ghaemiyeh.com
سرشناسه : انصاری، مرتضیبن محمدامین، ق۱۲۸۱ - ۱۲۱۴
عنوان و نام پدیدآور : رسائل فقهیه/ مرتضی الانصاری؛ اعداد لجنه تحقیق تراث الشیخالاعظم
مشخصات نشر : [قم]: الموتمر العالمی بمناسبه الذکری المئویه الثانیه لمیلاد الشیخ الانصاری، ۱۴۱۴ق. = ۱۳۷۲.
مشخصات ظاهری : [۵۰۴] ص.نمونه
فروست : (الموتمر العالمی بمناسبه الذکری المئویه الثانیه لمیلاد الشیخ الانصاری؛ ۲۳. المکتبه الفقهیه)
شابک : ۵۹۰۰ریال
یادداشت : عربی
یادداشت : ص. ع. بهانگلیسی:Murtada Al -Ansari. treatises on Figh.
یادداشت : کتابنامه: ص. [۴۵۷] - ۴۷۷؛ همچنین بهصورت زیرنویس
مندرجات : رساله فی العداله. ص. [۵] - ۶۵ .-- رساله فی التقیه. ص. [۷۱] - ۱۰۳ .-- رساله فی قاعده لاضرر ص. [۱۰۹] - ۱۳۱ .-- رساله فی التسامح فی ادله السنن ص. [۱۳۷] - ۱۷۴ .-- رساله فی قاعده من ملک ص. [۱۷۹] - ۲۰۰ .-- رساله فی القضاآ عن المیت. ص. [۲۰۵] - ۲۵۲ .-- رساله فی المواسعه و المضایقه ص. [۲۵۷] - ۳۵۹
موضوع : اصول فقه شیعه
موضوع : فقه جعفری -- قرن ق۱۳
شناسه افزوده : کنگره جهانی بزرگداشت دویستمین سالگرد تولد شیخ انصاری. گروه پژوهش آثار شیخ اعظم
شناسه افزوده : کنگره جهانی بزرگداشت دویستمین سالگرد تولد شیخ انصاری
رده بندی کنگره : BP۱۵۹/الف۸ر۵ ۱۳۷۲
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۱۲
شماره کتابشناسی ملی : م۷۸-۲۹۷۹
ص :تعریف الکتاب 1
المؤتمر العالمی بمناسبة الذکری المئویة الثانیة
لمیلاد الشیخ الأنصاری قدس سره
رسائل فقهیة
للشیخ الأعظم أستاذ الفقهاء والمجتهدین
الشیخ مرتضی الأنصاری (قدس سره)
اعداد
لجنة تحقیق تراث الشیخ الأعظم
ص :تعریف الکتاب 3
الکتاب: رسائل فقهیة
المؤلف: الشیخ الأعظم الشیخ مرتضی الأنصاری " قدس سره "
تحقیق: لجنة التحقیق
الطبعة: الأولی - ربیع الأول 1414
صف الحروف: مؤسسة الکلام - قم
اللیتوغراف: تیزهوش - قم
المطبعة: باقری - قم
الکمیة المطبوعة: 2000 نسخة
جمیع الحقوق محفوظة
للأمانة العامة للمؤتمر المئوی للشیخ الأعظم الأنصاری قدس سره
ص :تعریف الکتاب 4
بسم الله الرحمن الرحیم
ص :المقدمة 5
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین والصلاة والسلام علی خیر خلقه محمد وآله
الطیبین الطاهرین.
لم تکن الثورة الاسلامیة بقیادة الإمام الخمینی رضوان الله علیه حدثا سیاسیا
تتحدد آثاره التغییریة بحدود الأوضاع السیاسیة إقلیمیة أو عالمیة، بل
کانت وبدلیل التغییرات الجذریة التی أعقبتها فی القیم والبنی الحضاریة
التی شید علیها صرح الحیاة الانسانیة فی عصرها الجدید حدثا حضاریا
إنسانیا شاملا حمل إلی الأسنان المعاصر رسالة الحیاة الحرة الکریمة التی
بشر بها الأنبیاء علیهم الصلاة والسلام علی مدی التأریخ وفتح أمام تطلعات
الانسان الحاضر أفقا باسما بالنور والحیاة، والخیر والعطاء.
وکان من أولی نتائج هذا التحول الحضاری الثورة الثقافیة الشاملة التی
شهدها مهد الثورة الاسلامیة إیران والتی دفعت بالمسلم الإیرانی إلی
اقتحام میادین الثقافة والعلوم بشتی فروعها، وجعلت من إیران، ومن قم
المقدسة بوجه خاص عاصمة للفکر الاسلامی وقلبا نابضا بثقافة القرآن
ص :المقدمة 7
وعلوم الاسلام.
ولقد کانت تعالیم الإمام الراحل رضوان الله تعالی علیه ووصایاه وکذا
توجیهات قائد الثورة الاسلامیة وولی أمر المسلمین آیة الله الخامنئی
المصدر الأول الذی تستلهم الثورة الثقافیة منه دستورها ومنهجها ولقد
کانت الثقافة الاسلامیة بالذات علی رأس اهتمامات الإمام الراحل رضوان الله
علیه وقد أولاها سماحة آیة الله الخامنئی حفظه الله تعالی رعایته الخاصة، فکان
من نتائج ذاک التوجیه وهذه الرعایة ظهور آفاق جدیدة من التطور فی
مناهج الدراسات الاسلامیة بل ومضامینها، وانبثاق مشاریع وطروح
تغییریة تتجه إلی تنمیة وتطویر العلوم الاسلامیة ومناهجها بما یتناسب
مرحلة الثورة الاسلامیة وحاجات الانسان الحاضر وتطلعاته.
وبما أن العلوم الاسلامیة حصیلة الجهود التی بذلها عباقرة الفکر
الاسلامی فی مجال فهم القرآن الکریم والسنة الشریفة فقد کان من أهم ما
تتطلبه عملیة التطویر العلمی فی الدراسات الاسلامیة تسلیط الأضواء علی
حصائل آراء العباقرة والنوابغ الأولین الذین تصدروا حرکة البناء العلمی
لصرح الثقافة الاسلامیة، والقیام بمحاولة جادة وجدیدة لعرض آرائهم
وأفکارهم علی طاولة البحث العلمی والنقد الموضوعی، ودعوة أصحاب
الرأی والفکر المعاصرین إلی دراسة جدیدة وشاملة لتراث السلف الصالح
من بناة الصرح الشامخ للعلوم والدراسات الاسلامیة ورواد الفکر الاسلامی
وعباقرته.
وبما أن الإمام المجدد الشیخ الأعظم الأنصاری قدس الله نفسه یعتبر الرائد
الأول للتجدید العلمی فی القرآن الأخیر فی مجالی الفقه والأصول - وهما
من أهم فروع الدراسات الاسلامیة - فقد قرر سماحة قائد الثورة الاسلامیة
ص :المقدمة 8
آیة الله الخامنئی أن تقوم منظمة الاعلام الاسلامی بمشروع إحیاء الذکری
المئویة الثانیة لمیلاد الشیخ الأعظم الأنصاری قدس سره ولیتم من خلال هذا
المشروع عرض مدرسة الشیخ الأنصاری الفکریة فی شتی أبعادها وعلی
الخصوص إبداعات هذه المدرسة وإنتاجاتها المتمیزة التی جعلت منها
المدرسة الأم لما تلتها من مدارس فکریة کمدرسة المیرزا الشیرازی
والآخوند الخراسانی والمحقق النائینی والمحقق العراقی والمحقق
الأصفهانی وغیرهم منم زعماء المدارس الفکریة الحدیثة علی صعید الفقه
الاسلامی وأصوله.
وتمهیدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامة لمؤتمر الذکری المئویة
الثانیة لمیلاد الشیخ الأعظم الأنصاری أن تقوم لجنة مختصة من فضلاء
الحوزة العلمیة بقم المقدسة بمهمة إحیاء تراث الشیخ الأنصاری وتحقیق
ترکته العلمیة وإخراجها بالأسلوب العلمی اللائق وعرضها لرواد الفکر
الاسلامی والمکتبة الاسلامیة بالطریقة التی تسهل للباحثین الاطلاع علی
فکر الشیخ الأنصاری ونتاجه العلمی العظیم.
والأمانة العامة لمؤتمر الشیخ الأنصاری إذ تشکر الله سبحانه وتعالی علی
هذا التوفیق تبتهل إلیه فی أن یدیم ظل قائد الثورة الاسلامیة ویحفظه
للاسلام ناصرا وللمسلمین رائدا وقائدا وأن یتقبل من العاملین فی لجنة
التحقیق جهدهم العظیم فی سبیل إحیاء تراث الشیخ الأعظم الأنصاری
وأن یمن علیهم بأضعاف من الأجر والثواب.
منظمة الاعلام الاسلامی
الأمانة العامة لمؤتمر الشیخ الأنصاری
ص :المقدمة 9
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین والصلاة والسلام علی خیر خلقه محمد وآله
الطاهرین.
أما بعد:
فعلی کثرة ما کتب ویکتب فی الفقه - بجمیع مجالاته ونطاقاته وعلی مر
الزمن - لا زالت مؤلفات الشیخ الأعظم قدس سره تتصدر سائر المؤلفات، لما
تضمنته من التحقیقات الراقیة، والنکات الدقیقة، فلا یخلو ما کتبه قدس سره من
ذلک مهما کانت الکتابة، ومتی کان زمن کتابتها.
ومما کتبه قدس سره مجموعة رسائل فقهیة فی مواضیع شتی، وقد جمعنا
سبعا منها فی الکتاب الحاضر وسمیناه ب (رسائل فقهیة). وهناک رسائل
أخری رأینا من المناسب أن نفرد لها حلا آخر، کما جعلنا رسالة المیراث
ومنجزات المریض مع الوصایا، والمصاهرة والرضاع مع النکاح.
ونحن إذ نقدم هذه المجموعة نشکر الله سبحانه أن وفقنا لانجاز هذه
الحلقة من تراث الشیخ الأعظم الأنصاری قدس سره الذی حملتنا الأمانة
ص :المقدمة 11
العامة لمؤتمر الشیخ الأنصاری قدس سره مسؤولیة القیام به.
خصوصیات النسخ المعتمد علیها:
والنسخ المعتمدة فی تصحیح هذه الرسائل هی کالآتی:
أولا - نسخة (ع):
وهی نسخة من المکاسب (أو المتاجر) مطبوعة بالطبعة الحجریة
استنسخت بید ال (مولی زین العابدین الخوانساری) عام (1304 ه ق)
ویبدو أنها مصححة وهی تشتمل - إضافة علی کتاب المکاسب - علی
الرسائل التالیة:
1 - التقیة. 2 - العدالة. 3 - القضاء عن المیت. 4 - المواسعة والمضایقة.
5 - قاعدة من ملک. 6 - قاعدة نفی الضرر. 7 - الوصایا. 8 - النکاح.
9 - الرضاع. 10 - المواریث. 11 - صلاة الجماعة.
ثانیا - نسخة (ن):
وهی نسخة من المکاسب أیضا مطبوعة بالطبعة الحجریة عام (1286 ه
ق) أی خمس سنوات بعد وفاة الشیخ قدس سره. وقد امتازت النسخة التی
بأیدینا من هذه الطبعة بأنها صححت علی ید أحد العلماء المبرزین قدس سره،
وقد تفضل بمصورتها سماحة العلامة الأستاذ السید عزیز الطباطبائی فله
جزیل الشکر.
والرسائل المطبوعة ضمن هذه النسخة - إضافة علی المکاسب - هی:
1 - التقیة. 2 - العدالة. 3 - القضاء عن المیت. 4 - المواسعة والمضایقة.
5 - قاعدة نفی الضرر.
ثالثا - نسخة صلی الله علیه وآله:
وهی نسخة من المکاسب أیضا مطبوعة بالطبعة الحجریة ببلدة إصفهان
ص :المقدمة 12
عام (1326 ه ق) وتمتاز هذه الطبعة باشتمالها علی حواشی الفقهاء العظام
کالکاظمین الخراسانی والیزدی وغیرهما من الفقهاء قدس سرهم ویبدو أنها
مصححة علی ید بعض العلماء. وهی تشتمل - مضافا علی المکاسب - علی
الرسائل والکتب التالیة:
1 - التقیة. 2 - العدالة. 3 - الصلاة عن المیت. 4 - المواسعة والمضایقة.
5 - قاعدة من ملک. 6 - قاعدة لا ضرر. 7 - کتاب الوصایا. 8 - کتاب
النکاح. 9 - الرضاع. 10 - المصاهرة. 11 - المواریث. 12 - صلاة الجماعة.
رابعا - نسخة (ش):
وهی نسخة من المکاسب مطبوعة بالطبعة الحجریة أیضا عام (1375
ه ق) وکانت مقترنة فی بعض طبعاتها بشرح الشهیدی ولذلک عرفت بطبعة
الشهیدی، وهی أکثر تداولا من غیرها فعلا. وقد اشتملت - مضافا إلی
المکاسب - علی الرسائل التالیة:
1 - التقیة. 2 - العدالة. 3 - القضاء عن المیت. 4 - المواسعة والمضایقة.
5 - قاعدة من ملک. 6 - قاعدة لا ضرر. 7 - الرضاع. 8 - المصاهرة.
9 - الإرث.
خامسا - نسخة (ج):
وهی نسخة من کتاب الطهارة مطبوعة بالطبعة الحجریة عام (1298
ه ق) وهی أکثر خطأ من غیرها. وتحتوی - مضافا إلی کتاب الطهارة -
علی الکتب والرسائل التالیة:
1 - التقیة. 2 - العدالة. 3 - القضاء عن المیت. 4 - المواسعة والمضایقة.
5 - قاعدة من ملک. 6 - قاعدة نفی الضرر. 7 - کتاب الزکاة. 8 - کتاب
الخمس. 9 - کتاب الصوم.
ص :المقدمة 13
سادسا - نسخة (د):
وهی مجموعة خطیة موجودة فی مکتبة جامعة طهران برقم (6596)
تحتوی علی الرسائل التالیة:
1 - المواسعة والمضایقة. 2 - العدالة. 3 - منجزات المریض. 4 - القضاء
عن المیت. 5 - التقیة.
وقد تقدمت بمصورتها المکتبة مشکورة.
والذی تجدر الإشارة إلیه - هنا - هو: أن رسالة منجزات المریض
الموجودة ضمن هذه الرسائل لم یثبت لنا صحة انتسابها للشیخ فعلا، ولعله
یمکننا إثبات ذلک أو نفیه فی فرصة مناسبة إن شاء الله. ولکن هناک رسالة
أخری فی منجزات المریض بخط الشیخ قدس سره سوف تطبع مع الوصایا إن
شاء الله تعالی.
کانت هذه مجموعة النسخ التی اعتمد علیها المحققون فی تصحیح
الرسائل المطبوعة فی هذا الکتاب.
والآن نشیر إلی کل رسالة ومن قام بتحقیقها بحسب ترتیب طبعها فی
الکتاب.
أولا - رسالة العدالة:
قام بتحقیق الرسالة صاحب الفضیلة سماحة حجة الاسلام والمسلمین
الشیخ صادق الکاشانی
والنسخ التی اعتمد علیها فی التحقیق هی نسخ (ع) وصلی الله علیه وآله و (ش)
و (ج) و (د).
ثانیا - رسالة التقیة:
حققها سماحة الأخ الفاضل حجة الاسلام والمسلمین الشیخ محمد رضا
ص :المقدمة 14
الأنصاری.
وقد اعتمد فی التحقیق علی نسختی صلی الله علیه وآله و (ش) وراجع نسخة (د)
ولکن لم یعتمد علیها لکثرة الأخطاء فیها، وأما النسخ الأخری فلم یر
ضرورة لضبط اختلافاتها.
ثالثا - رسالة (لا ضرر):
قام بتحقیقها سماحة صاحب الفضیلة حجة الاسلام والمسلمین السید
منذر الحکیم.
وقد اعتمد فی تحقیق الرسالة علی النسخ التالیة: (ن) و (ش) وصلی الله علیه وآله
و (م).
والمقصود من نسخة (م) نسخة مخطوطة فی مکتبة (ملک) فی طهران
برقم (1 - 6479) وقد قام المحقق بمقابلة النسخة فی المکتبة المذکورة.
رابعا - رسالة (التسامح فی أدلة السنن):
وحققت بید المحقق البارع سماحة حجة الاسلام والمسلمین الشیخ
رحمة الله الرحمتی.
وقد اعتمد فی تحقیق الرسالة علی النسخ التالیة:
1 - نسخة خطیة موجودة فی مکتبة الإمام الرضا علیه السلام، بخراسان
برقم (8843) ورمز لها ب (ق).
2 - نسخة مطبوعة (ضمن مجموعة رسائل أصولیة) موجودة فی مکتبة
مدرسة الفیضیة برقم (164). ورمز لها ب (ط).
وامتازت هذه النسخة علی المخطوطة - فی رأی المحقق - بکونها أصح
منها.
3 - وفی أثناء الطبع عثرنا علی نسخة خطیة فی مکتبة مجلس الشوری
ص :المقدمة 15
الاسلامی برقم (2801) ویبدو منها أنها کانت بید آیة الله الشیخ فضل الله
النوری قدس سره. وقد قوبلت أیضا ولکن من دون الإشارة إلیها.
خامسا - رسالة (من ملک):
حققها سماحة حجة الاسلام والمسلمین الشیخ محمد رضا الأنصاری
أیضا واعتمد فی تحقیقها علی نسخ (ع) وصلی الله علیه وآله و (ش) و (ن).
سادسا - رسالة (القضاء عن المیت):
وحققها سماحة حجة الاسلام والمسلمین الشیخ محمد الحسون، وقد
اعتمد فی تحقیقها علی نسخ: (ع) و (ش) و (د).
سابعا - رسالة (المواسعة والمضایقة):
قام بتحقیقها السیدان الجلیلان الفاضلان: سماحة حجة الاسلام
والمسلمین السید محمد الکاهانی، وسماحة حجة الاسلام والمسلمین السید
علی أصغر الموسوی القوجانی.
وقد اعتمد فی تحقیق الرسالة علی نسخ (ش) و (ع) وصلی الله علیه وآله و (ن)
و (د).
هذا ونشکر جمیع من ساهموا فی إنجاز هذا العمل بنحو أو بآخر خاصة
حجة الاسلام السید هادی العظیمی الذی قام بتنظیم الفهارس الفنیة للکتاب
فله ولهم جزیل الشکر، ووفقهم وإیانا لاحیاء فقه أهل البیت علیهم السلام، إنه
مجیب الدعاء.
مسؤول لجنة التحقیق
محمد علی الأنصاری
ص :المقدمة 16
بسم الله الرحمن الرحیم
العدالة لغة: (الاستواء) کما یظهر من محکی المبسوط (1)والسرائر (2)أو: العدالة لغة
(الاستقامة) کما عن جامع المقاصد (3)ومجمع الفائدة (4)أو هما معا کما عن الروض (5)والمدارک (6)وکشف اللثام (7).
وقد اختلف الأصحاب فی بیان ما هو المراد من لفظها الوارد فی کلام
المتشرعة، بل الشارع علی أقوال:
باعثة علی ملازمة التقوی، أو: علیها مع المروة، وإن اختلفوا فی التعبیر عنها بلفظ
ص :5
1) (1) حکاه العلامة فی المختلف 717 عن الشیخ فی المبسوط 8: 217 وعبارته هکذا: والعدالة فی اللغة: أن یکون الانسان متعادل الأحوال متساویا.
2) (2) السرائر 2: 117.
3) (3) جامع المقاصد 2: 372.
4) (4) مجمع الفائدة (الطبعة الحجریة) کتاب الشهادات فی مبحث شرائط الشاهد، ذیل قوله: الرابع.
5) (5) روض الجنان: 289.
6) (6) المدارک 4: 67.
7) (7) کشف اللثام 2: 370.
(الکیفیة) أو (الحالة) أو (الهیئة) أو (الملکة)، ونسب الأخیر فی محکی النجیبیة
إلی العلماء، وفی محکی کنز العرفان (1)إلی الفقهاء، وفی مجمع الفائدة إلی الموافق
والمخالف (2)، وفی المدارک: (الهیئة الراسخة) إلی المتأخرین (3)، وفی کلام بعض
نسب (الحالة النفسانیة) إلی المشهور (4).
وکیف کان، فهی عنده کیفیة من الکیفیات باعثة علی ملازمة التقوی
کما فی الإرشاد (5)، أو علیها وعلی ملازمة المروة کما فی کلام الأکثر. بل نسبه بعض
إلی المشهور (6)، وآخر إلی الفقهاء، وثالث إلی الموافق والمخالف (7).
أنها عبارة عن مجرد ترک المعاصی أو خصوص الکبائر، وهو
الظاهر من محکی السرائر حیث قال: حد العدل هو الذی لا یخل بواجب ولا
یرتکب قبیحا (8)
وعن محکی الوسیلة (9)حیث ذکر فی موضع منه: أن العدالة فی الدین
الاجتناب عن الکبائر وعن الاصرار علی الصغائر.
ومن محکی أبی الصلاح (10)حیث حکی عنه أنه قال: إن العدالة شرط
ص :6
1) (2) کنز العرفان 2: 384، وحکاه الطباطبائی قدس سره فی ریاض المسائل 2: 391.
2) (3) مجمع الفائدة (الطبعة الحجریة): کتاب القضاء، ذیل قوله: وإذا عرف الحاکم.. الخ.
3) (4) المدارک 4: 67.
4) (5) مجمع الفائدة 2: 351.
5) (6) الإرشاد 2: 156.
6) (7) مجمع الفائدة 2: 351.
7) (9) مجمع الفائدة 2: 351.
8) (10) السرائر 1: 280، والحاکی هو الفاضل النراقی قدس سره فی المستند 2: 618.
9) (11) الوسیلة: 230، وحکاه مفتاح الکرامة 3: 81.
10) (12) الکافی فی الفقه: 435، والحاکی هو الفاضل النراقی قدس سره فی المستند 2: 618.
فی قبول الشهادة، وتثبت حکمها بالبلوغ وکمال العقل والایمان واجتناب القبائح
أجمع.
وعن المحدث المجلسی (1)والمحقق السبزواری (2): أن الأشهر فی معناها
أن لا یکون مرتکبا للکبائر ولا مصرا علی الصغائر وظاهر هذا القول أنها عبارة
عن الاستقامة الفعلیة فی أفعاله وتروکه من دون اعتبار لکون ذلک عن ملکة.
أنها عبارة عن الاستقامة الفعلیة لکن عن ملکة، فلا یصدق
العدل علی من لم یتفق له فعل کبیرة مع عدم الملکة، وهذا المعنی أخص من
الأولین، لأن ملکة الاجتناب لا یستلزم الاجتناب، وکذا ترک الکبیرة لا یستلزم
الملکة.
وهذا المعنی هو الظاهر من کلام والد الصدوق حیث ذکر فی رسالته إلی
ولده أنه (3): لا تصل إلا خلف رجلین: أحدهما من تثق بدینه وورعه، والآخر من
تتقی سیفه وسوطه (4).
وهو ظاهر ولده (5)وظاهر المفید فی المقنعة، حیث قال: إن العدل من کان
معروفا بالدین والورع والکف عن محارم الله، (انتهی) (6). فإن الورع والکف لا
یکونان إلا عن کیفیة نفسانیة، لظهور الفرق بینه وبین مجرد الترک: فتأمل.
وهو الظاهر من محکی النهایة (7)، حیث أنه ذکر بمضمون (8)صحیحة ابن
ص :7
أبی یعفور، وکذلک الوسیلة، حیث قال: العدالة تحصل بأربعة أشیاء، الورع
والأمانة والوثوق والتقوی (1)، ونحوه المحکی عن القاضی، حیث اعتبر فیها
الستر والعفاف واجتناب القبائح (2)، فإن الاجتناب خصوصا مع ضم العفاف إلیه
لا یکون بمجرد الترک. وبمعناه المحکی عن الجامع، حیث أخذ فی تعریف العدل
الکف والتجنب للکبائر (3).
ثم إنه ربما یذکر فی معنی العدالة قولان آخران:
الاسلام وعدم ظهور الفسق، وهو المحکی عن ابن الجنید (4)،
والمفید فی کتاب الأشراف (5)، والشیخ فی الخلاف مدعیا علیه الاجماع (6).
حسن الظاهر، نسب إلی جماعة بل أکثر القدماء.
ولا ریب أنهما لیسا قولین فی العدالة، وإنما هما طریقان للعدالة، ذهب إلی
کل منهما جماعة ولذا ذکر جماعة من الأصحاب - کالشهید فی الذکری (7)
والدروس (8)، والمحقق الثانی فی الجعفریة (9)، وغیرهما (10)- هذین القولین فی عنوان
ما به تعرف العدالة. مع أن عبارة ابن الجنید المحکی عنه (أن کل المسلمین علی
العدالة إلا أن یظهر خلافها) (11)
خلافها.
لا یدل إلا علی وجوب الحکم بعد التهم. وأوضحص :8
1) (1) الوسیلة: 208.
2) (2) المهذب 2: 556 وحکاه مفتاح الکرامة 3: 81.
3) (3) الجامع للشرائع: 538.
4) (4) المختلف: 717.
5) (5) لم نقف علی الکتاب.
6) (6) الخلاف: کتاب آداب القضاء، المسألة 10.
7) (7) الذکری: 267.
8) (8) الدروس: 54.
9) (9) الرسالة الجعفریة (رسائل المحقق الکرکی) 1: 126.
10) (10) کصاحب الجواهر قدس سره حیث اعتبرهما طریقین إلیها، انظر الجواهر 13: 281 و 299.
11) (11) ذخیرة المعاد: 305 حیث نقل عن ابن الجنید قوله: کل المسلمین علی العدالة إلی أن یظهر
منه کلام الشیخ فی الخلاف، حیث أنه لم یذکر إلا عدم وجوب البحث عن عدالة
الشهود إذا عرف إسلامهم (1)، ثم احتج بإجماع الفرقة وأخبارهم، وأن الأصل فی
المسلم العدالة، والفسق طار علیه، یحتاج إلی دلیل (2).
نعم: عبارة الشیخ فی المبسوط ظاهرة فی هذا المعنی، فإنه قال: إن العدالة
فی اللغة: أن یکون الانسان متعادل الأحوال متساویا، وأما فی الشریعة: فهو من
کان عدلا فی دینه عدلا فی مروته، عدلا فی أحکامه، فالعدل فی الدین: أن یکون
مسلما لا یعرف منه شئ من أسباب الفسق، وفی المروة: أن یکون مجتنبا للأمور
التی تسقط المروة،.. إلی آخر ما ذکر. (انتهی موضع الحاجة) (3).
لکن الظاهر أنه أراد کفایة عدم معرفة الفسق منه فی ثبوت العدالة، لا
أنه نفسها، ولذا فسر العدالة فی المروة بنفس الاجتناب، لا بعدم العلم
بالارتکاب.
هذا کله، مع أنه لا یعقل کون عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر نفس
العدالة، لأن ذلک یقتضی کون العدالة ن الأمور التی یکون وجودها الواقعی
عین وجودها الذهنی، وهذا لا یجامع کون ضده - أعنی الفسق - أمرا واقعیا لا
دخل للذهن فیه. وحینئذ فمن کان فی علم الله تعالی مرتکبا للکبائر مع عدم
ظهور ذلک لأحد، یلزم أن یکون عادلا فی الواقع وفاسقا فی الواقع [وکذا لو
فرض أنه لا ذهن ولا ذاهن (4)یلزم أن لا یتحقق العدالة فی الواقع] (5)لأن المفروض أن وجودها الواقعی عین وجودها الذهنی. وأما بطلان اللازم (6)فغنی
ص :9
عن البیان. وکذا لو اطلع علی أن شخصا کان فی الزمان السابق مع اتصافه
بحسن الظاهر لکل أحد مصرا علی الکبائر یقال: کان فاسقا ولم یطلع، ولا یقال:
کان عادلا فصار فاسقا عند اطلاعنا.
فتبین - من جمیع ما ذکرنا - أن هذین القولین لا یعقل أن یراد بهما بیان
العدالة الواقعیة، ولا دلیل للقائل بهما یفی بذلک، ولا دلالة فی عبارتهما المحکیة
عنها، ولا فهم ذلک من کلامهما من یعتنی به مثل الشهید والمحقق الثانی وابن
فهد وغیرهم.
رجوع القول الأول إلی الثالث
ثم الظاهر رجوع القول الأولی إلی الثالث، أعنی اعتبار الاجتناب مع
الملکة، لاتفاقهم وصراحة مستندهم کالنصوص والفتاوی علی أنه تزول بارتکاب
الکبیرة العدالة بنفسها ویحدث الفسق الذی هو ضدها، وحینئذ فإما أن یبقی
الملکة أم لا، فإن بقیت ثبت اعتبار الاجتناب الفعلی فی العدالة، فإن ارتفعت
ثبت ملازمة الملکة للاجتناب الفعلی.
فمراد الأولین من (الملکة الباعثة علی الاجتناب) الباعثة فعلا، لا ما
من شأنها أن تبعث ولو تخلف عنها البعث لغلبه الهوی وتسویل الشیطان،
ویوضحه توصیف (الملکة) فی کلام بعضهم بل فی مقعد الاتفاق ب (المانعة عن
ارتکاب الکبیرة) فإن المتبادر: المنع الفعلی بغیر اشکال.
تعریف الشهید (ره) للعدالة
وأوضح منه تعریفها - الشهید فی باب الزکاة من نکت الإرشاد -: بأنها
هیئة راسخة تبعث علی ملازمة التقوی بحیث لا یقع منها الکبیرة ولا الاصرار
علی الصغیرة (1)بناء علی أن الحیثیة بیان لقوله: (تبعث) لا قید توضیحی
للملازمة.
نعم: یبقی الکلام فی أن العدالة هل هی الملکة الموجبة للاجتناب أو
ص :10
1) (1) نکتب الإرشاد، کتاب الزکاة ذیل قوله: ویشترط فی المستحقین.. الخ.
الاجتناب عن ملکة، أو کلاهما حتی یکون عبارة عن الاستقامة الظاهرة فی
الأفعال، والباطنة فی الأحوال؟ وهذا لا یترتب علیه کثیر فائدة، إنما المهم بیان
مستند هذا القول، وعدم کون العدالة هی مجرد الاستقامة الظاهریة ولو من دون
ملکة - کما هو ظاهر من عرفت - (1)حتی یکون من علم منه هذه الصفة عادلا
وإن لم یکن فیه ملکتها.
ویدل علیه - مضافا إلی الأصل (2)والاتفاق المنقول المعتضد بالشهرة
المحققة، بل عدم الخلاف، بناء علی أنه لا یبعد إرجاع کلام الحلی (3)إلی المشهور
کما لا یخفی، وإلی ما دل علی اعتبار الوثوق بدین إمام الجماعة وورعه، مع أن
الوثوق لا یحصل بمجرد ترکه المعاصی فی جمیع ما مضی من عمره، ما لم یعلم أو
یظن فیه ملکة الترک، واعتبار المأمونیة والعفة والصیانة والصلاح وغیرها مما اعتبر
فی الأخبار من الصفات النفسانیة فی الشاهد، مع الاجماع علی عدم اعتبارها
زیادة علی العدالة فیه وفی الإمام - صحیحة ابن أبی یعفور، حیث سأل أبا
عبد الله علیه السلام وقال: (بم یعرف عدالة الرجل بین المسلمین حتی تقبل شهادته
لهم وعلیهم؟ فقال: أن یعرفوه بالستر والعفاف وکف البطن والفرج والید
واللسان، وتعرف باجتناب الکبائر التی أوعد الله علیها النار.. إلی آخر
الحدیث) (4)
والزنا والربا وعقوق الوالدین والفرار من الزحف وغیر ذلک، والدلالة علی ذلک کله أن یکون
ساترا لجمیع عیوبه حتی یحرم علی المسلمین ما وراء ذلک من عثراته وعیوبه وتفتیش
ما وراء ذلک ویجب علیهم تزکیته واظهار عدالته فی الناس ویکون منه التعاهد للصلوات
الخمس إذا واظب علیهن وحفظ مواقیتهن بحضور جماعة من المسلمین، وأن لا یتخلف عن
جماعتهم فی مصلاهم إلا من علة، فإذا کما کذلک لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس،
فإذا سئل عنه فی قبیلته ومحلته قالوا: ما رأینا منه إلا خیرا مواظبا علی الصلوات متعاهدا لأوقاتها
فی مصلاه فإن ذلک یجیز شهادته وعدالته بین المسلمین، وذلک أن الصلاة ستر وکفارة للذنوب،
ولیس یمکن الشهادة علی الرجل بأنه یصلی إذا کان لا یحضر مصلاه ویتعاهد جماعة المسلمین،
وإنما جعل الجماعة والاجتماع إلی الصلاة لکی یعرف من یصلی ممن لا یصلی، ومن یحفظ مواقیت
الصلاة ممن یضیع ولولا ذلک لم یکن أحد أن یشهد علی آخر بصلاح، لأن من لا یصلی لا صلاح
له بین المسلمین، فإن رسول الله صلی الله علیه وسلم هم بأن یحرق قوما فی منازلهم لترکهم
الحضور لجماعة المسلمین، وقد کان فیهم من یصلی فی بیته فلم یقبل منه ذلک، وکیف یقبل شهادة
أو عدالة بین المسلمین ممن جری الحکم من الله عز وجل ومن رسوله صلی الله علیه وآله فیه الحرق
فی جوف بیته بالنار، وقد کان یقول: لا صلاة لمن لا یصلی فی المسجد مع المسلمین إلا من علة.
.ص :11
ما یستفاد من صحیحة ابن أبی یعفور
فإن الستر والعفاف والکف قد وقع مجموعها المشتمل علی الصفة
النفسانیة معرفا للعدالة، فلا یجوز أن یکون أخص منها، بل لا بد من مساواته،
وقد یکون أعم إذا کان من المعرفات الجعلیة، کما جعل علیه السلام فی هذه الصحیحة
الدلیل علی هذه الأمور کون الشخص ساترا لعیوبه.
ودعوی أن ظاهر السؤال وقوعه عن الأمارة المعرفة للعدالة بعد معرفة
مفهومها تفصیلا، والصفات المذکورة لیست أمارة بل - هی علی هذا القول -
عینها، فیدور الأمر بین حمل السؤال علی وقوعه عن المعرف المنطقی لمفهومها
بعد العلم إجمالا - وهو خلاف ظاهر السؤال -، وبین خلاف ظاهر آخر، وهو حمل
الصفات المذکورة علی مجرد ملکاتها، فتکون ملکاتها معرفة وطریقا للعدالة،
وحینئذ فلا تصح أن یراد بها إلا نفس اجتناب الکبائر المسبب عن ملکة العفاف
والکف، وهو القول الثانی مدفوعة،
أولا: ببعد إرادة مجرد الملکة من الصفات المذکورة، بخلاف إرادة
المعرف المنطقی الشارح لمفهوم العدالة، فإنه غیر بعید، خصوصا بملاحظة أن
طریقیة ملکة ترک المعاصی لترکها لیست أمرا مجهولا عند العقلاء محتاجا إلی
السؤال، وخصوصا بملاحظة قوله فیما بعد: (والدلیل علی ذلک کله أن یکون
ص :12
ساترا لعیوبه.. الخ) فإنه علی ما ذکر یکون أمارة علی أمارة، فیکون ذکر
الأمارة الأولی - أعنی الملکة - خالیة عن الفائدة مستغنی عنها بذکر أمارتها، إذ
لا حاجة غالبا إلی ذکر أمارة تذکر لها أمارة أخری، بخلاف ما لو جعل الصفات
المذکورة عین العدالة، فإن المناسب بل اللازم أن یذکر لها طریق أظهر وأوضح
للناظر فی أحوال الناس.
الاحتمالات الثلاث فی قوله علیه السلام (تعرف)
ویؤید ما ذکرنا أنه لا معنی محصل حینئذ لقوله علیه السلام - بعد الصفات
المذکورة -: (وتعرف باجتناب الکبائر التی أوعد الله علیها النار) لأن الضمیر
فی (تعرف) إما راجع إلی العدالة بأن یکون معرفا مستقلا، وإما راجع إلی
الشخص بأن یکون من تتمة المعرف الأول، وإما أن یکون راجعا إلی الستر وما
عطف علیه، لیکون معرفا للمعرف، وقوله علیه السلام: (والدلیل علی ذلک..
الخ) (1)معرفا ثالثا، وهو أبعد الاحتمالات.
وعلی أی تقدیر فلا یجوز أن یکون أمارة علی العدالة، لأنه علی هذا
القول نفس العدالة.
والحاصل: أن الأمور الثلاثة المذکورة من قبیل المعرف المنطقی للعدالة،
لا المعرف الشرعی فی اصطلاح الأصولیین.
بیان المراد من الستر الوارد فی الصحیحة
ثم إن المراد بالستر هنا غیر المراد به فی قوله علیه السلام فیما بعد: (والدلالة
علی ذلک کله أن یکون ساترا لعیوبه)، وإلا لم یعقل أن یکون أحدهما طریقا
للآخر، بل المراد بالستر هنا ما یرادف الحیاء والعفاف، قال فی الصحاح: رجل
ستیر، أی عفیف، وجاریة ستیرة (2)فکأن المراد بالستر هنا -: الاستحیاء من
الله، وبالستر - فیما بعد -: الاستحیاء من الناس. ولذا ذکر القاضی: أن العدالة
ص :13
تثبت بالستر والعفاف واجتناب القبائح أجمع (1).
أظهر الاحتمالات فی کلمة (تعرف)
بقی الکلام فی بیان الأظهر من الاحتمالات الثلاث المتقدمة فی قوله
علیه السلام: (وتعرف باجتناب الکبائر.. الخ) وأن الاجتناب هل هی تتمة للمعرف
أو معرف له، أو للمعرف - بالفتح -؟ لکن الثانی فی غایة البعد سواء حمل
المعرف علی المنطقی أو علی الشرعی.
[أما علی الأول] (2)فلعدم کون الأمور المذکورة أمورا عرفیة متساویة فی
البیان لمفهوم الاجتناب، فلا یحسن جعله طریقا إلیها، أو شارحا لمفاهیمها.
والثالث أیضا بعید، بناء علی المعرف المنطقی والشرعی، لأنه إن أرید
ب (اجتناب الکبائر) الاجتناب عن ملکة، فلیس أمرا مغایرا للمعرف الأول،
فذکره کالتکرار، وإن أرید نفس الاجتناب، ولولا عن ملکة، فلا معنی لجعله
معرفا منطقیا بعد شرح مفهوم العدالة أولا بما یتضمن اعتبار الملکة فی
الاجتناب.
والحاصل: إن جعله معرفا منطقیا فاسد، لأنه إما أن یراد من المعرفین
کلیهما معنی واحد وإما أن یراد من کل منهما معنی، وعلی الأول یلزم التکرار،
وعلی الثانی یلزم تغایر الشارحین لمفهوم واحد.
وکذا لا یجوز جعله معرفا شرعیا، لأن حاصله یرجع إلی جعل نفس
الاجتناب طریقا إلی کونه علی ملکة، وهذا بعید لوجهین:
أحدهما: أن معرفة الاجتناب عن جمیع الکبائر لیس بأسهل من معرفة
الملکة، بل معرفة الملکة أسهل من معرفة الاجتناب، فلا یناسب جعله معرفا لها.
ص :14
الثانی: أنه جعل الدلیل علی ذلک کله أن یکون ساترا لجمیع عیوبه حتی
یحرم علی المسلمین تفتیش ما وراء ذلک من عثراته، فستر العیوب عن الناس قد
جعل طریقا ظاهریا، ومن المعلوم أن جعل الاجتناب الواقعی طریقا مستدرک
بعد جعل عدم العلم بالارتکاب طریقا، بل اللازم جعله طریقا من أول الأمر،
لأن جعل الأخص طریقا بعد جعل الأعم مستدرک، وهذا کما یقال: إن أمارة
العدالة عند الجهل بها الایمان الواقعی، وعلامة الایمان الواقعی عند الجهل به:
الاسلام، فإن جعل الایمان الواقعی (1)طریقا، مستغنی عنه، بل لازم قوله
علیه السلام: (حتی یحرم علی المسلمین تفتیش ما وراء ذلک) أنه لا یجوز التوصل
بالأمارة الأولی وهو الاجتناب الواقعی، لأنه یتوقف علی الفحص عن أحواله.
فثبت من جمیع ذلک أن أظهر الاحتمالات المتقدمة هو کونه تتمة
للمعرف، بأن یجعل المراد بکف البطن والفرج والید واللسان، کفها عن المعاصی
المتبادر من معصیة البطن: أکل الحرام، ومن معصیة الفرج: الزنا، ومن معصیة
الید: ظلم الناس، ومن اللسان: الغیبة والکذب، فیکون ذکره بعد ذکر الکف من
قبیل التعمیم بعد التخصیص، وعقیب الستر والعفاف من قبیل ذکر الأفعال بعد
الصفات النفسانیة الموجبة لها.
ویحتمل أیضا أن یراد بالستر: الاستحیاء المطلق، وبالعفاف: التعفف عن
مطلق المعاصی، وبالکف (الکف) (2)عن مطلق الذنوب، ویکون ذکر الجوارح
الأربع لکونها أغلب ما تعصی من بین الجوارح] (3).
ص :15
وحینئذ فیکون قوله: (وتعرف باجتناب الکبائر) من قبیل التخصیص
بعد التعمیم والتقیید بعد الاطلاق، تنبیها علی أن ترک مطلق المعاصی غیر معتبر
فی العدالة.
ص :16
ثم المشهور بین من تأخر عن العلامة: اعتبار المروة فی مفهوم العدالة،
حیث عرفوها بأنها هیئة راسخة تبعث علی ملازمة التقوی والمروة، وهو الذی
یلوح من عبارة المبسوط، حیث ذکر أن العدالة فی اللغة: أن یکون الانسان
متعادل الأحوال متساویا، وفی الشریعة: من کان عدلا فی دینه، عدلا فی مروته،
عدلا فی أحکامه (1)(انتهی)، بناء علی أن المراد بالعدالة فی الدین والمروة
والأحکام: الاستقامة فیها.
من یعتبر المروة فی العدالة
وأما کلام غیر الشیخ ممن تقدم علی العلامة، فلا دلالة فیه، بل ولا إشعار
علی ذلک.
نعم: ذکره ابن الجنید فی شرائط قبول الشهادة (2)، وکذا ابن حمزة فی
موضع من الوسیلة (3)، بل کلامه الأخیر المتقدم فی صدر المسألة (4)، - ککلامی
ص :17
المفید والحلی المتقدم ذکرهما (1)- دال علی عدم اعتبارها.
وأما الصدوقان فهما وإن لم یفسرا العدالة، إلا أن کلامهما المتقدم (2)من
أنه (لا یصلی إلا خلف رجلین [أحدهما من تثق بدینه وورعه وأمانته، والآخر
من تتقی سیفه وسوطه] (3)) ظاهر فی عدم اعتبار المروة فی العدالة، بناء علی أن
اعتبار العدالة فی الإمام متفق علیه.
نعم، قد أخذ القاضی (الستر) و (العفاف) فی العدالة (4)بناء علی ما
سیأتی (5)من أنه لا یبعد استظهار اعتبار المروة من هذین اللفظین. وذکر فی الجامع
أن العدل الذی یقبل شهادته، هو البالغ العاقل المسلم العفیف الفعلی
المجتنب عن القبائح الساتر لنفسه (6)
المصلی الفرض، الساتر نفسه.. الخ.
فإن جعلنا الموصول (7)صفة تقییدیة کانتالعفة - التی عرفت إمکان استظهار المروة منها - مأخوذة فی عدالة الشاهد دون
عدالة الإمام ومستحق الزکاة، وإلا کانت مأخوذة فی مطلق العدالة.
وممن لا یعتبر المروة فی العدالة المحقق فی الشرائع (8)، وتبعه
العلامة فی الإرشاد (9)وولده فی موضع من الإیضاح (10)
قائمة بالنفس تبعث علی ملازمة الطاعات والانتهاء عن المحرمات ".
.ص :18
1) (1) فی الصفحة 6 و 7.
2) (2) فی الصفحة 7.
3) (3) ما بین المعقوفتین من المخطوطة.
4) (4) المهذب 2: 556.
5) (5) فی الصفحة 22.
6) (6) الجامع للشرائع: 538 وفیه: العدل الذی یقبل شهادته هو: البالغ، العاقل، المسلم، العفیف،
7) (7) کذا فی " ش "، وفی سائر النسخ: الفصول.
8) (9) المختصر النافع: 287.
9) (10) الإرشاد 2: 156.
10) (11) إیضاح الفوائد 1: 149. حیث قال: " ولاشتراط العدالة وهی غیر متحققة فی الصبی لأنها کیفیة
وعرف الشهید - فی نکت الإرشاد - العدالة فی کلام من اعتبرها فی
مستحق الزکاة بأنها (هیئة تبعث علی ملازمة التقوی) (1)
حیث قال: " العدالة وهی هیئة راسخة فی النفس تبعث علی ملازمة التقوی والمروة " راجع: نکت
الإرشاد، کتاب الزکاة ذیل قوله: ویشترط فی المستحقین.
وظاهره أن العدالة تطلقفی الاصطلاح علی ما لا یؤخذ فیه المروة.
دعوی الشهرة علی عدم اعتبار المروة
والحاصل: أنه لو ادعی المتتبع أن المشهور بین من تقدم علی العلامة عدم
اعتبار المروة فی العدالة - خصوصا المعتبرة فی غیر الشاهد - لم یستبعد ذلک منه.
لما عرفت من کلمات من عدا الشیخ، وأما الشیخ فالعدالة المذکورة فی کلامه
لا ینطبق علی ما ذکره المتأخرون، لأنه أخذ فی الاسلام والبلوغ والعقل، وهذا
لیس معتبرا عند المتأخرین، وإن کان العادل عندهم من أفراد البالغ العاقل
المسلم، لکن الاسلام والکمال لیسا جزءا للعدالة عندهم، ولذا یذکرون البلوغ
والعقل والاسلام علی حدة. فالظاهر أنه أراد بالعدالة صفة جامعة للشرائط
العامة لقبول الشهادة، وکیف کان: فالمتبع هو الدلیل.
وینبغی الجزم بعدم اعتبارها (2)فی العدالة المعتبرة فی الإمام، وأن المعتبر
فیه العدالة و (3)الاستقامة فی الدین، لأن الدلیل علی اعتبار العدالة فی الإمام،
إما الاجماعات المنقولة وإما الروایات:
عدم دلالة الاجماعات - علی العدالة - علی اعتبار المروة
أما الاجماعات المنقولة (4)فلا ریب فی أنها ظاهرة فی العدالة فی الدین
المقابلة للفسق الذی هو الخروج عن طاعة الله، مع أن الخلاف فی أخذ المروة فی
العدالة یوجب حمل العدالة فی کلام مدعی الاجماع علی العدالة فی الدین،
ص :19
ویؤیده أنه لو کان المراد العدالة المطلقة التی تقدم تفسیرها من المبسوط (1)لم
یحتج إلی اعتبار البلوغ والعقل فی الإمام مستقلا.
ودعوی: أن دعوی الاجماع إنما وقعت من المتأخرین الذین أخذوا المروة
فی العدالة، وکلام مدعی الاجماع یحمل علی ما اللفظ ظاهر فیه عنده.
مدفوعة - بعد تسلیم ما ذکر کلیة - بأن الاجماع إذا فرض دعواه علی
العدالة المأخوذة فیها المروة فهی موهونة بمصیر جل القدماء - کما عرفت - علی
خلافه.
عدم دلالة الروایات علی اعتبار المروة
وإن کان المستند الروایات فنقول: إنها بین ما دل علی اعتبار العدالة،
والظاهر منها هی الاستقامة فی الدین، لأنها الاستقامة المطلقة فی نظر الشارع،
فإن التحقیق أن العدالة فی کلام الشارع وأهل الشرع یراد بها: الاستقامة، لکن
الاستقامة المطلقة فی نظر الشارع هو الاستقامة علی جادة الشرع وعدم المیل
عنها، وإن قلنا بأنها منقولة من الأعم إلی الأخص، لکن نقول: إن المتبادر منها
الاستقامة من جهة الدین، لا من جهة العادات الملحوظة عند الناس حسنا أو
قبیحا.
التمسک بصحیحة ابن أبی یعفور لاعتبار المروة
وغایة ما یمکن أن یستدل لاعتبارها فی الدالة المستعملة فی کلام
الشارع: صحیحة ابن أبی یعفور، ومحل الدلالة یمکن أن یکون فقرات منها:
الأولی: قوله: (بأن یعرفوه بالستر) علی أن یکون المراد منه ستر العیوب
الشرعیة والعرفیة.
الثانیة: قوله علیه السلام: (وکف البطن والفرج والید واللسان) بناء علی أن
منافیات المروة غالبا من شهوات الجوارح.
الثالثة: قوله علیه السلام: (والدال علی ذلک کله أن یکون ساترا
ص :20
1) (1) فی الصفحة 17.
لعیوبه... الخ).
وقد تمسک بکل واحد من هذه الفقرات بعض ممن (1)عاصرناهم.
الجواب عن صحیحة ابن أبی یعفور
وفی الکل نظر، أما الفقرة الأولی: فلما عرفت سابقا من المراد بالستر
لیس هو الستر الفعلی، وإنما یراد به صفة مرادفة للعفاف - کما سمعت من
الصحاح (2)-، کیف وقد جعل ستر العیوب بعد ذلک دلیلا علی العدالة، فلیزم
اتحاد الدلیل والمدلول. مضافا إلی أن المتبادر من الستر: تعلقه بالعیوب الشرعیة
دون العرفیة، فلا یفید حذف المعلق العموم.
وبهذا یجاب عن الفقرة الثانیة، فإن الظاهر من کف الجوارح الأربع:
کفها عن معاصیها، لا مطلق ما تشتهیها.
وأما الفقرة الثالثة، ففیها أولا: أن المتبادر من (العیوب) هی ما تقدم فی الفقرة
السابقة مما أخذ ترکها فی مفهوم العدالة، لا مطلق النقائص فی الکبائر
والصغائر والمکروهات المنافیة للمروة، وإلا لزم تخصیص الأکثر، إذ الکبائر
ومنافیات المروة فی جنب غیرهما - الذی لا یعتبر فی العدالة ترکها ولا فی طریقها
سترها - کالقطرة فی جنب البحر. فلا بعد من حمله علی المعهود المتقدم فی الفقرات
السابقة، فکأن الإمام علیه السلام لما عرف العدالة بملکة الکف والتعفف عن
الکبائر جعل سترها عند المعاشرة والمخالطة طریقا إلیها.
وثانیا أن غایة ما یدل علیه هذه الفقرة کون ستر منافیات المروة من
تتمة طریق العدالة، لا مأخوذة فی نفسها. فیکون فیه دلالة علی أن عدم ستر
منافیات المروة وظهورها عند المعاشرة والمخالطة لا یوجب الحکم ظاهرا بعدالة
الرجل التی تقدم معناها فی الفقرات السابقة. ولا یلزم من هذا أنا لو اطلعنا علی
ص :21
ذلک المعنی بحیث لا یحتاج إلی الطریق الشرعی وعلمنا منه صدور منافیات
المروة لم نحکم بعدالته، لأن الوصول إلی ذی الطریق یغنی عن الطریق.
ففی الروایة دلالة علی التفصیل الذی ذکره بعض متأخری المتأخرین،
من أنه لو کشف فعل منافی المروة عن قلة المبالاة فی الدین، بحیث لا یوثق معه
بالتحرز عن الکبائر والاصرار علی الصغائر کان معتبرا وإلا فلا.
وهذا التفصیل غیر بعید، لکنه فی الحقیقة لیس تفصیلا فی مسألة اعتبار
المروة فی نفس العدالة - بل قول بنفیه مطلقا -، إلا أنه یوجب الوهن فی حسن
الظاهر الذی هو طریق إلیها.
توجیه دلالة الروایة علی اعتبار المروة
ثم إن الذی یخطر بالبال أنه إن کان ولا بد من فهم اعتبار المروة من
الصحیحة - بناء علی أن المذکور فیه حد لها، لا بد من أن یکون مطردا، فترک
التعرض لاعتبار ما یعتبر مخل بطردها - فالأنسب أن یقال: إن ذلک إنما یستفاد
من لفظی (الستر) و (العفاف) الراجعین إلی معنی واحد، کما عرفت من قول
الصحاح: (رجل.. الخ) (1)فیکون المراد بالستر ما عد - فی الحدیث المشهور
المذکور فی أصول الکافی فی باب جنود العقل والجهل - مقابلا للتبرج (2)المفسر
فی کلام بعض محققی شراح أصول الکافی بالتظاهر بما یقبح ویستهجن فی
الشرع أو العرف (3).
ولا ریب أن منافیات المروة مما یستهجن فی العرف، فهی منافیة للستر
والعفاف بذلک المعنی.
وقد ذکر بعضهم فی عدالة القوة الشهویة - المسماة بالعفة - أن ما یحصل
ص :22
من عد تعدیلها: عدم المروة وظاهره أن المروة لازمة للعفاف.
حکم تکرار منافیات المروة
ثم إن المروة - علی القول باعتبارها فی الدالة - مثل التقوی المراد بها
عندهم: اجتناب الکبائر والاصرار علی الصغائر، ففعل منافیها یوجب زوال
العدالة بمجرده من غیر حاجة إلی تکراره (1)کارتکاب الکبیرة لأنه لازم
تفسیرهم للعدالة بالملکة المانعة عن (2)مجانبة (3)الکبائر ومنافیات المروة والباعثة
علی ملازمة التقوی والمروة، وقد عرفت أن المراد بالبعث أو المنع: الفعلی، لا
الشأنی.
نعم: ربما یکون بعض الأفعال لا ینافی المروة بمجرده، ولذا قیدوا
منافیات (4)الأکل فی الأسواق بصورة غلبة وقوع ذلک منه، وأنه لا یقدح وقوعه
نادرا، أو لضرورة، أو من السوقی. فمعناه - بقرینة عطف الضرورة والسوقی -
أنه لا ینافی المروة، لا أنه مع منافاته المروة لا یوجب زوال العدالة بمجرده.
مخالفة المروة لا توجب الفسق
نعم: فرق بین التقوی والمروة، وهو أن مخالفة التقوی یوجب الفسق،
بخلاف مخالفة المروة، فإنها توجب زوال العدالة دون الفسق. ففاقد المروة إذا
کانت فیه ملکة اجتناب الکبائر، واسطة بین العادل والفاسق.
ومن جمیع ما ذکرنا یظهر ما فی کلام بعض سادة مشایخنا (5)، حیث إنه
بعد ما أثبت اعتبار المروة بالفقرة الثالثة المتقدمة من الصحیحة، قال: بقی الکلام
فی أن منافیات المروة هل توجب الفسق بمجردها کالکبائر؟ أو بشرط الاصرار
أو الاکثار کالصغائر. أو تفصیل بین مثل تقبیل الزوجة فی المحاضر وبین مثل
ص :23
الأکل فی الأسواق؟ وهذا هو المختار. ثم استشهد بکلام جماعة ممن قید الأکل
فی السوق بالغلبة أو الدوام.
ویمکن تأویل أول کلامه بأن المراد من الفسق: مجرد عدم العدالة، دون
الفسق المتکرر فی کلام الشارع والمتشرعة، لکنه بعید.
وأبعد منه: توجیه کلامه فیما ذکره من الوجوه الثلاثة فی زوال العدالة
بمنافیات المروة، بأن المراد ما ینافیها بحسب الأعم من المرة (1)والاکثار، ومعناه
أن ما ینافی المروة بجنسه هل یزیل العدالة بمجرده أو بشرط الاکثار؟ وهو کما
تری!.
التعریف المختار للعدالة
ثم إنه قد تلخص مما ذکرنا من أول المسألة إلی هنا أن الأقوی - الذی
علیه معظم القدماء والمتأخرین -: هو کون العدالة عبارة عن صفة نفسانیة
توجب التقوی والمروة أو التقوی فقط - علی ما قویناه -.
وعرفت (2)أیضا أن القول بأنها عبارة عن (الاسلام وعدم ظهور الفسق)
غیر ظاهر من کلام أحد من علمائنا وإن کان ربما نسب إلی بعضهم (3)، کما عرفت،
وعرفت ما فیه (4).
لیست العدالة بمعنی (عدم ظهور الفسق) أو (حسن الظاهر) قولا لأحد
وکذلک القول بأنها عبارة عن (حسن الظاهر) غیر مصرح به فی کلام
أحد من علمائنا، وإن نسبه بعض متأخری المتأخرین إلی کثیر، بل إلی الکل (5).
وکیف کان: فالمتبع هو الدلیل وإن لم یذهب إلیه إلا قلیل، وقد عرفت
الأدلة.
ص :24
بقی الکلام فیما أورد علی القول بالملکة وهی وجوه:
ما أورد علی القول بالملکة أولا
ما ذکره المولی الأعظم وحید عصره فی شرح المفاتیح - علی ما
حکاه عنه بعض الأجلة (1)-
فربما یکون نادرا بالنسبة إلی نادر من الناس
العبادات والمعاملات والایقاعات، فلو کان الأمر کما یقولون لزم الحرج واختل
النظام، مع أن القطع حاصل بأنه فی زمان الرسول صلی الله علیه وآله
والأئمة علیهم السلام ما کان الأمر علی هذا النهج، بل من تتبع الأخبار الکثیرة
یحصل القطع بأن الأمر لم یکن کما ذکروه فی الشاهد، ولا فی إمام الجماعة.
ویؤیده ما ورد (2)فی أن إما الصلاة إذا أحدث، أو حدث له مانع آخر.
أخذ بید آخر وأقامه مقامه (إنتهی).
ص :25
کلام السید الصدر فی القول بالملکة
وقال السید الصدر فی شرح الوافیة - بعد ما حکی عن المتأخرین أن
العدالة (هی الملکة الباعثة علی التقوی والمروة) - ما لفظه: أما کون هذه الملکة
عدالة فلا ریب فیه، لأن الوسط بین البلادة والجربزة تسمی: حکمة، وبین إفراط
الشهوة وتفریطها هی: العفة، وبین الظلم والانظلام هی: الشجاعة، فإذا اعتدلت
هذه القوی حصلت کیفیة وحدانیة شبیهة بالمزاج، کأنه تحصل من الفعل
والانفعال بین طرفی هذه القوی، وانکسار سورة کل واحدة منها، وبعد حصولها
یلزمها التقوی والمروة.
وأما اشتراط تحقق هذا] المبنی بهذا] (1)المعنی، حیث اعتبر الشارع
العدالة، فلم أطلع علی دلیل ظنی لهم، فضلا عن القطعی، وصحیحة ابن أبی
یعفور (2)علیهم لا لهم - کما قیل -، نعم: لا یحصل لنا الاطمئنان التام فی اجتناب
الذنب فی الواقع إلا فیمن یعلم أو یظن حصول تلک الملکة فیه، وهذا یقرب
اعتبارها، ولکن یبعده أن هذه الصفة الحمیدة تکون فی الأوحدی الذی لا
یسمح (3)الدهر بمثله إلا نادرا، لأن التعدیل المذکور یحتاج إلی مجاهدات شاقة
مع تأیید ربانی، والاحتیاج إلی العدالة عام لازم فی کل طائفة من کل فرقة من
سکان البر والبحر حفظا لنظام الشرع.
ثم قال: لا یقال إن الشارع وإن اعتبر الملکة، ولکنه جعل حسن الظاهر
مع عدم عثور الحاکم أو المأموم علی فعل الکبیرة والاصرار علی الصغیرة علامة
لها، وهذا یحصل فی أکثر الناس.
لأنا نقول: إن اعتبر القائل بالملکة فیما یعرف به العدالة هذا الذی قلت،
ص :26
فلا ثمرة للنزاع فی أن العدالة ماذا؟ (انتهی موضع الحاجة) (1).
الجواب عن الایراد الأول
والجواب عن ذلک کله: أنا لا نعنی بقولنا: (العدالة هیئة راسخة) أو
(ملکة) أو (هیئة نفسانیة) إلا الصفة النفسانیة الحاصلة من خشیة الله بحیث
یردعه عن المعصیة.
توضیح ذلک: أن ترک المعاصی قد یکون لعدم الابتلاء بها، وقد یکون مع
الابتلاء بالمعصیة للدواعی النفسانیة لا لخوف الله، وقد یکون لحالة خوف حاصلة
فیه علی سبیل الاتفاق تمنعه عن الاقدام علی المعصیة، حتی أنه إذا ترک فی زمان
طویل معاصی کثیرة ابتلی بها، کان الترک فی کل مرة مستندا إلی حالة اتفقت
له فی ذلک الزمان، وقد یکون ترک المعاصی لحالة واحدة مستمرة فی الزمان الذی
یبتلی فیه بالمعاصی.
المراد من الهیئة الراسخة
وهذا الرابع هو المقصود من (الصفة النفسانیة) أو (الصفة الراسخة) فی
مقابل (الغیر الراسخة) - الموجودة فی الثالث -.
قال العلامة فی نهایة الأصول (2)- علی ما حکی عنه - فی بیان طرق
معرفة العدالة: الأول: الاختبار بالصحبة المتأکدة والملازمة، بحیث یظهر له
أحواله ویطلع علی سریرة أمره بتکرار المعاشرة، حتی یظهر له من القرائن ما
یستدل به علی خوف فی قلبه مانع عن الکذب والاقدام علی المعصیة (انتهی).
العبرة بالحالة هی المتعارفة
ثم إن العبرة بکون تلک الحالة باعثة هو الحال المتعارف للانسان، دون
حالة کماله، فقد تعرض للشخص حالة کأنه لا یملک من نفسه مخالفة الشهوة
أو الغضب، لقوة قهر القوة الشهویة أو الغضبیة وغلبتهما، وعلیه یحمل ما حکی
عن المقدس الأردبیلی (3): من أنه سئل عن نفسه إذا ابتلیت بامرأة مع استجماع
ص :27
جمیع ما له دخل فی رغبة النفس إلی الزنا؟ فلم یجب قدس سره بعدم الفعل، بل قال:
(أسأل الله أن لا یبتلینی بذلک) فإن عدم الوثوق بالنفس فی مثل هذه الفروض
الخارجة عن المتعارف لا یوجب عدم الملکة فیه، إذا مراتب الملکة فی القوة
والضعف متفاوتة، یتلو آخرها: العصمة، والمعتبر فی العدالة أدنی المراتب، وهی
الحالة التی یجد الانسان بها مدافعة الهوی فی أول الأمر وإن صارت مغلوبة بعد
ذلک، ومن هنا تصدر الکبیرة عن ذی الملکة کثیرا.
تواجد الهیئة الراسخة عند کثیر من الناس
وکیف کان: فالحالة المذکورة غیر عزیزة فی الناس [و] لیس فی الندرة علی
ما ذکره الوحید البهبهانی (1)بحیث یلزم من اشتراطه وإلغاء ما عداه، اختلال
النظام.
وکیف یخفی علی هؤلاء ذلک حتی یعتبروا فی العدالة شیئا، یلزم منه
ولا فی بطلان اللازم - وهو الاختلال - بل الانصاف أن الاقتصار علی ما دون
هذه المرتبة یوجب تضییع حقوق الله وحقوق الناس وکیف یحصل الوثوق فی
الاقدام علی ما أناطه الشارع بالعدالة لمن لا یظن فیه ملکة ترک الکذب
والخیانة، فیمضی قوله فی دین الخلق ودنیاهم من الأنفس والأموال والأعراض،
ویمضی فعله علی الأیتام والغیب (2)والفقراء والسادة (3).
قال بعض السادة: إن الشریعة المنیعة التی منعت من إجراء الحد علی
من أقر علی نفسه بالزنا مرة بل ثلاثا کیف یحک بقتل النفوس واهراقهم (4)وقطع
أیادیهم وحبسهم وأخذ أموالهم، وأرواحهم بمجرد شهادة من یجهل حاله من دون
ص :28
اختبار.
نقد کلام السید الصدر (ره)
وأما ما ذکره السید الصدر (1): - من کون الملکة عبارة عن تعدیل القوی
الثلاث: قوة الادراک، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وأن العدالة تتوقف علی
الحکمة والعفة والشجاعة - فلا أظن أن الفقهاء یلتزمون ذلک فی العدالة، کیف!
وظاهر تعریفهم لها بالحالة النفسانیة ینطبق علی الحالة التی ذکرناها وهی
الموجودة فی کثیر من الناس.
ودعوی: أن إدخالهم المروة فی مدخول (2)الملکة وجعلهم العدالة هی
الملکة الجامعة بین البعث علی التقوی والبعث علی المروة ظاهر فی اعتبار أزید
من الحالة النفسانیة المذکورة التی ذکرنا أنها تنشأ من خشیة الله تعالی، فإن هذه
الحالة لا تبعث إلا علی مجانبة الکبائر والاصرار علی الصغائر، ولا تبعث علی
مراعاة المروة مدفوعة:
أولا: بما عرفت (3)من أن الأقوی خروج المروة عن مفهوم
العدالة.
وثانیا: أن اعتبار الملکة الجامعة بین البعث علی التقوی والمروة غیر ما
ذکره السید أیضا، لأن المراد منها: الاستحیاء والتعفف فیما بینه وبین الله وبین
الناس، وهذا أیضا کثیر الوجود فی الناس، بل الاستحیاء عن الخلق موجود فی
أکثر الخلق، فکما أن علماء الأخلاق عبروا عن تعدیل القوی الثلاث بالعدالة
فکذلک الفقهاء عبروا عن الاستحیاء عن الخالق والمخلوق بالعدالة، لأنها
استقامة علی جادتی الشرع والعرف، وخلافه خروج عن إحدی الجادتین.
ص :29
هذا مع أن جعل حسن الظاهر، بل مطلق الظن طریقا إلی هذه الصفة،
أوجب تسهیل الأمر فی الغایة حتی کاد لا یری ثمرة لجعل العدالة هی الملکة،
کما تقدم من السید الصدر (1)، فکیف یتفاوت الأمر فی اختلال النظام واستقامته
بین جعلها (حسن الظاهر) وبین جعلها (الملکة) وجعل حسن الظاهر طریقا
إلیها؟.
ومنها (2):أن الحکم بزوال العدالة عند عروض ما ینافیها من معصیة أو خلاف مروة ورجوعها بمجرد التوبة، ینافی کون العدالة هی الملکة.
وما یقال فی الجواب: من أن الملکة لا تزول بمخالفة مقتضاها فی بعض
الأحیان، إلا أن الشارع جعل الأثر المخالف لمقتضاها مزیلا لحکمها بالاجماع،
وجعل التوبة رافعة لهذا المزیل، فالأمر تعبدی.
ففیه: أنه مخالف لتصریحهم بالزوال والعود.
والجواب: ما تقدم من أن العدالة لیست عندهم هی الملکة المقتضیة
للتقوی والمروة، المجامعة لما یمنع عن مقتضاها، لأن قولهم: (ملکة تبعث) أو
(تمنع) یراد بها البعث والمنع الفعلی. ویدل علیه ما مر عن نکت الإرشاد (3)علی
أظهر احتمالیه، فالملکة إذا لم یکن معها المنع الفعلی لیست عدالة.
ولو أبیت إلا عن المعارض والمانع، فیکفی فی إرادة الملکة المقتضیة الخالیة عن المانع
تصریح نفس أرباب الملکة - کغیرهم - بأن نفس العدالة تزول بمواقعة الکبائر،
ولذا ذکرنا أنه لا قائل بکون العدالة مجرد الملکة من غیر اعتبار للمنع الفعلی.
وأما التوبة فهی إنما ترفع حکم المعصیة وتجعلها کغیر الواقع فی الحکم،
ص :30
فزوال العدالة بالکبیرة حقیقی، وعودها بالتوبة تعبدی، بل سیجئ (1)أن الندم
علی المعصیة عقیب صدورها، یعید الحالة السابقة وهی الملکة المتصفة بالمنع، إذ
لا فرق حقیقة بین من تمنعه ملکته عن ارتکاب المعصیة وبین من توجب علیه
تلک الملکة الندم علی ما مضی منه، فحالة الندم بعینها هی الحالة المانعة فعلا،
لأن الشخص حین الندم علی المعصیة، من حیث إنها معصیة - کما هو معنی
التوبة - یمتنع صدور المعصیة منه، فالشخص النادم متصف بالملکة المانعة فعلا،
بخلاف من لم یندم، فتأمل.
أن ما اشتهر بینهم أن تقدیم الجارح علی المعدل - عند التعارض
(الملکة) فلا یتجه، لأن المعدل إنما ینطق عن علم حصل له بعد طول المعاشرة
والاختبار، أو بعد الجهد فی تتبع الآثار، فیبعد صدور الخطأ منه، ویرشد إلی ذلک
تعلیلهم تقدیم الجرح بأنا إذا؟ أخذنا بقول الجارح فقد صدقناه وصدقنا المعدل،
لأنه لا مانع من وقوع ما یوجب الجرح والتعدیل بأن یکون کل منهما اطلع علی
ما یوجب أحدهما، وأنت خبیر بأن المعدل - علی القول بالملکة - إنما یخبر عن
علم بالملکة وما هو علیه فی نفس الأمر والواقع، ففی تقدیم الجرح حینئذ
وتصدیقهما معا جمع بین النقیضین، فتأمل.
والجواب أن عدم الکبیرة مأخوذ فی العدالة إجماعا علی ما تقدم (2)إما
لکونه قیدا للملکة علی ما اخترناه، وإما لأخذه فی العدالة بدلیل الاجماع
والنص، کیف! ولو لم یکن مأخوذة لم یکن الجارح معارضا له أصلا.
وکیف کان: فاعتماد المعدل علی هذا الأمر العدمی المأخوذ فی تحقق
ص :31
العدالة لیس إلا علی أصالة العدم، أو أصالة الصحة، أو قیام الاجماع علی أن
العلم بالملکة المجردة طریق ظاهری للحکم بتحقق ذلک الأمر العدمی.
والحاصل: أن الاجماع منعقد - بل النص (1)- علی أنه یکفی فی الشهادة
علی العدالة بعد العلم بالملکة أو حسن الظاهر - علی الخلاف فی معناها - عدم
العلم بصدور الکبیرة عنه، ولا یعتبر علمه أو ظنه بأنه لم یصدر عنه کبیرة إلی
زمان أداء الشهادة.
وعلی هذا فأحد جزأی الشهادة - وهو تحقق ذلک الأمر العدمی - ثابت
بالطریق الظاهری، وهو مستند شهادته، ومن المعلوم أن شهادة الجارح حاکمة
علی هذا الطریق الظاهری، فإن تعارضهما إنما هو باعتبار تحقق هذا الأمر
العدمی وعدم تحققه، وإلا فلعل الجارح أیضا لا ینکر الملکة، بل یعترف بها فی
متن الشهادة.
فالمقام علی ما اخترناه - من أخذ الاجتناب عن الکبیرة قیدا للملکة -
نظیر شهادة إحدی البینتین علی أنه ملکه قد اشتراه من المدعی، تعویلا علی
أصالة صحة الشراء، وشهادة البینة الأخری أنه ملک للآخر مستندا إلی فساد
ذلک الشراء لوجود مانع من موانع الصحة، وعلی القول بکونه مزیلا للعدالة
بالدلیل الخارجی یکون نظیر شهادة إحداهما بملکه لأحدهما، وشهادة الأخری
بانتقاله عنه إلی الآخر.
وکیف کان: فالمعدل یقول: (إنه ذو ملکة لم أطلع علی صدور کبیرة منه)
والجارح یقول: (قد اطلعت علی صدور المعصیة الفلانیة [منه] (2)) فشهادة المعدل
مرکبة من أمر وجودی وعدمی، وشهادة الجارح (3)یدل علی انتفاء ذلک الأمر
ص :32
العدمی، فالتعارض إنما هو فی الجزء الأخیر، ومن المعلوم کونهما من قبیل النافی
والمثبت.
نعم: لو اعتبرنا فی التعدیل الظن بعدم صدور الکبیرة، کان التعارض
علی وجه لا یمکن الجمع، فلا بد إما من ترجیح الجارح لاستناده إلی القطع
الحسی بخلاف المعدل فإنه مستند إلی الظن الحدسی، وإما من التوقف عن
الحکم بالعدالة والفسق والرجوع إلی الأصل.
کما أنه لو اعتبر فی التعدیل العلم أو الظن بکون الشخص بحیث لو
فرض صدور کبیرة عنه بادر إلی التوبة - البتة -، کان المناسب تقدیم المعدل
لأن غایة الجرح صدور المعصیة لکن المعدل یظن أو یعلم بصدور التوبة عقیب
المعصیة علی فرض صدورها، فکأن الجارح مستند فی تفسیقه إلی صدور الکبیرة
وعدم العلم بالمزیل وهی التوبة، والمعدل وإن لم یشهد بعدم صدور المعصیة إلا
أنه یشهد بالتوبة علی فرض صدور المعصیة.
ما ذکره فی مفتاح الکرامة: من اطباق الأصحاب - إلا السید
والإسکافی - علی صحة صلاة من صلی خلف من تبین کفره أو فسقه (1)، وبه
نطقت الأخبار (2).
أقول: لم أفهم وجه منافاة هذا الحکم لکون العدالة هی (الملکة) دون
(حسن الظاهر). ولم لا یجوز أن یکون العدالة کالاسلام أمرا واقعیا یستدل علیه
بالآثار الظاهرة ویعتمد فیه علیها، فإذا تبین الخطأ بعد ترتیب الأثر یحکم
الشارع بمضی تلک الآثار وعدم انتقاضها؟.
فإن قلت: مقتضی ظهور الأدلة فی کون العدالة شرطا واقعیا بانضمام ما
ص :33
دل علی صحة الصلاة مع ثبوت الفسق، أن یکون العدالة أمرا ظاهریا غیر قابل
لانکشاف الخلاف لا الملکة الواقعیة، وإلا وجب إما صرف أدلة اشتراط تحققها
فی الواقع عن ظاهرها وجعلها من الشروط العلمیة، وإما إبقاؤها علی ظاهرها
من کونها شرطا واقعیا، وصرف أدلة کون العدالة الواقعیة شرطا فی صحة الصلاة
الخالیة عن الفاتحة وغیرها - من خواص المنفرد - إلی کونها شرطا علمیا،
وکلاهما مخالفان للأصل.
قلت: أولا: إنه قد تقدم (1)أنه لا یمکن أن یکون العدالة أمرا ظاهریا
التضاد، لاجتماعهما حینئذ فی من حسن ظاهره وفرض فاسقا فی الواقع، مع أن
تضادهما من بدیهیات العرف، فإنه لا یحکمون بحدوث الفسق من حین
الاطلاع علی قبح الإمام، بل یقولون: (إنه تبین فسقه) ولذا عبروا فی المسألة
المتقدمة بقولهم: إذا تبین فسق الإمام.
وثانیا: أنه لو سلمنا إمکان تعلقه من کون نفس العدالة الواقعیة حسن
الظاهر وإن فرض فسقه واقعا، لکن نقول: إن الحکم بالصحة لا یدل علی عدم
کونها هی الملکة ولم بضمیمة ظهور أدلة اشتراطها فی کونها شرطا واقعیا، لأن
الدلیل علی اشتراط العدالة إما الاجماع وإما الأخبار المتقدمة:
أما الاجماع: فهو إنما حصل بانضمام فتوی القائلین بالملکة، ومعلوم أنهم
یجعلونها شرطا علمیا، نعم: أرباب حسن الظاهر، یجعلونه شرطا واقعیا. هذا کله
مع أن معقد اجماع المعتبر هو اعتبار ظهور العدالة لا اعتبار نفسها، قال: (ظهور
العدالة معتبر عند علمائنا) (2)وظاهره کونه شرطا علمیا عند الکل، وهذا الکلام
ص :34
من المحقق یدل أن العدالة عنده أمر واقعی، قد یظهر وقد لا یظهر، ولا ینطبق
إلا علی (الملکة) وحینئذ فیصیر عنده وعند غیره شرطا واقعیا.
وأما الأخبار: فما دل منها [علی اعتبار الوثوق بالدین، فدلالته علی کون
العدالة شرطا علمیا واضحة، والدال منها] (1)علی اعتبار مفهوم العدالة ظاهر فی
صورة العلم، إذ لیس فیها إلا أنه إذا کان الإمام عادلا فافعل (2)کذا، فلاحظ
وتأمل.
[من أن صحة صلاة المأموم لیست اجماعیة، فقد خالف السید المرتضی
فی المسألة بناء علی أن العدالة شرط واقعی تبین انتفاؤها (3)واحتج القائل
بالصحة، بأنها صلاة مشروعة فی ظاهر الحکم، فهی مجزیة] (4).
ثم إنک قد عرفت غیر مرة أن القول بأن العدالة (نفس ظهور الاسلام
وعدم ظهور الفسق) مع کونه غیر معقول - کما عرفت -، غیر مصرح فی، کلام
أحد، بل ولا ظاهر ولا مومی إلیه، نعم، یظهر من المحکی عن بعض کلمات
جماعة: الاکتفاء فی ثبوتها بالاسلام، وعدم ظهور الفسق.
هل العدالة هی حسن الظاهر؟
لما عرفت من بداهة مضادتها مع الفسق المجامع لحسن الظاهر، والشئ یمتنع أن یفسر بما یجامع ضده، ومع ذلک فهو غیر مصرح به فی کلام أحد من المتقدمین وإن دارت
حکایته عنهم فی ألسنة بعض المتأخرین (5).
ص :35
وحیث إنه حکی هذا القول عن خصوص بعض القدماء بأسمائهم، فلا
بأس أن نشیر إلی عدم مطابقة هذه الحکایة للواقع بالنسبة إلی من وصل إلینا
کلماتهم.
کلام الشیخ المفید فی هذا المقام
فممن حکی عنه هذا القول: المفید - فی المقنعة -، حیث ذکر أن العدل
(من کان معروفا بالدین والورع عن محارم الله) (1).
ولا یخفی أن ظاهر هذا الکلام وإن کان تفسیر العدل الواقعی بمن عرف
بالدین والورع، لا من اتصف بهما فی نفس الأمر، لکن لا یخفی أن تحقق الدین
فی نفس الأمر معتبر فی العدالة اتفاقا حتی ممن قال بأن العدالة هی (الاسلام
مع عدم ظهور الفسق) والکلام إنما هو فی الورع عن المحارم وأنه معتبر فی الواقع
أو فی الظاهر، أی: فیما یظهر للناس فی أحواله، فلا بد من أن یراد من العبارة:
تفسیر العدل المعلوم عدالته، لأنه الذی یترتب علیه الأحکام، دون العدل النفس
الأمری مع قطع النظر عن کونه معلوما، فکأنه قال: (العدل المعروف عدالته من
کان معروفا بالدین والورع) فالعدل الواقعی من له دین وورع فی الواقع،
والعدل المعروف بهذه الصفة من کان معروفا بالدین والورع.
نعم: لو التزم أحد أن الاسلام الواقعی أیضا غیر معتبر فی العدالة
الواقعیة، کان العدالة عنده: حسن الظاهر من حیث الدین والورع، لکن
الظاهر من حکایة هذا القول هو إلغاء الواقع ونفس الأمر بالنسبة إلی الورع
لا الدین.
کلام الشیخ الطوسی فی هذا المقام
وممن حکی عنه هذا القول الشیخ فی النهایة (2)، حیث ذکر (أن العدل
الذی یقبل شهادته: من کان ظاهره ظاهر الایمان، ثم یعرف بالستر والعفاف).
ص :36
فظاهره إرادة معلوم العدالة، کما لا یخفی.
ومما ذکر یعلم حال حکایة هذا القول عن القاضی (1)حیث اعتبر فی
العدالة (الستر والعفاف) وحال حکایته عن التقی (2)حیث اعتبر فیها (اجتناب
القبائح) الذی هو أمر واقعی، وحال عبارة الجامع (3)حیث اعتبر فیها (التعفف
واجتناب القبائح) ولا یحضرنی کلام غیرهم.
وبالجملة: فالقول المذکور بظاهره غیر ظاهر من کلام أحد من القدماء،
وسیأتی غایة ما یمکن أن یوجه به هذا القول (4).
الأخبار التی استدل بها علی کون العدالة حسن الظاهر
هذا کله، مضافا إلی أن مجرد وجود القائل لا یثبت القول، بل لا بد له
من الدلیل، ولم نجد فی الأدلة ما یدل علی کون العدالة التی هی ضد الفسق
(مجرد حسن الظاهر) وإن استدل له بعض متأخری المتأخرین (5)بأخبار، هی
بین ظاهر فی اشتراط قبول الشهادة بالصفة الواقعیة التی لا دخل لظهورها فی
تحققها وإن کان لظهورها دخل فی ترتیب أحکامها - کما هو شأن کل صفة
باطنیة واقعیة من الشجاعة والکرم، بل العصمة والنبوة ونحوهما - مثل قوله
علیه السلام: (لا بأس بشهادة الضیف إذا کان عفیفا صائنا) (6).
و: (لا بأس بشهادة المکاری والجمال والملاح إذا کانوا صلحاء) (7).
وما ورد فی تفسیر العسکری علیه السلام (8)من أنه: (إذا کان الرجل (9)صالحا
ص :37
1) (1) المهذب 2: 556.
2) (2) الکافی فی الفقه: 435.
3) (3) الجامع للشرائع: 538.
4) (4) فی الصفحة 39 و 40.
5) (5) لم نقف علیه.
6) (6) الوسائل 18: 274 الباب 29 من أبواب الشهادات، الحدیث 3.
7) (7) الوسائل 18: 280 الباب 34 من أبواب الشهادات، الحدیث الأول مع اختلاف یسیر.
8) (8) التفسیر المنسوب إلی الإمام العسکری علیه السلام: 672.
9) (9) لیس فی المصدر: الرجل.
عفیفا، ممیزا، محصلا، مجانبا للمعصیة والهوی، والمیل والمخائل (1)، فذلک (2)الرجل
الفاضل).
وصحیحة ابن أبی یعفور التی قد عرفت دلالتها (3).
وبین ظاهر فی أن حسن الظاهر یوجب الحکم علی الشخص بالعدالة
وقبول الشهادة، فهو طریق إلیها لا نفسها، مثل قوله علیه السلام: (من عامل الناس
فلم یظلمهم، وحدثهم فلم یکذبهم، ووعدهم فلم یخلفهم، فهو ممن حرمت غیبته
وکملت مروته وظهرت عدالته ووجبت أخوته) (4).
وقوله: (من صلی الخمس فی الجماعة، فظنوا به کل خیر) (5).
وما ورد فی قبول شهادة القابلة فی استهلال الصبی - إذا سئل عنها
فعدلت (6)-.
وما ورد: (أن الشاهد إذا کان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا
یسأل عن باطنه) (7)
الرجل ظاهرا.. (8) الوسائل 18: 291 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 8.
(9) الفقه المنسوب إلی الإمام الرضا علیه السلام: 144.
.وفی قبول شهادة المسلم (إذا کان یعرف منه خیر) (8).
وأنه (لا تصل إلا خلف من تثق بدینه وأمانته) (9) وغیر ذلک مما دل علی ترتب أثر العدالة علی حسن الظاهر.
وهذا شئ لا ینکره أهل الملکة، فإنهم یجعلونه طریقا، کما هو ظاهر قوله
ص :38
1) (1) فی المصدر: التحامل.
2) (2) فی المصدر: فذلکم.
3) (3) فی الصفحة 11 و 12.
4) (4) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 15.
5) (5) الفقیه 1: 376 الحدیث 1093 وفیه: الصلوات الخمس.
6) (6) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 17.
7) (7) الوسائل 18: 290 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 3 وفیه: فإذا کان ظاهر
علیه السلام فی صحیحة ابن أبی یعفور - بعد تفسیر العدالة بما هو ظاهر فی اعتبار
الصفة النفسانیة -: (والدلالة علی ذلک کله أین یکون ساترا لعیوبه) (1).
ومن هذه الصحیحة ونحوها - مثل قوله: (ظهرت عدالته) - یظهر
اندفاع ما یقال: من أن ظاهر اشتراط قبول الشهادة بحسن الظاهر - کما دلت
علیه تلک الأخبار بضمیمة ما دل علی اشتراطه بالعدالة - هو اتحاد العدالة
وحسن الظاهر، للاجماع علی عدم کونهما شرطین متغایرین، فکون حسن الظاهر
طریقا إلی العدالة خلاف ظاهر الاتحاد، کما إذا ورد أنه (یشترط فی الشاهد
العدالة) وورد أیضا (یشترط فیه حسن الظاهر) فحینئذ یجعل العدالة عبارة عن
الاستقامة الظاهریة التی علیها الانسان فی ظاهر حاله.
فإن قلت: إن أراد أهل الملکة من کون حسن الظاهر طریقا، کونه طریقا
یعتبر فیها إفادة الظن بالملکة أو عدم الظن بعدمها، فهو مخالف لظاهر الأخبار المتقدمة بل صریح بعضها، مثل قوله: (إذا کان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت
شهادته ولا یسأل عن باطنه) (2)فإنه فی قوة قوله: (ولا یلتفت إلی باطنه) نظیر
قوله علیه السلام - فی لحوم أسواق المسلمین -: (کل ولا تسأل) (3)ومثل قوله: (فظنوا
به کل خیر) (4)حیث إن الأمر بالظن - مع أنه غیر مقدور - راجع إلی ترتیب آثار
الظن وإن لم یحصل هو. قوله علیه السلام: (ظهرت عدالته) (5)الظاهر فی وجوب
التعبد بعدالة ذلک الشخص. وقوله علیه السلام: (من لم تره بعینک یرتکب معصیة
ص :39
[ولم یشهد علیه شاهدان] (1)فهو من أهل العدالة والستر) (2)وغیر ذلک.
وإن أرادوا أنه طریق تعبدی بمعنی أنه یحکم بجمیع أحکام العدالة عند
الاطلاع علی حسن الظاهر، فیکون حسن الظاهر عدلا شرعا - کما أن
مستصحب العدالة عدل شرعا - انتفت الثمرة بین القولین، بل التحقیق أنه لا
تغایر بینهما، بناء علی أن یراد من جعل العدالة (حسن الظاهر) کون حسن
الظاهر عدالة شرعا، کما أن الحالة المسبوقة بالعدالة المشکوک فی زوالها عدالة
شرعا، فقولهم: (العدل من کان معروفا بکذا) نظیر قولهم: (المسلم من أظهر
الشهادتین) فالمراد بالعدالة المفسرة عندهم بحسن الظاهر هی العدالة الظاهریة،
لأنها هی التی یترتب علیها الآثار دون الواقعیة مع قطع النظر عن تعلق العلم
بها، لأنها لا تفید شیئا، بل یعامل معها معاملة عدمها.
والحاصل: أن أرباب القول بحسن الظاهر لا ینکرون کون العدالة هی
الاستقامة الواقعیة المسببة عن الملکة، أو مجرد الاستقامة علی طریق الحق من
فعل الواجبات وترک المحرمات ولو من دون الملکة - علی الاختلاف المتقدم،
المستفاد من کلمات الأصحاب - إلا أنهم جعلوا استقامة الظاهر طریقا تعبدیا
إلی ذلک المعنی الواقعی بحیث کأنها صارت موضوعا مستقلا لا یلاحظ فیها
الطریقیة، ولا یلتفت إلی ذی الطریق، فیستحق إطلاق اسم ذی الطریق علیه،
کما یظهر (3)[من ملاحظة إطلاق] (4)أسامی جمیع الموضوعات الواقعیة - کالملکیة
والزوجیة والطهارة والنجاسة والقبلة والوقت وغیرها - علی مؤدیات الطرق
الظاهریة، کالاستصحاب وأصالة الصحة.
ص :40
قلت، أولا: إنه سیجئ (1)فی بیان طرق العدالة أنه یعتبر فی حسن
الظاهر إفادته الظن بالملکة، وأن ما ذکر من الأخبار لا ینهض علی اثبات کونه
من الطرق التعبدیة التی لا یلاحظ فیها الظن بذی الطریق.
وثانیا: لو (2)سلمنا کونه طریقا تعبدیا کذلک، لکن هذا لا یوجب تفسیر
(العدالة) بحسن الظاهر - کما هو ظاهر هذا القول - لأن مقتضی هذا التفسیر
عدم ملاحظة الملکة رأسا حتی مع العلم بعدمها، فضلا عن صورة الظن به، وأین
هذا مع الطریقیة؟.
وبالجملة: فهذا القائل إن أراد أن (حسن الظاهر) هی العدالة الواقعیة
ولا واقع لها غیره، فهو غیر معقول، لما عرفت (3)من اجتماعه مع الفسق الواقعی
الذی هو ضد العدالة.
وإن أراد أن (حسن الظاهر) مع عدم الفسق الواقعی هی العدالة، وإن
انتفت الملکة فی الواقع، فهو وإن کان معقولا، إلا أنه خلاف ظاهر ما دل علی
کون العدالة صفة نفسانیة باطنیة.
وإن أراد أنه طریق إلیها، فإن کونه طریقا تعبدیا ولو مع الظن بعدم
الملکة، فلا یساعد علیه ما أدعی من الاطلاقات، فلا یتعدی لأجلها عن مقتضی
الأصل.
وإن أراد أنه طریق إلیها مع إفادة الظن، فمرحبا بالوفاق.
وإن تعدی عن ذلک إلی صورة الشک، فللتأمل فیه مجال، والأقوی العدم.
ثم إنه یشکل جعل (حسن الظاهر) ضابطا للعدالة مع عدم إناطته بإفادة
الظن بالملکة، من جهة أن مراتب الظهور مختلفة، لأن الظاهر والباطن إضافیان.
ص :41
فالظاهر لأهل البلد باطن بالنسبة إلی غیرهم، والظاهر لأهل المحلة باطن
بالنسبة إلی باقی أهل البلد، والظاهر للجیران باطن لباقی أهل المحلة، والظاهر
لأهل البیت باطن للجیران، والظاهر لزوجة الشخص باطن لغیرها، وقد یکون
السلسلة بالعکس، فلا یظهر لزوجته ما یظهر لغیرها، ولا یظهر لأهل بلده ما
یظهر لغیرهم.
والجواب عنها - بعد تسلیم دلالتها وعدم ورودها مورد الغالب من حسن
الظن (1)بالملکة - معارضتها بما هو أخص منها مما دل علی اعتبار الوثاقة بالأمانة
والورع فی الإمام والشاهد، مثل قول الإمام علیه السلام - المحکی عنه فی الفقه
الرضوی -: (لا تصل إلا خلف رجلین: أحدهما من تثق بدینه وورعه والآخر من
تتقی سیفه وسوطه) (2)، وروایة أبی علی ابن راشد: (لا تصل إلا خلف من تثق
بدینه وأمانته) (3)وقوله علیه السلام فی تفسیر (4)قوله تعالی: (ممن ترضون من
علیه السلام: فی قوله: (ممن ترضون من الشهداء) قال: ممن ترضون دینه وأمانته وصلاحه وعفته
تیقظه فیما یشهد به وتحصیله وتمییزه... إلی آخر الحدیث.
.فإن قلت: ما دل علی کون (حسن الظاهر) طریقا تعبدیا إلی العدالة
حاکم علی أمثال هذه، نظیر أدلة کون البینة طریقا تعبدیا إلیها، مع أنهم لا
یقولون بتقیید أدلة البینة بصورة إفادة الوثوق بالواقع.
قلت: التحقیق فی ذلک: أن ما دل من أخبار (حسن الظاهر) علی کونه.
ص :42
مجوزا لقبول الشهادة - کروایة یونس (1)- فهو معارض بأدلة اعتبار الوثوق.
ولیس من قبیل الحاکم علیها.
وما دل علی أن العدالة تتحقق به ظاهرا: ذیل صحیحة ابن أبی یعفور (2)
وروایة علقمة (3)وقوله علیه السلام: (من عامل الناس... الخبر) (4)وقوله علیه السلام:
(من صلی الخمس فی جماعة فظنوا به کل خیر) (5). فهو وإن کان حاکما علیها.
لکن یرد علی الکل - بعد الاغماض عما تقدم فی سدها ودلالتها -: أن هذه کلها
منصرفة إلی الغالب، وهی صورة إفادة الوثوق بالدین والأمانة والورع.
مع أن هنا کلاما آخر، وهو أنه یمکن أن یقال: إن ظاهر أدلة اعتبار
الوثوق والورع اعتباره من باب الموضوعیة لا من باب الطریقیة والکاشفیة،
فإذا کان کذلک فلا ینفع الطریق الغیر المفید للوثوق، ویخصص به عموم کل ما
دل علی اعتبار طریق العدالة ولو کانت بینة شرعیة، فلا یعمل بها إلا مع
اعتبار الوثوق.
لکن الانصاف أن الوثوق إنما اعتبر فی المقام من باب الطریقیة، نظیر
اعتبار العلم فی کثیر من الموضوعات.
ص :43
1) (1) الوسائل 18: 290 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 3.
2) (2) الوسائل 18: 288 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث الأول.
3) (3) الوسائل 18: 292 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 13.
4) (4) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 15.
5) (5) الفقیه 1: 376 الحدیث 1093 وفیه: الصلوات الخمس.
ثم کون المعصیة کبیرة یثبت بأمور:
الطریق الأول
کما ورد فی بعض المعاصی، وقد عد منها - فی الحسن کالصحیح المروی عن الرضا علیه السلام - من نیف (1)وثلاثین، فإنه
کتب إلی المأمون: (من محض الایمان: اجتناب الکبائر، وهی: قتل النفس التی
حرم الله، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدین، والفرار من الزحف،
وأکل مال الیتیم ظلما، وأکل المیتة والدم ولحم الخنزیر، وما أهل لغیر الله به من
غیر ضرورة، وأکل الربا بعد البینة، والسحت، والمیسر وهو القمار (2)والبخس فی
المکیال والمیزان، وقذف المحصنات، واللواط، وشهادة الزور، والیأس من روح
الله، والأمن من مکر الله، والقنوط من رحمة الله، ومعونة الظالمین والرکون إلیهم،
والیمین الغموس، وحبس الحقوق من غیر عسرة، والکذب، والکبر، والاسراف
والتبذیر، والخیانة، والاستخفاف بالحج، والمحاربة لأولیاء الله، والاشتغال
ص :44
بالملاهی، والاصرار علی الذنوب) (1).
فی الکتاب، أو أخبر النبی صلی الله علیه وآله وسلم أو الإمام علیه السلام بأنه مما یوجب
النار - لدلالة الصحاح المرویة فی الکافی (2)وغیرها علی أنها: ما أوجب الله علیه
النار ولا ینافیه ما دل علی أنها مما (3)أوعد الله علیه النار (4)بناء علی أن إیعاد الله
إنما هو فی کلامه المجید، فهو مقید لاطلاق ما أوجب الله.
لا من حیث عموم المعصیة، لیشمله قوله تعالی: (ومن یعص الله ورسوله فإن
له نار جهنم) (5).
ونحو ذلک ما إذا کشف السنة عن ایعاد الله تعالی، مثل قوله علیه السلام:
(من قال فی مؤمن ما رأت عیناه أو سمعت أذناه، فهو من الذین قال الله تعالی:
(الذین یحبون أن تشیع الفاحشة... الخ) (6)(7).
والدلیل علی ثبوت الکبیرة بما ذکر فی هذا الوجه صحیحة عبد العظیم
ابن عبد الله الحسنی - المرویة فی الکافی - عن أبی جعفر الثانی، عن أبیه، عن جده
علیهم السلام یقول: دخل عمرو بن عبید علی أبی عبد الله علیه السلام فلما سلم وجلس
تلا هذه الآیة (الذین یجتنبون کبائر الإثم والفواحش) (8)ثم أمسک، فقال له
أبو عبد الله علیه السلام: ما أمسکک؟ قال: أحب أن أعرف الکبائر من کتاب الله
ص :45
1) (1) عیون أخبار الرضا علیه السلام 2: 127.
2) (2) الکافی 2: 276 کتاب الایمان والکفر، الحدیث الأول.
3) (3) فی المخطوطة: ما.
4) (4) الکافی 2: 276 کتاب الایمان والکفر، الحدیث 2.
5) (5) الجن: 23.
6) (6) الوسائل 8: 598 الباب 152 من أبواب أحکام العشرة، الحدیث 6 مع اختلاف یسیر.
7) (7) النور: 24، 19.
8) (8) النجم: 53، 32.
عز وجل فقال علیه السلام: نعم یا عمرو، أکبر الکبائر: الاشراک بالله، یقول الله:
(من یشرک بالله فقد حرم الله علیه الجنة) (1)وبعده الیأس من روح الله، لأن الله
تعالی یقول: (لا ییئس من روح الله إلا القوم الکافرین) (2)ثم الأمن من مکر
الله، لأن الله عز وجل یقول: (فلا یأمن مکر الله إلا القوم الخاسرون) (3)ومنها
عقوق الوالدین، لأن الله تعالی جعل العاق جبارا شقیا فی قوله تعالی: (وبرا
بوالدتی ولم یجعلنی جبارا شقیا) (4)وقتل النفس التی حرم الله إلا بالحق، لأن الله
تعالی یقول: (فجزاؤه جهنم خالدا فیها...) (5)(الآیة) وقذف المحصنة، لأن الله
تعالی یقول: (لعنوا فی الدنیا والآخرة ولهم عذاب عظیم) (6)وأکل مال الیتیم،
لأن الله تعالی یقول: (الذین یأکلون أموال الیتامی ظلما إنما یأکلون فی بطونهم
نارا وسیصلون سعیرا) (7)والفرار من الزحف، لأن الله تعالی یقول: (ومن یولهم
یومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحیزا إلی فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه
جهنم وبئس المصیر) (8)، وأکل الربا، لأن الله تعالی یقول: (الذین یأکلون
الربوا لا یقومون إلا کما یقوم الذی یتخبطه الشیطان من المس) (9)والسحر،
لأن الله تعالی یقول: (ولقد علموا لمن اشتراه ماله فی الآخرة من خلاق) (10)
ص :46
والزنا لأن الله تعالی یقول: (ومن یفعل ذلک یلق أثاما یضاعف له العذاب یوم
القیامة ویخلد فیه مهانا) (1)والیمین الغموس الفاجرة، لأن الله تعالی یقول:
(الذین یشترون بعهد الله وأیمانهم ثمنا أولئک لا خلاق لهم فی الآخرة) (2)
والغلول، لأن الله عز وجل یقول: (ومن یغلل یأت بما غل یوم القیامة) (3)ومنع
الزکاة المفروضة، لأن الله عز وجل یقول: (فتکوی بها جباههم وجنوبهم
وظهورهم) (4)وشهادة الزور وکتمان الشهادة، لأن الله عز وجل یقول: [ومن
یکتمها فإنه آثم قلبه] (5)وشرب الخمر، لأن الله عز وجل نهی عنه کما نهی عن
عبادة الأوثان، وترک الصلاة متعمدا وشیئا مما فرضه الله، لأن رسول الله
صلی الله علیه وآله وسلم قال: (من ترک الصلاة متعمدا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسول
الله صلی الله علیه وآله) ونقض العهد وقطعیة الرحم، لأن الله تعالی یقول: (أولئک
لهم اللعنة ولهم سوء الدار) (6).
قال: فخرج عمرو وله صراخ من بکائه، وهو یقول: هلک من قال برأیه
ونازعکم فی الفضل والعلم (7).
کما فی قوله تعالی: (والفتنة أکبر من القتل) (8)، وفی الکذب: (شر
ص :47
من الشراب) (1)وکما ورد أن: (الغیبة أشد من الزنا) (2)ومثل حبس المحصنة للزنا،
فإنه أشد من القذف بحکم العقل، ومثل إعلام الکفار بما یوجب غلبتهم علی
المسلمین، فإنه أشد من الفرار من الزحف.
، کما ورد النهی عن الصلاة خلف العاق لوالدیه (3)
لا بأس به فی جمیع أموره عارف غیر أنه یسمع أبویه الکلام الغلیظ الذی یغیظهما، أقرأ خلفه؟.
قال: لا تقرأ خلفه ما لم یکن عاقا قاطعا " راجع الفقیه 1: 379 الحدیث 1113.
.کون الاصرار علی الصغیرة من الکبائر
ثم لا إشکال فی أن الاصرار علی الصغیرة من الکبائر، ویدل علیه - قبل
الاجماع المحکی عن التحریر (4)وغیره - (5)النصوص الواردة:
منها: أنه (لا صغیرة مع الاصرار ولا کبیرة مع الاستغفار) (6)فإن النفی
فی الصغیرة راجع إلی خصوص وصف الصغریة وإن کان فی الکبیرة راجعا إلی
نفی ذاتها حکما.
ومنها: ما عن البحار عن تحف العقول عن أبی جعفر علیه السلام فی حدیث
(أن الاصرار علی الذنب أمن من مکر الله، ولا یأمن مکر الله إلا القوم
الخاسرون) (7)
ما هذا لفظه: " الاصرار أمن، ولا یأمن من مکر الله إلا القوم الخاسرون ".
(8)بضمیمة ما ورد من أن الأمن من مکر الله من الکبائر (9).ص :48
1) (1) الکافی 2: 338 - 339 الحدیث 3.
2) (2) الوسائل 8: 598 الباب 152 من أبواب أحکام العشرة، الحدیث 9.
3) (3) روی الصدوق رحمه الله فی هذا المقام ما لفظه: " سأل عمر بن یزید أبا عبد الله علیه السلام عن إمام
4) (4) التحریر 2: 208.
5) (5) کفایة الأحکام: 279.
6) (6) الکافی 2: 288 الحدیث الأول.
7) (7) لم نعثر علی هذا الحدیث بهذا السند، إلا أنه نقل فی البحار 78: 209 عن الصادق علیه السلام
8) (8) الأعراف: 7، 99.
9) (9) الکافی 2: 280 کتاب الایمان والکفر، الحدیث 10.
ومنها: ما رواه فی العیون (1)بسنده الحسن - کالصحیح - إلی الفضل بن
شاذان حیث عد الکبائر، وعد منها: الاصرار علی صغار الذنوب.
[وفی روایة الأعمش - المحکیة عن الخصال - عد منها: الاصرار علی
معنی الاصرار علی الصغیرة
إنما الاشکال فی معنی (الاصرار) والظاهر بقاؤه علی معناه اللغوی العرفی،
أعنی الإقامة والمداومة علیه وملازمته، ولا إشکال فی أن العاصی إذا تاب عن
معصیته السابقة ثم أوقع معصیة أخری لم یصدق علیه (الاصرار) ولو فعل ذلک
مرارا، وإلیه ینظر قوله علیه السلام: (ما أصر من استغفر) (4)وکذا فحوی: (لا کبیرة
مع الاستغفار) (5)فیشترط فی صدق (الاصرار) عدم التوبة عن المعصیة السابقة.
ثم إنه إما أن یعزم علی غیره مع فعله أولا معه، وإما أن لا یعزم علیه،
وعلی الثانی إما أن یفعل الغیر، وإما أن لا یفعله وحکم الجمیع أنه إن کان عازما
علی العود، فالظاهر صدق (الاصرار) عرفا وإن لم یعد إلیها.
ویؤیده مفهوم قوله: (ما أصر من استغفر) (6)وقوله علیه السلام فی تفسیر قوله
تعالی: (ولم یصروا) (7): (الاصرار أن یحدث الذنب فلا یستغفر الله) (8).
وقد عد علیه السلام فی حدیث جنود العقل والجهل منها: (التوبة) وجعل
ضدها: (الاصرار) (9)بناء علی أن ظاهر السیاق کونهما مما لا ثالث [لهما]، فتأمل.
ص :49
1) (1) عیون أخبار الرضا علیه السلام 2: 127.
2) (2) الخصال 2: 610.
3) (3) ما بین المعقوفتین من " د ".
4) (4) البحار 93: 282.
5) (5) الکافی 2: 288 الحدیث الأول.
6) (6) البحار 93: 282.
7) (7) آل عمران: 3، 135.
8) (8) أصول الکافی 2: 288 الحدیث 2 مع اختلاف یسیر.
9) (9) الکافی 1: 22 کتاب العقل والجهل الحدیث 14.
وفی حسنة ابن أبی عمیر، عن أبی الحسن الکاظم علیه السلام: (قال: لا یخلد
الله فی النار إلا أهل الکفر والجحود والضلال والشرک، ومن اجتنب الکبائر من
المؤمنین لم یسأل عن الصغائر، قال الله تعالی: (إن تجتنبوا کبائر ما تنهون عنه
نکفر عنکم سیئاتکم وندخلکم مدخلا کریما) (1)قلت: یا ابن رسول الله
صلی الله علیه وآله فالشفاعة لمن تجب من المؤمنین؟ قال: حدثنی أبی، عن آبائه، عن علی علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: إنما شفاعتی لأهل الکبائر،
وأما المحسنون فما علیهم من سبیل.
قال ابن أبی عمیر: قلت یا ابن رسول الله صلی الله علیه وآله فیکف یکون (2)
الشفاعة لأهل الکبائر والله تعالی یقول: (ولا یشفعون إلا لمن ارتضی) (3). ومن
ارتکب الکبائر فلیس بمرتضی؟!
قال: یا أبا أحمد ما من مؤمن یرتکب ذنبا إلا ساءه ذلک وندم علیه، وقد
قال النبی صلی الله علیه وآله: (کفی بالندم توبة) وقال علیه السلام: (من سرته حسنة
وساءته سیئة (4)فهو مؤمن) فمن لم یندم علی ذنب یرتکبه فلیس بمؤمن، فلم یجب
له الشفاعة وکان ظالما، والله تعالی یقول: (ما للظالمین من حمیم ولا شفیع
یطاع) (5).
قلت: فکیف لا یکون مؤمنا من لم یندم علی ذنب یرتکبه؟ فقال: یا
أبا أحمد ما من أحد یرتکب کبیرة من المعاصی وهو یعلم أنه سیعاقب علیها، إلا
أنه ندم علی ما ارتکب، ومتی ندم کان تائبا مستحقا للشفاعة، ومن لم یندم علیها
کان مصرا، والمصر لا یغفر له، لأنه غیر مؤمن لعقوبة ما ارتکب، ولو کان مؤمنا
بالعقوبة لندم، وقد قال النبی صلی الله علیه وآله: (لا کبیرة مع الاستغفار، ولا
ص :50
صغیرة مع الاصرار) وأما قوله: (ولا یشفعون إلا لمن ارتضی) [فإنهم لا یشفعون
إلا لمن ارتضی] (1)الله دینه، والدین: الاقرار بالحسنات والسیئات، فمن ارتضی
دینه ندم علی ما ارتکبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته فی القیامة... الخبر) (2).
ومورده وإن کان فی الکبائر، إلا أن ظاهره أنه لا فرق بینها وبین غیرها
فی تحقق (الاصرار) بعدم الندم.
ثم إن عدم الندم وإن جامع عدم العزم علی المعصیة - کما لو تردد فیها
أو لم یلتفت إلیها - إلا أن هذه الصورة خارجة عما ذکر سابقا من قوله: (من
اجتنب الکبائر لم یسأل عن الصغائر) یعنی إذا لم یکفرها بتوبة أو عمل صالح
آخر غیر اجتناب الکبائر.
ثم الظاهر أنه لا فرق فیما ذکر بین أن یکون العزم علی العود حال
ارتکاب المعصیة الأولی، أو بعدها قبل التوبة.
وإن کان عازما علی غیره، فإن کان العزم علی الغیر من زمان ارتکاب
الأولی، فالظاهر أیضا صدق (الاصرار) وإن کان بعده قبل التوبة، فمقتضی
الأخبار المتقدمة صدقه لکن العرف یأباه.
وإن لم یکن عازما علی الغیر، فإن لم یحصل العود فلا إشکال، وإن حصل
العود، فإن لم یبلغ حد الاکثار فلا إشکال فی العدم، وإن حصل الاکثار علی وجه
یصدق الاصرار عرفا فلا إشکال أیضا.
فالحاصل: أن الاصرار یصدق العزم علی العود إلی مطلق المعصیة إذا
کان العزم مستمرا من زمان الفعل السابق، وإذا حدث بعد الفعل اعتبر اتحاد
المعصیة. وقد لا یصدق إلا بالفعل، وهو ما إذا تحقق الاکثار علی وجه یوجب
ص :51
الصدق عرفا، وما یدل (1)علی عدم العدالة مع عموم قوله: (عن الرجل تقارف (2)
الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أصلی خلفه أم لا؟ قال: لا) (3)ونحوه.
وأما العزم المجرد، فالظاهر عدم تحقق (الاصرار) بمجرده وإن أصر علیه،
لأن هذا إصرار علی العزم لا علی المعصیة، إلا إذا قلنا إن العزم علی المعصیة
معصیة، وللکلام فیه محل آخر.
ثم أنه قد یشکل الأمر بناء علی القول بوجوب التوبة مطلقا من جهة
أن المعصیة لا تنفک عن الاصرار، لأنه إذا ترک التوبة عن الصغیرة فقد أخل
بواجب آخر وهی التوبة، وحیث إنها فوریة ففی أدنی زمان (4)یتحقق الاصرار
المعاصی کلها کبائر منتفیة أو فی غایة القلة، مثل ما إذا فعل صغیرة فنسیها أن
یتوب عنها، ونحو ذلک.
وقد أجاب بعض السادة المعاصرین بمنع وجوب التوبة عن المعاصی
مطلقا، بل هو مختص بالکبائر، وأما الصغائر فمکفرة (5)باجتناب الکبائر
وبالأعمال الصالحة، وهو لا یخلو عن نظر، لعموم أدلة وجوب التوبة، کما
سیجیئ (6)وأدلة تکفیر الأعمال الصالحة لو صلحت، دالة علی عدم وجوب التوبة،
و (7)لم یفرق بین الصغائر والکبائر، لعموم کثیر من أدلة التکفیر بل صراحة
بعضها فی الکبائر، کما لا یخفی، مع أن تکفیرها بالأعمال الصالحة لا ینافی وجوب
ص :52
1) (1) کذا فی النسخ، والظاهر أن الصواب: ولما یدل.
2) (2) أثبتناه من " ص " وفی المصدر: یقارف وفی " د " و " ش " و " ج ": تعارف.
3) (3) الوسائل 5: 393 الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الحدیث 10.
4) (4) کذا فی " د "، وفی سائر النسخ: أول زمان.
5) (5) کذا فی " د " وفی سائر النسخ: فهی مکفرة.
6) (6) فی صفحة 58.
7) (7) لیس فی " ش " واو.
التوبة عنها.
وبه یظهر الجواب عن دعوی تکفیر الصغائر باجتناب الکبائر، غایة
الأمر تسلیم سقوط وجوب التوبة إذا اجتنب الکبائر قربة إلی الله تعالی بعد
ارتکاب الصغائر أو عمل بعض الطاعات المکفرة: لکن التوبة أسبق من الکل،
لأنها تحقق فی زمان متصل بالمعصیة لا یمکن فیه تحقق غیرها غالبا، والمفروض
أن القائلین بانقسام المعاصی لم یقولوا بتحقق الاصرار الموجب للفسق بصدور
الصغیرة وإن لم یتب عنها، ولم یمتثل اجتناب الکبائر - بل ترکها، لعدم التمکن
عنها - ولم یعمل طاعة مکفرة.
والحاصل: أن عدم وجوب التوبة إما لعدم الدلیل علیه وعدم المقتضی لها
مردود بعموم الأدلة، کما سیجئ (1)والثانی - مع أنه خلاف إطلاق الشارع من
عدم کون الصغیرة مفضیة إلی الکبیرة وإن لم یتب عنها ولم یعمل مکفرا آخر -
لا ینافی وجوب التوبة ما لم یکفر الذنب بمکفر آخر غیرها، ولا یجوز أن یکون
الوجوب تخییریا بین التوبة واجتناب الکبائر والأعمال المفکرة، کما لا یخفی.
فالتحقیق فی الجواب: دعوی کون وجوب التوبة وجوبا عقلیا محضا،
بمعنی کونه للارشاد، وإن أمر بها الشارع أیضا فی الکتاب والسنة، لکن أوامرها
إرشادیة لرفع مفسدة المعصیة السابقة، ولا یترتب علی ترکها عقاب آخر.
وبعبارة أخری: إنما وجبت التوبة للتخلص عن المعصیة السابقة،
ووجوب التخلص عن المعصیة لیس واجبا شرعیا یترتب علی ترکه (1) عقاب
آخر غیر العقاب الذی لم یتخلص منه، فهی من قبیل معالجة المریض التی أمر
ص :53
1) (1) فی الصفحة 58.
بها الطبیب، فلا یترتب علی مخالفتها أمر سوی ما یقتضیه نفس ترک المأمور به
مع قطع النظر عن الأمر، فإنا لا نعنی بالأمر الارشادی إلا ما لا یترتب علی
مخالفته سوی ما یقتضیه نفس ترک المأمور به مع قطع النظر عن تعلق الأمر، ولا
علی موافقته إلا ما یقتضیه فعله کذلک ولیس من قبیل الأوامر التعبدیة التی أمر
بها السید عبده فی مقام الاستعلاء والتعبد، لیترتب علی موافقته ثواب الإطاعة
زائدا [عما یقتضیه نفس المأمور به مع قطع النظر عن الأمر، وعلی مخالفته
عقاب زائدا] (1)عما یقتضیه نفس ترک المأمور به کذلک، وسیجئ فی مقام
التعرض لحکم التوبة ما یوضح ذلک.
فترک التوبة لیس من المعاصی التی توجب العقاب، ولا یدخل فی
المعاصی الشرعیة المنقسمة إلی صغیرة وکبیرة، وإن کان قبح ترکها - من حیث إنه
إقامة علی العقاب وبقاء علیه - یصل إلی حد قبح الکبیرة، وقد لا یصل إلیه
بحسب قبح المعصیة التی بقی علیها.
ص :54
1) (1) ما بین المعقوفتین من " د "
والکلام تارة فی حقیقتها، وأخری فی حکم إیجادها، وثالثة فی حکمها بعد
الوجود.
حقیقة التوبة
أما حقیقتها: فهی الرجوع إلی الله بعد الاعراض عنه، أو الرجوع إلی
صراط الله المستقیم بعد الانحراف عنه، وهو یتوقف علی الیقین بکون البعد عن
الله تعالی والانحراف عن سبیل التوجه إلیه خسرانا لا یعد ما عداه خسرانا،
فبعد ذلک یحدث للنفس بحسب مرتبة ذلک الیقین تألم نفسانی یناسب تلک المرتبة
فی الشدة والضعف، ویعبر عنه ب " الندم ".
هل یعتبر فی التوبة العزم علی عدم العود؟
وهل یعتبر فیها العزم علی عدم العود؟ ظاهر الأکثر: نعم، وقیل: لا.
والأقوی: أنه إن کان المراد بالعزم: " القصد الذی لا یتحقق إلا بعد
الوثوق بحصول ما عزم علیه) فاعتباره مما لا دلیل علیه، وأنه یستلزم امتناع
التوبة ممن لا یثق من نفسه بترک المعصیة عند الابتلاء بها، کسئ الخلق الذی
لا یثق من نفسه ولا یأمن من وقوعه مکررا فی شتم من یتعرض له [بما لا یوجب
جواز شتمه] (1)وکالجبان الذی لا یأمن وقوعه فی الفرار عن الزحف، ونحو ذلک.
ص :55
1) (1) ما بین المعقوفتین من " د ".
فبقی إطلاق مثل قوله صلی الله علیه وآله: (کفی بالندم توبة) (1)
صلی الله علیه وآله الموجزة: الندم توبة. راجع الفقیه 4: 380، الحدیث 5811.
وقوله علیه السلام: (إنکان الندم من الذنب توبة فأنا أندم النادمین) (2)سلیما عن المقید.
وإن أرید: (تحقق إرادته بعدم عوده إلی المعصیة وإن لم یثق بحصول
مراده) فهو مما لا ینفک عن الندم.
هل یعتبر فی التوبة الاستغفار؟
وهل یعتبر فیها الاستغفار أم لا؟
التحقیق: أنه إن أرید به: (حب المغفرة وشوق النفس إلی أن یغفر له
الله) فالظاهر أنه لا ینفک عن الندم.
وإن أرید به (الدعاء للمغفرة) الذی هو نوع من الطلب الانشائی، ففی
اعتباره وجهان:
من اطلاقات الندم (3).
ومن مثل قوله صلی الله علیه وآله: (لا کبیرة مع الاستغفار) (4)وقوله: (دواء
الذنوب الاستغفار) (5)وقوله: (ما أصر من استغفر) (6)ونحو ذلک.
ثم إن ظاهر بعض الآیات والروایات مغایرة التوبة للاستغفار، ففی غیر
موضع من سورة هود: (واستغفروا ربکم ثم توبوا إلیه) وعدهما جندین من
جنود العقل فی الحدیث المشهور فی تعداد جنود العقل والجهل المروی فی أول
أصول الکافی، حیث قال علیه السلام: (التوبة وضدها الاصرار والاستغفار وضدها
ص :56
الاغترار) (1)وقوله علیه السلام فی المناجاة الأولی من الأدعیة الخمسة عشر: (إلهی
إن کان الندم توبة إلیک فأنا أندم النادمین وإن یکن الاستغفار حطة للذنوب
فإنی لک من المستغفرین) (2).
ویؤید ذلک ظاهر العطف فی الاستغفار المشهور المکرر فی الأدعیة
والألسنة: (أستغفر الله ربی وأتوب إلیه).
ومما یظهر منه الاتحاد: الجمع بین ما دل علی أن (دواء الذنوب
الاستغفار) (3)وأن (التائب من الذنب یغفر له وأنه کمن لا ذنب له) (4)ویؤیده
غیر ذلک من الأخبار التی یظهر للمتبع.
ویمکن حمل التوبة المعطوفة علی الاستغفار فی الآیات والأخبار علی
الإنابة، أعنی التوجه إلی الله بعد طلب العفو عما سلف، وهذا متأخر من التوجه
إلیه لطلب العفو الذی هو متأخر عن الندم الذی هو توجه أیضا إلی الله، لکونه
رجوعا من طریق البطلان وعودة إلی سلوک الطریق المستقیم الموصل إلی جناب
الحق، فهی کلها توجهات وإقبالات إلی الحق یمکن إطلاق التوبة التی هی لغة
(الرجوع) علی کل منها.
وقد یطلق علی المجموع اسم (الاستغفار) کما فی الخبر المشهور المروی
فی نهج البلاغة [عن مولانا سید الوصیین] (5)فی تفسیر الاستغفار فی إرشاد من
قال (أستغفر الله ربی وأتوب إلیه) بقوله علیه السلام فی مقام التأدیب: (ثکلتک أمک
ص :57
أتدری ما الاستغفار؟) ثم فسره بما یجمع أمورا ستة:
الندم علی ما مضی، والعزم علی الترک فی المستقبل، وقضاء الحقوق
الفوتیة (1)، وتحلیل القوی الحاصلة من الخوض فی الشبهات (2)المحرمة، وإذاقة
النفس مرارة الطاعة کما أذاقها حلاوة المعصیة) (3).
حکم التوبة
وأما حکم إیجادها: فهو الوجوب مطلقا عن الصغائر والکبائر، ویدل
علیه من الکتاب قوله تعالی: (توبوا إلی الله توبة نصوحا عسی ربکم أن یکفر
عنکم سیئاتکم) (4)وقوله جل ذکره: (وتوبوا إلی الله جمیعا أیها المؤمنون لعلکم
تفلحون) (5).
ومن السنة ما لا یحصی کثرة (6).
وأما الاجماع: فقد ادعاه غیر واحد، کصاحب الذخیرة (7)، وشارح أصول
الکافی، بل ادعی هو إجماع الأمة علیه (8).
وأما العقل: فالظاهر أنه حکم بوجوبه عقلا کل من قال بالحسن والقبح
العقلیین، واستدل علیه أفضل المحققین فی تجریده بأنه دافع للضرر فیجب (9)،
واعترف به شارح التجرید بناء علی مذهب العدلیة (10).
ص :58
1) (1) کذا فی " د " وفی سائر النسخ: الفوریة.
2) (2) کذا فی النسخ.
3) (3) نهج البلاغة: باب الحکم، الحکمة 417.
4) (4) التحریم: 66، 8.
5) (5) النور: 24، 31.
6) (6) أصول الکافی 2: 431 کتاب الایمان والکفر.
7) (7) ذخیرة المعاد: 303.
8) (8) شرح أصول الکافی لصدر المتألهین قدس سره: 101 فی ذیل الحدیث الرابع عشر.
9) (9) تجرید الاعتقاد: 305.
10) (10) کشف المراد: 331 المسألة الحادیة عشر.
ثم إن الکلام فی إثبات العدالة بشهادة بعد القطع بأنها تثبت بها فی
الجملة، یقع فی مقامات:
ثبوت العدالة بالشهادة الفعلیة
الأول: أنها هل تثبت بالشهادة الفعلیة - بمعنی أن یفعل العدلان فعلا
یدل ویشهد علی عدالته، کأن یصلیا وراءه مع انتفاء احتمال الضرورة - أم لا؟
وجهان:
جزم بالأول فی الدروس (1)، ولعله لعموم ما دل علی وجوب تصدیق العادل
بل المؤمن، الشامل لتصدیق قوله وفعله، فإن الفعل کالقول منبئ ومخبر عما فی
ضمیر الفاعل فیتصف بالصدق والکذب، مثل قوله تعالی: (یؤمن بالله ویؤمن
للمؤمنین) (2).
وما دل علی وجوب تصدیق المؤمن (3)وإن انصرف کل ذلک إلی القول،
إلا أن إرادة تصدیقه فی مطلق ما یدلک وینبئک علیه ویرشدک إلیه واضح،
ص :59
فاحتمال تدلیسه فی فعله کاحتمال خطائه فی اعتقاده أو صدور الفعل عنه لداع،
مندفع بما یندفع به هذه الاحتمالات المتطرقة فی خبره، نعم لو کان فاسقا لم یقبل
منه، لورود الأمر بالتثبت فی خبره.
وحمل نفس فعل الفاسق علی الصحة إنما هو من حیث نفس فعله، لا
من حیث إنه فعل له، فإن الفاسق إذا صلی خلف شخص صلاة الاستیجار
استحق الأجرة، ولا یلتفت إلی احتمال فسق إمامه، وأما من حیث مدلول فعله
فهو کمدلول قوله فی عدم العمل به، مع أن نفس القول الصادر منه من حیث
إنه فعل یحمل علی الصحة، ولا یلتفت إلی احتمال کونها معصیة من جهة کونها
شهادة زور.
وإلی ما ذکرنا - من أن الفعل فی دلالته کالقول، وأنه یقبل مع العدالة
ویرد مع الفسق - ینظر کلام غیر واحد من فقهائنا، منهم العلامة رحمه الله - فیما
حکی عنه فی نهج الحق - حیث قال فی مقام الرد علی العامة القائلین بجواز
الاقتداء بالفاسق، ما هذا لفظه: وقال الله تعالی: (إن جاءکم فاسق... الخ) (1)
49، 6.
أوجب التثبت عند خبر الفاسق، ومن جملة الطهارة التی هی من شروط الصلاة
(انتهی) (2).
وظاهره أن تصدیه للصلاة إخبار منه باستجماعه للشرائط التی منها
الطهارة، وحیث فرض فاسقا فلا تعویل علی ما یظهر لنا ویدل علیه بأفعاله.
ولا ینافی ذلک الحکم بصحة صلاته من حیث إنه فعله، حتی یستحق ما یستحقه
بالصلاة الصحیحة من الأجرة لو کانت بإجارة، وحصول (3)القبض بها إذا
ص :60
وقعت (1)فی أرض موقوفة جعلت مسجدا ونحو ذلک.
ویؤید ما ذکرنا أنه لم یتأمل أحد فی العمل بتعدیلات أهل الرجال
المکتوبة فی کتبهم، من أجل أن الخبر والنبأ لا یصدق علی الکتابة، مع ذهاب
أکثرهم إلی أن التعدیلات من باب الشهادة، ولا فی العمل بالأخبار المودعة فی
کتب الحدیث من دون سماعها مشافهة عن المحدث، وقد شاع منهم الاستدلال
علی ذلک بأدلة حجیة الخبر والنبأ، ویعتبرون العدالة فی من جمع الروایات فی
کتابه من جهة آیة النبأ ونحوه.
ودعوی: أن العمل بها باعتبار تلفظ المؤلف بها ونقلها مشافهة لمن کان
أخذ منه الحدیث، تکلف ضعیف.
ومنا هنا یعلم أن اعتبار التلفظ وعدم کفایة الکتابة فی البینة علی
الدعاوی إنما هو لدلیل خارج، لا لأن أدلة النبأ لا تشمل ذلک، فهو کاعتبار
عدم الواسطة فی الشهادة إلا مع تعذر شهادة الأصل، فیکتفی بشهادة الفرع فی
بعض المقامات بشرط وحدة الواسطة.
هذا، ولکن الاعتماد علی ذلک إذا لم یفد الوثوق بالعدالة فی غایة
الاشکال، لفقد ما یطمئن به النفس من الدلیل علیه تعبدا.
وما ذکر فی عبارة العلامة والشهید لا یدل علی أن فعل العادل معتبر فی
دلالته نظیر اعتبار قوله، فلعل مرادهما أن الفاسق لا یقبل خبره إذا صرح به،
فکیف یقبل إذا ظهر مطلبه من فعله؟ فإن فعله لیس بأقوی من قوله فی الحجیة،
فالمراد أن فعل الفاسق کقوله الصریح غیر مقبول، لا أن فعل العادل مقبول
کقوله.
ثم إن هذا کله بعد فرض ثبوت قاعدة أخری، وهی أن کل طریق یجوز
ص :61
1) (1) کذا فی " د " وفی سائر النسخ: حصلت.
للانسان أن یعمل علیه کالاستصحاب، والبینة، وقول العدل، وغیرها یجوز له
أن یستند إلیه فی الشهادة ویشهد بمؤداه، کما یظهر هذه الکلیة من روایة حفص
ابن غیاث - الواردة فی جواز الشهادة بالملک استنادا إلی الید (1)- أما لو لم تثبت
هذه الکلیة - کما هو ظاهر المشهور - فلا إشکال فی أن صلاة عدلین لا توجب
الحکم بالعدالة ما لم یفد الوثوق.
ثبوت العدالة بالشهادة القولیة
وأما الشهادة القولیة: وهی شهادة عدلین بعدالته، فالظاهر أنه لا
إشکال، بل لا خلاف فی اعتبارها، ویدل علیه - مضافا إلی ما یظهر من عموم
حجیة شهادة العدلین - ما ورد من فعل النبی صلی الله علیه وآله حیث کان یبعث
رجلین من أصحابه لتزکیة الشهود المجهولین فیعمل بقولهما جرحا وتعدیلا (2)، وما
دل علی قبول شهادة القابلة إذا سئل عنها فعدلت (3)، وفحوی ما دل علی
اعتبارها فی الجرح، مثل قوله علیه السلام: (من لم تره بعینک یرتکب معصیة ولم یشهد
علیه شاهدان، فهو من أهل الستر والعدالة) (4).
وهل هی معتبرة تعبدا حتی لو کان الظن علی خلافها؟ أو یشترط عدم
الظن علی خلافها؟ أو یشترط إفادتها الظن؟ وجوه مبنیة علی ملاحظة إطلاق
أدلة اعتبارها، وانصرافها إلی صورة إفادة الظن، أو صورة عدم الظن علی
الخلاف.
ویمکن أن یفصل بین ما إذا کان احتمال کذبه مستندا إلی تعمد کذبه فلا
اعتبار به ولو کان مظنونا، لأن الظاهر من أدلة تصدیق العادل بل المؤمن، نفی
تعمد الکذب عنه مطلقا حتی مع الظن، کما یدل علیه قوله علیه السلام: (کذب
ص :62
سمعک وبصرک عن أخیک) (1)وبین ما إذا کان مستندا إلی خطائه واشتباهه،
فالظاهر اعتبار کونه موهوما (2)، لأن ظاهر أدلة حجیة الخبر - خصوصا آیة
النبأ (3)المفصل بین العادل والفاسق - عد الاعتناء باحتمال تعمد کذبه، وأما
عدم الاعتناء باحتمال خطئه واشتباهه، فهو مما ینفیه ظاهر حال المخبر المعتبر
عند کافة العقلاء إذا کان المخبر به من المحسوسات، أو من غیرها، النازل فی ندرة
الخطأ والاشتباه منزلة المحسوسات ولو عند المخبر، لکونه من أهل الخبرة
والاطلاع بالنسبة إلی مضمون الخبر.
لکن مقتضی هذا التفصیل وجوب قبول خبر الفاسق إذا علمنا عدم
تعمد کذبه، وکان احتمال المخالفة للواقع من جهة احتمال خطائه فی الحس سهوا
أو اشتباها. ولعل ظاهر کلماتهم یأباه، إلا أن القول به متعین، بناء علی کون
مستند اعتبار خبر العادل ورد الفاسق آیة النبأ مفهوما ومنطوقا، إلا أن یقوم
الاجماع فی بعض المقامات، کما بیناه فی مسألة حجیة الاجماع المنقول.
اعتبار مطلق الظن بالعدالة وعدمه
بقی الکلام فی أن مطلق الظن بالعدالة هل هو معتبر أم لا؟ وجهان، بل
قولان، ظاهر من حصر طریقهما بالمعاشرة والشیاع والشهادة هو الثانی، وصریح
بعض المعاصرین هو الأول. ویمکن التفصیل بین الظن القوی الموجب
للوثوق، وبین غیره، وهو الأقوی.
ویشهد للأول انسداد باب العلم بالعدالة وعدم جواز الرجوع فی جمیع
موارد الجهل بها إلی أصالة عدمها، وإلا لبطل أکثر الحقوق، بل ما قام للمسلمین
سوق، فتعین الرجوع فیها إلی الظن، کما فی نظائره من الموضوعات بل أکثر
ص :63
الأحکام الشرعیة عند القائل بعدم وفاء الظنون المعتبرة بالخصوص بأکثر
الأحکام.
ویمکن الایراد علیه أولا: بإمکان الاقتصار فیها علی خصوص الظن
الذی دل النص والاجماع علی اعتباره، کالمعاشرة وشهادة العدلین والشیاع، کما
اقتصر علیه کل من حصر الطریق فی هذه الثلاثة، أو أضاف إلیها (اقتداء
العدلین) أو (شهادة العدل) فی تزکیة الإمام والراوی.
وثانیا: أن الانسداد إنما یوجب العمل بالظن فی الجملة، فیجب الاقتصار
علی الظن القوی المعبر عنه عرفا ب (الوثوق) و (الأمن) مع إمکان استفادة
حجیة هذه المرتبة من النصوص، مثل قوله علیه السلام: (لا تصل إلا خلف من تثق
بدینه وورعه) (1)وقوله علیه السلام: (إذا کان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت (2)
شهادته) (3)وقوله علیه السلام: (من عامل الناس فلم یظلمهم...) (4)وهو المتیقن من
جمیع الاطلاقات الدالة علی حسن الظاهر، بل کفایة عدم العلم بالفسق.
فإن قلت: إن هذه الاطلاقات تدل علی اعتبار مطلق الظن، بناء علی أن
المتیقن من الخروج عن إطلاقها هی صورة عدم حصول الظن، فیبقی الباقی،
هذا مضافا إلی قوله علیه السلام - فیما حکی عن الفقیه -: (من صلی الخمس فی
جماعة فظنوا به کل خیر) (5)وفی روایة: (فظنوا به خیرا وأجیزوا شهادته) (6)حیث
إن الأمر بالظن لا یعقل، لعدم کونه اختیاریا، فیدل - بدلالة الاقتصاد - علی الأمر
ص :64
1) (1) الفقه المنسوب إلی الإمام الرضا علیه السلام: 144.
2) (2) کذا فی المخطوطة والمصدر، وفی سائر النسخ: جاز:
3) (3) الوسائل 18: 290 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 3 مع اختلاف یسیر.
4) (4) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحدیث 15.
5) (5) الفقیه 1: 376 الحدیث 1093، وفیه: الصلوات الخمس.
6) (6) أمالی الصدوق: 278 المجلس الرابع والخمسون، الحدیث 23.
بترتیب أحکام (ظن الخیر) ومنها إجازة شهادته، فیدل علی أن هذه الأحکام ثابتة
لمطلق الظن.
قلت: هذه الاطلاقات - مع الاغماض عن دعوی انصرافها إلی صورة
الوثوق - لا بد من تقییدها بما دل علی اعتبار الوثوق.
فظهر من جمیع ما ذکرنا: أن الأقوی اعتبار مطلق الوثوق بالملکة، وهو
الأوسط بین القولین.
ثم إن الوثوق بالملکة کما یجوز أن یعمل الشخص فی أعمال نفسه، کذلک
یجوز الشهادة بالملکة استنادا إلیه، ویدل علیه قوله علیه السلام - فی صحیحة ابن
أبی یعفور -: (ویجب اظهار عدالته وتزکیته بین الناس) (1)وما تقدم من استناد
الشاهدین - اللذین بعثهما النبی صلی الله علیه وآله لتزکیة الشهود المجهولین - إلی
الظن الحاصل من السؤال عن قبیلة الشهود (2).
مع أنه لو انحصر مستند الشهادة فی العلم لبطل أمر التعدیل، وبه تبطل
الحقوق، کما لا یخفی. والحمد لله أولا وآخرا.
ص :65
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین وصلی الله علی محمد وآله الطاهرین. ولعنة الله علی
أعدائهم أجمعین.
معناها
التقیة: اسم ل (إتقی یتقی) والتاء بدل عن الواو کما فی التهمة والتخمة،
والمراد هنا: التحفظ عن ضرر الغیر بموافقته فی قول أو فعل مخالف للحق.
مباحثها
والکلام تارة یقع فی حکمها التکلیفی، وأخری فی حکمها الوضعی.
والکلام فی الثانی:
تارة من جهة الآثار الوضعیة المترتبة علی الفعل المخالف للحق، وأنها
تترتب علی الصادر تقیة کما تترتب علی الصادر اختیارا، أم وقوعها تقیة یوجب
رفع (1)تلک الآثار؟.
1) (1) فی " ص ": دفع.
وأخری فی أن الفعل المخالف للحق هل یترتب علیه آثار الحق بمجرد
الإذن فیها من قبل الشارع أم لا؟.
ثم الکلام فی آثار الحق الواقعی:
قد یقع فی خصوص الإعادة والقضاء إذا کان الفعل الصادر تقیة من
العبادات.
وقد یقع الآثار الأخر، کرفع الوضوء - الصادر تقیة - للحدث بالنسبة
إلی جمیع الصلوات، وإفادة المعاملة الواقعة تقیة الآثار المترتبة علی المعاملة
الصحیحة، فالکلام فی مقامات أربعة:
أما الکلام فی حکمها التکلیفی فهو أن التقیة تنقسم إلی الأحکام الخمسة:
فالواجب منها: ما کان لدفع الضرر الواجب فعلا، وأمثلته کثیرة.
والمستحب: ما کان فیه التحرز عن معارض الضرر، بأن یکون ترکه
مفضیا تدریجا إلی حصول الضرر، کترک المداراة مع العامة وهجرهم فی المعاشرة
فی بلادهم بأنه ینجر غالبا إلی حصول المباینة الموجب لتضرره منهم.
والمباح: ما کان التحرز عن الضرر وفعله (1)مساویا فی نظر الشارع،
کالتقیة فی إظهار کلمه الکفر علی ما ذکره جمع من الأصحاب، ویدل علیه الخبر
الوارد فی رجلین أخذا بالکوفة وأمرا بسب أمیر المؤمنین علیه السلام (2)
الصفحة 102.
.والمکروه: ما کان ترکها وتحمل الضرر أولی من فعله، کما ذکر ذلک بعضهم
فی إظهار کلمة الکفر، وأن الأولی ترکها ممن یقتدی به الناس إعلاء لکلمة
الاسلام. والمراد بالمکروه حینئذ ما یکون ضده أفضل (1).
والمحرم منه: ما کان فی الدماء.
وذکر الشهید رحمه الله فی قواعده: أن المستحب إذا کان لا یخاف ضررا
عاجلا، ویتوهم ضررا آجلا، أو ضررا سهلا، أو کان تقیة فی المستحب، کالترتیب
فی تسبیح الزهراء صلوات الله علیها وترک بعض فصول الأذان.
والمکروه: التقیة فی المستحب حیث لا ضرر عاجلا ولا آجلا، ویخاف منه
الالتباس علی عوام المذهب.
والحرام: التقیة حیث یؤمن الضرر عاجلا وآجلا، أو فی قتل مسلم.
والمباح: التقیة فی بعض المباحات التی یرجحها العامة ولا یصل بترکها
ضرر (2). (انتهی).
وفی بعض ما ذکره رحمه الله تأمل.
التقیة الواجبة تبیح المحظورات
ثم الواجب منها یبیح کل محظور من فعل الحرام وترک الواجب (3).
والأصل فی ذلک: أدلة نفی الضرر وحدیث: (رفع عن أمتی تسعة أشیاء... ومنها:
ما اضطروا إلیه) (4)، مضافا إلی عمومات التقیة مثل قوله فی الخبر: (إن التقیة
واسعة لیس شئ من التقیة إلا وصاحبها مأجور) (5)وغیر ذلک من الأخبار
المتفرقة فی خصوص الموارد، وجمیع هذه الأدلة حاکمة علی أدلة الواجبات
والمحرمات، فلا یعارض بها شئ منها حتی یلتمس الترجیح ویرجع إلی الأصول
بعد فقده - کما زعمه بعض فی بعض موارد هذه المسألة -.
وأما المستحب من التقیة فالظاهر وجوب الاقتصار فیه علی مورد النص،
وقد ورد النص بالحث علی المعاشرة مع العامة (1)
26 من أبواب الأمر والنهی.
وعیادة مرضاهم (2)، وتشییعجنائزهم (3)، والصلاة فی مساجدهم (4)، والأذان (5)، فلا یجوز التعدی عن ذلک
إلی ما لم یرد النص من الأفعال المخالفة للحق، کذم بعض رؤساء الشیعة للتحبب
إلیهم، وکذلک المحرم والمباح والمکروه، فإن هذه الأحکام علی خلاف عمومات
التقیة، فیحتاج إلی الدلیل الخاص.
[ترتیب الآثار علی العمل الصادر تقیة وعدمه (1).]
فنقول: إن الظاهر ترتیب آثار العمل الباطل علی الواقع تقیة، وعدم
ارتفاع الآثار بسبب التقیة إذا کان دلیل تلک الآثار عاما لصورتی الاختیار
والاضطرار، فإن من احتاج لأجل التقیة إلی التکتف فی الصلاة، أو السجود علی
ما لا یصح السجود علیه، أو الأکل فی نهار رمضان، أو فعل بعض ما یحرم علی
المحرم، فلا یوجب ذلک ارتفاع أحکام تلک الأمور بسبب وقوعها تقیة.
نعم، لو قلنا بدلالة حدیث رفع التسعة علی رفع جمیع الآثار تم ذلک فی
الجملة، لکن الانصاف ظهور الروایة فی رفع المؤاخذة، فمن اضطر إلی الأکل
والشرب تقیة، أو التکتف فی الصلاة فقد اضطر إلی الافطار، وإبطال الصلاة،
لأنه مقتضی عموم الأدلة، فتأمل.
1) (1) انظر تفصیل هذا الموضوع فی المقام الرابع.
فی حکم الإعادة والقضاء إذا کان المأتی به تقیة من العبادات.
فنقول: إن الشارع إذا أذن فی إتیان واجب موسع علی وجه التقیة، إما
بالخصوص کما لو أذن فی الصلاة متکتفا حال التقیة، وإما بالعموم کأن یأذن
بامتثاله أوامر الصلاة، أو مطلق العبادات علی وجه التقیة، کما هو الظاهر من
أمثال قوله علیه السلام: (التقیة فی کل شئ إلا فی النبیذ والمسح علی الخفین) (1)
ونحوه، ثم ارتفعت التقیة قبل خروج الوقت، فلا ینبغی الاشکال فی إجزاء
المأتی به وإسقاطه للأمر، لما تقرر فی محله، من أن الأمر بالکلی کما یسقط بفرده
الاختیاری، کذلک یسقط بفرده الاضطراری إذا تحقق الاضطرار الموجب للأمر
به، فکما أن الأمر بالصلاة یسقط بالصلاة مع الطهارة المائیة، کذلک یسقط مع
الطهارة الترابیة إذا وقعت علی الوجه المأمور به.
أما لو لم یأذن فی امتثال الواجب الموسع فی حال التقیة خصوصا أو عموما
علی الوجه المتقدم، فیقع الکلام فی أن الوجوب فی الواجب الموسع، هل یتعلق
1) (1) الوسائل 11: 468 الباب 25 من أبواب الأمر والنهی، الحدیث 3.
بإتیان هذا الفرد المخالف للواقع بمجرد تحقق التقیة فی جزء من الوقت بل فی
مجموعه؟.
وبعبارة أخری: الکلام فی أنه هل یحصل من الأوامر المطلقة بضمیمة
أوامر التقیة، أمر بامتثال الواجبات علی وجه التقیة، أو لا، بل غایة الأمر سقوط
الأمر عن المکلف فی حال التقیة ولو استوعب الوقت؟.
والتحقیق: أنه یجب الرجوع فی ذلک إلی أدلة تلک الأجزاء والشروط
المتعذرة لأجل التقیة، فإن اقتضت مدخلیتها فی العبادة من دون فرق بین
الاختیار والاضطرار، فاللازم الحکم بسقوط الأمر عن المکلف حین تعذرها لأجل
التقیة، ولو فی تمام الوقت، کما لو تعذرت الصلاة فی تمام الوقت إلا مع الوضوء
بالنبیذ، فإن غایة ذلک سقوط الأمر بالصلاة رأسا، لاشتراطها بالطهارة بالماء
المطلق المتعذرة فی الفرض، فحاله کحال فاقد الطهورین. وإن اقتضت
مدخلیتها فی العبادة بشرط التمکن منها، دخلت المسألة فی مسألة أولی الأعذار
فی أنه إذا استوعب العذر الوقت لم یسقط الأمر رأسا، وإن کان فی جزء من
الوقت مع رجاء زواله فی الجزء الآخر، أو مع عدمه، جاء فیه الخلاف المعروف فی
أولی الأعذار، وأنه هل یجوز لهم البدار، أم یجب علیهم الانتظار؟.
صور الإذن فی التقیة
فثبت من جمیع ما ذکرنا: أن صحة العبادة المأتی بها علی وجه التقیة، یتبع
إذن الشارع فی امتثالها حال التقیة. فالأذان (1)متصور بأحد أمرین:
أحدهما: الدلیل الخارجی الدال علی ذلک، سواء کان خاصا بعبادة أو
کان عاما لجمیع العبادات.
والثانی: فرض شمول الأوامر العامة بتلک العبادة لحال التقیة.
لکن یشترط فی کل منهما بعض ما لا یشترط فی الآخر. فیشترط فی الثانی
1) (1) فی " ص ": والأذن.
کون الشرط أو الجزء المتعذر للتقیة من الأجزاء والشرائط الاختیاریة، وأن
لا یکون للمکلف مندوحة، بأن لا یتمکن من الاتیان بالعمل الواقعی فی مجموع
الوقت، أو فی الجزء الذی یوقعه مع الیأس من التمکن منه فیما بعده، أو مطلقا
وهذان الأمران غیر معتبرین فی الأول، بل یرجع فیه إلی ملاحظة ذلک
الدلیل الخارجی، وسیأتی أن الدلیل الخارجی الدال علی الإذن فی التقیة فی
الأعمال، لا یعتبر فیه شئ منهما.
التقیة من المخالفین
ویشترط فی الأول أن یکون التقیة من مذهب المخالفین، لأنه المتیقن من
الأدلة الواردة فی الإذن فی العبادات علی وجه التقیة، لأن المتبادر، التقیة من
مذهب المخالفین، لا یجری فی التقیة عن الکفار أو ظلمة الشیعة.
لکن فی روایة مسعدة بن صدقة الآتیة (1)، ما یظهر منه عموم الحکم لغیر
المخالفین، مع کفایة عمومات التقیة فی ذلک، بعد ملاحظة عدم اختصاص التقیة
فی لسان الأئمة صلوات الله علیهم لما یظهر بالتتبع فی أخبار التقیة التی جمعها فی
الوسائل (2)
5 و 6 و 10 و 33 و 34 و 75 و ج 8: 398 الباب الأول من أبواب العشرة و ج 11: 471 الباب
.التقیة من غیر المخالفین
وکذا لا إشکال فی التقیة عن غیر مذهب المخالفین، مثل التقیة فی العمل
علی طبق عمل عوام المخالفین الذین لا یوافق مذهب مجتهدهم، بل وکذا التقیة
فی العمل علی طبق عوام الموضوع الخارجی الذی اعتقدوا تحققه فی الخارج مع عدم
تحققه فی الواقع، کالوقوف بعرفات یوم الثامن، والإفاضة منها ومن المشعر یوم
التاسع، موافقا للعامة - إذا اعتقدوا رؤیة هلال ذی الحجة فی اللیلة الأخیرة من
ذی القعدة - فإن الظاهر خروج هذا عن منصرف أدلة الإذن فی إیقاع الأعمال
علی وجه التقیة، لو فرضنا هنا إطلاقا، فإن هذا لا دخل له فی المذهب، وإنما هو
اعتقاد خطأ فی موضوع خارجی.
التقیة فی الموضوعات
نعم، العمل علی طبق الموضوعات العامة الثابتة علی مذهب المخالفین
داخل فی التقیة عن المذهب، فیدخل فی الاطلاق - لو فرض هناک إطلاق -،
کالصلاة عند اختفاء الشمس لذهابهم إلی أنه هو المغرب. ویمکن إرجاع
الموضوع الخارجی أیضا فی بعض الموارد إلی الحکم، مثل ما إذا حکم الحاکم
بثبوت الهلال من جهة خبر شهادة من لا یقبل شهادته، إذا کان مذهب الحاکم:
القبول، فإن ترک العمل بهذا الحکم قدح فی المذهب، فیدخل فی أدلة التقیة.
وکیف کان ففی هذا الوجه لا بد من ملاحظة إطلاق دلیل الترخیص
لإتیان العبادة علی وجه التقیة وتقییده، والعمل علی ما یقتضیه الدلیل.
وأما فی الوجه الثانی: فهذا الشرط غیر معتبر قطعا، لأن مبناه علی العمل
المخالف للواقع من جهة تعذر الواقع، سواء کان تعذره للتقیة من مخالف أو کافر
أو موافق، وسواء کان فی الموضوع أم فی الحکم، کل ذلک لأن المناط فی مسألة
أولی الأعذار: العذریة، من غیر فرق بین الأعذار.
بقی الکلام فی اعتبار عدم المندوحة الذی اعتبرناه فی الوجه الثانی، فإن
الأصحاب فیه بین غیر معتبر له کالشهیدین والمحقق الثانی فی البیان (1)
والروض (2)وجامع المقاصد (3)، وبین معتبر له کصاحب المدارک (4)، وبین مفصل
کما عن المحقق الثانی بأنه: إذا کان متعلق التقیة مأذونا فیه بخصوصه، کغسل
الرجلین فی الوضوء، والتکتف فی الصلاة، فإنه إذا فعل علی الوجه المأذون فیه
کان صحیحا مجزیا - وإن کان للمکلف مندوحة -، التفاتا إلی أن الشارع أقام
ذلک مقام المأمور به حین التقیة فکان الاتیان به امتثالا، وعلی هذا فلا یجب
الإعادة وإن تمکن من فعله علی غیر وجه التقیة قبل خروج الوقت - قال: ولا
أعلم خلافا فی ذلک بین الأصحاب.
وأما إذا کان متعلقها مما لم (5)یرد فیه نص بالخصوص، کفعل الصلاة إلی
غیر القبلة، والوضوء بالنبیذ ومع الاخلال بالموالاة، فیجف الوضوء کما یراه
بعض العامة، فإن المکلف یجب علیه - إذا اقتضت الضرورة - موافقة (1)أهل الخلاف فیه وإظهار الموافقة لهم.
ثم إن أمکن له الإعادة فی الوقت وجب، ولو خرج الوقت ینظر فی
دلیل یدل علی القضاء، فإن حصل الظفر به أوجبناه وإلا فلا، لأن القضاء إنما
یجب بفرض جدید (2)(انتهی).
ثم نقل عن بعض أصحابنا القول بعدم وجب الإعادة، لکون المأتی به
شرعیا، ثم رده بأن الإذن فی التقیة من جهة الاطلاق لا یقتضی أزید من إظهار
الموافقة مع الحاجة (3)(انتهی).
توضیح کلام المحقق
أقول: ظاهر قوله فی المأذون بالخصوص: (لا یجب فیه الإعادة وإن تمکن
من فعله قبل خروج الوقت) إن عدم التمکن من فعله علی غیر وجه التقیة حین
العمل معتبر، وإن من کان فی سوق وأراد الصلاة وجب علیه مع التمکن الذهاب
إلی مکان مأمون فیه، وحینئذ فمعنی قوله - قبل ذلک - (وإن کان للمکلف
مندوحة عن فعله) (4): ثبوت المندوحة بالتأخیر إلی زمان ارتفاع التقیة، لا وجودها
بالنسبة إلی زمان العمل، وحینئذ یکون هذا قولا باعتبار عدم المندوحة علی
الاطلاق، ک (صاحب المدارک) (5)، إذا لیس مراد صاحب المدارک بعدم المندوحة:
عدم المندوحة فی مجموع الوقت، إذا الظاهر أنه مما لم یعتبره أحد - لما سیجئ من
مخالفته لظواهر الأخبار، بل لصریح بعضها - ومراد القائل بعدم اعتباره: عدم
اعتباره فی الجزء الذی یقع الفعل فیه، فمن تمکن من الصلاة فی بیته مغلقا علیه
الباب، لا یجب علیه ذلک بل یجوز له الصلاة تقیة فی مکانه ودکانه بمحضر
المخالفین.
نعم لو کان الخلاف فی اعتبار عدم المندوحة فی تمام الوقت وعدمه (1)، کان
ما ذکره المحقق تفصیلا فی المسألة.
نقد کلام المحقق
وعلی أی تقدیر فیرد علی ما ذکره المحقق فی القسم الثانی (2)أنه: إن أراد
من عدم ورود نص بالخصوص فی الإذن فی متعلق التقیة: عدم النص الموجب
للإذن فی امتثال العمل علی وجه التقیة، ففیه: أنه لا دلیل حینئذ علی مشروعیة
الدخول فی العمل المفروض امتثالا للأوامر المطلقة المتعلقة بالعمل الواقعی، لأن
الأمر بالتقیة لا یسلتزم الإذن فی امتثال تلک الأوامر، لأن التحفظ عن الضرر
إن تأدی إلی ترک (3)ذلک العمل رأسا، بأن یترک الصلاة فی تلک الحال وجب، ولا
یشرع الدخول فی العمل المخالف للواقع بعد تأدی التقیة بترک الصلاة رأسا.
وإن فرضنا أن التقیة ألجأته إلی الصلاة، ولا تتأدی بترک الصلاة، کانت الصلاة
المذکورة واجبة عینا، لانحصار التقیة فیها، فهی امتثال لوجوب التقیة عینا لا
للوجوب (4)الموسع المتعلق بالصلاة الواقعیة.
وإن أراد به عدم النص الدال علی الإذن فی هذه العبادة بالخصوص، وإن
کان هناک نص عام دال علی الإذن فی امتثال أوامر مطلق العبادات علی وجه
التقیة، ففیه: أن هذا النص کما یکفی للدخول فی العبادة امتثالا للأمر المتعلق
بها، کذلک یوجب موافقته الاجزاء وعدم وجوب الإعادة فی الزمان الثانی إذا
ارتفعت التقیة.
والحاصل: أن الفرق بین کون متعلق التقیة مأذونا فیه بالخصوص أو
بالعموم، لا نفهم له وجها (1)کما اعترف به بعض (2)- بل کلما یوجب الإذن فی
الدخول فی العبادة امتثالا لأوامرها، کان امتثاله موجبا للاجزاء وسقوط
الإعادة، سواء کان نصا خاصا أو دلیلا عاما، وکلما لا یدل علی الإذن فی الدخول
علی الوجه المذکور، لم یشرع بمجرده الدخول فی العبادة علی وجه التقیة امتثالا
لأمرها، بل إن انحصرت التقیة فی الاتیان بها کانت امتثالا لأوامر وجوب التقیة،
لا لأوامر وجوب تلک العبادة.
اللهم إلا أن یکون مراده من الأمر العام، أوامر التقیة، ومن وجوب
العمل علی وجه التقیة إذا اقتضت الضرورة، هو هذا الوجوب العینی لا الوجوب
التخییری الحاصل من الوجوب الموسع. فیکون حاصل کلامه: الفرق بین الإذن
فی العمل امتثالا لأوامر المتعلقة بالعبادة، وبین الإذن فی العمل امتثالا لأوامر
التقیة، لکن ینبغی - حینئذ - تقییده بغیر ما إذا کانت التقیة فی الاجزاء
والشروط الاختیاریة، وإلا فتدخل المسألة فی مسألة أولی الأعذار، ویصح
الاتیان بالعمل المذکور امتثالا للأوامر المتعلقة بذلک العمل مع تعذر تلک
الأجزاء والشرائط لأجل التقیة، علی الخلاف والتفصیل المذکور فی مسألة أولی
الأعذار.
ومما ذکرنا یظهر: أن ما أجاب به بعض عن هذا التفصیل بأن المسألة،
مسألة ذوی الأعذار، وأن الحق فیها: سقوط الإعادة بعد التمکن من الشرط
المتعذر لا وجه له علی إطلاقه.
المندوحة العمل
ثم إن الذی یقوی فی النظر فی أصل مسألة اعتبار عدم المندوحة: أنه إن أرید
عدم المندوحة بمعنی عدم التمکن حین العمل من الاتیان به موافقا للواقع، مثل
أنه یمکنه عند إرادة التکفیر للتقیة من الفصل بین یدیه، بأن لا یضع بطن
إحداهما علی ظهر الأخری بل یقارب بینهما، کما (1)إذا تمکن من صبه الماء من
الکف إلی المرفق لکنه ینوی الغسل عند رجوعه من المرفق إلی الکف، وجب
ذلک، ولم یجز العمل علی وجه التقیة، بل التقیة علی هذا الوجه غیر جائزة فی غیر
العبادات أیضا، وکأنه مما لا خلاف فیه.
المندوحة فی تمام الوقت
وإن أرید به عدم التمکن من العمل علی طبق الواقع فی مجموع الوقت
المضروب لذلک العمل، حتی لا یصح العمل تقیة إلا لمن یتمکن فی مجموع
المندوحة بتبدیل موضوع التقیة
الوقت من الذهاب إلی موضع مأمون، فالظاهر عدم اعتباره، لأن حمل أخبار
الإذن فی التقیة فی الوضوء والصلاة علی صورة عدم التمکن من اتیان الحق فی
مجموع الوقت مما یأباه ظاهر أکثرها، بل صریح بعضها، ولا یبعد - أیضا - کونه
وفاقیا.
وإن أرید عدم المندوحة حین العمل من تبدیل موضوع التقیة بموضوع
الأمن، کأن یکون فی سوقهم ومساجدهم، ولا یمکن فی ذلک الحین من العمل
علی طبق الواقع إلا بالخروج إلی مکان خال، أو التحیل فی إزعاج من یتقی منه
عن مکانه، لئلا یراه، فالأظهر فی أخبار التقیة عدم اعتباره، إذا الظاهر منها
الإذن بالعمل علی التقیة فی أفعالهم المتعارفة من دون إلزامهم بترک ما یریدون
فعله بحسب مقاصدهم العرفیة، أو فعل ما یجب ترکه کذلک، مع لزوم الحرج
العظیم فی ترک مقاصدهم ومشاغلهم لأجل فعل الحق بقدر الامکان، مع أن التقیة
1) (1) فی " ص ": وکما.
إنما شرعت تسهیلا للأمر علی الشیعة ورفعا للحرج عنهم، مع أن التخفی عن
المخالفین فی الأعمال ربما یؤدی إلی اطلاعهم علی ذلک، فیصیر سببا لتفقدهم
ومراقبتهم للشیعة وقت العمل فیوجب نقض غرض التقیة.
الأخبار الدالة علی اعتبار عدم المندوحة فی وقت العمل
نعم فی بعض الأخبار ما یدل علی اعتبار عدم المندوحة فی ذلک الجزء من
الوقت، وعدم التمکن من دفع موضوع التقیة، مثل:
روایة أحمد بن محمد بن أبی نصر، عن إبراهیم بن شیبة قال: کتبت إلی
أبی جعفر الثانی علیه السلام أسأله عن الصلاة خلف من یتولی أمیر المؤمنین وهو
یری المسح علی الخفین، أو خلف من یحرم المسح علی الخفین وهو یمسح، فکتب
علیه السلام: إن جامعک وإیاهم موضع لا تجد بدا من الصلاة معهم، فأذن لنفسک وأقم،
فإن سبقک إلی القراءة فسبح) (1).
فإن ظاهرها اعتبار تعذر ترک الصلاة معهم.
ونحوها ما عن الفقه الرضوی من المرسل، عن العالم علیه السلام قال: (ولا
تصل خلف أحد إلا خلف رجلین: أحدهما من تثق به وبدینه (2)وورعه، وآخر
من تتقی سیفه وسوطه وشره وبوائقه وشیعته (3)، فصل خلفه علی سبیل التقیة
والمداراة، وأذن لنفسک وأقم واقرأ فیها، فإنه (4)غیر مؤتمن به... الخ) (5).
وفی روایة معمر بن یحیی - الواردة فی تخلیص الأموال * عن أیدی
العشار -: (إنه کلما خاف المؤمن علی نفسه فیه ضرورة فله فیه التقیة) (6).
عن دعائم الاسلام، عن أبی جعفر الثانی صلوات الله علیه: (لا تصلوا خلف
ناصب ولا کرامة (1)
والنحل 2: 99.
، إلا أن تخافوا علی أنفسکم أن تشهروا ویشار إلیکم، فصلوافی بیوتکم ثم صلوا معهم، واجعلوا صلاتکم معهم تطوعا) (2).
ویؤیده العمومات الدالة علی أن التقیة فی کل شئ یضطر إلیه ابن
آدم (3)، فإن ظاهرها حصر التقیة فی حال الاضطرار، ولا یصدق الاضطرار مع
التمکن من تبدیل موضوع التقیة بالذهاب إلی موضع الأمن، مع التمکن وعدم
الحرج.
نعم، لو لزم من التزام ذلک حرج أو ضیق من تفقد المخالفین، وظهور
حاله فی مخالفتهم سرا - فهذا - أیضا - داخل فی الاضطرار.
وبالجملة: فمراعاة عدم المندوحة فی الجزء من الزمان الذی یوقع فیه
الفعل أقوی مع أنه أحوط.
نعم، تأخیر الفعل عن أول وقته لتحقیق الأمن وارتفاع الخوف مما لا دلیل
علیه، بل الأخبار بین ظاهر وصریح فی خلافه کما تقدم.
صحة العبادة متوقفة علی مشروعیة الدخول فیها
إنک قد عرفت أن صحة العبادة وإسقاطها للفعل ثانیا تابع لمشروعیة
الدخول فیها والإذن فیها من الشارع. وعرفت - أیضا - أن نفس أوامر التقیة
الدخول فی العبادة علی وجه التقیة (1)من باب امتثال الأوامر المتعلقة بتلک
العبادة، إلا فیما کان متعلق التقیة من الأجزاء والشروط الاختیاریة، کنجاسة
الثوب والبدن ونحوها، أما ما اقتضی الدلیل - ولو بإطلاقه - مدخلیته فی العبادة
من دون اختصاص بحال الاختیار، فمجرد الأمر بالتقیة لا یوجب الإذن فی
امتثال العبادة فی ضمن الفعل الفاقد لذلک الجزء أو الشرط تقیة کما هو واضح.
ثم إن الإذن المذکور قد ورد فی بعض العبادات، کالوضوء مع المسح علی
الخفین، أو غسل الرجلین، والصلاة مع المخالف حیث یترک فیها بعض ما له
1) (1) فی " ص ": علی وجه.
مدخلیة فیها، ویوجد بعض الموانع مثل التکفیر ونحوه.
والغرض هنا بیان أنه هل یوجد فی عمومات الأمر بالتقیة ما یوجب
الإذن فی امتثال العبادات عموما علی وجه التقیة، بحیث لا یحتاج فی الدخول فی
کل عبادة علی وجه التقیة - امتثالا للأمر المتعلق بتلک العبادة - إلی النص الخاص،
لتفید قاعدة کلیة فی کون التقیة عذرا رافعا لاعتبار ما هو معتبر فی العبادات
وإن لم یختص اعتباره بحال الاختیار، مثل الدخول فی الصلاة مع الوضوء
بالنبیذ، أو مع التیمم فی السفر بمجرد عزة الماء ولو کان موجودا، أم لا؟.
الذی یمکن الاستدلال به علی ذلک أخبار:
الاستدلال علی عموم التقیة
منها: قوله علیه السلام: (التقیة فی کل شئ یضطر إلیه ابن آدم فقد أحله
الله) (1).
بناء علی أن المراد ترخیص الله سبحانه فی کل فعل أو ترک یضطر إلیه
الانسان فی عمله، فنقول - مثلا -: إن الانسان یضطر إلی استعمال النبیذ والمسح
علی الخفین أو غسل الرجلین فی وضوئه وإلی استعمال التراب للتیمم فی صلاته
وإلی التکفیر (2)وترک البسملة وغیر ذلک من الأفعال والتروک الممنوعة شرعا فی
صلاته، فکل ذلک مرخص فیه فی العمل، بمعنی ارتفاع المنع الثابت فیها لولا
التقیة، وإن کان منعا غیریا من جهة التوصل بترکها إلی صحة العمل، وأداء
فعله إلی فساد العمل.
والحاصل: أن المراد بالاحلال رفع المنع الثابت فی کل ممنوع بحسب حاله
من التحریم النفسی، کشرب الخمر، والتحریم الغیری، کالتکفیر فی الصلاة
والمسح علی حائل أو استعمال ماء نجس أو مضاف فی الوضوء.
فإن قلت: الاضطرار إلی هذه الأمور الممنوعة تابع للاضطرار إلی الصلاة
التی تقع هذه فیها، وحینئذ فإن فرض عدم اضطرار المکلف إلی الصلاة مع أحد
هذه الأمور الممنوعة فهی غیر مضطر إلیها، فلا یرخصها التقیة. وإن فرض
اضطراره إلی الصلاة معها فهی مرخص فیها، لکن مرجع الترخیص فیها
اقتضاه الضرورة، فإن الصلاة الباطلة لیست أولی من شرب الخمر الذی سوغه
التقیة.
فی صدق الاضطرار
قلت: لا نسلم توقف الاضطرار إلی هذه الأمور علی الاضطرار إلی
الصلاة التی یقع فیها، بل الظاهر أنه یکفی فی صدق الاضطرار إلیه کونه لا بد
من فعله مع وصف إرادة الصلاة فی ذلک الوقت لا مطلقا، نظیر ذلک أنهم
یعدون من أولی الأعذار من لا یتمکن من شرط الصلاة فی أول الوقت، مع العلم
أو الظن بتمکنه منه فیما بعده، فإن تحقق الاضطرار ثبت الجواز الذی هو رفع
المنع الثابت فیه حال عدم التقیة، وهو المنع الغیری.
الروایة الثانیة
ومنها ما رواه فی أصول الکافی بسنده عن أبی جعفر علیه السلام أنه قال:
(التقیة فی کل شئ إلا فی شرب المسکر والمسح علی الخفین) (1)
إلا أن الروایة منقولة عن أبی عبد الله علیه السلام.
.دلت الروایة علی ثبوت التقیة ومشروعیتها فی کل شئ ممنوع لولا
التقیة، إلا فی الفعلین المذکورین، فاستثناء المسح علی الخفین مع کون المنع فیه
عند عدم التقیة منعا غیریا، دلیل علی عموم الشئ لکل ما یشبهه من الممنوعات
لأجل التوصل بترکها إلی صحة العمل، فدل علی رفع التقیة لمثل هذا المنع
الغیری، وتأثیرها فی ارتفاع أثر ذلک الممنوع منه، فیدل علی أن التقیة ثابتة فی
1) (1) الکافی 2: 217، وعنه: الوسائل 11: 486 الباب 25 من أبواب الأمر والنهی، الحدیث 3.
التکفیر فی الصلاة مثلا، بمعنی عدم کونه ممنوعا علیه فیها عند التقیة، وکذا فی
غسل الرجلین، واستعمال النبیذ فی الوضوء ونحوهما.
الروایة الثالثة
وفی معنی هذه الروایات روایات أخر واردة فی هذا الباب، مثل قوله علیه
السلام: (ثلاثة لا أتقی فیهن أحدا: المسح علی الخفین، وشرب النبیذ، ومتعة
الحج) (1).
فإن معناه ثبوت التقیة فیما عدا الثلاث من الأمور الممنوعة فی الشریعة،
ورفعها للمنع الثابت فیها بحالها من المنع النفسی والغیری کما تقدم.
ثم إن مخالفة ظاهر المستثنی فی هذه الروایات لما أجمع علیه من ثبوت
التقیة فی المسح علی الخفین وشرب النبیذ، لا یقدح فیما نحن بصدده، لأن ما
ذکرناه فی تقریب دلالتها علی المطلوب لا یتفاوت الحال فیه بین إبقاء الاستثناء
علی ظاهره أو حمله علی بعض المحامل، مثل اختصاص الاستثناء بنفس الإمام
علیه السلام، کما یظهر من الروایة المذکورة، وتفسیر الراوی فی بعضها الآخر
والتنبیه (2)علی عدم تحقق التقیة فیها لوجود المندوحة، أو لموافقة بعض الصحابة
أو التابعین علی المنع من هذه الأمور، إلی غیر ذلک من المحامل الغیر القادحة
فی استدلالنا المتقدم (3).
الروایة الرابعة
ومنها موثقة سماعة: (عن الرجل یصلی فدخل الإمام (4)وقد صلی الرجل
رکعة من صلاة فریضة؟ قال: إن کان إماما عادلا (5)فلیصل أخری وینصرف،
ویجعلها تطوعا، ولیدخل مع الإمام فی صلاته کما هو. وإن لم یکن إمام عدل فلیبن
علی صلاته کما هو ویصلی رکعة أخری، ویجلس قدر ما یقول: أشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شریک له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم یتم صلاته معه
علی ما استطاع، فإن التقیة واسعة ولیس شئ من التقیة إلا وصاحبها مأجور
علیها إن شاء الله) (1).
فإن الأمر بإتمام الصلاة علی ما استطاع مع عدم الاضطرار إلی فعل
الفریضة فی ذلک الوقت، معللا بأن التقیة واسعة، یدل علی جواز أداء الصلاة فی
سعة الوقت علی جمیع وجوه التقیة، بل علی جواز کل عمل علی وجه التقیة وإن
لم یضطر إلی ذلک العمل لتمکنه من تأخره إلی وقت الأمن.
الروایة الخامسة
ومنها: قوله علیه السلام - فی موثقة مسعدة بن صدقة -: (وتفسیر ما یتقی فیه:
أن یکون قوم سوء ظاهر حکمهم وفعلهم علی خلاف حکم الحق وفعله، فکل
شئ یعمله المؤمن منهم لمکان التقیة مما لا یؤدی إلی فساد الدین فهو جائز) (2)
أن یکون قوم سوء ظاهر حکمهم وفعلهم علی غیر حکم الحق وفعله فکل شئ یعمل المؤمن
بینهم لمکان التقیة مما لا یؤدی إلی الفساد فی الدین فإنه جائز ".
.بناء علی أن المراد بالجواز فی کل شئ بالقیاس إلی المنع المتحقق فیه
لولا التقیة، فیصدق علی التکفیر فی الصلاة الذی یفعله المصلی فی محل التقیة أنه
جائز وغیر ممنوع عنه بالمنع الثابت فیه لولا التقیة.
ودعوی: أن الداعی علی التکفیر لیس التقیة، لامکان التحرز عن
الخوف بترک الصلاة فی هذا الجزء من الوقت، فلا یکون عمل التکفیر لمکان
التقیة.
مدفوعة: بنظیر ما عرفت فی الروایة الأولی (3)من أنه یصدق علی المصلی
أنه یکفر لمکان التقیة وإن قدر علی ترک الصلاة.
الروایة السادسة
ومنها: قوله علیه السلام فی روایة أبی الصباح: (ما صنعتم من شئ أو حلفتم
علیه من یمین فی تقیة فأنتم منه فی سعة) (1).
فیدل علی أن المتقی فی سعة من الجزء والشرط المتروکین تقیة، ولا یترتب
علیه من جهتهما تکلیف بالإعادة والقضاء، نظیر قوله علیه السلام: (الناس فی سعة
ما لم یعلموا) (2)بناء علی شموله لما لم یعلم جزئیته أو شرطیته کما هو الحق.
الخوف المعتبر فی التقیة شخصی أم نوعی
إنه لا ریب فی تحقق التقیة مع الخوف الشخصی، بأن یخاف علی نفسه أو
غیره مع ترک التقیة فی خصوص ذلک العمل، ولا یبعد أن یکتفی بالخوف من
بنائه علی ترک التقیة فی سائر أعماله، أو بناء سائر الشیعة علی ترکها فی العمل
الخاص أو مطلق النوعی فی بلاد المخالفین، وإن لم یحصل للشخص
بالخصوص خوف. وهو الذی یفهم من اطلاق أوامر التقیة وما ورد من الاهتمام
فیها.
ویؤیده - بل یدل علیه -: إطلاق قوله علیه السلام: (لیس منا (1)من لم یجعل
الصحاح -، والمراد: شدة الالتزام بها.
مع من یأمنه لتکون سجیته (4)مع من یحذره) (5).نعم، فی حدیث أبی الحسن الرضا صلوات الله علیه معاتبا لبعض أصحابه الذین
حجبهم: (إنکم تتقون (1)حیث لا تجب (2)التقیة، وتترکون التقیة (3)حیث لا بد من
التقیة) (4).
ولیحمل علی بعض ما لا ینافی القواعد.
هل تبطل العبادة بمخالفة التقیة
إنه لو خالف التقیة فی محل وجوبها، فقد أطلق بعض بطلان العمل
المتروک فیه.
والتحقیق: أن نفس ترک التقیة فی جزء العمل أو فی شرطه أو فی مانعه
لا یوجب بنفسه إلا استحقاق العقاب علی ترکها، فإن لزم من ذلک ما یوجب
بمقتضی القواعد - بطلان الفعل، بطل، وإلا فلا.
فمن مواقع البطلان: السجود علی التربة الحسینیة مع اقتضاء التقیة
ترکه، فإن السجود یقع منهیا عنه فیفسد، فیفسد الصلاة.
ومن مواضع عدم البطلان: ترک التکفیر فی الصلاة، فإنه - وإن حرم - لا
یوجب البطلان، لأن وجوبه من جهة التقیة لا یوجب معتبرا فی الصلاة
لتبطل بترکه.
وتوهم: أن الشارع أمر بالعمل علی وجه التقیة، مدفوع: بأن تعلق الأمر
بذلک العمل المقید لیس من حیث کونه مقیدا بتلک الوجه، بل من حیث نفس
الفعل الخارجی الذی هو قید اعتباری للعمل لا قید شرعی.
وتوضیحه: أن المأمور به لیس هو الوضوء المشتمل علی غسل الرجلین،
بل نفس غسل الرجلین الواقع فی الوضوء، وتقیید الوضوء باشتماله علی غسل
الرجلین مما لم یعتبره الشارع فی مقام الأمر، فهو نظیر تحریم الصلاة المشتملة
علی محرم خارجی لا دخل له فی الصلاة.
فإن قلت: إذا کان إیجاب الشئ للتقیة لا یجعله معتبرا فی العبادة حال
التقیة، لزم الحکم بصحة وضوء من ترک المسح علی الخفین، لأن المفروض أن
الأمر بمسح الخفین للتقیة لا یجعله جزءا، فترکه لا یقدح فی صحة الوضوء، مع أن
الظاهر عدم الخلاف فی بطلان الوضوء.
انحلال المسح إلی إیصال الماء وقید المماسیة
قلت: لیس الحکم بالبطلان من جهة ترک ما وجب بالتقیة، بل لأن المسح
علی الخفین متضمن لأصل المسح الواجب فی الوضوء، مع إلغاء قید مماسیة
الماسح للممسوح - کما فی المسح علی الجبیرة الکائنة فی موضع الغسل أو المسح،
وکما فی المسح علی الخفین لأجل البرد المانع من نزعها -، فالتقیة إنما أوجبت
إلغاء قید المباشرة. وأما صورة المسح ولو مع الحائل فواجبة واقعا لا من حیث
التقیة، فالاخلال بها یوجب بطلان الوضوء بنقص جزء منه.
ومما یدل علی انحلال المسح إلی ما ذکرنا من الصورة وقید المباشرة قول الإمام لعبد الأعلی مولی آل سام - [لما] (1)سأله عن کیفیة مسح من جعل علی
إصبعه مرارة -: (إن هذا وشبهه یعرف من کتاب الله، وهو قوله تعالی: (ما جعل
علیکم فی الدین من حرج). ثم قال: إمسح علیه) (2).
فإن معرفة وجوب المسح علی المرارة الحائلة بین الماسح والممسوح من
آیة نفی الحرج، لا یستقیم إلا بأن یقال: إن المسح الواجب فی الوضوء ینحل
إلی صورة المسح ومباشرة الماسح للمسوح، ولما سقط قید المباشرة لنفی الحرج،
تعین المسح من دون مباشرة، وهو المسح علی الحائل، وکذلک فیما نحن فیه سقط
قید المباشرة ولا یسقط صورة المسح عن الوجوب.
وکذلک الکلام فی غسل الرجلین للتقیة، فإن التقیة إنما أوجبت سقوط
الخصوصیة المائزة بین الغسل والمسح، وأما إیصال الرطوبة إلی الممسوح فهو
واجب لا من حیث التقیة، فإذا أخل به المکلف فقد ترک جزءا من الوضوء
فبطلان الوضوء من حیث ترک ما وجب لا لأجل التقیة، لا ترک ما وجب للتقیة.
دوران الأمر بین الغسل والمسح علی الخفین
ومما یؤید ما ذکرنا ما ذکره غیر واحد من الأصحاب: من أنه لو دار الأمر
بین المسح علی الخفین وغسل الرجلین، قدم الثانی (1)، لأنه فیه إیصال الماء،
بخلاف الأول، فلو کان نفس الفعل المشتمل علی القید والمقید إنما وجب تقیة،
لم یعقل ترجیح شرعی بین فعلین ثبت وجوبهما بأمر واحد وهو الأمر بالتقیة، لأن
نسبة هذا الأمر إلی الفردین نسبة واحدة، إلا أن یکون ما ذکروه فرقا اعتباریا
منشأه ملاحظة الأسباب العقلیة.
لکن یبقی علی ما ذکرنا فی غسل الرجلین: أنه لو لم یتمکن المکلف من
المسح تعین علیه الغسل الخفیف، ولا یحضرنی من أفتی به، لکن لا بأس باعتباره
کما فی عکسه المجمع علیه، وهو تعین المسح عند تعذر الغسل، ویمکن استنباطه
من روایة عبد الأعلی المتقدمة (2). ولو قلنا بعدم الحکم المذکور فلا بأس بالتزام
عدم بطلان الوضوء فیما إذا ترک غسل الرجلین الواجب للتقیة، لما عرفت من
أن أوامر التقیة لم یجعله جزءا، بل الظاهر أنه لو نوی به الجزئیة بطل الوضوء،
لأن التقیة لم یوجب نیة الجزئیة وإنما أوجب العمل الخارجی بصورة الجزء (3).
فی ترتیب آثار الصحة علی العمل الصادر تقیة - لا من
حیث الإعادة والقضاء - سواء کان العمل من العبادات،
کالوضوء من جهة رفع الحدث، أم من المعاملات، کالعقود
والایقاعات الواقعة علی وجه التقیة.
مقتضی القاعدة عدم ترتب الآثار
فنقول: إن مقتضی القاعدة: عدم ترتیب الآثار، لما عرفت غیر مرة من
أن أوامر التقیة لا تدل علی أزید من وجوب التحرز عن الضرر، وأما الآثار
المترتبة علی العمل الواقعی فلا.
نعم، لو دل دلیل فی العبادات علی الإذن فی امتثالها علی وجه التقیة، فقد
عرفت أنه یستلزم سقوط الاتیان به ثانیا بذلک العمل. وأما الآثار الأخر، کرفع
الحدث فی الوضوء، بحیث لا یحتاج المتوضئ تقیة إلی وضوء آخر بعد رفع التقیة
بالنسبة إلی ذلک العمل الذی توضأ له، فإن کان ترتبه متفرعا علی ترتب
الامتثال بذلک العمل، حکم بترتبه، وهو واضح. أما لو لم یتفرع علیه احتاج إلی
دلیل آخر.
ویتفرع علی ذلک ما یمکن أن یدعی،: أن رفع الوضوء للحدث السابق
علیه من آثار امتثال الأمر به بناء علی أن الأمر بالوضوء لیس إلا لرفع الحدث،
وأما فی صورة دائم الحدث فکونه مبیحا لا رافعا، من جهة دوام الحدث لا من
جهة قصور الوضوء عن التأثیر.
وربما یتوهم: أن ما تقدم من الأخبار - الواردة فی أن کل ما یعمل للتقیة
فهو جائز، وأن کل شئ یضطر إلیه التقیة فهو جائز - یدل علی ترتیب الآثار
مطلقا، بناء علی أن معنی الجواز والمنع فی کل شئ بحسبه، فکما أن الجواز والمنع
فی الأفعال المستقلة فی الحکم، کشرب النبیذ ونحوه یراد به الإثم والعدم، وفی
الأمور الداخلة فی العبادات فعلا أو ترکا یراد به الإذن والمنع من جهة تحقق
الامتثال بتلک العبادات، فکذلک الکلام فی المعاملات، بمعنی عدم البأس وثبوته
من جهة ترتب الآثار المقصودة من تلک المعاملة - کما فی قول الشارع بجواز
المعاملة الفلانیة (1)-، وهذا توهم مدفوع بما لا یخفی علی المتأمل.
ثم لا بأس بذکر بعض الأخبار الواردة مما اشتمل علی بعض الفوائد:
منها: ما عن الاحتجاج بسنده عن أمیر المؤمنین صلوات الله علیه فی بعض
احتجاجه علی بعض، وفیه: (وآمرک أن تستعمل التقیة فی دینک فإن الله عز وجل
یقول: (لا یتخذ المؤمنون الکافرین أولیاء من دون المؤمنین ومن یفعل ذلک
فلیس من الله فی شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة) (2)وقد أذنت لک فی تفضیل أعدائنا
إن ألجأک الخوف إلیه، وفی إظهار البراءة منا إن حملک الوجل علیه، وفی ترک
المکتوبات (3)إن خشیت علی حشاشتک الآفات والعاهات، وتفضیلک أعداءنا (4)
عند خوفک، لا ینفعهم ولا یضرنا، وإن إظهار (5)براءتک عند تقیتک لا یقدح فینا (6)،
ولئن تبرأت (1)منا ساعة بلسانک وأنت موال لنا بجنانک، لتبقی علی نفسک روحها
التی بها قوامها، ومالها الذی به قیامها، وجاهلها الذی به تمکنها (2)، وتصون بذلک
من عرف من أولیائنا (3)
وسنین إلی أن یفرج الله تلک الکربة وتزول به تلک الغمة.
وإخواننا، فإن ذلک أفضل من أن تتعرض للهلاک،وتنقطع به عن عمل فی الدین، وصلاح إخوانک المؤمنین، وإیاک ثم إیاک أن تترک
التقیة التی أمرتک بها، فإنک شاحط (4)بدمک ودماء إخوانک، معرض لنفسک
ولنفسهم للزوال (5)، مذل لهم (6)فی أیدی أعداء الدین (7)وقد أمرک الله بإعزازهم،
فإنک إن خالفت وصیتی کان ضررک علی إخوانک (8)ونفسک أشد من ضرر
الناصب (9)لنا الکافر بنا) (10).
وفیها دلالة علی أرجحیة اختیار البراءة علی العمل، بل تأکد وجوبه.
لکن فی أخبار کثیرة بل عن المفید فی الإرشاد: أنه قد استفاض عن
أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال: (ستعرضون من بعدی علی سبی، فسبونی، ومن
عرض علیه البراءة فلیمدد عنقه، فإن برئ منی فلا دنیا له ولا آخرة) (11). وظاهرها
1) (1) کذا فی المصدر وفی النسخ: ولا تبرء منا.
2) (2) فی المصدر: تماسکها.
3) (3) العبارة فی المصدر: وتصون من عرف بذلک وعرفت به من أولیائنا وإخواننا من عبد ذلک بشهور
4) (4) فی المصدر: شائط.
5) (5) فی المصدر: معرض لنعمتک ونعمهم علی الزوال.
6) (6) فی المصدر: مذل لک ولهم.
7) (7) فی المصدر: دین الله.
8) (8) فی المصدر: علی نفسک وإخوانک.
9) (9) فی المصدر: المناصب.
10) (10) الإحتجاج 1: 354، (احتجاجه علیه السلام علی من قال بزوال الأدواء بمداواة الأطباء).
11) (11) الإرشاد: 169 والوسائل 11: 481 الباب 29 من أبواب الأمر والنهی، الحدیث 21.
حرمة التقیة فیها کالدماء.
ویمکن حملها علی أن المراد الاستمالة والترغیب إلی الرجوع حقیقة عن
التشیع إلی النصب.
مضافا إلی أن المروی فی بعض الروایات أن النهی من التبری مکذوب
علی أمیر المؤمنین علیه السلام وأنه لم ینه عنه، ففی موثقة مسعدة بن صدقة: (قلت
لأبی عبد الله علیه السلام الناس یروون أن علیا علیه السلام قال: - علی منبر الکوفة -:
أیها الناس إنکم ستدعون إلی سبی فسبونی، ثم تدعون إلی البراءة منی فلا
تبرؤا منی.
فقال علیه السلام: ما أکثر ما یکذب الناس علی علی، ثم قال: إنما قال:
ستدعون إلی سبی فسبونی ثم تدعون إلی البراءة منی وإنی لعلی دین محمد صلی
الله علیه وآله وسلم، ولم یقل: لا تبرؤا منی.
فقال له السائل: أرأیت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذاک
علیه، ولا له إلا ما مضی علیه عمار بن یاسر حیث أکرهه أهل مکة وقلبه مطمئن
بالایمان، فأنزل الله تعالی: (إلا من أکره وقلبه مطمئن بالایمان) (1)فقال النبی صلی
الله علیه وآله وسلم عندها: یا عمار إن عادوا فعد) (2).
الروایة الثالثة
وفی روایة محمد بن مروان: (قال لی أبو عبد الله علیه السلام: ما منع میثم رحمه
الله عن التقیة، فوالله لقد علم أن هذه الآیة نزلت فی عمار وأصحابه: (إلا من
أکره وقلبه مطمئن... الآیة) (3)
الروایة الرابعة
وفی روایة عبد الله بن عطاء، عن أبی جعفر علیه السلام - فی رجلین من أهل
الکوفة أخذا وأمرا بالبراءة عن أمیر المؤمنین علیه السلام فتبرأ واحد منهما وأبی
الآخر، فخلی سبیل الذی تبرأ وقتل الآخر -: (فقال علیه السلام: أما الذی برئ
فرجل فقیه فی دینه، وأما الذی لم یتبرأ، فرجل تعجل إلی الجنة) (1).
الروایة الخامسة
وعن کتاب الکشی بسنده إلی یوسف بن عمران المیثمی قال: سمعت
میثم الهروانی (2)یقول: قال علی بن أبی طالب علیه السلام: یا میثم کیف أنت إذا
دعاک دعی بنی أمیة - عبید الله بن زیاد - إلی البراءة منی؟ فقلت: یا أمیر المؤمنین
أنا والله لا أبرأ منک. قال: إذا والله یقتلک ویصلبک! قال: قلت: أصبر، فإن ذلک
فی الله قلیل. قال علیه السلام: یا میثم فإذن تکون معی فی روضتی) (3).
وبه ثقتی.
بسم الله الرحمن الرحیم
[وبه ثقتی واعتمادی] (1).
الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام علی محمد، وآله الطاهرین (2).
ولعنة الله علی أعدائهم أجمعین إلی یوم الدین.
والکلام یقع تارة فی معناها.
وأخری فی مدرکها وبیان حالها مع الأدلة المعارضة لها فی الظاهر (3).
وثالثة فی بعض ما یتفرج علیها مما عنونه الفقهاء مستدلین علیها بها.
ولا بد أولا من ذکر الأخبار التی عثرنا علیها فی حکم الضرر، فنقول
وبالله التوفیق:
الأخبار الواردة فی حکم الضرر
منها ما اشتهر عنه صلی الله علیه وسلم فی قصة سمرة بن جندب، وقد روی
بألفاظ مختلفة:
ففی موثقة زرارة عن أبی جعفر علیه السلام: (إن سمره بن جندب کان له
عذق (1)فی حائط (2)رجل (3)من الأنصار، وکان منزل الأنصاری بباب البستان،
وکان یمر إلی نخلته ولا یستأذن، فکلمه الأنصاری أن یستأذن إذا جاء. فأبی
سمرة.
فجاء الأنصاری إلی رسول الله صلی الله علیه وآله فشکی إلیه، فأخبره
الخبر، فأرسل إلیه رسول الله صلی الله علیه وآله وخبره بقول الأنصاری وما شکاه
وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن. فأبی.
فلما أبی ساومه حتی بلغ به من الثمن له ما شاء الله، فأبی أن یبیعه. فقال:
لک بها عذق فی الجنة فأبی أن یقبل.
فقال رسول الله صلی الله علیه وآله للأنصاری: اذهب فاقلعها وارم بها إلیه،
فإنه لا ضرر ولا ضرار) (4).
وفی روایة الحذاء، عن أبی جعفر علیه السلام نحو ذلک، إلا أنه قال لسمرة
بعد الامتناع: (ما أراک یا سمرة إلا مضارا، اذهب یا فلان فاقلعها وارم بها
وجهه) (5).
وفی روایة ابن مسکان، عن زرارة، عن أبی جعفر علیه السلام نحو ذلک
بزیادة لا تغیر المطلب، وفی آخرها: (إنک یا سمرة رجل مضار. لا ضرر
ولا ضرار علی المؤمن.
ثم أمر بها فقلعت، فرمی بها وجهه، وقال: انطلق فاغرسها حیث
شئت) (6).
1) (1) العذق - بالفتح -: النخلة بحملها - عند أهل الحجاز -.
2) (2) بستان من نخیل إذا کان علیه حائط.
3) (3) فی " ن ": لرجل.
4) (4) الوسائل 17: 341 الباب 12 من أبواب إحیاء الموات، الحدیث (3)، مع اختلاف یسیر.
5) (5) الوسائل 17: 340 الباب 12 من أبواب إحیاء الموات، الحدیث الأول.
6) (6) الوسائل 17: 341 الباب 12 من أبواب إحیاء الموات، الحدیث 4.
وفی هذه القصة إشکال من حیث حکم النبی صلی الله علی وآله وسلم بقلع
العذق، مع أن القواعد لا تقتضیه، ونفی الضرر لا یوجب ذلک، لکن لا یخل
بالاستدلال.
ومنها: روایة عقبة بن خالد عن الصادق علیه السلام: (قضی رسول الله
صلی الله علیه وآله بالشفعة بین الشرکاء فی الأرضین والمساکن. وقال: لا ضرر
ولا ضرار) (1).
ومنها: ما عن التذکرة ونهایة ابن الأثیر، مرسلا عن النبی صلی الله علیه وآله:
(لا ضرر ولا ضرار فی الاسلام) (2).
ومنها: روایة هارون بن حمزة الغنوی، عن أبی عبد الله علیه السلام: (رجل
شهد بعیرا مریضا یباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء وأشرک فیه رجلا
بدرهمین بالرأس والجلد. فقضی أن البعیر برئ، فبلغ ثمنه دنانیر. قال: فقال:
لصاحب الدرهمین خمس ما بلغ، فإن قال: أرید الرأس والجلد فلیس له ذلک. هذا
الضرار. قد أعطی حقه إذا أعطی الخمس) (3).
ومنها: روایة أخری لعقبة بن خالد، عن أبی عبد الله علیه السلام قال: (قضی
رسول الله صلی الله علیه وآله بین أهل المدینة فی مشارب النخل أنه: لا یمنع نقع
البئر، وقضی بین أهل البادیة أنه: لا یمنع فضل ماء لیمنع به فضل کلاء فقال:
لا ضرر ولا ضرار) (4).
هذه جملة ما عثرنا علیها من الروایات العامة (5)
المذکور لم یسطرها قدس سره. ثم ذکره - مسندا - ما یلی:
ألف: عن أبی عبد الله علیه السلام قال: " إن الجار کالنفس غیر مضار ولا أثم ".
ب: عن محمد بن الحسن، قال: کتبت إلی أبی محمد علیه السلام: " رجل کانت له رحی علی نهر
قریة، والقریة لرجل، فأراد صاحب القریة أن یسوق إلی قریته الماء فی غیر هذا النهر ویعطل
هذه الرحی، أله ذلک أم لا؟ فوقع علیه السلام: یتق الله عز وجل ویعمل فی ذلک بالمعروف، ولا یضر
أخاه المؤمن ".
ج " عن أبی عبد الله علیه السلام: " قال: سألته عن الشئ یوضع علی الطریق فتمر الدابة فتنفر
بصاحبها فتعقره، قال: کل شئ یضر بطریق المسلمین فصاحبه ضامن لما یصیبه ".
د: قال أبو عبد الله علیه السلام: " من أضر بشئ من طریق المسلمین فهو له ضامن ".
ه: عنه علیه السلام قال: " من أضر بطریق المسلمین شیئا فهو له ضامن ".
. وکثرتها تغنی عن1) (1) الوسائل 17: 319 الباب 5 من أبواب الشفعة.
2) (2) تذکرة الفقهاء 1: 522 النهایة: باب الضاد مع الراء.
3) (3) الکافی 5: 293 باب الضرار، الحدیث 4، مع اختلاف یسیر.
4) (4) الکافی 5: 293 باب الضرار، الحدیث 6، وفیه: " لا یمنع نفع الشئ " بدل " لا یمنع نقع البئر ".
5) (5) قال المامقانی قدس سره فی تعلیقته علی هذه الرسالة: هناک أخبار أخر مرادفة أو مقاربة للأخبار
ملاحظة سندها.
مضافا إلی حکایة تواتر نفی الضرر والضرار عن فخر الدین فی الإیضاح
فی باب الرهن. ولم أعثر علیه (1)
ادعی فخر الدین فی الإیضاح فی باب الرهن تواتر الأخبار علی نفی الضرر والضرار ".
ومنه یمکن استفادة أمرین: أحدهما عثوره علی دعوی فخر الدین فی الإیضاح.
وثانیهما: أن تألیفه لهذه الرسالة سابق علی ما کتبه فی فرائد الأصول. فی قاعدة نفی الضرر.
ولعل المقارنة بین ما جاء فی هذه الرسالة وما جاء فی الفرائد یؤید ذلک.
وقال المامقانی قدس سره فی التعلیقة: قد عثرنا علی ذلک فوجدنا صدق النسبة فإنه رحمه الله
قال فی أواخر کتاب الرهن فی مسألة ما لو أقر الراهن بعتق عبده المرهون ما لفظه: وثالثها:
العتق، فنقول: یجب علیه فک الرهن وأداء الدین، فإذا تعذر وبیع فی الدین وجب فکاکه فإن
بذله المشتری بقیمته أو أقل وجب فکه. ولو بذله بالأزید ولو بأضعاف قیمته فالأصح وجوب
فکه علیه لوجوب تخلیص الحر، فإنه لا عوض له إلا التخلیص ولا یمکن إلا بالأزید من قیمته
وما لا یتم الواجب إلا به فهو واجب، واحتمال عدمه - لامکان استلزامه الضرر بأن یحیط بمال
الراهن والضرر منفی بالحدیث المتواتر - ضعیف ولا وجه له عندی وانظر الإیضاح 2: 48.
.معنی الضرر
فالمهم بیان معنی الضرر والضرار. أما معنی الضرر فهو معلوم عرفا. ففی
المصباح: الضر - بفتح الضاد - مصدر ضره یضره. من باب قتل، إذا فعل به
1) (1) قال المؤلف فی فرائد الأصول - فی خاتمة مبحث البراءة - عند تعرضه لقاعدة نفی الضرر: " قد
مکروها وأضر به. یتعدی بنفسه ثلاثیا وبالباء رباعیا، والاسم: الضرر، وقد یطلق
علی نقص فی الأعیان. وضاره یضاره مضارة وضررا بمعنی ضره. (1)(انتهی).
معنی الضرار
وفی النهایة: معنی قوله علیه السلام (لا ضرر): لا یضر الرجل أخاه بأن ینقصه
شیئا من حقوقه. والضرار فعال من الضر. أی: لا یجازیه علی إضراره بإدخال
الضرر علیه. والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنین، والضرر ابتداء الفعل،
والضرار الجزاء علیه.
وقیل: الضرر أن تضر صاحبک وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غیر
أن تنتفع به.
وقیل: هما بمعنی واحد. والضرار للتأکید (2)(انتهی).
وکیف کان فالتباس الفرق بین الضرر والضرار لا یخل بما هو المقصود من
الاستدلال بنفی الضرر فی المسائل الفرعیة.
معنی نفی الضرر
فالأهم فی ذلک بیان معنی النفی. فنقول: إن نفی الضرر لیس محمولا
علی حقیقته، لوجود الحقیقة فی الخارج بداهة، فلا بد من حمله علی محامل قال
بکل منها (3)قائل:
حمل النفی علی النهی
أحدها: حمله علی النهی. فالمعنی تحریم الفعل (4)
بمنزلة الانشاء، والنفی بمعنی النهی. والمعنی: یحرم الضرر والضرار، فتکون الأخبار علی هذا
مسوقة لبیان حکم تکلیفی. ثم قال: ویقرب من هذا القول ما احتمله الفاضل النراقی قدس سره
فی العوائد من بقاء النفی علی حیقته وورود الخبر لبیان الحکم التکلیفی أیضا بتقدیر لفظ:
فالتقدیر: لا ضرر ولا ضرار مشروعا أو مجوزا أو مأذونا فیه فی دین الاسلام.
.الضرر المجرد عن التدارک
الثانی: الضرر المجرد عن التدارک (1)
غیر منفی، بل الظاهر أن المراد به نفی الضرر من غیر جبران بحسب الشرع (انتهی). وراجع
أیضا: فرائد الأصول: 532.
.فکما أن ما یحصل بإزائه نفع لا یسمی ضررا، کدفع مال بإزاء عوض مساو
له أو زائد علیه، کذلک الضرر المقرون بحکم الشارع بلزوم تدارکه نازل منزلة
عدم الضرر، وإن لم یسلب عنه مفهوم الضرر بمجرد حکم الشارع بالتدارک.
فالمراد نفی وجود الضرر المجرد عن التدارک، فإتلاف المال بلا تدارک ضرر علی
صاحبه منفی، فإذا وجد فی الخارج فلا بد أن یکون مقرونا بلزوم التدارک.
وکذلک تملیک الجاهل بالغبن ماله بإزاء ما دون قیمته من الثمن ضرر علیه
فلا یوجد فی الخارج إلا مقرونا بالخیار. وهکذا...
نفی الحکم الشرعی
الثالث: أن یراد به نفی الحکم الشرعی الذی هو ضرر علی العباد، وأنه
لیس فی الاسلام مجعول ضرری (2)
البحث الثالث.
.وبعبارة أخری: حکم یلزم من العمل به الضرر علی العباد، مثلا یقال:
إن حکم الشرع بلزوم البیع مع الغبن ضرر علی المغبون، فهو منفی فی الشریعة،
وکذلک وجوب الوضوء مع اضرار المکلف حکم ضرری منفی فی الشریعة.
ثم إن أردأ الاحتمالات هو الثانی، وإن قال به بعض الفحول (3)
أنه ممن ذهب إلی تعین الوجه الثالث. والظاهر أن مراد المؤلف هو الفاضل التونی قدس سره بقرینة
ما جاء فی فرائد الأصول: 532 فی خاتمة مبحث البراءة، وراجع أیضا الوافیة للفاضل التونی
قدس سره: 149.
، لأنالضرر الخارجی لا ینزل منزلة العدم بمجرد حکم الشارع بلزوم تدارکه، وإنما
المنزل منزلته، الضرر المتدارک فعلا.
والحاصل: إن إیصال الضرر إن کان لداعی النفع لا نضایق عن سلب
الضرر عنه حقیقة، وإن کان قد یناقش فیه.
وأما الضرر لا لداعی النفع وإن تعقبه تدارک فهو ضرر حقیقی، لکن بعد
أن اتفق تدارکه یمکن تنزیله منزلة ما لم یوجد، کما هو معنی التدارک. وأما ما لم
یتعقبه تدارک فعال فلا وجه لتنزیله منزلة ما لم یوجد فی الخارج بمجرد حکم الشارع
بوجوب تدارکه.
فمنشأ هذا الاحتمال، الخلط بین الضرر المتدارک فعلا والضرر المحکوم
بلزوم تدارکه.
والمناسب للمعنی الحقیقی - أعنی نفی الماهیة - هو الأول.
نعم لو کان حکم الشارع فی واقعة بنفسه حکم ضروریا یکون تدارکه
بحکم آخر، کحکمه بجواز قتل مجموع العشرة المشترکین فی قتل واحد، المتدارک
بوجوب دفع تسعة أعشار الدیة إلی کل واحد، وأما الضرر الواقع من المکلف
فلا یتدارک بحکم الشرع بلزوم التدارک لینزل منزلة العدم.
هذا مضافا إلی أن ظاهر قوله علیه السلام: (لا ضرر فی الاسلام) کون
الاسلام ظرفا للضرر، فلا یناسب أن یراد به الفعل المضر. وأنما المناسب الحکم
الشرعی الملقی للعباد فی الضرر فی نظیر قوله: (لا حرج فی الدین (1)
" لا حرج ولا حرج " (2) فی " ص " و " ن ": بنفس التکلیف.
).هذا، مع أن اللازم من ذلک عدم جواز التمسک بالقاعدة لنفی الحکم
الضرری المتعلق بنفس المکلف (2)، کوجوب الوضوء مع التضرر به، فإن فعل
الوضوء المضر حرام، والواقع منه فی الخارج لم یجعل له الشرع تدارکا، مع أن
العلماء لم یفرقوا فی الاستدلال بالقاعدة بین الاضرار بالنفس والاضرار بالغیر.
1) (1) الوسائل 10: 140 الباب 39 من أبواب الذبح الحدیث 4، وفیه: " لا حرج " والحدیث 6، وفیه:
وأما المعنی الأول فهو مناف لذکرها (1)فی النص والفتوی لنفی الحکم
الوضعی، لا مجرد تحریم الاضرار.
نعم یمکن أن یستفاد منه تحریم الاضرار بالغیر من حیث إن الحکم
بإباحته حکم ضرری فیکون منفیا فی الشرع، بخلاف الاضرار بالنفس فإن
إباحته - بل طلبه علی وجه الاستحباب - لیس حکما ضرریا، ولا یلزم من جعله
ضرر علی المکلفین.
المتعین فی معنی نفی الضرر
نعم قد استفید من الأدلة العقلیة (2)والنقلیة (3)
20 من أبواب من یصح منه الصوم، الحدیث 2 و 9.
تحریم الاضرار بالنفس.فتبین مما ذکرناه: أن الأرجح فی معنی الروایة بل المتعین هو المعنی
الثالث، لکن فی قوله: (لا ضرر ولا ضرار) من دون تقیید، أو مع التقیید بقوله: (فی
الاسلام).
وأما قوله: (لا ضرر ولا ضرار علی مؤمن) فهو مختص بالحکم الضرری
بالنسبة إلی الغیر، فلا یشمل نفی وجوب الوضوء والحج مع الضرر.
و
حکومة (لا ضرر) علی أدلة الأحکام
إن دلیل هذه القاعدة حاکم علی عموم أدلة إثبات الأحکام الشامل
لصورة التضرر بموافقتها، ولیس معها من قبیل المتعارضین، فیلتمس الترجیح
لأحدهما ثم یرجع إلی الأصول.
خلافا لما یظهر من بعض من عدهما من المتعارضین (1)
وقد نسبه المصنف فی الفرائد إلی غیر واحد من العلماء.
، حیث إنه ذکر فیمسألة (تصرف الانسان فی ملکه مع تضرر جاره)) إن عموم: (نفی الضرر)
معارض بعموم: (الناس مسلطون علی أموالهم) (2).
وذکر نحو ذلک فی مسألة جواز الترافع إلی حکام الجور مع انحصار انقاذ
الحق فی ذلک (3).
وفیه ما تقرر فی محله من أن الدلیل الناظر بدلالته اللفظیة إلی اختصاص
دلیل عام ببعض أفراده حاکم علیه، ولا یلاحظ فیه النسبة الملحوظة بین
المتعارضین، نظیر حکومة أدلة الحرج علی ما یثبت بعمومه التکلیف فی موارد
الحرج (4)، وعلیه جرت سیرة الفقهاء فی مقام الاستدلال فی مقامات لا تخفی، منها:
استدلالهم علی ثبوت خیار الغبن (5)وبعض الخیارات الأخر بقاعدة (نفی
الضرر) مع وجود عموم: (الناس مسلطون علی أموالهم) (6)الدال علی لزوم العقد
وعدم سلطنة المغبون علی إخراج ملک الغابن بالخیار عن ملکه (7)
الغبن حکم یلزم منه ضرر علی المغبون فینتفی بالخبر، وکذلک لزوم البیع من غیر شفعة
للشریک، وکذلک وجوب الوضوء علی من لا یجد الماء إلا بثمن کثیر، وکذلک سلطنة المالک علی
الدخول إلی عذقه وإباحته له من دون استئذان من الأنصاری، وکذلک حرمة الترافع إلی حکام
الجور إذا توقف أخذ الحق علیه، ومنه براءة ذمة الضار عن تدارک ما أدخله من الضرر.
.ثم إن اللازم مما ذکرنا، الاقتصار فی رفع مقتضی الأدلة الواقعیة المثبتة
1) (1) قیل هو المحقق القمی قدس سره. راجع قوانین الأصول 2: 50 الأدلة العقلیة، الباب السادس.
2) (2) راجع جامع الشتات: 529 والحدیث فی غوالی اللئالی 1: 457.
3) (3) المصدر المتقدم: 682.
4) (4) قال المؤلف فی الفرائد: مع أن وقوعها فی مقام الامتنان یکفی فی تقدیمها علی العمومات.
5) (5) تذکرة الفقهاء 1: 522 خیار الغبن، المسألة الأولی.
6) (6) عوالی اللآلی 1: 222 الفصل التاسع، الحدیث 99.
7) (7) ذکر المصنف فی الفرائد جملة من موارد الاستدلال بقاعدة نفی الضرر، وقال: فلزوم البیع مع
للتکالیف، علی مقدار حکومة القاعدة علیها، فلو فرض المکلف معتقدا لعدم
تضرره بالوضوء أو الصوم مثلا، فتوضأ ثم انکشف أنه تضرر به، فدلیل نفی
الضرر لا ینفی الوجوب الواقعی المتحقق فی حق هذا المتضرر. لأن هذا الحکم
الواقعی لم یوقع المکلف فی الضرر، ولذا لو فرضنا انتفاء هذا الوجوب واقعا علی
هذا المتضرر - کأن یتوضأ هذا الوضوء لاعتقاد عدم تضرره وعدم دخوله فی
المتضررین - فلم یستند تضرره إلی جعل هذا الحکم، فنفیه لیس امتنانا علی
المکلف وتخلیصا له من الضرر، بل لا یثمر إلا تکلیفا له بالإعادة بعد العمل
والتضرر.
فتحصل: أن القاعدة لا تنفی إلا الوجوب الفعلی علی المتضرر العالم
بتضرره، لأن الموقع المکلف فی الضرر هو هذا الحکم الفعلی، دون الوجوب
الواقعی الذی لا یتفاوت وجوده وعدمه فی إقدام المکلف علی الضرر. بل نفیه
مستلزم لالقاء المکلف فی مشقة الإعادة، فالتمسک بهذه القاعدة علی فساد
العبادة للمتضرر بها فی دوران الفساد مدار اعتقاد الضرر الموجب للتکلیف
الفعلی بالتضرر بالعمل، کالتمسک علی فسادها بتحریم الاضرار بالنفس فی
دورانه مدار الاعتقاد بالضرر الموجب للتحریم الفعلی، لأنه الذی یمتنع
اجتماعه مع الأمر، فلا یجری مع الضرر الواقعی وإن سلم اجتماعه مع التحریم
الشأنی، کما تسالموا علیه فی باب اجتماع الأمر والنهی من عدم الفساد مع الجهل
بالموضوع أو نسیانه، وأن المفسد هو التحریم الفعلی المنجز.
شمول القاعدة للأحکام العدمیة الضرریة
إنه لا إشکال - کما عرفت - فی أن القاعدة المذکورة تنفی الأحکام
الوجودیة الضرریة، تکلیفیة کانت أو وضعیة، وأما الأحکام العدمیة الضرریة
القاعدة، فیجب أن یحکم بالضمان، إشکال:
وجه عدم شمول القاعدة
من أن القاعدة ناظرة إلی نفی ما ثبت بالعمومات من الأحکام الشرعیة،
فمعنی نفی الضرر فی الاسلام أن الأحکام المجعولة فی الاسلام لیس فیها حکم
ضرری.
ومن المعلوم أن حکم الشرع فی نظائر المسألة المذکورة لیس من الأحکام
المجعولة فی الاسلام، وحکمه بالعدم لیس من قبیل الحکم المجعول، بل هو إخبار
بعدم حکمه بالضمان، إذ لا یحتاج العدم إلی حکم به، نظیر حکمه بعدم الوجوب
أو الحرمة أو غیرهما، فإنه لیس انشاء منه بل هو إخبار حقیقة.
وجه شمول القاعدة
ومن أن المنفی لیس خصوص المجعولات بل مطلق ما یتدین به ویعامل
علیه فی شریعة الاسلام، وجودیا کان أو عدمیا، فکما أنه یجب فی حکمة الشارع
نفی الأحکام الضرریة، کذلک یجب جعل الأحکام التی یلزم من عدمها الضرر.
مع أن الحکم العدمی یستلزم أحکاما وجودیة، فإن عدم ضمان ما یفوته من المنافع
یستلزم حرمة مطالبته ومقاصته والتعرض له، وجواز دفعه عند التعرض له.
فتأمل.
هذا کله مضافا إلی امکان استفادة ذلک من مورد روایة سمرة بن
جندب، حیث إنه صلی الله علیه وآله سلط الأنصاری علی قلع نخل سمرة معللا
بنفی الضرر، حیث إن عدم تسلطه علیه ضرر، کما أن سلطنة سمرة علی ماله
والمرور علیه بغیر الإذن ضرر. فتأمل.
ویمکن تأیید دلالته بما استدلوا به علی جواز المقاصة مثل قوله
تعالی: (جزاء سیئة سیئة مثلها... ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئک ما علیهم من
سبیل) (1).
1) (1) الشوری: 42، 40 - 41.
وقوله تعالی: (فاعتدوا علیه بمثل ما اعتدی علیکم) (1)فیقال: إن من
فوت علی غیره منفعة - کأن حبسه عن عمله - جاز له أخذ ما یساوی تلک
المنفعة منه.
إلا أن دلالة هذه الآیات علی نفس ما استدلوا بها علیه فضلا عن نظیره
قاصرة جدا.
الضرر الذی یقابله نفع
ذکر بعض المعاصرین (2)جوابا عن ایراد أورده علی الاستدلال بنفی الضرر لرفع التکالیف الثابتة بعموم أدلتها فی مورد الضرر، مثل وجوب الحج والصلاة والوضوء والصوم علی من تضرر، وهو: أنا قد حققنا أن الضرر
ما لا یحصل فی مقابله نفع، وأما ما یحصل فی مقابله نفع دنیوی أو أخروی فلا
یکون ضررا، فإذا ورد - مثلا -: حجوا إذا استطعتم، أو صلوا إذا دخل الوقت،
أو صوموا إذا دخل شهر رمضان، دل علی عمومه علی وجوب هذه الأفعال وإن
تضمن ضررا کلیا. والأمر یدل علی العوض فلا یکون ضررا.
فأجاب بما لفظه: (إن الأمر إنما (3)یتعلق بالصلاة والحج، ولازمه تحقق
الأجر المقابل لماهیة الحج والصلاة المتحققة فی حال عدم الضرر أیضا، وأما
حصول عوض فی مقابل الضرر وأجر له، فلا دلیل علیه.
نعم لو کان نفس الضرر مما أمر به فیحکم بعدم التعارض وبعدم کونه
ضررا. کما فی قوله: إذا ملکتم النصاب فزکوا، وأمثاله) (انتهی).
أقول: لا یخفی ما فی کل من السؤال والجواب:
أما فی السؤال فلأن المراد بالضرر هو خصوص الضرر الدنیوی لا غیر.
وأما النفع الحاصل فی مقابل الضرر الدنیوی فهو إنما یوجب الأمر بالتضرر،
لا خروجه عن کونه ضررا. فدلیل وجوب شراء ماء الوضوء بأضعاف قیمته
الموجب للنفع الأخروی مخصص لعموم نفی الضرر، لا رافع (1)لموضوعه.
فجمیع ما أثبت التکالیف الضرریة مخصص لهذه القاعدة، کیف! ولو کان
الأمر کذلک لغت القاعدة. لأن کل حکم شرعی ضرری لا بد أن یترتب علی
موافقته الأجر، فإذا فرض تدارک الضرر وخروجه بذلک عن الضرر فلا وجه
لنفیه فی الاسلام، إذا یکون حینئذ وجود الدلیل العام علی التکلیف - الکاشف
بعمومه عن وجود النفع الأخروی فی مورد الضرر - مخرجا للمورد عن موضوع
الضرر.
وأما فی الجواب (2): فلأنه لو سلم وجود النفع فی ماهیة الفعل أو فی مقدماته
نفسیا أو مقدمة أمرا بالتضرر، فلا یبقی فرق بین الأمر بالزکاة والأمر بالصوم
المضر أو الحج المضر بنفسه أو بمقدماته.
فالتحقیق: أن المراد بالضرر خصوص الدنیوی، وقد رفع الشارع الحکم
فی مورده امتنانا. فتکون القاعدة حاکمة (3)علی جمیع العمومات المثبتة للتکلیف.
نعم، لو قام دلیل خاص علی وجوب خصوص تکلیف ضرری خصص
به عموم القاعدة.
إضرار الغیر لدفع الضرر عن النفس وبالعکس
إن مقتضی هذه القاعدة أن لا یجوز لأحد إضرار إنسان لدفع الضرر
المتوجه إلیه، وأنه لا یجب علی أحد دفع الضرر عن الغیر باضرار نفسه، لأن
الجواز فی الأول، والوجوب فی الثانی، حکمان ضرریان.
ویترتب علی الأول ما ذهب إلیه المشهور من عدم جواز إسناد (1)الحائط
المخوف وقوعه إلی جذع الجار، خلافا للشیخ رحمه الله مدعیا عدم الخلاف فیه (2).
وقد حمل علی ما إذا خاف من وقوعه إهلاک نفس محترمة، إذ یجب حفظ النفس
المحترمة (3)غایة الأمر لزوم أجرة المثل للاستناد، کأخذ الطعام قهرا لسد الرمق.
ویمکن حمله علی ما لم یتضرر أصلا بحیث یکون کالاستظلال بحائط الغیر.
فتأمل.
ویترتب علی الثانی جواز إضرار الغیر (4). إکراها أو تقیة. بمعنی أنه إذا
أمر الظالم بإضرار أحد وأوعد علی ترکه الاضرار بالمأمور - إذا ترکه - جاز
للمأمور إضرار الغیر، ولا یجب تحمل الضرر لرفع الضرر عن الغیر.
ولا یتوهم أن هذا من قبیل الأول - لأن المأمور یدفع الضرر عن نفسه
بإضرار الغیر - لأن المفروض أن الضرر یتوجه إلی الغیر أولا، لأن المکره مرید
ابتداء تضرر الغیر فیأمره وإنما یضره لأجل ترک ما أراده أولا وبالذات.
الضرر الاختیاری وغیر الاختیاری
لا فرق فی هذه القاعدة بین أن یکون المحقق لموضوع الحکم الضرری
من اختیار المکلف (1)أو لا باختیاره، ولا فی اختیاره بین أن یکون جائزا شرعا أو
محرما، فإذا صار المکلف باختیاره سببا لمرض أو عدو یتضرر به سقط وجوب
الصوم والحج، لکونه حکما ضرریا. وکذا إذا أجنب نفسه مع العلم بتضرره
بالغسل، أو قصر (2)فی الفحص عن قیمة ما باعه فصار مغبونا.
نعم لو أقدم علی أصل التضرر - کالإقدام علی البیع بدون ثمن المثل
عالما - فمثل هذا خارج عن القاعدة، لأن الضرر حصل بفعل الشخص لا من
حکم الشارع.
فما ذکره بعض - فی وجه وجوب رد المغصوب إلی مالکه وإن تضرر
الغاصب بذلک - من أنه هو الذی أدخل الضرر علی نفسه بسبب الغصب (3)
... إلی أن قال: وإن أدی إلی خراب ملکه لأن البناء علی المغصوب لا حرمة له ".
، لایخلو عن نظر.
ویمکن أن یوجه ذلک بملاحظة ما ذکرنا فی الأمر السابق من أن
مقتضی القاعدة عدم جواز الاضرار بالغیر لئلا یتضرر الشخص، وعدم وجوب
التضرر لأجل دفع الضرر عن الغیر. فکما أن إحداث الغصب - لئلا یتضرر
بترکه - حرام، وجوازه منفی بقاعدة [نفی] (4)الضرر، کذلک إبقاؤه حرام غیر
جائز، لأن دلیل حرمة الابقاء هو دلیل حرمة الأحداث، لأن کلا منهما غصب.
فإن قلت: حرمة الابقاء سبب لوجوب التضرر فیجب تحمل الضرر عن
الغیر، وهو منفی.
قلت: لا ریب أن ملاحظة ضرر المالک ونفی الحکم بجواز (1)الاضرار به
الغاصب لرفع إضراره بالغیر بامساک ما غصبه، لأنه غیر مناف للامتنان، بخلاف
الأول، فکل من جواز الاضرار بالغیر وجوب تحمل الضرر لرفع إضراره بالغیر
حکم ضرری.
لکن ثبوت الأول فی الشریعة مراعاة لنفی الثانی - بأن یجوز للمضر
الابقاء علی إضراره لأنه یتضرر برفعه هو بنفسه - مناف للامتنان، وبناء
الشریعة علی التسهیل ورفع الضرر عن العباد.
هذا کله، مع إمکان أن یقال: إنه إذا تعارض الحکمان الضرریان، وفرض
عدم الأولویة لاثبات أحدهما ونفی الآخر، کان المرجع أدلة حرمة الاضرار
بالغیر، لأن حرمته کحرمة الاضرار بالنفس ثابتة بأدلة أخر غیر قاعدة نفی
الحکم الضرری، وإن کانت هی من أدلتها أیضا.
فإذا تعارض فردان من القاعدة یرجع إلی عمومات حرمة الاضرار بالغیر
والنفس.
هذا کله مضافا إلی الروایة المشهورة: (لیس لعرق ظالم حق) (2).
فإن هذه الفقرة کنایة عن کل موضوع بغیر حق. فکل موضوع بغیر
حق لا احترام له، فإذا کان المغصوب لوحا فی سفینة کان ما ألصق باللوح وما
رکب علیه من الأخشاب موضوعا بغیر حق، فلا احترام له، وکذا ما بنی علی
الخشبة المغصوبة.
نعم هذه الروایة لا تفی بجمیع المراد لو فرضنا أن الرد یتوقف علی تضرر
الغاصب بغیر ما وضع علی المغصوب أو معه من الأمور الخارجة.
دوران الأمر بین حکمین ضرریین
لو دار الأمر بین حکمین ضرریین بحیث یکون الحکم بعدم أحدهما
مستلزما للحکم بثبوت الآخر، فإن کان ذلک بالنسبة إلی شخص واحد فلا
إشکال فی تقدیم الحکم الذی یستلزم ضررا أقل مما یستلزمه الحکم الآخر، لأن
هذا هو مقتضی نفی الحکم الضرری عن العباد، فإن من لا یرضی بتضرر عبده
لا یختار له إلا أقل الضررین عند عدم المناص عنهما.
وإن کان بالنسبة إلی شخصین فیمکن أن یقال أیضا بترجیح الأقل
ضررا، إذ مقتضی نفی الضرر عن العباد فی مقام الامتنان عدم الرضا بحکم
یکون ضرره أکثر من ضرر الحکم الآخر، لأن العباد کلهم متساوون فی نظر
الشارع، بل بمنزلة عبد واحد، فإلقاء الشارع أحد الشخصین فی الضرر
لمصلحته، فکما یؤخذ فیه بالأقل کذلک فی ما نحن فیه. ومع التساوی فالرجوع
إلی العمومات الأخر، ومع عدمها فالقرعة.
لکن مقتضی هذا، ملاحظة الضررین الشخصین المختلفین باختلاف
الخصوصیات الموجودة فی کل منهما من حیث المقدار ومن حیث الشخص، فقد
یدور الأمر بین ضرر درهم وضرر دینار مع کون ضرر الدرهم أعظم بالنسبة إلی
صاحبه من ضرر الدینار بالنسبة إلی صاحبه، وقد یعکس حال الشخصین فی
وقت آخر.
وما عثرنا علیه فی کلمات الفقهاء فی هذا المقام لا یخلو عن اضطراب.
قال فی التذکرة: لو غصب دینارا فوقع فی محبرة الغیر - بفعل الغاصب أو
بغیر فعله - کسرت لرده، وعلی الغاصب ضمان المحبرة، لأنه السبب فی کسرها. وإن
کان کسرها أکثر ضررا من تبقیته الواقع [فیها]، ضمنه الغاصب ولم تکسر. (1)
(انتهی). وظاهره أنه یکسر المحبرة مع تساوی الضررین، إلا أن یحمل علی
الغالب من کثرة ضرر الدینار لو ضمنه.
وفی الدروس: لو أدخل دینارا فی محبرته وکانت قیمتها أکثر ولم یمکن
کسره، لم یکسر المحبرة وضمن صاحبها الدینار مع عدم تفریط مالکه
(انتهی) (2).
ولا بد أن یقید إدخال الدینار بکونه بإذن المالک علی وجه یکون مضمونا،
إذ لو کان بغیر إذنه تعین کسر المحبرة وإن زادت قیمتها. وإن کان بإذنه علی
وجه (3)لا یضمن لم یتجه تضمین صاحبها الدینار.
تصرف المالک الضار بالجار
إن تصرف المالک فی ملکه إذا استلزم تضرر جاره، یجوز أم لا؟ الظاهر (4)
أن المشهور علی الجواز.
قال فی المبسوط فی باب إحیاء الموات: إن حفر رجل بئرا فی داره، وأراد
جاره أن یحفر بالوعة أو بئر کنیف بقرب هذه البئر لم یمنع منه وإن أدی ذلک
إلی تغیر ماء البئر، أو کان صاحب البئر یستقذر ماء بئره لقربه الکنیف
والبالوعة، لأن له أن یتصرف فی ملکه بلا خلاف (1).
وقال فی السرائر فی باب حریم الحقوق: وإن أراد الانسان أن یحفر فی
ملکه أو داره بئرا، وأراد جاره أن یحفر لنفسه بئرا بقرب تلک البئر لم یمنع من
ذلک بلا خلاف وإن نقص ماء البئر الأولی، لأن (الناس مسلطون علی
أموالهم) (2).
وقال (3)فی مسألة (أن لا حریم فی الأملاک): إن کل واحد یتصرف فی ملکه
علی العادة کیف شاء، ولا ضمان إن أفضی إلی تلف، إلا أن یتعدی.
وقد اختلف کلام الشافعی فی أنه لو أعد داره المحفوفة بالمساکن خانا أو
اصطبلا أو طاحونة، أو حانوتا فی صف العطارین، حانوت حداد أو قصار - علی
خلاف العادة - علی قولین:
أحدهما: أنه یمنع. وبه قال أحمد، لما فیه من الضرر.
وأظهرهما عنده: الجواز: وهو المعتمد، لأنه مالک للتصرف فی ملکه.
وفی منعه من تعمیم التصرفات إضرار به. هذا إذا احتاط وأحکم الجدران
بحیث یلیق بما یقصده، فإن فعل ما یغلب علی الظن أنه یؤدی إلی خلل حیطان
الجار فأظهر الوجهین عند الشافعیة ذلک، وذلک: أن یدق فی داره الشئ دقا
عنیفا یزعج به حیطان الجار، أو حبس الماء فی ملکه بحیث ینشر النداوة إلی
حیطان الجار. فإن قلنا لا یمنع فی الصورة الأولی (4)فهنا أولی.. إلی أن قال:
والأقوی أن لأرباب الأملاک أن یتصرفوا فی أملاکهم کیف شاؤوا، فلو حفر فی
ملکه بالوعة وفسد بها ماء بئر الجار لم یمنع منه، ولا ضمان بسببه، ولکن یکون قد
فعل مکروها (1)(انتهی).
وقریب من ذلک ما فی القواعد (2)
لم یضمن ما لم یتجاوز قدر الحاجة اختیارا مع علمه أو غلبة ظنه بالتعدی إلی الاضرار فیضمن.
والتحریر (3).وقال فی الدروس فی إحیاء الموات: ولا حریم فی الأملاک، لتعارضها. فلکل
أحد أن یتصرف فی ملکه بما جرت العادة به وإن تضرر صاحبه ولا ضمان (4)
(انتهی).
وفی جامع المقاصد فی شرح مسألة تأجیج النار وإرسال الماء فی ملکه:
إنه لما کان الناس مسلطین علی أموالهم کان للمالک الانتفاع بملکه کیف شاء.
فإن دعت الحاجة إلی إضرام نار فی ملکه أو إرسال ماء، جاز فعله وإن غلب علی
ظنه التعدی إلی الاضرار بالغیر (5). (انتهی موضع الحاجة). تصرف المالک لدفع الضرر
أقول: تصرف المالک فی ملکه إما أن یکون لدفع ضرر یتوجه إلیه، وإما
أن یکون لجلب منفعة، وإما أن یکون لغوا غیر معتد به عند العقلاء.
فإن کان لدفع الضرر فلا إشکال، بل لا خلاف فی جوازه، لأن إلزامه
بتحمل الضرر، وحبسه علی ملکه لئلا یتضرر الغیر، حکم ضرری منفی، مضافا
إلی عموم: (الناس مسلطون [علی أموالهم] (6)).
والظاهر عدم الضمان أیضا عندهم، کما صرح به جماعة، منهم الشهید (7)
ولم تکن الریح عاصفة وإلا ضمن " انظر اللمعة الدمشقیة: 235.
1) (1) تذکرة الفقهاء 2: 414 کتاب إحیاء الموات.
2) (2) قواعد الأحکام 1: 202 وفیه: ولو أرسل ماء فی ملکه فأغرق مال غیره أو أجج نارا فاحترق
3) (3) تحریر الأحکام 2: 136 وفیه: للرجل أن یتصرف فی ملکه وإن استضر جاره.
4) (4) الدروس: 294.
5) (5) جامع المقاصد 6: 218.
6) (6) ما بین المعقوفتین غیر موجود فی النسخ.
7) (7) قال الشهید قدس سره فی اللمعة الدمشقیة: کتاب الغصب: " لا ضمان إذا لم یزد عن قدر الحاجة
رحمه الله. لکنه صرح بالضمان فی تأجیج النار علی قدر الحاجة مع ظن التعدی. وهو
مناف لتصریحه المتقدم (1).
فإن قلت: إذا فرض أنه یتضرر بالترک، فالضرر ابتداء یتوجه إلیه ویرید
دفعه بالتصرف. وحیث فرض أنه إضرار بالغیر رجع إلی دفع (2)الضرر الموجه
علی الشخص عن نفسه بإضرار الغیر. وقد تقدم عدم جوازه، ولذا لو فرضنا
کون التصرف المذکور لغوا کان محرما لأجل الاضرار بالغیر.
قلت: ما تقدم من عدم جواز إضرار الغیر لدفع الضرر عن النفس إنما
هو فی تضرر الغیر الحاصل لغیر المتصرف فی مال نفسه، وأما إذا کان دفع الضرر
عن نفسه بالتصرف فی ماله المستلزم لتضرر الغیر (3)فلا نسلم منعه، لأن دلیل
المنع هو دلیل نفی الضرر، ومن المعلوم أنه قاض فی المقام بالجواز، لأن منع
الانسان عن التصرف فی ماله لدفع الضرر المتوجه إلیه بالترک ضرر عظیم، بل
سیجئ أن منعه عن التصرف لجلب النفع أیضا ضرر وحرج منفی، کما تقدم فی
کلام العلامة (4)رحمه الله.
ثم إنه یظهر من بعض من عاصرناه (5)وجوب ملاحظة ضرر (6)المالک
وضرر الغیر، وهو ضعیف مخالف لکلمات الأصحاب.
نعم لو کان تضرر الغیر من حیث النفس أو ما یقرب منه مما یجب علی
کل أحد دفعه ولو بضرر لا یکون حرج فی تحمله، فهذا خارج عن محل الکلام،
لأن ما یجب تحمل الضرر لدفعه لا یجوز إحداثه لدفع الضرر عن النفس.
تصرف المالک لغوا
وإن کان لغوا محصا، فالظاهر أنه لا یجوز مع ظن تضرر الغیر، لأن تجویز
ذلک حکم ضرری، ولا ضرر علی المالک فی منعه عن هذا التصرف، وعموم
(الناس مسلطون علی أموالهم) محکوم علیه بقاعدة (نفی الضرر).
وهو الذی یظهر من جماعة کالعلامة فی التذکرة (1)والشهید فی
الدروس (2)، حیث قیدا (3)التصرف فی کلامهما بما جرت به العادة، والمحقق
الثانی (4)حیث قید الجواز مع ظن تضرر الغیر بصورة دعاء الحاجة، بل العلامة
فی التذکرة حیث استدل علی الجواز فی کلامه المتقدم - بأن منعه عن عموم
التصرف ضرر منفی، إذ لا شک أن منعه عن هذا التصرف لیس ضررا (5)وقد قطع
الأصحاب بضمان من أجج نارا زائدا علی مقدار الحاجة مع ظن التعدی (6).
اللهم إلا أن یقال: إن الضمان لا یدل علی تحریم الفعل. فربما کان مبنی
الضمان علی التعدی العرفی وإن لم یکن محرما، کما یظهر من کثیر من کلماتهم.
تصرف المالک لجلب النفع
وأما ما کان لجلب المنفعة، فظاهر المشهور - کما عرفت من کلمات
الجماعة - الجواز.
ویدل علیه أن حبس المالک عن الانتفاع بملکه وجعل الجواز تابعا
لتضرر الجار حرج عظیم لا یخفی علی من تصور ذلک. ولا یعارضه تضرر الجار، لما
تقدم من أنه لا یجب تحمل الحرج والضرر لدفع الضرر عن الغیر، کما یدل علیه
تجویز الاضرار مع الاکراه.
وأما الاستدلال بعموم (الناس مسلطون علی أموالهم) بزعم أن النسبة
بینه وبین نفی الاضرار عموم من وجه، والترجیح مع الأول بالشهرة مع أن
المرجع بعد التکافؤ أصالة الإباحة، فقد عرفت ضعفه، من حیث حکومة أدلة
نفی الضرر علی عموم (الناس مسلطون علی أموالهم).
والحمد لله أولا وأخرا وظاهرا وباطنا وصلی الله علیه النبی محمد وآله
أجمعین.
وجاء فی آخر النسخة المخطوطة ما یلی: هذا آخر کلام المصنف دام ظله
العالی وقد فرغ من تحریره تراب الأقدام محمد بن محمد تقی الدرزابی فی یوم
النوروز الواقع فی أوائل العشر الثانی من شهر شوال المکرم من سنة 1280.
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام علی محمد وآله الطاهرین، ولعنة
الله علی أعدائهم أجمعین إلی یوم الدین.
معنی التسامح فی أدلة السنن
المشهور بین أصحابنا والعامة التسامح فی أدلة السنن، بمعنی عدم اعتبار
ما ذکروه من الشروط للعمل بأخبار الآحاد: من الاسلام والعدالة والضبط فی
الروایات الدالة علی السنن فعلا أو ترکا.
نقل کلمات الأعلام
وعن الذکری: أن أخبار الفضائل یتسامح فیها عند أهل العلم (1).
وفی عدة الداعی - بعد نقل الروایات الآتیة - قال: فصار هذا المعنی
مجمعا علیه بین الفریقین (2).
وعن الأربعین لشیخنا البهائی رحمه الله نسبته إلی فقهائنا (3).
وعن الوسائل نسبته إلی الأصحاب، مصرحا بشمول المسألة لأدلة
المکروهات أیضا (1)
مفاتیح الأصول: 346.
.وعن بعض الأجلة نسبته إلی العلماء المحققین (2).
خلافا للمحکی عن موضعین من المنتهی (3). وصاحب المدارک فی أوائل
کتابه قال - بعد ذکر جملة من الوضوءات المستحبة وذکر ضعف مستندها - ما
لفظه: وما یقال: من أن أدلة السنن یتسامح فیها بما لا یتسامح فی غیرها منظور
فیه، لأن الاستحباب حکم شرعی یتوقف علی دلیل شرعی، انتهی (4).
وحاصل هذا یرجع إلی التمسک بأصالة العدم إلی أن یثبت الدلیل المعتبر
شرعا. ویؤکدها ما دل علی حرمة العمل بما وراء العلم (5).
وأنت خبیر بأنه یخرج عن الأصل والعمومات بأدلة القول الأول، وهی
وجوه:
الأول: الاجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة العظیمة، بل الاتفاق
المحقق، فإن الظاهر من صاحب المدارک فی باب الصلاة (6)الرجوع عما ذکره فی
أول الطهارة. وهو المحکی أیضا عن ظاهر (7)العلامة أعلی الله مقامه (8).
1) (1) لم أعثر علیه فی الوسائل بعد التتبع فی مظانه، لکن صرح بذلک السید المجاهد قدس سره فی
2) (2) کما فی المفاتیح الأصول: 346، لکنه أیضا لم یعین البعض.
3) (3) حکاه السید المجاهد قدس سره فی مفاتیح الأصول: 346.
4) (4) مدارک الأحکام 1: 13.
5) (5) کقوله تعالی: " ولا تقف ما لیس لک به علم " الإسراء: 17، 36.
6) (6) مدارک الأحکام 3: 238 فی مسألة کراهة الصلاة وبین یدی المصلی مصحف مفتوح.
7) (7) فی " ق " عن العلامة.
8) (8) حکاه السید المجاهد قدس سره فی مفاتیح الأصول: 346.
الثانی: ما ذکره جماعة (1)
المجاهد رحمه الله فی مفاتیح الأصول: 347.
تبعا للوحید البهبهانی رحمه الله (2)الزوال (یعنی یوم الجمعة).
من حسنالاحتیاط الثابت بالسنة والاجماع والعقل.
والاعتراض علیه بمنع صدق الاحتیاط فی المقام - بناء علی اختصاصه
بالتجنب عن محتمل الضرر - مدفوع أولا: بظهور صدق الاحتیاط بناء علی ما
فسروه بأنه: الأخذ بالأوثق (3). وثانیا: بأن الاقدام علی محتمل المنفعة ومأمون
المضرة عنوان لا ریب فی حسنه. ولا فرق عند العقل بینه وبین الاحتراز عن
محتمل الضرر، فلا یتوقف حسنه علی صدق الاحتیاط علیه.
وأضعف من هذا، الاعتراض بأنه مستلزم للتشریع المحرم وأن ترک السنة
أولی من فعل البدعة.
توضیح الضعف - مع وضوحه - أن التشریع هو: أن ینسب إلی الشرع
شیئا علم أنه لیس منه أو لم یعلم کونه منه، لا أن یفعل شیئا لاحتمال أن یکون
فعله مطلوبا فی الشرع، أو یترکه لاحتمال أن یکون ترکه کذلک، فإنه أمر
مطلوب یشهد به العقل والنقل، مع أن التشریع حرام بالأدلة الأربعة، وقد
یوجب الکفر.
ما یرد علی الوجه الثانی
نعم، یرد علی هذا الوجه أن الاقدام علی الفعل المذکور إنما یحسنه العقل
إذا کان الداعی علیه احتمال المحبوبیة وقصد المکلف إحراز محبوبات المولی
إخلاصا أو رجاء الثواب طمعا، ولا کلام لأحد فی ذلک، فإنه مما یستقل به العقل
ضرورة، إنما الکلام فی استحباب نفس الفعل المذکور علی حد سائر المستحبات
حتی یکون الداعی للمکلف علی فعله هو هذا الاستحباب القطعی الذی ثبت
من أدلة التسامح.
فالقائل بالتسامح یقول: إذا ورد روایة ضعیفة فی استحباب وضوء
الحائض - مثلا - فلها أن تتوضأ بقصد القربة المحققة المجزوم بها، لا أن لها أن
تتوضأ لاحتمال کون الوضوء مقربا فی حقها ومطلوبا منها. ولا یخفی أن نیة
القربة علی وجه الجزم یتوقف علی تحقق الأمر، والمفروض عدم تحققه.
وأما الأمر العقلی بحسن الاحتیاط وحکمه باستحقاق فاعله الثواب وإن
لم یصادف فعله المحبوبیة، بل التسویة فی الثواب بینه وبین من صادف - بناء علی
أن الفرق بینهما مخالف لقواعد العدلیة - فهو إنما یرد علی موضوع الاحتیاط
الذی لا یتحقق إلا بعد کون الداعی علی الاقدام هو احتمال المحبوبیة والثواب.
لا مجرد فعل محتمل المحبوبیة، فلا یمکن أن یکون نفس هذا الأمر العقلی
القطعی داعیا علی الاقدام المذکور.
ومنه یظهر أنه لو فرض ورود الأمر الشرعی علی هذا الفعل مطابقا
لحکم العقل ومؤکدا له، فلا یعقل أن یصیر داعیا [إلی الفعل، بل الداعی هو
الاحتمال المذکور، وهو الذی یدعو إلی الفعل لو أغمض الفاعل عن ثبوت
حسنه والأمر به واستحقاق الثواب المنجز علیه عقلا وشرعا. وأیضا فإن حکم العقل
باستحقاق هذا الفاعل الثواب ثابت ولو فی صورة فرض عدم التفات الفاعل
إلی ورود الأمر الشرعی.
حکم العقل بحسن الاحتیاط منشأ لاستحقاق الثواب
فتبین أن الأمر الشرعی الوارد علی فعل الاحتیاط من حیث هو احتیاط
لیس داعیا] (1)للفاعل إلی الاحتیاط ولا منشأ لاستحقاق الثواب.
والسر فیه: أن الاحتیاط فی الحقیقة راجع إلی ضرب من الإطاعة، فهی
1) (1) ما بین المعقوفتین ساقط من " ط ".
إطاعة احتمالیة، فکما أن الإطاعة العلمیة المتحققة بإتیان الشئ لأنه مأمور به
هی بنفسها حسنة موجبة لاستحقاق الثواب من غیر التفات واحتیاج إلی قول
الشارع: (أطعنی فی أوامری) ولو فرض أنه قال کذلک فالثواب لیس بإزاء هذا
الأمر ومن جهته، فکذلک الإطاعة الاحتمالیة المتحققة بإتیان الشئ لاحتمال
کونه مأمورا به هی بنفسها موجبة لاستحقاق الثواب، ولا یحتاج إلی ورود الأمر
من الشارع، ولو ورد فلیس الثواب من جهة هذا الأمر (1).
نعم، لو فرض ورود أمر شرعی لا علی الموضوع الذی حسنه العقل
وحکم باستحقاق الثواب علیه وهو (الاحتیاط من حیث هو احتیاط) بل علی
مجرد فعل ما یحتمل استحبابه مطلقا أو من جهة بلوغه إلیه بخبر محتمل الصدق
بحیث یکون إدراک المطلوبات الواقعیة وإحرازها داعیا للآمر إلی أمره لا
للمأمور إلی فعله، فهو المثبت لما راموه من التسامح.
وهذا المعنی مستفاد من بعض الأخبار الآتیة، مع احتمال کون مساق
جمیعها مساق الاحتیاط.
حاصل الفرق بین التسامح والاحتیاط
فحاصل الفرق بین قاعدة التسامح وقاعدة الاحتیاط: أن إدراک المطلوب
الواقعی والوصول إلیه فی الأولی داع إلی للآمر إلی أمره وفی الثانیة داع للمأمور
إلی فعله.
وأیضا فالموجب للثواب فی الأولی هو الأمر القطعی الوارد بالتسامح،
بخلاف الثانیة، فإن الموجب للثواب هو نفس الاحتیاط دون الأمر الوارد به.
وأیضا فاحتمال الحرمة یمنع جریان القاعدة الثانیة، لعدم تحقق عنوان
(الاحتیاط) معه، بخلاف الأولی.
وسیأتی ثمرات أخر للقاعدتین فی فروع المسألة، إن شاء الله تعالی.
1) (1) فی " ق " بموافقة هذا الأمر.
الثالث: الأخبار المستفیضة التی لا یبعد دعوی تواترها معنی:
فمنها: مصححة هشام بن سالم عن أبی عبد الله علیه السلام قال: (من بلغه
عن النبی صلی الله علیه وآله شئ من الثواب فعمله، کان أجر ذلک له، وإن کان
رسول الله صلی الله علیه وآله لم یقله (1).
ومنها: حسنة أخری - کالصحیحة - له، عن أبی عبد الله إلیه السلام أیضا،
قال: (من سمع شیئا من الثواب علی شئ فصنعه کان له أجره وإن لم یکن کما
بلغه) (2)
لم یکن علی ما بلغه ".
.ومنها: المروی عن صفوان، عن أبی عبد الله علیه السلام قال: (من بلغه شئ
من الثواب علی شئ من الخیر فعمل به، کان له أجر ذلک وإن کان رسول الله
صلی الله علیه وآله لم یقله) (3).
ومنها: خبر محمد بن مروان عن أبی عبد الله علیه السلام قال: (من بلغه عن
النبی صلی الله علیه وآله شئ من الثواب، ففعل ذلک طلب قول النبی صلی الله علیه وآله
کان له ذلک، وإن کان النبی صلی الله علیه وآله لم یقله) (4)
الخ ".
.ومنها: خبر آخر لمحمد بن مروان، قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام یقول:
(من بلغه ثواب من الله علی عمل ففعله التماس ذلک الثواب، أؤتیه وإن لم یکن
الحدیث کما بلغه) (5)
التماس.. الخ.
.1) (1) الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحدیث 3.
2) (2) الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحدیث 6 وفیه: " فصنعه کان له وإن
3) (3) الوسائل 1: 59 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحدیث 1.
4) (4) الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب العبادات الحدیث 4 وفیه: " کان له ذلک الثواب
5) (5) الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحدیث 7 وفیه: " فعمل ذلک العمل
ومنها: (1)المحکی عن ابن طاووس رحمه الله فی الإقبال أنه روی عن الصادق
علیه السلام قال: (من بلغه شئ من الخیر فعمل به کان ذلک له، وإن لم یکن الأمر
کما بلغه) (2).
ومن طریق العامة ما عن عبد الرحمن الحلوانی أنه رفع إلی جابر بن
عبد الله الأنصاری، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله (من بلغه من الله فضیلة
فأخذ بها وعمل بها إیمانا بالله ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلک، وإن لم یکن
کذلک) (3).
وجوه الاعتراض علی الاستدلال بالأخبار
وهذه الأخبار مع صحة بضعها غنیة عن ملاحظة سندها، لتعاضدها
وتلقیها بالقبول بین الفحول.
نعم، ربما اعترض علیها من غیر جهة السند بوجوه:
الاعتراض الأول
منها: أن هذه الأخبار لا تخرج عن الآحاد، فلا تکون حجة فی المسألة.
والجواب عنه: تارة بمنع کونا آحادا، بل هی إما متواترة أو محفوفة
بالقرینة، لما عرفت من تحقق الاتفاق واستفاضة نقلها علی مضمونها.
وأخری بمنع عدم جواز العمل بالآحاد فی الأصول العملیة، وإنما هی
ممنوعة فی أصول الدین.
جواب جماعة من المشایخ
وقد أجاب عنه جماعة من مشایخنا المعاصرین قدس سرهم (4)بمنع کون
المسألة أصولیة، لأن الکلام لیس فی حجیة الخبر الضعیف فی المستحبات، بل هو
غیر حجة وغیر مفتی به (5)مطلقا، ولا یجوز الرکون إلیه فی حکم من الأحکام،
وإنما الکلام فی مسألة فرعیة، وهی استحباب کل فعل بلغ الثواب علیه، فالخبر
الضعیف لیس دلیلا علی الحکم وإنما هو محقق لموضوعه، نظیر ید المسلم واحتمال
طهارة مجهول النجاسة، فکما أن الدلیل فی ملکیة کل ما فی ید مسلم وطهارة
مجهول النجاسة الفعل هذه الأخبار الصحیحة لا الخبر الضعیف، فتکون هذه الأخبار أدلة حجیة الخبر الضعیف.
مناقشة المؤلف فیما أفادوه
أقول: وهذا الکلام لا یخلو عن مناقشة، بل منع.
أما أولا: فلأنه مخالف لعنوان المسألة فی معقد الشهرة والاجماعات
المحکیة بقولهم: یتسامح فی أدلة السنن، فإن الظاهر منه العمل بالخبر الضعیف
فی السنن، وهکذا قولهم: یستحب کذا للروایة الفلانیة، فیریدون الاستحباب
الواقعی الذی هو مدلول الروایة الضعیفة، وقد تراهم یجمعون بین مستحبات
کثیرة کالوضوءات والأغسال المستحبة مع أن استحباب بعضها ثابت بالروایة
الضعیفة.
والحاصل: أن التأمل فی کلماتهم فی الأصول والفقه یوجب القطع بإرادة
حجیة الخبر الضعیف فی المستحبات.
وأما ثانیا: فإن ما ذکر من التعبیر عن المسألة باستحباب کل فعل دل
علی استحبابه خبر ضعیف عبارة أخری عن حجیة الخبر الضعیف فی
المستحبات. ویجوز مثل هذا التعبیر فی حجیة الخبر الصحیح، بأن یقال: الکلام
فیه فی وجوب کل فعل دل الخبر الصحیح علی وجوبه واستحباب کل ما دل الخبر
علی استحبابه، وکذا الحرمة والکراهة والإباحة، وکذا الأحکام الوضعیة بناء علی
کونها أحکاما مستقلة، کما استدلوا علی حجیة الخبر الواحد بأن فی ترک فعل
أخبر بوجوبه مظنة للضرر، ویجب دفع الضرر المظنون، وحاصل هذا یرجع إلی
أنه یجب عقلا کل فعل أخبر بوجوبه ویحرم کل ما أخبر بحرمته. بل إذا تأملت
فی سائر أدلة وجوب العمل بالخبر لا تجدها إلا دالة علی إنشاء الأحکام الظاهریة
المطابقة لمدلول الخبر لموضوعاتها، ولا محصل لجعل الخبر حجة ومتبعا إلا هذا،
فإن المراد من تصدیق العادل فیما یخبره أو العمل بخبره لیس عقد القلب علی
صدقه وکونه متبعا، بل تطبیق المکلف عمله - أعنی حرکاته وسکناته - علی مدلول
الخبر، وهذا المعنی بعینه مجعول فی الخبر الضعیف بالنسبة إلی الاستحباب. أتری
أن المانع عن التمسک بالآحاد فی المسألة الأصولیة یتمسک بالخبر الواحد علی
أنه یجب کل فعل ذهب المشهور إلی وجوبه ویستحب کل ما ذهبوا إلی
استحبابه، ویحرم کل ما ذهبوا إلی تحریمه ویکره کذلک ویباح کذلک؟ أو یقول:
إنه تمسک (1)بالخبر الواحد فی مسألة الشهرة؟ هذا، مع أنک تأملت لا تکاد
تجد ثمرة فی فرع من فروع المسألة بین التعبیرین المذکورین، فتأمل.
وأما ثالثا: فلأنا لو سلمنا أن الکلام لیس فی حجیة الخبر الضعیف - بناء
علی أن الحجة من الأمور الغیر العلمیة عبارة عما أمر الشارع باتباعه وتصدیقه
والبناء علی مطابقة مضمونه للواقع، وأخبار التسامح لم یستفد منها ثبوت هذا
الاعتناء للخبر الضعیف، بل استفید منها استحباب فعل قام علی استحبابه خبر
ضعیف، نظیر أدلة وجوب الاحتیاط علی القول بوجوبه مطلقا أو فی الجملة، حیث
إنها تدل علی وجوب کل فعل قام فیه احتمال الحرمة (2)أو احتمال کونه هو
المکلف، وأدلة الاستصحاب حیث إنها تدل علی ثبوت الحکم السابق لکل
موضوع احتمل فیه بقاء ذلک الحکم، فنظیر الخبر الضعیف نظیر مجرد الاحتمال
فی مسألتی الاحتیاط والاستصحاب [فی کونه محققا لموضوع الحکم الظاهری،
لا علامة ودلیلا علی الحکم الواقعی - لکن نقول: إن هذا لا ینفع فی إخراج
المسألة عن الأصول، غایة الأمر أن یکون نظیر مسألتی الاحتیاط
والاستصحاب] (1).
تصریح الحلی والخوانساری بعدم ثبوت المسألة الأصولیة بالخبر الواحد
وقد صرح المحقق فی المعارج فی جواب من استدل علی وجوب الاحتیاط
بقوله صلی الله علیه وآله: (دع ما یریبک إلی ما لا یریبک) (2)بکون مسألة الاحتیاط
أصولیة لا تثبت بالخبر الواحد (3)
216.
. وکذا صرح المحقق الخوانساری (4)بکونمسألة الاستصحاب أصولیة لا یجوز التمسک فیها بالآحاد (5)، أتری أن هذین
المحققین لم یمیزا بین المسألة الأصولیة والفروعیة؟.
نعم، قد خلط بینهما من قاس مسألتنا بمسألة اعتبار الید وأصالة الطهارة
فی الأعیان المشکوکة.
الفرق بین المسألة الأصولیة والقاعدة الفقهیة
فالتحقیق فی الفرق بینهما هو: أن المسألة الأصولیة عبارة عن کل قاعدة
یبتنی علیها الفقه، أعنی معرفة الأحکام الکلیة الصادرة من الشارع، ومهدت
لذلک، فهی بعد إتقانها وفهمها عموما أو خصوصا مرجع للفقیه فی الأحکام
الفرعیة الکلیة، سواء بحث فیها عن حجیة شئ أم لا. وکل قاعدة متعلقة
بالعمل لیست کذلک فهی فرعیة سواء بحث فیها عن حجیة شئ أم لا. ومن
خواص المسألة الأصولیة أنها لا تنفع فی العمل ما لم تنضم إلیه صرف قوة
الاجتهاد واستعمال ملکته، فلا تفید المقلد، بخلاف المسائل الفروعیة، فإنها إذا
أتقنها المجتهد علی الوجه الذی استنبطها من الأدلة جاز إلقائها إلی المقلد
لیعمل بها.
1) (1) ما بین المعقوفتین لم یرد فی " ط ".
2) (2) عوالی اللئالی 3: 330، الحدیث 214.
3) (3) معارج الأصول: الفصل الخامس من الباب السابع: 157 والفصل الثالث من الباب العاشر:
4) (4) فی " ق " المحقق السبزواری. وفی هامش المطبوعة: بخطه الشریف " السبزواری ".
5) (5) مشارق الشموس: 76 فی مسألة الاستنجاء بثلاثة أحجار.
وحینئذ فالبحث عن حجة الخبر الواحد ووجوب الاحتیاط
والاستصحاب فی الأحکام الصادرة عن الشارع مسائل أصولیة، لأن المجتهد
بعدما أتقنها عموما أو خصوصا یرجع إلیها فی المسائل الفرعیة ولا تنفع المقلد،
لأن العمل بها موقوف علی ملکة الاجتهاد، فکیف یمکن للمقلد أن یعمل بالخبر.
الواحد حیثما وجده مع عدم قوة له یقتدر بها علی فهم مدلول الخبر والفحص
عن معارضه وکیفیة علاج المعارضة بعد العثور علی المعارض؟ وکیف یمکن
للمقلد إیجاب الاحتیاط علی نفسه أو الأخذ بالبراءة فی المسائل المشکوکة أو
الالتزام بالحالة السابقة فیها؟ مع أن جمیع ذلک موقوف علی صرف ملکة الاجتهاد
واستعمال القوة القدسیة فی الفحص عن الأدلة وفهم ما یمکن منها أن یرد علی
الأصول المذکورة ویرفع الید به عنها، وذلک واضح.
والحاصل: أنه لا فرق بین الأصول وبین العمومات اللفظیة التی هی أدلة
الأحکام فی أنه لا یعمل بها (1)إلا بعد الفحص.
وأما البحث عن اعتبار الید وأصالة الطهارة فی الأعیان المشکوکة وحجیة
قول الشاهدین فهی مسائل فرعیة، لأنها بعد إتقانها لا یرجع إلیها المجتهد عند
الشک فی الأحکام الکلیة، إذ الثابت بهذه القواعد الأحکام الجزئیة الثابتة
للجزئیات الحقیقیة التی لیس وظیفة الفقیه البحث عنها، بل هو والمقلد فیها
سواء، فهی لیست متعلقة للاجتهاد ولا التقلید.
وأما ما یری من رجوع الفقهاء فی الموارد إلی القواعد - مثل قاعدة اللزوم
وقاعدة الصحة ونحوهما - فلا یعنون بها الأحکام الفرعیة المرادة من هذه
العمومات، بل المراد بها نفس العمومات التی هی القابلة للرجوع إلیها عند
الشک.
1) (1) فی " ط " بهما.
وأما مدلول هذه العمومات والمستنبط منها بعد الاجتهاد والنظر فی تلک
العمومات ومعارضها وما یصلح أن یخصصها ونحو ذلک، فهی قاعدة لا تنفع إلا
فی العمل وینبغی أن تلقی إلی المقلد وتکتب فی رسائل التقلید. مثلا إذا لاحظ
الفقیه قوله تعالی: (أوفوا بالعقود) (1)واستنبط قاعدة وجوب الوفاء بکل العقود
أو ببعضها - علی حسب ما یکشف له بعد ملاحظة المعارضات والمخصصات أنه
مراد الله سبحانه وتعالی من هذا العموم - فلا ریب أن هذه القاعدة قاعدة عملیة
تلقی إلی المقلد ولا یصح أن یکون مرجعا فی مسألة، وإنما المرجع فی المسألة
المشکوک فیها هو العموم الدال علی هذه القاعدة. وهذا بخلاف الرجوع إلی
قاعدة الیقین أو الاحتیاط فی مقام الشک أو التمسک بالخبر الواحد، فإن شیئا
من ذلک لیس رجوعا إلی عموم قوله علیه السلام: (لا تنقض) ولا إلی عموم قوله علیه
السلام: (إحتط لدینک) (2)ولا إلی عموم أدلة حجیة الخبر الواحد، إذ لم یقع شک فی
تخصیص هذه العمومات حتی یرجع إلی عمومها.
فتبین أن حال قوله علیه السلام: (لا تنقض الیقین) (3)مثلا حال أدلة حجیة
الخبر الواحد فی أن المجتهد (4)بعد ما فهم مراد الله سبحانه منها عموما أو
خصوصا فیصیر المراد منها مرجعا للأحکام الشرعیة عند الشک، بخلاف
(أوفوا بالعقود) فإن المرجع فی الحقیقة أصالة الحقیقة وعدم التخصیص الثابتة
فی نفس الآیة، لا فی المعنی المراد منها.
وأن أبیت إلا عن أن المرجع فی موارد الاستصحاب لیس إلا نفس قوله
علیه السلام: (لا تنقض الیقین) فهو نفس المرجع لا دلیله، منعنا علی هذا الوجه
کون المرجع فی إثبات حکم العقد المشکوک وجوب الوفاء به هی الآیة، لأن
الشک فی وجوب الوفاء بهذا العقد الخاص راجع (1)إلی الشک فی شمول الآیة،
فالدلیل فی الحقیقة علی وجوب الوفاء بما شک فی شمول الآیة هو ما دل علی
وجوب الحکم بالشمول فی العمومات اللفظیة عند الشک فی خروج بعض
الأفراد، وهذا غیر جار فی الرجوع إلی (لا تنقض) فی موارد الاستصحاب.
والحاصل: أن (لا تنقض) فی مرتبة فوق مرتبة (أوفوا بالعقود) فإن
اعتبرت الآیة مرجعا کان (لا تنقض) دلیل المرجع، وإن کان (لا تنقض) مرجعا
کان دلیل اعتبار ظاهر الآیة مرجعا فی مقام الشک، لا نفسها. والسر فی ذلک: أن
الشک الموجب للرجوع إلی (لا تنقض) غیر الشک الموجب للرجوع إلی عموم
الآیة، فافهم واغتنم.
إذا عرفت ما ذکرنا ظهر لک أن قاعدة التسامح مسألة أصولیة، لأنها
بعد إتقانها واستنباط ما هو مراد الشارع منها من غالب الأخبار المتقدمة، فهی
شئ یرجع إلیه المجتهد فی استحباب الأفعال ولیس ما ینفع المقلد فی شئ، لأن
العمل بها یحتاج إلی إعمال ملکة الاجتهاد وصرف القوة القدسیة فی استنباط
مدلول الخبر، والفحص عن معارضه الراجح علیه أو المساوی له ونحو ذلک مما
یحتاج إلیه العمل بالخبر الصحیح، فهو نظیر مسألة حجیة الخبر الواحد ومسألتی
الاستصحاب والبراءة والاحتیاط فی أنها یرجع إلیها المجتهد ولا ینفع المقلد، وإن
کانت نفس القاعدة قطعیة المراد من حیث العموم أو الخصوص.
ومما ذکرنا ظهر أن إطلاق الرخصة للمقلدین فی قاعدة التسامح غیر
جائز، کیف ودلالة الأخبار الضعیفة غیر ضروریة، فقد یظهر منها ما یجب طرحها،
لمنافاته لدلیل معتبر عقلی أو نقلی، وقد یعارض الاستحباب احتمال الحرمة الذی
لا یتفطن له المقلد، وقد یخطأ فی فهم کیفیة العمل، إلی غیر ذلک من الاختلال.
1) (1) فی " ق " العقد الخارجی یرجع إلی.
نعم، یمکن أن یرخص له ذلک علی وجه خاص یؤمن معه الخطأ،
کترخیص أدعیة کتاب (زاد المعاد) مثلا للعامی الذی لا یقطع باستحبابها، وهو
فی الحقیقة إفتاء باستحبابها، لا إفتاء بالتسامح.
الاعتراض الثانی
ومن جملة ما أورد علی تلک الأخبار ما حکی عن جماعة (1)
المصحف: 34.
من أن (2)علی أن مقدار الثواب الذی... الخ.
تلکالأخبار الدالة علی أن مقدار الثواب الذی أخبر به فی العمل الثابت استحبابه
المروی، فهی ساکتة عن ثبوت الثواب علی الفعل الذی أخبر بأصل الثواب
علیه.
ویجاب عن ذلک باطلاق الأخبار. نعم، قوله علیه السلام فی روایة صفوان
المتقدمة: (من بلغه شئ من الثواب علی شئ من الخیر فعمل... الخ) (3)ظاهر
فیما ذکره المورد، بل لا یبعد استظهار ذلک من بعض آخر، مثل الروایة الثانیة
لمحمد بن مروان عن أبی جعفر علیه السلام (4)کما لا یخفی.
لکنه ظهور ضعیف، مع أن فی إطلاق البواقی کفایة. والمقید هنا لا یعارض
المطلق حتی یحمل المطلق علیه، مع أن صریح بعضها الاختصاص بورود الروایة
فی أصل الرجحان والخیریة، مثل قوله علیه السلام فی روایة الإقبال المتقدمة: (من
بلغه شئ من الخیر فعمل به) (5)وقوله علیه السلام فی الروایة الأولی لهشام: (من
بلغه شئ من الثواب فعمله) فإن الظاهر من (شئ من الثواب) بقرینة فعله
هو نفس الفعل المستحب، وکذا الروایة الأولی لمحمد بن مروان (1)والنبوی
العامی (2).
الاعتراض الثالث
ومنها: ما قیل: من أن الروایات مختصة بما ورد فیه الثواب، فلا یشمل
ما دل علی أصل الرجحان ولو استلزمه الثواب.
وأجیب عنه بأن الرجحان یستلزم الثواب، فقد ورد الثواب، ولو بدلالة ما
ورد علیه التزاما.
وفیه: أن المخبر بأن الله تعالی قال: (افعلوا کذا) لیس مخبرا بأن الله یثیب
علیه، إذ الأمر لا یدل علی ترتب الثواب علی فعل المأمور به بإحدی الدلالات.
نعم، العقل یحکم باستحقاق الثواب علیه، إلا أن یقال: إن الأخبار بالطلب
یستلزم عرفا الأخبار بالثواب.
والأحسن فی الجواب أن یقال: کثیرا من الأخبار المتقدمة خال عن
اعتبار بلوغ الثواب علی العمل، مثل روایة ابن طاووس والنبوی، وقد عرفت أن
المراد بالثواب فی أولیی روایات هشام وابن مروان کالمراد بالفضیلة فی النبوی هو
نفس العمل بعلاقة السببیة، کما فی قوله تعالی: (وسارعوا إلی مغفرة من
ربکم) (3).
الاعتراض الرابع
ومنها: أن هذه الأخبار معارضة بما دل علی لزوم طرح خبر الفاسق وجعل
احتمال صدقه کالعدم.
وأجیب عنه بأنه لا تعارض، نظرا إلی أن هذه الأخبار لا تدل علی جواز
الرکون إلی خبر الفاسق وتصدیقه، وإنما تدل علی استحباب ما روی الفاسق
استحبابه.
وفیه: أن هذا وإن لم یکن تصدیقا له، إلا أن معنی طرح خبر الفاسق
جعل احتمال صدقه کالعدم، وظاهر هذه الأخبار الاعتناء باحتمال صدقه وعدم
جعله کالعدم، ولهذا لو وقع نظیر هذا فی خبر الفاسق الدال علی الوجوب لکانت
أدلة طرح خبر الفاسق معارضة له قطعا. بل قد عرفت مما ذکرنا أن هذا فی
الحقیقة عمل بخبر الفاسق.
وربما یجاب أیضا بأن النسبة بینهما عموم من وجه، والترجیح مع هذه الأخبار.
والتحقیق فی الجواب: أن دلیل طرح خبر الفاسق إن کان هو الاجماع
فهو فی المقام غیر ثابت، وإن کان آیة النبأ فهی مختصة - بشهادة تعلیها -
بالوجوب والتحریم، فلا بد فی التعدی عنهما من دلیل مفقود فی المقام.
الاعتراض الخامس
ومنها: أن الأخبار بترتب الثواب علی العمل المذکور لا یستلزم
الاستحباب.
وأجیب: بأن الثواب لا یکون إلا فیما یرجح فعله علی ترکه، ولیس
المستحب إلا ما کان کذلک [وجاز ترکه] (1).
الایراد علی الجواب
وفیه: أن الثواب قد یکون علی إتیان الشئ لاحتمال کونه مطلوبا
راجحا، وهذا لا یحتاج فی ترتب الثواب إلی رجحان آخر غیر الرجحان المحتمل.
وقد ذکرنا سابقا أن هناک شیئین: أحدهما: فعل محتمل المطلوبیة لداعی احتمال
کونه مطلوبا، وهو معنی الاحتیاط، وهذا لا یحتاج فی ترتب الثواب علیه إلی
صدور طلبه فی الشارع، بل یکفی احتمال کون الفعل مطلوبا مع کون داعی
الفعل هو هذا الاحتمال. والثانی: مجرد إتیان محتمل المطلوبیة من دون ملاحظة
کون الداعی هو الاحتمال، وهذا لا یترتب الثواب علیه إلا إذا ورد الأمر به
1) (1) ما بین المعقوفتین غیر موجود فی " ق ".
شرعا، لأن ترتب الثواب لا یکون فی فعل إلا إذا کان الداعی علیه طلبا محققا
أو محتملا، واحتمال الأمر موجود لکنه لم یصر داعیا بالفرض، فإذا کان الأمر
المحقق غیر موجود، فلا ثواب.
حاصل الایراد
فحاصل الایراد: أنه کما یمکن أن تکون الأخبار محمولة علی الوجه
الثانی - بأن یکون الشارع قد طلب بهذه الأخبار مجرد فعل محتمل المطلوبیة،
فیکون إخباره بالثواب علیه کاشفا عن أمره به لیکون هذا الثواب المخبر به
بإزاء موافقة الاستحباب الذی کشف عنه بیان الثواب - کذلک یحتمل أن
یکون إخباره هذا بالثواب علی الوجه الأول، ویکون بیانا لما یحکم به العقل من
استحقاق العامل لداعی احتمال المطلوبیة الثواب المرجو ولو علی فرض مخالفته
للواقع، فیکون الأخبار مختصة بما إذا فعل الفعل لداعی احتمال المطلوبیة.
بل وربما یدعی أن هذا هو الظاهر من هذه الأخبار مع تفاوتها فی مراتب
الظهور، فإن قوله علیه السلام فی غیر واحد منها: (ففعله رجاء ذلک الثواب)
کالصریح فی ذلک، وما خلا عن هذا القید فإنما یستفاد منه کون الداعی إلی
الفعل احتمال المحبوبیة، من جهة تفریع إتیان الفعل علی البلوغ بالفاء الذی
هو ظاهر فی الترتیب، فإن العمل لا یترتب علی البلوغ ولا تأثیر للبلوغ فیه علی
وجه سوی کون ما یورثه البلوغ من القطع أو الظن أو الاحتمال داعیا إلی
العمل.
اللهم إلا أن یمنع من دلالة الفاء علی ما ذکر من السببیة والتأثیر، بل
هی عاطفة علی نحو قوله: (من سمع الأذان فبادر إلی المسجد کان له کذا)
فالأخبار الخالیة عن تعلیل الفعل برجاء الثواب غیر ظاهرة فی مضمون الأخبار
المشتملة علی التعلیل، بل هی ظاهرة فی ترتب الثواب علی نفس الفعل، واللازم
من ذلک کونها مسوقة لبیان استحبابه، لما عرفت من أن إتیان محتمل المطلوبیة
بما هو لا یوجب الثواب، فالأخبار بثبوت الثواب علیه بیان لاستحبابه، ومؤید
ما ذکرنا فهم الأصحاب القائلین بالتسامح.
الاعتراض السادس
ومنها: أن هذه الأخبار لو نهضت للدلالة علی استحباب الشئ بمجرد
ورود الروایة الضعیفة لنهضت للدلالة علی وجوب الشئ بذلک، لأن الروایة إذا
دلت علی الوجوب فیؤخذ بها ویحکم بکون الفعل طاعة، والمفروض أن المستفاد
من الروایة کون طلبه علی وجه یمنع من نقیضه فیثبت الوجوب.
وقد یجاب بأنا لم نعمل بالروایة الضعیفة حتی یلزمنا الأخذ بمضمونها،
وهو الطلب البالغ حد الالزام والمنع من النقیض، وإنما عملنا بالأخبار الدالة
علی استحباب ما ورد الروایة بأن فیه الثواب، وهذا منه، فیستحب وإن کان
واجبا علی تقدیر صدق الروایة فی الواقع، ولا تنافی بین وجوب الشئ واقعا
واستحبابه ظاهرا.
والأولی فی الجواب هو: أنا لو قلنا أیضا بحجیة الخبر الضعیف بهذه
الأخبار فإنما نقول بحجیته فی أصل رجحان الفعل دون خصوصیاته من الندب
أو الوجوب، فإن الواجب فیها التوقف والرجوع إلی الأصول العملیة، کأصالة
البراءة، وکم من حجة شرعیة یبعض فی مضمونها من حیث الأخذ والطرح.
وهناک أیضا بعض الاحتمالات التی ذکروها فی معنی هذه الأخبار، لم نتعرض لها
لبعدها وعدم فائدة مهمة فی ردها.
احتمال التحریم فی مورد التسامح
إنه إذا احتمل الفعل المذکور التحریم احتمالا مستندا إلی روایة أو فتوی
فقیه، فإن قلنا بالتسامح من باب الاحتیاط فهو غیر متحقق، لأن احتمال الحرمة
أولی بالمراعاة، ولا أقل من مساواته مع احتمال الرجحان فی الفعل.
اللهم إلا أن یقال: الذی لا یتأتی مع احتمال الحرمة هو الاحتیاط بمعنی
الأخذ بالأوثق، وأما قاعدة جلب المنفعة المحتملة فتوقفها علی عدم احتمال
الحرمة محل نظر، إذ الغرض قد یتعلق بخصوص المنفعة المحتملة فی الفعل.
إلا أن یقال: إن الکلام فی الحسن العقلی وحکم العقل باستحقاق من
أتی بمحتمل المطلوبیة رجاء محبوبیته الثواب، والعقل هنا غیر حاکم.
نعم، لو فرض کون المحبوبیة المحتملة علی تقدیر ثبوتها واقعا أقوی من
محبوبیة الترک المحتملة، فالظاهر ترجیح الفعل، ومن هنا ربما یحکم برجحان
فعل ما احتمل وجوبه وکراهته وترک ما احتمل حرمته واستحبابه، هذا من حیث
قوة المحبوبیة.
وأما من حیث إن دفع الضرر أولی من جلب النفع، فلا إشکال فی ترجیح
احتمال (1)الفعل أو الترک.
وأما بناء علی أخبار التسامح، فالظاهر إطلاقها وعدم تقییدها بعدم
احتمال الحرمة، نعم، ما اشتمل منها علی التعلیل برجاء الثواب ظاهر فی صورة
عدم احتمال الحرمة؟ لکنک قد عرفت أن المعتمد فی الاستدلال هو إطلاق غیرها،
والمطلق هنا لا یحمل علی المقید، کما لا یخفی. اللهم إلا أن یدعی انصراف تلک
الاطلاقات أیضا إلی غیر صورة احتمال التحریم، وعلی الاطلاق ففی صورة
احتمال الحرمة فیما وردت الروایة الضعیفة باستحبابه یتعارض استحباب الفعل
لأجل الأخبار واستحباب الترک لأجل قاعدة الاحتیاط.
والظاهر عدم التعارض، بل نحکم بکون کل من الفعل والترک مستحبا،
ولا ضیر فی ذلک، کما إذا دل علی استحباب شئ دلیل معتبر ودل علی تحریمه
أمارة غیر معتبرة - کالشهرة مثلا - فإن فعله من حیث هو مستحب، وترکه
لداعی احتمال مبغوضیته للمولی أیضا محبوب، فلم یتوجه الاستحبابان إلی
الفعل المطلق والترک المطلق (2)
جلب الاستحباب المقطوع به، فحینئذ حکم الشارع بطلب... الخ وفی کلا العبارتین
اضطراب، کما لا یخفی.
ثم لو فرض حکم العقل بأن دفع مضرة التحریمالمحتملة أولی من جلب منفعة الاستحباب المقطوع به، حکم الشارع بطلب
محتمل التحریم واستحبابه، فلا بد من تقیید الأخبار بما عدا صورة احتمال
التحریم.
یعتبر فی مورد التسامح أن لا یکون موهوما
هل یعتبر فی الروایة الضعیفة أن تفید الظن؟ أو یکفی فیها أن لا تکون
موهونة؟ أو لا یعتبر ذلک أیضا؟ وجوه، منشأها إطلاقات النصوص والفتاوی،
وإمکان دعوی انصراف النصوص التی هی مستند الفتاوی إلی صورة عدم کون
مضمون الروایة موهوما، أو إلی صورة کونه مظنونا، والاحتمال الأوسط أوسط.
التسامح فی ما بلغ عن طریق العامة
هل یعتبر فیها أن تکون مدونة فی کتب الخاصة أم لا؟ الأقوی هو الثانی،
لاطلاق الأخبار.
وقد حکی عن بعض منکری التسامح (1)
المسنونة.
إلزام القائلین به بأنه یلزمهم أنیعملوا بذلک، مع ما ورد من النهی عن الرجوع إلیهم وإلی کتبهم (2)
رواه فی العیون 1: 304 الباب 28 الحدیث 63.
.وفیه: أنه لیس رجوعا إلیهم، ومجرد الرجوع إلی کتبهم لأخذ روایات
الآداب والأخلاق والسنن مما لم یثبت تحریمه.
الخبر الضعیف فی القصص والمواعظ
حکی عن الشهید الثانی قدس سره فی الدرایة أنه قال: جوز الأکثر العمل
بالخبر الضعیف فی نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا فی صفات الله
وأحکام الحلال والحرام، وهو حسن حیث لم یبلغ الضعیف حد الوضع والاختلاق،
(انتهی) (1).
أقول: المراد بالخبر الضعیف فی القصص والمواعظ هو نقلها واستماعها
وضبطها فی القلب وترتیب الآثار علیها، عدا ما یتعلق بالواجب والحرام.
والحاصل: أن العمل بکل شئ علی حسب ذلک الشئ، وهذا أمر
وجدانی لا ینکر، ویدخل حکایة فضائل أهل البیت علیهم السلام ومصائبهم، ویدخل
فی العمل الأخبار بوقوعها من دون نسبة إلی الحکایة علی حد الأخبار (2)
علیه السلام یقول کذا ویفعل کذا ویبکی کذا...
بالأمورالواردة بالطرق المعتبرة، بأن یقال: کان أمیر المؤمنین علیه السلام یصلی کذا ویبکی
کذا، ونزل علی مولانا سید الشهداء علیه السلام کذا وکذا، ولا یجوز ذلک فی الأخبار
الکاذبة، وإن کان یجوز حکایتها، فإن حکایة الخبر الکاذب لیس کذبا، مع أنه
لا یبعد عدم الجواز إلا مع بیان کونها کاذبة.
تأیید جواز نقل
الضعیف بما
دل علی
رجحان الإعانة علی البر
ورجحان الابکاء
ثم إن الدلیل علی جواز ما ذکرنا من طریق العقل: حسن العمل بهذه
مع أمن المضرة فیها علی تقدیر الکذب. وأما من طریق النقل: فروایة ابن
طاووس رضی الله عنه والنبوی (3)مضافا إلی إجماع الذکری (4)المعتضد بحکایة ذلک
عن الأکثر.
وربما یؤید جواز نقل هذه الأخبار بما دل علی رجحان الإعانة علی البر
والتقوی (5)وما دل علی رجحان الابکاء علی سید الشهداء علیه السلام ما دامت
الغبراء والسماء وأن (من أبکی وجبت له الجنة) (1).
وفیه: أن الإعانة والابکاء قد قید رجحانهما - بالاجماع - بالسبب المباح،
فلا بد من ثبوت إباحة السبب من الخارج حتی یثبت له الاستحباب بواسطة دخوله
فی أحد العنوانین، فلا یمکن إثبات إباحة شئ وعدم تحریمه بأنه یصیر مما یعان
به علی البر، ولو کان کذلک لکان لأدلة الإعانة والابکاء قوة المعارضة لما دل علی
تحریم بعض الأشیاء، کالغناء بالملاهی لإجابة المؤمن ونحو
ذلک.
هل یلحق فتوی الفقیه بالروایة؟
أنه هل یلحق بالروایة - فی صیرورته منشأ للتسامح - فتوی الفقیه
یرجحان عمل أم لا؟ لا إشکال فی الالحاق بناء علی الاستناد إلی قاعدة
الاحتیاط.
وأما علی الاستناد إلی الأخبار: فالتحقیق أن یقال: إن کان یحتمل
استناده فی ذلک إلی صدور ذلک من الشارع أخذ به، لصدق (البلوغ) بإخباره.
وأما إن علم خطاؤه فی المستند بأن اطلعنا أنه استند فی ذلک إلی روایة لا دلالة
فیها فلا یؤخذ به وإن احتمل مطابقته للواقع، لأن مجرد احتمال الثواب غیر کاف
بمقتضی الأخبار، بل لا بد من صدق (البلوغ) من الله تعالی أو النبی
صلی الله علیه وآله وأقل ذلک احتمال صدقه فی حکایته، والمفروض أنا نعلم بأن هذا
الرجل مخطئ فی حکایته، فهو نظیر ما إذا قال الرجل: سمعت عن النبی
صلی الله علیه وآله أن فی کذا ثواب کذا، مع أنا لم نشک فی أنه سمع من رجل اشتبه
علیه برسول الله (2)صلی الله علیه وآله وأما الاکتفاء بمجرد احتمال أن یکون
رسول الله صلی الله علیه وآله قال کذا، فهو اکتفاء بمجرد الاحتمال ولا یحتاج إلی
قید (البلوغ). وکذا لو علمنا أنه استند فی ذلک إلی قاعدة عقلیة، فإن
(البلوغ) منصرف إلی غیر ذلک.
استحقاق الثواب علی مقدمة الواجب
ومن ذلک یظهر أن ما حکی من حکم الغزالی باستحقاق الثواب علی
فعل مقدمة الواجب (1)
المحققین ونقله عن الغزالی ".
لا یصیر منشأ للتسامح، لأن الظاهر عدم استناده فی ذلکإلا إلی قاعدة عقلیة، مثل تحسین العقل للاقدام علی تهیئة مقدمات الواجب
ونحو ذلک.
ومنه یظهر ما فیما ذکره المحقق القمی قدس سره فی القوانین: من إمکان کون
ذلک منشأ للتسامح (2). وأضعف من ذلک ما ذکره فی حاشیة منه علی هذا الکلام:
من أن القول بالاستحباب فی مثل المقام یستلزم تسدیس الأحکام (3).
إلحاق الکراهة بالاستحباب فی التسامح
أن المشهور إلحاق الکراهة بالاستحباب فی التسامح فی دلیله، ولا إشکال
فیه بناء علی الاستناد إلی قاعدة الاحتیاط. وأما بناء علی الاستناد إلی الأخبار:
فلا بد من تنقیح المناط بین الاستحباب والکراهة، وإلا فموارد الأخبار ظاهر
الاختصاص بالفعل المستحب، فلا یشمل ترک المکروه، إلا أن یدعی عموم لفظ
(الفضیلة) فی النبوی، بل عموم لفظ (الشئ) فی غیره للفعل والترک، فتأمل،
مضافا إلی ظاهر إجماع الذکری.
هل یجوز الافتاء باستحباب مورد التسامح؟
قیل: إن المستفاد من الأخبار هو إعطاء الثواب لمن بلغه الروایة، فلیزم
الاقتصار علی مدلولها، فإفتاء المجتهد باستحبابه مطلقا مشکل. نعم، للمجتهد
أن یروی الحدیث ثم یفتی بأن من عمل بمقتضاه کان الأجر له، انتهی
محصوله (1).
وفیه أولا: ما عرفت من أن الأخبار المتقدمة إنما دلت علی جواز
العمل بالأخبار الضعیفة فی السنن، فالأخبار الضعیفة فی مقام الاستحباب
بمنزلة الصحاح، وحینئذ فلا بأس بنقل المجتهد لمضمونها وهو الاستحباب
المطلق، فیکون بلوغ الروایة إلی المجتهد عثورا علی مدرک الحکم، لا قیدا
لموضوعه.
وثانیا: أنه لو سلمنا عدم دلالة تلک الأخبار إلا علی استحباب الفعل فی
حق من بلغه لا علی حجیة ما بلغ لمن بلغ، لکن نقول: قد عرفت أن أمثال هذه
المسائل مسائل أصولیة ومرجع المجتهد فی الأحکام الشرعیة دون المقلد، فالقیود
المأخوذة فی موضوعها إنما یعتبر اتصاف المجتهد بها دون المقلد، ألا تری أن
المعتبر فی استصحاب الحکم الشرعی کون المجتهد شاکا فی بقاء الحکم وارتفاعه
والمعتبر فی الاحتیاط کون المجتهد شاکا فی المکلف به؟ وکذا الکلام فی البراءة
والتخییر، والسر فی ذلک أو هذه القیود یتوقف تحققها إثباتا ونفیا فی مراجعة
الأدلة وبذل الجهد واستفراغ الوسع فیها، وکل ذلک وظیفة المجتهد، فکأنه یفعل
ذلک من طرف المقلد، ویسقط الاجتهاد عنه بفعله.
1) (1) مناهج الأصول: الفائدة الأولی.
وهذا بخلاف القواعد الفرعیة الظاهریة، فإن القیود المأخوذة فی
موضوعاتها نظیر القیود المأخوذة فی الأحکام الواقعیة - کالسفر والحضر والصحة
والمرض - یشترک فیها المجتهد والمقلد، من دخل فی الموضوع ثبت له الحکم،
ومن خرج فلا، کالاستصحاب والاحتیاط والبراءة والتخییر فی الشبهة
الموضوعیة فی الأمور الخارجیة، وقد عرفت سابقا وستعرف أن إثبات بلوغ
الثواب علی وجه لا یعارضه بلوغ العقاب أو ثبوته لیس من وظیفة المقلد.
وأما ثالثا: فلانا لو سلمنا کون بلوغ الثواب قیدا لموضوع الحکم
الفرعی - بأن یناط الاستحباب به وجودا وعدما بالنسبة إلی المجتهد والمقلد -
لکن نقول: إن إفتاء المجتهد بالاستحباب وإن کان إفتاء بما لم یدل علیه دلیل
الاستحباب - لأن الفرض اختصاصه بمن بلغه الثواب - إلا أن هذا مما لا
یترتب علیه مفسدة عملیة ولا یوجب وقوع المقلد فی خلاف الواقع، إذ المقلد
حین العمل یعتمد علی فتوی المجتهد، فهذه الفتوی محققة لموضوع حکم العقل
[بقاعدة التسامح إذا أخذها من المجتهد، أو حکم عقله بها] (1)والنقل فیه
باستحقاق الثواب، حیث إن المقلد إنما یأتی بالفعل رجاء للثواب، وفی هذا
الجواب نظر لا یخفی.
هل یجوز للمقلد أن یعمل بالتسامح.
هل یجوز للمقلد أن یعمل بقاعدة التسامح إذا أخذها تقلیدا من المجتهد
أو حکم عقله بها - بناء علی الاستناد فیه إلی الاحتیاط - أم لا؟ الظاهر من
بعض هو الأول (2).
والتحقیق: أن قاعدة التسامح - کما عرفت سابقا - مسألة أصولیة یرجع
إلیها المجتهد فی إثبات الاستحباب. ودعوی جواز رجوع المقلد إلیها إذا أمکنه
تشخیص الموضوع - بأن یفهم دلالة الروایة الضعیفة وسلامتها عن المعارضة
ببلوغ الحرمة، أو ثبوتها بدلیل معتبر، ویفهم علی تقدیر المعارضة ترجیح مدلول
أحدهما علی الآخر من حیث قوة الدلالة أو وجود الجابر، إلی غیر ذلک - معارضة
بجواز ذلک فی سائر القواعد الأصولیة، مثل العمل بالأصول فی الأحکام الشرعیة، بل العمل بالأدلة الشرعیة مثل الکتاب، بأن یفهم دلالتهما وسلامتهما
عن المعارض، کما لا یخفی.
فالأقوی عدم جواز رجوع المقلد إلیها إلا فی طائفة من الموارد التی یعلم
المجتهد بعدم ثبوت الحرمة فیها وثبوت الأخبار الضعیفة الواضحة الدلالة بحیث
یأمن المجتهد وقوع المقلد فی خلاف الواقع، لکن العمل بقاعدة حینئذ أیضا
جائز بعد تقلید المجتهد فی تحقیق شروطها وانتفاء موانعها.
حمل الخبر الضعیف الظاهر فی الوجوب علی الاستحباب
إذا وردت روایة ضعیفة بالوجوب أو الحرمة، فقد عرفت فی أصل المسألة
جواز الحکم بالاستحباب والکراهة، للأخبار - وإن قلنا بدلالتها علی العمل
بالروایة الضعیفة فی السنن - لأن التبعیض فی مدلولات الحجج الظاهریة أخذا
وطرحا لیس ببدیع، فیحکم فی الفعل المذکور بأن فیه - أو فی ترکه - الثواب
للأخبار، ولا یحکم بثبوت العقاب علی خلافه، لأصالة البراءة وعدم حجیة
الضعاف فی الوجوب والحرمة.
وکأن هذا مقصود الفقهاء - وإن أبت عنه عباراتهم - حیث یقولون بعد
ذکر الروایة الضعیفة الدالة علی الوجوب: (إن الروایة ضعیفة فتحمل علی
الاستحباب) [وحیث إن هذا الکلام تصریح فی الحمل علی الاستحباب علی
ضعف الروایة، طعن علیهم بأن ضعف الروایة کیف یصیر قرینة للحمل علی
الاستحباب]؟ (1)وأنت خبیر بأن هذا شئ غیر معقول لا یصدر عن عاقل
فضلا عن الفحول، فمرادهم - کما عن صریح شارح الدروس رحمه الله - هو أن
الحکم بالنسبة إلیها (2)الاستحباب (3)، وأما معنی حمل الروایة علی الاستحباب
فهو أن یؤخذ بمضمونها من حیث الثواب دون العقاب، فکأنه قد ألغیت دلالتها
علی اللزوم وعدم جواز الترک، تنزیلا لغیر المعتبر منزلة المعدوم.
إذا ورد دلیل معتبر علی عدم استحباب التسامح
إذا وردت روایة ضعیفة بالاستحباب وورد دلیل معتبر علی عدم
استحبابه، ففی جواز الحکم بالاستحباب من جهة الروایة الضعیفة وجهان، بل
قولان، صرح بعض مشایخنا (4)بالثانی لأن الدلیل المعتبر بمنزلة الدلیل القطعی،
فلا بد من التزام عدم استحبابه وترتیب الآثار عدم الاستحباب علیه، کما لو قطع
بعدم الاستحباب.
وفیه: أن الالتزام بعدم استحبابه لیس إلا من جهة ما دل علی حجیة ذلک
الدلیل المعتبر، وهو معارض بالأخبار المتقدمة، وإن سلمنا أنها لا تثبت حجیة
الخبر الضعیف، بل مجرد استحباب فعل ما بلغ علیه الثواب، إذ لا مدخل لهذا
التعبیر فی المعارضة، فإن معنی حجیة الخبر الصحیح تنزیله منزلة الواقع، ولا معنی
لذلک إلا جعل مضمونه - أعنی عدم الاستحباب - حکما للمکلف فی مرحلة
الظاهر، ومضمون تلک الأخبار جعل الاستحباب حکما له فی الظاهر. وأما تنزیل
هذا الدلیل المعتبر منزلة القطع فی عدم جواز العمل بتلک الأخبار فی مقابله فهو
ضعیف جدا، لأن الأخبار المتقدمة من جهة اختصاصها - کالفتاوی - بغیر
صورة القطع لا تجری فی صورة القطع، فکأن الشارع قال: (إن من بلغه الثواب
علی عمل أو لم یقطع بکذبه فیستحب له ذلک العمل) والدلیل المعتبر إنما هو
بمنزلة القطع بالنسبة إلی الأحکام المترتبة علی صفة القطع، کیف، ولو کان کذلک
لا یحسن الاحتیاط مع وجود الدلیل المعتبر، لأنه بمنزلة القطع الذی لا احتیاط
معه. وکذا ولو نذر أحد أن یصوم ما دام قاطعا بحیاة زید، فزال قطعه بها مع دلالة
الدلیل المعتبر - کالاستصحاب أو البینة - علیها، فإنه لا ینبغی التأمل فی عدم
وجوب الصوم.
والسر فی ذلک کله: أن الشارع نزل المظنون بالأدلة المعتبرة منزلة الواقع
المقطوع به، فیترتب علیه آثار الواقع، ونزل المحتمل بالمقابل للمظنون بمنزلة
غیر الواقع المقطوع بعدمه، لا أنه نزل صفة الظن منزلة صفة القطع ونزل نفس
الاحتمال المرجوح منزلة القطع بالعدم، فالتنزیلات الشرعیة فی الأدلة الغیر
العلمیة بالنسبة إلی المدرک، لا الادراک، فالتسامح والاحتیاط وعدم وجوب
الصوم فی الأمثلة المذکورة تابعة لنفس الاحتمال، وعدم القطع لا یرتفع بما دل
علی اعتبار الأدلة الظنیة، ولذا لا ینکر الاحتیاط مع قیام الأدلة المعتبرة.
والعجب ممن أنکر التسامح فی المقام مع أنه تمسک لاثباته بقاعدة الاحتیاط!
فالتحقیق: أنه لا إشکال فی التسامح فی المقام من باب الاحتیاط، بل هو
إجماعی ظاهرا. وأما من باب الأخبار: فمقتضی إطلاقها ذلک أیضا، إلا أن یدعی
انصرافها إلی غیر ذلک، ولا شاهد علیه، فیقع التعارض بین هذه الأخبار وأدلة
حجیة ذلک الدلیل المعتبر، لا نفسه، لاختلاف الموضوع، ومقتضی القاعدة وإن
کان هو التساقط، إلا أن الأمر لما دار بین الاستحباب وغیره وصدق بلوغ
الثواب - ولو من جهة أخبار بلوغ الثواب - حکم بالاستحباب تسامحا.
فإن قلت: أخبار بلوغ الثواب لا تعم نفسها.
قلنا: هو غیر معقول، إلا أن المناط منقح، فلا یقدح عدم العموم اللفظی
لعدم تعلقه، فافهم. فالقول بالتسامح قوی جدا.
تعارض الخبرین الضعیفین
لو ورد روایة ضعیفة بالاستحباب وأخری بعدمه، فلا إشکال فی
التسامح، لأن الخبر الضعیف لیس حجة فی عدم الاستحباب، فوجوده کعدمه.
ومنه یعلم أنه لو کان الدال علی عدم الاستحباب أخص مطلقا من الدال
علی الاستحباب، فلا یحمل هنا المطلق علی المقید ولا العام علی الخاص، لأن
دلالة الخبر الضعیف علی عدم الاستحباب مطلقا أو فی بعض الأفراد کالعدم.
لو ورد روایة ضعیفة بالوجوب أو بالاستحباب وأخری بالحرمة أو
الکراهة، فلا إشکال فی عدم جریان التسامح من باب الاحتیاط، کما لا یخفی،
إلا إذا بنینا علی ترجیح احتمال الحظر کراهة أو تحریما علی احتمال المحبوبیة
وجوبا أو استحبابا، وتقدیم احتمال اللزوم فعلا أو ترکا علی غیره.
وأما من جهة الأخبار: وظاهر الروایات استحباب کل من الفعل والترک.
وهو غیر ممکن، لأن طلب الفعل والترک قبیح، لعدم القدرة علی الامتثال. وصرف
الأخبار إلی استحباب أحدهما علی وجه التخییر موجب لاستعمال الکلام فی
الاستحباب العینی والتخییری، مع أن التخییر بین الفعل والترک فی الاستحباب
لا محصل له. فتعین خروج هذا الفرض عن عموم الأخبار، مضافا إلی انصرافها
بشهادة العرف إلی غیر هذه الصورة.
ورود روایة ضعیفة فی خصوصیات ما علم استحبابه
لو علم استحباب شئ وتردد بین شیئین، فلا إشکال فی استحباب
المتیقن إذا کان بینهما قدر متیقن، ولا فیما إذا کانا متباینین ولم یکن
قدر متیقن، وإنما الکلام فی استحباب غیر المتیقن إذا ورد روایة ضعیفة أو فتوی
فقیه، وفی استحباب أحد المتباینین.
مثال الأول: ما إذا ورد روایة أو فتوی باستحباب الزیارة الجامعة ولو مع
عدم الغسل وباستحباب النافلة ولو إلی غیر القبلة، وزیارة عاشوراء مع فقد
بعض الخصوصیات.
ومثال الثانی: ما إذا تردد المسح المستحب بثلاث أصابع بین أن یکون
طولا وأن یکون عرضا وکان علی کل منهما روایة أو فتوی، فهل فی الاقتصار علی
أحدهما ثواب من باب التسامح؟ والکلام قد یقع من باب الاحتیاط، وقد یقع
من باب الأخبار.
أما من باب الاحتیاط: فالظاهر أن الاتیان بالفرد المشکوک فی الأول
وبأحد المتبائنین فی الثانی لاحتمال مصادفته لرضا المولی لا یخلو عن رجحان، وإن
کان دون رجحان الاتیان بالمتیقن فی الأول والجمع بین المحتملین فی الثانی،
لاستقلال العقل بالفرق بین من لم یتعرض للامتثال رأسا وبین من تعرض له
بإتیان المحتمل، کما أن الاقدام علی محتمل المبغوضیة لا یخلو عن مرجوحیة، وإن
لم یجمع بین محتملاته.
نعم، لا یسمی هذا احتیاطا، لأن الاحتیاط لغة وعرفا هو إحراز المقصود
الواقعی سواء کان دفع ضرر أو جلب نفع، ویعبر عنه: الأخذ بالأوثق، وهو لا
یتحقق إلا إذا انحصر المحتمل فی المأتی به بأن لا یکون فی الواقع محتمل سواه
کما فی محتمل المطلوبیة أو المبغوضیة مع عدم العلم الاجمالی ویسمی بالشک فی
التکلیف، أو إذا جمع بین المحتملات کما فی الشک فی المکلف به مع العلم
بالتکلیف. وهذان القسمان مشترکان فی استحقاق الفاعل ثواب الامتثال
القطعی، أما الثانی فلأنه حصل القطع بالامتثال، وأما الأول فلأنه أیضا حصل
القطع به علی فرض ثبوته واقعا.
وأما [دعوی کون] (1)الاقتصار فی القسم الثانی علی أحد [المحتملات
فهو دون القسمین فی الرجحان. ومنع رجحانه لکون اقتصاره علی هذه] (2)
المحتملات کاشفا عن عدم کون الداعی له هو تحصیل رضا المولی - إذ لو کان
هو الداعی ادعاه (3)إلی تحصیل الیقین بالجمع بین المحتملات - مکابرة للوجدان
الحاکم بحسن التعرض للامتثال، عکس التعرض للمخالفة.
وأما الکلام فی استحباب هذا المحتمل من جهة الأخبار، فالتحقیق فیه:
التفصیل بین ما کان من القسم الأول - وهو الفرد المشکوک - وبین ما کان من القسم
الثانی - أعنی المتبائنین - فیشمل الأخبار الأول دون الثانی، لأنه إذا وردت روایة
بأن مطلق الزیارة الجامعة فیها کذا، فیصدق بلوغ الثواب علی هذا المطلق،
ومجرد ورود روایة أخری علی التقیید لا یمنع استحباب المطلق، لما عرفت فی
الأمر الحادی عشر من أن المطلق فی الأخبار الضعیفة لا یحمل علی المقید فیها،
لعدم حجیة الخبر الضعیف فی نفی الاستحباب، بل لو فرض روایة معتبرة علی
التقیید المستلزم للدلالة علی عدم استحباب ما عدا محل القید، فقد عرفت فی
الأمر العاشر قوة جریان التسامح فیه أیضا.
وأما أحد محتملی المتبائنین فهو وإن صدق علیه بعد ورود روایة باستحبابه
أنه مما بلغ علیه الثواب، إلا أن المحتمل الآخر أیضا کذلک، فإن حکم بثبوت
استحبابهما معا فهو خلاف الاجماع، وإن حکم باستحباب أحدهما دون ا لآخر
فهو ترجیح بلا مرجح، والتخییر مما لا یدل علیه الکلام. هذا، مع وضوح أن
الأخبار منصرفة بشهادة فهم العرف إلی الشبهة الابتدائیة دون الناشئة من
العلم الاجمالی.
وأما فی القسم الأول: فالمعلوم الاجمالی حیث دار بین المطلق والمقید.
فیکون استحباب المقید قطعیا ویشک فی استحباب المطلق بما هو هو، فیتسامح
فیما ورد فی استحبابه، فتأمل.
بقی هنا شئ، وهو أنا (1)إنما حکمنا فی القسم الأول بمجرد استحباب
الفرد المشکوک، وأما إثبات کونه امتثالا للکلی المأمور به المردد بین المطلق والمقید
بحیث یترتب علیه أحکام ذلک الکلی، فلا. مثلا إذا ورد الأمر بنوافل الظهر أو
صلاة جعفر فشککنا فی أنه یشترط فیهما القبلة أم لا؟ وورد روایة ضعیفة أو
فتوی فقیه فی عدم اشتراطهما بالقبلة، فالفرد المأتی بها علی خلاف القبلة لا یحکم
علیها بأنها صلاة جعفر، ولا أن الذمة برئت من نوافل الظهر، بل ولا (2)من
الأوامر القطعیة المتعلقة بمطلق الصلاة، فإن استحباب مطلق فعل تلک الأجزاء
ولو علی خلاف القبلة لا یستلزم الخروج عن عمومات الصلاة أو خصوصاتها.
سر عدم التسامح فی شروط المستحبات
وأجزائها
ومنه یظهر أن نیة امتثال تلک الأوامر القطعیة بهذا الفرد المشکوک تشریع
محرم. وهذا هو السر فی أنهم لا یتسامحون فی شروط الماهیات المستحبة وأجزائها،
بل یلتزمون فیها بالمتیقن متمسکین بأن العبادات توقیفیة، کما ذکروا ذلک فی
جواز النافلة إلی غیر القبلة، وفی جواز النافلة مضطجعا ومستلقیا فی حال
الاختیار ونحو ذلک.
فحاصل معنی التسامح الذی ذکرناه فی هذا المقام: أنه إذا ورد استحباب
مطلق وورد استحباب مقید بحیث یلزم منه نفی استحباب المطلق، فیحکم
باستحباب المطلق ولو فی ضمن غیر المقید، لکن لا یحکم بکونه امتثالا لأمر
قطعی ثبت فی المقام مرددا بین المطلق والمقید، فافهم واغتنم.
التسامح فی الدلالة
قد یجری (1)فی لسان بعض المعاصرین (2)من التسامح فی الدلالة نظیر
التسامح فی السند، بأن یکون فی الدلیل المعتبر من حیث السند دلالة ضعیفة،
فیثبت بها الاستحباب تسامحا.
وفیه نظر، فإن الأخبار مختصة بصورة بلوغ الثواب وسماعه، فلا بد أن
یکون البلوغ والسماع، ومع ضعف الدلالة لا بلوغ ولا سماع. نعم، قاعدة
الاحتیاط جاریة، لکنها لا تختص بالدلالة الضعیفة، بل تجری فی صورة إجمال
الدلیل واحتماله للمطلوبیة.
هل الاستحباب الثابت بالتسامح کسائر المستحبات؟
إذا ثبت استحباب شئ بهذه الأخبار فیصیر مستحبا کالمستحبات
الواقعیة، یترتب علیه ما یترتب علیها من الأحکام التکلیفیة والوضعیة.
والمحکی عن الذخیرة: أنه بعد ذکر أنه یمکن أن یتسامح فی أدلة السنن
بالأخبار المذکورة قال: لکن لا یخفی أن هذا الوجه إنما یفید مجرد ترتب الثواب
علی ذلک الفعل، لا أنه أمر شرعی یترتب علیه الأحکام الوضعیة المترتبة علی
الأحکام الواقعیة، انتهی کلامه (1)
الأفراد الواقعیة ".
.أقول: وکأنه حمل الأخبار علی عنوان الاحتیاط حتی لا یکون الفعل
المحتمل فی ذاته محبوبا، بل المحبوب هو الفعل مع کون الداعی علیه هو احتمال
المحبوبیة، لا الاستحباب القطعی الحاصل من تلک الأخبار، وحینئذ فالحق ما
ذکره، لأن الفعل مع قطع النظر عن کون الداعی علیه هو رجاء الثواب وإدراک
مطلوب المولی لیس مستحبا لا عقلا ولا شرعا، ومع القید المذکور لم یتعلق به
طلب شرعی یکون إتیانه امتثالا لذلک الطلب الشرعی، لما عرفت مفصلا من
أن الفعل بهذا القید بذاته موجب لاستحقاق الثواب، لا باعتبار صدور أمر فیه،
فحینئذ فالأحکام الوضعیة المترتبة فی المستحبات لا یترتب علیه. لکن قد عرفت
أن الأخبار فی مقام إثبات الاستحباب الشرعی لمحتمل المحبوبیة من حیث هو
هو. وحینئذ فهو کالمستحبات الواقعیة (2).
التسامح فی أفضلیة مستحب من مستحب آخر
یجوز العمل بالروایات الضعیفة فی أفضیلة مستحب من مستحب آخر.
أما علی قاعدة الاحتیاط: فواضح، لأن طلب المزیة المحتملة فی أحدهما محبوب
عقلا. وأما علی الأخبار: فلأن مرجع أفضیلة أحدهما إلی استحباب تقدیم
الفاضل علی المفضول فی الاختیار عند التعارض، فیشمله الأخبار، مضافا إلی
عموم ما تقدم عن الذکری: من أن أخبار الفضائل یتسامح فیها عند أهل
العلم (1).
ومن هنا یظهر وجه المسامحة فی کراهة العبادات بمعنی قلة الثواب. وأما
لو حملنا الکراهة فیها علی مجرد المرجوحیة من دون نقص الثواب بناء علی أن
المکروه من العبادات کالمعیوب الذی لا ینقص قیمته عن الصحیح - کما حکی
عن بعض - ففیه إشکال. ولو حملنا الکراهة علی المعنی الاصطلاحی فلا إشکال
أیضا فی التسامح.
التسامح فی تعیین مصداق المستحب
هل یجوز التسامح فی الروایة الغیر المعتبرة الدالة علی تشخیص مصداق
المستحب أو فتوی الفقیه بذلک؟ فإذا ذکر بعض الأصحاب أن هودا وصالحا
علی نبینا وآله وعلیهم السلام مدفونان فی هذا المقام - المتعارف الآن فی وادی السلام - فهل
یحکم باستحباب إتیان ذلک المقام لزیارتهما والحضور عندهما أم لا؟ وکذا لو ورد
روایة بدفن رأس مولانا سید الشهداء عند أمیر المؤمنین صلوات الله وسلامه علیهما فهل
یستحب زیارته بالخصوص أم لا؟ وکذا لو أخبر عدل واحد بکون هذا المکان
مسجدا أو مدفنا لنبی أو ولی.
والتحقیق أن یقال - بعد عدم الاشکال فی الاستحباب العقلی من باب
الاحتیاط وجلب المنفعة المحتملة -: إن الأخبار وإن کانت ظاهرة فی الشبهة
الحکمیة - أعنی ما إذا کانت الروایة مثبتة لنفس الاستحباب لا لموضوعه - إلا
أن الظاهر جریان الحکم فی محل الکلام بتنقیح المناط، إذ من المعلوم أن لا فرق
بین أن یعتمد علی خبر الشخص فی استحباب العمل الفلانی فی هذا المکان
1) (1) ذکری الشیعة: 68 أحکام المیت، فی التلقین.
المکان الفلانی الذی علم أنه یستحب فیه العمل الفلانی. مضافا إلی إمکان أن
یقال: إن الاخبار بالموضوع مستلزم للاخبار بالحکم، بل قد یکون الغرض منه
هو الاخبار بثبوت الحکم فی هذا الموضوع الخاص.
استلزام الاخبار بالموضوع الاخبار بالحکم
والحاصل: أن التسامح أقوی.
نعم، لو ترتب علی الخبر المذکور حکم آخر غیر الاستحباب لا یترتب
علیه، لما عرفت، لو ثبت کیفیة خاصة للزیارة من القریب بحیث لا یجوز من
البعید فلا یجوز، لأن الثابت من الروایة استحباب حضور هذا المکان، لا کون
الشخص مدفونا فیه، وکذا یستحب الصلاة فی المکان الذی یقال له: المسجد،
ولا یجب إزالة النجاسة عنه، ولا یجوز الاعتکاف فیه، إلی غیر ذلک مما هو واضح
من المطالب المتقدمة.
عدم مزاحمة حرمة التشریع الاستحباب التسامحی
قد عرفت أن حرمة التشریع لا یزاحم هذا الاستحباب، سواء قلنا به
من باب الاحتیاط أم قلنا به من باب الأخبار، لأن موضوع التشریع منتف علی
التقدیرین.
لکن هذا فی التشریع العام، وأما التشریع الخاص بأن یحکم الشارع بعدم
مشروعیة عنوان بالخصوص، کأن ینفی الصوم فی السفر بقوله علیه السلام: (لا صیام
فی السفر) (1)وقوله علیه السلام: (لیس من البر الصیام فی السفر) (2)ونحو ما دل علی
نفی الوتر فی النوافل (1)
لذلک بأنه مخالفة للتقدیر الشرعی فیکون منفیا، ولما رووه عن ابن مسعود: " إن النبی صلی الله علیه
وآله وسلم نهی عن البتیراء " یعنی الرکعة الواحدة. المعتبر 2: 18 - 19.
بمعنی صلاة رکعة واحدة، وقوله علیه السلام: (لا تطوع فیوقت فریضة) (2)أو (لا صلاة لمن علیه صلاة) (3)وقوله علیه السلام: (لا صلاة إلا إلی
القبلة) (4)
والظاهر عدم جریان التسامح فیها، لا لورود الدلیل المعتبر علی عدم
استحباب الفعل، لما عرفت من أن هذا لا یمنع التسامح - سیما علی قاعدة
الاحتیاط وجلب المنفعة المحتملة - بل لأن المستفاد من هذه الأدلة الخاصة هو
أن امتثال مطلقات أوامر هذه العبادات لا یتحقق بدون ذلک الشرط أو مع ذلک
المانع، لما عرفت من أن الأخبار الضعیفة لا تبین الماهیات التوقیفیة، فالصائم فی
السفر لا یجوز له أن ینوی الصوم لداعی امتثال أوامره، وکذا النافلة فی وقت
الفریضة، أو ممن علیه القضاء.
ظاهر الأصحاب عدم التفصیل فی مسألة التسامح بین أن یکون الفعل
من ماهیات العبادات المرکبة المخترعة وبین أن یکون من غیرها، إلا أن الأستاذ
الشریف قدس سره فصل ومنع التسامح فی الأولی، والذی بالبال مما ذکره لسانا فی
وجه التفصیل هو أن...
إلی هنا جف قلمه الشریف (5).
1) (1) قال المحقق قدس سره: " وهل یجوز الاقتصار علی الواحدة؟ الأشبه: لا، إلا فی الوتر " واستدل
2) (2) وردت بمضمونها روایات، راجع الوسائل 3: 164 الباب 35 من أبواب المواقیت.
3) (3) مستدرک الوسائل 3: 160 الباب 46 من أبواب المواقیت، الحدیث 2.
4) (4) الوسائل 3: 227 الباب 9 من أبواب القبلة، الحدیث 2.
5) (5) فی " ق " ولیته جری ما جری الماء فی الأنهار والفلک فی اللیل والنهار.
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین والصلاة والسلام علی محمد وآله الطاهرین ولعنة الله
علی أعدائهم أجمعین إلی یوم الدین.
وبعد، قد اشتهر فی ألسنة الفقهاء من زمان الشیخ قدس سره إلی زماننا،
قضیة کلیة یذکرونها فی مقام الاستدلال بها علی ما یتفرع علیها، کأنها بنفسها
دلیل معتبر أو مضمون دلیل معتبر، وهی: (إن من ملک شیئا ملک الاقرار به).
فأحببت أن أتکلم فی مؤداها، ومقدار عمومها، وفیما یمکن أن یکون وجها لثبوتها.
مورد القاعدة
والمقصود الأصلی الانتفاع بها فی غیر مقام إقرار البالغ الکامل علی
نفسه، إذ یکفی فی ذلک المقام ما أجمع علیه نصا وفتوی من نفوذ إقرار العقلاء
علی أنفسهم (1)، لکن لا ینفع ذلک فی إقرار الصبی فیما له أن یفعله، وإقرار
الوکیل والولی علی الأصیل.
فلا وجه لما تخیله بعض من استناد هذه القاعدة إلی قاعدة إقرار العقلاء.
1) (1) الوسائل 16: 111 الباب 2 من کتاب الاقرار، الحدیث 2.
وینبغی أولا ذکر کلمات من ذکرها بعینها أو بما یرادفها، ثم نتبعه بذکر
مرادهم منها بمقتضی ظاهرها، أو بمعونة قرینة استدلالهم بها فی الموارد الخاصة،
فنقول - مستعینا بالله -:
قال شیخ الطائفة قدس سره فی مسألة إقرار العبد المأذون فی التجارة (1): وإن
کان - یعنی المال المقر به - یتعلق بالتجارة، مثل ثمن البیع وأرش المعیب وما
أشبه ذلک، فإنه یقبل إقراره، لأنه من ملک شیئا ملک الاقرار به، إلا أنه ینظر
فیه، فإن کان الاقرار بقدر ما فی یده من مال التجارة قبل، وقضی (2)منه، وإن
کان أکثر الفاضل فی ذمته یتبع به إذا أعتق (3)(انتهی).
تقریر ابن إدریس لکلام الشیخ
وحکی هذا عنه الحلی فی السرائر ساکتا علیه (4)مع أن دأب الحلی بعدم
المسامحة فیما لا یرتضیه.
وعن القاضی فی المهذب: أنه إذا أقر المریض المکاتب لعبده فی حال
الصحة بأنه قبض مال الکتابة، صح اقراره وعتق العبد، لأن المریض یملک
القبض فیملک الاقرار به، مثل الصحیح (1).
وقال المحقق فی الشرائع: لو کان - یعنی العبد - مأذونا فی التجارة فأقر
بما یتعلق بها صح (2)، لأنه یملک التصرف فیملک الاقرار ویؤخذ ما أقر [به] (3).
مما فی یده (4)(انتهی).
وقد استدل علی تقدیم قول الوکیل فی التصرف: بأنه أقر بما له أن
یفعله (5).
تمسک العلامة بالقاعدة فی کتبه
ونحوه العلامة فی القواعد فی تلک المسألة (6)، وصرح بهذه القضیة فی باب
الاقرار (7)أیضا، وصرح فی جهاد التذکرة: بسماع دعوی المسلم أنه أمن الحربی
فی زمان یملک أمانه، وهو ما قبل الأسر، مدعیا علیه الاجماع (8).
ونحوه المحقق فی الشرائع (9)تبعا للمبسوط (10)من دون دعوی الاجماع.
وذکر فخر الدین فی الإیضاح - فی مسألة اختلاف الولی (11)والمولی
علیه - أن الأقوی أن کل من یلزم فعله أو (12)إنشاؤه غیره، کان إقراره بذلک
1) (1) المهذب 2: 393.
2) (2) فی المصدر: قبل.
3) (3) الزیادة من المصدر.
4) (4) شرائع الاسلام 3: 152.
5) (5) شرائع الاسلام 2: 205.
6) (6) قواعد الأحکام 1: 261.
7) (7) قواعد الأحکام 1: 278.
8) (8) تذکرة الفقهاء 1: 416.
9) (9) شرائع الاسلام 1: 315.
10) (10) المبسوط 2: 15.
11) (11) فی " ص ": الوصی.
12) (12) فی " ص ": و.
ماضیا علیه (1)
علیه.
.وهذه الکلیة وإن کانت أخص من القضیة المشهورة إلا أن الغرض من
ذکرها الاستشهاد بتصریحهم علی إرادة نفوذ إقرار المالک للتصرف علی غیره،
وإلا فقد صرح بتلک القضیة فی غیر هذا المقام.
وذکر الشهید فی قواعده: أن (2)کل من قدر علی إنشاء شئ قدر علی
الاقرار به إلا فی مسائل أشکلت، منها: أن ولی المرأة الاختیاری لا یقبل قوله،
وکذا قیل فی الوکیل إذا أقر بالبیع أو قبض الثمن أو الشراء أو الطلاق أو الثمن
أو الأجل، وإذا أقر بالرجعة فی العدة لا یقبل منه، مع أنه قادر علی إنشائها،
وقیل یقبل (3)(انتهی).
وفی تقیید الولی بالاختیاری احتراز عن الولی الاجباری، فإنه لا إشکال
فی قبول إقراره علیها، ولا خلاف بین العامة والخاصة، علی ما یظهر من
التذکرة (4)، ویلوح من الشیخ فی مسألة دعوی الوکیل فعل ما وکل فیه (5).
نعم تأمل فیه جامع المقاصد (6)علی ما سیأتی.
قال فی التذکرة: لو أقر الولی بالنکاح فإن کانت بالغة رشیدة لم یعتد
بإقراره عندنا، لانتفاء الولایة. وأما عند العامة فینظر إن کان له إنشاء النکاح
المقر به عند الاقرار من غیر رضاها قبل إقراره، لقدرته علی الانشاء. وللشافعیة
وجه آخر: أنه لا یقبل حتی تساعده (1)المرأة کالوکیل إذا ادعی أنه أتی بما هو
وکیل فیه، ولو لم یکن له إنشاء النکاح المقر به عند الاقرار من غیر رضاها لم
یقبل (2)(انتهی).
ویظهر منه الجزم بالتفصیل بین الولی الاختیاری وغیره فی مسألة ادعاء (3)
کل من العاقدین علی الولی سبق عقده علی المرأة، فیبطل اللاحق (4).
هذا ما حضرنی من موارد تعبیر الفقهاء بهذه العبارة أو ما یرادفها أو ما
هو أخص منها، ولا أظنک ترتاب بعد ذلک فی فساد ما یتخیل من مساواة هذه
القاعدة لحدیث الاقرار، حتی یستدل علیها به.
تفسیر القاعدة
فلنرجع إلی تفسیر العبارة فنقول: إن المراد بملک الشئ، السلطنة علیه
فعلا، فلا یشمل ملک الصغیر لأمواله، لعدم السلطنة الفعلیة (1)، نعم یملک بعض
التصرفات المالیة، مثل الوصیة والوقف والصدقة وهی داخلة فی عموم القضیة،
ولهذا أطبقوا علی الاستناد إلیها فی صحة إقرار الصغیر بالأمور المذکورة.
والدلیل علی إرادة السلطنة الفعلیة مضافا إلی اقتضاء اللغة - کما لا
یخفی - هو عموم لفظ الشئ للأعیان والأفعال، مثل التصرفات، فلا یمکن حمل
الملک علی ملک الأعیان لیشمل ملک الصغیر لأمواله، بل الظاهر أن لفظ الشئ
یراد به خصوص الأفعال، أعنی التصرفات - علی ما یقتضیه ظاهر (الاقرار به)
لأن المقر به حقیقة لا یجوز أن یکون من الأعیان، وقولهم: الاقرار إخبار بحق
لازم، معناه: الاخبار بثبوته، لا الاخبار بنفسه، إذ المخبر به لا یکون عینا.
معنی (ملک الاقرار)
ثم التسلط علی التصرف أعم من أن یکون أصالة أو وکالة أو ولایة.
والمراد من (ملک الاقرار بذلک): التسلط علیه.
1) (1) لیس فی " ع ": الفعلیة.
والمراد من (الاقرار به):
إما معناه اللغوی، وهو ثبات الشئ وجعله قارا، سواء أثبته علی نفسه
أو علی غیره.
وإما معناه الظاهر عند الفقهاء، وهو الاخبار بحق لازم علی المخبر،
فیختص بما أثبته علی نفسه. ویخرج منه دعوی الوکیل (1)أو الولی حقا علی موکله
والمولی علیه، أو شهادته لغیره علیهما، وعلی هذا المعنی فیساوی حدیث الاقرار.
وهذا المعنی وإن کان أوفق بظاهر الاقرار فی کلمات المتکلمین بالقضیة
المذکورة، إلا أنه خلاف صریح استنادهم إلیها فی موارد دعوی الوکیل والولی
والعبد المأذون علی غیرهم کما سمعت مفصلا، فلا بد من إرادة المعنی اللغوی.
مع أن الظهور المذکور قابل للمنع، کما یشهد به استعمالهم الاقرار فی
الاقرار علی الغیر.
لزوم تقارن الاقرار للملکیة
ثم الظاهر من القضیة: وقوع الاقرار بالشئ الملوک حین کونه مملوکا،
وأن ملک الاقرار بالشئ تابع لملک ذلک الشئ حدوثا وبقاء علی ما یقتضیه
الجملة الشرطیة الدالة - عند التجرد عن القرینة - علی کون العلة فی الجزاء هو
نفس الشرط لا حدوثه وإن زال.
استفادة لزوم التقارن من کلمات الفقهاء
وما ذکرنا صریح جماعة، منهم: المحقق، حیث اختار فی الشرائع عدم
قبول إقرار المریض بالطلاق فی حال الصحة بالنسبة إلی الزوجة لیمنعها من
الإرث (2).
ونص فی التحریر علی عدم سماع إقرار العبد المأذون فی التجارة بعد
الحجر علیه بدین یسنده إلی حال الإذن (3). وقال - أیضا -: وکل من لا یتمکن
من إنشاء شئ لا ینفذ إقراره فی، فلو أقر المریض بأنه وهب وأقبض حال
الصحة لم ینفذ من الأصل (1)(انتهی).
وقد تقدم منه فی التذکرة التصریح بذلک فی مسألة إقرار الولی النکاح
فی زمان لیس له إنشاؤه (2).
وقد نص الشهید رحمة الله علیه علی ذلک أیضا فی المسالک (3)کما عن نهایة
المرام، تقیید قبول إقرار العبد المأذون بما إذا کان حال الإذن (4)، وهو ظاهر
الشیخ ومن عبر بعبارته فی العبد المأذون من أنه یقبل إقراره ویؤخذ الدین مما
فی یده (5)فإن ظاهره عدم زوال الإذن بل هو صریحة فی مسألة الجهاد المتقدمة.
وعلی هذا، فالحکم فی مثل إقرار المریض بالهبة أو الطلاق البائن حال
الصحة (6)هو نفوذ إقراره بالنسبة إلی أصل الهبة والطلاق، لأنه المملوک له حال
المرض، لا خصوص الهبة والطلاق المعیدین بحال الصحة المؤثرین فی نفوذ الهبة
من الأصل، وعدم إرث الزوجة منه.
استفادة عدم لزوم التقارن من المبسوط
نعم، صرح فی المبسوط بعدم إرث الزوجة فی مسألة الطلاق (7). وظاهره
تعمیم قبول إقرار المالک لما بعد زوال الملک. ویمکن حمله علی أن إقراره إذا قبل
فی أصل الطلاق قبل فی قیوده، لأن الطلاق فی حال المرض لم یقع باعترافه، فلا
معنی للقبول (8)إلا الحکم بوقوعه فی زمان یحتمله.
رد کلام الشیخ
ویرده: أن معنی ما ذکرنا نفوذ الاقرار بالطلاق المقید بالصحة بالنسبة
إلی بعض أحکامه وهی البینونة، دون بعض آخر مثل الإرث، لا الحکم بوقوع
الطلاق فی حال المرض.
فالظاهر أن مستند الشیخ قدس سره عموم نفوذ إقرار المقر علی ما (1)ملکه ولو
فی الزمان الماضی، لا عدم جواز التفکیک فی الاقرار بین القید والمقید.
وممن یظهر منه عموم القاعدة لما بعد زوال ملک التصرف فخر الدین فی
الإیضاح - فی مسألة اختلاف الولی والمولی علیه بعد الکمال - حیث رجح قول
الولی وقال: إن الأقوی أن کل من یلزم فعله غیره یمضی (2)إقراره بذلک
[الفعل] علیه (3).
الاحتمالات فی معنی (ملک الشئ)
وما أبعد ما بین هذا، وما سیأتی منه من عدم نفوذ إقرار الزوج بالرجعة
فی العدة، وأن اعتباره من حیث کونه إنشاء لها لا إخبارا عنها (4)
والاقرار کافیة فی تحقق الرجعة، فلا مجال - حینئذ - للبحث فی أن اقرار الزوج بالرجعة نافذ
أو غیر نافذ لأن باقراره یحصل الرجوع - انظر: إیضاح الفوائد 3: 331.
.ثم معنی (ملک الشئ) یحتمل أن یکون هی السلطنة المطلقة بأن یکون
مستقلا فیه، لا یزاحمه فیه أحد، فیختص بالمالک الأصیل والولی الاجباری.
ویحتمل أن یراد به مجرد القدرة علی التصرف، فیشمل الوکیل والعبد المأذون،
الاحتمالات فی (ملک الاقرار به)
وهذا هو الظاهر من موارد ذکر هذه القضیة فی کلماتهم.
والمراد ب (ملک الاقرار) إذا کان أصیلا واضح، وإن کان غیر أصیل
الأول: السلطنة علی الاقرار به بمعنی أن إقراره ماض مطلقا، ویکون
کإقرار ذلک الغیر الذی یتصرف المقر عنه أو له، حتی أنه لا یسمع منه بینة علی
خلافه فضلا عن حلفه علی عدمه، وهذا المعنی وإن کان بحسب الظاهر أنسب
بلفظ الاقرار إلا أنه یکاد یقطع بعدم إرادته.
الثانی: إن إقراره به نافذ بالنسبة إلی الأصیل - کنفوذ إقراره، وإن لم
یترتب علیه جمیع آثار إقراره، فالتعبیر بالاقرار من حیث إنه لما کان فی التصرف
نائبا عنه وکان کالتصرف الصادر عن نفسه، فالاخبار به کأنه - أیضا (1)- صادر
عن نفسه، ففعله کفعله ولسانه کلسانه، ولا فرق - حینئذ - بین أن یقع هناک
دعوی وبین أن لا یکون، ولا بین أن یکون الدعوی مع ذلک الأصیل أو مع
ثالث.
وحینئذ فلو أخبرنا الوکیل بقبض الدین من الغریم، فإخباره یکون بمنزلة
البینة للغریم علی الأصیل لو ادعی علیه بقاء الدین.
وکذا إخبار الولی بالتزویج إذا أنکرت المرأة علی الزوج التزویج.
وکذا لو ادعی البائع علی الأصیل شراء وکیله المتاع بأزید مما یقر به
الأصیل، فشهد له الوکیل.
وجه الجمع بین حکم المحقق والعلامة
الثالث: أن یراد قبول قوله بالنسبة إلی الأصیل لو أنکره، فیختص
بالتداعی الواقع بینهما، فلا تعرض فیه لقبول قوله بالنسبة إلی الأصیل لو کانت
الدعوی ترجع علی ثالث، حتی یکون کالشاهد للثالث علی الأصیل.
وبهذا یجمع بین حکم المحقق والعلامة بتقدیم قول الوکیل فیما إذا ادعی
1) (1) لیس فی " ش ": أیضا.
علی الموکل إتیان ما وکل فیه، معللین بأنه أقر بما له أن یفعله (1)
الموکل.
، وتقدیم قولالموکل فیما إذا ادعی الوکیل شراء العبد بمائة وادعی الموکل شراءه بثمانین،
معللین بأن الموکل غارم... (2)(انتهی). ومعنی ذلک أن الوکیل لا یرید أن یدفع
عن نفسه شیئا وإنما یرید أن یثبت لغیره حقا علی موکله، فهو بمنزلة الشاهد
علی الموکل.
وبعبارة أخری: إنما یعتبر إقراره بما له أن یفعله فیما یتعلق بنفسه لا فیما
یتعلق بغیره.
قال فی المبسوط: إذا وکل رجلا علی قبض دین له من غریمه، فادعی (3)
أنه قبضه منه وسلمه إلیه أو (4)تلف فی یده، وصدقة من علیه الدین، وقال الموکل:
لم یقبضه منه. قال قوم: إن القول قول الموکل مع یمینه ولا یقبل قول الوکیل ولا
المدین إلا ببینة، لأن الموکل مدع للمال علی المدین، دون الوکیل، لأنه یقول:
أنا لا استحق علیک شیئا، لأنک لم تقبض المال وإن مالی باق علی المدین. ولذا
إذا حلف المدعی طالب المدین، ولا یثبت بیمینه علی الوکیل شئ. فإذا کان
کذلک کان بمنزلة أن یدعی من علیه الدین دفع المال إلیه وهو ینکره، فیکون
القول قوله، فکذلک هنا، وهذا أقوی.
وإذا وکله بالبیع والتسلیم وقبض الثمن فباعه وسلم المبیع وادعی قبض
الثمن وتلفه فی یده أو دفعه إلیه فأنکر الموکل أن یکون قبضه من المشتری،
کان القول قول الوکیل مع یمینه، لأن الوکیل مدعی علیه لأنه یدعی علیه أنه
سلم المبیع ولم یقبض الثمن، وصار ضامنا، فالقول قوله (1)لأن الأصل أنه أمین
وأنه لا ضمان علیه. ویخالف المسألة الأولی لأن المدعی علیه فیها هو الذی علیه
الدین وهو الخصم (2)فإذا جعلنا القول قول الموکل لم نوجب علی الوکیل
غرامة، وفی المسألة الثانیة نوجب غرامة، فکان القول قول الوکیل (انتهی) (3).
والمسألة الأولی نظیر ما ذکره المحقق (4)والعلامة (5)- فی اختلاف الوکیل
والموکل فی الثمن - من أن الوکیل ما یدعی علیه بشئ، بل یرید تغریم الموکل.
هذا، لکن المحقق فی الشرائع تنظر فی الفرق بین المسألتین الذی ذکره فی
المبسوط (6).
قال فی المبسوط: إذا أذن له فی شراء عبد وصفه فاشتراه بمائة، ثم اختلف
هو والموکل، فقال الموکل، اشتریته بثمانین. وقال الوکیل: اشتریته بمائة والعبد
یساوی مائة، قیل: فیه قولان.
أحدهما: أنه یقبل قول الوکیل کما یقبل قوله فی التسلیم والتلف.
والثانی: لا یقبل قوله علیه لأنه یتعلق بغیره.
وکذلک کل ما اختلفا فیه مما یتعلق بحق غیرهما من بائع أو مشتر، أو
صاحب حق، فإنه علی قولین، والأول أصح... (7)(انتهی).
معنی الملکیة فی موضوع القاعدة
ثم إن معنی الملک - فی الموضوع (8)- إما أن یکون هی السلطنة المستقلة،
1) (1) فی المصدر: قول الوکیل مع یمینه.
2) (2) العبارة فی المصدر هکذا: وهو الخصم فیه، وفی المسألة الأولی إذا جعلنا... إلی آخر العبارة.
3) (3) المبسوط 2: 403.
4) (4) شرائع الاسلام 2: 206.
5) (5) انظر قواعد الأحکام 1: 261.
6) (6) شرائع الاسلام 2: 207
7) (7) المبسوط 2: 392.
8) (8) أی: موضوع القضیة وهو " من ملک شیئا.... ".
أو مجرد أن له ذلک.
فعلی الأول: یختص بالمالک الأصیل والولی الاجباری.
وعلی الثانی: یشمل الوکیل والعبد المأذون أیضا.
ولا یخفی أن مراد جل الفقهاء بل کلهم هو الثانی. ویؤیده تعبیرهم بأن
له أن یفعل کذا فله الاقرار به وقولهم: من یقدر علی إنشاء شئ یقدر علی
الاقرار به، ومن یلزم فعله غیره یلزم إقراره به علیه.
معنی الملکیة فی محمول القضیة
وأما ملک الاقرار، فیحتمل أن یراد به السلطنة المستقلة المطلقة بمعنی
أنه لا یزاحمه أحد فی إقراره، وأنه نافذ علی کل أحد، وأن یراد به مجرد أن له
الاقرار به فلا سلطنة مطلقة له، فیمکن أن یزاحمه من یکون له - أیضا - سلطنة
علی الفعل، فیکون ملک الاقرار بالشئ علی نحو السلطنة علی ذلک الشئ.
فلیس للبنت البالغة الرشیدة - بناء علی ولایة الأب علیها - مزاحمة الولی فی
إقراره، کما لیس لها مزاحمته فی أصل الفعل. وکذا إذا قامت البینة علی إقرار
الأب حین صغر الطفل بتصرف فیه أو فی ماله، فلیس له بعد البلوغ مزاحمته.
وهذا بخلاف الموکل فإنه یزاحم الوکیل فی إقراره کما یزاحمه فی أصل التصرف.
إذا عرفت ما ذکرنا فی معنی القضیة، فاعلم أن حدیث الاقرار لا یمکن
أن یکون منشأ لهذه القاعدة:
عدم کون مستند القاعدة حدیث الاقرار
أما أولا - فلأن حدیث الاقرار لا یدل إلا علی ترتیب الآثار التی یلزم
علی المقر دون غیرها مما یلزم (1)غیره، فإذا قال للکبیر البالغ العاقل: إنه ابنی، فلا
یترتب علیه إلا ما یلزم علی المقر من أحکام الأبوة، ولا یلزم علی الولد شئ من
أحکام البنوة.
نعم لو ترتب علی الآثار اللازمة علی المقر آثار لازمة علی غیره ثبت
1) (1) فی " ش ": علی غیره.
علی غیره، فلو کان الابن المذکور ممن ظاهره الرقیة للمقر، فیسقط عنه حق (1).
الغیر المتعلق بأمواله، مثل نفقة واجب النفقة ودین الغریم، لأن مثل ذلک تابع
للمال حدوثا وبقاء، فهو من قبیل الوجوب المشروط بشئ یکون المکلف مختارا
فی إیجاده وإعدامه، لا من قبیل الحق المانع من الاعدام، کحق المرتهن والمفلس
ونحو ذلک، فإنه حق لصاحبه، نظیر الملکیة للمالک، فذو الحق کالشریک.
والحاصل: أن دلیل الاقرار لا ینفع فی إقرار الوکیل والعبد والولی علی
غیرهم.
وأما ثانیا: فلأن جل الأصحاب قد ذکروا هذه القضیة مستندا لصحة
إقرار الصبی بما یصح منه، کالوصیة بالمعروف والصدقة، ولو کان المستند فیها
حدیث الاقرار لم یجز ذلک، لبنائهم علی خروج الصبی من حدیث الاقرار، لکونه
مسلوب العبارة بحدیث (رفع القلم) (2).
دعوی الاجماع علی القاعدة
وکیف کان فلا ریب فی عدم استنادهم فی هذه القضیة إلی حدیث الاقرار.
وربما یدعی الاجماع علی القضیة المذکورة، بمعنی أن استدلال
الأصحاب بها یکشف عن وجود دلیل معتبر لو عثرنا به لم نعدل عنه، وإن لم
یکشف عن الحکم الواقعی.
وهذه الدعوی إنما تصح مع عدم ظهور خلاف أو
تردد منهم فیها (3)، لکنا نری من أساطینهم فی بعض المقامات عدم الالتزام بها أو
التردد فیها، فهذا العلامة فی التذکرة رجح تقدیم قول الموکل عند دعوی
الوکیل - قبل العزل - التصرف (4). وتردد فی ذلک فی التحریر (5)، وتبع المحقق فی
تقدیم دعواه نقصان الثمن عما یدعیه الوکیل (6).
ویظهر من فخر الدین فی الإیضاح عدم قبول دعوی الزوج فی العدة
الرجوع، وجعل نفس الدعوی رجوعا (1). وتردد فی ذلک فی موضع من
القواعد (2)وتقدم عن الشهید فی القواعد: الاستشکال فی دعوی الزوج
الرجعة (3).
وأنکر المحقق (4)هذه القاعدة رأسا، حیث تردد فی قبول إقرار العبد
المأذون (5)وفی قبول قول الولی فی تزویج بنته لو أنکرت، بل ولو لم تنکر لجهلها
بالحال.
قال فی جامع المقاصد فی شرح قول العلامة رحمه الله: لو قیل للولی زوجت
بنتک من فلان؟ فقال: نعم. فقال الزوج: قبلت... الخ بعد شرح العبارة
ما لفظه: ولو صرح بإرادة الاقرار فلا زوجیة فی نفس الأمر إذا لم یکن مطابقا
للواقع، وهل یحکم به ظاهرا بالنسبة إلی النبت؟ فیه احتمال، وینبغی أن یکون
القول قولها بیمینها ظاهرا إذا ادعت کذب الولی فی إقراره. وهل لها ذلک فیما
بینها وبین الله إذا لم تعلم بالحال؟ فیه نظر، ینشأ:
من أصالة العدم، وأن الاقرار لا ینفذ فی حق الغیر، ولولا ذلک لنفذ دعوی
الاستدانة وإنشاء بیع أمواله.
ومن أن إنشاء النکاح فی وقت ثبوت الولایة فعله وهو مسلط علیه، فینفذ
فیه إقراره، وینبغی التأمل لذلک... (6)(انتهی).
وقال فی شرح قول العلامة: (إن المقر قسمان مطلق ومحجور، فالمطلق ینفذ
إقراره فی کل ما ینفذ تصرفه) ما حاصله: إن هذه القضیة لا تنقض بعدم سماع
دعوی الوکیل فیما وکل فیه، لأنها شهادة ولیست بإقرار، إذ الاقرار إخبار بحق
وظاهر هذا الکلام: أن هذه الکلیة المرادفة لقضیة (من ملک) مختصة
بإقرار المالک بما یتعلق بنفسه لا غیره.
تقویة الاجماع
هذا ولکن الانصاف: أن القضیة المذکورة فی الجملة إجماعیة، بمعنی أنه
ما من أحد من الأصحاب - ممن وصل إلینا کلامهم - إلا وقد عمل بهذه القضیة
فی بعض الموارد، بحیث نعلم أن لا مستند له سواها،
فإن من ذکرنا خلافهم إنما
خالفوا فی بعض موارد القضیة، وعلموا بها فی مورد (3)آخر، فإن المحقق الثانی
وإن ظهر منه الخلاف فیما ذکرنا من الموارد إلا أنه وافق الأصحاب فی إقرار
الصبی بما له أن یفعله، مستندا فی جامع المقاصد إلی هذه الکلیة (4)
نقل المصنف فی التذکرة علی ذلک الاجماع منا.
وقال فی توضیح قول العلامة " لو جوزنا وصیته فی المعروف جوزنا اقراره بها ": لأن کل من
ملک شیئا ملک الاقرار به وقد سبق أنا لا نجوز ذلک وهذا - کما تری - صریح فی عدم قبول
إقرار الصبی حتی بالنسبة إلی الوصیة بالمعروف، انظر جامع المقاصد 9: 201.
نعم ظاهر عبارته أن مستند القول بجواز اقرار الصبی - بناء علی جواز وصیته - هی قاعدة
" من ملک... ".
، مع أنه لایمکن الاستناد إلی غیرها، لأن حدیث الاقرار مخصص بالصبی والمجنون لعدم
العبرة بکلامهما فی الانشاء والاخبار.
والعلامة وإن ظهر منه المخالفة فی بعض الموارد، حتی فی مسألة إقرار
الصبی بماله أن یفعله (1)وإقرار العبد فیما یتعلق بالتجارة - علی ما فی
التذکرة (2)- إلا أن صریحة فی کثیر من الموارد الاستناد إلی القاعدة، کما فی إقرار
الولی الاجباری بالعقد علی المولی علیه، وجزم بسماع الدعوی علیه معللا بأنه
لو أقر لنفع المدعی لأن إقراره ماض (3). بل تقدم منه دعوی الاجماع علی قبول
دعوی المسلم أمان الحربی فی زمان ملک الأمان (4). وکذا فخر الدین حیث أکثر
العمل بهذه القاعدة (5)، فظهور المخالفة منه فی مسألة الاقرار غیر مضر، مع
إمکان أن یکون مراده عدم الحاجة فی تلک المسألة إلی تلک القاعدة، لأن مجرد
الاخبار بالرجعة رجوع، من غیر حاجة إلی الحکم بمضی إقراره، فإن الشئ
مستند إلی أسبق سببیه، فإذا کان أصل الأخبار بالشئ إنشاء له فی الحال، لم
یحتج إلی إثبات صدق المخبر به بدلیل خارج (6).
وکیف کان: فلم نجد فقیها أسقطه عن استقلال التمسک، لکن الاجماع
علی الاستناد إلیه فی الجملة إنما ینفع لو علمنا أن إهمالهم له فی الموارد من حیث
وجود المعارض. أما إذا ظهر - أو احتمل - کون الاهمال من جهة تفسیر القضیة
بما لا یشمل تلک الموارد أو (7)اختلفوا فی التفسیر علی وجه لا یکون مورد متفق
علیه یتمسک فیه بهذه القضیة، لم ینفع الاتفاق المذکور. فإن ظاهر العلامة فی
التذکرة فی مسألة إقرار الصبی عدم نفوذه وعدم العبرة بکلامه، حتی
فیما له أن یفعله (1). فالمراد بالموصول عنده فی قضیة (من ملک) هو البالغ العاقل.
وکذا ظاهر فتواه فی القواعد بأن المریض لو أقر بعتق أخیه وله عم فإنه ینفذ
إقراره من الثلث (2)فإن الظاهر أن مراده: حجب الأخ العم فی مقدار الثلث من
الترکة، لا مثل العتق.
وهذا المحقق الثانی یسلم شمول القضیة للصبی، لکن ینکر شمولها
للاقرار علی الغیر کما تقدم من عبارته (3)، حتی فی الولی الاجباری الذی یظهر
من العلامة فی التذکرة عدم المخالف فیه من العامة والخاصة (4). فإذا لم یکن إقرار
الصبی أو الاقرار علی الغیر مما اتفق علی شمول القضیة وکان (5)إقرار البالغ
العاقل علی نفسه داخلا (6)فی حدیث الاقرار، لم ینفع القضیة المجمع علیها فی
الجملة فی مورد من موارد الحاجة، إلا أن یبنی علی عدم العبرة بمخالفة العلامة
فی التذکرة فی شمول القضیة للصبی. مع أن عبارتها لا تخلو عن الحاجة إلی
التأمل، مع رجوعه عن هذا فی سائر کتبه (7)
ولو أقر الصبی بالوصیة صح علی رأی.
، وظاهر أن لیس مستند له إلاالقضیة المذکورة، ولذا یظهر من بعضهم دعوی الاتفاق علی أن من صحح
صدقة الصبی ووصیته حکم بمضی إقراره فیهما. وعلی عدم العبرة بمخالفة
المحقق الثانی فی شمول القضیة للاقرار علی الغیر، لأن الظاهر ثبوت الاتفاق
من (1)غیره علی سماع إقرار من ملک علی غیره تصرفا علیه، خصوصا إذا کان ولیا
إجباریا علیه بحیث لا یملک المولی علیه التصرف. وقد سمعت أن الظاهر من
التذکرة اتفاق العامة والخاصة علی سماع إقرار الولی الاجباری تزویج (2)المولی
علیه.
ویؤیده استقرار السیرة علی معاملة الأولیاء - بل مطلق الوکلاء - معاملة
الأصیل فی إقرارهم کتصرفاتهم.
حاجة الاجماع إلی ما یؤیده
هذا غایة التوجیه لتصحیح دعوی الاجماع فی المسألة، ولا یخلو بعد عن
الشبهة، فاللازم تتبع مدرک آخر لها، حتی یکون استظهار الاجماع علیها مؤیدا
له وجابرا لضعفه أو وهنه ببعض الموهنات، ولا بد أن یعلم أن المدرک لها لا بد
أن یکون جامعا لوجه اعتبار قول الصبی فیما له أن یفعل حتی یحکم علی أدلة
عدم اعتبار کلام الصبی فی الانشاء والاخبار الحاکمة علی حدیث الاقرار،
واعتبار إقرار الوکیل والولی علی الأصیل حتی یحکم علی أدلة عدم سماع إقرار
المقر علی غیره، لکونها دعوی محتاجة إلی البینة، لا إقرارا علی النفس.
عدم صحة الاستناد إلی قاعدة الائتمان
ومن هنا یظهر أن التمسک بأدلة قبول قول من ائتمنه المالک بالإذن أو
الشارع بالأمر وعدم جواز اتهامه غیر صحیح، لأنها لا ینفع فی إقرار الصبی،
والرجوع فیه إلی دلیل آخر - لا یجری فی الوکیل والولی - یخرج القضیة عن
کونها قاعدة واحدة، علی ما یظهر من القضیة: من أن العلة فی قبول الاقرار
کونه مالکا للتصرف المقر به. هذا مع أنه لو کان مدرک القضیة قاعدة الائتمان
لم یتجه الفرق بین وقوع الاقرار فی زمان الائتمان أو بعده، مع أن جماعة صرحوا
بالفرق، فإن قولهم (إن من لا یتمکن من إنشاء شئ لا ینفذ إقراره فیه) لیس
المراد منه عدم نفوذ إقراره بفعل ذلک فی زمان عدم التمکن، إذ لا معنی لعدم
النفوذ هنا لعدم ترتب أثر علی المقر به، بل المراد: عدم نفوذ الاقرار بفعله حین
یتمکن من الفعل، ولذا فرع فی التحریر علی القضیة المذکورة: أنه لو أقر
المریض بأنه وهب وأقبض حال الصحة، نفذ من الثلث (1)وصرح فیه أیضا وفی
غیره بعدم نفوذ إقرار العبد المأذون - بعد الحجر علیه - بدین أسنده إلی حال
الإذن (2)وقد عرفت ما فی جهاد التذکرة (3).
والحاصل: أن بین هذه القاعدة وقاعدة الائتمان عموما من وجه.
قاعدة أخری ومناقشة الاستناد إلیها
وهنا قاعدة أخری، أشار إلیها فخر الدین - علی ما تقدم من
الإیضاح - بأن کل ما یلزم فعله غیره یمضی إقراره بذلک الفعل علی ذلک
الغیر (4)(5)وظاهره (ولو بقرینة الاستناد إلیها فی قبول قول الوصی وأمین الحاکم
إذا اختلفا مع المولی علیه - إرادة مضی الاقرار علی الغیر ولو بعد زوال الولایة.
فإن أرید من لزوم فعل المقر علی الغیر: مجرد مضیه ولو من جهة نصب
المالک أو الشارع له کانت أعم مطلقا من القاعدتین، لشموله (6)لولی النکاح
الاجباری النافذ إقراره علی المرأة. وإن (7)أرید منه لزومه علیه ابتداء لسلطنة علیه
کأولیاء القاصرین فی المال والنکاح کانت أعم من وجه من کل من القاعدتین،
لاجتماع الکل فی إقرار ولی الصغیر ببیع ماله، وافتراق (قاعدة الائتمان) عنهما (8)
فی إقرار الوکیل بعد العزل، وافتراق قضیة (من ملک) فی اقرار الصبی بما له أن
یفعل، وافتراق ما فی الإیضاح بإقرار الولی الاجباری بعد زوال الولایة بالنکاح
فی حالها.
مستند القاعدة
ثم إنه یمکن أن یکون الوجه فی القضیة المذکورة، ظهور اعتبره الشارع،
وبیانه: أن من یملک إحداث تصرف فهو غیر متهم فی الاخبار عنه حین القدرة
علیه، والظاهر صدقه ووقوع المقر به، وإن کان هذا الظهور متفاوت الأفراد قوة
وضعفا بحسب قدرة المقر فعلا علی إنشاء المقر به من دون توقف علی مقدمات
غیر حاصلة وقت الاقرار، کما فی قول الزوج: رجعت، قاصدا به الاخبار مع
قدرته علیه بقصد الانشاء، وعدم قدرته لفوات بعض المقدمات، لکنه قادر علی
تحصیل المقدمات وفعلها (1)فی الزمان المتأخر، کما إذا أقر العبد بالدین فی زمان له
الاستدانة شرعا لکنه موقوف علی مقدمات غیر حاصلة، فإن الظاهر ها هنا
فیه أقل بمراتب من دواعی الکذب المحتملة فی إقرار العبد المعزول عن التجارة
الممنوع عن الاستدانة. ولو تأملت هذا الظهور - ولو فی أضعف أفراده - وجدته
أقوی من ظهور حال المسلم فی صحة فعله، بمعنی مطابقته للواقع. بل یمکن
أن یدعی أن حکمة اعتبار الشارع والعرف لاقرار البالغ العاقل علی نفسه: أن
الظاهر أن الانسان غیر متهم فیما یخبره مما یکون علیه لا له، وفی النبوی " (إقرار
العقلاء) (2)إشارة إلیه، حیث أضاف الاقرار إلی العقلاء تنبیها علی أن العاقل
لا یکذب علی نفسه غالبا، وإلا فلم یعهد من الشارع إضافة الأسباب إلی البالغ
العاقل، وإن اختص السبب به، إلا أنه اکتفی عن ذلک فی جمیع الأسباب القولیة
والفعلیة بحدیث (رفع القلم) (3)
فمروا بها علی علی بن أبی طالب علیه السلام فقال: ما هذه؟. قالوا: مجنونة فجرت، فأمر بها أن
ترجم، فقال: لا تعجلوا، فأتی عمر فقال له: أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثة: عن الصبی
حتی یحتلم، وعن المجنون حتی یفیق، وعن النائم حتی یستیقظ ". وعنه الوسائل 1: 32 مع
اختلاف یسیر.
فالصبی لما جاز له بعض التصرفات مثل الوقفونحوه ولم یکن إقراره مظنة للکذب کان مقبولا، ولما کان بعض الأقاریر
المتعارف لإقامة رسم القبالة، وکما فی إقرار المریض مطلقا أو إذا کان متهما.
ویؤیده: أن بعض الفقهاء قد یحکم بسماع الاقرار وإن تضمن دفع دعوی
الغیر مستندا إلی عدم کونه متهما، کما فی إقرار مالک اللقیط [بعتقه] (1)بعد انفاق
الحاکم علیه بإعتاقه قبل ذلک، فإن الشیخ رحمة الله علیه حکم فی المبسوط بسماعه،
لکونه غیر متهم، لأنه لا یرید العبد ولا یرید الثمن (2)فیستمع دعواه وإن تضمنت
دفع النفقة عن نفسه.
ولیس الغرض ترجیح هذا القول فی هذه المسألة، بل الغرض تقریب أن
عدم اتهام المخبر فی خبره یوجب تقدیم قوله، ومرجعه إلی تقدیم هذا الظاهر علی
الأصل، کما فی نظائره من ظهور الصحة فی فعل المسلم ونحوه من الظواهر.
هذا ولکن الظهور المذکور لا حجیة فیه بنفسه حتی یقدم علی مقابله من
الأصول والقواعد المقررة، بل یحتاج إلی قیام دلیل علیه أو استنباطه من أدلة
بعض القواعد الأخر.
بسم الله الرحمن الرحیم
وبه نستعین
الحمد لله رب العالمین، وصلی الله علی محمد وآله الطاهرین ولعنة الله علی
أعدائهم أجمعین إلی یوم الدین (1).
مسألة (2)
فی قضاء الصلاة عن المیت
والکلام فیه تارة فی نفس القضاء، وأخری فی القاضی، وثالثة فی المقضی،
ورابعة فی المقضی عنه، وخامسة فی أحکام القضاء.
حقیقة النیابة
أما القضاء عن المیت (3)
فهو عبارة عن فعل العبادة نیابة عن المیت.
وحقیقة النیابة: تنزیل الفاعل نفسه منزلة شخص آخر فیما یفعله.
ما یظهر من السید
ویظهر من السید المرتضی أن القضاء عن المیت لیس نیابة حقیقة،
وإنما هو واجب المصلی خوطب به القاضی، نعم سببه فوات الفعل عن المیت،
وزاد علی ذلک: أن المیت لا یثاب علی ذلک، فعن الانتصار - بعد اختیار أن الولی
یقضی الصوم عن المیت إذا لم یکن للمیت مال یتصدق به عنه لکل یوم بمد،
مدعیا علیه الاجماع، وانفراد الإمامیة به، ومخالفة الفقهاء فی ذلک إلا أبا ثور - (1)
قال: وقد طعن فیما نقوله بقوله تعالی: (وأن لیس للانسان إلا ما سعی) (2)وبما
روی عن النبی صلی الله علیه وآله من قوله: (إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من
ثلاث: صدقة جاریة، أو ولد صالح یترحم علیه، أو علم ینتفع به) (3)
1376، وسنن النسائی 6: 251. وفی عوالی اللآلی 3: 283 الحدیث 17: إذا مات ابن آدم...،
هذا وقد ورد فی معناه عن أئمة أهل البیت علیهم السلام بطرق عدیدة، انظر الوسائل 13: 292
الباب الأول من أبواب الوقوف والصدقات.
ولم یذکرالصوم عنه.
الجواب عن السید
والجواب عن ذلک: أن الآیة إنما تقتضی أن الانسان لا یثاب إلا بسعیه،
ونحن لا نقول: إن المیت یثاب بصوم الحی عنه.
وتحقیق القول فی هذا الموضع: أن من مات وعلیه صوم فقد جعل الله هذه
الحالة سببا فی وجوب صوم الولی، وسماه قضاء، لأن سببه التفریط المتقدم،
والثواب فی هذا الفعل لفاعله دون المیت.
فإن قیل: فما معنی قولهم: (صام عنه) إذا کان لا یلحقه وهو میت ثواب،
ولا حکم لأجل هذا الفعل؟ قلنا: معنی ذلک أنه صام، وسبب صومه تفریط
المیت، وقیل: (صام عنه) من حیث کون التفریط المتقدم سببا فی لزوم هذا
الصوم.
وأما الخبر الذی رووه، فمحمول علی هذا المعنی أیضا، وأن المؤمن ینقطع
بعد موته عمله، فلا یلحقه ثواب ولا غیره، والذی ذهبنا إلیه لا یخالف ذلک
وخبرهم هذا یعارض ما رووه عن عائشة (1)
صحیح البخاری 3: 46، صحیح مسلم 2: 803 الحدیث 153.
. ثم ساق أخبارا نبویة تدلعلی النیابة (2)
صوم شهر فاقضیه عنها؟ فقال صلی الله علیه وآله: أرأیت إن کان علی أمک دین کنت تقضیه؟
قالت: نعم یا رسول الله. فقال صلی الله علیه وآله: فدین الله أحق أن یقضی ". انظر صحیح
البخاری 3: 46.
(3)(انتهی).وتبعه فی جمیع ذلک السید أبو المکارم ابن زهرة فی الغنیة (4)ثم من بعده
الفاضل فی المختلف (5)فی الجواب عن الآیة المتقدمة (6).
مع أن الشهید فی الذکری حکی عنه أنه قال - فیما یلحق المیت بعد
موته -: أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات التی تدخلها النیابة
فبالاجماع، وأما ما عداها فعندنا أنه یصل إلیه (7).
توجیه کلام السید
أقول: کأن السید ومن تبعه أراد بما ذکر من الجواب عن الآیة والروایة
رد استدلال العامة بهما علی نفی وجوب القضاء الذی هو المطلوب، لأن القضاء لا
یستلزم الثواب حتی یستکشف انتفاء الملزوم عن انتفاء اللازم، وإلا فشأن السید
أجل من أن تخفی علیه الأخبار الکثیرة الواردة عن النبی صلی الله علیه وآله
والأئمة علیهم السلام فی انتفاع المیت بما یفعله الأحیاء علی طریق النیابة أو الهدیة.
1) (1) روت عائشة عن النبی صلی الله علیه وآله أنه قال: " من مات وعلیه صیام صام عنه ولیه " انظر
2) (2) منها ما رواه ابن عباس: " إن امرأة جاءت إلی النبی صلی الله علیه وآله وسلم فقالت إن علی أمی
3) (3) الإنتصار: 70 - 71.
4) (4) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 501.
5) (5) المختلف: 242.
6) (6) النجم: 53، 39. وقد تقدمت فی الصفحة 206.
7) (7) الذکری: 73 وفیه: فإجماع.
وقد حکی أکثرها فی الذکری عن کتاب غیاث سلطان الوری للسید
الأجل ابن طاووس، (1)ولنذکر بعضها تبرکا:
ما ورد فی انتفاع المیت بما یفعل عنه
فمنها: قضیة الخثعمیة التی أتت النبی صلی الله علیه وآله وسلم فقالت: إن أبی
أدرکه الحج شیخا زمنا لا یستطیع أن یحج، إن حججت عنه أینفعه ذلک؟ فقال
لها: أرأیت لو کان علی أبیک دین فقضیته، أکان ینفعه دلک؟! قالت: نعم، قال:
فدین الله أحق بالقضاء (2).
ومنها: ما عن کتاب حماد بن عثمان: (قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: من
عمل من المسلمین عملا صالحا عن میت أضعف الله أجره ونفع به ذلک المیت) (3)
أجره وینعم له بذلک المیت " وعنه الوسائل 5: 369 الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات،
الحدیث 24.
.ورواه الصدوق أیضا فی الفقیه مرسلا (4).
ومنها: ما عن کتاب المسائل لعلی بن جعفر علیه السلام: (عن الرجل هل
یصلح له أن یصلی أو یصوم عن بعض موتاه؟ قال: نعم فیصلی ما أحب ویجعل
تلک للمیت، فهو للمیت إذا جعل ذلک له) (5)
الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات الحدیث 2.
.وقریبة منها روایة أخری له (6).
ومنها: ما حکاه عنه، عن أصل علی بن أبی حمزة - الذی هو من رجال
الصادق والکاظم علیهما السلام -: (قال: وسألته عن الرجل یحج ویعتمر ویصلی
1) (1) غیاث سلطان الوری لسکان الثری، فی قضاء ما فات من الصلوات عن الأموات (مخطوط).
2) (2) الذکری: 75.
3) (3) الذکری: 75، الحدیث العاشر، وفیه: " من عمل من المؤمنین عن میت عملا صالحا أضعف الله
4) (4) الفقیه 1: 185، الحدیث 556.
5) (5) الذکری: 73، الحدیث الثانی ومسائل علی بن جعفر: 199، الحدیث 429 والوسائل 5: 366
6) (6) الذکری: 73، الحدیث الثالث. وعنه الوسائل 5: 366 الباب 12، الحدیث 3.
ویصوم ویتصدق عن والدیه وذوی قرابته؟ قال: لا بأس به، ویؤجر فیما یصنع، وله
أجر آخر بصلة قرابته، قلت: وإن کان لا یری ما أری، وهو ناصب؟! قال: یخفف
عنه بعض ما هو فیه) (1)
الحدیث 8.
.ومنها: ما عن أصل هشام بن سالم: (قال: قلت: یصل إلی المیت الصلاة
والدعاء ونحو هذا؟ قال: نعم، قلت: أو یعلم من یصنع ذلک؟ قال: نعم، ثم قال:
یکون مسخوطا علیه فیرضی عنه) (2)
12 من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 7.
.قال فی الذکری: وظاهره أنه من الصلوات الواجبة التی ترکها سبب
للسخط (3).
أقول: وفی هذا الظهور تأمل.
ومنها: ما عن ابن محبوب - فی کتاب المشیخة - عن الصادق علیه السلام أنه
قال: (تدخل علی المیت فی قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والدعاء، قال:
ویکتب أجره للذی یفعله وللمیت) (4)
من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 10.
.ونحوها: روایتا إسحاق بن عمار (5)وابن أبی عمیر (6).
ومنها: روایات ابن مسلم وابن أبی یعفور والبزنطی وصفوان بن یحیی،
عن الصادق والرضا علیهما السلام أنه: (یقضی عن المیت الحج والصوم والعتق وفعاله
1) (1) الذکری: 74، الحدیث العاشر. والوسائل 5: 367 الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات،
2) (2) الذکری: 74، الحدیث التاسع. وفیه: الدعاء والصدقة والصلاة والوسائل 5: 366 الباب
3) (3) الذکری: 74 ذیل الحدیث التاسع.
4) (4) الذکری: 74، الحدیث الثانی عشر. وفیه: الصدقة والبر والدعاء والوسائل 5: 367 الباب 12
5) (5) الذکری: 74، الحدیث الرابع عشر.
6) (6) الذکری: 74، الحدیث الثالث عشر.
الحسن) (1)
والوسائل 5: 369 الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الأحادیث 23 و 19 و 21.
.وعن کتاب الفاخر (2): أن مما أجمع علیه وصح من قول الأئمة علیهم السلام
أنه یقضی أعماله الحسنة کلها (3).
ومنها: ما عن کتاب حماد بن عثمان: (قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: إن
الصلاة والصدقة والحج والعمرة وکل عمل صالح ینفع المیت، حتی أن المیت
لیکون فی ضیق فیوسع علیه، ویقال: هذا بعمل ابنک فلان، وهذا بعمل أخیک
فلان - أخوه فی الدین -) (4)
368 الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 15: أخوک فی الدین.
.ومثلها روایة عمرو بن محمد بن یزید (5).
ومنها: ما عن عبد الله بن جندب: (قال: کتبت إلی أبی الحسن علیه السلام:
الرجل یرید أن یجعل أعماله من الصلاة والبر والخیر أثلاثا، ثلثا له وثلثین
لأبویه، أو یفردهما بشئ مما یتطوع به، وإن کان أحدهما حیا والآخر میتا؟
فکتب إلی: أما المیت فحسن جائز، وأما الحی فلا، إلا البر والصلة) (6)
الباب 12، الحدیث 16.
.ومثلها ما عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحمیری، أنه کتب إلی الکاظم
علیه السلام مثله، وأجاب بمثله (7)
12 ذیل الحدیث 16.
.1) (1) انظر الذکری: 74 و 75، الحدیث الثالث والأول والخامس وصفحة 74 الحدیث الثانی،
2) (2) الفاخر فی الفقه لأبی الفضل الصابونی محمد بن إبراهیم بن سلیم الجعفی (راجع الملحق).
3) (3) راجع الذکری: 75.
4) (4) الذکری: 74، الحدیث التاسع عشر. وفیه: " إن الصلاة والصوم والصدقة... ". وفی الوسائل 5:
5) (5) الذکری: 74، الحدیث السادس عشر. والوسائل 5: 366 الباب 12، الحدیث 4.
6) (6) الذکری: 74، الحدیث العشرون، وفیه: " أو یفردهما من أعماله بشئ... ". والوسائل 5: 368
7) (7) الذکری: 74، الحدیث الحادی والعشرون وقرب الإسناد: 129. والوسائل 5: 368 الباب
قال فی الذکری: قال السید: لا یراد بهذه: الصلاة المندوبة، لأن الظاهر
جوازها عن الأحیاء فی الزیارات والحج وغیرهما (1).
أقول: لعل ما ذکره من التوجیه للجمع بینها وبین ما دل علی جواز ذلک
عن الحی أیضا، مثل ما عن الکلینی باسناده إلی محمد بن مروان: (قال: قال
أبو عبد الله علیه السلام: (ما یمنع الرجل منکم أن یبر والدیه حیین ومیتین، یصلی
عنهما ویتصدق عنهما ویصوم عنهما، فیکون الذی صنع لهما، وله مثل ذلک،
فیزیده (2)الله ببره وصلته خیرا کثیرا) (3)
وفیها بعض الاختلافات والوسائل 5: 365 الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات،
الحدیث الأول.
.نعم احتمال هذه الروایة إرادة عدم قطع البر عنهما بعد الموت بفعل هذه
الأفعال عنهما، فیکون قد برهما حیین ومیتین، بعید.
وحکی عن الحسین بن الحسن الطوسی الکوکبی - فی کتابه المنسک - (4)
باسناده إلی علی بن أبی حمزة: (قال: قلت لأبی إبراهیم علیه السلام: أحج وأصلی
وأتصدق عن الأحیاء والأموات من قرابتی وأصحابی؟ قال: نعم، تصدق عنه
وصل عنه، وذلک أجر آخر بصلتک إیاه) (5)
الصلوات، الحدیث 9.
.النیابة عن الحی
وظاهر الصلاة عن الغیر: النیابة عنه، لا فعلها وإهداء الثوب إلیه، فیذل
علی جواز النیابة عن الحی فی الصلاة، وإطلاق الصلاة (6)والبر علی ذلک یشعر
1) (1) الذکری: 74
2) (2) فی " د ": فرزقه، وفی " ش " و " ع ": " فیرزقه الله بره " وما أثبتناه من الکافی والذکری.
3) (3) الکافی 2: 159، الحدیث 7 باب البر بالوالدین، الذکری: 74، الحدیث الثالث والعشرون،
4) (4) کتاب المنسک للحسین بن الحسن العلوی الکوکبی (مخطوط). (راجع الملحق).
5) (5) الذکری: 74. الحدیث الحادی عشر والوسائل 5: 367 الباب 12 من أبواب قضاء
6) (6) کذا فی النسخ، ولعل الصحیح: الصلة.
بعموم رجحان النیابة عن الحی فی کل فعل حسن.
ثم أنه (1)إذا جاز الصلاة عنه جاز غیرها، لعدم القول بالفصل ظاهرا
بینها وبین غیرها، بل قد روی جواز الاستنابة فی الصوم الواجب بالنذر علی
الحی، فقد روی فی الفقیه، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار (2).
بل یمکن استفادة عموم النیابة فی کل الأعمال الواجبة - عدا ما دل
الاجماع علی عدمه - من الأخبار الدالة علی مشروعیة قضاء دین الله عمن هو
علیه تبرعا (3)، ثم إثبات مشروعیة النیابة فی المستحبات بعدم القول بالفصل،
فتأمل.
اتفاق النصوص والفتاوی علی انتفاع المیت بما یفعل عنه
وکیف کان: فانتفاع المیت بالأعمال التی یفعل عنه أو یهدی إلیه ثوابها،
مما أجمع علیه النصوص، بل الفتاوی، علی ما عرفت من کلام الفاضل (4)
وصاحب الفاخر (5)، المعتضد بقضیة تعاقد صفوان بن یحیی وعبد الله بن جندب
وعلی بن نعمان، علی أن من مات منهم یصلی من بقی صلاته ویصوم عنه ویحج
عنه، فبقی صفوان یصلی کل یوم ولیلة مائة وخمسین رکعة) (6).
فإن دعوی کفایة اتفاق هذه الثلاثة فی الکشف عن رضا الإمام علیه السلام
غیر بعیدة، فکیف إذا ضم إلی ذلک دعوی الفاضل وصاحب الفاخر الاجماع
علی ذلک.
توجیه الآیة
وأما الآیة (7)فیمکن توجیهها بعد مخالفة ظاهرها للاجماع والأخبار
1) (1) لیس فی " ش " و " ع ": أنه.
2) (2) الفقیه 3: 374، الحدیث 4314.
3) (3) انظر: صحیح البخاری 3: 46 وصحیح مسلم 2: 804 الأحادیث 154، 155، 156.
4) (4) المختلف: 242.
5) (5) نقله عنه الشهید فی الذکری: 75.
6) (6) الإختصاص: 88 والفهرست للشیخ الطوسی: 83 رقم 346 ورجال النجاشی: 197 رقم 524.
7) (7) النجم. 53، 39.
المتواترة بأن الثواب علی سعیه حال الحیاة، فإن تحصیل الإخوة للمؤمنین
تعریض للنفس فی هذه المثوبات.
توجیه الروایة
وأما الروایة النبویة (1): فهی مسوقة لذکر ما یعد عملا للمیت بعد موته
من الأفعال المتولدة من فعله تولد الغایة، دون التی یترتب علی عمله اتفاقا من
دون قصد لترتبها، فالحصر فی الروایة بالنسبة إلی أعمال المیت المقصود منها
الاستمرار بعد الموت، کإعانة الناس بحفر البئر وغرس الشجر ووقف مال
علیهم أو إظهار سنة حسنة، أو ولادة من یستغفر له مما یقصد منه البقاء، فهی
بمنزلة الأفعال التولیدیة للمیت یعد عملا له، والکلام - فی المقام - فی ما یعمل
الغیر عنه، کما أن ما ورد من أن: (من سن سنة سیئة کان علیه وزرها ووزر من
عمل بها إلی یوم القیامة) (2)لا تنافی قوله تعالی: (ولا تزر وازرة وزر أخری).
وإنما ینافیه ما یکذب علی النبی صلی الله علیه وآله من أن: (المیت لیعذب ببکاء
أهله علیه (3)
15: 620 الحدیث 42470.
) ولذا ردت عائشة بتلک الآیة (4).وقد خرجنا بإیراد الأخبار المذکورة عما هو المقصود فی هذه الرسالة من
وجوب القضاء عن المیت مع قطع النظر عن انتفاع المیت بذلک، وقد عرفت أنه
مجمع علیه فتوی (5)ونصا (6)، وسیجئ ما یدل علیه من النصوص بالخصوص (7)
216.
.1) (1) وهی قوله صلی الله علیه وآله: " إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث... "، راجع صفحة 206.
2) (2) صحیح مسلم 2: 705 الحدیث 69.
3) (4) صحیح البخاری 2: 101، صحیح مسلم 2: 638 - 640 الحدیث 927 و 928 وکنز العمال
4) (5) صحیح البخاری 2: 100 - 101 وصحیح مسلم 2: 641، الحدیث 929.
5) (6) انظر: الإنتصار: 70 والغنیة (الجوامع الفقهیة): 501 والتذکرة 1: 58 والذکری: 73.
6) (7) انظر الذکری: 73.
7) (8) الوسائل 7: 241 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 5، 6. وسیأتی فی الصفحة
تعین القضاء علی الولی
ثم المشهور أن القضاء معین علی الولی، لا أنه مخیر [بینه] (1)وبین
الصدقة کما عن الإسکافی (2)والسید المرتضی (3)والسید ابن زهرة مدعیا علیه
الاجماع (4)، لعدم الدلیل علی إجزاء الصدقة نعم ورد ذلک فی النافلة مضافا إلی
ظهور الأدلة (5)فی تعیین الصلاة.
والاجماع المدعی کما تری.
وأضعف منه الاستدلال علیه بالاحتیاط.
أولی الناس بالقضاء
فالمحکی عن المفید: النص علی أنه إن لم یکن له ولد من الرجال قضی
عنه أکبر أولیائه من أهله، وإن لم یکن فمن النساء (1).
وعن الإسکافی: أولی الناس بالقضاء عن المیت أکبر ولده الذکور،
وأقرب أولیائه إلیه إن لم یکن له ولد (2).
وفی کلام الصدوقین والرضوی: (إنه یقضی الولی، فإن لم یکن له ولی من
الذکور قضی عنه ولیه من النساء (3)) ونسب قول المفید فی الدروس إلی ظاهر
القدماء والأخبار، واختاره (4)
ولعله لاطلاق صحیحة حفص بن البختری، عن أبی عبد الله علیه السلام:
(فی الرجل یموت وعلیه صلاة أو صیام؟ قال: یقضی عنه أولی الناس بمیراثه.
قلت: فإن کان أولی الناس به امرأته؟ قال: لا، إلا الرجال) (1).
ومرسلة حماد: (قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام فی الرجل یموت وعلیه
دین من شهر رمضان من یقضیه عنه؟ قال: أولی الناس به، قلت: فإن کان أولی
الناس به امرأته؟ قال: لا، إلا الرجال) (2).
وروایة ابن سنان، عن الصادق علیه السلام - المحکیة فی الذکری عن کتاب
السید الأجل ابن طاووس -: (قال: الصلاة التی حصل وقتها قبل أن یموت
المیت یقضیه عنه أولی الناس به) (3).
إلی غیر ذلک.
فما أطلق فیه (الولی) المراد منه الأولی من غیره، وهو یختلف باختلاف
الموجودین من الناس المنتسبین إلی المیت، فإن ولده أولی به من أخیه، وأخوه
أولی به من عمه... وهکذا.
بل قد یدعی شموله للمولی المعتق وضامن الجریرة، لأنهما أولی الناس
بالمیت مع فقد الأقارب النسبیة، ولذا قیل بوجوب القضاء علیهما مع فقد
القریب (4).
هذا، مضافا إلی أن الحکم فی صحیحة حفص معلق علی (الأولی
بالإرث) (5)، ولا إشکال فی صدقه علی ما عدا الأولاد مع عدمهم، بل وعلی المولی
وضامن الجریرة.
وجه تقدیم الولد علی الأب
وأما وجه تقدیم الولد علی الأب: فلعله لأن أکثریة نصیبه یدل عرفا علی
1) (1) الوسائل 7: 241 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 5. وفیه: امرأة.
2) (2) الوسائل 7: 241 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 6. وفیه: امرأة.
3) (3) الذکری: 74 الحدیث الرابع والعشرون.
4) (4) قاله الشهید الثانی فی الروضة 2: 123.
5) (5) الوسائل 7: 241 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 5.
کونه أولی بالمیت عن الأب (1)مع أن النص ورد بأن الأکثر نصیبا أولی بالمیت
من الأقل، کما فی صحیحة الکناسی: (وأخوک لأبیک وأمک أولی بک من أخیک
لأبیک (2)) (3)مع أن حکم المشهور باستحقاق الولد خصوصا مجانا الحبوة - التی
هی عبارة عن خصائص الأب، التی یعز علی أولیاء المیت أن یروها عند غیر
المیت - یدل علی أولویته بأبیه من غیره حتی جده.
نعم ینافی ذلک کله حکم المشهور فی باب الجنائز بأن الأب أولی من الولد
فی تجهیز المیت، ولذا تنظر فیه هناک مائلا إلی مراعاة الاطلاق (4)- هنا وهناک -
من یقدم الأب علی الولد (5).
ویمکن أن یکون مستند المشهور هناک أن الأولی بالمیت من حیث
أحکامه وأموره - التی لا بد أن تصدر باستصواب الأولیاء - هو الأب دون غیره،
ویمکن استشعار ذلک من قوله علیه السلام: (یصلی علی الجنازة أولی الناس بها) (6)
فإن الأولی بالجنازة - من حیث أنها جنازة لا بد من التصرف فیها وتقلبها فی
الغسل والصلاة والدفن - هو الأب عرفا.
والحاصل: أن الموضوع للحکم فی باب القضاء هو المیت من حیث
شخصه ونفسه الانسانی، وفی الجنائز هو جسده وجنازته التی یتصرف فیها
ویتقلب، فالأولویة هنا علیه، وفی القضاء له، فتأمل.
المراد من أکثر النصیب
وعلی حال: فالمراد من (أکثریة النصیب) أکثریة نصیب النوع، لأنها
1) (1) فی " د ": عن الأقل.
2) (2) فی " د " و " ع ": لأمک. وما أثبتناه من المصدر.
3) (3) الوسائل 17: 415 الباب الأول من أبواب موجبات الإرث، الحدیث 2.
4) (4) فی " ش " و " ع ": الاطلاقات، ولعل الصحیح: الاحتیاط.
5) (5) فی " ش " و " د ": الولد علی الأب.
6) (6) الوسائل 2: 801 باب 23 من أبواب صلاة الجنازة، الحدیث 1 و 2.
الکاشفة عرفا وشرعا عن أولویة ذلک النوع، فلو عرض لشخص الولی قلة
النصیب لتعدد أشخاص نوعه - کما لو اجتمع له أب مع عشرة أولاد - فلا
یسقط أکبرهم عن الأولویة، لکونه أقل سهما من الأب، لأن نوع الولد أکثر
سهما فهو أولی. فما یظهر من بعض المعاصرین من اعتبار أکثریة نصیب
الشخص - حتی أنه فصل فی المسألة بین ما دون الخمسة من الأولاد إذا
اجتمعوا مع الأب وبین الخمسة والأزید (1)- لم أجد له وجها ظاهرا.
شمول إطلاق الأولی بالإرث المولی المعتق وضامن الجریرة
ثم إطلاق (الأولی بالإرث) فی الصحیحة المتقدمة (2)
215.
ویشمل المولی المعتقوضامن الجریرة علی الترتیب عند عدم غیرهما من الورثة.
إلا أن العبارة المحکیة عن المفید (3)وجماعة من القدماء (4)
(الجوامع الفقهیة): 17.
خالیة عنالتصریح به، لأن المحکی عن المفید - المنسوب فی الدروس إلی ظاهر القدماء -
(أنه لو فقد أکبر الذکور فأکبر أولیائه من أهله) (5)ولفظ (الأهل) ظاهر فی من
عدا العتق وضامن الجریرة.
وما أبعد من بین هذا القول وبین ما اختاره الشیخ (6)وأکثر من تأخر عنه
من اختصاص التکلیف بأکبر أولاده الذکور (7)
المعتبر 2: 701 والعلامة فی المختلف: 242.
، وکأنهم فهموا من صحیحة1) (1) لم نقف علیه.
2) (2) الوسائل 7: 241 باب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 5. وقد تقدمت فی الصفحة
3) (3) المقنعة: 353.
4) (4) منهم الإسکافی کما حکی عنه العلامة فی المختلف: 242 والصدوقان فی الفقیه 2: 153 والمقنع
5) (5) الدروس: 77.
6) (6) المبسوط 1: 286.
7) (7) منهم ابن إدریس الحلی فی السرائر 1: 398 وابن حمزة فی الوسیلة: 150 والمحقق الحلی فی
حفص ومرسلة حماد - المتقدمتین (1)- أن المراد (الأولی بالمیت) أولی الناس
به علی الاطلاق.
وبعبارة أخری: الأولی من کل أحد یفرض وجوده من الناس، لا أولی
الموجودین فعلا حین موت المیت، ولا شک أن الأولی علی الاطلاق بذلک المعنی
هو الولد الذکر، وأما أولویة غیره من طبقات الورثة فأولویة إضافیة یلاحظ فیها
الموجودون عند الموت. وهذا غیر بعید.
مع أنه لو فرض احتمال الروایة لما ذکرنا احتمالا مساویا وجب الرجوع
إلی أصالة البراءة.
ومما یؤید إرادة ما ذکرنا - بل یدل علیه - صحیحة حفص ومرسله حماد
الصریحتان فی نفی التکلیف عن النساء وکل من نفاه عنهن نفاه عمن عدا الولد
من الذکور، وکل من أثبته علی من عدا الولد من الذکور أثبته علی النساء،
فحمل الروایة علی ما یعم الولد یوجب شذوذ الروایة وترک العمل بظاهرها بین
الأصحاب من التفصیل بین من عدا الولد وبین النساء، فیجب لأجل ذلک حمل
(الأولی) علی الأولویة علی الاطلاق دون الإضافیة.
نعم یظهر من المدارک العمل بظاهرها من التفصیل (2).
المراد من الأکبر
ثم المراد فی کلامهم من (الأکبر): من لا أکبر منه، فیعم المنحصر، کما هو
مقتضی إطلاق النص (3)وصریح الفتاوی (4).
تعدد الأولاد
ولو تعدد الأولاد یقدم الأکبر مع استوائهم فی البلوغ، للاجماع ولمکاتبة
الصفار (5)وفی دلالتها تأمل یأتی وجهه.
ولو استووا فی السن فالبالغ مقدم علی غیره، إما لأنه أکبر عرفا وأقرب
إلی حد الرجال، وإما لأن التکلیف یتعلق به عند بلوغه، لصدق (أولی الناس
به) علیه بحسب النوع، إذ لو اعتبرت الأولویة الشخصیة من کل أحد لم یجب
علیه بعد بلوغ أخیه أیضا، فإذا تعلق التکلیف به فارتفاعه عند بلوغ أخیه یحتاج
إلی دلیل، فتأمل.
ولو اختلفوا فی البلوغ وکبر السن، ففی اعتبار البلوغ أو کبر السن
وجهان: مما ذکرنا فی تقدیم البالغ علی غیره مع المساواة، ومن إطلاق تقدیم
الأکبر فی النص (1)والفتاوی (2)، والأول لا یخلو عن قوة.
ولو استووا فی السن والبلوغ، ففی سقوط القضاء عنهم - کما عن
الحلی (3)- لعدم وجود الأکبر، أو ثبوته علیهم علی طریق الکفایة وتخییرهم، فإن
اختلفوا فالقرعة - کما عن القاضی (4)- أو علی طریق التوزیع - کما عن المشهور
وفاقا للشیخ (5)-، أقوال: أقواها الأخیر، لأن الحکم معلق بجنس أولی الناس
الصادق علی الواحد والاثنین، لما عرفت من أن المراد بأولی الناس: الأولی
بالنوع، وهو جنس الأولاد، فکأنه قال: یقضی عنه ولده.
وأما وجوبه علی الکل کفایة فلم یثبت، لأن الوجوب علی الجنس أعم
من التوزیع ومن الوجوب الکفائی، فالأصل عدم تکلیف کل منهم بأزید من
حصته ولو علی طریق الکفایة.
وبعبارة أخری: یعلم باستحقاقه العقاب إذا ترک حصته ولم یأت بها
صاحبه علی أی تقدیر، ولا یعلم بأنه بعد قضاء حصته یعاقب علی ترک الباقی
إذا ترکه مع ترک صاحبه.
ثم إن حکم القاضی بالقرعة عند اختلافهما (1)لا وجه له، لعدم جواز
الاختلاف بعد وجوب قیامهما (2)بالواجب الکفائی، لأنه لا یسقط عنهما إلا بعد
حصوله فی الخارج، فینوی کل منهما الوجوب کما فی صلاة المیت.
ودعوی وجوب فعل واحد عنه - علی أن تکون الوحدة شرطا لصحة
الفعل مع تعددهما - ممنوعة.
حکم الواجب غیر المتبعض
ومما ذکرنا یعلم حکم ما إذا کان الواجب مما لا یتبعض کصلاة واحدة أو
صوم یوم واحد وفی ثبوت الکفارة علیهما مع إفطار الصوم بعد الزوال - علی
القول بوجوبه فی القضاء عن الغیر - وجهان، أقواهما: الوجوب علیهما مع
إفطارهما معا، وعلی المتأخر إفطارا مع التراخی، فتأمل.
ثم إن هنا وجوبا کفائیا فی الصلاة من جهة أخری، وهی أن الترتیب لما
کان شرطا فی صحة الصلاة فبعد الحکم بتوزیعها یکون الواجب کفائیا منهما
الشروع فی القضاء فإذا فرغ من صلاة واحدة کان الشروع فی الأخری أیضا
واجبا کفائیا، وهکذا إلی أن یصلی أحدهما قدر نصیبه، فیتعین الباقی علی الآخر،
فإن اختلفا فی السبق بأن أراد کل منهما السبق واللحوق، فلا یبعد القرعة.
عدم اشتراط الحریة فی القاضی
ولا یشترط فی القاضی الحریة، لأن الأولویة بالمیت - هو مناط
الحکم - لا یتوقف علی استحقاقه الإرث، بل یقتضیه مع عدم المانع، ولهذا لا
یفرق فی الحر بین الوارث بالفعل والممنوع عن الإرث للقتل. وتعلق الحکم فی
صحیحة حفص (3)علی (الأولی بالإرث) یراد به الأولی بالإرث من حیث القرابة
لو خلیت ونفسها.
عدم اشتراط خلو ذمة القاضی
ولا یشترط أیضا خلو ذمته من صلاة فائتة، نعم سیأتی حکم الترتیب بین
الفائتة والمتحملة فی أحکام القضاء.
کلمات العلماء فی المقضی
فالمحکی عن المشهور أنه جمیع ما فات عن المیت، وعن الشهید الثانی:
نسبته إلی ظاهر النص وإطلاق الفتوی (1)وظاهر عبارة الغنیة: الاجماع علیه (2)
وعن الحلی (3)وسبطه - ابن سعید -: أنه لا یقضی إلا ما فاته فی مرض موته (4)
والمحکی عن [المحقق] (5)
کلمة " المختلف ".
فی بعض رسائله أنه یقضی ما فاته لعذر کالمرضوالسفر والحیض بالنسبة إلی الصوم، لا ما ترکه عمدا مع قدرته علیه (6)وعن
الذکری نسبته إلی السید عمید الدین ثم اختیاره (7)کما عن الشهید الثانی (8).
1) (1) المسالک 2: 263 وحکاه الغنائم: 467.
2) (2) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 501.
3) (3) السرائر 1: 399.
4) (4) الجامع للشرائع: 89.
5) (5) فی " ش ": لف، وفی " ع " و " د ": المختلف. وهو خطأ، ولعل منشأه تصحیف کلمة " المحقق " إلی
6) (6) وهی الرسالة البغدادیة، حکاه عنه الشهید فی الذکری: 138.
7) (7) الذکری: 138.
8) (8) انظر الروضة البهیة 1: 747 و 2: 124.
الأقوی فی الأقوال
والأقوی الأول، لاطلاق ما تقدم من النصوص، خصوصا روایة ابن
سنان المتقدمة (1)ودعوی انصرافها إلی ما فات لعذر - إن سلم - فهو تبادر
ابتدائی، کتبادر بعض أفراد الماء من إطلاق لفظه، مع أن بعض فروض الترک
عمدا مما لا اشکال فی عدم خروجه عن منصرف الاطلاق، مثل ما إذا وجب
علیه الصلاة فی حال المرض مع النجاسة أو مع العقود أو الاضطجاع، أو وجب
علیه الصلاة حال المطاردة مع العدو، فقصر فی فعلها کذلک - علی ما هو الغالب
فی أحوال المرضی والغازین من ترک الصلوات إذا لم یتمکنوا من فعلها إلا
کذلک - ثم مات فی هذه الحال أو بعد ذلک، فإن دعوی خروج مثل هذا عن
منصرف اطلاق الأخبار المتقدمة (2)
الحدیث الرابع والعشرون. وقد تقدمت فی الصفحة 216.
بعیدة عن الانصاف، وإذا شمل هذا شملغیره من الصلوات المتروکة عمدا أو المفعولة فاسدة، لعدم القول بالفصل، بل
یمکن دعوی شمول الروایات للمفعولة فاسدة، فیشمل المتروکة عمدا لعدم
الفصل، فتأمل.
وکیف کان: فدعوی اختصاص الروایة بمن فاته الصلاة لعذر یسقط
شرعا معه الصلاة - کالاغماء وفقد الطهورین ونحو ذلک - فی غایة البعد،
خصوصا لو أرید من عدم تعمد الفوت عدم التمکن من قضائه أیضا، بحیث لا
یعم ما تسامح فی قضائه حتی مات.
ثم الظاهر أن النسبة بین قول الحلی (3)ومختار المحقق (4)عموم من وجه،
لأن الفوات فی مرض الموت یعم الترک عمدا.
انصراف الاطلاق إلی ما وجوب علیه أصالة
وعلی أی حال: فالظاهر انصراف الاطلاق فی النص والفتوی إلی ما
وجب علیه أصالة، فلا یعم ما تحمله بالولایة أو الاستئجار وإن کان العمل
بالاطلاق أحوط، بناء علی احتمال کون الانصراف هنا نظیر الانصراف السابق.
فهو الوالدان لا غیر، بناء علی المشهور من اختصاص القاضی بالولد
الأکبر.
القضاء عن الأم
نعم اختلفوا فی دخول الأم من جهة اختصاص روایة حماد بالرجل (1)
وانصراف روایة ابن سنان إلیه (2)فإلحاق المرأة بالرجل قیاس - کما صرح
الحلی (3)والمحقق والشهید الثانیان فی حاشیتی الشرائع (4)بل حکی عن
جماعة (5).
والأقوی الدخول، وفاقا لصریح المحکی عن صوم المبسوط (6)
والنهایة (7)والغنیة (8)والمنتهی (9)والتذکرة (10)بناء علی عدم الفرق بین الصوم
1) (1) الوسائل 7: 241 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 6.
2) (2) رواها الشهید فی الذکری: 74، الحدیث الرابع والعشرون.
3) (3) السرائر 1: 399.
4) (4) المحقق الثانی فی حاشیة الشرائع: 59 (مخطوط) وأما حاشیة الشهید الثانی فلا توجد لدینا.
5) (5) انظر المستند 1: 517.
6) (6) المبسوط 1: 286.
7) (7) النهایة: 158.
8) (8) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 501.
9) (9) المنتهی 2: 605.
10) (10) التذکرة 1: 276.
والصلاة.
وحکی فی خصوص الصلاة عن الرسالة المحکیة سابقا عن المحقق فی
جواب سؤال جمال الدین المشغری (1)وعن الذکری (2)والموجز (3)بل حکی
نسبته إلی ظاهر اطلاق الأکثر، إلا أن الموجود فی الروضة: أن اختصاص الحکم
بالأب وعدم التعدی إلی الأم وغیرها من الأقارب (4)هو المشهور (5).
وکیف کان فالأقوی اللحوق، ودعوی الانصراف فی روایة ابن سنان (6)
ممنوعة، مضافا إلی مصححة أبی حمزة: (عن امرأة مرضت فی شهر رمضان أو
طمثت أو سافرت، فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل یقضی عنها؟ قال: أما
الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم) (7).
ویمکن أن یکون طرح الحلی (8)لهذه الأخبار لکونها آحادا عنده.
وهل یشترط فی المقضی عنه الحریة؟ قولان، أقواهما: العدم، لاطلاق
1) (1) فی " ش " و " ع ": الأشعری. انظر الذکری: 138.
2) (2) الذکری: 139.
3) (3) الموجز الحاوی (الرسائل العشر - للحلی قدس سره -): 110.
4) (4) لیس فی " ش " و " ع ": وغیرها من الأقارب.
5) (5) الروضة البهیة 1: 747. مع اختلاف فی العبارة.
6) (6) رواها الشهید فی الذکری: 74، الحدیث الرابع والعشرون.
7) (9) انظر المنتهی 2: 603 و 605.
8) (10) السرائر 1: 399.
الروایات (1)ودعوی انصرافها إلی الحریة فی غایة البعد.
وتوهم کون الأولی بالعبد مولاه، ولا یجب علیه القضاء إجماعا، مدفوع
بأن المراد بالأولویة: الأقربیة فی النسب والأشدیة فی علاقة القرابة التی هی
المقتضیة للأولویة بالإرث ولو اجتمع سائر شروط الإرث، ولذا یجب علی القاتل
لأبیه وإن لم یرثه.
وحکی عن فخر الدین عدم الوجوب، قال: ومنشأ الإشکال عموم قولهم
علیهم السلام: (فعلی ولیه أن یتصدق عنه من ترکته) (2)
علیهم السلام فی تمام الخبر " فإن لم یکن له ولی تصدق عنه من ترکته ". انظر إیضاح الفوائد 1:
241.
دل بالمفهوم علی الحریة، فهذهالمسألة ترجع إلی أن الضمیر إذا رجع إلی البعض هل یقتضی التخصیص أم لا؟
وقد حقق ذلک فی الأصول. والحق عندی عدم القضاء لما تقدم (3)(انتهی).
واعترضه شارح الروضة - بعد نقل هذا الکلام - بأنا لم نظفر بخبر فیه
ذلک، وإنما الخبر الذی تعرض فیه للتصدق خبر أبی مریم، ولیس فیه ذکر الصوم
إلا بعد التصدق فی إحدی طریقیه ولفظه: (وإن صح ثم مرض حتی یموت وکان
له مال تصدق عنه مکان کل یوم بمد، وإن لم یکن له مال صام عنه ولیه) (4)
(5)(انتهی).
ولا یخفی ضعف ما ذکره فخر الدین، إذ لو سلم وجود خبر مشتمل علی
المتمم المذکور، فمقتضی التبادر وإن کان تقیید المطلق به - ولیس هذا من قبیل
1) (1) الوسائل 7: 240 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان.
2) (2) فی " د ": " یقضی عنه من ترکته " وفی الإیضاح: " فعلی ولیه أن یقضی عنه " واعترض بقولهم
3) (3) إیضاح الفوائد 1: 241.
4) (4) الوسائل 7: 241 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 7.
5) (5) هذا هو طریق الکافی والفقیه وطریقه الآخر هو طریق التهذیب ولیس فیه ذکر الصوم. شرح الروضة: 180 (مخطوط).
العام المتعقب بالضمیر الراجع إلی بعض أفراده کما لا یخفی - إلا أن تخصیص
الخبر المشتمل علی المتمم (1)لا یقتضی تخصیص باقی (2)المطلقات، لعدم التنافی
بینهما.
ثم إن حکم الجاریة حکم العبد المیت.
فیحصل توضیح المهم منها فی ضمن مسائل:
الأولی: أن الظاهر من النص والفتوی بأنه (یقضی عن المیت)، أن القضاء
عن المیت نیابة عنه فی الفعل، لا أنه تکلیف أصلی علی الولی.
لزوم نیة النیابة
فلا بد فیه من نیة النیابة کما فی الحج والزیارة عن الغیر، ولا تبرأ ذمته
بإهداء ثواب العبادة إلی المیت من دون قصد النیابة، بل لا یشرع هذا الفعل
بمجرد هذه الغایة مع عدم اشتغال ذمته به أصالة، کمن أراد أن یصلی ظهرا فی
غیر وقته ویهدیه إلی المیت، لأن إهداء الثواب فرع وجوده المتوقف علی تحقق
الأمر، المفروض عدمه.
ویعتبر فی القضاء جمیع ما کان معتبرا فی فعل المیت، مع قطع النظر عما
یعرض باعتبار خصوص مباشرة الفاعل له، فیقصر ما فاته سفرا، ویتم ما فاته
حضرا، ولا یجب علیه الاخفات فی أولیی الجهریة لو کان النائب رجلا والمیت
امرأة، ویجب الاخفات لو انعکس الفرض، وکذا الکلام فی ستر تمام (1)البدن.
والفرق بینهما وبین القصر والاتمام: أن القصر والاتمام مأخوذان فی ماهیة
1) (1) فی " د ": جمیع.
الصلاة، وأما الجهر والاخفات فإنما هو باعتبار کون المباشر للفعل امرأة یطلب
خفض صوتها وستر بدنها عند الصلاة، فهما أحکام خصوص الفاعل لا الفعل.
ومثلهما الأحکام الثابتة للفاعل باعتبار العجز والقدرة، فإن المعیار فیها
حال المباشرة للفعل، فیصلی القادر قائما عمن فات عنه قاعدا، ویصلی العاجز
قاعدا عمن فاته قائما.
ولا یجب علی الولی الاستنابة مع عجزه، للأصل. وربما یحتمل ذلک بناء
علی أن الواجب علی الولی تحصیل الصلاة بالأجزاء والشرائط التی کانت علی
المیت وإبراء ذمته بصلاة نفسه أو بالاستنابة، فإذا لم یتمکن من الصلاة
الاختیاریة بنفسه تعین علیه الاستنابة.
ویضعفه أن الاستنابة مع جوازها مسقطة للواجب المعین علی الولی، لا
أحد فردی الواجب المخیر، فلا یتعین عند تعذر الصلاة الاختیاریة، بل ینتقل
إلی بدلها الاضطراری کالصلاة قاعدا أو قائما إذا کان غیر راج لزوال العذر،
بل وإن کان راجیا، بناء علی عدم وجوب تأخیر أولی الأعذار، وعلی وجوب
المبادرة إلی براءة ذمة المیت.
ولکن الأقوی وجوب الانتظار مع رجاء زوال الأعذار، والأحوط
الاستنابة مع عدمه.
وفی حکم العجز والقدرة: العلم والجهل المعذور فیه موضوعا أو حکما
کمن جهل القبلة فصلی إلی الجهة المظنونة أو إلی أربع جهات مع عدم الظن، أو
صلی فی طاهر کان یعتقده المیت نجسا، فإن هذه الأمور وأشباهها تلحق الفعل
باعتبار مباشرته، لا باعتبار ذاته.
ومن هذا القبیل اختلاف المیت والنائب فی مسائل الصلاة، فإن العبرة
فیها بمعتقد الفاعل تقلیدا أو اجتهادا دون المیت، حتی لو فاته صلاة یعتقدها
قصرا، کما إذا سافر إلی أربعة فراسخ من دون الرجوع لیومه واعتقدها الولی
تماما - لاعتقاده اعتبار الرجوع لیومه فی الأربعة - وجب القضاء عنه تماما.
حکم قضاء الصلاة التی اعتقد الولی فسادها
نعم لا یجب قضاء ما صلاه (1)المیت صحیحا إذا اعتقد الولی فسادها،
وهو واضح.
والفرق: إن فعل المیت بدل علی الواقع إذا کان مخالفا له، أما إذا لم یفعل
فالفعل یصیر تکلیفا للولی یوقعه بحسب اعتقاده، حتی لو اعتقد عدم وجوبه
علی المیت رأسا لم یجب علی الولی وإن کان المیت قد اعتقد وجوبه، کقضاء صلاة
الخسوف الذی لم یعلم به المیت حتی انجلی، فلا یجب علی الولی قضاؤها إذا
اعتقد عدم وجوبه، وإن کان المیت قد اعتقد وجوب القضاء.
ویحتمل وجوب القضاء هنا علی الولی إذا اعتقد استحبابه علی تقدیر
عدم الوجوب، لصیرورة المیت مشغول الذمة به فی اعتقاده ویمکن إبراء ذمته
فیجب.
أما إذا لم یعتقد الولی استحبابه علی تقدیر عدم الوجوب فلا یجوز له
الاتیان لعدم تأتی قصد القربة لکن فرض المسألة خلافیة لا ینفک عن رجحان
الاتیان من باب الاحتیاط.
الثانیة: هل ما یفعله الولی أداء لما فات عن المیت باعتبار الأمر الأدائی،
فیکون فعله تدارکا للأداء؟ کما لو فرض موته قبل خروج وقت الصلاة التی
فاتته، کما إذا مات بعد مضی مقدار الصلاة والطهارة، أو فی غیر الفرض المذکور
أداء ما فات عن المیت باعتبار الأمر القضائی فیکون تدارکا لقضاء المیت الذی
هو تدارک لفعله الأدائی، لا تدارکا أولیا لفعله الأدائی؟.
وبعبارة أخری: لا شک أن الصلاة عن المیت کأداء الدین عنه،
فهل الملحوظ - کونه دینا - الأمر الأدائی، أو الأمر القضائی به فیما إذا مات بعد
1) (1) فی " ش " و " ع ": قضاء صلاة.
تکلیفه بالقضاء؟ وجهان، أظهرهما من أدلة العبادة عن المیت وأنها کأداء الدین
عنه، الأول، لأن ظاهر إطلاق الدین علی العبادة إنما هو باعتبار مطلوبیتها
الأولیة، والأمر بقضائها أمر بأداء ذلک الدین، فإذا لم یؤده بنفسه أداه عنه الولی،
ففعل الولی بدل الأداء، لا القضاء.
ثمرة المسألة
وتظهر الثمرة فی اعتبار الأمور المعتبرة فی القضاء فی فعل الولی.
توضیح ذلک: أن ما کان من الشروط معتبرة فی الأداء، فلا
إشکال فی اعتبارها فی القضاء، سواء کان القاضی نفسه حیا أو ولیه (1)بعد موته،
لأن تدارک الفائتة لا یحصل إلا بمراعاتها، لأن المفروض کونها مأخوذة فی
الفائت.
وأما الشروط المعتبرة فی قضاء الصلاة التی دل علیها الدلیل الخاص من
دون کونها معتبرة فی الأداء فلا بد، من الاقتصار فی اعتبارها علی مقدار دلالة
الدلیل، فإذا دل الدلیل علی اعتبارها فی قضاء الشخص عن نفسه فلا یتسری
إلی قضائه عن غیره.
نعم لو قلنا: إن الغیر إنما یفعل ذلک القضاء الذی کان واجبا علی المیت
وامتثالا لأمر القضائی، فلا مناص من مراعاة هذه الشروط.
الترتیب بین الفوائت
وهذا مثل الترتیب بین الفوائت - بناء علی اعتباره فی القضاء باعتبار
دلیل خارج، ولیس باعتبار کونه شرطا فی الأداء -، إذ لیس تأخیر المغرب عن
عصره المتقدم شرعا شرطا له، وإنما هو عارض اتفاقی له حصل من تدریج
الزمان، بل تأخیر العصر عن الظهر أیضا لیس إلا باعتبار الأمر الأدائی
بالظهر، فإذا فات الظهر والعصر فقد ارتفع الأمر الأدائی بالظهر وبرئت الذمة
منه، ووجوب وقوع العصر بعد (2)براءة الذمة من مطلق الأمر بالظهر - ولو کان
أمرا - قضائیا - غیر معلوم، فتأمل حتی لا یتوهم أنه رجوع عن لزوم (1)اتحاد
القضاء والأداء فی الشروط، لأنا نلتزم أیضا أن کلما هو شرط فی العصر الأدائی
شرط فی العصر القضائی، لکن ندعی أن الشرط فی العصر الأدائی وقوعها بعد
براءة الذمة عن الأمر الأدائی [بالظهر، دون مطلق الأمر بها، ولازم اعتبار
شروط الأداء فی القضاء أن العصر القضائی أیضا لا بد من وقوعها بعد البراءة
عن الأمر الأدائی] (2)، وهذا شئ حاصل دائما.
فالعمدة فی وجوب الترتیب بین الفوائت الاجماع المنقول وبعض
الأخبار (3)
أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 5.
وهی مختصة بقضاء الشخص عن نفسه، والمفروض أن الولی نائب عنالمیت فی تدارک الأداء، لا فی تدارک القضاء حتی یقتضی ذلک وجوب مراعاة
ما وجب علی المیت فی قضائه عن نفسه، نعم لا یستبعد أن یستظهر من أدلة
الترتیب فی قضائه عن نفسه کون مطلق کذلک، سواء کان عن نفسه أو عن
الغیر.
الثالثة - هل یسقط القضاء عن الولی بفعل الغیر - کما عن الشیخ (4)
وجماعة (5)- أم لا - کما عن الحلی (6)وآخرین (7)-؟.
الأقوی: الأول، العموم ما دل علی أن الصلاة والصوم عن المیت یکتب
1) (1) فی " د ": التزام.
2) (2) ما بین المعقوفتین من " د ".
3) (3) منها ما رواه جمیل بن دراج عن أبی عبد الله علیه السلام. انظر الوسائل 5: 351 الباب 2 من
4) (4) المبسوط 1: 286.
5) (5) منهم المحقق الحلی فی الشرائع 1: 204 والشهید رحمه الله فی الدروس: 77 وانظر الغنائم 471.
6) (6) السرائر 1: 399.
7) (7) منهم العلامة فی المنتهی 2: 604.
له (1)وما دل علی أن العبادة فی ذمة المیت کالدین، فکما تبرأ ذمته بأداء کل أحد
الدین عنه فکذلک العبادة (2): وقد تقدم (3)فی روایة الخثعمیة قوله صلی الله علیه وآله:
(أرأیت لو کان علی أبیک دین فقضیته أکان ینفعه ذلک؟ قالت: نعم قال صلی الله علیه
وآله وسلم: فدین الله أحق بالقضاء) (4).
فإذا برئت ذمة المیت بفعل کان من فعل عنه، فلا یبقی فی ذمته شئ حتی
یجب علی الولی قضاؤه، ففعل الغیر مسقط للوجوب عن الولی بسقوط موضوعه
یقال: إن الصلاة والصوم لا یتحملان عن الحی، أو یقال: إن المخاطب هو الولی
فیجب علیه المباشرة، فإنا لم نحکم بامتثال الولی إذا استناب غیره، وإنما نحکم
ببراءة ذمة المیت، فلا یکون علیه صلاة أو صیام حتی یقضیه الولی.
فیظهر من ذلک کله أن الاستدلال علی المنع بظهور الأدلة فی وجوب
المباشرة، أو أن الصلاة والصوم لا تدخلهما النیابة عن الحی، فی غیر محله، فإذن
ما ذکرنا ینافی التصریح عن المشهور بوجوب مباشرة الولی له.
ویدل علی السقوط - مضافا إلی ما ذکرنا - الموثقة: (فی الرجل یکون
علیه صلاة أو صوم هل یجوز أن یقضیه رجل غیر عارف؟ قال: لا یقضیه إلا
مسلم عارف) (5).
دل علی عدم إجزاء قضاء غیر العارف بالأئمة علیهم السلام وإن کان ولیا،
وجواز قضاء العارف وإن لم یکن ولیا.
ولا یجوز أن یکون المراد بغیر العارف فی السؤال، وبالعارف فی الجواب
خصوص الولی، کما لا یخفی.
ومرسلة الفقیه عن الصادق علیه السلام: (إذا مات الرجل وعلیه صوم شهر
رمضان فلیقض عنه من شاء من أهله) (1).
فإنه بعد قیام القرینة علی عدم إرادة ظاهر الخبر - وهو الوجوب
الکفائی - ظاهر فی أن کل أحد من أهله مرخص فی إبراء ذمة المیت، وتخصیص
(الأهل) مع أن غیرهم أیضا مرخص، لأجل حصول مشیئة القضاء فیهم غالبا،
دون غیرهم.
والموثق - کالصحیح - المحکی عن زیادات التهذیب، عن أبی بصیر:
(قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل سافر فی رمضان فأدرکه الموت قبل
أن یقضیه قال: یقضیه أفضل أهل بیته) (2)
الکلمات، وما أثبتناه من المصدر.
.دل - بعد قیام الدلیل علی عدم وجوب القضاء علی أفضل أهل البیت -
علی استحباب تفویض الولی القضاء إلیه إن لم یکن هو ولیا، وعلی عدم تفویضه
إلی غیره إن کان هو الولی.
واستدل الحلی (3)ومن تبعه (4)علی عدم سقوطه بفعل الغیر بما یرجع
حاصله إلی أصالة عدم السقوط بعد کون الولی هو المخاطب، وزاد فی الذکری:
أن الصلاة لا تقبل التحمل عن الحی (5).
الجواب علی استدلال الحلی
ویعرف الجواب عن ذلک کله بما ذکرنا من أن الغیر لیس متحملا عن
الولی، وإنما یبرئ ذمة المیت فیرتفع الوجوب عن الولی.
نعم یمکن أن یستدل لهم بمکاتبة الصفار إلی أبی محمد العسکری
علیه السلام: (رجل مات وعلیه قضاء من شهر رمضان عشرة أیام، وله ولیان، هل
یجوز أن یقضیا عنه جمیعا عشرة أیام، خمسة أیام أحد الولیین وخمسة أیام الآخر؟
فوقع علیه السلام: یقضی عنه أکبر ولییه (1)
رآها صاحب الجواهر: " ولدیه "، الجواهر 17: وما أثبتناه من الوسائل بطبعتیه والفقیه 2: 153
الحدیث 2010 والتهذیب 4: 247 الحدیث 732 والاستبصار 2: 108، الحدیث 355.
عشرة أیام ولاء إن شاء الله تعالی) (2)الاختلافات.
.فإن المنع عن إقدام الولیین علی القضاء بالتوزیع مع کون أحدهما أکبر،
یدل علی عدم جواز تبرع الأصغر بقضاء خمسة أیام.
وحمل الأمر بالقضاء علی الاستحباب ینافیه - مع کون السؤال عن أصل
الجواز - أن المستحب هو تعجیل إبراء ذمة المیت الحاصل بقضاء کل منهم خمسة
دون صوم الأکبر عشرة ولاء، فالظاهر أن الأمر بالولاء لوجوب المبادرة إلی إبراء
الذمة، ففیه دلالة علی عدم جواز تبرع غیر الولی، مضافا إلی اقتضاء تطابق
الجواب والسؤال لذلک.
وعلی أی تقدیر: فقوله علیه السلام: (یقضی عنه) لیس مستعملا فی الوجوب
بقرینة تقییده بالولاء، فلیت شعری کیف استدل به المشهور علی وجوب تقدیم
الأکبر عند تعدد الأولی بالإرث. إلا أن یقال: إن الاستحباب مناف لوجوب
المبادرة إلی إبراء ذمة المیت، فلو جاز لغیر الولی القضاء لم یرجح انفراد الولی به
علی المشارکة.
فظاهر الروایة لو حمل علی الوجوب نافی مذهبهم فی جواز تبرع الغیر،
ولو حمل علی الاستحباب لم یدل علی مذهبهم بتعین القضاء علی الأکبر.
سقوط القضاء عن الولی بفعل المتبرع
ثم إن ما ذکرنا من سقوط القضاء عن المیت بفعل الغیر یعم المتبرع،
والموصی إلیه، والمستأجر.
أما المتبرع: فلا فرق فیه بین أن یقع بإذن الولی أو بدون إذنه، إذ
المفروض عدم تحمله شیئا عن الولی حتی یحتاج إلی إذنه.
وأما الموصی إلیه: فإن قبل الوصیة وجب علیه الفعل ولو کان تبرعا أو
أوصی بالاستئجار من مال الموصی إلیه علی ما یظهر من الذکر (1)والمحکی
عن ابن طاووس (2)وغیر واحد من المعاصرین (3)، بل فی المناهل دعوی ظهور
الاتفاق علیه (4)وعن التذکرة: أنه إذا أوصی الانسان بوصیة فإن وصیته تنفذ
ویجب العمل بها إجماعا (5). وفی دلالته علی المدعی نظر.
نعم استدل علیه بعموم حرمة تبدیل الوصیة المستفاد من الآیة (6)ومن
الأخبار (7)المستشهدة بالآیة.
ویظهر من العبارة المحکیة عن التذکرة أن هذا النحو من قبول الوصیة
بمنزلة الوعد لا یجب الوفاء به، قال - فی مقام الاستدلال علی وجوب قضاء
الصوم عن المرأة بروایة أبی بصیر: (عن امرأة مرضت فی شهر رمضان وماتت فی
شوال، فأوصتنی أن أقضی عنها، قال: هل برئت من مرضها قلت: لا، قال:
لا تقضی عنها فإن الله تعالی لم یجعله علیها، قلت: فإنی أشتهی أن أقضی عنها
وقد أوصتنی بذلک، قال: کیف تقضی شیئا لم یجعله الله علیها، فإن اشتهیت أن
تصوم فصوم لنفسک) (1): -: استفسر علیه السلام عن حصول البرء أولا، ولو لم یجب
القضاء مع البرء لم یکن للسؤال معنی.
ثم قال: لا یقال: قد حصلت الوصیة فجاز أن یکون الوجوب بسببها.
لأنا نقول: الوصیة لا تقتضی الوجوب، أما مع عدم القبول فظاهر، وأما
مع القبول فلأنه راجع إلی الوعد (2)(انتهی).
وکیف کان: فهل الوصیة النافذة تسقط الوجوب عن الولی، أم لا؟
صریح الشهیدین (3)وصاحب الموجز (4)وشارحه (5)وصاحب الذخیرة (6)ذلک،
ولعله (7)لأن بعد فرض وجوب العمل الکفائی مخالفة لظاهر التکلیفین، والحکم
بالوجوب علی الولی مناف لفرض نفوذ الوصیة، فإن التحقیق أن دلیل وجوب
العمل بالوصیة حاکم علی أدلة مثل هذا الحکم، أعنی الوجوب علی الولی، وإلا
فکل واقعة قبل تعلق الوصیة بها لها حکم غیر ما تقتضیه الوصیة، ولذا لم یستدل
الشهید رحمه الله (8)ومن تبعه (9)علی السقوط بأزید من أن العمل بما رسمه الموصی
1) (1) الوسائل 7: 242 الباب 23 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث 12.
2) (2) التذکرة 1: 276.
3) (3) الذکری: 139، المسالک 1: 61.
4) (4) الموجز الحاوی (الرسائل العشر): 110.
5) (5) وهو الصیمری فی کشف الالتباس عن موجز أبی العباس (مخطوط).
6) (6) الذخیرة: 388.
7) (7) لیس فی " ش " و " ع ": ولعله.
8) (8) الذکری: 139.
9) (9) انظر الذخیرة: 388.
واجب.
نعم زاد صاحب الذخیرة: أن المتیقن من موارد الوجوب علی الولی ما
إذا لم یوص المیت (1). ولا بأس به، لأن الظاهر من قول السائل: (یموت الرجل
وعلیه صلاة أو صیام من یقضیه؟) (1) فرض عدم وجود من أقدم علی إبرائه
ووجب علیه ذلک.
وربما یقال أیضا: إن النسبة بین أدلة الوجوب علی الولی وأدلة وجوب
العمل بالوصیة عموم من وجه، والترجیح مع أدلة الوصیة.
وفیه نظر، بل التحقیق الحکم بحکومة أدلة الوصیة کما یحکم فی سائر
الموارد، لما عرفت من أن کل وصیة فهی ترد علی واقعة له حکم ودلیل لولا
الوصیة، فلا یعارض بدلیلها أدله الوصیة، فلاحظ، فأدلة العمل بالوصیة شبیهة
بأدلة النذر وشبهه.
ویظهر من شرح الوحید البهبهانی: عدم السقوط عن الولی بالوصیة،
بل یکون الوجوب علیهما نظیر الکفائی (2).
فإن أراد به کون الوجوب کذلک من أول الأمر وحین موت المقضی عنه،
ففیه نظر عرفت وجهه.
وإن أراد السقوط مراعی بفعل الوصی، فلا تبرأ ذمته مطلقا إلا بعد
فعله، ولو ترکاه استحقا العقاب، فلا بأس به، لکن لا یجب تحصیل العلم أو
الظن علی الولی بقیام الوصی به، بل لو ظهر له فواته من الوصی بحیث لا یمکن
له الاتیان بموته أو نحوه، تعین علی الولی، للعمومات السلیمة عن المعارض.
إلا أن یقال - بعد تسلیم ما ذکر سابقا من کون مورد الحکم فی الأخبار
غیر صورة إیصاء المیت - لا دلیل علی عود الوجوب بعد تحقق السقوط.
وأما الاستئجار: فلا کلام فیه من حیث براءة ذمة المیت بفعل الأجیر إذا
فعلها علی الوجه الصحیح، سواء کان له ولی فکان المستأجر هو أو غیره، أم لم
یکن له ولی. وإنما الکلام فی صحة الاستئجار وعدمها.
والثمرة بعد الاتفاق علی الصحة، لو وقع من الأجیر صحیحا کما لو وقع
من غیره فی أمرین:
أحدهما: انتقال مال الأجرة إلی الأجیر.
والثانی: أن کون الداعی للعمل هو تحصیل استحقاق الأجرة غیر قادح
فی نیة القربة المعتبرة فی جمیع العبادات.
فنقول: أما صحة الاستئجار: فالحق صحته وفاقا للمعظم، لوجوه:
الاجماعات المستفیضة
الأول: الاجماعات المستفیضة عن جماعة کالشهید قدس سره حیث قال فی
الذکری: إن هذا النوع مما انعقد علیه إجماع الإمامیة الخلف والسلف، وقد تقرر
أن إجماعهم حجة قطعیة (1)(انتهی).
وحکی الاجماع أیضا عن الإیضاح (2)وجامع المقاصد (3)وإرشاد
الجعفریة (4). بل عن ظاهر مجمع الفائدة أیضا (5)، وعن بعض الأجلة - کأنه
صاحب الحدائق - عدم الخلاف فی المسألة (6).
ویؤید ذلک - مضافا إلی الشهرة العظیمة، إذ لم یخدش فی ذلک إلا صاحبا
الکفایة (1)والمفاتیح (2)- استقرار سیرة الشیعة فی هذه الأعصار وما قاربها من
المجتهدین والعوام والمحتاطین علی الاستئجار والایصاء به.
وجود المقتضی وفقدان المانع
ویدل علی المسألة - مضافا إلی ما عرفت - أن المقتضی لصحة الاستئجار
موجود والمانع مفقود، لاتفاق المسلمین علی أن کل عمل مباح (3)مقصود للعقلاء
لا یرجع نفعه إلی خصوص العامل ولم یجب علیه یجوز استئجاره علیه، ومنع (4)
تحقق الاجماع فی خصوص کل مقام ضروری الفساد عند أدنی محصل، إذ لم
تسمع المناقشة فی هذه القاعدة ومطالبة الدلیل علی الصحة فی کل مورد من
الأعمال المستأجر علیها کما فی الأعیان المستأجرة.
العمومات الدالة علی صحة إجارة الانسان نفسه
هذا کله مضافا إلی العمومات الدالة، علی صحة إجارة الانسان نفسه،
کما فی روایة تحف العقول (5)وغیرها (6)وعمومات الوفاء بالعقود (7)وحل أکل المال
بالتجارة عن تراض (8)وعمومات الصلح إذا وقعت المعاوضة علی جهة
المصالحة (9).
وبالجملة: فالأمر أظهر من أن یحتاج إلی الاثبات.
ثم إن ما ذکره المخالف فی المقام لا یوجب التزلزل فیما ذکرناه من الدلیل،
إذ المحکی عن المحدث الکاشانی فی المفاتیح ما هذا لفظه: (أما العبادات الواجبة
1) (1) الذخیرة: 387.
2) (2) مفاتیح الشرائع 2: 176.
3) (3) فی " د ": محلل.
4) (4) فی " ش ": ودعوی.
5) (5) تحف العقول: 248.
6) (6) الوسائل 13: 243 الباب 2 من أبواب أحکام الإجارة.
7) (7) المائدة: 5، 1، تفسیر العیاشی 1: 289.
8) (8) النساء: 4، 29، تفسیر العیاشی 1: 236.
9) (9) الوسائل 13: 164 الباب 3 من أبواب الصلح، وغیره.
علیه التی فاتته، فما شاب منها المال کالحج یجوز الاستئجار له کما یجوز التبرع
به عنه بالنص والاجماع، وأما البدنی المحض - کالصلاة والصیام - ففی
النصوص أنه (یقضیها عنه أولی الناس به) (1)، وظاهرها التعین علیه، والأظهر
جواز التبرع بهما عنه من غیره أیضا.
وهل یجوز الاستئجار لهما عن؟ المشهور نعم، وفیه تردد، لفقد نص فیه،
وعدم حجیة القیاس حتی یقاس علی الحج أو علی التبرع، وعدم ثبوت الاجماع
بسیطا ولا مرکبا، إذ لم یثبت أن کل من قال بجواز التبرع (2)قال بجواز
الاستئجار لهما.
وکیف کان: فلا یجب القیام بالعبادات البدنیة المحضة بتبرع ولا
استئجار، إلا مع الوصیة) (3)(انتهی).
الایراد علی الکاشانی
والظاهر أن استثناء الوصیة من نفی الوجوب رأسا، فیجب مع الوصیة فی
الجملة، لا مطلقا حتی یشمل الوصیة بالاستئجار، کما زعمه بعض فأورد علیه
بأنه لا تأثیر للوصیة فی صحة الاستئجار.
وکیف کان: فحاصل ما ذکره - کما حصله بعض - یرجع إلی التمسک
بالأصل.
فإن أراد أصالة الفساد بمعنی عدم سقوطه عن الولی وعدم براءة ذمة
المیت، ففیه أنه لا یعقل الفرق بین فعل الأجیر إذا وقع جامعا لشرائط الصحة
وفعل المتبرع فی براءة ذمة المیت والولی فی الثانی دون الأول وإن قلنا بفساد
أصل الإجارة.
ودعوی عدم وقوع فعل الأجیر صحیحا، لعدم الاخلاص - مع أنه کلام
آخر یأتی الإشارة إلیه - مدفوعة بأنه قد لا یفعله الأجیر إلا بنیة القربة، إذ
الاستئجار لا یوجب امتناع قصد القربة.
وإن أراد به أصالة فساد الإجارة، بمعنی عدم تملک الأجیر للأجرة المسماة
وعدم تملک المستأجر العمل علی الأجیر لیترتب علیه آثاره، ففیه ما عرفت سابقا
من أنه لا معنی لمطالبة النص الخاص علی صحة الاستئجار لهذا العمل الخاص
من بین جمیع الأعمال التی یعترف بصحة الاستئجار علیها من غیر توقف علی
نص خاص، فهل تجد من نفسک التوقف فی الاستئجار لزیارة الأئمة علیهم السلام
من جهة عدم النص الخاص، وکون إلحاقه قیاسا محرما؟.
والحاصل: أن التوقف فی صحة الاستئجار فی هذا المورد الخاص من جهة
عدم الدلیل فی غایة الفساد، مضافا إلی ما عرفت سابقا من وجود النص علی
صحة الاستئجار علی الصوم، أو علی ما هو بمنزلة الاستئجار - کالجعالة
والمصالحة - مثل ما عن الصدوق فی الفقیه، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق
ابن عمار، عن أبی عبد الله علیه السلام: (فی رجل جعل علیه صیاما فی نذر فلا یقوی.
قال: یعطی من یصوم عنه کل یوم مدین) (1)فإن غایة الأمر حملها علی
الاستحباب علی فرض انعقاد الاجماع علی عدم وجوب الاستنابة عند العجز،
لکنه کاف فی إثبات المشروعیة.
ثم إن لصاحب المفاتیح دعوی أخری فی هذا المقام من جهة عدم قصد
التقرب فیما یفعله الأجیر، تبع فیه بعض من تقدمه، قال فی المفاتیح - علی
ما حکی عنه - ما هذا لفظه: (والذی یظهر لی أن ما یعتبر فیه التقرب لا یجوز
أخذ الأجرة علیه مطلقا، لمنافاته الاخلاص، فإن النیة - کما مضی - ما یبعث علی
1) (1) الفقیه 3: 374، الحدیث 4314.
الفعل، دون ما یخطر بالبال. نعم یجوز فیه الأخذ إن أعطی علی وجه الاسترضاء
أو الهدیة أو الارتزاق من بیت المال من غیر تشارط.
وأما ما لا یعتبر فیه ذلک، بل یکون الغرض منه مجرد صدور الفعل علی
أی وجه اتفق، فیجوز أخذ الأجرة علیه مع عدم الشرط فیما له صورة العبادة
فیکون مسقطا للعقاب عمن وجب علیه وإن لم یوجب الثواب له.
وأما جواز الاستئجار للحج - مع کونه من القسم الأول - فلأنه إنما یجب
بعد الاستئجار وفیه تغلیب لجهة المالیة، فإنه إنما یأخذ المال لیصرفه فی الطریق
حتی یتمکن من الحج، ولا فرق فی صرف المال فی الطریق بین أن یصدر من
صاحب المال أو نائبه.
ثم إن النائب إذا وصل إلی مکة وتمکن من الحج أمکنه التقرب به، کما
إذا لم یکن أخذ أجرة فهو کالمتطوع.
أو نقول: إن ذلک أیضا علی سبیل الاسترضاء للتبرع، أما الصلاة
والصوم فلم یثبت جواز الاستئجار لهما کما مر) (1).
وربما یستفاد هذا من کلام بعض من سبقه کما سیجئ.
والجواب عنه، أولا: بالنقض ببعض الواجبات والمستحبات المعتبر فیها
التقرب، کالحج وصلاة الطواف والزیارات المندوبات إذا وقعت الإجارة علی
نفس الأفعال فقط أو مع المقدمات. ودعوی خروجها بالنص والاجماع إن
رجعت إلی دعوی عدم اعتبار القربة فیها کانت فاسدة بالبداهة، وإن رجعت
إلی دعوی الفرق بینها وبین الصلاة والصوم فی منافاة الأجرة لقصد القربة فیهما
دونها، فأظهر فسادا من الأول، ضرورة اتحاد القربة المعتبرة فی جمیع العبادات.
وأما ثانیا: فبالحل، وقد تقرر بما حاصله: جعل التقرب صفة العمل
1) (1) مفاتیح الشرائع 3: 12.
واستحقاق الأجرة غایة، فیقال: إن النیة مشتملة علی قیود: منها کون الفعل
خالصا لله سبحانه، ومنها کونه أداء أو قضاء، عن نفسه أو عن الغیر، بأجرة أو
بغیرها، وکل من هذه القیود غیر مناف لقصد الاخلاص، والأجرة فیما نحن فیه
إنما وقعت أولا وبالذات بإزاء القید الثانی - أعنی النیابة عن زید - بمعنی أنه
مستأجر علی النیابة عن زید بالاتیان بهذه الفریضة المتقرب بها، وقید القربة فی
محله علی حالة لا تعلق للإجارة إلا من حیث کونه قیدا للفعل المستأجر علیه.
نعم لو اشترط فی النیابة عن الغیر التقرب زیادة علی التقرب المشروط
فی صحة العبادة، اتجه منافاة الأجر لذلک، إلا أنه لیس بشرط إجماعا.
وبالجملة: فإن أصل الصلاة مقصود بها وجهه سبحانه، لکن الداعی
علیها والباعث علیها مع التقرب هو هذا المبلغ الذی قرر له. ولذلک نظائر فی
الشرع یوجب رفع الاستبعاد، مثل صلاة الاستسقاء والاستخارة وطلب الحاجة
والولد والرزق، ونحوها مما کان الباعث علیها أحد الأغراض، فإن أصل الصلاة
مقصود بها وجهه سبحانه ویتقرب بها إلیه جل ذکره، ولکن الحامل علیها أخذ
الأمور المذکورة، بمعنی أنه یأتی بالصلاة الخالصة لوجه الله لأجل هذا الغرض
الحامل علیها (1)(انتهی).
الایراد علی الجواب الثانی
ولا یخفی ما فیه، لابتناء ما ذکره المحدث المتقدم علی اعتبار کون القربة
والاخلاص داعیا وحاملا علی الفعل بحیث لا یشرکه بغیره وهو الحق الذی
لا محیص عنه، فجعل الغرض والداعی أمرا آخر مخالف لذلک.
مع أن کون القربة والاخلاص من قبیل الأداء والقضاء من قیود الفعل
لا محصل له، بناء علی أن قصد القربة عبارة عن قصد امتثال أمر الله وطلب رضا
الله بذلک الفعل.
1) (1) لم نعثر علی المقرر.
فالتحقیق فی الجواب أن یقال: قد عرفت سابقا أن معنی النیابة هو
تنزیل الشخص منزلة الغیر فی إتیان العمل الخاص، وقد عرفت أیضا مشروعیته
ورجحانه، ومقتضی هذا التنزیل کون الفعل المقصود به حصول التقرب والثواب
موجبا لتقرب ذلک الغیر، لا العامل، لأنه لم یتقرب بذلک الفعل إلا بعد تنزیل
نفسه منزلة المنوب عنه، فصار المنوب عنه هو المتقرب، ولذا یعود النفع إلیه.
ثم إن هذا التنزیل هو بنفسه فعل یمکن أن یقع للدواعی المختلفة، فقد
یکون الداعی ما حکم العقل والنقل به من حسن هذا التنزیل وأنه محبوب لله
تعالی وأن الفاعل یثاب علیه، فلا یوقع هذا التنزیل إلا لله تعالی. وقد یکون
الداعی علیه حب ذلک الغیر لأمر دنیوی - کقرابة أو صداقة أو إحسان یرید
مکافأته أو غیر ذلک - من غیر التفات إلی کون هذا التنزیل مما أمر به استحبابا
وأراده الشارع، وهذا هو الأکثر فی العوام حیث لا یکون الداعی والحامل لهم
علی العمل إلا ما یسمع من وصول النفع إلی المیت بهذه العبادة أو هذه الصدقة،
ولا یلتفتون إلی وصول نفع وثواب إلیهم، بل لا یعتقدونه، بل قد لا یصدقون
من یخبرهم بذلک قائلین: إنا نفعل هذا وثوابه لمیتنا، ولا شک أن النیابة بهذا
القصد لا یوجب عدم صحة العمل، لأن التقرب علی وجه النیابة حاصل. نعم
النیابة علی وجه التقرب غیر حاصل، والموجب لصحة الفعل علی وجه النیابة
هو الأول، والثانی یعتبر فی صحة نفس النیابة التی هی عبادة باعتبار تعلق الأمر
الاستحبابی به عقلا ونقلا.
إذا عرفت هذا فنقول: کون الداعی علی النیابة وتنزیل نفسه منزلة الغیر
فی إتیان الفعل تقربا إلی الله هو مجرد استحقاق الأجرة، إنما یوجب عدم
الخلوص والتقرب فی موافقة أوامر النیابة وعدم حصول ثواب النائب، لعدم
امتثاله أوامر النیابة وعدم إخلاصه فیها، وهذا لا یوجب عدم صحة العمل الذی
جعل نفسه فیه بمنزلة الغیر وأتی به عنه تقربا إلی الله، فالنیابة عن المیت
لمجرد استحقاق الأجرة کالنیابة عنه لمجرد محبة المیت لکونها زوجة النائب قد
شغفته حبا لحسنها، بحیث لا یرید من صدقاته وعباداته عنها إلا مجرد إیصال
الثواب إلیها، أو کالنیابة عنه لکونه محسنا إلیه فی أیام حیاته ومعینا له فی أمر
دنیاه أو دینه.
نعم لو نری الأجیر النیابة عن المیت لأجل إیصال النفع إلی أخیه المؤمن
ولأجل امتثاله للوجوب الحاصل من جهة وجوب الوفاء بالعقود، کان مثابا فی
عمله مأجورا فی الدنیا والآخرة. وعلیه یحمل ما ورد من قول الصادق علیه السلام
لم استأجره للحج عن إسماعیل - بعد ما شرط آدابا کثیرة -: (أنه إذا فعلت
کذلک کان لإسماعیل واحد بما أنفق من ماله، ولک تسعة بما أنعمت من ربک) (1)
بدنک.
.ثم إن هنا کلمات للفقهاء لا بأس بایرادها لیعلم حالها بمقایسة ما ذکرنا
من التوجیه فی نیة التقرب، وأن ما ذکره المحدث الکاشانی (2)موافق لبعضها،
فنقول - تعویلا علی ما حکی عنهم -:
قال فی القواعد: وکذا لو آجر نفسه للصلاة الواجبة علیه، فإنها لا تقع
عن المستأجر، وهل تقع عن الأجیر؟ الأقوی العدم (3). (انتهی).
وحکی اختیار عدم وقوعها عن الأجیر عن الإیضاح (4)وجامع
المقاصد (5)معللا بأن الفعل الواحد لا یکون له غایتان متنافیتان، إذ غایة الصلاة
التقرب والاخلاص خاصة، وغایة العبادة فی الفرض حصول الأجرة، ولأنه لم
یفعلها عن نفسه لوجوبها علیه بالأصالة [بل لوجوبها علیه بالإجارة لمکان أخذ
العوض فی مقابلها، فلا یکون هی التی فی ذمته، لأن التی فی ذمته هی الواجبة
علیه بالأصالة] (1).
ووجه غیر الأقوی أن ذلک علة وباعث فی حصول الداعی إلی الصلاة
الجامعة لما یعتبر فی صحتها، فکان کالأمر بالصلاة ونحوها ممن یطاع، وکما فی
الاستئجار للصلاة عن المیت والحج وغیرها من العبادات، وعلیته للداعی لا
تبطل الفعل.
وأجاب فی جامع المقاصد بأن العلة متی نافت الاخلاص وکانت غایة
اقتضت الفساد، والعلة والغایة هنا حصول الأجرة (2).
وعن جامع المقاصد: أنه متی لحظ فی الصلاة عن المیت فعلها لحصول
الأجرة کانت فاسدة (3).
(انتهی ما حکی عن هؤلاء فی هذا المقام) وعلیک بالتأمل فیها وفیما ذکرناه
قبل ذلک.
هل یعتبر قصد التقرب باعتبار الوجوب الحاصل بالإجارة
ثم إن بما ذکرنا یعلم أنه لا حاجة فی صلاة الاستئجار إلی قصد التقرب
باعتبار الوجوب الحاصل بالإجارة - کما زعمه بعض (4)- لأن ذلک الوجوب
توصلی لا یحتاج سقوطه إلی قصده، وجعله غایة والتقرب المحتاج إلیه فی صحة
الصلاة لتبری ذمة المنوب عنه لا یعقل أن یکون باعتبار ذلک الوجوب التوصلی،
وإلا للزم الدور، فإن صحة الاستئجار التی یتوقف علیها حصول الوجوب
موقوفة علی فعل الصلاة عن النائب متقربا إلی الله، فکیف یکون فعله بقصد
التقرب موقوفا علی حصول الوجوب؟!
اللهم إلا أن یقال: فعله عن المیت متقربا إلی الله شئ ممکن قبل
الإجارة باعتبار رجحان النیابة عن الغیر فی العبادات عقلا ونقلا، فإذا وقع فی
حیز الإجارة تبدلت صفة ندبه بصفة الوجوب، کما فی صلاة التحیة التی تقع فی
حیز النذر.
وفیه نظر، مع أن ما ذکر من قصد التقرب باعتبار الوجوب الحاصل
بالإجارة إنما یصحح الفعل المستأجر علیه، أما إذا وقعت المعاوضة علی وجه
الجعالة، أو أمره بالعمل علی المیت، فعمل رجاء للعوض من دون سبق معاملة،
فلا یجری ما ذکره، لعدم الوجوب، فینبغی أن لا یصح فعله له لداعی استحقاق
العوض، مع أن الظاهر عدم القول بالفصل بین الإجارة والجعالة وفعل العمل
عقیب أمر الآمر به غیر ناو للتبرع.
ثم إن المحقق القمی رحمه الله فی بعض أجوبة مسائله ذکر أن الاعتماد فی
صحة الاستئجار للعبادة علی الاجماعات المنقولة، دون ما ذکره الشهید فی
الذکری من الاستدلال علیه بمقدمتین إجماعیتین الراجع إلی ما ذکرنا فی الوجه
الثانی من وجود المقتضی وانتفاء المانع.
إحداهما: إن العبادة عن الغیر یقع عنه ویصل إلیه نفعه، وهذه المقدمة
ثابتة بإجماع الإمامیة والنصوص المتواترة.
والثانیة: إن کل أمر مباح یمکن أن یقع للمستأجر یجوز الاستئجار له،
وهذه أیضا إجماعیة، وعلل عدم الاعتماد علی هذا الاستدلال بأنه مستلزم للدور،
ولم یبین وجهه فی ذلک الموضع، بل أحاله إلی بعض مؤلفاته (1). وکأنه أراد بالدور
ما ذکرنا، بناء علی أن قصد التقرب المعتبر فی المقدمة الأولی من دلیله - وهی
وقوع العمل عن الغیر ووصول نفعه إلیه - موقوف علی النتیجة، وهی صحة
استئجاره للعمل علی الغیر لیحصل الأمر فیقصد التقرب بامتثال هذا الأمر، إذ
مع قطع النظر عن الإجارة لم یتعلق أمر بإیقاع العمل عن الغیر فی مقابل
العوض حتی یتصور فیه قصد التقرب.
نعم تعلق الأمر فی الأخبار الکثیرة بإیقاع العمل عن المیت تبرعا (2)وهذا
لیس منه (3).
وقد عرفت مما ذکرنا فی بیان قصد التقرب أن التقرب إنما یقصد فی الفعل
الذی یتعلق به النیابة لا فی نفسها.
والحاصل أن النائب ینزل نفسه لأجل العوض أو غرض دنیوی آخر
منزلة الغیر فی إیقاع الفعل تقربا إلی الله، لا أنه ینزل نفسه قربة إلی الله وامتثالا
لأمره منزلة الغیر فی إیقاع الفعل، حتی یقال: إنه موقوف علی وجوب النیابة أو
استحبابها ولم یثبت إلا تبرعا، ووجوبها فرع صحة الإجارة المتوقفة علی إحراز
القربة المصححة قبل الإجارة حتی یصح تعلق الإجارة.
ثم إن ما ذکرنا من الاتفاق علی صحة الاستئجار لا ینافی ما تقدم من
الخلاف فی جواز استئجار الولی، لأن الکلام هناک فی سقوطه عن الولی
بالاستئجار لا فی صحته، فالقائل بالاستئجار وبعدم جوازه من الولی لا یمنع من
الاستئجار إذا لم یکن ولی أو أوصی المیت بالاستئجار أو استأجر متبرع من
ماله، کما أن المانع من الاستئجار لا یمنع تبرع غیر الولی بالعمل کما عرفت من
المحدث الکاشانی (1).
فالنسبة بین القول بصحة الاستئجار وصحة قیام غیر الولی بالعمل بإذنه
أو بدون إذنه، عموم من وجه.
إستئجار العاجز عن الأفعال الواجبة
الظاهر أنه لا یجوز استئجار العاجز عن الأفعال الواجبة کالقیام ولو
کان الفائت من المیت کذلک، لانصراف أمر القضاء أو الاستئجار إلی الفعل التام.
فلو آجر نفسه للعمل فطرأ علیه العجز عن أفعال الصلاة الاختیاریة
والرجوع بالتفاوت، والآتیان بمقدوره، قال: وهذا أضعفها (2)(انتهی).
والظاهر أن هذه الاحتمالات مع تعین المباشرة علیه، وإلا وجب الاستنابة
کما لو مات.
ثم إن الأوفق بالأصول الانفساخ، لعدم تمکنه من العمل المستأجر
علیه (3).
بسم الله الرحمن الرحیم
القول الأول عدم وجوب تقدیم الفائتة
، وهو المحکی عن الحلبی فی کتابه (1)- الذی
استحسنه أبو عبد الله صلوات الله علیه بعد عرضه علیه - (2)وعن الحسین بن سعید (3)،
بل عن أخیه الحسن أیضا - بناء علی أن ماله من الکتب کان لأخیه أیضا - (4)،
وعن أبی جعفر أحمد بن محمد بن عیسی الأشعری القمی (5)ومحمد بن علی بن
132 وکشف الرموز 1: 208 والبحار 88: 322 ومفتاح الکرامة: 3: 389 والجواهر 13: 34.
، وعن الجعفی صاحب الفاخر - المعروف فی کتب1) (1) حکاه السید ابن طاووس فی رسالته: 340 ومفتاح الکرامة 3: 386 والجواهر 13: 33.
2) (2) انظر رسالة ابن طاووس: 340 ورجال النجاشی: 230 ومعجم رجال الحدیث 11: 77.
3) (3) حکاه السید ابن طاووس فی رسالته: 341 وکشف الرموز 1: 208.
4) (4) انظر معجم رجال الحدیث 4: 342.
5) (5) حکاه فی مفتاح الکرامة 3: 386 والجواهر 13: 34.
6) (6) حکاه السید ابن طاووس فی رسالته: 341 والبحار 88: 328.
7) (7) المقنع (الجوامع الفقهیة): 9 والفقیه 1: 355 ذیل ح 1029، وحکاه فی المختلف: 144 والذکری:
الرجال - بأبی الفضل الصابونی (1)
والجواهر 13: 34.
الذی یروی عنه الشیخ والنجاشیبواسطتین - وعن الشیخ أبی عبد الله الواسطی - من مشایخ الکراجکی -
والمعاصر للمفید قدس سره حیث قال - فی مسألة (من ذکر صلاة وهو فی أخری) -:
إنه قال أهل البیت علیهم السلام: (یتم التی هو فیها، ویقضی ما فاته) وبه قال
الشافعی، ثم ذکر خلاف باقی الفقهاء (2)
" یتم ".
.وفی المحکی عن موضع آخر من کتابه أنه قال: دلیلنا علی ذلک ما روی
عن الصادق علیه السلام: أنه قال: (من کان فی صلاة ثم ذکر صلاة أخری فائتة أتم
التی هو فیها، ثم قضی ما فاته) (3)
یسیر.
.وعن الشیخ قطب الدین الراوندی - من مشایخ ابن شهرآشوب - (4)
وعن الشیخ سدید الدین محمود الحمصی (5)والشیخ الإمام أبی طالب عبد الله بن
حمزة الطوسی (6)والشیخ أبی علی الحسن بن طاهر الصوری (7)
3: 386 والجواهر 13: 34.
وعن الشیخ1) (1) حکاه السید ابن طاووس فی رسالته: 339 والبحار 88: 327 ومفتاح الکرامة 3: 388
2) (2) انظر مفتاح الکرامة 3: 388 والجواهر 13: 34، وفی رسالة ابن طاووس: 343 " یتمم " بدل:
3) (3) حکی ذلک ابن طاووس فی رسالته: 344 والجواهر 13: 36 والمستدرک 3: 164 مع اختلاف
4) (4) حکاه فی مفتاح الکرامة 3: 386 والجواهر 13: 34.
5) (5) حکاه فی مفتاح الکرامة 3: 386 والجواهر 13: 34.
6) (6) حکاه فی مفتاح الکرامة 3: 386 والجواهر 13: 34.
7) (7) وفی نسخة: الشیخ أبو علی بن الحسن بن ظاهر الصوری، وحکی ذلک عنه مفتاح الکرامة
یحیی بن حسن بن سعید - جد المحقق (1)- وعن ولد ولده ابن سعید - ابن عم
المحقق - فی الجامع (2)وعن السید الأجل علی بن طاووس (3)وعن العلامة فی
کثر من کتبه (4)
1: 244 والقواعد 1: 24 والتبصرة: 37 وانظر مفتاح الکرامة 3: 387.
وعن والده (5)وولده (6)وابن أخته السید عمید الدین (7)وأکثرمن عاصره (8)والشهید (9)والمحقق الثانی (10)
الشرائع وتعلیق النافع وحاشیة الإرشاد انظر مفتاح الکرامة 3: 387).
(12) التنقیح الرائع 1: 268.
وولده (11) والسیوری (12) وابنالقطان (13) وابن فهد (11)
المختصر: 89 وفیه: والمعتمد مذهب الصدوقین، وفی تلخیص الخلاف 1: 132: وهو اختیار أبی
العباس فی موجزه.
والصیمری (12)والشهید الثانی (13)والفوائد الملیة - کما فی مفتاح الکرامة 3: 387 -.
وولده (14)35 -.
وتلمیذه (15)1) (1) حکاه مفتاح الکرامة 3: 386 والجواهر 13: 35.
2) (2) الجامع للشرائع: 88.
3) (3) حکاه فی الحدائق 6: 359 والجواهر 13: 35.
4) (4) تذکرة الفقهاء 1: 82 ونهایة الإحکام 1: 323 والمنتهی 1: 421 والتحریر 1: 50 والارشاد
5) (5) حکاه عنه العلامة فی المختلف: 144.
6) (6) إیضاح الفوائد 1: 147.
7) (7) (11) (13) حکاه فی الجواهر 13: 35.
8) (8) راجع المختلف: 144.
9) (9) انظر الذکری: 132 والدروس: 24 والبیان: 257 واللمعة (الروضة البهیة 1: 733).
10) (10) جامع المقاصد 2: 494 ورسائل المحقق الکرکی (المجموعة الأولی): 120 وفی فوائد
11) (14) انظر الموجز والحرر المطبوعان ضمن الرسائل العشر للحلی: 110 و 166 والمقتصر من شرح
12) (15) تلخیص الخلاف 1: 132 وفیه: والمعتمد القول بالمواسعة.
13) (16) روض الجنان: 188 - 189 والروضة البهیة 1: 733 والمسالک 1: 33، وتمهید القواعد
14) (17) وهو صاحب المعالم قدس سره فی الاثنی عشریة - کما فی مفتاح الکرامة 3: 387 والجواهر 13:
15) (18) لعله الشیخ عز الدین الحسین بن عبد الصمد - والد الشیخ البهائی -، فقد عده فی الجواهر 13: 35 من القائلین بالمواسعة.
وولد ولده (1)
الاستبصار - کما فی مفتاح الکرامة 3: 387 -، وفی شرحه علی رسالة " الاثنا عشریة " کما فی
الجواهر 13: 35.
والشیخ البهائی (2)وهامشا: " وکیف کان فلا ریب أن المسارعة إلی القضاء والمبادرة إلی تفریغ الذمة هی جادة
الاحتیاط للدین والله الموفق والمعین ".
وفی الهامش: " استدل العلامة رحمه الله فی المختلف علی القول بالتوسعة بدلائل عدیدة نقلیة
وعقلیة، ولکن أکثرها سیما العقلیة مما یتطرق الخدش إلیها بأدنی تأمل، وبالجملة فالمسألة محل
اشکال، فإن دلائل الطرفین کالمتکافئة، والله الموفق لإصابة الثواب " حبل المتین: 151.
والمحقق الأردبیلی (3)والمحقق الجوادالکاظمی (4)والفاضل الهندی (5)والسید المحدث نعمة الله الجزائری (6)وولد
ولده السید عبد الله (7)
الملحق.
- فی شرح النخبة - (8)للفرائض تؤخر صاحبة الوقت إلی آخره، وفیه قول بالوجوب.
والمحقق الوحید البهبهانی (9)وأکثر تلامذته، منهم السید محمد مهدی الطباطبائی (10)والشیخ الوحید الفقیه
الشیخ جعفر (11)وجماعة من علماء البحرین (12)وأکثر المعاصرین، بل کلهم (13)
فی المستند 1: 504 والشیخ أسد الله التستری الکاظمی - کما فی الجواهر 13: 35 -، هذا
وللشیخ التستری قدس سره رسالة فی الموضوع سماها: منهج التحقیق فی التوسعة والتضییق.
وقد1) (1) وهو الشیخ محمد بن الحسن بن زین الدین - الشهید الثانی - العاملی فی شرحه علی
2) (2) نسبه صاحب مفتاح الکرامة 3: 387 إلی کتاب حبل المتین وإلیک نص ما فی المصدر متنا
3) (3) مجمع الفائدة 2: 42.
4) (4) مسالک الأفهام إلی آیات الأحکام 1: 248.
5) (5) کشف اللثام 1: 162 و 267.
6) (6) فی شرح التهذیب وشرح الغوالی - کما فی مفتاح الکرامة 3: 387 -.
7) (7) هو السید عبد الله بن نور الدین بن المحدث السید نعمة الله الجزائری، راجع ترجمته فی
8) (8) شرح النخبة: 84 - 85 (مخطوط) وفیه: إلا أن الراجح التأخیر علی وجوده... القاضی
9) (9) حکاه فی الجواهر 13: 35.
10) (10) فی المصابیح - کما فی مفتاح الکرامة 3: 387 -.
11) (11) کشف الغطاء: 224 و 271.
12) (12) منهم السید ماجد والشیخ سلیمان والفاضل الماحوزی - کما فی الجواهر 13: 35 -.
13) (13) منهم المحقق صاحب الجواهر 13: 34 و 47 و، 99 و 101 و 102. ومنهم المحقق النراقی
صرح جماعة بدعوی الشهرة علیه مطلقا (1)
المتقدمین منهم والمتأخرین " وهو کذلک، یشهد له التتبع لکلمات الأصحاب وجادة وحکایة فی
الرسائل الموضوعة فی هذا الباب.
أو بین المتأخرین (2).وهؤلاء - مع اتفاقهم علی جواز تقدیم الحاضرة - بین من یظهر منه وجوبه
کالکسوفین بالنسبة إلیها - عند جماعة - (4)وبین من یظهر من استحبابه کما عن
ظاهر بعظهم، وصریح أبی علی الصوری - المتقدم إلیه الإشارة (5)- وبین من
نص علی استحباب تقدیم الفائتة (6)
6: 336.
ومن نص علی استحباب تأخیر الحاضرةاستنادا إلی الاحتیاط لأجلها، ومن یظهر منه التخیر المحض بالنسبة إلی ما
عدا الفائتة الواحدة وفائتة الیوم کما عن رسالة الملاذ للمحقق المجلسی (7)
من سهو القلم.
حیث1) (1) قال فی الجواهر 13: 33: بل فی الذخیرة أنه مشهور بین المتقدمین أیضا... بل فی المصابیح
2) (2) کما فی الحدائق 6: 336. ومفتاح الکرامة 3: 387.
3) (3) انظر مفتاح الکرامة 3: 388 والجواهر 13: 37.
4) (4) انظر مفتاح الکرامة 3: 231.
5) (5) فی الصفحة 258، انظر مفتاح الکرامة 3: 388 والجواهر 13: 37.
6) (6) نسب ذلک العلامة فی المختلف 1: 144 إلی والده وأکثر من عاصره من المشایخ، وانظر الحدائق
7) (7) ملاذ الأخیار 4: 93 والحاکی هو المحقق التستری فی رسالته، والتعبیر عن " الملاذ " بالرسالة
حکم بأن الأحوط تقدیم الفائتة الواحدة، وفائتة الیوم، وأما مطلق الفوائت
فالظاهر عدم وجوب تقدیمها، بل ولا أفضلیته (إنتهی).
لکن الانصاف أن هذا لیس قولا بالتخییر، لأن عدم أفضلیة تقدیم
الفائتة یلزمه القول برجحان تقدیم الحاضرة، لعمومات (1)رجحان تقدیمها (2)فإن
من یقول برجحان تقدیمها لا یقول إلا لأجل العمومات والنصوص الدالة علی
رجحان تقدیمها علی الفائتة، لأجل إدراک فضیلة وقت الحاضرة، فتأمل.
وعلی کل حال فیمکن القول باستحباب تأخیر الحاضرة لمراعاة
الاحتیاط الغیر اللازم، مع استحباب تقدیم الحاضرة، إما لعموم فضیلة أول
الوقت (3)وإما للنصوص الخاصة (4)
أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 5.
، ولا منافاة بین الاستحبابین، کما نقول: إنالاتمام فی الأماکن الأربعة أفضل، والقصر أحوط.
وجوه استحباب تقدیم الحاضرة علی الفائتة وبالعکس
بل یمکن القول باستحباب تقدیم الحاضرة من جهة عمومات فضیلة
أول الوقت واستحباب تقدیم الفائتة إما بالخصوص (5)
المواقیت، الحدیث الأول. و 3: 212، الباب 63 من أبواب المواقیت، الحدیث 2 و 3: 228، الباب
9 من أبواب القبلة، الحدیث 5.
أو لأدلة المسارعة إلیالخیر (6)، فتأمل.
والحاصل: أن لکل من استحباب تقدیم الحاضرة واستحباب تقدیم
الفائتة وجوها ثلاثة: النص الخاص المحمول علی الاستحباب، وعمومات
1) (1) فی " ش ": لعموم.
2) (2) الوسائل 3: 86، الباب 3 من أبواب المواقیت وغیره من الأبواب
3) (3) الوسائل 3: 86، الباب 3 من أبواب المواقیت.
4) (4) الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقیت، الحدیث 3، والوسائل 5: 351، الباب 2 من
5) (5) الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقیت، الحدیث 2. و 3: 211، الباب 63 من أبواب
6) (6) مثل قوله تعالی: (فاستبقوا الخیرات) البقرة: 2، 148 والمائدة: 5، 48.
وجه رابع فی استحباب تقدیم الحاضرة
المبادرة إلی الطاعات، والاحتیاط بناء علی وجود القول بوجوب تقدیم
الحاضرة کالقول بوجوب تقدیم الفائتة، ویزید استحباب تقدیم الحاضرة بوجه
رابع وهو ما دل علی فضیلة أول الوقت لها، حیث إن لخصوصیة الجزء الأول من
الوقت مدخلا فی الفضیلة، لا أن ذلک لمجرد رجحان المبادرة إلی إبراء الذمة،
علی ما یومی إلیه بعضها (1).
فعلیک بالتأمل فیما یمکن اجتماعه من وجوه استحباب تقدیم الفائتة، مع
وجوه استحباب تقدیم الحاضرة، وسیجئ لهذا مزید بیان عند ذکر الأخبار
الواردة فی الطرفین إن شاء الله.
وکیف کان ففی صور الاجتماع نحکم باستحباب کل من الأمرین علی
سبیل التخییر، فإن علم من دلیل خارج أهمیة أحدهما حکم بمقتضاه من دون
سقوط الآخر عن الاستحباب.
افتراق هذه المسألة عن الواجبین المتزاحمین
وهذا بخلاف الواجبین المتزاحمین إذا علم من الخارج أهمیة أحدهما، فإنه
یحکم بسقوط وجوب الآخر،
خلافا لمن أنکر الترجیح بالأهمیة کالفاضل التونی
فی الوافیة (2)، ولمن اعترف به (3)مع حکمه ببقاء الآخر علی صفة الوجوب علی
تقدیر اختیار المکلف ترک الأهم. وضعف کلا القولین، وبیان الفرق بین
المستحبین المتزاحمین مع أهمیة أحدهما، والواجبین کذلک، موکول إلی محله؟
والثانی (4): القول بعدم وجوب الترتیب مع تعدد الفائتة، وبوجوبه مع
وحدتها.
القول الثانی: التفصیل بین تعدد الطائفة ووحدتها
ذهب إلیه المحقق فی کتبه (1)وسبقه إلیه الدیلمی فیما حکی عنه (2)وتبعه
إلیه صحاب المدارک (3)وقواه الشهید فی نکت الإرشاد (4)وإن عدل عنه فی باقی
کتبه (5). وحکی عن صاحب هدیة المؤمنین (6)وعن المختلف (7)نسبة القول
بالمضایقة إلی الدیلمی، لکن المحکی (8)من بعض کلماته التفصیل المذکور حیث
قال: إن الصلاة المتروکة علی ثلاثة أضرب: فرض معین، وفرض غیر معین،
ونفل، فالأول یجب قضاؤه علی ما فات، والثانی علی ضربین:
أحدهما: أن یتعین له أن کل الخمس فاتت فی أیام لا یدری عددها.
والثانی: أن یتعین له أنها صلاة واحدة، ولا یتعین أی صلاة هی.
فالأول: یجب علیه فیه أن یصلی مع کل صلاة صلاة حتی یغلب علی ظنه
أنه وفی.
والثانی: یجب علیه أن یصلی اثنین، وثلاثا، وأربعا (9)(انتهی). وظاهره کما
تری التوسعة فی الفوائت المتعددة.
وممن یظهر منه اختیار هذا - المحقق الآبی - تلمیذ المحقق - فیما حکی
عنه (10)من کشف الرموز حیث قال - بعد ما اختار القول بالمضایقة والترتیب
1) (1) الشرائع 1: 121 والمعتبر 2: 405 والمختصر النافع 1: 46.
2) (2) حکاه صاحب الجواهر 13: 42.
3) (3) المدارک 4: 298.
4) (4) غایة المراد: 20.
5) (5) کالبیان: 257 والدروس: 24 والذکری: 132، واللمعة - انظر متن الروضة البهیة 1: 733 -.
6) (6) وهو للسید نعمة الله الجزائری، طبع ببغداد، وفی بعض النسخ: هدایة المؤمنین.
7) (7) المختلف: 144.
8) (8) انظر الجواهر 13: 42.
9) (9) المراسم (الجوامع الفقهیة): 575 مع اختلاف فی التعبیر.
10) (10) حکاه المحقق التستری فی رسالته: 30.
مطلقا (1)وذکر تفصیل شیخه المحقق ومستنده -: (وهو حسن اذهب إلیه جزما،
وعلی التقدیرات لا یجوز لصاحب الفوائت الاخلال بأدائها إلا لضرورة، وعند
أصحاب المضایقة إلا لأکل أو شرب ما یسد الرمق أو تحصیل ما یتقوت به هو
وعیاله ومع الاخلال بها یستحق المقت فی کل جزء من الوقت (2)(انتهی).
وجوب المبادرة وعدمها
ثم إن هؤلاء إنما صرحوا بالتفصیل فی الترتیب، وأما وجوب المبادرة
فظاهر صاحب المدارک (3)عدمه مطلقا، کما أن صریح المحکی عن هدیة
المؤمنین (4)ثبوته مطلقا، حیث قال: یجب المبادرة إلی القضاء فورا لاحتمال
اخترام المنیة (5)
بأن یموت أو یقتل واخترمهم الدهر وتخرمهم، أی: اقتطعهم واستأصلهم وفیه من مات دون
الأربعین فقد اخترم من قولهم اخترمته المنیة أی أخذته. المنیة: الموت. مجمع البحرین 6: 65،
1: 402.
فی کل ساعة، بل لم یرخص المرتضی (6)إلا أکل ما یسد الرمق،والنوم الحافظ للبدن، وأن لا یسافر سفرا ینافیه، وبالغ فی التضیق کل
مبلغ، ثم قال: وأما الترتیب بین الحاضرة والفائتة فإن کانت واحدة قدمها علی
الحاضرة، وإن کانت أکثر قدم الحاضرة علیها، وإن أراد تقدیم الفوائت المتعددة
علیها مع سعة الوقت فجائز أیضا (7)(انتهی).
وظاهره جواز فعل الفریضة الحاضرة مع فوریة الفوائت المتعددة، بل
استحبابها قبله، بل المحکی (8)عنه التصریح بجواز فعل النافلة علی کراهیة
1) (1) انظر کشف الرموز 1: 209.
2) (2) کشف الرموز 1: 210 وفیه: ومع الاخلال بها یستحق العقوبة...
3) (3) مدارک الأحکام 4: 301.
4) (4) الحاکی هو المحقق التستری فی رسالته: 39 (المقام الثانی، ذیل القول الثانی).
5) (5) فی نسخة " ع " لاحتمال اخرام المنیة، وفی الحدیث: " لا یأمن الانسان أن یخترم " أی یهلک
6) (6) رسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة): 365.
7) (7) هدیة المؤمنین: 28 کتاب الصلاة، المواقیت، المسألة: 5.
8) (8) لم نقف علی الحاکی.
لم کانت ذمته مشغولة بصلاة واجبة.
والظاهر أنه لا یحکم بفساد العبادة مع فوریة ضدها الواجب، فیبقی
الحاضرة علی حکم استحباب المبادرة إلیها، لا أن الحاضرة والنافلة مستثنیان
من فوریة فعل الفائتة، لأنه لم یتعرض لحرمة ما ینافیها حتی یقبل الاستثناء، بل
نسب حرمة الأضداد إلی السید المرتضی.
نظریة المحقق فی کتبه
وأما المحقق فالمحکی عنه (1)فیما عدا الشرائع: التصریح باستحباب
تقدیم الفائتة المتعددة (2)
النافع 1: 46 وفی وجوب ترتیب الفوائت علی الحاضرة تردد، أشبهه الاستحباب.
بل عن المعتبر (3)والعزیة (4): التصریح بعدم فوریتها، وأمافی الواحدة فلیس فی کلماته الموجودة، والمحکیة عنه، إلا وجوب تقدیمها علی
الحاضرة، من غیر تعرض للفوریة، بل استظهر (5)من کلامه فی المعتبر والعزیة:
نفی الفوریة فیها أیضا. وأما الشرائع فقد قال فیها - بعد ذکر أصل وجوب
قضاء ما فات من الصلوات المفروضة -: ویجب قضاء الفائتة وقت الذکر ما لم
یتضیق وقت حاضرة (6)وتترتب (7)السابقة علی اللاحقة، کالظهر علی العصر،
والعصر علی المغرب، والمغرب علی العشاء (8)وإن فاتته صلوات لم تترتب علی
الحاضرة، وقیل تترتب والأول أشبه (9)(انتهی).
1) (1) الحاکی هو المحقق التستری فی رسالته: 39 - 40.
2) (2) المعتبر 2: 405 وفیه: وفی ترتیب الفوائت علی الحاضرة تردد، أشبهه الاستحباب، وفی المختصر
3) (3) المعتبر 2: 405، وانظر رسالة المحقق التستری: 39 - 40.
4) (4) الرسائل التسع: 119.
5) (5) أی المحقق التستری فی رسالته: 40.
6) (6) فی بعض النسخ: الحاضرة.
7) (7) فی بعض النسخ: ترتب.
8) (8) فی المصدر زیادة: سواء کان ذلک الیوم حاضر أو صلوات یوم فائت.
9) (9) شرائع الاسلام 1: 121.
فقوله: (ویجب قضاء الفائتة وقت الذکر ما لم یتضیق وقت الحاضرة)
یحتمل وجوها: لأن المراد بالفائتة إما أن یکون خصوص الواحدة، کما قیده به
فی المسالک (1)والمدارک (2)وإما أن یکون المراد مطلق الفائتة، وعلی التقدیرین:
أما أن یراد وجوب المبادرة إلی القضاء وقت الذکر، وإما أن یراد بیان وقت
القضاء بعد بیان أصل وجوبه، فیکون المراد: أن الأوقات کلها صالحة لقضاء
الفوائت إلا وقت ضیق الحاضرة، فهذه أربعة احتمالات:
فعلی التقدیر الأول منها تدل العبارة علی فوریة الفائتة الواحدة مطابقة، ویدل
بالالتزام علی وجوب الترتیب، بناء علی أن الأمر بالشئ یقتضی النهی عن ضده
الخاص، أو علی أن الترتیب واجب مستقل یرجع إلی وجوب تقدیم الفائتة، لا
أنه (3)شرط یرجع إلی اعتبار تأخیر الحاضرة، واشتراط براءة الذمة عن الفائتة
فی صحتها.
استظهار المصنف من کلام المحقق
لکن الانصاف: أن هذا الاحتمال خلاف ظاهر العبارة، من جهة عدم
مساعدة السیاق له من وجهین:
أحدهما: أنه قد فصل شقی التفصیل بین الواحدة والمتعددة بمسألة، وهی
ترتب الفوائت بعضها علی بعض. واحتمال أن یکون قد فرغ من حکم الواحدة،
ثم تعرض للمتعددة فذکر - أولا - عدم الترتیب بینها (4)، ثم عدم الترتیب بینها
وبین الحاضرة، ینافیه عنوان المسألة الثانیة بقوله: (وإن فاتته صلوات لم تترتب
علی الحاضرة).
وهذا بخلاف ما إذا أرید بالفائتة مطلقها، فیکون فی مقام بیان فوریة
القضاء مطلقا، أو بیان وقته کذلک، فیکون قد تعرض - بعد بیان وجوب أصل
القضاء - لوقته، ثم لاعتبار الترتیب فیه مع التعدد، ثم لعدم ترتب الفائتة المتعددة
علی الحاضرة، فیکون حکم الفائتة الواحدة مسکوتا عنه، أو مستفادا من مفهوم
العبارة، أو مما سیجئ فی کلامه فی مسألة العدول.
والثانی: أنه إن کان الترتیب لازما لوجوب المبادرة، فالأحسن التعبیر
عن عدم وجوب الترتیب فی المتعددة بعدم وجوب المبادرة إلیها، وإلا فلأحسن
فی التعبیر عن وجوبه فی الواحدة بوجوب المبادرة إلیها.
ثم إنه قد فرع علی هذا القول: أن من علیه فوائت إذا قضاها حتی
بقیت واحدة لم یجز له - حینئذ - الاشتغال بالحاضرة، وإن جاز له قبل ذلک، کما
أن من علیه فائتة واحدة إذا صار علیه أخری سقط عنه وجوب الترتیب.
والفرغ الأخیر ظاهر، وأما الأول فلا یخلو عن شئ، لامکان دعوی
ظهور کلمات أصحاب هذا القول - کأدلتهم - فیما إذا اتحدت الفائتة بالأصل،
فلا یعم لما إذا بقیت من المتعددة واحدة.
وکیف کان فلا ینبغی (1)الاشکال فی أنه إذا کانت الفائتة واحدة بالذات،
وعرض لها التعدد لعدم تعیینها أو لاشتباه القبلة أو اشتباه الثوب الطاهر
بالنجس، أن حکمه فی وجوب الترتیب حکم الواحدة، إذ لم یفت من المکلف إلا
واحدة، إلا أن البراءة منها، بل العلم بها یتوقف علی متعدد.
القول الثالث التفصیل بین فائتة الیوم وغیرها
وبالمضایقة فی فائتة الیوم،
واحدة کانت أو متعددة، وهو المحکی عن المختلف حیث قال: الأقرب أنه
1) (1) فی أکثر النسخ: ینتفی، والظاهر أنه سهو.
إذا ذکر الفائتة فی یوم الفوات، وجب تقدیمها علی الحاضرة إذا لم یتضیق وقت
الحاضرة، سواء اتحدت أم تعددت، ویجب تقدیم سابقتها علی لاحقتها، وإن لم
یذکرها حتی یمضی ذلک الیوم، جاز له فعل الحاضرة فی أول وقتها، ثم اشتغل
بالقضاء - سواء اتحدت الفائتة، أو تعددت - ویجب الابتداء بسابقتها علی
لاحقتها، والأولی تقدیم الفائتة ما لم یتضیق وقت الحاضرة (1)(انتهی).
وحکی هذا القول عن بعض شراح الإرشاد (2)أیضا.
والظاهر أن المراد بیوم الفوات فی کلامه: هو ما یشمل اللیل، إذ النهار
فقط لا یمکن أن یکون ظرفا لفوات الصلوات المتعددة ولذکرها، فقوله: (إذا
ذکر الفائتة فی یوم الفوات)، لا یستقیم إلا علی أن یکون الذکر فی اللیل،
والفوات فی النهار، أو بالعکس، فالظرف الواحد للذکر والفوات کلیهما لیس إلا
الیوم بالمعنی الشامل للیل.
وهل المراد: اللیلة الماضیة أو المستقبلة؟ الظاهر، بل المتعین هو الثانی، کما
یظهر بالتدبر فی کلامه.
استظهار المصنف من کلام المختلف
واعلم أنه قدس سره ذکر فی المختلف فی مسألة العدول عن الحاضرة إلی
الفائتة: أنه لو اشتغل بالحاضرة فی أول وقتها ناسیا، ثم ذکر الفائتة بعد الاتمام
صحت صلاته إجماعا، وإن ذکرها فی الاثنان، فإن أمکنه العدول إلی الفائتة عدل
بنیته استحبابا عندنا، ووجوبا عند القائلین بالمضایقة (3)(انتهی).
وظاهر هذه العبارة یوهم العدول عن التفصیل المذکور إلی القول
بالمواسعة مطلقا، إلا أن الذی یعطیه التدبر فی کلامه، أن مراده الفریضة
الحاضرة، المختلف فیها بینه وبین أرباب المضایقة المطلقة لا بینهم وبین أرباب
المواسعة المطلقة.
ویحتمل قویا ابتناء ذلک علی خروج فوائت الیوم - عنده - عن محل
النزاع بین أرباب المواسعة والمضایقة، تبعا لما سیأتی (1)عن شیخه المحقق فی
العزیة، فلا یکون هذا القول تفصیلا بین القولین.
نعم ربما یحکی عدول عن هذا القول إلی المواسعة فی المسائل المدنیة
المتأخرة تألیفها عن کتاب المختلف.
ثم إن ظاهر العبارة السابقة: أنها تفصیل فیما إذا فات الأداء للنسیان،
وأما إذا فات لغیره من الأعذار، أو عمدا، فلا تعرض فیها لحکمه، کما لا تعرض
فیها لحکم ما إذا اجتمع فوائت الیوم مع ما قبله، ووسع الوقت للجمیع.
وهل یقدم الجمیع علی الحاضرة، لثبوت الترتیب بین الحاضرة وفوائت
الیوم، وثبوت الترتیب بین فوائت الیوم وما قبلها، بناء علی القول بترتیب
الفوائت بعضها علی بعض.
أو لا یجب الاشتغال بشئ حینئذ، لعدم التمکن من فعلها إلا بعد ما
أذن فی تأخیره، مع إمکان إدخاله فی إطلاق کلامه، الراجع إلی عدم وجوب
الترتیب إذا کان علیه أکثر من یوم فتأمل.
أو یجب الاقتصار علی فائتة الیوم، لدعوی اختصاص وجوب الترتیب
بین الفوائت بما إذا کانت متساویة فی وجوب تدارکها، فلا یعم ما إذا کان بعضها
واجب التقدیم لأمر الشارع بالخصوص، خصوصا لو قال بوجوب الفوریة فی
فائتة الیوم، دون غیرها؟
وجوه، لا یبعد أولها، ثم ثالثها علی القول بالفوریة مع الترتیب.
1) (1) فی القول الرابع.
القول الرابع ما عن العزیة
حیث قال فی عنوان هذه المسألة
ما هذا لفظه: وتحریر موضع النزاع أن نقول: صلاة کل یوم مترتبة بعضها علی
بعض، حاضرة کانت أو فائتة، فلا یقدم صلاة الظهر من یوم، علی صبحه،
ولا عصره علی ظهره، ولا مغربه علی عصره، ولا عشاؤه علی مغربه، إلا مع تضیق
الحاضرة.
وأما إذا فاته صلوات من یوم، ثم ذکرها فی وقت حاضرة من آخر، فهل
یجب البدأة بالفوائت ما لم یتضیق الحاضرة؟ قال أکثر الأصحاب: نعم، وقال
آخرون: ترتب الفوائت فی الوقت الاختیاری، ثم تقدم الحاضرة. والذی یظهر لی
وجوب تقدیم الفائتة الواحدة، واستحباب تقدیم الفوائت، فلو أتی بالحاضرة
قبل تضیق وقتها والحال هذه جاز (1)(انتهی).
وظاهره عدم الخلاف فی وجوب الترتیب فی فوائت الیوم، وهو خلاف
إطلاق کلمات أرباب القولین، بل صریح بعضها.
القول الخامس ما عن ابن أبی جمهور
الخامس: ما عن ابن [أبی] جمهور الأحسائی (2)من التفصیل بین الفائتة
الواحدة، إذا ذکرها یوم الفوات، دون المتعددة والواحدة المذکورة فی غیر یوم
الفوات.
القول السادس التفصیل بین العمد والنسیان
،
وهو المحکی عن الشیخ عماد الدین بن حمزة فی الوسیلة حیث قال: أما قضاء
الفرائض فلم یمنعه وقت، إلا تضیق وقت الحاضرة، وهو ضربان، إما فاتته
نسیانا، أو ترکها قصدا اعتمادا، فإن فاتته نسیانا وذکرها، فوقتها حین ذکرها إلا
عند تضییق وقت الفریضة، فإن ذکرها وهو فی فریضة حاضرة، عدل بنیته إلیها
ما لم یتضیق الوقت، وإن ترکها جاز له الاشتغال بالقضاء إلی آخر الوقت،
والأفضل تقدیم الحاضرة علیه، وإن لم یشتغل بالقضاء، وأخر الأداء إلی آخر
الوقت کان مخطئا (1)(انتهی).
وظاهره وجوب العدول عن الحاضرة إلی الفائتة المنسیة، وهو إما لاعتبار
الترتیب، أو لایجاب المبادرة إلی المنسیة، وإن ذکرها فی أثناء الواجب وإن قلنا
بعدم اعتبار الترتیب - بناء علی القول بالفوریة دون الترتیب - کما سبق (2)عن
صاحب رسالة هدیة المؤمنین، وإما للدلیل الخاص علی وجوب العدول، وإن لم
نقل بالترتیب ولا بالفوریة، وهذا أردأ الاحتمالات، کما أن الأول أقواها.
هذا کله فی المنسیة، وأما المتروکة قصدا، فظاهره عدم وجوب الترتیب مع
استحباب تقدیم الحاضرة، ولازمه عدم وجوب الفور إلا أن یجعل مقدار زمان
یسع الحاضرة مستثنی من وجوب المبادرة، وکون المکلف مخیرا فیه مع استحباب
تقدیم الحاضرة، کما ینبئ عنه قوله: (وإن لم یشتغل بالقضاء، وأخر الأداء إلی
آخر الوقت کان مخطئا) بناء علی أن المراد بالخطأ: الإثم کما فهمه الشهید (3).
هذا علی تقدیر إرجاع الخطأ إلی عدم الاشتغال بالقضاء، وأما إذا رجع
إلی تأخیر الأداء إلی آخر الوقت بناء علی أن المراد بآخر الوقت مجموع الوقت
الاضطراری الذی لا یجوز التأخیر إلیه إلا لصاحب العذر - علی ما ذهب إلیه
صاحب هذا القول -، ویکون إطلاق آخر الوقت علی مجموع ذلک الوقت تبعا
للروایات الواردة فی أن (أول الوقت رضوان الله وآخره غفران الله) (4)أمکن
أیضا استظهار فوریة القضاء منه من جهة دلالة کلامه بالمفهوم علی أنه لو
اشتغل بالقضاء، وأخر الأداء إلی آخر الوقت لم یکن مخطئا، ولا یکون ذلک إلا
إذا کان القضاء من الأعذار، والعذر - علی ما ذکره صاحب هذا القول، قبل
العبارة المتقدمة بأربعة أسطر -: السفر والمرض والشغل الذی یضر ترکه بدینه
أو دنیاه، فلو لم یکن القضاء فوریا خرج عن الأعذار الأربعة.
إلا أن یقال: ظاهر العذر فی کلامه، ما عدا الصلاة، فتأمل.
وأما المراد بالوقت فی قوله: (ما لم یتضیق وقت الحاضرة) فیحتمل أن
یکون وقت الاختیار، ویؤیده ما تقدم (1)عن المحقق فی العزیة من ذهاب جماعة.
إلا أن الفوائت تترتب فی الوقت الاختیاری، ثم تتقدم الحاضرة. وأن یکون
مطلق الوقت بناء علی جعل القضاء من الأعذار المسوغة للتأخیر.
ثم إنه لیس فی کلامه تعرض لحکم المتروکة لعذر آخر غیر النسیان. ولا
لحکم اجتماع المتروکة نسیانا مع المتروکة عمدا، بناء علی وجوب الترتیب بین
الفوائت عند هذا القائل، فإنه یجئ فیه - مع فرض تأخیر المنسیة - الاحتمالات
الثلاثة المتقدمة فی فروع القول المتقدم (2)عن المختلف.
القول السابع التفصیل بین الاختیاری وغیره
، وهو المحکی (3)عن ظاهر کلام
القدیمین (1)والشیخین (2)والسیدین (3)
و (المجموعة الثالثة): 38.
والقاضی (4)والحلبی (5)والحلی (6)، وعنالمعتبر (7)
فی رسالته ذیل کلام المعتبر: " واتباعهم " یغنی بهم الدیلمی والحلبی والقاضی.
نسبته إلی الدیلمی (8)وهو المحکی أیضا عن الشیخ ورام بن أبی فراس (9)وعن الشیخ الجلیل الحسن بن أبی طالب الیوسفی الآبی - تلمیذ المحقق - (10)
وحکایة (11)هذا القول عن أکثر القدماء مستفیضة، وحکی عن غیر واحد
أنه المشهور (12).
الأقوال السبعة عند القائلین بالمضایقة المطلقة
فهذه أصول أقوال المسألة، وإذا لوحظ الأقوال المختلفة بین أهل
المواسعة التی تقدمت إلیها الإشارة، زادت الأقوال علی الثمانیة.
وذکر بعض المحققین: أن جملة المطالب التی یدور علیها هذا القول
الأخیر، ویدل علیها کلام القائلین - کلا أو بعضا، نصا، أو ظاهرا - سبعة:
القول الأول
الأول: ترتیب الأداء علی القضاء وهو المحکی عمن عدا الدیلمی
والشیخ ورام ممن تقدم ذکره من الفقهاء.
1) (1) انظر المختلف: 144.
2) (2) المقنعة: 143 و 211 والمبسوط 1: 126 والنهایة: 125.
3) (3) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 500، ورسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة): 364
4) (4) المهذب 1: 126.
5) (5) الکافی فی الفقه: 149.
6) (6) السرائر 1: 272.
7) (7) لم نقف علی العبارة بعینها فی المعتبر، ولعله قدس سره استظهر ذلک من قول العلامة التستری
8) (8) المراسم (الجوامع الفقهیة): 575.
9) (9) حکاه مفتاح الکرامة 3: 392 والجواهر 13: 38.
10) (10) کشف الرموز 1: 209.
11) (11) راجع الحدائق 6: 336 ومفتاح الکرامة 3: 391.
12) (12) حکاه غایة المراد: 15 وروض الجنان: 188 ومفتاح الکرامة 3: 391.
القول الثانی
الثانی: التسویة بین أقسام الفوائت وأسباب الفوات فی مقابل التفاصیل
المتقدمة.
القول الثالث
الثالث: فوریة القضاء، المحکیة (1)عن صریح المفید (2)والسیدین (3)
و (المجموعة الثالثة): 38.
والحلبی (4)وظاهر الشیخ (5)والقدیمین (6)والآبی (7)، بل عن المفید
والقاضی وأبی المکارم والحلی: الاجماع علی ذلک (8)
الفقهیة): 500 والسرائر 1: 203. وفی الجواهر 13: 38 بل حکی المفید والقاضی وأبو المکارم
والحلی الاجماع علی ذلک.
.القول الرابع
الرابع: بطلان الحاضرة إذا قدمت علی الفائتة فی السعة، وهو المحکی (9)
عن صریح الشیخ (10)والسیدین (11)والقاضی (12)والحلبی (13)والحلی (14)وعن
1) (1) حکاه الجواهر 13: 38.
2) (2) المقنعة: 211.
3) (3) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 500 ورسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة): 364
4) (4) الکافی فی الفقه: 150.
5) (6) المبسوط 1: 126 والنهایة: 125.
6) (7) انظر المختلف: 144.
7) (8) کشف الرموز 1: 210.
8) (9) لم نقف علی هذا الاجماع فی المقنعة والمهذب وجواهر الفقه نعم هو فی الغنیة (الجوامع
9) (10) حکاه الجواهر 13: 39.
10) (11) المبسوط 1: 127.
11) (12) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 500 ورسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة): 364.
12) (13) المهذب 1: 126.
13) (14) الکافی فی الفقه: 150.
14) (15) السرائر: 1: 272.
الغنیة (1): الاجماع علیه.
القول الخامس
الخامس: العدول عن الحاضرة إلی الفائتة إذا ذکرها فی الأثناء، وهو
المحکی (2)عن المرتضی (3)والشیخ (4)والقاضی (5)والحلبیین (6)والحلی (7)
وعن المسائل الرسیة للسید (8)والخلاف للشیخ (9)وخلاصة الاستدلال للحلی
وشرح الجمل: الاجماع علیه (10)
القول السادس
السادس: وجوب التشاغل بالقضاء إلا عند ضیق الأداء والاشتغال بما
لا بد منه ضروریات المعاش من الکسب والأکل والشرب والنوم، وهو
المحکی (11)عن صریح المرتضی (12)والشیخ (13)والقاضی (14)والحلبی (15)والحلی (16)، بل
هو لازم کل من قال بالفوریة، ولذا ذکر الآبی - فیما حکی عنه (17)-: أن عند
1) (1) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 500
2) (2) حکاه الجواهر 13: 39.
3) (3) رسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثالثة): 38.
4) (4) المبسوط 1: 126 والنهایة: 125.
5) (5) المهذب 1: 126.
6) (6) الکافی فی الفقه: 150 والغنیة (الجوامع الفقهیة): 500.
7) (7) السرائر 1: 239.
8) (8) رسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة) 345.
9) (9) الخلاف 1: 310 - المسألة: 59 -.
10) (10) حکاه عنهما، الجواهر 13: 39.
11) (11) حکاه غایة المراد: 15 والجواهر 13: 39.
12) (12) رسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة): 365.
13) (13) لم نقف علیه.
14) (14) المهذب 1: 125.
15) (15) الکافی فی الفقه: 150.
16) (16) السرائر 1: 274.
17) (17) حکاه الجواهر 13: 40.
أصحاب المضایقة لا یجوز الاخلال بالقضاء إلا لأکل أو شرب ما یسد به الرمق
أو تحصیل ما یتقوت به هو وعیاله، ومع الاخلال بها یستحق العقوبة فی کل جزء
من الوقت (1)(انتهی).
القول السابع
السابع: تحریم الأفعال المنافیة للقضاء عدا الصلاة الحاضرة فی آخر
وقتها، وضروریات الحیاة، وهو المحکی (2)عن صریح المرتضی (3)والحلی (4)وظاهر
المفید (5)والحلبیین (6)حیث رتبوا تحریم الحاضرة فی السعة علی تضیق الفائتة،
وبنی المفید (7)تحریم النافلة لمن علیه فائتة علی تحریم الحاضرة، ومقتضاه: اسناد
التحریم إلی التضاد، فیطرد فی جمیع الأضداد، وقد ذکر المحقق والعلامة فی
المعتبر (8)والمنتهی (9)إن لازم هؤلاء تحریم جمیع المباحات المضادة للقضاء.
نسبة تحریم الأضداد لا تختص بالمرتضی والحلی
وحینئذ فتخصیص جماعة (10)
والحلی فقد، محمول علی إرادتها اختصاصهما بالتصریح بذلک، ولذلک نسبه فی
1) (1) کشف الرموز 1: 210.
2) (2) حکاه الجواهر 13: 40.
3) (3) رسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة): 365.
4) (4) السرائر 1: 273.
5) (5) کما فی الجواهر 13: 40 وانظر المقنعة: 211.
6) (6) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 500 والکافی فی الفقه: 150.
7) (7) ذکره فی الرسالة السهویة کما فی مفتاح الکرامة 3: 392.
8) (8) المعتبر 2: 408.
9) (9) المنتهی 1: 422.
10) (10) منهم العلامة والشهیدان والسبزواری - کما فی المختلف: 144 وغایة المراد: 15 وروض الجنان:
11) (11) حکاه مفتاح الکرامة 3: 390 والجواهر 13: 40.
12) (12) التذکرة 1: 82.
کیفیة عنوان المسألة
ثم اعلم أن هذه المسألة معنونة فی کلام بعضهم بوجوب ترتیب
الحاضرة علی الفائتة وعدمه، وفی کلام آخرین بالمضایقة والمواسعة.
ولا ریب أن الترتیب والتضیق غیر متلازمین بأنفسهما، لجواز القول
بالترتیب من دون المضایقة من جهة النصوص، وإن أفضی إلی التضیق أحیانا،
کما إذا کان الفوائت کثیرة لا تقضی إلا إذا بقی من الوقت مقدار فعل
الحاضرة، ویجوز القول بالفوریة من دون الترتیب کما تقدم عن صاحب هدیة
المؤمنین (1)، وإن أفضی إلی التزام الترتیب بناء علی القول بأن الأمر بالشئ
یقتضی النهی عن ضده.
عدم التلازم بین الترتیب والتضیق
فالقول بأن الفوریة والترتیب متلازمان (2)لا یخلو عن نظر، سواء أرید
تلازمهما فی أنفسهما، أو أرید تلازمهما بحسب القائل، بمعنی أن کل من قال
بأحدهما قال بالآخر، لما عرفت من وجود القائل بأحدهما دون الآخر.
لکن الانصاف أن معظم القائلین بالترتیب إنما قالوا به من جهة الفوریة،
فما ذکره الصیمری (3)- فیما حکی عنه -: أن منشأ القول بالترتیب وعدمه:
القول بالمضایقة وعدمها، محل تأمل، إلا أن یرید به الأکثر، أو یرید جمیع القائلین
بالترتیب بالنسبة إلی زمانه.
وأولی بالتأمل ما یظهر من بعض (4)أن القول بالترتیب أصل مسألة
المضایقة، بل الحق أن القول بالترتیب والقول بالفوریة لیس أحدهما متفرعا
علی الآخر فی کلمات جمیع الأصحاب، نعم القول بالترتیب متفرع علی الفوریة
فی کلمات أکثر أهل المضایقة.
وأما وجوب العدول، فهو من فروع الترتیب ویحتمل - ضعیفا - کونه
غیر متفرع علی شئ، ویکون المدرک فیه مجرد النص، وأضعف منه کونه من
فروع الفوریة، وإن لم نقل بالترتیب، ووجهه - مع ضعفه - یظهر بالتأمل.
وأما بطلان الحاضرة وصحتها فی سعة الوقت، فیحتمل تفرعه علی
الفوریة بناء علی اقتضاء الأمر المضیق النهی عن ضده الموسع وعدم (1)الأمر به،
ویحتمل تفرعه علی الترتیب وإن لم نقل بالفوریة.
وأما حرمة التشاغل بالأضداد، فلا إشکال فی أنه من فروع الفوریة.
هذا خلاصة الکلام فی الأقوال، فلنشرع فی ذکر أدلتها مقدما لأدلة
القول بالمواسعة المطلقة، متبعا إیاه بأدلة المضایقة المطلقة، ثم نتکلم فی أدلة باقی
الأقوال حسب ما یقتضیه الحال، فنقول:
1) (1) فی بعض النسخ: أو عدم.
[الأول: الأصل]
احتج للقول بالمواسعة المطلقة بوجوه:
وتقریره من وجوه خمسة، أو ستة:
الأول من وجوه تقریر الأصل (البراءة)
، فإن وجوب التعجیل وإن لم یکن
تکلیفا مستقلا، بل هو من أنحاء وجوب الفعل الثابت فی الجملة، إلا أن الوجوب
الثابت علی نحو التضیق ضیق، لم یعلم من قبل الشارع، و (الناس فی سعة ما لم
یعلموا) (1)، فالتضیق الذی حجب الله علمه عن العباد موضوع عنهم (2)، وتوهم
أن أصالة البراءة مختصة بصورة الشک فی تکلیف مستقل، مدفوع فی محله (3).
بل التحقیق: أن مقتضی أدلة البراءة أن کل ضیق یلحق الانسان شرعا
فی العاجل، وکل عقاب یرد علیه فی الآجل لا بد أن یکون معلوما تفصیلا أو
إجمالا، ولا یرد شئ من الضیق والعقاب مع عدم العلم.
فإن قلت: إن الاحتیاط علی خلافه، وتقریره - علی ما ذکره بعض
المحققین من المعاصرین (1)
المقام الثالث ذیل أدلة القائلین بالمواسعة. (مخطوط).
-: أن الوجوب لما اقتضی تحتم الفعل وحرمة الترک،فثبوته یقتضی لزوم الامتثال والخروج عن صنف المخالفین للأمر، وحیث ثبت فی
أول أوقات التمکن، فترک الامتثال - حینئذ - بقصد التأخیر عنه أو بدونه إنما
یجوز بأحد أمرین:
الإذن فی الترک بلا بدل
أحدهما: إذن الشارع، فیسوغ الترک وإن أدی إلی ترکه لا إلی بدل.
الثانی: الانتفاء إلی بدل ثبت بدلیته عنه أو عن تعجیله، معلوم تمکنه منه،
فیسوغ الترک أیضا وإن لم یأذن الشارع صریحا، وکلا الأمرین غیر معلوم.
الانتقال إلی بدل
أما الإذن (2)فلأنه المفروض فإنه إنما یثبت فی الموسع لمکان وجوبه من
جهة حرمة ترکه عند ظن ضیق الوقت المضروب أو ضیق وقت التمکن، وإن
کان هذا خلاف مقتضی إطلاق الوجوب، لأن انتفاء الظن المذکور یقتضی انتفاء
خاصیة الوجوب ومصلحته الفعلیة، فإن من جری فی علم الله أنه یموت فجأة
فی سعة الوقت، إن فعل أدی راجحا، وإن ترک، ترک ما جاز له ترکه، وهو من
خواص الندب.
نعم قد یترتب أثر الوجوب باعتبار وجوب القضاء أو ما فی حکمه، ونیة
الوجوب ظاهرا واستحقاق ثواب الواجب وحرمة إزالة التمکن من نفسه، وکل
ذلک خارج عن المطلوب.
أو باعتبار إیجار العزم علی الفعل بدلا عنه، ولم یثبت فیما نحن فیه کما
یأتی، وکأن ما ذکر هو الداعی لتخصیص بعضهم الوجوب بأول الوقت أو آخره
المظنون -.
وکیف کان، فحیث ثبت الإذن فی التأخیر، فلا محیص عن القول بجوازه
وبعدم الإثم فی الفوات المترتب علیه، وإن کان منافیا لما هو الظاهر من إطلاق
الوجوب واشتراکه بین الجمیع، ولما لم یثبت هنا وجب العمل بمقتضی ظاهر
الوجوب - کما ذکر -، ولم یصح قیاسه علی الموقت الموسع ولا سیما مع ما بینهما
من الفرق، لأن تجویز التأخیر فی الموقت لا یفضی إلی تفویته غالبا، بخلاف
المطلق.
وأما الثانی - وهو الانتقال إلی البدل -، فموقف علی إثباته هنا علی نحو
ما تقدم، وهو إما العزم علی الفعل فی وقت آخر، أو نفس ذلک الفعل، والأول لم
یثبت بدلیته هنا، وإنما قیل بها فی الموقت المأذون فی تأخیره، تحقیقا لحقیقة
الوجوب المشترک بین الجمیع، وتأدیة لمقتضی الامتثال الواجب علیهم.
وحیث تعلق الأمر هنا بالقضاء بعینه ولم یثبت الإذن فی تأخیره وکان
مقتضی الایجاب ظاهرا هو المنع من التأخیر، لم یتجه هنا دعوی بدلیة العزم عنه،
أو عن تعجیل فعله، مع أن کثیرا من العلماء وأرباب المواسعة ینکرون بدلیة العزم
فی الموسع، فلا یستقیم الالتزام بذلک هنا عن قبلهم.
وأما نفس الفعل فی وقت آخر فلم یثبت بدلیته عما کلف به بتمامه، ولا
یعلم التمکن منه، فضلا عن وقوعه.
أما الأول: فلأن إرادة الشارع ابتداء للفعل فی أول أوقات التمکن
معلومة، وأما فی سائر الأوقات فلا، غایة الأمر أنه لو ترکه أولا وجب علیه الفعل
ثانیا، وکان مجزیا عما کلف به فی ذلک الوقت، لا عن تمام التکلیف الثابت أولا،
فلا یلزم التخییر ابتداء بین جمیع الأوقات.
وأما الثانی: فظاهر، لعدم إحاطة العلم عادة بالعواقب، فلو قطع النظر عن
عدم ثبوت بدلیته، لکان فی عدم العلم بإدراکه کفایة فی وجوب المبادرة، إذ بها
یتقین فراغ الذمة عما اشتغل به الذمة یقینا، فإن المبادر ممتثل قطعا علی أی
حال، وإن عرضه ما یمنع الاکمال، وربما یموت تارکا فیبقی ذمته مشغولة بما
وجب علیه، فیصیر مستحقا للعقاب علی ترکه الواقع باختیاره، إذ لا یعتبر فی
الترک الموجب لذلک أن یکون بحسب جمیع الأحوال الممکنة فی حقه، بل بما هو
الثابت واقعا فی شأنه، ولما کان الواقع غیر معلوم قبل وقوعه لم یمکن إحالة
التکلیف بالامتثال علیه، حتی یختلف باختلافه، فیکون مضیقا لجماعة وموسعا
لآخرین بحسب تزاید الآنات والساعات والشهور والأعوام، فتعین أن یکون
منوطا بالتضیق الذی یعلم به حصول الامتثال بالنسبة إلی الجمیع، فمن أدخل
نفسه فی صنف التارکین، ثم تدارکه فضل الله سبحانه بأن أبقاه إلی أن أدی
المأمور به، دخل فی صنف العاملین، ولکن لا یمکن البناء علی ذلک ابتداء أولا
فأولا، وإن أدت إلی فوات الحاضرة المأذون فی تأخیرها.
وأما البناء علی ظن ضیق وقت التمکن وعدمه، کما فی الموسع، فموقوف
علی الدلیل، وهو منتف هنا، فوجب البناء علی ما ذکر (انتهی تقریر الاحتیاط
ملخصا).
الجواب عن تقریر الاحتیاط
والجواب: إن الأمر المطلق إنما یقتضی وجوب الفعل المشترک بین الواقع
فی أول أزمنة التمکن، والواقع فیما بعده من أجزاء الزمان التی یمکن إیقاع
المأمور به فیها، وحینئذ فالتأخیر عن الجزء الأول ترک لبعض أفراد الواجب،
وهو لا یحتاج إلی إذن من الشارع، لأن العقل حاکم بالتخییر فی الامتثال بین
مصادیق المأمور به.
ومن هنا ظهر فساد ما ذکره من أن الوجوب فی الواجب الموسع باعتبار
حرمة ترکه عند ظن الضیق، بل وجوبه باعتبار حرمة ترکه المطلق المتحقق بترکه
فی جمیع الأجزاء. وأما عدم مؤاخذة من فاجأه العجز فی أثناء الوقت، فلیس لعدم
اتصاف الفعل حقیقة بالوجوب فیما قبل الجزء الأخیر من الوقت، بل لأجل أن
الواجب لا یعاقب علی ترکه إلا إذا وقع الترک علی جهة العصیان، لاستقلال
العقل ودلالة النقل علی أنه لا عقاب إلا مع العصیان، ولا عصیان فی الفرض
المذکور.
فتحقق بما ذکرنا: أن الفعل المأتی فی کل جزء من الزمان من أفراد المأمور به
وامتثال لتمامه، فلا یقال إنه بدل من الواجب نظیر بدلیة العزم، بل هو نفسه،
وأما احتمال طرو العجز عن الفرد الآخر فهو إنما یوجب رجحان المبادرة بحکم
العقل المستقل الحاکم بحسن إحراز مصلحة الوجوب ومرجوحیة التأخیر
المفضی أحیانا إلی فواتها وإن لم یوجب عقابا علی المکلف.
ویؤیده النقل، مثل قوله علیه السلام: (إذا دخل الوقت فصل. فإنک لا تدری
ما یکون) (1).
وأما وجوب هذا الاحتیاط فلم یثبت بعد حکم العرف والشرع بأصالة
بقاء التمکن وعدم طرو العجز، وإجماع العلماء والعقلاء علی عدم وجوب المبادرة
فی الموسع الموقت، وجعل الشارع - فی الروایة المذکورة وأمثالها - احتمال طرو
العجز علة لاستحباب المبادرة دون وجوبها، إلی غیر ذلک مما یقطع معه بعدم کون
الاحتمال المذکور سببا لوجوب الاحتیاط.
نعم ربما قیل باستحقاق العقاب لو اتفق ترک الواجب الموسع الغیر
الموقت، ولازمه وجوب المبادرة عقلا - من باب الاحتیاط، تحرز عن الوقوع فی
عقاب الترک - وإن لم یجب شرعا، لیکون من قبیل المضیق الذی یعاقب علی
تأخیره، وإن لم یتفق العجز.
لکن هذا القول مع ضعفه لا ینفع فیما نحن فیه، لأن الکلام فی التوسعة
والتضیق المستلزم لوجوب المبادرة شرعا، وإن علم المکلف بالتمکن فی ثانی
1) (1) التهذیب 2: 272 الحدیث 1082 والوسائل 3: 87، الباب 3 من أبواب المواقیت، الحدیث 3.
الحال، وتمکن وأتی بالفعل.
وبالجملة: فلا إشکال فی أن الأصل هو عدم وجوب المبادرة شرعا.
الثانی من وجوه تقریر الأصل (الاستصحاب)
فإن القائل بالمضایقة یدعی فساد الصلاة، إذا استمر علی نیتها الأولی
عند تذکر الفائتة، والأصل عدمه.
الجواب عن الاستصحاب
ویرد علیه: أنه قد حققنا فی الأصول (1)عدم جریان استصحاب الصحة،
إذا شک فی أثناء العمل فی شرطیة أمر فقد، أو مانعیة أمر وجد، کالترتیب بین
الحاضرة والفائتة فیما نحن فیه.
هذا کله بناء علی کون صحة الأجزاء السابقة علی الذکر واقعیة وأما إذا
قلنا بأن وجوب القضاء واقعا، موجب لفساد الحاضرة واقعا، غایة الأمر أن
المکلف ما لم یتذکر القضاء معذور، فالتذکر کاشف من وجوب القضاء وعدم
صحة الأداء فی متن الواقع، فصحة الأجزاء السابقة علی التذکر صحة ظاهریة
عذریة من جهة النسیان، ترتفع بارتفاع العذر، فلا یقبل الاستصحاب.
ولا ینافی ذلک الاجماع (2)علی صحة الحاضرة إذا لم یتذکر الفائتة إلا بعد
الفراغ عنها، لأن هذا لا یکشف إلا عن کون الترتیب شرطا علمیا، لا واقعیا
بالنسبة إلی الجهل المستمر إلی تمام الحاضرة، فلا ینافی کونه شرطا واقعیا بالنسبة
إلی الجهل المرتفع فی أثناء الصلاة، فإن کون الشروط علمیة أو واقعیة یختلف
بحسب الموارد حسب ما یقتضیه الأدلة، ألا تری أن النجاسة مانع علمی للصلاة
بالنسبة إلی الجهل المستمر، فلا یعید من صلی جاهلا إلی آخر الصلاة، وأما
الجاهل الذی علم فی الأثناء فلا یستمر علی ما فعل - علی ما ذهب إلیه
بعض - (1).
الثالث من وجوه تقریر من الأصل
الجواب عن هذا الأصل
وفیه: أنه إن أرید أصالة البراءة عن التکلیف بالعدول، فلا ریب فی أن
الشک فی المکلف به، لأن إتمام الصلاة واجب إما بنیة الحاضرة أو بنیة الفائتة، مع
أن إتمامها بنیة الفائتة مجمع علی جوازه، بل رجحانه إما وجوبا وإما استحبابا،
فالأمر (2)مردد بین تعیین إتمامها بهذه النیة، وبین التخییر بینه وبین إتمامها بنیة
الحاضرة، فمقتضی وجوب تحصیل الیقین بالبراءة، نقل النیة إلی الفائتة.
وإن أرید استصحاب عدم وجوب العدول قبل التذکر. ففیه: أنه کان
معذورا عقلا لأجل النسیان، وقد زال العذر. والحکم المنوط بالأعذار العقلیة
فإن قلت: إن المعلوم عدم وجوب العدول حال النسیان، وأما کون لأجل
النسیان فغیر معلوم.
قلت: لا ریب أن النسیان علة مستقلة لعدم وجوب العدول، فإذا شک فی
کون عدم الوجوب السابق مستندا إلی هذه العلة أو إلی علة أخری، وهی
مشروعیة فعل الحاضرة مع اشتغال الذمة بالفریضة الفائتة، فمقتضی الأصل
عدم مشروعیتها حینئذ.
والحاصل: أن الکلام إما أن یقع فی حکم الناسی بوصف أنه ناس، ولا
شک أنه حکم عذری یدور مدار النسیان وجودا وعدما، فلا معنی لاستصحابه
بعد ارتفاع العذر.
وإما أن یقع فی حکم المکلف واقعا من حیث إنه مکلف فاتت عنه فریضة
ودخل علیه وقت أخری، ولا عذر له من نسیان أو غیره، ولا ریب أن الشک
فإذا ثبت بحکم الأصل عدم مشروعیة الحاضرة مع عدم العذر وهو النسیان،
ترتب علیه وجوب العدول إذا نسی فیها، فافهم فإنه لا یخلو عن دقة.
الرابع من وجوه تقریر الأصل (أصالة الإباحة)
، إذا شک فی فسادها
وصحتها من جهة الشک فی حرمتها وإباحتها، المسبب عن الشک فی فوریة
القضاء وعدمها، بناء علی القول باقتضاء الأمر المضیق النهی عن ضده، وأصالة
عدم اشتراطها بخلو الذمة عن الفائتة (1)إذا کان الشک فی اعتبار الترتیب بینها
وبین الفائتة.
الجواب عن أصالة الإباحة
ویرد علی الأصل الأول: أن فساد الحاضرة إن کان من جهة القول بأن
الأمر الضیق یقتضی عدم الأمر بضده فیفسد الضد من هذه الجهة إذا کان من
العبادات، فأصالة الإباحة وعدم التحریم لا ینفع فی شئ، بل الأصل هو عدم
تعلق الأمر بذلک الضد فی هذا الزمان.
نعم هذا الأصل مدفوع بأصالة عدم التضیق المتقدمة، لکنه أصل
مستقل قد عرفت جریانه واعتباره، والکلام هنا فی غیره.
وإن کان من جهة أن الأمر المضیق یقتضی حرمة ضده، فمرجع الکلام
إلی الشک فی حرمة الحاضرة وإباحتها، والأصل الإباحة وعدم التحریم. ففیه:
أنه إن أرید أصالة البراءة فیرد علیه:
أولا: إن حرمة الضد لو ثبت فی الواجب المضیق فإنما یثبت - عند
1) (1) ما أثبتناه من مصححة " ع " وفی سائر النسخ: " الحاضرة ".
المشهور - من باب کون ترک الضد مقدمة لفعل المضیق، فیجب. والظاهر عدم
جریان الأصل فی مقدمة الواجب إذا کان الشک فیها مسببا عن الشک فی
وجوب ذیها، أو عن الشک فی أصل وجوب المقدمة فی المسألة الأصولیة.
نعم یجری الأصل فی صورة ثالثة، وهی ما إذا کان الشک فی وجوب
الشئ مسببا عن الشک فی کونه مقدمة، کما إذا شک فی شرطیة شئ للواجب
أو جزئیته له.
والسر فی ذلک أن أصل البراءة إنما ینفی المؤاخذة علی ما لم یعلم کونه
منشأ للمؤاخذة، ویوجب التوسعة والرخصة فیما یحتمل المنع. وهذا إنما یتحقق فی
الصورة الثالثة، وأما فی الصورتین الأولیین فلا یلزم من الحکم بوجوب المقدمة
مؤاخذة علیها ولا منع ولا ضیق، حتی ینفی بأدلة البراءة الدالة علی نفی
المؤاخذة عما لم یعلم، وتوجب الرخصة فیه.
وثانیا: أن أصالة عدم حرمة الحاضرة معارضة بأصالة البراءة وعدم
اشتغال الذمة بها.
وإن شئت فقل: إن الأمر دائر بین حرمة الحاضرة ووجوبها، فلا أصل،
فتأمل.
وبمثله یجاب لو أرید بأصالة عدم الحرمة: استصحابه، بأن یقال: إنه
یشک فی أن الوجوب الحادث للقضاء کان علی الفور حتی یوجب حرمة
الحاضرة، أو علی التوسعة حتی یبقی الحاضرة علی حالها من عدم الحرمة،
فالأصل بقاؤها.
فإن قلت: إنا نفرض ثبوت الوجوب للحاضرة فی أول وقتها قبل تذکر
الفائتة، فحینئذ نقول: الأصل بقاء وجوبها بعد التذکر.
قلت: قد عرفت أن تذکر الفائتة لیس محدثا لوجوبها، بل السبب له واقعا
هو فوت الأداء، وإنما یرتفع بالتذکر، العذر المسقط للتکلیف، وهو النسیان،
وحینئذ فالوجوب الثابت للحاضرة قبل التذکر وجوب ظاهری یرتفع بارتفاع
مناطه، وهو النسیان.
لکن الانصاف أن ما ذکرنا من معارضة استصحاب عدم الحرمة
باستصحاب عدم الوجوب غیر مستقیم، لأن الشک فی مجری الأصل الثانی
مسبب عن الشک فی مجری الأصل الأول، فالأول حاکم علی الثانی، لما تقرر فی
الأصول (1)فالصواب: الجواب عن الاستصحاب المذکور بما سیجئ فی الوجه
الخامس من تقریر الأصل (2).
هذا کله فی إجراء الأصل فی الحکم التکلیفی، وهی حرمة الحاضرة. وأما
أصالة عدم اشتراطها بخلو الذمة عن الفائتة، فإن أرید بها أصالة البراءة بناء
علی القول بجریانها عند الشک فی شرطیة شئ للعبادة، فهو حسن علی هذا
القول، إلا أن ظاهر کلام المستدل به إرادة أصالة إطلاق الأمر بالحاضرة، وسیأتی
الکلام فی الاطلاقات.
الخامس من وجوه تقریر الأصل (استصحاب الحکم)
، فکذا بعده، للاستصحاب.
وهذا الاستدلال حکاه بعض المعاصرین عن المختلف، وقال: إنه فاسد
لتعدد الحاضرة فی الحالتین، وعدم ثبوت الحکم لکل حاضرة، وإلا استغنی عن
التمسک بالاستصحاب، وهو لا یجری مع تعدد المحل.. ثم قال: وأما الاستدلال
بأنه لو لم یکن علیه قضاء لجاز له فعل الحاضرة فی السعة، فکذلک مع ثبوته،
ففاسد أیضا، لأن مرجعه إلی القیاس أو استصحاب الحکم الغیر الثابت من
أصله إلا علی سبیل الفرض فی نفس زمانه، وکلاهما باطل (3)(انتهی).
الجواب عن هذا الاستصحاب
أقول: استصحاب الحکم الشرعی علی قسمین:
أحدهما: استصحاب
الحکم الجزئی الثابت بالفعل، کما إذا مضی من الوقت مقدار الفعل مع الشرائط،
ثم سافر إلی أربعة فراسخ وشککنا فی حدوث وجوب القصر علیه بعد وجوب
الاتمام علیه بالفعل، بناء علی أن العبرة بحال الأداء دون الوجوب، أو مات
مجتهده - الذی أفتی بوجوب الجمعة علیه - فشک فی حدوث وجوب الظهر علیه
بعد وجوب الجمعة فعلا، أو رأی دما مشتبها بالحیض فشک فی ارتفاع وجوب
الصلاة الثابت علیه بالفعل.. إلی غیر ذلک من الأمثلة.
والثانی: استصحاب الحکم الکلی الثابت علیه بطریق القضیة الشرطیة،
مثل حکم الشارع بأن التمام یجب بشروطها علی الحاضر، والجمعة تجب بشروطها
علی المقلد لمن قال بوجوبها، والصلاة تجب بشروطها علی الطاهر من الحیض
والنفاس، وهذه الأحکام شرطیات لا یتوقف صدقها علی صدق شروطها، بل
تصدق مع فقد الشرائط، کدخول الوقت ووجدان (1)الطهور، فلا یعتبر فی
استصحاب ما کان من هذا القبیل تنجز الحکم الشخصی وتحققه، فإذا فرضنا
أن الشخص کان فی بلده فاقدا للطهورین، أو لم یدخل (2)علیه الوقت، ثم سافر
إلی محل یشک فی بلوغه المسافة، لشبهة فی الحکم أو الموضوع، فلا یخدش فی
استصحاب حکم التمام فی حقه: أنه لم تنجز علیه وجوب التمام فی السابق من
جهة عدم دخول الوقت أو فقد الطهور، بل یکفی کونه فی السابق ممن یجب
علیه التمام إذا وجد فی حقه شرائط الصلاة، وکذا استصحاب وجوب الجمعة إن
مات مقلده، واستصحاب وجوب الصلاة علی من رأت دما شک فی کونه حیضا
لشبهة فی الحکم أو الموضوع، فإنه یحکم باستصحاب وجوب الصلاة علیه، وإن
کان فی الزمان السابق غیر واجد للشروط، ولا یضر عدم ثبوت الحکم بالفعل فی
استصحاب الحکم الکلی.
حکومة استصحاب الحکم الکلی علی استصحاب الحکم الفعلی
بل لو عورض استصحاب الحکم الکلی باستصحاب عدم الحکم الفعلی
کان الأول حاکما، لأن الشک مسبب عن الشک فیه.
إذا عرفت هذا فنقول: إن وجوب الفعل موسعا فی أول وقتها حکم
شرعی کلی وخطاب إلهی تعلق بالمکلف وإن توقف تنجزه وثبوته فعلا علی
شروط، لکن فقد تلک الشروط لا یقدح فی صدق الحاکم الکلی علی وجه القضیة
الشرطیة بأن یقال: إن هذا المکلف ممن یجب علیه الصلاة وتصح منه بمجرد
دخول وقتها واجتماع باقی شرائط الصلاة، فإذا حدث وجوب القضاء علیه
لفوات بعض الفرائض یقع الشک فی ارتفاع الحکم الکلی المذکور، فیقال:
الأصل بقاؤه، فالمستصحب هو الحکم علی کلی الحاضرة بالصحة والوجوب فی
أول الوقت، لا علی خصوص الحاضرة المتنجزة علیه حین فراغ الذمة عن الفائتة
حتی یمنع انسحابه إلی الحاضرة التی یدخل وقتها حین اشتغال الذمة بالفائتة
إلا بالقیاس أو بدلالة الدلیل العام المغنی عن الاستصحاب.
وما ذکره أخیرا من تقریر الاستصحاب فهو أیضا راجع إلی ما ذکرنا،
وتوهم کونه من القیاس أو من استصحاب الحکم الفرضی مدفوع بما ذکرنا، فإن
استصحاب الحکم المعلق علی شروطه قبل تحقق شروطه راجع إلی استصحاب
أمر محقق منجز، کما یظهر بالتأمل.
ولا یخفی أن وجود مثله فی المسائل الشرعیة والمطالب العرفیة أکثر من
أن تحصی، واعتماد أرباب الشرع والعرف علیه أمر لا یکاد یخفی، وهذا الأصل
بعینه هو استصحاب عدم حرمة الحاضرة - الذی تمسک به المعترض فی التقریر
الرابع من تقریر الأصل -، إلا أن ذلک عدمی وهذا وجودی، لکن جریان کلیهما
علی الوجه الذی ذکرنا هنا وما ذکره من الاعتراض جار فی ذلک أیضا، فتسلیم
أحدهما ومنع الآخر تحکم، إلا أن یرید من الأصل - هناک - أصالة البراءة
لا الاستصحاب وقد عرفت ضعف التمسک بالبراءة.
الشک فی بقاء الموضوع فی استصحاب الحکم الکلی
وکیف کان، فالاستصحاب علی الوجه الذی ذکرنا لا غبار علیه، وقد
عرفت سابقا ضعف معارضته باستصحاب عدم وجوب الحاضرة، لأنه حاکم
علیه. نعم من لا یجری الاستصحاب فی الحکم الشرعی إما مطلقا - کما هو
مذهب بعض (1)
السادس).
- أو فیما یحتمل مدخلیة وصف فی الموضوع، مفقود فی الحالاللاحق - کما هو المختار - لم یکن له التمسک به فیما (2)نحن فیه، لاحتمال
کون الحکم الکلی المستصحب - وهو وجوب الصلاة فی الجزء الأول من الوقت -
فی الحال السابق، أعنی قبل الاشتغال بالقضاء منوطا بخلو الذمة عن القضاء،
فیکون المکلف الفارغ فی الذمة من القضاء، یجوز له فعل الحاضرة فی أول وقتها،
والشک فی المدخلیة یرجع إلی الشک فی بقاء الموضوع، فلا یجری الاستصحاب،
لاشتراطه ببقاء الموضوع یقینا، لکن الاستدلال المذکور مبنی علی المشهور بین
العلامة رحمه الله ومن تأخر عنه من إجراء الاستصحاب فی أمثال المقام.
السادس من وجوه تقریر الأصل
،
وهذا الأصل حسن بمعنی الاستصحاب دون البراءة، لما عرفته فی التقریر الرابع
والخامس.
الجواب علی هذا الوجه
وعلی أی تقدیر فهذا الأصل إنما یثمر فی رد من قال بوجوب الترتیب
من جهة اقتضاء فوریة القضاء تحریم الحاضرة والقول بأن الحرمة المقدمیة توجب
الفساد، لو کان المنافی - المحرم من باب المقدمة - من العبادات.
وأما لو لم نقل - کما هو مذهب جماعة، منهم: المحقق ألقانی فی شرح
القواعد فی باب الدین (3)، بل ربما نسبه بعضهم ککاشف الغطاء قدس سره إلی کافة
الأصحاب (1)
التعرض لمثل ذلک فی الکتاب وکلام النبی والأئمة علیهم السلام وأکثر الأصحاب.
- فلا ثمرة لهذا الأصل، لأن إثبات الترتیب حینئذ من باب الأخبارالدالة علی تقدیم الفائتة، لا من وجوب المبادرة إلیها، من باب أن الأمر بالشئ
یقتضی عدم الأمر بضده فیفسد، والحکم بالفساد من هذین الوجهین یجامع عدم
حرمة الحاضرة، فلا یترتب علی أصالة عدم الحرمة (2)الحکم بصحة الحاضرة.
فساد التمسک بالاجماع المرکب
ومن هنا یظهر فساد ما قیل: من (3)أنه إذا ثبت عدم حرمة المنافیات
بالأصل، ثبت صحة فعل الحاضرة فی السعة، لعدم القول بالفصل.
مع أن التمسک بالاجماع المرکب وعدم القول بالفصل فیما إذا ثبت أحد
شطری المسألة بالأصول الظاهریة محل إشکال، فقد أنکره غیر واحد ولا یخلو
عن قوة.
وکیف کان، فالأصل المعتمد فی المسألة هو الأصل الأول، وهو أصالة عدم
الفوریة. وقد یعارض باقتضاء أصالة الاشتغال بالترتیب، وسیأتی الکلام علیها
فی أدلة القائلین بالمضایقة إن شاء الله.
الثانی من حجج القائلین بالمواسعة: الاطلاقات، وقد ضبطها بعض
المعاصرین (1)فی طوائف من الکتاب والسنة.
الطائفة الأولی: ما دل علی وجوب الحواضر
الأولی: ما دل علی وجوب الحواضر علی کل مکلف حین دخول وقتها (2)،
ووجوب قضائها علی کل من فاتته مع مضی ما یسعها عن أوقاتها (3)
48 - 49 من أبواب الحیض.
، وعلی ولیهبعد موته - إن لم یقضها بنفسه -، فلو وجب تأخیرها عن الفوائت لزم أن لا یجب
علی من علیه فائتة معلومة إلا عند ضیق وقت الحاضرة أو مضی زمان یسع
الفائتة.
وأیضا یلزم أن لا یجب علیه قضاء الحاضرة إلا إذا أدرک وقت ضیقها، أو
مضی زمان یسع الجمیع، فلو مات قبل ذلک أو عرض حیض أو شبهه لم یکن
مشغول الذمة بالقضاء، ولم یجب علی ولیه تدارکه بعد موته، وکل هذه مخالفة
للاطلاقات المذکورة.
الایراد علیها
ویرد علیه: أن القائل بالترتیب ووجوب تأخیر الحاضرة عن الفائتة، إما
أن یقول به من جهة فوریة القضاء عنده، نظرا إلی أن الأمر بالشئ یقتضی
عنده النهی عن الضد الخاص، وإما أن یقول به من جهة وجود الدلیل علی
اشتراط الترتیب فی الحاضرة، وإن لم یقل بفوریة القضاء، وعلی کل تقدیر فلا
یرده الاطلاقات المذکورة، ولا یلزم تقیید لتلک الاطلاقات من جهة قوله
بالترتیب.
أما إذا قال به من الجهة الأولی، فلأنه یدعی أن الصلاة التی هی واجبة
فی أول الوقت من حیث هی - لو خلی وطبعها - قد عرض لها عدم الوجوب
لأجل عروض الحرمة لها من باب المقدمة لواجب فوری.
وإن شئت فقل: إن وجوبها فی أول الوقت مقید عقلا بعدم الامتناع
العقلی أو الشرعی (1)فإذا فرض طرو الحرمة لها من باب المقدمة صار ممتنعا شرعیا
لأن المانع الشرعی کالمانع العقلی، فهو نظیر ما إذا عرض واجب فوری آخر فی
أول الوقت کأداء دین فوری أو إنقاذ نفس محترمة ونحوهما، فإنه لا یلزم التقیید
فی تلک الاطلاقات بعدد هذه العوارض، بل إما أن نقول: إن تلک الاطلاقات
مسوقة لبیان حکم الصلاة فی أول الوقت لو خلیت ونفسها، فلا ینافی عدم
الوجوب لها لعارض یعرضها، کما أن قول الشارع: (لحم الغنم حلال - أو
طاهر -) لا ینافی حرمة اللحم المسروق ونجاسة اللحم الملاقی للنجس، لأن
الحلیة والطهارة الذاتیتین لا تنافیان الحرمة والنجاسة العرضیتین.
وإما أن نقول: إنها مقیدة بالتمکن وعدم الامتناع عقلا وشرعا، فإذا
1) (1) فی " ش ": والشرعی.
ادعی مدع الامتناع الشرعی فیما نحن فیه لأجل الحرمة المقدمیة، فلا ینفی ادعاؤه
بالاطلاقات، نعم لیطالب (1)فی دعواه الحرمة المقدمیة - الموجبة لعروض عدم
الوجوب والامتناع الشرعی - بالاستدلال علیه، وهذا غیر الاستدلال علی نفی
قوله بالاطلاقات، بل وجود الاطلاقات کعدمها، لانعقاد الاجماع والضرورة علی
أن الحاضرة - لو لم یمنع عن فعلها فی أول الوقت مانع عقلی أو شرعی - متصفة
بالوجوب والصحة، وهذا القدر کاف فی صحة الحاضرة بعد ثبوت عدم المانع، ولو
بحکم الأصل المتقدم، الدال علی عدم الفوریة الموجبة لطرو الحرمة علی فعل
الحاضرة.
نعم لو أنکر أحد سوق تلک الاطلاقات لمجرد بیان حکم الصلاة فی
نفسها علی حد قول الشارع: الغنم حلال أو طاهر، فی مقابل قوله: الکلب حرام
أو نجس، وادعی سوقها لبیان التکلیف وحمل المکلف فی أول الوقت علی الفعل،
بحیث یظهر من إطلاق بعث المکلف علی الفعل عدم کونه ممنوعا من طرف
الأمر، صح التمسک (2)فی کل مورد شک فی فوریة ما یزاحمها وانتفت الفوریة عنه
بحکم تلک الاطلاقات، وحکم من أجلها بعدم المانع الشرعی، وکان کلما ورد من
الدلیل علی فوریة شئ یتوقف علی تأخر الحاضرة مقیدا لتلک الأدلة معارضا لها.
لکن المتأمل فی تلک الاطلاقات - إذا أنصف - لا یجد من نفسه إلا
ما ذکرنا أولا.
هذا کله إذا قیل بالترتیب من جهة الفوریة، وأما إذا قیل به من جهة
ورود الدلیل علی اشتراطه فی الحاضرة، فیصیر حاله کحال سائر الشروط
المعتبرة فی الصلاة، فی أن وجوب الصلاة فی أول الوقت إنما هو مع التمکن من
فعلها جامعة للشروط، فإذا شک فی شرطیة شئ للصلاة کطهارة ما عدا موضع
الجبهة من مکان المصلی، وأنه هل یجب تحصیله إذا کان مفقودا عند دخول الوقت
أم لا؟ فلا یجوز التمسک بالاطلاقات المذکورة لنفی شرطیة المشکوک، لأجل
إطلاق الحکم فیها بثبوت الوجوب فی أول الوقت وعدم وجوب التأخیر.
وکذا لو شک فی جزئیة شئ یجب معرفته کالسورة بعد الحمد، فإنه
لا یجوز أن یتمسک بالاطلاقات المذکورة، لعدم وجوب تأخیر الصلاة حتی یتعلم
السورة.
وبعبارة أخری: تلک الاطلاقات دالة علی وجوب الصلاة فی أول الوقت،
ومسألتنا أن الصلاة هل یعتبر فیها الشرط الفلانی، کتأخرها عن الفائتة، وطهارة
ما عدا موضع الجبهة - مثلا - وقراءة السورة بعد الحمد أم لا؟
نعم ثبوت شرط أو جزء للصلاة یوجب تقیید لفظ الصلاة بناء علی
وضعها للأعم لا تقیید إطلاق وجوبها عند دخول الوقت، فیکون هذه
الاطلاقات کإطلاق (أقیموا الصلاة).
بل التحقیق: عدم جواز التمسک بها وإن جوزنا التمسک بإطلاق:
(أقیموا الصلاة) لنفی الشرطیة والجزئیة عند الشک، لأن إطلاق الصلاة فی
هذه الاطلاقات مسوقة لبیان حکمها من حیث وقت وجوبها فلا تفید مطلوبیة
کل ما یسمی صلاة، فحالها کسائر الاطلاقات المسوقة لبیان أحکام الصلاة بعد
الفراغ من بیان جهتها، کأحکام الجماعة والخلل والقضاء ونحو ذلک.
وأما إطلاقات وجوب القضاء علی من مضی علیه من الوقت مقدار
الفعل، فإن کان المراد مقدار الصلاة والطهارة دون غیرها من الشروط فلا دلالة
فیها علی المقام. وإن کان المراد مقدار الصلاة وتحصیل جمیع الشروط فهی ساکتة
عن بیان الشروط فإذا ادعی شرطیة شئ للصلاة فلا دلالة فیها علی نفیها،
کما لا یخفی.
الطائفة الثانیة ما دل علی صلاحیة أوقات الحواضر لأدائها
لأدائها بالنسبة إلی جمیع المکلفین (1)فیتناول من علیه فائتة أیضا فیصح له فعل
الحاضرة فی السعة.
الایراد علیها
ویرد علیه: ما فی سابقه، من عدم فائدة فی إطلاقها سواء جعلنا اعتبار
الترتیب من جهة الفوریة أم من جهة ثبوت اشتراط الحاضرة بتأخرها عن
الفائتة، إذ مدلولها صلاحیة کل جزء من الوقت للحاضرة، وهذا غیر منکر عند
أهل المضایقة، فإنهم لا یقولون بعدم الصلاحیة (2)للحاضرة، وإنما یقولون
بعروض ما أوجب تأخرها، أو بکونها مشروطة بشرط مفقود یحتاج إلی تحصیله
وهو فراغ الذمة عن الفائتة.
نعم ربما یظهر من بعض العبارات المحکیة عن السید المرتضی (3)ما یوهم
عدم صلاحیة زمان الاشتغال بالفائتة لأداء الحاضرة، وحینئذ فیصلح هذه
الاطلاقات للرد علیه ولکن من المقطوع أن مراده من عدم صلاحیة ذلک الوقت
للفعل: عدم صلاحیة الفعل فی ذلک الوقت.
الطائفة الثالثة ما دل علی أن الفریضة إذا دخل وقتها لا یمنع منها شئ
الثالثة: ما دل علی أنه إذا دخل وقت الفریضة لا یمنع من فعلها شئ إلا أداء نافلتها الراتبة (4)مثل قولهم علیهم السلام: (إذا زالت الشمس فما یمنعک إلا
سبحتک) (5).
وقولهم علیهم السلام: (إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتین إلا أن بین یدیها
سبحة، وذلک إلیک، طولت أو قصرت) (6).
1) (1) الوسائل 3: 91، الباب 4 من أبواب المواقیت.
2) (2) فی " د ": صلاحیة الوقت.
3) (3) حکاه العلامة فی المختلف 1: 144، وانظر رسائل الشریف المرتضی (المجموعة الثانیة): 364.
4) (4) الوسائل 3: 96، الباب 5 من أبواب المواقیت.
5) (5) الوسائل 3: 97، الباب 5 من أبواب المواقیت، الحدیث 6 باختلاف یسیر.
6) (6) الوسائل 3: 108، الباب 8 من أبواب المواقیت، الحدیث 30 مع اختلاف یسیر.
الایراد علیها
ویرد علیه: أن هذه الروایات فی مقام دفع (1)توهم رجحان تأخیر الظهر إلی
حد محدود، کالقدمین والذراع والقامة - علی ما یتراءی من بعض الأخبار الدالة
علی هذه التحدیدات - (2)فبین الإمام بذلک أنه لیس بعد دخول الوقت مانع عن
فعل الفریضة إلا النافلة، فلا ینتظر القدمین ولا الذراع ولا القامة ولا غیرها.
والذی یکشف عما ذکرنا ما عن محمد بن أحمد بن یحیی، قال: (کتب
بعض أصحابنا إلی أبی الحسن علیه السلام: أنه روی عن آبائک: القدمین والذراع
والقامة والقامتین وظل مثلک والذراعین؟
فکتب علیه السلام: لا القدم ولا القدمین، إذا زال الشمس فقد دخل وقت
الصلاة وبین یدیها سبحة، فإن شئت طولت وإن شئت قصرت... الحدیث) (3).
والحاصل: أن من لاحظ الأخبار المذکورة یظهر له ما ذکرنا فی معنی
الروایة غایة الظهور.
ثم إنه کیف یمکن الاستدلال بهذه الأخبار مع أن المراد بالمنع فی قوله
علیه السلام: (لا یمنعک): المنع الکمالی، لا منع الصحة والاجزاء، بقرینة استثناء
النافلة، والمطلوب فی مسألة المضایقة منع الفائتة عن صحة الحاضرة قبلها،
فافهم.
الطائفة الرابعة ما دل علی استحباب الجماعة والمبادرة إلیها
الرابعة: ما دل علی تأکد استحباب فعل الصلاة جماعة (4)مع استمرار
السیرة فی الجماعات علی المبادرة إلیها فی أوائل الأوقات، وما دل علی تأکد
استحباب فعل الصلاة فی المساجد (5)، وعلی استحباب الأذان والإقامة (6)وتأکدهما
1) (1) لم ترد " دفع " فی " ع " و " ن " و " ص ".
2) (2) انظر الوسائل 3: 103، الباب 8 من أبواب المواقیت.
3) (3) الوسائل 3: 98، الباب 5 من أبواب المواقیت، الحدیث 13 باختلاف یسیر.
4) (4) الوسائل 5: 370، الباب الأول من أبواب صلاة الجماعة.
5) (5) الوسائل 3: 477، الباب الأول من أبواب أحکام المساجد.
6) (6) الوسائل 4: 612، الباب الأول من أبواب الأذان والإقامة.
فی بعض الصلوات، واستحباب السور الطوال فی بعضها (1)والآتیان
بسائر سننها (2)، فإن امتثال هذه المستحبات فی الحاضرة یقتضی عدم تأخیرها
إلی الضیق، وفی الفوائت یقتضی عدم المبادرة إلی کل منهما.
والجواب عن هذه کلها مما ذکرنا، من أن هذه الاطلاقات لا تنفی
فوریة القضاء ولا اشتراط الأداء بخلو الذمة عن القضاء، والمتأمل یجد بعد
الانصاف أن هذه کلها أجنبیة عن المطلب.
الطائفة الخامسة ما دل علی استحباب المستحبات
ویرد علیها ما ورد فی السابق وهی نظیر أدلة المباحات (3).
السادسة ما دل علی أن الصلاة لا تعاد إلا من خمس
السادسة: ما دل علی أنه: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة) (4)
الحدیث 5، و 4: 995، الباب 7 من التشهد، الحدیث الأول.
وعلی أنفروض الصلاة سبعة (5)أو عشرة (6).
ویرد علیه: أن المراد عدم الإعادة من الاخلال سهوا بشئ غیر الخمسة،
وأن الفروض الشرعیة بحسب أصل الشرع فی الصلاة سبعة، وأکثر أهل
المضایقة یدعون أن فوریة القضاء یمنع عقلا عن صحة الأداء.
وکیف کان، فالتمسک بهذه وأمثالها مما لم نذکره - وإن ذکره بعض - تضییع
للقرطاس فضلا عن العمر.
السابعة ما دل علی تأکد استحباب المبادرة مطلقا
فی أوائل
1) (1) الوسائل 4: 787، الباب 48 من أبواب القراءة فی الصلاة.
2) (2) الوسائل 4: 673، الباب الأول من أبواب أفعال الصلاة.
3) (3) فی " ع ": " إباحة المباحات " وفی " د ": " إباحة المنافیات ".
4) (4) الوسائل 4: 683، الباب الأول من أفعال الصلاة الحدیث 14، و 4: 770، الباب 29 من القراءة
5) (5) الوسائل 4: 683، الباب الأول من أبواب أفعال الصلاة، الحدیث 15.
6) (6) مستدرک الوسائل 4: 89، الباب الأول من أبواب أفعال الصلاة، الحدیث 4209.
أوقاتها (1)فیشمل من علیه فائتة.
الایراد علیها
ویرد علیه ما تقدم فی إطلاقات الوجوب فی أول الوقت وصلاحیة کل جزء
من الوقت للحاضرة، من أنها لا تنفی وجوب تقدیم الفائتة، سواء أخذناه عن
فوریة القضاء - بناء علی اقتضائها النهی عن الحاضرة - أو من دلیل اعتبار
الترتیب فی الحاضرة وإن لم یحکم بفوریة الفائتة.
مضافا إلی أن الاستحباب المذکور إنما یتوجه إلی فعل الحاضرة فی أول
الوقت بعد الفراغ عن وجوبها وصحتها، لأن استحباب بعض أفراد الواجب (2)
فرع وجوبه فی الواقع وفی لحاظ الحاکم بالاستحباب، والکلام فی هذه المسألة فی
ثبوت أصل وجوب الحاضرة فی الجزء الأول من الوقت لمن علیه فائتة، فالحکم
بالاستحباب مقصور علی من لا مانع فی حقه عن وجوب الحاضرة علیه فی أول
الوقت.
الایراد علی الاطلاقات بشکل عام
وقد یرد هذه الاطلاقات بوجوب رفع الید عنها من جهة تسلیم أهل
المواسعة لاستحباب تقدیم الفائتة، فلا یجامع استحباب الحاضرة فی أول وقتها.
النظر فی هذا الایراد
وفیه نظر، أما أولا: فلذهاب بعض أهل المواسعة - کالصدوقین وعبید الله
الحلبی وغیرهم - إلی استحباب تقدیم الحاضرة (3)وذهاب بعض إلی التخییر بین
تقدیم الحاضرة وتقدیم الفائتة (4)ولازم هذا القول - کما قدمنا فی أول المسألة -:
القول بأفضلیة فعل الحاضرة فی وقت فضیلتها.
وأما ثانیا: فلأن القول باستحباب تقدیم الفائتة إما أن یکون من جهة
الاحتیاط فلا ینافی أفضلیة الحاضرة من حیث القوی التی هی مقتضی الأدلة
الاجتهادیة، فیکون المسألة نظیر الحکم بأفضلیة الاتمام فی المواطن الأربعة
لظاهر الأدلة وأن القصر أحوط، وکذا الحکم بأفضلیة صلاة الجمعة، وکون الظهر
أحوط وإما أن یکون من جهة الأخبار الدالة علی رجحان تقدیم الفائتة بحملها
علی الاستحباب بعد فرض اختیار المواسعة.
لکن نقول: لا تنافی بین استحباب تقدیم الفائتة وبین استحباب فعل
الحاضرة فی وقت فضیلتها، فإن أمکن الجمع بین المستحبین بأن یقضی الفائتة
ویعقبها بالحاضرة قبل خروج وقت فضیلتها فقد فاز بالمصلحتین، وإن لم یمکنه
إلا إحداهما بعینها تعینت، أو لا بعینها تخیر، أو قدم الحاضرة لکثر ما دل من
الأخبار علی الحث علیها فی ذلک الوقت (1)وتوعید من أخرها عنه (2)وأن ما بقی
من الوقت وقت رخصة لأهل الأعذار (3)أو الصلاة الصبیان (4)ونحو ذلک.
وکیف کان فکون کل من فعل الحاضرة فی وقت الفضیلة وتقدیم الفائتة
علیه مستحبا مما لم یمنعه مانع، وقد ذکرنا أیضا فی أوائل المسألة أن جهات
استحباب تقدیم الفائتة ثلاث، وجهات تقدیم استحباب الحاضرة أربع، فعلیک
بملاحظة ما یمکن اجتماعه من جهات تقدیم إحداهما مع جهات تقدیم
الأخری، فتدبر.
الثالث من وجوه الاحتجاج لأهل المواسعة: الأخبار الخاصة - یعنی
المختص بحکم قضاء الفوائت - وهی طوائف:
الطائفة الأولی: ما دل علی توسعة القضاء
إطلاق الأخبار المشتملة علی الأمر بالقضاء
فمن جملة ذلک: إطلاق الأخبار الکثیرة المشتملة علی الأمر بالقضاء (1)
ولا سیما ما ورد فی الحائض والنفساء (2).
الایراد علیه
ویرد علیه: أن الاستدلال بالأوامر المطلقة - خصوصا الأوامر الواردة فی
الحائض والنفساء - فی مقام بیان أصل الوجوب من غیر تعرض لوجوب المبادرة
وعدمها فإن الأمر بناء علی عدم دلالته بالوضع علی الفور لا یدل علی عدمه،
بل غایة الأمر سکوته عنه، فلا ینافی إرادة الأمر، المبادرة إلیه بأمر آخر، ولیس
یلزم حینئذ تصرف فی تلک الأوامر.
فالمدعی للفور وإن کان علیه إقامة الدلیل إلا أن الاطلاقات لا تدل علی
خلافه، نعم ظاهر الأمر - حیث إنه موضوع لطلب الفعل الغیر المقید بزمان -.
حصول الامتثال بالاتیان به فی الزمان الثانی والثالث، وإن قلنا بدلالته علی
الفور، فتأمل جدا.
ما ورد عن أصل الحلبی
ومنها: ما عن أصل الحلبی - الذی عرض علی الإمام الصادق صلوات الله علیه
واستحسنه - (1): (خمس صلوات یصلین علی کل حال ومتی أحب، صلاة فریضة
نسیها یقضیها مع طلوع الشمس وغروبها، وصلاة رکعتی الاحرام، ورکعتی
الطواف الفریضة، وکسوف الشمس عند طلوعها وغروبها) (2)
والفریضة.
.الایراد علیه
ویرد علیه أن قوله: (یصلین علی کال حال) یدل علی مشروعیتها فی مقام
دفع توهم المنع عنها عند طلوع الشمس وغروبها، لما استفاض من الأخبار
الظاهرة فی النهی عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها وأنها طلع بین قرنی
الشیطان (3)، ولیس المراد سعة وقتها واختیار المکلف فی تعجیلها وتأخیرها، لأن
هذا غیر ممکن فی الکسوف والطواف وصلاة المیت المذکورة فی بعض الأخبار
معها (4)، فلا ینافی هذا وجوب تعجیل القضاء متی ذکرها، ولذا جمع فی بعض
الأخبار بین الفقرة المذکورة وبین وجوب القضاء متی ذکرها، مثل روایة زرارة
الرجل فی کل ساعة: صلاة فاتتک فمتی ذکرتها أدیتها: ورکعتی طواف الفریضة
وصلاة الکسوف والصلاة علی المیت) (5).
وأما قوله: (متی أحب) فلیس دلیلا علی جواز التأخیر، لعدم جریانها فی
باقی الصلوات المذکورة فی الروایة، فلا بد من تأویلها علی وجه لا ینافی
التعجیل، ولا یحضرنی الآن تأویل حسن له ولا یهمنا أیضا.
هذا، مع أن العبارة المذکورة لیس بروایة، لأن الحلبی لم یسندها إلی
1) (1) انظر الصفحة 257، والهامش 2 هناک.
2) (2) رسالة السید ابن طاووس: 341 ورواه عنه البحار 88: 299، الحدیث 6، وفی الأخیر: والطواف
3) (3) الوسائل 3: 170، الباب 38 من أبواب المواقیت.
4) (4) الوسائل 3: 174، الباب 39 من أبواب المواقیت، الحدیث 1 و 5.
5) (5) الوسائل 3: 174، الباب 39 من أبواب المواقیت، الحدیث 1، الخصال 1: 247، رقم 107.
إمام فلعلها فتوی استنبطها من ظاهر بعض الروایات الدالة علی التوسعة.
ما عن الجعفی
ومنها: ما عن الجعفی فی کتاب الفاخر - الذی ذکر فی أوله أنه لم یرو
فیه إلا ما أجمع علیه وصح عنده عن قول الأئمة علیهم السلام - من قوله قدس سره
(والصلوات الفائتات تقضی (1)ما لم یدخل علیه وقت صلاة، فإذا دخل وقت
صلاة بدأ بالتی دخل وقتها وقضی الفائتة متی أحب) (2).
الایراد علیه
ویرد علیه: أن الظاهر عدم کون القول المذکور متنا لروایة وإنما هو
معنی مستنبط من الروایات الظاهرة فی المواسعة، فلیس دلیلا مستقلا.
روایة عمار
ومنها: روایة عمار المشتملة علی مسائل متفرقة، منها ما: (عن الرجل
یکون علیه صلاة فی الحضر هل یقضیها وهو مسافر؟ قال: نعم، یقضیها باللیل
علی الأرض، فأما علی الظهر فلا، ویصلی کما یصلی فی الحضر) (3)
الحدیث 1086.
.فإن الظاهر - بقرینة المنع عن القضاء علی ظهر الراحلة والأمر بفعلها
کما فی الحضر - أن المراد قضاء الفریضة، فلو کان القضاء مضیقا لجاز فعله علی
الراحلة کما فی الفریضة المضیقة لضیق وقتها أو وقت التمکن منها.
الایراد علیها
وفیه، أولا: إنه لا دلالة لها إلا علی عدم جواز فعل الفریضة علی الراحلة،
وأما وجوب النزول عنها لأجل القضاء إن تمکن، وعدمه إن لم یتمکن، فلا تعرض
لها فی الروایة، نعم ربما کان فی قوله: (یقضیها باللیل) دلالة علی أنه یؤخرها إلی
اللیل لیقع علی الأرض، فلا یقضیها بالنهار لیقع علی الراحلة علی ما هو الغالب
من أن دأب المسافرین - خصوصا العرب - المشی بالنهار، فیکون وجه الدلالة
ظهورها فی ترخیص تأخیر القضاء إلی اللیل وعدم وجوب المبادرة إلیها بالنهار.
نعم یمکن للقائلین بالمضایقة أن یقولوا: إن المبادرة إنما یجب إذا أمکن
فعل القضاء مستجمعا لجمیع الشروط الاختیاریة لا مطلقا، لأن التضیق إنما جاء
من دلالة الأمر علی الفور أو من ورود الدلیل علی وجوب التعجیل.
وعلی کل تقدیر، فالفعل المشروط فی نفسه بشروط إذا أخره المکلف
لتحصیل شرط من شروطه، لا یعد متوانیا فیه غیر مستعجل، إذا لم یکن التأخیر
إلا بمقدار تحصیل الشرط، ولهذا لم یلتزم أهل المضایقة بسقوط السورة وطهارة
الثوب والبدن، بل مقدار الطهارة المائیة إذا أوجب التأخیر، وکان التعجیل
یحصل بالتیمم.
والسر فی ذلک: أن ترخیص الفعل بدون الشرائط الاختیاریة إنما یکون
عند الاضطرار، والاضطرار إنما یحصل إذا دار الأمر بین فوت أصل الواجب إما
لیضیق الوقت أو لطرو المانع - ولو بحسب ظن المکلف -، وفوات شروطه وأجزائه
الاختیاریة، وأما إذا دار الأمر بین فوات التعجیل إلی الفعل وفوات تلک
الشروط والأجزاء الاختیاریة فلا یهمل جانب الشروط ویراعی التعجیل.
والسر فیه: أن التعجیل المطلوب إنما عرض للفعل بعد اعتبار الشروط
والأجزاء، فالمطلوب تعجیل الفعل المستجمع لها، فمتی لم یمکن تعجیل الفعل
المستجمع لها وارتقب زمان الاستجماع فلا یعد عاصیا فی التعجیل، وهذا هو السر
فی التزام العقلاء فی مقام الإطاعة مراعاة جانب الشروط والأجزاء وإن تأخر
زمان الفعل، بل لا یعد هذا تأخیرا، لأن التأخیر والتعجیل إنما یعتبران بالنسبة
إلی أزمنة الامکان، فافهم.
وأما توهم الإمام علیه السلام لم یستفصل بین السفر الضروری وغیره
فیأمره بترک غیر الضروری المستلزم لتأخیر القضاء إلی اللیالی، فمدفوع بأن
مقام السؤال لا یقتضی ذلک - کما لا یخفی - فترک الاستفصال لا یجدی.
روایة أخری لعمار
ومنها: روایة أخری عن عمار: (قال: سألته عن الرجل ینام عن الفجر
حتی یطلع الشمس وهو فی سفر، کیف یصنع، أیجوز أن یقضیها بالنهار؟ قال:
لا یقضی صلاة نافلة ولا فریضة بالنهار، ولا یثبت له، ولکن یؤخرها
ویقضیها باللیل) (1)
المواقیت 1081.
.الایراد علیها
ویرد علیه: أن المنع التحریمی عن قضاء الفریضة بالنهار مما أجمع علی
خلافه الفتاوی والأخبار، فإما یحمل علی التقیة فلا یجدی، وإما علی الکراهة.
وهی بعیدة عن مساقها ومخالفة لظاهر الأخبار، بل صریح کثیر منها، فإن لم یکن
هذا کله موجبا لطرحها جاز الاقتصار علی موردها، ولا داعی إلی صرفها عن
الحرمة إلی الکراهة، إذ کما أن الحرمة منافیة للفتاوی والأخبار، فکذلک الکراهة،
کما لا یخفی.
ما فی البحار عن ابن طاووس
ومنها: ما رواه فی البحار عن السید ابن طاووس - فی رسالة غیاث سلطان
الوری لسکان الثری - عن حریز، عن زرارة، عن أبی جعفر علیه السلام (قال:
قلت له: رجل علیه دین من صلاة قام یقضیه فخاف أن یدرکه الصبح ولم یصل
صلاة لیلته تلک، قال: یؤخر القضاء ویصلی صلاة لیلته تلک) (2).
والتقریب: أن الظاهر من الدین إما خصوص الفریضة الفائتة أو الأعم،
ولا وجه للتخصیص بالنافلة، فیدل علی جواز تأخیر القضاء لنافلة اللیل، ثم
عدم الأمر بفعلها قبل الصبح یدل علی الترتیب.
الایراد علیه
ویرد علیه: أن ظهور لفظ الدین فی الفریضة محل نظر، بل لا یبعد - عند
من له ذوق سلیم - أن یراد من الدین - فی مقابل صلاة لیلته تلک - صلوات
سائر اللیالی، فیکون حاصل الجواب: ترجیح أداء نافلة اللیلة علی قضاء
نافلة سائر اللیالی.
ولو أغمض عن ذلک، فنقول: إن التمسک بعمومه حسن لنفی الفوریة،
وأما نفی الترتیب فلا یستفاد منه خصوصا علی تفصیلی المحقق (1)والعلامة (2).
ما عن ابن طاووس فی رسالة المواسعة
ومنها: ما عن السید - أیضا - فی رسالة المواسعة، عن أمالی السید أبی
طالب الحسینی بإسناده إلی جابر بن عبد الله: (قال: قال رجل: یا رسول الله
کیف أقضی؟ قال صلی الله علیه وآله: صل مع کل صلاة مثلها. قال: یا رسول الله
قبل أم بعد؟ قال: قبل) (3)
الحدیث 7153، 9 والبحار 88: 330.
.الایراد علیه
وفیه: أن الأمر بالصلاة لیس للوجوب قطعا. فیمکن أن یکون إرشادا
لکیفیة قضاء ذلک الشخص، فلعله کان ا لقضاء مستحبا فی حقه فیستحب له
قبل کل صلاة أن یقضی صلاة.
روایة إسماعیل بن جابر فی الذکری
ومنها ما عن الذکری، عن إسماعیل بن جابر: (قال: سقطت عن بعیری
فانقلبت علی أمر رأسی، فمکثت سبعة عشر لیلة مغمی علی، فسألته عن ذلک،
قال: اقض مع کل صلاة صلاة) (4).
الایراد علیها
وفیه: أن الاستدلال به مبنی علی وجوب القضاء علی المغمی علیه - کما
اعترف به فی الذکری - (5)وهو مخالف للأخبار الکثیرة (6). مع أن الروایة غیر
مذکورة - علی ما قیل - (7)فی کتب الحدیث، فلعل الشهید أخذها من کتاب
إسماعیل بن جابر أو من کتاب آخر أسندت فیه إلی إسماعیل، وهذا مما یوهن
1) (1) وقد فصل فی الترتیب بین الوقت الاختیاری دون غیره، تقدم المصدر: 271.
2) (2) المختلف 1: 144.
3) (3) رسالة السید ابن طاووس: 344 والمستدرک 6: 429، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات
4) (4) الذکری: 134 والوسائل 5: 358، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 15.
5) (5) الذکری: 134، قال: " وفیه تصریح بالتوسعة، لو أوجبنا القضاء علی المغمی علیه ".
6) (6) الوسائل 5: 352 - 356، الباب 3 و 4 من أبواب قضاء الصلوات.
7) (7) قاله العلامة التستری فی رسالته منهج التحقیق (مخطوط).
التمسک به الأخبار الدالة علی مرجوحیة الصلاة عند طلوع الشمس
ومنها: الأخبار المستفیضة الدالة علی مرجوحیة قضاء الفریضة، أو مطلق
الصلاة عند طلوع الشمس حتی یذهب شعاعها (1)
المواقیت، الحدیث 1 والبحار 88: 330.
.الایراد علیها
ویرد علیه: أنها مخالفة للأخبار الکثیرة الواردة علی خلافها، وأن ما یقوله
الناس: (إن الشمس تطلع بین قرنی الشیطان) کاذب، وأنه لو صح فما أرغم أنف
الشیطان بشئ مثل الصلاة (فصلها وأرغم أنف الشیطان) (2)، والأخبار الدالة
صریحا علی عدم المنع عن قضاء الفریضة متی ما ذکرها، بل مطلق الصلاة، بل
فعل ذات السبب مطلقا (3).
فالأولی حملها علی التقیة - وإن اشتمل بعضها علی ما یخالف العامة (4)
مخالف لقول العامة.
،فإنه غیر مناف للحمل علیها، خصوصا إذا لم یکن محمل غیرها - من جهة ورود
الأخبار المعتبرة علی خلافها.
الأخبار المرخصة لقضاء صلاة اللیل فی النهار وبالعکس
ومنها: الأخبار المرخصة لقضاء صلاة اللیل فی النهار وقضاء صلاة النهار
باللیل، إن شاء بعد المغرب وإن شاء بعد العشاء (5)مثل مصححة ابن مسلم:
(عن الرجل یفوته صلاة النهار. قال: یقضیها، إن شاء بعد المغرب وإن شاء بعد
العشاء) (6)، ونحوها مصححة الحلبی (7) إلی غیر ذلک من الأخبار الدالة علی
الرخصة المزبورة، فإن الصلاة المقضیة فیها أعم من الفریضة والنافلة، بل یتعین
1) (1) الوسائل 3: 158 الباب 30 من أبواب المواقیت الحدیث 3 و 211 الباب 63 من أبواب
2) (2) الوسائل 3: 172، الباب 38 من أبواب المواقیت، الحدیث 8.
3) (3) الوسائل 3: 174، الباب 39 من أبواب المواقیت.
4) (4) الوسائل 3: 211، الباب 63 من أبواب المواقیت، الحدیث 1 الحکم فیها بقضاء صلاة العشاء
5) (5) الوسائل 3: 175 الباب 39 من أبواب المواقیت، الحدیث 6 و 7 و 12 و 13.
6) (6) (7) الوسائل 3: 175، الباب 39 من أبواب المواقیت، الحدیث 6 و 7.
حملها فی الصحیحتین علی الفریضة بناء علی القول بحرمة النافلة - ولو قضاء -
فی وقت الفریضة، بل وعلی القول بالکراهة أیضا، لظهورها فی التساوی وعدم
مزیة فی فعلها بعد العشاء.
الایراد علیها
ویرد علیها: أن الظاهر من صلاة اللیل والنهار - فی هذه الروایات -
نافلتهما، إذ الغالب التعبیر عن الفرائض بأسمائها، کالظهرین أو المغرب
والعشاء، مع أن الظاهر من فوت صلاة النهار فوتها فی النهار وفوت صلاة اللیل
فی اللیل، وحینئذ لا إشکال فی أن الحکم قضاء الأول فی اللیل (1)، والثانی فی النهار.
نعم هذا لا یتمشی فی بعضها، مثل قوله: (إقض صلاة النهار أی ساعة
شئت من لیل أو نهار) (2)ونحوها، إلا أنه یمکن حملها علی دفع توهم المنع
الحاصل عن مثل روایة عمار المتقدمة المانعة عن قضاء فائتة النهار إلا فی اللیل (3).
مع إمکان حمل النهار فیها علی النهار الآخر، لا یوم الفوات.
الطائفة الثانیة ما دل علی جواز إتیان الحاضرة فی السعة
، وأن یتمها بنیتها إذا ذکر الفائتة فی أثنائها، فمن جملة
ما ورد عن أصل الحلبی
ذلک ما عن أصل الحلبی المتقدم (4)من قوله: (ومن نام أو نسی أن یصلی المغرب
والعشاء الآخرة، فإن استیقظ قبل الفجر مقدار ما یصلیهما،، فلیصلهما، وإن
استیقظ بعد الفجر فلیصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء) (5)
6: 428، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات 7149.
.ودلالته علی المطلوب واضحة بناء علی أن وقت العشاءین یمتد للمضطر
إلی طلوع الفجر. وحمل قوله: (بعد الفجر) علی القریب من طلوع الشمس بعید
جدا، فحمل الأمر بتقدیم الفجر علی الاستحباب أولی من ذلک التقیید، فیتم
المطلوب، لکنها لا تنفی التفصیل المتقدم عن المختلف (1).
روایة الجعفی فی الفاخر
ومنها ما تقدم عن کتاب الفاخر (2)- الذی ذکر فی أوله: (أنه لا یروی فیه
إلا ما أجمع علیه وصح من قول الأئمة) - من قوله: (والصلوات الفائتات تقضی
ما لم یدخل علیه وقت صلاة، فإذا دخل وقت صلاة بدأ بالتی دخل وقتها وقضی
الفائتة متی أحب).
وظاهره وجوب التقدیم، إلا أن یحمل علی الاستحباب، فیتم المطلوب
وهی المواسعة المطلقة من دون تفصیل.
لکن الانصاف: أن عد هذین الکلامین من الروایة مشکل، فالظاهر
کون الحکم المذکور من هذین الجلیلین فتوی مستنبطة من ظاهر الروایات.
مرسلة الواسطی
ومنها: ما أرسله الواسطی فی کتابه عن الصادق علیه السلام: (إن من کان فی
صلاة ثم ذکر صلاة أخری فائتة أتم التی هو فیها ثم قضی ما فاته) (3).
وحکی (4)عنه نسبة هذا إلی أهل البیت علیهم السلام فی موضع آخر من کتابه،
ودلالته علی المطلوب ظاهرة، فلا کلام إلا فی سنده.
مصححة أبی بصیر
ومنها: روایة أبی بصیر المصححة: (إن نام رجل ولم یصل صلاة المغرب
والعشاء الآخرة أو نسی، فإن استیقظ قبل الفجر مقدار ما یصلیهما جمیعا
فلیصلهما، وإن خشی أن یفوته إحداهما فلیبدأ بالعشاء الآخرة. وإن استیقظ
بعد الفجر فلیبدأ فلیصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس، فإن
خاف أن یطلع الشمس فیفوته إحدی الصلاتین فلیصل المغرب ثم لیدع العشاء
الآخرة حتی یطلق الشمس ویذهب شعاعها ثم لیصل العشاء) (1)
الأول من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 7152، 8.
.وحکی نحوها عن رسالة السید ابن طاووس عن کتاب الحسین بن
سعید (2).
ما عن الفقه الرضوی
ونحوها ما عن الفقه الرضوی مسندا إلی العام بزیادة قوله: (وإن
خاف أن تعجله طلوع الشمس ویذهب عنهما جمیعا فلیؤخرهما حتی یطلع
الشمس ویذهب شعاعها) (3).
والدلالة فیها ظاهرة علی ما سبق فی تقریب دلالة عبارة الحلبی (4).
وأما الحکم فیهما بتأخیر القضاء إلی ذهاب شعاع الشمس فهو غیر
موهن للروایة - کما أن صحیحة زرارة (5)التی هی العمدة فی أدلة الترتیب مشتملة
علی هذا الحکم أیضا - لأن غایة الأمر حمل هذه الفقرة علی التقیة ولا یوجب
حمل ما فی الخبر علیها، خصوصا مع احتمال حدوث سبب التقیة بعد ذکر
الفقرات السابقة.
مع أن الروایة المرویة عن الحسین بن سعید، عن فضالة، عن ابن مسکان
1) (1) الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقیت، الحدیث 3 والمستدرک 6: 429، الباب
2) (2) رسالة السید ابن طاووس: 343، البحار 88: 330.
3) (3) الفقه المنسوب إلی الإمام الرضا علیه السلام: 123.
4) (4) فی الصفحة 310.
5) (5) الوسائل 3: 211، الباب 63 من أبواب المواقیت، الحدیث الأول.
6) (6) الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقیت، الحدیث 4. وسند الحدیث هکذا: وعنه عن
فضالة عن ابن مسکان عن أبی عبد الله علیه السلام، وعنه عن فضالة بن أیوب عن ابن سنان
فالانصاف ظهورها فی المدعی، نعم لا ینهض لرد تفصیل المختلف، کما
عرفت (1).
ثم إنه حکی عن المحقق فی العزیة (2)أنه أورد علی هذین الخبرین
فقال: إن خبری أبی بصیر وابن سنان یدلان علی أن وقت العشاء یمتد إلی
الفجر، وهو قول متروک، وإذا تضمن الخبر ما لا نعمل به دل علی ضعفه. ثم.
قال: وأیضا فهما شاذان، لقلة ورودهما (3)بعد العمل بهما.
ثم أجاب عن الأول: بأنا لا نسلم أن القول بذلک متروک، بل هو قول
جماعة من فقهائنا المتقدمین والمتأخرین، منهم أبو جعفر بن بابویه (4)- وهو أحد
الأعیان - وقد ذکر ذلک الشیخ أبو جعفر الطوسی فی مسائل من بعض
أصحابنا (5)، فکأنه مشهور، وقالوا: هو وقت لمن نام أو نسی.
ولو سلمنا أن الوقت لیس بممتد، فما المانع أن یکون ذلک للتقیة فی
القضاء، فإن روایة زرارة (6)- التی هی حجة فی ترتیب القضاء - تضمنت تأخیر
المغرب والعشاء حتی یذهب الشعاع، ومن المعلوم أن الحاضرة لا یتربص بها
ذلک، فکیف ما یدعی أنه یقدم علی الحاضرة؟
ثم أجاب عن الثانی بأنه لا نسلم شذوذهما وقد ذکرهما الحسین بن
سعید (7)والکلینی (8)والطوسی فی التهذیب (9)والاستبصار (10)وذکره أبو جعفر بن
1) (1) راجع الصفحة 311.
2) (2) الرسائل التسع: 120.
3) (3) لیس فی بعض النسخ: " و ".
4) (4) الفقیه 1: 355.
5) (5) المبسوط 1: 75.
6) (6) تقدم فی الصفحة 312.
7) (7) رسالة السید ابن طاووس: 342 و 343 والبحار 88: 330.
8) (8) لم نقف علیهما فی الکافی نعم نقل ما یدل علی المطلب انظر الکافی 3: 292.
9) (9) التهذیب 2: 270، الباب 13 من أبواب المواقیت، الحدیث 1076 و 1077.
10) (10) الإستبصار 1: 288، الباب 157، الحدیث 1053 و 1054.
بابویه فی الفقیه (1)وقد أودع فیه ما یعتقد أنه حجة فیما بینه وبین ربه (2)(انتهی).
مرسلة الوشاء
ومنها: مرسلة الوشاء عن جمیل بن دراج، عن أبی عبد الله علیه السلام: (قال
قلت: الرجل یفوته الأولی والعصر والمغرب وذکرها عند العشاء الآخرة. قال:
یبدأ بالوقت الذی هو فیه، فإنه لا یأمن الموت، فیکون قد ترک صلاة فریضة فی
وقت قد دخلت، ثم یقضی ما فاته، الأولی فالأولی) (3).
وعن المحقق فی المعبر (4)روایته عن جمیل (5)، فلعله أخذه من کتابه.
ووجه الدلالة أن المراد من تذکرة المنسی عند العشاء، إما تذکرة عند دخول
مطلق وقته، وإما بذهاب الحمرة المغربیة - بناء علی القول بأنه آخر وقت المغرب
کما هو مذهب جماعة (6)- وإما زمان تمحض الوقت له، وهو ما بعد ثلث اللیل أو
ربعه - بناء علی انتهاء المغرب بذلک وبقاء العشاء إلی نصف اللیل - وعلی أی
حال فقد دلت الروایة علی رجحان تقدیم الحاضرة علی الفائتة، والتعلیل المذکور
أمارة الاستحباب.
ولو أبیت إلا عن کون وقت العشاء قبل تضیقه وقتا للمغرب أیضا - علی
ما هو المشهور بین المتأخرین - أمکن حمل قوله: (بدأ (7)بالوقت الذی هو فیه)
علی المغرب والعشاء، فیکون المراد نسیان المغرب فی أول وقته لا مطلقا، ویحتمل
أیضا إرادة مغرب اللیلة السابقة.
ویحتمل أیضا أن یکون قد وقع ذکره علی سبیل السهو من السائل فی
مقام ذکر المثال للفوائت، کما جمع فی السؤال عن تداخل الأغسال بین غسل
العید وعرفة والجمعة (1)
962، الباب 31 من أبواب الأغسال المسنونة، وحملها المفید رحمه الله علی قضاء غسل عرفه کما
فی الجواهر 5: 66.
.وإن أبیت إلا عن کون الکل مخالفا للظاهر، قلنا: إن عدم مناسبة ذکر
المغرب لظاهر السؤال لا یوجب سقوط الجواب عن قابلیة الاستدلال، فإن
ظهور الروایة فی تقدیم العشاء الحاضرة علی قضاء الظهرین مما لا ینبغی إنکاره،
وهو کافی فی إثبات المواسعة المطلقة خصوصا بملاحظة التعلیل المذکور فیها.
موثقة عمار
ومنها: موثقة عمار: (قال: سألته عن رجل یفوته المغرب حتی یحضر
العتمة؟ فقال: إذا حضر العتمة وذکر أن علیه صلاة المغرب، فإن أحب أن
یبتدئ بالمغرب بدأ، وإن أحب بدأ بالعتمة ثم صلی المغرب بعد... الخبر) (2).
بناء علی أن المراد: مغرب اللیلة السابقة، أو علی القول المتقدم من انتهاء
وقت المغرب بدخول وقت العشاء، ودلالته حینئذ علی جواز تقدیم الحاضرة
واضحة.
ولا ینافیه الحکم باستحباب تقدیم الحاضرة، ولا استحباب تقدیم الفائتة.
لامکان حمل التخییر فیه علی إرادة دفع توهم تعین أحد الأمرین.
روایة العیص
ومنها: ما عن السید ابن طاووس فی رسالة المواسعة عن کتاب الحسین
ابن سعید، عن صفوان، عن العیص ابن القاسم: (قال سألت أبا عبد الله علیه السلام
عن رجل نسی أو نام عن الصلاة حتی دخل وقت صلاة أخری؟ فقال: إن کانت
1) (1) لم نقف علی ما یشتمل علی الجمع فی کلام السائل ولعل نظره قدس سره ما رواه فی الوسائل 2:
صلاة الأولی فلیبدأ بها، وإن کانت صلاة العصر صلی العشاء ثم صلی العصر) (1).
بناء علی أن المراد بصلاة الأولی هی مطلق الصلاة التی بعدها صلاة،
فتعم المغرب، ویکون المراد بوقت الصلاة الأخری: وقتها الذی هو وقت
اضطراری للأولی، فیکون حاصل الجواب: أن الصلاة الأولی مع بقاء وقتها
الاضطراری یقدم علی الصلاة الأخری، وأما مع فوات وقتها مطلقا فیقدم علیها
الحاضرة.
الاحتمالات فی روایة العیص
ویمکن أن یراد من الصلاة الأولی صلاة الظهر، لشیوع إطلاقها
علیها فی الأخبار، وکونها أول صلاة صلاها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لکن
تخصیصه بالذکر من باب المثال، فیعم الحکم المغرب أیضا.
ویحتمل أن یراد ب (الأولی) خصوص الظهر، فیکون وجه تقدیم الظهر
المنسیة علی العصر أنه: (لا صلاة بعد العصر) (2)
الوسائل 3: 213 الباب 63 من أبواب المواقیت الحدیث 5.
.وفی الروایة احتمالات أخر باعتبار رجوع کل من الضمیر فی قوله: (وإن
کانت) وقوله: (فلیبدأ بها) إلی کل من الحاضرة والمنسیة، إلا أن الأظهر ما ذکرنا،
مع أن دلالتها علی تقدیم العشاء الحاضرة علی العصر المنسی واضحة علی کل
حال.
روایة علی بن جعفر فی قرب الإسناد
ومنها: المرویة عن قرب الإسناد عن علی بن جعفر، عن أخیه علیه السلام:
(قال: وسألته عن رجل نسی المغرب حتی دخل وقت العشاء الآخرة؟ قال:
یصلی العشاء ثم یصلی المغرب. وسأله عن رجل نسی العشاء فذکر بعد طلوع
الفجر؟ قال: یصلی العشاء ثم یصلی الفجر. وسأله عن رجل نسی الفجر حتی
حضرت الظهر. قال: یبدأ بالظهر ثم یصلی الفجر، کذلک کل صلاة بعدها
صلاة) (1)
و 9.
.فإن صدرها وذیلها کالصریح فی جواز تقدیم الحاضرة علی الفائتة. وأما
الحکم فیها بتقدیم العشاء المنسیة علی الفجر فعلی وجه الأولویة، کالحکم بتقدیم
الحاضرة فی الصورتین، لما ذکر من الضابط فی ذیلها.
الایراد علیها
لکن یرد علیها: أن ظاهرها فوات وقت المغرب للناسی مع سعة وقت
العشاء، وهو خلاف المشهور والأدلة (2)
أبواب المواقیت، الحدیث 24.
، وإرادة آخر وقت العشاء یوجب الحکمبوجوب تقدیم العشاء.
هذا مع أن الضابط المذکور لا یخلو من إجمال، لأن المشبه به المشار إلیه
بقوله: (کذلک کل صلاة بعدها صلاة) یحتمل أن یکون الفائتة، ویحتمل أن یکون
الحاضرة، ووجه الشبه إما الحکم بالتقدیم وإما الحکم بالتأخیر، والمراد من ثبوت
صلاة بعدها إما مشروعیة صلاة بعدها - ولو نفلا - (3)وإما وجوب فریضة بعدها.
روایة الصیقل
نعم فی بعض الأخبار ما یبین المراد منها، وهو ما عن الشیخ بإسناده عن
الحسن الصیقل: (قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل نسی الأولی حتی
صلی رکعتین من العصر؟ قال: فلیجعلهما (4)الأولی ولیستأنف العصر. قلت: فإنه
نسی المغرب حتی صلی رکعتین من العشاء ثم ذکر؟ قال: فلیتم صلاته ثم لیقض
بعد المغرب. قال: قلت له: جعلت فداک، قلت حین نسی الظهر ثم ذکر وهو فی
1) (1) قرب الإسناد: 91 والوسائل 5: 349، الباب الأول من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 7 و 8
2) (2) راجع الوسائل 3: 115، الباب 10 من أبواب المواقیت، الحدیث 4 و: 132، الباب 16، من
3) (3) فی " ن " و " ع " و " د ": ولو نفلا لها.
4) (4) فی " ع " و " ن " و " ص " و " ش ": فلیجمعهما، وفی التهذیب والوسائل: فلیجعلها.
العصر یجعلها الأولی ثم یستأنف. وقلت: هذا یتم صلاته ثم لیقض بعد المغرب؟!
قال: هذا لیس مثل ذلک إن العصر لیس بعدها صلاة، والعشاء بعدها صلاة) (1)
المواقیت، الحدیث 5.
.روایة دعائم الاسلام
وفی معناها ما عن دعائم الاسلام بزیادة قوله: (إن العصر لیس بعدها
صلاة، یعنی لا یتنفل بعدها، والعشاء الآخرة یصلی بعدها ما یشاء) (2).
وهذا التفصیل محمول علی الأولویة بشهادة التعلیل - فإن قضاء الصلاة
بعد العصر جائز إجماعا - أو علی التقیة، ففیه دلالة علی المواسعة وتفسیر لما سبق
من التفصیل فی روایة علی بن جعفر المتقدمة (3)، إلا أن ظاهره متروک عندنا
صلاة العصر من وقتها -، وحینئذ ففی غیر ذلک الوقت یجب العدول، وفیه یحرم،
فلا مورد للاستحباب، وهکذا الحکم المذکور للمغرب، فافهم.
روایة إسماعیل بن هشام
ومنها: ما عن الشیخ، عن إسماعیل بن هشام، عن أبی الحسن علیه السلام:
(عن الرجل یؤخر الظهر حتی یدخل وقت العصر، إنه یبدأ بالعصر ثم یصلی
الظهر) (4)
والوسائل 3: 94، الباب 4 من أبواب المواقیت، الحدیث 17 وفی جمیع النسخ " إسماعیل ابن
هشام "، لکن فی التهذیب والاستبصار والوسائل: إسماعیل بن همام، والظاهر أنه الصحیح.
.وفیه ما تقدم من أنه لا یناسب ما هو المعروف من عدم خروج وقت
الظهر إلا إذا بقی مقدار الصلاة العصر.
روایة إسحاق بن عمار
ومنها: منها ما عن الصدوق والشیخ باسنادهما عن إسحاق بن عمار (قال:
قلت لأبی عبد الله علیه السلام: (تقام الصلاة وقد صلیت؟ قال: صلها واجعلها لما
فات) (1)
صلاة الجماعة، الحدیث الأول. وانظر الفقیه 1: 407، الحدیث 1215.
.ودعوی اختصاص الصلاة التی صلاها أولا بصورة نسیان وجوب
القضاء، بعیدة، نعم ظاهر الروایة الاستحباب، فیمکن حملها علی محتمل
الفوات.
الطائفة الثالثة من الأخبار ما دل علی جواز النفل أداء وقضاء
ما استفاض من قصة نوم النبی صلی الله علیه وآله
فمن جملة ذلک: ما استفاض من قصة نوم النبی صلی الله علیه وآله عن
صلاة الصبح حتی طلعت الشمس، فقام فصلی هو وأصحابه أولا نافلة الفجر ثم
صلی الصبح (2)
أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 2.
.ولا إشکال فی سندها ودلالتها إلا من جهة تضمنها نوم النبی صلی الله علیه
وآله وسلم، بل فی بعضها ما یدل علی صدور السهو أیضا منه علیه السلام علی ما یقوله
الصدوق (3)تبعا لشیخه ابن الولید، بل عن ظاهر الطبرسی فی تفسیر قوله تعالی:
(وإذا رأیت الذین یخوضون فی آیاتنا) (4)نسبة ذلک إلی الإمامیة فی غیر ما
یؤدونه عن الله (5).
لکن الظاهر شذوذ هذا القول ومهجوریته، خصوصا فیما یتعلق بفعل
المحرمات وترک الواجبات.
نعم قال فی الذکری - بعد ذکر روایة زرارة الدالة علی نوم النبی صلی الله
علیه وآله وسلم -: إنه لم نقف علی راد لهذا الخبر من حیث توهم القدح بالعصمة
فیه (1).
وظاهره أن قدح مضمونها فی العصمة توهم مخالف لما علیه الأصحاب ممن
تعرض لذکر هذه الروایات.
کلام المفید فی نوم النبی صلی الله علیه وآله
ویؤیده ما ذکره ما عن رسالة نفی السهو للمفید قدس سره أنه قال: لسنا ننکر
أن یغلب النوم علی الأنبیاء صلی الله علیهم فی أوقات الصلاة حتی یخرج الوقت
فیقضوها بعد ذلک، ولیس علیهم فی ذلک غیب ولا نقص (2)، لأنه لیس ینفک بشر
من غلبة النوم، ولأن النائم لا عیب علیه، ولیس کذلک السهو، لأن نقص عن
الکمال فی الانسان، وهو عیب یخص به من اعتراه، وقد یکون من فعل الساهی
تارة کما یکون من فعل غیره، والنوم لا یکون إلا من فعل الله ولیس من مقدور
العباد علی حال، ولو کان من مقدورهم لم یتعلق عیب ولا نقص لصاحبه،
لعمومه (3)جمیع البشر، ولیس کذلک السهو، لأنه یمکن التحرز منه، ولأنا وجدنا
الحکماء یجتنبون أن یودعوا أموالهم وأسرارهم من ذوی السهو والنسیان ولا
یمنعون من إیداعها ممن یغلبه النوم أحیانا، کما لا یمنعون من إیداعها ممن
ونومه صلی الله علیه وآله عن الصلاة).
(انتهی موضع الحاجة).کلام الشیخ البهائی فی نوم النبی صلی الله علیه وآله
وعن شیخنا البهائی - فی بعض أجوبة المسائل - ما لفظه: (الروایة
المتضمنة لنوم النبی صلی الله علیه وآله صحیحة السند، وقد تلقاه الأصحاب
بالقبول، حتی قال شیخنا فی الذکری: إنه لم یجد لها رادا، فقبول من عدا
الصدوق من الأصحاب لها، شاهد صدق علی أنهم لا یعدون فوات الصلاة بالنوم
سهوا، وإلا لردوها کما ردوا غیرها مما هو صریح فی نسبة السهو، ومن شدة
وثوقهم بها استنبطوا منها أحکاما کثیرة ذکرتها فی حبل المتین. منها: قضاء النافلة،
ومنها: جواز النافلة لمن علیه فریضة (1)(انتهی).
کلام والد الشیخ البهائی
وعن والده فی رسالة مفردة منسوبة إلیه: إن الأصحاب تلقوا أخبار نوم
النبی صلی الله علیه وآله بالقبول (2)(انتهی).
وحینئذ نقول: إنه لو لم نقل من جهة کثرة هذه الأخبار بجواز صدور
ذلک عن النبی صلی الله علیه وآله - وفاقا لظاهر من عرفت - لم یثبت بالعقل ولا
بالنقل امتناع ذلک علیه، فلا یجوز رد الاستدلال بالأخبار بما لم یثبت امتناعه
عقلا ولا نقلا ولا ادعی أحد امتناعه.
کلام العلامة
نعم حکی عن العلامة أنه قال: - بعد ذکر بعض الأخبار فی ذلک -: إن
حدیثهم باطل، لاستحالة صدور ذلک عن النبی صلی الله علیه وآله (3).
وعن رسالة نفی السهو المتقدمة (4)- بعد الاعتراف بعدم امتناعه عقلا
علی ما عرفت - ذکر أن الخبر فی هذا المعنی من جنس الخبر فی السهو وأنه من
الآحاد التی لا توجب علما ولا عملا.
کلام ابن طاووس
وعن السید ابن طاووس أنه - بعد ما ذکر عن بعض طرق العامة أن
رسول الله صلی الله علیه وآله نام هو وأصحابه آخر اللیل إلی أن طلعت الشمس،
فأول من استیقظ أبو بکر ثم عمر، فکبر عمر تکبیرا عالیا فأیقظ رسول الله
صلی الله علیه وآله فأمرهم بالارتحال، وسار غیر بعید، فنزل فصلی الصبح - قال:
(انظر أیها العاقل فی وصفهم لعنایة الله سبحانه نبیهم، وأنه سبحانه لا یصح أن
ینام، وأن جبرئیل علیه السلام ما کان شفقته علی نبیهم دون عنایة عمر حتی کان
یوقظه الله أو جبرئیل، فإذا نظرت إلی روایتهم عن محمد صلی الله علیه وآله أنه تنام
عینه ولا ینام قلبه (1)
میناء عن جابر عن النبی. عن عائشة - فی حدیث -: " فقلت: یا رسول الله تنام قبل أن توتر
قال صلی الله علیه وآله: تنام عینی، ولا ینام قلبی. وعن أنس بن مالک - فی حدیث - والنبی
صلی الله علیه وآله نائمة عیناه ولا ینام قلبه، وکذلک الأنبیاء تنام أعینهم، ولا تنام قلوبهم.
، وتفسیرهم لذلک بأن نومه لا یمنعه عن معرفة الأحوال (2)، ونظرتفی روایاتهم لوجوب قضاء ما فات عقیب ذکره، ثم یذکرون فی هذه الروایة أنه
أخر القضاء إلی بعد الارتحال، فإنه قد نام قلبه حتی لا یحس بخروج الوقت،
فکل ذلک یشهد بالمناقضة فی روایاتهم ومقالاتهم وتکذیب أنفسهم (3)(انتهی).
والانصاف أن نوم النبی صلی الله علیه وآله أو أحد المعصومین صلوات الله علیهم
عن الواجب - سیما آکد الفرائض - نقص علیهم ینفیه ما دل من أخبارهم (4)
علی کمالهم وکمال عنایة الله تعالی بهم فی تبعیدهم من الزلل، بل الظاهر بعد
التأمل أن هذا أنقص من سهو النبی صلی الله علیه وآله عن الرکعتین فی الصلاة.
وما تقدم (5)من صاحب رسالة نفی السهو ممنوع، بل العقل والعقلاء
یشهدون بکون السهو عن الرکعتین فی الصلاة أهون من النوم عن فریضة
الصبح، وأن هذا النائم أحق بالتعییر من ذلک الساهی، بل ذاک لا یستحق
تعییرا. وکون نفس السهو نقصا دون نفس النوم، لا ینافی کون هذا الفرد من
النوم أنقص، لکشفه عن تقصیر صاحبه ولو فی المقدمات.
وبالجملة، فصدور هذا مخالف لما یحصل القطع به من تتبع متفرقات ما
1) (1) البخاری 4: 231 (باب کان النبی صلی الله علیه وآله تنام عینه ولا ینام قلبه) رواه سعید بن
2) (2) کذا فی المصدر، وفی النسخ: معرفة الله.
3) (3) الطرائف: 367 مع اختلاف فی الألفاظ، ونقله التستری فی رسالته.
4) (4) راجع الکافی 1: 198 کتاب الحجة باب نادر جامع فی فضل الإمام وصفاته وغیره من الأبواب.
5) (5) فی الصفحة 320.
ورد فی کمالاتهم وعدم صدور القبائح منهم فعلا وترکا فی الصغر والکبر عمدا أو
خطأ.
ولعله لذا تنظر فی الأخبار (1)بعض المتأخرین - علی ما حکی عنهم - منهم:
شیخنا البهائی (2)بعد اعترافه بأن المستفاد من کلام الشهید المتقدم عن
الذکری: تجویز الأصحاب لذلک (3)
(5) الفقیه 1: 233 أحکام السهو، الحدیث 1031 والبحار 17: 106، الحدیث 17.
وعرفت أیضا ما عن المنتهی وغیره (4).اللهم إلا أن یقال بإمکان سقوط أداء الصلاة عنه صلی الله علیه وآله فی ذلک
الوقت لمصلحة علمها الله سبحانه، فإن اشتراکه صلی الله علیه وآله مع غیره فی هذا
التکلیف الخاص لیس الدلیل علیه أوضح من الأخبار المذکورة حتی یوجب
طرحها، خصوصا بملاحظة بعض القرائن الواردة فی تلک الأخبار، منها: قوله
علیه السلام - فی روایة سعید الأعرج -: (إن الله تعالی أنام رسول الله صلی الله علیه وآله
إلی أن قال: وأسهاه فی صلاته فسلم فی الرکعتین.... إلی أن قال: وإنما فعل ذلک
رحمة لهذه الأمة، لئلا یعیر الرجل المسلم إذا هو نام علی صلاته أو سها
... الخبر) (5) فتأمل.
وقوله صلی الله علیه وآله لأصحابه مخاطبا لهم: (نمتم بوادی الشیطان) (4).
ولم یقل نمنا، فعلم أن النوم کان زللا منهم لا منه صلی الله علیه وآله.
ثم إن دلالة الأخبار المذکورة - بعد تسلیمها - کغیرها من الأخبار
المتضمنة لجواز النفل لمن علیه قضاء، علی نفی المضایقة وفوریة القضاء.
وأما دلالتها علی نفی الترتیب فهی مبنیة علی عدم المدرک له إلا الفوریة
أو انعقاد الاجماع المرکب علی أن کل من قال بالمواسعة لم یقل بالترتیب،
وکلاهما ممنوعات.
الرابع من حجج القول بالمواسعة: الاجماعات المنقولة.
إجماع الجعفی
منها: ما تقدم عن الجعفی من نسبة ما یذکره فی کتابه الفاخر إلی المجمع
علیه (1).
إجماع المعتبر
ومنها: ما عن المعتبر من أن القول بالمضایقة یلزم منه منع من علیه
صلوات کثیرة أن یأکل وأن ینام زائدا علی الضرورة، ولا یشتغل إلا لاکتساب
قوت یومه له ولعیاله، وأنه کان له درهم حرم علیه الاکتساب حتی یخلو یده،
والتزام ذلک مکابرة صرفة والتزام سوفسطائی. ثم قال: ولو قیل: قد أشار
أبو الصلاح الحلبی إلی ذلک، قلنا (2): نعلم من المسلمین کافة خلاف ما ذکرنا، فإن
أکثر الناس یکون علیهم صلوات کثیرة فإذا صلی الانسان منهم شهرین فی یومه
استکثره الناس (3)(انتهی).
إجماع المختلف
وعن المختلف ما محصله: أن القول بتحریم الحاضرة فی أول وقتها مع
القول بجواز غیرها من الأفعال مما لا یجتمعان، والثانی ثابت بالاجماع علی عدم
إفتاء أحد من فقهاء الأمصار فی جمیع الأعصار بتحریم زیاد لقمة أو شرب
جرعة، أو طلب الاستراحة من غیر نصب شدید، أو المنع من فعل العبادات
الواجبة، والمندوبة لمن علیه قضاء، فیلزم انتفاء الأول (1)(انتهی).
الجواب عن هذه الاجماعات
والجواب عن هذه الحجة: أنه إن أرید دعوی إجماع العلماء فهو واضح
المنع، مع ما عرفت من کثرة القائلین بالمضایقة من القدماء ودعواهم الاجماع.
وعبارة الجعفی یمکن حملها علی أن ما ذکر فی کتابه مضمون الروایات
المجمع علیها، بل یمکن دعوی ظهور قوله: (لا نذکر فیه إلا ما أجمع علیه وصح
من قول الأئمة علیهم السلام) فیما ذکرنا، فإن کلمة (من) بیان للموصول.
وأما کلام المحقق فمرجعها (2)إلی دعوی (3)سیرة المسلمین، وهی غیر
معلومة علی وجه یجدی فی المقام، مع احتمال کونها ناشئة عن قلة مبالاتهم فی
الدین، ولذا تراهم یشتغلون بما ذکر من المباحات مع اشتغال ذممهم بحقوق من
یطالبهم مستعجلا - ولو بشاهد الحال، کمستحقی الصدقات الواجبة - ومع
اشتغال ذممهم بحقوق الله الفوریة، کتعلم العلم واکتساب الأخلاق الجمیلة ودفع
الأخلاق الرذیلة، وتراهم یعاملون - بیعا وشراء - مع الأطفال الغیر الممیزة
والمجانین، ولا یجتنبون عن النظر إلی غیر المحارم زائدا علی الوجه والکفین،
کالشعر والزند والرجل إلی غیر ذلک مما یطول الکلام بذکره.
هذا مع أن استلزام المضایقة لتحریم الأمور المذکورة محل کلام فی
الأصول بین أعاظم الفحول، فلعل السیرة المذکورة دلیل علی عدم الاستلزام،
کما تمسک بها بعض الأعلام فی هذا المقام.
ومنه یظهر ما فی دعوی العلامة فی المختلف.
مضافا إلی أن نفی القول من فقهاء الأمصار بحرمة ما ذکر مع اعترافه
قدس سره (1)بذهاب السید وجماعة إلی الحرمة کما تری.
وبالجملة فالتمسک بالاجماع والسیرة فی هذا المقام لیس إلا لتکثیر
الأدلة، مع أنه لا ینفی الترتیب إلا إذا کان منوطا بالفوریة ومبنیا علیها.
1) (1) انظر المختلف: 144.
الخامس من حجج القائلین بالمواسعة: لزوم الحرج العظیم، الذی یشهد
بنفیه الأدلة الثلاثة، بل الأربعة.
الایراد علیه
ویرد علیه أن الحرج لا یلزم إلا مع کثرة الفوائت، وحینئذ فإن کان لزومه
علی وجه یرتفع به التکلیف حکم بمقتضاه، کما یحکم القائل بالمواسعة عند ظن
طرو العجز، وکما یحکم بسقوط القیام فی الصلاة عند تعسره فلا یتعدی إلی صورة
عدم لزوم الحرج، لقلة الفوائت.
ولیس المقام مما یقضی لزوم الحرج بتشریع المواسعة فی جمیع الأفراد حتی
مع عدم الحرج، بأن یکون لزوم الحرج مؤسسا للحکم، لأن ذلک إنما هو فیما کان
العسر فی أغلب الموارد فیتبعها النادر، کما فی تشریع القصر فی السفر للحرج،
وتشریع طهارة الحدید، وغیر ذلک، ولیس کذلک ما نحن فیه قطعا (1).
فاندفع ما یقال: إن غرض المستدل أن المشقة النوعیة الثابتة فی فوریة
القضاء یقتضی - بحسب الحکمة المرعیة فی الشریعة السمحة السهلة - نفیها
مطلقا، وإن انتفت المشقة الشخصیة فی ثبوتها فی بعض الأحیان.
هذا مع إمکان معارضته بأن حکمة عدم وقوع المکلف فی تهلکة (2)بقائه
مشغول الذمة بالفوائت بعد الموت، اقتضت ایجاب المبادرة إلیها إذ قلما اتفق
للمکلف أن یکون علیه فوائت کثیرة لم یبادر إلیها فی السعة إلا وقد مات مشغول
الذمة بها أو بأکثرها.
وکیف کان، فهذا الدلیل - فی الضعف - کسابقه، إلا أنه ینفی الترتیب
أیضا ولو لم ینشأ من المضایقة، لأن مقتضاه وجوب الاشتغال بالفوائت تحصیلا
للترتیب بین الحاضرة وبین ما یمکن تقدیمه علیها من الفوائت، بل لو لم یشتغل
بها أیضا کان فی نفس تأخیر الحاضرة حرج من جهة ضبط أواخر الأوقات
بالساعات والعلامات إلا إذا قلنا بأن الواجب تأخیر الحاضرة عن مجموع
الفوائت، لا عن کل فائتة حتی یجب الاشتغال بها مهما أمکن، فافهم.
والحاصل: أن لزوم العسر علی من کثر علیه الفوائت مسلم، سواء قلنا
بالمضایقة أم قلنا بلزوم الترتیب من دون المضایقة، لکن الحکم بنفیهما (1)عموما
حتی فی مورد عدم الحرج یحتاج إلی دلیل آخر. والتمسک بالاجماع المرکب فی
غیر موضعه، لأن الفصل فی الأحکام التکلیفیة بین موارد الحرج وغیرها، لکثرة
وقوعه فی الشریعة لا یعلم مخالفته فی هذه المسألة لقول الإمام علیه السلام، وإن کان
القطع به فی بعض الموارد ممکنا (2)، إلا أن غلبة الفصل بین الموردین فی المسائل مما
یمنع القطع غالبا، فافهم، فإنه نافع فی کثیر من الموارد.
وهذا خلاصة أدلة القول بالمواسعة، وقد عرفت ضعف أکثرها، مع عدم
الدلالة علی الترتیب خصوصا فیما عدا فوائت الیوم.
وأما ما یمکن أن یستدل به للقول بالمضایقة فوجوه:
الأول أصالة الاحتیاط
والمراد به: أصالة الاحتیاط، إما من حیث الفوریة، لتیقن عدم المؤاخذة
اتفاق طرو العجز -.
وإما من حیث تیقن امتثال الحاضرة علی تقدیر تأخیرها عن الفائتة أو
إیقاعها فی ضیق الوقت والشک فی الامتثال لو قدمها علی الفائتة.
الجواب علیها
والجواب عنه: عدم وجوب الاحتیاط لا من جهة الفوریة ولا من جهة
الترتیب، لما تقرر فی محله من دلالة العقل والنقل علی عدم المؤاخذة عما لم یعلم
کونه منشأ لها، سواء کان الشک فی التکلیف الأصلی أم کان فی التکلیف المقدمی،
کالجزء، والشرط.
ثم إنه لو قلنا بأصالة الاحتیاط فی الوجوب المقدمی من قبیل الجزء،
والشرط - علی ما هو مذهب جماعة (1)
أنه لم أعثر فی کلمات من تقدم علی المحقق السبزواری علی من یلتزم بوجوب الاحتیاط فی
الأجزاء والشرائط، وإن کان فیهم من یختلف کلامه فی ذلک کالسید والشیخ... الخ.
، وقد کنا نقویه سابقا بدعوی اختصاص1) (1) قال المصنف قدس سره فی فرائد الأصول: 460 - المسألة الأولی فی الأقل والأکثر -: بل الانصاف
أدلة البراءة - عقلا ونقلا - بالشک فی التکلیف المستقل، کوجوب الدعاء عند
رؤیة الهلال أو غسل الجمعة، لکن وجوب الاحتیاط فی التکلیف الوجوبی
المستقل مما لم یقل به أحد من المجتهدین والأخباریین علی ما ادعاه بعض
الأخباریین من اختصاص الخلاف بین الأخباریین والمجتهدین فی وجوب
الاحتیاط وعدم بغیر هذه الصورة من صور الشبهة فی الحکم الشرعی.
وعلی هذا فوجوب الاحتیاط من جهة الفوریة ووجوب المبادرة إلی
القضاء لمجرد احتمال العقاب علی التأخیر مما لم یقل به أحد.
وأما أصالة الاحتیاط من جهة الشک فی اعتبار الترتیب - علی ما هو
مذهب جماعة فی الشک فی الشرطیة والجزئیة - فهی أیضا غیر جاریة فی المقام وإن
قلنا بجریانها فی غیره، لأن الترتیب مسبب عن الشک لزوم المبادرة، وإذا کان المرجع
عند الشک فی لزوم المبادرة أصالة البراءة عنه بالاتفاق علی ما ذکر لم یجب
الاحتیاط عند الشک فی اعتبار الترتیب.
حکومة أصالة البراءة علی أصالة الاشتغال
بل المرجع إلی أصالة البراءة التی هی الأصل فی الشک، الذی صار منشأ
لهذا الشک، لما تقرر فی محله من أن أحد الأصلین إذا کان الشک فی مجراه سببا
للشک فی مجری الآخر، فهو حاکم علی صاحبه، ولا یلتفت إلی صاحبه، ولذا لو
شککنا فی وجوب تقدیم إخراج النجاسة الغیر الملوثة منه لم یکن هناک موضع إجراء
أصالة الاشتغال باتفاق من القائلین بجریانها عند الشک فی اعتبار الشئ فی
العبادة المأمور بها.
والحاصل أن أصالة البراءة حاکمة علی أصالة الاشتغال، مع کون الشک
فی مجری الثانیة مسببا عن الشک فی مجری الأولی، وهذا هو الضابط فی کل
أصلین متعارضین، سواء کانا من جنس واحد، کاستصحابین أو من جنسین، کما
فیما نحن فیه.
والظاهر أن تقدیم البراءة علی الاحتیاط - فی مثل ما نحن فیه - مما اتفق
علیه الموجبون للاحتیاط، وإن اختلفوا فی الاستصحابین المتعارضین إذا کانا من
هذا القبیل.
ثم إن ما نحن فیه لیس من الشک فی شرطیة شئ لعبادة أو جزئیته لها،
بل الشک فی صحة العبادة لأجل الشک فی ثبوت تکلیف آخر أهم منه، فإذا انتفی
بأصالة البراءة فلا مسرح للاحتیاط الواجب، فافهم واغتنم.
واعلم أن جمیع ما ذکرنا إنما هو علی تقدیر تسلیم الصغری، وهی أن
الاحتیاط فی تقدیم الفائتة، وأما لو أخذنا بظواهر العبائر المحکیة عن جماعة من
القدماء (1)کظاهر بعض الأخبار من وجوب تقدیم الحاضرة وإن کانت موسعة (2).
أو لا حظنا قول جماعة کثیرة بثبوت الوقت الاضطراری (3)فلا احتیاط فی المقام.
الثانی إطلاق أوامر القضاء
، بناء علی کونها للفور إما لغة - کما عن
الشیخ وجماعة (4)
الشیخ وجماعة.
-، وإما شرعا - کما عن السید، مدعیا إجماع الصحابةوالتابعین علیه (5)
المرتضی وابن زهرة: الاجماع علی أن الأمر للفور.
، وإما عرفا - کما یظهر عن بعض أدلة بعض المتأخرین -.والجواب: منع کونه للفور، لا لغة ولا شرعا ولا عرفا.
الثالث ما دل علی وجوب المبادرة إلی القضاء
، فمن ذلک قوله تعالی:
(أقم الصلاة لذکری) (6)فعن الطبرسی - بعد ذکر جملة من معانیه - وقیل:
1) (1) تقدم 261.
2) (2) الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقیت، الحدیث 3، 4، 6.
3) (3) راجع مفتاح الکرامة 2: 14.
4) (4) راجع الفصول الغرویة: 75 ومفاتیح الأصول: 121 ونسبه العلامة التستری فی رسالته إلی
5) (5) الذریعة إلی أصول الشریعة 1: 53، وقال فی مفاتیح الأصول 122: ومنها دعوی السیدین
6) (6) طه: 20، 14.
معناه أقم الصلاة متی ذکرت أن علیک صلاة، کنت فی وقتها أم لم تکن - عن
أکثر المفسرین - وهو المروی عن أبی جعفر علیه السلام (1). وعن القمی: إذا نسیت
صلاة ثم ذکرتها، فصلها (2).
کلام المؤلف
وفی الذکری: (قال کثر من المفسرین: إنه فی الفائتة، لقول النبی
صلی الله علیه وآله من نام عن صلاة أو نسیها فلیصلها إذا ذکرها، إن الله تعالی
یقول: (أقم الصلاة لذکری). وفی روایة زرارة عن أبی جعفر علیه السلام أنه قال:
(إذا فاتتک صلاة ذکرتها فی وقت أخری، فإن کنت تعلم أنک صلیت التی فاتتک،
کنت من الأخری فی وقت فابدأ بالتی إن فاتتک إن الله عز وجل یقول: (وأقم الصلاة
لذکری) (3)
من أبواب المواقیت، الحدیث 2. والآیة فی سورة طه: 20، 14.
. (انتهی).ومثلها - فی تفسیر الآیة -: صحیحة أخری لزرارة الواردة فی حکایة نوم
النبی صلی الله علیه وآله، وفیها قوله علیه السلام: (من نسی شیئا من الصلاة فلیصلها
إذا ذکرها، إن الله تعالی یقول: (وأقم الصلاة لذکری)) (4).
الأخبار الدالة علی الأمر بالقضاء عند ذکره
ومنها: الأخبار الدالة علی الأمر بالقضاء عند ذکره، مثل ما تقدم فی
تفسیر الآیة، ومثل ما عن السرائر (5)فی الخبر المجمع علیه بین جمیع الأمة: (من
نام عن صلاة أو نسیها فوقتها حین یذکرها)) (6)
ذکرها وسنن الترمذی 1: 334 - 335 وصحیح مسلم بشرح النووی 5:
181، باب قضاء الفائتة، واستحباب تعجیله، وسنن البیهقی 2: 219.
.1) (1) مجمع البیان 4: 6 والروایة المذکورة ستأتی فی ذیل کلام الشهید رحمه الله فی الذکری.
2) (2) تفسیر القمی 2: 60.
3) (3) الذکری: 132، وانظر المستدرک 6: 430، الحدیث 7156 والوسائل 3: 209، الباب 62
4) (4) الوسائل 3: 207، الباب 61 من أبواب المواقیت، الحدیث 6.
5) (5) السرائر 1: 321.
6) (6) عوالی اللآلی 1: 201، وانظر صحیح البخاری 1: 154، باب من نسی صلاة فلیصل إذا
ومثل روایة حماد، عن نعمان الرازی: (قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن
رجل فاته شئ من الصلوات فذکرها عند طلوع الشمس وعند غروبها؟ قال:
فلیصلها عند ذکرها)) (1)
الحدیث 16. وفیهما: فلیصل حین ذکره.
.وروایة یعقوب بن شعیب: (عن الرجل ینام عن الغداة حتی تبزغ
الشمس، أیصلی حین یستیقظ، أو ینتظر حتی تنبسط الشمس؟ قال: یصلی حین
یستیقظ) (2)، إلی غیر ذلک مما هو بهذا المضمون (3).
ومثل ما دل من الأخبار (4)علی أن عدة صلوات یصلین علی کل حال، منها:
صلاة فاتتک تقضی حین تذکر.
وتقریب الاستدلال بالآیة والروایات: أن توقیت فعل الصلاة بوقت
الذکر ظاهر فی وجوب إیقاعها فی ذلک الوقت، فهو وقت للواجب، لا لمجرد
الوجوب، کما فی قول القائل: ادخل السوق عند طلوع ا لشمس أو الزوال، أو
إفعل کذا حین قدوم زید، ونحو ذلک.
وحملها علی الاستحباب مخالف لظاهرها خصوصا ظاهر الآیة، حیث
إن قوله تعالی: (أقم الصلاة) (5)عطف علی قوله: (فاعبدنی) الصریح فی
الوجوب، وکذا حملها علی مجرد الإذن فی المبادرة فی مقام رفع توهم الحظر عنها فی
بعض الأوقات التی نهی عن الصلاة فیها تنزیها أو تحریما.
1) (1) التهذیب 2: 171، الحدیث 680، 138، الوسائل 3: 177، الباب 39 من أبواب المواقیت،
2) (2) الوسائل 3: 206، الباب 61 من أبواب المواقیت، الحدیث 4.
3) (3) کروایة حماد عن أبی عبد الله علیه السلام (الوسائل 3: 174 الباب 39 من المواقیت، الحدیث 2).
4) (4) الوسائل 3: 174، الباب 39 من المواقیت.
5) (5) طه: 20، 14.
ما دل علی عدم جواز الاشتغال بغیر القضاء
ومنها: ما دل علی عدم جواز الاشتغال بغیر القضاء، مثل صحیحة أبی
ولاد - الواردة فی حکم المسافر القاصد للمسافة، الرجع عن قصده قبل تمامها -
وفی آخرها: (فإن کنت لم تسر فی یومک الذی خرجت فیه بریدا، فإن علیک أن
تقضی کل صلاة صلیتها بالقصر بتمام، من قبل أن تبرح من مکانک) (1)
1، إلا أن فی التهذیب: تریم من مکانک ذلک، وفی الوسائل: تؤم من مکانک ذلک.
.صحیحة زرارة
وصحیحة زرارة: (عن رجل صلی بغیر طهور أو نسی صلاة أو نام عنها،
قال: یقضیها إذا ذکرها، فی أی ساعة ذکرها من لیل أو نهار، فإذا دخل وقت
صلاة ولم یتم ما فاته فلیقض، ما لم یتخوف أن یذهب وقت هذه الصلاة التی قد
حضرت، وهذه أحق بوقتها، فإذا قضاها فلیصل ما قد فاته مما قد مضی، ولا
یتطوع برکعة حتی یقضی الفریضة کلها) (2).
الجواب عن الآیة
والجواب: أما عن الآیة (3)فبأنه إن أرید إثبات دلالتها بنفسها علی فوریة
القضاء، فدونه خرط القتاد، إذ لا ظهور فیها إلا فی خطاب موسی علیه السلام بإقامة
الصلاة، فإن قوله تعالی: (لذکری) یحتمل أن یکون قیدا لکلا الأمرین، أعنی
قوله: (فاعبدنی) (وأقم الصلاة) خصوصا بعد ملاحظة أن فی نسیان مثل
موسی لصلاة الفریضة بل نومه عنها کلاما تقدم شطر منه فی نوم النبی صلی الله علیه
وآله وسلم (4)و (اللام) فیه یحتمل وجوها، وکذا (الذکر).
وبالجملة، فعدم دلالة الآیة بنفسها علی المدعی بحسب فهمنا مما لا
یحتاج إلی بیان وجوه إجمال الآیة أو بعضها، ولذا لم یحک عن أحد من المفسرین
من تفسیرها (5)بخصوص الفائتة، حتی یمکن حمل الأمر فیها علی الفور.
وإن أرید دلالتها بضمیمة ما ورد فی تفسیرها - من الروایات المتقدمة المستشهد
بها فیها علی وجوب القضاء عند الذکر - منعنا دلالتها، لأن الروایة الأولی
عامیة (1)والصحیحة الآخرة (2)لزرارة (3)مع اشتمالها علی نوم النبی صلی الله علیه وآله
وأصحابه عن منامهم بعد الاستیقاظ، وتقدیم نافلة الفجر، بل الأذان والإقامة.
بل قد تدل مراعاة النبی صلی الله علیه وآله للتجنب عن وادی الشیطان
وعدم تأخیره نافلة الفجر عن فریضتها وعدم ترک الأذان والإقامة علی عدم
استحباب المبادرة إلی القضاء علی وجه یکون له مزیة علی المستحبات المذکورة.
الجواب عن الروایة الأولی لزرارة
وأما الروایة الأولی لزرارة (4)، فلا دلالة فیها إلا علی تقدیر کون الأمر
للفور وقد عرفت منعه سابقا (5)، فهی لا تدل إلا علی الأمر بتقدیم الفائتة
الواحدة علی الحاضرة، وأین هذا من القول بالمضایقة ووجوب المبادرة، وبطلان
الحاضرة لو قدمها علی الفائتة وإن تعددت.
الجواب عن سائر الأخبار
وأما الأخبار - غیر صحیحی أبی ولاد (6)وزرارة (7)- فهی بین مسوق
لبیان أصل وجوب قضاء المتروک لعذر، ومسوق لبیان عدم اختصاص القضاء
بوقت دون وقت فی مقام رفع توهم مرجوحیته فی بعض الأوقات.
مع أنه لو سلم دلالتها علی الفور، فهی بنفسها لا یستلزم (8)الترتیب، إلا
1) (1) تقدم فی الصفحة 332.
2) (2) کذا فی النسخ، والظاهر أن الصحیح: الأخری.
3) (3) الوسائل 3: 207، الباب 61 من أبواب المواقیت، الحدیث 6.
4) (4) الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقیت، الحدیث 2.
5) (5) فی الصفحة 331.
6) (7) الوسائل 5: 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحدیث الأول.
7) (8) الوسائل 5: 350، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 3.
8) (9) کذا فی النسخ.
إذا قلنا باستلزام الأمر بالشئ النهی عن ضده، أو عدم الأمر به، کما أن ما دل
بظاهره علی الترتیب لا یستلزم وجوب المبادرة، کما عرفت سابقا (1).
نعم لو ثبت إجماع مرکب أمکن الاستدلال بما دل علی أحدهما علی
الآخر بضمیمة الاجماع، وهو غیر ثابت.
وبهذا یمکن دفع الاستدلال بالصحیحتین الأخیرتین، أعنی صحیحی أبی
ولاد وزرارة. مع أن دلالة صحیحة أبی ولاد علی المطلب موقوفة علی القول
بوجوب قضاء الصلوات المقصورة إذا بدا له عن السفر قبل إتمام المسافة، وهو
الإعادة علی من رجع عن قصد السفر بعد الصلاة قصرا، فالمتجه حمل الروایة
علی الاستحباب فلا تدل علی وجوب المبادرة.
الجواب عن صحیحة زرارة
وأما صحیحة زرارة (3)فهی - کبعض الأخبار الآتیة (4)عمدة أدلة هذا
القول.
وربما یجاب عنها بأن إطلاق السؤال منها، فیها، یقتضی حمل القضاء - فی
الجواب - علی مطلق الأداء، کما استعمل فیه فی آخر الخبر، فلا یکون الغرض
إلا إیجاب الفعل وقت الذکر.
وهو ضعیف لمخالفته ظاهر السؤال، فضلا عن ظواهر فقرات الجواب،
لأن النوم عن الصلاة، ونسیانها لا یصدق عرفا، بل ولا لغة، إلا إذا نام أو نسی
فی مجموع الوقت.
ویتلوه فی الضعف حمل السؤال علی کونه عن وقت القضاء مع العلم
بأصل وجوبه، فیکون الجواب لبیان الرخصة فی القضاء فی أی ساعة ذکر ولو
فی أوقات یکون فعل الصلاة فیها مطلقا أو فی الجملة مرجوحة، کما إذا دخل
وقت الفریضة، وکما بعد صلاة العصر والفجر.
ویؤیده قوله علیه السلام فی صحیحة أخری لزرارة: (فی أی ساعة ذکرتها ولو
بعد صلاة العصر) (1).
ووجه الضعف: أن دعوی کون السؤال عن وقت القضاء مع الفراغ عن
أصل وجوبه ممنوعة، ومخالفة لظاهر السؤال، کما لا یخفی.
فالأحسن تسلیم ظهور الروایة - بنفسها - فی وجوب المبادرة، وحملها
علی ما ذکرنا: من بیان تعمیم وقت الرخصة، أو علی الاستحباب بمعونة ظهور
بعض ما تقدم من أخبار المواسعة.
وربما یشهد للأول کثرة الأخبار الواردة فی أوقات قضاء النوافل
والفرائض فی مقام السؤال عن تعیین وقت القضاء، ویظهر ذلک لمن لاحظ کتاب
الوسائل فی باب عدم کراهة القضاء فی وقت من الأوقات (2).
ثم لو سلم دلالتها علی المبادرة لم یکن فیه دلالة علی الترتیب، إلا إذا
قلنا بکون الأمر بالشئ مستلزما للنهی عن ضده الخاص، أو لعدم الأمر به، أو
قام إجماع مرکب فی البین وکلاهما ممنوعان.
الرابع ما دل علی الترتیب وتقدیم الفائتة والعدول إلیها
والعدول من الحاضرة إلیها فی الأثناء
مثل صحیحة زرارة، عن أبی جعفر
علیه السلام: (إذا نسیت صلاة أو صلیتها بغیر وضوء أو (3)کان علیک قضاء صلوات،
فابدأ بأولهن وأذن لها وأقم. ثم صلها، وثم صل ما بعدها بإقامة، إقامة لکل
صلاة (1).
وقال: قال أبو جعفر علیه السلام: فإن کنت قد صلیت الظهر وقد فاتتک
الغداة فذکرتها، فصل الغداة فی (2) أی ساعة ذکرتها ولو بعد العصر، ومتی ما
ذکرت صلاة فاتتک صلیتها (2).
وقال: إذا نسیت الظهر حتی صلیت العصر فذکرتها وأنت فی الصلاة، أو بعد
فراغک فانوها الأولی، ثم صلی العصر، فإنما هی أربع مکان أربع.
وإن ذکرت أنک لم تصل الأولی وأنت فی صلاة العصر وقد صلیتها (3)
رکعتین، فانوها الأولی، ثم صل الرکعتین الباقیتین وقم وصل العصر.
وإن کنت قد ذکرت أنک لم تصل العصر حتی دخلت (4)المغرب ولم تخف
فوتها. فصل العصر، ثم صل المغرب.
وإن کنت قد صلیت من المغرب ورکعتین ثم ذکرت العصر فانوها العصر،
ثم قم فأتمها برکعتین، ثم تسلم، ثم تصلی المغرب.
وإن کنت قد صلیت العشاء الآخرة ونسیت المغرب فقم وصل المغرب.
وإن کنت ذکرتها وقد صلیت من العشاء الآخرة رکعتین، أو قمت فی
الثالثة، فانوها المغرب ثم سلم، ثم قم فصل العشاء الآخرة.
وإن کنت قد نسیت العشاء الآخرة حتی صلیت الفجر فصل العشاء
الآخرة.
وإن کنت ذکرتها وأنت فی الرکعة الأولی، أو الرکعة الثانیة من الغداة،
فانوها العشاء، ثم قم فصل الغداة وأذن وأقم.
وإن کانت المغرب والعشاء قد فاتتاک جمیعا، فابدأ بهما قبل أن تصلی (1)
الغداة، ابدأ بالمغرب ثم العشاء.
فإن خشیت أن یفوتک الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب، ثم صل
الغداة. ثم صل العشاء، فإن خشیت أن یفوتک الغداة إن بدأت بالمغرب فصل
الغداة، ثم صل المغرب والعشاء، ابدأ بأولهما، لأنهما میعا قضاء أیهما ذکرت، فلا
تصلهما (2)إلا بعد ذهاب شعاع الشمس.
قلت: لم ذاک (3)؟ قال: " لأنک لست تخاف فوتها " (4)
63 من أبواب المواقیت، الحدیث الأول.
.وروایة صفوان بن یحیی، عن أبی الحسن علیه السلام: " قال: سألته عن رجل
نسی الظهر حتی غربت الشمس وقد کان صلی العصر. قال: قال (5)أبو جعفر
علیه السلام: و (6)کان أبی یقول: إن أمکنه أن یصلیها قبل أن یفوته المغرب بدأ بها،
وإلا صلی المغرب، ثم صلاها " (7)
الحدیث 1073، الوسائل 3: 210، الباب 62 من أبواب المواقیت، الحدیث 7.
.وروایة أبی بصیر: " عن رجل نسی الظهر حتی دخل وقت العصر قال:
1) (1) وفی أکثر النسخ " یصلی ".
2) (2) فی " ص " و " ش " و " ن " و " ع ": تصلها.
3) (3) فی أکثر النسخ: ذلک،
4) (4) الکافی: 3: 291، الحدیث الأول والتهذیب: 3: 158، الحدیث 340، والوسائل 3: 211، الباب
5) (5) کذا فی أکثر النسخ، وفی نسخة " د ": " کان " بدل " قال ".
6) (6) کذا فی أکثر النسخ، وفی نسخة " د ": " أو " بدل " و ".
7) (7) الکافی 3: 293، الحدیث 6 (باب من نام عن الصلاة أو سها عنها)، التهذیب 2: 269،
یبدأ بالظهر، وکذلک الصلوات تبدأ بالتی نسیت إلا أن تخاف أن یخرج وقت
الصلاة فیبدأ بالتی أنت فی وقتها ثم تصلی (1)التی نسیت " (2).
وروایة زرارة - المتقدمة فی تفسیر الآیة - (3).
وروایة البصری: قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل نسی صلاة
حتی دخل وقت صلاة أخری؟ فقال: إذا نسی صلاة أو نام عنها، صلاها حین
یذکرها، فإذا ذکرها وهو فی صلاة بدأ بالتی نسی، وإن ذکرها مع إمام فی صلاة
المغرب أتمها برکعة. ثم صلی المغرب ثم صلی العتمة بعدها... الخبر " (4).
وروایة معمر بن یحیی: " قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل صلی
علی غیر القبلة، ثم تبین له القبلة وقد دخل وقت صلاة أخری؟ قال: یصلیها
قبل أن یصلی هذه التی دخل وقتها، إلا أن یخاف فوت التی دخل وقتها ". (5)
والمحکی (6)عن دعائم الاسلام: " قال: روینا عن جعفر بن محمد علیهما السلام
أنه قال: من فاتته صلاة حتی دخل وقت صلاة أخری، فإن کان فی الوقت سعة
بدأ بالتی فاتت، وصلی التی هو منها فی وقت، وإن لم یکن من الوقت إلا مقدار ما
یصلی التی هو فی وقتها بدأ بها، وقضی بعدها التی فاتت " (7)
والمحکی عن کتاب الأصحاب (8)
147 (قضاء الفوائت) وجامع المقاصد 2: 24، والجواهر 13: 88.
- مرسلا - عن النبی صلی الله علیه وآله أنه1) (1) فی المصدر: تقضی.
2) (2) الوسائل 3: 211، الباب 62، من أبواب المواقیت، الحدیث 8 مع اختلاف یسیر،
3) (3) راجع الصفحة: 332.
4) (4) الوسائل: 3: 212، الباب 63، من أبواب المواقیت، الحدیث 2،
5) (5) التهذیب 2: 46، الحدیث 150، الإستبصار 1: 298، الحدیث 1099.
6) (6) فی غیر " د " فالمحکی.
7) (7) دعائم الاسلام 1: 141، (ذکر مواقیت الصلاة) والمستدرک 6: 428، الحدیث 7147.
8) (8) راجع الخلاف 1: 386، المسألة 139 والمبسوط 1: 127 (حکم قضاء الصلوات) والمختلف 1:
قال: " لا صلاة لمن علیه صلاة " (1)
127.
ولا ریب فی أنه یصدق علی المکلف - قبل تنجزالحاضرة علیه ومشروعیتها له - أنه علیه صلاة، فینفی مشروعیة الحاضرة
تعلقها فی ذمته بمقتضی الروایة، ولا یجوز قلب الاستدلال بها فیما إذا فرض
تذکر الفائتة بعد تنجز الحاضرة علیه کما لا یخفی بأدنی التفات.
والجواب: أما عن صحیحة زرارة الطویلة (2)فبأن مواضع الدلالة فیها
فقرات:
إحداها: قوله علیه السلام: " وإن کنت قد ذکرت أنک لم تصل العصر حتی
دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب... الخبر ".
ولا یخفی - علی المتأمل فیها - ظهورها فی تضیق وقت المغرب وفواتها
بزوال الحمرة، وإلا لم یناسب التفصیل - فی فرض نسیان العصر إلی دخول
المغرب - بین خوف فوات المغرب وعدمه، وحینئذ فلا ینهض الروایة دلیلا علی
المضایقة، بناء علی ما هو المشهور بین المتأخرین من کون زوال الحمرة آخر وقت
الفضیلة دون الاجزاء، فتعین حمل الأمر علی الاستصحاب، وکون إدراک فضیلة
المغرب أولی من المبادرة إلی الفائتة بحکم مفهوم فی قوله: " ولم تخف ".
الثانیة: قوله علیه السلام: وإن کنت قد صلیت من المغرب رکعتین " والظاهر
أن الحکم بالعدول فی هذه الفقرة مقید - کالحکم السابق - بعد خوف فوات
وقت المغرب.
وحاصل الحکمین: أنه إذا لم یخف فوت المغرب قدم العصر ابتداء وعدل
إلیها فی أثناء المغرب، فیکون مفهوم القید فی قوله علیه السلام: " ولم یخف فوتها "
مفیدا (1)لانتفاء الحکمین عند خوف وقت فضیلة المغرب، فیکون الراجح - عند
خوف فوت وقت الفضیلة - تقدیم الحاضرة، وهذا مخالف للقول بالمضایقة، فلا
محیص عن حمل الأمر بالعدول علی الاستحباب.
الثالثة: قوله علیه السلام: " وإن کنت قد ذکرتها - یعنی: العشاء الآخرة -
وأنت فی الرکعة الأولی أو الثانیة من الغداة... الخ ".
والانصاف ظهور دلالة هذه الفقرة - بنفسها - علی وجوب العدول، لکنه
لا ینفع بعد وجوب حمل الأمر بالعدول عن المغرب إلی العصر علی الاستحباب،
إذ یتعین حینئذ - من جهة عدم القول بالفصل - حمل الأمر بالعدول من الفجر
إلی العشاء أیضا علی الاستحباب.
اللهم إلا أن یقال: إن الاستحباب (2)بعید عن السیاق من جهة أن الأمر
فی الصحیحة بالعدول من العصر إلی الظهر، ومن العشاء إلی المغرب للوجوب
قطعا، فرفع الید عن الظهور المتقدم فی وقت المغرب أولی.
الرابعة: قوله علیه السلام: " وإن کانت المغرب والعشاء فاتتاک... إلی قوله:
فابدأ بالمغرب " وحاله کحال الأمر بالعدول عن الغداة إلی العشاء فی حمله علی
الاستحباب بقرینة ما سبق، لعدم القول بالفصل بین تذکر فوات العصر فی آخر
وقت فضیلة المغرب وبین تذکر العشاء فقط، أو مع المغرب فی وقت صلاة الفجر.
وحاصل الجواب عن عن هذه الصحیحة: أن الاستدلال بها مبنیة علی القول
بکون آخر وقت إجزاء المغرب: زوال الحمرة، فإذا لم نقل بهذا سقط الاستدلال
بجمیع الفقرات الأربع، فتأمل.
هذا مع أن قوله علیه السلام فی آخر الروایة (3)تعلیلا لتأخیر القضاء إلی
ذهاب الشعاع ب " أنک لست تخاف فوتها " ظاهر فی عدم فوریة القضاء، فلو تمت
دلالة الفقرات علی الترتیب، فلا یستلزم الفوریة، لمنع الاجماع المرکب.
بل الظاهر أن جمع الإمام علیه السلام فی الحکم بالترتیب بین الحاضرتین وبین
حاضرة وفائتة أمارة علی أن مناط الترتیب فی الکل أمر واحد، فلیس لفوریة
القضاء - لو قلنا بها - دخل فی الترتیب، کما یزعمه أهل المضایقة.
ثم لو سلم الاجماع المرکب کان التعلیل المذکور قرینة أخری علی
استحباب الترتیب، فافهم.
هذا مع أن الخبر مشتمل علی بعض الأحکام المخالفة للاجماع، مثل
العدول عن اللاحقة إلی السابقة بعد الفراغ عنها، ومثل النهی عن القضاء إلا
بعد ذهاب شعاع الشمس.
وبما ذکرنا فی الجواب عن هذه الصحیحة - من ابتناء الاستدلال علی
ضیق وقت المغرب - یجاب عن روایة صفوان بن یحیی (1)، بنظیره یجاب عن
روایة أبی بصیر (2)فإن الظاهر من قوله: " نسی الظهر حتی دخل وقت العصر "
ابتناء الجواب علی تعدد أوقات الظهرین والعشاءین وحینئذ فقوله: " یبدأ بالتی
نسیت إلا أن یخاف أن یخرج وقت الصلاة " خروج الوقت المختص بها، فلو
نسی العصر عند خوف وقت المغرب المغایر لوقت العشاء وجب البدأة بالمغرب
ثم بالعصر، وهذا مما لا نقول به، وحمل وقت العصر علی المقدار الذی یسع الفعل
عن آخر الوقت مخالف للظاهر قطعا.
وأما روایة معمر بن یحیی (3)فالأمر یدور بین تقییدها بصورة الاستدبار
وحملها علی الاستحباب أو حمل الوقت علی ما تقدم فی روایة أبی بصیر.
فلم یبق إلا روایة زرارة (1)الضعیفة بالقاسم بن عروة وروایة البصری (2)
الضعیفة بمعلی بن محمد. وروایة الدعائم (3)المجهولة السند، والنبوی المرسل (4).
والجواب عنها - بعد الاغماض عن سندها وعن سوابقها بعد تسلیم
ظهور دلالتها (أنها معارضة بما تقدم من الأخبار الظاهرة فی عدم اعتبار
الترتیب، بل فی الأمر بتقدیم الحاضرة، وهی أکثر عددا وأصح سندا وأظهر
دلالة، لامکان حمل هذه علی الاستحباب، ولیس فی تلک الأخبار مثل هذا الحمل
فی القرب.
ثم لو سلمنا التکافؤ، فالمرجع إلی الاطلاقات والأصول الدالة علی عدم
اعتبار الترتیب وعدم وجوب المبادرة.
وربما رجح القول بعدم، الترتیب بمخالفته لأکثر الجمهور - علی ما عن
التذکرة (5)وحکی أنه مذهب الأربعة عدا الشافعی، بل له أیضا - بناء علی أن
المحکی عنه - أولویة الترتیب (6)إن لم نقل بوجوبه.
فالأخبار الدالة علی رجحان تقدیم الحاضرة مخالف لفتوی الأربعة.
من أساطین القدماء، کالشیخ
المفید قدس سره حیث حکی عنه أنه قال فی رسالة نفی السهو: إن الخبر المروی
الحق، لأنهم لا یختلفون فی أن من فاتته صلاة فریضة، فعلیه أن یقضیها فی أی
ساعة ذکرها من لیل أو نهار، ما لم یکن ألقت مضیقا لفریضة حاضرة، وإذا کان
یحرم فریضة قد دخل وقتها لیقضی فرضا فإنه کان حظر النوافل علیه أولی، مع
الروایة عن النبی صلی الله علیه وآله أنه " لا صلاة لمن علیه صلاة " مریدا به: لا
نافلة لمن علیه فریضة (1)(انتهی).
وکالشریف أبی الحسین الحسن (2)بن محمد بن ناصر الرسی فی المسألة التاسعة
عشرة من الرسیات التی سئل عنها السید المرتضی قال: (3)إذا کان إجماعنا مستقرا
علی وجوب تقدیم الفائت من فرائض الصلاة علی الحاضر منها إلی آخر ما
ذکره وقد أقره السید علی هذه الدعوی، والشیخ فی الخلاف (4)والسید فی
الغنیة (5)والحلی فی السرائر فی بحث المواقیت (6).
وحکی عنه (7)الشهید فی غایة المراد أنه قال فی رسالته المعمولة فی هذه
المسألة المسماة - (خلاصة الاستدلال): إن ذلک مما أطبقت الإمامیة علیه خلفا
بعد سلف وعصرا بعد عصر وأجمعت علیه، ولا یعتد بخلاف نفر یسیر من
الخراسانیین، فإن ابنی بابویه الأشعریین کسعد بن سعد وسعد بن عبد الله
صاحب کتاب الرحمة، ومحمد بن علی بن محبوب صاحب کتاب نوادر الحکمة،
القمیین أمع ما عاملون بالأخبار المتضمنة للمضایقة، لأنهم ذکروا أنه لا یحل رد
الخبر الموثوق برواته وحفظهم (8)الصدوق ذکر ذلک فی کتاب من لا یحضره
1) (1) راجع البحار 17: 126
2) (2) ما أثبتناه من " د " وفی الذریعة: أبی الحسین المحسن.
3) (3) رسائل الشریف المرتضی المجموعة الثانیة: 363
4) (4) الخلاف 1: 382 کتاب الصلاة، المسألة 139.
5) (5) الغنیة (الجوامع الفقهیة): 500.
6) (6) السرائر 1: 203.
7) (7) فی غیر " د ": حکی عن الشهید.
8) (8) فی أکثر النسخ: حفظتهم ولعل فی الأصل: وأحفظهم الصدوق.
الفقیه، وخریت هذه الصناعة ورئیس الأعاجم أبو جعفر الطوسی مودع
أحادیث المضایقة فی کتبه مفت بها. والمخالف إذا عرف باسمه ونسبه لا یضر
خلافه (1)(انتهی).
وهذه الاجماعات المحکیة - مع کون کل منها بمنزلة خبر صحیح عالی
السند - معتضدة بالشهرة المطلقة کما عن کشف الالتباس (2)خصوصا بین
القدماء کما عن الروض (3)وغیره (4)
391.
وعن التذکرة (5)والدروس (6)غیرهما (7)نسبته إلی الأکثر، وعن کشف الرموز (8)وغیره (9)نسبته إلی الثلاثة وأتباعهم.
والجواب: أن حکایة الاجماع - مع وجود القول بالخلاف ممن عرفت من
القدماء والمتأخرین - لا تنهض حجة إلا علی مدعیها، لو هن احتمال صدقة حینئذ
وقوة احتمال استناد قطعه إلی ما ینبغی أو یوجب القطع. أو احتمال إرادته من
الاجماع علی الحکم: الاجماع علی المبنی الذی یستنبط منه هذا الحکم بزعم
المدعی، کأن یکون دعوی السیدین الاجماع علی المضایقة باعتبار کون دلالة
الأمر علی الفور عندهم إجماعیا، أو باعتبار الاجماع علی العمل بأخبار وجوب
1) (1) غایة المراد: 15.
2) (2) راجع مفتاح الکرامة 3: 391.
3) (3) روض الجنان: 188.
4) (4) کتخلیص التلخیص، وغایة المراد، والفوائد الملیة. راجع غایة المراد: 15، ومفتاح الکرامة 3:
5) (5) التذکرة 1: 82،
6) (6) الدروس: 24.
7) (7) کجامع المقاصد، والعزیة، والهلالیة - کما فی مفتاح الکرامة 3: 391 -
8) (8) کشف الرموز 1: 207.
9) (9) کالمحقق فی المعتبر 2: 406، والفاضل المقداد فی التنقیح 1: 267.
قضاء المنسی إذا ذکرها، الدالة بزعمهم علی أن وقت الذکر متعین لوقت القضاء،
فلا یجوز التأخیر عنه، ولا یجوز فعل الحاضرة فیه، وقد اطلعنا علی موارد من هذا
القبیل إلا بتنصیص مدعی الاجماع، وإما بانفهام ذلک من مطاوی کلامه.
ومن الموارد التی علم استناد المدعی إلی ما لا ینبغی أن یوجب (1)القطع:
ما تقدم (2)من کلام الحلی - فی هذا المقام - من دعواه إجماع القمیین والأشعریین
علی الحکم لأجل مقدمتین: إحداهما: ذکر الثقات روایات المضایقة.
الثانیة: بناؤهم علی وجوب العمل بما یروونه من أخبار الثقات.
ویکفی فی رده - بعد النقض بأن الثقات رووا أخبار المواسعة أیضا، بل
ظاهر المحکی عن غایة المراد (3)أن هؤلاء المجمعین رووا أخبار المواسعة أیضا
الحل بما عن المفید: فی جوابه عمن سأله عن عمل من سد علیه طرق العلم
بالأخبار المسندة (4)فی کتب الصدوق - من (5)أنه إنما روی ما سمع ونقل ما حفظ
ولم یضمن العهدة فی ذلک، وأصحاب الحدیث ینقلون الغث والسمین، ولیسوا
بأصحاب نظر وتفتیش (6)(انتهی).
فی مقام الاستدلال لهذا القول: من
أن الفوائت تترتب، فتترتب علی الحاضرة (7).
وحکی فی توجیهه وجهان:
أحدهما: أن الفوائت تترتب فی القضاء، لترتب أزمنتها، وحیث تقدم أزمنتها
علی أزمنة الحاضرة فیتقدم (1)علیها أیضا.
ثانیهما: أن الحاضرة لو کانت فائتة وجب تأخیرها عما فاتت قبلها، فکذا
إذا کانت حاضرة.
وقد یرد الوجهان بأنه قد یکون لمساواتها فی الفوات وعدم مزیة بعضها
علی بعض من جهة الوقت مدخلیة فی وجوب الترتیب، ولذلک یجب الحاضرة عند
ضیقها، ثم یجب تأخیرها بعد فوتها المتأخر عن ضیقها، فلا یکون ترتب الأزمنة
فی الیومیة سببا مستقلا فی وجوب رعایة الترتیب مطلقا، ومجرد احتمال ذلک لا
یکفی فی الاستدلال.
أقول: لا ریب فی ضعف الوجهین لما ذکر ولغیره.
نعم یمکن توجیهه بأن المراد: أن الترتیب بین الفوائت یکشف عن أن
ذلک لأجل تقدم کل فریضة علی لاحقتها (2)قبل تحقق فوت تلک اللاحقة،
فحیث کانت اللاحقة حال حضور وقتها متأخرة عن الفائتة انسحب هذا
الاشتراط بعد فواتها، فمنشأ الترتیب بین الفوائت الترتیب بین الفائتة
والحاضرة. ولا ینافی ذلک تقدیم الحاضرة عند ضیق وقتها، لأنه تقدیم عارضی لما
هو مؤخر بالذات.
ویمکن الاستدلال لما ذکر بإطلاق أدلة وجوب قضاء ما فات (3)، فإنها
تدل بإطلاقها علی الاکتفاء بفعل الفائت، فلو اعتبر فی الفائتة اللاحقة تأخرها
عن السابقة کان ذلک تقییدا لتلک الاطلاق، بخلاف ما لو کان اعتبار تأخرها
لأجل اعتبار تأخرها (1)حین کونها حاضرة، فإنه لا یلزم من ذلک تقیید فی تلک
الاطلاقات، لأن فعل ما فات بجمیع شروطه وأجزائه المعتبرة قبل الفوات لا
یتحقق إلا بتأخیرها عن السابقة.
هذا ولکن یندفع بأن التقیید لازم، إما فی إطلاق الحاضرة فلا یحتاج إلی
تقیید إطلاق أدلة القضاء، إذ لم یعتبر فیها حینئذ أمر زائد علی ما اعتبر فیها
حال الأداء، وإما تقیید أدلة القضاء باشتراط تأخر لا حقها عن سابقها من غیر
اعتبار هذا الشرط فی القضاء.
وحیث لم یثبت التقیید فی أحدهما بالخصوص، وعلم من الخارج وجوب
الترتیب بین الفوائت بأنفسها اقتصر علیه، ویرجع فی حکم الحاضرة إلی
الأصول.
نعم لو ثبت وجوب تقدیم الفائتة علی الحاضرة أمکن الاستدلال فی مسألة
الترتیب بین الفوائت بأنفسها، بناء علی ما ذکر من دلالة أدلة وجوب قضاء ما
فات علی اعتبار جمع ما اعتبر فی الأداء فی القضاء.
هذا خلاصة الکلام فی أدلة القولین المشهورین: المواسعة المطلقة،
والمضایقة المطلقة.
وقد عرفت أن القول بالمواسعة وعدم وجوب الترتیب لا یخلو عن قوة،
خصوصا فیما زاد علی الفائتة الواحدة. إذ لم یکن فیما تقدم من أخبار المضایقة
ما یتضمن لزوم ترتیب الحاضرة علی الفائتة المتعددة، إلا ذیل صحیحة زرارة
الطویلة الآمرة بتقدیم المغرب والعشاء الفائتین علی الفجر.
1) (1) لیس فی غیر " د " لأجل اعتبار تأخرها.
أنه علی القول بعدم وجوب الترتیب، هل یستحب تقدیم الفائتة أو
تقدیم الحاضر؟ وجهان، بل قولان، والأقوی: التفصیل بین صورة ضیق (1)وقت
الفضیلة للحاضرة الذی قبل بکونه هو الوقت للمختار، فالمستحب حینئذ تقدیم
الحاضرة وبین غیرها. فیستحب تقدیم الفائتة.
أما استحباب تقدیم الحاضرة فی صورة ضیق وقت فضیلتها، فلعموم أدلة
تأکد (2)عدم تأخیر الحاضرة عن ذلک الوقت إلا من عذر أو علة، حتی قیل (3)
بتعینه للمختار من جهة ظاهر الروایات الدالة علی ذلک (4)وخصوص الصحیحة
الطویلة المتقدمة فی مسألة تقدیم المغرب الحاضرة علی العصر الفائتة (5)بعد حمل
ألقت فیها علی وقت الفضیلة، وکذا روایة صفوان - المتقدمة - فیمن نسی
الظهر إلی أن غربت الشمس وأنه یقدم الظهر إن لم یخف فوت المغرب (1)
(3) الوسائل 3: 208، الباب 62، من المواقیت، الوسائل 5: 350، الباب 2 من قضاء الصلوات.
وکذاروایة أبی بصیر المتقدمة فیمن نسی الظهر حتی دخل قت العصر (2)، فراجع
ولاحظ.
ولأجل هذه الأخبار الخاصة یحمل ما دل (3) بإطلاقه علی الأمر بتقدیم
الفائتة فی السعة، المحمول علی الاستحباب - بناء علی القول بالمواسعة - علی
إرادة سعة قت الفضیلة، دون مطلق الوقت، فلا یوجد فی المقام خبر یدل علی
الأمر بتقدیم الفائتة مع ضیق وقت الفضیلة.
ودعوی موافقته للاحتیاط، للخروج به عن خلاف من أوجب التقدیم.
معارضة بموافقة تقدیم الحاضرة فی هذه الاحتیاط، للخروج به عن خلاف من
جعل وقت الفضیلة وقتا اختیارا.
مع أن أهل المضایقة (2)قائلون بهذا القول کالشیخین (3)والعمانی (4)
والحلبی (5)فهم قائلون بوجوب تقدیم الحاضرة فی هذه الصورة: مضافا إلی ما
عرفت فی نقل الأقوال من ظهور عبارة بعض القدماء بوجوب تقدیم
الحاضرة (6).
وأما استحباب تقدیم الفائتة مع سعة وقت الفضیلة أو بعد فواته، فلما
تقدم من الأخبار التی استدل بها أهل المضایقة (7)من الأمر بتقدیم الفائتة، أو
العدول من الحاضرة إلیها، المحمول علی الاستحباب.
وأما ما تقدم فی بعض أخبار المواسعة من إطلاق تقدیم الحضارة (1)
فمحمول علی صورة ضیق وقت الفضیلة وخوف فواته.
ثم إنه لا ینافی ما ذکرنا - من استحباب تقدیم الفائتة - الأخبار الدالة
علی استحباب المبادرة أول ألقت. لأنها بین دالة علی استحباب إتیان الفریضة
فی الوقت الأول، وهذا یجامع تقدیم الفائتة، وبین دالة علی استحباب المبادرة فی
أول الوقت، الأول فالأول التی ینافی تقدیم الفائتة، إلا أنه لا بأس بالحکم
باستحباب الأمرین المتنافیین، فإن جل المستحبات کثیرا ما یتفق تنافیها.
ثم إن المحکی (2)عن الصدوق عن استحباب تقدیم الحاضرة بقول
مطلق (3)ینافی أخبار (4)العدول عنها إلی الفائتة، إذ الظاهر منها أن العدول راجح،
ومعناه رجحان تقدیم الفائتة، إلا أن یکون رجحانه مختصا بالتذکر فی الأثناء أو
یکون الأمر لمجرد بیان الجواز.
وکیف کان فلا بد من حمله علی التعبد لا لادراک رجحان تقدیم الفائتة،
وهو بعید.
وهذا مما یضعف القول باستحباب تقدیم الحاضرة مطلقا، فإن حمل الأمر
بتقدیم الفائتة علی مجرد بیان جواز الاشتغال بالقضاء فی وقت الفریضة دفعا
لتوهم عدم جوازه الناشئ عن بعض الأخبار المانعة للنافلة (5)
الباب 61 من أبواب المواقیت.
أو مطلقالصلاة (6)أو خصوص بعض الفرائض کالکسوفین فی وقت الیومیة (7)إلا أن حمل
1) (1) تقدمت فی الصفحة 310 و 350.
2) (2) حکاه الجواهر 13: 37.
3) (3) المقنع (الجوامع الفقهیة): 9.
4) (4) الوسائل 3: 211، الباب 63، من أبواب المواقیت.
5) (5) الوسائل 3: الباب 35، ومن أبواب صلاة الکسوف، الحدیث الأول وغیره 206،
6) (6) المستدرک: 3: 160، الحدیث 3265. والبحار 17: 127.
7) (7) الوسائل 5: 147، الباب 5.
أخبار العدول علی الجواز بعید جدا.
إذا قلنا بالفوریة والترتیب، فلا إشکال فی وجوب الاشتغال
بالحاضرة عند ضیق وقتها، وکذا بما هو ضروری التعیش.
والظاهر أنه لو کان للانسان ضروریات یمکن الاشتغال بها بعد
الحاضرة وقبلها لم یجب تأخیر الصلاة عنها، لأن تأخیرها إلی وقت ضیقها لیس
للتعبد، وإنما هو لئلا یزاحم الفائتة، والمفروض سقوط التکلیف بها حینئذ، لأن
ألقت بقدر الفعل الضروری والحاضرة، وکذا لو سقط عنه الفائتة بعذر آخر.
کما إذا بقی من وقت الظهر مقدار عشر رکعات وعلیه رباعیة، فإنه لو اشتغل
فها فات عنه رکعات من العصر.
نعم لو أخذ باطلاق قوله علیه السلام: " لا صلاة لمن علیه صلاة " (1)
127.
کانمقتضاه الاقتصار علی المتیقن من وقت الاشتغال.
أنه لا إشکال فی ترجیح الحاضرة علی الفائتة فی آخر وقتها
المضروب لأدائها بالذات أو بالعرض، کطرو حیض أو فقد طهور، وهل یرجح
علیها إذا ضاق وقت أصل الفعل بحیث إنه یظن أنه لا یتمکن منها أصلا ولو
قضاء کما إذا ظن دنو الوفاة أم لا؟ صرح بعض محققی من عاصرناهم بالترجیح،
وبأنه مما لا کلام فیه، فجعله کضیق قت الأداء.
وفیه نظر. لأن الحاضرة إنما رجحت علی الفائتة عند ضیق وقتها.
للنص (2)المعتضد بما علم من أهمیته الحاضرة بالنسبة إلی المبادرة إلی الواجبات
الأخر، تعین ترک المبادرة إلیها.
وأما ترجیح فعل الحاضرة علی أصل فعل الفائتة، بأن یدر الأمر بین
ترک الحاضرة أداء وقضاء، أو ترک الفائتة رأسا، فلم یعلم له وجه عدا إطلاق
النص (1)الدال علی أن الحاضرة أحق بوقتها، لکنه منصرف إلی صورة التمکن
بعد ذلک من القضاء.
وأما إذا علم أن عمره لا یفی إلا بفعل أحدهما، فدعوی دخوله فی
الاطلاق قابلة للمنع.
نعم لا یبعد أن یستفاد من الأدلة أهمیة فعل الفرائض فی وقتها من جمیع
ما عداها من حقوق الله، مع أن الاحتیاط یقتضیه، لدوران الأمر بین التعیین
والتخییر، إذ ینبغی القطع بعدم وجوب ترجیح الفائتة فی هذه الصورة.
صرح بعض بأنه لا کلام فی أن ضیق الفائتة - علی القول به -
لیس کتضیق الحاضرة فی وجوب الاقتصار علی أقل ما یحصل به الامتثال.
والتحقیق: أن أدلة فوریة القضاء إن استفید منها جوب الاشتغال
بالقضاء عن غیره فی مقابل الاشتغال بغیره عنه، فهو کما ذکر، فیجوز له الاتیان
فی الفائتة مطلقا بجمیع المستحبات الصلاتیة کالقنوت والأذان الإقامة وغیرها
مما یستحب فی أثناء الصلاة، أو فی أولها.
وإن استفید منها وجوب الاشتغال به مع التمکن - عقلا وشرعا - فیجوز
حینئذ الاتیان بجمیع المستحبات الصلاتیة إذا لم یجب بعد هذه الصلاة فائتة
أخری، وإلا یم یجز لتفویتها المبادرة إلی الاشتغال بالفائتة المتأخرة.
وإن استفید منها وجوب المبادرة إلی تحصیل المأمور به فی أول أوقات
إمکانه لم یجز الاشتغال بشئ من المستحبات، ووجب الاقتصار علی أقل
الواجب فی الفائتة مطلقا.
وحیث إن عمدة أدلة المضایقة عند أهلها دلالة الأمر علی الفور، فهو
1) (1) الوسائل 3: 208 الباب 62. الحدیث 1 و 2.
یقتضی الوجه الثالث، لأن فعل المستحبات والآداب فی الفائتة السابقة یوجب
التأخیر فی لا حقتها.
مضافا إلی أن مقتضی فوریة أصل الواجب: وجوب تحصیله فی أول
أوقات إمکان حصوله.
إلا أن یقال بعد ثبوت التخییر بین أفراد المأمور به (1)المختلفة فی الطول
والقصر، یکون المراد المسارعة إلی التلبس بالفعل من غیر التفات إلی زمان
الفراغ عنه، الذی هو زمان حصول المأمور به فی الخارج، کما إذا وجبت الکفارة
المخیرة بین الخصال فورا، فإن ذلک لا یوجب وجوب اختیار العتق علی صوم
شهرین إذا کان یحصل فی زمان أقل من الصوم.
وفیه: أنه مسلم إذا کان المأمور به هی الأمور المخیرة شرعا، أما إذا کان
التخییر عقلیا. فمنشأ حکم العقل به ملاظة کون کل من الأفراد مما یتحقق
به إتیان المأمور به علی الوجه الذی أمر به. فإذا لم یتحقق إتیانه علی النحو
الذی أرید فی ضمن بعض الأفراد، فلا یحکم العقل بجواز اختیار ذلک البعض،
ولذا لا یجوز إذا أمر المولی بإحضار شئ فورا الاشتغال بمقدمات الفرد الذی
لا یحصل إلا بعد زمان طویل، وکذا التلبس بفرد لا یحصل تمام وجوده فی الخارج
إلا بعد زمان طویل.
نعم لو قامت القرینة علی أن الفوریة راجعة إلی التلبس بالمأمور به - لا
إلی تحصیله فی الخارج - صح الاکتفاء بالمبادرة إلی التلبس وإن لم یفرغ إلا بعد
زمان یمکن الفراغ عن فرد آخر بأقل منه، لکنه خلاف ظاهر الصیغة المفیدة
للفور.
1) (1) فی " ع " و " ن " و ش " بین أفراد المأمور.
نعم لو ادعی ظهور هذا المعنی من الأخبار (1)
المواقیت، و 5: 347، الباب 1 و 2 من أبواب قضاء الصلوات.
الدالة علی وجوبالاشتغال بالفریضة الفائتة عند ذکرها. وأنه إذا دخل وقت الحاضرة ولم یتمها
فلیشتغل بها، بناء علی تمامیة دلالتها علی الفور لم یکن بعیدا. خصوصا بعد
ملاحظة تصریح الشارع بعدم سقوط الأذان والإقامة (2)
من أبواب قضاء الصلوات، الحدیث 4.
وعدم التعرض لوجوبالاقتصار علی أقل الواجب ردعا للقاضی عن اعتقاد اتحاد الأداء والقضاء حتی
فی الآداب الخارجة والمستحبات الداخلة، فافهم.
وأولی من ذلک لو کان المستند فی الفوریة الاجماع المحق أو المحکی
المنصرف إلی فوریة الاشتغال فإنه یسهل حینئذ دعوی عدم إخلال المستحبات
بالفوریة المنعقد علیها الاجماع، هذا کله بالنسبة إلی المستحبات.
وأما الأجزاء والشرط الاختیاریة فلیست منافیة للفریة حتی یجب
ترکها مراعاة للتعجیل، لأن الواجب الفعل بعد ملاحظة تقییده بها، فلا یجوز ترک
السورة - مثلا - مراعاة للفوریة کما تترک عند ضیق الوقت، وکذا تطهیر الثوب
والبدن، بل التطهیر بالماء، فلا یجوز التیمم کما یجوز عند ضیق الوقت، وهکذا.
هذا مع التمکن منها.
وأما لو لم یتمکن منها، فإن لم یرج التمکن، فلا إشکال فی وجوب
التعجیل. أما مع ظن التمکن فهل یراعی الفوریة فیجب البدار أو یراعی تلک الأجزاء والشروط فیجب الانتظار؟ وجهان. بل قولان:
من أن الفوریة لا صارف عنها، غایة الأمر عدم التمکن فی هذا الزمان
من تلک الأجزاء والشروط، فیسقط، لاطلاق ما دل علی سقوطها عند العجز
عنها (1)بل لو قیل بعدم فوریة القضاء کان مجرد الأمر کافیا فی صحة الفعل حین
تعذر الشروط، إذ لا صارف عنه بعد اختصاص أدلة اعتبار تلک الشروط بحال
التمکن، ولذا صرح فی نهایة الإحکام (2)، وکشف الالتباس (3)، والجعفریة (4)
115.
،وشرحها (5)، وإرشادها (6)مع قولهم بعدم فوریة القضاء - بجواز المبادرة حال
التعذر.
نعم عن الثلاثة الأخیرة: استثناء ما لو فقد الطهارة، فأوجبوا التأخیر
حینئذ، بل عن الأولین والأخیر عدم استحباب التأخیر لما فی المبادرة من
المسارعة إلی فعل الطاعة (7).
ومن أن الواجب هو الفعل المستجمع للأجزاء والشروط، والعجز المسقط
لاعتبار الأجزاء والشروط الاختیاریة هو العجز عن امتثال الأمر الکلی وعدم
التمکن رأسا من إتیانه بتلک الشروط، وهذا هو الذی یحکم العقل بخروجه عن
الخطاب بإتیان الفعل المستجمع، فیحکم بکفایة الفعل الفاقد للشرط المتعذر فی
حق هذا الفرد العاجز: وأما من یتمکن من الاتیان بالفعل المستجمع فی الزمان
المستقبل، فهو داخل تحت القادرین، لا دلیل علی کفایة الفعل الفاقد لبعض
الشرائط فی حقه، فیکون هذا الشخص - العاجز عن الشرط فی الحال القادر
علیه فی الاستقبال - عاجزا عن المأمور به فی الحال قادرا علیه فی الاستقبال
فیجب علیه ترقیب زمان القدرة علی المأمور به.
1) (1) راجع الوسائل 4: 732 الباب 1 و 2 من أبواب القراءة و 689، الباب 1 من أباب القیام.
2) (2) نهایة الإحکام 1: 327.
3) (3) راجع مفتاح الکرامة 3: 397، الجواهر 13: 115.
4) (4) رسائل المحقق الکرکی 1: 121 (الرسالة الجعفریة) ومفتاح الکرامة 3: 397 والجواهر 13:
5) (5) راجع مفتاح الکرامة 3: 397، الجواهر 13: 115.
6) (6) راجع مفتاح الکرامة 3: 397، الجواهر 13: 115.
7) (7) انظر مفتاح الکرامة 3: 397، الصفحة 327.
ودعوی أنه یستکشف من إطلاق، الأمر الشامل لهذا الشخص کونه
مکلفا بالفعل فی هذا الزمان، فیکشف عن سقوط الشرط بالنسبة إلیه.
مدفوعة بأن الأمر إذا تعلق بالفعل المستجمع للشرائط، فإطلاقه نافع
عند تمکن المکلف عن المأمور به، فإذا فرض عجزه فی زمان خرج عن الاطلاق.
نعم لو فرض دلیل دال - ولو بالاطلاق - علی أن مجرد العجز عن الشرط
التکلیف بالفعل فی ذلک الجزء من الزمان، فیأتی به بحسب الامکان، لکن هذا
لا ضابط له فقد یوجد فی بعض الشروط ولا یوجد فی الآخر، والکلام فی أن مجرد
العجز فی جزء ن الزمان یوجب سقوط اعتباره لیبقی إطلاق الأمر الشامل
لذلک الجزء سلیما عن التقیید بذلک الشرط.
أنه لو کان علیه فوائت ولم یتسع الوقت إلا لمقدار الحاضرة
بعض تلک الفوائت، فقد عرفت أن یجب تقدیم ذلک البعض علی الحاضرة عند
أهل المضایقة، بناء علی أن اشتراط الترتیب ینحل إلی شروط متعددة، عند تعدد
الفوائت، فالممکن منها لا یسقط بالمتعذر، لا أن الشرط تقدیم المجموع من حیث
المجموع حتی یسقط اعتباره عند تعذر الجمیع مع احتمال هذا أیضا وقد تقدم
ذلک فی الجواب عن دلیل العسر والحرج (1)وحینئذ فهل یجب تقدیم ما أمکن
تقدیمه وإن أفضی إلی اختلال الترتیب بین الفوائت، مثلا إذا کان علیه ظهر
وصبح وذکرهما فی وقت لا یسع إلا للحاضرة وصلاة الصبح، فهل یجب تقدیم
صلاة الصبح علی الظهر وإن لزم اختلال الترتیب بینهما وبین الظهر الفائتة، أو
یجب تقدیم الحاضرة، لیوقع الفوائت علی ترتیبها. فیدور الأمر بین إهمال
1) (1) تقدم فی الصفحة 327.
الترتیب بین الحاضرة وبین الفوائت، وبین إهمال الترتیب بین نفس الفوائت.
مقتضی القاعدة: الأول، لأن الترتیب إنما یعتبر بین الحاضرة وبین الفائتة
المستجمعة لجمیع شرائطها التی منها ترتبها علی سابقتها، فالمقدم علی الحاضرة
هی صلاة الصبح المتأخرة شرعا عن سابقتها، فافهم.
السادس: لو کانت الفائتة مرددة بین اثنین أو أزید بحیث یجب تکرارها
من باب المقدمة، ولم یتسع الوقت إلا للحاضرة وفعل بعضها، فهل یجب تقدیم
ما أمکن من المحتملات أم لا؟ وجهان، لا یخفی الترجیح بینهما علی الخبیر
بالقواعد.
هذا آخر ما تیسر تحریره علی وجه الاستعجال مع تشویش البال.
والحمد لله أولا وآخرا علی کل حال، والسلام علی محمد وآله خیر آل.
شمس الدین محمد بن علی بن إبراهیم بن الحسن بن إبراهیم بن أبی جمهور
الأحسائی.
هو من علماء الإمامیة فی القرن العاشر الهجری ومن معاصری المحقق الکرکی،
وتلامذة الشیخ زین الدین علی بن هلال الجزائری والحسن بن عبد الکریم الفتال.
من مؤلفاته: الأقطاب الفقهیة والوظائف الدینیة علی مذهب الإمامیة، والأنوار
المشهدیة فی شرح الرسالة البرمکیة فی فقه الصلاة الیومیة، والتحفة الحسینیة فی
شرح الألفیة، والمسالک الجامعیة وهو شرح آخر لألفیة الشهید وتحفة القاصدین ف
معرفة اصطلاح المحدثین، وعالی اللآلی، والمناظرات المجلی فی المنازل
العرفانیة وسیرها، فرغ من تألیفه سنة 895 ه.
توفی بعد سنة 901 ه.
راجع: ریحانة الأدب 6: 332 أعیان الشیعة 2: 263 وهدیة الأحباب: 53.
الشیخ جمال الدین أبو العباس أحمد بن شمس الدین محمد بن فهد الحلی
الأسدی.
وهو عالم فاضل ثقة صالح زاهد عابد ورع جلیل القدر. ولد سنة 757 ه.
روی عن الشیخ الأجل علی بن هلال الجزائری وهو یروی عن جماعة من أجلاء
تلامذة الشهید الأول وفخر المحققین کالفاضل المقداد الشیخ علی بن الخازن
الفقیه.
له من المؤلفات: المهذب البارع فی شرح المختصر النافع، وعدة الداعی،
والمقتصر، شرح علی إرشاد الأذهان، والموجز، وشرح الألفیة للشهید والمحرر
والتحصین، الدر الفرید فی التوحید. ورسالة فی معانی أفعال الصلاة وترجمة
أذکارها رسالة اللمعة الجلیة فی معرفة النیة، ورسالة نبذة الباغی فیما لا بد منه من
آداب الداعی، وهو تلخیص کتاب عدة الداعی، ورسالة مصباح المبتدی وهدایة
المقتدی، ورسائل أخری عدیدة.
توفی سنة 841 ه.
انظر البحار 1: 17 وریاض العلماء 1: 64، والمقابیس: 14 وروضات الجنات 1:
71 والمستدرک 3: 434 والکنی الألقاب 1: 380.
هو محمد بن أحمد بن إبراهیم بن سلیم أبو الفضل الجعفی الکوفی، المعروف
بالصابونی.
قال العلامة الطباطبائی رحمة الله علیه: إنه من قدماء أصحابنا وأعلام فقهائنا، من
أصحاب کتب الفتوی ومن کبار الطبقة السابعة ممن أدرک الغیبتین الصغری
والکبری، عالم. فاضل، فقیه، عالم بالسیر والأخبار النجوم.
یروی عن الشیخ والنجاشی بواسطتین وعن ابن قولویه بلا واسطة، وعده السید
ابن طاووس من أصحابنا العارفین بعلم النجوم.
له کتاب الفاخر، وفیه سبعة وستون کتابا یبدأ بکتاب التوحید والایمان ثم کتاب
مبتدأ الخلق ثم کتاب الطهارة، وینتهی بکتاب الأشربة وکتاب الخطب وکتاب تعبیر
الرؤیا.
راجع: رجال السید بحر العلوم 3: 199 - 205 هدیة الأحباب: 136 - 135 -
136 أعیان الشیعة 2: 399 مجمع الرجال 5: 125، رجال النجاشی 2: 287، معجم
رجال الحدیث 14: 311 - 312 ریاض العلماء 5: 490.
عبید الله بن علی بن أبی شعبة الحلبی الکوفی.
عده الشیخ الطوسی فی رجاله من أصحاب الإمام الصادق علیه السلام وإنما لقب
بالحلبی لأن متجره کان إلی حلب فغلب علیه هذا اللقب.
له کتاب یعتبر من الأصول، وهو أول ما صنفته الشیعة، وفی الفهرست: إن الکتاب
عرض علی الإمام الصادق فاستحسنه وقال: لیس لهؤلاء مثله.
وآل أبی شعبة بیت مذکور من أصحابنا وروی جدهم أبو شعبة عن الإمامین
الحسن الحسین علیهما السلام وکانوا جمیعا تقات مرجعا إلی ما یقولون وکان عبید الله
کبیرهم ووجههم.
راجع: رجال النجاشی: 230، والفهرست للشیخ الطوسی: 106، وتنقیح المقال
2: 240.
أبو زکریا نجیب الدین یحیی الأکبر بن الحسن بن سعید (الحلی).
کان من أکابر الفقهاء فی عصره، وقد نقل الشهید فی شرح الإرشاد [غایة المراد:
15] فی بحث قضاء الصلاة الفائتة عنه: القل بالتوسعة، قال: ومن المتأخرین
القائلین بالتوسعة...
والشیخ یحیی بن سعید جد الشیخین نجم الدین ونجیب الدین، نقله عنه ولده
یحیی فی مسألته فی هذا المقام.
وفی الأمل: کان عالما محققا وهو جد المحقق نجم الدین جعفر بن الحسن بن
یحیی یروی عنه ولده وعن ولده ولده.
راجع: أمل الآمل 2: 345 وریاض العلماء 5: 242 وأعیان الشیعة 1: 288.
سدید الدین محمود بن علی بن الحسن الحمصی الرازی.
قال فی أمل الآمل نقلا عن منتجب الدین: علامة زمانة فی الأصولین، ورع ثقة له
تصانیف... حضرت مجلس درسه سنتین وسمعت أکثر هذه الکتب بقراءة من قرأ
علیه.
وفی الریاض: وقد قرأ علیه الشیخ ورام بن أبی فراس، صاحب تنبیه الخاطر ونزهة
الناظر المعروف بمجموعة ورام.
من مؤلفاته: التعلیق الکبیر، التعلیق الصغیر، المنقذ من التقلید المرشد إلی
التوحید المسمی بالتعلیق العراقی. المصادر فی أصول الفقه التبیین والتنقیح فی
التحسین والتقبیح، بدایة الهدایة. نقض الموجز للنجیب أبی المکارم.
وأضاف فی الریاض: وله رسالة الجسد بعد الموت ثم رجوعها إما
للعذاب أو الثواب - نسبه إلیه بعض أصحابنا فی الرسالة الحشریة - ورسالة مشکاة
الیقین فی أصول الدین، رأیتها فی " بار فروش ده " لکن کتب علی ظهرها أنه من
تألیفات جمال الدین علی بن محمود الحمصی، ولعله ولده.
انظر: أمل الآمل 2: 316، وریاض العلماء 5: 202، ومستدرک الوسائل 3: 477
الکنی والألقاب 2: 192.
الشیخ الجلیل أبو یعلی حمزة بن عبد العزیز الدیلمی المعروف بسلار قدس الله روحه
ذکره العلامة فی الخلاصة فقال: شیخنا المقدم فی الفقه والأدب وغیرهما، کان
ثقة وجها، وهو من علماء حلب، ومن تلامذة المفید المرتضی ویروی عنه الشیخ
أبو علی الطبرسی.
له من المؤلفات: المقنع فی المذهب، والتقریب فی أصول الفقه، والمراسم فی
الفقه، والرد علی أبی الحسن البصری فی نقض الشافی، والتذکرة فی حقیقة الجوهر.
راجع: الخلاصة: 86، ورجال أبی داود: 104، رقم 711، والأمل 2: 124، رقم
350، 357 وریاض العلماء 2: 438 ومقابس الأنوار: 8 وأعیان الشیعة 7: 170.
والفائدة الثالثة من خاتمة مستدرک الوسائل 3: 496.
السید عبد الله بن السید نور الدین علی بن السید نعمة الله الجزائری الموسوی.
ولد فی 17 شبان سنة 1114 ه وکان من أجلاء الطائفة وعینها ووجهها وممن
اجتمع فیه جودة الفهم وحسن السلیقة وکثرة الاطلاق کما یظهر من مؤلفاته کشرح
النخبة المحسنیة المسماة بالتحفة السنیة، والذخیرة الباقیة، وشرح مفاتیح الأحکام،
والذخیرة الأحمدیة، وأجوبة مسائل السید علی النهاوندی، وذیل سلافة العصر،
والتذکرة.
مشایخه: ذکر فی أحواله أسماء جملة من مشایخه وأفاضل عصره مثل المرحوم
السید صدر الدین الرضوی القمی والسید نصر الله الحائری والمولی أبی الحسن
العاملی.
وفاته: توفی سنة 1173 ه.
راجع: معارف الرجال 2: 8 بالرقم 198 والذریعة 2: 442 بالرقم 1606 - والکنی
والألقاب 2: 332 والمقابس: 17 والمستدرک 3: 403 والفوائد الرضویة: 256
وروضات الجنات 4: 257 بالرقم 392.
السید عمید الدین عبد المطلب بن محمد بن علی الأعرجی الحسینی ابن أخت
العلامة الحلی المعروف بالسید العمیدی.
ولد فی لیلة النصف من شعبان سنة 681 قرأ علی خاله العلامة، وروی عنه روی
عن والده وعن جده السید فخر الدین علی، وکان من مشایخ الشهید الأول. ویروی
عنه جماعة: منهم السید حسن بن أیوب الشهیر بابن نجم. ومنهم ابن معیة.
له من المؤلفات: کنز الفوائد فی حل مشکلات القواعد، والشرح علی شرح
الیاقوت لابن نوبخت فی الکلام، وشرح علی مبادئ الأصل لخاله العلامة، وکتاب
تبصرة الطالبین فی شرح نهج المسترشدین.
توفی یوم الاثنین العاشر من شعبان سنة " 754 " ببغداد وحمل إلی المشهد الغروی
بعد أن صلی علیه بالحلة.
راجع البحار 1: 40 و 107: 194، 204، 109: 9 و 10 أمل الآمل 2: 64 وریاض
العلماء 3: 258 ولؤلؤة البحرین: 199، والمقابس: 13 وروضات الجنات 4: 264
وخامة المستدرک: 459، والکنی والألقاب 2: 487 والفوائد الرضویة: 257 وأعیان
الشیعة 8: 100 والحقائق الراهنة: 127.
السید نعمة الله بن عبد الله الحسینی الجزائری.
ولد بالصباغیة - قری من قری الجزائر من أعمال البصرة - سنة 1050 ه
وفی الأمل: فاضل عالم محقق علامة جلیل القدر مرس من المعاصرین تتلمذ
للشیخ حسین بن سبتی الحویزی والحکیم الصالح الشاه أبو الولی ابن الشاة تقی
الدین محمد الشیرازی، والفاضل الصدوق إبراهیم بن صدر الدین الشیرازی.
والمحدث الشیخ صالح بن عبد الکریم البحرینی والمیرزا رفیع الدین محمد النائینی.
والفقیه المحدث المولی محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواری ولمولی محمد باقر
المجلسی واختص بالأخیر.
مؤلفاته: عدله ست وعشرون کتابه. منها: شرح التهذیب، وشرح الاستبصار،
وشرح الصحیفة، وکتاب فی الحدیث اسمه الفوائد النعمانیة، وغرائب الأخبار ونوادر
الآثار، والأنوار النعمانیة، فی معرفة النشأة الانسانیة، وکتاب فی الفقه اسمه هدیة
المؤمنین وغیر ذلک.
توفی سنة 1112 ه ودفن فی " جایدر " من أعمال الفیلیة وله قبة هو مزور معمور.
راجع: أعیان الشیعة 10: 226 وأمل الآمل 2: 336 والذریعة 25: 314.
الشیخ جمال الدین المقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسین بن محمد السیوری
الحلی الأسدی.
و " سیور " قریة من توابع الحلة نواحیها.
کان رحمه الله عالما فاضلا متکلما محققا مدققا، روی عن الشهید محمد بن مکی
العاملی.
له من الکتب والمؤلفات شرح نهج المسترشدین فی أصول الدین وکنز العرفان
فی فقه القرآن، والتنقیح الرائع فی شرح مختصر الشرائع. وشرح الباب الحادی عشر،
وشرح الفصول للخواجة نصیر الدین، ورسالة فی وجوب مراعاة العدالة فی من یأخذ
حجة النیابة. ورسالة أربعین حدیثا، ورسالة فی آداب الحج، وتجوید البراعة فی
أصول البلاغة، وله فتاوی متفرقة.
توفی ضحی نهار الأحد السادس والعشرین من جمادی الآخرة سنة 826، ودفن
بمقابر النجف - کما فی هامش الروضات 7: 157.
راجع: مقدمة کنز العرفان ومقدمة التنقیح الرائع وریاض العلماء 5: 216 والکنی
والألقاب 3: 10 والبحار 1: 41 وتنقیح المقال 3: 245 والمستدرک 3: 431 و 435
ومقابس الأنوار: 14 والذریعة 4: 463 وروضات الجنات 7: 171.
الشیخ محمد بن الحسن بن زین الدین الشهید الثانی العاملی.
ولد قدس سره ضحی یوم الاثنین 10 شعبان سنة 980 ه
وکان اشتغاله أولا عند والده وصاحب المدارک، ولما انتقلا إلی رحمة الله، سافر إلی
مکة المشرفة، واجتمع فیها بالمیرزا محمد الاسترآبادی صاحب کتاب الرجال، فقرأ
علیه الحدیث ثم رجع إلی بلاده وبعد مدة قلیلة سافر إلی العراق، وبی مدة فی
کربلاء مشتغلا بالتدریس.
له کتب کثیرة منها: شرح الاستبصار، وحاشیة علی أصول معالم الدین لوالده.
وشرح اثنی عشریة والده، وغیر ذلک.
توفی بمکة المشرفة لیلة الاثنین 10 ذی القعدة سنة 1030 من الهجرة.
راجع: أمل الآمل 1: 138 وریاض العلماء 5: 58 وروضات الجنات 7: 39، رقم
597 ولؤلؤة صاحب الحدائق: 82 رقم 30 وأعیان الشیعة 9: 171 المستدرک 3:
386 - 390 - 410 - 412 - 321.
الأمیر الزاهد أبو الحسن ورام بن عیسی من أحفاد مالک الأشتر النخعی صاحب
أمیر المؤمنین علیه السلام وجد السید رضی الدین علی بن طاووس لأمه.
کان بالحلة، وقرأ علی الإمام سدید الدین محمود الحمصی.
یروی عنه الشیخ منتجب الدین ومحمد بن جعفر المشهدی صاحب المزار الکبیر
والسید ابن طاووس والشهید بواسطة محمد بن جعفر المشهدی.
له کتاب تنبیه الخاطر ونزهة الناظر المعروف بمجموعة ورام.
توفی سنة 605 هجریة.
راجع: بحار الأنوار 1: 117 و 105: 290 وروضات الجنات 8: 177 بالرقم 732
وجامع الرواة 2: 299 والمستدرک 3: 477 وتنقیح المقال 3: 278 بالرقم 12641
ولسان المیزان 6: 218 بالرقم 763
الشیخ أب علی الحسن بن طاهر الصوری.
قال فی الریاض: فاضل عالم فقیه، ذکره الشهید رحمه الله فی بحث قضاء الصلاة
الفائتة من شرح الإرشاد ونسب إلیه القول بالتوسعة فی القضاء بل نصل علی استحباب
تقدیم الحاضرة وقال: إنه قد رد علی الشیخ أبو الحسن علی بن منصور بن تقی
الحلبی... فعلی هذا یکون إما معاصرا للشیخ أبی الحسن سبط أبی الصلاح الحلبی
المذکور أو متقد ما علیه.
راجع: ریاض العلماء 1: 198 وأعیان الشیعة 5: 125.
الشیخ مفلح بن الحسن بن راشد - أو رشید - بن صلاح الصیمری البحرانی.
قال فی الأمل: فاضل علامة فقیه، ووصفه الشیخ سلیمان البحرانی.
قال فی الأمل: فاضل علامة فقیه. ووصفه الشیخ سلیمان البحرانی بالفقیه
العلامة.
من مؤلفاته: غایة المرام فی شرح شرائع الاسلام، وشرح الموجز لابن فهد الحلی
وهو المسمی بکشف الالتباس فی شرح موجز أبی العباس، ومختصر الصحاح
ومنتخب الخلاف أو تلخیص الخلاف، وله رسالة سماها جواهر الکلمات فی العقود
والایقاعات، قال فی الأمل وهی دالة علی علمه وفضله واحتیاطه.
وفی أعیان الشیعة 10: 133 توفی حدود سنة 900 ه وقبره فی سنهاباد من قری
البحرین،
راجع: روضات الجنات 7: 168 وأنوار البدرین: 14 وتنقیح المقال: 3: 244
والمقابس: 14 ومقدمة تلخیص الخلاف 1: 2 - 13.
الشیخ نصیر الدین عبد الله بن حمزة بن عبد الله بن جعفر بن حسن بن علی بن
النصیر الطوسی
قال فی الأمل: فاضل فقیه صالح له مؤلفات یرویها العلامة عن أبیه عن الحسین
بن رده عنه... وقال منتجب الدین: الشیخ الإمام نصیر الدین أبو طالب عبد الله
الطوسی الشارحی المشهدی فقیه ثقة وجه.
روی عن الشیخ أبی الفتوح الرازی، وروی عنه: الشیخ قطب الدین الکیدری
وکما الدین بهاء الاسلام المنتهی بن السید شهاب الدین محمد بن تاج الدین
الکبکی.
من مؤلفاته: کتاب الوافی بکلام المثبت والنافی، تاریخ کتابته 679 ه فی بعض
المواضع من نسخة: " کتاب الشافعی للمثبت والنافی " والواسطة بینهما. والظاهر أنه
متحد، وهو تحقیق فی مسألة مشهورة من الحکمة... ومن مؤلفاته إیجاز المطالب فی
ابراز المذاهب.
وفی الریاض: اعلم أن هذا الشیخ کثیرا ما یشتبه - لأجل الاشتراک فی اللقب -
بخواجه نصیر الدین الطوسی المشهور، وکذا یشتبه حاله بحال الشیخ نصیر الدین
علی بن حمزة بن الحسن الطوسی.
راجع ریاض العلماء 3: 214 - 216 والفهرست لمنتجب الدین: 86 ومستدرک
الوسائل 3: 472 وجامع الرواة 1: 527 (عبید الله بن حمزة).
الشیخ شمس الدین محمد بن شجاع الأنصاری الحلی القطان.
وهو شیخ فاضل محقق وقد تکرر ذکره فی الإجازات.
له کتاب معالم الدین فی فقه آل یاسین، وفی رجال بحر العلوم (3: 280):
وجدت فی ظهر نسخة لهذا الکتاب مقابلة من أوله إلی آخره مع النسخة التی قرأت
علی مصنفه وفیه خطه طاب ثراه وهو محمد بن شجاع الأنصاری الحلی ویظهر من
تتبع الکتاب فضیلة المصنف، وهو علی طریقة الفاضلین (العلامة والمحقق الحلیین)
فی أصول المسائل لکنه یغرب فی التفاریع والذی أری صحة النقل عنه.
ورد ذکره فی مقابس الأنوار: 14 ومستدرک الوسائل 3: 431 وریاض العلماء 5:
108 وتنقیح المقال 3: 131 وأمل الآمل 2: 275 برقم 811 ورجال السید بحر العلوم
3: 278.
قطب الدین أبو الحسین سعید بن عبد الله بن الحسین بن هبة الله بن الحسن
الراوندی.
قال فی الأعیان: فاضل عالم متبحر فقیه محدث متکلم بصیر بالأخبار، ویقال إنه
تلمیذ تلامذة الشیخ المفید، وأثنی علیه السید رضی الدین علی بن طاوس فی کشف
المحجة، ووصفه المجلسی فی البحار بالإمام.
مشایخه: فی الریاض: إن لو شیوخا عدیدة تقرب من عشرین، منهم الشیخ أبو
علی الفضل بن الحسن الطبرسی صاحب مجمع البیان، ووالد الخواجة نصیر الدین
الطوسی، والشیخ الإمام عماد الدین محمد بن أبی القاسم الطبری، والأدیب أبو عبد
الله الحسین المؤدب القمی وأبو السعادات هبة الله بن علی الشجری... وغیرهم.
تلامذته: روی عنه جماعة کثیرة جدا کما یظهر من الإجازات وغیرها، وفی
الروضات: له تلامیذ فضلاء یروون عنه، منهم ابن شهرآشوب والشریف عز الدین
أبو الحارث محمد بن الحسن العلوی البغدادی، وأحمد بن علی بن عبد الجبار
الطبرسی القاضی - الذی یروی عنه العلامة - بواسطة الحسین بن رده - وغیرهم.
مؤلفاته: ذکر بعض من ترجم له مؤلفاته بما یقرب من ست وخمسین مؤلفا، منها
شرح آیات الأحکام المعروف بفقه القرآن، والناسخ والمنسوخ من الآیات فی جمیع
القرآن، وتهافت الفلاسفة، والنیات فی جمیع العبادات والخرائج والجرائح، وعیون
المعجزات ومسألة فی من حضره الأداء وعلیه القضاء.
وفاته: توفی ضحوة الأربعاء 14 شوال سنة 573 ه ودفن فی مقبرة السیدة
المعصومة بقم، وقبره الآن فی الصحن الکبیر لمرقد السیدة بقم، قبال باب القبلة. راجع: مقدمة منهاج البراعة: 50: 65.
ومعالم العلماء: 55، وأمل الآمل 2: 125 وأعیان الشیعة 7: 239 و 260 والکنی
والألقاب: 3: 72.
الشیخ أبو عبد الله محمد جواد شمس الدین بن سعد الله بن العلامة الشیخ محمد
جواد بن الحاج علی الأسدی الکوفی الشاعر الکاظمی.
ولد فی الکاظمیة وارتحل إلی أصفهان واختص بالشیخ البهائی وصنف بأمره
کتاب غایة المأمول فی شرح زبدة الأصول، وشرح رسالة خلاصة الحساب، ومسالک
الأفهام فی شرح آیات الأحکام، وله شرح لکتاب الدروس والجعفریة.
وهو یروی عن أستاذه وشیخ قرائته الشیخ البهائی.
ویروی عنه جماعة منهم السید الفاضل محمود بن فتح الله الکاظمی.
توفی فی أواسط القرن الحادی عشر ودفن بأصفهان وقیل إنه نقل إلی الکاظمیة.
راجع: روضات الجنات 2: 215 الرقم 178، والکنی الألقاب 3: 9.
المحقق الشیخ أسد الله بن إسماعیل الدزفولی الکاظمی.
لد سنة 1185 وکان من مشاهیر العلماء المحققین ونابغة أهل عصره المجتهدین
فقیه الإمامیة والمرجع العام للأحکام والفتیا بعد وفاة أستاذه وأبی زوجته الشیخ
جعفر کاشف الغطاء.
أساتذته: حضر علی الوحید البهبهانی وصاحب الریاض والمیرزا مهدی الشهر
ستانی فی کربلاء وعلی الشیخ جعفر کاشف الغطاء فی النجف وأجازه جمیع أساتذته
بإجازة اجتهاد وروایة.
تلامذته: تتلمذ له الأکابر کالشیخ موسی کاشف الغطاء أخیه الشیخ علی والسید
عبد الله شبر وغیرهم.
مؤلفاته: مقابس الأنوار ونفائس الأسرار فی أحکام النبی والمختار وعترته الأطهار
ومنهج التحقیق فی التوسعة والتضییق، وکشف القناع فی حجیة الاجماع، واللؤلؤ
المسجور فی لفظ الطهور، ومناهج الأعمال، ورسائل فی: الأدعیة، وتکلیف الکفار
بالفروع، وفی قاعدة من ملک. وفی الظن الطریقی، وحاشیة علی بغیة الطالب، ونظم
" زبدة الأصول " وحاشیة علی کتاب الروضة.
فاته: توفی سنة 1234 ه وفن فی النجف فی مقبرته المجاورة لمقبرة أستاذه
کاشف الغطاء وأولاده وأحفاده الیوم فی الکاظمیة والنجف یعرفون ببیت أسد الله.
راجع: معارف الرجال 1: 93 - 94.
الشیخ عبد العالی بن الشیخ نور الدین علی بن عبد العالی العاملی الکرکی.
ولد لیلة الجمعة 19 ذی القعدة سنة 936 ه.
کان فاضلا فقیها. محققا، محدثا، متکلما، عابدا، من المشایخ الأجلاء روی عن
أبیه وغیره من المعاصرین له. له رسالة لطیفة فی القبلة عموما، وفی قبلة خراسان
خصوصا.
ذکره التفریشی فی نقد الرجال: 188 - 189 وقال: جلیل القدر عظیم المنزلة رفیع
الشأن، نقی الکلام، کثیر الحفظ، کان من تلامذة أبیه، تشرفت بخدمته.
له من الکتب سوی ما ذکر: شرح الألفیة. وشرح الإرشاد، وله مناظرات فی الإمامة
وغیرها مع ال " میرزا مخدوم " صاحب نواقض الروافض.
توفی سنة 993 بأصفهان، ودفن فی الزاویة المنسوبة إلی سید الساجدین وبعد
ثلاثین سنة تقریبا نقل هو والشیخ الفقیه علی بن هلال الکرکی إلی المشهد المقدس
الرضوی.
راجع: ریاض العلماء 3: 131 ومستدرک الوسائل 3: 425 والکنی والألقاب 3:
أبو عبد الله الحسین بن عبید الله بن علی الواسطی.
قال فیه السید الأمین: نقلا عن الریاض: فاضل عالم فقیه معروف، وقال بعض
العلماء بعد نقل اسمه: إن له تصانیف، قد قرأ علی الشیوخ المعتمدة ومات قبل سنة
420 وهو بعینه الحسین بن عبید الله الواسطی الذی کان أستاذه القاضی أبی الفتح
الکراجکی وفی لسان المیزان (2: 298 الرقم 1232): من رؤوس الشیعة یشارک
المفید فی شیوخه ومات قبل العشرین وأربع مائة. یروی عن أبی محمد هارون بن
موسی.
مؤلفاته: النقض علی من أظهر الخلاف لأهل بیت النبی صلی الله علیه وآله ومؤلفات
أخری کثیرة.
راجع: أعیان الشیعة 6: 88 وریاض العلماء 2: 136 ریحانة الأدب 6: 288.
الشیخ عز الدین الحسین بن عبد الصمد بن محمد الحارثی الهمدانی العاملی
الجبعی.
ولد أول محرم سنة 918 - کما فی هامش تنقیح المقال: 332 - کان عالما، ماهرا،
محققا، مدققا، متبحرا، جامعا، أدیبا شاعرا، من فضلاء تلامذة الشهید الثانی.
له من المؤلفات: کتاب الأربعین حدیثا ورسالة فی الرد علی أهل الوسواس سماها
العقد الحسینی، وحاشیة الإرشاد ورسالة الحلیة، وما اتفق فی سفره، ودیوان شعر،
ورسالة سماها: تحفة أهل الایمان فی قبلة عراق العجم وخراسان، وله رسائل أخر.
سافر إلی خراسان وأقام بهرات، وکان شیخ الاسلام بها ثم انتقل إلی البحرین
حیث أدرکه المنون فی سنة 984 وقیل 998 ه ودفن هناک ورثاه ولده الشیخ البهائی
بقوله:
أقمت یا بحر بالبحرین فاجتمعت ثلاثة کن أمثالا وأشباها
راجع تنقیح المقال: 1: 332، ومقدمة نور الحقیقة ونور الحدیقة.