ghaemiyeh.com
مولف:علي الكوراني العاملي
مجله حوزه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم السلام علي سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين آيات الغدير وخطب النبي الست في حجة الوداع آيات الغدير الثلاث، وهي قوله تعالي: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك..) وآية: (اليوم أكملت لكم دينكم..).. وآية: (سأل سائل بعذاب واقع..) ..هي جزء من مجموع الآيات التي نزلت في علي وأهل البيت عليهمالسلام، وقد ألف قدماء المفسرين والمحدثين حتي السنيون منهم، كتباً خاصة في الآيات التي أنزلها الله تعالي في أهل بيت نبيه، والأحاديث التي قالها فيهم النبي صلي الله عليه وآله، الذي لاينطق عن الهوي. نذكر منها: كتاب الحافظ أبينعيم الأصفهاني باسم (ما نزل في علي من القرآن). وكتاب النسائي صاحب الصحيح باسم (خصائص أميرالمؤمنين علي). وهما كتابان معروفان مطبوعان.. وكتاب (الولاية) للمؤرخ الطبري، في جزءين، غير مطبوع. وأثناء بحثنا لآيات الغدير الثلاث، وجدناها مرتبطة بخطب النبي الست في حجة الوداع ارتباطاً وثيقاً.. فكان لابد أن نبحث هذه الخطب وما فيها من أوامر النبي المؤكدة لأمته باتباع الثقلين من بعده: القرآن والعترة.. وخاصةً بشارته صلي الله عليه وآله في خطبة عرفات بأن الله تعالي حل مشكلة الحكم في هذه الأمة، واختار لها من بعده اثني عشر إماماً ربانياً، عليهمالسلام.. وقد أوجب ذلك علينا أن نبحث العلاقة التي كانت قائمة بين النبي صلي الله عليه وآله وزعماء قريش في صراع نبي الاسلام معهم، وقضية حكم أهل بيته من بعده صلي الله عليه وآله. ومع أن الكتاب لم يقتصر علي تفسير آيات الغدير بالمعني الإصطلاحي، فقد أبقينا اسمه (آيات الغدير) لأن خطب النبي صلي الله عليه وآله في حجة الوداع..
آيات نبوية أيضاً لغدير علي عليهالسلام.. والحمد لله أن الكتاب لقي استقبالاً حسناً من العلماء والعموم، ونفدت طبعته في وقت قياسي.. فتوفقنا لاعادة النظر فيه، وتنقيحه وتبويبه من جديد لتكون فصوله وفقراته أدق وأحسن تسلسلاً. نرجو أن تكون بحوثاً مفيدة، وأن ينفعنا الله تعالي بها في آخرتنا، ويشملنا بشفاعة النبي وآله الطاهرين صلي الله عليه وآله. مركز المصطفي للدراسات الإسلامية علي الكوراني العاملي في العشرين من ربيع الثاني1422
توجد ثلاث مسائل في عمل الأنبياء والرسل عليهمالسلام لم يعطها الباحثون حقها في تدوين سيرتهم، ودراسة أعمالهم: المسألة الأولي: أن أصل مهمتهم عليهمالسلام هو تبليغ الناس رسالة ربهم فقط.. فالمحور الذي يدور عليه عمل النبي والرسول هو التبليغ والأداء، من أجل إقامة الحجة لربه عزوجل علي عباده.. فالرسول مبلغُ رسالةٍ ومؤديها.. وهو يتقي ربه سبحانه ويخاف من غضبه وعذابه إن قصر في الأداء، أو خالف حرفاً مما كلف بأن يؤديه! ولذا تراه يشهد الناس علي أنه أدي إليهم، ليشهدوا له عند ربه. والرسول مبلغٌ، وليس له إجبار الناس علي قبول الهدي، ولا علي الإلتزام به.. ولا يمكنه ذلك من تلقاء نفسه. فالقاعدة الثابتة التي استوعبها الرسول أنه لاإجبار ولاإكراه في الدين الإلهي.. وحرية الناس يجب أن تبقي محفوظة، ليؤمنوا إن شاؤوا أو يكفروا.. ويلتزموا بالدين أو ينحرفوا عنه.. لأن ذلك معني فتح مدرسة الحياة في هذه الدار، وامتحان الناس فيها بالهدي والضلال، وإعطائهم القدرة علي فعل الخير أو الشر.. ثم محاسبتهم في مرحلةٍ لاحقةٍ.. في دارٍ أخري. فالإجبار علي الدين إذن.. يتنافي مع أصول الإمتحان، وحرية الإختيار. والمسألة الثانية: أن هدف الأنبياء والرسل عليهمالسلام يتركز علي القضايا (الكبري) في حياة الناس ومسار المجتمعات.. فالرسول عليهالسلام مهندس
رباني، ولكنه مهندس مدن ومجتمع، ومسيرة تاريخ. وأعماله يجب أن ينظر إليها بهذا المنظار وأن تقاس بهذا المقياس، وأن يسأل الباحث نفسه: ماذا كان سيحدث في ثقافة الناس ومسار التاريخ، لو لم يبعث هذا الرسول، وماذا حدث بسبب بعثته وأدائه لرسالته؟ أو يسأل: كيف كانت حالة العالم الوثنية اليوم، لولم يبعث إبراهيم عليهالسلام ويرسي أسس التوحيد ويزرع أصوله في مسيرة المجتمع الإنساني ؟! أو كيف كانت حالة البلاد العربية، والعالم في عصرنا، لو لم يبعث نبينا صلي الله عليه وآله، ولم يُحِْدثْ هذا المد الأخير من التوحيد والحضارة؟! لقد كان عمله صلي الله عليه وآله (تكوين أمة) ودفعها لتأخذ موقعها في مصاف أمم العالم، بل في ريادتها.. وتزويدها بأحسن ما يمكن من مقومات الأمة، مضموناً وشكلاً.. كان عمله إنشاء سفينة، وإطلاقها في بحر شعوب العالم ومجري التاريخ.. وكان حريصاً أن يكون ربانها بعده أهل بيته، الذين اصطفاهم الله وطهرهم، وأورثهم الكتاب.. ولكن إن لم تقبل الأمة بقيادتهم، فليكن الربان من يكون حتي يبلغ الله أمره في هذه الأمة، ثم يبعث فيها المهدي الموعود عليهالسلام. والمسألة الثالثة: أن الجانب الذاتي في الرسول عليهالسلام موجود ومؤثر دون شك، فهو مفكر، نابغ، مخطط، فاعل مختار.. ولكن الذاتية في عمله ضئيلة جداً!وما يقابل الذاتية هنا ليس الآلية، بل طلب التوجيه من ربه دائماً عن قناعة، وإيمان، وتعبد. الرسول يجتهد في أمور، شخصية أو عامة.. ولكن مساحة الأمور التي يسمح لنفسه أن يجتهد فيها ويعمل فيها برأيه، لاتشكل إلا جزءً قليلاً من مساحة عمله الواسع الكبير! فمثله كمثل مهندس أرسله رئيسه لتنفيذ مشروع كبير، وهو مقتنع أن عليه أن يتصل دائماً برئيسه، ليأخذ منه التعليمات الحكيمة الصحيحة، حتي لايقع في
أخطاء ضارة.. فهو يعمل ويفكر وينفذ، ولكنه علي اتصال دائم بمركزه، يأخذ منه مراحل الخارطة، ويستشيره في رفع إشكالات التنفيذ! وهذا المثل، مصغر آلاف المرات عن مهمة الرسول عليهالسلام. أما مركز توجيهه وتسديده، فإنه لا يقاس بالله سبحانه أحد، ولا بفعله فعل أحد. وعلي هذا، يجب علينا في دراسة سيرة نبينا صلي الله عليه وآله أن ندخل في حسابنا هذه الأمور الثلاثة:- أنه مبلغ ما أمر به.- وأن عمله إنشاء أمة وإطلاقها في مسيرة التاريخ. وأن عمله دائماً بتوجيه ربه وليس من عند نفسه.. والمتأمل في سيرته صلي الله عليه وآله يلمس هذه الحقيقة لمساً، وأن الله تعالي كان يدير أمره من أول يوم إلي آخر يوم، وكان الرسول يطيع وينفذ.. مسلماً أمره إلي ربه، واثقاً به، متوكلاً عليه، راضياً بقضائه وقدره.. ولذا جاءت نتائج عمله فوق ما يتصور العقل البشري، وفوق ما يمكن لكل مهندسي المجتمعات، ومنشئي الأمم، ومؤسسي الحضارات.. لقد استطاع الرسول صلي الله عليه وآله أن يحدث مداً عقائدياً حضارياً عالمياً في أقل مدة، وأقل كلفة من الخسائر البشرية والمادية.. فرغم شراسة الأعداء والحروب لم تبلغ قتلي الطرفين ألف قتيل!! وما ذلك إلا بسبب أن إدارة الرسول صلي الله عليه وآله كانت من ربه عزوجل.. كان القرآن يتنزل عليه باستمرار من أول بعثته إلي قرب وفاته، وكان جبرئيل عليهالسلام يأتيه دائماً، بآيات قرآنٍ، أو وحي غير القرآن، وأوامر وتوجيهات، وأجوبة... إلخ. وما أكثر الأمثلة في سيرته صلي الله عليه وآله علي ذلك، فهي مليئة بالتدخل الإلهي والرعاية في كبير أموره وصغيرها.. وهي تدل علي أنه صلي الله عليه وآله ما كان يتصرف من عند نفسه إلا في تطبيق الخطوط العامة التي أوحيت
إليه أو تنفيذ الأوامر التفصيلية التي بلغه إياها جبرئيل عليهالسلام.. وكثيراً ما كان يتوقف عن العمل، ينتظر الوحي! وقد ورد أنه صلي الله عليه وآله قال: أوتيت الكتاب ومثله معه، أي ما كان جبريل يأتيه به من السنن، (الإيضاح:215) وأن جبريل كان ينزل عليه بالسنة كما ينزل بالقرآن (الدارمي:145:1). وهذه التوجيهات شملت حله وترحاله، ورضاه وغضبه صلي الله عليه وآله بل شملت حتي أموره الشخصية، من زواجه وطلاقه، ولباسه وطعامه، ونومه ويقظته، ووضوئه وسواكه، فضلاً عن عطائه ومنعه، وحبه وبغضه.. روي في الكافي:39:4 عن الإمام الصادق عليهالسلام قصة شخص كافر جاء يحاج النبي صلي الله عليه وآله ويكذبه ويؤذيه ويتهدده، قال: فغضب النبي صلي الله عليه وآله حتي التوي عرق الغضب بين عينيه، وتَرَبَّد وجهه وأطرق إلي الأرض، فأتاه جبرئيل عليهالسلام فقال: ربك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا رجل سخي يطعم الطعام. فسكن عن النبي صلي الله عليه وآله الغضب ورفع رأسه، وقال له: لولا أن جبرئيل أخبرني عن الله عزوجل أنك سخي تطعم الطعام، لشردت بك، وجعلتك حديثاً لمن خلفك! فقال له الرجل: وإن ربك ليحب السخاء؟ فقال: نعم. فقال: إني أشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسولالله، والذي بعثك بالحق لارددت من مالي أحداً. انتهي. وروي في الكافي:289:1 أن شخصاً سأل الإمام الباقر عليهالسلام فقال حدثني عن ولاية علي، أمن الله أو من رسوله؟ فغضب، ثم قال: ويحك! كان رسولالله صلي الله عليه وآله أخوف لله من أن يقول ما لم يأمره به الله! بل افترضها الله، كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج. انتهي. ولا نطيل الكلام بأمثلة ذلك، فهي موضوع مهم لرسالة دكتوراه، بل لعدة رسائل.
والخلافة بعد النبي صلي الله
عليه وآله موضوع بسيط وليس معقداً.. فقد قال أهل البيت وشيعتهم إن النبي صلي الله عليه وآله نصب علياً عليهالسلام ولياً للمسلمين من بعده، وأن ذلك كان بأمر ربه عزوجل، فلا مجال فيه لاختيار قريش أو غير قريش. وقالت قريش إنه لم ينصب أحداً، ولم يوص إلي أحد، وأن (سلطانه) ترثه كل قبائل قريش الثلاث وعشرين، لأن محمداً ابنقريش. لذلك اختارت قريش بعده شخصاً قرشياً من قبيلة تيم بن مرة، هو أبوبكر، ثم اختار أبوبكر قرشياً من قبيلة عدي هو عمر، ثم اختار عمر بواسطة الشوري قرشياً ثالثاً من بني أمية بن عبدشمس، هو عثمان.. ولم يختاروا خليفة من الأنصار، لأنهم ليسوا قرشيين لاحقَّ لهم في سلطان محمد بن قريش، ولم يختاروا من بني هاشم، لأن حقهم في سلطانه ليس أكثر من غيرهم من قبائل قريش، وقد استكثرت عليهم قريش أن يجمعوا بين النبوة والإمامة! إنه موضوع بسيط، يدور حول وجود النص وعدم وجوده.. ولكنه موضوع شائك لاتحب قبائل قريش واتباعها فتحه، لأنه يضع علامة استفهام كبيرة علي نظام خلافتها.. ولذا تراهم يحذرونك من البحث فيه، بل حتي من التفكير فيه..! ويقولون لك: إنه موضوع صعبٌ معقد، والكلام فيه حرام!
مضافاً إلي منطق الأمور، توجد أدلة ملموسة علي أن الخلافة وولاية الأمر بعد النبي صلي الله عليه وآله كانت مطروحة من أول بعثته وإلي آخر حياته الشريفة، وأن الكلام كان يجري في من يخلفه بشكل طبيعي.. لاكما تقول مصادر السنيين من أن النبي صلي الله عليه وآله لم يوص إلي أحد، وأن المسلمين لم يطرحوا هذا الموضوع معه أبداً، ولاسألوه عنه حتي مجرد سؤال!! وهذه الأدلة غير ما ثبت من نصوص النبي صلي الله
عليه وآله علي إمامة العترة من بعده عليهمالسلام. الدليل الأول ما ورد في سيرة النبي صلي الله عليه وآله من أنه كان يعرض نفسه علي القبائل في أول بعثته، ويطلب منها أن تحميه لكي يبلغ رسالة ربه.. وأن بعض القبائل قبلت عرضه بشرط أن يكون لها الأمر من بعده، فأجابها النبي صلي الله عليه وآله بأنه مجرد رسول والأمر ليس له، بل هو لله تعالي يجعله لمن يريد! وأبرز ما وجدناه من ذلك: حديث بني عامر بن صعصعة، وحديث كندة، وكلاهما في أول البعثة، وحديث عامر بن الطفيل، وهو في أواخر حياة النبي صلي الله عليه وآله!
في سيرة ابنهشام:289:2 (أتي بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلي الله عزوجل، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتي من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك علي أمرك، ثم أظهرك الله علي من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلي الله، يضعه حيث يشاء. قال فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لاحاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه. فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر إلي شيخ لهم، قد كانت أدركته السن حتي لايقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتي من قريش ثم أحد بني عبدالمطلب، يزعم أنه نبي يدعونا إلي أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلي بلادنا. قال: فوضع الشيخ يديه علي رأسه، ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف؟! هل
لذناباها من مُطَّلب؟! والذي نفس فلانٍ بيده ما تقوَّلها إسماعيليٌّ قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم!). انتهي. ورواه الطبري في تاريخه.84:2: وابنكثير في سيرته:158:2 وحكاه في الغدير:134:7 عن سيرة ابنهشام32:2 والروض الأنف:264:1 وبهجة المحافل لعماد الدين العامري:128:1 والسيرة الحلبية:3:2 وسيرة زيني دحلان:302:1 بهامش الحلبية، وحياة محمد لهيكل:152 .
رواه ابنكثير في سيرته159:2: قال: (قال عبدالله بن الأجلح: حدثني أبي عن أشياخ قومه أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك؟ فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: إن الملك لله يجعله حيث يشاء، فقالوا لاحاجة لنا فيما جئتنا به)!. انتهي.
وهو شيخ مشايخ قبائل غطفان، روي قصته ابنكثير أيضاً في سيرته:114:4 قال: (عن ابنعباس أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة علي رسولالله صلي الله عليه وسلم، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه. فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: لك ما للمسلمين وعليك ماعليهم. قال عامر: أتجعل لي الأمر إن أسلمت، من بعدك؟ فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: ليس ذلك لك، ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل. قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد! إجعل لي الوَبَر، ولك المدَر. قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: لا. فلما قفل من عنده قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً! فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: يمنعك الله. وفي ص112 قال: (وكان عامر بن الطفيل قد أتي رسولالله صلي الله عليه وسلم. فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر، وأكون خليفتك
من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء! قال فطعن (أصيب بالطاعون) في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البعير، وموت في بيت امرأة من بني فلان!- وفي رواية في بيت سلولية- ائتوني بفرسي، فركب، فمات علي ظهر فرسه!). انتهي. الدليل الثاني أن بيعة النبي صلي الله عليه وآله للأنصار تضمنت من أولها في مكة ثلاثة شروط: الأول: أن يحموا النبي صلي الله عليه وآله مما يحمون منه أنفسهم. الثاني: أن يحموا أهل بيته وذريته مما يحمون منه أولادهم وذراريهم. الثالث: أن لاينازعوا الأمر أهله!! وهذا الشرط الأخير دليلٌ واضحٌ علي أن مبدأ الإختيار الإلهي للأئمة بعد النبي صلي الله عليه وآله كان مفروغاً عنه من أول الرسالة، وأن لهذا الأمر أهلاً بعد النبي، علي الأمة أن تطيعهم! وليس لها أن تختار هي، ولا أن تنازع أهل الأمر أو أولي الأمر الذين يختارهم الله تعالي لقيادتها بعد نبيه! وقد وفَي الأنصار بالشرط الأول خير وفاء، ولكن أكثرهم حنث بالشرطين الأخيرين حنثاً سيئاً مع الأسف! وقد روت الصحاح هذه الشروط النبوية الثلاثة: ففي صحيح البخاري:122:8 (عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسولالله صلي الله عليه وسلم علي السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لاننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لانخاف في الله لومة لائم). ورواه مسلم:16:6 والنسائي:137:7 بعدة روايات، وعقد باباً بعنوان (باب البيعة علي أن لاننازع الأمر أهله). ورواه ابنماجة:.957:2 وأحمد316:5 وفي ص415 وقال: (قال سفيان: زاد بعض الناس: ما لم تروا كفرابواحاً). ورواه البيهقي في سننه145:8 . وفي مجمع الزوائد:49:6 عن عبادة بن الصامت أن أسعد بن زرارة قال: يا أيها الناس، هل تدرون علي ما تبايعون محمداً صلي الله
عليه وسلم؟ إنكم تبايعونه أن تحاربوا العرب والعجم، والجن والأنس! فقالوا: نحن حرب لمن حارب، وسلم لمن سالم. قالوا: يا رسولالله إشترط. قال: تبايعوني علي أن: تشهدوا أن لاإله إلا الله، وأني رسولالله، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، وأن لاتنازعوا الأمر أهله، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم. وعن حسين بن علي قال: جاءت الأنصار تبايع رسولالله صلي الله عليه وسلم علي العقبة فقال: يا علي قم فبايعهم، فقال علي: ما أبايعهم يا رسولالله؟ قال: علي أن يطاع الله ولا يعصي، وعلي أن تمنعوا رسولالله صلي الله عليه وسلم وأهل بيته وذريته، مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم. انتهي. ومن الملفت أن مصادرهم روت أن النبي صلي الله عليه وآله ضمَّنَ شروط بيعة الشجرة التاريخية في صلح الحديبية مع المهاجرين والأنصار، نفس هذا الشرط الذي اشترطه علي الأنصار قبل الهجرة! أن يحموه وأهل بيته وذريته مما يحمون منه أنفسهم وأن لاينازعوا الأمر أهله! قال النووي في شرح مسلم:13:2 قوله: في رواية جابر ورواية معقل بن يسار (بايعناه يوم الحديبية علي أن لانفر ولم نبايعه علي الموت) وفي رواية سلمة أنهم بايعوه يومئذ علي الموت، وهو معني رواية عبدالله بن زيد بن عاصم. وفي رواية مجاشع بن مسعود البيعة علي الهجرة والبيعة علي الاسلام والجهاد. وفي حديث ابنعمر وعبادة: بايعنا علي السمع والطاعة وأن لاننازع الأمر أهله.. وفي رواية عن ابنعمر في غير صحيح مسلم البيعة علي الصبر. قال العلماء: هذه الرواية تجمع المعاني كلها، وتبين مقصود كل الروايات. ومن الواضح لمن له أدني خبرة أن الزيادة التي قال عنها أحمد بن حنبل (قال سفيان: زاد بعض الناس: مالم تروا كفراً بواحاً).. من إضافات أتباع
السلطة علي الحديث بعد معارضة بني هاشم والأنصار لخلافة أبيبكر وعمر! وكذلك كل ما في معناها، كالذي رواه البخاري: 88:8 (إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان) والبيهقي في سننه:145:8 . لأن بيعة الأنصار كانت قبل الهجرة، ولم يكن فيها استثناء من الطاعة، ولم تكن مسألة إثرة القرشيين علي الأنصار مطروحة أبداً إلا بعد بيعة أبيبكر والمعارضة الشديدة لرئيس الأنصار صاحب السقيفة سعد بن عبادة! ويلاحظ أن الصحاح القرشية أكثرت من رواية شرط النبي صلي الله عليه وآله علي الأنصار أن لاينازعوا الأمر أهله، لأجل أن تحتج عليهم بأنهم لاسهم لهم في الخلافة القرشية.. ولكنها لم تروِ شرط النبي صلي الله عليه وآله علي الأنصار أن يمنعوا أهل بيته وذريته مما يمنعون منه أهليهم، لأن ذلك في غير مصلحة الخلافة القرشية، التي هاجمت بيت فاطمة وعلي عليهماالسلام، وأشعلت فيه النار لتحرقه بمن فيه، إن لم يخرجوا ويبايعوا! ولاروت شرط النبي عليهم أن لاينازعوا الأمر أهله إلا ما فلت من سذاجة راويه أو صدقه كما رأيت في حديث عبدالله بن عمر! لأنه شرط في غير مصلحة الذين اغتنموا انشغال بني هاشم بجنازة النبي وسرقوا الأمر من أهله! وبهذا تعرف الهدف من الروايات المدبجة التي حرفت الحديث من كونه شرطاً نبوياً علي المسلمين وحولته الي أمر نبوي للمسلمين بطاعة كل حاكم! كالتي رواها أحمد في مسنده :321:5 (عن عبادة بن الصامت قال قال رسولالله: عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، ولا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أنه لك). انتهي. ولا يتسع المجال هنا للحديث في هذا الشرط النبوي البليغ، الذي بدأ به النبي مبكراً فاشترطه بأمر ربه علي الأنصار، ثم
اشترطه علي المهاجرين.. ودلالاته علي الخطة الالهية لمستقبل الاسلام، وترتيب الامامة بعد النبوة. الدليل الثالث: حديث الدار.. وأندر عشيرتك الأقربين حديث الدار معروف، فهو مرتبط في مصادر التفسير والسيرة بتفسير قوله تعالي: (وأنذر عشيرتك الأقربين). حيث دل نص الآية علي أن الله تعالي أمر رسوله في المرحلة الأولي أن يدعو بني هاشم فقط! فماذا فعل النبي صلي الله عليه وآله في هذه المرحلة؟ وهل استمرت مدتها شهوراً، أو سنين، حتي نزل الأمر بتوسيع نطاق الدعوة لعموم الناس؟ وما معني الأمر الإلهي: أن تكون نبوة الرسول صلي الله عليه وآله أولاً لبني هاشم خاصة، وبعدها لقريش والعرب والناس عامة؟ وما معني أن قريشاً اتخذت قراراً بمحاصرة بني هاشم، فالتفوا جميعاً حول النبي صلي الله عليه وآله، مؤمنهم وكافرهم، وتحملوا الحصار الشامل الذي استمر من السنة السادسة أو السابعة، إلي السنة الحادية عشرة للبعثة.. ولم يقل أحد منهم آخ! وما معني أنه عندما كانت الشدائد تقع علي المسلمين، لم ينهض بحملها إلا بنو هاشم؟ فقد انهزم المسلمون جميعاً في أحد، ولم يثبت غير بني هاشم! ثم تحداهم جميعاً فارس الأحزاب يوم الخندق، فلم يجرؤ أحد علي مبارزته غير بني هاشم! ثم انهزموا في حنين وهم عشرة آلاف.. فلم يثبت غير بني هاشم!! إنها حقائق وظواهر تفسر الحديث الذي روته مصادرنا قال فيه النبي صلي الله عليه وآله: (بعثت إلي أهل بيتي خاصة، وإلي الناس عامة). كما تدل آية (وأنذر عشيرتك الأقربين) وما ورد في تفسيرها، علي أن إنذار بني هاشم كان مبرمجاً من الله تعالي.. وأن تعيين وصي النبي صلي الله عليه وآله وخليفته من بينهم، كان ضمن ذلك البرنامج.. فقد قال السيوطي في الدر المنثور:97:5 :
(وأخرج ابنإسحق، وابنجرير، وابنأبيحاتم، وابنمردويه، وأبونعيم، والبيهقي في الدلائل، من طرقٍ، عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية علي رسولالله صلي الله عليه وسلم: وأنذر عشيرتك الأقربين، دعاني رسولالله صلي الله عليه وسلم فقال: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني مهما أبادؤهم بهذا الأمر أري منهم ما أكره، فصمتُّ عليها حتي جاء جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لي صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واجعل لنا عساً من لبن، ثم اجمع لي بني عبدالمطلب، حتي أكلمهم وأبلغ ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبوطالب وحمزة والعباس وأبولهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول النبي صلي الله عليه وسلم بضعة من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: كلوا بسم الله، فأكل القوم حتي نهلوا عنه، ما تري إلا آثار أصابعهم! والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم. ثم قال: إسق القوم يا علي، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتي رووا جميعاً! وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله! فلما أراد النبي صلي الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبولهب إلي الكلام، فقال: لقد سحركم صاحبكم! فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلي الله عليه وسلم. فلما كان الغد قال: يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلي ما سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب، ثم اجمعهم لي،
ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقربته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا حتي نهلوا، ثم تكلم النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا بني عبدالمطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني علي أمري هذا؟ فقلت وأنا أحدثهم سناًّ: إنه أنا، فقام القوم يضحكون). انتهي. ثم رواها السيوطي بسند آخر عن ابنمردويه عن البراء بن عازب، قال: (لما نزلت هذه الآية: وأنذر عشيرتك الأقربين، جمع رسولالله صلي الله عليه وسلم بني عبدالمطلب، وهم يومئذ أربعون رجلاً...) إلخ.. ولكن السيوطي بتر الحديث هنا، ولم يذكر بقية كلام النبي صلي الله عليه وآله.. وهو أسلوب دأب رواة خلافة قريش علي ارتكابه في حديث الدار، لأن بقية الحديث تقول إن الله أمر رسوله من ذلك اليوم أن يختار وزيره وخليفته من عشيرته الأقربين! قال الأميني في الغدير:207:1 (وها نحن نذكر لفظ الطبري بنصه حتي يتبين الرشد من الغي. قال في تاريخه:217:2 من الطبعة الأولي: (إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالي أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني علي هذا الأمر، علي أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبيطالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع). وقال الأميني:279:2 وبهذا اللفظ أخرجه أبوجعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي، المتوفي240 في كتابه نقض العثمانية، وقال: إنه روي في الخبر الصحيح.
ورواه الفقيه برهان الدين في أنباء نجباء الأبناء.46-48 وابنالأثير في الكامل:.24:2 وأبوالفداء عماد الدين الدمشقي في تاريخه:116:1 وشهاب الدين الخفاجي في شرح الشفا للقاضي عياض: 37:3 (وبتر آخره) وقال: ذكر في دلايل البيهقي وغيره بسند صحيح. والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره-390. والحافظ السيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه:.392:6 وفي:397 عن الحفاظ الستة: ابنإسحاق، وابنجرير، وابنأبيحاتم، وابنمردويه، وأبينعيم، والبيهقي. وابنأبيالحديد في شرح نهجالبلاغة:.254:3 انتهي كلام صاحب الغدير. ثم شكا رحمه الله من الذين حرفوا الحديث لإرضاء قريش، ومنهم الطبري الذي رواه في تفسيره بنفس سنده المتقدم في تاريخه، ولكنه أبهم كلام النبي صلي الله عليه وآله في حق علي عليهالسلام فقال: ثم قال: إن هذا أخي، وكذا وكذا!! وتبعه علي ذلك ابنكثير في البداية والنهاية40:3 وفي تفسيره351:3 ! وقال في هامش بحارالأنوار:272:32 (وناهيك من ذلك مؤاخاته مع رسولالله صلي الله عليه وآله بأمر من الله عزوجل في بدء الإسلام حين نزل قوله تعالي: وأنذر عشيرتك الأقربين. راجع: تاريخ الطبري:321:2 كامل ابنالأثير:24:2 تاريخ أبيالفداء:11:1 والنهج الحديدي:254:3 ومسند الإمام ابنحنبل:159:1 وجمع الجوامع ترتيبه:408:6 وكنز العمال:401:6 . وهذه المؤاخاة مع أنها كانت بأمر الله عزوجل، إنما تحققت بصورة البيعة والمعاهدة (الحلف) ولم يكن للنبي صلي الله عليه وآله أن يأخذ أخاً ووزيراً وصاحباً وخليفة غيره، ولا لعلي أن يقصر في مؤازرته ونصرته والنصح له ولدينه، كمؤازرة هارون لموسي علي ما حكاه الله عزوجل في القرآن الكريم. ولذلك تري رسولالله صلي الله عليه وآله حين يؤاخي بعد ذلك المجلس بين المهاجرين بمكة، فيؤاخي بين كل رجل وشقيقه وشكله: يؤاخي بين عمر وأبيبكر، وبين عثمان وعبدالرحمن بن عوف، وبين الزبير وعبدالله بن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين
مصعب بن عمير وسعد بن أبيوقاص، وبين أبيعبيدة بن الجراح وسالم مولي أبيحذيفة، وبين حمزة بن عبدالمطلب وزيد بن حارثة الكلبي. راجع: (سيرة ابنهشام:.504:1 المحبر:.71:70 البلاذري:270:1) يقول لعلي عليهالسلام: والذي بعثني بالحق نبياً ما أخرتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هرون من موسي إلا أنه لانبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، وأنت معي في قصري في الجنة. ثم قال له: وإذا ذاكرك أحد فقل: أنا عبدالله وأخو رسوله، ولا يدعيها بعدي إلا كاذب مفتر. (الرياض النضرة:.168:2 منتخب كنز العمال:45:5 و46). ولذلك نفسه تراه صلي الله عليه وآله حينما عرض نفسه علي القبائل فلم يرفعوا إليه رؤوسهم، ثم عرض نفسه علي بني عامر بن صعصعة قال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: والله لو أني أخذت هذا الفتي من قريش لأكلت به العرب، ثم قال لرسولالله: أرأيت إن بايعناك علي أمرك ثم أظهرك الله علي من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلي الله يضعه حيث يشاء. قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لاحاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه، (راجع: سيرة ابنهشام:424:1 الروض الأنف:264:1 بهجة المحافل:128:1 سيرة زيني دحلان:302:1 السيرة الحلبية:3:2). فلولا أنه صلي الله عليه وآله كان تعاهد مع علي عليهالسلام بالخلافة والوصاية بأمر من الله عزوجل قبل ذلك، لما ردهم بهذا الكلام المؤيس، وهو بحاجة ماسة إلي نصرة أمثالهم). انتهي. وفي دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي:15:1 (وروينا أيضاً عن علي بن أبيطالب صلي الله عليه أنه قال: لما أنزل الله عزوجل: وأنذر عشيرتك الأقربين، جمع رسولالله صلي الله عليه وآله بني
عبدالمطلب علي فخذ شاة وقدح من لبن، وإن فيهم يومئذ عشرة ليس منهم رجل إلا أن يأكل الجذعة ويشرب الفرق، وهم بضع وأربعون رجلاً، فأكلوا حتي صدروا وشربوا حتي ارتووا، وفيهم يومئذ أبولهب، فقال لهم رسولالله صلي الله عليه وآله: يا بني عبدالمطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها، إن الله لم يبعث نبياً إلا جعل له وصياً ووزيراً ووارثاً وأخاً وولياً، فأيكم يكون وصيي ووارثي ووليي وأخي ووزيري؟ فسكتوا، فجعل يعرض ذلك عليهم رجلاً رجلاً، ليس منهم أحد يقبله، حتي لم يبق منهم أحد غيري، وأنا يومئذ من أحدثهم سناً، فعرض علي فقلت: أنا يا رسول الله. فقال: نعم، أنت يا علي. فلما انصرفوا قال لهم أبولهب: لو لم تستدلوا علي سحر صاحبكم إلا بما رأيتم، أتاكم بفخذ شاة وقدح من لبن فشبعتم ورويتم! وجعلوا يهزؤون ويقولون لأبيطالب: قد قدم ابنك اليوم عليك). انتهي. ولا بد أن تكون حادثة دعوة النبي صلي الله عليه وآله لبني هاشم قد شاعت في قريش، ثم في العرب، فقالوا إن النبي الجديد جمع عشيرته بأمر ربه كما يزعم، ودعاهم إلي دينه، وطلب منهم شخصاً يكون وزيره وخليفته من بعده، فأجابه ابنعمه الشاب الغلام علي.. فاتخذه وزيراً وخليفة! وهنا ينبغي أن ننبه هنا علي أمرٍ مهم.. هو أن مدوني السيرة النبوية الشريفة طمسوا مرحلة دعوة بني هاشم وحذفوها من السيرة، وكأنه لايوجد في القرآن آية: (وأنذر عشيرتك الأقربين)! واخترعوا بدلها مرحلة بيت الأرقم، وما قبل بيت الأرقم.. وما بعد بيت الأرقم..! وأكثروا فيه من الروايات غير المعقولة! فهذه الأدلة الثلاث التي روت نصوصها المصادر الصحيحة، لاتدع مجالاً للشك في أن ولاية الأمر بعد النبي صلي الله عليه وآله كانت مطروحةً
ومنظورةً للناس، من أول بعثته إلي آخر حياته صلي الله عليه وآله. وأن جميع الناس كانوا يعرفون أن مشروع النبوة ودعوة الناس إليها، هو مشروع تكوين دولة يرأسها النبي صلي الله عليه وآله، وتحتاج إلي خليفة له بعده. ولذلك كانت القبائل تري في نبوته بحسابها المادي، مشروعاً مغرياً، وتحاول أن تأخذ منه وعداً بأن يكون لها الأمر من بعده، ومنها قبائل يمانية وعدنانية، وزعيم قبائل نجد المتنقلة. بل يمكننا بملاحظة هذا الواقع أن نفترض أن يكون في المسلمين الأوائل منافقون جذبهم هذا المشروع المغري وهذه الحركة النبوية التي يؤمل لها النجاح وأن يكون الواحد منهم طمع أن يجد له موقعاً فيها ينقله من ذل الهامش القبلي إلي مركز قيادي مع هذا التنبئ من بني هاشم. وبهذا فقط نستطيع أن نفسر ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض، في الآية31 من سورة المدثر، التي نزلت في مكة!! أمام هذه الحقائق الصارخة.. كيف يصدق عاقل دعوي حكومات زعماء قريش، من أنهم لم يطرحوا مسألة الخلافة مع النبي صلي الله عليه وآله أبداً أبداً! حتي بصيغة سؤال عن الحكم الشرعي وواجب المسلمين من بعده!! فهل يقبل عاقل أن المسلمين سألوا النبي صلي الله عليه وآله عن مستقبل الأمة، ورووا عنه الأحاديث في كل ما يكون بعده، إلا في أمر الخلافة، وإلا في تعيين الإمام الشرعي من بعده؟!!
ماذا قال صلي الله عليه وآله في خطب الوداع الست؟ في مكة يوم التروية، وفي خطبة عرفات، وفي خطبة مني يوم العيد، وفي خطبة اليوم الثاني، وفي خطبة مسجد الخيف يوم النفر.. وفي خطبة غدير خم؟ مع أن المصادر نقلت القليل من الخطب النبوية الخمس في مكة وعرفات ومني، وخلطت بين
مضامينها.. لكنا نجد في رواياتها المتعددة أنه صلي الله عليه وآله طرح كل الأمور المهمة التي تحتاج إليها الأمة من بعده.. وهذه أولاً نماذج من الخطب الشريفة من مصادر الفريقين: قال ابنشعبة الحراني المتوفي حدود سنة350 في تحف العقول
ص:30 خطبته صلي الله عليه وآله في حجة الوداع: (الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لاإله إلا الله، وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أوصيكم عباد الله بتقوي الله، وأحثكم علي العمل بطاعته، وأستفتح الله بالذي هو خير. أما بعد: أيها الناس! إسمعوا مني ما أبين لكم، فإني لاأدري لعلي لاألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام، إلي أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلي من ائتمنه عليها. وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبدالمطلب. وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب. وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة والسقاية. والعمد قَوَدٌ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن ازداد فهو من الجاهلية. أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي بأن يطاع فيما سوي ذلك، فيما تحتقرون من أعمالكم. أيها الناس: إنما النسئ زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاماً ويحرمونه عاما، ليواطؤوا عدة ماحرم الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، وإن عدة الشهور
عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متوالية، وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب بين جمادي وشعبان. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقاً، ولكم عليهن حقاً، حقكم عليهن أن لايوطئن أحداً فرشكم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم، إلا بإذنكم، وألا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإذا انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكتاب الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيراً. أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وليس لعربي علي عجمي فضل إلا بالتقوي. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب. أيها الناس: إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعي إلي غير أبيه، ومن تولي غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، والسلام عليكم ورحمة الله). وفي الكافي:403:1 (عن الحكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكة قال: قال سفيان الثوري: إذهب بنا إلي جعفر بن محمد، قال فذهبت معه إليه، فوجدناه قد ركب دابته،
فقال له سفيان: يا أباعبدالله حدثنا بحديث خطبة رسولالله صلي الله عليه وآله في مسجد الخيف. قال: دعني حتي أذهب في حاجتي فإني قد ركبت، فإذا جئت حدثتك. فقال: أسألك بقرابتك من رسولالله صلي الله عليه وآله لما حدثتني. قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة وقرطاس حتي أثبته، فدعا به ثم قال: أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة رسولالله صلي الله عليه وآله في مسجد الخيف: نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم تبلغه. يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلي من هو أفقه منه. ثلاثٌ لايغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم. المؤمنون إخوةٌ تتكافي دماؤهم، وهم يد علي من سواهم، يسعي بذمتهم أدناهم. فكتبه سفيان ثم عرضه عليه، وركب أبوعبدالله عليهالسلام وجئت أنا وسفيان، فلما كنا في بعض الطريق قال لي: كما أنت، حتي أنظر في هذا الحديث. قلت له: قد والله ألزم أبوعبدالله رقبتك شيئاً لايذهب من رقبتك أبداً! فقال: وأي شيء ذلك؟ فقلت له: ثلاث لايغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، قد عرفناه. والنصيحة لأئمة المسلمين، من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم؟ معاوية بن أبيسفيان، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وكل من لاتجوز الصلاة خلفهم؟ وقوله: واللزوم لجماعتهم، فأي الجماعة؟ مرجيء يقول: من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمه فهو علي إيمان جبرئيل وميكائيل؟! أو قدري يقول: لايكون ما شاء الله عزوجل، ويكون ما شاء إبليس؟! أو حروري يتبرأ من علي بن أبيطالب، ويشهد عليه بالكفر؟! أو جهمي
يقول: إنما هي معرفة الله وحده، ليس الإيمان شيء غيرها؟! قال: ويحك، وأي شيء يقولون؟! فقلت: يقولون: إن علي بن أبيطالب والله، الإمام الذي وجب علينا نصيحته. ولزوم جماعتهم: أهل بيته. قال: فأخذ الكتاب فخرقه، ثم قال: لاتخبر بها أحداً!). انتهي. وفي تفسير علي بن إبراهيم:171:1 (وحج رسولالله صلي الله عليه وآله حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة، فكان من قوله بمني أن حمد الله وأثني عليه، ثم قال: أيها الناس: إسمعوا قولي واعقلوه عني، فإني لاأدري لاألقاكم بعد عامي هذا. ثم قال: هل تعلمون أي يوم أعظم حرمة؟ قال الناس: هذا اليوم. قال: فأي شهر؟ قال الناس: هذا. قال: وأي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: بلدنا هذا. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلي يوم تلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم. ألا هل بلغت أيها الناس؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. ثم قال: ألا وكل مأثرة أو بدعة كانت في الجاهلية، أو دم أو مال، فهو تحت قدمي هاتين، ليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوي. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. ثم قال: ألا وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، وأول موضوع منه ربا العباس بن عبدالمطلب. ألا وكل دم كان في الجاهلية فهو موضوع، وأول موضوع دم ربيعة. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. ثم قال: ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم، ألا وإنه إذا أطيع فقد عبد! ألا أيها الناس: إن المسلم أخو المسلم حقاً، لايحل لامريء مسلم دم امريء مسلم وماله إلا ما أعطاه بطيبة نفس
منه. وإني أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا لاإله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم علي الله. ألا هل بلغت أيها الناس؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس: إحفظوا قولي تنتفعوا به بعدي، وافهموه تنعشوا. ألا لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف علي الدنيا، فإن فعلتم ذلك- ولتفعلن- لتجدوني في كتيبة بين جبرئيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف ثم التفت عن يمينه فسكت ساعة، ثم قال: إن شاء الله، أو علي بن أبيطالب. ثم قال: ألا وإني قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتي يردا علي الحوض. ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا، ومن خالفهما فقد هلك. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. ثم قال: ألا وإنه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني، فأقول: رب أصحابي؟ فيقول: يا محمد إنهم أحدثوا بعدك وغيروا سنتك، أقول: سحقاً سحقاً. فلما كان آخر يوم من أيام التشريق أنزل الله: إذا جاء نصر الله والفتح، فقال رسولالله صلي الله عليه وآله: نعيت إلي نفسي، ثم نادي الصلاة جامعة في مسجد الخيف، فاجتمع الناس فحمد الله، وأثني عليه، ثم قال: نضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلي من هو أفقه منه. ثلاث لايغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، ولزم جماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم. المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، يسعي بذمتهم أدناهم، وهم يد علي من سواهم. أيها الناس: إني تارك فيكم الثقلين. قالوا:
يا رسولالله وما الثقلان؟ قال: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتي يردا علي الحوض، كإصبعي هاتين- وجمع بين سبابتيه- ولا أقول كهاتين وجمع سبابته والوسطي، فتفضل هذه علي هذه. فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا يريد محمد أن يجعل الإمامة في أهل بيته، فخرج أربعة نفر منهم إلي مكة ودخلوا الكعبة، وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتاباً: إن مات محمد أو قتل أن لايردوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً! فأنزل الله علي نبيه في ذلك: أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون. أم يحسبون أنا لانسمع سرهم ونجواهم، بلي ورسلنا لديهم يكتبون... انتهي. وفي صحيح البخاري:126:5 : عن أبيبكرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان. أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتي ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلي. قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتي ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلي. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتي ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلي. قال: فإن دماءكم وأموالكم- قال محمد وأحسبه قال وأعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فسيسألكم عن أعمالكم. ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعي له من بعض من سمعه. انتهي. ويلاحظ أن
في هذا النص كلمة (ضلالاً) بدل (كفاراً) في غيره. وفي صحيح البخاري:24:1 : عن عبدالرحمن بن أبيبكرة، عن أبيه ذكر النبي صلي الله عليه وسلم قعد علي بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتي ظننا أنه سيسميه سوي اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلي. قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتي ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلي. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسي أن يبلغ من هو أوعي له منه. وفي صحيح مسلم:41:4 : فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم حتي أتي عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتي إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتي بطن الوادي فخطب الناس، وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابنربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لايوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلي السماء وينكتها إلي الناس:
اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات. ورواه ابنماجة:1024:2 وفيه:ثم أذن بلال، ثم أقام فصلي الظهر، ثم أقام فصلي العصر، ولم يصل بينهما شيئاً. ثم ركب رسولالله صلي الله عليه وسلم حتي أتي الموقف.. وفي مستدرك الحاكم:77:1 : وخطب رسولالله صلي الله عليه وآله فقال: يا أيها الناس إني فرط لكم علي الحوض، وإن سعته ما بين الكوفة إلي الحجر الأسود، وآنيته كعدد النجوم، وإني رأيت أناساً من أمتي لما دنوا مني، خرج عليهم رجل فمال بهم عني، ثم أقبلت زمرة أخري ففعل بهم كذلك، فلم يفلت إلا كمثل همل النعم! فقال أبوبكر: لعلي منهم يا نبي الله؟! قال: لا، ولكنهم قوم يخرجون بعدكم ويمشون القهقري! هذا حديث صحيح علي شرط الشيخين وقد حدث به الحجاج بن محمد أيضاً عن الليث ولم يخرجاه. انتهي. ويلاحظ أن الحديث يريدأن ينفي التهمة عن أبيبكر أنه من المعنيين بكلام النبي عن منافقي أصحابه المطرودين عن الحوض!! فمن الذي اتهمه يومذاك؟!! وفي سنن ابنماجة:1016:2 : حدثنا إسماعيل بن توبة، ثنا زافر بن سليمان، عن أبيسنان، عن عمرو بن مرة، عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم وهو علي ناقته المخضرمة بعرفات، فقال: أتدرون أي يوم هذا، وأي شهر هذا، وأي بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد حرام وشهر حرم ويوم حرام. قال: ألا وإن أموالكم ودماءكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا. ألا وإني فرطكم علي الحوض، وأكاثر بكم الأمم، فلا تسودوا وجهي. ألا وإني مستنقذ أناساً، ومستنقذ مني أناس، فأقول: يا رب أصيحابي؟ فيقول: إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك! في الزوائد: إسناده صحيح. وفي سنن ابنماجة:1300:2 : باب لاترجعوا بعدي كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض: عن جرير بن عبدالله، أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال في حجة الوداع استنصت الناس فقال: لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. عن ابنعمر أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال: ويحكم أو ويلكم، لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. عن الصنابح الأحمسي قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: ألا إني فرطكم علي الحوض، وإني مكاثر بكم الأمم، فلا تقتتلن بعدي! في الزوائد إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وفي سنن الترمذي:62:2 : سليم بن عامر قال: سمعت أباأمامة يقول: سمعت رسولالله صلي الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: إتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم. قال: قلت لأبيأمامة: منذ كم سمعت هذا الحديث؟ قال: سمعت وأنا ابنثلاثين سنة. قال أبوعيسي: هذا حديث حسن صحيح. وفي مسند أحمد412:5: عن مرة قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم قال: قام فينا رسولالله صلي الله عليه وسلم علي ناقة حمراء مخضرمة، فقال: أتدرون أي يومكم هذا؟ قال: قلنا: يوم النحر. قال: صدقتم يوم الحج الأكبر. أتدرون أي شهركم هذا؟ قلنا: ذو الحجة. قال: صدقتم شهر الله الأصم. أتدرون أي بلد بلدكم هذا؟ قال: قلنا: المشعر الحرام. فقال: صدقتم، قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، أو قال كحرمة يومكم هذا وشهركم هذا وبلدكم هذا، ألا وإني فرطكم علي الحوض أنظركم وإني مكاثرٌ بكم الأمم، فلا تسودوا وجهي! ألا وقد رأيتموني وسمعتم مني وستسألون عني، فمن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار. ألا وإني مستنقذٌ رجالاً أو أناساً، ومستنقذٌ مني آخرون،
فأقول: يا رب أصحابي! فيقال: إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك!! وفي مجمع الزوائد:265:3 باب: الخطب في الحج: عن أبيحرة الرقاشي عن عمه قال: كنت آخذاً بزمام ناقة رسولالله صليالله عليه وسلم في وسط أيام التشريق أذود عنه الناس، فقال: يا أيها الناس هل تدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلي يوم تلقونه. ثم قال: إسمعوا مني تعيشوا، ألا لاتظلموا، ألا لاتظلموا، ألا لاتظلموا، إنه لايحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. ألا وإن كل دم وماء ومال كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلي يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل. ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، وإن الله عزوجل قضي أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبدالمطلب. لكم رؤوس أموالكم لاتظلمون ولا تظلمون. ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، ثم قرأ: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم. ألا لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون، ولكنه في التحريش بينكم. واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان لايملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً، ولكم عليهن حقاً أن لايوطئن فرشكم أحداً غيركم، ولا يأذنن في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير
مبرح- قال حميد قلت للحسن: ما المبرح؟ قال: المؤثر- ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة بالله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله عزوجل. ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلي من ائتمنه عليها. وبسط يده، وقال: ألا هل بلغت، ألا هل بلغت؟ ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ أسعد من سامع. قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواماً كانوا أسعد به. قلت: روي أبوداود منه ضرب النساء فقط. رواه أحمد وأبوحرة الرقاشي ووثقه أبوداود وضعفه ابنمعين. وفيه علي بن زيد وفيه كلام. وعن أبينضرة قال حدثني من سمع خطبة النبي صلي الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد، ألا لافضل لعربي علي عجمي ولا لعجمي علي عربي، ولا أسود علي أحمر ولا أحمر علي أسود، إلا بالتقوي. أبلغت؟ قالوا: بلغ رسولالله صلي الله عليه وسلم. ثم قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. ثم قال: أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فإن الله عزوجل قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم- قال: ولا أدري قال: وأعراضكم، أم لا- كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. أبلغت؟ قالوا: بلغ رسولالله صلي الله عليه وسلم. قال: ليبلغ الشاهد الغائب. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (أحمد:72:5). وعن ابنعمر قال: نزلت هذه السورة علي رسولالله صلي الله عليه وسلم وهو بمني في أوسط أيام التشريق فعرف أنه الموت، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب فوقف للناس بالعقبة، واجتمع له ما شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثني عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن كل دم كان في الجاهلية
فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل. وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبدالمطلب. أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، رجب مضر الذي بين جمادي وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً، ليواطئوا عدة ما حرم الله. كانوا يحلون صفر عاماً ويحرمون المحرم عاماً فذلك النسيء. يا أيها الناس: من كانت عنده وديعة فليؤدها إلي من ائتمنه عليها. أيها الناس: إن الشيطان أيس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال، فاحذروا علي دينكم محقرات الأعمال. أيها الناس: إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، لكم عليهن حق ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لايوطئن فرشكم غيركم، ولا يعصينكم في معروف، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإن ضربتم فاضربوا ضرباً غير مبرح. لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه. أيها الناس: إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله فاعملوا به. أيها الناس: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن الله تبارك وتعالي حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذا البلد. ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لانبي بعدي ولا أمة بعدكم. ثم رفع يديه فقال: اللهم
اشهد. قلت: في الصحيح وغيره طرف منه، رواه البزار وفيه موسي بن عبيدة وهو ضعيف. وفي مجمع الزوائد:272:3 : وعن فهد بن البحيري بن شعيب بن عمرو بن الأزرق، قال: خرجت إلي مكة فلما صرت بالصحرية، قال لي بعض إخواني: هل لك في رجل له صحبة من رسولالله صلي الله عليه وسلم؟ قلت: نعم، قال صاحب القبة المضروبة في موضع كذا وكذا، فقلت لأصحابي: قوموا بنا إليه، فقمنا فانتهينا إلي صاحب القبة، فسلمنا فرد السلام. فقال: مَنِ القوم؟ قلنا: قوم من أهل البصرة بلغنا أن لك صحبة من رسولالله صلي الله عليه وسلم. قال: نعم، صحبت رسولالله صلي الله عليه وسلم وقعدت تحت منبره يوم حجة الوداع، فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه وقال: إن الله يقول: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فليس لعربي علي عجمي فضل، ولا لعجمي علي عربي فضل، ولا لأسود علي أحمر فضل، ولا لأحمر علي أسود فضل، إلا بالتقوي. يا معشر قريش لاتجيئوا بالدنيا تحملونها علي رقابكم وتجيء الناس بالآخرة، فإني لاأغني عنكم من الله شيئاً. قلنا: ما اسمك؟ قال: أنا العداء بن خالد بن عمرو بن عامر، فارس الضحياء في الجاهلية. رواه الطبراني في الكبير بأسانيد. هذا ضعيف، وتقدم له إسناد صحيح في الخطبة يوم عرفة. وعن أبيقبيلة: أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قام في الناس في حجة الوداع فقال: لانبي بعدي، ولا أمة بعدكم، فاعبدوا ربكم، وأقيموا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ولاة أمركم، ثم ادخلوا جنة ربكم. رواه الطبراني في الكبير، وفيه بقية وهو ثقة ولكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات.وفي سنن الدارمي:47:2 :فلما كان يوم
التروية وجه إلي مني فأهللنا بالحج، وركب رسولالله صلي الله عليه وسلم فصلي بمني الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلاً حتي إذا طلعت الشمس، أمر بقبة من الشعر تضرب له بنمرة، ثم ركب رسولالله صلي الله عليه وسلم فسار، لاتشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية في المزدلفة، فسار رسولالله صلي الله عليه وسلم حتي أتي عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزلها، حتي إذا زاغت يعني الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتي بطن الوادي فخطب الناس، وقال: إن دماء كم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضع دماؤنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لايؤطين فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وأنتم مسؤلون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة فرفعها إلي السماء وينكتها إلي الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثم أذن بلال بنداء واحد وإقامة فصلي الظهر، ثم أقام فصلي العصر، لم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب حتي وقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلي الصخيرات... وفي سنن الدارمي:67:2 : عن عبدالرحمن بن أبيبكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم قعد النبي صلي الله عليه وسلم علي بعير، لاأدري جمل أو ناقة،
وأخذ إنسان بخطامه، أو قال بزمامه. فقال: أي يوم هذا؟ قال فسكتنا حتي ظننا أنه سيسميه سوي اسمه. فقال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلي. قال فأي شهر هذا... إلخ.
تضمنت الخطب الوداعية درراً نبوية تنتظم في الأسس الخمس التالية: 1 - أساس المساواة الإنسانية . - مبدأ الوحدة الإنسانية بين البشر ، وإلغاء التمايز القومي . - مبدأ حسن معاملة النساء ، وعدم ظلمهن . 2 - أساس وحدة الأمة الإسلامية . - مبدأ إلغاء آثار الجاهلية ومآثرها وتشريعاتها المخالفة للإسلام . - مبدأ الأخوة والتكافؤ بين المسلمين . - مبدأ احترام الملكية الشخصية ، وتحريم أموال المسلمين علي بعضهم . - مبدأ احترام حياة المسلم ، وتحريم دماء المسلمين علي بعضهم . - مبدأ احترام عرض المسلم وكرامته ، وتحريم أعراضهم علي بعضهم . - مبدأ من قال لاإله إلا الله ، فقد عصم ماله ودمه . - مبدأ ختام النبوة به صلي الله عليه وآله ، وختام الأمم بأمته . - مبدأ شهادة النبي علي الأمة في الآخرة ، وموافاتها له علي الحوض . - مبدأ ضرورة الدقة والحذر من محقرات الأعمال التي تجر إلي الإنحراف . - مبدأ التحذير من الكذب علي النبي صلي الله عليه وآله ، ووجوب التحقق فيما ينقل عنه . 3 - أساس وحدة الشريعة ووحدة ثقافة المسلمين . - مبدأ أداء الأمانة . - قوانين الإرث . - قوانين الديات والقصاص . - تشريعات مناسك الحج ) خذوا عني مناسككم ( . 4 - مبادئ مسيرة الدولة والحكم بعد النبي صلي الله عليه وآله . - مبدأ البشارة بالأئمة الإثني عشر من عترته . - مبدأ
التأكيد علي الثقلين القرآن والعترة . - مبدأ إعلان أن علياً ولي الأمة بعده والإمام الأول من الإثني عشر . - مبدأ أداء الفرائض ، وإطاعة ولاة الأمر . - مبدأ تخليد تعاهد قريش وكنانة علي حصار بني هاشم . - مبدأ تحذير قريش أن تطغي من بعده صلي الله عليه وآله . - مبدأ تحذيره الصحابة من الإرتداد بعده والصراع علي السلطة . 5 - أساس عقوبة المخالفين للخط النبوي . - مبدأ لعن من ادعي إلي غير أبيه ، أو تولي غير مواليه . . . . ولا يتسع المجال لبحث هذه الأسس والمبادئ الإلهية بالتفصيل ، لذا نكتفي بذكر نماذج من الخطب الشريفة أولاً ، ثم نذكر فقرات تتعلق بالمبادئ المذكورة ، مع التوضيحات الضرورية . ولا يخفي عليك أن للنبي صلي الله عليه وآله في كل واحدة من هذه المبادئ بياناتٍ متعددةً في غير حجة الوداع ، وأنها تشكل مع ما في خطب الوداع الستة كلاماً موحداً ، لايمكن فصل بعضه عن بعض .. فكلامه صلي الله عليه وآله إن هو إلا وحي يوحي يكمل بعضه بعضاً ، ويفسر بعضه بعضاً، ويشكل في كل موضوع وحدة عقيدية وتشريعية متكاملة البناء ، في صرح الإسلام الرباني الشامل .
وقد تضمن المبدأين التاليين: - مبدأ الوحدة الإنسانية بين البشر، وإلغاء التمايز القومي. - مبدأ حسن معاملة النساء، وعدم ظلمهن.
وقد تضمن المبادئ التالية: 1- مبدأ إلغاء آثار الجاهلية ومآثرها وتشريعاتها المخالفة للإسلام. 2- مبدأ الأخوة والتكافؤ بين المسلمين. 3- مبدأ احترام الملكية الشخصية، وتحريم أموال المسلمين علي بعضهم. 4- مبدأ احترام حياة المسلم، وتحريم دماء المسلمين علي بعضهم. 5- مبدأ احترام
عرض المسلم وكرامته، وتحريم أعراضهم علي بعضهم. 6- مبدأ من قال لاإله إلا الله، فقد عصم ماله ودمه. 7- مبدأ ختام النبوة به صلي الله عليه وآله، وختام الأمم بأمته. 8- مبدأ شهادة النبي علي الأمة في الآخرة، وموافاتها له علي الحوض. 9- مبدأضرورة الدقة والحذر من محقرات الأعمال التي تجر إلي الإنحراف. 10- مبدأ التحذير من الكذب علي النبي صلي الله عليه وآله، والتحقق فيما ينقل عنه. وقد روي المسلمون فقرات الخطب التي تتعلق بالمبادئ الخمس الأولي من هذا الأساس بكثرة، وحفظوها وكرروها، حتي ليتصور الإنسان لأول وهلة أنها الموضوع الوحيد في خطب حجة الوداع! والسبب في ذلك: أن المجتمع العالمي كان في عصره صلي الله عليه وآله مجتمع تمييزٍ حادٍ علي أساس قومي وقبلي وطبقي.. وكان يحكمه (قانون الغلبة والقوة) فالغالب علي حق دائماً، سواء كان حاكماً، أو قبيلة، أو فارساً، أو صعلوكاً!! فما دام استطاع أن يقهر الآخرين، أو يغزوهم ويقتلهم ويسرق أموالهم، أو يغصبها منهم عنوة، أو يحتال عليهم بحيلة.. فهو علي حق! فجاءت تشريعات الإسلام لتلغي ذلك كله، وتعلن تساوي الناس أمام الشرع، وتحرم كل أنواع الاعتداء علي الحقوق الشخصية، وتركز احترام الإنسان وملكيته وكرامته. فالأمر الذي جعلهم يحفظون هذه المبادئ من خطب النبي صلي الله عليه وآله أكثر من غيرها، هو إعجاب المسلمين المؤمنين بها، وكونها تمثل حلاً لمشكلة الغزو والقتل التي كانوا يعانون منها. وقد كان لهذه التوجيهات بصيغها الإلهية والنبوية البليغة، تأثير كبير علي مجري احترام الإنسان وماله وعرضه ورأيه في حياة النبي صلي الله عليه وآله وبعد وفاته، إذ لولاها لساء وضع مجتمع المسلمين أضعاف ما وصل إليه من سوء! ولعادت النظرة إلي الإنسان والتصرف معه
إلي الحالة الجاهلية مئة بالمئة! ولا يحتاج المرء الي جهد ليلاحظ هبوط هذه القيم والقوانين هبوطاً حاداً بعد النبي صلي الله عليه وآله.. وأن أكثر الناس احتراماً للإنسان وحرياته المشروعة، هم عترة النبي وأهل بيته الطاهرون، ثم الأقرب منهم فالأقرب! فعلي عليهالسلام هو الحاكم الوحيد بعد النبي صلي الله عليه وآله الذي لم يجبر أحداً علي بيعته، ولم يستعمل قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية، ولا أي قانون استثنائي، حتي مع خصومه والممتنعين عن بيعته، بل حتي في حروبه.. مع أنه ابتلي بثلاثة حروب استوعبت مدة خلافته كلها! بينما استعمل أبوبكر وعمر قانون الجاهلية في القوة والقهر في السقيفة ضد الأنصار، وهموا بقتل سعد بن عبادة! ثم هاجموا الممتنعين عن بيعتهم وهم مجتمعون في بيت علي وفاطمة عليهماالسلام، مع أنهم في عزاء بوفاة النبي صلي الله عليه وآله وجنازته كانت مسجاة لم تدفن بعد! وهددوهم بإحراق البيت عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا! ولما تأخروا عن الخروج أشعلوا النار في الحطب، وأحرقوا الباب... الخ!! وأما المبدأ السادس من هذا الأساس: (من قال: لاإله إلا الله فقد عصم ماله ودمه)، فقد جاء في رواية تفسير علي بن إبراهيم القمي بصيغة (وإني أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا لاإله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم علي الله). وهو مبدأ له ثلاثة أبعاد: الأول: أن من أعلن الشهادتين من أي دين أو قبيلة كان فهو مسلم، يحرم ماله ودمه وعرضه، إلا إذا انطبقت عليه مواد الفئة الباغية، أو المفسد في الأرض، أو قتل أحداً عمداً، أو ارتد عن الإسلام، أو زني وهو محصن. الثاني: أن أهل الكتاب مستثنوْن من هذه القاعدة، والموقف منهم في
الحرب والسلم نصت عليه أحكام التعايش الشرعية الخاصة بهم. الثالث: أن النبي صلي الله عليه وآله أشهد أمته أنه تقيد في الجهاد بأمر ربه عزوجل، ولم يتعده.. فمهمته في الجهاد إنما كانت علي تنزيل القرآن، وتحقيق إعلان الشهادتين فقط، أي لتكوين الشكل الكلي للأمة، ولم يؤمر بقتال المنحرفين، أو الذين يريدون أن ينحرفوا من المسلمين، لأن ذلك قتال علي التأويل، يكون من بعده، لافي عهده. وأما المبدأ السابع (ختم النبوة به صلي الله عليه وآله وختم الأمم بأمته). فقد ورد في رواية مجمع الزوائد المتقدمة وغيرها: (فقال: لانبي بعدي، ولا أمة بعدكم، فاعبدوا ربكم، وأقيموا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ولاة أمركم، ثم ادخلوا جنة ربكم). وهو مبدأ هيمنة شريعته صلي الله عليه وآله علي شرائع الأنبياء السابقين عليهمالسلام.. وردُّ مدعي النبوة الكذابين، الذين ظهر بعضهم في زمنه صلي الله عليه وآله، وظهر عددٌ منهم بعد وفاته.كما أنه يعطي الأمة الإسلامية شرف ختام أمم الأنبياء عليهمالسلام، ويلقي عليها مسؤولية هذه الخاتمية في هداية الأمم الأخري. وقد حدد النبي صلي الله عليه وآله لهم الخطوط العامة بعبادة الله تعالي والصلاة والصوم وإطاعة ولي الأمر.. ولكن لايبعد أن الراوي نقل ما حفظه من كلامه صلي الله عليه وآله ونسي بعضه كالزكاة والحج. ومن الملاحظ في هذه المبدأ وجود فريضة إطاعة ولي الأمر علي لسان النبي صلي الله عليه وآله! وإذا أوجب الله تعالي إطاعة أحد بدون شروط، فمعناه أنه معصومٌ لايظلم ولا يأمر ولا ينهي إلا بالحق.. وبما أن النص النبوي لم يذكر شروطاً لإطاعة أولي الأمر، فيكون مقصوده الإثني عشر إماماً المعينين من الله تعالي، الذين بشر الأمة بهم. وأما المبدأ الثامن (شهادة النبي صلي الله عليه
وآله علي الأمة في الآخرة، وموافاتها له علي الحوض). فقد ورد في مصادر متعددة كما مر، وفي بعضها (ألا وإني فرطكم علي الحوض وأكاثر بكم الأمم، فلا تسودوا وجهي)، وفي بعضها (وإني مكاثر بكم الأمم، فلا تقتتلن بعدي). وهو أسلوب نبوي فريد في التأكيد علي الأمة في وداعها، بأنها ستوافي نبيها بين يدي ربها، ويكون كل فردٍ منها بحاجة ماسةٍ إلي أن يسقي من حوض الكوثر، شربةً لايظمأ الإنسان بعدها أبداً، ويصلح بها بدنه لدخول الجنة. وهذا التوجيه منه صلي الله عليه وآله يشبه قول أب لأولاده: إعملوا بوصيتي فإني مسافر عنكم، وسوف تأتون إلي، وتكونون في حالة فقر شديدة، وعندي أموالٌ كثيرة، وسأعرف من عمل بوصيتي منكم، ومن خالفني! وأما المبدأ التاسع (التحذير من محقرات الأعمال التي توجب الانحراف)، ففيه إلفات إلي قاعدة مهمة في السلوك الفردي والإجتماعي، وهي أن الإنحراف يبدأ بأمر صغير، أو أمور تبدو بسيطة، يحتقرها الإنسان ولا يراها مهمة في ميزان التقوي.. وإذا بها تستتبع أموراً أخري، وتجره إلي هاوية الهلاك الأخروي، أو الدنيوي! وهو أمر مشاهد سواء في حالات الهلاك الفردي أو الإجتماعي.. فقد يتسامح المسلم في النظر إلي امرأة أجنبية تعجبه، ويتسامح في الحديث معها، ثم في التصرف.. حتي ينجر أمره إلي الفاحشة! وقد يتسامح في اتخاذ صديق سوء، ولا ينصت إلي صوت ضميره الديني، ولا يسمع نصح ناصحيه.. حتي يغرق معه في بحر ظلمه للناس، أو بحر انحرافه ورذيلته! وقد تتسامح الأمة في اعتداء الأجانب عليها، أو في نفوذهم السياسي، أو الإقتصادي أو الثقافي في بلادها.. فينجر الأمر إلي تسلطهم علي مقدراتها، وسيطرتهم عليها.. أو يتسامح المجتمع في مظهر من مظاهر الفساد والمنكر أول ما يحدث في
محلة أو منطقة منه، أو في فئة من فئاته.. أو يتسامح المجتمع في شروط حاكمه، ووزرائه وقضاته، أو في ظلمهم وسوء سيرتهم.. فينجر ذلك إلي شمول الفساد في المجتمع، وتسارع هلاكه! فالمحقرات من الذنوب هي المواقف أو التصرفات الصغيرة، التي تكون في منطق الأحداث والتاريخ بذوراً غير منظورة، لشجرة شر كبيرة، علي المستوي الفردي أو الإجتماعي!! وبهذا ورد تفسيرها عن النبي صليالله عليه وآله في مصادر الطرفين.. ففي الكافي :288:2 (عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: إن رسولالله صلي الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: إئتوا بحطبٍ، فقالوا: يا رسولالله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب! قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتي رموا بين يديه، بعضه علي بعض، فقال رسولالله صلي الله عليه وآله: هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن لكل شيء طالباً، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين). انتهي. وفي سنن البيهقي:188:10 (عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال: إياكم ومحقرات الأعمال، إنهن ليجمعن علي الرجل حتي يهلكنه، وإن رسولالله صلي الله عليه وسلم ضرب لهن مثلاً، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل يجيء بالعويد، والرجل يجيء بالعويد، حتي جمعوا من ذلك سواداً، ثم أججوا ناراً، فأنضجت ما قذف فيها). انتهي. وهذان الحديثان الشريفان ناظران إلي التراكم الكمي للذنوب والأخطاء المحقرة، وكيف تتحول إلي خطر نوعي في حياة الفرد والمجتمع. وقد يكون الحديثان التاليان ناظرين إلي التراكم الكيفي في نفس الإنسان والمجتمع، وشخصيتهما.. ففي الكافي:287:2 : (عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: اتقوا المحقرات من الذنوب، فإنها
لاتغفر! قلت: وما المحقرات؟: قال: الرجل يذنب الذنب، فيقول طوبي لي لو لم يكن لي غير ذلك!). وفي سنن ابنماجة:1417:2 : (عن عائشة قالت: قال لي رسولالله صلي الله عليه وسلم: يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالباً). في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. انتهي. ورواه الدارمي:303:2 وأحمد:70:6 و151. ومن القواعد الهامة التي نفهمها من هذا التوجيه النبوي: أن الشيطان عندما ييأس من السيطرة علي أمة في قضاياها الكبيرة، يتجه إلي التخريب والإضلال عن طريق المحقرات! (ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم، فيرضي بها). سنن ابنماجة:1015:2: فقد كان الإسلام الذي أنزله الله تعالي، وبناه رسوله صلي الله عليه وآله صرحاً كبيراً وقلعةً محكمة، يئس الشيطان من قدرته علي هدمها، فعمد الي إقناع شخص من أهله بسحب حجر واحدٍ صغير من ركن الجدار، ثم حجر آخر.. وآخر.. حتي يفرغ تحت الأساس فينهار الصرح علي من فيه! شبيهاً بالجرذ الذي سحب الحجر الأول من جدار سد مارب! ومن الأمور الملفتة التي وردت في التوجيه النبوي في رواية علي بن إبراهيم أن إطاعة الشيطان في محقرات الذنوب عبادة له، فالذين يبدؤون بالإنحراف في مجتمع، إنما يعبدون الشيطان ولا يعبدون الله تعالي، وهم بدعوتهم الي انحرافهم يدعون الأمة العابدة لله تعالي إلي عبادة الشيطان.. (ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم، ألا وإنه إذا أطيع فقد عبد!). كما أن شهادة النبي صلي الله عليه وآله بأن الشيطان راض بما تحتقرون من أعمالكم، شهادةٌ خطيرة يخبر بها عن ارتياح الشيطان من نجاحه في مشروعه في إضلال الأمة، وهدم صرحها عن طريق المحقرات.. وهو
ينفع في تفسير قوله تعالي: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين. سبأ-20). أما أهل البيت عليهمالسلام فقد اعتبروا أن طمع الأمة بالسلطة بعد النبي صلي الله عليه وآله وصراعها عليها، كان أعظم المحقرات التي ارتكبتها بعد نبيها.. ففي بحارالأنوار:217:28 عن الإمام الباقر عليهالسلام قال في تفسير قوله تعالي: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) قال: ذلك والله يوم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير!). انتهي. وأما المبدأ العاشر (تحذير النبي صلي الله عليه وآله من الكذب عليه)، فقد ورد في روايتي أحمد المتقدمتين وغيرهما، ووردت فيه أحاديث كثيرة مشددة في مصادر الشيعة والسنة، تدل علي أن هذه المشكلة كانت موجودة في حياة النبي صلي الله عليه وآله، وأنه أخبر بأنها ستزداد من بعده، ويكثر الكذابون عليه! والمتأمل في هذه المشكلة يشمئز من أولئك الكذابين، لأن عملهم عمل شيطاني من شأنه أن يشوه الإسلام ويزوره، ويمنع وصوله إلي الأجيال.. خاصة أن النبي صلي الله عليه وآله لم يؤمر بمعاقبتهم علي كذبهم الماضي أو الآتي!! فهل يكفي في معالجة المشكلة تحذير الكذابين، وتحذير الأمة منهم؟! من الواضح أن ذلك علاج لاينفع إلا في تقليل حجم المشكلة الكمي، وإن تصريح النبي صلي الله عليه وآله بوجودها، وإخباره باستمرارها وتفاقمها بعده، دليلٌ علي أنه وضع لها بأمر ربه الحكيم، علاجاً كافياً.. والعلاج ليس إلا بوجود من يميز أحاديثه الصحيحة عن غيرها.. وهم عترته الذين جعلهم عدل الكتاب وأوصي بهم الأمة من بعده (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي).. فكل حديث خالف كتاب الله تعالي فهو زخرف باطل يستحيل أن يكون صادراً من النبي صلي الله عليه وآله، لأنه لايقول ما يخالف
القرآن! وكل حديث يخالف عترته الطاهرين ورثة القرآن، فهو باطل أيضاً!
وقد تضمن المبادئ التالية: 1- مبدأ أداء الأمانة. 2- قوانين الإرث. 3- قوانين الديات والقصاص. 4- تشريعات مناسك الحج (خذوا عني مناسككم). وقد وردت مبادئ هذا الأساس في فقرات متعددة من خطب حجة الوداع ذكرنا منها أداء الأمانة وتشريعات الإرث والديات والحج.. ويوجد في الخطب الشريفة تشريعات أخري أيضاً لم نذكرها. ومن الواضح أن العامل الأساسي في وحدة ثقافة الأمة الإسلامية علي اختلاف بلادها وقومياتها، هو وحدة عقيدتها وشريعتها.. وأن كل الدول والحضارات السابقة علي الاسلام واللاحقة، لم تستطع أن تحقق بين الشعوب التي شملتها ما حققه الإسلام من وحدة في التصور والسلوك وهي وحدة ما زالت قائمة إلي اليوم بين شعوبه، رغم العوامل المضادة!
وقد تضمن هذا الأساس المبادئ التالية: 1- مبدأ البشارة بالأئمة الإثني عشر من عترته. 2- مبدأ التأكيد علي الثقلين القرآن والعترة. 3- مبدأ إعلان أن علياً ولي الأمة بعده والإمام الأول من الإثني عشر. 4- مبدأ أداء الفرائض، وإطاعة ولاة الأمر. 5- مبدأ تخليد تعاهد قريش وكنانة علي حصار بني هاشم. 6- مبدأ تحذير قريش أن تطغي من بعده صلي الله عليه وآله. 7- مبدأ تحذيره الصحابة من الإرتداد بعده والصراع علي السلطة. 8- مبدأ البشارة بالأئمة الإثني عشر من عترته. 9- مبدأ التأكيد علي الثقلين: القرآن والعترة. 10- مبدأ إعلان علي ولياً للأمة من بعده، الإمام الأول من الإثني عشر. 11- مبدأ أداء الفرائض، وإطاعة ولاة الأمر. 12- مبدأ تخليد تعاهد قريش علي حصار بني هاشم. 13- مبدأ تحذير قريش أن تطغي من بعده صلي الله عليه وآله. 14- مبدأ تحذيره الصحابة من الإرتداد والصراع علي
السلطة. وسوف يأتي إن شاء الله بحث أحاديث الأئمة الإثني عشر، الذي شهدت رواياته بأنه صدر في خطب حجة الوداع.. والعاقل لايمكنه أن يقبل أن النبي صلي الله عليه وآله قد أخفي هوية هؤلاء الأئمة الإثني عشر المعينين من الله تعالي وضيعهم في ثلاث وعشرين قبيلة من قريش.. أو أنه طرح موضوعهم وهو يودع الأمة نظرياً لمجرد إخبارها بوجودهم، كما تدعي قريش ورواتها! وأما المبدأ الثاني من هذا الأساس: (التأكيد علي الثقلين: القرآن والعترة) فقد روته مصادرنا في خطبة الغدير، وفي خطبة مسجد الخيف أيضاً، وربما في غيرها من خطب حجة الوداع، كما تقدم في رواية تفسير علي بن إبراهيم. أما مصادر السنيين فقد روت بشكل واسع تأكيد النبي صلي الله عليه وآله علي الثقلين القرآن والعترة في خطبة غدير خم فقط، وصححوا روايتها، وقد تقدم أن الطبري المعروف ألف كتاباً من مجلدين جمع فيه طرق أحاديث الغدير وأسانيدها. أما في بقية خطب حجة الوداع: فقد رواها من صحاحهم المعروفة الترمذي في سننه:328:5 قال: (عن جابر بن عبدالله قال: رأيت رسولالله صلي الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو علي ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. وفي الباب عن أبيذر، وأبيسعيد، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد. هذا حديث غريب حسن، من هذا الوجه. وزيد بن الحسن قد روي عنه سعيد بن سليمان، وغير واحد من أهل العلم). انتهي. ومن الملاحظ أن عدداً من المصادر السنية روت وصية النبي صلي الله عليه وآله في حجة الوداع بالكتاب وحده، بدون العترة! ففي صحيح مسلم:41:4 (وقد تركت فيكم ما لن
تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله). ومثله في أبيداود:427:1 وسنن البيهقي:8:5 ونحوه في ابنماجة:1025:2 وفي مجمع الزوائد:265:3 بصيغة (أيها الناس إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله فاعملوا به). والمتتبع لأحاديث الباب يطمئن بأن الذي حصل هو إسقاط العترة من روايتهم، بسبب رقابة قريش علي أحاديث نبيها صلي الله عليه وآله! والدليل علي ذلك: أن نفس المصادر التي روت هذا الحديث ناقصاً في حجة الوداع، روته تاماً في غيرها، فيحمل الناقص علي التام! فقد روي مسلم والبيهقي وابنماجة والهيثمي بروايات متعددة، وصية النبي صلي الله عليه وآله بالقرآن والعترة معاً، وتأكيداته المتكررة علي ذلك.. ففي صحيح مسلم:122:7 (عن زيد بن أرقم: قام رسولالله صلي الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعي خماً، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثني عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدي والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به فحث علي كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم). انتهي. ورواه البيهقي في سننه30:7 و114:10 . وفي مجمع الزوائد:170:1 (عن زيد بن ثابت عن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال: إني تركت فيكم خليفتين: كتاب الله،
وأهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتي يردا علي الحوض. رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات). ورواه بنحوه:162:9 وقال: رواه أحمد وإسناده جيد. وأما أبوداود فلم يرو حديثاً صريحاً في الثقلين، ولكنه عقد في سننه:309:2 كتاباً باسم (كتاب المهدي)، روي فيه حديث الأئمة الإثني عشر وبشارة النبي صلي الله عليه وآله بالإمام المهدي وأنه من ذرية علي وفاطمة عليهماالسلام، وروي عن النبي صلي الله عليه وآله قوله: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً). انتهي. والذي يؤكد ما ذهبنا اليه من أن الوصية بالعترة حذفت من خطب حجة الوداع: أن الكلام النبوي الذي هو جوامع الكلم، له خصائص عديدة يتفرد بها.. ومن خصائصه أنه يستعمل تراكيب معينة لمعان معينة، لايستعملها لغيرها، فهو بذلك يشبه القرآن. وتركيب (ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي) خاص لوصيته للأمة بالقرآن والعترة، لم يستعمله صلي الله عليه وآله في غيرهما أبداً.. كما أن تعبير (إني تارك فيكم الثقلين).. لم يستعمله في غيرهما أبداً. ولذلك عندما قال لهم في مرض وفاته: إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً.. فهمت قريش أنه يريد أن يلزم المسلمين بإطاعة الأئمة من عترته بشكل مكتوب، فرفضت ذلك بصراحة ووقاحة! وقد روي البخاري هذه الحادثة في ستة أماكن من صحيحه!! وروت مصادرهم أن عمر افتخر في خلافته، بأنه بمساعدة قريش حال دون كتابة ذلك الكتاب!! وعليه فإن ورود هذا التركيب في أكثر رواياتهم لخطب حجة الوداع للقرآن وحده دون العترة، يخالف الأسلوب النبوي، وتعبيره المبتكر في الوصية بهما معاً.. خاصة وأن الترمذي وغيره رووهما معاً! والنتيجة: أن بشارة النبي صلي الله عليه
وآله لأمته في حجة الوداع بالأئمة الإثني عشر، ووصيته بالثقلين، وجعله عترته الطاهرين علياً وفاطمة والحسن والحسين عدلاً للقرآن في وجوب الأتباع، أمرٌ ثابتٌ في مصادر جميع المسلمين.. لاينكره إلا من يريد أن يتعصب لقبيلة قريش، في مقابل الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وآله. وأما المبدأ الثالث من هذا الأساس (إعلان علي ولياً للأمة من بعده)، فهو صريح خطبة الغدير، وقد اقتصرنا منها علي نزول الآيات الثلاث فيها، ولا يتسع موضوعنا لبحث أسانيد الخطبة ونصوصها، ودلالتها.. وقد تكفلت بذلك المصادر الحديثية والكلامية، ومن أقدمها كتاب (الولاية) للطبري السني، ومن أواخرها كتاب (الغدير) للعلامة الأميني رحمه الله. وأما المبدأ الرابع من هذا الأساس (تأكيده صلي الله عليه وآله علي أداء الفرائض وإطاعة ولاة الأمر)، فقد تقدم ذكره في فقرات الأساس الثاني، وقد اعترف الفخر الرازي وغيره في تفسير قوله تعالي (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) بأن غير المعصوم لايمكن أن يأمرنا الله تعالي بطاعته بدون شرط، لأنه يكون بذلك أمر بالمعصية! فلا بد أن يكون أولو الأمر في الآية معصومين.. وكذلك الأمر في الحديث النبوي الشريف في حجة الوداع، وغيرها. وأما المبدأ الخامس من هذا الأساس (تخليده صلي الله عليه وآله مكان تعاهد قريش علي حصار بني هاشم) فقد رواه البخاري في صحيحه:92:5 قال: (عن أبيهريرة رضي الله عنه قال: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف، حيث تقاسموا علي الكفر). انتهي. ورواه في:246:4 و194:8 ورواه في:158:2 بنص أوضح، فقال: (عن أبيهريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو بمني: نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا
علي الكفر. يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت علي بني هاشم وبني عبدالمطلب أو بني المطلب، أن لايناكحوهم ولا يبايعوهم حتي يسلموا إليهم النبي صلي الله عليه وسلم!!). انتهي. ورواه مسلم:86:4 وأحمد:322:2 و237 و263 و353 و.540 ورواه البيهقي في سننه:160:5 بتفاوت، وقال (أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي). وقد رواه مسلم عن الأوزاعي، ولكن البخاري لم يروه عنه، بل عن أبيهريرة، ولم نجد في طريقه الي الأوزاعي، فهو اشتباه من البيهقي، ويحتمل أنه سقط من نسخة البخاري التي بأيدينا. وفي رواية البيهقي عن الأوزاعي زيادة (أن لايناكحوهم، ولا يكون بينهم شيء، حتي يسلموا إليهم رسولالله صلي الله عليه وسلم). كما أن في رواياتهم تفاوتاً في وقت إعلان النبي صلي الله عليه وآله للمسلمين عن مكان نزوله في مني، فرواية البخاري تذكر أنه أعلن ذلك في مني بعد عرفات، بينما تذكر رواية الطبراني أنه أعلن ذلك في مكة قبل توجهه إلي الحج.. وهذا أقرب إلي اهتمامه صلي الله عليه وآله بالموضوع، وحرصه علي تركيزه في أذهان المسلمين، خاصة أنه نزل في هذا المنزل، وبات فيه ليلة عرفات، وهو في طريقه إليها كما تقدم في رواية الدارمي، ثم نزل في ذلك المكان بعد عرفات طيلة أيام التشريق! قال في مجمع الزوائد:250:3 (عن ابنعباس قال: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم قبل يوم التروية بيوم: منزلنا غداً إن شاء الله بالخيف الأيمن، حيث استقسم المشركون. رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات). انتهي. والمسألة المهمة هنا أن هدف النبي أن يذكر قريشاً والمسلمين بحادثةٍ عظيمة وقعت في هذا المكان، قبل نحو أربع عشرة سنة من ذلك اليوم فقط! وهي حادثة تريد قريش أن تدفنها
وأن ينساها الناس، ويريد الله ورسوله أن تخلد في ذاكرة المسلمين والتاريخ.. وكلها عارٌ علي قريش، وفخرٌ للنبي صلي الله عليه وآله وبني هاشم.. وصورةٌ عن جهود فراعنة قريش، حيث استطاعوا أن يحققوا إجماع قبائلهم، ويقنعوا قبائل كنانة القريبة من الحرم بالتحالف معهم وتنفيذ المقاطعة التامة لبني هاشم!! وقد نفذوها لسنين طويلة وضيقوا عليهم اقتصادياً واجتماعياً تضييقاً تاماً، حتي يتراجع محمد عن نبوته، أو يسلمه بنو هاشم إلي قريش ليقتلوه!! وقد اعتبر الفراعنة يومذاك أنهم نجحوا نجاحاً كبيراً وحققوا إجماع قريش وكنانة علي هذا الهدف الشيطاني، وكان مؤتمرهم ذلك في المحصب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا باللات والعزي علي هدفهم، وكتبوا الصحيفة وختمها ثمانون رئيساً وشخصية منهم بخواتيمهم، وبدؤوا من اليوم الثاني بتنفيذها، واستمر حصارهم ومقاطعتهم نحو أربع سنوات وربما أكثر، الي قبيل هجرته صلي الله عليه وآله من مكة!! وقد تضامن بنو هاشم مع النبي صلي الله عليه وآله، وقبلوا أن يحاصروا في شعب أبيطالب، مسلمهم وكافرهم ما عدا أبيلهب، وتحملوا سنوات الحصار والفقر والأذي والإهانة، ولم يشاركهم في ذلك أحد من المسلمين! حتي فرج الله عنهم بمعجزة! لقد أراد النبي صلي الله عليه وآله أن يوعي المسلمين الجدد علي تاريخ الإسلام، وتكاليف الوحي، ليعرفوا قيمته.. ويعرفهم أين يقع معدن الإسلام وأين يقع معدن الكفر! كما أراد أن يبعث بذلك رسالة إلي بقية الفراعنة من زعماء قريش، من أعضاء مؤتر المقاطعة، الذين ما زالوا أحياء، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الكفر والعار، ثم ارتكبوا بعده ما هو أعظم منه، ولم يتراجعوا إلا عندما جمعهم النبي في فتح مكة تحت سيوف بني هاشم والأنصار، فأعلنوا إسلامهم خوفاً من القتل.. وهاهم اليوم يخططون لوراثة دولة
الإسلام التي بناها الله تعالي ورسوله، وهم كارهون!! لقد أهلك الله تعالي عدداً قليلاً من أبطال ذلك الحلف الشيطاني، من سادة مؤتمر المحصب، بالموت، وبسيف علي بن أبيطالب.. ولكن العديد مثل سهيل بن عمرو، وأبيسفيان، وعكرمة بن أبيجهل، وصفوان بن أمية بن خلف، وحكيم بن حزام، وصهيب بن سنان، وأباالأعور السلمي، وغيرهم من زعماء قريش وكنانة.. ما زالوا أحياءً ينظرون، وكانوا حاضرين مع النبي صلي الله عليه وآله في حجة الوداع يسمعون كلامه ويذكرون ماضيهم بالأمس القريب جيداً، ويتعجبون من عفوه عنهم واكتفائه بإقامة الحجة الدامغة عليهم! وكانت تصرفاتهم الظاهرة والخفية، ومنطق الأمور، وشهادة أهل البيت، ومجري التاريخ.. تدل علي فرحهم بأن النبي صلي الله عليه وآله يعلن قرب موته ورحيله عنهم، وأنهم يعدون العدة لما بعده لحصار جديد لبني هاشم باسم الاسلام!! فأراد النبي صلي الله عليه وآله أن يذكرهم بخطتهم في حصارهم القديم، كيف أحبطها الله تعالي! وأنه سيحبط حصارهم الجديد أيضاً ولو بعد حين!! وأما المبدأ السابع من هذا الأساس (تحذيره قريشاً أن تطغي من بعده)، فقد ذكرته أحاديث مصادرنا، وذكرته رواية الهيثمي المتقدمة في مجمع الزوائد عن فهد بن البحيري، الذي استمع علي ما يبدو إلي خطبة يوم عرفة ونقل عن النبي صلي الله عليه وآله قوله: (يا معشر قريش لاتجيئوا بالدنيا تحملونها علي رقابكم وتجيء الناس بالأخرة، فإني لاأغني عنكم من الله شيئاً). انتهي. ونشكر الله تعالي أن فهداً البحيري هذا كان بدوياً، ولم يكن قرشياً ولا كنانياً، وإلا لجعل هذه الرواية سيفاً مسلطاً علي رقبة بني هاشم، وأبعدها عن قريش، كما فعل الرواة القرشيون! فجعلونا نقرأ في مصادر السنيين عشرات الأحاديث (الصحيحة) في تحذير النبي صلي الله عليه وآله
بني هاشم وبني عبدالمطلب وذمهم، ومنها هذا الحديث بهذه الصيغة ولكنه بزعمهم موجه لبني عبدالمطلب.. وليس لقريش!! وجعلونا نقرأ عشرات الأحاديث في مدح قريش ووجوب أن تكون القيادة فيهم! ولا تكاد تجد فيها حديثاً في ذم قريش إلا وقد حرفوه إلي ذم بني هاشم! أو أحبطوا معناه بحديث آخر! أو حولوه إلي مدح لقريش!! وحديث ابنالبحيري هذا في حجة الوداع تحذيرٌ نبويٌّ صريح لقريش، وهو في محله ووقته تماماً.. لأن قريشاً ذات موقع مميز في العرب.. وهي المتصدية لقيادة عرب الجزيرة في حياة النبي صلي الله عليه وآله ومن بعده.. فالخطر علي أهل بيته إنما هو من قريش وحدها.. والتحريف الذي يخشي علي الإسلام.. والظلم الذي يخشي علي المسلمين إنما هو من قريش وحدها.. وبقية القبائل تبع لها! والنبي صلي الله عليه وآله إنما هو مبلغ عن ربه، ومتمم لحجة ربه، وعليه أن يحذر وينذر.. ليحيي من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. وأما المبدأ الثامن من هذا الأساس (تحذيره الصحابة من الإرتداد والصراع علي السلطة)، فقد روته مصادر الجميع بصيغتين: مباشرة، وغير مباشرة.. أما غير المباشرة فهي قوله صلي الله عليه وآله: لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. وقد تقدم في نصوص الخطب أن ابنماجة عقد باباً في سننه:1300:2 تحت هذا العنوان وقال فيه إن النبي صلي الله عليه وآله: (استنصت الناس فقال... ويحكم أو ويلكم، لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض... فلا تقتتلن بعدي). وهذا يعني أن ذلك سوف يقع منهم، وقد أخبرهم أنهم سيفعلون، ولكنه صلي الله عليه وآله استعمل كل بلاغته وكل عاطفته وكل موجبات الخوف والحذر ليقيم الحجة عليهم لربه عزوجل حتي إذا وافوه يوم القيامة
لايقولوا: لماذا لم تحذرنا؟! والذين يحذرهم من الإقتتال ليسوا إلا الصحابة لاغير.. لاغير.. لااليهود ولا القبائل العربية، ولا حتي زعماء قريش بدون شركائهم من الصحابة.. فالدولة الإسلامية كانت قائمة، وقد حققت مركزيتها علي كل الجزيرة، والخوف من الإقتتال بعد النبي صلي الله عليه وآله ليس من القبائل التي خضعت للإسلام طوعاً أو كرهاً، مهما كانت كبيرة وموحدة مثل هوازن وغطفان.. فهي لاتستطيع أن تطمح إلي قيادة هذه الدولة، وإن طمحت فلا حظَّ لها في النجاح، إلا بواسطة الصحابة.. واليهود قد انكسروا وأجلي النبي صلي الله عليه وآله قسماً منهم من الجزيرة، ولم تبق لهم قوة عسكرية تذكر.. ومكائدهم وخططهم مهما كانت قوية وخبيثة، فلا حظَّ لها في النجاح إلا.. بواسطة الصحابة.. وزعماء قريش، مع أنهم يملكون جمهور قبائل قريش، ومعهم ألفا مقاتل، فهم لايستطيعون أن يدعوا حقاً في قيادة الدولة بعد النبي صلي الله عليه وآله لأنهم كلهم أعداؤه وطلقاؤه، يعني كان للنبي صلي الله عليه وآله الحق في أن يقتلهم، أو يتخذهم عبيداً، فاتخذهم عبيداً وأطلقهم.. فلا طريق لهم للقيادة إلا بواسطة العدد الضئيل من الصحابة، من القرشيين المهاجرين.. وبذلك يتضح أن تحذيره صلي الله عليه وآله من الصراع بعده علي السلطة، ينحصر بالصحابة المهاجرين، ثم بالأنصار فقط.. وفقط!! وهنا يأتي دور التحذير المباشر، الذي لاينقصه إلا الأسماء الصريحة.. وقد جاء هذا الإعلان النبوي علي شكل لوحة من الغيب، عن المصير الذي يمشي إليها هؤلاء الصحابة المنحرفون المحرفون! لوحةٌ أخبره بها جبرئيل عليهالسلام عن الله تعالي، يوم يجعل الله محمداً صلي الله عليه وآله رئيس المحشر، ويعطيه جبرئيل لواء الحمد، فيدفعه النبي إلي علي بن أبيطالب، فهو حامل لوائه في الدنيا والآخرة، ويكون جميع
أهل المحشر تحت قيادة محمد صلي الله عليه وآله ويفتخر به آدم عليهالسلام، حتي يدعي أبامحمد.. صلي الله عليه وآله. ويعطي الله تعالي رسوله الشفاعة وحوض الكوثر، فيفد عليه الوافدون من الأمم فيشفع لهم ويعطيهم بطاقة للشرب من حوض الكوثر، ليتغير بتلك الشربة تركيبهم الفيزيائي وتصلح أجسادهم لدخول الجنة والخلود في نعيمها. وعندما يفد عليه أصحابه تحدث المفاجأة: يأتي النداء الإلهي بمنع النبي صلي الله عليه وآله من الشفاعة لهم، ومنعهم من ورود الحوض، ويؤمر ملائكة العذاب بأخذهم إلي جهنم!! هذا هو مستقبل هؤلاء الصحابة علي لسان أصدق الخلق!! إنها صورة رهيبة، جاء بها جبرئيل الأمين، لكي يبلغها النبي صلي الله عليه وآله إلي الأمة في حجة الوداع!! وإنها أعظم كارثة علي صحابة أعظم رسول صلي الله عليه وآله.. ولا بد أن سببها أنهم سوف يوقعون في أمته من بعده.. أعظم كارثة!! ولا ينجو من هؤلاء الصحابة إلا مثل (همل النعم) كما في روايات محبيهم الصحيحة بأشد شروط الصحة كالبخاري.. وهو تعبير نبوي عجيب، لأن همل النعم هي الغنم أو الإبل الفالتة من القطيع، الخارجة علي راعيه! وهو يدل علي أن قطيع الصحابة في النار، وهملهم الذي يفلت منهم، يفلت من النار إلي الجنة! بل ذكر النبي صلي الله عليه وآله أن الصحابة الجهنميين زمرتان، مما يدل علي أنهم خطان من صحابته لاخط واحد، وتقدم قول الحاكم عن حديثه: صحيح علي شرط الشيخين، وفيه (ثم أقبلت زمرة أخري، ففعل بهم كذلك، فلم يفلت إلا كمثل النعم!!). إنها مسألةٌ مذهلةٌ.. صعبة التصور والتصديق، خاصة علي المسلم الذي تربي علي حب كل الصحابة، وخير القرون، والجيل الفريد، وحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.. وعلي الصور واللوحات الرائعة
للصحابة، التي كبر السني المسكين معها وكبرت معه.. فإذا به يفاجأ بهذه الصورة الشيطانية المخيفة عنهم!! لو كان المتكلم عن الصحابة غير الرسول صلي الله عليه وآله لقالوا عنه إنه عدو للإسلام ولرسوله يريد أن يكيد للإسلام عن طريق الطعن في صحابة الرسول.. صلي الله عليه وآله! ولكن المتكلم هو.. الرسول صلي الله عليه وآله.. بعينه.. بنفسه.. وكلامه ليس اجتهاداً منه ولا رأياً رآه، حتي تقول قريش إنه يتكلم في الرضا والغضب، وكلامه في الغضب ليس حجة.. بل هو، يا عبّاد الصحابة المساكين، وحي نزل عليه من رب العالمين!! إنها حقيقةٌ مرةٌ.. ولكن هل يجب أن تكون الحقيقة دائماً حلوة كما نشتهي.. وأن يكون الحق دائماً مفصلاً علي مزاجنا، مطابقاً لموروثاتنا؟! وماذا نصنع إذا كانت أحاديث الصحابة المطرودين، المرفوضين، الممنوعين من ورود الحوض مستفيضة في الصحاح، وهي في غير الصحاح أكثر.. وهي تصرح بأنه لاينجو منهم إلا مثل الهمل!! قال الجوهري في الصحاح:1854:5 والهمل بالتحريك: الإبل التي ترعي بلا راع، مثل النفش، إلا أن النفش لايكون إلا ليلاً، والهمل يكون ليلاً ونهاراً. يقال: إبلٌ هملٌ وهاملة وهمال وهوامل. وتركتها هملاً: أي سدي، إذا أرسلتها ترعي ليلاً ونهاراً بلا راع. وفي المثل: اختلط المرعي بالهمل. والمرعي الذي له راع. انتهي. ولكن السؤال هو: لماذا طرح الرسول صلي الله عليه وآله موضوعهم في حجة الوداع؟! الجواب: لأن الله تعالي أمره بذلك، فهو لاينطق عن الهوي، ولا علم له من نفسه بما سيفعله أصحابه من بعده، ولا بما سيجري له معهم يوم القيامة!! وسؤال آخر: وماذا فعل الصحابة بعد الرسول؟ هل كفروا وارتدوا كما يقول الحديث؟ هل حرفوا الدين؟ هل اقتتلوا علي السلطة والحكم؟! والجواب: إقبل ما يقوله
لك نبيك صلي الله عليه وآله، واسكت، ولا تصر رافضياً! وسؤال آخر: لماذا اختار الله تعالي هذا الأسلوب في التحذير، ولم يهلك هؤلاء الصحابة، الذين سينحرفون، أو يأمر رسوله بقتلهم، أو يكشفهم للمسلمين ليحذروهم! والجواب: هذه سياسته سبحانه وتعالي في إقامة الحجة كاملة علي العباد، وترك الحرية لهم.. ليحيي من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.. ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.. فهو سبحانه مالكهم له حق سؤالهم، وهو لايفعل الخطأ حتي يحاسب عليه. وهو سبحانه أعلم، وغير الأعلم لايمكنه أن يحاسب الأعلم ويسأله! وسؤال آخر: ماذا كان وقع ذلك علي الصحابة والمسلمين؟! ألم يهرعوا إلي الرسول صلي الله عليه وآله ليحدد لهم الطريق أكثر، ويعين لهم من يتبعونه بعده، حتي لايضلهم هؤلاء الصحابة الخطرون؟! والجواب: لقد عين لهم الثقلين من بعده: كتاب الله وعترته، وبشرهم باثني عشر إماماً ربانياً يكونون منهم بعده.. وقبل حجة الوداع وبعدها، طالما حدد النبي صلي الله عليه وآله لهم عترته وأهل بيته بأسمائهم: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام، حتي أن أحاديث الصحاح تقول إنه حددهم حسياً فأدار عليهم كساء يمانياً، وقال للمسلمين: هؤلاء عترتي أهل بيتي!! ولم يكتف بذلك حتي أوقف المسلمين في رمضاء الجحفة بغدير خم، وأخذ بيد علي عليهالسلام وبلغ الأمة إمامته من بعده، ونصب له خيمة، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ويباركوا له ولايته عليهم التي أمر بها الله تعالي. فهنؤوه جميعاً وباركوا له، وأمر النبي صلي الله عليه وآله نساءه وكنَّ معه في حجة الوداع، أن يهنئن علياً فجئن إلي باب خيمته وهنأنه وباركن له.. معلناتٍ رضاهن بولايته علي الأمة. ثم أراد صلي الله عليه وآله في مرض وفاته أن يؤكد
الحجة علي الأمة بوثيقة مكتوبة، فطلب منهم أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً.. ولكنهم رفضوا ذلك بشدة! وقالوا له: شكراً أيها الرسول، لقد قررنا أن نضل، عالمين عامدين مختارين!! ولا نريد أن تكتب لنا أطيعوا بعدي عترتي علياً، ثم حسناً، ثم حسيناً، ثم تسعة من ذرية الحسين! وقالوا: لاتقربوا له دواة ولا قرطاساً!! فهل تريد من نبيك صلي الله عليه وآله أن يقيم الحجة أكثر من هذا؟!
وقد تضمن مبدأ لعن من ادعي إلي غير أبيه، أو تولي غير مواليه... ولا نطيل في هذا الأساس لوضوحه، وقد تقدمت عدة فقرات تتعلق به في نماذج النصوص من خطبه صلي الله عليه وآله. وهي عقوبة أخروية، تتناسب مع مسؤولية النبي صلي الله عليه وآله في التبليغ، والشهادة علي الأمة.. وقد جاءت شديدةً قاطعة، بصيغة قرار من الله تعالي بلعن المخالفين لرسوله صلي الله عليه وآله في أهل بيته، وطردهم من الرحمة الإلهية، وحكماً بعدم قبول توبتهم نهائياً واستحقاقهم العذاب في النار. وربما يزيد من شدتها، أنها كانت آخرفقرة من خطبته صلي الله عليه وآله!! وقد تقدم نص هذه اللعنة النبوية في رواية تحف العقول من مصادرنا، وقد نصت مصادر السنيين علي أنها صدرت من النبي صلي الله عليه وآله في حجة الوداع. ففي سنن ابنماجة:905:2 : عن عمرو بن خارجة أن النبي صلي الله عليه وسلم خطبهم وهو علي راحلته، وإن راحلته لتقصع بجرتها، وإن لغامها ليسيل بين كتفي، قال:... ومن ادعي إلي غير أبيه، أو تولي غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ. أو قال: عدلٌ ولا صرفٌ. وفي سنن الترمذي:293:3 عن أبيأمامة الباهلي
قال: سمعت رسولالله صلي الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع:.... ومن ادعي إلي غير أبيه، أو انتمي إلي غير مواليه، فعليه لعنة الله التابعة إلي يوم القيامة. وفي مسند أحمد:239:4 : عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسولالله صلي الله عليه وسلم وهو بمني علي راحلته، وإني لتحت جران ناقته، وهي تقصع بجرتها، ولعابها يسيل بين كتفي، فقال: ألا ومن ادعي إلي غير مواليه رغبة عنهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ورواه أحمد:187:4 بلفظ: (ألا ومن ادعي إلي غير أبيه، أو تولي غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً أو عدلاً ولا صرفاً). انتهي. ورواه بعدة روايات في نفس الصفحة والتي قبلها، وفي ص186 و.238 ورواه الدارمي في سننه:244:2 و344 ومجمع الزوائد:14:5 عن أبيمسعود، ورواه البخاري في صحيحه:221:2 و67:4. ولعلك تسأل: ما علاقة هذه اللعنة المشددة المذكورة في خطب حجة الوداع وغيرها بوصية النبي صلي الله عليه وآله بأهل بيته؟! فهذه تنصب علي الذي ينكر نسبه من أبيه وينسب نفسه إلي شخص آخر، وعلي العبد الذي ينكر مالكه ويدعي أنه عبدلشخص آخر، أو ينكر ولاءه وسيده الذي أعتقه، ويدعي أن ولاءه لشخص آخر! فهذا هو المعني المعروف (من ادعي لغير أبيه أو تولي غير مواليه)! والجواب: أن مقصود النبي صلي الله عليه وآله بالأبوة في هذه الأحاديث الشريفة: أبوته هو المعنوية للأمة، وبالولاء: ولايته وولاية أهل بيته عليها، وليس مراده الأبوة النسبية ولا ولاء المالك لعبده! والدليل علي ذلك: لو أن ولداً هرب من أبيه، وسجل نفسه باسم والد آخر، ثم تاب من فعلته وصحح هويته، واستغفر الله تعالي.. فإن الفقهاء جميعاً يفتون بأن
توبته تقبل! ولو أن عبداً مملوكاً هرب من سيده ولجأ إلي شخص، وادعي أنه سيده، وبعد مدة رجع إلي سيده واستغفر الله تعالي.. فإن الفقهاء يفتون بأن توبته تقبل. بينما الشخص الملعون في كلام النبي صلي الله عليه وآله مصبوب عليه الغضب الإلهي إلي الأبد! (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً). والصرف هو التوبة، والعدل الفدية، وقد فسرتهما الأحاديث الشريفة بذلك. فهي عقوبة إلهية لاتصلح إلا لحالات الخيانة العظمي، مثل الإرتداد وشبهه، ولا يعقل أن يكون الاسلام شرعها لولدٍ جاهل يدعو نفسه لغير أبيه، أو لعبد مملوك أو مظلوم يدعو نفسه لغير سيده! ويؤيد ذلك أن بعض رواياتها صرحت بكفر من يفعل ذلك، وخروجه من الإسلام! كما في سنن البيهقي:26:8 ومجمع الزوائد:9:1 وكنز العمال:.872:5 وفي كنز العمال:324:10 (من تولي غير مواليه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. أحمد عن جابر). وفي :326:(من تولي غير مواليه فليتبوأ بيتا في النار. ابنجرير عن عائشة). وفي:327 (من تولي غير مواليه فقد كفر. ابنجرير عن أنس). وفي:255:16 (ومن تولي غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله علي رسوله. ش). ولا نحتاج إلي تتبع هذه الأحاديث في مصادرها وأسانيدها، لأنها مؤيدات لحكم العقل القطعي بأن مقصوده صلي الله عليه وآله يستحيل أن يكون الأب النسبي، ومالك العبد. ويؤيد ذلك أيضاً: أن بعض رواياته كالتي مرت آنفاً وغيرها من روايات أحمد، ليس فيها ذكر للولد والوالد، بل اقتصرت علي ذكر العبد الذي هو أقل جرماً من الولد ومع ذلك زادت العقوبة واللعنة عليه، ولم تخففها! ويؤيد ذلك أيضاً: أن هذه اللعنة وردت في بعض روايات الخطب الشريفة بعد ذكر ما ميز به الله تعالي رسوله
صلي الله عليه وآله وأهل بيته عليهمالسلام من مالية خاصة هي الخمس، وحرم عليهم الصدقات والزكوات! ففي مسند أحمد:186:4 خطبنا رسولالله صلي الله عليه وسلم وهو علي ناقته فقال: ألا إن الصدقة لاتحل لي ولا لأهل بيتي، وأخذ وبرة من كاهل ناقته، فقال: ولا ما يساوي هذه، أو ما يزن هذه. لعن الله من ادعي إلي غير أبيه، أو تولي غير مواليه. انتهي. ورواه في كنز العمال:293:5 وفي كنز العمال:235:10 (ومن تولي غير مواليه، فليتبوأ بيتا في النار. ابنعساكر عن عائشة). انتهي. أما في مصادر أهل البيت عليهمالسلام فالحديث ثابتٌ عنه صلي الله عليه وآله في خطب حجةالوداع في المناسك.. وهو أيضاً جزء من حديث الغدير.. ففي بحارالأنوار:123:37 عن أمالي المفيد، عن علي بن أحمد القلانسي، عن عبدالله بن محمد، عن عبدالرحمان بن صالح، عن موسي بن عمران، عن أبيإسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم قال: سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله بغدير خم يقول: إن الصدقة لاتحل لي ولا لأهل بيتي، لعن الله من ادعي إلي غير أبيه، لعن من تولي إلي غير مواليه، الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر، وليس لوارث وصية. ألا وقد سمعتم مني، ورأيتموني.. ألا من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. ألا وإني فرطكم علي الحوض ومكاثر بكم الأمم يوم القيامة، فلا تسودوا وجهي. ألا لأستنقذن رجالاً من النار، وليستنقذن من يدي أقوامٌ. إن الله مولاي، وأنا مولي كل مؤمن ومؤمنة. ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه. انتهي. وروي نحوه في:186 عن بشارة الإسلام. وقال ابنالبطريق الشيعي في كتابه العمدة:344 وأما الأخبار التي تكررت من الصحاح من قول النبي صلي الله عليه وآله: لعن الله من انتمي إلي
غير أبيه، أو توالي غير مواليه، فهي أدل علي الحث علي اتباع أميرالمؤمنين عليهالسلام بعده، بدليل ما تقدم من الصحاح من غير طريق، في فصل مفرد مستوفي، وهو قول النبي صلي الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم قال مؤكداًً لذلك: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فمن كان النبي صلي الله عليه وآله مولاه فعلي مولاه، ومن كان مؤمناً فعلي مولاه أيضاً، بدليل ما تقدم من قول عمر بن الخطاب لعلي لما قال له النبي صلي الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال له عمر: بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولي كل مؤمن ومؤمنة. وفي رواية: مولاي ومولي كل مؤمنة ومؤمن. وهذه منزلة لم تكن إلا لله سبحانه وتعالي، ثم جعلها الله لرسوله صلي الله عليه وآله ولعلي عليهالسلام بدليل قوله تعالي: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون... وقوله صلي الله عليه وآله: من انتمي إلي غير أبيه، فالمراد به: من انتمي إلي غير أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب عليهالسلام في الولاء، مأخوذ من قول النبي صلي الله عليه وآله لعلي عليهالسلام: أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فعلي عاق والديه لعنة الله. انتهي. كما ورد في مصادر الفريقين أن هذا الحديث جزء مما كان مكتوباً في صحيفة صغيرة معلقة في ذؤابة سيف النبي صلي الله عليه وآله الذي ورثه لعلي عليهالسلام.. فقد رواه: البخاري في صحيحه:67:4 ومسلم:115:4 و216 بعدة روايات، والترمذي:..297:3 ورواه غيرهم أيضاً، وقد أكثروا من رواية هذا الحديث لأن الراوي زعم فيه علي لسان علي عليهالسلام أن النبي صلي الله عليه وآله لم يورث
أهل بيته شيئاً من العلم، إلا القرآن وتلك الصحيفة المعلقة في ذؤابة السيف! ورووا فيها لعن من تولي غير مواليه!! وقد وجدنا في مصادرنا مناسبة رابعة لإطلاق النبي صلي الله عليه وآله هذه اللعنة، وذلك عندما كثر طلقاء قريش في المدينة، وتصاعد عملهم مع المنافقين ضد أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله وقالوا: (إنما مثل محمد في بني هاشم كمثل نخلة نبتت في كبا: أي مزبلة) فبلغ ذلك النبي فغضب، وأمر عليا أن يصعد المنبر ويجيبهم!! فقد روي في بحارالأنوار:204:38 عن أمالي المفيد، عن محمد بن عمر الجعابي، عن ابنعقدة، عن موسي بن يوسف القطان، عن محمد بن سليمان المقري، عن عبدالصمد بن علي النوفلي، عن أبيإسحاق السبيعي، عن الأصبغ بن نباتة قال: لما ضرب ابنملجم لعنه الله أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليهالسلام، غدونا نفر من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة، وجماعة معنا، فقعدنا علي الباب، فسمعنا البكاء فبكينا، فخرج إلينا الحسن بن علي فقال: يقول لكم أميرالمؤمنين: انصرفوا إلي منازلكم، فانصرف القوم غيري فاشتد البكاء من منزله فبكيت، وخرج الحسن وقال: ألم أقل لكم: انصرفوا؟ فقلت: لاوالله يا ابنرسولالله لاتتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أنصرف حتي أري أميرالمؤمنين عليهالسلام. قال: فبكيت، ودخل فلم يلبث أن خرج، فقال لي: أدخل، فدخلت علي أميرالمؤمنين عليهالسلام فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء، قد نزف واصفر وجهه، ما أدري وجهه أصفر أو العمامة؟ فأكببت عليه فقبلته وبكيت. فقال لي: لاتبك يا أصبغ، فإنها والله الجنة. فقلت له: جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير إلي الجنة، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أميرالمؤمنين. جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله، فإني أراك لاأسمع منك
حديثاً بعد يومي هذا أبداً. قال: نعم يا أصبغ: دعاني رسولالله صلي الله عليه وآله يوماً، فقال لي: يا علي انطلق حتي تأتي مسجدي، ثم تصعد منبري، ثم تدعو الناس إليك، فتحمد الله تعالي وتثني عليه وتصلي علي صلاة كثيرة، ثم تقول: أيها الناس إني رسول رسولالله إليكم، وهو يقول لكم: إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي علي من انتمي إلي غير أبيه أو ادعي إلي غير مواليه، أو ظلم أجيراً أجره. فأتيت مسجده وصعدت منبره، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي فحمدت الله وأثنيت عليه، وصليت علي رسولالله صلي الله عليه وآله صلاة كثيرة، ثم قلت: أيها الناس إني رسول رسولالله إليكم، وهو يقول لكم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي، علي من انتمي إلي غير أبيه، أو ادعي إلي غير مواليه، أو ظلم أجيراً أجره. قال: فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب، فإنه قال: قد أبلغت يا أباالحسن، ولكنك جئت بكلام غير مفسر، فقلت: أُبْلِغُ ذلك رسولالله صلي الله عليه وآله. فرجعت إلي النبي صلي الله عليه وآله فأخبرته الخبر، فقال: إرجع إلي مسجدي حتي تصعد منبري، فأحمد الله وأثن عليه وصل علي، ثم قل: أيها الناس، ما كنا لنجيئكم بشيء إلا وعندنا تأويله وتفسيره، ألا وإنس أنا أبوكم ألا وإني أنا مولاكم، ألا وإني أنا أجيركم. انتهي. وقد وجدنا لهذا الحديث مناسبة خامسة أيضاً. فقد روي فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره392: قال: حدثنا عبدالسلام بن مالك قال: حدثنا محمد بن موسي بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الحارث الهاشمي قال: حدثنا الحكم بن سنان الباهلي، عن ابنجريج، عن
عطاء بن أبيرباح قال: قلت لفاطمة بنت الحسين: أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث، واحتج به علي الناس. قالت: نعم، أخبرني أبيأن النبي صلي الله عليه وآله كان نازلاً بالمدينة، وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا لرسولالله صلي الله عليه وآله فريضة يستعين بها علي من أتاه، فأتوا رسولالله صلي الله عليه وآله وقالوا: قد رأينا ما ينوبك من النوائب، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها علي من أتاك. قال: فأطرق النبي صلي الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال: إني لم أؤمر أن آخذ منكم علي ما جئتم به شيئاً، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشيء، وإن أمرت به أعلمتكم. قال: فنزل جبرئيل عليهالسلام فقال: يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك، وقد أنزل الله عليهم فريضة: قل لاأسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربي. قال فخرجوا وهم يقولون: ما أراد رسولالله إلا أن تذل الأشياء، وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبدالمطلب. قال: فبعث رسولالله صلي الله عليه وآله إلي علي بن أبيطالب أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل: أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار، ومن ادعي إلي غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار، ومن انتفي من والديه فليتبوأ مقعده من النار! قال: فقام رجل وقال: يا أباالحسن ما لهن من تأويل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فأتي رسولالله صلي الله عليه وآله فأخبره، فقال رسولالله: ويل لقريش من تأويلهن، ثلاث مرات! ثم قال: يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء، ثم أنا وأنت مولي المؤمنين، وأنا وأنت أبواالمؤمنين. انتهي.
في اعتقادنا أن ولاية الأمر
بعد النبي صلي الله عليه وآله كانت أمراً مفروغاً عنه عند الرسول صلي الله عليه وآله، وأن الله تعالي أمره أن يبلغ الأمة ولاية عترته من بعده، كما هي سنته تعالي في أنبيائه السابقين الذين ورث عترتهم الكتاب والحكم والنبوة، وجعلهم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.. ونبينا صلي الله عليه وآله أفضلهم، ولا نبوة بعده، بل إمامة ووراثة الكتاب.. وعترته وذريته صلي الله عليه وآله أفضل من ذريات جميع الأنبياء عليهمالسلام، وقد طهرهم الله تعالي بنص كتابه، واصطفاهم وأورثهم الحكم والكتاب بنص كتابه (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا..). وكان النبي صلي الله عليه وآله كان طوال نبوته يبلّغ ولاية عترته بالحكمة والتدريج، والتلويح والتصريح، لعلمه بحسد قريش لبني هاشم، وخططها لإبعادهم عن الحكم بعده.. بل قد لمس صلي الله عليه وآله مرات عديدة عنف قريش ضدهم، فأجابهم بغضب نبوي! وكانت حجة الوداع فرصةً مناسبةً للنبي صلي الله عليه وآله لكي يبلغ الأمة ولاية الأمر لعترته رسمياً علي أوسع نطاق، حيث لم يبق بعد تبليغ الفرائض والأحكام، واتساع الدولة الإسلامية، والمخاطر المحيطة بها، وإعلان النبي صلي الله عليه وآله قرب رحيله إلي ربه.. إلا أن يرتب أمر الحكم من بعده. بل تدل النصوص ومنطق الأمور، علي أن ذلك كان الهم الأكبر للنبي صلي الله عليه وآله في حجة الوداع، وأن قريشاً كانت تعرف جيداً ماذا يريد صلي الله عليه وآله، وتعمل لمنعه من إعلان ذلك! وأنها زادت من فعاليتها في حجة الوداع لمنع تكريس ولاية علي والعترة عليهمالسلام. ولا يتسع هذا البحث للإستدلال علي المفردات التي ذكرناها.. وكل مفردة منها عليها عدة أدلة.. فنكتفي هنا باستطلاع خطب النبي صلي الله عليه وآله
في حجة الوداع.. حيث ذكرت المصادر أنه صلي الله عليه وآله خطب خمس خطب غير خطبة الغدير، وكان من حق هذه الخطب النبوية أن تنقلها المصادر كاملة غير منقوصة، لأن المستمعين كانوا عشرات الألوف.. ولكنك تراها مجزأة مقتضبة، خاصة في الصحاح المعتمدة رسمياً عند الخلافة القرشية. قال في السيرة الحلبية:333:3 (خطب صلي الله عليه وسلم في الحج خمس خطب: الأولي يوم السابع من ذي الحجة بمكة، والثانية يوم عرفة، والثالثة يوم النحر بمني، والرابعة يوم القر بمني، والخامسة يوم النفر الأول بمني أيضاً). انتهي. وقد راجعنا نصوص هذه الخطب من أكثر من مائة مصدر، فوجدنا فيها الغرائب والعجائب، من التعارض والتضارب، والمؤشرات والأدلة علي تدخلات قريش ورواتها في نصوصها!! وكل ذنب هذه الخطب أن النبي صلي الله عليه وآله أمر المسلمين فيها بإطاعة أهل بيته من بعده، وحذرهم من الإختلاف بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، وأقام عليهم الحجة.. كاملةً غير منقوصة! لكن رغم التعتيم القرشي، ما زال منها في المصادر القرشية نفسها ما فيه بلاغٌ لمن أراد معرفة أوامر نبيه، وتأكيده علي الإلتزام بقيادة عترته الطاهرين من بعده.. صلي الله عليه وعليهم. الأحاديث النبوية في الأئمة الإثني عشر نذكر فيما يلي نصوص أحاديث الأئمة الإثني عشر، حيث اتفق الجميع علي أن النبي صلي الله عليه وآله طرح قضيتهم في خطبه في حجة الوداع! ثم نستعرض باختصار أهم ما تضمنته الخطب الشريفة من محاور تتعلق بها، ومنها حديث الثقلين الكتاب والعترة.. وحديث: حوض النبي صلي الله عليه وآله، والصحابة الذين يمنعون من الورود عليه، ويؤمر بهم إلي النار! روي البخاري في صحيحه:127:8 (جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: يكون اثنا
عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش)! وفي صحيح مسلم:6:3 : (جابر بن سمرة يقول: سمعت رسولالله صلي الله عليه وسلم يقول: لايزال الإسلام عزيزاً إلي اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلهم من قريش)! ثم روي مسلم رواية ثانية نحوها، قال فيها (ثم تكلم بشيء لم أفهمه). ثم روي ثالثة، جاء فيها: (لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلي إثني عشر خليفة، فقال كلمة صَمَّنِيَها الناس! فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش). انتهي. ولم يصرح البخاري ولم يشر إلي أن هذا الحديث جزء من خطبة حجة الوداع في عرفات! وقلدته أكثر المصادر في ذلك! لكن عدداً منها (اشتبه) ونص عليه، ففي مسند أحمد:93:5 و96 و99(عن جابر بن سمرة قال: خطبنا رسولالله صلي الله عليه وسلم بعرفات، فقال...) وفي ص87 (يقول في حجة الوداع...). وفي ص99 منه: (وقال المقدمي في حديثه: سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله يخطب بمني). انتهي. وستعرف أنه صلي الله عليه وآله كرر هذا الموضوع المهم في عرفات، وفي مني عند الجمرة يوم العيد، وفي اليوم الثاني.. ثم في اليوم الثالث في مسجد الخيف. ثم أعلنه صريحاً قاطعاً إلزامياً.. في غدير خم! فما هي قصة الأئمة الإثني عشر؟ ولماذا طرحها النبي صلي الله عليه وآله علي أكبر تجمع للمسلمين، وهو يودع أمته؟! يجيبك البخاري: إن الأئمة بعد النبي أبوبكر وعمر، وهؤلاء ليسوا أئمة تجب طاعتهم دون سواهم، بل هم أمراء صالحون سوف يكونون في أمته في زمن ما، وقد أخبر صلي الله عليه وآله أمته بما أخبره الله تعالي من أمرهم، وأنهم جميعاً من قريش، لامن بني
هاشم وحدهم، بل من البضع وعشرين قبيلة التي تتكون منها قريش، وليس فيهم من الأنصار، ولا من قبائل العرب الأخري، ولا من غير العرب.. وهذا كل ما في الأمر. وتسأل البخاري: لماذا أخبر النبي صلي الله عليه وآله أمته في حجة الوداع في عرفات بهؤلاء الإثني عشر؟ وما هو الأمر العملي الذي يترتب علي ذلك؟! يجيبك البخاري: بأن الموضوع مجرد خبر فقط، فقد أحب النبي صلي الله عليه وآله أن يخبر أمته بذلك، لكي تأنس به! فكأن الموضوع مجرد خبر صحفي ليس فيه أي عنصر عملي!! والنتيجة: أن البخاري لم يروِ في صحيحه في الأئمة الإثني عشر إلا هذه الرواية اليتيمة المجملة المبهمة، التي لايمكنك أن تفهمها أنت ولا قومك! بينما روي عن حيض أم المؤمنين عائشة في حجة الوداع روايات عديدة، واضحة مفهومة، تبين كيف احترمها النبي صلي الله عليه وآله، وأرسل معها من يساعدها علي إحرامها وعمرتها.. إلخ. أما مسلم فكان أكرم من البخاري قليلاً، لأنه اختار رواية يفهم منها أن هؤلاء الإثني عشر هم خلفاء، يحكمون بعد النبي صلي الله عليه وآله! ويفرح المسلم بحديث مسلم هذا، لأنه يعني أن الله تعالي قد حل مشكلة الحكم في الأمة بعد نبيه صلي الله عليه وآله، فهؤلاء أئمة معينون من الله تعالي علي لسان نبيه، ويستمدون شرعيتهم من هذا التعيين، ولا يحتاج الأمر إلي سقيفة واختلافات ثم إلي صراع دموي علي الحكم من صدر الإسلام إلي يومنا هذا.. وملايين الضحايا علي مذبح الخلافة.. وانقساماتٍ في الأمة أدت إلي تراكم ضعفها.. حتي انهارت خلافتها وكيانها علي يد العثمانيين! ولكن رواية مسلم تقول: كلا لم تحل المشكلة، لأن النبي أخبر عنهم إخباراً مجملاً! ولم يخبر المسلمين
عن هويتهم وأسمائهم؟ ولم يسأله أحد من عشرات الألوف الذين أخبرهم بهذا الموضوع الخطير: من هم يا رسولالله؟! ولو أن أحداً سأله عنهم فسماهم أو سمي الأول منهم، لرضيت بذلك كل قبائل قريش وسلمت إليهم الأمر ولم تنازعهم، لأنها قبائل مؤمنة مخلصة، مترفعة عن حطام الدنيا، مطيعة لله تعالي ولرسوله!! وكأن مسلماً يقول: مع أن روايتي فيها إضافة علي ما رواه البخاري فأنا لاأزيد علي ماقال: كلا، كلا.. إن هؤلاء الأئمة هم أناس ربانيون فقط، يعز الله بهم الإسلام.. وهم من قريش.. من قريش.. هذا كل مافي الأمر!! وهكذا لايمكنك أن تصل من البخاري ومسلم إلي نتيجة مقنعة في أمر هؤلاء الأئمة الإثني عشر.. فقد أقفل الشيخان عليك الأبواب، وقالا لك مقولة قريش: إن نبيك تحدث في حجة الوداع عن رائحة الأئمة الإثني عشر فقط.. فَشُمَّهَا واسكت! ولكنك لاتعدم الكشف عن عناصر مفيدة من مصادر قرشية أخري، أقل مراعاة من البخاري ومسلم للسياسة وأهلها، أو أن ظروف أصحابها أحسن من ظروفهما! فقد رووا كلمة (بعدي) بصيغ أكثر دلالة علي أنهم يكونون مباشرة بعد النبي صلي الله عليه وآله. فقد روي أحمد في مسنده:92:5 عن نفس الراوي جابر السوائي قال: إنه سمع رسولالله صلي الله عليه وسلم يقول: يكون (بعدي).. وروي في نفس الصفحة عن نفس الراوي جابر بن سمرة قال: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش. قال ثم رجع إلي منزلهفأتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال ثم يكون الهرج. انتهي. ففي الروايتين كلمة (بعدي) التي يفهم منها أنهم يكونون بعده مباشرة. والرواية الثانية تكشف عن اهتمام قريش بالموضوع، وسؤالهم عن هؤلاء الأئمة الربانيين، وأن القصة في
المدينة، لافي حجة الوداع، فاحفظ ذلك لما يأتي! وقد وردت كلمة بعدي، ومن بعدي، في عدد من روايات الحديث. منها ما رواه أحمد أيضاً في:94:5 عن نفس الرواي (يكون بعدي اثنا عشر أميراًَ، ثم لاأدري ما قال بعد ذلك، فسألت القوم..). وفي:99:5 و:108 عن السوائي أيضاً (يكون من بعدي اثنا عشر أميراً، فتكلم فخفي علي، فسألت الذي يليني أو إلي جنبي، فقال: كلهم من قريش). وفي سنن الترمذي:340:3 (يكون من بعدي اثنا عشر أميراً، قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فسألت الذي يليني، فقال قال: كلهم من قريش). وفي تاريخ البخاري:446:1 رقم:1426 عن جابر بن سمرة أيضاً أنه سمع النبي قال: يكون بعدي اثنا عشر خليفة. وفي الصواعق المحرقة لابن حجر:20: قال: خرج أبوالقاسم البغوي بسند حسن، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسولالله صلي الله عليه وسلم يقول: يكون خلفي اثنا عشر خليفة. انتهي. إذن، فقد طرح النبي صلي الله عليه وآله في حجة الوداع أمر الحكممن بعده، وأخبر عن ربه عزوجل بأن حكم الأمة الشرعي يكون لاثني عشر! ولكن ذلك لايحل مشكلة الباحث، بل يفتح باب الأسئلة علي قريش ورواتها: السؤال الأول: لماذا نري أن روايات هذه القضية الضخمة تكاد تكون محصورة عندهم براوٍ واحد، هو جابر السوائي، الذي كان صغيراً في حجة الوداع، ولعله كان صبياً ابنعشر سنوات! ألم يسمعها غيره؟ ألم يروها غيره من كل الصحابة الذين كانوا حاضرين؟! أم أن غيره رواها.. ولكن رواية جابر فازت بالجائزة لأنها أحسن رواية ملائمة للخلافة القرشية، فاعتمدتها وسمحت بتدوينها! السؤال الثاني: كان المسلمون يسألون النبي صلي الله عليه وآله عن صغير الأمور وكبيرها، حتي في أثناء خطبه، وهذه الروايات تقول
إنه أخبرهم بأمر كبير خطير، عقائدي، عملي، مصيري، مستقبلي.. وتدعي أنه أجمله إجمالاً، وأبهمه إبهاماً.. ثم لاتذكر أن أحداً من المسلمين سأله عن هؤلاء الأئمة الربانيين، وما هو واجب الأمة تجاههم؟! وإذا كانت (قريش) قد ذهبت إلي النبي صلي الله عليه وآله في بيته في المدينة، كما يقول نفس الراوي، وطرقت عليه بابه لتسأله عما يكون بعد مضي هؤلاء الإثني عشر وانتهاء عهودهم.. فهل يعقل أنها لم تسأله عنهم، وعما يكون في زمانهم؟ (وقريش في المدينة تعني عند الرواة عمر وأبابكر فقط؟!) إذن.. قريش سألته عنهم في المدينة.. فأين جوابه؟! وهل يعقل أن أحداً من المسلمين في حجة الوداع من قريش وغير قريش، لم يسأل النبي صلي الله عليه وآله عنهم، ولا عما يكون قبلهم، وبعدهم، وعن واجب الأمة تجاههم.. فأين جواب النبي صلي الله عليه وآله؟!! السؤال الثالث: لماذا خفيت علي الراوي الكلمة الحساسة، التي تحدد هوية الأئمة الإثني عشر، حتي سأل عنها الراوي القريبين منه؟! ثم رووها عن النبي صلي الله عليه وآله في المدينة أيضاً، فخفيت نفس الكلمة! ياسبحان الله!! ثم.. لماذا تؤكد مصادر الخلافة القرشية علي نقل الكلمة المفقودة عن سمرة وأبيه وعمر بن الخطاب فقط؟!... إلي آخر الأسئلة التي تزدحم علي نص هذا الحديث، وتلح علي الباحث أن يبحث عنها في أسواق الحديث والتاريخ؟! سنحاول في الملاحظات والمسائل التالية، أن نسلط الضوء علي كلمة السر المفقودة!!
ومن الذي سأله عنها فشهد له بها؟ جاء في مسند أحمد:100:5 و107: أن الراوي نفسه لم يفهم الكلمة، وخفيت عليه، قال (ثم قال كلمة لم أفهمها قلت لأبي: ما قال؟ قال: قال كلهم من قريش). وفي مستدرك الحاكم:617:3 (وقال كلمة خفيت علي، وكان
أبي أدني إليه مجلساً مني فقلت: ما قال؟ فقال كلهم من قريش). وفي مسند أحمد:90:5 و :98(أن النبي صلي الله عليه وآله نفسه أخفاها وخفض بها صوته، وهمس بها همساً! (قال كلمة خفية لم أفهمها، قال: قلت لأبي ما قال؟ قال: قال كلهم من قريش). وفي مستدرك الحاكم:618:3 (ثم قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمي وكان أمامي: ما قال يا عم؟ قال: قال يا بني: كلهم من قريش). وفي معجم الطبراني الكبير:213:2 و214 ح :1794 (عن جابر بن سمرة عن النبي قال: يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيماً، لايضرهم من خذلهم، ثم همس رسولالله صلي الله عليه وآله بكلمة لم أسمعها، فقلت لأبي ما الكلمة التي همس بها النبي صلي الله عليه وسلم؟ قال أبي: كلهم من قريش). بينما تقول روايات أخري إن الذي ضيع الكلمة هم الناس! وليس الراوي أو النبي.. فالناس- المحرمون لربهم في عرفات، المودعون لنبيهم صلي الله عليه وآله، المنتظرون لكل كلمة تصدر منه- صاروا كأنهم في سوق حراج، وصار فيهم مشاغبون يلغطون عند الكلمة الحساسة ليضيعوها علي المؤمنين، فيضجون، ويكبرون، ويتكلمون، ويلغطون، ويقومون، ويقعدون!! ففي سنن أبيداود:309:2 (قال: فكبر الناس، وضجوا، ثم قال كلمة خفية، قلت لأبي: يا أبة ما قال؟ قال:كلهم من قريش). ومثله في مسند أحمد:98:5 . وفي مسند أحمد:98:5 (ثم قال كلمة أصمنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش). وفي رواية مسلم المتقدمة (صمنيها الناس). وفي ص :93 (وضج الناس.. ثم لغط القوم وتكلموا، فلم أفهم قوله بعد كلهم). وفي نفس الصفحة: (لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، ينصرون علي من ناواهم عليه إلي اثني عشر خليفة. قال فجعل الناس يقومون ويقعدون...)! هذا عن
سبب ضياع الكلمة! فهل فهمت؟!! أما الذين سألهم جابر بن سمرة عن الكلمة، فتقول أكثر الروايات إنه سأل أباه سمرة، فتكون الشهادة بتوسيع دائرة الأئمة من هاشم إلي قريش، متوقفة علي وثاقة سمرة الذي لم يثبت أنه دخل في الإسلام! كما رأيت في روايتي البخاري ومسلم، وغيرهما. ولكن في رواية أحمد:92:5 (فسألت القوم كلهم فقالوا: قال كلهم من قريش). ونحوه في ص90 وفي ص :108 (فسألت بعض القوم، أو الذي يلي: ما قال؟ قال كلهم من قريش). وفي:99:5 (فخفي علي فسألت الذي يليني)، ونحوه في:108:5 . وفي معجم الطبراني الكبير:249:2 ح:2044 أن ابنسمرة قال: إن القوم زعموا زعماً أن النبي صلي الله عليه وآله قال إنهم من قريش! قال: ثم تكلم بشيء لم أسمعه، فزعم القوم أنه قال: كلهم من قريش)!! فهل يمكن للإنسان أن يقبل خفاء أهم كلمة عن الأئمة الذين بشر بهم النبي صلي الله عليه وآله، وفي مثل ذلك الجو الهادئ المنصت في عرفات! وأن أحداً من الئة وعشرين ألف مسلم الذين كانوا يستمعون الي نبيهم وهو يودعهم.. لم يسأل النبي عن الكلمة الخفية التي هي لب الموضوع؟! ومما يكشف لك الحقيقة أن جابر بن سمرة نفسه روي أن النبي صلي الله عليه وآله كان يخطب وهو راكبٌ علي ناقته، وهذا يعني أنه كان حريصاً علي أن يوصل صوته إلي الجميع! ففي مسند أحمد:87:5 (ثم خفي من قول رسولالله صلي الله عليه وسلم، قال: وكان أبي أقرب إلي راحلة رسولالله صلي الله عليه وسلم مني! انتهي.! بل رووا أنه النبي صلي الله عليه وآله أمر شخصاً جَهْوَرِيّ الصوت فكان يلقي خطبته جملة جملةً، وكان يأمره أن (يصرخ) بها ليسمعها الناس! ففي مجمع
الزوائد:270:3 عن عبدالله بن الزبير قال: كان ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي وهو الذي كان يصرخ يوم عرفة تحت ناقة رسولالله صلي الله عليه وسلم، وقال له رسولالله صلي الله عليه وسلم: أصرخ- وكان صيِّتاً- أيها الناس أتدرون أي شهر هذا؟ فصرخ، فقالوا: نعم، الشهر الحرام. قال فإن الله عزوجل قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلي أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا. ثم قال: أصرخ: هل تدرون أي بلد هذا... إلخ. وعن ابنعباس... فلما وقف رسولالله صلي الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت ثدي ناقته، وكان رجلاً صيتاً، فقال: أصرخ أيها الناس أتدرون أي شهر هذا... إلخ. رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. انتهي. والذي يزيد في ترجيح أن النبي قال (من عترتي) أو (من أهل بيتي)، ولم يقل (من قريش) أنهم رووا الحديث عن نفس هذا الراوي بعدة صيغ مختلفة، ولكن الكلمة المفقودة في الجميع تبقي واحدة لاتتغير.. بل رووا عن نفس الراوي أن الحديث صدر من النبي صلي الله عليه وآله في المدينة، وليس في حجة الوداع في عرفات.. ولكن الكلمة المفقودة تبقي نفسها، وهي هوية الأئمة الإثني عشر!! ففي مسند أحمد:97:5 و107 عن جابر بن سمرة قال: جئت أنا وأبي إلي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقول: لايزال هذا الأمر صالحاً حتي يكون اثنا عشر أميراً، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش. انتهي. ثم رووه عن جابر هذا، وأن النبي صلي الله عليه وآله بشر بهؤلاء الأئمة الربانيين وهو يخطب في مسجده بالمدينة، وهو مسجد صغير محدود، ولكن الكلمة نفسها بقيت خفية علي جابر بن سمرة.. حتي
سأل عنها الخليفة القرشي عمر بن الخطاب.. فأخبره بها! ففي معجم الطبراني الكبير:256:2 ح:2073 عن جابر بن سمرة: (قال سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله وهو يخطب علي المنبر ويقول: اثنا عشر قيماًَ من قريش، لايضرهم عداوة من عاداهم، قال: فالتفت خلفي، فإذا أنا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي في ناس، فأثبتوا لي الحديث كما سمعت). انتهي. وقال عنه في مجمع الزوائد:191:5 رواه البزار عن جابر بن سمرة وحده، وزاد فيه: ثم رجع، يعني النبي صلي الله عليه وسلم، إلي بيته، فأتيته فقلت: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج. ورجاله ثقات. انتهي. وعلي هذا صار الحديث: اثني عشر قيماً والناس يعادونهم!! وصار الذي أثبت له هوية هؤلاء القيمين علي الأمة جماعة فيهم عمر وأبوه! فقد تغيرت صيغة الحديث، وصفات الأئمة فيه، ومكانه، والشخص الذي سأله عن الكلمة المفقودة، لكنها ما زالت.. نفسها نفسها!! والأعجب من الجميع أنهم رووا الحديث عن راوٍ آخر، هو أبوجحيفة، فخفيت عليه نفس الكلمة أيضاً!! ولكنه سأل عنها عمه، وليس أباه! ففي مستدرك الحاكم:618:3 عن عون بن أبيجحيفة عن أبيه قال: كنت مع عمي عند النبي صلي الله عليه وآله فقال: لايزال أمر أمتي صالحاً حتي يمضي اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمي وكان أمامي: ما قال يا عم؟ قال: قال يا بني: كلهم من قريش. انتهي. وقال عنه في مجمع الزوائد:190:5 رواه الطبراني في الأوسط والكبير، والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح. انتهي. نجد أنفسنا هنا أمام ظاهرة لامثيل لها في جميع أحاديث رسولالله صلي الله عليه وآله!! وهي تدل بشكل قاطع علي أن أمر هذا الحديث مهم جداً جداً، وأن في الأمر
سراً يكمن في كلمة: كلهم من قريش!! ويتبادر إلي الذهن هنا افتراض أن يكون الراوي الأصلي للحديث هو عمر وهو الذي صححه لهذا الصبي جابر بن سمرة وأثبته له وأمره أن يرويه هكذا! فقد روي الخزاز القمي الرازي في كتابه كفاية الأثر90: عن عمر وحده، بدون ابنسمرة وأبيه، وبدون أبيجحيفة وعمه، قال الخزاز: حدثنا أبوالمفضل محمد بن عبدالله قال: حدثنا الحسن بن علي زكريا العدوي، عن شيث بن غرقدة العدوي قال: حدثنا أبوبكر محمد بن العلا قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري، عن شريك بن عبدالله، عن المفضل بن حصين، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله يقول: الأئمة بعدي اثنا عشر، ثم أخفي صوته فسمعته يقول: كلهم من قريش. قال أبوالمفضل: هذا غريب لاأعرفه إلا عن الحسن بن علي بن زكريا البصري بهذا الإسناد، وكتبت عنه ببخارا يوم الأربعاء، وكان يوم العاشور، وكان من أصحاب الحديث إلا أنه كان ثقة في الحديث. انتهي. وبناءاً علي هذه الرواية المرجحة عندنا فإن توسيع هوية هؤلاء الأئمة الإثني عشر الي جميع قريش، بدل عترة النبي فقط، أصله رواية عمر! وهو منسجم مع ما كان يقوله لبني هاشم في حياة النبي وعند وفاته: إن قريشاً تأبي أن تجمع لكم، يا بني هاشم، بين النبوة والخلافة!!
إن الوعد النبوي بالإثني عشر إماماً من بعده.. وعدٌ إلهيٌّ من لدن حكيم خبير.. وهو وعد منه سبحانه بأئمة بعد رسوله، كما هي سنته تعالي في الأمم السابقة، ورحمةٌ منه لهذه الأمة بحل أصعب مشكلة تواجهها الأمم بعد أنبيائها علي الإطلاق! فهل تقبل عقولنا أن الله تعالي قد أمر رسوله صلي الله عليه وآله بأن يدل أمته علي
قادة مجهولين؟! نحن نري أن الله تعالي وعد الأمم السابقة علي لسان عيسي عليهالسلام برسول يأتي من بعده بخمس مئة سنة، ومع ذلك سماه باسمه فقال: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. سورة الصف-6) صلي الله عليه وآله. فكيف يعقل أنه تعالي وعد الأمة الخاتمة علي لسان نبيها بقادتها الربانيين (القيمين علي الأمة) بعد نبيها ثم لايسمي أولهم علي الأقل، ولا يسمي أسرتهم، بل يكتفي بالقول إنهم من بضع وعشرين قبيلة تنتمي الي قريش!! إن التصديق بذلك يعني نسبة عدم الحكمة إلي الله عزوجل، ورسوله صلي الله عليه وآله! لأن من شأنه أن يشعل الصراع بين هذه القبائل التي تتنازع علي الأمور الصغيرة، الأقل من السلطة ورئاسة الدولة بآلاف المرات كسرقة جمل في مكة؟! فهل يجرؤ عاقل يعرف صفات ربه، علي نسبة ذلك الي الله تعالي! نعم قد يكون من المصلحة في بعض الإخبارات النبوية أن يبدأ النبي صلي الله عليه وآله بإلقائها عامة تثير السؤال، حتي إذا سأله الناس عنها بينها لهم، ليكون بيانها بعد سؤالهم أوقع لثبوتها في نفوسهم.. لكن أين أسئلة المسلمين عن هؤلاء الأئمة، وأجوبة نبيهم صلي الله عليه وآله؟ إنك لاتجدها إلا في مصادر أحاديث الشيعة فقط!
لو غضضنا النظر عن كل الإشكالات علي الحديث، وقبلنا أنه صدر عن النبي صلي الله عليه وآله بصيغته التي صححوها في مصادرهم.. فهو إذن يقول: إن قادة الأمة الخاتمة اثنا عشر ربانياً قيماً علي الأمة، وإنهم من قريش. ويأتي هنا السؤال: من أي قريش اختارهم الله تعالي؟ إن بطون قريش أو قبائلها أكثر من عشرين قبيلة.. وقد ثبت في صحاحهم أن الله تعالي اختار قريشاً من العرب، واختار هاشماً من قريش..
فهل يعقل من الحكيم الذي اختار الله تعالي معدن هاشم علي غيره، أن يختار الأئمة الإثني عشر الوارثين لنبيه صلي الله عليه وآله.. من غير بني هاشم؟!! ففي صحيح مسلم:58:7 عن واثلة بن الأسقع: سمعت رسولالله صلي الله عليه وسلم يقول: إن الله اصطفي كنانة من ولد إسماعيل، واصطفي قريشاً من كنانة، واصطفي من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم. انتهي. ورواه الترمذي:245:5 وقال (هذا حديث حسن صحيح غريب). وقال عنه في ص :243 (هذا حديث حسن صحيح). ثم روي عدة أحاديث بمضمونه، منها: عن العباس بن عبدالمطلب قال: قلت يا رسولالله إن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض. (والكبوة المزبلة!) فقال النبي صلي الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم خير القبائل فجعلني من خير القبيلة، ثم خير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً، وخيرهم بيتاً. هذا حديث حسن. وروي نحوه بعده بسند آخر، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. انتهي. وفي صحيح البخاري:138:4 باب قول الله تعالي: وإذ كر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً. وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة. إن الله اصطفي آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران علي العالمين، إلي قوله يرزق من يشاء بغير حساب. قال ابنعباس: وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران وآل ياسين، وآل محمد، صلي الله عليه وسلم. انتهي. ويطول الكلام لو أردنا أن نستعرض ما ورد من القرآن والسنة في اختيار الله تعالي لبني هاشم، واصطفائهم، وتفضيلهم، وحقهم علي الأمة. وليس ذلك إلا بسبب أن النبي صلي الله عليه وآله
وعترته منهم، فهم جوهرة معدن هاشم، بل هم جوهرة كل بني آدم. ويمكن للباحث هنا أن يصل بمعادلة بسيطة، بشهادة البخاري، إلي أن هؤلاء الأئمة الإثني عشر هم آل محمد صلي الله عليه وآله.. فالأئمة بنص الحديث اثنا عشر اختارهم الله من قريش، وآل محمد بنص هذا الحديث اصطفاهم الله تعالي كآل إبراهيم. فالأئمة المبشر بهم إذن.. هم آل محمد المصطفون، المطهرون. ويؤيد ذلك ما رواه البخاري من أن علياً أول شاكٍ من هذه الأمة يوم القيامة! فهذا يعني أنه صاحب قضية هامة أعطاها الله الأولوية في محكمته الكبري علي كل قضايا الأمة، بل علي قضايا الأمم قاتبة.. لأنها أعظم ظلامة في تاريخ النبوات والأمم علي الاطلاق!! قال البخاري في صحيحه:6:5 (عن قيس بن عبادة عن علي بن أبيطالب رضي الله عنه أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)!! انتهي. وبهذا يمكننا أن نفهم قول علي عليهالسلام في نهجالبلاغة:82:1 : والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم، فأدخلناهم في حيزنا، فكانوا كما قال الأول: أدمت لعمري شُرْبَك المحضَ صابحاً++ و أكلك بالزُّبد المقشرة البُجْرَا ونحن هبناك لعلاء ولم تكن++ علياً وحُطْنَا حولك الجُرد والسمرا
من المتفق عليه بين المسلمين أن كلامه صلي الله عليه وآله بمنزلة القرآن يفسر بعضه بعضاً. وذلك أصل عقلائي عند كل الأمم في تفسير نصوص أنبيائها، فإن أي أمة تجد نصاً عن نبيها بالبشارة باثني عشر إماماً من بعده، ولا تعرفهم من هم.. تنظر في نصوصه وأقواله وأفعاله الأخري، لتعرف منها مقصوده بهؤلاء القادة المبشر بهم علي لسانه! وإذا نظرنا إلي ما صدر عن نبينا الذي لاينطق عن الهوي صلي الله عليه
وآله في حق عترته: علي وفاطمة والحسن والحسين وذريتهم عليهمالسلام، مما اتفق عليه المسلمون، وحكموا بصحته.. لايبقي عندنا شك في أنه يقصد هؤلاء الذين مدحهم في مناسبات عديدة، وبيّن للأمة أن الله تعالي مدحهم في آياته، وطهرهم من الرجس تطهيراً، وأوجب علي المسلمين مودتهم، وأوجب عليهم أن يصلوا عليهم معه في صلواتهم، وحرم عليهم الصدقة، وجعل لهم الخمس في ميزانية الدولة، وجعلهم وصيته وأمانته في أمته، وجعلهم عدلاً لكتاب الله تعالي وسماهم معه (الثقلين). ولا يتسع المقام لبسط الكلام فيما صدر في حقهم من النبي صلي الله عليه وآله من المديح والتعظيم، والتحذير من مخالفتهم وظلمهم.. فهذه الأحاديث عبرةٌ لمن كان له قلب، وكفايةٌ لمن ألقي السمع، وشهادةٌ لمن أراد الحجة.
ذكرت روايات الخطب الشريفة في حجة الوداع، أن النبي صلي الله عليه وآله ذكر الأئمة الإثني عشر، وذكر استدارة الزمن كأول ما خلق الله الأرض وقرأ الآية: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً. ففي صحيح البخاري:126:5 عن أبيبكرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو العقدة وذو الحجة والمحرم ورجب. انتهي. ورواه أيضاً في204:5 و.235:6 وأبوداود في:.435:1 وأحمد في:37:5 . ورواه في مجمع الزوائد:265:3 بصيغة أقرب إلي أسلوب النبي صلي الله عليه وآله من رواية البخاري، جاء فيها: (ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، ثم قرأ: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم. ألا لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب
بعض...). انتهي. وقد ذكر المفسرون والشراح السنيون أن المعني إلغاء النسيء الذي ابتدعته العرب للأشهر الحرم، وبذلك يرجع تأخير الزمن والتوقيت إلي هيئته الأولي فلا نسيء بعد اليوم. ولكنه تفسير غير مقنع، فإن نسيء العرب لم يكن مؤثراً في الزمن والفلك، حتي يرجع الزمن إلي حالته الأولي بإلغاء النسيء! كما أنه لادليل علي ارتباط استدارة الزمان بالنسيء في كلامه صلي الله عليه وآله، فهو موضوع مستقل عن النسيء وإن اشتبه الشراح في ربطه به! وبما أن النبي صلي الله عليه وآله في مقام توديع أمته، وبيان مرحلة ما بعده من الهدي والضلال، والعقائد والأحكام، وطريق الجنة والنار.. فقد يقصد بإخباره باستدارة الزمن: أن مرحلة جديدة بدأت من ذلك اليوم فما بعده، من قوانين الهداية والإضلال الإلهي. وأن حركة الزمن المادي قوامها الأشهر الإثنا عشر، وحركة الزمن بقانون الهداية والضلال معالمها الأئمة الإثنا عشر عليهمالسلام، الذين ينسجم وجودهم التكويني والمادي مع نظام الإثني عشر شهراً في تكوين السماوات والأرض. ويؤيد ذلك: قداسة عدد الإثني عشر في القرآن، ونظام الإثني عشر نقيباً الذي شرعه الله في بني إسرائيل، والإثني عشر حوارياًَ لعيسي، وأن النبي صلي الله عليه وآله طلب من الأنصار في أول بيعتهم له أن يختاروا منهم اثني عشر نقيباً.. ثم بشر الأمة بالأئمة الإثني عشر من بعده.. بل تدل الأحاديث الشريفة علي أن معالم الضلال في الأمة بعد النبي تتمثل في اثني عشر (إماماً) مضلاً من أصحابه، وقد شدد النبي صلي الله عليه وآله علي التحذير منهم! فمقابل كل إمام هدي إمام ضلال، كما أن مقابل كل نبي عدو من المجرمين، يعمل لإضلال الناس! قال الله تعالي: (ويوم يعض الظالم علي يديه يقول يا ليتني
اتخذت مع الرسول سبيلاً. يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولاً. وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً. وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفي بربك هادياً ونصيراً. سورة الفرقان:27-31 . وفي صحيح مسلم:8 :123-122 قال النبي صلي الله عليه وسلم: في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لايدخلون الجنة حتي يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم! إن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال: إن في أمتي- قال شعبة: وأحسبه قال: حدثني حذيفة، وقال غندر: أراه قال: في أمتي- اثنا عشر منافقاً، لايدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتي يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر في أكتافهم، حتي ينجم من صدورهم. حدثنا أبوالطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟! قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. انتهي. ورواه أحمد في:320:4 وغيرها، ورواه كثيرون. والنتيجة: أنه لايبعد أن يكون قصد النبي صلي الله عليه وآله أن يخبر المسلمين بأن الله تعالي أقام الحياة البشرية من يوم خلق السماوات والأرض، وخلق الجنس البشري، علي قانون الهداية والضلال بإتمام الحجة، وإمهال الناس ليعملوا بالهدي أو بالضلال.. فكان لابد من وجود عنصري الهدي وعناصر الضلال معاً، كعنصري السلب والإيجاب في الطاقة، فألهم النفس البشرية
فجورها وتقواها، وأنزل آدم إلي الأرض ومعه إبليس، وبعث الأنبياء عليهمالسلام ومع كل نبي عدو مضل أو أكثر، وجعل بعدهم أئمة ربانيين يهدون، وأئمة ضلال منافقين يضلون.. وعدد كل منهم في هذه الأمة اثنا عشر.. وأنه قد بدأت بهم دورة جديدة من الهدي والضلال، كما بدأت بآدم وإبليس.. ولذلك استدار الزمن كهيئته في أوله بانتهاء الفترة، ووضوح الحجة. ويؤيد هذا الدليل العقلي صريح ما ورد من طريق أهل البيت عليهمالسلام في تفسير آية (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشرشهراً).
روت مصادر السنيين حديث الأئمة الإثني عشر عن عدة رواة. وهم: عبدالله بن مسعود. وأبوجحيفة. وجابر بن سمرة السوائي، وهذا الأخير أهمهم، لأن الصحاح اعتمدت روايته كما تقدم. وهو جابر بن سمرة بن جنادة. وقد ذكر ابنحجر في تهذيب التهذيب:35:2 في نسبه (يُقاليْن): فقال: يقال (ابنعمرو بن جندب بن حجير ابنرئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة السوائي. ويقال: من قبيلة عامر بن صعصعة. ويؤيد هذا الشك أن الذهبي قال في ترجمته:187:3 (وهو وأبوه من حلفاء زهرة) انتهي. فولو كان من بني عامر بن صعصعة، لم يحتج أن يكون حليفاً لأنهم قرشيون علي السواء مع بني زهرة! وسمرة هذا، من الطلقاء. فقد قال في تهذيب التهذيب:206:4 : (وقرأت بخط الذهبي إنما مات في ولاية عبدالملك ابنه جابر، وأما سمرة فقديم. وذكر ابنسعد أنه أسلم عند الفتح، ولم أقف علي من أرخ وفاته غير من تقدم). انتهي. ويفهم منه أن الذهبي يشك في أن سمرة قد أسلم، ولذا قال أن ابنسعد ذكر ذلك. ولكن البخاري قال في التاريخ الكبير:177:4 : (إن لسمرة هذا صحبة). انتهي. أما جابر ابنه فهو فرخُ طليق، فقد كان
صغيراً عند فتح مكة، لأنه توفي سنة 76 ولأنه يروي أن النبي صلي الله عليه وآله مسح علي خد الصبيان المصلين في المدينة بعد الفتح وكان منهم. (سير أعلام النبلاء:187:3). ولعل جابر بن سمرة عاش في كنف خاله سعد بن أبيوقاص في المدينة، وقد روي أنه اشترك في فتح المدائن، ثم سكن الكوفة وابتني بها داراً. (أسد الغابة:254:1) وعلي هذا يكون جابر في حجة الوداع صبياً صغيراً أو مراهقاً، ويكون الراوي الوحيد المعتمد في الصحاح لحديث أئمة هذه الأمة بعد نبيها.. هذا الصبي الطليق من حلفاء قريش! فاعجب ما شئت لشيوخ قريش، وكبار الصحابة، حيث لم يكن عندهم ذكاء هذا الصبي الطليق، واهتمامه بمستقبل الأمة، وأئمتها الربانيين! أو فاعجب للخلافة القرشية كيف سيطرت علي مصادر الحديث النبوي عند السنيين، فلم تسمح بتدوين حديث في الأئمة الإثني عشر، الذين بشر بهم رسول رب العالمين صلي الله عليه وآله.. إلا حديث هذا الصبي!!
في مصادر السنيين ثلاث صيغ لحديث الأئمة الإثني عشر، وثلاثة رواة: وقد اتفقوا علي تصحيح حديث جابر بن سمرة، وعلي تحسين حديث أبيجحيفة المشابه له، وبعضهم صححه. واختلفوا في تصحيح حديث ابنمسعود الذي يختلف عنهما، بحجة أن في سنده مجالد بن سعيد، الذي لم يوثقه إلا النسائي وبعض علماء الجرح والتعديل، وضعفه آخرون. ولا بد أن نضيف إلي رواة الحديث راويين آخرين هما: سمرة السوائي والد جابر وعمر بن الخطاب، لأن الروايات تقول إنه سألهما عن الكلمة الخفية فأخبراه بها. بل يجب أن نعد عمر بن الخطاب راوياً مستقلاً، كما تقدم في رواية كفاية الأثر.. وإليك جانباً من كلماتهم في حديث ابنمسعود: قال في مجمع الزوائد:190:5 باب الخلفاء الإثني عشر: عن مسروق قال:
كنا جلوساً عند عبدالله وهو يقرؤنا القرآن فقال رجل: يا أباعبدالرحمن، هل سألتم رسولالله صلي الله عليه وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبدالله: ما سألني عنها أحد مذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم ولقد سألنا رسولالله صلي الله عليه وسلم فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل. رواه أحمد وأبويعلي والبزار، وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. انتهي. وقال الحاكم:501:4 بعد رواية هذا الحديث: لايسعني التسامح في هذا الكتاب عن الرواية عن مجالد وأقرانه، رحمهم الله. انتهي. ولكن ابنحجر حسنه فقال في الصواعق المحرقة:20 فقال: (وعن ابنمسعود بسند حسن). وكذا السيوطي في تاريخ الخلفاء:10 حيث قال: (وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابنمسعود). وكذا البوصيري حيث نقل عنه في كنز العمال:89:6 (رواه مسدد وابنراهويه وابنأبيشيبة وأبويعلي وأحمد بسند حسن). وقد روت مصادرهم حديث ابنمسعود مثل: أحمد:398:1 و.406 وكنز العمال89:6 عن طبقات ابنسعد وابنعساكر، وفي32:2 عن أحمد. والطبراني، وابنحماد.. وغيرهم. وإذا كانت علة رواية ابنمسعود عندهم وجود مجالد، فقد روته مصادرنا بسند ليس فيه مجالد، كما في كتاب الإختصاص للصدوق233: وكفاية الأثر للخزاز73: والغيبة للنعماني106: وسيأتي بعض ذلك. ولكن ذلك لايشفع للحديث عند إخواننا السنيين ولا يجعله يستحق أكثر من لقب (حسن)! بل يبدو أن هذه الدرجة من الصحة ثقيلة عليهم، لأن مشكلته الأصلية عندهم أنه لم يذكر عبارة (كلهم من قريش) وأنه يفهم منه أن هؤلاء الأئمة الربانيين يجب أن يكونوا حكام الأمة بعد نبيها. فهو يضع علامة استفهام كبيرة علي ما تم في السقيفة في غياب بني هاشم، وانشغالهم بجنازة النبي صلي الله عليه وآله!!
روت مصادر السنيين حديث الأئمة الاثني عشر عن جابر
بن سمرة بصيغتين، وجاء حديث أبيجحيفة بإحداهما، وانفرد حديث ابنمسعود بصيغته.. فتكون الصيغ ثلاثاً: الأولي: مفادها أن هؤلاء الموعودين يكونون بعد النبي صلي الله عليه وآله وأنهم من قريش. وهذا مضمون أكثر روايات ابنسمرة. وقد عرفت أن أنهم صححوا هذه الصيغة، ومنهم الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم1075 . الثانية: أن هؤلاء الأئمة الاثني عشر يحكمون بعد النبي صلي الله عليه وآله وأنهم من قريش، وأن الإسلام لايزال عزيزاً مدة حكمهم، ثم يضعف ويذل أو ينهار. وهي صيغة عدد من روايات جابر بن سمرة، وصيغة كل روايات أبيجحيفة أيضاً. وقد صححها كثير من علمائهم، ومنهم الألباني في سلسلته أيضاًبرقم376 قال: عن ابنسمرة، وحسن رواية أبيجحيفة، وجعل رواية ابنمسعود شاهداً علي صحتهما، ورد زيادة أبيداود وغيره التي تصف هؤلاء الأئمة بأن الأمة تجتمع عليهم، ووصف هذه الزيادة بأنها منكرة. الثالثة: أنهم يكونون بعد النبي صلي الله عليه وآله كأوصياء موسي وعيسي عليهمالسلام بدون ذكر قريش. وهي صيغة أكثر روايات حديث ابنمسعود. وأهم ملاحظة علي هذه الأحاديث وصيغها، تفاوتها واضطرابها، وهو أمر غير مقبول في حديث من هذا النوع.. وتعارض لايقبل الحل، لأنه موجود حتي في الصيغ والألفاظ المنقولة عن الراوي الواحد! فلو وجدنا نصاً متضارباً شبيهاً لأحديث الأئمة الاثني عشر عن شيخ قبيلة صغيرة، قاله لقبيلته وهو يودعها قبل موته، وأخبرها بفراسته عن شيوخها الذين سيحكمونها من بعده.. لقلنا بوقوع تحريف في كلامه! فكيف نقبل بذلك لسيد الأنبياء صلي الله عليه وآله وسيد البلغاء، وهو يودع خاتمة الأمم، ويخبرها عن ربه بأئمتها من بعده، وعلي أوسع ملأ من جماهيرها!! التهمة بالدرجة الأولي هي احتمال تحريف هوية هؤلاء الأئمة.. والمتهم هو المستفيد من ذلك، وهو السلطة التي
حكمت بعد النبي صلي الله عليه وآله وهي التي أبعدت أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله عن الحكم، بل بادرت إلي بيعة السقيفة بدون أن تخبرهم، مغتنمةً انشغالهم بجنازة النبي صلي الله عليه وآله!! وتتأكد التهمة لرواة الحديث عند الباحث المحايد عندما يجد أن التفاوت والتعارض، قد تركز علي صفة هؤلاء الأئمة الموعودين ومقامهم الإلهي، وهويتهم، ونسبهم، ووقتهم، ومدتهم! وهو أمر يضعف الثقة بصيغ الحديث في مصادر السنة، ويقوي الثقة بصيغه المتوافقة المجمع علي مضمونها الواردة في مصادرنا، والتي تقول إنه صلي الله عليه وآله قال لهم إنهم من عترته غرسوا في هذا الحي من بني هاشم، وإنهم علي والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين عليهمالسلام. ولهذا كان أميرالمؤمنين عليهالسلام يجاهر بهذه الحقيقة، ويصدع بها علي منبر الخلافة فيقول (نهجالبلاغة:27:2 ) (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يستعطي الهدي ويستجلي العمي. إن الأئمة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم. لاتصلح علي سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم)!!
وهذا واضح من الحديث.. فما دام الله تعالي قد اختارهم، فواجب الأمة أن تطيعهم (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) فهم يستمدون شرعيتهم من رب الأمة، ورب الناس ومالكهم، وهو الحكيم الخبير بما يصلح عباده.. واختياره للناس أفضل من اختيارهم لأنفسهم، وألزم. فالأئمة الإثنا عشر من هذه الناحية مفروضو الطاعة من الله تعالي شبيهاً بالأنبياء عليهمالسلام، والنبي لايكون بالإنتخاب، ولا يحتاج إلي أن يبايعه الناس.. بل لو لم يبايعه أحد من الناس، وآذوه وقتلوه.. فإن ذلك لاينقص من وجوب طاعته
شيئاً! ولو بايعه كل الناس لكان معناه اعترافهم بحق الطاعة الذي جعله الله له، وإعلان التزامهم به، لاأكثر. فبيعة الناس للأنبياء وأوصيائهم عليهمالسلام إنما هي بيعة اعتراف والتزام بحقهم في الإطاعة، وهي تؤكد هذا الحق، ولا تنشؤه. وهذا هو السبب في أن النبي صلي الله عليه وآله كان يأخذ البيعة علي المسلمين في المنعطفات الهامة في حياة الأمة، ليؤكد بذلك عليهم الإلتزام بإطاعته في السراء والضراء، والحرب والسلم، وفيما أحبوا أو كرهوا! وهذا هو السبب نفسه في أن النبي صلي الله عليه وآله بعد أن بلغ الأمة ولاية علي عليهالسلام في غدير خم، أمر بأن تنصب له خيمة وأن يهنئه المسلمون بولايته التي أمر الله تعالي بها.. أن يهنئوه تهنئة، ثم يبايعوه.. فالإختيار الإلهي قد تم، وهو يحتاج إلي قبول وتهنئة، ولا يحتاج إلي مشورتهم ولا إلي بيعتهم.. لكن لو طلبها النبي صلي الله عليه وآله منهم وجبت عليهم.. ولو طلبها علي منهم، وجبت عليهم أيضاًً. ولهذا لاتنفع مناقشة المناقشين بأن ما طلبه النبي صلي الله عليه وآله من المسلمين في الغدير كان مجرد التهنئة لعلي عليهالسلام بالولاية، ولم يكن البيعة.. لأن صدور الأمر الإلهي بولاية أحد يفرغ البيعة البشرية من القوة الإنشائية، ويحصر قيمتها في الإعتراف والإلتزام بالأمر الإلهي، عندما يطلبها منهم النبي صلي الله عليه وآله أو الولي عليهالسلام. والقاعدة الكلية في هذا الموضوع: أن الأمة إنما تملك الولاية علي نفسها واختيار حكامها- في حدود ما ثبت في الشريعة المقدسة- في حالة عدم اختيار الله تعالي لأحد.. أما إذا اختار عزوجل إماماً فقد قضي الأمر، ولم يبق معنيً لاختيار الأمة لحاكم آخر، إلا أنها تتفلسف في مقابل ربها عزوجل وتخالف اختيار مالكها الحكيم
سبحانه!
من المفارقات في منطق عمر بن الخطاب مؤسس نظام الخلافة القرشية، أنه هو الذي رفع راية (أن الخليفة من قريش والخلافة لاتكون إلا في قريش)، فقد احتج علي الأنصار في السقيفة بأن قريشاً قبيلة النبي صلي الله عليه وآله فهم أحق بسلطانه.. فمن ذا ينازعنا سلطان محمد ونحن قومه وعشيرته؟! وكان هدفه من ذلك تسكيت الأنصار، الذين يعيش القرشيون في بلدهم وضيافتهم، حتي لايقولوا نحن نصرناه ونحن أولي بخلافته!! وقد نجح عمر بهذا المنطق القبلي في السقيفة، بسبب تفرق كلمة الأنصار، رغم مخالفة رئيسهم سعد بن عبادة مخالفة عنيفة. ولكن عمر نفسه عند وفاته تخلي عن مبدأ قرشية الخليفة، وألقي به في البحر، وأكد أنه لو كان سالم الفارسي مولي أبيحذيفة الأموي حياًّ، لعهد إليه بالخلافة!! ففي تاريخ المدينة:140:3 (عن عبدالله بن بريدة: لما طعن عمر رضي الله عنه قيل له: لو استخلفت؟ قال: لو شهدني أحد رجلين استخلفته أني قد اجتهدت ولم آثم أو وضعتها موضعها: أبوعبيدة بن الجراح، وسالم مولي أبيحذيفة!!). وفي مجمع الزوائد:220:4 (عن أبيرافع أن عمر بن الخطاب كان مستنداً إلي ابنعباس وعنده ابنعمر وسعيد بن زيد فقال: إعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً، ولم أستخلف من بعدي أحداً، وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله عزوجل. فقال سعيد بن زيد: أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين لائتمنك الناس، وقد فعل ذلك أبوبكر، وائتمنه الناس. فقال عمر: قد رأيت من أصحابي حرصاً سيئاً، وإني جاعل هذا الأمر إلي هؤلاءالنفر الستة الذين مات رسولالله صلي الله عليه وسلم وهو عنهم راض. ثم قال: لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت:
سالم مولي أبيحذيفة، وأبوعبيدة بن الجراح). انتهي. وبذلك فتح عمر الباب لأبيحنيفة وغيره، ليلغوا هذا الشرط من الخلافة الإسلامية، وقد استفاد من فتواه السلاجقة والمماليك، ثم تبني العثمانيون مذهب أبيحنيفة، ونشروا فقهه بسبب فتواه في الخلافة، وتسموا بخلفاء النبي صلي الله عليه وآله. موقف الوهابيين من شرط القرشية في الحاكم نشترط نحن الشيعة الإمامية في الأئمة أن يكونوا من قريش من عترة النبي صلي الله عليه وآله بسبب ثبوت النص عليهم بأسمائهم وعددهم عليهمالسلام فالإمامة عندنا لاتثبت إلا بالنص فقط، والنص إنما هو علي هؤلاء الإثني عشر عليهمالسلام. وبما أن خاتمهم الإمام المهدي عليهالسلام غائب، فالحكم في الأمة في عصرنا يكون بالوكالة عنه، والوكيل لابد أن تتوفر فيه شروط الفقاهة والعدالة وغيرها، ولا نشترط فيه أن يكون قرشياً.. وبذلك نلتقي عملياً لانظرياً مع الذين يسقطون شرط القرشية في الحاكم العادل. أما إخواننا الشيعة الزيديون، فالإمامة عندهم غير محصورة بالأئمة الإثني عشر عليهمالسلام. بل مفتوحة لكل عالم من ذرية علي وفاطمة عليهماالسلام، فهم يشترطون في الإمام الشرعي أن يكون قرشياً علوياً. وأما المسلمون السنيون، فمنهم من يوافقنا علي إسقاط شرط القرشية في عصرنا، عملاً بقول الخليفة عمر، وفتوي أبيحنيفة، وهم قلة.. ويوجد فقهاء غير عرب من السنيين ولكنهم متعصبون لقريش أكثر من عمر، وملكيون أكثر من الملك.. ومن هؤلاء أئمة الوهابية، مثل الألباني، حيث صحح حديث اشتراط القرشية في الإمام في سلسلة أحاديثه الصحيحة برقم1552 وقال في آخره :70:4 (ولذلك فعلي المسلمين إذا كانوا صادقين في سعيهم لإعادة الدولة الإسلامية، أن يتوبوا إلي ربهم ويرجعوا إلي دينهم، ويتبعوا أحكام شريعتهم، ومن ذلك أن الخلافة في قريش، بالشروط المعروفة في كتب الحديث والفقه). أما في المجلد:7:3 فقد
صحح حديث الخلافة في قريش برقم1006 وقال في آخره: (قلت: وفي هذه الأحاديث الصحيحة رد صريح علي بعض الفرق الضالة قديماً، وبعض المؤلفين والأحزاب الإسلامية حديثاً، الذين لايشترطون في الخليفة أن يكون عربياً قرشياً. وأعجب من ذلك أن يؤلف أحد المشايخ المدعين للسلفية رسالة في (الدولة الإسلامية) ذكر في أولها الشروط التي يجب أن تتوفر في الخليفة، إلا هذا الشرط، متجاهلاً كل هذه الأحاديث وغيرها مما في معناها، ولما ذكرته بذلك تبسم صارفاً النظر عن البحث في الموضوع. ولا أدري أكان ذلك لأنه لايري هذا الشرط كالذين أشرنا إليهم آنفاً، أم أنه كان غير مستعد للبحث من الناحية العلمية. وسواء كان هذا أو ذاك، فالواجب علي كل مؤلف أن يتجرد للحق في كل ما يكتب، وأن لايتأثر فيه باتجاه حزبي أو تيار سياسي، ولا يلتزم في ذلك موافقة الجمهور أو مخالفتهم). انتهي كلام الألباني، والطريف أنه صحح حديثاً آخر برقم1851 يقول: (الخلافة في قريش والحكم في الأنصار والدعوة في الحبشة). وعلي فتواه يجب أن يكون الحاكم في عصرنا من قريش من أي قبائلها كان، وأن يكون الوزراء من الأنصار.. وأن يكون وزير الإرشاد والأوقاف والمفتي وكل من عمله الإعلام والدعوة من الأفارقة، والأحوط أن يكون من أثيوبيا!! ذلك أن الوجوب الذي استفاده من الحديث وأفتيبه بوجوب القرشية في الحاكم، تتساوي فيه الخلافة، والوزارة، والدعوة!! لقد فات هذا الشيخ أن فقه الحديث أهم من سنده لأنه متقدمٌ عليه رتبةً، وأن مثل هذا الحديث بعيدٌ عن منطق النبي صلي الله عليه وآله.. ولو صح فهو يحكي عن ظرف معين، وليس تشريعاً إلي يوم القيامة!
إذا أردنا أن نكون أمناء مع النص النبوي، يلزم أن نقول: إن
كلمة (من بعدي) في الحديث الشريف تدل علي أن إمامة هؤلاء الإثني عشر تبدأ بعد وفاته صلي الله عليه وآله مباشرة، ولا تدل علي أنهم سيحكمون من بعده، لأنها إخبار عن وجودهم فقط، سواء كانوا حكاماً أو محكومين. بل تدل صيغ الحديث المتقدمة عن ابنسمرة وابنمسعود، علي أن الأمة تخذل هؤلاء الأئمة الإثني عشر وتعاديهم، وذلك يشمل إبعادهم عن الحكم، ولكن ذلك لايضرهم شيئاً. وقد تقدم في تفسير الطبري (يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيماً، لا يضرهم من خذلهم، إثنا عشر قيما من قريش لايضرهم عداوة من عاداهم)! وبذلك لاتجد مانعاً من انطباق الحديث علي الأئمة الإثني عشر من عترة النبي صلي الله عليه وآله حتي لو لم يحكموا، أو لم يحكم منهم إلا علي والحسن عليهماالسلام، وسيحكم منهم المهدي الموعود علي لسان جده الرسول صلي الله عليه وآله. كما أن الأحاديث التي ذكرت ما يكون بعدهم تدل علي أن مدتهم طويلة فبعضها ذكر أنه يكون بعدهم الهرج والفوضي والنفاق فأشار إلي انهيار الأمة. وبعضها ذكر أن زمنهم يمتد ما دامت الأرض، وأن مدتهم إذا تمت ساخت الأرض بأهلها.. وهذا يؤيد نظرية امتداد عصر هؤلاء الأئمة عليهمالسلام إلي آخر الدنيا، كما نصت عليه أحاديثنا. قال أبوالصلاح الحلبي المتوفي سنة437 في كتابه تقريب المعارف173: ورووا عن عبدالله بن أبيأمية مولي مجاشع، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسولالله صلي الله عليه وآله: لايزال هذا الدين قائماً إلي اثني عشر من قريش، فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها. انتهي. ونحوه في إعلام الوري364: وهو موافق لما في مصادرنا عن أهمية وجود الحجة لله تعالي في أرضه في كل عصر.. ففي الكافي:179:1 و534: عن أبيحمزة قال:
(قلت لأبيعبدالله عليهالسلام: أتبقي الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت)! انتهي. وعلي هذا التفسير لنص الحديث، يكون هدف النبي صلي الله عليه وآله من طرح الأئمة الإثني عشر في أهم تجمع للمسلمين في حجة الوداع، هو: توجيه الأمة إليهم.. لو أنها أخذت بحظها وأطاعته فيهم! بل يمكن القول: إنه يتعين تفسير الحديث بالأئمة الإثني عشر من أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله، لأن كل تفسير له بغيرهم لايصح بسبب كثرة الإشكالات التي ترد عليه. قال الكنجي الشافعي في ينابيع المودة:446 : (قال بعض المحققين: إن الأحاديث الدالة علي كون الخلفاء بعده صلي الله عليه وآله اثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة... فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، علم أن مراد رسولالله صلي الله عليه وآله من حديثه هذا الأئمة الإثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لايمكن أن يحمل هذا الحديث علي الخلفاء بعده من أصحابه لقلتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمله علي الملوك الأموية لزيادتهم علي اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبدالعزيز، ولكونهم من غير بني هاشم، لأن النبي صلي الله عليه وآله قال: كلهم من بني هاشم في رواية عبدالملك، عن جابر، وإخفاء صوته صلي الله عليه وآله في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنهم لايحسنون خلافة بني هاشم. ولا يمكن أن يحمله علي الملوك العباسية، لزيادتهم علي العدد المذكور، ولقلة رعايتهم الآية: قل لاأسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربي، وحديث الكساء. فلا بد من أن يحمل هذا الحديث علي الأئمة الإثني عشر من أهل بيته وعترته صلي الله عليه وآله، لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً،
وأكرمهم عند الله... ويؤيد هذا المعني، أي أن مراد النبي صلي الله عليه وآله الأئمة الإثني عشر من أهل بيته، ويشهد له ويرجحه: حديث الثقلين، والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب، وغيرها... وفي نهجالبلاغة من خطبة علي كرم الله وجهه: أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم.. بنا يستعطي الهدي، وبنا يستجلي العمي. وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفي من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولاأكثر من الكذب علي الله ورسوله صلي الله عليه وآله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه، ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر. واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتي تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتي تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتي تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فإنهم عيش العلم وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن عملهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لايخالفون الدين، ولايختلفون فيه، وهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق). انتهي. ولكن عامة الشراح السنيين لايقبلون هذا التفسير، ويحذرون أتباعهم من أن يقنعهم الشيعة بأن النبي صلي الله عليه وآله قد نص علي الأئمة الإثني عشر من عترته!! ويقولون لأتباعهم: إن حديث الأئمة الإثني عشر صحيح مئة بالمئة، لكن لاتقبلوا تفسير الشيعة، ونحن إن شاء الله نفسره لكم تفسيراً صحيحاً.. ولكنهم إلي يومنا هذا لم يستطيعوا أن يقدموا لهم تفسيراً مقنعاً للحديث، ولن يستطيعوا.. لأنهم يريدون تطبيق هؤلاء الإثني عشر علي الخلفاء الذين حكموا بعد النبي صلي
الله عليه وآله من الخلفاء الأربعة، وعبدالله بن الزبير، وسلسلة خلفاء بني سفيان وبني مروان، ثم بني العباس.. وربما غيرهم من أموي الأندلس، والسلاجقة، والمماليك، والأتراك!! وعندما يجدونهم أضعاف العدد المطلوب، يلجؤون إلي الفرضيات، فيختارون أحسن الخلفاء الأمويين والعباسيين، ويخلعون عليهم صفة الأئمة الربانيين، فيثبتون هذا ويحذفون ذاك! اختياراً وحذفاً (كيفياً) لمجرد تكميل العدد! وبعضهم لايكمل معه العدد ممن اختارهم فيقول: إن الباقين سوف يأتون! ومن الواضح أنها تطبيقات لاتقف عند حد، ولا تستند إلي أساس، وأن الذي يسلكها يكلف نفسه شططاً، كمن يكلف نفسه بأن يختار اثني عشر شخصاً من رؤساء المسلمين وملوكهم المعاصرين، ويقول عنهم إنهم قادة ربانيون اختارهم الله تعالي، ووعد الأمة بهم علي لسان رسوله صلي الله عليه وآله! ولو أن العلماء السنيين فكروا أكثر، لما جشموا أنفسهم هذه العقبة الكؤود، وتخلصوا من إشكالات لافكاك لهم منها: أولاً: لأن هؤلاء الأئمة الربانيين الموعودين مختارون من الله تعالي، فلا بد أن يكونوا متفقين، لأنهم جميعاً علي خط واحد وهدي من ربهم ونبيهم.. بينما خلفاء السنيين وأئمتهم مختلفون متقاتلون.. فهل سمعتم بالحرب والقتال بين الأنبياء عليهمالسلام حتي تقنعونا بإمكانها بين الأئمة الربانيين عليهمالسلام.. وأن بعضهم كان يكيد للآخر ويفسقه ويكفره، ويذبحه ذبح الخروف، أو يسمل عينيه ويقطع لسانه ويديه ورجليه!! إقرؤوا إن شئتم تاريخ الصراع علي الحكم بين الخلفاء الأمويين أنفسهم، والعباسيين أنفسهم! وثانياً: لأنهم بإعطاء صفة الإمام من الله تعالي للخليفة الذي يحبونه، ابتداءً من الخليفة عمر بن الخطاب.. إلي السلطان سليم العثماني، يصيرون ملكيين أكثر من الملك، وخليفيين أكثر من الخليفة، ويثبتون لهم ما لم يدعه أحد منهم لنفسه! فلو كان أحدهم إماماً ربانياً مختاراً من الله تعالي مبشراً به من
رسوله.. لعرف نفسه وادعي هو ذلك! حيث لايمكن أن يكون شخص إماماً وحجة لله علي عباده وحاكماً باسمه.. ثم لايعرف هو مقامه الإلهي العظيم!! ولا نجد أحداً من هؤلاء الخلفاء ادعي أنه إمام من الله تعالي غير الأئمة من أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله. وثالثاً: ذكرنا أن النبي صلي الله عليه وآله قال: إنهم يكونون من بعده. ولم يقل إنهم يحكمون.. فلماذا يلزمون أنفسهم بالعثور علي الأئمة الإثني عشر الموعودين في الحكام فقط؟! وإذا ألزم الباحث نفسه في مسألة بما لايلزم فيها، فقد تورط فيها وأقام في ورطته! ورابعاً: إن الذين يعدونهم أئمة ربانيين، مبشراً بهم من رب العالمين، قد ثبت أن أكثرهم قد لعنهم الله تعالي علي لسان نبيه صلي الله عليه وآله!! فهل رأيتم أمة يحكمها بأمر الله تعالي الملعونون علي لسان نبيها؟!! وكيف يلعن الله تعالي أشخاصاً ويحكم عليهم بالطرد من رحمته لخبثهم، ثم يختارهم أو يختار من أولادهم أئمةً ربانيين، هداةً لعباده، وحكاماً لبلاده!! فقد ثبت في مصادر السنيين أن النبي صلي الله عليه وآله قد لعن الحكم وابنه مروان، ونفاهما من المدينة حتي أعادهما عثمان، وأنه رأي أباسفيان راكباً علي جمل يجره معاوية ويقوده ولده الآخر، فلعن الراكب والقائد والسائق (راجع مجمع الزوائد:113:1) إلي آخر هذا البحث الذي لايتسع له موضوعنا، ولا تتسع له صدور أتباع الأمويين! ولهذه الأسباب كثرت أقوالهم واحتمالاتهم في تفسير الأئمة المبشر بهم، ولعلها زادت عن الثلاثين قولاً! وكلها معلولة ينقضها الحديث الشريف، وينقض بعضها بعضاً.. ولعل أقدمها قول ابنحبان الذي نقله عنه في عون المعبود في شرح سنن أبيداود:361:11 قال: (وأما: الخلفاء اثنا عشر، فقد قال جماعة منهم أبوحاتم بن حبان وغيره: إن
آخرهم عمر بن عبدالعزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة، ثم معاوية، ثم يزيد ابنه، ثم معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم عبدالملك ابنه، ثم الوليد بن عبدالملك، ثم سليمان بن عبدالملك، ثم عمر بن العزيز. وكانت وفاته علي رأس المائة). انتهي. ولكن هذا التفسير الأموي لابن حبان وجماعته، قد نسخه العلماء الذين جاؤوا من بعدهم وأحبوا العباسيين، فأدخلوا بعضهم في بشارة النبي صلي الله عليه وآله، وحذفوا بني أمية، كلاً أو بعضاً! ويلاحظ أن هذا التفسير حذف اسم الإمام المهدي عليهالسلام مع أنه مبشر به بأحاديث صحيحة عندهم، ويشمله قول جده صلي الله عليه وآله (من بعدي اثنا عشر إماماً). كما حذفوا اسم الإمام الحسن عليهالسلام مع أنه بايعه المسلمون ما عدا أهل الشام وحكم ستة أشهر، وقد أثبته السنييون المتأخرون عنهم. بل كان يجب أن يثبتوا اسمه واسم أخيه الحسين عليهماالسلام لأن النبي صلي الله عليه وآله شهد بأنهما إمامان قاما أم قعدا، وشهد بأنهما سيدا شباب أهل الجنة. بينما أثبت هذا التفسير الحباني اسم يزيد بن معاوية، وجعله من الأئمة الربانيين الذين بشر بهم النبي صلي الله عليه وآله! وهي درجةٌ لايطمع فيها يزيد ولا محبوه العقلاء، لأنهم إلي اليوم يكافحون لإثبات إسلام يزيد، وعدم ارتداده بسبب تصريحاته، وعدم فسقه بسبب جرائمه التي ارتكبها في كربلاء وفي استباحة المدينة، وهدم الكعبة! كما عدُّوا منهم علي هذا التفسير معاوية بن يزيد (معاوية الثاني) الذي ولوه الخلافة بعد أبيه يزيد، فخطب خطبته الأولي والأخيرة، وتبرأ فيها من ظلم أبيه يزيد وجده معاوية! وشهد بأن الخلافة حق شرعي لعلي عليهالسلام، وأن معاوية ظلمه وغصبها منه، ثم عزل نفسه عنها، فقتله بنو أمية! فلو كان هذا الشخص
من الأئمة الإثني عشر الربانيين لعرف هو ذلك، وما خلع نفسه وعرضها لغضب أسرته الحاكمة الباطشة! كما أن هذا التفسير تجاهل حديث (سفينة) الثابت عندهم القائل: إن الخلافة ثلاثون سنة، وبعدها الملك العضوض، وقد صححه المحدثون، وأخذ به المفسرون الآخرون.. إلي آخر الإشكالات عليه! ويطول الكلام لو أردنا أن نستقصي محاولات كبار علمائهم تفسير الحديث الشريف. ولكن الذي يسهل الأمر أن كلامهم في ذلك متشابه، وأنه ما زال إلي اليوم يدور في محور التفسير الأموي! وفيما يلي نماذج من تفاسيرهم وما يرد عليها: قال السيوطي في تاريخ الخلفاء:10 : (قال القاضي عياض: لعل المراد بالإثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والإجتماع علي من يقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلي أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة، زمن الوليد بن يزيد، فاتصلت بينهم، إلي أن قامت الدولة العباسية، فاستأصلوا أمرهم. قال شيخ الإسلام ابنحجر في شرح البخاري: كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه، لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: كلهم يجتمع عليه الناس. قلت: وعلي هذا فقد وجد من الإثنا عشر خليفة: الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابنالزبير، وعمر بن عبدالعزيز، هؤلاء ثمانية. ويحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين، لأنه فيهم كعمر بن عبدالعزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر، لما أوتيه من العدل، وبقي الإثنان المنتظران: أحدهم المهدي، لأنه من آل بيت محمد صلي الله عليه وسلم). انتهي. ولكن السيوطي وابنحجر أخذا بزيادة (وكلهم تجتمع عليهم الأمة) التي تقدم أنها لم تثبت. والألباني الوهابي وغيره قالوا: إنها منكرة. كما أنهما تجاوزا حديث سفينة الذي صح عندهم،
والذي يحدد المدة الزمنية للخلافة الراشدة بثلاثين سنة! وبذلك يصير المطلوب لهم أحد عشر حاكماً في ثلاثين سنة، ويبطل انتقاء أحد من الحكام الأمويين والعباسيين! مضافاً إلي أن نقل السيوطي لكلام عياض وابنحجر لم يكن دقيقاً مع الأسف! فقد تجاهل أن ابنحجر عدهم إلي الثاني عشر من بني أمية، فقال (والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبدالملك) بينما أوصلهم السيوطي في بني أمية إلي ثمانية، ووضع فيهم اثنين من خلفاء بني العباس!! وإليك فقرات من كلام ابنحجر في فتح الباري لتعرف الخلل في نقل السيوطي عنه! قال: (قال ابنبطال عن المهلب: لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث، يعني بشئ معين! فقوم قالوا: يكونون بتوالي إمارتهم. وقوم قالوا: يكونون في زمن واحد كلهم يدعي الإمارة! قال: والذي يغلب علي الظن أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأعاجيب تكون بعده من الفتن، حتي يفترق الناس في وقت واحد علي اثني عشر أميراً! قال: ولو أراد غير هذا لقال: يكون اثنا عشر أميراً يفعلون كذا، فلما أعراهم من الخبر، عرفنا أنه أراد أنهم يكونون في زمن واحد. انتهي. (أي كلام ابنبطال). ثم قال واصل ابنحجر كلامه قائلاً: وهو كلام من لم يقف علي شيء من طرق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة، وقد عرفت من الروايات التي ذكرتها من عند مسلم وغيره أنه ذكر الصفة التي تختص بولايتهم، وهو كون الإسلام عزيزاً منيعاً. وفي الرواية الأخري صفة أخري وهو: أن كلهم يجتمع عليه الناس، كما وقع عند أبيداود، فإنه أخرج هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبيخالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة بلفظ: لايزال هذا الدين قائماً حتي يكون عليكم اثنا عشر خليفة
كلهم تجتمع عليه الأمة. وأخرجه الطبراني من وجه آخر، عن الأسود بن سعيد، عن جابر بن سمرة بلفظ: لاتضرهم عداوة من عاداهم. وقد لخص القاضي عياض ذلك فقال: توجه علي هذا العدد سؤالان: أحدهما: أنه يعارضه ظاهر قوله في حديث سفينة، يعني الذي أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان وغيره: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً. الثلاثون سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن بن علي. والثاني: أنه ولي الخلافة أكثر من هذا العدد. قال: والجواب عن الأول: أنه أراد في حديث سفينة: خلافة النبوة، ولم يقيده في حديث جابر بن سمرة بذلك. وعن الثاني: أنه لم يقل: لايلي إلا اثنا عشر، وإنما قال: يكون اثنا عشر، وقد ولي هذا العدد، ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم. قال: وهذا إن جعل اللفظ واقعاً علي كل من ولي، وإلا فيحتمل أن يكون المراد من يستحق الخلافة من أئمة العدل، وقد مضي منهم الخلفاء الأربعة، ولا بد من تمام العدة قبل قيام الساعة. وقد قيل: إنهم يكونون في زمن واحد يفترق الناس عليهم، وقد وقع في المائة الخامسة في الأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمي بالخلافة، ومعهم صاحب مصر، والعباسية ببغداد، إلي من كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج. قال: ويعضد هذا التأويل قوله في حديث آخر في مسلم: ستكون خلفاء فيكثرون. قال: ويحتمل أن يكون المراد أن يكون الإثنا عشر في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والإجتماع علي من يقوم بالخلافة، ويؤيده قوله في بعض الطرق: كلهم تجتمع عليه الأمة. وهذا قد وجد فيما اجتمع عليه الناس إلي أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن
يزيد، فاتصلت بينهم إلي أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم. وهذا العدد موجود صحيح إذا اعتبر. قال: وقد يحتمل وجوهاً أخر.. والله أعلم بمراد نبيه. انتهي. (أي كلام عياض). ثم واصل ابنحجر قائلاً: والإحتمال الذي قبل هذا، وهو اجتماع اثني عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة، هو الذي اختاره المهلب كما تقدم. وقد ذكرت وجه الرد عليه، ولو لم يرد إلا قوله كلهم يجتمع عليه الناس، فإن في وجودهم في عصر واحد يوجد عين الإفتراق، فلا يصح أن يكون المراد. ويؤيد ما وقع عند أبيداود: ما أخرجه أحمد والبزار من حديث بن مسعود بسند حسن: أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسولالله صلي الله عليه وسلم فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل. وقال ابنالجوزي في كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معني هذا الحديث، وتطلبت مظانه، وسألت عنه فلم أقع علي المقصود به، لأن ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة، ثم وقع لي فيه شيء وجدت الخطابي بعد ذلك قد أشار إليه، ثم وجدت كلاماً لأبيالحسين بن المنادي وكلاماً لغيره. فأما الوجه الأول: فإنه أشار إلي ما يكون بعده وبعد أصحابه، وأن حكم أصحابه مرتبط بحكمه، فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم، فكأنه أشار بذلك إلي عدد الخلفاء من بني أمية، وكأن قوله: لايزال الدين: أي الولاية، إلي أن يلي اثنا عشر خليفة. ثم ينتقل إلي صفة أخري أشد من الأولي. وأول بني أمية يزيد بن معاوية، وآخرهم مروان الحمار، وعدتهم ثلاثة عشر، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابنالزبير، لكونهم صحابة! فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم للإختلاف في صحبته، أو لأنه كان متغلباً بعد أن
اجتمع الناس علي عبدالله بن الزبير، صحت العدة. وعند خروج الخلافة من بني أمية وقعت الفتن العظيمة والملاحم الكثيرة، حتي استقرت دولة بني العباس، فتغيرت الأحوال عما كانت عليه تغيراً بيناً. قال: ويؤيد هذا ما أخرجه أبوداود من حديث بن مسعود، رفعه: تدور رحي الإسلام لخمس وثلاثين أو ست ومثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً. (قال المؤلف: لاأعرف من صحح هذا الحديث غير الألباني). ثم قال ابنحجر: قلت: لكن يعكر عليه أنّ مِن استقرار الملك لبني أمية عند اجتماع الناس علي معاوية سنة إحدي وأربعين، إلي أن زالت دولة بني أمية فقتل مروان بن محمد في أوائل سنة: اثنتين وثلاثين ومائة، أزيد من تسعين سنة... قال (أي ابنالجوزي): وأما الوجه الثاني: فقال أبوالحسين بن المنادي في الجزء الذي جمعه في المهدي: يحتمل في معني حديث: يكون اثنا عشر خليفة، أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فقد وجدت في كتاب دانيال: إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يملك بعده ولده، فيتم بذلك اثنا عشر ملكاً، كل واحد منهم إمام مهدي. قال ابنالمنادي: وفي رواية أبيصالح عن بن عباس: المهدي اسمه محمد بن عبدالله، وهو رجل ربعة مشرب بحمرة، يفرج الله به عن هذه الأمة كل كرب ويصرف بعدله كل جور، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلاً، ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، ثم يموت فيفسد الزمان. وعن كعب الأحبار: يكون اثنا عشر مهدياً، ثم
ينزل روح الله فيقتل الدجال. قال: والوجه الثالث: أن المراد: وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلي يوم القيامة، يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم. ويؤيده ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير، من طريق أبيبحر أن أباالجلد، حدثه أنه لاتهلك هذه الأمة حتي يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدي ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمد، يعيش أحدهما أربعين سنة والآخر ثلاثين سنة. وعلي هذا فالمراد بقوله: ثم يكون الهرج، أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة، من خروج الدجال ثم يأجوج ومأجوج إلي أن تنقضي الدنيا. انتهي كلام بن الجوزي ملخصاً بزيادات يسيرة. وتابع ابنحجر قائلاً: والوجهان الأول والآخر قد اشتمل عليهما كلام القاضي عياض، فكأنه ما وقف عليه، بدليل أن في كلامه زيادة لم يشتمل عليها كلامه. وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجه، أرجحها الثالث من أوجه القاضي لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: كلهم يجتمع عليه الناس. وإيضاح ذلك أن المراد بالإجتماع انقيادهم لبيعته. والذي وقع أن الناس اجتمعوا علي أبيبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، إلي أن وقع أمر الحكمين في صفين فسمي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس علي معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا علي ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الإختلاف، إلي أن اجتمعوا علي عبدالملك بن مروان بعد قتل بن الزبير، ثم اجتمعوا علي أولاده الأربعة: الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبدالعزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين. والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبدالملك، واجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع
سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس علي خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام علي ابنعمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابنعم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فغلبه مروان، ثم ثار علي مروان بنو العباس، إلي أن قتل. ثم كان أول خلفاء بني العباس أبوالعباس السفاح، ولم تطل مدته، مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته، لكن خرج عنهم المغرب الأقصي باستيلاء المروانيين علي الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلي أن تسموا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض، إلي أن لم يبق من الخلافة إلا الإسم في بعض البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبدالملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً ويميناً مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولي أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة علي شيء منها إلا بأمر الخليفة. ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك. فعلي هذا يكون المراد بقوله: ثم يكون الهرج، يعني القتل الناشيء عن الفتن وقوعاً فاشياً يفشو ويستمر ويزداد علي مدي الأيام، وكذا كان. والله المستعان. والوجه الذي ذكره بن المنادي ليس بواضح، ويعكر عليه ما أخرجه الطبراني من طريق قيس بن جابر الصدفي، عن أبيه، عن جده رفعه: سيكون من بعدي خلفاء ثم من بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ثم يؤمر القحطاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه. فهذا
يرد علي ما نقله بن المنادي من كتاب دانيال. وأما ما ذكره عن أبيصالح فواهٍ جداً، وكذا عن كعب.... فالأولي أن يحمل قوله: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، علي حقيقة البعدية، فإن جميع من ولي الخلافة من الصديق إلي عمر بن عبدالعزيز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لم تصح ولايتهما، ولم تطل مدتهما، وهما معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفساً علي الولاء، كما أخبر صلي الله عليه وسلم، وكانت وفاة عمر بن عبدالعزيز سنة إحدي ومائة، وتغيرت الأحوال بعده، وانقضي القرن الأول الذي هو خير القرون. ولا يقدح في ذلك قوله: يجتمع عليهم الناس، لأنه يحمل علي الأكثر الأغلب، لأن هذه الصفة لم تفقد منهم إلا في الحسن بن علي وعبدالله بن الزبير، مع صحة ولايتهما، والحكم بأن من خالفهما لم يثبت استحقاقه إلا بعد تسليم الحسن، وبعد قتل بن الزبير. والله أعلم. وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الإثني عشر منتظمة، وإن وجد في بعض مدتهم خلاف ذلك، فهو بالنسبة إلي الإستقامة نادر. والله أعلم. وقد تكلم ابنحبان علي معني حديث: تدور رحي الإسلام، فقال: المراد بقوله: تدور رحي الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين: انتقال أمر الخلافة إلي بني أمية، وذلك أن قيام معاوية عن علي بصفين حتي وقع التحكيم، هو مبدأ مشاركة بني أمية ثم استمر الأمر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة، فكان أول ما ظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومائة، وساق ذلك بعبارة طويلة، عليه فيها مؤاخذات كثيرة، أولها دعواه أن قصة الحكمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين، وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الأخبار، فإنها كانت بعد وقعة صفين بعدة أشهر،
وكانت سنة سبع وثلاثين. والذي قدمته أولي بأن يحمل الحديث عليه. والله أعلم). انتهي كلام ابنحجر. وقد رأيت أن ما اختاره ابنحجر غير ما نسبه إليه السيوطي، فلا بد من القول أن السيوطي لم يقرأ كل كلام ابنحجر كاملاً، أو أن نتهم السيوطي بالتدليس. لكن المهم أنك رأيت تحيرهم جميعاً وكثرة احتمالاتهم، وتضاربها! وأن أكثرهم أخذوا بزيادة (تجتمع عليه الأمة) محوراً لتفسيره، مع أنها لم تثبت عندهم، بل استنكرها عدد منهم! ورأيت أن القاضي عياض لم يجزم بشيء، بل ذكر وجوهاً عديدة بكلمة قيل ويحتمل.. وأن ابنحجر رجح الإحتمال الثالث منها، فقال (وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجه أرجحها الثالث من أوجه القاضي). والنتيجة التي يخرج منها القاريء لتفاسيرهم: أنهم يضيعون عليه معني الحديث الذي أرادوا أن يفسروه، وهو حديث صحيح عندهم، صريح بالبشارة النبوية باثني عشر إماماً ربانيين، هداة مهديين، قيمين علي الأمة. فتراهم يصرون علي تلبيس الحديث لحكام بني أمية، وعلي خلطه بزيادة لم تثبت وبأحاديث ضعيفة، لايستقيم لها معني، ولا أثر عليها للبلاغة النبوية!! وإذا أردت مزيداً من الأمثلة علي ضياعهم، فاقرأ عون المعبود 362:11-364 قال: (قال بعض المحققين: قد مضي منهم الخلفاء الأربعة، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة. وقيل: إنهم يكونون في زمان واحد يفترق الناس عليهم. وقال التوربشتي: السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعني، أن يحمل علي المقسطين منهم، فإنهم المستحقون لإسم الخليفة علي الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا علي الولاء. وإن قدر أنهم علي الولاء، فإن المراد منه المسمون علي المجاز! كذا في المرقاة. وقال الشيخ الأجل ولي الله المحدث في قرة العينين في تفضيل الشيخين: وقد استشكل في حديث: لايزال هذا
الدين ظاهراً إلي أن يبعث الله اثني عشر خليفة كلهم من قريش، ووجه الإستشكال: أن هذا الحديث ناظر إلي مذهب الإثني عشرية الذين أثبتوا اثني عشر إماماً. والأصل أن كلامه صلي الله عليه وآله بمنزلة القرآن يفسر بعضه بعضاً، فقد ثبت من حديث عبدالله بن مسعود: تدور رحي الإسلام لخمس وثلاثين سنة، أو ست وثلاثين سنة، أو سبع وثلاثين سنة، فإن يهلكوا فسبيل من قد هلك، وإن يقم لهم دينهم، يقيم سبعين سنة مما مضي. وقد وقعت أغلاط كثيرة في بيان معني هذا الحديث، ونحن نقول ما فهمناه علي وجه التحقيق: إن ابتداء هذه المدة من ابتداء الجهاد في السنة الثانية من الهجرة...!! وقد وقع ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم: ففي سنة خمس وثلاثين من ابتداء الجهاد وقعت حادثة قتل ذي النورين وتفرق المسلمين ولكن الله تعالي بعد ذلك جعل أمر الخلافة منتظماً، وأمضي الجهاد إلي ظهور بني العباس وتلاشي دولة بني أمية... فتارة أخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن خلافة النبوة، وخصصه بثلاثين سنة، والتي بعدهم عبرها بملك عضوض، وتارة عن خلافة النبوة، والتي تتصل بها كليهما معاً، وعبرها باثني عشر خليفة... فالتحقيق في هذه المسألة: أن يعتبروا بمعاوية وعبدالملك وبنيه الأربع (كذا) وعمر بن عبدالعزيز، ووليد بن يزيد بن عبدالملك، بعد الخلفاء الأربعة الراشدين. وقد نقل عن الإمام مالك أن عبدالله بن الزبير أحق بالخلافة من مخالفيه، ولنا فيه نظر، فإن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما قد ذكرا عن النبي صلي الله عليه وسلم ما يدل علي أن تسلط ابنالزبير واستحلال الحرم به مصيبة من مصائب الأمة، أخرج حديثهما أحمد عن قيس بن أبيحازم قال:
جاء ابنالزبير إلي عمر بن الخطاب يستأذنه في الغزو، فقال عمر: أجلس في بيتك فقد غزوت مع رسولالله صلي الله عليه وسلم. قال: فرد ذلك عليه، فقال له عمر: في الثالثة أو التي تليها: أقعد في بيتك، والله إني لأجد بطرف المدينة منك وأصحابك أن تخرجوا فتفسدوا علي أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم. وأخرجه الحاكم. فمن لفظه: بطرف المدينة، يفهم أن واقعة الجمل غير مراد ها هنا، بل المراد خروجه للخلافة، وإلي هذا المعني قد أشار علي رضي الله عنه في قصة جواب الحسن رضي الله عنه، ولم ينتظم أمر الخلافة عليه. ويزيد بن معاوية ساقط من هذا البين، لعدم استقراره مدة يعتد بها، وسوء سيرته. والله أعلم). انتهي كلام عون المعبود. وأنت تري أن صاحب قرة العينين اعترف بأن ملك بني أمية ملك عضوض وأن خلافتهم ليست خلافة نبوة.. ومع ذلك فسر بهم الحديث، وطبق عليهم البشارة النبوية بالأئمة الإثني عشر، الربانيين، القيمين بأمر الله تعالي علي أمة نبيه صلي الله عليه وآله! كما تري أنه حذف منهم الإمام الحسن والإمام المهدي عليهماالسلام، وحذف ابنالزبير الذي أثبته الإمام مالك وآخرون... إلخ! وهو مع ذلك ينتقد الذين غلطوا في تفسيره فيقول (وقد وقعت أغلاطٌ كثيرةٌ في بيان معني هذا الحديث) ووعد الناس بأن يرفع المعضلة فزادها إعضالاً، وأن يحل المشكلة فزادها إشكالاً!! ثم اقرأ ما قاله ابنكثير في البداية والنهاية:248:3 : ذكر الأخبار عن الأئمة الإثني عشر الذين كلهم من قريش. وليسوا بالإثني عشر الذين يدعون إمامتهم الرافضة، فإن هؤلاء الذين يزعمون، لم يلِ أمور الناس منهم إلا علي بن أبيطالب وابنه الحسن، وآخرهم في زعمهم المهدي المنتظر بسرداب سامرا، وليس له وجود ولا
عين ولا أثر. بل هؤلاء الأئمة الإثنا عشر المخبر عنهم في الحديث: الأئمة الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعمر بن عبدالعزيز بلا خلاف بين الأئمة علي كلا القولين لأهل السنة في تفسير الإثني عشر. انتهي. ولعله يقصد بالقولين: القول بتتابعهم زمنياً، وعدمه، ولكنهما وجهان في كل واحد منهما عددٌ من الأقوال.. وقد ذكر هو جملةً منها! ثم أشار ابنكثير إلي الإحتمالات وركز منها علي مناقشة البيهقي فقال: فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة من أن المراد بالخلفاء الإثني عشر المذكورين في هذا الحديث، هم المتتابعون إلي زمن الوليد بن يزيد بن عبدالملك الفاسق، الذي قدمنا الحديث فيه بالذم والوعيد، فإنه مسلك فيه نظر، وبيان ذلك: أن الخلفاء إلي زمن الوليد بن يزيد هذا أكثر من اثني عشر علي كل تقدير، وبرهانه أن الخلفاء الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي خلافتهم محققة بنص حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. ثم بعدهم الحسن بن علي كما وقع، لأن علياً أوصي إليه وبايعه أهل العراق، وركب وركبوا معه لقتال أهل الشام، حتي اصطلح هو ومعاوية كما دل عليه حديث أبيبكرة، في صحيح البخاري. ثم معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبدالملك بن مروان ثم ابنه الوليد بن عبدالملك، فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبدالملك. فإن اعتبرنا ولاية الزبير قبل عبدالملك صاروا ستة عشر، وعلي كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبدالعزيز، فهذا الذي سلكه علي هذا التقدير يدخل في الإثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج منهم عمر بن عبدالعزيز، الذي أطبق الأئمة علي شكره وعلي مدحه، وعدُّوه من
الخلفاء الراشدين، وأجمع الناس قاطبة علي عدله وأن أيامه كانت من أعدل الأيام، حتي الرافضة يعترفون بذلك. فإن قال: أنا لاأعتبر إلا من اجتمعت الأمة عليه، لزمه علي هذا القول أن لايعدّ علي بن أبيطالب ولا ابنه، لأن الناس لم يجتمعوا عليهما، وذلك أن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما، وعدّ معاوية وابنه يزيد وابنابنه معاوية بن يزيد، ولم يقيد بأيام مروان ولا ابنالزبير، فإن الأمة لم تجتمع علي واحد منهما. فعلي هذا نقول في مسلكه هذا عاداًّ للخلفاء أبيبكر وعمر وعثمان ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم عبدالملك ثم الوليد بن سليمان ثم عمر بن عبدالعزيز ثم يزيد ثم هشام، فهؤلاء عشرة، ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبدالملك الفاسق، ولكن هذا لايمكن أن يسلك، لأنه يلزم منه إخراج علي وابنه الحسن من هؤلاء الإثني عشر، وهو خلاف ما نص عليه أئمة السنة، بل والشيعة، ثم هو خلاف ما دل عليه نصا حديث سفينة عن رسولالله أنه قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً. وقد ذكر (سفينة) تفصيل هذه الثلاثين سنة فجمعها من خلافة الأربعة، وقد بيناّ دخول خلافة الحسن، وكانت نحواً من ستة أشهر فيها أيضاً، ثم صار الملك إلي معاوية لما سلم الأمر إليه الحسن بن علي. وهذا الحديث فيه المنع من تسمية معاوية خليفة، وبيان أن الخلافة قط انقطعت بعد الثلاثين سنة لامطلقاً، بل انقطع تتابعها، ولا ينفي وجود خلفاء راشدين بعد ذلك، كما دل عليه حديث جابر بن سمرة. وقال نعيم بن حماد: حدثنا راشد بن سعد، عن ابنلهيعة، عن خالد بن أبيعمران، عن حذيفة بن اليمان قال: يكون بعد عثمان اثنا عشر ملكا من بني أمية،
قيل له: خلفاء؟ قال: لا، بل ملوك. وقد روي البيهقي من حديث حاتم بن صفرة، عن أبيبحر قال: كان أبوالجلد جاراً لي، فسمعته يقول يحلف عليه: إن هذه الأمة لن تهلك حتي يكون فيها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدي ودين الحق، منهم رجلان من أهل البيت، أحدهما يعيش أربعين سنة، والآخر ثلاثين سنة. ثم شرع البيهقي في رد ما قاله أبوالجلد بما لايحصل به الرد، وهذا عجيب منه! وقد وافق أباالجلد طائفة من العلماء، ولعل قوله أرجح لما ذكرنا. وقد كان ينظر في شيء من الكتب المتقدمة، وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالي بشر إبراهيم بإسماعيل، وأنه ينميه ويكثره ويجعل من ذريته اثني عشر عظيماً. انتهي كلام ابنكثير. وهو يقصد ما هو موجود في التوراة الفعلية- العهد القديم والجديد25:1- طبعة مجمع الكنائس الشرقية في سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر، قال: 18- وقال إبراهيم لله ليت إسماعيل يعيش أمامك. 19- فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسحق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً، لنسله من بعده. 20- وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً. اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة. 21- ولكن عهدي أقيمه مع إسحق، الذي تلده لك سارة في هذا الوقت، في السنة الآتية. انتهي. وقد وردت ترجمها كعب الأحبار (قيماً) وترجمها بعضهم (إماماً).. فالنص موجود في التوراة، وفي مصادر السنة، والشيعة، وهو مؤيد لبشارة نبينا صلي الله عليه وآله، ولكنه يؤيد تفسير شيعة أهل البيت عليهمالسلام، ولا يحل مشكلة المفسرين السنيين، بل يزيدها! ومن أعقل هؤلاء الشراح وأكثرهم إنصافاً في هذا الموضوع: ابنالعربي المالكي المتوفي سنة 543
فقد اعترف في عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي بأن تطبيق الحديث علي هؤلاء يصل إلي طريق مسدود، ورجح أن يكون الحديث ناقصاً، لأن الموجود منه لايفهم له معني.. قال: روي أبوعيسي، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلهم من قريش. صحيح. فعددنا بعد رسولالله صلي الله عليه وسلم اثني عشر أميراً فوجدنا: أبابكر، عمر، عثمان، علي، الحسن، معاوية، يزيد، معاوية بن يزيد، مروان، عبدالملك، مروان بن محمد بن مروان، السفاح، المنصور، المهدي، الهادي، الرشيد، الأمين، المأمون، المعتصم، الواثق، المتوكل، المنتصر، المستعين، المعتز، المهتدي، المعتضد، المكتفي، المقتدر، القاهر، الراضي، المتقي، المستكفي، المطيع، الطائع، القادر، القائم، المقتدي، أدركته سنة أربع وثمانين وأربعمائة وعهد إلي المستظهر أحمد ابنه، وتوفي في المحرم سنة ست وثمانين، ثم بايع المستظهر لابنه أبيمنصور الفضل، وخرجت عنهم سنة خمس وتسعين. وإذا عددنا منهم اثني عشر انتهي العدد بالصورة إلي سليمان بن عبدالملك. وإذا عددناهم بالمعني، كان معنا منهم خمسة: الخلفاء الأربعة وعمر بن عبدالعزيز!! ولم أعلم للحديث معني، ولعله بعض حديث!! انتهي. فاتضح لك أن المفسرين السنيين بذلوا كل جهدهم لتفسير هؤلاء الأئمة الإثني عشر الموعودين في التوراة علي لسان إبراهيم، ثم علي لسان نبينا صلي الله عليه وآله، علي ملوك بني أمية، ولكنهم واجهوا ثلاثة مشاكل أساسية لاحل لها: الأولي: زيادة عدد هؤلاء (الخلفاء) الذين يعترفون بأنهم ليسوا خلفاء النبي صلي الله عليه وآله بل خلفاء الهواء! علي الإثني عشر، الأمر الذي يدخلهم في بوابة الحذف والإثبات التي لاضابط لها، ولا آخر! والثانية: أنهم يشعرون أن هذا الثوب الإلهي لايمكن إلباسه لجماعتهم.. وأنهم مهما دافعوا عن سيرة هؤلاء (الخلفاء غير الخلفاء) وتستروا
علي تاريخهم، ففيهم مفضوحون، لابد من الإعتراف بسوئهم، ولا يمكن أن يكون أحدهم إماماً ربانياً، وقيماً عظيماً علي الأمة، موعوداً من الله تعالي علي لسان أعاظم الأنبياء عليهمالسلام. والثالثة: أنهم بهذا التفسير يدعون لهؤلاء الملوك منصباً ربانياً لم يدعوه هم لأنفسهم! فيصيرون بذلك كمن يدعي نبوة لنبي، والنبي المزعوم ينكرها!! وأخيراً، فقد نصح المفسرون السنيون أتباعهم أن لايأخذوا بتفسير الشيعة ووعدوهم بأن يفسروا لهم الحديث الشريف بأصح من تفسير الشيعة، وقد رأينا أنهم داروا في تفسيره كثيراً، وراوحوا مكانهم.. فمن حق السني أن يعود علي بدء، ويسألهم عن تفسير حديث نبيه صلي الله عليه وآله الصحيح وبشارته القطعية باثني عشر إماماً، ربانياً، ملهماً، مميزاً بعلمه وشخصيته وسلوكه، قيماً من ربه علي الأمة.. يكونون جميعاً علي هدي واحد، وخط واحد.. ومن حقنا أن نقول لهم: إذا لم تفسروه، فاعذرونا أن نفسره بالأئمة من أهل بيت النبي وعترته الطاهرين صلي الله عليه وآله، وأولهم علي عليهالسلام وآخرهم المهدي الموعود عليهالسلام، وقد قال النبي صلي الله عليه وآله: بنا بدأ الله وبنا يختم. وصدق الله ورسوله.
سفينة: مولي أم سلمة، وثقه علماء الجرح والتعديل السنيون، وروي عنه البخاري وغيره من أصحاب الصحاح حديثاً يتعلق بالموضوع وصححوه. قال الترمذي:341:3 (عن سعيد بن جمهان قال: حدثني سفينة قال: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك (عضوض). ثم قال لي سفينة: أمسك عليك خلافة أبيبكر، ثم قال: وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم قال: أمسك خلافة علي، فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم؟ قال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك. وفي الباب
عن عمر وعلي قالا: لم يعهد النبي صلي الله عليه وسلم في الخلافة شيئاً. هذا حديث حسن، قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، لانعرفه إلا من حديثه). انتهي. ورواه أحمد في مسنده: 220:5 و221 بدون كلام سفينة عن ملوك بني أمية. وقال عنه الحاكم:71:3 وقد أسندت هذه الروايات بإسناد صحيح مرفوعاً إلي النبي صلي الله عليه وسلم. انتهي. ورواه ابنكثير في البداية والنهاية:198:3 ثم روي بعده عن عبدالرحمن أبيبكرة قال: سمعت رسولالله (ص) يقول: خلافة نبوة ثلاثون عاماً، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، فقال معاوية: رضينا بالملك!!. انتهي. وإذا صح حديث سفينة فهو إخبار نبوي عن انحراف الأمة بعد الثلاثين سنة، وعدم شرعية الحكم فيها. وبما أن عدد الحكام في هذه الفترة لم يزيدوا عن خمسة، فلا بد أن يكون الأئمة الإثنا عشر من غير الحاكمين، أو تكون تكملتهم من غيرهم! فحديث سفينة يحكم بخطأ جعل الأئمة الإثني عشر من الحكام، كما هو واضح. ولكن أكثر الشراح أشربوا في قلوبهم حب بني أمية، وارتكبوا كل تناقض لجعل ملكهم العضوض إمامة ربانية، وجعل حكامهم المعروفين بسلوكهم وبطشهم، أئمة ربانيين مبشراً بهم علي لسان رسول رب العالمين! والذي يزيدك اطمئناناً بما قلناه، أنهم قبلوا حديث سفينة (الخلافة ثلاثون سنة) وقد فسره راويه سفينة ونفي الخلافة عن بني أمية، وقال إنهم ملوك شر ملوك! بل اتهمهم بأنهم أبناء رومية زانية (بنو الزرقاء)! ومع ذلك جعلوهم أئمة ربانيين، اختارهم الله تعالي لقيادة هذه الأمة! ومنهم من حاول نفي تفسير سفينة للحديث وقال: إنه زيادة لم تثبت، مثل الألباني! وكذلك لم يثبت عندهم كل ما في تاريخ بني أمية من ظلم عضوض للناس!! فلا بد لهم أن
يردوا وصف النبي له بالعضوض!! قال العيني في عمدة القاري:74:16 (فإن قلت: يعارض حديث سفينة ما رواه مسلم من حديث جابر بن سمرة: لايزال هذا الدين قائماً ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، الحديث. قلت: قيل إن الدين لم يزل قائماً حتي ولي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، وأراد بهذا خلافة النبوة، ولم يرد أنه لايوجد غيرهم.وقيل: هذا الحديث فيه إشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلين من قريش، وإن لم يوجدوا علي الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم قد كان بعد ذلك خلفاء راشدون منهم عمر بن عبدالعزيز، ومنهم المهتدي بأمر الله العباسي، ومنهم المهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان). انتهي. فانظر إلي هذا التصرف بالألفاظ من أجل مصلحة الأمويين، حيث جعل الخلافة الشرعية نوعين: خلافة نبوة وهي التي كانت لمدة ثلاثين سنة، وخلافة شرعية ليست خلافة عن النبي صلي الله عليه وآله!! فلابد أن تكون خلافة عن بني تبع وبني حمير أو عن الهواء مثلاً، وهي التي امتدت بعد الثلاثين، وهي التي بشر بها النبي صلي الله عليه وآله بقوله: اثنا عشر خليفة، أو إماماً!! وقد تمسك الشراح المحبون لبني أمية بهذا الإبتكار وفرحوا به، لأنه يبقي لهم إمكانية التلاعب بالحديث، وتفسيره بأئمتهم الربانيين من بني أمية!! قال ابنكثير في البداية والنهاية:198:3 : (فإن قيل: فما وجه الجمع بين حديث سفينة هذا، وبين حديث جابر بن سمرة، المتقدم في صحيح مسلم؟... فالجواب: أن من الناس من قال: إن الدين لم يزل قائماً حتي ولي اثنا عشر خليفة ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية. وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثني عشر
خليفة عادلاً من قريش، وإن لم يوجدوا علي الولاء (التتابع) وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كانت بعد ذلك خلفاء راشدون فيهم عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم الأموي رضي الله عنه، وقد نص علي خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين غير واحد من الأئمة، حتي قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبدالعزيز! ومنهم من ذكر: من هؤلاء المهدي بأمر الله العباسي. والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضاً بالنص علي كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبدالله، وليس بالمنتظر في سرداب سامرا، فإن ذاك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض). انتهي. فتري أن ابنكثير لاجواب عنده علي إشكال حديث سفينة، ولذلك قال: من الناس من قال.. وقال آخرون.. ومنهم من ذكر! وليته أكمل الرواية عن سفينة كما وردت في مصادرهم! أما مدحه لعمر بن عبدالعزيز أو المهدي العباسي، فهو مهما كثر لايصير دليلاً علي أنه أحد الأئمة الربانيين المبشر بهم! وإلا لاستحق كل ممدوح مثلهما أن يكون منهم! فإن دخول أحد في عداد أشخاص بشر بهم أنبياء الله تعالي يحتاج إلي دليل علي أنه مقصود بهذا النص، وأنه واحد من هؤلاء الربانيين الذين اختارهم الله تعالي وأعطاهم مقاماً فوق مدح المادحين من البشر! وأما تكراره اتهام الشيعة بانتظار ظهور المهدي الموعود من سرداب سامراء فهو من المكذوبات علينا، فنحن ننتظر ظهور المهدي عليهالسلام من مكة كما ينتظره هو، وسرداب سامراء بيته وبيت أبيه وجده عليهمالسلام، وهو مكان مبارك، نصلي فيه ونتبرك به. ولكن ابنكثير.. كثير الكلام والتهم. وقال في هامش عون المعبود:361:1 :
(ذكر الشيخ ابنالقيم رحمه الله... حديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، وحديث اثنا عشر خليفة. ثم قال: فإن قيل: فكيف الجمع؟ قيل: لاتعارض بين الحديثين، فإن الخلافة المقدرة بثلاثين سنة هي خلافة النبوة كما في حديث أبيبكرة). انتهي. ولم يقل ابنقيم ولا غيره إذا لم تكن خلافة بني أمية خلافة نبوة فهي خلافة ماذا يا تري؟؟ وهل تبقي لها صفة إسلامية وربانية، بعد أن وصفها النبي صلي الله عليه وآله بأنها ملك عضوض، كما اعترف صاحب قرة العينين وغيره! وهل يعني إقرارهم بأنها ملك عضوض، ونفيهم عنها صفة الخلافة الإسلامية، إلا أنها خلافة جاهلية عضوضة؟ وهل يتصور عاقل أن الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وآله يبشران الأمة بأئمة جاهليين، يَعُضُّونها كالكلب بظلمهم؟! ولو أن ابنحبان وابنحجر وابنقيم وصاحب قرة العينين وأمثالهم.. اكتفوا بتعصبهم لبني أمية، لكان خطبهم أسهل، ولكنهم مع الأسف أصروا علي تسخير الأحاديث النبوية لنصرتهم، وتطبيق بشائر الأنبياء عليهمالسلام علي ملوكهم!! ومن طريف عمل الألباني في حديث سفينة، أنه صحح عدة أحاديث عن الإنحراف والأئمة المضلين، الذين سيحكمون بعد النبي صلي الله عليه وآله، ومنها حديث برقم 2982 (إن من أصحابي من لايراني بعد أن أفارقه!). وحديث برقم 2864 (إنه سيلي أموركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون بدعة). وحديث برقم 2865 (إني ممسك بحجزتكم عن النار، وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، ويوشك أن أرسل حجزتكم...) إلخ. وحديث برقم 1749 (أول من يغير سنتي رجل من بني أمية). وجعل هذا الحديث تحت عنوان: من أعلام نبوته الغيبية، وقال بعده: ولعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة وجعله وراثة. والله أعلم. وحديث برقم 744 (إذا بلغ بنو أبيالعاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دَخَلاً،
وعباد الله خَوَلاً، ومال الله دِوَلاً). كما صحح حديث سفينة برقم 459 ولكنه جعله تحت عنوان: خلافة النبوة! ومع كل هذه الأحاديث التي صححها، قال مدافعاً عن الأمويين: فلا ينافي مجيء خلفاء آخرين من بعدهم لأنهم ليسوا خلفاء النبوة. فهؤلاء هم المعنيون في الحديث لاغيرهم! كما هو واضح!! ويزيده وضوحاً قول شيخ الإسلام في رسالته المذكورة: ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين خلفاء، وإن كانوا ملوكاً ولم يكونوا خلفاء الأنبياء... إلخ. انتهي. فقد أفتي هذا الإمام الألباني تبعاً لإمامه ابنتيمية، بأن الأئمة الإثني عشر المبشر بهم علي لسان رسولالله صلي الله عليه وآله، القيمين علي الأمة بتعيين رب العالمين هم.. معاوية ويزيد وبنو الحكم بن أبيالعاص، الذين صحت فيهم أحاديث ذمٍّ قاصعة!! وهكذا يدفعه غلوه في بني أمية إلي أن يعطي الحجة علي ربه سبحانه، وعلي نبيه صلي الله عليه وآله!! فماذا يقول إذا قال له مستشرق مثلاً: إنكم أيها المسلمين تقولون إن ربكم مزاجي ونبيكم مزاجي أيضاً، لأنهما يلعنان أشخاصاً ويذمانهم ويتبرآن منهم! ثم يتغير مزاجهما فيرضيان عنهم، ويعلنان للمسلمين: إنا نبشركم بهم وبأولادهم، إنهم صفوة البشر، أئمة، ربانيون، معصومون، قيمون علي الأمة!! وهل دخل المستشرقون الخبثاء، وهل دخل سلمان رشدي وأمثاله، وطعنوا في الإسلام، إلا من أبواب أحاديث التعصب لقريش العتاة علي ربهم وبني أمية العتاة علي نبيهم وآله، وكعب الأحبار مزرق ثقافة اليهود للمسلمين؟!
روي الصدوق في الخصال: 467-466 حديث ابنمسعود المتقدم بعدة أسانيد فيها مجالد بن سعيد، وأسانيد أخري ليس فيها مجالد، قال: حدثنا أبوعلي أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا أبوعبدالله أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبيالرجال البغدادي، قال: حدثنا محمد بن عبدوس الحراني، قال: حدثنا عبدالغفار بن
الحكم، قال: حدثنا منصور بن أبيالأسود، عن مطرف، عن الشعبي، عن عمه قيس بن عبد، قال: كنا جلوساً في حلقة فيها عبدالله بن مسعود فجاء أعرابي فقال: أيكم عبدالله بن مسعود؟ فقال عبدالله: أنا عبدالله بن مسعود. قال: هل حدثكم نبيكم صلي الله عليه وآله كم يكون بعده من الخلفاء؟ قال: نعم، اثنا عشر، عدد نقباء بني إسرائيل. حدثنا أبوالقاسم عتاب بن محمد الوراميني الحافظ، قال: حدثنا يحيي بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا أحمد بن عبدالرحمن بن الفضل، ومحمد بن عبيد الله بن سوار، قالا: حدثنا عبدالغفار بن الحكم، قال: حدثنا منصور بن أبيالأسود، عن مطرف، عن الشعبي. قال: عتاب بن محمد: وحدثنا إسحاق بن محمد الأنماطي، قال: حدثنا يوسف بن موسي، قال: حدثنا جرير، عن أشعث بن سوار عن الشعبي. قال عتاب بن محمد: وحدثنا الحسين بن محمد الحراني، قال: حدثنا أيوب بن محمد الوزان قال: حدثنا سعيد بن مسلمة، قال: حدثنا أشعث بن سوار، عن الشعبي، كلهم قالوا عن عمه قيس بن عبد. قال أبوالقاسم عتاب: وهذا حديث مطرف قال: كنا جلوساً في المسجد، ومعنا عبدالله بن مسعود، فجاء أعرابي فقال: فيكم عبدالله؟ قال: نعم أنا عبدالله، فما حاجتك؟ قال: يا عبدالله أخبركم نبيكم صلي الله عليه وآله كم يكون فيكم من خليفة؟ قال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد منذ قدمت العراق، نعم، اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل. قال: أبوعروبة في حديثه: نعم عدة نقباء بني إسرائيل. وقال جرير عن الأشعث بن مسعود عن النبي صلي الله عليه وآله قال: الخلفاء بعدي اثنا عشر، كعدد نقباء بني إسرائيل. انتهي. (ورواهما في: كمال الدين وتمام النعمة271- بنفس السند). وأكبر
عمل حديثي قام به قدماء علمائنا في هذا الموضوع، بل هو أجلُّ ما وجدته في الموضوع من الأعمال العلمية المقارنة: هو ما صنفه المحدث الخبير علي بن محمد بن علي الخزاز القمي الرازي، من علماء أوائل القرن الرابع وكتابه القيم (كفاية الأثر في النص علي الأئمة الإثني عشر) وقد ذكر منهجه في مقدمته فقال في ص7 أما بعد: فإن الذي دعاني إلي جمع هذه الأخبار، عن الصحابة والعترة الأخيار، في النصوص علي الأئمة الأبرار، إني وجدت قوماً من ضعفاء الشيعة ومتوسطيهم في العلم، متحيرين في ذلك ومتعجزين، يشكون فرط اعتراض المشبهة عليهم، وزمرات المعتزلة، تلبيساً وتمويهاً عاضدتهم عليه، حتي آل الأمر بهم إلي أن جحدوا أمر النصوص عليهم، من جهة لايقطع بمثلها العذر، حتي أفرط بعضهم وزعم أن ليس لها من الصحابة أثر.... فلما رأيت ذلك كذلك، ألزمت نفسي الإستقصاء في هذا الباب موضحاً ماعندي من البينات، ومبطلاً ما أورده المخالفون من الشبهات، تحرياً لمرضاة الله، وتقرباً إلي رسوله والأئمة من بعده. وأبتديء بذكر الروايات في النصوص عليهم من جهة أصحاب رسولالله صلي الله عليه وآله المعروفين مثل عبدالله بن العباس، وعبدالله بن مسعود، وأبيسعيد الخدري، وأبيذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وأبيهريرة، وعمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبيأمامة، وواثلة بن الأسقع، وأبيأيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن أسيد، وعمران بن الحصين، وسعد بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وأبيقتادة الأنصاري، وعلي بن أبيطالب، وابنيه الحسن والحسين عليهمالسلام. ومن النساء: أم سلمة، وعائشة، وفاطمة بنت رسولالله صلي الله عليه وآله. ثم أعقبه بذكر الأخبار التي وردت عن الأئمة صلوات الله عليهم، مما يوافق حديث
الصحابة، في النصوص علي الأئمة، ونص كل واحد منهم علي الذي من بعده، ليعلموا إن أنصفوا ويدينوا به، ولا يكونوا كما قال الله سبحانه (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) إذ مثل هذه الأخبار تزيل الشك والريب، ويقطع بها العذر، وإن الأمر أوكد مما ذهبوا إليه. انتهي. ثم عقد قدس الله نفسه باباً لما روي عن كل واحد من الصحابة الذين ذكرهم، وأورد فيه حديثه أو أحاديثه، بسند متصل منه إليه، إلي رسولالله صلي الله عليه وآله، فحفظ بذلك عدداً من النصوص التي ضاعت في مصادر إخواننا السنيين، أو تشتتت في مصنفاتهم، أو بقي منها أجزاء مجزأة، وأحياناً بقي الحديث بكامله! ونورد فيما يلي نماذج من كتاب كفاية الأثر: قال في ص23 في باب ما جاء عن عبدالله بن مسعود: أخبرنا أبوالمفضل محمد بن عبدالله الشيباني رحمه الله، قال: حدثنا أبوعلي محمد بن زهير بن الفضل الأبلي، قال: حدثنا أبوالحسين عمر بن الحسين بن علي بن رستم، قال: حدثني إبراهيم بن يسار الرمادي قال: حدثني سفيان بن عتبة، عن عطا بن السائب، عن أبيه، عن عبدالله بن مسعود، قال: سمعت رسولالله صلي الله عليه وسلم يقول: الأئمة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين، والتاسع مهديهم. وقال في ص73 في باب ما جاء عن أنس بن مالك: حدثنا أبوعبدالله أحمد بن محمد بن عياش الجوهري، قال: حدثنا محمد بن أحمد الصفواني، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا عبدالله بن مسلمة، قال: حدثنا محمد بن عبدالله الحمصي، قال: حدثنا بن حماد، عن أنس بن مالك قال: صلي بنا رسولالله صلي الله عليه وآله فقال: معاشر أصحابي، من أحب أهل بيتي حشر
معنا، ومن استمسك بأوصيائي من بعدي فقد استمسك بالعروة الوثقي. فقام إليه أبوذر الغفاري فقال: يا رسولالله كم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل. فقال: كلهم من أهل بيتك؟ قال: كلهم من أهل بيتي، تسعة من صلب الحسين، والمهدي منهم. وقال في ص113 في باب ما جاء عن أبيأيوب الأنصاري، خالد بن زيد: أخبرنا أبوالمفضل الشيباني، قال: حدثني حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي، قال: حدثنا محمد بن مسعود، عن يوسف بن السخت، عن سفيان الثوري، عن موسي بن عبيدة، عن إياس بن مسلمة بن الأكوع، عن أبيأيوب الأنصاري قال: سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله يقول: أنا سيد الأنبياء، وعلي سيد الأوصياء، وسبطاي خير الأسباط ومنا الأئمة المعصومون من صلب الحسين، ومنا مهدي هذه الأمة. فقام إليه أعرابي فقال: يا رسولالله كم الأئمة بعدك؟ قال: عدد الأسباط، وحواريي عيسي، ونقباء بني إسرائيل. وقال في ص120 في باب ما جاء عن عمار بن ياسر: أخبرنا محمد بن عبدالله بن المطلب الشيباني، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن حفص الخثعمي الكوفي قال: حدثنا عباد ابنيعقوب قال: حدثنا علي بن هاشم، عن محمد بن عبدالله، عن أبيعبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه، عن جده عمار قال: كنت مع رسولالله صلي الله عليه وآله في بعض غزواته، وقتل علي عليهالسلام أصحاب الألوية وفرق جمعهم، وقتل عمرواً بن عبدالله الجمجمي، وقتل شيبة بن نافع، أتيت رسولالله صلي الله عليه وسلم فقلت له: يا رسولالله صلي الله عليك إن عليا قد جاهد في الله حق جهاده. فقال: لأنه مني وأنا منه، وهو وارث علمي وقاضي ديني، ومنجز وعدي، والخليفة بعدي، ولولاه لم يعرف المؤمن المحض، حربه حربي وحربي
حرب الله، وسلمه سلمي وسلمي سلم الله، ألا إنه أبوسبطي، والأئمة من صلبه، يخرج الله تعالي منه الأئمة الراشدين، ومنهم مهدي هذه الأمة. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسولالله، ما هذا المهدي؟ قال: يا عمار إن الله تبارك وتعالي عهد إلي أنه يخرج من صلب الحسين تسعة، والتاسع من ولده يغيب عنهم، وذلك قوله عزوجل: قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين، يكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم، ويثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، ويقاتل علي التأويل كما قاتلت علي التنزيل، وهو سميي، وأشبه الناس بي. يا عمار ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فاتبع علياً وحزبه، فإنه مع الحق والحق معه. يا عمار إنك ستقاتل بعدي مع علي صنفين: الناكثين والقاسطين، ثم تقتلك الفئة الباغية. قلت: يا رسولالله، أليس ذلك علي رضا الله ورضاك؟ قال: نعم علي رضا الله ورضاي، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه.فلما كان يوم صفين خرج عمار بن ياسر إلي أميرالمؤمنين عليهالسلام فقال له: يا أخا رسولالله، أتاذن لي في القتال؟ قال: مهلاً رحمك الله، فلما كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله فأعاد عليه ثالثاً، فبكي أميرالمؤمنين وقال: إنه اليوم الذي وصفه لي رسولالله صلي الله عليه وسلم. فنزل أميرالمؤمنين عليهالسلام عن بغلته وعانق عماراً وودعه، ثم قال: يا أبااليقظان جزاك الله عن نبيك خيراً، فنعم الأخ كنت، ونعم الصاحب كنت. ثم بكي عليهالسلام وبكي عمار. ثم قال: والله يا أميرالمؤمنين ما تبعتك إلا ببصيرة، فإني سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله يقول يوم خيبر: يا عمار ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذاك فاتبع
علياً وحزبه، فإنه مع الحق والحق معه، وستقاتل الناكثين والقاسطين، فجزاك الله يا أميرالمؤمنين عن الإسلام أفضل الجزاء، فلقد أديت وأبلغت ونصحت. ثم ركب وركب أميرالمؤمنين عليهالسلام ثم برز إلي القتال، ثم دعا بشربة من ماء، فقيل له: ما معنا ماء، فقام إليه رجل من الأنصار فأسقاه شربة من لبن، فشربه ثم قال: هكذا عهد إلي رسولالله صلي الله عليه وآله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن. ثم حمل علي القوم فقتل ثمانية عشر نفساً، فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعناه وقتل رحمه الله. فلما كان في الليل طاف أميرالمؤمنين عليهالسلام في القتلي، فوجد عماراً ملقي بين القتلي، فجعل رأسه علي فخذه ثم بكي عليهالسلام وأنشأ يقول: ألا أيها الموت الذي لست تاركي++ أرحني فقد أفنيت كل خليل أراك بصيراً بالذين أحبهم++ كأنك تمضي نحوهم بدليل وقال في ص180 في باب ما جاء عن أم سلمة: حدثنا علي بن الحسن بن محمد بن مندة، قال: حدثنا أبوالحسين زيد بن جعفر بن محمد بن الحسين الخزاز بالكوفة في سنة سبع وسبعين وثلثمائة، قال حدثنا العباس بن العباس الجوهري ببغداد في دار عميرة، قال: حدثني عفان بن مسلم قال: حدثني حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبيصالح، عن سداد بن أوس قال: لما كان يوم الجمل قلت: لاأكون مع علي ولا أكون عليه، وتوقفت عن القتال إلي انتصاف النهار، فلما كان قرب الليل ألقي الله في قلبي أن أقاتل مع علي، فقاتلت معه حتي كان من أمره ما كان، ثم إني أتيت المدينة فدخلت علي أم سلمة، قالت: من أين أقبلت؟ قلت: من البصرة. قالت: مع أي الفريقين كنت؟ قلت: يا أم المؤمنين
إني توقفت عن القتال إلي انتصاف النهار، وألقي الله عزوجل في قلبي أن أقاتل مع علي. قالت: نعم ما عملت، لقد سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله يقول: من حارب علياً فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله. قلت: فترين أن الحق مع علي؟ قالت: إي والله، علي مع الحق والحق معه، والله ما أنصف أمة محمد نبيهم، إذ قدموا من أخره الله عزوجل ورسوله، وأخروا من قدمه الله تعالي ورسوله! وأنهم صانوا حلائلهم في بيوتهم، وأبرزوا حليلة رسولالله صلي الله عليه وآله إلي الفناء! والله سمعت رسولالله صلي الله عليه وآله يقول: لأمتي فرقة وجعلة، فجامعوها إذا اجتمعت، وإذا افترقت فكونوا من النمط الأوسط، ثم ارقبوا أهل بيتي فإن حاربوا فحاربوا، وإن سالموا فسالموا، وإن زالوا فزالوا معهم، فإن الحق معهم حيث كانوا. قلت: فمن أهل بيته؟ قالت: أهل بيته الذين أمرنا بالتمسك بهم. قالت: هم الأئمة بعده كما قال: عدد نقباء بني إسرائيل: علي وسبطاه، وتسعة من صلب الحسين هم أهل بيته، هم المطهرون، والأئمة المعصومون. قلت: إنا لله! هلك الناس إذاً؟! قالت: كل حزب بما لديهم فرحون. انتهي.
ارتكب المنظرون للخلافة القرشية من محدثين ومفسرين، تحريفاً في تفسير آية التبليغ، فجعلوا معني (والله يعصمك من الناس) أن الله عصم نبيه صلي الله عليه وآله من القتل! وهدفهم من ذلك أن ينكروا دور أبيطالب وبني هاشم في حماية النبي من مؤامرات قريش، لأن النبي معصوم من القتل، فلايحتاج الي حماية! وهدفهم من جهه أخري أن يبعدوا معني العصمة في الآية عن عصمة الله لنبيه من ارتداد قريش وطعنها بنبوته إن هو بلغ ولاية أهل بيته من بعده! فالغرض الثابت عند حكام قريش
وعلماء البلاط القرشي، أن يزوروا التاريخ، ويكتبوه معكوساً.. ويقنعوك به! يريدونك أن تخفي معهم واقع قريش التآمري بعد فتح مكة فلا تتحدث عنه بحرف..! وأن تردد معهم أن هذه القبائل المشركة، جنود أئمة الشرك، ومنجم الفراعنة، بنص القرآن.. بعد أن أسلمت تحت السيف، صارت ملائكة، وتحولت بين عشية وضحاها، إلي قبائل مسلمة مؤمنة تقية، تقود الناس بالإسلام والهدي! فهي أحق بالخلافة من عترة النبي صلي الله عليه وآله!
مفهوم التبليغ في القرآن مفهوم بسيط واضح، فهو يعني بيان الأنبياء الرسالة الإلهية للناس.. والناس بعد ذلك مختارون في أن يقبلوا أو يتولوا، وحسابهم علي الله تعالي، وليس علي أنبيائه! وتتفرع من هذا الأساس العميق عدة مبادئ: أولاً: أن النبي يحتاج إلي ضمان حرية التعبير عن رسالة ربه، ليتمكن من إيصالها الي العباد وإبلاغهم إياها. وقد كان هذا هو المطلب الأول للأنبياء عليهمالسلام من أممهم. ثانياً: مهمة الأنبياء عليهمالسلام هي التبليغ فقط أي مجرد (الإبلاغ) حتي أن الجهاد لم يفرض علي أحد من الأنبياء قبل إبراهيم عليهمالسلام، فهو أول من فرض الله عليه الجهاد الدفاعي فقط! ففي دعائم الاسلام للقاضي النعمان المغربي:344:1 (عن علي صلوات الله عليه أنه قال: أول من جاهد في سبيل الله إبراهيم عليهالسلام، أغارت الروم علي ناحية فيها لوط، فأسروه، فبلغ إبراهيم الخبر فنفر فاستنقذه من أيديهم. وهو أول من عمل الرايات صلي الله عليه). انتهي. ثم فرض الجهاد علي الأنبياء من ذرية ابراهيم، وكل الأنبياء بعده من ذريته، من أجل إزاحة العقبات المانعة من التبليغ، أو رد اعتداءات الكفار عن المؤمنين الذين اختاروا الدين الإلهي وإقامة حياتهم علي أساسه. ثالثاًً: لاإكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. فينبغي أن
يبقي قانون الهداية والإضلال فعالاً، والقدرة علي عمل الخير والشر متوفرة. رابعاً: الهدف من الإبلاغ هو إقامة الحجة لله علي عباده، واضحة كاملة، حتي لايقولوا يوم القيامة لم يبلغنا ذلك نبي ولم نعرف ذلك وكنا عنه غافلين.. فإقامة الحجة في الدين الإلهي محورٌ أصلي ثابتٌ في عمل الأنبياء عليهمالسلام سواء علي مستوي الكافرين، أو علي مستوي أممهم المؤمنين بهم. ومعني أن مهمة النبي عليهالسلام إنما هي البلاغ.. أن واجبه أن يوصل العقيدة والأحكام إلي الناس، ويبين لهم ويفهمهم.. وبذلك يقيم الحجة لربه عزوجل، ويؤدي ما عليه.. ويسقط المسؤولية عن عاتقه. أما استجابة الناس أو تكذيبهم.. وأما عملهم وسلوكهم، فهو شأنهم وليس النبي مسؤولاً عنه، بل المحاسبة عليه من اختصاص الله تعالي. قال الله تعالي: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين). سورة الأنعام-149 وأدلة هذه المبادئ من القرآن والسنة كثيرة، نذكر منها الي ما ذكره الله تعالي من قول نوح عليهالسلام: (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لاتعلمون). سورة الأعراف-62 وقول تعالي عن شعيب: (فتولي عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسي علي قوم كافرين). سورة الأعراف-93 وعن هود: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ماأرسلت به إليكم ويستخلف ربي غيركم ولا تضرونه شيئاً إن ربي علي كل شيء حفيظ). سورة هود-57 وقوله تعالي عن مهمة جميع الرسل الذين بعثهم عليهمالسلام: (فهل علي الرسل إلا البلاغ المبين). سورة النحل- 35. (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين). سورة يس-16 و17... ولا يتسع المجال لاستعراض مفاهيم التبليغ وأحكامه في القرآن والحديث، فهي أجزاء مشرقة من نظرية متكاملة في مهمة الأنبياء عليهمالسلام، حتي أنه تعالي وصف
دينه وقرآنه بأنه بلاغ فقال: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب). سورة إبراهيم-52 وقال إنه بلاغ يشمل الأجيال الآتية التي يبلغها الإسلام: (قل أي شيءأكبر شهادة؟ قل الله شهيد بيني وبينكم، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ..). سورة الأنعام-19 وأثني تعالي علي أمانة أنبيائه وشجاعتهم في تبليغ رسالاته، رغم مقاومة الناس واستهزائهم، فقال عزوجل: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفي بالله حسيباً). سورة الأحزاب-39 كما تحدث سبحانه عما لاقاه الأنبياء من تكذيب، وأذيً، واضطهاد، وتشريد، وتقتيل.. رغم أن مهمتهم كانت مجرد التبليغ عن الله تعالي!
والذي يتصل بموضوعنا مباشرة هو تبليغ نبينا محمد صلي الله عليه وآله فقد قال تعالي عن مهمته ومسؤوليته: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا، فإن توليتم فاعلموا أنما علي رسولنا البلاغ المبين). سورة المائدة-92 . (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما علي الرسول إلا البلاغ المبين). النور- 54. (فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد). سورة آل عمران-20. فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً، إن عليك إلا البلاغ. الشوري-48 . وقد أرسل الله نبينا محمداً صلي الله عليه وآله بنفس نظام الرسالة والتبليغ، الذي أرسل به جميع الأنبياء عليهمالسلام وهو قاعدة: إقامة الحجة وإتمامها علي الناس، وعدم إجبارهم علي العمل. وهذا هو معني (فإنما عليك البلاغ) فقط، وفقط! وهذا هو معني قوله صلي الله عليه وآله: (أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا لاإله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم). فالإجبار الذي جاء به النبي صلي الله عليه
وآله هو إجبار أهل الكتاب علي التعايش مع المسلمين، وليس علي الدخول في الإسلام، وإجبار المشركين الوثنيين علي الدخول في الإطار العام للإسلام.. وما عداه متروكٌ للأمة، داخل هذا الإطار، يطيع منها من يطيع، ويعصي من يعصي، ويهتدي منها من يهتدي، ويضل من يضل.. والمحاسب هو الله تعالي. ومن الطبيعي إذن، أن تحتاج مهمة التبليغ إلي حماية للنبي صلي الله عليه وآله حتي يؤديها، وإلا فإن قبائل قريش الذين يدركون خطر دعوته علي نفوذهم وآلهتهم، سرعان ما يدبرون قتله، أو تشويه سمعته وعزله، وحجب الناس عن سماع صوته. ورغم أن الألطاف الإلهية علي أنبيائه عليهمالسلام كثيرة ومتنوعة، وما خفي عنا منها أعظم وأكثر مما عرفناه، بل مما يمكن أن يبلغه فهمنا.. لكن سنته سبحانه في الرسل أن يترك أكثر حمايتهم للأسباب (الطبيعية) مضافاً إلي تلك الألطاف. ولا يوجد دليلٌ واحدٌ علي ما ذكروه من ضمان الله تعالي عصمة نبيه صلي الله عليه وآله من الجرح والقتل، وأنواع الأذي التي قد يتعرض لها.. وستأتي النصوص علي استمرار حراسته صلي الله عليه وآله إلي آخر حياته، ونذكر هنا ما رواه الجميع من أنه صلي الله عليه وآله كان يطلب من قبائل العرب تأمين هذه الحماية حتي يبلغ رسالة ربه. ففي سيرة ابنهشام:23:2 عن ربيعة بن عباد، قال: (إني لغلامٌ شاب مع أبي بمني ورسولالله صلي الله عليه وسلم يقف علي منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إني رسولالله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتي أبين عن الله ما بعثني به). انتهي. ورواه الطبري في تاريخه: 83:2
وابنكثير في سيرته:155:2 . وقال اليعقوبي في تاريخه:36:2 (وكان رسولالله يعرض نفسه علي قبائل العرب في كل موسم، ويكلم شريف كل قوم، لايسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: لاأكره أحداً منكم، إنما أريد أن تمنعوني مما يراد بي من القتل، حتي أبلغ رسالات ربي، فلم يقبله أحد، وكانوا يقولون: قوم الرجل أعلم به)!. انتهي. كذلك نصت مصادر السيرة علي أنه صلي الله عليه وآله طلب البيعة من الأنصار، علي حمايته وحماية أهل بيته مما يحمون أنفسهم وأهليهم.. ففي سيرة ابنهشام:38:2 : (فتكلم رسولالله صلي الله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلي الله، ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم علي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسولالله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر). ورواه الطبري في تاريخه: 92:2 وأسد الغابة: 174:1 وعيون الأثر: 217:1 وسيرة ابنكثير:198:2 ورواه أحمد: 461:3 وقال عنه في مجمع الزوائد:44:6 رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابنإسحق وقد صرح بالسماع. ورواه في كنز العمال: 328:1 و.29:8 إلي هنا يتسق الموضوع.. فقد طلب النبي صلي الله عليه وآله الحماية لتبليغ رسالة ربه، علي سنة الله تعالي في من مضي من الأنبياء عليهمالسلام، وقد حصل عليها من الأنصار. وقد نصره الله تعالي وهزم أعداءه من المشركين واليهود، وشملت دولته شبه الجزيرة العربية واليمن والبحرين وساحل الخليج، وامتدت إلي أطراف الشام، وصار جيش الإسلام يهدد الروم في الشام وفلسطين.. وها هو صلي الله عليه وآله في السنة العاشرة يودع المسلمين في حجة الوداع، ويتلقي سورة المائدة ويتلقي
فيها آية تأمره بالتبليغ وتطمئنه بالعصمة من الناس!! فما عدا مما بدا، حتي نزل الأمر بالتبليغ في آخر التبليغ، وصار النبي الآن وهو قائد الدولة القوية، بحاجة إلي حماية وعصمة من الناس! إن الباحث ملزمٌ هنا أن يستبعد حاجة النبي صلي الله عليه وآله إلي الحماية المادية، لأن الله تعالي أراد لها أن تتم بالأسباب الطبيعية، وقد وفرها علي أحسن وجه، فلا بد أن تكون العصمة هنا من نوع الحماية المعنوية لاالمادية. والباحث ملزمٌ ثانياً، أن يفسر الأمر بالتبليغ في الآية بأنه تبليغ موضوعٍ ثقيلٍ علي الناس.. وأن الذين يثقل عليهم هم المنافقون من المسلمين، لأنه لم يبق أمرٌ ثقيلٌ علي الكفار إلا وبلغه لهم، كما أنه لم يبلغهم أمراً بارزاً بعد نزول الآية يصح تفسيرها به. وبهذا لايبقي معني للعصمة النازلة من عند الله تعالي إلا العصمة من الطعن في نبوته إذا هو بلَّغهم أن الحكم من بعده في أهل بيته صلي الله عليه وآله. فبذلك فقط يتسق معني الآية ويكون معناها: يا أيها الرسول: إنما أنت رسول مبلغ، ولست مسؤولاً عما يحدث، ولا عن النتيجة، بل هو من اختصاص ربك تعالي.. بلغ ما أنزل إليك من ربك: وأمرك به جبرئيل في علي، وحاولت تبليغه مرات في حجة الوداع، فشوش المنافقون عليك. وإن لم تفعل فما بلغت رسالته: ولم تكمل إقامة الحجة لربك، لأن ولاية عترتك ليست أمراً شخصياً يخصك وإن ظنه المنافقون كذلك، بل هي جزءٌ لايتجزأ من هذه الرسالة الخاتمة الموحدة، وإذا انتفي الجزء من الرسالة.. انتفي الكل، وإذا انتفي الجزء من الحجة.. انتفي الكل. والله يعصمك من الناس: من طعن قريش بنبوتك بسبب هذا التبليغ مع أنه ثقيلٌ عليها.. فسوف يمنعها
الله أن ترفض نبوتك بسببه، وسوف تمر المسألة بسلام، ولا يكون عليك تشويش في التبليغ كما حدث في عرفات ومني، ولا ردة عن الإسلام.. وتكون أتمت الحجة لربك علي أمتك، ولكن علياً سوف يحتاج إلي قتالها علي تأويل القرآن كما قاتلتها أنت علي تنزيله! إن الله لايهدي القوم الكافرين: الذين يظلمون عترتك من بعدك، ويبدلون نعمة الله كفراً، ويظلمون بذلك الأمة، ويقودونها الي الصراعات علي الحكم، ويسببون انهيارها.. الي أن يبعث الله المهدي من ولدك!
تدل الآية الكريمة والنصوص العديدة علي أن تبليغ النبي صلي الله عليه وآله لرسالة ربه في عترته عليهمالسلام، كان من شأنه أن يزلزل الأمة الجديدة العهد بالاسلام، ويهدد أصل نبوته صلي الله عليه وآله! فما هو السبب، والظروف التي كانت قائمة؟! إن مصدر الخطر علي ترتيب النبي صلي الله عليه وآله لأمر الخلافة من بعده كان محصوراً في قريش وحدها.. وحدها.. فلا قبائل العرب غير قريش، ولا اليهود، ولا النصاري.. يستطيعون التدخل في هذا الموضوع الداخلي وإعطاء الرأي فيه، فضلاً عن عرقلة تبليغه أو تنفيذه! والظاهر أن النبي صلي الله عليه وآله كان شبه آيس من إمكانية تنفيذ هذا الموضوع، وأنه كان يخشي ظهور الردة من مجرد تبليغه بشكل صريح ورسمي! والسبب في ذلك طبيعة قريش، وتعقيدها النفسي، وتركيبتها الذهنية المراوغة كقبائل اليهود الذين عاني منهم موسي والأنبياء عليهمالسلام!
إذا تغاضينا عن أحاديث طعن النبي صلي الله عليه وآله في أنساب زعماء قريش الذين واجهوا آيات ربهم.. وطعن عمه أبيطالب نسابة قريش رضي الله عنه في أنسابهم.. وطعن علي عليهالسلام في أنسابهم.. وقلنا بصحة أنسابهم إلي إسماعيل عليهالسلام.. فإنهم يكونون ذرية إسماعيل الفاسدة، لأنهم جمعوا بين صفات اليهود
المعقدة من بني عمهم إسحاق، وبين غطرسة رؤساء القبائل الصحراوية الخشنة! وقريش.. باستثناء بني هاشم والقليل القليل من غيرهم، منجم للتكبر والشيطنة! فقد حكم الله سبحانه علي زعمائها بأنهم فراعنة تماماً، بالجمع لابالمفرد، فقال تعالي: (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلي فرعون رسولاً. فعصي فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً). المزمل15-16 . وقال رسولالله صلي الله عليه وآله عن عدد منهم لما وقف علي قتلي بدر: (جزاكم الله من عصابة شراً! لقد كذبتموني صادقاً وخونتموني أميناً. ثم التفت إلي أبيجهل بن هشام فقال: إن هذا أعتي علي الله من فرعون! إن فرعون لما أيقن بالهلاك وحد الله، وهذا لما أيقن بالهلاك دعا باللات والعزي)! (حلية الأبرار:127:1 أمالي الطوسي:316:1 وعنه البحار:272:19 ورواه في مجمع الزوائد:91:6). وروي ابنهشام في:207:1 قول أبيجهل: (تنازعنا نحن وبنو عبدمناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتي إذا تحاذينا علي الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتي ندرك مثل هذه! والله لانؤمن به أبداً، ولا نصدقه!). انتهي. ورواه في عيون الأثر: 146:1 وابنكثير في سيرته:506:1 . وفي تفسير القمي:276:1 : (قال رسولالله صلي الله عليه وآله لقريش: إن الله بعثني أن أقتل جميع ملوك الدنيا وأجرَّ الملك إليكم، فأجيبوني إلي ما أدعوكم إليه تملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وتكونوا ملوكاً في الجنة. فقال أبوجهل: اللهم إن كان هذا الذي يقوله محمد هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، حسداً لرسولالله صلي الله عليه وآله، ثم قال: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، نحمل إذا حملوا، ونطعن إذا طعنوا، ونوقد إذا أوقدوا، فلما استوي بنا وبهم الركب، قال
قائل منهم: منا نبي! لانرضي بذلك أن يكون في بني هاشم، ولا يكون في بني مخزوم!!). وقال الأبشيهي في المستطرف:58:1 : (قال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسولالله صلي الله عليه وآله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فاهدنا إليه). وقال البياضي في الصراط المستقيم:49:3 : (قال معاوية: فضل الله قريشاً بثلاث: وأنذر عشيرتك الأقربين، ونحن الأقربون. وإنه لذكر لك ولقومك، ونحن قومه. لإيلاف قريش، ونحن قريش. فقال رجل أنصاري: علي رسلك يا معاوية، قال الله: وكذب به قومك، وأنت من قومه. إذا قومك عنه يصدون، وأنت من قومه. إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، وأنت من قومه!! فهذه ثلاث بثلاث، ولو زدتنا لزدناك!! فأفحمه). انتهي. وفرعون وقومه.. عندما أخذهم الله بالسنين، طلبوا من موسي عليهالسلام أن يدعو لهم ربه.. بينما رسولالله صلي الله عليه وآله دعا ربه علي قريش الظالمة العاتية، فأخذهم الله بالسنين، وأصيبوا بالفقر والقحط، حتي أكلوا العلهز.. وما استكانوا لربهم وما يتضرعون!! قال الحاكم في المستدرك:394:2 : (عن ابنعباس قال: جاء أبوسفيان إلي رسولالله صلي الله عليه وآله فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم، قد أكلنا العلهز! يعني الوبر والدم، فأنزل الله عزوجل: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. هذا حديث صحيح الأسناد، ولم يخرجاه). انتهي. وقال في معجم البلدان:458:3 (والعلهز: دم القراد والوبر، يلبك ويشوي ويؤكل في الجدب! وقال آخرون: العلهز دم يابس يدق مع أوبار الأبل في المجاعات. وأنشد بعضهم:
وإن قري قحطان قرفٌ وعلهزٌ++ فأقبح بهذا ويح نفسك من فعلِ دولكن أتباع الخلافة القرشية لايعجبهم هذا الحديث، ولا يفسرون به الآية! بل يزعمون أن القرشيين خضعوا لربهم وتضرعوا، ودعا لهم الرسول صلي الله عليه وآله!! فانظر إلي ما قاله عباد قريش مثل ابنكثير في البداية والنهاية: 101:6 قال: (لما دعا علي قريش حين استعصت أن يسلط الله عليها سبعاً كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصدت كل شيء، حتي أكلوا العظام والكلاب والعلهز. ثم أتي أبوسفيان يشفع عنده في أن يدعو الله لهم، فدعا لهم فرفع ذلك عنهم!!). انتهي. ومشكلة ابنكثير أنه يحب رائحة آل أبيسفيان، وإلا فهو مؤلفٌ في السيرة والتاريخ، يعرف أن مجيء أبيسفيان كان بعد أن أشفق النبي صلي الله عليه وآله علي حالة قريش، وأرسل إليهم بأحمال من المواد الغذائية وبعض الأموال لعلهم يستكينوا لله تعالي ويؤمنوا به وبرسوله!! وبعد أن اعتدي بنو بكر حلفاء قريش علي خزاعة حلفاء النبي وجده عبدالمطلب.. وقتلوا منهم، واعانتهم قريش علي الخزاعيين، رغم الهدنة الموقعة بينهم وبين النبي! فاغتنمت قريش لفتة القلب النبوي الرحيم، وأنكرت تحريض بني بكر ومساعدتهم، وبعثت أباسفيان الي النبي صلي الله عليه وآله تتبرأ له من نقضها للهدنة، وحملته مشروع تمديد للصلح، من نوع مشاريع السلام الإسرائيلية في عصرنا، فرفضه النبي صلي الله عليه وآله، فذهب أبوسفيان إلي علي وفاطمة عليهماالسلام يرجوهما التوسط إلي النبي صلي الله عليه وآله فلم يقبلا وعرض عليهم أن يكون هذا (الصلح) باسم الحسن والحسين عليهماالسلام ليكون فخراً لهما في العرب، فقالا: إنا لانجير أحداً علي رسولالله صلي الله عليه وآله!! قال المفيد في الارشاد:132:1 : (فصل: ولما دخل أبوسفيان المدينة لتجديد العهد بين رسولالله صلي الله
عليه وآله وبين قريش، عندما كان من بني بكر في خزاعة وقتلهم من قتلوا منها، فقصد أبوسفيان ليتلافي الفارط من القوم، وقد خاف من نصرة رسولالله صلي الله عليه واله لهم، وأشفق مما حل بهم يوم الفتح. فأتي النبي صلي الله عليه واله وكتمه في ذلك، فلم يردد عليه جوابا. فقام من عنده، فلقيه أبوبكر فتشبث به وظن أنه يوصله إلي بغيته من النبي صلي الله عليه وآله فسأله كلامه له، فقال: ما أنا بفاعل لعلم أبيبكر بأن سؤاله في ذلك لايغني شيئاً. فظن أبوسفيان بعمر بن الخطاب ما ظنه بأبي بكر فكتمه في ذلك، فدفعه بغلظة وفضاضة كادت أن تفسد الرأي علي النبي صلي الله عليه وآله. فعدل إلي بيت أميرالمؤمنين عليهالسلام فاستأذن عليه، فأذن له وعنده فاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام فقال له: يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، وأقربهم مني قرابةً، وقد جئتك فلا أرجعن كما جئت خائباً، إشفع لي الي رسولالله فيما قصدته. فقال له: ويحك يا با سفيان، لقد عزم رسولالله صلي الله عليه وآله علي أمر ما نستطيع أن نكمله فيه. فالتفت أبوسفيان إلي فاطمة عليهاالسلام، فقال لها: يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس فيكونا سيدي العرب إلي آخر الدهر. فقالت: ما بلغ بنياي أن يجيرا بين الناس، وما يجير أحد علي رسولالله صلي الله عليه وآله. فتحير أبوسفيان وسقط في يده، ثم أقبل علي أميرالمؤمنين عليهالسلام فقال: يا أباالحسن، أري الأمور قد التبست علي فانصح لي. فقال له أميرالمؤمنين: ما أري شيئاً يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: فتري ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال:
لاوالله لاأظن ولكني لاأجد لك غير ذلك. فقام أبوسفيان في المسجد فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق! فلما قدم علي قريش قالوا: ما ورائك؟ قال: جئث محمداً فكلمته، فوالله ما رد علي شيئاً، ثم جئت ابنأبيقحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم لقيت ابنالخطاب فوجدته فظاً غليظاً لاخير فيه، ثم أتيت علياً فوجدته ألين القوم لي، وقد أشار في شئ فصنعته، والله ما أدري يغني عني شيئاً أم لا، فقالوا: بم أمرك؟ قال: أمرني ان أجير بين الناس ففعلت. فقالوا له: فهل أجار ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك والله ما زاد الرجل علي أن لعب بك، فما يغني عنك؟ قال أبوسفيان: لاوالله ما وجدت غير ذلك!). انتهي. وروي نحوه ابنكثير في البداية والنهاية:319:4
كانت قريش أكثر من عشرين قبيلة منها: بنو هاشم بن عبدمنافبنو أمية بن عبدشمس بنو عبدالدار بن قصي بنو مخزوم بن يقظة بن مرة بنو زهرة بن كلاببنو أسد بن عبدالعزي بنو الحارث بن فهر بن مالك بنو عامر بن لؤي بنو سهم بن عمرو بنو جمح بن عمرو بنو أنمار بن بغيض بنو تيم بن مرة بن كعب بنو عدي بن كعب... إلخ. ولكن الفعل والتأثير كان محصوراً بالقبائل المهمة، والزعماء المهمين، وهم بضع قبائل، وبضعة عشر زعيماً، والباقون تبعٌ لهم إلي حد كبير.. فقد وصف ابنهشام اجتماع دار الندوة الذي بحث فيه قادة القبائل (مشكلة نبوة محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم). فقال في: ج :331:2 (وقد اجتمع فيها أشراف قريش: من بني عبدشمس: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبوسفيان بن حرب. ومن بني نوفل بن عبدمناف: طعيمة بن عدي، وجبير
بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبدالدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة. ومن بني أسد بن عبدالعزي: أبوالبختري بن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام. ومن بني مخزوم: أبوجهل ابنهشام. ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ومن بني جمح: أمية بن خلف. ومن كان معهم غيرهم ممن لايعد من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه علي الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأياً. قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم: إحبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به... إلخ). وذكر في ج:488:2 أسماء الذين أنفقوا علي جيش المشركين في بدر فقال: (وكان المطعمون من قريش ثم من بني هاشم بن عبدمناف: العباس بن عبدالمطلب بن هاشم. ومن بني عبدشمس بن عبدمناف: عتبة بن ربيعة بن عبدشمس. ومن بني نوفل بن عبدمناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، يعتقبان ذلك. ومن بني أسد بن عبدالعزي: أباالبختري بن هشام بن الحارث بن أسد، وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، يعتقبان ذلك. ومن بني عبدالدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبدمناف بن عبدالدار.). انتهي. وإليك هذا الترتيب الذي رتبه الخليفة عمر لقبائل قريش، في سجل الدولة لتوزيع العطاءات، فإنه يدل علي تركيبة قبائلها، وتميز بني هاشم عليهم: قال البيهقي في سننه:364:3 : (عن الشافعي وغيره، أن عمر رضي الله عنه لما دون الدواوين قال: إبدأ ببني هاشم، ثم قال: حضرت رسولالله صلي الله عليه وسلم يعطيهم وبني المطلب... فوضع الديوان علي ذلك، وأعطاهم عطاء
القبيلة الواحدة. ثم استوت له عبدشمس ونوفل في جذم النسب، فقال: عبدشمس إخوة النبي صلي الله عليه وسلم لأبيه وأمه دون نوفل، فقدمهم، ثم دعا بني نوفل يتلونهم. ثم استوت له عبدالعزي وعبدالدار، فقال في بني أسد بن عبدالعزي أصهار النبي صلي الله عليه وسلم، وفيهم أنهم من المطيبين... فقدمهم علي بني عبدالدار، ثم دعا بني عبدالدار يتلونهم. ثم انفردت له زهرة فدعاها تلو عبدالدار. ثم استوت له تيمٌ ومخزوم، فقال في بني تيم إنهم من حلف الفضول والمطيبين وفيهما كان رسولالله صلي الله عليه وسلم، وقيل ذكر سابقةً، وقيل ذكر صهراً فقدمهم علي مخزوم، ثم دعا مخزوم يتلونهم. ثم استوت له سهمٌ وجمحٌ وعديُّ بن كعب، فقيل له: إبدأ بعدي. (قبيلة عمر)، فقال: بل أقر نفسي حيث كنت، فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد، ولكن انظروا بني جمح وسهم، فقيل قدم بني جمح. ثم دعا بني سهم، وكان ديوان عدي وسهم مختلطاً كالدعوة الواحدة، فلما خلصت إليه دعوته كبر تكبيرة عالية، ثم قال: الحمد لله الذي أوصل إلي حظي من رسوله. ثم دعا بني عامر بن لؤي، قال الشافعي: فقال بعضهم إن أباعبيدة بن عبدالله بن الجراح الفهري لما رأي من تقدم عليه قال: أكل هؤلاء تدعو أمامي؟! فقال: يا أباعبيدة، إصبر كما صبرتُ، أو كلم قومك فمن قدمك منهم علي نفسه لم أمنعه، فأما أنا وبنو عدي فنقدمك إن أحببت علي أنفسنا. قال فقدم معاوية بعد بني الحارث بن فهر، فَصَلَ بهم بين بني عبدمناف وأسد بن عبدالعزي. وشجر بين بني سهم وعدي شيء في زمان المهدي فافترقوا، فأمر المهدي ببني عدي فقدموا علي سهم وجمح، للسابقة فيهم). انتهي. وقد اعترف
الجميع بأن فرع هاشم كانوا مميزين علي بقية الفروع في فكرهم وسلوكهم، متفوقين في فعاليتهم وقيمهم.. وأن جماهير القبائل والملوك كانوا يحترمونهم احتراماًً خاصاًً.. حتي حسدهم زعماء قريش، وتحالفوا ضدهم من أيام هاشم وعبدالمطلب. فقد رتب هاشم (رحلة الصيف) إلي الشام وفلسطين ومصر لقبائل قريش كلها، فسافر في الصحاري والدول، وفاوض رؤساء القبائل، والملوك، الذين تمر قوافل قريش التجارية في مناطقهم، وعقد معهم جميعاً معاهداتٍ بعدم الغارة عليها وضمان سلامتها. وقد فرحت قبائل قريش بهذا الإنجاز، وبادرت إلي الاستفادة منه، ولكنها حسدت هاشماً، وتمني زعماؤها لو أن ذلك تم علي يدهم، وكان فخره لهم. وقد توفي هاشم مبكراً في إحدي سفراته في أرض غزة، في ظروف يحق للباحث أن يشك فيها! ولكن بيت هاشم لم ينطفئ بعده، فسرعان ما ظهر ولده عبدالمطلب، وساد في قومه، وواصل مآثر أبيه، فرتب لقريش رحلة الشتاء إلي اليمن، وعقد معاهدات لحماية قوافلها مع القبائل التي تمر عليها، ومع ملك اليمن، وفاز بفخرها كما فاز أبوه بفخر رحلة الصيف. وعلي الصعيد المعنوي.. كانت قبائل قريش تري أن بني هاشم وعبدالمطلب يباهون دائماً بانتمائهم إلي إسماعيل واتباعهم لملة إبراهيم، كأنهم وحدهم أبناء إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام، بل كان بنو هاشم يطعنون في نسب غيرهم! كما فعل أبوطالب وبعده النبي صلي الله عليه وآله! وتفاقم الأمر علي قريش.. عندما أخذ عبدالمطلب يدعي الإلهام عن طريق الرؤيا الصادقة، فأخبرهم بأن الله تعالي أمره بحفر زمزم التي جفت وانقرضت من قديم، فحفرها ونبع ماؤها بإذن الله تعالي، ووجد فيها غزالين من ذهب فزين بذهبهما باب الكعبة.. وبذلك فاز بمأثرةٍ جديدة فقد كان مطعم الحجيج، وصار بسبب شحة الماء في مكة ساقي الحرم والحجيج! ثم
طمأن الناس عند غزو الحبشة للكعبة، بأن الجيش لن يصل إليها، وأن الله تعالي سيتولي دفعهم.. فصدقت نبوءته، وأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. ثم وضع عبدالمطلب للناس مراسم وسنناً، كأنه نبي أو ممهد لنبي، فجعل الطواف سبعاً! وكان بعض العرب يطوفون بالبيت عريانين لأن ثيابهم ليست حلالاً، فحرم عبدالمطلب ذلك! ونهي عن قتل الموؤودة. وأوجب الوفاء بالنذر، وتعظيم الأشهر الحرم. وحرم الخمر. وحرم الزنا ووضع الحد عليه، ونفي البغايا ذوات الرايات إلي خارج مكة. وحرم نكاح المحارم. وأوجب قطع يد السارق. وشدد علي القتل، وجعل ديته مئة من الإبل.. والملاحظ أن كل ذلك قد أقره الإسلام! كانت مكانة عبدالمطلب تتعاظم في قريش وفي قبائل العرب، وزعماء قريش يأكلهم الحسد منه! حتي جرُّوه مرتين إلي المنافرة والاحتكام الي الكهان، فنصره الله عليهم بكرامة جديدة، وتعاظمت مكانته أكثر! ولعل أكثر ما أثار زعماء قريش في آخر أيام عبدالمطلب، أنه ادعي أنه مثل جده إبراهيم عليهالسلام، ونذر أن يذبح أحد أولاده قرباناً لرب الكعبة... إلي آخر قصة نذر عبدالله والد النبي وفدائه! وما أن استراح زعماء قريش من عبدالمطلب، حتي ظهر ولده أبوطالب وساد في قومه وفي قريش والعرب رغم قلة ماله، وأخذ مكانة أبيه وجده، وواصل سيرة أبيه عبدالمطلب ومقولاته. وفي أيام أبيطالب وقعت المصيبة علي زعماء قريش عندما ادعي ابنأخيه محمد صلي الله عليه وآله النبوة، وطلب منهم الإيمان به وإطاعته! وزاد من خوفهم أن عدداً من بني هاشم وبني المطلب آمنوا بنبوته، وأعلن عمه أبوطالب حمايته لابن أخيه النبي صلي الله عليه وآله ليبلغ رسالة ربه بكامل حريته، وهدد قريشاً بالحرب إن هي مست منه شعرة! ووقف في
وجه مؤامراتها ضده، وأطلق قصائده في فضح زعمائها، حتي طعن في أنسابهم إلي إسماعيل.. فسارت بشعره الركبان يمدح فيه محمداً صلي الله عليه وآله، ويهجو زعماء قريش ويسمي زعيم مخزوم أباالحكم (أحيمق مخزوم) كما سماه ابنأخيه محمد (أباجهل)!! ونشط الزعماء القرشيون في مقاومة النبوة بأنواع الإغراءات والتهديدات لأبيطالب وابنأخيه محمد صلي الله عليه وآله.. ففشلوا! ثم اتخذوا قرارا باضطهاد المسلمين الذين تطالهم أيديهم من غير بني هاشم، فهرب أكثرهم إلي الحبشة.. وفشل زعماء قريش! ثم اتخذوا قراراً بالإجماع وضموا إليهم بني كنانة، بعزل كل بني هاشم ومقاطعتهم مقاطعة تامة شاملة، وحصروهم في شعبهم ثلاث سنوات أو أربع فأفشل الله محاصرتهم بمعجزة! وما أن فقد بنو هاشم رئيسهم أباطالب، حتي اتخذ زعماء قريش قراراً بالإجماع بقتل محمد صلي الله عليه وآله، الذي بقي بزعمهم بلاحامٍ ولا ناصر.. فأفشل الله كيدهم ونقل رسوله إلي المدينة التي أسلم أكثر أهلها، وهي تقع علي طريق شريانهم التجاري، وتهددهم بقطع تجارتهم مع الشام ومنطقتها! وحاول القرشيون أن يضغطوا علي أهل المدينة بالإغراء، والوعيد، ومكائد اليهود.. ولكنهم فشلوا، لأن المدينة صارت في يد النبي صلي الله عليه وآله.. فقرروا دخول الحرب مع ابنبني هاشم، وحاربوه في بدر، وأحد، والخندق.. ففشلوا! وحاربوه باليهود، واستنصروا عليه بالفرس والروم.. ففشلوا! وما هو إلا أن فاجأهم محمد صلي الله عليه وآله في السنة الثامنة من هجرته فدخل عليهم عاصمتهم مكة، بجيش من جنود الله لاقبل لهم به! فاضطروا أن يعلنوا إلقاء سلاحهم، والتسليم للنبي صلي الله عليه وآله! وقام أهل مكة سماطين ينظرون إلي دخول رسولالله صلي الله عليه وآله وجيشه.. وتقدم براية الفتح بين يديه شاب أنصاري من قبيلة الخزرج اليمانية هو عبدالله بن
رواحة، وهو ينشد للفراعنة: خلوا بني الكفار عن سبيله++ فاليوم نضربكم علي تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله++ ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله++ فقال له عمر بن الخطاب: يا بن رواحة، أفي حرم الله وبين يدي رسولالله، تقول الشعر!! فقال له رسولالله صلي الله عليه وآله: مه يا عمر، فو الذي نفسي بيده لكلامه هذا أشد عليهم من وقع النبل! (البيهقي في سننه:228:10 ونحوه الترمذي:217:4 والذهبي في سير أعلام النبلاء:235:1) فعمر يريد أن يخفف علي زعماء قريش وقع هزيمتهم، ولا يتحداهم في عاصمتهم.. ولا ننس أن عمر من قبيلة عدي الصغيرة، وأنه نشأ علي احترام زعماء قريش وإكبارهم، ويصعب عليه أن يتحداهم أنصاري في عاصمتهم! ولكن الرؤية النبوية أن هؤلاء الفراعنة لايفهمون إلا لغة السيوف والسهام، وأن عمل عبدالله بن رواحة عملٌ صحيحٌ، وقيمته عند الله تعالي عالية، لأنه أشد علي أعداء الله من وقع النبل!! فقه فتح مكة دوخ الفقهاء السنيين.. ولم يصحوا من دوختهم! أعلن الرسول صلي الله عليه وآله الأمان لقريش لمن ألقي سلاحه، وجمع زعماءهم في المسجد الحرام وسيوف جنود الله فوق رؤوسهم.. وذكرهم بتكبرهم وتجبرهم وتكذيبهم لآيات الله ومعجزاته، وعدائهم لله ورسوله، واضطهادهم لبني هاشم والمسلمين، وحروبهم ومكائدهم ضد الإسلام ورسوله.. قال الطبري في تاريخه:337:2 : (عن قتادة السدوسي أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قام قائماً حين وقف علي باب الكعبة ثم قال: لاإله إلا الله وحده لاشريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرةٍ أو دم أو مال يدعي، فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج... يا معشر قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء.
الناس من آدم وآدم خلق من تراب. يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. الآية. يا معشر قريش ويا أهل مكة: ما ترون أني فاعلٌ بكم؟! قالوا: خيراً، أخ كريم، وابنأخ كريم.ثم قال: إذهبوا فأنتم الطلقاء! فأعتقهم رسولالله صلي الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوةً، وكانوا له فَيْئاً، فبذلك يسمي أهل مكة الطلقاء). انتهي. وهنا تحير فقهاء الخلافة القرشية وكل علماء بلاطها..!! فإن إطلاق الأسير لايتحقق إلا بعد الأسر والإسترقاق. فهو يعني أن النبي صلي الله عليه وآله قد استرقهم، ثم أعتقهم، فصار له ولآله ولاؤهم. ويعني أن إسلامهم قد رفع عنهم القتل فقط، ولم يرفع عنهم جواز الإسترقاق! فهذه أحكام شرعية لايمكن إنكارها، لكنها خاصة بقريش، ولا يوجد لها مثيل في أحكام الجهاد والفتح الإسلامي!! فالحكم الشرعي لقريش حيث خافت ولم تجرؤ علي مقاومة النبي صلي الله عليه وآله، لو كانت من أهل الكتاب، أن يخيرها النبي بين ثلاث خصال: الإسلام، أو القتال، أو دفع الجزية والبقاء علي دينهم.. ولكنهم مشركون فهم مخيرون بين الإسلام والقتال فقط، وقد اختاروا الإسلام ولو تحت السيف. فكان اللازم أن تثبت لهم أحكام المسلمين، ولكن النبي صلي الله عليه وآله رتب عليهم حكم المشركين الأسري فأطلقهم (إطلاقاً) ولم يعتقهم كما قال الطبري! وهذا الإطلاق لايعرفه الفقهاء في أحكام الأسري! لأن الأسير إما أن يقتل أو يمن عليه ويعتق، أو يفادي. أما الإطلاق بدون عتق ولا مفاداة، فهو خاص بقبائل قريش في فتح مكة! يضاف إلي مصيبة فقهاء البلاط القرشي.. مسألة فقهية ثانية لاحل لها عندهم أيضاً، وهي: إعلان النبي الأمان لقريش لكل من دخل
داره وأغلق بابه، وكل من ألقي سلاحه، وكل من دخل دار أبيسفيان. وهو أمان لمشركين في حالة حرب مع المسلمين ليس فيه شرط أن يدخلوا في الإسلام! ومسألة ثالثة هي حكم أراضي مكة، وهل أنها بالأصل، عتيقة من الملكية تبعاً للبيت العتيق؟ أم أنها مفتوحة عنوة، فتكون ملكاً لكل المسلمين إلي يوم القيامة؟ أم أن النبي صلي الله عليه وآله أقر ملكية القرشيين فيها بسبب إعلانهم إسلامهم، فصارت ملكيتهم صحيحة ثم اشتري الناس من القرشيين ومن تبعهم إلي يومنا هذا؟! لكن كيف يصح أن يقر النبي ملكية القرشيين، ثم يعتبرهم أسري ويطلقهم إطلاقاً لاعتاقاً.. فهل معني ذلك إلا أن ملكية أراضيهم تابعة لملكية رقابهم؟! وأنها للنبي.. ثم لآله من بعده.. صلي الله عليه وآله. وحل لهذه المسائل من وجهة نظرنا: أن أرض مكة لاتملك، والولاية عليها لرسولالله صلي الله عليه وآله ثم للأئمة من أهل بيته عليهمالسلام. وإن الأمان الذي أعطاه رسولالله صلي الله عليه وآله لهم هو أمر برفع القتل فعلاً عن مشركين محاربين، إلا من استثني منهم. وأما إطلاقهم فهو يعني أن النبي صلي الله عليه وآله قد أسرهم وتملكهم شرعاً، ولم يعتقهم بل أطلقهم إطلاقاً، كالذي يقول لعبيده: إذهبوا وافعلوا ما شئتم، فيكون ملكه عليهم وعلي ذراريهم باقياً، وتعود ملكيتهم وممتلكاتهم بعده إلي ذريته. وهذا يعني أن النبي لم يخيرهم بين الإسلام والقتال، بل اعتبر أنهم اختاروا القتال وغلبهم وأخذهم أسري، كما هو الواقع! أما إعلان إسلامهم فقد رتب عليه النبي صلي الله عليه وآله أحياناً أحكام المسلمين وألزمهم بالجهاد معه في حنين وأخذ من نسائهم البيعة. كما رتب عليهم أحيانا أخري أحكام المشركين ولم يرجع إليهم أولادهم ولا عبيدهم الذين هاجروا
إليه بعد فتح مكة، كما سيأتي! وهذا يعني أنه مخير بين أن يرتب عليهم أحكام الاسلام عندما يراه مصلحة، أو أحكام الكفر عندما يراه مصلحة.. وهي أحكام تنسجم في فقهنا مع مقام النبي والامام، صلي الله علي نبينا وآله. ولا يتسع المجال للإفاضة في هذا البحث، فنكتفي بإيراد نصوص عن الأئمة صلوات الله عليهم تؤكد ما ذكرناه، منها: ما في نهجالبلاغة شرح الشيخ محمد عبده:30:3 في جواب علي عليهالسلام لمعاوية: (وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان، فذكرت أمراً إن تم اعتزلك كله، وإن نقص لم تلحقك ثلمته. وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس؟! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟!! هيهات، لقد حن قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها! ألا تربع أيها الإنسان علي ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخر حيث أخرك القدر، فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر.. وإنك لذهَّابٌ في التيه، رواغٌ عن القصد). انتهي. وفي الكافي:512:3 (من أسلم طوعاً تركت أرضه في يده.. وما أخذ بالسيف فذلك إلي الإمام يقبله بالذي يري كما صنع رسولالله صلي الله عليه وآله بخيبر.. وقال: إن أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العشر ونصف العشر، وإن أهل مكة دخلها رسولالله صلي الله عليه وآله عنوة فكانوا أسراء في يده، فأعتقهم وقال: إذهبوا فأنتم الطلقاء). انتهي. أما فقهاء المذاهب السنية فقد اعتبروا أن قريشاً دخلوا في الإسلام وترتبت عليهم أحكامه وانتهي الأمر. وإذا سألتهم عن اسم (الطلقاء) وعن تطبيق أحكام القتال علي أهل مكة وأرضها، سارعوا الي التخلص من ذم قريش وذكر أسرها.. وقالوا إنها أحكام خاصة بالنبي صلي الله عليه وآله. قال الشافعي في كتاب
الأم:382:7 (قال الأوزاعي: فتح رسولالله صلي الله عليه وسلم مكة عنوةًً، فخلي بين المهاجرين وأرضهم ودورهم بمكة، ولم يجعلها فيئاً. قال أبويوسف رحمه الله: إن رسولالله صلي الله عليه وسلم عفا عن مكة وأهلها وقال: من أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبيسفيان فهو آمن، ونهي عن القتل إلا نفراً قد سماهم، إلا أن يقاتل أحد فيقتل، وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد: ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابنأخ كريم. قال: إذهبوا فأنتم الطلقاء. ولم يجعل شيئاً قليلاً ولا كثيراً من متاعهم فيئاً. وقد أخبرتك أن رسولالله صلي الله عليه وسلم ليس في هذا كغيره، فهذا من ذلك، وتفهم فيما أتاك عن النبي صلي الله عليه وسلم، فإن لذلك وجوهاً ومعاني). انتهي. وغرض فقهاء الخلافة القرشية من ذلك أن النبي صلي الله عليه وآله لم يجعل أرض مكة فيئاً للمسلمين، ولا جعل أهلها عبيداً وموالي لهم، كما هي أحكام الإسلام، بل عفا عنهم وقبل إسلامهم، وهذا لايجوز لأحد أن يفعله ذلك مع مشركين محاربين! لكنه حكم خاص بالنبي صلي الله عليه وآله.. فهم بذلك يزعمون تكريم الله ورسوله لقريش، بأحكام خاصة وامتيازات عن بقية المشركين!! لكن العقبة الكأداء تبقي أمامهم صفة (الطلقاء) التي ختم بها النبي صلي الله عليه وآله أعناق جميع قريش الي يوم القيامة.. وهي صفة لاتصح إلا للعبيد المملوكين! وقد تنبه بعض النواصب إلي أنه لاحل لمشكلة قريش مع أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله ما دام اسم (الطلقاء) وصمة نبوية علي جبينهم. فهي تعني أن قريشاً صارواً عبيداً شرعيين للنبي صلي الله عليه وآله، وأنه أطلقهم إطلاقاً فعلياً مع
بقاء ملكيتهم له ثم لأهل بيته عليهمالسلام، وحتي لو زعم أحدٌ أن النبي أعتقهم فولاؤهم له ولأهل بيته أيضاً! ومن هنا حاولوا إنكار اسم (الطلقاء) من أساسه ليخلصوا أسيادهم القرشيين من صفة الرق الشرعي للنبي وآله صلي الله عليه وآله!! ومما صادفته في تصفحي، ما ارتكبه الشيخ ناصر الدين الألباني من تعصبٍ مفضوح للقرشيين، حيث ضعف هذا الحديث! فقال في سلسلة أحاديثه الضعيفة307:3 برقم :1163 (ضعيف. رواه ابنإسحاق في السيرة:31:4 ج 32 وعنه الطبري في التاريخ 120:3 ونقله الحافظ ابنكثير في البداية والنهاية 4 :301-300 ساكتاً عليه. وهذا سند ضعيف مرسل، لأن شيخ ابنإسحاق فيه لم يسم، فهو مجهول. ثم هو ليس صحابياً، لأن ابنإسحاق لم يدرك أحداً من الصحابة، بل هو يروي عن التابعين وأقرانه، فهو مرسل، أو معضل. انتهي. ولابدأن الألباني المحدث يعرف وجود هذا الحديث ومؤيداته في المصادر الأخري، ولم ير المحدثين والفقهاء وهم يرسلونه إرسال المسلمات! فمرضه ليس الجهل بالتاريخ والحديث.. بل مرضه حب القرشيين فهو يحاول تخليصهم من صفة الرق الشرعية للنبي وآله الطاهرين صلي الله عليه وآله؟! إن مسألة الطلقاء ثابتة مشهورة عند جميع الفرق، واسم (الطلقاء) اسم كالعلم لأكثر قريش، وهو كثير في مصادر الحديث، وقد دخلت أحكامه في فقه المذاهب. فقد روي البخاري في صحيحه:106-5:105 قال: (لما كان يوم حنين التقي هوازن ومع النبي صلي الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا...) وفي مسلم:106:3 (ومعه الطلقاء فأدبروا عنه حتي بقي وحده) أي مع بني هاشم!! ونحوه في:196:5 وفي مسند أحمد:190:3 و279. وفي مسند أحمد:363:4 (قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض، إلي يوم القيامة)!!
وهو حديث عجيب!! وقد صححه الحاكم في المستدرك: 80:4 وقال عنه في مجمع الزوائد:15:10 رواه أحمد والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح، وقد جوده رضي الله عنه وعنا، فإنه رواه عن الأعمش عن موسي بن عبدالله بن يزيد بن عبدالرحمن بن هلال العبسي، عن جرير وموسي بن عبدالله بن هلال العبسي. (وراجع أيضاً مغني ابنقدامة:321:7 ومبسوط السرخسي:39:10 ومسند أحمد:279:3 وسنن البيهقي:306:6 و266:8 و:118:9 وكنز العمال:86:12). وفي كنز العمال:735:5 (قال لهم عمر: إن هذا الأمر لايصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء، فإن اختلفتم فلا تظنوا عبدالله بن أبيربيعة عنكم غافلاً. ابنسعد). انتهي. فقضية الطلقاء وحديثهم صحيحة في مصادرهم.. وتعازينا لعلماء بلاطهم من الألبانيين والعرب!
ماذا فعلت قريش بعد أن اضطر بقية فراعنتها وألوف الطلقاء من أتباعهم إلي الدخول في الإسلام؟؟ من الطبيعي أن مشاعر الغيظ والكبرياء القرشي بقيت محتدمة في قلوب أكثرهم إن لم نقل كلهم.. ولكن في المقابل ظهر فيهم منطق يقول: إن دولة محمد دولتنا.. فمحمد أخ كريم، وابنأخ كريم، ودولته دولة قريش، وعزه عزها وفخره فخرها، ومهما كان محمد.. فهو ابنقريش، ودولته أوسع من دولة قريش وأقوي، وقد عفا عنها وفتح المجال أمام زعمائها في أجهزة هذه الدولة، فلماذا نحاربها، ولماذا نتركها بأيدي الأنصار الغرباء من الأوس والخزرج اليمانيين! أما مسألة من يرث دولة محمد بعده، فهي مسألة قابلة للعلاج، وهي علي كل حال مسألة قرشية داخلية!! من البديهي أن يفهم الباحث أن قريشاً وجهت جهودها لمرحلة ما بعد محمد صلي الله عليه وآله، وأن الهدف الأهم عندها كان: منع محمد أن يرتب الأمر من بعده لبني هاشم، ويجمع لهم بين النبوة والخلافة علي حد تعبير قريش والناطق الجديد باسمها عمر!
فالنبوة لبني هاشم، ولكن خلافة محمد يجب أن تكون لقبائل قريش غير بني هاشم! لكن رغم وجود هذا المنطق، فإن النصوص واعترافات بعض زعمائهم تدل علي أنهم كانوا يعملون علي كل الجبهات الممكنة! وأن أكثريتهم كانوا يائسين من أن يشركهم محمد في حكم دولته، لأنه يعمل بجد لتركيز حكم عترته من بعده.. لذلك اتجه تفكيرهم بعد فتح مكة إلي اغتيال النبي صلي الله عليه وآله.. وسرعان ما حاولوا تنفيذ ذلك في حنين بعد أيام من فتح مكة!! إن فراعنة قريش يهود هذه الأمة، فهم لايعرفون الوفاء، بل كأنهم يصابون بالصداع إذا لم يغدروا بمن عفا عنهم وأحسن إليهم!! لقد أعلنوا إسلامهم، وادعوا أنهم ذاهبون مع النبي صلي الله عليه وآله إلي حنين ليساعدوه في حربه ضد قبيلتي هوازن وغطفان، وكان عدد جيش القرشيين ألفين، وعدد جيش النبي صلي الله عليه وآله الذي فتح مكة عشرة آلاف، وعندما التقوا بهوازن في حنين انهزموا من أول رشقة سهام فسببوا الهزيمة في صفوف المسلمين فانهزموا جميعاً، كما حدث في أحد! وثبت النبي صلي الله عليه وآله ومعه بنو هاشم فقط، كالعادة، وقاتلوا بشدةٍ مع مئة رجعوا إليهم من الفارين حتي ردوا الحملة، ثم رجع آخرون من المسلمين الفارين.. وكتب الله النصر. وفي أثناء هزيمة المسلمين، قامت قريش بعدة محاولات لقتل النبي صلي الله عليه وآله!! وهو أمر يفتح باب الشك بأن الهزيمة كانت أمرا مدبراً مع قبيلة هوازن!! ونكتفي هنا بذكر ما نقله زعيم بني عبدالدار النضير بن الحارث، الذي سيأتي ذكره في تفسير الآية الثالثة! وقد نقل ذلك عنه محب له ولقريش ولبني أمية، هو ابنكثير الشامي، فقال في سيرته:691:3 : كان النضير بن الحارث بن كلدة
من أجمل الناس، فكان يقول: الحمد لله الذي من علينا بالإسلام، ومن علينا بمحمد صلي الله عليه وسلم، ولم نمت علي ما مات عليه الآباء، وقتل عليه الأخوة وبنو العم. ثم ذكر عداوته للنبي صلي الله عليه وسلم وأنه خرج مع قومه من قريش إلي حنين، وهم علي دينهم بعد، قال: ونحن نريد إن كانت دائرة علي محمد أن نغير عليه، فلم يمكنا ذلك. فلما صار بالجعرانة فوالله إني لعلي ما أنا عليه، إن شعرت إلا برسولالله صلي الله عليه وسلم فقال: أنضير؟ قلت: لبيك. قال: هل لك إلي خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه؟ قال: فأقبلت إليه سريعاً. فقال: قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع! قلت: قد أدري أن لو كان مع الله غيره لقد أغني شيئاً، وإني أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له. فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: اللهم زده ثباتاً. قال النضير: فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجرٌ ثباتاً في الدين، وتبصرة بالحق. فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: الحمد لله الذي هداه. انتهي. وأنت تلاحظ أن هذه الكلام يتضمن إقراراً من هذا الزعيم القرشي علي نفسه، وإقرار الإنسان علي نفسه حجة! ويتضمن ادعاء منه بإيمانه بالله تعالي فقد ذكر أنه تشهد الشهادة الأولي! ولكن الدعوي لاتثبت بادعاء صاحبها بدون شهادة غيره! ومهما يكن من أمر إسلامه يومئذ، فقد اعترف زعيم بني عبدالدار صاحب راية قريش وقائد قواتها الذي كان تحت إمرته ألفا مسلح في حنين، بأن إعلان إسلامهم في مكة كان كاذباً، وأن زعماء قريش كانوا متفقين علي قتل النبي صلي الله عليه وآله، وأنهم حاولوا محاولاتٍ في حنين ولم يتوفقوا..
فقد أحبط الله تعالي خططهم، وكشف لنبيه صلي الله عليه وآله نواياهم!! بل تدل أحاديث السيرة عليأن زعماء قريش لم يملكوا أنفسهم عند انهزام المسلمين في حنين في أول الأمر، فأظهروا كفرهم الراسخ، وفضحوا أنفسهم! ففي سيرة ابنهشام:46:4 : قال ابنإسحاق: فلما انهزم الناس، ورأي من كان مع رسولالله صلي الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبوسفيان بن حرب: لاتنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لَمَعَهُ في كنانته! وصرخ جبلة بن الحنبل- قال ابنهشام كلدة بن الحنبل- وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشركٌ في المدة التي جعل له رسولالله صلي الله عليه وسلم: ألا بطل السحر اليوم! قال ابنإسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبيطلحة أخو بني عبدالدار: قلت اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قتل يوم أحد، اليوم أقتل محمداً، قال: فأدرت برسولالله لأقتله، فأقبل شيء حتي تغشي فؤادي فلم أطلق ذاك، وعلمت أنه ممنوعٌ مني!!. انتهي. وشيبة هذا قائد آخر من قادة جيش قريش (المسلمة المؤمنة المجاهدة!) يعترف بأنه في حنين عند الهزيمة أو بعدها (دار) مرة أو مراتٍ حول النبي صلي الله عليه وآله ليقتله! فتأمل..!! إن الناظر في مقومات شخصيات زعماء قريش، وتفكيرهم واهتماماتهم، يصل إلي قناعة بأنهم مردوا علي النفاق، واتخذوا قراراً بأن يكذبوا بكل الآيات والمعجزات التي يأتيهم بها محمد صلي الله عليه وآله، ويكفروا بكل القيم والأعراف الإنسانية التي يدعوهم إليها ويعاملهم بها! لقد قرروا أن لايدخلوا في دينه إلا في حالتين لاثالثة لهما: إذا كان السيف فوق رؤوسهم! أو صارت دولة محمد وسلطانه بأيديهم! لقد حاربوا هذا الدين ونبيه صلي الله عليه وآله بكل
الوسائل حتي عجزوا وانهزموا.. ثم واصلوا تآمرهم ومحاولاتهم لاغتيال النبي صلي الله عليه وآله فعجزوا. ثم جاؤوا يشترطون الشروط مع النبي صلي الله عليه وآله ليأخذوا شطراً من دولته فعجزوا. ثم جاؤوا يدعون أنهم أصحاب الحق في دولة نبيهم صلي الله عليه وآله لأنه من قبائل قريش! فتأمل في طبيعة هذه الطينة التي استولت علي مقدرات الدولة الإسلامية، وأبعدت عن الحكم أهل بيت نبيها صلوات الله عليه وعليهم!! قال في مناقب آل أبيطالب:239:2 : قال الشريف المرتضي في تنزيه الأنبياء: إن النبي صلي الله عليه وآله لما نص علي أميرالمؤمنين بالإمامة في ابتداء الأمر، جاءه قوم من قريش وقالوا له: يا رسولالله إن الناس قريبو عهد بالإسلام لايرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابنعمك علي بن أبيطالب.. فلو عدلت به إلي غيره، لكان أولي! فقال لهم النبي صلي الله عليه وآله: ما فعلت ذلك لرأيي فأتخير فيه، لكن الله تعالي أمرني به وفرضه عليَّ. فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف علي ربك، فأشرك معه في الخلافة رجلاً من قريش تركن الناس إليه، ليتم لك أمرك، ولا تخالف الناس عليك. فنزلت الآية: لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين!! وروي في المصدر المذكور عن عبدالعظيم الحسني عن الصادق عليهالسلام في خبر: قال رجل من بني عدي اجتمعت إليَّ قريش، فأتينا النبي فقالوا: يا رسولالله إنا تركنا عبادة الأوثان واتبعناك، فأشركنا في ولاية علي فنكون شركاء، فهبط جبرئيل علي النبي فقال: يا محمد لئن أشركت ليحبطن عملك.. الآية. انتهي. (أقول: والحديث الأول في تنزيه الأنبياء167).
علي رغم خيانات زعماء قريش بعد فتح مكة وتآمرهم.. فقد حاول النبي صلي الله عليه وآله أن يستقطبهم،
فأكرمهم وتألفهم وأعطاهم أكثر غنائم معركة حنين! وأطمعهم بالمستقبل إن هم أسلموا وحسن إسلامهم... إلخ. لقد أمر الله رسوله صلي الله عليه وآله أن يقاوم عُقَدهم بنور الحلم، وظلماتهم بنور الإحسان..!! ليس من أجل كرامتهم علي الله تعالي، بل من أجل أجيال ستأتي ومسيرة لابد أن تنطلق في العالم! وفي هذه الفترة تراجعت زعامة أبيسفيان، ولم يبق منها عند قريش إلا (أمجاد) حربه لمحمد صلي الله عليه وآله! فشخصية أبيسفيان تصلح للزعامة في الحرب فقط وفي التجارة، ولا تصلح للزعامة والعمل السياسي في السلم، لذلك تراه بعد أن انكسر في فتح مكة ذهب إلي المدينة وطلب منصباً من محمد صلي الله عليه وآله، فعينه جابياً للزكاة من بعض القبائل!! ثم أبوسفيان من بني عبدشمس، أبناء عم بني عبدالمطلب.. وقد أعطاه النبي في فتح مكة امتيازاً ولو شكلياً، بأن من دخل داره فهو آمن.. فقريش تخشي منه أن يميل الي بنيهاشم بعد أن انكسر كقائد لجبهة لقريش. وقد أثبت التاريخ أن الدم المزعوم بين أمية وهاشم، قد يستعمله القادة الأمويون أحياناً، إذا رأوا في ذلك مصلحتهم!! ففي تاريخ الطبري:499:2 حدثني محمد بن عثمان الثقفي قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت قال لما استخلف أبوبكر قال أبوسفيان مالنا ولأبيفصيل؟! إنما هي بنو عبدمناف! قال فقيل له إنه قد ولي ابنك! قال: وصلته رحم!! حدثت عن هشام قال حدثني عوانة قال: لما اجتمع الناس علي بيعة أبيبكر أقبل أبوسفيان وهو يقول: والله إني لأري عجاجة لايطفؤها إلا دم! يا آل عبدمناف فيما أبوبكر من أموركم؟! أين المستضعفان؟ أين الاذلان علي والعباس؟ وقال: أباحسن أبسط يدك حتي أبايعك، فأبي علي عليه، فجعل يتمثل
بشعر المتلمس: ولن يقيم علي خسف يراد به++ إلا الاذلان عير الحي والوتد هذا علي الحسف معكوس برمته++ وذا يشج فلا يبكي له أحد قال فزجره علي وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الاسلام شرا! لاحاجة لنا في نصيحتك!!). ومما رواه التاريخ أن عثمان بن عفان.. ضرب يوماً علي وتر قرابته مع بني هاشم.. ففي هامش الايضاح لابن شاذان الأزدي ص :258 (وأما أبوجعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الشيعي الامامي فنقل الحديث في كتابه الموسوم بالمسترشد ضمن كلام له بهذه العبارة (ص133 من طبعة النجف): عن شريك أن عائشة وحفصة أتتا عثمان بن عفان تطلبان منه ما كان أبواهما يعطيانهما، فقال لهما: لاولا كرامة، ما ذاك لكما عندي! فألحتا وكان متكئاً فجلس وقال: ستعلم فاطمة أي ابنعم لها أنا اليوم! ثم قال لهما: ألستما اللتين شهدتما عند أبويكما ولفقتما معكما أعرابياً يتطهر ببوله مالك بن أوس بن الحدثان فشهدتما معه أن النبي صلي الله عليه وآله قال: لانورث، ما تركناه صدقة؟! فمرة تشهدون أن ما تركه رسولالله صدقة، ومرة تطالبون ميراثه؟!! انتهي. ثم روي نحوه عن الامام الباقر عليهالسلام وفيه (فتركته وانصرفت وكان عثمان إذا خرج إلي الصلاة أخذت قميص رسولالله صلي الله عليه وآله علي قصبة فرفعته عليها، ثم قالت: إن عثمان قد خالف صاحب هذا القميص)! علي هذا الأساس كان تفكير قريش بعد فتح مكة أنه لابد من زعيم يجيد العمل لمصلحة قريش المنكسرة عسكرياً.. وقد وجدوه في سهيل بن عمرو، العقل السياسي المفكر والداهية المخطط!! وسرعان ما صار سهيل محوراً لقريش، ووارثاً لقيادة زعمائها الذين قتلهم محمد صلي الله عليه وآله، أو أماتهم رب
محمد، سبحانه وتعالي. وسهيل بن عمرو بن عبدشمس بن عبدود، هو في نظر قريش: قرشي أصيل. ولئن كان من بني عامر بن لؤي، الذين هم أقل درجة من بني كعب بن لؤي (سيرة ابنهشام:498:2) ولكنه صاحب تاريخ في مواجهة محمد.. فهو من الزعماء الذين فاوضوا أباطالب بشأنه. وهو من أعضاء دار الندوة الذين اتخذوا قرار مقاطعة بني هاشم. وهو من الذين ائتمروا علي قتل النبي صلي الله عليه وآله عندما ذهب إلي الطائف، وقرروا نفيه من مكة، وهددوه بالقتل إن هو دخلها، ورفضوا أن يجيروه حتي يستطيع الدخول إلي مكة وتبليغ رسالة ربه! ففي تاريخ الطبري:82:2 (أن النبي صلي الله عليه وآله قال للأخنس بن شريق: إئت سهيل بن عمرو فقل له إن محمداً يقول لك: هل أنت مجيري حتي أبلغ رسالات ربي؟ فأتاه فقال له ذلك، قال فقال: إن بني عامر بن لؤي لاتجير علي بني كعب!). انتهي. وهو من الزعماء الذين واصلوا العمل لقتل محمد بعد وفاة أبيطالب، حتي أنجاه الله منهم بالهجرة! وهو أحد الذين حبسوا المسلمين وعذبوهم علي إسلامهم، ومن المعذبين علي يده ولده أبوجندل! وهو أحد قادة المشركين في بدر، وأحد أثريائهم الذين كانوا يطعمون الجيش! وهو أحد الذين كانوا يؤلمون قلب رسولالله صلي الله عليه وآله بفعالياتهم الخبيثة، فلعنهم الله تعالي وطردهم من رحمته، وأمر رسوله أن يلعنهم، ويدعو عليهم في قنوت صلاته بأسمائهم! وهو أحد المنفقين أموالهم علي تجهيز الناس لحرب النبي صلي الله عليه وآله في أحد والخندق وغيرهما! قال في سير أعلام النبلاء:194:1 (يكني أبايزيد، وكان خطيب قريش وفصيحهم ومن أشرافهم.. وكان قد أسر يوم بدر وتخلص. قام بمكة وحض علي النفير، وقال: يا آل غالب
أتاركون أنتم محمداً والصباة يأخذون عيركم! من أراد مالاً فهذا مال، ومن أراد قوة فهذه قوة. وكان سمحاً جواداً مفوهاً. وقد قام بمكة خطيباً عند وفاة رسولالله صلي الله عليه وسلم، بنحو من خطبة الصديق بالمدينة فسكنهم! وعظم الإسلام!!). انتهي. وينبغي الإلتفات هنا إلي مدح الذهبي لسهيل، وأن خطبته في مكة كانت بنحو خطبة أبيبكر الصديق في المدينة!! وهي خطبة من سطرين مفادها أيها العابدون محمداً إن محمداً قد مات.. وقريش تعبد رب محمد!! فلاحظ ذلك، فإنه لم يكن بين المدينة ومكة تلفون ولافاكس يومئذ!! وسهيل هو الذي انتدبته قريش لمفاوضة محمد صلي الله عليه وآله في الحديبية، وقد أجاد المفاوضة وشدد عليه بالشروط، ولم يقبل أن يكتب في المعاهدة (رسولالله) ووقع الصلح معه نيابة عن كل قريش! وهو المعروف عند قريش بأنه سياسي حكيم، أكثر من غيره من فراعنتها وهذا يعني أنه وارث أبيالحكم، أي أبيجهل. وهو أخيراً، من أئمة الكفر الذين أمر الله رسوله صلي الله عليه وآله بقتالهم.. وإعلانه الإسلام تحت السيف لايغير من إخبار الله وآياته شيئاً! ففي تفسير الصنعاني:242:1 (عن قتادة في قوله (وقاتلوا أئمة الكفر..) هو أبوسفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبوجهل، وسهيل بن عمرو). انتهي. وقد اختار سهيل بن عمرو البقاء في مكة بعد فتحها ودخولها تحت حكم النبي صلي الله عليه وآله ولم يهاجر إلي المدينة كبعض الطلقاء، ولم يطلب من محمد منصباً كما فعل أبوسفيان، لأن كبرياءه القرشي وتاريخه في الصراع مع النبي صلي الله عليه وآله، يأبيان عليه ذلك!! ومن كبريائه أنه رفض هدية النبي صلي الله عليه وآله في أيام القحط والسنوات العجاف التي حدثت علي قريش بدعاء النبي، فأشفق
عليهم وأرسل إليهم مساعدة، وكانت أحمالاً من المواد الغذائية، فقبلها أكثرهم وكان سهيل ممن رفضوها! ولكن سهيلاً قبل هدية النبي صلي الله عليه وآله في حنين، ولعل السبب أنها كانت مئة بعير! إنه تاريخٌ طويلٌ أسود عند الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وآله! ولكنه مشرقٌ عند القرشييين! ومن أجل هذا النسب وهذا التاريخ والصفات، اجتمعت حوله قريش (المسلمة) بعد فتح مكة، وانضوت تحت زعامته! فانظر الي انخداع البسطاء من كتَّاب السيرة والتاريخ.. وتأمل في مكر عباد زعماء قريش منهم! كان النبي صلي الله عليه وآله قد عين حاكماً لمكة بعد فتحها، هو عتاب بن أسيد الأموي، وجعل معه أنصارياً.. وهو تعيين له دلالته النبوية البليغة! ولكن قريشاً كانت لاتعرف إلا سهيلاً ولا تسمع إلا كلامه.. وتعتبر أن عتاباً وإن كان قرشياً أموياً، إلا أنه من جماعة محمد ومن بني عمه الأمويين! والدليل علي ذلك أنه بعد وفاة النبي صلي الله عليه وآله ارتدت قريش عن الإسلام، وخاف حاكمها عتاب أن يقتلوه فاختبأ من سيوفهم مع أنه قرشي أموي.. وبعد أيام وصلهم خبر يطمئنهم ببيعة أبيبكر التيمي، وأن أحداً من بني هاشم لن يحكم بعد محمد صلي الله عليه وآله فاطمأن سهيل بن عمرو، وخطب في قريش بنفس خطبة أبيبكر في المدينة، والتي مفادها أنه من كان يعبد محمداً فإن إلهه قد مات، ونحن لانعبد محمداً، بل هو رسول بلغ رسالته ومات، وهو ابنقريش وسلطانه سلطان قريش، وقد اختارت قريش حاكماً لنفسها بعده وهو أبوبكر، فاسمعوا له وأطيعوا. لقد طمأنهم سهيل بأن الأمر بيد قريش، وليس بيد بني هاشم ولا بيد الأنصار اليمانية الذين (يعبدون) محمداً، فلماذا الرجوع عن الإسلام! فأطاعته قريش وانتهي مشروع الردة!
وأصدر سهيل أمره لعتاب الحاكم من قبل النبي صلي الله عليه وآله: أخرج من مخبئك، واحكم مكة باسم الزعيم القرشي غير الهاشمي أبيبكر بن أبيقحافة بن تيم بن مرة! (راجع سيرة ابنهشام:1079:4 وفيها: فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، وظهر عتاب بن أسيد!!). سهيل بن عمرو يناضل لاستقلال دولة قريش! اقتنعت قريش بعد فتح مكة بأن العمل العلني ضد محمد صلي الله عليه وآله محكوم بالفشل.. فركزت جهودها علي العمل السياسي المتقن، والعمل السري الصامت، لإبعاد عترته عن الخلافة، وجعلها في غيرهم من قريش.. كانت أكبر مشكلة في نظر قريش أن النبي صلي الله عليه وآله يسير قدماً في ترتيب الأمر من بعده لعلي، ومن بعده للحسن والحسين، أولاد ابنته فاطمة.. وقريش لاتطيق علياً ولا أحداً من بني هاشم.. لذلك قام قادتها وفي مقدمتهم سهيل بن عمرو بأنشطة متعددة، كان من أبرزها محاولة جريئة مع النبي صلي الله عليه وآله!! فقد كتب إليه سهيل بن عمرو، ثم جاء علي رأس وفد، طالبين منه أن يرد (إليهم) عدداً من أبنائهم وعبيدهم، الذين تركوا مكة أو مزارع قريش في الطائف، وهاجروا إلي النبي صلي الله عليه وآله ليتفقهوا في الدين، عملاً بالآية القرآنية: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم..) الآية. قال سهيل للنبي صلي الله عليه وآله نحن اليوم حلفاؤك، فقد انتهت الحرب بيننا وتصالحنا، وأنا الذي وقعت الصلح السابق معك في الحديبية! وهؤلاء أولادنا وعبيدنا هربوا منا وجاؤوك، ولم يأتوك ليتفقهوا في الدين كما زعموا ثم إن كانت هذه حجتهم فنحن نفقههم في الدين، فأرجعهم إلينا!! ومعني هذا الطلب البسيط من زعيم قريش الجديد: أن قريشاً حتي
بعد فتح مكة واضطرارها إلي خلع سلاحها وإسلامها تحت السيف.. لاتعترف بالحاكم الشرعي لمكة الذي عينه النبي صلي الله عليه وآله، بل وتريد من النبي صلي الله عليه وآله الإعتراف بأنها وجود سياسي مستقل، في مقابل النبي صلي الله عليه وآله ودينه ودولته! واليك نصوص القصة: روي الترمذي في:298:5 (عن ربعي بن حراش قال: أخبرنا علي بن أبيطالب بالرحبة فقال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا يا رسولالله: خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف علي الدين، قد امتحن الله قلوبهم علي الإيمان! قالوا: من هو يا رسولالله؟ فقال له أبوبكر: من هو يا رسولالله؟ وقال عمر: من هو يا رسولالله؟ قال هو خاصف النعل، وكان أعطي علياً نعله يخصفها. هذا حديث حسن صحيح غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي). وروي أبوداود:611:1 (عن ربعي بن حراش عن علي بن أبيطالب قال: خرج عبدانٌ إلي رسولالله صلي الله عليه وسلم، يعني يوم الحديبية قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرق! فقال ناس: صدقوا يا رسولالله ردهم إليهم! فغضب رسولالله صلي الله عليه وسلم وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتي يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم علي هذا! وأبي أن يردهم وقال: هم عتقاء الله عزوجل).
انتهي. ولا يغرك ذكر الحديبية في الحديث، فهو من أساليب رواة البلاط القرشي في التزوير التي يستعملونها كثيراً! فالحادثة وقعت بعد فتح مكة، ولو كانت قبله لطالب سهيلٌ النبي صلي الله عليه وآله بالوفاء لهم بشرطهم، لأنهم شرطوا علي النبي صلي الله عليه وآله في صلح الحديبية أن يرد إليهم من يأتيه منهم، وأن لايردوا إليه من يأتيهم من المسلمين! ولو كانت قبل فتح مكة، لكانت مطالبة طبيعية بشرطهم، وما استحقت هذا الغضب النبوي الشديد، وهو لايغضب إلا بحق.. ولا يغضب إلا لغضب الله تعالي! ولو كانت قبل فتح مكة وقبل (دخول) قريش في الإسلام لما قالوا في مطالبتهم بأولادهم وعبيدهم المهاجرين (سنفقههم) فهذا لايقوله إلا الطلقاء الذين يدعون الإسلام! كما أن بعض رواياتهم صرحت بأن الحادثة كانت بعد فتح مكة، وفضحت التزوير القرشي للقضية! فقد روي الحاكم في المستدرك:138:2 : (عن ربعي بن حراش عن علي رضي الله عنه قال: لما افتتح رسولالله صلي الله عليه وآله مكة، أتاه ناس من قريش فقالوا: يا محمد إنا حلفاؤك وقومك، وإنه لحق بك أرقاؤنا ليس لهم رغبة في الإسلام، وإنما فروا من العمل فارددهم علينا! فشاور أبابكر في أمرهم فقال: صدقوا يا رسولالله! فقال لعمر: ما تري؟ فقال مثل قول أبيبكر. فقال رسولالله صلي الله عليه وآله: يا معشر قريش ليبعثن الله عليكم رجلاً منكم امتحن الله قلبه للإيمان، فيضرب رقابكم علي الدين! فقال أبوبكر: أنا هو يا رسولالله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسولالله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل في المسجد، وقد كان ألقي نعله إلي علي يخصفها.. هذا حديث صحيح علي شرط مسلم ولم يخرجاه). وروي نحوه في298:4 وصححه علي شرط مسلم
وفيه: (لما افتتح رسولالله صلي الله عليه وآله مكة أتاه أناس من قريش... يا معشر قريش لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلاً فيضرب أعناقكم علي الدين، ثم قال: أنا، أو خاصف النعل، قال علي: وأنا أخصف نعل رسولالله صلي الله عليه وآله. انتهي. رواه في كنز العمال:174:13 وقال: (ش وابنجرير، ك، ويحيي بن سعيد في إيضاح الإشكال). وفي هذه الحادثة الخطيرة حقائق مهمة وكبيرة: الأولي: أنهم جاؤوا إلي النبي صلي الله عليه وآله إلي المدينة.. وهذا يعني أنهم بعد فتح مكة وخضوعهم وإعلانهم الإسلام تحت السيف، وإطلاق النبي صلي الله عليه وآله لرقابهم من السيف، وما فعلوه في حرب حنين.. جاؤوا إلي (محمد) في عاصمته يطالبونه بالإعتراف العملي باستقلالهم السياسي.. وهي وقاحةٌ ما فوقها وقاحة!! قالوا له (يا محمد) كما رأيت في صحيح الحاكم علي شرط مسلم! وكما في سنن أبيداود:611:1 ولكن الترمذي جعلها (يا رسولالله)!! وفي مسند أحمد:82:3 عن أبيسعيد الخدري قال: كنا جلوساً ننتظر رسولالله صلي الله عليه وسلم، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، قال: فقمنا معه فانقطعت نعله، فتخلف عليها علي يخصفها، فمضي رسول صلي الله عليه وسلم ثمت ومضينا معه، ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال: إن منكم من يقاتل علي تأويل هذا القرآن كما قاتلت علي تنزيله!! فاستشرفنا وفينا أبوبكر وعمر فقال: لا، ولكنه خاصف النعل! قال فجئنا نبشره قال: وكأنه قد سمعه. انتهي. وقال عنه في مجمع الزوائد: 133:9 (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة). انتهي. وهذه الرواية تدل أيضاً علي أن الحادثة كانت في المدينة! الثانية: أنهم اعتبروا أن فتح مكة (ودخولهم) في الإسلام لايعني خضوعهم للنبي صلي الله عليه
وآله وذوبانهم في الأمة الإسلامية، بل هو تحالف مع النبي صلي الله عليه وآله ضد أعداء دولته من القبائل التي لم تدخل تحت سيطرتها، وإلي حد ما ضد الروم والفرس. فهو تحالف الند للند، وإن كان تم فتح مكة بقوة السيف!! وقد عملوا بزعمهم بهذا التحالف، فحاربوا معه صلي الله عليه وآله في حنين، فعليه الآن أن يعترف بكيانهم القرشي المستقل! وقد اختاروا أول مطلب لهم أو علامة علي ذلك: أن يعيد هؤلاء الفارين إليه من أبنائهم وعبيدهم! يعيدهم من دولته إلي.. دولتهم!! الثالثة: أن القرشيين الذين هاجروا مع النبي صلي الله عليه وآله- ما عدا بني هاشم- وافقوهم علي ذلك! فهذا أبوبكر بن أبيقحافة التيمي، وعمر بن الخطاب العدوي يؤيدان مطلب قريش مئة بالمئة!! وتتفاوت الروايات هنا في التصريح بتأييد أبيبكر وعمر علي مطلب قريش، فبعضها كما رأيت في رواية الحاكم الصحيحة ينص علي أن أبابكر قال (صدقوا يا رسولالله!) وقال عمر مثل قوله: صدقوا يا رسولالله، ردهم إليهم!! وبعضها لاتذكر تصديقهما لمطلب قريش وشهادتهما بأنه حق، بل تقتصر علي سؤالهما إن كانا هما الذين سيبعثهما الله ورسوله لتأديب قريش! كما في رواية الترمذي المتقدمة، وكما في مستدرك الحاكم:122:3 وكما في مجمع الزوائد:134:9 و186:5 وقال (رواه أبويعلي ورجاله رجال الصحيح). وقد غير بعض رواة قريش (الأذكياء) اسم الشيخين إلي (ناس)! ففي مستدرك الحاكم:125:2 (فقال ناس: صدقوا يا رسولالله، ردهم إليهم، فغضب رسولالله صلي الله عليه وسلم!!). وكذا في كنز العمال:473:10 (وقال الهندي عن مصادره: أبوداود وابنجرير وصححه، ق ض). وبعضهم حذفوا اسم أبيبكر وعمر كلياً من الحادثة! كما رأيت في سنن أبيداود، وكما في كنز العمال:613:11 حيث رواه بعدة روايات عن أحمد، وعن مصادر
متعددة، وليس فيه إطلاقاً ذكر لأبيبكر وعمر! الرابعة: يتساءل الباحث ما هي العلاقة التي كانت تربط أبابكر وعمر بسهيل بن عمرو، ولماذا أيدا مطلب قريش المفضوح؟! ويتساءل: ما دام النبي صلي الله عليه وآله فهم خطة القرشيين وغضب ورفض مطلبهم، وهددهم بالحرب ثانية، بل وعدهم بها.. فلماذا استشار أبابكر وعمر في الموضوع؟! علي أي حال، إن أقل ما تدل عليه النصوص: أن زعامة قريش كانت متمثلةً في ذلك الوقت بهؤلاء الأربعة، الذين جمعتهم هذه الحادثة وهم: رسولالله محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم صلي الله عليه وآله. وسهيل بن عمرو العامري، أحد زعماء المشركين بالأمس وزعيم قريش اليوم. وأبوبكر التيمي وعمر العدوي، الممثلان لقبيلتين صغيرتين لاوزن لهما في قريش، ولكن لهما شخصياً وزن مهم لصحبتهما للنبي صلي الله عليه وآله ومع ذلك أيدا مطلب سهيل ضد النبي وضد الاسلام! ولابد للباحث أن يفترض علاقةً واتفاقاً مسبقاً بين وفد قريش وبين الشيخين، بل يفهم من بعض الروايات أن سهيلاً ووفد قريش نزلوا في المدينة في ضيافة عمر، ثم جاء وأبوبكر معهم إلي النبي صلي الله عليه وآله لمساعدتهم علي مطلبهم. الخامسة: تضمن الموقف النبوي من الحادثة أربعة عناصر: الأول، الغضب النبوي من تفكير قريش الكافر ووقاحتها، وقد ذكرته الروايات ولم تصفه بالتفصيل. الثاني، يأس النبي صلي الله عليه وآله من أن تصلح قريش ويحسن إسلامها، بل يأسه من أن تترك قريش تعقيد أئمتها اليهود وفرعنتهم، وتخضع للحق، إلا بقوة السيف!! ففي عدد من روايات الحادثة كما في الحاكم:125:2 (فقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتي يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم علي هذا) أي علي الإسلام! وكذا رواه أبوداود:611:1 والبيهقي في سننه:229:9 وكنز العمال:!473:10
وهو تصريح بأنهم لم يسلموا، ولن يسلموا إلا تحت السيف!! الثالث، تهديدهم بسيف الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وآله، علي بن أبيطالب عليهالسلام الذي ترتعد منه فرائصهم، لأنهم ذاقوا منه الأمرين، فقد قتل مجموع المسلمين في حروبهم مع قريش نصف أبطالها، وقتل علي وحده نصفهم أو أكثر! ونلاحظ هنا أن النبي صلي الله عليه وآله كنَّي عن ذلك الشخص الذي سيبعثه الله علي قريش فيضرب أعناقهم علي الدين، بأنه أنا أو رجل مني (مجمع الزوائد:133:9 ) ثم سماه عندما سأله أبوبكر وعمر عنه فقال (أنا أو خاصف النعل- كنز العمال:326:7 ) وغرضه من هذا الإجمال، أن لاتتصور قريش أن المسألة بعيدة فتطمع في مشروعها! بل ينبغي أن تحتمل أن الأمر قد يصدر غداً إلي علي بغزو مكة وقتل فراعنة قريش! وغرضه صلي الله عليه وآله من تعبير (مني) أن يبين مكانة علي عليهالسلام، وأن تعلم قريش أنه مؤمنٌ وأنه هاشمي، من ذلك الفرع الذي ما زالت تحسده، وتموت منه غيضاً!! فلو أنه صلي الله عليه وآله قال لهم: إن علياً سيقاتلهم علي تأويل القرآن بعد ربع قرن، كما قاتلتهم أنا علي تنزيله بالأمس، لطمعوا وقالوا: إذن عندنا فرصة ربع قرن من الزمان، ولكل حادثٍ حديث! بل روي في مجمع الزوائد حديثاً قال عنه: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح: أن علياً عليهالسلام كان يعلن في زمان النبي صلي الله عليه وآله تهديده لقريش، ولكل من يفكر بالردة، بأنه سوف يقاتلهم إلي آخر نفس، وهو عملٌ وقائي بتوجيه النبي صلي الله عليه وآله لمنع قريش أن تفكر بالردة! قال في مجمع الزوائد:134:9 وعن ابنعباس أن علياًكان يقول في حياة رسولالله صلي الله عليه وسلم: إن الله
عزوجل يقول: أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم، والله لاننقلب علي أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالي. والله لئن مات أو قتل لأقاتلن علي ما قاتل عليه حتي أموت. لاوالله.. إني لأخوه، ووليه، وابنعمه، ووارثه، فمن أحق به مني؟! وروي في نفس المكان حديثاً آخر ينص علي أن النبي صلي الله عليه وآله هدد قريشاً بعلي عليهالسلام بعد فتح مكة مباشرةً، قال: وعن عبدالرحمن بن عوف قال: لما افتتح رسولالله صلي الله عليه وسلم مكة انصرف إلي الطائف فحاصرها سبع عشرة أو ثمان عشرة لم يفتتحها، ثم أوغل روحةً أو غدوةً، ثم نزل ثم هَجَّرَ فقال: يا أيها الناس إني فرطٌ لكم وأوصيكم بعترتي خيراً، وإن موعدكم الحوض. والذي نفسي بيده ليقيموا الصلاة، وليؤتوا الزكاة، أو لأبعثن إليهم رجلاً مني، أو لنفسي، فليضربن أعناق مقاتليهم، وليسبين ذراريهم. قال فرأي الناس أنه أبوبكر أو عمر، وأخذ بيد علي فقال: هذا هو. رواه أبويعلي وفيه طلحة بن جبر، وثقه ابنمعين في رواية، وضعفه الجوزجاني، وبقية رجاله ثقات. انتهي. وهو تهديد نبوي (لمسلمة) الفتح، له دلالاته الفاضحة لواقعهم ونواياهم، ويكمله تهديد علي عليهالسلام لهم بالحرب إن هم أعلنوا ارتدادهم بعد وفاة النبي صلي الله عليه وآله. الرابع، أن النبي صلي الله عليه وآله حكم بكفر أصحاب هذا الطلب، ولعمري إن مجرد طلبهم كافٍ لإثبات كفرهم! ويؤكده الغضب النبوي وقوله صلي الله عليه وآله (ما أراكم تنتهون يا معشر قريش)، يعني عن الكفر ومعاداة الله ورسوله. وكذا قوله بأن الله سيبعث عليهم رجلاً يضرب أعناقهم علي الدين، مما يدل علي أنهم ليسوا عليه. بل لايسكتون عن العمل ضد الإسلام إلا تحت السيف!! ولكن فقهاء الخلافة يريدون دليلاً أكثر
لمساً، وقد أعطاهم النبي صلي الله عليه وآله ذلك الدليل الملموس فأبي أن يرد علي القرشيين عبيدهم المملوكين، وأخبرهم أنه أعتقهم فصاروا عتقاء الله تعالي! فلو كان هؤلاء الطلقاء مسلمين، ولو كانت ملكيتهم محترمة، فكيف يجوز للنبي صلي الله عليه وآله أن يعتدي علي ملكيتهم ويعتق عبيدهم، وهو أتقي الأتقياء، وهو القائل: لايحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه.. والقائل: إن أموالكم ودماءكم عليكم حرام... إلخ. وقد تخبط الفقهاء في هذا الموضوع وحاول بعضهم أن يعد ذلك من خصوصيات النبي صلي الله عليه وآله. ولكن كيف يصح أن يكون من خصوصياته وامتيازاته صلي الله عليه وآله أن يعتدي علي ملكية المسلمين المحترمة؟!!
الظاهر أن هذه الحادثة كانت آخر محاولات قريش لانتزاع اعتراف النبي صلي الله عليه وآله باستقلالها السياسي، ولو بصيغة التحالف معه صلي الله عليه وآله، أو بصيغة الحكم الذاتي تحت لواء دولته! فهل سكتت قريش بعد هذه الحادثة؟ الذين يقرؤون التاريخ المكتوب بحبر الخلافة القرشية، ويؤمنون بالإسلام المفصل بمقصات رواتها.. يقولون: من المؤكد أن قريشاً تابت بعد هذه الحادثة وأسلم زعماؤها وأتباعهم وحسن إسلامهم، وتصدقوا وأعتقوا وحجوا، وأكثروا من الصوم والحج والصلاة! ولكن النبي الصادق الأمين قال (ما أراكم تنتهون يا معشر قريش)!! وطبيعة قريش، وطينة زعامتها تؤكد أنهم واصلوا العمل علي كل الجبهات الممكنة!! لكنهم تراجعوا في ذلك الموضوع رأوا أن حديدة النبي صلي الله عليه وآله حامية، وأن التفكير بالاستقلال السياسي عنه صلي الله عليه وآله تفكيرٌ خاطيء، وأن محمداً لايقعقع له بالشنان، فهو من علياء هاشم وذروة شجعانها، ومعه ابنعمه قَتَّال قريشٍ ومجندل أبطالها، ومعه الأوس والخزرج الذين تجرؤوا لأول مرة في تاريخهم علي حرب قريش، وقتلوا من أبطالها!!
تراجع عند قريش منطق الإستقلال السياسي عن محمد صلي الله عليه وآله لكن تأكد عندها المنطق القائل إن دولة محمد شملت كل المنطقة، وهي تتحفز لمقارعة الروم والفرس، وقد وعد محمد المسلمين بذلك وتطلعوا إليه.. فلا معني لأن تطالبه قريش بحكم مكة ومن أطاعها من قبائل العرب! إنه لابد من التأقلم مع الوضع الجديد، والعمل الجاد بالسياسة وبالعنف المنظم، لكي ترث قريش كل دولة محمد صلي الله عليه وآله! فمحمد من قريش، وقريش أولي بسلطان ابنها، ولا كلام للأنصار اليمانية، ولا لغيرهم من القبائل. أما مسألة بني هاشم الذين يسميهم محمد صلي الله عليه وآله العترة والقربي وتنزل عليه فيهم آيات القرآن، ويصدر فيهم الأحاديث، ويجعل لهم خمس ميزانية الدولة.. فلا بد من معالجة أمرهم بكل الطرق الممكنة! نعم.. هذا ما وصلت إليه قريش التي أعتقها النبي صلي الله عليه وآله من القتل والاسترقاق الفعلي! وهذا ما جازته به في حياته صلي الله عليه وآله! وقد ساعدها عليه من ساعدها من أصحابه!!
قال الطبري في تاريخه:426:3 : (عن الحسن البصري قال: كان عمر بن الخطاب قد حجر علي أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان، إلا بإذنٍ وأجل، فشكوه، فبلغه، فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعاً، ثم ثنياً ثم رباعياً ثم سديساً، ثم بازلاً، ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان. ألا فإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله مغوياتٍ دون عباده ألا فأما وابنالخطاب حيٌّ فلا، إني قائمٌ دون شعب الحرة، آخذٌ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار!). انتهي. ورواه في كنز العمال:75:13 وفي تاريخ المدينة لابن شبة:779:2 وفيه: (ألا وإني آخذ
بحلاقيم قريش عند باب الحرة أن يخرجوا علي أمة محمد فيكفروهم) انتهي. ونحوه في:401:2 . وهذا الموقف من عمر يتضمن عدة أمور، نكتفي بالإشارة إليها: فهو أولاً، كلام زعيمٍ لايشك أحد في ولائه لقريش، لأنه حمل راية قريش وأحقيتها بخلافة النبي صلي الله عليه وآله في مقابل نبيها، ثم في مقابل الأنصار وبني هاشم! وخاض صراعاتٍ شديدة، حتي خلص الخلافة من عترة النبي صلي الله عليه وآله ومن الأنصار وقدمها علي طبق إلي قبائل قريش! وسماه زعماؤها: ضمير قريش! وهو ثانياً، شهادةٌ منه بحق المهاجرين القرشيين بأنهم أناسٌ مضلون، يجب أن يحبسوا في المدينة حتي لايضلوا المسلمين ويخرجوهم من الإسلام!! وهذا الشهادة من عمر في القرشيين المسلمين، تؤكد شهادة النبي صلي الله عليه وآله بأنهم لاينتهون عن عدائهم للاسلام إلا تحت سيف علي؟! وهو ثالثاً، يتضمن تصوراً لانتهاء الإسلام في مدة قليلة، وكأن الإسلام دورة سياسية تمر علي الجزيرة والمناطق التي امتد إليها.. ثم تنتهي! وقد ثبت عن الخليفة عمر أنه كان يري أنه سوف لاتمر سنين طويلة حتي تأخذ الأمم الأخري مناطق المسلمين بما فيها مكة، ويهجرها أهلها وتخرب!! ويظهر أن كعب الأحبار الذي سيطر علي قلب عمر استطاع أن يقنعه بهذا الرأي..! وهو بحثٌ مهم، لكنه خارجٌ عن موضوعنا.
وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً. وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلي يوم القيامة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً، والله لايحب المفسدين. ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والأنجيل
وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون. يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لايهدي القوم الكافرين. قل يا أهل الكتاب لستم علي شيء حتي تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم، وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً، فلا تأس علي القوم الكافرين. إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصاري من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً، كلما جاءهم رسولٌ بما لاتهوي أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون. المائدة64 ج70 .
إذا قلنا بحجية السياق القرآني، فلا بد أن نأخذ في تفسير الآية أمرين: الأول، أنها من سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت من القرآن. والثاني، أنها وقعت في وسط آيات تتحدث عن أهل الكتاب. وعلي هذا تكون النتيجة: أن الآية تقول للنبي صلي الله عليه وآله: بلغ ولا تخف أهل الكتاب، فنحن متكفلون بعصمتك منهم، فلن يستطيعوا أن يضروك. ولكن هذا التفسير لايقبله علماء المسلمين، لاالسنة منهم ولا الشيعة! لأنه صلي الله عليه وآله لم يبلغ اليهود والنصاري في الشهرين الذين عاشهما بعد الآية شيئا إضافياً بارزاً، ولأن خطرهم عليه عند نزولها كان قد زال، وقد خضعوا لحكمه! وبذلك ينفتح البحث للسؤال عن مكان الآية، وهل أن هذا مكانها من الأصل؟ أم أنها وضعت هنا باجتهاد أحد الصحابة؟ نحن لانقبل القول بوقوع تحريف في كتاب الله تعالي، معاذ الله، لكن ورد أن الصحابة بعد النبي صلي الله عليه
وآله قد اجتهدوا في وضع آياتٍ في سور من القرآن.. والظاهر أن وضع هذه الآية هنا من اجتهاداتهم، أو من المصادفات.
اختلف المفسرون والفقهاء السنيون في سبب نزول الآية وفي تفسيرها، علي أقوال عديدة، أهمها سبعة أقوال، أحدها موافقٌ لتفسير أهل البيت عليهمالسلام، وستة مخالفة.. ونورد فيما يلي الأقوال المخالفة مع مناقشاتها: القول الأول: يزعم أنها نزلت في أول البعثة وأن الله تعالي بعث النبي وأمره بتبليغ رسالته فخاف علي نفسه إذا بلغ! فامتنع عن تبليغ الإسلام، أو تباطأ! فهدده الله تعالي وطمأنه.. فقام النبي صلي الله عليه وآله بالتبليغ! وهذا يعني أن الآية نزلت قبل23 سنة من نزول سورة المائدة! وقد ذكر الشافعي هذا التفسير بصيغة (يقال) مما يدل علي أنه غير مطمئن إليه! قال في كتاب الأم:168:4 : قال الشافعي رحمه الله: ويقال والله تعالي أعلم: إن أول ما أنزل الله عليه: إقرأ باسم ربك الذي خلق، ثم أنزل عليه بعدها ما لم يؤمر فيه بأن يدعو إليه المشركين، فمرت لذلك مدة. ثم يقال: أتاه جبريل عليهالسلام عن الله عزوجل بأن يعلمهم نزول الوحي عليه ويدعوهم إلي الإيمان به فكبر ذلك عليه وخاف التكذيب وأن يتناول، فنزل عليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. فقال يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حين تبلغ ما أنزل إليك ما أمر به، فاستهزأ به قوم فنزل عليه: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. انتهي. كفي للرد علي هذا القول: أولاً، أن الآية من سورة المائدة، وقد تقدم أنها آخر ما نزل من القرآن أو علي الأقل من آخر ما نزل،
بينما يدعي هذا القول أن الآية من أوائل ما نزل!! وثانياًً، أن الشافعي قد ضعف هذا الوجه، لأنه نقله بصيغة يقال ويقال، ولم ينسبه إلي النبي صلي الله عليه وآله، بل لم يتبناه. وثالثاًً، أنه لايمكن قبول هذه التهمة المشينة للنبي صلي الله عليه وآله، أنه تلكأ أو امتنع عن تبليغ رسالات ربه، بسبب خوفه من التكذيب والأذي والقتل، حتي جاءه التهديد الإلهي بالعذاب، والتأمين من الأذي، فتحرك وبلغ!! فهذا التصور لايناسب شخصية المؤمن العادي، فضلاً عن النبي المعصوم صلي الله عليه وآله الذي هو أعظم الناس إيماناً وشجاعة، وقد صرحت الآيات الكريمة بأنه كان حريصاً علي تبليغ الرسالة، وهداية الناس أكثر مما فرض الله تعالي عليه. رواية (يقال) التي ذكرها الشافعي قال السيوطي في الدر المنثور:298:2 : أخرج أبوالشيخ عن الحسن أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال: إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. (وكذا في أسباب النزول:438:1). وأخرج ابنجرير عن ابنجريج قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يهاب قريشاً فأنزل الله: والله يعصمك من الناس، فاستلقي ثم قال: من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً. وأخرج عبدبن حميد وابنجرير وابنأبيحاتم وأبوالشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت: بلغ ما أنزل إليك من ربك، قال: يا رب إنما أنا واحدٌ كيف أصنع يجتمع علي الناس؟! فنزلت: وإن لم تفعل فما بلغت رسالته!. انتهي. ورواه الواحدي في أسباب النزول:139:1 والطبري في تفسيره:198:6 . وقال النيسابوري في الوسيط:208:2 وقال الأنباري: (كان النبي صلي الله عليه وآله يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة، ويخفي بعضه إشفاقاً علي نفسه من
شر المشركين إليه وإلي أصحابه...). انتهي. ويكفي لرد هذه الروايات مضافاً إلي أن الآية جزء من سورة المائدة التي نزلت قبيل وفاته صلي الله عليه وآله، أنها روايات غير مسندة، بل هي قولٌ للحسن البصري ومجاهد وابنجريح وأمثالهم، لاأكثر. وستعرف أن الحسن البصري يقصد رسالةً معينة، وأنه أخذ هذا التعبير من خطبة النبي صلي الله عليه وآله في يوم الغدير، وخاف أن يرويها علي حقيقتها! رواية (يقال) تتحول إلي رأي يتبناه العلماء! مع أن المفسرين يعرفون أن الآية نزلت في أواخر حياة النبي صلي الله عليه وآله، ويعرفون أن تفسيرها بحدث في أوائل البعثة إنما هو قول مفسرين من متفقهة التابعين في العصر الأموي! أو روايات غير تامة السند! لكن مع ذلك تراهم يفسرونها بهذا الوجه ويقدمون نزول الآية جهاراً نهاراً ثلاثاً وعشرين سنة! ويزداد تعجبك عندما تري منهم مفسرين محترمين مثل الزمخشري والفخر الرازي! والسبب في ذلك أنهم يريدون الفرار من تفسيرها ببيعة الغدير، ولا يجدون مفراً إلا بأحد أمرين: إما تفسيرها بأول البعثة والقول بأن النبي صلي الله عليه وآله خاف وتباطأ في تبليغ الرسالة فهدده الله تعالي وطمأنه بالعصمة من الناس! وإما تفسيرها بروايات رفع الحراسة المزعومة التي لايؤيدها التاريخ، ولا يساعد عليها نص الآية، كما ستري. قال الزمخشري في الكشاف:659:1 : والله يعصمك: عِدَةٌ من الله بالحفظ والكلاءة، والمعني: والله يضمن لك العصمة من أعدائك... فإن قلت: أين ضمان العصمة، وقد شج في وجهه يوم أحد؟!... قلت المراد: أنه يعصمه من القتل! وروي عن رسولالله صلي الله عليه وآله: بعثني الله برسالته فضقت ذرعاً، فأوحي الله إلي إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت. انتهي. ونحوه في الوسيط:208:2 .
وقال الرازي في تفسيره: مجلد 6 جزء50-12:48 : (يا أيها الرسول بلغ.. روي عن الحسن عن النبي صلي الله عليه وآله قال: إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس يكذبوني، واليهود والنصاري، وقريش يخوفوني فلما أنزل الله هذه الآية، زال الخوف بالكلية... في قوله: والله يعصمك من الناس سؤال: وهو كيف يجمع بين ذلك وبين ما روي أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته؟ والجواب من وجهين: أحدهما أن المراد يعصمه من القتل... وثانيها: أنها نزلت بعد يوم أحد). انتهي. وقد خان الرازي الأمانة في النقل، فأضاف في نقله عن الحسن البصري (اليهود والنصاري)، لأنه يريد تفسير الآية بالعصمة من اليهود والنصاري، ويبعدها عن قريش!! ولا نلومه علي حبه لقريش خاصة لجده أبيبكر بن أبيقحافة، ولكن نطالبه بالأمانة العلمية! فالمصادر التي نقلت هذا القول عن البصري لم يرد فيها ذكر لليهود والنصاري! وستعرف أن البصري أخذ روايته من حديث الغدير!! أما ابنكثير فقد زاد علي الرازي وغيره كعادته! قال في البداية:53:3 (روي ابنأبيحاتم في تفسيره، عن أبيه، عن الحسن بن عيسي بن ميسرة الحارثي، عن عبدالله بن عبدالقدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث قال: قال علي: لما نزلت هذه الآية: وأنذر عشيرتك الأقربين، قال لي رسولالله صلي الله عليه وسلم: إصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبناً، وادع لي بني هاشم، فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، فذكر القصة نحو ما تقدم، إلي أن قال: وبدرهم رسولالله صلي الله عليه وسلم الكلام فقال: أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي؟ قال فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال: وسكتُّ أنا لسن
العباس. ثم قالها مرة أخري فسكت العباس، فلما رأيت ذلك، قلت: أنا يا رسولالله! قال: أنت... ومعني قوله في هذا الحديث: من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي، يعني إذا مت، وكأنه صلي الله عليه وسلم خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلي مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضي عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالي: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. الآية. والمقصود أن رسولالله صلي الله عليه وسلم استمر يدعو إلي الله تعالي ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، لايصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم ومواقف الحج...). انتهي. وكرر كلامه بلفظه تقريباً في سيرته:460:1 . وقد خلط ابنكثير في كلامه هذا كثيراً، وتعصب أكثر! فقد بتر حديث (وأنذر عشيرتك الأقربين) وحذف منه اختيار النبي صلي الله عليه وآله خليفته من عشيرته الأقربين بأمر ربه تعالي، وأورد بدله حديثاً محرفاً، وفسره المحرف بأن النبي صلي الله عليه وآله كان يخاف أن يقتله القرشيون، فطلب من بني هاشم شخصاً يكون خليفته في أهله ويقضي دينه، فقبل ذلك علي عليهالسلام، ثم انتفت الحاجة إلي ذلك بنزول الآية!! لقد تجاهل ابنكثير أن النبي صلي الله عليه وآله كان مأموراً في تلك المرحلة بدعوة عشيرته الأقربين فقط، ولم يكن مأموراً بعد بدعوة قريش وبقية الناس! وأنه لامحل لما حبكته الرواية من خوفه من القتل والأذي! ثم إن ابنكثير تفرد بربط آية العصمة بآية الأقربين، ولم أجد أحداً سبقه إليه ولا تبعه عليه، ولا
ذكر هو من أين أخذه؟! وكأن المهم عنده أن يحرف كلام النبي صلي الله عليه وآله في حديث الدار ويميع نصه علي أن علياً أخوه ووزيره وخليفته من بعده! وفي نفس الوقت يبعد آية التبليغ عن سورة المائدة ويوم الغدير!! وهذا قليل من كثير من عمل ابنكثير، وإليك الحديث الذي بتره: قال الأميني في الغدير:207:1 : (وها نحن نذكر لفظ الطبري بنصه حتي يتبين الرشد من الغي: قال في تاريخه:217:2 من الطبعة الأولي: إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالي أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني علي هذا الأمر علي أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت- وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً-: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبيطالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع). وقال الأميني:279:2 : (وبهذا اللفظ أخرجه أبوجعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي المتوفي240 في كتابه نقض العثمانية، وقال: إنه روي في الخبر الصحيح. ورواه الفقيه برهان الدين في أنباء نجباء الأبناء48-46: وابنالأثير في الكامل.24:2 وأبوالفدا عماد الدين الدمشقي في تاريخه.116:1 وشهاب الدين الخفاجي في شرح الشفا للقاضي عياض 37:3 (وبتر آخره) وقال: ذكر في دلايل البيهقي وغيره بسند صحيح. والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره.390: والحافظ السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه392:6 نقلاً عن الطبري، وفي:397 عن الحفاظ الستة: ابنإسحاق، وابنجرير، وابنأبيحاتم، وابنمردويه، وأبينعيم، والبيهقي. وابنأبيالحديد في شرح نهجالبلاغة.)254:3 انتهي. ثم شكا صاحب الغدير من تحريف الذين حرفوا الحديث لإرضاء قريش، ومنهم الطبري، الذي رواه في تفسيره بنفس سنده المتقدم
في تاريخه، لكنه حذف كلام النبي صلي الله عليه وآله في حق علي عليهالسلام، فقال: ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا. وتبعه علي ذلك ابنكثير في البداية والنهاية:40:3 وفي تفسيره:.351:3 انتهي. القول الثاني: أنها نزلت في مكة قبل الهجرة بدون تحديد، فاستغني بها النبي عن حراسة عمه أبيطالب، أو عمه العباس! وهذا القول هو المشهور في مصادر السنيين، ورواياته نوعان: نوعٌ نص علي تاريخ نزولها تصريحاً أو تلويحاً، وأنه في مكة. ونوعٌ لم يصرح بذلك ولم يربط نزولها بحراسة أبيطالب أو العباس، ولكنه ربطه بإلغاء النبي صلي الله عليه وآله لحراسته، وينبغي حمله علي القول الأول، لأن أصله رواية الترمذي عن عائشة، وقد فهم منها البيهقي وغيره أنها تقصد مكة، كما ستعرف. فالنوع الأول: كالذي رواه السيوطي في الدر المنثور:299-2:298 قال: (أخرج ابنمردويه والضياء في المختارة، عن ابنعباس قال: سئل رسولالله صلي الله عليه وسلم: أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال: كنت بمني أيام الموسم، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم فنزل علي جبريل فقال: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. قال: فقمت عند العقبة فناديت: يا أيها الناس من ينصرني علي أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة؟ أيها الناس قولوا لاإله إلا الله، وأنا رسولالله إليكم، تنجوا، ولكم الجنة. قال فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة، ويبصقون في وجهي، ويقولون كذاب صابيء، فعرض علي عارض فقال: يا محمد إن كنت رسولالله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح علي قومه بالهلاك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: اللهم اهد
قومي فإنهم لايعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلي طاعتك، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه. قال الأعمش: فبذلك تفتخر بنو العباس... وأخرج ابنمردويه عن جابر بن عبدالله قال: كان رسولالله صلي الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبوطالب من يكلؤه، حتي نزلت والله يعصمك من الناس، فذهب ليبعث معه، فقال: يا عم إن الله قد عصمني لاحاجة لي إلي من تبعث!! وأخرج الطبراني وأبوالشيخ وأبونعيم في الدلائل وابنمردويه وابنعساكر عن ابنعباس، قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يحرس، وكان يرسل معه عمه أبوطالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه، فقال: يا عم إن الله عصمني لاحاجة إلي من تبعث!). انتهي. والرواية في معجم الطبراني الكبير:205:11 . وفي مجمع الزوائد:17:7 : (قوله تعالي: والله يعصمك من الناس، عن أبيسعيد الخدري قال: كان عباس عم رسولالله صلي الله عليه وسلم فيمن يحرسه، فلما نزلت: والله يعصمك من الناس، ترك رسولالله صلي الله عليه وسلم الحرس). رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه عطية العوفي وهو ضعيف. (وعن ابنعباس قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يحرس، وكان يرسل معه عمه أبوطالب كل يوم رجالاً من بني هاشم، حتي نزلت هذه الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: يا عم إن الله قد عصمني من الجن والأنس). رواه الطبراني وفيه النضر بن عبدالرحمن وهو ضعيف. والنوع الثاني: أصله ما رواه الترمذي في سننه:317:4 (عن عائشة قالت: كان النبي صلي الله عليه وسلم يُحرس، حتي نزلت هذه الآية: والله يعصمك من الناس، فأخرج رسولالله صلي
الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله. هذا حديث غريب. وروي بعضهم هذا الحديث عن الجريري، عن عبدالله بن شقيق قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يحرس، ولم يذكروا فيه عن عائشة). انتهي. ورواه الحاكم في المستدرك:313:2 عن عائشة أيضاً وقال عنه: (هذا حديث صحيح الأسناد، ولم يخرجاه). انتهي. والظاهر أن حديث عائشة يقصد أن الآية نزلت في مكة أيضاً ومعني (فأخرج رأسه من القبة) أي من الخيمة التي كان فيها، وقال لحراسه انصرفوا. ويؤيد ذلك أن البيهقي رواه في سننه:9:8 وعقب عليه بقول الشافعي المتقدم فقال: (قال الشافعي: يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حتي تبلغهم ما أنزل إليك، فبلغ ما أمر به فاستهزأ به قوم، فنزل: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين). انتهي. ويؤيده أيضاًً أن المراغي نقل في تفسيره: مجلد2 جزء160:4 رواية السيوطي الأولي عن ابنمردويه عن ابنعباس، ورواية الطبراني أيضاً ثم قال: (روي الترمذي وأبوالشيخ... أن النبي صلي الله عليه وآله كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية...). وكذلك ذكر غيره، مع أنه لايوجد في رواية عائشة في الترمذي ما يدل علي أنها تقصد مكة، فلعل كلمة (في مكة) سقطت من نسخة الترمذي الفعلية! وقال السيوطي في الدر المنثور:291:2 عن حديث عائشة: (وأخرج عبدبن حميد والترمذي وابنجرير وابنالمنذر وابنأبيحاتم وأبوالشيخ والحاكم وأبونعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابنمردويه، عن عائشة.. إلخ). وروي السيوطي عدة روايات بنفس مضمونه عن غير عائشة، وبعضها قد يفهم منه أن نزول الآية في المدينة، فجعلناه في القول الثالث. قال في الدر المنثور:299-2:298 (وأخرج الطبراني وابنمردويه عن أبيسعيد الخدري قال: كان العباس عم النبي صلي الله
عليه وسلم فيمن يحرسه فلما نزلت: والله يعصمك من الناس، ترك رسولالله صلي الله عليه وسلم الحرس. وأخرج أبونعيم في الدلائل عن أبيذر قال: كان رسولالله صلي الله عليه وسلم لاينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل، حتي نزلت آية العصمة: والله يعصمك من الناس). انتهي. وقد أخذ بهذا القول كثير من المفسرين والمؤلفين في السيرة، فقد ذكره الزمخشري في الكشاف:659:1 وكأنه قبله، وكذلك فعل الرازي في تفسيره: مجلد6 جزء!50:12 مع أنهما قالا كما رأيت بنزول الآية في مكة! وبذلك يكونا حملا حديث عائشة علي أول البعثة، كما حملا قول الحسن البصري وأمثاله! وقد أخذ بهذا القول أيضاًً السهيلي في الروض الأنف:.290:2 والقسطلاني في إرشاد الساري:.86:5 وابنالعربي في شرح الترمذي: مجلد6 جزء.174:1 والعيني في عمدة القاري مجلد7 جزء.95:14 وابنجزي في التسهيل:.244:1 والنويري في نهاية الأرب: مجلد8 جزء196:16 و19 جزء.342:18 والنيسابوري في الوسيط:.209:2 والدميري في حياة الحيوان:..79:1 وغيرهم، وغيرهم. وممن أخذ بهذا القول صاحب السيرة الحلبية:327:3 وقد اغتنم فرصة الآية وارتباطها بحراسة النبي صلي الله عليه وآله لإثبات فضيلة لأبيبكر بن أبيقحافة فقال: (حراسه صلي الله عليه وآله قبل أن ينزل عليه قوله تعالي: والله يعصمك من الناس.. سعد بن معاذ حرسه ليلة يوم بدر، وفي ذلك اليوم لم يحرسه إلا أبوبكر شاهراً سيفه حين نام بالعريش). انتهي. وبذلك ناقض هذا الحلبي نفسه وجاء بدليل علي ضد مراده، لأن إلغاء الحراسة إذا كان قبل الهجرة، فلم تبق حاجة لحراسة أبيبكر وغيره في بدر! علي أن أصل وجود عريش للمسلمين في بدر أمر مشكوك، لأن المسلمين نزلوا بالعدوة القصوي وهي منطقة مكشوفة! مضافاً الي أن الحاكم روي رواية وصححها علي شرط مسلم، تذكر أن ثلث المسلمين حرسوا
النبي صلي الله عليه وآله في بدر، وهو أمر معقول. قال الحاكم:326:2 (عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال سألته عن الأنفال، قال: فينا يوم بدر نزلت، كان الناس علي ثلاث منازل، ثلثٌ يقاتل العدو، وثلث يجمع المتاع ويأخذ الأساري، وثلث عند الخيمة يحرس رسولالله صلي الله عليه وآله، فلما جمع المتاع اختلفوا فيه... فجعله إلي رسولالله صلي الله عليه وآله فقسمه علي السواء). انتهي. ويدل علي بطلان هذا القول الذي ربط الآية بالحراسة: أولاً: ما تقدم في القول الأول. ثانياً: نفس روايات القول الثالث وغيره، التي تنص علي أن إلغاء الحراسة المزعوم حصل في المدينة، وليس في مكة. ثالثاً: أن عمدة رواياته رواية القبة عن عائشة، ورواية حراسة العباس.. أما الروايات الأخري فكلها غير مسندة، وغرض بعضها تقليل دور أبيطالب في نصرة النبي صلي الله عليه وآله كما هو واضحٌ، وأن أباطالب لم بكن له دور في مكة. كما يلاحظ في الرواية الأولي أنها تريد إثبات فضيلة للعباس بأنه كان حارس النبي صلي الله عليه وآله في مكة بدل أبيطالب، وأنه هو الذي عصم الله به رسوله من الناس! مع أن دور العباس قبل الهجرة كان دوراً عادياً مثل بقية بني هاشم الذين تضامنوا مع النبي صلي الله عليه وآله وتحملوا معه حصار الشعب، ولم يعرف عنهم أنهم أسلموا ولا برزوا في نصرته، ولم يهاجروا معه إلي المدينة مثل علي وحمزة. ومن المعروف أن العباس قد أسر في بدر، وأسلم عند فكاك الأسري. هذا مضافاً إلي تضعيف الهيثمي وغيره لهذه الرواية، كما يؤيده ضعف متنها وركته. وسيأتي قول الألباني بعدم صحة نسبتها إلي عائشة. رابعاًً: ما سيأتي في إثبات استمرار حراسته صلي الله
عليه وآله الي آخر عمره الشريف، ونفي كل ما يدل علي إلغائها، ومن ذلك رواية القبة. القول الثالث: أنها نزلت في المدينة بدون تاريخ! فقد روي السيوطي عدة روايات تربط نزول الآية بإلغاء النبي صلي الله عليه وآله للحراسة، وليس فيها أن ذلك كان في مكة أو في المدينة، ولكن يفهم من نص بعضها أو رواة بعضها، أن نزولها كان في المدينة. قال في الدر المنثور:299-2:298 : (وأخرج الطبراني وابنمردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسولالله صلي الله عليه وسلم بالليل، حتي نزلت: والله يعصمك من الناس، فترك الحرس. وأخرج ابنجرير وأبوالشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: يا أيها الرسول... إلي قوله: والله يعصمك من الناس، قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: لاتحرسوني، إن ربي قد عصمني. وأخرج ابنجرير وابنمردويه عن عبدالله بن شقيق أن رسولالله صلي الله عليه وسلم كان يعتقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت: والله يعصمك من الناس، فخرج فقال: يا أيها الناس إلحقوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني من الناس. وأخرج عبدبن حميد وابنجرير وأبوالشيخ عن محمد بن كعب القرظي أن رسولالله صلي الله عليه وسلم ما زال يحارسه أصحابه، حتي أنزل الله: والله يعصمك من الناس، فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس. وأخرج عبدبن حميد وابنمردويه عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يحرسه أصحابه، حتي نزلت هذه الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك.. الآية). انتهي. ورواه ابنشبة في تاريخ المدينة:301:1 عن عبدالله بن شقيق وعن محمد بن كعب القرظي. ورواه الطبري في تفسيره:199:6 عن عبدالله بن شقيق. وابنسعد في الطبقات: مجلد1 جزء.113:1 والبيهقي في دلائل النبوة:180:2
. ويدل علي بطلان هذا القول وغيره من الأقوال التي ربطت نزول الآية بالحراسة: أن من المجمع عليه في أحاديث سيرته صلي الله عليه وآله أنه كان يطلب من قبائل العرب أن تحميه وتمنعه مما يراد به من القتل، لكي يبلغ رسالة الله عزوجل، وقد بايعه الأنصار بيعة العقبة علي أن يحموه ويحموا أهل بيته مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم.. فلو أن آية العصمة نزلت في مكة، لما احتاج إلي شيء من ذلك! وسنذكر في آخر البحث أحاديث طلب النبي صلي الله عليه وآله من الأنصار أن يحموه ويحرسوه.. وأنهم بايعوه علي ذلك! ثم.. إن مصادر الحديث والتفسير والتاريخ مليئة بالروايات التي ذكرت حراسة النبي صلي الله عليه وآله وأنها كانت في مكة والمدينة، خاصة في الحروب، وأنها استمرت إلي آخر حياته صلي الله عليه وآله! وفي الفصول التي عقدها المحدثون، وكُتَّاب السيرة لحراسته صلي الله عليه وآله وقصصها، وأسماء حراسه وقصصهم.. ما يكفي لرد هذه المقولة! والعجيب أنك تري بعضهم يذكر كل ذلك عن الحراسة، ثم يقول إنه صلي الله عليه وآله ألغي الحراسة بعد نزول الآية في مكة قبل الهجرة، أو بعد الهجرة! فتراه كأنه حلف يميناً أن يبعد آية العصمة من الناس عن يوم الغدير! ولذا يجب رفض كل الروايات التي زعمت أنه ألغي الحراسة قبل هذا التاريخ، لأنها تزعم إلغاءها مطلقاً، في السلم والحرب والسفر والحضر! وقد تقدمت في رواية الحاكم أن ثلث المسلمين كانوا يحرسونه صلي الله عليه وآله في بدر! وروي أحمد:222:2 أن رسولالله صلي الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه...!!! ورواه في كنز العمال:430:12 عن مسند عبدالله بن
عمرو بن العاص. وقال عنه في مجمع الزوائد:367:10 رواه أحمد ورجاله ثقات. انتهي. وقد كانت غزوة تبوك في آخر سنة من حياته صلي الله عليه وآله. وقال صاحب عيون الأثر في:402:2 (وحرسه يوم بدر حين نام في العريش: سعد بن معاذ، ويوم أحد: محمد بن مسلمة، ويوم الخندق: الزبير بن العوام. وحرسه ليلة بني بصفية: أبوأيوب الأنصاري بخيبر، أو ببعض طريقها، فذكر أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال: اللهم احفظ أباأيوب كما بات يحفظني. وحرسه بوادي القري: بلال، وسعد بن أبيوقاص، وذكوان بن عبدقيس. وكان علي حرسه عباد بن بشر، فلما نزلت: والله يعصمك من الناس، ترك الحرس!!). انتهي. وقد حاول أن يجيب علي حراستهم للنبي صلي الله عليه وآله في تبوك، ففسر نص الحراسة بأنه يعني انتظارهم انتهاء صلاته! قال في:119:1 (وفي حديث عمرو بن شعيب: فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتي إذا صلي... والمراد والله أعلم: ينتظرون فراغه من الصلاة! وأما حرس رسولالله صلي الله عليه وسلم من المشركين، فقد كان انقطع منذ نزلت: والله يعصمك من الناس، وذلك قبل تبوك. والله أعلم). انتهي. ولكنه تفسير مخالف لنص الرواية في الحراسة! وعلي كل حال، فإن هذا القول بنزول الآية في المدينة يرد القول الأول الذي جعل تاريخ نزول الآية في مكة! والنتيجة: أن دعوي إلغائه صلي الله عليه وآله للحراسة لادليل عليها من سيرته صلي الله عليه وآله، بل الدليل علي خلافها، وأن بني هاشم كانوا يحرسونه في مكة حتي هجرته، ثم كانوا هم وبقية أصحابه يحرسونه في المدينة، إلي آخر عمره الشريف. وفي اعتقادي أن نفس محاولة تفسير الآية بإلغاء الحراسة دليلٌ علي صحة تفسير أهل البيت عليهمالسلام بأن الآية تقصد
العصمة من الإرتداد، فتري مخالفيهم يصرون علي تفسيرها بالعصمة الحسية ويربطونها بالحراسة، ويقعون في التناقض مع الواقع المعروف في قصص سيرة النبي صلي الله عليه وسلم، وينكرون أسطوانة الحرس التي ما زالت تواجههم في المسجد النبوي! ومن التناقضات التي وجدناها عند أصحاب هذا القول أن الألباني تبناه في أول كلامه، ثم رد تصحيح الحاكم لحديث القبة الذي هو أساسه واعتبره صحيحاً مرسلاً، ثم ذكر له شاهداً وهو حديث اغتيال شخصٍ للنبي، الذي سيأتي في القول الخامس، وحسنه!! فاعجب لهذا التهافت!! أنها نزلت في المدينة في السنة الثانية للهجرة بعد حرب أحد! قال السيوطي في الدر المنثور:291:2 (وأخرج ابنأبيشيبة وابنجرير عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلي رسولالله صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسولالله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلي الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولي الله ورسوله. فقال عبدالله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لاأبرأ من ولاية موالي. فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: أباحباب أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود علي عبادة، فهو لك دونه! قال: إذن أقبل، فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصاري أولياء بعضهم أولياء بعض، إلي أن بلغ إلي قوله: والله يعصمك من الناس...). انتهي. ويكفي في الدلالة علي بطلان هذا القول ما تقدم في الحراسة، ويضاف إليه أنه من كلام عطية بن سعد ولم يسنده إلي النبي صلي الله عليه وآله، والآيات المذكور ة فيها هي الآيات من1 إلي67 من سورة المائدة، ولم يقل أحدٌ إن هذا الآيات نزلت في قصة ولاء ابنسلول لليهود، الذي توفي قبل نزول
سورة المائدة! القول الخامس: أنها نزلت علي أثر محاولة شخص اغتيال النبي صلي الله عليه و آله وقد تناقضت رواياتهم في ذلك، فذكر بعضها أن الحادثة كانت في غزوة بني أنمار المعروفة بذات الرقاع، وأن شخصاً جاء إلي النبي صلي الله عليه وآله بقصد اغتياله وطلب منه أن يعطيه سيفه ليراه، فأعطاه النبي صلي الله عليه وآله إياه بكل سهولة..! أو كان علقه وغفل عنه، أو دلي رجليه في البئر... إلخ! قال السيوطي في الدر المنثور2 :299-298 : (وأخرج ابنأبيحاتم عن جابر بن عبدالله قال: لما غزا رسولالله صلي الله عليه وسلم بني أنمار نزل ذات الرقاع بأعلي نخل، فبينا هو جالس علي رأس بئر قد دلي رجليه! فقال غورث بن الحرث: لأقتلن محمداً، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به! فأتاه فقال: يا محمد أعطني سيفك أشِمْهُ، فأعطاه إياه فرعدت يده، فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ما تريد، فأنزل الله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، الآية. وأخرج ابنجرير عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسولالله صلي الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ قال: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، قال: وضرب برأسه الشجرة حتي انتثرت دماغه فأنزل الله: والله يعصمك من الناس! وأخرج ابنحبان وابنمردويه عن أبيهريرة قال: كنا إذا صحبنا رسولالله صلي الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة، وعلق سيفه فيها فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد من
يمنعك مني؟ فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: الله يمنعني منك، ضع عنك السيف فوضعه، فنزلت: والله يعصمك من الناس). انتهي. وقال بعضهم: إن شخصاً أراد اغتيال النبي صلي الله عليه وآله فقبضوا عليه: ففي الدر المنثور:299:2 (أتي النبي صلي الله عليه وسلم برجل فقيل هذا أراد أن يقتلك! فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: لم تُرَعْ، ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي..). انتهي. ومما يدل علي بطلان هذا القول وأنها لم تنزل في قصة غورث ولا شبهها: أولاً، أن غزوة ذات الرقاع أو بني أنمار كانت في السنة الرابعة من الهجرة (سيرة ابنهشام:225:3 ) وهو تاريخٌ قبل نزول سورة المائدة بسنوات، كما أن بعض رواياتها بلا تاريخ، وبعضها غير معقول! ثانياً، أن المصادر الأساسية التي روت قصة غورث وغزوة ذات الرقاع، لم تذكر نزول آية العصمة فيها، بل ذكر أكثرها تشريع صلاة الخوف والحراسة المشددة علي النبي صلي الله عليه وآله حتي في الصلاة، وهو كافٍ لرد رواية نزول الآية فيها! أما ابنهشام فقد ذكر أن الآية التي نزلت في قصة غورث هي قوله تعالي: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم... (سيرة ابنهشام:227:3 تحقيق السقا) ولكن ذلك لايصح أيضاً، لأن تلك الآية من سورة المائدة أيضاً! وأما البخاري وغيره فقد رووا فيها تشريع صلاة الخوف وتشديد الحراسة معاً! قال في صحيحه:53:3 (عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أخبره أنه غزا مع رسولالله صلي الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسولالله صلي الله عليه وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسولالله صلي الله عليه وسلم
وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، ونزل رسولالله صلي الله عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه، قال جابر فنمنا نومة فإذا رسولالله صلي الله عليه وسلم يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسولالله صلي الله عليه وسلم: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا! فقال لي من يمنعك مني؟ قلت له: الله، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسولالله صلي الله عليه وسلم. عن أبيسلمة عن جابر قال: كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم بذات الرقاع فإذا أتينا علي شجرة ظليلة تركناها للنبي صلي الله عليه وسلم، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي صلي الله عليه وسلم معلق بالشجرة، فاخترطه فقال له: تخافني؟ فقال لا. قال فمن يمنعك مني؟ قال الله. فتهدده أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم، وأقيمت الصلاة، فصلي بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلي بالطائفة الأخري ركعتين. وقال مسدد عن أبيعوانة عن أبيبشر: اسم الرجل غورث بن الحرث). انتهي. وروي الحاكم نحوه:29:3 وذكر فيه أيضا أن النبي صلي الله عليه وآله صلي بعد الحادثة صلاة الخوف بالحراسة المشددة! وقال عن الحديث: هذا حديث صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه. وكذلك روي أحمد قصة غورث في:364:3 و390 وذكر فيها صلاة الخوف ولم يذكر نزول الآية! وراجع أيضاً:59:4 ورواها الهيثمي في مجمع الزوائد:9:8 وفيها تفصيلات كثيرة وليس فيها ذكر نزول الآية!! وروي الكليني صيغة معقولة لقصة غورث، قال في الكافي:127:8 : (أبان عن أبيبصير، عن أبيعبدالله عليهالسلام قال: نزل رسولالله صلي الله عليه وآله في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة علي شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين، والمسلمون قيام علي شفير
الوادي ينتظرون متي ينقطع السيل، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمداً، فجاء وشد علي رسولالله صلي الله عليه وآله بالسيف ثم قال: من ينجيك مني يا محمد؟ فقال: ربي وربك، فنسفه جبرئيل عن فرسه فسقط علي ظهره، فقام رسولالله صلي الله عليه وآله وأخذ السيف، وجلس علي صدره وقال: من ينجيك مني يا غورث؟ فقال: جودك وكرمك يا محمد! فتركه، فقام وهو يقول: والله لأنت خير مني وأكرم). انتهي. وهكذا لاتجد أثراً في هذه المصادر لنزول الآية في ذات الرقاع، أو في قصة غورث، بل تلاحظ أن النبي صلي الله عليه وآله صلي بعد الحادثة بالحراسة المشددة! فهل صار إلغاء الحراسة عند أصحاب هذا القول، أن النبي صلي الله عليه وآله لم يطمئن قلبه بالعصمة المزعومة فأمر بتشديد الحراسة؟! ومن تخبطهم في قصة غورث وآية التبليغ، ما تراه من الرد والبدل بين ابنحجر والقرطبي، فقد قال القرطبي إن كون النبي وحده في القصة يدل علي عدم حراسته حينذاك، وأن الآية نزلت قبلها!! فأجابه ابنحجر: لا، فالآية نزلت يومذاك فألغي الحرس، أما قبلها فكان أحياناً يضعف إيمانه فيتخذ الحرس، وأحياناً يقوي فيلغيه، وفي قصة غورث كان بلا حراسة لقوة إيمانه يومذاك!! قال في فتح الباري:2752:8 (قوله باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والإستظلال بالشجر. ذكر فيه حديث جابر الماضي قبل بابين من وجهين، وهو ظاهر فيما ترجم له، وقد تقدمت الإشارة إلي مكان شرحه. قال القرطبي: هذا يدل علي أنه صلي الله عليه وسلم كان في هذا الوقت لايحرسه أحدٌ من الناس، بخلاف ما كان عليه في أول الأمر، فإنه كان يحرس حتي نزل قوله تعالي: والله يعصمك من الناس. قلت: قد تقدم
ذلك قبل أبواب، لكن قد قيل إن هذه القصة سبب نزول قوله تعالي: والله يعصمك من الناس، وذلك فيما أخرجه ابنأبيشيبة من طريق محمد بن عمرو عن أبيسلمة عن أبيهريرة قال: كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي صلي الله عليه وسلم أعظم شجرة وأظلها.. فنزل تحت شجرة، فجاء رجل فأخذ سيفه فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ قال: الله، فأنزل الله: والله يعصمك من الناس، وهذا إسناد حسن. فيحتمل إن كان محفوظاً أن يقال: كان مخيراً في اتخاذ الحرس، فتركه مرةً لقوة يقينه، فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية، ترك ذلك!!. انتهي. فأعجب لابن الحجر الذي لم يلتفت إلي أن الآية من سورة المائدة التي نزلت سنة عشر! وأن غزوة ذات الرقاع سنة أربع! وأن مجئ راويها أبيهريرة إلي المدينة كان سنة سبع! وغفل عن تشديد الحراسة وصلاة الخوف في ذات الرقاع! وهو مع ذلك يشرح رواية البخاري في صلاة الخوف!! وما ذلك إلا لأن ذهنه مملوءٌ بما زرَّقوه فيه من ربط آية العصمة بالحراسة، لإبعادها عن بيعة الغدير!! وأخيراً.. فقد تقدمت روايات حراسة النبي صلي الله عليه وآله في تبوك، وهي بعد غزوة ذات الرقاع بنحو ست سنوات، ونضيف إليها هنا حراسته في فتح مكة الذي كان بعد هذه الحادثة بنحو أربع سنوات د! فقد روي البخاري أن المسلمين كانوا يحرسون النبي صلي الله عليه وآله حينئذ! قال في صحيحه:91:5 عن هشام عن أبيه قال: لما سار رسولالله صلي الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشاً، خرج أبوسفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسولالله صلي الله عليه وسلم، فأقبلوا يسيرون حتي أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران
كأنها نيران عرفة، فقال أبوسفيان ما هذه، لكأنها نيران عرفة؟! فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو! فقال أبوسفيان: عمرو أقل من ذلك! فرآهم ناس من حرس رسولالله صلي الله عليه وسلم، فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسولالله صلي الله عليه وسلم... انتهي. ونضيف إلي ذلك أسطوانة الحراسة التي ما زالت في المسجد النبوي الشريف، والتي عرفت بهذا الاسم في عام الوفود، وهو السنة التاسعة كما في سيرة ابنهشام:214:4 تحقيق السقا! فإذا استطاع أصحاب هذا القول أن ينكروا حراسة النبي صلي الله عليه وآله، يبقي عليهم أن ينكروا وجود الأسطوانة في المسجد النبوي!! وقد يفعلون. القول السادس: لم يعين أصحابه تاريخ نزول الآية ولا ربطوها بالحراسة، ولكنهم قالوا إنها عامة تؤكد علي النبي صلي الله عليه وآله وجوب تبليغ الرسالة، وإلا فإنه لم يبلغها! ففي الدر المنثور:299:2 (وأخرج عبدبن حميد وابنجرير وابنالمنذر وابنأبيحاتم وأبوالشيخ عن قتادة في الآية قال: أخبر الله نبيه صلي الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ، وذكر لنا أن نبي الله صلي الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت فقال: والله لايدع الله عقبي للناس ما صاحبتهم). انتهي. وهذا القول يشبه القول الأول، ويرد عليه ما تقدم، وأن رواياته غير مسندة، وأنه لاينطبق علي معني الآية، ولا يكفي لتصحيح القضية الشرطية فيها، كما ستعرف.
قال في الدر المنثور:298:2 وأخرج ابنأبيحاتم وابنمردويه وابنعساكر عن أبيسعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، علي رسولالله صلي الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبيطالب. وأخرج ابنمردويه عن ابنمسعود قال: كنا نقرأ علي عهد رسولالله صلي الله عليه وسلم: يا أيها لرسول
بلغ ما أنزل إليك من ربك- أن علياً مولي المؤمنين- وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس! انتهي. وفي كتاب المعيار والموازنة:213 : وعن جابر بن عبدالله وعبدالله بن العباس الصحابيين قالا: أمر الله محمداً أن ينصب علياًً للناس ويخبرهم بولايته، فتخوف رسولالله أن يقولوا حابي ابنعمه وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحي الله إليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. فقام رسولالله بولايته يوم غدير خم. انتهي. وقال في هامشه: وروي السيوطي في الدر المنثور عن الحافظ ابنمردويه وابنعساكر بسنديهما عن أبيسعيد الخدري قال: لما نصب رسولالله صلي الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم فنادي له بالولاية هبط جبرئيل عليه بهذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم... أقول: ورواه أيضاً بأسانيد الحافظ الحسكاني في الحديث211 وتواليه من شواهد التنزيل.157:1 ورواه أيضاً ابنعساكر في الحديث (586-585) من ترجمة أميرالمؤمنين عليهالسلام من تاريخ دمشق:85:2 ط1 . وقد روي الخطيب والحافظ الحسكاني وابنعساكر وابنكثير والخوارزمي وابنالمغازلي بأسانيد عن أبيهريرة قال: من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي صلي الله عليه وسلم بيد علي بن أبيطالب، فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلي يا رسولالله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابنأبيطالب، أصبحت مولاي ومولي كل مسلم، فأنزل الله عزوجل: اليوم أكملت لكم دينكم... ومن أراد المزيد فعليه بما ألفه علماء المسلمين في هذا الحديث قرناً بعد قرن مثل رسالة الحافظ ابنعقدة، وحديث الغدير للطبري المفسر والمؤرخ الشهير، وحديث الغدير للحافظ الدارقطني، والذهبي، وعبيدالله الحسكاني، ومسعود السجستاني وغيرهم. وعليك بكتاب الغدير، وحديث
الغدير من كتاب عبقات الأنوار، فإن فيهما ما تشتهي الأنفس. انتهي. وفي تفسير الميزان:54:6 وعن تفسير الثعلبي قال قال جعفر بن محمد: معني قوله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، في فضل علي، فلما نزلت هذه أخذ النبي صلي الله عليه وآله بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. وعنه بإسناده عن الكلبي عن أبيصالح عن ابنعباس في هذه الآية قال: نزلت في علي بن أبيطالب، أمر الله النبي صلي الله عليه وآله أن يبلغ فيه فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وفي الغدير:214:1 : نزلت هذه الآية الشريفة يوم الثامن عشر من ذي الحجة 10( ه) سنة حجة الوداع لما بلغ النبي الأعظم صلي الله عليه وآله غدير خم، فأتاه جبرئيل بها علي خمس ساعات مضت من النهار فقال: يا محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك- في علي- وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، الآية. وكان أوائل القوم وهم مائة ألف أو يزيدون قريباً من الجحفة فأمر أن يرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، وأن يقيم علياً عليهالسلام علماً للناس، ويبلغهم ما أنزل الله فيه، وأخبره بأن الله عزوجل قد عصمه من الناس. وما ذكرناه من المتسالم عليه عند أصحابنا الإمامية، غير أنا نحتج في المقام بأحاديث أهل السنة في ذلك. انتهي. وقد ذكر الأميني رحمه الله ثلاثين مؤلفاً لعلماء سنيين أوردوا فيها أحاديث نزول الآية في ولاية علي عليهالسلام نذكر عدداً منهم باختصار1: ج الحافظ أبوجعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي310 أخرج بإسناده في
كتاب (الولاية) في طرق حديث الغدير، عن زيد بن أرقم قال: لما نزل النبي صلي الله عليه وسلم بغدير خم في رجوعه من حجة الوداع، وكان في وقت الضحي وحر شديد، أمر بالدوحات فقمَّت، ونادي الصلاة جامعة، فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إن الله تعالي أنزل إلي: بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس... 2- الحافظ ابنأبيحاتم أبومحمد الحنظلي الرازي المتوفي327 . 3- الحافظ أبوعبدالله المحاملي المتوفي330 أخرج في أماليه بإسناده عن ابنعباس... 4- الحافظ أبوبكر الفارسي الشيرازي المتوفي407 روي في كتابه ما نزل من القرآن في أميرالمؤمنين، بالأسناد عن ابنعباس... 5- الحافظ ابنمردويه المولود323 والمتوفي416 أخرج بإسناده عن أبيسعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبيطالب، وبإسناد آخر عن ابنمسعود أنه قال: كنا نقرأ علي عهد رسولالله صلي الله عليه وسلم يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن علياً مولي المؤمنين... 6- أبوإسحاق الثعلبي النيسابوري المتوفي427 روي في تفسيره الكشف والبيان.. 7- الحافظ أبونعيم الأصبهاني المتوفي430 روي في تأليفه: ما نزل من القرآن في علي... 8- أبوالحسن الواحدي النيسابوري المتوفي468 روي في أسباب النزول... 9- الحافظ أبوسعيد السجستاني المتوفي477 في كتاب الولاية بإسناده من عدة طرق عن ابنعباس... 10- الحافظ الحاكم الحسكاني أبوالقاسم روي في شواهد التنزيل لقواعد التفصيل والتأويل، بإسناده عن الكلبي عن أبيصالح عن ابنعباس، وجابر... 11- الحافظ أبوالقاسم ابنعساكر الشافعي المتوفي571 أخرج بإسناده عن أبيسعيد الخدري... 12- أبوالفتح النطنزي أخرج في الخصائص العلوية، بإسناده عن الإمامين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق... 13- أبوعبدالله فخر الدين الرازي الشافعي المتوفي606 قال في تفسيره الكبير:636:3
العاشر: نزلت الآية في فضل علي، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه... 14- أبوسالم النصيبي الشافعي المتوفي652 في مطالب السؤول... 15- الحافظ عز الدين الرسعني الموصلي الحنبلي المولود..589 . 16- شيخ الإسلام أبوإسحاق الحمويني المتوفي722 أخرج في فرايد السمطين عن مشايخه الثلاثة: السيد برهان الدين إبراهيم بن عمر الحسيني المدني، والشيخ الإمام مجد الدين عبدالله بن محمود الموصلي، وبدر الدين محمد بن محمد بن أسعد البخاري، بإسنادهم عن أبيهريرة: أن الآية نزلت في علي. 17- السيد علي الهمداني المتوفي786 قال في مودة القربي: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أقبلت مع رسولالله صليالله عليه وسلم في حجة الوداع، فلما كان بغدير خم نودي الصلاة جامعة، فجلس رسولالله صلي الله عليه وسلم تحت شجرة وأخذ بيد علي، وقال: ألست أولي بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلي يا رسولالله. فقال: ألا من أنا مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئاً لك يا علي بن أبيطالب، أصبحت مولاي ومولي كل مؤمن ومؤمنة. وفيه نزلت: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. الآية. 18- بدر الدين بن العيني الحنفي المولود762 والمتوفي855 ذكره في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري584:8 في قوله تعالي: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل... عن الحافظ الواحدي...
من العجيب أن يبقي القول الموافق لأهل البيت عليهمالسلام في سبب نزول آية التبليغ حياً في مصادر إخواننا السنيين! لأنه ينسف الأسس التي أقام القرشيون عليها خلافتهم، وبذلوا جهودهم ليقنعوا بها المسلمين. ولهذا تري النواصب يغيظهم وجود حديث الغدير، وحديث آية التبليغ وأمثاله، ويودون لو أن شيئاً منها
لم يكن موجوداً في الصحاح والمصادر.. وتراهم بدل أن يبحثوها بحثاً علمياً علي ضوء القرآن والمتفق عليه من السنة.. يكيلون التهم والسباب للشيعة وعلماءالشيعة لأنهم اطلعوا عليها، وأخرجوها لهم من مصادرهم!! قال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة644:5 : عصمته من الناس: كان يحرس حتي نزلت هذه الآية: والله يعصمك من الناس، فأخرج رسولالله رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. أخرجه الترمذي:175:2 وابنجرير:199:6 والحاكم:3:2 من طريق الحارث بن عبيد عن سعيد الجريري، عن عبدبن شقيق، عن عائشة قالت: فذكره. وقال الترمذي: حديث غريب. وروي بعضهم هذا الحديث عن الجريري عن عبدالله بن شقيق قال: كان النبي يحرس.. ولم يذكروا فيه: عن عائشة. قلت: وهذا أصح، لأن الحارث بن عبيد- وهو أبوقدامة الأيادي- فيه ضعف من قبل حفظه، أشار إليه الحافظ بقوله: صدوق يخطيء. وقد خالفه بعض الذين أشار إليهم الترمذي، ومنهم إسماعيل بن علية الثقة الحافظ، رواه ابنجرير بإسنادين عنه عن الجريري مرسلاً. قلت: فهو صحيح مرسلاً، وأما قول الحاكم عقب المسند عن عائشة: صحيح الأسناد فمردود، لما ذكرنا، وإن تابعه الذهبي. نعم الحديث صحيح، فإن له شاهداً من حديث أبيهريرة قال: كان رسولالله صلي الله عليه وآله إذا نزل منزلاً نظروا أعظم شجرة يرونها فجعلوها للنبي فينزل تحتها وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجر، فبينما هو نازل تحت شجرة وقد علق السيف عليها إذ جاء أعرابي فأخذ السيف من الشجرة ثم دنا من النبي وهو نائم فأيقظه، فقال: يا محمد من يمنعك مني الليلة؟ فقال النبي صلي الله عليه وآله الله. فأنزل الله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت
رسالته والله يعصمك من الناس.. الآية. أخرجه ابنحبان في صحيحه1739 موارد وابنمردويه كما في ابنكثير198:6 من طريقين عن حماد بن سلمة: حدثنا محمد بن عمرو عن أبيسلمة عنه. قلت. وهذا إسناد حسن. وذكر له ابنكثير شاهدا ثانيا من حديث جابر رواه ابنأبيحاتم. وله شاهدان آخران عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي مرسلاً. واعلم أن الشيعة يزعمون- خلافاً للأحاديث المتقدمة- أن الآية المذكورة نزلت يوم غدير خم في علي رضي الله عنه ويذكرون في ذلك روايات عديدة مراسيل ومعاضيل أكثرها، ومنها عن أبيسعيد الخدري ولا يصح عنه كما حققته في الضعيفة (4922) والروايات الأخري أشار إليها عبدالحسين الشيعي في مراجعاته:38 دون أي تحقيق في أسانيدها كما هي عادته في سرد أحاديث كتابه، لأن غايته حشد كل ما يشهد لمذهبه سواء صح أو لم يصح، علي قاعدتهم: الغاية تبرر الوسيلة! فكن منه ومن رواياته علي حذر، وليس هذا فقط، بل هو يدلس علي القراء- إن لم أقل يكذب عليهم- فإنه قال في المكان المشار إليه في تخريج أبيسعيد هذا المنكر بل الباطل: أخرجه غير واحد من أصحاب السنن كالإمام الواحدي..! ووجه كذبه: أن المبتدئين في هذا العلم يعلمون أن الواحدي ليس من أصحاب السنن الأربعة، وإنما هو مفسر يروي بأسانيده ما صح وما لم يصح، وحديث أبيسعيد هذا مما لم يصح، فقد أخرجه من طريق فيه متروك شديد الضعف! كما هو مبين في المكان المشار إليه من الضعيفة. وهذه من عادة الشيعة قديماً وحديثاً، أنهم يستحلون الكذب علي أهل السنة عملاً في كتبهم وخطبهم، بعد أن صرحوا باستحلالهم للتقية، كما صرح بذلك الخميني في كتابه كشف الأسرار، وليس يخفي علي أحد أن التقية أخت الكذب
ولذلك قال أعرف الناس بهم شيخ الإسلام ابنتيمية: الشيعة أكذب الطوائف. وأنا شخصياًّ قد لمست كذبهم لمس اليد في بعض مؤلفيهم، وبخاصة عبدالحسين هذا، والشاهد بين يديك فإنه فوق كذبته المذكورة أوهم القراء أن الحديث عند أهل السنة من المسلمات بسكوته عن علته، وادعائه كثرة طرقه. وقد كان أصرح منه في الكذب الخميني فإنه صرح في الكتاب المذكور:149 أن آية العصمة نزلت يوم غدير خم بشأن إمامة علي بن أبيطالب، باعتراف أهل السنة، واتفاق الشيعة. كذا قال عامله الله بما يستحق. وسأزيد هذا الأمر بياناً في الضعيفة، إن شاء الله تعالي. انتهي. ونقول للباحث الألباني: أولاً: دع عنك التهم والشتائم وإصدار الأحكام، وتصنيف من هم أصدق الطوائف الإسلامية ومن هم أكذبها، فإن السنيين والشيعيين فيهم أنواع الناس.. ولكن النواصب لهم حكم خاص.. ولا تنس أيها الباحث أن ابنتيمية الذي لم ينصف علي بن أبيطالب عليهالسلام لايمكنه أن ينصف شيعته.. وقد دافعت أنت عن علي عليهالسلام ورددت ظلم ابنتيمية وإنكاره حديث الغدير (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) فصححت الحديث واعترفت بالحق مشكوراً، وكتبت صفحات في ذلك في أحاديثك الصحيحة330:5 برقم1750 ثم قلت في:344 (إذا عرفت هذا فقد كان الدافع لتحرير الكلام علي الحديث وبيان صحته: أنني رأيت شيخ الإسلام ابنتيمية قد ضعَّف الشطر الأول من الحديث، وأما الشطر الآخر فزعم أنه كذب! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها، ويدقق النظر فيها. والله المستعان. أما ما يذكره الشيعة في هذا الحديث وغيره أن النبي صلي الله عليه وآله قال في علي رضي الله عنه: إنه خليفتي من بعدي، فلا يصح بوجه
من الوجوه، بل هو من أباطيلهم الكثيرة التي دل الواقع التاريخي علي كذبها، لأنه لو فرض أن النبي قاله لوقع كما قال لأنه (وحي يوحي) والله سبحانه لايخلف وعده!!). انتهي. ونلاحظ أن الشيخ الألباني الذي انتقد (تسرع) إمامه ابنتيمية، تسرع هو أيضاً وجعل الإخبار التشريعي إخباراً غيبياً! وشتان ما بينهما.. فلو صح ذلك لانتقض حديثه الذي صححه وأحكمه، وهو قول النبي صلي الله عليه وآله (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهو أيضاً (وحيٌ يوحي) فوجب علي قوله بأنه إخبار غيبي عما سيقع أن يكون علي ولياًّ لكل المسلمين وسيداً لهم، وأن يكونوا معه كالعبيد كما كانوا مع رسولالله صلي الله عليه وآله.. ولكن ذلك لم يتحقق، بل لقد هاجموا بيت علي وفاطمة عليهماالسلام في اليوم الثاني لوفاة النبي صلي الله عليه وآله أو الثالث، وهددوا المعتصمين فيه بإحراقه عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا.. ثم أجبروا علياًّ إجباراً علي البيعة كما هو معروف.. فقوله صلي الله عليه وآله: عليٌّ خليفتي من بعدي، مثل قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، وإذا كان الأول إخباراً عما سيقع، كما ادعي الألباني، فكذلك الثاني، فكيف تحقق عكسه وصار معني: من كنت سيده فعلي سيده، أنَّ الرعية أجبروا سيدهم علي بيعتهم؟! إن الإخبار في الحديثين تشريعي أيها المحدث، وبيانٌ لتكليف المسلمين وما يجب عليهم، وليس إخباراً غيبياً عما سيقع، حتي لايصح وقوع غيره! ونقول له ثانياً: عندما ضعَّفت حديث سبب نزول آية (والله يعصمك من الناس) في بيعة الغدير، هل جمعت طرقه ودققت النظر فيها فقلت (مراسيل ومعاضيل أكثرها)؟ هل رأيت طرق الثعلبي، وأبينعيم، والواحدي، وأبيسعيد السجستاني، والحسكاني، وبحثت أسانيدهم فوجدتها كلها مرسلة أو ضعيفة أو معضلة، ووجدت في رواتها من
لم تعتمد أنت عليهم؟! أم وقعت فيما وقع فيه ابنتيمية من التسرع والتعصب الذي انتقدته عليه؟! علي أي حالٍ، لم يفت الوقت، فنرجو أن تتفضل بملاحظة ما كتبناه في تفسير الآية، وأن تدقق الطرق والأسانيد التي قدمناها، وتبحثها بموازينك التي تريدها، بشرط أن لاتناقض ما كتبته في كتبك، وأن لاتضعِّف راوياً هنا لأنه روي فضيلةً لعلي، وقد اعتمدت عليه وقبلت روايته في مكان آخر لأنه روي فضيلة لخصوم علي! ونذكر فيما يلي أسانيد مصدر واحد هو: كتاب شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني عبيدالله بن عبدالله بن أحمد العامري القرشي، تلميذ الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك. قال في كتابه المذكور، بتحقيق المحمودي:257-1:250 244- أخبرنا أبوعبدالله الدينوري قراءة، (قال) حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق (بن إبراهيم) السني قال: أخبرني عبدالرحمان بن حمدان قال: حدثنا محمد بن عثمان العبسي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال: حدثنا علي بن عابس عن الأعمش عن أبيالجحاف (داود بن أبيعوف) عن عطية: عن أبيسعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبيطالب: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). 245- أخبرنا الحاكم أبوعبدالله الحافظ جملة (قال: أخبرنا) علي بن عبدالرحمان بن عيسي الدهقان بالكوفة قال: حدثنا الحسين بن الحكم الحبري قال: حدثنا الحسن بن الحسين العرني قال: حدثنا حبان بن علي العنزي قال: حدثنا الكلبي عن أبيصالح عن ابنعباس في قوله عزوجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك.. الآية. (قال) نزلت في علي، أمر رسولالله صلي الله عليه أن يبلغ فيه فأخذ رسولالله بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. 246- رواه جماعة عن الحبري وأخرجه السبيعي
في تفسيره عنه فكأني سمعته من السبيعي ورواه جماعة عن الكلبي. وطرق هذا الحديث مستقصاة في كتاب دعاء الهداة إلي أداء حق الموالاة من تصنيفي في عشرة أجزاء. 247- أخبرنا أبوبكر السكري قال: أخبرنا أبوعمرو المقري قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثني أحمد بن أزهر قال: حدثنا عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة قال: حدثنا عمر بن نعيم بن عمر بن قيس الماصر قال: سمعت جدي قال: حدثنا عبدالله بن أبيأوفي قال: سمعت رسولالله صلي الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم وتلا هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ثم رفع يديه حتي يري بياض إبطيه ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ثم قال: اللهم اشهد. 248- أخبرنا عمرو بن محمد بن أحمد العدل بقراءتي عليه من أصل سماع نسخته قال: أخبرنا زاهر بن أحمد قال: أخبرنا أبوبكر محمد بن يحيي الصولي قال: حدثنا المغيرة بن محمد قال: حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبيقال: سمعت زياد بن المنذر يقول: كنت عند أبيجعفر محمد بن علي وهو يحدث الناس إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له: عثمان الأعشي- كان يروي عن الحسن البصري- فقال له: يا بن رسولالله جعلني الله فداك إن الحسن يخبرنا أن هذه الآية نزلت بسبب رجل ولا يخبرنا من الرجل (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). فقال: لو أراد أن يخبر به لأخبر به ولكنه يخاف. إن جبرئيل هبط علي النبي صلي الله عليه وسلم فقال له: إن الله يأمرك أن تدل أمتك
علي صلاتهم، فدلهم عليها. ثم هبط فقال: إن الله يأمرك أن تدل أمتك علي زكاتهم، فدلهم عليها. ثم هبط فقال: إن الله يأمرك أن تدل أمتك علي صيامهم، فدلهم. ثم هبط فقال: إن الله يأمرك أن تدل أمتك علي حجهم، ففعل. ثم هبط فقال: إن الله يأمرك أن تدل أمتك علي وليهم علي مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة في جميع ذاك. فقال رسولالله: يا رب إن قومي قريبو عهد بالجاهلية، وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلا وقد وتره وليهم، وإني أخاف، فأنزل الله تعالي: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) يريد فما بلغتها تامة (والله يعصمك من الناس) فلما ضمن الله (له) بالعصمة وخوفه أخذ بيد علي بن أبيطالب ثم قال: يا أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه. قال زياد: فقال عثمان: ما انصرفت إلي بلدي بشيء أحب إلي من هذا الحديث. 249- حدثني علي بن موسي بن إسحاق عن محمد بن مسعود بن محمد قال: حدثنا سهل بن بحر قال: حدثنا الفضل بن شاذان، عن محمد بن أبيعمير، عن عمر بن أذينة عن الكلبي عن أبيصالح: عن ابنعباس وجابر بن عبدالله قالا: أمر الله محمداً أن ينصب علياًّ للناس ليخبرهم بولايته فتخوف رسولالله صلي الله عليه وسلم أن يقولوا حابي ابنعمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه فأوحي الله إليه: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) الآية، فقام رسولالله بولايته يوم غدير خم. 250- حدثني محمد
بن القاسم بن أحمد في تفسيره قال: حدثنا أبوجعفر محمد بن علي الفقيه قال: حدثنا أبيقال: حدثنا سعد بن عبدالله قال: حدثنا أحمد بن عبدالله البرقي عن أبيه عن خلف بن عمار الأسدي عن أبيالحسن العبدي عن الأعمش عن عباية بن ربعي: عن عبدالله بن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم (وساق) حديث المعراج إلي أن قال: وإني لم أبعث نبياً إلا جعلت له وزيراً وإنك رسولالله، وإن علياًّ وزيرك. قال ابنعباس: فهبط رسولالله فكره أن يحدث الناس بشيء منها إذ كانوا حديثي عهد بالجاهلية، حتي مضي (من) ذلك ستة أيام، فأنزل الله تعالي: فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك، فاحتمل رسولالله صلي الله عليه وآله، حتي كان يوم الثامن عشر أنزل الله عليه (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) ثم إن رسولالله صلي الله عليه وسلم أمر بلالاً حتي يؤذن في الناس أن لايبقي غداً أحداً إلا خرج إلي غدير خم، فخرج رسولالله صلي الله عليه وسلم والناس من الغد فقال: يا أيها الناس إن الله أرسلني إليكم برسالة، وإني ضقت بها ذرعاً مخافة أن تتهموني وتكذبوني حتي عاتبني ربي فيها بوعيد أنزله علي بعد وعيد، ثم أخذ بيد علي بن أبيطالب فرفعها حتي رأي الناس بياض إبطيهما ثم قال: أيها الناس الله مولاي وأنا مولاكم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. وأنزل الله (اليوم أكملت لكم دينكم). انتهي. (ملاحظة: كتب هذا الموضوع قبل أن يتوفي الألباني وأرسلت له نسخة من الكتاب.. ولم يجب عليه)!
في تفسير العياشي:331:1 عن أبيصالح، عن ابنعباس وجابر بن عبدالله قالا: أمر
الله تعالي نبيه محمداً صلي الله عليه وآله أن ينصب علياًّ عليهالسلام علماً للناس، ويخبرهم بولايته، فتخوف رسولالله صلي الله عليه وآله أن يقولوا حابي ابنعمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحي الله إليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.. وفي الكافي:290:1 : محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين جميعاً، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبيالجارود، عن أبيجعفر قال سمعت أباجعفر عليهالسلام يقول: فرض الله علي العباد خمساً، أخذوا أربعاً وتركوا واحدة، قلت: أتسميهن لي جعلت فداك؟ فقال: الصلاة، وكان الناس لايدرون كيف يصلون، فنزل جبرئيل عليهالسلام فقال: يا محمد أخبرهم بمواقيت صلاتهم. ثم نزلت الزكاة فقال: يا محمد أخبرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم. ثم نزل الصوم، فكان رسولالله صلي الله عليه وآله إذا كان يوم عاشورا بعث إلي ما حوله من القري فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال. ثم نزل الحج، فنزل جبرئيل عليهالسلام فقال: أخبرهم من حجهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم. ثم نزلت الولاية... وكان كمال الدين بولاية علي بن أبيطالب عليهالسلام فقال عند ذلك رسولالله صلي الله عليه وآله: أمتي حديثو عهد بالجاهلية، ومتي أخبرتهم بهذا في ابنعمي يقول قائل ويقول قائل، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني، فأتتني عزيمة من الله عزوجل بتلة، أوعدني إن لم أبلغ أن يعذبني، فنزلت: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لايهدي القوم الكافرين، فأخذ رسولالله صلي الله
عليه وآله بيد علي عليهالسلام فقال: أيها الناس: إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمره الله ثم دعاه فأجابه، فأوشك أن أدعي فأجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت ما عليك، فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين. فقال: اللهم اشهد، ثلاث مرات.ثم قال: يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. وفي بحارالأنوار:300:94 : ومن الدعوات في يوم عيد الغدير ما ذكره محمد بن علي الطرازي في كتابه. رويناه بإسنادنا إلي عبدالله بن جعفر الحميري قال: حدثنا هارون بن مسلم عن أبيالحسن الليثي، عن أبيعبدالله جعفر بن محمد عليهماالسلام أنه قال لمن حضره من مواليه وشيعته: أتعرفون يوماً شيد الله به الإسلام، وأظهر به منار الدين، وجعله عيداً لنا ولموالينا وشيعتنا؟ فقالوا: الله ورسوله وابنرسوله أعلم أيوم الفطر هو يا سيدنا؟ قال: لا. قالوا: أفيوم الأضحي هو؟ قال: لا، وهذان يومان جليلان شريفان، ويوم منار الدين أشرف منهما وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وإن رسولالله صلي الله عليه وآله لما انصرف من حجة الوداع، وصار بغدير خم، أمر الله عزوجل جبرئيل عليهالسلام أن يهبط علي النبي وقت قيام الظهر من ذلك اليوم، وأمره أن يقوم بولاية أميرالمؤمنين عليهالسلام وأن ينصبه علماً للناس بعده، وأن يستخلفه في أمته، فهبط إليه وقال له: حبيبي محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك: قم في هذا اليوم بولاية علي ليكون علماً لأمتك بعدك يرجعون إليه، ويكون لهم كأنت. فقال النبي صلي الله عليه وآله: حبيبي جبرئيل، إني أخاف تغير أصحابي لما قد وتروه، وأن يبدوا ما يضمرون فيه، فعرج وما لبث أن
هبط بأمر الله فقال له: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. فقام رسولالله صلي الله عليه وآله ذَعِراً مرعوباً خائفاً وقدماه تشويان من شدة الرمضاء، وأمر بأن ينظف الموضع ويقمَّ ما تحت الدوح من الشوك وغيره ففعل ذلك، ثم نادي بالصلاة جامعة فاجتمع المسلمون، وفيمن اجتمع أبوبكر وعمر وعثمان وسائر المهاجرين والأنصار، ثم قام خطيباً، وذكر الولاية فألزمها للناس جميعاً، فأعلمهم أمر الله بذلك.وفي دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي:14:1 : وروينا عن أبيجعفر محمد بن علي صلي الله عليه أن رجلاً قال له: يا بن رسولالله إن الحسن البصري حدثنا أن رسولالله صلي الله عليه وآله قال: إن الله أرسلني برسالة فضاق بها صدري، وخشيت أن يكذبني الناس، فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني. قال له أبوجعفر: فهل حدثكم بالرسالة؟ قال: لا.قال: أما والله إنه ليعلم ما هي، ولكنه كتمها متعمداً! قال الرجل: يا بن رسولالله جعلني الله فداك وما هي؟ فقال: إن الله تبارك وتعالي أمر المؤمنين بالصلاة في كتابه، فلم يدروا ما الصلاة ولا كيف يصلون، فأمر الله عزوجل محمداً نبيه صلي الله عليه وآله أن يبين لهم كيف يصلون. فأخبرهم بكل ما افترض الله عليهم من الصلاة مفسراً.. وأمر بالزكاة، فلم يدروا ما هي، ففسرها رسولالله صلي الله عليه وآله وأعلمهم بما يؤخذ من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزرع، ولم يدع شيئاً مما فرض الله من الزكاة إلا فسره لأمته، وبينه لهم. وفرض عليهم الصوم، فلم يدروا ما الصوم ولاكيف يصومون، ففسره لهم رسولالله صلي الله عليه وآله وبين لهم ما يتقون في الصوم، وكيف يصومون. وأمر بالحج
فأمر الله نبيه صلي الله عليه وآله أن يفسر لهم كيف يحجون، حتي أوضح لهم ذلك في سنته. وأمر الله عزوجل بالولاية فقال: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون. ففرض الله ولاية ولاة الأمر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله نبيه صلي الله عليه وآله أن يفسر لهم ما الولاية، مثلما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله عزوجل ضاق به رسولالله ذرعاً، وتخوف أن يرتدوا عن دينه وأن يكذبوه، فضاق صدره وراجع ربه فأوحي إليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، فصدع بأمر الله وقام بولاية أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب صلي الله عليه يوم غدير خم، ونادي لذلك الصلاة جامعة، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب.وكانت الفرائض ينزل منها شيء بعد شيء، تنزل الفريضة ثم تنزل الفريضة الأخري وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزوجل: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. قال أبوجعفر: يقول الله عزوجل: لاأنزل عليكم بعد هذه الفريضة فريضة، قد أكملت لكم هذه الفرائض. وروينا عن رسولالله صلي الله عليه وآله أنه قال: أوصي من آمن بالله وبي وصدقني: بولاية علي بن أبيطالب، فإن ولاءه ولائي، أمرٌ أمرني به ربي، وعهدٌ عهده إليَّ، وأمرني أن أبلغكموه عنه. انتهي. وروي الحديث الأول في شرح الأخبار:101:1 ونحوه في:276:2 وروي أيضاً فيه: فقال رسولالله صلي الله عليه وآله: يا جبرائيل أمتي حديثة عهدٍ بجاهلية، وأخاف عليهم أن يرتدوا، فأنزل الله عزوجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك- في علي- فإن لم تفعل فما
بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس. فلم يجد رسولالله صلي الله عليه وآله بدا من أن جمع الناس بغدير خم فقال: أيها الناس إن الله عزوجل بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني، أفلستم تعلمون أن الله عزوجل مولاي وأني مولي المسلمين ووليهم وأولي بهم من أنفسهم؟ قالوا: بلي، فأخذ بيد علي عليهالسلام فأقامه ورفع يده بيده وقال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت وليه فهذا علي وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار. ثم قال أبوجعفر عليهالسلام: فوجبت ولاية علي عليهالسلام علي كل مسلم ومسلمة. انتهي. ورواه بنحوه في تفسير العياشي:333:1 وفيه: كنت عند أبيجعفر محمد بن علي عليهالسلام بالأبطح وهو يحدث الناس، فقام إليه رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعشي، كان يروي عن الحسن البصري.. إلخ. وقد تقدمت بعض الأحاديث فيه في آية إكمال الدين، وهي في مصادرنا كثيرة وصحيحة تبلغ حد التواتر.
الملاحظة الأولي: مع أن البخاري عقد للآية في صحيحه بابين: الأول في:88:5 وروي فيه حديثا عن عائشة في التبليغ وعدم الكتمان، والثاني في:9:8 وروي فيه عن الزهري في التبليغ، كما روي حديثين تضمنا الآية في:50:6 وفي:210:8 وكذا مسلم:110:1 . مع هذا، فلم يرويا ولا روي غيرهما من أصحاب الصحاح شيئاً في تفسير الآية، ما عدا رواية الترمذي في الحراسة، والتي قال عنها إنها غريبة. ونحن لانري أن عدم روايتهم لحديثٍ دليلاً ولا مؤشراً علي ضعفه، فكم من حديثٍ هو أصح مما في الصحاح لم يرووه، وكم من حديثٍ روته الصحاح، وذكر له علماء الجرح والتعديل عللاً كثيرة. لكنا نريد القول:
إن أصحاب الصحاح حريصون علي رد مذهب أهل البيت عليهمالسلام، وهم يعرفون أن آية التبليغ هذه يستدل بها أهل البيت وشيعتهم علي مذهبهم، فلو كان عندهم رواية قوية في ردها لرووها وكرروها، حتي لاتبقي روايات الشيعة بلا معارض قوي. فمن ذلك نستكشف أن تركهم لروايتها ليس بسبب ضعف سندها، بل بسبب ما رأوه من ضعف متنها، وتعارض صيغها، وورود الإشكالات علي كل واحدة منها! فاضطروا بذلك إلي عدم الرد علي روايات الشيعة، وما وافقها من روايات السنة، وبذلك بقيت بلا معارض من الصحاح الستة! الملاحظة الثانية: أن روايات السنيين في تاريخ نزول الآية قد غطَّت الثلاث وعشرين سنة، التي هي كل مدة بعثة النبي صلي الله عليه وآله ما عدا حجة الوداع التي نزلت فيها سورة المائدة! وهو أمر يوجب الشك في أن الغرض من سعة تلك الروايات، واستثنائها تلك الفترة وحدها، هو التهرب من الفترة التاريخية التي نزلت فيها السورة! الملاحظة الثالثة: أن سبب نزول الآية في مصادرنا سبب واحد، بتاريخ واحد، علي نحو الجزم واليقين. أما في مصادر إخواننا السنيين فأسبابٌ متعددة، بتواريخ متناقضة، وعلماؤهم منها في شكٍّ وحيرة، ولم تروها صحاحهم الستة. وفي رواياتهم ما يوافق قول أهل البيت عليهمالسلام وإن لم يقبله خلفاء قريش! وعندما نواجه من كتاب الله تعالي آيةً يتفق المسلمون علي أنها نزلت مرة واحدة في تاريخ واحد، ونجد أنهم يروون تاريخاً متفقاً عليه، وفيهم أهل بيت نبيهم صلي الله عليه وآله ويروي بعضهم أسباباً أخري متعارضة مختلفاً فيها.. فإن السبب المجمع علي روايته يكون أقوي وأحق بالإتباع والفتوي.
في الآية خمس مسائل لابد من تحديدها لمعرفة السبب الصحيح في نزولها: المسألة الأولي: في المأمور به في
الآية لا يستقيم معني الآية الشريفة إلا بحمل (أنزل) فيها علي الماضي الحقيقي، لأنها قالت (بلغ ما أنزل إليك) ولم تقل: بلغ ما سوف ينزل إليك.. وبيان ذلك: أولاً، ظهور الفعل في الماضي الحقيقي، وعدم وجود قرينةٍ توجب حمله علي ما سوف ينزله الله تعالي في المستقبل. بل لم أجد استعمال (أنزل) في القرآن لما سوف ينزل أبداً، علي كثرة وروده في الآيات. ثانياً، أن الآية نزلت في آخر شهور نبوته صلي الله عليه وآله، وإذا حملنا الفعل علي المستقبل يكون معناها: إنك إن لم تبلغ ما سوف ننزله عليك في هذه الشهور الباقية من نبوتك، فإنك لم تبلغ رسالة ربك أبداً! وهو معني لم تجيء به رواية، ولم يقل به أحدٌ من علماء الشيعة، ولا السنة! وإذا تعين حمل لفظ (أنزل إليك) علي الماضي الحقيقي، دلَّ علي أن الله تعالي كان أنزل علي رسوله أمراً ثقيلاً، وأمره بتبليغه فكان الرسول يفكر في ثقله علي الناس، وفي كيفية تبليغه لهم، فجاءت الآية لتقول له: لاتتأخر في التنفيذ، ولا تفكر في موقف الناس، هل يؤمنون أو يكفرون.. ولكن نطمئنك بأنهم سوف لن يكفروا، وسنعصمك منهم. وهذا هو تفسير أهل البيت عليهمالسلام وما وافقه من أحاديث السنيين. المسألة الثانية: فيما يصحح الشرط والمشروط به في التبليغ وقد اتضح ذلك من المسألة الأولي، وأنه لامعني لقولك: يا فلان بلغ رسائلي التي سوف أرسلها معك، فإنك إن لم تفعل لم تبلغ رسائلي! لأنه من المعلوم أنه إن لم يفعل، فلم يبلغ رسائلك، ويكون كلامك من نوع قول الشاعر: وفسر الماء بعد الجهد بالماء! نعم يصح أن تقول له عن رسالة معينة فعلية أو مستقبلية: إن هذه الرسالة مهمة وضرورية
جداً، وإن لم تبلغها، فإنك لم تبلغ شيئاً من رسائلي! قال في تفسير الميزان:49:6 : فالكلام موضوع في صورة التهديد وحقيقته بيان أهمية الحكم، وأنه بحيث لو لم يصل إلي الناس ولم يراع حقه، كان كأن لم يراع حق شيء من أجزاء الدين. فقوله: وإن لم تفعل فما بلغت، جملة شرطية سيقت لبيان أهمية الشرط وجوداً وعدما، لترتب الجزاء الأهم عليه وجوداً وعدماً، وليست شرطية مسوقة علي طبع الشرطيات الدائرة عندنا، فإنا نستعمل إن الشرطية طبعاً فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق الشرط، وحاشا ساحة النبي صلي الله عليه وآله من أن يقدر القرآن في حقه احتمال أن يبلغ الحكم النازل عليه من ربه، وأن لايبلغ! انتهي. المسألة الثالثة: في نوع تخوف النبي صلي الله عليه وآله ولا بد من القول بأن الخوف الذي كان عند النبي صلي الله عليه وآله كان خوفاً علي الرسالة وليس علي شخصه من القتل أو الأذي، وذلك لشجاعته وعصمته عن التباطؤ عن التبليغ بسبب الخوف من ذلك صلي الله عليه وآله. فإن الله تعالي كان أخبر رسوله صلي الله عليه وآله من الأيام الأولي لبعثته، بثقل مسؤولية النبوة والرسالة وجسامة تبعاتها.. وكان صلوات الله عليه وآله موطِّناً نفسه علي ذلك كله، فلا معني لأن يقال بأنه تلكأ بعد ذلك، أو تباطأ أو امتنع في أول البعثة، أو في وسطها أو في آخرها، حتي جاءه التهديد والتطمين!! وقد تبين مما تقدم أن الخوف الذي كان يعيشه النبي صلي الله عليه وآله عند نزول الآية، ليس إلا خوفه من ارتداد الأمة، وعدم قبولها إمامة عترته من بعده، وأن يقول قائل منهم جاري ابنعمه، ويشكوا في رسالته!المسألة الرابعة: في معني الناس في
الآية قال الفخر الرازي في تفسيره: مجلد6 جزء50:12 : واعلم أن المراد من (الناس) ها هنا الكفار بدليل قوله تعالي: إن الله لايهدي القوم الكافرين... لايمكنهم مما يريدون. انتهي. ولا يمكن قبول ذلك، لأن نص الآية (يعصمك من الناس) وهو لفظ أعم من المسلمين والكفار، فلا وجه لحصره بالكفار.. وقد تصور الرازي أن المعصوم منهم هم الذين لايهديهم الله تعالي، وأن المعني: إن الله سيعصمك من الكفار ولا يهديهم! ولكنه تصور خاطيء، لأن ربْط عدم هدايته تعالي للكفار بالآية يتحقق من وجوه عديدة.. فقد يكون المعني: سيعصمك من كل الناس، ولا يهدي من يقصدك بأذي لأنه كافر. أو يكون المعني: بلغ وسيعصمك الله من الناس، ومن أبي ما تبلغه فهو كافر، ولا يهديه الله تعالي. وهذا المعني الأخير هو المرجح. وقد ورد شبيهه في البخاري:139:8 قال: عن أبيهريرة أن رسولالله صلي الله عليه وسلم قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي! قالوا: يا رسولالله ومن يأبي! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبي. انتهي. فإبقاء لفظة (الناس) علي إطلاقه وشموله للجميع، يتناسب مع مصدر الأذي والخطر علي النبي صلي الله عليه وآله الذي هو غير محصور بالكفار، بل يشمل المنافقين من الأمة أيضاًً. بل عرفت أن الخطر عند نزول الآية كاد يكون محصوراً بالمنافقين. ولكن الرازي يريد إبعاد الذم في الآية عن القرشيين المنافقين، وإبعاد الأمر الإلهي فيها عن تبليغ ولاية أميرالمؤمنين علي عليهالسلام! المسألة الخامسة: في معني العصمة من الناس وقد اتضح مما تقدم أن العصمة الإلهية الموعودة في الآية، لابد أن تكون متناسبة مع الخوف منهم، ويكون معناها عصمته صلي الله عليه وآله من أن يطعنوا في نبوته ويتهموه بأنه
حابي أسرته واستخلف عترته، وقد كان من مقولاتهم المعروفة أن محمداً صلي الله عليه وآله يريد أن يجمع النبوة والخلافة لبني هاشم، ويحرم قبائل قريش..!! وكأنه صلي الله عليه وآله هو الذي يملك النبوة والإمامة ويعطيهما من جيبه!! فهذا هو المعني المتناسب مع خوف الرسول صلي الله عليه وآله وأنه كان يفكر بينه وبين نفسه بما سيحدث من تبليغه ولاية علي عليه السلام. فهي عصمةٌ في حفظ نبوته عند قريش، وليست عصمةً من القتل أو الجرح أو الأذي، كما ادعت الأقوال المخالفة. ولذلك لم تتغير حراسته صلي الله عليه وآله بعد نزول الآية عما قبلها، ولا تغيرت المخاطر والأذايا التي كان يواجهها، بل زادت. كما ينبغي الالتفات الي أن القدر المتيقن من هذه العصمة هو حفظ نبوة النبي صلي الله عليه وآله في الأمة وإن ثقلت عليهم أوامره، وقرروا مخالفته. والغرض من هذه العصمة بقاء النبوة، وتمام الحجة لله تعالي. وهي غير العصمة الإلهية الأصلية للرسول صلي الله عليه وآله في أفعاله وأقواله وكل تصرفاته! وقد وفي الله سبحانه لرسوله صلي الله عليه وآله بما وعد، فقد أعلن صلي الله عليه وآله في يوم الغدير خلافة علي والعترة عليهمالسلام بوضوح وصراحة، ثم أمر أن تنصب لعلي خيمة، وأن يهنؤوه بتولية الله عليهم.. ففعلوا علي كره! ولم يخدش أحد منهم في نبوة النبي صلي الله عليه وآله. ولكنهم عندما توفي فعلوا ما يريدون، وأقصوا علياً والعترة عليهمالسلام! بل أحرقوا بيتهم وأجبروهم علي بيعة صاحبهم!!
يوجد مسألتان ترتبطان بالآية الشريفة، نتعرض لهما باختصار:
يشهد جميع المسلمين للنبي صلي الله عليه وآله بأنه بلغ عن ربه كل ما أمره به، ونصح لأمته، وأنه تحمل أكثر من
جميع الأنبياء صلي الله عليهم. لكنك تجد في مصادر السنيين تهمةً للشيعة بأنهم يقولون إن النبي صلي الله عليه وآله كتم أشياء ولم يبلغها إلي الأمة، والعياذ بالله! ويستدلون لردهم بآية: بلغ ما أنزل إليك. قال القرطبي في تفسيره:243:6 : من قال أن محمداً صلي الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب. الله تعالي يقول: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، وقبح الله الروافض حيث قالوا: إنه صلي الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أوحي إليه كان بالناس حاجة إليه. انتهي. وقال القسطلاني في إرشاد الساري:106:7 : وقال الراغب فيما حكاه الطيبي: فإن قيل: كيف قال: وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، وذلك كقولك إن لم تبلغ فما بلغت! قيل: معناه وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك، تكون في حكم من لم يبلغ شيئاً مما أنزل الله، بخلاف ما قالت الشيعة إنه قد كتم أشياء علي سبيل التقية! انتهي. والظاهر أن قصة هذه التهمة وبيت القصيد فيها هو حديث عائشة القائل: من زعم أن رسولالله صلي الله عليه وآله كتم شيئاً من كتاب الله، فقد أعظم علي الله الفرية. وقد رووه عنها وأكثروا من روايته.. وقصدهم به الرد علي علي عليهالسلام وتكذيبه! فقد كان علي عليهالسلام يقول إنه وارث علم النبي صلي الله عليه وآله وإن عنده غير القرآن حديث النبي صلي الله عليه وآله ومواريثه.. فعنده جامعة فيها كل ما يحتاج إليه الناس حتي أرش الخدش. وكان يقول إن النبي صلي الله عليه وآله قد أخبره بما سيحدث علي عترته من بعده حتي هجومهم علي بيته وإحراقه، وإجباره علي بيعتهم، وأنه أمره
في كل ذلك بأوامره.. ونحن الشيعة نعتقد بكل ما قاله أميرالمؤمنين عليهالسلام، وتروي مصادرنا بل ومصادر السنيين عن مقام علي عليهالسلام وقربه من النبي صلي الله عليه وآله ومكانته عنده، وشهاداته صلي الله عليه وآله في حقه.. ما يوجب اليقين بأن النبي صلي الله عليه وآله كان مأموراً من الله تعالي أن يعد علياً إعداداً خاصاً، ويورثه علمه.. مضافا إلي ما أعطي الله علياً عليهالسلام من صفات ومؤهلات وإلهام.. ونعتقد بأن علياً عليهالسلام طاهرٌ مطهر، صادقٌ مصدق، في كل ما يقوله ولو كان شهادةً لنفسه وعترته. قال السيوطي في الدر المنثور:260:6 : وأخرج ابنجرير، وابنأبيحاتم، والواحدي، وابنمردويه، وابنعساكر، وابنالنجاري، عن بريدة قال: قال رسولالله صلي الله عليه وآله لعلي: إن الله أمرني أن أدنيك، ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي وحقٌّ لك أن تعي. فنزلت هذه الآية: وتعيها أذن واعية. انتهي. ثم ذكر السيوطي رواية أبينعيم في الحلية وفيها: فأنت أذُنٌ واعيةٌ لعلمي. انتهي. وإذا كان حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلي الله عليه وآله وهو من أتباع علي عليهالسلام.. فإن علياًّ هو صاحب أسرار النبي صلي الله عليه وآله وعلومه. وقد روي الجميع أنه صلي الله عليه وآله عهد إليه أن يقاتل علي تأويل القرآن من بعده، وأخبره أنه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين! بل الظاهر أن وصايا النبي صلي الله عليه وآله لعلي كان بعضها معروفاً في حياته، ومن ذلك وصيته له بأن يسجل مظلوميته ويقيم الحجة علي القوم، ولا يقاتلهم من أجل الخلافة.. فلو لم يكونوا يعرفون ذلك، لما كانت عندهم جرأة أن يهاجموا علياًّ في بيته بعشرين مسلح أو خمسين، ويقتحموا داره، ثم يلقوا القبض عليه، ويجروه بحمائل سيفه إلي البيعة!!
لقد كان علي عليهالسلام معجزةً وأسطورةً في القوة والشجاعة، وفي الهيبة والرعب في قلوب الناس.. وأكثر الذين هاجموه في داره كانوا معروفين بالخوف والفرار في عدة حروب.. ولم يكن أحد منهم ولا من غيرهم يجرؤ أن يقف في وجه علي عليهالسلام إذا جرد ذا الفقار!! ولكنهم كانوا مطمئنين أن إطاعته للنبي صلي الله عليه وآله تغلب شجاعته وغيرته، وأنه سيعمل بالوصية، ولن يجرد ذا الفقار، حتي لو ضربوا الزهراء عليها السلام وأسقطوا جنينها!! وحاصل مسألتنا أن الخلافة القرشية قد ردت أقوال علي بأن عنده مواريث النبي صلي الله عليه وآله وعلمه، ونفت أن يكون النبي صلي الله عليه وآله ورث عترته شيئاً، لاعلماً ولا أوقافاً ولا مالاً! وبذلك صادر أبوبكر مزرعة فدك، التي كان النبي صلي الله عليه وآله أعطاها آل فاطمة عليهاالسلام عندما نزل قوله تعالي (وآت ذا القربي حقه)! بل زادت السلطة علي نفي كلام علي، وحاولت أن تستفيد من آية الأمر بالتبليغ التي هي موضوع بحثنا فقالت: من قال إن النبي صلي الله عليه وآله قد بلغه وحده أموراً وأحكاماً، ولم يبلغها إلي الأمة عامة، فقد اتهم النبي صلي الله عليه وآله بأنه قصر في تبليغ الأمة، وهو نوع من الكفر به صلي الله عليه وآله!! وليست مقولة عائشة المتقدمة إلامقولة السلطة في رد قول علي عليه السلام.. قال البخاري في صحيحه:188:5 : باب يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حدثك أن محمداً صلي الله عليه وآله كتم شيئاً مما أنزل عليه، فقد كذب، والله يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك.. الآية. انتهي. ثم كرر البخاري ذلك في:50:6
و210:8 ومسلم:10:1 والترمذي:...328:4 وغيرهم. ولكن هذه العملية من خصوم علي عليهالسلام تتضمن مغالطتين: في توسيع معني المأمور بتبليغه، وتوسيع المأمور بتبليغهم! كما تتضمن تحريفاً لمقولة علي عليهالسلام وشيعته! فليس كل ما قاله الله تعالي لرسوله أوجب عليه أن يبلغه.. فإن علوم النبي صلي الله عليه وآله وما أوحي الله إليه، وألهمه إياه، وما شاهده في إسرائه ومعراجه.. أوسع مما بلغه لعامة الناس، بأضعافٍ مضاعفة، ولا يمكن أن يوجب الله تعالي عليه تبليغها، لأن الناس لايطيقونها حتي لو كانوا مؤمنين! ولا كل شيء أمره أن يبلغه، أمره أن يبلغه إلي كل الناس بدون استثناء.. فهناك أمور عامة لكل الناس، وقد بلغها لهم، وأمور خاصةٌ لأناسٍ خاصين مؤمنين أو كافرين، وقد بلغها لأصحابها، مثل قوله تعالي (قل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً).. إلخ. ولم يقل عليٌّ عليهالسلام ولا أحدٌ من شيعته إن النبي صلي الله عليه وآله لم يبلغ، بل قالوا إنه كلم الناس علي قدر عقولهم وعلي قدر تحملهم وتقبلهم، وأنه لذلك بلغ علياًّ عليهالسلام أكثر من غيره، واستودعه علومه كما أمره الله تعالي.. وليس في هذا تهمة بعدم التبليغ، كما زعم القرطبي والقسطلاني. بل هي قولٌ بتبليغ إضافي خاصٍ بعلي والزهراء والحسنين عليهمالسلام! بل إن علياًّ وشيعته قالوا إن النبي صلي الله عليه وآله قد بلغ الأمة أموراً كثيرة، تتعلق بعترته وغيرهم كما تري في كتابنا هذا.. فتبليغه عندهم أوسع مما يقول به القرشيون. ولكن القرشيين يظلمون علياً عليهالسلام ويفترون عليه!! في حين تراهم يتغاضون عن تصريح عمر بأن النبي صليالله عليه وآله لم يبين عدة آيات مثل الكلالة والربا! كما تقدم في آية إكمال الدين! وهي تهمة صريحة للنبي صلي الله عليه وآله بأنه
لم يبين ما أنزله الله عليه، وأمره ببيانه لعامة الناس!! والنتيجة أن الأمر بالتبليغ وأمتثاله لايتنافي مع تخصيص النبي صلي الله عليه وآله لعلي عليهالسلام عليهاالسلام بعلوم عن غيره، لأن ذلك مما أمره بتبليغه له وليس لعامة الناس.. كما لايتنافي مع التقية التي قد يستعملها النبي صلي الله عليه وآله مع قريش أو غيرها، لأنه مأمور بالعمل بالحكمة لأهداف الإسلام، وبالتقية ومداراة الناس.. ففي الكافي:117:2 عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: قال رسولالله صلي الله عليه وآله: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض. وفي مجمع الزوائد17:8 عن أبيهريرة قال: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلي الناس. وعن بريدة قال: كنا عند رسولالله صلي الله عليه وسلم، فأقبل رجل من قريش فأدناه رسولالله صلي الله عليه وسلم وقربه، فلما قام قال: يا بريدة أتعرف هذا؟ قلت: نعم، هذا أوسط قريش حسباً، وأكثرهم مالاً، ثلاثاً. فقلت: يا رسولالله قد أنبأتك بعلمي فيه، فأنت أعلم. فقال: هذا ممن لايقيم الله له يوم القيامة وزناً. وقد عقد البخاري في صحيحه أكثر من باب لمداراة الناس، قال في:102:7 باب المداراة مع الناس. ويذكر عن أبيالدرداء إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم... عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أنه استأذن علي النبي صلي الله عليه وسلم رجل فقال: إئذنوا له فبئس ابنالعشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل الآن له الكلام، فقلت يا رسولالله: قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول؟! فقال: أي عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس، اتقاء فحشه. انتهي. وفي وسيط النيسابوري208:2 : وقال الأنباري: كان النبي صلي الله عليه
وآله يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة، ويخفي بعضه إشفاقا علي نفسه من شر المشركين إليه، وإلي أصحابه... انتهي. والنتيجة: أننا نحن الشيعة نقول أن النبي صلي الله عليه وآله قد بين للناس كل ما أمره الله ببيانه لهم، وأمره أن يكلمهم حسب عقولهم، فمنهم من لايتحمل أكثر من البيان العام ومنهم من يتحمل أكثر حسب درجته. وقد كان علي عليهالسلام من الدرجة الأولي، وقد أمر الله رسوله أن يبين له أكثر ووهبه قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً وجعله الأذن الواعية لرسوله صلي الله عليه وآله. والنتيجة ثانياً: أن الذين يتهمون النبي بأنه كتم ولم يبلغ هم غيرنا لانحن، وهذه صحاحهم تروي عن عمر في آيات الربا والكلالة وغيرها أن النبي لم يبينها للناس مع أنها كانت قانوناً مفروضاً، وواجب النبي تبليغها!
فقد استدل عددٌ من علماء الفريقين بالآية علي كذب الروايات التي تزعم أن يهودياً قد سحر النبي صلي الله عليه وآله فأخذ مشطه صلي الله عليه وآله وبعض شعره، وجعل فيه سحراً ودفنه في بئر.. وزعموا أن ذلك السحر أثَّر في النبي صلي الله عليه وآله فصار يتخيل أنه فعل الأمر ولم يفعله! وأنه بقي مدة علي تلك الحالة رجلاً مسحوراً! حتي دله رجل أو ملك أو جبرئيل، علي الذي سحره وعلي البئر التي أودع المشط والمشاطة، فذهب النبي صلي الله عليه وآله إلي البئر، ولكنه لم يستخرج المشط منها، لأنه كان شفي من السحر، أولأنه لم يرد أن يثير فتنة، فأمر بدفن البئر!! فقد روي البخاري هذه التهمة وهذه القصة الخرافية عن عائشة في خمس مواضع من صحيحه، فقال في:91:4 عن عائشة قالت: سُحِرَ النبي صلي الله عليه وسلم، وقال الليث كتب
إلي هشام أنه سمعه ووعاه عن أبيه عن عائشة قالت سحر النبي صلي الله عليه وسلم حتي كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتي كان ذات يوم دعا ودعا، ثم قال: أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي. فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب! قال: ومن طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن الأعصم؟ قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر! قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان! فخرج إليها النبي صلي الله عليه وسلم، ثم رجع فقال لعائشة حين رجع: نخلها كأنها رؤوس الشياطين! فقلت: استخرجته؟ فقال: لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك علي الناس شراً، ثم دفنت البئر!! انتهي. ورواه في:68:4 و28:7 29 و164 ورواه مسلم في:14:7 وغيره.. وغيره. وقد رد هذه التهمة علماء الشيعة قاطبةً، وتجرأ قليل من العلماء السنيين علي ردها! ومما استدلوا به آية (والله يعصمك من الناس). قال الطوسي في تفسير التبيان:384:1 : ما روي من أن النبي صلي الله عليه وآله سحر وكان يري أنه يفعل ما لم يفعله! فأخبار آحادٍ لايلتفت إليها، وحاشا النبي صلي الله عليه وآله من كل صفة نقصٍ، إذ تنفر من قبول قوله، لأنه حجة الله علي خلقه، وصفيه من عباده، واختاره الله علي علم منه، فكيف يجوِّز ذلك مع ما جنبه الله من الفظاظة والغلظة وغير ذلك من الأخلاق الدنيئة والخلق المشينة، ولا يجوز ذلك علي الأنبياء إلا من لم يعرف مقدارهم، ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم. وقد قال الله تعالي: والله يعصمك من الناس، وقد أكذب الله من قال: إن يتبعون إلا رجلاً مسحوراً، فقال:
وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. فنعوذ بالله من الخذلان. وقال ابنإدريس العجلي في السرائر:534:3 : والرسول عليه السلام ماسُحِر عندنا بلاخلاف لقوله تعالي: والله يعصمك من الناس. وعند بعض المخالفين أنه سُحر، وذلك بخلاف التنزيل المجيد! وقال المجلسي في بحارالأنوار:60:38 : ومنها سورة الفلق، فقد اتفق جمهور المسلمين علي أنها نزلت فيما كان من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسولالله صلي الله عليه وآله حتي مرض ثلاث ليال. ومنها ما روي أن جارية سحرت عائشة، وأنه سحر ابنعمر حتي تكوعت يده! فإن قيل: لو صح السحر لأضرت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين، ولحصَّلوا لأنفسهم الملك العظيم، وكيف يصح أن يسحر النبي صلي الله عليه وآله وقد قال الله: والله يعصمك من الناس، ولا يفلح الساحر حيث أتي! وكانت الكفرة يعيبون النبي صلي الله عليه وآله بأنه مسحور، مع القطع بأنهم كاذبون. انتهي. وممن رد هذه التهمة من السنيين: النووي في المجموع:243:19 قال: قلت: وأكتفي بهذا القدر من أحاديث سحر الرسول صلي الله عليه وآله.. تنبيه: قال الشهاب بعد نقل في التأويلات: عن أبيبكر الأصم أنه قال: إن حديث سحره صلي الله عليه وسلم المروي هنا متروكٌ لما يلزمه من صدق قول الكفرة أنه مسحور، وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه. ونقل الرازي عن القاضي أنه قال: هذه الرواية باطلةٌ، وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالي يقول: والله يعصمك من الناس، وقال: ولا يفلح الساحر حيث أتي؟! ولأن تجويزه يفضي إلي القدح في النبوة، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلي ضرر جميع الأنبياء والصالحين. انتهي. كما ردها الرازي في تفسيره: مجلد16 جزء187:32 قال: قول جمهور المسلمين أن لبيد بن
أعصم اليهودي سحر النبي صلي الله عليه وآله في إحدي عشرة عقدة.. فاعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم. وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالي يقول: والله يعصمك من الناس... قال الأصحاب: هذه القصة قد صحت عند جمهور أهل النقل.. إلخ. انتهي. ولكن هؤلاء قلة من علماء السنة، فأكثرهم يقبلون أحاديث سحر نبيهم! وأصل المشكلة عندهم أنهم يقبلون كلام عائشة وكلام البخاري مهما كان، ولا يسمحون لأنفسهم ولا لأحدٍ أن يبحثه وينقده.. وقد أوقعهم هذا المنهج في مشكلات عقائدية عديدة، في التوحيد والنبوة والشفاعة.. ومنها أحاديث بدء الوحي وورقة بن نوفل، وحديث الغرانيق الذي أخذه المرتد سلمان رشدي وحرفه وسماه الآيات الشيطانية.. ومنها أحاديث أن اليهود سحروا النبي صلي الله عليه وآله! وبطل روايتها البخاري عن عائشة! وقد تحيروا فيها كما رأيت، ولم يجرؤ أحد منهم علي القول إنها من المكذوبات علي عائشة، أو من خيالات النساء.. والرد الصحيح أن تهمة السحر تتنافي مع أصل النبوة، وأنها تهمة الكفار التي برأ الله نبيه صلي الله عليه وآله، منها بنص القرآن، كما تقدم. أما ردها بآية العصمة فهو ضعيف، لأنه قد يجاب عنه بأن آية العصمة نزلت في آخر عمره صلي الله عليه وآله، وقصة السحر المزعومة كانت قبلها. وأما علي تفسيرنا للآية، أن عصمته صلي الله عليه وآله من تأثير السحر عليه عقلي ونقلي بنص القرآن.. وأما العصمة في الآية فالقدر المتيقن منها عصمته صلي الله عليه وآله من ارتداد قريش والمسلمين في حياته، بسبب تبليغه ولاية عترته من بعده.. فيقتصر فيها علي هذا القدر المتيقن، ما لم يقم دليل علي شمولها لغيره. كما يؤكد المفسرون والشراح السنيون عدة مسائل تتعلق بالعصمة من الناس، تحيروا فيها..
منها أن النبي صلي الله عليه وآله قد تمني القتل في سبيل الله تعالي، مع أن الآية تدل علي عصمته من القتل، فهل يجوز أن يتمني النبي شيئاً وهو يعلم أنه لايكون؟! قال ابنحجر في فتح الباري:2644:8 عن أبيهريرة قال سمعت النبي صلي الله عليه وآله يقول.. والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله...استشكل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبي صلي الله عليه وسلم مع علمه بأنه لايقتل، وأجاب ابنالتين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالي: والله يعصمك من الناس، وهو متعقب فإن نزولها كان في أوائل ما قدم المدينة، وهذا الحديث صرح أبوهريرة بأنه سمعه من النبي صلي الله عليه وسلم، وإنما قدم أبوهريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة. والذي يظهر في الجواب: أن تمني الفضل والخير لايستلزم الوقوع، فقد قال صلي الله عليه وسلم: وددت لو أن موسي صبر، كما سيأتي في مكانه، وسيأتي في كتاب التمني نظائر لذلك، وكأنه صلي الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه، قال ابنالتين: وهذا أشبه. وحكي شيخنا ابنالملقن أن بعض الناس زعم أن قوله (ولوددت) مدرج من كلام أبيهريرة، قال: وهو بعيد. ونحوه في عمدة القاري: مجلد7 جزء.95:14 هذا بعض ما تجشموه وسودوا به صحفاً تفريعاً علي تحريفهم لمعني العصمة المقصودة في الآية.. ونحن نقول: لو ثبت عنه صلي الله عليه وآله أنه تمني الشهادة.. لكان ذلك تمنياً حقيقياً، لأنه لاعصمة له من القتل ولا الجرح كما زعموا.. وآية التبليغ إنما تضمن عدم ردة الناس في حياته صلي الله عليه وآله، ولا ربط لها بضمان عدم القتل والجرح والأذي. بل إن قوله تعالي: وما محمد
إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.. الآية، يدل علي أنه صلي الله عليه وآله لم يمت موتاً طبيعياً لأن الله تعالي أبهم نوع وفاة نبيه وأنها تكون بالموت أو القتل ولا وجه لترديده الأمر بينهما، إلا علمه تعالي بأن وفاة رسوله ستكون قتلاً، أو أمراً بين الموت والقتل!
وفي الختام.. فقد أكثر المفسرون والشراح السنييون من التخرص في تفسير العصمة في الآية، وتحيروا فيما يتنافي معها وما لايتنافي، وتجشموا التأويلات وأكثروا من الظنون والاحتمالات.. كل ذلك بسبب إصرارهم علي أن لآية تعني عصمته صلي الله عليه وآله من القتل والسم والجرح! ومن ذلك تصورهم أن الآية تعارض الرواية القائلة إن موته صلي الله عليه وآله استند إلي اللقمة التي أكلها من الشاة المسمومة التي قدمتها إليه اليهودية، ثم أتاه جبريل عليه السلام فأخبره فامتنع عن الأكل، فانتقض عليه سم تلك اللقمة بعد سنة فتوفي بسببه.. قال في هامش الشفا317:1 : فإن قيل: ما الجمع بين قوله تعالي (والله يعصمك من الناس) وبين هذا الحديث المقتضي لعدم العصمة، لأن موته عليهالسلام بالسم الصادر من اليهودية؟ والجواب: أن الآية نزلت عام تبوك، والسم كان بخيبر قبل ذلك. مع أن العصمة في الآية عصمته عن ارتداد قريش، وتسبيبها ارتداد الأمة!
رأيت في أحاديث حجة الوداع كيف ركز النبي صلي الله عليه وآله في خطبه وكلامه وتصرفاته علي مقام أهل بيته الطاهرين عليهمالسلام، فبشر الأمة بالأئمة الإثني عشر منهم، وبلغها أن الله تعالي فرض وجوب طاعتهم إلي جانب القرآن، فسماهم مع القرآن (الثقلين)، وأنه تعالي كرمهم فحرم عليهم الصدقات، وجعل لهم مالية خاصة هي: الخمس.. إلخ. لقد كانت خطبه صلي الله عليه وآله في الحج، وما
رافقها من أعماله وأقواله، في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام، أقصي ما يمكن أن تتحمله قريش من ترسيخ قيادة بني هاشم، و(حرمان) بقية قبائل قريش من القيادة حسب زعمهم، بل تكريس قريش عبيداً طلقاء محكومين لبني هاشم!! ولا تذكر المصادر السنية ردة الفعل الصريحة لزعماء قريش المعروفين علي هذه الخطب والأعمال النبوية في حجة الوداع. ومن الطبيعي أن لاتذكر ذلك.. فهل تريد من مصدر قرشي أن يعترف لك بأن قريشاً لم تكن مرتاحة لكلام النبي صلي الله عليه وآله؟! وأن سهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبيجهل، وصفوان بن أمية بن خلف، وحكيم بن حزام، وصهيب بن سنان، وأباالأعور السلمي... وغيرهم، وغيرهم.. كانوا مكفهري الوجوه من تمهيد النبي صلي الله عليه وآله لبني هاشم، وأنهم نشطوا في اتصالاتهم مع القرشيين المهاجرين، من غير بني هاشم لمعالجة هذا الإتجاه النبوي الخطير؟!! أما مصادرنا الشيعية فتذكر أنهم نشطوا ضد بني هاشم منذ فتح مكة، إلا أن نشاطهم زاد في حجة الوداع، وتفاقم في مني في أيام التشريق، وكانت نتيجة مشاوراتهم ومحادثاتهم أن كتبوا بينهم صحيفة تسميها مصادرنا (الصحيفة الملعونة) لأنهم تعاهدوا فيها أن لايسمحوا لبني هاشم أن يجمعوا بين النبوة والخلافة! وتذكر أن بضعة نفر من ممثليهم انسلوا خفية من مني إلي مكة، وعلقوا الصحيفة الملعونة الثانية في داخل الكعبة، حيث كانوا علقوا الصحيفة الملعونة الأولي! فكانت صحيفة قرشية جديدة ضد بني هاشم، ولكنها هذه المرة سرية وليست علنية، كما أنها ليست لمحاصرتهم في الشعب باسم اللات والعزي.. بل لعزلهم سياسياً وحرمانهم من القيادة بعد النبي صلي الله عليه وآله، باسم.. الإسلام!! وذكرت مصادرنا أن الله تعالي أطلع نبيه صلي الله عليه وآله علي هذه الصحيفة، فأخبر أصحابها
بفعلتهم، فارتعدت فرائصهم! وأنه نظر بغضب الي أبيعبيدة بن الجراح وقال له (أصبحت أمين هذهالأمة؟!) لأنه كان مؤتمنا علي نسخة الصحيفة! ولكنه صلي الله عليه وآله اكتفي بإتمام الحجة عليهم، وترك لهم حرية العمل، تطبيقاً لقانون تبليغ الأنبياء عليهمالسلام وواجبهم في إقامة الحجة لله تعالي علي عباده! ولا بد أن يكون ما ذكرته الصحاح السنية من لغطٍ وكلامٍ وضجةٍ وصراخٍ في وسط خطبة النبي صلي الله عليه وآله في عرفات، عندما وصل إلي نسب الأئمة الإثني عشر من أهل بيته.. من فعاليات قريش المنظمة ضد بني هاشم، وأن يكون النبي صلي الله عليه وآله أنبهم عليه أيضاً، قال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً، وعرفهم أنه مطلع عليه جيداً!!
علي أي حال، فقد اعتبر القرشيون أن حجة الوداع مرَّت بسلامٍ نسبياً، فقد تحدث النبي صلي الله عليه وآله كثيراً عن بني هاشم وعن عترته وعن ذريته من فاطمة، وعن اختيار الله تعالي لهم، وللأئمة الي آخر الدهر منهم، وتحريم الصدقات عليهم، وفرض الخمس لهم.. ولكنه لم يتخذ إجراءاً عملياً والحمد لله، ولم يطلب من قريش والمسلمين أن يبايعوا علياً كبير أهل البيت، بصفته الإمام الأول من العترة! أما النبي صلي الله عليه وآله فقد اعتبر أنه بلغ رسالة ربه في عترته بأقصي ما يمكنه، وأن قريشاً لاتتحمل أكثر من ذلك.. فقد وصل الأمر عندها إلي آخر حدود الصبر، ولو طلب منها بيعة علي بخلافته، فإنها قد تطعن في نبوته وتتهمه بأن هدفه إقامة ملك لبني هاشم، شبيهاً بملك كسري وقيصر!! وتستطيع بذلك أن تقود حركة ردة في العرب، وتخوفهم من القبول بملك بني هاشم بعد النبي صلي الله عليه وآله، ملكٌ يبدأ بعلي ثم يكون
للحسن ثم للحسين، ثم لايخرج من أبناء فاطمة إلي يوم القيامة! وقد سجلت المصادر مضمون هذه العبارات، علي ألسنة زعماء قريش! وكأنهم لم يشموا رائحة الإسلام!! وكأن الملك ملك محمد صلي الله عليه وآله، وهو الذي أعطاه أو يريد أن يعطيه لعترته عليهمالسلام!!
كان جبرئيل عليهالسلام في حجة الوداع وظروفها المصيرية ينزل علي النبي صلي الله عليه وآله بأوامر ربه، وقد يكون رافقه طوال موسم الحج، وأملي عليه عبارات خطبه.. وكان مما قال له في المدينة: يا محمد إن الله عزوجل يقرؤك السلام ويقول لك إنه قد دنا أجلك، وإني مستقدمك عليَّ، ويأمرك أن تدل أمتك علي حجهم، كما دللتهم علي صلاتهم وزكاتهم وصيامهم. وحج النبي صلي الله عليه وآله بالمسلمين، وعلمهم حجهم، وواصل تركيز مبادئ الإسلام في نفوسهم، ومكانة الأئمة من عترته، كما مر في حديث الأئمة الإثني عشر، وحديث الثقلين، وحديث فرض الخمس لهم، وتحريم الصدقات عليهم... إلخ. وفي آخر أيام الحج نزل عليه جبرئيل عليهالسلام أن الله تعالي يأمرك أن تدل أمتك علي وليهم، فاعهد عهدك، واعمد الي ماعندك من العلم وميراث الأنبياء فورثه إياه، وأقمه للناس علماً، فإني لم أقبض نبياً من أنبيائي إلا بعد إكمال ديني، ولم أترك أرضي بغير حجة علي خلقي...الخ. فأخذ النبي صلي الله عليه وآله يفكر في طريقة الإعلان، نظراً إلي وضع قريش المتشنج، وقال في نفسه: أمتي حديثو عهد بالجاهلية ومتي أخبرتهم بهذا في ابنعمي يقول قائل، ويقول قائل! لذلك قرر أن ينفذ هذا الأمر الإلهي الجديد في عترته، بعد رجوعه إلي المدينة، بالتمهيد المناسب، وبمعونة الأنصار..
ورحل النبي صلي الله عليه وآله من مكة وهو ناوٍ أن يكون أول عمل يقوم به
في المدينة إعلان ولاية عترته، كما أمره ربه تعالي. لكن في اليوم الثالث من مسيره، عندما وصل إلي كراع الغميم، وهو كما في مراصد الإطلاع: موضع بين مكة والمدينة، أمام عسفان بثمانية أميال.. جاءه جبرئيل عليهالسلام لخمس ساعات مضت من النهار، وقال له: يا محمد إن الله عزوجل يقرؤك السلام ويقول لك (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لايهدي القوم الكافرين). فخاف النبي صلي الله عليه وآله وخشع لربه، وتَسَمَّرَ في مكانه، وأصدر أمره إلي المسلمين بالتوقف، وكان أولهم قد وصل إلي مشارف الجحفة، وكانت الجحفة بلدةً عامرةً علي بعد ميلين أو أقل من كراع الغميم، ولكن النبي صلي الله عليه وآله أراد تنفيذ الأمر الإلهي المشدد فوراً، في المكان الذي نزل فيه الوحي.. قال صلي الله عليه وآله للناس: أنيخوا ناقتي فوالله ما أبرح من هذا المكان حتي أبلغ رسالة ربي.. وأمرهم أن يردوا من تقدم من المسلمين إليه، ويوقفوا من تأخر منهم حين يصلون إليه.. ونزل الرسول عن ناقته، وكان جبرئيل إلي جانبه، ينظر إليه نظرة الرضا، وهو يراه يرتجف من خشية ربه، وعيناه تدمعان خشوعاً وهو يقول: تهديدٌ.. ووعدٌ ووعيدٌ.. لأمضين في أمر الله، فإن يتهموني ويكذبوني فهو أهون علي من أن يعاقبني العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة! وقبل أن يفارقه جبرئيل أشار إليه علي يمينه فإذا دوحة أشجار.. فودع النبي جبرئيل ومال إليها، وحطَّ رحال النبوة عند غدير خُمٍّ. قال بعض المسلمين: فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا رسولالله صلي الله عليه وآله وهو ينادي: أيها الناس أجيبوا داعي الله.. فأتيناه مسرعين في شدة الحر، فإذا هو
واضعٌ بعض ثوبه علي رأسه. ونادي منادي النبي صلي الله عليه وآله في الناس بالصلاة جامعة، ووقت الصلاة لم يَحُنْ بَعْدُ ولكن حانت قبلها (صلاةٌ) أخري لابد من أدائها قبل صلاة الظهر! إنها فريضة ولاية عترته الطاهرة، ولا بد أن يبلغها عن ربه إلي المسلمين مهما قال فيه قائلون، وقال فيهم قائلون!! فقد شدد عليه ربه في ذلك، وأفهمه أن مسألة عترته ليست مسألة شخصية تخصه.. وأنك إن كنت تخشي الناس، فالله أحق أن تخشاه وسيعصمك منهم، فاصدع بما تؤمر!! ونزل المسلمون حول نبيهم صلي الله عليه وآله، وكان ذلك اليوم قائظاً شديد الحر، فأمرهم أن يكسحوا تحت الأشجار لتكون مكاناً لخطبة الولاية، ثم للصلاة في ذلك الهجير، وأن ينصبوا له أحجاراً كهيئة المنبر، ليشرف علي الناس، فيرونه ويسمعهم كلامه.. ورتب المسلمون المكان والمنبر، ووضعوا علي أحجاره حدائج الإبل، فصار منصة أكثر ارتفاعاً، وحسناً.. وورد المسلمون ماء الغدير فشربوا منه، واستقوا، وتوضؤوا.. وتجمعوا لاستماع خطبة نبيهم صلي الله عليه وآله قبل الصلاة، ولم يتسع لهم المكان تحت دوحة الغدير، وكانت ستَّ أشجارٍ كبيرة، فجلس كثير منهم في الشمس، أو استظل بظل ناقته.. عرفوا أن أمراً قد حدث، وأن النبي صلي الله عليه وآله سيخطب.. فقد نزل عليه وحيٌ أوحدث أمرٌ مهمٌ أوجب أن يوقفهم في هذا الهجير، ولا يصبر عليهم حتي يصلوا إلي مدينة الجحفة العامرة، التي تبعد عنهم ميلين فقط! كان مجموع من شارك في حجة الوداع مئة ألف إلي مئة وعشرين ألفاً، كما ذكرت الروايات، ولكن هذا العدد كان في عرفات ومني.. أما بعد أداء الحج فقد توزعوا، فمنهم من أهل مكة رجعوا إليها، ومنهم بلادهم عن طريق الطائف فسلكوا طريقها، وآخرون بلادهم
عن طريق جدة وما إليها.. أما الذين كانوا مع النبي صلي الله عليه وآله ومناطقهم عن طريق الجحفة والمدينة فكانوا عدة ألوف.. عشرة آلاف أو أكثر.. فقد قال الإمام الصادق عليهالسلام مؤرخاً تضييع قريش لحادثة الغدير: (العجب مما لقي علي بن أبيطالب! إنه كان له عشرةُ آلافِ شاهدٍ ولم يقدر علي أخذ حقه، والرجل يأخذ حقه بشاهدين!). الوسائل:18:17 . لم يدم طويلاً تطلع المسلمين إلي ما سيفعله النبي صلي الله عليه وآله وما سيقوله.. فقد رأوه صعد علي منبر الأحجار والأحداج، وبدأ باسم الله تعالي وأخذ يرتل قصيدة نبوية في حمد الله تعالي والثناء عليه.. ويشهد الله والناس علي عبوديته المطلقة لربه العظيم. ثم قدم لهم عذره، لأنه اضطر أن ينزلهم في مكان قليل الماء والشجر، ولم يمهلهم حتي يصلوا إلي بلدة الجحفة المناسبة لنزول مثل هذا القافلة الكبيرة، المتوفر فيها ما يحتاج إليه المسافر.. ولا انتظر بهم وقت الصلاة، بل ناداهم قبل وقتها، وكلفهم الاستماع إليه في حر الظهيرة.. أخبرهم صلي الله عليه وآله أن جبرئيل عليهالسلام نزل عليه في مسجد الخيف، وأمره أن يقيم علياً للناس.. ثم قال لهم: إن الله عزوجل بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وخفت الناس أن يكذبوني، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني: أمتي حديثو عهد بالجاهلية، ومتي أخبرتهم بهذا في ابنعمي، يقول قائل، ويقول قائل! فأتتني عزيمة من الله بتلة (قاطعة) في هذا المكان، وتواعدني إن لم أبلغها ليعذبني. وقد ضمن لي تبارك وتعالي العصمة من الناس، وهو الكافي الكريم، فأوحي إلي: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لايهدي القوم
الكافرين). ثم قال صلي الله عليه وآله: لاإله إلا هو، لايؤمن مكره، ولا يخاف جوره، أقرُّ له علي نفسي بالعبودية، وأشهد له بالربوبية، وأؤدي ما أوحي إلي، حذراً من أن لاأفعل فتحل بي منه قارعةٌ، لايدفعها عني أحدٌ، وإن عظمت حيلته. أيها الناس: إني أوشك أن أدعي فأجيب، فما أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت. فقال: أليس تشهدون أن لاإله إلا الله، وأن محمداً رسولالله، وأن الجنة حقٌ وأن النار حقٌ وأن البعث حق؟ قالوا: يا رسولالله بلي. فأومأ رسولالله إلي صدره وقال: وأنا معكم. ثم قال رسولالله: أنا لكم فرط، وأنتم واردون عليَّ الحوض، وسعته ما بين صنعاء إلي بصري، فيه عدد الكواكب قِدْحان، ماؤه أشد بياضاً من الفضة.. فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين. فقام رجل فقال: يا رسولالله وما الثقلان؟ قال: الأكبر: كتاب الله، طرفه بيد الله وسبب طرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تزلوا ولا تضلوا. والأصغر: عترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتي يردا عليَّ الحوض.. سألت ربي ذلك لهما، فلا تقدموهم فتهلكوا، ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. أيها الناس: ألستم تعلمون أن الله عزوجل مولاي، وأنا مولي المؤمنين، وأني أولي بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلي يا رسولالله. قال: قم يا علي. فقام علي، وأقامه النبي صلي الله عليه وآله عن يمينه، وأخذ بيده ورفعها حتي بان بياض إبطيهما، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار. فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم
وليا وإماما مفترضا طاعته علي المهاجرين والأنصار، وعلي التابعين لهم بإحسان، وعلي البادي والحاضر، وعلي الأعجمي والعربي، والحر والمملوك والصغير والكبير. فقام أحدهم فسأله وقال: يا رسولالله ولاؤه كماذا؟ فقال صلي الله عليه وآله: ولاؤه كولائي، من كنت أولي به من نفسه فعلي أولي به من نفسه! وأفاض النبي صلي الله عليه وآله في بيان مكانة علي والعترة الطاهرة والأئمة الإثني عشر من بعده: علي والحسن والحسين، وتسعة من ذرية الحسين، واحدٌ بعد واحد، مع القرآن والقرآن معهم، لايفارقونه ولا يفارقهم، حتي يردوا عليَّ حوضي... ثم أشهد المسلمين مراتٍ أنه قد بلغ عن ربه.. فشهدوا له.. وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب.. فوعدوه وقالوا: نعم.. وقام إليه آخرون فسألوه... فأجابهم.. وما أن أتم خطبته، حتي نزل جبرئيل بقوله تعالي (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). فكبر رسولالله صلي الله عليه وآله وقال: الله أكبر علي إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضي الرب برسالتي، وولاية علي بعدي.. ونزل عن المنبر، وأمر أن تنصب لعلي خيمة، وأن يهنئه المسلمون بولايته عليهم.. حتي أنه أمر نساءه بتهنئته، فجئن إلي باب خيمته وهنأنه! وكان من أوائل المهنئين عمر بن الخطاب فقال له: بخٍ بخٍ لك يا بن أبيطالب، أصبحت مولاي ومولي كل مؤمن ومؤمنة! وجاء حسان بن ثابت، وقال: إئذن لي يا رسولالله أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن، فقال: قل علي بركة الله، فأنشد حسان: يناديهمُ يوم الغدير نبيُّهُمْ++ بخمٍّ فأسمع بالرسول مناديا يقول فمن مولاكم ووليُّكُمْ++ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت ولينا++ ولم تر منا في الولاية عاصيا فقال له قم يا عليُّ فإنني++ رضيتك من بعدي إماماً وهاديا فمن كنت
مولاه فهذا وليه++ فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه++ وكن للذي عادي علياً معاديا أخذنا هذا التسلسل في قصة الغدير من مصادرنا المتعددة مثل: كمال الدين وتمام النعمة للصدوق:276 والإحتجاج للطبرسي:70:1 وروضة الواعظين للنيسابوري:89 والمسترشد:117 وغيرها. وقد روت مصادر السنة حديث الغدير قريباً مما في مصادرنا، كما تراه في كتاب الغدير للأميني، ونكتفي هنا بنقل رواية مسلم في صحيحه:122:7 قال: عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم، إلي زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسولالله صلي الله عليه وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسولالله صلي الله عليه وسلم. قال: يا ابنأخي، والله لقد كبرت سني وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسولالله صلي الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا، فلا تكلفونيه. ثم قال: قام رسولالله صلي الله عليه وسلم يوما فينا خطيباً، بماء يدعي خمّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثني عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدي والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث علي كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي). فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن
هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة. قال: نعم. انتهي. ورواه أحمد في مسنده:366:2 وغيره.. وغيره. وقال الحاكم في المستدرك148:3 : عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قال رسولالله صلي الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتي يردا عليَّ الحوض. هذا حديث صحيح الإسناد علي شرط الشيخين، ولم يخرجاه. انتهي. وقد رأيت أن مسلماً رواه، ولكن لفظ الحاكم فيه إخبارٌ نبوي باستمرار وجود إمام من أهل بيته صلي الله عليه وآله إلي يوم القيامة. وانظر كيف صوَّر ابنكثير القضية في بدايته:408:5 قال: لما تفرغ النبي من بيان المناسك، ورجع إلي المدينة خطب خطبة عظيمة الشأن في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة بغدير خم، تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء، وذكر في فضل علي بن أبيطالب وأمانته وعدله وقربه إليه، وأزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه، وقد اعتني بأمر حديث غدير خم أبوجعفر الطبري، فجمع فيه مجلدين، وأورد فيها طرقه وألفاظه، وكذلك الحافظ الكبير أبوالقاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة. انتهي. فقد جعل ابنكثير القضية أن كثيراً من المسلمين كانوا غاضبين من علي بن أبيطالب، متحاملين عليه في أنفسهم، فأوقف النبي المسلمين صلي الله عليه وآله في غدير خم، لكي يثبت لهم براءة علي ويرضِّيهم عنه، فذكر فضله وقربه منه وأزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه) وبين في خطبته (أشياء) من هذا القبيل! وكان الله يحب المحسنين! ولو كان ابنكثير مؤرخاً من عشيرة بني عبدالدار- الذين قتل علي منهم بضعة عشر فارساً منهم حملوا لواء
قريش في وجه رسولالله صلي الله عليه وآله- لما كتب بأسوأ من هذا الأسلوب! فإن المؤرخ المسلم لايستطيع أن يكتب به إلا.. إذا كان مبغضاً لعلي بن أبيطالب! فهل عرفت لماذا يحب (السلفيون) ابنكثير ويهتمون بنشر كتبه؟!
والسؤال هنا: لماذا الوحي في طريق المدينة.. والصحراء، والظهيرة؟ والجواب: أن الله تعالي قال بذلك لرسوله: المدينة أيها الرسول مثل مكة، فإن بلَّغت ولاية عترتك فيها، فقد تعلن قريش معارضتها، ثم رِدًّتها! فموقفها من عترتك جازم، ومستميت.. وبما أن واجبك التبليغ مجرد التبليغ، وإنما بعثت للتبليغ، فهو ممكنٌ هنا.. والزمان والمكان هنا مناسبان من جهات شتي، فبلغ ولا تؤخر. ومن أجل أن تكمل التبليغ وتفهمهم رسالتي.. سوف أعصمك من قريش، وأمسك بقلوبها وأذهانها، وألجم شياطينها الحاضرين، وأعالج آثار التبليغ، وأحفظ نبوتك فيها.. ثم أملي لها بعدك، فتأخذ دولتك وتضطهد عترتك.. حتي يتحقق في أمتك وفي عترتك ما أريد! ثم أبعث المهدي فيهم فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً! ولا أسأل عما أفعل، وهم يسألون. والسؤال هنا: كيف تمت عصمة الله تعالي لنبيه صلي الله عليه وآله من قريش، فلم يحدث تشويش، ولم يقم معترض..! صحيح أن ثقل زعماء قريش كانوا في مكة، لكن بعضهم كان في قافلة الرسول صلي الله عليه وآله، وكان فيها قرشيون مهاجرون مؤيدون لهم! فكيف سكتت قريش وضبطت أعصابها، وهي تسمع تبليغ الرسول في علي والعترة؟! ثم أشهدها النبي صلي الله عليه وآله علي تبليغ ذلك.. فشهدت. ثم طلب منها أن تبلغ الغائبين.. فوعدت. ثم جاءت إلي خيمة علي وهنأته بالولاية، وإمرة المؤمنين؟!! الجواب: أنه تعالي أراد للرسالة أن تصل، وللحجة أن تقام، وأن يبقي رسوله صلي الله عليه وآله محفوظ الشخصية، سالم
النبوة.. فأسكت الله قريشاً بقدرته المطلقة، وكمَّمَ أفواهها في غدير خم. والظاهر أن قريشاً أخذت تقنع نفسها بأن المسألة في غدير خم، ليست أكثر من إعلانٍ وإعلامٍ، يضاف إلي إعلانات حجة الوداع.. وأن النبي صلي الله عليه وآله ما زال حياًّ.. فإن مات، فلكل حادثٍ حديث.. وعندما أرادت قريش أن تخرج عن سكوتها، وتخطو خطوةً نحو الردة.. أنزل الله علي ناطقها الرسمي النضر بن الحارث حجراً من سجيل فأهلكه، وأرسل علي آخر ناراً فأحرقته!! فزاد ذلك من قناعة قريش بالسكوت فعلاً عن ولاية العترة! أما النبي صلي الله عليه وآله فكان تفكيره رسولياً، وليس قرشياً.. لقد ارتاح ضميره بأنه بلغ رسالة ربه كما أمره، واتقي غضب ربه وعذابه.. واغرورقت عيناه بدموع الفرح والخشوع، لأن الله رضي عنه بإعلان ولاية علي، وأنزل عليه آية إكمال الدين وإتمام النعمة، فأخبره بأن مهمته وصلت إلي ختامها.. كان النبي صلي الله عليه وآله في عيد، لأنه أدي رسالة من أصعب رسالات ربه، فرضي عنه، وقد تكون أصعب رسالة عليه في عمره النبوي علي الإطلاق!! وتمت المسألة بسلامٍ ولم تقم قائمة قريش، ولم يصب جابر بن سمرة وغيره بالصمم من لغط الناس عند سماع كلمة عترتي أهل بيتي، أو كلمة علي، أو بني هاشم. ولم تحدث حركة عصيان منظمة، كما حدثت في المدينة عندما طلب النبي صلي الله عليه وآله قبل وفاته بأربعة أيام، أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبداً.. ولم تحدث حركة ردة نهائياً، والحمد لله! ارتاح ضمير النبي صلي الله عليه وآله بأنه بلغ رسالة ربه كما أمره.. وهذه هي الرسالة التي روي الحسن البصري أن الله أمر رسوله بها فضاق بها صدره،
فتوعده ربه بالعذاب إن لم يبلغها، فخاف ربه وصدع بها.. ولكن الحسن البصري كما قال الراوي راغ عنها، ولم يخبرهم ما هي! وكل غلمان قريش إخوة الحسن البصري الفارسي، يراوغون فيها وفي أمثالها، ويخفون ما أنزل الله تعالي في عترة نبيه صلي الله عليه وآله! كان النبي صلي الله عليه وآله يفكر ربانياً بمستوي أعلي من البيعة.. يفكر علي مستوي الأمر الإلهي والاختيار الإلهي، الذي لاخيرة فيه لأحد، ولا محل فيه للبيعة، إلا إذا طلبها من الناس النبي أو الوصي، فتجب. فهذا هو منطق التبليغ، وحسب! ولذلك لم يشاورهم النبي صلي الله عليه وآله في بيعة علي، لأن اختيار الله تعالي لايحتاج إلي مشورتهم، ولا بيعتهم، ولا رضاهم.. لقد أمر الله تعالي رسوله صلي الله عليه وآله أن يشاورهم ليتألفهم، ويسيروا معه في الطريق الصحيح.. وأمره: إذا عزمت فتوكل، ولا تسمع لكلام مخلوق لأنك تسير بهدي الخالق! أما إذا عزم الله تعالي واختار للأمة ولياً بعد نبيه صلي الله عليه وآله، وقال لنبيه بلغ ولا تخف، ولست مسؤولاً عن إطاعة من أطاع ومعصية من عصي.. فهل يبقي للمشاورة محل من الإعراب؟! وهل يبقي للبيعة محل من الإعراب؟! لقد طلب منهم الرسول صلي الله عليه وآله تهنئة علي عليهالسلام إقراراً بالإختيار الإلهي، وهي تهنئةٌ أقوي من البيعة، وألزم منها للأعناق.. ثم ليفعلوا بعدها ما يحلو لهم.. فإنما علي النبي صلي الله عليه وآله أن يبلغهم، وحسابهم علي من يملك كل الأوراق، ويملك الدنيا والآخرة، ويفعل ما يريد.. سبحانه وتعالي! وتدل رواياتنا علي أنه صلي الله عليه وآله طلب منهم مع التهنئة البيعة، فيكون معناها أنه طلب منهم أيضا إعلان التزامهم بإطاعة علي عليهالسلام.. فأعلنوا! ولكن الأمر
لايختلف من ناحية شرعية وحقوقية، فسواء أمرهم النبي صلي الله عليه وآله ببيعة علي عليهالسلام أم أمرهم بتهنئته فقط.. فإن تبليغ الولاية أقوي من التهنئة، والتهنئة أقوي من البيعة.. فالتبليغ اصطفاء، والتهنئة اعتراف وتبريك.. والبيعة تعهد بالإلتزام. لقد سكتت قريش آنياً بسبب أنها لم تكن حاضرةً كلها في الجحفة.. وبسبب عنصر المفاجأة، وظرف المكان والزمان! ولعلها كانت تقنع نفسها بأن منطق التفكير النبوي يبقي لها مساحة للعمل.. ذلك أن التبليغ وإتمام الحجة كلامً تركيٌّ عند قريش الناطقة بالضاد! وحتي التهنئة بالولاية والبيعة المأمور بها من النبي صلي الله عليه وآله يمكن لقريش أن تجعلها مثل المراسم الدينية الأخري الشكلية، وتجردها من معني إمامة علي وقيادة عترة النبي صلي الله عليه وآله من بعده! فالباب في تصور قريش ما زال مفتوحاً أمامها للتصرف!!
نقلت المصادر السنية ندم الخليفة القرشي أبيبكر علي إصداره أمراً بمهاجمة بيت علي وفاطمة عليهماالسلام في اليوم الثاني أو الثالث لوفاة النبي صلي الله عليه وآله. ففي مجمع الزوائد:202:5 : (عن عبدالرحمن بن عوف قال: دخلت علي أبيبكر أعوده في مرضه الذي توفي فيه، فسلمت عليه وسألته: كيف أصبحت؟ فاستوي جالساً فقال: أصبحت بحمد الله بارئاً، فقال: أما إني علي ما تري وجع وجعلتم لي شغلاً مع وجعي! جعلت لكم عهداً من بعدي، واخترت لكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم لذلك أنفه، رجاء أن يكون الأمر له! ورأيت الدنيا أقبلت، ولما تقبل، وهي خائنة، وستنجدون بيوتكم بستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمون النوم علي الصوف الأذربي، كأن أحدكم علي حسك السعدان (يقصد أنكم من ترفكم سترون السجاد الأذربيجاني خشناً لمنامكم مثل الشوك). والله لأن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد، خير له
من أن يسبح في غمرة الدنيا. ثم قال: أما إني لاآسي علي شيء إلا علي ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسولالله صلي الله عليه وسلم عنهن. فأما الثلاث التي وددت أني لم أفعلهن: فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته، وإن أغلق علي الحرب. ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة، قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، أبيعبيدة أو عمر، وكان أميرالمؤمنين وكنت وزيراً. ووددت أني حين وجهت خالد بن الوليد إلي أهل الردة، أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإلا كنت ردءاً ومدداً. وأما الثلاث اللاتي وددت أني فعلتها: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيراً ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي أنه لايكون شرٌّ إلا طار إليه. ووددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي، لم أكن أحرقته، وقتلته سريحاً أو أطلقته نجيحاً. ووددت أني حين وجهت خالد بن الوليد إلي الشام، وجهت عمر إلي العراق فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله عزوجل. وأماالثلاث اللاتي وددت أني سألت رسولالله صلي الله عليه وسلم عنهن: فوددت أني سألته فيمن هذا الأمر فلا ينازع أهله. ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر سبب؟ ووددت أني سألته عن العمة وبنت الأخ فإن في نفسي منهما حاجة). انتهي. وغرضنا من النص بيان حالة الخليفة وأنه يقصد بقوله (وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أغلق علي الحرب) أنه نادمٌ علي مهاجمة البيت، حتي لو كان أهله يعدون العدة لحربه! وخلاصة القصة: أن أبابكر أرسل إلي علي عليهالسلام يطلب منه أن يبايعه، فامتنع علي عن بيعته، وأجابهم جواباً شديداً، اتهمهم فيه بخيانة الرسول صلي
الله عليه وآله. وبلغ أبابكر أن عدداً من الأنصار والمهاجرين اجتمعوا في بيت علي الذي كان يعرف ببيت فاطمة عليهماالسلام، فأشار عليه عمر بأن يهاجموا البيت ويهددوهم بإحراقه عليهم، إن لم يخرجوا ويبايعوا! وبالفعل هاجمت مجموعة بقيادة عمر بن الخطاب بيت الزهراء عليهاالسلام وحاصروه وجمَّعوا الحطب علي باب داره، وهددوا علياً وفاطمة عليهماالسلام والذين كانوا في البيت- ومنهم مؤيدون لموقف علي، ومنهم جاؤوا معزين بوفاة النبي صلي الله عليه وآله- فهددوهم إما أن تخرجوا وتبايعوا أبابكر، أو نحرق عليكم الدار بمن فيها! وبالفعل أشعلوا الحطب في باب الدار الخارجي!! ولم يشأ علي عليهالسلام أن يخرج إليهم بذي الفقار عملاً بوصية النبي صلي الله عليه وآله، الذي كان أخبره بكل ما سيحدث وأمره فيه بأوامره.. فخرجت إليهم فاطمة الزهراء عليهاالسلام لعلهم يستحون منها ويرجعون، لكنهم أهانوها وضربوها حتي أسقطت جنينها.. إلي آخر تلك الأحداث المؤلمة لقلب كل مسلم.. في ذلك الظرف، قرر علي وفاطمة عليهماالسلام أن يستنهضا الأنصار ويطالباهم بالوفاء ببيعة العقبة، التي شرط عليهم النبي صلي الله عليه وآله فيها أن يحموه وأهل بيته وذريته، مما يحمون منه أنفسهم وذراريهم، فبايعوه علي ذلك! وكانت فاطمة عليهاالسلام مريضة مما حدث لها في الهجوم علي بيتها فأركبها علي عليهالسلام علي دابة، وأخذا معهما الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، وجالوا علي بيوت رؤساء الأنصار في تلك الليلة والتي بعدها، وكلمتهم فاطمة عليهاالسلام فكان قول أكثرهم: يا بنت رسولالله، لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبيبكر، ما عدلنا بعلي أحداً! فقالت الزهراء عليهاالسلام: وهل ترك أبييوم غدير خمٍّ لأحد عذراً!! (الخصال173:1 ) إن منطق الزهراء عليهاالسلام هو منطق أبيها رسولالله صلي الله عليه وآله تماماً.. فهي بضعةٌ منه،
وهي مطهرةٌ من منطق المثَّاقلين إلي الأرض وتفكيرهم.. وكل تكوينها وتفكيرها ومشاعرها وتصرفاتها ربانية، ولذلك قال عنها أبوها (إن الله يرضي لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها)!. ذلك أنها ليس لها شخصيتان: واحدةٌ رسالية والأخري شخصية، فتغلب هذه مرة وهذه مرة.. بل وجودها عالم موحد منسجم دائماً.. فهي أَمَةُ هذا الرب العظيم لاغير، وتابعةٌ لهذا الرسول والأب الحبيب لاغير.. صلي الله عليه وآله. وفاطمة الزهراء تعرف أنه سبحانه يتعامل مع الناس بإقامة الحجة عليهم في أصول الإسلام وتفاصيله، وفي أسس العقيدة وجزئيات الشريعة، وفيما يجب علي الأمة في حياة نبيها، وبعد وفاته.. وقد أقام أبوها الحجة لربه كاملةً غير منقوصة، في جميع الأمور، ومن أعظمها حق زوجها علي، وولديها الحسن والحسين عليهمالسلام، الذين أعطاهم الله حق الولاية علي الأمة بعد نبيها! بهذا المنطق قالت الزهراء عليهاالسلام للأنصار: إن جوابكم لي جواب سياسي.. ومنطق الحجة الإلهية أعلي من منطق اللعب السياسية، ومهيمنٌ عليه، ومتقدم عليه رتبةً، وفاضحٌ له.. فقد بلَّغ أبيصلي الله عليه وآله عن ربه، وأخبركم أن المالك العظيم سبحانه قد قضي الأمر، وجعل لأمة رسوله ولياً.. فمتي كان لكم الخيرة من أمركم حتي تختاروا زيداً أو عمرواً، بعد أن قضي الله ورسوله أمراً!! فالحجة عليكم تامةٌ من أبي، والآن مني، ونعم الموعدُ القيامة، والزعيم محمد صلي الله عليه وآله.. وعند الساعة يخسر المبطلون! لقد كان إعلان غدير خم عملاً ربانياً خالداً، بمنطق التبليغ والأعمال الرسولية.. وكانت الأعمال المقابلة له أعمالاً قويةً بمنطق الأعمال السياسية، وفرض الأمر الواقع.. والعمل السياسي قد يغلب العمل الرسولي.. ولكنها غلبةٌ سياسيةٌ جوفاء بلا حجة، ولا وزن عند العقل.. ولو استمرت سنين، أو قروناً، أو إلي ظهور المهدي الموعود عليهالسلام.
ليس
من المبالغة القول: إن البحث الجاد في أسباب نزول آيات القرآن وسوره، من شأنه أن يحدث تحولاً علمياً، لأنه سيكشف حقائق كثيرة، ويبطل بعض المسلَّمات التي تصور الناس لقرونٍ طويلةٍ أنها حقائق ثابتة! ذلك أن الجانب الرياضي في أسباب النزول أقوي منه في موضوعات التفسير الأخري.. فعندما تجد خمس روايات في سبب نزول آية، وكل واحدة منها تذكر سبباً وتاريخاً لنزولها، وهي متناقضة في المكان، أو الزمان، أو الحادثة.. فلا يمكنك أن تقول كلها مقبولة، وكل رواتها صحابة، وكلهم نجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا.. بل لابد أن يكون السبب واحداً من هذه الأسباب، أو من غيرها، والباقي غير صحيح! ولهذه الطبيعة المحددة في سبب النزول، كانت أسبابه مادةً حاسمة في تفسير القرآن.. وإن كانت صعوبة البحث فيها تعادل غناها، بل قد تزيد عليه أحياناً، لكثرة التشويش، والتناقض، والوضع في رواياتها! ومهما تكن الصعوبة، فلا بد للباحثين في تفسير القرآن وعلومه، أن يدخلوا هذا الباب بفعاليةٍ وصبر، ويقدموا نتائج بحوثهم إلي الأمة والأجيال، لأنها ستكون نتائج جديدة مفيدة في فهم القرآن والسيرة، بل في فهم العقائد والفقه والإسلام عموماً.. وأكتفي من هذا الموضوع بهذه الإشارة لنستفيد في موضوعنا من أسباب النزول. ليس عجيباً أن يختلف المسلمون في أول آيات نزلت علي النبي صلي الله عليه وآله، لأنهم لم يكونوا آنذاك مسلمين.. ثم إنهم باستثناء القلة، لم يكتبوا ما سمعوه من نبيهم في حياته، ومنعت السلطة كتابتها بعد وفاته.. فأوقعت أجيال المسلمين في اختلاف في أحاديثه وسيرته! ولهذا لانعجب إذا وجدنا أربعة أقوال في تعيين أول ما أنزله الله تعالي من كتابه أنه سورة إقرأ. وأنه سورة المدثر. وأنه سورة الفاتحة. وأنه البسملة.. كما في الإتقان للسيوطي:!91:1 !
ولكن العجيب اختلافهم في آخر ما نزل من القرآن، وقد كانوا دولةً وأمةً ملتفَّةً حول نبيها، وقد أعلن لهم نبيهم صلي الله عليه وآله أنه راحل عنهم عن قريب، وحج معهم حجة الوداع، ومرض قبل وفاته مدة، وودعوه وودعهم! فلماذا اختلفوا في آخر آيةٍ أو سورةٍ نزلت عليه صلي الله عليه وآله؟ الجواب: أن الأغراض السياسية لم تدخل في مسألة أول ما نزل من القرآن كما دخلت في مسألة آخر ما نزل منه.. كما ستري!!
يصل الباحث في مصادر الحديث والفقه والتفسير إلي أن سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن.. وأن آية (اليوم أكملت لكم دينكم) نزلت بعد إكمال نزول جميع الفرائض.. وأن بعض الصحابة حاولوا أن يجعلوا بدل المائدة سوراً أخري، وبدل آية إكمال الدين، آيات أخري.
قال العياشي في تفسيره:288:1 : عن عيسي بن عبدالله، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهالسلام قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وإنما كان يؤخذ من أمر رسولالله صلي الله عليه وآله بآخره، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة، فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء. لقد نزلت عليه وهو علي بغلته الشهباء، وثقل عليه الوحي، حتي وقفت وتدلي بطنها، حتي رأيت سرتها تكاد تمس الأرض، وأغمي علي رسولالله صلي الله عليه وآله حتي وضع يده علي ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسولالله صلي الله عليه وآله، فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسولالله صلي الله عليه وآله وعملنا. انتهي. ويقصد علي عليهالسلام بذلك: أن المسح علي القدمين في الوضوء هو الواجب وليس غسلهما، لأن المسح نزل في سورة المائدة وعمل به النبي صلي الله عليه وآله والمسلمون ولم ينسخ.
ورواه في تفسير نور الثقلين:582:1 و447:5 . وفي الكافي:289:1 : علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابنأبيعمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبيالجارود، جميعاً عن أبيجعفر عليهالسلام قال: أمر الله عزوجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وفرض ولاية أولي الأمر، فلم يدروا ما هي؟ فأمر الله محمداً صلي الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية، كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسولالله صلي الله عليه وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم، وأن يكذبوه، فضاق صدره وراجع ربه عزوجل فأوحي الله عزوجل إليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، فصدع بأمر الله تعالي ذكره، فقام بولاية علي عليهالسلام يوم غدير خم، فنادي الصلاة جامعة، وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب- قال عمر بن أذنية: قالوا جميعاً غير أبيالجارود- وقال أبوجعفر عليهالسلام: وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخري وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزوجل: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. قال أبوجعفر عليهالسلام: يقول الله عزوجل: لاأنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض. وفي تاريخ اليعقوبي:43:2 : وقد قيل إن آخر ما نزل عليه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وهي الرواية الصحيحة، الثابتة الصريحة.
قال السيوطي في الدر المنثور:252:2 : وأخرج سعيد بن منصور، وابنالمنذر، عن أبيميسرة قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة، وإن فيها لسبع عشرة فريضة. وقال ابنحزم
في المحلي:407:9 : روينا من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أن سورة المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حلالاً فحللوه، وما وجدتم فيها حراماً فحرموه. وهذه الآية في المائدة فبطل أنها منسوخة، وصح أنها محكمة. وقال في المحلي:389:7 : فإن هذا قد عارضه ما رويناه عنها من طريق ابنوهب، عن معاوية بن صالح، عن جري بن كليب، عن جبير بن نفير قال: قالت لي عائشة أم المؤمنين: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم؟ قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حراماً فحرموه. انتهي. ورواه أحمد في مسنده:188:6 ورواه البيهقي في سننه:172:7 عن ابننفير، ونحوه عن عبدالله بن عمرو. ورواه في طبقات الحنابلة:.427:1 ورواه الحاكم:2:311 وقال: هذا حديث صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه. ثم روي عن عبدالله بن عمرو أن آخر سورة نزلت سورة المائدة وقال: هذا حديث صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهي. وستعرف أنهما لم يخرجاه مراعاة لعمر، حيث ادعي أن آخر ما نزل من القرآن غير المائدة. وفي مجمع الزوائد:256:1 : وعن ابنعباس أنه قال: ذكر المسح علي الخفين، وعند عمر سعدٌ وعبدالله بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منك، فقال عبدالله بن عباس: يا سعد إنا لاننكر أن رسولالله صلي الله عليه وسلم مسح، ولكن هل مسح منذ نزلت المائدة، فإنها أحكمت كل شيء، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن، ألا تراه قال... فلم يتكلم أحد. رواه الطبراني في الأوسط، وروي ابنماجة طرفاً منه، وفيه عبيدبن عبيدة التمار وقد ذكره ابنحبان في الثقات، وقال: يُغرب. انتهي. يقصد الهيثمي أن الرواية ضعيفة بهذا الراوي، الذي وثقه ابنحبان، وقال عنه إنه يروي روايات غريبة، أي مخالفة لمقررات
المذهب الرسمي الذي يقول إن الواجب هو غسل الرجلين في الوضوء، ويقول إن المائدة ليست آخر سورة نزلت! وفي الدر المنثور:252:2 : وأخرج أبوعبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا: قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: المائدة (من) آخر القرآن تنزيلا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها. انتهي. ويشك الإنسان في كلمة (من) التي تفردت بها هذه الرواية، وكأن راويها أضافها للمصالحة بين الواقع وبين ما تبنته السلطة، وجعلته مشهوراً. وفي تفسير التبيان:413:3 : وقال عبدالله بن عمر: آخر سورة نزلت المائدة. وفي الغدير:228:1 : ونقل ابنكثير من طريق أحمد والحاكم والنسائي عن عايشة: أن المائدة آخر سورة نزلت. انتهي. ويتضح من مجموع ذلك أن المتسالم عليه عند عند أهل البيت عليهمالسلام أن آخر ما نزل من القرآن سورة المائدة.. وأنه مؤيدٌ برواياتٍ صحيحة وكثيرة في مصادر إخواننا.. بل يمكن القول بأن نص آية (اليوم أكملت لكم دينكم) وحده يكفي دليلاً علي أنها نزلت في آخر ما نزل من القرآن، لأنها تنص علي أن نزول الفرائض قد تم.. وتنفي أن يكون نزل بعدها فريضة. علي أنه وردت نصوص بذلك كما تقدم عن الإمام الباقر عليهالسلام، وكما سيأتي من رواية الطبري، والبيهقي، وقول السدي. وعليه، فكل قول يزعم نزول فريضة بعد هذه الآية مردود، ولابد أن يكون ما نزل بعدها من القرآن خالياً من الفرائض والأحكام، لأن التشريع كان قد تم بنزولها.
ولكن هذا الأمر المحدد الواضح، صار غير واضحٍ ولا محددٍ عندهم!! وكثرت فيه الروايات وتناقضت! وزاد في الطين بلةً أن المتناقض منها صحيحٌ بمقاييسهم! وأنها آراء صحابةٍ كبارٍ لايجرؤون علي ردهم! ولعل السيوطي استحي لجماعته من كثرة الأقوال في آخر ما نزل من
القرآن، فأجملها إجمالا، ولم يعددها أولاً وثانياً، كما عدد الأقوال الأربعة في أول ما نزل!! ونحن نعدها باختصار لنري أسباب نشأتها! 1- أن آخر آية هي آية الربا، وهي الآية278 من سورة البقرة. 2- أن آخر آية هي آية الكلالة، أي الورثة من الأقرباء غير المباشرين، وهي الآية176 من سورة النساء. 3- أن آخر آية هي آية (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلي الله..) وهي الآية281 من سورة البقرة. 4- أن آخر آية هي آية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم...) وهي الآية128 من سورة التوبة. 5- أن آخر آية هي آية (وما أرسلنا من قبلك من رسول...) وهي الآية25 من سورة الأنبياء. 6- أن آخر آية هي آية (فمن كان يرجو لقاء ربه...) الكهف-110 . 7- أن آخر آية هي آية (ومن يقتل مؤمنا متعمداً...) النساء-93 . 8- أن آخر سورة نزلت هي سورة التوبة. 9- أن آخر سورة نزلت هي سورة النصر. هذا ما جاء فقط في إتقان السيوطي101:1 وقد تبلغ أقوالهم ورواياتهم ضعف هذا العدد، لمن يتتبع المصادر!!
القصة التالية.. تعطينا ضوءً علي نشأة هذا الاضطراب والضياع: سئل الخليفة عمر ذات يوم عن تفسير آية الربا وأحكام الربا، فلم يعرفها فقال: أنا متأسف، لأن هذه الآية آخر آية نزلت، وقد توفي النبي ولم يفسرها لنا! ومن يومها دخلت آيات الربا علي الخط، وشوشت علي سورة المائدة، وصار ختام ما نزل من القرآن مردداً بين المائدة، وبين آيات الربا! ولكن الربا ذكر في أربع سور من القرآن: في الآيتين275 و276 من سورة البقرة والآية161 من سورة النساء، والآية39 من سورة الروم، والآية130 من سورة آل عمران.. وبعض هذه السور مكي وبعضها مدني! فأي آية
منها قصد الخليفة؟! وتبرع الراكضون لتبرير كل عمل وكل قول لعمر، وقالوا إن مقصود الخليفة الملهم هو الآية278 من سورة البقرة! فصار مذهبهم أن آخر آية نزلت من القرآن وضعت في سورة البقرة، التي نزلت في أول الهجرة! وصار عليهم أن يقبلوا أن مذهبهم أن تحريم الربا تشريعٌ إضافي، لأنه نزل بعد آية إكمال الدين! ولعلهم يتصورون أنه لابأس بهذه المفارقة في نزول القرآن والوحي، ما دام هدفهم هدفاً شرعياً صحيحاً هو الدفاع عمر بن الخطاب، الذي يعتقدون أنه خليفة رسولالله صلي الله عليه وآله! قال أحمد بن حنبل في مسنده:36:1 : عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر رضي الله عنه: إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن رسولالله صلي الله عليه وسلم قبض ولم يفسرها، فدعوا الربا والريبة!! ورواه في كنز العمال:186:4 عن (ش، وابنراهويه، حم، هد، وابنالضريس، وابنجرير، وابنالمنذر، وابنمردويه، ق في الدلائل). وقال السرخسي في المبسوط:51:2 و114:12 : فقد قال عمر رضي الله عنه: إن آية الربا آخر ما نزل، وقبض رسولالله صلي الله عليه وسلم قبل أن يبين لنا شأنها! انتهي. وصلوات الله علي رسوله الذي أنزل عليه وبينه للناس، رغم اتاهه عمر له بأنه لم يبين!! وقال السيوطي في الإتقان:101:1 : وأخرج البخاري عن ابنعباس قال: آخر آية نزلت آية الربا. وروي البيهقي عن عمر مثله... وعند أحمد وابنماجة عن عمر: من آخر ما نزل آية الربا. انتهي. ولكن إضافتهم (من) في هذه الرواية لاتحل المشكلة، كما لم تحلها إضافتها في سورة المائدة، لأن الروايات الأخري ليس فيها (من) وهي نص علي دعوي الخليفة أن آية الربا آخر ما نزل!
وذات يوم بل ذات أيام.. لم
يعرف الخليفة عمر معني الكلالة، وتحير فيها، واستعصي عليه فهمها، إلي آخر عمره! فقال وقالوا عنه: إنها آخر آية نزلت وتوفي النبي قبل أن يبينها له، أو بينها له بياناً ناقصاً! ففي البخاري:115:5 : عن البراء رضي الله عنه قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة... ونحوه في:.185:5 وقال السيوطي في الإتقان:101:1 : فروي الشيخان عن البراء بن عازب قال آخر آية نزلت: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة، وآخر سورة نزلت براءة. وفي مسند أحمد:298:4 عن البراء قال: آخر سورة نزلت علي النبي صلي الله عليه وسلم كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: يستفتونك، إلي آخر السورة... إلي آخره! ومن يومها دخلت آية الكلالة علي الخط، وشاركت في التشويش علي سورة المائدة! وصار ختام ما نزل من القرآن مردداً بين آيات الربا والكلالة، وبقية المائدة بما فيها آيتا العصمة من الناس، وإكمال الدين! وقد راجعت ما تيسر لي من المصادر السنية في مسألة الربا والكلالة، فهالتني مشكلة الخليفة معهما، خاصةً مسألة الكلالة، حتي أنه جعلها من قضية الهامة علي مستوي قضايا الأمة الإسلامية الكبري، وكان يطرحها من علي منبر النبي صلي الله عليه وآله! واستمر يطرحها كمشكلة كبري، حتي ساعات حياته الأخيرة، وأوصي المسلمين بحلها! وهو أمر غريب يدل علي شعوره العميق بالحرج أمام المسلمين، لعدم تمكنه من استيعابها!! ففي صحيح البخاري:242:6 : عن ابنعمر رضي الله عنهما قال: خطب عمر علي منبر رسولالله صلي الله عليه وسلم فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل. والخمر ما خامر العقل. وثلاث وددت أن رسولالله
صلي الله عليه وسلم لم يفارقنا حتي يعهد إلينا عهداً: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. انتهي. ورواه مسلم في:81:2 بتفصيل أكثر، وروي نحوه في:61:5 و245:8 ورواه ابنماجة في:910:2 وقال عنه السيوطي في الدر المنثور:249:2 وأخرج عبدالرزاق، والبخاري، ومسلم، وابنجرير، وابنالمنذر، عن عمر...ويدل هذا الصحيح المؤكد، علي أن عمر لم يسأل النبي صلي الله عليه وآله عن الكلالة. وقد صرح بذلك مارواه الحاكم في المستدرك وصححه:303:2 قال: محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أكون سألت رسولالله صلي الله عليه وسلم عن ثلاثٍ أحب إلي من حمر النعم: عن الخليفة بعده، وعن قوم قالوا نقرُّ بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. هذا حديث صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهي. ولكن ماذا يصنعون بصحيح مسلم الذي روي أن عمر سأل النبي صلي الله عليه وآله عنها مراراً! قال مسلم في:61:5 عن معدان بن أبيطلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله صلي الله عليه وسلم، وذكر أبابكر ثم قال: إني لاأدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة! ما راجعت رسولالله صلي الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة! وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتي طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟! وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بهامن يقرأ القرآن ومن لايقرأ القرآن. انتهي. يعني أنه سأل النبي صلي الله عليه وآله عنها مراراً فوضحها له مراراً، ولكنه كرر سؤاله حتي غضب عليه النبي صليالله عليه وآله لعدم فهمه لشرحه إياها! بل يدل
الصحيحان التاليان علي أن النبي صلي الله عليه وآله أخبر عمر أنه لن يفهم الكلالة طول عمره، أو دعا عليه بذلك! ففي الدر المنثور:250:2 : وأخرج العدني والبزار في مسنديهما، وأبوالشيخ في الفرائض، بسند صحيح عن حذيفة قال: نزلت آية الكلالة علي النبي صلي الله عليه وسلم في مسيرٍ له، فوقف النبي صلي الله عليه وسلم، فإذا هو بحذيفة فلقاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقاها إياه. فلما كان في خلافة عمر، نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة: لقد لقانيها رسولالله صلي الله عليه وسلم فلقيتك كما لقاني، والله لاأزيدك علي ذلك شيئاً أبداً. انتهي. وفي كنز العمال:80:11 حديث:30688 عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسولالله صلي الله عليه وسلم: كيف يورث الكلالة؟ قال: أو ليس قد بين الله ذلك، ثم قرأ: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة... إلي آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم! فأنزل الله: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة.. إلي آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم! فقال لحفصة: إذا رأيت من رسولالله صلي الله عليه وسلم طيب نفس، فاسأليه عنها فقال: أبوك ذكر لك هذا؟ ما أري أباك يعلمها أبداً!! فكان يقول: ما أراني أعلمها أبداً وقد قال رسولالله صلي الله عليه وسلم ما قال!! وذكر في مصدره أن ابنراهويه أو ابنمردويه صححه. انتهي. بل روي السيوطي في الدر المنثور:249:2 أن النبي صلي الله عليه وآله قد كتبها لعمر في كتف! قال: وأخرج عبدالرزاق وسعيد بن منصور وابنمردويه عن طاوس، أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلي الله عليه وسلم عن الكلالة، فسألته فأملاها عليها في كتف، وقال: من أمرك بهذا أعمر؟ ما أراه
يقيمها، أوما تكفيه آية الصيف؟!! قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء: وإن كان رجلٌ يورث كلالةً أو امرأةٌ.. فلما سألوا رسولالله صلي الله عليه وسلم، نزلت الآية التي في خاتمة النساء. انتهي. فانظر إلي هذه التناقضات في أحاديث عمر والكلالة، وكلها صحيحة! ولاحظ أن الكلالة هي إحدي المسائل الثلاث التي قال البخاري إن النبي صلي الله عليه وآله لم يبينها للأمة ولا سأل عمر النبي عنها.. مع أن روايتهم الصحيحة تقول إن النبي صلي الله عليه وآله قد كتب الملالة لعمر في كتف! وانظر إلي هذه التهمة للنبي صلي الله عليه وآله بأنه توفي ولم يبين القرآن الذي أمره الله ببيانه!! ثم انظر كيف رد الله هذه التهمة لنبيه علي ألسنة المتهمين أنفسهم! وقد مر معك في آية التبليغ افتراؤهم علي الشيعة بأنهم يتهمون النبي صلي الله عليه وآله بعدم البيان لأنه أخر تبليغ ولاية علي حتي قال الله تعالي (بلغ ما أنزل اليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغة رسالته).. مع أن هذه الرواية لاتتهم النبي بأنه لم يبلغ حتي توفي، بل تقول إنه أمر في حجة الوداع بتبليغ ولاية علي رسمياً، ولم يعين له وقتاً، وبدأ النبي بالتمهيد وبيان مقام عترته الطاهرين فشوشت قريش علي خطبه، فنوي أن يؤخر ذلك الي المدينة، فنزل عليه جبرئيل في الطريق أن يبلغ ذلك في غدير خم. وهذا ليس فيه أدني تهمة للنبي صلي الله عليه وآله.. بل فيه عار قريش! وأما المسألة الثانية التي هي الخلافة، فقد روي البخاري نفسه أيضاً أن النبي صلي الله عليه وآله دعا بدواة وكتف ليكتب للأمة الإسلامية كتاباً لاتضل بعده أبداً، ولكن عمر رفض ذلك.. ورد علي النبي..
وعمل ما عمل! وأما المسألة الثالثة، وهي أبواب الربا، فمحال أن يكون النبي صلي الله عليه وآله توفي ولم يبينها، وقد يكون كتبها لعمر أو غيره في كتف أيضاً!!
تدل هاتان القصتان علي أن صحاح إخواننا فيها متناقضاتٌ لايمكن لباحث أن يقبلها جميعاً، بل لابد له أن يرجح بعضها ويرد بعضها. وكيف يمكن لعاقلٍ أن يقبل في موضوعنا أن عمر لم يسأل النبي صلي الله عليه وآله عن الآية لأنها آخر آية نزلت.. ثم يقبل أنه سأله عنها مراراً، حتي دفعه بإصبعه في صدره، وغضب منه... إلخ!! وكيف يقبل أن الكلالة آخر آية، وآيات الربا آخر آيات.. إلي آخر التناقضات التي ذكرناها، وأكثر منها مما لم نذكره! وتدل القصتان علي أن سلطة الخليفة عمر علي السنيين بلغت حداً تستطيع معه أن تجعل ادعاءه غير المعقول.. معقولاً! وأن المهم عندهم تكييف تفسير الاسلام والقرآن، وأحداث نزول آياته، وأسبابها، وفق ما قاله الخليفة، حتي لو تناقضت أقواله، وحتي لو لزم من ذلك اتهام النبي صلي الله عليه وآله بأنه قصر في التبليغ، أو اتهام الله تعالي بالتناقض في دينه، وفي أفعاله تعالي! وإذا اعترض أحدٌ علي ذلك فهو رافضي، عدوٌّ للإسلام ورسوله وصحابته! وتدل القصتان في موضوعنا علي أن آيات الربا وإرث الكلالة، وربما غيرهما، حسب رأي الخليفة قد نزلت بعد آية إكمال الدين!! ومعني ذلك أن الله تعالي قال للمسلمين: اليوم أكملت لكم دينكم، ولكنه لم يكن أكمل أحكام الإرث والربا وأحكام القتل!! إن أتباع عمر، يريدون ممن يحترم عقله أن يجادل عن شخص غير معصوم ليبرئه من التناقض، ويرمي به الله عزوجل، ورسوله صلي الله عليه وآله!
لا نطيل في ذكر بقية الأقوال،
وأحاديثها الصحيحة عندهم، بل نجملها إجمالاً: ففي صحيح البخاري:182:5 : قال سمعت سعيد بن جبير قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلي ابنعباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. (النساء-93). وفي البخاري:15:6 : عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيه إلي ابنعباس فقال: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء. وفي الدر المنثور:196:2 : وأخرج عبدبن حميد والبخاري ومسلم وأبوداود والنسائي وابنجرير والطبراني من طريق سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيها... هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. وأخرج أحمد، وسعيد بن منصور، والنسائي، وابنماجة، وعبدبن حميد، وابنجرير، وابنالمنذر، وابنأبيحاتم، والنحاس في ناسخه، والطبراني من طريق سالم بن أبيالجعد، عن ابنعباس... قال: لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتي قبض رسولالله صلي الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسولالله صلي الله عليه وسلم. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدي؟ قال: وأني له بالتوبة؟! وفي مجموع النووي:345:18 : قوله تعالي: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جنهم خالداً فيها..الآية. في صحيح البخاري... هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به. ورواه أبوداود عن أحمد بن حنبل بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابنعباس في الآية فقال: ما نسخها شيء. انتهي. فهل يمكن لمسلم أن يقبل هذه الروايات (الصحيحة) سواء من البخاري أو غيره، ومن ابنعباس أو غيره، ويلتزم بأن تحريم قتل المؤمن تشريع إضافي في الإسلام، نزل بعد آية إكمال الدين! وفي مستدرك الحاكم:338:2
: عن يوسف بن مهران، عن ابنعباس رضي الله عنهما عن أبيبن كعب رضي الله عنه قال: آخر ما نزل من القرآن: لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم. حديث شعبة عن يونس بن عبيدصحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهي. وهذه الرواية (الصحيحة) علي شرط الشيخين تقصد الآيتين128 و129 من سورة التوبة. وفي الدر المنثور:295:3 : وأخرج ابنأبيشيبة، وإسحق بن راهويه، وابنمنيع في مسنده، وابنجرير، وابنالمنذر، وأبوالشيخ، وابنمردويه، والبيهقي في الدلائل، من طريق يوسف بن مهران، عن ابنعباس، عن أبيبن كعب قال: آخر آية أنزلت علي النبي صلي الله عليه وسلم- وفي لفظ أن آخر ما نزل من القرآن- لقد جاءكم رسول من أنفسكم.. إلي آخر الآية. وأخرج ابنالضريس في فضائل القرآن، وابنالأنباري في المصاحف، وابنمردويه، عن الحسن أن أبيبن كعب كان يقول: إن أحدث القرآن عهداً بالله- وفي لفظ بالسماء- هاتان الآيتان: لقد جاءكم رسول من أنفسكم.. إلي آخر السورة. وأخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، وابنالضريس في فضائله، وابنأبيدؤاد في المصاحف، وابنأبيحاتم، وأبوالشيخ، وابنمردويه، والبيهقي في الدلائل، والخطيب في تلخيص المتشابه، والضياء في المختارة، من طريق أبيالعالية، عن أبيبن كعب، أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبيبكر، فكان رجال يكتبون ويمل عليهم أبيبن كعب، حتي انتهوا إلي هذه الآية من سورة براءة: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم... قوم لايفقهون، فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبيبن كعب: إن النبي صلي الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لاإله
إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. فهذا آخر ما نزل من القرآن. قال فختم الأمر بما فتح به بلا إله إلا الله، يقول الله: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحي إليه أنه لاإله إلا أنا فاعبدون. وأخرج ابنأبيدؤاد في المصاحف عن يحيي بن عبدالرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال: من كان تلقي من رسولالله صلي الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لايقبل من أحد شيئاً حتي يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه. فقام عثمان بن عفان فقال: من كان عنده شيء من كتاب الله فليأتنا به، وكان لايقبل من أحد شيئاً حتي يشهد به شاهدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما! فقالوا: ما هما؟ قال: تلقيت من رسولالله صلي الله عليه وسلم: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم.. إلي آخر السورة. قال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين تري أن نجعلهما؟ قال: إختم بهما آخر مانزل من القرآن، فختمت بهما براءة. انتهي. وشبيه به في سنن أبيداود:.182:1 وقد بحثنا هذه الروايات في كتاب تدوين القرآن. وفي صحيح مسلم:243:8 : عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: قال لي ابنعباس: تعلم- وقال هارون تدري- آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً؟ قلت نعم، إذا جاء نصر الله والفتح. قال: صدقت. وفي رواية ابنأبيشيبة: تعلم أي سورة، ولم يقل آخر. وفي سنن الترمذي:326:4 وقد روي عن ابنعباس أنه قال: آخر سورة أنزلت: إذ جاء نصر الله والفتح. وفي الغدير:228:1 وروي ابنكثير في تفسيره:2:2
عن عبدالله بن عمر أن آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح (يعني النصر). وفي الدر المنثور:407:6 : وأخرج ابنمردويه والخطيب وابنعساكر عن أبيهريرة في قوله: إذا جاء نصر الله والفتح، قال: علمٌ وحدٌّ حده الله لنبيه صلي الله عليه وسلم، ونعي إليه نفسه، إنك لا تبقي بعد فتح مكة إلا قليلاً. وأخرج ابنأبيشيبة وابنمردويه عن ابنعباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً: إذا جاء نصر الله والفتح. وفي المعجم الكبير للطبراني:19:12 عن ابنعباس قال: آخر آية أنزلت: واتقوا يوما ترجعون فيه إلي الله. انتهي. وهي الآية281 من سورة البقرة! ونذكر في آخر ادعاءاتهم في آخر آيةٍ من القرآن: أن معاوية بن أبيسفيان أدلي بدلوه في هذا الموضوع، ونفي علي المنبر أن تكون آية (اليوم أكملت لكم دينكم..) آخر ما نزل، وأفتي للمسلمين بأن آخر آية نزلت هي الآية110 من سورة الكهف، وأنها كانت تأديباً من الله لنبيه صلي الله عليه وآله!! ففي المعجم الكبير للطبراني:392:19 : عمرو بن قيس أنه سمع معاوية بن أبيسفيان علي المنبر نزع بهذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم.. قال: نزلت يوم عرفة في يوم جمعة، ثم تلا هذه الآية: فمن كان يرجو لقاء ربه... وقال: إنها آخر آية نزلت.... تأديباً لرسولالله.. انتهي. وقد التفت السيوطي إلي أن كيل التناقض قد طفح لإبعاد آية إكمال الدين عن ختم القرآن وحجة الوداع وغدير خم.. فاستشكل في قبول قول معاوية وعمر! ولكنه مر بذلك مروراً سريعاً، علي عادتهم في التغطية والتستر علي تناقض من يحبونهم. قال في الإتقان:102:1 من المشكل علي ما تقدم قوله تعالي: اليوم أكملت لكم دينكم، فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها. وقد
صرح بذلك جماعة منهم السدي، فقال: لم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ، مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعدها! وقد استشكل ذلك ابنجرير وقال: الأولي أن يتأول علي أنه أكمل لهم الدين بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه حتي حجه المسلمون، لايخالطهم المشركون! انتهي. ومعني كلام ابنجرير الطبري الذي ربما ارتضاه السيوطي: أن حل التناقض في كلام الصحابة بأن نقبله ونبعد إكمال الدين وإتمام النعمة عن التشريع وتنزيل الأحكام والفرائض، ونحصره بتحرير مكة فقط، حتي تسلم لنا أحاديث عمر عن الكلالة والربا، وحديث معاوية عن آخر آية في (تأديب النبي)!! إنها فتاوي تتكرر أمامك من علماء الدولة السنية بوجوب قبول كلام الصحابة- ما عدا أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله- حتي لو استلزم ذلك تفريغ آيات الله تعالي وأحاديث رسوله من معانيها! فهم عملياً يعطون الصحابة درجة العصمة، بل يعطونهم حق النقض علي كلام الله تعالي وكلام رسوله صلي الله عليه وآله!! فيجعلون كلامهم حاكماً عليه! ثم يفرضون عليك أن تقبل ذلك وتغمض عينيك، وتصم سمعك عن صراخ ضحاياهم من الآيات الظاهرة والأحاديث الصحيحة!! ونتيجة هذا المنطق: أن آية اليوم أكملت لكم دينكم ليست آخر آية، ولا سورتها آخر سورة، ولا معناها أكملت لكم الفرائض والأحكام، بل أكملت لكم فتح مكة! وأن معني (اليوم) في الآية ليس يوم نزول الآية، بل يوم فتح مكة قبل سنتين من حجة الوداع! وسوف تعرف أن الخليفة عمر أقر في جواب اليهودي بأن معني اليوم في الآية: يوم نزولها، وليس يوم فتح مكة! بل قال القرطبي إن اليوم هنا بمعني الساعة التي نزلت فيها الآية، كما سيأتي.
(يا أيها الذين آمنوا لاتحلوا شعائر
الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً، وإذا حللتم فاصطادوا، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب. حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح علي النصب وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً، فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم). المائدة2-3 .
أول ما يواجه الباحث في آية إكمال الدين غرابة مكانها في القرآن، فظاهر ما رواه المحدثون والمفسرون عنها، أنها نزلت في حجة الوداع آية مستقلة لاجزء آية.. ثم يجدها في القرآن جزء من آية اللحوم المحرمة، وكأنها حشرت حشراً في وسطها، بحيث لو رفعنا آية إكمال الدين منها لما نقص من معناها شيء، بل لاتصل السياق!! فما هي الحكمة من هذا السياق؟ وهل كان هذا موضعها الأصلي من القرآن، أم وضعت هنا باجتهاد بعض الصحابة؟! نحن لانقبل القول بوقوع تحريف في كتاب الله تعالي، معاذ الله، لكن نتساءل عسي أن يعرف أحد الجواب: ما هو ربط آية إكمال الدين باللحوم المحرمة؟ ألا يحتمل أن تكون بالأساس في خاتمة سورة المائدة مثلاً، ولم يلتفت إلي ذلك الذين جمعوا القرآن، فوضعوها هنا. ثم.. قد يقبل الإنسان أن تكون الآية نزلت بعد آيات بيان أحكام اللحوم ولكن كيف يمكن أن ينزلها الله تعالي في وسط أحكام اللحوم؟! فإذا
قال الله تعالي: أكملت لكم دينكم، فقد تمت الأحكام، فكيف يقول بعدها مباشرة: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم؟! ثم يقول بعدها مباشرة: يسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات وما علمتم... إلي آخر أحكام الدين الذي قال عنه أحكم الحكماء سبحانه قبل لحظات: إنه قد أكمله وأتم نعمته به؟!! قال في الدر المنثور:259:2 : وأخرج ابنجرير عن السدي في قوله: اليوم أكملت لكم دينكم قال: هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حرامٌ ولا حلالٌ. انتهي. وقال في:257:2 : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابنعباس... فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله: اليوم أكملت لكم دينكم، يقول حلالكم وحرامكم فلم ينزل بعد هذا حلالٌ ولا حرامٌ. انتهي. والأحاديث والأقوال في عدم نزول أحكام بعد الآية كثيرة، وقد مر بعضها، ولا نحتاج إلي استقصائها بعد أن كان ذلك مفهوماً من الآية نفسها.
ذهب بعض اللغويين الي أن الكمال والتمام والاكمال والاتمام مترادفتان ولافرق بينهما. وذهب آخرون الي وجود فرق بينهما، وأكثروا الكلام في محاولتهم التمييز بيهما، لكن بلا محصل.. فقد حاموا حول الفرق ولم يحددوه! قال الزبيدي في شرح القاموس:103:8 : (الكمال: التمام) وهما مترادفان كما وقع في الصحاح وغيره، وقد فرق بينهما بعض أرباب المعاني، وأوضحوا الكلام في قوله تعالي: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، وبسطه في العناية، وأوسع الكلام فيه البهاء السبكي في عروس الأفراح. وقيل: التمام الذي تجزأ منه أجزاؤه كما سيأتي، وفيه ثلاث لغات (كمل كنصر وكرم وعلم) قال الجوهري والكسر أردؤها، وزاد ابنعباد: كمل يكمل مثل ضرب يضرب، نقله الصاغاني (كمالاً وكمولاً فهو كامل
وكميل) جاؤوا به علي كمل. وقال في ص :212 (وتمام الشيء وتمامته وتتمته ما يتم به). وقال الفارسي: تمام الشيء ما تم به بالفتح لاغير، يحكيه عن أبيزيد. وتتمة كل شيء ما يكون تمام غايته، كقولك هذه الدراهم تمام هذه المائة، وتتمة هذه المائة. قال شيخنا: وقد سبق في كمل أن التمام والكمال مترادفان عند المصنف وغيره، وأن جماعة يفرقون بينهما بما أشرنا إليه. وزعم العيني أن بينهما فرقاً ظاهراً ولم يفصح عنه. وقال جماعة: التمام الإتيان بما نقص من الناقص، والكمال الزيادة علي التمام، فلا يفهم السامع عربياً أو غيره من رجل تام الخلق إلا أنه لانقص في أعضائه، ويفهم من كامل معني زائد علي التمام كالحسن والفضل الذاتي أو العرضي. فالكمال تمام وزيادة، فهو أخص. وقد يطلق كل علي الآخر تجوزاً، وعليه قوله تعالي: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. كذا في كتاب التوكيد لابنأبيالأصبع. وقيل التمام يستدعي سبق نقص، بخلاف الكمال. وقيل غير ذلك، مما حرره البهاء السبكي في عروس الأفراح، وابنالزملكاني في شرح التبيان، وغير واحد. قلت: وقال الحراني: الكمال الإنتهاء إلي غاية ليس وراءها مزيد من كل وجه. وقال ابنالكمال: كمال الشيء حصول ما فيه الغرض منه، فإذا قيل كمل فمعناه حصل ما هو الغرض منه. انتهي.- وقال أبوهلال العسكري في الفروق اللغوية ص458 : الفرق بين الكمال والتمام: أن قولنا كمال إسم لاجتماع أبعاض الموصوف به، ولهذا قال المتكلمون العقل كمال علوم ضروريات يميز بها القبيح من الحسن يريدون إجتماع علوم، ولا يقال تمام علوم لان التمام إسم للجزء والبعض الذي يتم به الموصوف بأنه تام. ولهذا قال أصحاب النظم القافية تمام البيت، ولا يقال كمال البيت، ويقولون
البيت بكماله أي باجتماعه، والبيت بتمامه أي بقافيته. ويقال هذا تمام حقك للبعض الذي يتم به الحق، ولا يقال كمال حقك، فإن قيل: لم قلت إن معني قول المتكلمين كمال علوم إجتماع علوم؟ قلنا: لااختلاف بينهم في ذلك، والذي يوضحه أن العقل المحدود بأنه كمال علوم هو هذه الجملة واجتماعها، ولهذا لايوصف المراهق بأنه عاقل وإن حصل بعض هذه العلوم أو أكثرها له، وإنما يقال له عاقل إذا اجتمعت له. انتهي. أقول: من المؤكد أن بينهما فرقاً، بدليل استعمال القرآن لفظ الإكمال للدين، ولفظ الإتمام للنعمة.. فما ذكره العسكري أقرب الي الصواب، والظاهر أن مادة (كمل) تستعمل للمركب الذي لايحصل الغرض منه إلا بكل أجزائه، فهو يكمل بها جميعاً، وإن نقص شئ منها يكون وجوده ناقصاً أو مثلوماً! ولذا قال علي عليهالسلام سيد الفصحاء بعد النبي صلي الله عليه وآله في عهده لمالك الأشتر، كما في نهجالبلاغة:103:3 (فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلي الله من ذلك، كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ). انتهي. فالإكمال منصب علي نفس الشئ، لرفع نقص أجزائه أو ثلمه.. أما الإتمام فهو أعم منه لأنه قد ينصب علي نفس الشئ أو هدفه وغرضه.. فقوله تعالي (أكملت لكم دينكم) معناه إكماله بتنزيل جزئه المكمل لمركبه، وبدونه يبقي الاسلام ناقصاً مثلوماً، بمثابة غير الموجود. وهو تعبير آخر عن قوله تعالي (فإن لم تفعل فما بلغت رسالته) لأن الاسلام للمركب من الدين وآلية تطبيقه التي هي الامامة، وعدم تبليغ الجزء المكمل للمركب يساوي عدم تبليغ شئ منه! أما قوله تعالي (وأتممت عليكم نعمتي) فهو يعني النعمة بتنزيل الاسلام وشروط تحقيق أغراضه وأهدافه في الأرض،
فهو تعالي بإكمال مركب الدين بالامامة أتم النعمة علي المسلمين، وبها ضمن تحقيق هدف الدين في الأرض، إن هم أطاعوا الامام الذي نصبه لهم. وبذلك يتضح أن الامامة جزء لايتجزأ من الاسلام، فلا وجود حقيقيا له بدونها، لأن وجوده الشكلي بمثابة العدم.. كما أن تبليغ النبي للإمامة تتميم للنعمة الالهية علي هذه الأمة، فالنعمة موجودة بدون تبليغها، لكنها لاتكون تامة إلا بها! وللراغب الأصفهاني لفتة جيدة في معني الآية، وهي أن إكمال الدين يعني ثبات صيغته النهائية وعدم نزول النسخ عليه الي يوم القيامة.. قال في مفرداته ص :440 (وقوله: وتمت كلمة ربك، إشارة إلي نحو قوله: اليوم أكملت لكم دينكم.. الآية، ونبه بذلك أنه لاتنسخ الشريعة بعد هذا). انتهي. وهذه يعني أن النسخ كان مفتوحاً في القرآن والسنة حتي نزلت الامامة، فانتهي النسخ وكمل الدين بصيغته الخالدة، وتمت به النعمة.
وإذا تأملت المورد الوحيد الذي استعمل فيه القرآن لفظ (أكملت)! والموارد الأربعة الأخري التي استعمل فيها مشتقات (كمل)، والموارد الأكثر التي استعمل فيها مشتقات (تم).. يتأكد لك ما ذهبنا اليه من التفريق بينهما. ونكتفي بآية جمعت بينهما، وهي قوله تعالي (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة). سورة البقرة-232 فصفة الكمال للحولين تعني أن الحولين اسم مركب ينتفي بانتفاء جزء منه، فإن نقصت الرضاعة يوماً عنهما، لم تتحقق الرضاعة لحولين. أما التمام فهو اسم للرضاعة الأعم، فإن نقصت عن الحولين فهي رضاعة، وإن كانت غير تامة. مناقشة الأقوال في تفسير الآيةوبعد السؤال عن مكان الآية والفرق بين الكمال والتمام فيها.. يواجهنا السؤال عن معناها، وسبب نزولها.. وفي ذلك ثلاثة أقوال: القول الاول: قول أهل البيت أنها نزلت يوم الخميس الثامن
عشر من ذي الحجة في الجحفة، في رجوع النبي صلي الله عليه وآله من حجة الوداع، عندما أمره الله تعالي أن يوقف المسلمين في غدير خم، قبل أن تتشعب بهم الطرق، ويبلغهم ولاية علي عليهالسلام من بعده، فأوقفهم وخطب فيهم وبلغهم ما أمره به ربه. وهذه نماذج من أحاديثهم: فقد تقدم ما رواه الكليني في الكافي:289:1 عن الإمام محمد الباقر عليهالسلام وفيه (وقال أبوجعفر عليهالسلام: وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخري، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزوجل: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، قال أبوجعفر عليهالسلام: يقول الله عزوجل: لاأنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض. وعن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن هارون بن خارجة، عن أبيبصير، عن أبيجعفر عليهالسلام قال: كنت عنده جالساً فقال له رجل: حدثني عن ولاية علي، أمن الله أو من رسوله؟ فغضب ثم قال: ويحك كان رسولالله صلي الله عليه وآله أخوف (لله) من أن يقول ما لم يأمره به الله!! بل افترضه الله، كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج. انتهي. وفي الكافي:198:1 : أبومحمد القاسم بن العلاء رحمه الله رفعه عن عبدالعزيز بن مسلم قال: كنا مع الرضا عليهالسلام بمرو، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا، فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت علي سيدي عليهالسلام فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسم عليهالسلام ثم قال: يا عبدالعزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم، إن الله عزوجل لم يقبض نبيه صلي الله عليه وآله حتي أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء، بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً،
فقال عزوجل: ما فرطنا في الكتاب من شيء، وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره صلي الله عليه وآله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض صلي الله عليه وآله حتي بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم علي قصد سبيل الحق، وأقام لهم علياً عليهالسلام علماً وإماماً، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بينه، فمن زعم أن الله عزوجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله فهو كافر به. هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة، فيجوز فيها اختيارهم؟! إن الإمامة أجل قدراً، وأعظم شأناً، وأعلي مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً، من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم. إن الإمامة خص الله عزوجل بها إبراهيم الخليل عليهالسلام بعد النبوة والخلة، مرتبةً ثالثة، وفضيلة شرفه بها، وأشاد بها ذكره فقال: إني جاعلك للناس إماماً، فقال الخليل عليهالسلام سروراً بها: ومن ذريتي؟ قال الله تبارك وتعالي: لاينال عهدي الظالمين. فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلي يوم القيامة، وصارت في الصفوة. ثم أكرمه الله تعالي بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال: ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاًّ جعلنا صالحين. وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين. فلم تزل في ذريته، يرثها بعض عن بعض، قرناً فقرناً، حتي ورثها الله تعالي النبي صلي الله عليه وآله فقال جل وتعالي: إن أولي الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين، فكانت له خاصة فقلدها صلي الله عليه وآله علياً عليهالسلام بأمر الله تعالي
علي رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان، بقوله تعالي: قال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلي يوم البعث، فهي في ولد علي عليهالسلام خاصة إلي يوم القيامة، إذ لانبي بعد محمد صلي الله عليه وآله. فمن أين يختار هؤلاء الجهال! انتهي. القول الثاني: قول المفسرين السنيين الموافق لقول أهل البيت عليهم السلام: وأحاديثهم في بيعة الغدير تبلغ العشرات، وفيها صحاح من الدرجة الأولي وقد جمعها عدد من علمائهم القدماء منهم الطبري المؤرخ في كتابه (الولاية) فبلغت طرقها ونصوصها عنده مجلدين، وكذلك فعل ابنعساكر وغيره. وتنص رواياتها علي أن النبي صلي الله عليه وآله أصعد علياً معه علي المنبر، ورفع يده حتي بان بياض إبطيهما، وبلغ الأمة ما أمره الله فيه... إلخ. وقد انتقد بعض المتعصبين المحدث الطبري الذي يحترمونه بسبب تأليفه كتاب (الولاية) في أحاديث الغدير، خوفاً أن يحتج بها الشيعة عليهم، ويجادلوهم بها عند ربهم! وتنص بعض روايات الغدير عندهم علي أن آية إكمال الدين نزلت في الجحفة يوم الغدير بعد إبلاغ النبي صلي الله عليه وآله ولاية علي عليهالسلام. لكن أن أكثر علماء السنيين مع أنهم صححوا أحاديث الغدير، لم يقبلوا الأحاديث القائلة بأن آية إكمال الدين نزلت يوم الغدير، وأخذوا بقول عمر ومعاوية، أنها نزلت يوم عرفة، كما سيأتي.. فحديث الغدير محل إجماع عندهم، ونزول آية إكمال الدين فيه، محل خلاف. وقد جمع أحاديث بيعة الغدير عدد من علماء الشيعة القدماء والمتأخرين، ومن أشهر المتأخرين: النقوي الهندي في كتابه عبقات الأنوار، والشيخ الأميني في كتابه الغدير، والسيد المرعشي في كتابه شرح إحقاق الحق، والسيد الميلاني في كتابه نفحات الأزهار. وقد أورد
صاحب الغدير عدداً من روايات مصادر السنيين في أن آية إكمال الدين نزلت في يوم الغدير، بعد إعلان النبي صلي الله عليه وآله ولاية علي عليه السلام.. وهذه خلاصة ما ذكره في الغدير:230:1 : ومن الآيات النازلة يوم الغدير في أميرالمؤمنين عليهالسلام قوله تعالي: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.. ثم أورد رحمه الله عدداً من المصادر التي روتها، نذكر منها: 1- الحافظ أبوجعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي310 روي في كتاب (الولاية) بإسناده عن زيد بن أرقم نزول الآية الكريمة يوم غدير خم في أميرالمؤمنين عليهالسلام... 2- الحافظ ابنمردويه الأصفهاني المتوفي410 روي من طريق أبيهارون العبدي، عن أبيسعيد الخدري... ثم رواه عن أبيهريرة... 3- الحافظ أبونعيم الأصبهاني المتوفي430 روي في كتابه (ما نزل من القرآن في علي)... عن أبيسعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلي الله عليه وسلم دعا الناس إلي علي في غدير خم، وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقمَّ، وذلك يوم الخميس فدعا علياً فأخذ بضبعيه فرفعهما، حتي نظر الناس إلي بياض إبطي رسولالله، ثم لم يتفرقوا حتي نزلت هذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم.. الآية... إلخ. 4- الحافظ أبوبكر الخطيب البغدادي المتوفي463 روي في تاريخه290:8... عن أبيهريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم... قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخٍ بخ ٍيا بن أبيطالب أصبحت مولاي ومولي كل مسلم، فأنزل الله: اليوم أكملت لكم دينكم.. الآية. 5- الحافظ أبوسعيد السجستاني المتوفي477 في كتاب الولاية بإسناده عن يحيي بن عبدالحميد الحماني الكوفي، عن قيس بن الربيع، عن أبيهارون، عن أبيسعيد الخدري... 6- أبوالحسن ابنالمغازلي الشافعي المتوفي483 روي في مناقبه عن أبيبكر
أحمد بن محمد بن طاوان قال: أخبرنا أبوالحسين أحمد بن الحسين بن السماك قال: حدثني أبومحمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، حدثني علي بن سعيد بن قتيبة الرملي، قال:.. عن أبيهريرة... 7- الحافظ أبوالقاسم الحاكم الحسكاني.... عن أبيسعيد الخدري: إن رسولالله صلي الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم، قال: الله أكبر علي إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضي الرب برسالتي، وولاية علي بن أبيطالب من بعدي. 8- الحافظ أبوالقاسم بن عساكر الشافعي الدمشقي المتوفي571 روي الحديث المذكور بطريق ابنمردويه، عن أبيسعيد وأبيهريرة، كما في الدر المنثور259:2 . 9- أخطب الخطباء الخوارزمي المتوفي568 قال في المناقب:...80 عن أبيسعيد الخدري إنه قال: إن النبي صلي الله عليه وآله يوم دعا الناس إلي غدير خم أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقمَّ، وذلك يوم الخميس ثم دعا الناس إلي علي، فأخذ بضبعه فرفعها حتي نظر الناس إلي إبطيه، حتي نزلت هذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم.. الآية...وروي في المناقب:...94 عن ضمرة، عن ابنشوذب، عن مطر الوارق... إلي آخر ما مر عن الخطيب البغدادي سنداً ومتناً. 10- أبوالفتح النطنزي روي في كتابه الخصايص العلوية، عن أبيسعيد الخدري بلفظ مر في:43 وعن الخدري وجابر الأنصاري... 11- أبوحامد سعد الدين الصالحاني، قال شهاب الدين أحمد في توضيح الدلايل علي ترجيح الفضايل: وبالإسناد المذكور عن مجاهد رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية: اليوم أكملت لكم، بغدير خم، فقال رسولالله صلي الله عليه وعلي آله وبارك وسلم: الله أكبر علي إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضي الرب برسالتي، والولاية لعلي. رواه الصالحاني. 12- شيخ الإسلام الحمويني الحنفي المتوفي722 روي في فرايد السمطين في الباب الثاني عشر، قال:
أنبأني الشيخ تاج الدين... إلخ. انتهي. القول الثالث: قول عمر بأنها نزلت في حجة الوداع يوم عرفة يوم جمعة، وهذا هو القول المشهور عند السنيين، فقد رواه البخاري في صحيحه:16:1 عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أميرالمؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً!! قال: آية آية؟ قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه علي النبي صلي الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة، يوم جمعة. وفي البخاري127:5 : عن طارق بن شهاب إن أناساً من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال عمر: أيةُ آيةٍ؟ فقالوا: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. فقال عمر: إني لأعلم أي مكان أنزلت، أنزلت ورسولالله صلي الله عليه وسلم واقف بعرفة... عن طارق بن شهاب: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية، لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً! فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت، وأين رسولالله صلي الله عليه وسلم حين أنزلت. يوم عرفة وأنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة، أم لا. وروي نحوه في137:8 . وقد روت عامة مصادر السنيين رواية البخاري هذه ونحوها بطرق متعددة، وأخذ بها أكثر علمائهم، ولم يديروا بالاً لتشكيك سفيان الثوري والنسائي وغيرهما في أن يكون يوم عرفة في حجة الوداع يوم جمعة! ولا لرواياتهم المؤيدة لرأي أهل البيت عليهمالسلام، التي تقدمت.. وذلك بسبب أن الخليفة عمر قال إنها لم تنزل يوم الغدير، بل نزلت في عرفات
قبل الغدير بتسعة أيام، وقول عمر مقدم عندهم علي كل اعتبار. قال السيوطي في الإتقان75:1 عن الآيات التي نزلت في السفر: منها: اليوم أكملت لكم دينكم. في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع، وله طرقٌ كثيرة. لكن أخرج ابنمردويه عن أبيسعيد الخدري: أنها نزلت يوم غدير خم. وأخرج مثله من حديث أبيهريرة وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة مرجعه من حجة الوداع. وكلاهما لايصح. انتهي. وقال في الدر المنثور:259:2 : أخرج ابنمردويه، وابنعساكر بسند ضعيف، عن أبيسعيد الخدري قال: لما نصب رسولالله صلي الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم، فنادي له بالولاية هبط جبرئيل عليه بهذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم. وأخرج ابنمردويه، والخطيب، وابنعساكر بسند ضعيف عن أبيهريرة قال: لما كان غدير خم وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، قال النبي صلي الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله: اليوم أكملت لكم دينكم. انتهي. وموقف السيوطي هو الموقف العام للعلماء السنيين.. ولكنه لايعني أنهم يضعفون حديث الغدير، فهم يقولون إنه صحيحٌ، لكن يدعون أن الآية نزلت قبله، تمسكاً بقول عمر الذي روته صحاحهم، فهم يتمسكون بحديث عمر حتي لو خالفته أحاديث صحاح، أو خالفه الحساب والتاريخ! ومن المتعصبين لرأي عمر المذكور: ابنكثير، وهذه خلاصة كلامه في تفسيره:14:2 قال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ. وقال ابنجرير وغير واحد: مات رسولالله صلي الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً، رواهما ابنجرير. ثم ذكر ابنكثير رواية مسلم وأحمد والنسائي والترمذي المتقدمة وقال: قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا: اليوم أكملت لكم
دينكم، الآية. وشك سفيان رحمه الله إن كان في الرواية فهو تورُّعٌ، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا، وإن كان شكاً في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري رحمه الله، فإن هذا أمر معلومٌ مقطوعٌ به، لم يختلف فيه أحدٌ من أصحاب المغازي والسير ولا من الفقهاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة، لايشك في صحتها، والله أعلم. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر.وقال ابنجرير... عن قبيصة يعني ابنأبيذئب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه!! فقال عمر: أي آيةٍ يا كعب؟ فقال: اليوم أكملت لكم دينكم. فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ... وقال ابنجرير:... حدثنا عمرو بن قيس السكوني أنه سمع معاوية بن أبيسفيان علي المنبر ينتزع بهذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم، حتي ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة...وقال ابنجرير: وقد قيل ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس!! ثم روي من طريق العوفي عن ابنعباس في قوله: اليوم أكملت لكم دينكم، يقول ليس بيوم معلوم عند الناس. قال: وقد قيل إنها نزلت علي رسولالله صلي الله عليه وسلم في مسيره (إلي) حجة الوداع. ثم قال ابنكثير: قلت: وقد روي ابنمردويه من طريق أبيهارون العبدي، عن أبيسعيد الخدري أنها نزلت علي رسولالله صلي الله عليه وسلم يوم غدير خم، حين قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه. ثم رواه عن أبيهريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من
ذي الحجة، يعني مرجعه عليهالسلام من حجة الوداع. ولا يصح لاهذا ولا هذا، بل الصواب الذي لاشك فيه ولا مرية، أنها أنزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة، كما روي ذلك أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبيطالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبيسفيان، وترجمان القرآن عبدالله بن عباس، وسمرة بن جندب رضي الله عنه، وأرسله الشعبي، وقتادة بن دعامة، وشهر بن حوشب، وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابنجرير الطبري رحمه الله. انتهي. وتلاحظ أن ابنكثير لايريد الإعتراف بوجود تشكيكٍ في أن يوم عرفة كان يوم جمعة، لأن ذلك يخالف قول عمر، وقد صعب عليه تشكيك سفيان الثوري الصريح فالتفَّ عليه ليخربه معتذراً بأنه احتياط وتقوي من الثوري!! ومما يدل علي أن الرواة كانوا في شكٍّ من أن يوم عرفات كان يوم جمعة ما رواه الطبري في تفسيره:111:4 ولم يذكره ابنكثير، قال: حدثنا ابنالمثني قال: ثنا عبدالوهاب قال: ثنا داود قال قلت لعامر: إن اليهود تقول: كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟! فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأي يوم؟ قال: يوم عرفة، أنزل الله في يوم عرفة!! وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية، أعني قوله: اليوم أكملت لكم دينكم يوم الإثنين، وقالوا: أنزلت سورة المائدة بالمدينة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثني قال: ثنا إسحاق قال: أخبرنا محمد بن حرب قال: ثنا ابنلهيعة، عن خالد بن أبيعمران، عن حنش عن ابنعباس: ولد نبيكم صلي الله عليه وآله يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الإثنين: اليوم أكملت لكم دينكم، ورفع الذكر يوم الإثنين. ثم قال الطبري: وأولي الأقوال في
وقت نزول الآية القول الذي روي عن عمر بن الخطاب أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده ووهي أسانيد غيره. انتهي.
من حسن حظ الباحث هنا أن بإمكانه أن يفتش عني السبب الحقيقي لنزول الآية في أحاديث حجة الوداع، لأن هذا الوداع الرسولي المهيب قد تم بإعلانٍ ربانيٍّ مسبق، وإعدادٍ نبوي واسع.. وقد حضره ما بين سبعين ألفاً إلي مئة وعشرين ألفاً من المسلمين، ورووا الكثير من أحداثه، ومن أقوال النبي صلي الله عليه وآله وأفعاله فيها، ورووا أنه خطب في أثنائها خمس خطب أو أكثر.. وسجلوا يوم حركة النبي من المدينة، والأماكن التي مر بها أو توقف فيها، ومتي دخل مكة، ومتي وكيف أدي المناسك.. ثم رووا حركة رجوعه وما صادفه فيها.. إلي أن دخل إلي المدينة المنورة، وعاش فيها نحو شهرين هي بقية عمره الشريف صلي الله عليه وآله. وعلي هذا، فإن عنصر التوقيت والتاريخ الحاسم هو الذي يجب أن يكون مرجحاً للرأي الصحيح في المسألة من بين الرأيين المتعارضين. وعنصر التوقيت هنا يرجح قول أهل البيت عليهمالسلام والروايات السنية الموافقة لهم، مضافاً إلي المرجحات الأخري العلمية، التي تنضم إليه كما يلي: أولاً: أن التعارض هنا ليس بين حديثين أحدهما أصح سنداً وأكثر طرقاً، كما توهم الطبري وغيره.. بل هو تعارض بين حديث عن النبي صلي الله عليه وآله وبين قولٍ لعمر بن الخطاب. فإن الأحاديث التي ضعفوها أحاديث نبوية مسندة، بينما أحاديث البخاري وغيره ما هي إلا قول لعمر لم يسنده إلي النبي صلي الله عليه وآله! فالباحث السني لايكفيه أن يستدل بقول عمر في سبب نزول القرآن، ويرد به الحديث النبوي المتضمن سبب النزول، بل لابد له أن يبحث
في سند الحديث ونصه، فإن صح عنده فعليه أن يأخذ به ويترك قول عمر.. وإن لم يصح رجع إلي أقوال الصحابة المتعارضة، وجمع بين الموثوق منها إن أمكن الجمع، وإلا رجح بعضها وأخذ به، وترك الباقي.. ولكنهم لم يفعلوا ذلك مع الأسف! ثانياً: لو تنزلنا وقلنا إن أحاديث أهل البيت عليهمالسلام في سبب نزول الآية والأحاديث السنية المؤيدة لها ليست أكثر من رأي لأهل البيت ومن أيدهم في ذلك، وأن التعارض يصير بين قولين لصحابيين في سبب النزول، أو بين قول صحابي وقول بعض أئمة أهل البيت عليهمالسلام.. فنقول: إن النبي صلي الله عليه وآله أوصي أمته بأخذ الدين من أهل بيته عليهمالسلام ولم يوصها بأخذه من أصحابه.. وذلك في حديث الثقلين الصحيح المتواتر عند الجميع، وهو كما في مسند أحمد:14:3 عن أبيسعيد قال قال رسولالله صلي الله عليه وسلم: إني تاركٌ فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلي الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتي يردا عليَّ الحوض. انتهي. ورواه أيضاً في26:3-17 و59 و366:4 و371 والدارمي:431:2 ومسلم122:7 والحاكم، وصححه علي شرط الشيخين وغيرهما في:109:3 و148 والبيهقي في سننه:148:2 وغيرهم. وهذا الحديث الصحيح بدرجة عالية يدل علي حصر مصدر الدين بعد النبي صلي الله عليه وآله بأهل بيته صلي الله عليهم، أو يدل علي الأقل علي ترجيح قولهم عند تعارضه مع قول غيرهم.. لذا يجب ترجيحه هنا. ثالثاًً: أن الرواية عن عمر نفسه متعارضة، وتعارضها يوجب التوقف في الأخذ بها، فقد رووا عنه أن يوم عرفة في حجة الوداع كان يوم خميس، وليس يوم جمعة. قال النسائي في سننه:251:5 : أخبرنا إسحق بن إبراهيم قال: أنبأنا عبدالله بن
إدريس، عن أبيه، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال يهودي لعمر: لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً: اليوم أكملت لكم دينكم. قال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والليلة التي أنزلت، ليلة الجمعة ونحن مع رسولالله صلي الله عليه وسلم بعرفات! انتهي. والطريف أن النسائي روي عن عمر في:114:8 أنها نزلت في عرفات في يوم جمعة! رابعاً: تقدم قول البخاري في روايته أن سفيان الثوري، وهو من أئمة الحديث والعقيدة عندهم، لم يوافق علي أن يوم عرفة كان يوم جمعة (قال سفيان وأشك كان يوم الجمعة أم لا..) وهناك عددٌ من الروايات تؤيد شك سفيان! بل يظهر أن سفياناً كان قاطعاً بأن يوم عرفة في حجة الوداع لم يكن يوم جمعة، وإنما قال (أشك) مداراة لجماعة عمر، الذين فرضوا سلطتهم ورتبوا كل روايات أحداث حجة الوداع، بل وأحداث التاريخ الإسلامي كلها.. علي أساس أن يوم عرفات كان يوم جمعة، كما ستعرف! خامساً: أن عيد المسلمين هو يوم الأضحي، وليس يوم عرفة، ولم أجد روايةً تدل علي أن يوم عرفة عيدٌ شرعي، فالقول بذلك مما تفرد به عمر بن الخطاب، ولم يوافقه عليه أحدٌ من المسلمين. فيجب أن يدخل عند السلفيين يدخل في باب البدعة! أما إذا أخذنا برواية النسائي القائلة إن عرفة كان يوم خميس، وأن الآية نزلت ليلة عرفة.. فلا يبقي عيد حتي يصطدم به العيد النازل من السماء، ولا يحتاج الأمر إلي قانون إدغام الأعياد الإلهية المتصادمة، كما ادعي عمر! وعلي هذا يكون معني جوابه أن يوم نزول آية إكمال الدين يستحق أن يكون عيداً، ولكن آيته نزلت قبل العيد بيومين، فلم نتخذ يومها عيدا! وهو كلام
متهافت! سادساً: أن قول عمر يناقض ما رووه عنه نفسه بسند صحيح أيضاً.. فقد فهم هذا اليهودي من الآية أن الله تعالي قد أكمل تنزيل الإسلام وختمه في يوم نزول الآية، وقبل عمر منه هذا التفسير.. فلا بد أن يكون نزولها بعد نزول جميع الفرائض، فيصح علي رأيه ما قاله أهل البيت عليهمالسلام وما قاله السدي وابنعباس وغيرهما من أنه لم تنزل بعدها فريضةٌ ولا حكم. مع أن عمر قال إن آية إكمال الدين نزلت قبل آيات الكلالة، وأحكام الإرث، وغيرها، كما تقدم في بحث آخر ما نزل من القرآن! فوجب علي مذهبه أن يقول لليهودي: ليس معني الآية كما ظننت، بل كان بقي من الدين عدة أحكامٍ وشرائع نزلت بعدها، وذلك اليوم هو الجدير بأن يكون عيداً، وليس يوم نزول الآية! وعندما تتناقض الروايات عن شخص واحد، فلا بد من التوقف فيها جميعاً، وتجميد كل روايات عمر في آخر ما نزل من القرآن، وفي وقت نزول آية إكمال الدين، لأنه اضطرب في المسألة أو اضطربت روايتها عنه! ومن جهة أخري، فقد أقر عمر أن (اليوم) في الآية هو اليوم المعين الذي نزلت فيه، وليس وقتاً مجملاً ولا يوماً مضي قبل سنين كفتح مكة، أو يوم يأتي بعد شهور مثلاً. وهذا يستوجب رد قول الطبري الذي تعمد اختياره ليوافق عمر، ويستوجب رد كل الروايات التي تريد تعويم كلمة (اليوم) في الآية، أو تريد جعله يوم فتح مكة، لتبرير رأي عمر. قال القرطبي في تفسيره:143:1 وقد يطلق اليوم علي الساعة منه قال الله تعالي: اليوم أكملت لكم دينكم، وجمع يوم أيام، وأصله أيوام فأدغم. وقال في:61:2 واليوم قد يعبر بجزء منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر
ببعضه تقول: فعلنا في شهر كذا كذا وفي سنة كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السنة، وذلك مستعملٌ في لسان العرب والعجم. انتهي. سابعاًً: أن جواب عمر لليهودي غير مقنعٍ لالليهودي ولا للمسلم! لأنه إن كان يقصد الإعتذار بأن نزولها صادف يوم عيد ولذلك لم نتخذ يومها عيداً، فيمكن لليهودي أن يجيبه: لماذا خرب عليكم ربكم هذا العيد وأنزله في ذلك اليوم؟! وإن كان يقصد إدغام عيد إكمال الدين بعيد عرفة، حتي صار جزءاً منه، فمن حق سائل أن يسأل: هذا يعني أنكم جعلتم يوم نزولها نصف عيد، مشتركاً مع عرفة.. فأين هذا العيد الذي لايوجد له أثر عندكم، إلا عند الشيعة؟! وإن كان يقصد أن هذا اليوم الشريف والعيد العظيم، قد صادف يوم جمعة ويوم عرفة، فأدغم فيهما وذاب، أو أكلاه واختفي! فكيف أنزل الله تعالي هذا العيد علي عيدين، وهو يعلم أنهما سيأكلانه؟! فهل تعمد الله تعالي تذويب هذا العيد، أم نسي والعياذ بالله، فأنزل عيداً في يوم عيد، فتدارك المسلمون الأمر بقرار الدمج والإدغام، أو التنصيف!! ثم من الذي اتخذ قرار الإدغام؟ ومن الذي يحق له أن يدغم عيداً إلهياً في عيد آخر، أو يطعم عيداً ربانياً لعيد آخر؟! وما بال الأمة الإسلامية لم يكن عندها خبر من حادثة اصطدام الأعياد الربانية في عرفات، حتي جاء هذا اليهودي في خلافة عمر ونبههم! فأخبره الخليفة عمر بأنه يوافقه علي كل ما يقوله، وأخبره وأخبر المسلمين بقصة تصادم الأعياد الإلهية في عرفات، وأن الحكم الشرعي في هذا التصادم هو الإدغام لمصلحة العيد السابق، أو إطعام العيد اللاحق للسابق! وهل هذه الأحكام للأعياد أحكامٌ إسلامية ربانية، أم أحكام عمرية استحسانية، شبيهاً بقانون تصادم
السيارات، أو قانون تصادم الأعياد الوطنية والدينية؟!! إن المشكلة التي طرحها اليهودي، ما زالت قائمة عند الخليفة وأتباعه، لأن الخليفة لم يقدم لها حلاًّ.. وكل الذي قدمه أنه اعترف بها وأقرها، ثم رتب عليها أحكاماً لايمكن قبولها، ولم يقل إنه سمعها من النبي صلي الله عليه وآله! فقد اعترف (خليفة المسلمين) بأن يوم نزول الآية يوم عظيمٌ ومهمٌّ بالنسبة إلي المسلمين، لأنه يوم مصيري وتاريخي أكمل الله فيه تنزيل الإسلام، وأتمَّ فيه النعمة علي أمته، ورضيه لهم ديناً يدينونه به، ويسيرون عليه، ويدعون الأمم إليه. وأن هذا اليوم العظيم يستحق أن يكون عيداً شرعياً للأمة الإسلامية تحتفل فيه وتجتمع فيه، في صف أعيادها الشرعية الثلاث: الفطر والأضحي والجمعة، وأنه لو كان عند أمة أخري يوم مثله، لأعلنته عيداً ربانياً، وكان من حقها ذلك شرعاً.. لقد وافق الخليفة صاحه اليهودي علي كل هذا، وبذلك يكون عيد إكمال الدين في فقه إخواننا عيداً شرعياً سنوياً، يضاف إلي عيدي الفطر والأضحي السنويين وعيد الجمعة الأسبوعي! إن الناظر في المسألة يلمس أن عمر وقع في ورطة (آية علي بن أبيطالب) من ناحيتين: فهو من ناحية ناقض نفسه في آخر ما نزل من القرآن.. ومن ناحية فتح علي نفسه المطالبة بعيد الآية إلي يوم القيامة!! وصار من حق المسلم أن يطالب الفقهاء أتباع عمر عن هذا العيد الذي لايري له عيناً ولا أثراً، ولا إسماً ولا رسماً في تاريخ المسلمين ولا في حياتهم، ولا في مصادرهم إلا.. عند الشيعة! ثم.. ألا يتفقون معنا في أن الأعياد الإسلامية توقيفية، فلا يجوز لأحد أن يشرع عيداً من نفسه..؟!! إن حجة الشيعة في جعل يوم الغدير عيداً، أن أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم رووا
عن النبي صلي الله عليه وآله أن يوم الآية أي يوم الغدير عيدٌ شرعي، وأن جبرئيل أخبره بأن الأنبياء عليهمالسلام كانوا يأمرون أممهم أن تتخذ يوم نصب الوصي عيداً، وأمره أن يتخذه عيداً. فما هي حجة عمرفي تأييد كلام اليهودي، وموافقته له بأن ذلك اليوم يستحق أن يكون عيداً شرعياً للأمة الإسلامية! ثم أخذ يعتذر له بأن مصادفة نزولها في عيدين أوجبت عدم إفراد المسلمين ليومها بعيد... إلخ. فإن كان حكم من عند نفسه بأن يوم الآية يستحق أن يكون عيداً، فهو تشريع وبدعة، وإن كان سمعه من النبي صلي الله عليه وآله، فلماذا لم يذكره ولم يرو أحدٌ من المسلمين شيئاً عن عيد الآية، إلا ما رواه الشيعة؟! ثامناً: لو كان يوم يوم عرفة يوم جمعة كما قال عمر في بعض أقواله، لصلي النبي صلي الله عليه وآله بالمسلمين صلاة الجمعة، مع أن أحداً لم يرو أنه صلي الجمعة في عرفات، بل روي النسائي وغيره أنه قد صلي الظهر والعصر! والظاهر أن النسائي يوافق سفيان الثوري ولا يوافق عمر، فقد جعل في سننه:290:1 عنواناً باسم (الجمع بين الظهر والعصر بعرفة) وروي فيه عن جابر بن عبدالله قال: سار رسولالله صلي الله عليه وسلم حتي أتي عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتي إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، حتي إذا انتهي إلي بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلي الظهر، ثم أقام فصلي العصر، ولم يصل بينهما شيئاً!! انتهي. وكذلك روي أبوداود في سننه:429:1 قال: عن ابنعمر قال: غدا رسولالله صلي الله عليه وسلم من مني حين صلي الصبح صبيحة يوم عرفة، حتي أتي عرفة فنزل بنمرة،
وهي منزل الإمام الذي ينزل بعرفة، حتي إذا كان عند صلاة الظهر راح رسولالله صلي الله عليه وسلم مهجراً، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف علي الموقف من عرفة. انتهي. وأما الجواب بأن الجمعة تسقط في السفر، فهو أمر مختلفٌ فيه عندهم، ولو صح أن يوم عرفة كان يوم جمعة ولم يصل النبي صلي الله عليه وآله صلاة الجمعة، لذكر ذلك مئات المسلمين الذين كانوا في حجة الوداع! وقد تمحل ابنحزم في الجواب عن ذلك فقال في المحلي:272:7 : مسألة: وإن وافق الإمام يوم عرفة يوم جمعةٍ جهر وهي صلاة جمعة! ويصلي الجمعة أيضاً بمني وبمكة، لأن النص لم يأت بالنهي عن ذلك، وقال تعالي: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع، فلم يخص الله تعالي بذلك غير يوم عرفة ومني. وروينا... عن عطاء بن أبيرباح قال: إذا وافق يوم جمعة يوم عرفة، جهر الإمام بالقراءة... فإن ذكروا خبراً رويناه... عن الحسن بن مسلم قال: وافق يوم التروية يوم الجمعة وحجة النبي عليهالسلام فقال: من استطاع منكم أن يصلي الظهر بمني فليفعل، فصلي الظهر بمني ولم يخطب... فهذا خبرٌ موضوعٌ فيه كل بلية: إبراهيم بن أبييحيي مذكور بالكذب متروك من الكل، ثم هو مرسل، وفيه عن ابنالزبير، مع ابنأبييحيي الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، ثم الكذب فيه ظاهر، لأن يوم التروية في حجة النبي عليهالسلام إنما كان يوم الخميس، وكان يوم عرفة يوم الجمعة، روينا ذلك من طريق البخاري... فإن قيل: إن الآثار كلها إنما فيها جمع رسولالله عليهالسلام بعرفة بين الظهر والعصر؟ قلنا: نعم وصلاة الجمعة هي صلاة الظهر نفسها! وليس في شيء من الآثار
أنه عليهالسلام لم يجهر فيها، والجهر أيضاً ليس فرضاً، وإنما في أن ظهر الجمعة في الحضر والسفر للجماعة ركعتان. انتهي. وجوابنا لابن حزم: أنه مصادرة علي المطلوب، لأن حجته في رد الرواية مجرد مخالفتها لقول عمر بأن يوم عرفة لم يكن يوم جمعة! فلماذا لم يرد قول عمر بقوله الثاني بأن عرفة كانت يوم خميس، وروايته صحيحة؟ أو بقول النسائي والثوري، والأقوال العديدة التي ذكرها الطبري وغيره؟ ولو صح ما قاله من أن النبي صلي الله عليه وآله اعتبر ركعتي الظهر في عرفة صلاة جمعة لأنه جهر فيهما، لاشتهر بين المسلمين أن النبي صلي الله عليه وآله جهر في صلاة الظهر التي لايجهر بها لتصبح (أتوماتيكياً) صلاة جمعة! بل إن الرواية التي كذبها وهاجمها بسبب مخالفتها لرواية عمر تنص علي أنه صلي الله عليه وآله صلي الجمعة في مني، وهي أقرب إلي حساب سفره صلي الله عليه وآله من المدينة الذي كان يوم الخميس لأربع بقين من ذي القعدة، ووصوله إلي مكة يوم الخميس لأربع مضين من ذي الحجة، وأن أول ذي الحجة كان يوم الإثنين، فيوم عرفة يوم الثلاثاء، وعيد الأضحي الأربعاء، ويوم الجمعة كان ثاني عشر ذي الحجة كما سيأتي.. فيكون قول الراوي إن الجمعة كانت في مني قولاً صحيحاً، ولكنه اشتبه وحسبها قبل موقف عرفات، مع أنها كانت بعده! تاسعاً: إن القول بأن يوم عرفة في تلك السنة كان يوم جمعة، تعارضه رواياتهم التي تقول إنه صليالله عليه وآله عاش بعد نزول الآية إحدي وثمانين ليلةً أو ثمانين! فقد ثبت عندهم أن وفاة النبي صلي الله عليه وآله في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، ومن9 ذي الحجة إلي12 ربيع الأول أكثر
من تسعين يوماً.. فلا بد لهم إما أن يأخذوا برواية وفاته قبل ذلك فيوافقونا علي أنها في28 من صفر، أو يوافقونا علي نزول الآية في يوم الغدير18 ذي الحجة. قال السيوطي في الدر المنثور:259:2 : وأخرج ابنجرير، عن ابنجريج قال: مكث النبي صلي الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية إحدي وثمانين ليلة، قوله: اليوم أكملت لكم دينكم. انتهي. وذكر نحوه في:257:2 عن البيهقي في شعب الإيمان. وقال ابنحجر في تلخيص الحبير بهامش مجموع النووي:7:3 : وروي أبوعبيد، عن حجاج، عن ابنجريح أنه صلي الله عليه وسلم لم يبق بعد نزول قوله تعالي: اليوم أكملت لكم دينكم إلا إحدي وثمانين ليلة. ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم12984 ورواه الطبري في تفسيره:106:4 عن ابنجريح قال: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن ابنجريج قال: مكث النبي صلي الله عليه وآله بعد ما نزلت هذه الآية إحدي وثمانين ليلة، قوله: اليوم أكملت لكم دينكم. وقال القرطبي في تفسيره:223:20 : وقال ابنعمر: نزلت هذه السورة بمني في حجة الوداع ثم نزلت: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. فعاش بعدهما النبي صلي الله عليه وسلم ثمانين يوماً. ثم نزلت آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل لقد جاءكم رسول من أنفسكم. فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً. ثم نزل واتقوا يوما ترجعون فيه إلي الله فعاش بعدها أحدا وعشرين يوماً. وقال مقاتل سبعة أيام. وقيل غير هذا. انتهي. ورواية ابنعمر تؤيد قول أبيه بنزول آية الكلالة بعد آية إكمال الدين، ولكنه نسي آية الربا التي قال أبوه أيضاً إنها آخر آية، كما خالف أباه من ناحية أخري في أن آية إكمال الدين نزلت في عرفة،
وقال إنها نزلت بعد سورة النصر بمني، يعني بعد انتهاء حجة الوداع وسفر النبي صلي الله عليه وآله، واقترب من القول بنزولها في الغدير!! فإن صح الحديث عن ابنعمر، فقد رتق جانباً وفتق جوانب! قال الأميني في الغدير:230:1 : الذي يساعده الإعتبار ويؤكده النقل الثابت في تفسير الرازي:529:3 عن أصحاب الآثار: أنه لما نزلت هذه الآية علي النبي صلي الله عليه وسلم لم يعمر بعد نزولها إلا أحدا وثمانين يوماً، أو اثنين وثمانين، وعينه أبوالسعود في تفسيره بهامش تفسير الرازي:523:3 وذكر المؤرخون منهم أن وفاته صلي الله عليه وآله في الثاني عشر من ربيع الأول، وكأن فيه تسامحاً بزيادة يوم واحد علي الإثنين وثمانين يوماً، بعد إخراج يومي الغدير والوفاة.. وعلي أي حال فهو أقرب إلي الحقيقة من كون نزولها يوم عرفة، كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما لزيادة الأيام حينئذ. انتهي. كما إن رواياتهم التي تنص علي أن الآية نزلت يوم الإثنين تعارض قول عمر بأن يوم عرفات كان يوم جمعة.. ففي دلائل البيهقي:233:7 عن ابنعباس قال: ولد نبيكم صلي الله عليه وآله يوم الإثنين، ونبئ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، وفتح مكة يوم الإثنين ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين: اليوم أكملت لكم دينكم وتوفي يوم الإثنين. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد196:1 : رواه أحمد والطبراني في الكبير وزاد فيه: وفتح بدراً يوم الإثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين: اليوم أكملت لكم دينكم، وفيه ابنلهيعة وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح. انتهي. وللحديث طرقٌ ليس فيها ابنلهيعة.. ولكن علته الحقيقية عندهم مخالفته لما قاله الخليفة عمر، كما صرح به السيوطي وابنكثير! فقد قال ابنكثير في سيرته:198:1 تفرد به أحمد،
ورواه عمرو بن بكير عن ابنلهيعة، وزاد: نزلت سورة المائدة يوم الإثنين: اليوم أكملت لكم دينكم، وهكذا رواه بعضهم عن موسي بن داود به، وزاد أيضاً: وكانت وقعة بدر يوم الإثنين. وممن قال هذا يزيد بن حبيب. وهذا منكرٌ جداً!! قال ابنعساكر: والمحفوظ أن بدراً ونزول: اليوم أكملت لكم دينكم يوم الجمعة، وصدق ابنعساكر. انتهي. وقد تقدم أن علة نكارته عند ابنكثير أنه مخالف لقول عمر، وقول معاوية! وقد كان ابنعساكر أكثر اتزاناً منه حيث لم يصف الخبر بالضعف أو النكارة، بل قال إنه مخالف للمحفوظ، أي المشهور عندهم، وهو قول عمر. وينبغي الإلفات إلي أن الإشكال عليهم بأحاديث نزول الآية في يوم الإثنين إنما هو إلزامٌ لهم بما التزموا به، وإلا فنحن لانقبل أنه صلي الله عليه وآله لم يبق بعد الآية إلا ثمانين يوماً، لأن المعتمد عندنا أن الآية نزلت يوم الثامن عشر من ذي الحجة، وأن وفاته صلي الله عليه وآله كانت في الثامن والعشرين من صفر، فتكون الفاصلة بنحو سبعين يوماً. وقد ثبت عندنا أن الآية نزلت يوم الخميس، وفي رواية يوم الجمعة، كما ثبت عندنا أن بعثة النبي صلي الله عليه وآله كانت يوم الإثنين، وأن علياً عليه السلام صلي معه يوم الثلاثاء، وأن وفاته صلي الله عليه وآله كانت في يوم الإثنين أيضاً، وقد تكون سورة المائدة نزلت يوم الإثنين أي أكثرها، ثم نزلت بقيتها بعد ذلك، ومنها آية التبليغ، وآية إكمال الدين. عاشراً: إن القول بأن يوم عرفة في تلك السنة كان يوم جمعة، تعارضه الروايات التي سجلت يوم حركة النبي صلي الله عليه وآله من المدينة، وأنه كان يوم الخميس لأربعٍ بقين من ذي القعدة. وهو الرواية
المشهورة عن أهل البيت عليهمالسلام، وهي منسجمةٌ مع تاريخ نزول الآية في يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجة. وذلك، لأن سفر النبي صلي الله عليه وآله كان في يوم الخميس، أي في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة، لأربع بقين من ذي القعدة هي: الخميس والجمعة والسبت والأحد.. ويكون أول ذي الحجة يوم الإثنين، ووصول النبي صلي الله عليه وآله إلي مكة عصر الخميس الرابع من ذي الحجة في سلخ الرابع، كما في رواية الكافي:245:4 ويكون يوم عرفة يوم الثلاثاء، ويوم الغدير يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة. وهذه نماذج من روايات أهل البيت عليهمالسلام في ذلك: ففي وسائل الشيعة:318:9 : محمد بن إدريس في (آخر السرائر) نقلاً من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب قال: خرج رسولالله صلي الله عليه وآله لأربعٍ بقين من ذي القعدة، ودخل مكة لأربعٍ مضين من ذي الحجة، دخل من أعلي مكة من عقبة المدنيين، وخرج من أسفلها. وفي الكافي:245:4 : عن أبيعبدالله عليهالسلام قال: حج رسولالله صلي الله عليه وآله عشرين حجة... إن رسولالله صلي الله عليه وآله أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل الله عزوجل عليه: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلي كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلي أصواتهم بأن رسولالله صلي الله عليه وآله يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب، واجتمعوا لحج رسولالله صلي الله عليه وآله، وإنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون ويتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسولالله صلي الله عليه وآله في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهي إلي ذي الحليفة زالت الشمس فاغتسل، ثم خرج
حتي أتي المسجد الذي عند الشجرة فصلي فيه الظهر، وعزم بالحج مفرداً، وخرج حتي انتهي إلي البيداء عند الميل الأول فصف له سماطان، فلبي بالحج مفرداً، وساق الهدي ستاً وستين أو أربعاً وستين، حتي انتهي إلي مكة في سلخ أربع من ذي الحجة فطاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلي ركعتين خلف مقام إبراهيم عليهالسلام، ثم عاد إلي الحجر فاستلمه... وفي المسترشد:119 : العبدي عن أبيسعيد أن رسولالله صلي الله عليه وآله دعا الناس إلي علي عليهالسلام بغدير خم، وأمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقمَّ، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس، وأخذ بضبعيه ورفعه حتي نظر الناس إلي بياض إبطيه، ثم لم يتفرقوا حتي نزلت هذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً، فقال رسولالله صلي الله عليه وآله: الله أكبر علي إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضي الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي. انتهي. ويؤيد قول أهل البيت عليهمالسلام ما روته مصادر الفريقين من أن النبي صلي الله عليه وآله كان لايبدأ سفره إلا يوم الخميس، أو قلما يبدأه في غيره كما في البخاري:6:4 وسنن أبيداود586:1 بل تنص رواية ابنسيد الناس في عيون الأثر:341:2 علي أن سفر النبي من المدينة كان يوم الخميس. وروي في بحارالأنوار:272:16 عن الكافي بسند مقبول عن أبيعبدالله عليه السلام قال: كان النبي صلي الله عليه وآله إذا خرج في الصيف من البيت خرج يوم الخميس، وإذا أراد أن يدخل في الشتاء من البرد، دخل يوم الجمعة. انتهي. ويؤيد قول أهل البيت عليهمالسلام أيضاً ما رووه عن جابر بأن حركته صلي الله عليه وآله كانت لأربعٍ بقين من ذي القعدة، كما يأتي من سيرة ابنكثير.
بل يؤيده أيضاً، أن البخاري وأكثر الصحاح رووا أن سفره صلي الله عليه وآله كان كان لخمسٍ بقين من ذي القعدة، بدون تحديد يوم. راجع البخاري:146:2 و184 و187 و7:4 وفيه (وقدم مكة لأربع ليال خلون من ذيالحجة، (والنسائي:154:1 و208 و121:5 ومسلم:32:4 وابنماجة:993:2 والبيهقي:33:5 وغيرها. ويؤيده أيضاً أن مدة سيره صلي الله عليه وآله من المدينة إلي مكة لاتزيد علي ثمانية أيامٍ، وذلك بملاحظة الطريق الذي سلكه، والذي هو في حدود400 كيلو متراً، وملاحظة سرعة السير، حتي أن بعض الناس شكوا له تعب أرجلهم فعلمهم النبي صلي الله عليه وآله أن يشدوها! وأن أحداً لم يرو توقفه في طريق مكة أبداً. وبملاحظة روايات رجوعه ووصوله إلي المدينة أيضاً، مع أنه توقف طويلاً نسبياً في الغدير... إلخ. ثم بملاحظة الروايات التي تتفق علي أن وصوله إلي مكة كان في الرابع من ذي الحجة كما رأيت في روايات أهل البيت عليهمالسلام ورواية البخاري الآنفة! وبذلك تسقط رواية خروجه من المدينة لستٍّ بقين من ذي الحجة، كما في عمدة القاري، وإرشاد الساري، وابنحزم، وهامش السيرة الحلبية:257:3 لأنها تستلزم أن تكون مدة السير إلي مكة عشرة أيام! وبهذا يتضح حال القول المخالف لرواية أهل البيت عليهمالسلام الذي اعتمد أصحابه رواية (خمس بقين من ذي القعدة) وحاولوا تطبيقها علي يوم السبت، ليجعلوا أول ذي الحجة الخميس، ويجعلوا يوم عرفة يوم الجمعة تصديقا لقول عمر، بل تراهم ملكيين أكثر من الملك، لما تقدم عن عمر من أن يوم عرفة كان يوم الخميس. وممن قال برواية السبت ابنسعد في الطبقات:124:2 والواقدي في المغازي:1089:2 وكذا في هامش السيرة الحلبية:3:3 والطبري:148:3 وتاريخ الذهبي:701:2 وغيرهم. وعلي هذه الرواية يكون الباقي من شهر ذي القعدة خمسة أيام
هي: السبت والأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء، ويكون أول ذي الحجة الخميس، ويكون يوم عرفة يوم الجمعة، وتكون مدة السير إلي مكة تسعة أيام، إلا أن يكون الراوي تصور أن ذي القعدة كان تاماً، فظهر ناقصاً.وقد حاول ابنكثير الدفاع عن هذا القول، فقال في سيرته:217:4 : وقال أحمد... عن أنس بن مالك الأنصاري قال: صلي بنا رسولالله صلي الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات، ثم صلي بنا العصر بذي الحليفة ركعتين آمناً لايخاف، في حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذين الوجهين، وهما علي شرط الصحيح. وهذا ينفي كون خروجه عليهالسلام يوم الجمعة قطعاً. ولا يجوز علي هذا أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابنحزم، لأنه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة، لأنه لاخلاف أن أول ذي الحجة كان يوم الخميس لما ثبت (بالتواتر والإجماع) من أنه عليهالسلام وقف بعرفة يوم الجمعة، وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع. فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة، لبقي في الشهر ست ليال قطعاً: ليلة الجمعة والسبت والأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء. فهذه ست ليال. وقد قال ابنعباس وعائشة وجابر إنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة وتعذر أنه يوم الجمعة لحديث أنس، فتعين علي هذا أنه عليهالسلام خرج من المدينة يوم السبت، وظن الراوي أن الشهر يكون تاماً فاتفق في تلك السنة نقصانه، فانسلخ يوم الأربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس. ويؤيده ما وقع في رواية جابر: لخمس بقين أو أربع. وهذا التقريب علي هذا التقدير لامحيد عنه ولا بد منه. والله أعلم. انتهي. ويظهر من كلام ابنكثير عدم اطمئنانه بهذه التقديرات، لأنه رأي تشكيك الخليفة عمر نفسه، وتشكيك سفيان
الثوري الذي رواه البخاري، وتشكيك النسائي. وجزم ابنحزم بأن سفره صلي الله عليه وآله كان يوم الخميس. ونلاحظ أنه استدل علي أن خروج النبي صلي الله عليه وآله يوم الخميس بالمصادرة علي المطلوب فقال (لما ثبت بالتواتر والإجماع من أنه عليهالسلام وقف بعرفة يوم الجمعة)، فأي تواترٍ وإجماع يقصد، وما زال في أول البحث؟! كما أنه استدل علي أن سفر النبي صلي الله عليه وآله لم يبدأ من المدينة يوم الجمعة برواية أنس أن النبي صلي الظهر والعصر ولم يصل الجمعة، وهو استدلالٌ يؤيد قول أهل البيت عليهمالسلام بأن بدء سفره كان الخميس لأربعٍ بقين من ذي القعدة! وقد تقدمت الرواية عندنا أنه صلي الله عليه وآله صلي الظهر والعصر في ذي الحليفة. ولو صحت رواية أنس بأنه صلي الظهر في مسجده في المدينة، ثم صلي العصر في ذي الحليفة، فلا ينافي ذلك أن يكون سفره الخميس، بل يكون معناه أنه أحرم بعد العصر من ذي الحليفة، وواصل سفره صلي الله عليه وآله. والنتيجة: أن القول بنزول آية إكمال الدين في يوم عرفة، يرد عليه إشكالاتٌ عديدةٌ، سواء في منطقه، أم في تاريخه وتوقيته.. وكلها تستوجب من الباحث المنصف أن يتركه ولا يأخذ به. ويكون رأي أهل البيت عليهمالسلام ومن وافقهم في سبب نزول الآية بدون معارض معتد به، لأن المعارض الذي لايستطيع النهوض للمعارضة كعدمه.. أما تمسككم بصحة سنده فالمتن الكسيح لاينهضه السند الصحيح!! وفي الختام: فإن المجمع عليه عند جميع المسلمين أن يوم نزول الآية عيدٌ إلهيٌّ عظيم (عيد إكمال الدين وإتمام النعمة) بل ورد عن أهل البيت عليهمالسلام أنه أعظم الأعياد الإسلامية علي الاطلاق، ودليله المنطقي واضحٌ، حيث ارتبط العيد الأسبوعي للمسلمين
بصلاة الجمعة، وارتبط عيد الفطر بعبادة الصوم، وارتبط عيد الأضحي بعبادة الحج.. أما هذا العيد، فهو مرتبطٌ بإتمام الله تعالي نعمة الإسلام كله علي الأمة، وقد تحقق في رأي إخواننا السنة بتنزيل أحكام الدين وإكماله من دون تعيين آلية لقيادة مسيرته.. وتحقق في رأينا بإكمال تنزيل الأحكام، ونعمة الحل الإلهي لمشكلة القيادة، وإرساء نظام الإمامة إلي يوم القيامة، في عترة خاتم النبيين صلي الله عليه وآله. وما دام جميع المسلمين متفقون علي أنه عيدٌ شرعي، فلماذا يقبل علماء المسلمين ومفكروهم ورؤساؤهم أن تخسر الأمة أعظم أعيادها، ولا يكون له ذكر في مناسبته، ولا مراسم تناسب شرعيته وقداسته؟! فهل يستجيب علماء إخواننا السنة إلي دعوتنا بالبحث في فقه هذا العيد المظلوم المغيب.. وإعادته إلي حياة كل المسلمين، بالشكل الذي ينسجم مع عقائدهم وفقه مذاهبهم؟!
قال الله تعالي في مطلع سورة المعارج: (سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج...) إلي آخر السورة الكريمة التي هي44 آية.
نمهد لتفسير الآية بفهرسٍ لعدد من الأحداث الخطيرة في أواخر حياة النبي صلي الله عليه وآله.. ثبت أن قريشاً كانت وراء بعضها، وتوجد مؤشرات توجب الظن أو الاطمئنان بأنها كانت وراء الباقي! الأولي: محاولة اغتيال النبي صلي الله عليه وآله في حنين.. وقد تقدم في البحث الخامس اعتراف بعض زعماء قريش بها! الثانية: محاولة اغتيال النبي صلي الله عليه وآله في العقبة في طريق رجوعه من تبوك، وقد كانت محاولةً متقنةً، نفذتها مجموعةٌ منافقة بلغت نحو عشرين شخصاً، حيث عرفوا أن النبي صلي الله عليه وآله سيمر ليلاً من طريق الجبل بينما يمر الجيش من طريق حول الجبل، وكانت خطتهم أن يكمنوا فوق عقبة
الجبل التي سيمر فيها الرسول صلي الله عليه وآله، حتي إذا وصل إلي المضيق ألقوا عليه ما استطاعوا من صخور لتنحدر بقوةٍ وتقتله، ثم يفرون ويضيعون أنفسهم في جيش المسلمين، ويبكون علي الرسول، ويأخذون خلافته! وقد تركهم الله تعالي ينفذون خطتهم، حتي إذا بدؤوا بدحرجة الصخور، جاء جبرئيل وأضاء الجبل عليهم، فرآهم النبي صلي الله عليه وآله وناداهم بأسمائهم، وأراهم لمرافقيه المؤمنين: حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، وأشهدهما عليهم، فسارعوا ونزلوا من الجهة الثانية من الجبل، وضيعوا أنفسهم في المسلمين!! أما لماذا يعاقبهم النبي؟ أو يعلن أسماءهم ويوبخهم علي الأقل؟! فلا جواب إلا أنهم من قريش، ومن المعروفين فيها.. وإعلان أسمائهم يعني معاقبتهم، ومعاقبتهم تعني خطر ارتداد قريش عن الإسلام، ويعني إمكان أن تقنع قريش بعض قبائل العرب بالإرتداد معها، بحجة أن محمداً أعطي كل شيء من بعده لبني هاشم، ولم يعط لقريش والعرب شيئاً! وهذا يعني السمعة السيئة للإسلام، وأن نبيه صلي الله عليه وآله بعد أن آمن به أصحابه اختلف معهم علي السلطة والملك، وقاتلهم وقاتلوه! ويعني الحاجة من جديد إلي بدرٍ، وأحدٍ، والخندق، وفتح مكة! ولن تكون نتائج هذه الدورة للإسلام أفضل من الدورة الأولي! فالحل الإلهي هو: السكوت عنهم ما داموا يعلنون قبول الإسلام، ونبوة الرسول صلي الله عليه وآله، وينكرون فعلتهم!! ومن الملاحظ أن روايات مؤامرة العقبة ذكرت أسماء قرشية معروفة، وقد ضعَّفها رواة قريش طبعاً، لكن أكثرهم وثقوا الوليد بن جُمَيْع وغيره من الرواة الذين نقلوا أسماء هؤلاء (الصحابة) المشاركين فيها! كما أنهم رووا عن حذيفة وعمار رواياتٍ فاضحةٍ لبعض الصحابة الذين كانوا يسألونهما عن أنفسهم: هل رأياهم في الجبل ليلة العقبة؟! ويحاولون أن يأخذوا منهما براءةً من
النفاق والمشاركة في المؤامرة! ورووا أنهم كانوا يعرفون الشخص أنه من المنافقين أم لا، عندما يموت.. فإن صلي حذيفة علي جنازته فهو مؤمن، وإن لم يصل علي جنازته فهو منافق. ورووا أن حذيفة لم يصل علي جنازة أي زعيمٍ من قريش مات في حياته!! الثالثة: قصة سورة التحريم، التي تنص علي أن النبي صلي الله عليه وآله أسرَّ بحديثٍ خطيرٍ إلي بعض أزواجه، وأكد عليها أن لاتقوله لأحد، ولا بد أن الله تعالي أمره بذلك لِحِكَمٍ ومصالح يعلمها سبحانه.. فخالفت (أم المؤمنين) حكم الله تعالي، وخانت زوجها رسولالله صلي الله عليه وآله بإفشاء سره، وعملت مع صاحبتها لمصلحة (قريش) ضد مصلحة زوجها الرسول!! وأطْلع الله تعالي نبيه علي مؤامرتهما، فأخبرهما بما فعلتا، ونزل القرآن بكشف سرهما وسر من ورائهما، وهددهما وضرب لهما مثلاً بامرأتي نوح ولوط، اللتين خانتاهما، فدخلتا النار!! أما رواة الخلافة القرشية فيقولون إن المسألة كانت عائلية محضة! تتعلق بغيرة النساء من بعضهن، وبعض الأخطاء الفنية الخفيفة لهن مع النبي صلي الله عليه وآله!! إنهم يريدونك أن تغمض عينيك عن آيات الله تعالي في سورة التحريم، التي تتحدث عن خطرٍ عظيمٍ علي الرسول صلي الله عليه وآله والرسالة، وتحشد أعظم جيشٍ جرارٍ لمواجهة الموقف فتقول (إن تتوبا إلي الله فقد صغت قلوبكما، وإن تظاهرا عليه، فإن الله هو مولاه، وجبريل، وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير!). فالي مَن صغت قلوبهما، ولمصلحة من تعاونتا ضد الرسول صلي الله عليه وآله؟! وما هي القضية الشخصية التي تحتاج معالجتها إلي هذا الجيش الإلهي الجرار، الذي لايستنفره الله تعالي إلا لحالات الطوارئ القصوي؟! ما ابنعباس الذي يصفونه بحبر الأمة، فكان يقرأ الآية (زاغت قلوبكما). وبذلك تكون أما
المؤمنين عائشة وحفصة احتاجتا إلي تجديد إسلامهما! الرابعة: حادثة هجر النبي صلي الله عليه وآله لنسائه شهراً، وشيوع خبر طلاقه لهن.. وذهابه بعيداً عنهن وعن المسجد، إلي بيت مارية القبطية الذي كان في طرف المدينة أو خارجها! وعلي العادة، صورت الروايات القرشية هذه الحادثة علي أنها حادثةٌ شخصية.. شخصيةٌ بزعمهم وشغلت النبي صلي الله عليه وآله والوحي والمسلمين! وادعوا أن سببها كثرة طلبات نسائه المعيشية منه صلي الله عليه وآله، وأكدوا أنه لاربط للحادثة أبداً بقضايا الإسلام المالئة للساحة السياسية آنذاك، والشاغلة لزعماء قريش خاصة!! الخامسة: تصعيد عمل قريش ضد علي بن أبيطالب عليهالسلام لإسقاط شخصيته، وغضب النبي صلي الله عليه وآله وشدته عليهم في دفاعه عن علي، وتركيزه لشخصيته.. ولهذا الموضوع مفرداتٌ عديدة في حروب النبي وسلمه وسفره وحضره صلي الله عليه وآله.. لكن يلاحظ أنها كثرت في السنة الأخيرة من حياة النبي صلي الله عليه وآله وأنه غضب بسببها مراراً، وخطب أكثر من مرة، مبينا فضل علي عليهالسلام، وفسق من يؤذيه أو كفره! ولو لم يكن من ذلك إلا قصة بريدة الأسلمي الكاسحة، التي روتها مصادر السنيين بطرق عديدة، وأسانيد صحيحة عالية، وكشفت عن وجود شبكة عملٍ منظم ترسل الرسائل وتضع الخطط ضد علي عليهالسلام، وسجلت إدانة النبي صلي الله عليه وآله الغاضبة لهم، وتصريحه بأن علياً وليكم من بعدي، وأن كل من ينتقد علياً ولا يحبه فهو منافق! وهي حادثةٌ تكفي دليلاً علي ظلم زعماء قريش وحسدهم لعلي عليهالسلام... إلخ! السادسة: منع تدوين سنة النبي صلي الله عليه وآله في حياته.. أما القرآن فقد كان عامة الناس يكتبونه من حين نزوله، وكان النبي صلي الله عليه وآله يأمر بوضع ما ينزل منه
جديداً بين منبره والحائط، حيث كان يوجد ورق ودواة، لمن يريد أن يكتب ما نزل جديداً منه. وكان النبي صلي الله عليه وآله يأمرعلياً عليهالسلام بكتابة القرآن وحديثه. وكان آخرون يكتبون حديث النبي صلي الله عليه وآله، ومنهم شبانٌ قرشيون يعرفون الكتابة مثل عبدالله بن عمرو بن العاص.. وقد أحست قريش بأن ذلك يعني تدوين مقولات النبي صلي الله عليه وآله العظيمة في حق عترته وبني هاشم، ومقولاته في ذم عددٍ كبيرٍ من فراعنة قريش وشخصياتها.. فعملت علي منع كتابة سنة النبي صلي الله عليه وآله في حياته، في حين أن بعض زعمائها كان يكتب أحاديث اليهود، ويحضر درسهم في كل سبت!! وقد وثقنا ذلك في كتاب تدوين القرآن. وقد روت مصادر السنيين أن عبدالله بن عمرو شكي إلي النبي صلي الله عليه وآله أن (قريشاً) نهته عن كتابة حديثه، لأن أحاديثه التي فيها غضبٌ عليها ليست حجة شرعاً! قال أبوداود في سننه:176:2 (عن عبدالله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيءٍ أسمعه من رسولالله صلي الله عليه وسلم، أريد حفظه، فنهتني قريش (يعني عمر) وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه! ورسولالله صلي الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسولالله صلي الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلي فيه فقال: (أكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق)! انتهي. ورواه أحمد في مسنده:192:2 و215 والحاكم في المستدرك:105:1 و528:3 وصححه. السابعة: محاولة اغتيال النبي صلي الله عليه وآله في طريق عودته من حجة الوداع عند عقبة هرشي بعد نصبه علياً في غدير خم، وقد كشف الوحي المؤامرة، وكانت شبيهةً إلي حد كبيرٍ بمؤامرة اغتياله صلي الله عليه وآله في العقبة،
في طريق رجوعه من مؤتة! الثامنة: تصعيد قريش انتقادها ومقاومتها لأعمال النبي صلي الله عليه وآله لتركيز مكانة عترته عليهمالسلام وأسرته بني هاشم في الأمة، واعتراض عددٍ منهم عليه بصراحةٍ ووقاحةٍ، ومطالبتهم بأن يجعل الخلافة لقريش تدور في قبائلها، أو يشرك مع علي غيره من قبائل قريش!! وقد رفض النبي صلي الله عليه وآله كل مطالبهم، لأنه لايملك شيئاً مع الله تعالي، ولم يعط شيئاً من عنده حتي يمنعه، وإنما هو عبدٌ ورسولٌ مبلغ صلي الله عليه وآله. وقد تقدم نص تنزيه الأنبياء للشريف المرتضي:167 : (جاءه قوم من قريش فقالوا له: يا رسولالله صلي الله عليه وآله إن الناس قريبو عهد بالإسلام، لايرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابنعمك علي بن أبيطالب. فلو عدلت به إلي غيره لكان أولي. فقال لهم النبي صلي الله عليه وآله: ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه، لكن الله تعالي أمرني به وفرضه علي. فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف علي ربك، فأشرك معه في الخلافة رجلاً من قريش تركن الناس إليه، ليتم لك أمرك، ولا يخالف الناس عليك!!). التاسعة: أن النبي صلي الله عليه وآله عندما كان مريضاً شكل جيشاً بقيادة أسامة بن زيد، وجعل تحت إمرته كل زعماء قريش غير بني هاشم، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، وهو شاب عمره18 سنة، أسمر أمه أم ايمن الإفريقية، وأمره أن يسير إلي مؤتة في الأردن لمحاربة الروم حيث استشهد أبوه في حملة جعفر بن أبيطالب.. وقد أراد النبي بذلك أن يرسخ قدرة الدولة الإسلامية ويأخذ بثأر شهداء مؤتة، وفي نفس الوقت أراد أن يفرغ المدينة من المعارضين لعلي عليهالسلام قبيل وفاته صلي الله عليه وآله. فخرج
أسامة بمن معه وعسكر خارج المدينة، ولكن زعماء قريش أحبطوا خطة النبي صلي الله عليه وآله بتثاقلهم عن الانضمام إلي جيش أسامة، وتأخيرهم من استطاعوا عنه، ثم طعنوا في تأمير النبي صلي الله عليه وآله لأسامة الإفريقي الشاب بحجة صغر سنه، وواصلوا تسويفهم للوقت، فكانوا يذهبون الي معسكر أسامة عند ضغط النبي عليهم، ثم يرجعون إلي المدينة! حتي صعد النبي صلي الله عليه وآله المنبر وشدد علي إنفاذ جيش أسامة، وأبلغ المسلمين صدور اللعنة من ربه عزوجل ومن رسوله علي كل من تخلف عن جيش أسامة!! العاشرة: تصعيد قريش فعاليتها ضد النبي صلي الله عليه وآله، وقرارها الخطير بمواجهته صلي الله عليه وآله مباشرة إذا أراد أن يستخلف علياً وأهل بيته عليهمالسلام، رسمياً! وبالفعل قام زعيم قريش الجديد عمر بن الخطاب بمهمة أقسي مواجهة لأمة مع نبيها! وذلك عندما جمع النبي صلي الله عليه وآله زعماء قريش والأنصار في مرض وفاته، وأخبرهم أنه قرر أن يكتب لأمته كتاباً لن تضل بعده أبداً، فعرفوا أنه يريد أن يثبت ولاية علي وأهل بيته عليهمالسلام علي الأمة بصورة رسمية مكتوبة، فواجهه عمر بصراحة ووقاحة: لانريد كتابك وأمانك من الضلال، ولا سنتك ولا عترتك، وحسبناكتاب الله.. وحتي تفسيره من حقنا نحن لامن حقك، وحق عترتك!! وأيده القرشيون الحاضرون ومن أثَّروا عليهم من الأنصار، وصاحوا في وجه نبيهم صلي الله عليه وآله: القول ما قاله عمر.. القول ما قاله عمر!! وانقسم المحتشدون في بيت نبيهم في آخر أيامه، وتشادوا بالكلام فوق رأسه صلي الله عليه وآله، منهم من يقول قربوا له قلماً وقرطاساً يكتب لكم أماناً من الضلال. وأكثرهم يصيح: القول ما قاله عمر، لاتقربوا له شيئاً، ولا تَدَعُوهُ يكتب!!
ويظهر أن جبرئيل حينذاك كان عند النبي صلي الله عليه وآله فقد كثر نزوله عليه في الأيام الأخيرة، فأخبره أن الحجة قد تمت، وأن الإصرار علي الكتاب يعني دفع قريش نحو الردة، والحل هو الاعراض عنهم وإكمال تبليغهم بطردهم!! فطردهم النبي صلي الله عليه وآله وقال لهم: قوموا فما ينبغي عند نبي تنازع! قوموا، فما أنا فيه خير مما تدعوني إليه...!! وهذا الحديث (إيتوني بدواةٍ وقرطاسٍ) حديث معروفٌ، رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه! وروي أن ابنعباس سمي تلك الحادثة (رزية يوم الخميس)! الحادية عشرة: أصيب النبي صلي الله عليه وآله بحمي شديدة في مرضه، وكان يغشي عليه لدقائق من شدة الحمي ويفيق.. فأحس بأن بعض من حوله أرادوا أن يسقوه دواء عندما أغمي عليه، فأفاق ونهاهم، وشدد عليهم النهي بأن لايسقوه أي دواء إذا أغمي عليه.. ولكنهم اغتنموا فرصة الأغماء عليه بعد ذلك، وصبوا في فمه دواء فرفضه، فسقوه إياه بالقوة!! فأفاق النبي صلي الله عليه وآله، ووبخهم علي عملهم! وأمر كل من كان حاضراً أن يشرب من ذلك الدواء، ما عدا بني هاشم!! ورووا أن الجميع غير بني هاشم شربوا من (ذلك) الدواء!! هذه الحادثة المعروفة في السيرة بحادثة (لَدّ النبي) صلي الله عليه وآله ينبغي أن تعطي حقها من البحث والتحقيق، فربما كانت محاولةً لقتل النبي صلي الله عليه وآله بالسم!! إن كل واحدة من هذه الحوادث تصلح أن تكون موضوعاً لرسالة دكتوراه.. ولكنا أردنا منها التمهيد لتفسير آية (سأل سائل) في مطلع سورة المعارج.. وإذا أردت أن تعرف الأبطال الحقيقيين لهذه الحوادث، والأدمغة المخططة لها.. فابحث عن قريش! وإذا أردت أن تفهم أكثر وتتعمق أكثر، فابحث.. عن علاقة قريش باليهود!!
اليس من حق الباحث أن يعجب من ذلك، ويفهم كيف عصم الله تعالي رسوله صلي الله عليه وآله من أن ترتد قريش في حياته، وتعلن كفرها بنبوته! ولكنه لم يعصمه من أذاها ومؤامراتها.. فذلك هو طريق الأنبياء عليهمالسلام وتكاليفه.. لاتغيير فيها!
تحركت قافلة النبوة والإمامة من غدير خمٍ نحو المدينة.. وسكن قلب النبي صلي الله عليه وآله واطمأن.. ولكن قريشاً لم تسكن، بل صارت في حالة غليان من الغيظ! هكذا تقول الأحاديث، ومنطق الأحداث.. فقريش لاتسكت حتي تري العذاب الأليم! وقد قال لهم الصادق الأمين الذي لاينطق إلا وحياً صلي الله عليه وآله: (لاأراكم منتهين يا معشر قريش)!! إن آية العصمة من الناس كما قدمنا، لاتعني أن الله تعالي جعل الطريق أمام رسوله صلي الله عليه وآله ناعماً كالحرير، ولا أنه جعل له قريشاً فرساً ريِّضاً طائعاً.. نعم، إن قدرته تعالي لا يمتنع منها شيء.. ولكنه أراد للأمور أن تجري بأسبابها، وللأمة أن تجري عليها سنن الأمم الماضية، فتمتحن بإطاعة نبيها من بعده، أو معصيته.. وهذا يستوجب أن تبقي لها القدرة علي معصيته.. أما علي الردة في حياته وفي وجهه.. فلا. إن قدرتها تصل إلي حد قولها لنبيها صلي الله عليه وآله: لانريد وصيتك ولا سنتك ولا عترتك، حسبنا كتاب الله!! لكن ما بعد ذلك خطٌّ أحمر.. هكذا أراد الله تعالي!! لقد تحققت عصمة النبي صلي الله عليه وآله من قريش في منعطفات كثيرة في حجة الوداع.. في مكة، وعرفات، وفي ثلاث خطب في مني، خاصةً خطبة مسجد الخيف.. وما تنفست قريش الصعداء إلا برحيل النبي من مكة بعد حجة الوداع دون أن يطالبها بالبيعة لعلي! ولكن الله تعالي لم يكتف بذلك، حتي أمر
نبيه صلي الله عليه وآله أن يوقف المسلمين في طريق عودتهم في حر الظهيرة، في صحراء ليس فيها كلأ لخيولهم وجمالهم، ولا سوق ليشتروا منه علوفة وطعاماً، إلا دوحةٌ من بضع أشجار علي قليل من ماء، وذلك بعد مسير ثلاثة أيام.. فلم يصبر عليهم حتي يصلوا إلي مدينة الجحفة التي لم يبق عنها إلا ميلان أو أقل، بل كان أول القافلة وصل إلي مشارفها.. فبعث إليهم النبي وأرجعهم إلي صحراء الغدير! كل ذلك لكي يصعد الرسول صلي الله عليه وآله المنبر في غير وقت صلاة ويرفع بيد ابنعمه وصهره علي عليهالسلام ويقول لهم: هذا وليكم من بعدي، ثم من بعده ولداه الحسن والحسين، ثم تسعة من ذرية الحسين عليهمالسلام. هنا تجلت آية العصمة من الناس مجسمةً للعيان.. فقد كمَّمَ الله تعالي أفواه قريش عن المعارضة، وفتح أفواههم للموافقة، فقالوا جميعاً: نشهد أنك بلغت عن ربك.. وأنك نعم الرسول.. سمعنا وأطعنا.. وتهافتوا مع المهنئين إلي خيمة علي.. وكبروا مع المكبرين عندما نزلت آية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي)! ثم أصغوا جميعاً إلي قصيدة حسان بن ثابت في وصف نداء النبي صلي الله عليه وآله، وإبلاغه عن ربه ولاية علي عليهالسلام من بعده. واستمرت التهنئة من بعد صلاة العصر إلي ما شاء الله.. وبعد صلاة المغرب والعشاء تتابع المهنئون لعلي علي ضوء القمر ليلة التاسع عشر من ذي الحجة.. فقد بات النبي صلي الله عليه وآله في غدير الإمامة، وتحرك إلي المدينة بعد صلاة فجره.. وقيل بقي فيه يومان! أما كيف سلب الله تعالي قريشاً القدرة علي تخريب مراسم الغدير.. وكيف كف ألسنتها.. وهي السليطةُ بالاعتراض.. الجريئةُ علي الأنبياء؟! وكيف جعلها تفكر بأن تمرر هذا
اليوم لمحمد صلي الله عليه وآله كي يفعل لبني هاشم وعليٍّ ما يشاء؟! ذلك من عمله عزوجل، وقدرته المطلقة.. المطلقة! وما نراه من الظاهر هو الأسلوب الأول الذي عصم الله به رسوله من ارتداد قريش، ولا بد أن ما خفي عنا من ألطافه تعالي أعظم. أما الأسلوب الثاني فكان لغة العذاب السماوي، التي لاتفهم قريش غيرها كما لم يفهم غيرها اليهود في زمان أنبيائهم!!
وردت في أحاديث السنة والشيعة أسماءٌ عديدةٌ لأشخاص اعترضوا علي إعلان النبي صلي الله عليه وآله ولاية علي عليهالسلام في غدير خم. ويفهم منها أن عدداً منها تصحيفات لاسم شخص واحد، ولكن عدداً آخر لايمكن أن يكون تصحيفاً، بل يدل علي تعدد الحادثة، خاصة أن العقاب السماوي في بعضها مختلف عن الآخر.. وهم: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري.. والحارث بن النعمان الفهري.. والحرث بن النعمان الفهري.. وعمرو بن عتبة المخزومي.. والنضر بن الحارث الفهري.. والحارث بن عمرو الفهري.. والنعمان بن الحارث اليهودي.. والنعمان بن المنذر الفهري.. وعمرو بن الحارث الفهري.. ورجل من بني تيم.. ورجل أعرابي.. ورجل أعرابي من أهل نجد من ولد جعفر بن كلاب بن ربيعة. وكل هؤلاء قرشيون إلا الربيعي واليهودي، إذا صحت روايتهما! وليس فيهم أنصاري واحد، إذ لم يعهد من الأنصار اعتراضٌ علي الإمتيازات التي أعطاها الله تعالي لعترة النب في حياته صلي الله عليه وآله! وإن تخاذلوا وخذلوهم بعد وفاة النبي صلي الله عليه وآله ولم يفوا له فيهم. وخلاصة الحادثة: أن أحد هؤلاء الأشخاص- أو أكثر من واحد- اعترض علي النبي صلي الله عليه وآله واتهمه بأن إعلانه علياً عليهالسلام ولياً علي الأمة، كان عملاً من عنده وليس بأمر الله
تعالي! ولم يقتنع بتأكيد النبي صلي الله عليه وآله له، بأنه ما فعل ذلك إلا بأمر ربه! وذهب المعترض من عند النبي صلي الله عليه وآله غاضباً وهو يدعو الله تعالي أن يمطر الله عليه حجارة من السماء إن كان هذا الأمر من عنده.. فرماه الله بحجرٍ من سجيلٍ فأهلكه! أو أنزل عليه ناراً من السماء فأحرقته! وهذه الحادثة تعني أن الله تعالي استعمل التخويف مع قريش أيضاً، ليعصم رسوله صلي الله عليه وآله من تكاليف حركة الردة التي قد تُقْدِم عليها.. وبذلك تعزز عند زعماء قريش الإتجاه القائل بفشل المواجهة العسكرية مع النبي صلي الله عليه وآله، وضرورة الصبر حتي يتوفاه الله تعالي!
وفي هذا الحديث النبوي، والحادثة الربانية، مسائل وبحوث، أهمها:المسألة الأولي: في أن مصادر السنيين روت هذا الحديث لم تختص بروايته مصادرنا الشيعية بل روته مصادر السنيين أيضاً، وأقدم من رواه من أئمتهم: أبوعبيدالهروي في كتابه: غريب القرآن. قال في مناقب آل أبيطالب240:2 : أبوعبيد، والثعلبي، والنقاش، وسفيان بن عينيه، والرازي، والقزويني، والنيسابوري، والطبرسي، والطوسي في تفاسيرهم، أنه لما بَلَّغَ رسول صلي الله عليه وآله بغدير خم ما بَلَّغ، وشاع ذلك في البلاد، أتي الحارث بن النعمان الفهري، وفي رواية أبيعبيد: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال: يا محمد! أمرتنا عن الله بشهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسولالله، وبالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتي رفعت بضبع ابنعمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه! فهذا شيء منك أم من الله؟! فقال رسولالله صلي الله عليه وآله: والذي لاإله إلا هو إن هذا من الله. فولي جابر يريد راحلته وهو يقول:
اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتي رماه الله بحجر، فسقط علي هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع.. الآية. انتهي. وقد أحصي علماؤنا، كصاحب العبقات، وصاحب الغدير، وصاحب إحقاق الحق، وصاحب نفحات الأزهار، وغيرهم.. عدداً من أئمة السنيين وعلمائهم الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم، فزادت علي الثلاثين.. نذكر منهم اثني عشر: 1- الحافظ أبوعبيدالهروي المتوفي223 في تفسيره (غريب القرآن). 2- أبوبكر النقاش الموصلي البغدادي المتوفي351 في تفسيره. 3- أبوإسحاق الثعلبي المتوفي427 في تفسيره (الكشف والبيان). 4- الحاكم أبوالقاسم الحسكاني في كتاب (أداء حق الموالاة). 5- أبوبكر يحيي القرطبي المتوفي567 في تفسيره. 6- أبوالمظفر سبط ابنالجوزي الحنفي المتوفي654 في تذكرته. 7- شيخ الإسلام الحمويني المتوفي722 روي في فرائد السمطين في الباب الثالث عشر قال: أخبرني الشيخ عماد الدين الحافظ بن بدران بمدينة نابلس، فيما أجاز لي أن أرويه عنه إجازة، عن القاضي جمال الدين عبدالقاسم بن عبدالصمد الأنصاري إجازة، عن عبدالجبار بن محمد الحواري البيهقي إجازة، عن الإمام أبيالحسن علي بن أحمد الواحدي قال: قرأت علي شيخنا الأستاذ أبيإسحاق الثعلبي في تفسيره: أن سفيان بن عيينه سئل عن قوله عزوجل: سأل سائل بعذاب واقع، فيمن نزلت فقال... 8- أبوالسعود العمادي المتوفي982 قال في تفسيره:292:8 قيل هوالحرث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول رسولالله عليهالسلام في علي رضي الله عنه: من كنت مولاه فعلي مولاه، قال... 9- شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي المتوفي977 قال: في تفسيره السراج المنير:364:4 اختلف في هذا الداعي فقال ابنعباس: هو النضر بن الحرث، وقيل: هو الحرث بن النعمان... 10- الشيخ
برهان الدين علي الحلبي الشافعي المتوفي1044 روي في السيرة الحلبية:302:3 وقال: لما شاع قوله صلي الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه في ساير الأمصار وطار في جميع الأقطار، بلغ الحرث بن النعمان الفهري... إلي آخر لفظ سبط ابنالجوزي. 11- شمس الدين الحفني الشافعي المتوفي1181 قال في شرح الجامع الصغير للسيوطي:387:2 في شرح قوله صلي الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه. 12- أبوعبدالله الزرقاني المالكي المتوفي1122 في شرح المواهب اللدنية:.13 انتهي. وسيأتي ذكر بقية مصادر الحديث في بحث أسانيده. المسألة الثانية: هل أن سورة المعارج مكية أو مدنيةيلاحظ القاريء أن الجو العام للسورة الشريفة الي آية36 أقرب إلي جو السور المدنية وتشريعات سورة النور والمؤمنين، وأن جو الآيات36 إلي آخر السورة أقرب إلي جو السور المكية، التي تؤكد علي مسائل العقيدة والآخرة. ولهذا لايمكن معرفة مكان نزول السورة من آياتها، حسب ما ذكروه من خصائص للسور المكية والمدنية، وضوابط للتمييز بينها.. علي أن هذه الخصائص والضوابط غير دقيقة ولا علمية! وإذا صح لنا أن نقبل بها، فلا بد أن نقول إن القسم الأخير من السورة من قوله تعالي (فما للذين كفروا قبلك مهطعين) إلي آخرها، نزلت أولاً في مكة، ثم نزل القسم الأول منها في المدينة، ووضع في أولها!! ولكن ذلك ليس أكثر من ظن! والطريق الصحيح لتعيين مكيتها أو مدنيتها هو النص، والنص هنا متعارضٌ سواءً في مصادرنا أو مصادر السنيين، ولكن المفسرين السنيين رجحوا مكيتها وعدوها في المكي. ولا يبعد أن ذلك هو المرجح حسب نصوص مصادرنا أيضاً. فقد روي القاضي النعمان في شرح الأخبار:141:1 عن الإمام الصادق عليهالسلام أنه قال: نزلت والله بمكة للكافرين بولاية علي عليهالسلام. انتهي. والظاهر
أن مقصوده عليهالسلام: أنها نزلت في مكة وكان مقدراً أن يأتي تأويلها في المدينة عند اعتراضهم علي إعلان النبي صلي الله عليه وآله ولاية علي عليه السلام. وقال الكليني في الكافي450:5 : قال: سأل أبوحنيفة أباجعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق، فقال له: يا أباجعفر ما تقول في المتعة، أتزعم أنها حلال؟ قال: نعم. قال: فما يمنعك أن تأمر نساءك أن يستمتعن ويكتسبن عليك؟ فقال له أبوجعفر: ليس كل الصناعات يرغب فيها، وإن كانت حلالاً، وللناس أقدار ومراتب يرفعون أقدارهم. ولكن ما تقول يا أباحنيفة في النبيذ، أتزعم أنه حلال؟ فقال: نعم. قال: فما يمنعك أن تقعد نساءك في الحوانيت نباذات فيكتسبن عليك؟ فقال أبوحنيفة: واحدةٌ بواحدة، وسهمك أنفذ!! ثم قال له: يا أباجعفر إن الآية التي في سأل سائل، تنطق بتحريم المتعة والرواية عن النبي صلي الله عليه وآله قد جاءت بنسخها؟ فقال له أبوجعفر: يا أباحنيفة إن سورة سأل سائل مكية، وآية المتعة مدنية، وروايتك شاذة ردية. فقال له أبوحنيفة: وآية الميراث أيضاً تنطق بنسخ المتعة؟ فقال أبوجعفر: قد ثبت النكاح بغير ميراث. قال أبوحنيفة: من أين قلت ذاك؟ فقال أبوجعفر: لو أن رجلاً من المسلمين تزوج امرأة من أهل الكتاب، ثم توفي عنها ما تقول فيها؟ قال: لاترث منه. قال: فقد ثبت النكاح بغير ميراث. ثم افترقا. انتهي. وقول أبيحنيفة إن سورة سأل سائل تنطق بتحريم المتعة، يقصد به قوله تعالي في السورة (والذين هم لفروجهم حافظون إلا علي أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم). فأجابه مؤمن الطاق بأن السورة مكية وآية (فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن) مدنية، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟ ولكن الجواب الأصح: أن المتمتع بها زوجةٌ شرعية، فهي مشمولة
لقوله تعالي (إلا علي أزواجهم) وقد أفتي عدد من علماء السنيين بأنه يجوز للرجل أن يتزوج امرأة حتي لو كان ناوياً أن يطلقها غداً، وهو نفس المتعة التي يشنعون بها علينا. بل أفتي أبوحنيفة نفسه بأن الرجل لو استأجر امرأة لخدمته وكنْس منزله وغسل ثيابه، فقد جاز له مقاربتها بدون عقد زواج، لادائمٍ ولا منقطع!! بحجة أن عقد الأجارة يشمل ذلك! وهذا أوسع من المتعة التي يقول بها الفقه الشيعي، لأن عقد الزواج شرطٌ فيها، وإلا كانت زنا. وغرضنا أن المرجح أن تكون سورة المعارج مكية، ولكن ذلك لايؤثر علي صحة الحديث القائل بأن العذاب الواقع هو العذاب النازل علي المعترض علي النبي صلي الله عليه وآله عندما أعلن ولاية علي عليهالسلام، لأن ذلك يكون تأويلاً لها، وإخباراً من جبرئيل عليهالسلام بأن هذه الحادثة هي من العذاب الواقع الموعود. فقد تقدمت رواية شرح الأخبار في ذلك، وستأتي منه رواية فيها (فأصابته الصاعقة فأحرقته النار، فهبط جبرئيل وهو يقول: إقرأ يا محمد: سأل سائلٌ بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع). وهي كالنص في أن جبرئيل عليهالسلام نزل علي النبي صلي الله عليه وآله بتطبيق الآية أو تأويلها. بل يظهر من أحاديثنا أن ما حل بالعبدري والفهري ما هو إلا جزءٌ صغيرٌ من (العذاب الواقع) الموعود، وأن أكثره سينزل تمهيداً لظهور الإمام المهدي عليهالسلام أو نصرةً له.. وقد أوردنا في معجم أحاديث الإمام المهدي عليهالسلام:458:5 عدة أحاديث عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهماالسلام في تفسير العذاب الواقع بأحداثٍ تكون عند ظهور الإمام المهدي عليهالسلام.. منها ما رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره:385:2 قال: سأل سائلٌ بعذاب واقع، قال: سئل أبوجعفر عليهالسلام عن معني هذا، فقال: نارٌ
تخرج من المغرب، وملكٌ يسوقها من خلفها حتي تأتي دار بني سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع داراً لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها، ولا تدع داراً فيها وتر لآل محمد إلا أحرقتها، وذلك المهدي عليهالسلام. ومنها ما رواه النعماني في كتاب الغيبة:272 قال: حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبيالخطاب، عن الحسن بن علي، عن صالح بن سهل، عن أبيعبدالله جعفر بن محمد عليهماالسلام في قوله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع، قال: تأويلها فيما يأتي عذابٌ يقع في الثوية يعني ناراً حتي تنتهي إلي الكناسة كناسة بني أسد، حتي تمر بثقيف لاتدع وتراً لآل محمد إلا أحرقته، وذلك قبل خروج القائم عليهالسلام. انتهي. والأمكنة التي ذكرتها الروايتان، من أمكنة الكوفة التي ثبت أن الإمام المهدي عليهالسلام سيتخذها عاصمةً له. وقول الإمام الصادق عليهالسلام (تأويلها فيما يأتي) يدل علي أن مذهب أهل البيت عليهمالسلام أن العذاب الواقع في الآية وعيدٌ إلهيٌّ مفتوحٌ منه ما وقع فيما مضي علي المشركين والمنافقين، ومنه ما يقع فيما يأتي علي بقيتهم.. وهو المناسب لإطلاق التهديد في الآية، ولسنة الله تعالي وانتصاره لدينه وأوليائه. المسألة الثالثة: هل العذاب في سورة المعارج دنيوي أم أخروي المتأمل في السورة نفسها بقطع النظر عن الأحاديث والتفاسير.. يلاحظ في النظرة الأولي أن موضوعها ومحور كل آياتها هو العذاب الأخروي وليس الدنيوي. كما أن آياتها لاتنص علي ذم السائل لأنه سأل عن ذلك العذاب، فقد يكون مجرد مستفهمٍ لاذنب له، وقد يكون السائل بالعذاب هنا بمعني الداعي به، وقد رأيت أن القرطبي ذكر قولاً بأن السائل بالعذاب نبي الله نوح عليهالسلام، وقولاً آخر بأنه
نبينا صلي الله عليه وآله! ولذلك يرد في الذهن سؤال: من أين أطبق المفسرون الشيعة والسنة علي أنها تشمل العذاب الدنيوي وأن ذلك السائل بالعذاب سأل متحدياً ومكذباً؟! والجواب: أن سر ذلك يكمن في (باء) العذاب، وأن (سأل به) تعني التساؤل عن الشيء المدعي وطلبه، استنكاراً وتحدياً! فكلمة (سأل به) تدل علي أن السائل سمع بهذا العذاب، لأن النبي صلي الله عليه وآله كان ينذرهم بالعذاب الدنيوي والأخروي معاً.. فتساءل عنه، وأنكره، وتحدي أن يقع! وقد أجابه الله تعالي بالسورة، ولم ينف سبحانه العذاب الدنيوي لأعدائه، وإن كان ركز علي العذاب الأخروي وأوصافه، لأنه الأساس والأكثر أهميةً واستمراراً، وصفته الجزائية أكثر وضوحاً. فكأن السورة تقول: أيها المستهزؤون بالعذاب الذي ينذركم به رسولنا.. إن كل ما أنذركم به من عذاب دنيوي أو أخروي سوف يقع، ولا دافع له عن الكفار.. فآمنوا بالله ليدفعه عنكم بقوانينه في دفع عذابه عن المؤمنين. فقوله تعالي (للكافرين ليس له دافع) ينفي إمكان دفعه عن الكافرين، فهو ثابت لمن يستحقه منهم، وهو أيضاً ثابتٌ لمن يستحقه من الذين قالوا آمنا.. والدافع له التوبة والاستغفار مثلاً. كما أن كلمة (الكافرين) في الآية لايبعد أن تكون بالمعني اللغوي، فتشمل الكافرين ببعض آيات الله تعالي، أو بنعمه، ولو كانوا مسلمين. وعندما نشك في أن كلمة استعملت بمعناها اللغوي أو الإصطلاحي، فلا بد أن نرجح المعني اللغوي، لأنه الأصل، والإصطلاحي يحتاج إلي قرينة. وقد وقع المفسرون السنيون في تهافتٍ في تفسير السورة، لأنهم جعلوا (العذاب الواقع) عذاباً أخروياً أو لغير المسلمين، وفي نفس الوقت فسروه بعذاب النضر بن الحارث العبدري بقتله يوم بدر، فصار بذلك شاملاً للعذاب الدنيوي! وما أكثر تهافتهم في التفسير! ويلاحظ الباحث
في التفاسير السنية أنه يوجد منهجٌ فيها، يحاول أصحابه دائماً أن يفسروا آيات العذاب الواردة في القرآن الكريم- خاصة التي نزلت في قريش- بالعذاب الأخروي، أو يرموها علي أهل الكتاب، ويبعدوها حتي عن المنافقين! وقد أوجب عليهم حرضهم هذا علي تبرئة قريش، أن يتهموا النبي صلي الله عليه وآله بأنه دعا ربه بالعذاب علي قومه، فلم يستجب له! بل وبخه الله تعالي بقوله: ليس لك من الأمر شيء...!! إلخ. وهكذا ركزت الدولة القرشية علي مقولة اختيار الله لقريش، وعدم سماحه بعذابها، وجعلتها أحاديث نبوية، ولو كان فيها تخطئةٌ وإهانةٌ للنبي صلي الله عليه وآله.. وأدخلتها في مصادر التفسير والحديث!! أما عندما يضطرون إلي الإعتراف بوقوع العذاب الدنيوي لأحد فراعنة قريش، فيقولون إنه خاصٌ بحالة معينة، مثل حالة النضر بن الحارث، وقد وقعت في بدر وانتهي الأمر! اختار الفخر الرازي في تفسيره:122:30 أن العذاب المذكور في مطلع السورة هو العذاب الأخروي، وأن الدنيوي مخصوص بالنضر بن الحارث، قال: (لأن العذاب نازل للكافرين في الآخرة لايدفعه عنهم أحد، وقد وقع بالنضر لأنه قتل يوم بدر)، ثم وصف هذا الرأي بأنه سديد.. وهو بذلك يتابع جمهور المفسرين السنيين، الذين قالوا بانتهاء العذاب الدنيوي الموعود، مع أن السورة لاتشير إلي انتهاء أي نوع من العذاب الموعود!! علي أن حرص المفسرين القرشيين علي إبعاد العذاب عن قريش، أقل تشدداً من حرص المحدثين الرسميين، فهؤلاء لايقبلون (العذاب الواقع) لأحدٍ من قريش، حتي للنضر بن الحارث وحتي لأبي جهل! فهم الذين اخترعوا تهمة النبي صلي الله عليه وآله بأنه دعا علي قومه، فوبخه الله تعالي! فقد روي البخاري في صحيحه:199:5 (عن أنس بن مالك قال: قال أبوجهل: اللهم إن كان هذا هو
الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون). ورواه البخاري في عدة أماكن أخري، ورواه مسلم في:!129:8 ! وإذا أردت أن تقرأ ما لاتكاد تصدقه عيناك، فاقرأ ما رووه في تفسير قوله تعالي (ليس لك من الأمر شيء) فهي آيةٌ تنفي عن النبي صلي الله عليه وآله كل أنواع الألوهية والشراكة لله تعالي، ولكنها في نفس الوقت لاتسلب عنه شيئاً من مقامه النبوي وخلقه العظيم وحكمته، وحرصه علي هداية قومه.. لكن أنظر ماذا عمل المحدثون القرشيون في تفسيرها، وكيف صوروا النبي صلي الله عليه وآله بأنه ضيق الصدر، مبغضٌ لقريش، يريد الإعتداء عليها وظلمها..!! فينزل الوحي مدافعاً عن هذه القبائل المقدسة الثلاث وعشرين، ورد عدوانية نبيه عنها!! ولا يتسع المجال للإفاضة في هذا الموضوع، ولكن القاريء السني يجد نفسه متحيراً بين ولاء المفسرين لقريش، كالمفسر مجاهد الذي يسمح بكون قتل بعض فراعنتها كالنضر عذاباً لها، وبين ولاء المحدثين لها كالبخاري الذي يقول إن قتل النضر وأبيجهل ليس هو العذاب الإلهي، فهؤلاء قومٌ برزوا إلي مضاجعهم، فقد رفع الله عذابه عن قريش، ووبخ رسوله، لأنه دعا عليها!! وأخيراً.. يمكن للباحث أن يستدل لنصرة رأي المفسرين القائل بأن العذاب في السورة يشمل العذاب الدنيوي، بما رواه ابنسعد في الطبقات، من قصة اختلاف طلحة والزبير وابنيهما علي إمامة الصلاة في معسكر عائشة في حرب الجمل، قال: (ولما قدموا البصرة أخذوا بيت المال، وختماه جميعاً طلحة والزبير، وحضرت الصلاة فتدافع طلحة والزبير حتي كادت الصلاة تفوت، ثم اصطلحا علي أن يصلي عبدالله بن الزبير صلاةً ومحمد بن طلحة صلاةً، فذهب ابنالزبير يتقدم
فأخره محمد بن طلحة، وذهب محمد بن طلحة يتقدم فأخره عبدالله بن الزبير عن أول صلاة!! فاقترعا فقرعه محمد بن طلحة، فتقدم فقرأ: سأل سائل بعذاب واقع)!!. انتهي. فقد فهم محمد بن طلحة القرشي التيمي من السورة أنها تهديدٌ بعذاب دنيوي، ولذلك هدد بها ابنالزبير! وهو دليلٌ علي أن الإرتكاز الذهني عند الصحابة المعاصرين للنزول، أن العذاب في السورة يشمل العذاب الدنيوي أيضاً. المسألة الرابعة: موقف السنيين من الحديث موقف الذين أوردوا الحديث من السنيين ليس واحداً.. فمنهم من قبله ورجحه علي غيره كأبي عبيدوالثعلبي والحمويني.. ومنهم من نقله بصيغة: روي أو قيل أو رجح غيره عليه. ولكن أحداً منهم لم يطعن فيه.. وأقل موقفهم منه أنه حديثٌ موجودٌ، قد يكون سنده صحيحاً، ولكن غيره أرجح منه، كما ستري. إن العالم السني يري نفسه ملزماً باحترام هذا الحديث، بل يري أنه بإمكانه أن يطمئن إليه ويأخذ به، لأن الذين قبلوه من أئمة العلم والدين قد يكتفي العلماء بمجرد نقل أحدهم للحديث وقبوله له، كأبي عبيد وسفيان بن عيينة.. وقد رأينا المحدث الألباني الذي يعتبره الكثيرون المجتهد الأول في التصحيح والتضعيف في عصرنا، ربما اكتفي في سلسلة أحاديثه الصحيحة للحكم بصحة الحديث بتصحيح عالمين أو ثلاثة من قبيل: ابنتيمية والذهبي وابنالقيم. مضافاً إلي أن المحدثين السنة ذكروا له طرقاً أخري، عن حذيفة، وعن أبيهريرة وغيرهما.. وتجد ترجمات أئمتهم والرواة الذين رووا الحديث مفصلةً في مصادر الجرح والتعديل السنية، وفي عبقات الأنوار، والغدير، ونفحات الأزهار، من مصادرنا. نماذج من تفسيرات السنيين لآية: سأل سائل قال الشوكاني في فتح القدير:352:5 : (وهذا السائل هو النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهو ممن قتل يوم بدر صبراً. وقيل: هو أبوجهل. وقيل: هو الحارث بن النعمان الفهري. والأول أولي لما سيأتي). انتهي. وقصده بما يأتي ما ذكره في ص356 من رواياتهم التي تثبت أن السورة مكية وأن صاحب العذاب الواقع هو النضر، وليس ابنه جابراً، ولا الحارث الفهري قال: (وقد أخرج الفريابي وعبدبن حميد والنسائي وابنأبيحاتم والحاكم وصححه وابنمردويه عن ابنعباس في قوله: سأل سائل، قال: هو النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء). انتهي. ولم يذكر الشوكاني الحديث المروي في جابر والحارث، ومن رووه، ولماذا رجح عليه حديث النضر؟ هل بسبب السند أو الدلالة..؟ إلخ. ولو أنه اقتصر علي ذكر ما اختاره في سبب نزولها لكان له وجهٌ، ولكنه ذكر القولين، وذكر رواية أحدهما دون الآخر، وهذا تحيز بدون مبرر! لكن شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي المتوفي سنة977 صاحب التفسير المعروف، كان أكثر إنصافاً من الشوكاني، فقد ذكر السببين معاً، فقال كما نقل عنه صاحب عبقات الأنوار:398:7 : (سأل سائل بعذاب واقع: اختلف في هذا الداعي، فقال ابنعباس: هو النضر بن الحارث. وقيل: هو الحارث بن النعمان، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلي الله عليه وآله من كنت مولاه فعلي مولاه، ركب ناقته فجاء حتي أناخ راحلته في الأبطح ثم قال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسولالله فقبلناه منك...) إلخ. انتهي. أما أبوعبيدالمتوفي سنة223 فقد جعل الحديث سبباً لنزول الآية علي نحو الجزم، لأنه ثبت عنده، ولعله لم يثبت عنده غيره حتي يذكره. فقال كما في نفحات الأزهار:291:7 (لما بَلَّغَ
رسولالله صلي الله عليه وسلم غدير خم ما بلغ، وشاع ذلك في البلاد، أتي جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال: يا محمد! أمرتنا من الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسولالله، وبالصلاة، والصوم والحج، والزكاة، فقبلنا منك.. ثم لم ترض بذلك حتي رفعت بضبع ابنعمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه! فهذا شيء منك أم من الله؟! فقال رسولالله: والله الذي لاإله إلا هو إنَّ هذا من الله. فولي جابر يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتي رماه الله بحجر فسقط علي هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع.. الآية). انتهي. وقال القرطبي في تفسيره:278:18 : (أي سأل سائل عذاباً واقعاً. للكافرين: أي علي الكافرين. وهو النضر بن الحارث حيث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزل سؤاله. وقتل يوم بدر صبرا هو وعقبة بن أبيمعيط، لم يقتل صبرا غيرهما، قاله ابنعباس ومجاهد. وقيل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلي الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه (من كنت مولاه فعلي مولاه) ركب ناقته فجاء حتي أناخ راحلته بالأبطح.. إلي آخره، بنحو رواية أبيعبيد. ثم قال: وقيل: إن السائل هنا أبوجهل، وهو القائل لذلك، قاله الربيع. وقيل: إنه قول جماعةٍ من كفار قريش. وقيل: هو نوح عليهالسلام سأل العذاب علي الكافرين. وقيل: هو رسولالله صلي الله عليه وسلم، أي دعا عليهالسلام بالعقاب، وطلب أن
يوقعه الله بالكفار، وهو واقع بهم لامحالة، وامتد الكلام إلي قوله تعالي: فاصبر صبراً جميلاً أي: لاتستعجل فإنه قريب). انتهي. وبذلك نلاحظ أن المفسرين السنيين وإن رجحوا تفسير الآية بالنضر بن الحارث العبدري، ورجحوا أن العذاب الموعود فيها هو قتله في بدر.. لكنهم في نفس الوقت ذكروا تفسيرها بوقوع العذاب علي من اعترض علي النبي صلي الله عليه وآله لإعلانه ولاية علي عليهالسلام من بعده في غدير خم! ومجرد ورود ذلك التفسير في مصادرهم بصفته قولاً محترماً في تفسير الآية، وإن رجحوا عليه غيره، يدل علي وجود إعلان نبوي رسمي بحق علي، ووجود اعتراضٍ عليه! والمسلم لايحتاج إلي أكثر من اعتراف المفسرين بذلك، سواء وقعت الصاعقة علي المعترض أم لم تقع، وسواء نزلت سورة المعارج عند هذه الحادثة أم لم تنزل!! فلا بد لنا من توجيه الشكر لهم، وإن ناقشناهم في الوجه الآخر الذي رجحوه. وأهم الإشكالات التي ترد عليهم: أن القول الذي رجحوه إنما هو قول صحابي أو تابعي، ابنعباس ومجاهد، وليس حديثاً عن النبي صلي الله عليه وآله، بينما التفسير الشيعي لها حديث مرفوع. ويرد علي تفسيرهم أيضاً: أن من المتفق عليه عندهم تقريباً أن السؤال في الآية حقيقي وليس مجازياً، فالنضر بن الحارث، حسب قولهم سأل بالعذاب الواقع، وطلب نزوله فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فعذبه الله في بدرٍ بالقتل. لكن آية مطر الحجارة هي من سورة الأنفال التي نزلت مع أحكام الأنفال بعد بدر، وبعد قتل النضر.. فكيف يكون جواب قول النضر نزل في سورة مكية قبل الهجرة، ونفس قوله نزل في سورة مدنية، بعد هلاكه؟! ويرد عليه
أيضاً: أن قولهم (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأنزل علينا حجارة من السماء) أكثر تناسباً وانطباقاً علي تفسيرنا، وأصعب انطباقاً علي تفسيرهم.. لأن معناه علي تفسيرهم: اللهم إن كان هذا الدين منزلاً من عندك فأمطر علينا حجارة! ومعناه علي تفسيرنا: اللهم إن كان الحكم لآل محمد صلي الله عليه وآله من بعده منزلاً من عندك، فأمطر علينا حجارة! وهذا أكثر تناسباً، لأن الدعاء بحجارة من السماء لايقوله قائله إلا في حالة اليأس من التعايش مع وضع سياسي جديد، يتحدي وضعه القبلي المتجذر في صميمه!! ويرد عليه أيضاً: أنه لو صح قولهم، فهو لايمنع من تفسيرنا، فلا وجه لافتراضهم التعارض بينهما.. فأي تعارض بين أن يكون العذاب الواقع هو العذاب الذي وقع علي النضر بن الحارث في بدر، ثم وقع علي ولده جابر بن النضر، كما في رواية أبيعبيد، ثم وقع ويقع علي الآخرين من مستحقيه! وينبغي أن نشير هنا إلي قاعدة مهمة في تفسير القرآن والنصوص عامة، وهي ضرورة المحافظة علي إطلاقات النص ما أمكن وعدم تضييقها وتقييدها.. فالآية الكريمة تقول إن أحدهم تحدي وتساءل عن العذاب الموعود، الذي أنذر به النبي صلي الله عليه وآله، فأجابه الله تعالي إنه واقعٌ بالكفار لامحالة كما أنذركم به رسولنا صلي الله عليه وآله حرفياً، في الدنيا وفي الآخرة، وأنه جارٍ في الكفار وفي من آمن، حسب القوانين الخاصة التي وضعها له الله تعالي. وعليه فيكون عذاب الله تعالي لقريش في بدر والخندق من ذلك العذاب الواقع الموعود، وعذابهم بالجوع والقحط، منه أيضاً. وعذابهم بفتح مكة واستسلامهم وخلعهم سلاحهم، منه أيضاً. ويكون عذاب المعترضين علي النبي صلي الله عليه وآله لإعلانه ولاية عترته من بعده،
منه أيضاً! فلا موجب لحصر الآية بالنضر وحده، ولا لتضييق العذاب المنذر به بقتل شخص، ولو كان فرعوناً، ولاحصره بعصر دون عصر، بل هو مفتوح الي أن يرث الله الأرض ومن عليها.. وكم تجد عند المفسرين السنيين من هذه التضييقات في آيات العذاب والرحمة، حيث يحصرون أنفسهم فيها بلا موجب، ويحصرون فيها كلام الله المطلق، بلا دليل! المسألة الخامسة: موقف النواصب من حديث حجر السجيل لم نعثر علي أحد من النواصب المبغضين لأهل بيت النبي صلي الله عليه وآله، رد هذا الحديث وكذبه قبل.. ابنتيمية، فقد هاجمه بعنف وتخبط في رده! وتبعه علي ذلك من المتأخرين الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه تفسير المنار.. ومن الملاحظ أنه شخص ناصبي متأثرٌ بابن تيمية وتلميذه ابنقيم المدرسة الجوزية، بل مقلدٌ لهما في كثير من أفكارهما، وقد أدخلها في تفسيره وقد استفاد لنشرها من اسم أستاذه الشيخ محمد عبده رحمه الله، حيث خلط في تفسيره بين أفكاره وأفكار أستاذه! ويلمس القارئ الفرق بين الجزءين الأولين من تفسير المنار اللذين كتبهما في حياة الشيخ محمد عبده، واستفاد مما سجله من دروسه، ففيهما من عقلانيته رحمه الله واعتقاده بولاية أهل البيت عليهمالسلام، وبين الأجزاء التي أخرجها رشيد رضا بعد وفاة الشيخ محمد عبده، أو أعاد طباعتها، وفيها أفكاره الناصبة لأهل البيت عليهمالسلام. وقد نقل صاحب تفسير المنار في:464:6 وما بعدها عن تفسير الثعلبي أن هذا القول من النبي صلي الله عليه وآله في موالاة علي شاع وطار في البلاد، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري فأتي النبي صلي الله عليه وآله علي ناقة وكان بالأبطح فنزل وعقل ناقته، وقال للنبي صلي الله عليه وآله وهو في ملأ من أصحابه: يا محمد
أمرتنا من الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسولالله فقبلنا منك... ثم ذكر سائر أركان الإسلام... ثم لم ترضَ بهذا حتي مددت بضبعي ابنعمك وفضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه! فهذا منك أم من الله! فقال صلي الله عليه وآله: والله الذي لاإله إلا هو، هو أمر الله. فولي الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم! فما وصل إلي راحلته حتي رماه الله بحجرٍ فسقط علي هامته وخرج من دبره وأنزل الله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع.. الحديث... ثم قال رشيد رضا: وهذه الرواية موضوعة، وسورة المعارج هذه مكية، وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك..) كان تذكيراً بقول قالوه قبل الهجرة، وهذا التذكير في سورة الأنفال، وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين، وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد، ولم يعرف في الصحابة، والأبطح بمكة والنبي صلي الله عليه وآله لم يرجع من غدير خم إلي مكة، بل نزل فيه منصرفه من حجة الوداع إلي المدينة. انتهي. وكأن رشيد رضا اغتاظ من هذا الحديث، وحاول تكذيبه من ناحية سنده فلم يجد ما يشفي غليله، ولما وجد تكذيب ابنتيمية له بنقد متنه فرح به وتبناه، ولكنه لم ينسبه الي إمامه ابنتيمية! وعمدة ما قاله ابنتيمية وصاحب المنار: أن مكان الرواية الأبطح، وهو مكان في مكة، والنبي صلي الله عليه وآله لم يرجع بعد الغدير إلي مكة.. وقد جهلا أو تجاهلا أبطح المدينة المشهور! ثم قالا: إن
الرواية تدعي أن الآية نزلت في المدينة، مع أن سورة المعارج مكية.. وقد تجاهلا أن جوَّ السورة إلي الآية36 علي الأقل مدني، وأن هذا الحديث دليل علي مدنيتها. ثم لو صح كونها مكية، فقد يتكرر نزول الآية لبيان تفسيرها أو تأويلها، فتكون الحادثة تأويلاً لها. وقد روي المفسرون نزول آية (إنا أعطيناك الكوثر) في عدة مواضع نزل بها جبرئيل، تسليةً لقلب الرسول صلي الله عليه وآله. فما المانع أن يكون تأويل العذاب الواقع قد وقع في (عشيرة العذاب الواقع) فتحقق في الأب النضر بن الحارث عندما قتله النبي صلي الله عليه وآله في بدر، ثم تحقق في الابن جابر عندما قتله الله بحجرٍ من السماء في أبطح المدينة، وأن يكون جبرئيل عليهالسلام أكد الآية عندما تحقق تأويلها. ثم من حق الباحث أن يقول لهما: لو سلمنا أن ذكر نزول الآية في الحادثة خطأ، أو زيادة، فما ذنب بقية الحديث؟! فلماذا تردونه كله ولا تقتصرون علي رد زيادته، وهو نزول الآية بمناسبته؟! وقد ناقش صاحب تفسير الميزان54:6 تضعيف صاحب المنار للحديث فقال: وأنت تري ما في كلامه من التحكم. أما قوله إن الرواية موضوعة وسورة المعارج هذه مكية، فيعول في ذلك علي ما في بعض الروايات عن ابنعباس وابنالزبير أن سورة المعارج نزلت بمكة، وليت شعري ما هو المرجح لهذه الرواية علي تلك الرواية، والجميع آحاد. ولو سلمنا أن سورة المعارج مكية كما ربما تؤيده مضامين معظم آياتها، فما هو الدليل علي أن جميع آياتها مكية؟ فلتكن السورة مكية والآيتان خاصة غير مكيتين. كما أن سورتنا هذه، أعني سورة المائدة، مدنية نازلة في آخر عهد رسولالله صلي الله عليه وآله وقد وضعت فيها الآية المبحوث عنها،
أعني قوله تعالي: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، الآية) وهو، كغيره من المفسرين، مصرّ علي أنها نزلت بمكة في أول البعثة!... وأما قوله وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش.. إلي آخره، فهو في التحكم كسابقه، فهب أن سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنين، فهل يمنع ذلك أن يوضع عند التأليف بعض الآيات النازلة بعدها فيها، كما وضعت آيات الربا وآية: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلي الله) البقرة ج281 وهي آخر ما نزل علي النبي صلي الله عليه وآله عندهم، في سورة البقرة النازلة في أوائل الهجرة، وقد نزلت قبلها ببضع سنين؟ ثم قوله إن آية: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق، الآية) تذكيرٌ لما قالوه قبل الهجرة، تحكمٌ آخر من غير حجة، لو لم يكن سياق الآية حجة علي خلافه، فإن العارف بأساليب الكلام لايكاد يرتاب في أن هذا، أعني قوله: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) لاشتماله علي قوله: إن كان هذا هو الحق من عندك، بما فيه من اسم الإشارة وضمير الفصل والحق المحلي باللام، وقوله من عندك، ليس كلام وثني مشرك يستهزيء بالحق ويسخر منه، إنما هو كلام من أذعن بمقام الربوبية، ويري أن الأمور الحقة تتعين من لدنه وأن الشرائع مثلاً تنزل من عنده، ثم إنه يتوقف في أمر منسوب إلي الله تعالي يدعي مدعٍ أنه الحق لاغيره، وهو لايتحمل ذلك ويتحرج منه، فيدعو علي نفسه دعاء منزجر ملول سئم الحياة. وأما قوله: وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد، ولم يعرف في الصحابة، تحكم آخر! فهل يسع
أحداً أن يدعي أنهم ضبطوا أسماء كل من رأي النبي صلي الله عليه وآله، وآمن به، أو آمن به فارتد! وإن يكن شيء من ذلك فليكن هذا الخبر من ذلك القبيل. وأما قوله والأبطح بمكة والنبي صلي الله عليه وآله لم يرجع من غدير خم إلي مكة، فهو يشهد علي أنه أخذ لفظ الأبطح اسماً للمكان الخاص بمكة، ولم يحمله علي معناه العام وهو كل مكان ذي رمل.. ولا دليل علي ما حمله عليه، بل الدليل علي خلافه وهو القصة المسرودة في الرواية وغيرها... قال في مراصد الإطلاع: أبطح بالفتح ثم السكون وفتح الطاء والحاء المهملة: كل مسيل فيه رقاق الحصي فهو أبطح... علي أن الرواية بعينها رواها غير الثعلبي، وليس فيه ذكر من الأبطح، وهي ما يأتي من رواية المجمع من طريق الجمهور وغيرها. وبعد هذا كله، فالرواية من الآحاد وليست من المتواترات، ولا مما قامت علي صحتها قرينة قطعية، وقد عرفت من أبحاثنا المتقدمة أنا لانعول علي الآحاد في غير الأحكام الفرعية، علي طبق الميزان العام العقلائي، الذي عليه بناء الإنسان في حياته، وإنما المراد بالبحث الآنف بيان فساد ما استظهر به من الوجوه التي استنتج منها أنها موضوعة). انتهي. وكلام صاحب الميزان رحمه الله في رد تضعيف رشيد رضا للحديث كلامٌ قوي، لكن ليته بدل أن يضعِّف الحديث بدعوي أنه من أخبار الآحاد، اطلع علي مصادره ورواته.. وعلي بحث الأميني حوله في المجلد الأول من الغدير، وبحث السيد النقوي الهندي في عبقات الأنوار: مجلد7 و8، وغيرهما. ونورد فيما يلي خلاصةً لما كتبه صاحب الغدير رحمه الله في:239:1 قال: ومن الآيات النازلة بعد نص الغدير، قوله تعالي من سورة المعارج: سأل سائل بعذاب
واقع، للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج. وقد أذعنت به الشيعة وجاء مثبتاً في كتب التفسير والحديث لمن لايستهان بهم من علماء أهل السنة، ودونك نصوصها.. ثم أورد صاحب الغدير أعلي الله مقامه نصوص ثلاثين عالما سنياً رووا الحديث في مؤلفاتهم بعدة طرق، وفيهم محدثان أقدم من الثعلبي كما تقدم.. ثم أفاض في رد الوجوه التي ذكرها ابنتيمية في كتابه منهاج السنة:13:4 وأجاب عنها، ونورد فيما يلي خلاصتها، قال رحمه الله: الوجه الأول: إن قصة الغدير كانت في مرتجع رسولالله صلي الله عليه وسلم من حجة الوداع، وقد أجمع الناس علي هذا، وفي الحديث: أنها لما شاعت في البلاد جاءه الحارث، وهو بالأبطح بمكة، وطبع الحال يقتضي أن يكون ذلك بالمدينة، فالمفتعل للرواية كان يجهل تاريخ قصة الغدير. الجواب: أولاً، ما سلف في رواية الحلبي في السيرة، وسبط ابنالجوزي في التذكرة، والشيخ محمد صدر العالم في معارج العلي، من أن مجيء السائل كان في المسجد إن أريد منه مسجد المدينة، ونص الحلبي علي أنه كان بالمدينة، لكن ابنتيمية عزب عن ذلك كله، فطفق يهملج في تفنيد الرواية بصورة جزمية.... فحسب اختصاص الأبطح بحوالي مكة، ولو كان يراجع كتب الحديث ومعاجم اللغة والبلدان والأدب لوجد فيها نصوص أربابها بأن الأبطح كل مسيل فيه دقاق الحصي. روي البخاري في صحيحه:181:1 ومسلم في صحيحه:382:1 (عن عبدالله ابنعمر: أن رسولالله صلي الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلي بها). الوجه الثاني: أن سورة المعارج مكية باتفاق أهل العلم، فيكون نزولها قبل واقعة الغدير بعشر سنين أو أكثر من ذلك. الجواب: أن المتيقن من معقد الإجماع المذكور هو نزول مجموع السورة مكياً، لاجميع آياتها، فيمكن أن يكون
خصوص هذه الآية مدنياً، كما في كثير من السور. ولا يرد عليه أن المتيقن من كون السورة مكية أو مدنية، هو كون مفاتيحها كذلك أو الآية التي انتزع منها اسم السورة، لما قدمناه من أن هذا الترتيب هو ما اقتضاه التوقيف، لاترتيب النزول، فمن الممكن نزول هذه الآية أخيراً، وتقدمها علي النازلات قبلها بالتوقيف، وإن كنا جهلنا الحكمة في ذلك، كما جهلناها في أكثر موارد الترتيب في الذكر الحكيم، وكم لها من نظير، ومن ذلك: 1- سورة العنكبوت، فإنها مكية إلا من أولها عشرة آيات، كما رواه الطبري في تفسيره في الجزء العشرين:86 والقرطبي في تفسيره233:3 . 2- سورة الكهف، فإنها مكية إلا من أولها سبع آيات، فهي مدنية... كما في تفسير القرطبي346:10 وإتقان السيوطي..16:1 . ثم عدد الأميني سبع عشرة سورة مكية، فيها آيات مدنية، وسوراً مدنية فيها آيات مكية. الوجه الثالث: أن قوله تعالي: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، نزلت عقيب بدر بالإتفاق قبل يوم الغدير بسنين. الجواب: كأن هذا الرجل يحسب أن من يروي تلك الأحاديث المتعاضدة يري نزول ما لهج به الحارث بن النعمان الكافر من الآية الكريمة... في اليوم المذكور. والقارئ لهاتيك الأخبار جد عليم بمينه في هذا الحسبان، أو أنه يري حجراً علي الآيات السابق نزولها أن ينطق بها أحدٌ، فهل في هذه الرواية غير أن الرجل المرتد الحارث أو جابر تفوه بهذه الكلمات؟ وأين هو من وقت نزولها، فدعها يكن نزولها في بدر أو أحد، فالرجل أبدي كفره بها كما أبدي الكفار قبله إلحادهم بها! لكن ابنتيمية يريد تكثير الوجوه في إبطال الحق الثابت. الوجه الرابع: أنها نزلت
بسبب ما قاله المشركون بمكة، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي صلي الله عليه وآله، لقوله تعالي: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. الجواب: لاملازمة بين عدم نزول العذاب في مكة علي المشركين، وبين عدم نزوله هاهنا علي الرجل، فإن أفعال المولي سبحانه تختلف باختلاف وجوه الحكمة. ثم أورد الأميني عدداً من الذين دعا عليهم النبي صلي الله عليه وآله فعذبهم الله تعالي، ثم قال: (ولو كان وجود الرسول صلي الله عليه وآله مانعاً عن جميع أقسام العذاب بالجملة، لما صح ذلك التهديد، ولما أصيب النفر الذين ذكرناهم بدعوته، ولما قتل أحد في مغازيه بعضبه الرهيف، فإن كل هذه من أقسام العذاب، أعاذنا الله منها). الوجه الخامس: أنه لو صح ذلك لكان آية كآيةً أصحاب الفيل، ومثلها تتوفر الدواعي لنقله، ولما وجدنا المصنفين في العلم من أرباب المسانيد والصحاح والفضايل والتفسير والسير ونحوها، قد أهملوه رأساً فلا يروي إلا بهذا الإسناد المنكر، فعلم أنه كذب باطل. الجواب: إن قياس هذه التي هي حادثة فردية، لاتحدث في المجتمع فراغاً كبيراً يؤبه له، وورائها أغراض مستهدفة تحاول إسدال ستور الإنساء عليها كما أسدلوها علي نص الغدير نفسه... مجازفةٌ ظاهرةٌ، فإن من حكم الضرورة أن الدواعي في الأولي دونها في الثانية... وأما ما ادعاه ابنتيمية من إهمال طبقات المصنفين لها، فهو مجازفة أخري لما أسلفناه من رواية المصنفين لها من أئمة العلم، وحملة التفسير، وحفاظ الحديث، ونقلة التاريخ... لم نعرف المشار إليه في قوله: بهذا الإسناد المنكر! فإنه لاينتهي إلا إلي حذيفة بن اليمان الصحابي العظيم، وسفيان بن عيينة المعروف بإمامته في العلم والحديث والتفسير، وثقته في الرواية. وأما الإسناد إليهما،
فقد عرفه الحفاظ والمحدثون والمفسرون المنقبون في هذا الشأن، فوجدوه حرياًّ بالذكر والإعتماد، وفسروا به آيات من الذكر الحكيم، من دون أي نكير، ولم يكونوا بالذين يفسرون الكتاب بالتافهات. نعم: هكذا سبق العلماء وفعلوا، لكن ابنتيمية استنكر السند، وناقش في المتن لأن شيئاً من ذلك لايلائم دعارة خطته! الوجه السادس: أن المعلوم من هذا الحديث أن حارثاً المذكور كان مسلماًَ باعترافه بالمباديء الخمسة الإسلامية، ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمين لم يصبه عذاب علي العهد النبوي. الجواب: إن الحديث كما أثبت إسلام الحارث، فكذلك أثبت ردته برده قول النبي صلي الله عليه وآله وتشكيكه فيما أخبر به عن الله تعالي، والعذاب لم يأته حين إسلامه، وإنما جاءه بعد الكفر والإرتداد... علي أن في المسلمين من شملته العقوبة لما تجرؤوا علي قدس صاحب الرسالة... ثم ذكر الأميني عدداً من الذين دعا عليهم النبي صلي الله عليه وآله من المسلمين، منهم من ذكره مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع: أن رجلاً أكل عند النبي صلي الله عليه وآله بشماله، فقال: كل بيمينك. قال: لاأستطيع، قال: لااستطعت! قال: فما رفعها إلي فيه بعد.. إلخ. الوجه السابع: أن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة، ولم يذكره ابنعبدالبر في الإستيعاب وابنمندة وأبونعيم الأصبهاني وأبوموسي في تآليف ألفوها في أسماء الصحابة، فلم نتحقق وجوده. الجواب: إن معاجم الصحابة غير كافلة لاستيفاء أسمائهم، فكل مؤلف من أربابها جمع ما وسعته حيطته وأحاط به إطلاعه، ثم جاء المتأخر عنه فاستدرك علي من قبله بما أوقفه السير في غضون الكتب وتضاعيف الآثار، وأوفي ما وجدناه من ذلك كتاب الإصابة بتمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، ومع ذلك فهو يقول في مستهل كتابه:
(ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعاً الوقوف علي العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلي ما جاء عن أبيزرعة الرازي قال: توفي النبي صلي الله عليه وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة علي مائة ألف إنسان، من رجل وامرأة، كلهم قد روي عنه سماعاً أو رؤية...) وبعد هذا كله فالنافي لشخص لم يجد اسمه في كتب هذا شأنها خارج عن ميزان النصفة، ومتحايد عن نواميس البحث، علي أن من المحتمل قريباً أن مؤلفي معاجم الصحابة أهملوا ذكره لردته الأخيرة. انتهي. ونضيف إلي ما ذكره صاحب الغدير رحمه الله وما تقدم: أولاً: أن من الأدلة القوية علي صحة هذا الحديث أنه لايمكن أن ينشأ من فراغ، وأن احتمال وضعه من قبل رواة الخلافة القرشية غير معقول، لأنهم لايقدمون علي وضع حديث يثبت أن ولاية علي عليهالسلام نزلت من السماء قبل بيعة أبيبكر في السقيفة، وأن الله تعالي عاقب من اعترض عليها بحجر من السماء، كما عاقب أصحاب الفيل والكفار! كما أن القول بتسرب الحديث من مصادر الشيعة إلي مصادر السنة باب خطير عليهم.. فلو قبلوا بفتحه لانهار بناء صحاحهم كلها، ثم انهارت الخلافة القرشية وسقيفتها! وذلك لأن رواة هذه الأحاديث (الشيعية) هم رواة أصول عقيدة الخلافة القرشية وبناة قواعدها.. فالسنين مجبورون علي توثيقهم وقبول رواياتهم، ومنها هذه الروايات التي تضر أصول مبانيهم! ثانياً: أن المتفق عليه في مصادر الشيعة والسنة أقوي من المختلف فيه.. لأنك عندما تري أن مذاهب المسلمين كلها تروي حديثاً، يقوي عندك احتمال أن يكون صدر عن النبي صلي الله عليه وآله، وعندما يرويه بعضها ويرده بعضها تنزل عندك درجة الاحتمال. ومما يزيد في درجة احتمال الصحة: أن يكون الطرف الراوي للحديث
متضرراً منه ضرراً مؤكداً، ومتحيراً في كيفية التخلص منه! وحديثنا من هذا النوع، فهو حديثٌ يتضرر منه أتباع خلافة قريش من المسلمين، ويبغضه عَبَدَةُ قبيلة قريش من النواصب! أما أتباع أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله فيحتجون به، وتخبت له قلوبهم. ثالثاً: أن الإختلاف في اسم الشخص الذي نزل عليه حجر السجيل، لايضر في صحة الحديث، إذا تمت بقية شروطه.. خاصة أن اسمه صار سوأةً علي أقاربه وعشيرته، ولا بد أنهم عملوا علي إخفائه ونسيان أمره، حتي لايعيرهم به المسلمون، كما قال الأميني رحمه الله. علي أن للباحث أن يرجح أن اسم المعترض هو: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، وليس الحارث بن النعمان الفهري.. بدليل أن الحافظ أبيعبيدالهروي المتوفي سنة223 ضبطه في تفسيره بهذا الاسم، وكل العلماء السنيين يحترمون علم أبيعبيد، وخبرته بالأحاديث، وقدم عصره.. وجابر بن النضر شخصيةٌ قرشية معروفة، لأنه ابنزعيم بني عبدالدار، حامل لواء قريش يوم بدر.. فلا يبقي لابن تيمية والنواصب حجةٌ في رد الحديث! علي أن الباقين الذين وردت أسماؤهم في روايات الحديث، كالحارث الفهري وغيره، ترجم لهم المترجمون للصحابة أيضاً، أو ترجموا لمن يصلحوا أن يكونوا أقارب لهم.المسألة السادسة: طرق وأسانيد حديث حجر الغدير أولاً: طرق وأسانيد المصادر السنية الطريق الأول: حديث أبيعبيدالهروي: في كتابه: غريب القرآن، وقد تقدم، وهو بمقاييس أهل الجرح والتعديل السنيين مسند مقبول. الطريق الثاني: حديث الثعلبي عن سفيان بن عيينة: وله أسانيد كثيرة، وأكثر الذين ذكرهم صاحب الغدير رحمه الله، رووه عن الثعلبي بأسانيدهم إليه، أو نقلوه من كتابه. وذكر السيد المرعشي رحمه الله عدداً منهم في إحقاق الحق:358:6 قال: العلامة الثعلبي في تفسيره (مخطوط): روي بسنده عن سفيان بن
عيينة رحمه الله سئل عن قوله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع، فيمن نزلت؟ فقال للسائل: لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي، عن جعفر بن محمد عن آبائه رضي الله عنهم، أن رسولالله صلي الله عليه وسلم لما كان بغدير خم نادي الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي رضي الله عنه وقال من كنت مولاه فعلي مولاه، فشاع ذلك فطار في البلاد، وبلغ ذلك الحارث (خ. الحرث) بن النعمان الفهري، فأتي رسولالله صلي الله عليه وسلم علي ناقة له، فأناخ راحلته ونزل عنها، وقال: يا محمد أمرتنا عن الله عزوجل أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسولالله فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصوم رمضان وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتي رفعت بضبعي ابنعمك تفضله علينا فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه! فهذا شيء منك أم من الله عزوجل؟! فقال النبي صلي الله عليه وسلم: والذي لاإله إلا هو إنَّ هذا من الله عزوجل. فولي الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاًّ فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم!! فما وصل إلي راحلته حتي رماه الله عزوجل بحجر سقط علي هامته فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله عزوجل (سئل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج). ومنهم العلامة الحمويني في فرائد السمطين (المخطوط) قال: أخبرني الشيخ عماد الدين عبدالحافظ بن بدران بن شبل المقدسي بمدينة نابلس فيما أجازني أن أرويه عنه، عن القاضي جمال الدين عبدالقاسم بن عبدالصمد بن محمد الأنصاري إجازة، عن عبدالجبار بن محمد الخوارزمي البيهقي
إجازة، عن الإمام أبيالحسن علي بن أحمد الواحدي رحمه الله قال: قرأت علي شيخنا الأستاذ أبيإسحاق الثعلبي رحمه الله في تفسيره أن سفيان بن عيينة.. فذكر الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي. ومنهم العلامة الزرندي في نظم درر السمطين:93 ط. مطبعة القضاء: روي الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي. ومنهم العلامة ابنالصباغ المالكي في الفصول المهمة:24 ط. الغري: روي الحديث نقلاً عن الثعلبي بعين ما تقدم عن تفسيره بلا واسطة. ومنهم العلامة عبدالرحمن الصفوري في نزهة المجالس209:2 ط. القاهرة: روي الحديث نقلاً عن تفسير القرطبي بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي. ومنهم العلامة السيد جمال الدين عطاء الله الشيرازي الهروي في الأربعين حديثاً (مخطوط): روي الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي، لكنه زاد بعد قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث كان، وفي رواية اللهم أعنه وأعن به وارحمه وارحم به، وانصره وانصر به. ومنهم العلامة عبدالله الشافعي في المناقب:205 مخطوط: روي الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي. ومنهم العلامة القندوزي في ينابيع المودة:274 ط. اسلامبول: روي الحديث عن الثعلبي بعين ما تقدم عنه في تفسيره. ومنهم العلامة الآمرتسري في أرجح المطالب:568 ط. لاهور: روي الحديث من طريق شهاب الدين الدولت آبادي، والسيد السمهودي في جواهر العقدين، وجمال الدين المحدث صاحب روضة الأحباب في أربعينه. وعبدالرؤوف المناوي في فيض القدير. ومحمد بن محمد القادري في الصراط السوي. والحلبي في إنسان العيون. وأحمد بن الفضل بن محمد باكثير في وسيلة الآمال. ومحمد بن إسماعيل الأمير في الروضة الندية. والحافظ محمد بن يوسف الكنجي في كفاية الطالب...
انتهي.
قال في شواهد التنزيل:381:2 1030- أخبرنا أبوعبدالله الشيرازي أخبرنا أبوبكر الجرجرائي، حدثنا أبوأحمد البصري قال: حدثني محمد بن سهل حدثنا زيد بن إسماعيل مولي الأنصاري، حدثنا محمد بن أيوب الواسطي، عن سفيان بن عينية، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: عن علي قال: لما نصب رسولالله صلي الله عليه وسلم علياًّ يوم غدير خم فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. طار ذلك في البلاد، فقدم علي رسولالله النعمان بن الحرث الفهري فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسولالله، وأمرتنا بالجهاد والحج والصلاة والزكاة والصوم فقبلناها منك، ثم لم ترض حتي نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من عند الله؟!! قال: أمرٌ من عند الله. قال: الله الذي لاإله إلا هو إن هذا من الله؟ قال: الله الذي لاإله إلا هو إن هذا من الله. قال: فولي النعمان وهو يقول (اللهم) إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فرماه الله بحجر علي رأسه فقتله، فأنزل الله تعالي (سأل سائل). 1031- حدثونا عن أبيبكر السبيعي، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر أبوجعفر الضبعي، قال: حدثني زيد بن إسماعيل بن سنان، حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: نصب رسولالله صلي الله عليه وآله علياً يوم غدير خم (و) قال: من كنت مولاه فعلي مولاه فطار ذلك في البلاد. الحديث به سواء معني. (الطريق الثالث: للقاضي الحسكاني عن جابر الجعفي قال في شواهد التنزيل:382:2). 1032- ورواه أيضاً في التفسير العتيق قال: حدثنا إبراهيم بن
محمد الكوفي قال: حدثني نصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي قال: أقبل الحارث بن عمرو الفهري إلي النبي صلي الله عليه وسلم فقال: إنك أتيتنا بخبر السماء فصدقناك وقبلنا منك. فذكر مثله إلي قوله: فارتحل الحارث، فلما صار ببطحاء (مكة) أتته جندلة من السماء فشدخت رأسه، فأنزل الله (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين) بولاية علي عليهالسلام. وفي الباب عن حذيفة، وسعد بن أبيوقاص، وأبيهريرة، وابنعباس). الطريق الرابع: للقاضي الحسكاني عن حذيفة بن اليمانقال في شواهد التنزيل:383:2 1033- حدثني أبوالحسن الفارسي، حدثنا أبوالحسن محمد بن إسماعيل الحسني، حدثنا عبدالرحمان بن الحسن الأسدي، حدثنا إبراهيم. وأخبرنا أبوبكر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا أبومحمد عبدالله بن أحمد بن جعفر الشيباني، حدثنا عبدالرحمن بن الحسن الأسدي، حدثنا إبراهيم بن الحسن الكسائي، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان بن سعيد، حدثنا منصور، عن ربعي، عن حذيفة بن اليمان قال: لما قال رسولالله صلي الله عليه وآله لعلي: من كنت مولاه فهذا مولاه. قام النعمان بن المنذر الفهري (كذا) فقال: هذا شيء قلته من عندك أو شيء أمرك به ربك. قال: لا، بل أمرني به ربي. فقال: اللهم أنزل علينا حجارة من السماء. فما بلغ رحله حتي جاءه حجرٌ فأدماه فخر ميتاً، فأنزل الله تعالي (سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع) و (الطريقان) لفظهما واحد). الطريق الخامس: للقاضي الحسكاني عن أبيهريرة قال في شواهد التنزيل:385:2 1034- وأخبرنا عثمان أخبرنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب البجلي قال: حدثنا أبوعمارة محمد بن أحمد المهدي، حدثنا محمد بن أبيمعشر المدني، عن سعيد بن أبيسعيد المقبري، عن أبيهريرة قال:
أخذ رسولالله صلي الله عليه وسلم بعضد علي بن أبيطالب يوم غدير خم، ثم قال: من كنت مولاه فهذا مولاه. فقام إليه أعرابي فقال: دعوتنا أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسولالله فصدقناك، وأمرتنا بالصلاة والصيام فصلينا وصمنا، وبالزكاة فأدينا، فلم يقنعك إلا أن تفعل هذا! فهذا عن الله أم عنك؟ قال: عن الله، لاعني. قال: الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن الله لاعنك؟! قال: نعم، ثلاثاً، فقام الأعرابي مسرعاً إلي بعيره، وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك.. الآية، فما استتم الكلمات حتي نزلت نار من السماء فأحرقته، وأنزل الله في عقب ذلك: سأل سائل.. إلي قوله دافع. انتهي. وقد ذكر الحسكاني كما رأيت طريقين آخرين إلي سعد بن أبيوقاص، وابنعباس، ولم يذكر سندهما.. ولعلهما الطريقان الموجودان في تفسير فرات الكوفي. ثانياً: طرق وأسانيد مصادرنا إلي سفيان بن عيينة 1. أسانيد فرات بن إبراهيم الكوفي إلي سفيان بن عيينة تفسير فرات الكوفي
ص:505 3- فرات قال: حدثني محمد بن أحمد ظبيان معنعناً: عن الحسين بن محمد الخارفي قال: سألت سفيان بن عيينة عن: سأل سائل، فيمن نزلت: قال: يا ابنأخي سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، لقد سألت جعفر بن محمد عليهماالسلام عن مثل الذي سألتني عنه، فقال: أخبرني أبيعن جدي عن أبيه عن ابنعباس رضي الله عنه قال: لما كان يوم غدير خم، قام رسولالله صلي الله عليه وآله خطيباً فأوجز في خطبته، ثم دعا علي بن أبيطالب عليهالسلام فأخذ بضبعه ثم رفع بيده حتي رئي بياض إبطيهما وقال: ألم أبلغكم الرسالة؟ ألم أنصح لكم؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال
من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. ففشت في الناس فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فرحل راحلته ثم استوي عليها ورسولالله صلي الله عليه وآله إذ ذاك بمكة حتي انتهي إلي الأبطح، فأناخ ناقته ثم عقلها، ثم جاء إلي النبي صلي الله عليه وآله فسلم، فرد عليه النبي صلي الله عليه وآله، فقال: يا محمد! إنك دعوتنا أن نقول لاإله إلا الله فقلنا! ثم دعوتنا أن نقول إنك رسولالله فقلنا، وفي القلب ما فيه، ثم قلت صلوا فصلينا، ثم قلت صوموا فصمنا فأظمأنا نهارنا وأتعبنا أبداننا، ثم قلت حجوا فحججنا، ثم قلت إذا رزق أحدكم مأتي درهم فليتصدق بخمسة كل سنة، ففعلنا. ثم إنك أقمت ابنعمك فجعلته علما وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، أفعنك أم عن الله؟! قال: بل عن الله. قال: فقالها ثلاثاً. قال: فنهض، وإنه لمغضب وإنه ليقول: اللهم إن كان ما قال محمد حقاًّ فأمطر علينا حجارة من السماء، تكون نقمة في أولنا وآية في آخرنا، وإن كان ما قال محمد كذبا فأنزل به نقمتك. ثم أثار ناقته فحل عقالها ثم استوي عليها، فلما خرج من الأبطح رماه الله تعالي بحجر من السماء فسقط علي رأسه وخرج من دبره، وسقط ميتاً فأنزل الله فيه: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج. انتهي. 2. أسانيد محمد بن العباس إلي سفيان بن عيينة تأويل الآيات:722:2 : (قال محمد بن العباس رحمه الله: حدثنا علي بن محمد بن مخلد، عن الحسن بن القاسم، عن عمر بن الأحسن، عن آدم بن حماد،
عن حسين بن محمد قال: سألت سفيان بن عيينة عن قول الله عزوجل: سأل سائل، فيمن نزلت؟ فقال...)، بنحو رواية فرات الأخيرة. 3. سند الشريف المرتضي إلي سفيان بن عيينة مدينة المعاجز:407:1 270- السيد المرتضي في عيون المعجزات: قال: حدث أبوعبدالله محمد بن أحمد قال: حدثنا أبيقال: حدثني علي بن فروخ السمان قال: حدثني يحيي بن زكرياء المنقري قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثني عمر بن أبيسليم العيسي، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه عليهماالسلام قال: لما نصب رسولالله صلي الله عليه وآله علياً يوم غدير خم وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه... قلت: قد ذكرت في معني هذا الحديث رواية المفضل بن عمر الجعفي، عن الصادق عليهالسلام في كتاب البرهان في تفسير القرآن بالرواية عن أهل البيت في قوله تعالي: قل فلله الحجة البالغة، من سورة الأنعام. وفي سورة المعارج في قوله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع، رواية أخري. 4. سند منتجب الدين الرازي إلي سفيان بن عيينةالأربعون حديثاً لمنتجب الدين الرازي ص82 : الحكاية الخامسة: أنا أبوالعلاء زيد بن علي بن منصور الأديب والسيد أبوتراب المرتضي بن الداعي بن القاسم الحسني قالا: نا الشيخ المفيد عبدالرحمن بن أحمد الواعظ الحافظ إملاءً: أنا محمد بن زيد بن علي الطبري أبوطالب بن أبيشجاع البريدي بآمل بقراءتي عليه، أنا أبوالحسين زيد بن إسماعيل الحسني، نا السيد أبوالعباس أحمد بن إبراهيم الحسني، أنا عبدالرحمن بن الحسن الخاقاني، نا عباس بن عيسي، نا الحسن بن عبدالواحد الخزاز، عن الحسن بن علي النخعي، عن رومي بن حماد المخارقي قال:قلت لسفيان بن عيينة: أخبرني عن (سأل سائل) فيمن أنزلت؟ قال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد
قبلك، سألت عنها جعفر بن محمد الصادق عليهماالسلام فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن آبائه عليهمالسلام قال: لما حج النبي صلي الله عليه وآله حجة الوداع فنزل بغدير خم، نادي في الناس فاجتمعوا. فقال: يا أيها الناس ألم أبلغكم الرسالة؟ قالوا: اللهم بلي. قال: أفلم أنصح لكم؟ قالوا: اللهم بلي. قال: فأخذ بضبع علي عليهالسلام فرفعه حتي رؤي بياض إبطيهما، ثم قال: أيها الناس من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال: فشاع ذلك، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري، فأقبل يسير علي ناقة له حتي نزل بالأبطح فأناخ راحلته وشد عقالها، ثم أتي النبي صلي الله عليه وآله وهو في ملأ من أصحابه، فقال: يا رسولالله والله الذي لاإله إلا هو إنك أمرتنا أن نشهد أن لاإله إلا الله فشهدنا، ثم أمرتنا أن نشهد أنك رسوله فشهدنا، ثم أمرتنا أن نصلي خمساً فصلينا، ثم أمرتنا أن نصوم شهر رمضان فصمنا، ثم أمرتنا أن نزكي فزكينا، ثم أمرتنا أن نحج فحججنا، ثم لم ترض حتي نصبت ابنعمك علينا، فقلت: من كنت مولاه فهذا علي مولاه هذا عنك أو عن الله تعالي؟! قال النبي صلي الله عليه وآله: لا، بل عن الله. قال: فقام الحارث بن النعمان مغضباً وهو يقول: اللهم إن كان ما قال محمد حقاًّ فأنزل بي نقمة عاجلة. قال: ثم أتي الأبطح فحل عقال ناقته واستوي عليها، فلما توسط الأبطح رماه الله بحجر فوقع وسط دماغه وخرج من دبره، فخر ميتاً، فأنزل الله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع. وقد أورد أبوإسحاق الثعلبي إمام أصحاب الحديث في تفسيره
هذه الحكاية بغير إسناد. 5. سند الطبرسي إلي سفيان بن عيينة تفسير الميزان:58:6 : (وفي المجمع أخبرنا السيد أبوالحمد قال: حدثنا الحاكم أبوالقاسم الحسكاني قال: أخبرنا أبوعبدالله الشيرازي قال: أخبرنا أبوبكر الجرجاني قال: أخبرنا أبوأحمد البصري قال: حدثنا محمد بن سهل قال: حدثنا زيد بن إسماعيل مولي الأنصار قال: حدثنا محمد بن أيوب الواسطي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه قال: لما نصب رسولالله صلي الله عليه وآله علياًّ يوم غدير خم قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه...). ثالثاً: طرق وأسانيد من مصادرنا من غير طريق سفيان بن عيينة 1. أسانيد محمد بن يعقوب الكليني الكافي:422:1 47- علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبيبصير، عن أبيعبدالله عليهالسلام في قول الله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل عليهالسلام علي محمد صلي الله عليه وآله. انتهي. ومعني قوله عليهالسلام (هكذا والله نزل بها جبرئيل عليهالسلام علي محمد صلي الله عليه وآله) أن جبرئيل نزل بتأويلها، وهو مثل قول ابنمسعود المتقدم في آية التبليغ أنهم كانوا يقرؤون علي عهد النبي صلي الله عليه وآله (بلغ ما أنزل إليك- في علي)، ومثله عن ابنعباس في آيات الخندق أنه كان يقرأ (وكفي الله المؤمنين القتال- بعلي) فهذه ليست قراءات، لأنه لايجوز إضافة أي حرفٍ إلي نص كتاب الله تعالي، بل كلها تفاسير من الصحابة أو تفسيرٌ نزل به جبرئيل عليهالسلام فبلغهم إياه النبي صلي الله عليه وآله فكانوا يقرؤونها كالذي يشرح آيةً، أو كتبوها في تفاسيرهم كالهامش. وفي الكافي:57:8
18- عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبيبصير قال: بينا رسولالله صلي الله عليه وآله ذات يوم جالساً إذ أقبل أميرالمؤمنين عليهالسلام فقال له رسولالله صلي الله عليه وآله: إن فيك شبهاً من عيسي بن مريم، ولولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصاري في عيسي بن مريم، لقلت فيك قولاً لاتمر بملأٍ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة. قال: فغضب أعرابيان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلاً إلا عيسي بن مريم، فأنزل الله علي نبيه صلي الله عليه وآله فقال: (ولما ضرب ابنمريم مثلاً إذا قومك منه يصدون، وقالوا أآلهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون، إن هو إلا عبدأنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل. ولو نشاء لجعلنا منكم- يعني من بني هاشم- ملائكة في الأرض يخلفون). قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أن بني هاشم يتوارثون هرقلاً بعد هرقل، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم... إلي آخره. ولعل في متن هذا الحديث اضطراباً، وفيه: (ثم قال له: يا بن عمرو إما تبت وإما رحلت. فقال: يا محمد، بل تجعل لسائر قريش شيئاً مما في يديك، فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم! فقال له النبي صلي الله عليه وآله: ليس ذلك إلي، ذلك إلي الله تبارك وتعالي. فقال: يا محمد قلبي ما يتابعني علي التوبة، ولكن أرحل عنك، فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة، أتته جندلةٌ فرضخت هامته، ثم أتي
الوحي إلي النبي صلي الله عليه وآله فقال: (سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين- بولاية علي- ليس له دافع، من الله ذي المعارج). 2. أسانيد فرات بن إبراهيم الكوفيتفسير فرات الكوفي ص503 : 1- قال: حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب البجلي قال: حدثنا أبوعمارة محمد بن أحمد المهتدي قال: حدثنا محمد بن معشر المدني، عن سعيد بن أبيسعيد المقبري، عن أبيهريرة قال: طرحت الأقتاب لرسولالله صلي الله عليه وسلم يوم غدير خم قال فعلا عليها فحمد الله وأثني عليه، ثم أخذ بعضد علي بن أبيطالب عليهالسلام فاستلها فرفعها، ثم قال: اللهم من كنت مولاه فعلي (فهذا علي) مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقام إليه أعرابي من أوسط الناس فقال: يا رسولالله دعوتنا أن نشهد أن لاإله إلا الله فشهدنا وأنك رسولالله فصدقنا، وأمرتنا بالصلاة فصلينا، وبالصيام فصمنا، وبالجهاد فجاهدنا، وبالزكاة فأدينا، قال: ولم يقنعك إلا أن أخذت بيد هذا الغلام علي رؤوس الأشهاد، فقلت: اللهم من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله! فهذا عن الله أم عنك؟! قال: هذا عن الله، لاعني. قال: الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن الله لاعنك؟! قال: الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن الله لاعني. ثم قال ثالثة: الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن ربك لاعنك؟ قال: الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن ربي لاعني. قال: فقام الأعرابي مسرعاً إلي بعيره وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. قال: فما استتم الأعرابي الكلمات
حتي نزلت عليه نار من السماء فأحرقته، وأنزل الله في عقب ذلك: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج. 2- قال فرات: حدثني جعفر بن محمد بن بشرويه القطان معنعناً، عن الأوزاعي، عن صعصعة بن صوحان والأحنف بن قيس قالا جميعاً: سمعنا ابنعباس رضي الله عنه قال: كنت مع رسولالله صلي الله عليه وآله إذ دخل علينا عمرو بن الحارث الفهري قال: يا أحمد أمرتنا بالصلاة والزكاة، أفمنك هذا أم من ربك يا محمد؟ قال: الفريضة من ربي وأداء الرسالة مني، حتي أقول: ما أديت إليكم إلا ما أمرني ربي. قال: فأمرتنا بحب علي بن أبيطالب، زعمت أنه منك كهارون من موسي، وشيعته علي نوق غر محجلةٍ يرفلون في عرصة القيامة، حتي يأتي الكوثر فيشرب ويسقي هذه الأمة، ويكون زمرة في عرصة القيامة، أبهذا الحب سبق من السماء أم كان منك يا محمد؟ قال: بل سبق من السماء ثم كان مني. لقد خلقنا الله نوراً تحت العرش! فقال عمرو بن الحارث: الآن علمت أنك ساحر كذاب! يا محمد ألستما من ولد آدم؟ قال: بلي، ولكن خلقني الله نوراً تحت العرش قبل أن يخلق الله آدم باثني عشر ألف سنة، فلما أن خلق الله آدم ألقي النور في صلب آدم، فأقبل ينتقل ذلك النور من صلب إلي صلب، حتي تفرقنا في صلب عبدالله بن عبدالمطلب وأبيطالب، فخلقنا ربي من ذلك النور لكنه لكن لانبي بعدي. قال: فوثب عمرو بن الحارث الفهري مع اثني عشر رجلاً من الكفار، وهم ينفضون أرديتهم فيقولون: اللهم إن كان محمد صادقاً في مقالته فارم عمرواً وأصحابه بشواظ من نار. قال فرمي عمرو وأصحابه بصاعقة من السماء،
فأنزل الله هذه الآية: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج. فالسائل عمرو وأصحابه. 4- فرات قال: حدثنا أبوأحمد يحيي بن عبيدبن القاسم القزويني معنعناً، عن سعد بن أبيوقاص، قال: صلي بنا النبي صلي الله عليه وآله صلاة الفجر يوم الجمعة، ثم أقبل علينا بوجهه الكريم الحسن وأثني علي الله تبارك وتعالي، فقال: أخرج يوم القيمة وعلي بن أبيطالب أمامي، وبيده لواء الحمد، وهو يومئذ من شقتين شقة من السندس وشقة من الإستبرق، فوثب إليه رجل أعرابي من أهل نجد من ولد جعفر بن كلاب بن ربيعة، فقال: قد أرسلوني إليك لأسألك، فقال: قل يا أخا البادية. قال: ما تقول في علي بن أبيطالب، فقد كثر الإختلاف فيه؟ فتبسم رسولالله صلي الله عليه وآله ضاحكاً فقال: يا أعرابي، ولم يكثر الإختلاف فيه؟ علي مني كرأسي من بدني، وزري من قميصي. فوثب الأعرابي مغضباً ثم قال: يا محمد إني أشد من علي بطشاً، فهل يستطيع علي أن يحمل لواء الحمد؟ فقال النبي صلي الله عليه وآله: مهلاً يا أعرابي، فقد أعطي علي يوم القيامة خصالاً شتي: حسن يوسف، وزهد يحيي، وصبر أيوب، وطول آدم، وقوة جبرئيل. وبيده لواء الحمد وكل الخلائق تحت اللواء، يحف به الأئمة والمؤذنون بتلاوة القرآن والأذان، وهم الذين لايتبددون في قبورهم. فوثب الأعرابي مغضباً وقال: اللهم إن يكن ما قال محمد فيه حقاًّ فأنزل علي حجراً. فأنزل الله فيه: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج). 3. سندا محمد بن العباس تأويل الآيات:722:2 : (وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمد السياري، عن محمد بن خالد، عن محمد بن
سليمان، عن أبيه، عن أبيبصير، عن أبيعبدالله عليهالسلام أنه تلا: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين- بولاية علي- ليس له دافع) ثم قال: هكذا هي في مصحف فاطمة عليهاالسلام. ويؤيده: ما رواه محمد البرقي، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبيبصير، عن أبيعبدالله عليهالسلام في قوله عزوجل: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين- بولاية علي- ليس له دافع، ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل علي النبي صلي الله عليه وآله.) انتهي. وقد تقدم أن عبارة (بولاية علي عليهالسلام) تفسير للآية، وكانوا يكتبون ذلك في هامش مصاحفهم، كما ورد عن مصحف ابنعباس أنه كان فيه: وكفي الله المؤمنين القتال، بعلي، عليهالسلام. 4. سند جامع الأخبار بحارالأنوار:165:33 : 42- جامع الأخبار: أخبرنا علي بن عبدالله الزيادي، عن جعفر بن محمد لدوريستي، عن أبيه، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن الحسين بن أبيالخطاب، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن زرارة قال: سمعت الصادق عليهالسلام قال لما خرج رسولالله صلي الله عليه وآله إلي مكة في حجة الوداع، فلما انصرف منها- وفي خبر آخر: وقد شيعه من مكة اثنا عشر ألف رجل من اليمن وخمسة آلاف رجل من المدينة- جاءه جبرئيل في الطريق فقال له: يا رسولالله إن الله تعالي يقرؤك السلام، وقرأ هذه الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك.. فقال له رسولالله صلي الله عليه وآله: يا جبرئيل إن الناس حديثو عهد بالإسلام فأخشي أن يضطربوا ولا يطيعوا... فقال له: يا جبرئيل أخشي من أصحابي أن يخالفوني، فعرج جبرئيل ونزل عليه في اليوم الثالث وكان رسولالله صلي الله عليه وآله بموضع يقال له غدير خم، وقال له: (يا أيها الرسول
بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس). فلما سمع رسولالله هذه المقالة قال للناس: أنيخوا ناقتي فوالله ما أبرح من هذا المكان حتي أبلغ رسالة ربي، وأمر أن ينصب له منبر من أقتاب الإبل وصعدها وأخرج معه علياً عليهالسلام وقام قائماً وخطب خطبة بليغة، وعظ فيها وزجر، ثم قال في آخر كلامه: يا أيها الناس ألست أولي بكم منكم؟ فقالوا: بلي يا رسولالله.....فلما كان بعد ثلاثة، وجلس النبي صلي الله عليه وآله مجلسه أتاه رجل من بني مخزوم يسمي عمر بن عتبة، وفي خبر آخر حارث بن النعمان الفهري، فقال: يا محمد أسألك عن ثلاث مسائل. فقال: سل عما بدا لك. فقال: أخبرني عن شهادة أن لاإلا الله وأن محمداً رسولالله، أمنك أم من ربك؟ قال النبي صلي الله عليه وآله: أوحي إلي من الله، والسفير جبرئيل، والمؤذن أنا، وما أذنت إلا من أمر ربي. قال: فأخبرني عن الصلاة والزكاة والحج والجهاد، أمنك أم من ربك؟ قال النبي صلي الله عليه وآله مثل ذلك. قال: فأخبرني عن هذا الرجل- يعني علي بن أبيطالب عليهالسلام- وقولك فيه: من كنت مولاه فهذا علي مولاه..... أمنك أم من ربك؟! قال النبي صلي الله عليه وآله: أوحي إلي من الله، والسفير جبرئيل، والمؤذن أنا، وما أذنت إلا ما أمرني. فرفع المخزومي رأسه إلي السماء فقال: اللهم إن كان محمد صادقاً فيما يقول فأرسل عليَّ شواظاً من نار، وفي خبر آخر في التفسير فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، وولي، فوالله ما سار غير بعيد حتي أظلته سحابة سوداء، فأرعدت وأبرقت فأصعقت، فأصابته
الصاعقة فأحرقته النار! فهبط جبرئيل وهو يقول: إقرأ يا محمد: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع. فقال النبي صلي الله عليه وآله لأصحابه: رأيتم؟! قالوا: نعم. قال: وسمعتم؟ قالوا: نعم. قال: طوبي لمن والاه والويل لمن عاداه، كأني أنظر إلي علي وشيعته يوم القيامة يزفون علي نوقٍ من رياض الجنة، شباب متوجون مكحلون لاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، قد أيدوا برضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، حتي سكنوا حظيرة القدس من جوار رب العالمين، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون، ويقول لهم الملائكة: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار). 5. سند مدينة المعاجز للبحراني مدينة المعاجز:267:2 : (العلامة الحلي في الكشكول: عن محمد بن أحمد بن عبدالرحمان الباوردي: فقال النضر بن الحارث الفهري: إذا كان غداً اجتمعوا عند رسولالله صلي الله عليه وآله حتي أقبل أنا وأتقاضاه ما وعدنا به في بدء الإسلام، وانظر ما يقول، ثم نحتج، فلما أصبحوا فعلوا ذلك فأقبل النضر بن الحارث فسلم علي النبي صلي الله عليه وآله فقال: يا رسولالله إذا كنت أنت سيد ولد آدم، وأخوك سيد العرب، وابنتك فاطمة سيدة نساء العالمين وابناك الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعمك حمزة سيد الشهداء وابنعمك ذو الجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء. وعمك جلدة بين عينيك وصنو أبيك، وشيبة له السدانة، فما لسائر قومك من قريش وسائر العرب؟! فقد أعلمتنا في بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول لنا مالك وعلينا ما عليك. فأطرق رسولالله صلي الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال: أما أنا والله ما فعلت بهم هذا، بل الله فعل بهم هذا فما ذنبي؟!
فولي النضر بن الحارث وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم. يعني الذي يقول محمد فيه وفي أهل بيته، فأنزل الله تعالي: وإذ قالوا إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم.. إلي قوله: وهم يستغفرون. فبعث رسولالله صلي الله عليه وآله إلي النضر بن الحارث الفهري وتلا عليه الآية فقال: يا رسولالله إني قد سررت ذلك جميعه أنا ومن لم تجعل له ما جعلته لك ولأهل بيتك من الشرف والفضل في الدنيا والآخرة، فقد أظهر الله ما أسررنا به. أما أنا فأسألك أن تأذن لي أن أخرج من المدينة، فإني لاأطيق المقام بها! فوعظه النبي صلي الله عليه وآله إن ربك كريم، فإن أنت صبرت وتصابرت لم يخلك من مواهبه، فارض وسلم، فإن الله يمتحن خلقه بضروب من المكاره، ويخفف عمن يشاء، وله الخلق والأمر، مواهبه عظيمة، وإحسانه واسع. فأبي الحارث، وسأله الإذن فأذن له رسولالله صلي الله عليه وآله فأقبل إلي بيته وشد علي راحلته وركبها مغضباً، وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فلما صار بظهر المدينة وإذا بطيرٍ في مخلبه حجرٌ، فأرسله إليه فوقع علي هامته، ثم دخلت في دماغه وخرج من جوفه ووقع علي ظهر راحلته وخرج من بطنها، فاضطربت الراحلة وسقطت وسقط النضر بن الحارث من عليها ميتين، فأنزل الله تعالي: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين- بعلي وفاطمة والحسن والحسين وآل محمد- ليس له دافع من الله ذي المعارج. انتهي. وقال في هامشه: لم نجد كتاب الكشكول
للعلامة الحلي رحمه الله بل هو للمحدث الجليل العلامة السيد حيدر بن علي الحسيني الآملي من علماء القرن الثامن الهجري، أوله: أما البداية فليس بخفي من علمك ولا يستتر عن فهمك وآخره: والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين. انتهي. 6. رواية المناقب لابن شهرآشوب بحارالأنوار:320:31 : 17- قب: أبوبصير عن الصادق عليهالسلام لما قال النبي صلي الله عليه وآله: يا علي لولا أنني أخاف أن يقول فيك ما قالت النصاري في المسيح لقلت اليوم فيك مقالة لاتمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدمك.. الخبر. قال الحارث بن عمرو الفهري لقوم من أصحابه: ما وجد محمد لابن عمه مثلاً إلا عيسي بن مريم يوشك أن يجعله نبياً من بعده. والله إن آلهتنا التي كنا نعبد خير منه! فأنزل الله تعالي: ولما ضرب ابنمريم مثلاً.. إلي قوله: وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون، هذا صراط مستقيم. وفي رواية: أنه نزل أيضاً: إن هو إلا عبدأنعمنا عليه.. الآية. فقال النبي صلي الله عليه وآله: يا حارث إتق الله وارجع عما قلت من العداوة لعلي بن أبيطالب. فقال: إذا كنت رسولالله وعلي وصيك من بعدك وفاطمة بنتك سيدة نساء العالمين والحسن والحسين ابناك سيدي شباب أهل الجنة، وحمزة عمك سيد الشهداء، وجعفر الطيار ابنعمك يطير مع الملائكة في الجنة، والسقاية للعباس عمك، فما تركت لسائر قريش وهم ولد أبيك؟ فقال رسولالله صلي الله عليه وآله: ويلك يا حارث ما فعلت ذلك ببني عبدالمطلب، لكن الله فعله بهم! فقال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء.. الآية. فأنزل الله تعالي: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، ودعا رسولالله صلي الله عليه
وآله الحارث فقال: إما أن تتوب أو ترحل عنا. قال: فإن قلبي لايطاوعني إلي التوبة، لكني أرحل عنك! فركب راحلته، فلما أصحر أنزل الله عليه طيراً من السماء في منقاره حصاة مثل العدسة فأنزلها علي هامته وخرجت من دبره إلي الأرض، ففحص برجله، وأنزل الله تعالي علي رسوله: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين- بولاية علي-. 7. رواية علي بن إبراهيم القمي تفسير القمي:385:2 : (أخبرنا أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبدالله، عن محمد بن علي، عن علي بن حسان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبيالحسن عليهالسلام في قوله: سأل سائل بعذاب واقع، قال: سأل رجل عن الأوصياء وعن شأن ليلة القدر، وما يلهمون فيها. فقال النبي صلي الله عليه وآله: سألت عن عذابٍ واقع، ثم كفر بأن ذلك لايكون، فإذا وقع فليس له من دافع). انتهي. وهناك أسانيد أخري، يصعب استقصاؤها فراجع شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي، وكنز الحقائق للكراجكي، والفضائل لشاذان بن جبرئيل، وتفسير القمي، والمناقب لابن شهرآشوب، وغاية المرام للبحراني.. وغيرها. النتيجة: صحة أصل الحديث، وتعدد العقاب الإلهي المتأمل في روايات العقاب الإلهي العاجل لمن اعترض علي ولاية علي عليهالسلام يصل إلي نتيجتين: النتيجة الأولي: أن أصل الحديث مستوفٍ لشروط الصحة.. فمهما كان الباحث بطيء التصديق، ميالاً للتشكيك، وأجاز لنفسه القول إن الشيعة وضعوا هذا الحديث ودونوه في مصادرهم.. فلا يمكنه أن يفسر وجوده في مصادر السنة بذلك، لأن عدداً من أئمتهم المحدثين قد رووه وتبنوه، كما رأيت! نعم قد يعترض متعصبٌ بأن هؤلاء الأئمة السنيين، قد رووا ذلك عن أئمة أهل البيت عليهمالسلام. وجوابه أولاً، أن مقام أهل البيت عليهمالسلام عند السنة لايقل عن مقام كبار أئمتهم، خاصة مثل الإمامين الباقر
والصادق عليهماالسلام الذين يروي عنهما مباشرة أو بالواسطة عدد من كبار أئمتهم، مثل أبيعبيد والسفيانين والزهري ومالك وأحمد.. وغيرهم. والحساسية التي قد تراها عند السنيين من أحاديث أهل البيت عليهمالسلام إنما هي مما نرويه نحن الشيعة! أما ما يرويه عنهم أئمتهم، فقد قبلوه ودونوه في صحاحهم. وجوابه ثانياً، أن طرق الحديث ليست محصورةً بأهل البيت عليهمالسلام فقد تقدم طريق الحاكم الحسكاني عن حذيفة، وأبيهريرة، وغيرهما أيضاً. والنتيجة الثانية: أن الحادثة التي وردت في الأحاديث المتقدمة وغيرها لايمكن أن تكون حادثة واحدة، بل هي متعددة.. وذلك بسبب تعدد الأسماء، ونوع العقوبة والأمكنة، والأزمنة، والملابسات المذكورة في روايات الحديث.. فرواية أبيعبيد والثعلبي وغيرها تقول إن الحادثة كانت في المدينة أو قربها، وأن العذاب كان بحجرٍ من سجيل.. ورواية أبيهريرة وغيرها تقول إن الإعتراض كان في نفس غدير خم بعد خطبة النبي صلي الله عليه وآله، وأن العقوبة كانت بنارٍ نزلت من السماء.. وبعضها يقول إنها كانت بصاعقة.. والأسماء الواردة متعددة أيضاً، والتصحيف يصح في بعضها، لكن لايصح في جميعها. المسألة السابعة: عشيرة سأل سائل بعذاب واقع بقيت عدة مسائل وبحوث، تتعلق بموضوعنا: منها، عدد المعترضين علي النبي صلي الله عليه وآله بعد الغدير، وهوياتهم.. ونوع العقوبة الإلهية التي وقعت عليهم.. ومنها، ما أحدثه الإعلان النبوي عن ولاية العترة الطاهرة من تأثير علي المسلمين عامة، وعلي قريش خاصة.. وما يتصل به من الجو العام في الشهرين الأخيرين من حياة النبي صلي الله عليه وآله، والآيات التي نزلت، والأحداث التي وقعت.. ومن أهمها تشاور الأنصار وعرضهم علي النبي صلي الله عليه وآله أن يخصصوا له ولعترته ثلث أموالهم لمصارفهم، ونزول آية (قل لاأسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربي)
وزيادة حساسية قريش بسبب ذلك. ومن أهمها أيضاً، أن النبي صلي الله عليه وآله قرر أن يرسل كل شخصيات قريش المؤثرين في جيش إلي مؤتة، وأمَّر عليهم شاباً أسود البشرة من أصل إفريقي عمره تسع عشرة سنة، هو أسامة بن زيد! وهدف النبي صلي الله عليه وآله من ذلك أن يوجه نظر الأمة إلي الجبهة الخارجية، ويفرغ المدينة من المخالفين لعترته، حتي إذا توفي لم يكن فيها إلا علي والأنصار.. الي آخر الأحداث في هذه الفترة الحاسمة. ومنها، بحث محاولتي اغتيال النبي صلي الله عليه وآله بعد إعلان الغدير، في طريق رجوعه في عقبة هرشي، وفي قصة لده وإعطائه الدواء بالقوة عندما أغمي عليه من الحمي في مرضه رغم نهيه إياهم عن ذلك! ومنها، قصة الصحيفة الملعونة الثالثة، التي ورد في مصادرنا أن المعارضين لإعلان ولاية علي عليهالسلام كتبوها في المدينة، وتعاهدوا ضد آل النبي صلي الله عليه وآله! ومن البحوث المفيدة أيضاً، بحث فضل يوم الغدير، وما ورد في مصادر الفريقين من استحباب صومه، والشكر وإظهار السرور فيه... إلخ. ومع أنها جميعاً بحوث مفيدة، ترتبط بموضوعنا.. لكن فضلنا عدم الإطالة والاقتصار علي أولها، وهو عشيرة بني عبدالدار القرشية، التي ورد عند الفريقين أن آية (سأل سائل بعذاب واقع) نزلت في رئيسها النضر بن الحارث، وفي ابنه جابر بن النضر.. وغرضنا منه استكمال الصورة الصحيحة عن قبائل قريش وحسدها للنبي وأهل بيته الطاهرين، صلي الله عليه وعليهم.
كانت الجزيرة العربية مجتمعات قبلية، ولم تكن فيها حكومةٌ مركزية، بل معظم مناطقها تحكمها القبائل.. وكانت الصراعات والحروب، والتحالفات القبلية أمراً شائعاً بين قبائلها، ومنها قبائل قريش. ومن أهم الأحلاف القرشية التي سجلتها مصادر التاريخ، حلف الفضول
الذي دعا إليه عبدالمطلب جد النبي صلي الله عليه وآله، وسموه حلف المطيبين، لأنهم أكدوا تحالفهم بغمس أيديهم في جفنة طيبٍ صنعتها لهم بنت عبدالمطلب. وكانت أهم مبادئ هذا الحلف: أن يحموا الكعبة الشريفة ممن يريد بها شراً ويمنعوا الظلم فيها، وينصروا المظلوم حتي يصل إلي حقه. وهو الحلف الذي شارك فيه النبي صلي الله عليه وآله، وكان عمره الشريف نحو عشرين سنة.. بل تدل بعض الأحاديث علي أنه صلي الله عليه وآله أمضاه بعد بعثته، كما في مسند أحمد:190:1 قال: شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم... وصححه الحاكم:220:2 . وكان هذا الحلف جواباً لحلف مضاد، دعا إليه بنو عبدالدار، فأجابتهم بعض قبائل قريش، وعرف حلفهم باسم (لعقة الدم) لأنهم ذبحوا بقرة، وأكدوا تحالفهم بأن يلعق ممثل القبيلة لعقةً من دمها! وقد اختلفت النصوص في سبب الحلفين ووقتهما، فذكر بعضها أنه عند بناء الكعبة بسبب اختلافهم علي القبيلة التي تفوز بشرف وضع الحجر الأسود في موضعه. وذكر بعضها أنه كان بسبب شكاية بائع مظلوم، اشتري منه قرشي بضاعة، وأراد أن يأكل عليه ثمنها.. والأرجح ما ذكره ابنواضح اليعقوبي من أن بني عبدالدار حسدوا عبدالمطلب، فدعوا إلي حلف لعقة الدم، فدعا عبدالمطلب في مقابلهم إلي حلف المطيبين. قال اليعقوبي في تاريخه:248:1 : (ولما رأت قريش أن عبدالمطلب قد حاز الفخر، طلبت أن يحالف بعضها بعضاً ليعزُّوا، وكان أول من طلب ذلك بنو عبدالدار لما رأت حال عبدالمطلب، فمشت بنو عبدالدار إلي بني سهم فقالوا: إمنعونا من بني عبدمناف..... فتطيب بنو عبدمناف، وأسد، وزهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، فسموا حلف المطيبين. فلما سمعت بذلك بنو سهم ذبحوا بقرةً
وقالوا: من أدخل يده في دمها ولعق منه، فهو منا! فأدخلت أيديها بنو سهم، وبنو عبدالدار، وبنو جمح، وبنو عدي، وبنو مخزوم، فسموا اللعقة. وكان تحالف المطيبين ألا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضاً. وقالت اللعقة: قد أعتدنا لكل قبيلةٍ قبيلة. انتهي. وقال اليعقوبي:17:2 (حضر رسولالله صلي الله عليه وآله حلف الفضول وقد جاوز العشرين، وقال بعد ما بعثه الله: حضرت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً، ما يسرني به حمر النعم، ولو دعيت إليه اليوم لأجبت. وكان سبب حلف الفضول أن قريشاً تحالفت أحلافاً كثيرة علي الحمية والمنعة، فتحالف المطيبون وهم بنو عبدمناف، وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، علي أن لايسلموا الكعبة ما أقام حراء وثبير، وما بلَّ بحرٌ صوفة. وصنعت عاتكة بنت عبدالمطلب طيباً فغمسوا أيديهم فيه... فتذممت قريش فقاموا فتحالفوا ألا يظلم غريب ولا غيره، وأن يؤخذ للمظلوم من الظالم، واجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان التيمي. وكانت الأحلاف هاشم، وأسد، وزهرة، وتيم، والحارث بن فهر، فقالت قريش: هذا فضول من الحلف، فسمي حلف الفضول). انتهي. وفي سيرة ابنهشام:85:1 (فكان بنو أسد بن عبدالعزي بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر، مع بني عبدمناف. وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عدي بن كعب، مع بني عبدالدار). انتهي. ويفهم من هذه النصوص وغيرها أن حركة التحالف بدأها بنو عبدالدار حسداً لعبد المطلب، فسعوا للتحالف ضده، فبادر عبدالمطلب ومؤيدوه الي عقد حلف المطيبين قبلهم، ثم عقد بنو عبدالدار ومؤيدوهم
حلف لعقة الدم. ويفهم منها، أن أهداف حلف عبدالمطلب حماية الكعبة ونصرة المظلوم، بينما هدف حلف بني عبدالدار مواجهة المطيبين! بنو عبدالدار أصحاب لواء قريش وذكر المؤرخون أن بني عبدالدار ورثوا من جدهم قصي دار الندوة التي كانت مركزاً لمجلس شيوخ قريش، يبحثون فيها الأمور المهمة، ويتخذون فيها القرارات، كما ورث بنو عبدالدار لواء الحرب، فكانوا هم أصحاب لواء قريش في حروبها.. قال البلاذري في فتوح البلدان60 : (فلم تزل دار الندوة لبني عبدالدار بن قصي، حتي باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي، من معاوية بن أبيسفيان، فجعلها داراً للإمارة). انتهي. وقد قتل علي عليهالسلام من بني عبدالدار كل من رفع لواء قريش في وجه رسول صلي الله عليه وآله، فبلغوا بضعة عشر، وروي أن بعضهم قتله عمه حمزة بن عبدالمطلب رضوان الله عليه! قال ابنهشام في:587:3 واصفاً تحميس أبيسفيان وزوجته لبني عبدالدار في أحد: (قال أبوسفيان لأصحاب اللواء من بني عبدالدار يحرضهم بذلك علي القتال: يا بني عبدالدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتي الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه! فهمُّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟!! ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أبوسفيان. فلما التقي الناس ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول: وَيْهاً بني عبدالدار... وَيْهاً حماة الأدبار ضرباً بكل بتار وفي سيرة ابنهشام:655:3 (قال ابنهشام: أنشدني أبوعبيدة للحجاج بن علاط السلمي يمدح أباالحسن أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب، ويذكر قتله
طلحة بن أبيطلحة بن عبدالعزي بن عثمان بن عبدالدار، صاحب لواء المشركين يوم أحد: لله أيُّ مذببٍ عن حرمةٍ++ أعني ابنفاطمة المعِمَّ المخْوِلا سبقت يداك له بعاجل طعنةٍ++ تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدةَ باسلٍ فكشفتهم++ بالجر إذ يهوون أخول أخولا وقد تتابع علي حمل لواء المشركين يوم أحد تسعة من بني عبدالدار، وقيل أكثر وركزوا حملاتهم علي قتل النبي صلي الله عليه وآله بعد أن تركه المسلمون وهربوا صعوداً في الجبل، وثبت النبي صلي الله عليه وآله ومعه علي عليهالسلام وحدهما! في وجه حملات قريش التي تواصلت إلي ما بعد الظهر! وكان النبي صلي الله عليه وآله يقاتل في مركزه، وعلي عليهالسلام يحمل عليهم، يضرب مقدمتهم، ثم يغوص فيهم يضرب يميناً وشمالاً، حتي يصل إلي العبدري حامل لوائهم فيحصد رأسه، فتنكفيء الحملة.. ثم يتحمس عبدريٌّ آخر فيحمل لواء الشرك، ويهجمون باتجاه الرسول صلي الله عليه وآله فيتلقاهم علي عليهالسلام وهو راجلٌ وهم فرسان!! حتي قتل من فرسان قريش عشرات، ومن العبدريين أصحاب ألويتهم تسعة! فيئسوا وانسحبوا، ونادي مناديهم كذباً: قتل محمد! وقد أصابته صلي الله عليه وآله بضع جراحات، وأصابت علياًّ عليهالسلام بضع وسبعون جراحة! منها جراحاتٌ بليغة، مسح عليها النبي صلي الله عليه وآله بريقه فبرأت!
ومن طريف ما ذكره المؤرخون عن بني عبدالدار الشجعان، أنهم أول من علم قريشاً أسلوباً في الدفاع عن نفسها في الحرب أمام بني هاشم، فابتكروا طريقة في الحرب تستفيد من سمو بني هاشم الأخلاقي وخساسة أقرانهم! روي ابنكثير في السيرة:39:3 ناقلاً عن ابنهشام: (لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسولالله صلي الله عليه وسلم تحت راية الأنصار، وأرسل إلي علي أن قدم الراية، فقدم علي وهو
يقول: أنا أبوالقصم، فناداه أبوسعد بن أبيطلحة، وهو صاحب لواء المشركين: هل لك يا أباالقصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه! فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله. وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبيأرطاة، لما حمل عليه ليقتله أبدي له عورته، فرجع عنه. وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين، أبدي عن عورته، فرجع علي أيضاً. ففي ذلك يقول الحارث بن النضر: أفي كل يوم فارسٌ غير منتهٍ++ وعورته وسط العجاجة باديه يكفُّ لها عنه عليٌّ سنانه++ ويضحك منها في الخلاء معاويه!!
قال ابنهشام في سيرته:195:1 : (وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسولالله صلي الله عليه وسلم وينصب له العدواة، وكان قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسولالله صلي الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟! قال ابنهشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله. قال ابنإسحاق: وكان ابنعباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن، قول الله عزوجل: إذا تتلي عليه آياتنا قال أساطير الأولين. وكل ما ذكر
فيه الأساطير من القرآن). انتهي. وذكر ابنهشام239:1 قول النضر عن النبي صلي الله عليه وآله (وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتبتها كما اكتتبتها!). وقال السيوطي في الدر المنثور:181:3 : (وأخرج ابنجرير عن عطاء قال: نزلت في النضر: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، ولقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم أول مرة، وسأل سائل بعذاب واقع! قال عطاء رضي الله عنه: لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله). انتهي. وروي نحوه في:297:5 عن عبدبن حميد. وقال عنه في تفسير الجلالين :540 (وهو النضر بن الحارث، كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة ويقول: إن محمداً يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن!). انتهي. وقد عرفت أن مصادرنا وعدداً من مصادر السنيين ذكرت أن السائل بالعذاب الواقع هو جابر بن النضر بن الحارث، أو الحارث الفهري. وأن أكثر مصادر السنيين رجحت أنه أبوه النضر بن الحارث، اعتماداً علي روايات عن ابنجبير وابنعباس غير مرفوعة. فقد روي الحاكم في المستدرك:502:2 (عن سعيد بن جبير، سأل سائل بعذاب واقع، قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة، قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء). وقال السيوطي في الدر المنثور:263:6 أخرج الفريابي، وعبدبن حميد، والنسائي، وابنأبيحاتم، والحاكم وصححه، وابنمردويه، عن ابنعباس... إلخ). انتهي. ولم أجد في مصادر السيرة والتراجم عن الابن غير قصة هلاكه بحجر من السماء، لكفره وبغضه لأهل بيت النبي صلي الله عليه وآله، ولعله كان شاباً، أو أنهم عتَّموا علي ذكره
حسداً لأهل البيت عليهمالسلام. ويدل الموجود في مصادر السيرة علي أن الأب أسوأ من الأبن بكثير، لأنه من كبار الفراعنة الذين واجهوا النبي صلي الله عليه وآله، ولعل ابنه لو عاش لفاق أباه كفراً وعتواً!! وكان النضر عضو مجلس الفراعنة المتآمرين علي النبي صلي الله عليه وآله قال ابنهشام:191:1 (ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت علي حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين. ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة... اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبوسفيان بن حرب، والنضر بن الحارث أخو بني عبدالدار، وأبوالبختري بن هشام، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبوجهل بن هشام، وعبدالله بن أبيأمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم... قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، قال بعضهم لبعض: إبعثوا إلي محمد فكلموه وخاصموه حتي تعذروا فيه. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم، فجاءهم رسولالله صلي الله عليه وسلم... فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل علي قومه مثل ما أدخلت علي قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمرٌ قبيحٌ إلا قد جئته فيما بيننا وبينك- أو كما قالوا-: فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتي تكون أكثرنا مالاً. وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا. وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه
قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن رئياً- فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتي نبرئك منه، أو نعذر فيك! فقال لهم رسولالله صلي الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله، حتي يحكم الله بيني وبينكم.... الي آخر مناظرتهم. وقال ابنهشام:331:2 : (عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسولالله صلي الله عليه وسلم، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمي يوم الزحمة... وقد اجتمع فيها أشراف قريش من بني عبدشمس: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبوسفيان بن حرب. ومن بني نوفل بن عبدمناف: طعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبدالدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة... إلخ. فقال أبوجهل بن هشام: والله إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أباالحكم؟ قال: أري أن نأخذ من كان قبيلة فتي شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتي منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبدمناف علي حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. انتهي. ورواه الطبري في تاريخه:98:2 وكان
النضر رسول قريش إلي اليهودجاء في سيرة ابنهشام:195:1 (قام النضر بن كلدة بن علقمة بن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي... قال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتي إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، لاوالله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم كاهن، لاوالله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر، لاوالله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها: هزجه ورجزه. وقلتم مجنون، لاوالله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقة، ولا وسوسته، ولا تخليطه. يا معشر قريش فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم... فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبيمعيط إلي أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفاً لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتي قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسولالله صلي الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؟ فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول فَرَوْا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم
يفعل فهو رجلٌ متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم... إلي آخر القصة. ورواها في عيون الأثر:142:1 . كاتب الصحيفة الملعونة الأولي ضد بني هاشم قال ابنهشام:234:1 : (اجتمعوا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه علي بني هاشم، وبني المطلب، علي أن لاينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، تعاهدوا وتواثقوا علي ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً علي أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي. قال ابنهشام: ويقال النضر بن الحارث، فدعا عليه رسولالله صلي الله عليه وسلم، فشل بعض أصابعه). وقال ابنواضح اليعقوبي في تاريخه:31:2 : (وهمت قريش بقتل رسولالله، وأجمع ملأها علي ذلك، وبلغ أباطالب فقال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم++ حتي أغيَّبَ في التراب دفينا ودعوتني وزعمت أنك ناصح++ ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا وعرضت ديناً قد علمت بأنه++ من خير أديان البرية دينا فلما علمت قريش أنهم لايقدرون علي قتل رسولالله صلي الله عليه وآله وأن أباطالب لايسلمه، وسمعت بهذا من قول أبيطالب، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة ألا يبايعوا أحداً من بني هاشم، ولا يناكحوهم، ولا يعاملوهم، حتي يدفعوا إليهم محمدا فيقتلوه. وتعاقدوا علي ذلك وتعاهدوا، وختموا علي الصحيفة بثمانين خاتماً، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار، فشلت يده. ثم حصرت قريش رسولالله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب بن عبدمناف في الشعب الذي يقال له شعب أبيطالب ست سنين من مبعثه. فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين، حتي أنفق رسولالله ماله، وأنفق أبوطالب ماله،
وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها، وصاروا إلي حد الضر والفاقة. ثم نزل جبريل علي رسولالله فقال: إن الله بعث الأرضة علي صحيفة قريش فأكلت كل ما فيها من قطيعة وظلم، إلا المواضع التي فيها ذكر الله! فخبر رسولالله أباطالب بذلك، ثم خرج أبوطالب ومعه رسولالله وأهل بيته حتي صار إلي الكعبة فجلس بفنائها، وأقبلت قريش من كل أوب فقالوا: قد آن لك يا أباطالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلي قومك، وتدع اللجاج في ابنأخيك! فقال لهم: يا قوم أحضروا صحيفتكم فلعلنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترك القطيعة، وأحضروها وهي بخواتيمهم. فقال: هذه صحيفتكم علي العهد لم تنكروها؟ قالوا: نعم. قال: فهل أحدثتم فيها حدثاً؟ قالوا: اللهم لا. قال: فإن محمداً أعلمني عن ربه أنه بعث الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر الله، أفرأيتم إن كان صادقاً ماذا تصنعون؟ قالوا: نكف ونمسك. قال: فإن كان كاذباً دفعته إليكم تقتلونه. قالوا: قد أنصفت وأجملت. وفضت الصحيفة فإذا الأرضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عزوجل!! فقالوا: ما هذا إلا سحر، وما كنا قط أجد في تكذيبه منا ساعتنا هذه!! وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم، وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو المطلب فلم يرجعوا إليه). انتهي. قال ابنكثير في تاريخه:121:3 وسيرته:69:2 قال ابنإسحاق: فلما مزقت وبطل ما فيها، قال أبوطالب، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم: ألا هل أتي بحرينا صنع ربنا++ علي نأيهم والله بالناس أرود فيخبرهم أن الصحيفة مزقت++ وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع++ ولم يلف سحرا آخر الدهر يصعد تداعي لها من ليس فيها بقرقر++
فطائرها في رأسها يتردد وكانت كفاء وقعة بأثيمة++ ليقطع منها ساعد ومقلد ويظعن أهل المكتين فيهربوا++ فرائصهم من خشية الشر ترعد ويترك حراث يقلب أمره++ أيتهم فيها عند ذاك وينجد فمن ينش من حضار مكة عزة++ فعزتنا في بطن مكة أتلد نشأنا بها والناس فيها قلائل++ فلم ننفك نزداد خيرا ونحمد وبعده في السيرة: وتصعد بين الاخشبين كتيبة++ لها حدج سهم وقوس ومرهد ونطعم حتي يترك الناس فضلهم++ إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد جزي الله رهطا بالحجون تبايعوا++ علي ملا يهدي لحزم ويرشد قعودا لذي خطم الحجون كأنهم++ مقاولة بل هم أعز وأمجد أعان عليها كل صقر كأنه++ إذا مامشي في رفرف الدرع أحرد جرئ علي جلي الخطوب كأنه++ شهاب بكفي قابس يتوقد (ألا إن خير الناس نفسا ووالداً++ إذا عد سادات البرية أحمد نبي الإله والكريم بأصله++ وأخلاقه وهو الرشيد المؤيد جرئ علي جلي الخطوب كأنه++ شهاب بكفي قابس يتوقد (من الاكرمين من لؤي بن غالب++ إذا سيم خسفا وجهه يتربد طويل النجاد خارج نصف ساقه++ علي وجهه يسقي الغمام ويسعد عظيم الرماد سيد وابنسيد++ يحض علي مقري الضيوف ويحشد والخبر في سيرة ابنهشام:254:1 وفي هامشه: (بحرينا: قال السهيلي: يعني الذين بأرض الحبشة، والذين هاجروا إليها من المسلمين في البحر. قال السهيلي: وللنساب من قريش في كاتب الصحيفة قولان، أحدهما: إن كاتب الصحيفة هو بغيض بن عامر بن هاشم بن عبدالدار. والقول الثاني: أنه منصور بن عبدشر حبيل بن هاشم من بني عبدالدار أيضا!! وهو خلاف قول ابنإسحاق، ولم يذكر الزبير في كاتب الصحيفة غير هذين القولين، والزبيريون أعلم بأنساب قومهم). انتهي. والأبيات الثلاثة التي وضعناها بين قوسين لاتوجد في نسخة ابنهشام ولا ابنكثير
المتداولة، وقد ذكرها الأميني رحمه الله 366:7) و في روايته عن ابنكثير.. ومن عادة قدماء الرواة والمؤلفين السنيين أن يحذفوا أمثالها، لأنها تضر بزعمهم أن أباطالب رضوان الله عليه مات مشركاً ولم يسلم!! وقال الأميني رحمه الله: (توجد في ديوان أبيطالب أبيات من هده القصيدة غير ما ذكر لم نجدها في غيره. وقد كان في أمر الصحيفة عبرة++ متي ما يخبر غائب القوم يعجب محي الله منها كفرهم وعقوقهم++ وما نقموا من ناطق الحق معرب فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا++ ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب انتهي. وهي أبيات من قصيدة طويلة لأبيطالب رضوان الله عليه، يبدو أنه قالها قبل القصيدة المتقدمة. وقد روي منها الشيخ المفيد رحمه في (إيمان أبيطالب) ص33 وكذا ابنشهرا شوب في مناقب آل ابيطالب:-:60:1 كما رواها البحراني رحمه الله في حلية الأبرار: 79:1 (و)86 عن تفسير علي بن ابراهيم بن هاشم قال: حدثنا علي بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عبدالله الطائي، قال: حدثنا محمد بن أبيعمير، قال: حدثنا حفص الكناسي، قال: سمعت عبدالله بن بكر الأرجاني...: (فقال أبوطالب: يا قوم اتقوا الله وكفوا عما أنتم عليه، فتفرق القوم ولم يتكلم أحد، ورجع أبوطالب إلي الشعب، وقال في ذلك قصيدته البائية، التي أولها: ألا من لهم آخر الليل منصب++ وشعب العصا من قومك المتشعب وقد كان في أمر الصحيفة عبرة++ متي ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله منها كفرهم وعقوقهم++ وما نقموا من ناطق الحق معرب وأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً++ ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب وأمسي ابنعبدالله فينا مصدقاً++ علي سخط من قومنا غير معتب فلا تحسبونا مسلمين محمداً++ لذي عزة منا ولا متعرب ستمنعه
منا يدٌ هاشميةٌ++ مركبها في الناس خير مركب انتهي وقد بحثنا في المجلد الثالث من العقائد الاسلامية، افتراء قريش علي بني هاشم وزعمها أن أباطالب مات مشركاً!! وكان النضر من المطعمين جيش قريش في بدرتقدم في البحث الخامس أن النضر أحد الرهط الذين كانوا يطعمون جيش قريش في حرب بدر، وقد عده النبي صلي الله عليه وآله من أفلاذ أكباد مكة عاصمة قريش! (ابنهشام:488:2 وتاريخ الطبري:142:2). نهاية الأول من فراعنة (سأل سائل) قال ابنهشام في سيرته:207-2:206: (ثم أقبل رسولالله صلي الله عليه وسلم قافلاً إلي المدينة، ومعه الأساري من المشركين، وفيهم عقبة بن أبيمعيط، والنضر بن الحارث... قال ابنإسحاق: حتي إذا كان رسولالله صلي الله عليه وسلم بالصفراء، قتل النضر بن الحارث، قتله علي بن أبيطالب، كما خبرني بعض أهل العلم من أهل مكة. قال ابنإسحاق: ثم خرج حتي إذا كان بعرق الظبية، قتل عقبة ابنأبيمعيط. (راجع أيضاً سيرة ابنهشام:286:2 و527 وتاريخ الطبري:157:2 و286). وفي معجم البلدان:94:1 : الأثيل: تصغير الأثل موضعٌ قرب المدينة، وهناك عين ماء لآل جعفر بن أبيطالب، بين بدر ووادي الصفراء، ويقال له ذو أثيل.... وكان النبي صلي الله عليه وسلم، قتل عنده النضر بن الحارث بن كلدة، عند منصرفه من بدر، فقالت قتيلة بنت النضر ترثي أباها، وتمدح رسولالله صلي الله عليه وسلم: يا راكباً إن الأثيل مظنةٌ++ من صبحِ خامسةٍ، وأنت موفقُ بلغ به ميتاً، فإن تحيةً++ ما إن تزال بها الركائب تخفق مني إليه، وعبرةً مسفوحةً++ جادت لمائحها وأخري تخنق فليسمعن النضر، إن ناديته++ إن ان يسمع ميت أو ينطق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه++ لله أرحام هناك تشقق! أمحمد! ولأنت ضنء نجيبة++ في قومها، والفحل فحل معرق
لو كنت قابل فدية، فلنأتين++ بأعزماً يغلو لديك وينفق ما كان ضرك لو مننت وربما++ مَنَّ الفتي، وهو المغيظ المحنق والنضر أقرب من أصبت وسيلة++ وأحقهم، إن كان عتق يعتق فلما سمع النبي صلي الله عليه وسلم شعرها رق لها، وقال: لو سمعت شعرها قبل قتله لوهبته لها. انتهي. ومن الثابت عن النبي صلي الله عليه وآله أنه كان أكره الناس للقتل، وأنه لم يقتل أحداً إلا عند اللزوم والضرورة.. وحسبك أن جميع القتلي في جميع حروبه صلي الله عليه وآله من الطرفين ومن أقام عليهم الحد الشرعي لايبلغون ست مئة شخص، وبذلك كانت حركته العظيمة صلي الله عليه وآله أعظم حركة في نتائجها، وأقل حركة في كلفتها! وأما قتله للنضر فلأنه كان جرثومة شر وفساد! وومثله صديق النضر وشريكه في الشر، عقبة بن معيط الأموي، وكان صاحب خمارة ومبغي في مكة، وكان معروفاً بإلحاده. وإذا صح ما قاله صلي الله عليه وآله لبنت النضر الشاعرة، فمعناه أن الله تعالي أجاز له أن يعفو عنه لابنته، لما في شعرها من قيم واستعطاف!
ذكرت مصادر السيرة والتاريخ أن لواء قريش بعد النضر كان بيد آخرين من بني عبدالدار، ولم تذكر أن أخاه النضير كان فارساً مثله، ويظهر أنه صار بعد أخيه النضر رئيس بني عبدالدار، وإن لم يكن شجاعاً صاحب اللواء، فقد وصفه رواة قريش وأصحاب السير بالحلم، إشارة إلي أنه كان سياسياً محباً للدعة.. وعدوه من رؤساء قريش والمؤلفة قلوبهم، الذين أعطي النبي لكل واحد منهم مئة بعير من غنائم حنين. قال الطبري في تاريخه:358:2 عن عطاءات النبي في حنين: (فأعطي أباسفيان بن حرب مائة بعير، وأعطي ابنه معاوية مائة بعير، وأعطي حكيم بن
حزام مائة بعير، وأعطي النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بني عبدالدار مائة بعير، وأعطي العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير، وأعطي الحارث بن هشام مائة بعير، وأعطي صفوان بن أمية مائة بعير، وأعطي سهيل بن عمرو مائة بعير، وأعطي حويطب بن عبدالعزي بن أبيقيس مائة بعير... ونحوه في سيرة ابنهشام:929:4 وابنكثير:682:3 وتاريخ اليعقوبي. وقد تقدم ذكره في البحث الخامس، واعترافه بأنه خطط مع زعماء قريش لقتل النبي صلي الله عليه وآله في حنين، ولم يتمكنوا من ذلك! وقد اختلط اسم النضير عند بعضهم باسم أخيه النضر، قال الرازي في الجرح والتعديل:473:8 (النضر بن الحارث بن كلدة العبدري من مسلمة الفتح، ويقال نضير وليست له رواية، سمعت أبييقول ذلك. وقال في هامشه: وهذا هو الصواب إن شاء الله، لأن النضر بن الحارث قتل كافراً إجماعاً، وإنما هذا أخوه، واحتمال أن يكون مسمي باسمه أيضاً بعيد، وأثبت ما جاء في الروايات أن هذا هو (النضير).. راجع الإصابة الترجمتين). انتهي.
وعلي عادة رواة قريش، فقد جعلوا من الحارث أو النضير شخصيةً إسلامية، وعدوه في المهاجرين وشهداء اليرموك.. ويظهر أنهم جعلوا كل الذين كانوا في الشام من القرشيين وماتوا في طاعون عمواس، مثل سهيل بن عمرو والعبدريين، جعلوهم شهداء، وعدوهم في شهداء اليرموك! قال السمعاني المحب لقريش وبني أمية، في أنسابه:110:3 : (الرهيني: بفتح الراء وكسر الهاء بعدهما الياء الساكنة آخر الحروف وفي آخرها النون، هذه النسبة إلي رهين، وهو لقب الحارث بن علقمة ويلقب بالرهين، ومن ولده محمد بن المرتفع بن النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي الرهيني، يروي عن عبدالله بن الزبير، روي
عنه سفيان بن عيينة. فأما جده النضير بن الحارث فكان من المهاجرين، وكان يعد من حلماء قريش، قتل يوم اليرموك شهيداً، وهو أخو النضر بن الحارث الذي قتله علي بن أبيطالب بالصفراء صبرا يوم بدر، وكان شديد العداوة لرسولالله صلي الله عليه وسلم وفيه نزلت سورة (سأل سائل بعذاب واقع) وقالت بنته أبياتاً من الشعر... وتبعه في إكمال الكمال:327:1 وغيره.
مثل أخيه وابنأخيه؟ روت مصادرنا مناقشة غريبة لأحدهم مع النبي صلي الله عليه وآله في المدينة، وسمته النضر بن الحارث الفهري، ويحتمل أن تكون كلمة الفهري تصحيف العبدري، نسبةً إلي بني عبدالدار، والنضر تصحيف النضير.. وإذا صحت نسبتها إليه، فتكون صدرت منه في المدينة بعد حجة الوداع. وقد تقدمت من كتاب مدينة المعاجز للبحراني:267:2 وفيها: (أقبل النضر بن الحارث فسلم علي النبي صلي الله عليه وآله فقال: يا رسولالله إذا كنت أنت سيد ولد آدم، وأخوك سيد العرب، وابنتك فاطمة سيدة نساء العالمين، وابناك الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعمك حمزة سيد الشهداء، وابنعمك ذا الجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وعمك جلدة بين عينيك وصنو أبيك، وشيبة له السدانة.. فما لسائر قومك من قريش وسائر العرب؟! فقد أعلمتنا في بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول لنا ما لك وعلينا ما عليك. فأطرق رسولالله صلي الله عليه وآله طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: أما أنا والله ما فعلت بهم هذا، بل الله فعل بهم هذا، فما ذنبي؟!... فوعظه النبي صلي الله عليه وآله وقال له: إن ربك كريم، فإن أنت صبرت وتصابرت، لم يخلك من مواهبه، فارض وسلم، فإن الله يمتحن خلقه بضروب من المكاره، ويخفف عمن يشاء، وله الخلق والأمر،
مواهبه عظيمة، وإحسانه واسع. فأبي الحارث). انتهي. وقد نص ابنهشام:488:2 علي أن النضير هذا يسمي الحارث أيضاً باسم أبيه، وسماه اليعقوبي في تاريخه: 63:2 (الحارث بن الحارث بن كلدة)، وهو أمر يوجب الشك، لأنه يستغرب أن يكون لشخص اسمان معاً، خاصةً إذا كان أحدهما باسم أبيه، لأن العوائل المالكة في القبائل تحترم اسم الأب ولا تغيره إلي اسمٍ آخر، ولا تضيف معه اسماً آخر، لأنه يضعف مكانته! وهذا يفتح باب الاحتمال أن يكون الحارث أخاهم الثالث، وأن يكون هو الذي ورد اسمه في بعض الروايات أنه اعترض علي النبي صلي الله عليه وآله لإعلانه ولاية علي والحسنين من بعده عليهمالسلام، فرماه الله بصاعقة أو حجر من سجيل! وبذلك يكون العذاب الواقع نزل بثلاثة أشخاص من هذه الأسرة: الأب في بدر، وولده جابر الذي نص عليه أبوعبيد، والحارث هذا.. ويكون اسم عشيرة العذاب الواقع، مثلث الانطباق علي هذه القبيلة!! كما يحتمل أن يكون صاحبنا النضير بن الحارث، أو الحارث بن الحارث العبدري، هو الحارث المعترض، لكن لم تنزل عليه العقوبة، لأنهم ذكروا وفاته في الشام، وليس بالعذاب الواقع. ومهما يكن، فإن من المؤكد أنه يوجد حارثٌ غيره اعترض علي النبي صلي الله عليه وآله حيث ورد ذكره في تفسير الثعلبي، وعدد من مصادرنا باسم الحارث بن النعمان الفهري، وأنه هو صاحب حجر السجيل، كما تقدم. وكذلك تقدم اسم الحارث بن عمرو الفهري، في رواية الحاكم الحسكاني، ورواية الكافي والمناقب. ومما يؤيد أنه حارثٌ آخر، أنهم ترجموا لشخص وأولاده، ولم يذكروا عنه شرحاً، ولا ذكروا سبب موته.. فقد ينطبق عليه! قال ابنكثير في سيرته:499:2 (عامر بن الحارث الفهري، كذا ذكره سلمة عن ابنإسحاق وابنعائذ. وقال موسي بن
عقبة وزياد عن ابنإسحاق: عمرو بن الحارث). وقال في ص :502 (عمرو بن عامر بن الحارث الفهري، ذكره موسي بن عقبة). انتهي. وذكر نحوه في عيون الأثر:.358:1 وعليه، يكون الحارث صاحب حجر السجيل فهرياً، وليس عبدرياً. ويكون جابر بن النضر العبدري الذي ورد في رواية أبيعبيد، صاحب حجر سجيل آخر.. والله العالم. الأفجران من قريش أم... الأفجرون؟ ورد في مصادر الحديث أن أسوأ قبائل قريش، وأشدها علي النبي صلي الله عليه وآله هم بنو أمية، وبنو المغيرة، وهم فرع أبيجهل من مخزوم، وورد وصفهم بالأفجرين.. ولا بد أن نضيف إليهم بني عبدالدار فيكون الأفجرون بالجمع.. وإن كان الإنسان بعد أن يستثني بني هاشم والقلة الذين معهم من قريش، يشك في من هو الأحسن والأفجر من الباقين!! قال السيوطي في الدر المنثور:84:4 (وأخرج البخاري في تاريخه، وابنجرير، وابنالمنذر، وابنمردويه، عن عمربن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ألم تر إلي الذين بدلوا نعمة الله كفرا، قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلي حين!). انتهي. ويشبه أن يكون ذلك كلاماً نبوياً ردده عمر، وإذا صح ذلك عنه، يتوجه إليه السؤال: لماذا ولي معاوية الأموي علي حكم الشام، وأطلق يده ولم يحاسبه أبداً، ثم رتب الخلافة من بعده في شوري جعل فيها حق النقض لصهر عثمان الأموي، فأكمل بذلك تسليم الدولة الإسلامية لأحد الأفجرين من قريش؟ ولكنها.. السياسة!!