أنّ إسماعيل كان أكبرَ وِلد جعفر علیه السلام، وليس يجوز أن ينُصَّ على غير الأكبر.
الثاني: قالوا: قد أجمع من خالَفنا على أنّ أبا عبد الله علیه السلام نَصّ على إسماعيل، غير أنّهم ادَّعَوا أنّه بدا لله فيه(3)، وهذا قول لا نقبلُه منهم.
جواب الأول
أنّ النَصَّ على الأكبر متى يجِب؟ إذا كان الأكبر باقياً بعد والده، أو إذا لم يكن؟
الأوّل مُسلَّم، والثاني ممنوعٌ، فإنَّ إسماعيل (رضيَ الله عنه) مات في زَمن والده، وإذا كان كذلك لَمْ يكُن للنّصِّ عليه معنى، ولو وقع لكان كَذِباً، لأنّ المعنى أنَّ المَنصوص عليه يكون خليفةَ الماضي فيما كان يقوم به، فإذا لم يبقَ بعده لم يكن خليفتَه، فيكون النصُّ عليه حينئذٍ كَذِباً لا محالة.
وجواب الثاني
إنّا لا نُسلّم تسليم الجَماعة لَهُم حُصول النّصّ عليه فإن أحداً من أصحابنا لم يعترِف بأنّ أبا عبد الله علیه السلام نَصّ على ولده إسماعيل، ولم ينقُل أحدٌ منهم ذلك شاذّاً ولا معروفاً، وإنمّا
غلطوا من حيث إنّ الناس كانوا في حياة إسماعيل يظنّون أنّ أبا عبد الله علیه السلام ينُصُّ عليه، لأنّه كان أكبر أولاده، وكان يُعظّمه، فلمّا مات إسماعيل رحمه الله زالت ظُنونهم، وعلموا أنّ الإمامة في غيره، فتمسَّكَ هؤلاء المُبطلون بهذا الظنّ وجَعلوه أصلاً، وادَّعَوا وقوع النَصِّ عليه، وليس عندهم في ذلك أثرٌ ولا خَبَرٌ تُسنَد(1)دعواهم إليه.
فأمّا(2)قول الصادق علیه السلام: «ما بدا الله(3)في شيءٍ كما بدا لهُ في إسماعيل»(4)فليس على ما توهّموه من البداء في الإمامة لوجهين:
أحدهما: أنّ أبا عبد الله علیه السلام قال: «إنّ الله (تعالى) كَتَبَ القَتل على ابني إسماعيل مَرَّتين، فسألتُه فيه [فعفا عن ذلك] فما بدا له في شيء كما بدا له في إسماعيل»(5). وعنى به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوباً عليه، فصرفه عنه بمسألة أبي عبد الله علیه السلام.
الثاني: أنّ الإمامة لا يُوصَف الله (تَعالى) فيها بالبَداء لإجماع الإماميّة على النَقل المَشهور عن الأئمّةِ علیهم السلام أنّهم قالوا: «مهما بدا لله في شيءٍ فلا يبدُو له في نقل نبيٍّ عن نبوّتهِ، ولا إمامٍ عن إمامته، ولا مُؤمِنٍ قد أخذ الله عَهْدَهُ بالإيمان عن إيمانه»(6)وذلك يُبطِل ما ادَّعوه من ثُبوت النَصِّ، وبالله التوفيق.
الطائفة الخامسة: السمطيّة(7)
القائلون بإمامة محمّد بن جعفر، وسُمّوا السِمْطِيّة لنسبتهم إلى رئيسٍ لَهُم يقال له یحیی بن [أبي] السِمط(8)، شُبهتهم أنّهم زَعموا أنّ أبا عبد الله علیه السلام كان جالساً في داره فدخل عليه محمّد وهو صبيٌ فكبا في قميصه ووقع لوجهه، فقام إليه أبو عبد الله علیه السلام فقبّله ومَسَح رأسه وضمّه إلى صَدره، وقال: «سمِعتُ أبي يقول: إذا وُلد لك ولد يشبهني فسمّه باسمي، فهذا الولد يشبِهُني ويشبهُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ويكون على سنّته»(9).
جوابها
لا نُسلّم صِحةَ الخَبَر.
سلّمناه. لكنّه خبر واحدٍ ولا يجوز العمل به.
سلّمناه، لكنّه لا دلالةَ فيه على مُرادِكم لأنّ مَسح أبي عبدالله عن وَجْهِ ولده التراب وضمّه إلى صَدره وقوله: «إنّ أبي أخبرني أنّ رسول الله قال: سيولد لي ولد يشبههُ يكون على سنّته» لا يدُلُّ شيءٌ منه على الإمامة لا بالمُطابقة ولا بالتضمّن ولا بالالتزام.
سلّمناه، لكنّه معارَض بما أن محمّداً خرج بعد أبيه بالسَيف، ودعا الناس إلى إمامته وتَسمّى بإمرة المُؤمنين، ولم يتسمَّ بذلك أحدٌ خرج من آل أبي طالب، ولا خلاف بين الإمامية أنّ من تسمّى بهذا الاسم بعد أمير المُؤمنين علیه السلام فقد أتى مُنكراً ولم يكن أهلاً للإمامة.
الطائفة السادسة: الفُطحيّة
القائلون بإمامة عبدالله بن جعفر، وسُمُّوا بذلك لأنّ عبد الله بن جعفر كان أفطح الرجلين، وقيل: إنّه كان لَهُم رئيس يقال له عبد الله بن أفطح، وكلام هذه الطائفة ظاهرُ البُطلان لأنّهم لم يدّعوا نصّاً عن أبي عبد الله علیه السلام، إنّما عمِلوا على ما رَووه مِن أنّ الإمامة تكون في الأكبر(1).
وجوابه من وجوه:
الأوّل:
لا نُسلّم أنّه الأكبر، فإنّ الأكبر كان إسماعيل.
الثاني:
أنّ هذا الحديث لم يرِد قط إلا مَشروطاً، وذلك أنّه ورد أنّ الإمامة تكون في الأكبر ما لم یکن به عاهة، وأهل الإمامة القائلون بإمامة موسى بن جعفر علیه السلام متواتِرون بأنّ عبدالله كانت به عاهة في الدين، لأنّه كان يذهب مذهب المُرجئة(2)، وهم الواقعون(3)في عليّ وعثمان، وإنّ أبا عبد الله علیه السلام قال فيه وقد خرج عنه: «هذا مُرجئ كبير»(4)وإنّه دخل عليه يوماً وهو يُحدّث أصحابه، فلمّا رآه سكت حتّى خرج، فسُئل عن ذلك فقال: «أما علمتم أنّه
1) الفصول المختارة: 249
2) وهم القائلون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقالوا: الإيمان قول بلا عمل، كأنهم قدّموا الإيمان وأرجأوا العمل، أي أخّروه، لأنّهم يرون أنهم لو لم يُصلّوا ولم يصوموا نجّاهم إيمانهم، وقد أسقطوا الوعيد جملةً عن المسلمين. معجم الفرق الإسلامية: 219
3) في الفصول المختارة: المرجئة الذين يقعون
4) الفصول المختارة: 253
من المُرجئة»(1).
الثالث:
لم يكن له من العمل ما يتميّز به من العامة، ولا يُروى عنه شيء من مسائل الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يُستفتى في الأحكام، ولمّا خرج وادّعى الإمامة بعد أبيه امتُحن بمسائلَ صغيرةٍ فلَم يُجب عنها ولا يتأتّى(2)له الجواب، فثبت بهذه الوجوه أنّه ليس أهلاً للإمامة(3).
الطائفة السابعة: الممطورة
وهم الواقفة في موسى علیه السلام أنّه مات أو لم يمُت، شُبْهَتُهُمْ من وجهين:
أحدهما: أنّهم حكموا أنّه لمّا وُلد موسى علیه السلام ادخل أبو عبدالله علیه السلام على حَميدة أُم فقال لها: «يا حَميدة، بَخٍ بَخٍ، حلّ المُلك في بيتك».
الثاني: ما رَووا أنّه سُئل علیه السلام عن اسم القائم فقال: «اسمه اسم حديدة الحلّاق»(4).
وجواب الأوّل:
أنّ أبا عبد الله علیه السلام لعلّه أراد بالمُلك الإمامة على الخَلق وفَرض الطاعة على البشر، ومُلك الأمر والنهي هو المُلك على الحقيقة، ومثلُه قوله (تعالى): (فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً)(5)فإنّة أراد بالمُلك مُلكَ الدين والرئاسة فيه على العالَمِين.
وجواب الثاني:
لا نُسلَّم صِحّة هذا الخبر. سلّمناه، لكن لِمَ لا يجوز أن تكون إشارته [إلى] القائم بالإمامة بعده ولم يُشر به إلى القائم بالسَيف، وقد علِمنا أنّ كل إمام فهو قائم بالإمامة بعد أبيه.
الطائفة الثامنة
القائلون بإمامة أحمد بن موسى، ولهم شُبهتان:
إحداهما: أنّ الرضاء علیه السلام وصّى بالإمامة إليه ونصّ بها عليه.
الثانية: أنّ أبا جعفر كان صغير السنّ في ذلك الوقت، لأنّ الرضا علیه السلام مات وهو(6)ابن سبع
سنین(1). ومثل هذا لا يصلُح للإمامة.
جواب الأُولى:
لا نُسلَّمُ صِحّة النَصّ على أحمد بن موسى، فإنّ أحداً ممَّن يعتبر نَقله من الإمامية لم يروه.
وجواب الثانية:
أنّ الالتباس عليكم من جهة سنّه علیه السلام بيّن الفساد، وذلك أنّ كمال العقل لا يُستنكر لحُجَجِ الله (تَعالى) مع صِغَرِ السِنّ، وله اعتبار بقصّة عيسى علیه السلام حيث قال القوم: (كَيْفَ نُكَلِّم مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)(2)الآية. وقال (تَعالى) في قصّة يحيى: (وَمَاتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً)(3)فلم يكُن كمال العَقل مُنافياً للصِّبا في حقّ أُولئك، فوجب أن لا يكون منافياً في حقٌ أولياء الله (تَعالى)، وذلك يُبطل ما قالوه.
الطائفة التاسعة:
القائلون بأنّ الإمامة بعد أبي الحَسن عليّ بن محمّد علیه السلام صارت إلى ابنه محمّد بن عليّ بنصّ أبي الحسن علیه السلام، وهؤلاء مُطالَبون أوّلاً بنقل لفظ النَصّ، ولن يجدوه. الثاني: أنّهم قد انقرضوا ولم يبق منهم إلّا شذاذة لم يُعتدَّ بنقلهم ولا يكون حُجّةً يتعيّن به الإمام(4).
الطائفة العاشرة:
الذين زعموا أنّ الحسن بن عليّ علیه السلام لم يمُت، شُبهتهم أنَّه لو مات وليس له ولد لَخَلا الزمان عن الإمام المَعصوم، وإنّه غير جائز.
الجواب:
أمّا موته فمَعلوم بالضَرورة، وأمّا أنّه لا وَلَد له فلا نُسلِّم، فإِنَّ الجُمهور من الإمامية يُثبتون ولادة ابنه القائم المُنتظر علیه السلام وصحّحوا النَصّ عليه، وقالوا هو سَمِيُّ رسول الله ومهديُّ الأنام، وتواتَر بينهم أنّ الحسن علیه السلام أظهره لهم وأراهم شَخصه(5)، وإن كان بينهم خلافٌ في سِنّه عند وفاة أبيه، فقال كثيرٌ منهم: كانت سِنُّه إذ ذاك خمسَ سنين، لأنّ أباه تُوفِّي سنَةَ
ستِّين ومائتين، وكان مولد القائم علیه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين. وقال بعضهم: بل كان مولده سنة أثنتين وخمسين، وكانت سنّه عند وفاة أبيه ثماني سنين.
واتَّفقوا على أنّ أباه لم يمُت حتّى أكمل الله (تَعالى) عَقْلَه وعَلَّمَهُ الحِكمة وفَصل الخِطاب، وأبانه من سائر الخَلق بهذه الصِفة إذ كان خاتَمَ الحُجج ووصيَّ الأوصياء وقائِمَ الزمان، واحتجّوا على جواز ذلك عقلاً بقصّة عيسى علیه السلام في قوله (تَعالى): (كَيْفَ نُكَلِّم مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ مَاتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)(1)وبقصّة يحيى علیه السلام بقوله (تَعالى): (وَءَاتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً)(2)وقالوا: إنّ صاحب الأمر حيٌّ لا يموت حتّى يملأ الأرض عَدلاً كما مُلئت ظلماً، وأمّا أنّه لِمَ وجب بقاؤه فلِمَا تقدّم من وجوب نَصب الإمام من الله (تَعالى) في كلّ وقت.
فهذا هو الكلام على الطوائف المشهورة منهم، وأمّا الباقون فكلامهم ظاهر الفَساد. وبالله التوفيق.
إعلم أنّ البحث في هذه المسألة يقع في مَقاماتٍ أربع:
المَقام الأوّل: في سبب الغَيبة.
الثاني: في إمكان بَقاء المِزاج الإنساني مِثلَ المُدّةِ الَّتي نَدَّعيها لهذا الإمام الغائب.
الثالث: وقوع ذلك البَقاء في أمزجةٍ كثيرةٍ مشهورة(1).
الرابع: في كون المُدَّعى إمامَتُه هذا هو الإمام المُعَيَّن.
وعند بيان هذه الأُمور نبيِّنُ لك أنّ إنكار ما يقول الاثنا عشريّة في أمر الغَيبة جهلٌ مَحْضٌ مِن مُنكريه، وعَصبيّةٌ باطِلةٌ في مُقابلة الحَقِّ.
أمّا المَقام الأوّل
وهو بيان سبب الغيبة: فاعلم أنّا بيَّنّا في البحث الأوّل في وجوب عِصمة الإمام أنّ سبب انبساط يده علیه السلام مُركَّب من ثلاثة أجزاء:
أحدها: يجب من الله، وهو إيجاده وإكماله في ذاته.
والثاني: يجب عليه نفسُه، وهو القيام بأعباء الإمامة.
والثالث: على الخَلق، وهو الانقياد له ومُساعدته في تنفيذ أوامر الله (تعالى) والقِيام بها.
والماهية المُركّبة لا تَتَحقَّق إلّا بمجموع أجزائها، لكن وإن حَصَل وجودُه وقيامه بأعباء الإمامة، وهذان الأمران اللذان يتعلّقان بالله (تَعالى) و به نفسه، فإنّ الجزء الثالث من الخَلق لم يحصل، إذ لم يزَل خائفاً مُستتِراً من الأعداء، فإذن(2)ظَهَر من ذلك أنَّ سبب غيبة الإمام هو قُوّة الظالِمين والخَوف منهم.
على أنّ لنا أن نقول: إن سلّمنا أنّ هذا ليس بسبب، لكن إذا ثبت أنّه علیه السلام مَعصوم لم يفعل قبيحاً ولم يُخِلَّ بواجب، لَم يلزَم من عَدَم تَعَقُّلِنا(1)لِعلّة غيبتِه أن لا يكون موجوداً، لجواز أن يُخِلَّ يكون ذلك لمصلحةٍ لا يُطّلع عليها.
وأمّا المَقام الثاني
وهو إمكان بقاء المِزاج الإنساني مثل المُدّة التي نَدَّعيها لهذا الإمام القائم (عجّل الله تعالی فرجَه) فالعِلم به ضَروري، ويدُلُّ على ثُبوت الإمكان تواتُر الوقوع.
وأمّا المَقام الثالث
وهو ثبوت البَقاء في أمزجةٍ مشهورةٍ: فهو أيضاً بَيِّن، ولنذكر عدّة من أعمار المُعمَّرين الَّذين تواتَرت بتعيين أعمارِهِم الأخبار، فمِن أُولئك:
[1] - الربيع بن ضَبُع الفَزاري، كان من المُعمّرين وعاش ثلاثمائة وثمانين سنةً، روي أنّه دخل على بعض خُلفاء بني أُميّة فقال: يا ربيع، لقد طلبك جَدٌّ(2)غير عاثرٍ. فقال: فصّل لي عمرك.
فقال: عشت مائتي سنة في الفترة، فترة عيسى بن مَريم علیه السلام، ومائةً وعشرين سنةً في الجاهلية، وستّين سنةً في الإسلام(3)
إذا عاش الفتى مائتين عاماً *** فقد ذهب اللذاذةُ والفَتاءُ
وقال لما بلغ مائتين وأربعين سنةً:
ها أنا ذا آمُل الخلودَ وقد *** أدرك عقلي ومولدي حُجُرا
أبا امرِئ القيس هل سمعت به؟ *** هيهات هيهاتَ طال ذا عُمُرا
وانظر أخباره وترجمته وبعض أسفاره في: كتاب سيبويه 1: 129، المقتضب للمبرد 2: 169، 3: 183، أمالي القالي 2: 185، كمال الدين وتمام النعمة: 549، أمالي المرتضی 1: 253 - 256 الاصابة 1: 526، خزانة الأدب 3: 308
، مع سؤالات أُخر لا تتعلّق بغرضنا.[2] - ومنهم: المُسْتَوْغِر(4)، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مَناة، عاش ثلاثمائة وعشرين سنةً، وأدرك أوّل الإسلام، وله في ذلك شعر:
ولقد سَئمتُ مِن الحَياةِ وطُولِها *** وعَمَرْتُ مِن عَدد(5)السِنين مِئينا
مائةٌ أَنتُ مِن بَعدها مائتانِ لي *** وَازْدَدْتُ من بَعد المِئينَ سنينا(1)
مائةٌ حَدَتها بعدها مائتان لي *** وازددت من بعد الشهور سنينا
وفي الغيبة وأمالي المرتضى والإصابة: من عدد الشهور سنينا
هَلْ ما بَقِي إِلَّا كما قَد فاتَنا *** يومٌ يكُرُّ وليلةٌ تُفنينا(2)
[3] - ومنهم: أمانةُ(3)بن قَيس بن الحارث بن شَيبان بن العارك بن مُعاوية الكِندي، عاشَ ثلاثمائة وعشرين سنةً، وفي ذلك المُسلم النَخعي(4)يقول:
أيا لَيتَنِي عمَّرتُ يا أُمَّ خالدٍ *** كعُمرِ أمانات بن قَيسِ بنِ شَيبانِ
لقد عاشَ حتّى قِيلَ ليسَ بميّتٍ *** وأفنَى فئاماً(5)من كُهولٍ وشُبّان
فحلّتْ به من بَعد حَرْسٍ(6)وحقبةٍ *** دُونِهِيَّةٌ(7)حلّت بنَصر بنِ دُهمانِ(8)
لِنَصر بن دُهمانَ الهُنيدَة عاشها *** وتسعينَ حَولاً ثُمَّ قوِّم فانصَاتا
وعاد سوادُ الرأس بعد بياضه *** و راجعه شرخ الشباب الذي فاتا
وراجع عقلاً عندما فات عقله *** ولكنّه مِن بَعْد ذا كلِه ماتا
كمال الدين وتمام النعمة: 555، كشف الغمّة 2: 544، الأعلام للزركلي 3: 5، والهُنَيدة: اسمٌ لكلّ مائة، وانصات: استوت قامته بعد انحناء
[4] - ومنهم: عبد المَسيح بن بُقيلة الغَسّاني، وهو عبد المَسيح بن عَمرو بن قيس بن حَيَّان(9)بن بُقيلة، وبُقيلة: كُنية لِثَعْلَبة، وقيل: الحارث، وإنّما سُمّي بُقيلَة لأنّه خَرَجَ على قَومِه في بُردَين أخضرين فقالوا له: ما أنت إلّا بُقيلة، فعُرف بذلك، وعاش ثلاثمائة سنةٍ وخمسين سنةً، وأدرك الإسلام ولم يُسلم، وكان نَصرانيّاً(10).
[5] - ومنهم: دُويد(11)بن زَيد بن نَهْد بن زَيد بن أسلم بن الحاف(12)بن قُضاعة، عاش
1) في الشعر والشعراء:
2) في المصادر: تحدونا. أُنظر: الشعر والشعراء: 248، الغيبة للمفيد: 25، أمالي المرتضی 1: 234، کنز الفوائد 2: 123، الإصابة 3: 492
3) في كمال الدين: أماباة، ولعله تصحيف (أمانات) كما ورد في الشعر
4) في «أ»: النجعي
5) في «أ، ب»: قياماً. والفئام: الجماعة من الناس
6) الحَرْس: الدهر
7) الدويهية: مصغّر داهية، ما يصيب الناس من عظيم نُوب الدهر، والأمر المنكر العظيم
8) هو نَضر بن دُهْمَان بن سُليم بن أشجع، عاش مائة وتسعين سنةً حتى سقطت أسنانه وخرف عقله وأبيضَّ رأسه، فاحتاج قومه إلى رأيه، ودعوا الله (عزَّ وجلَّ) أن يَرُدّ إليه عقله وشبابه، فعاد إليه عقله وشبابه وأسوَدَّ شعره، فقال فيه سلمة بن الخُرشب الأنماري، وقيل بل عياض [بن] مرداس السلمي:
9) في «أ، ب»: عبد المسيح بن عمر بن قيس بن حنان. وما أثبتناه من المصادر
10) البيان والتبيين 2: 117، أمالي المرتضى 1: 260، بحار الأنوار 51: 280
11) في «أ، ب»: دريد، وما أثبتناه وفقاً لأغلب المصادر
12) في أمالي المرتضى والبحار: دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف
أربعمائة سنةٍ وستّاً وخمسين سنةً(1).
وأمّا مَن عاش في الإسلام وقُبَيل الإسلام المائتين وفوقها فكثيرون:
[1] - كزُهير بن جَنَاب(2)الكَلبِي، فإنّه عاش مائتين وعشرين سنةً، وأوقع مائتي وَقْعَةٍ(3)وكان سَيِّداً شريفاً مُطاعاً في قومه(4)
الموت خيرٌ للفتى *** فَلْيَهْلِكَن وبهِ بقيّة
مِن أن يُرى الشيخَ الكب-*** يرَ يُقادُ يُهدى بالعشيّة
الشعر والشعراء: 245، کمال الدين وتمام النعمة: 560، أمالي المرتضى 1: 238، کنز الفوائد 2: 27، بحار الأنوار 51: 267
.[2] - وكالرجل الجُزهمي، قيل: إنّه دخل على مُعاوية بن أبي سُفيان رجل فقال: ممّن الرجل؟ فقال: من جُرْهَم.
فقال: ومنهم باقٍ؟ فقال: بقيتُ، ولو لم أبقَ لَمْ آتِك.
فقال له معاوية: صِف لنا الدُنيا وأوجِز.
فقال: نَعم، سُنيّات ،بلاء، وسُنيّات رخاء، يُولَد مولودٌ ويهلِك هالِكٌ، ولولا المَولود لَباد الخَلق، ولولا الهالِك لضاقَت الأرض بِرَحبِها.
وقال:
وما الدَهْرُ إِلَّا صدرُ يوم وليلةٍ *** ويولدُ مولودٌ ويُفقدُ فاقِدُ
وساعٍ لرِزْقٍ ليس يُدرِكُ قوتَه *** و مُهدىً إليهِ رِزْقُه وهو قاعِدُ
وكان سِنّهُ مائتين وأربعين سنةً، فهؤلاء بعض من عاش إلى هذه المُدّة في هذا القَرن.
وأمّا الأخبار عن أعمار من كان في القرون(5)الأوّل فمشهورة، وقد نبّه القُرآن العظيم على بعضها:
[1] - كعُمر نوحٍ علیه السلام إذ لبِثَ في قومه يدعوهم - سوى ما سَبَقَ - ألفَ سنةٍ إِلَّا خمسين عاماً.
[2] - وما اشتهر عن عُمر لُقمان، وأنّه عاش ثلاثة آلاف(6)سنةٍ، وقيل: سبعة الآف سنةٍ. وبالجُملة فالعِلمُ التَواتُري حاصِلٌ بامتداد الحياة الإنسانية هذه المُدّة وأمثالها.
وأمّا المَقام الرابع
وهو أنّ المُدَّعى إمامَتهُ وغيبَتهُ هو هذا المُعيّن، فقد بيَّنّا أنّ ذلك معلومٌ من نَصّ أبيه، وأنّ الاثنَي عَشَرِيَّة ينقُلون خَلَفَاً عن سَلَف أنّ الحَسَن علیه السلام أظهَره لَهُم وَنصَّ عليه(1)، ولم يخرُج مِن الدُنيا حتّى أكمل الله عَقْلَهُ وَعَلَّمَهُ الحِكْمَةَ وفَضْلَ الخِطاب. وإذا عرفت هذه المَقامات ظَهَر لك أنّ استنكار غيبة هذا الإمام وطُول حياته ممّن يُنكِرها ليس إلّا بمُجَرَّد العَصبية الفاسدة.
ولو سلّمنا أنّه لم يوجَد بقاء المِزاج الإنساني إلى الحدّ المَذكور إلّا أنّ ذلك من الأُمور المُمكنة، والله (تَعالى) قادِرٌ على جميع المُمكنات، ومِنْ مَذْهَبِ الكُلِّ أَنَّ خَرْقَ العَادَةِ في حقّ الأولياء والصالحين أمرٌ جائز، وحينئذٍ يكون الاستنكار والاستبعاد قبيحاً.
واللهُ وليُّ التوفيقِ والعِصمة، وهو مُسَدَّدٌ للصواب(2)، وله الحَمْدُ والمِنَّةُ والحَوْلُ والقُوَّةُ.
«تمّ الكتاب»
وانتهى قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة من تحقيقه بحمد الله ومنّه في الثالث من شعبان المعظم سنة 1414 ه وهو المصادف ولادة سيد الشهداء الإمام الحسين علیه السلام
[6]
1 - القرآن الكريم
2 - الاحتجاج:
لأبي منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي، من أعلام القرن السادس الهجري، تحقيق محمّد باقر الموسوي الخرسان، منشورات المرتضى، مطبعة سعيد، مشهد، 1403 ه.
3 - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان:
للأمير علاء الدّين عليّ بن بلبان الفارسي المُتوفّى سنة 739 ه. تحقيق كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1407 ه.
4 - إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل:
للعلامة القاضي السيد نُور الله الحسيني التستري، الشهيد سنة 1019 ه، مكتبة السيد المرعشي، قم.
5 - الأحكام السلطانية والولايات الدينية:
لأبي الحسن عليّ بن محمّد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، المُتوفىّ سنة 450 ه، تحقيق خالد عبداللطيف السبع، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، 1410 ه.
6 - الاختصاص:
لأبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النُعمان الحارثي (الشيخ المفيد)، المُتوفّى 413 ه، تحقيق عليّ أكبر الغفّاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
7- اختیار مصباح السالكين:
للشيخ ميثم بن عليّ بن ميثم البحراني من أعلام القرن السابع الهجري، تحقيق الشيخ محمّد هادي الأميني، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، إيران، الطبعة الأُولى، 1408 ه.
8 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد:
لأبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النُعمان الحارثي (الشيخ المفيد)، المُتوفّى سنة 413 ه، مكتبة بصيرتي، قم.
9 - إرشاد القلوب:
لأبي محمّد الحسن بن محمّد الديلمي، من أعلام القرن الثامن الهجري، منشورات الشريف الرضي، قم.
10 - أسباب النزول:
لأبي الحسن عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوري المُتوفّى سنة 468 ه، عالم الكتب، بيروت.
11 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب:
لابن عبدالبر النمري القرطبي، المُتوفّى سنة 463 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، 1328 ه.
12 - أُسد الغابة في معرفة الصحابة:
لعزّالدين أبي الحسن عليّ بن محمّد بن محمّد الشيباني، المعروف بابن الأثير، المُتوفّى سنة 630 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
13 - الأشباه والنظائر في النحو:
لأبي الفضل عبدالرحمن بن الكمال أبو بكر جلال الدين السيوطي المُتوفّى سنة 911 ه، تحقيق الدكتور فايز ترحيني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، 1404 ه.
14 - الإصابة في تمييز الصحابة:
لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي المتوفّى سنة 852 ه، مطبعة السعادة، مصر، 1323 ه.
15 - الأعلام:
لخير الدين الزِرِكلي، المُتوفّى سنة 1396 ه، دار العلم للملايين، بیروت، الطبعة السابعة، 1986 م.
16 - إعلام الورى بأعلام الهدى:
لأمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، من أعلام القرن السادس، تحقيق السيّد محمّد مهدي السيد حسن الخرسان، دار الكتب الإسلامية، قم، الطبعة الثالثة، 1970 م.
17 - أعيان الشيعة:
للسيد محسن الأمين العاملي، المُتوفّى سنة 1371 ه، تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.
18 - الأغاني:
لعليّ بن الحسين بن محمّد القرشي، المعروف بأبي الفرج الأصبهاني، المُتوفّى سنة 356 ه، مؤسسة عزّ الدين، بيروت.
19 - الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين علیه السلام:
لأبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النُّعمان الحارثي (الشيخ المفيد)، المُتوفّى سنة 413 ه، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، قم، الطبعة الأُولى، 1412 ه.
20 - الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد:
للشيخ محمّد بن الحسن الطُوسي، المُتوفّى سنة 460 ه، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية 1406 ه.
21 - أقرب الموارد في فصح العربية والشَّوارد:
للعلامة سعيد الخوري الشرتوني اللبناني، مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم، 1403 ه.
22 - أقسام المولى في اللغة:
لأبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي (الشيخ المفيد)، المُتوفّى سنة 413 ه، تحقيق محمّد مهدي نجف.
23 - الأُمّ:
لأبي عبدالله محمّد بن إدريس الشافعي، المُتوفّى سنة 204 ه، تصحيح محمّد زهري النّجار، دار المعرفة، بيروت.
24 - الأمالي:
للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي، المُتوفّى سنة 381 ه، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1400 ه.
25 - الأمالي:
لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المُتوفّى سنة 460 ه، مطبعة النعمان، النجف، 1384 ه.
26 - الأمالي:
لأبي عليّ إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي المتوفّى سنة 356 ه، مطبعة دار الفكر.
27 - الأمالي الخميسيّة:
للسيد المرشد بالله يحيى بن الحسن الشجري، المُتوفّى سنة 499 ه، مطبعة الفجالة، مصر.
28 - أمالي السيّد المرتضى (غُرر الفوائد ودرر القلائد):
للشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي العلوي، المُتوفّى سنة 436 ه، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1387 ه.
29 - الإمامة والسياسة (تاريخ الخلفاء):
لأبي محمّد عبدالله بن مسلم بن قُتيبة الدِّينوري، المُتوفّى سنة 276 ه، مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده في مصر، أوفست منشورات الرضي ومنشورات زاهدي، قم، 1363 ه.
30 - أمل الآمل:
لمحمّد بن الحسن الحُرّ العاملي، المُتوفّى سنة 1104 ه، تحقيق أحمد الحسيني، مكتبة الأندلس، بغداد.
31 - أنساب الأشراف:
للنسّابة أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، من أعلام القرن الثالث الهجري، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1397 ه.
32 - الأنوار الساطعة في المائة السابعة:
للشيخ آقا بزرك الطهراني، تحقيق علي نقي منزوي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأُولى 1972 م.
33 - الأوائل:
لأبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهيل العسكري، من أعلام القرن الرابع الهجري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1407 ه.
34 - إيضاح الاشتباه:
لأبي منصور الحسن بن يُوسُف بن المُطهّر الأسدي، العلّامة الحِلّي، المُتوفّى سنة 726 ه، تحقيق الشيخ محمّد الحسّون، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الأولى، 1411 ه، قم.
35 - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:
لإسماعيل باشا بن محمّد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي، المُتوفّى سنة 1339 ه، تحقيق
محمّد شرف الدين ورفعت بيلكه الكليسي، أوفست مكتبة المُثنّى، بغداد.
36 - بحار الأنوار:
لمُحمّد باقر المجلسي، المُتوفّى سنة 1111 ه، دار الكتب الإسلامية، طهران.
37 - البداية والنهاية:
لأبي الفداء الحافظ إسماعيل بن عُمر بن كثير الدمشقي، المُتوفّى سنة 774 ه، تحقيق مجموعة من الأساتذة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة، 1408 ه.
38 - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد علیهم السلام:
لأبي جعفر محمّد بن الحسن بن فرّوخ الصفّار، المُتوفّى سنة 290 ه، تحقیق میرزا محسن، مؤسسة الأعلمي، طهران، 1362ه .ش.
39 - البيان والتبيين:
لأبي عثمان عَمرو بن بحر بن مَحْبُوب الجاحظ، المُتوفّى سنة 255 ه، تحقيق حسن السندويي، المكتبة التجارية الكبرى، الطبعة الأُولى، 1345 ه.
40 - تاريخ الأُمم والملوك:
لأبي جعفر محمّد بن جرير بن يزيد الطبري، المُتوفّى سنة 310 ه، الطبعة الأُولى، مصر، المطبعة الحسينية.
41 - تاريخ بغداد أو مدينة السلام:
لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، المُتوفّى سنة 463 ه، دار الكتب العلمية، بيروت.
42 - تاريخ اليعقوبي:
لأحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب، ابن واضح الأخباري، المُتوفّى سنة 292 ه، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها، النجف، 1384 ه.
43 - تحف العقول:
لا بن شعبة الحرّاني، من اعلام القرن الرابع، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1404 ه.
44 - تذكرة الخواص:
ليوسف بن قزاوغلي بن عبدالله البغدادي، سبط ابن الجوزي، المُتوفّى سنة 654 ه، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
45 - ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام من تاريخ دمشق:
لعليّ بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الشافعي، المُتوفّى سنة 571 ه، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1398 ه.
46 - تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد:
لأبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي (الشيخ المفيد)، المُتوفّى سنة 413 ه، منشورات الرضي، قم.
47 - تفسير الآلوسي (روح المعاني):
لأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي، المُتوفّى سنة 1270 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1405 ه.
48 - تفسیر ابن کثیر (تفسير القرآن العظيم):
للحافظ عمادالدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، المُتوفّى سنة 774 ه، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 ه.
49 - تفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم):
لأبي السعود محمّد بن محمّد العمادي، المُتوفّى سنة 951 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، 1983 م.
50 - تفسير البغوي (معالم التنزيل في التفسير والتأويل):
لأبي محمّد الحسين بن مسعود الفرّاء البغوي، المُتوفّى سنة 510 ه، دار الفكر.
51 - تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل):
لناصر الدين أبي سعيد عبدالله بن عُمر بن محمّد الشيرازي البيضاوي، المُتوفّى سنة 791 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1408 ه.
52 - تفسير التّبيان:
لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطُوسي، المُتوفّى سنة 460 ه، المطبعة العلمية، النجف.
53 - تفسير الحبري:
لأبي عبدالله الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري الكوفي، المُتوفّى سنة 286 ه، تحقيق السيّد محمّد رضا الحسيني، مؤسسة آل البيت علیهم السلام الإحياء التراث، بيروت، الطبعة الأُولى، 1408 ه.
54 - تفسير الرازي (التفسير الكبير):
لأبي عبدالله محمّد بن عمر القرشي الشافعي، المعروف بفخر الدين الرازي، المُتوفّى سنة 606 ه، أوفست دار إحياء التراث العربي عن الطبعة المصرية، بيروت.
55 - تفسير الطبري (جامع البيان في تفسير القرآن):
لأبي جعفر محمّد بن جرير بن يزيد الطبري، المُتوفّى سنة 310 ه، أوفست دار المعرفة عن الطبعة المصرية الأُولى، بيروت.
56 - تفسير العياشي:
لأبي النضر محمّد بن مسعود بن عيّاش السَّلمي السمرقندي، المعروف بالعيّاشي، من أعلام القرن الرابع الهجري، تحقيق السيّد هاشم الرسولي المحلّاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران، 1380 ه.
57 - تفسير غريب القرآن:
لسراج الدين أبي حَفص عُمر بن أبي الحسن عليّ بن أحمد النحوي الأنصاري الشافعي، المعروف بابن المُلقِّن، تحقيق سمير طه المجذوب، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأُولى، 1408 ه.
58 - تفسير فُرات الكوفي:
لفرات بن إبراهيم بن فُرات الكوفي، من أعلام القرن الثالث الهجري، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.
59 - تفسير القُرطبي (الجامع لأحكام القرآن):
لأبي عبدالله محمّد بن أحمد الأنصاري القُرطبي، المتوفى سنة 671 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
60 - تفسير القمي:
لأبي الحسن عليّ بن إبراهيم القُمّي، من أعلام القرنين الثالث والرابع الهجريين، تحقيق السيد طيب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب، قم، الطبعة الثالثة، 1404 ه.
61 - تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل):
لأبي البركات عبدالله بن أحمد بن محمود النسفي، المُتوفّى سنة 701 أو 710 ه، دار الكتاب العربي، بيروت.
62 - تلخيص الشافي:
لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطُوسي، المتوفى سنة 460 ه، دار الكتب الإسلامية، قم الطبعة الثالثة، 1394 ه.
63 - تنقيح المقال في علم الرجال:
لعبد الله بن محمّد حسن المامقاني، المُتوفّى سنة 1351 ه، المطبعة المرتضوية، النجف، 1352 ه.
64 - تهذيب الأحكام:
لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطُوسي، المُتوفّى سنة 460 ه، دار الكتاب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة.
65 - تهذيب التهذيب:
لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، المُتوفّى سنة 852 ه، أوفست دار إحياء التراث العربي عن طبعة حيدر آباد الدكن، بيروت.
66 - التوحيد:
للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القُمّي، المُتوفّى سنة 381 ه، تحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
67 - جامع الأُصول من أحاديث الرسول صلی الله علیه وآله وسلم:
لأبي السعادات مبارك بن محمّد بن الأثير الجزري، المُتوفّى سنة 606 ه، تحقيق محمّد حامد الفقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1404 ه.
68 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير:
لجلال الدین عبدالرحمن السيوطي، المُتوفّى سنة 911 ه، دار الفكر، بيروت.
69 - جمهرة أنساب العرب:
لأبي محمّد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، المُتوفّى سنة 456 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1403 ه.
70 - الحاوي للفتاوي:
لجلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمّد السيوطي، المتوفى سنة 911 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، 1402 ه.
71 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء:
للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، المُتوفّى سنة 430 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، عبدالله الطبعة الأُولى، 1409 ه.
72 - الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة:
لكمال الدين أبي الفضل عبدالرزاق بن الفُوطي البغدادي، المُتوفّى سنة 723 ه، دار الفكر الحديث، بیروت، 1407 ه.
73 - خِزانة الأدب ولب لباب لسان العرب:
العبد القادر بن عُمر البغدادي، المُتوفّى سنة 1093 ه، دار صادر، بیروت.
74 - الخصال:
للشيخ الصدوق المتوفّى سنة 381 ه، تحقيق علي أكبر الغّفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة الجماعة المدرسين، قم، 1403 ه.
75 - الخصائص:
لأبي الفتح عثمان بن جنّي، المُتوفّى سنة 392 ه، تحقيق محمّد عليّ النّجار، دار الكتاب العربي، بيروت.
76 - خصائص الإمام عليّ علیه السلام:
لأبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب المعروف بالنسائي، المُتوفّى سنة 303 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1406 ه.
77 - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال (رجال العلامة الحلي):
للحسن بن يُوسُف بن علي بن المُطهّر الحِلّي، المُتوفّى سنة 726 ه، تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، النجف، أوفست مكتبة الرضي، قم 1402 ه.
78 - دائرة المعارف الإسلامية:
نقلها إلى العربية أحمد الشنتناوي، وإبراهيم زكي خورشيد، وعبدالحميد يُونُس، دار الفكر، بيروت.
79 - الدرّ المنثور في التفسير المأثور:
لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، المُتوفّى سنة 911 ه، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأُولى، 1403 ه.
80 - دستور العلماء (جامع العلوم في اصطلاحات الفنون):
لعبد النبي بن عبدالرسول الأحمد نگري، المُتوفّى بعد سنة 1144 ه، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
81 - ديوان الأخطل:
دار الكتب العلمية - بيروت - 1406 ه.
82 - ديوان الأعشى:
لميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبي بصير، المُتوفّى سنة 7 ه، تحقيق فوزي ،عطوي، دار صعب، بيروت.
83 - ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القربى:
لمحبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري، المُتوفّى سنة 694 ه، أوفست دار المعرفة عن طبعة مكتبة القدسي في القاهرة، بيروت.
84 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة:
للشيخ آقا بزرگ الطهراني، المُتوفّى سنة 1389 ه، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، 1403 ه.
85 - الذُّرية الطاهرة:
لأبي بشر محمّد بن أحمد بن حمّاد الأنصاري الرازي الدولابي، المُتوفّى سنة 310 ه، تحقيق السيّد محمّد جواد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الأُولى، 1407 ه.
86 - الرجال:
لأبي العبّاس أحمد بن علي الأسدي الكوفي النجاشي، المُتوفّى سنة 450 ه، تحقيق السيد موسى الشبيري الزنجاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1407 ه.
87 - الرجال:
لتقي الدين الحسن بن عليّ بن داود الحِلّي، المُتوفّى سنة 707 ه، تحقيق السيد محمّد صادق آل بحر العلوم، أوفست منشورات الرضي عن المطبعة الحيدرية في النجف، قم.
88 - رجال الكشّي (اختيار معرفة الرجال):
لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطُوسي، المتوفى سنة 460 ه، كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية، مشهد، 1348 ه .ش.
89 - روائع الحكم في أشعار الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام:
جمع وتحقيق عبود احمد الخزرجي، منشورات الشريف الرضي، قم.
90 - روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات:
للسيد محمّد باقر الخوانساري، المُتوفّى سنة 1313 ه، مكتبة اسماعيليان ،قم، 1390 ه.
91 - روضة الواعظين:
لمحمّد بن الفَتّال النيسابوري، المُتوفّى سنة 508 ه، منشورات الرضي، قم المقدسة.
92 - رياض العلماء وحياض الفضلاء:
للميرزا عبدالله بن عيسى بيك الأفندي، من أعلام القرن الثاني عشر، تحقيق السيّد أحمد الحسيني، مطبعة الخيام، قم، 1401 ه.
93 - الرياض النضرة في مناقب العشرة:
لأبي جعفر أحمد الشهير بالمحب الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت.
94 - ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب:
لميرزا محمّد عليّ مدرّس، منشورات مكتبة الخيام، مطبعة الحيدري، الطبعة الثالثة، 1361 ه ش.
95 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار:
للشيخ عبّاس القمّي، المُتوفّى سنة 1359 ه، مؤسسة فراهاني.
96 - السلافة البهية في الترجمة الميثمية (ضمن كشكول الشيخ يوسف البحراني):
للشيخ يوسف البحراني، المُتوفّى سنة 1186 ه، مؤسسة الوفاء ودار النُّعمان، الطبعة الثانية، 1406 ه.
97 - السُنن:
لأبي محمّد عبدالله بن عبدالرحمن بن الفضل الدارمي، المُتوفّى سنة 255 ه، دار إحياء السُّنّة النبويّة، دار الكتب العلمية، بيروت.
98 - السُنن:
لأبي عبدالله محمّد بن يزيد بن ماجة، المُتوفّى سنة 275 ه، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، دار الفكر، بيروت.
99 - السُنن:
لأبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، المُتوفّى سنة 303 ه، دار الكتاب العربي، بيروت.
100 - السُنن:
لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، المُتوفّى سنة 275 ه، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنّة النبوية، بيروت.
101 - السُنن (الجامع الصحيح):
لأبي عيسى محمّد عيسى بن سورة الترمذي، المُتوفّى سنة 297 ه، تحقيق أحمد محمّد شاكر، دار
إحياء التراث العربي، بيروت.
102 - سير أعلام النبلاء:
لشمس الدين محمّد بن أحمد بن عُثمان الذهبي، المُتوفّى سنة 748 ه، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1405 ه.
103 - السيرة النبوية:
لابن هشام، المتوفّى سنة 218 ه، مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1355 ه.
104 - السيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون):
لعليّ بن برهان الدين الحلبي، المُتوفّى سنة 1044 ه، دار المعرفة، بيروت، 1400 ه.
105 - الشافي في الإمامة:
للسيد الشريف أبي القاسم عليّ بن الحسين المرتضى، المُتوفّى سنة 436 ه، تحقيق السيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب، مؤسسة الصادق، طهران، الطبعة الثانية، 1410 ه.
106 - شرح الأخبار في فضائل الائمّة الأطهار علیهم السلام:
للقاضي أبي حنيفة النُّعمان بن محمّد التميمي المغربي، المُتوفّى سنة 363 ه، تحقيق السيد محمّد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الأولى، 1409 ه.
107 - شرح شواهد المغني:
لجلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، المُتوفّى سنة 111 ه، تحقيق الشيخ محمّد محمود، نشر أدب الحوزة، قم.
108 - شرح المعلّقات السبع:
لأبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني، المُتوفّى سنة 486 ه، مكتبة دار البیان، بيروت.
109- شرح نهج البلاغة:
لابن أبي الحديد، المُتوفّى سنة 656 ه، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأُولى، 1378 ه، أوفست مؤسسة إسماعيليان.
110 - شرح نهج البلاغة:
لابن ميثم كمال الدين ميثم بن عليّ بن ميثم البحراني، من أعلام القرن السابع الهجري، تحقيق عدّة من الأفاضل، دار العالم الإسلامي، بيروت.
111 - شرح هاشميّات الكميت بن زيد الأسدي:
لأبي رياش أحمد بن إبراهيم القيسي، المُتوفّى سنة 339 ه، تحقيق الدكتور داود سلوم والدكتور نوري حمودي القيسي، عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية، الطبعة الثانية، 1406 ه.
112 - شعراء النصرانية:
للويس شيخو، المُتوفّى سنة 1346 ه، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثالثة.
113 - الشعر والشعراء:
لأبي محمّد عبدالله بن مسلم بن قُتيبة الدِّينوري، المُتوفّى سنة 276 ه، دار إحياء العلوم.
114 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى:
للقاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، المُتوفّى سنة 544 ه، تحقيق محمّد أمين قره علي وأُسامة الرفاعي وجمال السيروان ونورالدين قره علي وعبد الفتاح السيد، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة الفارابي، الطبعة الثانية، 1407 ه.
115 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل:
للحافظ عبيد الله بن عبدالله بن أحمد الحاكم الحسكاني الحنفي، من أعلام القرن الخامس الهجري، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1393 ه.
116 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا:
لأبي العباس أحمد بن عليّ القلقشندي، المُتوفّى سنة 821 ه، المؤسسة المصرية العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.
117 - الصحاح (تاج اللغة، وصحاح العربية):
لإسماعيل بن حمّاد الجوهري، المُتوفّى سنة 393 ه، تحقيق أحمد عبدالغفور عطّار، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة، بيروت، 1407 ه.
118 - الصحيح:
لأبي عبدالله محمّد بن إسماعيل البخاري، المُتوفّى سنة 256 ه، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الخامسة، 1406 ه.
119 - الصحيح:
لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، المُتوفّى سنة 261 ه، دار الفکر، بیروت، الطبعة الثانية، 1398 ه
120 - الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم:
للشيخ زين الدين أبي محمّد علي بن يُونُس العاملي النباطّي البياضي، المُتوفّى سنة 877 ه، تحقيق محمّد باقر البهبودي، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، إيران، مطبعة الحيدري، الطبعة الأُولى، سنة 1384 ه.
121 - الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة:
لأحمد بن حجر الهيتمي المكّي، المُتوفّى سنة 974 ه، تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، مكتبة القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1385 ه.
122 - الضياء اللامع في القرن التاسع:
للشيخ آقا بزرك الطهراني، المتوفّى سنة 1389 ه، إسماعيليان - قم.
123 - الطبقات الكبرى:
لأبي عبدالله محمّد بن سعد بن منيع البصري الزهري، المُتوفّى سنة 230 ه، دار صادر، بیروت، 1405 ه.
124 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف:
للسيد رضي الدين أبي القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن طاؤس الحسني الحسيني، المُتوفّى سنة 664 ه، مطبعة الخيام، قم، 1401 ه.
125 - العقد الفريد:
لأحمد بن محمّد بن عبدربّه الأندلسي، المُتوفّى سنة 328 ه، تحقيق محمّد سعيد العريان، المكتبة التجارية الكبرى.
126 - علل الشرائع:
للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي، المُتوفّى سنة 381 ه، تحقيق السيد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف، 1385 ه.
127 - عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار علیه السلام:
ليحيى بن الحسن بن البطريق الأسدي الحِلّي، المُتوفّى سنة 600 ه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة الجماعة المدرسين، قم، 1407 ه.
128 - عيون أخبار الرضا علیه السلام:
للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القُمّي، المُتوفّى سنة 381 ه، تحقيق السيد مهدي الحسيني اللاجوردي، إيران.
129 - الغدير في الكتاب والسُّنّة والأدب:
للشيخ عبدالحسين أحمد الأميني النجفي المتوفّى سنة 1390 ه، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1372 ه.
130 - غريب القرآن وتفسيره:
لأبي عبدالرحمن عبدالله بن يحيى بن المبارك اليزيدي، المُتوفّى سنة 237 ه، تحقيق محمّد سليم الحاج، عالم الكتب، الطبعة الأُولى، 1405 ه.
131 - الفتاوى الهندية في مذهب أبي حنيفة النُّعمان:
الجماعة من علماء الهند، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة.
132 - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير:
لمحمّد بن عليّ بن محمّد الشوكاني الصنعاني، المُتوفّى سنة 1250 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
133 - فتح الملك العلي:
لأحمد بن محمّد بن الصديق الحسني المغربي، المُتوفّى سنة 1380 ه، تحقيق محمّد هادي الأميني، مطبعة نقش جهان، طهران، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي علیه السلام، أصفهان، الطبعة الثالثة.
134 - الفتوح:
لأبي محمّد أحمد بن أعثم الكوفي، المُتوفّى سنة 314 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1406 ه.
135 - فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والائمّة من ذريتهم علیهم السلام:
للمحدّث إبراهيم بن محمّد بن المؤيد الجويني، المُتوفّى سنة 730 ه، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، مؤسسة المحمودي، بيروت، 1398 ه.
136 - الفردوس بمأثور الخطاب:
لأبي شجاع شيرويه بن شهردار الديلمي، المُتوفّى سنة 509 ه، تحقيق السعيد ابن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1406 ه.
137 - الفَرق بين الفِرَق:
لعبد القاهر بن طاهر بن محمّد البغدادي الإسفرائيني التميمي، المُتوفّى سنة 429 ه، تحقيق محمّد
محیی الدین عبدالحمید، دار المعرفة، بيروت.
138 - فِرق الشيعة:
لأبي محمّد الحسن النوبختي، من أعلام القرن الثالث الهجري، تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة المرتضوية، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، 1355 ه.
139 - الفصل في الملل والأهواء والنحل:
لأبي محمّد علي بن حزم الأندلسي الظاهري، المُتوفّى سنة 456 ه، مكتبة المثنّى، بغداد.
140 - الفصول المختارة من العيون والمحاسن:
للسيّد الشريف أبي القاسم عليّ بن الحسين المرتضى، المُتوفّى سنة 436 ه، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الرابعة، 1405 ه.
141 - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمّة علیهم السلام:
لعليّ بن محمّد بن محمد بن أحمد المالكي المكي، ابن الصباغ، المُتوفّى سنة 855 ه، مكتبة دار الكتب التجارية، مطبعة العدل، النجف.
142 - فضائل الصحابة:
لأحمد بن حنبل، المُتوفّى سنة 241 ه، تحقيق وصي الله بن محمّد عبّاس، الطبعة الأُولى، 1403 ه.
143 - الفهرست للنديم:
لمحمّد بن إسحاق النديم، المُتوفّى سنة 385 ه، دار المعرفة، بيروت.
144 - الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية:
للشيخ عباس القميّ، المُتوفّى سنة 1359 ه، إيران.
145 - القاموس المحيط:
لمجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي، المُتوفّى سنة 817 ه، دار الجيل، بيروت.
146 - الكافي:
لأبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي، المُتوفّى سنة 328 أو 329 ه، تحقيق علي أكبر الغفّاري، المكتبة الإسلامية، طهران، 1388 ه.
147 - الكامل في التاريخ:
لعزّ الدين أبي الحسن عليّ بن محمّد الشيباني، المعروف بابن الأثير، المُتوفّى سنة 630 ه، دار صادر، بیروت، 1402 ه.
148 - کتاب سیبویه:
لأبي بشر عمرو بن عُثمان بن قنبر، المُتوفّى سنة 180 ه، نشر أدب الحوزة.
149 - الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل:
لجار الله محمود بن عُمر الزمخشري، المُتوفّى سنة 528 ه، نشر أدب الحوزة.
150 - كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار:
للسيد إعجاز حسين النيسابوري الكنتوري، المُتوفّى سنة 1286 ه، مكتبة السيّد المرعشي، قم، الطبعة الثانية، 1409 ه.
151 - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:
لمصطفى بن عبدالله، المعروف بحاجّي خليفة، المُتوفّى سنة 1067 ه، أوفست مكتبة المثنّى، بغداد.
152 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:
للخواجة نصير الدين محمّد بن الحسن الطُوسي، المُتوفّى سنة 672 ه، منشورات شكّوري، مطبعة إسماعيليان، قم 1409 ه.
153 - كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر علیهم السلام:
لأبي القاسم عليّ بن محمّد الخزّاز القمي الرازي، من أعلام القرن الرابع الهجري، تحقيق السلام عبداللطيف الكوه كمري الخوئي، انتشارات بیدار، مطبعة الخيام، 1401 ه.
154 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب علیه السلام:
المحمّد بن يُوسُف الكنجي الشافعي، المُتوفّى سنة 658 ه، الطبعة الثالثة، طهران، 1404 ه.
155 - كمال الدين وتمام النعمة:
للشيخ الصدوق، أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القُمّي، المُتوفّى سنة 381 ه، تحقيق عليّ أكبر الغفّاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1405 ه.
156 - الكنى والالقاب:
للشيخ عباس القمّي، المُتوفّى سنة 1359 ه، مكتبة الصدر، طهران، الطبعة الخامسة، 1409 ه.
157 - كنز العمّال في سُنن الأقوال والأفعال:
لعلاء الدين عليّ المتّقي بن حسام الدين الهندي، المُتوفّى سنة 975 ه، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة، 1405 ه.
158 - كنز الفوائد:
للشيخ محمّد بن عليّ بن عُثمان الكراجكي الطرابلسي، المُتوفّى سنة 449 ه، تحقيق الشيخ عبدالله نعمة، دار الأضواء، بیروت، 1405 ه.
159 - لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث:
ليُوسُف بن أحمد البحراني، المُتوفّى سنة 1186 ه، تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم، مؤسسة آل البيت علیهم السلام، الطبعة الثانية.
160 - لسان العرب:
لأبي الفضل جمال الدين محمّد بن مكرّم بن منظور الافريقي المصري، المُتوفّى سنة 711 ه، نشر أدب الحوزة، قم، 1405 ه.
161 - لسان الميزان:
لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، المُتوفّى سنة 852 ه، أوفست مؤسسة الأعلمي، بيروت، عن طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية في حيدرآباد الدكن، الطبعة الثالثة 1406 ه.
162 - مآثر الإنافة في معالم الخلافة:
لأحمد بن عبدالله القلقشندي، المُتوفّى سنة 820 ه، تحقيق عبدالستار أحمد فراج، عالم الكتب، بيروت.
163 - مجالس المؤمنين:
للقاضي السيّد نور الله الشوشتري، المُتوفّى سنة 1019 ه، المكتبة الإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1365 ه ش.
164 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين:
للشيخ فخرالدين بن محمّد علي الطريحي، المُتوفّى سنة 1087 ه، تحقيق السيّد أحمد الحسيني، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران، الطبعة الثانية، 1365 ه .ش.
165 - مجمع البيان في تفسير القرآن:
لأبي عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي، المُتوفّى سنة 548 ه، دار المعرفة، الطبعة الأُولى، بيروت، 1406 ه.
166 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
للحافظ نورالدين علي بن أبي بكر الهيثمي، المُتوفّى سنة 807 ه، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1402 ه.
167 - المُحبّر:
لأبي جعفر محمّد بن حبيب بن أُمية بن عمرو الهاشمي البغدادي، المُتوفّى سنة 245 ه، تحقيق الدكتورة إيلزة ليختن شتيتر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
168 - المزهر في علوم اللغة وأنواعها:
لعبد الرحمن جلال الدين السيوطي، المُتوفّى سنة 111 ه، تحقيق محمّد جاد المولى، ومحمّد أبي الفضل إبراهيم، وعلي محمّد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، بيروت.
169 - المستدرك على الصحيحين:
لأبي عبدالله محمّد بن عبدالله الحاكم النيسابوري، المُتوفّى سنة 405 ه، دار المعرفة، بيروت.
170 - مستدرك الوسائل:
لميرزا حسين النوري الطبرسي، المُتوفّى سنة 1320 ه، المكتبة الإسلامية، طهران، مؤسسة إسماعيليان، قم، 1382 ه.
171 - المسند:
لأحمد بن حنبل، المُتوفّى سنة 241 ه، دار الفكر، بيروت.
172 - مصابيح السنة:
لأبي محمّد الحسين بن مسعود بن محمّد الفرّاء البغوي، المُتوفّى سنة 516 ه، تحقيق الدكتور يوسف عبدالرحمن المرعشلي ومحمّد سليم سمارة وجمال حمدي الذهبي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأُولى، 1407 ه.
173 - مصادر نهج البلاغة وأسانيده:
للسيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثالثة، 1405 ه.
174 - معاني القرآن:
لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء، المُتوفّى سنة 207 ه، تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمّد علي النّجار، دار السرور، بیروت.
175 - معجم الأُدباء:
لأبي عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي، المُتوفّى سنة 626 ه، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة،
1400 ه.
176 - معجم رجال الحديث:
للسيّد أبي القاسم الخوئي، مدينة العلم، قم.
177 - معجم الفرق الاسلامية:
لشريف يحيى الأمين، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الأُولى، 1406 ه.
178 - المعجم الوسيط:
الجماعة من الأساتذة في مجمع اللغة العربية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
179 - معجم المؤلفين:
العمر رضا كحّالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
180 - المغازي:
للواقدي، المتوفّى سنة 207 ه، عالم الكتب بيروت، 1404 ه.
181 - المغني:
لابن قدامة، المتوفّى سنة 630 ه، دار الكتاب العربي، بيروت.
182 - مقالات الإسلاميين:
لأبي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري، المُتوفّى سنة 330 ه، تحقيق محمّد محيى الدين عبد الحميد دار الحداثة، الطبعة الثانية، 1405 ه.
183 - المقالات والفرق:
لسعد بن عبدالله أبي خلف الأشعري القُمّي، المُتوفّى سنة 300 ه، تحقیق محمّد جواد مشکور، مركز الانتشارات العلمية والثقافية، طهران، 1361 ه ش.
184 - المقتضب:
لأبي العبّاس محمّد بن يزيد المُبَرِّد، المتوفى سنة 285 ه، تحقيق محمّد عبدالخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت.
185 - مقتل الحسين علیه السلام:
لأبي المؤيد الموفّق بن أحمد المكي، المعروف بأخطب خوارزم، المُتوفّى سنة 568 ه، تحقیق الشيخ محمّد السماوي، أوفست مكتبة المفيد، عن طبعة مطبعة الزهراء في النجف، قم.
186 - مناقب آل أبي طالب:
لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن شهر آشُوب السروي المازندراني، المُتوفّى سنة 588 ه، دار الأضواء، بیروت، 1405 ه.
187 - مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام:
للحافظ أبي الحسن عليّ بن محمّد بن المغازلي الشافعي، المُتوفّى سنة 483 ه، تحقيق الشيخ محمد باقر البهبودي، دار الأضواء، بيروت، 1403 ه.
188 - مناقب الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام:
للحافظ أبي المؤيد الموفّق بن أحمد بن محمّد البكري المكي الحنفي، المعروف بأخطب خوارزم، المُتوفّى سنة 568 ه، مكتبة نينوى، طهران.
189 - منتخب كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال (مطبوع بهامش مسند أحمد):
لعلاء الدين علي المتّقي بن حسام الدين الهندي، المُتوفّى سنة 975 ه، دار الفكر. 190 - من لا يحضره الفقيه:
للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القُمّي، المُتوفّى سنة 381 ه، تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الخامسة.
191 - الموطأ:
لمالك بن أنس، المتوفى سنة 179 ه، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
192 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال:
لأبي عبدالله محمّد بن أحمد بن عُثمان الذهبي، المُتوفّى سنة 748 ه، تحقيق عليّ محمّد البجاوي، دار الفكر، بيروت.
193 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة:
لجمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغرى الاتابكي، المُتوفّى سنة 874 ه، المؤسسة المصرية العامة.
194 - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين علیهم السلام:
لمحمّد بن يُوسُف الزرندي، المُتوفّى سنة 750 ه، منشورات مخزن الأميني، النجف، مطبعة القضاء، الطبعة الأُولى، 1377 ه.
195 - النهاية في غريب الحديث:
لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد الجزري المعروف بابن الأثير، المُتوفّى سنة 606 ه، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمّد الطفاحي، المكتبة الإسلامية، بيروت.
196 - نهج البلاغة:
شرح الشيخ محمّد عبده، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، مطبعة السعادة.
197 - نهج الحقّ وكشف الصدق:
للحسن بن يُوسُف بن عليّ بن المُطهّر الحِلّي، المعروف بالعلّامة الحِلّي، المُتوفّى سنة 726 ه، تحقيق الشيخ عين الله الحسني الأرموي، مؤسسة دار الهجرة، إيران.
198 - هدية الأحباب في ذكر المعروفين بالكنى والألقاب والأنساب:
للشيخ عباس القُمّي، المتوفى سنة 1359 ه، مؤسسة أمير كبير، الطبعة الثانية، 1363 ه ش.
199 - هدية العارفين:
لإسماعيل باشا البغدادي، المُتوفّى سنة 1339 ه، أوفست مكتبة المثنّى، بغداد عن طبعة استانبول.
200 - وسيلة المتعبّدين إلى متابعة سيّد المرسلين صلی الله علیه وآله وسلم:
لأبي حفص عُمر بن محمّد بن الخضر الملأ المَؤصِلي، المُتوفّى سنة 570 ه، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند، الطبعة الأُولى، 1400 ه.
201 - وقعة صفّين:
لنصر بن مزاحم المنقري، المُتوفّى سنة 212 ه، تحقیق عبدالسلام محمّد هارون، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، أوفست مكتبة السيّد المرعشي النجفي، قم، 1404 ه.
202 - اليقين في إمرة أمير المؤمنين علیه السلام:
للسيّد عليّ بن موسى بن طاوُس، المُتوفّى سنة 664 ه، المطبعة الحيدرية، النجف، أوفست مؤسسة دار الكتاب.
203 - ينابيع المودة:
للحافظ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، المُتوفّى سنة 1294 ه، أوفست مكتبة بصيرتي عن طبعة دار الكتب العراقية في الكاظمية، قم، 1385 ه.
التعريف بالمؤلّف...5
اسمُه ونسبتُه...5
ولادته...5
نشأته...5
سفره إلى العراق...6
اتّصاله بأبي المظفَّر النيسابوري...7
اتّصاله بعلاء الدين الجُويني...8
وفاتُه...9
مشايخُه...10
تلامذتُه...11
آثارُه...11
أقوال العُلماء فيه...15
تجديده وإبداعه في الكلام...15
التعريف بالكتاب...17
عنوان الكتاب...17
تاریخ تأليفه...17
محتواهُ...18
النسخ المعتمدة في تحقيق الكتاب...19
عملنا في الكتاب...20
خطبة المؤلّف...27
المُقدّمة...29
البحث الأول: في تعريف الإمامة...29
البحث الثاني: في ضبط مذاهب الناس في هذه المسألة، وتقرير الصحيح منها...29
إبطال أقوال الخصوم...32
الباب الأوّل: في الشرائط المعتبرة في الإمامة...38
البحث الأوّل: في كون الإمام معصوماً...38
البحث الثاني: في أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته في ما هو إمام فيه...46
البحث الثالث: في أنّ الإمام يجب أن يكون عالماً بكلّ الدين...48
البحث الرابع: في السبب الذي يتعيّن به الإمام...49
النوع الأوّل...50
النوع الثاني...51
النوع الثالث...53
الباب الثاني: في تعيين الإمام...55
المُقدّمة: في تفصيل المذاهب في هذه المسألة...55
البحث الأولّ: في بيان أنّ الإمام بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب علیه السلام...57
النوع الأوّل: في النصوص الجليّة...57
النوع الثاني: الاستدلال بالنصوص...67
النوع الثالث: الاستدلال بالبراهين العقلية...109
البحث الثاني: في تعيين باقي الأئمّة علیهم السلام
الباب الثالث: في تقرير شُبَه الخُصوم والجواب عنها...126
المُقدّمة...126
البحث الأوّل: في شُبَه المنكرين الإمامة عليّ علیه السلام
البحث الثاني: في مطاعن الخوارج وغيرهم في عليّ علیه السلام...138
البحث الثالث: في بيان فساد ما قالته الطوائف من الشيعة المنكرين...143
البحث الرابع: في غيبة الإمام علیه السلام...152